Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الحجر 15:37 – الحجر 15:59
المحتويات
الحجر 15:37
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ الآية هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد؛ لأنه ثبت بالدلائل القاطعه أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أوَّل لها، وإذا ثبت هذا وجب انتهاء الحوادث إلى حادث أوَّل، هو أولُ الحوادث، وإذا كان كذلك، وجب انتهاء الناس إلى إنسانٍ هو أول الناس، وذلك الإنسان الأول، غير مخولقٍ من الأوبين؛ فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، وأجمع المفسرون على أن المراد آدمُ صلوات الله وسلامه عليه.
ونقل في كتب الشِّيعة، عن محمد بن علي الباقر، أنَّه قال: قد انقضى قبل آدم صلوات الله عليه الذي هو أبونا ألف ألف آدم، أو أكثر.
قال ابنُ الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: «وها لا يقدحُ في حدوث العالم، بل الأمر كيف كان لا بدَّ من الانتهاء إلى إنسانٍ أول، هو أول الناس، فأما أن ذلك الإنسان الأول هو أبونا آدم، فلا طريق له إلاََّ من جهة السمع» .
واعلم أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] ، وقال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾ [ص: 71] ، وقال هاهنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ، فطريقُ الجمع أنه جعل التُّرابَ طيناً، ثم تركه حتَّى صار حمأ مسنوناً، ثم خلقه منه، وتركه حتى جفّ، ويبس وصار له صلصلة.
واعلم أنه تعالى قادر على خقله من أي جنس أراد، بل هو قادرٌ على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه؛ إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من دلالة الملائكة؛ لأنَّ خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلقِ الشَّيءِ من جنسه.
وسمِّي إنساناً: إما لظهوره وإدراك البصر إياه، وإمَّا من النسيان؛ لأنه عهد إليه فنسِي.
عن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: بعث الله تعالى جِبْريلَ عليه السلا إلى الأرض؛ ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص منِّي؛ فرجع ولم يأخذ، فقال يا ربِّ: أنها عاذتْ بك، فأعذتها، فبعث ميكايئيل صلوات الله عليه فعاذت منه، فأعاذها؛ فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذُ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلطه، لم يأخذ من مكان واحدٍ، وأخذ من تربةٍ حمراء، وبيضاء، وسوجحاء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين.
وسُمِّي آدم؛ لأنه خلق من أديم الإرض، وصعد به، فقال الله تبارك وتعالى: «أما رَحِمْتَ الأرض حين تضرعت إليك» ؟ فقال: رأيتُ أمرك وأوجب من قولها، فقال جل ذكره: «أنت تقبض أرواح ولده قبل التراب حتى عاد طيناً لازباً، وهو يلتصُ بعضه ببعضٍ، ثم ترك، حتى أنتن، وصار حمأ مسنوناً، وهو المنتنُ.
ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ، فخلقه الله بيده؛ لئلا يتكبَّر إبليس عليه، لقوله الله تعالى: أتتكبَّر على ما علمت بيدي، ولم أتكبر أنا عليه؟ .
فخلقه فكان جسداً من طينٍ أربعين عاماً، فلما رأتهُ الملائكة، فزعوا منه، وكان أشدَّهم منه فزعاً إبليسُ فكان يمرُّ به، فيضربه؛ فيصوتُ الجسدُ كما يصوتُ الفخَّار، وتكون له صلصلةٌ؛ فذلك قوله: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ [الرحمن: 14] ، ويقول: لأمر ما خلقت! ويدخل في فيه، ويخرج من دبره، ويقول للملائكة: لا ترهبوا منه؛ فإنه أجوف، ولئن سُلِّطت عليه، لأهلكنَّه، فلمَّا نفخ فيه الروح، ووصل إلى رأسه، عطس، فقالت الملائكة عليه السلام: قُل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربُّك، فلما دخل الروح في عينيه، نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروحُ جوفه، اشتهى الطعام؛ فوثب قبل أن تبلغ الورح رجليه؛ عجلان إلى ثمار الجنَّة، فذلك قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] .
قوله تعالى: ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ ، «مِنْ» : لابتداء الغاية، أو للتبعيضن، والصلصالُ: قال أبو عبيده هو الطين المختلط بالرمل، ثم يجفُّ؛ فسمع له صلصلةٌ، أي: تصويت، قال: والصلصلةُ: الصَّوتُ؛ وأنشدوا: [الكامل]
3275 - شَرِبَتْ أسَاوِيُّ القُطاةِ مِنَ الكَدرْ ... وسَرَتْ فَتَرْمِي أحْيَاؤهَا بِصَلاصِلِ
أراد: صوتَ أجْنحَةِ أفراخِهَا، حين تطيرُ، أو أصواتَ أفراخها.
وقال الزمخشريُّ: «الطِّينُ اليابس الذي يُصلصِلُ من غير طبخٍ، فإذا طبخ، فهو فخار» .
وقال أبو الهيثم: «هو صوتُ اللِّجامِ، وما أشبهه؛ كالقعقعة في الثوب» .
وقال الزمخشري أيضاً: قالوا: إذا توهَّمت في صوته مدًّا، فهو صليلٌ، وإن توهمت فيه خفاءً، فهو صلصلةٌ، وقيل: هو من تضعيف «صَلَّ» ، إذا أنتن أنتهى.
و «صَلْصَالٍ» هنا، بمعنى مُصَلْصِل؛ كزَلْزالٍ، بمعنى مُزَلْزِل، ويكون «فَعْلال» أيضاً مصدراً، ويجوز كسره أيضاً، وفي هذا النَّوع، أي: ما تكررت فاؤه، وعينه خلافٌ.
فقيل: وزنه: فَعْفَع؛ كُرِّرتِ الفاء والعين، ولا لام للكلمة؛ قاله الفراء، وغيره. وهو غلطٌ؛ لأنَّ أقلَّ الأصول ثلاثة: فاءٌ، وعينٌ، ولامٌ.
والثاني: أنَّ وزنه «فَعْفَل:؛ وهو قول الفرَّاء.
الثالث: أنه» فَعَّل «بتشديد العين، وأسله» صَلَّل «فلما اجتمع ثلاثة أميالٍ، أبدل الثاني من مجنس فاء الكلمة، وهومذهب كوفيٌّ، خصَّ بعضهم هذا لخلاف بما إذا لم يختل المعنى، بسقوطِ الثالث، نحو» لَمْلَمَ «و» كَبْكَبَ» فإنَّك تقول فيهما: «لَمَّ» ، و «كَبَّ» ، فول لم يصحَّ المعنى بسقوطه؛ نحو: سَمْسَمَ» ، قال: فلا خلافَ في أصالة الجميع.
قوله تعالى: ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما أنه في محلِّ جر صفة ل «صَلْصَالِ» ؛ فيتعلق بمحذوف.
والثاني: أ، هـ بدل من «صَلْصالٍ» بإعادة الجارِّ. والحَمَأ: الطِّينُ الأسودُ المنتنُ.
قال الليث رَحِمَهُ اللَّهُ: واحده «حَمَأة» بتحريك العين جمعله اسم جنسٍ؛ وقد غلط في ذلك؛ فإن أهل اللغة قالوا: لا يقال إلاَّ «حَمْأة» [بالإسكان] ، ولا يعرف التحريك؛ نصَّ عليه أبو عبيدة، وجماعة؛ وأنشدوا لأبي الأسودِ: [الوافر]
3276 - تَجِيءُ بمِلْئِهَا طُوْراً وطَوْراً ... تَجِيءُ بِحَمْأةٍ وقَلِيلِ مَاءِ
فلا يكون «الحَمَأة» واحدة «الحَمْأ» ؛ لاختلاف الوزنين.
والمَسْنُون: المَصْبُوب؛ من قولهم: سَنَنتُ الشَّرابَ، كأنَّه لِرُطُبتهِ جعل مَصْبُوباً، كغيره من المائعات، فكأن المعنى: أفرغ صورة إنسانٍ، كما تفرغ الجواهر المذابة.
قال الزمخشريُّ: وحقُّ «مَسْنُونٍ» بمعنى مصور: أن يكون صفة ل «صَلْصالٍ» ؛ كأنه أفرغ الحمَأ، فصوَّر منه تمثال شخصٍ. يعني أنه يصيرُ التقدير: من صلصالٍ مصوَّرٍ، ولكن يلزم تقديم الوصف المؤول على الصَّريح؛ إذا جعلنا: «مِنْ حَمَأ» صفة ل «صَلْصَالٍ» ، أمَّا إذا جعلناه بدلاً منه؛ فلا.
وقيل: مسنونٌ: مصوَّرٌ من سنَّة الوجه، وهي صورته؛ قال الشاعر: [البسيط]
3277 - تُرِيكَ سُنَّة وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقال الزمخشريُّ: والمَسْنُونُ: المَحْكُوكُ، مأخوذٌ من سننت الحجر، إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سَنَنٌ ولا يكون إلاَّ مُنْتِناً.
ومنه يسمَّى المسَن مسَنًّا؛ لأنَّ الحديد يحكُّ عليه.
وقيل: المسنونُ: المنسوب إليه، والمعنى ينسب إليه ذريته، وكأن هذا القائد أخذه من الواقع، وقيل: هو من أسنَّ الماء إذا تغيَّر، وهذا غلط؛ لاختلافِ المادتين.
رُوِيَ أنَّ الله تعالى خمَّر طينة آدم، وتركه حتى صار متغيِّراً أسود، ثم خلق منه آدم صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ﴾ منصوب على الاشتغال، ورجَّح نصبه؛ لعطف جملة على جملة فعليةٍ.
والجَّانُّ: أبُو الجنّ، هو إبليس؛ كآدم أبي الإنسِ، وقيل: هو اسمٌ لجنسِ الجن.
وقرأ الحسن: «والجَأن» بالهمز، وقد تقدّم الكلام في ذلك في أواخر الفاتحة.
فصل
قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الجان ِأبو الجن؛ كما أن آدم أبو البشر، وهو قول الأكثرين.
وروي أيضاً عن ابن عباسٍ، والحسن، ومقاتل، وقتادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: هو إبليس، خلق قبل آدم.
وقيل: الجانُّ أبو الجن: وإبليس أبو الشياطين، وفي الجنِّ: مسلمون، وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشيَّاطين؛ فليس سفهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس.
وذكر وهبٌ: أنَّ من الجن من يولد له، ويأكلُونَ، ويشربون بمنزلة الآدميِّين، ومن الجن من هم بمنزلةِ الرِّيح: لاتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون.
قال ابن الخطيب: «والأصحُّ أن الشياطين قسمٌ من الجن، فمن كان منهم مؤمنٌ فإنه لا يسمَّى بالشيطان، ومن كان منهم كافرٌ، سمِّي بهذا الاسم. وسمُّوا جنًّا؛ لاستتارهم عن الأعين، ومنه يسمَّى الجنينُ؛ لاستتاره عن الإعين، في بطن أمِّه، والجنَّةُ: ما تَقِي صابحها، وتستره، ومنه سمِّيت الجنة؛ لا ستتارها بالأشجار» .
قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ، و «مِن نَارٍ» متعلقان ب: خَلَقْنَاهُ «؛ لأنَّ الأولى لابتداءِ الغاية، والثانية للتعبيض، وفيه دليلٌ على أنَّ» مِنْ «لابتداءِ الغاية في الزمان، وتأويل البصريين له، ولنظائره بعيد.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما:» يريد قبل خلق آدم صلوات الله وسلامه عليه» ز والسَّمومُ: ما يقتل من إفراطِ الحرّ من شمس، أو ريح، أو نار؛ لأنها تدخل المسامَّ فتَقْتلُ.
قيل: سُمِّيت سمُوماً؛ لأنها بلطفها تدخل في مسامِّ البدن، وهي الخروقُ الخفيَّة التي تكون في جلد الإنسان، يبرز منها عرقه وبخار بطنه.
وقيل: السَّمومُ ما كان ليلاً، والحرورُ ما كان نهاراً. وعن ابن عباس: نارٌ لا خانلها.
قال أبو صالح: والصَّواعِقُ تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمراً، خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهَدَّةُ التي تسمعون؛ خرق ذلك الحجاب.
وقيل: نار السموم: لهب النَّار. وقيل: نارُ جهنَّم.
وروى الضحاك، عن ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: كان إبليس من جنسِ من الملائكة، يقال لهم الجن، خلقوا من نارِ السَّمومِ، وخلقت الجنُّ الذين ذكروا من مارج من نارِ، والملائكة خلقوا من نورٍ.
وقيل: ﴿مِن نَّارِ السموم﴾ من إضافةِ الموصوف لصفته.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ﴾ الآية، لما استدلَّ بحدوثِ الإنسان؛ على وجود الإله القادر المختار؛ ذلك بعده واقعته، وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له، والمراد بكونه بشراً، أي: جسماً يباشر ويلاقى، والملائكة، والجن لا يبشارون؛ للطف أجسامهم، والبشرة: ظاهر الجِلدِ مِنْ كُلِّ حيوانٍ، وتقدَّم ذكر الصلصالِ، والحَمأ المَسْنُونِ.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أي: شكلته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية.
وقيل: سوَّيتُ أجزاء بدنه: باعتدالِ الطَّبائعِ، وتناسب الأمشاجِ، نَفخْتُ فيه من روحي؛ فصار بشراً حيًّا.
والرُّوحُ: جسمٌ لطيفٌ، يحيا به الإنسان، وقيل: الرُّوحُ: هي الرِّيح؛ لأنَّ النَّفخ أخذ الريح في تجاويف جسم آخر؛ فظاهر قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ يشعر بأنَّ الروح هي الريح، وإلا لما صحَّ وصفها بالنَّفخ، وسيأتي بقيةُ الكلام على الروح عند قوله: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] ، وأضاف روح آدم صلوات الله وسلامه عليه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً.
قوله تعالى: ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ، يجوز أن تتعلق اللام بالفعل قبلها، وأن تتعلق ب «سَاجِدينَ» .
فصل
ظاهر قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يدل على وجوب السجود على الملائكة؛ لأنه مذكمور بفاء التَّعقيب؛ وذلك يمنُ التَّراخي.
قوله «أجْمَعُونَ» تأكيد ثانٍ، ولا يفيد الاجتماع في الوقت؛ خلافاً لبعضهم.
وقال سيبويه: قوله: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ «توكيدٌ بعد توكيدٍ» . وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال: فَسجَدَ الملائِكَةُ «احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال: كُلُّهم زال هذا الاحتمال، فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال وهو أنَّهم: هل سجدوا دفعة واحدة؟ أو سجد كل واحدٍ في وقت؟ . فلما قال: أجْمَعُون ظهر أن الكلَّ سجدوا دفعةً واحدةً. ولما حكى الزجاج هل القول، عن المبرد، قاتل:» وقول الخليل، وسيبويه أجودُ؛ لأن» أجْمَعِينَ «معرفةٌ؛ فلا يكون حالاً» .
قال أبو البقاء: «لكان حالاً لا توكيداً» . يعنى أنَّه يفيد إفادة الحال مع أنه توكيدٌ؛ وفيه نظر؛ إذ لا منافاة بينهما بالنسبة إلى المعنى، ألا ترى أنه يجوز: «جاؤوني جَمِيعاً» مع إفادته، وقد تقدم تحريرُ هذا [البقرة: 38] ، وحكاية ثعلب مع ابن قادم.
قوله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ تقدَّم الكلام على هذا الاستثناء في البقرة.
قال القرطبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، حتَّى ولو قال له: عليَّ دينارٌ إلا ثوباً، أو عَشْرة أثْوابٍ، إلاَّ قفيز حِنظَةٍ، وما جانس ذلك يكون مقبُولاً، ويسقط عنه من المبلغ قيمة الثوبِ، والحِنْطةِ ويستوي في ذلك: المكِيلات، والمَوزونَات، والمُقدَّرات» .
وقال مالكٌ، وأبو حنيفة رضي الهل عنهما: استثناء المكيل من الموزون، والموزون من المكيل جائزٌ؛ حتى لو ساتثنى الدَّراهم من الحنطةِ، والحنطة من الدراهم، قُبِلَ، أمَّا إذا استثنى المقوَّماتِ من المكيلاتِ، أو الموزوناتِ، والمكيلاتِ من المقوماتِ؛ فلا يصحُّ؛ مثمل أن يقول: له عشرة دنانير إلاَّ ثوباً، أو عشرة أثواب إلاَّ ديناراً، فيلزم المقرُّ جميع المبلغ.
قوله تعالى: ﴿أبى أَن يَكُونَ﴾ ، استئنافٌ؛ وتقديره: أنَّ قائلاً قال: هلاَّ سجد؟ فقيل: أبي ذلك، واستكبر عنه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ ياإبليس مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس، على لسان بعض رسله؛ وهذا ضعيف؛ لأنَّ إبليس قال في الجواب: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ﴾ ، فقوله: «خَلَقْتهُ» خطاب الحضورِ، لا خطاب الغيبة؛ فظاهره يقتضي أنَّ الله تعالى تكلم مع إبليس بعغير واسطة.
فإن قيل: كيف يعقل هذا؛ مع أنَّ مكالمة الله تعالى من غير واسطةٍ من أعظم الناصب، وأعلى المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأسِ الكفرِةِ؟ .
فالجواب: أنَّ مكالمة الله إنما تكون منصباً عالياً، إذا كان على سبيل الإكرامِ والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة، والإذلال، فلا.
وقوله: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ﴾ لتأكيد النَّفي، معناه: لا يصحُّ منَّي أن أسجد لبشر.
وحاصل كلامه: أن كون بشراً يشعر بكمونه جسماً كثيفاً، وهو كان روحانيًّا لطيفاً، فكأنه يقول: البشر جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف، فيكف يكون للأدنى سجود للأعلى؟ .
وأيضاً: فآدم مخلوقٌ من صلصالٍ، تولَّد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة، وأصل «إبْليسَ» : هو النار، والنار هي أشرف العناصر فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم؛ فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدنى؛ فهذا مجموع [شبهة] إبليس.
﴿قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ، وهذا ليس جواباً عن الشُّبهة على سبيل التصريح، بل جواب على سبيل التنبيه.
وتقديره: أن الذي قاله الله تعالى نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النصَّ بالقياس، كان رجيماً ملعوناً، وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة الأعراف.
والضمير في: «مِنْهَا» : قيل: من جنَّة عدنٍ، وقيل: من السمواتِ، وقيل: من زمرة الملائكةِ.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين﴾ قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد يوم الجزاء حيث يجازى العبادُ بأعمالهم.
و ﴿إلى يَوْمِ﴾ يجوز أن يتعلق بالاستقرار في: «عَليْكَ» ، ويجوز أن يتعلق بنفس اللعنة.
فإن قيل: كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغايةِ؛ فهذا يشعر بأنَّ اللعن لا يحصل إلاَّ يوم الدِّين، وعند القيامة يزول اللَّعن.
فالجواب من وجوه:
الأول: أن المراد التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية تذكرها الناس في كلامهم؛ كقولهم: ﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ [هود: 108] في التَّأيد.
والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم، عذِّب عذاباً [ينسى] اللعن معه، فيصير اللَّعن حنيئذٍ كالزائلِ؛ بسبب أنَّ شدّضة العذاب تذهل عنه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهذا متعلق بما تقدم، والتدقير: إذا جعلتني رجيماً إلى يوم القيامة؛ فأنظريني، أراد ألاَّ يموت، والمراد من قوله: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، يوم البعثِ، والنُّشورِ، وهو يوم القيامة؛ فقال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ قيل: وقت النفخةِ الأولى حين يموت الخلائق؛ لأن من المعلوم أن تموت الخلائق فيه.
وقيل: سمِّي معلوماً؛ لأنه لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ [لقمان: 34] .
وقيل: يوم الوقت المعلوم: يوم القيامة.
فإن قيل: لمَّا أجابه الله إلى مطلوبه لزم ألاَّ يموت إلى وقت قيام القيامة، [و] وقت قيام القيامة لا موت، فلزم ألا يموت بالكلية فالجواب: يحمل قوله ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ : إلى ما يكون قريباً منه، و [الوقت] الذي يموت فيه كلُّ المكلفين قريبٌ من يوم البعث.
وقيل: ﴿يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ لا يعلمه إلا الله.
قيل: لم تكن إجابة الله تعالى له في الإمهالِِ إكرماً له، بل كان زيادة في بلائه وشقائه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للقسم، و «مَا» مصدرية، وجواب القسم ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ والمعنى: أقسم بإغوائك إيايّ، لأزينن؛ كقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] إلاَّ أنه في هذا الموضع أقسم بعزة الله تعالى وهي من صفاتِ الذات، وفي قوله: ﴿بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ ، أقسم بإغواء الله، وهو من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفاتِ الذَّات صحيحٌ، واختلفوا في القسم بصفاتِ الأفعال.
ونقل الواحديُّ هنا عن بعضهم: أنَّ الباء هاهنا سببية، أي: بسبب كوني غاوياً، لأزيننَّ؛ كقول القائل: «أقْسمَ فُلانٌ بِمعْصِيتهِ، ليَدْخُلنَّ النَّار، وبِطاعَتهِ ليَدْخُلنَّ الجَنَّة» .
ومعنى: ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ : أضْللْتَنِي، وقيل: خَيَّبْتَنِي من رحمتك، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض﴾ حبَّ الدنيا، ومعاصيك.
والضمير في: «لَهُمْ» لذرية آدم عليه السلام وإن لم يجر لهم ذكر؛ للعلم بهم.
و «لإْغْوِيَنَّهُمْ» : لأضلَّنَّهُم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: «المُخْلصِينَ» بكسر اللام، والباقون: بفتح اللاَّم.
ومعنى القراءة الأولى: أنهم أخلصوا دينهم عن الشَّوائب؛ ومن فتح اللاَّم، فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية.
فصل
قال ابن الخطيب: «واعلم أنَّ الذي حمل» إبليس «على ذكر هذا الاستثناء ألاَّ يصير كاذباً في دعواه، فلما احترز» إبليس «عن الكذب، علمنا أنَّ الكذب في غاية الخساسةِ» .
فصل
قال رويمٌ: «الإخلاص في العمل: وهو الأَّ يريد صاحبه عليه عوضاً في الدَّارين، ولا عوضاَ من المكلفين» .
وقال الجندي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الإخلاص: سرُّ بين العبد، وبين الله تعالى لا يعلمه ملكٌ فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوًى فيمليه.
وذكر القشيريُّ، وغيره عن النبي صلى الله علي هوسلم أنه قال: «سَألتُ جِبْريلَ عليه السلام عن الإخْلاًِ ما هُو؟ فقالَ: سَألتُ ربَّ العِزَّةِ عَنِ الإخْلاصِ ما هُو؟ فقال: سِرِّي اسْتودَعْتهُ قلبَ مَنْ أحْبَبْتهُ مِنْ عِبَادي» .
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ﴾ «هَذَا» إشارة إلى الإخلاص المفهوم من المخلصين.
وقيل: إلى انتفاء تزْيينه، وأغوائهه على من مرَّ عليه، أي: على رضواني، وكرامتي.
وقيل: «عَلى» بمعنى: «إلَى» ، نقل عن الحسنِ.
وقال مجاهدٌ: الحقُّ يرجع إلى الله تعالى وعليه طريقة، لا تعرج على شيءٍ.
وقال الأخفش: يعني عليَّ الدَّلالةُ على الصراطِ المستقيم.
وقال الكسائي: هذا على التّهديد والتوعيد؛ كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقتك علي أن لا تفلت منِّي، قال تعالى: ﴿لبالمرصاد﴾ [الفجر: 14] .
وقرأ الضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، وأبن سيرين، ويعقوب في آخرين: «عليُّ» ، أي: عالٍ مرتفعٌ.
وعبَّر بعضهم عنه: رفيع أن ينال «مُسْتقِيمٌ» أن يمال.
قوله تعالى: ﴿عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أعلم أن إبليس لما قال ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ أوهم أنَّ له سلطاناً على غير المخلصين، فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطانٌ على أحد م نعبيد الله سواء كان مخلصاً أو غير مخلص، لكن من اتبع منهم إبليس باختياره؛ ونظيره قوله حكاية عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: 22] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 99، 100] فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً.
قال الجبائيُّ: «هذه الآية تدلُّ على بطلان قول من زعم أنَّ الشيطان، والجنَّ يمكنهم صرع الناس، وإزالة عقولهم» .
وقيل: الاستثناء متصلٌ؛ لأنَّ المراد ب «عِبَادي» العموم، طائعهم، وعاصيهم وحينئذ يلزم استثناء الأكثر من الأقلِّ.
وأراد بالعباد الخلَّص؛ لأنه أضافهم إليه إضافة تشريفٍ، فلم يندرج فيه الغوون؛ للضمير في موعدهم.
قال القرطبي: «قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ : يعني على قلوبهم» .
وقال ابن عيينة: «يلقيهم في ذنب ثم أمنعهم بعفوي: أو: هم الذين هداهم الله، واجتباهم، وأختارهم، واصطفاهم» .
فإن قيل: قد أخبر الله تعالى، عن آدم، وحواء صلوات الله وسلامه عليهما بقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان﴾ [البقرة: 36] وعن جلمة من أصحاب نبيَّه ﴿إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: 155] .
فالجواب: أنه ليس له سلطان على قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهمخ في ذنب يؤول إلى عدم العفو، بل يزيله بالتوبة، ولم يكن خروج آدم عقوبة على ما تقدم بيانه في البقرة.
وأما أصحاب النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد مضى القول عليه في «آل عمران» ، ثم إنَّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ يحتمل أن يكون حاصلاً فيمن حفظ الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات، وقد يكون ي تسليطه تفريج كربه، وإزالة عمه؛ كما فعل ببلالٍ، إذْ أتاه يهديه، كما يهدَّى الصبيُّ حتى نام، ونام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا، وقالوا: ما كفَّارةُ ما صَنعنَا في تَفْريطِنَا في صَلاتِنَا؟ فقال لهُم النبيُّ صلى الله عليه سلم «ليْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ» ؛ ففرَّج عَنْهُم.
وقال ابن عطيَّة: تأكيد فيه معنى الحال من الضمير في «مَوْعِدهُم» ، والعامل فيه معنى الإضافة، قاله أبو البقاء» .
وفي مجىء الحال من المضاف إليه، خلافٌ، ولا يعمل فيها الموعد، إن أريد به الكان، فإن أريد به المصدر، جاز أن يعمل؛ لأنه مصدرٌ، ولكن لا بدَّ من حذف مضاف، عي: مكان موعدهم.
قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وهو الظاهر، ويجوز أن تكمون خبراً ثانياً، ولا يجوز أن تكون حالاً من «جَهنَّم» ؛ لأن» إنَّ: «لا تعمل في الحال، قال ابو البقاء. وقياس ما ذكروه في» لَيْتَ، وكأنَّ، ولعلَّ «من أخواتها من أعمالها في لحال؛ لأنَّها بمعنى: تمنيَّتُ وشبهت، وترجيت أ، تعمل فيها» إنَّ «أيضاً؛ لأنَّها بمعنى أكدتُ، ولذلك عملت عمل الفعل، وهي أصل الباب.
فصل
قال عليٌّ كرم الله وجهه: هل تدرون كيف أبوا النًَّار؟ ووضع أحدى يديه على الأخرى، أي: سبعةٌ أبوابٍ، بضعها فوق بعض، وأنَّ الله تعالى وضع الجنان على العرض، ووضع النِّيران بعضها على بعض.
قال ابن جريج: النار سبع دركاتٍ: أولها جهنَّم، ثمَّ لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية.
قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد، يعذَّبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، والثانية: لليهود والثالثة: للنَّصار، والرابعة: للصابئين، وروي أن الثانية: للنصارى، والثالثة: لليهودِ، والرابعة للصابئين، والخامسة: للمجوسِِ، والسادسة: للمشركين، والسابعة: للمنافقين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [النساء: 145] .
قوله:» مِنهُمْ» يجوز أن يكون حالاً من «جُزءٌ» ؛ لأنَّه في الأصل صفة له، فلما قدمت، انتصبت حالاً، ويجوز أن يكون حالاص من الضمير المستتر في الجارِّ، وهو: «لكُلِّ بابٍ» ، والعامل في هذه الحال، ما عمل في هذا الجارِّ، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في: «مَقسُومٌ» ؛ لأنَّ الصفة لا تعمل فيها قبل الموصوف، ولا يجوز أن تكون صفة ل «بابٍ» ؛ لأنَّ الباب ليس من النَّاس.
وقرأ أبو جعفر: «جُزٌّ» بتشديد الزَّاي من غير همزٍ، فكأنه ألقى حركة الهمزة على الزَّاي، ووقف عليها فشدَّدها؛ كقولك: «خَبّ» في» خبءُ خالد «ثم أجري الوصل مجرى الوقف.
الجُزِْءُ: بعض الشيء، والجمع: أجزاء، وجَزَّأتهُ: جعلته أجزاء. والمعنى: أنه تعالى يُجزِّىء أبتاع إبليس أجزاءَ، أي: يجعلهم أقساماً، ويدخل في كل باب من أبواب جهنَّم طائفة؛ والسبب في ذلك: أنَّ مراتبَ الكفر مختلفةٌ بالغلظةِ والخفة.
الحجر 15:38
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ الآية هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد؛ لأنه ثبت بالدلائل القاطعه أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أوَّل لها، وإذا ثبت هذا وجب انتهاء الحوادث إلى حادث أوَّل، هو أولُ الحوادث، وإذا كان كذلك، وجب انتهاء الناس إلى إنسانٍ هو أول الناس، وذلك الإنسان الأول، غير مخولقٍ من الأوبين؛ فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، وأجمع المفسرون على أن المراد آدمُ صلوات الله وسلامه عليه.
ونقل في كتب الشِّيعة، عن محمد بن علي الباقر، أنَّه قال: قد انقضى قبل آدم صلوات الله عليه الذي هو أبونا ألف ألف آدم، أو أكثر.
قال ابنُ الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: «وها لا يقدحُ في حدوث العالم، بل الأمر كيف كان لا بدَّ من الانتهاء إلى إنسانٍ أول، هو أول الناس، فأما أن ذلك الإنسان الأول هو أبونا آدم، فلا طريق له إلاََّ من جهة السمع» .
واعلم أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] ، وقال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾ [ص: 71] ، وقال هاهنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ، فطريقُ الجمع أنه جعل التُّرابَ طيناً، ثم تركه حتَّى صار حمأ مسنوناً، ثم خلقه منه، وتركه حتى جفّ، ويبس وصار له صلصلة.
واعلم أنه تعالى قادر على خقله من أي جنس أراد، بل هو قادرٌ على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه؛ إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من دلالة الملائكة؛ لأنَّ خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلقِ الشَّيءِ من جنسه.
وسمِّي إنساناً: إما لظهوره وإدراك البصر إياه، وإمَّا من النسيان؛ لأنه عهد إليه فنسِي.
عن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: بعث الله تعالى جِبْريلَ عليه السلا إلى الأرض؛ ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص منِّي؛ فرجع ولم يأخذ، فقال يا ربِّ: أنها عاذتْ بك، فأعذتها، فبعث ميكايئيل صلوات الله عليه فعاذت منه، فأعاذها؛ فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذُ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلطه، لم يأخذ من مكان واحدٍ، وأخذ من تربةٍ حمراء، وبيضاء، وسوجحاء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين.
وسُمِّي آدم؛ لأنه خلق من أديم الإرض، وصعد به، فقال الله تبارك وتعالى: «أما رَحِمْتَ الأرض حين تضرعت إليك» ؟ فقال: رأيتُ أمرك وأوجب من قولها، فقال جل ذكره: «أنت تقبض أرواح ولده قبل التراب حتى عاد طيناً لازباً، وهو يلتصُ بعضه ببعضٍ، ثم ترك، حتى أنتن، وصار حمأ مسنوناً، وهو المنتنُ.
ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ، فخلقه الله بيده؛ لئلا يتكبَّر إبليس عليه، لقوله الله تعالى: أتتكبَّر على ما علمت بيدي، ولم أتكبر أنا عليه؟ .
فخلقه فكان جسداً من طينٍ أربعين عاماً، فلما رأتهُ الملائكة، فزعوا منه، وكان أشدَّهم منه فزعاً إبليسُ فكان يمرُّ به، فيضربه؛ فيصوتُ الجسدُ كما يصوتُ الفخَّار، وتكون له صلصلةٌ؛ فذلك قوله: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ [الرحمن: 14] ، ويقول: لأمر ما خلقت! ويدخل في فيه، ويخرج من دبره، ويقول للملائكة: لا ترهبوا منه؛ فإنه أجوف، ولئن سُلِّطت عليه، لأهلكنَّه، فلمَّا نفخ فيه الروح، ووصل إلى رأسه، عطس، فقالت الملائكة عليه السلام: قُل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربُّك، فلما دخل الروح في عينيه، نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروحُ جوفه، اشتهى الطعام؛ فوثب قبل أن تبلغ الورح رجليه؛ عجلان إلى ثمار الجنَّة، فذلك قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] .
قوله تعالى: ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ ، «مِنْ» : لابتداء الغاية، أو للتبعيضن، والصلصالُ: قال أبو عبيده هو الطين المختلط بالرمل، ثم يجفُّ؛ فسمع له صلصلةٌ، أي: تصويت، قال: والصلصلةُ: الصَّوتُ؛ وأنشدوا: [الكامل]
3275 - شَرِبَتْ أسَاوِيُّ القُطاةِ مِنَ الكَدرْ ... وسَرَتْ فَتَرْمِي أحْيَاؤهَا بِصَلاصِلِ
أراد: صوتَ أجْنحَةِ أفراخِهَا، حين تطيرُ، أو أصواتَ أفراخها.
وقال الزمخشريُّ: «الطِّينُ اليابس الذي يُصلصِلُ من غير طبخٍ، فإذا طبخ، فهو فخار» .
وقال أبو الهيثم: «هو صوتُ اللِّجامِ، وما أشبهه؛ كالقعقعة في الثوب» .
وقال الزمخشري أيضاً: قالوا: إذا توهَّمت في صوته مدًّا، فهو صليلٌ، وإن توهمت فيه خفاءً، فهو صلصلةٌ، وقيل: هو من تضعيف «صَلَّ» ، إذا أنتن أنتهى.
و «صَلْصَالٍ» هنا، بمعنى مُصَلْصِل؛ كزَلْزالٍ، بمعنى مُزَلْزِل، ويكون «فَعْلال» أيضاً مصدراً، ويجوز كسره أيضاً، وفي هذا النَّوع، أي: ما تكررت فاؤه، وعينه خلافٌ.
فقيل: وزنه: فَعْفَع؛ كُرِّرتِ الفاء والعين، ولا لام للكلمة؛ قاله الفراء، وغيره. وهو غلطٌ؛ لأنَّ أقلَّ الأصول ثلاثة: فاءٌ، وعينٌ، ولامٌ.
والثاني: أنَّ وزنه «فَعْفَل:؛ وهو قول الفرَّاء.
الثالث: أنه» فَعَّل «بتشديد العين، وأسله» صَلَّل «فلما اجتمع ثلاثة أميالٍ، أبدل الثاني من مجنس فاء الكلمة، وهومذهب كوفيٌّ، خصَّ بعضهم هذا لخلاف بما إذا لم يختل المعنى، بسقوطِ الثالث، نحو» لَمْلَمَ «و» كَبْكَبَ» فإنَّك تقول فيهما: «لَمَّ» ، و «كَبَّ» ، فول لم يصحَّ المعنى بسقوطه؛ نحو: سَمْسَمَ» ، قال: فلا خلافَ في أصالة الجميع.
قوله تعالى: ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما أنه في محلِّ جر صفة ل «صَلْصَالِ» ؛ فيتعلق بمحذوف.
والثاني: أ، هـ بدل من «صَلْصالٍ» بإعادة الجارِّ. والحَمَأ: الطِّينُ الأسودُ المنتنُ.
قال الليث رَحِمَهُ اللَّهُ: واحده «حَمَأة» بتحريك العين جمعله اسم جنسٍ؛ وقد غلط في ذلك؛ فإن أهل اللغة قالوا: لا يقال إلاَّ «حَمْأة» [بالإسكان] ، ولا يعرف التحريك؛ نصَّ عليه أبو عبيدة، وجماعة؛ وأنشدوا لأبي الأسودِ: [الوافر]
3276 - تَجِيءُ بمِلْئِهَا طُوْراً وطَوْراً ... تَجِيءُ بِحَمْأةٍ وقَلِيلِ مَاءِ
فلا يكون «الحَمَأة» واحدة «الحَمْأ» ؛ لاختلاف الوزنين.
والمَسْنُون: المَصْبُوب؛ من قولهم: سَنَنتُ الشَّرابَ، كأنَّه لِرُطُبتهِ جعل مَصْبُوباً، كغيره من المائعات، فكأن المعنى: أفرغ صورة إنسانٍ، كما تفرغ الجواهر المذابة.
قال الزمخشريُّ: وحقُّ «مَسْنُونٍ» بمعنى مصور: أن يكون صفة ل «صَلْصالٍ» ؛ كأنه أفرغ الحمَأ، فصوَّر منه تمثال شخصٍ. يعني أنه يصيرُ التقدير: من صلصالٍ مصوَّرٍ، ولكن يلزم تقديم الوصف المؤول على الصَّريح؛ إذا جعلنا: «مِنْ حَمَأ» صفة ل «صَلْصَالٍ» ، أمَّا إذا جعلناه بدلاً منه؛ فلا.
وقيل: مسنونٌ: مصوَّرٌ من سنَّة الوجه، وهي صورته؛ قال الشاعر: [البسيط]
3277 - تُرِيكَ سُنَّة وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقال الزمخشريُّ: والمَسْنُونُ: المَحْكُوكُ، مأخوذٌ من سننت الحجر، إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سَنَنٌ ولا يكون إلاَّ مُنْتِناً.
ومنه يسمَّى المسَن مسَنًّا؛ لأنَّ الحديد يحكُّ عليه.
وقيل: المسنونُ: المنسوب إليه، والمعنى ينسب إليه ذريته، وكأن هذا القائد أخذه من الواقع، وقيل: هو من أسنَّ الماء إذا تغيَّر، وهذا غلط؛ لاختلافِ المادتين.
رُوِيَ أنَّ الله تعالى خمَّر طينة آدم، وتركه حتى صار متغيِّراً أسود، ثم خلق منه آدم صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ﴾ منصوب على الاشتغال، ورجَّح نصبه؛ لعطف جملة على جملة فعليةٍ.
والجَّانُّ: أبُو الجنّ، هو إبليس؛ كآدم أبي الإنسِ، وقيل: هو اسمٌ لجنسِ الجن.
وقرأ الحسن: «والجَأن» بالهمز، وقد تقدّم الكلام في ذلك في أواخر الفاتحة.
فصل
قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الجان ِأبو الجن؛ كما أن آدم أبو البشر، وهو قول الأكثرين.
وروي أيضاً عن ابن عباسٍ، والحسن، ومقاتل، وقتادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: هو إبليس، خلق قبل آدم.
وقيل: الجانُّ أبو الجن: وإبليس أبو الشياطين، وفي الجنِّ: مسلمون، وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشيَّاطين؛ فليس سفهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس.
وذكر وهبٌ: أنَّ من الجن من يولد له، ويأكلُونَ، ويشربون بمنزلة الآدميِّين، ومن الجن من هم بمنزلةِ الرِّيح: لاتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون.
قال ابن الخطيب: «والأصحُّ أن الشياطين قسمٌ من الجن، فمن كان منهم مؤمنٌ فإنه لا يسمَّى بالشيطان، ومن كان منهم كافرٌ، سمِّي بهذا الاسم. وسمُّوا جنًّا؛ لاستتارهم عن الأعين، ومنه يسمَّى الجنينُ؛ لاستتاره عن الإعين، في بطن أمِّه، والجنَّةُ: ما تَقِي صابحها، وتستره، ومنه سمِّيت الجنة؛ لا ستتارها بالأشجار» .
قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ، و «مِن نَارٍ» متعلقان ب: خَلَقْنَاهُ «؛ لأنَّ الأولى لابتداءِ الغاية، والثانية للتعبيض، وفيه دليلٌ على أنَّ» مِنْ «لابتداءِ الغاية في الزمان، وتأويل البصريين له، ولنظائره بعيد.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما:» يريد قبل خلق آدم صلوات الله وسلامه عليه» ز والسَّمومُ: ما يقتل من إفراطِ الحرّ من شمس، أو ريح، أو نار؛ لأنها تدخل المسامَّ فتَقْتلُ.
قيل: سُمِّيت سمُوماً؛ لأنها بلطفها تدخل في مسامِّ البدن، وهي الخروقُ الخفيَّة التي تكون في جلد الإنسان، يبرز منها عرقه وبخار بطنه.
وقيل: السَّمومُ ما كان ليلاً، والحرورُ ما كان نهاراً. وعن ابن عباس: نارٌ لا خانلها.
قال أبو صالح: والصَّواعِقُ تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمراً، خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهَدَّةُ التي تسمعون؛ خرق ذلك الحجاب.
وقيل: نار السموم: لهب النَّار. وقيل: نارُ جهنَّم.
وروى الضحاك، عن ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: كان إبليس من جنسِ من الملائكة، يقال لهم الجن، خلقوا من نارِ السَّمومِ، وخلقت الجنُّ الذين ذكروا من مارج من نارِ، والملائكة خلقوا من نورٍ.
وقيل: ﴿مِن نَّارِ السموم﴾ من إضافةِ الموصوف لصفته.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ﴾ الآية، لما استدلَّ بحدوثِ الإنسان؛ على وجود الإله القادر المختار؛ ذلك بعده واقعته، وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له، والمراد بكونه بشراً، أي: جسماً يباشر ويلاقى، والملائكة، والجن لا يبشارون؛ للطف أجسامهم، والبشرة: ظاهر الجِلدِ مِنْ كُلِّ حيوانٍ، وتقدَّم ذكر الصلصالِ، والحَمأ المَسْنُونِ.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أي: شكلته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية.
وقيل: سوَّيتُ أجزاء بدنه: باعتدالِ الطَّبائعِ، وتناسب الأمشاجِ، نَفخْتُ فيه من روحي؛ فصار بشراً حيًّا.
والرُّوحُ: جسمٌ لطيفٌ، يحيا به الإنسان، وقيل: الرُّوحُ: هي الرِّيح؛ لأنَّ النَّفخ أخذ الريح في تجاويف جسم آخر؛ فظاهر قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ يشعر بأنَّ الروح هي الريح، وإلا لما صحَّ وصفها بالنَّفخ، وسيأتي بقيةُ الكلام على الروح عند قوله: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] ، وأضاف روح آدم صلوات الله وسلامه عليه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً.
قوله تعالى: ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ، يجوز أن تتعلق اللام بالفعل قبلها، وأن تتعلق ب «سَاجِدينَ» .
فصل
ظاهر قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يدل على وجوب السجود على الملائكة؛ لأنه مذكمور بفاء التَّعقيب؛ وذلك يمنُ التَّراخي.
قوله «أجْمَعُونَ» تأكيد ثانٍ، ولا يفيد الاجتماع في الوقت؛ خلافاً لبعضهم.
وقال سيبويه: قوله: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ «توكيدٌ بعد توكيدٍ» . وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال: فَسجَدَ الملائِكَةُ «احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال: كُلُّهم زال هذا الاحتمال، فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال وهو أنَّهم: هل سجدوا دفعة واحدة؟ أو سجد كل واحدٍ في وقت؟ . فلما قال: أجْمَعُون ظهر أن الكلَّ سجدوا دفعةً واحدةً. ولما حكى الزجاج هل القول، عن المبرد، قاتل:» وقول الخليل، وسيبويه أجودُ؛ لأن» أجْمَعِينَ «معرفةٌ؛ فلا يكون حالاً» .
قال أبو البقاء: «لكان حالاً لا توكيداً» . يعنى أنَّه يفيد إفادة الحال مع أنه توكيدٌ؛ وفيه نظر؛ إذ لا منافاة بينهما بالنسبة إلى المعنى، ألا ترى أنه يجوز: «جاؤوني جَمِيعاً» مع إفادته، وقد تقدم تحريرُ هذا [البقرة: 38] ، وحكاية ثعلب مع ابن قادم.
قوله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ تقدَّم الكلام على هذا الاستثناء في البقرة.
قال القرطبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، حتَّى ولو قال له: عليَّ دينارٌ إلا ثوباً، أو عَشْرة أثْوابٍ، إلاَّ قفيز حِنظَةٍ، وما جانس ذلك يكون مقبُولاً، ويسقط عنه من المبلغ قيمة الثوبِ، والحِنْطةِ ويستوي في ذلك: المكِيلات، والمَوزونَات، والمُقدَّرات» .
وقال مالكٌ، وأبو حنيفة رضي الهل عنهما: استثناء المكيل من الموزون، والموزون من المكيل جائزٌ؛ حتى لو ساتثنى الدَّراهم من الحنطةِ، والحنطة من الدراهم، قُبِلَ، أمَّا إذا استثنى المقوَّماتِ من المكيلاتِ، أو الموزوناتِ، والمكيلاتِ من المقوماتِ؛ فلا يصحُّ؛ مثمل أن يقول: له عشرة دنانير إلاَّ ثوباً، أو عشرة أثواب إلاَّ ديناراً، فيلزم المقرُّ جميع المبلغ.
قوله تعالى: ﴿أبى أَن يَكُونَ﴾ ، استئنافٌ؛ وتقديره: أنَّ قائلاً قال: هلاَّ سجد؟ فقيل: أبي ذلك، واستكبر عنه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ ياإبليس مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس، على لسان بعض رسله؛ وهذا ضعيف؛ لأنَّ إبليس قال في الجواب: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ﴾ ، فقوله: «خَلَقْتهُ» خطاب الحضورِ، لا خطاب الغيبة؛ فظاهره يقتضي أنَّ الله تعالى تكلم مع إبليس بعغير واسطة.
فإن قيل: كيف يعقل هذا؛ مع أنَّ مكالمة الله تعالى من غير واسطةٍ من أعظم الناصب، وأعلى المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأسِ الكفرِةِ؟ .
فالجواب: أنَّ مكالمة الله إنما تكون منصباً عالياً، إذا كان على سبيل الإكرامِ والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة، والإذلال، فلا.
وقوله: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ﴾ لتأكيد النَّفي، معناه: لا يصحُّ منَّي أن أسجد لبشر.
وحاصل كلامه: أن كون بشراً يشعر بكمونه جسماً كثيفاً، وهو كان روحانيًّا لطيفاً، فكأنه يقول: البشر جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف، فيكف يكون للأدنى سجود للأعلى؟ .
وأيضاً: فآدم مخلوقٌ من صلصالٍ، تولَّد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة، وأصل «إبْليسَ» : هو النار، والنار هي أشرف العناصر فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم؛ فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدنى؛ فهذا مجموع [شبهة] إبليس.
﴿قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ، وهذا ليس جواباً عن الشُّبهة على سبيل التصريح، بل جواب على سبيل التنبيه.
وتقديره: أن الذي قاله الله تعالى نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النصَّ بالقياس، كان رجيماً ملعوناً، وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة الأعراف.
والضمير في: «مِنْهَا» : قيل: من جنَّة عدنٍ، وقيل: من السمواتِ، وقيل: من زمرة الملائكةِ.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين﴾ قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد يوم الجزاء حيث يجازى العبادُ بأعمالهم.
و ﴿إلى يَوْمِ﴾ يجوز أن يتعلق بالاستقرار في: «عَليْكَ» ، ويجوز أن يتعلق بنفس اللعنة.
فإن قيل: كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغايةِ؛ فهذا يشعر بأنَّ اللعن لا يحصل إلاَّ يوم الدِّين، وعند القيامة يزول اللَّعن.
فالجواب من وجوه:
الأول: أن المراد التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية تذكرها الناس في كلامهم؛ كقولهم: ﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ [هود: 108] في التَّأيد.
والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم، عذِّب عذاباً [ينسى] اللعن معه، فيصير اللَّعن حنيئذٍ كالزائلِ؛ بسبب أنَّ شدّضة العذاب تذهل عنه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهذا متعلق بما تقدم، والتدقير: إذا جعلتني رجيماً إلى يوم القيامة؛ فأنظريني، أراد ألاَّ يموت، والمراد من قوله: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، يوم البعثِ، والنُّشورِ، وهو يوم القيامة؛ فقال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ قيل: وقت النفخةِ الأولى حين يموت الخلائق؛ لأن من المعلوم أن تموت الخلائق فيه.
وقيل: سمِّي معلوماً؛ لأنه لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ [لقمان: 34] .
وقيل: يوم الوقت المعلوم: يوم القيامة.
فإن قيل: لمَّا أجابه الله إلى مطلوبه لزم ألاَّ يموت إلى وقت قيام القيامة، [و] وقت قيام القيامة لا موت، فلزم ألا يموت بالكلية فالجواب: يحمل قوله ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ : إلى ما يكون قريباً منه، و [الوقت] الذي يموت فيه كلُّ المكلفين قريبٌ من يوم البعث.
وقيل: ﴿يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ لا يعلمه إلا الله.
قيل: لم تكن إجابة الله تعالى له في الإمهالِِ إكرماً له، بل كان زيادة في بلائه وشقائه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للقسم، و «مَا» مصدرية، وجواب القسم ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ والمعنى: أقسم بإغوائك إيايّ، لأزينن؛ كقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] إلاَّ أنه في هذا الموضع أقسم بعزة الله تعالى وهي من صفاتِ الذات، وفي قوله: ﴿بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ ، أقسم بإغواء الله، وهو من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفاتِ الذَّات صحيحٌ، واختلفوا في القسم بصفاتِ الأفعال.
ونقل الواحديُّ هنا عن بعضهم: أنَّ الباء هاهنا سببية، أي: بسبب كوني غاوياً، لأزيننَّ؛ كقول القائل: «أقْسمَ فُلانٌ بِمعْصِيتهِ، ليَدْخُلنَّ النَّار، وبِطاعَتهِ ليَدْخُلنَّ الجَنَّة» .
ومعنى: ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ : أضْللْتَنِي، وقيل: خَيَّبْتَنِي من رحمتك، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض﴾ حبَّ الدنيا، ومعاصيك.
والضمير في: «لَهُمْ» لذرية آدم عليه السلام وإن لم يجر لهم ذكر؛ للعلم بهم.
و «لإْغْوِيَنَّهُمْ» : لأضلَّنَّهُم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: «المُخْلصِينَ» بكسر اللام، والباقون: بفتح اللاَّم.
ومعنى القراءة الأولى: أنهم أخلصوا دينهم عن الشَّوائب؛ ومن فتح اللاَّم، فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية.
فصل
قال ابن الخطيب: «واعلم أنَّ الذي حمل» إبليس «على ذكر هذا الاستثناء ألاَّ يصير كاذباً في دعواه، فلما احترز» إبليس «عن الكذب، علمنا أنَّ الكذب في غاية الخساسةِ» .
فصل
قال رويمٌ: «الإخلاص في العمل: وهو الأَّ يريد صاحبه عليه عوضاً في الدَّارين، ولا عوضاَ من المكلفين» .
وقال الجندي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الإخلاص: سرُّ بين العبد، وبين الله تعالى لا يعلمه ملكٌ فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوًى فيمليه.
وذكر القشيريُّ، وغيره عن النبي صلى الله علي هوسلم أنه قال: «سَألتُ جِبْريلَ عليه السلام عن الإخْلاًِ ما هُو؟ فقالَ: سَألتُ ربَّ العِزَّةِ عَنِ الإخْلاصِ ما هُو؟ فقال: سِرِّي اسْتودَعْتهُ قلبَ مَنْ أحْبَبْتهُ مِنْ عِبَادي» .
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ﴾ «هَذَا» إشارة إلى الإخلاص المفهوم من المخلصين.
وقيل: إلى انتفاء تزْيينه، وأغوائهه على من مرَّ عليه، أي: على رضواني، وكرامتي.
وقيل: «عَلى» بمعنى: «إلَى» ، نقل عن الحسنِ.
وقال مجاهدٌ: الحقُّ يرجع إلى الله تعالى وعليه طريقة، لا تعرج على شيءٍ.
وقال الأخفش: يعني عليَّ الدَّلالةُ على الصراطِ المستقيم.
وقال الكسائي: هذا على التّهديد والتوعيد؛ كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقتك علي أن لا تفلت منِّي، قال تعالى: ﴿لبالمرصاد﴾ [الفجر: 14] .
وقرأ الضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، وأبن سيرين، ويعقوب في آخرين: «عليُّ» ، أي: عالٍ مرتفعٌ.
وعبَّر بعضهم عنه: رفيع أن ينال «مُسْتقِيمٌ» أن يمال.
قوله تعالى: ﴿عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أعلم أن إبليس لما قال ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ أوهم أنَّ له سلطاناً على غير المخلصين، فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطانٌ على أحد م نعبيد الله سواء كان مخلصاً أو غير مخلص، لكن من اتبع منهم إبليس باختياره؛ ونظيره قوله حكاية عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: 22] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 99، 100] فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً.
قال الجبائيُّ: «هذه الآية تدلُّ على بطلان قول من زعم أنَّ الشيطان، والجنَّ يمكنهم صرع الناس، وإزالة عقولهم» .
وقيل: الاستثناء متصلٌ؛ لأنَّ المراد ب «عِبَادي» العموم، طائعهم، وعاصيهم وحينئذ يلزم استثناء الأكثر من الأقلِّ.
وأراد بالعباد الخلَّص؛ لأنه أضافهم إليه إضافة تشريفٍ، فلم يندرج فيه الغوون؛ للضمير في موعدهم.
قال القرطبي: «قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ : يعني على قلوبهم» .
وقال ابن عيينة: «يلقيهم في ذنب ثم أمنعهم بعفوي: أو: هم الذين هداهم الله، واجتباهم، وأختارهم، واصطفاهم» .
فإن قيل: قد أخبر الله تعالى، عن آدم، وحواء صلوات الله وسلامه عليهما بقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان﴾ [البقرة: 36] وعن جلمة من أصحاب نبيَّه ﴿إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: 155] .
فالجواب: أنه ليس له سلطان على قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهمخ في ذنب يؤول إلى عدم العفو، بل يزيله بالتوبة، ولم يكن خروج آدم عقوبة على ما تقدم بيانه في البقرة.
وأما أصحاب النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد مضى القول عليه في «آل عمران» ، ثم إنَّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ يحتمل أن يكون حاصلاً فيمن حفظ الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات، وقد يكون ي تسليطه تفريج كربه، وإزالة عمه؛ كما فعل ببلالٍ، إذْ أتاه يهديه، كما يهدَّى الصبيُّ حتى نام، ونام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا، وقالوا: ما كفَّارةُ ما صَنعنَا في تَفْريطِنَا في صَلاتِنَا؟ فقال لهُم النبيُّ صلى الله عليه سلم «ليْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ» ؛ ففرَّج عَنْهُم.
وقال ابن عطيَّة: تأكيد فيه معنى الحال من الضمير في «مَوْعِدهُم» ، والعامل فيه معنى الإضافة، قاله أبو البقاء» .
وفي مجىء الحال من المضاف إليه، خلافٌ، ولا يعمل فيها الموعد، إن أريد به الكان، فإن أريد به المصدر، جاز أن يعمل؛ لأنه مصدرٌ، ولكن لا بدَّ من حذف مضاف، عي: مكان موعدهم.
قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وهو الظاهر، ويجوز أن تكمون خبراً ثانياً، ولا يجوز أن تكون حالاً من «جَهنَّم» ؛ لأن» إنَّ: «لا تعمل في الحال، قال ابو البقاء. وقياس ما ذكروه في» لَيْتَ، وكأنَّ، ولعلَّ «من أخواتها من أعمالها في لحال؛ لأنَّها بمعنى: تمنيَّتُ وشبهت، وترجيت أ، تعمل فيها» إنَّ «أيضاً؛ لأنَّها بمعنى أكدتُ، ولذلك عملت عمل الفعل، وهي أصل الباب.
فصل
قال عليٌّ كرم الله وجهه: هل تدرون كيف أبوا النًَّار؟ ووضع أحدى يديه على الأخرى، أي: سبعةٌ أبوابٍ، بضعها فوق بعض، وأنَّ الله تعالى وضع الجنان على العرض، ووضع النِّيران بعضها على بعض.
قال ابن جريج: النار سبع دركاتٍ: أولها جهنَّم، ثمَّ لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية.
قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد، يعذَّبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، والثانية: لليهود والثالثة: للنَّصار، والرابعة: للصابئين، وروي أن الثانية: للنصارى، والثالثة: لليهودِ، والرابعة للصابئين، والخامسة: للمجوسِِ، والسادسة: للمشركين، والسابعة: للمنافقين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [النساء: 145] .
قوله:» مِنهُمْ» يجوز أن يكون حالاً من «جُزءٌ» ؛ لأنَّه في الأصل صفة له، فلما قدمت، انتصبت حالاً، ويجوز أن يكون حالاص من الضمير المستتر في الجارِّ، وهو: «لكُلِّ بابٍ» ، والعامل في هذه الحال، ما عمل في هذا الجارِّ، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في: «مَقسُومٌ» ؛ لأنَّ الصفة لا تعمل فيها قبل الموصوف، ولا يجوز أن تكون صفة ل «بابٍ» ؛ لأنَّ الباب ليس من النَّاس.
وقرأ أبو جعفر: «جُزٌّ» بتشديد الزَّاي من غير همزٍ، فكأنه ألقى حركة الهمزة على الزَّاي، ووقف عليها فشدَّدها؛ كقولك: «خَبّ» في» خبءُ خالد «ثم أجري الوصل مجرى الوقف.
الجُزِْءُ: بعض الشيء، والجمع: أجزاء، وجَزَّأتهُ: جعلته أجزاء. والمعنى: أنه تعالى يُجزِّىء أبتاع إبليس أجزاءَ، أي: يجعلهم أقساماً، ويدخل في كل باب من أبواب جهنَّم طائفة؛ والسبب في ذلك: أنَّ مراتبَ الكفر مختلفةٌ بالغلظةِ والخفة.
الحجر 15:39
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ الآية هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد؛ لأنه ثبت بالدلائل القاطعه أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أوَّل لها، وإذا ثبت هذا وجب انتهاء الحوادث إلى حادث أوَّل، هو أولُ الحوادث، وإذا كان كذلك، وجب انتهاء الناس إلى إنسانٍ هو أول الناس، وذلك الإنسان الأول، غير مخولقٍ من الأوبين؛ فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، وأجمع المفسرون على أن المراد آدمُ صلوات الله وسلامه عليه.
ونقل في كتب الشِّيعة، عن محمد بن علي الباقر، أنَّه قال: قد انقضى قبل آدم صلوات الله عليه الذي هو أبونا ألف ألف آدم، أو أكثر.
قال ابنُ الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: «وها لا يقدحُ في حدوث العالم، بل الأمر كيف كان لا بدَّ من الانتهاء إلى إنسانٍ أول، هو أول الناس، فأما أن ذلك الإنسان الأول هو أبونا آدم، فلا طريق له إلاََّ من جهة السمع» .
واعلم أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] ، وقال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾ [ص: 71] ، وقال هاهنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ، فطريقُ الجمع أنه جعل التُّرابَ طيناً، ثم تركه حتَّى صار حمأ مسنوناً، ثم خلقه منه، وتركه حتى جفّ، ويبس وصار له صلصلة.
واعلم أنه تعالى قادر على خقله من أي جنس أراد، بل هو قادرٌ على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه؛ إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من دلالة الملائكة؛ لأنَّ خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلقِ الشَّيءِ من جنسه.
وسمِّي إنساناً: إما لظهوره وإدراك البصر إياه، وإمَّا من النسيان؛ لأنه عهد إليه فنسِي.
عن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: بعث الله تعالى جِبْريلَ عليه السلا إلى الأرض؛ ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص منِّي؛ فرجع ولم يأخذ، فقال يا ربِّ: أنها عاذتْ بك، فأعذتها، فبعث ميكايئيل صلوات الله عليه فعاذت منه، فأعاذها؛ فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذُ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلطه، لم يأخذ من مكان واحدٍ، وأخذ من تربةٍ حمراء، وبيضاء، وسوجحاء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين.
وسُمِّي آدم؛ لأنه خلق من أديم الإرض، وصعد به، فقال الله تبارك وتعالى: «أما رَحِمْتَ الأرض حين تضرعت إليك» ؟ فقال: رأيتُ أمرك وأوجب من قولها، فقال جل ذكره: «أنت تقبض أرواح ولده قبل التراب حتى عاد طيناً لازباً، وهو يلتصُ بعضه ببعضٍ، ثم ترك، حتى أنتن، وصار حمأ مسنوناً، وهو المنتنُ.
ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ، فخلقه الله بيده؛ لئلا يتكبَّر إبليس عليه، لقوله الله تعالى: أتتكبَّر على ما علمت بيدي، ولم أتكبر أنا عليه؟ .
فخلقه فكان جسداً من طينٍ أربعين عاماً، فلما رأتهُ الملائكة، فزعوا منه، وكان أشدَّهم منه فزعاً إبليسُ فكان يمرُّ به، فيضربه؛ فيصوتُ الجسدُ كما يصوتُ الفخَّار، وتكون له صلصلةٌ؛ فذلك قوله: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ [الرحمن: 14] ، ويقول: لأمر ما خلقت! ويدخل في فيه، ويخرج من دبره، ويقول للملائكة: لا ترهبوا منه؛ فإنه أجوف، ولئن سُلِّطت عليه، لأهلكنَّه، فلمَّا نفخ فيه الروح، ووصل إلى رأسه، عطس، فقالت الملائكة عليه السلام: قُل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربُّك، فلما دخل الروح في عينيه، نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروحُ جوفه، اشتهى الطعام؛ فوثب قبل أن تبلغ الورح رجليه؛ عجلان إلى ثمار الجنَّة، فذلك قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] .
قوله تعالى: ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ ، «مِنْ» : لابتداء الغاية، أو للتبعيضن، والصلصالُ: قال أبو عبيده هو الطين المختلط بالرمل، ثم يجفُّ؛ فسمع له صلصلةٌ، أي: تصويت، قال: والصلصلةُ: الصَّوتُ؛ وأنشدوا: [الكامل]
3275 - شَرِبَتْ أسَاوِيُّ القُطاةِ مِنَ الكَدرْ ... وسَرَتْ فَتَرْمِي أحْيَاؤهَا بِصَلاصِلِ
أراد: صوتَ أجْنحَةِ أفراخِهَا، حين تطيرُ، أو أصواتَ أفراخها.
وقال الزمخشريُّ: «الطِّينُ اليابس الذي يُصلصِلُ من غير طبخٍ، فإذا طبخ، فهو فخار» .
وقال أبو الهيثم: «هو صوتُ اللِّجامِ، وما أشبهه؛ كالقعقعة في الثوب» .
وقال الزمخشري أيضاً: قالوا: إذا توهَّمت في صوته مدًّا، فهو صليلٌ، وإن توهمت فيه خفاءً، فهو صلصلةٌ، وقيل: هو من تضعيف «صَلَّ» ، إذا أنتن أنتهى.
و «صَلْصَالٍ» هنا، بمعنى مُصَلْصِل؛ كزَلْزالٍ، بمعنى مُزَلْزِل، ويكون «فَعْلال» أيضاً مصدراً، ويجوز كسره أيضاً، وفي هذا النَّوع، أي: ما تكررت فاؤه، وعينه خلافٌ.
فقيل: وزنه: فَعْفَع؛ كُرِّرتِ الفاء والعين، ولا لام للكلمة؛ قاله الفراء، وغيره. وهو غلطٌ؛ لأنَّ أقلَّ الأصول ثلاثة: فاءٌ، وعينٌ، ولامٌ.
والثاني: أنَّ وزنه «فَعْفَل:؛ وهو قول الفرَّاء.
الثالث: أنه» فَعَّل «بتشديد العين، وأسله» صَلَّل «فلما اجتمع ثلاثة أميالٍ، أبدل الثاني من مجنس فاء الكلمة، وهومذهب كوفيٌّ، خصَّ بعضهم هذا لخلاف بما إذا لم يختل المعنى، بسقوطِ الثالث، نحو» لَمْلَمَ «و» كَبْكَبَ» فإنَّك تقول فيهما: «لَمَّ» ، و «كَبَّ» ، فول لم يصحَّ المعنى بسقوطه؛ نحو: سَمْسَمَ» ، قال: فلا خلافَ في أصالة الجميع.
قوله تعالى: ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما أنه في محلِّ جر صفة ل «صَلْصَالِ» ؛ فيتعلق بمحذوف.
والثاني: أ، هـ بدل من «صَلْصالٍ» بإعادة الجارِّ. والحَمَأ: الطِّينُ الأسودُ المنتنُ.
قال الليث رَحِمَهُ اللَّهُ: واحده «حَمَأة» بتحريك العين جمعله اسم جنسٍ؛ وقد غلط في ذلك؛ فإن أهل اللغة قالوا: لا يقال إلاَّ «حَمْأة» [بالإسكان] ، ولا يعرف التحريك؛ نصَّ عليه أبو عبيدة، وجماعة؛ وأنشدوا لأبي الأسودِ: [الوافر]
3276 - تَجِيءُ بمِلْئِهَا طُوْراً وطَوْراً ... تَجِيءُ بِحَمْأةٍ وقَلِيلِ مَاءِ
فلا يكون «الحَمَأة» واحدة «الحَمْأ» ؛ لاختلاف الوزنين.
والمَسْنُون: المَصْبُوب؛ من قولهم: سَنَنتُ الشَّرابَ، كأنَّه لِرُطُبتهِ جعل مَصْبُوباً، كغيره من المائعات، فكأن المعنى: أفرغ صورة إنسانٍ، كما تفرغ الجواهر المذابة.
قال الزمخشريُّ: وحقُّ «مَسْنُونٍ» بمعنى مصور: أن يكون صفة ل «صَلْصالٍ» ؛ كأنه أفرغ الحمَأ، فصوَّر منه تمثال شخصٍ. يعني أنه يصيرُ التقدير: من صلصالٍ مصوَّرٍ، ولكن يلزم تقديم الوصف المؤول على الصَّريح؛ إذا جعلنا: «مِنْ حَمَأ» صفة ل «صَلْصَالٍ» ، أمَّا إذا جعلناه بدلاً منه؛ فلا.
وقيل: مسنونٌ: مصوَّرٌ من سنَّة الوجه، وهي صورته؛ قال الشاعر: [البسيط]
3277 - تُرِيكَ سُنَّة وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقال الزمخشريُّ: والمَسْنُونُ: المَحْكُوكُ، مأخوذٌ من سننت الحجر، إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سَنَنٌ ولا يكون إلاَّ مُنْتِناً.
ومنه يسمَّى المسَن مسَنًّا؛ لأنَّ الحديد يحكُّ عليه.
وقيل: المسنونُ: المنسوب إليه، والمعنى ينسب إليه ذريته، وكأن هذا القائد أخذه من الواقع، وقيل: هو من أسنَّ الماء إذا تغيَّر، وهذا غلط؛ لاختلافِ المادتين.
رُوِيَ أنَّ الله تعالى خمَّر طينة آدم، وتركه حتى صار متغيِّراً أسود، ثم خلق منه آدم صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ﴾ منصوب على الاشتغال، ورجَّح نصبه؛ لعطف جملة على جملة فعليةٍ.
والجَّانُّ: أبُو الجنّ، هو إبليس؛ كآدم أبي الإنسِ، وقيل: هو اسمٌ لجنسِ الجن.
وقرأ الحسن: «والجَأن» بالهمز، وقد تقدّم الكلام في ذلك في أواخر الفاتحة.
فصل
قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الجان ِأبو الجن؛ كما أن آدم أبو البشر، وهو قول الأكثرين.
وروي أيضاً عن ابن عباسٍ، والحسن، ومقاتل، وقتادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: هو إبليس، خلق قبل آدم.
وقيل: الجانُّ أبو الجن: وإبليس أبو الشياطين، وفي الجنِّ: مسلمون، وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشيَّاطين؛ فليس سفهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس.
وذكر وهبٌ: أنَّ من الجن من يولد له، ويأكلُونَ، ويشربون بمنزلة الآدميِّين، ومن الجن من هم بمنزلةِ الرِّيح: لاتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون.
قال ابن الخطيب: «والأصحُّ أن الشياطين قسمٌ من الجن، فمن كان منهم مؤمنٌ فإنه لا يسمَّى بالشيطان، ومن كان منهم كافرٌ، سمِّي بهذا الاسم. وسمُّوا جنًّا؛ لاستتارهم عن الأعين، ومنه يسمَّى الجنينُ؛ لاستتاره عن الإعين، في بطن أمِّه، والجنَّةُ: ما تَقِي صابحها، وتستره، ومنه سمِّيت الجنة؛ لا ستتارها بالأشجار» .
قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ، و «مِن نَارٍ» متعلقان ب: خَلَقْنَاهُ «؛ لأنَّ الأولى لابتداءِ الغاية، والثانية للتعبيض، وفيه دليلٌ على أنَّ» مِنْ «لابتداءِ الغاية في الزمان، وتأويل البصريين له، ولنظائره بعيد.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما:» يريد قبل خلق آدم صلوات الله وسلامه عليه» ز والسَّمومُ: ما يقتل من إفراطِ الحرّ من شمس، أو ريح، أو نار؛ لأنها تدخل المسامَّ فتَقْتلُ.
قيل: سُمِّيت سمُوماً؛ لأنها بلطفها تدخل في مسامِّ البدن، وهي الخروقُ الخفيَّة التي تكون في جلد الإنسان، يبرز منها عرقه وبخار بطنه.
وقيل: السَّمومُ ما كان ليلاً، والحرورُ ما كان نهاراً. وعن ابن عباس: نارٌ لا خانلها.
قال أبو صالح: والصَّواعِقُ تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمراً، خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهَدَّةُ التي تسمعون؛ خرق ذلك الحجاب.
وقيل: نار السموم: لهب النَّار. وقيل: نارُ جهنَّم.
وروى الضحاك، عن ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: كان إبليس من جنسِ من الملائكة، يقال لهم الجن، خلقوا من نارِ السَّمومِ، وخلقت الجنُّ الذين ذكروا من مارج من نارِ، والملائكة خلقوا من نورٍ.
وقيل: ﴿مِن نَّارِ السموم﴾ من إضافةِ الموصوف لصفته.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ﴾ الآية، لما استدلَّ بحدوثِ الإنسان؛ على وجود الإله القادر المختار؛ ذلك بعده واقعته، وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له، والمراد بكونه بشراً، أي: جسماً يباشر ويلاقى، والملائكة، والجن لا يبشارون؛ للطف أجسامهم، والبشرة: ظاهر الجِلدِ مِنْ كُلِّ حيوانٍ، وتقدَّم ذكر الصلصالِ، والحَمأ المَسْنُونِ.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أي: شكلته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية.
وقيل: سوَّيتُ أجزاء بدنه: باعتدالِ الطَّبائعِ، وتناسب الأمشاجِ، نَفخْتُ فيه من روحي؛ فصار بشراً حيًّا.
والرُّوحُ: جسمٌ لطيفٌ، يحيا به الإنسان، وقيل: الرُّوحُ: هي الرِّيح؛ لأنَّ النَّفخ أخذ الريح في تجاويف جسم آخر؛ فظاهر قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ يشعر بأنَّ الروح هي الريح، وإلا لما صحَّ وصفها بالنَّفخ، وسيأتي بقيةُ الكلام على الروح عند قوله: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] ، وأضاف روح آدم صلوات الله وسلامه عليه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً.
قوله تعالى: ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ، يجوز أن تتعلق اللام بالفعل قبلها، وأن تتعلق ب «سَاجِدينَ» .
فصل
ظاهر قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يدل على وجوب السجود على الملائكة؛ لأنه مذكمور بفاء التَّعقيب؛ وذلك يمنُ التَّراخي.
قوله «أجْمَعُونَ» تأكيد ثانٍ، ولا يفيد الاجتماع في الوقت؛ خلافاً لبعضهم.
وقال سيبويه: قوله: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ «توكيدٌ بعد توكيدٍ» . وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال: فَسجَدَ الملائِكَةُ «احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال: كُلُّهم زال هذا الاحتمال، فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال وهو أنَّهم: هل سجدوا دفعة واحدة؟ أو سجد كل واحدٍ في وقت؟ . فلما قال: أجْمَعُون ظهر أن الكلَّ سجدوا دفعةً واحدةً. ولما حكى الزجاج هل القول، عن المبرد، قاتل:» وقول الخليل، وسيبويه أجودُ؛ لأن» أجْمَعِينَ «معرفةٌ؛ فلا يكون حالاً» .
قال أبو البقاء: «لكان حالاً لا توكيداً» . يعنى أنَّه يفيد إفادة الحال مع أنه توكيدٌ؛ وفيه نظر؛ إذ لا منافاة بينهما بالنسبة إلى المعنى، ألا ترى أنه يجوز: «جاؤوني جَمِيعاً» مع إفادته، وقد تقدم تحريرُ هذا [البقرة: 38] ، وحكاية ثعلب مع ابن قادم.
قوله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ تقدَّم الكلام على هذا الاستثناء في البقرة.
قال القرطبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، حتَّى ولو قال له: عليَّ دينارٌ إلا ثوباً، أو عَشْرة أثْوابٍ، إلاَّ قفيز حِنظَةٍ، وما جانس ذلك يكون مقبُولاً، ويسقط عنه من المبلغ قيمة الثوبِ، والحِنْطةِ ويستوي في ذلك: المكِيلات، والمَوزونَات، والمُقدَّرات» .
وقال مالكٌ، وأبو حنيفة رضي الهل عنهما: استثناء المكيل من الموزون، والموزون من المكيل جائزٌ؛ حتى لو ساتثنى الدَّراهم من الحنطةِ، والحنطة من الدراهم، قُبِلَ، أمَّا إذا استثنى المقوَّماتِ من المكيلاتِ، أو الموزوناتِ، والمكيلاتِ من المقوماتِ؛ فلا يصحُّ؛ مثمل أن يقول: له عشرة دنانير إلاَّ ثوباً، أو عشرة أثواب إلاَّ ديناراً، فيلزم المقرُّ جميع المبلغ.
قوله تعالى: ﴿أبى أَن يَكُونَ﴾ ، استئنافٌ؛ وتقديره: أنَّ قائلاً قال: هلاَّ سجد؟ فقيل: أبي ذلك، واستكبر عنه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ ياإبليس مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس، على لسان بعض رسله؛ وهذا ضعيف؛ لأنَّ إبليس قال في الجواب: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ﴾ ، فقوله: «خَلَقْتهُ» خطاب الحضورِ، لا خطاب الغيبة؛ فظاهره يقتضي أنَّ الله تعالى تكلم مع إبليس بعغير واسطة.
فإن قيل: كيف يعقل هذا؛ مع أنَّ مكالمة الله تعالى من غير واسطةٍ من أعظم الناصب، وأعلى المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأسِ الكفرِةِ؟ .
فالجواب: أنَّ مكالمة الله إنما تكون منصباً عالياً، إذا كان على سبيل الإكرامِ والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة، والإذلال، فلا.
وقوله: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ﴾ لتأكيد النَّفي، معناه: لا يصحُّ منَّي أن أسجد لبشر.
