Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الإسراء 17:73 – الإسراء 17:108

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. الإسراء 17:73
  2. الإسراء 17:74
  3. الإسراء 17:75
  4. الإسراء 17:76
  5. الإسراء 17:77
  6. الإسراء 17:78
  7. الإسراء 17:79
  8. الإسراء 17:80
  9. الإسراء 17:81
  10. الإسراء 17:82
  11. الإسراء 17:83
  12. الإسراء 17:84
  13. الإسراء 17:85
  14. الإسراء 17:86
  15. الإسراء 17:87
  16. الإسراء 17:88
  17. الإسراء 17:89
  18. الإسراء 17:90
  19. الإسراء 17:91
  20. الإسراء 17:92
  21. الإسراء 17:93
  22. الإسراء 17:94
  23. الإسراء 17:95
  24. الإسراء 17:96
  25. الإسراء 17:97
  26. الإسراء 17:98
  27. الإسراء 17:99
  28. الإسراء 17:100
  29. الإسراء 17:101
  30. الإسراء 17:102
  31. الإسراء 17:103
  32. الإسراء 17:104
  33. الإسراء 17:105
  34. الإسراء 17:106
  35. الإسراء 17:107
  36. الإسراء 17:108

الإسراء 17:73

لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على خلقه، وأتبعها بذكر درجاتِ الخلق في الآخرة، أردفه بما يجري مجرى تحذير الناس عن الاغترار بوساوس أرباب الضلال والانخداع بكلماتهم المشتملة على المكرِ والتَّلبِيس، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ . روى عطاءٌ عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في وفد ثقيفٍ أتوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصالٍ، قال: وما هُنَّ؟ قالوا: ألاَّ نَحني في الصَّلاة أيْ لا نَنْحَنِي ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تُمتِّعنا باللاَّت سنة، من غير أن نعبدها، فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا خَيْرَ في دينِ لا رُكوعَ فيه ولا سُجودَ، وأمّا أن تَكسِرُوا أصْنامَكُم بأيْدِيكُمْ فذلك لَكُم، وأمَّا الطَّاغيةُ يعني اللاَّت فإنَّني غير ممتِّعكُمْ بها» وفي رواية: «وحرِّم وادينا، كما حرَّمت مكَّة شَجرهَا، وطَيْرهَا، ووَحْشهَا، فأبى ذلكَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولَمْ يُجبْهُم، فقالوا: يا رسول الله إنَّا نُحِبُّ أنْ تَسْمعَ العربُ أنَّك أعْطَيتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ غَيْرنَا، وإنّي خَشِيتُ أن تقُول العربُ: أعْطَيتَهُم ما لَمْ تُعْطِنا، فقل: الله أمَرنِي بذلكَ، فَسكتَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فطمع القومُ في سُكوتهِ أنْ يُعْطِيَهُمْ، فَصاحَ عليهم عليٌّ وعمرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - وقالوا: أما تَروْنَ أنَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَدْ أمْسََ عَنِ الكلامِ؛ كَراهِيَةً لما تَذْكرُونَه، فأنْزلَ الله تعالى هذه الآية» . وقال سعيد بن جبيرٍ: كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يستلم الحجر الأسود، فمنعته قريشٌ، وقالوا: لا نَدعُكَ، حتَّى تلم بآلهتنا وتمسَّها، فحدَّث نفسه؛ ما عليَّ إذا فعلتُ ذلك، والله يعلم أنِّي لها كارهٌ، بعد أن يدعوني، حتَّى أستلمَ الحجر، فأنزل الله هذه. وروى الزمخشريُّ أنَّهم جاءُوا بكتابهم، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كِتَابٌ مِنْ محمَّد رسول الله إلى ثقيفٍ: لا يعشرون، ولا يحشرون، فسكت رسُول الله، ثم قالوا للكاتب: اكْتُبْ ولا يُجْبَون والكَاتبُ ينظرُ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقامَ عمر بن الخطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وسلَّ سيفه، وقال: أسعرتم قَلْبَ نَبيِّنا يا ثقيفُ، أسْعَر الله قُلوبَكُمْ ناراً، فقالوا: لَسْنَا نُكلِّمُك، إنَّما نكلِّم محمداً، فنزلت الآية، وهذه القصَّة إنما وقعت بالمدينة؛ فلهذا قيل: إنَّ هذه الآيات مدنيةٌ. وروي أنَّ قريشاً قالت: اجْعَلْ آية رحمةٍ آية عذابٍ، وآية عذابٍ ىية رحمة؛ حتَّى نُؤمِنَ بك، فنزلت الآية. قال القفال: ويمكن تأويل الآية من غير تقييد بسبب يضاف إلى نزولها فيه؛ لأنَّ من المعلوم أنَّ المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: 1، 2] . ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9] . وعرضوا عليه الأموال الكثيرة، والنِّسوان الجميلة؛ ليترك غدِّعاء النبوة، فأنزل الله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ [طه: 131] . ودعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: 52] . ودعوه إلى طرد الذين يدعون ربَّهم، فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت في هذا الباب، وذلك أنَّهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه، وأن يزيلوه عن منهجه، فبيَّن الله - تعالى - أنَّه يثبته على الدِّين القويمِ، والمنهج المستقيم، وعلى هذا الطريق، فلا حاجة في تفسير هذه الآيات إلى شيءٍ من تلك الرِّوايات. قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ : «إنْ» هذه فيها لمذهبان المشهوران: مذهب البصريين: أنها مخففة، واللام فارقة بينها وبين طإن «النافية، ولهذا دخلت على فعلٍ ناسخٍ، ومذهب الكوفيين أنها بمعنى» ما «النافية، واللام بمعنى» إلاَّ «وضمِّن» يَفْتِنُونَكَ «معنى» يَصْرفُونكَ «فلهذا عدِّي ب» عَنْ «تقديره: ليصرفونك بفتتنتهم، و» لِتَفْترِي «متعلق بالفتنة. قوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ﴾ » إذَنْ «حرف جواب وجزاء؛ ولهذا تقع أداةُ الشرط موقعها، و» لاتَّخذُوكَ «جواب قسمٍ محذوفٍ، تقديره: إذن، والله لاتخذوك، وهو مستقبل في المعنى؛ لأنَّ» إذَنْ «تقتضي الاستقبال؛ إذ معناها المجازاة، وهو كقوله: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ﴾ [الروم: 51] أي: ليظلنَّ، وقول الزمخشريِّ:» أي: ولو اتَّبعتَ مرادهم، لاتَّخذوكَ «تفسير معنى، لا إعرابٍ، لا يريد بذلك أنَّ» لاتَّخَذُوك «جوابٌ ل» لو «محذوفة؛ إذ لا حاجة إليه. فصل في معنى الآية قال الزجاج: معنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت» إنْ «و» اللام» للتأكيد، و «إنْ» مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والمعنى: الشَّأن أنَّهم قاربوا أن يفتنوك، أي: يخدعوك فاتنين، وأصل الفتنة: الاختبار. يقال: فتن الصَّائغُ الذَّهب، إذا أدخلهُ النَّار، وأذابهُ؛ ليميِّز جيِّده من رديِّيه، ثم استعمل في كلِّ ما أزال الشيء عن حدِّه وجهته، فقالوا: فتنة، فقوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ . أي: يزيلونك، ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك، وهو القرآن، أي: عن حكمه؛ وذلك لأنَّ في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن. وقوله: ﴿لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ أي غير ما أوحينا إليك، وقوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ أي لو فعلت ذلك ما أرادوا لاتخذوك خليلا، وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم وراضٍ بشركهم، ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ يعني على الحق، بعصمتنا إياك ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ أي تميل إليهم شيئاً قليلاً. قرأ العامة بفتح كاد تركن مضارع رَكِن بالكسر، وقتادة، وابن مصرف، وابن أبي إسحاق «تَرْكُن» بالضم مضارع «رَكَن» بالفتح، وهذا من التداخل، وقد تقدم تحقيقه في أواخر «هود» و «شيئاً» منصوب على المصدر، وصفته محذوفة، أي شيئاً قليلاً من الركون، أو ركوناً قليلاً. قال ابن عباس: يريد حيث سكوتك عن جوابهم. قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» . ثم توعد في ذلك أشد التوعد، فقال: ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة﴾ أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف حقيقة هذا الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة، وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان عذاب في الممات، وهو عذاب القبر وعذاب في الحياة الآخرة، وهو عذاب النار، والضعف يوصف به نحو قوله تعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النار﴾ [الأعراف: 38] يعني عذاباً مضاعفاً، فكان أصل الكلام: لأذقناك عذاباً ضعفاً عذاباً ضعفاً في الحياة، وعذاباً ضعفاً في الممات ثم حذف الموصوف، فأثبت الصفة مقامه وو الضعف، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف، فقيل: ضعف الحياة، وضعف الممات، لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله: ﴿مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النار﴾ [ص: 61] وحاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك، وعقدت على الركون إليه لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا وفي الآخرة، وصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة، والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله في حق الأنبياء عليهم السلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم، وكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر، ونظيره قوله تعالى: {يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] . فإن قيل: قال عليه السلام: «من سن سنة سيئة فعلية وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فموجب هذا الحديث أنه عليه السلام لو عمل بما قالوه، لكان وزره مثل وزر كل واحد من أولئك الكفار، وعلى هذا التقدير فكان عقابه زائداً على الضعف. فالجواب: إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه إلا بالبناء على دليل الخطاب، وهو دليل ضعيف، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ يعني: إذا أذقناك العذاب المضاعف لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا. فإن قيل: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ معصوماً، فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه، وما طلبوه كفر؟ . قيل: كان ذلك خاطر قلب لم يكن عزماً، وقد عفا الله عَزَّ وَجَلَّ عن حديث النفس. والجواب الصحيح هو أن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ . وقد ثبته الله، فلم يركن إليهم، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان﴾ [النساء: 83] وقد تفضل فلم يتبعوا. فصل احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء - عليهم السلام - بهذه الآية، فقالوا: هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم منهم من وجوه: الأول: أن الآية دلت على أنه - عليه السلام - قرب من أن يفتري على الله الكذب، وذلك من أعظم الذنوب. الثاني: تدلُّ على أنَّه لولا أنَّ الله - تعالى - ثبَّته وعمه؛ لقرب من أن يركن إلى دينهم. الثالث: لولا أنَّه سبق جرمٍ وجناية، وإلاَّ فلا حاجة إلى ذكر هذا الوعيد الشَّديد. والجواب عن الأوَّل: أنَّ «كاد» معناه المقاربة، أي: أنه قرب وقوعه في الفتنة، وهذا لا يدلُّ على الوقوع في تلك الفتنة، بل يدلُّ على عدم الوقوع؛ كقولك: «كادَ الأميرُ أن يَضْربَ فُلاناً» لا يدلُّ على أنَّه ضربه. والجواب عن الثاني: أنَّ «لَوْلاَ» تفيد انتفاء الشيء؛ لثبوت غيره؛ تقول: لولا عليٌّ، لهلك مرٌو؛ إذ وجود عليٍّ منع من حصول الهلاك لعمرو، فكذلك ها هنا. فقوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ . معناه: أنَّه لولا حصل تثبيتُ الله لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فكان حصول ذلك التَّثْبِيت معانعاً من حصول ذلك الرُّكون. والجواب عن الثالث: أنَّ التهديد على المعصية لا يدلُّ على الإقدام عليها؛ لقوله - تعالى - ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ [الحاقة: 44 - 46] . وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] . وقوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: 1] . فصل في ألا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله تعالى احتجَّ أهلُ السنة على أنه لا عصمة من المعاصي إلاَّ بتوفيقِ الله تعالى؛ بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ الآية، فبيَّن أنَّه لولا تثبيت الله تعالى له، لمال إلى طريقةِ الكفَّار، ولا شكَّ أنَّ محمَّداً - صلوات الله وسلامه عليه - كان أقوى من غيره في قوة الدِّين، وصفاء القلب واليقين، فلما بيَّن الله تعالى له أنَّ بقاءهُ معصوماً عن الكفر والضلال، لم يحصل إلاَّ بإعانة الله تعالى وتوفيقه، كان حصول هذا المعنى في حقِّ غيره أولى. قالت المعتزلة: المراد بهذا التَّثبيتِ: الألطاف الصَّارفة عن ذلك، وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده، ومن ذكر أنَّ كونه نبيًّا من عند الله يمنع من ذلك. والجواب: لا شكَّ أنَّ التثبيت عبارة عن فعل فعلهُ الله تعالى، يمنع الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - من ذلك الوقوع في ذلك المحذور، فنقول: لم يوجد المقتضي للإقدام على ذلك العمل المحذور في حقِّ الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ملا كان لإيجاد هذا المنع حاجةٌ، وحيث وقعت الحاجة إلى تحصيل هذا المانع علمنا أنَّ ذلك المقتضي قد حصل في حقِّ الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - وأنَّ هذا المانع الذي فعله الله تعالى لمنع ذلك المقتضي من العمل، وهذا لا يتمُّ إلاَّ إذا قلنا: إنَّ القدرة مع الدَّاعي توجب الفعل، فإذا حصلت داعية أخرى معارضةٌ للداعي الأوَّل، اختلَّ المؤثِّر، فامتنع الفعل، ونحن لا نريدُ إلاَّ إثبات هذا المعنى.

الإسراء 17:74

لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على خلقه، وأتبعها بذكر درجاتِ الخلق في الآخرة، أردفه بما يجري مجرى تحذير الناس عن الاغترار بوساوس أرباب الضلال والانخداع بكلماتهم المشتملة على المكرِ والتَّلبِيس، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ . روى عطاءٌ عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في وفد ثقيفٍ أتوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصالٍ، قال: وما هُنَّ؟ قالوا: ألاَّ نَحني في الصَّلاة أيْ لا نَنْحَنِي ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تُمتِّعنا باللاَّت سنة، من غير أن نعبدها، فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا خَيْرَ في دينِ لا رُكوعَ فيه ولا سُجودَ، وأمّا أن تَكسِرُوا أصْنامَكُم بأيْدِيكُمْ فذلك لَكُم، وأمَّا الطَّاغيةُ يعني اللاَّت فإنَّني غير ممتِّعكُمْ بها» وفي رواية: «وحرِّم وادينا، كما حرَّمت مكَّة شَجرهَا، وطَيْرهَا، ووَحْشهَا، فأبى ذلكَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولَمْ يُجبْهُم، فقالوا: يا رسول الله إنَّا نُحِبُّ أنْ تَسْمعَ العربُ أنَّك أعْطَيتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ غَيْرنَا، وإنّي خَشِيتُ أن تقُول العربُ: أعْطَيتَهُم ما لَمْ تُعْطِنا، فقل: الله أمَرنِي بذلكَ، فَسكتَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فطمع القومُ في سُكوتهِ أنْ يُعْطِيَهُمْ، فَصاحَ عليهم عليٌّ وعمرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - وقالوا: أما تَروْنَ أنَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَدْ أمْسََ عَنِ الكلامِ؛ كَراهِيَةً لما تَذْكرُونَه، فأنْزلَ الله تعالى هذه الآية» . وقال سعيد بن جبيرٍ: كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يستلم الحجر الأسود، فمنعته قريشٌ، وقالوا: لا نَدعُكَ، حتَّى تلم بآلهتنا وتمسَّها، فحدَّث نفسه؛ ما عليَّ إذا فعلتُ ذلك، والله يعلم أنِّي لها كارهٌ، بعد أن يدعوني، حتَّى أستلمَ الحجر، فأنزل الله هذه. وروى الزمخشريُّ أنَّهم جاءُوا بكتابهم، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كِتَابٌ مِنْ محمَّد رسول الله إلى ثقيفٍ: لا يعشرون، ولا يحشرون، فسكت رسُول الله، ثم قالوا للكاتب: اكْتُبْ ولا يُجْبَون والكَاتبُ ينظرُ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقامَ عمر بن الخطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وسلَّ سيفه، وقال: أسعرتم قَلْبَ نَبيِّنا يا ثقيفُ، أسْعَر الله قُلوبَكُمْ ناراً، فقالوا: لَسْنَا نُكلِّمُك، إنَّما نكلِّم محمداً، فنزلت الآية، وهذه القصَّة إنما وقعت بالمدينة؛ فلهذا قيل: إنَّ هذه الآيات مدنيةٌ. وروي أنَّ قريشاً قالت: اجْعَلْ آية رحمةٍ آية عذابٍ، وآية عذابٍ ىية رحمة؛ حتَّى نُؤمِنَ بك، فنزلت الآية. قال القفال: ويمكن تأويل الآية من غير تقييد بسبب يضاف إلى نزولها فيه؛ لأنَّ من المعلوم أنَّ المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: 1، 2] . ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9] . وعرضوا عليه الأموال الكثيرة، والنِّسوان الجميلة؛ ليترك غدِّعاء النبوة، فأنزل الله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ [طه: 131] . ودعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: 52] . ودعوه إلى طرد الذين يدعون ربَّهم، فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت في هذا الباب، وذلك أنَّهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه، وأن يزيلوه عن منهجه، فبيَّن الله - تعالى - أنَّه يثبته على الدِّين القويمِ، والمنهج المستقيم، وعلى هذا الطريق، فلا حاجة في تفسير هذه الآيات إلى شيءٍ من تلك الرِّوايات. قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ : «إنْ» هذه فيها لمذهبان المشهوران: مذهب البصريين: أنها مخففة، واللام فارقة بينها وبين طإن «النافية، ولهذا دخلت على فعلٍ ناسخٍ، ومذهب الكوفيين أنها بمعنى» ما «النافية، واللام بمعنى» إلاَّ «وضمِّن» يَفْتِنُونَكَ «معنى» يَصْرفُونكَ «فلهذا عدِّي ب» عَنْ «تقديره: ليصرفونك بفتتنتهم، و» لِتَفْترِي «متعلق بالفتنة. قوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ﴾ » إذَنْ «حرف جواب وجزاء؛ ولهذا تقع أداةُ الشرط موقعها، و» لاتَّخذُوكَ «جواب قسمٍ محذوفٍ، تقديره: إذن، والله لاتخذوك، وهو مستقبل في المعنى؛ لأنَّ» إذَنْ «تقتضي الاستقبال؛ إذ معناها المجازاة، وهو كقوله: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ﴾ [الروم: 51] أي: ليظلنَّ، وقول الزمخشريِّ:» أي: ولو اتَّبعتَ مرادهم، لاتَّخذوكَ «تفسير معنى، لا إعرابٍ، لا يريد بذلك أنَّ» لاتَّخَذُوك «جوابٌ ل» لو «محذوفة؛ إذ لا حاجة إليه. فصل في معنى الآية قال الزجاج: معنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت» إنْ «و» اللام» للتأكيد، و «إنْ» مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والمعنى: الشَّأن أنَّهم قاربوا أن يفتنوك، أي: يخدعوك فاتنين، وأصل الفتنة: الاختبار. يقال: فتن الصَّائغُ الذَّهب، إذا أدخلهُ النَّار، وأذابهُ؛ ليميِّز جيِّده من رديِّيه، ثم استعمل في كلِّ ما أزال الشيء عن حدِّه وجهته، فقالوا: فتنة، فقوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ . أي: يزيلونك، ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك، وهو القرآن، أي: عن حكمه؛ وذلك لأنَّ في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن. وقوله: ﴿لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ أي غير ما أوحينا إليك، وقوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ أي لو فعلت ذلك ما أرادوا لاتخذوك خليلا، وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم وراضٍ بشركهم، ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ يعني على الحق، بعصمتنا إياك ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ أي تميل إليهم شيئاً قليلاً. قرأ العامة بفتح كاد تركن مضارع رَكِن بالكسر، وقتادة، وابن مصرف، وابن أبي إسحاق «تَرْكُن» بالضم مضارع «رَكَن» بالفتح، وهذا من التداخل، وقد تقدم تحقيقه في أواخر «هود» و «شيئاً» منصوب على المصدر، وصفته محذوفة، أي شيئاً قليلاً من الركون، أو ركوناً قليلاً. قال ابن عباس: يريد حيث سكوتك عن جوابهم. قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» . ثم توعد في ذلك أشد التوعد، فقال: ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة﴾ أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف حقيقة هذا الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة، وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان عذاب في الممات، وهو عذاب القبر وعذاب في الحياة الآخرة، وهو عذاب النار، والضعف يوصف به نحو قوله تعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النار﴾ [الأعراف: 38] يعني عذاباً مضاعفاً، فكان أصل الكلام: لأذقناك عذاباً ضعفاً عذاباً ضعفاً في الحياة، وعذاباً ضعفاً في الممات ثم حذف الموصوف، فأثبت الصفة مقامه وو الضعف، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف، فقيل: ضعف الحياة، وضعف الممات، لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله: ﴿مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النار﴾ [ص: 61] وحاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك، وعقدت على الركون إليه لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا وفي الآخرة، وصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة، والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله في حق الأنبياء عليهم السلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم، وكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر، ونظيره قوله تعالى: {يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] . فإن قيل: قال عليه السلام: «من سن سنة سيئة فعلية وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فموجب هذا الحديث أنه عليه السلام لو عمل بما قالوه، لكان وزره مثل وزر كل واحد من أولئك الكفار، وعلى هذا التقدير فكان عقابه زائداً على الضعف. فالجواب: إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه إلا بالبناء على دليل الخطاب، وهو دليل ضعيف، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ يعني: إذا أذقناك العذاب المضاعف لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا. فإن قيل: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ معصوماً، فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه، وما طلبوه كفر؟ . قيل: كان ذلك خاطر قلب لم يكن عزماً، وقد عفا الله عَزَّ وَجَلَّ عن حديث النفس. والجواب الصحيح هو أن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ . وقد ثبته الله، فلم يركن إليهم، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان﴾ [النساء: 83] وقد تفضل فلم يتبعوا. فصل احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء - عليهم السلام - بهذه الآية، فقالوا: هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم منهم من وجوه: الأول: أن الآية دلت على أنه - عليه السلام - قرب من أن يفتري على الله الكذب، وذلك من أعظم الذنوب. الثاني: تدلُّ على أنَّه لولا أنَّ الله - تعالى - ثبَّته وعمه؛ لقرب من أن يركن إلى دينهم. الثالث: لولا أنَّه سبق جرمٍ وجناية، وإلاَّ فلا حاجة إلى ذكر هذا الوعيد الشَّديد. والجواب عن الأوَّل: أنَّ «كاد» معناه المقاربة، أي: أنه قرب وقوعه في الفتنة، وهذا لا يدلُّ على الوقوع في تلك الفتنة، بل يدلُّ على عدم الوقوع؛ كقولك: «كادَ الأميرُ أن يَضْربَ فُلاناً» لا يدلُّ على أنَّه ضربه. والجواب عن الثاني: أنَّ «لَوْلاَ» تفيد انتفاء الشيء؛ لثبوت غيره؛ تقول: لولا عليٌّ، لهلك مرٌو؛ إذ وجود عليٍّ منع من حصول الهلاك لعمرو، فكذلك ها هنا. فقوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ . معناه: أنَّه لولا حصل تثبيتُ الله لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فكان حصول ذلك التَّثْبِيت معانعاً من حصول ذلك الرُّكون. والجواب عن الثالث: أنَّ التهديد على المعصية لا يدلُّ على الإقدام عليها؛ لقوله - تعالى - ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ [الحاقة: 44 - 46] . وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] . وقوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: 1] . فصل في ألا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله تعالى احتجَّ أهلُ السنة على أنه لا عصمة من المعاصي إلاَّ بتوفيقِ الله تعالى؛ بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ الآية، فبيَّن أنَّه لولا تثبيت الله تعالى له، لمال إلى طريقةِ الكفَّار، ولا شكَّ أنَّ محمَّداً - صلوات الله وسلامه عليه - كان أقوى من غيره في قوة الدِّين، وصفاء القلب واليقين، فلما بيَّن الله تعالى له أنَّ بقاءهُ معصوماً عن الكفر والضلال، لم يحصل إلاَّ بإعانة الله تعالى وتوفيقه، كان حصول هذا المعنى في حقِّ غيره أولى. قالت المعتزلة: المراد بهذا التَّثبيتِ: الألطاف الصَّارفة عن ذلك، وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده، ومن ذكر أنَّ كونه نبيًّا من عند الله يمنع من ذلك. والجواب: لا شكَّ أنَّ التثبيت عبارة عن فعل فعلهُ الله تعالى، يمنع الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - من ذلك الوقوع في ذلك المحذور، فنقول: لم يوجد المقتضي للإقدام على ذلك العمل المحذور في حقِّ الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ملا كان لإيجاد هذا المنع حاجةٌ، وحيث وقعت الحاجة إلى تحصيل هذا المانع علمنا أنَّ ذلك المقتضي قد حصل في حقِّ الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - وأنَّ هذا المانع الذي فعله الله تعالى لمنع ذلك المقتضي من العمل، وهذا لا يتمُّ إلاَّ إذا قلنا: إنَّ القدرة مع الدَّاعي توجب الفعل، فإذا حصلت داعية أخرى معارضةٌ للداعي الأوَّل، اختلَّ المؤثِّر، فامتنع الفعل، ونحن لا نريدُ إلاَّ إثبات هذا المعنى.

