Al Lubab fi Ulum Al Kitab — إبراهيم 14:45 – الحجر 15:16
المحتويات
إبراهيم 14:45
قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ لما بين دلائل التَّوحيد ثمَّ حكاى عن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنه طلب من الله العظيم أن يصونه عن الشرك، وأن يوفقه للأعمال الصَّالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة، ذكر بعده ما يدل على وجود القيامة، فهو قوله عزَّ وجلَّ ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ وذلك تنبيه على أنَّه تبارك وتعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظَّالم للزم إمَّا أن يكون غافلاً عن ذلك الظَّالم، أو عاجزاً عن الانتقام، أو كان راضياً بذلك الظُّلم ولما كانت الغفلة، والعجز، والرِّضا بالظُّلم محالاً على الله امتنع أن لاينتقم من الظَّالم للمظلوم.
فإن قيل: كيف يليقُ بالرَّسُول صلوات الله وسلامه عليه أن يحسب الله عزَّ وجلَّ موصوفاً بالغفلةِ؟ .
فالجواب من وجوه:
الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب إن كان غافلاً، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: 14] ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [القصص: 88] .
والثاني: المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظالم، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً للك أحد لا جرم كان عدمُ الانتقام محالاً.
الثالث: أنَّ المراد: ولا تحسبنه يعاملهم الله معاملة الغافل عمَّا يعملون، ولكن معالمة الرَّقيب عليهم المحاسب على النقير، والقطمير.
الرابع: أنَّ هذا الخطاب، وإن كان خطاباً للنبِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الظاهر إلا أنه خطاب مع الأمَّة.
قال سفيان بن عيينة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هذا تسلية للمظلوم، وتهديد للظَّالم.
قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: لأجل يوم، فاللام للعلَّة.
وقيل: بمعنى «إلى» أي: للغاية.
وقرأ العامة «يُؤخِّرهُمْ» بالياء، لتقدم اسم الله تعالى. وقرأ الحسن والسلمي، والأعرج، [وخلائق] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «نُؤخِّرهُم» بنون العظمة.
ويروى عن أبي عمرو «نُؤخِّرُهمْ» بنون العظمة.
و «تَشْخَصُ» صفلة ل «يَوْمِ» . ومعنى شُخُوصِ البصرِ حدَّةُ النَّظر، وعدم استقراره في مكانه، ويقال: شَخَصَ سَمْعُه، وبَصَرُه، وأشْخَصَهُمَا صَاحِبهُما، وشَخَصَ بَصَره، أي: لم يطرف جفنهُ، وشخوص البصر يدلُّ على الحيرة والدهشة، ويقال: شخص من بلده أي: بعد والشخصُ: سواد الإنسان المرئيّ من بعيد.
قوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ حالان من المضاف المحذوف إذا التقدير: أصحاب الأبصار، إذا يقال: شَخَسَ زَيْدٌ بصرهُ، أو تكون الأبصار دلَّت على أربابها فجاءت الحال من المدلول عليه، قالهما أبو البقاءِ.
وقيل: «مُهْطِعين» منصوب بفعل مقدر، أي: تبصرهم مهطعين، ويجوز في «مُقْنِعِي» أن يكون حالاً من الضمير في: «مُهْطِعِينَ» فيكون حالاً، وإضافة: «مُقْنِعِي» غير حقيقة؛ فلذلك وقع حالاً.
والإهْطَاعُ: قيل: الإسرْاعُ في المشيِ؛ قال: [البسيط] 3235 - إذَا دَعانَا فأهْطَعْنَا لِدَعْوتهِ ... دَاعٍ سَمِيعٌ فَلفُّونَا وسَاقُونَا
وقال: [الكامل]
3236 - وبِمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنَّ عِنانَهُ ... فِي رَأْسِ جِذْعٍ ... ... ... ... ... ... ...
وقال أبو عبيدة: قد يكون الإسراع [مع] إدامة النَّظر.
وقال الراغب: «هَطَعَ» الرَّجلُ بِبصَرهِ إذَا صَوَّبهُ، وبَعِيرٌ مُهْطِعٌ إذا صوَّب عُنُقهُ» .
وقال الأخفش: هُو الإقْبَالُ على الإصغاءِ، وأنشد: [الوافر]
3237 - بِدجْلةَ دَراهُم ولقَدْ أرَاهُمْ ... بِدجْلةَ مُهْطِعينَ إلى السَّماعِ
والمعنى: مُقبلينَ برءوسهم إلى سماعِ الدَّاعِي.
وقال ثعلبٌ: «هَطَعَ الرَّجلُ إذا نظرَ بذُلِّ وخُشوعٍ لا يقلع بِبصَره إلى السماء» . وهذا موافقٌ لقول أبي عبيدة؛ فقد سمع فيه: «أهْطََعَ وهَطَعَ» رباعيًّا وثلاثيًّا.
والإقناعُ: رفع الرَّأسِ، وإدامة النَّظر من غير التفات إلى شغيره، قاله القتبيُّ، وابنُ عرفة.
ومنه قوله يصف إبلاً ترعى أعالي الشَّجر؛ فترفع رءوسها: [الوافر]
3238 - يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بِمُقنَعَاتٍ ... نَواجِذُهُنَّ كالحِدَإ الوَقِيعِ
ويقال: أقْنَعَ رأسه، أي: طأطأها، ونكَّسها فهو من الأضداد، والقَناعةُ: الاجتزاءُ باليسيرِ، ومعنى قَنَعَ عن كذا: أي: رفع رأسه عن السؤال. وفَمٌ مُقَنَّعٌ: معطوف الأسنان إليه داخلة، ورجُلٌّ مُقنَّعٌ بالتشديد، ويقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً، وقَنَعاً، إذا رَضِيَ، وقنع قُنُوعاً، إذا سَألَ، [فوقع] الفرق بالمصدر.
وقال الراغب: قال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناعِ، وهو ما يُغطِّي الرَّأس والقَانِعُ: من يَلِجُّ في السؤال فيرضى بِما يَأتيهِ، كقوله: [الوافر]
3239 - لَمَالُ المَرْءِ يًصْلِحُه فيُغْنِي ... مَفَاقِرهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ
ورجل مقنَّعٌ: تَقنَّعَ بِهِ؛ قال: [الطويل]
3240 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... شُهُودِي على ليْلَى عُدولٌ مَقانِعُ
ومنى الآية: أنَّ المعتاد فيمن شاهد البلاء أنَّه يطرق رأسه عنه لئلا يراه، فبين تعالى أنَّ حالهم بخلاف هذا المعتاد، وأنهم يرفعون رءوسهم.
والرُّءُوسُ: جمعُ رأسِ، وهو مؤنَّثٌ، ويُجمع في القلَّةِ على أرؤس، وفي الكثرة على» رُءُوس «والأرَاسُ: العظيم الرأس، ويعبر به عن الرَّجل العظيم كالوجه، والرِّسُّ مشتقًّ من ذلك ورِيَاسُ السَّيف مقبضه، وشاةٌ رَأْسَى: أسودَّتْ رأسَها.
قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ في محل نصب على الحال من الضمير في:» مُقْنِعِي» ويجوزو أن يكون بدلاً من: «مُقْنِعِي» ، كذا قاله أبو البقاء، يعني أنه يحل محله، ويجوز أن يكون استئنافاً، والطرف في الأصل مصدر، وأطلق على الفاعل، كقولهم: «مَا فِيهِمْ عينٌ تَطْرف» ، الطَّرفُ هنا: العَيْنُ قال الشاعر: [الكامل]
3241 - وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدتْ لِي جَارتِي ... حتَّى يُوارِي جَارتِي مَاوَاهَا
والطَّرفُ: الجِفْنُ أيضاً، يقال: ما طبق طرفهُ، أي: حفنهُ على الآخر، الطَّرفُ أيضاً: تحركُ الجِفْنِ.
ومعنى الآية: دوام ذلك الشُّخوصِ.
قوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ » يجوز أن يكون استئنافاً، وأن يكون حالاً، والعامل فيه إمَّا «يَرتَدُّ» وإمَّا ما قبله من العوامل، وأفرد: «هَواءٌ» ، وإن كان خبراً عن جمع؛ لأنَّه في معنى فارغة متجوفة، ولو لم يقصد ذلك لقال: أهوية ليطابق الخبر مبتدأه» .
والهَواءُ: الخَالِي من الأجسامِ ويُعبَّرُ به عن الجُبْنِ، يقال: جوفهُ هواء، أي: فارغ؛ قال زهيرٌ: [الوافر] 3242 - كَانَّ الرَّجلَ مِنْهَا فوقَ صَعْل ... مِنَ الظِّلمانِ جُؤجؤهُ هَواءُ
وقال حسَّان بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
3243 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فانْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَواءُ
النَّخْبُ: الذي أخذت نخبته أي: خِيارهُ، ويقال: قلب فلانٍ هواء: إذا كان جَباناً للقوة في قلبه.
والمعنى: أنَّ قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جمع الخواطر، والأفكار لعظم ما نالهم من الحيرة لما تحقَّقوهُ من العذاب، وخيالة من كلِّ سرور لكثرة ما هم فيه من الحزِنِ.
قوله: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ قال أبو البقاء: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ معفول ثان ل: «أنْذر» ، أي: خوفهم عذاب يوم، وكذا قاله الزمخشريُّ.
وفيه نظرٌ، إذ يؤول إلى قولك: أنذرهم عذاب يوم يأتيهم العذاب، ولا حاجة إلى ذلك، ولا جائز أن يكون ظرفاً؛ لأنَّ ذلك اليوم لا إنذار فيه سواء قيل: إنه يوم القيامة، أو يوم هلاكهم، أو يوم تلقاهم الملائكةُ.
والألف واللام في: «العَذابُ» للمعهود السَّابق، أي: وأنذرهم يوم يأتيهم العذاب الذي تقدَّم ذكره، وهو شخوصُ الأبصار، وكونهم مهطعين مقنعي رءوسهم.
فصل
حمل أبو مسلم قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ على أنه حال المعاينة، لأنَّ هذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولاا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ [المنافقون: 10] ، وظاهر الآية يشهد بخلافه؛ لأنه تعالى وصف اليوم بأن العذاب يأتيهم فيه، وأنهم يسألون الرجعة، ويقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ ؟ ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة.
ثمَّ حكى تعالى عنهم ما يقولون في ذلك اليوم: ﴿فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال بعضهم: طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرَّطوا فيه.
وقيل: طلبوا الرُّجوع إلى حال التَّكليف لقولهم: ﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾ ، فقوله: «نُجِبْ» جواب الأمرِ.
قوله: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ قال الزمشخري: «على إرادة القول وفيه وجهان: أن تقولوا ذلك أشراً وبطراً، أو تقولوه بلسان الحال حيث بنوة شديداً، وأملوا بعيداً» .
و «مَا لكُمْ» جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب لقوله: «أقْسَمْتُمْ» ، ولو جاء بلفظ المقسمين لقيل: «مَا لنَا» .
وقدَّر أبو حيَّان ذلك القول هنا من قول الله عزَّ وجلَّ أو الملائكة عليهم السلام أي: فيقال لهم: «أو لم تكونوا» ، وهوأظهر من الأول، أعني؟ : جريان القول من غيرهم لا منهم، والمعنى: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ أراد قوله:
﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: 109] إلى غير ذلك ممَّا كانوا ينكرونه.
قوله: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ وأصل «سَكَنَ» التَّعدي ب «في» كما في هذه الآية، وقد يتعدى بنفسه.
قال الزمخشريُّ: «السكنى من السكونِ الذي هو اللَّبثُ، من الأصل تعديه ب» في «كقولك: قرَّ في الدَّارِ وأقام فيِهَا، ولكنَّه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه، فقيل: سكن الدَّار كما قيل: تَبَوَّأها، وأوطنَها، ويجوز أن يكون من السُّكونِ، أي: قرُّوا فيها واطمأنُوا» .
والمعنى: وسكنتم في مساكن الذين كفورا قبلكم كقوم نوح، وعادٍ، وثمود و: ﴿ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ بالكفر؛ لأن من شاهد هذه الحال؛ وجب عليه أنّ يعتبر، وإذا لم يعتبر يستوجب الذَّم والتقريع.
قوله: «وتَبيَّنَ لَكُمْ» فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه، أي حالهم وخبرهم وهلاكهم، و «كَيْفَ» نصب ب «فَعلْنَا» وحملة الاستفهام ليست معمولة ل «تَبيَّنَ؛ لأنه من الأفعال التي لا تعلق، ولا جائز أن يكون:» كَيْفَ» فاعلاً؛ لأنَّها إمَّا شرطية، أو استفهامية وكلاهما لايعمل فيه ما تقدمه، والفاعل لا يتقدَّم عندنا.
وقال بعض الكوفيين: إنَّ جملة: «كَيْفَ فَعلْنَا» هو الفاعل، وهم يجيزون أن تكون الجملة فاعلاً، وقد تقدَّم هذا في قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: 35] .
والعامة على» تَبيَّنَ «فعلاً ماضياً، وقرأ عمر بن الخطاب، والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما في رواية عنهما: «ونُبيِّنُ» بضمِّ النون الأولى والثانية، مضارع: «بيَّن» ، وهو خبر مبتدأ مضمر، والجملة حالٌ، أي: ونحن نبين.
وقرأ السلمي فيما نقل المهدويُّ كذلك إلا أنه سكن النون للجزم نسقاً على» تَكُونُوا «فيكون داخلاً في حيز التقدير.
فصل
والمعنى: عرفتم عقوبتنا إياهم، وضربنا لكم الأمثال في القرآن ممَّا يعلم به أنَّه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التَّعذيب المؤجَّل كما يفعل الهلاك المعجَّل.
قوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ قيل: الضمير عائدٌ إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم.
وقيل: أراد قوم محمد صلى الله عليه سلم لقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ يا محمد، وقد مكروا قومك مكرهم وذلك في قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30] .
وقيل: المراد من هذا المكر ما نقل: أن نمروذاً حاول الصُّعود إلى السماءِ، فاتَّخذ لنفسه تابوتاً، وربط قوائمه الأربعة بأربعة نسورٍ، وكان قد جوَّعها، وجعل لها في جوانب التابوت الأربعة عصياً، وعلم عليها اللحم، ثم جلس مع صاحب له في التابوت، فلمَّا أبصرت النسور اللحم تصاعدت في الجو ثلاثة أيام، وغابت الدنيا عن عين نمروذ، ثمَّ نكَّس العصيّ التي كان عليها اللحم فهبطت النُّسور إلى الأرض.
قال القاضي رَحِمَهُ اللَّهُ:» وهذا بعيد جدًّا؛ لأنَّ الخطر فيه عظيم، ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء فيه خبر، ولا دليل» .
قال القشيري: وهذا جائزٌ بتقدير خلق الحياةِ في الحبالِ، وذكر الماورديُّ عن بان عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أنَّ النمرود بن كعنان بنى الصَّرح في قرية الرسِّ من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع، وخمسة وعشرين ذراعاً، وصعد فيه مع النُّّسور، فلمَّا علم أنه ليس له سبيل إلى السماء اتَّخذ حصناً، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصَّرح علهيم، فهلكوا جميعاً فهذا معنى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ .
قوله: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ يجوز أن يكون هذا المصدر مضافاً لفاعله كالأول بمعنى أنَّ مكرهم الذي مكروه جزاؤه عند الله، أو للمفعول، بمعنى أن عند الله مكرهم الذي يمكرهم به، أي: يعذبهم قالمها الزمخشريُّ.
قال أبو حيان: «وهذا لايصحُّ إلاَّ إن كان» مَكَرَ «يتعدى بنفسه كما قال هو إذ قد يمكرهم به، والمحفوظ أن» مَكَرَ «لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به بنفسه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: 30] وتقول: زيدٌ ممكور به، ولا يحفظ: زيدٌ ممكورٌ بسبب كذا.
قوله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ قرأ العامة بكسر لام» لِتَزولَ «الأولى، والكسائي بفتحها.
فأما القراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّها نافيةٌ، واللام بعدها لام الجحودِ؛ لأنَّها بعد كونٍ منفيّ، وفي» كَانَ «حينئذ قولان:
أحدهما: أنَّها تامَّة، والمعنى؛ تحقير مكرهم، أنَّه ما كان لتزول منه الشَّرائع التي كالجبال في ثبوتها وقوَّتها.
ويؤيد كونها نافية قراءة عبد الله: (وما كان مَكْرُهُمْ) .
القول الثاني: أنَّها ناقصةٌ، وفي خبرها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين، هل هو محذوف، واللام متعلقة به؟ وإليه ذهب البصريون، أو هو اللام، وما جرته كما [هو مذهب] الكوفيين؟ وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران.
الوجه الثاني: أن تكون المخففة من الثقيلة.
قال الزمخشري:» وإن عظم مركهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلاً لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم معدًّا لذلك» .
وقال ابن عطية: «ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة: تعظيم مكرهم، أي: وإن كان شديداً إنما يفعل ليذهب به عظام الامور» ، فمهوم هذين الكلامين أنها مخففةٌ؛ لأنَّه إثبات.
والثالث: أنها شرطيةٌ، وجوابها محذوفٌ، أي: وإن كان مكرهم مقدراً لإزالةِ أشباه الجبال الرَّواسي، وهي المعجزات، والآيات، فالله مجازيهم بمكرهم، وأعظم منه.
وقد رجِّح الوجهان الأخيران على الأوَّل، وهو: أنها نافية؛ لأنَّ فيه معارضة لقراءة الكاسئي في ذلك؛ لأنَّ قراءته تؤذن بالإثبات، وقراءة غيره تؤذن بالنَّفي.
وقد أجاب بعضهم عن ذلك: بأنَّ الجبال في قراءة الكسائي مشار بها إلى أمور عظام غير الإسلام، ومعجزاته لمكرهم صلاحية إزالتها، وفي قراءة الجماعة مشار لها إلى ما جاء به النبيُّ المختار صلوات الله وسلامه عليه من الدين الحق، فلا تعارض إذ لم يتوارد على معنى واحد نفياً، وإثباتاً.
وأمَّا قراءة الكسائيِّ ففي: «إنْ» وجهان:
مذهبُ البصريين أنََّها المخففة واللام فارقة، ومذهب الكوفيين أنَّها نافية، واللام بمعنى: «إلاَّ» وقد تقدَّم تحقيق المذهبين.
وقرأ عمر، وعلي، وعبد الله، وزيد بن علي، وأبو سلمة وجماعة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم (وإن كاد مكرهم لتزول) كقراءة الكسائي، إلاََّ أنهم جعلوا مكان نون: «كَانَ» دالاً، فعل مقاربة، وتخريجها كما تقدَّم، ولكن الزوال غير واقع.
وقرىءك «لَتَزُولَ» بفتح اللامين، وتخريجها على إشاكالها أنها جاءت على لغة من لا يفتح لام كي.
فصل
في الجبال التي عني زوالها بمكرهم وجهان:
أحدهما: جبال الأرض.
الثاني: الإسلامُ، والقرآن؛ لأنَّ ثبوته، ورسوخه كالجبالِ.
وقال االقشيريُّ: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ أي: هو عالم بذلك فيجازيهم، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ لما بين في الآية الأولى أنه ينتصر للمظلوم من الظَّالم بين هاهنا أنه لا يخلف الوعد.
قوله: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾ العامة على إضافة: «مخْلِفَ» إلى «وعْدِهِ» وفيها وجهان:
أظهرهما: أن «مُخْلفَ» يتعدَّى لاثنين كفعله، فقدم المفعول الثاني، وأضيف إليه إسم الفاعل تخفيفاً، نحو: هذا كَاسِي جُبَّةِ زيْدٍ.
قال الفراء وقطرب: لما تعدَّى إليهما جميعاً، لم يبالِ بالتقديم والتأخير.
وقال الزمخشري: فإن قلت: هلاَّ قيل: مُخْلف رسله وعده؟ ولم قدَّم المفعول الثاني على الأول؟ .
قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد، ثم قال: «رُسلهُ» ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، كيف يخلف رسله؟ .
وقال أبو البقاء: هو قريبُ من قولهم: [الرجز]
3244 - يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدَّارِ ... وأنشد بعضهم نظير الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل]
3245 - تَرَى الثَّورَ فِيهَا مُدخِلَ الظلِّ رَأسَهُ ... وسَائرِهُ بَاردٍ إلى الشَّمْسِ أجْمعُ
والحسبان هنا: الأمر [المتيقن] ، كقوله: [الطويل]
3246 - فَلا تَحْسَبنْ أنِّي أضلُّ مَنيَّتِي ... وكُلُّ امرىءٍ كَأسَ الحِمام: ِ يَذُوقُ
الثاني: أنه متعد لواحد، وهو «وعْدهِ» ، وأمَّا «رُسلهُ» فمنصوب بالمصدر فإنَّه ينحلْ بحرف مصدريّ، وفعل تقديره: مخلف ما وعد رسله، ف «ما» مصدريَّة لا بمعنى الذي؟
وقرأت جماعة: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ بنصب: «وَعْدهُ» وجر: رسُلهِ «فصلاً بالمفعول بين المتضايفين، هي كقراءة ابن عامرٍ: ﴿قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُكرائِهِمْ) . قال الزمخشري مجرأة منه:» وهذه في الضعف [كقراءة] (قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُركائِهِمْ) . ثم قال: {إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾ غالب لأهل المكر، ذو انتقام لأوليائه منهم.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ [لما بين أنه عزيز ذو انتقام، بين وقت انتقامه، فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ ] ويجوز في «يَوْمَ» عدة أوجه:
أحدها: أن ينتصب منصوباً ب» انتقام «أي: يقع انتقامه في ذلك اليوم.
الثاني: أن ينتصب ب» اذكُر» .
الثالث: ِأن ينتصب بما يتلخص من معنى عزيز ذو انتقام.
الرابع: أن يكون بدلاً من: «يَوْمَ يَأتِيهِمْ» .
الخامس: أن ينتصب ب: «مُخْلِفَ» .
السادس: أن ينتصب ب «وَعْدِهِ» ، و «إنَّ» وما بعدها اعتراض.
ومنع أبو البقاء هذه الآخرين، قال: «لأن ما قبل» إنَّ «لا يعمل فيما بعدها» .
وهذا غير مانع؛ لأنه كما تقدَّم اعتراض، فلا يبالى به فاصلاً.
فصل
التَّبديلُ يحتمل وجهين:
الأول: أن تكون الذَّات باقية، وتبدل الصفة بصفة أخرى، كما تقول: بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، منه قوله تعالى: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] ، ويقال: بدلَّلتُ قَمِيصِي جُبَّة، إذا قلبت عَيْنَهُ فجعلتهُ جُبَّةٌ، وقال الشاعر: [الطويل]
3247 - فَمَا النَّاسُ بالنَّاسِ الذينَ عَرَفْتهُمْ ... ولا الدَّارُ بالدَّارِ الَّتي أنْتَ تَعْلمُ
الثاني: أنْ تُفني الذات، وتحدث ذاتاً أخرى، كقولك: بدَّلتُ الدَّراهمَ دنَانِيرَ ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] .
وإذا عرفت أن اللفظ محتمل للوجهين ففي الآية قولان:
الأول: قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هي تلك الأرض، إلاَّ أنها تغير صفتها فتسيرُ عنها جبالها، وتفجر أنهارها، وتسوى، فلا ﴿ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 107] وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تُبدَّلُ الأرضُ غيكر الأرْضِ، فيَبْسُطهَا، ويمُدُهَا مدَّ الأدِيم [العكاظي] لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً» وتبدل السموات باتثارِ كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها؛ وخسوف قمرها، وكونها تكن تارة كالمهل، وتارة كالدهان.
والقول الثاني: تبديل الذات. قال ابن مسعود رضي الله عه: تبدل بأرض كالفضَّة البيضاء النَّقية، لم يسفك فيها د مٌ، ولم يعمل عليها خطيئة.
والقائلون بالقول الأول هم الذين يقولون عند قيام القيامةِ: لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنَّما يعدم صفاتها.
وقيل: المراد من تبديل الأرض والسموات: هو أنَّ الله تعالى، يجعل الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة بدليل قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ﴾
[المطففين: 7] وقوله عزَّ وجلَّ ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: 18] .
وقالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: سألتُ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] أيْنَ تكُون النَّاس يَوْمئذٍ؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «على الصِّراطِ» .
وروى ثوبانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أن حبْراً من اليهودِ سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أيْنَ تكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ؟ قال: «هُمْ في الظُّلمةِ دون الجِسْرِ» .
قوله «والسَّمواتِ» تقديره: وتبدل السموات غير السموات.
وقرىء: «نُبَدّلُ» بالنون: «الأرض» نصباً «والسَّمواتِ» نسق عليه.
قوله «وبَرَزُوا» فيه وجهان:
أحدهما: أنها حملةٌ مستأنفة، أي: يبرزون، كذا قدَّره أبو البقاءِ، يعنى أنه ماض يراد به الاستقبال، والأحسن أنه مثل ﴿ونادى أَصْحَابُ النار﴾ [الأعراف: 50] ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: 44] ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [الحجر: 2] ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] لتحقُّّق ذلك.
والثاني: أنها حال من «الأرض» ، و «قَدْ» معها مرادة، قاله أبو البقاءِ ويكون الضمير في: «بَرَزُوا» للخلق دلّ عليه السِّياق، والرَّابط بين الحال، وصاحبها الواو.
وقرأ زيد بن علي «وبُرِّزُوا» بضم الباء، وكسر الرَّاء مشددة عل التَّكثير في الفعل ومفعوله، وتقدَّم الكلام في معنى البروز عند قوله تعالى ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: 21] ، وإنما ذكر «الوَاحدِ القهَّارِ» هنا؛ لأنَّ الملك إذا كان لمالك واحد غالبٍ لا يغلبُ، قهَّار لا يقهر، فلا يستغاث بأحد عغيره، فكان الأمر في غية الصعوبة ولما وصف نفسه تعالى بكونه قهاراً، بيَّن عجزهم، وذلتهم فقال: «وتَرَى المُجْرمينَ» وصفهم بصفات:
الأولى: قوله: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ «يجوز أن يكون حالاً على أنَّ الرؤية بصريّة، وأن يكون مفعولاً ثانياً على أنَّها علمية، و» فِي الأصْفادِ» متعلق به.
وقيل: بمحذوف على أنه حال أو صفة ل «مُقرَّنينَ» » .
والمُقرن: من جمع في القَرَن، وهون الحبل الذي يربط به، قال: [البسيط]
3248 - أوابنُ اللَّبُون إذَا ما لُزَّ فِي قرنٍ ... لَمْ يَستَطعْ صَولةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
وقال آخر: [البسيط]
3248 - ب والخَيْرُ والشَّرُّ مَلْزُوزان في قَرنٍ ... وقال آخر: [البسيط]
3248 - ج إنِّي لَدَى الباب كلمَلزُوزِ في قَرنٍ ... يقال: قَرنْتُ الشَّيء بالشَّيء إذا شددتهُ بِهِ، ووَصلتهُ، والقرنُ: اسم للحَبْلِ الذي يُشَدُّ بِهِ، ونكَّرهُ لِكثرةِ ذلِك.
والأصْفَادُ: جمع صفدٍ، وهو الغلُّ، والقيد، يقال: صَفَدَهُ يَصْفِده صَفْداً، قيَّدهُ، بِهِ، والاسم الصَّفَد، وصفَّدهُ مشدداً للتكثير؛ قال: [الوافر]
3249 - فآبُوا بالنّهَابِ وبالسَّبَايَا ... وأبْنَا بالمُلُوكِ مُصفَّدِينَا
والأصفادُ من الصَّفْد، وأصفْدَه، أي: أعطاه، ففرَّقُوا بين «فَعَل» و «أفْعَلَ» .
وقيل: بل يستعملان في القَيْدِ، والعَطاءِ، قال النابغة الذبياني: [البسيط]
3250 - ... ... ... ... ... ..... فَلمْ أعرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفدِ
أي: بالإعطاءِ، وسمي العطاء صفداً، لأنَّه يُقيَّدُ من يعطيه، منه: أنا مغلول أياديك، أسير نعمتك.
فصل
قيل: يقرن كل كافرٍ مع شيطانٍ في سلسلة، بيانهن قوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [ الصافات: 22] يعنى: قرناءهم من الشَّياطين، وقوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: 7] . أي قرنت.
وقيل: مقرونة أيديهم، وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد أي: بالقيود.
قوله: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من «المُجْرمينَ» وإمَّا من: «مُقرَّنِينَ» ، وإما من ضميره، ويجوز أن تكون مستأنفة وهو الظاهر.
والسَّرابِيلُ: الثِّيابُ، وسَرْبلتهُ، أي: ألْبَستهُ السِّربالَ؛ قال: [السريع]
3251 - ... ... ... ... ... ... . ... أوْدَى بِنعْليَّ وسِرْبَالِيَه
وتطلق على ما يحصن في الحرب من الدِّرع، وشبهه قال تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: 8] .
والقَطرانُ: ما يستخرج منن شجر يسمَّى الأبهل، فيطبخ ويطلى به الإبل الجُرْب ليذهب جربها [بحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار] ، وهو أسود اللَّون منتن الرَّائحةِ، وفيه لغاتٌ: «قِطرانٍ» بفتح القاف وكمسر الطاء، وهي قراءة العامة.
و «قَطْران» بزنة سكران، وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وقال أبو النَّجْم: [الرجز]
3252 - لَبَّسَهُ القَطْرانَ والمُسُوحَا ... و «قِطْرَان» بكسر القاف، وسكون الطاء بزنة «سِرْحَان» ولم يقرأ بها فيما علمتُ.
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: وقرأ جماعة كثيرة منهم عليُّ بن أبي طالب وةابن عباس، وأبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «قَطِرِ» بفتح الْقاف، وكسرها وتنوين الراء «آنٍ» بوزن «عَانٍ» جعلوها كلمتين، والقَطِر: النَّحاس، وال «آنِ» اسم فالع من أنَى يأني، أي: تَناهى في الحرارةِ؛ كقوله تعالى: ﴿بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: 44] .
وعن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ليس بالطقران، ولكنَّه النحاس الذي يصير بلونه.
قال ابن الأنباري: «تلك النَّار لا تبطل ذلك القطران، ولا تفنيه، كما لا تهلك أجسادهم النَّار، والأغلال التي عليهم» .
واعلم أنه يطلى بذلك القطران جلود أهل النَّار حتَّى يصير ذلك الطِّلاء كالسِّربال، وهو القميص، فيحصل بسببه أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران وحرقته، وإسراع النَّار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الرِّحِ، وأيضاً: التفاوت بين قطران القيامة، وقطران الدنيا كالتَّفاوت بين النارين.
قوله: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ قرىٍ «وتَغَشَّى» بتشديد الشِّين، أي: وتتغشى فحذفت إحدى التَّاءين.
وقرىء برفع: «وُجوهُهُم» ونصب «النَّار» على سبيل المجازِ، جعل ورود الوجوه النار غشياناً.
والجملة من قوله: «وتَغْشَى» قال أبو البقاءِ: «حال أيضاً» .
يعني أنَّها معطوفة على الحالِ، ولا يعني أنَّها حال، والواو للحال، لأنَّه مضارع مثبت.
فصل
المعنى: [تعلو] النَّار وجوههم، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب﴾ [الزمر: 24] وقوله: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] .
واعلم أنَّ موضع المعرفة والنَّكرة، والعلم، والجهل هـ والقلبُ، وموضع الفكر، والوهم والخيال هو الرَّأس، وتأثير هذه الأحوال يظهر في الوجه، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما، قال الله تعالى [في القلب] : ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ [الهمزة: 6، 7] وقال تعالى في الوجه: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ .
قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ في هذه الأيام وجهان:
أظهرهما: أنَّها تتعلق ب «بَرَزُوا» وعلى هذا فقوله: «وتَرَى» جلمة معترضة بين المتعلق، والمتعلق به.
والثاني: أنها تتعلق بمحذوف، أي: فعلنا بالمجرمين، ذلك ليجزي كل نفس لأنه إذا عاقب المجرم؛ أثاب الطَّائع.
قال الواحدي: «المرادُ: أنفسُ الكفَّار؛ لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهعل الإيمان، ويمكن إجراء اللفظ على عمومه، وأنه تعالى يجزي كلَّ نفسٍ ما كسبتن من عملها اللائق بها، فيجزي الكفار بهذا العقاب المذكور، ويجزي المؤمن المطيع الثَّواب وأيضاً، فالله تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم، فلأن يثيب المطيعين أولى» .
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ أي: لا يظلمهم، ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقه.
قوله تعالى: ﴿هذا بَلاَغٌ﴾ إشارة إلى ما تقدَّم من قوله: «ولا تحْسَبنَّ» إلى هنا، أو إلى كلِّ القرآن، نزل منزلة الحاضر بلاغ، أي: كافية في الموعظة.
قوله تعالى: ﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه متعلقٌ بمحذوف، أي: ولينذروا أنزلنا عليك.
الثاني: [أنه معطوف على محذوف، وذلك المحذوف متعلق ب «بلاغ» ، تقديره: لينصحوا ولينذروا] .
الثالث: أن الواو مزيدة: «ولِيُنْذَرُوا» متعلق ب «بَلاغٌ» ، وهو رأي الأخفش نقله الماورديُّ.
الرابع: أنه محمولٌ على المعنى، أي: ليبلغوا، ولينذروا.
الخامس: أن اللام لام الأمر، وهو حسنٌ، لولا قوله: «ولِيَذَكَّرَ» فإن منصوب فقط.
قال شهاب الدين: قال بعضهم: لا محذور في ذلك، فإن قوله: «لِيَذَّكرَ» ليس معطوفاً على ما تقدمه، بل متعلق بفعل مقدر، أي: وليذكر أنزلناه وأوحيناه.
السادس: أ، هـ خبر لمبتدأ مضمر، التقدير: هذا بلاغ، وهو لينذروا قاله ابن عطيَّة.
السابع: أنه عطف مفرداً على مفردٍ، أي: هذا بلاغ وإنذار، قاله المبردُ وهو تفسير معنى لا إعراب.
الثامن: أنه معطوف على قوله: «يُخْرجَ النَّاسَ» في أول السورة، وهذا غريب جدًّا.
التاسع: قال أبو البقاء: «المعنى هذا بلاغٌ للنَّاسِ، والإنذارُ متعلق بالبلاغ أو بمحذوف إذا جعلت النَّاس صفة.
ويجوز أن يتعلق بمحذوف، وتقديره: ولينذروا به أنزل، أو تلي» .
قال شهاب الدين: «فيؤدّي التقدير إلى أن يبقى التركيب: هذا بلاغ للإنذار والإنذار لا يتأتي فيه ذلك» .
وقرأ العامة: «لِيُنذَرُوا» مبنيًّا للمفعول. وقرأ مجاهدٌ وحميد بن قيس: «ولتُنْذِرُوا» بتاء مضمومة، وكسر الذال كأن البلاغ للعموم، والإنذار للمخاطبين، وقرأ يحيى بن عمارة الدراع من أبيه وأحمد
بن يزيد بن أسيد السلمي «ولِيَنْذَرُوا» بفتح الياء والذال من نَذرَ بالشَّيء، أي: علم به فاستعد له.
قالوا: ولو لم يعرف مصدر فهو ك «عَسَى» ، وغيرها من الأفعال التي لا مصارد لها.
فصل
معنى «لِيُنْذَرُوا» أي: وليخوفوا به ﴿وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ أي: يستدلُّوا بهذه الآيات على وحدانيَّة الله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي: يتّعظ أولو العقول.
قال القاضي: أول هذه السورة، وأخرها يدلُّ على أنَّ العبد مستقل بفعله إن شاء أطاعه، وإن شاء عصى.
أمَّا أوَّل هذه السورة فقوله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [إبراهيم: 1] وقد ذكرناه هناك.
وأمَّا آخر السورة فقوله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ يدلُّ على أنَّه تعالى إنَّما أنزل هذه السورة، وذكر هذه المواعظ؛ لأجل أن ينتفع بها الخلق؛ ليصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر والمعصية، وقد تقدم جوابه.
روى أبو أمامة عن أبي بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة إبْرَاهِيم أعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشر حَسناتٍ بِعدَدِ مَنْ عَبدَ الأصْنامَ، ومَنْ لَمْ يَعْبُدهَا» .
سورة الحجر
إبراهيم 14:46
قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ لما بين دلائل التَّوحيد ثمَّ حكاى عن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنه طلب من الله العظيم أن يصونه عن الشرك، وأن يوفقه للأعمال الصَّالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة، ذكر بعده ما يدل على وجود القيامة، فهو قوله عزَّ وجلَّ ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ وذلك تنبيه على أنَّه تبارك وتعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظَّالم للزم إمَّا أن يكون غافلاً عن ذلك الظَّالم، أو عاجزاً عن الانتقام، أو كان راضياً بذلك الظُّلم ولما كانت الغفلة، والعجز، والرِّضا بالظُّلم محالاً على الله امتنع أن لاينتقم من الظَّالم للمظلوم.
فإن قيل: كيف يليقُ بالرَّسُول صلوات الله وسلامه عليه أن يحسب الله عزَّ وجلَّ موصوفاً بالغفلةِ؟ .
فالجواب من وجوه:
الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب إن كان غافلاً، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: 14] ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [القصص: 88] .
والثاني: المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظالم، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً للك أحد لا جرم كان عدمُ الانتقام محالاً.
الثالث: أنَّ المراد: ولا تحسبنه يعاملهم الله معاملة الغافل عمَّا يعملون، ولكن معالمة الرَّقيب عليهم المحاسب على النقير، والقطمير.
الرابع: أنَّ هذا الخطاب، وإن كان خطاباً للنبِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الظاهر إلا أنه خطاب مع الأمَّة.
قال سفيان بن عيينة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هذا تسلية للمظلوم، وتهديد للظَّالم.
قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: لأجل يوم، فاللام للعلَّة.
وقيل: بمعنى «إلى» أي: للغاية.
وقرأ العامة «يُؤخِّرهُمْ» بالياء، لتقدم اسم الله تعالى. وقرأ الحسن والسلمي، والأعرج، [وخلائق] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «نُؤخِّرهُم» بنون العظمة.
ويروى عن أبي عمرو «نُؤخِّرُهمْ» بنون العظمة.
و «تَشْخَصُ» صفلة ل «يَوْمِ» . ومعنى شُخُوصِ البصرِ حدَّةُ النَّظر، وعدم استقراره في مكانه، ويقال: شَخَصَ سَمْعُه، وبَصَرُه، وأشْخَصَهُمَا صَاحِبهُما، وشَخَصَ بَصَره، أي: لم يطرف جفنهُ، وشخوص البصر يدلُّ على الحيرة والدهشة، ويقال: شخص من بلده أي: بعد والشخصُ: سواد الإنسان المرئيّ من بعيد.
قوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ حالان من المضاف المحذوف إذا التقدير: أصحاب الأبصار، إذا يقال: شَخَسَ زَيْدٌ بصرهُ، أو تكون الأبصار دلَّت على أربابها فجاءت الحال من المدلول عليه، قالهما أبو البقاءِ.
وقيل: «مُهْطِعين» منصوب بفعل مقدر، أي: تبصرهم مهطعين، ويجوز في «مُقْنِعِي» أن يكون حالاً من الضمير في: «مُهْطِعِينَ» فيكون حالاً، وإضافة: «مُقْنِعِي» غير حقيقة؛ فلذلك وقع حالاً.
والإهْطَاعُ: قيل: الإسرْاعُ في المشيِ؛ قال: [البسيط] 3235 - إذَا دَعانَا فأهْطَعْنَا لِدَعْوتهِ ... دَاعٍ سَمِيعٌ فَلفُّونَا وسَاقُونَا
وقال: [الكامل]
3236 - وبِمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنَّ عِنانَهُ ... فِي رَأْسِ جِذْعٍ ... ... ... ... ... ... ...
وقال أبو عبيدة: قد يكون الإسراع [مع] إدامة النَّظر.
وقال الراغب: «هَطَعَ» الرَّجلُ بِبصَرهِ إذَا صَوَّبهُ، وبَعِيرٌ مُهْطِعٌ إذا صوَّب عُنُقهُ» .
وقال الأخفش: هُو الإقْبَالُ على الإصغاءِ، وأنشد: [الوافر]
3237 - بِدجْلةَ دَراهُم ولقَدْ أرَاهُمْ ... بِدجْلةَ مُهْطِعينَ إلى السَّماعِ
والمعنى: مُقبلينَ برءوسهم إلى سماعِ الدَّاعِي.
وقال ثعلبٌ: «هَطَعَ الرَّجلُ إذا نظرَ بذُلِّ وخُشوعٍ لا يقلع بِبصَره إلى السماء» . وهذا موافقٌ لقول أبي عبيدة؛ فقد سمع فيه: «أهْطََعَ وهَطَعَ» رباعيًّا وثلاثيًّا.
والإقناعُ: رفع الرَّأسِ، وإدامة النَّظر من غير التفات إلى شغيره، قاله القتبيُّ، وابنُ عرفة.
ومنه قوله يصف إبلاً ترعى أعالي الشَّجر؛ فترفع رءوسها: [الوافر]
3238 - يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بِمُقنَعَاتٍ ... نَواجِذُهُنَّ كالحِدَإ الوَقِيعِ
ويقال: أقْنَعَ رأسه، أي: طأطأها، ونكَّسها فهو من الأضداد، والقَناعةُ: الاجتزاءُ باليسيرِ، ومعنى قَنَعَ عن كذا: أي: رفع رأسه عن السؤال. وفَمٌ مُقَنَّعٌ: معطوف الأسنان إليه داخلة، ورجُلٌّ مُقنَّعٌ بالتشديد، ويقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً، وقَنَعاً، إذا رَضِيَ، وقنع قُنُوعاً، إذا سَألَ، [فوقع] الفرق بالمصدر.
وقال الراغب: قال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناعِ، وهو ما يُغطِّي الرَّأس والقَانِعُ: من يَلِجُّ في السؤال فيرضى بِما يَأتيهِ، كقوله: [الوافر]
3239 - لَمَالُ المَرْءِ يًصْلِحُه فيُغْنِي ... مَفَاقِرهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ
ورجل مقنَّعٌ: تَقنَّعَ بِهِ؛ قال: [الطويل]
3240 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... شُهُودِي على ليْلَى عُدولٌ مَقانِعُ
ومنى الآية: أنَّ المعتاد فيمن شاهد البلاء أنَّه يطرق رأسه عنه لئلا يراه، فبين تعالى أنَّ حالهم بخلاف هذا المعتاد، وأنهم يرفعون رءوسهم.
والرُّءُوسُ: جمعُ رأسِ، وهو مؤنَّثٌ، ويُجمع في القلَّةِ على أرؤس، وفي الكثرة على» رُءُوس «والأرَاسُ: العظيم الرأس، ويعبر به عن الرَّجل العظيم كالوجه، والرِّسُّ مشتقًّ من ذلك ورِيَاسُ السَّيف مقبضه، وشاةٌ رَأْسَى: أسودَّتْ رأسَها.
قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ في محل نصب على الحال من الضمير في:» مُقْنِعِي» ويجوزو أن يكون بدلاً من: «مُقْنِعِي» ، كذا قاله أبو البقاء، يعني أنه يحل محله، ويجوز أن يكون استئنافاً، والطرف في الأصل مصدر، وأطلق على الفاعل، كقولهم: «مَا فِيهِمْ عينٌ تَطْرف» ، الطَّرفُ هنا: العَيْنُ قال الشاعر: [الكامل]
3241 - وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدتْ لِي جَارتِي ... حتَّى يُوارِي جَارتِي مَاوَاهَا
والطَّرفُ: الجِفْنُ أيضاً، يقال: ما طبق طرفهُ، أي: حفنهُ على الآخر، الطَّرفُ أيضاً: تحركُ الجِفْنِ.
ومعنى الآية: دوام ذلك الشُّخوصِ.
قوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ » يجوز أن يكون استئنافاً، وأن يكون حالاً، والعامل فيه إمَّا «يَرتَدُّ» وإمَّا ما قبله من العوامل، وأفرد: «هَواءٌ» ، وإن كان خبراً عن جمع؛ لأنَّه في معنى فارغة متجوفة، ولو لم يقصد ذلك لقال: أهوية ليطابق الخبر مبتدأه» .
والهَواءُ: الخَالِي من الأجسامِ ويُعبَّرُ به عن الجُبْنِ، يقال: جوفهُ هواء، أي: فارغ؛ قال زهيرٌ: [الوافر] 3242 - كَانَّ الرَّجلَ مِنْهَا فوقَ صَعْل ... مِنَ الظِّلمانِ جُؤجؤهُ هَواءُ
وقال حسَّان بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
3243 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فانْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَواءُ
النَّخْبُ: الذي أخذت نخبته أي: خِيارهُ، ويقال: قلب فلانٍ هواء: إذا كان جَباناً للقوة في قلبه.
والمعنى: أنَّ قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جمع الخواطر، والأفكار لعظم ما نالهم من الحيرة لما تحقَّقوهُ من العذاب، وخيالة من كلِّ سرور لكثرة ما هم فيه من الحزِنِ.
قوله: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ قال أبو البقاء: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ معفول ثان ل: «أنْذر» ، أي: خوفهم عذاب يوم، وكذا قاله الزمخشريُّ.
وفيه نظرٌ، إذ يؤول إلى قولك: أنذرهم عذاب يوم يأتيهم العذاب، ولا حاجة إلى ذلك، ولا جائز أن يكون ظرفاً؛ لأنَّ ذلك اليوم لا إنذار فيه سواء قيل: إنه يوم القيامة، أو يوم هلاكهم، أو يوم تلقاهم الملائكةُ.
والألف واللام في: «العَذابُ» للمعهود السَّابق، أي: وأنذرهم يوم يأتيهم العذاب الذي تقدَّم ذكره، وهو شخوصُ الأبصار، وكونهم مهطعين مقنعي رءوسهم.
فصل
حمل أبو مسلم قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ على أنه حال المعاينة، لأنَّ هذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولاا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ [المنافقون: 10] ، وظاهر الآية يشهد بخلافه؛ لأنه تعالى وصف اليوم بأن العذاب يأتيهم فيه، وأنهم يسألون الرجعة، ويقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ ؟ ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة.
ثمَّ حكى تعالى عنهم ما يقولون في ذلك اليوم: ﴿فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال بعضهم: طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرَّطوا فيه.
وقيل: طلبوا الرُّجوع إلى حال التَّكليف لقولهم: ﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾ ، فقوله: «نُجِبْ» جواب الأمرِ.
قوله: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ قال الزمشخري: «على إرادة القول وفيه وجهان: أن تقولوا ذلك أشراً وبطراً، أو تقولوه بلسان الحال حيث بنوة شديداً، وأملوا بعيداً» .
و «مَا لكُمْ» جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب لقوله: «أقْسَمْتُمْ» ، ولو جاء بلفظ المقسمين لقيل: «مَا لنَا» .
وقدَّر أبو حيَّان ذلك القول هنا من قول الله عزَّ وجلَّ أو الملائكة عليهم السلام أي: فيقال لهم: «أو لم تكونوا» ، وهوأظهر من الأول، أعني؟ : جريان القول من غيرهم لا منهم، والمعنى: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ أراد قوله:
﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: 109] إلى غير ذلك ممَّا كانوا ينكرونه.
قوله: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ وأصل «سَكَنَ» التَّعدي ب «في» كما في هذه الآية، وقد يتعدى بنفسه.
قال الزمخشريُّ: «السكنى من السكونِ الذي هو اللَّبثُ، من الأصل تعديه ب» في «كقولك: قرَّ في الدَّارِ وأقام فيِهَا، ولكنَّه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه، فقيل: سكن الدَّار كما قيل: تَبَوَّأها، وأوطنَها، ويجوز أن يكون من السُّكونِ، أي: قرُّوا فيها واطمأنُوا» .
والمعنى: وسكنتم في مساكن الذين كفورا قبلكم كقوم نوح، وعادٍ، وثمود و: ﴿ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ بالكفر؛ لأن من شاهد هذه الحال؛ وجب عليه أنّ يعتبر، وإذا لم يعتبر يستوجب الذَّم والتقريع.
قوله: «وتَبيَّنَ لَكُمْ» فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه، أي حالهم وخبرهم وهلاكهم، و «كَيْفَ» نصب ب «فَعلْنَا» وحملة الاستفهام ليست معمولة ل «تَبيَّنَ؛ لأنه من الأفعال التي لا تعلق، ولا جائز أن يكون:» كَيْفَ» فاعلاً؛ لأنَّها إمَّا شرطية، أو استفهامية وكلاهما لايعمل فيه ما تقدمه، والفاعل لا يتقدَّم عندنا.
وقال بعض الكوفيين: إنَّ جملة: «كَيْفَ فَعلْنَا» هو الفاعل، وهم يجيزون أن تكون الجملة فاعلاً، وقد تقدَّم هذا في قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: 35] .
والعامة على» تَبيَّنَ «فعلاً ماضياً، وقرأ عمر بن الخطاب، والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما في رواية عنهما: «ونُبيِّنُ» بضمِّ النون الأولى والثانية، مضارع: «بيَّن» ، وهو خبر مبتدأ مضمر، والجملة حالٌ، أي: ونحن نبين.
وقرأ السلمي فيما نقل المهدويُّ كذلك إلا أنه سكن النون للجزم نسقاً على» تَكُونُوا «فيكون داخلاً في حيز التقدير.
فصل
والمعنى: عرفتم عقوبتنا إياهم، وضربنا لكم الأمثال في القرآن ممَّا يعلم به أنَّه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التَّعذيب المؤجَّل كما يفعل الهلاك المعجَّل.
قوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ قيل: الضمير عائدٌ إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم.
وقيل: أراد قوم محمد صلى الله عليه سلم لقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ يا محمد، وقد مكروا قومك مكرهم وذلك في قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30] .
وقيل: المراد من هذا المكر ما نقل: أن نمروذاً حاول الصُّعود إلى السماءِ، فاتَّخذ لنفسه تابوتاً، وربط قوائمه الأربعة بأربعة نسورٍ، وكان قد جوَّعها، وجعل لها في جوانب التابوت الأربعة عصياً، وعلم عليها اللحم، ثم جلس مع صاحب له في التابوت، فلمَّا أبصرت النسور اللحم تصاعدت في الجو ثلاثة أيام، وغابت الدنيا عن عين نمروذ، ثمَّ نكَّس العصيّ التي كان عليها اللحم فهبطت النُّسور إلى الأرض.
قال القاضي رَحِمَهُ اللَّهُ:» وهذا بعيد جدًّا؛ لأنَّ الخطر فيه عظيم، ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء فيه خبر، ولا دليل» .
قال القشيري: وهذا جائزٌ بتقدير خلق الحياةِ في الحبالِ، وذكر الماورديُّ عن بان عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أنَّ النمرود بن كعنان بنى الصَّرح في قرية الرسِّ من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع، وخمسة وعشرين ذراعاً، وصعد فيه مع النُّّسور، فلمَّا علم أنه ليس له سبيل إلى السماء اتَّخذ حصناً، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصَّرح علهيم، فهلكوا جميعاً فهذا معنى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ .
قوله: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ يجوز أن يكون هذا المصدر مضافاً لفاعله كالأول بمعنى أنَّ مكرهم الذي مكروه جزاؤه عند الله، أو للمفعول، بمعنى أن عند الله مكرهم الذي يمكرهم به، أي: يعذبهم قالمها الزمخشريُّ.
قال أبو حيان: «وهذا لايصحُّ إلاَّ إن كان» مَكَرَ «يتعدى بنفسه كما قال هو إذ قد يمكرهم به، والمحفوظ أن» مَكَرَ «لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به بنفسه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: 30] وتقول: زيدٌ ممكور به، ولا يحفظ: زيدٌ ممكورٌ بسبب كذا.
قوله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ قرأ العامة بكسر لام» لِتَزولَ «الأولى، والكسائي بفتحها.
فأما القراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّها نافيةٌ، واللام بعدها لام الجحودِ؛ لأنَّها بعد كونٍ منفيّ، وفي» كَانَ «حينئذ قولان:
أحدهما: أنَّها تامَّة، والمعنى؛ تحقير مكرهم، أنَّه ما كان لتزول منه الشَّرائع التي كالجبال في ثبوتها وقوَّتها.
ويؤيد كونها نافية قراءة عبد الله: (وما كان مَكْرُهُمْ) .
القول الثاني: أنَّها ناقصةٌ، وفي خبرها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين، هل هو محذوف، واللام متعلقة به؟ وإليه ذهب البصريون، أو هو اللام، وما جرته كما [هو مذهب] الكوفيين؟ وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران.
الوجه الثاني: أن تكون المخففة من الثقيلة.
قال الزمخشري:» وإن عظم مركهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلاً لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم معدًّا لذلك» .
وقال ابن عطية: «ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة: تعظيم مكرهم، أي: وإن كان شديداً إنما يفعل ليذهب به عظام الامور» ، فمهوم هذين الكلامين أنها مخففةٌ؛ لأنَّه إثبات.
والثالث: أنها شرطيةٌ، وجوابها محذوفٌ، أي: وإن كان مكرهم مقدراً لإزالةِ أشباه الجبال الرَّواسي، وهي المعجزات، والآيات، فالله مجازيهم بمكرهم، وأعظم منه.
وقد رجِّح الوجهان الأخيران على الأوَّل، وهو: أنها نافية؛ لأنَّ فيه معارضة لقراءة الكاسئي في ذلك؛ لأنَّ قراءته تؤذن بالإثبات، وقراءة غيره تؤذن بالنَّفي.
وقد أجاب بعضهم عن ذلك: بأنَّ الجبال في قراءة الكسائي مشار بها إلى أمور عظام غير الإسلام، ومعجزاته لمكرهم صلاحية إزالتها، وفي قراءة الجماعة مشار لها إلى ما جاء به النبيُّ المختار صلوات الله وسلامه عليه من الدين الحق، فلا تعارض إذ لم يتوارد على معنى واحد نفياً، وإثباتاً.
وأمَّا قراءة الكسائيِّ ففي: «إنْ» وجهان:
مذهبُ البصريين أنََّها المخففة واللام فارقة، ومذهب الكوفيين أنَّها نافية، واللام بمعنى: «إلاَّ» وقد تقدَّم تحقيق المذهبين.
وقرأ عمر، وعلي، وعبد الله، وزيد بن علي، وأبو سلمة وجماعة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم (وإن كاد مكرهم لتزول) كقراءة الكسائي، إلاََّ أنهم جعلوا مكان نون: «كَانَ» دالاً، فعل مقاربة، وتخريجها كما تقدَّم، ولكن الزوال غير واقع.
وقرىءك «لَتَزُولَ» بفتح اللامين، وتخريجها على إشاكالها أنها جاءت على لغة من لا يفتح لام كي.
فصل
في الجبال التي عني زوالها بمكرهم وجهان:
أحدهما: جبال الأرض.
الثاني: الإسلامُ، والقرآن؛ لأنَّ ثبوته، ورسوخه كالجبالِ.
وقال االقشيريُّ: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ أي: هو عالم بذلك فيجازيهم، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ لما بين في الآية الأولى أنه ينتصر للمظلوم من الظَّالم بين هاهنا أنه لا يخلف الوعد.
قوله: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾ العامة على إضافة: «مخْلِفَ» إلى «وعْدِهِ» وفيها وجهان:
أظهرهما: أن «مُخْلفَ» يتعدَّى لاثنين كفعله، فقدم المفعول الثاني، وأضيف إليه إسم الفاعل تخفيفاً، نحو: هذا كَاسِي جُبَّةِ زيْدٍ.
قال الفراء وقطرب: لما تعدَّى إليهما جميعاً، لم يبالِ بالتقديم والتأخير.
وقال الزمخشري: فإن قلت: هلاَّ قيل: مُخْلف رسله وعده؟ ولم قدَّم المفعول الثاني على الأول؟ .
قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد، ثم قال: «رُسلهُ» ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، كيف يخلف رسله؟ .
وقال أبو البقاء: هو قريبُ من قولهم: [الرجز]
3244 - يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدَّارِ ... وأنشد بعضهم نظير الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل]
3245 - تَرَى الثَّورَ فِيهَا مُدخِلَ الظلِّ رَأسَهُ ... وسَائرِهُ بَاردٍ إلى الشَّمْسِ أجْمعُ
والحسبان هنا: الأمر [المتيقن] ، كقوله: [الطويل]
3246 - فَلا تَحْسَبنْ أنِّي أضلُّ مَنيَّتِي ... وكُلُّ امرىءٍ كَأسَ الحِمام: ِ يَذُوقُ
الثاني: أنه متعد لواحد، وهو «وعْدهِ» ، وأمَّا «رُسلهُ» فمنصوب بالمصدر فإنَّه ينحلْ بحرف مصدريّ، وفعل تقديره: مخلف ما وعد رسله، ف «ما» مصدريَّة لا بمعنى الذي؟
وقرأت جماعة: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ بنصب: «وَعْدهُ» وجر: رسُلهِ «فصلاً بالمفعول بين المتضايفين، هي كقراءة ابن عامرٍ: ﴿قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُكرائِهِمْ) . قال الزمخشري مجرأة منه:» وهذه في الضعف [كقراءة] (قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُركائِهِمْ) . ثم قال: {إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾ غالب لأهل المكر، ذو انتقام لأوليائه منهم.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ [لما بين أنه عزيز ذو انتقام، بين وقت انتقامه، فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ ] ويجوز في «يَوْمَ» عدة أوجه:
أحدها: أن ينتصب منصوباً ب» انتقام «أي: يقع انتقامه في ذلك اليوم.
الثاني: أن ينتصب ب» اذكُر» .
الثالث: ِأن ينتصب بما يتلخص من معنى عزيز ذو انتقام.
الرابع: أن يكون بدلاً من: «يَوْمَ يَأتِيهِمْ» .
الخامس: أن ينتصب ب: «مُخْلِفَ» .
السادس: أن ينتصب ب «وَعْدِهِ» ، و «إنَّ» وما بعدها اعتراض.
ومنع أبو البقاء هذه الآخرين، قال: «لأن ما قبل» إنَّ «لا يعمل فيما بعدها» .
وهذا غير مانع؛ لأنه كما تقدَّم اعتراض، فلا يبالى به فاصلاً.
فصل
التَّبديلُ يحتمل وجهين:
الأول: أن تكون الذَّات باقية، وتبدل الصفة بصفة أخرى، كما تقول: بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، منه قوله تعالى: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] ، ويقال: بدلَّلتُ قَمِيصِي جُبَّة، إذا قلبت عَيْنَهُ فجعلتهُ جُبَّةٌ، وقال الشاعر: [الطويل]
3247 - فَمَا النَّاسُ بالنَّاسِ الذينَ عَرَفْتهُمْ ... ولا الدَّارُ بالدَّارِ الَّتي أنْتَ تَعْلمُ
الثاني: أنْ تُفني الذات، وتحدث ذاتاً أخرى، كقولك: بدَّلتُ الدَّراهمَ دنَانِيرَ ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] .
وإذا عرفت أن اللفظ محتمل للوجهين ففي الآية قولان:
الأول: قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هي تلك الأرض، إلاَّ أنها تغير صفتها فتسيرُ عنها جبالها، وتفجر أنهارها، وتسوى، فلا ﴿ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 107] وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تُبدَّلُ الأرضُ غيكر الأرْضِ، فيَبْسُطهَا، ويمُدُهَا مدَّ الأدِيم [العكاظي] لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً» وتبدل السموات باتثارِ كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها؛ وخسوف قمرها، وكونها تكن تارة كالمهل، وتارة كالدهان.
والقول الثاني: تبديل الذات. قال ابن مسعود رضي الله عه: تبدل بأرض كالفضَّة البيضاء النَّقية، لم يسفك فيها د مٌ، ولم يعمل عليها خطيئة.
والقائلون بالقول الأول هم الذين يقولون عند قيام القيامةِ: لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنَّما يعدم صفاتها.
وقيل: المراد من تبديل الأرض والسموات: هو أنَّ الله تعالى، يجعل الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة بدليل قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ﴾
[المطففين: 7] وقوله عزَّ وجلَّ ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: 18] .
وقالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: سألتُ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] أيْنَ تكُون النَّاس يَوْمئذٍ؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «على الصِّراطِ» .
وروى ثوبانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أن حبْراً من اليهودِ سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أيْنَ تكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ؟ قال: «هُمْ في الظُّلمةِ دون الجِسْرِ» .
قوله «والسَّمواتِ» تقديره: وتبدل السموات غير السموات.
وقرىء: «نُبَدّلُ» بالنون: «الأرض» نصباً «والسَّمواتِ» نسق عليه.
قوله «وبَرَزُوا» فيه وجهان:
أحدهما: أنها حملةٌ مستأنفة، أي: يبرزون، كذا قدَّره أبو البقاءِ، يعنى أنه ماض يراد به الاستقبال، والأحسن أنه مثل ﴿ونادى أَصْحَابُ النار﴾ [الأعراف: 50] ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: 44] ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [الحجر: 2] ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] لتحقُّّق ذلك.
والثاني: أنها حال من «الأرض» ، و «قَدْ» معها مرادة، قاله أبو البقاءِ ويكون الضمير في: «بَرَزُوا» للخلق دلّ عليه السِّياق، والرَّابط بين الحال، وصاحبها الواو.
وقرأ زيد بن علي «وبُرِّزُوا» بضم الباء، وكسر الرَّاء مشددة عل التَّكثير في الفعل ومفعوله، وتقدَّم الكلام في معنى البروز عند قوله تعالى ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: 21] ، وإنما ذكر «الوَاحدِ القهَّارِ» هنا؛ لأنَّ الملك إذا كان لمالك واحد غالبٍ لا يغلبُ، قهَّار لا يقهر، فلا يستغاث بأحد عغيره، فكان الأمر في غية الصعوبة ولما وصف نفسه تعالى بكونه قهاراً، بيَّن عجزهم، وذلتهم فقال: «وتَرَى المُجْرمينَ» وصفهم بصفات:
الأولى: قوله: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ «يجوز أن يكون حالاً على أنَّ الرؤية بصريّة، وأن يكون مفعولاً ثانياً على أنَّها علمية، و» فِي الأصْفادِ» متعلق به.
وقيل: بمحذوف على أنه حال أو صفة ل «مُقرَّنينَ» » .
والمُقرن: من جمع في القَرَن، وهون الحبل الذي يربط به، قال: [البسيط]
3248 - أوابنُ اللَّبُون إذَا ما لُزَّ فِي قرنٍ ... لَمْ يَستَطعْ صَولةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
وقال آخر: [البسيط]
3248 - ب والخَيْرُ والشَّرُّ مَلْزُوزان في قَرنٍ ... وقال آخر: [البسيط]
3248 - ج إنِّي لَدَى الباب كلمَلزُوزِ في قَرنٍ ... يقال: قَرنْتُ الشَّيء بالشَّيء إذا شددتهُ بِهِ، ووَصلتهُ، والقرنُ: اسم للحَبْلِ الذي يُشَدُّ بِهِ، ونكَّرهُ لِكثرةِ ذلِك.
والأصْفَادُ: جمع صفدٍ، وهو الغلُّ، والقيد، يقال: صَفَدَهُ يَصْفِده صَفْداً، قيَّدهُ، بِهِ، والاسم الصَّفَد، وصفَّدهُ مشدداً للتكثير؛ قال: [الوافر]
3249 - فآبُوا بالنّهَابِ وبالسَّبَايَا ... وأبْنَا بالمُلُوكِ مُصفَّدِينَا
والأصفادُ من الصَّفْد، وأصفْدَه، أي: أعطاه، ففرَّقُوا بين «فَعَل» و «أفْعَلَ» .
وقيل: بل يستعملان في القَيْدِ، والعَطاءِ، قال النابغة الذبياني: [البسيط]
3250 - ... ... ... ... ... ..... فَلمْ أعرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفدِ
أي: بالإعطاءِ، وسمي العطاء صفداً، لأنَّه يُقيَّدُ من يعطيه، منه: أنا مغلول أياديك، أسير نعمتك.
فصل
قيل: يقرن كل كافرٍ مع شيطانٍ في سلسلة، بيانهن قوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [ الصافات: 22] يعنى: قرناءهم من الشَّياطين، وقوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: 7] . أي قرنت.
وقيل: مقرونة أيديهم، وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد أي: بالقيود.
قوله: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من «المُجْرمينَ» وإمَّا من: «مُقرَّنِينَ» ، وإما من ضميره، ويجوز أن تكون مستأنفة وهو الظاهر.
والسَّرابِيلُ: الثِّيابُ، وسَرْبلتهُ، أي: ألْبَستهُ السِّربالَ؛ قال: [السريع]
3251 - ... ... ... ... ... ... . ... أوْدَى بِنعْليَّ وسِرْبَالِيَه
وتطلق على ما يحصن في الحرب من الدِّرع، وشبهه قال تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: 8] .
والقَطرانُ: ما يستخرج منن شجر يسمَّى الأبهل، فيطبخ ويطلى به الإبل الجُرْب ليذهب جربها [بحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار] ، وهو أسود اللَّون منتن الرَّائحةِ، وفيه لغاتٌ: «قِطرانٍ» بفتح القاف وكمسر الطاء، وهي قراءة العامة.
و «قَطْران» بزنة سكران، وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وقال أبو النَّجْم: [الرجز]
3252 - لَبَّسَهُ القَطْرانَ والمُسُوحَا ... و «قِطْرَان» بكسر القاف، وسكون الطاء بزنة «سِرْحَان» ولم يقرأ بها فيما علمتُ.
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: وقرأ جماعة كثيرة منهم عليُّ بن أبي طالب وةابن عباس، وأبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «قَطِرِ» بفتح الْقاف، وكسرها وتنوين الراء «آنٍ» بوزن «عَانٍ» جعلوها كلمتين، والقَطِر: النَّحاس، وال «آنِ» اسم فالع من أنَى يأني، أي: تَناهى في الحرارةِ؛ كقوله تعالى: ﴿بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: 44] .
وعن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ليس بالطقران، ولكنَّه النحاس الذي يصير بلونه.
قال ابن الأنباري: «تلك النَّار لا تبطل ذلك القطران، ولا تفنيه، كما لا تهلك أجسادهم النَّار، والأغلال التي عليهم» .
واعلم أنه يطلى بذلك القطران جلود أهل النَّار حتَّى يصير ذلك الطِّلاء كالسِّربال، وهو القميص، فيحصل بسببه أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران وحرقته، وإسراع النَّار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الرِّحِ، وأيضاً: التفاوت بين قطران القيامة، وقطران الدنيا كالتَّفاوت بين النارين.
قوله: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ قرىٍ «وتَغَشَّى» بتشديد الشِّين، أي: وتتغشى فحذفت إحدى التَّاءين.
وقرىء برفع: «وُجوهُهُم» ونصب «النَّار» على سبيل المجازِ، جعل ورود الوجوه النار غشياناً.
والجملة من قوله: «وتَغْشَى» قال أبو البقاءِ: «حال أيضاً» .
يعني أنَّها معطوفة على الحالِ، ولا يعني أنَّها حال، والواو للحال، لأنَّه مضارع مثبت.
فصل
المعنى: [تعلو] النَّار وجوههم، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب﴾ [الزمر: 24] وقوله: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] .
واعلم أنَّ موضع المعرفة والنَّكرة، والعلم، والجهل هـ والقلبُ، وموضع الفكر، والوهم والخيال هو الرَّأس، وتأثير هذه الأحوال يظهر في الوجه، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما، قال الله تعالى [في القلب] : ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ [الهمزة: 6، 7] وقال تعالى في الوجه: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ .
قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ في هذه الأيام وجهان:
أظهرهما: أنَّها تتعلق ب «بَرَزُوا» وعلى هذا فقوله: «وتَرَى» جلمة معترضة بين المتعلق، والمتعلق به.
والثاني: أنها تتعلق بمحذوف، أي: فعلنا بالمجرمين، ذلك ليجزي كل نفس لأنه إذا عاقب المجرم؛ أثاب الطَّائع.
قال الواحدي: «المرادُ: أنفسُ الكفَّار؛ لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهعل الإيمان، ويمكن إجراء اللفظ على عمومه، وأنه تعالى يجزي كلَّ نفسٍ ما كسبتن من عملها اللائق بها، فيجزي الكفار بهذا العقاب المذكور، ويجزي المؤمن المطيع الثَّواب وأيضاً، فالله تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم، فلأن يثيب المطيعين أولى» .
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ أي: لا يظلمهم، ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقه.
قوله تعالى: ﴿هذا بَلاَغٌ﴾ إشارة إلى ما تقدَّم من قوله: «ولا تحْسَبنَّ» إلى هنا، أو إلى كلِّ القرآن، نزل منزلة الحاضر بلاغ، أي: كافية في الموعظة.
قوله تعالى: ﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه متعلقٌ بمحذوف، أي: ولينذروا أنزلنا عليك.
الثاني: [أنه معطوف على محذوف، وذلك المحذوف متعلق ب «بلاغ» ، تقديره: لينصحوا ولينذروا] .
الثالث: أن الواو مزيدة: «ولِيُنْذَرُوا» متعلق ب «بَلاغٌ» ، وهو رأي الأخفش نقله الماورديُّ.
الرابع: أنه محمولٌ على المعنى، أي: ليبلغوا، ولينذروا.
الخامس: أن اللام لام الأمر، وهو حسنٌ، لولا قوله: «ولِيَذَكَّرَ» فإن منصوب فقط.
قال شهاب الدين: قال بعضهم: لا محذور في ذلك، فإن قوله: «لِيَذَّكرَ» ليس معطوفاً على ما تقدمه، بل متعلق بفعل مقدر، أي: وليذكر أنزلناه وأوحيناه.
السادس: أ، هـ خبر لمبتدأ مضمر، التقدير: هذا بلاغ، وهو لينذروا قاله ابن عطيَّة.
السابع: أنه عطف مفرداً على مفردٍ، أي: هذا بلاغ وإنذار، قاله المبردُ وهو تفسير معنى لا إعراب.
الثامن: أنه معطوف على قوله: «يُخْرجَ النَّاسَ» في أول السورة، وهذا غريب جدًّا.
التاسع: قال أبو البقاء: «المعنى هذا بلاغٌ للنَّاسِ، والإنذارُ متعلق بالبلاغ أو بمحذوف إذا جعلت النَّاس صفة.
ويجوز أن يتعلق بمحذوف، وتقديره: ولينذروا به أنزل، أو تلي» .
قال شهاب الدين: «فيؤدّي التقدير إلى أن يبقى التركيب: هذا بلاغ للإنذار والإنذار لا يتأتي فيه ذلك» .
وقرأ العامة: «لِيُنذَرُوا» مبنيًّا للمفعول. وقرأ مجاهدٌ وحميد بن قيس: «ولتُنْذِرُوا» بتاء مضمومة، وكسر الذال كأن البلاغ للعموم، والإنذار للمخاطبين، وقرأ يحيى بن عمارة الدراع من أبيه وأحمد
بن يزيد بن أسيد السلمي «ولِيَنْذَرُوا» بفتح الياء والذال من نَذرَ بالشَّيء، أي: علم به فاستعد له.
قالوا: ولو لم يعرف مصدر فهو ك «عَسَى» ، وغيرها من الأفعال التي لا مصارد لها.
فصل
معنى «لِيُنْذَرُوا» أي: وليخوفوا به ﴿وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ أي: يستدلُّوا بهذه الآيات على وحدانيَّة الله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي: يتّعظ أولو العقول.
قال القاضي: أول هذه السورة، وأخرها يدلُّ على أنَّ العبد مستقل بفعله إن شاء أطاعه، وإن شاء عصى.
أمَّا أوَّل هذه السورة فقوله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [إبراهيم: 1] وقد ذكرناه هناك.
وأمَّا آخر السورة فقوله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ يدلُّ على أنَّه تعالى إنَّما أنزل هذه السورة، وذكر هذه المواعظ؛ لأجل أن ينتفع بها الخلق؛ ليصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر والمعصية، وقد تقدم جوابه.
روى أبو أمامة عن أبي بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة إبْرَاهِيم أعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشر حَسناتٍ بِعدَدِ مَنْ عَبدَ الأصْنامَ، ومَنْ لَمْ يَعْبُدهَا» .
سورة الحجر
إبراهيم 14:47
قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ لما بين دلائل التَّوحيد ثمَّ حكاى عن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنه طلب من الله العظيم أن يصونه عن الشرك، وأن يوفقه للأعمال الصَّالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة، ذكر بعده ما يدل على وجود القيامة، فهو قوله عزَّ وجلَّ ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ وذلك تنبيه على أنَّه تبارك وتعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظَّالم للزم إمَّا أن يكون غافلاً عن ذلك الظَّالم، أو عاجزاً عن الانتقام، أو كان راضياً بذلك الظُّلم ولما كانت الغفلة، والعجز، والرِّضا بالظُّلم محالاً على الله امتنع أن لاينتقم من الظَّالم للمظلوم.
فإن قيل: كيف يليقُ بالرَّسُول صلوات الله وسلامه عليه أن يحسب الله عزَّ وجلَّ موصوفاً بالغفلةِ؟ .
فالجواب من وجوه:
الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب إن كان غافلاً، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: 14] ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [القصص: 88] .
والثاني: المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظالم، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً للك أحد لا جرم كان عدمُ الانتقام محالاً.
الثالث: أنَّ المراد: ولا تحسبنه يعاملهم الله معاملة الغافل عمَّا يعملون، ولكن معالمة الرَّقيب عليهم المحاسب على النقير، والقطمير.
الرابع: أنَّ هذا الخطاب، وإن كان خطاباً للنبِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الظاهر إلا أنه خطاب مع الأمَّة.
قال سفيان بن عيينة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هذا تسلية للمظلوم، وتهديد للظَّالم.
قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: لأجل يوم، فاللام للعلَّة.
وقيل: بمعنى «إلى» أي: للغاية.
وقرأ العامة «يُؤخِّرهُمْ» بالياء، لتقدم اسم الله تعالى. وقرأ الحسن والسلمي، والأعرج، [وخلائق] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «نُؤخِّرهُم» بنون العظمة.
ويروى عن أبي عمرو «نُؤخِّرُهمْ» بنون العظمة.
و «تَشْخَصُ» صفلة ل «يَوْمِ» . ومعنى شُخُوصِ البصرِ حدَّةُ النَّظر، وعدم استقراره في مكانه، ويقال: شَخَصَ سَمْعُه، وبَصَرُه، وأشْخَصَهُمَا صَاحِبهُما، وشَخَصَ بَصَره، أي: لم يطرف جفنهُ، وشخوص البصر يدلُّ على الحيرة والدهشة، ويقال: شخص من بلده أي: بعد والشخصُ: سواد الإنسان المرئيّ من بعيد.
قوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ حالان من المضاف المحذوف إذا التقدير: أصحاب الأبصار، إذا يقال: شَخَسَ زَيْدٌ بصرهُ، أو تكون الأبصار دلَّت على أربابها فجاءت الحال من المدلول عليه، قالهما أبو البقاءِ.
وقيل: «مُهْطِعين» منصوب بفعل مقدر، أي: تبصرهم مهطعين، ويجوز في «مُقْنِعِي» أن يكون حالاً من الضمير في: «مُهْطِعِينَ» فيكون حالاً، وإضافة: «مُقْنِعِي» غير حقيقة؛ فلذلك وقع حالاً.
والإهْطَاعُ: قيل: الإسرْاعُ في المشيِ؛ قال: [البسيط] 3235 - إذَا دَعانَا فأهْطَعْنَا لِدَعْوتهِ ... دَاعٍ سَمِيعٌ فَلفُّونَا وسَاقُونَا
وقال: [الكامل]
3236 - وبِمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنَّ عِنانَهُ ... فِي رَأْسِ جِذْعٍ ... ... ... ... ... ... ...
وقال أبو عبيدة: قد يكون الإسراع [مع] إدامة النَّظر.
وقال الراغب: «هَطَعَ» الرَّجلُ بِبصَرهِ إذَا صَوَّبهُ، وبَعِيرٌ مُهْطِعٌ إذا صوَّب عُنُقهُ» .
وقال الأخفش: هُو الإقْبَالُ على الإصغاءِ، وأنشد: [الوافر]
3237 - بِدجْلةَ دَراهُم ولقَدْ أرَاهُمْ ... بِدجْلةَ مُهْطِعينَ إلى السَّماعِ
والمعنى: مُقبلينَ برءوسهم إلى سماعِ الدَّاعِي.
وقال ثعلبٌ: «هَطَعَ الرَّجلُ إذا نظرَ بذُلِّ وخُشوعٍ لا يقلع بِبصَره إلى السماء» . وهذا موافقٌ لقول أبي عبيدة؛ فقد سمع فيه: «أهْطََعَ وهَطَعَ» رباعيًّا وثلاثيًّا.
والإقناعُ: رفع الرَّأسِ، وإدامة النَّظر من غير التفات إلى شغيره، قاله القتبيُّ، وابنُ عرفة.
ومنه قوله يصف إبلاً ترعى أعالي الشَّجر؛ فترفع رءوسها: [الوافر]
3238 - يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بِمُقنَعَاتٍ ... نَواجِذُهُنَّ كالحِدَإ الوَقِيعِ
ويقال: أقْنَعَ رأسه، أي: طأطأها، ونكَّسها فهو من الأضداد، والقَناعةُ: الاجتزاءُ باليسيرِ، ومعنى قَنَعَ عن كذا: أي: رفع رأسه عن السؤال. وفَمٌ مُقَنَّعٌ: معطوف الأسنان إليه داخلة، ورجُلٌّ مُقنَّعٌ بالتشديد، ويقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً، وقَنَعاً، إذا رَضِيَ، وقنع قُنُوعاً، إذا سَألَ، [فوقع] الفرق بالمصدر.