وحاصل كلامه: أن كون بشراً يشعر بكمونه جسماً كثيفاً، وهو كان روحانيًّا لطيفاً، فكأنه يقول: البشر جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف، فيكف يكون للأدنى سجود للأعلى؟ .
وأيضاً: فآدم مخلوقٌ من صلصالٍ، تولَّد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة، وأصل «إبْليسَ» : هو النار، والنار هي أشرف العناصر فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم؛ فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدنى؛ فهذا مجموع [شبهة] إبليس.
﴿قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ، وهذا ليس جواباً عن الشُّبهة على سبيل التصريح، بل جواب على سبيل التنبيه.
وتقديره: أن الذي قاله الله تعالى نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النصَّ بالقياس، كان رجيماً ملعوناً، وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة الأعراف.
والضمير في: «مِنْهَا» : قيل: من جنَّة عدنٍ، وقيل: من السمواتِ، وقيل: من زمرة الملائكةِ.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين﴾ قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد يوم الجزاء حيث يجازى العبادُ بأعمالهم.
و ﴿إلى يَوْمِ﴾ يجوز أن يتعلق بالاستقرار في: «عَليْكَ» ، ويجوز أن يتعلق بنفس اللعنة.
فإن قيل: كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغايةِ؛ فهذا يشعر بأنَّ اللعن لا يحصل إلاَّ يوم الدِّين، وعند القيامة يزول اللَّعن.
فالجواب من وجوه:
الأول: أن المراد التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية تذكرها الناس في كلامهم؛ كقولهم: ﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ [هود: 108] في التَّأيد.
والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم، عذِّب عذاباً [ينسى] اللعن معه، فيصير اللَّعن حنيئذٍ كالزائلِ؛ بسبب أنَّ شدّضة العذاب تذهل عنه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهذا متعلق بما تقدم، والتدقير: إذا جعلتني رجيماً إلى يوم القيامة؛ فأنظريني، أراد ألاَّ يموت، والمراد من قوله: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، يوم البعثِ، والنُّشورِ، وهو يوم القيامة؛ فقال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ قيل: وقت النفخةِ الأولى حين يموت الخلائق؛ لأن من المعلوم أن تموت الخلائق فيه.
وقيل: سمِّي معلوماً؛ لأنه لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ [لقمان: 34] .
وقيل: يوم الوقت المعلوم: يوم القيامة.
فإن قيل: لمَّا أجابه الله إلى مطلوبه لزم ألاَّ يموت إلى وقت قيام القيامة، [و] وقت قيام القيامة لا موت، فلزم ألا يموت بالكلية فالجواب: يحمل قوله ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ : إلى ما يكون قريباً منه، و [الوقت] الذي يموت فيه كلُّ المكلفين قريبٌ من يوم البعث.
وقيل: ﴿يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ لا يعلمه إلا الله.
قيل: لم تكن إجابة الله تعالى له في الإمهالِِ إكرماً له، بل كان زيادة في بلائه وشقائه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للقسم، و «مَا» مصدرية، وجواب القسم ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ والمعنى: أقسم بإغوائك إيايّ، لأزينن؛ كقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] إلاَّ أنه في هذا الموضع أقسم بعزة الله تعالى وهي من صفاتِ الذات، وفي قوله: ﴿بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ ، أقسم بإغواء الله، وهو من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفاتِ الذَّات صحيحٌ، واختلفوا في القسم بصفاتِ الأفعال.
ونقل الواحديُّ هنا عن بعضهم: أنَّ الباء هاهنا سببية، أي: بسبب كوني غاوياً، لأزيننَّ؛ كقول القائل: «أقْسمَ فُلانٌ بِمعْصِيتهِ، ليَدْخُلنَّ النَّار، وبِطاعَتهِ ليَدْخُلنَّ الجَنَّة» .
ومعنى: ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ : أضْللْتَنِي، وقيل: خَيَّبْتَنِي من رحمتك، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض﴾ حبَّ الدنيا، ومعاصيك.
والضمير في: «لَهُمْ» لذرية آدم عليه السلام وإن لم يجر لهم ذكر؛ للعلم بهم.
و «لإْغْوِيَنَّهُمْ» : لأضلَّنَّهُم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: «المُخْلصِينَ» بكسر اللام، والباقون: بفتح اللاَّم.
ومعنى القراءة الأولى: أنهم أخلصوا دينهم عن الشَّوائب؛ ومن فتح اللاَّم، فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية.
فصل
قال ابن الخطيب: «واعلم أنَّ الذي حمل» إبليس «على ذكر هذا الاستثناء ألاَّ يصير كاذباً في دعواه، فلما احترز» إبليس «عن الكذب، علمنا أنَّ الكذب في غاية الخساسةِ» .
فصل
قال رويمٌ: «الإخلاص في العمل: وهو الأَّ يريد صاحبه عليه عوضاً في الدَّارين، ولا عوضاَ من المكلفين» .
وقال الجندي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الإخلاص: سرُّ بين العبد، وبين الله تعالى لا يعلمه ملكٌ فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوًى فيمليه.
وذكر القشيريُّ، وغيره عن النبي صلى الله علي هوسلم أنه قال: «سَألتُ جِبْريلَ عليه السلام عن الإخْلاًِ ما هُو؟ فقالَ: سَألتُ ربَّ العِزَّةِ عَنِ الإخْلاصِ ما هُو؟ فقال: سِرِّي اسْتودَعْتهُ قلبَ مَنْ أحْبَبْتهُ مِنْ عِبَادي» .
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ﴾ «هَذَا» إشارة إلى الإخلاص المفهوم من المخلصين.
وقيل: إلى انتفاء تزْيينه، وأغوائهه على من مرَّ عليه، أي: على رضواني، وكرامتي.
وقيل: «عَلى» بمعنى: «إلَى» ، نقل عن الحسنِ.
وقال مجاهدٌ: الحقُّ يرجع إلى الله تعالى وعليه طريقة، لا تعرج على شيءٍ.
وقال الأخفش: يعني عليَّ الدَّلالةُ على الصراطِ المستقيم.
وقال الكسائي: هذا على التّهديد والتوعيد؛ كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقتك علي أن لا تفلت منِّي، قال تعالى: ﴿لبالمرصاد﴾ [الفجر: 14] .
وقرأ الضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، وأبن سيرين، ويعقوب في آخرين: «عليُّ» ، أي: عالٍ مرتفعٌ.
وعبَّر بعضهم عنه: رفيع أن ينال «مُسْتقِيمٌ» أن يمال.
قوله تعالى: ﴿عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أعلم أن إبليس لما قال ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ أوهم أنَّ له سلطاناً على غير المخلصين، فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطانٌ على أحد م نعبيد الله سواء كان مخلصاً أو غير مخلص، لكن من اتبع منهم إبليس باختياره؛ ونظيره قوله حكاية عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: 22] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 99، 100] فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً.
قال الجبائيُّ: «هذه الآية تدلُّ على بطلان قول من زعم أنَّ الشيطان، والجنَّ يمكنهم صرع الناس، وإزالة عقولهم» .
وقيل: الاستثناء متصلٌ؛ لأنَّ المراد ب «عِبَادي» العموم، طائعهم، وعاصيهم وحينئذ يلزم استثناء الأكثر من الأقلِّ.
وأراد بالعباد الخلَّص؛ لأنه أضافهم إليه إضافة تشريفٍ، فلم يندرج فيه الغوون؛ للضمير في موعدهم.
قال القرطبي: «قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ : يعني على قلوبهم» .
وقال ابن عيينة: «يلقيهم في ذنب ثم أمنعهم بعفوي: أو: هم الذين هداهم الله، واجتباهم، وأختارهم، واصطفاهم» .
فإن قيل: قد أخبر الله تعالى، عن آدم، وحواء صلوات الله وسلامه عليهما بقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان﴾ [البقرة: 36] وعن جلمة من أصحاب نبيَّه ﴿إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: 155] .
فالجواب: أنه ليس له سلطان على قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهمخ في ذنب يؤول إلى عدم العفو، بل يزيله بالتوبة، ولم يكن خروج آدم عقوبة على ما تقدم بيانه في البقرة.
وأما أصحاب النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد مضى القول عليه في «آل عمران» ، ثم إنَّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ يحتمل أن يكون حاصلاً فيمن حفظ الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات، وقد يكون ي تسليطه تفريج كربه، وإزالة عمه؛ كما فعل ببلالٍ، إذْ أتاه يهديه، كما يهدَّى الصبيُّ حتى نام، ونام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا، وقالوا: ما كفَّارةُ ما صَنعنَا في تَفْريطِنَا في صَلاتِنَا؟ فقال لهُم النبيُّ صلى الله عليه سلم «ليْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ» ؛ ففرَّج عَنْهُم.
وقال ابن عطيَّة: تأكيد فيه معنى الحال من الضمير في «مَوْعِدهُم» ، والعامل فيه معنى الإضافة، قاله أبو البقاء» .
وفي مجىء الحال من المضاف إليه، خلافٌ، ولا يعمل فيها الموعد، إن أريد به الكان، فإن أريد به المصدر، جاز أن يعمل؛ لأنه مصدرٌ، ولكن لا بدَّ من حذف مضاف، عي: مكان موعدهم.
قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وهو الظاهر، ويجوز أن تكمون خبراً ثانياً، ولا يجوز أن تكون حالاً من «جَهنَّم» ؛ لأن» إنَّ: «لا تعمل في الحال، قال ابو البقاء. وقياس ما ذكروه في» لَيْتَ، وكأنَّ، ولعلَّ «من أخواتها من أعمالها في لحال؛ لأنَّها بمعنى: تمنيَّتُ وشبهت، وترجيت أ، تعمل فيها» إنَّ «أيضاً؛ لأنَّها بمعنى أكدتُ، ولذلك عملت عمل الفعل، وهي أصل الباب.
فصل
قال عليٌّ كرم الله وجهه: هل تدرون كيف أبوا النًَّار؟ ووضع أحدى يديه على الأخرى، أي: سبعةٌ أبوابٍ، بضعها فوق بعض، وأنَّ الله تعالى وضع الجنان على العرض، ووضع النِّيران بعضها على بعض.
قال ابن جريج: النار سبع دركاتٍ: أولها جهنَّم، ثمَّ لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية.
قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد، يعذَّبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، والثانية: لليهود والثالثة: للنَّصار، والرابعة: للصابئين، وروي أن الثانية: للنصارى، والثالثة: لليهودِ، والرابعة للصابئين، والخامسة: للمجوسِِ، والسادسة: للمشركين، والسابعة: للمنافقين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [النساء: 145] .
قوله:» مِنهُمْ» يجوز أن يكون حالاً من «جُزءٌ» ؛ لأنَّه في الأصل صفة له، فلما قدمت، انتصبت حالاً، ويجوز أن يكون حالاص من الضمير المستتر في الجارِّ، وهو: «لكُلِّ بابٍ» ، والعامل في هذه الحال، ما عمل في هذا الجارِّ، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في: «مَقسُومٌ» ؛ لأنَّ الصفة لا تعمل فيها قبل الموصوف، ولا يجوز أن تكون صفة ل «بابٍ» ؛ لأنَّ الباب ليس من النَّاس.
وقرأ أبو جعفر: «جُزٌّ» بتشديد الزَّاي من غير همزٍ، فكأنه ألقى حركة الهمزة على الزَّاي، ووقف عليها فشدَّدها؛ كقولك: «خَبّ» في» خبءُ خالد «ثم أجري الوصل مجرى الوقف.
الجُزِْءُ: بعض الشيء، والجمع: أجزاء، وجَزَّأتهُ: جعلته أجزاء. والمعنى: أنه تعالى يُجزِّىء أبتاع إبليس أجزاءَ، أي: يجعلهم أقساماً، ويدخل في كل باب من أبواب جهنَّم طائفة؛ والسبب في ذلك: أنَّ مراتبَ الكفر مختلفةٌ بالغلظةِ والخفة.
الحجر 15:40
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ الآية هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد؛ لأنه ثبت بالدلائل القاطعه أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أوَّل لها، وإذا ثبت هذا وجب انتهاء الحوادث إلى حادث أوَّل، هو أولُ الحوادث، وإذا كان كذلك، وجب انتهاء الناس إلى إنسانٍ هو أول الناس، وذلك الإنسان الأول، غير مخولقٍ من الأوبين؛ فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، وأجمع المفسرون على أن المراد آدمُ صلوات الله وسلامه عليه.
ونقل في كتب الشِّيعة، عن محمد بن علي الباقر، أنَّه قال: قد انقضى قبل آدم صلوات الله عليه الذي هو أبونا ألف ألف آدم، أو أكثر.
قال ابنُ الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: «وها لا يقدحُ في حدوث العالم، بل الأمر كيف كان لا بدَّ من الانتهاء إلى إنسانٍ أول، هو أول الناس، فأما أن ذلك الإنسان الأول هو أبونا آدم، فلا طريق له إلاََّ من جهة السمع» .
واعلم أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] ، وقال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾ [ص: 71] ، وقال هاهنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ، فطريقُ الجمع أنه جعل التُّرابَ طيناً، ثم تركه حتَّى صار حمأ مسنوناً، ثم خلقه منه، وتركه حتى جفّ، ويبس وصار له صلصلة.
واعلم أنه تعالى قادر على خقله من أي جنس أراد، بل هو قادرٌ على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه؛ إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من دلالة الملائكة؛ لأنَّ خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلقِ الشَّيءِ من جنسه.
وسمِّي إنساناً: إما لظهوره وإدراك البصر إياه، وإمَّا من النسيان؛ لأنه عهد إليه فنسِي.
عن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: بعث الله تعالى جِبْريلَ عليه السلا إلى الأرض؛ ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص منِّي؛ فرجع ولم يأخذ، فقال يا ربِّ: أنها عاذتْ بك، فأعذتها، فبعث ميكايئيل صلوات الله عليه فعاذت منه، فأعاذها؛ فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذُ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلطه، لم يأخذ من مكان واحدٍ، وأخذ من تربةٍ حمراء، وبيضاء، وسوجحاء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين.
وسُمِّي آدم؛ لأنه خلق من أديم الإرض، وصعد به، فقال الله تبارك وتعالى: «أما رَحِمْتَ الأرض حين تضرعت إليك» ؟ فقال: رأيتُ أمرك وأوجب من قولها، فقال جل ذكره: «أنت تقبض أرواح ولده قبل التراب حتى عاد طيناً لازباً، وهو يلتصُ بعضه ببعضٍ، ثم ترك، حتى أنتن، وصار حمأ مسنوناً، وهو المنتنُ.
ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ، فخلقه الله بيده؛ لئلا يتكبَّر إبليس عليه، لقوله الله تعالى: أتتكبَّر على ما علمت بيدي، ولم أتكبر أنا عليه؟ .
فخلقه فكان جسداً من طينٍ أربعين عاماً، فلما رأتهُ الملائكة، فزعوا منه، وكان أشدَّهم منه فزعاً إبليسُ فكان يمرُّ به، فيضربه؛ فيصوتُ الجسدُ كما يصوتُ الفخَّار، وتكون له صلصلةٌ؛ فذلك قوله: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ [الرحمن: 14] ، ويقول: لأمر ما خلقت! ويدخل في فيه، ويخرج من دبره، ويقول للملائكة: لا ترهبوا منه؛ فإنه أجوف، ولئن سُلِّطت عليه، لأهلكنَّه، فلمَّا نفخ فيه الروح، ووصل إلى رأسه، عطس، فقالت الملائكة عليه السلام: قُل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربُّك، فلما دخل الروح في عينيه، نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروحُ جوفه، اشتهى الطعام؛ فوثب قبل أن تبلغ الورح رجليه؛ عجلان إلى ثمار الجنَّة، فذلك قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] .
قوله تعالى: ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ ، «مِنْ» : لابتداء الغاية، أو للتبعيضن، والصلصالُ: قال أبو عبيده هو الطين المختلط بالرمل، ثم يجفُّ؛ فسمع له صلصلةٌ، أي: تصويت، قال: والصلصلةُ: الصَّوتُ؛ وأنشدوا: [الكامل]
3275 - شَرِبَتْ أسَاوِيُّ القُطاةِ مِنَ الكَدرْ ... وسَرَتْ فَتَرْمِي أحْيَاؤهَا بِصَلاصِلِ
أراد: صوتَ أجْنحَةِ أفراخِهَا، حين تطيرُ، أو أصواتَ أفراخها.
وقال الزمخشريُّ: «الطِّينُ اليابس الذي يُصلصِلُ من غير طبخٍ، فإذا طبخ، فهو فخار» .
وقال أبو الهيثم: «هو صوتُ اللِّجامِ، وما أشبهه؛ كالقعقعة في الثوب» .
وقال الزمخشري أيضاً: قالوا: إذا توهَّمت في صوته مدًّا، فهو صليلٌ، وإن توهمت فيه خفاءً، فهو صلصلةٌ، وقيل: هو من تضعيف «صَلَّ» ، إذا أنتن أنتهى.
و «صَلْصَالٍ» هنا، بمعنى مُصَلْصِل؛ كزَلْزالٍ، بمعنى مُزَلْزِل، ويكون «فَعْلال» أيضاً مصدراً، ويجوز كسره أيضاً، وفي هذا النَّوع، أي: ما تكررت فاؤه، وعينه خلافٌ.
فقيل: وزنه: فَعْفَع؛ كُرِّرتِ الفاء والعين، ولا لام للكلمة؛ قاله الفراء، وغيره. وهو غلطٌ؛ لأنَّ أقلَّ الأصول ثلاثة: فاءٌ، وعينٌ، ولامٌ.
والثاني: أنَّ وزنه «فَعْفَل:؛ وهو قول الفرَّاء.
الثالث: أنه» فَعَّل «بتشديد العين، وأسله» صَلَّل «فلما اجتمع ثلاثة أميالٍ، أبدل الثاني من مجنس فاء الكلمة، وهومذهب كوفيٌّ، خصَّ بعضهم هذا لخلاف بما إذا لم يختل المعنى، بسقوطِ الثالث، نحو» لَمْلَمَ «و» كَبْكَبَ» فإنَّك تقول فيهما: «لَمَّ» ، و «كَبَّ» ، فول لم يصحَّ المعنى بسقوطه؛ نحو: سَمْسَمَ» ، قال: فلا خلافَ في أصالة الجميع.
قوله تعالى: ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما أنه في محلِّ جر صفة ل «صَلْصَالِ» ؛ فيتعلق بمحذوف.
والثاني: أ، هـ بدل من «صَلْصالٍ» بإعادة الجارِّ. والحَمَأ: الطِّينُ الأسودُ المنتنُ.
قال الليث رَحِمَهُ اللَّهُ: واحده «حَمَأة» بتحريك العين جمعله اسم جنسٍ؛ وقد غلط في ذلك؛ فإن أهل اللغة قالوا: لا يقال إلاَّ «حَمْأة» [بالإسكان] ، ولا يعرف التحريك؛ نصَّ عليه أبو عبيدة، وجماعة؛ وأنشدوا لأبي الأسودِ: [الوافر]
3276 - تَجِيءُ بمِلْئِهَا طُوْراً وطَوْراً ... تَجِيءُ بِحَمْأةٍ وقَلِيلِ مَاءِ
فلا يكون «الحَمَأة» واحدة «الحَمْأ» ؛ لاختلاف الوزنين.
والمَسْنُون: المَصْبُوب؛ من قولهم: سَنَنتُ الشَّرابَ، كأنَّه لِرُطُبتهِ جعل مَصْبُوباً، كغيره من المائعات، فكأن المعنى: أفرغ صورة إنسانٍ، كما تفرغ الجواهر المذابة.
قال الزمخشريُّ: وحقُّ «مَسْنُونٍ» بمعنى مصور: أن يكون صفة ل «صَلْصالٍ» ؛ كأنه أفرغ الحمَأ، فصوَّر منه تمثال شخصٍ. يعني أنه يصيرُ التقدير: من صلصالٍ مصوَّرٍ، ولكن يلزم تقديم الوصف المؤول على الصَّريح؛ إذا جعلنا: «مِنْ حَمَأ» صفة ل «صَلْصَالٍ» ، أمَّا إذا جعلناه بدلاً منه؛ فلا.
وقيل: مسنونٌ: مصوَّرٌ من سنَّة الوجه، وهي صورته؛ قال الشاعر: [البسيط]
3277 - تُرِيكَ سُنَّة وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقال الزمخشريُّ: والمَسْنُونُ: المَحْكُوكُ، مأخوذٌ من سننت الحجر، إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سَنَنٌ ولا يكون إلاَّ مُنْتِناً.
ومنه يسمَّى المسَن مسَنًّا؛ لأنَّ الحديد يحكُّ عليه.
وقيل: المسنونُ: المنسوب إليه، والمعنى ينسب إليه ذريته، وكأن هذا القائد أخذه من الواقع، وقيل: هو من أسنَّ الماء إذا تغيَّر، وهذا غلط؛ لاختلافِ المادتين.
رُوِيَ أنَّ الله تعالى خمَّر طينة آدم، وتركه حتى صار متغيِّراً أسود، ثم خلق منه آدم صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ﴾ منصوب على الاشتغال، ورجَّح نصبه؛ لعطف جملة على جملة فعليةٍ.
والجَّانُّ: أبُو الجنّ، هو إبليس؛ كآدم أبي الإنسِ، وقيل: هو اسمٌ لجنسِ الجن.
وقرأ الحسن: «والجَأن» بالهمز، وقد تقدّم الكلام في ذلك في أواخر الفاتحة.
فصل
قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الجان ِأبو الجن؛ كما أن آدم أبو البشر، وهو قول الأكثرين.
وروي أيضاً عن ابن عباسٍ، والحسن، ومقاتل، وقتادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: هو إبليس، خلق قبل آدم.
وقيل: الجانُّ أبو الجن: وإبليس أبو الشياطين، وفي الجنِّ: مسلمون، وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشيَّاطين؛ فليس سفهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس.
وذكر وهبٌ: أنَّ من الجن من يولد له، ويأكلُونَ، ويشربون بمنزلة الآدميِّين، ومن الجن من هم بمنزلةِ الرِّيح: لاتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون.
قال ابن الخطيب: «والأصحُّ أن الشياطين قسمٌ من الجن، فمن كان منهم مؤمنٌ فإنه لا يسمَّى بالشيطان، ومن كان منهم كافرٌ، سمِّي بهذا الاسم. وسمُّوا جنًّا؛ لاستتارهم عن الأعين، ومنه يسمَّى الجنينُ؛ لاستتاره عن الإعين، في بطن أمِّه، والجنَّةُ: ما تَقِي صابحها، وتستره، ومنه سمِّيت الجنة؛ لا ستتارها بالأشجار» .
قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ، و «مِن نَارٍ» متعلقان ب: خَلَقْنَاهُ «؛ لأنَّ الأولى لابتداءِ الغاية، والثانية للتعبيض، وفيه دليلٌ على أنَّ» مِنْ «لابتداءِ الغاية في الزمان، وتأويل البصريين له، ولنظائره بعيد.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما:» يريد قبل خلق آدم صلوات الله وسلامه عليه» ز والسَّمومُ: ما يقتل من إفراطِ الحرّ من شمس، أو ريح، أو نار؛ لأنها تدخل المسامَّ فتَقْتلُ.
قيل: سُمِّيت سمُوماً؛ لأنها بلطفها تدخل في مسامِّ البدن، وهي الخروقُ الخفيَّة التي تكون في جلد الإنسان، يبرز منها عرقه وبخار بطنه.
وقيل: السَّمومُ ما كان ليلاً، والحرورُ ما كان نهاراً. وعن ابن عباس: نارٌ لا خانلها.
قال أبو صالح: والصَّواعِقُ تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمراً، خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهَدَّةُ التي تسمعون؛ خرق ذلك الحجاب.
وقيل: نار السموم: لهب النَّار. وقيل: نارُ جهنَّم.
وروى الضحاك، عن ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: كان إبليس من جنسِ من الملائكة، يقال لهم الجن، خلقوا من نارِ السَّمومِ، وخلقت الجنُّ الذين ذكروا من مارج من نارِ، والملائكة خلقوا من نورٍ.
وقيل: ﴿مِن نَّارِ السموم﴾ من إضافةِ الموصوف لصفته.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ﴾ الآية، لما استدلَّ بحدوثِ الإنسان؛ على وجود الإله القادر المختار؛ ذلك بعده واقعته، وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له، والمراد بكونه بشراً، أي: جسماً يباشر ويلاقى، والملائكة، والجن لا يبشارون؛ للطف أجسامهم، والبشرة: ظاهر الجِلدِ مِنْ كُلِّ حيوانٍ، وتقدَّم ذكر الصلصالِ، والحَمأ المَسْنُونِ.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أي: شكلته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية.
وقيل: سوَّيتُ أجزاء بدنه: باعتدالِ الطَّبائعِ، وتناسب الأمشاجِ، نَفخْتُ فيه من روحي؛ فصار بشراً حيًّا.
والرُّوحُ: جسمٌ لطيفٌ، يحيا به الإنسان، وقيل: الرُّوحُ: هي الرِّيح؛ لأنَّ النَّفخ أخذ الريح في تجاويف جسم آخر؛ فظاهر قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ يشعر بأنَّ الروح هي الريح، وإلا لما صحَّ وصفها بالنَّفخ، وسيأتي بقيةُ الكلام على الروح عند قوله: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] ، وأضاف روح آدم صلوات الله وسلامه عليه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً.
قوله تعالى: ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ، يجوز أن تتعلق اللام بالفعل قبلها، وأن تتعلق ب «سَاجِدينَ» .
فصل
ظاهر قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يدل على وجوب السجود على الملائكة؛ لأنه مذكمور بفاء التَّعقيب؛ وذلك يمنُ التَّراخي.
قوله «أجْمَعُونَ» تأكيد ثانٍ، ولا يفيد الاجتماع في الوقت؛ خلافاً لبعضهم.
وقال سيبويه: قوله: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ «توكيدٌ بعد توكيدٍ» . وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال: فَسجَدَ الملائِكَةُ «احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال: كُلُّهم زال هذا الاحتمال، فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال وهو أنَّهم: هل سجدوا دفعة واحدة؟ أو سجد كل واحدٍ في وقت؟ . فلما قال: أجْمَعُون ظهر أن الكلَّ سجدوا دفعةً واحدةً. ولما حكى الزجاج هل القول، عن المبرد، قاتل:» وقول الخليل، وسيبويه أجودُ؛ لأن» أجْمَعِينَ «معرفةٌ؛ فلا يكون حالاً» .
قال أبو البقاء: «لكان حالاً لا توكيداً» . يعنى أنَّه يفيد إفادة الحال مع أنه توكيدٌ؛ وفيه نظر؛ إذ لا منافاة بينهما بالنسبة إلى المعنى، ألا ترى أنه يجوز: «جاؤوني جَمِيعاً» مع إفادته، وقد تقدم تحريرُ هذا [البقرة: 38] ، وحكاية ثعلب مع ابن قادم.
قوله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ تقدَّم الكلام على هذا الاستثناء في البقرة.
قال القرطبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، حتَّى ولو قال له: عليَّ دينارٌ إلا ثوباً، أو عَشْرة أثْوابٍ، إلاَّ قفيز حِنظَةٍ، وما جانس ذلك يكون مقبُولاً، ويسقط عنه من المبلغ قيمة الثوبِ، والحِنْطةِ ويستوي في ذلك: المكِيلات، والمَوزونَات، والمُقدَّرات» .
وقال مالكٌ، وأبو حنيفة رضي الهل عنهما: استثناء المكيل من الموزون، والموزون من المكيل جائزٌ؛ حتى لو ساتثنى الدَّراهم من الحنطةِ، والحنطة من الدراهم، قُبِلَ، أمَّا إذا استثنى المقوَّماتِ من المكيلاتِ، أو الموزوناتِ، والمكيلاتِ من المقوماتِ؛ فلا يصحُّ؛ مثمل أن يقول: له عشرة دنانير إلاَّ ثوباً، أو عشرة أثواب إلاَّ ديناراً، فيلزم المقرُّ جميع المبلغ.
قوله تعالى: ﴿أبى أَن يَكُونَ﴾ ، استئنافٌ؛ وتقديره: أنَّ قائلاً قال: هلاَّ سجد؟ فقيل: أبي ذلك، واستكبر عنه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ ياإبليس مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس، على لسان بعض رسله؛ وهذا ضعيف؛ لأنَّ إبليس قال في الجواب: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ﴾ ، فقوله: «خَلَقْتهُ» خطاب الحضورِ، لا خطاب الغيبة؛ فظاهره يقتضي أنَّ الله تعالى تكلم مع إبليس بعغير واسطة.
فإن قيل: كيف يعقل هذا؛ مع أنَّ مكالمة الله تعالى من غير واسطةٍ من أعظم الناصب، وأعلى المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأسِ الكفرِةِ؟ .
فالجواب: أنَّ مكالمة الله إنما تكون منصباً عالياً، إذا كان على سبيل الإكرامِ والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة، والإذلال، فلا.
وقوله: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ﴾ لتأكيد النَّفي، معناه: لا يصحُّ منَّي أن أسجد لبشر.
وحاصل كلامه: أن كون بشراً يشعر بكمونه جسماً كثيفاً، وهو كان روحانيًّا لطيفاً، فكأنه يقول: البشر جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف، فيكف يكون للأدنى سجود للأعلى؟ .
وأيضاً: فآدم مخلوقٌ من صلصالٍ، تولَّد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة، وأصل «إبْليسَ» : هو النار، والنار هي أشرف العناصر فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم؛ فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدنى؛ فهذا مجموع [شبهة] إبليس.
﴿قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ، وهذا ليس جواباً عن الشُّبهة على سبيل التصريح، بل جواب على سبيل التنبيه.
وتقديره: أن الذي قاله الله تعالى نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النصَّ بالقياس، كان رجيماً ملعوناً، وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة الأعراف.
والضمير في: «مِنْهَا» : قيل: من جنَّة عدنٍ، وقيل: من السمواتِ، وقيل: من زمرة الملائكةِ.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين﴾ قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد يوم الجزاء حيث يجازى العبادُ بأعمالهم.
و ﴿إلى يَوْمِ﴾ يجوز أن يتعلق بالاستقرار في: «عَليْكَ» ، ويجوز أن يتعلق بنفس اللعنة.
فإن قيل: كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغايةِ؛ فهذا يشعر بأنَّ اللعن لا يحصل إلاَّ يوم الدِّين، وعند القيامة يزول اللَّعن.
فالجواب من وجوه:
الأول: أن المراد التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية تذكرها الناس في كلامهم؛ كقولهم: ﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ [هود: 108] في التَّأيد.
والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم، عذِّب عذاباً [ينسى] اللعن معه، فيصير اللَّعن حنيئذٍ كالزائلِ؛ بسبب أنَّ شدّضة العذاب تذهل عنه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهذا متعلق بما تقدم، والتدقير: إذا جعلتني رجيماً إلى يوم القيامة؛ فأنظريني، أراد ألاَّ يموت، والمراد من قوله: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، يوم البعثِ، والنُّشورِ، وهو يوم القيامة؛ فقال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ قيل: وقت النفخةِ الأولى حين يموت الخلائق؛ لأن من المعلوم أن تموت الخلائق فيه.
وقيل: سمِّي معلوماً؛ لأنه لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ [لقمان: 34] .
وقيل: يوم الوقت المعلوم: يوم القيامة.
فإن قيل: لمَّا أجابه الله إلى مطلوبه لزم ألاَّ يموت إلى وقت قيام القيامة، [و] وقت قيام القيامة لا موت، فلزم ألا يموت بالكلية فالجواب: يحمل قوله ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ : إلى ما يكون قريباً منه، و [الوقت] الذي يموت فيه كلُّ المكلفين قريبٌ من يوم البعث.
وقيل: ﴿يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ لا يعلمه إلا الله.
قيل: لم تكن إجابة الله تعالى له في الإمهالِِ إكرماً له، بل كان زيادة في بلائه وشقائه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للقسم، و «مَا» مصدرية، وجواب القسم ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ والمعنى: أقسم بإغوائك إيايّ، لأزينن؛ كقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] إلاَّ أنه في هذا الموضع أقسم بعزة الله تعالى وهي من صفاتِ الذات، وفي قوله: ﴿بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ ، أقسم بإغواء الله، وهو من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفاتِ الذَّات صحيحٌ، واختلفوا في القسم بصفاتِ الأفعال.
ونقل الواحديُّ هنا عن بعضهم: أنَّ الباء هاهنا سببية، أي: بسبب كوني غاوياً، لأزيننَّ؛ كقول القائل: «أقْسمَ فُلانٌ بِمعْصِيتهِ، ليَدْخُلنَّ النَّار، وبِطاعَتهِ ليَدْخُلنَّ الجَنَّة» .
ومعنى: ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ : أضْللْتَنِي، وقيل: خَيَّبْتَنِي من رحمتك، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض﴾ حبَّ الدنيا، ومعاصيك.
والضمير في: «لَهُمْ» لذرية آدم عليه السلام وإن لم يجر لهم ذكر؛ للعلم بهم.
و «لإْغْوِيَنَّهُمْ» : لأضلَّنَّهُم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: «المُخْلصِينَ» بكسر اللام، والباقون: بفتح اللاَّم.
ومعنى القراءة الأولى: أنهم أخلصوا دينهم عن الشَّوائب؛ ومن فتح اللاَّم، فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية.
فصل
قال ابن الخطيب: «واعلم أنَّ الذي حمل» إبليس «على ذكر هذا الاستثناء ألاَّ يصير كاذباً في دعواه، فلما احترز» إبليس «عن الكذب، علمنا أنَّ الكذب في غاية الخساسةِ» .
فصل
قال رويمٌ: «الإخلاص في العمل: وهو الأَّ يريد صاحبه عليه عوضاً في الدَّارين، ولا عوضاَ من المكلفين» .
وقال الجندي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الإخلاص: سرُّ بين العبد، وبين الله تعالى لا يعلمه ملكٌ فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوًى فيمليه.
وذكر القشيريُّ، وغيره عن النبي صلى الله علي هوسلم أنه قال: «سَألتُ جِبْريلَ عليه السلام عن الإخْلاًِ ما هُو؟ فقالَ: سَألتُ ربَّ العِزَّةِ عَنِ الإخْلاصِ ما هُو؟ فقال: سِرِّي اسْتودَعْتهُ قلبَ مَنْ أحْبَبْتهُ مِنْ عِبَادي» .
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ﴾ «هَذَا» إشارة إلى الإخلاص المفهوم من المخلصين.
وقيل: إلى انتفاء تزْيينه، وأغوائهه على من مرَّ عليه، أي: على رضواني، وكرامتي.
وقيل: «عَلى» بمعنى: «إلَى» ، نقل عن الحسنِ.
وقال مجاهدٌ: الحقُّ يرجع إلى الله تعالى وعليه طريقة، لا تعرج على شيءٍ.
وقال الأخفش: يعني عليَّ الدَّلالةُ على الصراطِ المستقيم.
وقال الكسائي: هذا على التّهديد والتوعيد؛ كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقتك علي أن لا تفلت منِّي، قال تعالى: ﴿لبالمرصاد﴾ [الفجر: 14] .
وقرأ الضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، وأبن سيرين، ويعقوب في آخرين: «عليُّ» ، أي: عالٍ مرتفعٌ.
وعبَّر بعضهم عنه: رفيع أن ينال «مُسْتقِيمٌ» أن يمال.
قوله تعالى: ﴿عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أعلم أن إبليس لما قال ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ أوهم أنَّ له سلطاناً على غير المخلصين، فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطانٌ على أحد م نعبيد الله سواء كان مخلصاً أو غير مخلص، لكن من اتبع منهم إبليس باختياره؛ ونظيره قوله حكاية عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: 22] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 99، 100] فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً.
قال الجبائيُّ: «هذه الآية تدلُّ على بطلان قول من زعم أنَّ الشيطان، والجنَّ يمكنهم صرع الناس، وإزالة عقولهم» .
وقيل: الاستثناء متصلٌ؛ لأنَّ المراد ب «عِبَادي» العموم، طائعهم، وعاصيهم وحينئذ يلزم استثناء الأكثر من الأقلِّ.
وأراد بالعباد الخلَّص؛ لأنه أضافهم إليه إضافة تشريفٍ، فلم يندرج فيه الغوون؛ للضمير في موعدهم.
قال القرطبي: «قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ : يعني على قلوبهم» .
وقال ابن عيينة: «يلقيهم في ذنب ثم أمنعهم بعفوي: أو: هم الذين هداهم الله، واجتباهم، وأختارهم، واصطفاهم» .
فإن قيل: قد أخبر الله تعالى، عن آدم، وحواء صلوات الله وسلامه عليهما بقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان﴾ [البقرة: 36] وعن جلمة من أصحاب نبيَّه ﴿إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: 155] .
فالجواب: أنه ليس له سلطان على قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهمخ في ذنب يؤول إلى عدم العفو، بل يزيله بالتوبة، ولم يكن خروج آدم عقوبة على ما تقدم بيانه في البقرة.
وأما أصحاب النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد مضى القول عليه في «آل عمران» ، ثم إنَّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ يحتمل أن يكون حاصلاً فيمن حفظ الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات، وقد يكون ي تسليطه تفريج كربه، وإزالة عمه؛ كما فعل ببلالٍ، إذْ أتاه يهديه، كما يهدَّى الصبيُّ حتى نام، ونام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا، وقالوا: ما كفَّارةُ ما صَنعنَا في تَفْريطِنَا في صَلاتِنَا؟ فقال لهُم النبيُّ صلى الله عليه سلم «ليْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ» ؛ ففرَّج عَنْهُم.
وقال ابن عطيَّة: تأكيد فيه معنى الحال من الضمير في «مَوْعِدهُم» ، والعامل فيه معنى الإضافة، قاله أبو البقاء» .
وفي مجىء الحال من المضاف إليه، خلافٌ، ولا يعمل فيها الموعد، إن أريد به الكان، فإن أريد به المصدر، جاز أن يعمل؛ لأنه مصدرٌ، ولكن لا بدَّ من حذف مضاف، عي: مكان موعدهم.
قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وهو الظاهر، ويجوز أن تكمون خبراً ثانياً، ولا يجوز أن تكون حالاً من «جَهنَّم» ؛ لأن» إنَّ: «لا تعمل في الحال، قال ابو البقاء. وقياس ما ذكروه في» لَيْتَ، وكأنَّ، ولعلَّ «من أخواتها من أعمالها في لحال؛ لأنَّها بمعنى: تمنيَّتُ وشبهت، وترجيت أ، تعمل فيها» إنَّ «أيضاً؛ لأنَّها بمعنى أكدتُ، ولذلك عملت عمل الفعل، وهي أصل الباب.
فصل
قال عليٌّ كرم الله وجهه: هل تدرون كيف أبوا النًَّار؟ ووضع أحدى يديه على الأخرى، أي: سبعةٌ أبوابٍ، بضعها فوق بعض، وأنَّ الله تعالى وضع الجنان على العرض، ووضع النِّيران بعضها على بعض.
قال ابن جريج: النار سبع دركاتٍ: أولها جهنَّم، ثمَّ لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية.
قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد، يعذَّبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، والثانية: لليهود والثالثة: للنَّصار، والرابعة: للصابئين، وروي أن الثانية: للنصارى، والثالثة: لليهودِ، والرابعة للصابئين، والخامسة: للمجوسِِ، والسادسة: للمشركين، والسابعة: للمنافقين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [النساء: 145] .
قوله:» مِنهُمْ» يجوز أن يكون حالاً من «جُزءٌ» ؛ لأنَّه في الأصل صفة له، فلما قدمت، انتصبت حالاً، ويجوز أن يكون حالاص من الضمير المستتر في الجارِّ، وهو: «لكُلِّ بابٍ» ، والعامل في هذه الحال، ما عمل في هذا الجارِّ، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في: «مَقسُومٌ» ؛ لأنَّ الصفة لا تعمل فيها قبل الموصوف، ولا يجوز أن تكون صفة ل «بابٍ» ؛ لأنَّ الباب ليس من النَّاس.
وقرأ أبو جعفر: «جُزٌّ» بتشديد الزَّاي من غير همزٍ، فكأنه ألقى حركة الهمزة على الزَّاي، ووقف عليها فشدَّدها؛ كقولك: «خَبّ» في» خبءُ خالد «ثم أجري الوصل مجرى الوقف.
الجُزِْءُ: بعض الشيء، والجمع: أجزاء، وجَزَّأتهُ: جعلته أجزاء. والمعنى: أنه تعالى يُجزِّىء أبتاع إبليس أجزاءَ، أي: يجعلهم أقساماً، ويدخل في كل باب من أبواب جهنَّم طائفة؛ والسبب في ذلك: أنَّ مراتبَ الكفر مختلفةٌ بالغلظةِ والخفة.
الحجر 15:41
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ الآية هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد؛ لأنه ثبت بالدلائل القاطعه أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أوَّل لها، وإذا ثبت هذا وجب انتهاء الحوادث إلى حادث أوَّل، هو أولُ الحوادث، وإذا كان كذلك، وجب انتهاء الناس إلى إنسانٍ هو أول الناس، وذلك الإنسان الأول، غير مخولقٍ من الأوبين؛ فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، وأجمع المفسرون على أن المراد آدمُ صلوات الله وسلامه عليه.
ونقل في كتب الشِّيعة، عن محمد بن علي الباقر، أنَّه قال: قد انقضى قبل آدم صلوات الله عليه الذي هو أبونا ألف ألف آدم، أو أكثر.
قال ابنُ الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: «وها لا يقدحُ في حدوث العالم، بل الأمر كيف كان لا بدَّ من الانتهاء إلى إنسانٍ أول، هو أول الناس، فأما أن ذلك الإنسان الأول هو أبونا آدم، فلا طريق له إلاََّ من جهة السمع» .
واعلم أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] ، وقال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾ [ص: 71] ، وقال هاهنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ، فطريقُ الجمع أنه جعل التُّرابَ طيناً، ثم تركه حتَّى صار حمأ مسنوناً، ثم خلقه منه، وتركه حتى جفّ، ويبس وصار له صلصلة.
واعلم أنه تعالى قادر على خقله من أي جنس أراد، بل هو قادرٌ على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه؛ إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من دلالة الملائكة؛ لأنَّ خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلقِ الشَّيءِ من جنسه.
وسمِّي إنساناً: إما لظهوره وإدراك البصر إياه، وإمَّا من النسيان؛ لأنه عهد إليه فنسِي.
عن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: بعث الله تعالى جِبْريلَ عليه السلا إلى الأرض؛ ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص منِّي؛ فرجع ولم يأخذ، فقال يا ربِّ: أنها عاذتْ بك، فأعذتها، فبعث ميكايئيل صلوات الله عليه فعاذت منه، فأعاذها؛ فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذُ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلطه، لم يأخذ من مكان واحدٍ، وأخذ من تربةٍ حمراء، وبيضاء، وسوجحاء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين.
وسُمِّي آدم؛ لأنه خلق من أديم الإرض، وصعد به، فقال الله تبارك وتعالى: «أما رَحِمْتَ الأرض حين تضرعت إليك» ؟ فقال: رأيتُ أمرك وأوجب من قولها، فقال جل ذكره: «أنت تقبض أرواح ولده قبل التراب حتى عاد طيناً لازباً، وهو يلتصُ بعضه ببعضٍ، ثم ترك، حتى أنتن، وصار حمأ مسنوناً، وهو المنتنُ.
ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ، فخلقه الله بيده؛ لئلا يتكبَّر إبليس عليه، لقوله الله تعالى: أتتكبَّر على ما علمت بيدي، ولم أتكبر أنا عليه؟ .
فخلقه فكان جسداً من طينٍ أربعين عاماً، فلما رأتهُ الملائكة، فزعوا منه، وكان أشدَّهم منه فزعاً إبليسُ فكان يمرُّ به، فيضربه؛ فيصوتُ الجسدُ كما يصوتُ الفخَّار، وتكون له صلصلةٌ؛ فذلك قوله: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ [الرحمن: 14] ، ويقول: لأمر ما خلقت! ويدخل في فيه، ويخرج من دبره، ويقول للملائكة: لا ترهبوا منه؛ فإنه أجوف، ولئن سُلِّطت عليه، لأهلكنَّه، فلمَّا نفخ فيه الروح، ووصل إلى رأسه، عطس، فقالت الملائكة عليه السلام: قُل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربُّك، فلما دخل الروح في عينيه، نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروحُ جوفه، اشتهى الطعام؛ فوثب قبل أن تبلغ الورح رجليه؛ عجلان إلى ثمار الجنَّة، فذلك قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] .
قوله تعالى: ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ ، «مِنْ» : لابتداء الغاية، أو للتبعيضن، والصلصالُ: قال أبو عبيده هو الطين المختلط بالرمل، ثم يجفُّ؛ فسمع له صلصلةٌ، أي: تصويت، قال: والصلصلةُ: الصَّوتُ؛ وأنشدوا: [الكامل]
3275 - شَرِبَتْ أسَاوِيُّ القُطاةِ مِنَ الكَدرْ ... وسَرَتْ فَتَرْمِي أحْيَاؤهَا بِصَلاصِلِ
أراد: صوتَ أجْنحَةِ أفراخِهَا، حين تطيرُ، أو أصواتَ أفراخها.
وقال الزمخشريُّ: «الطِّينُ اليابس الذي يُصلصِلُ من غير طبخٍ، فإذا طبخ، فهو فخار» .
وقال أبو الهيثم: «هو صوتُ اللِّجامِ، وما أشبهه؛ كالقعقعة في الثوب» .
وقال الزمخشري أيضاً: قالوا: إذا توهَّمت في صوته مدًّا، فهو صليلٌ، وإن توهمت فيه خفاءً، فهو صلصلةٌ، وقيل: هو من تضعيف «صَلَّ» ، إذا أنتن أنتهى.
و «صَلْصَالٍ» هنا، بمعنى مُصَلْصِل؛ كزَلْزالٍ، بمعنى مُزَلْزِل، ويكون «فَعْلال» أيضاً مصدراً، ويجوز كسره أيضاً، وفي هذا النَّوع، أي: ما تكررت فاؤه، وعينه خلافٌ.
فقيل: وزنه: فَعْفَع؛ كُرِّرتِ الفاء والعين، ولا لام للكلمة؛ قاله الفراء، وغيره. وهو غلطٌ؛ لأنَّ أقلَّ الأصول ثلاثة: فاءٌ، وعينٌ، ولامٌ.
والثاني: أنَّ وزنه «فَعْفَل:؛ وهو قول الفرَّاء.
الثالث: أنه» فَعَّل «بتشديد العين، وأسله» صَلَّل «فلما اجتمع ثلاثة أميالٍ، أبدل الثاني من مجنس فاء الكلمة، وهومذهب كوفيٌّ، خصَّ بعضهم هذا لخلاف بما إذا لم يختل المعنى، بسقوطِ الثالث، نحو» لَمْلَمَ «و» كَبْكَبَ» فإنَّك تقول فيهما: «لَمَّ» ، و «كَبَّ» ، فول لم يصحَّ المعنى بسقوطه؛ نحو: سَمْسَمَ» ، قال: فلا خلافَ في أصالة الجميع.
قوله تعالى: ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما أنه في محلِّ جر صفة ل «صَلْصَالِ» ؛ فيتعلق بمحذوف.
والثاني: أ، هـ بدل من «صَلْصالٍ» بإعادة الجارِّ. والحَمَأ: الطِّينُ الأسودُ المنتنُ.
قال الليث رَحِمَهُ اللَّهُ: واحده «حَمَأة» بتحريك العين جمعله اسم جنسٍ؛ وقد غلط في ذلك؛ فإن أهل اللغة قالوا: لا يقال إلاَّ «حَمْأة» [بالإسكان] ، ولا يعرف التحريك؛ نصَّ عليه أبو عبيدة، وجماعة؛ وأنشدوا لأبي الأسودِ: [الوافر]
3276 - تَجِيءُ بمِلْئِهَا طُوْراً وطَوْراً ... تَجِيءُ بِحَمْأةٍ وقَلِيلِ مَاءِ
فلا يكون «الحَمَأة» واحدة «الحَمْأ» ؛ لاختلاف الوزنين.
والمَسْنُون: المَصْبُوب؛ من قولهم: سَنَنتُ الشَّرابَ، كأنَّه لِرُطُبتهِ جعل مَصْبُوباً، كغيره من المائعات، فكأن المعنى: أفرغ صورة إنسانٍ، كما تفرغ الجواهر المذابة.
قال الزمخشريُّ: وحقُّ «مَسْنُونٍ» بمعنى مصور: أن يكون صفة ل «صَلْصالٍ» ؛ كأنه أفرغ الحمَأ، فصوَّر منه تمثال شخصٍ. يعني أنه يصيرُ التقدير: من صلصالٍ مصوَّرٍ، ولكن يلزم تقديم الوصف المؤول على الصَّريح؛ إذا جعلنا: «مِنْ حَمَأ» صفة ل «صَلْصَالٍ» ، أمَّا إذا جعلناه بدلاً منه؛ فلا.
وقيل: مسنونٌ: مصوَّرٌ من سنَّة الوجه، وهي صورته؛ قال الشاعر: [البسيط]
3277 - تُرِيكَ سُنَّة وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقال الزمخشريُّ: والمَسْنُونُ: المَحْكُوكُ، مأخوذٌ من سننت الحجر، إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سَنَنٌ ولا يكون إلاَّ مُنْتِناً.
ومنه يسمَّى المسَن مسَنًّا؛ لأنَّ الحديد يحكُّ عليه.
وقيل: المسنونُ: المنسوب إليه، والمعنى ينسب إليه ذريته، وكأن هذا القائد أخذه من الواقع، وقيل: هو من أسنَّ الماء إذا تغيَّر، وهذا غلط؛ لاختلافِ المادتين.
رُوِيَ أنَّ الله تعالى خمَّر طينة آدم، وتركه حتى صار متغيِّراً أسود، ثم خلق منه آدم صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ﴾ منصوب على الاشتغال، ورجَّح نصبه؛ لعطف جملة على جملة فعليةٍ.
والجَّانُّ: أبُو الجنّ، هو إبليس؛ كآدم أبي الإنسِ، وقيل: هو اسمٌ لجنسِ الجن.
وقرأ الحسن: «والجَأن» بالهمز، وقد تقدّم الكلام في ذلك في أواخر الفاتحة.
فصل
قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الجان ِأبو الجن؛ كما أن آدم أبو البشر، وهو قول الأكثرين.
وروي أيضاً عن ابن عباسٍ، والحسن، ومقاتل، وقتادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: هو إبليس، خلق قبل آدم.
وقيل: الجانُّ أبو الجن: وإبليس أبو الشياطين، وفي الجنِّ: مسلمون، وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشيَّاطين؛ فليس سفهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس.
وذكر وهبٌ: أنَّ من الجن من يولد له، ويأكلُونَ، ويشربون بمنزلة الآدميِّين، ومن الجن من هم بمنزلةِ الرِّيح: لاتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون.
قال ابن الخطيب: «والأصحُّ أن الشياطين قسمٌ من الجن، فمن كان منهم مؤمنٌ فإنه لا يسمَّى بالشيطان، ومن كان منهم كافرٌ، سمِّي بهذا الاسم. وسمُّوا جنًّا؛ لاستتارهم عن الأعين، ومنه يسمَّى الجنينُ؛ لاستتاره عن الإعين، في بطن أمِّه، والجنَّةُ: ما تَقِي صابحها، وتستره، ومنه سمِّيت الجنة؛ لا ستتارها بالأشجار» .
قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ، و «مِن نَارٍ» متعلقان ب: خَلَقْنَاهُ «؛ لأنَّ الأولى لابتداءِ الغاية، والثانية للتعبيض، وفيه دليلٌ على أنَّ» مِنْ «لابتداءِ الغاية في الزمان، وتأويل البصريين له، ولنظائره بعيد.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما:» يريد قبل خلق آدم صلوات الله وسلامه عليه» ز والسَّمومُ: ما يقتل من إفراطِ الحرّ من شمس، أو ريح، أو نار؛ لأنها تدخل المسامَّ فتَقْتلُ.
قيل: سُمِّيت سمُوماً؛ لأنها بلطفها تدخل في مسامِّ البدن، وهي الخروقُ الخفيَّة التي تكون في جلد الإنسان، يبرز منها عرقه وبخار بطنه.
وقيل: السَّمومُ ما كان ليلاً، والحرورُ ما كان نهاراً. وعن ابن عباس: نارٌ لا خانلها.
قال أبو صالح: والصَّواعِقُ تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمراً، خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهَدَّةُ التي تسمعون؛ خرق ذلك الحجاب.
وقيل: نار السموم: لهب النَّار. وقيل: نارُ جهنَّم.
وروى الضحاك، عن ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: كان إبليس من جنسِ من الملائكة، يقال لهم الجن، خلقوا من نارِ السَّمومِ، وخلقت الجنُّ الذين ذكروا من مارج من نارِ، والملائكة خلقوا من نورٍ.
وقيل: ﴿مِن نَّارِ السموم﴾ من إضافةِ الموصوف لصفته.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ﴾ الآية، لما استدلَّ بحدوثِ الإنسان؛ على وجود الإله القادر المختار؛ ذلك بعده واقعته، وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له، والمراد بكونه بشراً، أي: جسماً يباشر ويلاقى، والملائكة، والجن لا يبشارون؛ للطف أجسامهم، والبشرة: ظاهر الجِلدِ مِنْ كُلِّ حيوانٍ، وتقدَّم ذكر الصلصالِ، والحَمأ المَسْنُونِ.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أي: شكلته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية.
وقيل: سوَّيتُ أجزاء بدنه: باعتدالِ الطَّبائعِ، وتناسب الأمشاجِ، نَفخْتُ فيه من روحي؛ فصار بشراً حيًّا.
والرُّوحُ: جسمٌ لطيفٌ، يحيا به الإنسان، وقيل: الرُّوحُ: هي الرِّيح؛ لأنَّ النَّفخ أخذ الريح في تجاويف جسم آخر؛ فظاهر قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ يشعر بأنَّ الروح هي الريح، وإلا لما صحَّ وصفها بالنَّفخ، وسيأتي بقيةُ الكلام على الروح عند قوله: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] ، وأضاف روح آدم صلوات الله وسلامه عليه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً.
قوله تعالى: ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ، يجوز أن تتعلق اللام بالفعل قبلها، وأن تتعلق ب «سَاجِدينَ» .
فصل
ظاهر قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يدل على وجوب السجود على الملائكة؛ لأنه مذكمور بفاء التَّعقيب؛ وذلك يمنُ التَّراخي.
قوله «أجْمَعُونَ» تأكيد ثانٍ، ولا يفيد الاجتماع في الوقت؛ خلافاً لبعضهم.
وقال سيبويه: قوله: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ «توكيدٌ بعد توكيدٍ» . وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال: فَسجَدَ الملائِكَةُ «احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال: كُلُّهم زال هذا الاحتمال، فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال وهو أنَّهم: هل سجدوا دفعة واحدة؟ أو سجد كل واحدٍ في وقت؟ . فلما قال: أجْمَعُون ظهر أن الكلَّ سجدوا دفعةً واحدةً. ولما حكى الزجاج هل القول، عن المبرد، قاتل:» وقول الخليل، وسيبويه أجودُ؛ لأن» أجْمَعِينَ «معرفةٌ؛ فلا يكون حالاً» .
قال أبو البقاء: «لكان حالاً لا توكيداً» . يعنى أنَّه يفيد إفادة الحال مع أنه توكيدٌ؛ وفيه نظر؛ إذ لا منافاة بينهما بالنسبة إلى المعنى، ألا ترى أنه يجوز: «جاؤوني جَمِيعاً» مع إفادته، وقد تقدم تحريرُ هذا [البقرة: 38] ، وحكاية ثعلب مع ابن قادم.
قوله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ تقدَّم الكلام على هذا الاستثناء في البقرة.
قال القرطبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، حتَّى ولو قال له: عليَّ دينارٌ إلا ثوباً، أو عَشْرة أثْوابٍ، إلاَّ قفيز حِنظَةٍ، وما جانس ذلك يكون مقبُولاً، ويسقط عنه من المبلغ قيمة الثوبِ، والحِنْطةِ ويستوي في ذلك: المكِيلات، والمَوزونَات، والمُقدَّرات» .
وقال مالكٌ، وأبو حنيفة رضي الهل عنهما: استثناء المكيل من الموزون، والموزون من المكيل جائزٌ؛ حتى لو ساتثنى الدَّراهم من الحنطةِ، والحنطة من الدراهم، قُبِلَ، أمَّا إذا استثنى المقوَّماتِ من المكيلاتِ، أو الموزوناتِ، والمكيلاتِ من المقوماتِ؛ فلا يصحُّ؛ مثمل أن يقول: له عشرة دنانير إلاَّ ثوباً، أو عشرة أثواب إلاَّ ديناراً، فيلزم المقرُّ جميع المبلغ.
قوله تعالى: ﴿أبى أَن يَكُونَ﴾ ، استئنافٌ؛ وتقديره: أنَّ قائلاً قال: هلاَّ سجد؟ فقيل: أبي ذلك، واستكبر عنه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ ياإبليس مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس، على لسان بعض رسله؛ وهذا ضعيف؛ لأنَّ إبليس قال في الجواب: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ﴾ ، فقوله: «خَلَقْتهُ» خطاب الحضورِ، لا خطاب الغيبة؛ فظاهره يقتضي أنَّ الله تعالى تكلم مع إبليس بعغير واسطة.
فإن قيل: كيف يعقل هذا؛ مع أنَّ مكالمة الله تعالى من غير واسطةٍ من أعظم الناصب، وأعلى المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأسِ الكفرِةِ؟ .
فالجواب: أنَّ مكالمة الله إنما تكون منصباً عالياً، إذا كان على سبيل الإكرامِ والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة، والإذلال، فلا.
وقوله: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ﴾ لتأكيد النَّفي، معناه: لا يصحُّ منَّي أن أسجد لبشر.
وحاصل كلامه: أن كون بشراً يشعر بكمونه جسماً كثيفاً، وهو كان روحانيًّا لطيفاً، فكأنه يقول: البشر جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف، فيكف يكون للأدنى سجود للأعلى؟ .
وأيضاً: فآدم مخلوقٌ من صلصالٍ، تولَّد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة، وأصل «إبْليسَ» : هو النار، والنار هي أشرف العناصر فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم؛ فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدنى؛ فهذا مجموع [شبهة] إبليس.
﴿قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ، وهذا ليس جواباً عن الشُّبهة على سبيل التصريح، بل جواب على سبيل التنبيه.
وتقديره: أن الذي قاله الله تعالى نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النصَّ بالقياس، كان رجيماً ملعوناً، وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة الأعراف.
والضمير في: «مِنْهَا» : قيل: من جنَّة عدنٍ، وقيل: من السمواتِ، وقيل: من زمرة الملائكةِ.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين﴾ قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد يوم الجزاء حيث يجازى العبادُ بأعمالهم.
و ﴿إلى يَوْمِ﴾ يجوز أن يتعلق بالاستقرار في: «عَليْكَ» ، ويجوز أن يتعلق بنفس اللعنة.
فإن قيل: كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغايةِ؛ فهذا يشعر بأنَّ اللعن لا يحصل إلاَّ يوم الدِّين، وعند القيامة يزول اللَّعن.
فالجواب من وجوه:
الأول: أن المراد التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية تذكرها الناس في كلامهم؛ كقولهم: ﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ [هود: 108] في التَّأيد.
والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم، عذِّب عذاباً [ينسى] اللعن معه، فيصير اللَّعن حنيئذٍ كالزائلِ؛ بسبب أنَّ شدّضة العذاب تذهل عنه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهذا متعلق بما تقدم، والتدقير: إذا جعلتني رجيماً إلى يوم القيامة؛ فأنظريني، أراد ألاَّ يموت، والمراد من قوله: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، يوم البعثِ، والنُّشورِ، وهو يوم القيامة؛ فقال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ قيل: وقت النفخةِ الأولى حين يموت الخلائق؛ لأن من المعلوم أن تموت الخلائق فيه.
وقيل: سمِّي معلوماً؛ لأنه لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ [لقمان: 34] .
وقيل: يوم الوقت المعلوم: يوم القيامة.
فإن قيل: لمَّا أجابه الله إلى مطلوبه لزم ألاَّ يموت إلى وقت قيام القيامة، [و] وقت قيام القيامة لا موت، فلزم ألا يموت بالكلية فالجواب: يحمل قوله ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ : إلى ما يكون قريباً منه، و [الوقت] الذي يموت فيه كلُّ المكلفين قريبٌ من يوم البعث.
وقيل: ﴿يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ لا يعلمه إلا الله.
قيل: لم تكن إجابة الله تعالى له في الإمهالِِ إكرماً له، بل كان زيادة في بلائه وشقائه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للقسم، و «مَا» مصدرية، وجواب القسم ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ والمعنى: أقسم بإغوائك إيايّ، لأزينن؛ كقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] إلاَّ أنه في هذا الموضع أقسم بعزة الله تعالى وهي من صفاتِ الذات، وفي قوله: ﴿بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ ، أقسم بإغواء الله، وهو من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفاتِ الذَّات صحيحٌ، واختلفوا في القسم بصفاتِ الأفعال.
ونقل الواحديُّ هنا عن بعضهم: أنَّ الباء هاهنا سببية، أي: بسبب كوني غاوياً، لأزيننَّ؛ كقول القائل: «أقْسمَ فُلانٌ بِمعْصِيتهِ، ليَدْخُلنَّ النَّار، وبِطاعَتهِ ليَدْخُلنَّ الجَنَّة» .
ومعنى: ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ : أضْللْتَنِي، وقيل: خَيَّبْتَنِي من رحمتك، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض﴾ حبَّ الدنيا، ومعاصيك.
والضمير في: «لَهُمْ» لذرية آدم عليه السلام وإن لم يجر لهم ذكر؛ للعلم بهم.
و «لإْغْوِيَنَّهُمْ» : لأضلَّنَّهُم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: «المُخْلصِينَ» بكسر اللام، والباقون: بفتح اللاَّم.
ومعنى القراءة الأولى: أنهم أخلصوا دينهم عن الشَّوائب؛ ومن فتح اللاَّم، فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية.
فصل
قال ابن الخطيب: «واعلم أنَّ الذي حمل» إبليس «على ذكر هذا الاستثناء ألاَّ يصير كاذباً في دعواه، فلما احترز» إبليس «عن الكذب، علمنا أنَّ الكذب في غاية الخساسةِ» .
فصل
قال رويمٌ: «الإخلاص في العمل: وهو الأَّ يريد صاحبه عليه عوضاً في الدَّارين، ولا عوضاَ من المكلفين» .
وقال الجندي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الإخلاص: سرُّ بين العبد، وبين الله تعالى لا يعلمه ملكٌ فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوًى فيمليه.
وذكر القشيريُّ، وغيره عن النبي صلى الله علي هوسلم أنه قال: «سَألتُ جِبْريلَ عليه السلام عن الإخْلاًِ ما هُو؟ فقالَ: سَألتُ ربَّ العِزَّةِ عَنِ الإخْلاصِ ما هُو؟ فقال: سِرِّي اسْتودَعْتهُ قلبَ مَنْ أحْبَبْتهُ مِنْ عِبَادي» .
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ﴾ «هَذَا» إشارة إلى الإخلاص المفهوم من المخلصين.
وقيل: إلى انتفاء تزْيينه، وأغوائهه على من مرَّ عليه، أي: على رضواني، وكرامتي.
وقيل: «عَلى» بمعنى: «إلَى» ، نقل عن الحسنِ.
وقال مجاهدٌ: الحقُّ يرجع إلى الله تعالى وعليه طريقة، لا تعرج على شيءٍ.
وقال الأخفش: يعني عليَّ الدَّلالةُ على الصراطِ المستقيم.
وقال الكسائي: هذا على التّهديد والتوعيد؛ كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقتك علي أن لا تفلت منِّي، قال تعالى: ﴿لبالمرصاد﴾ [الفجر: 14] .
وقرأ الضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، وأبن سيرين، ويعقوب في آخرين: «عليُّ» ، أي: عالٍ مرتفعٌ.
وعبَّر بعضهم عنه: رفيع أن ينال «مُسْتقِيمٌ» أن يمال.
قوله تعالى: ﴿عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أعلم أن إبليس لما قال ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ أوهم أنَّ له سلطاناً على غير المخلصين، فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطانٌ على أحد م نعبيد الله سواء كان مخلصاً أو غير مخلص، لكن من اتبع منهم إبليس باختياره؛ ونظيره قوله حكاية عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: 22] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 99، 100] فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً.
قال الجبائيُّ: «هذه الآية تدلُّ على بطلان قول من زعم أنَّ الشيطان، والجنَّ يمكنهم صرع الناس، وإزالة عقولهم» .
وقيل: الاستثناء متصلٌ؛ لأنَّ المراد ب «عِبَادي» العموم، طائعهم، وعاصيهم وحينئذ يلزم استثناء الأكثر من الأقلِّ.
وأراد بالعباد الخلَّص؛ لأنه أضافهم إليه إضافة تشريفٍ، فلم يندرج فيه الغوون؛ للضمير في موعدهم.
قال القرطبي: «قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ : يعني على قلوبهم» .
وقال ابن عيينة: «يلقيهم في ذنب ثم أمنعهم بعفوي: أو: هم الذين هداهم الله، واجتباهم، وأختارهم، واصطفاهم» .
فإن قيل: قد أخبر الله تعالى، عن آدم، وحواء صلوات الله وسلامه عليهما بقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان﴾ [البقرة: 36] وعن جلمة من أصحاب نبيَّه ﴿إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: 155] .
فالجواب: أنه ليس له سلطان على قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهمخ في ذنب يؤول إلى عدم العفو، بل يزيله بالتوبة، ولم يكن خروج آدم عقوبة على ما تقدم بيانه في البقرة.
وأما أصحاب النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد مضى القول عليه في «آل عمران» ، ثم إنَّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ يحتمل أن يكون حاصلاً فيمن حفظ الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات، وقد يكون ي تسليطه تفريج كربه، وإزالة عمه؛ كما فعل ببلالٍ، إذْ أتاه يهديه، كما يهدَّى الصبيُّ حتى نام، ونام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا، وقالوا: ما كفَّارةُ ما صَنعنَا في تَفْريطِنَا في صَلاتِنَا؟ فقال لهُم النبيُّ صلى الله عليه سلم «ليْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ» ؛ ففرَّج عَنْهُم.
وقال ابن عطيَّة: تأكيد فيه معنى الحال من الضمير في «مَوْعِدهُم» ، والعامل فيه معنى الإضافة، قاله أبو البقاء» .
وفي مجىء الحال من المضاف إليه، خلافٌ، ولا يعمل فيها الموعد، إن أريد به الكان، فإن أريد به المصدر، جاز أن يعمل؛ لأنه مصدرٌ، ولكن لا بدَّ من حذف مضاف، عي: مكان موعدهم.
قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وهو الظاهر، ويجوز أن تكمون خبراً ثانياً، ولا يجوز أن تكون حالاً من «جَهنَّم» ؛ لأن» إنَّ: «لا تعمل في الحال، قال ابو البقاء. وقياس ما ذكروه في» لَيْتَ، وكأنَّ، ولعلَّ «من أخواتها من أعمالها في لحال؛ لأنَّها بمعنى: تمنيَّتُ وشبهت، وترجيت أ، تعمل فيها» إنَّ «أيضاً؛ لأنَّها بمعنى أكدتُ، ولذلك عملت عمل الفعل، وهي أصل الباب.
فصل
قال عليٌّ كرم الله وجهه: هل تدرون كيف أبوا النًَّار؟ ووضع أحدى يديه على الأخرى، أي: سبعةٌ أبوابٍ، بضعها فوق بعض، وأنَّ الله تعالى وضع الجنان على العرض، ووضع النِّيران بعضها على بعض.
قال ابن جريج: النار سبع دركاتٍ: أولها جهنَّم، ثمَّ لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية.
قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد، يعذَّبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، والثانية: لليهود والثالثة: للنَّصار، والرابعة: للصابئين، وروي أن الثانية: للنصارى، والثالثة: لليهودِ، والرابعة للصابئين، والخامسة: للمجوسِِ، والسادسة: للمشركين، والسابعة: للمنافقين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [النساء: 145] .
قوله:» مِنهُمْ» يجوز أن يكون حالاً من «جُزءٌ» ؛ لأنَّه في الأصل صفة له، فلما قدمت، انتصبت حالاً، ويجوز أن يكون حالاص من الضمير المستتر في الجارِّ، وهو: «لكُلِّ بابٍ» ، والعامل في هذه الحال، ما عمل في هذا الجارِّ، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في: «مَقسُومٌ» ؛ لأنَّ الصفة لا تعمل فيها قبل الموصوف، ولا يجوز أن تكون صفة ل «بابٍ» ؛ لأنَّ الباب ليس من النَّاس.
وقرأ أبو جعفر: «جُزٌّ» بتشديد الزَّاي من غير همزٍ، فكأنه ألقى حركة الهمزة على الزَّاي، ووقف عليها فشدَّدها؛ كقولك: «خَبّ» في» خبءُ خالد «ثم أجري الوصل مجرى الوقف.
الجُزِْءُ: بعض الشيء، والجمع: أجزاء، وجَزَّأتهُ: جعلته أجزاء. والمعنى: أنه تعالى يُجزِّىء أبتاع إبليس أجزاءَ، أي: يجعلهم أقساماً، ويدخل في كل باب من أبواب جهنَّم طائفة؛ والسبب في ذلك: أنَّ مراتبَ الكفر مختلفةٌ بالغلظةِ والخفة.
الحجر 15:42
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ الآية هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد؛ لأنه ثبت بالدلائل القاطعه أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أوَّل لها، وإذا ثبت هذا وجب انتهاء الحوادث إلى حادث أوَّل، هو أولُ الحوادث، وإذا كان كذلك، وجب انتهاء الناس إلى إنسانٍ هو أول الناس، وذلك الإنسان الأول، غير مخولقٍ من الأوبين؛ فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، وأجمع المفسرون على أن المراد آدمُ صلوات الله وسلامه عليه.
ونقل في كتب الشِّيعة، عن محمد بن علي الباقر، أنَّه قال: قد انقضى قبل آدم صلوات الله عليه الذي هو أبونا ألف ألف آدم، أو أكثر.
قال ابنُ الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: «وها لا يقدحُ في حدوث العالم، بل الأمر كيف كان لا بدَّ من الانتهاء إلى إنسانٍ أول، هو أول الناس، فأما أن ذلك الإنسان الأول هو أبونا آدم، فلا طريق له إلاََّ من جهة السمع» .
واعلم أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] ، وقال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾ [ص: 71] ، وقال هاهنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ، فطريقُ الجمع أنه جعل التُّرابَ طيناً، ثم تركه حتَّى صار حمأ مسنوناً، ثم خلقه منه، وتركه حتى جفّ، ويبس وصار له صلصلة.
واعلم أنه تعالى قادر على خقله من أي جنس أراد، بل هو قادرٌ على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه؛ إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من دلالة الملائكة؛ لأنَّ خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلقِ الشَّيءِ من جنسه.
وسمِّي إنساناً: إما لظهوره وإدراك البصر إياه، وإمَّا من النسيان؛ لأنه عهد إليه فنسِي.
عن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: بعث الله تعالى جِبْريلَ عليه السلا إلى الأرض؛ ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص منِّي؛ فرجع ولم يأخذ، فقال يا ربِّ: أنها عاذتْ بك، فأعذتها، فبعث ميكايئيل صلوات الله عليه فعاذت منه، فأعاذها؛ فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذُ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلطه، لم يأخذ من مكان واحدٍ، وأخذ من تربةٍ حمراء، وبيضاء، وسوجحاء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين.
وسُمِّي آدم؛ لأنه خلق من أديم الإرض، وصعد به، فقال الله تبارك وتعالى: «أما رَحِمْتَ الأرض حين تضرعت إليك» ؟ فقال: رأيتُ أمرك وأوجب من قولها، فقال جل ذكره: «أنت تقبض أرواح ولده قبل التراب حتى عاد طيناً لازباً، وهو يلتصُ بعضه ببعضٍ، ثم ترك، حتى أنتن، وصار حمأ مسنوناً، وهو المنتنُ.
ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ، فخلقه الله بيده؛ لئلا يتكبَّر إبليس عليه، لقوله الله تعالى: أتتكبَّر على ما علمت بيدي، ولم أتكبر أنا عليه؟ .
فخلقه فكان جسداً من طينٍ أربعين عاماً، فلما رأتهُ الملائكة، فزعوا منه، وكان أشدَّهم منه فزعاً إبليسُ فكان يمرُّ به، فيضربه؛ فيصوتُ الجسدُ كما يصوتُ الفخَّار، وتكون له صلصلةٌ؛ فذلك قوله: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ [الرحمن: 14] ، ويقول: لأمر ما خلقت! ويدخل في فيه، ويخرج من دبره، ويقول للملائكة: لا ترهبوا منه؛ فإنه أجوف، ولئن سُلِّطت عليه، لأهلكنَّه، فلمَّا نفخ فيه الروح، ووصل إلى رأسه، عطس، فقالت الملائكة عليه السلام: قُل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربُّك، فلما دخل الروح في عينيه، نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروحُ جوفه، اشتهى الطعام؛ فوثب قبل أن تبلغ الورح رجليه؛ عجلان إلى ثمار الجنَّة، فذلك قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] .
قوله تعالى: ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ ، «مِنْ» : لابتداء الغاية، أو للتبعيضن، والصلصالُ: قال أبو عبيده هو الطين المختلط بالرمل، ثم يجفُّ؛ فسمع له صلصلةٌ، أي: تصويت، قال: والصلصلةُ: الصَّوتُ؛ وأنشدوا: [الكامل]
3275 - شَرِبَتْ أسَاوِيُّ القُطاةِ مِنَ الكَدرْ ... وسَرَتْ فَتَرْمِي أحْيَاؤهَا بِصَلاصِلِ
أراد: صوتَ أجْنحَةِ أفراخِهَا، حين تطيرُ، أو أصواتَ أفراخها.
وقال الزمخشريُّ: «الطِّينُ اليابس الذي يُصلصِلُ من غير طبخٍ، فإذا طبخ، فهو فخار» .
وقال أبو الهيثم: «هو صوتُ اللِّجامِ، وما أشبهه؛ كالقعقعة في الثوب» .
وقال الزمخشري أيضاً: قالوا: إذا توهَّمت في صوته مدًّا، فهو صليلٌ، وإن توهمت فيه خفاءً، فهو صلصلةٌ، وقيل: هو من تضعيف «صَلَّ» ، إذا أنتن أنتهى.
و «صَلْصَالٍ» هنا، بمعنى مُصَلْصِل؛ كزَلْزالٍ، بمعنى مُزَلْزِل، ويكون «فَعْلال» أيضاً مصدراً، ويجوز كسره أيضاً، وفي هذا النَّوع، أي: ما تكررت فاؤه، وعينه خلافٌ.
فقيل: وزنه: فَعْفَع؛ كُرِّرتِ الفاء والعين، ولا لام للكلمة؛ قاله الفراء، وغيره. وهو غلطٌ؛ لأنَّ أقلَّ الأصول ثلاثة: فاءٌ، وعينٌ، ولامٌ.