الإسراء 17:75

لما عدد في الآيات المتقدمة أقسام نعمه على خلقه، وأتبعها بذكر درجاتِ الخلق في الآخرة، أردفه بما يجري مجرى تحذير الناس عن الاغترار بوساوس أرباب الضلال والانخداع بكلماتهم المشتملة على المكرِ والتَّلبِيس، فقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ . روى عطاءٌ عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في وفد ثقيفٍ أتوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصالٍ، قال: وما هُنَّ؟ قالوا: ألاَّ نَحني في الصَّلاة أيْ لا نَنْحَنِي ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تُمتِّعنا باللاَّت سنة، من غير أن نعبدها، فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا خَيْرَ في دينِ لا رُكوعَ فيه ولا سُجودَ، وأمّا أن تَكسِرُوا أصْنامَكُم بأيْدِيكُمْ فذلك لَكُم، وأمَّا الطَّاغيةُ يعني اللاَّت فإنَّني غير ممتِّعكُمْ بها» وفي رواية: «وحرِّم وادينا، كما حرَّمت مكَّة شَجرهَا، وطَيْرهَا، ووَحْشهَا، فأبى ذلكَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولَمْ يُجبْهُم، فقالوا: يا رسول الله إنَّا نُحِبُّ أنْ تَسْمعَ العربُ أنَّك أعْطَيتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ غَيْرنَا، وإنّي خَشِيتُ أن تقُول العربُ: أعْطَيتَهُم ما لَمْ تُعْطِنا، فقل: الله أمَرنِي بذلكَ، فَسكتَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فطمع القومُ في سُكوتهِ أنْ يُعْطِيَهُمْ، فَصاحَ عليهم عليٌّ وعمرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - وقالوا: أما تَروْنَ أنَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَدْ أمْسََ عَنِ الكلامِ؛ كَراهِيَةً لما تَذْكرُونَه، فأنْزلَ الله تعالى هذه الآية» . وقال سعيد بن جبيرٍ: كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يستلم الحجر الأسود، فمنعته قريشٌ، وقالوا: لا نَدعُكَ، حتَّى تلم بآلهتنا وتمسَّها، فحدَّث نفسه؛ ما عليَّ إذا فعلتُ ذلك، والله يعلم أنِّي لها كارهٌ، بعد أن يدعوني، حتَّى أستلمَ الحجر، فأنزل الله هذه. وروى الزمخشريُّ أنَّهم جاءُوا بكتابهم، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كِتَابٌ مِنْ محمَّد رسول الله إلى ثقيفٍ: لا يعشرون، ولا يحشرون، فسكت رسُول الله، ثم قالوا للكاتب: اكْتُبْ ولا يُجْبَون والكَاتبُ ينظرُ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقامَ عمر بن الخطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وسلَّ سيفه، وقال: أسعرتم قَلْبَ نَبيِّنا يا ثقيفُ، أسْعَر الله قُلوبَكُمْ ناراً، فقالوا: لَسْنَا نُكلِّمُك، إنَّما نكلِّم محمداً، فنزلت الآية، وهذه القصَّة إنما وقعت بالمدينة؛ فلهذا قيل: إنَّ هذه الآيات مدنيةٌ. وروي أنَّ قريشاً قالت: اجْعَلْ آية رحمةٍ آية عذابٍ، وآية عذابٍ ىية رحمة؛ حتَّى نُؤمِنَ بك، فنزلت الآية. قال القفال: ويمكن تأويل الآية من غير تقييد بسبب يضاف إلى نزولها فيه؛ لأنَّ من المعلوم أنَّ المشركين كانوا يسعون في إبطال أمر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بأقصى ما يقدرون عليه، فتارة كانوا يقولون: إن عبدت آلهتنا عبدنا إلهك، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: 1، 2] . ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9] . وعرضوا عليه الأموال الكثيرة، والنِّسوان الجميلة؛ ليترك غدِّعاء النبوة، فأنزل الله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ [طه: 131] . ودعوه إلى طرد المؤمنين عن نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: 52] . ودعوه إلى طرد الذين يدعون ربَّهم، فيجوز أن تكون هذه الآيات نزلت في هذا الباب، وذلك أنَّهم قصدوا أن يفتنوه عن دينه، وأن يزيلوه عن منهجه، فبيَّن الله - تعالى - أنَّه يثبته على الدِّين القويمِ، والمنهج المستقيم، وعلى هذا الطريق، فلا حاجة في تفسير هذه الآيات إلى شيءٍ من تلك الرِّوايات. قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ : «إنْ» هذه فيها لمذهبان المشهوران: مذهب البصريين: أنها مخففة، واللام فارقة بينها وبين طإن «النافية، ولهذا دخلت على فعلٍ ناسخٍ، ومذهب الكوفيين أنها بمعنى» ما «النافية، واللام بمعنى» إلاَّ «وضمِّن» يَفْتِنُونَكَ «معنى» يَصْرفُونكَ «فلهذا عدِّي ب» عَنْ «تقديره: ليصرفونك بفتتنتهم، و» لِتَفْترِي «متعلق بالفتنة. قوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ﴾ » إذَنْ «حرف جواب وجزاء؛ ولهذا تقع أداةُ الشرط موقعها، و» لاتَّخذُوكَ «جواب قسمٍ محذوفٍ، تقديره: إذن، والله لاتخذوك، وهو مستقبل في المعنى؛ لأنَّ» إذَنْ «تقتضي الاستقبال؛ إذ معناها المجازاة، وهو كقوله: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ﴾ [الروم: 51] أي: ليظلنَّ، وقول الزمخشريِّ:» أي: ولو اتَّبعتَ مرادهم، لاتَّخذوكَ «تفسير معنى، لا إعرابٍ، لا يريد بذلك أنَّ» لاتَّخَذُوك «جوابٌ ل» لو «محذوفة؛ إذ لا حاجة إليه. فصل في معنى الآية قال الزجاج: معنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت» إنْ «و» اللام» للتأكيد، و «إنْ» مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. والمعنى: الشَّأن أنَّهم قاربوا أن يفتنوك، أي: يخدعوك فاتنين، وأصل الفتنة: الاختبار. يقال: فتن الصَّائغُ الذَّهب، إذا أدخلهُ النَّار، وأذابهُ؛ ليميِّز جيِّده من رديِّيه، ثم استعمل في كلِّ ما أزال الشيء عن حدِّه وجهته، فقالوا: فتنة، فقوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ . أي: يزيلونك، ويصرفونك عن الذي أوحينا إليك، وهو القرآن، أي: عن حكمه؛ وذلك لأنَّ في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن. وقوله: ﴿لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ أي غير ما أوحينا إليك، وقوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ أي لو فعلت ذلك ما أرادوا لاتخذوك خليلا، وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم وراضٍ بشركهم، ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ يعني على الحق، بعصمتنا إياك ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ أي تميل إليهم شيئاً قليلاً. قرأ العامة بفتح كاد تركن مضارع رَكِن بالكسر، وقتادة، وابن مصرف، وابن أبي إسحاق «تَرْكُن» بالضم مضارع «رَكَن» بالفتح، وهذا من التداخل، وقد تقدم تحقيقه في أواخر «هود» و «شيئاً» منصوب على المصدر، وصفته محذوفة، أي شيئاً قليلاً من الركون، أو ركوناً قليلاً. قال ابن عباس: يريد حيث سكوتك عن جوابهم. قال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» . ثم توعد في ذلك أشد التوعد، فقال: ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة﴾ أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف حقيقة هذا الكلام؟ قلت: أصله لأذقناك عذاب الحياة، وعذاب الممات، لأن العذاب عذابان عذاب في الممات، وهو عذاب القبر وعذاب في الحياة الآخرة، وهو عذاب النار، والضعف يوصف به نحو قوله تعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النار﴾ [الأعراف: 38] يعني عذاباً مضاعفاً، فكان أصل الكلام: لأذقناك عذاباً ضعفاً عذاباً ضعفاً في الحياة، وعذاباً ضعفاً في الممات ثم حذف الموصوف، فأثبت الصفة مقامه وو الضعف، ثم أضيفت الصفة إضافة الموصوف، فقيل: ضعف الحياة، وضعف الممات، لما تقدم في القرآن من وصف العذاب بالضعف في قوله: ﴿مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النار﴾ [ص: 61] وحاصل الكلام أنك لو مكنت خواطر الشيطان من قلبك، وعقدت على الركون إليه لاستحققت تضعيف العذاب عليك في الدنيا وفي الآخرة، وصار عذابك مثلي عذاب المشرك في الدنيا ومثلي عذابه في الآخرة، والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعم الله في حق الأنبياء عليهم السلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم، وكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر، ونظيره قوله تعالى: {يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] . فإن قيل: قال عليه السلام: «من سن سنة سيئة فعلية وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» فموجب هذا الحديث أنه عليه السلام لو عمل بما قالوه، لكان وزره مثل وزر كل واحد من أولئك الكفار، وعلى هذا التقدير فكان عقابه زائداً على الضعف. فالجواب: إثبات الضعف لا يدل على نفي الزائد عليه إلا بالبناء على دليل الخطاب، وهو دليل ضعيف، ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ يعني: إذا أذقناك العذاب المضاعف لم تجد أحداً يخلصك من عذابنا. فإن قيل: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ معصوماً، فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه، وما طلبوه كفر؟ . قيل: كان ذلك خاطر قلب لم يكن عزماً، وقد عفا الله عَزَّ وَجَلَّ عن حديث النفس. والجواب الصحيح هو أن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ . وقد ثبته الله، فلم يركن إليهم، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان﴾ [النساء: 83] وقد تفضل فلم يتبعوا. فصل احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء - عليهم السلام - بهذه الآية، فقالوا: هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم منهم من وجوه: الأول: أن الآية دلت على أنه - عليه السلام - قرب من أن يفتري على الله الكذب، وذلك من أعظم الذنوب. الثاني: تدلُّ على أنَّه لولا أنَّ الله - تعالى - ثبَّته وعمه؛ لقرب من أن يركن إلى دينهم. الثالث: لولا أنَّه سبق جرمٍ وجناية، وإلاَّ فلا حاجة إلى ذكر هذا الوعيد الشَّديد. والجواب عن الأوَّل: أنَّ «كاد» معناه المقاربة، أي: أنه قرب وقوعه في الفتنة، وهذا لا يدلُّ على الوقوع في تلك الفتنة، بل يدلُّ على عدم الوقوع؛ كقولك: «كادَ الأميرُ أن يَضْربَ فُلاناً» لا يدلُّ على أنَّه ضربه. والجواب عن الثاني: أنَّ «لَوْلاَ» تفيد انتفاء الشيء؛ لثبوت غيره؛ تقول: لولا عليٌّ، لهلك مرٌو؛ إذ وجود عليٍّ منع من حصول الهلاك لعمرو، فكذلك ها هنا. فقوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ . معناه: أنَّه لولا حصل تثبيتُ الله لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فكان حصول ذلك التَّثْبِيت معانعاً من حصول ذلك الرُّكون. والجواب عن الثالث: أنَّ التهديد على المعصية لا يدلُّ على الإقدام عليها؛ لقوله - تعالى - ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ [الحاقة: 44 - 46] . وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] . وقوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: 1] . فصل في ألا عصمة من المعاصي إلا بتوفيق الله تعالى احتجَّ أهلُ السنة على أنه لا عصمة من المعاصي إلاَّ بتوفيقِ الله تعالى؛ بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ﴾ الآية، فبيَّن أنَّه لولا تثبيت الله تعالى له، لمال إلى طريقةِ الكفَّار، ولا شكَّ أنَّ محمَّداً - صلوات الله وسلامه عليه - كان أقوى من غيره في قوة الدِّين، وصفاء القلب واليقين، فلما بيَّن الله تعالى له أنَّ بقاءهُ معصوماً عن الكفر والضلال، لم يحصل إلاَّ بإعانة الله تعالى وتوفيقه، كان حصول هذا المعنى في حقِّ غيره أولى. قالت المعتزلة: المراد بهذا التَّثبيتِ: الألطاف الصَّارفة عن ذلك، وهي ما أخطر الله بباله من ذكر وعده ووعيده، ومن ذكر أنَّ كونه نبيًّا من عند الله يمنع من ذلك. والجواب: لا شكَّ أنَّ التثبيت عبارة عن فعل فعلهُ الله تعالى، يمنع الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - من ذلك الوقوع في ذلك المحذور، فنقول: لم يوجد المقتضي للإقدام على ذلك العمل المحذور في حقِّ الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - ملا كان لإيجاد هذا المنع حاجةٌ، وحيث وقعت الحاجة إلى تحصيل هذا المانع علمنا أنَّ ذلك المقتضي قد حصل في حقِّ الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - وأنَّ هذا المانع الذي فعله الله تعالى لمنع ذلك المقتضي من العمل، وهذا لا يتمُّ إلاَّ إذا قلنا: إنَّ القدرة مع الدَّاعي توجب الفعل، فإذا حصلت داعية أخرى معارضةٌ للداعي الأوَّل، اختلَّ المؤثِّر، فامتنع الفعل، ونحن لا نريدُ إلاَّ إثبات هذا المعنى.

الإسراء 17:76

قال مجاهد، وقتادة: الأرض: أرض مكة، والآية مكيَّةٌ. هَمَّ المشركون في أن يخرجوه منها، فكفَّهم الله عنه؛ حتَّ أمره بالهجرة، فخرج بنفسه، وهذا أليق بالآية؛ لأنَّ ما قبلها خبر عن أهل مكَّة، وهذا اختيار الزجاج. وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: لمَّا هاجر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المدينة حسدته اليهود، وكرهوا قربه منهم، ومقامه بالمدينة، فأتوهُ، وقالوا: يا أبا القاسم، لقد علمت ما هذه بدارِ الأنبياءِ، وأنَّ أرض الأنبياء بالشَّام، وهي الأرض المقدسة، وبها كان إبراهيم والأنبياء - صلوات الله عليهم - فإن كنت نبيًّا مثلهم، فأت الشَّام، وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافتك الروم، وإنَّ الله يمنعك من الرُّوم، إن كنت نبيًّا، فعسكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على ثلاثة أميالٍ من المدينة، وقيل: بذي الحليفة؛ حتَّى يجتمع إليه أصحابه، ويراه النَّاس عازماً على الخُروج إلى الشَّام، فيدخلون في دين الله - سبحانه وتعالى - فأنزلت هذه الآية، وهذا قول الكلبيِّ، وعلى هذا، فالآية مدنية، والمراد بالأرض: أرض المدينة، وكثر في التنزيل ذكر الأرض، والمراد منها مكانٌ مخصوصٌ؛ كقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض﴾ [المائدة: 33] أي: من مواضعهم. وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض﴾ [يوسف: 80] . يعني: التي كان يقصدها؛ لطلب الميرة. فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: 13] . يعني: «مكَّة» ؟! . فالجواب: أنَّهم همُّوا بإخراجه، وهو - صلوات الله وسلامه عليه - ما خرج بسبب إخراجهم، وإنَّما خرج بأمر الله تعالى؛ فزال التَّناقضُ، والاستفزازُ: هو الإزعاج بسرعة. ﴿وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ﴾ : قرأ العامة برفع الفعل بعد «إذَنْ» ثابت النون، وهي مرسومةٌ في مصاحف العامة، ورفعه وعدم إعمال «إذن» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها توسَّطت بين المعطوف، والمعطوف عليه، قال الزمخشريُّ: «فإن قلت: ما وجهُ القراءتين؟ قلت: أمَّا الشائعة - يعني برفع الفعل - فقد عطف فيها الفعل على الفعل، وهو مرفوع لوقوعه خبر» كاد «وخبر» كاد «واقعٌ موقع الاسم» قلت: فيكون «لا يَلْبَثُونَ» عطفاً على قوله «ليَيْتَفِزُّونكَ» . الثاني: أنها متوسطة بين قسم محذوف وجوابه، فألغيت لذلك، والتقدير: وواللهِ، إذن لا يلبثون. الثالث: أنها متوسطة بين مبتدأ محذوف وخبره، فألغيت لذلك، والتقدير: وهم إذن لا يلبثون. وقرأ أبيٌّ بحذف النون، فنصبه ب «إذَنْ» عند الجمهور، وب «أنْ» مضمرة بعدها عند غيرهم، وفي مصحف عبد الله «لا يَلبَثُوا» بحذفها، ووجه النصب: أنه لم يجعل الفعلُ معطوفاً على ما تقدَّم، ولا جواباً، ولا خبراً، قال الزمخشريُّ: وأمَّا قراءة أبيِّ، ففيها الجملة برأسها التي هي: إذن لا يلبثوا، عطجف على جملة قوله «وإنْ كادُوا ليَسْتفزُّونكَ» . وقرأ عطاء «لا يُلبَّثُونَ» بضمِّ الياء، وفتح اللام والباء، مشددة مبنيًّا للمفعول، من «لبَّثَهُ» بالتشديد، وقرأها يعقوب كذلك، إلا أنه كسر الباء، جعله مبنياً للفاعل. قوله تعالى: «خِلافَكَ» قرأ الأخوان، وابن عامرٍ، وخفص: «خِلافكَ» بكسر الخاء، وألف بعد اللام، والباقون بفتح الخاءِ، وسكون اللام، والقراءتان بمعنى واحدٍ. قال الأخفش: خلافك: بمعنى: خلفك. وروى ذلك يونس عن عيسى، وهذا كقوله: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ الله﴾ [التوبة: 81] . وأنشدوا في ذلك: [الكامل] 3447 - عَفتِ الدِّيارُ خِلافَهُم فكأنَّما ... بَسطَ الشَّواطِبُ بَينهُنَّ حَصِيرا والمعنى: بعد خروجك، وكثر إضافة «قَبْل» و «بَعْدُ» ونحوهما إلى أسماء الأعيان؛ على حذف مضاف، فيقدَّرُ من قولك: جاء زيدٌ قبل عمرو، أي: قبل مجيئه. قوله تعالى: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ يجوز أن تكون صفة لمصدر، أو لزمانٍ محذوف، أي: إلا لبثاً قليلاً، أو إلاَّ زماناً قليلاً؛ أي: حتَّى يهلكوا، فالمراد بالقليل: إمَّا مدَّة حياتهم، وإما ما بين خروج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى المدينة إلى حين قتلهم ببدرٍ.

الإسراء 17:77

قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ﴾ : فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينتصب على المصدر المؤكِّد، أي: سنَّ الله ذلك سنة، أو سننَّا ذلك سُنَّة. الثاني: - قاله الفراء - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه على إسقاط الخافض، أي: كسُنَّةِ الله تعالى، وعلى هذا لا يوقف على قوله «إلاَّ قليلاً» . الثالث: أن ينتصبَ على المفعول به، أي: اتَّبعْ سُنَّة. فصل في سنة الله في رسله سنة الله في الرُّسل، إذا كذَّبتهم الأممُ: ألا يعذِّبهم، ما دام نبيُّهم بين أظهرهم، فإذا خرج نبيهم من بين أظهرهم، عذَّبهم ﴿وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ أي: إَّ ما أجرى الله به العادة، لم يتهيَّأ لأحدٍ أن يقلب تلك العادة؛ لأنَّ اختصاص كلِّ حادثٍ بوقته المعيَّن، وصفته المعينة ليس أمراً ثابتاً له لذاته، وإلا لزم أن يدوم أبداً على تلك الحالة، وألاَّ يتميَّز الشيء عمَّا يماثلهُ في تلك الصِّفات، بل إنَّما يحصل ذلك التخصيص بتخصيص المخصِّص، وهو الله تعالى يريد تحصيله في ذلك الوقتِ، ثم تتعلق قدرته بتحصيله في ذلك الوقت، فنقول: هذه الصفات الثلاث المؤثرة في حصول ذلك الاختصاص، إن كانت حادثة، افتقر حدوثها إلى مخصِّصٍ آخر، وتسلسل؛ وهو محالٌ، وإن كانت قديمة، فالقديم يمتنع تغيُّره؛ لأنَّ ما ثبت قدمه، امتنع عدمه، ولمَّا كان التغيُّر على تلك الصِّفات المؤثِّرة في ذلك الاختصاص ممتنعاً، كان التغيُّر في تلك الأشياء المقدرة ممتنعاً، فثبت بهذا البرهان صحَّة قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ .

الإسراء 17:78

في النظم وجوهٌ: أولها: أنه تعالى لمَّا قرَّر الإلهيَّات والمعاد، والنبوة، أردفها بذكر الآية بالطَّاعات، وأشرفُ الطَّاعات بعد الإيمان الصلاة، فلهذا أمر بها. وثانيها: أنه تعالى، لمَّا قال: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض﴾ [الإسراء: 76] . أمره تعالى بالإقبال على عبادته؛ لكي ينصره الله، فكأنَّه قيل: لا تبالِ بسعيهم في إخراجك من بلدك، ولا تلتفت إليهم، واشتغل بعبادة الله، والدوام على الصلاة؛ فإنه تعالى يدفع مكرهم وشرَّهم عنك، ويجعل يدك فوق أيديهم، ودينك عالياً على أديانهم. نظيره قوله تعالى: ﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ الليل فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النهار لَعَلَّكَ ترضى﴾ [طه: 130] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ الساجدين واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: 97 - 99] . وثالثها: أنَّ اليهود، لمَّا قالوا له: اذهب إلى الشَّام، فإنه مسكن الأنبياء، وعزم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على الذَّهاب إليه، فكأنَّه قيل له: المعبودُ واحدٌ في كلِّ البلاد، وما النصر والقوَّة والدولة إلا بتأييده ونصرته، فدوام على الصَّلوات، وارجع إلى مقرِّك ومسكنك، فقل: ﴿رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: 80] في تقرير دينك، وإظهار شريعتك. قوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ﴾ : في هذه اللام وجهان: أحدهما: أنها بمعنى «بَعْدَ» أي: بعد دلوكِ الشمسِ، ومثله قولُ متمِّم بن نويرة: [الطويل] 3448 - فَلمَّا تَفرَّقْنَا كأنِّي ومَالِكاً ... لطُولِ اجتِماعٍ لمْ نَبِتْ لَيْلةً مَعَا ومثله قولهم: «كَتبْتُه لثلاثٍ خَلوْنَ» . والثاني: أنها على بابها، أي: لأجل دلوك، قال الواحديُّ: «لأنَّها إنَّما تجبُ بزوالِ الشَّمسِ» . والدُّلُوك: مصدر دلكتِ الشمس، وفيه ثلاثة أقوالٍ: أشهرها: أنه الزَّوالُ، وهو نصفُ النَّهار. وهو قول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وابن عمر، وجابر، وعطاء، وقتادة، ومجاهدٍ، والحسنِ، وأكثر التَّابعين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -. روى الواحديُّ في «البسيط» عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: طَعِمَ عندي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه، ثم خرجوا حين زالتِ الشمس؛ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «هذا حين دلكت الشَّمسُ» . ورُوِيَ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «أتَانِي جِبْريلُ صلوات الله عليه لدُلوكِ الشَّمسِ، حينَ زَالتِ الشَّمْسُ؛ فصّلَّى بِي الظُّهْرَ» . وقال أهل اللغة: الدُّلوكُ في كلام العرب: الزَّوال، ولذلك قيل للشمس، إذا زالت نصف النهار: دالكة، وقيل لها، إذا أفلت: دالكة؛ لأنها في الحالتين زائلة، قاله الأزهريُّ. وقال القفال: أصلُ الدُّلُوك: الميل؛ يقال: مالتِ الشمس للزَّوال، ويقال: مالت للغُروب. وإذا ثبت ذلك، وجب أن يكون المراد من الدلوك ها هنا الزَّوال عن كبد السماء، لأنَّه تعالى علَّق إقامة الصلاة بالدُّلوك، والدُّلوك عبارة عن الميل والزَّوال؛ فوجب أن يقال: إنه أوَّل ما حصل الميل والزَّوال، تعلق به هذا الحكم. وقال الأزهريُّ: الأولى حمل الدلوك على الزوال في نصف النَّهار؛ لأنَّا إذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلِّها؛ فدلوك الشمس يتناول صلاة الظُّهر والعصر إلى غسق الليل، ثم قال: «وقُرْآن الفَجْرِ» وعلى هذا التقدير: يتناول المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الفجر إذا حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث صلوات، وهي المغرب والعشاء والفجر، وحمل كلام الله - تعالى - على ما يكون أكثر فائدة أولى، وأيضاً، فالقائلون به أكثر. القول الثاني: أنَّ الدُّلُوك: هو الغروب، وهو قول ابن مسعود، وبه قال إبراهيم النخعيُّ، ومقاتل بن حيَّان، والضحاك والسديُّ، وهو اختيار الفراء واحتج له بقول الشاعر: [الرجز] 3449 - هَذا مُقامُ قَدمَيْ رَباحِ ... ذبَّبَ حتَّى دَلكَتْ بِرَاحِ أي: غربت براحِ، وهي الشمسُ، وأنشد ابن قتيبة على ذلك قول ذي الرمَّة: [الطويل] 3450 - مَصابِيحُ ليسَتْ باللَّواتِي تقُودهَا ... نُجومٌ ولا بالآفلاتِ الدَّوالكِ أي: الغاربات. وهذا استدلالٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الدُّلوك عبارة عن الميل والتغيُّر، وهو حاصل في الغروب، فكان الغروب نوعاً من أنواع الدُّلوك، فكان وقوعُ لفظ الدُّلوك على الغروب لا ينافي وقوعه على الزَّوال، كما أنَّ وقوع لفظ الحيوان على الإنسان لا ينافي وقوعه على الفرس. القول الثالث: أنه من الزَّوال إلى الغروب، قال الزمخشريُّ: «واشتقاقه من الدَّلكِ» لأنَّ الإنسانَ يدلكُ عينه عند النَّظر إليها «وهذا يفهم أنه ليس بمصدرٍ؛ لأنه جعله مشتقًّا من المصدرِ؛ واستدلُّوا بهذا على أنَّ الدُّلُوك هو الغروب، قالوا: وهذا إنما يصحُّ في الوقت الذي يمكن النَّظر إليها، أما عند كونها في وسط السَّماء، ففي ذلك الوقت لا يمكن النَّظر إليها، فثبت أن الدلوك هو الغروب. والجواب: أنَّ الحاجة إلى ذلك التبيين عند كونها في وسط السَّماءِ أتمُّ، فالذي ذكرتم يدلُّ على أنَّ الدُّلوك عبارةٌ عن الزَّوال من وسط السَّماء؛ بطريق الأولى. وقال الراغب: «دُلوكُ الشمسِ: ميلها للغروب، وهو من قولهم: دَلكْتُ الشَّمسَ: دفعتها بالرَّاح، ومنه: دَلكتُ الشيء في الرَّاحةِ، ودلكتُ الرَّجلَ: ماطلته، والدَّلوكُ: ما دلكته من طيبٍ، والدَّليكُ: طعامٌ يتَّخذُ من زبدٍ وتمرٍ» . قوله: ﴿إلى غَسَقِ الليل﴾ في هذا الجارُ وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ ب» أقِمْ «فهي لانتهاءِ غاية الإقامة، وكذلك اللام في» لِدُلوكِ» متعلقة به أيضاً. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من «الصَّلاة» أي: أقمها ممدودة إلى غسق الليل، قاله أبو البقاء، وفيه نظر: من حيث إنه قدَّر المتعلق كوناً مقيداً، إلا أن يريد تفسير المعنى، لا الإعراب. والغسقُ: دخول أوَّل الليل، قاله ابن شميلٍ، وأنشد: [الرجز] 3451 - إنَّ هذا اللَّيلَ قد غَسقَا ... واشْتكيتُ الهَمَّ والأرقَا وقيل: هو سواد الليل، وظلمتهُ، وأصله من السَّيلان: غسقتِ العينُ، أي: سال دمعُها، فكأنَّ الظُّلمَة تنصبُّ على العالم، وتسيلُ عليهم؛ قال: [البسيط] 34352 - ظَلَّتْ تَجودُ يَداهَا وهي لاهِيَةٌ ... حتَّى إذَا هَجَمَ الإظلامُ والغَسقُ ويقال: غَسقتِ العينُ: امتلأتْ دمعاً، وغسق الجرحُ: امتلأ دماً؛ فكأنَّ الظُّلمةَ ملأتِ الوجود. وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: الغَسقُ: بُدُوُّ اللُّيْل وقال قتادة: وقتُ صلاة المغرب. وقال مجاهدٌ: غروب الشَّمس. والغاسقُ في قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: 3] قيل: المراد به: القمر، إذا كسف، واسودَّ. قال - صلوات الله وسلامه عليه - لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - حين رأتْ كسوف القمر: «اسْتعِيذِي مِنْ شرِّ الغَاسقِ إذَا وَقبَ» . وقيل: اللَّيل، والغساقُ، بالتخفيف، والتشديد: ما يسيلُ من صديد أهل النار، ويقال: غَسقَ اللَّيلُ، وأغسقَ، وظَلمَ، وأظْلمَ، ودَجَى، وغَبشَ، وأغْبشَ، نقله الفراءُ. فصل في معنى الغسق قال الأزهريُّ: غسق الليل عندي: غيبوبة الشفق عند تراكم الظلمة، واشتدادها، يقال: غسقتِ العين، إذا امتلأت دمعاً، وغسقت الجراحة: إذا امتلأت دماً. قال: لأنَّا إذا حملنا الشَّفق على هذا المعنى، دخلت الصَّلوات الأربعة فيه، وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ولو حملنا الغسق على ظهور أوَّل الظُّلمة، لم يدخل فيه الظهر والعصر؛ فوجب أن يكون الأولى أولى. واعلم أنَّه يتفرَّع على هذين الوجهين بحثٌ حسنٌ؛ فإن فسَّرنا الغسق بظهور أوَّل الظلمة، كان الغسق عبارة عن أوَّل المغرب، وعلى هذا: يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقاتٍ: وقت الزَّوال، ووقت أوَّل المغرب، ووقت الفجر، وهذا يقتضي أن يكون الزوال: وقتاً للظُّهر والعصر، فيكون هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين، وأن يكون أوَّل وقت المغرب وقتاً للمغرب والعشاء، فيكن هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين، فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء مطلقاً، إلا أنَّه دلَّ الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذرٍ لا يجوز؛ فوجب أن يكون الجمع جائزاً مع العذر. وإذا فسَّرنا الغسق بالتراكم، فنقول: الظلمة المتراكمة، إنَّما تحصل عند غيبوبة الشَّفق الأبيض، وكلمة «إلى» لانتهاءِ الغاية، والحكم الممدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية؛ فوجب إقامةُ الصلوات كلِّها قبل غيبوبة الشَّفق الأبيض، وهذا إنَّما يصحُّ إذا قلنا: إنَّها تجبُ عند غيبوبة الشَّفق الأحمر. قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفجر﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه عطف على «الصَّلاة» أي: وأقم قرآن الفجرِ، والمراد به صلاة الصبح، عبَّر عنها ببعض أركانهاز والثاني: أنه منصوبٌ على الإغراء، أي: وعليك قرآن الفجرِ، كذا قدَّره الأخفش وتبعه أبو البقاء، وأصول البصريِّين تأبى هذا؛ لأن أسماء الأفعال لا تعمل مضمرة. الثالث: انه منصوب بإضمار فعلٍ، أي: كثِّر قرآن، أو الزم قرآن الفجرِ. فصل في دلالة الآية دلَّت هذه الآية على أمور: منها: أنَّ الصلاة لا تكون إلا بقراءة؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصلاة﴾ . ومنها: أنه تعالى أضاف القرآن إلى الفجر، والتقدير: وأقم الفجرِ. ومنها: أنه علَّق القراءة بحصول الفجر، وفي أوَّل طلوعه، إلاَّ أنَّ الإجماع على أنَّ هذا الوجور غير حاصل؛ فوجب أن يبقى على النَّدب؛ لأنَّ الوجوب عبارةٌ عن رجحانٍ مانعٍ من التَّرك، فإذا منع مانع من تحقُّق الوجوب، وجب أن يرتفع المنع من التَّرك، وأن يبقى أصل الرُّجحان؛ حتَّى تنقل مخالفة الدليل؛ فثبت أنَّ هذه الآية تقتضي أنَّ إقامة الفجر في أوَّل الوقت أفضل؛ وهذا يدلُّ على أن التغليس أفضل من التَّنوير. ومنها أن القراءة تكون في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات؛ لأنَّ المقصود من قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً﴾ الحثُّ على طول القراءة في هذه الصلاة؛ لأن التخصيص بالذِّكر يدلُّ على أنه أكملُ من غيره. ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً﴾ . ومعناه: أنَّ ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصُّبح خلف الإمام، تنزلُ ملائكة النَّهارعليهم، وهم في الصَّلاة؛ قبل أن تعرج ملائكة اللَّيل، وإذا فرغ الإمام من الصلاة، عرجت ملائكة الليل، ومكثت ملائكة النَّهار، ثمَّ إن ملائكة الليل إذا صعدت، قالت: يا ربِّ، إنَّا تركنا عبادك يصلُّون لك، وتقول ملائكة النَّهارِ: ربَّنا، أتينا عبادك يصلُّون لك، فيقول الله تعالى لملائكته: اشهدوا أنِّي قد غفرت لهم. وهذا يدل على أنَّ التغليس أفضل من التنوير، لأنَّ الإنسان، إذا شرع فيها من [أوَّل] الصُّبح، ففي ذلك الوقت: الظلمة باقية، فتكون ملائكة الليل حاضرين، ثمَّ إذا امتدَّت الصلاة بسبب ترتيل القراءة، وتكثيرها، زالت الظلمة، وظهر الضوء، وحضرت ملائكةُ النهار، وأمَّا إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التَّنوير، فهناك لم يبق أحدٌ من ملائكة الليل؛ فلا يحصل المعنى المذكور، فقوله جلَّ ذكره: ﴿كَانَ مَشْهُوداً﴾ . يدلُّ على أنَّ التغليس أفضلُ. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الليل﴾ : في «مِنْ» هذه وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «تَهجَّد» أي: تهجَّد بالقرآن بعض الليل. والثاني: أنها متعلقة بمحذوفٍ، تقديره: وقم قومة من الليل، أو: واسهر من الليل، ذكرهما الحوفيُّ، وقال الزمخشريُّ: «وعليك بعض الليل، فتهجَّد به» فإن كان أراد تفسير المعنى، فقريبٌ، وإن أراد تفسير الإعراب، فلا يصحُّ؛ لأنَّ المغرى به لا يكون حرفاً، وعله «مِنْ» بمعنى «بعضٍ» لا يقتضي اسميَّتها؛ بدليل أنَّ واو «مََ» ليست اسماً بإجماع، وإن كانت بمعنى اسمٍ صريحٍ وهو «مَعَ» . والضمير في «به» : الظاهر: عوده على القرآن؛ من حيث هو، لا بقيد إضافته إلى الفجر. والثاني: أنها تعود على الوقت المقدر، أي: وقُم وقتاً من الليل، فتهجَّد بذلك الوقت، فتكونُ الباء بمعنى «في» . قوله «نَافِلةً» فيها أوجه: أحدها: أنها مصدرٌ، أي: تنفَّل نافلة لك على الصَّلوات المفروضة. والثاني: أنها منصوبة ب «تهجَّد» لأنه في معنى «تنفَّل» فكأنه قيل: تنفَّل نافلة، والنَّافلةُ، مصدر؛ كالعاقبة، والعافية. الثالث: أنها منصوبة على الحال، أي: صلاة نافلةٍ، قاله أبو البقاء، وتكون حالاً من الهاء في «به» إذا جعلتها عائدة على القرآن، لا على وقتٍ مقدر. الرابع: أنها منصوبة على المفعول بها، وهو ظاهر قولِ الحوفيِّ، فإنه قال: «ويجوز أن ينتصب» نَافلةً «بتهجَّد، إذا ذهبت بذلك إلى معنى: صلِّ به نافلة، أي: صلِّ نافلة لك» . والتهَجُّدُ: ترك الهجود، وهو النُّومُ، «وتفَعَّل» يأتي للسَّلب، نحو: تحرَّج، وتأثَّم، وفي الحديث: «كَان يتحَنَّثُ بغارِ حراءٍ» وفي الهجود خلافٌ بين أهل اللغة، فقيل: هو النَّومُ؛ قال: [الطويل] 3453 - وبَرْك هُجودٍ قد أثَارتْ مَخافتِي..... ... ... ... ... ... وقال الآخر: [الطويل] 3454 - ألا طَرقَتْنَا والرِّفاقُ هُجودُ..... ... ... ... ... ... . . وقال آخر: [الوافر] 3455 - ألا زَارتْ وأهْلُ منًى هجودُ ... وليْتَ خَيالهَا بِمِنًى يَعودُ فَهجودٌ: نيامٌ، جمع «هاجدٍ» كساجد، وسجُودٍ، وقيل: الهجود: مشتركٌ بين النَّائم والمصلِّي، قال ابن الأعرابي: «تهجَّد: صلَّى من الليل، وتهجد: نام» وهو قول أبي عبيدة والليث - رحمهما الله تعالى -. قال الواحديُّ: الهُجودُ في اللغة: النومُ، وهو كثيرٌ في الشِّعر. يقال: أهجدتُّه وهجدتُّه، أي: أنَمْتهُ ومنه قول لبيد [الرمل] 3456 - قَالَ: هَجِّدْنَا فَقدْ طَالَ السُّرَى..... ... ... ... ... ... . كأنه قال: نوِّمنا؛ فقد طال السُّرى؛ حتى غلب علينا النَّوم، وقال الأزهري: المعروف في كلام العرب: أنَّ الهاجد هو النَّائم، ثم رأينا في الشَّرع أنَّ من قام إلى الصَّلاة من النَّوم يسمَّى هاجداً أي متهجِّداً؛ فيحمل هذا على أنَّه سمِّي متهجّداً؛ لإلقائه الهُجُود عن نفسه؛ كما ياقل للعابد: «مُتحَنِّثٌ» ؛ لإلقائه الحنث عن نفسه، وروي أن الحجَّاج بن عمرو المازنيَّ قال: أيَحسبُ أحدكم، إذا قام من اللَّيلِ، فصلَّى حتَّى يصبح أنَّه قد تهجَّد، إنَّما التهجُّد الصلاة بعد الرقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، هكذا كتنت صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دائماً عليه. والنافلةُ في اللغة: الزيادة على الأصل، وقد تقدَّم في الأنفال، وفي تفسير كونها زيادة ها هنا قولان مبنيَّان على أنَّ صلاة الليل، هل كانت واجبة على النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أم لا؟ . فقيل: إنَّها واجبة عليه؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها المزمل قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [المزمل: 1، 2] ثم نسخت، فصارت نافلة، أي: تطوُّعاً وزيادة على الفرائض. وذكر مجاهد والسدي في تفسير كونها نافلة وجهاً حسناً، قالا: إنَّ الله قد غفر للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما تقدَّم من ذنبه، وما تأخَّر، فكلُّ طاعةٍ يأتي بها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سوى المكتوبةِ لا تؤثر في كفَّارة الذنب، بل تؤثر في زيادة الدَّرجاتِ، وكثرة الثَّواب؛ فكان المقصود من تلك العبادة زيادة الثواب، فلهذا سمِّي نافلة؛ بخلاف الأمة؛ فإنَّ لهم ذنوباً محتاجة إلى التكفير، فهذه الطاعة يحتاجون إليها؛ لتكفير السَّيئات عنهم؛ فثبت أنَّ هذه الطاعات إنَّما تكون زوائد ونوافل في حقِّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لا في حقِّ غيره، فلهذا قال: «نَافلةً لكَ» ، فهذا معنى يخصِّصهُ. وأمَّا من قال: إنَّ صلاة الليل كانت واجبة على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالوا: معنى كونها نافلة له على التخصيص، يعني: أنَّها فريضةٌ لك، زائدة على الصَّلوات الخمس، خصِّصت بها من دون أمَّتك؛ ويدلُّ على هذا القولِ قوله تعالى: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ والأمر للوجوب، ويرد هنا قوله: ﴿نَافِلَةً لَّكَ] ، لأنَّه لو كان المراد الوجوب، لاقل: «نَافِلةً عليك» . واعلم أنَّ قوله تعالى: {أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ الليل وَقُرْآنَ الفجر﴾ وإن كان ظاهر الأمر فيه مختصًّا بالرسول - صلوات الله عليه وسلامه - إلا أنَّه في المعنى عامٌّ في حقِّ الأمَّة؛ ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ بيَّن أن الأمر بالتهجد يختصُّ بالرسول - صلوات الله وسلامه عليه - والأمر بالصَّلوات الخمس غير مخصوصٍ بالرسول - صلوات عليه - وإلاَّ لم يكن لتقييد المر بالتهجُّد بهذا القيد فائدةٌ. قوله تعالى: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ في نصب «مقاماً» أربعة أوجه: أحدها: أنه منصوبٌ على الظرف، أي: يبعثك في مقام. الثاني: أن ينتصب بمعنى «يَبْعثكَ» ؛ لأنه في معنى «يُقِيمكَ» ؛ يقال: أقيم من قبره، وبعث منه، بمعنًى، فهو نحو: قعد جلوساً. الثالث: أنه منصوبٌ على الحال، أي: يبعثك ذا مقامٍ محمود. الرابع: أنه مصدر مؤكد، وناصبه مقدر، أي: فيقوم مقاماً. و «عَسَى» على الأوجه الثلاثة دون الرابع يتعيَّن فيها أن تكون التامة؛ فتكون مسندة إلى «أنْ» وما في حيِّزها؛ إذ لو كانت ناقصة على أن يكون «أنْ يَبْعثكَ» خبراً مقدَّماً، و «ربُّكَ» اسماً مؤخراً؛ لزمَ من ذلك محذورٌ: وهو الفصل بأجنبي بين صلة الموصول ومعمولها، فإنَّ «مَقاماً» على الأوجه الثلاثة الأول: منصوبٌ ب «يَبْعثكَ» ، وهو صلة ل «أنْ» ، فإذا جعلت «ربُّكَ» اسمها، كان أجنبيًّا من الصلة، فلا يفصل به، وإذا جعلته فاعلاً، لم يكن أجنبيًّا، فلا يبالي بالفصل به. وأمَّا على الوجه الرابع: فيجوز أن تكون التامة والناقصة بالتقديم والتأخير؛ لعدم المحذور؛ لأنَّ «مقاماً» معمولٌ لغير الصلة. وقوله: «محموداً» في انتصابه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على الحال من قوله: يَبْعثكَ، أي: يبعثك محموداً. والثاني: أن يكون نعتاً للمقام. فصل في معنى «عسى» من الله اتفق المفسرون على أنَّ كلمة «عسى» من الله واجبٌ. قال أهل المعاني: لأنه لفظ يفيد الإطماع، ومن أطمع إنساناً في شيء، ثم حرمه، كان عاراً، والله تعالى أكرم من أن يطمع واحداً في شيء، ثم لا يعطيه. وفي تفسير المقام المحمود أربعة أقوالٍ: الأول: أنه الشَّفاعة. قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة؛ كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في هذه الآية: «هو المقام الذي أشفعُ لأمَّتِي فيه» . قال ابن الخطيب: واللفظ مشعر به؛ لأنَّ الإنسان إنما يصير محموداً إذا حمده حامدٌ، والحمد، إنما يكون على الإنعام، فهذا المقام المحموج يجب أن يكون مقاماً أنعم فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على قوم، فحمدوه على ذلك الإنعام، وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون تبليغ الدِّين، وتعليم الشرائع؛ لأنَّ ذلك كان حاصلاً في الحال، وقوله: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ تطميعٌ، وتطميع الإنسان في الشيء الذي حصل له وعده محالٌ؛ فوجب أن يكون ذلك الإنعام الذي لأجله يصير محموداً إنعاماً يصل منه بعد ذلك إلى النَّاس، وما ذاك إلاَّ شفاعته عند الله تعالى. وأيضاً: التنكيرُ في قوله: ﴿مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ يدل على أنه يحصل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في ذلك المقامِ حمدٌ بالغٌ عظيمٌ كاملٌ، ومن المعلوم أنَّ حمد الإنسان على سعيه في التخليص من العذاب أعظم من حمده في السَّعي في زيادة الثَّواب؛ لأنَّه لا حاجة به إليها؛ لأنَّ حاجة الإنسان في رفع الآلام العظيمة عن النَّفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة به إلى تحصيلها، وإذا ثبت هذا، وجب أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ هو الشَّفاعة في إسقاط العقاب؛ على ما هو مذهب أهل السنة. ولمَّا ثبت أن لفظ الآية مشعرٌ بهذا المعنى إشعاراً قويًّا، ثم وردت الأخبار الصحيحة في تقرير هذا المعنى، وجب حمل اللفظ عليه، ومما يؤكِّد ذلك الدعاء المشهور عنه في إجابة المؤذِّن: «وابعثه المقام المحمود الذي وعدته» . واتَّفق النَّاس على أنَّ المراد منه الشَّفاعة. والقول الثاني: قال حذيفة: يجمع الناس في صعيدٍ، فلا تتكلَّم نفسٌ، فأوَّل من يتكلَّم محمدٌ - صلوات الله وسلامه عليه - فيقول: لَبَّيكَ، وسَعْديْكَ، والشَّرُّ ليس إليك، والمهديُّ من هَديْتَ، والعَبْدُ بين يَديْكَ، وبِكَ وإلَيْكَ، لا مَنْجَى ولا مَلْجَأ مِنْكَ إلاَّ إليكَ، تَباركتَ، وتَعاليْتَ، سُبحانَكَ ربَّ البيتِ» . قال: فهذا هو المراد من قوله عزَّ وجلَّ: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ . والقول الأول أولى؛ لأنَّ سعيه في الشَّفاعة يفيد إقدام الناس على حمده، فيصير محموداً، وأمَّا ذكر هذا الدعاء، فلا يفيد إلا الثواب، أمَّا الحمد، فلا. فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: إنَّه تعالى يحمده على هذا القول؟ . فالجواب: أنَّ الحمد في اللغة: مختصٌّ بالثناءِ المذكور ف يمقابلة الإنعام بلفظٍ، فإن ورد لفظ «الحمد» في غير هذا المعنى، فعلى سبيل المجاز. القول الثالث: المراد مقامٌ تحمد عاقبته، وهذا ضعيفٌ؛ لما ذكرنا. القول الرابع: قال الواحديُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: روي عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه قال: يقعدُ الله محمداً على العرشِ، وعن مجاهد أنَّه قال: يجلسه معه على العرشِ. قال الواحدي: وهذا قولٌ رذلٌ موحشٌ فظيعٌ، ونص الكتاب يفسد هذا التفسير من وجوه: الأول: أن البعث ضدُّ الإجلاس، يقال: بعثتُ النَّاقة، وبعث الله الميت، أي: أقامه من قبله، فتفسير البعث بالإجلاس تفسير الضدِّ بالضدِّ؛ وهو فاسدٌ. والثاني: أنه تعالى، لو كان جالساً على العرشِ، بحيث يجلس عنده محمد - صلوات الله وسلامه عليه - لكان محدوداً متناهياً، ومن كان كذلك، فهو محدثٌ. الثالث: أنه تعالى قال: ﴿مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ ولم يقل: مقعداً، والمقام: موضع القيام، لا موضع القعود. الرابع: أن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزازٍ؛ لأن هؤلاء الحمقاء يقولون: إنَّ أهل الجنة كلهم يجلسون معه ويرونه، وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا، وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكلِّ المؤمنين، لم يكن في تخصيص محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك مزيد شرفٍ ومرتبةٍ. الخامس: أنه إذا قيل: السلطان بعث فلاناً، فهم منه أنَّه أرسله لإصلاح مهماتهم، ولا يفهم أنه أجلسه مع نفسه؛ فثبت أن هذا القول كلام رذلٌ، لا يميل إليه إلاَّ قليل العقل، عديم الدِّين.