وقال الراغب: قال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناعِ، وهو ما يُغطِّي الرَّأس والقَانِعُ: من يَلِجُّ في السؤال فيرضى بِما يَأتيهِ، كقوله: [الوافر]
3239 - لَمَالُ المَرْءِ يًصْلِحُه فيُغْنِي ... مَفَاقِرهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ
ورجل مقنَّعٌ: تَقنَّعَ بِهِ؛ قال: [الطويل]
3240 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... شُهُودِي على ليْلَى عُدولٌ مَقانِعُ
ومنى الآية: أنَّ المعتاد فيمن شاهد البلاء أنَّه يطرق رأسه عنه لئلا يراه، فبين تعالى أنَّ حالهم بخلاف هذا المعتاد، وأنهم يرفعون رءوسهم.
والرُّءُوسُ: جمعُ رأسِ، وهو مؤنَّثٌ، ويُجمع في القلَّةِ على أرؤس، وفي الكثرة على» رُءُوس «والأرَاسُ: العظيم الرأس، ويعبر به عن الرَّجل العظيم كالوجه، والرِّسُّ مشتقًّ من ذلك ورِيَاسُ السَّيف مقبضه، وشاةٌ رَأْسَى: أسودَّتْ رأسَها.
قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ في محل نصب على الحال من الضمير في:» مُقْنِعِي» ويجوزو أن يكون بدلاً من: «مُقْنِعِي» ، كذا قاله أبو البقاء، يعني أنه يحل محله، ويجوز أن يكون استئنافاً، والطرف في الأصل مصدر، وأطلق على الفاعل، كقولهم: «مَا فِيهِمْ عينٌ تَطْرف» ، الطَّرفُ هنا: العَيْنُ قال الشاعر: [الكامل]
3241 - وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدتْ لِي جَارتِي ... حتَّى يُوارِي جَارتِي مَاوَاهَا
والطَّرفُ: الجِفْنُ أيضاً، يقال: ما طبق طرفهُ، أي: حفنهُ على الآخر، الطَّرفُ أيضاً: تحركُ الجِفْنِ.
ومعنى الآية: دوام ذلك الشُّخوصِ.
قوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ » يجوز أن يكون استئنافاً، وأن يكون حالاً، والعامل فيه إمَّا «يَرتَدُّ» وإمَّا ما قبله من العوامل، وأفرد: «هَواءٌ» ، وإن كان خبراً عن جمع؛ لأنَّه في معنى فارغة متجوفة، ولو لم يقصد ذلك لقال: أهوية ليطابق الخبر مبتدأه» .
والهَواءُ: الخَالِي من الأجسامِ ويُعبَّرُ به عن الجُبْنِ، يقال: جوفهُ هواء، أي: فارغ؛ قال زهيرٌ: [الوافر] 3242 - كَانَّ الرَّجلَ مِنْهَا فوقَ صَعْل ... مِنَ الظِّلمانِ جُؤجؤهُ هَواءُ
وقال حسَّان بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
3243 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فانْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَواءُ
النَّخْبُ: الذي أخذت نخبته أي: خِيارهُ، ويقال: قلب فلانٍ هواء: إذا كان جَباناً للقوة في قلبه.
والمعنى: أنَّ قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جمع الخواطر، والأفكار لعظم ما نالهم من الحيرة لما تحقَّقوهُ من العذاب، وخيالة من كلِّ سرور لكثرة ما هم فيه من الحزِنِ.
قوله: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ قال أبو البقاء: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ معفول ثان ل: «أنْذر» ، أي: خوفهم عذاب يوم، وكذا قاله الزمخشريُّ.
وفيه نظرٌ، إذ يؤول إلى قولك: أنذرهم عذاب يوم يأتيهم العذاب، ولا حاجة إلى ذلك، ولا جائز أن يكون ظرفاً؛ لأنَّ ذلك اليوم لا إنذار فيه سواء قيل: إنه يوم القيامة، أو يوم هلاكهم، أو يوم تلقاهم الملائكةُ.
والألف واللام في: «العَذابُ» للمعهود السَّابق، أي: وأنذرهم يوم يأتيهم العذاب الذي تقدَّم ذكره، وهو شخوصُ الأبصار، وكونهم مهطعين مقنعي رءوسهم.
فصل
حمل أبو مسلم قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ على أنه حال المعاينة، لأنَّ هذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولاا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ [المنافقون: 10] ، وظاهر الآية يشهد بخلافه؛ لأنه تعالى وصف اليوم بأن العذاب يأتيهم فيه، وأنهم يسألون الرجعة، ويقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ ؟ ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة.
ثمَّ حكى تعالى عنهم ما يقولون في ذلك اليوم: ﴿فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال بعضهم: طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرَّطوا فيه.
وقيل: طلبوا الرُّجوع إلى حال التَّكليف لقولهم: ﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾ ، فقوله: «نُجِبْ» جواب الأمرِ.
قوله: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ قال الزمشخري: «على إرادة القول وفيه وجهان: أن تقولوا ذلك أشراً وبطراً، أو تقولوه بلسان الحال حيث بنوة شديداً، وأملوا بعيداً» .
و «مَا لكُمْ» جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب لقوله: «أقْسَمْتُمْ» ، ولو جاء بلفظ المقسمين لقيل: «مَا لنَا» .
وقدَّر أبو حيَّان ذلك القول هنا من قول الله عزَّ وجلَّ أو الملائكة عليهم السلام أي: فيقال لهم: «أو لم تكونوا» ، وهوأظهر من الأول، أعني؟ : جريان القول من غيرهم لا منهم، والمعنى: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ أراد قوله:
﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: 109] إلى غير ذلك ممَّا كانوا ينكرونه.
قوله: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ وأصل «سَكَنَ» التَّعدي ب «في» كما في هذه الآية، وقد يتعدى بنفسه.
قال الزمخشريُّ: «السكنى من السكونِ الذي هو اللَّبثُ، من الأصل تعديه ب» في «كقولك: قرَّ في الدَّارِ وأقام فيِهَا، ولكنَّه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه، فقيل: سكن الدَّار كما قيل: تَبَوَّأها، وأوطنَها، ويجوز أن يكون من السُّكونِ، أي: قرُّوا فيها واطمأنُوا» .
والمعنى: وسكنتم في مساكن الذين كفورا قبلكم كقوم نوح، وعادٍ، وثمود و: ﴿ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ بالكفر؛ لأن من شاهد هذه الحال؛ وجب عليه أنّ يعتبر، وإذا لم يعتبر يستوجب الذَّم والتقريع.
قوله: «وتَبيَّنَ لَكُمْ» فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه، أي حالهم وخبرهم وهلاكهم، و «كَيْفَ» نصب ب «فَعلْنَا» وحملة الاستفهام ليست معمولة ل «تَبيَّنَ؛ لأنه من الأفعال التي لا تعلق، ولا جائز أن يكون:» كَيْفَ» فاعلاً؛ لأنَّها إمَّا شرطية، أو استفهامية وكلاهما لايعمل فيه ما تقدمه، والفاعل لا يتقدَّم عندنا.
وقال بعض الكوفيين: إنَّ جملة: «كَيْفَ فَعلْنَا» هو الفاعل، وهم يجيزون أن تكون الجملة فاعلاً، وقد تقدَّم هذا في قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: 35] .
والعامة على» تَبيَّنَ «فعلاً ماضياً، وقرأ عمر بن الخطاب، والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما في رواية عنهما: «ونُبيِّنُ» بضمِّ النون الأولى والثانية، مضارع: «بيَّن» ، وهو خبر مبتدأ مضمر، والجملة حالٌ، أي: ونحن نبين.
وقرأ السلمي فيما نقل المهدويُّ كذلك إلا أنه سكن النون للجزم نسقاً على» تَكُونُوا «فيكون داخلاً في حيز التقدير.
فصل
والمعنى: عرفتم عقوبتنا إياهم، وضربنا لكم الأمثال في القرآن ممَّا يعلم به أنَّه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التَّعذيب المؤجَّل كما يفعل الهلاك المعجَّل.
قوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ قيل: الضمير عائدٌ إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم.
وقيل: أراد قوم محمد صلى الله عليه سلم لقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ يا محمد، وقد مكروا قومك مكرهم وذلك في قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30] .
وقيل: المراد من هذا المكر ما نقل: أن نمروذاً حاول الصُّعود إلى السماءِ، فاتَّخذ لنفسه تابوتاً، وربط قوائمه الأربعة بأربعة نسورٍ، وكان قد جوَّعها، وجعل لها في جوانب التابوت الأربعة عصياً، وعلم عليها اللحم، ثم جلس مع صاحب له في التابوت، فلمَّا أبصرت النسور اللحم تصاعدت في الجو ثلاثة أيام، وغابت الدنيا عن عين نمروذ، ثمَّ نكَّس العصيّ التي كان عليها اللحم فهبطت النُّسور إلى الأرض.
قال القاضي رَحِمَهُ اللَّهُ:» وهذا بعيد جدًّا؛ لأنَّ الخطر فيه عظيم، ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء فيه خبر، ولا دليل» .
قال القشيري: وهذا جائزٌ بتقدير خلق الحياةِ في الحبالِ، وذكر الماورديُّ عن بان عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أنَّ النمرود بن كعنان بنى الصَّرح في قرية الرسِّ من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع، وخمسة وعشرين ذراعاً، وصعد فيه مع النُّّسور، فلمَّا علم أنه ليس له سبيل إلى السماء اتَّخذ حصناً، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصَّرح علهيم، فهلكوا جميعاً فهذا معنى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ .
قوله: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ يجوز أن يكون هذا المصدر مضافاً لفاعله كالأول بمعنى أنَّ مكرهم الذي مكروه جزاؤه عند الله، أو للمفعول، بمعنى أن عند الله مكرهم الذي يمكرهم به، أي: يعذبهم قالمها الزمخشريُّ.
قال أبو حيان: «وهذا لايصحُّ إلاَّ إن كان» مَكَرَ «يتعدى بنفسه كما قال هو إذ قد يمكرهم به، والمحفوظ أن» مَكَرَ «لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به بنفسه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: 30] وتقول: زيدٌ ممكور به، ولا يحفظ: زيدٌ ممكورٌ بسبب كذا.
قوله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ قرأ العامة بكسر لام» لِتَزولَ «الأولى، والكسائي بفتحها.
فأما القراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّها نافيةٌ، واللام بعدها لام الجحودِ؛ لأنَّها بعد كونٍ منفيّ، وفي» كَانَ «حينئذ قولان:
أحدهما: أنَّها تامَّة، والمعنى؛ تحقير مكرهم، أنَّه ما كان لتزول منه الشَّرائع التي كالجبال في ثبوتها وقوَّتها.
ويؤيد كونها نافية قراءة عبد الله: (وما كان مَكْرُهُمْ) .
القول الثاني: أنَّها ناقصةٌ، وفي خبرها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين، هل هو محذوف، واللام متعلقة به؟ وإليه ذهب البصريون، أو هو اللام، وما جرته كما [هو مذهب] الكوفيين؟ وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران.
الوجه الثاني: أن تكون المخففة من الثقيلة.
قال الزمخشري:» وإن عظم مركهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلاً لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم معدًّا لذلك» .
وقال ابن عطية: «ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة: تعظيم مكرهم، أي: وإن كان شديداً إنما يفعل ليذهب به عظام الامور» ، فمهوم هذين الكلامين أنها مخففةٌ؛ لأنَّه إثبات.
والثالث: أنها شرطيةٌ، وجوابها محذوفٌ، أي: وإن كان مكرهم مقدراً لإزالةِ أشباه الجبال الرَّواسي، وهي المعجزات، والآيات، فالله مجازيهم بمكرهم، وأعظم منه.
وقد رجِّح الوجهان الأخيران على الأوَّل، وهو: أنها نافية؛ لأنَّ فيه معارضة لقراءة الكاسئي في ذلك؛ لأنَّ قراءته تؤذن بالإثبات، وقراءة غيره تؤذن بالنَّفي.
وقد أجاب بعضهم عن ذلك: بأنَّ الجبال في قراءة الكسائي مشار بها إلى أمور عظام غير الإسلام، ومعجزاته لمكرهم صلاحية إزالتها، وفي قراءة الجماعة مشار لها إلى ما جاء به النبيُّ المختار صلوات الله وسلامه عليه من الدين الحق، فلا تعارض إذ لم يتوارد على معنى واحد نفياً، وإثباتاً.
وأمَّا قراءة الكسائيِّ ففي: «إنْ» وجهان:
مذهبُ البصريين أنََّها المخففة واللام فارقة، ومذهب الكوفيين أنَّها نافية، واللام بمعنى: «إلاَّ» وقد تقدَّم تحقيق المذهبين.
وقرأ عمر، وعلي، وعبد الله، وزيد بن علي، وأبو سلمة وجماعة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم (وإن كاد مكرهم لتزول) كقراءة الكسائي، إلاََّ أنهم جعلوا مكان نون: «كَانَ» دالاً، فعل مقاربة، وتخريجها كما تقدَّم، ولكن الزوال غير واقع.
وقرىءك «لَتَزُولَ» بفتح اللامين، وتخريجها على إشاكالها أنها جاءت على لغة من لا يفتح لام كي.
فصل
في الجبال التي عني زوالها بمكرهم وجهان:
أحدهما: جبال الأرض.
الثاني: الإسلامُ، والقرآن؛ لأنَّ ثبوته، ورسوخه كالجبالِ.
وقال االقشيريُّ: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ أي: هو عالم بذلك فيجازيهم، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ لما بين في الآية الأولى أنه ينتصر للمظلوم من الظَّالم بين هاهنا أنه لا يخلف الوعد.
قوله: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾ العامة على إضافة: «مخْلِفَ» إلى «وعْدِهِ» وفيها وجهان:
أظهرهما: أن «مُخْلفَ» يتعدَّى لاثنين كفعله، فقدم المفعول الثاني، وأضيف إليه إسم الفاعل تخفيفاً، نحو: هذا كَاسِي جُبَّةِ زيْدٍ.
قال الفراء وقطرب: لما تعدَّى إليهما جميعاً، لم يبالِ بالتقديم والتأخير.
وقال الزمخشري: فإن قلت: هلاَّ قيل: مُخْلف رسله وعده؟ ولم قدَّم المفعول الثاني على الأول؟ .
قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد، ثم قال: «رُسلهُ» ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، كيف يخلف رسله؟ .
وقال أبو البقاء: هو قريبُ من قولهم: [الرجز]
3244 - يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدَّارِ ... وأنشد بعضهم نظير الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل]
3245 - تَرَى الثَّورَ فِيهَا مُدخِلَ الظلِّ رَأسَهُ ... وسَائرِهُ بَاردٍ إلى الشَّمْسِ أجْمعُ
والحسبان هنا: الأمر [المتيقن] ، كقوله: [الطويل]
3246 - فَلا تَحْسَبنْ أنِّي أضلُّ مَنيَّتِي ... وكُلُّ امرىءٍ كَأسَ الحِمام: ِ يَذُوقُ
الثاني: أنه متعد لواحد، وهو «وعْدهِ» ، وأمَّا «رُسلهُ» فمنصوب بالمصدر فإنَّه ينحلْ بحرف مصدريّ، وفعل تقديره: مخلف ما وعد رسله، ف «ما» مصدريَّة لا بمعنى الذي؟
وقرأت جماعة: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ بنصب: «وَعْدهُ» وجر: رسُلهِ «فصلاً بالمفعول بين المتضايفين، هي كقراءة ابن عامرٍ: ﴿قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُكرائِهِمْ) . قال الزمخشري مجرأة منه:» وهذه في الضعف [كقراءة] (قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُركائِهِمْ) . ثم قال: {إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾ غالب لأهل المكر، ذو انتقام لأوليائه منهم.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ [لما بين أنه عزيز ذو انتقام، بين وقت انتقامه، فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ ] ويجوز في «يَوْمَ» عدة أوجه:
أحدها: أن ينتصب منصوباً ب» انتقام «أي: يقع انتقامه في ذلك اليوم.
الثاني: أن ينتصب ب» اذكُر» .
الثالث: ِأن ينتصب بما يتلخص من معنى عزيز ذو انتقام.
الرابع: أن يكون بدلاً من: «يَوْمَ يَأتِيهِمْ» .
الخامس: أن ينتصب ب: «مُخْلِفَ» .
السادس: أن ينتصب ب «وَعْدِهِ» ، و «إنَّ» وما بعدها اعتراض.
ومنع أبو البقاء هذه الآخرين، قال: «لأن ما قبل» إنَّ «لا يعمل فيما بعدها» .
وهذا غير مانع؛ لأنه كما تقدَّم اعتراض، فلا يبالى به فاصلاً.
فصل
التَّبديلُ يحتمل وجهين:
الأول: أن تكون الذَّات باقية، وتبدل الصفة بصفة أخرى، كما تقول: بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، منه قوله تعالى: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] ، ويقال: بدلَّلتُ قَمِيصِي جُبَّة، إذا قلبت عَيْنَهُ فجعلتهُ جُبَّةٌ، وقال الشاعر: [الطويل]
3247 - فَمَا النَّاسُ بالنَّاسِ الذينَ عَرَفْتهُمْ ... ولا الدَّارُ بالدَّارِ الَّتي أنْتَ تَعْلمُ
الثاني: أنْ تُفني الذات، وتحدث ذاتاً أخرى، كقولك: بدَّلتُ الدَّراهمَ دنَانِيرَ ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] .
وإذا عرفت أن اللفظ محتمل للوجهين ففي الآية قولان:
الأول: قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هي تلك الأرض، إلاَّ أنها تغير صفتها فتسيرُ عنها جبالها، وتفجر أنهارها، وتسوى، فلا ﴿ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 107] وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تُبدَّلُ الأرضُ غيكر الأرْضِ، فيَبْسُطهَا، ويمُدُهَا مدَّ الأدِيم [العكاظي] لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً» وتبدل السموات باتثارِ كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها؛ وخسوف قمرها، وكونها تكن تارة كالمهل، وتارة كالدهان.
والقول الثاني: تبديل الذات. قال ابن مسعود رضي الله عه: تبدل بأرض كالفضَّة البيضاء النَّقية، لم يسفك فيها د مٌ، ولم يعمل عليها خطيئة.
والقائلون بالقول الأول هم الذين يقولون عند قيام القيامةِ: لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنَّما يعدم صفاتها.
وقيل: المراد من تبديل الأرض والسموات: هو أنَّ الله تعالى، يجعل الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة بدليل قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ﴾
[المطففين: 7] وقوله عزَّ وجلَّ ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: 18] .
وقالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: سألتُ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] أيْنَ تكُون النَّاس يَوْمئذٍ؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «على الصِّراطِ» .
وروى ثوبانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أن حبْراً من اليهودِ سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أيْنَ تكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ؟ قال: «هُمْ في الظُّلمةِ دون الجِسْرِ» .
قوله «والسَّمواتِ» تقديره: وتبدل السموات غير السموات.
وقرىء: «نُبَدّلُ» بالنون: «الأرض» نصباً «والسَّمواتِ» نسق عليه.
قوله «وبَرَزُوا» فيه وجهان:
أحدهما: أنها حملةٌ مستأنفة، أي: يبرزون، كذا قدَّره أبو البقاءِ، يعنى أنه ماض يراد به الاستقبال، والأحسن أنه مثل ﴿ونادى أَصْحَابُ النار﴾ [الأعراف: 50] ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: 44] ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [الحجر: 2] ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] لتحقُّّق ذلك.
والثاني: أنها حال من «الأرض» ، و «قَدْ» معها مرادة، قاله أبو البقاءِ ويكون الضمير في: «بَرَزُوا» للخلق دلّ عليه السِّياق، والرَّابط بين الحال، وصاحبها الواو.
وقرأ زيد بن علي «وبُرِّزُوا» بضم الباء، وكسر الرَّاء مشددة عل التَّكثير في الفعل ومفعوله، وتقدَّم الكلام في معنى البروز عند قوله تعالى ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: 21] ، وإنما ذكر «الوَاحدِ القهَّارِ» هنا؛ لأنَّ الملك إذا كان لمالك واحد غالبٍ لا يغلبُ، قهَّار لا يقهر، فلا يستغاث بأحد عغيره، فكان الأمر في غية الصعوبة ولما وصف نفسه تعالى بكونه قهاراً، بيَّن عجزهم، وذلتهم فقال: «وتَرَى المُجْرمينَ» وصفهم بصفات:
الأولى: قوله: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ «يجوز أن يكون حالاً على أنَّ الرؤية بصريّة، وأن يكون مفعولاً ثانياً على أنَّها علمية، و» فِي الأصْفادِ» متعلق به.
وقيل: بمحذوف على أنه حال أو صفة ل «مُقرَّنينَ» » .
والمُقرن: من جمع في القَرَن، وهون الحبل الذي يربط به، قال: [البسيط]
3248 - أوابنُ اللَّبُون إذَا ما لُزَّ فِي قرنٍ ... لَمْ يَستَطعْ صَولةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
وقال آخر: [البسيط]
3248 - ب والخَيْرُ والشَّرُّ مَلْزُوزان في قَرنٍ ... وقال آخر: [البسيط]
3248 - ج إنِّي لَدَى الباب كلمَلزُوزِ في قَرنٍ ... يقال: قَرنْتُ الشَّيء بالشَّيء إذا شددتهُ بِهِ، ووَصلتهُ، والقرنُ: اسم للحَبْلِ الذي يُشَدُّ بِهِ، ونكَّرهُ لِكثرةِ ذلِك.
والأصْفَادُ: جمع صفدٍ، وهو الغلُّ، والقيد، يقال: صَفَدَهُ يَصْفِده صَفْداً، قيَّدهُ، بِهِ، والاسم الصَّفَد، وصفَّدهُ مشدداً للتكثير؛ قال: [الوافر]
3249 - فآبُوا بالنّهَابِ وبالسَّبَايَا ... وأبْنَا بالمُلُوكِ مُصفَّدِينَا
والأصفادُ من الصَّفْد، وأصفْدَه، أي: أعطاه، ففرَّقُوا بين «فَعَل» و «أفْعَلَ» .
وقيل: بل يستعملان في القَيْدِ، والعَطاءِ، قال النابغة الذبياني: [البسيط]
3250 - ... ... ... ... ... ..... فَلمْ أعرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفدِ
أي: بالإعطاءِ، وسمي العطاء صفداً، لأنَّه يُقيَّدُ من يعطيه، منه: أنا مغلول أياديك، أسير نعمتك.
فصل
قيل: يقرن كل كافرٍ مع شيطانٍ في سلسلة، بيانهن قوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [ الصافات: 22] يعنى: قرناءهم من الشَّياطين، وقوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: 7] . أي قرنت.
وقيل: مقرونة أيديهم، وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد أي: بالقيود.
قوله: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من «المُجْرمينَ» وإمَّا من: «مُقرَّنِينَ» ، وإما من ضميره، ويجوز أن تكون مستأنفة وهو الظاهر.
والسَّرابِيلُ: الثِّيابُ، وسَرْبلتهُ، أي: ألْبَستهُ السِّربالَ؛ قال: [السريع]
3251 - ... ... ... ... ... ... . ... أوْدَى بِنعْليَّ وسِرْبَالِيَه
وتطلق على ما يحصن في الحرب من الدِّرع، وشبهه قال تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: 8] .
والقَطرانُ: ما يستخرج منن شجر يسمَّى الأبهل، فيطبخ ويطلى به الإبل الجُرْب ليذهب جربها [بحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار] ، وهو أسود اللَّون منتن الرَّائحةِ، وفيه لغاتٌ: «قِطرانٍ» بفتح القاف وكمسر الطاء، وهي قراءة العامة.
و «قَطْران» بزنة سكران، وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وقال أبو النَّجْم: [الرجز]
3252 - لَبَّسَهُ القَطْرانَ والمُسُوحَا ... و «قِطْرَان» بكسر القاف، وسكون الطاء بزنة «سِرْحَان» ولم يقرأ بها فيما علمتُ.
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: وقرأ جماعة كثيرة منهم عليُّ بن أبي طالب وةابن عباس، وأبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «قَطِرِ» بفتح الْقاف، وكسرها وتنوين الراء «آنٍ» بوزن «عَانٍ» جعلوها كلمتين، والقَطِر: النَّحاس، وال «آنِ» اسم فالع من أنَى يأني، أي: تَناهى في الحرارةِ؛ كقوله تعالى: ﴿بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: 44] .
وعن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ليس بالطقران، ولكنَّه النحاس الذي يصير بلونه.
قال ابن الأنباري: «تلك النَّار لا تبطل ذلك القطران، ولا تفنيه، كما لا تهلك أجسادهم النَّار، والأغلال التي عليهم» .
واعلم أنه يطلى بذلك القطران جلود أهل النَّار حتَّى يصير ذلك الطِّلاء كالسِّربال، وهو القميص، فيحصل بسببه أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران وحرقته، وإسراع النَّار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الرِّحِ، وأيضاً: التفاوت بين قطران القيامة، وقطران الدنيا كالتَّفاوت بين النارين.
قوله: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ قرىٍ «وتَغَشَّى» بتشديد الشِّين، أي: وتتغشى فحذفت إحدى التَّاءين.
وقرىء برفع: «وُجوهُهُم» ونصب «النَّار» على سبيل المجازِ، جعل ورود الوجوه النار غشياناً.
والجملة من قوله: «وتَغْشَى» قال أبو البقاءِ: «حال أيضاً» .
يعني أنَّها معطوفة على الحالِ، ولا يعني أنَّها حال، والواو للحال، لأنَّه مضارع مثبت.
فصل
المعنى: [تعلو] النَّار وجوههم، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب﴾ [الزمر: 24] وقوله: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] .
واعلم أنَّ موضع المعرفة والنَّكرة، والعلم، والجهل هـ والقلبُ، وموضع الفكر، والوهم والخيال هو الرَّأس، وتأثير هذه الأحوال يظهر في الوجه، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما، قال الله تعالى [في القلب] : ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ [الهمزة: 6، 7] وقال تعالى في الوجه: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ .
قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ في هذه الأيام وجهان:
أظهرهما: أنَّها تتعلق ب «بَرَزُوا» وعلى هذا فقوله: «وتَرَى» جلمة معترضة بين المتعلق، والمتعلق به.
والثاني: أنها تتعلق بمحذوف، أي: فعلنا بالمجرمين، ذلك ليجزي كل نفس لأنه إذا عاقب المجرم؛ أثاب الطَّائع.
قال الواحدي: «المرادُ: أنفسُ الكفَّار؛ لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهعل الإيمان، ويمكن إجراء اللفظ على عمومه، وأنه تعالى يجزي كلَّ نفسٍ ما كسبتن من عملها اللائق بها، فيجزي الكفار بهذا العقاب المذكور، ويجزي المؤمن المطيع الثَّواب وأيضاً، فالله تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم، فلأن يثيب المطيعين أولى» .
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ أي: لا يظلمهم، ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقه.
قوله تعالى: ﴿هذا بَلاَغٌ﴾ إشارة إلى ما تقدَّم من قوله: «ولا تحْسَبنَّ» إلى هنا، أو إلى كلِّ القرآن، نزل منزلة الحاضر بلاغ، أي: كافية في الموعظة.
قوله تعالى: ﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه متعلقٌ بمحذوف، أي: ولينذروا أنزلنا عليك.
الثاني: [أنه معطوف على محذوف، وذلك المحذوف متعلق ب «بلاغ» ، تقديره: لينصحوا ولينذروا] .
الثالث: أن الواو مزيدة: «ولِيُنْذَرُوا» متعلق ب «بَلاغٌ» ، وهو رأي الأخفش نقله الماورديُّ.
الرابع: أنه محمولٌ على المعنى، أي: ليبلغوا، ولينذروا.
الخامس: أن اللام لام الأمر، وهو حسنٌ، لولا قوله: «ولِيَذَكَّرَ» فإن منصوب فقط.
قال شهاب الدين: قال بعضهم: لا محذور في ذلك، فإن قوله: «لِيَذَّكرَ» ليس معطوفاً على ما تقدمه، بل متعلق بفعل مقدر، أي: وليذكر أنزلناه وأوحيناه.
السادس: أ، هـ خبر لمبتدأ مضمر، التقدير: هذا بلاغ، وهو لينذروا قاله ابن عطيَّة.
السابع: أنه عطف مفرداً على مفردٍ، أي: هذا بلاغ وإنذار، قاله المبردُ وهو تفسير معنى لا إعراب.
الثامن: أنه معطوف على قوله: «يُخْرجَ النَّاسَ» في أول السورة، وهذا غريب جدًّا.
التاسع: قال أبو البقاء: «المعنى هذا بلاغٌ للنَّاسِ، والإنذارُ متعلق بالبلاغ أو بمحذوف إذا جعلت النَّاس صفة.
ويجوز أن يتعلق بمحذوف، وتقديره: ولينذروا به أنزل، أو تلي» .
قال شهاب الدين: «فيؤدّي التقدير إلى أن يبقى التركيب: هذا بلاغ للإنذار والإنذار لا يتأتي فيه ذلك» .
وقرأ العامة: «لِيُنذَرُوا» مبنيًّا للمفعول. وقرأ مجاهدٌ وحميد بن قيس: «ولتُنْذِرُوا» بتاء مضمومة، وكسر الذال كأن البلاغ للعموم، والإنذار للمخاطبين، وقرأ يحيى بن عمارة الدراع من أبيه وأحمد
بن يزيد بن أسيد السلمي «ولِيَنْذَرُوا» بفتح الياء والذال من نَذرَ بالشَّيء، أي: علم به فاستعد له.
قالوا: ولو لم يعرف مصدر فهو ك «عَسَى» ، وغيرها من الأفعال التي لا مصارد لها.
فصل
معنى «لِيُنْذَرُوا» أي: وليخوفوا به ﴿وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ أي: يستدلُّوا بهذه الآيات على وحدانيَّة الله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي: يتّعظ أولو العقول.
قال القاضي: أول هذه السورة، وأخرها يدلُّ على أنَّ العبد مستقل بفعله إن شاء أطاعه، وإن شاء عصى.
أمَّا أوَّل هذه السورة فقوله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [إبراهيم: 1] وقد ذكرناه هناك.
وأمَّا آخر السورة فقوله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ يدلُّ على أنَّه تعالى إنَّما أنزل هذه السورة، وذكر هذه المواعظ؛ لأجل أن ينتفع بها الخلق؛ ليصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر والمعصية، وقد تقدم جوابه.
روى أبو أمامة عن أبي بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة إبْرَاهِيم أعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشر حَسناتٍ بِعدَدِ مَنْ عَبدَ الأصْنامَ، ومَنْ لَمْ يَعْبُدهَا» .
سورة الحجر
إبراهيم 14:48
قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ لما بين دلائل التَّوحيد ثمَّ حكاى عن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنه طلب من الله العظيم أن يصونه عن الشرك، وأن يوفقه للأعمال الصَّالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة، ذكر بعده ما يدل على وجود القيامة، فهو قوله عزَّ وجلَّ ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ وذلك تنبيه على أنَّه تبارك وتعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظَّالم للزم إمَّا أن يكون غافلاً عن ذلك الظَّالم، أو عاجزاً عن الانتقام، أو كان راضياً بذلك الظُّلم ولما كانت الغفلة، والعجز، والرِّضا بالظُّلم محالاً على الله امتنع أن لاينتقم من الظَّالم للمظلوم.
فإن قيل: كيف يليقُ بالرَّسُول صلوات الله وسلامه عليه أن يحسب الله عزَّ وجلَّ موصوفاً بالغفلةِ؟ .
فالجواب من وجوه:
الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب إن كان غافلاً، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: 14] ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [القصص: 88] .
والثاني: المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظالم، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً للك أحد لا جرم كان عدمُ الانتقام محالاً.
الثالث: أنَّ المراد: ولا تحسبنه يعاملهم الله معاملة الغافل عمَّا يعملون، ولكن معالمة الرَّقيب عليهم المحاسب على النقير، والقطمير.
الرابع: أنَّ هذا الخطاب، وإن كان خطاباً للنبِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الظاهر إلا أنه خطاب مع الأمَّة.
قال سفيان بن عيينة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هذا تسلية للمظلوم، وتهديد للظَّالم.
قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: لأجل يوم، فاللام للعلَّة.
وقيل: بمعنى «إلى» أي: للغاية.
وقرأ العامة «يُؤخِّرهُمْ» بالياء، لتقدم اسم الله تعالى. وقرأ الحسن والسلمي، والأعرج، [وخلائق] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «نُؤخِّرهُم» بنون العظمة.
ويروى عن أبي عمرو «نُؤخِّرُهمْ» بنون العظمة.
و «تَشْخَصُ» صفلة ل «يَوْمِ» . ومعنى شُخُوصِ البصرِ حدَّةُ النَّظر، وعدم استقراره في مكانه، ويقال: شَخَصَ سَمْعُه، وبَصَرُه، وأشْخَصَهُمَا صَاحِبهُما، وشَخَصَ بَصَره، أي: لم يطرف جفنهُ، وشخوص البصر يدلُّ على الحيرة والدهشة، ويقال: شخص من بلده أي: بعد والشخصُ: سواد الإنسان المرئيّ من بعيد.
قوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ حالان من المضاف المحذوف إذا التقدير: أصحاب الأبصار، إذا يقال: شَخَسَ زَيْدٌ بصرهُ، أو تكون الأبصار دلَّت على أربابها فجاءت الحال من المدلول عليه، قالهما أبو البقاءِ.
وقيل: «مُهْطِعين» منصوب بفعل مقدر، أي: تبصرهم مهطعين، ويجوز في «مُقْنِعِي» أن يكون حالاً من الضمير في: «مُهْطِعِينَ» فيكون حالاً، وإضافة: «مُقْنِعِي» غير حقيقة؛ فلذلك وقع حالاً.
والإهْطَاعُ: قيل: الإسرْاعُ في المشيِ؛ قال: [البسيط] 3235 - إذَا دَعانَا فأهْطَعْنَا لِدَعْوتهِ ... دَاعٍ سَمِيعٌ فَلفُّونَا وسَاقُونَا
وقال: [الكامل]
3236 - وبِمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنَّ عِنانَهُ ... فِي رَأْسِ جِذْعٍ ... ... ... ... ... ... ...
وقال أبو عبيدة: قد يكون الإسراع [مع] إدامة النَّظر.
وقال الراغب: «هَطَعَ» الرَّجلُ بِبصَرهِ إذَا صَوَّبهُ، وبَعِيرٌ مُهْطِعٌ إذا صوَّب عُنُقهُ» .
وقال الأخفش: هُو الإقْبَالُ على الإصغاءِ، وأنشد: [الوافر]
3237 - بِدجْلةَ دَراهُم ولقَدْ أرَاهُمْ ... بِدجْلةَ مُهْطِعينَ إلى السَّماعِ
والمعنى: مُقبلينَ برءوسهم إلى سماعِ الدَّاعِي.
وقال ثعلبٌ: «هَطَعَ الرَّجلُ إذا نظرَ بذُلِّ وخُشوعٍ لا يقلع بِبصَره إلى السماء» . وهذا موافقٌ لقول أبي عبيدة؛ فقد سمع فيه: «أهْطََعَ وهَطَعَ» رباعيًّا وثلاثيًّا.
والإقناعُ: رفع الرَّأسِ، وإدامة النَّظر من غير التفات إلى شغيره، قاله القتبيُّ، وابنُ عرفة.
ومنه قوله يصف إبلاً ترعى أعالي الشَّجر؛ فترفع رءوسها: [الوافر]
3238 - يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بِمُقنَعَاتٍ ... نَواجِذُهُنَّ كالحِدَإ الوَقِيعِ
ويقال: أقْنَعَ رأسه، أي: طأطأها، ونكَّسها فهو من الأضداد، والقَناعةُ: الاجتزاءُ باليسيرِ، ومعنى قَنَعَ عن كذا: أي: رفع رأسه عن السؤال. وفَمٌ مُقَنَّعٌ: معطوف الأسنان إليه داخلة، ورجُلٌّ مُقنَّعٌ بالتشديد، ويقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً، وقَنَعاً، إذا رَضِيَ، وقنع قُنُوعاً، إذا سَألَ، [فوقع] الفرق بالمصدر.
وقال الراغب: قال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناعِ، وهو ما يُغطِّي الرَّأس والقَانِعُ: من يَلِجُّ في السؤال فيرضى بِما يَأتيهِ، كقوله: [الوافر]
3239 - لَمَالُ المَرْءِ يًصْلِحُه فيُغْنِي ... مَفَاقِرهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ
ورجل مقنَّعٌ: تَقنَّعَ بِهِ؛ قال: [الطويل]
3240 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... شُهُودِي على ليْلَى عُدولٌ مَقانِعُ
ومنى الآية: أنَّ المعتاد فيمن شاهد البلاء أنَّه يطرق رأسه عنه لئلا يراه، فبين تعالى أنَّ حالهم بخلاف هذا المعتاد، وأنهم يرفعون رءوسهم.
والرُّءُوسُ: جمعُ رأسِ، وهو مؤنَّثٌ، ويُجمع في القلَّةِ على أرؤس، وفي الكثرة على» رُءُوس «والأرَاسُ: العظيم الرأس، ويعبر به عن الرَّجل العظيم كالوجه، والرِّسُّ مشتقًّ من ذلك ورِيَاسُ السَّيف مقبضه، وشاةٌ رَأْسَى: أسودَّتْ رأسَها.
قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ في محل نصب على الحال من الضمير في:» مُقْنِعِي» ويجوزو أن يكون بدلاً من: «مُقْنِعِي» ، كذا قاله أبو البقاء، يعني أنه يحل محله، ويجوز أن يكون استئنافاً، والطرف في الأصل مصدر، وأطلق على الفاعل، كقولهم: «مَا فِيهِمْ عينٌ تَطْرف» ، الطَّرفُ هنا: العَيْنُ قال الشاعر: [الكامل]
3241 - وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدتْ لِي جَارتِي ... حتَّى يُوارِي جَارتِي مَاوَاهَا
والطَّرفُ: الجِفْنُ أيضاً، يقال: ما طبق طرفهُ، أي: حفنهُ على الآخر، الطَّرفُ أيضاً: تحركُ الجِفْنِ.
ومعنى الآية: دوام ذلك الشُّخوصِ.
قوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ » يجوز أن يكون استئنافاً، وأن يكون حالاً، والعامل فيه إمَّا «يَرتَدُّ» وإمَّا ما قبله من العوامل، وأفرد: «هَواءٌ» ، وإن كان خبراً عن جمع؛ لأنَّه في معنى فارغة متجوفة، ولو لم يقصد ذلك لقال: أهوية ليطابق الخبر مبتدأه» .
والهَواءُ: الخَالِي من الأجسامِ ويُعبَّرُ به عن الجُبْنِ، يقال: جوفهُ هواء، أي: فارغ؛ قال زهيرٌ: [الوافر] 3242 - كَانَّ الرَّجلَ مِنْهَا فوقَ صَعْل ... مِنَ الظِّلمانِ جُؤجؤهُ هَواءُ
وقال حسَّان بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
3243 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فانْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَواءُ
النَّخْبُ: الذي أخذت نخبته أي: خِيارهُ، ويقال: قلب فلانٍ هواء: إذا كان جَباناً للقوة في قلبه.
والمعنى: أنَّ قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جمع الخواطر، والأفكار لعظم ما نالهم من الحيرة لما تحقَّقوهُ من العذاب، وخيالة من كلِّ سرور لكثرة ما هم فيه من الحزِنِ.
قوله: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ قال أبو البقاء: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ معفول ثان ل: «أنْذر» ، أي: خوفهم عذاب يوم، وكذا قاله الزمخشريُّ.
وفيه نظرٌ، إذ يؤول إلى قولك: أنذرهم عذاب يوم يأتيهم العذاب، ولا حاجة إلى ذلك، ولا جائز أن يكون ظرفاً؛ لأنَّ ذلك اليوم لا إنذار فيه سواء قيل: إنه يوم القيامة، أو يوم هلاكهم، أو يوم تلقاهم الملائكةُ.
والألف واللام في: «العَذابُ» للمعهود السَّابق، أي: وأنذرهم يوم يأتيهم العذاب الذي تقدَّم ذكره، وهو شخوصُ الأبصار، وكونهم مهطعين مقنعي رءوسهم.
فصل
حمل أبو مسلم قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ على أنه حال المعاينة، لأنَّ هذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولاا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ [المنافقون: 10] ، وظاهر الآية يشهد بخلافه؛ لأنه تعالى وصف اليوم بأن العذاب يأتيهم فيه، وأنهم يسألون الرجعة، ويقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ ؟ ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة.
ثمَّ حكى تعالى عنهم ما يقولون في ذلك اليوم: ﴿فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال بعضهم: طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرَّطوا فيه.
وقيل: طلبوا الرُّجوع إلى حال التَّكليف لقولهم: ﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾ ، فقوله: «نُجِبْ» جواب الأمرِ.
قوله: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ قال الزمشخري: «على إرادة القول وفيه وجهان: أن تقولوا ذلك أشراً وبطراً، أو تقولوه بلسان الحال حيث بنوة شديداً، وأملوا بعيداً» .
و «مَا لكُمْ» جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب لقوله: «أقْسَمْتُمْ» ، ولو جاء بلفظ المقسمين لقيل: «مَا لنَا» .
وقدَّر أبو حيَّان ذلك القول هنا من قول الله عزَّ وجلَّ أو الملائكة عليهم السلام أي: فيقال لهم: «أو لم تكونوا» ، وهوأظهر من الأول، أعني؟ : جريان القول من غيرهم لا منهم، والمعنى: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ أراد قوله:
﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: 109] إلى غير ذلك ممَّا كانوا ينكرونه.
قوله: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ وأصل «سَكَنَ» التَّعدي ب «في» كما في هذه الآية، وقد يتعدى بنفسه.
قال الزمخشريُّ: «السكنى من السكونِ الذي هو اللَّبثُ، من الأصل تعديه ب» في «كقولك: قرَّ في الدَّارِ وأقام فيِهَا، ولكنَّه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه، فقيل: سكن الدَّار كما قيل: تَبَوَّأها، وأوطنَها، ويجوز أن يكون من السُّكونِ، أي: قرُّوا فيها واطمأنُوا» .
والمعنى: وسكنتم في مساكن الذين كفورا قبلكم كقوم نوح، وعادٍ، وثمود و: ﴿ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ بالكفر؛ لأن من شاهد هذه الحال؛ وجب عليه أنّ يعتبر، وإذا لم يعتبر يستوجب الذَّم والتقريع.
قوله: «وتَبيَّنَ لَكُمْ» فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه، أي حالهم وخبرهم وهلاكهم، و «كَيْفَ» نصب ب «فَعلْنَا» وحملة الاستفهام ليست معمولة ل «تَبيَّنَ؛ لأنه من الأفعال التي لا تعلق، ولا جائز أن يكون:» كَيْفَ» فاعلاً؛ لأنَّها إمَّا شرطية، أو استفهامية وكلاهما لايعمل فيه ما تقدمه، والفاعل لا يتقدَّم عندنا.
وقال بعض الكوفيين: إنَّ جملة: «كَيْفَ فَعلْنَا» هو الفاعل، وهم يجيزون أن تكون الجملة فاعلاً، وقد تقدَّم هذا في قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: 35] .
والعامة على» تَبيَّنَ «فعلاً ماضياً، وقرأ عمر بن الخطاب، والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما في رواية عنهما: «ونُبيِّنُ» بضمِّ النون الأولى والثانية، مضارع: «بيَّن» ، وهو خبر مبتدأ مضمر، والجملة حالٌ، أي: ونحن نبين.
وقرأ السلمي فيما نقل المهدويُّ كذلك إلا أنه سكن النون للجزم نسقاً على» تَكُونُوا «فيكون داخلاً في حيز التقدير.
فصل
والمعنى: عرفتم عقوبتنا إياهم، وضربنا لكم الأمثال في القرآن ممَّا يعلم به أنَّه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التَّعذيب المؤجَّل كما يفعل الهلاك المعجَّل.
قوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ قيل: الضمير عائدٌ إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم.
وقيل: أراد قوم محمد صلى الله عليه سلم لقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ يا محمد، وقد مكروا قومك مكرهم وذلك في قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30] .
وقيل: المراد من هذا المكر ما نقل: أن نمروذاً حاول الصُّعود إلى السماءِ، فاتَّخذ لنفسه تابوتاً، وربط قوائمه الأربعة بأربعة نسورٍ، وكان قد جوَّعها، وجعل لها في جوانب التابوت الأربعة عصياً، وعلم عليها اللحم، ثم جلس مع صاحب له في التابوت، فلمَّا أبصرت النسور اللحم تصاعدت في الجو ثلاثة أيام، وغابت الدنيا عن عين نمروذ، ثمَّ نكَّس العصيّ التي كان عليها اللحم فهبطت النُّسور إلى الأرض.
قال القاضي رَحِمَهُ اللَّهُ:» وهذا بعيد جدًّا؛ لأنَّ الخطر فيه عظيم، ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء فيه خبر، ولا دليل» .
قال القشيري: وهذا جائزٌ بتقدير خلق الحياةِ في الحبالِ، وذكر الماورديُّ عن بان عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أنَّ النمرود بن كعنان بنى الصَّرح في قرية الرسِّ من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع، وخمسة وعشرين ذراعاً، وصعد فيه مع النُّّسور، فلمَّا علم أنه ليس له سبيل إلى السماء اتَّخذ حصناً، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصَّرح علهيم، فهلكوا جميعاً فهذا معنى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ .
قوله: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ يجوز أن يكون هذا المصدر مضافاً لفاعله كالأول بمعنى أنَّ مكرهم الذي مكروه جزاؤه عند الله، أو للمفعول، بمعنى أن عند الله مكرهم الذي يمكرهم به، أي: يعذبهم قالمها الزمخشريُّ.
قال أبو حيان: «وهذا لايصحُّ إلاَّ إن كان» مَكَرَ «يتعدى بنفسه كما قال هو إذ قد يمكرهم به، والمحفوظ أن» مَكَرَ «لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به بنفسه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: 30] وتقول: زيدٌ ممكور به، ولا يحفظ: زيدٌ ممكورٌ بسبب كذا.
قوله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ قرأ العامة بكسر لام» لِتَزولَ «الأولى، والكسائي بفتحها.
فأما القراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّها نافيةٌ، واللام بعدها لام الجحودِ؛ لأنَّها بعد كونٍ منفيّ، وفي» كَانَ «حينئذ قولان:
أحدهما: أنَّها تامَّة، والمعنى؛ تحقير مكرهم، أنَّه ما كان لتزول منه الشَّرائع التي كالجبال في ثبوتها وقوَّتها.
ويؤيد كونها نافية قراءة عبد الله: (وما كان مَكْرُهُمْ) .
القول الثاني: أنَّها ناقصةٌ، وفي خبرها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين، هل هو محذوف، واللام متعلقة به؟ وإليه ذهب البصريون، أو هو اللام، وما جرته كما [هو مذهب] الكوفيين؟ وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران.
الوجه الثاني: أن تكون المخففة من الثقيلة.
قال الزمخشري:» وإن عظم مركهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلاً لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم معدًّا لذلك» .
وقال ابن عطية: «ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة: تعظيم مكرهم، أي: وإن كان شديداً إنما يفعل ليذهب به عظام الامور» ، فمهوم هذين الكلامين أنها مخففةٌ؛ لأنَّه إثبات.
والثالث: أنها شرطيةٌ، وجوابها محذوفٌ، أي: وإن كان مكرهم مقدراً لإزالةِ أشباه الجبال الرَّواسي، وهي المعجزات، والآيات، فالله مجازيهم بمكرهم، وأعظم منه.
وقد رجِّح الوجهان الأخيران على الأوَّل، وهو: أنها نافية؛ لأنَّ فيه معارضة لقراءة الكاسئي في ذلك؛ لأنَّ قراءته تؤذن بالإثبات، وقراءة غيره تؤذن بالنَّفي.
وقد أجاب بعضهم عن ذلك: بأنَّ الجبال في قراءة الكسائي مشار بها إلى أمور عظام غير الإسلام، ومعجزاته لمكرهم صلاحية إزالتها، وفي قراءة الجماعة مشار لها إلى ما جاء به النبيُّ المختار صلوات الله وسلامه عليه من الدين الحق، فلا تعارض إذ لم يتوارد على معنى واحد نفياً، وإثباتاً.
وأمَّا قراءة الكسائيِّ ففي: «إنْ» وجهان:
مذهبُ البصريين أنََّها المخففة واللام فارقة، ومذهب الكوفيين أنَّها نافية، واللام بمعنى: «إلاَّ» وقد تقدَّم تحقيق المذهبين.
وقرأ عمر، وعلي، وعبد الله، وزيد بن علي، وأبو سلمة وجماعة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم (وإن كاد مكرهم لتزول) كقراءة الكسائي، إلاََّ أنهم جعلوا مكان نون: «كَانَ» دالاً، فعل مقاربة، وتخريجها كما تقدَّم، ولكن الزوال غير واقع.
وقرىءك «لَتَزُولَ» بفتح اللامين، وتخريجها على إشاكالها أنها جاءت على لغة من لا يفتح لام كي.
فصل
في الجبال التي عني زوالها بمكرهم وجهان:
أحدهما: جبال الأرض.
الثاني: الإسلامُ، والقرآن؛ لأنَّ ثبوته، ورسوخه كالجبالِ.
وقال االقشيريُّ: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ أي: هو عالم بذلك فيجازيهم، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ لما بين في الآية الأولى أنه ينتصر للمظلوم من الظَّالم بين هاهنا أنه لا يخلف الوعد.
قوله: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾ العامة على إضافة: «مخْلِفَ» إلى «وعْدِهِ» وفيها وجهان:
أظهرهما: أن «مُخْلفَ» يتعدَّى لاثنين كفعله، فقدم المفعول الثاني، وأضيف إليه إسم الفاعل تخفيفاً، نحو: هذا كَاسِي جُبَّةِ زيْدٍ.
قال الفراء وقطرب: لما تعدَّى إليهما جميعاً، لم يبالِ بالتقديم والتأخير.
وقال الزمخشري: فإن قلت: هلاَّ قيل: مُخْلف رسله وعده؟ ولم قدَّم المفعول الثاني على الأول؟ .
قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد، ثم قال: «رُسلهُ» ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، كيف يخلف رسله؟ .
وقال أبو البقاء: هو قريبُ من قولهم: [الرجز]
3244 - يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدَّارِ ... وأنشد بعضهم نظير الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل]
3245 - تَرَى الثَّورَ فِيهَا مُدخِلَ الظلِّ رَأسَهُ ... وسَائرِهُ بَاردٍ إلى الشَّمْسِ أجْمعُ
والحسبان هنا: الأمر [المتيقن] ، كقوله: [الطويل]
3246 - فَلا تَحْسَبنْ أنِّي أضلُّ مَنيَّتِي ... وكُلُّ امرىءٍ كَأسَ الحِمام: ِ يَذُوقُ
الثاني: أنه متعد لواحد، وهو «وعْدهِ» ، وأمَّا «رُسلهُ» فمنصوب بالمصدر فإنَّه ينحلْ بحرف مصدريّ، وفعل تقديره: مخلف ما وعد رسله، ف «ما» مصدريَّة لا بمعنى الذي؟
وقرأت جماعة: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ بنصب: «وَعْدهُ» وجر: رسُلهِ «فصلاً بالمفعول بين المتضايفين، هي كقراءة ابن عامرٍ: ﴿قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُكرائِهِمْ) . قال الزمخشري مجرأة منه:» وهذه في الضعف [كقراءة] (قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُركائِهِمْ) . ثم قال: {إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾ غالب لأهل المكر، ذو انتقام لأوليائه منهم.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ [لما بين أنه عزيز ذو انتقام، بين وقت انتقامه، فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ ] ويجوز في «يَوْمَ» عدة أوجه:
أحدها: أن ينتصب منصوباً ب» انتقام «أي: يقع انتقامه في ذلك اليوم.
الثاني: أن ينتصب ب» اذكُر» .
الثالث: ِأن ينتصب بما يتلخص من معنى عزيز ذو انتقام.
الرابع: أن يكون بدلاً من: «يَوْمَ يَأتِيهِمْ» .
الخامس: أن ينتصب ب: «مُخْلِفَ» .
السادس: أن ينتصب ب «وَعْدِهِ» ، و «إنَّ» وما بعدها اعتراض.
ومنع أبو البقاء هذه الآخرين، قال: «لأن ما قبل» إنَّ «لا يعمل فيما بعدها» .
وهذا غير مانع؛ لأنه كما تقدَّم اعتراض، فلا يبالى به فاصلاً.
فصل
التَّبديلُ يحتمل وجهين:
الأول: أن تكون الذَّات باقية، وتبدل الصفة بصفة أخرى، كما تقول: بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، منه قوله تعالى: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] ، ويقال: بدلَّلتُ قَمِيصِي جُبَّة، إذا قلبت عَيْنَهُ فجعلتهُ جُبَّةٌ، وقال الشاعر: [الطويل]
3247 - فَمَا النَّاسُ بالنَّاسِ الذينَ عَرَفْتهُمْ ... ولا الدَّارُ بالدَّارِ الَّتي أنْتَ تَعْلمُ
الثاني: أنْ تُفني الذات، وتحدث ذاتاً أخرى، كقولك: بدَّلتُ الدَّراهمَ دنَانِيرَ ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] .
وإذا عرفت أن اللفظ محتمل للوجهين ففي الآية قولان:
الأول: قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هي تلك الأرض، إلاَّ أنها تغير صفتها فتسيرُ عنها جبالها، وتفجر أنهارها، وتسوى، فلا ﴿ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 107] وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تُبدَّلُ الأرضُ غيكر الأرْضِ، فيَبْسُطهَا، ويمُدُهَا مدَّ الأدِيم [العكاظي] لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً» وتبدل السموات باتثارِ كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها؛ وخسوف قمرها، وكونها تكن تارة كالمهل، وتارة كالدهان.
والقول الثاني: تبديل الذات. قال ابن مسعود رضي الله عه: تبدل بأرض كالفضَّة البيضاء النَّقية، لم يسفك فيها د مٌ، ولم يعمل عليها خطيئة.
والقائلون بالقول الأول هم الذين يقولون عند قيام القيامةِ: لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنَّما يعدم صفاتها.
وقيل: المراد من تبديل الأرض والسموات: هو أنَّ الله تعالى، يجعل الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة بدليل قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ﴾
[المطففين: 7] وقوله عزَّ وجلَّ ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: 18] .
وقالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: سألتُ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] أيْنَ تكُون النَّاس يَوْمئذٍ؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «على الصِّراطِ» .
وروى ثوبانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أن حبْراً من اليهودِ سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أيْنَ تكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ؟ قال: «هُمْ في الظُّلمةِ دون الجِسْرِ» .
قوله «والسَّمواتِ» تقديره: وتبدل السموات غير السموات.
وقرىء: «نُبَدّلُ» بالنون: «الأرض» نصباً «والسَّمواتِ» نسق عليه.
قوله «وبَرَزُوا» فيه وجهان:
أحدهما: أنها حملةٌ مستأنفة، أي: يبرزون، كذا قدَّره أبو البقاءِ، يعنى أنه ماض يراد به الاستقبال، والأحسن أنه مثل ﴿ونادى أَصْحَابُ النار﴾ [الأعراف: 50] ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: 44] ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [الحجر: 2] ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] لتحقُّّق ذلك.
والثاني: أنها حال من «الأرض» ، و «قَدْ» معها مرادة، قاله أبو البقاءِ ويكون الضمير في: «بَرَزُوا» للخلق دلّ عليه السِّياق، والرَّابط بين الحال، وصاحبها الواو.
وقرأ زيد بن علي «وبُرِّزُوا» بضم الباء، وكسر الرَّاء مشددة عل التَّكثير في الفعل ومفعوله، وتقدَّم الكلام في معنى البروز عند قوله تعالى ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: 21] ، وإنما ذكر «الوَاحدِ القهَّارِ» هنا؛ لأنَّ الملك إذا كان لمالك واحد غالبٍ لا يغلبُ، قهَّار لا يقهر، فلا يستغاث بأحد عغيره، فكان الأمر في غية الصعوبة ولما وصف نفسه تعالى بكونه قهاراً، بيَّن عجزهم، وذلتهم فقال: «وتَرَى المُجْرمينَ» وصفهم بصفات:
الأولى: قوله: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ «يجوز أن يكون حالاً على أنَّ الرؤية بصريّة، وأن يكون مفعولاً ثانياً على أنَّها علمية، و» فِي الأصْفادِ» متعلق به.
وقيل: بمحذوف على أنه حال أو صفة ل «مُقرَّنينَ» » .
والمُقرن: من جمع في القَرَن، وهون الحبل الذي يربط به، قال: [البسيط]
3248 - أوابنُ اللَّبُون إذَا ما لُزَّ فِي قرنٍ ... لَمْ يَستَطعْ صَولةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
وقال آخر: [البسيط]
3248 - ب والخَيْرُ والشَّرُّ مَلْزُوزان في قَرنٍ ... وقال آخر: [البسيط]
3248 - ج إنِّي لَدَى الباب كلمَلزُوزِ في قَرنٍ ... يقال: قَرنْتُ الشَّيء بالشَّيء إذا شددتهُ بِهِ، ووَصلتهُ، والقرنُ: اسم للحَبْلِ الذي يُشَدُّ بِهِ، ونكَّرهُ لِكثرةِ ذلِك.
والأصْفَادُ: جمع صفدٍ، وهو الغلُّ، والقيد، يقال: صَفَدَهُ يَصْفِده صَفْداً، قيَّدهُ، بِهِ، والاسم الصَّفَد، وصفَّدهُ مشدداً للتكثير؛ قال: [الوافر]
3249 - فآبُوا بالنّهَابِ وبالسَّبَايَا ... وأبْنَا بالمُلُوكِ مُصفَّدِينَا
والأصفادُ من الصَّفْد، وأصفْدَه، أي: أعطاه، ففرَّقُوا بين «فَعَل» و «أفْعَلَ» .
وقيل: بل يستعملان في القَيْدِ، والعَطاءِ، قال النابغة الذبياني: [البسيط]
3250 - ... ... ... ... ... ..... فَلمْ أعرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفدِ
أي: بالإعطاءِ، وسمي العطاء صفداً، لأنَّه يُقيَّدُ من يعطيه، منه: أنا مغلول أياديك، أسير نعمتك.
فصل
قيل: يقرن كل كافرٍ مع شيطانٍ في سلسلة، بيانهن قوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [ الصافات: 22] يعنى: قرناءهم من الشَّياطين، وقوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: 7] . أي قرنت.
وقيل: مقرونة أيديهم، وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد أي: بالقيود.
قوله: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من «المُجْرمينَ» وإمَّا من: «مُقرَّنِينَ» ، وإما من ضميره، ويجوز أن تكون مستأنفة وهو الظاهر.
والسَّرابِيلُ: الثِّيابُ، وسَرْبلتهُ، أي: ألْبَستهُ السِّربالَ؛ قال: [السريع]
3251 - ... ... ... ... ... ... . ... أوْدَى بِنعْليَّ وسِرْبَالِيَه
وتطلق على ما يحصن في الحرب من الدِّرع، وشبهه قال تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: 8] .
والقَطرانُ: ما يستخرج منن شجر يسمَّى الأبهل، فيطبخ ويطلى به الإبل الجُرْب ليذهب جربها [بحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار] ، وهو أسود اللَّون منتن الرَّائحةِ، وفيه لغاتٌ: «قِطرانٍ» بفتح القاف وكمسر الطاء، وهي قراءة العامة.
و «قَطْران» بزنة سكران، وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وقال أبو النَّجْم: [الرجز]
3252 - لَبَّسَهُ القَطْرانَ والمُسُوحَا ... و «قِطْرَان» بكسر القاف، وسكون الطاء بزنة «سِرْحَان» ولم يقرأ بها فيما علمتُ.
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: وقرأ جماعة كثيرة منهم عليُّ بن أبي طالب وةابن عباس، وأبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «قَطِرِ» بفتح الْقاف، وكسرها وتنوين الراء «آنٍ» بوزن «عَانٍ» جعلوها كلمتين، والقَطِر: النَّحاس، وال «آنِ» اسم فالع من أنَى يأني، أي: تَناهى في الحرارةِ؛ كقوله تعالى: ﴿بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: 44] .
وعن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ليس بالطقران، ولكنَّه النحاس الذي يصير بلونه.
قال ابن الأنباري: «تلك النَّار لا تبطل ذلك القطران، ولا تفنيه، كما لا تهلك أجسادهم النَّار، والأغلال التي عليهم» .
واعلم أنه يطلى بذلك القطران جلود أهل النَّار حتَّى يصير ذلك الطِّلاء كالسِّربال، وهو القميص، فيحصل بسببه أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران وحرقته، وإسراع النَّار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الرِّحِ، وأيضاً: التفاوت بين قطران القيامة، وقطران الدنيا كالتَّفاوت بين النارين.
قوله: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ قرىٍ «وتَغَشَّى» بتشديد الشِّين، أي: وتتغشى فحذفت إحدى التَّاءين.
وقرىء برفع: «وُجوهُهُم» ونصب «النَّار» على سبيل المجازِ، جعل ورود الوجوه النار غشياناً.
والجملة من قوله: «وتَغْشَى» قال أبو البقاءِ: «حال أيضاً» .
يعني أنَّها معطوفة على الحالِ، ولا يعني أنَّها حال، والواو للحال، لأنَّه مضارع مثبت.
فصل
المعنى: [تعلو] النَّار وجوههم، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب﴾ [الزمر: 24] وقوله: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] .
واعلم أنَّ موضع المعرفة والنَّكرة، والعلم، والجهل هـ والقلبُ، وموضع الفكر، والوهم والخيال هو الرَّأس، وتأثير هذه الأحوال يظهر في الوجه، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما، قال الله تعالى [في القلب] : ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ [الهمزة: 6، 7] وقال تعالى في الوجه: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ .
قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ في هذه الأيام وجهان:
أظهرهما: أنَّها تتعلق ب «بَرَزُوا» وعلى هذا فقوله: «وتَرَى» جلمة معترضة بين المتعلق، والمتعلق به.
والثاني: أنها تتعلق بمحذوف، أي: فعلنا بالمجرمين، ذلك ليجزي كل نفس لأنه إذا عاقب المجرم؛ أثاب الطَّائع.
قال الواحدي: «المرادُ: أنفسُ الكفَّار؛ لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهعل الإيمان، ويمكن إجراء اللفظ على عمومه، وأنه تعالى يجزي كلَّ نفسٍ ما كسبتن من عملها اللائق بها، فيجزي الكفار بهذا العقاب المذكور، ويجزي المؤمن المطيع الثَّواب وأيضاً، فالله تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم، فلأن يثيب المطيعين أولى» .
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ أي: لا يظلمهم، ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقه.
قوله تعالى: ﴿هذا بَلاَغٌ﴾ إشارة إلى ما تقدَّم من قوله: «ولا تحْسَبنَّ» إلى هنا، أو إلى كلِّ القرآن، نزل منزلة الحاضر بلاغ، أي: كافية في الموعظة.
قوله تعالى: ﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه متعلقٌ بمحذوف، أي: ولينذروا أنزلنا عليك.
الثاني: [أنه معطوف على محذوف، وذلك المحذوف متعلق ب «بلاغ» ، تقديره: لينصحوا ولينذروا] .
الثالث: أن الواو مزيدة: «ولِيُنْذَرُوا» متعلق ب «بَلاغٌ» ، وهو رأي الأخفش نقله الماورديُّ.
الرابع: أنه محمولٌ على المعنى، أي: ليبلغوا، ولينذروا.
الخامس: أن اللام لام الأمر، وهو حسنٌ، لولا قوله: «ولِيَذَكَّرَ» فإن منصوب فقط.
قال شهاب الدين: قال بعضهم: لا محذور في ذلك، فإن قوله: «لِيَذَّكرَ» ليس معطوفاً على ما تقدمه، بل متعلق بفعل مقدر، أي: وليذكر أنزلناه وأوحيناه.
السادس: أ، هـ خبر لمبتدأ مضمر، التقدير: هذا بلاغ، وهو لينذروا قاله ابن عطيَّة.
السابع: أنه عطف مفرداً على مفردٍ، أي: هذا بلاغ وإنذار، قاله المبردُ وهو تفسير معنى لا إعراب.
الثامن: أنه معطوف على قوله: «يُخْرجَ النَّاسَ» في أول السورة، وهذا غريب جدًّا.
التاسع: قال أبو البقاء: «المعنى هذا بلاغٌ للنَّاسِ، والإنذارُ متعلق بالبلاغ أو بمحذوف إذا جعلت النَّاس صفة.
ويجوز أن يتعلق بمحذوف، وتقديره: ولينذروا به أنزل، أو تلي» .
قال شهاب الدين: «فيؤدّي التقدير إلى أن يبقى التركيب: هذا بلاغ للإنذار والإنذار لا يتأتي فيه ذلك» .
وقرأ العامة: «لِيُنذَرُوا» مبنيًّا للمفعول. وقرأ مجاهدٌ وحميد بن قيس: «ولتُنْذِرُوا» بتاء مضمومة، وكسر الذال كأن البلاغ للعموم، والإنذار للمخاطبين، وقرأ يحيى بن عمارة الدراع من أبيه وأحمد
بن يزيد بن أسيد السلمي «ولِيَنْذَرُوا» بفتح الياء والذال من نَذرَ بالشَّيء، أي: علم به فاستعد له.
قالوا: ولو لم يعرف مصدر فهو ك «عَسَى» ، وغيرها من الأفعال التي لا مصارد لها.
فصل
معنى «لِيُنْذَرُوا» أي: وليخوفوا به ﴿وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ أي: يستدلُّوا بهذه الآيات على وحدانيَّة الله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي: يتّعظ أولو العقول.
قال القاضي: أول هذه السورة، وأخرها يدلُّ على أنَّ العبد مستقل بفعله إن شاء أطاعه، وإن شاء عصى.
أمَّا أوَّل هذه السورة فقوله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [إبراهيم: 1] وقد ذكرناه هناك.
وأمَّا آخر السورة فقوله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ يدلُّ على أنَّه تعالى إنَّما أنزل هذه السورة، وذكر هذه المواعظ؛ لأجل أن ينتفع بها الخلق؛ ليصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر والمعصية، وقد تقدم جوابه.
روى أبو أمامة عن أبي بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة إبْرَاهِيم أعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشر حَسناتٍ بِعدَدِ مَنْ عَبدَ الأصْنامَ، ومَنْ لَمْ يَعْبُدهَا» .
سورة الحجر
إبراهيم 14:49
قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ لما بين دلائل التَّوحيد ثمَّ حكاى عن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنه طلب من الله العظيم أن يصونه عن الشرك، وأن يوفقه للأعمال الصَّالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة، ذكر بعده ما يدل على وجود القيامة، فهو قوله عزَّ وجلَّ ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ وذلك تنبيه على أنَّه تبارك وتعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظَّالم للزم إمَّا أن يكون غافلاً عن ذلك الظَّالم، أو عاجزاً عن الانتقام، أو كان راضياً بذلك الظُّلم ولما كانت الغفلة، والعجز، والرِّضا بالظُّلم محالاً على الله امتنع أن لاينتقم من الظَّالم للمظلوم.
فإن قيل: كيف يليقُ بالرَّسُول صلوات الله وسلامه عليه أن يحسب الله عزَّ وجلَّ موصوفاً بالغفلةِ؟ .
فالجواب من وجوه:
الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب إن كان غافلاً، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: 14] ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [القصص: 88] .
والثاني: المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظالم، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً للك أحد لا جرم كان عدمُ الانتقام محالاً.
الثالث: أنَّ المراد: ولا تحسبنه يعاملهم الله معاملة الغافل عمَّا يعملون، ولكن معالمة الرَّقيب عليهم المحاسب على النقير، والقطمير.
الرابع: أنَّ هذا الخطاب، وإن كان خطاباً للنبِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الظاهر إلا أنه خطاب مع الأمَّة.
قال سفيان بن عيينة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هذا تسلية للمظلوم، وتهديد للظَّالم.
قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: لأجل يوم، فاللام للعلَّة.
وقيل: بمعنى «إلى» أي: للغاية.
وقرأ العامة «يُؤخِّرهُمْ» بالياء، لتقدم اسم الله تعالى. وقرأ الحسن والسلمي، والأعرج، [وخلائق] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «نُؤخِّرهُم» بنون العظمة.
ويروى عن أبي عمرو «نُؤخِّرُهمْ» بنون العظمة.
و «تَشْخَصُ» صفلة ل «يَوْمِ» . ومعنى شُخُوصِ البصرِ حدَّةُ النَّظر، وعدم استقراره في مكانه، ويقال: شَخَصَ سَمْعُه، وبَصَرُه، وأشْخَصَهُمَا صَاحِبهُما، وشَخَصَ بَصَره، أي: لم يطرف جفنهُ، وشخوص البصر يدلُّ على الحيرة والدهشة، ويقال: شخص من بلده أي: بعد والشخصُ: سواد الإنسان المرئيّ من بعيد.
قوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ حالان من المضاف المحذوف إذا التقدير: أصحاب الأبصار، إذا يقال: شَخَسَ زَيْدٌ بصرهُ، أو تكون الأبصار دلَّت على أربابها فجاءت الحال من المدلول عليه، قالهما أبو البقاءِ.
وقيل: «مُهْطِعين» منصوب بفعل مقدر، أي: تبصرهم مهطعين، ويجوز في «مُقْنِعِي» أن يكون حالاً من الضمير في: «مُهْطِعِينَ» فيكون حالاً، وإضافة: «مُقْنِعِي» غير حقيقة؛ فلذلك وقع حالاً.
والإهْطَاعُ: قيل: الإسرْاعُ في المشيِ؛ قال: [البسيط] 3235 - إذَا دَعانَا فأهْطَعْنَا لِدَعْوتهِ ... دَاعٍ سَمِيعٌ فَلفُّونَا وسَاقُونَا
وقال: [الكامل]
3236 - وبِمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنَّ عِنانَهُ ... فِي رَأْسِ جِذْعٍ ... ... ... ... ... ... ...
وقال أبو عبيدة: قد يكون الإسراع [مع] إدامة النَّظر.
وقال الراغب: «هَطَعَ» الرَّجلُ بِبصَرهِ إذَا صَوَّبهُ، وبَعِيرٌ مُهْطِعٌ إذا صوَّب عُنُقهُ» .
وقال الأخفش: هُو الإقْبَالُ على الإصغاءِ، وأنشد: [الوافر]
3237 - بِدجْلةَ دَراهُم ولقَدْ أرَاهُمْ ... بِدجْلةَ مُهْطِعينَ إلى السَّماعِ
والمعنى: مُقبلينَ برءوسهم إلى سماعِ الدَّاعِي.
وقال ثعلبٌ: «هَطَعَ الرَّجلُ إذا نظرَ بذُلِّ وخُشوعٍ لا يقلع بِبصَره إلى السماء» . وهذا موافقٌ لقول أبي عبيدة؛ فقد سمع فيه: «أهْطََعَ وهَطَعَ» رباعيًّا وثلاثيًّا.
والإقناعُ: رفع الرَّأسِ، وإدامة النَّظر من غير التفات إلى شغيره، قاله القتبيُّ، وابنُ عرفة.
ومنه قوله يصف إبلاً ترعى أعالي الشَّجر؛ فترفع رءوسها: [الوافر]
3238 - يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بِمُقنَعَاتٍ ... نَواجِذُهُنَّ كالحِدَإ الوَقِيعِ
ويقال: أقْنَعَ رأسه، أي: طأطأها، ونكَّسها فهو من الأضداد، والقَناعةُ: الاجتزاءُ باليسيرِ، ومعنى قَنَعَ عن كذا: أي: رفع رأسه عن السؤال. وفَمٌ مُقَنَّعٌ: معطوف الأسنان إليه داخلة، ورجُلٌّ مُقنَّعٌ بالتشديد، ويقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً، وقَنَعاً، إذا رَضِيَ، وقنع قُنُوعاً، إذا سَألَ، [فوقع] الفرق بالمصدر.
وقال الراغب: قال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناعِ، وهو ما يُغطِّي الرَّأس والقَانِعُ: من يَلِجُّ في السؤال فيرضى بِما يَأتيهِ، كقوله: [الوافر]
3239 - لَمَالُ المَرْءِ يًصْلِحُه فيُغْنِي ... مَفَاقِرهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ
ورجل مقنَّعٌ: تَقنَّعَ بِهِ؛ قال: [الطويل]
3240 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... شُهُودِي على ليْلَى عُدولٌ مَقانِعُ
ومنى الآية: أنَّ المعتاد فيمن شاهد البلاء أنَّه يطرق رأسه عنه لئلا يراه، فبين تعالى أنَّ حالهم بخلاف هذا المعتاد، وأنهم يرفعون رءوسهم.
والرُّءُوسُ: جمعُ رأسِ، وهو مؤنَّثٌ، ويُجمع في القلَّةِ على أرؤس، وفي الكثرة على» رُءُوس «والأرَاسُ: العظيم الرأس، ويعبر به عن الرَّجل العظيم كالوجه، والرِّسُّ مشتقًّ من ذلك ورِيَاسُ السَّيف مقبضه، وشاةٌ رَأْسَى: أسودَّتْ رأسَها.
قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ في محل نصب على الحال من الضمير في:» مُقْنِعِي» ويجوزو أن يكون بدلاً من: «مُقْنِعِي» ، كذا قاله أبو البقاء، يعني أنه يحل محله، ويجوز أن يكون استئنافاً، والطرف في الأصل مصدر، وأطلق على الفاعل، كقولهم: «مَا فِيهِمْ عينٌ تَطْرف» ، الطَّرفُ هنا: العَيْنُ قال الشاعر: [الكامل]
3241 - وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدتْ لِي جَارتِي ... حتَّى يُوارِي جَارتِي مَاوَاهَا
والطَّرفُ: الجِفْنُ أيضاً، يقال: ما طبق طرفهُ، أي: حفنهُ على الآخر، الطَّرفُ أيضاً: تحركُ الجِفْنِ.
ومعنى الآية: دوام ذلك الشُّخوصِ.
قوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ » يجوز أن يكون استئنافاً، وأن يكون حالاً، والعامل فيه إمَّا «يَرتَدُّ» وإمَّا ما قبله من العوامل، وأفرد: «هَواءٌ» ، وإن كان خبراً عن جمع؛ لأنَّه في معنى فارغة متجوفة، ولو لم يقصد ذلك لقال: أهوية ليطابق الخبر مبتدأه» .
والهَواءُ: الخَالِي من الأجسامِ ويُعبَّرُ به عن الجُبْنِ، يقال: جوفهُ هواء، أي: فارغ؛ قال زهيرٌ: [الوافر] 3242 - كَانَّ الرَّجلَ مِنْهَا فوقَ صَعْل ... مِنَ الظِّلمانِ جُؤجؤهُ هَواءُ
وقال حسَّان بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
3243 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فانْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَواءُ
النَّخْبُ: الذي أخذت نخبته أي: خِيارهُ، ويقال: قلب فلانٍ هواء: إذا كان جَباناً للقوة في قلبه.
والمعنى: أنَّ قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جمع الخواطر، والأفكار لعظم ما نالهم من الحيرة لما تحقَّقوهُ من العذاب، وخيالة من كلِّ سرور لكثرة ما هم فيه من الحزِنِ.
قوله: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ قال أبو البقاء: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ معفول ثان ل: «أنْذر» ، أي: خوفهم عذاب يوم، وكذا قاله الزمخشريُّ.
وفيه نظرٌ، إذ يؤول إلى قولك: أنذرهم عذاب يوم يأتيهم العذاب، ولا حاجة إلى ذلك، ولا جائز أن يكون ظرفاً؛ لأنَّ ذلك اليوم لا إنذار فيه سواء قيل: إنه يوم القيامة، أو يوم هلاكهم، أو يوم تلقاهم الملائكةُ.
والألف واللام في: «العَذابُ» للمعهود السَّابق، أي: وأنذرهم يوم يأتيهم العذاب الذي تقدَّم ذكره، وهو شخوصُ الأبصار، وكونهم مهطعين مقنعي رءوسهم.
فصل
حمل أبو مسلم قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ على أنه حال المعاينة، لأنَّ هذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولاا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ [المنافقون: 10] ، وظاهر الآية يشهد بخلافه؛ لأنه تعالى وصف اليوم بأن العذاب يأتيهم فيه، وأنهم يسألون الرجعة، ويقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ ؟ ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة.
ثمَّ حكى تعالى عنهم ما يقولون في ذلك اليوم: ﴿فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال بعضهم: طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرَّطوا فيه.
وقيل: طلبوا الرُّجوع إلى حال التَّكليف لقولهم: ﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾ ، فقوله: «نُجِبْ» جواب الأمرِ.
قوله: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ قال الزمشخري: «على إرادة القول وفيه وجهان: أن تقولوا ذلك أشراً وبطراً، أو تقولوه بلسان الحال حيث بنوة شديداً، وأملوا بعيداً» .
و «مَا لكُمْ» جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب لقوله: «أقْسَمْتُمْ» ، ولو جاء بلفظ المقسمين لقيل: «مَا لنَا» .
وقدَّر أبو حيَّان ذلك القول هنا من قول الله عزَّ وجلَّ أو الملائكة عليهم السلام أي: فيقال لهم: «أو لم تكونوا» ، وهوأظهر من الأول، أعني؟ : جريان القول من غيرهم لا منهم، والمعنى: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ أراد قوله:
﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: 109] إلى غير ذلك ممَّا كانوا ينكرونه.
قوله: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ وأصل «سَكَنَ» التَّعدي ب «في» كما في هذه الآية، وقد يتعدى بنفسه.
قال الزمخشريُّ: «السكنى من السكونِ الذي هو اللَّبثُ، من الأصل تعديه ب» في «كقولك: قرَّ في الدَّارِ وأقام فيِهَا، ولكنَّه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه، فقيل: سكن الدَّار كما قيل: تَبَوَّأها، وأوطنَها، ويجوز أن يكون من السُّكونِ، أي: قرُّوا فيها واطمأنُوا» .