والثاني: أنَّ وزنه «فَعْفَل:؛ وهو قول الفرَّاء.
الثالث: أنه» فَعَّل «بتشديد العين، وأسله» صَلَّل «فلما اجتمع ثلاثة أميالٍ، أبدل الثاني من مجنس فاء الكلمة، وهومذهب كوفيٌّ، خصَّ بعضهم هذا لخلاف بما إذا لم يختل المعنى، بسقوطِ الثالث، نحو» لَمْلَمَ «و» كَبْكَبَ» فإنَّك تقول فيهما: «لَمَّ» ، و «كَبَّ» ، فول لم يصحَّ المعنى بسقوطه؛ نحو: سَمْسَمَ» ، قال: فلا خلافَ في أصالة الجميع.
قوله تعالى: ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما أنه في محلِّ جر صفة ل «صَلْصَالِ» ؛ فيتعلق بمحذوف.
والثاني: أ، هـ بدل من «صَلْصالٍ» بإعادة الجارِّ. والحَمَأ: الطِّينُ الأسودُ المنتنُ.
قال الليث رَحِمَهُ اللَّهُ: واحده «حَمَأة» بتحريك العين جمعله اسم جنسٍ؛ وقد غلط في ذلك؛ فإن أهل اللغة قالوا: لا يقال إلاَّ «حَمْأة» [بالإسكان] ، ولا يعرف التحريك؛ نصَّ عليه أبو عبيدة، وجماعة؛ وأنشدوا لأبي الأسودِ: [الوافر]
3276 - تَجِيءُ بمِلْئِهَا طُوْراً وطَوْراً ... تَجِيءُ بِحَمْأةٍ وقَلِيلِ مَاءِ
فلا يكون «الحَمَأة» واحدة «الحَمْأ» ؛ لاختلاف الوزنين.
والمَسْنُون: المَصْبُوب؛ من قولهم: سَنَنتُ الشَّرابَ، كأنَّه لِرُطُبتهِ جعل مَصْبُوباً، كغيره من المائعات، فكأن المعنى: أفرغ صورة إنسانٍ، كما تفرغ الجواهر المذابة.
قال الزمخشريُّ: وحقُّ «مَسْنُونٍ» بمعنى مصور: أن يكون صفة ل «صَلْصالٍ» ؛ كأنه أفرغ الحمَأ، فصوَّر منه تمثال شخصٍ. يعني أنه يصيرُ التقدير: من صلصالٍ مصوَّرٍ، ولكن يلزم تقديم الوصف المؤول على الصَّريح؛ إذا جعلنا: «مِنْ حَمَأ» صفة ل «صَلْصَالٍ» ، أمَّا إذا جعلناه بدلاً منه؛ فلا.
وقيل: مسنونٌ: مصوَّرٌ من سنَّة الوجه، وهي صورته؛ قال الشاعر: [البسيط]
3277 - تُرِيكَ سُنَّة وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقال الزمخشريُّ: والمَسْنُونُ: المَحْكُوكُ، مأخوذٌ من سننت الحجر، إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سَنَنٌ ولا يكون إلاَّ مُنْتِناً.
ومنه يسمَّى المسَن مسَنًّا؛ لأنَّ الحديد يحكُّ عليه.
وقيل: المسنونُ: المنسوب إليه، والمعنى ينسب إليه ذريته، وكأن هذا القائد أخذه من الواقع، وقيل: هو من أسنَّ الماء إذا تغيَّر، وهذا غلط؛ لاختلافِ المادتين.
رُوِيَ أنَّ الله تعالى خمَّر طينة آدم، وتركه حتى صار متغيِّراً أسود، ثم خلق منه آدم صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ﴾ منصوب على الاشتغال، ورجَّح نصبه؛ لعطف جملة على جملة فعليةٍ.
والجَّانُّ: أبُو الجنّ، هو إبليس؛ كآدم أبي الإنسِ، وقيل: هو اسمٌ لجنسِ الجن.
وقرأ الحسن: «والجَأن» بالهمز، وقد تقدّم الكلام في ذلك في أواخر الفاتحة.
فصل
قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الجان ِأبو الجن؛ كما أن آدم أبو البشر، وهو قول الأكثرين.
وروي أيضاً عن ابن عباسٍ، والحسن، ومقاتل، وقتادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: هو إبليس، خلق قبل آدم.
وقيل: الجانُّ أبو الجن: وإبليس أبو الشياطين، وفي الجنِّ: مسلمون، وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشيَّاطين؛ فليس سفهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس.
وذكر وهبٌ: أنَّ من الجن من يولد له، ويأكلُونَ، ويشربون بمنزلة الآدميِّين، ومن الجن من هم بمنزلةِ الرِّيح: لاتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون.
قال ابن الخطيب: «والأصحُّ أن الشياطين قسمٌ من الجن، فمن كان منهم مؤمنٌ فإنه لا يسمَّى بالشيطان، ومن كان منهم كافرٌ، سمِّي بهذا الاسم. وسمُّوا جنًّا؛ لاستتارهم عن الأعين، ومنه يسمَّى الجنينُ؛ لاستتاره عن الإعين، في بطن أمِّه، والجنَّةُ: ما تَقِي صابحها، وتستره، ومنه سمِّيت الجنة؛ لا ستتارها بالأشجار» .
قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ، و «مِن نَارٍ» متعلقان ب: خَلَقْنَاهُ «؛ لأنَّ الأولى لابتداءِ الغاية، والثانية للتعبيض، وفيه دليلٌ على أنَّ» مِنْ «لابتداءِ الغاية في الزمان، وتأويل البصريين له، ولنظائره بعيد.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما:» يريد قبل خلق آدم صلوات الله وسلامه عليه» ز والسَّمومُ: ما يقتل من إفراطِ الحرّ من شمس، أو ريح، أو نار؛ لأنها تدخل المسامَّ فتَقْتلُ.
قيل: سُمِّيت سمُوماً؛ لأنها بلطفها تدخل في مسامِّ البدن، وهي الخروقُ الخفيَّة التي تكون في جلد الإنسان، يبرز منها عرقه وبخار بطنه.
وقيل: السَّمومُ ما كان ليلاً، والحرورُ ما كان نهاراً. وعن ابن عباس: نارٌ لا خانلها.
قال أبو صالح: والصَّواعِقُ تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمراً، خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهَدَّةُ التي تسمعون؛ خرق ذلك الحجاب.
وقيل: نار السموم: لهب النَّار. وقيل: نارُ جهنَّم.
وروى الضحاك، عن ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: كان إبليس من جنسِ من الملائكة، يقال لهم الجن، خلقوا من نارِ السَّمومِ، وخلقت الجنُّ الذين ذكروا من مارج من نارِ، والملائكة خلقوا من نورٍ.
وقيل: ﴿مِن نَّارِ السموم﴾ من إضافةِ الموصوف لصفته.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ﴾ الآية، لما استدلَّ بحدوثِ الإنسان؛ على وجود الإله القادر المختار؛ ذلك بعده واقعته، وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له، والمراد بكونه بشراً، أي: جسماً يباشر ويلاقى، والملائكة، والجن لا يبشارون؛ للطف أجسامهم، والبشرة: ظاهر الجِلدِ مِنْ كُلِّ حيوانٍ، وتقدَّم ذكر الصلصالِ، والحَمأ المَسْنُونِ.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أي: شكلته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية.
وقيل: سوَّيتُ أجزاء بدنه: باعتدالِ الطَّبائعِ، وتناسب الأمشاجِ، نَفخْتُ فيه من روحي؛ فصار بشراً حيًّا.
والرُّوحُ: جسمٌ لطيفٌ، يحيا به الإنسان، وقيل: الرُّوحُ: هي الرِّيح؛ لأنَّ النَّفخ أخذ الريح في تجاويف جسم آخر؛ فظاهر قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ يشعر بأنَّ الروح هي الريح، وإلا لما صحَّ وصفها بالنَّفخ، وسيأتي بقيةُ الكلام على الروح عند قوله: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] ، وأضاف روح آدم صلوات الله وسلامه عليه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً.
قوله تعالى: ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ، يجوز أن تتعلق اللام بالفعل قبلها، وأن تتعلق ب «سَاجِدينَ» .
فصل
ظاهر قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يدل على وجوب السجود على الملائكة؛ لأنه مذكمور بفاء التَّعقيب؛ وذلك يمنُ التَّراخي.
قوله «أجْمَعُونَ» تأكيد ثانٍ، ولا يفيد الاجتماع في الوقت؛ خلافاً لبعضهم.
وقال سيبويه: قوله: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ «توكيدٌ بعد توكيدٍ» . وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال: فَسجَدَ الملائِكَةُ «احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال: كُلُّهم زال هذا الاحتمال، فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال وهو أنَّهم: هل سجدوا دفعة واحدة؟ أو سجد كل واحدٍ في وقت؟ . فلما قال: أجْمَعُون ظهر أن الكلَّ سجدوا دفعةً واحدةً. ولما حكى الزجاج هل القول، عن المبرد، قاتل:» وقول الخليل، وسيبويه أجودُ؛ لأن» أجْمَعِينَ «معرفةٌ؛ فلا يكون حالاً» .
قال أبو البقاء: «لكان حالاً لا توكيداً» . يعنى أنَّه يفيد إفادة الحال مع أنه توكيدٌ؛ وفيه نظر؛ إذ لا منافاة بينهما بالنسبة إلى المعنى، ألا ترى أنه يجوز: «جاؤوني جَمِيعاً» مع إفادته، وقد تقدم تحريرُ هذا [البقرة: 38] ، وحكاية ثعلب مع ابن قادم.
قوله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ تقدَّم الكلام على هذا الاستثناء في البقرة.
قال القرطبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، حتَّى ولو قال له: عليَّ دينارٌ إلا ثوباً، أو عَشْرة أثْوابٍ، إلاَّ قفيز حِنظَةٍ، وما جانس ذلك يكون مقبُولاً، ويسقط عنه من المبلغ قيمة الثوبِ، والحِنْطةِ ويستوي في ذلك: المكِيلات، والمَوزونَات، والمُقدَّرات» .
وقال مالكٌ، وأبو حنيفة رضي الهل عنهما: استثناء المكيل من الموزون، والموزون من المكيل جائزٌ؛ حتى لو ساتثنى الدَّراهم من الحنطةِ، والحنطة من الدراهم، قُبِلَ، أمَّا إذا استثنى المقوَّماتِ من المكيلاتِ، أو الموزوناتِ، والمكيلاتِ من المقوماتِ؛ فلا يصحُّ؛ مثمل أن يقول: له عشرة دنانير إلاَّ ثوباً، أو عشرة أثواب إلاَّ ديناراً، فيلزم المقرُّ جميع المبلغ.
قوله تعالى: ﴿أبى أَن يَكُونَ﴾ ، استئنافٌ؛ وتقديره: أنَّ قائلاً قال: هلاَّ سجد؟ فقيل: أبي ذلك، واستكبر عنه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ ياإبليس مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس، على لسان بعض رسله؛ وهذا ضعيف؛ لأنَّ إبليس قال في الجواب: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ﴾ ، فقوله: «خَلَقْتهُ» خطاب الحضورِ، لا خطاب الغيبة؛ فظاهره يقتضي أنَّ الله تعالى تكلم مع إبليس بعغير واسطة.
فإن قيل: كيف يعقل هذا؛ مع أنَّ مكالمة الله تعالى من غير واسطةٍ من أعظم الناصب، وأعلى المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأسِ الكفرِةِ؟ .
فالجواب: أنَّ مكالمة الله إنما تكون منصباً عالياً، إذا كان على سبيل الإكرامِ والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة، والإذلال، فلا.
وقوله: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ﴾ لتأكيد النَّفي، معناه: لا يصحُّ منَّي أن أسجد لبشر.
وحاصل كلامه: أن كون بشراً يشعر بكمونه جسماً كثيفاً، وهو كان روحانيًّا لطيفاً، فكأنه يقول: البشر جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف، فيكف يكون للأدنى سجود للأعلى؟ .
وأيضاً: فآدم مخلوقٌ من صلصالٍ، تولَّد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة، وأصل «إبْليسَ» : هو النار، والنار هي أشرف العناصر فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم؛ فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدنى؛ فهذا مجموع [شبهة] إبليس.
﴿قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ، وهذا ليس جواباً عن الشُّبهة على سبيل التصريح، بل جواب على سبيل التنبيه.
وتقديره: أن الذي قاله الله تعالى نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النصَّ بالقياس، كان رجيماً ملعوناً، وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة الأعراف.
والضمير في: «مِنْهَا» : قيل: من جنَّة عدنٍ، وقيل: من السمواتِ، وقيل: من زمرة الملائكةِ.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين﴾ قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد يوم الجزاء حيث يجازى العبادُ بأعمالهم.
و ﴿إلى يَوْمِ﴾ يجوز أن يتعلق بالاستقرار في: «عَليْكَ» ، ويجوز أن يتعلق بنفس اللعنة.
فإن قيل: كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغايةِ؛ فهذا يشعر بأنَّ اللعن لا يحصل إلاَّ يوم الدِّين، وعند القيامة يزول اللَّعن.
فالجواب من وجوه:
الأول: أن المراد التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية تذكرها الناس في كلامهم؛ كقولهم: ﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ [هود: 108] في التَّأيد.
والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم، عذِّب عذاباً [ينسى] اللعن معه، فيصير اللَّعن حنيئذٍ كالزائلِ؛ بسبب أنَّ شدّضة العذاب تذهل عنه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهذا متعلق بما تقدم، والتدقير: إذا جعلتني رجيماً إلى يوم القيامة؛ فأنظريني، أراد ألاَّ يموت، والمراد من قوله: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، يوم البعثِ، والنُّشورِ، وهو يوم القيامة؛ فقال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ قيل: وقت النفخةِ الأولى حين يموت الخلائق؛ لأن من المعلوم أن تموت الخلائق فيه.
وقيل: سمِّي معلوماً؛ لأنه لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ [لقمان: 34] .
وقيل: يوم الوقت المعلوم: يوم القيامة.
فإن قيل: لمَّا أجابه الله إلى مطلوبه لزم ألاَّ يموت إلى وقت قيام القيامة، [و] وقت قيام القيامة لا موت، فلزم ألا يموت بالكلية فالجواب: يحمل قوله ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ : إلى ما يكون قريباً منه، و [الوقت] الذي يموت فيه كلُّ المكلفين قريبٌ من يوم البعث.
وقيل: ﴿يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ لا يعلمه إلا الله.
قيل: لم تكن إجابة الله تعالى له في الإمهالِِ إكرماً له، بل كان زيادة في بلائه وشقائه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للقسم، و «مَا» مصدرية، وجواب القسم ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ والمعنى: أقسم بإغوائك إيايّ، لأزينن؛ كقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] إلاَّ أنه في هذا الموضع أقسم بعزة الله تعالى وهي من صفاتِ الذات، وفي قوله: ﴿بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ ، أقسم بإغواء الله، وهو من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفاتِ الذَّات صحيحٌ، واختلفوا في القسم بصفاتِ الأفعال.
ونقل الواحديُّ هنا عن بعضهم: أنَّ الباء هاهنا سببية، أي: بسبب كوني غاوياً، لأزيننَّ؛ كقول القائل: «أقْسمَ فُلانٌ بِمعْصِيتهِ، ليَدْخُلنَّ النَّار، وبِطاعَتهِ ليَدْخُلنَّ الجَنَّة» .
ومعنى: ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ : أضْللْتَنِي، وقيل: خَيَّبْتَنِي من رحمتك، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض﴾ حبَّ الدنيا، ومعاصيك.
والضمير في: «لَهُمْ» لذرية آدم عليه السلام وإن لم يجر لهم ذكر؛ للعلم بهم.
و «لإْغْوِيَنَّهُمْ» : لأضلَّنَّهُم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: «المُخْلصِينَ» بكسر اللام، والباقون: بفتح اللاَّم.
ومعنى القراءة الأولى: أنهم أخلصوا دينهم عن الشَّوائب؛ ومن فتح اللاَّم، فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية.
فصل
قال ابن الخطيب: «واعلم أنَّ الذي حمل» إبليس «على ذكر هذا الاستثناء ألاَّ يصير كاذباً في دعواه، فلما احترز» إبليس «عن الكذب، علمنا أنَّ الكذب في غاية الخساسةِ» .
فصل
قال رويمٌ: «الإخلاص في العمل: وهو الأَّ يريد صاحبه عليه عوضاً في الدَّارين، ولا عوضاَ من المكلفين» .
وقال الجندي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الإخلاص: سرُّ بين العبد، وبين الله تعالى لا يعلمه ملكٌ فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوًى فيمليه.
وذكر القشيريُّ، وغيره عن النبي صلى الله علي هوسلم أنه قال: «سَألتُ جِبْريلَ عليه السلام عن الإخْلاًِ ما هُو؟ فقالَ: سَألتُ ربَّ العِزَّةِ عَنِ الإخْلاصِ ما هُو؟ فقال: سِرِّي اسْتودَعْتهُ قلبَ مَنْ أحْبَبْتهُ مِنْ عِبَادي» .
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ﴾ «هَذَا» إشارة إلى الإخلاص المفهوم من المخلصين.
وقيل: إلى انتفاء تزْيينه، وأغوائهه على من مرَّ عليه، أي: على رضواني، وكرامتي.
وقيل: «عَلى» بمعنى: «إلَى» ، نقل عن الحسنِ.
وقال مجاهدٌ: الحقُّ يرجع إلى الله تعالى وعليه طريقة، لا تعرج على شيءٍ.
وقال الأخفش: يعني عليَّ الدَّلالةُ على الصراطِ المستقيم.
وقال الكسائي: هذا على التّهديد والتوعيد؛ كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقتك علي أن لا تفلت منِّي، قال تعالى: ﴿لبالمرصاد﴾ [الفجر: 14] .
وقرأ الضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، وأبن سيرين، ويعقوب في آخرين: «عليُّ» ، أي: عالٍ مرتفعٌ.
وعبَّر بعضهم عنه: رفيع أن ينال «مُسْتقِيمٌ» أن يمال.
قوله تعالى: ﴿عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أعلم أن إبليس لما قال ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ أوهم أنَّ له سلطاناً على غير المخلصين، فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطانٌ على أحد م نعبيد الله سواء كان مخلصاً أو غير مخلص، لكن من اتبع منهم إبليس باختياره؛ ونظيره قوله حكاية عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: 22] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 99، 100] فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً.
قال الجبائيُّ: «هذه الآية تدلُّ على بطلان قول من زعم أنَّ الشيطان، والجنَّ يمكنهم صرع الناس، وإزالة عقولهم» .
وقيل: الاستثناء متصلٌ؛ لأنَّ المراد ب «عِبَادي» العموم، طائعهم، وعاصيهم وحينئذ يلزم استثناء الأكثر من الأقلِّ.
وأراد بالعباد الخلَّص؛ لأنه أضافهم إليه إضافة تشريفٍ، فلم يندرج فيه الغوون؛ للضمير في موعدهم.
قال القرطبي: «قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ : يعني على قلوبهم» .
وقال ابن عيينة: «يلقيهم في ذنب ثم أمنعهم بعفوي: أو: هم الذين هداهم الله، واجتباهم، وأختارهم، واصطفاهم» .
فإن قيل: قد أخبر الله تعالى، عن آدم، وحواء صلوات الله وسلامه عليهما بقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان﴾ [البقرة: 36] وعن جلمة من أصحاب نبيَّه ﴿إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: 155] .
فالجواب: أنه ليس له سلطان على قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهمخ في ذنب يؤول إلى عدم العفو، بل يزيله بالتوبة، ولم يكن خروج آدم عقوبة على ما تقدم بيانه في البقرة.
وأما أصحاب النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد مضى القول عليه في «آل عمران» ، ثم إنَّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ يحتمل أن يكون حاصلاً فيمن حفظ الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات، وقد يكون ي تسليطه تفريج كربه، وإزالة عمه؛ كما فعل ببلالٍ، إذْ أتاه يهديه، كما يهدَّى الصبيُّ حتى نام، ونام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا، وقالوا: ما كفَّارةُ ما صَنعنَا في تَفْريطِنَا في صَلاتِنَا؟ فقال لهُم النبيُّ صلى الله عليه سلم «ليْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ» ؛ ففرَّج عَنْهُم.
وقال ابن عطيَّة: تأكيد فيه معنى الحال من الضمير في «مَوْعِدهُم» ، والعامل فيه معنى الإضافة، قاله أبو البقاء» .
وفي مجىء الحال من المضاف إليه، خلافٌ، ولا يعمل فيها الموعد، إن أريد به الكان، فإن أريد به المصدر، جاز أن يعمل؛ لأنه مصدرٌ، ولكن لا بدَّ من حذف مضاف، عي: مكان موعدهم.
قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وهو الظاهر، ويجوز أن تكمون خبراً ثانياً، ولا يجوز أن تكون حالاً من «جَهنَّم» ؛ لأن» إنَّ: «لا تعمل في الحال، قال ابو البقاء. وقياس ما ذكروه في» لَيْتَ، وكأنَّ، ولعلَّ «من أخواتها من أعمالها في لحال؛ لأنَّها بمعنى: تمنيَّتُ وشبهت، وترجيت أ، تعمل فيها» إنَّ «أيضاً؛ لأنَّها بمعنى أكدتُ، ولذلك عملت عمل الفعل، وهي أصل الباب.
فصل
قال عليٌّ كرم الله وجهه: هل تدرون كيف أبوا النًَّار؟ ووضع أحدى يديه على الأخرى، أي: سبعةٌ أبوابٍ، بضعها فوق بعض، وأنَّ الله تعالى وضع الجنان على العرض، ووضع النِّيران بعضها على بعض.
قال ابن جريج: النار سبع دركاتٍ: أولها جهنَّم، ثمَّ لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية.
قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد، يعذَّبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، والثانية: لليهود والثالثة: للنَّصار، والرابعة: للصابئين، وروي أن الثانية: للنصارى، والثالثة: لليهودِ، والرابعة للصابئين، والخامسة: للمجوسِِ، والسادسة: للمشركين، والسابعة: للمنافقين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [النساء: 145] .
قوله:» مِنهُمْ» يجوز أن يكون حالاً من «جُزءٌ» ؛ لأنَّه في الأصل صفة له، فلما قدمت، انتصبت حالاً، ويجوز أن يكون حالاص من الضمير المستتر في الجارِّ، وهو: «لكُلِّ بابٍ» ، والعامل في هذه الحال، ما عمل في هذا الجارِّ، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في: «مَقسُومٌ» ؛ لأنَّ الصفة لا تعمل فيها قبل الموصوف، ولا يجوز أن تكون صفة ل «بابٍ» ؛ لأنَّ الباب ليس من النَّاس.
وقرأ أبو جعفر: «جُزٌّ» بتشديد الزَّاي من غير همزٍ، فكأنه ألقى حركة الهمزة على الزَّاي، ووقف عليها فشدَّدها؛ كقولك: «خَبّ» في» خبءُ خالد «ثم أجري الوصل مجرى الوقف.
الجُزِْءُ: بعض الشيء، والجمع: أجزاء، وجَزَّأتهُ: جعلته أجزاء. والمعنى: أنه تعالى يُجزِّىء أبتاع إبليس أجزاءَ، أي: يجعلهم أقساماً، ويدخل في كل باب من أبواب جهنَّم طائفة؛ والسبب في ذلك: أنَّ مراتبَ الكفر مختلفةٌ بالغلظةِ والخفة.
الحجر 15:43
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ الآية هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد؛ لأنه ثبت بالدلائل القاطعه أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أوَّل لها، وإذا ثبت هذا وجب انتهاء الحوادث إلى حادث أوَّل، هو أولُ الحوادث، وإذا كان كذلك، وجب انتهاء الناس إلى إنسانٍ هو أول الناس، وذلك الإنسان الأول، غير مخولقٍ من الأوبين؛ فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، وأجمع المفسرون على أن المراد آدمُ صلوات الله وسلامه عليه.
ونقل في كتب الشِّيعة، عن محمد بن علي الباقر، أنَّه قال: قد انقضى قبل آدم صلوات الله عليه الذي هو أبونا ألف ألف آدم، أو أكثر.
قال ابنُ الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: «وها لا يقدحُ في حدوث العالم، بل الأمر كيف كان لا بدَّ من الانتهاء إلى إنسانٍ أول، هو أول الناس، فأما أن ذلك الإنسان الأول هو أبونا آدم، فلا طريق له إلاََّ من جهة السمع» .
واعلم أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] ، وقال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾ [ص: 71] ، وقال هاهنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ، فطريقُ الجمع أنه جعل التُّرابَ طيناً، ثم تركه حتَّى صار حمأ مسنوناً، ثم خلقه منه، وتركه حتى جفّ، ويبس وصار له صلصلة.
واعلم أنه تعالى قادر على خقله من أي جنس أراد، بل هو قادرٌ على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه؛ إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من دلالة الملائكة؛ لأنَّ خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلقِ الشَّيءِ من جنسه.
وسمِّي إنساناً: إما لظهوره وإدراك البصر إياه، وإمَّا من النسيان؛ لأنه عهد إليه فنسِي.
عن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: بعث الله تعالى جِبْريلَ عليه السلا إلى الأرض؛ ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص منِّي؛ فرجع ولم يأخذ، فقال يا ربِّ: أنها عاذتْ بك، فأعذتها، فبعث ميكايئيل صلوات الله عليه فعاذت منه، فأعاذها؛ فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذُ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلطه، لم يأخذ من مكان واحدٍ، وأخذ من تربةٍ حمراء، وبيضاء، وسوجحاء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين.
وسُمِّي آدم؛ لأنه خلق من أديم الإرض، وصعد به، فقال الله تبارك وتعالى: «أما رَحِمْتَ الأرض حين تضرعت إليك» ؟ فقال: رأيتُ أمرك وأوجب من قولها، فقال جل ذكره: «أنت تقبض أرواح ولده قبل التراب حتى عاد طيناً لازباً، وهو يلتصُ بعضه ببعضٍ، ثم ترك، حتى أنتن، وصار حمأ مسنوناً، وهو المنتنُ.
ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ، فخلقه الله بيده؛ لئلا يتكبَّر إبليس عليه، لقوله الله تعالى: أتتكبَّر على ما علمت بيدي، ولم أتكبر أنا عليه؟ .
فخلقه فكان جسداً من طينٍ أربعين عاماً، فلما رأتهُ الملائكة، فزعوا منه، وكان أشدَّهم منه فزعاً إبليسُ فكان يمرُّ به، فيضربه؛ فيصوتُ الجسدُ كما يصوتُ الفخَّار، وتكون له صلصلةٌ؛ فذلك قوله: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ [الرحمن: 14] ، ويقول: لأمر ما خلقت! ويدخل في فيه، ويخرج من دبره، ويقول للملائكة: لا ترهبوا منه؛ فإنه أجوف، ولئن سُلِّطت عليه، لأهلكنَّه، فلمَّا نفخ فيه الروح، ووصل إلى رأسه، عطس، فقالت الملائكة عليه السلام: قُل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربُّك، فلما دخل الروح في عينيه، نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروحُ جوفه، اشتهى الطعام؛ فوثب قبل أن تبلغ الورح رجليه؛ عجلان إلى ثمار الجنَّة، فذلك قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] .
قوله تعالى: ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ ، «مِنْ» : لابتداء الغاية، أو للتبعيضن، والصلصالُ: قال أبو عبيده هو الطين المختلط بالرمل، ثم يجفُّ؛ فسمع له صلصلةٌ، أي: تصويت، قال: والصلصلةُ: الصَّوتُ؛ وأنشدوا: [الكامل]
3275 - شَرِبَتْ أسَاوِيُّ القُطاةِ مِنَ الكَدرْ ... وسَرَتْ فَتَرْمِي أحْيَاؤهَا بِصَلاصِلِ
أراد: صوتَ أجْنحَةِ أفراخِهَا، حين تطيرُ، أو أصواتَ أفراخها.
وقال الزمخشريُّ: «الطِّينُ اليابس الذي يُصلصِلُ من غير طبخٍ، فإذا طبخ، فهو فخار» .
وقال أبو الهيثم: «هو صوتُ اللِّجامِ، وما أشبهه؛ كالقعقعة في الثوب» .
وقال الزمخشري أيضاً: قالوا: إذا توهَّمت في صوته مدًّا، فهو صليلٌ، وإن توهمت فيه خفاءً، فهو صلصلةٌ، وقيل: هو من تضعيف «صَلَّ» ، إذا أنتن أنتهى.
و «صَلْصَالٍ» هنا، بمعنى مُصَلْصِل؛ كزَلْزالٍ، بمعنى مُزَلْزِل، ويكون «فَعْلال» أيضاً مصدراً، ويجوز كسره أيضاً، وفي هذا النَّوع، أي: ما تكررت فاؤه، وعينه خلافٌ.
فقيل: وزنه: فَعْفَع؛ كُرِّرتِ الفاء والعين، ولا لام للكلمة؛ قاله الفراء، وغيره. وهو غلطٌ؛ لأنَّ أقلَّ الأصول ثلاثة: فاءٌ، وعينٌ، ولامٌ.
والثاني: أنَّ وزنه «فَعْفَل:؛ وهو قول الفرَّاء.
الثالث: أنه» فَعَّل «بتشديد العين، وأسله» صَلَّل «فلما اجتمع ثلاثة أميالٍ، أبدل الثاني من مجنس فاء الكلمة، وهومذهب كوفيٌّ، خصَّ بعضهم هذا لخلاف بما إذا لم يختل المعنى، بسقوطِ الثالث، نحو» لَمْلَمَ «و» كَبْكَبَ» فإنَّك تقول فيهما: «لَمَّ» ، و «كَبَّ» ، فول لم يصحَّ المعنى بسقوطه؛ نحو: سَمْسَمَ» ، قال: فلا خلافَ في أصالة الجميع.
قوله تعالى: ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما أنه في محلِّ جر صفة ل «صَلْصَالِ» ؛ فيتعلق بمحذوف.
والثاني: أ، هـ بدل من «صَلْصالٍ» بإعادة الجارِّ. والحَمَأ: الطِّينُ الأسودُ المنتنُ.
قال الليث رَحِمَهُ اللَّهُ: واحده «حَمَأة» بتحريك العين جمعله اسم جنسٍ؛ وقد غلط في ذلك؛ فإن أهل اللغة قالوا: لا يقال إلاَّ «حَمْأة» [بالإسكان] ، ولا يعرف التحريك؛ نصَّ عليه أبو عبيدة، وجماعة؛ وأنشدوا لأبي الأسودِ: [الوافر]
3276 - تَجِيءُ بمِلْئِهَا طُوْراً وطَوْراً ... تَجِيءُ بِحَمْأةٍ وقَلِيلِ مَاءِ
فلا يكون «الحَمَأة» واحدة «الحَمْأ» ؛ لاختلاف الوزنين.
والمَسْنُون: المَصْبُوب؛ من قولهم: سَنَنتُ الشَّرابَ، كأنَّه لِرُطُبتهِ جعل مَصْبُوباً، كغيره من المائعات، فكأن المعنى: أفرغ صورة إنسانٍ، كما تفرغ الجواهر المذابة.
قال الزمخشريُّ: وحقُّ «مَسْنُونٍ» بمعنى مصور: أن يكون صفة ل «صَلْصالٍ» ؛ كأنه أفرغ الحمَأ، فصوَّر منه تمثال شخصٍ. يعني أنه يصيرُ التقدير: من صلصالٍ مصوَّرٍ، ولكن يلزم تقديم الوصف المؤول على الصَّريح؛ إذا جعلنا: «مِنْ حَمَأ» صفة ل «صَلْصَالٍ» ، أمَّا إذا جعلناه بدلاً منه؛ فلا.
وقيل: مسنونٌ: مصوَّرٌ من سنَّة الوجه، وهي صورته؛ قال الشاعر: [البسيط]
3277 - تُرِيكَ سُنَّة وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقال الزمخشريُّ: والمَسْنُونُ: المَحْكُوكُ، مأخوذٌ من سننت الحجر، إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سَنَنٌ ولا يكون إلاَّ مُنْتِناً.
ومنه يسمَّى المسَن مسَنًّا؛ لأنَّ الحديد يحكُّ عليه.
وقيل: المسنونُ: المنسوب إليه، والمعنى ينسب إليه ذريته، وكأن هذا القائد أخذه من الواقع، وقيل: هو من أسنَّ الماء إذا تغيَّر، وهذا غلط؛ لاختلافِ المادتين.
رُوِيَ أنَّ الله تعالى خمَّر طينة آدم، وتركه حتى صار متغيِّراً أسود، ثم خلق منه آدم صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ﴾ منصوب على الاشتغال، ورجَّح نصبه؛ لعطف جملة على جملة فعليةٍ.
والجَّانُّ: أبُو الجنّ، هو إبليس؛ كآدم أبي الإنسِ، وقيل: هو اسمٌ لجنسِ الجن.
وقرأ الحسن: «والجَأن» بالهمز، وقد تقدّم الكلام في ذلك في أواخر الفاتحة.
فصل
قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الجان ِأبو الجن؛ كما أن آدم أبو البشر، وهو قول الأكثرين.
وروي أيضاً عن ابن عباسٍ، والحسن، ومقاتل، وقتادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: هو إبليس، خلق قبل آدم.
وقيل: الجانُّ أبو الجن: وإبليس أبو الشياطين، وفي الجنِّ: مسلمون، وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشيَّاطين؛ فليس سفهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس.
وذكر وهبٌ: أنَّ من الجن من يولد له، ويأكلُونَ، ويشربون بمنزلة الآدميِّين، ومن الجن من هم بمنزلةِ الرِّيح: لاتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون.
قال ابن الخطيب: «والأصحُّ أن الشياطين قسمٌ من الجن، فمن كان منهم مؤمنٌ فإنه لا يسمَّى بالشيطان، ومن كان منهم كافرٌ، سمِّي بهذا الاسم. وسمُّوا جنًّا؛ لاستتارهم عن الأعين، ومنه يسمَّى الجنينُ؛ لاستتاره عن الإعين، في بطن أمِّه، والجنَّةُ: ما تَقِي صابحها، وتستره، ومنه سمِّيت الجنة؛ لا ستتارها بالأشجار» .
قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ، و «مِن نَارٍ» متعلقان ب: خَلَقْنَاهُ «؛ لأنَّ الأولى لابتداءِ الغاية، والثانية للتعبيض، وفيه دليلٌ على أنَّ» مِنْ «لابتداءِ الغاية في الزمان، وتأويل البصريين له، ولنظائره بعيد.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما:» يريد قبل خلق آدم صلوات الله وسلامه عليه» ز والسَّمومُ: ما يقتل من إفراطِ الحرّ من شمس، أو ريح، أو نار؛ لأنها تدخل المسامَّ فتَقْتلُ.
قيل: سُمِّيت سمُوماً؛ لأنها بلطفها تدخل في مسامِّ البدن، وهي الخروقُ الخفيَّة التي تكون في جلد الإنسان، يبرز منها عرقه وبخار بطنه.
وقيل: السَّمومُ ما كان ليلاً، والحرورُ ما كان نهاراً. وعن ابن عباس: نارٌ لا خانلها.
قال أبو صالح: والصَّواعِقُ تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمراً، خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهَدَّةُ التي تسمعون؛ خرق ذلك الحجاب.
وقيل: نار السموم: لهب النَّار. وقيل: نارُ جهنَّم.
وروى الضحاك، عن ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: كان إبليس من جنسِ من الملائكة، يقال لهم الجن، خلقوا من نارِ السَّمومِ، وخلقت الجنُّ الذين ذكروا من مارج من نارِ، والملائكة خلقوا من نورٍ.
وقيل: ﴿مِن نَّارِ السموم﴾ من إضافةِ الموصوف لصفته.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ﴾ الآية، لما استدلَّ بحدوثِ الإنسان؛ على وجود الإله القادر المختار؛ ذلك بعده واقعته، وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له، والمراد بكونه بشراً، أي: جسماً يباشر ويلاقى، والملائكة، والجن لا يبشارون؛ للطف أجسامهم، والبشرة: ظاهر الجِلدِ مِنْ كُلِّ حيوانٍ، وتقدَّم ذكر الصلصالِ، والحَمأ المَسْنُونِ.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أي: شكلته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية.
وقيل: سوَّيتُ أجزاء بدنه: باعتدالِ الطَّبائعِ، وتناسب الأمشاجِ، نَفخْتُ فيه من روحي؛ فصار بشراً حيًّا.
والرُّوحُ: جسمٌ لطيفٌ، يحيا به الإنسان، وقيل: الرُّوحُ: هي الرِّيح؛ لأنَّ النَّفخ أخذ الريح في تجاويف جسم آخر؛ فظاهر قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ يشعر بأنَّ الروح هي الريح، وإلا لما صحَّ وصفها بالنَّفخ، وسيأتي بقيةُ الكلام على الروح عند قوله: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] ، وأضاف روح آدم صلوات الله وسلامه عليه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً.
قوله تعالى: ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ، يجوز أن تتعلق اللام بالفعل قبلها، وأن تتعلق ب «سَاجِدينَ» .
فصل
ظاهر قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يدل على وجوب السجود على الملائكة؛ لأنه مذكمور بفاء التَّعقيب؛ وذلك يمنُ التَّراخي.
قوله «أجْمَعُونَ» تأكيد ثانٍ، ولا يفيد الاجتماع في الوقت؛ خلافاً لبعضهم.
وقال سيبويه: قوله: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ «توكيدٌ بعد توكيدٍ» . وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال: فَسجَدَ الملائِكَةُ «احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال: كُلُّهم زال هذا الاحتمال، فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال وهو أنَّهم: هل سجدوا دفعة واحدة؟ أو سجد كل واحدٍ في وقت؟ . فلما قال: أجْمَعُون ظهر أن الكلَّ سجدوا دفعةً واحدةً. ولما حكى الزجاج هل القول، عن المبرد، قاتل:» وقول الخليل، وسيبويه أجودُ؛ لأن» أجْمَعِينَ «معرفةٌ؛ فلا يكون حالاً» .
قال أبو البقاء: «لكان حالاً لا توكيداً» . يعنى أنَّه يفيد إفادة الحال مع أنه توكيدٌ؛ وفيه نظر؛ إذ لا منافاة بينهما بالنسبة إلى المعنى، ألا ترى أنه يجوز: «جاؤوني جَمِيعاً» مع إفادته، وقد تقدم تحريرُ هذا [البقرة: 38] ، وحكاية ثعلب مع ابن قادم.
قوله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ تقدَّم الكلام على هذا الاستثناء في البقرة.
قال القرطبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، حتَّى ولو قال له: عليَّ دينارٌ إلا ثوباً، أو عَشْرة أثْوابٍ، إلاَّ قفيز حِنظَةٍ، وما جانس ذلك يكون مقبُولاً، ويسقط عنه من المبلغ قيمة الثوبِ، والحِنْطةِ ويستوي في ذلك: المكِيلات، والمَوزونَات، والمُقدَّرات» .
وقال مالكٌ، وأبو حنيفة رضي الهل عنهما: استثناء المكيل من الموزون، والموزون من المكيل جائزٌ؛ حتى لو ساتثنى الدَّراهم من الحنطةِ، والحنطة من الدراهم، قُبِلَ، أمَّا إذا استثنى المقوَّماتِ من المكيلاتِ، أو الموزوناتِ، والمكيلاتِ من المقوماتِ؛ فلا يصحُّ؛ مثمل أن يقول: له عشرة دنانير إلاَّ ثوباً، أو عشرة أثواب إلاَّ ديناراً، فيلزم المقرُّ جميع المبلغ.
قوله تعالى: ﴿أبى أَن يَكُونَ﴾ ، استئنافٌ؛ وتقديره: أنَّ قائلاً قال: هلاَّ سجد؟ فقيل: أبي ذلك، واستكبر عنه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ ياإبليس مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس، على لسان بعض رسله؛ وهذا ضعيف؛ لأنَّ إبليس قال في الجواب: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ﴾ ، فقوله: «خَلَقْتهُ» خطاب الحضورِ، لا خطاب الغيبة؛ فظاهره يقتضي أنَّ الله تعالى تكلم مع إبليس بعغير واسطة.
فإن قيل: كيف يعقل هذا؛ مع أنَّ مكالمة الله تعالى من غير واسطةٍ من أعظم الناصب، وأعلى المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأسِ الكفرِةِ؟ .
فالجواب: أنَّ مكالمة الله إنما تكون منصباً عالياً، إذا كان على سبيل الإكرامِ والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة، والإذلال، فلا.
وقوله: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ﴾ لتأكيد النَّفي، معناه: لا يصحُّ منَّي أن أسجد لبشر.
وحاصل كلامه: أن كون بشراً يشعر بكمونه جسماً كثيفاً، وهو كان روحانيًّا لطيفاً، فكأنه يقول: البشر جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف، فيكف يكون للأدنى سجود للأعلى؟ .
وأيضاً: فآدم مخلوقٌ من صلصالٍ، تولَّد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة، وأصل «إبْليسَ» : هو النار، والنار هي أشرف العناصر فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم؛ فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدنى؛ فهذا مجموع [شبهة] إبليس.
﴿قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ، وهذا ليس جواباً عن الشُّبهة على سبيل التصريح، بل جواب على سبيل التنبيه.
وتقديره: أن الذي قاله الله تعالى نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النصَّ بالقياس، كان رجيماً ملعوناً، وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة الأعراف.
والضمير في: «مِنْهَا» : قيل: من جنَّة عدنٍ، وقيل: من السمواتِ، وقيل: من زمرة الملائكةِ.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين﴾ قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد يوم الجزاء حيث يجازى العبادُ بأعمالهم.
و ﴿إلى يَوْمِ﴾ يجوز أن يتعلق بالاستقرار في: «عَليْكَ» ، ويجوز أن يتعلق بنفس اللعنة.
فإن قيل: كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغايةِ؛ فهذا يشعر بأنَّ اللعن لا يحصل إلاَّ يوم الدِّين، وعند القيامة يزول اللَّعن.
فالجواب من وجوه:
الأول: أن المراد التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية تذكرها الناس في كلامهم؛ كقولهم: ﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ [هود: 108] في التَّأيد.
والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم، عذِّب عذاباً [ينسى] اللعن معه، فيصير اللَّعن حنيئذٍ كالزائلِ؛ بسبب أنَّ شدّضة العذاب تذهل عنه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهذا متعلق بما تقدم، والتدقير: إذا جعلتني رجيماً إلى يوم القيامة؛ فأنظريني، أراد ألاَّ يموت، والمراد من قوله: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، يوم البعثِ، والنُّشورِ، وهو يوم القيامة؛ فقال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ قيل: وقت النفخةِ الأولى حين يموت الخلائق؛ لأن من المعلوم أن تموت الخلائق فيه.
وقيل: سمِّي معلوماً؛ لأنه لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ [لقمان: 34] .
وقيل: يوم الوقت المعلوم: يوم القيامة.
فإن قيل: لمَّا أجابه الله إلى مطلوبه لزم ألاَّ يموت إلى وقت قيام القيامة، [و] وقت قيام القيامة لا موت، فلزم ألا يموت بالكلية فالجواب: يحمل قوله ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ : إلى ما يكون قريباً منه، و [الوقت] الذي يموت فيه كلُّ المكلفين قريبٌ من يوم البعث.
وقيل: ﴿يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ لا يعلمه إلا الله.
قيل: لم تكن إجابة الله تعالى له في الإمهالِِ إكرماً له، بل كان زيادة في بلائه وشقائه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للقسم، و «مَا» مصدرية، وجواب القسم ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ والمعنى: أقسم بإغوائك إيايّ، لأزينن؛ كقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] إلاَّ أنه في هذا الموضع أقسم بعزة الله تعالى وهي من صفاتِ الذات، وفي قوله: ﴿بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ ، أقسم بإغواء الله، وهو من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفاتِ الذَّات صحيحٌ، واختلفوا في القسم بصفاتِ الأفعال.
ونقل الواحديُّ هنا عن بعضهم: أنَّ الباء هاهنا سببية، أي: بسبب كوني غاوياً، لأزيننَّ؛ كقول القائل: «أقْسمَ فُلانٌ بِمعْصِيتهِ، ليَدْخُلنَّ النَّار، وبِطاعَتهِ ليَدْخُلنَّ الجَنَّة» .
ومعنى: ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ : أضْللْتَنِي، وقيل: خَيَّبْتَنِي من رحمتك، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض﴾ حبَّ الدنيا، ومعاصيك.
والضمير في: «لَهُمْ» لذرية آدم عليه السلام وإن لم يجر لهم ذكر؛ للعلم بهم.
و «لإْغْوِيَنَّهُمْ» : لأضلَّنَّهُم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: «المُخْلصِينَ» بكسر اللام، والباقون: بفتح اللاَّم.
ومعنى القراءة الأولى: أنهم أخلصوا دينهم عن الشَّوائب؛ ومن فتح اللاَّم، فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية.
فصل
قال ابن الخطيب: «واعلم أنَّ الذي حمل» إبليس «على ذكر هذا الاستثناء ألاَّ يصير كاذباً في دعواه، فلما احترز» إبليس «عن الكذب، علمنا أنَّ الكذب في غاية الخساسةِ» .
فصل
قال رويمٌ: «الإخلاص في العمل: وهو الأَّ يريد صاحبه عليه عوضاً في الدَّارين، ولا عوضاَ من المكلفين» .
وقال الجندي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الإخلاص: سرُّ بين العبد، وبين الله تعالى لا يعلمه ملكٌ فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوًى فيمليه.
وذكر القشيريُّ، وغيره عن النبي صلى الله علي هوسلم أنه قال: «سَألتُ جِبْريلَ عليه السلام عن الإخْلاًِ ما هُو؟ فقالَ: سَألتُ ربَّ العِزَّةِ عَنِ الإخْلاصِ ما هُو؟ فقال: سِرِّي اسْتودَعْتهُ قلبَ مَنْ أحْبَبْتهُ مِنْ عِبَادي» .
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ﴾ «هَذَا» إشارة إلى الإخلاص المفهوم من المخلصين.
وقيل: إلى انتفاء تزْيينه، وأغوائهه على من مرَّ عليه، أي: على رضواني، وكرامتي.
وقيل: «عَلى» بمعنى: «إلَى» ، نقل عن الحسنِ.
وقال مجاهدٌ: الحقُّ يرجع إلى الله تعالى وعليه طريقة، لا تعرج على شيءٍ.
وقال الأخفش: يعني عليَّ الدَّلالةُ على الصراطِ المستقيم.
وقال الكسائي: هذا على التّهديد والتوعيد؛ كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقتك علي أن لا تفلت منِّي، قال تعالى: ﴿لبالمرصاد﴾ [الفجر: 14] .
وقرأ الضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، وأبن سيرين، ويعقوب في آخرين: «عليُّ» ، أي: عالٍ مرتفعٌ.
وعبَّر بعضهم عنه: رفيع أن ينال «مُسْتقِيمٌ» أن يمال.
قوله تعالى: ﴿عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أعلم أن إبليس لما قال ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ أوهم أنَّ له سلطاناً على غير المخلصين، فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطانٌ على أحد م نعبيد الله سواء كان مخلصاً أو غير مخلص، لكن من اتبع منهم إبليس باختياره؛ ونظيره قوله حكاية عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: 22] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 99، 100] فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً.
قال الجبائيُّ: «هذه الآية تدلُّ على بطلان قول من زعم أنَّ الشيطان، والجنَّ يمكنهم صرع الناس، وإزالة عقولهم» .
وقيل: الاستثناء متصلٌ؛ لأنَّ المراد ب «عِبَادي» العموم، طائعهم، وعاصيهم وحينئذ يلزم استثناء الأكثر من الأقلِّ.
وأراد بالعباد الخلَّص؛ لأنه أضافهم إليه إضافة تشريفٍ، فلم يندرج فيه الغوون؛ للضمير في موعدهم.
قال القرطبي: «قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ : يعني على قلوبهم» .
وقال ابن عيينة: «يلقيهم في ذنب ثم أمنعهم بعفوي: أو: هم الذين هداهم الله، واجتباهم، وأختارهم، واصطفاهم» .
فإن قيل: قد أخبر الله تعالى، عن آدم، وحواء صلوات الله وسلامه عليهما بقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان﴾ [البقرة: 36] وعن جلمة من أصحاب نبيَّه ﴿إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: 155] .
فالجواب: أنه ليس له سلطان على قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهمخ في ذنب يؤول إلى عدم العفو، بل يزيله بالتوبة، ولم يكن خروج آدم عقوبة على ما تقدم بيانه في البقرة.
وأما أصحاب النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد مضى القول عليه في «آل عمران» ، ثم إنَّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ يحتمل أن يكون حاصلاً فيمن حفظ الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات، وقد يكون ي تسليطه تفريج كربه، وإزالة عمه؛ كما فعل ببلالٍ، إذْ أتاه يهديه، كما يهدَّى الصبيُّ حتى نام، ونام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا، وقالوا: ما كفَّارةُ ما صَنعنَا في تَفْريطِنَا في صَلاتِنَا؟ فقال لهُم النبيُّ صلى الله عليه سلم «ليْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ» ؛ ففرَّج عَنْهُم.
وقال ابن عطيَّة: تأكيد فيه معنى الحال من الضمير في «مَوْعِدهُم» ، والعامل فيه معنى الإضافة، قاله أبو البقاء» .
وفي مجىء الحال من المضاف إليه، خلافٌ، ولا يعمل فيها الموعد، إن أريد به الكان، فإن أريد به المصدر، جاز أن يعمل؛ لأنه مصدرٌ، ولكن لا بدَّ من حذف مضاف، عي: مكان موعدهم.
قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وهو الظاهر، ويجوز أن تكمون خبراً ثانياً، ولا يجوز أن تكون حالاً من «جَهنَّم» ؛ لأن» إنَّ: «لا تعمل في الحال، قال ابو البقاء. وقياس ما ذكروه في» لَيْتَ، وكأنَّ، ولعلَّ «من أخواتها من أعمالها في لحال؛ لأنَّها بمعنى: تمنيَّتُ وشبهت، وترجيت أ، تعمل فيها» إنَّ «أيضاً؛ لأنَّها بمعنى أكدتُ، ولذلك عملت عمل الفعل، وهي أصل الباب.
فصل
قال عليٌّ كرم الله وجهه: هل تدرون كيف أبوا النًَّار؟ ووضع أحدى يديه على الأخرى، أي: سبعةٌ أبوابٍ، بضعها فوق بعض، وأنَّ الله تعالى وضع الجنان على العرض، ووضع النِّيران بعضها على بعض.
قال ابن جريج: النار سبع دركاتٍ: أولها جهنَّم، ثمَّ لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية.
قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد، يعذَّبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، والثانية: لليهود والثالثة: للنَّصار، والرابعة: للصابئين، وروي أن الثانية: للنصارى، والثالثة: لليهودِ، والرابعة للصابئين، والخامسة: للمجوسِِ، والسادسة: للمشركين، والسابعة: للمنافقين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [النساء: 145] .
قوله:» مِنهُمْ» يجوز أن يكون حالاً من «جُزءٌ» ؛ لأنَّه في الأصل صفة له، فلما قدمت، انتصبت حالاً، ويجوز أن يكون حالاص من الضمير المستتر في الجارِّ، وهو: «لكُلِّ بابٍ» ، والعامل في هذه الحال، ما عمل في هذا الجارِّ، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في: «مَقسُومٌ» ؛ لأنَّ الصفة لا تعمل فيها قبل الموصوف، ولا يجوز أن تكون صفة ل «بابٍ» ؛ لأنَّ الباب ليس من النَّاس.
وقرأ أبو جعفر: «جُزٌّ» بتشديد الزَّاي من غير همزٍ، فكأنه ألقى حركة الهمزة على الزَّاي، ووقف عليها فشدَّدها؛ كقولك: «خَبّ» في» خبءُ خالد «ثم أجري الوصل مجرى الوقف.
الجُزِْءُ: بعض الشيء، والجمع: أجزاء، وجَزَّأتهُ: جعلته أجزاء. والمعنى: أنه تعالى يُجزِّىء أبتاع إبليس أجزاءَ، أي: يجعلهم أقساماً، ويدخل في كل باب من أبواب جهنَّم طائفة؛ والسبب في ذلك: أنَّ مراتبَ الكفر مختلفةٌ بالغلظةِ والخفة.
الحجر 15:44
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ الآية هذا هو النوع السابع من دلائل التوحيد؛ لأنه ثبت بالدلائل القاطعه أنه يمتنع القول بوجود حوادث لا أوَّل لها، وإذا ثبت هذا وجب انتهاء الحوادث إلى حادث أوَّل، هو أولُ الحوادث، وإذا كان كذلك، وجب انتهاء الناس إلى إنسانٍ هو أول الناس، وذلك الإنسان الأول، غير مخولقٍ من الأوبين؛ فيكون مخلوقاً لا محالة بقدرة الله تعالى.
فقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ إشارة إلى ذلك الإنسان الأول، وأجمع المفسرون على أن المراد آدمُ صلوات الله وسلامه عليه.
ونقل في كتب الشِّيعة، عن محمد بن علي الباقر، أنَّه قال: قد انقضى قبل آدم صلوات الله عليه الذي هو أبونا ألف ألف آدم، أو أكثر.
قال ابنُ الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: «وها لا يقدحُ في حدوث العالم، بل الأمر كيف كان لا بدَّ من الانتهاء إلى إنسانٍ أول، هو أول الناس، فأما أن ذلك الإنسان الأول هو أبونا آدم، فلا طريق له إلاََّ من جهة السمع» .
واعلم أنه تعالى قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] ، وقال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾ [ص: 71] ، وقال هاهنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ ، فطريقُ الجمع أنه جعل التُّرابَ طيناً، ثم تركه حتَّى صار حمأ مسنوناً، ثم خلقه منه، وتركه حتى جفّ، ويبس وصار له صلصلة.
واعلم أنه تعالى قادر على خقله من أي جنس أراد، بل هو قادرٌ على خلقه ابتداء، وإنما خلقه على هذا الوجه؛ إما لمحض المشيئة، أو لما فيه من دلالة الملائكة؛ لأنَّ خلق الإنسان من هذه الأمور أعجب من خلقِ الشَّيءِ من جنسه.
وسمِّي إنساناً: إما لظهوره وإدراك البصر إياه، وإمَّا من النسيان؛ لأنه عهد إليه فنسِي.
عن ابن مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: بعث الله تعالى جِبْريلَ عليه السلا إلى الأرض؛ ليأتيه بطينٍ منها، فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص منِّي؛ فرجع ولم يأخذ، فقال يا ربِّ: أنها عاذتْ بك، فأعذتها، فبعث ميكايئيل صلوات الله عليه فعاذت منه، فأعاذها؛ فرجع، فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذُ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلطه، لم يأخذ من مكان واحدٍ، وأخذ من تربةٍ حمراء، وبيضاء، وسوجحاء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين.
وسُمِّي آدم؛ لأنه خلق من أديم الإرض، وصعد به، فقال الله تبارك وتعالى: «أما رَحِمْتَ الأرض حين تضرعت إليك» ؟ فقال: رأيتُ أمرك وأوجب من قولها، فقال جل ذكره: «أنت تقبض أرواح ولده قبل التراب حتى عاد طيناً لازباً، وهو يلتصُ بعضه ببعضٍ، ثم ترك، حتى أنتن، وصار حمأ مسنوناً، وهو المنتنُ.
ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ، فخلقه الله بيده؛ لئلا يتكبَّر إبليس عليه، لقوله الله تعالى: أتتكبَّر على ما علمت بيدي، ولم أتكبر أنا عليه؟ .
فخلقه فكان جسداً من طينٍ أربعين عاماً، فلما رأتهُ الملائكة، فزعوا منه، وكان أشدَّهم منه فزعاً إبليسُ فكان يمرُّ به، فيضربه؛ فيصوتُ الجسدُ كما يصوتُ الفخَّار، وتكون له صلصلةٌ؛ فذلك قوله: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ [الرحمن: 14] ، ويقول: لأمر ما خلقت! ويدخل في فيه، ويخرج من دبره، ويقول للملائكة: لا ترهبوا منه؛ فإنه أجوف، ولئن سُلِّطت عليه، لأهلكنَّه، فلمَّا نفخ فيه الروح، ووصل إلى رأسه، عطس، فقالت الملائكة عليه السلام: قُل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربُّك، فلما دخل الروح في عينيه، نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت الروحُ جوفه، اشتهى الطعام؛ فوثب قبل أن تبلغ الورح رجليه؛ عجلان إلى ثمار الجنَّة، فذلك قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37] .
قوله تعالى: ﴿مِن صَلْصَالٍ﴾ ، «مِنْ» : لابتداء الغاية، أو للتبعيضن، والصلصالُ: قال أبو عبيده هو الطين المختلط بالرمل، ثم يجفُّ؛ فسمع له صلصلةٌ، أي: تصويت، قال: والصلصلةُ: الصَّوتُ؛ وأنشدوا: [الكامل]
3275 - شَرِبَتْ أسَاوِيُّ القُطاةِ مِنَ الكَدرْ ... وسَرَتْ فَتَرْمِي أحْيَاؤهَا بِصَلاصِلِ
أراد: صوتَ أجْنحَةِ أفراخِهَا، حين تطيرُ، أو أصواتَ أفراخها.
وقال الزمخشريُّ: «الطِّينُ اليابس الذي يُصلصِلُ من غير طبخٍ، فإذا طبخ، فهو فخار» .
وقال أبو الهيثم: «هو صوتُ اللِّجامِ، وما أشبهه؛ كالقعقعة في الثوب» .
وقال الزمخشري أيضاً: قالوا: إذا توهَّمت في صوته مدًّا، فهو صليلٌ، وإن توهمت فيه خفاءً، فهو صلصلةٌ، وقيل: هو من تضعيف «صَلَّ» ، إذا أنتن أنتهى.
و «صَلْصَالٍ» هنا، بمعنى مُصَلْصِل؛ كزَلْزالٍ، بمعنى مُزَلْزِل، ويكون «فَعْلال» أيضاً مصدراً، ويجوز كسره أيضاً، وفي هذا النَّوع، أي: ما تكررت فاؤه، وعينه خلافٌ.
فقيل: وزنه: فَعْفَع؛ كُرِّرتِ الفاء والعين، ولا لام للكلمة؛ قاله الفراء، وغيره. وهو غلطٌ؛ لأنَّ أقلَّ الأصول ثلاثة: فاءٌ، وعينٌ، ولامٌ.
والثاني: أنَّ وزنه «فَعْفَل:؛ وهو قول الفرَّاء.
الثالث: أنه» فَعَّل «بتشديد العين، وأسله» صَلَّل «فلما اجتمع ثلاثة أميالٍ، أبدل الثاني من مجنس فاء الكلمة، وهومذهب كوفيٌّ، خصَّ بعضهم هذا لخلاف بما إذا لم يختل المعنى، بسقوطِ الثالث، نحو» لَمْلَمَ «و» كَبْكَبَ» فإنَّك تقول فيهما: «لَمَّ» ، و «كَبَّ» ، فول لم يصحَّ المعنى بسقوطه؛ نحو: سَمْسَمَ» ، قال: فلا خلافَ في أصالة الجميع.
قوله تعالى: ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما أنه في محلِّ جر صفة ل «صَلْصَالِ» ؛ فيتعلق بمحذوف.
والثاني: أ، هـ بدل من «صَلْصالٍ» بإعادة الجارِّ. والحَمَأ: الطِّينُ الأسودُ المنتنُ.
قال الليث رَحِمَهُ اللَّهُ: واحده «حَمَأة» بتحريك العين جمعله اسم جنسٍ؛ وقد غلط في ذلك؛ فإن أهل اللغة قالوا: لا يقال إلاَّ «حَمْأة» [بالإسكان] ، ولا يعرف التحريك؛ نصَّ عليه أبو عبيدة، وجماعة؛ وأنشدوا لأبي الأسودِ: [الوافر]
3276 - تَجِيءُ بمِلْئِهَا طُوْراً وطَوْراً ... تَجِيءُ بِحَمْأةٍ وقَلِيلِ مَاءِ
فلا يكون «الحَمَأة» واحدة «الحَمْأ» ؛ لاختلاف الوزنين.
والمَسْنُون: المَصْبُوب؛ من قولهم: سَنَنتُ الشَّرابَ، كأنَّه لِرُطُبتهِ جعل مَصْبُوباً، كغيره من المائعات، فكأن المعنى: أفرغ صورة إنسانٍ، كما تفرغ الجواهر المذابة.
قال الزمخشريُّ: وحقُّ «مَسْنُونٍ» بمعنى مصور: أن يكون صفة ل «صَلْصالٍ» ؛ كأنه أفرغ الحمَأ، فصوَّر منه تمثال شخصٍ. يعني أنه يصيرُ التقدير: من صلصالٍ مصوَّرٍ، ولكن يلزم تقديم الوصف المؤول على الصَّريح؛ إذا جعلنا: «مِنْ حَمَأ» صفة ل «صَلْصَالٍ» ، أمَّا إذا جعلناه بدلاً منه؛ فلا.
وقيل: مسنونٌ: مصوَّرٌ من سنَّة الوجه، وهي صورته؛ قال الشاعر: [البسيط]
3277 - تُرِيكَ سُنَّة وجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقال الزمخشريُّ: والمَسْنُونُ: المَحْكُوكُ، مأخوذٌ من سننت الحجر، إذا حككته به، فالذي يسيل بينهما سَنَنٌ ولا يكون إلاَّ مُنْتِناً.
ومنه يسمَّى المسَن مسَنًّا؛ لأنَّ الحديد يحكُّ عليه.
وقيل: المسنونُ: المنسوب إليه، والمعنى ينسب إليه ذريته، وكأن هذا القائد أخذه من الواقع، وقيل: هو من أسنَّ الماء إذا تغيَّر، وهذا غلط؛ لاختلافِ المادتين.
رُوِيَ أنَّ الله تعالى خمَّر طينة آدم، وتركه حتى صار متغيِّراً أسود، ثم خلق منه آدم صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ﴾ منصوب على الاشتغال، ورجَّح نصبه؛ لعطف جملة على جملة فعليةٍ.
والجَّانُّ: أبُو الجنّ، هو إبليس؛ كآدم أبي الإنسِ، وقيل: هو اسمٌ لجنسِ الجن.
وقرأ الحسن: «والجَأن» بالهمز، وقد تقدّم الكلام في ذلك في أواخر الفاتحة.
فصل
قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الجان ِأبو الجن؛ كما أن آدم أبو البشر، وهو قول الأكثرين.
وروي أيضاً عن ابن عباسٍ، والحسن، ومقاتل، وقتادة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: هو إبليس، خلق قبل آدم.
وقيل: الجانُّ أبو الجن: وإبليس أبو الشياطين، وفي الجنِّ: مسلمون، وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشيَّاطين؛ فليس سفهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس.
وذكر وهبٌ: أنَّ من الجن من يولد له، ويأكلُونَ، ويشربون بمنزلة الآدميِّين، ومن الجن من هم بمنزلةِ الرِّيح: لاتوالدون، ولا يأكلون، ولا يشربون.
قال ابن الخطيب: «والأصحُّ أن الشياطين قسمٌ من الجن، فمن كان منهم مؤمنٌ فإنه لا يسمَّى بالشيطان، ومن كان منهم كافرٌ، سمِّي بهذا الاسم. وسمُّوا جنًّا؛ لاستتارهم عن الأعين، ومنه يسمَّى الجنينُ؛ لاستتاره عن الإعين، في بطن أمِّه، والجنَّةُ: ما تَقِي صابحها، وتستره، ومنه سمِّيت الجنة؛ لا ستتارها بالأشجار» .
قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ، و «مِن نَارٍ» متعلقان ب: خَلَقْنَاهُ «؛ لأنَّ الأولى لابتداءِ الغاية، والثانية للتعبيض، وفيه دليلٌ على أنَّ» مِنْ «لابتداءِ الغاية في الزمان، وتأويل البصريين له، ولنظائره بعيد.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما:» يريد قبل خلق آدم صلوات الله وسلامه عليه» ز والسَّمومُ: ما يقتل من إفراطِ الحرّ من شمس، أو ريح، أو نار؛ لأنها تدخل المسامَّ فتَقْتلُ.
قيل: سُمِّيت سمُوماً؛ لأنها بلطفها تدخل في مسامِّ البدن، وهي الخروقُ الخفيَّة التي تكون في جلد الإنسان، يبرز منها عرقه وبخار بطنه.
وقيل: السَّمومُ ما كان ليلاً، والحرورُ ما كان نهاراً. وعن ابن عباس: نارٌ لا خانلها.
قال أبو صالح: والصَّواعِقُ تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمراً، خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت به، فالهَدَّةُ التي تسمعون؛ خرق ذلك الحجاب.
وقيل: نار السموم: لهب النَّار. وقيل: نارُ جهنَّم.
وروى الضحاك، عن ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: كان إبليس من جنسِ من الملائكة، يقال لهم الجن، خلقوا من نارِ السَّمومِ، وخلقت الجنُّ الذين ذكروا من مارج من نارِ، والملائكة خلقوا من نورٍ.
وقيل: ﴿مِن نَّارِ السموم﴾ من إضافةِ الموصوف لصفته.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ﴾ الآية، لما استدلَّ بحدوثِ الإنسان؛ على وجود الإله القادر المختار؛ ذلك بعده واقعته، وهو أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود له، والمراد بكونه بشراً، أي: جسماً يباشر ويلاقى، والملائكة، والجن لا يبشارون؛ للطف أجسامهم، والبشرة: ظاهر الجِلدِ مِنْ كُلِّ حيوانٍ، وتقدَّم ذكر الصلصالِ، والحَمأ المَسْنُونِ.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أي: شكلته بالصورة الإنسانية، والخلقة البشرية.
وقيل: سوَّيتُ أجزاء بدنه: باعتدالِ الطَّبائعِ، وتناسب الأمشاجِ، نَفخْتُ فيه من روحي؛ فصار بشراً حيًّا.
والرُّوحُ: جسمٌ لطيفٌ، يحيا به الإنسان، وقيل: الرُّوحُ: هي الرِّيح؛ لأنَّ النَّفخ أخذ الريح في تجاويف جسم آخر؛ فظاهر قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ يشعر بأنَّ الروح هي الريح، وإلا لما صحَّ وصفها بالنَّفخ، وسيأتي بقيةُ الكلام على الروح عند قوله: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] ، وأضاف روح آدم صلوات الله وسلامه عليه إلى نفسه تشريفاً وتكريماً.
قوله تعالى: ﴿فَقَعُواْ لَهُ﴾ ، يجوز أن تتعلق اللام بالفعل قبلها، وأن تتعلق ب «سَاجِدينَ» .
فصل
ظاهر قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يدل على وجوب السجود على الملائكة؛ لأنه مذكمور بفاء التَّعقيب؛ وذلك يمنُ التَّراخي.
قوله «أجْمَعُونَ» تأكيد ثانٍ، ولا يفيد الاجتماع في الوقت؛ خلافاً لبعضهم.
وقال سيبويه: قوله: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ «توكيدٌ بعد توكيدٍ» . وسئل المبرد عن هذه الآية فقال: لو قال: فَسجَدَ الملائِكَةُ «احتمل أن يكون سجد بعضهم فلما قال: كُلُّهم زال هذا الاحتمال، فظهر أنهم بأسرهم سجدوا، ثم بعد هذا بقي احتمال وهو أنَّهم: هل سجدوا دفعة واحدة؟ أو سجد كل واحدٍ في وقت؟ . فلما قال: أجْمَعُون ظهر أن الكلَّ سجدوا دفعةً واحدةً. ولما حكى الزجاج هل القول، عن المبرد، قاتل:» وقول الخليل، وسيبويه أجودُ؛ لأن» أجْمَعِينَ «معرفةٌ؛ فلا يكون حالاً» .
قال أبو البقاء: «لكان حالاً لا توكيداً» . يعنى أنَّه يفيد إفادة الحال مع أنه توكيدٌ؛ وفيه نظر؛ إذ لا منافاة بينهما بالنسبة إلى المعنى، ألا ترى أنه يجوز: «جاؤوني جَمِيعاً» مع إفادته، وقد تقدم تحريرُ هذا [البقرة: 38] ، وحكاية ثعلب مع ابن قادم.
قوله: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ تقدَّم الكلام على هذا الاستثناء في البقرة.
قال القرطبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «الاستثناء من الجنس غير الجنس صحيح عند الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، حتَّى ولو قال له: عليَّ دينارٌ إلا ثوباً، أو عَشْرة أثْوابٍ، إلاَّ قفيز حِنظَةٍ، وما جانس ذلك يكون مقبُولاً، ويسقط عنه من المبلغ قيمة الثوبِ، والحِنْطةِ ويستوي في ذلك: المكِيلات، والمَوزونَات، والمُقدَّرات» .
وقال مالكٌ، وأبو حنيفة رضي الهل عنهما: استثناء المكيل من الموزون، والموزون من المكيل جائزٌ؛ حتى لو ساتثنى الدَّراهم من الحنطةِ، والحنطة من الدراهم، قُبِلَ، أمَّا إذا استثنى المقوَّماتِ من المكيلاتِ، أو الموزوناتِ، والمكيلاتِ من المقوماتِ؛ فلا يصحُّ؛ مثمل أن يقول: له عشرة دنانير إلاَّ ثوباً، أو عشرة أثواب إلاَّ ديناراً، فيلزم المقرُّ جميع المبلغ.
قوله تعالى: ﴿أبى أَن يَكُونَ﴾ ، استئنافٌ؛ وتقديره: أنَّ قائلاً قال: هلاَّ سجد؟ فقيل: أبي ذلك، واستكبر عنه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ ياإبليس مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ قال بعض المتكلمين: إنه تعالى أوصل هذا الخطاب إلى إبليس، على لسان بعض رسله؛ وهذا ضعيف؛ لأنَّ إبليس قال في الجواب: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ﴾ ، فقوله: «خَلَقْتهُ» خطاب الحضورِ، لا خطاب الغيبة؛ فظاهره يقتضي أنَّ الله تعالى تكلم مع إبليس بعغير واسطة.
فإن قيل: كيف يعقل هذا؛ مع أنَّ مكالمة الله تعالى من غير واسطةٍ من أعظم الناصب، وأعلى المراتب، فكيف يعقل حصوله لرأسِ الكفرِةِ؟ .
فالجواب: أنَّ مكالمة الله إنما تكون منصباً عالياً، إذا كان على سبيل الإكرامِ والإعظام، فأما إذا كان على سبيل الإهانة، والإذلال، فلا.
وقوله: ﴿لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ﴾ لتأكيد النَّفي، معناه: لا يصحُّ منَّي أن أسجد لبشر.
وحاصل كلامه: أن كون بشراً يشعر بكمونه جسماً كثيفاً، وهو كان روحانيًّا لطيفاً، فكأنه يقول: البشر جسماني كثيف، وأنا روحاني لطيف، والجسماني الكثيف أدون حالاً من الروحاني اللطيف، فيكف يكون للأدنى سجود للأعلى؟ .
وأيضاً: فآدم مخلوقٌ من صلصالٍ، تولَّد من حمأ مسنون، وهذا الأصل في غاية الدناءة، وأصل «إبْليسَ» : هو النار، والنار هي أشرف العناصر فكان أصل إبليس أشرف من أصل آدم؛ فوجب أن يكون إبليس أشرف من آدم، والأشرف يقبح أن يؤمر بالسجود للأدنى؛ فهذا مجموع [شبهة] إبليس.
﴿قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ، وهذا ليس جواباً عن الشُّبهة على سبيل التصريح، بل جواب على سبيل التنبيه.
وتقديره: أن الذي قاله الله تعالى نصٌّ، والذي قاله إبليس قياس، ومن عارض النصَّ بالقياس، كان رجيماً ملعوناً، وتمام الكلام في هذا المعنى مذكور في سورة الأعراف.
والضمير في: «مِنْهَا» : قيل: من جنَّة عدنٍ، وقيل: من السمواتِ، وقيل: من زمرة الملائكةِ.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين﴾ قال ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يريد يوم الجزاء حيث يجازى العبادُ بأعمالهم.
و ﴿إلى يَوْمِ﴾ يجوز أن يتعلق بالاستقرار في: «عَليْكَ» ، ويجوز أن يتعلق بنفس اللعنة.
فإن قيل: كلمة «إلى» تفيد انتهاء الغايةِ؛ فهذا يشعر بأنَّ اللعن لا يحصل إلاَّ يوم الدِّين، وعند القيامة يزول اللَّعن.
فالجواب من وجوه:
الأول: أن المراد التأبيد، وذكر القيامة أبعد غاية تذكرها الناس في كلامهم؛ كقولهم: ﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾ [هود: 108] في التَّأيد.
والثاني: أنك مذموم مدعو عليك باللعنة في السموات والأرض إلى يوم الدين، من غير أن يعذب، فإذا جاء ذلك اليوم، عذِّب عذاباً [ينسى] اللعن معه، فيصير اللَّعن حنيئذٍ كالزائلِ؛ بسبب أنَّ شدّضة العذاب تذهل عنه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ وهذا متعلق بما تقدم، والتدقير: إذا جعلتني رجيماً إلى يوم القيامة؛ فأنظريني، أراد ألاَّ يموت، والمراد من قوله: ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ، يوم البعثِ، والنُّشورِ، وهو يوم القيامة؛ فقال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ قيل: وقت النفخةِ الأولى حين يموت الخلائق؛ لأن من المعلوم أن تموت الخلائق فيه.
وقيل: سمِّي معلوماً؛ لأنه لا يعلمه إلا الله تعالى؛ لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ [لقمان: 34] .
وقيل: يوم الوقت المعلوم: يوم القيامة.
فإن قيل: لمَّا أجابه الله إلى مطلوبه لزم ألاَّ يموت إلى وقت قيام القيامة، [و] وقت قيام القيامة لا موت، فلزم ألا يموت بالكلية فالجواب: يحمل قوله ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ : إلى ما يكون قريباً منه، و [الوقت] الذي يموت فيه كلُّ المكلفين قريبٌ من يوم البعث.
وقيل: ﴿يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ لا يعلمه إلا الله.
قيل: لم تكن إجابة الله تعالى له في الإمهالِِ إكرماً له، بل كان زيادة في بلائه وشقائه.
قوله: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ الباء للقسم، و «مَا» مصدرية، وجواب القسم ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ والمعنى: أقسم بإغوائك إيايّ، لأزينن؛ كقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] إلاَّ أنه في هذا الموضع أقسم بعزة الله تعالى وهي من صفاتِ الذات، وفي قوله: ﴿بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ ، أقسم بإغواء الله، وهو من صفات الأفعال، والفقهاء قالوا: القسم بصفاتِ الذَّات صحيحٌ، واختلفوا في القسم بصفاتِ الأفعال.
ونقل الواحديُّ هنا عن بعضهم: أنَّ الباء هاهنا سببية، أي: بسبب كوني غاوياً، لأزيننَّ؛ كقول القائل: «أقْسمَ فُلانٌ بِمعْصِيتهِ، ليَدْخُلنَّ النَّار، وبِطاعَتهِ ليَدْخُلنَّ الجَنَّة» .
ومعنى: ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾ : أضْللْتَنِي، وقيل: خَيَّبْتَنِي من رحمتك، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض﴾ حبَّ الدنيا، ومعاصيك.