الإسراء 17:79

في النظم وجوهٌ: أولها: أنه تعالى لمَّا قرَّر الإلهيَّات والمعاد، والنبوة، أردفها بذكر الآية بالطَّاعات، وأشرفُ الطَّاعات بعد الإيمان الصلاة، فلهذا أمر بها. وثانيها: أنه تعالى، لمَّا قال: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض﴾ [الإسراء: 76] . أمره تعالى بالإقبال على عبادته؛ لكي ينصره الله، فكأنَّه قيل: لا تبالِ بسعيهم في إخراجك من بلدك، ولا تلتفت إليهم، واشتغل بعبادة الله، والدوام على الصلاة؛ فإنه تعالى يدفع مكرهم وشرَّهم عنك، ويجعل يدك فوق أيديهم، ودينك عالياً على أديانهم. نظيره قوله تعالى: ﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَآءِ الليل فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النهار لَعَلَّكَ ترضى﴾ [طه: 130] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ الساجدين واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: 97 - 99] . وثالثها: أنَّ اليهود، لمَّا قالوا له: اذهب إلى الشَّام، فإنه مسكن الأنبياء، وعزم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على الذَّهاب إليه، فكأنَّه قيل له: المعبودُ واحدٌ في كلِّ البلاد، وما النصر والقوَّة والدولة إلا بتأييده ونصرته، فدوام على الصَّلوات، وارجع إلى مقرِّك ومسكنك، فقل: ﴿رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: 80] في تقرير دينك، وإظهار شريعتك. قوله تعالى: ﴿لِدُلُوكِ﴾ : في هذه اللام وجهان: أحدهما: أنها بمعنى «بَعْدَ» أي: بعد دلوكِ الشمسِ، ومثله قولُ متمِّم بن نويرة: [الطويل] 3448 - فَلمَّا تَفرَّقْنَا كأنِّي ومَالِكاً ... لطُولِ اجتِماعٍ لمْ نَبِتْ لَيْلةً مَعَا ومثله قولهم: «كَتبْتُه لثلاثٍ خَلوْنَ» . والثاني: أنها على بابها، أي: لأجل دلوك، قال الواحديُّ: «لأنَّها إنَّما تجبُ بزوالِ الشَّمسِ» . والدُّلُوك: مصدر دلكتِ الشمس، وفيه ثلاثة أقوالٍ: أشهرها: أنه الزَّوالُ، وهو نصفُ النَّهار. وهو قول ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وابن عمر، وجابر، وعطاء، وقتادة، ومجاهدٍ، والحسنِ، وأكثر التَّابعين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -. روى الواحديُّ في «البسيط» عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: طَعِمَ عندي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه، ثم خرجوا حين زالتِ الشمس؛ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «هذا حين دلكت الشَّمسُ» . ورُوِيَ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «أتَانِي جِبْريلُ صلوات الله عليه لدُلوكِ الشَّمسِ، حينَ زَالتِ الشَّمْسُ؛ فصّلَّى بِي الظُّهْرَ» . وقال أهل اللغة: الدُّلوكُ في كلام العرب: الزَّوال، ولذلك قيل للشمس، إذا زالت نصف النهار: دالكة، وقيل لها، إذا أفلت: دالكة؛ لأنها في الحالتين زائلة، قاله الأزهريُّ. وقال القفال: أصلُ الدُّلُوك: الميل؛ يقال: مالتِ الشمس للزَّوال، ويقال: مالت للغُروب. وإذا ثبت ذلك، وجب أن يكون المراد من الدلوك ها هنا الزَّوال عن كبد السماء، لأنَّه تعالى علَّق إقامة الصلاة بالدُّلوك، والدُّلوك عبارة عن الميل والزَّوال؛ فوجب أن يقال: إنه أوَّل ما حصل الميل والزَّوال، تعلق به هذا الحكم. وقال الأزهريُّ: الأولى حمل الدلوك على الزوال في نصف النَّهار؛ لأنَّا إذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلِّها؛ فدلوك الشمس يتناول صلاة الظُّهر والعصر إلى غسق الليل، ثم قال: «وقُرْآن الفَجْرِ» وعلى هذا التقدير: يتناول المغرب والعشاء، وقرآن الفجر صلاة الفجر إذا حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث صلوات، وهي المغرب والعشاء والفجر، وحمل كلام الله - تعالى - على ما يكون أكثر فائدة أولى، وأيضاً، فالقائلون به أكثر. القول الثاني: أنَّ الدُّلُوك: هو الغروب، وهو قول ابن مسعود، وبه قال إبراهيم النخعيُّ، ومقاتل بن حيَّان، والضحاك والسديُّ، وهو اختيار الفراء واحتج له بقول الشاعر: [الرجز] 3449 - هَذا مُقامُ قَدمَيْ رَباحِ ... ذبَّبَ حتَّى دَلكَتْ بِرَاحِ أي: غربت براحِ، وهي الشمسُ، وأنشد ابن قتيبة على ذلك قول ذي الرمَّة: [الطويل] 3450 - مَصابِيحُ ليسَتْ باللَّواتِي تقُودهَا ... نُجومٌ ولا بالآفلاتِ الدَّوالكِ أي: الغاربات. وهذا استدلالٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ الدُّلوك عبارة عن الميل والتغيُّر، وهو حاصل في الغروب، فكان الغروب نوعاً من أنواع الدُّلوك، فكان وقوعُ لفظ الدُّلوك على الغروب لا ينافي وقوعه على الزَّوال، كما أنَّ وقوع لفظ الحيوان على الإنسان لا ينافي وقوعه على الفرس. القول الثالث: أنه من الزَّوال إلى الغروب، قال الزمخشريُّ: «واشتقاقه من الدَّلكِ» لأنَّ الإنسانَ يدلكُ عينه عند النَّظر إليها «وهذا يفهم أنه ليس بمصدرٍ؛ لأنه جعله مشتقًّا من المصدرِ؛ واستدلُّوا بهذا على أنَّ الدُّلُوك هو الغروب، قالوا: وهذا إنما يصحُّ في الوقت الذي يمكن النَّظر إليها، أما عند كونها في وسط السَّماء، ففي ذلك الوقت لا يمكن النَّظر إليها، فثبت أن الدلوك هو الغروب. والجواب: أنَّ الحاجة إلى ذلك التبيين عند كونها في وسط السَّماءِ أتمُّ، فالذي ذكرتم يدلُّ على أنَّ الدُّلوك عبارةٌ عن الزَّوال من وسط السَّماء؛ بطريق الأولى. وقال الراغب: «دُلوكُ الشمسِ: ميلها للغروب، وهو من قولهم: دَلكْتُ الشَّمسَ: دفعتها بالرَّاح، ومنه: دَلكتُ الشيء في الرَّاحةِ، ودلكتُ الرَّجلَ: ماطلته، والدَّلوكُ: ما دلكته من طيبٍ، والدَّليكُ: طعامٌ يتَّخذُ من زبدٍ وتمرٍ» . قوله: ﴿إلى غَسَقِ الليل﴾ في هذا الجارُ وجهان: أحدهما: أنه متعلقٌ ب» أقِمْ «فهي لانتهاءِ غاية الإقامة، وكذلك اللام في» لِدُلوكِ» متعلقة به أيضاً. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من «الصَّلاة» أي: أقمها ممدودة إلى غسق الليل، قاله أبو البقاء، وفيه نظر: من حيث إنه قدَّر المتعلق كوناً مقيداً، إلا أن يريد تفسير المعنى، لا الإعراب. والغسقُ: دخول أوَّل الليل، قاله ابن شميلٍ، وأنشد: [الرجز] 3451 - إنَّ هذا اللَّيلَ قد غَسقَا ... واشْتكيتُ الهَمَّ والأرقَا وقيل: هو سواد الليل، وظلمتهُ، وأصله من السَّيلان: غسقتِ العينُ، أي: سال دمعُها، فكأنَّ الظُّلمَة تنصبُّ على العالم، وتسيلُ عليهم؛ قال: [البسيط] 34352 - ظَلَّتْ تَجودُ يَداهَا وهي لاهِيَةٌ ... حتَّى إذَا هَجَمَ الإظلامُ والغَسقُ ويقال: غَسقتِ العينُ: امتلأتْ دمعاً، وغسق الجرحُ: امتلأ دماً؛ فكأنَّ الظُّلمةَ ملأتِ الوجود. وقال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: الغَسقُ: بُدُوُّ اللُّيْل وقال قتادة: وقتُ صلاة المغرب. وقال مجاهدٌ: غروب الشَّمس. والغاسقُ في قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: 3] قيل: المراد به: القمر، إذا كسف، واسودَّ. قال - صلوات الله وسلامه عليه - لعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - حين رأتْ كسوف القمر: «اسْتعِيذِي مِنْ شرِّ الغَاسقِ إذَا وَقبَ» . وقيل: اللَّيل، والغساقُ، بالتخفيف، والتشديد: ما يسيلُ من صديد أهل النار، ويقال: غَسقَ اللَّيلُ، وأغسقَ، وظَلمَ، وأظْلمَ، ودَجَى، وغَبشَ، وأغْبشَ، نقله الفراءُ. فصل في معنى الغسق قال الأزهريُّ: غسق الليل عندي: غيبوبة الشفق عند تراكم الظلمة، واشتدادها، يقال: غسقتِ العين، إذا امتلأت دمعاً، وغسقت الجراحة: إذا امتلأت دماً. قال: لأنَّا إذا حملنا الشَّفق على هذا المعنى، دخلت الصَّلوات الأربعة فيه، وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ولو حملنا الغسق على ظهور أوَّل الظُّلمة، لم يدخل فيه الظهر والعصر؛ فوجب أن يكون الأولى أولى. واعلم أنَّه يتفرَّع على هذين الوجهين بحثٌ حسنٌ؛ فإن فسَّرنا الغسق بظهور أوَّل الظلمة، كان الغسق عبارة عن أوَّل المغرب، وعلى هذا: يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقاتٍ: وقت الزَّوال، ووقت أوَّل المغرب، ووقت الفجر، وهذا يقتضي أن يكون الزوال: وقتاً للظُّهر والعصر، فيكون هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين، وأن يكون أوَّل وقت المغرب وقتاً للمغرب والعشاء، فيكن هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين، فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء مطلقاً، إلا أنَّه دلَّ الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذرٍ لا يجوز؛ فوجب أن يكون الجمع جائزاً مع العذر. وإذا فسَّرنا الغسق بالتراكم، فنقول: الظلمة المتراكمة، إنَّما تحصل عند غيبوبة الشَّفق الأبيض، وكلمة «إلى» لانتهاءِ الغاية، والحكم الممدود إلى غاية يكون مشروعاً قبل حصول تلك الغاية؛ فوجب إقامةُ الصلوات كلِّها قبل غيبوبة الشَّفق الأبيض، وهذا إنَّما يصحُّ إذا قلنا: إنَّها تجبُ عند غيبوبة الشَّفق الأحمر. قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفجر﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه عطف على «الصَّلاة» أي: وأقم قرآن الفجرِ، والمراد به صلاة الصبح، عبَّر عنها ببعض أركانهاز والثاني: أنه منصوبٌ على الإغراء، أي: وعليك قرآن الفجرِ، كذا قدَّره الأخفش وتبعه أبو البقاء، وأصول البصريِّين تأبى هذا؛ لأن أسماء الأفعال لا تعمل مضمرة. الثالث: انه منصوب بإضمار فعلٍ، أي: كثِّر قرآن، أو الزم قرآن الفجرِ. فصل في دلالة الآية دلَّت هذه الآية على أمور: منها: أنَّ الصلاة لا تكون إلا بقراءة؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصلاة﴾ . ومنها: أنه تعالى أضاف القرآن إلى الفجر، والتقدير: وأقم الفجرِ. ومنها: أنه علَّق القراءة بحصول الفجر، وفي أوَّل طلوعه، إلاَّ أنَّ الإجماع على أنَّ هذا الوجور غير حاصل؛ فوجب أن يبقى على النَّدب؛ لأنَّ الوجوب عبارةٌ عن رجحانٍ مانعٍ من التَّرك، فإذا منع مانع من تحقُّق الوجوب، وجب أن يرتفع المنع من التَّرك، وأن يبقى أصل الرُّجحان؛ حتَّى تنقل مخالفة الدليل؛ فثبت أنَّ هذه الآية تقتضي أنَّ إقامة الفجر في أوَّل الوقت أفضل؛ وهذا يدلُّ على أن التغليس أفضل من التَّنوير. ومنها أن القراءة تكون في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات؛ لأنَّ المقصود من قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً﴾ الحثُّ على طول القراءة في هذه الصلاة؛ لأن التخصيص بالذِّكر يدلُّ على أنه أكملُ من غيره. ومنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً﴾ . ومعناه: أنَّ ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصُّبح خلف الإمام، تنزلُ ملائكة النَّهارعليهم، وهم في الصَّلاة؛ قبل أن تعرج ملائكة اللَّيل، وإذا فرغ الإمام من الصلاة، عرجت ملائكة الليل، ومكثت ملائكة النَّهار، ثمَّ إن ملائكة الليل إذا صعدت، قالت: يا ربِّ، إنَّا تركنا عبادك يصلُّون لك، وتقول ملائكة النَّهارِ: ربَّنا، أتينا عبادك يصلُّون لك، فيقول الله تعالى لملائكته: اشهدوا أنِّي قد غفرت لهم. وهذا يدل على أنَّ التغليس أفضل من التنوير، لأنَّ الإنسان، إذا شرع فيها من [أوَّل] الصُّبح، ففي ذلك الوقت: الظلمة باقية، فتكون ملائكة الليل حاضرين، ثمَّ إذا امتدَّت الصلاة بسبب ترتيل القراءة، وتكثيرها، زالت الظلمة، وظهر الضوء، وحضرت ملائكةُ النهار، وأمَّا إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التَّنوير، فهناك لم يبق أحدٌ من ملائكة الليل؛ فلا يحصل المعنى المذكور، فقوله جلَّ ذكره: ﴿كَانَ مَشْهُوداً﴾ . يدلُّ على أنَّ التغليس أفضلُ. قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الليل﴾ : في «مِنْ» هذه وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «تَهجَّد» أي: تهجَّد بالقرآن بعض الليل. والثاني: أنها متعلقة بمحذوفٍ، تقديره: وقم قومة من الليل، أو: واسهر من الليل، ذكرهما الحوفيُّ، وقال الزمخشريُّ: «وعليك بعض الليل، فتهجَّد به» فإن كان أراد تفسير المعنى، فقريبٌ، وإن أراد تفسير الإعراب، فلا يصحُّ؛ لأنَّ المغرى به لا يكون حرفاً، وعله «مِنْ» بمعنى «بعضٍ» لا يقتضي اسميَّتها؛ بدليل أنَّ واو «مََ» ليست اسماً بإجماع، وإن كانت بمعنى اسمٍ صريحٍ وهو «مَعَ» . والضمير في «به» : الظاهر: عوده على القرآن؛ من حيث هو، لا بقيد إضافته إلى الفجر. والثاني: أنها تعود على الوقت المقدر، أي: وقُم وقتاً من الليل، فتهجَّد بذلك الوقت، فتكونُ الباء بمعنى «في» . قوله «نَافِلةً» فيها أوجه: أحدها: أنها مصدرٌ، أي: تنفَّل نافلة لك على الصَّلوات المفروضة. والثاني: أنها منصوبة ب «تهجَّد» لأنه في معنى «تنفَّل» فكأنه قيل: تنفَّل نافلة، والنَّافلةُ، مصدر؛ كالعاقبة، والعافية. الثالث: أنها منصوبة على الحال، أي: صلاة نافلةٍ، قاله أبو البقاء، وتكون حالاً من الهاء في «به» إذا جعلتها عائدة على القرآن، لا على وقتٍ مقدر. الرابع: أنها منصوبة على المفعول بها، وهو ظاهر قولِ الحوفيِّ، فإنه قال: «ويجوز أن ينتصب» نَافلةً «بتهجَّد، إذا ذهبت بذلك إلى معنى: صلِّ به نافلة، أي: صلِّ نافلة لك» . والتهَجُّدُ: ترك الهجود، وهو النُّومُ، «وتفَعَّل» يأتي للسَّلب، نحو: تحرَّج، وتأثَّم، وفي الحديث: «كَان يتحَنَّثُ بغارِ حراءٍ» وفي الهجود خلافٌ بين أهل اللغة، فقيل: هو النَّومُ؛ قال: [الطويل] 3453 - وبَرْك هُجودٍ قد أثَارتْ مَخافتِي..... ... ... ... ... ... وقال الآخر: [الطويل] 3454 - ألا طَرقَتْنَا والرِّفاقُ هُجودُ..... ... ... ... ... ... . . وقال آخر: [الوافر] 3455 - ألا زَارتْ وأهْلُ منًى هجودُ ... وليْتَ خَيالهَا بِمِنًى يَعودُ فَهجودٌ: نيامٌ، جمع «هاجدٍ» كساجد، وسجُودٍ، وقيل: الهجود: مشتركٌ بين النَّائم والمصلِّي، قال ابن الأعرابي: «تهجَّد: صلَّى من الليل، وتهجد: نام» وهو قول أبي عبيدة والليث - رحمهما الله تعالى -. قال الواحديُّ: الهُجودُ في اللغة: النومُ، وهو كثيرٌ في الشِّعر. يقال: أهجدتُّه وهجدتُّه، أي: أنَمْتهُ ومنه قول لبيد [الرمل] 3456 - قَالَ: هَجِّدْنَا فَقدْ طَالَ السُّرَى..... ... ... ... ... ... . كأنه قال: نوِّمنا؛ فقد طال السُّرى؛ حتى غلب علينا النَّوم، وقال الأزهري: المعروف في كلام العرب: أنَّ الهاجد هو النَّائم، ثم رأينا في الشَّرع أنَّ من قام إلى الصَّلاة من النَّوم يسمَّى هاجداً أي متهجِّداً؛ فيحمل هذا على أنَّه سمِّي متهجّداً؛ لإلقائه الهُجُود عن نفسه؛ كما ياقل للعابد: «مُتحَنِّثٌ» ؛ لإلقائه الحنث عن نفسه، وروي أن الحجَّاج بن عمرو المازنيَّ قال: أيَحسبُ أحدكم، إذا قام من اللَّيلِ، فصلَّى حتَّى يصبح أنَّه قد تهجَّد، إنَّما التهجُّد الصلاة بعد الرقاد، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، ثم صلاة أخرى بعد رقدة، هكذا كتنت صلاة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دائماً عليه. والنافلةُ في اللغة: الزيادة على الأصل، وقد تقدَّم في الأنفال، وفي تفسير كونها زيادة ها هنا قولان مبنيَّان على أنَّ صلاة الليل، هل كانت واجبة على النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أم لا؟ . فقيل: إنَّها واجبة عليه؛ لقوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها المزمل قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [المزمل: 1، 2] ثم نسخت، فصارت نافلة، أي: تطوُّعاً وزيادة على الفرائض. وذكر مجاهد والسدي في تفسير كونها نافلة وجهاً حسناً، قالا: إنَّ الله قد غفر للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما تقدَّم من ذنبه، وما تأخَّر، فكلُّ طاعةٍ يأتي بها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سوى المكتوبةِ لا تؤثر في كفَّارة الذنب، بل تؤثر في زيادة الدَّرجاتِ، وكثرة الثَّواب؛ فكان المقصود من تلك العبادة زيادة الثواب، فلهذا سمِّي نافلة؛ بخلاف الأمة؛ فإنَّ لهم ذنوباً محتاجة إلى التكفير، فهذه الطاعة يحتاجون إليها؛ لتكفير السَّيئات عنهم؛ فثبت أنَّ هذه الطاعات إنَّما تكون زوائد ونوافل في حقِّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لا في حقِّ غيره، فلهذا قال: «نَافلةً لكَ» ، فهذا معنى يخصِّصهُ. وأمَّا من قال: إنَّ صلاة الليل كانت واجبة على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالوا: معنى كونها نافلة له على التخصيص، يعني: أنَّها فريضةٌ لك، زائدة على الصَّلوات الخمس، خصِّصت بها من دون أمَّتك؛ ويدلُّ على هذا القولِ قوله تعالى: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ والأمر للوجوب، ويرد هنا قوله: ﴿نَافِلَةً لَّكَ] ، لأنَّه لو كان المراد الوجوب، لاقل: «نَافِلةً عليك» . واعلم أنَّ قوله تعالى: {أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ الليل وَقُرْآنَ الفجر﴾ وإن كان ظاهر الأمر فيه مختصًّا بالرسول - صلوات الله عليه وسلامه - إلا أنَّه في المعنى عامٌّ في حقِّ الأمَّة؛ ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ بيَّن أن الأمر بالتهجد يختصُّ بالرسول - صلوات الله وسلامه عليه - والأمر بالصَّلوات الخمس غير مخصوصٍ بالرسول - صلوات عليه - وإلاَّ لم يكن لتقييد المر بالتهجُّد بهذا القيد فائدةٌ. قوله تعالى: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ في نصب «مقاماً» أربعة أوجه: أحدها: أنه منصوبٌ على الظرف، أي: يبعثك في مقام. الثاني: أن ينتصب بمعنى «يَبْعثكَ» ؛ لأنه في معنى «يُقِيمكَ» ؛ يقال: أقيم من قبره، وبعث منه، بمعنًى، فهو نحو: قعد جلوساً. الثالث: أنه منصوبٌ على الحال، أي: يبعثك ذا مقامٍ محمود. الرابع: أنه مصدر مؤكد، وناصبه مقدر، أي: فيقوم مقاماً. و «عَسَى» على الأوجه الثلاثة دون الرابع يتعيَّن فيها أن تكون التامة؛ فتكون مسندة إلى «أنْ» وما في حيِّزها؛ إذ لو كانت ناقصة على أن يكون «أنْ يَبْعثكَ» خبراً مقدَّماً، و «ربُّكَ» اسماً مؤخراً؛ لزمَ من ذلك محذورٌ: وهو الفصل بأجنبي بين صلة الموصول ومعمولها، فإنَّ «مَقاماً» على الأوجه الثلاثة الأول: منصوبٌ ب «يَبْعثكَ» ، وهو صلة ل «أنْ» ، فإذا جعلت «ربُّكَ» اسمها، كان أجنبيًّا من الصلة، فلا يفصل به، وإذا جعلته فاعلاً، لم يكن أجنبيًّا، فلا يبالي بالفصل به. وأمَّا على الوجه الرابع: فيجوز أن تكون التامة والناقصة بالتقديم والتأخير؛ لعدم المحذور؛ لأنَّ «مقاماً» معمولٌ لغير الصلة. وقوله: «محموداً» في انتصابه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على الحال من قوله: يَبْعثكَ، أي: يبعثك محموداً. والثاني: أن يكون نعتاً للمقام. فصل في معنى «عسى» من الله اتفق المفسرون على أنَّ كلمة «عسى» من الله واجبٌ. قال أهل المعاني: لأنه لفظ يفيد الإطماع، ومن أطمع إنساناً في شيء، ثم حرمه، كان عاراً، والله تعالى أكرم من أن يطمع واحداً في شيء، ثم لا يعطيه. وفي تفسير المقام المحمود أربعة أقوالٍ: الأول: أنه الشَّفاعة. قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة؛ كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في هذه الآية: «هو المقام الذي أشفعُ لأمَّتِي فيه» . قال ابن الخطيب: واللفظ مشعر به؛ لأنَّ الإنسان إنما يصير محموداً إذا حمده حامدٌ، والحمد، إنما يكون على الإنعام، فهذا المقام المحموج يجب أن يكون مقاماً أنعم فيه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على قوم، فحمدوه على ذلك الإنعام، وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون تبليغ الدِّين، وتعليم الشرائع؛ لأنَّ ذلك كان حاصلاً في الحال، وقوله: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ تطميعٌ، وتطميع الإنسان في الشيء الذي حصل له وعده محالٌ؛ فوجب أن يكون ذلك الإنعام الذي لأجله يصير محموداً إنعاماً يصل منه بعد ذلك إلى النَّاس، وما ذاك إلاَّ شفاعته عند الله تعالى. وأيضاً: التنكيرُ في قوله: ﴿مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ يدل على أنه يحصل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في ذلك المقامِ حمدٌ بالغٌ عظيمٌ كاملٌ، ومن المعلوم أنَّ حمد الإنسان على سعيه في التخليص من العذاب أعظم من حمده في السَّعي في زيادة الثَّواب؛ لأنَّه لا حاجة به إليها؛ لأنَّ حاجة الإنسان في رفع الآلام العظيمة عن النَّفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة به إلى تحصيلها، وإذا ثبت هذا، وجب أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ هو الشَّفاعة في إسقاط العقاب؛ على ما هو مذهب أهل السنة. ولمَّا ثبت أن لفظ الآية مشعرٌ بهذا المعنى إشعاراً قويًّا، ثم وردت الأخبار الصحيحة في تقرير هذا المعنى، وجب حمل اللفظ عليه، ومما يؤكِّد ذلك الدعاء المشهور عنه في إجابة المؤذِّن: «وابعثه المقام المحمود الذي وعدته» . واتَّفق النَّاس على أنَّ المراد منه الشَّفاعة. والقول الثاني: قال حذيفة: يجمع الناس في صعيدٍ، فلا تتكلَّم نفسٌ، فأوَّل من يتكلَّم محمدٌ - صلوات الله وسلامه عليه - فيقول: لَبَّيكَ، وسَعْديْكَ، والشَّرُّ ليس إليك، والمهديُّ من هَديْتَ، والعَبْدُ بين يَديْكَ، وبِكَ وإلَيْكَ، لا مَنْجَى ولا مَلْجَأ مِنْكَ إلاَّ إليكَ، تَباركتَ، وتَعاليْتَ، سُبحانَكَ ربَّ البيتِ» . قال: فهذا هو المراد من قوله عزَّ وجلَّ: ﴿عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ . والقول الأول أولى؛ لأنَّ سعيه في الشَّفاعة يفيد إقدام الناس على حمده، فيصير محموداً، وأمَّا ذكر هذا الدعاء، فلا يفيد إلا الثواب، أمَّا الحمد، فلا. فإن قالوا: لم لا يجوز أن يقال: إنَّه تعالى يحمده على هذا القول؟ . فالجواب: أنَّ الحمد في اللغة: مختصٌّ بالثناءِ المذكور ف يمقابلة الإنعام بلفظٍ، فإن ورد لفظ «الحمد» في غير هذا المعنى، فعلى سبيل المجاز. القول الثالث: المراد مقامٌ تحمد عاقبته، وهذا ضعيفٌ؛ لما ذكرنا. القول الرابع: قال الواحديُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: روي عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه قال: يقعدُ الله محمداً على العرشِ، وعن مجاهد أنَّه قال: يجلسه معه على العرشِ. قال الواحدي: وهذا قولٌ رذلٌ موحشٌ فظيعٌ، ونص الكتاب يفسد هذا التفسير من وجوه: الأول: أن البعث ضدُّ الإجلاس، يقال: بعثتُ النَّاقة، وبعث الله الميت، أي: أقامه من قبله، فتفسير البعث بالإجلاس تفسير الضدِّ بالضدِّ؛ وهو فاسدٌ. والثاني: أنه تعالى، لو كان جالساً على العرشِ، بحيث يجلس عنده محمد - صلوات الله وسلامه عليه - لكان محدوداً متناهياً، ومن كان كذلك، فهو محدثٌ. الثالث: أنه تعالى قال: ﴿مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ ولم يقل: مقعداً، والمقام: موضع القيام، لا موضع القعود. الرابع: أن جلوسه مع الله على العرش ليس فيه كثير إعزازٍ؛ لأن هؤلاء الحمقاء يقولون: إنَّ أهل الجنة كلهم يجلسون معه ويرونه، وإنه تعالى يسألهم عن أحوالهم التي كانوا عليها في الدنيا، وإذا كانت هذه الحالة حاصلة عندهم لكلِّ المؤمنين، لم يكن في تخصيص محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك مزيد شرفٍ ومرتبةٍ. الخامس: أنه إذا قيل: السلطان بعث فلاناً، فهم منه أنَّه أرسله لإصلاح مهماتهم، ولا يفهم أنه أجلسه مع نفسه؛ فثبت أن هذا القول كلام رذلٌ، لا يميل إليه إلاَّ قليل العقل، عديم الدِّين.