والمعنى: وسكنتم في مساكن الذين كفورا قبلكم كقوم نوح، وعادٍ، وثمود و: ﴿ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ بالكفر؛ لأن من شاهد هذه الحال؛ وجب عليه أنّ يعتبر، وإذا لم يعتبر يستوجب الذَّم والتقريع.
قوله: «وتَبيَّنَ لَكُمْ» فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه، أي حالهم وخبرهم وهلاكهم، و «كَيْفَ» نصب ب «فَعلْنَا» وحملة الاستفهام ليست معمولة ل «تَبيَّنَ؛ لأنه من الأفعال التي لا تعلق، ولا جائز أن يكون:» كَيْفَ» فاعلاً؛ لأنَّها إمَّا شرطية، أو استفهامية وكلاهما لايعمل فيه ما تقدمه، والفاعل لا يتقدَّم عندنا.
وقال بعض الكوفيين: إنَّ جملة: «كَيْفَ فَعلْنَا» هو الفاعل، وهم يجيزون أن تكون الجملة فاعلاً، وقد تقدَّم هذا في قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: 35] .
والعامة على» تَبيَّنَ «فعلاً ماضياً، وقرأ عمر بن الخطاب، والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما في رواية عنهما: «ونُبيِّنُ» بضمِّ النون الأولى والثانية، مضارع: «بيَّن» ، وهو خبر مبتدأ مضمر، والجملة حالٌ، أي: ونحن نبين.
وقرأ السلمي فيما نقل المهدويُّ كذلك إلا أنه سكن النون للجزم نسقاً على» تَكُونُوا «فيكون داخلاً في حيز التقدير.
فصل
والمعنى: عرفتم عقوبتنا إياهم، وضربنا لكم الأمثال في القرآن ممَّا يعلم به أنَّه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التَّعذيب المؤجَّل كما يفعل الهلاك المعجَّل.
قوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ قيل: الضمير عائدٌ إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم.
وقيل: أراد قوم محمد صلى الله عليه سلم لقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ يا محمد، وقد مكروا قومك مكرهم وذلك في قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30] .
وقيل: المراد من هذا المكر ما نقل: أن نمروذاً حاول الصُّعود إلى السماءِ، فاتَّخذ لنفسه تابوتاً، وربط قوائمه الأربعة بأربعة نسورٍ، وكان قد جوَّعها، وجعل لها في جوانب التابوت الأربعة عصياً، وعلم عليها اللحم، ثم جلس مع صاحب له في التابوت، فلمَّا أبصرت النسور اللحم تصاعدت في الجو ثلاثة أيام، وغابت الدنيا عن عين نمروذ، ثمَّ نكَّس العصيّ التي كان عليها اللحم فهبطت النُّسور إلى الأرض.
قال القاضي رَحِمَهُ اللَّهُ:» وهذا بعيد جدًّا؛ لأنَّ الخطر فيه عظيم، ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء فيه خبر، ولا دليل» .
قال القشيري: وهذا جائزٌ بتقدير خلق الحياةِ في الحبالِ، وذكر الماورديُّ عن بان عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أنَّ النمرود بن كعنان بنى الصَّرح في قرية الرسِّ من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع، وخمسة وعشرين ذراعاً، وصعد فيه مع النُّّسور، فلمَّا علم أنه ليس له سبيل إلى السماء اتَّخذ حصناً، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصَّرح علهيم، فهلكوا جميعاً فهذا معنى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ .
قوله: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ يجوز أن يكون هذا المصدر مضافاً لفاعله كالأول بمعنى أنَّ مكرهم الذي مكروه جزاؤه عند الله، أو للمفعول، بمعنى أن عند الله مكرهم الذي يمكرهم به، أي: يعذبهم قالمها الزمخشريُّ.
قال أبو حيان: «وهذا لايصحُّ إلاَّ إن كان» مَكَرَ «يتعدى بنفسه كما قال هو إذ قد يمكرهم به، والمحفوظ أن» مَكَرَ «لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به بنفسه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: 30] وتقول: زيدٌ ممكور به، ولا يحفظ: زيدٌ ممكورٌ بسبب كذا.
قوله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ قرأ العامة بكسر لام» لِتَزولَ «الأولى، والكسائي بفتحها.
فأما القراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّها نافيةٌ، واللام بعدها لام الجحودِ؛ لأنَّها بعد كونٍ منفيّ، وفي» كَانَ «حينئذ قولان:
أحدهما: أنَّها تامَّة، والمعنى؛ تحقير مكرهم، أنَّه ما كان لتزول منه الشَّرائع التي كالجبال في ثبوتها وقوَّتها.
ويؤيد كونها نافية قراءة عبد الله: (وما كان مَكْرُهُمْ) .
القول الثاني: أنَّها ناقصةٌ، وفي خبرها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين، هل هو محذوف، واللام متعلقة به؟ وإليه ذهب البصريون، أو هو اللام، وما جرته كما [هو مذهب] الكوفيين؟ وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران.
الوجه الثاني: أن تكون المخففة من الثقيلة.
قال الزمخشري:» وإن عظم مركهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلاً لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم معدًّا لذلك» .
وقال ابن عطية: «ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة: تعظيم مكرهم، أي: وإن كان شديداً إنما يفعل ليذهب به عظام الامور» ، فمهوم هذين الكلامين أنها مخففةٌ؛ لأنَّه إثبات.
والثالث: أنها شرطيةٌ، وجوابها محذوفٌ، أي: وإن كان مكرهم مقدراً لإزالةِ أشباه الجبال الرَّواسي، وهي المعجزات، والآيات، فالله مجازيهم بمكرهم، وأعظم منه.
وقد رجِّح الوجهان الأخيران على الأوَّل، وهو: أنها نافية؛ لأنَّ فيه معارضة لقراءة الكاسئي في ذلك؛ لأنَّ قراءته تؤذن بالإثبات، وقراءة غيره تؤذن بالنَّفي.
وقد أجاب بعضهم عن ذلك: بأنَّ الجبال في قراءة الكسائي مشار بها إلى أمور عظام غير الإسلام، ومعجزاته لمكرهم صلاحية إزالتها، وفي قراءة الجماعة مشار لها إلى ما جاء به النبيُّ المختار صلوات الله وسلامه عليه من الدين الحق، فلا تعارض إذ لم يتوارد على معنى واحد نفياً، وإثباتاً.
وأمَّا قراءة الكسائيِّ ففي: «إنْ» وجهان:
مذهبُ البصريين أنََّها المخففة واللام فارقة، ومذهب الكوفيين أنَّها نافية، واللام بمعنى: «إلاَّ» وقد تقدَّم تحقيق المذهبين.
وقرأ عمر، وعلي، وعبد الله، وزيد بن علي، وأبو سلمة وجماعة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم (وإن كاد مكرهم لتزول) كقراءة الكسائي، إلاََّ أنهم جعلوا مكان نون: «كَانَ» دالاً، فعل مقاربة، وتخريجها كما تقدَّم، ولكن الزوال غير واقع.
وقرىءك «لَتَزُولَ» بفتح اللامين، وتخريجها على إشاكالها أنها جاءت على لغة من لا يفتح لام كي.
فصل
في الجبال التي عني زوالها بمكرهم وجهان:
أحدهما: جبال الأرض.
الثاني: الإسلامُ، والقرآن؛ لأنَّ ثبوته، ورسوخه كالجبالِ.
وقال االقشيريُّ: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ أي: هو عالم بذلك فيجازيهم، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ لما بين في الآية الأولى أنه ينتصر للمظلوم من الظَّالم بين هاهنا أنه لا يخلف الوعد.
قوله: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾ العامة على إضافة: «مخْلِفَ» إلى «وعْدِهِ» وفيها وجهان:
أظهرهما: أن «مُخْلفَ» يتعدَّى لاثنين كفعله، فقدم المفعول الثاني، وأضيف إليه إسم الفاعل تخفيفاً، نحو: هذا كَاسِي جُبَّةِ زيْدٍ.
قال الفراء وقطرب: لما تعدَّى إليهما جميعاً، لم يبالِ بالتقديم والتأخير.
وقال الزمخشري: فإن قلت: هلاَّ قيل: مُخْلف رسله وعده؟ ولم قدَّم المفعول الثاني على الأول؟ .
قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد، ثم قال: «رُسلهُ» ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، كيف يخلف رسله؟ .
وقال أبو البقاء: هو قريبُ من قولهم: [الرجز]
3244 - يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدَّارِ ... وأنشد بعضهم نظير الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل]
3245 - تَرَى الثَّورَ فِيهَا مُدخِلَ الظلِّ رَأسَهُ ... وسَائرِهُ بَاردٍ إلى الشَّمْسِ أجْمعُ
والحسبان هنا: الأمر [المتيقن] ، كقوله: [الطويل]
3246 - فَلا تَحْسَبنْ أنِّي أضلُّ مَنيَّتِي ... وكُلُّ امرىءٍ كَأسَ الحِمام: ِ يَذُوقُ
الثاني: أنه متعد لواحد، وهو «وعْدهِ» ، وأمَّا «رُسلهُ» فمنصوب بالمصدر فإنَّه ينحلْ بحرف مصدريّ، وفعل تقديره: مخلف ما وعد رسله، ف «ما» مصدريَّة لا بمعنى الذي؟
وقرأت جماعة: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ بنصب: «وَعْدهُ» وجر: رسُلهِ «فصلاً بالمفعول بين المتضايفين، هي كقراءة ابن عامرٍ: ﴿قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُكرائِهِمْ) . قال الزمخشري مجرأة منه:» وهذه في الضعف [كقراءة] (قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُركائِهِمْ) . ثم قال: {إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾ غالب لأهل المكر، ذو انتقام لأوليائه منهم.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ [لما بين أنه عزيز ذو انتقام، بين وقت انتقامه، فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ ] ويجوز في «يَوْمَ» عدة أوجه:
أحدها: أن ينتصب منصوباً ب» انتقام «أي: يقع انتقامه في ذلك اليوم.
الثاني: أن ينتصب ب» اذكُر» .
الثالث: ِأن ينتصب بما يتلخص من معنى عزيز ذو انتقام.
الرابع: أن يكون بدلاً من: «يَوْمَ يَأتِيهِمْ» .
الخامس: أن ينتصب ب: «مُخْلِفَ» .
السادس: أن ينتصب ب «وَعْدِهِ» ، و «إنَّ» وما بعدها اعتراض.
ومنع أبو البقاء هذه الآخرين، قال: «لأن ما قبل» إنَّ «لا يعمل فيما بعدها» .
وهذا غير مانع؛ لأنه كما تقدَّم اعتراض، فلا يبالى به فاصلاً.
فصل
التَّبديلُ يحتمل وجهين:
الأول: أن تكون الذَّات باقية، وتبدل الصفة بصفة أخرى، كما تقول: بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، منه قوله تعالى: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] ، ويقال: بدلَّلتُ قَمِيصِي جُبَّة، إذا قلبت عَيْنَهُ فجعلتهُ جُبَّةٌ، وقال الشاعر: [الطويل]
3247 - فَمَا النَّاسُ بالنَّاسِ الذينَ عَرَفْتهُمْ ... ولا الدَّارُ بالدَّارِ الَّتي أنْتَ تَعْلمُ
الثاني: أنْ تُفني الذات، وتحدث ذاتاً أخرى، كقولك: بدَّلتُ الدَّراهمَ دنَانِيرَ ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] .
وإذا عرفت أن اللفظ محتمل للوجهين ففي الآية قولان:
الأول: قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هي تلك الأرض، إلاَّ أنها تغير صفتها فتسيرُ عنها جبالها، وتفجر أنهارها، وتسوى، فلا ﴿ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 107] وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تُبدَّلُ الأرضُ غيكر الأرْضِ، فيَبْسُطهَا، ويمُدُهَا مدَّ الأدِيم [العكاظي] لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً» وتبدل السموات باتثارِ كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها؛ وخسوف قمرها، وكونها تكن تارة كالمهل، وتارة كالدهان.
والقول الثاني: تبديل الذات. قال ابن مسعود رضي الله عه: تبدل بأرض كالفضَّة البيضاء النَّقية، لم يسفك فيها د مٌ، ولم يعمل عليها خطيئة.
والقائلون بالقول الأول هم الذين يقولون عند قيام القيامةِ: لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنَّما يعدم صفاتها.
وقيل: المراد من تبديل الأرض والسموات: هو أنَّ الله تعالى، يجعل الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة بدليل قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ﴾
[المطففين: 7] وقوله عزَّ وجلَّ ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: 18] .
وقالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: سألتُ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] أيْنَ تكُون النَّاس يَوْمئذٍ؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «على الصِّراطِ» .
وروى ثوبانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أن حبْراً من اليهودِ سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أيْنَ تكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ؟ قال: «هُمْ في الظُّلمةِ دون الجِسْرِ» .
قوله «والسَّمواتِ» تقديره: وتبدل السموات غير السموات.
وقرىء: «نُبَدّلُ» بالنون: «الأرض» نصباً «والسَّمواتِ» نسق عليه.
قوله «وبَرَزُوا» فيه وجهان:
أحدهما: أنها حملةٌ مستأنفة، أي: يبرزون، كذا قدَّره أبو البقاءِ، يعنى أنه ماض يراد به الاستقبال، والأحسن أنه مثل ﴿ونادى أَصْحَابُ النار﴾ [الأعراف: 50] ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: 44] ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [الحجر: 2] ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] لتحقُّّق ذلك.
والثاني: أنها حال من «الأرض» ، و «قَدْ» معها مرادة، قاله أبو البقاءِ ويكون الضمير في: «بَرَزُوا» للخلق دلّ عليه السِّياق، والرَّابط بين الحال، وصاحبها الواو.
وقرأ زيد بن علي «وبُرِّزُوا» بضم الباء، وكسر الرَّاء مشددة عل التَّكثير في الفعل ومفعوله، وتقدَّم الكلام في معنى البروز عند قوله تعالى ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: 21] ، وإنما ذكر «الوَاحدِ القهَّارِ» هنا؛ لأنَّ الملك إذا كان لمالك واحد غالبٍ لا يغلبُ، قهَّار لا يقهر، فلا يستغاث بأحد عغيره، فكان الأمر في غية الصعوبة ولما وصف نفسه تعالى بكونه قهاراً، بيَّن عجزهم، وذلتهم فقال: «وتَرَى المُجْرمينَ» وصفهم بصفات:
الأولى: قوله: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ «يجوز أن يكون حالاً على أنَّ الرؤية بصريّة، وأن يكون مفعولاً ثانياً على أنَّها علمية، و» فِي الأصْفادِ» متعلق به.
وقيل: بمحذوف على أنه حال أو صفة ل «مُقرَّنينَ» » .
والمُقرن: من جمع في القَرَن، وهون الحبل الذي يربط به، قال: [البسيط]
3248 - أوابنُ اللَّبُون إذَا ما لُزَّ فِي قرنٍ ... لَمْ يَستَطعْ صَولةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
وقال آخر: [البسيط]
3248 - ب والخَيْرُ والشَّرُّ مَلْزُوزان في قَرنٍ ... وقال آخر: [البسيط]
3248 - ج إنِّي لَدَى الباب كلمَلزُوزِ في قَرنٍ ... يقال: قَرنْتُ الشَّيء بالشَّيء إذا شددتهُ بِهِ، ووَصلتهُ، والقرنُ: اسم للحَبْلِ الذي يُشَدُّ بِهِ، ونكَّرهُ لِكثرةِ ذلِك.
والأصْفَادُ: جمع صفدٍ، وهو الغلُّ، والقيد، يقال: صَفَدَهُ يَصْفِده صَفْداً، قيَّدهُ، بِهِ، والاسم الصَّفَد، وصفَّدهُ مشدداً للتكثير؛ قال: [الوافر]
3249 - فآبُوا بالنّهَابِ وبالسَّبَايَا ... وأبْنَا بالمُلُوكِ مُصفَّدِينَا
والأصفادُ من الصَّفْد، وأصفْدَه، أي: أعطاه، ففرَّقُوا بين «فَعَل» و «أفْعَلَ» .
وقيل: بل يستعملان في القَيْدِ، والعَطاءِ، قال النابغة الذبياني: [البسيط]
3250 - ... ... ... ... ... ..... فَلمْ أعرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفدِ
أي: بالإعطاءِ، وسمي العطاء صفداً، لأنَّه يُقيَّدُ من يعطيه، منه: أنا مغلول أياديك، أسير نعمتك.
فصل
قيل: يقرن كل كافرٍ مع شيطانٍ في سلسلة، بيانهن قوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [ الصافات: 22] يعنى: قرناءهم من الشَّياطين، وقوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: 7] . أي قرنت.
وقيل: مقرونة أيديهم، وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد أي: بالقيود.
قوله: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من «المُجْرمينَ» وإمَّا من: «مُقرَّنِينَ» ، وإما من ضميره، ويجوز أن تكون مستأنفة وهو الظاهر.
والسَّرابِيلُ: الثِّيابُ، وسَرْبلتهُ، أي: ألْبَستهُ السِّربالَ؛ قال: [السريع]
3251 - ... ... ... ... ... ... . ... أوْدَى بِنعْليَّ وسِرْبَالِيَه
وتطلق على ما يحصن في الحرب من الدِّرع، وشبهه قال تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: 8] .
والقَطرانُ: ما يستخرج منن شجر يسمَّى الأبهل، فيطبخ ويطلى به الإبل الجُرْب ليذهب جربها [بحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار] ، وهو أسود اللَّون منتن الرَّائحةِ، وفيه لغاتٌ: «قِطرانٍ» بفتح القاف وكمسر الطاء، وهي قراءة العامة.
و «قَطْران» بزنة سكران، وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وقال أبو النَّجْم: [الرجز]
3252 - لَبَّسَهُ القَطْرانَ والمُسُوحَا ... و «قِطْرَان» بكسر القاف، وسكون الطاء بزنة «سِرْحَان» ولم يقرأ بها فيما علمتُ.
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: وقرأ جماعة كثيرة منهم عليُّ بن أبي طالب وةابن عباس، وأبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «قَطِرِ» بفتح الْقاف، وكسرها وتنوين الراء «آنٍ» بوزن «عَانٍ» جعلوها كلمتين، والقَطِر: النَّحاس، وال «آنِ» اسم فالع من أنَى يأني، أي: تَناهى في الحرارةِ؛ كقوله تعالى: ﴿بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: 44] .
وعن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ليس بالطقران، ولكنَّه النحاس الذي يصير بلونه.
قال ابن الأنباري: «تلك النَّار لا تبطل ذلك القطران، ولا تفنيه، كما لا تهلك أجسادهم النَّار، والأغلال التي عليهم» .
واعلم أنه يطلى بذلك القطران جلود أهل النَّار حتَّى يصير ذلك الطِّلاء كالسِّربال، وهو القميص، فيحصل بسببه أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران وحرقته، وإسراع النَّار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الرِّحِ، وأيضاً: التفاوت بين قطران القيامة، وقطران الدنيا كالتَّفاوت بين النارين.
قوله: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ قرىٍ «وتَغَشَّى» بتشديد الشِّين، أي: وتتغشى فحذفت إحدى التَّاءين.
وقرىء برفع: «وُجوهُهُم» ونصب «النَّار» على سبيل المجازِ، جعل ورود الوجوه النار غشياناً.
والجملة من قوله: «وتَغْشَى» قال أبو البقاءِ: «حال أيضاً» .
يعني أنَّها معطوفة على الحالِ، ولا يعني أنَّها حال، والواو للحال، لأنَّه مضارع مثبت.
فصل
المعنى: [تعلو] النَّار وجوههم، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب﴾ [الزمر: 24] وقوله: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] .
واعلم أنَّ موضع المعرفة والنَّكرة، والعلم، والجهل هـ والقلبُ، وموضع الفكر، والوهم والخيال هو الرَّأس، وتأثير هذه الأحوال يظهر في الوجه، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما، قال الله تعالى [في القلب] : ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ [الهمزة: 6، 7] وقال تعالى في الوجه: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ .
قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ في هذه الأيام وجهان:
أظهرهما: أنَّها تتعلق ب «بَرَزُوا» وعلى هذا فقوله: «وتَرَى» جلمة معترضة بين المتعلق، والمتعلق به.
والثاني: أنها تتعلق بمحذوف، أي: فعلنا بالمجرمين، ذلك ليجزي كل نفس لأنه إذا عاقب المجرم؛ أثاب الطَّائع.
قال الواحدي: «المرادُ: أنفسُ الكفَّار؛ لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهعل الإيمان، ويمكن إجراء اللفظ على عمومه، وأنه تعالى يجزي كلَّ نفسٍ ما كسبتن من عملها اللائق بها، فيجزي الكفار بهذا العقاب المذكور، ويجزي المؤمن المطيع الثَّواب وأيضاً، فالله تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم، فلأن يثيب المطيعين أولى» .
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ أي: لا يظلمهم، ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقه.
قوله تعالى: ﴿هذا بَلاَغٌ﴾ إشارة إلى ما تقدَّم من قوله: «ولا تحْسَبنَّ» إلى هنا، أو إلى كلِّ القرآن، نزل منزلة الحاضر بلاغ، أي: كافية في الموعظة.
قوله تعالى: ﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه متعلقٌ بمحذوف، أي: ولينذروا أنزلنا عليك.
الثاني: [أنه معطوف على محذوف، وذلك المحذوف متعلق ب «بلاغ» ، تقديره: لينصحوا ولينذروا] .
الثالث: أن الواو مزيدة: «ولِيُنْذَرُوا» متعلق ب «بَلاغٌ» ، وهو رأي الأخفش نقله الماورديُّ.
الرابع: أنه محمولٌ على المعنى، أي: ليبلغوا، ولينذروا.
الخامس: أن اللام لام الأمر، وهو حسنٌ، لولا قوله: «ولِيَذَكَّرَ» فإن منصوب فقط.
قال شهاب الدين: قال بعضهم: لا محذور في ذلك، فإن قوله: «لِيَذَّكرَ» ليس معطوفاً على ما تقدمه، بل متعلق بفعل مقدر، أي: وليذكر أنزلناه وأوحيناه.
السادس: أ، هـ خبر لمبتدأ مضمر، التقدير: هذا بلاغ، وهو لينذروا قاله ابن عطيَّة.
السابع: أنه عطف مفرداً على مفردٍ، أي: هذا بلاغ وإنذار، قاله المبردُ وهو تفسير معنى لا إعراب.
الثامن: أنه معطوف على قوله: «يُخْرجَ النَّاسَ» في أول السورة، وهذا غريب جدًّا.
التاسع: قال أبو البقاء: «المعنى هذا بلاغٌ للنَّاسِ، والإنذارُ متعلق بالبلاغ أو بمحذوف إذا جعلت النَّاس صفة.
ويجوز أن يتعلق بمحذوف، وتقديره: ولينذروا به أنزل، أو تلي» .
قال شهاب الدين: «فيؤدّي التقدير إلى أن يبقى التركيب: هذا بلاغ للإنذار والإنذار لا يتأتي فيه ذلك» .
وقرأ العامة: «لِيُنذَرُوا» مبنيًّا للمفعول. وقرأ مجاهدٌ وحميد بن قيس: «ولتُنْذِرُوا» بتاء مضمومة، وكسر الذال كأن البلاغ للعموم، والإنذار للمخاطبين، وقرأ يحيى بن عمارة الدراع من أبيه وأحمد
بن يزيد بن أسيد السلمي «ولِيَنْذَرُوا» بفتح الياء والذال من نَذرَ بالشَّيء، أي: علم به فاستعد له.
قالوا: ولو لم يعرف مصدر فهو ك «عَسَى» ، وغيرها من الأفعال التي لا مصارد لها.
فصل
معنى «لِيُنْذَرُوا» أي: وليخوفوا به ﴿وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ أي: يستدلُّوا بهذه الآيات على وحدانيَّة الله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي: يتّعظ أولو العقول.
قال القاضي: أول هذه السورة، وأخرها يدلُّ على أنَّ العبد مستقل بفعله إن شاء أطاعه، وإن شاء عصى.
أمَّا أوَّل هذه السورة فقوله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [إبراهيم: 1] وقد ذكرناه هناك.
وأمَّا آخر السورة فقوله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ يدلُّ على أنَّه تعالى إنَّما أنزل هذه السورة، وذكر هذه المواعظ؛ لأجل أن ينتفع بها الخلق؛ ليصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر والمعصية، وقد تقدم جوابه.
روى أبو أمامة عن أبي بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة إبْرَاهِيم أعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشر حَسناتٍ بِعدَدِ مَنْ عَبدَ الأصْنامَ، ومَنْ لَمْ يَعْبُدهَا» .
سورة الحجر
إبراهيم 14:50
قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ لما بين دلائل التَّوحيد ثمَّ حكاى عن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنه طلب من الله العظيم أن يصونه عن الشرك، وأن يوفقه للأعمال الصَّالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة، ذكر بعده ما يدل على وجود القيامة، فهو قوله عزَّ وجلَّ ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ وذلك تنبيه على أنَّه تبارك وتعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظَّالم للزم إمَّا أن يكون غافلاً عن ذلك الظَّالم، أو عاجزاً عن الانتقام، أو كان راضياً بذلك الظُّلم ولما كانت الغفلة، والعجز، والرِّضا بالظُّلم محالاً على الله امتنع أن لاينتقم من الظَّالم للمظلوم.
فإن قيل: كيف يليقُ بالرَّسُول صلوات الله وسلامه عليه أن يحسب الله عزَّ وجلَّ موصوفاً بالغفلةِ؟ .
فالجواب من وجوه:
الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب إن كان غافلاً، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: 14] ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [القصص: 88] .
والثاني: المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظالم، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً للك أحد لا جرم كان عدمُ الانتقام محالاً.
الثالث: أنَّ المراد: ولا تحسبنه يعاملهم الله معاملة الغافل عمَّا يعملون، ولكن معالمة الرَّقيب عليهم المحاسب على النقير، والقطمير.
الرابع: أنَّ هذا الخطاب، وإن كان خطاباً للنبِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الظاهر إلا أنه خطاب مع الأمَّة.
قال سفيان بن عيينة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هذا تسلية للمظلوم، وتهديد للظَّالم.
قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: لأجل يوم، فاللام للعلَّة.
وقيل: بمعنى «إلى» أي: للغاية.
وقرأ العامة «يُؤخِّرهُمْ» بالياء، لتقدم اسم الله تعالى. وقرأ الحسن والسلمي، والأعرج، [وخلائق] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «نُؤخِّرهُم» بنون العظمة.
ويروى عن أبي عمرو «نُؤخِّرُهمْ» بنون العظمة.
و «تَشْخَصُ» صفلة ل «يَوْمِ» . ومعنى شُخُوصِ البصرِ حدَّةُ النَّظر، وعدم استقراره في مكانه، ويقال: شَخَصَ سَمْعُه، وبَصَرُه، وأشْخَصَهُمَا صَاحِبهُما، وشَخَصَ بَصَره، أي: لم يطرف جفنهُ، وشخوص البصر يدلُّ على الحيرة والدهشة، ويقال: شخص من بلده أي: بعد والشخصُ: سواد الإنسان المرئيّ من بعيد.
قوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ حالان من المضاف المحذوف إذا التقدير: أصحاب الأبصار، إذا يقال: شَخَسَ زَيْدٌ بصرهُ، أو تكون الأبصار دلَّت على أربابها فجاءت الحال من المدلول عليه، قالهما أبو البقاءِ.
وقيل: «مُهْطِعين» منصوب بفعل مقدر، أي: تبصرهم مهطعين، ويجوز في «مُقْنِعِي» أن يكون حالاً من الضمير في: «مُهْطِعِينَ» فيكون حالاً، وإضافة: «مُقْنِعِي» غير حقيقة؛ فلذلك وقع حالاً.
والإهْطَاعُ: قيل: الإسرْاعُ في المشيِ؛ قال: [البسيط] 3235 - إذَا دَعانَا فأهْطَعْنَا لِدَعْوتهِ ... دَاعٍ سَمِيعٌ فَلفُّونَا وسَاقُونَا
وقال: [الكامل]
3236 - وبِمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنَّ عِنانَهُ ... فِي رَأْسِ جِذْعٍ ... ... ... ... ... ... ...
وقال أبو عبيدة: قد يكون الإسراع [مع] إدامة النَّظر.
وقال الراغب: «هَطَعَ» الرَّجلُ بِبصَرهِ إذَا صَوَّبهُ، وبَعِيرٌ مُهْطِعٌ إذا صوَّب عُنُقهُ» .
وقال الأخفش: هُو الإقْبَالُ على الإصغاءِ، وأنشد: [الوافر]
3237 - بِدجْلةَ دَراهُم ولقَدْ أرَاهُمْ ... بِدجْلةَ مُهْطِعينَ إلى السَّماعِ
والمعنى: مُقبلينَ برءوسهم إلى سماعِ الدَّاعِي.
وقال ثعلبٌ: «هَطَعَ الرَّجلُ إذا نظرَ بذُلِّ وخُشوعٍ لا يقلع بِبصَره إلى السماء» . وهذا موافقٌ لقول أبي عبيدة؛ فقد سمع فيه: «أهْطََعَ وهَطَعَ» رباعيًّا وثلاثيًّا.
والإقناعُ: رفع الرَّأسِ، وإدامة النَّظر من غير التفات إلى شغيره، قاله القتبيُّ، وابنُ عرفة.
ومنه قوله يصف إبلاً ترعى أعالي الشَّجر؛ فترفع رءوسها: [الوافر]
3238 - يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بِمُقنَعَاتٍ ... نَواجِذُهُنَّ كالحِدَإ الوَقِيعِ
ويقال: أقْنَعَ رأسه، أي: طأطأها، ونكَّسها فهو من الأضداد، والقَناعةُ: الاجتزاءُ باليسيرِ، ومعنى قَنَعَ عن كذا: أي: رفع رأسه عن السؤال. وفَمٌ مُقَنَّعٌ: معطوف الأسنان إليه داخلة، ورجُلٌّ مُقنَّعٌ بالتشديد، ويقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً، وقَنَعاً، إذا رَضِيَ، وقنع قُنُوعاً، إذا سَألَ، [فوقع] الفرق بالمصدر.
وقال الراغب: قال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناعِ، وهو ما يُغطِّي الرَّأس والقَانِعُ: من يَلِجُّ في السؤال فيرضى بِما يَأتيهِ، كقوله: [الوافر]
3239 - لَمَالُ المَرْءِ يًصْلِحُه فيُغْنِي ... مَفَاقِرهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ
ورجل مقنَّعٌ: تَقنَّعَ بِهِ؛ قال: [الطويل]
3240 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... شُهُودِي على ليْلَى عُدولٌ مَقانِعُ
ومنى الآية: أنَّ المعتاد فيمن شاهد البلاء أنَّه يطرق رأسه عنه لئلا يراه، فبين تعالى أنَّ حالهم بخلاف هذا المعتاد، وأنهم يرفعون رءوسهم.
والرُّءُوسُ: جمعُ رأسِ، وهو مؤنَّثٌ، ويُجمع في القلَّةِ على أرؤس، وفي الكثرة على» رُءُوس «والأرَاسُ: العظيم الرأس، ويعبر به عن الرَّجل العظيم كالوجه، والرِّسُّ مشتقًّ من ذلك ورِيَاسُ السَّيف مقبضه، وشاةٌ رَأْسَى: أسودَّتْ رأسَها.
قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ في محل نصب على الحال من الضمير في:» مُقْنِعِي» ويجوزو أن يكون بدلاً من: «مُقْنِعِي» ، كذا قاله أبو البقاء، يعني أنه يحل محله، ويجوز أن يكون استئنافاً، والطرف في الأصل مصدر، وأطلق على الفاعل، كقولهم: «مَا فِيهِمْ عينٌ تَطْرف» ، الطَّرفُ هنا: العَيْنُ قال الشاعر: [الكامل]
3241 - وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدتْ لِي جَارتِي ... حتَّى يُوارِي جَارتِي مَاوَاهَا
والطَّرفُ: الجِفْنُ أيضاً، يقال: ما طبق طرفهُ، أي: حفنهُ على الآخر، الطَّرفُ أيضاً: تحركُ الجِفْنِ.
ومعنى الآية: دوام ذلك الشُّخوصِ.
قوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ » يجوز أن يكون استئنافاً، وأن يكون حالاً، والعامل فيه إمَّا «يَرتَدُّ» وإمَّا ما قبله من العوامل، وأفرد: «هَواءٌ» ، وإن كان خبراً عن جمع؛ لأنَّه في معنى فارغة متجوفة، ولو لم يقصد ذلك لقال: أهوية ليطابق الخبر مبتدأه» .
والهَواءُ: الخَالِي من الأجسامِ ويُعبَّرُ به عن الجُبْنِ، يقال: جوفهُ هواء، أي: فارغ؛ قال زهيرٌ: [الوافر] 3242 - كَانَّ الرَّجلَ مِنْهَا فوقَ صَعْل ... مِنَ الظِّلمانِ جُؤجؤهُ هَواءُ
وقال حسَّان بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
3243 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فانْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَواءُ
النَّخْبُ: الذي أخذت نخبته أي: خِيارهُ، ويقال: قلب فلانٍ هواء: إذا كان جَباناً للقوة في قلبه.
والمعنى: أنَّ قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جمع الخواطر، والأفكار لعظم ما نالهم من الحيرة لما تحقَّقوهُ من العذاب، وخيالة من كلِّ سرور لكثرة ما هم فيه من الحزِنِ.
قوله: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ قال أبو البقاء: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ معفول ثان ل: «أنْذر» ، أي: خوفهم عذاب يوم، وكذا قاله الزمخشريُّ.
وفيه نظرٌ، إذ يؤول إلى قولك: أنذرهم عذاب يوم يأتيهم العذاب، ولا حاجة إلى ذلك، ولا جائز أن يكون ظرفاً؛ لأنَّ ذلك اليوم لا إنذار فيه سواء قيل: إنه يوم القيامة، أو يوم هلاكهم، أو يوم تلقاهم الملائكةُ.
والألف واللام في: «العَذابُ» للمعهود السَّابق، أي: وأنذرهم يوم يأتيهم العذاب الذي تقدَّم ذكره، وهو شخوصُ الأبصار، وكونهم مهطعين مقنعي رءوسهم.
فصل
حمل أبو مسلم قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ على أنه حال المعاينة، لأنَّ هذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولاا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ [المنافقون: 10] ، وظاهر الآية يشهد بخلافه؛ لأنه تعالى وصف اليوم بأن العذاب يأتيهم فيه، وأنهم يسألون الرجعة، ويقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ ؟ ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة.
ثمَّ حكى تعالى عنهم ما يقولون في ذلك اليوم: ﴿فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال بعضهم: طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرَّطوا فيه.
وقيل: طلبوا الرُّجوع إلى حال التَّكليف لقولهم: ﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾ ، فقوله: «نُجِبْ» جواب الأمرِ.
قوله: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ قال الزمشخري: «على إرادة القول وفيه وجهان: أن تقولوا ذلك أشراً وبطراً، أو تقولوه بلسان الحال حيث بنوة شديداً، وأملوا بعيداً» .
و «مَا لكُمْ» جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب لقوله: «أقْسَمْتُمْ» ، ولو جاء بلفظ المقسمين لقيل: «مَا لنَا» .
وقدَّر أبو حيَّان ذلك القول هنا من قول الله عزَّ وجلَّ أو الملائكة عليهم السلام أي: فيقال لهم: «أو لم تكونوا» ، وهوأظهر من الأول، أعني؟ : جريان القول من غيرهم لا منهم، والمعنى: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ أراد قوله:
﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: 109] إلى غير ذلك ممَّا كانوا ينكرونه.
قوله: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ وأصل «سَكَنَ» التَّعدي ب «في» كما في هذه الآية، وقد يتعدى بنفسه.
قال الزمخشريُّ: «السكنى من السكونِ الذي هو اللَّبثُ، من الأصل تعديه ب» في «كقولك: قرَّ في الدَّارِ وأقام فيِهَا، ولكنَّه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه، فقيل: سكن الدَّار كما قيل: تَبَوَّأها، وأوطنَها، ويجوز أن يكون من السُّكونِ، أي: قرُّوا فيها واطمأنُوا» .
والمعنى: وسكنتم في مساكن الذين كفورا قبلكم كقوم نوح، وعادٍ، وثمود و: ﴿ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ بالكفر؛ لأن من شاهد هذه الحال؛ وجب عليه أنّ يعتبر، وإذا لم يعتبر يستوجب الذَّم والتقريع.
قوله: «وتَبيَّنَ لَكُمْ» فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه، أي حالهم وخبرهم وهلاكهم، و «كَيْفَ» نصب ب «فَعلْنَا» وحملة الاستفهام ليست معمولة ل «تَبيَّنَ؛ لأنه من الأفعال التي لا تعلق، ولا جائز أن يكون:» كَيْفَ» فاعلاً؛ لأنَّها إمَّا شرطية، أو استفهامية وكلاهما لايعمل فيه ما تقدمه، والفاعل لا يتقدَّم عندنا.
وقال بعض الكوفيين: إنَّ جملة: «كَيْفَ فَعلْنَا» هو الفاعل، وهم يجيزون أن تكون الجملة فاعلاً، وقد تقدَّم هذا في قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: 35] .
والعامة على» تَبيَّنَ «فعلاً ماضياً، وقرأ عمر بن الخطاب، والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما في رواية عنهما: «ونُبيِّنُ» بضمِّ النون الأولى والثانية، مضارع: «بيَّن» ، وهو خبر مبتدأ مضمر، والجملة حالٌ، أي: ونحن نبين.
وقرأ السلمي فيما نقل المهدويُّ كذلك إلا أنه سكن النون للجزم نسقاً على» تَكُونُوا «فيكون داخلاً في حيز التقدير.
فصل
والمعنى: عرفتم عقوبتنا إياهم، وضربنا لكم الأمثال في القرآن ممَّا يعلم به أنَّه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التَّعذيب المؤجَّل كما يفعل الهلاك المعجَّل.
قوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ قيل: الضمير عائدٌ إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم.
وقيل: أراد قوم محمد صلى الله عليه سلم لقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ يا محمد، وقد مكروا قومك مكرهم وذلك في قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30] .
وقيل: المراد من هذا المكر ما نقل: أن نمروذاً حاول الصُّعود إلى السماءِ، فاتَّخذ لنفسه تابوتاً، وربط قوائمه الأربعة بأربعة نسورٍ، وكان قد جوَّعها، وجعل لها في جوانب التابوت الأربعة عصياً، وعلم عليها اللحم، ثم جلس مع صاحب له في التابوت، فلمَّا أبصرت النسور اللحم تصاعدت في الجو ثلاثة أيام، وغابت الدنيا عن عين نمروذ، ثمَّ نكَّس العصيّ التي كان عليها اللحم فهبطت النُّسور إلى الأرض.
قال القاضي رَحِمَهُ اللَّهُ:» وهذا بعيد جدًّا؛ لأنَّ الخطر فيه عظيم، ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء فيه خبر، ولا دليل» .
قال القشيري: وهذا جائزٌ بتقدير خلق الحياةِ في الحبالِ، وذكر الماورديُّ عن بان عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أنَّ النمرود بن كعنان بنى الصَّرح في قرية الرسِّ من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع، وخمسة وعشرين ذراعاً، وصعد فيه مع النُّّسور، فلمَّا علم أنه ليس له سبيل إلى السماء اتَّخذ حصناً، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصَّرح علهيم، فهلكوا جميعاً فهذا معنى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ .
قوله: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ يجوز أن يكون هذا المصدر مضافاً لفاعله كالأول بمعنى أنَّ مكرهم الذي مكروه جزاؤه عند الله، أو للمفعول، بمعنى أن عند الله مكرهم الذي يمكرهم به، أي: يعذبهم قالمها الزمخشريُّ.
قال أبو حيان: «وهذا لايصحُّ إلاَّ إن كان» مَكَرَ «يتعدى بنفسه كما قال هو إذ قد يمكرهم به، والمحفوظ أن» مَكَرَ «لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به بنفسه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: 30] وتقول: زيدٌ ممكور به، ولا يحفظ: زيدٌ ممكورٌ بسبب كذا.
قوله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ قرأ العامة بكسر لام» لِتَزولَ «الأولى، والكسائي بفتحها.
فأما القراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّها نافيةٌ، واللام بعدها لام الجحودِ؛ لأنَّها بعد كونٍ منفيّ، وفي» كَانَ «حينئذ قولان:
أحدهما: أنَّها تامَّة، والمعنى؛ تحقير مكرهم، أنَّه ما كان لتزول منه الشَّرائع التي كالجبال في ثبوتها وقوَّتها.
ويؤيد كونها نافية قراءة عبد الله: (وما كان مَكْرُهُمْ) .
القول الثاني: أنَّها ناقصةٌ، وفي خبرها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين، هل هو محذوف، واللام متعلقة به؟ وإليه ذهب البصريون، أو هو اللام، وما جرته كما [هو مذهب] الكوفيين؟ وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران.
الوجه الثاني: أن تكون المخففة من الثقيلة.
قال الزمخشري:» وإن عظم مركهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلاً لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم معدًّا لذلك» .
وقال ابن عطية: «ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة: تعظيم مكرهم، أي: وإن كان شديداً إنما يفعل ليذهب به عظام الامور» ، فمهوم هذين الكلامين أنها مخففةٌ؛ لأنَّه إثبات.
والثالث: أنها شرطيةٌ، وجوابها محذوفٌ، أي: وإن كان مكرهم مقدراً لإزالةِ أشباه الجبال الرَّواسي، وهي المعجزات، والآيات، فالله مجازيهم بمكرهم، وأعظم منه.
وقد رجِّح الوجهان الأخيران على الأوَّل، وهو: أنها نافية؛ لأنَّ فيه معارضة لقراءة الكاسئي في ذلك؛ لأنَّ قراءته تؤذن بالإثبات، وقراءة غيره تؤذن بالنَّفي.
وقد أجاب بعضهم عن ذلك: بأنَّ الجبال في قراءة الكسائي مشار بها إلى أمور عظام غير الإسلام، ومعجزاته لمكرهم صلاحية إزالتها، وفي قراءة الجماعة مشار لها إلى ما جاء به النبيُّ المختار صلوات الله وسلامه عليه من الدين الحق، فلا تعارض إذ لم يتوارد على معنى واحد نفياً، وإثباتاً.
وأمَّا قراءة الكسائيِّ ففي: «إنْ» وجهان:
مذهبُ البصريين أنََّها المخففة واللام فارقة، ومذهب الكوفيين أنَّها نافية، واللام بمعنى: «إلاَّ» وقد تقدَّم تحقيق المذهبين.
وقرأ عمر، وعلي، وعبد الله، وزيد بن علي، وأبو سلمة وجماعة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم (وإن كاد مكرهم لتزول) كقراءة الكسائي، إلاََّ أنهم جعلوا مكان نون: «كَانَ» دالاً، فعل مقاربة، وتخريجها كما تقدَّم، ولكن الزوال غير واقع.
وقرىءك «لَتَزُولَ» بفتح اللامين، وتخريجها على إشاكالها أنها جاءت على لغة من لا يفتح لام كي.
فصل
في الجبال التي عني زوالها بمكرهم وجهان:
أحدهما: جبال الأرض.
الثاني: الإسلامُ، والقرآن؛ لأنَّ ثبوته، ورسوخه كالجبالِ.
وقال االقشيريُّ: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ أي: هو عالم بذلك فيجازيهم، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ لما بين في الآية الأولى أنه ينتصر للمظلوم من الظَّالم بين هاهنا أنه لا يخلف الوعد.
قوله: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾ العامة على إضافة: «مخْلِفَ» إلى «وعْدِهِ» وفيها وجهان:
أظهرهما: أن «مُخْلفَ» يتعدَّى لاثنين كفعله، فقدم المفعول الثاني، وأضيف إليه إسم الفاعل تخفيفاً، نحو: هذا كَاسِي جُبَّةِ زيْدٍ.
قال الفراء وقطرب: لما تعدَّى إليهما جميعاً، لم يبالِ بالتقديم والتأخير.
وقال الزمخشري: فإن قلت: هلاَّ قيل: مُخْلف رسله وعده؟ ولم قدَّم المفعول الثاني على الأول؟ .
قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد، ثم قال: «رُسلهُ» ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، كيف يخلف رسله؟ .
وقال أبو البقاء: هو قريبُ من قولهم: [الرجز]
3244 - يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدَّارِ ... وأنشد بعضهم نظير الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل]
3245 - تَرَى الثَّورَ فِيهَا مُدخِلَ الظلِّ رَأسَهُ ... وسَائرِهُ بَاردٍ إلى الشَّمْسِ أجْمعُ
والحسبان هنا: الأمر [المتيقن] ، كقوله: [الطويل]
3246 - فَلا تَحْسَبنْ أنِّي أضلُّ مَنيَّتِي ... وكُلُّ امرىءٍ كَأسَ الحِمام: ِ يَذُوقُ
الثاني: أنه متعد لواحد، وهو «وعْدهِ» ، وأمَّا «رُسلهُ» فمنصوب بالمصدر فإنَّه ينحلْ بحرف مصدريّ، وفعل تقديره: مخلف ما وعد رسله، ف «ما» مصدريَّة لا بمعنى الذي؟
وقرأت جماعة: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ بنصب: «وَعْدهُ» وجر: رسُلهِ «فصلاً بالمفعول بين المتضايفين، هي كقراءة ابن عامرٍ: ﴿قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُكرائِهِمْ) . قال الزمخشري مجرأة منه:» وهذه في الضعف [كقراءة] (قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُركائِهِمْ) . ثم قال: {إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾ غالب لأهل المكر، ذو انتقام لأوليائه منهم.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ [لما بين أنه عزيز ذو انتقام، بين وقت انتقامه، فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ ] ويجوز في «يَوْمَ» عدة أوجه:
أحدها: أن ينتصب منصوباً ب» انتقام «أي: يقع انتقامه في ذلك اليوم.
الثاني: أن ينتصب ب» اذكُر» .
الثالث: ِأن ينتصب بما يتلخص من معنى عزيز ذو انتقام.
الرابع: أن يكون بدلاً من: «يَوْمَ يَأتِيهِمْ» .
الخامس: أن ينتصب ب: «مُخْلِفَ» .
السادس: أن ينتصب ب «وَعْدِهِ» ، و «إنَّ» وما بعدها اعتراض.
ومنع أبو البقاء هذه الآخرين، قال: «لأن ما قبل» إنَّ «لا يعمل فيما بعدها» .
وهذا غير مانع؛ لأنه كما تقدَّم اعتراض، فلا يبالى به فاصلاً.
فصل
التَّبديلُ يحتمل وجهين:
الأول: أن تكون الذَّات باقية، وتبدل الصفة بصفة أخرى، كما تقول: بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، منه قوله تعالى: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] ، ويقال: بدلَّلتُ قَمِيصِي جُبَّة، إذا قلبت عَيْنَهُ فجعلتهُ جُبَّةٌ، وقال الشاعر: [الطويل]
3247 - فَمَا النَّاسُ بالنَّاسِ الذينَ عَرَفْتهُمْ ... ولا الدَّارُ بالدَّارِ الَّتي أنْتَ تَعْلمُ
الثاني: أنْ تُفني الذات، وتحدث ذاتاً أخرى، كقولك: بدَّلتُ الدَّراهمَ دنَانِيرَ ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] .
وإذا عرفت أن اللفظ محتمل للوجهين ففي الآية قولان:
الأول: قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هي تلك الأرض، إلاَّ أنها تغير صفتها فتسيرُ عنها جبالها، وتفجر أنهارها، وتسوى، فلا ﴿ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 107] وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تُبدَّلُ الأرضُ غيكر الأرْضِ، فيَبْسُطهَا، ويمُدُهَا مدَّ الأدِيم [العكاظي] لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً» وتبدل السموات باتثارِ كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها؛ وخسوف قمرها، وكونها تكن تارة كالمهل، وتارة كالدهان.
والقول الثاني: تبديل الذات. قال ابن مسعود رضي الله عه: تبدل بأرض كالفضَّة البيضاء النَّقية، لم يسفك فيها د مٌ، ولم يعمل عليها خطيئة.
والقائلون بالقول الأول هم الذين يقولون عند قيام القيامةِ: لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنَّما يعدم صفاتها.
وقيل: المراد من تبديل الأرض والسموات: هو أنَّ الله تعالى، يجعل الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة بدليل قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ﴾
[المطففين: 7] وقوله عزَّ وجلَّ ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: 18] .
وقالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: سألتُ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] أيْنَ تكُون النَّاس يَوْمئذٍ؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «على الصِّراطِ» .
وروى ثوبانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أن حبْراً من اليهودِ سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أيْنَ تكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ؟ قال: «هُمْ في الظُّلمةِ دون الجِسْرِ» .
قوله «والسَّمواتِ» تقديره: وتبدل السموات غير السموات.
وقرىء: «نُبَدّلُ» بالنون: «الأرض» نصباً «والسَّمواتِ» نسق عليه.
قوله «وبَرَزُوا» فيه وجهان:
أحدهما: أنها حملةٌ مستأنفة، أي: يبرزون، كذا قدَّره أبو البقاءِ، يعنى أنه ماض يراد به الاستقبال، والأحسن أنه مثل ﴿ونادى أَصْحَابُ النار﴾ [الأعراف: 50] ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: 44] ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [الحجر: 2] ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] لتحقُّّق ذلك.
والثاني: أنها حال من «الأرض» ، و «قَدْ» معها مرادة، قاله أبو البقاءِ ويكون الضمير في: «بَرَزُوا» للخلق دلّ عليه السِّياق، والرَّابط بين الحال، وصاحبها الواو.
وقرأ زيد بن علي «وبُرِّزُوا» بضم الباء، وكسر الرَّاء مشددة عل التَّكثير في الفعل ومفعوله، وتقدَّم الكلام في معنى البروز عند قوله تعالى ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: 21] ، وإنما ذكر «الوَاحدِ القهَّارِ» هنا؛ لأنَّ الملك إذا كان لمالك واحد غالبٍ لا يغلبُ، قهَّار لا يقهر، فلا يستغاث بأحد عغيره، فكان الأمر في غية الصعوبة ولما وصف نفسه تعالى بكونه قهاراً، بيَّن عجزهم، وذلتهم فقال: «وتَرَى المُجْرمينَ» وصفهم بصفات:
الأولى: قوله: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ «يجوز أن يكون حالاً على أنَّ الرؤية بصريّة، وأن يكون مفعولاً ثانياً على أنَّها علمية، و» فِي الأصْفادِ» متعلق به.
وقيل: بمحذوف على أنه حال أو صفة ل «مُقرَّنينَ» » .
والمُقرن: من جمع في القَرَن، وهون الحبل الذي يربط به، قال: [البسيط]
3248 - أوابنُ اللَّبُون إذَا ما لُزَّ فِي قرنٍ ... لَمْ يَستَطعْ صَولةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
وقال آخر: [البسيط]
3248 - ب والخَيْرُ والشَّرُّ مَلْزُوزان في قَرنٍ ... وقال آخر: [البسيط]
3248 - ج إنِّي لَدَى الباب كلمَلزُوزِ في قَرنٍ ... يقال: قَرنْتُ الشَّيء بالشَّيء إذا شددتهُ بِهِ، ووَصلتهُ، والقرنُ: اسم للحَبْلِ الذي يُشَدُّ بِهِ، ونكَّرهُ لِكثرةِ ذلِك.
والأصْفَادُ: جمع صفدٍ، وهو الغلُّ، والقيد، يقال: صَفَدَهُ يَصْفِده صَفْداً، قيَّدهُ، بِهِ، والاسم الصَّفَد، وصفَّدهُ مشدداً للتكثير؛ قال: [الوافر]
3249 - فآبُوا بالنّهَابِ وبالسَّبَايَا ... وأبْنَا بالمُلُوكِ مُصفَّدِينَا
والأصفادُ من الصَّفْد، وأصفْدَه، أي: أعطاه، ففرَّقُوا بين «فَعَل» و «أفْعَلَ» .
وقيل: بل يستعملان في القَيْدِ، والعَطاءِ، قال النابغة الذبياني: [البسيط]
3250 - ... ... ... ... ... ..... فَلمْ أعرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفدِ
أي: بالإعطاءِ، وسمي العطاء صفداً، لأنَّه يُقيَّدُ من يعطيه، منه: أنا مغلول أياديك، أسير نعمتك.
فصل
قيل: يقرن كل كافرٍ مع شيطانٍ في سلسلة، بيانهن قوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [ الصافات: 22] يعنى: قرناءهم من الشَّياطين، وقوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: 7] . أي قرنت.
وقيل: مقرونة أيديهم، وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد أي: بالقيود.
قوله: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من «المُجْرمينَ» وإمَّا من: «مُقرَّنِينَ» ، وإما من ضميره، ويجوز أن تكون مستأنفة وهو الظاهر.
والسَّرابِيلُ: الثِّيابُ، وسَرْبلتهُ، أي: ألْبَستهُ السِّربالَ؛ قال: [السريع]
3251 - ... ... ... ... ... ... . ... أوْدَى بِنعْليَّ وسِرْبَالِيَه
وتطلق على ما يحصن في الحرب من الدِّرع، وشبهه قال تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: 8] .
والقَطرانُ: ما يستخرج منن شجر يسمَّى الأبهل، فيطبخ ويطلى به الإبل الجُرْب ليذهب جربها [بحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار] ، وهو أسود اللَّون منتن الرَّائحةِ، وفيه لغاتٌ: «قِطرانٍ» بفتح القاف وكمسر الطاء، وهي قراءة العامة.
و «قَطْران» بزنة سكران، وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وقال أبو النَّجْم: [الرجز]
3252 - لَبَّسَهُ القَطْرانَ والمُسُوحَا ... و «قِطْرَان» بكسر القاف، وسكون الطاء بزنة «سِرْحَان» ولم يقرأ بها فيما علمتُ.
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: وقرأ جماعة كثيرة منهم عليُّ بن أبي طالب وةابن عباس، وأبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «قَطِرِ» بفتح الْقاف، وكسرها وتنوين الراء «آنٍ» بوزن «عَانٍ» جعلوها كلمتين، والقَطِر: النَّحاس، وال «آنِ» اسم فالع من أنَى يأني، أي: تَناهى في الحرارةِ؛ كقوله تعالى: ﴿بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: 44] .
وعن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ليس بالطقران، ولكنَّه النحاس الذي يصير بلونه.
قال ابن الأنباري: «تلك النَّار لا تبطل ذلك القطران، ولا تفنيه، كما لا تهلك أجسادهم النَّار، والأغلال التي عليهم» .
واعلم أنه يطلى بذلك القطران جلود أهل النَّار حتَّى يصير ذلك الطِّلاء كالسِّربال، وهو القميص، فيحصل بسببه أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران وحرقته، وإسراع النَّار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الرِّحِ، وأيضاً: التفاوت بين قطران القيامة، وقطران الدنيا كالتَّفاوت بين النارين.
قوله: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ قرىٍ «وتَغَشَّى» بتشديد الشِّين، أي: وتتغشى فحذفت إحدى التَّاءين.
وقرىء برفع: «وُجوهُهُم» ونصب «النَّار» على سبيل المجازِ، جعل ورود الوجوه النار غشياناً.
والجملة من قوله: «وتَغْشَى» قال أبو البقاءِ: «حال أيضاً» .
يعني أنَّها معطوفة على الحالِ، ولا يعني أنَّها حال، والواو للحال، لأنَّه مضارع مثبت.
فصل
المعنى: [تعلو] النَّار وجوههم، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب﴾ [الزمر: 24] وقوله: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] .
واعلم أنَّ موضع المعرفة والنَّكرة، والعلم، والجهل هـ والقلبُ، وموضع الفكر، والوهم والخيال هو الرَّأس، وتأثير هذه الأحوال يظهر في الوجه، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما، قال الله تعالى [في القلب] : ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ [الهمزة: 6، 7] وقال تعالى في الوجه: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ .
قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ في هذه الأيام وجهان:
أظهرهما: أنَّها تتعلق ب «بَرَزُوا» وعلى هذا فقوله: «وتَرَى» جلمة معترضة بين المتعلق، والمتعلق به.
والثاني: أنها تتعلق بمحذوف، أي: فعلنا بالمجرمين، ذلك ليجزي كل نفس لأنه إذا عاقب المجرم؛ أثاب الطَّائع.
قال الواحدي: «المرادُ: أنفسُ الكفَّار؛ لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهعل الإيمان، ويمكن إجراء اللفظ على عمومه، وأنه تعالى يجزي كلَّ نفسٍ ما كسبتن من عملها اللائق بها، فيجزي الكفار بهذا العقاب المذكور، ويجزي المؤمن المطيع الثَّواب وأيضاً، فالله تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم، فلأن يثيب المطيعين أولى» .
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ أي: لا يظلمهم، ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقه.
قوله تعالى: ﴿هذا بَلاَغٌ﴾ إشارة إلى ما تقدَّم من قوله: «ولا تحْسَبنَّ» إلى هنا، أو إلى كلِّ القرآن، نزل منزلة الحاضر بلاغ، أي: كافية في الموعظة.
قوله تعالى: ﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه متعلقٌ بمحذوف، أي: ولينذروا أنزلنا عليك.
الثاني: [أنه معطوف على محذوف، وذلك المحذوف متعلق ب «بلاغ» ، تقديره: لينصحوا ولينذروا] .
الثالث: أن الواو مزيدة: «ولِيُنْذَرُوا» متعلق ب «بَلاغٌ» ، وهو رأي الأخفش نقله الماورديُّ.
الرابع: أنه محمولٌ على المعنى، أي: ليبلغوا، ولينذروا.
الخامس: أن اللام لام الأمر، وهو حسنٌ، لولا قوله: «ولِيَذَكَّرَ» فإن منصوب فقط.
قال شهاب الدين: قال بعضهم: لا محذور في ذلك، فإن قوله: «لِيَذَّكرَ» ليس معطوفاً على ما تقدمه، بل متعلق بفعل مقدر، أي: وليذكر أنزلناه وأوحيناه.
السادس: أ، هـ خبر لمبتدأ مضمر، التقدير: هذا بلاغ، وهو لينذروا قاله ابن عطيَّة.
السابع: أنه عطف مفرداً على مفردٍ، أي: هذا بلاغ وإنذار، قاله المبردُ وهو تفسير معنى لا إعراب.
الثامن: أنه معطوف على قوله: «يُخْرجَ النَّاسَ» في أول السورة، وهذا غريب جدًّا.
التاسع: قال أبو البقاء: «المعنى هذا بلاغٌ للنَّاسِ، والإنذارُ متعلق بالبلاغ أو بمحذوف إذا جعلت النَّاس صفة.
ويجوز أن يتعلق بمحذوف، وتقديره: ولينذروا به أنزل، أو تلي» .
قال شهاب الدين: «فيؤدّي التقدير إلى أن يبقى التركيب: هذا بلاغ للإنذار والإنذار لا يتأتي فيه ذلك» .
وقرأ العامة: «لِيُنذَرُوا» مبنيًّا للمفعول. وقرأ مجاهدٌ وحميد بن قيس: «ولتُنْذِرُوا» بتاء مضمومة، وكسر الذال كأن البلاغ للعموم، والإنذار للمخاطبين، وقرأ يحيى بن عمارة الدراع من أبيه وأحمد
بن يزيد بن أسيد السلمي «ولِيَنْذَرُوا» بفتح الياء والذال من نَذرَ بالشَّيء، أي: علم به فاستعد له.
قالوا: ولو لم يعرف مصدر فهو ك «عَسَى» ، وغيرها من الأفعال التي لا مصارد لها.
فصل
معنى «لِيُنْذَرُوا» أي: وليخوفوا به ﴿وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ أي: يستدلُّوا بهذه الآيات على وحدانيَّة الله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي: يتّعظ أولو العقول.
قال القاضي: أول هذه السورة، وأخرها يدلُّ على أنَّ العبد مستقل بفعله إن شاء أطاعه، وإن شاء عصى.
أمَّا أوَّل هذه السورة فقوله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [إبراهيم: 1] وقد ذكرناه هناك.
وأمَّا آخر السورة فقوله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ يدلُّ على أنَّه تعالى إنَّما أنزل هذه السورة، وذكر هذه المواعظ؛ لأجل أن ينتفع بها الخلق؛ ليصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر والمعصية، وقد تقدم جوابه.
روى أبو أمامة عن أبي بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة إبْرَاهِيم أعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشر حَسناتٍ بِعدَدِ مَنْ عَبدَ الأصْنامَ، ومَنْ لَمْ يَعْبُدهَا» .
سورة الحجر
إبراهيم 14:51
قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ لما بين دلائل التَّوحيد ثمَّ حكاى عن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنه طلب من الله العظيم أن يصونه عن الشرك، وأن يوفقه للأعمال الصَّالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة، ذكر بعده ما يدل على وجود القيامة، فهو قوله عزَّ وجلَّ ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ وذلك تنبيه على أنَّه تبارك وتعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظَّالم للزم إمَّا أن يكون غافلاً عن ذلك الظَّالم، أو عاجزاً عن الانتقام، أو كان راضياً بذلك الظُّلم ولما كانت الغفلة، والعجز، والرِّضا بالظُّلم محالاً على الله امتنع أن لاينتقم من الظَّالم للمظلوم.
فإن قيل: كيف يليقُ بالرَّسُول صلوات الله وسلامه عليه أن يحسب الله عزَّ وجلَّ موصوفاً بالغفلةِ؟ .
فالجواب من وجوه:
الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب إن كان غافلاً، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: 14] ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [القصص: 88] .
والثاني: المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظالم، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً للك أحد لا جرم كان عدمُ الانتقام محالاً.
الثالث: أنَّ المراد: ولا تحسبنه يعاملهم الله معاملة الغافل عمَّا يعملون، ولكن معالمة الرَّقيب عليهم المحاسب على النقير، والقطمير.
الرابع: أنَّ هذا الخطاب، وإن كان خطاباً للنبِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الظاهر إلا أنه خطاب مع الأمَّة.
قال سفيان بن عيينة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هذا تسلية للمظلوم، وتهديد للظَّالم.
قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: لأجل يوم، فاللام للعلَّة.
وقيل: بمعنى «إلى» أي: للغاية.
وقرأ العامة «يُؤخِّرهُمْ» بالياء، لتقدم اسم الله تعالى. وقرأ الحسن والسلمي، والأعرج، [وخلائق] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «نُؤخِّرهُم» بنون العظمة.
ويروى عن أبي عمرو «نُؤخِّرُهمْ» بنون العظمة.
و «تَشْخَصُ» صفلة ل «يَوْمِ» . ومعنى شُخُوصِ البصرِ حدَّةُ النَّظر، وعدم استقراره في مكانه، ويقال: شَخَصَ سَمْعُه، وبَصَرُه، وأشْخَصَهُمَا صَاحِبهُما، وشَخَصَ بَصَره، أي: لم يطرف جفنهُ، وشخوص البصر يدلُّ على الحيرة والدهشة، ويقال: شخص من بلده أي: بعد والشخصُ: سواد الإنسان المرئيّ من بعيد.
قوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ حالان من المضاف المحذوف إذا التقدير: أصحاب الأبصار، إذا يقال: شَخَسَ زَيْدٌ بصرهُ، أو تكون الأبصار دلَّت على أربابها فجاءت الحال من المدلول عليه، قالهما أبو البقاءِ.
وقيل: «مُهْطِعين» منصوب بفعل مقدر، أي: تبصرهم مهطعين، ويجوز في «مُقْنِعِي» أن يكون حالاً من الضمير في: «مُهْطِعِينَ» فيكون حالاً، وإضافة: «مُقْنِعِي» غير حقيقة؛ فلذلك وقع حالاً.
والإهْطَاعُ: قيل: الإسرْاعُ في المشيِ؛ قال: [البسيط] 3235 - إذَا دَعانَا فأهْطَعْنَا لِدَعْوتهِ ... دَاعٍ سَمِيعٌ فَلفُّونَا وسَاقُونَا
وقال: [الكامل]
3236 - وبِمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنَّ عِنانَهُ ... فِي رَأْسِ جِذْعٍ ... ... ... ... ... ... ...
وقال أبو عبيدة: قد يكون الإسراع [مع] إدامة النَّظر.
وقال الراغب: «هَطَعَ» الرَّجلُ بِبصَرهِ إذَا صَوَّبهُ، وبَعِيرٌ مُهْطِعٌ إذا صوَّب عُنُقهُ» .
وقال الأخفش: هُو الإقْبَالُ على الإصغاءِ، وأنشد: [الوافر]
3237 - بِدجْلةَ دَراهُم ولقَدْ أرَاهُمْ ... بِدجْلةَ مُهْطِعينَ إلى السَّماعِ
والمعنى: مُقبلينَ برءوسهم إلى سماعِ الدَّاعِي.
وقال ثعلبٌ: «هَطَعَ الرَّجلُ إذا نظرَ بذُلِّ وخُشوعٍ لا يقلع بِبصَره إلى السماء» . وهذا موافقٌ لقول أبي عبيدة؛ فقد سمع فيه: «أهْطََعَ وهَطَعَ» رباعيًّا وثلاثيًّا.
والإقناعُ: رفع الرَّأسِ، وإدامة النَّظر من غير التفات إلى شغيره، قاله القتبيُّ، وابنُ عرفة.
ومنه قوله يصف إبلاً ترعى أعالي الشَّجر؛ فترفع رءوسها: [الوافر]
3238 - يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بِمُقنَعَاتٍ ... نَواجِذُهُنَّ كالحِدَإ الوَقِيعِ
ويقال: أقْنَعَ رأسه، أي: طأطأها، ونكَّسها فهو من الأضداد، والقَناعةُ: الاجتزاءُ باليسيرِ، ومعنى قَنَعَ عن كذا: أي: رفع رأسه عن السؤال. وفَمٌ مُقَنَّعٌ: معطوف الأسنان إليه داخلة، ورجُلٌّ مُقنَّعٌ بالتشديد، ويقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً، وقَنَعاً، إذا رَضِيَ، وقنع قُنُوعاً، إذا سَألَ، [فوقع] الفرق بالمصدر.
وقال الراغب: قال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناعِ، وهو ما يُغطِّي الرَّأس والقَانِعُ: من يَلِجُّ في السؤال فيرضى بِما يَأتيهِ، كقوله: [الوافر]
3239 - لَمَالُ المَرْءِ يًصْلِحُه فيُغْنِي ... مَفَاقِرهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ
ورجل مقنَّعٌ: تَقنَّعَ بِهِ؛ قال: [الطويل]
3240 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... شُهُودِي على ليْلَى عُدولٌ مَقانِعُ
ومنى الآية: أنَّ المعتاد فيمن شاهد البلاء أنَّه يطرق رأسه عنه لئلا يراه، فبين تعالى أنَّ حالهم بخلاف هذا المعتاد، وأنهم يرفعون رءوسهم.
والرُّءُوسُ: جمعُ رأسِ، وهو مؤنَّثٌ، ويُجمع في القلَّةِ على أرؤس، وفي الكثرة على» رُءُوس «والأرَاسُ: العظيم الرأس، ويعبر به عن الرَّجل العظيم كالوجه، والرِّسُّ مشتقًّ من ذلك ورِيَاسُ السَّيف مقبضه، وشاةٌ رَأْسَى: أسودَّتْ رأسَها.
قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ في محل نصب على الحال من الضمير في:» مُقْنِعِي» ويجوزو أن يكون بدلاً من: «مُقْنِعِي» ، كذا قاله أبو البقاء، يعني أنه يحل محله، ويجوز أن يكون استئنافاً، والطرف في الأصل مصدر، وأطلق على الفاعل، كقولهم: «مَا فِيهِمْ عينٌ تَطْرف» ، الطَّرفُ هنا: العَيْنُ قال الشاعر: [الكامل]
3241 - وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدتْ لِي جَارتِي ... حتَّى يُوارِي جَارتِي مَاوَاهَا
والطَّرفُ: الجِفْنُ أيضاً، يقال: ما طبق طرفهُ، أي: حفنهُ على الآخر، الطَّرفُ أيضاً: تحركُ الجِفْنِ.
ومعنى الآية: دوام ذلك الشُّخوصِ.
قوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ » يجوز أن يكون استئنافاً، وأن يكون حالاً، والعامل فيه إمَّا «يَرتَدُّ» وإمَّا ما قبله من العوامل، وأفرد: «هَواءٌ» ، وإن كان خبراً عن جمع؛ لأنَّه في معنى فارغة متجوفة، ولو لم يقصد ذلك لقال: أهوية ليطابق الخبر مبتدأه» .
والهَواءُ: الخَالِي من الأجسامِ ويُعبَّرُ به عن الجُبْنِ، يقال: جوفهُ هواء، أي: فارغ؛ قال زهيرٌ: [الوافر] 3242 - كَانَّ الرَّجلَ مِنْهَا فوقَ صَعْل ... مِنَ الظِّلمانِ جُؤجؤهُ هَواءُ
وقال حسَّان بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
3243 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فانْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَواءُ
النَّخْبُ: الذي أخذت نخبته أي: خِيارهُ، ويقال: قلب فلانٍ هواء: إذا كان جَباناً للقوة في قلبه.
والمعنى: أنَّ قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جمع الخواطر، والأفكار لعظم ما نالهم من الحيرة لما تحقَّقوهُ من العذاب، وخيالة من كلِّ سرور لكثرة ما هم فيه من الحزِنِ.
قوله: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ قال أبو البقاء: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ معفول ثان ل: «أنْذر» ، أي: خوفهم عذاب يوم، وكذا قاله الزمخشريُّ.
وفيه نظرٌ، إذ يؤول إلى قولك: أنذرهم عذاب يوم يأتيهم العذاب، ولا حاجة إلى ذلك، ولا جائز أن يكون ظرفاً؛ لأنَّ ذلك اليوم لا إنذار فيه سواء قيل: إنه يوم القيامة، أو يوم هلاكهم، أو يوم تلقاهم الملائكةُ.
والألف واللام في: «العَذابُ» للمعهود السَّابق، أي: وأنذرهم يوم يأتيهم العذاب الذي تقدَّم ذكره، وهو شخوصُ الأبصار، وكونهم مهطعين مقنعي رءوسهم.
فصل
حمل أبو مسلم قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ على أنه حال المعاينة، لأنَّ هذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولاا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ [المنافقون: 10] ، وظاهر الآية يشهد بخلافه؛ لأنه تعالى وصف اليوم بأن العذاب يأتيهم فيه، وأنهم يسألون الرجعة، ويقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ ؟ ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة.
ثمَّ حكى تعالى عنهم ما يقولون في ذلك اليوم: ﴿فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال بعضهم: طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرَّطوا فيه.
وقيل: طلبوا الرُّجوع إلى حال التَّكليف لقولهم: ﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾ ، فقوله: «نُجِبْ» جواب الأمرِ.
قوله: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ قال الزمشخري: «على إرادة القول وفيه وجهان: أن تقولوا ذلك أشراً وبطراً، أو تقولوه بلسان الحال حيث بنوة شديداً، وأملوا بعيداً» .
و «مَا لكُمْ» جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب لقوله: «أقْسَمْتُمْ» ، ولو جاء بلفظ المقسمين لقيل: «مَا لنَا» .
وقدَّر أبو حيَّان ذلك القول هنا من قول الله عزَّ وجلَّ أو الملائكة عليهم السلام أي: فيقال لهم: «أو لم تكونوا» ، وهوأظهر من الأول، أعني؟ : جريان القول من غيرهم لا منهم، والمعنى: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ أراد قوله:
﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: 109] إلى غير ذلك ممَّا كانوا ينكرونه.
قوله: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ وأصل «سَكَنَ» التَّعدي ب «في» كما في هذه الآية، وقد يتعدى بنفسه.
قال الزمخشريُّ: «السكنى من السكونِ الذي هو اللَّبثُ، من الأصل تعديه ب» في «كقولك: قرَّ في الدَّارِ وأقام فيِهَا، ولكنَّه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه، فقيل: سكن الدَّار كما قيل: تَبَوَّأها، وأوطنَها، ويجوز أن يكون من السُّكونِ، أي: قرُّوا فيها واطمأنُوا» .
والمعنى: وسكنتم في مساكن الذين كفورا قبلكم كقوم نوح، وعادٍ، وثمود و: ﴿ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ بالكفر؛ لأن من شاهد هذه الحال؛ وجب عليه أنّ يعتبر، وإذا لم يعتبر يستوجب الذَّم والتقريع.
قوله: «وتَبيَّنَ لَكُمْ» فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه، أي حالهم وخبرهم وهلاكهم، و «كَيْفَ» نصب ب «فَعلْنَا» وحملة الاستفهام ليست معمولة ل «تَبيَّنَ؛ لأنه من الأفعال التي لا تعلق، ولا جائز أن يكون:» كَيْفَ» فاعلاً؛ لأنَّها إمَّا شرطية، أو استفهامية وكلاهما لايعمل فيه ما تقدمه، والفاعل لا يتقدَّم عندنا.
وقال بعض الكوفيين: إنَّ جملة: «كَيْفَ فَعلْنَا» هو الفاعل، وهم يجيزون أن تكون الجملة فاعلاً، وقد تقدَّم هذا في قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: 35] .
والعامة على» تَبيَّنَ «فعلاً ماضياً، وقرأ عمر بن الخطاب، والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما في رواية عنهما: «ونُبيِّنُ» بضمِّ النون الأولى والثانية، مضارع: «بيَّن» ، وهو خبر مبتدأ مضمر، والجملة حالٌ، أي: ونحن نبين.
وقرأ السلمي فيما نقل المهدويُّ كذلك إلا أنه سكن النون للجزم نسقاً على» تَكُونُوا «فيكون داخلاً في حيز التقدير.
فصل
والمعنى: عرفتم عقوبتنا إياهم، وضربنا لكم الأمثال في القرآن ممَّا يعلم به أنَّه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التَّعذيب المؤجَّل كما يفعل الهلاك المعجَّل.
قوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ قيل: الضمير عائدٌ إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم.
وقيل: أراد قوم محمد صلى الله عليه سلم لقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ يا محمد، وقد مكروا قومك مكرهم وذلك في قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30] .
وقيل: المراد من هذا المكر ما نقل: أن نمروذاً حاول الصُّعود إلى السماءِ، فاتَّخذ لنفسه تابوتاً، وربط قوائمه الأربعة بأربعة نسورٍ، وكان قد جوَّعها، وجعل لها في جوانب التابوت الأربعة عصياً، وعلم عليها اللحم، ثم جلس مع صاحب له في التابوت، فلمَّا أبصرت النسور اللحم تصاعدت في الجو ثلاثة أيام، وغابت الدنيا عن عين نمروذ، ثمَّ نكَّس العصيّ التي كان عليها اللحم فهبطت النُّسور إلى الأرض.
قال القاضي رَحِمَهُ اللَّهُ:» وهذا بعيد جدًّا؛ لأنَّ الخطر فيه عظيم، ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء فيه خبر، ولا دليل» .
قال القشيري: وهذا جائزٌ بتقدير خلق الحياةِ في الحبالِ، وذكر الماورديُّ عن بان عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أنَّ النمرود بن كعنان بنى الصَّرح في قرية الرسِّ من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع، وخمسة وعشرين ذراعاً، وصعد فيه مع النُّّسور، فلمَّا علم أنه ليس له سبيل إلى السماء اتَّخذ حصناً، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصَّرح علهيم، فهلكوا جميعاً فهذا معنى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ .
قوله: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ يجوز أن يكون هذا المصدر مضافاً لفاعله كالأول بمعنى أنَّ مكرهم الذي مكروه جزاؤه عند الله، أو للمفعول، بمعنى أن عند الله مكرهم الذي يمكرهم به، أي: يعذبهم قالمها الزمخشريُّ.
قال أبو حيان: «وهذا لايصحُّ إلاَّ إن كان» مَكَرَ «يتعدى بنفسه كما قال هو إذ قد يمكرهم به، والمحفوظ أن» مَكَرَ «لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به بنفسه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: 30] وتقول: زيدٌ ممكور به، ولا يحفظ: زيدٌ ممكورٌ بسبب كذا.
قوله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ قرأ العامة بكسر لام» لِتَزولَ «الأولى، والكسائي بفتحها.
فأما القراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّها نافيةٌ، واللام بعدها لام الجحودِ؛ لأنَّها بعد كونٍ منفيّ، وفي» كَانَ «حينئذ قولان:
أحدهما: أنَّها تامَّة، والمعنى؛ تحقير مكرهم، أنَّه ما كان لتزول منه الشَّرائع التي كالجبال في ثبوتها وقوَّتها.
ويؤيد كونها نافية قراءة عبد الله: (وما كان مَكْرُهُمْ) .
القول الثاني: أنَّها ناقصةٌ، وفي خبرها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين، هل هو محذوف، واللام متعلقة به؟ وإليه ذهب البصريون، أو هو اللام، وما جرته كما [هو مذهب] الكوفيين؟ وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران.
الوجه الثاني: أن تكون المخففة من الثقيلة.
قال الزمخشري:» وإن عظم مركهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلاً لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم معدًّا لذلك» .
وقال ابن عطية: «ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة: تعظيم مكرهم، أي: وإن كان شديداً إنما يفعل ليذهب به عظام الامور» ، فمهوم هذين الكلامين أنها مخففةٌ؛ لأنَّه إثبات.
والثالث: أنها شرطيةٌ، وجوابها محذوفٌ، أي: وإن كان مكرهم مقدراً لإزالةِ أشباه الجبال الرَّواسي، وهي المعجزات، والآيات، فالله مجازيهم بمكرهم، وأعظم منه.
وقد رجِّح الوجهان الأخيران على الأوَّل، وهو: أنها نافية؛ لأنَّ فيه معارضة لقراءة الكاسئي في ذلك؛ لأنَّ قراءته تؤذن بالإثبات، وقراءة غيره تؤذن بالنَّفي.