والضمير في: «لَهُمْ» لذرية آدم عليه السلام وإن لم يجر لهم ذكر؛ للعلم بهم.
و «لإْغْوِيَنَّهُمْ» : لأضلَّنَّهُم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: «المُخْلصِينَ» بكسر اللام، والباقون: بفتح اللاَّم.
ومعنى القراءة الأولى: أنهم أخلصوا دينهم عن الشَّوائب؛ ومن فتح اللاَّم، فمعناه: الذين أخلصهم الله بالهداية.
فصل
قال ابن الخطيب: «واعلم أنَّ الذي حمل» إبليس «على ذكر هذا الاستثناء ألاَّ يصير كاذباً في دعواه، فلما احترز» إبليس «عن الكذب، علمنا أنَّ الكذب في غاية الخساسةِ» .
فصل
قال رويمٌ: «الإخلاص في العمل: وهو الأَّ يريد صاحبه عليه عوضاً في الدَّارين، ولا عوضاَ من المكلفين» .
وقال الجندي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الإخلاص: سرُّ بين العبد، وبين الله تعالى لا يعلمه ملكٌ فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوًى فيمليه.
وذكر القشيريُّ، وغيره عن النبي صلى الله علي هوسلم أنه قال: «سَألتُ جِبْريلَ عليه السلام عن الإخْلاًِ ما هُو؟ فقالَ: سَألتُ ربَّ العِزَّةِ عَنِ الإخْلاصِ ما هُو؟ فقال: سِرِّي اسْتودَعْتهُ قلبَ مَنْ أحْبَبْتهُ مِنْ عِبَادي» .
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ﴾ «هَذَا» إشارة إلى الإخلاص المفهوم من المخلصين.
وقيل: إلى انتفاء تزْيينه، وأغوائهه على من مرَّ عليه، أي: على رضواني، وكرامتي.
وقيل: «عَلى» بمعنى: «إلَى» ، نقل عن الحسنِ.
وقال مجاهدٌ: الحقُّ يرجع إلى الله تعالى وعليه طريقة، لا تعرج على شيءٍ.
وقال الأخفش: يعني عليَّ الدَّلالةُ على الصراطِ المستقيم.
وقال الكسائي: هذا على التّهديد والتوعيد؛ كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقتك علي أن لا تفلت منِّي، قال تعالى: ﴿لبالمرصاد﴾ [الفجر: 14] .
وقرأ الضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، وأبن سيرين، ويعقوب في آخرين: «عليُّ» ، أي: عالٍ مرتفعٌ.
وعبَّر بعضهم عنه: رفيع أن ينال «مُسْتقِيمٌ» أن يمال.
قوله تعالى: ﴿عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أعلم أن إبليس لما قال ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ أوهم أنَّ له سلطاناً على غير المخلصين، فبيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه ليس له سلطانٌ على أحد م نعبيد الله سواء كان مخلصاً أو غير مخلص، لكن من اتبع منهم إبليس باختياره؛ ونظيره قوله حكاية عن إبليس: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: 22] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 99، 100] فعلى هذا يكون استثناء منقطعاً.
قال الجبائيُّ: «هذه الآية تدلُّ على بطلان قول من زعم أنَّ الشيطان، والجنَّ يمكنهم صرع الناس، وإزالة عقولهم» .
وقيل: الاستثناء متصلٌ؛ لأنَّ المراد ب «عِبَادي» العموم، طائعهم، وعاصيهم وحينئذ يلزم استثناء الأكثر من الأقلِّ.
وأراد بالعباد الخلَّص؛ لأنه أضافهم إليه إضافة تشريفٍ، فلم يندرج فيه الغوون؛ للضمير في موعدهم.
قال القرطبي: «قال العلماء في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ : يعني على قلوبهم» .
وقال ابن عيينة: «يلقيهم في ذنب ثم أمنعهم بعفوي: أو: هم الذين هداهم الله، واجتباهم، وأختارهم، واصطفاهم» .
فإن قيل: قد أخبر الله تعالى، عن آدم، وحواء صلوات الله وسلامه عليهما بقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان﴾ [البقرة: 36] وعن جلمة من أصحاب نبيَّه ﴿إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: 155] .
فالجواب: أنه ليس له سلطان على قلوبهم، ولا موضع إيمانهم، ولا يلقيهمخ في ذنب يؤول إلى عدم العفو، بل يزيله بالتوبة، ولم يكن خروج آدم عقوبة على ما تقدم بيانه في البقرة.
وأما أصحاب النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد مضى القول عليه في «آل عمران» ، ثم إنَّ قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ يحتمل أن يكون حاصلاً فيمن حفظ الله، ويحتمل أن يكون في أكثر الأوقات، وقد يكون ي تسليطه تفريج كربه، وإزالة عمه؛ كما فعل ببلالٍ، إذْ أتاه يهديه، كما يهدَّى الصبيُّ حتى نام، ونام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فلم يستيقظوا حتى طلعت الشمس، وفزعوا، وقالوا: ما كفَّارةُ ما صَنعنَا في تَفْريطِنَا في صَلاتِنَا؟ فقال لهُم النبيُّ صلى الله عليه سلم «ليْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ» ؛ ففرَّج عَنْهُم.
وقال ابن عطيَّة: تأكيد فيه معنى الحال من الضمير في «مَوْعِدهُم» ، والعامل فيه معنى الإضافة، قاله أبو البقاء» .
وفي مجىء الحال من المضاف إليه، خلافٌ، ولا يعمل فيها الموعد، إن أريد به الكان، فإن أريد به المصدر، جاز أن يعمل؛ لأنه مصدرٌ، ولكن لا بدَّ من حذف مضاف، عي: مكان موعدهم.
قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وهو الظاهر، ويجوز أن تكمون خبراً ثانياً، ولا يجوز أن تكون حالاً من «جَهنَّم» ؛ لأن» إنَّ: «لا تعمل في الحال، قال ابو البقاء. وقياس ما ذكروه في» لَيْتَ، وكأنَّ، ولعلَّ «من أخواتها من أعمالها في لحال؛ لأنَّها بمعنى: تمنيَّتُ وشبهت، وترجيت أ، تعمل فيها» إنَّ «أيضاً؛ لأنَّها بمعنى أكدتُ، ولذلك عملت عمل الفعل، وهي أصل الباب.
فصل
قال عليٌّ كرم الله وجهه: هل تدرون كيف أبوا النًَّار؟ ووضع أحدى يديه على الأخرى، أي: سبعةٌ أبوابٍ، بضعها فوق بعض، وأنَّ الله تعالى وضع الجنان على العرض، ووضع النِّيران بعضها على بعض.
قال ابن جريج: النار سبع دركاتٍ: أولها جهنَّم، ثمَّ لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم الجحيم، ثم الهاوية.
قال الضحاك: الطبقة الأولى: فيها أهل التوحيد، يعذَّبون على قدر أعمالهم ثم يخرجون منها، والثانية: لليهود والثالثة: للنَّصار، والرابعة: للصابئين، وروي أن الثانية: للنصارى، والثالثة: لليهودِ، والرابعة للصابئين، والخامسة: للمجوسِِ، والسادسة: للمشركين، والسابعة: للمنافقين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [النساء: 145] .
قوله:» مِنهُمْ» يجوز أن يكون حالاً من «جُزءٌ» ؛ لأنَّه في الأصل صفة له، فلما قدمت، انتصبت حالاً، ويجوز أن يكون حالاص من الضمير المستتر في الجارِّ، وهو: «لكُلِّ بابٍ» ، والعامل في هذه الحال، ما عمل في هذا الجارِّ، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في: «مَقسُومٌ» ؛ لأنَّ الصفة لا تعمل فيها قبل الموصوف، ولا يجوز أن تكون صفة ل «بابٍ» ؛ لأنَّ الباب ليس من النَّاس.
وقرأ أبو جعفر: «جُزٌّ» بتشديد الزَّاي من غير همزٍ، فكأنه ألقى حركة الهمزة على الزَّاي، ووقف عليها فشدَّدها؛ كقولك: «خَبّ» في» خبءُ خالد «ثم أجري الوصل مجرى الوقف.
الجُزِْءُ: بعض الشيء، والجمع: أجزاء، وجَزَّأتهُ: جعلته أجزاء. والمعنى: أنه تعالى يُجزِّىء أبتاع إبليس أجزاءَ، أي: يجعلهم أقساماً، ويدخل في كل باب من أبواب جهنَّم طائفة؛ والسبب في ذلك: أنَّ مراتبَ الكفر مختلفةٌ بالغلظةِ والخفة.
الحجر 15:45
قوله تعالى: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الآياتِ، لمَّا شرح أحوال أهل العقاب، أتبعه بصفة أهل الثَّواب.
وروي أنَّ سلمان الفارسيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لما سمع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 43] مَرَّ ثلاثةُ أيَّام من الخوفِ لا يعقلُ، فَجيء به إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم فسأله، فقال: يا رسول الله، نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 43] : فوالذي بعثك بالحق نبيًّا، لقد قطعت قلبي فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ .
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: [أراد] بالمتقين: الذين اتقوا الشِّرك بالله تعالى، والكفر به، وبه قال جمهور الصحابة، والتَّابعين.
وهو الصحيح؛ لأنَّ المتقي هو الآتي بالتقوى مرة واحدة، كما أن الضَّارب هو الآتي بالضرب، والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة، فكما أنه ليس من شرط صدق الوصف بكونه ضارباً، وقاتلاً، أن يكون آتياً بجميع أنواع الضرب والقتل، ليس من شرط صدق الوصف بكونه متَّقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى؛ لأنَّ الآتي بفردِ واحدٍ من أفراد التقوى، يكون آتياً بالتقوى؛ لأنَّ كل فردٍ من أفراد الماهية، يجب كونه مشتملاً على تلك الماهيَّة، وبهذا التحقيق استدلُّوا على أنَّ الأمرَ لا يفيد التَّكرار.
وإذا ثبت هذا فنقول: أجمعت الأمة على أنَّ التقوى عن الكفر شرط في حصول المحكم بدخول الجنة.
وقال الجبائي، وجمهور المعتزلةِ: المتقين: هم الَّذين اتَّقوا جميع المعاصي، قالوا: لأنه اسم مدحٍ، فلا يتناولُ إلاَّ من [كان] كذلك.
واعلم أنَّ الجنات أربعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] ثم قال: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 62] فيكمن [المجموع] أربعة.
قوله: «وعُيُونٍ» : قرأ ابن كثيرٍ، والأخوان، وأبو بكر، وابن ذكوان: بكسر عين « عِيُونٍ» منكراً، والعينُّ معرف حيث وقع؛ والباقون: بالضمِّ، وهو الأصل.
فصل
الجنَّاتُ: البَساتِينُ، والعُيونُ: يحتمل أن يكون المراد بها الأنهار المذكمورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: 15] ، ويحتمل أن يكمون امراد من هذه العيون منافع مغايرة لتلك الأنهار.
قوله: ﴿ادخلوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ العامة على وصل الهمزة من: دَخَلَ يَدخُل، وقد تقدم خلاف القراء في حركة هذا التنوين، لالتقاءِ السَّاكنين في البقرة: [173] .
وقرأ يعقوب رَحِمَهُ اللَّهُ بفتح التنوين وكسر الخاء، وتوجيهها: أنَّه أمرٌ من: أدْخَلَ يَدْخلُ فلما وقع بعد «عُيونِ» ألقى حركة الهمزة على التنوين؛ لأنها همزة قطع ثمَّ حذفها، والأمر من الله تعالى، للملائكةِ، أي: أدخلوها أيَّاهم.
وقرأ الحسن، ويعقوب أيضاً: «أُدخِلُوها» ماضياً مبنياً للمفعول، إلا أنَّ يعقوب ضمَّ التنوين ووجهه: أنه أخذه من أدخل رباعياً، فألقى حركة همزة القطع على التنوين كما ألقى حركة المفتوحةِ في قراءته الأولى، والحسن كسرهُ على أصل التقاءِ الساكنين، ووجهه: أن يكون أجرى همزة القطع مجرى همزة الوصل في الإسقاط.
وقراءة الأمر على إضمار القول، أي: يقال لأهل الجنَّة: أدخلوها، أو يقال للملائكة: أدخلوها إياهم، وعلى قراءة الإخبار يكون مستأنفاً من غير إضمارٍ، وقوله «بِسَلامٍ» حالٌ: أي: ملتبسين بالسلامة أو مسلماً عليكم.
و «آمنِينَ» حال أخرى، وهي بدلٌ مما قبلها، إما بدل كلُ من كلِّ وإما بدل اشتمالِ؛ لأن الأمن مشتملٌ على التحية أو بالعكسٍ، والمعنى: أمنين من الموت، والخورج، والآفات.
فإن قيل: إن الله تعالى [حكم] قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون، وإذا كانوا فيها فكيف يقال لهم: «ادْخُلُوها» ؟ .
فالجواب: أنَّهم لما ملكوا جنات كثيرة، فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم: ﴿ادخلوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الشَّحناءُ، والعداوة الحقد الكامن في القلب، مأخوذ من قولهم: أغلَّ في جوفه، وتغلغل.
قوله: «إخْوَاناً» يجوز أن يكون حالاً من «هُمْ» في «صُدُورهِمْ» ، وجاز ذلك‘ لأنَّ المضاف جزءُ المضاف إليه.
وقال أبو البقاءِ: والعامل فيها معنى الإلصاق، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل «ادْخُلوهَا» على أنها حال مقدرة، قاله أبو البقاء. ولا حاجة إليه بل هو حال مقارنة.
ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في قوله: «جَنَّاتٍ» .
قوله «على سُررٍ» ، يجوز أن يتعلق بنفس «إخواناً» ، لانه بمعنى متصافين، أي: متصافين على سُررٍ، قاله أبو البقاء؛ وفيه نظر؛ حيث تأويل جامدٍ بمشتقٍّ، بعيد منه.
و «مُتَقابِلينَ» على هذا حالٌ من الضمير في «إخْواناً» ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، على أنه صفة ل «إخْواناً» ، وعلى هذا ف «مُتقَابِلينَ» حالٌ من الضمير المستطنِّ في الجارِّ، ويجوز أن يتعلق ب «مُتَقَابلينَ» ، أي: متقابلين على سررٍ، وعلى هذا ف «مُتَقَابلينَ» من الضمير في «إخْواناً» أو صفة ل «إخْوَاناً» .
ويجوزم نصبه على المدحِ، يعني: أنه لا يمكن أن يكون نعتاً للضمير فلذلك قطعَ.
والسُّررُ: جمع سَريرٍ، وهو معروفٌ، ويجوز في «سُررٍ» ، ونحوه مما جمع على هذه الصيغةِ من مضاعف «فَعِيل» فتح العين؛ تخفيفاً؛ وهي لغة بني كلبٍ وتميم، فيقولون: سُرَرٌ وجُدَدٌ، وذلك في جمع سرير وجديد.
قال المفضل: لأنَّهم يستثقلون الضمتين المتوالتين في حرفين من جنس واحد.
فصل
قال بعض أهل المعاني: السَّريرُ: مجلسٌ رفيعٌ مهيَّأ للسُّرورِ، وهو مأخوذ منه؛ لأنه مجلس سرورٍ. متقابلينَ: يقالب بعضهم بعضاً، ولا ينظر أحد منهم إلى قفا صاحبه، والتَّقابلُ: التواجه، وهو نقيضُ التَّدابر.
قوله: ﴿يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ يجوز أن تكون هذه مستأنفة، ويجوز أن تكون حالاً من الضمير في «مُتَقَابلينَ» .
والنَّصَبُ: التَّعَبُ، يقال منه: نَصِبض يَنْصَبُ فهو نَصِبٌ ونَاصِبٌ، أنصبني كذا، قال: [الطويل]
3278 - تَأوَّبَنِي هَمٌّ مَعَ اللَّيْلِ مُنصِبُ..... ... ... ... ... ... ... ...
وهمَّ ناصبٌ، أي: ذُو نصبٍ، كلابن وتامر؛ قال النابغة: [الطويل] 3279 - كِلينِي لِهَمِّ يَا أمَيْمة نَاصبٍ ... ولْلٍ أقَاسيهِ بَطيءٍ الكَواكِبِ
و «مِنْهَا» متعلقه «بمُخْرجين» .
وهذه الآية أنصُّ آيةٍ في القرآن على الخلود.
الحجر 15:46
قوله تعالى: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الآياتِ، لمَّا شرح أحوال أهل العقاب، أتبعه بصفة أهل الثَّواب.
وروي أنَّ سلمان الفارسيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لما سمع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 43] مَرَّ ثلاثةُ أيَّام من الخوفِ لا يعقلُ، فَجيء به إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم فسأله، فقال: يا رسول الله، نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 43] : فوالذي بعثك بالحق نبيًّا، لقد قطعت قلبي فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ .
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: [أراد] بالمتقين: الذين اتقوا الشِّرك بالله تعالى، والكفر به، وبه قال جمهور الصحابة، والتَّابعين.
وهو الصحيح؛ لأنَّ المتقي هو الآتي بالتقوى مرة واحدة، كما أن الضَّارب هو الآتي بالضرب، والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة، فكما أنه ليس من شرط صدق الوصف بكونه ضارباً، وقاتلاً، أن يكون آتياً بجميع أنواع الضرب والقتل، ليس من شرط صدق الوصف بكونه متَّقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى؛ لأنَّ الآتي بفردِ واحدٍ من أفراد التقوى، يكون آتياً بالتقوى؛ لأنَّ كل فردٍ من أفراد الماهية، يجب كونه مشتملاً على تلك الماهيَّة، وبهذا التحقيق استدلُّوا على أنَّ الأمرَ لا يفيد التَّكرار.
وإذا ثبت هذا فنقول: أجمعت الأمة على أنَّ التقوى عن الكفر شرط في حصول المحكم بدخول الجنة.
وقال الجبائي، وجمهور المعتزلةِ: المتقين: هم الَّذين اتَّقوا جميع المعاصي، قالوا: لأنه اسم مدحٍ، فلا يتناولُ إلاَّ من [كان] كذلك.
واعلم أنَّ الجنات أربعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] ثم قال: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 62] فيكمن [المجموع] أربعة.
قوله: «وعُيُونٍ» : قرأ ابن كثيرٍ، والأخوان، وأبو بكر، وابن ذكوان: بكسر عين « عِيُونٍ» منكراً، والعينُّ معرف حيث وقع؛ والباقون: بالضمِّ، وهو الأصل.
فصل
الجنَّاتُ: البَساتِينُ، والعُيونُ: يحتمل أن يكون المراد بها الأنهار المذكمورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: 15] ، ويحتمل أن يكمون امراد من هذه العيون منافع مغايرة لتلك الأنهار.
قوله: ﴿ادخلوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ العامة على وصل الهمزة من: دَخَلَ يَدخُل، وقد تقدم خلاف القراء في حركة هذا التنوين، لالتقاءِ السَّاكنين في البقرة: [173] .
وقرأ يعقوب رَحِمَهُ اللَّهُ بفتح التنوين وكسر الخاء، وتوجيهها: أنَّه أمرٌ من: أدْخَلَ يَدْخلُ فلما وقع بعد «عُيونِ» ألقى حركة الهمزة على التنوين؛ لأنها همزة قطع ثمَّ حذفها، والأمر من الله تعالى، للملائكةِ، أي: أدخلوها أيَّاهم.
وقرأ الحسن، ويعقوب أيضاً: «أُدخِلُوها» ماضياً مبنياً للمفعول، إلا أنَّ يعقوب ضمَّ التنوين ووجهه: أنه أخذه من أدخل رباعياً، فألقى حركة همزة القطع على التنوين كما ألقى حركة المفتوحةِ في قراءته الأولى، والحسن كسرهُ على أصل التقاءِ الساكنين، ووجهه: أن يكون أجرى همزة القطع مجرى همزة الوصل في الإسقاط.
وقراءة الأمر على إضمار القول، أي: يقال لأهل الجنَّة: أدخلوها، أو يقال للملائكة: أدخلوها إياهم، وعلى قراءة الإخبار يكون مستأنفاً من غير إضمارٍ، وقوله «بِسَلامٍ» حالٌ: أي: ملتبسين بالسلامة أو مسلماً عليكم.
و «آمنِينَ» حال أخرى، وهي بدلٌ مما قبلها، إما بدل كلُ من كلِّ وإما بدل اشتمالِ؛ لأن الأمن مشتملٌ على التحية أو بالعكسٍ، والمعنى: أمنين من الموت، والخورج، والآفات.
فإن قيل: إن الله تعالى [حكم] قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون، وإذا كانوا فيها فكيف يقال لهم: «ادْخُلُوها» ؟ .
فالجواب: أنَّهم لما ملكوا جنات كثيرة، فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم: ﴿ادخلوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الشَّحناءُ، والعداوة الحقد الكامن في القلب، مأخوذ من قولهم: أغلَّ في جوفه، وتغلغل.
قوله: «إخْوَاناً» يجوز أن يكون حالاً من «هُمْ» في «صُدُورهِمْ» ، وجاز ذلك‘ لأنَّ المضاف جزءُ المضاف إليه.
وقال أبو البقاءِ: والعامل فيها معنى الإلصاق، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل «ادْخُلوهَا» على أنها حال مقدرة، قاله أبو البقاء. ولا حاجة إليه بل هو حال مقارنة.
ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في قوله: «جَنَّاتٍ» .
قوله «على سُررٍ» ، يجوز أن يتعلق بنفس «إخواناً» ، لانه بمعنى متصافين، أي: متصافين على سُررٍ، قاله أبو البقاء؛ وفيه نظر؛ حيث تأويل جامدٍ بمشتقٍّ، بعيد منه.
و «مُتَقابِلينَ» على هذا حالٌ من الضمير في «إخْواناً» ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، على أنه صفة ل «إخْواناً» ، وعلى هذا ف «مُتقَابِلينَ» حالٌ من الضمير المستطنِّ في الجارِّ، ويجوز أن يتعلق ب «مُتَقَابلينَ» ، أي: متقابلين على سررٍ، وعلى هذا ف «مُتَقَابلينَ» من الضمير في «إخْواناً» أو صفة ل «إخْوَاناً» .
ويجوزم نصبه على المدحِ، يعني: أنه لا يمكن أن يكون نعتاً للضمير فلذلك قطعَ.
والسُّررُ: جمع سَريرٍ، وهو معروفٌ، ويجوز في «سُررٍ» ، ونحوه مما جمع على هذه الصيغةِ من مضاعف «فَعِيل» فتح العين؛ تخفيفاً؛ وهي لغة بني كلبٍ وتميم، فيقولون: سُرَرٌ وجُدَدٌ، وذلك في جمع سرير وجديد.
قال المفضل: لأنَّهم يستثقلون الضمتين المتوالتين في حرفين من جنس واحد.
فصل
قال بعض أهل المعاني: السَّريرُ: مجلسٌ رفيعٌ مهيَّأ للسُّرورِ، وهو مأخوذ منه؛ لأنه مجلس سرورٍ. متقابلينَ: يقالب بعضهم بعضاً، ولا ينظر أحد منهم إلى قفا صاحبه، والتَّقابلُ: التواجه، وهو نقيضُ التَّدابر.
قوله: ﴿يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ يجوز أن تكون هذه مستأنفة، ويجوز أن تكون حالاً من الضمير في «مُتَقَابلينَ» .
والنَّصَبُ: التَّعَبُ، يقال منه: نَصِبض يَنْصَبُ فهو نَصِبٌ ونَاصِبٌ، أنصبني كذا، قال: [الطويل]
3278 - تَأوَّبَنِي هَمٌّ مَعَ اللَّيْلِ مُنصِبُ..... ... ... ... ... ... ... ...
وهمَّ ناصبٌ، أي: ذُو نصبٍ، كلابن وتامر؛ قال النابغة: [الطويل] 3279 - كِلينِي لِهَمِّ يَا أمَيْمة نَاصبٍ ... ولْلٍ أقَاسيهِ بَطيءٍ الكَواكِبِ
و «مِنْهَا» متعلقه «بمُخْرجين» .
وهذه الآية أنصُّ آيةٍ في القرآن على الخلود.
الحجر 15:47
قوله تعالى: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الآياتِ، لمَّا شرح أحوال أهل العقاب، أتبعه بصفة أهل الثَّواب.
وروي أنَّ سلمان الفارسيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لما سمع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 43] مَرَّ ثلاثةُ أيَّام من الخوفِ لا يعقلُ، فَجيء به إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم فسأله، فقال: يا رسول الله، نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 43] : فوالذي بعثك بالحق نبيًّا، لقد قطعت قلبي فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ .
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: [أراد] بالمتقين: الذين اتقوا الشِّرك بالله تعالى، والكفر به، وبه قال جمهور الصحابة، والتَّابعين.
وهو الصحيح؛ لأنَّ المتقي هو الآتي بالتقوى مرة واحدة، كما أن الضَّارب هو الآتي بالضرب، والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة، فكما أنه ليس من شرط صدق الوصف بكونه ضارباً، وقاتلاً، أن يكون آتياً بجميع أنواع الضرب والقتل، ليس من شرط صدق الوصف بكونه متَّقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى؛ لأنَّ الآتي بفردِ واحدٍ من أفراد التقوى، يكون آتياً بالتقوى؛ لأنَّ كل فردٍ من أفراد الماهية، يجب كونه مشتملاً على تلك الماهيَّة، وبهذا التحقيق استدلُّوا على أنَّ الأمرَ لا يفيد التَّكرار.
وإذا ثبت هذا فنقول: أجمعت الأمة على أنَّ التقوى عن الكفر شرط في حصول المحكم بدخول الجنة.
وقال الجبائي، وجمهور المعتزلةِ: المتقين: هم الَّذين اتَّقوا جميع المعاصي، قالوا: لأنه اسم مدحٍ، فلا يتناولُ إلاَّ من [كان] كذلك.
واعلم أنَّ الجنات أربعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] ثم قال: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 62] فيكمن [المجموع] أربعة.
قوله: «وعُيُونٍ» : قرأ ابن كثيرٍ، والأخوان، وأبو بكر، وابن ذكوان: بكسر عين « عِيُونٍ» منكراً، والعينُّ معرف حيث وقع؛ والباقون: بالضمِّ، وهو الأصل.
فصل
الجنَّاتُ: البَساتِينُ، والعُيونُ: يحتمل أن يكون المراد بها الأنهار المذكمورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: 15] ، ويحتمل أن يكمون امراد من هذه العيون منافع مغايرة لتلك الأنهار.
قوله: ﴿ادخلوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ العامة على وصل الهمزة من: دَخَلَ يَدخُل، وقد تقدم خلاف القراء في حركة هذا التنوين، لالتقاءِ السَّاكنين في البقرة: [173] .
وقرأ يعقوب رَحِمَهُ اللَّهُ بفتح التنوين وكسر الخاء، وتوجيهها: أنَّه أمرٌ من: أدْخَلَ يَدْخلُ فلما وقع بعد «عُيونِ» ألقى حركة الهمزة على التنوين؛ لأنها همزة قطع ثمَّ حذفها، والأمر من الله تعالى، للملائكةِ، أي: أدخلوها أيَّاهم.
وقرأ الحسن، ويعقوب أيضاً: «أُدخِلُوها» ماضياً مبنياً للمفعول، إلا أنَّ يعقوب ضمَّ التنوين ووجهه: أنه أخذه من أدخل رباعياً، فألقى حركة همزة القطع على التنوين كما ألقى حركة المفتوحةِ في قراءته الأولى، والحسن كسرهُ على أصل التقاءِ الساكنين، ووجهه: أن يكون أجرى همزة القطع مجرى همزة الوصل في الإسقاط.
وقراءة الأمر على إضمار القول، أي: يقال لأهل الجنَّة: أدخلوها، أو يقال للملائكة: أدخلوها إياهم، وعلى قراءة الإخبار يكون مستأنفاً من غير إضمارٍ، وقوله «بِسَلامٍ» حالٌ: أي: ملتبسين بالسلامة أو مسلماً عليكم.
و «آمنِينَ» حال أخرى، وهي بدلٌ مما قبلها، إما بدل كلُ من كلِّ وإما بدل اشتمالِ؛ لأن الأمن مشتملٌ على التحية أو بالعكسٍ، والمعنى: أمنين من الموت، والخورج، والآفات.
فإن قيل: إن الله تعالى [حكم] قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون، وإذا كانوا فيها فكيف يقال لهم: «ادْخُلُوها» ؟ .
فالجواب: أنَّهم لما ملكوا جنات كثيرة، فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم: ﴿ادخلوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الشَّحناءُ، والعداوة الحقد الكامن في القلب، مأخوذ من قولهم: أغلَّ في جوفه، وتغلغل.
قوله: «إخْوَاناً» يجوز أن يكون حالاً من «هُمْ» في «صُدُورهِمْ» ، وجاز ذلك‘ لأنَّ المضاف جزءُ المضاف إليه.
وقال أبو البقاءِ: والعامل فيها معنى الإلصاق، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل «ادْخُلوهَا» على أنها حال مقدرة، قاله أبو البقاء. ولا حاجة إليه بل هو حال مقارنة.
ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في قوله: «جَنَّاتٍ» .
قوله «على سُررٍ» ، يجوز أن يتعلق بنفس «إخواناً» ، لانه بمعنى متصافين، أي: متصافين على سُررٍ، قاله أبو البقاء؛ وفيه نظر؛ حيث تأويل جامدٍ بمشتقٍّ، بعيد منه.
و «مُتَقابِلينَ» على هذا حالٌ من الضمير في «إخْواناً» ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، على أنه صفة ل «إخْواناً» ، وعلى هذا ف «مُتقَابِلينَ» حالٌ من الضمير المستطنِّ في الجارِّ، ويجوز أن يتعلق ب «مُتَقَابلينَ» ، أي: متقابلين على سررٍ، وعلى هذا ف «مُتَقَابلينَ» من الضمير في «إخْواناً» أو صفة ل «إخْوَاناً» .
ويجوزم نصبه على المدحِ، يعني: أنه لا يمكن أن يكون نعتاً للضمير فلذلك قطعَ.
والسُّررُ: جمع سَريرٍ، وهو معروفٌ، ويجوز في «سُررٍ» ، ونحوه مما جمع على هذه الصيغةِ من مضاعف «فَعِيل» فتح العين؛ تخفيفاً؛ وهي لغة بني كلبٍ وتميم، فيقولون: سُرَرٌ وجُدَدٌ، وذلك في جمع سرير وجديد.
قال المفضل: لأنَّهم يستثقلون الضمتين المتوالتين في حرفين من جنس واحد.
فصل
قال بعض أهل المعاني: السَّريرُ: مجلسٌ رفيعٌ مهيَّأ للسُّرورِ، وهو مأخوذ منه؛ لأنه مجلس سرورٍ. متقابلينَ: يقالب بعضهم بعضاً، ولا ينظر أحد منهم إلى قفا صاحبه، والتَّقابلُ: التواجه، وهو نقيضُ التَّدابر.
قوله: ﴿يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ يجوز أن تكون هذه مستأنفة، ويجوز أن تكون حالاً من الضمير في «مُتَقَابلينَ» .
والنَّصَبُ: التَّعَبُ، يقال منه: نَصِبض يَنْصَبُ فهو نَصِبٌ ونَاصِبٌ، أنصبني كذا، قال: [الطويل]
3278 - تَأوَّبَنِي هَمٌّ مَعَ اللَّيْلِ مُنصِبُ..... ... ... ... ... ... ... ...
وهمَّ ناصبٌ، أي: ذُو نصبٍ، كلابن وتامر؛ قال النابغة: [الطويل] 3279 - كِلينِي لِهَمِّ يَا أمَيْمة نَاصبٍ ... ولْلٍ أقَاسيهِ بَطيءٍ الكَواكِبِ
و «مِنْهَا» متعلقه «بمُخْرجين» .
وهذه الآية أنصُّ آيةٍ في القرآن على الخلود.
الحجر 15:48
قوله تعالى: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الآياتِ، لمَّا شرح أحوال أهل العقاب، أتبعه بصفة أهل الثَّواب.
وروي أنَّ سلمان الفارسيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لما سمع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 43] مَرَّ ثلاثةُ أيَّام من الخوفِ لا يعقلُ، فَجيء به إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم فسأله، فقال: يا رسول الله، نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 43] : فوالذي بعثك بالحق نبيًّا، لقد قطعت قلبي فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ .
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: [أراد] بالمتقين: الذين اتقوا الشِّرك بالله تعالى، والكفر به، وبه قال جمهور الصحابة، والتَّابعين.
وهو الصحيح؛ لأنَّ المتقي هو الآتي بالتقوى مرة واحدة، كما أن الضَّارب هو الآتي بالضرب، والقاتل هو الآتي بالقتل مرة واحدة، فكما أنه ليس من شرط صدق الوصف بكونه ضارباً، وقاتلاً، أن يكون آتياً بجميع أنواع الضرب والقتل، ليس من شرط صدق الوصف بكونه متَّقياً كونه آتياً بجميع أنواع التقوى؛ لأنَّ الآتي بفردِ واحدٍ من أفراد التقوى، يكون آتياً بالتقوى؛ لأنَّ كل فردٍ من أفراد الماهية، يجب كونه مشتملاً على تلك الماهيَّة، وبهذا التحقيق استدلُّوا على أنَّ الأمرَ لا يفيد التَّكرار.
وإذا ثبت هذا فنقول: أجمعت الأمة على أنَّ التقوى عن الكفر شرط في حصول المحكم بدخول الجنة.
وقال الجبائي، وجمهور المعتزلةِ: المتقين: هم الَّذين اتَّقوا جميع المعاصي، قالوا: لأنه اسم مدحٍ، فلا يتناولُ إلاَّ من [كان] كذلك.
واعلم أنَّ الجنات أربعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 46] ثم قال: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: 62] فيكمن [المجموع] أربعة.
قوله: «وعُيُونٍ» : قرأ ابن كثيرٍ، والأخوان، وأبو بكر، وابن ذكوان: بكسر عين « عِيُونٍ» منكراً، والعينُّ معرف حيث وقع؛ والباقون: بالضمِّ، وهو الأصل.
فصل
الجنَّاتُ: البَساتِينُ، والعُيونُ: يحتمل أن يكون المراد بها الأنهار المذكمورة في قوله تعالى: ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾ [محمد: 15] ، ويحتمل أن يكمون امراد من هذه العيون منافع مغايرة لتلك الأنهار.
قوله: ﴿ادخلوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ العامة على وصل الهمزة من: دَخَلَ يَدخُل، وقد تقدم خلاف القراء في حركة هذا التنوين، لالتقاءِ السَّاكنين في البقرة: [173] .
وقرأ يعقوب رَحِمَهُ اللَّهُ بفتح التنوين وكسر الخاء، وتوجيهها: أنَّه أمرٌ من: أدْخَلَ يَدْخلُ فلما وقع بعد «عُيونِ» ألقى حركة الهمزة على التنوين؛ لأنها همزة قطع ثمَّ حذفها، والأمر من الله تعالى، للملائكةِ، أي: أدخلوها أيَّاهم.
وقرأ الحسن، ويعقوب أيضاً: «أُدخِلُوها» ماضياً مبنياً للمفعول، إلا أنَّ يعقوب ضمَّ التنوين ووجهه: أنه أخذه من أدخل رباعياً، فألقى حركة همزة القطع على التنوين كما ألقى حركة المفتوحةِ في قراءته الأولى، والحسن كسرهُ على أصل التقاءِ الساكنين، ووجهه: أن يكون أجرى همزة القطع مجرى همزة الوصل في الإسقاط.
وقراءة الأمر على إضمار القول، أي: يقال لأهل الجنَّة: أدخلوها، أو يقال للملائكة: أدخلوها إياهم، وعلى قراءة الإخبار يكون مستأنفاً من غير إضمارٍ، وقوله «بِسَلامٍ» حالٌ: أي: ملتبسين بالسلامة أو مسلماً عليكم.
و «آمنِينَ» حال أخرى، وهي بدلٌ مما قبلها، إما بدل كلُ من كلِّ وإما بدل اشتمالِ؛ لأن الأمن مشتملٌ على التحية أو بالعكسٍ، والمعنى: أمنين من الموت، والخورج، والآفات.
فإن قيل: إن الله تعالى [حكم] قبل هذه الآية بأنهم في جنات وعيون، وإذا كانوا فيها فكيف يقال لهم: «ادْخُلُوها» ؟ .
فالجواب: أنَّهم لما ملكوا جنات كثيرة، فكلما أرادوا أن ينتقلوا من جنة إلى أخرى قيل لهم: ﴿ادخلوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ .
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ الغِلُّ: الشَّحناءُ، والعداوة الحقد الكامن في القلب، مأخوذ من قولهم: أغلَّ في جوفه، وتغلغل.
قوله: «إخْوَاناً» يجوز أن يكون حالاً من «هُمْ» في «صُدُورهِمْ» ، وجاز ذلك‘ لأنَّ المضاف جزءُ المضاف إليه.
وقال أبو البقاءِ: والعامل فيها معنى الإلصاق، ويجوز أن يكون حالاً من فاعل «ادْخُلوهَا» على أنها حال مقدرة، قاله أبو البقاء. ولا حاجة إليه بل هو حال مقارنة.
ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في قوله: «جَنَّاتٍ» .
قوله «على سُررٍ» ، يجوز أن يتعلق بنفس «إخواناً» ، لانه بمعنى متصافين، أي: متصافين على سُررٍ، قاله أبو البقاء؛ وفيه نظر؛ حيث تأويل جامدٍ بمشتقٍّ، بعيد منه.
و «مُتَقابِلينَ» على هذا حالٌ من الضمير في «إخْواناً» ، ويجوز أن يتعلق بمحذوف، على أنه صفة ل «إخْواناً» ، وعلى هذا ف «مُتقَابِلينَ» حالٌ من الضمير المستطنِّ في الجارِّ، ويجوز أن يتعلق ب «مُتَقَابلينَ» ، أي: متقابلين على سررٍ، وعلى هذا ف «مُتَقَابلينَ» من الضمير في «إخْواناً» أو صفة ل «إخْوَاناً» .
ويجوزم نصبه على المدحِ، يعني: أنه لا يمكن أن يكون نعتاً للضمير فلذلك قطعَ.
والسُّررُ: جمع سَريرٍ، وهو معروفٌ، ويجوز في «سُررٍ» ، ونحوه مما جمع على هذه الصيغةِ من مضاعف «فَعِيل» فتح العين؛ تخفيفاً؛ وهي لغة بني كلبٍ وتميم، فيقولون: سُرَرٌ وجُدَدٌ، وذلك في جمع سرير وجديد.
قال المفضل: لأنَّهم يستثقلون الضمتين المتوالتين في حرفين من جنس واحد.
فصل
قال بعض أهل المعاني: السَّريرُ: مجلسٌ رفيعٌ مهيَّأ للسُّرورِ، وهو مأخوذ منه؛ لأنه مجلس سرورٍ. متقابلينَ: يقالب بعضهم بعضاً، ولا ينظر أحد منهم إلى قفا صاحبه، والتَّقابلُ: التواجه، وهو نقيضُ التَّدابر.
قوله: ﴿يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ يجوز أن تكون هذه مستأنفة، ويجوز أن تكون حالاً من الضمير في «مُتَقَابلينَ» .
والنَّصَبُ: التَّعَبُ، يقال منه: نَصِبض يَنْصَبُ فهو نَصِبٌ ونَاصِبٌ، أنصبني كذا، قال: [الطويل]
3278 - تَأوَّبَنِي هَمٌّ مَعَ اللَّيْلِ مُنصِبُ..... ... ... ... ... ... ... ...
وهمَّ ناصبٌ، أي: ذُو نصبٍ، كلابن وتامر؛ قال النابغة: [الطويل] 3279 - كِلينِي لِهَمِّ يَا أمَيْمة نَاصبٍ ... ولْلٍ أقَاسيهِ بَطيءٍ الكَواكِبِ
و «مِنْهَا» متعلقه «بمُخْرجين» .
وهذه الآية أنصُّ آيةٍ في القرآن على الخلود.
الحجر 15:49
قوله تعالى: ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم﴾ أثبت الهمزة الساكنة في «نَبِّىء» صورة، وما أثبت في قوله: «دِفْءٌ» ؛ لأنَّ ما قبلها ساكنٌ، فهي تحذف كثيراً، وتلقى حركتها على الساكن قبلها ف «نَبِّىءْ» في الخط على تحقيق الهمزة، وليس قبل همزة «نَبِّىْ» ساكن؛ فأخَّروها على قياس الأصل.
وقوله: أنَا الغَفورُ «يجوز في» أنَا «أن يكون تأكيداً، أن يكون فصلاً» .
وقوله: ﴿هُوَ العذاب﴾ يجوزم في «هُوَ» الابتداء، والفصل، ولا يجوز التوكيد؛ إذ المظهر لا يؤكَّد بالمضمر.
فصل
ثبت في أصول الفقه أنَّ ترتيب الحكم على الوصف المناصب يشعر بغلبةِ ذلك الوصف، فهاهنا وصفهم بكونهم عباده، ثم ذكر عقب هذا الوصف الحكم بكونه غفوراً رحيماً، وهذا يدلُّ على أنَّ كلَّ من اعترف بالعبودية، وكان في حقِّه غفوراً رحيماً، ومن أنكر ذلك، كان مستوجباً للعذاب الأليم.
وفي الآية لطائف: أولها: أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله: «عِبَادي» وهذا تشريفٌ عظيمٌ، ويدل عليه قوله: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] .
وثانيها: أنه لما ذكر المغفرة، والرحمة بالغ في التَّأكيدات بألفاظٍ ثلاثة:
أولها: قوله: «أنِّي» .
وثانيها: «أنَا» .
وثالثها: إدخال الألف واللام على قوله: «الغَفُور الرَّحيمُ» ، ولما ذكر العذاب، لم يقول: إني إنا ولَمْ يَصفْ نفسهُ بِذلكَ، بل قال عزَّ وجلَّ: ﴿عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم﴾ .
وثالثها: أنه تعالى أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن يبلغ إليهم هذا المعنى، فكأنه أشهد رسوله على نفسه بالتزام المغفرة، والرحمة.
ورابعها: أنه تعالى لمَّا قال: ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي﴾ كان معناه: كلّ من اعترف بعبوديَّتي، وهنذا يشمل المؤمن، والعاصي، وكذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله تعالى.
قال قتادة: بلغنا أن نبيَّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَو يَعْلمشُ العَبدُ قَدْرِ عَفْوِ الله لمَا تورَّع عن حرامٍ، ولوْ عَلِمَ قدر عِقابِهِ لبَخَعَ نَفْسَهُ» أي: قتلها.
وعن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه مرَّ بِنفَرٍ من أصحابه، وهم يضحكُون، فقال: أتَْضحَكُون وبيْنَ أيديكمُ النَّارُ «فنزَل جِبريلُ صلوات الله وسلامه عليه بِهذِهِ الآية، وقال:» يقول لك يا محمَّد: لِمَ تقنط عِبادِي» .
وقال بان عبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: معنى: ﴿أَنَا الغفور الرحيم﴾ لمن تاب منهم.
الحجر 15:50
قوله تعالى: ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم﴾ أثبت الهمزة الساكنة في «نَبِّىء» صورة، وما أثبت في قوله: «دِفْءٌ» ؛ لأنَّ ما قبلها ساكنٌ، فهي تحذف كثيراً، وتلقى حركتها على الساكن قبلها ف «نَبِّىءْ» في الخط على تحقيق الهمزة، وليس قبل همزة «نَبِّىْ» ساكن؛ فأخَّروها على قياس الأصل.
وقوله: أنَا الغَفورُ «يجوز في» أنَا «أن يكون تأكيداً، أن يكون فصلاً» .
وقوله: ﴿هُوَ العذاب﴾ يجوزم في «هُوَ» الابتداء، والفصل، ولا يجوز التوكيد؛ إذ المظهر لا يؤكَّد بالمضمر.
فصل
ثبت في أصول الفقه أنَّ ترتيب الحكم على الوصف المناصب يشعر بغلبةِ ذلك الوصف، فهاهنا وصفهم بكونهم عباده، ثم ذكر عقب هذا الوصف الحكم بكونه غفوراً رحيماً، وهذا يدلُّ على أنَّ كلَّ من اعترف بالعبودية، وكان في حقِّه غفوراً رحيماً، ومن أنكر ذلك، كان مستوجباً للعذاب الأليم.
وفي الآية لطائف: أولها: أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله: «عِبَادي» وهذا تشريفٌ عظيمٌ، ويدل عليه قوله: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] .
وثانيها: أنه لما ذكر المغفرة، والرحمة بالغ في التَّأكيدات بألفاظٍ ثلاثة:
أولها: قوله: «أنِّي» .
وثانيها: «أنَا» .
وثالثها: إدخال الألف واللام على قوله: «الغَفُور الرَّحيمُ» ، ولما ذكر العذاب، لم يقول: إني إنا ولَمْ يَصفْ نفسهُ بِذلكَ، بل قال عزَّ وجلَّ: ﴿عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم﴾ .
وثالثها: أنه تعالى أمر رسوله صلوات الله وسلامه عليه أن يبلغ إليهم هذا المعنى، فكأنه أشهد رسوله على نفسه بالتزام المغفرة، والرحمة.
ورابعها: أنه تعالى لمَّا قال: ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي﴾ كان معناه: كلّ من اعترف بعبوديَّتي، وهنذا يشمل المؤمن، والعاصي، وكذلك يدل على تغليب جانب الرحمة من الله تعالى.
قال قتادة: بلغنا أن نبيَّ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَو يَعْلمشُ العَبدُ قَدْرِ عَفْوِ الله لمَا تورَّع عن حرامٍ، ولوْ عَلِمَ قدر عِقابِهِ لبَخَعَ نَفْسَهُ» أي: قتلها.
وعن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه مرَّ بِنفَرٍ من أصحابه، وهم يضحكُون، فقال: أتَْضحَكُون وبيْنَ أيديكمُ النَّارُ «فنزَل جِبريلُ صلوات الله وسلامه عليه بِهذِهِ الآية، وقال:» يقول لك يا محمَّد: لِمَ تقنط عِبادِي» .
وقال بان عبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: معنى: ﴿أَنَا الغفور الرحيم﴾ لمن تاب منهم.
الحجر 15:51
قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ القصَّة: لما قرَّر أمر النبوة، أردفه بدلائل التوحيد، ثمَّ عقبه بذكر أحوال القيامةِ، وصفة الأشقياء، والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ليكن سماعها مرغِّباً للعبادة الموجبة للفوز بدرجاتِ الأولياءِ، ومحذراً عن المعصية الموجبةِ لاستحقاقِ دركاتِ الأشقياءِ.
فقوله: «ونَبِّئْهُم» ، هذا الضمير راجعٌ إلى قوله عَزَّ وَجَلَّ: عِبَادِي» ، أي: ونبِّىء عبادي، يقال: أنْبأتُ القوم إنباءً ونَبَّأتهُم تَنْبئةً إذا أخبرتهم.
قوله: «عَن ضَيْفِ» ، أي [أضياف إبراهيم] ، والضَّيْفُ في الأص مصدر ضَافَ يضيفُ: إذا أتى إنساناً يطلب القوى، وهو اسمٌ يقع على الواحدِ، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنَّث.
فِإن قيل: كيف سمَّاهم ضيفاً، مع امتناعهم من الأكلِ؟ .
فالجواب: لمن ظنَّ إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنَّهم إنَّما دخلوا عليه لطلب الضِّيافة، جاز تسميتهم ذلك.
وقيل: من دخل [دار] إنسان، والتجأ إليه سمِّي ضيفاً، ون لم يأكل، وكان إبراهيم صلوات الله وسلامه علثيه يكنَّىأبا الضيفان، كان لقصره أربعة أبوابٍ، لكي لا فوته أحدٌ.
وسمِّي الضيف ضيفاً؛ لإضافته إليك، ونزوله عليك.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «ضَافهُ مَالَ إليه، وأضَافهُ: [أماله] ، ومنه الحديث: حِينَ تضيفلإ الشَّمسُ للغُروبِ. وضَيفُوفَةُ السَّهم، والإضافةُ النَّحوية» .
قوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ في «إذْ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول لفعل مقدر، أي: اذكر إذ دخلوا.
والثاني: أنه ظرف على بابه، وفي العامل فيه وجهان:
أحدهما: أنه محذوف، تقديره: خبر ضيف.
والثاني: أنه نفس «ضَيْفِ» ، وفي توجيه ذلك وجهان:
أحدهما: أنه لما كان في الأصل مصدراً اعتبر ذلك فيه، ويدلُّ على اعتبار مصدريته بعد الوصف به: عدم مطابقته لما قبله تثنية، وجمعاً وتأنيثاً في الأغلب، ولأنه قائم مقام وصفه، والوصف يعمل.
والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: أصحاب ضيف إبراهيم، أي: ضيافته، فالمصدر باقٍ على حاله، فلذلك عمل.
قال أبو البقاء بعد أن قدر أصحاب ضياتفه: والمصدر على هذا مضاف إلى المفعول.
قال شهابُ الدِّين: وفيه نظر، إذ الظَّاهر إضافته لفاعله؛ لأنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ سَلاماً﴾ ، أي نُسلِّم لك سلاماً أو سلَّمتُ سلاماً، أو سلمُوا سَلاماً، قاله القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
قال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون؛ لأنهم لم يأكلوا طعامه، وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت.
قوله: «لا تَوجَلْ» العامة على فتح التاء من «وجِلَ» ك: «شَرِبَ» يَشربُ، والفتح قياس» فَعِلَ «إلا أن العرب آثرت [يفعل بالكسر] في بعض الألفاظ إذا كانت واواً، نحو:» نَبِقَ» وقرأ الحسن: «لا تُوجَل» مبنياً للمفعول من الإيجال.
وقرىء: «لا تَأجَلْ» ، والأصل: «تَوْجل» كقراءة العامة، إلاَّ أبدل من الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها، وإن لم تتحرَّك كقولهم: «تَابةٌ» ، و «صَامةٌ» في «تَوْبة» ، و «صَوْمة» وسمع: اللَّهُم تقبَّل تَابتِي، وصَامتِي. وقرىء أيضاً: «لا تُواجِل» من المواجلة.
ومعنى الكلام: لاتخف؛ «إنَّا نَبشِّرُكَ» ، قرأ حمزة: «إنَّا نَبْشُركَ» بفتح النون وتخفيف الباء، والباقون بضم النون، وفتح الباء، و «إنَّا نُبشِّركَ» استئناف بمعنى التعليل للنهي عن الوجل، والمعنى إنَّك بمثابة الآمن المبشر فلا توةجل.
واعلم أنَّهم بشروهن بأمرين:
أحدهما: أنَّ الولد ذكرٌ، والثاني: أنه عليمٌ.
فقيل: بشَّروه بنبوته بعده، وقيل: عليم بالدِّين، فعجب إبراهيم أمره و ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر﴾ قرأ الأعرج: «بشَّرتُمونِي» بإسقاط أداة الاستفهام، فيحتمل الأخبار، ويحتمل الاستفهام، وإنما حذفت أدلته للعلم به.
وِ «على أنْ مسَّنيَ» في محل نصبٍ على الحال.
وقرأ ابن محيصن: «الكُبْر» بزنة «فُعْقولهخ:» فبمَ تبشّرون «» بِمَ «متعلقٌ ب» تُبشِّرُون» ، وقدم وجوباً؛ [لأنه] استفهام وله صدر الكلام.
وقرأ العامة: بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع؟ ولم يذكر مفعنول التبشير، وقرأ نافع بكسرها، والأصل: تبشروني فحذف الياء مجتزئاً عنها بالكسرة.
وقد غلطه أبو حاتم، وقال: هذا يكون في الشعر اضطراراً.
وقال مكي: «وقد طعن في هذه القراءة قومٌ لبُعدِ مخرجِها في العربيَّة؛ لأنَّ حذف النون التي تصحبُ الياء لا يحسنُ إلاَّ في الشِّعر، وإن قُدِّر حذف النون الأولى حذفت [علم] الرفع من غير ناصب، ولا جازم؛ ولأنَّ نون الرفع كسرها قبيحٌ، إنَّما حقُّها الفتح» .
وهذا الطعن لا يتلفت إليه، لأنَّ ياء المتكلم قد كثر حذفها مجتزءاً عنها بالكسرة، وقد قرىء بذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمرونيا﴾ [الزمر: 64] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ووجهه: أنَّه لما اجتمع نونان أحدهما نون الرفع، والأخرى نون الوقاية استثقل اللفظ، فمنهم من أدغم، ومنهم من حذف، ثم اختلف في المحذوفة، هل هي الأولى، أو الثانية، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام [الأنعام: 80] .
وقرأ ابن كثير بتشديدها مكسورة، أدغم الأولى في الثانية، وحذف ياء الإضافة، والحسن: أثبت الياء مع تشديد النون، ورجح قراءة من أثبت مفعول: «يُبشِّرُون» وهو الياء.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ «بَشَّرناكَ» ، و «بالحقِّ» متعلق بالفعل قبله، وضعف أن يكون حالاً، أي: قالوا بَشَّرنَاكَ.
ومعنى: «بالحَقِّ» هنا استفهام بمعنى التعجُّب، كأنه قيل: بأيَّ أعجوبةٍ تبشروني؟ .
فِإن قيل: كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلقِ الولدِ منه في زمانِ الكبرِ؟ وما فائدة هذا الاستفهام مع أنهم قد بينوا ما بشَّروا به؟ .
فِأجاب القاضي: بأنه أراد أن يعرف أنه تعالى هل يعطيه الولد مع أنه يبقيه على سفة الشيخوخة، أو يقلبه شابًّا، ثم يعطيه الولد؟ .
وسبب هذا الاستفهام: أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامَّة، وإنما يحصل في حال الشَّبابِ.
فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم، فلم قالوا: ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ ؟ .
قلنا: إنهم بيَّنوا أنه تعالى بشَّرهُ بالولد مع إبقائه على صفة الشَّيخوخَةِ، وقولهم ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ لايدل على أنه كان كذلك بدليل أنه صرَّح في جوابهم بما يدلُّ على أنَّه ليس كذلك فقال: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون﴾ .
وأجاب غيره: بأن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيءٍ، وفاته الوقت الذي يغلب على ظنِّه حصول المراد فيه، فإذا بشِّر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه، وسروره، ويصير ذلك الفرحُ القويُّ كالمدهش له، والمزيل لقوَّة فهمه، وذكائه، فربَّما تكلم بكلماتٍ مضطربة في ذلك الوقت.
وقيل أيضاً: إنه يستطيب تلك البشارة، فربَّما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرَّة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة، أو طلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق، كقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] وقيل أيضاً: استفهم: أبأمرِ الله تبشروني، أم من عند أنفسكم، واجتهادكم.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ قال ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد بما قضى الله تعالى.
وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ نهي لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عن القنوطِ، وقد تقدَّم أنَّ النهي لإنسان عن الشَّيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهيّ عنه، كقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: 48] ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [القصص: 78] .
قوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ﴾ هذا استفهام معناه النفي، ولذلك وقع بعد الإيجاب ب «إلاَ» .
وقرأ أبو عمرو، والكسائي: «يَقْنِطُ» بكسر عين هذا المضارع حيث وقع، والباقون بفتحها وزيد بن علي والأشهب بضمها، وفي الماضي لغتان «قنط» بكسر النون، «يَقنَطُ» بفتحها، وقنط «يقْنطُ» بكسرها، ولولا أن القراءة سنة متبعة، لكان قياس من قرأ ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: 28] وافلتح في الماضي هو الأكثر، ولذلك أجمع عليه.
قال الفارسي: فتح النون في الماضي، وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات، ويرجحُ قراءة «يَقْنَطُ» بالفتح قراءة أبي عمرو في بعض الروايات «فلا تكن من القنطين» كفَرِحشَ يفرح فهو فَرِحٌ.
والقُنُوط: شدَّة اليأسِ من الخَيرٍ، وحكى أبو عبيدة: «قَنُطَ» يَقْنُطُ بضمِّ النون.
قال ابن الخطيب: «وهذا يدلُّ على أنَّ» قَنَطَ «بفتح النون أكثر؛ لأن المضارع من» فَعَل «يجيء على» يَفْعِلُ ويَفْعُل «مثل: فَسقَ: ويَفْسُقُ، لا يجيء مضارع فَعَلَ على يَفْعَلُ» .
فصل
جواب إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حق؛ لأنَّ الفنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلاَّ عند الجهل بأمور:
أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادراً عليه.
وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالماً باحتياج ذلك العبد إليه.
وثالثها: أ، يحجهل كونه تعالى، منزّهاً عن البخل، والحاجة.
والجهل بكلِّ هذه الأمور سبب للضَّلالِ، القُنوط من رحمة الله كبيرة، كالأمن من مكرهِ.
قوله تعالى: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ الخطب: الشأن، والأمر، سألهم عمَّا لأجله أرسلهم الله تعالى.
فِإن قيل: إنَّ الملائكة لما بشَّروه بالولد الذَّكر العليمِ، كيف قال لهم بعد ذلك «فَمَا خَطْبُكمُ» ؟ .
فالجواب: قال الأصم: معناه: ما الذي وجتهم له سوى البُشْرَى؟ .
وقال القاضي: إنه علم أنه لو كان المقصود أيضاً البشارة، لكان الواحد من الملائكة كافياً، فلمَّا رأى جمعاً من الملائكة؛ علم أنَّ لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة، فلا جرم قال: «فَما خَطْبكُمْ» ؟ .
قيل: إنَّهم قالوا: إنَّا نُبشِّركَ بغُلامٍ عَليم لإزالة الخوف، والوجل، ألا ترى أنّه لما قال: ﴿إنا منكم وجلون﴾ قالوا له: ﴿لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم﴾ ، فلو كان المقصود من المجيء هو البشارة؛ كانوا ذكروا البشارة في أوَّل دخولهم، فلمَّا لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم صلوات الله وسلام عليه أنَّ مجيئهم ما كان لمجرَّد البشارة، بل لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض، قال: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ مشركين، وإنَّما اقتصوار على هذا القدر، لعلم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بأنَّ الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين، كان ذلك لأهلاكهم.
ويدل ع لى ذلك قوله: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قوله «إلا آل لُوطٍ» فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء متصل علىأنه مسثنى من الضمير المستكن في: «مُجرمِينَ» بمعنى أجرموا كلهم إلاَّ آل لوطٍ؛ فإنَّهم لم يجرموا، ويكون قولهم «إنَّا لمنجوهم» استئناف إخبار بنجاتهم، لكنهم لم يجرموا ولكن الإرسال حينئذ شاملاً للمجرمين ولآل لوط لإهلاك أولئك وأنجاء هؤلاء.
والثاني: أنه اسثناء منقطع؛ لأن آل لوط لم يندرجوا في المجرمين آلبتَّة.
قال أبو حيان: وإذا كان استثناء منقطعاً، فهو مما يجبُ فيه النصب؛ لأنه من الاستثناء الذي لا يمكن توجيه العامل إلى المستثنى منه؛ لأنهم لم يرسوال إليهم، إنما أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصَّة، ويكون قوله: «إنَّ لمُنجَّوهُمْ» جَرَى مَجْرى خبر لكن في اتِّصاله ب «آل لوطٍ» ؛ لأن المعنى: لكنَّ آل لوط منجوهم، وقد زعم بعض النحويين في الاستثناء المنقطع المقدَّر بلكن، إذ لم يكن بعده ما يصحُّ أن يكون خبراً: أنَّ الخبر محذوف، وأنه في موضع رفع لجريان: «إلاَّ» ، وتقديرها ب «لَكِن» .
قال شهابُ الدِّين: «وفيه نظرٌ؛ لأن قوله لا يتوجه إليه العامل أيك لا يمكن، نحو: ضحك القوم إلا حمارهم، وصهلت الخيلُ إلا الإبل. أمَّا هذا، فيمكن الإرسال إليهم من غير منع، وأمَّا قوله: لأنهم لم يرسلوا إليهم فصحيح؛ لأنَّ حكم الاستثناء كلَّه هكذا، وهو أن يكون خارجاً عمَّا حكم به على الأوَّل، لكنَّه لو سلط عليه لصحَّ ذلك بخلاف ما تقدَّم من أمثلتهم» .
قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قرأ الأخوان: «لمُنْجُوهمْ» مخففاً؛ وكذلك خففا أيضاً فعل هذه الصيغة في قوله تعالى في العنكبوت ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: 32] ؛ وكذلك خففا أيضاً قوله فيها: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [العنكبوت: 33] فهما جاريتان على سننٍ واحدٍ.
وقد وافقهما ابن كثير، وأبو بكر على تخفيف: «مُنجوكَ» كأنهما جمعا بَيْنَ اللغتين، وباقي السبعة بتشديد الكل. والتخفيف والتشديد لغتان مشهورتان من: نَجَّى وأنْجى، وأنزلَ، ونزَّل، وقد نطق بفعلهما، قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ [العنكبوت: 65] وفي موضع ﴿أَنجَاهُمْ﴾ [يونس: 23] .
قوله: ﴿امرأته﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استثناء من «آل لُوطٍ» . قال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: «والاستنثاء إذا جاء عبد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافاً إلى المبتدا كقولك:» لهُ عِندِي عشرةٌ إلا أربعة إلا درهماً «فإن الدرهم يستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشرة إلاَّ أربعة، أوعشرة إلاَّ ثلاثة» .
والثاني: أنها مستثناةٌ من الضمير المجرور في قوله «لمُنَجوهمْ» .
وقد منع الزمخشري رحمهن الله الوجه الأول، وعيَّن الثاني فقال: «فإن قلت: قوله:» إلا امرأتهُ» مِمَّ استثني؟ وهل هو استثناء نم استثناء؟ .
قلت: مستثنى من الضمير المجرور في قوله: «لمُنَجُّوهم» ، وليس من الاستثناء في شيء؛ لأن الاستثناء م الاستثناء إنَّما يكون فيما اتَّحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأتهُ، كما اتَّحد في قول المطلِّق: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا اثنين إلا واحدة، وقول المقرّ: لفلان علي عشرة درارهم إلا ثلاثة إلا درهماً، اما الآية فقد اختلف الحكمان؛ لأنّ: «آل لوطٍ» متعلق ب» أرْسَلْنَا «أوة ب» مُجرمِينَ» ، و «إلاَّ امْرأتهُ» قد تعلَّق بقوله: «لمُنجوهم» فأنَّى يكون استثناء من استثناء» .
قال أبو حيَّان: ولما استسلف الزمخشري أنَّ «امرأتهُ» استثناء من الضمير في لمُنجُّوهم «أبى أن يكون استثناء من استثناء، ومن قال: إنه استثناء من استثناء، فيمكن [تصحيح قوله] بأحد وجهين:
أحدهما: أنه لما كان امرأته مستثنى من الضمير في» لمُنَجوهُم «، وهو عائدٌ على» آل لوطٍ «صار كأنَّه مستثنى من:» آل لوطٍ» ؛ لأنَّ المضمر هو الظاهر.
والوجه الآخر: أن قوله «إلاَّ آل لوطٍ» لمَّا حكم عليهم بغير الحكم الذي حكم به على قوم مجرمين، اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تأكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى: إلا آل لوط لم نرسل إليهم بالعذاب، وجاتهم مرتبة على [عدم] الإرسال إليهم بالعذاب، فصار نظير ذلك: قام القومُ إلاَّ زيداً لم يقم أو إلاَّ زيداً فإنه لم يقم، فهذه الجملة تأكيدٌ لما تضمَّنهُ الاستثناء من الحكم على ما بعد إلاَّ بضدِّ الحكم السَّابق على المستثنى منه، ف: «إلاَّ امْرَأتهُ» على هذا التدقير الذي قرَّرناه مستثنى من: «آلَ لُوطٍ» ؛ لأنَّ الاستثناء ممَّا جيء به للتَّأسيس أولى من الاستثناء ممَّا جيء به للتأكيد.
قوله «قدَّرْنَا» قرأ أبو بكر ههنا، وفي سورة النمل بتخفيف الدَّال، والباقون بتشديدها، وهما لغتان: قَدَّر، وقَدَر.
قوله: «إنَّها» كسرت من أجل اللاّم في خبرها، ولولا [لَفُتِحَتْ] ، وهي معلقة لما قبلها؛ لأنَّ فعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم إمَّا لكونه بمعناه، وإمَّا لأنه مترتب عليه.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله: ﴿قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ ، والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم» .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى «وكسرت» إِنَّها «إجراء لفعل التقدير مجرى العلم» .
وهذا لا يصحُّ علة لكسرها، إنَّما يصحُّ علةً لتعليقها الفعل قبلها.
فصل
معنى التقدير في اللغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قدر هذا الشيثء بهذا، أي: اجعله على مقداره، وقدَّر الله سبحانه الأقوات، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثمَّ يفسر التقدير بالقضاء فيقال: قضى الله عليه، وقَدرَ عليه، أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير، والشر. وقيل: معنى: «قَدَّرْنَا» كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. فإن [قيل] لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله عزَّ وجلَّ؟
فالجواب: إنَّما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله، كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا [وأمرنا بكذا] ، والمدبر، والآمر هو الملك لا هم، وإنَّما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هنا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ في موضع مفعول، التقدير: قضينا أنها تتخلف، وتبقى مع من يبقى حتَّى يهلك، فتلحق بالهالكين.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ المرسلون﴾ القصة لما بشروا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بالولد، وأخبروه بأنهم مرسلون بالعذاب إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط عليه السلام، وإلى آله، وإنَّ لوطاً، وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة لله.
فقالوا: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ لأنهم لما هجموا عليه؛ استنكرهم، وخاف من دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه.
وقيل: خاف؛ لأنهم كانوا شبايا مرداً حسان الوجوه، فخاف أن يهجم قومه عليهم لطلبهم، فقال هذه الكلمة.
وقيل: إنَّ النكرة ضدّ المعرفة، فقوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ، أي: لا أعرفكم، وأعرف أنكم من أي الأقوام، ولأي غرض دخلتم عليّ، فقال: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ .
قوله: ﴿بَلْ جِئْنَاكَ﴾ إضراب عن الكلام المحذوف، تقديره: ما جئناك بما ينكر، ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا [كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ] .
وقد تقدَّم الخلاف في قوله: «فأسْرِ» قعاً ووصلاً في هود: [81] .
وقرأ اليماني فيما نقل ابن عطية، وصاحب اللوامح: «فَسِرْ» من السير. وقرأت فرقة بفتح الطاء، وقد تقدَّم في يونس أنَّ الكسائي، وابن كثير قرآه بالسكون في قوله «قِطْعاً» والباقون بالفتح.
قوله: قالت الملاكئة ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يشكون أنه نازلٌ بهم، وهو العذاب؛ لأنه كان يوعدهم بالعذاب، فلا يصدقونه، ثمَّ أكدوا ذلك بقولهم: ﴿وَآتَيْنَاكَ بالحق﴾ قال الكلبيُّ: بالعذاب، [وقيل] باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو العذاب] ثم أكدوا هذه التَّأكيد بقولهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ .
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ والقِطْعُ والقَطع: آخر الليل؛ قال: [الخفيف]
3280 - افْتَحِي البَابَ وانظُرِي في النُّجُومِ ... كَم عليْنَا مِن قِطْعِ ليْلٍ بَهِيمِ
﴿واتبع أَدْبَارَهُمْ﴾ ، أي سر خلفهم ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ لئلا ترتاعوا من أمر عظيم فأنزل بهم من العذاب.
وقيل: معناه الإسراع، وترك الاهتمام لما خلف وراءه، كما يقول: امض لشأنك، ولا تعرج على شيءٍ.
وقيل: المعنى لو بقي [منه] متاعٌ في ذلك الموضع، فلا يرجعن بسببه ألبتَّة.
وقيل: جعل الكله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوطٍ.
﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يعني «الشَّام» .
وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل. وقال مقاتل: يعني زغر. وقيل: «الأرْدن» .
قوله: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ «حَيْثُ» على بابها من كونها ظرف مكان مبهمٍ، ولإبهامها تعدي إليها الفعل من غير واسطةٍ، على أنه قد جاء في الشِّعر تعديته إليها ب «في» كقوله: [الطويل]
3281 - فَأصْبحَ في حَيْثُ التَقيْنَا شَردُهمْ ... طَليقٌ ومكْتوفُ اليَديْنِ ومُزْعِفُ
وزعم بعضهم أنها هنا ظرف زمانٍ، مستدلاً بقوله: ﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ ثم قال ﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي: في ذلك الزَّمان.
وهو ضعيف، ولو كان كما قال، لكان التركيب وأمضوا حيث أمرتهم على أنه لو جاء التَّركيب كذا لم يكن فيه دلالة.
قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ ضمَّن القضاء معنى الإيجاء؛ فلذلك تعدَّى تعيدته «إلى» ، ومثله ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: 4] .
و «ذَلكَ الأمْرَ» «ذَلِكَ» مفعول القضاءِ، والإشارة به إلى ما وعد من إهلاكِ قومه، و «الأمْرَ» إمَّا بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ له.
قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ﴾ العامة على فتح «أنَّ» وفيها أوجه:
أحدها: أنها بدل من «ذَلِكَ» إذا قلنا: «الأمْرَ» عطف بيان.
الثاني: أنَّها بدلٌ من «الأمْرَ» سواء قلنا: إنه بيان أو بدل مما قبله.
الثالث: أنه على حذف الجار، أي: بأنَّ دابر، ففيه الخلاف المشهور.
وقرأ زيد بن علي، والأعمش بكسرها؛ لأنه بمعنى القول.
وعلَّله أبو حيان: بأنه لمَّا علق ما هو بمعنى العلم؛ كسر.
وفيه النظر المتقدم.
ويؤيِّد إضمار القول قراءة ابن مسعودٍ: وقلنا إنَّ دابر هؤلاء.
ودابرهم: آخرهم «مَقطوعٌ» مستأصل، يعني مستأصلون عن آخرهم؛ حتى لا يبقى منهم أحد «مُصْبحينَ» ، أي في حال ظهور الصبح، فهو حال من الضمير المستتر في: «مَقطُوعٌ» ، وإنَّما جمع حملاً على المعنى، وجعله الفرَّاء، وأبو عبيدة خبراً لكان المضمرة، قالا: تقديره: إذا كانوا مصبحين، نحو «أنْتَ مَاشِياً أحسنُ مِنْكَ رَاكِباً» .
وهو تكلفٌ، و «مُصْبحِينَ» داخلين في الصَّباحِ.
قوله: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ ، أي: مدينة لوط، يعني: «سدُوم» «يَسْتبشِرُونَ» حالٌ، أي: يستبشرون بأضياف لوطٍ، يبشر بعضهم بعضاً في ركوب الفاحشة منهم.
قيل: إنَّ الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم.
وقيل: أخبرتهم امرأة لوطٍ بذلك؛ فذهبوا إلى دارِ لوطٍ؛ طلباً منهم لأولئك المردِ.
فقال لهم لوط صلوات الله وسلامه عليه: «هَؤلاءِ ضَيْفِي» وحق على الرجل إكرام ضيفه، «فلا تَفْضحُونِ» فيهم.
يقال: فَضحَهُ يَفضحُه فَضْحاص، وفَضِيحَةً، إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، والفَضِيحُ والفَضِيحةُ: البيان، والظُّهورُ، ومنه: فَضِيحَةُ الصُّبْحِ؛ قال الشاعر: [البسيط]
3282 - وَلاحَ ضَوءُ هِلالِ اللَّيْلِ يَفْضحُنَا ... مِثْلَ القُلامَةِ قَدْ قُصَّتْ مِنَ الظُّفُرِ
إلا أنَّ الفضحية اختصت بما هو عارٌ على الإنسان عند ظهوره.
ومعنى الآية: أن الضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموه بالسُّوءِ كان ذلك إهانة بي، ثمَّ أكد ذلك بقوله: ﴿واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ولا تخجلون، فأجابوه بقولهم: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين﴾ ، أي: عن أن تضيِّف أحداً من العالمين.
وقيل: ألم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة؛ فإنا نركبُ منه الفاحشة.
قوله: ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ يجوز فيه أوجه:
أحدها: أ، يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مفعولاً بفعل مقدرٍ، أي: تزوَّجُوا هؤلاء، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيانٌ.
الثاني: أن يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مبتدأ وخبراً، ولا بدَّ من شيء محذوف تتمُّ به الفائدة، أي: فتزوَّجُوهنَّ.
الثالث: أن يكون «هَولاءِ» مبتدأ، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيان والخبر محذوف، أي: هُنَّ أطهر لكم كما جاء في نظيرتها.
وتقدَّم الكلام على هذه المعاني في هود.
قوله ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، ومثله: لايْمُن الله، و «إنَّهُمْ» ، وما في حيزه جواب القسم، تقديره: لعمرك قسمي، أو يميني إنهم، والعُمُرُ والعَمْر بالفتح والضم هو البقاء، إلا أنَّهم التزموا الفتح في القسم.
قال الزجاج: لأنه اخفُّ عليهم، وهم يكثرون القسم ب «لعَمْرِي ولعَمْرُكَ» .
وله أحكام كثيرة:
منها: أنه متى اقترن بلام الابتداء؛ ألزم فيه الرفع بالابتداء، وحذف خبره لسد جواب القسم مسدَّه.
ومنها: أنه يصير صريحاً في القسم، أي: يتعيَّن فيه، بخلاف غيره نحو: عَهْدُ اللهِ ومِثَاقُه.
ومنها: أنه يلزم فتح عينه.
فإن لم يقترن به لام الابتداء، جاز نصبه بفعلٍ مقدرٍ، نحو: عَمْرُ اللهِ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذٍ في الجلالة وجهان:
النَّصبُ والرفع فالنصب على أنه مصدرٌ مضاف لفاعله، وفي ذلك معنيان:
أحدهما: أن الأصل: أسألك بعمرك الله، أي: بوصفك الله تعالى بالبقاء، ثم حذف زوائد المصدر.
والثاني: أن المعنى: بعبادتك الله، والعَمْرُ: العِبادةُ.
حكى ابن الأعرابي: إنِّي عمرتُ ربِّي، أي: عبدته، وفلان عامر لربِّه، أي: عابده.
وأمَّا الرفع: فعلى أنه مضاف لمفعوله.
قال الفارسي رَحِمَهُ اللَّهُ: معناه [عَمَّرك] الله تعميراً، وقال الأخفش: أصله: أسْألك بِيُعمرك الله، فحذف زوائد المصدر، والفعل، والياء، فانتصب، وجاز أيضاً ذكر خبره، فتقول: عمرك قسمي لأقومن، وجاز أيضاً ضمُّ عينه، وينشد بالوجهين قوله: [الخفيف]
3283 - أيُّهَا المُنْكِحُ الثُريَّا سُهَيلاً ... عَمركَ الله كيْفَ يَلتقِيَانِ
هِيَ شَامِيَّةٌ إذَا ما استقلَّتْ ... وسُهَيْلٌ إذا اسْتقل يَمانِي
ويجوز دخول باء الجر عليه؛ نحو: بعمرك لأفعلنَّ؛ قال: [الوافر]
3284 - رُقيَّ بِعمْرِكُم لا تَهْجُرينَا ... ومَنِّينَا المُنَى ثُمَّ امْطُلينا
وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، فلا يقطع عنها، ويضاف لكل شيء، وزعم بعضهم: أنه لا يضاف إلى الله تعالى.