الإسراء 17:80

قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية. يحتمل أن يكون «مدخل» مصدراً، وأن يكون ظرف مكانٍ، وهو الظاهر، والعامة على ضمِّ الميم فيهما؛ لسبقهما بفعل رباعيٍّ، وقرأ قتادة، وأبو حيوة، وإبراهيم بن أبي عبلة، وحمسدٌ بفتح الميم فيهما: إمَّا لأنهما [مصدران على حذف الزوائد؛ ك ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: 17] ؛ وإمَّا لأنهما] منصوبان بمقدر موافق لهما، تقديره: فادخل مدخل، واخرج مخرج، وقد تقدَّم هذا مستوفًى في قراءةِ نافع في سورة النساء [الآية: 31] ، وأنه قرأ كذلك في سورة الحجِّ [الآية: 59] . و «مُدخلَ صِدقٍ» ، و «مُخرجَ صِدقٍ» من إضافة التبيين، وعند الكوفيين من إضافة الموصوف لصفته؛ لأنه يوصف به مبالغة. و «سلطاناً» هو المفعول الأول للجعلِ، والثاني أحدُ الجارَّين المتقدمين، والآخر متعلِّقٌ باستقراره، وقوله «نَصِيراً» يجوز أن يكون محولاً من «فاعلٍ» للمبالغة، وأن يكون بمعنى مفعول. فصل في معنى «مُدخَلَ صِدقٍ» و «مُخْرَجَ صِدْقٍ» قد تقدَّم في قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض﴾ [الإسراء: 76] قولان: أحدهما: أن يكون المراد منه سعي كفَّار مكَّة في إخراجه منها. والثاني: المراد منه اليهود؛ قالوا له: الأولى أن تخرج من المدينة إلى الشَّام، ثم قال: «أقم الصَّلاة» واشتغل بعبادة الله تعالى، ولا تلتفت إلى هؤلاء الجهَّال، فإنَّ الله تعالى يعينك، ثمَّ عاد بعد هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة من أن كفَّار مكَّة أرادوا إخراجه، فأراد الله تعالى هجرته إلى المدينة، وقال له: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ ، وهو المدينة، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ ، وهو مكَّة، وهذا قول ابن عبَّاس، والحسن، وقتادة. وعلى التفسير الثاني، وهو أنَّ المراد منها أن اليهود حملوه على الخروج من المدينة والذَّهاب إلى الشَّام، فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ثمَّ أمر بأن يرجع إليها، فلمَّا عاد إلى المدينة، قال: «ربِّ أدخلْنِي مُدخلَ صدقٍ» وهي المدينة، «وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدقٍ» يعني: إلى مكة؛ [بالفتح] ، أي: افتحها. وقال الضحاك: «أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ» ظاهراً على مكة بالفتح «وأخْرِدنِي مُخرجَ صِدْقٍ» من مكة، آمناً من المشركين. وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة، والقيام بمهمات أداء شريعتك، «وأخْرِجْنِي» من الدنيا، وقد قمت بما وجب عليَّ من حقِّها «مُخرجَ صِدقٍ» أي: إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ. وعن الحسن: «أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ» الجنة، «وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدْقٍ» أي: إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ من مكة. وقيل: أدخلني في طاعتك، وأخرجني من المناهي. وقيل: أدخلني القبر مدخل صدقٍ، وأخرجني منه مخرج صدقٍ، وقيل: أدخلني حيثُ ما أدخلتني بالصِّدق، وأخرجني بالصِّدق، أي: لا تجعلني ممَّن يدخل بوجهٍ، ويخرج بوجهٍ، فإنَّ ذا الوجهين لم يكن عند الله وجيهاً. ووصف الإدخال والإخراج بالصِّدقِ؛ لما يئول غليه الدُّخولُ والخروج من النصر، والعزِّ، ودولة الدِّين، كما وصف القدم بالصِّدق؛ فقال: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: 67] . وقال: ﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ [المجادلة: 22] . وقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] . ولما سأل الله تعالى النُّصرة، بيَّن أنَّه أجاب دعاءه؛ فقال: ﴿وَقُلْ جَآءَ الحق﴾ . وهو دينه وشرعه. قوله: ﴿وَزَهَقَ الباطل﴾ . وهو كل ما سواه من الأديان، والشَّرائع، قاله السديُّ. وقيل: جاء الحقُّ، أي: القرآن. وزهق الباطل، أي: ذهب الشيطان، قاله قتادة. وقيل: الحقُّ: عبادة الله تعالى، والباطل عبادة الأصنام. وعن ابن مسعودٍ: أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دخل مكَّة يوم الفتح، وحول البيت ثلاثمائةٍ وستُّون صنماً، فجعل يضربها بعودٍ في يده، وجعل يقول: ﴿جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل﴾ [أي: ذهب الشيطان] كان الصَّنمُ ينكبُّ على وجهه. قوله: ﴿إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً﴾ . أي: إنَّ الباطل، وإن كان له دولةٌ، لا يبقى، بل يزول بسرعة. والزُّهوقُ: الذِّهاب، والاضمحلال؛ قال: [الكامل] 3457 - ولقَدْ شَفَى نَفْسِي وأبْرَأ سُقمهَا ... إقْدامهُ بِمزَالةٍ لمْ يَزْهقِ يقال: زهقت نفسي تزهقُ زهوقاً بالضمِّ، وأمَّا الزُّهوقُ، بالفتح، فمثال مبالغة؛ كقوله: [الطويل] 3458 - ضَرُوبٌ بِنصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمانِها..... ... ... . . قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن﴾ : في «مِنْ» هذه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها لبيان الجنس، قاله الزمخشري، وابن عطيَّة، وأبو البقاء، وردَّ عليهم أبو حيان: بأنَّ التي للبيان، لا بد وأن يتقدَّمها ما تبينه، لا أن تتقدم هي عليه، وهنا قد وجد تقدُّمها عليه. الثاني: أنها للتبعيض، وأنكره الحوفي؛ قال: «لأنه يلزم ألاَّ يكون بعضه شفاء» وأجيب عنه: بأنَّ إنزاله إنَّما هو مبعضٌ، وهذا الجواب ليس بظاهرٍ، وأجاب أبو البقاء بأنَّ منه ما يشفي من المرض. وهذا يؤيده الدَّليلُ المتقدِّم، وأجاز الكسائيُّ: «ورَحْمةً» بالنصب عطفاً على ما تظاهر وهذا قد وجد بدليل رقية بعض الصحابة سيِّد الحيِّ الذي لدغ، بالفاتحة؛ فشفي. الثالث: أنها لابتداءِ الغاية، وهو واضحٌ. والجمهور على رفع «شفاء ورحمةٌ» خبرين ل «هُوَ» ، والجملة صلة ل «مَا» وزيد بن عليٍّ بنصبهما، وخرِّجت قراءته على نصبهما على الحال، والخبر حينئذ «لِلمُؤمنينَ» وقدِّمت الحال على عاملها المعنوي، كقوله تعالى: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر: 67] في قراءة من نصب «مَطْويَّاتٍ» ، وقول النابغة: 3459 - رَهْطُ ابنِ كُوزٍ مُحقِبِي أدْرَاعهُمْ ... فِيهمْ ورَهْطُ رَبيعَة بْنِ حُذارِ وقيل: منصوبان بإضمار فعلٍ، وهذا عند من يمنع تقديمها على عاملها المعنوي، وقال أبو البقاء: وأجاز الكسائي: «ورحْمَةً» بالنصب عطفاً على «مَا» فظاهر هذا أن الكسائيَّ [بقَّى] «شِفاءٌ» على رفعه، ونصب «رَحْمةً» فقط عطفاً على «ما» الموصولة؛ كأه قيل: ونُنزِّل [من القرآن رحمة، وليس في نقله ما يؤذن بأنه تلاها قرآناً، وتقدَّم الخلاف في] «ونُنزِّلُ» تخفيفاً وتشديداً، والعامة على نون العظمة. ومجاهد «ويُنزِلُ» بياء الغيبة، أي: الله. فصل في المراد ب «مِنْ» في الآية قال المفسِّرون: إنَّ «من» هنا للجنسِ؛ كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 30] . أي: ونُنزِّل من هذا الجنس الذي هو قرآنٌ ما هو شفاءٌ، فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، أي: بيانٌ من الضلالة والجهالة يتبيَّن به المختلف، ويتَّضح به المشكل، ويستشفى به من الشُّبهة، ويهتدى به من الحيرة، وهو شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها. واعلم أنَّ القرآن شفاء من المراض الرُّوحانيَّة، والأمراض الجسمانية. أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية؛ لأنَّ المرض الروحانيَّ قسمان: أحدهما: الاعتقادات الباطلة، وأشدُّها فساداً الاعتقادات الفاسدة في الإلهيَّات، والنبوَّات، والمعاد، والقضاءِ، والقدر؛ والقرآن كلُّه مشتملٌ على دلائل الحقِّ في هذه المطالب. والثاني: الأخلاق المذمومة؛ والقرآن مشتمل على تفاصيلها، وتعريف ما فيها من المفاسد، والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة، وكان القرآن شفاء من الأمراض الروحانيَّة. وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية؛ فلأنَّ التبرُّك بقراءته يدفع كثيراً من الأمراض؛ ويؤيده ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «مَنْ لَمْ يَستشْفِ بالقرآنِ، فلا شَفاهُ الله تعالى» . وما ورد في حديث الرقية بالفاتحة. ثم قال: ﴿ولا يَزيدُ الظَّالِمِينَ إلاَّ خَسَاراً﴾ المراد بالظالمين ها هنا: المشركون؛ لأنَّ سماع القرآن يزيدهم غضباً، وغيظاً، وحقداً، وكلَّما نزلت آيةٌ يتجدَّد تكذيبٌ؛ فتزداد خسارتهم. قال مجاهد وقتادة: لم يجالس هذا القرآن أحدٌ إلا قام عنه بزيادةٍ أو نقصان: قضاء الله الذي قضاه شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين، ولا يزيد الظَّالمين إلا خساراً. ثم إنه تعالى ذكر السَّبب الأصلي في وقوع هؤلاء الجهَّال في أودية الضَّلال، وهو حبُّ الدنيا، والرغبة في المال والجاه، واعتقادهم أن ذلك إنَّما يحصل بجدِّهم واجتهادهم، فقال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ . قال ابن عباس: الإنسان ها هنا هو الوليد بن المغيرة. والأوْلى أنَّ كل إنسان من شأنه إذا فاز بمقصوده، غترَّ وصار غافلاً عن عبادة الله - تعالى - وتمرَّد على طاعته؛ كما قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 6، 7] . قوله تعالى: ﴿وَنَأَى﴾ : قرأ العامة بتقديم الهمزة على حرف العلة؛ من النَّأي، وهو البعدُ، وابن ذكوان - ونقلها أبو حيان وابن الخطيب عن ابن عامر وأبو جعفر: «نَاءَ» مثل «جَاءَ» بتقديم الألف على الهمزة، وفيها تخريجان: أحدهما: أنها من: نَاءَ، يَنُوء، أي: نَهضَ؛ قال: [الرجز] 3460 - حتَّى إذا مَا التَأمَتْ مَفاصِلُه ... ونَاءَ في شقِّ الشِّمالِ كَاهِلُه والثاني: أنه مقلوبٌ من «نَأى» ، ووزنه «فَلعَ» كقولهم في «رَأى» : «رَاءَ» إلى غير ذلك فيكونان بمعنى، ولكن متى أمكن عدم القلب، فهو أولى، وهذا الخلافُ أيضاً في حم السجدة [فصلت: 51] . وأمال الألف إمالة محضة الأخوان، وأبو بكرٍ، عن عاصمٍ، وبين بين؛ بخلاف عنه، السوسيُّ، وكذلك في فصِّلت، إلا أبا بكرٍ؛ فإنه لم يمله. وأمال فتحة النون في السورتين خلفٌ، وأبو الحارث والدُّوري عن الكسائيِّ. ثم قال: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر﴾ ، أي: الشِّدة، والضر ﴿كَانَ يَئُوساً﴾ أيساً قنوطاً. وقيل: معناه: أنَّه يتضرَّع، ويدعو عند الضُّرِّ والشدَّة، فإذا تأخَّرت الإجابة، أيس، ولا ينبغي للمؤمن أن يَيْئَسَ من الإجابة، وإن تأخَّرت، فيدع الدعاء. قوله تعالى: ﴿على شَاكِلَتِهِ﴾ : متعلق ب «يَعْمَلُ» ، والشَّاكلةُ: أحسنُ ما قيل فيها ما قاله الزمخشريُّ والزجاج: أنها مذهبه الذي يشاكلُ حاله في الهدى والضلالة؛ من قولهم: « طريقٌ ذو شَواكلَ» ، وهي الطرقُ التي تَشعَّبتْ منه؛ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً﴾ ، وقيل: على دينه، وقيل: خلقه، وقال ابن عباسٍ: «جانبه» وقال الحسن، وقتادة: على نيَّته. وقال الفراء: «على طَريقتهِ، والمذهب الذي جبل عليه» . [وهو] من «الشَّكلِ» وهو المثل؛ يقال: لست على شكْلِي، ولا شَاكلتي، وأمَّا «الشَّكلُ» بالكسر فهو الهيئة؛ يقال: جاريةٌ حسنة الشِّكلِ، وقال امرؤ [القيس] في «الشَّكل» بالفتح: [الكامل] 3461 - حَيِّ الحُمولَ بِجانبِ العَزْلِ ... إذْ لا يُلائِمُ شَكلُهَا شَكْلِي أي: لا يلائم مثلها مثلي. قال ابن الخطيب: والذي يقوى عندي: أنَّ المراد من المشاكلة ما قاله الزجاج، والزمخشريُّ؛ لقوله بعد ذلك: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 84] . وفيه وجه آخر: وهو أنَّ المراد: أن كلَّ أحد يفعل على وفق ما يشاكله جوهر نفسه، ومقتضى روحه، فإن كانت مشرقة، ظاهرة، علوية، صدرت منه أفعالٌ فاضلةٌ، وإن كانت نفسه كدرة خبيثة [مضلَّةً ظُلمانيَّة، صدرت عنه أفعال خسيسة] فاسدةٌ. وأقول: اختلف العقلاء في أنَّ النفوس الناطقة البشريَّة، هل هي مختلفةٌ بالماهيَّة، أم لا؟ . منهم من قال: إنَّها مختلفةٌ بالماهيَّة، وإنَّ اختلاف أحوالاه وأفعالها لاختلاف امزجتها. والمختار عندي: هو القسم الأوَّل، والقرآن يشعر به؛ لأنه تعالى بيَّن في الآية المتقدمة: أنَّ القرآن بالنِّسبة إلى البعض يفيد الشِّفاء، والرحمة، وبالنِّسبة إلى الآخرين يفيد الخسار، والخزي، ثم أتبعه بقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ﴾ . ومعناه: أن اللائق بتلك النُّفوس أن يظهر فيها القرآن الخير وآثار لاذكاء والكمال وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار، وتسوِّد وجهه، وهذا الكلام لا يتم المقصود به، إلاَّ إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة ماهيَّاتهان فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار، وتسوِّد وجهه، وهذا الكلام لا يتم المقصود به، إلاَّ إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة ماهيَّاتها، فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نورٌ على نورٍ، وبعضها كدرةٌ ظلمانية، ويظهر فيها من القرآن ضلال عل ضلالٍ، ونكالٌ على نكالٍ. قوله: «أهْدَى» يجوز أن يكون من «اهْتدَى» ؛ على حذف الزوائد، وأن يكون من «هَدَى» المتعدِّي، وأن يكون من «هَدَى» القاصر، بمعنى «اهتدى» . وقوله «سَبِيلاً» تمييزٌ. [والمعنى:] فربُّكم أعلم بمن هو أوضح طريقاً.

الإسراء 17:81

قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية. يحتمل أن يكون «مدخل» مصدراً، وأن يكون ظرف مكانٍ، وهو الظاهر، والعامة على ضمِّ الميم فيهما؛ لسبقهما بفعل رباعيٍّ، وقرأ قتادة، وأبو حيوة، وإبراهيم بن أبي عبلة، وحمسدٌ بفتح الميم فيهما: إمَّا لأنهما [مصدران على حذف الزوائد؛ ك ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: 17] ؛ وإمَّا لأنهما] منصوبان بمقدر موافق لهما، تقديره: فادخل مدخل، واخرج مخرج، وقد تقدَّم هذا مستوفًى في قراءةِ نافع في سورة النساء [الآية: 31] ، وأنه قرأ كذلك في سورة الحجِّ [الآية: 59] . و «مُدخلَ صِدقٍ» ، و «مُخرجَ صِدقٍ» من إضافة التبيين، وعند الكوفيين من إضافة الموصوف لصفته؛ لأنه يوصف به مبالغة. و «سلطاناً» هو المفعول الأول للجعلِ، والثاني أحدُ الجارَّين المتقدمين، والآخر متعلِّقٌ باستقراره، وقوله «نَصِيراً» يجوز أن يكون محولاً من «فاعلٍ» للمبالغة، وأن يكون بمعنى مفعول. فصل في معنى «مُدخَلَ صِدقٍ» و «مُخْرَجَ صِدْقٍ» قد تقدَّم في قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض﴾ [الإسراء: 76] قولان: أحدهما: أن يكون المراد منه سعي كفَّار مكَّة في إخراجه منها. والثاني: المراد منه اليهود؛ قالوا له: الأولى أن تخرج من المدينة إلى الشَّام، ثم قال: «أقم الصَّلاة» واشتغل بعبادة الله تعالى، ولا تلتفت إلى هؤلاء الجهَّال، فإنَّ الله تعالى يعينك، ثمَّ عاد بعد هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة من أن كفَّار مكَّة أرادوا إخراجه، فأراد الله تعالى هجرته إلى المدينة، وقال له: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ ، وهو المدينة، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ ، وهو مكَّة، وهذا قول ابن عبَّاس، والحسن، وقتادة. وعلى التفسير الثاني، وهو أنَّ المراد منها أن اليهود حملوه على الخروج من المدينة والذَّهاب إلى الشَّام، فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ثمَّ أمر بأن يرجع إليها، فلمَّا عاد إلى المدينة، قال: «ربِّ أدخلْنِي مُدخلَ صدقٍ» وهي المدينة، «وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدقٍ» يعني: إلى مكة؛ [بالفتح] ، أي: افتحها. وقال الضحاك: «أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ» ظاهراً على مكة بالفتح «وأخْرِدنِي مُخرجَ صِدْقٍ» من مكة، آمناً من المشركين. وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة، والقيام بمهمات أداء شريعتك، «وأخْرِجْنِي» من الدنيا، وقد قمت بما وجب عليَّ من حقِّها «مُخرجَ صِدقٍ» أي: إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ. وعن الحسن: «أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ» الجنة، «وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدْقٍ» أي: إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ من مكة. وقيل: أدخلني في طاعتك، وأخرجني من المناهي. وقيل: أدخلني القبر مدخل صدقٍ، وأخرجني منه مخرج صدقٍ، وقيل: أدخلني حيثُ ما أدخلتني بالصِّدق، وأخرجني بالصِّدق، أي: لا تجعلني ممَّن يدخل بوجهٍ، ويخرج بوجهٍ، فإنَّ ذا الوجهين لم يكن عند الله وجيهاً. ووصف الإدخال والإخراج بالصِّدقِ؛ لما يئول غليه الدُّخولُ والخروج من النصر، والعزِّ، ودولة الدِّين، كما وصف القدم بالصِّدق؛ فقال: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: 67] . وقال: ﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ [المجادلة: 22] . وقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] . ولما سأل الله تعالى النُّصرة، بيَّن أنَّه أجاب دعاءه؛ فقال: ﴿وَقُلْ جَآءَ الحق﴾ . وهو دينه وشرعه. قوله: ﴿وَزَهَقَ الباطل﴾ . وهو كل ما سواه من الأديان، والشَّرائع، قاله السديُّ. وقيل: جاء الحقُّ، أي: القرآن. وزهق الباطل، أي: ذهب الشيطان، قاله قتادة. وقيل: الحقُّ: عبادة الله تعالى، والباطل عبادة الأصنام. وعن ابن مسعودٍ: أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دخل مكَّة يوم الفتح، وحول البيت ثلاثمائةٍ وستُّون صنماً، فجعل يضربها بعودٍ في يده، وجعل يقول: ﴿جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل﴾ [أي: ذهب الشيطان] كان الصَّنمُ ينكبُّ على وجهه. قوله: ﴿إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً﴾ . أي: إنَّ الباطل، وإن كان له دولةٌ، لا يبقى، بل يزول بسرعة. والزُّهوقُ: الذِّهاب، والاضمحلال؛ قال: [الكامل] 3457 - ولقَدْ شَفَى نَفْسِي وأبْرَأ سُقمهَا ... إقْدامهُ بِمزَالةٍ لمْ يَزْهقِ يقال: زهقت نفسي تزهقُ زهوقاً بالضمِّ، وأمَّا الزُّهوقُ، بالفتح، فمثال مبالغة؛ كقوله: [الطويل] 3458 - ضَرُوبٌ بِنصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمانِها..... ... ... . . قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن﴾ : في «مِنْ» هذه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها لبيان الجنس، قاله الزمخشري، وابن عطيَّة، وأبو البقاء، وردَّ عليهم أبو حيان: بأنَّ التي للبيان، لا بد وأن يتقدَّمها ما تبينه، لا أن تتقدم هي عليه، وهنا قد وجد تقدُّمها عليه. الثاني: أنها للتبعيض، وأنكره الحوفي؛ قال: «لأنه يلزم ألاَّ يكون بعضه شفاء» وأجيب عنه: بأنَّ إنزاله إنَّما هو مبعضٌ، وهذا الجواب ليس بظاهرٍ، وأجاب أبو البقاء بأنَّ منه ما يشفي من المرض. وهذا يؤيده الدَّليلُ المتقدِّم، وأجاز الكسائيُّ: «ورَحْمةً» بالنصب عطفاً على ما تظاهر وهذا قد وجد بدليل رقية بعض الصحابة سيِّد الحيِّ الذي لدغ، بالفاتحة؛ فشفي. الثالث: أنها لابتداءِ الغاية، وهو واضحٌ. والجمهور على رفع «شفاء ورحمةٌ» خبرين ل «هُوَ» ، والجملة صلة ل «مَا» وزيد بن عليٍّ بنصبهما، وخرِّجت قراءته على نصبهما على الحال، والخبر حينئذ «لِلمُؤمنينَ» وقدِّمت الحال على عاملها المعنوي، كقوله تعالى: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر: 67] في قراءة من نصب «مَطْويَّاتٍ» ، وقول النابغة: 3459 - رَهْطُ ابنِ كُوزٍ مُحقِبِي أدْرَاعهُمْ ... فِيهمْ ورَهْطُ رَبيعَة بْنِ حُذارِ وقيل: منصوبان بإضمار فعلٍ، وهذا عند من يمنع تقديمها على عاملها المعنوي، وقال أبو البقاء: وأجاز الكسائي: «ورحْمَةً» بالنصب عطفاً على «مَا» فظاهر هذا أن الكسائيَّ [بقَّى] «شِفاءٌ» على رفعه، ونصب «رَحْمةً» فقط عطفاً على «ما» الموصولة؛ كأه قيل: ونُنزِّل [من القرآن رحمة، وليس في نقله ما يؤذن بأنه تلاها قرآناً، وتقدَّم الخلاف في] «ونُنزِّلُ» تخفيفاً وتشديداً، والعامة على نون العظمة. ومجاهد «ويُنزِلُ» بياء الغيبة، أي: الله. فصل في المراد ب «مِنْ» في الآية قال المفسِّرون: إنَّ «من» هنا للجنسِ؛ كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 30] . أي: ونُنزِّل من هذا الجنس الذي هو قرآنٌ ما هو شفاءٌ، فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، أي: بيانٌ من الضلالة والجهالة يتبيَّن به المختلف، ويتَّضح به المشكل، ويستشفى به من الشُّبهة، ويهتدى به من الحيرة، وهو شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها. واعلم أنَّ القرآن شفاء من المراض الرُّوحانيَّة، والأمراض الجسمانية. أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية؛ لأنَّ المرض الروحانيَّ قسمان: أحدهما: الاعتقادات الباطلة، وأشدُّها فساداً الاعتقادات الفاسدة في الإلهيَّات، والنبوَّات، والمعاد، والقضاءِ، والقدر؛ والقرآن كلُّه مشتملٌ على دلائل الحقِّ في هذه المطالب. والثاني: الأخلاق المذمومة؛ والقرآن مشتمل على تفاصيلها، وتعريف ما فيها من المفاسد، والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة، وكان القرآن شفاء من الأمراض الروحانيَّة. وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية؛ فلأنَّ التبرُّك بقراءته يدفع كثيراً من الأمراض؛ ويؤيده ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «مَنْ لَمْ يَستشْفِ بالقرآنِ، فلا شَفاهُ الله تعالى» . وما ورد في حديث الرقية بالفاتحة. ثم قال: ﴿ولا يَزيدُ الظَّالِمِينَ إلاَّ خَسَاراً﴾ المراد بالظالمين ها هنا: المشركون؛ لأنَّ سماع القرآن يزيدهم غضباً، وغيظاً، وحقداً، وكلَّما نزلت آيةٌ يتجدَّد تكذيبٌ؛ فتزداد خسارتهم. قال مجاهد وقتادة: لم يجالس هذا القرآن أحدٌ إلا قام عنه بزيادةٍ أو نقصان: قضاء الله الذي قضاه شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين، ولا يزيد الظَّالمين إلا خساراً. ثم إنه تعالى ذكر السَّبب الأصلي في وقوع هؤلاء الجهَّال في أودية الضَّلال، وهو حبُّ الدنيا، والرغبة في المال والجاه، واعتقادهم أن ذلك إنَّما يحصل بجدِّهم واجتهادهم، فقال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ . قال ابن عباس: الإنسان ها هنا هو الوليد بن المغيرة. والأوْلى أنَّ كل إنسان من شأنه إذا فاز بمقصوده، غترَّ وصار غافلاً عن عبادة الله - تعالى - وتمرَّد على طاعته؛ كما قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 6، 7] . قوله تعالى: ﴿وَنَأَى﴾ : قرأ العامة بتقديم الهمزة على حرف العلة؛ من النَّأي، وهو البعدُ، وابن ذكوان - ونقلها أبو حيان وابن الخطيب عن ابن عامر وأبو جعفر: «نَاءَ» مثل «جَاءَ» بتقديم الألف على الهمزة، وفيها تخريجان: أحدهما: أنها من: نَاءَ، يَنُوء، أي: نَهضَ؛ قال: [الرجز] 3460 - حتَّى إذا مَا التَأمَتْ مَفاصِلُه ... ونَاءَ في شقِّ الشِّمالِ كَاهِلُه والثاني: أنه مقلوبٌ من «نَأى» ، ووزنه «فَلعَ» كقولهم في «رَأى» : «رَاءَ» إلى غير ذلك فيكونان بمعنى، ولكن متى أمكن عدم القلب، فهو أولى، وهذا الخلافُ أيضاً في حم السجدة [فصلت: 51] . وأمال الألف إمالة محضة الأخوان، وأبو بكرٍ، عن عاصمٍ، وبين بين؛ بخلاف عنه، السوسيُّ، وكذلك في فصِّلت، إلا أبا بكرٍ؛ فإنه لم يمله. وأمال فتحة النون في السورتين خلفٌ، وأبو الحارث والدُّوري عن الكسائيِّ. ثم قال: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر﴾ ، أي: الشِّدة، والضر ﴿كَانَ يَئُوساً﴾ أيساً قنوطاً. وقيل: معناه: أنَّه يتضرَّع، ويدعو عند الضُّرِّ والشدَّة، فإذا تأخَّرت الإجابة، أيس، ولا ينبغي للمؤمن أن يَيْئَسَ من الإجابة، وإن تأخَّرت، فيدع الدعاء. قوله تعالى: ﴿على شَاكِلَتِهِ﴾ : متعلق ب «يَعْمَلُ» ، والشَّاكلةُ: أحسنُ ما قيل فيها ما قاله الزمخشريُّ والزجاج: أنها مذهبه الذي يشاكلُ حاله في الهدى والضلالة؛ من قولهم: « طريقٌ ذو شَواكلَ» ، وهي الطرقُ التي تَشعَّبتْ منه؛ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً﴾ ، وقيل: على دينه، وقيل: خلقه، وقال ابن عباسٍ: «جانبه» وقال الحسن، وقتادة: على نيَّته. وقال الفراء: «على طَريقتهِ، والمذهب الذي جبل عليه» . [وهو] من «الشَّكلِ» وهو المثل؛ يقال: لست على شكْلِي، ولا شَاكلتي، وأمَّا «الشَّكلُ» بالكسر فهو الهيئة؛ يقال: جاريةٌ حسنة الشِّكلِ، وقال امرؤ [القيس] في «الشَّكل» بالفتح: [الكامل] 3461 - حَيِّ الحُمولَ بِجانبِ العَزْلِ ... إذْ لا يُلائِمُ شَكلُهَا شَكْلِي أي: لا يلائم مثلها مثلي. قال ابن الخطيب: والذي يقوى عندي: أنَّ المراد من المشاكلة ما قاله الزجاج، والزمخشريُّ؛ لقوله بعد ذلك: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 84] . وفيه وجه آخر: وهو أنَّ المراد: أن كلَّ أحد يفعل على وفق ما يشاكله جوهر نفسه، ومقتضى روحه، فإن كانت مشرقة، ظاهرة، علوية، صدرت منه أفعالٌ فاضلةٌ، وإن كانت نفسه كدرة خبيثة [مضلَّةً ظُلمانيَّة، صدرت عنه أفعال خسيسة] فاسدةٌ. وأقول: اختلف العقلاء في أنَّ النفوس الناطقة البشريَّة، هل هي مختلفةٌ بالماهيَّة، أم لا؟ . منهم من قال: إنَّها مختلفةٌ بالماهيَّة، وإنَّ اختلاف أحوالاه وأفعالها لاختلاف امزجتها. والمختار عندي: هو القسم الأوَّل، والقرآن يشعر به؛ لأنه تعالى بيَّن في الآية المتقدمة: أنَّ القرآن بالنِّسبة إلى البعض يفيد الشِّفاء، والرحمة، وبالنِّسبة إلى الآخرين يفيد الخسار، والخزي، ثم أتبعه بقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ﴾ . ومعناه: أن اللائق بتلك النُّفوس أن يظهر فيها القرآن الخير وآثار لاذكاء والكمال وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار، وتسوِّد وجهه، وهذا الكلام لا يتم المقصود به، إلاَّ إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة ماهيَّاتهان فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار، وتسوِّد وجهه، وهذا الكلام لا يتم المقصود به، إلاَّ إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة ماهيَّاتها، فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نورٌ على نورٍ، وبعضها كدرةٌ ظلمانية، ويظهر فيها من القرآن ضلال عل ضلالٍ، ونكالٌ على نكالٍ. قوله: «أهْدَى» يجوز أن يكون من «اهْتدَى» ؛ على حذف الزوائد، وأن يكون من «هَدَى» المتعدِّي، وأن يكون من «هَدَى» القاصر، بمعنى «اهتدى» . وقوله «سَبِيلاً» تمييزٌ. [والمعنى:] فربُّكم أعلم بمن هو أوضح طريقاً.