وقد أجاب بعضهم عن ذلك: بأنَّ الجبال في قراءة الكسائي مشار بها إلى أمور عظام غير الإسلام، ومعجزاته لمكرهم صلاحية إزالتها، وفي قراءة الجماعة مشار لها إلى ما جاء به النبيُّ المختار صلوات الله وسلامه عليه من الدين الحق، فلا تعارض إذ لم يتوارد على معنى واحد نفياً، وإثباتاً.
وأمَّا قراءة الكسائيِّ ففي: «إنْ» وجهان:
مذهبُ البصريين أنََّها المخففة واللام فارقة، ومذهب الكوفيين أنَّها نافية، واللام بمعنى: «إلاَّ» وقد تقدَّم تحقيق المذهبين.
وقرأ عمر، وعلي، وعبد الله، وزيد بن علي، وأبو سلمة وجماعة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم (وإن كاد مكرهم لتزول) كقراءة الكسائي، إلاََّ أنهم جعلوا مكان نون: «كَانَ» دالاً، فعل مقاربة، وتخريجها كما تقدَّم، ولكن الزوال غير واقع.
وقرىءك «لَتَزُولَ» بفتح اللامين، وتخريجها على إشاكالها أنها جاءت على لغة من لا يفتح لام كي.
فصل
في الجبال التي عني زوالها بمكرهم وجهان:
أحدهما: جبال الأرض.
الثاني: الإسلامُ، والقرآن؛ لأنَّ ثبوته، ورسوخه كالجبالِ.
وقال االقشيريُّ: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ أي: هو عالم بذلك فيجازيهم، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ لما بين في الآية الأولى أنه ينتصر للمظلوم من الظَّالم بين هاهنا أنه لا يخلف الوعد.
قوله: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾ العامة على إضافة: «مخْلِفَ» إلى «وعْدِهِ» وفيها وجهان:
أظهرهما: أن «مُخْلفَ» يتعدَّى لاثنين كفعله، فقدم المفعول الثاني، وأضيف إليه إسم الفاعل تخفيفاً، نحو: هذا كَاسِي جُبَّةِ زيْدٍ.
قال الفراء وقطرب: لما تعدَّى إليهما جميعاً، لم يبالِ بالتقديم والتأخير.
وقال الزمخشري: فإن قلت: هلاَّ قيل: مُخْلف رسله وعده؟ ولم قدَّم المفعول الثاني على الأول؟ .
قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد، ثم قال: «رُسلهُ» ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، كيف يخلف رسله؟ .
وقال أبو البقاء: هو قريبُ من قولهم: [الرجز]
3244 - يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدَّارِ ... وأنشد بعضهم نظير الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل]
3245 - تَرَى الثَّورَ فِيهَا مُدخِلَ الظلِّ رَأسَهُ ... وسَائرِهُ بَاردٍ إلى الشَّمْسِ أجْمعُ
والحسبان هنا: الأمر [المتيقن] ، كقوله: [الطويل]
3246 - فَلا تَحْسَبنْ أنِّي أضلُّ مَنيَّتِي ... وكُلُّ امرىءٍ كَأسَ الحِمام: ِ يَذُوقُ
الثاني: أنه متعد لواحد، وهو «وعْدهِ» ، وأمَّا «رُسلهُ» فمنصوب بالمصدر فإنَّه ينحلْ بحرف مصدريّ، وفعل تقديره: مخلف ما وعد رسله، ف «ما» مصدريَّة لا بمعنى الذي؟
وقرأت جماعة: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ بنصب: «وَعْدهُ» وجر: رسُلهِ «فصلاً بالمفعول بين المتضايفين، هي كقراءة ابن عامرٍ: ﴿قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُكرائِهِمْ) . قال الزمخشري مجرأة منه:» وهذه في الضعف [كقراءة] (قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُركائِهِمْ) . ثم قال: {إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾ غالب لأهل المكر، ذو انتقام لأوليائه منهم.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ [لما بين أنه عزيز ذو انتقام، بين وقت انتقامه، فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ ] ويجوز في «يَوْمَ» عدة أوجه:
أحدها: أن ينتصب منصوباً ب» انتقام «أي: يقع انتقامه في ذلك اليوم.
الثاني: أن ينتصب ب» اذكُر» .
الثالث: ِأن ينتصب بما يتلخص من معنى عزيز ذو انتقام.
الرابع: أن يكون بدلاً من: «يَوْمَ يَأتِيهِمْ» .
الخامس: أن ينتصب ب: «مُخْلِفَ» .
السادس: أن ينتصب ب «وَعْدِهِ» ، و «إنَّ» وما بعدها اعتراض.
ومنع أبو البقاء هذه الآخرين، قال: «لأن ما قبل» إنَّ «لا يعمل فيما بعدها» .
وهذا غير مانع؛ لأنه كما تقدَّم اعتراض، فلا يبالى به فاصلاً.
فصل
التَّبديلُ يحتمل وجهين:
الأول: أن تكون الذَّات باقية، وتبدل الصفة بصفة أخرى، كما تقول: بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، منه قوله تعالى: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] ، ويقال: بدلَّلتُ قَمِيصِي جُبَّة، إذا قلبت عَيْنَهُ فجعلتهُ جُبَّةٌ، وقال الشاعر: [الطويل]
3247 - فَمَا النَّاسُ بالنَّاسِ الذينَ عَرَفْتهُمْ ... ولا الدَّارُ بالدَّارِ الَّتي أنْتَ تَعْلمُ
الثاني: أنْ تُفني الذات، وتحدث ذاتاً أخرى، كقولك: بدَّلتُ الدَّراهمَ دنَانِيرَ ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] .
وإذا عرفت أن اللفظ محتمل للوجهين ففي الآية قولان:
الأول: قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هي تلك الأرض، إلاَّ أنها تغير صفتها فتسيرُ عنها جبالها، وتفجر أنهارها، وتسوى، فلا ﴿ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 107] وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تُبدَّلُ الأرضُ غيكر الأرْضِ، فيَبْسُطهَا، ويمُدُهَا مدَّ الأدِيم [العكاظي] لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً» وتبدل السموات باتثارِ كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها؛ وخسوف قمرها، وكونها تكن تارة كالمهل، وتارة كالدهان.
والقول الثاني: تبديل الذات. قال ابن مسعود رضي الله عه: تبدل بأرض كالفضَّة البيضاء النَّقية، لم يسفك فيها د مٌ، ولم يعمل عليها خطيئة.
والقائلون بالقول الأول هم الذين يقولون عند قيام القيامةِ: لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنَّما يعدم صفاتها.
وقيل: المراد من تبديل الأرض والسموات: هو أنَّ الله تعالى، يجعل الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة بدليل قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ﴾
[المطففين: 7] وقوله عزَّ وجلَّ ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: 18] .
وقالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: سألتُ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] أيْنَ تكُون النَّاس يَوْمئذٍ؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «على الصِّراطِ» .
وروى ثوبانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أن حبْراً من اليهودِ سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أيْنَ تكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ؟ قال: «هُمْ في الظُّلمةِ دون الجِسْرِ» .
قوله «والسَّمواتِ» تقديره: وتبدل السموات غير السموات.
وقرىء: «نُبَدّلُ» بالنون: «الأرض» نصباً «والسَّمواتِ» نسق عليه.
قوله «وبَرَزُوا» فيه وجهان:
أحدهما: أنها حملةٌ مستأنفة، أي: يبرزون، كذا قدَّره أبو البقاءِ، يعنى أنه ماض يراد به الاستقبال، والأحسن أنه مثل ﴿ونادى أَصْحَابُ النار﴾ [الأعراف: 50] ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: 44] ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [الحجر: 2] ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] لتحقُّّق ذلك.
والثاني: أنها حال من «الأرض» ، و «قَدْ» معها مرادة، قاله أبو البقاءِ ويكون الضمير في: «بَرَزُوا» للخلق دلّ عليه السِّياق، والرَّابط بين الحال، وصاحبها الواو.
وقرأ زيد بن علي «وبُرِّزُوا» بضم الباء، وكسر الرَّاء مشددة عل التَّكثير في الفعل ومفعوله، وتقدَّم الكلام في معنى البروز عند قوله تعالى ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: 21] ، وإنما ذكر «الوَاحدِ القهَّارِ» هنا؛ لأنَّ الملك إذا كان لمالك واحد غالبٍ لا يغلبُ، قهَّار لا يقهر، فلا يستغاث بأحد عغيره، فكان الأمر في غية الصعوبة ولما وصف نفسه تعالى بكونه قهاراً، بيَّن عجزهم، وذلتهم فقال: «وتَرَى المُجْرمينَ» وصفهم بصفات:
الأولى: قوله: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ «يجوز أن يكون حالاً على أنَّ الرؤية بصريّة، وأن يكون مفعولاً ثانياً على أنَّها علمية، و» فِي الأصْفادِ» متعلق به.
وقيل: بمحذوف على أنه حال أو صفة ل «مُقرَّنينَ» » .
والمُقرن: من جمع في القَرَن، وهون الحبل الذي يربط به، قال: [البسيط]
3248 - أوابنُ اللَّبُون إذَا ما لُزَّ فِي قرنٍ ... لَمْ يَستَطعْ صَولةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
وقال آخر: [البسيط]
3248 - ب والخَيْرُ والشَّرُّ مَلْزُوزان في قَرنٍ ... وقال آخر: [البسيط]
3248 - ج إنِّي لَدَى الباب كلمَلزُوزِ في قَرنٍ ... يقال: قَرنْتُ الشَّيء بالشَّيء إذا شددتهُ بِهِ، ووَصلتهُ، والقرنُ: اسم للحَبْلِ الذي يُشَدُّ بِهِ، ونكَّرهُ لِكثرةِ ذلِك.
والأصْفَادُ: جمع صفدٍ، وهو الغلُّ، والقيد، يقال: صَفَدَهُ يَصْفِده صَفْداً، قيَّدهُ، بِهِ، والاسم الصَّفَد، وصفَّدهُ مشدداً للتكثير؛ قال: [الوافر]
3249 - فآبُوا بالنّهَابِ وبالسَّبَايَا ... وأبْنَا بالمُلُوكِ مُصفَّدِينَا
والأصفادُ من الصَّفْد، وأصفْدَه، أي: أعطاه، ففرَّقُوا بين «فَعَل» و «أفْعَلَ» .
وقيل: بل يستعملان في القَيْدِ، والعَطاءِ، قال النابغة الذبياني: [البسيط]
3250 - ... ... ... ... ... ..... فَلمْ أعرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفدِ
أي: بالإعطاءِ، وسمي العطاء صفداً، لأنَّه يُقيَّدُ من يعطيه، منه: أنا مغلول أياديك، أسير نعمتك.
فصل
قيل: يقرن كل كافرٍ مع شيطانٍ في سلسلة، بيانهن قوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [ الصافات: 22] يعنى: قرناءهم من الشَّياطين، وقوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: 7] . أي قرنت.
وقيل: مقرونة أيديهم، وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد أي: بالقيود.
قوله: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من «المُجْرمينَ» وإمَّا من: «مُقرَّنِينَ» ، وإما من ضميره، ويجوز أن تكون مستأنفة وهو الظاهر.
والسَّرابِيلُ: الثِّيابُ، وسَرْبلتهُ، أي: ألْبَستهُ السِّربالَ؛ قال: [السريع]
3251 - ... ... ... ... ... ... . ... أوْدَى بِنعْليَّ وسِرْبَالِيَه
وتطلق على ما يحصن في الحرب من الدِّرع، وشبهه قال تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: 8] .
والقَطرانُ: ما يستخرج منن شجر يسمَّى الأبهل، فيطبخ ويطلى به الإبل الجُرْب ليذهب جربها [بحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار] ، وهو أسود اللَّون منتن الرَّائحةِ، وفيه لغاتٌ: «قِطرانٍ» بفتح القاف وكمسر الطاء، وهي قراءة العامة.
و «قَطْران» بزنة سكران، وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وقال أبو النَّجْم: [الرجز]
3252 - لَبَّسَهُ القَطْرانَ والمُسُوحَا ... و «قِطْرَان» بكسر القاف، وسكون الطاء بزنة «سِرْحَان» ولم يقرأ بها فيما علمتُ.
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: وقرأ جماعة كثيرة منهم عليُّ بن أبي طالب وةابن عباس، وأبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «قَطِرِ» بفتح الْقاف، وكسرها وتنوين الراء «آنٍ» بوزن «عَانٍ» جعلوها كلمتين، والقَطِر: النَّحاس، وال «آنِ» اسم فالع من أنَى يأني، أي: تَناهى في الحرارةِ؛ كقوله تعالى: ﴿بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: 44] .
وعن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ليس بالطقران، ولكنَّه النحاس الذي يصير بلونه.
قال ابن الأنباري: «تلك النَّار لا تبطل ذلك القطران، ولا تفنيه، كما لا تهلك أجسادهم النَّار، والأغلال التي عليهم» .
واعلم أنه يطلى بذلك القطران جلود أهل النَّار حتَّى يصير ذلك الطِّلاء كالسِّربال، وهو القميص، فيحصل بسببه أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران وحرقته، وإسراع النَّار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الرِّحِ، وأيضاً: التفاوت بين قطران القيامة، وقطران الدنيا كالتَّفاوت بين النارين.
قوله: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ قرىٍ «وتَغَشَّى» بتشديد الشِّين، أي: وتتغشى فحذفت إحدى التَّاءين.
وقرىء برفع: «وُجوهُهُم» ونصب «النَّار» على سبيل المجازِ، جعل ورود الوجوه النار غشياناً.
والجملة من قوله: «وتَغْشَى» قال أبو البقاءِ: «حال أيضاً» .
يعني أنَّها معطوفة على الحالِ، ولا يعني أنَّها حال، والواو للحال، لأنَّه مضارع مثبت.
فصل
المعنى: [تعلو] النَّار وجوههم، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب﴾ [الزمر: 24] وقوله: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] .
واعلم أنَّ موضع المعرفة والنَّكرة، والعلم، والجهل هـ والقلبُ، وموضع الفكر، والوهم والخيال هو الرَّأس، وتأثير هذه الأحوال يظهر في الوجه، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما، قال الله تعالى [في القلب] : ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ [الهمزة: 6، 7] وقال تعالى في الوجه: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ .
قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ في هذه الأيام وجهان:
أظهرهما: أنَّها تتعلق ب «بَرَزُوا» وعلى هذا فقوله: «وتَرَى» جلمة معترضة بين المتعلق، والمتعلق به.
والثاني: أنها تتعلق بمحذوف، أي: فعلنا بالمجرمين، ذلك ليجزي كل نفس لأنه إذا عاقب المجرم؛ أثاب الطَّائع.
قال الواحدي: «المرادُ: أنفسُ الكفَّار؛ لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهعل الإيمان، ويمكن إجراء اللفظ على عمومه، وأنه تعالى يجزي كلَّ نفسٍ ما كسبتن من عملها اللائق بها، فيجزي الكفار بهذا العقاب المذكور، ويجزي المؤمن المطيع الثَّواب وأيضاً، فالله تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم، فلأن يثيب المطيعين أولى» .
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ أي: لا يظلمهم، ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقه.
قوله تعالى: ﴿هذا بَلاَغٌ﴾ إشارة إلى ما تقدَّم من قوله: «ولا تحْسَبنَّ» إلى هنا، أو إلى كلِّ القرآن، نزل منزلة الحاضر بلاغ، أي: كافية في الموعظة.
قوله تعالى: ﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه متعلقٌ بمحذوف، أي: ولينذروا أنزلنا عليك.
الثاني: [أنه معطوف على محذوف، وذلك المحذوف متعلق ب «بلاغ» ، تقديره: لينصحوا ولينذروا] .
الثالث: أن الواو مزيدة: «ولِيُنْذَرُوا» متعلق ب «بَلاغٌ» ، وهو رأي الأخفش نقله الماورديُّ.
الرابع: أنه محمولٌ على المعنى، أي: ليبلغوا، ولينذروا.
الخامس: أن اللام لام الأمر، وهو حسنٌ، لولا قوله: «ولِيَذَكَّرَ» فإن منصوب فقط.
قال شهاب الدين: قال بعضهم: لا محذور في ذلك، فإن قوله: «لِيَذَّكرَ» ليس معطوفاً على ما تقدمه، بل متعلق بفعل مقدر، أي: وليذكر أنزلناه وأوحيناه.
السادس: أ، هـ خبر لمبتدأ مضمر، التقدير: هذا بلاغ، وهو لينذروا قاله ابن عطيَّة.
السابع: أنه عطف مفرداً على مفردٍ، أي: هذا بلاغ وإنذار، قاله المبردُ وهو تفسير معنى لا إعراب.
الثامن: أنه معطوف على قوله: «يُخْرجَ النَّاسَ» في أول السورة، وهذا غريب جدًّا.
التاسع: قال أبو البقاء: «المعنى هذا بلاغٌ للنَّاسِ، والإنذارُ متعلق بالبلاغ أو بمحذوف إذا جعلت النَّاس صفة.
ويجوز أن يتعلق بمحذوف، وتقديره: ولينذروا به أنزل، أو تلي» .
قال شهاب الدين: «فيؤدّي التقدير إلى أن يبقى التركيب: هذا بلاغ للإنذار والإنذار لا يتأتي فيه ذلك» .
وقرأ العامة: «لِيُنذَرُوا» مبنيًّا للمفعول. وقرأ مجاهدٌ وحميد بن قيس: «ولتُنْذِرُوا» بتاء مضمومة، وكسر الذال كأن البلاغ للعموم، والإنذار للمخاطبين، وقرأ يحيى بن عمارة الدراع من أبيه وأحمد
بن يزيد بن أسيد السلمي «ولِيَنْذَرُوا» بفتح الياء والذال من نَذرَ بالشَّيء، أي: علم به فاستعد له.
قالوا: ولو لم يعرف مصدر فهو ك «عَسَى» ، وغيرها من الأفعال التي لا مصارد لها.
فصل
معنى «لِيُنْذَرُوا» أي: وليخوفوا به ﴿وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ أي: يستدلُّوا بهذه الآيات على وحدانيَّة الله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي: يتّعظ أولو العقول.
قال القاضي: أول هذه السورة، وأخرها يدلُّ على أنَّ العبد مستقل بفعله إن شاء أطاعه، وإن شاء عصى.
أمَّا أوَّل هذه السورة فقوله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [إبراهيم: 1] وقد ذكرناه هناك.
وأمَّا آخر السورة فقوله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ يدلُّ على أنَّه تعالى إنَّما أنزل هذه السورة، وذكر هذه المواعظ؛ لأجل أن ينتفع بها الخلق؛ ليصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر والمعصية، وقد تقدم جوابه.
روى أبو أمامة عن أبي بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة إبْرَاهِيم أعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشر حَسناتٍ بِعدَدِ مَنْ عَبدَ الأصْنامَ، ومَنْ لَمْ يَعْبُدهَا» .
سورة الحجر
إبراهيم 14:52
قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ لما بين دلائل التَّوحيد ثمَّ حكاى عن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنه طلب من الله العظيم أن يصونه عن الشرك، وأن يوفقه للأعمال الصَّالحة، وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة، ذكر بعده ما يدل على وجود القيامة، فهو قوله عزَّ وجلَّ ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ وذلك تنبيه على أنَّه تبارك وتعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظَّالم للزم إمَّا أن يكون غافلاً عن ذلك الظَّالم، أو عاجزاً عن الانتقام، أو كان راضياً بذلك الظُّلم ولما كانت الغفلة، والعجز، والرِّضا بالظُّلم محالاً على الله امتنع أن لاينتقم من الظَّالم للمظلوم.
فإن قيل: كيف يليقُ بالرَّسُول صلوات الله وسلامه عليه أن يحسب الله عزَّ وجلَّ موصوفاً بالغفلةِ؟ .
فالجواب من وجوه:
الأول: المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب إن كان غافلاً، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: 14] ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [القصص: 88] .
والثاني: المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الانتقام لأجل غفلته عن ذلك الظالم، ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً للك أحد لا جرم كان عدمُ الانتقام محالاً.
الثالث: أنَّ المراد: ولا تحسبنه يعاملهم الله معاملة الغافل عمَّا يعملون، ولكن معالمة الرَّقيب عليهم المحاسب على النقير، والقطمير.
الرابع: أنَّ هذا الخطاب، وإن كان خطاباً للنبِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الظاهر إلا أنه خطاب مع الأمَّة.
قال سفيان بن عيينة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هذا تسلية للمظلوم، وتهديد للظَّالم.
قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي: لأجل يوم، فاللام للعلَّة.
وقيل: بمعنى «إلى» أي: للغاية.
وقرأ العامة «يُؤخِّرهُمْ» بالياء، لتقدم اسم الله تعالى. وقرأ الحسن والسلمي، والأعرج، [وخلائق] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «نُؤخِّرهُم» بنون العظمة.
ويروى عن أبي عمرو «نُؤخِّرُهمْ» بنون العظمة.
و «تَشْخَصُ» صفلة ل «يَوْمِ» . ومعنى شُخُوصِ البصرِ حدَّةُ النَّظر، وعدم استقراره في مكانه، ويقال: شَخَصَ سَمْعُه، وبَصَرُه، وأشْخَصَهُمَا صَاحِبهُما، وشَخَصَ بَصَره، أي: لم يطرف جفنهُ، وشخوص البصر يدلُّ على الحيرة والدهشة، ويقال: شخص من بلده أي: بعد والشخصُ: سواد الإنسان المرئيّ من بعيد.
قوله: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ حالان من المضاف المحذوف إذا التقدير: أصحاب الأبصار، إذا يقال: شَخَسَ زَيْدٌ بصرهُ، أو تكون الأبصار دلَّت على أربابها فجاءت الحال من المدلول عليه، قالهما أبو البقاءِ.
وقيل: «مُهْطِعين» منصوب بفعل مقدر، أي: تبصرهم مهطعين، ويجوز في «مُقْنِعِي» أن يكون حالاً من الضمير في: «مُهْطِعِينَ» فيكون حالاً، وإضافة: «مُقْنِعِي» غير حقيقة؛ فلذلك وقع حالاً.
والإهْطَاعُ: قيل: الإسرْاعُ في المشيِ؛ قال: [البسيط] 3235 - إذَا دَعانَا فأهْطَعْنَا لِدَعْوتهِ ... دَاعٍ سَمِيعٌ فَلفُّونَا وسَاقُونَا
وقال: [الكامل]
3236 - وبِمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأنَّ عِنانَهُ ... فِي رَأْسِ جِذْعٍ ... ... ... ... ... ... ...
وقال أبو عبيدة: قد يكون الإسراع [مع] إدامة النَّظر.
وقال الراغب: «هَطَعَ» الرَّجلُ بِبصَرهِ إذَا صَوَّبهُ، وبَعِيرٌ مُهْطِعٌ إذا صوَّب عُنُقهُ» .
وقال الأخفش: هُو الإقْبَالُ على الإصغاءِ، وأنشد: [الوافر]
3237 - بِدجْلةَ دَراهُم ولقَدْ أرَاهُمْ ... بِدجْلةَ مُهْطِعينَ إلى السَّماعِ
والمعنى: مُقبلينَ برءوسهم إلى سماعِ الدَّاعِي.
وقال ثعلبٌ: «هَطَعَ الرَّجلُ إذا نظرَ بذُلِّ وخُشوعٍ لا يقلع بِبصَره إلى السماء» . وهذا موافقٌ لقول أبي عبيدة؛ فقد سمع فيه: «أهْطََعَ وهَطَعَ» رباعيًّا وثلاثيًّا.
والإقناعُ: رفع الرَّأسِ، وإدامة النَّظر من غير التفات إلى شغيره، قاله القتبيُّ، وابنُ عرفة.
ومنه قوله يصف إبلاً ترعى أعالي الشَّجر؛ فترفع رءوسها: [الوافر]
3238 - يُبَاكِرْنَ العِضاهَ بِمُقنَعَاتٍ ... نَواجِذُهُنَّ كالحِدَإ الوَقِيعِ
ويقال: أقْنَعَ رأسه، أي: طأطأها، ونكَّسها فهو من الأضداد، والقَناعةُ: الاجتزاءُ باليسيرِ، ومعنى قَنَعَ عن كذا: أي: رفع رأسه عن السؤال. وفَمٌ مُقَنَّعٌ: معطوف الأسنان إليه داخلة، ورجُلٌّ مُقنَّعٌ بالتشديد، ويقال: قَنِعَ يَقْنَعُ قَناعَةً، وقَنَعاً، إذا رَضِيَ، وقنع قُنُوعاً، إذا سَألَ، [فوقع] الفرق بالمصدر.
وقال الراغب: قال بعضهم: أصل هذه الكلمة من القناعِ، وهو ما يُغطِّي الرَّأس والقَانِعُ: من يَلِجُّ في السؤال فيرضى بِما يَأتيهِ، كقوله: [الوافر]
3239 - لَمَالُ المَرْءِ يًصْلِحُه فيُغْنِي ... مَفَاقِرهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ
ورجل مقنَّعٌ: تَقنَّعَ بِهِ؛ قال: [الطويل]
3240 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... شُهُودِي على ليْلَى عُدولٌ مَقانِعُ
ومنى الآية: أنَّ المعتاد فيمن شاهد البلاء أنَّه يطرق رأسه عنه لئلا يراه، فبين تعالى أنَّ حالهم بخلاف هذا المعتاد، وأنهم يرفعون رءوسهم.
والرُّءُوسُ: جمعُ رأسِ، وهو مؤنَّثٌ، ويُجمع في القلَّةِ على أرؤس، وفي الكثرة على» رُءُوس «والأرَاسُ: العظيم الرأس، ويعبر به عن الرَّجل العظيم كالوجه، والرِّسُّ مشتقًّ من ذلك ورِيَاسُ السَّيف مقبضه، وشاةٌ رَأْسَى: أسودَّتْ رأسَها.
قوله: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ في محل نصب على الحال من الضمير في:» مُقْنِعِي» ويجوزو أن يكون بدلاً من: «مُقْنِعِي» ، كذا قاله أبو البقاء، يعني أنه يحل محله، ويجوز أن يكون استئنافاً، والطرف في الأصل مصدر، وأطلق على الفاعل، كقولهم: «مَا فِيهِمْ عينٌ تَطْرف» ، الطَّرفُ هنا: العَيْنُ قال الشاعر: [الكامل]
3241 - وأغُضُّ طَرْفِي ما بَدتْ لِي جَارتِي ... حتَّى يُوارِي جَارتِي مَاوَاهَا
والطَّرفُ: الجِفْنُ أيضاً، يقال: ما طبق طرفهُ، أي: حفنهُ على الآخر، الطَّرفُ أيضاً: تحركُ الجِفْنِ.
ومعنى الآية: دوام ذلك الشُّخوصِ.
قوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ » يجوز أن يكون استئنافاً، وأن يكون حالاً، والعامل فيه إمَّا «يَرتَدُّ» وإمَّا ما قبله من العوامل، وأفرد: «هَواءٌ» ، وإن كان خبراً عن جمع؛ لأنَّه في معنى فارغة متجوفة، ولو لم يقصد ذلك لقال: أهوية ليطابق الخبر مبتدأه» .
والهَواءُ: الخَالِي من الأجسامِ ويُعبَّرُ به عن الجُبْنِ، يقال: جوفهُ هواء، أي: فارغ؛ قال زهيرٌ: [الوافر] 3242 - كَانَّ الرَّجلَ مِنْهَا فوقَ صَعْل ... مِنَ الظِّلمانِ جُؤجؤهُ هَواءُ
وقال حسَّان بن ثابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
3243 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فانْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَواءُ
النَّخْبُ: الذي أخذت نخبته أي: خِيارهُ، ويقال: قلب فلانٍ هواء: إذا كان جَباناً للقوة في قلبه.
والمعنى: أنَّ قلوب الكفار خالية يوم القيامة عن جمع الخواطر، والأفكار لعظم ما نالهم من الحيرة لما تحقَّقوهُ من العذاب، وخيالة من كلِّ سرور لكثرة ما هم فيه من الحزِنِ.
قوله: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ قال أبو البقاء: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ﴾ معفول ثان ل: «أنْذر» ، أي: خوفهم عذاب يوم، وكذا قاله الزمخشريُّ.
وفيه نظرٌ، إذ يؤول إلى قولك: أنذرهم عذاب يوم يأتيهم العذاب، ولا حاجة إلى ذلك، ولا جائز أن يكون ظرفاً؛ لأنَّ ذلك اليوم لا إنذار فيه سواء قيل: إنه يوم القيامة، أو يوم هلاكهم، أو يوم تلقاهم الملائكةُ.
والألف واللام في: «العَذابُ» للمعهود السَّابق، أي: وأنذرهم يوم يأتيهم العذاب الذي تقدَّم ذكره، وهو شخوصُ الأبصار، وكونهم مهطعين مقنعي رءوسهم.
فصل
حمل أبو مسلم قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ على أنه حال المعاينة، لأنَّ هذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولاا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصالحين﴾ [المنافقون: 10] ، وظاهر الآية يشهد بخلافه؛ لأنه تعالى وصف اليوم بأن العذاب يأتيهم فيه، وأنهم يسألون الرجعة، ويقال لهم: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ ؟ ولا يليق ذلك إلا بيوم القيامة.
ثمَّ حكى تعالى عنهم ما يقولون في ذلك اليوم: ﴿فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قال بعضهم: طلبوا الرجعة إلى الدنيا ليتلافوا ما فرَّطوا فيه.
وقيل: طلبوا الرُّجوع إلى حال التَّكليف لقولهم: ﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾ ، فقوله: «نُجِبْ» جواب الأمرِ.
قوله: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ قال الزمشخري: «على إرادة القول وفيه وجهان: أن تقولوا ذلك أشراً وبطراً، أو تقولوه بلسان الحال حيث بنوة شديداً، وأملوا بعيداً» .
و «مَا لكُمْ» جواب القسم، وإنَّما جاء بلفظ الخطاب لقوله: «أقْسَمْتُمْ» ، ولو جاء بلفظ المقسمين لقيل: «مَا لنَا» .
وقدَّر أبو حيَّان ذلك القول هنا من قول الله عزَّ وجلَّ أو الملائكة عليهم السلام أي: فيقال لهم: «أو لم تكونوا» ، وهوأظهر من الأول، أعني؟ : جريان القول من غيرهم لا منهم، والمعنى: ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ﴾ أراد قوله:
﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: 109] إلى غير ذلك ممَّا كانوا ينكرونه.
قوله: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ وأصل «سَكَنَ» التَّعدي ب «في» كما في هذه الآية، وقد يتعدى بنفسه.
قال الزمخشريُّ: «السكنى من السكونِ الذي هو اللَّبثُ، من الأصل تعديه ب» في «كقولك: قرَّ في الدَّارِ وأقام فيِهَا، ولكنَّه لما نقل إلى سكون خاص تصرف فيه، فقيل: سكن الدَّار كما قيل: تَبَوَّأها، وأوطنَها، ويجوز أن يكون من السُّكونِ، أي: قرُّوا فيها واطمأنُوا» .
والمعنى: وسكنتم في مساكن الذين كفورا قبلكم كقوم نوح، وعادٍ، وثمود و: ﴿ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ بالكفر؛ لأن من شاهد هذه الحال؛ وجب عليه أنّ يعتبر، وإذا لم يعتبر يستوجب الذَّم والتقريع.
قوله: «وتَبيَّنَ لَكُمْ» فاعله مضمر لدلالة الكلام عليه، أي حالهم وخبرهم وهلاكهم، و «كَيْفَ» نصب ب «فَعلْنَا» وحملة الاستفهام ليست معمولة ل «تَبيَّنَ؛ لأنه من الأفعال التي لا تعلق، ولا جائز أن يكون:» كَيْفَ» فاعلاً؛ لأنَّها إمَّا شرطية، أو استفهامية وكلاهما لايعمل فيه ما تقدمه، والفاعل لا يتقدَّم عندنا.
وقال بعض الكوفيين: إنَّ جملة: «كَيْفَ فَعلْنَا» هو الفاعل، وهم يجيزون أن تكون الجملة فاعلاً، وقد تقدَّم هذا في قوله: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: 35] .
والعامة على» تَبيَّنَ «فعلاً ماضياً، وقرأ عمر بن الخطاب، والسلمي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما في رواية عنهما: «ونُبيِّنُ» بضمِّ النون الأولى والثانية، مضارع: «بيَّن» ، وهو خبر مبتدأ مضمر، والجملة حالٌ، أي: ونحن نبين.
وقرأ السلمي فيما نقل المهدويُّ كذلك إلا أنه سكن النون للجزم نسقاً على» تَكُونُوا «فيكون داخلاً في حيز التقدير.
فصل
والمعنى: عرفتم عقوبتنا إياهم، وضربنا لكم الأمثال في القرآن ممَّا يعلم به أنَّه قادر على الإعادة كما قدر على الابتداء، وقادر على التَّعذيب المؤجَّل كما يفعل الهلاك المعجَّل.
قوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ قيل: الضمير عائدٌ إلى الذين سكنوا في مساكن الذين ظلموا أنفسهم.
وقيل: أراد قوم محمد صلى الله عليه سلم لقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ يا محمد، وقد مكروا قومك مكرهم وذلك في قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: 30] .
وقيل: المراد من هذا المكر ما نقل: أن نمروذاً حاول الصُّعود إلى السماءِ، فاتَّخذ لنفسه تابوتاً، وربط قوائمه الأربعة بأربعة نسورٍ، وكان قد جوَّعها، وجعل لها في جوانب التابوت الأربعة عصياً، وعلم عليها اللحم، ثم جلس مع صاحب له في التابوت، فلمَّا أبصرت النسور اللحم تصاعدت في الجو ثلاثة أيام، وغابت الدنيا عن عين نمروذ، ثمَّ نكَّس العصيّ التي كان عليها اللحم فهبطت النُّسور إلى الأرض.
قال القاضي رَحِمَهُ اللَّهُ:» وهذا بعيد جدًّا؛ لأنَّ الخطر فيه عظيم، ولا يكاد العاقل يقدم عليه، وما جاء فيه خبر، ولا دليل» .
قال القشيري: وهذا جائزٌ بتقدير خلق الحياةِ في الحبالِ، وذكر الماورديُّ عن بان عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أنَّ النمرود بن كعنان بنى الصَّرح في قرية الرسِّ من سواد الكوفة، وجعل طوله خمسة آلاف ذراع، وخمسة وعشرين ذراعاً، وصعد فيه مع النُّّسور، فلمَّا علم أنه ليس له سبيل إلى السماء اتَّخذ حصناً، وجمع فيه أهله وولده ليتحصن فيه، فأتى الله بنيانه من القواعد، فتداعى الصَّرح علهيم، فهلكوا جميعاً فهذا معنى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ .
قوله: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ يجوز أن يكون هذا المصدر مضافاً لفاعله كالأول بمعنى أنَّ مكرهم الذي مكروه جزاؤه عند الله، أو للمفعول، بمعنى أن عند الله مكرهم الذي يمكرهم به، أي: يعذبهم قالمها الزمخشريُّ.
قال أبو حيان: «وهذا لايصحُّ إلاَّ إن كان» مَكَرَ «يتعدى بنفسه كما قال هو إذ قد يمكرهم به، والمحفوظ أن» مَكَرَ «لا يتعدَّى إلى مفعولٍ به بنفسه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنفال: 30] وتقول: زيدٌ ممكور به، ولا يحفظ: زيدٌ ممكورٌ بسبب كذا.
قوله: ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ قرأ العامة بكسر لام» لِتَزولَ «الأولى، والكسائي بفتحها.
فأما القراءة الأولى، ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّها نافيةٌ، واللام بعدها لام الجحودِ؛ لأنَّها بعد كونٍ منفيّ، وفي» كَانَ «حينئذ قولان:
أحدهما: أنَّها تامَّة، والمعنى؛ تحقير مكرهم، أنَّه ما كان لتزول منه الشَّرائع التي كالجبال في ثبوتها وقوَّتها.
ويؤيد كونها نافية قراءة عبد الله: (وما كان مَكْرُهُمْ) .
القول الثاني: أنَّها ناقصةٌ، وفي خبرها القولان المشهوران بين البصريين والكوفيين، هل هو محذوف، واللام متعلقة به؟ وإليه ذهب البصريون، أو هو اللام، وما جرته كما [هو مذهب] الكوفيين؟ وقد تقرَّر هذا في آخر آل عمران.
الوجه الثاني: أن تكون المخففة من الثقيلة.
قال الزمخشري:» وإن عظم مركهم وتبالغ في الشدة، فضرب زوال الجبال منه مثلاً لتفاقمه وشدته، أي: وإن كان مكرهم معدًّا لذلك» .
وقال ابن عطية: «ويحتمل عندي أن يكون معنى هذه القراءة: تعظيم مكرهم، أي: وإن كان شديداً إنما يفعل ليذهب به عظام الامور» ، فمهوم هذين الكلامين أنها مخففةٌ؛ لأنَّه إثبات.
والثالث: أنها شرطيةٌ، وجوابها محذوفٌ، أي: وإن كان مكرهم مقدراً لإزالةِ أشباه الجبال الرَّواسي، وهي المعجزات، والآيات، فالله مجازيهم بمكرهم، وأعظم منه.
وقد رجِّح الوجهان الأخيران على الأوَّل، وهو: أنها نافية؛ لأنَّ فيه معارضة لقراءة الكاسئي في ذلك؛ لأنَّ قراءته تؤذن بالإثبات، وقراءة غيره تؤذن بالنَّفي.
وقد أجاب بعضهم عن ذلك: بأنَّ الجبال في قراءة الكسائي مشار بها إلى أمور عظام غير الإسلام، ومعجزاته لمكرهم صلاحية إزالتها، وفي قراءة الجماعة مشار لها إلى ما جاء به النبيُّ المختار صلوات الله وسلامه عليه من الدين الحق، فلا تعارض إذ لم يتوارد على معنى واحد نفياً، وإثباتاً.
وأمَّا قراءة الكسائيِّ ففي: «إنْ» وجهان:
مذهبُ البصريين أنََّها المخففة واللام فارقة، ومذهب الكوفيين أنَّها نافية، واللام بمعنى: «إلاَّ» وقد تقدَّم تحقيق المذهبين.
وقرأ عمر، وعلي، وعبد الله، وزيد بن علي، وأبو سلمة وجماعة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم (وإن كاد مكرهم لتزول) كقراءة الكسائي، إلاََّ أنهم جعلوا مكان نون: «كَانَ» دالاً، فعل مقاربة، وتخريجها كما تقدَّم، ولكن الزوال غير واقع.
وقرىءك «لَتَزُولَ» بفتح اللامين، وتخريجها على إشاكالها أنها جاءت على لغة من لا يفتح لام كي.
فصل
في الجبال التي عني زوالها بمكرهم وجهان:
أحدهما: جبال الأرض.
الثاني: الإسلامُ، والقرآن؛ لأنَّ ثبوته، ورسوخه كالجبالِ.
وقال االقشيريُّ: ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ أي: هو عالم بذلك فيجازيهم، أو عند الله جزاء مكرهم فحذف المضاف.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ لما بين في الآية الأولى أنه ينتصر للمظلوم من الظَّالم بين هاهنا أنه لا يخلف الوعد.
قوله: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾ العامة على إضافة: «مخْلِفَ» إلى «وعْدِهِ» وفيها وجهان:
أظهرهما: أن «مُخْلفَ» يتعدَّى لاثنين كفعله، فقدم المفعول الثاني، وأضيف إليه إسم الفاعل تخفيفاً، نحو: هذا كَاسِي جُبَّةِ زيْدٍ.
قال الفراء وقطرب: لما تعدَّى إليهما جميعاً، لم يبالِ بالتقديم والتأخير.
وقال الزمخشري: فإن قلت: هلاَّ قيل: مُخْلف رسله وعده؟ ولم قدَّم المفعول الثاني على الأول؟ .
قلت: قدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد، ثم قال: «رُسلهُ» ليؤذن أنه إذا لم يخلف وعده أحداً، وليس من شأنه إخلاف المواعيد، كيف يخلف رسله؟ .
وقال أبو البقاء: هو قريبُ من قولهم: [الرجز]
3244 - يَا سَارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدَّارِ ... وأنشد بعضهم نظير الآية الكريمة قول الشاعر: [الطويل]
3245 - تَرَى الثَّورَ فِيهَا مُدخِلَ الظلِّ رَأسَهُ ... وسَائرِهُ بَاردٍ إلى الشَّمْسِ أجْمعُ
والحسبان هنا: الأمر [المتيقن] ، كقوله: [الطويل]
3246 - فَلا تَحْسَبنْ أنِّي أضلُّ مَنيَّتِي ... وكُلُّ امرىءٍ كَأسَ الحِمام: ِ يَذُوقُ
الثاني: أنه متعد لواحد، وهو «وعْدهِ» ، وأمَّا «رُسلهُ» فمنصوب بالمصدر فإنَّه ينحلْ بحرف مصدريّ، وفعل تقديره: مخلف ما وعد رسله، ف «ما» مصدريَّة لا بمعنى الذي؟
وقرأت جماعة: ﴿مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ بنصب: «وَعْدهُ» وجر: رسُلهِ «فصلاً بالمفعول بين المتضايفين، هي كقراءة ابن عامرٍ: ﴿قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُكرائِهِمْ) . قال الزمخشري مجرأة منه:» وهذه في الضعف [كقراءة] (قَتْلُ أوْلادَهُمْ شُركائِهِمْ) . ثم قال: {إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾ غالب لأهل المكر، ذو انتقام لأوليائه منهم.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ [لما بين أنه عزيز ذو انتقام، بين وقت انتقامه، فقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ ] ويجوز في «يَوْمَ» عدة أوجه:
أحدها: أن ينتصب منصوباً ب» انتقام «أي: يقع انتقامه في ذلك اليوم.
الثاني: أن ينتصب ب» اذكُر» .
الثالث: ِأن ينتصب بما يتلخص من معنى عزيز ذو انتقام.
الرابع: أن يكون بدلاً من: «يَوْمَ يَأتِيهِمْ» .
الخامس: أن ينتصب ب: «مُخْلِفَ» .
السادس: أن ينتصب ب «وَعْدِهِ» ، و «إنَّ» وما بعدها اعتراض.
ومنع أبو البقاء هذه الآخرين، قال: «لأن ما قبل» إنَّ «لا يعمل فيما بعدها» .
وهذا غير مانع؛ لأنه كما تقدَّم اعتراض، فلا يبالى به فاصلاً.
فصل
التَّبديلُ يحتمل وجهين:
الأول: أن تكون الذَّات باقية، وتبدل الصفة بصفة أخرى، كما تقول: بدلت الحلقة خاتماً، إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل آخر، منه قوله تعالى: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] ، ويقال: بدلَّلتُ قَمِيصِي جُبَّة، إذا قلبت عَيْنَهُ فجعلتهُ جُبَّةٌ، وقال الشاعر: [الطويل]
3247 - فَمَا النَّاسُ بالنَّاسِ الذينَ عَرَفْتهُمْ ... ولا الدَّارُ بالدَّارِ الَّتي أنْتَ تَعْلمُ
الثاني: أنْ تُفني الذات، وتحدث ذاتاً أخرى، كقولك: بدَّلتُ الدَّراهمَ دنَانِيرَ ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] .
وإذا عرفت أن اللفظ محتمل للوجهين ففي الآية قولان:
الأول: قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هي تلك الأرض، إلاَّ أنها تغير صفتها فتسيرُ عنها جبالها، وتفجر أنهارها، وتسوى، فلا ﴿ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 107] وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «تُبدَّلُ الأرضُ غيكر الأرْضِ، فيَبْسُطهَا، ويمُدُهَا مدَّ الأدِيم [العكاظي] لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً» وتبدل السموات باتثارِ كواكبها وانفطارها وتكوير شمسها؛ وخسوف قمرها، وكونها تكن تارة كالمهل، وتارة كالدهان.
والقول الثاني: تبديل الذات. قال ابن مسعود رضي الله عه: تبدل بأرض كالفضَّة البيضاء النَّقية، لم يسفك فيها د مٌ، ولم يعمل عليها خطيئة.
والقائلون بالقول الأول هم الذين يقولون عند قيام القيامةِ: لا يعدم الله الذوات والأجسام، وإنَّما يعدم صفاتها.
وقيل: المراد من تبديل الأرض والسموات: هو أنَّ الله تعالى، يجعل الأرض جهنم، ويجعل السموات الجنة بدليل قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفجار لَفِي سِجِّينٍ﴾
[المطففين: 7] وقوله عزَّ وجلَّ ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: 18] .
وقالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: سألتُ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] أيْنَ تكُون النَّاس يَوْمئذٍ؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «على الصِّراطِ» .
وروى ثوبانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أن حبْراً من اليهودِ سأل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أيْنَ تكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبدَّلُ الأرضُ غير الأرْضِ؟ قال: «هُمْ في الظُّلمةِ دون الجِسْرِ» .
قوله «والسَّمواتِ» تقديره: وتبدل السموات غير السموات.
وقرىء: «نُبَدّلُ» بالنون: «الأرض» نصباً «والسَّمواتِ» نسق عليه.
قوله «وبَرَزُوا» فيه وجهان:
أحدهما: أنها حملةٌ مستأنفة، أي: يبرزون، كذا قدَّره أبو البقاءِ، يعنى أنه ماض يراد به الاستقبال، والأحسن أنه مثل ﴿ونادى أَصْحَابُ النار﴾ [الأعراف: 50] ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة﴾ [الأعراف: 44] ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [الحجر: 2] ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] لتحقُّّق ذلك.
والثاني: أنها حال من «الأرض» ، و «قَدْ» معها مرادة، قاله أبو البقاءِ ويكون الضمير في: «بَرَزُوا» للخلق دلّ عليه السِّياق، والرَّابط بين الحال، وصاحبها الواو.
وقرأ زيد بن علي «وبُرِّزُوا» بضم الباء، وكسر الرَّاء مشددة عل التَّكثير في الفعل ومفعوله، وتقدَّم الكلام في معنى البروز عند قوله تعالى ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: 21] ، وإنما ذكر «الوَاحدِ القهَّارِ» هنا؛ لأنَّ الملك إذا كان لمالك واحد غالبٍ لا يغلبُ، قهَّار لا يقهر، فلا يستغاث بأحد عغيره، فكان الأمر في غية الصعوبة ولما وصف نفسه تعالى بكونه قهاراً، بيَّن عجزهم، وذلتهم فقال: «وتَرَى المُجْرمينَ» وصفهم بصفات:
الأولى: قوله: ﴿مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ «يجوز أن يكون حالاً على أنَّ الرؤية بصريّة، وأن يكون مفعولاً ثانياً على أنَّها علمية، و» فِي الأصْفادِ» متعلق به.
وقيل: بمحذوف على أنه حال أو صفة ل «مُقرَّنينَ» » .
والمُقرن: من جمع في القَرَن، وهون الحبل الذي يربط به، قال: [البسيط]
3248 - أوابنُ اللَّبُون إذَا ما لُزَّ فِي قرنٍ ... لَمْ يَستَطعْ صَولةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
وقال آخر: [البسيط]
3248 - ب والخَيْرُ والشَّرُّ مَلْزُوزان في قَرنٍ ... وقال آخر: [البسيط]
3248 - ج إنِّي لَدَى الباب كلمَلزُوزِ في قَرنٍ ... يقال: قَرنْتُ الشَّيء بالشَّيء إذا شددتهُ بِهِ، ووَصلتهُ، والقرنُ: اسم للحَبْلِ الذي يُشَدُّ بِهِ، ونكَّرهُ لِكثرةِ ذلِك.
والأصْفَادُ: جمع صفدٍ، وهو الغلُّ، والقيد، يقال: صَفَدَهُ يَصْفِده صَفْداً، قيَّدهُ، بِهِ، والاسم الصَّفَد، وصفَّدهُ مشدداً للتكثير؛ قال: [الوافر]
3249 - فآبُوا بالنّهَابِ وبالسَّبَايَا ... وأبْنَا بالمُلُوكِ مُصفَّدِينَا
والأصفادُ من الصَّفْد، وأصفْدَه، أي: أعطاه، ففرَّقُوا بين «فَعَل» و «أفْعَلَ» .
وقيل: بل يستعملان في القَيْدِ، والعَطاءِ، قال النابغة الذبياني: [البسيط]
3250 - ... ... ... ... ... ..... فَلمْ أعرِّضْ أبَيْتَ اللَّعْنَ بالصَّفدِ
أي: بالإعطاءِ، وسمي العطاء صفداً، لأنَّه يُقيَّدُ من يعطيه، منه: أنا مغلول أياديك، أسير نعمتك.
فصل
قيل: يقرن كل كافرٍ مع شيطانٍ في سلسلة، بيانهن قوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [ الصافات: 22] يعنى: قرناءهم من الشَّياطين، وقوله جل ذكره: ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: 7] . أي قرنت.
وقيل: مقرونة أيديهم، وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد أي: بالقيود.
قوله: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من «المُجْرمينَ» وإمَّا من: «مُقرَّنِينَ» ، وإما من ضميره، ويجوز أن تكون مستأنفة وهو الظاهر.
والسَّرابِيلُ: الثِّيابُ، وسَرْبلتهُ، أي: ألْبَستهُ السِّربالَ؛ قال: [السريع]
3251 - ... ... ... ... ... ... . ... أوْدَى بِنعْليَّ وسِرْبَالِيَه
وتطلق على ما يحصن في الحرب من الدِّرع، وشبهه قال تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: 8] .
والقَطرانُ: ما يستخرج منن شجر يسمَّى الأبهل، فيطبخ ويطلى به الإبل الجُرْب ليذهب جربها [بحدته، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف، ومن شأنه أن يسرع فيه اشتعال النار] ، وهو أسود اللَّون منتن الرَّائحةِ، وفيه لغاتٌ: «قِطرانٍ» بفتح القاف وكمسر الطاء، وهي قراءة العامة.
و «قَطْران» بزنة سكران، وبها قرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وقال أبو النَّجْم: [الرجز]
3252 - لَبَّسَهُ القَطْرانَ والمُسُوحَا ... و «قِطْرَان» بكسر القاف، وسكون الطاء بزنة «سِرْحَان» ولم يقرأ بها فيما علمتُ.
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: وقرأ جماعة كثيرة منهم عليُّ بن أبي طالب وةابن عباس، وأبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: «قَطِرِ» بفتح الْقاف، وكسرها وتنوين الراء «آنٍ» بوزن «عَانٍ» جعلوها كلمتين، والقَطِر: النَّحاس، وال «آنِ» اسم فالع من أنَى يأني، أي: تَناهى في الحرارةِ؛ كقوله تعالى: ﴿بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: 44] .
وعن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ليس بالطقران، ولكنَّه النحاس الذي يصير بلونه.
قال ابن الأنباري: «تلك النَّار لا تبطل ذلك القطران، ولا تفنيه، كما لا تهلك أجسادهم النَّار، والأغلال التي عليهم» .
واعلم أنه يطلى بذلك القطران جلود أهل النَّار حتَّى يصير ذلك الطِّلاء كالسِّربال، وهو القميص، فيحصل بسببه أربعة أنواع من العذاب: لذع القطران وحرقته، وإسراع النَّار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الرِّحِ، وأيضاً: التفاوت بين قطران القيامة، وقطران الدنيا كالتَّفاوت بين النارين.
قوله: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ قرىٍ «وتَغَشَّى» بتشديد الشِّين، أي: وتتغشى فحذفت إحدى التَّاءين.
وقرىء برفع: «وُجوهُهُم» ونصب «النَّار» على سبيل المجازِ، جعل ورود الوجوه النار غشياناً.
والجملة من قوله: «وتَغْشَى» قال أبو البقاءِ: «حال أيضاً» .
يعني أنَّها معطوفة على الحالِ، ولا يعني أنَّها حال، والواو للحال، لأنَّه مضارع مثبت.
فصل
المعنى: [تعلو] النَّار وجوههم، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب﴾ [الزمر: 24] وقوله: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] .
واعلم أنَّ موضع المعرفة والنَّكرة، والعلم، والجهل هـ والقلبُ، وموضع الفكر، والوهم والخيال هو الرَّأس، وتأثير هذه الأحوال يظهر في الوجه، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما، قال الله تعالى [في القلب] : ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ [الهمزة: 6، 7] وقال تعالى في الوجه: ﴿وتغشى وُجُوهَهُمْ النار﴾ .
قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ في هذه الأيام وجهان:
أظهرهما: أنَّها تتعلق ب «بَرَزُوا» وعلى هذا فقوله: «وتَرَى» جلمة معترضة بين المتعلق، والمتعلق به.
والثاني: أنها تتعلق بمحذوف، أي: فعلنا بالمجرمين، ذلك ليجزي كل نفس لأنه إذا عاقب المجرم؛ أثاب الطَّائع.
قال الواحدي: «المرادُ: أنفسُ الكفَّار؛ لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهعل الإيمان، ويمكن إجراء اللفظ على عمومه، وأنه تعالى يجزي كلَّ نفسٍ ما كسبتن من عملها اللائق بها، فيجزي الكفار بهذا العقاب المذكور، ويجزي المؤمن المطيع الثَّواب وأيضاً، فالله تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم، فلأن يثيب المطيعين أولى» .
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ أي: لا يظلمهم، ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقه.
قوله تعالى: ﴿هذا بَلاَغٌ﴾ إشارة إلى ما تقدَّم من قوله: «ولا تحْسَبنَّ» إلى هنا، أو إلى كلِّ القرآن، نزل منزلة الحاضر بلاغ، أي: كافية في الموعظة.
قوله تعالى: ﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه متعلقٌ بمحذوف، أي: ولينذروا أنزلنا عليك.
الثاني: [أنه معطوف على محذوف، وذلك المحذوف متعلق ب «بلاغ» ، تقديره: لينصحوا ولينذروا] .
الثالث: أن الواو مزيدة: «ولِيُنْذَرُوا» متعلق ب «بَلاغٌ» ، وهو رأي الأخفش نقله الماورديُّ.
الرابع: أنه محمولٌ على المعنى، أي: ليبلغوا، ولينذروا.
الخامس: أن اللام لام الأمر، وهو حسنٌ، لولا قوله: «ولِيَذَكَّرَ» فإن منصوب فقط.
قال شهاب الدين: قال بعضهم: لا محذور في ذلك، فإن قوله: «لِيَذَّكرَ» ليس معطوفاً على ما تقدمه، بل متعلق بفعل مقدر، أي: وليذكر أنزلناه وأوحيناه.
السادس: أ، هـ خبر لمبتدأ مضمر، التقدير: هذا بلاغ، وهو لينذروا قاله ابن عطيَّة.
السابع: أنه عطف مفرداً على مفردٍ، أي: هذا بلاغ وإنذار، قاله المبردُ وهو تفسير معنى لا إعراب.
الثامن: أنه معطوف على قوله: «يُخْرجَ النَّاسَ» في أول السورة، وهذا غريب جدًّا.
التاسع: قال أبو البقاء: «المعنى هذا بلاغٌ للنَّاسِ، والإنذارُ متعلق بالبلاغ أو بمحذوف إذا جعلت النَّاس صفة.
ويجوز أن يتعلق بمحذوف، وتقديره: ولينذروا به أنزل، أو تلي» .
قال شهاب الدين: «فيؤدّي التقدير إلى أن يبقى التركيب: هذا بلاغ للإنذار والإنذار لا يتأتي فيه ذلك» .
وقرأ العامة: «لِيُنذَرُوا» مبنيًّا للمفعول. وقرأ مجاهدٌ وحميد بن قيس: «ولتُنْذِرُوا» بتاء مضمومة، وكسر الذال كأن البلاغ للعموم، والإنذار للمخاطبين، وقرأ يحيى بن عمارة الدراع من أبيه وأحمد
بن يزيد بن أسيد السلمي «ولِيَنْذَرُوا» بفتح الياء والذال من نَذرَ بالشَّيء، أي: علم به فاستعد له.
قالوا: ولو لم يعرف مصدر فهو ك «عَسَى» ، وغيرها من الأفعال التي لا مصارد لها.
فصل
معنى «لِيُنْذَرُوا» أي: وليخوفوا به ﴿وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ أي: يستدلُّوا بهذه الآيات على وحدانيَّة الله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي: يتّعظ أولو العقول.
قال القاضي: أول هذه السورة، وأخرها يدلُّ على أنَّ العبد مستقل بفعله إن شاء أطاعه، وإن شاء عصى.
أمَّا أوَّل هذه السورة فقوله تعالى: ﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [إبراهيم: 1] وقد ذكرناه هناك.
وأمَّا آخر السورة فقوله تعالى: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ يدلُّ على أنَّه تعالى إنَّما أنزل هذه السورة، وذكر هذه المواعظ؛ لأجل أن ينتفع بها الخلق؛ ليصيروا مؤمنين مطيعين، ويتركوا الكفر والمعصية، وقد تقدم جوابه.
روى أبو أمامة عن أبي بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة إبْرَاهِيم أعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشر حَسناتٍ بِعدَدِ مَنْ عَبدَ الأصْنامَ، ومَنْ لَمْ يَعْبُدهَا» .
سورة الحجر
الحجر 15:1
سورة الحجر مكية بالإجماع. وهي تسع وتسعون آية، وستمائة وأربعة وخمسون كلمة، وعدد حروفها: ألفان وتسعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ال ? رَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ تقدَّم نظير ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أول الرعد، والإشارة ب «تِلْكَ» إلى ما تظمنته السورة من الآيات، ولم يذكر الزمشخريُّ غيره.
وقيل: إشارة إلى الكتاب السالف، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك آياتُ ذلك الكتاب الكالم في كونه كتاباً، وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
والمراد ب «الكِتَابِ» وال «قُرآن المبينِ» : الكمتاب الذي وعد به محمد صلوات الله وسلام عليه، أي: مبين الحلال من الحرامِ، والحقَّ من الباطل.
فإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب، ثم مقال: «وقُرْءَانٍ» ، وكلاهما واحدٌ؟ .
قيل: كلُّ واحدٍ يفيد فائدة أخرى؛ فإنَّ الكتاب ما يكتبُ، والقرآن ما يجمع بضعه إلى بعض.
وقيل: المراد ب «الكِتَابِ» التَّوراةُ والإنجيلُ، فيكون اسم جنسٍ، وبال «قرآن» : هذا الكتاب.
قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ﴾ في «رُبَّ» قولان:
أحدهما: أنها حرف جرٍِّ، وزعم الكوفيُّون، وأبو الحسنِ، ابنُ الطَّراوة: أنها اسمٌ، ومعناها: التَّقليلُ على المشهور.
وقيل: تفيد التكثير في مواضع الاتفخار؛ كقوله: [الطويل]
3253 - فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهوْتَُ ولَيْلةٍ ... بآنِسَةٍ كأنَّها خَطُّ تِمْثَالِ
وقد أجيب عن ذلك: بأنها لتقليل النَّظير.
وفيها سبعة عشرة لغة وهي:
«رُبَّ» بضمِّ الراءِ وفتحها كلاهما مع تشديتد الباء، وتخفيفها، فهذه أربع، ورويت بالأوجه الأربعة، مع تاء التأنيث المتحركة، و «رُب» بضم الراء وفتحها مع إسكان الباء، و «رُبُّ» بضم الراء وةالباء معاً مشددة ومخففة، و «رُبَّت» .
وأشهرها: «رُبَّ» بالضم والتشديد والتخفيف، وبالثانية قرأ عاصمٌ ونافعٌ وباتصالها بتاء التأنيث، قرأ طلحة بن مصروف، وزيد بن علي: «رُبَّتما» ، ولها أحكام كثيرة:
منها: لزوم تصديرها، ومنها تنكير مجرورها؛ وقوله: [الخفيف]
3254 - رُبَّما الجَاملِ المُؤبل فِيهمْ ... وعَناجيجُ بَينهُنَّ المَهارِي
ضرورة في رواية من جرَّ «الجَاملِ» .
ويجر ضمير لازم التفسير بعده، ويستغنى بتثنيتها وجمعها، وتأنيثها عن تثنية الضمير، وجمعه، وتأنيثه؛ كقوله: [البسيط]
3255 - ... ... ... ... ... ... ... . ... ورُبَّهُ عَطِباً أنْقَذْتَ مِنْ عَطَبِهْ
والمطابقة؛ نحو: ربَّهُما رجُلَيْنِ، نادر، وقد يعطف على مجرورها ما أضيف إلى ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورهنا؛ ومضيُّ ما يتعلق به على ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورها؛ ومضيُّ ما يتعلق به على خلاف، والصحيح عندم ذلك؛ فمن مجيئه غير موصوف قول هند: [مجزوء الكامل]
3256 - يَا رُبَّ قائلةٍ غَدًا ... يَا لَهْفَ أم مُعاوِيًَه
ومن مجيء المستقبل، قوله: [الوافر]
3257 - فَإن أهْلِكَ فرُبَّ فتًى سَيَبْكِي ... عَليَّ مُهذَّبٍ رَخْصِ البَنانِ
وقول هند: [مجزوء الكامل]
3258 - يَا رُبَّ قَائلةٍ غَداً..... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقول سليم: [الطويل]
3259 - ومُعْتَصِمٍ بالحيِّ من خَشْيَةِ الرَّدَى ... سَيَرْدَى وغَازٍ مُشفِقٍ سَيَئُوبُ
فإن حرف التنفيس، و «غداً» خلَّصاه للاستقبال.
و «رُبَّ» تدخل على الاسم، و «رُبَّما» على الفعل، ويقال: ربَّ رجُلٍ جَاءنِي، ورُبَّما جَاءنِي.
و «ما» في «رُبمَا» ، تحتمل وجهين:
أظهرهما: أنها المهيئة، بمعنى أنَّ «رُبَّ» مختصة بالأسماءِ، فلما جاءت هنا «ما» هيَّأت دخولها على الأفعال وقد تقدم نظير ذلك [يونس: 27] في «إنَّ» وأخواتها ويكفها أيضاً عن العمل؛ كقوله: [الخفيف]
3260 - رُبَّما الجَامِلُ المُؤبَّلش فِيهِمْ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
في رواية من رفعه كما جرى ذلك في كاف التشبيه.
والثاني: أنَّ «مَا» نكرة موصوفة بالجملة الواقعة بعدها، والعائد على «ما» محذوف تقديره: ربَّ شيء يوده الذين كفروا، ومن لم يلتزم مضيَّ متعلقها، لم يحتج إلى تأويل، ومن التزم ذلك قال: لأن المترقب في إخبار الله تعالى واقعٌ لا محالة، فعبَّر عنه بالماضي، تحقيقاً لوقوعه؛ كقوله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] ونحوه.
قوله: «لَوْ كَانُوا» يجوز في «لَوْ» وجهان: أحدهما: أن تكون الامتناعيَّة، وحينئذ، يكون جوابها محذوفاً، تقديره لو كانُوا مسلمين لسرُّوا أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول «يوَدُّ» محذوف على هذا التقدير، أي: ربما يودُّ الذين كفروا النجاة، دلَّ عليه الجملة الامتناعية.
والثاني: أنَّها مصدرية عند من يرى ذلك، كما تقدم تقريره في البقرة [البقرة: 96] ؛ وحنيئذ يكون هذا المصدر المؤولُ هو المفعول للودادة، أي: يودُّون كونه مسلمين، إن جعلنا «ما» كافة، وإن جعلناها نكرة، كانت «لَوْ» وما في حيِّزها بدلاً من «مَا» .
فصل
المعنى: يتمنَّى الذين كفورا لو كانوا مسلمين، واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها.
قال الضحاك: حال المعاينة.
وقيل: يوم القيامة.
والمشهور: أنه حين يخرجُ الله المؤمنين من النار.
روى أبو موسى الأشعريُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إذَا اجْتمعَ أهْلُ النَّار في النَّارِ، ومعهُمْ من شَاءَ اللهُ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ، قال الكفَّارُ لمِنْ في النَّار من أهْلِ القِبْلةِ: ألَسْتُم مُسْلمينَ؟ قالوا: بَلى، قالوا: فَمَا أغْنَى عَنْكُم إسْلامكُم، وأنْتُمْ معنا في النَّارِ، قالوا: كَانَتْ لنَا ذُنوبٌ فأُخِذْنَا بِهَا، [فيغفر] الله لَهُمْ، بِفضْلِ رَحْمتهِ، فيَأمرُ بإخْراجِ كُلِّ مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ في النَّار، فيَخْرجُونَ مِنْهَا، فحنيئذٍ يودُّ الذين كفروا لَوْ كَانُوا مُسْلمينَ» .
فإن قيل: «رُبمَا» للتقليل، وهذا التَّمني يكثر من الكفار.
فالجواب: أنَّ «رُبمَا» يراد بها التكثير، والمقصود إظهار الترفع، والاستغناءُ عن التَّصريح بالغرض؛ فيقولون: ربَّما نَدمتُ على ما فعلتُ، ولعلَّكَ تَندمُ على فِعلِكَ؛ إذا كان العلمُ حَاصلاً بكثر النَّدمِ، قال: [البسيط]
3261 - أتْرك القِرْنَ مُصْفرًّا أنَاملهُ..... ... ... ... ... ... ... ... . .
وقيل: التقليل أبلغ في التهديد، والمعنى: أنَّ قليل الندم كافٍ في الزجر عن هذا العمل، فكيف كثره؟ .
وقيل: إنْ شغلهم بالعاذب لا يفزعهم للندامة فيخطر ذلك ببالهم أحياناً.
فإن قيل: إذا كان أهل القيامةِ، يتمنَّون أمثال هذه الأحوال، وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقلُّ ثوابه عن درجةِ المؤمنِ الذي يكثر ثوابه، والمُتمنِّي لما لم يجده يكونُ في الغصَّة وتَألُّمِ القلبِ.
فالجواب: أحوالُ أهل الآخرةِ، لا تقاس بأحوال الدنيا؛ فإن الله تعالى يُرضي كُلَّ واحدٍ بما هو فيه، وينزع عن قلوبهم الحسد، وطلب الزيادتِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: 47] .
قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ [الحجر: 3] الآية، أي دعْ يا محمد، الكفَّار يأخذوةا حفوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرةِ، ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ يشغلهم «الأملًُ» عن الأخذ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا [وردوا] القيامة، وذاقوا وبال [صنعهم] وهذا تهديدٌ ووعيدٌ.
وقال بعض العلماء: «ذَرْهُمْ» ، تهديدٌ، و ﴿سَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ، تهديدٌ آخر، فمتى يهدأ العيش بين تهديدين؟! والآية نسختها آية القتالِ.
قوله: «وذَرْهُمْ» ، هذا الأمرُ لا يستعمل له ماضٍ إلا قليلاً؛ استغناءً عنه ب «تَرَكَ» ، بل يستعمل منه المضارع نحو: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: 186] ، ومن مجيء الماضي قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «ذَرُوا لحَبشَة ما وَذَرتْكُم» ، ومثله: دَعْ ويَدَعْ، ولا يقال: ودَعَ إلا نادراً، وقد قرىء: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ [الضحى: 3] مخففاً؛ وأنشدوا: [الرمل]
3262 - أسَلْ أمِيري مَا الذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصَالِي اليَوْمَ حتَّى وَدَعهْ؟ و «يَأكلُوا» مجزومٌ على جواب الأمر، وقد تقدم [البقرة: 17، 278] أنَّ «تَرَكَ» و «وَذرَ» يكونان بمعنى «صيَّر» ، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي: ذرهُم مهملين.
قوله تعالى: ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمل﴾ ، يقال: لهيتُ عن الشَّيء ألهي لُهِيَّا؛ جاء في الحديث: أنَّ ابن الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كان إذا سمع صوت الرَّعدِ لَهِيَ عن الحديث» .
قال الكسائيُّ، والأصمعيُّ: كلُّ شيءٍ تركتهُ، فقد لهيتهُ؛ وأنشد: [الكامل]
3262 - ب صَرمتْ حِبالَكَ فالْهَ عَنْهَا زَيْنَبُ ... أي: اتركها، وأعرض عنها.
فصل في سبب شقاء العبد
قال القرطبي: أربعةٌ من الشقاءِ؛ جمودُ العين، وقساوة القلبِ، وطُولُ الأملِ، والحرصُ على الدُّنيا.
فطُول الأملِ: داء عضالٌ، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داءٌ، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطبَّاء، ويئس من بُرئه الحكماء والعلماء.
وحقيقة الأمل: الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحبُّ لها، والإعراض عن الآخرة، قال صلوات الله وسلامه عليه: «نَجَا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليَقِينِ والزُّهْدِ، ويهْلِكُ آخِرُهَا بالبُخْلِ والأمَلِ» .
وقال الحسن: ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل.
قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ ، أي: من أهل قرية، ﴿إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ﴾ فيه أوجه:
أظهرها: أنها واو الحال، ثم لك اعتباران:
أحدهما: أن تجعل الحال وحدها الجارَّ، ويرتفع «كِتَابٌ» به فاعلاً.
والثاني: أن تجعل الجارَّ مقدماً، و «كِتَابٌ» مبتدأ، والجملة حالٌ، وهذه الحال لازمةٌ.
الوجه الثاني: أنَّ الواو مزيدة، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «إلاَّ لَهَا» بإسقاطها، والزيادة ليست بالسهلةِ.
الثالث: أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة؛ تأكيداً، قال الزمخشريُّ: والجملة واقعة صفة ل «قَرْيَةٍ» ، والقياس: ألاَّ تتوسط هذه الواو بينهما؛ كما قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] وإنما توسَّطت، لتأكيد لصُوقِ الصفة بالموصوف؛ كما تقول: «جَاءنِي زيْدٌ عليْهِ ثَوبهُ، وجَاءنِي وعليْهِ ثوْبهُ» .
وقد تبع الزمخشري في ذلك أبا البقاء، وقد سبق له ذلك أيضاً في البقرة عند قوله: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216] .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ: «ولا نعلم أحداً قاله من النَّحويين» .
قال شهاب الدين: وفي محفوظِي أنَّ ابن جنّي سبقهما إلى ذلك» .
ثم قال أبو حيان: «وهو مبنيٌّ على جواز أنَّ ما بعد» إلاَّ «يكون صفة؛ وقد منعوا ذلك» .
قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف ب «إلا» ، ثم قال: وأما نحو: «مَا جَاءَنِي رجٌلٌ إلاَّ راكِبٌ» على تقدير: إلاَّ رجلٌ راكبٌ، ففيه قُبح؛ لجعلك الصفة كالاسم.
وقال أبو علي: تقول ما مررتُ بأحَدٍ إلاَّ قائماً، وقائماً حالٌ، ولا تقول: إلاَّ قائمٌ؛ لأنَّ» إلاَّ «لا تعترض بين الصِّفة والموصوف.
قال ابن مالكٍ: وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشريُّ في قوله» مَا مَررْتُ بأحَدٍ إلاَّ زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْهُ «: إنَّ الجملة بعد» إلاَّ «صفة ل» أحَدٍ» : إنه مذهبٌ لا يعرف لبصريِّ، ولا كوفي فلا يلتفت إليه، وأبطل قوله: «إنَّ الواو توسَّطت لتأكيد لصوف الصفة بالموصوف» .
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: قولُ الزمخشريِّ قويٌّ من حيث القياس؛ فإنَّ الصفة في المعنى كالحال، وإن كان بينهما فرقٌ من بعض الوجوه.
فكما أنَّ الواو تدخل على الجملة الواقعة حالاً؛ كذلك تدخل عليها واقعة صفة، ويقويه أيضاً [نصره] به من الآية الأخرى في قوله: ﴿مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] . ويقويه أيضاً: قراءة ابن أبي عبلة المتقدمة، وقال منذرُ بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ، هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى:
﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73] .
فصل
لما توعد مكذِّبي الرسل بقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ الآية أتبعه بما يؤكد الزجر، وهو قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ في الهلاك والعذاب، أي: أجلٌ مضروبٌ، لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه، والمراد بهذا الهلاك: عذاب الاستئصال، وقيل: الموتُ.
قال القاضي: والأول أقرب؛ لأنه أبلغ في الزَّجر، فبيَّن تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغترَّ به العاقل. وقيل: المراد بالهلاك مجموع الأمرين.
قوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ «مِنْ أمةٍ» فاعل «تَسْبِقُ» ، و «مِنْ» مزيدة للتأكيد؛ كقولك: ما جَاءنِي من أحَدٍ.
قال الواحدي: «وقيل: ليست بزائدةٍ؛ لأنَّها تفيد التبعيض، أي: هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة، فيكون ذلك في إفادة عموم النَّفي، آكد» .
قال الزمخشري: «معنى:» سَبَقَ «: إذا كان واقعاً على شخصٍ، كان معناه أنَّه [جاز] ، وخلف؛ كقولك: سَبَقَ زيدٌ عمْراً، أي: جَاوزَهُ وخَلفهُ وراءهُ، ومعناه: أنه قصَّر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمانٍ، كان بالعكس في ذلك، كقولك: سَبٌ فُلانٌ عام كذا، معناه: أنه مضى قبل إتيانه، ولم يبلغه، فقوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ معناه: أنه لا يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل في ذلك الوقت بعينه» .
وحمل على لفظ «أمََّةٍ» في قوله: «أجَلهَا» ، فأفرد وأنَّث، وعلى معناها في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ، فجمع وذكَّر، وحذف متعلق «يَسْتَأخِرُون» وتقديره: عنه؛ للدلالة عليه، ولوقوعه فاصلاً.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ كل من ما أو قتل، فإنما مات بأجله، وأنَّ من قال: يجوز أن يموت قبل أجله مخطىء.
قوله: «وقَالُوا» ، يعنى مشركي مكَّة ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ ، أي: القرآن، وأراد به محمداً صلى الله وعليه وسلم.
والعامة على: «نُزِّلَ» مشدَّداً، مبنيًّا للمفعول، وقرأ زيد بن علي: «نَزلَ» ، مخفََّاً مبنيًّا للفاعل.
﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ وذكروا نزول الذِّكر؛ استهزاء، وإنما وصفوه بالجنون، إما لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان يظهر عليه عند نزول الوحي، حالةٌ شبيهةٌ بالغشي؛ فظنُّوا أنَّها جنونٌ، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: 184] .
وإما لأنه كانا يستبعدون كونه رسولاً حقًّا من عند الله؛ لأن الرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره، فربما قال: به جنون.
قوله: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ ، «لَوْ مَا» : حرف تحضيضٍ؛ ك «هَلاًّ» ، وتكون أيضاً حرف امتناع لوجودٍ، وذلك كما أنَّ «لولا» متردَّدةٌ بين هذين المعنيين، وقد عرف الفرق بينهما، وهو أنَّ التحضيضيَّة لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً أو مضمراً؛ كقوله: [الطويل]
3263 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَوْلاَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَا
والامتناعية لا يليها إلا الأسماء: لظفاً أو تقديراً عند البصريين.
وقوله: [الوافر]
3264 - ولَوْلاَ يَحْسِبُونَ الحِلْمَ عَجْزاً ... لمَا عَدِمَ المُسِيئُونَ احْتِمَالِي
مؤولٌ؛ خلافاً للكوفيين.
فمن مجيء «لَوما» حرف امتناعٍ قوله: [البسيط]
3265 - لَوْمَا الحيَاءُ ولَوْمَا الدِّينُ عِبْتُكمَا ... بِبعْضِ ما فِيكُمَا إذْ عِبْتُما عَورِي
واختلف فيها: هل هي بسيطة أم مركبة؟ .
فقال الزمخشري: «لَوْ» ركبت مع «لا» ، ومع «مَا» ؛ لمعنيين، وأمَّا «هَلْ» فلم تركَّب إلاَّ مع «لا» وحدها؛ للتحضيض.
واختلف أيضاً في «لَوْمَا» هل هي أصلٌ بنفسها، أم فرعٌ على «لَوْلاَ» وأنَّ الميم مبدلة من اللام، كقولهم: خاللته، خالمته، فهو خِلِّي وخِلْمِي، أي: صديقي.
وقالوا: استولى على كذا، [واسْتَوَى] عليه؛ بمعنًى، خلاف مشهور، وهذه الجملة من التحضيض، دالةٌ على جواب الشرط بعدها.
فصل في معنى الآية
المعنى: لو كنت صادقاً في أدَّعائك النُّبوَّة، لأتيتنا بملائكة يشهدون عندنا بصدقكم فيما تدَّعيه من الرسالة؛ ونظيره قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَقَالُواْ لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر﴾ [الأنعام: 8] ويحتمل أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا خوَّفهُم بنزول العذاب، قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة الذين ينزلون العذاب، وهو المراد من قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب﴾ [العنكبوت: 53] .
ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾ فإذا كان المراد الأول، كان تقرير الجواب: أنَّ إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحقِّ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار، أنه لو أنزل عليهم ملائكة، لبقوا مصرِّين على كفرهم، فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً، ولا يكون حقًّا، فلهذا السبب ما أنزل الله تعالى الملائكة.
قال المفسرون: المراد بالحق هنا الموت، أي: لا ينزلون إلا بالموتِ، أو بعذابٍ الاستئصال، ولم يبق بعد نزولهم إنظارٌ، ولا إمهال، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة؛ فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، وإن كان المراد استعجالهم بنزول العذاب فتقرير الجواب: أنَّ الملائكة لا تنزل إلاَّ بعذاب الاستئصال، ولا تفعل بأمَّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك؛ بل يمهلهم لما علم من إيمان بعضهم، ومن إيمان أولاد الباقين.
قوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة﴾ ، قرأ أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «ما تُنزَّلُ» بضمِّ التاء، وفتح النون، والزاي مشدَّدة، مبنيًّا للمفعول، «المَلائِكةُ» : مرفوعاً لقيامه مقام فاعله، وهو موافقٌ لقوله تعالى:
﴿وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: 25] ؛ لأنها لا تنزل إلاَّ بأمر من الله تعالى فغيرها هو المنزِّلُ لها، وهو الله تعالى.