قيل: كان هذا يوهم أنه لا يستعمل إلا شفي الانقطاع، وقد سمع إضافته للباري تعالى. قال الشاعر: [الوافر]
3285 - إذَا رَضِيَتْ عليَّ بَنُو قُشيْرٍ ... لعَمْرُ الله أعْجَبنِي رِضَاهَا
ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلِّم، قال لأنه حلف بحياة المقسم، وقد ورد ذلك، قال النابغة: [الطويل] 3286 - لعَمْرِي وما عمْرِي عليَّ بِهيِّنٍ ... لقد نَطقَتْ بُطلاً عليَّ الأقَارعُ
وقد قلبته العرب لتقديم رائه على لامه، فقالوا: وعملي، وهي رديئة.
«إنَّهُمْ» العامة على كسر «إنَّ» لوقوع اللام في خبرها، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي له «أنَّ» فتحها، وتخريجها على زيادة اللام، وهي كقراءة ابن جبيرٍ (ألا أنهم ليأكلون الطعام] بالفتح.
وقرأ الأعمش: «سَكْرهُمْ» بغير تاء، وابن أبي عبلة «سَكرَاتهِمِ» جمعاً، والأشهب: «سُكْرتِهِم» بضم السين.
و «يَعْمَهُونَ» حال إمَّا من الضمير المستكن في الجار، وإمَّا من الضمير المجرور بالإضافة، والعامل إمَّا نفس سكرة، لأنَّها مصدر، وإمَّا معنى الإضافة.
فصل
قيل: إن الملائكة عليهم السلام قالت للوطٍ صلوات الله وسلامه عليه «لعَمُركَ إنَّهم لَفِي سَكرتِهمْ يَعْمَهُونَ» : يتحيَّرون.
وقال قتادة: يلعبون فكيف يعقلون قولك ويتلفتون إلى نصيحتك؟ .
وقيل: إنَّ الخطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإنَّه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحدٍ.
روى أبو الجوزاء عن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال ما خلقَ الله نفساً أكرم على الله من محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وما أقْسمَ بحياةِ أحدٍ إلاَّ بحياتهِ.
قال ابن العربي: قال المفسرون بإجماعهم: أقسم الله تعالى ها هنا بحياةِ محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تشريفاً له، أنَّ قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حريتهم يترددون، وقال القاضي عياضٌ: اتفق أهل التفسير في هذا: أنَّه قسم من الله تعالى بمدة حياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصله ضمُّ العين من العمر، ولكنها فتحت بكثرة.
قال ابن العربي: ما الذي يمنعُ أن يقسم الله تعالى بحياة لوطٍ، ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكلُّ ما يعيطه الله للوطٍ من فضل، يعطي ضعفه لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ لأنَّه أكرم على الله منه؛ أو لات تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلَّة، وموسى التكليم، وأعطلى ذلك لمحمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإذا أقسم بحياة لوطٍ، فحياة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرفعُ، ولا يخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكرٌ لغير ضرورةٍ.
قال القرطبيُّ: ما قاله حسنٌ، فإنَّه كان يكون قسمة سبحانه بحياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كلاماً معترضاً في قصَّة لوط.
قال القشيريُّ: يحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوطٍ؛ أي كانوا في سكرتهم يعمهون، أي لمَّا وعظ لوطٌ قومه وقال: هؤلاء بناتي، قالت الملائكة: يا لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ولا يدرون ما يحلُّ بهم صباحاً.
فإن قيل: فقد أقسم الله تعالى بالتِّين، والزَّيتونِ، وطور سنين، وما في هذا من الفضل؟ قيل له: ما من شيء أقسم الله به، إلاّ وفي ذلك دلالة على فضل على ما يدخل في عداده، فكذلك محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ثم قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة﴾ ، ولم يذكر في الآية صيحة من هي فإن ثبت بدليل قوي أن تلك صيحة جبريل قيل به وإلا فليس في الآية دليلٌ على أنه جاءتهم صيحة مهلكة.
قوله «مُشْرقينَ» «حال من مفعول» أخَذتْهُمْ» ، أي داخلين في الشروق، أي: بزوغِ الشَّمسِ.
يقال: شَرَق الشارق يَشْرُق شُرُوقاً لكل ما طلع من جانب الشرع، ومنه قوله: ما ذرَّ شَارِقٌ، أي طلع طَالعٌ فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا وتمامه حين أشرقوا.
والضمير في: «عَاليهَا وسَافِلهَا» للمدينة. وقال الزمخشريُّ: «لقرى لقوم لوط» .
ورجح الأول بأنه تقدَّم ذكر المدينة في قوله ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ فعاد الضمير إليها بخلاف الثاني، فإنه لم يتقدَّم لفظ القرى.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ تقدم الكلام على ذلك كله في هود: [82] .
قوله ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ متعلق بمحذوف على أنه صفة ل» آيَاتٌ «وأجود أن يتعلق بنفس» آيَاتٌ» ؛ لأنَّها بمعنى العلامات.
والتوسُّم: تفعل من الوسم، والوسمُ أصله: التَّثبت، والتَّفكر مأخوذ من الوسمِ، وهو التَّأثير بحديد في جلد البعير، أو غيره.
وقال ثعلب: الوَاسِمُ النَّاظر إليك من [قرنك] إلى قدمك، وفيه معنى التَّثبيت.
وقال الزجاج: حقيقة المتوسِّمين في اللغة: المثبتون في نظرهم حتَّى يعرفوا سمة الشيء، وصفته وعلامته وهو استقصاءُ وجوه التَّعرف قال: [الكامل]
3287 - أوَ كُلما وردَتْ عُكاظَ قَبيلَةٌ ... بَعَثَتْ إليَّ عَريفَهَا يَتوسَّم
وقيل: هو تفعُّل من الوسمِ، وهو العلامة، توسَّمتُ فيك خيراً، أي: ظهر لي مِيسَمُهُ عليك.
قال ابن رواحة يمدحُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [البسيط]
3288 - إنِّي تَوسَّمْتُ فِيكَ الخَيرَ أعْرفهُ ... واللهُ يَعْلمُ أنِّي ثَابتُ البَصرِ
وقال آخر: [الطويل]
3289 - تَوسَّمْتهُ لمَّا رَأيْتُ مَهَابَةٌ ... عَليْهِ، وقُلْتُ المَرْءُ مِنْ آلِ هَاشمِ
ويقال: اتَّسمَ الرَّجلُ، إذا اتَّخذَ لِنفْسِه عَلامةً يُعرف بِهَا، وتوسَّم: إذا طلبَ كلأ الوسمي، أي: العُشْبَ النَّابت في أوَّل المطر.
واختلف المفسِّرون: فقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما للنَّاظرين.
وقال مجاهدٌ للمتفرِّسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتلٌ للمتفكرين.
قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ الظاهر عود الضمير على المدينة، أو القرى وقيل على الحجارة وقيل: على الآيات، والمعنى: بطريقٍ قال مجاهد هذا طريق معلم، وليس بخفيّ، ولا زائلٍ.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، إي: كل من آمن بالله، ويصدق بالأنبياء، والرُّسلِ صلوات الله وسلامه عليهم؛ عرف أنَّما كان انتقامُ الله من الجُهَّال لأجل مخالفتهم، وأمَّا الذين لا يؤمنون؛ فيحملونه على حوادث [العالم] ، وحصول القرانات الكوكبية، والاتصالات الفلكية.
الحجر 15:52
قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ القصَّة: لما قرَّر أمر النبوة، أردفه بدلائل التوحيد، ثمَّ عقبه بذكر أحوال القيامةِ، وصفة الأشقياء، والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ليكن سماعها مرغِّباً للعبادة الموجبة للفوز بدرجاتِ الأولياءِ، ومحذراً عن المعصية الموجبةِ لاستحقاقِ دركاتِ الأشقياءِ.
فقوله: «ونَبِّئْهُم» ، هذا الضمير راجعٌ إلى قوله عَزَّ وَجَلَّ: عِبَادِي» ، أي: ونبِّىء عبادي، يقال: أنْبأتُ القوم إنباءً ونَبَّأتهُم تَنْبئةً إذا أخبرتهم.
قوله: «عَن ضَيْفِ» ، أي [أضياف إبراهيم] ، والضَّيْفُ في الأص مصدر ضَافَ يضيفُ: إذا أتى إنساناً يطلب القوى، وهو اسمٌ يقع على الواحدِ، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنَّث.
فِإن قيل: كيف سمَّاهم ضيفاً، مع امتناعهم من الأكلِ؟ .
فالجواب: لمن ظنَّ إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنَّهم إنَّما دخلوا عليه لطلب الضِّيافة، جاز تسميتهم ذلك.
وقيل: من دخل [دار] إنسان، والتجأ إليه سمِّي ضيفاً، ون لم يأكل، وكان إبراهيم صلوات الله وسلامه علثيه يكنَّىأبا الضيفان، كان لقصره أربعة أبوابٍ، لكي لا فوته أحدٌ.
وسمِّي الضيف ضيفاً؛ لإضافته إليك، ونزوله عليك.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «ضَافهُ مَالَ إليه، وأضَافهُ: [أماله] ، ومنه الحديث: حِينَ تضيفلإ الشَّمسُ للغُروبِ. وضَيفُوفَةُ السَّهم، والإضافةُ النَّحوية» .
قوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ في «إذْ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول لفعل مقدر، أي: اذكر إذ دخلوا.
والثاني: أنه ظرف على بابه، وفي العامل فيه وجهان:
أحدهما: أنه محذوف، تقديره: خبر ضيف.
والثاني: أنه نفس «ضَيْفِ» ، وفي توجيه ذلك وجهان:
أحدهما: أنه لما كان في الأصل مصدراً اعتبر ذلك فيه، ويدلُّ على اعتبار مصدريته بعد الوصف به: عدم مطابقته لما قبله تثنية، وجمعاً وتأنيثاً في الأغلب، ولأنه قائم مقام وصفه، والوصف يعمل.
والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: أصحاب ضيف إبراهيم، أي: ضيافته، فالمصدر باقٍ على حاله، فلذلك عمل.
قال أبو البقاء بعد أن قدر أصحاب ضياتفه: والمصدر على هذا مضاف إلى المفعول.
قال شهابُ الدِّين: وفيه نظر، إذ الظَّاهر إضافته لفاعله؛ لأنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ سَلاماً﴾ ، أي نُسلِّم لك سلاماً أو سلَّمتُ سلاماً، أو سلمُوا سَلاماً، قاله القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
قال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون؛ لأنهم لم يأكلوا طعامه، وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت.
قوله: «لا تَوجَلْ» العامة على فتح التاء من «وجِلَ» ك: «شَرِبَ» يَشربُ، والفتح قياس» فَعِلَ «إلا أن العرب آثرت [يفعل بالكسر] في بعض الألفاظ إذا كانت واواً، نحو:» نَبِقَ» وقرأ الحسن: «لا تُوجَل» مبنياً للمفعول من الإيجال.
وقرىء: «لا تَأجَلْ» ، والأصل: «تَوْجل» كقراءة العامة، إلاَّ أبدل من الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها، وإن لم تتحرَّك كقولهم: «تَابةٌ» ، و «صَامةٌ» في «تَوْبة» ، و «صَوْمة» وسمع: اللَّهُم تقبَّل تَابتِي، وصَامتِي. وقرىء أيضاً: «لا تُواجِل» من المواجلة.
ومعنى الكلام: لاتخف؛ «إنَّا نَبشِّرُكَ» ، قرأ حمزة: «إنَّا نَبْشُركَ» بفتح النون وتخفيف الباء، والباقون بضم النون، وفتح الباء، و «إنَّا نُبشِّركَ» استئناف بمعنى التعليل للنهي عن الوجل، والمعنى إنَّك بمثابة الآمن المبشر فلا توةجل.
واعلم أنَّهم بشروهن بأمرين:
أحدهما: أنَّ الولد ذكرٌ، والثاني: أنه عليمٌ.
فقيل: بشَّروه بنبوته بعده، وقيل: عليم بالدِّين، فعجب إبراهيم أمره و ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر﴾ قرأ الأعرج: «بشَّرتُمونِي» بإسقاط أداة الاستفهام، فيحتمل الأخبار، ويحتمل الاستفهام، وإنما حذفت أدلته للعلم به.
وِ «على أنْ مسَّنيَ» في محل نصبٍ على الحال.
وقرأ ابن محيصن: «الكُبْر» بزنة «فُعْقولهخ:» فبمَ تبشّرون «» بِمَ «متعلقٌ ب» تُبشِّرُون» ، وقدم وجوباً؛ [لأنه] استفهام وله صدر الكلام.
وقرأ العامة: بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع؟ ولم يذكر مفعنول التبشير، وقرأ نافع بكسرها، والأصل: تبشروني فحذف الياء مجتزئاً عنها بالكسرة.
وقد غلطه أبو حاتم، وقال: هذا يكون في الشعر اضطراراً.
وقال مكي: «وقد طعن في هذه القراءة قومٌ لبُعدِ مخرجِها في العربيَّة؛ لأنَّ حذف النون التي تصحبُ الياء لا يحسنُ إلاَّ في الشِّعر، وإن قُدِّر حذف النون الأولى حذفت [علم] الرفع من غير ناصب، ولا جازم؛ ولأنَّ نون الرفع كسرها قبيحٌ، إنَّما حقُّها الفتح» .
وهذا الطعن لا يتلفت إليه، لأنَّ ياء المتكلم قد كثر حذفها مجتزءاً عنها بالكسرة، وقد قرىء بذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمرونيا﴾ [الزمر: 64] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ووجهه: أنَّه لما اجتمع نونان أحدهما نون الرفع، والأخرى نون الوقاية استثقل اللفظ، فمنهم من أدغم، ومنهم من حذف، ثم اختلف في المحذوفة، هل هي الأولى، أو الثانية، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام [الأنعام: 80] .
وقرأ ابن كثير بتشديدها مكسورة، أدغم الأولى في الثانية، وحذف ياء الإضافة، والحسن: أثبت الياء مع تشديد النون، ورجح قراءة من أثبت مفعول: «يُبشِّرُون» وهو الياء.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ «بَشَّرناكَ» ، و «بالحقِّ» متعلق بالفعل قبله، وضعف أن يكون حالاً، أي: قالوا بَشَّرنَاكَ.
ومعنى: «بالحَقِّ» هنا استفهام بمعنى التعجُّب، كأنه قيل: بأيَّ أعجوبةٍ تبشروني؟ .
فِإن قيل: كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلقِ الولدِ منه في زمانِ الكبرِ؟ وما فائدة هذا الاستفهام مع أنهم قد بينوا ما بشَّروا به؟ .
فِأجاب القاضي: بأنه أراد أن يعرف أنه تعالى هل يعطيه الولد مع أنه يبقيه على سفة الشيخوخة، أو يقلبه شابًّا، ثم يعطيه الولد؟ .
وسبب هذا الاستفهام: أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامَّة، وإنما يحصل في حال الشَّبابِ.
فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم، فلم قالوا: ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ ؟ .
قلنا: إنهم بيَّنوا أنه تعالى بشَّرهُ بالولد مع إبقائه على صفة الشَّيخوخَةِ، وقولهم ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ لايدل على أنه كان كذلك بدليل أنه صرَّح في جوابهم بما يدلُّ على أنَّه ليس كذلك فقال: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون﴾ .
وأجاب غيره: بأن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيءٍ، وفاته الوقت الذي يغلب على ظنِّه حصول المراد فيه، فإذا بشِّر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه، وسروره، ويصير ذلك الفرحُ القويُّ كالمدهش له، والمزيل لقوَّة فهمه، وذكائه، فربَّما تكلم بكلماتٍ مضطربة في ذلك الوقت.
وقيل أيضاً: إنه يستطيب تلك البشارة، فربَّما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرَّة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة، أو طلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق، كقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] وقيل أيضاً: استفهم: أبأمرِ الله تبشروني، أم من عند أنفسكم، واجتهادكم.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ قال ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد بما قضى الله تعالى.
وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ نهي لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عن القنوطِ، وقد تقدَّم أنَّ النهي لإنسان عن الشَّيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهيّ عنه، كقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: 48] ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [القصص: 78] .
قوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ﴾ هذا استفهام معناه النفي، ولذلك وقع بعد الإيجاب ب «إلاَ» .
وقرأ أبو عمرو، والكسائي: «يَقْنِطُ» بكسر عين هذا المضارع حيث وقع، والباقون بفتحها وزيد بن علي والأشهب بضمها، وفي الماضي لغتان «قنط» بكسر النون، «يَقنَطُ» بفتحها، وقنط «يقْنطُ» بكسرها، ولولا أن القراءة سنة متبعة، لكان قياس من قرأ ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: 28] وافلتح في الماضي هو الأكثر، ولذلك أجمع عليه.
قال الفارسي: فتح النون في الماضي، وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات، ويرجحُ قراءة «يَقْنَطُ» بالفتح قراءة أبي عمرو في بعض الروايات «فلا تكن من القنطين» كفَرِحشَ يفرح فهو فَرِحٌ.
والقُنُوط: شدَّة اليأسِ من الخَيرٍ، وحكى أبو عبيدة: «قَنُطَ» يَقْنُطُ بضمِّ النون.
قال ابن الخطيب: «وهذا يدلُّ على أنَّ» قَنَطَ «بفتح النون أكثر؛ لأن المضارع من» فَعَل «يجيء على» يَفْعِلُ ويَفْعُل «مثل: فَسقَ: ويَفْسُقُ، لا يجيء مضارع فَعَلَ على يَفْعَلُ» .
فصل
جواب إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حق؛ لأنَّ الفنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلاَّ عند الجهل بأمور:
أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادراً عليه.
وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالماً باحتياج ذلك العبد إليه.
وثالثها: أ، يحجهل كونه تعالى، منزّهاً عن البخل، والحاجة.
والجهل بكلِّ هذه الأمور سبب للضَّلالِ، القُنوط من رحمة الله كبيرة، كالأمن من مكرهِ.
قوله تعالى: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ الخطب: الشأن، والأمر، سألهم عمَّا لأجله أرسلهم الله تعالى.
فِإن قيل: إنَّ الملائكة لما بشَّروه بالولد الذَّكر العليمِ، كيف قال لهم بعد ذلك «فَمَا خَطْبُكمُ» ؟ .
فالجواب: قال الأصم: معناه: ما الذي وجتهم له سوى البُشْرَى؟ .
وقال القاضي: إنه علم أنه لو كان المقصود أيضاً البشارة، لكان الواحد من الملائكة كافياً، فلمَّا رأى جمعاً من الملائكة؛ علم أنَّ لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة، فلا جرم قال: «فَما خَطْبكُمْ» ؟ .
قيل: إنَّهم قالوا: إنَّا نُبشِّركَ بغُلامٍ عَليم لإزالة الخوف، والوجل، ألا ترى أنّه لما قال: ﴿إنا منكم وجلون﴾ قالوا له: ﴿لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم﴾ ، فلو كان المقصود من المجيء هو البشارة؛ كانوا ذكروا البشارة في أوَّل دخولهم، فلمَّا لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم صلوات الله وسلام عليه أنَّ مجيئهم ما كان لمجرَّد البشارة، بل لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض، قال: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ مشركين، وإنَّما اقتصوار على هذا القدر، لعلم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بأنَّ الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين، كان ذلك لأهلاكهم.
ويدل ع لى ذلك قوله: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قوله «إلا آل لُوطٍ» فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء متصل علىأنه مسثنى من الضمير المستكن في: «مُجرمِينَ» بمعنى أجرموا كلهم إلاَّ آل لوطٍ؛ فإنَّهم لم يجرموا، ويكون قولهم «إنَّا لمنجوهم» استئناف إخبار بنجاتهم، لكنهم لم يجرموا ولكن الإرسال حينئذ شاملاً للمجرمين ولآل لوط لإهلاك أولئك وأنجاء هؤلاء.
والثاني: أنه اسثناء منقطع؛ لأن آل لوط لم يندرجوا في المجرمين آلبتَّة.
قال أبو حيان: وإذا كان استثناء منقطعاً، فهو مما يجبُ فيه النصب؛ لأنه من الاستثناء الذي لا يمكن توجيه العامل إلى المستثنى منه؛ لأنهم لم يرسوال إليهم، إنما أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصَّة، ويكون قوله: «إنَّ لمُنجَّوهُمْ» جَرَى مَجْرى خبر لكن في اتِّصاله ب «آل لوطٍ» ؛ لأن المعنى: لكنَّ آل لوط منجوهم، وقد زعم بعض النحويين في الاستثناء المنقطع المقدَّر بلكن، إذ لم يكن بعده ما يصحُّ أن يكون خبراً: أنَّ الخبر محذوف، وأنه في موضع رفع لجريان: «إلاَّ» ، وتقديرها ب «لَكِن» .
قال شهابُ الدِّين: «وفيه نظرٌ؛ لأن قوله لا يتوجه إليه العامل أيك لا يمكن، نحو: ضحك القوم إلا حمارهم، وصهلت الخيلُ إلا الإبل. أمَّا هذا، فيمكن الإرسال إليهم من غير منع، وأمَّا قوله: لأنهم لم يرسلوا إليهم فصحيح؛ لأنَّ حكم الاستثناء كلَّه هكذا، وهو أن يكون خارجاً عمَّا حكم به على الأوَّل، لكنَّه لو سلط عليه لصحَّ ذلك بخلاف ما تقدَّم من أمثلتهم» .
قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قرأ الأخوان: «لمُنْجُوهمْ» مخففاً؛ وكذلك خففا أيضاً فعل هذه الصيغة في قوله تعالى في العنكبوت ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: 32] ؛ وكذلك خففا أيضاً قوله فيها: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [العنكبوت: 33] فهما جاريتان على سننٍ واحدٍ.
وقد وافقهما ابن كثير، وأبو بكر على تخفيف: «مُنجوكَ» كأنهما جمعا بَيْنَ اللغتين، وباقي السبعة بتشديد الكل. والتخفيف والتشديد لغتان مشهورتان من: نَجَّى وأنْجى، وأنزلَ، ونزَّل، وقد نطق بفعلهما، قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ [العنكبوت: 65] وفي موضع ﴿أَنجَاهُمْ﴾ [يونس: 23] .
قوله: ﴿امرأته﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استثناء من «آل لُوطٍ» . قال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: «والاستنثاء إذا جاء عبد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافاً إلى المبتدا كقولك:» لهُ عِندِي عشرةٌ إلا أربعة إلا درهماً «فإن الدرهم يستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشرة إلاَّ أربعة، أوعشرة إلاَّ ثلاثة» .
والثاني: أنها مستثناةٌ من الضمير المجرور في قوله «لمُنَجوهمْ» .
وقد منع الزمخشري رحمهن الله الوجه الأول، وعيَّن الثاني فقال: «فإن قلت: قوله:» إلا امرأتهُ» مِمَّ استثني؟ وهل هو استثناء نم استثناء؟ .
قلت: مستثنى من الضمير المجرور في قوله: «لمُنَجُّوهم» ، وليس من الاستثناء في شيء؛ لأن الاستثناء م الاستثناء إنَّما يكون فيما اتَّحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأتهُ، كما اتَّحد في قول المطلِّق: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا اثنين إلا واحدة، وقول المقرّ: لفلان علي عشرة درارهم إلا ثلاثة إلا درهماً، اما الآية فقد اختلف الحكمان؛ لأنّ: «آل لوطٍ» متعلق ب» أرْسَلْنَا «أوة ب» مُجرمِينَ» ، و «إلاَّ امْرأتهُ» قد تعلَّق بقوله: «لمُنجوهم» فأنَّى يكون استثناء من استثناء» .
قال أبو حيَّان: ولما استسلف الزمخشري أنَّ «امرأتهُ» استثناء من الضمير في لمُنجُّوهم «أبى أن يكون استثناء من استثناء، ومن قال: إنه استثناء من استثناء، فيمكن [تصحيح قوله] بأحد وجهين:
أحدهما: أنه لما كان امرأته مستثنى من الضمير في» لمُنَجوهُم «، وهو عائدٌ على» آل لوطٍ «صار كأنَّه مستثنى من:» آل لوطٍ» ؛ لأنَّ المضمر هو الظاهر.
والوجه الآخر: أن قوله «إلاَّ آل لوطٍ» لمَّا حكم عليهم بغير الحكم الذي حكم به على قوم مجرمين، اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تأكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى: إلا آل لوط لم نرسل إليهم بالعذاب، وجاتهم مرتبة على [عدم] الإرسال إليهم بالعذاب، فصار نظير ذلك: قام القومُ إلاَّ زيداً لم يقم أو إلاَّ زيداً فإنه لم يقم، فهذه الجملة تأكيدٌ لما تضمَّنهُ الاستثناء من الحكم على ما بعد إلاَّ بضدِّ الحكم السَّابق على المستثنى منه، ف: «إلاَّ امْرَأتهُ» على هذا التدقير الذي قرَّرناه مستثنى من: «آلَ لُوطٍ» ؛ لأنَّ الاستثناء ممَّا جيء به للتَّأسيس أولى من الاستثناء ممَّا جيء به للتأكيد.
قوله «قدَّرْنَا» قرأ أبو بكر ههنا، وفي سورة النمل بتخفيف الدَّال، والباقون بتشديدها، وهما لغتان: قَدَّر، وقَدَر.
قوله: «إنَّها» كسرت من أجل اللاّم في خبرها، ولولا [لَفُتِحَتْ] ، وهي معلقة لما قبلها؛ لأنَّ فعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم إمَّا لكونه بمعناه، وإمَّا لأنه مترتب عليه.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله: ﴿قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ ، والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم» .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى «وكسرت» إِنَّها «إجراء لفعل التقدير مجرى العلم» .
وهذا لا يصحُّ علة لكسرها، إنَّما يصحُّ علةً لتعليقها الفعل قبلها.
فصل
معنى التقدير في اللغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قدر هذا الشيثء بهذا، أي: اجعله على مقداره، وقدَّر الله سبحانه الأقوات، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثمَّ يفسر التقدير بالقضاء فيقال: قضى الله عليه، وقَدرَ عليه، أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير، والشر. وقيل: معنى: «قَدَّرْنَا» كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. فإن [قيل] لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله عزَّ وجلَّ؟
فالجواب: إنَّما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله، كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا [وأمرنا بكذا] ، والمدبر، والآمر هو الملك لا هم، وإنَّما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هنا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ في موضع مفعول، التقدير: قضينا أنها تتخلف، وتبقى مع من يبقى حتَّى يهلك، فتلحق بالهالكين.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ المرسلون﴾ القصة لما بشروا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بالولد، وأخبروه بأنهم مرسلون بالعذاب إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط عليه السلام، وإلى آله، وإنَّ لوطاً، وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة لله.
فقالوا: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ لأنهم لما هجموا عليه؛ استنكرهم، وخاف من دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه.
وقيل: خاف؛ لأنهم كانوا شبايا مرداً حسان الوجوه، فخاف أن يهجم قومه عليهم لطلبهم، فقال هذه الكلمة.
وقيل: إنَّ النكرة ضدّ المعرفة، فقوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ، أي: لا أعرفكم، وأعرف أنكم من أي الأقوام، ولأي غرض دخلتم عليّ، فقال: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ .
قوله: ﴿بَلْ جِئْنَاكَ﴾ إضراب عن الكلام المحذوف، تقديره: ما جئناك بما ينكر، ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا [كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ] .
وقد تقدَّم الخلاف في قوله: «فأسْرِ» قعاً ووصلاً في هود: [81] .
وقرأ اليماني فيما نقل ابن عطية، وصاحب اللوامح: «فَسِرْ» من السير. وقرأت فرقة بفتح الطاء، وقد تقدَّم في يونس أنَّ الكسائي، وابن كثير قرآه بالسكون في قوله «قِطْعاً» والباقون بالفتح.
قوله: قالت الملاكئة ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يشكون أنه نازلٌ بهم، وهو العذاب؛ لأنه كان يوعدهم بالعذاب، فلا يصدقونه، ثمَّ أكدوا ذلك بقولهم: ﴿وَآتَيْنَاكَ بالحق﴾ قال الكلبيُّ: بالعذاب، [وقيل] باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو العذاب] ثم أكدوا هذه التَّأكيد بقولهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ .
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ والقِطْعُ والقَطع: آخر الليل؛ قال: [الخفيف]
3280 - افْتَحِي البَابَ وانظُرِي في النُّجُومِ ... كَم عليْنَا مِن قِطْعِ ليْلٍ بَهِيمِ
﴿واتبع أَدْبَارَهُمْ﴾ ، أي سر خلفهم ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ لئلا ترتاعوا من أمر عظيم فأنزل بهم من العذاب.
وقيل: معناه الإسراع، وترك الاهتمام لما خلف وراءه، كما يقول: امض لشأنك، ولا تعرج على شيءٍ.
وقيل: المعنى لو بقي [منه] متاعٌ في ذلك الموضع، فلا يرجعن بسببه ألبتَّة.
وقيل: جعل الكله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوطٍ.
﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يعني «الشَّام» .
وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل. وقال مقاتل: يعني زغر. وقيل: «الأرْدن» .
قوله: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ «حَيْثُ» على بابها من كونها ظرف مكان مبهمٍ، ولإبهامها تعدي إليها الفعل من غير واسطةٍ، على أنه قد جاء في الشِّعر تعديته إليها ب «في» كقوله: [الطويل]
3281 - فَأصْبحَ في حَيْثُ التَقيْنَا شَردُهمْ ... طَليقٌ ومكْتوفُ اليَديْنِ ومُزْعِفُ
وزعم بعضهم أنها هنا ظرف زمانٍ، مستدلاً بقوله: ﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ ثم قال ﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي: في ذلك الزَّمان.
وهو ضعيف، ولو كان كما قال، لكان التركيب وأمضوا حيث أمرتهم على أنه لو جاء التَّركيب كذا لم يكن فيه دلالة.
قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ ضمَّن القضاء معنى الإيجاء؛ فلذلك تعدَّى تعيدته «إلى» ، ومثله ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: 4] .
و «ذَلكَ الأمْرَ» «ذَلِكَ» مفعول القضاءِ، والإشارة به إلى ما وعد من إهلاكِ قومه، و «الأمْرَ» إمَّا بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ له.
قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ﴾ العامة على فتح «أنَّ» وفيها أوجه:
أحدها: أنها بدل من «ذَلِكَ» إذا قلنا: «الأمْرَ» عطف بيان.
الثاني: أنَّها بدلٌ من «الأمْرَ» سواء قلنا: إنه بيان أو بدل مما قبله.
الثالث: أنه على حذف الجار، أي: بأنَّ دابر، ففيه الخلاف المشهور.
وقرأ زيد بن علي، والأعمش بكسرها؛ لأنه بمعنى القول.
وعلَّله أبو حيان: بأنه لمَّا علق ما هو بمعنى العلم؛ كسر.
وفيه النظر المتقدم.
ويؤيِّد إضمار القول قراءة ابن مسعودٍ: وقلنا إنَّ دابر هؤلاء.
ودابرهم: آخرهم «مَقطوعٌ» مستأصل، يعني مستأصلون عن آخرهم؛ حتى لا يبقى منهم أحد «مُصْبحينَ» ، أي في حال ظهور الصبح، فهو حال من الضمير المستتر في: «مَقطُوعٌ» ، وإنَّما جمع حملاً على المعنى، وجعله الفرَّاء، وأبو عبيدة خبراً لكان المضمرة، قالا: تقديره: إذا كانوا مصبحين، نحو «أنْتَ مَاشِياً أحسنُ مِنْكَ رَاكِباً» .
وهو تكلفٌ، و «مُصْبحِينَ» داخلين في الصَّباحِ.
قوله: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ ، أي: مدينة لوط، يعني: «سدُوم» «يَسْتبشِرُونَ» حالٌ، أي: يستبشرون بأضياف لوطٍ، يبشر بعضهم بعضاً في ركوب الفاحشة منهم.
قيل: إنَّ الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم.
وقيل: أخبرتهم امرأة لوطٍ بذلك؛ فذهبوا إلى دارِ لوطٍ؛ طلباً منهم لأولئك المردِ.
فقال لهم لوط صلوات الله وسلامه عليه: «هَؤلاءِ ضَيْفِي» وحق على الرجل إكرام ضيفه، «فلا تَفْضحُونِ» فيهم.
يقال: فَضحَهُ يَفضحُه فَضْحاص، وفَضِيحَةً، إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، والفَضِيحُ والفَضِيحةُ: البيان، والظُّهورُ، ومنه: فَضِيحَةُ الصُّبْحِ؛ قال الشاعر: [البسيط]
3282 - وَلاحَ ضَوءُ هِلالِ اللَّيْلِ يَفْضحُنَا ... مِثْلَ القُلامَةِ قَدْ قُصَّتْ مِنَ الظُّفُرِ
إلا أنَّ الفضحية اختصت بما هو عارٌ على الإنسان عند ظهوره.
ومعنى الآية: أن الضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموه بالسُّوءِ كان ذلك إهانة بي، ثمَّ أكد ذلك بقوله: ﴿واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ولا تخجلون، فأجابوه بقولهم: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين﴾ ، أي: عن أن تضيِّف أحداً من العالمين.
وقيل: ألم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة؛ فإنا نركبُ منه الفاحشة.
قوله: ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ يجوز فيه أوجه:
أحدها: أ، يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مفعولاً بفعل مقدرٍ، أي: تزوَّجُوا هؤلاء، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيانٌ.
الثاني: أن يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مبتدأ وخبراً، ولا بدَّ من شيء محذوف تتمُّ به الفائدة، أي: فتزوَّجُوهنَّ.
الثالث: أن يكون «هَولاءِ» مبتدأ، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيان والخبر محذوف، أي: هُنَّ أطهر لكم كما جاء في نظيرتها.
وتقدَّم الكلام على هذه المعاني في هود.
قوله ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، ومثله: لايْمُن الله، و «إنَّهُمْ» ، وما في حيزه جواب القسم، تقديره: لعمرك قسمي، أو يميني إنهم، والعُمُرُ والعَمْر بالفتح والضم هو البقاء، إلا أنَّهم التزموا الفتح في القسم.
قال الزجاج: لأنه اخفُّ عليهم، وهم يكثرون القسم ب «لعَمْرِي ولعَمْرُكَ» .
وله أحكام كثيرة:
منها: أنه متى اقترن بلام الابتداء؛ ألزم فيه الرفع بالابتداء، وحذف خبره لسد جواب القسم مسدَّه.
ومنها: أنه يصير صريحاً في القسم، أي: يتعيَّن فيه، بخلاف غيره نحو: عَهْدُ اللهِ ومِثَاقُه.
ومنها: أنه يلزم فتح عينه.
فإن لم يقترن به لام الابتداء، جاز نصبه بفعلٍ مقدرٍ، نحو: عَمْرُ اللهِ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذٍ في الجلالة وجهان:
النَّصبُ والرفع فالنصب على أنه مصدرٌ مضاف لفاعله، وفي ذلك معنيان:
أحدهما: أن الأصل: أسألك بعمرك الله، أي: بوصفك الله تعالى بالبقاء، ثم حذف زوائد المصدر.
والثاني: أن المعنى: بعبادتك الله، والعَمْرُ: العِبادةُ.
حكى ابن الأعرابي: إنِّي عمرتُ ربِّي، أي: عبدته، وفلان عامر لربِّه، أي: عابده.
وأمَّا الرفع: فعلى أنه مضاف لمفعوله.
قال الفارسي رَحِمَهُ اللَّهُ: معناه [عَمَّرك] الله تعميراً، وقال الأخفش: أصله: أسْألك بِيُعمرك الله، فحذف زوائد المصدر، والفعل، والياء، فانتصب، وجاز أيضاً ذكر خبره، فتقول: عمرك قسمي لأقومن، وجاز أيضاً ضمُّ عينه، وينشد بالوجهين قوله: [الخفيف]
3283 - أيُّهَا المُنْكِحُ الثُريَّا سُهَيلاً ... عَمركَ الله كيْفَ يَلتقِيَانِ
هِيَ شَامِيَّةٌ إذَا ما استقلَّتْ ... وسُهَيْلٌ إذا اسْتقل يَمانِي
ويجوز دخول باء الجر عليه؛ نحو: بعمرك لأفعلنَّ؛ قال: [الوافر]
3284 - رُقيَّ بِعمْرِكُم لا تَهْجُرينَا ... ومَنِّينَا المُنَى ثُمَّ امْطُلينا
وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، فلا يقطع عنها، ويضاف لكل شيء، وزعم بعضهم: أنه لا يضاف إلى الله تعالى.
قيل: كان هذا يوهم أنه لا يستعمل إلا شفي الانقطاع، وقد سمع إضافته للباري تعالى. قال الشاعر: [الوافر]
3285 - إذَا رَضِيَتْ عليَّ بَنُو قُشيْرٍ ... لعَمْرُ الله أعْجَبنِي رِضَاهَا
ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلِّم، قال لأنه حلف بحياة المقسم، وقد ورد ذلك، قال النابغة: [الطويل] 3286 - لعَمْرِي وما عمْرِي عليَّ بِهيِّنٍ ... لقد نَطقَتْ بُطلاً عليَّ الأقَارعُ
وقد قلبته العرب لتقديم رائه على لامه، فقالوا: وعملي، وهي رديئة.
«إنَّهُمْ» العامة على كسر «إنَّ» لوقوع اللام في خبرها، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي له «أنَّ» فتحها، وتخريجها على زيادة اللام، وهي كقراءة ابن جبيرٍ (ألا أنهم ليأكلون الطعام] بالفتح.
وقرأ الأعمش: «سَكْرهُمْ» بغير تاء، وابن أبي عبلة «سَكرَاتهِمِ» جمعاً، والأشهب: «سُكْرتِهِم» بضم السين.
و «يَعْمَهُونَ» حال إمَّا من الضمير المستكن في الجار، وإمَّا من الضمير المجرور بالإضافة، والعامل إمَّا نفس سكرة، لأنَّها مصدر، وإمَّا معنى الإضافة.
فصل
قيل: إن الملائكة عليهم السلام قالت للوطٍ صلوات الله وسلامه عليه «لعَمُركَ إنَّهم لَفِي سَكرتِهمْ يَعْمَهُونَ» : يتحيَّرون.
وقال قتادة: يلعبون فكيف يعقلون قولك ويتلفتون إلى نصيحتك؟ .
وقيل: إنَّ الخطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإنَّه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحدٍ.
روى أبو الجوزاء عن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال ما خلقَ الله نفساً أكرم على الله من محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وما أقْسمَ بحياةِ أحدٍ إلاَّ بحياتهِ.
قال ابن العربي: قال المفسرون بإجماعهم: أقسم الله تعالى ها هنا بحياةِ محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تشريفاً له، أنَّ قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حريتهم يترددون، وقال القاضي عياضٌ: اتفق أهل التفسير في هذا: أنَّه قسم من الله تعالى بمدة حياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصله ضمُّ العين من العمر، ولكنها فتحت بكثرة.
قال ابن العربي: ما الذي يمنعُ أن يقسم الله تعالى بحياة لوطٍ، ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكلُّ ما يعيطه الله للوطٍ من فضل، يعطي ضعفه لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ لأنَّه أكرم على الله منه؛ أو لات تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلَّة، وموسى التكليم، وأعطلى ذلك لمحمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإذا أقسم بحياة لوطٍ، فحياة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرفعُ، ولا يخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكرٌ لغير ضرورةٍ.
قال القرطبيُّ: ما قاله حسنٌ، فإنَّه كان يكون قسمة سبحانه بحياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كلاماً معترضاً في قصَّة لوط.
قال القشيريُّ: يحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوطٍ؛ أي كانوا في سكرتهم يعمهون، أي لمَّا وعظ لوطٌ قومه وقال: هؤلاء بناتي، قالت الملائكة: يا لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ولا يدرون ما يحلُّ بهم صباحاً.
فإن قيل: فقد أقسم الله تعالى بالتِّين، والزَّيتونِ، وطور سنين، وما في هذا من الفضل؟ قيل له: ما من شيء أقسم الله به، إلاّ وفي ذلك دلالة على فضل على ما يدخل في عداده، فكذلك محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ثم قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة﴾ ، ولم يذكر في الآية صيحة من هي فإن ثبت بدليل قوي أن تلك صيحة جبريل قيل به وإلا فليس في الآية دليلٌ على أنه جاءتهم صيحة مهلكة.
قوله «مُشْرقينَ» «حال من مفعول» أخَذتْهُمْ» ، أي داخلين في الشروق، أي: بزوغِ الشَّمسِ.
يقال: شَرَق الشارق يَشْرُق شُرُوقاً لكل ما طلع من جانب الشرع، ومنه قوله: ما ذرَّ شَارِقٌ، أي طلع طَالعٌ فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا وتمامه حين أشرقوا.
والضمير في: «عَاليهَا وسَافِلهَا» للمدينة. وقال الزمخشريُّ: «لقرى لقوم لوط» .
ورجح الأول بأنه تقدَّم ذكر المدينة في قوله ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ فعاد الضمير إليها بخلاف الثاني، فإنه لم يتقدَّم لفظ القرى.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ تقدم الكلام على ذلك كله في هود: [82] .
قوله ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ متعلق بمحذوف على أنه صفة ل» آيَاتٌ «وأجود أن يتعلق بنفس» آيَاتٌ» ؛ لأنَّها بمعنى العلامات.
والتوسُّم: تفعل من الوسم، والوسمُ أصله: التَّثبت، والتَّفكر مأخوذ من الوسمِ، وهو التَّأثير بحديد في جلد البعير، أو غيره.
وقال ثعلب: الوَاسِمُ النَّاظر إليك من [قرنك] إلى قدمك، وفيه معنى التَّثبيت.
وقال الزجاج: حقيقة المتوسِّمين في اللغة: المثبتون في نظرهم حتَّى يعرفوا سمة الشيء، وصفته وعلامته وهو استقصاءُ وجوه التَّعرف قال: [الكامل]
3287 - أوَ كُلما وردَتْ عُكاظَ قَبيلَةٌ ... بَعَثَتْ إليَّ عَريفَهَا يَتوسَّم
وقيل: هو تفعُّل من الوسمِ، وهو العلامة، توسَّمتُ فيك خيراً، أي: ظهر لي مِيسَمُهُ عليك.
قال ابن رواحة يمدحُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [البسيط]
3288 - إنِّي تَوسَّمْتُ فِيكَ الخَيرَ أعْرفهُ ... واللهُ يَعْلمُ أنِّي ثَابتُ البَصرِ
وقال آخر: [الطويل]
3289 - تَوسَّمْتهُ لمَّا رَأيْتُ مَهَابَةٌ ... عَليْهِ، وقُلْتُ المَرْءُ مِنْ آلِ هَاشمِ
ويقال: اتَّسمَ الرَّجلُ، إذا اتَّخذَ لِنفْسِه عَلامةً يُعرف بِهَا، وتوسَّم: إذا طلبَ كلأ الوسمي، أي: العُشْبَ النَّابت في أوَّل المطر.
واختلف المفسِّرون: فقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما للنَّاظرين.
وقال مجاهدٌ للمتفرِّسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتلٌ للمتفكرين.
قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ الظاهر عود الضمير على المدينة، أو القرى وقيل على الحجارة وقيل: على الآيات، والمعنى: بطريقٍ قال مجاهد هذا طريق معلم، وليس بخفيّ، ولا زائلٍ.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، إي: كل من آمن بالله، ويصدق بالأنبياء، والرُّسلِ صلوات الله وسلامه عليهم؛ عرف أنَّما كان انتقامُ الله من الجُهَّال لأجل مخالفتهم، وأمَّا الذين لا يؤمنون؛ فيحملونه على حوادث [العالم] ، وحصول القرانات الكوكبية، والاتصالات الفلكية.
الحجر 15:53
قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ القصَّة: لما قرَّر أمر النبوة، أردفه بدلائل التوحيد، ثمَّ عقبه بذكر أحوال القيامةِ، وصفة الأشقياء، والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ليكن سماعها مرغِّباً للعبادة الموجبة للفوز بدرجاتِ الأولياءِ، ومحذراً عن المعصية الموجبةِ لاستحقاقِ دركاتِ الأشقياءِ.
فقوله: «ونَبِّئْهُم» ، هذا الضمير راجعٌ إلى قوله عَزَّ وَجَلَّ: عِبَادِي» ، أي: ونبِّىء عبادي، يقال: أنْبأتُ القوم إنباءً ونَبَّأتهُم تَنْبئةً إذا أخبرتهم.
قوله: «عَن ضَيْفِ» ، أي [أضياف إبراهيم] ، والضَّيْفُ في الأص مصدر ضَافَ يضيفُ: إذا أتى إنساناً يطلب القوى، وهو اسمٌ يقع على الواحدِ، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنَّث.
فِإن قيل: كيف سمَّاهم ضيفاً، مع امتناعهم من الأكلِ؟ .
فالجواب: لمن ظنَّ إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنَّهم إنَّما دخلوا عليه لطلب الضِّيافة، جاز تسميتهم ذلك.
وقيل: من دخل [دار] إنسان، والتجأ إليه سمِّي ضيفاً، ون لم يأكل، وكان إبراهيم صلوات الله وسلامه علثيه يكنَّىأبا الضيفان، كان لقصره أربعة أبوابٍ، لكي لا فوته أحدٌ.
وسمِّي الضيف ضيفاً؛ لإضافته إليك، ونزوله عليك.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «ضَافهُ مَالَ إليه، وأضَافهُ: [أماله] ، ومنه الحديث: حِينَ تضيفلإ الشَّمسُ للغُروبِ. وضَيفُوفَةُ السَّهم، والإضافةُ النَّحوية» .
قوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ في «إذْ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول لفعل مقدر، أي: اذكر إذ دخلوا.
والثاني: أنه ظرف على بابه، وفي العامل فيه وجهان:
أحدهما: أنه محذوف، تقديره: خبر ضيف.
والثاني: أنه نفس «ضَيْفِ» ، وفي توجيه ذلك وجهان:
أحدهما: أنه لما كان في الأصل مصدراً اعتبر ذلك فيه، ويدلُّ على اعتبار مصدريته بعد الوصف به: عدم مطابقته لما قبله تثنية، وجمعاً وتأنيثاً في الأغلب، ولأنه قائم مقام وصفه، والوصف يعمل.
والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: أصحاب ضيف إبراهيم، أي: ضيافته، فالمصدر باقٍ على حاله، فلذلك عمل.
قال أبو البقاء بعد أن قدر أصحاب ضياتفه: والمصدر على هذا مضاف إلى المفعول.
قال شهابُ الدِّين: وفيه نظر، إذ الظَّاهر إضافته لفاعله؛ لأنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ سَلاماً﴾ ، أي نُسلِّم لك سلاماً أو سلَّمتُ سلاماً، أو سلمُوا سَلاماً، قاله القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
قال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون؛ لأنهم لم يأكلوا طعامه، وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت.
قوله: «لا تَوجَلْ» العامة على فتح التاء من «وجِلَ» ك: «شَرِبَ» يَشربُ، والفتح قياس» فَعِلَ «إلا أن العرب آثرت [يفعل بالكسر] في بعض الألفاظ إذا كانت واواً، نحو:» نَبِقَ» وقرأ الحسن: «لا تُوجَل» مبنياً للمفعول من الإيجال.
وقرىء: «لا تَأجَلْ» ، والأصل: «تَوْجل» كقراءة العامة، إلاَّ أبدل من الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها، وإن لم تتحرَّك كقولهم: «تَابةٌ» ، و «صَامةٌ» في «تَوْبة» ، و «صَوْمة» وسمع: اللَّهُم تقبَّل تَابتِي، وصَامتِي. وقرىء أيضاً: «لا تُواجِل» من المواجلة.
ومعنى الكلام: لاتخف؛ «إنَّا نَبشِّرُكَ» ، قرأ حمزة: «إنَّا نَبْشُركَ» بفتح النون وتخفيف الباء، والباقون بضم النون، وفتح الباء، و «إنَّا نُبشِّركَ» استئناف بمعنى التعليل للنهي عن الوجل، والمعنى إنَّك بمثابة الآمن المبشر فلا توةجل.
واعلم أنَّهم بشروهن بأمرين:
أحدهما: أنَّ الولد ذكرٌ، والثاني: أنه عليمٌ.
فقيل: بشَّروه بنبوته بعده، وقيل: عليم بالدِّين، فعجب إبراهيم أمره و ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر﴾ قرأ الأعرج: «بشَّرتُمونِي» بإسقاط أداة الاستفهام، فيحتمل الأخبار، ويحتمل الاستفهام، وإنما حذفت أدلته للعلم به.
وِ «على أنْ مسَّنيَ» في محل نصبٍ على الحال.
وقرأ ابن محيصن: «الكُبْر» بزنة «فُعْقولهخ:» فبمَ تبشّرون «» بِمَ «متعلقٌ ب» تُبشِّرُون» ، وقدم وجوباً؛ [لأنه] استفهام وله صدر الكلام.
وقرأ العامة: بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع؟ ولم يذكر مفعنول التبشير، وقرأ نافع بكسرها، والأصل: تبشروني فحذف الياء مجتزئاً عنها بالكسرة.
وقد غلطه أبو حاتم، وقال: هذا يكون في الشعر اضطراراً.
وقال مكي: «وقد طعن في هذه القراءة قومٌ لبُعدِ مخرجِها في العربيَّة؛ لأنَّ حذف النون التي تصحبُ الياء لا يحسنُ إلاَّ في الشِّعر، وإن قُدِّر حذف النون الأولى حذفت [علم] الرفع من غير ناصب، ولا جازم؛ ولأنَّ نون الرفع كسرها قبيحٌ، إنَّما حقُّها الفتح» .
وهذا الطعن لا يتلفت إليه، لأنَّ ياء المتكلم قد كثر حذفها مجتزءاً عنها بالكسرة، وقد قرىء بذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمرونيا﴾ [الزمر: 64] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ووجهه: أنَّه لما اجتمع نونان أحدهما نون الرفع، والأخرى نون الوقاية استثقل اللفظ، فمنهم من أدغم، ومنهم من حذف، ثم اختلف في المحذوفة، هل هي الأولى، أو الثانية، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام [الأنعام: 80] .
وقرأ ابن كثير بتشديدها مكسورة، أدغم الأولى في الثانية، وحذف ياء الإضافة، والحسن: أثبت الياء مع تشديد النون، ورجح قراءة من أثبت مفعول: «يُبشِّرُون» وهو الياء.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ «بَشَّرناكَ» ، و «بالحقِّ» متعلق بالفعل قبله، وضعف أن يكون حالاً، أي: قالوا بَشَّرنَاكَ.
ومعنى: «بالحَقِّ» هنا استفهام بمعنى التعجُّب، كأنه قيل: بأيَّ أعجوبةٍ تبشروني؟ .
فِإن قيل: كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلقِ الولدِ منه في زمانِ الكبرِ؟ وما فائدة هذا الاستفهام مع أنهم قد بينوا ما بشَّروا به؟ .
فِأجاب القاضي: بأنه أراد أن يعرف أنه تعالى هل يعطيه الولد مع أنه يبقيه على سفة الشيخوخة، أو يقلبه شابًّا، ثم يعطيه الولد؟ .
وسبب هذا الاستفهام: أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامَّة، وإنما يحصل في حال الشَّبابِ.
فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم، فلم قالوا: ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ ؟ .
قلنا: إنهم بيَّنوا أنه تعالى بشَّرهُ بالولد مع إبقائه على صفة الشَّيخوخَةِ، وقولهم ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ لايدل على أنه كان كذلك بدليل أنه صرَّح في جوابهم بما يدلُّ على أنَّه ليس كذلك فقال: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون﴾ .
وأجاب غيره: بأن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيءٍ، وفاته الوقت الذي يغلب على ظنِّه حصول المراد فيه، فإذا بشِّر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه، وسروره، ويصير ذلك الفرحُ القويُّ كالمدهش له، والمزيل لقوَّة فهمه، وذكائه، فربَّما تكلم بكلماتٍ مضطربة في ذلك الوقت.
وقيل أيضاً: إنه يستطيب تلك البشارة، فربَّما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرَّة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة، أو طلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق، كقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] وقيل أيضاً: استفهم: أبأمرِ الله تبشروني، أم من عند أنفسكم، واجتهادكم.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ قال ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد بما قضى الله تعالى.
وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ نهي لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عن القنوطِ، وقد تقدَّم أنَّ النهي لإنسان عن الشَّيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهيّ عنه، كقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: 48] ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [القصص: 78] .
قوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ﴾ هذا استفهام معناه النفي، ولذلك وقع بعد الإيجاب ب «إلاَ» .
وقرأ أبو عمرو، والكسائي: «يَقْنِطُ» بكسر عين هذا المضارع حيث وقع، والباقون بفتحها وزيد بن علي والأشهب بضمها، وفي الماضي لغتان «قنط» بكسر النون، «يَقنَطُ» بفتحها، وقنط «يقْنطُ» بكسرها، ولولا أن القراءة سنة متبعة، لكان قياس من قرأ ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: 28] وافلتح في الماضي هو الأكثر، ولذلك أجمع عليه.
قال الفارسي: فتح النون في الماضي، وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات، ويرجحُ قراءة «يَقْنَطُ» بالفتح قراءة أبي عمرو في بعض الروايات «فلا تكن من القنطين» كفَرِحشَ يفرح فهو فَرِحٌ.
والقُنُوط: شدَّة اليأسِ من الخَيرٍ، وحكى أبو عبيدة: «قَنُطَ» يَقْنُطُ بضمِّ النون.
قال ابن الخطيب: «وهذا يدلُّ على أنَّ» قَنَطَ «بفتح النون أكثر؛ لأن المضارع من» فَعَل «يجيء على» يَفْعِلُ ويَفْعُل «مثل: فَسقَ: ويَفْسُقُ، لا يجيء مضارع فَعَلَ على يَفْعَلُ» .
فصل
جواب إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حق؛ لأنَّ الفنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلاَّ عند الجهل بأمور:
أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادراً عليه.
وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالماً باحتياج ذلك العبد إليه.
وثالثها: أ، يحجهل كونه تعالى، منزّهاً عن البخل، والحاجة.
والجهل بكلِّ هذه الأمور سبب للضَّلالِ، القُنوط من رحمة الله كبيرة، كالأمن من مكرهِ.
قوله تعالى: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ الخطب: الشأن، والأمر، سألهم عمَّا لأجله أرسلهم الله تعالى.
فِإن قيل: إنَّ الملائكة لما بشَّروه بالولد الذَّكر العليمِ، كيف قال لهم بعد ذلك «فَمَا خَطْبُكمُ» ؟ .
فالجواب: قال الأصم: معناه: ما الذي وجتهم له سوى البُشْرَى؟ .
وقال القاضي: إنه علم أنه لو كان المقصود أيضاً البشارة، لكان الواحد من الملائكة كافياً، فلمَّا رأى جمعاً من الملائكة؛ علم أنَّ لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة، فلا جرم قال: «فَما خَطْبكُمْ» ؟ .
قيل: إنَّهم قالوا: إنَّا نُبشِّركَ بغُلامٍ عَليم لإزالة الخوف، والوجل، ألا ترى أنّه لما قال: ﴿إنا منكم وجلون﴾ قالوا له: ﴿لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم﴾ ، فلو كان المقصود من المجيء هو البشارة؛ كانوا ذكروا البشارة في أوَّل دخولهم، فلمَّا لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم صلوات الله وسلام عليه أنَّ مجيئهم ما كان لمجرَّد البشارة، بل لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض، قال: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ مشركين، وإنَّما اقتصوار على هذا القدر، لعلم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بأنَّ الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين، كان ذلك لأهلاكهم.
ويدل ع لى ذلك قوله: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قوله «إلا آل لُوطٍ» فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء متصل علىأنه مسثنى من الضمير المستكن في: «مُجرمِينَ» بمعنى أجرموا كلهم إلاَّ آل لوطٍ؛ فإنَّهم لم يجرموا، ويكون قولهم «إنَّا لمنجوهم» استئناف إخبار بنجاتهم، لكنهم لم يجرموا ولكن الإرسال حينئذ شاملاً للمجرمين ولآل لوط لإهلاك أولئك وأنجاء هؤلاء.
والثاني: أنه اسثناء منقطع؛ لأن آل لوط لم يندرجوا في المجرمين آلبتَّة.
قال أبو حيان: وإذا كان استثناء منقطعاً، فهو مما يجبُ فيه النصب؛ لأنه من الاستثناء الذي لا يمكن توجيه العامل إلى المستثنى منه؛ لأنهم لم يرسوال إليهم، إنما أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصَّة، ويكون قوله: «إنَّ لمُنجَّوهُمْ» جَرَى مَجْرى خبر لكن في اتِّصاله ب «آل لوطٍ» ؛ لأن المعنى: لكنَّ آل لوط منجوهم، وقد زعم بعض النحويين في الاستثناء المنقطع المقدَّر بلكن، إذ لم يكن بعده ما يصحُّ أن يكون خبراً: أنَّ الخبر محذوف، وأنه في موضع رفع لجريان: «إلاَّ» ، وتقديرها ب «لَكِن» .
قال شهابُ الدِّين: «وفيه نظرٌ؛ لأن قوله لا يتوجه إليه العامل أيك لا يمكن، نحو: ضحك القوم إلا حمارهم، وصهلت الخيلُ إلا الإبل. أمَّا هذا، فيمكن الإرسال إليهم من غير منع، وأمَّا قوله: لأنهم لم يرسلوا إليهم فصحيح؛ لأنَّ حكم الاستثناء كلَّه هكذا، وهو أن يكون خارجاً عمَّا حكم به على الأوَّل، لكنَّه لو سلط عليه لصحَّ ذلك بخلاف ما تقدَّم من أمثلتهم» .
قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قرأ الأخوان: «لمُنْجُوهمْ» مخففاً؛ وكذلك خففا أيضاً فعل هذه الصيغة في قوله تعالى في العنكبوت ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: 32] ؛ وكذلك خففا أيضاً قوله فيها: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [العنكبوت: 33] فهما جاريتان على سننٍ واحدٍ.
وقد وافقهما ابن كثير، وأبو بكر على تخفيف: «مُنجوكَ» كأنهما جمعا بَيْنَ اللغتين، وباقي السبعة بتشديد الكل. والتخفيف والتشديد لغتان مشهورتان من: نَجَّى وأنْجى، وأنزلَ، ونزَّل، وقد نطق بفعلهما، قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ [العنكبوت: 65] وفي موضع ﴿أَنجَاهُمْ﴾ [يونس: 23] .
قوله: ﴿امرأته﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استثناء من «آل لُوطٍ» . قال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: «والاستنثاء إذا جاء عبد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافاً إلى المبتدا كقولك:» لهُ عِندِي عشرةٌ إلا أربعة إلا درهماً «فإن الدرهم يستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشرة إلاَّ أربعة، أوعشرة إلاَّ ثلاثة» .
والثاني: أنها مستثناةٌ من الضمير المجرور في قوله «لمُنَجوهمْ» .
وقد منع الزمخشري رحمهن الله الوجه الأول، وعيَّن الثاني فقال: «فإن قلت: قوله:» إلا امرأتهُ» مِمَّ استثني؟ وهل هو استثناء نم استثناء؟ .
قلت: مستثنى من الضمير المجرور في قوله: «لمُنَجُّوهم» ، وليس من الاستثناء في شيء؛ لأن الاستثناء م الاستثناء إنَّما يكون فيما اتَّحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأتهُ، كما اتَّحد في قول المطلِّق: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا اثنين إلا واحدة، وقول المقرّ: لفلان علي عشرة درارهم إلا ثلاثة إلا درهماً، اما الآية فقد اختلف الحكمان؛ لأنّ: «آل لوطٍ» متعلق ب» أرْسَلْنَا «أوة ب» مُجرمِينَ» ، و «إلاَّ امْرأتهُ» قد تعلَّق بقوله: «لمُنجوهم» فأنَّى يكون استثناء من استثناء» .
قال أبو حيَّان: ولما استسلف الزمخشري أنَّ «امرأتهُ» استثناء من الضمير في لمُنجُّوهم «أبى أن يكون استثناء من استثناء، ومن قال: إنه استثناء من استثناء، فيمكن [تصحيح قوله] بأحد وجهين:
أحدهما: أنه لما كان امرأته مستثنى من الضمير في» لمُنَجوهُم «، وهو عائدٌ على» آل لوطٍ «صار كأنَّه مستثنى من:» آل لوطٍ» ؛ لأنَّ المضمر هو الظاهر.
والوجه الآخر: أن قوله «إلاَّ آل لوطٍ» لمَّا حكم عليهم بغير الحكم الذي حكم به على قوم مجرمين، اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تأكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى: إلا آل لوط لم نرسل إليهم بالعذاب، وجاتهم مرتبة على [عدم] الإرسال إليهم بالعذاب، فصار نظير ذلك: قام القومُ إلاَّ زيداً لم يقم أو إلاَّ زيداً فإنه لم يقم، فهذه الجملة تأكيدٌ لما تضمَّنهُ الاستثناء من الحكم على ما بعد إلاَّ بضدِّ الحكم السَّابق على المستثنى منه، ف: «إلاَّ امْرَأتهُ» على هذا التدقير الذي قرَّرناه مستثنى من: «آلَ لُوطٍ» ؛ لأنَّ الاستثناء ممَّا جيء به للتَّأسيس أولى من الاستثناء ممَّا جيء به للتأكيد.
قوله «قدَّرْنَا» قرأ أبو بكر ههنا، وفي سورة النمل بتخفيف الدَّال، والباقون بتشديدها، وهما لغتان: قَدَّر، وقَدَر.
قوله: «إنَّها» كسرت من أجل اللاّم في خبرها، ولولا [لَفُتِحَتْ] ، وهي معلقة لما قبلها؛ لأنَّ فعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم إمَّا لكونه بمعناه، وإمَّا لأنه مترتب عليه.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله: ﴿قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ ، والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم» .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى «وكسرت» إِنَّها «إجراء لفعل التقدير مجرى العلم» .
وهذا لا يصحُّ علة لكسرها، إنَّما يصحُّ علةً لتعليقها الفعل قبلها.
فصل
معنى التقدير في اللغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قدر هذا الشيثء بهذا، أي: اجعله على مقداره، وقدَّر الله سبحانه الأقوات، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثمَّ يفسر التقدير بالقضاء فيقال: قضى الله عليه، وقَدرَ عليه، أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير، والشر. وقيل: معنى: «قَدَّرْنَا» كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. فإن [قيل] لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله عزَّ وجلَّ؟
فالجواب: إنَّما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله، كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا [وأمرنا بكذا] ، والمدبر، والآمر هو الملك لا هم، وإنَّما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هنا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ في موضع مفعول، التقدير: قضينا أنها تتخلف، وتبقى مع من يبقى حتَّى يهلك، فتلحق بالهالكين.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ المرسلون﴾ القصة لما بشروا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بالولد، وأخبروه بأنهم مرسلون بالعذاب إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط عليه السلام، وإلى آله، وإنَّ لوطاً، وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة لله.
فقالوا: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ لأنهم لما هجموا عليه؛ استنكرهم، وخاف من دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه.
وقيل: خاف؛ لأنهم كانوا شبايا مرداً حسان الوجوه، فخاف أن يهجم قومه عليهم لطلبهم، فقال هذه الكلمة.
وقيل: إنَّ النكرة ضدّ المعرفة، فقوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ، أي: لا أعرفكم، وأعرف أنكم من أي الأقوام، ولأي غرض دخلتم عليّ، فقال: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ .
قوله: ﴿بَلْ جِئْنَاكَ﴾ إضراب عن الكلام المحذوف، تقديره: ما جئناك بما ينكر، ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا [كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ] .
وقد تقدَّم الخلاف في قوله: «فأسْرِ» قعاً ووصلاً في هود: [81] .
وقرأ اليماني فيما نقل ابن عطية، وصاحب اللوامح: «فَسِرْ» من السير. وقرأت فرقة بفتح الطاء، وقد تقدَّم في يونس أنَّ الكسائي، وابن كثير قرآه بالسكون في قوله «قِطْعاً» والباقون بالفتح.
قوله: قالت الملاكئة ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يشكون أنه نازلٌ بهم، وهو العذاب؛ لأنه كان يوعدهم بالعذاب، فلا يصدقونه، ثمَّ أكدوا ذلك بقولهم: ﴿وَآتَيْنَاكَ بالحق﴾ قال الكلبيُّ: بالعذاب، [وقيل] باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو العذاب] ثم أكدوا هذه التَّأكيد بقولهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ .
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ والقِطْعُ والقَطع: آخر الليل؛ قال: [الخفيف]
3280 - افْتَحِي البَابَ وانظُرِي في النُّجُومِ ... كَم عليْنَا مِن قِطْعِ ليْلٍ بَهِيمِ
﴿واتبع أَدْبَارَهُمْ﴾ ، أي سر خلفهم ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ لئلا ترتاعوا من أمر عظيم فأنزل بهم من العذاب.
وقيل: معناه الإسراع، وترك الاهتمام لما خلف وراءه، كما يقول: امض لشأنك، ولا تعرج على شيءٍ.
وقيل: المعنى لو بقي [منه] متاعٌ في ذلك الموضع، فلا يرجعن بسببه ألبتَّة.
وقيل: جعل الكله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوطٍ.
﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يعني «الشَّام» .
وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل. وقال مقاتل: يعني زغر. وقيل: «الأرْدن» .
قوله: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ «حَيْثُ» على بابها من كونها ظرف مكان مبهمٍ، ولإبهامها تعدي إليها الفعل من غير واسطةٍ، على أنه قد جاء في الشِّعر تعديته إليها ب «في» كقوله: [الطويل]
3281 - فَأصْبحَ في حَيْثُ التَقيْنَا شَردُهمْ ... طَليقٌ ومكْتوفُ اليَديْنِ ومُزْعِفُ
وزعم بعضهم أنها هنا ظرف زمانٍ، مستدلاً بقوله: ﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ ثم قال ﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي: في ذلك الزَّمان.
وهو ضعيف، ولو كان كما قال، لكان التركيب وأمضوا حيث أمرتهم على أنه لو جاء التَّركيب كذا لم يكن فيه دلالة.
قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ ضمَّن القضاء معنى الإيجاء؛ فلذلك تعدَّى تعيدته «إلى» ، ومثله ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: 4] .
و «ذَلكَ الأمْرَ» «ذَلِكَ» مفعول القضاءِ، والإشارة به إلى ما وعد من إهلاكِ قومه، و «الأمْرَ» إمَّا بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ له.
قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ﴾ العامة على فتح «أنَّ» وفيها أوجه:
أحدها: أنها بدل من «ذَلِكَ» إذا قلنا: «الأمْرَ» عطف بيان.
الثاني: أنَّها بدلٌ من «الأمْرَ» سواء قلنا: إنه بيان أو بدل مما قبله.
الثالث: أنه على حذف الجار، أي: بأنَّ دابر، ففيه الخلاف المشهور.
وقرأ زيد بن علي، والأعمش بكسرها؛ لأنه بمعنى القول.
وعلَّله أبو حيان: بأنه لمَّا علق ما هو بمعنى العلم؛ كسر.
وفيه النظر المتقدم.
ويؤيِّد إضمار القول قراءة ابن مسعودٍ: وقلنا إنَّ دابر هؤلاء.
ودابرهم: آخرهم «مَقطوعٌ» مستأصل، يعني مستأصلون عن آخرهم؛ حتى لا يبقى منهم أحد «مُصْبحينَ» ، أي في حال ظهور الصبح، فهو حال من الضمير المستتر في: «مَقطُوعٌ» ، وإنَّما جمع حملاً على المعنى، وجعله الفرَّاء، وأبو عبيدة خبراً لكان المضمرة، قالا: تقديره: إذا كانوا مصبحين، نحو «أنْتَ مَاشِياً أحسنُ مِنْكَ رَاكِباً» .
وهو تكلفٌ، و «مُصْبحِينَ» داخلين في الصَّباحِ.
قوله: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ ، أي: مدينة لوط، يعني: «سدُوم» «يَسْتبشِرُونَ» حالٌ، أي: يستبشرون بأضياف لوطٍ، يبشر بعضهم بعضاً في ركوب الفاحشة منهم.
قيل: إنَّ الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم.
وقيل: أخبرتهم امرأة لوطٍ بذلك؛ فذهبوا إلى دارِ لوطٍ؛ طلباً منهم لأولئك المردِ.
فقال لهم لوط صلوات الله وسلامه عليه: «هَؤلاءِ ضَيْفِي» وحق على الرجل إكرام ضيفه، «فلا تَفْضحُونِ» فيهم.
يقال: فَضحَهُ يَفضحُه فَضْحاص، وفَضِيحَةً، إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، والفَضِيحُ والفَضِيحةُ: البيان، والظُّهورُ، ومنه: فَضِيحَةُ الصُّبْحِ؛ قال الشاعر: [البسيط]
3282 - وَلاحَ ضَوءُ هِلالِ اللَّيْلِ يَفْضحُنَا ... مِثْلَ القُلامَةِ قَدْ قُصَّتْ مِنَ الظُّفُرِ
إلا أنَّ الفضحية اختصت بما هو عارٌ على الإنسان عند ظهوره.
ومعنى الآية: أن الضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموه بالسُّوءِ كان ذلك إهانة بي، ثمَّ أكد ذلك بقوله: ﴿واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ولا تخجلون، فأجابوه بقولهم: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين﴾ ، أي: عن أن تضيِّف أحداً من العالمين.
وقيل: ألم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة؛ فإنا نركبُ منه الفاحشة.
قوله: ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ يجوز فيه أوجه:
أحدها: أ، يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مفعولاً بفعل مقدرٍ، أي: تزوَّجُوا هؤلاء، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيانٌ.
الثاني: أن يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مبتدأ وخبراً، ولا بدَّ من شيء محذوف تتمُّ به الفائدة، أي: فتزوَّجُوهنَّ.
الثالث: أن يكون «هَولاءِ» مبتدأ، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيان والخبر محذوف، أي: هُنَّ أطهر لكم كما جاء في نظيرتها.
وتقدَّم الكلام على هذه المعاني في هود.
قوله ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، ومثله: لايْمُن الله، و «إنَّهُمْ» ، وما في حيزه جواب القسم، تقديره: لعمرك قسمي، أو يميني إنهم، والعُمُرُ والعَمْر بالفتح والضم هو البقاء، إلا أنَّهم التزموا الفتح في القسم.
قال الزجاج: لأنه اخفُّ عليهم، وهم يكثرون القسم ب «لعَمْرِي ولعَمْرُكَ» .
وله أحكام كثيرة:
منها: أنه متى اقترن بلام الابتداء؛ ألزم فيه الرفع بالابتداء، وحذف خبره لسد جواب القسم مسدَّه.
ومنها: أنه يصير صريحاً في القسم، أي: يتعيَّن فيه، بخلاف غيره نحو: عَهْدُ اللهِ ومِثَاقُه.
ومنها: أنه يلزم فتح عينه.
فإن لم يقترن به لام الابتداء، جاز نصبه بفعلٍ مقدرٍ، نحو: عَمْرُ اللهِ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذٍ في الجلالة وجهان:
النَّصبُ والرفع فالنصب على أنه مصدرٌ مضاف لفاعله، وفي ذلك معنيان:
أحدهما: أن الأصل: أسألك بعمرك الله، أي: بوصفك الله تعالى بالبقاء، ثم حذف زوائد المصدر.
والثاني: أن المعنى: بعبادتك الله، والعَمْرُ: العِبادةُ.
حكى ابن الأعرابي: إنِّي عمرتُ ربِّي، أي: عبدته، وفلان عامر لربِّه، أي: عابده.
وأمَّا الرفع: فعلى أنه مضاف لمفعوله.
قال الفارسي رَحِمَهُ اللَّهُ: معناه [عَمَّرك] الله تعميراً، وقال الأخفش: أصله: أسْألك بِيُعمرك الله، فحذف زوائد المصدر، والفعل، والياء، فانتصب، وجاز أيضاً ذكر خبره، فتقول: عمرك قسمي لأقومن، وجاز أيضاً ضمُّ عينه، وينشد بالوجهين قوله: [الخفيف]
3283 - أيُّهَا المُنْكِحُ الثُريَّا سُهَيلاً ... عَمركَ الله كيْفَ يَلتقِيَانِ
هِيَ شَامِيَّةٌ إذَا ما استقلَّتْ ... وسُهَيْلٌ إذا اسْتقل يَمانِي
ويجوز دخول باء الجر عليه؛ نحو: بعمرك لأفعلنَّ؛ قال: [الوافر]
3284 - رُقيَّ بِعمْرِكُم لا تَهْجُرينَا ... ومَنِّينَا المُنَى ثُمَّ امْطُلينا
وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، فلا يقطع عنها، ويضاف لكل شيء، وزعم بعضهم: أنه لا يضاف إلى الله تعالى.
قيل: كان هذا يوهم أنه لا يستعمل إلا شفي الانقطاع، وقد سمع إضافته للباري تعالى. قال الشاعر: [الوافر]
3285 - إذَا رَضِيَتْ عليَّ بَنُو قُشيْرٍ ... لعَمْرُ الله أعْجَبنِي رِضَاهَا
ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلِّم، قال لأنه حلف بحياة المقسم، وقد ورد ذلك، قال النابغة: [الطويل] 3286 - لعَمْرِي وما عمْرِي عليَّ بِهيِّنٍ ... لقد نَطقَتْ بُطلاً عليَّ الأقَارعُ
وقد قلبته العرب لتقديم رائه على لامه، فقالوا: وعملي، وهي رديئة.
«إنَّهُمْ» العامة على كسر «إنَّ» لوقوع اللام في خبرها، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي له «أنَّ» فتحها، وتخريجها على زيادة اللام، وهي كقراءة ابن جبيرٍ (ألا أنهم ليأكلون الطعام] بالفتح.
وقرأ الأعمش: «سَكْرهُمْ» بغير تاء، وابن أبي عبلة «سَكرَاتهِمِ» جمعاً، والأشهب: «سُكْرتِهِم» بضم السين.
و «يَعْمَهُونَ» حال إمَّا من الضمير المستكن في الجار، وإمَّا من الضمير المجرور بالإضافة، والعامل إمَّا نفس سكرة، لأنَّها مصدر، وإمَّا معنى الإضافة.
فصل
قيل: إن الملائكة عليهم السلام قالت للوطٍ صلوات الله وسلامه عليه «لعَمُركَ إنَّهم لَفِي سَكرتِهمْ يَعْمَهُونَ» : يتحيَّرون.
وقال قتادة: يلعبون فكيف يعقلون قولك ويتلفتون إلى نصيحتك؟ .
وقيل: إنَّ الخطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإنَّه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحدٍ.
روى أبو الجوزاء عن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال ما خلقَ الله نفساً أكرم على الله من محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وما أقْسمَ بحياةِ أحدٍ إلاَّ بحياتهِ.
قال ابن العربي: قال المفسرون بإجماعهم: أقسم الله تعالى ها هنا بحياةِ محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تشريفاً له، أنَّ قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حريتهم يترددون، وقال القاضي عياضٌ: اتفق أهل التفسير في هذا: أنَّه قسم من الله تعالى بمدة حياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصله ضمُّ العين من العمر، ولكنها فتحت بكثرة.