الإسراء 17:82

قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية. يحتمل أن يكون «مدخل» مصدراً، وأن يكون ظرف مكانٍ، وهو الظاهر، والعامة على ضمِّ الميم فيهما؛ لسبقهما بفعل رباعيٍّ، وقرأ قتادة، وأبو حيوة، وإبراهيم بن أبي عبلة، وحمسدٌ بفتح الميم فيهما: إمَّا لأنهما [مصدران على حذف الزوائد؛ ك ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: 17] ؛ وإمَّا لأنهما] منصوبان بمقدر موافق لهما، تقديره: فادخل مدخل، واخرج مخرج، وقد تقدَّم هذا مستوفًى في قراءةِ نافع في سورة النساء [الآية: 31] ، وأنه قرأ كذلك في سورة الحجِّ [الآية: 59] . و «مُدخلَ صِدقٍ» ، و «مُخرجَ صِدقٍ» من إضافة التبيين، وعند الكوفيين من إضافة الموصوف لصفته؛ لأنه يوصف به مبالغة. و «سلطاناً» هو المفعول الأول للجعلِ، والثاني أحدُ الجارَّين المتقدمين، والآخر متعلِّقٌ باستقراره، وقوله «نَصِيراً» يجوز أن يكون محولاً من «فاعلٍ» للمبالغة، وأن يكون بمعنى مفعول. فصل في معنى «مُدخَلَ صِدقٍ» و «مُخْرَجَ صِدْقٍ» قد تقدَّم في قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض﴾ [الإسراء: 76] قولان: أحدهما: أن يكون المراد منه سعي كفَّار مكَّة في إخراجه منها. والثاني: المراد منه اليهود؛ قالوا له: الأولى أن تخرج من المدينة إلى الشَّام، ثم قال: «أقم الصَّلاة» واشتغل بعبادة الله تعالى، ولا تلتفت إلى هؤلاء الجهَّال، فإنَّ الله تعالى يعينك، ثمَّ عاد بعد هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة من أن كفَّار مكَّة أرادوا إخراجه، فأراد الله تعالى هجرته إلى المدينة، وقال له: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ ، وهو المدينة، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ ، وهو مكَّة، وهذا قول ابن عبَّاس، والحسن، وقتادة. وعلى التفسير الثاني، وهو أنَّ المراد منها أن اليهود حملوه على الخروج من المدينة والذَّهاب إلى الشَّام، فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ثمَّ أمر بأن يرجع إليها، فلمَّا عاد إلى المدينة، قال: «ربِّ أدخلْنِي مُدخلَ صدقٍ» وهي المدينة، «وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدقٍ» يعني: إلى مكة؛ [بالفتح] ، أي: افتحها. وقال الضحاك: «أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ» ظاهراً على مكة بالفتح «وأخْرِدنِي مُخرجَ صِدْقٍ» من مكة، آمناً من المشركين. وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة، والقيام بمهمات أداء شريعتك، «وأخْرِجْنِي» من الدنيا، وقد قمت بما وجب عليَّ من حقِّها «مُخرجَ صِدقٍ» أي: إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ. وعن الحسن: «أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ» الجنة، «وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدْقٍ» أي: إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ من مكة. وقيل: أدخلني في طاعتك، وأخرجني من المناهي. وقيل: أدخلني القبر مدخل صدقٍ، وأخرجني منه مخرج صدقٍ، وقيل: أدخلني حيثُ ما أدخلتني بالصِّدق، وأخرجني بالصِّدق، أي: لا تجعلني ممَّن يدخل بوجهٍ، ويخرج بوجهٍ، فإنَّ ذا الوجهين لم يكن عند الله وجيهاً. ووصف الإدخال والإخراج بالصِّدقِ؛ لما يئول غليه الدُّخولُ والخروج من النصر، والعزِّ، ودولة الدِّين، كما وصف القدم بالصِّدق؛ فقال: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: 67] . وقال: ﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ [المجادلة: 22] . وقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] . ولما سأل الله تعالى النُّصرة، بيَّن أنَّه أجاب دعاءه؛ فقال: ﴿وَقُلْ جَآءَ الحق﴾ . وهو دينه وشرعه. قوله: ﴿وَزَهَقَ الباطل﴾ . وهو كل ما سواه من الأديان، والشَّرائع، قاله السديُّ. وقيل: جاء الحقُّ، أي: القرآن. وزهق الباطل، أي: ذهب الشيطان، قاله قتادة. وقيل: الحقُّ: عبادة الله تعالى، والباطل عبادة الأصنام. وعن ابن مسعودٍ: أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دخل مكَّة يوم الفتح، وحول البيت ثلاثمائةٍ وستُّون صنماً، فجعل يضربها بعودٍ في يده، وجعل يقول: ﴿جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل﴾ [أي: ذهب الشيطان] كان الصَّنمُ ينكبُّ على وجهه. قوله: ﴿إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً﴾ . أي: إنَّ الباطل، وإن كان له دولةٌ، لا يبقى، بل يزول بسرعة. والزُّهوقُ: الذِّهاب، والاضمحلال؛ قال: [الكامل] 3457 - ولقَدْ شَفَى نَفْسِي وأبْرَأ سُقمهَا ... إقْدامهُ بِمزَالةٍ لمْ يَزْهقِ يقال: زهقت نفسي تزهقُ زهوقاً بالضمِّ، وأمَّا الزُّهوقُ، بالفتح، فمثال مبالغة؛ كقوله: [الطويل] 3458 - ضَرُوبٌ بِنصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمانِها..... ... ... . . قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن﴾ : في «مِنْ» هذه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها لبيان الجنس، قاله الزمخشري، وابن عطيَّة، وأبو البقاء، وردَّ عليهم أبو حيان: بأنَّ التي للبيان، لا بد وأن يتقدَّمها ما تبينه، لا أن تتقدم هي عليه، وهنا قد وجد تقدُّمها عليه. الثاني: أنها للتبعيض، وأنكره الحوفي؛ قال: «لأنه يلزم ألاَّ يكون بعضه شفاء» وأجيب عنه: بأنَّ إنزاله إنَّما هو مبعضٌ، وهذا الجواب ليس بظاهرٍ، وأجاب أبو البقاء بأنَّ منه ما يشفي من المرض. وهذا يؤيده الدَّليلُ المتقدِّم، وأجاز الكسائيُّ: «ورَحْمةً» بالنصب عطفاً على ما تظاهر وهذا قد وجد بدليل رقية بعض الصحابة سيِّد الحيِّ الذي لدغ، بالفاتحة؛ فشفي. الثالث: أنها لابتداءِ الغاية، وهو واضحٌ. والجمهور على رفع «شفاء ورحمةٌ» خبرين ل «هُوَ» ، والجملة صلة ل «مَا» وزيد بن عليٍّ بنصبهما، وخرِّجت قراءته على نصبهما على الحال، والخبر حينئذ «لِلمُؤمنينَ» وقدِّمت الحال على عاملها المعنوي، كقوله تعالى: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر: 67] في قراءة من نصب «مَطْويَّاتٍ» ، وقول النابغة: 3459 - رَهْطُ ابنِ كُوزٍ مُحقِبِي أدْرَاعهُمْ ... فِيهمْ ورَهْطُ رَبيعَة بْنِ حُذارِ وقيل: منصوبان بإضمار فعلٍ، وهذا عند من يمنع تقديمها على عاملها المعنوي، وقال أبو البقاء: وأجاز الكسائي: «ورحْمَةً» بالنصب عطفاً على «مَا» فظاهر هذا أن الكسائيَّ [بقَّى] «شِفاءٌ» على رفعه، ونصب «رَحْمةً» فقط عطفاً على «ما» الموصولة؛ كأه قيل: ونُنزِّل [من القرآن رحمة، وليس في نقله ما يؤذن بأنه تلاها قرآناً، وتقدَّم الخلاف في] «ونُنزِّلُ» تخفيفاً وتشديداً، والعامة على نون العظمة. ومجاهد «ويُنزِلُ» بياء الغيبة، أي: الله. فصل في المراد ب «مِنْ» في الآية قال المفسِّرون: إنَّ «من» هنا للجنسِ؛ كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 30] . أي: ونُنزِّل من هذا الجنس الذي هو قرآنٌ ما هو شفاءٌ، فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، أي: بيانٌ من الضلالة والجهالة يتبيَّن به المختلف، ويتَّضح به المشكل، ويستشفى به من الشُّبهة، ويهتدى به من الحيرة، وهو شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها. واعلم أنَّ القرآن شفاء من المراض الرُّوحانيَّة، والأمراض الجسمانية. أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية؛ لأنَّ المرض الروحانيَّ قسمان: أحدهما: الاعتقادات الباطلة، وأشدُّها فساداً الاعتقادات الفاسدة في الإلهيَّات، والنبوَّات، والمعاد، والقضاءِ، والقدر؛ والقرآن كلُّه مشتملٌ على دلائل الحقِّ في هذه المطالب. والثاني: الأخلاق المذمومة؛ والقرآن مشتمل على تفاصيلها، وتعريف ما فيها من المفاسد، والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة، وكان القرآن شفاء من الأمراض الروحانيَّة. وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية؛ فلأنَّ التبرُّك بقراءته يدفع كثيراً من الأمراض؛ ويؤيده ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «مَنْ لَمْ يَستشْفِ بالقرآنِ، فلا شَفاهُ الله تعالى» . وما ورد في حديث الرقية بالفاتحة. ثم قال: ﴿ولا يَزيدُ الظَّالِمِينَ إلاَّ خَسَاراً﴾ المراد بالظالمين ها هنا: المشركون؛ لأنَّ سماع القرآن يزيدهم غضباً، وغيظاً، وحقداً، وكلَّما نزلت آيةٌ يتجدَّد تكذيبٌ؛ فتزداد خسارتهم. قال مجاهد وقتادة: لم يجالس هذا القرآن أحدٌ إلا قام عنه بزيادةٍ أو نقصان: قضاء الله الذي قضاه شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين، ولا يزيد الظَّالمين إلا خساراً. ثم إنه تعالى ذكر السَّبب الأصلي في وقوع هؤلاء الجهَّال في أودية الضَّلال، وهو حبُّ الدنيا، والرغبة في المال والجاه، واعتقادهم أن ذلك إنَّما يحصل بجدِّهم واجتهادهم، فقال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ . قال ابن عباس: الإنسان ها هنا هو الوليد بن المغيرة. والأوْلى أنَّ كل إنسان من شأنه إذا فاز بمقصوده، غترَّ وصار غافلاً عن عبادة الله - تعالى - وتمرَّد على طاعته؛ كما قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 6، 7] . قوله تعالى: ﴿وَنَأَى﴾ : قرأ العامة بتقديم الهمزة على حرف العلة؛ من النَّأي، وهو البعدُ، وابن ذكوان - ونقلها أبو حيان وابن الخطيب عن ابن عامر وأبو جعفر: «نَاءَ» مثل «جَاءَ» بتقديم الألف على الهمزة، وفيها تخريجان: أحدهما: أنها من: نَاءَ، يَنُوء، أي: نَهضَ؛ قال: [الرجز] 3460 - حتَّى إذا مَا التَأمَتْ مَفاصِلُه ... ونَاءَ في شقِّ الشِّمالِ كَاهِلُه والثاني: أنه مقلوبٌ من «نَأى» ، ووزنه «فَلعَ» كقولهم في «رَأى» : «رَاءَ» إلى غير ذلك فيكونان بمعنى، ولكن متى أمكن عدم القلب، فهو أولى، وهذا الخلافُ أيضاً في حم السجدة [فصلت: 51] . وأمال الألف إمالة محضة الأخوان، وأبو بكرٍ، عن عاصمٍ، وبين بين؛ بخلاف عنه، السوسيُّ، وكذلك في فصِّلت، إلا أبا بكرٍ؛ فإنه لم يمله. وأمال فتحة النون في السورتين خلفٌ، وأبو الحارث والدُّوري عن الكسائيِّ. ثم قال: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر﴾ ، أي: الشِّدة، والضر ﴿كَانَ يَئُوساً﴾ أيساً قنوطاً. وقيل: معناه: أنَّه يتضرَّع، ويدعو عند الضُّرِّ والشدَّة، فإذا تأخَّرت الإجابة، أيس، ولا ينبغي للمؤمن أن يَيْئَسَ من الإجابة، وإن تأخَّرت، فيدع الدعاء. قوله تعالى: ﴿على شَاكِلَتِهِ﴾ : متعلق ب «يَعْمَلُ» ، والشَّاكلةُ: أحسنُ ما قيل فيها ما قاله الزمخشريُّ والزجاج: أنها مذهبه الذي يشاكلُ حاله في الهدى والضلالة؛ من قولهم: « طريقٌ ذو شَواكلَ» ، وهي الطرقُ التي تَشعَّبتْ منه؛ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً﴾ ، وقيل: على دينه، وقيل: خلقه، وقال ابن عباسٍ: «جانبه» وقال الحسن، وقتادة: على نيَّته. وقال الفراء: «على طَريقتهِ، والمذهب الذي جبل عليه» . [وهو] من «الشَّكلِ» وهو المثل؛ يقال: لست على شكْلِي، ولا شَاكلتي، وأمَّا «الشَّكلُ» بالكسر فهو الهيئة؛ يقال: جاريةٌ حسنة الشِّكلِ، وقال امرؤ [القيس] في «الشَّكل» بالفتح: [الكامل] 3461 - حَيِّ الحُمولَ بِجانبِ العَزْلِ ... إذْ لا يُلائِمُ شَكلُهَا شَكْلِي أي: لا يلائم مثلها مثلي. قال ابن الخطيب: والذي يقوى عندي: أنَّ المراد من المشاكلة ما قاله الزجاج، والزمخشريُّ؛ لقوله بعد ذلك: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 84] . وفيه وجه آخر: وهو أنَّ المراد: أن كلَّ أحد يفعل على وفق ما يشاكله جوهر نفسه، ومقتضى روحه، فإن كانت مشرقة، ظاهرة، علوية، صدرت منه أفعالٌ فاضلةٌ، وإن كانت نفسه كدرة خبيثة [مضلَّةً ظُلمانيَّة، صدرت عنه أفعال خسيسة] فاسدةٌ. وأقول: اختلف العقلاء في أنَّ النفوس الناطقة البشريَّة، هل هي مختلفةٌ بالماهيَّة، أم لا؟ . منهم من قال: إنَّها مختلفةٌ بالماهيَّة، وإنَّ اختلاف أحوالاه وأفعالها لاختلاف امزجتها. والمختار عندي: هو القسم الأوَّل، والقرآن يشعر به؛ لأنه تعالى بيَّن في الآية المتقدمة: أنَّ القرآن بالنِّسبة إلى البعض يفيد الشِّفاء، والرحمة، وبالنِّسبة إلى الآخرين يفيد الخسار، والخزي، ثم أتبعه بقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ﴾ . ومعناه: أن اللائق بتلك النُّفوس أن يظهر فيها القرآن الخير وآثار لاذكاء والكمال وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار، وتسوِّد وجهه، وهذا الكلام لا يتم المقصود به، إلاَّ إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة ماهيَّاتهان فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار، وتسوِّد وجهه، وهذا الكلام لا يتم المقصود به، إلاَّ إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة ماهيَّاتها، فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نورٌ على نورٍ، وبعضها كدرةٌ ظلمانية، ويظهر فيها من القرآن ضلال عل ضلالٍ، ونكالٌ على نكالٍ. قوله: «أهْدَى» يجوز أن يكون من «اهْتدَى» ؛ على حذف الزوائد، وأن يكون من «هَدَى» المتعدِّي، وأن يكون من «هَدَى» القاصر، بمعنى «اهتدى» . وقوله «سَبِيلاً» تمييزٌ. [والمعنى:] فربُّكم أعلم بمن هو أوضح طريقاً.

الإسراء 17:83

قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية. يحتمل أن يكون «مدخل» مصدراً، وأن يكون ظرف مكانٍ، وهو الظاهر، والعامة على ضمِّ الميم فيهما؛ لسبقهما بفعل رباعيٍّ، وقرأ قتادة، وأبو حيوة، وإبراهيم بن أبي عبلة، وحمسدٌ بفتح الميم فيهما: إمَّا لأنهما [مصدران على حذف الزوائد؛ ك ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: 17] ؛ وإمَّا لأنهما] منصوبان بمقدر موافق لهما، تقديره: فادخل مدخل، واخرج مخرج، وقد تقدَّم هذا مستوفًى في قراءةِ نافع في سورة النساء [الآية: 31] ، وأنه قرأ كذلك في سورة الحجِّ [الآية: 59] . و «مُدخلَ صِدقٍ» ، و «مُخرجَ صِدقٍ» من إضافة التبيين، وعند الكوفيين من إضافة الموصوف لصفته؛ لأنه يوصف به مبالغة. و «سلطاناً» هو المفعول الأول للجعلِ، والثاني أحدُ الجارَّين المتقدمين، والآخر متعلِّقٌ باستقراره، وقوله «نَصِيراً» يجوز أن يكون محولاً من «فاعلٍ» للمبالغة، وأن يكون بمعنى مفعول. فصل في معنى «مُدخَلَ صِدقٍ» و «مُخْرَجَ صِدْقٍ» قد تقدَّم في قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض﴾ [الإسراء: 76] قولان: أحدهما: أن يكون المراد منه سعي كفَّار مكَّة في إخراجه منها. والثاني: المراد منه اليهود؛ قالوا له: الأولى أن تخرج من المدينة إلى الشَّام، ثم قال: «أقم الصَّلاة» واشتغل بعبادة الله تعالى، ولا تلتفت إلى هؤلاء الجهَّال، فإنَّ الله تعالى يعينك، ثمَّ عاد بعد هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة من أن كفَّار مكَّة أرادوا إخراجه، فأراد الله تعالى هجرته إلى المدينة، وقال له: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ ، وهو المدينة، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ ، وهو مكَّة، وهذا قول ابن عبَّاس، والحسن، وقتادة. وعلى التفسير الثاني، وهو أنَّ المراد منها أن اليهود حملوه على الخروج من المدينة والذَّهاب إلى الشَّام، فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ثمَّ أمر بأن يرجع إليها، فلمَّا عاد إلى المدينة، قال: «ربِّ أدخلْنِي مُدخلَ صدقٍ» وهي المدينة، «وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدقٍ» يعني: إلى مكة؛ [بالفتح] ، أي: افتحها. وقال الضحاك: «أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ» ظاهراً على مكة بالفتح «وأخْرِدنِي مُخرجَ صِدْقٍ» من مكة، آمناً من المشركين. وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة، والقيام بمهمات أداء شريعتك، «وأخْرِجْنِي» من الدنيا، وقد قمت بما وجب عليَّ من حقِّها «مُخرجَ صِدقٍ» أي: إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ. وعن الحسن: «أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ» الجنة، «وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدْقٍ» أي: إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ من مكة. وقيل: أدخلني في طاعتك، وأخرجني من المناهي. وقيل: أدخلني القبر مدخل صدقٍ، وأخرجني منه مخرج صدقٍ، وقيل: أدخلني حيثُ ما أدخلتني بالصِّدق، وأخرجني بالصِّدق، أي: لا تجعلني ممَّن يدخل بوجهٍ، ويخرج بوجهٍ، فإنَّ ذا الوجهين لم يكن عند الله وجيهاً. ووصف الإدخال والإخراج بالصِّدقِ؛ لما يئول غليه الدُّخولُ والخروج من النصر، والعزِّ، ودولة الدِّين، كما وصف القدم بالصِّدق؛ فقال: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: 67] . وقال: ﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ [المجادلة: 22] . وقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] . ولما سأل الله تعالى النُّصرة، بيَّن أنَّه أجاب دعاءه؛ فقال: ﴿وَقُلْ جَآءَ الحق﴾ . وهو دينه وشرعه. قوله: ﴿وَزَهَقَ الباطل﴾ . وهو كل ما سواه من الأديان، والشَّرائع، قاله السديُّ. وقيل: جاء الحقُّ، أي: القرآن. وزهق الباطل، أي: ذهب الشيطان، قاله قتادة. وقيل: الحقُّ: عبادة الله تعالى، والباطل عبادة الأصنام. وعن ابن مسعودٍ: أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دخل مكَّة يوم الفتح، وحول البيت ثلاثمائةٍ وستُّون صنماً، فجعل يضربها بعودٍ في يده، وجعل يقول: ﴿جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل﴾ [أي: ذهب الشيطان] كان الصَّنمُ ينكبُّ على وجهه. قوله: ﴿إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً﴾ . أي: إنَّ الباطل، وإن كان له دولةٌ، لا يبقى، بل يزول بسرعة. والزُّهوقُ: الذِّهاب، والاضمحلال؛ قال: [الكامل] 3457 - ولقَدْ شَفَى نَفْسِي وأبْرَأ سُقمهَا ... إقْدامهُ بِمزَالةٍ لمْ يَزْهقِ يقال: زهقت نفسي تزهقُ زهوقاً بالضمِّ، وأمَّا الزُّهوقُ، بالفتح، فمثال مبالغة؛ كقوله: [الطويل] 3458 - ضَرُوبٌ بِنصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمانِها..... ... ... . . قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن﴾ : في «مِنْ» هذه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها لبيان الجنس، قاله الزمخشري، وابن عطيَّة، وأبو البقاء، وردَّ عليهم أبو حيان: بأنَّ التي للبيان، لا بد وأن يتقدَّمها ما تبينه، لا أن تتقدم هي عليه، وهنا قد وجد تقدُّمها عليه. الثاني: أنها للتبعيض، وأنكره الحوفي؛ قال: «لأنه يلزم ألاَّ يكون بعضه شفاء» وأجيب عنه: بأنَّ إنزاله إنَّما هو مبعضٌ، وهذا الجواب ليس بظاهرٍ، وأجاب أبو البقاء بأنَّ منه ما يشفي من المرض. وهذا يؤيده الدَّليلُ المتقدِّم، وأجاز الكسائيُّ: «ورَحْمةً» بالنصب عطفاً على ما تظاهر وهذا قد وجد بدليل رقية بعض الصحابة سيِّد الحيِّ الذي لدغ، بالفاتحة؛ فشفي. الثالث: أنها لابتداءِ الغاية، وهو واضحٌ. والجمهور على رفع «شفاء ورحمةٌ» خبرين ل «هُوَ» ، والجملة صلة ل «مَا» وزيد بن عليٍّ بنصبهما، وخرِّجت قراءته على نصبهما على الحال، والخبر حينئذ «لِلمُؤمنينَ» وقدِّمت الحال على عاملها المعنوي، كقوله تعالى: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر: 67] في قراءة من نصب «مَطْويَّاتٍ» ، وقول النابغة: 3459 - رَهْطُ ابنِ كُوزٍ مُحقِبِي أدْرَاعهُمْ ... فِيهمْ ورَهْطُ رَبيعَة بْنِ حُذارِ وقيل: منصوبان بإضمار فعلٍ، وهذا عند من يمنع تقديمها على عاملها المعنوي، وقال أبو البقاء: وأجاز الكسائي: «ورحْمَةً» بالنصب عطفاً على «مَا» فظاهر هذا أن الكسائيَّ [بقَّى] «شِفاءٌ» على رفعه، ونصب «رَحْمةً» فقط عطفاً على «ما» الموصولة؛ كأه قيل: ونُنزِّل [من القرآن رحمة، وليس في نقله ما يؤذن بأنه تلاها قرآناً، وتقدَّم الخلاف في] «ونُنزِّلُ» تخفيفاً وتشديداً، والعامة على نون العظمة. ومجاهد «ويُنزِلُ» بياء الغيبة، أي: الله. فصل في المراد ب «مِنْ» في الآية قال المفسِّرون: إنَّ «من» هنا للجنسِ؛ كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 30] . أي: ونُنزِّل من هذا الجنس الذي هو قرآنٌ ما هو شفاءٌ، فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، أي: بيانٌ من الضلالة والجهالة يتبيَّن به المختلف، ويتَّضح به المشكل، ويستشفى به من الشُّبهة، ويهتدى به من الحيرة، وهو شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها. واعلم أنَّ القرآن شفاء من المراض الرُّوحانيَّة، والأمراض الجسمانية. أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية؛ لأنَّ المرض الروحانيَّ قسمان: أحدهما: الاعتقادات الباطلة، وأشدُّها فساداً الاعتقادات الفاسدة في الإلهيَّات، والنبوَّات، والمعاد، والقضاءِ، والقدر؛ والقرآن كلُّه مشتملٌ على دلائل الحقِّ في هذه المطالب. والثاني: الأخلاق المذمومة؛ والقرآن مشتمل على تفاصيلها، وتعريف ما فيها من المفاسد، والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة، وكان القرآن شفاء من الأمراض الروحانيَّة. وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية؛ فلأنَّ التبرُّك بقراءته يدفع كثيراً من الأمراض؛ ويؤيده ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «مَنْ لَمْ يَستشْفِ بالقرآنِ، فلا شَفاهُ الله تعالى» . وما ورد في حديث الرقية بالفاتحة. ثم قال: ﴿ولا يَزيدُ الظَّالِمِينَ إلاَّ خَسَاراً﴾ المراد بالظالمين ها هنا: المشركون؛ لأنَّ سماع القرآن يزيدهم غضباً، وغيظاً، وحقداً، وكلَّما نزلت آيةٌ يتجدَّد تكذيبٌ؛ فتزداد خسارتهم. قال مجاهد وقتادة: لم يجالس هذا القرآن أحدٌ إلا قام عنه بزيادةٍ أو نقصان: قضاء الله الذي قضاه شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين، ولا يزيد الظَّالمين إلا خساراً. ثم إنه تعالى ذكر السَّبب الأصلي في وقوع هؤلاء الجهَّال في أودية الضَّلال، وهو حبُّ الدنيا، والرغبة في المال والجاه، واعتقادهم أن ذلك إنَّما يحصل بجدِّهم واجتهادهم، فقال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ . قال ابن عباس: الإنسان ها هنا هو الوليد بن المغيرة. والأوْلى أنَّ كل إنسان من شأنه إذا فاز بمقصوده، غترَّ وصار غافلاً عن عبادة الله - تعالى - وتمرَّد على طاعته؛ كما قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 6، 7] . قوله تعالى: ﴿وَنَأَى﴾ : قرأ العامة بتقديم الهمزة على حرف العلة؛ من النَّأي، وهو البعدُ، وابن ذكوان - ونقلها أبو حيان وابن الخطيب عن ابن عامر وأبو جعفر: «نَاءَ» مثل «جَاءَ» بتقديم الألف على الهمزة، وفيها تخريجان: أحدهما: أنها من: نَاءَ، يَنُوء، أي: نَهضَ؛ قال: [الرجز] 3460 - حتَّى إذا مَا التَأمَتْ مَفاصِلُه ... ونَاءَ في شقِّ الشِّمالِ كَاهِلُه والثاني: أنه مقلوبٌ من «نَأى» ، ووزنه «فَلعَ» كقولهم في «رَأى» : «رَاءَ» إلى غير ذلك فيكونان بمعنى، ولكن متى أمكن عدم القلب، فهو أولى، وهذا الخلافُ أيضاً في حم السجدة [فصلت: 51] . وأمال الألف إمالة محضة الأخوان، وأبو بكرٍ، عن عاصمٍ، وبين بين؛ بخلاف عنه، السوسيُّ، وكذلك في فصِّلت، إلا أبا بكرٍ؛ فإنه لم يمله. وأمال فتحة النون في السورتين خلفٌ، وأبو الحارث والدُّوري عن الكسائيِّ. ثم قال: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر﴾ ، أي: الشِّدة، والضر ﴿كَانَ يَئُوساً﴾ أيساً قنوطاً. وقيل: معناه: أنَّه يتضرَّع، ويدعو عند الضُّرِّ والشدَّة، فإذا تأخَّرت الإجابة، أيس، ولا ينبغي للمؤمن أن يَيْئَسَ من الإجابة، وإن تأخَّرت، فيدع الدعاء. قوله تعالى: ﴿على شَاكِلَتِهِ﴾ : متعلق ب «يَعْمَلُ» ، والشَّاكلةُ: أحسنُ ما قيل فيها ما قاله الزمخشريُّ والزجاج: أنها مذهبه الذي يشاكلُ حاله في الهدى والضلالة؛ من قولهم: « طريقٌ ذو شَواكلَ» ، وهي الطرقُ التي تَشعَّبتْ منه؛ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً﴾ ، وقيل: على دينه، وقيل: خلقه، وقال ابن عباسٍ: «جانبه» وقال الحسن، وقتادة: على نيَّته. وقال الفراء: «على طَريقتهِ، والمذهب الذي جبل عليه» . [وهو] من «الشَّكلِ» وهو المثل؛ يقال: لست على شكْلِي، ولا شَاكلتي، وأمَّا «الشَّكلُ» بالكسر فهو الهيئة؛ يقال: جاريةٌ حسنة الشِّكلِ، وقال امرؤ [القيس] في «الشَّكل» بالفتح: [الكامل] 3461 - حَيِّ الحُمولَ بِجانبِ العَزْلِ ... إذْ لا يُلائِمُ شَكلُهَا شَكْلِي أي: لا يلائم مثلها مثلي. قال ابن الخطيب: والذي يقوى عندي: أنَّ المراد من المشاكلة ما قاله الزجاج، والزمخشريُّ؛ لقوله بعد ذلك: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 84] . وفيه وجه آخر: وهو أنَّ المراد: أن كلَّ أحد يفعل على وفق ما يشاكله جوهر نفسه، ومقتضى روحه، فإن كانت مشرقة، ظاهرة، علوية، صدرت منه أفعالٌ فاضلةٌ، وإن كانت نفسه كدرة خبيثة [مضلَّةً ظُلمانيَّة، صدرت عنه أفعال خسيسة] فاسدةٌ. وأقول: اختلف العقلاء في أنَّ النفوس الناطقة البشريَّة، هل هي مختلفةٌ بالماهيَّة، أم لا؟ . منهم من قال: إنَّها مختلفةٌ بالماهيَّة، وإنَّ اختلاف أحوالاه وأفعالها لاختلاف امزجتها. والمختار عندي: هو القسم الأوَّل، والقرآن يشعر به؛ لأنه تعالى بيَّن في الآية المتقدمة: أنَّ القرآن بالنِّسبة إلى البعض يفيد الشِّفاء، والرحمة، وبالنِّسبة إلى الآخرين يفيد الخسار، والخزي، ثم أتبعه بقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ﴾ . ومعناه: أن اللائق بتلك النُّفوس أن يظهر فيها القرآن الخير وآثار لاذكاء والكمال وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار، وتسوِّد وجهه، وهذا الكلام لا يتم المقصود به، إلاَّ إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة ماهيَّاتهان فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار، وتسوِّد وجهه، وهذا الكلام لا يتم المقصود به، إلاَّ إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة ماهيَّاتها، فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نورٌ على نورٍ، وبعضها كدرةٌ ظلمانية، ويظهر فيها من القرآن ضلال عل ضلالٍ، ونكالٌ على نكالٍ. قوله: «أهْدَى» يجوز أن يكون من «اهْتدَى» ؛ على حذف الزوائد، وأن يكون من «هَدَى» المتعدِّي، وأن يكون من «هَدَى» القاصر، بمعنى «اهتدى» . وقوله «سَبِيلاً» تمييزٌ. [والمعنى:] فربُّكم أعلم بمن هو أوضح طريقاً.