وقرأ الأخوان، وحفص: بضمِّ النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الزاي مشددة مبنيًّا للفاعل المعظم نفسه وهو الباري جل ذكره. «المَلائِكةَ» ، نصباً: مفعول به؛ وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة﴾ [الأنعام: 111] ، ويناسب قوله قبل ذلك: «ومَا أهْلَكْنَا» ، وقوله بعده: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ [الحجر: 9] ، وما بعده من ألفاظ التَّعظيم.
والباقون من السبعة ما تنزَّلُ بفتح التاء والنون والزاي مشددة، و «المَلائِكةُ» مرفوعة على الفاعلية، والأصل: تَتنَزَّلُ، بتاءين، فحذفت إحداهما، وقد تقدم تقريره في: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 152] ، ونحوه، وهو موافق لقوله سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا﴾ [القدر: 4] .
وقرأ زيد بن علي: «مَا نَزلَ» مخففاً مبنيًّا للفاعل، و «الملائكةُ» مرفوعة على الفاعلية، وهو كقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعرا: 193] .
قوله: ﴿إِلاَّ بالحق﴾ يجوز تعلقه بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول، أي: ملتبسين بالحق، وجعله الزمخشري رَحِمَهُ اللَّهُ نعتاً لمصدر محذوف، أي: إلاَّ تنزُّلاً ملتبساً بالحقِّ.
قوله «إذَنْ» قال الزمخشري: «إذَنْ حرف جواب وجزاء؛ لأنها جواب لهم، وجزاء الشرط مقدر، تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، وما أخر عذابهم» .
قال صاحب النظم: «لفظة» إذَنْ «مركبة من» إذْ» ، وهو اسم بملنزلة «حِينَ» ؛ تقول: أتيتك إذْ جِئْتنِي، أي: حِينَ جِئْتنِي، ثم ضم إليه» إنْ «فصار: ِإذْ أنْ، ثما استثقلوا الهمزة؛ فحذفوها، فصار» إذَنْ «، ومجيْ لفظة» أنْ «دليل على إضمار فعلٍ بعدها، والتقدير: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا» .
قوله: «نَحْنُ» إما مبتدأ، وإما تأكيدٌ، ولا يكون فصلاً؛ لأنه لم يقع بين اسمين، والضمير «لَهُ» للذكر، وهو الظاهرُ، وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه قاله الفراء، وقوَّاه ابن الأنباري، قال: لما ذكر الله الإنزال، والمنزل، دلَّ ذلك على المنزل عليه، فحسنت الكناية عنه؛ لكونه أمراً معلوماً، ك ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: 1] فإنَّ هذه الكناية عائد على القرآن، مع أنه لم يتقدم ذكره؛ وإنما حسنت الكناية لسبب معلوم، فكذا هاهنا، والأول أوضحُ» .
فإذا قلنا: الكناية عائدة إلى القرآن، فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن؟ .
فقيل: بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر يعجز الخلق عن الزيادة، والنقصان فيه، بحيث لو زادوا فيه أو نقصوا عنه، بغير نظم القرآن.
وقيل: صانه، وحفظه من أن يقدر أحدٌ من الخلق على معارضته.
وقيل: قيَّض جماعة يحفظونه، ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاءِ التكليفِ.
وقيل: المراد بالحفظِ: هو أنَّه لو أنَّ احداً حاول تغيير حرفٍ أو نقطةٍ، لقال له أهل الدنيا: هذا كذب، وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتَّفق له لحنٌ أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان: أخطأت أيُّها الشيخ، واعلم أنه لم يتفق لشيءٍ من الكتب مثل هذه الحفظ؛ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف، والتحريف، والتغيير، إما في الكثير منه، أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التَّحريف، مع أنَّ دواعي الملاحدة، واليهود، والنصارة، متوفرة على أبطاله وإفساده، فذلك من أعظم المعجزات.
فإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف، وقد وعد الله عَزَّ وَجَلَّ بحفظه وما حفظ الله عَزَّ وَجَلَّ فلا خوف عليه؟ .
فالجواب: أنَّ جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه، فيَّضهم لذلك، وفي الآية دلالةٌ قويةٌ على كون البسملةِ آية من كل سورة؛ لأن الله تبارك وتعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظُ لا معنى له إلاَّ أن يبقى مصُوناً عن التغيير وعن الزيادة، وعن النقصان فلو لو تكن التسمية آية من القرآن، لما كان مصوناً من التغيير والزيادة، ولو جاز أن يظنَّ بالصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنهم زادوا، لجاز أيضاً أن يظنَّ بهم النقصان؛ وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجَّة، وهذا لا دليل فيه؛ لأن أسماء السور أيضاً مكتوبةٌ معهم في المصحف، وليست من القرآن بالأجماع.
الحجر 15:2
سورة الحجر مكية بالإجماع. وهي تسع وتسعون آية، وستمائة وأربعة وخمسون كلمة، وعدد حروفها: ألفان وتسعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ال ? رَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ تقدَّم نظير ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أول الرعد، والإشارة ب «تِلْكَ» إلى ما تظمنته السورة من الآيات، ولم يذكر الزمشخريُّ غيره.
وقيل: إشارة إلى الكتاب السالف، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك آياتُ ذلك الكتاب الكالم في كونه كتاباً، وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
والمراد ب «الكِتَابِ» وال «قُرآن المبينِ» : الكمتاب الذي وعد به محمد صلوات الله وسلام عليه، أي: مبين الحلال من الحرامِ، والحقَّ من الباطل.
فإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب، ثم مقال: «وقُرْءَانٍ» ، وكلاهما واحدٌ؟ .
قيل: كلُّ واحدٍ يفيد فائدة أخرى؛ فإنَّ الكتاب ما يكتبُ، والقرآن ما يجمع بضعه إلى بعض.
وقيل: المراد ب «الكِتَابِ» التَّوراةُ والإنجيلُ، فيكون اسم جنسٍ، وبال «قرآن» : هذا الكتاب.
قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ﴾ في «رُبَّ» قولان:
أحدهما: أنها حرف جرٍِّ، وزعم الكوفيُّون، وأبو الحسنِ، ابنُ الطَّراوة: أنها اسمٌ، ومعناها: التَّقليلُ على المشهور.
وقيل: تفيد التكثير في مواضع الاتفخار؛ كقوله: [الطويل]
3253 - فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهوْتَُ ولَيْلةٍ ... بآنِسَةٍ كأنَّها خَطُّ تِمْثَالِ
وقد أجيب عن ذلك: بأنها لتقليل النَّظير.
وفيها سبعة عشرة لغة وهي:
«رُبَّ» بضمِّ الراءِ وفتحها كلاهما مع تشديتد الباء، وتخفيفها، فهذه أربع، ورويت بالأوجه الأربعة، مع تاء التأنيث المتحركة، و «رُب» بضم الراء وفتحها مع إسكان الباء، و «رُبُّ» بضم الراء وةالباء معاً مشددة ومخففة، و «رُبَّت» .
وأشهرها: «رُبَّ» بالضم والتشديد والتخفيف، وبالثانية قرأ عاصمٌ ونافعٌ وباتصالها بتاء التأنيث، قرأ طلحة بن مصروف، وزيد بن علي: «رُبَّتما» ، ولها أحكام كثيرة:
منها: لزوم تصديرها، ومنها تنكير مجرورها؛ وقوله: [الخفيف]
3254 - رُبَّما الجَاملِ المُؤبل فِيهمْ ... وعَناجيجُ بَينهُنَّ المَهارِي
ضرورة في رواية من جرَّ «الجَاملِ» .
ويجر ضمير لازم التفسير بعده، ويستغنى بتثنيتها وجمعها، وتأنيثها عن تثنية الضمير، وجمعه، وتأنيثه؛ كقوله: [البسيط]
3255 - ... ... ... ... ... ... ... . ... ورُبَّهُ عَطِباً أنْقَذْتَ مِنْ عَطَبِهْ
والمطابقة؛ نحو: ربَّهُما رجُلَيْنِ، نادر، وقد يعطف على مجرورها ما أضيف إلى ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورهنا؛ ومضيُّ ما يتعلق به على ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورها؛ ومضيُّ ما يتعلق به على خلاف، والصحيح عندم ذلك؛ فمن مجيئه غير موصوف قول هند: [مجزوء الكامل]
3256 - يَا رُبَّ قائلةٍ غَدًا ... يَا لَهْفَ أم مُعاوِيًَه
ومن مجيء المستقبل، قوله: [الوافر]
3257 - فَإن أهْلِكَ فرُبَّ فتًى سَيَبْكِي ... عَليَّ مُهذَّبٍ رَخْصِ البَنانِ
وقول هند: [مجزوء الكامل]
3258 - يَا رُبَّ قَائلةٍ غَداً..... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقول سليم: [الطويل]
3259 - ومُعْتَصِمٍ بالحيِّ من خَشْيَةِ الرَّدَى ... سَيَرْدَى وغَازٍ مُشفِقٍ سَيَئُوبُ
فإن حرف التنفيس، و «غداً» خلَّصاه للاستقبال.
و «رُبَّ» تدخل على الاسم، و «رُبَّما» على الفعل، ويقال: ربَّ رجُلٍ جَاءنِي، ورُبَّما جَاءنِي.
و «ما» في «رُبمَا» ، تحتمل وجهين:
أظهرهما: أنها المهيئة، بمعنى أنَّ «رُبَّ» مختصة بالأسماءِ، فلما جاءت هنا «ما» هيَّأت دخولها على الأفعال وقد تقدم نظير ذلك [يونس: 27] في «إنَّ» وأخواتها ويكفها أيضاً عن العمل؛ كقوله: [الخفيف]
3260 - رُبَّما الجَامِلُ المُؤبَّلش فِيهِمْ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
في رواية من رفعه كما جرى ذلك في كاف التشبيه.
والثاني: أنَّ «مَا» نكرة موصوفة بالجملة الواقعة بعدها، والعائد على «ما» محذوف تقديره: ربَّ شيء يوده الذين كفروا، ومن لم يلتزم مضيَّ متعلقها، لم يحتج إلى تأويل، ومن التزم ذلك قال: لأن المترقب في إخبار الله تعالى واقعٌ لا محالة، فعبَّر عنه بالماضي، تحقيقاً لوقوعه؛ كقوله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] ونحوه.
قوله: «لَوْ كَانُوا» يجوز في «لَوْ» وجهان: أحدهما: أن تكون الامتناعيَّة، وحينئذ، يكون جوابها محذوفاً، تقديره لو كانُوا مسلمين لسرُّوا أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول «يوَدُّ» محذوف على هذا التقدير، أي: ربما يودُّ الذين كفروا النجاة، دلَّ عليه الجملة الامتناعية.
والثاني: أنَّها مصدرية عند من يرى ذلك، كما تقدم تقريره في البقرة [البقرة: 96] ؛ وحنيئذ يكون هذا المصدر المؤولُ هو المفعول للودادة، أي: يودُّون كونه مسلمين، إن جعلنا «ما» كافة، وإن جعلناها نكرة، كانت «لَوْ» وما في حيِّزها بدلاً من «مَا» .
فصل
المعنى: يتمنَّى الذين كفورا لو كانوا مسلمين، واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها.
قال الضحاك: حال المعاينة.
وقيل: يوم القيامة.
والمشهور: أنه حين يخرجُ الله المؤمنين من النار.
روى أبو موسى الأشعريُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إذَا اجْتمعَ أهْلُ النَّار في النَّارِ، ومعهُمْ من شَاءَ اللهُ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ، قال الكفَّارُ لمِنْ في النَّار من أهْلِ القِبْلةِ: ألَسْتُم مُسْلمينَ؟ قالوا: بَلى، قالوا: فَمَا أغْنَى عَنْكُم إسْلامكُم، وأنْتُمْ معنا في النَّارِ، قالوا: كَانَتْ لنَا ذُنوبٌ فأُخِذْنَا بِهَا، [فيغفر] الله لَهُمْ، بِفضْلِ رَحْمتهِ، فيَأمرُ بإخْراجِ كُلِّ مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ في النَّار، فيَخْرجُونَ مِنْهَا، فحنيئذٍ يودُّ الذين كفروا لَوْ كَانُوا مُسْلمينَ» .
فإن قيل: «رُبمَا» للتقليل، وهذا التَّمني يكثر من الكفار.
فالجواب: أنَّ «رُبمَا» يراد بها التكثير، والمقصود إظهار الترفع، والاستغناءُ عن التَّصريح بالغرض؛ فيقولون: ربَّما نَدمتُ على ما فعلتُ، ولعلَّكَ تَندمُ على فِعلِكَ؛ إذا كان العلمُ حَاصلاً بكثر النَّدمِ، قال: [البسيط]
3261 - أتْرك القِرْنَ مُصْفرًّا أنَاملهُ..... ... ... ... ... ... ... ... . .
وقيل: التقليل أبلغ في التهديد، والمعنى: أنَّ قليل الندم كافٍ في الزجر عن هذا العمل، فكيف كثره؟ .
وقيل: إنْ شغلهم بالعاذب لا يفزعهم للندامة فيخطر ذلك ببالهم أحياناً.
فإن قيل: إذا كان أهل القيامةِ، يتمنَّون أمثال هذه الأحوال، وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقلُّ ثوابه عن درجةِ المؤمنِ الذي يكثر ثوابه، والمُتمنِّي لما لم يجده يكونُ في الغصَّة وتَألُّمِ القلبِ.
فالجواب: أحوالُ أهل الآخرةِ، لا تقاس بأحوال الدنيا؛ فإن الله تعالى يُرضي كُلَّ واحدٍ بما هو فيه، وينزع عن قلوبهم الحسد، وطلب الزيادتِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: 47] .
قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ [الحجر: 3] الآية، أي دعْ يا محمد، الكفَّار يأخذوةا حفوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرةِ، ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ يشغلهم «الأملًُ» عن الأخذ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا [وردوا] القيامة، وذاقوا وبال [صنعهم] وهذا تهديدٌ ووعيدٌ.
وقال بعض العلماء: «ذَرْهُمْ» ، تهديدٌ، و ﴿سَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ، تهديدٌ آخر، فمتى يهدأ العيش بين تهديدين؟! والآية نسختها آية القتالِ.
قوله: «وذَرْهُمْ» ، هذا الأمرُ لا يستعمل له ماضٍ إلا قليلاً؛ استغناءً عنه ب «تَرَكَ» ، بل يستعمل منه المضارع نحو: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: 186] ، ومن مجيء الماضي قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «ذَرُوا لحَبشَة ما وَذَرتْكُم» ، ومثله: دَعْ ويَدَعْ، ولا يقال: ودَعَ إلا نادراً، وقد قرىء: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ [الضحى: 3] مخففاً؛ وأنشدوا: [الرمل]
3262 - أسَلْ أمِيري مَا الذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصَالِي اليَوْمَ حتَّى وَدَعهْ؟ و «يَأكلُوا» مجزومٌ على جواب الأمر، وقد تقدم [البقرة: 17، 278] أنَّ «تَرَكَ» و «وَذرَ» يكونان بمعنى «صيَّر» ، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي: ذرهُم مهملين.
قوله تعالى: ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمل﴾ ، يقال: لهيتُ عن الشَّيء ألهي لُهِيَّا؛ جاء في الحديث: أنَّ ابن الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كان إذا سمع صوت الرَّعدِ لَهِيَ عن الحديث» .
قال الكسائيُّ، والأصمعيُّ: كلُّ شيءٍ تركتهُ، فقد لهيتهُ؛ وأنشد: [الكامل]
3262 - ب صَرمتْ حِبالَكَ فالْهَ عَنْهَا زَيْنَبُ ... أي: اتركها، وأعرض عنها.
فصل في سبب شقاء العبد
قال القرطبي: أربعةٌ من الشقاءِ؛ جمودُ العين، وقساوة القلبِ، وطُولُ الأملِ، والحرصُ على الدُّنيا.
فطُول الأملِ: داء عضالٌ، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داءٌ، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطبَّاء، ويئس من بُرئه الحكماء والعلماء.
وحقيقة الأمل: الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحبُّ لها، والإعراض عن الآخرة، قال صلوات الله وسلامه عليه: «نَجَا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليَقِينِ والزُّهْدِ، ويهْلِكُ آخِرُهَا بالبُخْلِ والأمَلِ» .
وقال الحسن: ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل.
قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ ، أي: من أهل قرية، ﴿إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ﴾ فيه أوجه:
أظهرها: أنها واو الحال، ثم لك اعتباران:
أحدهما: أن تجعل الحال وحدها الجارَّ، ويرتفع «كِتَابٌ» به فاعلاً.
والثاني: أن تجعل الجارَّ مقدماً، و «كِتَابٌ» مبتدأ، والجملة حالٌ، وهذه الحال لازمةٌ.
الوجه الثاني: أنَّ الواو مزيدة، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «إلاَّ لَهَا» بإسقاطها، والزيادة ليست بالسهلةِ.
الثالث: أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة؛ تأكيداً، قال الزمخشريُّ: والجملة واقعة صفة ل «قَرْيَةٍ» ، والقياس: ألاَّ تتوسط هذه الواو بينهما؛ كما قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] وإنما توسَّطت، لتأكيد لصُوقِ الصفة بالموصوف؛ كما تقول: «جَاءنِي زيْدٌ عليْهِ ثَوبهُ، وجَاءنِي وعليْهِ ثوْبهُ» .
وقد تبع الزمخشري في ذلك أبا البقاء، وقد سبق له ذلك أيضاً في البقرة عند قوله: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216] .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ: «ولا نعلم أحداً قاله من النَّحويين» .
قال شهاب الدين: وفي محفوظِي أنَّ ابن جنّي سبقهما إلى ذلك» .
ثم قال أبو حيان: «وهو مبنيٌّ على جواز أنَّ ما بعد» إلاَّ «يكون صفة؛ وقد منعوا ذلك» .
قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف ب «إلا» ، ثم قال: وأما نحو: «مَا جَاءَنِي رجٌلٌ إلاَّ راكِبٌ» على تقدير: إلاَّ رجلٌ راكبٌ، ففيه قُبح؛ لجعلك الصفة كالاسم.
وقال أبو علي: تقول ما مررتُ بأحَدٍ إلاَّ قائماً، وقائماً حالٌ، ولا تقول: إلاَّ قائمٌ؛ لأنَّ» إلاَّ «لا تعترض بين الصِّفة والموصوف.
قال ابن مالكٍ: وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشريُّ في قوله» مَا مَررْتُ بأحَدٍ إلاَّ زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْهُ «: إنَّ الجملة بعد» إلاَّ «صفة ل» أحَدٍ» : إنه مذهبٌ لا يعرف لبصريِّ، ولا كوفي فلا يلتفت إليه، وأبطل قوله: «إنَّ الواو توسَّطت لتأكيد لصوف الصفة بالموصوف» .
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: قولُ الزمخشريِّ قويٌّ من حيث القياس؛ فإنَّ الصفة في المعنى كالحال، وإن كان بينهما فرقٌ من بعض الوجوه.
فكما أنَّ الواو تدخل على الجملة الواقعة حالاً؛ كذلك تدخل عليها واقعة صفة، ويقويه أيضاً [نصره] به من الآية الأخرى في قوله: ﴿مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] . ويقويه أيضاً: قراءة ابن أبي عبلة المتقدمة، وقال منذرُ بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ، هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى:
﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73] .
فصل
لما توعد مكذِّبي الرسل بقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ الآية أتبعه بما يؤكد الزجر، وهو قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ في الهلاك والعذاب، أي: أجلٌ مضروبٌ، لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه، والمراد بهذا الهلاك: عذاب الاستئصال، وقيل: الموتُ.
قال القاضي: والأول أقرب؛ لأنه أبلغ في الزَّجر، فبيَّن تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغترَّ به العاقل. وقيل: المراد بالهلاك مجموع الأمرين.
قوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ «مِنْ أمةٍ» فاعل «تَسْبِقُ» ، و «مِنْ» مزيدة للتأكيد؛ كقولك: ما جَاءنِي من أحَدٍ.
قال الواحدي: «وقيل: ليست بزائدةٍ؛ لأنَّها تفيد التبعيض، أي: هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة، فيكون ذلك في إفادة عموم النَّفي، آكد» .
قال الزمخشري: «معنى:» سَبَقَ «: إذا كان واقعاً على شخصٍ، كان معناه أنَّه [جاز] ، وخلف؛ كقولك: سَبَقَ زيدٌ عمْراً، أي: جَاوزَهُ وخَلفهُ وراءهُ، ومعناه: أنه قصَّر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمانٍ، كان بالعكس في ذلك، كقولك: سَبٌ فُلانٌ عام كذا، معناه: أنه مضى قبل إتيانه، ولم يبلغه، فقوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ معناه: أنه لا يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل في ذلك الوقت بعينه» .
وحمل على لفظ «أمََّةٍ» في قوله: «أجَلهَا» ، فأفرد وأنَّث، وعلى معناها في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ، فجمع وذكَّر، وحذف متعلق «يَسْتَأخِرُون» وتقديره: عنه؛ للدلالة عليه، ولوقوعه فاصلاً.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ كل من ما أو قتل، فإنما مات بأجله، وأنَّ من قال: يجوز أن يموت قبل أجله مخطىء.
قوله: «وقَالُوا» ، يعنى مشركي مكَّة ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ ، أي: القرآن، وأراد به محمداً صلى الله وعليه وسلم.
والعامة على: «نُزِّلَ» مشدَّداً، مبنيًّا للمفعول، وقرأ زيد بن علي: «نَزلَ» ، مخفََّاً مبنيًّا للفاعل.
﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ وذكروا نزول الذِّكر؛ استهزاء، وإنما وصفوه بالجنون، إما لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان يظهر عليه عند نزول الوحي، حالةٌ شبيهةٌ بالغشي؛ فظنُّوا أنَّها جنونٌ، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: 184] .
وإما لأنه كانا يستبعدون كونه رسولاً حقًّا من عند الله؛ لأن الرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره، فربما قال: به جنون.
قوله: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ ، «لَوْ مَا» : حرف تحضيضٍ؛ ك «هَلاًّ» ، وتكون أيضاً حرف امتناع لوجودٍ، وذلك كما أنَّ «لولا» متردَّدةٌ بين هذين المعنيين، وقد عرف الفرق بينهما، وهو أنَّ التحضيضيَّة لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً أو مضمراً؛ كقوله: [الطويل]
3263 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَوْلاَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَا
والامتناعية لا يليها إلا الأسماء: لظفاً أو تقديراً عند البصريين.
وقوله: [الوافر]
3264 - ولَوْلاَ يَحْسِبُونَ الحِلْمَ عَجْزاً ... لمَا عَدِمَ المُسِيئُونَ احْتِمَالِي
مؤولٌ؛ خلافاً للكوفيين.
فمن مجيء «لَوما» حرف امتناعٍ قوله: [البسيط]
3265 - لَوْمَا الحيَاءُ ولَوْمَا الدِّينُ عِبْتُكمَا ... بِبعْضِ ما فِيكُمَا إذْ عِبْتُما عَورِي
واختلف فيها: هل هي بسيطة أم مركبة؟ .
فقال الزمخشري: «لَوْ» ركبت مع «لا» ، ومع «مَا» ؛ لمعنيين، وأمَّا «هَلْ» فلم تركَّب إلاَّ مع «لا» وحدها؛ للتحضيض.
واختلف أيضاً في «لَوْمَا» هل هي أصلٌ بنفسها، أم فرعٌ على «لَوْلاَ» وأنَّ الميم مبدلة من اللام، كقولهم: خاللته، خالمته، فهو خِلِّي وخِلْمِي، أي: صديقي.
وقالوا: استولى على كذا، [واسْتَوَى] عليه؛ بمعنًى، خلاف مشهور، وهذه الجملة من التحضيض، دالةٌ على جواب الشرط بعدها.
فصل في معنى الآية
المعنى: لو كنت صادقاً في أدَّعائك النُّبوَّة، لأتيتنا بملائكة يشهدون عندنا بصدقكم فيما تدَّعيه من الرسالة؛ ونظيره قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَقَالُواْ لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر﴾ [الأنعام: 8] ويحتمل أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا خوَّفهُم بنزول العذاب، قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة الذين ينزلون العذاب، وهو المراد من قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب﴾ [العنكبوت: 53] .
ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾ فإذا كان المراد الأول، كان تقرير الجواب: أنَّ إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحقِّ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار، أنه لو أنزل عليهم ملائكة، لبقوا مصرِّين على كفرهم، فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً، ولا يكون حقًّا، فلهذا السبب ما أنزل الله تعالى الملائكة.
قال المفسرون: المراد بالحق هنا الموت، أي: لا ينزلون إلا بالموتِ، أو بعذابٍ الاستئصال، ولم يبق بعد نزولهم إنظارٌ، ولا إمهال، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة؛ فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، وإن كان المراد استعجالهم بنزول العذاب فتقرير الجواب: أنَّ الملائكة لا تنزل إلاَّ بعذاب الاستئصال، ولا تفعل بأمَّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك؛ بل يمهلهم لما علم من إيمان بعضهم، ومن إيمان أولاد الباقين.
قوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة﴾ ، قرأ أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «ما تُنزَّلُ» بضمِّ التاء، وفتح النون، والزاي مشدَّدة، مبنيًّا للمفعول، «المَلائِكةُ» : مرفوعاً لقيامه مقام فاعله، وهو موافقٌ لقوله تعالى:
﴿وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: 25] ؛ لأنها لا تنزل إلاَّ بأمر من الله تعالى فغيرها هو المنزِّلُ لها، وهو الله تعالى.
وقرأ الأخوان، وحفص: بضمِّ النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الزاي مشددة مبنيًّا للفاعل المعظم نفسه وهو الباري جل ذكره. «المَلائِكةَ» ، نصباً: مفعول به؛ وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة﴾ [الأنعام: 111] ، ويناسب قوله قبل ذلك: «ومَا أهْلَكْنَا» ، وقوله بعده: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ [الحجر: 9] ، وما بعده من ألفاظ التَّعظيم.
والباقون من السبعة ما تنزَّلُ بفتح التاء والنون والزاي مشددة، و «المَلائِكةُ» مرفوعة على الفاعلية، والأصل: تَتنَزَّلُ، بتاءين، فحذفت إحداهما، وقد تقدم تقريره في: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 152] ، ونحوه، وهو موافق لقوله سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا﴾ [القدر: 4] .
وقرأ زيد بن علي: «مَا نَزلَ» مخففاً مبنيًّا للفاعل، و «الملائكةُ» مرفوعة على الفاعلية، وهو كقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعرا: 193] .
قوله: ﴿إِلاَّ بالحق﴾ يجوز تعلقه بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول، أي: ملتبسين بالحق، وجعله الزمخشري رَحِمَهُ اللَّهُ نعتاً لمصدر محذوف، أي: إلاَّ تنزُّلاً ملتبساً بالحقِّ.
قوله «إذَنْ» قال الزمخشري: «إذَنْ حرف جواب وجزاء؛ لأنها جواب لهم، وجزاء الشرط مقدر، تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، وما أخر عذابهم» .
قال صاحب النظم: «لفظة» إذَنْ «مركبة من» إذْ» ، وهو اسم بملنزلة «حِينَ» ؛ تقول: أتيتك إذْ جِئْتنِي، أي: حِينَ جِئْتنِي، ثم ضم إليه» إنْ «فصار: ِإذْ أنْ، ثما استثقلوا الهمزة؛ فحذفوها، فصار» إذَنْ «، ومجيْ لفظة» أنْ «دليل على إضمار فعلٍ بعدها، والتقدير: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا» .
قوله: «نَحْنُ» إما مبتدأ، وإما تأكيدٌ، ولا يكون فصلاً؛ لأنه لم يقع بين اسمين، والضمير «لَهُ» للذكر، وهو الظاهرُ، وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه قاله الفراء، وقوَّاه ابن الأنباري، قال: لما ذكر الله الإنزال، والمنزل، دلَّ ذلك على المنزل عليه، فحسنت الكناية عنه؛ لكونه أمراً معلوماً، ك ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: 1] فإنَّ هذه الكناية عائد على القرآن، مع أنه لم يتقدم ذكره؛ وإنما حسنت الكناية لسبب معلوم، فكذا هاهنا، والأول أوضحُ» .
فإذا قلنا: الكناية عائدة إلى القرآن، فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن؟ .
فقيل: بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر يعجز الخلق عن الزيادة، والنقصان فيه، بحيث لو زادوا فيه أو نقصوا عنه، بغير نظم القرآن.
وقيل: صانه، وحفظه من أن يقدر أحدٌ من الخلق على معارضته.
وقيل: قيَّض جماعة يحفظونه، ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاءِ التكليفِ.
وقيل: المراد بالحفظِ: هو أنَّه لو أنَّ احداً حاول تغيير حرفٍ أو نقطةٍ، لقال له أهل الدنيا: هذا كذب، وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتَّفق له لحنٌ أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان: أخطأت أيُّها الشيخ، واعلم أنه لم يتفق لشيءٍ من الكتب مثل هذه الحفظ؛ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف، والتحريف، والتغيير، إما في الكثير منه، أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التَّحريف، مع أنَّ دواعي الملاحدة، واليهود، والنصارة، متوفرة على أبطاله وإفساده، فذلك من أعظم المعجزات.
فإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف، وقد وعد الله عَزَّ وَجَلَّ بحفظه وما حفظ الله عَزَّ وَجَلَّ فلا خوف عليه؟ .
فالجواب: أنَّ جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه، فيَّضهم لذلك، وفي الآية دلالةٌ قويةٌ على كون البسملةِ آية من كل سورة؛ لأن الله تبارك وتعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظُ لا معنى له إلاَّ أن يبقى مصُوناً عن التغيير وعن الزيادة، وعن النقصان فلو لو تكن التسمية آية من القرآن، لما كان مصوناً من التغيير والزيادة، ولو جاز أن يظنَّ بالصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنهم زادوا، لجاز أيضاً أن يظنَّ بهم النقصان؛ وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجَّة، وهذا لا دليل فيه؛ لأن أسماء السور أيضاً مكتوبةٌ معهم في المصحف، وليست من القرآن بالأجماع.
الحجر 15:3
سورة الحجر مكية بالإجماع. وهي تسع وتسعون آية، وستمائة وأربعة وخمسون كلمة، وعدد حروفها: ألفان وتسعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ال ? رَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ تقدَّم نظير ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أول الرعد، والإشارة ب «تِلْكَ» إلى ما تظمنته السورة من الآيات، ولم يذكر الزمشخريُّ غيره.
وقيل: إشارة إلى الكتاب السالف، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك آياتُ ذلك الكتاب الكالم في كونه كتاباً، وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
والمراد ب «الكِتَابِ» وال «قُرآن المبينِ» : الكمتاب الذي وعد به محمد صلوات الله وسلام عليه، أي: مبين الحلال من الحرامِ، والحقَّ من الباطل.
فإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب، ثم مقال: «وقُرْءَانٍ» ، وكلاهما واحدٌ؟ .
قيل: كلُّ واحدٍ يفيد فائدة أخرى؛ فإنَّ الكتاب ما يكتبُ، والقرآن ما يجمع بضعه إلى بعض.
وقيل: المراد ب «الكِتَابِ» التَّوراةُ والإنجيلُ، فيكون اسم جنسٍ، وبال «قرآن» : هذا الكتاب.
قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ﴾ في «رُبَّ» قولان:
أحدهما: أنها حرف جرٍِّ، وزعم الكوفيُّون، وأبو الحسنِ، ابنُ الطَّراوة: أنها اسمٌ، ومعناها: التَّقليلُ على المشهور.
وقيل: تفيد التكثير في مواضع الاتفخار؛ كقوله: [الطويل]
3253 - فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهوْتَُ ولَيْلةٍ ... بآنِسَةٍ كأنَّها خَطُّ تِمْثَالِ
وقد أجيب عن ذلك: بأنها لتقليل النَّظير.
وفيها سبعة عشرة لغة وهي:
«رُبَّ» بضمِّ الراءِ وفتحها كلاهما مع تشديتد الباء، وتخفيفها، فهذه أربع، ورويت بالأوجه الأربعة، مع تاء التأنيث المتحركة، و «رُب» بضم الراء وفتحها مع إسكان الباء، و «رُبُّ» بضم الراء وةالباء معاً مشددة ومخففة، و «رُبَّت» .
وأشهرها: «رُبَّ» بالضم والتشديد والتخفيف، وبالثانية قرأ عاصمٌ ونافعٌ وباتصالها بتاء التأنيث، قرأ طلحة بن مصروف، وزيد بن علي: «رُبَّتما» ، ولها أحكام كثيرة:
منها: لزوم تصديرها، ومنها تنكير مجرورها؛ وقوله: [الخفيف]
3254 - رُبَّما الجَاملِ المُؤبل فِيهمْ ... وعَناجيجُ بَينهُنَّ المَهارِي
ضرورة في رواية من جرَّ «الجَاملِ» .
ويجر ضمير لازم التفسير بعده، ويستغنى بتثنيتها وجمعها، وتأنيثها عن تثنية الضمير، وجمعه، وتأنيثه؛ كقوله: [البسيط]
3255 - ... ... ... ... ... ... ... . ... ورُبَّهُ عَطِباً أنْقَذْتَ مِنْ عَطَبِهْ
والمطابقة؛ نحو: ربَّهُما رجُلَيْنِ، نادر، وقد يعطف على مجرورها ما أضيف إلى ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورهنا؛ ومضيُّ ما يتعلق به على ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورها؛ ومضيُّ ما يتعلق به على خلاف، والصحيح عندم ذلك؛ فمن مجيئه غير موصوف قول هند: [مجزوء الكامل]
3256 - يَا رُبَّ قائلةٍ غَدًا ... يَا لَهْفَ أم مُعاوِيًَه
ومن مجيء المستقبل، قوله: [الوافر]
3257 - فَإن أهْلِكَ فرُبَّ فتًى سَيَبْكِي ... عَليَّ مُهذَّبٍ رَخْصِ البَنانِ
وقول هند: [مجزوء الكامل]
3258 - يَا رُبَّ قَائلةٍ غَداً..... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقول سليم: [الطويل]
3259 - ومُعْتَصِمٍ بالحيِّ من خَشْيَةِ الرَّدَى ... سَيَرْدَى وغَازٍ مُشفِقٍ سَيَئُوبُ
فإن حرف التنفيس، و «غداً» خلَّصاه للاستقبال.
و «رُبَّ» تدخل على الاسم، و «رُبَّما» على الفعل، ويقال: ربَّ رجُلٍ جَاءنِي، ورُبَّما جَاءنِي.
و «ما» في «رُبمَا» ، تحتمل وجهين:
أظهرهما: أنها المهيئة، بمعنى أنَّ «رُبَّ» مختصة بالأسماءِ، فلما جاءت هنا «ما» هيَّأت دخولها على الأفعال وقد تقدم نظير ذلك [يونس: 27] في «إنَّ» وأخواتها ويكفها أيضاً عن العمل؛ كقوله: [الخفيف]
3260 - رُبَّما الجَامِلُ المُؤبَّلش فِيهِمْ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
في رواية من رفعه كما جرى ذلك في كاف التشبيه.
والثاني: أنَّ «مَا» نكرة موصوفة بالجملة الواقعة بعدها، والعائد على «ما» محذوف تقديره: ربَّ شيء يوده الذين كفروا، ومن لم يلتزم مضيَّ متعلقها، لم يحتج إلى تأويل، ومن التزم ذلك قال: لأن المترقب في إخبار الله تعالى واقعٌ لا محالة، فعبَّر عنه بالماضي، تحقيقاً لوقوعه؛ كقوله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] ونحوه.
قوله: «لَوْ كَانُوا» يجوز في «لَوْ» وجهان: أحدهما: أن تكون الامتناعيَّة، وحينئذ، يكون جوابها محذوفاً، تقديره لو كانُوا مسلمين لسرُّوا أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول «يوَدُّ» محذوف على هذا التقدير، أي: ربما يودُّ الذين كفروا النجاة، دلَّ عليه الجملة الامتناعية.
والثاني: أنَّها مصدرية عند من يرى ذلك، كما تقدم تقريره في البقرة [البقرة: 96] ؛ وحنيئذ يكون هذا المصدر المؤولُ هو المفعول للودادة، أي: يودُّون كونه مسلمين، إن جعلنا «ما» كافة، وإن جعلناها نكرة، كانت «لَوْ» وما في حيِّزها بدلاً من «مَا» .
فصل
المعنى: يتمنَّى الذين كفورا لو كانوا مسلمين، واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها.
قال الضحاك: حال المعاينة.
وقيل: يوم القيامة.
والمشهور: أنه حين يخرجُ الله المؤمنين من النار.
روى أبو موسى الأشعريُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إذَا اجْتمعَ أهْلُ النَّار في النَّارِ، ومعهُمْ من شَاءَ اللهُ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ، قال الكفَّارُ لمِنْ في النَّار من أهْلِ القِبْلةِ: ألَسْتُم مُسْلمينَ؟ قالوا: بَلى، قالوا: فَمَا أغْنَى عَنْكُم إسْلامكُم، وأنْتُمْ معنا في النَّارِ، قالوا: كَانَتْ لنَا ذُنوبٌ فأُخِذْنَا بِهَا، [فيغفر] الله لَهُمْ، بِفضْلِ رَحْمتهِ، فيَأمرُ بإخْراجِ كُلِّ مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ في النَّار، فيَخْرجُونَ مِنْهَا، فحنيئذٍ يودُّ الذين كفروا لَوْ كَانُوا مُسْلمينَ» .
فإن قيل: «رُبمَا» للتقليل، وهذا التَّمني يكثر من الكفار.
فالجواب: أنَّ «رُبمَا» يراد بها التكثير، والمقصود إظهار الترفع، والاستغناءُ عن التَّصريح بالغرض؛ فيقولون: ربَّما نَدمتُ على ما فعلتُ، ولعلَّكَ تَندمُ على فِعلِكَ؛ إذا كان العلمُ حَاصلاً بكثر النَّدمِ، قال: [البسيط]
3261 - أتْرك القِرْنَ مُصْفرًّا أنَاملهُ..... ... ... ... ... ... ... ... . .
وقيل: التقليل أبلغ في التهديد، والمعنى: أنَّ قليل الندم كافٍ في الزجر عن هذا العمل، فكيف كثره؟ .
وقيل: إنْ شغلهم بالعاذب لا يفزعهم للندامة فيخطر ذلك ببالهم أحياناً.
فإن قيل: إذا كان أهل القيامةِ، يتمنَّون أمثال هذه الأحوال، وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقلُّ ثوابه عن درجةِ المؤمنِ الذي يكثر ثوابه، والمُتمنِّي لما لم يجده يكونُ في الغصَّة وتَألُّمِ القلبِ.
فالجواب: أحوالُ أهل الآخرةِ، لا تقاس بأحوال الدنيا؛ فإن الله تعالى يُرضي كُلَّ واحدٍ بما هو فيه، وينزع عن قلوبهم الحسد، وطلب الزيادتِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: 47] .
قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ [الحجر: 3] الآية، أي دعْ يا محمد، الكفَّار يأخذوةا حفوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرةِ، ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ يشغلهم «الأملًُ» عن الأخذ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا [وردوا] القيامة، وذاقوا وبال [صنعهم] وهذا تهديدٌ ووعيدٌ.
وقال بعض العلماء: «ذَرْهُمْ» ، تهديدٌ، و ﴿سَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ، تهديدٌ آخر، فمتى يهدأ العيش بين تهديدين؟! والآية نسختها آية القتالِ.
قوله: «وذَرْهُمْ» ، هذا الأمرُ لا يستعمل له ماضٍ إلا قليلاً؛ استغناءً عنه ب «تَرَكَ» ، بل يستعمل منه المضارع نحو: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: 186] ، ومن مجيء الماضي قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «ذَرُوا لحَبشَة ما وَذَرتْكُم» ، ومثله: دَعْ ويَدَعْ، ولا يقال: ودَعَ إلا نادراً، وقد قرىء: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ [الضحى: 3] مخففاً؛ وأنشدوا: [الرمل]
3262 - أسَلْ أمِيري مَا الذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصَالِي اليَوْمَ حتَّى وَدَعهْ؟ و «يَأكلُوا» مجزومٌ على جواب الأمر، وقد تقدم [البقرة: 17، 278] أنَّ «تَرَكَ» و «وَذرَ» يكونان بمعنى «صيَّر» ، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي: ذرهُم مهملين.
قوله تعالى: ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمل﴾ ، يقال: لهيتُ عن الشَّيء ألهي لُهِيَّا؛ جاء في الحديث: أنَّ ابن الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كان إذا سمع صوت الرَّعدِ لَهِيَ عن الحديث» .
قال الكسائيُّ، والأصمعيُّ: كلُّ شيءٍ تركتهُ، فقد لهيتهُ؛ وأنشد: [الكامل]
3262 - ب صَرمتْ حِبالَكَ فالْهَ عَنْهَا زَيْنَبُ ... أي: اتركها، وأعرض عنها.
فصل في سبب شقاء العبد
قال القرطبي: أربعةٌ من الشقاءِ؛ جمودُ العين، وقساوة القلبِ، وطُولُ الأملِ، والحرصُ على الدُّنيا.
فطُول الأملِ: داء عضالٌ، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داءٌ، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطبَّاء، ويئس من بُرئه الحكماء والعلماء.
وحقيقة الأمل: الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحبُّ لها، والإعراض عن الآخرة، قال صلوات الله وسلامه عليه: «نَجَا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليَقِينِ والزُّهْدِ، ويهْلِكُ آخِرُهَا بالبُخْلِ والأمَلِ» .
وقال الحسن: ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل.
قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ ، أي: من أهل قرية، ﴿إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ﴾ فيه أوجه:
أظهرها: أنها واو الحال، ثم لك اعتباران:
أحدهما: أن تجعل الحال وحدها الجارَّ، ويرتفع «كِتَابٌ» به فاعلاً.
والثاني: أن تجعل الجارَّ مقدماً، و «كِتَابٌ» مبتدأ، والجملة حالٌ، وهذه الحال لازمةٌ.
الوجه الثاني: أنَّ الواو مزيدة، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «إلاَّ لَهَا» بإسقاطها، والزيادة ليست بالسهلةِ.
الثالث: أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة؛ تأكيداً، قال الزمخشريُّ: والجملة واقعة صفة ل «قَرْيَةٍ» ، والقياس: ألاَّ تتوسط هذه الواو بينهما؛ كما قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] وإنما توسَّطت، لتأكيد لصُوقِ الصفة بالموصوف؛ كما تقول: «جَاءنِي زيْدٌ عليْهِ ثَوبهُ، وجَاءنِي وعليْهِ ثوْبهُ» .
وقد تبع الزمخشري في ذلك أبا البقاء، وقد سبق له ذلك أيضاً في البقرة عند قوله: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216] .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ: «ولا نعلم أحداً قاله من النَّحويين» .
قال شهاب الدين: وفي محفوظِي أنَّ ابن جنّي سبقهما إلى ذلك» .
ثم قال أبو حيان: «وهو مبنيٌّ على جواز أنَّ ما بعد» إلاَّ «يكون صفة؛ وقد منعوا ذلك» .
قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف ب «إلا» ، ثم قال: وأما نحو: «مَا جَاءَنِي رجٌلٌ إلاَّ راكِبٌ» على تقدير: إلاَّ رجلٌ راكبٌ، ففيه قُبح؛ لجعلك الصفة كالاسم.
وقال أبو علي: تقول ما مررتُ بأحَدٍ إلاَّ قائماً، وقائماً حالٌ، ولا تقول: إلاَّ قائمٌ؛ لأنَّ» إلاَّ «لا تعترض بين الصِّفة والموصوف.
قال ابن مالكٍ: وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشريُّ في قوله» مَا مَررْتُ بأحَدٍ إلاَّ زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْهُ «: إنَّ الجملة بعد» إلاَّ «صفة ل» أحَدٍ» : إنه مذهبٌ لا يعرف لبصريِّ، ولا كوفي فلا يلتفت إليه، وأبطل قوله: «إنَّ الواو توسَّطت لتأكيد لصوف الصفة بالموصوف» .
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: قولُ الزمخشريِّ قويٌّ من حيث القياس؛ فإنَّ الصفة في المعنى كالحال، وإن كان بينهما فرقٌ من بعض الوجوه.
فكما أنَّ الواو تدخل على الجملة الواقعة حالاً؛ كذلك تدخل عليها واقعة صفة، ويقويه أيضاً [نصره] به من الآية الأخرى في قوله: ﴿مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] . ويقويه أيضاً: قراءة ابن أبي عبلة المتقدمة، وقال منذرُ بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ، هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى:
﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73] .
فصل
لما توعد مكذِّبي الرسل بقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ الآية أتبعه بما يؤكد الزجر، وهو قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ في الهلاك والعذاب، أي: أجلٌ مضروبٌ، لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه، والمراد بهذا الهلاك: عذاب الاستئصال، وقيل: الموتُ.
قال القاضي: والأول أقرب؛ لأنه أبلغ في الزَّجر، فبيَّن تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغترَّ به العاقل. وقيل: المراد بالهلاك مجموع الأمرين.
قوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ «مِنْ أمةٍ» فاعل «تَسْبِقُ» ، و «مِنْ» مزيدة للتأكيد؛ كقولك: ما جَاءنِي من أحَدٍ.
قال الواحدي: «وقيل: ليست بزائدةٍ؛ لأنَّها تفيد التبعيض، أي: هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة، فيكون ذلك في إفادة عموم النَّفي، آكد» .
قال الزمخشري: «معنى:» سَبَقَ «: إذا كان واقعاً على شخصٍ، كان معناه أنَّه [جاز] ، وخلف؛ كقولك: سَبَقَ زيدٌ عمْراً، أي: جَاوزَهُ وخَلفهُ وراءهُ، ومعناه: أنه قصَّر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمانٍ، كان بالعكس في ذلك، كقولك: سَبٌ فُلانٌ عام كذا، معناه: أنه مضى قبل إتيانه، ولم يبلغه، فقوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ معناه: أنه لا يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل في ذلك الوقت بعينه» .
وحمل على لفظ «أمََّةٍ» في قوله: «أجَلهَا» ، فأفرد وأنَّث، وعلى معناها في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ، فجمع وذكَّر، وحذف متعلق «يَسْتَأخِرُون» وتقديره: عنه؛ للدلالة عليه، ولوقوعه فاصلاً.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ كل من ما أو قتل، فإنما مات بأجله، وأنَّ من قال: يجوز أن يموت قبل أجله مخطىء.
قوله: «وقَالُوا» ، يعنى مشركي مكَّة ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ ، أي: القرآن، وأراد به محمداً صلى الله وعليه وسلم.
والعامة على: «نُزِّلَ» مشدَّداً، مبنيًّا للمفعول، وقرأ زيد بن علي: «نَزلَ» ، مخفََّاً مبنيًّا للفاعل.
﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ وذكروا نزول الذِّكر؛ استهزاء، وإنما وصفوه بالجنون، إما لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان يظهر عليه عند نزول الوحي، حالةٌ شبيهةٌ بالغشي؛ فظنُّوا أنَّها جنونٌ، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: 184] .
وإما لأنه كانا يستبعدون كونه رسولاً حقًّا من عند الله؛ لأن الرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره، فربما قال: به جنون.
قوله: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ ، «لَوْ مَا» : حرف تحضيضٍ؛ ك «هَلاًّ» ، وتكون أيضاً حرف امتناع لوجودٍ، وذلك كما أنَّ «لولا» متردَّدةٌ بين هذين المعنيين، وقد عرف الفرق بينهما، وهو أنَّ التحضيضيَّة لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً أو مضمراً؛ كقوله: [الطويل]
3263 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَوْلاَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَا
والامتناعية لا يليها إلا الأسماء: لظفاً أو تقديراً عند البصريين.
وقوله: [الوافر]
3264 - ولَوْلاَ يَحْسِبُونَ الحِلْمَ عَجْزاً ... لمَا عَدِمَ المُسِيئُونَ احْتِمَالِي
مؤولٌ؛ خلافاً للكوفيين.
فمن مجيء «لَوما» حرف امتناعٍ قوله: [البسيط]
3265 - لَوْمَا الحيَاءُ ولَوْمَا الدِّينُ عِبْتُكمَا ... بِبعْضِ ما فِيكُمَا إذْ عِبْتُما عَورِي
واختلف فيها: هل هي بسيطة أم مركبة؟ .
فقال الزمخشري: «لَوْ» ركبت مع «لا» ، ومع «مَا» ؛ لمعنيين، وأمَّا «هَلْ» فلم تركَّب إلاَّ مع «لا» وحدها؛ للتحضيض.
واختلف أيضاً في «لَوْمَا» هل هي أصلٌ بنفسها، أم فرعٌ على «لَوْلاَ» وأنَّ الميم مبدلة من اللام، كقولهم: خاللته، خالمته، فهو خِلِّي وخِلْمِي، أي: صديقي.
وقالوا: استولى على كذا، [واسْتَوَى] عليه؛ بمعنًى، خلاف مشهور، وهذه الجملة من التحضيض، دالةٌ على جواب الشرط بعدها.
فصل في معنى الآية
المعنى: لو كنت صادقاً في أدَّعائك النُّبوَّة، لأتيتنا بملائكة يشهدون عندنا بصدقكم فيما تدَّعيه من الرسالة؛ ونظيره قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَقَالُواْ لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر﴾ [الأنعام: 8] ويحتمل أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا خوَّفهُم بنزول العذاب، قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة الذين ينزلون العذاب، وهو المراد من قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب﴾ [العنكبوت: 53] .
ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾ فإذا كان المراد الأول، كان تقرير الجواب: أنَّ إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحقِّ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار، أنه لو أنزل عليهم ملائكة، لبقوا مصرِّين على كفرهم، فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً، ولا يكون حقًّا، فلهذا السبب ما أنزل الله تعالى الملائكة.
قال المفسرون: المراد بالحق هنا الموت، أي: لا ينزلون إلا بالموتِ، أو بعذابٍ الاستئصال، ولم يبق بعد نزولهم إنظارٌ، ولا إمهال، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة؛ فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، وإن كان المراد استعجالهم بنزول العذاب فتقرير الجواب: أنَّ الملائكة لا تنزل إلاَّ بعذاب الاستئصال، ولا تفعل بأمَّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك؛ بل يمهلهم لما علم من إيمان بعضهم، ومن إيمان أولاد الباقين.
قوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة﴾ ، قرأ أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «ما تُنزَّلُ» بضمِّ التاء، وفتح النون، والزاي مشدَّدة، مبنيًّا للمفعول، «المَلائِكةُ» : مرفوعاً لقيامه مقام فاعله، وهو موافقٌ لقوله تعالى:
﴿وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: 25] ؛ لأنها لا تنزل إلاَّ بأمر من الله تعالى فغيرها هو المنزِّلُ لها، وهو الله تعالى.
وقرأ الأخوان، وحفص: بضمِّ النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الزاي مشددة مبنيًّا للفاعل المعظم نفسه وهو الباري جل ذكره. «المَلائِكةَ» ، نصباً: مفعول به؛ وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة﴾ [الأنعام: 111] ، ويناسب قوله قبل ذلك: «ومَا أهْلَكْنَا» ، وقوله بعده: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ [الحجر: 9] ، وما بعده من ألفاظ التَّعظيم.
والباقون من السبعة ما تنزَّلُ بفتح التاء والنون والزاي مشددة، و «المَلائِكةُ» مرفوعة على الفاعلية، والأصل: تَتنَزَّلُ، بتاءين، فحذفت إحداهما، وقد تقدم تقريره في: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 152] ، ونحوه، وهو موافق لقوله سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا﴾ [القدر: 4] .
وقرأ زيد بن علي: «مَا نَزلَ» مخففاً مبنيًّا للفاعل، و «الملائكةُ» مرفوعة على الفاعلية، وهو كقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعرا: 193] .
قوله: ﴿إِلاَّ بالحق﴾ يجوز تعلقه بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول، أي: ملتبسين بالحق، وجعله الزمخشري رَحِمَهُ اللَّهُ نعتاً لمصدر محذوف، أي: إلاَّ تنزُّلاً ملتبساً بالحقِّ.
قوله «إذَنْ» قال الزمخشري: «إذَنْ حرف جواب وجزاء؛ لأنها جواب لهم، وجزاء الشرط مقدر، تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، وما أخر عذابهم» .
قال صاحب النظم: «لفظة» إذَنْ «مركبة من» إذْ» ، وهو اسم بملنزلة «حِينَ» ؛ تقول: أتيتك إذْ جِئْتنِي، أي: حِينَ جِئْتنِي، ثم ضم إليه» إنْ «فصار: ِإذْ أنْ، ثما استثقلوا الهمزة؛ فحذفوها، فصار» إذَنْ «، ومجيْ لفظة» أنْ «دليل على إضمار فعلٍ بعدها، والتقدير: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا» .
قوله: «نَحْنُ» إما مبتدأ، وإما تأكيدٌ، ولا يكون فصلاً؛ لأنه لم يقع بين اسمين، والضمير «لَهُ» للذكر، وهو الظاهرُ، وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه قاله الفراء، وقوَّاه ابن الأنباري، قال: لما ذكر الله الإنزال، والمنزل، دلَّ ذلك على المنزل عليه، فحسنت الكناية عنه؛ لكونه أمراً معلوماً، ك ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: 1] فإنَّ هذه الكناية عائد على القرآن، مع أنه لم يتقدم ذكره؛ وإنما حسنت الكناية لسبب معلوم، فكذا هاهنا، والأول أوضحُ» .
فإذا قلنا: الكناية عائدة إلى القرآن، فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن؟ .
فقيل: بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر يعجز الخلق عن الزيادة، والنقصان فيه، بحيث لو زادوا فيه أو نقصوا عنه، بغير نظم القرآن.
وقيل: صانه، وحفظه من أن يقدر أحدٌ من الخلق على معارضته.
وقيل: قيَّض جماعة يحفظونه، ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاءِ التكليفِ.
وقيل: المراد بالحفظِ: هو أنَّه لو أنَّ احداً حاول تغيير حرفٍ أو نقطةٍ، لقال له أهل الدنيا: هذا كذب، وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتَّفق له لحنٌ أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان: أخطأت أيُّها الشيخ، واعلم أنه لم يتفق لشيءٍ من الكتب مثل هذه الحفظ؛ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف، والتحريف، والتغيير، إما في الكثير منه، أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التَّحريف، مع أنَّ دواعي الملاحدة، واليهود، والنصارة، متوفرة على أبطاله وإفساده، فذلك من أعظم المعجزات.
فإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف، وقد وعد الله عَزَّ وَجَلَّ بحفظه وما حفظ الله عَزَّ وَجَلَّ فلا خوف عليه؟ .
فالجواب: أنَّ جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه، فيَّضهم لذلك، وفي الآية دلالةٌ قويةٌ على كون البسملةِ آية من كل سورة؛ لأن الله تبارك وتعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظُ لا معنى له إلاَّ أن يبقى مصُوناً عن التغيير وعن الزيادة، وعن النقصان فلو لو تكن التسمية آية من القرآن، لما كان مصوناً من التغيير والزيادة، ولو جاز أن يظنَّ بالصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنهم زادوا، لجاز أيضاً أن يظنَّ بهم النقصان؛ وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجَّة، وهذا لا دليل فيه؛ لأن أسماء السور أيضاً مكتوبةٌ معهم في المصحف، وليست من القرآن بالأجماع.
الحجر 15:4
سورة الحجر مكية بالإجماع. وهي تسع وتسعون آية، وستمائة وأربعة وخمسون كلمة، وعدد حروفها: ألفان وتسعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ال ? رَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ تقدَّم نظير ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أول الرعد، والإشارة ب «تِلْكَ» إلى ما تظمنته السورة من الآيات، ولم يذكر الزمشخريُّ غيره.
وقيل: إشارة إلى الكتاب السالف، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك آياتُ ذلك الكتاب الكالم في كونه كتاباً، وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
والمراد ب «الكِتَابِ» وال «قُرآن المبينِ» : الكمتاب الذي وعد به محمد صلوات الله وسلام عليه، أي: مبين الحلال من الحرامِ، والحقَّ من الباطل.
فإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب، ثم مقال: «وقُرْءَانٍ» ، وكلاهما واحدٌ؟ .
قيل: كلُّ واحدٍ يفيد فائدة أخرى؛ فإنَّ الكتاب ما يكتبُ، والقرآن ما يجمع بضعه إلى بعض.
وقيل: المراد ب «الكِتَابِ» التَّوراةُ والإنجيلُ، فيكون اسم جنسٍ، وبال «قرآن» : هذا الكتاب.
قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ﴾ في «رُبَّ» قولان:
أحدهما: أنها حرف جرٍِّ، وزعم الكوفيُّون، وأبو الحسنِ، ابنُ الطَّراوة: أنها اسمٌ، ومعناها: التَّقليلُ على المشهور.
وقيل: تفيد التكثير في مواضع الاتفخار؛ كقوله: [الطويل]
3253 - فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهوْتَُ ولَيْلةٍ ... بآنِسَةٍ كأنَّها خَطُّ تِمْثَالِ
وقد أجيب عن ذلك: بأنها لتقليل النَّظير.
وفيها سبعة عشرة لغة وهي:
«رُبَّ» بضمِّ الراءِ وفتحها كلاهما مع تشديتد الباء، وتخفيفها، فهذه أربع، ورويت بالأوجه الأربعة، مع تاء التأنيث المتحركة، و «رُب» بضم الراء وفتحها مع إسكان الباء، و «رُبُّ» بضم الراء وةالباء معاً مشددة ومخففة، و «رُبَّت» .
وأشهرها: «رُبَّ» بالضم والتشديد والتخفيف، وبالثانية قرأ عاصمٌ ونافعٌ وباتصالها بتاء التأنيث، قرأ طلحة بن مصروف، وزيد بن علي: «رُبَّتما» ، ولها أحكام كثيرة:
منها: لزوم تصديرها، ومنها تنكير مجرورها؛ وقوله: [الخفيف]
3254 - رُبَّما الجَاملِ المُؤبل فِيهمْ ... وعَناجيجُ بَينهُنَّ المَهارِي
ضرورة في رواية من جرَّ «الجَاملِ» .
ويجر ضمير لازم التفسير بعده، ويستغنى بتثنيتها وجمعها، وتأنيثها عن تثنية الضمير، وجمعه، وتأنيثه؛ كقوله: [البسيط]
3255 - ... ... ... ... ... ... ... . ... ورُبَّهُ عَطِباً أنْقَذْتَ مِنْ عَطَبِهْ
والمطابقة؛ نحو: ربَّهُما رجُلَيْنِ، نادر، وقد يعطف على مجرورها ما أضيف إلى ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورهنا؛ ومضيُّ ما يتعلق به على ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورها؛ ومضيُّ ما يتعلق به على خلاف، والصحيح عندم ذلك؛ فمن مجيئه غير موصوف قول هند: [مجزوء الكامل]
3256 - يَا رُبَّ قائلةٍ غَدًا ... يَا لَهْفَ أم مُعاوِيًَه
ومن مجيء المستقبل، قوله: [الوافر]
3257 - فَإن أهْلِكَ فرُبَّ فتًى سَيَبْكِي ... عَليَّ مُهذَّبٍ رَخْصِ البَنانِ
وقول هند: [مجزوء الكامل]
3258 - يَا رُبَّ قَائلةٍ غَداً..... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقول سليم: [الطويل]
3259 - ومُعْتَصِمٍ بالحيِّ من خَشْيَةِ الرَّدَى ... سَيَرْدَى وغَازٍ مُشفِقٍ سَيَئُوبُ
فإن حرف التنفيس، و «غداً» خلَّصاه للاستقبال.
و «رُبَّ» تدخل على الاسم، و «رُبَّما» على الفعل، ويقال: ربَّ رجُلٍ جَاءنِي، ورُبَّما جَاءنِي.
و «ما» في «رُبمَا» ، تحتمل وجهين:
أظهرهما: أنها المهيئة، بمعنى أنَّ «رُبَّ» مختصة بالأسماءِ، فلما جاءت هنا «ما» هيَّأت دخولها على الأفعال وقد تقدم نظير ذلك [يونس: 27] في «إنَّ» وأخواتها ويكفها أيضاً عن العمل؛ كقوله: [الخفيف]
3260 - رُبَّما الجَامِلُ المُؤبَّلش فِيهِمْ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
في رواية من رفعه كما جرى ذلك في كاف التشبيه.
والثاني: أنَّ «مَا» نكرة موصوفة بالجملة الواقعة بعدها، والعائد على «ما» محذوف تقديره: ربَّ شيء يوده الذين كفروا، ومن لم يلتزم مضيَّ متعلقها، لم يحتج إلى تأويل، ومن التزم ذلك قال: لأن المترقب في إخبار الله تعالى واقعٌ لا محالة، فعبَّر عنه بالماضي، تحقيقاً لوقوعه؛ كقوله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] ونحوه.
قوله: «لَوْ كَانُوا» يجوز في «لَوْ» وجهان: أحدهما: أن تكون الامتناعيَّة، وحينئذ، يكون جوابها محذوفاً، تقديره لو كانُوا مسلمين لسرُّوا أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول «يوَدُّ» محذوف على هذا التقدير، أي: ربما يودُّ الذين كفروا النجاة، دلَّ عليه الجملة الامتناعية.
والثاني: أنَّها مصدرية عند من يرى ذلك، كما تقدم تقريره في البقرة [البقرة: 96] ؛ وحنيئذ يكون هذا المصدر المؤولُ هو المفعول للودادة، أي: يودُّون كونه مسلمين، إن جعلنا «ما» كافة، وإن جعلناها نكرة، كانت «لَوْ» وما في حيِّزها بدلاً من «مَا» .
فصل
المعنى: يتمنَّى الذين كفورا لو كانوا مسلمين، واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها.
قال الضحاك: حال المعاينة.
وقيل: يوم القيامة.
والمشهور: أنه حين يخرجُ الله المؤمنين من النار.
روى أبو موسى الأشعريُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إذَا اجْتمعَ أهْلُ النَّار في النَّارِ، ومعهُمْ من شَاءَ اللهُ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ، قال الكفَّارُ لمِنْ في النَّار من أهْلِ القِبْلةِ: ألَسْتُم مُسْلمينَ؟ قالوا: بَلى، قالوا: فَمَا أغْنَى عَنْكُم إسْلامكُم، وأنْتُمْ معنا في النَّارِ، قالوا: كَانَتْ لنَا ذُنوبٌ فأُخِذْنَا بِهَا، [فيغفر] الله لَهُمْ، بِفضْلِ رَحْمتهِ، فيَأمرُ بإخْراجِ كُلِّ مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ في النَّار، فيَخْرجُونَ مِنْهَا، فحنيئذٍ يودُّ الذين كفروا لَوْ كَانُوا مُسْلمينَ» .
فإن قيل: «رُبمَا» للتقليل، وهذا التَّمني يكثر من الكفار.
فالجواب: أنَّ «رُبمَا» يراد بها التكثير، والمقصود إظهار الترفع، والاستغناءُ عن التَّصريح بالغرض؛ فيقولون: ربَّما نَدمتُ على ما فعلتُ، ولعلَّكَ تَندمُ على فِعلِكَ؛ إذا كان العلمُ حَاصلاً بكثر النَّدمِ، قال: [البسيط]
3261 - أتْرك القِرْنَ مُصْفرًّا أنَاملهُ..... ... ... ... ... ... ... ... . .
وقيل: التقليل أبلغ في التهديد، والمعنى: أنَّ قليل الندم كافٍ في الزجر عن هذا العمل، فكيف كثره؟ .
وقيل: إنْ شغلهم بالعاذب لا يفزعهم للندامة فيخطر ذلك ببالهم أحياناً.
فإن قيل: إذا كان أهل القيامةِ، يتمنَّون أمثال هذه الأحوال، وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقلُّ ثوابه عن درجةِ المؤمنِ الذي يكثر ثوابه، والمُتمنِّي لما لم يجده يكونُ في الغصَّة وتَألُّمِ القلبِ.
فالجواب: أحوالُ أهل الآخرةِ، لا تقاس بأحوال الدنيا؛ فإن الله تعالى يُرضي كُلَّ واحدٍ بما هو فيه، وينزع عن قلوبهم الحسد، وطلب الزيادتِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: 47] .
قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ [الحجر: 3] الآية، أي دعْ يا محمد، الكفَّار يأخذوةا حفوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرةِ، ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ يشغلهم «الأملًُ» عن الأخذ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا [وردوا] القيامة، وذاقوا وبال [صنعهم] وهذا تهديدٌ ووعيدٌ.
وقال بعض العلماء: «ذَرْهُمْ» ، تهديدٌ، و ﴿سَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ، تهديدٌ آخر، فمتى يهدأ العيش بين تهديدين؟! والآية نسختها آية القتالِ.
قوله: «وذَرْهُمْ» ، هذا الأمرُ لا يستعمل له ماضٍ إلا قليلاً؛ استغناءً عنه ب «تَرَكَ» ، بل يستعمل منه المضارع نحو: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: 186] ، ومن مجيء الماضي قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «ذَرُوا لحَبشَة ما وَذَرتْكُم» ، ومثله: دَعْ ويَدَعْ، ولا يقال: ودَعَ إلا نادراً، وقد قرىء: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ [الضحى: 3] مخففاً؛ وأنشدوا: [الرمل]
3262 - أسَلْ أمِيري مَا الذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصَالِي اليَوْمَ حتَّى وَدَعهْ؟ و «يَأكلُوا» مجزومٌ على جواب الأمر، وقد تقدم [البقرة: 17، 278] أنَّ «تَرَكَ» و «وَذرَ» يكونان بمعنى «صيَّر» ، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي: ذرهُم مهملين.
قوله تعالى: ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمل﴾ ، يقال: لهيتُ عن الشَّيء ألهي لُهِيَّا؛ جاء في الحديث: أنَّ ابن الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كان إذا سمع صوت الرَّعدِ لَهِيَ عن الحديث» .
قال الكسائيُّ، والأصمعيُّ: كلُّ شيءٍ تركتهُ، فقد لهيتهُ؛ وأنشد: [الكامل]
3262 - ب صَرمتْ حِبالَكَ فالْهَ عَنْهَا زَيْنَبُ ... أي: اتركها، وأعرض عنها.
فصل في سبب شقاء العبد
قال القرطبي: أربعةٌ من الشقاءِ؛ جمودُ العين، وقساوة القلبِ، وطُولُ الأملِ، والحرصُ على الدُّنيا.
فطُول الأملِ: داء عضالٌ، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داءٌ، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطبَّاء، ويئس من بُرئه الحكماء والعلماء.
وحقيقة الأمل: الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحبُّ لها، والإعراض عن الآخرة، قال صلوات الله وسلامه عليه: «نَجَا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليَقِينِ والزُّهْدِ، ويهْلِكُ آخِرُهَا بالبُخْلِ والأمَلِ» .
وقال الحسن: ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل.
قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ ، أي: من أهل قرية، ﴿إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ﴾ فيه أوجه:
أظهرها: أنها واو الحال، ثم لك اعتباران:
أحدهما: أن تجعل الحال وحدها الجارَّ، ويرتفع «كِتَابٌ» به فاعلاً.
والثاني: أن تجعل الجارَّ مقدماً، و «كِتَابٌ» مبتدأ، والجملة حالٌ، وهذه الحال لازمةٌ.
الوجه الثاني: أنَّ الواو مزيدة، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «إلاَّ لَهَا» بإسقاطها، والزيادة ليست بالسهلةِ.
الثالث: أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة؛ تأكيداً، قال الزمخشريُّ: والجملة واقعة صفة ل «قَرْيَةٍ» ، والقياس: ألاَّ تتوسط هذه الواو بينهما؛ كما قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] وإنما توسَّطت، لتأكيد لصُوقِ الصفة بالموصوف؛ كما تقول: «جَاءنِي زيْدٌ عليْهِ ثَوبهُ، وجَاءنِي وعليْهِ ثوْبهُ» .
وقد تبع الزمخشري في ذلك أبا البقاء، وقد سبق له ذلك أيضاً في البقرة عند قوله: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216] .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ: «ولا نعلم أحداً قاله من النَّحويين» .
قال شهاب الدين: وفي محفوظِي أنَّ ابن جنّي سبقهما إلى ذلك» .
ثم قال أبو حيان: «وهو مبنيٌّ على جواز أنَّ ما بعد» إلاَّ «يكون صفة؛ وقد منعوا ذلك» .
قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف ب «إلا» ، ثم قال: وأما نحو: «مَا جَاءَنِي رجٌلٌ إلاَّ راكِبٌ» على تقدير: إلاَّ رجلٌ راكبٌ، ففيه قُبح؛ لجعلك الصفة كالاسم.
وقال أبو علي: تقول ما مررتُ بأحَدٍ إلاَّ قائماً، وقائماً حالٌ، ولا تقول: إلاَّ قائمٌ؛ لأنَّ» إلاَّ «لا تعترض بين الصِّفة والموصوف.
قال ابن مالكٍ: وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشريُّ في قوله» مَا مَررْتُ بأحَدٍ إلاَّ زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْهُ «: إنَّ الجملة بعد» إلاَّ «صفة ل» أحَدٍ» : إنه مذهبٌ لا يعرف لبصريِّ، ولا كوفي فلا يلتفت إليه، وأبطل قوله: «إنَّ الواو توسَّطت لتأكيد لصوف الصفة بالموصوف» .
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: قولُ الزمخشريِّ قويٌّ من حيث القياس؛ فإنَّ الصفة في المعنى كالحال، وإن كان بينهما فرقٌ من بعض الوجوه.
فكما أنَّ الواو تدخل على الجملة الواقعة حالاً؛ كذلك تدخل عليها واقعة صفة، ويقويه أيضاً [نصره] به من الآية الأخرى في قوله: ﴿مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] . ويقويه أيضاً: قراءة ابن أبي عبلة المتقدمة، وقال منذرُ بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ، هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى:
﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73] .
فصل
لما توعد مكذِّبي الرسل بقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ الآية أتبعه بما يؤكد الزجر، وهو قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ في الهلاك والعذاب، أي: أجلٌ مضروبٌ، لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه، والمراد بهذا الهلاك: عذاب الاستئصال، وقيل: الموتُ.
قال القاضي: والأول أقرب؛ لأنه أبلغ في الزَّجر، فبيَّن تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغترَّ به العاقل. وقيل: المراد بالهلاك مجموع الأمرين.
قوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ «مِنْ أمةٍ» فاعل «تَسْبِقُ» ، و «مِنْ» مزيدة للتأكيد؛ كقولك: ما جَاءنِي من أحَدٍ.
قال الواحدي: «وقيل: ليست بزائدةٍ؛ لأنَّها تفيد التبعيض، أي: هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة، فيكون ذلك في إفادة عموم النَّفي، آكد» .
قال الزمخشري: «معنى:» سَبَقَ «: إذا كان واقعاً على شخصٍ، كان معناه أنَّه [جاز] ، وخلف؛ كقولك: سَبَقَ زيدٌ عمْراً، أي: جَاوزَهُ وخَلفهُ وراءهُ، ومعناه: أنه قصَّر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمانٍ، كان بالعكس في ذلك، كقولك: سَبٌ فُلانٌ عام كذا، معناه: أنه مضى قبل إتيانه، ولم يبلغه، فقوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ معناه: أنه لا يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل في ذلك الوقت بعينه» .
وحمل على لفظ «أمََّةٍ» في قوله: «أجَلهَا» ، فأفرد وأنَّث، وعلى معناها في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ، فجمع وذكَّر، وحذف متعلق «يَسْتَأخِرُون» وتقديره: عنه؛ للدلالة عليه، ولوقوعه فاصلاً.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ كل من ما أو قتل، فإنما مات بأجله، وأنَّ من قال: يجوز أن يموت قبل أجله مخطىء.
قوله: «وقَالُوا» ، يعنى مشركي مكَّة ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ ، أي: القرآن، وأراد به محمداً صلى الله وعليه وسلم.
والعامة على: «نُزِّلَ» مشدَّداً، مبنيًّا للمفعول، وقرأ زيد بن علي: «نَزلَ» ، مخفََّاً مبنيًّا للفاعل.
﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ وذكروا نزول الذِّكر؛ استهزاء، وإنما وصفوه بالجنون، إما لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان يظهر عليه عند نزول الوحي، حالةٌ شبيهةٌ بالغشي؛ فظنُّوا أنَّها جنونٌ، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: 184] .
وإما لأنه كانا يستبعدون كونه رسولاً حقًّا من عند الله؛ لأن الرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره، فربما قال: به جنون.
قوله: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ ، «لَوْ مَا» : حرف تحضيضٍ؛ ك «هَلاًّ» ، وتكون أيضاً حرف امتناع لوجودٍ، وذلك كما أنَّ «لولا» متردَّدةٌ بين هذين المعنيين، وقد عرف الفرق بينهما، وهو أنَّ التحضيضيَّة لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً أو مضمراً؛ كقوله: [الطويل]
3263 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَوْلاَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَا
والامتناعية لا يليها إلا الأسماء: لظفاً أو تقديراً عند البصريين.
وقوله: [الوافر]
3264 - ولَوْلاَ يَحْسِبُونَ الحِلْمَ عَجْزاً ... لمَا عَدِمَ المُسِيئُونَ احْتِمَالِي
مؤولٌ؛ خلافاً للكوفيين.
فمن مجيء «لَوما» حرف امتناعٍ قوله: [البسيط]
3265 - لَوْمَا الحيَاءُ ولَوْمَا الدِّينُ عِبْتُكمَا ... بِبعْضِ ما فِيكُمَا إذْ عِبْتُما عَورِي
واختلف فيها: هل هي بسيطة أم مركبة؟ .
فقال الزمخشري: «لَوْ» ركبت مع «لا» ، ومع «مَا» ؛ لمعنيين، وأمَّا «هَلْ» فلم تركَّب إلاَّ مع «لا» وحدها؛ للتحضيض.
واختلف أيضاً في «لَوْمَا» هل هي أصلٌ بنفسها، أم فرعٌ على «لَوْلاَ» وأنَّ الميم مبدلة من اللام، كقولهم: خاللته، خالمته، فهو خِلِّي وخِلْمِي، أي: صديقي.
وقالوا: استولى على كذا، [واسْتَوَى] عليه؛ بمعنًى، خلاف مشهور، وهذه الجملة من التحضيض، دالةٌ على جواب الشرط بعدها.
فصل في معنى الآية
المعنى: لو كنت صادقاً في أدَّعائك النُّبوَّة، لأتيتنا بملائكة يشهدون عندنا بصدقكم فيما تدَّعيه من الرسالة؛ ونظيره قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَقَالُواْ لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر﴾ [الأنعام: 8] ويحتمل أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا خوَّفهُم بنزول العذاب، قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة الذين ينزلون العذاب، وهو المراد من قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب﴾ [العنكبوت: 53] .
ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾ فإذا كان المراد الأول، كان تقرير الجواب: أنَّ إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحقِّ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار، أنه لو أنزل عليهم ملائكة، لبقوا مصرِّين على كفرهم، فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً، ولا يكون حقًّا، فلهذا السبب ما أنزل الله تعالى الملائكة.
قال المفسرون: المراد بالحق هنا الموت، أي: لا ينزلون إلا بالموتِ، أو بعذابٍ الاستئصال، ولم يبق بعد نزولهم إنظارٌ، ولا إمهال، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة؛ فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، وإن كان المراد استعجالهم بنزول العذاب فتقرير الجواب: أنَّ الملائكة لا تنزل إلاَّ بعذاب الاستئصال، ولا تفعل بأمَّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك؛ بل يمهلهم لما علم من إيمان بعضهم، ومن إيمان أولاد الباقين.
قوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة﴾ ، قرأ أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «ما تُنزَّلُ» بضمِّ التاء، وفتح النون، والزاي مشدَّدة، مبنيًّا للمفعول، «المَلائِكةُ» : مرفوعاً لقيامه مقام فاعله، وهو موافقٌ لقوله تعالى:
﴿وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: 25] ؛ لأنها لا تنزل إلاَّ بأمر من الله تعالى فغيرها هو المنزِّلُ لها، وهو الله تعالى.
وقرأ الأخوان، وحفص: بضمِّ النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الزاي مشددة مبنيًّا للفاعل المعظم نفسه وهو الباري جل ذكره. «المَلائِكةَ» ، نصباً: مفعول به؛ وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة﴾ [الأنعام: 111] ، ويناسب قوله قبل ذلك: «ومَا أهْلَكْنَا» ، وقوله بعده: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ [الحجر: 9] ، وما بعده من ألفاظ التَّعظيم.
والباقون من السبعة ما تنزَّلُ بفتح التاء والنون والزاي مشددة، و «المَلائِكةُ» مرفوعة على الفاعلية، والأصل: تَتنَزَّلُ، بتاءين، فحذفت إحداهما، وقد تقدم تقريره في: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 152] ، ونحوه، وهو موافق لقوله سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا﴾ [القدر: 4] .
وقرأ زيد بن علي: «مَا نَزلَ» مخففاً مبنيًّا للفاعل، و «الملائكةُ» مرفوعة على الفاعلية، وهو كقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعرا: 193] .
قوله: ﴿إِلاَّ بالحق﴾ يجوز تعلقه بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول، أي: ملتبسين بالحق، وجعله الزمخشري رَحِمَهُ اللَّهُ نعتاً لمصدر محذوف، أي: إلاَّ تنزُّلاً ملتبساً بالحقِّ.
قوله «إذَنْ» قال الزمخشري: «إذَنْ حرف جواب وجزاء؛ لأنها جواب لهم، وجزاء الشرط مقدر، تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، وما أخر عذابهم» .