قال ابن العربي: ما الذي يمنعُ أن يقسم الله تعالى بحياة لوطٍ، ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكلُّ ما يعيطه الله للوطٍ من فضل، يعطي ضعفه لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ لأنَّه أكرم على الله منه؛ أو لات تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلَّة، وموسى التكليم، وأعطلى ذلك لمحمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإذا أقسم بحياة لوطٍ، فحياة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرفعُ، ولا يخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكرٌ لغير ضرورةٍ.
قال القرطبيُّ: ما قاله حسنٌ، فإنَّه كان يكون قسمة سبحانه بحياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كلاماً معترضاً في قصَّة لوط.
قال القشيريُّ: يحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوطٍ؛ أي كانوا في سكرتهم يعمهون، أي لمَّا وعظ لوطٌ قومه وقال: هؤلاء بناتي، قالت الملائكة: يا لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ولا يدرون ما يحلُّ بهم صباحاً.
فإن قيل: فقد أقسم الله تعالى بالتِّين، والزَّيتونِ، وطور سنين، وما في هذا من الفضل؟ قيل له: ما من شيء أقسم الله به، إلاّ وفي ذلك دلالة على فضل على ما يدخل في عداده، فكذلك محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ثم قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة﴾ ، ولم يذكر في الآية صيحة من هي فإن ثبت بدليل قوي أن تلك صيحة جبريل قيل به وإلا فليس في الآية دليلٌ على أنه جاءتهم صيحة مهلكة.
قوله «مُشْرقينَ» «حال من مفعول» أخَذتْهُمْ» ، أي داخلين في الشروق، أي: بزوغِ الشَّمسِ.
يقال: شَرَق الشارق يَشْرُق شُرُوقاً لكل ما طلع من جانب الشرع، ومنه قوله: ما ذرَّ شَارِقٌ، أي طلع طَالعٌ فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا وتمامه حين أشرقوا.
والضمير في: «عَاليهَا وسَافِلهَا» للمدينة. وقال الزمخشريُّ: «لقرى لقوم لوط» .
ورجح الأول بأنه تقدَّم ذكر المدينة في قوله ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ فعاد الضمير إليها بخلاف الثاني، فإنه لم يتقدَّم لفظ القرى.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ تقدم الكلام على ذلك كله في هود: [82] .
قوله ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ متعلق بمحذوف على أنه صفة ل» آيَاتٌ «وأجود أن يتعلق بنفس» آيَاتٌ» ؛ لأنَّها بمعنى العلامات.
والتوسُّم: تفعل من الوسم، والوسمُ أصله: التَّثبت، والتَّفكر مأخوذ من الوسمِ، وهو التَّأثير بحديد في جلد البعير، أو غيره.
وقال ثعلب: الوَاسِمُ النَّاظر إليك من [قرنك] إلى قدمك، وفيه معنى التَّثبيت.
وقال الزجاج: حقيقة المتوسِّمين في اللغة: المثبتون في نظرهم حتَّى يعرفوا سمة الشيء، وصفته وعلامته وهو استقصاءُ وجوه التَّعرف قال: [الكامل]
3287 - أوَ كُلما وردَتْ عُكاظَ قَبيلَةٌ ... بَعَثَتْ إليَّ عَريفَهَا يَتوسَّم
وقيل: هو تفعُّل من الوسمِ، وهو العلامة، توسَّمتُ فيك خيراً، أي: ظهر لي مِيسَمُهُ عليك.
قال ابن رواحة يمدحُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [البسيط]
3288 - إنِّي تَوسَّمْتُ فِيكَ الخَيرَ أعْرفهُ ... واللهُ يَعْلمُ أنِّي ثَابتُ البَصرِ
وقال آخر: [الطويل]
3289 - تَوسَّمْتهُ لمَّا رَأيْتُ مَهَابَةٌ ... عَليْهِ، وقُلْتُ المَرْءُ مِنْ آلِ هَاشمِ
ويقال: اتَّسمَ الرَّجلُ، إذا اتَّخذَ لِنفْسِه عَلامةً يُعرف بِهَا، وتوسَّم: إذا طلبَ كلأ الوسمي، أي: العُشْبَ النَّابت في أوَّل المطر.
واختلف المفسِّرون: فقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما للنَّاظرين.
وقال مجاهدٌ للمتفرِّسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتلٌ للمتفكرين.
قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ الظاهر عود الضمير على المدينة، أو القرى وقيل على الحجارة وقيل: على الآيات، والمعنى: بطريقٍ قال مجاهد هذا طريق معلم، وليس بخفيّ، ولا زائلٍ.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، إي: كل من آمن بالله، ويصدق بالأنبياء، والرُّسلِ صلوات الله وسلامه عليهم؛ عرف أنَّما كان انتقامُ الله من الجُهَّال لأجل مخالفتهم، وأمَّا الذين لا يؤمنون؛ فيحملونه على حوادث [العالم] ، وحصول القرانات الكوكبية، والاتصالات الفلكية.
الحجر 15:54
قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ القصَّة: لما قرَّر أمر النبوة، أردفه بدلائل التوحيد، ثمَّ عقبه بذكر أحوال القيامةِ، وصفة الأشقياء، والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ليكن سماعها مرغِّباً للعبادة الموجبة للفوز بدرجاتِ الأولياءِ، ومحذراً عن المعصية الموجبةِ لاستحقاقِ دركاتِ الأشقياءِ.
فقوله: «ونَبِّئْهُم» ، هذا الضمير راجعٌ إلى قوله عَزَّ وَجَلَّ: عِبَادِي» ، أي: ونبِّىء عبادي، يقال: أنْبأتُ القوم إنباءً ونَبَّأتهُم تَنْبئةً إذا أخبرتهم.
قوله: «عَن ضَيْفِ» ، أي [أضياف إبراهيم] ، والضَّيْفُ في الأص مصدر ضَافَ يضيفُ: إذا أتى إنساناً يطلب القوى، وهو اسمٌ يقع على الواحدِ، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنَّث.
فِإن قيل: كيف سمَّاهم ضيفاً، مع امتناعهم من الأكلِ؟ .
فالجواب: لمن ظنَّ إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنَّهم إنَّما دخلوا عليه لطلب الضِّيافة، جاز تسميتهم ذلك.
وقيل: من دخل [دار] إنسان، والتجأ إليه سمِّي ضيفاً، ون لم يأكل، وكان إبراهيم صلوات الله وسلامه علثيه يكنَّىأبا الضيفان، كان لقصره أربعة أبوابٍ، لكي لا فوته أحدٌ.
وسمِّي الضيف ضيفاً؛ لإضافته إليك، ونزوله عليك.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «ضَافهُ مَالَ إليه، وأضَافهُ: [أماله] ، ومنه الحديث: حِينَ تضيفلإ الشَّمسُ للغُروبِ. وضَيفُوفَةُ السَّهم، والإضافةُ النَّحوية» .
قوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ في «إذْ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول لفعل مقدر، أي: اذكر إذ دخلوا.
والثاني: أنه ظرف على بابه، وفي العامل فيه وجهان:
أحدهما: أنه محذوف، تقديره: خبر ضيف.
والثاني: أنه نفس «ضَيْفِ» ، وفي توجيه ذلك وجهان:
أحدهما: أنه لما كان في الأصل مصدراً اعتبر ذلك فيه، ويدلُّ على اعتبار مصدريته بعد الوصف به: عدم مطابقته لما قبله تثنية، وجمعاً وتأنيثاً في الأغلب، ولأنه قائم مقام وصفه، والوصف يعمل.
والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: أصحاب ضيف إبراهيم، أي: ضيافته، فالمصدر باقٍ على حاله، فلذلك عمل.
قال أبو البقاء بعد أن قدر أصحاب ضياتفه: والمصدر على هذا مضاف إلى المفعول.
قال شهابُ الدِّين: وفيه نظر، إذ الظَّاهر إضافته لفاعله؛ لأنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ سَلاماً﴾ ، أي نُسلِّم لك سلاماً أو سلَّمتُ سلاماً، أو سلمُوا سَلاماً، قاله القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
قال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون؛ لأنهم لم يأكلوا طعامه، وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت.
قوله: «لا تَوجَلْ» العامة على فتح التاء من «وجِلَ» ك: «شَرِبَ» يَشربُ، والفتح قياس» فَعِلَ «إلا أن العرب آثرت [يفعل بالكسر] في بعض الألفاظ إذا كانت واواً، نحو:» نَبِقَ» وقرأ الحسن: «لا تُوجَل» مبنياً للمفعول من الإيجال.
وقرىء: «لا تَأجَلْ» ، والأصل: «تَوْجل» كقراءة العامة، إلاَّ أبدل من الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها، وإن لم تتحرَّك كقولهم: «تَابةٌ» ، و «صَامةٌ» في «تَوْبة» ، و «صَوْمة» وسمع: اللَّهُم تقبَّل تَابتِي، وصَامتِي. وقرىء أيضاً: «لا تُواجِل» من المواجلة.
ومعنى الكلام: لاتخف؛ «إنَّا نَبشِّرُكَ» ، قرأ حمزة: «إنَّا نَبْشُركَ» بفتح النون وتخفيف الباء، والباقون بضم النون، وفتح الباء، و «إنَّا نُبشِّركَ» استئناف بمعنى التعليل للنهي عن الوجل، والمعنى إنَّك بمثابة الآمن المبشر فلا توةجل.
واعلم أنَّهم بشروهن بأمرين:
أحدهما: أنَّ الولد ذكرٌ، والثاني: أنه عليمٌ.
فقيل: بشَّروه بنبوته بعده، وقيل: عليم بالدِّين، فعجب إبراهيم أمره و ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر﴾ قرأ الأعرج: «بشَّرتُمونِي» بإسقاط أداة الاستفهام، فيحتمل الأخبار، ويحتمل الاستفهام، وإنما حذفت أدلته للعلم به.
وِ «على أنْ مسَّنيَ» في محل نصبٍ على الحال.
وقرأ ابن محيصن: «الكُبْر» بزنة «فُعْقولهخ:» فبمَ تبشّرون «» بِمَ «متعلقٌ ب» تُبشِّرُون» ، وقدم وجوباً؛ [لأنه] استفهام وله صدر الكلام.
وقرأ العامة: بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع؟ ولم يذكر مفعنول التبشير، وقرأ نافع بكسرها، والأصل: تبشروني فحذف الياء مجتزئاً عنها بالكسرة.
وقد غلطه أبو حاتم، وقال: هذا يكون في الشعر اضطراراً.
وقال مكي: «وقد طعن في هذه القراءة قومٌ لبُعدِ مخرجِها في العربيَّة؛ لأنَّ حذف النون التي تصحبُ الياء لا يحسنُ إلاَّ في الشِّعر، وإن قُدِّر حذف النون الأولى حذفت [علم] الرفع من غير ناصب، ولا جازم؛ ولأنَّ نون الرفع كسرها قبيحٌ، إنَّما حقُّها الفتح» .
وهذا الطعن لا يتلفت إليه، لأنَّ ياء المتكلم قد كثر حذفها مجتزءاً عنها بالكسرة، وقد قرىء بذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمرونيا﴾ [الزمر: 64] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ووجهه: أنَّه لما اجتمع نونان أحدهما نون الرفع، والأخرى نون الوقاية استثقل اللفظ، فمنهم من أدغم، ومنهم من حذف، ثم اختلف في المحذوفة، هل هي الأولى، أو الثانية، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام [الأنعام: 80] .
وقرأ ابن كثير بتشديدها مكسورة، أدغم الأولى في الثانية، وحذف ياء الإضافة، والحسن: أثبت الياء مع تشديد النون، ورجح قراءة من أثبت مفعول: «يُبشِّرُون» وهو الياء.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ «بَشَّرناكَ» ، و «بالحقِّ» متعلق بالفعل قبله، وضعف أن يكون حالاً، أي: قالوا بَشَّرنَاكَ.
ومعنى: «بالحَقِّ» هنا استفهام بمعنى التعجُّب، كأنه قيل: بأيَّ أعجوبةٍ تبشروني؟ .
فِإن قيل: كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلقِ الولدِ منه في زمانِ الكبرِ؟ وما فائدة هذا الاستفهام مع أنهم قد بينوا ما بشَّروا به؟ .
فِأجاب القاضي: بأنه أراد أن يعرف أنه تعالى هل يعطيه الولد مع أنه يبقيه على سفة الشيخوخة، أو يقلبه شابًّا، ثم يعطيه الولد؟ .
وسبب هذا الاستفهام: أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامَّة، وإنما يحصل في حال الشَّبابِ.
فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم، فلم قالوا: ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ ؟ .
قلنا: إنهم بيَّنوا أنه تعالى بشَّرهُ بالولد مع إبقائه على صفة الشَّيخوخَةِ، وقولهم ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ لايدل على أنه كان كذلك بدليل أنه صرَّح في جوابهم بما يدلُّ على أنَّه ليس كذلك فقال: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون﴾ .
وأجاب غيره: بأن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيءٍ، وفاته الوقت الذي يغلب على ظنِّه حصول المراد فيه، فإذا بشِّر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه، وسروره، ويصير ذلك الفرحُ القويُّ كالمدهش له، والمزيل لقوَّة فهمه، وذكائه، فربَّما تكلم بكلماتٍ مضطربة في ذلك الوقت.
وقيل أيضاً: إنه يستطيب تلك البشارة، فربَّما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرَّة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة، أو طلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق، كقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] وقيل أيضاً: استفهم: أبأمرِ الله تبشروني، أم من عند أنفسكم، واجتهادكم.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ قال ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد بما قضى الله تعالى.
وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ نهي لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عن القنوطِ، وقد تقدَّم أنَّ النهي لإنسان عن الشَّيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهيّ عنه، كقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: 48] ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [القصص: 78] .
قوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ﴾ هذا استفهام معناه النفي، ولذلك وقع بعد الإيجاب ب «إلاَ» .
وقرأ أبو عمرو، والكسائي: «يَقْنِطُ» بكسر عين هذا المضارع حيث وقع، والباقون بفتحها وزيد بن علي والأشهب بضمها، وفي الماضي لغتان «قنط» بكسر النون، «يَقنَطُ» بفتحها، وقنط «يقْنطُ» بكسرها، ولولا أن القراءة سنة متبعة، لكان قياس من قرأ ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: 28] وافلتح في الماضي هو الأكثر، ولذلك أجمع عليه.
قال الفارسي: فتح النون في الماضي، وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات، ويرجحُ قراءة «يَقْنَطُ» بالفتح قراءة أبي عمرو في بعض الروايات «فلا تكن من القنطين» كفَرِحشَ يفرح فهو فَرِحٌ.
والقُنُوط: شدَّة اليأسِ من الخَيرٍ، وحكى أبو عبيدة: «قَنُطَ» يَقْنُطُ بضمِّ النون.
قال ابن الخطيب: «وهذا يدلُّ على أنَّ» قَنَطَ «بفتح النون أكثر؛ لأن المضارع من» فَعَل «يجيء على» يَفْعِلُ ويَفْعُل «مثل: فَسقَ: ويَفْسُقُ، لا يجيء مضارع فَعَلَ على يَفْعَلُ» .
فصل
جواب إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حق؛ لأنَّ الفنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلاَّ عند الجهل بأمور:
أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادراً عليه.
وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالماً باحتياج ذلك العبد إليه.
وثالثها: أ، يحجهل كونه تعالى، منزّهاً عن البخل، والحاجة.
والجهل بكلِّ هذه الأمور سبب للضَّلالِ، القُنوط من رحمة الله كبيرة، كالأمن من مكرهِ.
قوله تعالى: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ الخطب: الشأن، والأمر، سألهم عمَّا لأجله أرسلهم الله تعالى.
فِإن قيل: إنَّ الملائكة لما بشَّروه بالولد الذَّكر العليمِ، كيف قال لهم بعد ذلك «فَمَا خَطْبُكمُ» ؟ .
فالجواب: قال الأصم: معناه: ما الذي وجتهم له سوى البُشْرَى؟ .
وقال القاضي: إنه علم أنه لو كان المقصود أيضاً البشارة، لكان الواحد من الملائكة كافياً، فلمَّا رأى جمعاً من الملائكة؛ علم أنَّ لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة، فلا جرم قال: «فَما خَطْبكُمْ» ؟ .
قيل: إنَّهم قالوا: إنَّا نُبشِّركَ بغُلامٍ عَليم لإزالة الخوف، والوجل، ألا ترى أنّه لما قال: ﴿إنا منكم وجلون﴾ قالوا له: ﴿لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم﴾ ، فلو كان المقصود من المجيء هو البشارة؛ كانوا ذكروا البشارة في أوَّل دخولهم، فلمَّا لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم صلوات الله وسلام عليه أنَّ مجيئهم ما كان لمجرَّد البشارة، بل لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض، قال: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ مشركين، وإنَّما اقتصوار على هذا القدر، لعلم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بأنَّ الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين، كان ذلك لأهلاكهم.
ويدل ع لى ذلك قوله: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قوله «إلا آل لُوطٍ» فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء متصل علىأنه مسثنى من الضمير المستكن في: «مُجرمِينَ» بمعنى أجرموا كلهم إلاَّ آل لوطٍ؛ فإنَّهم لم يجرموا، ويكون قولهم «إنَّا لمنجوهم» استئناف إخبار بنجاتهم، لكنهم لم يجرموا ولكن الإرسال حينئذ شاملاً للمجرمين ولآل لوط لإهلاك أولئك وأنجاء هؤلاء.
والثاني: أنه اسثناء منقطع؛ لأن آل لوط لم يندرجوا في المجرمين آلبتَّة.
قال أبو حيان: وإذا كان استثناء منقطعاً، فهو مما يجبُ فيه النصب؛ لأنه من الاستثناء الذي لا يمكن توجيه العامل إلى المستثنى منه؛ لأنهم لم يرسوال إليهم، إنما أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصَّة، ويكون قوله: «إنَّ لمُنجَّوهُمْ» جَرَى مَجْرى خبر لكن في اتِّصاله ب «آل لوطٍ» ؛ لأن المعنى: لكنَّ آل لوط منجوهم، وقد زعم بعض النحويين في الاستثناء المنقطع المقدَّر بلكن، إذ لم يكن بعده ما يصحُّ أن يكون خبراً: أنَّ الخبر محذوف، وأنه في موضع رفع لجريان: «إلاَّ» ، وتقديرها ب «لَكِن» .
قال شهابُ الدِّين: «وفيه نظرٌ؛ لأن قوله لا يتوجه إليه العامل أيك لا يمكن، نحو: ضحك القوم إلا حمارهم، وصهلت الخيلُ إلا الإبل. أمَّا هذا، فيمكن الإرسال إليهم من غير منع، وأمَّا قوله: لأنهم لم يرسلوا إليهم فصحيح؛ لأنَّ حكم الاستثناء كلَّه هكذا، وهو أن يكون خارجاً عمَّا حكم به على الأوَّل، لكنَّه لو سلط عليه لصحَّ ذلك بخلاف ما تقدَّم من أمثلتهم» .
قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قرأ الأخوان: «لمُنْجُوهمْ» مخففاً؛ وكذلك خففا أيضاً فعل هذه الصيغة في قوله تعالى في العنكبوت ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: 32] ؛ وكذلك خففا أيضاً قوله فيها: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [العنكبوت: 33] فهما جاريتان على سننٍ واحدٍ.
وقد وافقهما ابن كثير، وأبو بكر على تخفيف: «مُنجوكَ» كأنهما جمعا بَيْنَ اللغتين، وباقي السبعة بتشديد الكل. والتخفيف والتشديد لغتان مشهورتان من: نَجَّى وأنْجى، وأنزلَ، ونزَّل، وقد نطق بفعلهما، قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ [العنكبوت: 65] وفي موضع ﴿أَنجَاهُمْ﴾ [يونس: 23] .
قوله: ﴿امرأته﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استثناء من «آل لُوطٍ» . قال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: «والاستنثاء إذا جاء عبد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافاً إلى المبتدا كقولك:» لهُ عِندِي عشرةٌ إلا أربعة إلا درهماً «فإن الدرهم يستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشرة إلاَّ أربعة، أوعشرة إلاَّ ثلاثة» .
والثاني: أنها مستثناةٌ من الضمير المجرور في قوله «لمُنَجوهمْ» .
وقد منع الزمخشري رحمهن الله الوجه الأول، وعيَّن الثاني فقال: «فإن قلت: قوله:» إلا امرأتهُ» مِمَّ استثني؟ وهل هو استثناء نم استثناء؟ .
قلت: مستثنى من الضمير المجرور في قوله: «لمُنَجُّوهم» ، وليس من الاستثناء في شيء؛ لأن الاستثناء م الاستثناء إنَّما يكون فيما اتَّحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأتهُ، كما اتَّحد في قول المطلِّق: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا اثنين إلا واحدة، وقول المقرّ: لفلان علي عشرة درارهم إلا ثلاثة إلا درهماً، اما الآية فقد اختلف الحكمان؛ لأنّ: «آل لوطٍ» متعلق ب» أرْسَلْنَا «أوة ب» مُجرمِينَ» ، و «إلاَّ امْرأتهُ» قد تعلَّق بقوله: «لمُنجوهم» فأنَّى يكون استثناء من استثناء» .
قال أبو حيَّان: ولما استسلف الزمخشري أنَّ «امرأتهُ» استثناء من الضمير في لمُنجُّوهم «أبى أن يكون استثناء من استثناء، ومن قال: إنه استثناء من استثناء، فيمكن [تصحيح قوله] بأحد وجهين:
أحدهما: أنه لما كان امرأته مستثنى من الضمير في» لمُنَجوهُم «، وهو عائدٌ على» آل لوطٍ «صار كأنَّه مستثنى من:» آل لوطٍ» ؛ لأنَّ المضمر هو الظاهر.
والوجه الآخر: أن قوله «إلاَّ آل لوطٍ» لمَّا حكم عليهم بغير الحكم الذي حكم به على قوم مجرمين، اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تأكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى: إلا آل لوط لم نرسل إليهم بالعذاب، وجاتهم مرتبة على [عدم] الإرسال إليهم بالعذاب، فصار نظير ذلك: قام القومُ إلاَّ زيداً لم يقم أو إلاَّ زيداً فإنه لم يقم، فهذه الجملة تأكيدٌ لما تضمَّنهُ الاستثناء من الحكم على ما بعد إلاَّ بضدِّ الحكم السَّابق على المستثنى منه، ف: «إلاَّ امْرَأتهُ» على هذا التدقير الذي قرَّرناه مستثنى من: «آلَ لُوطٍ» ؛ لأنَّ الاستثناء ممَّا جيء به للتَّأسيس أولى من الاستثناء ممَّا جيء به للتأكيد.
قوله «قدَّرْنَا» قرأ أبو بكر ههنا، وفي سورة النمل بتخفيف الدَّال، والباقون بتشديدها، وهما لغتان: قَدَّر، وقَدَر.
قوله: «إنَّها» كسرت من أجل اللاّم في خبرها، ولولا [لَفُتِحَتْ] ، وهي معلقة لما قبلها؛ لأنَّ فعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم إمَّا لكونه بمعناه، وإمَّا لأنه مترتب عليه.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله: ﴿قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ ، والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم» .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى «وكسرت» إِنَّها «إجراء لفعل التقدير مجرى العلم» .
وهذا لا يصحُّ علة لكسرها، إنَّما يصحُّ علةً لتعليقها الفعل قبلها.
فصل
معنى التقدير في اللغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قدر هذا الشيثء بهذا، أي: اجعله على مقداره، وقدَّر الله سبحانه الأقوات، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثمَّ يفسر التقدير بالقضاء فيقال: قضى الله عليه، وقَدرَ عليه، أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير، والشر. وقيل: معنى: «قَدَّرْنَا» كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. فإن [قيل] لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله عزَّ وجلَّ؟
فالجواب: إنَّما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله، كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا [وأمرنا بكذا] ، والمدبر، والآمر هو الملك لا هم، وإنَّما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هنا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ في موضع مفعول، التقدير: قضينا أنها تتخلف، وتبقى مع من يبقى حتَّى يهلك، فتلحق بالهالكين.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ المرسلون﴾ القصة لما بشروا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بالولد، وأخبروه بأنهم مرسلون بالعذاب إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط عليه السلام، وإلى آله، وإنَّ لوطاً، وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة لله.
فقالوا: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ لأنهم لما هجموا عليه؛ استنكرهم، وخاف من دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه.
وقيل: خاف؛ لأنهم كانوا شبايا مرداً حسان الوجوه، فخاف أن يهجم قومه عليهم لطلبهم، فقال هذه الكلمة.
وقيل: إنَّ النكرة ضدّ المعرفة، فقوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ، أي: لا أعرفكم، وأعرف أنكم من أي الأقوام، ولأي غرض دخلتم عليّ، فقال: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ .
قوله: ﴿بَلْ جِئْنَاكَ﴾ إضراب عن الكلام المحذوف، تقديره: ما جئناك بما ينكر، ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا [كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ] .
وقد تقدَّم الخلاف في قوله: «فأسْرِ» قعاً ووصلاً في هود: [81] .
وقرأ اليماني فيما نقل ابن عطية، وصاحب اللوامح: «فَسِرْ» من السير. وقرأت فرقة بفتح الطاء، وقد تقدَّم في يونس أنَّ الكسائي، وابن كثير قرآه بالسكون في قوله «قِطْعاً» والباقون بالفتح.
قوله: قالت الملاكئة ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يشكون أنه نازلٌ بهم، وهو العذاب؛ لأنه كان يوعدهم بالعذاب، فلا يصدقونه، ثمَّ أكدوا ذلك بقولهم: ﴿وَآتَيْنَاكَ بالحق﴾ قال الكلبيُّ: بالعذاب، [وقيل] باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو العذاب] ثم أكدوا هذه التَّأكيد بقولهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ .
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ والقِطْعُ والقَطع: آخر الليل؛ قال: [الخفيف]
3280 - افْتَحِي البَابَ وانظُرِي في النُّجُومِ ... كَم عليْنَا مِن قِطْعِ ليْلٍ بَهِيمِ
﴿واتبع أَدْبَارَهُمْ﴾ ، أي سر خلفهم ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ لئلا ترتاعوا من أمر عظيم فأنزل بهم من العذاب.
وقيل: معناه الإسراع، وترك الاهتمام لما خلف وراءه، كما يقول: امض لشأنك، ولا تعرج على شيءٍ.
وقيل: المعنى لو بقي [منه] متاعٌ في ذلك الموضع، فلا يرجعن بسببه ألبتَّة.
وقيل: جعل الكله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوطٍ.
﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يعني «الشَّام» .
وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل. وقال مقاتل: يعني زغر. وقيل: «الأرْدن» .
قوله: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ «حَيْثُ» على بابها من كونها ظرف مكان مبهمٍ، ولإبهامها تعدي إليها الفعل من غير واسطةٍ، على أنه قد جاء في الشِّعر تعديته إليها ب «في» كقوله: [الطويل]
3281 - فَأصْبحَ في حَيْثُ التَقيْنَا شَردُهمْ ... طَليقٌ ومكْتوفُ اليَديْنِ ومُزْعِفُ
وزعم بعضهم أنها هنا ظرف زمانٍ، مستدلاً بقوله: ﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ ثم قال ﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي: في ذلك الزَّمان.
وهو ضعيف، ولو كان كما قال، لكان التركيب وأمضوا حيث أمرتهم على أنه لو جاء التَّركيب كذا لم يكن فيه دلالة.
قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ ضمَّن القضاء معنى الإيجاء؛ فلذلك تعدَّى تعيدته «إلى» ، ومثله ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: 4] .
و «ذَلكَ الأمْرَ» «ذَلِكَ» مفعول القضاءِ، والإشارة به إلى ما وعد من إهلاكِ قومه، و «الأمْرَ» إمَّا بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ له.
قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ﴾ العامة على فتح «أنَّ» وفيها أوجه:
أحدها: أنها بدل من «ذَلِكَ» إذا قلنا: «الأمْرَ» عطف بيان.
الثاني: أنَّها بدلٌ من «الأمْرَ» سواء قلنا: إنه بيان أو بدل مما قبله.
الثالث: أنه على حذف الجار، أي: بأنَّ دابر، ففيه الخلاف المشهور.
وقرأ زيد بن علي، والأعمش بكسرها؛ لأنه بمعنى القول.
وعلَّله أبو حيان: بأنه لمَّا علق ما هو بمعنى العلم؛ كسر.
وفيه النظر المتقدم.
ويؤيِّد إضمار القول قراءة ابن مسعودٍ: وقلنا إنَّ دابر هؤلاء.
ودابرهم: آخرهم «مَقطوعٌ» مستأصل، يعني مستأصلون عن آخرهم؛ حتى لا يبقى منهم أحد «مُصْبحينَ» ، أي في حال ظهور الصبح، فهو حال من الضمير المستتر في: «مَقطُوعٌ» ، وإنَّما جمع حملاً على المعنى، وجعله الفرَّاء، وأبو عبيدة خبراً لكان المضمرة، قالا: تقديره: إذا كانوا مصبحين، نحو «أنْتَ مَاشِياً أحسنُ مِنْكَ رَاكِباً» .
وهو تكلفٌ، و «مُصْبحِينَ» داخلين في الصَّباحِ.
قوله: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ ، أي: مدينة لوط، يعني: «سدُوم» «يَسْتبشِرُونَ» حالٌ، أي: يستبشرون بأضياف لوطٍ، يبشر بعضهم بعضاً في ركوب الفاحشة منهم.
قيل: إنَّ الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم.
وقيل: أخبرتهم امرأة لوطٍ بذلك؛ فذهبوا إلى دارِ لوطٍ؛ طلباً منهم لأولئك المردِ.
فقال لهم لوط صلوات الله وسلامه عليه: «هَؤلاءِ ضَيْفِي» وحق على الرجل إكرام ضيفه، «فلا تَفْضحُونِ» فيهم.
يقال: فَضحَهُ يَفضحُه فَضْحاص، وفَضِيحَةً، إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، والفَضِيحُ والفَضِيحةُ: البيان، والظُّهورُ، ومنه: فَضِيحَةُ الصُّبْحِ؛ قال الشاعر: [البسيط]
3282 - وَلاحَ ضَوءُ هِلالِ اللَّيْلِ يَفْضحُنَا ... مِثْلَ القُلامَةِ قَدْ قُصَّتْ مِنَ الظُّفُرِ
إلا أنَّ الفضحية اختصت بما هو عارٌ على الإنسان عند ظهوره.
ومعنى الآية: أن الضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموه بالسُّوءِ كان ذلك إهانة بي، ثمَّ أكد ذلك بقوله: ﴿واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ولا تخجلون، فأجابوه بقولهم: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين﴾ ، أي: عن أن تضيِّف أحداً من العالمين.
وقيل: ألم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة؛ فإنا نركبُ منه الفاحشة.
قوله: ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ يجوز فيه أوجه:
أحدها: أ، يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مفعولاً بفعل مقدرٍ، أي: تزوَّجُوا هؤلاء، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيانٌ.
الثاني: أن يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مبتدأ وخبراً، ولا بدَّ من شيء محذوف تتمُّ به الفائدة، أي: فتزوَّجُوهنَّ.
الثالث: أن يكون «هَولاءِ» مبتدأ، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيان والخبر محذوف، أي: هُنَّ أطهر لكم كما جاء في نظيرتها.
وتقدَّم الكلام على هذه المعاني في هود.
قوله ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، ومثله: لايْمُن الله، و «إنَّهُمْ» ، وما في حيزه جواب القسم، تقديره: لعمرك قسمي، أو يميني إنهم، والعُمُرُ والعَمْر بالفتح والضم هو البقاء، إلا أنَّهم التزموا الفتح في القسم.
قال الزجاج: لأنه اخفُّ عليهم، وهم يكثرون القسم ب «لعَمْرِي ولعَمْرُكَ» .
وله أحكام كثيرة:
منها: أنه متى اقترن بلام الابتداء؛ ألزم فيه الرفع بالابتداء، وحذف خبره لسد جواب القسم مسدَّه.
ومنها: أنه يصير صريحاً في القسم، أي: يتعيَّن فيه، بخلاف غيره نحو: عَهْدُ اللهِ ومِثَاقُه.
ومنها: أنه يلزم فتح عينه.
فإن لم يقترن به لام الابتداء، جاز نصبه بفعلٍ مقدرٍ، نحو: عَمْرُ اللهِ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذٍ في الجلالة وجهان:
النَّصبُ والرفع فالنصب على أنه مصدرٌ مضاف لفاعله، وفي ذلك معنيان:
أحدهما: أن الأصل: أسألك بعمرك الله، أي: بوصفك الله تعالى بالبقاء، ثم حذف زوائد المصدر.
والثاني: أن المعنى: بعبادتك الله، والعَمْرُ: العِبادةُ.
حكى ابن الأعرابي: إنِّي عمرتُ ربِّي، أي: عبدته، وفلان عامر لربِّه، أي: عابده.
وأمَّا الرفع: فعلى أنه مضاف لمفعوله.
قال الفارسي رَحِمَهُ اللَّهُ: معناه [عَمَّرك] الله تعميراً، وقال الأخفش: أصله: أسْألك بِيُعمرك الله، فحذف زوائد المصدر، والفعل، والياء، فانتصب، وجاز أيضاً ذكر خبره، فتقول: عمرك قسمي لأقومن، وجاز أيضاً ضمُّ عينه، وينشد بالوجهين قوله: [الخفيف]
3283 - أيُّهَا المُنْكِحُ الثُريَّا سُهَيلاً ... عَمركَ الله كيْفَ يَلتقِيَانِ
هِيَ شَامِيَّةٌ إذَا ما استقلَّتْ ... وسُهَيْلٌ إذا اسْتقل يَمانِي
ويجوز دخول باء الجر عليه؛ نحو: بعمرك لأفعلنَّ؛ قال: [الوافر]
3284 - رُقيَّ بِعمْرِكُم لا تَهْجُرينَا ... ومَنِّينَا المُنَى ثُمَّ امْطُلينا
وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، فلا يقطع عنها، ويضاف لكل شيء، وزعم بعضهم: أنه لا يضاف إلى الله تعالى.
قيل: كان هذا يوهم أنه لا يستعمل إلا شفي الانقطاع، وقد سمع إضافته للباري تعالى. قال الشاعر: [الوافر]
3285 - إذَا رَضِيَتْ عليَّ بَنُو قُشيْرٍ ... لعَمْرُ الله أعْجَبنِي رِضَاهَا
ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلِّم، قال لأنه حلف بحياة المقسم، وقد ورد ذلك، قال النابغة: [الطويل] 3286 - لعَمْرِي وما عمْرِي عليَّ بِهيِّنٍ ... لقد نَطقَتْ بُطلاً عليَّ الأقَارعُ
وقد قلبته العرب لتقديم رائه على لامه، فقالوا: وعملي، وهي رديئة.
«إنَّهُمْ» العامة على كسر «إنَّ» لوقوع اللام في خبرها، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي له «أنَّ» فتحها، وتخريجها على زيادة اللام، وهي كقراءة ابن جبيرٍ (ألا أنهم ليأكلون الطعام] بالفتح.
وقرأ الأعمش: «سَكْرهُمْ» بغير تاء، وابن أبي عبلة «سَكرَاتهِمِ» جمعاً، والأشهب: «سُكْرتِهِم» بضم السين.
و «يَعْمَهُونَ» حال إمَّا من الضمير المستكن في الجار، وإمَّا من الضمير المجرور بالإضافة، والعامل إمَّا نفس سكرة، لأنَّها مصدر، وإمَّا معنى الإضافة.
فصل
قيل: إن الملائكة عليهم السلام قالت للوطٍ صلوات الله وسلامه عليه «لعَمُركَ إنَّهم لَفِي سَكرتِهمْ يَعْمَهُونَ» : يتحيَّرون.
وقال قتادة: يلعبون فكيف يعقلون قولك ويتلفتون إلى نصيحتك؟ .
وقيل: إنَّ الخطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإنَّه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحدٍ.
روى أبو الجوزاء عن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال ما خلقَ الله نفساً أكرم على الله من محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وما أقْسمَ بحياةِ أحدٍ إلاَّ بحياتهِ.
قال ابن العربي: قال المفسرون بإجماعهم: أقسم الله تعالى ها هنا بحياةِ محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تشريفاً له، أنَّ قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حريتهم يترددون، وقال القاضي عياضٌ: اتفق أهل التفسير في هذا: أنَّه قسم من الله تعالى بمدة حياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصله ضمُّ العين من العمر، ولكنها فتحت بكثرة.
قال ابن العربي: ما الذي يمنعُ أن يقسم الله تعالى بحياة لوطٍ، ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكلُّ ما يعيطه الله للوطٍ من فضل، يعطي ضعفه لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ لأنَّه أكرم على الله منه؛ أو لات تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلَّة، وموسى التكليم، وأعطلى ذلك لمحمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإذا أقسم بحياة لوطٍ، فحياة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرفعُ، ولا يخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكرٌ لغير ضرورةٍ.
قال القرطبيُّ: ما قاله حسنٌ، فإنَّه كان يكون قسمة سبحانه بحياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كلاماً معترضاً في قصَّة لوط.
قال القشيريُّ: يحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوطٍ؛ أي كانوا في سكرتهم يعمهون، أي لمَّا وعظ لوطٌ قومه وقال: هؤلاء بناتي، قالت الملائكة: يا لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ولا يدرون ما يحلُّ بهم صباحاً.
فإن قيل: فقد أقسم الله تعالى بالتِّين، والزَّيتونِ، وطور سنين، وما في هذا من الفضل؟ قيل له: ما من شيء أقسم الله به، إلاّ وفي ذلك دلالة على فضل على ما يدخل في عداده، فكذلك محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ثم قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة﴾ ، ولم يذكر في الآية صيحة من هي فإن ثبت بدليل قوي أن تلك صيحة جبريل قيل به وإلا فليس في الآية دليلٌ على أنه جاءتهم صيحة مهلكة.
قوله «مُشْرقينَ» «حال من مفعول» أخَذتْهُمْ» ، أي داخلين في الشروق، أي: بزوغِ الشَّمسِ.
يقال: شَرَق الشارق يَشْرُق شُرُوقاً لكل ما طلع من جانب الشرع، ومنه قوله: ما ذرَّ شَارِقٌ، أي طلع طَالعٌ فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا وتمامه حين أشرقوا.
والضمير في: «عَاليهَا وسَافِلهَا» للمدينة. وقال الزمخشريُّ: «لقرى لقوم لوط» .
ورجح الأول بأنه تقدَّم ذكر المدينة في قوله ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ فعاد الضمير إليها بخلاف الثاني، فإنه لم يتقدَّم لفظ القرى.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ تقدم الكلام على ذلك كله في هود: [82] .
قوله ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ متعلق بمحذوف على أنه صفة ل» آيَاتٌ «وأجود أن يتعلق بنفس» آيَاتٌ» ؛ لأنَّها بمعنى العلامات.
والتوسُّم: تفعل من الوسم، والوسمُ أصله: التَّثبت، والتَّفكر مأخوذ من الوسمِ، وهو التَّأثير بحديد في جلد البعير، أو غيره.
وقال ثعلب: الوَاسِمُ النَّاظر إليك من [قرنك] إلى قدمك، وفيه معنى التَّثبيت.
وقال الزجاج: حقيقة المتوسِّمين في اللغة: المثبتون في نظرهم حتَّى يعرفوا سمة الشيء، وصفته وعلامته وهو استقصاءُ وجوه التَّعرف قال: [الكامل]
3287 - أوَ كُلما وردَتْ عُكاظَ قَبيلَةٌ ... بَعَثَتْ إليَّ عَريفَهَا يَتوسَّم
وقيل: هو تفعُّل من الوسمِ، وهو العلامة، توسَّمتُ فيك خيراً، أي: ظهر لي مِيسَمُهُ عليك.
قال ابن رواحة يمدحُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [البسيط]
3288 - إنِّي تَوسَّمْتُ فِيكَ الخَيرَ أعْرفهُ ... واللهُ يَعْلمُ أنِّي ثَابتُ البَصرِ
وقال آخر: [الطويل]
3289 - تَوسَّمْتهُ لمَّا رَأيْتُ مَهَابَةٌ ... عَليْهِ، وقُلْتُ المَرْءُ مِنْ آلِ هَاشمِ
ويقال: اتَّسمَ الرَّجلُ، إذا اتَّخذَ لِنفْسِه عَلامةً يُعرف بِهَا، وتوسَّم: إذا طلبَ كلأ الوسمي، أي: العُشْبَ النَّابت في أوَّل المطر.
واختلف المفسِّرون: فقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما للنَّاظرين.
وقال مجاهدٌ للمتفرِّسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتلٌ للمتفكرين.
قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ الظاهر عود الضمير على المدينة، أو القرى وقيل على الحجارة وقيل: على الآيات، والمعنى: بطريقٍ قال مجاهد هذا طريق معلم، وليس بخفيّ، ولا زائلٍ.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، إي: كل من آمن بالله، ويصدق بالأنبياء، والرُّسلِ صلوات الله وسلامه عليهم؛ عرف أنَّما كان انتقامُ الله من الجُهَّال لأجل مخالفتهم، وأمَّا الذين لا يؤمنون؛ فيحملونه على حوادث [العالم] ، وحصول القرانات الكوكبية، والاتصالات الفلكية.
الحجر 15:55
قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ القصَّة: لما قرَّر أمر النبوة، أردفه بدلائل التوحيد، ثمَّ عقبه بذكر أحوال القيامةِ، وصفة الأشقياء، والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ليكن سماعها مرغِّباً للعبادة الموجبة للفوز بدرجاتِ الأولياءِ، ومحذراً عن المعصية الموجبةِ لاستحقاقِ دركاتِ الأشقياءِ.
فقوله: «ونَبِّئْهُم» ، هذا الضمير راجعٌ إلى قوله عَزَّ وَجَلَّ: عِبَادِي» ، أي: ونبِّىء عبادي، يقال: أنْبأتُ القوم إنباءً ونَبَّأتهُم تَنْبئةً إذا أخبرتهم.
قوله: «عَن ضَيْفِ» ، أي [أضياف إبراهيم] ، والضَّيْفُ في الأص مصدر ضَافَ يضيفُ: إذا أتى إنساناً يطلب القوى، وهو اسمٌ يقع على الواحدِ، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنَّث.
فِإن قيل: كيف سمَّاهم ضيفاً، مع امتناعهم من الأكلِ؟ .
فالجواب: لمن ظنَّ إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنَّهم إنَّما دخلوا عليه لطلب الضِّيافة، جاز تسميتهم ذلك.
وقيل: من دخل [دار] إنسان، والتجأ إليه سمِّي ضيفاً، ون لم يأكل، وكان إبراهيم صلوات الله وسلامه علثيه يكنَّىأبا الضيفان، كان لقصره أربعة أبوابٍ، لكي لا فوته أحدٌ.
وسمِّي الضيف ضيفاً؛ لإضافته إليك، ونزوله عليك.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «ضَافهُ مَالَ إليه، وأضَافهُ: [أماله] ، ومنه الحديث: حِينَ تضيفلإ الشَّمسُ للغُروبِ. وضَيفُوفَةُ السَّهم، والإضافةُ النَّحوية» .
قوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ في «إذْ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول لفعل مقدر، أي: اذكر إذ دخلوا.
والثاني: أنه ظرف على بابه، وفي العامل فيه وجهان:
أحدهما: أنه محذوف، تقديره: خبر ضيف.
والثاني: أنه نفس «ضَيْفِ» ، وفي توجيه ذلك وجهان:
أحدهما: أنه لما كان في الأصل مصدراً اعتبر ذلك فيه، ويدلُّ على اعتبار مصدريته بعد الوصف به: عدم مطابقته لما قبله تثنية، وجمعاً وتأنيثاً في الأغلب، ولأنه قائم مقام وصفه، والوصف يعمل.
والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: أصحاب ضيف إبراهيم، أي: ضيافته، فالمصدر باقٍ على حاله، فلذلك عمل.
قال أبو البقاء بعد أن قدر أصحاب ضياتفه: والمصدر على هذا مضاف إلى المفعول.
قال شهابُ الدِّين: وفيه نظر، إذ الظَّاهر إضافته لفاعله؛ لأنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ سَلاماً﴾ ، أي نُسلِّم لك سلاماً أو سلَّمتُ سلاماً، أو سلمُوا سَلاماً، قاله القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
قال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون؛ لأنهم لم يأكلوا طعامه، وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت.
قوله: «لا تَوجَلْ» العامة على فتح التاء من «وجِلَ» ك: «شَرِبَ» يَشربُ، والفتح قياس» فَعِلَ «إلا أن العرب آثرت [يفعل بالكسر] في بعض الألفاظ إذا كانت واواً، نحو:» نَبِقَ» وقرأ الحسن: «لا تُوجَل» مبنياً للمفعول من الإيجال.
وقرىء: «لا تَأجَلْ» ، والأصل: «تَوْجل» كقراءة العامة، إلاَّ أبدل من الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها، وإن لم تتحرَّك كقولهم: «تَابةٌ» ، و «صَامةٌ» في «تَوْبة» ، و «صَوْمة» وسمع: اللَّهُم تقبَّل تَابتِي، وصَامتِي. وقرىء أيضاً: «لا تُواجِل» من المواجلة.
ومعنى الكلام: لاتخف؛ «إنَّا نَبشِّرُكَ» ، قرأ حمزة: «إنَّا نَبْشُركَ» بفتح النون وتخفيف الباء، والباقون بضم النون، وفتح الباء، و «إنَّا نُبشِّركَ» استئناف بمعنى التعليل للنهي عن الوجل، والمعنى إنَّك بمثابة الآمن المبشر فلا توةجل.
واعلم أنَّهم بشروهن بأمرين:
أحدهما: أنَّ الولد ذكرٌ، والثاني: أنه عليمٌ.
فقيل: بشَّروه بنبوته بعده، وقيل: عليم بالدِّين، فعجب إبراهيم أمره و ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر﴾ قرأ الأعرج: «بشَّرتُمونِي» بإسقاط أداة الاستفهام، فيحتمل الأخبار، ويحتمل الاستفهام، وإنما حذفت أدلته للعلم به.
وِ «على أنْ مسَّنيَ» في محل نصبٍ على الحال.
وقرأ ابن محيصن: «الكُبْر» بزنة «فُعْقولهخ:» فبمَ تبشّرون «» بِمَ «متعلقٌ ب» تُبشِّرُون» ، وقدم وجوباً؛ [لأنه] استفهام وله صدر الكلام.
وقرأ العامة: بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع؟ ولم يذكر مفعنول التبشير، وقرأ نافع بكسرها، والأصل: تبشروني فحذف الياء مجتزئاً عنها بالكسرة.
وقد غلطه أبو حاتم، وقال: هذا يكون في الشعر اضطراراً.
وقال مكي: «وقد طعن في هذه القراءة قومٌ لبُعدِ مخرجِها في العربيَّة؛ لأنَّ حذف النون التي تصحبُ الياء لا يحسنُ إلاَّ في الشِّعر، وإن قُدِّر حذف النون الأولى حذفت [علم] الرفع من غير ناصب، ولا جازم؛ ولأنَّ نون الرفع كسرها قبيحٌ، إنَّما حقُّها الفتح» .
وهذا الطعن لا يتلفت إليه، لأنَّ ياء المتكلم قد كثر حذفها مجتزءاً عنها بالكسرة، وقد قرىء بذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمرونيا﴾ [الزمر: 64] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ووجهه: أنَّه لما اجتمع نونان أحدهما نون الرفع، والأخرى نون الوقاية استثقل اللفظ، فمنهم من أدغم، ومنهم من حذف، ثم اختلف في المحذوفة، هل هي الأولى، أو الثانية، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام [الأنعام: 80] .
وقرأ ابن كثير بتشديدها مكسورة، أدغم الأولى في الثانية، وحذف ياء الإضافة، والحسن: أثبت الياء مع تشديد النون، ورجح قراءة من أثبت مفعول: «يُبشِّرُون» وهو الياء.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ «بَشَّرناكَ» ، و «بالحقِّ» متعلق بالفعل قبله، وضعف أن يكون حالاً، أي: قالوا بَشَّرنَاكَ.
ومعنى: «بالحَقِّ» هنا استفهام بمعنى التعجُّب، كأنه قيل: بأيَّ أعجوبةٍ تبشروني؟ .
فِإن قيل: كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلقِ الولدِ منه في زمانِ الكبرِ؟ وما فائدة هذا الاستفهام مع أنهم قد بينوا ما بشَّروا به؟ .
فِأجاب القاضي: بأنه أراد أن يعرف أنه تعالى هل يعطيه الولد مع أنه يبقيه على سفة الشيخوخة، أو يقلبه شابًّا، ثم يعطيه الولد؟ .
وسبب هذا الاستفهام: أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامَّة، وإنما يحصل في حال الشَّبابِ.
فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم، فلم قالوا: ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ ؟ .
قلنا: إنهم بيَّنوا أنه تعالى بشَّرهُ بالولد مع إبقائه على صفة الشَّيخوخَةِ، وقولهم ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ لايدل على أنه كان كذلك بدليل أنه صرَّح في جوابهم بما يدلُّ على أنَّه ليس كذلك فقال: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون﴾ .
وأجاب غيره: بأن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيءٍ، وفاته الوقت الذي يغلب على ظنِّه حصول المراد فيه، فإذا بشِّر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه، وسروره، ويصير ذلك الفرحُ القويُّ كالمدهش له، والمزيل لقوَّة فهمه، وذكائه، فربَّما تكلم بكلماتٍ مضطربة في ذلك الوقت.
وقيل أيضاً: إنه يستطيب تلك البشارة، فربَّما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرَّة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة، أو طلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق، كقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] وقيل أيضاً: استفهم: أبأمرِ الله تبشروني، أم من عند أنفسكم، واجتهادكم.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ قال ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد بما قضى الله تعالى.
وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ نهي لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عن القنوطِ، وقد تقدَّم أنَّ النهي لإنسان عن الشَّيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهيّ عنه، كقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: 48] ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [القصص: 78] .
قوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ﴾ هذا استفهام معناه النفي، ولذلك وقع بعد الإيجاب ب «إلاَ» .
وقرأ أبو عمرو، والكسائي: «يَقْنِطُ» بكسر عين هذا المضارع حيث وقع، والباقون بفتحها وزيد بن علي والأشهب بضمها، وفي الماضي لغتان «قنط» بكسر النون، «يَقنَطُ» بفتحها، وقنط «يقْنطُ» بكسرها، ولولا أن القراءة سنة متبعة، لكان قياس من قرأ ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: 28] وافلتح في الماضي هو الأكثر، ولذلك أجمع عليه.
قال الفارسي: فتح النون في الماضي، وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات، ويرجحُ قراءة «يَقْنَطُ» بالفتح قراءة أبي عمرو في بعض الروايات «فلا تكن من القنطين» كفَرِحشَ يفرح فهو فَرِحٌ.
والقُنُوط: شدَّة اليأسِ من الخَيرٍ، وحكى أبو عبيدة: «قَنُطَ» يَقْنُطُ بضمِّ النون.
قال ابن الخطيب: «وهذا يدلُّ على أنَّ» قَنَطَ «بفتح النون أكثر؛ لأن المضارع من» فَعَل «يجيء على» يَفْعِلُ ويَفْعُل «مثل: فَسقَ: ويَفْسُقُ، لا يجيء مضارع فَعَلَ على يَفْعَلُ» .
فصل
جواب إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حق؛ لأنَّ الفنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلاَّ عند الجهل بأمور:
أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادراً عليه.
وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالماً باحتياج ذلك العبد إليه.
وثالثها: أ، يحجهل كونه تعالى، منزّهاً عن البخل، والحاجة.
والجهل بكلِّ هذه الأمور سبب للضَّلالِ، القُنوط من رحمة الله كبيرة، كالأمن من مكرهِ.
قوله تعالى: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ الخطب: الشأن، والأمر، سألهم عمَّا لأجله أرسلهم الله تعالى.
فِإن قيل: إنَّ الملائكة لما بشَّروه بالولد الذَّكر العليمِ، كيف قال لهم بعد ذلك «فَمَا خَطْبُكمُ» ؟ .
فالجواب: قال الأصم: معناه: ما الذي وجتهم له سوى البُشْرَى؟ .
وقال القاضي: إنه علم أنه لو كان المقصود أيضاً البشارة، لكان الواحد من الملائكة كافياً، فلمَّا رأى جمعاً من الملائكة؛ علم أنَّ لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة، فلا جرم قال: «فَما خَطْبكُمْ» ؟ .
قيل: إنَّهم قالوا: إنَّا نُبشِّركَ بغُلامٍ عَليم لإزالة الخوف، والوجل، ألا ترى أنّه لما قال: ﴿إنا منكم وجلون﴾ قالوا له: ﴿لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم﴾ ، فلو كان المقصود من المجيء هو البشارة؛ كانوا ذكروا البشارة في أوَّل دخولهم، فلمَّا لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم صلوات الله وسلام عليه أنَّ مجيئهم ما كان لمجرَّد البشارة، بل لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض، قال: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ مشركين، وإنَّما اقتصوار على هذا القدر، لعلم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بأنَّ الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين، كان ذلك لأهلاكهم.
ويدل ع لى ذلك قوله: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قوله «إلا آل لُوطٍ» فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء متصل علىأنه مسثنى من الضمير المستكن في: «مُجرمِينَ» بمعنى أجرموا كلهم إلاَّ آل لوطٍ؛ فإنَّهم لم يجرموا، ويكون قولهم «إنَّا لمنجوهم» استئناف إخبار بنجاتهم، لكنهم لم يجرموا ولكن الإرسال حينئذ شاملاً للمجرمين ولآل لوط لإهلاك أولئك وأنجاء هؤلاء.
والثاني: أنه اسثناء منقطع؛ لأن آل لوط لم يندرجوا في المجرمين آلبتَّة.
قال أبو حيان: وإذا كان استثناء منقطعاً، فهو مما يجبُ فيه النصب؛ لأنه من الاستثناء الذي لا يمكن توجيه العامل إلى المستثنى منه؛ لأنهم لم يرسوال إليهم، إنما أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصَّة، ويكون قوله: «إنَّ لمُنجَّوهُمْ» جَرَى مَجْرى خبر لكن في اتِّصاله ب «آل لوطٍ» ؛ لأن المعنى: لكنَّ آل لوط منجوهم، وقد زعم بعض النحويين في الاستثناء المنقطع المقدَّر بلكن، إذ لم يكن بعده ما يصحُّ أن يكون خبراً: أنَّ الخبر محذوف، وأنه في موضع رفع لجريان: «إلاَّ» ، وتقديرها ب «لَكِن» .
قال شهابُ الدِّين: «وفيه نظرٌ؛ لأن قوله لا يتوجه إليه العامل أيك لا يمكن، نحو: ضحك القوم إلا حمارهم، وصهلت الخيلُ إلا الإبل. أمَّا هذا، فيمكن الإرسال إليهم من غير منع، وأمَّا قوله: لأنهم لم يرسلوا إليهم فصحيح؛ لأنَّ حكم الاستثناء كلَّه هكذا، وهو أن يكون خارجاً عمَّا حكم به على الأوَّل، لكنَّه لو سلط عليه لصحَّ ذلك بخلاف ما تقدَّم من أمثلتهم» .
قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قرأ الأخوان: «لمُنْجُوهمْ» مخففاً؛ وكذلك خففا أيضاً فعل هذه الصيغة في قوله تعالى في العنكبوت ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: 32] ؛ وكذلك خففا أيضاً قوله فيها: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [العنكبوت: 33] فهما جاريتان على سننٍ واحدٍ.
وقد وافقهما ابن كثير، وأبو بكر على تخفيف: «مُنجوكَ» كأنهما جمعا بَيْنَ اللغتين، وباقي السبعة بتشديد الكل. والتخفيف والتشديد لغتان مشهورتان من: نَجَّى وأنْجى، وأنزلَ، ونزَّل، وقد نطق بفعلهما، قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ [العنكبوت: 65] وفي موضع ﴿أَنجَاهُمْ﴾ [يونس: 23] .
قوله: ﴿امرأته﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استثناء من «آل لُوطٍ» . قال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: «والاستنثاء إذا جاء عبد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافاً إلى المبتدا كقولك:» لهُ عِندِي عشرةٌ إلا أربعة إلا درهماً «فإن الدرهم يستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشرة إلاَّ أربعة، أوعشرة إلاَّ ثلاثة» .
والثاني: أنها مستثناةٌ من الضمير المجرور في قوله «لمُنَجوهمْ» .
وقد منع الزمخشري رحمهن الله الوجه الأول، وعيَّن الثاني فقال: «فإن قلت: قوله:» إلا امرأتهُ» مِمَّ استثني؟ وهل هو استثناء نم استثناء؟ .
قلت: مستثنى من الضمير المجرور في قوله: «لمُنَجُّوهم» ، وليس من الاستثناء في شيء؛ لأن الاستثناء م الاستثناء إنَّما يكون فيما اتَّحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأتهُ، كما اتَّحد في قول المطلِّق: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا اثنين إلا واحدة، وقول المقرّ: لفلان علي عشرة درارهم إلا ثلاثة إلا درهماً، اما الآية فقد اختلف الحكمان؛ لأنّ: «آل لوطٍ» متعلق ب» أرْسَلْنَا «أوة ب» مُجرمِينَ» ، و «إلاَّ امْرأتهُ» قد تعلَّق بقوله: «لمُنجوهم» فأنَّى يكون استثناء من استثناء» .
قال أبو حيَّان: ولما استسلف الزمخشري أنَّ «امرأتهُ» استثناء من الضمير في لمُنجُّوهم «أبى أن يكون استثناء من استثناء، ومن قال: إنه استثناء من استثناء، فيمكن [تصحيح قوله] بأحد وجهين:
أحدهما: أنه لما كان امرأته مستثنى من الضمير في» لمُنَجوهُم «، وهو عائدٌ على» آل لوطٍ «صار كأنَّه مستثنى من:» آل لوطٍ» ؛ لأنَّ المضمر هو الظاهر.
والوجه الآخر: أن قوله «إلاَّ آل لوطٍ» لمَّا حكم عليهم بغير الحكم الذي حكم به على قوم مجرمين، اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تأكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى: إلا آل لوط لم نرسل إليهم بالعذاب، وجاتهم مرتبة على [عدم] الإرسال إليهم بالعذاب، فصار نظير ذلك: قام القومُ إلاَّ زيداً لم يقم أو إلاَّ زيداً فإنه لم يقم، فهذه الجملة تأكيدٌ لما تضمَّنهُ الاستثناء من الحكم على ما بعد إلاَّ بضدِّ الحكم السَّابق على المستثنى منه، ف: «إلاَّ امْرَأتهُ» على هذا التدقير الذي قرَّرناه مستثنى من: «آلَ لُوطٍ» ؛ لأنَّ الاستثناء ممَّا جيء به للتَّأسيس أولى من الاستثناء ممَّا جيء به للتأكيد.
قوله «قدَّرْنَا» قرأ أبو بكر ههنا، وفي سورة النمل بتخفيف الدَّال، والباقون بتشديدها، وهما لغتان: قَدَّر، وقَدَر.
قوله: «إنَّها» كسرت من أجل اللاّم في خبرها، ولولا [لَفُتِحَتْ] ، وهي معلقة لما قبلها؛ لأنَّ فعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم إمَّا لكونه بمعناه، وإمَّا لأنه مترتب عليه.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله: ﴿قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ ، والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم» .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى «وكسرت» إِنَّها «إجراء لفعل التقدير مجرى العلم» .
وهذا لا يصحُّ علة لكسرها، إنَّما يصحُّ علةً لتعليقها الفعل قبلها.
فصل
معنى التقدير في اللغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قدر هذا الشيثء بهذا، أي: اجعله على مقداره، وقدَّر الله سبحانه الأقوات، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثمَّ يفسر التقدير بالقضاء فيقال: قضى الله عليه، وقَدرَ عليه، أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير، والشر. وقيل: معنى: «قَدَّرْنَا» كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. فإن [قيل] لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله عزَّ وجلَّ؟
فالجواب: إنَّما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله، كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا [وأمرنا بكذا] ، والمدبر، والآمر هو الملك لا هم، وإنَّما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هنا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ في موضع مفعول، التقدير: قضينا أنها تتخلف، وتبقى مع من يبقى حتَّى يهلك، فتلحق بالهالكين.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ المرسلون﴾ القصة لما بشروا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بالولد، وأخبروه بأنهم مرسلون بالعذاب إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط عليه السلام، وإلى آله، وإنَّ لوطاً، وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة لله.
فقالوا: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ لأنهم لما هجموا عليه؛ استنكرهم، وخاف من دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه.
وقيل: خاف؛ لأنهم كانوا شبايا مرداً حسان الوجوه، فخاف أن يهجم قومه عليهم لطلبهم، فقال هذه الكلمة.
وقيل: إنَّ النكرة ضدّ المعرفة، فقوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ، أي: لا أعرفكم، وأعرف أنكم من أي الأقوام، ولأي غرض دخلتم عليّ، فقال: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ .
قوله: ﴿بَلْ جِئْنَاكَ﴾ إضراب عن الكلام المحذوف، تقديره: ما جئناك بما ينكر، ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا [كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ] .
وقد تقدَّم الخلاف في قوله: «فأسْرِ» قعاً ووصلاً في هود: [81] .
وقرأ اليماني فيما نقل ابن عطية، وصاحب اللوامح: «فَسِرْ» من السير. وقرأت فرقة بفتح الطاء، وقد تقدَّم في يونس أنَّ الكسائي، وابن كثير قرآه بالسكون في قوله «قِطْعاً» والباقون بالفتح.
قوله: قالت الملاكئة ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يشكون أنه نازلٌ بهم، وهو العذاب؛ لأنه كان يوعدهم بالعذاب، فلا يصدقونه، ثمَّ أكدوا ذلك بقولهم: ﴿وَآتَيْنَاكَ بالحق﴾ قال الكلبيُّ: بالعذاب، [وقيل] باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو العذاب] ثم أكدوا هذه التَّأكيد بقولهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ .
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ والقِطْعُ والقَطع: آخر الليل؛ قال: [الخفيف]
3280 - افْتَحِي البَابَ وانظُرِي في النُّجُومِ ... كَم عليْنَا مِن قِطْعِ ليْلٍ بَهِيمِ
﴿واتبع أَدْبَارَهُمْ﴾ ، أي سر خلفهم ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ لئلا ترتاعوا من أمر عظيم فأنزل بهم من العذاب.
وقيل: معناه الإسراع، وترك الاهتمام لما خلف وراءه، كما يقول: امض لشأنك، ولا تعرج على شيءٍ.
وقيل: المعنى لو بقي [منه] متاعٌ في ذلك الموضع، فلا يرجعن بسببه ألبتَّة.
وقيل: جعل الكله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوطٍ.
﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يعني «الشَّام» .
وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل. وقال مقاتل: يعني زغر. وقيل: «الأرْدن» .
قوله: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ «حَيْثُ» على بابها من كونها ظرف مكان مبهمٍ، ولإبهامها تعدي إليها الفعل من غير واسطةٍ، على أنه قد جاء في الشِّعر تعديته إليها ب «في» كقوله: [الطويل]
3281 - فَأصْبحَ في حَيْثُ التَقيْنَا شَردُهمْ ... طَليقٌ ومكْتوفُ اليَديْنِ ومُزْعِفُ
وزعم بعضهم أنها هنا ظرف زمانٍ، مستدلاً بقوله: ﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ ثم قال ﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي: في ذلك الزَّمان.
وهو ضعيف، ولو كان كما قال، لكان التركيب وأمضوا حيث أمرتهم على أنه لو جاء التَّركيب كذا لم يكن فيه دلالة.
قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ ضمَّن القضاء معنى الإيجاء؛ فلذلك تعدَّى تعيدته «إلى» ، ومثله ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: 4] .
و «ذَلكَ الأمْرَ» «ذَلِكَ» مفعول القضاءِ، والإشارة به إلى ما وعد من إهلاكِ قومه، و «الأمْرَ» إمَّا بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ له.
قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ﴾ العامة على فتح «أنَّ» وفيها أوجه:
أحدها: أنها بدل من «ذَلِكَ» إذا قلنا: «الأمْرَ» عطف بيان.
الثاني: أنَّها بدلٌ من «الأمْرَ» سواء قلنا: إنه بيان أو بدل مما قبله.
الثالث: أنه على حذف الجار، أي: بأنَّ دابر، ففيه الخلاف المشهور.
وقرأ زيد بن علي، والأعمش بكسرها؛ لأنه بمعنى القول.
وعلَّله أبو حيان: بأنه لمَّا علق ما هو بمعنى العلم؛ كسر.
وفيه النظر المتقدم.
ويؤيِّد إضمار القول قراءة ابن مسعودٍ: وقلنا إنَّ دابر هؤلاء.
ودابرهم: آخرهم «مَقطوعٌ» مستأصل، يعني مستأصلون عن آخرهم؛ حتى لا يبقى منهم أحد «مُصْبحينَ» ، أي في حال ظهور الصبح، فهو حال من الضمير المستتر في: «مَقطُوعٌ» ، وإنَّما جمع حملاً على المعنى، وجعله الفرَّاء، وأبو عبيدة خبراً لكان المضمرة، قالا: تقديره: إذا كانوا مصبحين، نحو «أنْتَ مَاشِياً أحسنُ مِنْكَ رَاكِباً» .
وهو تكلفٌ، و «مُصْبحِينَ» داخلين في الصَّباحِ.
قوله: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ ، أي: مدينة لوط، يعني: «سدُوم» «يَسْتبشِرُونَ» حالٌ، أي: يستبشرون بأضياف لوطٍ، يبشر بعضهم بعضاً في ركوب الفاحشة منهم.
قيل: إنَّ الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم.
وقيل: أخبرتهم امرأة لوطٍ بذلك؛ فذهبوا إلى دارِ لوطٍ؛ طلباً منهم لأولئك المردِ.
فقال لهم لوط صلوات الله وسلامه عليه: «هَؤلاءِ ضَيْفِي» وحق على الرجل إكرام ضيفه، «فلا تَفْضحُونِ» فيهم.
يقال: فَضحَهُ يَفضحُه فَضْحاص، وفَضِيحَةً، إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، والفَضِيحُ والفَضِيحةُ: البيان، والظُّهورُ، ومنه: فَضِيحَةُ الصُّبْحِ؛ قال الشاعر: [البسيط]
3282 - وَلاحَ ضَوءُ هِلالِ اللَّيْلِ يَفْضحُنَا ... مِثْلَ القُلامَةِ قَدْ قُصَّتْ مِنَ الظُّفُرِ
إلا أنَّ الفضحية اختصت بما هو عارٌ على الإنسان عند ظهوره.
ومعنى الآية: أن الضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموه بالسُّوءِ كان ذلك إهانة بي، ثمَّ أكد ذلك بقوله: ﴿واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ولا تخجلون، فأجابوه بقولهم: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين﴾ ، أي: عن أن تضيِّف أحداً من العالمين.
وقيل: ألم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة؛ فإنا نركبُ منه الفاحشة.
قوله: ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ يجوز فيه أوجه:
أحدها: أ، يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مفعولاً بفعل مقدرٍ، أي: تزوَّجُوا هؤلاء، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيانٌ.
الثاني: أن يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مبتدأ وخبراً، ولا بدَّ من شيء محذوف تتمُّ به الفائدة، أي: فتزوَّجُوهنَّ.
الثالث: أن يكون «هَولاءِ» مبتدأ، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيان والخبر محذوف، أي: هُنَّ أطهر لكم كما جاء في نظيرتها.
وتقدَّم الكلام على هذه المعاني في هود.
قوله ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، ومثله: لايْمُن الله، و «إنَّهُمْ» ، وما في حيزه جواب القسم، تقديره: لعمرك قسمي، أو يميني إنهم، والعُمُرُ والعَمْر بالفتح والضم هو البقاء، إلا أنَّهم التزموا الفتح في القسم.
قال الزجاج: لأنه اخفُّ عليهم، وهم يكثرون القسم ب «لعَمْرِي ولعَمْرُكَ» .
وله أحكام كثيرة:
منها: أنه متى اقترن بلام الابتداء؛ ألزم فيه الرفع بالابتداء، وحذف خبره لسد جواب القسم مسدَّه.
ومنها: أنه يصير صريحاً في القسم، أي: يتعيَّن فيه، بخلاف غيره نحو: عَهْدُ اللهِ ومِثَاقُه.
ومنها: أنه يلزم فتح عينه.
فإن لم يقترن به لام الابتداء، جاز نصبه بفعلٍ مقدرٍ، نحو: عَمْرُ اللهِ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذٍ في الجلالة وجهان:
النَّصبُ والرفع فالنصب على أنه مصدرٌ مضاف لفاعله، وفي ذلك معنيان:
أحدهما: أن الأصل: أسألك بعمرك الله، أي: بوصفك الله تعالى بالبقاء، ثم حذف زوائد المصدر.
والثاني: أن المعنى: بعبادتك الله، والعَمْرُ: العِبادةُ.
حكى ابن الأعرابي: إنِّي عمرتُ ربِّي، أي: عبدته، وفلان عامر لربِّه، أي: عابده.
وأمَّا الرفع: فعلى أنه مضاف لمفعوله.
قال الفارسي رَحِمَهُ اللَّهُ: معناه [عَمَّرك] الله تعميراً، وقال الأخفش: أصله: أسْألك بِيُعمرك الله، فحذف زوائد المصدر، والفعل، والياء، فانتصب، وجاز أيضاً ذكر خبره، فتقول: عمرك قسمي لأقومن، وجاز أيضاً ضمُّ عينه، وينشد بالوجهين قوله: [الخفيف]
3283 - أيُّهَا المُنْكِحُ الثُريَّا سُهَيلاً ... عَمركَ الله كيْفَ يَلتقِيَانِ
هِيَ شَامِيَّةٌ إذَا ما استقلَّتْ ... وسُهَيْلٌ إذا اسْتقل يَمانِي
ويجوز دخول باء الجر عليه؛ نحو: بعمرك لأفعلنَّ؛ قال: [الوافر]
3284 - رُقيَّ بِعمْرِكُم لا تَهْجُرينَا ... ومَنِّينَا المُنَى ثُمَّ امْطُلينا
وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، فلا يقطع عنها، ويضاف لكل شيء، وزعم بعضهم: أنه لا يضاف إلى الله تعالى.
قيل: كان هذا يوهم أنه لا يستعمل إلا شفي الانقطاع، وقد سمع إضافته للباري تعالى. قال الشاعر: [الوافر]
3285 - إذَا رَضِيَتْ عليَّ بَنُو قُشيْرٍ ... لعَمْرُ الله أعْجَبنِي رِضَاهَا
ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلِّم، قال لأنه حلف بحياة المقسم، وقد ورد ذلك، قال النابغة: [الطويل] 3286 - لعَمْرِي وما عمْرِي عليَّ بِهيِّنٍ ... لقد نَطقَتْ بُطلاً عليَّ الأقَارعُ
وقد قلبته العرب لتقديم رائه على لامه، فقالوا: وعملي، وهي رديئة.
«إنَّهُمْ» العامة على كسر «إنَّ» لوقوع اللام في خبرها، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي له «أنَّ» فتحها، وتخريجها على زيادة اللام، وهي كقراءة ابن جبيرٍ (ألا أنهم ليأكلون الطعام] بالفتح.
وقرأ الأعمش: «سَكْرهُمْ» بغير تاء، وابن أبي عبلة «سَكرَاتهِمِ» جمعاً، والأشهب: «سُكْرتِهِم» بضم السين.
و «يَعْمَهُونَ» حال إمَّا من الضمير المستكن في الجار، وإمَّا من الضمير المجرور بالإضافة، والعامل إمَّا نفس سكرة، لأنَّها مصدر، وإمَّا معنى الإضافة.
فصل
قيل: إن الملائكة عليهم السلام قالت للوطٍ صلوات الله وسلامه عليه «لعَمُركَ إنَّهم لَفِي سَكرتِهمْ يَعْمَهُونَ» : يتحيَّرون.
وقال قتادة: يلعبون فكيف يعقلون قولك ويتلفتون إلى نصيحتك؟ .
وقيل: إنَّ الخطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإنَّه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحدٍ.
روى أبو الجوزاء عن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال ما خلقَ الله نفساً أكرم على الله من محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وما أقْسمَ بحياةِ أحدٍ إلاَّ بحياتهِ.
قال ابن العربي: قال المفسرون بإجماعهم: أقسم الله تعالى ها هنا بحياةِ محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تشريفاً له، أنَّ قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حريتهم يترددون، وقال القاضي عياضٌ: اتفق أهل التفسير في هذا: أنَّه قسم من الله تعالى بمدة حياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصله ضمُّ العين من العمر، ولكنها فتحت بكثرة.
قال ابن العربي: ما الذي يمنعُ أن يقسم الله تعالى بحياة لوطٍ، ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكلُّ ما يعيطه الله للوطٍ من فضل، يعطي ضعفه لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ لأنَّه أكرم على الله منه؛ أو لات تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلَّة، وموسى التكليم، وأعطلى ذلك لمحمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإذا أقسم بحياة لوطٍ، فحياة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرفعُ، ولا يخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكرٌ لغير ضرورةٍ.
قال القرطبيُّ: ما قاله حسنٌ، فإنَّه كان يكون قسمة سبحانه بحياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كلاماً معترضاً في قصَّة لوط.
قال القشيريُّ: يحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوطٍ؛ أي كانوا في سكرتهم يعمهون، أي لمَّا وعظ لوطٌ قومه وقال: هؤلاء بناتي، قالت الملائكة: يا لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ولا يدرون ما يحلُّ بهم صباحاً.
فإن قيل: فقد أقسم الله تعالى بالتِّين، والزَّيتونِ، وطور سنين، وما في هذا من الفضل؟ قيل له: ما من شيء أقسم الله به، إلاّ وفي ذلك دلالة على فضل على ما يدخل في عداده، فكذلك محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ثم قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة﴾ ، ولم يذكر في الآية صيحة من هي فإن ثبت بدليل قوي أن تلك صيحة جبريل قيل به وإلا فليس في الآية دليلٌ على أنه جاءتهم صيحة مهلكة.
قوله «مُشْرقينَ» «حال من مفعول» أخَذتْهُمْ» ، أي داخلين في الشروق، أي: بزوغِ الشَّمسِ.
يقال: شَرَق الشارق يَشْرُق شُرُوقاً لكل ما طلع من جانب الشرع، ومنه قوله: ما ذرَّ شَارِقٌ، أي طلع طَالعٌ فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا وتمامه حين أشرقوا.
والضمير في: «عَاليهَا وسَافِلهَا» للمدينة. وقال الزمخشريُّ: «لقرى لقوم لوط» .
ورجح الأول بأنه تقدَّم ذكر المدينة في قوله ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ فعاد الضمير إليها بخلاف الثاني، فإنه لم يتقدَّم لفظ القرى.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ تقدم الكلام على ذلك كله في هود: [82] .
قوله ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ متعلق بمحذوف على أنه صفة ل» آيَاتٌ «وأجود أن يتعلق بنفس» آيَاتٌ» ؛ لأنَّها بمعنى العلامات.