الإسراء 17:84

قوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ الآية. يحتمل أن يكون «مدخل» مصدراً، وأن يكون ظرف مكانٍ، وهو الظاهر، والعامة على ضمِّ الميم فيهما؛ لسبقهما بفعل رباعيٍّ، وقرأ قتادة، وأبو حيوة، وإبراهيم بن أبي عبلة، وحمسدٌ بفتح الميم فيهما: إمَّا لأنهما [مصدران على حذف الزوائد؛ ك ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: 17] ؛ وإمَّا لأنهما] منصوبان بمقدر موافق لهما، تقديره: فادخل مدخل، واخرج مخرج، وقد تقدَّم هذا مستوفًى في قراءةِ نافع في سورة النساء [الآية: 31] ، وأنه قرأ كذلك في سورة الحجِّ [الآية: 59] . و «مُدخلَ صِدقٍ» ، و «مُخرجَ صِدقٍ» من إضافة التبيين، وعند الكوفيين من إضافة الموصوف لصفته؛ لأنه يوصف به مبالغة. و «سلطاناً» هو المفعول الأول للجعلِ، والثاني أحدُ الجارَّين المتقدمين، والآخر متعلِّقٌ باستقراره، وقوله «نَصِيراً» يجوز أن يكون محولاً من «فاعلٍ» للمبالغة، وأن يكون بمعنى مفعول. فصل في معنى «مُدخَلَ صِدقٍ» و «مُخْرَجَ صِدْقٍ» قد تقدَّم في قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض﴾ [الإسراء: 76] قولان: أحدهما: أن يكون المراد منه سعي كفَّار مكَّة في إخراجه منها. والثاني: المراد منه اليهود؛ قالوا له: الأولى أن تخرج من المدينة إلى الشَّام، ثم قال: «أقم الصَّلاة» واشتغل بعبادة الله تعالى، ولا تلتفت إلى هؤلاء الجهَّال، فإنَّ الله تعالى يعينك، ثمَّ عاد بعد هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة من أن كفَّار مكَّة أرادوا إخراجه، فأراد الله تعالى هجرته إلى المدينة، وقال له: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ ، وهو المدينة، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ ، وهو مكَّة، وهذا قول ابن عبَّاس، والحسن، وقتادة. وعلى التفسير الثاني، وهو أنَّ المراد منها أن اليهود حملوه على الخروج من المدينة والذَّهاب إلى الشَّام، فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ثمَّ أمر بأن يرجع إليها، فلمَّا عاد إلى المدينة، قال: «ربِّ أدخلْنِي مُدخلَ صدقٍ» وهي المدينة، «وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدقٍ» يعني: إلى مكة؛ [بالفتح] ، أي: افتحها. وقال الضحاك: «أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ» ظاهراً على مكة بالفتح «وأخْرِدنِي مُخرجَ صِدْقٍ» من مكة، آمناً من المشركين. وقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة، والقيام بمهمات أداء شريعتك، «وأخْرِجْنِي» من الدنيا، وقد قمت بما وجب عليَّ من حقِّها «مُخرجَ صِدقٍ» أي: إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ. وعن الحسن: «أدْخلنِي مُدخلَ صِدْقٍ» الجنة، «وأخْرِجنِي مُخرجَ صِدْقٍ» أي: إخراجاً لا يبقى عليَّ منها تبعةٌ من مكة. وقيل: أدخلني في طاعتك، وأخرجني من المناهي. وقيل: أدخلني القبر مدخل صدقٍ، وأخرجني منه مخرج صدقٍ، وقيل: أدخلني حيثُ ما أدخلتني بالصِّدق، وأخرجني بالصِّدق، أي: لا تجعلني ممَّن يدخل بوجهٍ، ويخرج بوجهٍ، فإنَّ ذا الوجهين لم يكن عند الله وجيهاً. ووصف الإدخال والإخراج بالصِّدقِ؛ لما يئول غليه الدُّخولُ والخروج من النصر، والعزِّ، ودولة الدِّين، كما وصف القدم بالصِّدق؛ فقال: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: 67] . وقال: ﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ [المجادلة: 22] . وقال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] . ولما سأل الله تعالى النُّصرة، بيَّن أنَّه أجاب دعاءه؛ فقال: ﴿وَقُلْ جَآءَ الحق﴾ . وهو دينه وشرعه. قوله: ﴿وَزَهَقَ الباطل﴾ . وهو كل ما سواه من الأديان، والشَّرائع، قاله السديُّ. وقيل: جاء الحقُّ، أي: القرآن. وزهق الباطل، أي: ذهب الشيطان، قاله قتادة. وقيل: الحقُّ: عبادة الله تعالى، والباطل عبادة الأصنام. وعن ابن مسعودٍ: أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ دخل مكَّة يوم الفتح، وحول البيت ثلاثمائةٍ وستُّون صنماً، فجعل يضربها بعودٍ في يده، وجعل يقول: ﴿جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل﴾ [أي: ذهب الشيطان] كان الصَّنمُ ينكبُّ على وجهه. قوله: ﴿إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً﴾ . أي: إنَّ الباطل، وإن كان له دولةٌ، لا يبقى، بل يزول بسرعة. والزُّهوقُ: الذِّهاب، والاضمحلال؛ قال: [الكامل] 3457 - ولقَدْ شَفَى نَفْسِي وأبْرَأ سُقمهَا ... إقْدامهُ بِمزَالةٍ لمْ يَزْهقِ يقال: زهقت نفسي تزهقُ زهوقاً بالضمِّ، وأمَّا الزُّهوقُ، بالفتح، فمثال مبالغة؛ كقوله: [الطويل] 3458 - ضَرُوبٌ بِنصْلِ السَّيْفِ سُوقَ سِمانِها..... ... ... . . قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن﴾ : في «مِنْ» هذه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها لبيان الجنس، قاله الزمخشري، وابن عطيَّة، وأبو البقاء، وردَّ عليهم أبو حيان: بأنَّ التي للبيان، لا بد وأن يتقدَّمها ما تبينه، لا أن تتقدم هي عليه، وهنا قد وجد تقدُّمها عليه. الثاني: أنها للتبعيض، وأنكره الحوفي؛ قال: «لأنه يلزم ألاَّ يكون بعضه شفاء» وأجيب عنه: بأنَّ إنزاله إنَّما هو مبعضٌ، وهذا الجواب ليس بظاهرٍ، وأجاب أبو البقاء بأنَّ منه ما يشفي من المرض. وهذا يؤيده الدَّليلُ المتقدِّم، وأجاز الكسائيُّ: «ورَحْمةً» بالنصب عطفاً على ما تظاهر وهذا قد وجد بدليل رقية بعض الصحابة سيِّد الحيِّ الذي لدغ، بالفاتحة؛ فشفي. الثالث: أنها لابتداءِ الغاية، وهو واضحٌ. والجمهور على رفع «شفاء ورحمةٌ» خبرين ل «هُوَ» ، والجملة صلة ل «مَا» وزيد بن عليٍّ بنصبهما، وخرِّجت قراءته على نصبهما على الحال، والخبر حينئذ «لِلمُؤمنينَ» وقدِّمت الحال على عاملها المعنوي، كقوله تعالى: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر: 67] في قراءة من نصب «مَطْويَّاتٍ» ، وقول النابغة: 3459 - رَهْطُ ابنِ كُوزٍ مُحقِبِي أدْرَاعهُمْ ... فِيهمْ ورَهْطُ رَبيعَة بْنِ حُذارِ وقيل: منصوبان بإضمار فعلٍ، وهذا عند من يمنع تقديمها على عاملها المعنوي، وقال أبو البقاء: وأجاز الكسائي: «ورحْمَةً» بالنصب عطفاً على «مَا» فظاهر هذا أن الكسائيَّ [بقَّى] «شِفاءٌ» على رفعه، ونصب «رَحْمةً» فقط عطفاً على «ما» الموصولة؛ كأه قيل: ونُنزِّل [من القرآن رحمة، وليس في نقله ما يؤذن بأنه تلاها قرآناً، وتقدَّم الخلاف في] «ونُنزِّلُ» تخفيفاً وتشديداً، والعامة على نون العظمة. ومجاهد «ويُنزِلُ» بياء الغيبة، أي: الله. فصل في المراد ب «مِنْ» في الآية قال المفسِّرون: إنَّ «من» هنا للجنسِ؛ كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 30] . أي: ونُنزِّل من هذا الجنس الذي هو قرآنٌ ما هو شفاءٌ، فجميع القرآن شفاء للمؤمنين، أي: بيانٌ من الضلالة والجهالة يتبيَّن به المختلف، ويتَّضح به المشكل، ويستشفى به من الشُّبهة، ويهتدى به من الحيرة، وهو شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها. واعلم أنَّ القرآن شفاء من المراض الرُّوحانيَّة، والأمراض الجسمانية. أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية؛ لأنَّ المرض الروحانيَّ قسمان: أحدهما: الاعتقادات الباطلة، وأشدُّها فساداً الاعتقادات الفاسدة في الإلهيَّات، والنبوَّات، والمعاد، والقضاءِ، والقدر؛ والقرآن كلُّه مشتملٌ على دلائل الحقِّ في هذه المطالب. والثاني: الأخلاق المذمومة؛ والقرآن مشتمل على تفاصيلها، وتعريف ما فيها من المفاسد، والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة، وكان القرآن شفاء من الأمراض الروحانيَّة. وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية؛ فلأنَّ التبرُّك بقراءته يدفع كثيراً من الأمراض؛ ويؤيده ما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «مَنْ لَمْ يَستشْفِ بالقرآنِ، فلا شَفاهُ الله تعالى» . وما ورد في حديث الرقية بالفاتحة. ثم قال: ﴿ولا يَزيدُ الظَّالِمِينَ إلاَّ خَسَاراً﴾ المراد بالظالمين ها هنا: المشركون؛ لأنَّ سماع القرآن يزيدهم غضباً، وغيظاً، وحقداً، وكلَّما نزلت آيةٌ يتجدَّد تكذيبٌ؛ فتزداد خسارتهم. قال مجاهد وقتادة: لم يجالس هذا القرآن أحدٌ إلا قام عنه بزيادةٍ أو نقصان: قضاء الله الذي قضاه شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين، ولا يزيد الظَّالمين إلا خساراً. ثم إنه تعالى ذكر السَّبب الأصلي في وقوع هؤلاء الجهَّال في أودية الضَّلال، وهو حبُّ الدنيا، والرغبة في المال والجاه، واعتقادهم أن ذلك إنَّما يحصل بجدِّهم واجتهادهم، فقال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ . قال ابن عباس: الإنسان ها هنا هو الوليد بن المغيرة. والأوْلى أنَّ كل إنسان من شأنه إذا فاز بمقصوده، غترَّ وصار غافلاً عن عبادة الله - تعالى - وتمرَّد على طاعته؛ كما قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 6، 7] . قوله تعالى: ﴿وَنَأَى﴾ : قرأ العامة بتقديم الهمزة على حرف العلة؛ من النَّأي، وهو البعدُ، وابن ذكوان - ونقلها أبو حيان وابن الخطيب عن ابن عامر وأبو جعفر: «نَاءَ» مثل «جَاءَ» بتقديم الألف على الهمزة، وفيها تخريجان: أحدهما: أنها من: نَاءَ، يَنُوء، أي: نَهضَ؛ قال: [الرجز] 3460 - حتَّى إذا مَا التَأمَتْ مَفاصِلُه ... ونَاءَ في شقِّ الشِّمالِ كَاهِلُه والثاني: أنه مقلوبٌ من «نَأى» ، ووزنه «فَلعَ» كقولهم في «رَأى» : «رَاءَ» إلى غير ذلك فيكونان بمعنى، ولكن متى أمكن عدم القلب، فهو أولى، وهذا الخلافُ أيضاً في حم السجدة [فصلت: 51] . وأمال الألف إمالة محضة الأخوان، وأبو بكرٍ، عن عاصمٍ، وبين بين؛ بخلاف عنه، السوسيُّ، وكذلك في فصِّلت، إلا أبا بكرٍ؛ فإنه لم يمله. وأمال فتحة النون في السورتين خلفٌ، وأبو الحارث والدُّوري عن الكسائيِّ. ثم قال: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر﴾ ، أي: الشِّدة، والضر ﴿كَانَ يَئُوساً﴾ أيساً قنوطاً. وقيل: معناه: أنَّه يتضرَّع، ويدعو عند الضُّرِّ والشدَّة، فإذا تأخَّرت الإجابة، أيس، ولا ينبغي للمؤمن أن يَيْئَسَ من الإجابة، وإن تأخَّرت، فيدع الدعاء. قوله تعالى: ﴿على شَاكِلَتِهِ﴾ : متعلق ب «يَعْمَلُ» ، والشَّاكلةُ: أحسنُ ما قيل فيها ما قاله الزمخشريُّ والزجاج: أنها مذهبه الذي يشاكلُ حاله في الهدى والضلالة؛ من قولهم: « طريقٌ ذو شَواكلَ» ، وهي الطرقُ التي تَشعَّبتْ منه؛ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً﴾ ، وقيل: على دينه، وقيل: خلقه، وقال ابن عباسٍ: «جانبه» وقال الحسن، وقتادة: على نيَّته. وقال الفراء: «على طَريقتهِ، والمذهب الذي جبل عليه» . [وهو] من «الشَّكلِ» وهو المثل؛ يقال: لست على شكْلِي، ولا شَاكلتي، وأمَّا «الشَّكلُ» بالكسر فهو الهيئة؛ يقال: جاريةٌ حسنة الشِّكلِ، وقال امرؤ [القيس] في «الشَّكل» بالفتح: [الكامل] 3461 - حَيِّ الحُمولَ بِجانبِ العَزْلِ ... إذْ لا يُلائِمُ شَكلُهَا شَكْلِي أي: لا يلائم مثلها مثلي. قال ابن الخطيب: والذي يقوى عندي: أنَّ المراد من المشاكلة ما قاله الزجاج، والزمخشريُّ؛ لقوله بعد ذلك: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً﴾ [الإسراء: 84] . وفيه وجه آخر: وهو أنَّ المراد: أن كلَّ أحد يفعل على وفق ما يشاكله جوهر نفسه، ومقتضى روحه، فإن كانت مشرقة، ظاهرة، علوية، صدرت منه أفعالٌ فاضلةٌ، وإن كانت نفسه كدرة خبيثة [مضلَّةً ظُلمانيَّة، صدرت عنه أفعال خسيسة] فاسدةٌ. وأقول: اختلف العقلاء في أنَّ النفوس الناطقة البشريَّة، هل هي مختلفةٌ بالماهيَّة، أم لا؟ . منهم من قال: إنَّها مختلفةٌ بالماهيَّة، وإنَّ اختلاف أحوالاه وأفعالها لاختلاف امزجتها. والمختار عندي: هو القسم الأوَّل، والقرآن يشعر به؛ لأنه تعالى بيَّن في الآية المتقدمة: أنَّ القرآن بالنِّسبة إلى البعض يفيد الشِّفاء، والرحمة، وبالنِّسبة إلى الآخرين يفيد الخسار، والخزي، ثم أتبعه بقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ﴾ . ومعناه: أن اللائق بتلك النُّفوس أن يظهر فيها القرآن الخير وآثار لاذكاء والكمال وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار، وتسوِّد وجهه، وهذا الكلام لا يتم المقصود به، إلاَّ إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة ماهيَّاتهان فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار، وتسوِّد وجهه، وهذا الكلام لا يتم المقصود به، إلاَّ إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة ماهيَّاتها، فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نورٌ على نورٍ، وبعضها كدرةٌ ظلمانية، ويظهر فيها من القرآن ضلال عل ضلالٍ، ونكالٌ على نكالٍ. قوله: «أهْدَى» يجوز أن يكون من «اهْتدَى» ؛ على حذف الزوائد، وأن يكون من «هَدَى» المتعدِّي، وأن يكون من «هَدَى» القاصر، بمعنى «اهتدى» . وقوله «سَبِيلاً» تمييزٌ. [والمعنى:] فربُّكم أعلم بمن هو أوضح طريقاً.