قال صاحب النظم: «لفظة» إذَنْ «مركبة من» إذْ» ، وهو اسم بملنزلة «حِينَ» ؛ تقول: أتيتك إذْ جِئْتنِي، أي: حِينَ جِئْتنِي، ثم ضم إليه» إنْ «فصار: ِإذْ أنْ، ثما استثقلوا الهمزة؛ فحذفوها، فصار» إذَنْ «، ومجيْ لفظة» أنْ «دليل على إضمار فعلٍ بعدها، والتقدير: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا» .
قوله: «نَحْنُ» إما مبتدأ، وإما تأكيدٌ، ولا يكون فصلاً؛ لأنه لم يقع بين اسمين، والضمير «لَهُ» للذكر، وهو الظاهرُ، وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه قاله الفراء، وقوَّاه ابن الأنباري، قال: لما ذكر الله الإنزال، والمنزل، دلَّ ذلك على المنزل عليه، فحسنت الكناية عنه؛ لكونه أمراً معلوماً، ك ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: 1] فإنَّ هذه الكناية عائد على القرآن، مع أنه لم يتقدم ذكره؛ وإنما حسنت الكناية لسبب معلوم، فكذا هاهنا، والأول أوضحُ» .
فإذا قلنا: الكناية عائدة إلى القرآن، فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن؟ .
فقيل: بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر يعجز الخلق عن الزيادة، والنقصان فيه، بحيث لو زادوا فيه أو نقصوا عنه، بغير نظم القرآن.
وقيل: صانه، وحفظه من أن يقدر أحدٌ من الخلق على معارضته.
وقيل: قيَّض جماعة يحفظونه، ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاءِ التكليفِ.
وقيل: المراد بالحفظِ: هو أنَّه لو أنَّ احداً حاول تغيير حرفٍ أو نقطةٍ، لقال له أهل الدنيا: هذا كذب، وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتَّفق له لحنٌ أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان: أخطأت أيُّها الشيخ، واعلم أنه لم يتفق لشيءٍ من الكتب مثل هذه الحفظ؛ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف، والتحريف، والتغيير، إما في الكثير منه، أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التَّحريف، مع أنَّ دواعي الملاحدة، واليهود، والنصارة، متوفرة على أبطاله وإفساده، فذلك من أعظم المعجزات.
فإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف، وقد وعد الله عَزَّ وَجَلَّ بحفظه وما حفظ الله عَزَّ وَجَلَّ فلا خوف عليه؟ .
فالجواب: أنَّ جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه، فيَّضهم لذلك، وفي الآية دلالةٌ قويةٌ على كون البسملةِ آية من كل سورة؛ لأن الله تبارك وتعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظُ لا معنى له إلاَّ أن يبقى مصُوناً عن التغيير وعن الزيادة، وعن النقصان فلو لو تكن التسمية آية من القرآن، لما كان مصوناً من التغيير والزيادة، ولو جاز أن يظنَّ بالصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنهم زادوا، لجاز أيضاً أن يظنَّ بهم النقصان؛ وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجَّة، وهذا لا دليل فيه؛ لأن أسماء السور أيضاً مكتوبةٌ معهم في المصحف، وليست من القرآن بالأجماع.
الحجر 15:5
سورة الحجر مكية بالإجماع. وهي تسع وتسعون آية، وستمائة وأربعة وخمسون كلمة، وعدد حروفها: ألفان وتسعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ال ? رَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ تقدَّم نظير ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أول الرعد، والإشارة ب «تِلْكَ» إلى ما تظمنته السورة من الآيات، ولم يذكر الزمشخريُّ غيره.
وقيل: إشارة إلى الكتاب السالف، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك آياتُ ذلك الكتاب الكالم في كونه كتاباً، وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
والمراد ب «الكِتَابِ» وال «قُرآن المبينِ» : الكمتاب الذي وعد به محمد صلوات الله وسلام عليه، أي: مبين الحلال من الحرامِ، والحقَّ من الباطل.
فإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب، ثم مقال: «وقُرْءَانٍ» ، وكلاهما واحدٌ؟ .
قيل: كلُّ واحدٍ يفيد فائدة أخرى؛ فإنَّ الكتاب ما يكتبُ، والقرآن ما يجمع بضعه إلى بعض.
وقيل: المراد ب «الكِتَابِ» التَّوراةُ والإنجيلُ، فيكون اسم جنسٍ، وبال «قرآن» : هذا الكتاب.
قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ﴾ في «رُبَّ» قولان:
أحدهما: أنها حرف جرٍِّ، وزعم الكوفيُّون، وأبو الحسنِ، ابنُ الطَّراوة: أنها اسمٌ، ومعناها: التَّقليلُ على المشهور.
وقيل: تفيد التكثير في مواضع الاتفخار؛ كقوله: [الطويل]
3253 - فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهوْتَُ ولَيْلةٍ ... بآنِسَةٍ كأنَّها خَطُّ تِمْثَالِ
وقد أجيب عن ذلك: بأنها لتقليل النَّظير.
وفيها سبعة عشرة لغة وهي:
«رُبَّ» بضمِّ الراءِ وفتحها كلاهما مع تشديتد الباء، وتخفيفها، فهذه أربع، ورويت بالأوجه الأربعة، مع تاء التأنيث المتحركة، و «رُب» بضم الراء وفتحها مع إسكان الباء، و «رُبُّ» بضم الراء وةالباء معاً مشددة ومخففة، و «رُبَّت» .
وأشهرها: «رُبَّ» بالضم والتشديد والتخفيف، وبالثانية قرأ عاصمٌ ونافعٌ وباتصالها بتاء التأنيث، قرأ طلحة بن مصروف، وزيد بن علي: «رُبَّتما» ، ولها أحكام كثيرة:
منها: لزوم تصديرها، ومنها تنكير مجرورها؛ وقوله: [الخفيف]
3254 - رُبَّما الجَاملِ المُؤبل فِيهمْ ... وعَناجيجُ بَينهُنَّ المَهارِي
ضرورة في رواية من جرَّ «الجَاملِ» .
ويجر ضمير لازم التفسير بعده، ويستغنى بتثنيتها وجمعها، وتأنيثها عن تثنية الضمير، وجمعه، وتأنيثه؛ كقوله: [البسيط]
3255 - ... ... ... ... ... ... ... . ... ورُبَّهُ عَطِباً أنْقَذْتَ مِنْ عَطَبِهْ
والمطابقة؛ نحو: ربَّهُما رجُلَيْنِ، نادر، وقد يعطف على مجرورها ما أضيف إلى ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورهنا؛ ومضيُّ ما يتعلق به على ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورها؛ ومضيُّ ما يتعلق به على خلاف، والصحيح عندم ذلك؛ فمن مجيئه غير موصوف قول هند: [مجزوء الكامل]
3256 - يَا رُبَّ قائلةٍ غَدًا ... يَا لَهْفَ أم مُعاوِيًَه
ومن مجيء المستقبل، قوله: [الوافر]
3257 - فَإن أهْلِكَ فرُبَّ فتًى سَيَبْكِي ... عَليَّ مُهذَّبٍ رَخْصِ البَنانِ
وقول هند: [مجزوء الكامل]
3258 - يَا رُبَّ قَائلةٍ غَداً..... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقول سليم: [الطويل]
3259 - ومُعْتَصِمٍ بالحيِّ من خَشْيَةِ الرَّدَى ... سَيَرْدَى وغَازٍ مُشفِقٍ سَيَئُوبُ
فإن حرف التنفيس، و «غداً» خلَّصاه للاستقبال.
و «رُبَّ» تدخل على الاسم، و «رُبَّما» على الفعل، ويقال: ربَّ رجُلٍ جَاءنِي، ورُبَّما جَاءنِي.
و «ما» في «رُبمَا» ، تحتمل وجهين:
أظهرهما: أنها المهيئة، بمعنى أنَّ «رُبَّ» مختصة بالأسماءِ، فلما جاءت هنا «ما» هيَّأت دخولها على الأفعال وقد تقدم نظير ذلك [يونس: 27] في «إنَّ» وأخواتها ويكفها أيضاً عن العمل؛ كقوله: [الخفيف]
3260 - رُبَّما الجَامِلُ المُؤبَّلش فِيهِمْ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
في رواية من رفعه كما جرى ذلك في كاف التشبيه.
والثاني: أنَّ «مَا» نكرة موصوفة بالجملة الواقعة بعدها، والعائد على «ما» محذوف تقديره: ربَّ شيء يوده الذين كفروا، ومن لم يلتزم مضيَّ متعلقها، لم يحتج إلى تأويل، ومن التزم ذلك قال: لأن المترقب في إخبار الله تعالى واقعٌ لا محالة، فعبَّر عنه بالماضي، تحقيقاً لوقوعه؛ كقوله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] ونحوه.
قوله: «لَوْ كَانُوا» يجوز في «لَوْ» وجهان: أحدهما: أن تكون الامتناعيَّة، وحينئذ، يكون جوابها محذوفاً، تقديره لو كانُوا مسلمين لسرُّوا أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول «يوَدُّ» محذوف على هذا التقدير، أي: ربما يودُّ الذين كفروا النجاة، دلَّ عليه الجملة الامتناعية.
والثاني: أنَّها مصدرية عند من يرى ذلك، كما تقدم تقريره في البقرة [البقرة: 96] ؛ وحنيئذ يكون هذا المصدر المؤولُ هو المفعول للودادة، أي: يودُّون كونه مسلمين، إن جعلنا «ما» كافة، وإن جعلناها نكرة، كانت «لَوْ» وما في حيِّزها بدلاً من «مَا» .
فصل
المعنى: يتمنَّى الذين كفورا لو كانوا مسلمين، واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها.
قال الضحاك: حال المعاينة.
وقيل: يوم القيامة.
والمشهور: أنه حين يخرجُ الله المؤمنين من النار.
روى أبو موسى الأشعريُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إذَا اجْتمعَ أهْلُ النَّار في النَّارِ، ومعهُمْ من شَاءَ اللهُ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ، قال الكفَّارُ لمِنْ في النَّار من أهْلِ القِبْلةِ: ألَسْتُم مُسْلمينَ؟ قالوا: بَلى، قالوا: فَمَا أغْنَى عَنْكُم إسْلامكُم، وأنْتُمْ معنا في النَّارِ، قالوا: كَانَتْ لنَا ذُنوبٌ فأُخِذْنَا بِهَا، [فيغفر] الله لَهُمْ، بِفضْلِ رَحْمتهِ، فيَأمرُ بإخْراجِ كُلِّ مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ في النَّار، فيَخْرجُونَ مِنْهَا، فحنيئذٍ يودُّ الذين كفروا لَوْ كَانُوا مُسْلمينَ» .
فإن قيل: «رُبمَا» للتقليل، وهذا التَّمني يكثر من الكفار.
فالجواب: أنَّ «رُبمَا» يراد بها التكثير، والمقصود إظهار الترفع، والاستغناءُ عن التَّصريح بالغرض؛ فيقولون: ربَّما نَدمتُ على ما فعلتُ، ولعلَّكَ تَندمُ على فِعلِكَ؛ إذا كان العلمُ حَاصلاً بكثر النَّدمِ، قال: [البسيط]
3261 - أتْرك القِرْنَ مُصْفرًّا أنَاملهُ..... ... ... ... ... ... ... ... . .
وقيل: التقليل أبلغ في التهديد، والمعنى: أنَّ قليل الندم كافٍ في الزجر عن هذا العمل، فكيف كثره؟ .
وقيل: إنْ شغلهم بالعاذب لا يفزعهم للندامة فيخطر ذلك ببالهم أحياناً.
فإن قيل: إذا كان أهل القيامةِ، يتمنَّون أمثال هذه الأحوال، وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقلُّ ثوابه عن درجةِ المؤمنِ الذي يكثر ثوابه، والمُتمنِّي لما لم يجده يكونُ في الغصَّة وتَألُّمِ القلبِ.
فالجواب: أحوالُ أهل الآخرةِ، لا تقاس بأحوال الدنيا؛ فإن الله تعالى يُرضي كُلَّ واحدٍ بما هو فيه، وينزع عن قلوبهم الحسد، وطلب الزيادتِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: 47] .
قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ [الحجر: 3] الآية، أي دعْ يا محمد، الكفَّار يأخذوةا حفوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرةِ، ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ يشغلهم «الأملًُ» عن الأخذ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا [وردوا] القيامة، وذاقوا وبال [صنعهم] وهذا تهديدٌ ووعيدٌ.
وقال بعض العلماء: «ذَرْهُمْ» ، تهديدٌ، و ﴿سَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ، تهديدٌ آخر، فمتى يهدأ العيش بين تهديدين؟! والآية نسختها آية القتالِ.
قوله: «وذَرْهُمْ» ، هذا الأمرُ لا يستعمل له ماضٍ إلا قليلاً؛ استغناءً عنه ب «تَرَكَ» ، بل يستعمل منه المضارع نحو: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: 186] ، ومن مجيء الماضي قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «ذَرُوا لحَبشَة ما وَذَرتْكُم» ، ومثله: دَعْ ويَدَعْ، ولا يقال: ودَعَ إلا نادراً، وقد قرىء: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ [الضحى: 3] مخففاً؛ وأنشدوا: [الرمل]
3262 - أسَلْ أمِيري مَا الذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصَالِي اليَوْمَ حتَّى وَدَعهْ؟ و «يَأكلُوا» مجزومٌ على جواب الأمر، وقد تقدم [البقرة: 17، 278] أنَّ «تَرَكَ» و «وَذرَ» يكونان بمعنى «صيَّر» ، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي: ذرهُم مهملين.
قوله تعالى: ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمل﴾ ، يقال: لهيتُ عن الشَّيء ألهي لُهِيَّا؛ جاء في الحديث: أنَّ ابن الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كان إذا سمع صوت الرَّعدِ لَهِيَ عن الحديث» .
قال الكسائيُّ، والأصمعيُّ: كلُّ شيءٍ تركتهُ، فقد لهيتهُ؛ وأنشد: [الكامل]
3262 - ب صَرمتْ حِبالَكَ فالْهَ عَنْهَا زَيْنَبُ ... أي: اتركها، وأعرض عنها.
فصل في سبب شقاء العبد
قال القرطبي: أربعةٌ من الشقاءِ؛ جمودُ العين، وقساوة القلبِ، وطُولُ الأملِ، والحرصُ على الدُّنيا.
فطُول الأملِ: داء عضالٌ، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داءٌ، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطبَّاء، ويئس من بُرئه الحكماء والعلماء.
وحقيقة الأمل: الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحبُّ لها، والإعراض عن الآخرة، قال صلوات الله وسلامه عليه: «نَجَا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليَقِينِ والزُّهْدِ، ويهْلِكُ آخِرُهَا بالبُخْلِ والأمَلِ» .
وقال الحسن: ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل.
قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ ، أي: من أهل قرية، ﴿إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ﴾ فيه أوجه:
أظهرها: أنها واو الحال، ثم لك اعتباران:
أحدهما: أن تجعل الحال وحدها الجارَّ، ويرتفع «كِتَابٌ» به فاعلاً.
والثاني: أن تجعل الجارَّ مقدماً، و «كِتَابٌ» مبتدأ، والجملة حالٌ، وهذه الحال لازمةٌ.
الوجه الثاني: أنَّ الواو مزيدة، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «إلاَّ لَهَا» بإسقاطها، والزيادة ليست بالسهلةِ.
الثالث: أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة؛ تأكيداً، قال الزمخشريُّ: والجملة واقعة صفة ل «قَرْيَةٍ» ، والقياس: ألاَّ تتوسط هذه الواو بينهما؛ كما قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] وإنما توسَّطت، لتأكيد لصُوقِ الصفة بالموصوف؛ كما تقول: «جَاءنِي زيْدٌ عليْهِ ثَوبهُ، وجَاءنِي وعليْهِ ثوْبهُ» .
وقد تبع الزمخشري في ذلك أبا البقاء، وقد سبق له ذلك أيضاً في البقرة عند قوله: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216] .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ: «ولا نعلم أحداً قاله من النَّحويين» .
قال شهاب الدين: وفي محفوظِي أنَّ ابن جنّي سبقهما إلى ذلك» .
ثم قال أبو حيان: «وهو مبنيٌّ على جواز أنَّ ما بعد» إلاَّ «يكون صفة؛ وقد منعوا ذلك» .
قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف ب «إلا» ، ثم قال: وأما نحو: «مَا جَاءَنِي رجٌلٌ إلاَّ راكِبٌ» على تقدير: إلاَّ رجلٌ راكبٌ، ففيه قُبح؛ لجعلك الصفة كالاسم.
وقال أبو علي: تقول ما مررتُ بأحَدٍ إلاَّ قائماً، وقائماً حالٌ، ولا تقول: إلاَّ قائمٌ؛ لأنَّ» إلاَّ «لا تعترض بين الصِّفة والموصوف.
قال ابن مالكٍ: وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشريُّ في قوله» مَا مَررْتُ بأحَدٍ إلاَّ زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْهُ «: إنَّ الجملة بعد» إلاَّ «صفة ل» أحَدٍ» : إنه مذهبٌ لا يعرف لبصريِّ، ولا كوفي فلا يلتفت إليه، وأبطل قوله: «إنَّ الواو توسَّطت لتأكيد لصوف الصفة بالموصوف» .
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: قولُ الزمخشريِّ قويٌّ من حيث القياس؛ فإنَّ الصفة في المعنى كالحال، وإن كان بينهما فرقٌ من بعض الوجوه.
فكما أنَّ الواو تدخل على الجملة الواقعة حالاً؛ كذلك تدخل عليها واقعة صفة، ويقويه أيضاً [نصره] به من الآية الأخرى في قوله: ﴿مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] . ويقويه أيضاً: قراءة ابن أبي عبلة المتقدمة، وقال منذرُ بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ، هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى:
﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73] .
فصل
لما توعد مكذِّبي الرسل بقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ الآية أتبعه بما يؤكد الزجر، وهو قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ في الهلاك والعذاب، أي: أجلٌ مضروبٌ، لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه، والمراد بهذا الهلاك: عذاب الاستئصال، وقيل: الموتُ.
قال القاضي: والأول أقرب؛ لأنه أبلغ في الزَّجر، فبيَّن تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغترَّ به العاقل. وقيل: المراد بالهلاك مجموع الأمرين.
قوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ «مِنْ أمةٍ» فاعل «تَسْبِقُ» ، و «مِنْ» مزيدة للتأكيد؛ كقولك: ما جَاءنِي من أحَدٍ.
قال الواحدي: «وقيل: ليست بزائدةٍ؛ لأنَّها تفيد التبعيض، أي: هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة، فيكون ذلك في إفادة عموم النَّفي، آكد» .
قال الزمخشري: «معنى:» سَبَقَ «: إذا كان واقعاً على شخصٍ، كان معناه أنَّه [جاز] ، وخلف؛ كقولك: سَبَقَ زيدٌ عمْراً، أي: جَاوزَهُ وخَلفهُ وراءهُ، ومعناه: أنه قصَّر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمانٍ، كان بالعكس في ذلك، كقولك: سَبٌ فُلانٌ عام كذا، معناه: أنه مضى قبل إتيانه، ولم يبلغه، فقوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ معناه: أنه لا يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل في ذلك الوقت بعينه» .
وحمل على لفظ «أمََّةٍ» في قوله: «أجَلهَا» ، فأفرد وأنَّث، وعلى معناها في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ، فجمع وذكَّر، وحذف متعلق «يَسْتَأخِرُون» وتقديره: عنه؛ للدلالة عليه، ولوقوعه فاصلاً.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ كل من ما أو قتل، فإنما مات بأجله، وأنَّ من قال: يجوز أن يموت قبل أجله مخطىء.
قوله: «وقَالُوا» ، يعنى مشركي مكَّة ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ ، أي: القرآن، وأراد به محمداً صلى الله وعليه وسلم.
والعامة على: «نُزِّلَ» مشدَّداً، مبنيًّا للمفعول، وقرأ زيد بن علي: «نَزلَ» ، مخفََّاً مبنيًّا للفاعل.
﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ وذكروا نزول الذِّكر؛ استهزاء، وإنما وصفوه بالجنون، إما لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان يظهر عليه عند نزول الوحي، حالةٌ شبيهةٌ بالغشي؛ فظنُّوا أنَّها جنونٌ، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: 184] .
وإما لأنه كانا يستبعدون كونه رسولاً حقًّا من عند الله؛ لأن الرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره، فربما قال: به جنون.
قوله: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ ، «لَوْ مَا» : حرف تحضيضٍ؛ ك «هَلاًّ» ، وتكون أيضاً حرف امتناع لوجودٍ، وذلك كما أنَّ «لولا» متردَّدةٌ بين هذين المعنيين، وقد عرف الفرق بينهما، وهو أنَّ التحضيضيَّة لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً أو مضمراً؛ كقوله: [الطويل]
3263 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَوْلاَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَا
والامتناعية لا يليها إلا الأسماء: لظفاً أو تقديراً عند البصريين.
وقوله: [الوافر]
3264 - ولَوْلاَ يَحْسِبُونَ الحِلْمَ عَجْزاً ... لمَا عَدِمَ المُسِيئُونَ احْتِمَالِي
مؤولٌ؛ خلافاً للكوفيين.
فمن مجيء «لَوما» حرف امتناعٍ قوله: [البسيط]
3265 - لَوْمَا الحيَاءُ ولَوْمَا الدِّينُ عِبْتُكمَا ... بِبعْضِ ما فِيكُمَا إذْ عِبْتُما عَورِي
واختلف فيها: هل هي بسيطة أم مركبة؟ .
فقال الزمخشري: «لَوْ» ركبت مع «لا» ، ومع «مَا» ؛ لمعنيين، وأمَّا «هَلْ» فلم تركَّب إلاَّ مع «لا» وحدها؛ للتحضيض.
واختلف أيضاً في «لَوْمَا» هل هي أصلٌ بنفسها، أم فرعٌ على «لَوْلاَ» وأنَّ الميم مبدلة من اللام، كقولهم: خاللته، خالمته، فهو خِلِّي وخِلْمِي، أي: صديقي.
وقالوا: استولى على كذا، [واسْتَوَى] عليه؛ بمعنًى، خلاف مشهور، وهذه الجملة من التحضيض، دالةٌ على جواب الشرط بعدها.
فصل في معنى الآية
المعنى: لو كنت صادقاً في أدَّعائك النُّبوَّة، لأتيتنا بملائكة يشهدون عندنا بصدقكم فيما تدَّعيه من الرسالة؛ ونظيره قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَقَالُواْ لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر﴾ [الأنعام: 8] ويحتمل أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا خوَّفهُم بنزول العذاب، قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة الذين ينزلون العذاب، وهو المراد من قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب﴾ [العنكبوت: 53] .
ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾ فإذا كان المراد الأول، كان تقرير الجواب: أنَّ إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحقِّ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار، أنه لو أنزل عليهم ملائكة، لبقوا مصرِّين على كفرهم، فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً، ولا يكون حقًّا، فلهذا السبب ما أنزل الله تعالى الملائكة.
قال المفسرون: المراد بالحق هنا الموت، أي: لا ينزلون إلا بالموتِ، أو بعذابٍ الاستئصال، ولم يبق بعد نزولهم إنظارٌ، ولا إمهال، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة؛ فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، وإن كان المراد استعجالهم بنزول العذاب فتقرير الجواب: أنَّ الملائكة لا تنزل إلاَّ بعذاب الاستئصال، ولا تفعل بأمَّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك؛ بل يمهلهم لما علم من إيمان بعضهم، ومن إيمان أولاد الباقين.
قوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة﴾ ، قرأ أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «ما تُنزَّلُ» بضمِّ التاء، وفتح النون، والزاي مشدَّدة، مبنيًّا للمفعول، «المَلائِكةُ» : مرفوعاً لقيامه مقام فاعله، وهو موافقٌ لقوله تعالى:
﴿وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: 25] ؛ لأنها لا تنزل إلاَّ بأمر من الله تعالى فغيرها هو المنزِّلُ لها، وهو الله تعالى.
وقرأ الأخوان، وحفص: بضمِّ النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الزاي مشددة مبنيًّا للفاعل المعظم نفسه وهو الباري جل ذكره. «المَلائِكةَ» ، نصباً: مفعول به؛ وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة﴾ [الأنعام: 111] ، ويناسب قوله قبل ذلك: «ومَا أهْلَكْنَا» ، وقوله بعده: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ [الحجر: 9] ، وما بعده من ألفاظ التَّعظيم.
والباقون من السبعة ما تنزَّلُ بفتح التاء والنون والزاي مشددة، و «المَلائِكةُ» مرفوعة على الفاعلية، والأصل: تَتنَزَّلُ، بتاءين، فحذفت إحداهما، وقد تقدم تقريره في: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 152] ، ونحوه، وهو موافق لقوله سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا﴾ [القدر: 4] .
وقرأ زيد بن علي: «مَا نَزلَ» مخففاً مبنيًّا للفاعل، و «الملائكةُ» مرفوعة على الفاعلية، وهو كقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعرا: 193] .
قوله: ﴿إِلاَّ بالحق﴾ يجوز تعلقه بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول، أي: ملتبسين بالحق، وجعله الزمخشري رَحِمَهُ اللَّهُ نعتاً لمصدر محذوف، أي: إلاَّ تنزُّلاً ملتبساً بالحقِّ.
قوله «إذَنْ» قال الزمخشري: «إذَنْ حرف جواب وجزاء؛ لأنها جواب لهم، وجزاء الشرط مقدر، تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، وما أخر عذابهم» .
قال صاحب النظم: «لفظة» إذَنْ «مركبة من» إذْ» ، وهو اسم بملنزلة «حِينَ» ؛ تقول: أتيتك إذْ جِئْتنِي، أي: حِينَ جِئْتنِي، ثم ضم إليه» إنْ «فصار: ِإذْ أنْ، ثما استثقلوا الهمزة؛ فحذفوها، فصار» إذَنْ «، ومجيْ لفظة» أنْ «دليل على إضمار فعلٍ بعدها، والتقدير: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا» .
قوله: «نَحْنُ» إما مبتدأ، وإما تأكيدٌ، ولا يكون فصلاً؛ لأنه لم يقع بين اسمين، والضمير «لَهُ» للذكر، وهو الظاهرُ، وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه قاله الفراء، وقوَّاه ابن الأنباري، قال: لما ذكر الله الإنزال، والمنزل، دلَّ ذلك على المنزل عليه، فحسنت الكناية عنه؛ لكونه أمراً معلوماً، ك ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: 1] فإنَّ هذه الكناية عائد على القرآن، مع أنه لم يتقدم ذكره؛ وإنما حسنت الكناية لسبب معلوم، فكذا هاهنا، والأول أوضحُ» .
فإذا قلنا: الكناية عائدة إلى القرآن، فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن؟ .
فقيل: بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر يعجز الخلق عن الزيادة، والنقصان فيه، بحيث لو زادوا فيه أو نقصوا عنه، بغير نظم القرآن.
وقيل: صانه، وحفظه من أن يقدر أحدٌ من الخلق على معارضته.
وقيل: قيَّض جماعة يحفظونه، ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاءِ التكليفِ.
وقيل: المراد بالحفظِ: هو أنَّه لو أنَّ احداً حاول تغيير حرفٍ أو نقطةٍ، لقال له أهل الدنيا: هذا كذب، وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتَّفق له لحنٌ أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان: أخطأت أيُّها الشيخ، واعلم أنه لم يتفق لشيءٍ من الكتب مثل هذه الحفظ؛ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف، والتحريف، والتغيير، إما في الكثير منه، أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التَّحريف، مع أنَّ دواعي الملاحدة، واليهود، والنصارة، متوفرة على أبطاله وإفساده، فذلك من أعظم المعجزات.
فإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف، وقد وعد الله عَزَّ وَجَلَّ بحفظه وما حفظ الله عَزَّ وَجَلَّ فلا خوف عليه؟ .
فالجواب: أنَّ جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه، فيَّضهم لذلك، وفي الآية دلالةٌ قويةٌ على كون البسملةِ آية من كل سورة؛ لأن الله تبارك وتعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظُ لا معنى له إلاَّ أن يبقى مصُوناً عن التغيير وعن الزيادة، وعن النقصان فلو لو تكن التسمية آية من القرآن، لما كان مصوناً من التغيير والزيادة، ولو جاز أن يظنَّ بالصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنهم زادوا، لجاز أيضاً أن يظنَّ بهم النقصان؛ وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجَّة، وهذا لا دليل فيه؛ لأن أسماء السور أيضاً مكتوبةٌ معهم في المصحف، وليست من القرآن بالأجماع.
الحجر 15:6
سورة الحجر مكية بالإجماع. وهي تسع وتسعون آية، وستمائة وأربعة وخمسون كلمة، وعدد حروفها: ألفان وتسعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ال ? رَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ تقدَّم نظير ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أول الرعد، والإشارة ب «تِلْكَ» إلى ما تظمنته السورة من الآيات، ولم يذكر الزمشخريُّ غيره.
وقيل: إشارة إلى الكتاب السالف، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك آياتُ ذلك الكتاب الكالم في كونه كتاباً، وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
والمراد ب «الكِتَابِ» وال «قُرآن المبينِ» : الكمتاب الذي وعد به محمد صلوات الله وسلام عليه، أي: مبين الحلال من الحرامِ، والحقَّ من الباطل.
فإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب، ثم مقال: «وقُرْءَانٍ» ، وكلاهما واحدٌ؟ .
قيل: كلُّ واحدٍ يفيد فائدة أخرى؛ فإنَّ الكتاب ما يكتبُ، والقرآن ما يجمع بضعه إلى بعض.
وقيل: المراد ب «الكِتَابِ» التَّوراةُ والإنجيلُ، فيكون اسم جنسٍ، وبال «قرآن» : هذا الكتاب.
قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ﴾ في «رُبَّ» قولان:
أحدهما: أنها حرف جرٍِّ، وزعم الكوفيُّون، وأبو الحسنِ، ابنُ الطَّراوة: أنها اسمٌ، ومعناها: التَّقليلُ على المشهور.
وقيل: تفيد التكثير في مواضع الاتفخار؛ كقوله: [الطويل]
3253 - فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهوْتَُ ولَيْلةٍ ... بآنِسَةٍ كأنَّها خَطُّ تِمْثَالِ
وقد أجيب عن ذلك: بأنها لتقليل النَّظير.
وفيها سبعة عشرة لغة وهي:
«رُبَّ» بضمِّ الراءِ وفتحها كلاهما مع تشديتد الباء، وتخفيفها، فهذه أربع، ورويت بالأوجه الأربعة، مع تاء التأنيث المتحركة، و «رُب» بضم الراء وفتحها مع إسكان الباء، و «رُبُّ» بضم الراء وةالباء معاً مشددة ومخففة، و «رُبَّت» .
وأشهرها: «رُبَّ» بالضم والتشديد والتخفيف، وبالثانية قرأ عاصمٌ ونافعٌ وباتصالها بتاء التأنيث، قرأ طلحة بن مصروف، وزيد بن علي: «رُبَّتما» ، ولها أحكام كثيرة:
منها: لزوم تصديرها، ومنها تنكير مجرورها؛ وقوله: [الخفيف]
3254 - رُبَّما الجَاملِ المُؤبل فِيهمْ ... وعَناجيجُ بَينهُنَّ المَهارِي
ضرورة في رواية من جرَّ «الجَاملِ» .
ويجر ضمير لازم التفسير بعده، ويستغنى بتثنيتها وجمعها، وتأنيثها عن تثنية الضمير، وجمعه، وتأنيثه؛ كقوله: [البسيط]
3255 - ... ... ... ... ... ... ... . ... ورُبَّهُ عَطِباً أنْقَذْتَ مِنْ عَطَبِهْ
والمطابقة؛ نحو: ربَّهُما رجُلَيْنِ، نادر، وقد يعطف على مجرورها ما أضيف إلى ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورهنا؛ ومضيُّ ما يتعلق به على ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورها؛ ومضيُّ ما يتعلق به على خلاف، والصحيح عندم ذلك؛ فمن مجيئه غير موصوف قول هند: [مجزوء الكامل]
3256 - يَا رُبَّ قائلةٍ غَدًا ... يَا لَهْفَ أم مُعاوِيًَه
ومن مجيء المستقبل، قوله: [الوافر]
3257 - فَإن أهْلِكَ فرُبَّ فتًى سَيَبْكِي ... عَليَّ مُهذَّبٍ رَخْصِ البَنانِ
وقول هند: [مجزوء الكامل]
3258 - يَا رُبَّ قَائلةٍ غَداً..... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقول سليم: [الطويل]
3259 - ومُعْتَصِمٍ بالحيِّ من خَشْيَةِ الرَّدَى ... سَيَرْدَى وغَازٍ مُشفِقٍ سَيَئُوبُ
فإن حرف التنفيس، و «غداً» خلَّصاه للاستقبال.
و «رُبَّ» تدخل على الاسم، و «رُبَّما» على الفعل، ويقال: ربَّ رجُلٍ جَاءنِي، ورُبَّما جَاءنِي.
و «ما» في «رُبمَا» ، تحتمل وجهين:
أظهرهما: أنها المهيئة، بمعنى أنَّ «رُبَّ» مختصة بالأسماءِ، فلما جاءت هنا «ما» هيَّأت دخولها على الأفعال وقد تقدم نظير ذلك [يونس: 27] في «إنَّ» وأخواتها ويكفها أيضاً عن العمل؛ كقوله: [الخفيف]
3260 - رُبَّما الجَامِلُ المُؤبَّلش فِيهِمْ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
في رواية من رفعه كما جرى ذلك في كاف التشبيه.
والثاني: أنَّ «مَا» نكرة موصوفة بالجملة الواقعة بعدها، والعائد على «ما» محذوف تقديره: ربَّ شيء يوده الذين كفروا، ومن لم يلتزم مضيَّ متعلقها، لم يحتج إلى تأويل، ومن التزم ذلك قال: لأن المترقب في إخبار الله تعالى واقعٌ لا محالة، فعبَّر عنه بالماضي، تحقيقاً لوقوعه؛ كقوله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] ونحوه.
قوله: «لَوْ كَانُوا» يجوز في «لَوْ» وجهان: أحدهما: أن تكون الامتناعيَّة، وحينئذ، يكون جوابها محذوفاً، تقديره لو كانُوا مسلمين لسرُّوا أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول «يوَدُّ» محذوف على هذا التقدير، أي: ربما يودُّ الذين كفروا النجاة، دلَّ عليه الجملة الامتناعية.
والثاني: أنَّها مصدرية عند من يرى ذلك، كما تقدم تقريره في البقرة [البقرة: 96] ؛ وحنيئذ يكون هذا المصدر المؤولُ هو المفعول للودادة، أي: يودُّون كونه مسلمين، إن جعلنا «ما» كافة، وإن جعلناها نكرة، كانت «لَوْ» وما في حيِّزها بدلاً من «مَا» .
فصل
المعنى: يتمنَّى الذين كفورا لو كانوا مسلمين، واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها.
قال الضحاك: حال المعاينة.
وقيل: يوم القيامة.
والمشهور: أنه حين يخرجُ الله المؤمنين من النار.
روى أبو موسى الأشعريُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إذَا اجْتمعَ أهْلُ النَّار في النَّارِ، ومعهُمْ من شَاءَ اللهُ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ، قال الكفَّارُ لمِنْ في النَّار من أهْلِ القِبْلةِ: ألَسْتُم مُسْلمينَ؟ قالوا: بَلى، قالوا: فَمَا أغْنَى عَنْكُم إسْلامكُم، وأنْتُمْ معنا في النَّارِ، قالوا: كَانَتْ لنَا ذُنوبٌ فأُخِذْنَا بِهَا، [فيغفر] الله لَهُمْ، بِفضْلِ رَحْمتهِ، فيَأمرُ بإخْراجِ كُلِّ مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ في النَّار، فيَخْرجُونَ مِنْهَا، فحنيئذٍ يودُّ الذين كفروا لَوْ كَانُوا مُسْلمينَ» .
فإن قيل: «رُبمَا» للتقليل، وهذا التَّمني يكثر من الكفار.
فالجواب: أنَّ «رُبمَا» يراد بها التكثير، والمقصود إظهار الترفع، والاستغناءُ عن التَّصريح بالغرض؛ فيقولون: ربَّما نَدمتُ على ما فعلتُ، ولعلَّكَ تَندمُ على فِعلِكَ؛ إذا كان العلمُ حَاصلاً بكثر النَّدمِ، قال: [البسيط]
3261 - أتْرك القِرْنَ مُصْفرًّا أنَاملهُ..... ... ... ... ... ... ... ... . .
وقيل: التقليل أبلغ في التهديد، والمعنى: أنَّ قليل الندم كافٍ في الزجر عن هذا العمل، فكيف كثره؟ .
وقيل: إنْ شغلهم بالعاذب لا يفزعهم للندامة فيخطر ذلك ببالهم أحياناً.
فإن قيل: إذا كان أهل القيامةِ، يتمنَّون أمثال هذه الأحوال، وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقلُّ ثوابه عن درجةِ المؤمنِ الذي يكثر ثوابه، والمُتمنِّي لما لم يجده يكونُ في الغصَّة وتَألُّمِ القلبِ.
فالجواب: أحوالُ أهل الآخرةِ، لا تقاس بأحوال الدنيا؛ فإن الله تعالى يُرضي كُلَّ واحدٍ بما هو فيه، وينزع عن قلوبهم الحسد، وطلب الزيادتِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: 47] .
قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ [الحجر: 3] الآية، أي دعْ يا محمد، الكفَّار يأخذوةا حفوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرةِ، ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ يشغلهم «الأملًُ» عن الأخذ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا [وردوا] القيامة، وذاقوا وبال [صنعهم] وهذا تهديدٌ ووعيدٌ.
وقال بعض العلماء: «ذَرْهُمْ» ، تهديدٌ، و ﴿سَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ، تهديدٌ آخر، فمتى يهدأ العيش بين تهديدين؟! والآية نسختها آية القتالِ.
قوله: «وذَرْهُمْ» ، هذا الأمرُ لا يستعمل له ماضٍ إلا قليلاً؛ استغناءً عنه ب «تَرَكَ» ، بل يستعمل منه المضارع نحو: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: 186] ، ومن مجيء الماضي قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «ذَرُوا لحَبشَة ما وَذَرتْكُم» ، ومثله: دَعْ ويَدَعْ، ولا يقال: ودَعَ إلا نادراً، وقد قرىء: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ [الضحى: 3] مخففاً؛ وأنشدوا: [الرمل]
3262 - أسَلْ أمِيري مَا الذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصَالِي اليَوْمَ حتَّى وَدَعهْ؟ و «يَأكلُوا» مجزومٌ على جواب الأمر، وقد تقدم [البقرة: 17، 278] أنَّ «تَرَكَ» و «وَذرَ» يكونان بمعنى «صيَّر» ، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي: ذرهُم مهملين.
قوله تعالى: ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمل﴾ ، يقال: لهيتُ عن الشَّيء ألهي لُهِيَّا؛ جاء في الحديث: أنَّ ابن الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كان إذا سمع صوت الرَّعدِ لَهِيَ عن الحديث» .
قال الكسائيُّ، والأصمعيُّ: كلُّ شيءٍ تركتهُ، فقد لهيتهُ؛ وأنشد: [الكامل]
3262 - ب صَرمتْ حِبالَكَ فالْهَ عَنْهَا زَيْنَبُ ... أي: اتركها، وأعرض عنها.
فصل في سبب شقاء العبد
قال القرطبي: أربعةٌ من الشقاءِ؛ جمودُ العين، وقساوة القلبِ، وطُولُ الأملِ، والحرصُ على الدُّنيا.
فطُول الأملِ: داء عضالٌ، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داءٌ، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطبَّاء، ويئس من بُرئه الحكماء والعلماء.
وحقيقة الأمل: الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحبُّ لها، والإعراض عن الآخرة، قال صلوات الله وسلامه عليه: «نَجَا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليَقِينِ والزُّهْدِ، ويهْلِكُ آخِرُهَا بالبُخْلِ والأمَلِ» .
وقال الحسن: ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل.
قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ ، أي: من أهل قرية، ﴿إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ﴾ فيه أوجه:
أظهرها: أنها واو الحال، ثم لك اعتباران:
أحدهما: أن تجعل الحال وحدها الجارَّ، ويرتفع «كِتَابٌ» به فاعلاً.
والثاني: أن تجعل الجارَّ مقدماً، و «كِتَابٌ» مبتدأ، والجملة حالٌ، وهذه الحال لازمةٌ.
الوجه الثاني: أنَّ الواو مزيدة، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «إلاَّ لَهَا» بإسقاطها، والزيادة ليست بالسهلةِ.
الثالث: أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة؛ تأكيداً، قال الزمخشريُّ: والجملة واقعة صفة ل «قَرْيَةٍ» ، والقياس: ألاَّ تتوسط هذه الواو بينهما؛ كما قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] وإنما توسَّطت، لتأكيد لصُوقِ الصفة بالموصوف؛ كما تقول: «جَاءنِي زيْدٌ عليْهِ ثَوبهُ، وجَاءنِي وعليْهِ ثوْبهُ» .
وقد تبع الزمخشري في ذلك أبا البقاء، وقد سبق له ذلك أيضاً في البقرة عند قوله: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216] .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ: «ولا نعلم أحداً قاله من النَّحويين» .
قال شهاب الدين: وفي محفوظِي أنَّ ابن جنّي سبقهما إلى ذلك» .
ثم قال أبو حيان: «وهو مبنيٌّ على جواز أنَّ ما بعد» إلاَّ «يكون صفة؛ وقد منعوا ذلك» .
قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف ب «إلا» ، ثم قال: وأما نحو: «مَا جَاءَنِي رجٌلٌ إلاَّ راكِبٌ» على تقدير: إلاَّ رجلٌ راكبٌ، ففيه قُبح؛ لجعلك الصفة كالاسم.
وقال أبو علي: تقول ما مررتُ بأحَدٍ إلاَّ قائماً، وقائماً حالٌ، ولا تقول: إلاَّ قائمٌ؛ لأنَّ» إلاَّ «لا تعترض بين الصِّفة والموصوف.
قال ابن مالكٍ: وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشريُّ في قوله» مَا مَررْتُ بأحَدٍ إلاَّ زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْهُ «: إنَّ الجملة بعد» إلاَّ «صفة ل» أحَدٍ» : إنه مذهبٌ لا يعرف لبصريِّ، ولا كوفي فلا يلتفت إليه، وأبطل قوله: «إنَّ الواو توسَّطت لتأكيد لصوف الصفة بالموصوف» .
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: قولُ الزمخشريِّ قويٌّ من حيث القياس؛ فإنَّ الصفة في المعنى كالحال، وإن كان بينهما فرقٌ من بعض الوجوه.
فكما أنَّ الواو تدخل على الجملة الواقعة حالاً؛ كذلك تدخل عليها واقعة صفة، ويقويه أيضاً [نصره] به من الآية الأخرى في قوله: ﴿مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] . ويقويه أيضاً: قراءة ابن أبي عبلة المتقدمة، وقال منذرُ بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ، هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى:
﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73] .
فصل
لما توعد مكذِّبي الرسل بقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ الآية أتبعه بما يؤكد الزجر، وهو قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ في الهلاك والعذاب، أي: أجلٌ مضروبٌ، لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه، والمراد بهذا الهلاك: عذاب الاستئصال، وقيل: الموتُ.
قال القاضي: والأول أقرب؛ لأنه أبلغ في الزَّجر، فبيَّن تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغترَّ به العاقل. وقيل: المراد بالهلاك مجموع الأمرين.
قوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ «مِنْ أمةٍ» فاعل «تَسْبِقُ» ، و «مِنْ» مزيدة للتأكيد؛ كقولك: ما جَاءنِي من أحَدٍ.
قال الواحدي: «وقيل: ليست بزائدةٍ؛ لأنَّها تفيد التبعيض، أي: هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة، فيكون ذلك في إفادة عموم النَّفي، آكد» .
قال الزمخشري: «معنى:» سَبَقَ «: إذا كان واقعاً على شخصٍ، كان معناه أنَّه [جاز] ، وخلف؛ كقولك: سَبَقَ زيدٌ عمْراً، أي: جَاوزَهُ وخَلفهُ وراءهُ، ومعناه: أنه قصَّر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمانٍ، كان بالعكس في ذلك، كقولك: سَبٌ فُلانٌ عام كذا، معناه: أنه مضى قبل إتيانه، ولم يبلغه، فقوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ معناه: أنه لا يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل في ذلك الوقت بعينه» .
وحمل على لفظ «أمََّةٍ» في قوله: «أجَلهَا» ، فأفرد وأنَّث، وعلى معناها في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ، فجمع وذكَّر، وحذف متعلق «يَسْتَأخِرُون» وتقديره: عنه؛ للدلالة عليه، ولوقوعه فاصلاً.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ كل من ما أو قتل، فإنما مات بأجله، وأنَّ من قال: يجوز أن يموت قبل أجله مخطىء.
قوله: «وقَالُوا» ، يعنى مشركي مكَّة ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ ، أي: القرآن، وأراد به محمداً صلى الله وعليه وسلم.
والعامة على: «نُزِّلَ» مشدَّداً، مبنيًّا للمفعول، وقرأ زيد بن علي: «نَزلَ» ، مخفََّاً مبنيًّا للفاعل.
﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ وذكروا نزول الذِّكر؛ استهزاء، وإنما وصفوه بالجنون، إما لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان يظهر عليه عند نزول الوحي، حالةٌ شبيهةٌ بالغشي؛ فظنُّوا أنَّها جنونٌ، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: 184] .
وإما لأنه كانا يستبعدون كونه رسولاً حقًّا من عند الله؛ لأن الرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره، فربما قال: به جنون.
قوله: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ ، «لَوْ مَا» : حرف تحضيضٍ؛ ك «هَلاًّ» ، وتكون أيضاً حرف امتناع لوجودٍ، وذلك كما أنَّ «لولا» متردَّدةٌ بين هذين المعنيين، وقد عرف الفرق بينهما، وهو أنَّ التحضيضيَّة لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً أو مضمراً؛ كقوله: [الطويل]
3263 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَوْلاَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَا
والامتناعية لا يليها إلا الأسماء: لظفاً أو تقديراً عند البصريين.
وقوله: [الوافر]
3264 - ولَوْلاَ يَحْسِبُونَ الحِلْمَ عَجْزاً ... لمَا عَدِمَ المُسِيئُونَ احْتِمَالِي
مؤولٌ؛ خلافاً للكوفيين.
فمن مجيء «لَوما» حرف امتناعٍ قوله: [البسيط]
3265 - لَوْمَا الحيَاءُ ولَوْمَا الدِّينُ عِبْتُكمَا ... بِبعْضِ ما فِيكُمَا إذْ عِبْتُما عَورِي
واختلف فيها: هل هي بسيطة أم مركبة؟ .
فقال الزمخشري: «لَوْ» ركبت مع «لا» ، ومع «مَا» ؛ لمعنيين، وأمَّا «هَلْ» فلم تركَّب إلاَّ مع «لا» وحدها؛ للتحضيض.
واختلف أيضاً في «لَوْمَا» هل هي أصلٌ بنفسها، أم فرعٌ على «لَوْلاَ» وأنَّ الميم مبدلة من اللام، كقولهم: خاللته، خالمته، فهو خِلِّي وخِلْمِي، أي: صديقي.
وقالوا: استولى على كذا، [واسْتَوَى] عليه؛ بمعنًى، خلاف مشهور، وهذه الجملة من التحضيض، دالةٌ على جواب الشرط بعدها.
فصل في معنى الآية
المعنى: لو كنت صادقاً في أدَّعائك النُّبوَّة، لأتيتنا بملائكة يشهدون عندنا بصدقكم فيما تدَّعيه من الرسالة؛ ونظيره قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَقَالُواْ لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر﴾ [الأنعام: 8] ويحتمل أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا خوَّفهُم بنزول العذاب، قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة الذين ينزلون العذاب، وهو المراد من قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب﴾ [العنكبوت: 53] .
ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾ فإذا كان المراد الأول، كان تقرير الجواب: أنَّ إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحقِّ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار، أنه لو أنزل عليهم ملائكة، لبقوا مصرِّين على كفرهم، فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً، ولا يكون حقًّا، فلهذا السبب ما أنزل الله تعالى الملائكة.
قال المفسرون: المراد بالحق هنا الموت، أي: لا ينزلون إلا بالموتِ، أو بعذابٍ الاستئصال، ولم يبق بعد نزولهم إنظارٌ، ولا إمهال، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة؛ فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، وإن كان المراد استعجالهم بنزول العذاب فتقرير الجواب: أنَّ الملائكة لا تنزل إلاَّ بعذاب الاستئصال، ولا تفعل بأمَّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك؛ بل يمهلهم لما علم من إيمان بعضهم، ومن إيمان أولاد الباقين.
قوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة﴾ ، قرأ أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «ما تُنزَّلُ» بضمِّ التاء، وفتح النون، والزاي مشدَّدة، مبنيًّا للمفعول، «المَلائِكةُ» : مرفوعاً لقيامه مقام فاعله، وهو موافقٌ لقوله تعالى:
﴿وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: 25] ؛ لأنها لا تنزل إلاَّ بأمر من الله تعالى فغيرها هو المنزِّلُ لها، وهو الله تعالى.
وقرأ الأخوان، وحفص: بضمِّ النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الزاي مشددة مبنيًّا للفاعل المعظم نفسه وهو الباري جل ذكره. «المَلائِكةَ» ، نصباً: مفعول به؛ وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة﴾ [الأنعام: 111] ، ويناسب قوله قبل ذلك: «ومَا أهْلَكْنَا» ، وقوله بعده: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ [الحجر: 9] ، وما بعده من ألفاظ التَّعظيم.
والباقون من السبعة ما تنزَّلُ بفتح التاء والنون والزاي مشددة، و «المَلائِكةُ» مرفوعة على الفاعلية، والأصل: تَتنَزَّلُ، بتاءين، فحذفت إحداهما، وقد تقدم تقريره في: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 152] ، ونحوه، وهو موافق لقوله سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا﴾ [القدر: 4] .
وقرأ زيد بن علي: «مَا نَزلَ» مخففاً مبنيًّا للفاعل، و «الملائكةُ» مرفوعة على الفاعلية، وهو كقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعرا: 193] .
قوله: ﴿إِلاَّ بالحق﴾ يجوز تعلقه بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول، أي: ملتبسين بالحق، وجعله الزمخشري رَحِمَهُ اللَّهُ نعتاً لمصدر محذوف، أي: إلاَّ تنزُّلاً ملتبساً بالحقِّ.
قوله «إذَنْ» قال الزمخشري: «إذَنْ حرف جواب وجزاء؛ لأنها جواب لهم، وجزاء الشرط مقدر، تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، وما أخر عذابهم» .
قال صاحب النظم: «لفظة» إذَنْ «مركبة من» إذْ» ، وهو اسم بملنزلة «حِينَ» ؛ تقول: أتيتك إذْ جِئْتنِي، أي: حِينَ جِئْتنِي، ثم ضم إليه» إنْ «فصار: ِإذْ أنْ، ثما استثقلوا الهمزة؛ فحذفوها، فصار» إذَنْ «، ومجيْ لفظة» أنْ «دليل على إضمار فعلٍ بعدها، والتقدير: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا» .
قوله: «نَحْنُ» إما مبتدأ، وإما تأكيدٌ، ولا يكون فصلاً؛ لأنه لم يقع بين اسمين، والضمير «لَهُ» للذكر، وهو الظاهرُ، وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه قاله الفراء، وقوَّاه ابن الأنباري، قال: لما ذكر الله الإنزال، والمنزل، دلَّ ذلك على المنزل عليه، فحسنت الكناية عنه؛ لكونه أمراً معلوماً، ك ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: 1] فإنَّ هذه الكناية عائد على القرآن، مع أنه لم يتقدم ذكره؛ وإنما حسنت الكناية لسبب معلوم، فكذا هاهنا، والأول أوضحُ» .
فإذا قلنا: الكناية عائدة إلى القرآن، فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن؟ .
فقيل: بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر يعجز الخلق عن الزيادة، والنقصان فيه، بحيث لو زادوا فيه أو نقصوا عنه، بغير نظم القرآن.
وقيل: صانه، وحفظه من أن يقدر أحدٌ من الخلق على معارضته.
وقيل: قيَّض جماعة يحفظونه، ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاءِ التكليفِ.
وقيل: المراد بالحفظِ: هو أنَّه لو أنَّ احداً حاول تغيير حرفٍ أو نقطةٍ، لقال له أهل الدنيا: هذا كذب، وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتَّفق له لحنٌ أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان: أخطأت أيُّها الشيخ، واعلم أنه لم يتفق لشيءٍ من الكتب مثل هذه الحفظ؛ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف، والتحريف، والتغيير، إما في الكثير منه، أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التَّحريف، مع أنَّ دواعي الملاحدة، واليهود، والنصارة، متوفرة على أبطاله وإفساده، فذلك من أعظم المعجزات.
فإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف، وقد وعد الله عَزَّ وَجَلَّ بحفظه وما حفظ الله عَزَّ وَجَلَّ فلا خوف عليه؟ .
فالجواب: أنَّ جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه، فيَّضهم لذلك، وفي الآية دلالةٌ قويةٌ على كون البسملةِ آية من كل سورة؛ لأن الله تبارك وتعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظُ لا معنى له إلاَّ أن يبقى مصُوناً عن التغيير وعن الزيادة، وعن النقصان فلو لو تكن التسمية آية من القرآن، لما كان مصوناً من التغيير والزيادة، ولو جاز أن يظنَّ بالصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنهم زادوا، لجاز أيضاً أن يظنَّ بهم النقصان؛ وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجَّة، وهذا لا دليل فيه؛ لأن أسماء السور أيضاً مكتوبةٌ معهم في المصحف، وليست من القرآن بالأجماع.
الحجر 15:7
سورة الحجر مكية بالإجماع. وهي تسع وتسعون آية، وستمائة وأربعة وخمسون كلمة، وعدد حروفها: ألفان وتسعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ال ? رَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ تقدَّم نظير ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أول الرعد، والإشارة ب «تِلْكَ» إلى ما تظمنته السورة من الآيات، ولم يذكر الزمشخريُّ غيره.
وقيل: إشارة إلى الكتاب السالف، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك آياتُ ذلك الكتاب الكالم في كونه كتاباً، وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
والمراد ب «الكِتَابِ» وال «قُرآن المبينِ» : الكمتاب الذي وعد به محمد صلوات الله وسلام عليه، أي: مبين الحلال من الحرامِ، والحقَّ من الباطل.
فإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب، ثم مقال: «وقُرْءَانٍ» ، وكلاهما واحدٌ؟ .
قيل: كلُّ واحدٍ يفيد فائدة أخرى؛ فإنَّ الكتاب ما يكتبُ، والقرآن ما يجمع بضعه إلى بعض.
وقيل: المراد ب «الكِتَابِ» التَّوراةُ والإنجيلُ، فيكون اسم جنسٍ، وبال «قرآن» : هذا الكتاب.
قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ﴾ في «رُبَّ» قولان:
أحدهما: أنها حرف جرٍِّ، وزعم الكوفيُّون، وأبو الحسنِ، ابنُ الطَّراوة: أنها اسمٌ، ومعناها: التَّقليلُ على المشهور.
وقيل: تفيد التكثير في مواضع الاتفخار؛ كقوله: [الطويل]
3253 - فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهوْتَُ ولَيْلةٍ ... بآنِسَةٍ كأنَّها خَطُّ تِمْثَالِ
وقد أجيب عن ذلك: بأنها لتقليل النَّظير.
وفيها سبعة عشرة لغة وهي:
«رُبَّ» بضمِّ الراءِ وفتحها كلاهما مع تشديتد الباء، وتخفيفها، فهذه أربع، ورويت بالأوجه الأربعة، مع تاء التأنيث المتحركة، و «رُب» بضم الراء وفتحها مع إسكان الباء، و «رُبُّ» بضم الراء وةالباء معاً مشددة ومخففة، و «رُبَّت» .
وأشهرها: «رُبَّ» بالضم والتشديد والتخفيف، وبالثانية قرأ عاصمٌ ونافعٌ وباتصالها بتاء التأنيث، قرأ طلحة بن مصروف، وزيد بن علي: «رُبَّتما» ، ولها أحكام كثيرة:
منها: لزوم تصديرها، ومنها تنكير مجرورها؛ وقوله: [الخفيف]
3254 - رُبَّما الجَاملِ المُؤبل فِيهمْ ... وعَناجيجُ بَينهُنَّ المَهارِي
ضرورة في رواية من جرَّ «الجَاملِ» .
ويجر ضمير لازم التفسير بعده، ويستغنى بتثنيتها وجمعها، وتأنيثها عن تثنية الضمير، وجمعه، وتأنيثه؛ كقوله: [البسيط]
3255 - ... ... ... ... ... ... ... . ... ورُبَّهُ عَطِباً أنْقَذْتَ مِنْ عَطَبِهْ
والمطابقة؛ نحو: ربَّهُما رجُلَيْنِ، نادر، وقد يعطف على مجرورها ما أضيف إلى ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورهنا؛ ومضيُّ ما يتعلق به على ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورها؛ ومضيُّ ما يتعلق به على خلاف، والصحيح عندم ذلك؛ فمن مجيئه غير موصوف قول هند: [مجزوء الكامل]
3256 - يَا رُبَّ قائلةٍ غَدًا ... يَا لَهْفَ أم مُعاوِيًَه
ومن مجيء المستقبل، قوله: [الوافر]
3257 - فَإن أهْلِكَ فرُبَّ فتًى سَيَبْكِي ... عَليَّ مُهذَّبٍ رَخْصِ البَنانِ
وقول هند: [مجزوء الكامل]
3258 - يَا رُبَّ قَائلةٍ غَداً..... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقول سليم: [الطويل]
3259 - ومُعْتَصِمٍ بالحيِّ من خَشْيَةِ الرَّدَى ... سَيَرْدَى وغَازٍ مُشفِقٍ سَيَئُوبُ
فإن حرف التنفيس، و «غداً» خلَّصاه للاستقبال.
و «رُبَّ» تدخل على الاسم، و «رُبَّما» على الفعل، ويقال: ربَّ رجُلٍ جَاءنِي، ورُبَّما جَاءنِي.
و «ما» في «رُبمَا» ، تحتمل وجهين:
أظهرهما: أنها المهيئة، بمعنى أنَّ «رُبَّ» مختصة بالأسماءِ، فلما جاءت هنا «ما» هيَّأت دخولها على الأفعال وقد تقدم نظير ذلك [يونس: 27] في «إنَّ» وأخواتها ويكفها أيضاً عن العمل؛ كقوله: [الخفيف]
3260 - رُبَّما الجَامِلُ المُؤبَّلش فِيهِمْ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
في رواية من رفعه كما جرى ذلك في كاف التشبيه.
والثاني: أنَّ «مَا» نكرة موصوفة بالجملة الواقعة بعدها، والعائد على «ما» محذوف تقديره: ربَّ شيء يوده الذين كفروا، ومن لم يلتزم مضيَّ متعلقها، لم يحتج إلى تأويل، ومن التزم ذلك قال: لأن المترقب في إخبار الله تعالى واقعٌ لا محالة، فعبَّر عنه بالماضي، تحقيقاً لوقوعه؛ كقوله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] ونحوه.
قوله: «لَوْ كَانُوا» يجوز في «لَوْ» وجهان: أحدهما: أن تكون الامتناعيَّة، وحينئذ، يكون جوابها محذوفاً، تقديره لو كانُوا مسلمين لسرُّوا أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول «يوَدُّ» محذوف على هذا التقدير، أي: ربما يودُّ الذين كفروا النجاة، دلَّ عليه الجملة الامتناعية.
والثاني: أنَّها مصدرية عند من يرى ذلك، كما تقدم تقريره في البقرة [البقرة: 96] ؛ وحنيئذ يكون هذا المصدر المؤولُ هو المفعول للودادة، أي: يودُّون كونه مسلمين، إن جعلنا «ما» كافة، وإن جعلناها نكرة، كانت «لَوْ» وما في حيِّزها بدلاً من «مَا» .
فصل
المعنى: يتمنَّى الذين كفورا لو كانوا مسلمين، واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها.
قال الضحاك: حال المعاينة.
وقيل: يوم القيامة.
والمشهور: أنه حين يخرجُ الله المؤمنين من النار.
روى أبو موسى الأشعريُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إذَا اجْتمعَ أهْلُ النَّار في النَّارِ، ومعهُمْ من شَاءَ اللهُ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ، قال الكفَّارُ لمِنْ في النَّار من أهْلِ القِبْلةِ: ألَسْتُم مُسْلمينَ؟ قالوا: بَلى، قالوا: فَمَا أغْنَى عَنْكُم إسْلامكُم، وأنْتُمْ معنا في النَّارِ، قالوا: كَانَتْ لنَا ذُنوبٌ فأُخِذْنَا بِهَا، [فيغفر] الله لَهُمْ، بِفضْلِ رَحْمتهِ، فيَأمرُ بإخْراجِ كُلِّ مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ في النَّار، فيَخْرجُونَ مِنْهَا، فحنيئذٍ يودُّ الذين كفروا لَوْ كَانُوا مُسْلمينَ» .
فإن قيل: «رُبمَا» للتقليل، وهذا التَّمني يكثر من الكفار.
فالجواب: أنَّ «رُبمَا» يراد بها التكثير، والمقصود إظهار الترفع، والاستغناءُ عن التَّصريح بالغرض؛ فيقولون: ربَّما نَدمتُ على ما فعلتُ، ولعلَّكَ تَندمُ على فِعلِكَ؛ إذا كان العلمُ حَاصلاً بكثر النَّدمِ، قال: [البسيط]
3261 - أتْرك القِرْنَ مُصْفرًّا أنَاملهُ..... ... ... ... ... ... ... ... . .
وقيل: التقليل أبلغ في التهديد، والمعنى: أنَّ قليل الندم كافٍ في الزجر عن هذا العمل، فكيف كثره؟ .
وقيل: إنْ شغلهم بالعاذب لا يفزعهم للندامة فيخطر ذلك ببالهم أحياناً.
فإن قيل: إذا كان أهل القيامةِ، يتمنَّون أمثال هذه الأحوال، وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقلُّ ثوابه عن درجةِ المؤمنِ الذي يكثر ثوابه، والمُتمنِّي لما لم يجده يكونُ في الغصَّة وتَألُّمِ القلبِ.
فالجواب: أحوالُ أهل الآخرةِ، لا تقاس بأحوال الدنيا؛ فإن الله تعالى يُرضي كُلَّ واحدٍ بما هو فيه، وينزع عن قلوبهم الحسد، وطلب الزيادتِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: 47] .
قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ [الحجر: 3] الآية، أي دعْ يا محمد، الكفَّار يأخذوةا حفوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرةِ، ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ يشغلهم «الأملًُ» عن الأخذ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا [وردوا] القيامة، وذاقوا وبال [صنعهم] وهذا تهديدٌ ووعيدٌ.
وقال بعض العلماء: «ذَرْهُمْ» ، تهديدٌ، و ﴿سَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ، تهديدٌ آخر، فمتى يهدأ العيش بين تهديدين؟! والآية نسختها آية القتالِ.
قوله: «وذَرْهُمْ» ، هذا الأمرُ لا يستعمل له ماضٍ إلا قليلاً؛ استغناءً عنه ب «تَرَكَ» ، بل يستعمل منه المضارع نحو: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: 186] ، ومن مجيء الماضي قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «ذَرُوا لحَبشَة ما وَذَرتْكُم» ، ومثله: دَعْ ويَدَعْ، ولا يقال: ودَعَ إلا نادراً، وقد قرىء: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ [الضحى: 3] مخففاً؛ وأنشدوا: [الرمل]
3262 - أسَلْ أمِيري مَا الذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصَالِي اليَوْمَ حتَّى وَدَعهْ؟ و «يَأكلُوا» مجزومٌ على جواب الأمر، وقد تقدم [البقرة: 17، 278] أنَّ «تَرَكَ» و «وَذرَ» يكونان بمعنى «صيَّر» ، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي: ذرهُم مهملين.
قوله تعالى: ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمل﴾ ، يقال: لهيتُ عن الشَّيء ألهي لُهِيَّا؛ جاء في الحديث: أنَّ ابن الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كان إذا سمع صوت الرَّعدِ لَهِيَ عن الحديث» .
قال الكسائيُّ، والأصمعيُّ: كلُّ شيءٍ تركتهُ، فقد لهيتهُ؛ وأنشد: [الكامل]
3262 - ب صَرمتْ حِبالَكَ فالْهَ عَنْهَا زَيْنَبُ ... أي: اتركها، وأعرض عنها.
فصل في سبب شقاء العبد
قال القرطبي: أربعةٌ من الشقاءِ؛ جمودُ العين، وقساوة القلبِ، وطُولُ الأملِ، والحرصُ على الدُّنيا.
فطُول الأملِ: داء عضالٌ، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داءٌ، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطبَّاء، ويئس من بُرئه الحكماء والعلماء.
وحقيقة الأمل: الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحبُّ لها، والإعراض عن الآخرة، قال صلوات الله وسلامه عليه: «نَجَا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليَقِينِ والزُّهْدِ، ويهْلِكُ آخِرُهَا بالبُخْلِ والأمَلِ» .
وقال الحسن: ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل.
قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ ، أي: من أهل قرية، ﴿إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ﴾ فيه أوجه:
أظهرها: أنها واو الحال، ثم لك اعتباران:
أحدهما: أن تجعل الحال وحدها الجارَّ، ويرتفع «كِتَابٌ» به فاعلاً.
والثاني: أن تجعل الجارَّ مقدماً، و «كِتَابٌ» مبتدأ، والجملة حالٌ، وهذه الحال لازمةٌ.
الوجه الثاني: أنَّ الواو مزيدة، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «إلاَّ لَهَا» بإسقاطها، والزيادة ليست بالسهلةِ.
الثالث: أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة؛ تأكيداً، قال الزمخشريُّ: والجملة واقعة صفة ل «قَرْيَةٍ» ، والقياس: ألاَّ تتوسط هذه الواو بينهما؛ كما قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] وإنما توسَّطت، لتأكيد لصُوقِ الصفة بالموصوف؛ كما تقول: «جَاءنِي زيْدٌ عليْهِ ثَوبهُ، وجَاءنِي وعليْهِ ثوْبهُ» .
وقد تبع الزمخشري في ذلك أبا البقاء، وقد سبق له ذلك أيضاً في البقرة عند قوله: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216] .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ: «ولا نعلم أحداً قاله من النَّحويين» .
قال شهاب الدين: وفي محفوظِي أنَّ ابن جنّي سبقهما إلى ذلك» .
ثم قال أبو حيان: «وهو مبنيٌّ على جواز أنَّ ما بعد» إلاَّ «يكون صفة؛ وقد منعوا ذلك» .
قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف ب «إلا» ، ثم قال: وأما نحو: «مَا جَاءَنِي رجٌلٌ إلاَّ راكِبٌ» على تقدير: إلاَّ رجلٌ راكبٌ، ففيه قُبح؛ لجعلك الصفة كالاسم.
وقال أبو علي: تقول ما مررتُ بأحَدٍ إلاَّ قائماً، وقائماً حالٌ، ولا تقول: إلاَّ قائمٌ؛ لأنَّ» إلاَّ «لا تعترض بين الصِّفة والموصوف.
قال ابن مالكٍ: وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشريُّ في قوله» مَا مَررْتُ بأحَدٍ إلاَّ زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْهُ «: إنَّ الجملة بعد» إلاَّ «صفة ل» أحَدٍ» : إنه مذهبٌ لا يعرف لبصريِّ، ولا كوفي فلا يلتفت إليه، وأبطل قوله: «إنَّ الواو توسَّطت لتأكيد لصوف الصفة بالموصوف» .
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: قولُ الزمخشريِّ قويٌّ من حيث القياس؛ فإنَّ الصفة في المعنى كالحال، وإن كان بينهما فرقٌ من بعض الوجوه.
فكما أنَّ الواو تدخل على الجملة الواقعة حالاً؛ كذلك تدخل عليها واقعة صفة، ويقويه أيضاً [نصره] به من الآية الأخرى في قوله: ﴿مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] . ويقويه أيضاً: قراءة ابن أبي عبلة المتقدمة، وقال منذرُ بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ، هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى:
﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73] .
فصل
لما توعد مكذِّبي الرسل بقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ الآية أتبعه بما يؤكد الزجر، وهو قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ في الهلاك والعذاب، أي: أجلٌ مضروبٌ، لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه، والمراد بهذا الهلاك: عذاب الاستئصال، وقيل: الموتُ.
قال القاضي: والأول أقرب؛ لأنه أبلغ في الزَّجر، فبيَّن تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغترَّ به العاقل. وقيل: المراد بالهلاك مجموع الأمرين.
قوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ «مِنْ أمةٍ» فاعل «تَسْبِقُ» ، و «مِنْ» مزيدة للتأكيد؛ كقولك: ما جَاءنِي من أحَدٍ.
قال الواحدي: «وقيل: ليست بزائدةٍ؛ لأنَّها تفيد التبعيض، أي: هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة، فيكون ذلك في إفادة عموم النَّفي، آكد» .
قال الزمخشري: «معنى:» سَبَقَ «: إذا كان واقعاً على شخصٍ، كان معناه أنَّه [جاز] ، وخلف؛ كقولك: سَبَقَ زيدٌ عمْراً، أي: جَاوزَهُ وخَلفهُ وراءهُ، ومعناه: أنه قصَّر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمانٍ، كان بالعكس في ذلك، كقولك: سَبٌ فُلانٌ عام كذا، معناه: أنه مضى قبل إتيانه، ولم يبلغه، فقوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ معناه: أنه لا يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل في ذلك الوقت بعينه» .
وحمل على لفظ «أمََّةٍ» في قوله: «أجَلهَا» ، فأفرد وأنَّث، وعلى معناها في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ، فجمع وذكَّر، وحذف متعلق «يَسْتَأخِرُون» وتقديره: عنه؛ للدلالة عليه، ولوقوعه فاصلاً.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ كل من ما أو قتل، فإنما مات بأجله، وأنَّ من قال: يجوز أن يموت قبل أجله مخطىء.
قوله: «وقَالُوا» ، يعنى مشركي مكَّة ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ ، أي: القرآن، وأراد به محمداً صلى الله وعليه وسلم.
والعامة على: «نُزِّلَ» مشدَّداً، مبنيًّا للمفعول، وقرأ زيد بن علي: «نَزلَ» ، مخفََّاً مبنيًّا للفاعل.
﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ وذكروا نزول الذِّكر؛ استهزاء، وإنما وصفوه بالجنون، إما لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان يظهر عليه عند نزول الوحي، حالةٌ شبيهةٌ بالغشي؛ فظنُّوا أنَّها جنونٌ، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: 184] .
وإما لأنه كانا يستبعدون كونه رسولاً حقًّا من عند الله؛ لأن الرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره، فربما قال: به جنون.
قوله: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ ، «لَوْ مَا» : حرف تحضيضٍ؛ ك «هَلاًّ» ، وتكون أيضاً حرف امتناع لوجودٍ، وذلك كما أنَّ «لولا» متردَّدةٌ بين هذين المعنيين، وقد عرف الفرق بينهما، وهو أنَّ التحضيضيَّة لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً أو مضمراً؛ كقوله: [الطويل]
3263 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَوْلاَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَا
والامتناعية لا يليها إلا الأسماء: لظفاً أو تقديراً عند البصريين.
وقوله: [الوافر]
3264 - ولَوْلاَ يَحْسِبُونَ الحِلْمَ عَجْزاً ... لمَا عَدِمَ المُسِيئُونَ احْتِمَالِي
مؤولٌ؛ خلافاً للكوفيين.
فمن مجيء «لَوما» حرف امتناعٍ قوله: [البسيط]
3265 - لَوْمَا الحيَاءُ ولَوْمَا الدِّينُ عِبْتُكمَا ... بِبعْضِ ما فِيكُمَا إذْ عِبْتُما عَورِي
واختلف فيها: هل هي بسيطة أم مركبة؟ .
فقال الزمخشري: «لَوْ» ركبت مع «لا» ، ومع «مَا» ؛ لمعنيين، وأمَّا «هَلْ» فلم تركَّب إلاَّ مع «لا» وحدها؛ للتحضيض.
واختلف أيضاً في «لَوْمَا» هل هي أصلٌ بنفسها، أم فرعٌ على «لَوْلاَ» وأنَّ الميم مبدلة من اللام، كقولهم: خاللته، خالمته، فهو خِلِّي وخِلْمِي، أي: صديقي.
وقالوا: استولى على كذا، [واسْتَوَى] عليه؛ بمعنًى، خلاف مشهور، وهذه الجملة من التحضيض، دالةٌ على جواب الشرط بعدها.
فصل في معنى الآية
المعنى: لو كنت صادقاً في أدَّعائك النُّبوَّة، لأتيتنا بملائكة يشهدون عندنا بصدقكم فيما تدَّعيه من الرسالة؛ ونظيره قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَقَالُواْ لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر﴾ [الأنعام: 8] ويحتمل أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا خوَّفهُم بنزول العذاب، قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة الذين ينزلون العذاب، وهو المراد من قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب﴾ [العنكبوت: 53] .
ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾ فإذا كان المراد الأول، كان تقرير الجواب: أنَّ إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحقِّ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار، أنه لو أنزل عليهم ملائكة، لبقوا مصرِّين على كفرهم، فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً، ولا يكون حقًّا، فلهذا السبب ما أنزل الله تعالى الملائكة.
قال المفسرون: المراد بالحق هنا الموت، أي: لا ينزلون إلا بالموتِ، أو بعذابٍ الاستئصال، ولم يبق بعد نزولهم إنظارٌ، ولا إمهال، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة؛ فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، وإن كان المراد استعجالهم بنزول العذاب فتقرير الجواب: أنَّ الملائكة لا تنزل إلاَّ بعذاب الاستئصال، ولا تفعل بأمَّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك؛ بل يمهلهم لما علم من إيمان بعضهم، ومن إيمان أولاد الباقين.
قوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة﴾ ، قرأ أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «ما تُنزَّلُ» بضمِّ التاء، وفتح النون، والزاي مشدَّدة، مبنيًّا للمفعول، «المَلائِكةُ» : مرفوعاً لقيامه مقام فاعله، وهو موافقٌ لقوله تعالى:
﴿وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: 25] ؛ لأنها لا تنزل إلاَّ بأمر من الله تعالى فغيرها هو المنزِّلُ لها، وهو الله تعالى.
وقرأ الأخوان، وحفص: بضمِّ النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الزاي مشددة مبنيًّا للفاعل المعظم نفسه وهو الباري جل ذكره. «المَلائِكةَ» ، نصباً: مفعول به؛ وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة﴾ [الأنعام: 111] ، ويناسب قوله قبل ذلك: «ومَا أهْلَكْنَا» ، وقوله بعده: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ [الحجر: 9] ، وما بعده من ألفاظ التَّعظيم.
والباقون من السبعة ما تنزَّلُ بفتح التاء والنون والزاي مشددة، و «المَلائِكةُ» مرفوعة على الفاعلية، والأصل: تَتنَزَّلُ، بتاءين، فحذفت إحداهما، وقد تقدم تقريره في: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 152] ، ونحوه، وهو موافق لقوله سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا﴾ [القدر: 4] .
وقرأ زيد بن علي: «مَا نَزلَ» مخففاً مبنيًّا للفاعل، و «الملائكةُ» مرفوعة على الفاعلية، وهو كقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعرا: 193] .
قوله: ﴿إِلاَّ بالحق﴾ يجوز تعلقه بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول، أي: ملتبسين بالحق، وجعله الزمخشري رَحِمَهُ اللَّهُ نعتاً لمصدر محذوف، أي: إلاَّ تنزُّلاً ملتبساً بالحقِّ.
قوله «إذَنْ» قال الزمخشري: «إذَنْ حرف جواب وجزاء؛ لأنها جواب لهم، وجزاء الشرط مقدر، تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، وما أخر عذابهم» .
قال صاحب النظم: «لفظة» إذَنْ «مركبة من» إذْ» ، وهو اسم بملنزلة «حِينَ» ؛ تقول: أتيتك إذْ جِئْتنِي، أي: حِينَ جِئْتنِي، ثم ضم إليه» إنْ «فصار: ِإذْ أنْ، ثما استثقلوا الهمزة؛ فحذفوها، فصار» إذَنْ «، ومجيْ لفظة» أنْ «دليل على إضمار فعلٍ بعدها، والتقدير: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا» .
قوله: «نَحْنُ» إما مبتدأ، وإما تأكيدٌ، ولا يكون فصلاً؛ لأنه لم يقع بين اسمين، والضمير «لَهُ» للذكر، وهو الظاهرُ، وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه قاله الفراء، وقوَّاه ابن الأنباري، قال: لما ذكر الله الإنزال، والمنزل، دلَّ ذلك على المنزل عليه، فحسنت الكناية عنه؛ لكونه أمراً معلوماً، ك ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: 1] فإنَّ هذه الكناية عائد على القرآن، مع أنه لم يتقدم ذكره؛ وإنما حسنت الكناية لسبب معلوم، فكذا هاهنا، والأول أوضحُ» .
فإذا قلنا: الكناية عائدة إلى القرآن، فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن؟ .
فقيل: بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر يعجز الخلق عن الزيادة، والنقصان فيه، بحيث لو زادوا فيه أو نقصوا عنه، بغير نظم القرآن.
وقيل: صانه، وحفظه من أن يقدر أحدٌ من الخلق على معارضته.
وقيل: قيَّض جماعة يحفظونه، ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاءِ التكليفِ.