والتوسُّم: تفعل من الوسم، والوسمُ أصله: التَّثبت، والتَّفكر مأخوذ من الوسمِ، وهو التَّأثير بحديد في جلد البعير، أو غيره.
وقال ثعلب: الوَاسِمُ النَّاظر إليك من [قرنك] إلى قدمك، وفيه معنى التَّثبيت.
وقال الزجاج: حقيقة المتوسِّمين في اللغة: المثبتون في نظرهم حتَّى يعرفوا سمة الشيء، وصفته وعلامته وهو استقصاءُ وجوه التَّعرف قال: [الكامل]
3287 - أوَ كُلما وردَتْ عُكاظَ قَبيلَةٌ ... بَعَثَتْ إليَّ عَريفَهَا يَتوسَّم
وقيل: هو تفعُّل من الوسمِ، وهو العلامة، توسَّمتُ فيك خيراً، أي: ظهر لي مِيسَمُهُ عليك.
قال ابن رواحة يمدحُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [البسيط]
3288 - إنِّي تَوسَّمْتُ فِيكَ الخَيرَ أعْرفهُ ... واللهُ يَعْلمُ أنِّي ثَابتُ البَصرِ
وقال آخر: [الطويل]
3289 - تَوسَّمْتهُ لمَّا رَأيْتُ مَهَابَةٌ ... عَليْهِ، وقُلْتُ المَرْءُ مِنْ آلِ هَاشمِ
ويقال: اتَّسمَ الرَّجلُ، إذا اتَّخذَ لِنفْسِه عَلامةً يُعرف بِهَا، وتوسَّم: إذا طلبَ كلأ الوسمي، أي: العُشْبَ النَّابت في أوَّل المطر.
واختلف المفسِّرون: فقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما للنَّاظرين.
وقال مجاهدٌ للمتفرِّسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتلٌ للمتفكرين.
قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ الظاهر عود الضمير على المدينة، أو القرى وقيل على الحجارة وقيل: على الآيات، والمعنى: بطريقٍ قال مجاهد هذا طريق معلم، وليس بخفيّ، ولا زائلٍ.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، إي: كل من آمن بالله، ويصدق بالأنبياء، والرُّسلِ صلوات الله وسلامه عليهم؛ عرف أنَّما كان انتقامُ الله من الجُهَّال لأجل مخالفتهم، وأمَّا الذين لا يؤمنون؛ فيحملونه على حوادث [العالم] ، وحصول القرانات الكوكبية، والاتصالات الفلكية.
الحجر 15:56
قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ القصَّة: لما قرَّر أمر النبوة، أردفه بدلائل التوحيد، ثمَّ عقبه بذكر أحوال القيامةِ، وصفة الأشقياء، والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ليكن سماعها مرغِّباً للعبادة الموجبة للفوز بدرجاتِ الأولياءِ، ومحذراً عن المعصية الموجبةِ لاستحقاقِ دركاتِ الأشقياءِ.
فقوله: «ونَبِّئْهُم» ، هذا الضمير راجعٌ إلى قوله عَزَّ وَجَلَّ: عِبَادِي» ، أي: ونبِّىء عبادي، يقال: أنْبأتُ القوم إنباءً ونَبَّأتهُم تَنْبئةً إذا أخبرتهم.
قوله: «عَن ضَيْفِ» ، أي [أضياف إبراهيم] ، والضَّيْفُ في الأص مصدر ضَافَ يضيفُ: إذا أتى إنساناً يطلب القوى، وهو اسمٌ يقع على الواحدِ، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنَّث.
فِإن قيل: كيف سمَّاهم ضيفاً، مع امتناعهم من الأكلِ؟ .
فالجواب: لمن ظنَّ إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنَّهم إنَّما دخلوا عليه لطلب الضِّيافة، جاز تسميتهم ذلك.
وقيل: من دخل [دار] إنسان، والتجأ إليه سمِّي ضيفاً، ون لم يأكل، وكان إبراهيم صلوات الله وسلامه علثيه يكنَّىأبا الضيفان، كان لقصره أربعة أبوابٍ، لكي لا فوته أحدٌ.
وسمِّي الضيف ضيفاً؛ لإضافته إليك، ونزوله عليك.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «ضَافهُ مَالَ إليه، وأضَافهُ: [أماله] ، ومنه الحديث: حِينَ تضيفلإ الشَّمسُ للغُروبِ. وضَيفُوفَةُ السَّهم، والإضافةُ النَّحوية» .
قوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ في «إذْ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول لفعل مقدر، أي: اذكر إذ دخلوا.
والثاني: أنه ظرف على بابه، وفي العامل فيه وجهان:
أحدهما: أنه محذوف، تقديره: خبر ضيف.
والثاني: أنه نفس «ضَيْفِ» ، وفي توجيه ذلك وجهان:
أحدهما: أنه لما كان في الأصل مصدراً اعتبر ذلك فيه، ويدلُّ على اعتبار مصدريته بعد الوصف به: عدم مطابقته لما قبله تثنية، وجمعاً وتأنيثاً في الأغلب، ولأنه قائم مقام وصفه، والوصف يعمل.
والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: أصحاب ضيف إبراهيم، أي: ضيافته، فالمصدر باقٍ على حاله، فلذلك عمل.
قال أبو البقاء بعد أن قدر أصحاب ضياتفه: والمصدر على هذا مضاف إلى المفعول.
قال شهابُ الدِّين: وفيه نظر، إذ الظَّاهر إضافته لفاعله؛ لأنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ سَلاماً﴾ ، أي نُسلِّم لك سلاماً أو سلَّمتُ سلاماً، أو سلمُوا سَلاماً، قاله القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
قال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون؛ لأنهم لم يأكلوا طعامه، وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت.
قوله: «لا تَوجَلْ» العامة على فتح التاء من «وجِلَ» ك: «شَرِبَ» يَشربُ، والفتح قياس» فَعِلَ «إلا أن العرب آثرت [يفعل بالكسر] في بعض الألفاظ إذا كانت واواً، نحو:» نَبِقَ» وقرأ الحسن: «لا تُوجَل» مبنياً للمفعول من الإيجال.
وقرىء: «لا تَأجَلْ» ، والأصل: «تَوْجل» كقراءة العامة، إلاَّ أبدل من الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها، وإن لم تتحرَّك كقولهم: «تَابةٌ» ، و «صَامةٌ» في «تَوْبة» ، و «صَوْمة» وسمع: اللَّهُم تقبَّل تَابتِي، وصَامتِي. وقرىء أيضاً: «لا تُواجِل» من المواجلة.
ومعنى الكلام: لاتخف؛ «إنَّا نَبشِّرُكَ» ، قرأ حمزة: «إنَّا نَبْشُركَ» بفتح النون وتخفيف الباء، والباقون بضم النون، وفتح الباء، و «إنَّا نُبشِّركَ» استئناف بمعنى التعليل للنهي عن الوجل، والمعنى إنَّك بمثابة الآمن المبشر فلا توةجل.
واعلم أنَّهم بشروهن بأمرين:
أحدهما: أنَّ الولد ذكرٌ، والثاني: أنه عليمٌ.
فقيل: بشَّروه بنبوته بعده، وقيل: عليم بالدِّين، فعجب إبراهيم أمره و ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر﴾ قرأ الأعرج: «بشَّرتُمونِي» بإسقاط أداة الاستفهام، فيحتمل الأخبار، ويحتمل الاستفهام، وإنما حذفت أدلته للعلم به.
وِ «على أنْ مسَّنيَ» في محل نصبٍ على الحال.
وقرأ ابن محيصن: «الكُبْر» بزنة «فُعْقولهخ:» فبمَ تبشّرون «» بِمَ «متعلقٌ ب» تُبشِّرُون» ، وقدم وجوباً؛ [لأنه] استفهام وله صدر الكلام.
وقرأ العامة: بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع؟ ولم يذكر مفعنول التبشير، وقرأ نافع بكسرها، والأصل: تبشروني فحذف الياء مجتزئاً عنها بالكسرة.
وقد غلطه أبو حاتم، وقال: هذا يكون في الشعر اضطراراً.
وقال مكي: «وقد طعن في هذه القراءة قومٌ لبُعدِ مخرجِها في العربيَّة؛ لأنَّ حذف النون التي تصحبُ الياء لا يحسنُ إلاَّ في الشِّعر، وإن قُدِّر حذف النون الأولى حذفت [علم] الرفع من غير ناصب، ولا جازم؛ ولأنَّ نون الرفع كسرها قبيحٌ، إنَّما حقُّها الفتح» .
وهذا الطعن لا يتلفت إليه، لأنَّ ياء المتكلم قد كثر حذفها مجتزءاً عنها بالكسرة، وقد قرىء بذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمرونيا﴾ [الزمر: 64] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ووجهه: أنَّه لما اجتمع نونان أحدهما نون الرفع، والأخرى نون الوقاية استثقل اللفظ، فمنهم من أدغم، ومنهم من حذف، ثم اختلف في المحذوفة، هل هي الأولى، أو الثانية، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام [الأنعام: 80] .
وقرأ ابن كثير بتشديدها مكسورة، أدغم الأولى في الثانية، وحذف ياء الإضافة، والحسن: أثبت الياء مع تشديد النون، ورجح قراءة من أثبت مفعول: «يُبشِّرُون» وهو الياء.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ «بَشَّرناكَ» ، و «بالحقِّ» متعلق بالفعل قبله، وضعف أن يكون حالاً، أي: قالوا بَشَّرنَاكَ.
ومعنى: «بالحَقِّ» هنا استفهام بمعنى التعجُّب، كأنه قيل: بأيَّ أعجوبةٍ تبشروني؟ .
فِإن قيل: كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلقِ الولدِ منه في زمانِ الكبرِ؟ وما فائدة هذا الاستفهام مع أنهم قد بينوا ما بشَّروا به؟ .
فِأجاب القاضي: بأنه أراد أن يعرف أنه تعالى هل يعطيه الولد مع أنه يبقيه على سفة الشيخوخة، أو يقلبه شابًّا، ثم يعطيه الولد؟ .
وسبب هذا الاستفهام: أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامَّة، وإنما يحصل في حال الشَّبابِ.
فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم، فلم قالوا: ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ ؟ .
قلنا: إنهم بيَّنوا أنه تعالى بشَّرهُ بالولد مع إبقائه على صفة الشَّيخوخَةِ، وقولهم ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ لايدل على أنه كان كذلك بدليل أنه صرَّح في جوابهم بما يدلُّ على أنَّه ليس كذلك فقال: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون﴾ .
وأجاب غيره: بأن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيءٍ، وفاته الوقت الذي يغلب على ظنِّه حصول المراد فيه، فإذا بشِّر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه، وسروره، ويصير ذلك الفرحُ القويُّ كالمدهش له، والمزيل لقوَّة فهمه، وذكائه، فربَّما تكلم بكلماتٍ مضطربة في ذلك الوقت.
وقيل أيضاً: إنه يستطيب تلك البشارة، فربَّما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرَّة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة، أو طلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق، كقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] وقيل أيضاً: استفهم: أبأمرِ الله تبشروني، أم من عند أنفسكم، واجتهادكم.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ قال ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد بما قضى الله تعالى.
وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ نهي لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عن القنوطِ، وقد تقدَّم أنَّ النهي لإنسان عن الشَّيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهيّ عنه، كقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: 48] ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [القصص: 78] .
قوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ﴾ هذا استفهام معناه النفي، ولذلك وقع بعد الإيجاب ب «إلاَ» .
وقرأ أبو عمرو، والكسائي: «يَقْنِطُ» بكسر عين هذا المضارع حيث وقع، والباقون بفتحها وزيد بن علي والأشهب بضمها، وفي الماضي لغتان «قنط» بكسر النون، «يَقنَطُ» بفتحها، وقنط «يقْنطُ» بكسرها، ولولا أن القراءة سنة متبعة، لكان قياس من قرأ ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: 28] وافلتح في الماضي هو الأكثر، ولذلك أجمع عليه.
قال الفارسي: فتح النون في الماضي، وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات، ويرجحُ قراءة «يَقْنَطُ» بالفتح قراءة أبي عمرو في بعض الروايات «فلا تكن من القنطين» كفَرِحشَ يفرح فهو فَرِحٌ.
والقُنُوط: شدَّة اليأسِ من الخَيرٍ، وحكى أبو عبيدة: «قَنُطَ» يَقْنُطُ بضمِّ النون.
قال ابن الخطيب: «وهذا يدلُّ على أنَّ» قَنَطَ «بفتح النون أكثر؛ لأن المضارع من» فَعَل «يجيء على» يَفْعِلُ ويَفْعُل «مثل: فَسقَ: ويَفْسُقُ، لا يجيء مضارع فَعَلَ على يَفْعَلُ» .
فصل
جواب إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حق؛ لأنَّ الفنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلاَّ عند الجهل بأمور:
أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادراً عليه.
وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالماً باحتياج ذلك العبد إليه.
وثالثها: أ، يحجهل كونه تعالى، منزّهاً عن البخل، والحاجة.
والجهل بكلِّ هذه الأمور سبب للضَّلالِ، القُنوط من رحمة الله كبيرة، كالأمن من مكرهِ.
قوله تعالى: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ الخطب: الشأن، والأمر، سألهم عمَّا لأجله أرسلهم الله تعالى.
فِإن قيل: إنَّ الملائكة لما بشَّروه بالولد الذَّكر العليمِ، كيف قال لهم بعد ذلك «فَمَا خَطْبُكمُ» ؟ .
فالجواب: قال الأصم: معناه: ما الذي وجتهم له سوى البُشْرَى؟ .
وقال القاضي: إنه علم أنه لو كان المقصود أيضاً البشارة، لكان الواحد من الملائكة كافياً، فلمَّا رأى جمعاً من الملائكة؛ علم أنَّ لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة، فلا جرم قال: «فَما خَطْبكُمْ» ؟ .
قيل: إنَّهم قالوا: إنَّا نُبشِّركَ بغُلامٍ عَليم لإزالة الخوف، والوجل، ألا ترى أنّه لما قال: ﴿إنا منكم وجلون﴾ قالوا له: ﴿لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم﴾ ، فلو كان المقصود من المجيء هو البشارة؛ كانوا ذكروا البشارة في أوَّل دخولهم، فلمَّا لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم صلوات الله وسلام عليه أنَّ مجيئهم ما كان لمجرَّد البشارة، بل لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض، قال: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ مشركين، وإنَّما اقتصوار على هذا القدر، لعلم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بأنَّ الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين، كان ذلك لأهلاكهم.
ويدل ع لى ذلك قوله: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قوله «إلا آل لُوطٍ» فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء متصل علىأنه مسثنى من الضمير المستكن في: «مُجرمِينَ» بمعنى أجرموا كلهم إلاَّ آل لوطٍ؛ فإنَّهم لم يجرموا، ويكون قولهم «إنَّا لمنجوهم» استئناف إخبار بنجاتهم، لكنهم لم يجرموا ولكن الإرسال حينئذ شاملاً للمجرمين ولآل لوط لإهلاك أولئك وأنجاء هؤلاء.
والثاني: أنه اسثناء منقطع؛ لأن آل لوط لم يندرجوا في المجرمين آلبتَّة.
قال أبو حيان: وإذا كان استثناء منقطعاً، فهو مما يجبُ فيه النصب؛ لأنه من الاستثناء الذي لا يمكن توجيه العامل إلى المستثنى منه؛ لأنهم لم يرسوال إليهم، إنما أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصَّة، ويكون قوله: «إنَّ لمُنجَّوهُمْ» جَرَى مَجْرى خبر لكن في اتِّصاله ب «آل لوطٍ» ؛ لأن المعنى: لكنَّ آل لوط منجوهم، وقد زعم بعض النحويين في الاستثناء المنقطع المقدَّر بلكن، إذ لم يكن بعده ما يصحُّ أن يكون خبراً: أنَّ الخبر محذوف، وأنه في موضع رفع لجريان: «إلاَّ» ، وتقديرها ب «لَكِن» .
قال شهابُ الدِّين: «وفيه نظرٌ؛ لأن قوله لا يتوجه إليه العامل أيك لا يمكن، نحو: ضحك القوم إلا حمارهم، وصهلت الخيلُ إلا الإبل. أمَّا هذا، فيمكن الإرسال إليهم من غير منع، وأمَّا قوله: لأنهم لم يرسلوا إليهم فصحيح؛ لأنَّ حكم الاستثناء كلَّه هكذا، وهو أن يكون خارجاً عمَّا حكم به على الأوَّل، لكنَّه لو سلط عليه لصحَّ ذلك بخلاف ما تقدَّم من أمثلتهم» .
قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قرأ الأخوان: «لمُنْجُوهمْ» مخففاً؛ وكذلك خففا أيضاً فعل هذه الصيغة في قوله تعالى في العنكبوت ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: 32] ؛ وكذلك خففا أيضاً قوله فيها: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [العنكبوت: 33] فهما جاريتان على سننٍ واحدٍ.
وقد وافقهما ابن كثير، وأبو بكر على تخفيف: «مُنجوكَ» كأنهما جمعا بَيْنَ اللغتين، وباقي السبعة بتشديد الكل. والتخفيف والتشديد لغتان مشهورتان من: نَجَّى وأنْجى، وأنزلَ، ونزَّل، وقد نطق بفعلهما، قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ [العنكبوت: 65] وفي موضع ﴿أَنجَاهُمْ﴾ [يونس: 23] .
قوله: ﴿امرأته﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استثناء من «آل لُوطٍ» . قال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: «والاستنثاء إذا جاء عبد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافاً إلى المبتدا كقولك:» لهُ عِندِي عشرةٌ إلا أربعة إلا درهماً «فإن الدرهم يستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشرة إلاَّ أربعة، أوعشرة إلاَّ ثلاثة» .
والثاني: أنها مستثناةٌ من الضمير المجرور في قوله «لمُنَجوهمْ» .
وقد منع الزمخشري رحمهن الله الوجه الأول، وعيَّن الثاني فقال: «فإن قلت: قوله:» إلا امرأتهُ» مِمَّ استثني؟ وهل هو استثناء نم استثناء؟ .
قلت: مستثنى من الضمير المجرور في قوله: «لمُنَجُّوهم» ، وليس من الاستثناء في شيء؛ لأن الاستثناء م الاستثناء إنَّما يكون فيما اتَّحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأتهُ، كما اتَّحد في قول المطلِّق: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا اثنين إلا واحدة، وقول المقرّ: لفلان علي عشرة درارهم إلا ثلاثة إلا درهماً، اما الآية فقد اختلف الحكمان؛ لأنّ: «آل لوطٍ» متعلق ب» أرْسَلْنَا «أوة ب» مُجرمِينَ» ، و «إلاَّ امْرأتهُ» قد تعلَّق بقوله: «لمُنجوهم» فأنَّى يكون استثناء من استثناء» .
قال أبو حيَّان: ولما استسلف الزمخشري أنَّ «امرأتهُ» استثناء من الضمير في لمُنجُّوهم «أبى أن يكون استثناء من استثناء، ومن قال: إنه استثناء من استثناء، فيمكن [تصحيح قوله] بأحد وجهين:
أحدهما: أنه لما كان امرأته مستثنى من الضمير في» لمُنَجوهُم «، وهو عائدٌ على» آل لوطٍ «صار كأنَّه مستثنى من:» آل لوطٍ» ؛ لأنَّ المضمر هو الظاهر.
والوجه الآخر: أن قوله «إلاَّ آل لوطٍ» لمَّا حكم عليهم بغير الحكم الذي حكم به على قوم مجرمين، اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تأكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى: إلا آل لوط لم نرسل إليهم بالعذاب، وجاتهم مرتبة على [عدم] الإرسال إليهم بالعذاب، فصار نظير ذلك: قام القومُ إلاَّ زيداً لم يقم أو إلاَّ زيداً فإنه لم يقم، فهذه الجملة تأكيدٌ لما تضمَّنهُ الاستثناء من الحكم على ما بعد إلاَّ بضدِّ الحكم السَّابق على المستثنى منه، ف: «إلاَّ امْرَأتهُ» على هذا التدقير الذي قرَّرناه مستثنى من: «آلَ لُوطٍ» ؛ لأنَّ الاستثناء ممَّا جيء به للتَّأسيس أولى من الاستثناء ممَّا جيء به للتأكيد.
قوله «قدَّرْنَا» قرأ أبو بكر ههنا، وفي سورة النمل بتخفيف الدَّال، والباقون بتشديدها، وهما لغتان: قَدَّر، وقَدَر.
قوله: «إنَّها» كسرت من أجل اللاّم في خبرها، ولولا [لَفُتِحَتْ] ، وهي معلقة لما قبلها؛ لأنَّ فعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم إمَّا لكونه بمعناه، وإمَّا لأنه مترتب عليه.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله: ﴿قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ ، والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم» .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى «وكسرت» إِنَّها «إجراء لفعل التقدير مجرى العلم» .
وهذا لا يصحُّ علة لكسرها، إنَّما يصحُّ علةً لتعليقها الفعل قبلها.
فصل
معنى التقدير في اللغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قدر هذا الشيثء بهذا، أي: اجعله على مقداره، وقدَّر الله سبحانه الأقوات، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثمَّ يفسر التقدير بالقضاء فيقال: قضى الله عليه، وقَدرَ عليه، أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير، والشر. وقيل: معنى: «قَدَّرْنَا» كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. فإن [قيل] لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله عزَّ وجلَّ؟
فالجواب: إنَّما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله، كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا [وأمرنا بكذا] ، والمدبر، والآمر هو الملك لا هم، وإنَّما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هنا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ في موضع مفعول، التقدير: قضينا أنها تتخلف، وتبقى مع من يبقى حتَّى يهلك، فتلحق بالهالكين.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ المرسلون﴾ القصة لما بشروا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بالولد، وأخبروه بأنهم مرسلون بالعذاب إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط عليه السلام، وإلى آله، وإنَّ لوطاً، وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة لله.
فقالوا: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ لأنهم لما هجموا عليه؛ استنكرهم، وخاف من دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه.
وقيل: خاف؛ لأنهم كانوا شبايا مرداً حسان الوجوه، فخاف أن يهجم قومه عليهم لطلبهم، فقال هذه الكلمة.
وقيل: إنَّ النكرة ضدّ المعرفة، فقوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ، أي: لا أعرفكم، وأعرف أنكم من أي الأقوام، ولأي غرض دخلتم عليّ، فقال: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ .
قوله: ﴿بَلْ جِئْنَاكَ﴾ إضراب عن الكلام المحذوف، تقديره: ما جئناك بما ينكر، ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا [كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ] .
وقد تقدَّم الخلاف في قوله: «فأسْرِ» قعاً ووصلاً في هود: [81] .
وقرأ اليماني فيما نقل ابن عطية، وصاحب اللوامح: «فَسِرْ» من السير. وقرأت فرقة بفتح الطاء، وقد تقدَّم في يونس أنَّ الكسائي، وابن كثير قرآه بالسكون في قوله «قِطْعاً» والباقون بالفتح.
قوله: قالت الملاكئة ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يشكون أنه نازلٌ بهم، وهو العذاب؛ لأنه كان يوعدهم بالعذاب، فلا يصدقونه، ثمَّ أكدوا ذلك بقولهم: ﴿وَآتَيْنَاكَ بالحق﴾ قال الكلبيُّ: بالعذاب، [وقيل] باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو العذاب] ثم أكدوا هذه التَّأكيد بقولهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ .
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ والقِطْعُ والقَطع: آخر الليل؛ قال: [الخفيف]
3280 - افْتَحِي البَابَ وانظُرِي في النُّجُومِ ... كَم عليْنَا مِن قِطْعِ ليْلٍ بَهِيمِ
﴿واتبع أَدْبَارَهُمْ﴾ ، أي سر خلفهم ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ لئلا ترتاعوا من أمر عظيم فأنزل بهم من العذاب.
وقيل: معناه الإسراع، وترك الاهتمام لما خلف وراءه، كما يقول: امض لشأنك، ولا تعرج على شيءٍ.
وقيل: المعنى لو بقي [منه] متاعٌ في ذلك الموضع، فلا يرجعن بسببه ألبتَّة.
وقيل: جعل الكله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوطٍ.
﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يعني «الشَّام» .
وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل. وقال مقاتل: يعني زغر. وقيل: «الأرْدن» .
قوله: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ «حَيْثُ» على بابها من كونها ظرف مكان مبهمٍ، ولإبهامها تعدي إليها الفعل من غير واسطةٍ، على أنه قد جاء في الشِّعر تعديته إليها ب «في» كقوله: [الطويل]
3281 - فَأصْبحَ في حَيْثُ التَقيْنَا شَردُهمْ ... طَليقٌ ومكْتوفُ اليَديْنِ ومُزْعِفُ
وزعم بعضهم أنها هنا ظرف زمانٍ، مستدلاً بقوله: ﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ ثم قال ﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي: في ذلك الزَّمان.
وهو ضعيف، ولو كان كما قال، لكان التركيب وأمضوا حيث أمرتهم على أنه لو جاء التَّركيب كذا لم يكن فيه دلالة.
قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ ضمَّن القضاء معنى الإيجاء؛ فلذلك تعدَّى تعيدته «إلى» ، ومثله ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: 4] .
و «ذَلكَ الأمْرَ» «ذَلِكَ» مفعول القضاءِ، والإشارة به إلى ما وعد من إهلاكِ قومه، و «الأمْرَ» إمَّا بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ له.
قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ﴾ العامة على فتح «أنَّ» وفيها أوجه:
أحدها: أنها بدل من «ذَلِكَ» إذا قلنا: «الأمْرَ» عطف بيان.
الثاني: أنَّها بدلٌ من «الأمْرَ» سواء قلنا: إنه بيان أو بدل مما قبله.
الثالث: أنه على حذف الجار، أي: بأنَّ دابر، ففيه الخلاف المشهور.
وقرأ زيد بن علي، والأعمش بكسرها؛ لأنه بمعنى القول.
وعلَّله أبو حيان: بأنه لمَّا علق ما هو بمعنى العلم؛ كسر.
وفيه النظر المتقدم.
ويؤيِّد إضمار القول قراءة ابن مسعودٍ: وقلنا إنَّ دابر هؤلاء.
ودابرهم: آخرهم «مَقطوعٌ» مستأصل، يعني مستأصلون عن آخرهم؛ حتى لا يبقى منهم أحد «مُصْبحينَ» ، أي في حال ظهور الصبح، فهو حال من الضمير المستتر في: «مَقطُوعٌ» ، وإنَّما جمع حملاً على المعنى، وجعله الفرَّاء، وأبو عبيدة خبراً لكان المضمرة، قالا: تقديره: إذا كانوا مصبحين، نحو «أنْتَ مَاشِياً أحسنُ مِنْكَ رَاكِباً» .
وهو تكلفٌ، و «مُصْبحِينَ» داخلين في الصَّباحِ.
قوله: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ ، أي: مدينة لوط، يعني: «سدُوم» «يَسْتبشِرُونَ» حالٌ، أي: يستبشرون بأضياف لوطٍ، يبشر بعضهم بعضاً في ركوب الفاحشة منهم.
قيل: إنَّ الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم.
وقيل: أخبرتهم امرأة لوطٍ بذلك؛ فذهبوا إلى دارِ لوطٍ؛ طلباً منهم لأولئك المردِ.
فقال لهم لوط صلوات الله وسلامه عليه: «هَؤلاءِ ضَيْفِي» وحق على الرجل إكرام ضيفه، «فلا تَفْضحُونِ» فيهم.
يقال: فَضحَهُ يَفضحُه فَضْحاص، وفَضِيحَةً، إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، والفَضِيحُ والفَضِيحةُ: البيان، والظُّهورُ، ومنه: فَضِيحَةُ الصُّبْحِ؛ قال الشاعر: [البسيط]
3282 - وَلاحَ ضَوءُ هِلالِ اللَّيْلِ يَفْضحُنَا ... مِثْلَ القُلامَةِ قَدْ قُصَّتْ مِنَ الظُّفُرِ
إلا أنَّ الفضحية اختصت بما هو عارٌ على الإنسان عند ظهوره.
ومعنى الآية: أن الضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموه بالسُّوءِ كان ذلك إهانة بي، ثمَّ أكد ذلك بقوله: ﴿واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ولا تخجلون، فأجابوه بقولهم: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين﴾ ، أي: عن أن تضيِّف أحداً من العالمين.
وقيل: ألم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة؛ فإنا نركبُ منه الفاحشة.
قوله: ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ يجوز فيه أوجه:
أحدها: أ، يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مفعولاً بفعل مقدرٍ، أي: تزوَّجُوا هؤلاء، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيانٌ.
الثاني: أن يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مبتدأ وخبراً، ولا بدَّ من شيء محذوف تتمُّ به الفائدة، أي: فتزوَّجُوهنَّ.
الثالث: أن يكون «هَولاءِ» مبتدأ، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيان والخبر محذوف، أي: هُنَّ أطهر لكم كما جاء في نظيرتها.
وتقدَّم الكلام على هذه المعاني في هود.
قوله ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، ومثله: لايْمُن الله، و «إنَّهُمْ» ، وما في حيزه جواب القسم، تقديره: لعمرك قسمي، أو يميني إنهم، والعُمُرُ والعَمْر بالفتح والضم هو البقاء، إلا أنَّهم التزموا الفتح في القسم.
قال الزجاج: لأنه اخفُّ عليهم، وهم يكثرون القسم ب «لعَمْرِي ولعَمْرُكَ» .
وله أحكام كثيرة:
منها: أنه متى اقترن بلام الابتداء؛ ألزم فيه الرفع بالابتداء، وحذف خبره لسد جواب القسم مسدَّه.
ومنها: أنه يصير صريحاً في القسم، أي: يتعيَّن فيه، بخلاف غيره نحو: عَهْدُ اللهِ ومِثَاقُه.
ومنها: أنه يلزم فتح عينه.
فإن لم يقترن به لام الابتداء، جاز نصبه بفعلٍ مقدرٍ، نحو: عَمْرُ اللهِ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذٍ في الجلالة وجهان:
النَّصبُ والرفع فالنصب على أنه مصدرٌ مضاف لفاعله، وفي ذلك معنيان:
أحدهما: أن الأصل: أسألك بعمرك الله، أي: بوصفك الله تعالى بالبقاء، ثم حذف زوائد المصدر.
والثاني: أن المعنى: بعبادتك الله، والعَمْرُ: العِبادةُ.
حكى ابن الأعرابي: إنِّي عمرتُ ربِّي، أي: عبدته، وفلان عامر لربِّه، أي: عابده.
وأمَّا الرفع: فعلى أنه مضاف لمفعوله.
قال الفارسي رَحِمَهُ اللَّهُ: معناه [عَمَّرك] الله تعميراً، وقال الأخفش: أصله: أسْألك بِيُعمرك الله، فحذف زوائد المصدر، والفعل، والياء، فانتصب، وجاز أيضاً ذكر خبره، فتقول: عمرك قسمي لأقومن، وجاز أيضاً ضمُّ عينه، وينشد بالوجهين قوله: [الخفيف]
3283 - أيُّهَا المُنْكِحُ الثُريَّا سُهَيلاً ... عَمركَ الله كيْفَ يَلتقِيَانِ
هِيَ شَامِيَّةٌ إذَا ما استقلَّتْ ... وسُهَيْلٌ إذا اسْتقل يَمانِي
ويجوز دخول باء الجر عليه؛ نحو: بعمرك لأفعلنَّ؛ قال: [الوافر]
3284 - رُقيَّ بِعمْرِكُم لا تَهْجُرينَا ... ومَنِّينَا المُنَى ثُمَّ امْطُلينا
وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، فلا يقطع عنها، ويضاف لكل شيء، وزعم بعضهم: أنه لا يضاف إلى الله تعالى.
قيل: كان هذا يوهم أنه لا يستعمل إلا شفي الانقطاع، وقد سمع إضافته للباري تعالى. قال الشاعر: [الوافر]
3285 - إذَا رَضِيَتْ عليَّ بَنُو قُشيْرٍ ... لعَمْرُ الله أعْجَبنِي رِضَاهَا
ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلِّم، قال لأنه حلف بحياة المقسم، وقد ورد ذلك، قال النابغة: [الطويل] 3286 - لعَمْرِي وما عمْرِي عليَّ بِهيِّنٍ ... لقد نَطقَتْ بُطلاً عليَّ الأقَارعُ
وقد قلبته العرب لتقديم رائه على لامه، فقالوا: وعملي، وهي رديئة.
«إنَّهُمْ» العامة على كسر «إنَّ» لوقوع اللام في خبرها، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي له «أنَّ» فتحها، وتخريجها على زيادة اللام، وهي كقراءة ابن جبيرٍ (ألا أنهم ليأكلون الطعام] بالفتح.
وقرأ الأعمش: «سَكْرهُمْ» بغير تاء، وابن أبي عبلة «سَكرَاتهِمِ» جمعاً، والأشهب: «سُكْرتِهِم» بضم السين.
و «يَعْمَهُونَ» حال إمَّا من الضمير المستكن في الجار، وإمَّا من الضمير المجرور بالإضافة، والعامل إمَّا نفس سكرة، لأنَّها مصدر، وإمَّا معنى الإضافة.
فصل
قيل: إن الملائكة عليهم السلام قالت للوطٍ صلوات الله وسلامه عليه «لعَمُركَ إنَّهم لَفِي سَكرتِهمْ يَعْمَهُونَ» : يتحيَّرون.
وقال قتادة: يلعبون فكيف يعقلون قولك ويتلفتون إلى نصيحتك؟ .
وقيل: إنَّ الخطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإنَّه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحدٍ.
روى أبو الجوزاء عن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال ما خلقَ الله نفساً أكرم على الله من محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وما أقْسمَ بحياةِ أحدٍ إلاَّ بحياتهِ.
قال ابن العربي: قال المفسرون بإجماعهم: أقسم الله تعالى ها هنا بحياةِ محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تشريفاً له، أنَّ قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حريتهم يترددون، وقال القاضي عياضٌ: اتفق أهل التفسير في هذا: أنَّه قسم من الله تعالى بمدة حياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصله ضمُّ العين من العمر، ولكنها فتحت بكثرة.
قال ابن العربي: ما الذي يمنعُ أن يقسم الله تعالى بحياة لوطٍ، ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكلُّ ما يعيطه الله للوطٍ من فضل، يعطي ضعفه لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ لأنَّه أكرم على الله منه؛ أو لات تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلَّة، وموسى التكليم، وأعطلى ذلك لمحمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإذا أقسم بحياة لوطٍ، فحياة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرفعُ، ولا يخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكرٌ لغير ضرورةٍ.
قال القرطبيُّ: ما قاله حسنٌ، فإنَّه كان يكون قسمة سبحانه بحياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كلاماً معترضاً في قصَّة لوط.
قال القشيريُّ: يحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوطٍ؛ أي كانوا في سكرتهم يعمهون، أي لمَّا وعظ لوطٌ قومه وقال: هؤلاء بناتي، قالت الملائكة: يا لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ولا يدرون ما يحلُّ بهم صباحاً.
فإن قيل: فقد أقسم الله تعالى بالتِّين، والزَّيتونِ، وطور سنين، وما في هذا من الفضل؟ قيل له: ما من شيء أقسم الله به، إلاّ وفي ذلك دلالة على فضل على ما يدخل في عداده، فكذلك محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ثم قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة﴾ ، ولم يذكر في الآية صيحة من هي فإن ثبت بدليل قوي أن تلك صيحة جبريل قيل به وإلا فليس في الآية دليلٌ على أنه جاءتهم صيحة مهلكة.
قوله «مُشْرقينَ» «حال من مفعول» أخَذتْهُمْ» ، أي داخلين في الشروق، أي: بزوغِ الشَّمسِ.
يقال: شَرَق الشارق يَشْرُق شُرُوقاً لكل ما طلع من جانب الشرع، ومنه قوله: ما ذرَّ شَارِقٌ، أي طلع طَالعٌ فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا وتمامه حين أشرقوا.
والضمير في: «عَاليهَا وسَافِلهَا» للمدينة. وقال الزمخشريُّ: «لقرى لقوم لوط» .
ورجح الأول بأنه تقدَّم ذكر المدينة في قوله ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ فعاد الضمير إليها بخلاف الثاني، فإنه لم يتقدَّم لفظ القرى.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ تقدم الكلام على ذلك كله في هود: [82] .
قوله ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ متعلق بمحذوف على أنه صفة ل» آيَاتٌ «وأجود أن يتعلق بنفس» آيَاتٌ» ؛ لأنَّها بمعنى العلامات.
والتوسُّم: تفعل من الوسم، والوسمُ أصله: التَّثبت، والتَّفكر مأخوذ من الوسمِ، وهو التَّأثير بحديد في جلد البعير، أو غيره.
وقال ثعلب: الوَاسِمُ النَّاظر إليك من [قرنك] إلى قدمك، وفيه معنى التَّثبيت.
وقال الزجاج: حقيقة المتوسِّمين في اللغة: المثبتون في نظرهم حتَّى يعرفوا سمة الشيء، وصفته وعلامته وهو استقصاءُ وجوه التَّعرف قال: [الكامل]
3287 - أوَ كُلما وردَتْ عُكاظَ قَبيلَةٌ ... بَعَثَتْ إليَّ عَريفَهَا يَتوسَّم
وقيل: هو تفعُّل من الوسمِ، وهو العلامة، توسَّمتُ فيك خيراً، أي: ظهر لي مِيسَمُهُ عليك.
قال ابن رواحة يمدحُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [البسيط]
3288 - إنِّي تَوسَّمْتُ فِيكَ الخَيرَ أعْرفهُ ... واللهُ يَعْلمُ أنِّي ثَابتُ البَصرِ
وقال آخر: [الطويل]
3289 - تَوسَّمْتهُ لمَّا رَأيْتُ مَهَابَةٌ ... عَليْهِ، وقُلْتُ المَرْءُ مِنْ آلِ هَاشمِ
ويقال: اتَّسمَ الرَّجلُ، إذا اتَّخذَ لِنفْسِه عَلامةً يُعرف بِهَا، وتوسَّم: إذا طلبَ كلأ الوسمي، أي: العُشْبَ النَّابت في أوَّل المطر.
واختلف المفسِّرون: فقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما للنَّاظرين.
وقال مجاهدٌ للمتفرِّسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتلٌ للمتفكرين.
قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ الظاهر عود الضمير على المدينة، أو القرى وقيل على الحجارة وقيل: على الآيات، والمعنى: بطريقٍ قال مجاهد هذا طريق معلم، وليس بخفيّ، ولا زائلٍ.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، إي: كل من آمن بالله، ويصدق بالأنبياء، والرُّسلِ صلوات الله وسلامه عليهم؛ عرف أنَّما كان انتقامُ الله من الجُهَّال لأجل مخالفتهم، وأمَّا الذين لا يؤمنون؛ فيحملونه على حوادث [العالم] ، وحصول القرانات الكوكبية، والاتصالات الفلكية.
الحجر 15:57
قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ القصَّة: لما قرَّر أمر النبوة، أردفه بدلائل التوحيد، ثمَّ عقبه بذكر أحوال القيامةِ، وصفة الأشقياء، والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ليكن سماعها مرغِّباً للعبادة الموجبة للفوز بدرجاتِ الأولياءِ، ومحذراً عن المعصية الموجبةِ لاستحقاقِ دركاتِ الأشقياءِ.
فقوله: «ونَبِّئْهُم» ، هذا الضمير راجعٌ إلى قوله عَزَّ وَجَلَّ: عِبَادِي» ، أي: ونبِّىء عبادي، يقال: أنْبأتُ القوم إنباءً ونَبَّأتهُم تَنْبئةً إذا أخبرتهم.
قوله: «عَن ضَيْفِ» ، أي [أضياف إبراهيم] ، والضَّيْفُ في الأص مصدر ضَافَ يضيفُ: إذا أتى إنساناً يطلب القوى، وهو اسمٌ يقع على الواحدِ، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنَّث.
فِإن قيل: كيف سمَّاهم ضيفاً، مع امتناعهم من الأكلِ؟ .
فالجواب: لمن ظنَّ إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنَّهم إنَّما دخلوا عليه لطلب الضِّيافة، جاز تسميتهم ذلك.
وقيل: من دخل [دار] إنسان، والتجأ إليه سمِّي ضيفاً، ون لم يأكل، وكان إبراهيم صلوات الله وسلامه علثيه يكنَّىأبا الضيفان، كان لقصره أربعة أبوابٍ، لكي لا فوته أحدٌ.
وسمِّي الضيف ضيفاً؛ لإضافته إليك، ونزوله عليك.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «ضَافهُ مَالَ إليه، وأضَافهُ: [أماله] ، ومنه الحديث: حِينَ تضيفلإ الشَّمسُ للغُروبِ. وضَيفُوفَةُ السَّهم، والإضافةُ النَّحوية» .
قوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ في «إذْ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول لفعل مقدر، أي: اذكر إذ دخلوا.
والثاني: أنه ظرف على بابه، وفي العامل فيه وجهان:
أحدهما: أنه محذوف، تقديره: خبر ضيف.
والثاني: أنه نفس «ضَيْفِ» ، وفي توجيه ذلك وجهان:
أحدهما: أنه لما كان في الأصل مصدراً اعتبر ذلك فيه، ويدلُّ على اعتبار مصدريته بعد الوصف به: عدم مطابقته لما قبله تثنية، وجمعاً وتأنيثاً في الأغلب، ولأنه قائم مقام وصفه، والوصف يعمل.
والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: أصحاب ضيف إبراهيم، أي: ضيافته، فالمصدر باقٍ على حاله، فلذلك عمل.
قال أبو البقاء بعد أن قدر أصحاب ضياتفه: والمصدر على هذا مضاف إلى المفعول.
قال شهابُ الدِّين: وفيه نظر، إذ الظَّاهر إضافته لفاعله؛ لأنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ سَلاماً﴾ ، أي نُسلِّم لك سلاماً أو سلَّمتُ سلاماً، أو سلمُوا سَلاماً، قاله القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
قال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون؛ لأنهم لم يأكلوا طعامه، وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت.
قوله: «لا تَوجَلْ» العامة على فتح التاء من «وجِلَ» ك: «شَرِبَ» يَشربُ، والفتح قياس» فَعِلَ «إلا أن العرب آثرت [يفعل بالكسر] في بعض الألفاظ إذا كانت واواً، نحو:» نَبِقَ» وقرأ الحسن: «لا تُوجَل» مبنياً للمفعول من الإيجال.
وقرىء: «لا تَأجَلْ» ، والأصل: «تَوْجل» كقراءة العامة، إلاَّ أبدل من الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها، وإن لم تتحرَّك كقولهم: «تَابةٌ» ، و «صَامةٌ» في «تَوْبة» ، و «صَوْمة» وسمع: اللَّهُم تقبَّل تَابتِي، وصَامتِي. وقرىء أيضاً: «لا تُواجِل» من المواجلة.
ومعنى الكلام: لاتخف؛ «إنَّا نَبشِّرُكَ» ، قرأ حمزة: «إنَّا نَبْشُركَ» بفتح النون وتخفيف الباء، والباقون بضم النون، وفتح الباء، و «إنَّا نُبشِّركَ» استئناف بمعنى التعليل للنهي عن الوجل، والمعنى إنَّك بمثابة الآمن المبشر فلا توةجل.
واعلم أنَّهم بشروهن بأمرين:
أحدهما: أنَّ الولد ذكرٌ، والثاني: أنه عليمٌ.
فقيل: بشَّروه بنبوته بعده، وقيل: عليم بالدِّين، فعجب إبراهيم أمره و ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر﴾ قرأ الأعرج: «بشَّرتُمونِي» بإسقاط أداة الاستفهام، فيحتمل الأخبار، ويحتمل الاستفهام، وإنما حذفت أدلته للعلم به.
وِ «على أنْ مسَّنيَ» في محل نصبٍ على الحال.
وقرأ ابن محيصن: «الكُبْر» بزنة «فُعْقولهخ:» فبمَ تبشّرون «» بِمَ «متعلقٌ ب» تُبشِّرُون» ، وقدم وجوباً؛ [لأنه] استفهام وله صدر الكلام.
وقرأ العامة: بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع؟ ولم يذكر مفعنول التبشير، وقرأ نافع بكسرها، والأصل: تبشروني فحذف الياء مجتزئاً عنها بالكسرة.
وقد غلطه أبو حاتم، وقال: هذا يكون في الشعر اضطراراً.
وقال مكي: «وقد طعن في هذه القراءة قومٌ لبُعدِ مخرجِها في العربيَّة؛ لأنَّ حذف النون التي تصحبُ الياء لا يحسنُ إلاَّ في الشِّعر، وإن قُدِّر حذف النون الأولى حذفت [علم] الرفع من غير ناصب، ولا جازم؛ ولأنَّ نون الرفع كسرها قبيحٌ، إنَّما حقُّها الفتح» .
وهذا الطعن لا يتلفت إليه، لأنَّ ياء المتكلم قد كثر حذفها مجتزءاً عنها بالكسرة، وقد قرىء بذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمرونيا﴾ [الزمر: 64] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ووجهه: أنَّه لما اجتمع نونان أحدهما نون الرفع، والأخرى نون الوقاية استثقل اللفظ، فمنهم من أدغم، ومنهم من حذف، ثم اختلف في المحذوفة، هل هي الأولى، أو الثانية، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام [الأنعام: 80] .
وقرأ ابن كثير بتشديدها مكسورة، أدغم الأولى في الثانية، وحذف ياء الإضافة، والحسن: أثبت الياء مع تشديد النون، ورجح قراءة من أثبت مفعول: «يُبشِّرُون» وهو الياء.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ «بَشَّرناكَ» ، و «بالحقِّ» متعلق بالفعل قبله، وضعف أن يكون حالاً، أي: قالوا بَشَّرنَاكَ.
ومعنى: «بالحَقِّ» هنا استفهام بمعنى التعجُّب، كأنه قيل: بأيَّ أعجوبةٍ تبشروني؟ .
فِإن قيل: كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلقِ الولدِ منه في زمانِ الكبرِ؟ وما فائدة هذا الاستفهام مع أنهم قد بينوا ما بشَّروا به؟ .
فِأجاب القاضي: بأنه أراد أن يعرف أنه تعالى هل يعطيه الولد مع أنه يبقيه على سفة الشيخوخة، أو يقلبه شابًّا، ثم يعطيه الولد؟ .
وسبب هذا الاستفهام: أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامَّة، وإنما يحصل في حال الشَّبابِ.
فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم، فلم قالوا: ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ ؟ .
قلنا: إنهم بيَّنوا أنه تعالى بشَّرهُ بالولد مع إبقائه على صفة الشَّيخوخَةِ، وقولهم ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ لايدل على أنه كان كذلك بدليل أنه صرَّح في جوابهم بما يدلُّ على أنَّه ليس كذلك فقال: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون﴾ .
وأجاب غيره: بأن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيءٍ، وفاته الوقت الذي يغلب على ظنِّه حصول المراد فيه، فإذا بشِّر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه، وسروره، ويصير ذلك الفرحُ القويُّ كالمدهش له، والمزيل لقوَّة فهمه، وذكائه، فربَّما تكلم بكلماتٍ مضطربة في ذلك الوقت.
وقيل أيضاً: إنه يستطيب تلك البشارة، فربَّما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرَّة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة، أو طلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق، كقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] وقيل أيضاً: استفهم: أبأمرِ الله تبشروني، أم من عند أنفسكم، واجتهادكم.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ قال ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد بما قضى الله تعالى.
وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ نهي لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عن القنوطِ، وقد تقدَّم أنَّ النهي لإنسان عن الشَّيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهيّ عنه، كقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: 48] ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [القصص: 78] .
قوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ﴾ هذا استفهام معناه النفي، ولذلك وقع بعد الإيجاب ب «إلاَ» .
وقرأ أبو عمرو، والكسائي: «يَقْنِطُ» بكسر عين هذا المضارع حيث وقع، والباقون بفتحها وزيد بن علي والأشهب بضمها، وفي الماضي لغتان «قنط» بكسر النون، «يَقنَطُ» بفتحها، وقنط «يقْنطُ» بكسرها، ولولا أن القراءة سنة متبعة، لكان قياس من قرأ ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: 28] وافلتح في الماضي هو الأكثر، ولذلك أجمع عليه.
قال الفارسي: فتح النون في الماضي، وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات، ويرجحُ قراءة «يَقْنَطُ» بالفتح قراءة أبي عمرو في بعض الروايات «فلا تكن من القنطين» كفَرِحشَ يفرح فهو فَرِحٌ.
والقُنُوط: شدَّة اليأسِ من الخَيرٍ، وحكى أبو عبيدة: «قَنُطَ» يَقْنُطُ بضمِّ النون.
قال ابن الخطيب: «وهذا يدلُّ على أنَّ» قَنَطَ «بفتح النون أكثر؛ لأن المضارع من» فَعَل «يجيء على» يَفْعِلُ ويَفْعُل «مثل: فَسقَ: ويَفْسُقُ، لا يجيء مضارع فَعَلَ على يَفْعَلُ» .
فصل
جواب إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حق؛ لأنَّ الفنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلاَّ عند الجهل بأمور:
أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادراً عليه.
وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالماً باحتياج ذلك العبد إليه.
وثالثها: أ، يحجهل كونه تعالى، منزّهاً عن البخل، والحاجة.
والجهل بكلِّ هذه الأمور سبب للضَّلالِ، القُنوط من رحمة الله كبيرة، كالأمن من مكرهِ.
قوله تعالى: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ الخطب: الشأن، والأمر، سألهم عمَّا لأجله أرسلهم الله تعالى.
فِإن قيل: إنَّ الملائكة لما بشَّروه بالولد الذَّكر العليمِ، كيف قال لهم بعد ذلك «فَمَا خَطْبُكمُ» ؟ .
فالجواب: قال الأصم: معناه: ما الذي وجتهم له سوى البُشْرَى؟ .
وقال القاضي: إنه علم أنه لو كان المقصود أيضاً البشارة، لكان الواحد من الملائكة كافياً، فلمَّا رأى جمعاً من الملائكة؛ علم أنَّ لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة، فلا جرم قال: «فَما خَطْبكُمْ» ؟ .
قيل: إنَّهم قالوا: إنَّا نُبشِّركَ بغُلامٍ عَليم لإزالة الخوف، والوجل، ألا ترى أنّه لما قال: ﴿إنا منكم وجلون﴾ قالوا له: ﴿لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم﴾ ، فلو كان المقصود من المجيء هو البشارة؛ كانوا ذكروا البشارة في أوَّل دخولهم، فلمَّا لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم صلوات الله وسلام عليه أنَّ مجيئهم ما كان لمجرَّد البشارة، بل لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض، قال: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ مشركين، وإنَّما اقتصوار على هذا القدر، لعلم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بأنَّ الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين، كان ذلك لأهلاكهم.
ويدل ع لى ذلك قوله: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قوله «إلا آل لُوطٍ» فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء متصل علىأنه مسثنى من الضمير المستكن في: «مُجرمِينَ» بمعنى أجرموا كلهم إلاَّ آل لوطٍ؛ فإنَّهم لم يجرموا، ويكون قولهم «إنَّا لمنجوهم» استئناف إخبار بنجاتهم، لكنهم لم يجرموا ولكن الإرسال حينئذ شاملاً للمجرمين ولآل لوط لإهلاك أولئك وأنجاء هؤلاء.
والثاني: أنه اسثناء منقطع؛ لأن آل لوط لم يندرجوا في المجرمين آلبتَّة.
قال أبو حيان: وإذا كان استثناء منقطعاً، فهو مما يجبُ فيه النصب؛ لأنه من الاستثناء الذي لا يمكن توجيه العامل إلى المستثنى منه؛ لأنهم لم يرسوال إليهم، إنما أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصَّة، ويكون قوله: «إنَّ لمُنجَّوهُمْ» جَرَى مَجْرى خبر لكن في اتِّصاله ب «آل لوطٍ» ؛ لأن المعنى: لكنَّ آل لوط منجوهم، وقد زعم بعض النحويين في الاستثناء المنقطع المقدَّر بلكن، إذ لم يكن بعده ما يصحُّ أن يكون خبراً: أنَّ الخبر محذوف، وأنه في موضع رفع لجريان: «إلاَّ» ، وتقديرها ب «لَكِن» .
قال شهابُ الدِّين: «وفيه نظرٌ؛ لأن قوله لا يتوجه إليه العامل أيك لا يمكن، نحو: ضحك القوم إلا حمارهم، وصهلت الخيلُ إلا الإبل. أمَّا هذا، فيمكن الإرسال إليهم من غير منع، وأمَّا قوله: لأنهم لم يرسلوا إليهم فصحيح؛ لأنَّ حكم الاستثناء كلَّه هكذا، وهو أن يكون خارجاً عمَّا حكم به على الأوَّل، لكنَّه لو سلط عليه لصحَّ ذلك بخلاف ما تقدَّم من أمثلتهم» .
قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قرأ الأخوان: «لمُنْجُوهمْ» مخففاً؛ وكذلك خففا أيضاً فعل هذه الصيغة في قوله تعالى في العنكبوت ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: 32] ؛ وكذلك خففا أيضاً قوله فيها: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [العنكبوت: 33] فهما جاريتان على سننٍ واحدٍ.
وقد وافقهما ابن كثير، وأبو بكر على تخفيف: «مُنجوكَ» كأنهما جمعا بَيْنَ اللغتين، وباقي السبعة بتشديد الكل. والتخفيف والتشديد لغتان مشهورتان من: نَجَّى وأنْجى، وأنزلَ، ونزَّل، وقد نطق بفعلهما، قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ [العنكبوت: 65] وفي موضع ﴿أَنجَاهُمْ﴾ [يونس: 23] .
قوله: ﴿امرأته﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استثناء من «آل لُوطٍ» . قال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: «والاستنثاء إذا جاء عبد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافاً إلى المبتدا كقولك:» لهُ عِندِي عشرةٌ إلا أربعة إلا درهماً «فإن الدرهم يستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشرة إلاَّ أربعة، أوعشرة إلاَّ ثلاثة» .
والثاني: أنها مستثناةٌ من الضمير المجرور في قوله «لمُنَجوهمْ» .
وقد منع الزمخشري رحمهن الله الوجه الأول، وعيَّن الثاني فقال: «فإن قلت: قوله:» إلا امرأتهُ» مِمَّ استثني؟ وهل هو استثناء نم استثناء؟ .
قلت: مستثنى من الضمير المجرور في قوله: «لمُنَجُّوهم» ، وليس من الاستثناء في شيء؛ لأن الاستثناء م الاستثناء إنَّما يكون فيما اتَّحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأتهُ، كما اتَّحد في قول المطلِّق: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا اثنين إلا واحدة، وقول المقرّ: لفلان علي عشرة درارهم إلا ثلاثة إلا درهماً، اما الآية فقد اختلف الحكمان؛ لأنّ: «آل لوطٍ» متعلق ب» أرْسَلْنَا «أوة ب» مُجرمِينَ» ، و «إلاَّ امْرأتهُ» قد تعلَّق بقوله: «لمُنجوهم» فأنَّى يكون استثناء من استثناء» .
قال أبو حيَّان: ولما استسلف الزمخشري أنَّ «امرأتهُ» استثناء من الضمير في لمُنجُّوهم «أبى أن يكون استثناء من استثناء، ومن قال: إنه استثناء من استثناء، فيمكن [تصحيح قوله] بأحد وجهين:
أحدهما: أنه لما كان امرأته مستثنى من الضمير في» لمُنَجوهُم «، وهو عائدٌ على» آل لوطٍ «صار كأنَّه مستثنى من:» آل لوطٍ» ؛ لأنَّ المضمر هو الظاهر.
والوجه الآخر: أن قوله «إلاَّ آل لوطٍ» لمَّا حكم عليهم بغير الحكم الذي حكم به على قوم مجرمين، اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تأكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى: إلا آل لوط لم نرسل إليهم بالعذاب، وجاتهم مرتبة على [عدم] الإرسال إليهم بالعذاب، فصار نظير ذلك: قام القومُ إلاَّ زيداً لم يقم أو إلاَّ زيداً فإنه لم يقم، فهذه الجملة تأكيدٌ لما تضمَّنهُ الاستثناء من الحكم على ما بعد إلاَّ بضدِّ الحكم السَّابق على المستثنى منه، ف: «إلاَّ امْرَأتهُ» على هذا التدقير الذي قرَّرناه مستثنى من: «آلَ لُوطٍ» ؛ لأنَّ الاستثناء ممَّا جيء به للتَّأسيس أولى من الاستثناء ممَّا جيء به للتأكيد.
قوله «قدَّرْنَا» قرأ أبو بكر ههنا، وفي سورة النمل بتخفيف الدَّال، والباقون بتشديدها، وهما لغتان: قَدَّر، وقَدَر.
قوله: «إنَّها» كسرت من أجل اللاّم في خبرها، ولولا [لَفُتِحَتْ] ، وهي معلقة لما قبلها؛ لأنَّ فعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم إمَّا لكونه بمعناه، وإمَّا لأنه مترتب عليه.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله: ﴿قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ ، والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم» .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى «وكسرت» إِنَّها «إجراء لفعل التقدير مجرى العلم» .
وهذا لا يصحُّ علة لكسرها، إنَّما يصحُّ علةً لتعليقها الفعل قبلها.
فصل
معنى التقدير في اللغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قدر هذا الشيثء بهذا، أي: اجعله على مقداره، وقدَّر الله سبحانه الأقوات، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثمَّ يفسر التقدير بالقضاء فيقال: قضى الله عليه، وقَدرَ عليه، أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير، والشر. وقيل: معنى: «قَدَّرْنَا» كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. فإن [قيل] لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله عزَّ وجلَّ؟
فالجواب: إنَّما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله، كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا [وأمرنا بكذا] ، والمدبر، والآمر هو الملك لا هم، وإنَّما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هنا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ في موضع مفعول، التقدير: قضينا أنها تتخلف، وتبقى مع من يبقى حتَّى يهلك، فتلحق بالهالكين.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ المرسلون﴾ القصة لما بشروا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بالولد، وأخبروه بأنهم مرسلون بالعذاب إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط عليه السلام، وإلى آله، وإنَّ لوطاً، وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة لله.
فقالوا: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ لأنهم لما هجموا عليه؛ استنكرهم، وخاف من دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه.
وقيل: خاف؛ لأنهم كانوا شبايا مرداً حسان الوجوه، فخاف أن يهجم قومه عليهم لطلبهم، فقال هذه الكلمة.
وقيل: إنَّ النكرة ضدّ المعرفة، فقوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ، أي: لا أعرفكم، وأعرف أنكم من أي الأقوام، ولأي غرض دخلتم عليّ، فقال: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ .
قوله: ﴿بَلْ جِئْنَاكَ﴾ إضراب عن الكلام المحذوف، تقديره: ما جئناك بما ينكر، ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا [كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ] .
وقد تقدَّم الخلاف في قوله: «فأسْرِ» قعاً ووصلاً في هود: [81] .
وقرأ اليماني فيما نقل ابن عطية، وصاحب اللوامح: «فَسِرْ» من السير. وقرأت فرقة بفتح الطاء، وقد تقدَّم في يونس أنَّ الكسائي، وابن كثير قرآه بالسكون في قوله «قِطْعاً» والباقون بالفتح.
قوله: قالت الملاكئة ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يشكون أنه نازلٌ بهم، وهو العذاب؛ لأنه كان يوعدهم بالعذاب، فلا يصدقونه، ثمَّ أكدوا ذلك بقولهم: ﴿وَآتَيْنَاكَ بالحق﴾ قال الكلبيُّ: بالعذاب، [وقيل] باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو العذاب] ثم أكدوا هذه التَّأكيد بقولهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ .
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ والقِطْعُ والقَطع: آخر الليل؛ قال: [الخفيف]
3280 - افْتَحِي البَابَ وانظُرِي في النُّجُومِ ... كَم عليْنَا مِن قِطْعِ ليْلٍ بَهِيمِ
﴿واتبع أَدْبَارَهُمْ﴾ ، أي سر خلفهم ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ لئلا ترتاعوا من أمر عظيم فأنزل بهم من العذاب.
وقيل: معناه الإسراع، وترك الاهتمام لما خلف وراءه، كما يقول: امض لشأنك، ولا تعرج على شيءٍ.
وقيل: المعنى لو بقي [منه] متاعٌ في ذلك الموضع، فلا يرجعن بسببه ألبتَّة.
وقيل: جعل الكله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوطٍ.
﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يعني «الشَّام» .
وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل. وقال مقاتل: يعني زغر. وقيل: «الأرْدن» .
قوله: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ «حَيْثُ» على بابها من كونها ظرف مكان مبهمٍ، ولإبهامها تعدي إليها الفعل من غير واسطةٍ، على أنه قد جاء في الشِّعر تعديته إليها ب «في» كقوله: [الطويل]
3281 - فَأصْبحَ في حَيْثُ التَقيْنَا شَردُهمْ ... طَليقٌ ومكْتوفُ اليَديْنِ ومُزْعِفُ
وزعم بعضهم أنها هنا ظرف زمانٍ، مستدلاً بقوله: ﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ ثم قال ﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي: في ذلك الزَّمان.
وهو ضعيف، ولو كان كما قال، لكان التركيب وأمضوا حيث أمرتهم على أنه لو جاء التَّركيب كذا لم يكن فيه دلالة.
قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ ضمَّن القضاء معنى الإيجاء؛ فلذلك تعدَّى تعيدته «إلى» ، ومثله ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: 4] .
و «ذَلكَ الأمْرَ» «ذَلِكَ» مفعول القضاءِ، والإشارة به إلى ما وعد من إهلاكِ قومه، و «الأمْرَ» إمَّا بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ له.
قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ﴾ العامة على فتح «أنَّ» وفيها أوجه:
أحدها: أنها بدل من «ذَلِكَ» إذا قلنا: «الأمْرَ» عطف بيان.
الثاني: أنَّها بدلٌ من «الأمْرَ» سواء قلنا: إنه بيان أو بدل مما قبله.
الثالث: أنه على حذف الجار، أي: بأنَّ دابر، ففيه الخلاف المشهور.
وقرأ زيد بن علي، والأعمش بكسرها؛ لأنه بمعنى القول.
وعلَّله أبو حيان: بأنه لمَّا علق ما هو بمعنى العلم؛ كسر.
وفيه النظر المتقدم.
ويؤيِّد إضمار القول قراءة ابن مسعودٍ: وقلنا إنَّ دابر هؤلاء.
ودابرهم: آخرهم «مَقطوعٌ» مستأصل، يعني مستأصلون عن آخرهم؛ حتى لا يبقى منهم أحد «مُصْبحينَ» ، أي في حال ظهور الصبح، فهو حال من الضمير المستتر في: «مَقطُوعٌ» ، وإنَّما جمع حملاً على المعنى، وجعله الفرَّاء، وأبو عبيدة خبراً لكان المضمرة، قالا: تقديره: إذا كانوا مصبحين، نحو «أنْتَ مَاشِياً أحسنُ مِنْكَ رَاكِباً» .
وهو تكلفٌ، و «مُصْبحِينَ» داخلين في الصَّباحِ.
قوله: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ ، أي: مدينة لوط، يعني: «سدُوم» «يَسْتبشِرُونَ» حالٌ، أي: يستبشرون بأضياف لوطٍ، يبشر بعضهم بعضاً في ركوب الفاحشة منهم.
قيل: إنَّ الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم.
وقيل: أخبرتهم امرأة لوطٍ بذلك؛ فذهبوا إلى دارِ لوطٍ؛ طلباً منهم لأولئك المردِ.
فقال لهم لوط صلوات الله وسلامه عليه: «هَؤلاءِ ضَيْفِي» وحق على الرجل إكرام ضيفه، «فلا تَفْضحُونِ» فيهم.
يقال: فَضحَهُ يَفضحُه فَضْحاص، وفَضِيحَةً، إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، والفَضِيحُ والفَضِيحةُ: البيان، والظُّهورُ، ومنه: فَضِيحَةُ الصُّبْحِ؛ قال الشاعر: [البسيط]
3282 - وَلاحَ ضَوءُ هِلالِ اللَّيْلِ يَفْضحُنَا ... مِثْلَ القُلامَةِ قَدْ قُصَّتْ مِنَ الظُّفُرِ
إلا أنَّ الفضحية اختصت بما هو عارٌ على الإنسان عند ظهوره.
ومعنى الآية: أن الضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموه بالسُّوءِ كان ذلك إهانة بي، ثمَّ أكد ذلك بقوله: ﴿واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ولا تخجلون، فأجابوه بقولهم: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين﴾ ، أي: عن أن تضيِّف أحداً من العالمين.
وقيل: ألم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة؛ فإنا نركبُ منه الفاحشة.
قوله: ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ يجوز فيه أوجه:
أحدها: أ، يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مفعولاً بفعل مقدرٍ، أي: تزوَّجُوا هؤلاء، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيانٌ.
الثاني: أن يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مبتدأ وخبراً، ولا بدَّ من شيء محذوف تتمُّ به الفائدة، أي: فتزوَّجُوهنَّ.
الثالث: أن يكون «هَولاءِ» مبتدأ، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيان والخبر محذوف، أي: هُنَّ أطهر لكم كما جاء في نظيرتها.
وتقدَّم الكلام على هذه المعاني في هود.
قوله ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، ومثله: لايْمُن الله، و «إنَّهُمْ» ، وما في حيزه جواب القسم، تقديره: لعمرك قسمي، أو يميني إنهم، والعُمُرُ والعَمْر بالفتح والضم هو البقاء، إلا أنَّهم التزموا الفتح في القسم.
قال الزجاج: لأنه اخفُّ عليهم، وهم يكثرون القسم ب «لعَمْرِي ولعَمْرُكَ» .
وله أحكام كثيرة:
منها: أنه متى اقترن بلام الابتداء؛ ألزم فيه الرفع بالابتداء، وحذف خبره لسد جواب القسم مسدَّه.
ومنها: أنه يصير صريحاً في القسم، أي: يتعيَّن فيه، بخلاف غيره نحو: عَهْدُ اللهِ ومِثَاقُه.
ومنها: أنه يلزم فتح عينه.
فإن لم يقترن به لام الابتداء، جاز نصبه بفعلٍ مقدرٍ، نحو: عَمْرُ اللهِ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذٍ في الجلالة وجهان:
النَّصبُ والرفع فالنصب على أنه مصدرٌ مضاف لفاعله، وفي ذلك معنيان:
أحدهما: أن الأصل: أسألك بعمرك الله، أي: بوصفك الله تعالى بالبقاء، ثم حذف زوائد المصدر.
والثاني: أن المعنى: بعبادتك الله، والعَمْرُ: العِبادةُ.
حكى ابن الأعرابي: إنِّي عمرتُ ربِّي، أي: عبدته، وفلان عامر لربِّه، أي: عابده.
وأمَّا الرفع: فعلى أنه مضاف لمفعوله.
قال الفارسي رَحِمَهُ اللَّهُ: معناه [عَمَّرك] الله تعميراً، وقال الأخفش: أصله: أسْألك بِيُعمرك الله، فحذف زوائد المصدر، والفعل، والياء، فانتصب، وجاز أيضاً ذكر خبره، فتقول: عمرك قسمي لأقومن، وجاز أيضاً ضمُّ عينه، وينشد بالوجهين قوله: [الخفيف]
3283 - أيُّهَا المُنْكِحُ الثُريَّا سُهَيلاً ... عَمركَ الله كيْفَ يَلتقِيَانِ
هِيَ شَامِيَّةٌ إذَا ما استقلَّتْ ... وسُهَيْلٌ إذا اسْتقل يَمانِي
ويجوز دخول باء الجر عليه؛ نحو: بعمرك لأفعلنَّ؛ قال: [الوافر]
3284 - رُقيَّ بِعمْرِكُم لا تَهْجُرينَا ... ومَنِّينَا المُنَى ثُمَّ امْطُلينا
وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، فلا يقطع عنها، ويضاف لكل شيء، وزعم بعضهم: أنه لا يضاف إلى الله تعالى.
قيل: كان هذا يوهم أنه لا يستعمل إلا شفي الانقطاع، وقد سمع إضافته للباري تعالى. قال الشاعر: [الوافر]
3285 - إذَا رَضِيَتْ عليَّ بَنُو قُشيْرٍ ... لعَمْرُ الله أعْجَبنِي رِضَاهَا
ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلِّم، قال لأنه حلف بحياة المقسم، وقد ورد ذلك، قال النابغة: [الطويل] 3286 - لعَمْرِي وما عمْرِي عليَّ بِهيِّنٍ ... لقد نَطقَتْ بُطلاً عليَّ الأقَارعُ
وقد قلبته العرب لتقديم رائه على لامه، فقالوا: وعملي، وهي رديئة.
«إنَّهُمْ» العامة على كسر «إنَّ» لوقوع اللام في خبرها، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي له «أنَّ» فتحها، وتخريجها على زيادة اللام، وهي كقراءة ابن جبيرٍ (ألا أنهم ليأكلون الطعام] بالفتح.
وقرأ الأعمش: «سَكْرهُمْ» بغير تاء، وابن أبي عبلة «سَكرَاتهِمِ» جمعاً، والأشهب: «سُكْرتِهِم» بضم السين.
و «يَعْمَهُونَ» حال إمَّا من الضمير المستكن في الجار، وإمَّا من الضمير المجرور بالإضافة، والعامل إمَّا نفس سكرة، لأنَّها مصدر، وإمَّا معنى الإضافة.
فصل
قيل: إن الملائكة عليهم السلام قالت للوطٍ صلوات الله وسلامه عليه «لعَمُركَ إنَّهم لَفِي سَكرتِهمْ يَعْمَهُونَ» : يتحيَّرون.
وقال قتادة: يلعبون فكيف يعقلون قولك ويتلفتون إلى نصيحتك؟ .
وقيل: إنَّ الخطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإنَّه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحدٍ.
روى أبو الجوزاء عن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال ما خلقَ الله نفساً أكرم على الله من محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وما أقْسمَ بحياةِ أحدٍ إلاَّ بحياتهِ.
قال ابن العربي: قال المفسرون بإجماعهم: أقسم الله تعالى ها هنا بحياةِ محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تشريفاً له، أنَّ قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حريتهم يترددون، وقال القاضي عياضٌ: اتفق أهل التفسير في هذا: أنَّه قسم من الله تعالى بمدة حياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصله ضمُّ العين من العمر، ولكنها فتحت بكثرة.
قال ابن العربي: ما الذي يمنعُ أن يقسم الله تعالى بحياة لوطٍ، ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكلُّ ما يعيطه الله للوطٍ من فضل، يعطي ضعفه لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ لأنَّه أكرم على الله منه؛ أو لات تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلَّة، وموسى التكليم، وأعطلى ذلك لمحمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإذا أقسم بحياة لوطٍ، فحياة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرفعُ، ولا يخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكرٌ لغير ضرورةٍ.
قال القرطبيُّ: ما قاله حسنٌ، فإنَّه كان يكون قسمة سبحانه بحياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كلاماً معترضاً في قصَّة لوط.
قال القشيريُّ: يحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوطٍ؛ أي كانوا في سكرتهم يعمهون، أي لمَّا وعظ لوطٌ قومه وقال: هؤلاء بناتي، قالت الملائكة: يا لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ولا يدرون ما يحلُّ بهم صباحاً.
فإن قيل: فقد أقسم الله تعالى بالتِّين، والزَّيتونِ، وطور سنين، وما في هذا من الفضل؟ قيل له: ما من شيء أقسم الله به، إلاّ وفي ذلك دلالة على فضل على ما يدخل في عداده، فكذلك محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ثم قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة﴾ ، ولم يذكر في الآية صيحة من هي فإن ثبت بدليل قوي أن تلك صيحة جبريل قيل به وإلا فليس في الآية دليلٌ على أنه جاءتهم صيحة مهلكة.
قوله «مُشْرقينَ» «حال من مفعول» أخَذتْهُمْ» ، أي داخلين في الشروق، أي: بزوغِ الشَّمسِ.
يقال: شَرَق الشارق يَشْرُق شُرُوقاً لكل ما طلع من جانب الشرع، ومنه قوله: ما ذرَّ شَارِقٌ، أي طلع طَالعٌ فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا وتمامه حين أشرقوا.
والضمير في: «عَاليهَا وسَافِلهَا» للمدينة. وقال الزمخشريُّ: «لقرى لقوم لوط» .
ورجح الأول بأنه تقدَّم ذكر المدينة في قوله ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ فعاد الضمير إليها بخلاف الثاني، فإنه لم يتقدَّم لفظ القرى.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ تقدم الكلام على ذلك كله في هود: [82] .
قوله ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ متعلق بمحذوف على أنه صفة ل» آيَاتٌ «وأجود أن يتعلق بنفس» آيَاتٌ» ؛ لأنَّها بمعنى العلامات.
والتوسُّم: تفعل من الوسم، والوسمُ أصله: التَّثبت، والتَّفكر مأخوذ من الوسمِ، وهو التَّأثير بحديد في جلد البعير، أو غيره.
وقال ثعلب: الوَاسِمُ النَّاظر إليك من [قرنك] إلى قدمك، وفيه معنى التَّثبيت.
وقال الزجاج: حقيقة المتوسِّمين في اللغة: المثبتون في نظرهم حتَّى يعرفوا سمة الشيء، وصفته وعلامته وهو استقصاءُ وجوه التَّعرف قال: [الكامل]
3287 - أوَ كُلما وردَتْ عُكاظَ قَبيلَةٌ ... بَعَثَتْ إليَّ عَريفَهَا يَتوسَّم
وقيل: هو تفعُّل من الوسمِ، وهو العلامة، توسَّمتُ فيك خيراً، أي: ظهر لي مِيسَمُهُ عليك.
قال ابن رواحة يمدحُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [البسيط]
3288 - إنِّي تَوسَّمْتُ فِيكَ الخَيرَ أعْرفهُ ... واللهُ يَعْلمُ أنِّي ثَابتُ البَصرِ
وقال آخر: [الطويل]
3289 - تَوسَّمْتهُ لمَّا رَأيْتُ مَهَابَةٌ ... عَليْهِ، وقُلْتُ المَرْءُ مِنْ آلِ هَاشمِ
ويقال: اتَّسمَ الرَّجلُ، إذا اتَّخذَ لِنفْسِه عَلامةً يُعرف بِهَا، وتوسَّم: إذا طلبَ كلأ الوسمي، أي: العُشْبَ النَّابت في أوَّل المطر.
واختلف المفسِّرون: فقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما للنَّاظرين.
وقال مجاهدٌ للمتفرِّسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتلٌ للمتفكرين.
قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ الظاهر عود الضمير على المدينة، أو القرى وقيل على الحجارة وقيل: على الآيات، والمعنى: بطريقٍ قال مجاهد هذا طريق معلم، وليس بخفيّ، ولا زائلٍ.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، إي: كل من آمن بالله، ويصدق بالأنبياء، والرُّسلِ صلوات الله وسلامه عليهم؛ عرف أنَّما كان انتقامُ الله من الجُهَّال لأجل مخالفتهم، وأمَّا الذين لا يؤمنون؛ فيحملونه على حوادث [العالم] ، وحصول القرانات الكوكبية، والاتصالات الفلكية.