وقيل: المراد بالحفظِ: هو أنَّه لو أنَّ احداً حاول تغيير حرفٍ أو نقطةٍ، لقال له أهل الدنيا: هذا كذب، وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتَّفق له لحنٌ أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان: أخطأت أيُّها الشيخ، واعلم أنه لم يتفق لشيءٍ من الكتب مثل هذه الحفظ؛ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف، والتحريف، والتغيير، إما في الكثير منه، أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التَّحريف، مع أنَّ دواعي الملاحدة، واليهود، والنصارة، متوفرة على أبطاله وإفساده، فذلك من أعظم المعجزات.
فإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف، وقد وعد الله عَزَّ وَجَلَّ بحفظه وما حفظ الله عَزَّ وَجَلَّ فلا خوف عليه؟ .
فالجواب: أنَّ جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه، فيَّضهم لذلك، وفي الآية دلالةٌ قويةٌ على كون البسملةِ آية من كل سورة؛ لأن الله تبارك وتعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظُ لا معنى له إلاَّ أن يبقى مصُوناً عن التغيير وعن الزيادة، وعن النقصان فلو لو تكن التسمية آية من القرآن، لما كان مصوناً من التغيير والزيادة، ولو جاز أن يظنَّ بالصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنهم زادوا، لجاز أيضاً أن يظنَّ بهم النقصان؛ وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجَّة، وهذا لا دليل فيه؛ لأن أسماء السور أيضاً مكتوبةٌ معهم في المصحف، وليست من القرآن بالأجماع.
الحجر 15:8
سورة الحجر مكية بالإجماع. وهي تسع وتسعون آية، وستمائة وأربعة وخمسون كلمة، وعدد حروفها: ألفان وتسعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ال ? رَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ تقدَّم نظير ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أول الرعد، والإشارة ب «تِلْكَ» إلى ما تظمنته السورة من الآيات، ولم يذكر الزمشخريُّ غيره.
وقيل: إشارة إلى الكتاب السالف، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك آياتُ ذلك الكتاب الكالم في كونه كتاباً، وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
والمراد ب «الكِتَابِ» وال «قُرآن المبينِ» : الكمتاب الذي وعد به محمد صلوات الله وسلام عليه، أي: مبين الحلال من الحرامِ، والحقَّ من الباطل.
فإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب، ثم مقال: «وقُرْءَانٍ» ، وكلاهما واحدٌ؟ .
قيل: كلُّ واحدٍ يفيد فائدة أخرى؛ فإنَّ الكتاب ما يكتبُ، والقرآن ما يجمع بضعه إلى بعض.
وقيل: المراد ب «الكِتَابِ» التَّوراةُ والإنجيلُ، فيكون اسم جنسٍ، وبال «قرآن» : هذا الكتاب.
قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ﴾ في «رُبَّ» قولان:
أحدهما: أنها حرف جرٍِّ، وزعم الكوفيُّون، وأبو الحسنِ، ابنُ الطَّراوة: أنها اسمٌ، ومعناها: التَّقليلُ على المشهور.
وقيل: تفيد التكثير في مواضع الاتفخار؛ كقوله: [الطويل]
3253 - فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهوْتَُ ولَيْلةٍ ... بآنِسَةٍ كأنَّها خَطُّ تِمْثَالِ
وقد أجيب عن ذلك: بأنها لتقليل النَّظير.
وفيها سبعة عشرة لغة وهي:
«رُبَّ» بضمِّ الراءِ وفتحها كلاهما مع تشديتد الباء، وتخفيفها، فهذه أربع، ورويت بالأوجه الأربعة، مع تاء التأنيث المتحركة، و «رُب» بضم الراء وفتحها مع إسكان الباء، و «رُبُّ» بضم الراء وةالباء معاً مشددة ومخففة، و «رُبَّت» .
وأشهرها: «رُبَّ» بالضم والتشديد والتخفيف، وبالثانية قرأ عاصمٌ ونافعٌ وباتصالها بتاء التأنيث، قرأ طلحة بن مصروف، وزيد بن علي: «رُبَّتما» ، ولها أحكام كثيرة:
منها: لزوم تصديرها، ومنها تنكير مجرورها؛ وقوله: [الخفيف]
3254 - رُبَّما الجَاملِ المُؤبل فِيهمْ ... وعَناجيجُ بَينهُنَّ المَهارِي
ضرورة في رواية من جرَّ «الجَاملِ» .
ويجر ضمير لازم التفسير بعده، ويستغنى بتثنيتها وجمعها، وتأنيثها عن تثنية الضمير، وجمعه، وتأنيثه؛ كقوله: [البسيط]
3255 - ... ... ... ... ... ... ... . ... ورُبَّهُ عَطِباً أنْقَذْتَ مِنْ عَطَبِهْ
والمطابقة؛ نحو: ربَّهُما رجُلَيْنِ، نادر، وقد يعطف على مجرورها ما أضيف إلى ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورهنا؛ ومضيُّ ما يتعلق به على ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورها؛ ومضيُّ ما يتعلق به على خلاف، والصحيح عندم ذلك؛ فمن مجيئه غير موصوف قول هند: [مجزوء الكامل]
3256 - يَا رُبَّ قائلةٍ غَدًا ... يَا لَهْفَ أم مُعاوِيًَه
ومن مجيء المستقبل، قوله: [الوافر]
3257 - فَإن أهْلِكَ فرُبَّ فتًى سَيَبْكِي ... عَليَّ مُهذَّبٍ رَخْصِ البَنانِ
وقول هند: [مجزوء الكامل]
3258 - يَا رُبَّ قَائلةٍ غَداً..... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقول سليم: [الطويل]
3259 - ومُعْتَصِمٍ بالحيِّ من خَشْيَةِ الرَّدَى ... سَيَرْدَى وغَازٍ مُشفِقٍ سَيَئُوبُ
فإن حرف التنفيس، و «غداً» خلَّصاه للاستقبال.
و «رُبَّ» تدخل على الاسم، و «رُبَّما» على الفعل، ويقال: ربَّ رجُلٍ جَاءنِي، ورُبَّما جَاءنِي.
و «ما» في «رُبمَا» ، تحتمل وجهين:
أظهرهما: أنها المهيئة، بمعنى أنَّ «رُبَّ» مختصة بالأسماءِ، فلما جاءت هنا «ما» هيَّأت دخولها على الأفعال وقد تقدم نظير ذلك [يونس: 27] في «إنَّ» وأخواتها ويكفها أيضاً عن العمل؛ كقوله: [الخفيف]
3260 - رُبَّما الجَامِلُ المُؤبَّلش فِيهِمْ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
في رواية من رفعه كما جرى ذلك في كاف التشبيه.
والثاني: أنَّ «مَا» نكرة موصوفة بالجملة الواقعة بعدها، والعائد على «ما» محذوف تقديره: ربَّ شيء يوده الذين كفروا، ومن لم يلتزم مضيَّ متعلقها، لم يحتج إلى تأويل، ومن التزم ذلك قال: لأن المترقب في إخبار الله تعالى واقعٌ لا محالة، فعبَّر عنه بالماضي، تحقيقاً لوقوعه؛ كقوله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] ونحوه.
قوله: «لَوْ كَانُوا» يجوز في «لَوْ» وجهان: أحدهما: أن تكون الامتناعيَّة، وحينئذ، يكون جوابها محذوفاً، تقديره لو كانُوا مسلمين لسرُّوا أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول «يوَدُّ» محذوف على هذا التقدير، أي: ربما يودُّ الذين كفروا النجاة، دلَّ عليه الجملة الامتناعية.
والثاني: أنَّها مصدرية عند من يرى ذلك، كما تقدم تقريره في البقرة [البقرة: 96] ؛ وحنيئذ يكون هذا المصدر المؤولُ هو المفعول للودادة، أي: يودُّون كونه مسلمين، إن جعلنا «ما» كافة، وإن جعلناها نكرة، كانت «لَوْ» وما في حيِّزها بدلاً من «مَا» .
فصل
المعنى: يتمنَّى الذين كفورا لو كانوا مسلمين، واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها.
قال الضحاك: حال المعاينة.
وقيل: يوم القيامة.
والمشهور: أنه حين يخرجُ الله المؤمنين من النار.
روى أبو موسى الأشعريُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إذَا اجْتمعَ أهْلُ النَّار في النَّارِ، ومعهُمْ من شَاءَ اللهُ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ، قال الكفَّارُ لمِنْ في النَّار من أهْلِ القِبْلةِ: ألَسْتُم مُسْلمينَ؟ قالوا: بَلى، قالوا: فَمَا أغْنَى عَنْكُم إسْلامكُم، وأنْتُمْ معنا في النَّارِ، قالوا: كَانَتْ لنَا ذُنوبٌ فأُخِذْنَا بِهَا، [فيغفر] الله لَهُمْ، بِفضْلِ رَحْمتهِ، فيَأمرُ بإخْراجِ كُلِّ مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ في النَّار، فيَخْرجُونَ مِنْهَا، فحنيئذٍ يودُّ الذين كفروا لَوْ كَانُوا مُسْلمينَ» .
فإن قيل: «رُبمَا» للتقليل، وهذا التَّمني يكثر من الكفار.
فالجواب: أنَّ «رُبمَا» يراد بها التكثير، والمقصود إظهار الترفع، والاستغناءُ عن التَّصريح بالغرض؛ فيقولون: ربَّما نَدمتُ على ما فعلتُ، ولعلَّكَ تَندمُ على فِعلِكَ؛ إذا كان العلمُ حَاصلاً بكثر النَّدمِ، قال: [البسيط]
3261 - أتْرك القِرْنَ مُصْفرًّا أنَاملهُ..... ... ... ... ... ... ... ... . .
وقيل: التقليل أبلغ في التهديد، والمعنى: أنَّ قليل الندم كافٍ في الزجر عن هذا العمل، فكيف كثره؟ .
وقيل: إنْ شغلهم بالعاذب لا يفزعهم للندامة فيخطر ذلك ببالهم أحياناً.
فإن قيل: إذا كان أهل القيامةِ، يتمنَّون أمثال هذه الأحوال، وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقلُّ ثوابه عن درجةِ المؤمنِ الذي يكثر ثوابه، والمُتمنِّي لما لم يجده يكونُ في الغصَّة وتَألُّمِ القلبِ.
فالجواب: أحوالُ أهل الآخرةِ، لا تقاس بأحوال الدنيا؛ فإن الله تعالى يُرضي كُلَّ واحدٍ بما هو فيه، وينزع عن قلوبهم الحسد، وطلب الزيادتِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: 47] .
قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ [الحجر: 3] الآية، أي دعْ يا محمد، الكفَّار يأخذوةا حفوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرةِ، ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ يشغلهم «الأملًُ» عن الأخذ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا [وردوا] القيامة، وذاقوا وبال [صنعهم] وهذا تهديدٌ ووعيدٌ.
وقال بعض العلماء: «ذَرْهُمْ» ، تهديدٌ، و ﴿سَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ، تهديدٌ آخر، فمتى يهدأ العيش بين تهديدين؟! والآية نسختها آية القتالِ.
قوله: «وذَرْهُمْ» ، هذا الأمرُ لا يستعمل له ماضٍ إلا قليلاً؛ استغناءً عنه ب «تَرَكَ» ، بل يستعمل منه المضارع نحو: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: 186] ، ومن مجيء الماضي قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «ذَرُوا لحَبشَة ما وَذَرتْكُم» ، ومثله: دَعْ ويَدَعْ، ولا يقال: ودَعَ إلا نادراً، وقد قرىء: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ [الضحى: 3] مخففاً؛ وأنشدوا: [الرمل]
3262 - أسَلْ أمِيري مَا الذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصَالِي اليَوْمَ حتَّى وَدَعهْ؟ و «يَأكلُوا» مجزومٌ على جواب الأمر، وقد تقدم [البقرة: 17، 278] أنَّ «تَرَكَ» و «وَذرَ» يكونان بمعنى «صيَّر» ، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي: ذرهُم مهملين.
قوله تعالى: ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمل﴾ ، يقال: لهيتُ عن الشَّيء ألهي لُهِيَّا؛ جاء في الحديث: أنَّ ابن الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كان إذا سمع صوت الرَّعدِ لَهِيَ عن الحديث» .
قال الكسائيُّ، والأصمعيُّ: كلُّ شيءٍ تركتهُ، فقد لهيتهُ؛ وأنشد: [الكامل]
3262 - ب صَرمتْ حِبالَكَ فالْهَ عَنْهَا زَيْنَبُ ... أي: اتركها، وأعرض عنها.
فصل في سبب شقاء العبد
قال القرطبي: أربعةٌ من الشقاءِ؛ جمودُ العين، وقساوة القلبِ، وطُولُ الأملِ، والحرصُ على الدُّنيا.
فطُول الأملِ: داء عضالٌ، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داءٌ، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطبَّاء، ويئس من بُرئه الحكماء والعلماء.
وحقيقة الأمل: الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحبُّ لها، والإعراض عن الآخرة، قال صلوات الله وسلامه عليه: «نَجَا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليَقِينِ والزُّهْدِ، ويهْلِكُ آخِرُهَا بالبُخْلِ والأمَلِ» .
وقال الحسن: ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل.
قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ ، أي: من أهل قرية، ﴿إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ﴾ فيه أوجه:
أظهرها: أنها واو الحال، ثم لك اعتباران:
أحدهما: أن تجعل الحال وحدها الجارَّ، ويرتفع «كِتَابٌ» به فاعلاً.
والثاني: أن تجعل الجارَّ مقدماً، و «كِتَابٌ» مبتدأ، والجملة حالٌ، وهذه الحال لازمةٌ.
الوجه الثاني: أنَّ الواو مزيدة، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «إلاَّ لَهَا» بإسقاطها، والزيادة ليست بالسهلةِ.
الثالث: أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة؛ تأكيداً، قال الزمخشريُّ: والجملة واقعة صفة ل «قَرْيَةٍ» ، والقياس: ألاَّ تتوسط هذه الواو بينهما؛ كما قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] وإنما توسَّطت، لتأكيد لصُوقِ الصفة بالموصوف؛ كما تقول: «جَاءنِي زيْدٌ عليْهِ ثَوبهُ، وجَاءنِي وعليْهِ ثوْبهُ» .
وقد تبع الزمخشري في ذلك أبا البقاء، وقد سبق له ذلك أيضاً في البقرة عند قوله: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216] .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ: «ولا نعلم أحداً قاله من النَّحويين» .
قال شهاب الدين: وفي محفوظِي أنَّ ابن جنّي سبقهما إلى ذلك» .
ثم قال أبو حيان: «وهو مبنيٌّ على جواز أنَّ ما بعد» إلاَّ «يكون صفة؛ وقد منعوا ذلك» .
قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف ب «إلا» ، ثم قال: وأما نحو: «مَا جَاءَنِي رجٌلٌ إلاَّ راكِبٌ» على تقدير: إلاَّ رجلٌ راكبٌ، ففيه قُبح؛ لجعلك الصفة كالاسم.
وقال أبو علي: تقول ما مررتُ بأحَدٍ إلاَّ قائماً، وقائماً حالٌ، ولا تقول: إلاَّ قائمٌ؛ لأنَّ» إلاَّ «لا تعترض بين الصِّفة والموصوف.
قال ابن مالكٍ: وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشريُّ في قوله» مَا مَررْتُ بأحَدٍ إلاَّ زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْهُ «: إنَّ الجملة بعد» إلاَّ «صفة ل» أحَدٍ» : إنه مذهبٌ لا يعرف لبصريِّ، ولا كوفي فلا يلتفت إليه، وأبطل قوله: «إنَّ الواو توسَّطت لتأكيد لصوف الصفة بالموصوف» .
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: قولُ الزمخشريِّ قويٌّ من حيث القياس؛ فإنَّ الصفة في المعنى كالحال، وإن كان بينهما فرقٌ من بعض الوجوه.
فكما أنَّ الواو تدخل على الجملة الواقعة حالاً؛ كذلك تدخل عليها واقعة صفة، ويقويه أيضاً [نصره] به من الآية الأخرى في قوله: ﴿مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] . ويقويه أيضاً: قراءة ابن أبي عبلة المتقدمة، وقال منذرُ بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ، هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى:
﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73] .
فصل
لما توعد مكذِّبي الرسل بقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ الآية أتبعه بما يؤكد الزجر، وهو قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ في الهلاك والعذاب، أي: أجلٌ مضروبٌ، لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه، والمراد بهذا الهلاك: عذاب الاستئصال، وقيل: الموتُ.
قال القاضي: والأول أقرب؛ لأنه أبلغ في الزَّجر، فبيَّن تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغترَّ به العاقل. وقيل: المراد بالهلاك مجموع الأمرين.
قوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ «مِنْ أمةٍ» فاعل «تَسْبِقُ» ، و «مِنْ» مزيدة للتأكيد؛ كقولك: ما جَاءنِي من أحَدٍ.
قال الواحدي: «وقيل: ليست بزائدةٍ؛ لأنَّها تفيد التبعيض، أي: هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة، فيكون ذلك في إفادة عموم النَّفي، آكد» .
قال الزمخشري: «معنى:» سَبَقَ «: إذا كان واقعاً على شخصٍ، كان معناه أنَّه [جاز] ، وخلف؛ كقولك: سَبَقَ زيدٌ عمْراً، أي: جَاوزَهُ وخَلفهُ وراءهُ، ومعناه: أنه قصَّر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمانٍ، كان بالعكس في ذلك، كقولك: سَبٌ فُلانٌ عام كذا، معناه: أنه مضى قبل إتيانه، ولم يبلغه، فقوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ معناه: أنه لا يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل في ذلك الوقت بعينه» .
وحمل على لفظ «أمََّةٍ» في قوله: «أجَلهَا» ، فأفرد وأنَّث، وعلى معناها في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ، فجمع وذكَّر، وحذف متعلق «يَسْتَأخِرُون» وتقديره: عنه؛ للدلالة عليه، ولوقوعه فاصلاً.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ كل من ما أو قتل، فإنما مات بأجله، وأنَّ من قال: يجوز أن يموت قبل أجله مخطىء.
قوله: «وقَالُوا» ، يعنى مشركي مكَّة ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ ، أي: القرآن، وأراد به محمداً صلى الله وعليه وسلم.
والعامة على: «نُزِّلَ» مشدَّداً، مبنيًّا للمفعول، وقرأ زيد بن علي: «نَزلَ» ، مخفََّاً مبنيًّا للفاعل.
﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ وذكروا نزول الذِّكر؛ استهزاء، وإنما وصفوه بالجنون، إما لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان يظهر عليه عند نزول الوحي، حالةٌ شبيهةٌ بالغشي؛ فظنُّوا أنَّها جنونٌ، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: 184] .
وإما لأنه كانا يستبعدون كونه رسولاً حقًّا من عند الله؛ لأن الرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره، فربما قال: به جنون.
قوله: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ ، «لَوْ مَا» : حرف تحضيضٍ؛ ك «هَلاًّ» ، وتكون أيضاً حرف امتناع لوجودٍ، وذلك كما أنَّ «لولا» متردَّدةٌ بين هذين المعنيين، وقد عرف الفرق بينهما، وهو أنَّ التحضيضيَّة لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً أو مضمراً؛ كقوله: [الطويل]
3263 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَوْلاَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَا
والامتناعية لا يليها إلا الأسماء: لظفاً أو تقديراً عند البصريين.
وقوله: [الوافر]
3264 - ولَوْلاَ يَحْسِبُونَ الحِلْمَ عَجْزاً ... لمَا عَدِمَ المُسِيئُونَ احْتِمَالِي
مؤولٌ؛ خلافاً للكوفيين.
فمن مجيء «لَوما» حرف امتناعٍ قوله: [البسيط]
3265 - لَوْمَا الحيَاءُ ولَوْمَا الدِّينُ عِبْتُكمَا ... بِبعْضِ ما فِيكُمَا إذْ عِبْتُما عَورِي
واختلف فيها: هل هي بسيطة أم مركبة؟ .
فقال الزمخشري: «لَوْ» ركبت مع «لا» ، ومع «مَا» ؛ لمعنيين، وأمَّا «هَلْ» فلم تركَّب إلاَّ مع «لا» وحدها؛ للتحضيض.
واختلف أيضاً في «لَوْمَا» هل هي أصلٌ بنفسها، أم فرعٌ على «لَوْلاَ» وأنَّ الميم مبدلة من اللام، كقولهم: خاللته، خالمته، فهو خِلِّي وخِلْمِي، أي: صديقي.
وقالوا: استولى على كذا، [واسْتَوَى] عليه؛ بمعنًى، خلاف مشهور، وهذه الجملة من التحضيض، دالةٌ على جواب الشرط بعدها.
فصل في معنى الآية
المعنى: لو كنت صادقاً في أدَّعائك النُّبوَّة، لأتيتنا بملائكة يشهدون عندنا بصدقكم فيما تدَّعيه من الرسالة؛ ونظيره قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَقَالُواْ لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر﴾ [الأنعام: 8] ويحتمل أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا خوَّفهُم بنزول العذاب، قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة الذين ينزلون العذاب، وهو المراد من قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب﴾ [العنكبوت: 53] .
ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾ فإذا كان المراد الأول، كان تقرير الجواب: أنَّ إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحقِّ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار، أنه لو أنزل عليهم ملائكة، لبقوا مصرِّين على كفرهم، فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً، ولا يكون حقًّا، فلهذا السبب ما أنزل الله تعالى الملائكة.
قال المفسرون: المراد بالحق هنا الموت، أي: لا ينزلون إلا بالموتِ، أو بعذابٍ الاستئصال، ولم يبق بعد نزولهم إنظارٌ، ولا إمهال، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة؛ فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، وإن كان المراد استعجالهم بنزول العذاب فتقرير الجواب: أنَّ الملائكة لا تنزل إلاَّ بعذاب الاستئصال، ولا تفعل بأمَّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك؛ بل يمهلهم لما علم من إيمان بعضهم، ومن إيمان أولاد الباقين.
قوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة﴾ ، قرأ أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «ما تُنزَّلُ» بضمِّ التاء، وفتح النون، والزاي مشدَّدة، مبنيًّا للمفعول، «المَلائِكةُ» : مرفوعاً لقيامه مقام فاعله، وهو موافقٌ لقوله تعالى:
﴿وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: 25] ؛ لأنها لا تنزل إلاَّ بأمر من الله تعالى فغيرها هو المنزِّلُ لها، وهو الله تعالى.
وقرأ الأخوان، وحفص: بضمِّ النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الزاي مشددة مبنيًّا للفاعل المعظم نفسه وهو الباري جل ذكره. «المَلائِكةَ» ، نصباً: مفعول به؛ وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة﴾ [الأنعام: 111] ، ويناسب قوله قبل ذلك: «ومَا أهْلَكْنَا» ، وقوله بعده: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ [الحجر: 9] ، وما بعده من ألفاظ التَّعظيم.
والباقون من السبعة ما تنزَّلُ بفتح التاء والنون والزاي مشددة، و «المَلائِكةُ» مرفوعة على الفاعلية، والأصل: تَتنَزَّلُ، بتاءين، فحذفت إحداهما، وقد تقدم تقريره في: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 152] ، ونحوه، وهو موافق لقوله سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا﴾ [القدر: 4] .
وقرأ زيد بن علي: «مَا نَزلَ» مخففاً مبنيًّا للفاعل، و «الملائكةُ» مرفوعة على الفاعلية، وهو كقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعرا: 193] .
قوله: ﴿إِلاَّ بالحق﴾ يجوز تعلقه بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول، أي: ملتبسين بالحق، وجعله الزمخشري رَحِمَهُ اللَّهُ نعتاً لمصدر محذوف، أي: إلاَّ تنزُّلاً ملتبساً بالحقِّ.
قوله «إذَنْ» قال الزمخشري: «إذَنْ حرف جواب وجزاء؛ لأنها جواب لهم، وجزاء الشرط مقدر، تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، وما أخر عذابهم» .
قال صاحب النظم: «لفظة» إذَنْ «مركبة من» إذْ» ، وهو اسم بملنزلة «حِينَ» ؛ تقول: أتيتك إذْ جِئْتنِي، أي: حِينَ جِئْتنِي، ثم ضم إليه» إنْ «فصار: ِإذْ أنْ، ثما استثقلوا الهمزة؛ فحذفوها، فصار» إذَنْ «، ومجيْ لفظة» أنْ «دليل على إضمار فعلٍ بعدها، والتقدير: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا» .
قوله: «نَحْنُ» إما مبتدأ، وإما تأكيدٌ، ولا يكون فصلاً؛ لأنه لم يقع بين اسمين، والضمير «لَهُ» للذكر، وهو الظاهرُ، وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه قاله الفراء، وقوَّاه ابن الأنباري، قال: لما ذكر الله الإنزال، والمنزل، دلَّ ذلك على المنزل عليه، فحسنت الكناية عنه؛ لكونه أمراً معلوماً، ك ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: 1] فإنَّ هذه الكناية عائد على القرآن، مع أنه لم يتقدم ذكره؛ وإنما حسنت الكناية لسبب معلوم، فكذا هاهنا، والأول أوضحُ» .
فإذا قلنا: الكناية عائدة إلى القرآن، فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن؟ .
فقيل: بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر يعجز الخلق عن الزيادة، والنقصان فيه، بحيث لو زادوا فيه أو نقصوا عنه، بغير نظم القرآن.
وقيل: صانه، وحفظه من أن يقدر أحدٌ من الخلق على معارضته.
وقيل: قيَّض جماعة يحفظونه، ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاءِ التكليفِ.
وقيل: المراد بالحفظِ: هو أنَّه لو أنَّ احداً حاول تغيير حرفٍ أو نقطةٍ، لقال له أهل الدنيا: هذا كذب، وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتَّفق له لحنٌ أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان: أخطأت أيُّها الشيخ، واعلم أنه لم يتفق لشيءٍ من الكتب مثل هذه الحفظ؛ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف، والتحريف، والتغيير، إما في الكثير منه، أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التَّحريف، مع أنَّ دواعي الملاحدة، واليهود، والنصارة، متوفرة على أبطاله وإفساده، فذلك من أعظم المعجزات.
فإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف، وقد وعد الله عَزَّ وَجَلَّ بحفظه وما حفظ الله عَزَّ وَجَلَّ فلا خوف عليه؟ .
فالجواب: أنَّ جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه، فيَّضهم لذلك، وفي الآية دلالةٌ قويةٌ على كون البسملةِ آية من كل سورة؛ لأن الله تبارك وتعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظُ لا معنى له إلاَّ أن يبقى مصُوناً عن التغيير وعن الزيادة، وعن النقصان فلو لو تكن التسمية آية من القرآن، لما كان مصوناً من التغيير والزيادة، ولو جاز أن يظنَّ بالصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنهم زادوا، لجاز أيضاً أن يظنَّ بهم النقصان؛ وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجَّة، وهذا لا دليل فيه؛ لأن أسماء السور أيضاً مكتوبةٌ معهم في المصحف، وليست من القرآن بالأجماع.
الحجر 15:9
سورة الحجر مكية بالإجماع. وهي تسع وتسعون آية، وستمائة وأربعة وخمسون كلمة، وعدد حروفها: ألفان وتسعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ال ? رَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ تقدَّم نظير ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أول الرعد، والإشارة ب «تِلْكَ» إلى ما تظمنته السورة من الآيات، ولم يذكر الزمشخريُّ غيره.
وقيل: إشارة إلى الكتاب السالف، وتنكير القرآن للتفخيم، والمعنى: تلك آياتُ ذلك الكتاب الكالم في كونه كتاباً، وفي كونه قرآناً مفيداً للبيان.
والمراد ب «الكِتَابِ» وال «قُرآن المبينِ» : الكمتاب الذي وعد به محمد صلوات الله وسلام عليه، أي: مبين الحلال من الحرامِ، والحقَّ من الباطل.
فإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب، ثم مقال: «وقُرْءَانٍ» ، وكلاهما واحدٌ؟ .
قيل: كلُّ واحدٍ يفيد فائدة أخرى؛ فإنَّ الكتاب ما يكتبُ، والقرآن ما يجمع بضعه إلى بعض.
وقيل: المراد ب «الكِتَابِ» التَّوراةُ والإنجيلُ، فيكون اسم جنسٍ، وبال «قرآن» : هذا الكتاب.
قوله: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ﴾ في «رُبَّ» قولان:
أحدهما: أنها حرف جرٍِّ، وزعم الكوفيُّون، وأبو الحسنِ، ابنُ الطَّراوة: أنها اسمٌ، ومعناها: التَّقليلُ على المشهور.
وقيل: تفيد التكثير في مواضع الاتفخار؛ كقوله: [الطويل]
3253 - فَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهوْتَُ ولَيْلةٍ ... بآنِسَةٍ كأنَّها خَطُّ تِمْثَالِ
وقد أجيب عن ذلك: بأنها لتقليل النَّظير.
وفيها سبعة عشرة لغة وهي:
«رُبَّ» بضمِّ الراءِ وفتحها كلاهما مع تشديتد الباء، وتخفيفها، فهذه أربع، ورويت بالأوجه الأربعة، مع تاء التأنيث المتحركة، و «رُب» بضم الراء وفتحها مع إسكان الباء، و «رُبُّ» بضم الراء وةالباء معاً مشددة ومخففة، و «رُبَّت» .
وأشهرها: «رُبَّ» بالضم والتشديد والتخفيف، وبالثانية قرأ عاصمٌ ونافعٌ وباتصالها بتاء التأنيث، قرأ طلحة بن مصروف، وزيد بن علي: «رُبَّتما» ، ولها أحكام كثيرة:
منها: لزوم تصديرها، ومنها تنكير مجرورها؛ وقوله: [الخفيف]
3254 - رُبَّما الجَاملِ المُؤبل فِيهمْ ... وعَناجيجُ بَينهُنَّ المَهارِي
ضرورة في رواية من جرَّ «الجَاملِ» .
ويجر ضمير لازم التفسير بعده، ويستغنى بتثنيتها وجمعها، وتأنيثها عن تثنية الضمير، وجمعه، وتأنيثه؛ كقوله: [البسيط]
3255 - ... ... ... ... ... ... ... . ... ورُبَّهُ عَطِباً أنْقَذْتَ مِنْ عَطَبِهْ
والمطابقة؛ نحو: ربَّهُما رجُلَيْنِ، نادر، وقد يعطف على مجرورها ما أضيف إلى ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورهنا؛ ومضيُّ ما يتعلق به على ضميره، نحو: رُبَّ رجُلٍ وأخيه، وهل يلزم وصف مجرورها؛ ومضيُّ ما يتعلق به على خلاف، والصحيح عندم ذلك؛ فمن مجيئه غير موصوف قول هند: [مجزوء الكامل]
3256 - يَا رُبَّ قائلةٍ غَدًا ... يَا لَهْفَ أم مُعاوِيًَه
ومن مجيء المستقبل، قوله: [الوافر]
3257 - فَإن أهْلِكَ فرُبَّ فتًى سَيَبْكِي ... عَليَّ مُهذَّبٍ رَخْصِ البَنانِ
وقول هند: [مجزوء الكامل]
3258 - يَا رُبَّ قَائلةٍ غَداً..... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقول سليم: [الطويل]
3259 - ومُعْتَصِمٍ بالحيِّ من خَشْيَةِ الرَّدَى ... سَيَرْدَى وغَازٍ مُشفِقٍ سَيَئُوبُ
فإن حرف التنفيس، و «غداً» خلَّصاه للاستقبال.
و «رُبَّ» تدخل على الاسم، و «رُبَّما» على الفعل، ويقال: ربَّ رجُلٍ جَاءنِي، ورُبَّما جَاءنِي.
و «ما» في «رُبمَا» ، تحتمل وجهين:
أظهرهما: أنها المهيئة، بمعنى أنَّ «رُبَّ» مختصة بالأسماءِ، فلما جاءت هنا «ما» هيَّأت دخولها على الأفعال وقد تقدم نظير ذلك [يونس: 27] في «إنَّ» وأخواتها ويكفها أيضاً عن العمل؛ كقوله: [الخفيف]
3260 - رُبَّما الجَامِلُ المُؤبَّلش فِيهِمْ..... ... ... ... ... ... ... ... ...
في رواية من رفعه كما جرى ذلك في كاف التشبيه.
والثاني: أنَّ «مَا» نكرة موصوفة بالجملة الواقعة بعدها، والعائد على «ما» محذوف تقديره: ربَّ شيء يوده الذين كفروا، ومن لم يلتزم مضيَّ متعلقها، لم يحتج إلى تأويل، ومن التزم ذلك قال: لأن المترقب في إخبار الله تعالى واقعٌ لا محالة، فعبَّر عنه بالماضي، تحقيقاً لوقوعه؛ كقوله تعالى: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: 1] ونحوه.
قوله: «لَوْ كَانُوا» يجوز في «لَوْ» وجهان: أحدهما: أن تكون الامتناعيَّة، وحينئذ، يكون جوابها محذوفاً، تقديره لو كانُوا مسلمين لسرُّوا أو تخلصوا مما هم فيه، ومفعول «يوَدُّ» محذوف على هذا التقدير، أي: ربما يودُّ الذين كفروا النجاة، دلَّ عليه الجملة الامتناعية.
والثاني: أنَّها مصدرية عند من يرى ذلك، كما تقدم تقريره في البقرة [البقرة: 96] ؛ وحنيئذ يكون هذا المصدر المؤولُ هو المفعول للودادة، أي: يودُّون كونه مسلمين، إن جعلنا «ما» كافة، وإن جعلناها نكرة، كانت «لَوْ» وما في حيِّزها بدلاً من «مَا» .
فصل
المعنى: يتمنَّى الذين كفورا لو كانوا مسلمين، واختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها.
قال الضحاك: حال المعاينة.
وقيل: يوم القيامة.
والمشهور: أنه حين يخرجُ الله المؤمنين من النار.
روى أبو موسى الأشعريُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «إذَا اجْتمعَ أهْلُ النَّار في النَّارِ، ومعهُمْ من شَاءَ اللهُ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ، قال الكفَّارُ لمِنْ في النَّار من أهْلِ القِبْلةِ: ألَسْتُم مُسْلمينَ؟ قالوا: بَلى، قالوا: فَمَا أغْنَى عَنْكُم إسْلامكُم، وأنْتُمْ معنا في النَّارِ، قالوا: كَانَتْ لنَا ذُنوبٌ فأُخِذْنَا بِهَا، [فيغفر] الله لَهُمْ، بِفضْلِ رَحْمتهِ، فيَأمرُ بإخْراجِ كُلِّ مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ القِبْلةِ في النَّار، فيَخْرجُونَ مِنْهَا، فحنيئذٍ يودُّ الذين كفروا لَوْ كَانُوا مُسْلمينَ» .
فإن قيل: «رُبمَا» للتقليل، وهذا التَّمني يكثر من الكفار.
فالجواب: أنَّ «رُبمَا» يراد بها التكثير، والمقصود إظهار الترفع، والاستغناءُ عن التَّصريح بالغرض؛ فيقولون: ربَّما نَدمتُ على ما فعلتُ، ولعلَّكَ تَندمُ على فِعلِكَ؛ إذا كان العلمُ حَاصلاً بكثر النَّدمِ، قال: [البسيط]
3261 - أتْرك القِرْنَ مُصْفرًّا أنَاملهُ..... ... ... ... ... ... ... ... . .
وقيل: التقليل أبلغ في التهديد، والمعنى: أنَّ قليل الندم كافٍ في الزجر عن هذا العمل، فكيف كثره؟ .
وقيل: إنْ شغلهم بالعاذب لا يفزعهم للندامة فيخطر ذلك ببالهم أحياناً.
فإن قيل: إذا كان أهل القيامةِ، يتمنَّون أمثال هذه الأحوال، وجب أن يتمنى المؤمن الذي يقلُّ ثوابه عن درجةِ المؤمنِ الذي يكثر ثوابه، والمُتمنِّي لما لم يجده يكونُ في الغصَّة وتَألُّمِ القلبِ.
فالجواب: أحوالُ أهل الآخرةِ، لا تقاس بأحوال الدنيا؛ فإن الله تعالى يُرضي كُلَّ واحدٍ بما هو فيه، وينزع عن قلوبهم الحسد، وطلب الزيادتِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: 47] .
قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ [الحجر: 3] الآية، أي دعْ يا محمد، الكفَّار يأخذوةا حفوظهم من دنياهم، فتلك خلاقهم، ولا خلاق لهم في الآخرةِ، ﴿وَيُلْهِهِمُ﴾ يشغلهم «الأملًُ» عن الأخذ بحظِّهم من الإيمان والطَّاعة، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا [وردوا] القيامة، وذاقوا وبال [صنعهم] وهذا تهديدٌ ووعيدٌ.
وقال بعض العلماء: «ذَرْهُمْ» ، تهديدٌ، و ﴿سَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ، تهديدٌ آخر، فمتى يهدأ العيش بين تهديدين؟! والآية نسختها آية القتالِ.
قوله: «وذَرْهُمْ» ، هذا الأمرُ لا يستعمل له ماضٍ إلا قليلاً؛ استغناءً عنه ب «تَرَكَ» ، بل يستعمل منه المضارع نحو: ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: 186] ، ومن مجيء الماضي قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «ذَرُوا لحَبشَة ما وَذَرتْكُم» ، ومثله: دَعْ ويَدَعْ، ولا يقال: ودَعَ إلا نادراً، وقد قرىء: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ [الضحى: 3] مخففاً؛ وأنشدوا: [الرمل]
3262 - أسَلْ أمِيري مَا الذي غَيَّرهُ ... عَنْ وصَالِي اليَوْمَ حتَّى وَدَعهْ؟ و «يَأكلُوا» مجزومٌ على جواب الأمر، وقد تقدم [البقرة: 17، 278] أنَّ «تَرَكَ» و «وَذرَ» يكونان بمعنى «صيَّر» ، فعلى هذا يكون المفعول الثاني محذوفاً، أي: ذرهُم مهملين.
قوله تعالى: ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمل﴾ ، يقال: لهيتُ عن الشَّيء ألهي لُهِيَّا؛ جاء في الحديث: أنَّ ابن الزبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كان إذا سمع صوت الرَّعدِ لَهِيَ عن الحديث» .
قال الكسائيُّ، والأصمعيُّ: كلُّ شيءٍ تركتهُ، فقد لهيتهُ؛ وأنشد: [الكامل]
3262 - ب صَرمتْ حِبالَكَ فالْهَ عَنْهَا زَيْنَبُ ... أي: اتركها، وأعرض عنها.
فصل في سبب شقاء العبد
قال القرطبي: أربعةٌ من الشقاءِ؛ جمودُ العين، وقساوة القلبِ، وطُولُ الأملِ، والحرصُ على الدُّنيا.
فطُول الأملِ: داء عضالٌ، ومرض مزمن، ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه، واشتدَّ علاجه، ولم يفارقه داءٌ، ولا نجع فيه دواء، بل أعيا الأطبَّاء، ويئس من بُرئه الحكماء والعلماء.
وحقيقة الأمل: الحرص على الدنيا، والانكباب عليها، والحبُّ لها، والإعراض عن الآخرة، قال صلوات الله وسلامه عليه: «نَجَا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليَقِينِ والزُّهْدِ، ويهْلِكُ آخِرُهَا بالبُخْلِ والأمَلِ» .
وقال الحسن: ما أطال عبدٌ الأمل، إلا أساء العمل.
قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ ، أي: من أهل قرية، ﴿إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ﴾ فيه أوجه:
أظهرها: أنها واو الحال، ثم لك اعتباران:
أحدهما: أن تجعل الحال وحدها الجارَّ، ويرتفع «كِتَابٌ» به فاعلاً.
والثاني: أن تجعل الجارَّ مقدماً، و «كِتَابٌ» مبتدأ، والجملة حالٌ، وهذه الحال لازمةٌ.
الوجه الثاني: أنَّ الواو مزيدة، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة: «إلاَّ لَهَا» بإسقاطها، والزيادة ليست بالسهلةِ.
الثالث: أن الواو داخلة على الجملة الواقعة صفة؛ تأكيداً، قال الزمخشريُّ: والجملة واقعة صفة ل «قَرْيَةٍ» ، والقياس: ألاَّ تتوسط هذه الواو بينهما؛ كما قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] وإنما توسَّطت، لتأكيد لصُوقِ الصفة بالموصوف؛ كما تقول: «جَاءنِي زيْدٌ عليْهِ ثَوبهُ، وجَاءنِي وعليْهِ ثوْبهُ» .
وقد تبع الزمخشري في ذلك أبا البقاء، وقد سبق له ذلك أيضاً في البقرة عند قوله: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216] .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ: «ولا نعلم أحداً قاله من النَّحويين» .
قال شهاب الدين: وفي محفوظِي أنَّ ابن جنّي سبقهما إلى ذلك» .
ثم قال أبو حيان: «وهو مبنيٌّ على جواز أنَّ ما بعد» إلاَّ «يكون صفة؛ وقد منعوا ذلك» .
قال الأخفش: لا يفصل بين الصفة والموصوف ب «إلا» ، ثم قال: وأما نحو: «مَا جَاءَنِي رجٌلٌ إلاَّ راكِبٌ» على تقدير: إلاَّ رجلٌ راكبٌ، ففيه قُبح؛ لجعلك الصفة كالاسم.
وقال أبو علي: تقول ما مررتُ بأحَدٍ إلاَّ قائماً، وقائماً حالٌ، ولا تقول: إلاَّ قائمٌ؛ لأنَّ» إلاَّ «لا تعترض بين الصِّفة والموصوف.
قال ابن مالكٍ: وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشريُّ في قوله» مَا مَررْتُ بأحَدٍ إلاَّ زَيْدٌ خَيْرٌ مِنْهُ «: إنَّ الجملة بعد» إلاَّ «صفة ل» أحَدٍ» : إنه مذهبٌ لا يعرف لبصريِّ، ولا كوفي فلا يلتفت إليه، وأبطل قوله: «إنَّ الواو توسَّطت لتأكيد لصوف الصفة بالموصوف» .
قال شهابُ الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: قولُ الزمخشريِّ قويٌّ من حيث القياس؛ فإنَّ الصفة في المعنى كالحال، وإن كان بينهما فرقٌ من بعض الوجوه.
فكما أنَّ الواو تدخل على الجملة الواقعة حالاً؛ كذلك تدخل عليها واقعة صفة، ويقويه أيضاً [نصره] به من الآية الأخرى في قوله: ﴿مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208] . ويقويه أيضاً: قراءة ابن أبي عبلة المتقدمة، وقال منذرُ بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ، هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله تعالى:
﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73] .
فصل
لما توعد مكذِّبي الرسل بقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ الآية أتبعه بما يؤكد الزجر، وهو قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ في الهلاك والعذاب، أي: أجلٌ مضروبٌ، لا يتقدم العذاب عليه، ولا يتأخر عنه، والمراد بهذا الهلاك: عذاب الاستئصال، وقيل: الموتُ.
قال القاضي: والأول أقرب؛ لأنه أبلغ في الزَّجر، فبيَّن تعالى أن هذا الإمهال لا ينبغي أن يغترَّ به العاقل. وقيل: المراد بالهلاك مجموع الأمرين.
قوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ «مِنْ أمةٍ» فاعل «تَسْبِقُ» ، و «مِنْ» مزيدة للتأكيد؛ كقولك: ما جَاءنِي من أحَدٍ.
قال الواحدي: «وقيل: ليست بزائدةٍ؛ لأنَّها تفيد التبعيض، أي: هذا الحكم لم يحصل في بعض من أبعاض هذه الحقيقة، فيكون ذلك في إفادة عموم النَّفي، آكد» .
قال الزمخشري: «معنى:» سَبَقَ «: إذا كان واقعاً على شخصٍ، كان معناه أنَّه [جاز] ، وخلف؛ كقولك: سَبَقَ زيدٌ عمْراً، أي: جَاوزَهُ وخَلفهُ وراءهُ، ومعناه: أنه قصَّر عنه وما بلغه، وإذا كان واقعاً على زمانٍ، كان بالعكس في ذلك، كقولك: سَبٌ فُلانٌ عام كذا، معناه: أنه مضى قبل إتيانه، ولم يبلغه، فقوله: ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ معناه: أنه لا يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل الأجل قبل ذلك الوقت ولا بعده، وإنَّما يحصل في ذلك الوقت بعينه» .
وحمل على لفظ «أمََّةٍ» في قوله: «أجَلهَا» ، فأفرد وأنَّث، وعلى معناها في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ، فجمع وذكَّر، وحذف متعلق «يَسْتَأخِرُون» وتقديره: عنه؛ للدلالة عليه، ولوقوعه فاصلاً.
وهذه الآية تدلُّ على أنَّ كل من ما أو قتل، فإنما مات بأجله، وأنَّ من قال: يجوز أن يموت قبل أجله مخطىء.
قوله: «وقَالُوا» ، يعنى مشركي مكَّة ﴿يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ ، أي: القرآن، وأراد به محمداً صلى الله وعليه وسلم.
والعامة على: «نُزِّلَ» مشدَّداً، مبنيًّا للمفعول، وقرأ زيد بن علي: «نَزلَ» ، مخفََّاً مبنيًّا للفاعل.
﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ وذكروا نزول الذِّكر؛ استهزاء، وإنما وصفوه بالجنون، إما لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان يظهر عليه عند نزول الوحي، حالةٌ شبيهةٌ بالغشي؛ فظنُّوا أنَّها جنونٌ، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: 184] .
وإما لأنه كانا يستبعدون كونه رسولاً حقًّا من عند الله؛ لأن الرجل إذا سمع كلاماً مستبعداً من غيره، فربما قال: به جنون.
قوله: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ ، «لَوْ مَا» : حرف تحضيضٍ؛ ك «هَلاًّ» ، وتكون أيضاً حرف امتناع لوجودٍ، وذلك كما أنَّ «لولا» متردَّدةٌ بين هذين المعنيين، وقد عرف الفرق بينهما، وهو أنَّ التحضيضيَّة لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً أو مضمراً؛ كقوله: [الطويل]
3263 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَوْلاَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَا
والامتناعية لا يليها إلا الأسماء: لظفاً أو تقديراً عند البصريين.
وقوله: [الوافر]
3264 - ولَوْلاَ يَحْسِبُونَ الحِلْمَ عَجْزاً ... لمَا عَدِمَ المُسِيئُونَ احْتِمَالِي
مؤولٌ؛ خلافاً للكوفيين.
فمن مجيء «لَوما» حرف امتناعٍ قوله: [البسيط]
3265 - لَوْمَا الحيَاءُ ولَوْمَا الدِّينُ عِبْتُكمَا ... بِبعْضِ ما فِيكُمَا إذْ عِبْتُما عَورِي
واختلف فيها: هل هي بسيطة أم مركبة؟ .
فقال الزمخشري: «لَوْ» ركبت مع «لا» ، ومع «مَا» ؛ لمعنيين، وأمَّا «هَلْ» فلم تركَّب إلاَّ مع «لا» وحدها؛ للتحضيض.
واختلف أيضاً في «لَوْمَا» هل هي أصلٌ بنفسها، أم فرعٌ على «لَوْلاَ» وأنَّ الميم مبدلة من اللام، كقولهم: خاللته، خالمته، فهو خِلِّي وخِلْمِي، أي: صديقي.
وقالوا: استولى على كذا، [واسْتَوَى] عليه؛ بمعنًى، خلاف مشهور، وهذه الجملة من التحضيض، دالةٌ على جواب الشرط بعدها.
فصل في معنى الآية
المعنى: لو كنت صادقاً في أدَّعائك النُّبوَّة، لأتيتنا بملائكة يشهدون عندنا بصدقكم فيما تدَّعيه من الرسالة؛ ونظيره قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَقَالُواْ لولاا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ الأمر﴾ [الأنعام: 8] ويحتمل أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا خوَّفهُم بنزول العذاب، قالوا: لو ما تأتينا بالملائكة الذين ينزلون العذاب، وهو المراد من قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ العذاب﴾ [العنكبوت: 53] .
ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم بقوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾ فإذا كان المراد الأول، كان تقرير الجواب: أنَّ إنزال الملائكة لا يكون إلا بالحقِّ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفار، أنه لو أنزل عليهم ملائكة، لبقوا مصرِّين على كفرهم، فيصير إنزالهم عبثاً باطلاً، ولا يكون حقًّا، فلهذا السبب ما أنزل الله تعالى الملائكة.
قال المفسرون: المراد بالحق هنا الموت، أي: لا ينزلون إلا بالموتِ، أو بعذابٍ الاستئصال، ولم يبق بعد نزولهم إنظارٌ، ولا إمهال، ونحن لا نريد عذاب الاستئصال بهذه الأمة؛ فلهذا السبب ما أنزلنا الملائكة، وإن كان المراد استعجالهم بنزول العذاب فتقرير الجواب: أنَّ الملائكة لا تنزل إلاَّ بعذاب الاستئصال، ولا تفعل بأمَّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك؛ بل يمهلهم لما علم من إيمان بعضهم، ومن إيمان أولاد الباقين.
قوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة﴾ ، قرأ أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «ما تُنزَّلُ» بضمِّ التاء، وفتح النون، والزاي مشدَّدة، مبنيًّا للمفعول، «المَلائِكةُ» : مرفوعاً لقيامه مقام فاعله، وهو موافقٌ لقوله تعالى:
﴿وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً﴾ [الفرقان: 25] ؛ لأنها لا تنزل إلاَّ بأمر من الله تعالى فغيرها هو المنزِّلُ لها، وهو الله تعالى.
وقرأ الأخوان، وحفص: بضمِّ النون الأولى، وفتح الثانية، وكسر الزاي مشددة مبنيًّا للفاعل المعظم نفسه وهو الباري جل ذكره. «المَلائِكةَ» ، نصباً: مفعول به؛ وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة﴾ [الأنعام: 111] ، ويناسب قوله قبل ذلك: «ومَا أهْلَكْنَا» ، وقوله بعده: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا﴾ [الحجر: 9] ، وما بعده من ألفاظ التَّعظيم.
والباقون من السبعة ما تنزَّلُ بفتح التاء والنون والزاي مشددة، و «المَلائِكةُ» مرفوعة على الفاعلية، والأصل: تَتنَزَّلُ، بتاءين، فحذفت إحداهما، وقد تقدم تقريره في: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 152] ، ونحوه، وهو موافق لقوله سبحانه وتعالى: ﴿تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا﴾ [القدر: 4] .
وقرأ زيد بن علي: «مَا نَزلَ» مخففاً مبنيًّا للفاعل، و «الملائكةُ» مرفوعة على الفاعلية، وهو كقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعرا: 193] .
قوله: ﴿إِلاَّ بالحق﴾ يجوز تعلقه بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول، أي: ملتبسين بالحق، وجعله الزمخشري رَحِمَهُ اللَّهُ نعتاً لمصدر محذوف، أي: إلاَّ تنزُّلاً ملتبساً بالحقِّ.
قوله «إذَنْ» قال الزمخشري: «إذَنْ حرف جواب وجزاء؛ لأنها جواب لهم، وجزاء الشرط مقدر، تقديره: ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين، وما أخر عذابهم» .
قال صاحب النظم: «لفظة» إذَنْ «مركبة من» إذْ» ، وهو اسم بملنزلة «حِينَ» ؛ تقول: أتيتك إذْ جِئْتنِي، أي: حِينَ جِئْتنِي، ثم ضم إليه» إنْ «فصار: ِإذْ أنْ، ثما استثقلوا الهمزة؛ فحذفوها، فصار» إذَنْ «، ومجيْ لفظة» أنْ «دليل على إضمار فعلٍ بعدها، والتقدير: وما كانوا منظرين إذ كان ما طلبوا» .
قوله: «نَحْنُ» إما مبتدأ، وإما تأكيدٌ، ولا يكون فصلاً؛ لأنه لم يقع بين اسمين، والضمير «لَهُ» للذكر، وهو الظاهرُ، وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه قاله الفراء، وقوَّاه ابن الأنباري، قال: لما ذكر الله الإنزال، والمنزل، دلَّ ذلك على المنزل عليه، فحسنت الكناية عنه؛ لكونه أمراً معلوماً، ك ما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: 1] فإنَّ هذه الكناية عائد على القرآن، مع أنه لم يتقدم ذكره؛ وإنما حسنت الكناية لسبب معلوم، فكذا هاهنا، والأول أوضحُ» .
فإذا قلنا: الكناية عائدة إلى القرآن، فاختلفوا في أنه تعالى كيف يحفظ القرآن؟ .
فقيل: بأن جعله معجزاً مبايناً لكلام البشر يعجز الخلق عن الزيادة، والنقصان فيه، بحيث لو زادوا فيه أو نقصوا عنه، بغير نظم القرآن.
وقيل: صانه، وحفظه من أن يقدر أحدٌ من الخلق على معارضته.
وقيل: قيَّض جماعة يحفظونه، ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاءِ التكليفِ.
وقيل: المراد بالحفظِ: هو أنَّه لو أنَّ احداً حاول تغيير حرفٍ أو نقطةٍ، لقال له أهل الدنيا: هذا كذب، وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتَّفق له لحنٌ أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له كل الصبيان: أخطأت أيُّها الشيخ، واعلم أنه لم يتفق لشيءٍ من الكتب مثل هذه الحفظ؛ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف، والتحريف، والتغيير، إما في الكثير منه، أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التَّحريف، مع أنَّ دواعي الملاحدة، واليهود، والنصارة، متوفرة على أبطاله وإفساده، فذلك من أعظم المعجزات.
فإن قيل: لم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف، وقد وعد الله عَزَّ وَجَلَّ بحفظه وما حفظ الله عَزَّ وَجَلَّ فلا خوف عليه؟ .
فالجواب: أنَّ جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه، فيَّضهم لذلك، وفي الآية دلالةٌ قويةٌ على كون البسملةِ آية من كل سورة؛ لأن الله تبارك وتعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظُ لا معنى له إلاَّ أن يبقى مصُوناً عن التغيير وعن الزيادة، وعن النقصان فلو لو تكن التسمية آية من القرآن، لما كان مصوناً من التغيير والزيادة، ولو جاز أن يظنَّ بالصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنهم زادوا، لجاز أيضاً أن يظنَّ بهم النقصان؛ وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجَّة، وهذا لا دليل فيه؛ لأن أسماء السور أيضاً مكتوبةٌ معهم في المصحف، وليست من القرآن بالأجماع.
الحجر 15:10
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ مفعوله محذوف، أي: أرسلنا رُسُلاً ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ف ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «أرْسَلْنَا» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه نعتٌ للمعفو ل المحفوف.
و ﴿فِي شِيَعِ الأولين﴾ ، قال الفراء: هو من إضافة المصوف لصفته، والأصل: في الشِّيعِ الأوَّلين؛ كصَلاةِ الأولى، وجَانبِ الغربي حقِّ اليَقينِ، وجين القيمة.
والبصريون: يؤولنه على الحذف [الموصوف، أي: في شيعِ الأممِ الأولين، وجانب المكان الغربي، وصلاةِ السَّاعةِ الأولى.
والشِّيعُ: قال الفراء: الشَّاعُ واحدهم: شِيعَة، وشِيعَةُ الرجُلِ: أتْباعهُ، والشِّيعَةُ: وهم القوم المجتمعة المتفقة، سموا بذلك؛ لأن بعضهم يُشَاعُ بعضاً، وتقدم الكلام على هذا الحرف عند قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 65] .
قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم﴾ قال الزمخشري: «حكاية حال ماضية؛ لأنَّ» مَا «لا تدخل على المضارع إلاَّ وهو في موضعِ الحالِ، ولا على ماضٍ إلا وهو قريبٌ من الحال» .
وهذا الذي ذكره هو الأكثر في لسانهم؛ لكنَّه قد جاءت ما مقارنة للمضارع المراد به الاستقبال؛ كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي﴾ [يونس: 15] ، وأنشدوا للأعشى يمدحُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [الطويل]
3266 - لَهُ نَافِلاتٌ ما يَغِبُّ نَوالُهَا ... ولَيْسَ عطَاءُ اليَوْمِ مَانِعَهُ غَدا
وقال أبُو ذؤيب: [الكامل]
3267 - أوْدَى بَنِيَّ وأوْدَعُونِي حَسْرَةً ... عِنْدَ الرُّقَادِ وعَبْرَةً مَا تٌقلِعُ
قوله: «إلا كانوا» هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من مفعول «تَأتيهم» ، ويجوز أن تكمون صفة ل «رسُولٍ» فيكون في محلِّها وجهان الجرُّ باعتبار اللفظ، والرفع باعتبار الموضع، وإذا كانت حالاً فهي حالٌ مُقدَّرةٌ.
فصل في معنى الآية
المعنى: أنَّ عادة هؤلاء الجهَّال مع جميع الأنبياء والرسول صلوات لله وسلامه عليهم الاستهزاءُ بهم؛ كما فعلًُوا بك؛ ذكره تسليةً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
واعلم أنَّ السَّبَبَ الذي يحمِلُ هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة: إما لأنَّ الانتقال من المذاهب يشقُّ على الطِّباع.
وإمَّا لكونِ الرسول صلوات الله وسلامه عليه يكون فقِيراً، وليس له أعوان، ولا أنصارٌ؛ فالرؤساءُ يَثقُل عليهم خدمة من يكون بهذه الصِّفة.
وأمّا خذلانُ الله تعالى لهم، فبإلقاء دواعي الكفرِ والجهلِ في قلوبهم، وهذا هو السبب الأصليّ.
قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين﴾ ، يجوز في الكاف أن تكون مرفوعة المحلِّ على خبرها متبدأ مضمر، أي: الأمر كذلك، و «نَسْلكهُ» مستأنف، ويجوز أن تكون منصوبة المحل، إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: مثل ذلك السلك؛ ويجوز نسلكه، أي: نسلكُ الذكر، إما ح حالاً من المصدر المقدَّر، والهاء في «نَسْلكُهُ» يجوز عودها للذكر، وهو الظاهر، وقيل: يعود للاستهزاء، قيل: على الشركِ.
والهاء في «بِهِ» يجوز عودها على ما تقدم من الثَّلاثة، ويكون تأويلُ عودها على الاستهزاء والشرك، أي: لا يؤمنون بسببه.
وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه وقيل: للقرآن.
وقال ابو البقاء: «ويجوز أن يكون حالاً، أي: لا يؤمنون مستهزئين» كأنه جعل «بِهِ» متعلقاً بالحالِ المحذوفة قائمة مقامها.
وهو مردودٌ، لأن الجارَّ إذا وقع حالاً أو نعتاً أو صلة أو خبراً، تعلَّق بكون مطلق لا خاصِّ، وكذا الظرف.
ومحل «لا يُؤمِنُونَ» النَّصب على الحالِ، ويجوز ألاَّ يكون لها محلٌّ؛ لأنها بيان لقوله ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين﴾ استئنافٌ، والسَّلكُ: الإدخال، يقال: سَلكْتُ الخَيْطَ في الإبْرةِ، والرُّمحَ في المَطْعُونِ ومنه ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42] .
قال أبو عبيدة، وأبو عبيد: يقال: سَلكْتهُ وأسْلَكتهُ، أي: نظمته، قال: [الوافر]
3268 - وكُنْتُ لِزازَ خَصْمكَ لَمْ أعَرِّدْ ... وقَدْ سَلكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
وقال الآخر في «أسْلكَ» : [البسيط]
3269 - حتَّى إذَا أسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدةٍ ... شَلاًّ كَمَا تَطْردُ الجَمَّالةُ الشُّردا
فصل في المعنى الإجمالي للآية
ق ل الزجاج: المعنى: قد مضت سنة الله في الأولين بأن سلك الكفر والضَّلال في قلوبهم.
وقيل: نه تهديدٌ لكفار مكة، أي: قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل من القرون الماضية، والأول أليق بظاهر اللفظ.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء﴾ الآية، هذا هو المراد في سورة الأنعام، في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام: 7] الآية يعني: أنَّ الذين يقولون: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ [الحجر: 7] ، فلو أنزلنا الملائكة «،» فظلُّوا فيه «أي: فظلت الملائكة فيها» يَعْرجُونَ» ، وزهم يرونها عياناً.
و «ظلَّ» هذه الناقصة، والضمير في «فظَلُّوا» يعود على الملائكةِ، وهو الصحيح وقال الحسن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يعود على الكفَّار المفتح لهم الباب.
وقرأ الأعمش، وأبو حيوة» يَعْرجُونَ «بكسر الراء؛ وهي لغةُ هذيل في عَرَجَ: يَعْرِجُ، أي: صعد.
قوله
: ﴿لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ قرأ ابن كثير:» سُكِرَتْ «مبنياً للمعفول، مخفَّف الكاف، وباقي السبعة كذلك إلا أنهم شدَّدوا الكاف، والزهري: بفتح السين، وكسر الكاف خفيفة مبنياً للفاعل.
فأما القراءة الأولى: فيجوز أن تكون بمعنى المشددة؛ فإن التخفيف يصلح للقليل والكثير، وهما مأخوذتان من: السِّكر، بكسر السين، هو السَّدُّ.
والمعنى: حُبِسَتْ أبصارنا، وسُدَّت، وقيل: بمعنى: أخذت، وقيل: بمعنى: سُحِرَت، وقيل المشدد من: سَكِرَ الماءُ بالكسر، والمخفف من سَكُرَ الشَّراب بالضم.
والمشهور أن» سَكِرَ «لا يتعدى فيكف بُنِي للمفعول؟ .
فقال أبو علي:» يجوز أن يكون سمع متعدِّياً في البصر «.
والذي قاله المحقِّقون من أهل اللغةِ: أنَّ» سَكِر «إن كان من:» سَكِرَ الشَّرابُ، أو مِنْ سَكِرَ الرِّيحشُ» فالتضعيف فيه للتعدية، وإن كان من «سَكِرَ الماءً» فالتضعيف فيه للتكثير؛ لأنه متعد مخفَّفاً، وذلك أنه يقال: سَكرَت الرِّيحُ تَسْكرُ سَكْراً، إذا رَكدَت، وسَكِرَ الرَّجلُ منَ الشِّرابِ سَكْراً، ذا رَكَدَ، ولم ينقد لحاجته.
فهذان قاصران فالتضعيف فيها للتعدية، ويقال: سَكِرتُ الماء في مجاريه: إذا منعتهُ من الجَرِّي، فهذا متعدِّ، فالتضعيف فيه للتكثير.
وأما قراءةٌ ابن كثير: فإن كانت من «سَكِرَ الماءًُ» فهي واضحةٌ؛ لأنه متعدِّ، وإن كانت من «سَكُرَ الشَّرابُ أو سَكِرَ الرِّيحُ» فيجوز أن يكون الفعل استعمل لازماً تارة، ومتعدياً أخرى، نحو: «رَجَعَ زيْدٌ» ، ورَجَعه غَيْرُه، وسَعِندَ وسَعِدَه غَيْرُه «وقال الزمخشريُّ:» وسُكِّرَتْ: حُيِّرت أو حبست من السِّكرِ أو السُّكر، وقرىء: «سُكرَتْ» بالتخفيف، أي: حُبسَتْ كمَا يُحْبَسًُ المُهْرُ عنِ الجري» ، فجعل قراءة التشديد محتملة لمعنيين، وقراءة التخفيف محمتلة لمعنى واحدٍ.
وأما قراءة الزهريِّ، فواضحةٌ، أي: غطيت، وقيل: هي مطاوع: اسْكرتُ المكان فَسَكرَ: أي: سَددْتهُ فانْسَدَّ.
﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ ، أي عمل فينا السِّحْرُ، وسحرنا محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف يجوزز من الجماعة العظيمة أن يكونوا شاكِّين في وجود ما يشهدونه بالعين السليمة في النهار الوضاح؛ ولو جاز حصول الشكِّ في ذلك، ك انت السَّفسطةٌ لازمة، ولا يبقى حنيئذٍ اعتمادٌ على الحس والمشاهدة؟ .
أجاب القاضي رحمهن الله: بأنه تعالى ما وصفهم بالشكِّ فيما يبصرون، وإنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول، وقد يجوز أن يقدم الإنسانُ على الكذب على سبيل العنادِ والمكابرة، ثم سأل نفسه، أيصحُّ من الجمع العظيم أن يظهر الشك في المشاهدات؟ .
وأجاب: بأنه يصحُّ ذلك، إذا جمعه9م عليه غرضٌ صحيحٌ معتبر من مواطأةٍ على دفع حجَّةٍ أو غلبة خصم، وأيضاً: فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصوصين، سألُوةا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنزال الملائكةِ، وهذا السؤال إنما كان من رؤساءِ القوم، وكانوا قليلي العددِ، وإقدامُ العددِ القليلِ على ما يجري مجرى المكابرة، جائزٌ.
قوله: «فظلُوا» يقال: ظلّ فُلانٌ نَهارهُ يفعل كذا: إذا فعلهُ بالنَّهارِ، ولا تقول العربُ: «ظَلّ يَظَلْ» إلاَّ لكلِّ عملٍ بالنهارِ؛ كما لا يقولون: بَاتَ يَبِيتُ إلا بالليل، والمصدر الظُّلُول.
والعُروجُ: الصُّعودُ، يقال: عَرَج يَعْرجُ عُرُوجاً، ومنه: المَعَارجُ، وهي المصاعدُ التي يصعد عليها.
فإن قلنا: إن الضمير في: «فَظلُّوا» للملائكة، فقد تقدم بيانه، وإن قلنا: يعود على المشركين، فقال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «فظلَّ المشركون يصعدون في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوتِ الله سبحانه وتعالى وقدرته، وسلطانه، وإلى عباده، وملائكته عليهم السلام لشكُّوا في تلك الرؤية، وأصرُّوا على جهلهم وكفرهم؛ كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاقِ القمرِ، ومجيء القرآن الذي لا يستطيع الجنُّ والإنس أن يأتوا بمثله» .
الحجر 15:11
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ مفعوله محذوف، أي: أرسلنا رُسُلاً ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ف ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «أرْسَلْنَا» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه نعتٌ للمعفو ل المحفوف.
و ﴿فِي شِيَعِ الأولين﴾ ، قال الفراء: هو من إضافة المصوف لصفته، والأصل: في الشِّيعِ الأوَّلين؛ كصَلاةِ الأولى، وجَانبِ الغربي حقِّ اليَقينِ، وجين القيمة.
والبصريون: يؤولنه على الحذف [الموصوف، أي: في شيعِ الأممِ الأولين، وجانب المكان الغربي، وصلاةِ السَّاعةِ الأولى.
والشِّيعُ: قال الفراء: الشَّاعُ واحدهم: شِيعَة، وشِيعَةُ الرجُلِ: أتْباعهُ، والشِّيعَةُ: وهم القوم المجتمعة المتفقة، سموا بذلك؛ لأن بعضهم يُشَاعُ بعضاً، وتقدم الكلام على هذا الحرف عند قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 65] .
قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم﴾ قال الزمخشري: «حكاية حال ماضية؛ لأنَّ» مَا «لا تدخل على المضارع إلاَّ وهو في موضعِ الحالِ، ولا على ماضٍ إلا وهو قريبٌ من الحال» .
وهذا الذي ذكره هو الأكثر في لسانهم؛ لكنَّه قد جاءت ما مقارنة للمضارع المراد به الاستقبال؛ كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي﴾ [يونس: 15] ، وأنشدوا للأعشى يمدحُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [الطويل]
3266 - لَهُ نَافِلاتٌ ما يَغِبُّ نَوالُهَا ... ولَيْسَ عطَاءُ اليَوْمِ مَانِعَهُ غَدا
وقال أبُو ذؤيب: [الكامل]
3267 - أوْدَى بَنِيَّ وأوْدَعُونِي حَسْرَةً ... عِنْدَ الرُّقَادِ وعَبْرَةً مَا تٌقلِعُ
قوله: «إلا كانوا» هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من مفعول «تَأتيهم» ، ويجوز أن تكمون صفة ل «رسُولٍ» فيكون في محلِّها وجهان الجرُّ باعتبار اللفظ، والرفع باعتبار الموضع، وإذا كانت حالاً فهي حالٌ مُقدَّرةٌ.
فصل في معنى الآية
المعنى: أنَّ عادة هؤلاء الجهَّال مع جميع الأنبياء والرسول صلوات لله وسلامه عليهم الاستهزاءُ بهم؛ كما فعلًُوا بك؛ ذكره تسليةً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
واعلم أنَّ السَّبَبَ الذي يحمِلُ هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة: إما لأنَّ الانتقال من المذاهب يشقُّ على الطِّباع.
وإمَّا لكونِ الرسول صلوات الله وسلامه عليه يكون فقِيراً، وليس له أعوان، ولا أنصارٌ؛ فالرؤساءُ يَثقُل عليهم خدمة من يكون بهذه الصِّفة.
وأمّا خذلانُ الله تعالى لهم، فبإلقاء دواعي الكفرِ والجهلِ في قلوبهم، وهذا هو السبب الأصليّ.
قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين﴾ ، يجوز في الكاف أن تكون مرفوعة المحلِّ على خبرها متبدأ مضمر، أي: الأمر كذلك، و «نَسْلكهُ» مستأنف، ويجوز أن تكون منصوبة المحل، إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: مثل ذلك السلك؛ ويجوز نسلكه، أي: نسلكُ الذكر، إما ح حالاً من المصدر المقدَّر، والهاء في «نَسْلكُهُ» يجوز عودها للذكر، وهو الظاهر، وقيل: يعود للاستهزاء، قيل: على الشركِ.
والهاء في «بِهِ» يجوز عودها على ما تقدم من الثَّلاثة، ويكون تأويلُ عودها على الاستهزاء والشرك، أي: لا يؤمنون بسببه.
وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه وقيل: للقرآن.
وقال ابو البقاء: «ويجوز أن يكون حالاً، أي: لا يؤمنون مستهزئين» كأنه جعل «بِهِ» متعلقاً بالحالِ المحذوفة قائمة مقامها.
وهو مردودٌ، لأن الجارَّ إذا وقع حالاً أو نعتاً أو صلة أو خبراً، تعلَّق بكون مطلق لا خاصِّ، وكذا الظرف.
ومحل «لا يُؤمِنُونَ» النَّصب على الحالِ، ويجوز ألاَّ يكون لها محلٌّ؛ لأنها بيان لقوله ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين﴾ استئنافٌ، والسَّلكُ: الإدخال، يقال: سَلكْتُ الخَيْطَ في الإبْرةِ، والرُّمحَ في المَطْعُونِ ومنه ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42] .
قال أبو عبيدة، وأبو عبيد: يقال: سَلكْتهُ وأسْلَكتهُ، أي: نظمته، قال: [الوافر]
3268 - وكُنْتُ لِزازَ خَصْمكَ لَمْ أعَرِّدْ ... وقَدْ سَلكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
وقال الآخر في «أسْلكَ» : [البسيط]
3269 - حتَّى إذَا أسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدةٍ ... شَلاًّ كَمَا تَطْردُ الجَمَّالةُ الشُّردا
فصل في المعنى الإجمالي للآية
ق ل الزجاج: المعنى: قد مضت سنة الله في الأولين بأن سلك الكفر والضَّلال في قلوبهم.
وقيل: نه تهديدٌ لكفار مكة، أي: قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل من القرون الماضية، والأول أليق بظاهر اللفظ.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء﴾ الآية، هذا هو المراد في سورة الأنعام، في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام: 7] الآية يعني: أنَّ الذين يقولون: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ [الحجر: 7] ، فلو أنزلنا الملائكة «،» فظلُّوا فيه «أي: فظلت الملائكة فيها» يَعْرجُونَ» ، وزهم يرونها عياناً.
و «ظلَّ» هذه الناقصة، والضمير في «فظَلُّوا» يعود على الملائكةِ، وهو الصحيح وقال الحسن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يعود على الكفَّار المفتح لهم الباب.
وقرأ الأعمش، وأبو حيوة» يَعْرجُونَ «بكسر الراء؛ وهي لغةُ هذيل في عَرَجَ: يَعْرِجُ، أي: صعد.
قوله
: ﴿لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ قرأ ابن كثير:» سُكِرَتْ «مبنياً للمعفول، مخفَّف الكاف، وباقي السبعة كذلك إلا أنهم شدَّدوا الكاف، والزهري: بفتح السين، وكسر الكاف خفيفة مبنياً للفاعل.
فأما القراءة الأولى: فيجوز أن تكون بمعنى المشددة؛ فإن التخفيف يصلح للقليل والكثير، وهما مأخوذتان من: السِّكر، بكسر السين، هو السَّدُّ.
والمعنى: حُبِسَتْ أبصارنا، وسُدَّت، وقيل: بمعنى: أخذت، وقيل: بمعنى: سُحِرَت، وقيل المشدد من: سَكِرَ الماءُ بالكسر، والمخفف من سَكُرَ الشَّراب بالضم.
والمشهور أن» سَكِرَ «لا يتعدى فيكف بُنِي للمفعول؟ .
فقال أبو علي:» يجوز أن يكون سمع متعدِّياً في البصر «.
والذي قاله المحقِّقون من أهل اللغةِ: أنَّ» سَكِر «إن كان من:» سَكِرَ الشَّرابُ، أو مِنْ سَكِرَ الرِّيحشُ» فالتضعيف فيه للتعدية، وإن كان من «سَكِرَ الماءً» فالتضعيف فيه للتكثير؛ لأنه متعد مخفَّفاً، وذلك أنه يقال: سَكرَت الرِّيحُ تَسْكرُ سَكْراً، إذا رَكدَت، وسَكِرَ الرَّجلُ منَ الشِّرابِ سَكْراً، ذا رَكَدَ، ولم ينقد لحاجته.
فهذان قاصران فالتضعيف فيها للتعدية، ويقال: سَكِرتُ الماء في مجاريه: إذا منعتهُ من الجَرِّي، فهذا متعدِّ، فالتضعيف فيه للتكثير.
وأما قراءةٌ ابن كثير: فإن كانت من «سَكِرَ الماءًُ» فهي واضحةٌ؛ لأنه متعدِّ، وإن كانت من «سَكُرَ الشَّرابُ أو سَكِرَ الرِّيحُ» فيجوز أن يكون الفعل استعمل لازماً تارة، ومتعدياً أخرى، نحو: «رَجَعَ زيْدٌ» ، ورَجَعه غَيْرُه، وسَعِندَ وسَعِدَه غَيْرُه «وقال الزمخشريُّ:» وسُكِّرَتْ: حُيِّرت أو حبست من السِّكرِ أو السُّكر، وقرىء: «سُكرَتْ» بالتخفيف، أي: حُبسَتْ كمَا يُحْبَسًُ المُهْرُ عنِ الجري» ، فجعل قراءة التشديد محتملة لمعنيين، وقراءة التخفيف محمتلة لمعنى واحدٍ.
وأما قراءة الزهريِّ، فواضحةٌ، أي: غطيت، وقيل: هي مطاوع: اسْكرتُ المكان فَسَكرَ: أي: سَددْتهُ فانْسَدَّ.
﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ ، أي عمل فينا السِّحْرُ، وسحرنا محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف يجوزز من الجماعة العظيمة أن يكونوا شاكِّين في وجود ما يشهدونه بالعين السليمة في النهار الوضاح؛ ولو جاز حصول الشكِّ في ذلك، ك انت السَّفسطةٌ لازمة، ولا يبقى حنيئذٍ اعتمادٌ على الحس والمشاهدة؟ .
أجاب القاضي رحمهن الله: بأنه تعالى ما وصفهم بالشكِّ فيما يبصرون، وإنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول، وقد يجوز أن يقدم الإنسانُ على الكذب على سبيل العنادِ والمكابرة، ثم سأل نفسه، أيصحُّ من الجمع العظيم أن يظهر الشك في المشاهدات؟ .
وأجاب: بأنه يصحُّ ذلك، إذا جمعه9م عليه غرضٌ صحيحٌ معتبر من مواطأةٍ على دفع حجَّةٍ أو غلبة خصم، وأيضاً: فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصوصين، سألُوةا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنزال الملائكةِ، وهذا السؤال إنما كان من رؤساءِ القوم، وكانوا قليلي العددِ، وإقدامُ العددِ القليلِ على ما يجري مجرى المكابرة، جائزٌ.
قوله: «فظلُوا» يقال: ظلّ فُلانٌ نَهارهُ يفعل كذا: إذا فعلهُ بالنَّهارِ، ولا تقول العربُ: «ظَلّ يَظَلْ» إلاَّ لكلِّ عملٍ بالنهارِ؛ كما لا يقولون: بَاتَ يَبِيتُ إلا بالليل، والمصدر الظُّلُول.
والعُروجُ: الصُّعودُ، يقال: عَرَج يَعْرجُ عُرُوجاً، ومنه: المَعَارجُ، وهي المصاعدُ التي يصعد عليها.
فإن قلنا: إن الضمير في: «فَظلُّوا» للملائكة، فقد تقدم بيانه، وإن قلنا: يعود على المشركين، فقال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «فظلَّ المشركون يصعدون في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوتِ الله سبحانه وتعالى وقدرته، وسلطانه، وإلى عباده، وملائكته عليهم السلام لشكُّوا في تلك الرؤية، وأصرُّوا على جهلهم وكفرهم؛ كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاقِ القمرِ، ومجيء القرآن الذي لا يستطيع الجنُّ والإنس أن يأتوا بمثله» .
الحجر 15:12
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ مفعوله محذوف، أي: أرسلنا رُسُلاً ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ف ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «أرْسَلْنَا» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه نعتٌ للمعفو ل المحفوف.
و ﴿فِي شِيَعِ الأولين﴾ ، قال الفراء: هو من إضافة المصوف لصفته، والأصل: في الشِّيعِ الأوَّلين؛ كصَلاةِ الأولى، وجَانبِ الغربي حقِّ اليَقينِ، وجين القيمة.
والبصريون: يؤولنه على الحذف [الموصوف، أي: في شيعِ الأممِ الأولين، وجانب المكان الغربي، وصلاةِ السَّاعةِ الأولى.
والشِّيعُ: قال الفراء: الشَّاعُ واحدهم: شِيعَة، وشِيعَةُ الرجُلِ: أتْباعهُ، والشِّيعَةُ: وهم القوم المجتمعة المتفقة، سموا بذلك؛ لأن بعضهم يُشَاعُ بعضاً، وتقدم الكلام على هذا الحرف عند قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 65] .
قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم﴾ قال الزمخشري: «حكاية حال ماضية؛ لأنَّ» مَا «لا تدخل على المضارع إلاَّ وهو في موضعِ الحالِ، ولا على ماضٍ إلا وهو قريبٌ من الحال» .
وهذا الذي ذكره هو الأكثر في لسانهم؛ لكنَّه قد جاءت ما مقارنة للمضارع المراد به الاستقبال؛ كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي﴾ [يونس: 15] ، وأنشدوا للأعشى يمدحُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [الطويل]
3266 - لَهُ نَافِلاتٌ ما يَغِبُّ نَوالُهَا ... ولَيْسَ عطَاءُ اليَوْمِ مَانِعَهُ غَدا
وقال أبُو ذؤيب: [الكامل]
3267 - أوْدَى بَنِيَّ وأوْدَعُونِي حَسْرَةً ... عِنْدَ الرُّقَادِ وعَبْرَةً مَا تٌقلِعُ
قوله: «إلا كانوا» هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من مفعول «تَأتيهم» ، ويجوز أن تكمون صفة ل «رسُولٍ» فيكون في محلِّها وجهان الجرُّ باعتبار اللفظ، والرفع باعتبار الموضع، وإذا كانت حالاً فهي حالٌ مُقدَّرةٌ.
فصل في معنى الآية
المعنى: أنَّ عادة هؤلاء الجهَّال مع جميع الأنبياء والرسول صلوات لله وسلامه عليهم الاستهزاءُ بهم؛ كما فعلًُوا بك؛ ذكره تسليةً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
واعلم أنَّ السَّبَبَ الذي يحمِلُ هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة: إما لأنَّ الانتقال من المذاهب يشقُّ على الطِّباع.
وإمَّا لكونِ الرسول صلوات الله وسلامه عليه يكون فقِيراً، وليس له أعوان، ولا أنصارٌ؛ فالرؤساءُ يَثقُل عليهم خدمة من يكون بهذه الصِّفة.
وأمّا خذلانُ الله تعالى لهم، فبإلقاء دواعي الكفرِ والجهلِ في قلوبهم، وهذا هو السبب الأصليّ.
قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين﴾ ، يجوز في الكاف أن تكون مرفوعة المحلِّ على خبرها متبدأ مضمر، أي: الأمر كذلك، و «نَسْلكهُ» مستأنف، ويجوز أن تكون منصوبة المحل، إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: مثل ذلك السلك؛ ويجوز نسلكه، أي: نسلكُ الذكر، إما ح حالاً من المصدر المقدَّر، والهاء في «نَسْلكُهُ» يجوز عودها للذكر، وهو الظاهر، وقيل: يعود للاستهزاء، قيل: على الشركِ.
والهاء في «بِهِ» يجوز عودها على ما تقدم من الثَّلاثة، ويكون تأويلُ عودها على الاستهزاء والشرك، أي: لا يؤمنون بسببه.
وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه وقيل: للقرآن.
وقال ابو البقاء: «ويجوز أن يكون حالاً، أي: لا يؤمنون مستهزئين» كأنه جعل «بِهِ» متعلقاً بالحالِ المحذوفة قائمة مقامها.
وهو مردودٌ، لأن الجارَّ إذا وقع حالاً أو نعتاً أو صلة أو خبراً، تعلَّق بكون مطلق لا خاصِّ، وكذا الظرف.
ومحل «لا يُؤمِنُونَ» النَّصب على الحالِ، ويجوز ألاَّ يكون لها محلٌّ؛ لأنها بيان لقوله ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين﴾ استئنافٌ، والسَّلكُ: الإدخال، يقال: سَلكْتُ الخَيْطَ في الإبْرةِ، والرُّمحَ في المَطْعُونِ ومنه ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42] .
قال أبو عبيدة، وأبو عبيد: يقال: سَلكْتهُ وأسْلَكتهُ، أي: نظمته، قال: [الوافر]
3268 - وكُنْتُ لِزازَ خَصْمكَ لَمْ أعَرِّدْ ... وقَدْ سَلكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
وقال الآخر في «أسْلكَ» : [البسيط]
3269 - حتَّى إذَا أسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدةٍ ... شَلاًّ كَمَا تَطْردُ الجَمَّالةُ الشُّردا
فصل في المعنى الإجمالي للآية
ق ل الزجاج: المعنى: قد مضت سنة الله في الأولين بأن سلك الكفر والضَّلال في قلوبهم.
وقيل: نه تهديدٌ لكفار مكة، أي: قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل من القرون الماضية، والأول أليق بظاهر اللفظ.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء﴾ الآية، هذا هو المراد في سورة الأنعام، في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام: 7] الآية يعني: أنَّ الذين يقولون: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ [الحجر: 7] ، فلو أنزلنا الملائكة «،» فظلُّوا فيه «أي: فظلت الملائكة فيها» يَعْرجُونَ» ، وزهم يرونها عياناً.
و «ظلَّ» هذه الناقصة، والضمير في «فظَلُّوا» يعود على الملائكةِ، وهو الصحيح وقال الحسن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يعود على الكفَّار المفتح لهم الباب.
وقرأ الأعمش، وأبو حيوة» يَعْرجُونَ «بكسر الراء؛ وهي لغةُ هذيل في عَرَجَ: يَعْرِجُ، أي: صعد.
قوله
: ﴿لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ قرأ ابن كثير:» سُكِرَتْ «مبنياً للمعفول، مخفَّف الكاف، وباقي السبعة كذلك إلا أنهم شدَّدوا الكاف، والزهري: بفتح السين، وكسر الكاف خفيفة مبنياً للفاعل.
فأما القراءة الأولى: فيجوز أن تكون بمعنى المشددة؛ فإن التخفيف يصلح للقليل والكثير، وهما مأخوذتان من: السِّكر، بكسر السين، هو السَّدُّ.
والمعنى: حُبِسَتْ أبصارنا، وسُدَّت، وقيل: بمعنى: أخذت، وقيل: بمعنى: سُحِرَت، وقيل المشدد من: سَكِرَ الماءُ بالكسر، والمخفف من سَكُرَ الشَّراب بالضم.
والمشهور أن» سَكِرَ «لا يتعدى فيكف بُنِي للمفعول؟ .
فقال أبو علي:» يجوز أن يكون سمع متعدِّياً في البصر «.
والذي قاله المحقِّقون من أهل اللغةِ: أنَّ» سَكِر «إن كان من:» سَكِرَ الشَّرابُ، أو مِنْ سَكِرَ الرِّيحشُ» فالتضعيف فيه للتعدية، وإن كان من «سَكِرَ الماءً» فالتضعيف فيه للتكثير؛ لأنه متعد مخفَّفاً، وذلك أنه يقال: سَكرَت الرِّيحُ تَسْكرُ سَكْراً، إذا رَكدَت، وسَكِرَ الرَّجلُ منَ الشِّرابِ سَكْراً، ذا رَكَدَ، ولم ينقد لحاجته.
فهذان قاصران فالتضعيف فيها للتعدية، ويقال: سَكِرتُ الماء في مجاريه: إذا منعتهُ من الجَرِّي، فهذا متعدِّ، فالتضعيف فيه للتكثير.
وأما قراءةٌ ابن كثير: فإن كانت من «سَكِرَ الماءًُ» فهي واضحةٌ؛ لأنه متعدِّ، وإن كانت من «سَكُرَ الشَّرابُ أو سَكِرَ الرِّيحُ» فيجوز أن يكون الفعل استعمل لازماً تارة، ومتعدياً أخرى، نحو: «رَجَعَ زيْدٌ» ، ورَجَعه غَيْرُه، وسَعِندَ وسَعِدَه غَيْرُه «وقال الزمخشريُّ:» وسُكِّرَتْ: حُيِّرت أو حبست من السِّكرِ أو السُّكر، وقرىء: «سُكرَتْ» بالتخفيف، أي: حُبسَتْ كمَا يُحْبَسًُ المُهْرُ عنِ الجري» ، فجعل قراءة التشديد محتملة لمعنيين، وقراءة التخفيف محمتلة لمعنى واحدٍ.
وأما قراءة الزهريِّ، فواضحةٌ، أي: غطيت، وقيل: هي مطاوع: اسْكرتُ المكان فَسَكرَ: أي: سَددْتهُ فانْسَدَّ.
﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ ، أي عمل فينا السِّحْرُ، وسحرنا محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف يجوزز من الجماعة العظيمة أن يكونوا شاكِّين في وجود ما يشهدونه بالعين السليمة في النهار الوضاح؛ ولو جاز حصول الشكِّ في ذلك، ك انت السَّفسطةٌ لازمة، ولا يبقى حنيئذٍ اعتمادٌ على الحس والمشاهدة؟ .
أجاب القاضي رحمهن الله: بأنه تعالى ما وصفهم بالشكِّ فيما يبصرون، وإنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول، وقد يجوز أن يقدم الإنسانُ على الكذب على سبيل العنادِ والمكابرة، ثم سأل نفسه، أيصحُّ من الجمع العظيم أن يظهر الشك في المشاهدات؟ .
وأجاب: بأنه يصحُّ ذلك، إذا جمعه9م عليه غرضٌ صحيحٌ معتبر من مواطأةٍ على دفع حجَّةٍ أو غلبة خصم، وأيضاً: فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصوصين، سألُوةا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنزال الملائكةِ، وهذا السؤال إنما كان من رؤساءِ القوم، وكانوا قليلي العددِ، وإقدامُ العددِ القليلِ على ما يجري مجرى المكابرة، جائزٌ.
قوله: «فظلُوا» يقال: ظلّ فُلانٌ نَهارهُ يفعل كذا: إذا فعلهُ بالنَّهارِ، ولا تقول العربُ: «ظَلّ يَظَلْ» إلاَّ لكلِّ عملٍ بالنهارِ؛ كما لا يقولون: بَاتَ يَبِيتُ إلا بالليل، والمصدر الظُّلُول.
والعُروجُ: الصُّعودُ، يقال: عَرَج يَعْرجُ عُرُوجاً، ومنه: المَعَارجُ، وهي المصاعدُ التي يصعد عليها.
فإن قلنا: إن الضمير في: «فَظلُّوا» للملائكة، فقد تقدم بيانه، وإن قلنا: يعود على المشركين، فقال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «فظلَّ المشركون يصعدون في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوتِ الله سبحانه وتعالى وقدرته، وسلطانه، وإلى عباده، وملائكته عليهم السلام لشكُّوا في تلك الرؤية، وأصرُّوا على جهلهم وكفرهم؛ كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاقِ القمرِ، ومجيء القرآن الذي لا يستطيع الجنُّ والإنس أن يأتوا بمثله» .
الحجر 15:13
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ مفعوله محذوف، أي: أرسلنا رُسُلاً ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ف ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «أرْسَلْنَا» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه نعتٌ للمعفو ل المحفوف.
و ﴿فِي شِيَعِ الأولين﴾ ، قال الفراء: هو من إضافة المصوف لصفته، والأصل: في الشِّيعِ الأوَّلين؛ كصَلاةِ الأولى، وجَانبِ الغربي حقِّ اليَقينِ، وجين القيمة.
والبصريون: يؤولنه على الحذف [الموصوف، أي: في شيعِ الأممِ الأولين، وجانب المكان الغربي، وصلاةِ السَّاعةِ الأولى.
والشِّيعُ: قال الفراء: الشَّاعُ واحدهم: شِيعَة، وشِيعَةُ الرجُلِ: أتْباعهُ، والشِّيعَةُ: وهم القوم المجتمعة المتفقة، سموا بذلك؛ لأن بعضهم يُشَاعُ بعضاً، وتقدم الكلام على هذا الحرف عند قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 65] .
قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم﴾ قال الزمخشري: «حكاية حال ماضية؛ لأنَّ» مَا «لا تدخل على المضارع إلاَّ وهو في موضعِ الحالِ، ولا على ماضٍ إلا وهو قريبٌ من الحال» .
وهذا الذي ذكره هو الأكثر في لسانهم؛ لكنَّه قد جاءت ما مقارنة للمضارع المراد به الاستقبال؛ كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي﴾ [يونس: 15] ، وأنشدوا للأعشى يمدحُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [الطويل]
3266 - لَهُ نَافِلاتٌ ما يَغِبُّ نَوالُهَا ... ولَيْسَ عطَاءُ اليَوْمِ مَانِعَهُ غَدا
وقال أبُو ذؤيب: [الكامل]
3267 - أوْدَى بَنِيَّ وأوْدَعُونِي حَسْرَةً ... عِنْدَ الرُّقَادِ وعَبْرَةً مَا تٌقلِعُ
قوله: «إلا كانوا» هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من مفعول «تَأتيهم» ، ويجوز أن تكمون صفة ل «رسُولٍ» فيكون في محلِّها وجهان الجرُّ باعتبار اللفظ، والرفع باعتبار الموضع، وإذا كانت حالاً فهي حالٌ مُقدَّرةٌ.
فصل في معنى الآية
المعنى: أنَّ عادة هؤلاء الجهَّال مع جميع الأنبياء والرسول صلوات لله وسلامه عليهم الاستهزاءُ بهم؛ كما فعلًُوا بك؛ ذكره تسليةً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
واعلم أنَّ السَّبَبَ الذي يحمِلُ هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة: إما لأنَّ الانتقال من المذاهب يشقُّ على الطِّباع.
وإمَّا لكونِ الرسول صلوات الله وسلامه عليه يكون فقِيراً، وليس له أعوان، ولا أنصارٌ؛ فالرؤساءُ يَثقُل عليهم خدمة من يكون بهذه الصِّفة.
وأمّا خذلانُ الله تعالى لهم، فبإلقاء دواعي الكفرِ والجهلِ في قلوبهم، وهذا هو السبب الأصليّ.
قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين﴾ ، يجوز في الكاف أن تكون مرفوعة المحلِّ على خبرها متبدأ مضمر، أي: الأمر كذلك، و «نَسْلكهُ» مستأنف، ويجوز أن تكون منصوبة المحل، إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: مثل ذلك السلك؛ ويجوز نسلكه، أي: نسلكُ الذكر، إما ح حالاً من المصدر المقدَّر، والهاء في «نَسْلكُهُ» يجوز عودها للذكر، وهو الظاهر، وقيل: يعود للاستهزاء، قيل: على الشركِ.
والهاء في «بِهِ» يجوز عودها على ما تقدم من الثَّلاثة، ويكون تأويلُ عودها على الاستهزاء والشرك، أي: لا يؤمنون بسببه.
وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه وقيل: للقرآن.
وقال ابو البقاء: «ويجوز أن يكون حالاً، أي: لا يؤمنون مستهزئين» كأنه جعل «بِهِ» متعلقاً بالحالِ المحذوفة قائمة مقامها.
وهو مردودٌ، لأن الجارَّ إذا وقع حالاً أو نعتاً أو صلة أو خبراً، تعلَّق بكون مطلق لا خاصِّ، وكذا الظرف.
ومحل «لا يُؤمِنُونَ» النَّصب على الحالِ، ويجوز ألاَّ يكون لها محلٌّ؛ لأنها بيان لقوله ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين﴾ استئنافٌ، والسَّلكُ: الإدخال، يقال: سَلكْتُ الخَيْطَ في الإبْرةِ، والرُّمحَ في المَطْعُونِ ومنه ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42] .
قال أبو عبيدة، وأبو عبيد: يقال: سَلكْتهُ وأسْلَكتهُ، أي: نظمته، قال: [الوافر]
3268 - وكُنْتُ لِزازَ خَصْمكَ لَمْ أعَرِّدْ ... وقَدْ سَلكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
وقال الآخر في «أسْلكَ» : [البسيط]
3269 - حتَّى إذَا أسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدةٍ ... شَلاًّ كَمَا تَطْردُ الجَمَّالةُ الشُّردا
فصل في المعنى الإجمالي للآية
ق ل الزجاج: المعنى: قد مضت سنة الله في الأولين بأن سلك الكفر والضَّلال في قلوبهم.
وقيل: نه تهديدٌ لكفار مكة، أي: قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل من القرون الماضية، والأول أليق بظاهر اللفظ.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء﴾ الآية، هذا هو المراد في سورة الأنعام، في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام: 7] الآية يعني: أنَّ الذين يقولون: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ [الحجر: 7] ، فلو أنزلنا الملائكة «،» فظلُّوا فيه «أي: فظلت الملائكة فيها» يَعْرجُونَ» ، وزهم يرونها عياناً.
و «ظلَّ» هذه الناقصة، والضمير في «فظَلُّوا» يعود على الملائكةِ، وهو الصحيح وقال الحسن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يعود على الكفَّار المفتح لهم الباب.
وقرأ الأعمش، وأبو حيوة» يَعْرجُونَ «بكسر الراء؛ وهي لغةُ هذيل في عَرَجَ: يَعْرِجُ، أي: صعد.
قوله
: ﴿لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ قرأ ابن كثير:» سُكِرَتْ «مبنياً للمعفول، مخفَّف الكاف، وباقي السبعة كذلك إلا أنهم شدَّدوا الكاف، والزهري: بفتح السين، وكسر الكاف خفيفة مبنياً للفاعل.
فأما القراءة الأولى: فيجوز أن تكون بمعنى المشددة؛ فإن التخفيف يصلح للقليل والكثير، وهما مأخوذتان من: السِّكر، بكسر السين، هو السَّدُّ.
والمعنى: حُبِسَتْ أبصارنا، وسُدَّت، وقيل: بمعنى: أخذت، وقيل: بمعنى: سُحِرَت، وقيل المشدد من: سَكِرَ الماءُ بالكسر، والمخفف من سَكُرَ الشَّراب بالضم.
والمشهور أن» سَكِرَ «لا يتعدى فيكف بُنِي للمفعول؟ .
فقال أبو علي:» يجوز أن يكون سمع متعدِّياً في البصر «.
والذي قاله المحقِّقون من أهل اللغةِ: أنَّ» سَكِر «إن كان من:» سَكِرَ الشَّرابُ، أو مِنْ سَكِرَ الرِّيحشُ» فالتضعيف فيه للتعدية، وإن كان من «سَكِرَ الماءً» فالتضعيف فيه للتكثير؛ لأنه متعد مخفَّفاً، وذلك أنه يقال: سَكرَت الرِّيحُ تَسْكرُ سَكْراً، إذا رَكدَت، وسَكِرَ الرَّجلُ منَ الشِّرابِ سَكْراً، ذا رَكَدَ، ولم ينقد لحاجته.
فهذان قاصران فالتضعيف فيها للتعدية، ويقال: سَكِرتُ الماء في مجاريه: إذا منعتهُ من الجَرِّي، فهذا متعدِّ، فالتضعيف فيه للتكثير.
وأما قراءةٌ ابن كثير: فإن كانت من «سَكِرَ الماءًُ» فهي واضحةٌ؛ لأنه متعدِّ، وإن كانت من «سَكُرَ الشَّرابُ أو سَكِرَ الرِّيحُ» فيجوز أن يكون الفعل استعمل لازماً تارة، ومتعدياً أخرى، نحو: «رَجَعَ زيْدٌ» ، ورَجَعه غَيْرُه، وسَعِندَ وسَعِدَه غَيْرُه «وقال الزمخشريُّ:» وسُكِّرَتْ: حُيِّرت أو حبست من السِّكرِ أو السُّكر، وقرىء: «سُكرَتْ» بالتخفيف، أي: حُبسَتْ كمَا يُحْبَسًُ المُهْرُ عنِ الجري» ، فجعل قراءة التشديد محتملة لمعنيين، وقراءة التخفيف محمتلة لمعنى واحدٍ.
وأما قراءة الزهريِّ، فواضحةٌ، أي: غطيت، وقيل: هي مطاوع: اسْكرتُ المكان فَسَكرَ: أي: سَددْتهُ فانْسَدَّ.
﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ ، أي عمل فينا السِّحْرُ، وسحرنا محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف يجوزز من الجماعة العظيمة أن يكونوا شاكِّين في وجود ما يشهدونه بالعين السليمة في النهار الوضاح؛ ولو جاز حصول الشكِّ في ذلك، ك انت السَّفسطةٌ لازمة، ولا يبقى حنيئذٍ اعتمادٌ على الحس والمشاهدة؟ .
أجاب القاضي رحمهن الله: بأنه تعالى ما وصفهم بالشكِّ فيما يبصرون، وإنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول، وقد يجوز أن يقدم الإنسانُ على الكذب على سبيل العنادِ والمكابرة، ثم سأل نفسه، أيصحُّ من الجمع العظيم أن يظهر الشك في المشاهدات؟ .
وأجاب: بأنه يصحُّ ذلك، إذا جمعه9م عليه غرضٌ صحيحٌ معتبر من مواطأةٍ على دفع حجَّةٍ أو غلبة خصم، وأيضاً: فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصوصين، سألُوةا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنزال الملائكةِ، وهذا السؤال إنما كان من رؤساءِ القوم، وكانوا قليلي العددِ، وإقدامُ العددِ القليلِ على ما يجري مجرى المكابرة، جائزٌ.
قوله: «فظلُوا» يقال: ظلّ فُلانٌ نَهارهُ يفعل كذا: إذا فعلهُ بالنَّهارِ، ولا تقول العربُ: «ظَلّ يَظَلْ» إلاَّ لكلِّ عملٍ بالنهارِ؛ كما لا يقولون: بَاتَ يَبِيتُ إلا بالليل، والمصدر الظُّلُول.
والعُروجُ: الصُّعودُ، يقال: عَرَج يَعْرجُ عُرُوجاً، ومنه: المَعَارجُ، وهي المصاعدُ التي يصعد عليها.
فإن قلنا: إن الضمير في: «فَظلُّوا» للملائكة، فقد تقدم بيانه، وإن قلنا: يعود على المشركين، فقال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «فظلَّ المشركون يصعدون في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوتِ الله سبحانه وتعالى وقدرته، وسلطانه، وإلى عباده، وملائكته عليهم السلام لشكُّوا في تلك الرؤية، وأصرُّوا على جهلهم وكفرهم؛ كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاقِ القمرِ، ومجيء القرآن الذي لا يستطيع الجنُّ والإنس أن يأتوا بمثله» .
الحجر 15:14
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ مفعوله محذوف، أي: أرسلنا رُسُلاً ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ف ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «أرْسَلْنَا» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه نعتٌ للمعفو ل المحفوف.
و ﴿فِي شِيَعِ الأولين﴾ ، قال الفراء: هو من إضافة المصوف لصفته، والأصل: في الشِّيعِ الأوَّلين؛ كصَلاةِ الأولى، وجَانبِ الغربي حقِّ اليَقينِ، وجين القيمة.
والبصريون: يؤولنه على الحذف [الموصوف، أي: في شيعِ الأممِ الأولين، وجانب المكان الغربي، وصلاةِ السَّاعةِ الأولى.
والشِّيعُ: قال الفراء: الشَّاعُ واحدهم: شِيعَة، وشِيعَةُ الرجُلِ: أتْباعهُ، والشِّيعَةُ: وهم القوم المجتمعة المتفقة، سموا بذلك؛ لأن بعضهم يُشَاعُ بعضاً، وتقدم الكلام على هذا الحرف عند قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 65] .
قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم﴾ قال الزمخشري: «حكاية حال ماضية؛ لأنَّ» مَا «لا تدخل على المضارع إلاَّ وهو في موضعِ الحالِ، ولا على ماضٍ إلا وهو قريبٌ من الحال» .
وهذا الذي ذكره هو الأكثر في لسانهم؛ لكنَّه قد جاءت ما مقارنة للمضارع المراد به الاستقبال؛ كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي﴾ [يونس: 15] ، وأنشدوا للأعشى يمدحُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [الطويل]
3266 - لَهُ نَافِلاتٌ ما يَغِبُّ نَوالُهَا ... ولَيْسَ عطَاءُ اليَوْمِ مَانِعَهُ غَدا
وقال أبُو ذؤيب: [الكامل]
3267 - أوْدَى بَنِيَّ وأوْدَعُونِي حَسْرَةً ... عِنْدَ الرُّقَادِ وعَبْرَةً مَا تٌقلِعُ
قوله: «إلا كانوا» هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من مفعول «تَأتيهم» ، ويجوز أن تكمون صفة ل «رسُولٍ» فيكون في محلِّها وجهان الجرُّ باعتبار اللفظ، والرفع باعتبار الموضع، وإذا كانت حالاً فهي حالٌ مُقدَّرةٌ.
فصل في معنى الآية
المعنى: أنَّ عادة هؤلاء الجهَّال مع جميع الأنبياء والرسول صلوات لله وسلامه عليهم الاستهزاءُ بهم؛ كما فعلًُوا بك؛ ذكره تسليةً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
واعلم أنَّ السَّبَبَ الذي يحمِلُ هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة: إما لأنَّ الانتقال من المذاهب يشقُّ على الطِّباع.
وإمَّا لكونِ الرسول صلوات الله وسلامه عليه يكون فقِيراً، وليس له أعوان، ولا أنصارٌ؛ فالرؤساءُ يَثقُل عليهم خدمة من يكون بهذه الصِّفة.
وأمّا خذلانُ الله تعالى لهم، فبإلقاء دواعي الكفرِ والجهلِ في قلوبهم، وهذا هو السبب الأصليّ.
قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين﴾ ، يجوز في الكاف أن تكون مرفوعة المحلِّ على خبرها متبدأ مضمر، أي: الأمر كذلك، و «نَسْلكهُ» مستأنف، ويجوز أن تكون منصوبة المحل، إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: مثل ذلك السلك؛ ويجوز نسلكه، أي: نسلكُ الذكر، إما ح حالاً من المصدر المقدَّر، والهاء في «نَسْلكُهُ» يجوز عودها للذكر، وهو الظاهر، وقيل: يعود للاستهزاء، قيل: على الشركِ.
والهاء في «بِهِ» يجوز عودها على ما تقدم من الثَّلاثة، ويكون تأويلُ عودها على الاستهزاء والشرك، أي: لا يؤمنون بسببه.
وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه وقيل: للقرآن.
وقال ابو البقاء: «ويجوز أن يكون حالاً، أي: لا يؤمنون مستهزئين» كأنه جعل «بِهِ» متعلقاً بالحالِ المحذوفة قائمة مقامها.
وهو مردودٌ، لأن الجارَّ إذا وقع حالاً أو نعتاً أو صلة أو خبراً، تعلَّق بكون مطلق لا خاصِّ، وكذا الظرف.
ومحل «لا يُؤمِنُونَ» النَّصب على الحالِ، ويجوز ألاَّ يكون لها محلٌّ؛ لأنها بيان لقوله ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين﴾ استئنافٌ، والسَّلكُ: الإدخال، يقال: سَلكْتُ الخَيْطَ في الإبْرةِ، والرُّمحَ في المَطْعُونِ ومنه ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42] .
قال أبو عبيدة، وأبو عبيد: يقال: سَلكْتهُ وأسْلَكتهُ، أي: نظمته، قال: [الوافر]
3268 - وكُنْتُ لِزازَ خَصْمكَ لَمْ أعَرِّدْ ... وقَدْ سَلكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
وقال الآخر في «أسْلكَ» : [البسيط]
3269 - حتَّى إذَا أسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدةٍ ... شَلاًّ كَمَا تَطْردُ الجَمَّالةُ الشُّردا
فصل في المعنى الإجمالي للآية
ق ل الزجاج: المعنى: قد مضت سنة الله في الأولين بأن سلك الكفر والضَّلال في قلوبهم.
وقيل: نه تهديدٌ لكفار مكة، أي: قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل من القرون الماضية، والأول أليق بظاهر اللفظ.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء﴾ الآية، هذا هو المراد في سورة الأنعام، في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام: 7] الآية يعني: أنَّ الذين يقولون: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ [الحجر: 7] ، فلو أنزلنا الملائكة «،» فظلُّوا فيه «أي: فظلت الملائكة فيها» يَعْرجُونَ» ، وزهم يرونها عياناً.
و «ظلَّ» هذه الناقصة، والضمير في «فظَلُّوا» يعود على الملائكةِ، وهو الصحيح وقال الحسن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يعود على الكفَّار المفتح لهم الباب.
وقرأ الأعمش، وأبو حيوة» يَعْرجُونَ «بكسر الراء؛ وهي لغةُ هذيل في عَرَجَ: يَعْرِجُ، أي: صعد.
قوله
: ﴿لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ قرأ ابن كثير:» سُكِرَتْ «مبنياً للمعفول، مخفَّف الكاف، وباقي السبعة كذلك إلا أنهم شدَّدوا الكاف، والزهري: بفتح السين، وكسر الكاف خفيفة مبنياً للفاعل.
فأما القراءة الأولى: فيجوز أن تكون بمعنى المشددة؛ فإن التخفيف يصلح للقليل والكثير، وهما مأخوذتان من: السِّكر، بكسر السين، هو السَّدُّ.
والمعنى: حُبِسَتْ أبصارنا، وسُدَّت، وقيل: بمعنى: أخذت، وقيل: بمعنى: سُحِرَت، وقيل المشدد من: سَكِرَ الماءُ بالكسر، والمخفف من سَكُرَ الشَّراب بالضم.
والمشهور أن» سَكِرَ «لا يتعدى فيكف بُنِي للمفعول؟ .
فقال أبو علي:» يجوز أن يكون سمع متعدِّياً في البصر «.
والذي قاله المحقِّقون من أهل اللغةِ: أنَّ» سَكِر «إن كان من:» سَكِرَ الشَّرابُ، أو مِنْ سَكِرَ الرِّيحشُ» فالتضعيف فيه للتعدية، وإن كان من «سَكِرَ الماءً» فالتضعيف فيه للتكثير؛ لأنه متعد مخفَّفاً، وذلك أنه يقال: سَكرَت الرِّيحُ تَسْكرُ سَكْراً، إذا رَكدَت، وسَكِرَ الرَّجلُ منَ الشِّرابِ سَكْراً، ذا رَكَدَ، ولم ينقد لحاجته.
فهذان قاصران فالتضعيف فيها للتعدية، ويقال: سَكِرتُ الماء في مجاريه: إذا منعتهُ من الجَرِّي، فهذا متعدِّ، فالتضعيف فيه للتكثير.
وأما قراءةٌ ابن كثير: فإن كانت من «سَكِرَ الماءًُ» فهي واضحةٌ؛ لأنه متعدِّ، وإن كانت من «سَكُرَ الشَّرابُ أو سَكِرَ الرِّيحُ» فيجوز أن يكون الفعل استعمل لازماً تارة، ومتعدياً أخرى، نحو: «رَجَعَ زيْدٌ» ، ورَجَعه غَيْرُه، وسَعِندَ وسَعِدَه غَيْرُه «وقال الزمخشريُّ:» وسُكِّرَتْ: حُيِّرت أو حبست من السِّكرِ أو السُّكر، وقرىء: «سُكرَتْ» بالتخفيف، أي: حُبسَتْ كمَا يُحْبَسًُ المُهْرُ عنِ الجري» ، فجعل قراءة التشديد محتملة لمعنيين، وقراءة التخفيف محمتلة لمعنى واحدٍ.
وأما قراءة الزهريِّ، فواضحةٌ، أي: غطيت، وقيل: هي مطاوع: اسْكرتُ المكان فَسَكرَ: أي: سَددْتهُ فانْسَدَّ.
﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ ، أي عمل فينا السِّحْرُ، وسحرنا محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف يجوزز من الجماعة العظيمة أن يكونوا شاكِّين في وجود ما يشهدونه بالعين السليمة في النهار الوضاح؛ ولو جاز حصول الشكِّ في ذلك، ك انت السَّفسطةٌ لازمة، ولا يبقى حنيئذٍ اعتمادٌ على الحس والمشاهدة؟ .
أجاب القاضي رحمهن الله: بأنه تعالى ما وصفهم بالشكِّ فيما يبصرون، وإنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول، وقد يجوز أن يقدم الإنسانُ على الكذب على سبيل العنادِ والمكابرة، ثم سأل نفسه، أيصحُّ من الجمع العظيم أن يظهر الشك في المشاهدات؟ .
وأجاب: بأنه يصحُّ ذلك، إذا جمعه9م عليه غرضٌ صحيحٌ معتبر من مواطأةٍ على دفع حجَّةٍ أو غلبة خصم، وأيضاً: فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصوصين، سألُوةا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنزال الملائكةِ، وهذا السؤال إنما كان من رؤساءِ القوم، وكانوا قليلي العددِ، وإقدامُ العددِ القليلِ على ما يجري مجرى المكابرة، جائزٌ.
قوله: «فظلُوا» يقال: ظلّ فُلانٌ نَهارهُ يفعل كذا: إذا فعلهُ بالنَّهارِ، ولا تقول العربُ: «ظَلّ يَظَلْ» إلاَّ لكلِّ عملٍ بالنهارِ؛ كما لا يقولون: بَاتَ يَبِيتُ إلا بالليل، والمصدر الظُّلُول.
والعُروجُ: الصُّعودُ، يقال: عَرَج يَعْرجُ عُرُوجاً، ومنه: المَعَارجُ، وهي المصاعدُ التي يصعد عليها.
فإن قلنا: إن الضمير في: «فَظلُّوا» للملائكة، فقد تقدم بيانه، وإن قلنا: يعود على المشركين، فقال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «فظلَّ المشركون يصعدون في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوتِ الله سبحانه وتعالى وقدرته، وسلطانه، وإلى عباده، وملائكته عليهم السلام لشكُّوا في تلك الرؤية، وأصرُّوا على جهلهم وكفرهم؛ كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاقِ القمرِ، ومجيء القرآن الذي لا يستطيع الجنُّ والإنس أن يأتوا بمثله» .
الحجر 15:15
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ مفعوله محذوف، أي: أرسلنا رُسُلاً ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ف ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «أرْسَلْنَا» ، وأن يتعلق بمحذوف على أنه نعتٌ للمعفو ل المحفوف.
و ﴿فِي شِيَعِ الأولين﴾ ، قال الفراء: هو من إضافة المصوف لصفته، والأصل: في الشِّيعِ الأوَّلين؛ كصَلاةِ الأولى، وجَانبِ الغربي حقِّ اليَقينِ، وجين القيمة.
والبصريون: يؤولنه على الحذف [الموصوف، أي: في شيعِ الأممِ الأولين، وجانب المكان الغربي، وصلاةِ السَّاعةِ الأولى.
والشِّيعُ: قال الفراء: الشَّاعُ واحدهم: شِيعَة، وشِيعَةُ الرجُلِ: أتْباعهُ، والشِّيعَةُ: وهم القوم المجتمعة المتفقة، سموا بذلك؛ لأن بعضهم يُشَاعُ بعضاً، وتقدم الكلام على هذا الحرف عند قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 65] .
قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم﴾ قال الزمخشري: «حكاية حال ماضية؛ لأنَّ» مَا «لا تدخل على المضارع إلاَّ وهو في موضعِ الحالِ، ولا على ماضٍ إلا وهو قريبٌ من الحال» .
وهذا الذي ذكره هو الأكثر في لسانهم؛ لكنَّه قد جاءت ما مقارنة للمضارع المراد به الاستقبال؛ كقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي﴾ [يونس: 15] ، وأنشدوا للأعشى يمدحُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [الطويل]
3266 - لَهُ نَافِلاتٌ ما يَغِبُّ نَوالُهَا ... ولَيْسَ عطَاءُ اليَوْمِ مَانِعَهُ غَدا
وقال أبُو ذؤيب: [الكامل]
3267 - أوْدَى بَنِيَّ وأوْدَعُونِي حَسْرَةً ... عِنْدَ الرُّقَادِ وعَبْرَةً مَا تٌقلِعُ
قوله: «إلا كانوا» هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من مفعول «تَأتيهم» ، ويجوز أن تكمون صفة ل «رسُولٍ» فيكون في محلِّها وجهان الجرُّ باعتبار اللفظ، والرفع باعتبار الموضع، وإذا كانت حالاً فهي حالٌ مُقدَّرةٌ.
فصل في معنى الآية
المعنى: أنَّ عادة هؤلاء الجهَّال مع جميع الأنبياء والرسول صلوات لله وسلامه عليهم الاستهزاءُ بهم؛ كما فعلًُوا بك؛ ذكره تسليةً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
واعلم أنَّ السَّبَبَ الذي يحمِلُ هؤلاء الجهال على هذه العادة الخبيثة: إما لأنَّ الانتقال من المذاهب يشقُّ على الطِّباع.
وإمَّا لكونِ الرسول صلوات الله وسلامه عليه يكون فقِيراً، وليس له أعوان، ولا أنصارٌ؛ فالرؤساءُ يَثقُل عليهم خدمة من يكون بهذه الصِّفة.
وأمّا خذلانُ الله تعالى لهم، فبإلقاء دواعي الكفرِ والجهلِ في قلوبهم، وهذا هو السبب الأصليّ.
قوله: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين﴾ ، يجوز في الكاف أن تكون مرفوعة المحلِّ على خبرها متبدأ مضمر، أي: الأمر كذلك، و «نَسْلكهُ» مستأنف، ويجوز أن تكون منصوبة المحل، إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أي: مثل ذلك السلك؛ ويجوز نسلكه، أي: نسلكُ الذكر، إما ح حالاً من المصدر المقدَّر، والهاء في «نَسْلكُهُ» يجوز عودها للذكر، وهو الظاهر، وقيل: يعود للاستهزاء، قيل: على الشركِ.
والهاء في «بِهِ» يجوز عودها على ما تقدم من الثَّلاثة، ويكون تأويلُ عودها على الاستهزاء والشرك، أي: لا يؤمنون بسببه.
وقيل: للرسول صلوات الله وسلامه عليه وقيل: للقرآن.
وقال ابو البقاء: «ويجوز أن يكون حالاً، أي: لا يؤمنون مستهزئين» كأنه جعل «بِهِ» متعلقاً بالحالِ المحذوفة قائمة مقامها.
وهو مردودٌ، لأن الجارَّ إذا وقع حالاً أو نعتاً أو صلة أو خبراً، تعلَّق بكون مطلق لا خاصِّ، وكذا الظرف.
ومحل «لا يُؤمِنُونَ» النَّصب على الحالِ، ويجوز ألاَّ يكون لها محلٌّ؛ لأنها بيان لقوله ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين﴾ استئنافٌ، والسَّلكُ: الإدخال، يقال: سَلكْتُ الخَيْطَ في الإبْرةِ، والرُّمحَ في المَطْعُونِ ومنه ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42] .
قال أبو عبيدة، وأبو عبيد: يقال: سَلكْتهُ وأسْلَكتهُ، أي: نظمته، قال: [الوافر]
3268 - وكُنْتُ لِزازَ خَصْمكَ لَمْ أعَرِّدْ ... وقَدْ سَلكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
وقال الآخر في «أسْلكَ» : [البسيط]
3269 - حتَّى إذَا أسْلَكُوهُمْ فِي قُتَائِدةٍ ... شَلاًّ كَمَا تَطْردُ الجَمَّالةُ الشُّردا
فصل في المعنى الإجمالي للآية
ق ل الزجاج: المعنى: قد مضت سنة الله في الأولين بأن سلك الكفر والضَّلال في قلوبهم.
وقيل: نه تهديدٌ لكفار مكة، أي: قد مضت سنة الله بإهلاك من كذب الرسل من القرون الماضية، والأول أليق بظاهر اللفظ.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء﴾ الآية، هذا هو المراد في سورة الأنعام، في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام: 7] الآية يعني: أنَّ الذين يقولون: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ [الحجر: 7] ، فلو أنزلنا الملائكة «،» فظلُّوا فيه «أي: فظلت الملائكة فيها» يَعْرجُونَ» ، وزهم يرونها عياناً.
و «ظلَّ» هذه الناقصة، والضمير في «فظَلُّوا» يعود على الملائكةِ، وهو الصحيح وقال الحسن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يعود على الكفَّار المفتح لهم الباب.
وقرأ الأعمش، وأبو حيوة» يَعْرجُونَ «بكسر الراء؛ وهي لغةُ هذيل في عَرَجَ: يَعْرِجُ، أي: صعد.
قوله
: ﴿لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ قرأ ابن كثير:» سُكِرَتْ «مبنياً للمعفول، مخفَّف الكاف، وباقي السبعة كذلك إلا أنهم شدَّدوا الكاف، والزهري: بفتح السين، وكسر الكاف خفيفة مبنياً للفاعل.
فأما القراءة الأولى: فيجوز أن تكون بمعنى المشددة؛ فإن التخفيف يصلح للقليل والكثير، وهما مأخوذتان من: السِّكر، بكسر السين، هو السَّدُّ.
والمعنى: حُبِسَتْ أبصارنا، وسُدَّت، وقيل: بمعنى: أخذت، وقيل: بمعنى: سُحِرَت، وقيل المشدد من: سَكِرَ الماءُ بالكسر، والمخفف من سَكُرَ الشَّراب بالضم.
والمشهور أن» سَكِرَ «لا يتعدى فيكف بُنِي للمفعول؟ .
فقال أبو علي:» يجوز أن يكون سمع متعدِّياً في البصر «.
والذي قاله المحقِّقون من أهل اللغةِ: أنَّ» سَكِر «إن كان من:» سَكِرَ الشَّرابُ، أو مِنْ سَكِرَ الرِّيحشُ» فالتضعيف فيه للتعدية، وإن كان من «سَكِرَ الماءً» فالتضعيف فيه للتكثير؛ لأنه متعد مخفَّفاً، وذلك أنه يقال: سَكرَت الرِّيحُ تَسْكرُ سَكْراً، إذا رَكدَت، وسَكِرَ الرَّجلُ منَ الشِّرابِ سَكْراً، ذا رَكَدَ، ولم ينقد لحاجته.
فهذان قاصران فالتضعيف فيها للتعدية، ويقال: سَكِرتُ الماء في مجاريه: إذا منعتهُ من الجَرِّي، فهذا متعدِّ، فالتضعيف فيه للتكثير.
وأما قراءةٌ ابن كثير: فإن كانت من «سَكِرَ الماءًُ» فهي واضحةٌ؛ لأنه متعدِّ، وإن كانت من «سَكُرَ الشَّرابُ أو سَكِرَ الرِّيحُ» فيجوز أن يكون الفعل استعمل لازماً تارة، ومتعدياً أخرى، نحو: «رَجَعَ زيْدٌ» ، ورَجَعه غَيْرُه، وسَعِندَ وسَعِدَه غَيْرُه «وقال الزمخشريُّ:» وسُكِّرَتْ: حُيِّرت أو حبست من السِّكرِ أو السُّكر، وقرىء: «سُكرَتْ» بالتخفيف، أي: حُبسَتْ كمَا يُحْبَسًُ المُهْرُ عنِ الجري» ، فجعل قراءة التشديد محتملة لمعنيين، وقراءة التخفيف محمتلة لمعنى واحدٍ.
وأما قراءة الزهريِّ، فواضحةٌ، أي: غطيت، وقيل: هي مطاوع: اسْكرتُ المكان فَسَكرَ: أي: سَددْتهُ فانْسَدَّ.
﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ ، أي عمل فينا السِّحْرُ، وسحرنا محمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف يجوزز من الجماعة العظيمة أن يكونوا شاكِّين في وجود ما يشهدونه بالعين السليمة في النهار الوضاح؛ ولو جاز حصول الشكِّ في ذلك، ك انت السَّفسطةٌ لازمة، ولا يبقى حنيئذٍ اعتمادٌ على الحس والمشاهدة؟ .
أجاب القاضي رحمهن الله: بأنه تعالى ما وصفهم بالشكِّ فيما يبصرون، وإنما وصفهم بأنهم يقولون هذا القول، وقد يجوز أن يقدم الإنسانُ على الكذب على سبيل العنادِ والمكابرة، ثم سأل نفسه، أيصحُّ من الجمع العظيم أن يظهر الشك في المشاهدات؟ .
وأجاب: بأنه يصحُّ ذلك، إذا جمعه9م عليه غرضٌ صحيحٌ معتبر من مواطأةٍ على دفع حجَّةٍ أو غلبة خصم، وأيضاً: فهذه الحكاية إنما وقعت عن قوم مخصوصين، سألُوةا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنزال الملائكةِ، وهذا السؤال إنما كان من رؤساءِ القوم، وكانوا قليلي العددِ، وإقدامُ العددِ القليلِ على ما يجري مجرى المكابرة، جائزٌ.
قوله: «فظلُوا» يقال: ظلّ فُلانٌ نَهارهُ يفعل كذا: إذا فعلهُ بالنَّهارِ، ولا تقول العربُ: «ظَلّ يَظَلْ» إلاَّ لكلِّ عملٍ بالنهارِ؛ كما لا يقولون: بَاتَ يَبِيتُ إلا بالليل، والمصدر الظُّلُول.
والعُروجُ: الصُّعودُ، يقال: عَرَج يَعْرجُ عُرُوجاً، ومنه: المَعَارجُ، وهي المصاعدُ التي يصعد عليها.
فإن قلنا: إن الضمير في: «فَظلُّوا» للملائكة، فقد تقدم بيانه، وإن قلنا: يعود على المشركين، فقال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «فظلَّ المشركون يصعدون في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوتِ الله سبحانه وتعالى وقدرته، وسلطانه، وإلى عباده، وملائكته عليهم السلام لشكُّوا في تلك الرؤية، وأصرُّوا على جهلهم وكفرهم؛ كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاقِ القمرِ، ومجيء القرآن الذي لا يستطيع الجنُّ والإنس أن يأتوا بمثله» .
الحجر 15:16
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً﴾ الأية، «جَعلْنَا» : يجوز أن يكون بمعنى «خَلقْنَا» فيتعلق به الجارُّ، وأن يكون بمعنى صيِّرنا؛ فيكون مفعلوه الأول: «بُرُوجاً» ومفعوله الثاني: الجارَّ، فيتعلق بمحذوفٍ، و «للنَّاظِرينَ» متعلق ب «زَينَّاهَا» ، والضمير ل «السَّماءِ» أي: زيَّناها بالشَّمس، والقمرِ، والنجوم.
وقيل: للبروج: وهي الكواكب، زَّنَّاها بالضوءِ، والنظر عينيّ.
وقيل: قلبي وحذف متعلقة؛ ليعُمَّ.
فصل في دلائل التوحيد السماوية والأرضية
لما أجاب عن منكري النبوة، وقد ثبت أنَّ القول بالنبوةِ فرعٌ على القول بالتوحيد، أتبعه تعالى بدلائل التوحيد وهي: منها سماويَّة، ومنها أرضية، فبدأ بذكر السماوية، فقال وعَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ .
قال اللَّيثُ رَحِمَهُ اللَّهُ: البُرُوج واحدها بُرْج من بُروجِ الفلك، والبُرُوج: هي النجوم الكبار، مأخوذة من الظهور، يقال: بَرجَتِ المرأةُ، أي: ظهرت، وأراد بها المنازل التي تنزلها الشمس، والقمر، والكواكب السيارة.
والعرب تعدُّ المعرفة بمواقعِ النُّجوم، وأبوابها من أجلِّ العُلومِ، ويستدلُّون بها على الطُّرقاتِ، والأوقاتِ، والخصب، والحدْبِ، وقالوا: الفلكُ: اثنَا عشر بُرْجاً، كلُّ برجٍ ميلان، ونصر للقمر.
وقال ابن عطية: هي قصورٌ في السماءِ، وعليها الحرسُ.
﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ مَرجُومٍ، وقيل: ملعُون.
قال ابنُ عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه كانت الشياطين لا يحجبون عن السمواتِ، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها؛ فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى صلوات الله وسلامه عليه منعوا من ثلاث سماواتٍ، فلما ولد محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من السموات أجمع، فما منهم من أحدٍ يريد استراق السمع، "إلاَّ رمي بشهابٍ.
فلمَّا منعُوا من تلك المقاعد، ذكروا ذلك لإبليس، فقال: حدث في الأرض حدثٌ، قال: فبعثهم، فوجد رسول الله صلواتالله وسلامه عليه يتلوا القرآن، فقالوا والله حدث.
فإن قيل: ما معنى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ والشيطانُ لا قدرة له على هدم السماء، فإيُّ حاجة إلى حفظ السماء منه؟ قلنا: لما منعمه من القرب منها، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان، فحفظ الله السماء منهم، كما قد يحفظ منازلنا ممَّن يخشى منه الفساد.
والرَّميُ في اللغة: الرميُ بالحجارة، والرَّجمُ أيضاً: السبُّ والشتمُ؛ لأنه رميٌ بالقولِ القبيح، والرجمُ: القول بالظنِّ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿رَجْماً بالغيب﴾ [الكهف: 22] ؛ لأنه يرميه بذلك الظنِّ، والرجم أيضاً: اللَّعن، والطَّرد.
قوله: ﴿إِلاَّ مَنِ استرق﴾ فيه خمسة أوجه:
أحدهما في محل نصب على الاستثناء المتصل، والمعنى: فإنها لم تحفظ منه؛ قاله غير واحدٍ.
الثاني: منقطعٌ ومحله النصب أيضاً، أي: لكن من استرق السمع. قال الزجاج رَحِمَهُ اللَّهُ.
موضع «» مَنْ «نصبٌ على التقدير، قال:» وجاز أن يكون في موضع خفض، والتقدير: إلا ممَّن» .
الثالث: أنه بدلاٌ من «كُلِّ شَيطانٍ» فيكون محله الجرَّ، قاله الحوفي، وأبو البقاءِ، وتقدم عن الزجاج، وفيه نظر؛ لأن الكلام موجبٌ.
الرابع: أنه نعتٌ ل» كُلِّ شَيْطانٍ «فيكون محله الجر، على خلاف في هذه المسألة.
الخامس: أنَّه في محلِّ رفع بالابتداءِ، وخبره الجملة من قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ ، وإنما دخلت الفاء؛ لأنَّ» مَنْ «إمَّا شرطيةٌ، وإمَّا موصولةٌ، مشبهةٌ بالشرطية. قاله أبو البقاء وحينئذٍ يكونُ من باب الاستثناءِ المنقطعه.
والشِّهَابُ: الشُّعلةُ مِنَ النَّارِ، وسُمِّي بها الكوكبُ؛ لشدَّة ضَوئِه، وبَريقه، وكذلك سُمَّي السِّنانُ شِهَاباً، ويجمع على:» شُهُبٍ» في الكثرةِ، و «أشْهُبٍ» في القلَّة، والشُّهْبَةُ: بياضٌ مختلطٌ بسوادٍ؛ تَشْبِيهاً بالشِّهاب؛ لاختلاطه بالدُّخانِ، ومنه: كَتيبةٌ شهباءُ لسوادِ القَوْمِ، وبياض الحديدِ، ومِنْ ثمَّ غلط الناس في إطلاقهم الشُّبهة على البياضِ الخالص.
وقال القرطبيُّ: «أتْبَعَه» : أدركهُ ولَحِقهُ، شهابٌ مُبِينٌ، أي: كوكبٌ مُضيءٌ، وكذلك: ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: 7] أي: شُعلة نارٍ في رَأسِ عُودٍ، قاله ابن عزيزٍ؛ وقال ذُو الرُّمَّ: [البسيط] 3270 - كَأنَّه كَوكَبٌ فِي إثْرِ عِفْريَةٍ ... مُسَوَّمٌ فِي سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضبُ
وسُمِّي الكَوكَبُ شِهَاباً، لأنَّ بَريقَهُ يُشْبِه النَّار.
وقيل: شهابٌ شُعلة من نار تبين لأهل الأرضِ، فتحرقهم ولا تعود إذا أحرقتهم، كما إذا أحرقت النارُ، لم تعد، بخلاف الكواكب فِإنه إذا أحرق، عاد إلى مكانه.
فصل
قال ابن عبَّاسٍِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «إلاَّ مِنَ اسْترقَ السَّمْعَ» يريد الخفطة اليسيرة، وذلك أن الشياطين يركبُ بعضهم بعضاً إلى سماء الدنيا يسترقون السمع من الملائكة، فيُرمون من الكواكب، فلا تخطيء أبداً، فمنهم من يقتله، منهم من يحرقُ وجهه وجنبه ويده حيث يشاء الله، ومنهم من تخبله؛ فيصير غولاً؛ فيقتل الناس في البراري.
روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «إذَا قَضَا اللهُ الأمْرَ فِي السَّماءِ، ضَربَتِ المَلائِكةُ بأجْنِحَتهَا خضعاناً لقوله كَأنَّه سِلسِلَةٌ على صِنْوانٍ، فإذَا فزعَ عَنْ قُلوبِهمْ، قالوا: مَاذَا قَال ربُّكُمْ؟ قَالُوا: الَّذي قَالَ الحَقُّ وهُوَ العليُّ الكَبيرُ، فَيُسْمعها مُسْترِقُ السَّمع، مُسْترِقُ السمعِ هَكَّذَا بَعضهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ووَصفَ سُفْيَانُ بِكفِّه فحرَّقها وبدَّدَ بيْنَ أصَابعهِ، فيَسْمَعُ الكَلِمة، فيُلْقِهَا إلى مَنْ تَحْتهُ ثُمَّ يُلْقيها الآخرُ إلى مَنْ تَحْتهُ، حتَّى يُلقِيهَا على لِسانِ السَّاحر، والكَاهنِ، ورُبّضما أدْركهُ الشِّهابُ قبْلَ ِِأنْ يلقِيهَا، ورُبَّما ألْقَاهَا قبلَ أن يُدرِكَهُ، فيَكذِب مَعَهَا مِائةَ كِذْ، فيقالُ: ألَيْس قد قَالَ لَنَا اليَوْمَ كَذَا وكَذَا، فيصدق بتِلْكَ الكَلمةِ الَّتي سُمِعَتْ مِنَ السَّماءِ» .
وهذا لم يكن ظاهراً قبل أن يبعث الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولم يذكره شاعر من العرب قبل زمانه عليه السلام وإنما ظهر في بدء أمره وكان ذلك أساساً لنبوته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال يعقوب من عتبة بن المغيرة بن الأخنسِ بن شريق: إنَّ أول من قرع للرَّمي بالنجوم، هذا الحيُّ من ثقيف، وأنهم جاءوا إلى رجُلٍ منهم يقال له: عمر بنُ امَّة، أحدُ بني علاج، وكان أدْهَى العرب، فقالوا له: ألَمْ تَرَ مَا حَدثَ في السماء من القذف بالنُّجُومِ؟ قال: بلى فانظروا، فإن كانت معالمُ النجوم التي يُهْتدَى بها في البرِّ، والبَحْر، ويعرف بها الأنواءُ من الصيف، والشتاء، لما يصلحُ الناس من معايشهم، هي التي يرمى بها، فهي والله طيُّ الدنيا، وهلاك الخلق الذين فيها، وإن كان نجوماً غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهذا الأمر أراد
الله لهذا الخلق.
قال معمرٌ: قلت للزهريِّ: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، قال: أفرأيت قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: 9] الآية قال: وقد غلظتْ، وشدِّد أمرها حيث بعث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال ابن قتيبة: إنَّ الرجم كان قبل مبعثه، ولكن لم يكن في شدة الحراسة بعد مبعثه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقيل: إن النجم ينقضُّ، ويرمي الشيطان، ثم يعود إلى مكانه.
فصل
قال القرطبي: «اختلفوا في الشِّهاب: هل يقتل أم لا؟ .
فقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما الشِّهاب يَجرح، ويَحرِقُ، ويُخْبلُ، ولا يَقْتلُ.
وقال الحسنُ، وطائفةٌ: يقتل، فعلى هذا في قتلهم بالشهب قبل إلقائها السمع إلى الجنِّ قولان:
أحدهما: يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم من الجن، ولذلك ما يعودون إلى استراقه.
والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم، ولو لم يصل لا نقطع الاستراق، وانقطع الاحراقُ، ذكره الماوردي» .
قال القرطبي: «والقول الأول أصح؛ على ما يأتي بيانه في» الصافات «» .
فصل
قال ابن الخطيب: «في هذا الموضع أبحاثٌ دقيقة على ما ذكرناها في سورة الملك، وفي سورة الجن، ونذكر ههنا إشكالاً واحداً وهو: أنّ لقائل أن يقول: إذا جوَّزتم في الجملة، أن يصعد الشيطان إلى السماوات، ويختلط بالملائكةِ، ويسمع أخبار الغيوب منهم، ثم إنه ينزل، ويلقي تلك الغيوب، فعلى هذا يجب أن يخرج الإخبار عن المغيَّبات عن كونه معجزاً، لأنَّ كل غيبٍ يخبر عنه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقوم فيه هذا الاحتمال؛ فيخرجُ عن كونه معجزاً دليلاً عل الصدقِ، ولا يقال: إن الله تعالى أخبر عنهم أنَّهم عجزوا بعد مولد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ لأنَّا نقول: هذا العجز لا يمكن إثباته إلا بعد القطع بكون محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبكون القرآن الكريم حقًّا، والقطع بهذا، لا يمكن إلاَّ بواسطة المعجز، وكون الإخبار عن الغيب معجزاً، ولا يثبت إلا بعد إبطال هذا الاحتمال، وحينئذٍ يلزم الدور، وهو محالٌ باطلٌ.
ويمكن أن يجاب عنه: بانا نثبت كون محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رسولاً، بسائر المعجزات، ثم بعد العلم بنبوته، نقطع بأن الله عَجَّزَ الشياطين عن تلقف الغيب، وبهذا الطريق يندفع الدَّور «.
قوله: ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا﴾ » الأرْضَ» : نصبٌ على الاشتغال، ولم يقرأ بغيره؛ لأنه أرجع من حيث العطف على جملة فعلية قبلها، وهي قوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً﴾ [الحجر: 16] .
وقال أبو حيَّان: «ولما كانت هذه الجملة بعدها جملة فعلية، كان النَّصب أرجح من الرفع» .
قال شهاب الدين: لَمْ يعدُّوةا هذا من القرائن المرجحة للنصب، إنما عندو عطفها على جملة فعلية قبلها، لا عطف جمعلة فعلية عليها، ولكنه القياس، إذ يعطف فيه فعلية على مثلها، بخلاف ما لو رفعت، إذ تعطف فعلية على اسمية، لكنهم لم يعتبروا ذلك.
والضمير في «فِيهَا» : للأرض. وقيل: للرَّواسي. وقيل: لهما.
فصل
لما شرح الدلائل السماوية في تقرير التَّوحيد، أتبعها بذكر الدلائل الأرضية وهي أنواع:
الأول: قوله: ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا﴾ قال ابن عباسٍ: بسطناها على وجه الماءِ، وبسطت من تحته الكعبة.
النوع الثاني: قوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ وهي الجبال الثوابت واحدها راسٍ، والجمع راسية وجم الجمع رواسي، قال ابن عباسٍ: لما بسط الله الأرض على الماء، مالت بأهلها كالسفينة؛ فأرساها الله بالجبال؛ لكيلا تميل بأهلها.
النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ ، يجوز فِي» مِنْ «أن تكمون تبعيضية، وهو الصحيح، وأن تكون مزيدة عند الكوفيين، والأخفش، والضمير في قوله:» فِيهَا» يحتمل أن يكون راجعاً إلى الأرض، وأن يكون راجعاً إلى الجبال الرواسي، إلاَّ أنَّ رجوعها إلى الأرض أولى؛ لأن أنواع النبات المنتفع بها، إنما تتولَّد في الأرض، وأما الجبلية، فقليلة النفع.
وقيل: رجوع الضمير إلى الجبال أولى؛ لأنَّ المعادن من الذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، وغيرها؛ إنَّما تتولد في الجبال، والأشياء الموزونة في العرف والمعادة، هي المعادن لا النبات.
وفي المراد بالموزون وجوه:
قيل: المقَّدر بقدر الحاجة، أي: أنَّ الله تعالى يثبت ذلك المقدر بقدر ما يحتاج إليه الناس؛ لقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: 8] وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر: 21] .
وقيل: المناسب المطابق للحكمة كقولهم: كلامٌ موزونٌ، أي: متناسب بعيد عن اللغو، والمعنى: موزونٌ بميزان الحكمة، والعقل.
وقيل: موزونٌ؛ بمعنى أنَّ الذي تنبته الأرض نوعان: المعادنُ، والنباتُ، أما المعادن: فهي بأسرها موزنة، وأما النبات: فيرجع عاقبته إلى الوزنِ، كالمخترف، والفواكة في الأكثر.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ جحمع معيشة، أراد الله بها المطاعم، والمشارب، والملابس، وقيل: ما يعيش به المرءُ في الدنيا، وقد تقدَّم الكلام على المعايش في الأعرافِ.
قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ ، يجوز في خمسة أوجه:
أحدها: قول الزجاج: أنه منصوب بفعلٍ مقدرٍ، تقديره: وأغنينا من لستم له برازقين، كالعبد، والدَّواب، والوحوش.
الثاني: أنه منصوب عطفاً على «مَعايِشَ» ، أي: وجعلنا لكم فيها معايش ومن لسْتُمْ له برازقين من الدَّواب المنتفع بها.
الثالث: أنه منصوب عطفاغً على محل «لَكُمْ» .
الرابع: أنه مجرور عطفاً على «كُمْ» المجرور بها اللام؛ وجاز ذلك من غير إعادة الجار على رأي الكوفيين، وبعض البصريين، وتقدم تحقيقه في البقرة، عند قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام﴾ [البقرة: 217] .
الخامس: أنه مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف، أي: ومن لستم له برازقين، جعلنا له فيها معايش، وسمع من العرب: ضربت زيداً، وعمروا، برفع «عمرو» ؛ مبتدأ محذوف الخبر، اي: وعمرو ضربته، و «مَنْ» يجوز أن يراد بها العقلاء، أي: من لستم له برازقين من مواليكم الذين تزعمون أنكم ترزقونهم، أو يراد بها غير العقلاء، أي: من لستم له برازقين من الدوابِّ، وإن كنتم تزعمون أنكم ترزقونهم؛ قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ﴾ [النور: 45] ، وقال سبحانه: ﴿يا أيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: 18] فذكرها بصيغة جمع العقلاء، ويجوز أن يراد بها النوعان؛ وهو حسنٌ لفظاً ومعنًى.
قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ﴾ ، و «إنْ» : نافية، و «مِنْ» مزيدة في المبتدإ، و «عِنْدَنَ» خبره، و «خَزائِنهُ» فاعل به؛ لاعتماده على النَّفي، ويجوز أن يكون «عِندَنَا» خبراً ل «ما» بعده، والجملة خبر الأولى، والأولى أولى؛ لقرب الجارِّ من المفرد.
قال الواحدي: «الخَزائِنُ: جمع الخِزانَة، وهي اسمُ المكمان الذي يُخْزنُ فيه الشيء، أي: يحفظ، والخِزانةٌ أيضاً عمل الخازن، ويقال: خَزَنَ الشَّيء يَخْزنهُ، إذ أحْرزَهُ» .
و «خَزَائِنهُ» هو المطر؛ لأنه سبب الأرزاق، والمعايش لبني آدم، وسائر الحيوانات.
قوله: «إلاَّ بقدَرٍ معلوم» يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنهخ حالٌ من المفعول، اي: إلا ملتبساً بقدرٍ.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد: قدر الكفايةِ، لكل ارضِ حدُّ مقدرٌ، وقال الحكم: ما من عامٍ بأكثر مطرٍ، من عام آخر؛ ولكنه يمطر قومٌ، ويحرمُ آخرون، وربما كان في البرح، يعني أنه تعالى ينزل المطر كلَّ عامٍ بقدرٍ معلومٍ، غير أنَّه يصرفه إلى من يشاء حيث يشاء.
ولقائل أن يقول: لفظ الآية لا يدلُّ على هذا المعنى، فإن قوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ ، لا يدلُّ على أنه تعالى ينزله في جميع الأعوامِ على قدر واحد، فتفسير الآية بهذا المعنى تحكُّمٌ بغير دليلٍ.
وقال ابنُ الخطيب: «وتخصيص قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ بالمطر تحكم محضٌ؛ لأن قوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ﴾ يتناول جميع الأشياء، إلا ما خصه الدليل» .
روى جعفر، عن محمدٍ، عن أبيه، عن جده، قال: في العرش مثال جميع ما خلق الله في البر، والبحر، وهو تأويل قوله: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ .
قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ﴾ الآية «لَواقِحَ» : حاتلٌ مقدرة من «الرِّياحِ» ، وفي اللواقح أقوال:
أحدها: أنها جميع «مُلْقِح» ؛ لأنه من ألْقَحَ يُلقحُ، فهو ملقحٌ، وجمعه مَلاقح، فحذفت اليمم؛ تخفيفاً، يقال: ألْقحَتِ الريحُ السَّحاب، كما يقال: ألْقحَ الفَحْلُ الأنثَى؛ ومثله: الطَّوائِحشُ، وأصله المطارحُ؛ لأنه من أطَاحَ يُطِيحُ، قال: [الطويل]
3271 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخصًومَةٍ ... ومُخْتَبِطٌ ممَّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
وهذا قول أبي عبيدة.
والثاني: أنه جمع لاَقِح، يقال: لقَحَتِ الريحُ: إذا حملتِ الماء، وقال الأزهري: حَوامِلُ تَحْمِلُ السَّحابَ؛ كقولك: ألقحتِ الناقةُ، فلَقِحتْ، إذا حملتِ الجَنين: َ في بَطْنِهَا، فشُبِّهتِ الريحُ بِهَا؛ ومنه قوله: [الطويل] 3272 - إذّا لَقِحَتْ حَرْبٌ عَوانٌ مُضرَّةٌ ... ضَرُوسٌ تُهِرُّ النَّاس أنْيَابُهَا عُصْلُ
الثالث: أنَّها جمع لاقحٍ، على النسب؛ كالابنِ وتامرِ، أي: ذات لقاحٍ، لأنَّ الرِّحَ إذا مَرَّت على الماءِ، ثُم مرَّت على السَّحابِ، والماءِ، كان فيها لقاحٌ قاله الفراء.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الرياحُ لوَاقِحُ الشَّجر والسَّحاب؛ وهو قول الحسن، وقتادة، والضحاك؛ لأنها تحمل الماء إلى السحاب؛ وأصله من قولهم: لقَحتِ الناقة، وألْقَحَهَا الفحلُ، إذا ألقى الماء فيها فحملت.
قال ابن مسعودٍ في تفسير هذه الآية: بعث الله الرياحَ؛ لتلقيح السحاب، فتحمل الماغء، وتمجّه في السحاب، ثم إنه يعصرُ السحاب، ويدره كما يدر اللقحة.
وقال عبيدٌ بن عيمر: يبعثُ الله الريح المبشرة، فتقم الأرض قماً، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث المؤلفة، فتؤلف السحاب بعضه إلى بعضٍ، فتجعله ركاماً، ثم ثبعث اللوَاقِحُ الشَّجر ثم تلا عبيد: «وأرسلنا الرياح لواقح» قال أبو بكر بنِ عيَّاشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لا تقطر القطرةُ من السماء إلا بعد أن تعمل الرياحُ الأربعة فيها، فالصَّبا تُهيِّجه، والشَّمالُ تَجمعُه والجَنوبُ تُدرُّه، والدَّبُور تُفرِّقه.
فصل
قال القرطبيُّ: «روي عن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ﴾ ، أي: ذوات لقح، فلقاحُ القمح عندي أن يحبب ويسنبل، ولقاح الشَّجر كُلها: أن تثمر ويسقط منها ما يسقط، ويثيبت منها ما يثبت» .
قال ابن العربيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنما عوَّل مالكٌ على هذا التفسير على تشبيه الشجر بلقاح الجملِ، وإنَّ الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه من الروحُ، كان بمنزلةِ تحبب الثَّمر، وتسنبله؛ لأنه سمِّي باسم تشتركُ فيه كلُّ حاملةٍ، وهو اللِّقاحُ، وعليه جاء الحديث:
«نَهَى النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَنْ بَيْعِ الحبِّ حتَّى يَشْتد» .
قال ابن عبد البرِّ: «الإبارُ عند أهل العلم في النخل: التَّلقيحُ، وهو أن يأخذ شيئاً من طَلع ذكور النخلِ؛ فيدخله بين ظهراني طلع الإناث، [ومعنى] ذلك في سائر الثمار [ظهور الثمرة] من التِّين، وغيره، حتَّى تكون الثَّمرة مرئية، حين ينظر إليها، والمعتبر عند مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وأصحابه فيما يذكر من الثِّمار التذكر، وفيما لا يذكر أن يثبت من نواره ما يثبت ويسقط ما يسقط، وفي الزروع ظهوره من الأرض» .
فصل
قال عليه الصلاة ولاسلام «مِنَ ابتَاعَ نَخْلاً بَعْندَ أن تُؤبَّر، فَثمَرتُهَا لِلبَائعِ، إلاَّ أن يَشْترِطَ المُبتَاعُ» فلا يدخل الثمر المؤبَّر مع الأصولِ ف يالبيع إلا بالشرط؛ لأنها موجودة يحاطُ بها أَمَنَةً من السقوط غالباً، بخلاف التي لم تؤبَّر، إذ ليس سقوطها غالباً، بخلاف التي لم تؤبر، إذ ليس سقوطها مأموناً، فلم يتحقق لها وجود، فلم يجز للبائع اشتراطها، ولا استثناؤها؛ لِأنها كالجنين.
فصل هل يجوز لمن اشترى النخل فقط أن يشتري الثمر قبل طيبه؟
اشترى النَّخل، وبقي الثمر للبائع، جاز لمشتري الأصل شراءُ الثمرة قبل طيبها، في المشهور عن مالكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ويرى لها حكم التعبيةِ، وإن انفردت بالعقدِ، وعنه في رواية أنه لا يجوز، وبه قال الشافعيُّ، وأبو حنيفة، والثَّوريُّ، وأهل الظاهر.
فصل في النهي عن بيع الملاقح والمضامين
نهي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن بَيعِ المَلاقحِ والمَضامِنيِ والمَلاقِحُ: الفحول من الإبلن، الواحد مقلحٌ، والمَلاقِحُ ما في بطون النوقِ من الأجنَّة، الواحدة: مَلْقُوحةٌ، من قولهم: لَقحْتُ، كالمَحْمُومِ من حَمّ، والمَجْنُون من جنّ، وفي هذا جاء النَّهيُ.
قال أبو عبدية: المَضامِينُ ما في البطونِ وهي الأجنَّةِ، والمَلاقِيحُ: ما في أصلابِ الفحُولِ، وهو قول سعيد بن المُسيَّبِ، وغيره.
وقيل: بالعكسِ.
ونهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن بيع [المَجْر] وهو بيع ما في بطُونِ الأمَّهاتِ.
قال ابن عابس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ما هَبَّتْ ريح قَطُّ إلاَّ جَثَا النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَلى رُكْبتَيْهِ، وقال: «اللَّهُمَّ اجْعلهَا رحْمةتً، ولا تَجْعلهَا عَذاباً، اللَّهُمَّ اجْعَلهَا رِيَاحاً ولا تَجْعلهَا رِيحاً» قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما في كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾ [القمر: 19] ، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم﴾ [الذاريات: 41] وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: 22] وقال تعالى: ﴿يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: 46] .
قوله تعالى: ﴿فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ ، قد تقدّم أنَّ الماء: هل ننزل من السماء أو من السحاب.
وقوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ ، قال الأزهريُّ: «تَقُولُ العربُ لِكُلِّ ما فِي بُطونِ الأنْعَامِ، ومِنَ السَّماءِ، أو نهْرٍ يَجْري: أسْقَيْتُه، أي: جعلته شَرْباً له، وجعلتُ له منها مَسْقى لشرب أرضه أو ماشيته، فإذا كانت السُّقْيَا لِسقْيهِ، قالوا: سَقاهُ، ولم يقولوا: أسْقَاه» .
ويؤكده اختلاف القراء في قوله: ﴿نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: 66] ، فقرؤا باللغتين، وسيأتي بيانهما في السورة التي بعدها، ولم يختلفوا في قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الإنسان: 21] ، وفي قوله: ﴿والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: 79] .
قال أبو علي: سَقَيْتُه حتَّى رَوِيَ، وأسْقَيتهُ نَهْراً، جعلتهُ شُرْباً، وقوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ جعلناه سُقْياً لكم، وربما قالوا في «أسْقَى» سَقَى؛ كقول لبيدٍ يصفُ سحاباً: [الوافر]
3273 - أقُولُ وصَوْبُهُ منِّي بَعِيدٌ ... يَحُطُّ السَّيْبُ مِنْ قُللِ الجِبَالِ
سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقَى ... نُمَيْراً والقَبائِلَ مِنْ هِلالِ
فقوله: «سَقَى قَوْمي» ليس يريد به ما يروى عطاشهم، ولكن يريد رزقهم سَقْياً لبلادهم، يخصبون بِها، وبعيدٌ أن يَسْألَ لِقومِهِ ما يروي العطاش به ولغيرهم ما يخصبون به، فأما سَقَيَا السَّقيَّة، فلا يقال فيها: أسْقاهُ. وأما قول ذي الرُّمة: [الطويل]
3274 - وأسْقِيهِ حتَّى كَادَ ممَّا أبُثُّهُ ... تُكلِّمُنِي أحْجَارهُ ومَلاعِبُه
[يريد بقوله: «أسقيه» : أدعو له بالسقاء، وأقول: سقاه الله] .
واتَّصل الضميران هنا: لاختلافهما ربتة، ولو فصل ثانيهما، لجاز عند غير سيبويه وهذا كما تقدم في قوله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: 28] .
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ جملة مستأنفة، و «لَهُ» متعلق ب «خَازِنينَ» ، والمعنى: أنَّ المطر في خَزائِننِا، ولا في خَزائِنكُمْ. [وقال سفيان: لستم بمانعين] .
قوله تعالى: ﴿وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ الآية، هاذ النَّوع السادس من دلائل التوحيد، وهو الاستدلال بالإحياء، والإماتةِ على وجودِ الإلهِ القادر المختار.
قوله: «لَنَحْنُ» يجوز أن يكون مبتدأ، و «نُحْيِي» خبره، والجملة خبر «إنا» ويجحوز أن يكون تأكيداً ل «إنَّا» ، ولا يجوز أ، يكون فصلاً؛ لأ، هـ لم يقع بين اسمين، وقد تقدم نظيره [الحجر: 9] .
وقال أبو البقاء: لا يكون فصلاً لوجهين:
أحدهما: أن بعده فعلاً.
والثاني: أنَّ معه اللام.
قال شهابُ الدِّين رَحِمَهُ اللَّهُ: «الوجه الثاني: غلطٌ؛ فشإن لام التوكيد لا يمنع دخولها على الفصل، نصَّ النحاة على ذلك، ومنه قوله ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق﴾ [آل عمران: 62] ٍ، جوَّزوا فيه الفصل مع إقرانه باللام» .
فصل
من العلماءِ من حمل الأحياء على القدرِ المشتركِ بين إحياءِ النبات والحيوان، ومنهم من قال: وصف النبات بالإحياء مجاز؛ فوجب تخصيصه بإحياء الحيوان، وقوله جل ذكره: ﴿وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ يفيد الحصر، أي: لا قدرة على الإحياء والإماتة إلا لنا، «ونَحْنُ الوَارثُونَ» إذا مات جميع الخلائق، فحينئذٍ يزول الملك كلِّ أحدٍ، ويكون الله سبحانه هو الباقي المالك لكلِّ المملوكات، وحده لا شريك له، فكان شبيهاً بالإرثِ.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستأخرين﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما المستقدمين: الأموات، والمستأخرين: الأحياءُ.
وقال الشعبيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الأولين، والآخرين.
وقال عكرمة: المستقدمون: من خلق الله، والمستأخرون: من لم يخلق.
وقيل: المستقدمين: القرون الأولى، والمستأخرين: أمة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال الحسن: المستقدمين: في الطَّاعة والخير، والمستأخرين: في صفِّ القتال.
وقال ابن عيينه: أراد من سلم، ومن لم يسلم.
وقال الأوزاعيُّ: أراد المصلِّين في أول الوقت، المؤخِّرين إلى آخره.
روى أبو الجوزاء، عن ابن عباس: كانت امرأةٌ حسناء تصلِّي خلق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فكان قومٌ يتقدمون إلى الصف الأول؛ لئلا يرونها، وآخرون يتأخَّرون، ليرونها.
وفي رواية: أنَّ النساء كنَّ يخرجن إلى الجماعة، فيقفن خلف الرجال، من النساء من في قلبها ريبة، فتقدم إلى أول صفِّ النساء؛ لتقرب من الرجال؛ فنزلت الآية، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «خَيْرُ صُفوفِ الرِّجالِ أوَّلُها وشَرُّها أخرُهَا، وخَيْرُ صُفوفِ النِّساءِ آخرُهَا وشَّرُّهَا أوَّلُهَا» .
وروري أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رغَّب في الصف الأول في الصلاة [فازدحم] النس عليه؛ فأنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية.
والمعنى: إنَّا نجزيهم على قدر نيَّاتهم.
فصل
قال القرطبي: «الآية تدلُّ على فضل أول الوقت في الصلاة، وعلى فضل الصف الأوَّل، كما تدل على فضل الصف الأول في الصَّلاة، كذلك تدلُّ على فضل الصفِّ الأول في القتال‘ فإنَّ القيام في وجه العدوِّ، وبيع العبد نفسه من الله تعالى لا يوازيه عملٌ، ولا خلاف في ذلك» .
واعلم أنَّ ظاهر الآية يدل على أنه لا يخفى على الله شيء من أحوالهم؛ فيدخل فيه علمه بتقدّمهم، وتأخرهم، في الحدوثِ، الوجود في الطاعات وغيرها؛ فلا ينبغي أن تخص بحالةٍ دون حالةٍ.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ على ما علم منهم، وذلك تنبيه على أنَّ الحشر، والنشر، البعث، والقيامة، أمرٌ واجبٌ ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أي: أنَّ الحكمة تقتضي وجوب الحشر، والنشر، وعلى ما تقرر في أول سورة يونس عليه السلام.