الحجر 15:58
قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ القصَّة: لما قرَّر أمر النبوة، أردفه بدلائل التوحيد، ثمَّ عقبه بذكر أحوال القيامةِ، وصفة الأشقياء، والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ليكن سماعها مرغِّباً للعبادة الموجبة للفوز بدرجاتِ الأولياءِ، ومحذراً عن المعصية الموجبةِ لاستحقاقِ دركاتِ الأشقياءِ.
فقوله: «ونَبِّئْهُم» ، هذا الضمير راجعٌ إلى قوله عَزَّ وَجَلَّ: عِبَادِي» ، أي: ونبِّىء عبادي، يقال: أنْبأتُ القوم إنباءً ونَبَّأتهُم تَنْبئةً إذا أخبرتهم.
قوله: «عَن ضَيْفِ» ، أي [أضياف إبراهيم] ، والضَّيْفُ في الأص مصدر ضَافَ يضيفُ: إذا أتى إنساناً يطلب القوى، وهو اسمٌ يقع على الواحدِ، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنَّث.
فِإن قيل: كيف سمَّاهم ضيفاً، مع امتناعهم من الأكلِ؟ .
فالجواب: لمن ظنَّ إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنَّهم إنَّما دخلوا عليه لطلب الضِّيافة، جاز تسميتهم ذلك.
وقيل: من دخل [دار] إنسان، والتجأ إليه سمِّي ضيفاً، ون لم يأكل، وكان إبراهيم صلوات الله وسلامه علثيه يكنَّىأبا الضيفان، كان لقصره أربعة أبوابٍ، لكي لا فوته أحدٌ.
وسمِّي الضيف ضيفاً؛ لإضافته إليك، ونزوله عليك.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «ضَافهُ مَالَ إليه، وأضَافهُ: [أماله] ، ومنه الحديث: حِينَ تضيفلإ الشَّمسُ للغُروبِ. وضَيفُوفَةُ السَّهم، والإضافةُ النَّحوية» .
قوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ في «إذْ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول لفعل مقدر، أي: اذكر إذ دخلوا.
والثاني: أنه ظرف على بابه، وفي العامل فيه وجهان:
أحدهما: أنه محذوف، تقديره: خبر ضيف.
والثاني: أنه نفس «ضَيْفِ» ، وفي توجيه ذلك وجهان:
أحدهما: أنه لما كان في الأصل مصدراً اعتبر ذلك فيه، ويدلُّ على اعتبار مصدريته بعد الوصف به: عدم مطابقته لما قبله تثنية، وجمعاً وتأنيثاً في الأغلب، ولأنه قائم مقام وصفه، والوصف يعمل.
والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: أصحاب ضيف إبراهيم، أي: ضيافته، فالمصدر باقٍ على حاله، فلذلك عمل.
قال أبو البقاء بعد أن قدر أصحاب ضياتفه: والمصدر على هذا مضاف إلى المفعول.
قال شهابُ الدِّين: وفيه نظر، إذ الظَّاهر إضافته لفاعله؛ لأنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ سَلاماً﴾ ، أي نُسلِّم لك سلاماً أو سلَّمتُ سلاماً، أو سلمُوا سَلاماً، قاله القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
قال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون؛ لأنهم لم يأكلوا طعامه، وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت.
قوله: «لا تَوجَلْ» العامة على فتح التاء من «وجِلَ» ك: «شَرِبَ» يَشربُ، والفتح قياس» فَعِلَ «إلا أن العرب آثرت [يفعل بالكسر] في بعض الألفاظ إذا كانت واواً، نحو:» نَبِقَ» وقرأ الحسن: «لا تُوجَل» مبنياً للمفعول من الإيجال.
وقرىء: «لا تَأجَلْ» ، والأصل: «تَوْجل» كقراءة العامة، إلاَّ أبدل من الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها، وإن لم تتحرَّك كقولهم: «تَابةٌ» ، و «صَامةٌ» في «تَوْبة» ، و «صَوْمة» وسمع: اللَّهُم تقبَّل تَابتِي، وصَامتِي. وقرىء أيضاً: «لا تُواجِل» من المواجلة.
ومعنى الكلام: لاتخف؛ «إنَّا نَبشِّرُكَ» ، قرأ حمزة: «إنَّا نَبْشُركَ» بفتح النون وتخفيف الباء، والباقون بضم النون، وفتح الباء، و «إنَّا نُبشِّركَ» استئناف بمعنى التعليل للنهي عن الوجل، والمعنى إنَّك بمثابة الآمن المبشر فلا توةجل.
واعلم أنَّهم بشروهن بأمرين:
أحدهما: أنَّ الولد ذكرٌ، والثاني: أنه عليمٌ.
فقيل: بشَّروه بنبوته بعده، وقيل: عليم بالدِّين، فعجب إبراهيم أمره و ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر﴾ قرأ الأعرج: «بشَّرتُمونِي» بإسقاط أداة الاستفهام، فيحتمل الأخبار، ويحتمل الاستفهام، وإنما حذفت أدلته للعلم به.
وِ «على أنْ مسَّنيَ» في محل نصبٍ على الحال.
وقرأ ابن محيصن: «الكُبْر» بزنة «فُعْقولهخ:» فبمَ تبشّرون «» بِمَ «متعلقٌ ب» تُبشِّرُون» ، وقدم وجوباً؛ [لأنه] استفهام وله صدر الكلام.
وقرأ العامة: بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع؟ ولم يذكر مفعنول التبشير، وقرأ نافع بكسرها، والأصل: تبشروني فحذف الياء مجتزئاً عنها بالكسرة.
وقد غلطه أبو حاتم، وقال: هذا يكون في الشعر اضطراراً.
وقال مكي: «وقد طعن في هذه القراءة قومٌ لبُعدِ مخرجِها في العربيَّة؛ لأنَّ حذف النون التي تصحبُ الياء لا يحسنُ إلاَّ في الشِّعر، وإن قُدِّر حذف النون الأولى حذفت [علم] الرفع من غير ناصب، ولا جازم؛ ولأنَّ نون الرفع كسرها قبيحٌ، إنَّما حقُّها الفتح» .
وهذا الطعن لا يتلفت إليه، لأنَّ ياء المتكلم قد كثر حذفها مجتزءاً عنها بالكسرة، وقد قرىء بذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمرونيا﴾ [الزمر: 64] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ووجهه: أنَّه لما اجتمع نونان أحدهما نون الرفع، والأخرى نون الوقاية استثقل اللفظ، فمنهم من أدغم، ومنهم من حذف، ثم اختلف في المحذوفة، هل هي الأولى، أو الثانية، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام [الأنعام: 80] .
وقرأ ابن كثير بتشديدها مكسورة، أدغم الأولى في الثانية، وحذف ياء الإضافة، والحسن: أثبت الياء مع تشديد النون، ورجح قراءة من أثبت مفعول: «يُبشِّرُون» وهو الياء.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ «بَشَّرناكَ» ، و «بالحقِّ» متعلق بالفعل قبله، وضعف أن يكون حالاً، أي: قالوا بَشَّرنَاكَ.
ومعنى: «بالحَقِّ» هنا استفهام بمعنى التعجُّب، كأنه قيل: بأيَّ أعجوبةٍ تبشروني؟ .
فِإن قيل: كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلقِ الولدِ منه في زمانِ الكبرِ؟ وما فائدة هذا الاستفهام مع أنهم قد بينوا ما بشَّروا به؟ .
فِأجاب القاضي: بأنه أراد أن يعرف أنه تعالى هل يعطيه الولد مع أنه يبقيه على سفة الشيخوخة، أو يقلبه شابًّا، ثم يعطيه الولد؟ .
وسبب هذا الاستفهام: أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامَّة، وإنما يحصل في حال الشَّبابِ.
فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم، فلم قالوا: ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ ؟ .
قلنا: إنهم بيَّنوا أنه تعالى بشَّرهُ بالولد مع إبقائه على صفة الشَّيخوخَةِ، وقولهم ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ لايدل على أنه كان كذلك بدليل أنه صرَّح في جوابهم بما يدلُّ على أنَّه ليس كذلك فقال: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون﴾ .
وأجاب غيره: بأن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيءٍ، وفاته الوقت الذي يغلب على ظنِّه حصول المراد فيه، فإذا بشِّر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه، وسروره، ويصير ذلك الفرحُ القويُّ كالمدهش له، والمزيل لقوَّة فهمه، وذكائه، فربَّما تكلم بكلماتٍ مضطربة في ذلك الوقت.
وقيل أيضاً: إنه يستطيب تلك البشارة، فربَّما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرَّة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة، أو طلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق، كقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] وقيل أيضاً: استفهم: أبأمرِ الله تبشروني، أم من عند أنفسكم، واجتهادكم.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ قال ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد بما قضى الله تعالى.
وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ نهي لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عن القنوطِ، وقد تقدَّم أنَّ النهي لإنسان عن الشَّيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهيّ عنه، كقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: 48] ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [القصص: 78] .
قوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ﴾ هذا استفهام معناه النفي، ولذلك وقع بعد الإيجاب ب «إلاَ» .
وقرأ أبو عمرو، والكسائي: «يَقْنِطُ» بكسر عين هذا المضارع حيث وقع، والباقون بفتحها وزيد بن علي والأشهب بضمها، وفي الماضي لغتان «قنط» بكسر النون، «يَقنَطُ» بفتحها، وقنط «يقْنطُ» بكسرها، ولولا أن القراءة سنة متبعة، لكان قياس من قرأ ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: 28] وافلتح في الماضي هو الأكثر، ولذلك أجمع عليه.
قال الفارسي: فتح النون في الماضي، وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات، ويرجحُ قراءة «يَقْنَطُ» بالفتح قراءة أبي عمرو في بعض الروايات «فلا تكن من القنطين» كفَرِحشَ يفرح فهو فَرِحٌ.
والقُنُوط: شدَّة اليأسِ من الخَيرٍ، وحكى أبو عبيدة: «قَنُطَ» يَقْنُطُ بضمِّ النون.
قال ابن الخطيب: «وهذا يدلُّ على أنَّ» قَنَطَ «بفتح النون أكثر؛ لأن المضارع من» فَعَل «يجيء على» يَفْعِلُ ويَفْعُل «مثل: فَسقَ: ويَفْسُقُ، لا يجيء مضارع فَعَلَ على يَفْعَلُ» .
فصل
جواب إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حق؛ لأنَّ الفنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلاَّ عند الجهل بأمور:
أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادراً عليه.
وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالماً باحتياج ذلك العبد إليه.
وثالثها: أ، يحجهل كونه تعالى، منزّهاً عن البخل، والحاجة.
والجهل بكلِّ هذه الأمور سبب للضَّلالِ، القُنوط من رحمة الله كبيرة، كالأمن من مكرهِ.
قوله تعالى: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ الخطب: الشأن، والأمر، سألهم عمَّا لأجله أرسلهم الله تعالى.
فِإن قيل: إنَّ الملائكة لما بشَّروه بالولد الذَّكر العليمِ، كيف قال لهم بعد ذلك «فَمَا خَطْبُكمُ» ؟ .
فالجواب: قال الأصم: معناه: ما الذي وجتهم له سوى البُشْرَى؟ .
وقال القاضي: إنه علم أنه لو كان المقصود أيضاً البشارة، لكان الواحد من الملائكة كافياً، فلمَّا رأى جمعاً من الملائكة؛ علم أنَّ لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة، فلا جرم قال: «فَما خَطْبكُمْ» ؟ .
قيل: إنَّهم قالوا: إنَّا نُبشِّركَ بغُلامٍ عَليم لإزالة الخوف، والوجل، ألا ترى أنّه لما قال: ﴿إنا منكم وجلون﴾ قالوا له: ﴿لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم﴾ ، فلو كان المقصود من المجيء هو البشارة؛ كانوا ذكروا البشارة في أوَّل دخولهم، فلمَّا لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم صلوات الله وسلام عليه أنَّ مجيئهم ما كان لمجرَّد البشارة، بل لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض، قال: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ مشركين، وإنَّما اقتصوار على هذا القدر، لعلم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بأنَّ الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين، كان ذلك لأهلاكهم.
ويدل ع لى ذلك قوله: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قوله «إلا آل لُوطٍ» فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء متصل علىأنه مسثنى من الضمير المستكن في: «مُجرمِينَ» بمعنى أجرموا كلهم إلاَّ آل لوطٍ؛ فإنَّهم لم يجرموا، ويكون قولهم «إنَّا لمنجوهم» استئناف إخبار بنجاتهم، لكنهم لم يجرموا ولكن الإرسال حينئذ شاملاً للمجرمين ولآل لوط لإهلاك أولئك وأنجاء هؤلاء.
والثاني: أنه اسثناء منقطع؛ لأن آل لوط لم يندرجوا في المجرمين آلبتَّة.
قال أبو حيان: وإذا كان استثناء منقطعاً، فهو مما يجبُ فيه النصب؛ لأنه من الاستثناء الذي لا يمكن توجيه العامل إلى المستثنى منه؛ لأنهم لم يرسوال إليهم، إنما أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصَّة، ويكون قوله: «إنَّ لمُنجَّوهُمْ» جَرَى مَجْرى خبر لكن في اتِّصاله ب «آل لوطٍ» ؛ لأن المعنى: لكنَّ آل لوط منجوهم، وقد زعم بعض النحويين في الاستثناء المنقطع المقدَّر بلكن، إذ لم يكن بعده ما يصحُّ أن يكون خبراً: أنَّ الخبر محذوف، وأنه في موضع رفع لجريان: «إلاَّ» ، وتقديرها ب «لَكِن» .
قال شهابُ الدِّين: «وفيه نظرٌ؛ لأن قوله لا يتوجه إليه العامل أيك لا يمكن، نحو: ضحك القوم إلا حمارهم، وصهلت الخيلُ إلا الإبل. أمَّا هذا، فيمكن الإرسال إليهم من غير منع، وأمَّا قوله: لأنهم لم يرسلوا إليهم فصحيح؛ لأنَّ حكم الاستثناء كلَّه هكذا، وهو أن يكون خارجاً عمَّا حكم به على الأوَّل، لكنَّه لو سلط عليه لصحَّ ذلك بخلاف ما تقدَّم من أمثلتهم» .
قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قرأ الأخوان: «لمُنْجُوهمْ» مخففاً؛ وكذلك خففا أيضاً فعل هذه الصيغة في قوله تعالى في العنكبوت ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: 32] ؛ وكذلك خففا أيضاً قوله فيها: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [العنكبوت: 33] فهما جاريتان على سننٍ واحدٍ.
وقد وافقهما ابن كثير، وأبو بكر على تخفيف: «مُنجوكَ» كأنهما جمعا بَيْنَ اللغتين، وباقي السبعة بتشديد الكل. والتخفيف والتشديد لغتان مشهورتان من: نَجَّى وأنْجى، وأنزلَ، ونزَّل، وقد نطق بفعلهما، قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ [العنكبوت: 65] وفي موضع ﴿أَنجَاهُمْ﴾ [يونس: 23] .
قوله: ﴿امرأته﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استثناء من «آل لُوطٍ» . قال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: «والاستنثاء إذا جاء عبد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافاً إلى المبتدا كقولك:» لهُ عِندِي عشرةٌ إلا أربعة إلا درهماً «فإن الدرهم يستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشرة إلاَّ أربعة، أوعشرة إلاَّ ثلاثة» .
والثاني: أنها مستثناةٌ من الضمير المجرور في قوله «لمُنَجوهمْ» .
وقد منع الزمخشري رحمهن الله الوجه الأول، وعيَّن الثاني فقال: «فإن قلت: قوله:» إلا امرأتهُ» مِمَّ استثني؟ وهل هو استثناء نم استثناء؟ .
قلت: مستثنى من الضمير المجرور في قوله: «لمُنَجُّوهم» ، وليس من الاستثناء في شيء؛ لأن الاستثناء م الاستثناء إنَّما يكون فيما اتَّحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأتهُ، كما اتَّحد في قول المطلِّق: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا اثنين إلا واحدة، وقول المقرّ: لفلان علي عشرة درارهم إلا ثلاثة إلا درهماً، اما الآية فقد اختلف الحكمان؛ لأنّ: «آل لوطٍ» متعلق ب» أرْسَلْنَا «أوة ب» مُجرمِينَ» ، و «إلاَّ امْرأتهُ» قد تعلَّق بقوله: «لمُنجوهم» فأنَّى يكون استثناء من استثناء» .
قال أبو حيَّان: ولما استسلف الزمخشري أنَّ «امرأتهُ» استثناء من الضمير في لمُنجُّوهم «أبى أن يكون استثناء من استثناء، ومن قال: إنه استثناء من استثناء، فيمكن [تصحيح قوله] بأحد وجهين:
أحدهما: أنه لما كان امرأته مستثنى من الضمير في» لمُنَجوهُم «، وهو عائدٌ على» آل لوطٍ «صار كأنَّه مستثنى من:» آل لوطٍ» ؛ لأنَّ المضمر هو الظاهر.
والوجه الآخر: أن قوله «إلاَّ آل لوطٍ» لمَّا حكم عليهم بغير الحكم الذي حكم به على قوم مجرمين، اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تأكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى: إلا آل لوط لم نرسل إليهم بالعذاب، وجاتهم مرتبة على [عدم] الإرسال إليهم بالعذاب، فصار نظير ذلك: قام القومُ إلاَّ زيداً لم يقم أو إلاَّ زيداً فإنه لم يقم، فهذه الجملة تأكيدٌ لما تضمَّنهُ الاستثناء من الحكم على ما بعد إلاَّ بضدِّ الحكم السَّابق على المستثنى منه، ف: «إلاَّ امْرَأتهُ» على هذا التدقير الذي قرَّرناه مستثنى من: «آلَ لُوطٍ» ؛ لأنَّ الاستثناء ممَّا جيء به للتَّأسيس أولى من الاستثناء ممَّا جيء به للتأكيد.
قوله «قدَّرْنَا» قرأ أبو بكر ههنا، وفي سورة النمل بتخفيف الدَّال، والباقون بتشديدها، وهما لغتان: قَدَّر، وقَدَر.
قوله: «إنَّها» كسرت من أجل اللاّم في خبرها، ولولا [لَفُتِحَتْ] ، وهي معلقة لما قبلها؛ لأنَّ فعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم إمَّا لكونه بمعناه، وإمَّا لأنه مترتب عليه.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله: ﴿قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ ، والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم» .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى «وكسرت» إِنَّها «إجراء لفعل التقدير مجرى العلم» .
وهذا لا يصحُّ علة لكسرها، إنَّما يصحُّ علةً لتعليقها الفعل قبلها.
فصل
معنى التقدير في اللغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قدر هذا الشيثء بهذا، أي: اجعله على مقداره، وقدَّر الله سبحانه الأقوات، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثمَّ يفسر التقدير بالقضاء فيقال: قضى الله عليه، وقَدرَ عليه، أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير، والشر. وقيل: معنى: «قَدَّرْنَا» كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. فإن [قيل] لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله عزَّ وجلَّ؟
فالجواب: إنَّما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله، كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا [وأمرنا بكذا] ، والمدبر، والآمر هو الملك لا هم، وإنَّما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هنا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ في موضع مفعول، التقدير: قضينا أنها تتخلف، وتبقى مع من يبقى حتَّى يهلك، فتلحق بالهالكين.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ المرسلون﴾ القصة لما بشروا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بالولد، وأخبروه بأنهم مرسلون بالعذاب إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط عليه السلام، وإلى آله، وإنَّ لوطاً، وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة لله.
فقالوا: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ لأنهم لما هجموا عليه؛ استنكرهم، وخاف من دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه.
وقيل: خاف؛ لأنهم كانوا شبايا مرداً حسان الوجوه، فخاف أن يهجم قومه عليهم لطلبهم، فقال هذه الكلمة.
وقيل: إنَّ النكرة ضدّ المعرفة، فقوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ، أي: لا أعرفكم، وأعرف أنكم من أي الأقوام، ولأي غرض دخلتم عليّ، فقال: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ .
قوله: ﴿بَلْ جِئْنَاكَ﴾ إضراب عن الكلام المحذوف، تقديره: ما جئناك بما ينكر، ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا [كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ] .
وقد تقدَّم الخلاف في قوله: «فأسْرِ» قعاً ووصلاً في هود: [81] .
وقرأ اليماني فيما نقل ابن عطية، وصاحب اللوامح: «فَسِرْ» من السير. وقرأت فرقة بفتح الطاء، وقد تقدَّم في يونس أنَّ الكسائي، وابن كثير قرآه بالسكون في قوله «قِطْعاً» والباقون بالفتح.
قوله: قالت الملاكئة ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يشكون أنه نازلٌ بهم، وهو العذاب؛ لأنه كان يوعدهم بالعذاب، فلا يصدقونه، ثمَّ أكدوا ذلك بقولهم: ﴿وَآتَيْنَاكَ بالحق﴾ قال الكلبيُّ: بالعذاب، [وقيل] باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو العذاب] ثم أكدوا هذه التَّأكيد بقولهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ .
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ والقِطْعُ والقَطع: آخر الليل؛ قال: [الخفيف]
3280 - افْتَحِي البَابَ وانظُرِي في النُّجُومِ ... كَم عليْنَا مِن قِطْعِ ليْلٍ بَهِيمِ
﴿واتبع أَدْبَارَهُمْ﴾ ، أي سر خلفهم ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ لئلا ترتاعوا من أمر عظيم فأنزل بهم من العذاب.
وقيل: معناه الإسراع، وترك الاهتمام لما خلف وراءه، كما يقول: امض لشأنك، ولا تعرج على شيءٍ.
وقيل: المعنى لو بقي [منه] متاعٌ في ذلك الموضع، فلا يرجعن بسببه ألبتَّة.
وقيل: جعل الكله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوطٍ.
﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يعني «الشَّام» .
وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل. وقال مقاتل: يعني زغر. وقيل: «الأرْدن» .
قوله: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ «حَيْثُ» على بابها من كونها ظرف مكان مبهمٍ، ولإبهامها تعدي إليها الفعل من غير واسطةٍ، على أنه قد جاء في الشِّعر تعديته إليها ب «في» كقوله: [الطويل]
3281 - فَأصْبحَ في حَيْثُ التَقيْنَا شَردُهمْ ... طَليقٌ ومكْتوفُ اليَديْنِ ومُزْعِفُ
وزعم بعضهم أنها هنا ظرف زمانٍ، مستدلاً بقوله: ﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ ثم قال ﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي: في ذلك الزَّمان.
وهو ضعيف، ولو كان كما قال، لكان التركيب وأمضوا حيث أمرتهم على أنه لو جاء التَّركيب كذا لم يكن فيه دلالة.
قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ ضمَّن القضاء معنى الإيجاء؛ فلذلك تعدَّى تعيدته «إلى» ، ومثله ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: 4] .
و «ذَلكَ الأمْرَ» «ذَلِكَ» مفعول القضاءِ، والإشارة به إلى ما وعد من إهلاكِ قومه، و «الأمْرَ» إمَّا بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ له.
قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ﴾ العامة على فتح «أنَّ» وفيها أوجه:
أحدها: أنها بدل من «ذَلِكَ» إذا قلنا: «الأمْرَ» عطف بيان.
الثاني: أنَّها بدلٌ من «الأمْرَ» سواء قلنا: إنه بيان أو بدل مما قبله.
الثالث: أنه على حذف الجار، أي: بأنَّ دابر، ففيه الخلاف المشهور.
وقرأ زيد بن علي، والأعمش بكسرها؛ لأنه بمعنى القول.
وعلَّله أبو حيان: بأنه لمَّا علق ما هو بمعنى العلم؛ كسر.
وفيه النظر المتقدم.
ويؤيِّد إضمار القول قراءة ابن مسعودٍ: وقلنا إنَّ دابر هؤلاء.
ودابرهم: آخرهم «مَقطوعٌ» مستأصل، يعني مستأصلون عن آخرهم؛ حتى لا يبقى منهم أحد «مُصْبحينَ» ، أي في حال ظهور الصبح، فهو حال من الضمير المستتر في: «مَقطُوعٌ» ، وإنَّما جمع حملاً على المعنى، وجعله الفرَّاء، وأبو عبيدة خبراً لكان المضمرة، قالا: تقديره: إذا كانوا مصبحين، نحو «أنْتَ مَاشِياً أحسنُ مِنْكَ رَاكِباً» .
وهو تكلفٌ، و «مُصْبحِينَ» داخلين في الصَّباحِ.
قوله: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ ، أي: مدينة لوط، يعني: «سدُوم» «يَسْتبشِرُونَ» حالٌ، أي: يستبشرون بأضياف لوطٍ، يبشر بعضهم بعضاً في ركوب الفاحشة منهم.
قيل: إنَّ الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم.
وقيل: أخبرتهم امرأة لوطٍ بذلك؛ فذهبوا إلى دارِ لوطٍ؛ طلباً منهم لأولئك المردِ.
فقال لهم لوط صلوات الله وسلامه عليه: «هَؤلاءِ ضَيْفِي» وحق على الرجل إكرام ضيفه، «فلا تَفْضحُونِ» فيهم.
يقال: فَضحَهُ يَفضحُه فَضْحاص، وفَضِيحَةً، إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، والفَضِيحُ والفَضِيحةُ: البيان، والظُّهورُ، ومنه: فَضِيحَةُ الصُّبْحِ؛ قال الشاعر: [البسيط]
3282 - وَلاحَ ضَوءُ هِلالِ اللَّيْلِ يَفْضحُنَا ... مِثْلَ القُلامَةِ قَدْ قُصَّتْ مِنَ الظُّفُرِ
إلا أنَّ الفضحية اختصت بما هو عارٌ على الإنسان عند ظهوره.
ومعنى الآية: أن الضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموه بالسُّوءِ كان ذلك إهانة بي، ثمَّ أكد ذلك بقوله: ﴿واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ولا تخجلون، فأجابوه بقولهم: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين﴾ ، أي: عن أن تضيِّف أحداً من العالمين.
وقيل: ألم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة؛ فإنا نركبُ منه الفاحشة.
قوله: ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ يجوز فيه أوجه:
أحدها: أ، يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مفعولاً بفعل مقدرٍ، أي: تزوَّجُوا هؤلاء، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيانٌ.
الثاني: أن يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مبتدأ وخبراً، ولا بدَّ من شيء محذوف تتمُّ به الفائدة، أي: فتزوَّجُوهنَّ.
الثالث: أن يكون «هَولاءِ» مبتدأ، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيان والخبر محذوف، أي: هُنَّ أطهر لكم كما جاء في نظيرتها.
وتقدَّم الكلام على هذه المعاني في هود.
قوله ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، ومثله: لايْمُن الله، و «إنَّهُمْ» ، وما في حيزه جواب القسم، تقديره: لعمرك قسمي، أو يميني إنهم، والعُمُرُ والعَمْر بالفتح والضم هو البقاء، إلا أنَّهم التزموا الفتح في القسم.
قال الزجاج: لأنه اخفُّ عليهم، وهم يكثرون القسم ب «لعَمْرِي ولعَمْرُكَ» .
وله أحكام كثيرة:
منها: أنه متى اقترن بلام الابتداء؛ ألزم فيه الرفع بالابتداء، وحذف خبره لسد جواب القسم مسدَّه.
ومنها: أنه يصير صريحاً في القسم، أي: يتعيَّن فيه، بخلاف غيره نحو: عَهْدُ اللهِ ومِثَاقُه.
ومنها: أنه يلزم فتح عينه.
فإن لم يقترن به لام الابتداء، جاز نصبه بفعلٍ مقدرٍ، نحو: عَمْرُ اللهِ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذٍ في الجلالة وجهان:
النَّصبُ والرفع فالنصب على أنه مصدرٌ مضاف لفاعله، وفي ذلك معنيان:
أحدهما: أن الأصل: أسألك بعمرك الله، أي: بوصفك الله تعالى بالبقاء، ثم حذف زوائد المصدر.
والثاني: أن المعنى: بعبادتك الله، والعَمْرُ: العِبادةُ.
حكى ابن الأعرابي: إنِّي عمرتُ ربِّي، أي: عبدته، وفلان عامر لربِّه، أي: عابده.
وأمَّا الرفع: فعلى أنه مضاف لمفعوله.
قال الفارسي رَحِمَهُ اللَّهُ: معناه [عَمَّرك] الله تعميراً، وقال الأخفش: أصله: أسْألك بِيُعمرك الله، فحذف زوائد المصدر، والفعل، والياء، فانتصب، وجاز أيضاً ذكر خبره، فتقول: عمرك قسمي لأقومن، وجاز أيضاً ضمُّ عينه، وينشد بالوجهين قوله: [الخفيف]
3283 - أيُّهَا المُنْكِحُ الثُريَّا سُهَيلاً ... عَمركَ الله كيْفَ يَلتقِيَانِ
هِيَ شَامِيَّةٌ إذَا ما استقلَّتْ ... وسُهَيْلٌ إذا اسْتقل يَمانِي
ويجوز دخول باء الجر عليه؛ نحو: بعمرك لأفعلنَّ؛ قال: [الوافر]
3284 - رُقيَّ بِعمْرِكُم لا تَهْجُرينَا ... ومَنِّينَا المُنَى ثُمَّ امْطُلينا
وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، فلا يقطع عنها، ويضاف لكل شيء، وزعم بعضهم: أنه لا يضاف إلى الله تعالى.
قيل: كان هذا يوهم أنه لا يستعمل إلا شفي الانقطاع، وقد سمع إضافته للباري تعالى. قال الشاعر: [الوافر]
3285 - إذَا رَضِيَتْ عليَّ بَنُو قُشيْرٍ ... لعَمْرُ الله أعْجَبنِي رِضَاهَا
ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلِّم، قال لأنه حلف بحياة المقسم، وقد ورد ذلك، قال النابغة: [الطويل] 3286 - لعَمْرِي وما عمْرِي عليَّ بِهيِّنٍ ... لقد نَطقَتْ بُطلاً عليَّ الأقَارعُ
وقد قلبته العرب لتقديم رائه على لامه، فقالوا: وعملي، وهي رديئة.
«إنَّهُمْ» العامة على كسر «إنَّ» لوقوع اللام في خبرها، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي له «أنَّ» فتحها، وتخريجها على زيادة اللام، وهي كقراءة ابن جبيرٍ (ألا أنهم ليأكلون الطعام] بالفتح.
وقرأ الأعمش: «سَكْرهُمْ» بغير تاء، وابن أبي عبلة «سَكرَاتهِمِ» جمعاً، والأشهب: «سُكْرتِهِم» بضم السين.
و «يَعْمَهُونَ» حال إمَّا من الضمير المستكن في الجار، وإمَّا من الضمير المجرور بالإضافة، والعامل إمَّا نفس سكرة، لأنَّها مصدر، وإمَّا معنى الإضافة.
فصل
قيل: إن الملائكة عليهم السلام قالت للوطٍ صلوات الله وسلامه عليه «لعَمُركَ إنَّهم لَفِي سَكرتِهمْ يَعْمَهُونَ» : يتحيَّرون.
وقال قتادة: يلعبون فكيف يعقلون قولك ويتلفتون إلى نصيحتك؟ .
وقيل: إنَّ الخطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإنَّه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحدٍ.
روى أبو الجوزاء عن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال ما خلقَ الله نفساً أكرم على الله من محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وما أقْسمَ بحياةِ أحدٍ إلاَّ بحياتهِ.
قال ابن العربي: قال المفسرون بإجماعهم: أقسم الله تعالى ها هنا بحياةِ محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تشريفاً له، أنَّ قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حريتهم يترددون، وقال القاضي عياضٌ: اتفق أهل التفسير في هذا: أنَّه قسم من الله تعالى بمدة حياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصله ضمُّ العين من العمر، ولكنها فتحت بكثرة.
قال ابن العربي: ما الذي يمنعُ أن يقسم الله تعالى بحياة لوطٍ، ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكلُّ ما يعيطه الله للوطٍ من فضل، يعطي ضعفه لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ لأنَّه أكرم على الله منه؛ أو لات تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلَّة، وموسى التكليم، وأعطلى ذلك لمحمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإذا أقسم بحياة لوطٍ، فحياة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرفعُ، ولا يخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكرٌ لغير ضرورةٍ.
قال القرطبيُّ: ما قاله حسنٌ، فإنَّه كان يكون قسمة سبحانه بحياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كلاماً معترضاً في قصَّة لوط.
قال القشيريُّ: يحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوطٍ؛ أي كانوا في سكرتهم يعمهون، أي لمَّا وعظ لوطٌ قومه وقال: هؤلاء بناتي، قالت الملائكة: يا لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ولا يدرون ما يحلُّ بهم صباحاً.
فإن قيل: فقد أقسم الله تعالى بالتِّين، والزَّيتونِ، وطور سنين، وما في هذا من الفضل؟ قيل له: ما من شيء أقسم الله به، إلاّ وفي ذلك دلالة على فضل على ما يدخل في عداده، فكذلك محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ثم قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة﴾ ، ولم يذكر في الآية صيحة من هي فإن ثبت بدليل قوي أن تلك صيحة جبريل قيل به وإلا فليس في الآية دليلٌ على أنه جاءتهم صيحة مهلكة.
قوله «مُشْرقينَ» «حال من مفعول» أخَذتْهُمْ» ، أي داخلين في الشروق، أي: بزوغِ الشَّمسِ.
يقال: شَرَق الشارق يَشْرُق شُرُوقاً لكل ما طلع من جانب الشرع، ومنه قوله: ما ذرَّ شَارِقٌ، أي طلع طَالعٌ فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا وتمامه حين أشرقوا.
والضمير في: «عَاليهَا وسَافِلهَا» للمدينة. وقال الزمخشريُّ: «لقرى لقوم لوط» .
ورجح الأول بأنه تقدَّم ذكر المدينة في قوله ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ فعاد الضمير إليها بخلاف الثاني، فإنه لم يتقدَّم لفظ القرى.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ تقدم الكلام على ذلك كله في هود: [82] .
قوله ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ متعلق بمحذوف على أنه صفة ل» آيَاتٌ «وأجود أن يتعلق بنفس» آيَاتٌ» ؛ لأنَّها بمعنى العلامات.
والتوسُّم: تفعل من الوسم، والوسمُ أصله: التَّثبت، والتَّفكر مأخوذ من الوسمِ، وهو التَّأثير بحديد في جلد البعير، أو غيره.
وقال ثعلب: الوَاسِمُ النَّاظر إليك من [قرنك] إلى قدمك، وفيه معنى التَّثبيت.
وقال الزجاج: حقيقة المتوسِّمين في اللغة: المثبتون في نظرهم حتَّى يعرفوا سمة الشيء، وصفته وعلامته وهو استقصاءُ وجوه التَّعرف قال: [الكامل]
3287 - أوَ كُلما وردَتْ عُكاظَ قَبيلَةٌ ... بَعَثَتْ إليَّ عَريفَهَا يَتوسَّم
وقيل: هو تفعُّل من الوسمِ، وهو العلامة، توسَّمتُ فيك خيراً، أي: ظهر لي مِيسَمُهُ عليك.
قال ابن رواحة يمدحُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [البسيط]
3288 - إنِّي تَوسَّمْتُ فِيكَ الخَيرَ أعْرفهُ ... واللهُ يَعْلمُ أنِّي ثَابتُ البَصرِ
وقال آخر: [الطويل]
3289 - تَوسَّمْتهُ لمَّا رَأيْتُ مَهَابَةٌ ... عَليْهِ، وقُلْتُ المَرْءُ مِنْ آلِ هَاشمِ
ويقال: اتَّسمَ الرَّجلُ، إذا اتَّخذَ لِنفْسِه عَلامةً يُعرف بِهَا، وتوسَّم: إذا طلبَ كلأ الوسمي، أي: العُشْبَ النَّابت في أوَّل المطر.
واختلف المفسِّرون: فقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما للنَّاظرين.
وقال مجاهدٌ للمتفرِّسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتلٌ للمتفكرين.
قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ الظاهر عود الضمير على المدينة، أو القرى وقيل على الحجارة وقيل: على الآيات، والمعنى: بطريقٍ قال مجاهد هذا طريق معلم، وليس بخفيّ، ولا زائلٍ.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، إي: كل من آمن بالله، ويصدق بالأنبياء، والرُّسلِ صلوات الله وسلامه عليهم؛ عرف أنَّما كان انتقامُ الله من الجُهَّال لأجل مخالفتهم، وأمَّا الذين لا يؤمنون؛ فيحملونه على حوادث [العالم] ، وحصول القرانات الكوكبية، والاتصالات الفلكية.
الحجر 15:59
قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ القصَّة: لما قرَّر أمر النبوة، أردفه بدلائل التوحيد، ثمَّ عقبه بذكر أحوال القيامةِ، وصفة الأشقياء، والسعداء، أتبعه بذكر قصص الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ليكن سماعها مرغِّباً للعبادة الموجبة للفوز بدرجاتِ الأولياءِ، ومحذراً عن المعصية الموجبةِ لاستحقاقِ دركاتِ الأشقياءِ.
فقوله: «ونَبِّئْهُم» ، هذا الضمير راجعٌ إلى قوله عَزَّ وَجَلَّ: عِبَادِي» ، أي: ونبِّىء عبادي، يقال: أنْبأتُ القوم إنباءً ونَبَّأتهُم تَنْبئةً إذا أخبرتهم.
قوله: «عَن ضَيْفِ» ، أي [أضياف إبراهيم] ، والضَّيْفُ في الأص مصدر ضَافَ يضيفُ: إذا أتى إنساناً يطلب القوى، وهو اسمٌ يقع على الواحدِ، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنَّث.
فِإن قيل: كيف سمَّاهم ضيفاً، مع امتناعهم من الأكلِ؟ .
فالجواب: لمن ظنَّ إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أنَّهم إنَّما دخلوا عليه لطلب الضِّيافة، جاز تسميتهم ذلك.
وقيل: من دخل [دار] إنسان، والتجأ إليه سمِّي ضيفاً، ون لم يأكل، وكان إبراهيم صلوات الله وسلامه علثيه يكنَّىأبا الضيفان، كان لقصره أربعة أبوابٍ، لكي لا فوته أحدٌ.
وسمِّي الضيف ضيفاً؛ لإضافته إليك، ونزوله عليك.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «ضَافهُ مَالَ إليه، وأضَافهُ: [أماله] ، ومنه الحديث: حِينَ تضيفلإ الشَّمسُ للغُروبِ. وضَيفُوفَةُ السَّهم، والإضافةُ النَّحوية» .
قوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ في «إذْ» وجهان:
أحدهما: أنه مفعول لفعل مقدر، أي: اذكر إذ دخلوا.
والثاني: أنه ظرف على بابه، وفي العامل فيه وجهان:
أحدهما: أنه محذوف، تقديره: خبر ضيف.
والثاني: أنه نفس «ضَيْفِ» ، وفي توجيه ذلك وجهان:
أحدهما: أنه لما كان في الأصل مصدراً اعتبر ذلك فيه، ويدلُّ على اعتبار مصدريته بعد الوصف به: عدم مطابقته لما قبله تثنية، وجمعاً وتأنيثاً في الأغلب، ولأنه قائم مقام وصفه، والوصف يعمل.
والثاني: أنه على حذف مضاف، أي: أصحاب ضيف إبراهيم، أي: ضيافته، فالمصدر باقٍ على حاله، فلذلك عمل.
قال أبو البقاء بعد أن قدر أصحاب ضياتفه: والمصدر على هذا مضاف إلى المفعول.
قال شهابُ الدِّين: وفيه نظر، إذ الظَّاهر إضافته لفاعله؛ لأنه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُواْ سَلاماً﴾ ، أي نُسلِّم لك سلاماً أو سلَّمتُ سلاماً، أو سلمُوا سَلاماً، قاله القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى.
قال: ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون؛ لأنهم لم يأكلوا طعامه، وقيل: لأنهم دخلوا بغير إذن، وبغير وقت.
قوله: «لا تَوجَلْ» العامة على فتح التاء من «وجِلَ» ك: «شَرِبَ» يَشربُ، والفتح قياس» فَعِلَ «إلا أن العرب آثرت [يفعل بالكسر] في بعض الألفاظ إذا كانت واواً، نحو:» نَبِقَ» وقرأ الحسن: «لا تُوجَل» مبنياً للمفعول من الإيجال.
وقرىء: «لا تَأجَلْ» ، والأصل: «تَوْجل» كقراءة العامة، إلاَّ أبدل من الواو ألفاً لانفتاح ما قبلها، وإن لم تتحرَّك كقولهم: «تَابةٌ» ، و «صَامةٌ» في «تَوْبة» ، و «صَوْمة» وسمع: اللَّهُم تقبَّل تَابتِي، وصَامتِي. وقرىء أيضاً: «لا تُواجِل» من المواجلة.
ومعنى الكلام: لاتخف؛ «إنَّا نَبشِّرُكَ» ، قرأ حمزة: «إنَّا نَبْشُركَ» بفتح النون وتخفيف الباء، والباقون بضم النون، وفتح الباء، و «إنَّا نُبشِّركَ» استئناف بمعنى التعليل للنهي عن الوجل، والمعنى إنَّك بمثابة الآمن المبشر فلا توةجل.
واعلم أنَّهم بشروهن بأمرين:
أحدهما: أنَّ الولد ذكرٌ، والثاني: أنه عليمٌ.
فقيل: بشَّروه بنبوته بعده، وقيل: عليم بالدِّين، فعجب إبراهيم أمره و ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر﴾ قرأ الأعرج: «بشَّرتُمونِي» بإسقاط أداة الاستفهام، فيحتمل الأخبار، ويحتمل الاستفهام، وإنما حذفت أدلته للعلم به.
وِ «على أنْ مسَّنيَ» في محل نصبٍ على الحال.
وقرأ ابن محيصن: «الكُبْر» بزنة «فُعْقولهخ:» فبمَ تبشّرون «» بِمَ «متعلقٌ ب» تُبشِّرُون» ، وقدم وجوباً؛ [لأنه] استفهام وله صدر الكلام.
وقرأ العامة: بفتح النون مخففة على أنها نون الرفع؟ ولم يذكر مفعنول التبشير، وقرأ نافع بكسرها، والأصل: تبشروني فحذف الياء مجتزئاً عنها بالكسرة.
وقد غلطه أبو حاتم، وقال: هذا يكون في الشعر اضطراراً.
وقال مكي: «وقد طعن في هذه القراءة قومٌ لبُعدِ مخرجِها في العربيَّة؛ لأنَّ حذف النون التي تصحبُ الياء لا يحسنُ إلاَّ في الشِّعر، وإن قُدِّر حذف النون الأولى حذفت [علم] الرفع من غير ناصب، ولا جازم؛ ولأنَّ نون الرفع كسرها قبيحٌ، إنَّما حقُّها الفتح» .
وهذا الطعن لا يتلفت إليه، لأنَّ ياء المتكلم قد كثر حذفها مجتزءاً عنها بالكسرة، وقد قرىء بذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمرونيا﴾ [الزمر: 64] كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ووجهه: أنَّه لما اجتمع نونان أحدهما نون الرفع، والأخرى نون الوقاية استثقل اللفظ، فمنهم من أدغم، ومنهم من حذف، ثم اختلف في المحذوفة، هل هي الأولى، أو الثانية، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام [الأنعام: 80] .
وقرأ ابن كثير بتشديدها مكسورة، أدغم الأولى في الثانية، وحذف ياء الإضافة، والحسن: أثبت الياء مع تشديد النون، ورجح قراءة من أثبت مفعول: «يُبشِّرُون» وهو الياء.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ «بَشَّرناكَ» ، و «بالحقِّ» متعلق بالفعل قبله، وضعف أن يكون حالاً، أي: قالوا بَشَّرنَاكَ.
ومعنى: «بالحَقِّ» هنا استفهام بمعنى التعجُّب، كأنه قيل: بأيَّ أعجوبةٍ تبشروني؟ .
فِإن قيل: كيف استبعد قدرة الله تعالى على خلقِ الولدِ منه في زمانِ الكبرِ؟ وما فائدة هذا الاستفهام مع أنهم قد بينوا ما بشَّروا به؟ .
فِأجاب القاضي: بأنه أراد أن يعرف أنه تعالى هل يعطيه الولد مع أنه يبقيه على سفة الشيخوخة، أو يقلبه شابًّا، ثم يعطيه الولد؟ .
وسبب هذا الاستفهام: أن العادة جارية بأنه لا يحصل الولد حال الشيخوخة التامَّة، وإنما يحصل في حال الشَّبابِ.
فإن قيل: فإذا كان معنى الكلام ما ذكرتم، فلم قالوا: ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ ؟ .
قلنا: إنهم بيَّنوا أنه تعالى بشَّرهُ بالولد مع إبقائه على صفة الشَّيخوخَةِ، وقولهم ﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ لايدل على أنه كان كذلك بدليل أنه صرَّح في جوابهم بما يدلُّ على أنَّه ليس كذلك فقال: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون﴾ .
وأجاب غيره: بأن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيءٍ، وفاته الوقت الذي يغلب على ظنِّه حصول المراد فيه، فإذا بشِّر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه، وسروره، ويصير ذلك الفرحُ القويُّ كالمدهش له، والمزيل لقوَّة فهمه، وذكائه، فربَّما تكلم بكلماتٍ مضطربة في ذلك الوقت.
وقيل أيضاً: إنه يستطيب تلك البشارة، فربَّما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرَّة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة، أو طلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق، كقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] وقيل أيضاً: استفهم: أبأمرِ الله تبشروني، أم من عند أنفسكم، واجتهادكم.
قوله: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ قال ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد بما قضى الله تعالى.
وقوله: ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ نهي لإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عن القنوطِ، وقد تقدَّم أنَّ النهي لإنسان عن الشَّيء لا يدل على كون المنهي فاعلاً للمنهيّ عنه، كقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: 48] ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [القصص: 78] .
قوله: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ﴾ هذا استفهام معناه النفي، ولذلك وقع بعد الإيجاب ب «إلاَ» .
وقرأ أبو عمرو، والكسائي: «يَقْنِطُ» بكسر عين هذا المضارع حيث وقع، والباقون بفتحها وزيد بن علي والأشهب بضمها، وفي الماضي لغتان «قنط» بكسر النون، «يَقنَطُ» بفتحها، وقنط «يقْنطُ» بكسرها، ولولا أن القراءة سنة متبعة، لكان قياس من قرأ ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: 28] وافلتح في الماضي هو الأكثر، ولذلك أجمع عليه.
قال الفارسي: فتح النون في الماضي، وكسرها في المستقبل من أعلى اللغات، ويرجحُ قراءة «يَقْنَطُ» بالفتح قراءة أبي عمرو في بعض الروايات «فلا تكن من القنطين» كفَرِحشَ يفرح فهو فَرِحٌ.
والقُنُوط: شدَّة اليأسِ من الخَيرٍ، وحكى أبو عبيدة: «قَنُطَ» يَقْنُطُ بضمِّ النون.
قال ابن الخطيب: «وهذا يدلُّ على أنَّ» قَنَطَ «بفتح النون أكثر؛ لأن المضارع من» فَعَل «يجيء على» يَفْعِلُ ويَفْعُل «مثل: فَسقَ: ويَفْسُقُ، لا يجيء مضارع فَعَلَ على يَفْعَلُ» .
فصل
جواب إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حق؛ لأنَّ الفنوط من رحمة الله تعالى لا يحصل إلاَّ عند الجهل بأمور:
أحدها: أن يجهل كونه تعالى قادراً عليه.
وثانيها: أن يجهل كونه تعالى عالماً باحتياج ذلك العبد إليه.
وثالثها: أ، يحجهل كونه تعالى، منزّهاً عن البخل، والحاجة.
والجهل بكلِّ هذه الأمور سبب للضَّلالِ، القُنوط من رحمة الله كبيرة، كالأمن من مكرهِ.
قوله تعالى: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ﴾ الخطب: الشأن، والأمر، سألهم عمَّا لأجله أرسلهم الله تعالى.
فِإن قيل: إنَّ الملائكة لما بشَّروه بالولد الذَّكر العليمِ، كيف قال لهم بعد ذلك «فَمَا خَطْبُكمُ» ؟ .
فالجواب: قال الأصم: معناه: ما الذي وجتهم له سوى البُشْرَى؟ .
وقال القاضي: إنه علم أنه لو كان المقصود أيضاً البشارة، لكان الواحد من الملائكة كافياً، فلمَّا رأى جمعاً من الملائكة؛ علم أنَّ لهم غرضاً آخر سوى إيصال البشارة، فلا جرم قال: «فَما خَطْبكُمْ» ؟ .
قيل: إنَّهم قالوا: إنَّا نُبشِّركَ بغُلامٍ عَليم لإزالة الخوف، والوجل، ألا ترى أنّه لما قال: ﴿إنا منكم وجلون﴾ قالوا له: ﴿لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم﴾ ، فلو كان المقصود من المجيء هو البشارة؛ كانوا ذكروا البشارة في أوَّل دخولهم، فلمَّا لم يكن الأمر كذلك علم إبراهيم صلوات الله وسلام عليه أنَّ مجيئهم ما كان لمجرَّد البشارة، بل لغرض آخر فلا جرم سألهم عن ذلك الغرض، قال: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ مشركين، وإنَّما اقتصوار على هذا القدر، لعلم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بأنَّ الملائكة إذا أرسلوا إلى المجرمين، كان ذلك لأهلاكهم.
ويدل ع لى ذلك قوله: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قوله «إلا آل لُوطٍ» فيه وجهان: أحدهما: أنه استثناء متصل علىأنه مسثنى من الضمير المستكن في: «مُجرمِينَ» بمعنى أجرموا كلهم إلاَّ آل لوطٍ؛ فإنَّهم لم يجرموا، ويكون قولهم «إنَّا لمنجوهم» استئناف إخبار بنجاتهم، لكنهم لم يجرموا ولكن الإرسال حينئذ شاملاً للمجرمين ولآل لوط لإهلاك أولئك وأنجاء هؤلاء.
والثاني: أنه اسثناء منقطع؛ لأن آل لوط لم يندرجوا في المجرمين آلبتَّة.
قال أبو حيان: وإذا كان استثناء منقطعاً، فهو مما يجبُ فيه النصب؛ لأنه من الاستثناء الذي لا يمكن توجيه العامل إلى المستثنى منه؛ لأنهم لم يرسوال إليهم، إنما أرسلوا إلى القوم المجرمين خاصَّة، ويكون قوله: «إنَّ لمُنجَّوهُمْ» جَرَى مَجْرى خبر لكن في اتِّصاله ب «آل لوطٍ» ؛ لأن المعنى: لكنَّ آل لوط منجوهم، وقد زعم بعض النحويين في الاستثناء المنقطع المقدَّر بلكن، إذ لم يكن بعده ما يصحُّ أن يكون خبراً: أنَّ الخبر محذوف، وأنه في موضع رفع لجريان: «إلاَّ» ، وتقديرها ب «لَكِن» .
قال شهابُ الدِّين: «وفيه نظرٌ؛ لأن قوله لا يتوجه إليه العامل أيك لا يمكن، نحو: ضحك القوم إلا حمارهم، وصهلت الخيلُ إلا الإبل. أمَّا هذا، فيمكن الإرسال إليهم من غير منع، وأمَّا قوله: لأنهم لم يرسلوا إليهم فصحيح؛ لأنَّ حكم الاستثناء كلَّه هكذا، وهو أن يكون خارجاً عمَّا حكم به على الأوَّل، لكنَّه لو سلط عليه لصحَّ ذلك بخلاف ما تقدَّم من أمثلتهم» .
قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قرأ الأخوان: «لمُنْجُوهمْ» مخففاً؛ وكذلك خففا أيضاً فعل هذه الصيغة في قوله تعالى في العنكبوت ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: 32] ؛ وكذلك خففا أيضاً قوله فيها: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [العنكبوت: 33] فهما جاريتان على سننٍ واحدٍ.
وقد وافقهما ابن كثير، وأبو بكر على تخفيف: «مُنجوكَ» كأنهما جمعا بَيْنَ اللغتين، وباقي السبعة بتشديد الكل. والتخفيف والتشديد لغتان مشهورتان من: نَجَّى وأنْجى، وأنزلَ، ونزَّل، وقد نطق بفعلهما، قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ [العنكبوت: 65] وفي موضع ﴿أَنجَاهُمْ﴾ [يونس: 23] .
قوله: ﴿امرأته﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استثناء من «آل لُوطٍ» . قال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: «والاستنثاء إذا جاء عبد الاستثناء كان الاستثناء الثاني مضافاً إلى المبتدا كقولك:» لهُ عِندِي عشرةٌ إلا أربعة إلا درهماً «فإن الدرهم يستثنى من الأربعة، فهو مضاف إلى العشرة، فكأنك قلت: أحد عشرة إلاَّ أربعة، أوعشرة إلاَّ ثلاثة» .
والثاني: أنها مستثناةٌ من الضمير المجرور في قوله «لمُنَجوهمْ» .
وقد منع الزمخشري رحمهن الله الوجه الأول، وعيَّن الثاني فقال: «فإن قلت: قوله:» إلا امرأتهُ» مِمَّ استثني؟ وهل هو استثناء نم استثناء؟ .
قلت: مستثنى من الضمير المجرور في قوله: «لمُنَجُّوهم» ، وليس من الاستثناء في شيء؛ لأن الاستثناء م الاستثناء إنَّما يكون فيما اتَّحد الحكم فيه، وأن يقال: أهلكناهم إلا آل لوط إلا امرأتهُ، كما اتَّحد في قول المطلِّق: أنت طالقٌ ثلاثاً إلا اثنين إلا واحدة، وقول المقرّ: لفلان علي عشرة درارهم إلا ثلاثة إلا درهماً، اما الآية فقد اختلف الحكمان؛ لأنّ: «آل لوطٍ» متعلق ب» أرْسَلْنَا «أوة ب» مُجرمِينَ» ، و «إلاَّ امْرأتهُ» قد تعلَّق بقوله: «لمُنجوهم» فأنَّى يكون استثناء من استثناء» .
قال أبو حيَّان: ولما استسلف الزمخشري أنَّ «امرأتهُ» استثناء من الضمير في لمُنجُّوهم «أبى أن يكون استثناء من استثناء، ومن قال: إنه استثناء من استثناء، فيمكن [تصحيح قوله] بأحد وجهين:
أحدهما: أنه لما كان امرأته مستثنى من الضمير في» لمُنَجوهُم «، وهو عائدٌ على» آل لوطٍ «صار كأنَّه مستثنى من:» آل لوطٍ» ؛ لأنَّ المضمر هو الظاهر.
والوجه الآخر: أن قوله «إلاَّ آل لوطٍ» لمَّا حكم عليهم بغير الحكم الذي حكم به على قوم مجرمين، اقتضى ذلك نجاتهم فجاء قوله: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تأكيداً لمعنى الاستثناء، إذ المعنى: إلا آل لوط لم نرسل إليهم بالعذاب، وجاتهم مرتبة على [عدم] الإرسال إليهم بالعذاب، فصار نظير ذلك: قام القومُ إلاَّ زيداً لم يقم أو إلاَّ زيداً فإنه لم يقم، فهذه الجملة تأكيدٌ لما تضمَّنهُ الاستثناء من الحكم على ما بعد إلاَّ بضدِّ الحكم السَّابق على المستثنى منه، ف: «إلاَّ امْرَأتهُ» على هذا التدقير الذي قرَّرناه مستثنى من: «آلَ لُوطٍ» ؛ لأنَّ الاستثناء ممَّا جيء به للتَّأسيس أولى من الاستثناء ممَّا جيء به للتأكيد.
قوله «قدَّرْنَا» قرأ أبو بكر ههنا، وفي سورة النمل بتخفيف الدَّال، والباقون بتشديدها، وهما لغتان: قَدَّر، وقَدَر.
قوله: «إنَّها» كسرت من أجل اللاّم في خبرها، ولولا [لَفُتِحَتْ] ، وهي معلقة لما قبلها؛ لأنَّ فعل التقدير قد يعلق إجراء له مجرى العلم إمَّا لكونه بمعناه، وإمَّا لأنه مترتب عليه.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله: ﴿قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ ، والتعليق من خصائص أفعال القلوب؟ قلت: لتضمن فعل التقدير معنى العلم» .
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى «وكسرت» إِنَّها «إجراء لفعل التقدير مجرى العلم» .
وهذا لا يصحُّ علة لكسرها، إنَّما يصحُّ علةً لتعليقها الفعل قبلها.
فصل
معنى التقدير في اللغة: جعل الشيء على مقدار غيره، يقال: قدر هذا الشيثء بهذا، أي: اجعله على مقداره، وقدَّر الله سبحانه الأقوات، أي: جعلها على مقدار الكفاية، ثمَّ يفسر التقدير بالقضاء فيقال: قضى الله عليه، وقَدرَ عليه، أي: جعله على مقدار ما يكفي في الخير، والشر. وقيل: معنى: «قَدَّرْنَا» كتبنا. وقال الزجاج: دبرنا. فإن [قيل] لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله عزَّ وجلَّ؟
فالجواب: إنَّما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله، كما يقول خاصة الملك: دبرنا كذا [وأمرنا بكذا] ، والمدبر، والآمر هو الملك لا هم، وإنَّما يريدون بهذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك، فكذا هنا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ في موضع مفعول، التقدير: قضينا أنها تتخلف، وتبقى مع من يبقى حتَّى يهلك، فتلحق بالهالكين.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ المرسلون﴾ القصة لما بشروا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بالولد، وأخبروه بأنهم مرسلون بالعذاب إلى قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط عليه السلام، وإلى آله، وإنَّ لوطاً، وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة لله.
فقالوا: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ؛ لأنهم لما هجموا عليه؛ استنكرهم، وخاف من دخولهم لأجل شر يوصلونه إليه.
وقيل: خاف؛ لأنهم كانوا شبايا مرداً حسان الوجوه، فخاف أن يهجم قومه عليهم لطلبهم، فقال هذه الكلمة.
وقيل: إنَّ النكرة ضدّ المعرفة، فقوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ ، أي: لا أعرفكم، وأعرف أنكم من أي الأقوام، ولأي غرض دخلتم عليّ، فقال: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ .
قوله: ﴿بَلْ جِئْنَاكَ﴾ إضراب عن الكلام المحذوف، تقديره: ما جئناك بما ينكر، ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا [كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ] .
وقد تقدَّم الخلاف في قوله: «فأسْرِ» قعاً ووصلاً في هود: [81] .
وقرأ اليماني فيما نقل ابن عطية، وصاحب اللوامح: «فَسِرْ» من السير. وقرأت فرقة بفتح الطاء، وقد تقدَّم في يونس أنَّ الكسائي، وابن كثير قرآه بالسكون في قوله «قِطْعاً» والباقون بالفتح.
قوله: قالت الملاكئة ﴿بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يشكون أنه نازلٌ بهم، وهو العذاب؛ لأنه كان يوعدهم بالعذاب، فلا يصدقونه، ثمَّ أكدوا ذلك بقولهم: ﴿وَآتَيْنَاكَ بالحق﴾ قال الكلبيُّ: بالعذاب، [وقيل] باليقين والأمر الثابت الذي لا شك فيه وهو العذاب] ثم أكدوا هذه التَّأكيد بقولهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ .
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ والقِطْعُ والقَطع: آخر الليل؛ قال: [الخفيف]
3280 - افْتَحِي البَابَ وانظُرِي في النُّجُومِ ... كَم عليْنَا مِن قِطْعِ ليْلٍ بَهِيمِ
﴿واتبع أَدْبَارَهُمْ﴾ ، أي سر خلفهم ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ لئلا ترتاعوا من أمر عظيم فأنزل بهم من العذاب.
وقيل: معناه الإسراع، وترك الاهتمام لما خلف وراءه، كما يقول: امض لشأنك، ولا تعرج على شيءٍ.
وقيل: المعنى لو بقي [منه] متاعٌ في ذلك الموضع، فلا يرجعن بسببه ألبتَّة.
وقيل: جعل الكله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوطٍ.
﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يعني «الشَّام» .
وقال المفضل: حيث يقول لكم جبريل. وقال مقاتل: يعني زغر. وقيل: «الأرْدن» .
قوله: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ «حَيْثُ» على بابها من كونها ظرف مكان مبهمٍ، ولإبهامها تعدي إليها الفعل من غير واسطةٍ، على أنه قد جاء في الشِّعر تعديته إليها ب «في» كقوله: [الطويل]
3281 - فَأصْبحَ في حَيْثُ التَقيْنَا شَردُهمْ ... طَليقٌ ومكْتوفُ اليَديْنِ ومُزْعِفُ
وزعم بعضهم أنها هنا ظرف زمانٍ، مستدلاً بقوله: ﴿بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾ ثم قال ﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي: في ذلك الزَّمان.
وهو ضعيف، ولو كان كما قال، لكان التركيب وأمضوا حيث أمرتهم على أنه لو جاء التَّركيب كذا لم يكن فيه دلالة.
قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ﴾ ضمَّن القضاء معنى الإيجاء؛ فلذلك تعدَّى تعيدته «إلى» ، ومثله ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: 4] .
و «ذَلكَ الأمْرَ» «ذَلِكَ» مفعول القضاءِ، والإشارة به إلى ما وعد من إهلاكِ قومه، و «الأمْرَ» إمَّا بدلٌ منه، أو عطف بيانٍ له.
قوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ﴾ العامة على فتح «أنَّ» وفيها أوجه:
أحدها: أنها بدل من «ذَلِكَ» إذا قلنا: «الأمْرَ» عطف بيان.
الثاني: أنَّها بدلٌ من «الأمْرَ» سواء قلنا: إنه بيان أو بدل مما قبله.
الثالث: أنه على حذف الجار، أي: بأنَّ دابر، ففيه الخلاف المشهور.
وقرأ زيد بن علي، والأعمش بكسرها؛ لأنه بمعنى القول.
وعلَّله أبو حيان: بأنه لمَّا علق ما هو بمعنى العلم؛ كسر.
وفيه النظر المتقدم.
ويؤيِّد إضمار القول قراءة ابن مسعودٍ: وقلنا إنَّ دابر هؤلاء.
ودابرهم: آخرهم «مَقطوعٌ» مستأصل، يعني مستأصلون عن آخرهم؛ حتى لا يبقى منهم أحد «مُصْبحينَ» ، أي في حال ظهور الصبح، فهو حال من الضمير المستتر في: «مَقطُوعٌ» ، وإنَّما جمع حملاً على المعنى، وجعله الفرَّاء، وأبو عبيدة خبراً لكان المضمرة، قالا: تقديره: إذا كانوا مصبحين، نحو «أنْتَ مَاشِياً أحسنُ مِنْكَ رَاكِباً» .
وهو تكلفٌ، و «مُصْبحِينَ» داخلين في الصَّباحِ.
قوله: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ ، أي: مدينة لوط، يعني: «سدُوم» «يَسْتبشِرُونَ» حالٌ، أي: يستبشرون بأضياف لوطٍ، يبشر بعضهم بعضاً في ركوب الفاحشة منهم.
قيل: إنَّ الملائكة لما كانوا في غاية الحسن اشتهر خبرهم.
وقيل: أخبرتهم امرأة لوطٍ بذلك؛ فذهبوا إلى دارِ لوطٍ؛ طلباً منهم لأولئك المردِ.
فقال لهم لوط صلوات الله وسلامه عليه: «هَؤلاءِ ضَيْفِي» وحق على الرجل إكرام ضيفه، «فلا تَفْضحُونِ» فيهم.
يقال: فَضحَهُ يَفضحُه فَضْحاص، وفَضِيحَةً، إذا أظهر من أمره ما يلزمه به العار، والفَضِيحُ والفَضِيحةُ: البيان، والظُّهورُ، ومنه: فَضِيحَةُ الصُّبْحِ؛ قال الشاعر: [البسيط]
3282 - وَلاحَ ضَوءُ هِلالِ اللَّيْلِ يَفْضحُنَا ... مِثْلَ القُلامَةِ قَدْ قُصَّتْ مِنَ الظُّفُرِ
إلا أنَّ الفضحية اختصت بما هو عارٌ على الإنسان عند ظهوره.
ومعنى الآية: أن الضيف يجب إكرامه، فإذا قصدتموه بالسُّوءِ كان ذلك إهانة بي، ثمَّ أكد ذلك بقوله: ﴿واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ﴾ ولا تخجلون، فأجابوه بقولهم: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين﴾ ، أي: عن أن تضيِّف أحداً من العالمين.
وقيل: ألم ننهك أن تدخل الغرباء المدينة؛ فإنا نركبُ منه الفاحشة.
قوله: ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ يجوز فيه أوجه:
أحدها: أ، يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مفعولاً بفعل مقدرٍ، أي: تزوَّجُوا هؤلاء، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيانٌ.
الثاني: أن يكون ﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي﴾ مبتدأ وخبراً، ولا بدَّ من شيء محذوف تتمُّ به الفائدة، أي: فتزوَّجُوهنَّ.
الثالث: أن يكون «هَولاءِ» مبتدأ، و «بَناتِي» بدلٌ، أو بيان والخبر محذوف، أي: هُنَّ أطهر لكم كما جاء في نظيرتها.
وتقدَّم الكلام على هذه المعاني في هود.
قوله ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مبتدأ محذوف الخبر وجوباً، ومثله: لايْمُن الله، و «إنَّهُمْ» ، وما في حيزه جواب القسم، تقديره: لعمرك قسمي، أو يميني إنهم، والعُمُرُ والعَمْر بالفتح والضم هو البقاء، إلا أنَّهم التزموا الفتح في القسم.
قال الزجاج: لأنه اخفُّ عليهم، وهم يكثرون القسم ب «لعَمْرِي ولعَمْرُكَ» .
وله أحكام كثيرة:
منها: أنه متى اقترن بلام الابتداء؛ ألزم فيه الرفع بالابتداء، وحذف خبره لسد جواب القسم مسدَّه.
ومنها: أنه يصير صريحاً في القسم، أي: يتعيَّن فيه، بخلاف غيره نحو: عَهْدُ اللهِ ومِثَاقُه.
ومنها: أنه يلزم فتح عينه.
فإن لم يقترن به لام الابتداء، جاز نصبه بفعلٍ مقدرٍ، نحو: عَمْرُ اللهِ لأفعلنَّ، ويجوز حينئذٍ في الجلالة وجهان:
النَّصبُ والرفع فالنصب على أنه مصدرٌ مضاف لفاعله، وفي ذلك معنيان:
أحدهما: أن الأصل: أسألك بعمرك الله، أي: بوصفك الله تعالى بالبقاء، ثم حذف زوائد المصدر.
والثاني: أن المعنى: بعبادتك الله، والعَمْرُ: العِبادةُ.
حكى ابن الأعرابي: إنِّي عمرتُ ربِّي، أي: عبدته، وفلان عامر لربِّه، أي: عابده.
وأمَّا الرفع: فعلى أنه مضاف لمفعوله.
قال الفارسي رَحِمَهُ اللَّهُ: معناه [عَمَّرك] الله تعميراً، وقال الأخفش: أصله: أسْألك بِيُعمرك الله، فحذف زوائد المصدر، والفعل، والياء، فانتصب، وجاز أيضاً ذكر خبره، فتقول: عمرك قسمي لأقومن، وجاز أيضاً ضمُّ عينه، وينشد بالوجهين قوله: [الخفيف]
3283 - أيُّهَا المُنْكِحُ الثُريَّا سُهَيلاً ... عَمركَ الله كيْفَ يَلتقِيَانِ
هِيَ شَامِيَّةٌ إذَا ما استقلَّتْ ... وسُهَيْلٌ إذا اسْتقل يَمانِي
ويجوز دخول باء الجر عليه؛ نحو: بعمرك لأفعلنَّ؛ قال: [الوافر]
3284 - رُقيَّ بِعمْرِكُم لا تَهْجُرينَا ... ومَنِّينَا المُنَى ثُمَّ امْطُلينا
وهو من الأسماء اللازمة للإضافة، فلا يقطع عنها، ويضاف لكل شيء، وزعم بعضهم: أنه لا يضاف إلى الله تعالى.
قيل: كان هذا يوهم أنه لا يستعمل إلا شفي الانقطاع، وقد سمع إضافته للباري تعالى. قال الشاعر: [الوافر]
3285 - إذَا رَضِيَتْ عليَّ بَنُو قُشيْرٍ ... لعَمْرُ الله أعْجَبنِي رِضَاهَا
ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلِّم، قال لأنه حلف بحياة المقسم، وقد ورد ذلك، قال النابغة: [الطويل] 3286 - لعَمْرِي وما عمْرِي عليَّ بِهيِّنٍ ... لقد نَطقَتْ بُطلاً عليَّ الأقَارعُ
وقد قلبته العرب لتقديم رائه على لامه، فقالوا: وعملي، وهي رديئة.
«إنَّهُمْ» العامة على كسر «إنَّ» لوقوع اللام في خبرها، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي له «أنَّ» فتحها، وتخريجها على زيادة اللام، وهي كقراءة ابن جبيرٍ (ألا أنهم ليأكلون الطعام] بالفتح.
وقرأ الأعمش: «سَكْرهُمْ» بغير تاء، وابن أبي عبلة «سَكرَاتهِمِ» جمعاً، والأشهب: «سُكْرتِهِم» بضم السين.
و «يَعْمَهُونَ» حال إمَّا من الضمير المستكن في الجار، وإمَّا من الضمير المجرور بالإضافة، والعامل إمَّا نفس سكرة، لأنَّها مصدر، وإمَّا معنى الإضافة.
فصل
قيل: إن الملائكة عليهم السلام قالت للوطٍ صلوات الله وسلامه عليه «لعَمُركَ إنَّهم لَفِي سَكرتِهمْ يَعْمَهُونَ» : يتحيَّرون.
وقال قتادة: يلعبون فكيف يعقلون قولك ويتلفتون إلى نصيحتك؟ .
وقيل: إنَّ الخطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإنَّه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحدٍ.
روى أبو الجوزاء عن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قال ما خلقَ الله نفساً أكرم على الله من محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وما أقْسمَ بحياةِ أحدٍ إلاَّ بحياتهِ.
قال ابن العربي: قال المفسرون بإجماعهم: أقسم الله تعالى ها هنا بحياةِ محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تشريفاً له، أنَّ قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حريتهم يترددون، وقال القاضي عياضٌ: اتفق أهل التفسير في هذا: أنَّه قسم من الله تعالى بمدة حياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصله ضمُّ العين من العمر، ولكنها فتحت بكثرة.
قال ابن العربي: ما الذي يمنعُ أن يقسم الله تعالى بحياة لوطٍ، ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكلُّ ما يعيطه الله للوطٍ من فضل، يعطي ضعفه لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ لأنَّه أكرم على الله منه؛ أو لات تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلَّة، وموسى التكليم، وأعطلى ذلك لمحمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإذا أقسم بحياة لوطٍ، فحياة محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرفعُ، ولا يخرج من كلام إلى كلام لم يجر له ذكرٌ لغير ضرورةٍ.
قال القرطبيُّ: ما قاله حسنٌ، فإنَّه كان يكون قسمة سبحانه بحياة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، كلاماً معترضاً في قصَّة لوط.
قال القشيريُّ: يحتمل أن يرجع ذلك إلى قوم لوطٍ؛ أي كانوا في سكرتهم يعمهون، أي لمَّا وعظ لوطٌ قومه وقال: هؤلاء بناتي، قالت الملائكة: يا لوط لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون، ولا يدرون ما يحلُّ بهم صباحاً.
فإن قيل: فقد أقسم الله تعالى بالتِّين، والزَّيتونِ، وطور سنين، وما في هذا من الفضل؟ قيل له: ما من شيء أقسم الله به، إلاّ وفي ذلك دلالة على فضل على ما يدخل في عداده، فكذلك محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
ثم قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة﴾ ، ولم يذكر في الآية صيحة من هي فإن ثبت بدليل قوي أن تلك صيحة جبريل قيل به وإلا فليس في الآية دليلٌ على أنه جاءتهم صيحة مهلكة.
قوله «مُشْرقينَ» «حال من مفعول» أخَذتْهُمْ» ، أي داخلين في الشروق، أي: بزوغِ الشَّمسِ.
يقال: شَرَق الشارق يَشْرُق شُرُوقاً لكل ما طلع من جانب الشرع، ومنه قوله: ما ذرَّ شَارِقٌ، أي طلع طَالعٌ فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا وتمامه حين أشرقوا.
والضمير في: «عَاليهَا وسَافِلهَا» للمدينة. وقال الزمخشريُّ: «لقرى لقوم لوط» .
ورجح الأول بأنه تقدَّم ذكر المدينة في قوله ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة﴾ فعاد الضمير إليها بخلاف الثاني، فإنه لم يتقدَّم لفظ القرى.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً﴾ تقدم الكلام على ذلك كله في هود: [82] .
قوله ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ متعلق بمحذوف على أنه صفة ل» آيَاتٌ «وأجود أن يتعلق بنفس» آيَاتٌ» ؛ لأنَّها بمعنى العلامات.
والتوسُّم: تفعل من الوسم، والوسمُ أصله: التَّثبت، والتَّفكر مأخوذ من الوسمِ، وهو التَّأثير بحديد في جلد البعير، أو غيره.
وقال ثعلب: الوَاسِمُ النَّاظر إليك من [قرنك] إلى قدمك، وفيه معنى التَّثبيت.
وقال الزجاج: حقيقة المتوسِّمين في اللغة: المثبتون في نظرهم حتَّى يعرفوا سمة الشيء، وصفته وعلامته وهو استقصاءُ وجوه التَّعرف قال: [الكامل]
3287 - أوَ كُلما وردَتْ عُكاظَ قَبيلَةٌ ... بَعَثَتْ إليَّ عَريفَهَا يَتوسَّم
وقيل: هو تفعُّل من الوسمِ، وهو العلامة، توسَّمتُ فيك خيراً، أي: ظهر لي مِيسَمُهُ عليك.
قال ابن رواحة يمدحُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: [البسيط]
3288 - إنِّي تَوسَّمْتُ فِيكَ الخَيرَ أعْرفهُ ... واللهُ يَعْلمُ أنِّي ثَابتُ البَصرِ
وقال آخر: [الطويل]
3289 - تَوسَّمْتهُ لمَّا رَأيْتُ مَهَابَةٌ ... عَليْهِ، وقُلْتُ المَرْءُ مِنْ آلِ هَاشمِ
ويقال: اتَّسمَ الرَّجلُ، إذا اتَّخذَ لِنفْسِه عَلامةً يُعرف بِهَا، وتوسَّم: إذا طلبَ كلأ الوسمي، أي: العُشْبَ النَّابت في أوَّل المطر.
واختلف المفسِّرون: فقال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما للنَّاظرين.
وقال مجاهدٌ للمتفرِّسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتلٌ للمتفكرين.
قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ الظاهر عود الضمير على المدينة، أو القرى وقيل على الحجارة وقيل: على الآيات، والمعنى: بطريقٍ قال مجاهد هذا طريق معلم، وليس بخفيّ، ولا زائلٍ.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ، إي: كل من آمن بالله، ويصدق بالأنبياء، والرُّسلِ صلوات الله وسلامه عليهم؛ عرف أنَّما كان انتقامُ الله من الجُهَّال لأجل مخالفتهم، وأمَّا الذين لا يؤمنون؛ فيحملونه على حوادث [العالم] ، وحصول القرانات الكوكبية، والاتصالات الفلكية.