الإسراء 17:85

قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح﴾ الآية. رُوِثَ أن اليهود قالوا لقريشٍ: اسألوا محمداً عن ثلاثةِ أشياء، فإن أجاب عن كلِّها، أو لم يجب عن شيءٍ، فليس بنبيٍّ، وإن أجاب عن اثنين، وأمسك عن الثَّالِث، فهو نبيٌّ؛ فاسألوا عن فتيةٍ فقدوا في الزَّمنِ الأوَّل، فما كان أمرهم؛ فإنهم كان لهم حديثٌ عجيبٌ؟ وعن رجلٍ بلغ مشرق الشَّمسِ، ومغربها، ما خبره؟ وعن الرُّوحِ؛ فسأله، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «غداً أخبركم» ولم يقل: إن شَاءَ الله، فانقطع عنه الوحي. قال مجاهدٌ: اثنتي عشرة ليلة، وقيل: خمسة عشر يوماً، وقال عكرمة: أربعين يوماً، وأهل مكَّة يقولون: وعدنا محمد غداً، وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيءٍ، حتَّى حزن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من مكث الوحي، وشقَّ عليه ما يقول أهل مكَّة، ثم نزل الوحي بقوله: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: 23، 24] . ونزل في الفتية: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكهف والرقيم كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ [الكهف: 9] . ونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ [الكهف: 83] . ونزل في الرُّوح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . قال ابن الخطيب: ومن النَّاس من [طعن] في هذه الرواية؛ من وجوه: أولها: قالوا: ليس الروح أعظم شأناً، ولا أعلى درجة من الله تعالى، فإن كانت معرفة الله تعالى حاصلة ممكنة، فأي مانعٍ يمنع من معرفة الروح؟ ﴿. وثانيها: أن اليهود قالوا: إن أجاب عن قصَّة أهل الكهف، وقصَّة ذي القرنين، ولم يجب عن الروح، فهو نبيٌّ، وهذا كلامٌ بعيد عن العقلاء؛ لأن قصَّة أصحاب الكهف، وقصَّة ذي القرنين ليست إلا حكاية، والحكاية لا تكون دليلاً على النبوة. وأيضاً: فالحكاية التي يذكرها: إما أن تعتبر قبل العلم بنبوته، أو بعد العلم بنبوته. فإن كانت قبل العلم بنبوته، كذَّبوه فيها، وإن كانت بعد العلم بنبوته، فحينئذٍ: نبوَّتهُ معلومة؛ فلا فائدة في ذكر هذه الحكاية وأما عدم الجواب عن حقيقةِ الروح، فهذا يبعد جعله دليلاً على صحَّة النبوة. وثالثها: أنَّ مسألة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة، وأراذل المتكلِّمين، فلو قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي لا أعرفُها» لأورث ذلك ما يوجبُ التَّحقيرَ، والتَّنفيرَ؛ فإنَّ الجهل بمثل هذه المسألة يفيد تحقير أيِّ إنسانٍ كان، فكيف الرسول الذي هو أعلم العلماءِ، وأفضل الفضلاء؟﴾ . رابعها: أنه تعالى قال في حقِّه ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: 1، 2] . وقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113] . وقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: 114] . وقال في [حقِّه، أي القرآن، وصفته] : ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59] . وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «أرني الأشياء كما هي» . فمن هذا حاله وصفته، أيليق به أن يقول: أنا لا أعرف هذه المسألة، مع أنَّها من المسائل المشهورة المذكورة عند جمهور الخلق؟ {. بل المختار عندنا: أنَّهم سألوه عن الروح، وأنه - صلوات الله عليه - أجابهم على أحسن الوجوه، وتقريره أن المذكور في الآية، أنهم سألوه عن الروح، والسؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة. أولها: أن يقال: ماهية الروح، هل هي متحيِّز أو حالٌّ في المتحيِّز. وثانيها: أن يقال: الروح قديمة، أو حادثة؟ . وثالثها: أن يقالك الروح، هل تبقى بعد الأجسام، أو تفنى؟ . ورابعها: أن يقال: ما حقيقة سعادة الأرواح، وشقاوتها؟ . وبالجملة: فالمباحثُ المتعلقة بالروح كثيرة. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح﴾ ليس فيه ما يدلُّ على أنَّهم سألوه عن أيِّ المسائل، إلا أنه تعالى ذكر في الجواب عن هذا السؤال: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ وهذا الجواب لا يليقُ إلا بمسألتين من هذه المسائل التي ذكرناها: إحداهما: السؤال عن ماهية الروح. والأخرى: عن قدمها، أو حدوثها. أما البحث الأول: فهم قالوا: ما حقيقة الروح وماهيته؟} أهو أجسامٌ موجودة داخلة في البدنِ مولدةٌ من امتزاجِ الطبائع والأخلاط؟ أو هو عبارة عن نفس هذا المزاجِ والتركيب؟ أو هو عبارة عن عرض قائم بهذه الأجسام؟ أو هو عبارة عن موجودٍ يغاير هذه الأجسام، والأعراض؟ فأجاب الله عنه بأنَّه موجودٌ مغايرُ لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض؛ وذلك لأن لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض أشياء تحدثُ عن امتزاجِ الأخلاط والعناصر. وأمَّا الروح، فإنه ليس كذلك، بل هو جوهرٌ، بسيطٌ، مجردٌ، ولا يحدث إلا بمحدثٍ يقول له: «كن فيكون» ، فأجاب الله عنه بأنه موجود محدث بأمر الله وتكوينه، وتأثيره في إفادة الحياة بهذا الجسدِ، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه؛ فإنَّ أكثر حقائقِ الأشياءِ، وماهيَّاتها مجهولة؛ فإنَّا نعلم أنَّ السكنجبين له خاصيةٌ في قطع الصفراء؛ فأمَّا إذا أردنا أن نعرف ماهيَّة تلك الخاصِّيَّة، وحقيقتها المخصوصة، فذلك غير معلوم؛ فثبت أنَّ أكثر الحقائق مجهولةٌ، ولم يلزم من كونها مجهولة بعينها عدمُ العلم بخاصِّيَّتها، فكذا ها هنا؛ وهذا المراد بقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . وأما البحثُ الثاني: فهو أنَّ لفظ الأمرِ قد جاء بمعنى الفعل؛ قال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: 97] . وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: 82] أي: فعلنا. فقوله تعالى: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ . أي: من فعل ربِّي. وهذا الجواب يدلُّ على أنَّهم سألوه عن الروح، قديمة أو حادثة، فقال: بل حادثة، وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه. ثم احتجَّ على حدوثِ الرُّوحِ بقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . ثم استدلَّ بحدوثِ الأرواح بتغيُّرها من حال إلى حالٍ، وهو المراد بقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . وأما أقوال المفسِّرين في الروح المذكورة ها هنا: فقيل: الروح: القرآن؛ لأن الله تعالى سمَّى القرآن في هذه الآية، وفي كثيرٍ من الآيات روحًا؛ قال تعالى: ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52] . ﴿يُنَزِّلُ الملاائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: 2] . ولأنَّ القرآن تحصل به حياة الأرواح والعقول؛ لأنَّ به تحصل معرفة الله تعالى، ومعرفة ملائكته، وكتبه، ورسله، والأرواح إنَّما يحصلُ إحياؤها بهذه المعارف، وتقدم قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] . وقال بعده: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 86] . إلى قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: 88] . فلما كان ما قبل هذه الآية في وصف القرآن، وما بعدها كذلك، وجب أن يكون المراد بالروح القرآن؛ حتَّى تكون آيات القرآن كلها متناسبة؛ لأن القوم استعظموا أمر القرآن، فسألوا: هل هو من جنس الشِّعر، أو من جنس الكهانة؟ فأجابهم الله تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر، وإنما هو كلامٌ ظهر بأمر الله، ووحيه، وتنزيله، فقال: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ، أي: القرآن إنما ظهر بأمر الله ربِّي، وليس من جنس كلامِ البشر. ورُوِيَ عن ابن عباس: أنه جبريل، وهو قول الحسن وقتادة؛ لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: 193، 194] ؛ وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ [مريم: 17] . ويؤكده: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ . وقال جبريل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64] . فسالوا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: كيف جبريل في نفسه؟ وكيف يأتيه؟ وكيف يبلغ الوحي إليه؟ . وقال مجاهد: الرُّوحُ: خلق ليسوا من الملائكة، على صور بني آدم يأكلون، ولهم أيدٍ، وأرجلٌ، ورءوسٌ. وقال أبو صالحٍ: يشبهون الناس، وليسوا من النَّاس. فصل قال ابن الخطيب: ولم أجِدْ في القرآن، ولا في الأخبار الصحيحة شيئاً يمكنُ التمسُّك به بهذا القول. ورُوِيَ عن عليٍّ: أنَّه ملكٌ له سبعون ألف وجهٍ، لكلِّ وجهٍ سبعون ألف لسانٍ، لكلِّ لسانٍ سبعون ألف لغةٍ، يسبِّح الله تعالى بتلك اللغات، ويخلق الله تعالى من كلِّ تسبيحةٍ ملكاً يطير مع الملائكة، قالوا: ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروحِ غير العرشِ، ولو شاء أن يبتلع السَّموات السَّبع، والأرضين السبع، وما فيها بلقمةٍ واحدةٍ لفعله، صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه على صورة الآدميين، يقوم يوم القيامة عن يمين العرش، وهو أقرب الخلق إلى الله عزَّ وجلَّ اليوم عند الحجب السَّبعين، ويقرب إلى الله يوم القيامة، وهو يشفع لأهل التوحيد، ولولا أنَّ بينه وبين الملائكة ستراً من نورٍ، لاحترق أهل السموات من نوره. فصل في ضعف هذا القول قال ابن الخطيب: ولقائلٍ أن يقول: هذا القول ضعيفٌ؛ لوجوهٍ: الأول: أنَّ هذا التفصيل، إذا عرفه عليٌّ، فالنبي أولى بأن يعرفه، ويخبر به، وأيضاً: فإنَّ الوحي لم يكن ينزل على عليٍّ؛ فهذا التفصيل ما عرفه إلا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ فَلِمَ ذكر النبي هذا الشَّرح لعليٍّ، ولم يذكره لغيره؟! . الثاني: أنَّ ذلك الملك، إن كان حيواناً واحداً، وعاقلاً واحداً، فلا فائدة في تكثير تلك اللغات، وإن كان المتكلِّم بكلِّ لغةٍ ملكاً؛ فهذا مجموعُ ملائكة. الثالث: أنَّ هذا شيء مجهول الوجود، فكيف يسال عنه؟ أما الروح الذي هو سبب الحياة، فهو شيء تتوفَّر دواعي العقلاء على معرفته؛ فصرف هذا السؤال إليه أولى. وقيل: الرُّوحُ: عيسى؛ فإنَّه روح الله، وكلمته، والمعنى: أنَّه ليس كما يقوله اليهود، ولا كما يقوله النصارى. وقال قومٌ: هو الرُّوحُ المركَّب في الخلق الذي يحيا به الإنسان، وهو الأصحُّ. واختلفوا فيه؛ فقال بعضهم: هو الدم؛ ألا ترى [أنَّ الإنسان] ، إذا مات لا يفوتُ منه إلا الدمُ. وقال قومٌ: هو نفس الحيوان؛ بدليل أنَّه يموت باحتباس النفس. وقال قومٌ: هو عرضٌ. وقال قومٌ: هو جسم لطيف. وقال بعضهم: الروح معنى اجتمع فيه النُّور، والطِّيب، والعلوُّ، والعلم، والبقاء؛ ألا ترى أنه إذا كان موجوداً، يكون الإنسان موصوفاً بهذه الصفات [جميعها] ، وإذا خرج ذهب الكلُّ؟! . فصل في شرح مذاهب القائلين بأنَّ الإنسان جسم موجود، روح في داخل البدن. قال ابن الخطيب: اعلم أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفليِّ: إما أن تكون أحد العناصر الأربعة، أو ما يكون متولِّداً من امتزاجها، ويمتنع أن يحصل في البدنِ الإنسانيِّ جسمٌ عنصريٌّ خالصٌ، بل لا بدَّ وأن يكون الحاصل جسماً متولِّداً من امتزاجات هذه الأربعة. فنقول: أمَّا الجسم الذي تغلب عليه الأرضية: فهو الأعضار الصُّلبة الكثيفة؛ كالعظم، والعروق، والغُضروف، والعصب، والوتر، والرِّباطاتِ لهذا الجسم، واللَّحم والجلد، ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا: إنَّ الإنسان بمعنى: روح مغاير لهذا الجسد، بأنَّه عبارة عن عضوٍ معيَّن من هذه الأعضاء؛ وذلك لأنَّ هذه الأعضاء ثقيلة، كثيفة، ظلمانيَّة، لم يقل أحد من العقلاء بأنَّ الإنسان عبارةٌ عن أحد هذه الأعضاء. وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية؛ فهو الأخلاط الأربعة ولم يُقَلْ في شيءٍ منها: إنَّه الإنسان إلاَّ في الدَّم؛ فإنَّ فيهم من قال: هو الرُّوح؛ بدليل أنَّه، إذا خرج، لزم الموت. وأمَّا الجسم الذي تغلب عليه الهوائية، والنارية؛ فهو الأرواح: وهي نوعان: أجسامٌ هوائية مخلوطة بالحرارةِ الغريزيّة، متولِّدة: إمَّا في القلب، أو في الدِّماغ، وقالوا: إنما هي الروح الإنسانيُّ، ثمَّ اختلفوا. فمنهم من يقول: هو الرُّوح الذي في القلب. ومنهم من يقول: إنَّه جزءٌ لا يتجزَّأ في الدِّماغ. ومنهم من يقول: الرُّوحُ عبارة عن أجزاءٍ ناريَّة مختلطة بهذه الأرواح القلبيَّة، والدِّماغيَّة، وتلك الأجزاء النارية: هي المسمَّاة بالحرارة الغريزيَّة، وهي الإنسان. ومن النَّاس من يقول: الروح عبارةٌ عن أجسام نورانيَّةٍ، سماويةٍ، لطيفة الجوهر، على طبيعة ضوءِ الشَّمس، وهي لا تقبلُ التحلُّل، والتبدُّل، ولا التفرُّق، والتمزُّق؛ وهو المراد بقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29] نفذت تلك الأجسام الشَّريفة السماوية الإلهيَّة في داخل أعضاء البدنِ نفاذ النَّار في الفحم، ونفاذ دهن السِّمسم في السِّمسم، ونفاذ دهن الورد في جسمِ الورد؛ وهو المراد من قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29] . ثم إنَّ البدن ما دام سليماً، قابلاً لنفاذ تلك الأجسام الشريفة، بقي حيًّا، فإذا تولَّد في البدن أخلاطٌ غليظةٌ، منعت من سريان تلك الأجسام الشريفة فيها، فانفصلت عن هذا البدن؛ فحينئذ: يعرض الموت. قال: فأمَّا أنَّ الإنسان جنسٌ موجودٌ خارج البدن، فلا أعرف أحداً ذهب إلى هذا القول. فصل في الاحتجاج على أن الروح ليست بجسم ولا عرض احتجَّ ابن الخطيب لمسمَّى الروح بأنها ليست بجسمٍ، ولا عرضٍ، وأنها غير البدن؛ بوجوه كثيرة عقليَّة ونقليَّة. قال ابن الخطيب: منها أنَّ العلم البديهيَّ حاصل بأن أجزاء هذه الجثَّة متبدلة بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، والمتبدل مغاير للثَّابت. ومنها: أنَّ الإنسان حال كونه مشتغلاً بفكره في شيءٍ معيَّن، فإنه في تلك الحالة يكونُ غافلاً عن جميع أجزاء بدنه، وغير غافل عن نفسه؛ فوجب أن يكون الإنسان مغايراً لبدنه. ومنها: قول الإنسان: رأسي، وبدني، وعيني، ويضيف كل عضو إلى نفسه، والمضاف غير المضاف إليهز فإن قيل: قد يقول: نفسي وذاتي فيضيف الذات والنفس إلى [نفسه] ؛ فيلزم أن يكون الشيء وذاته مغايرة لنفسه، وهو محالٌ، قلنا: قد يريد بنفس الشيء وذاته الحقيقة المخصوصة التي يشير إليها كلُّ أحدٍ بقوله: أنا فلانٌ، فغذا قال: نفسي، وذاتي، كان المراد البدن، وهو مغاير للإنسان، أمَّا إذا أريد بالنَّفس والذَّات الحقيقة المخصوصة المشار إليها بقوله: أنا فلانٌ، ثم إنَّ الإنسان يكنه أن يضيف ذلك إلى نفسه بقوله: إنَّه لي. ومنها: أنَّ الإنسان قد يكون حيًّا، حال موت البدن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: 169] . والحِسُّ يرى الجسد ميِّتاً. وقال تعالى: ﴿النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر: 46] . وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: « [» أنبياء الله لا يموتون «] » . وقال - عليه السلام -: «إذَا حُمِلَ الميِّتُ على نعشِه، [رفرف] روحه فوق النَّعشِ، ويقول: يا أهْلِي، ويَا ولَدِي» . وقال تعالى: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر، 27، 28] . ومنها: أن الإنسان، إذا قطعت يداه ورجلاه، لم ينقص من عقله، وفهمه شيء. ومنها: الذين مسخهم الله قردة وخنازير؛ فإن لم يكن ذلك الإنسان حيًّا، وإلاَّ لكان ذلك المسخُ إماتة لذلك الإنسان، وخلقاً لذلك الخنزير. ومنها: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يرى جبريل في صورة دحية، ويرى إبليس في صورة الشَّيخِ النجديِّ. ومنها: العضو، وهذا يدل على أن الإنسان شيء غير الجسد، وأنَّ الزَّاني يزني بفرجه؛ فيضرب على ظهره؛ فيلزم أن يكون الإنسانُ شيئاً آخر، سوى الفرج، وسوى الظَّهر، وهو شيء يستعمل الظهر في عمل، والفرج في عمل؛ فيكون المتلذذ المتألم هو ذلك الشيء بواسطة ذلك العضو، وكل هذا يدل على أن الإنسان شيء غير الجسد. ثم قال: واحتج المنكر بثلاثة أوجه: الأول: لو كانت مساوية لذات الله في كونه ليس بجسم ولا عرض لكانت مساوية له في تمام الماهية، وذلك محال. الثاني: قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس: 17 - 22] . وهذا تصريحٌ بأنَّ الإنسان شيء مخلوق من النُّطفة، وأنه يموت، ويدخل القبر، ثم إنَّه تعالى يخرجه من القبر، ولو لم يكن الإنسان عبارة عن هذه الجثَّة، وإلاَّ لم تكن الأحوال المذكورة في هذه الآية صحيحة. الثالث: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً﴾ [آل عمران: 169] إلى قوله: ﴿فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: 170] . وهذا يدلُّ على أنَّ الروح جسم؛ لأنّ الارتزاق والفرح من صفات الأجسام. والجواب عن الأوَّل: أنَّ المساواة في أنَّه ليس بمتحيِّز، ولا حالٍّ في المتحيِّز مساواةٌ في صفةٍ سلبيةٍ، والمساواة في الصِّفة السلبيَّة لا توجبُ المماثلة. واعلم: أنَّ جماعة من الجهَّال يظنُّون أنَّه لما كان الروح موجوداً ليس بمتحيِّز، ولا حالٍّ في المتحيز، وجب أن يكون مثلاً للإله، أو جزءاً له، وذلك جهلٌ فاحشٌ، وغلطٌ قبيحٌ. وتحقيق القولك ما ذكرناه من أنَّ المساواة في السُّلوب، لو أوجبت المماثلة، لوجب القول باستواءِ كلِّ المخالفات؛ فإنَّ كل ماهيَّتينِ مختلفتين، لا بدَّ وأن يشتركا في سلب ما عداهما عنهما، فليتفكر في هذه الدقيقة؛ فإنَّها مغلطةٌ عظيمةٌ للجهَّال. والجوابُ عن الثاني: أنه لمَّا كان الاتِّصافُ في العرف والظَّاهر عبارة عن هذه الجثَّة أطلق عليه اسم الإنسان. وأيضاً: لقائل أن يقول: هَبْ أنَّا نجعلُ اسم الإنسان عبارة عن هذه الجثَّة، إلاَّ أنَّ قد دلَّلنا أنَّ محلَّ العلم والقدرة ليس هو الجثَّة. والجواب عن الثالث: أنَّ الرِّزْقَ المذكور في الآية محمولٌ على ما يقوِّي حالهم ويكمل كمالهم، وهو معرفةُ الله ومحبَّته. بل نقول: هذا من أدلِّ الدلائلِ على صحَّة قولنا؛ لأنَّ أبدانهم قد بليت في التُّراب، والله يقول: «إنَّ أرواحهم تأوي في قناديل معلقة تحت العرش» وهذا يدلُّ على أنَّ الروح غير البدن. قوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . أي: في جنب علم الله تعالى. قال المفسِّرون: هذا خطابٌ لليهود، وذلك أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا قال لهم ذلك، قالوا: نحن مختصُّون بهذا الخطاب، أم أنت معنا؟ فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً» ، فقالوا ما أعجب شأنك، يا محمد؛ ساعة تقول: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] . وساعة تقول هذا، فنزل قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾ [لقمان: 27] . وما ذكروه ليس بلازمٍ؛ لأنَّ الشيء قد يكون قليلاً بالنِّسبة إلى علم الله تعالى، وبالنسبة غلى حقائق الأشياء، ولكنَّها كثيرة بالنسبة إلى الشَّهوات الجسمانيَّة، واللذَّات الجسدانية. وقيل: هذا خطابٌ للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يعلم معنى الرُّوح، ولم يخبرْ به أحداً؛ لأنَّ ترك إخباره كان علماً لنُبوَّتهِ، وقد تقدَّم الكلام على ذلك، قال البغوي: الأصحُّ: أن الله تعالى استأثر بعلمه. قوله: ﴿مِّن العلم﴾ : متعلق ب «أوتيتم» ، ولا يجوز تعلُّقه بمحذوفٍ على أنه ح ال من «قَلِيلاً» ؛ لأنَّه لو تأخَّر، لكان صفة؛ لأنَّ ما في حيِّز «إلاَّ» لا يتقدَّم عليها. وقرأ عبد الله، والأعمش «ومَا أوتُوا» بضمير الغيبة. قوله تعالى: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية. لما ذكر أنَّه ما آتاهم من العلم إلاَّ قليلاً، قال ها هنا: إنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل، لقدر عليه، وذلك بأن يمحو حفظه من القلوب، وكتابته من الكتب، والمراد بالذي أوحينا إليك القرآن. واحتج الكعبي بهذه الآية الكريمة بأنَّ القرآن مخلوقٌ؛ فقال: الذي يقدر على إزالته والذَّهاب به يستحيل أن يكون قديماً، بل يجب أن يكون محدثاً. وأجيب بأن يكون المراد بهذا الإذهاب إزالة العلم به عن القلوب، وإزالة النَّقش الدَّال عليه من المصحف؛ وذلك لا يوجبُ كون ذلك المصكوكِ المدلول محدثاً. فصل في كيفية رفع القرآن آخر الزمان قال عبد الله بن مسعود: اقرءوا القرآن قبل أن يرفع؛ فإنَّه لا تقوم الساعة حتَّى يرفع، قيل: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور النَّاس؟ قال: يسري عليه ليلاً، فيرفع ما في صدورهم، فيصبحون لا يحفظون شيئاً، ولا يجدون ف يالمصاحف شيئاً، ثم يفيضون في الشِّعر. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: لا تقوم السَّاعة حتَّى يرفع القرآن من حيثُ نزل، لهُ دويٌّ حول العرشِ، كدويِّ النَّحلِ؛ فيقول الربُّ: ما لك؟ فيقول: يا ربِّ، أتلى، ولا يعمل بي. ثم قال: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً﴾ أي: لا تجدُ من تتوكَّل عليه في ردِّ شيءٍ منه. قوله تعالى: ﴿إِلاَّ رَحْمَةً﴾ : قيل: استثناء متصل؛ لأنها تندرج في قوله «وَكِيلاً» والمعنى: إلاَّ أن يرحمك ربُّك؛ فيردَّه عليك. وقيل: إنه استثناء منقطع، فتتقدر ب «لَكِنْ» عند البصريين، و «بَلْ» عند الكوفيين. والمعنى: إلا رحمة من ربِّك؛ إذ كل رحمة من ربِّك تركته غير مذهوب به، أي: لكن لا يشاء ذلك رحمة من ربِّك، وهذا امتنانٌ من الله؛ وهو نوعان: الأول: تسهيل ذلك العلم عليه. والثاني: إبقاء حفظه عليه. قوله «مِنْ ربِّكَ» يجوز أن يتعلق ب «رَحْمةً» وأن يتعلق بمحذوفٍ، صفة لها. ثم قال: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ . بسبب إبقاء العلم والقرآنِ عليك، وقيل: بسببِ أنَّه جعلك سيِّد ولد آدم، وختم بك النَّبيِّين، وأعطاك المقَام المحمود، فلما كان كذلك، لا جرم أنعم عليك بإبقاء العلم والقرآن عليك. قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن﴾ الآيات، وقد تقدَّم الكلام على مثلِ هذه الآية. فصل قال بعضهم: هب أنَّه ظهر عجز الإنسانِ عن معارضته؛ فكيف عرفتُم عجز الجنِّ؟ وأيضاً: فلم لا يجوز أن يقال: إن هذا الكلام نظم الجنِّ، ألقوهُ على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وخصُّوه به على سبيل السَّعي في إضلال الخلق؟ فعلى هذا: إنَّما تعرفون صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا عرفتم أنَّ محمَّداً صادق في قوله: إنَّه ليس من كلام الجنِّ، بل من كلامِ الله تعالى؛ وحينئذٍ: يلزم الدور، وليس لأحدٍ أن يقول: كيف يعقل أن يكون هذا من قول الجنِّ؛ لأنا نقول: إنَّ هذه الآية دلَّت على وقوعِ التحدِّي من الجنِّ، وإنما يحسن وقوعُ هذا التحدِّي، لو كانوا فصحاء بلغاء، ومتى كان الأمرُ كذلك، كان الاحتمال المذكور قائماً. فالجواب عن الأوَّل: بأنَّ عجز البشر عن معارضته يكون في إثبات كونه معجزاً. وعن الثاني: أنَّ ذلك، لو وقع، لوجب في حكمة الله: أن يظهر ذلك التَّلبيسُ، وحيث لم يظهر ذلك، دلَّ على عدمه، وعلى أنَّ الله تعالى أجاب عن هذه الأسئلةِ بالأجوبة الشَّافية في آخر سورة الشعراء؛ في قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين تَنَزَّلُ على كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: 221 - 222] وسيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -. قالت المعتزلة: هذه الآية تدلُّ على أنَّ القرآن مخلوقٌ؛ لأنَّ التحدِّي بالقديم محالٌ، وقد تقدَّمت هذه الآية في سورة البقرة. قوله: ﴿لاَ يَأْتُونَ﴾ : فيه وجهان: أظهرهما: أنه جوابٌ للقسمِ الموطَّأ له باللام. والثاني: أنه جواب الشرط، واعتذروا به عن رفعه بأنَّ الشرط ماضٍ؛ فهو كقوله: [البسيط] 3462 - وإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألةٍ ... يَقولُ لا غَائبٌ مَالِي ولا حَرِم واستشهدوا عليه بقول الأعشى: [البسيط] 3463 - لَئِنْ مُنِيتَ بِنَا عَنْ غِبِّ مَعْركةٍ ... لا تُلْفِنَا مِنْ دِمَاءِ القَوْمِ نَنْتَفِلُ فأجاب الشرط مع تقدُّمِ لام التوطئة، وهو دليلٌ للفراء، ومن تبعه على ذلك، وفيه ردٌّ على البصريِّين، حيث يحتَّمون جواب القسمِ عند عدمِ تقدم ذي خبرٍ. وأجاب بعضهم أنَّ اللام في البيت ليست للتوطئةِ، بل مزيدةٌ؛ وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا دليل عليه، وقال الزمخشريُّ: «لولا اللام الموطِّئةُ؛ لجاز أن يكون جواباً للشرط؛ كقوله: [البسيط] 3464 - ... ... ... ... ... ... ... . ... يَقُولُ لا غَائِبٌ ... ... ... ... لأنَّ الشرط وقع ماضياً» . وناقشه أبو حيَّان: بأنَّ هذا ليس مذهب سيبويه، ولا الكوفيين والمبرِّد؛ لأنَّ مذهب سيبويه في مثله: أن النية به التقديم، ومذهب الكوفيين، والمبرِّد: أنه على حذف الفاء، وهذا مذهب ثالثٌ، قال به بعضُ الناس. قوله: «ولَوْ كَانَ» جملةٌ حاليةٌ، وتقدَّم تحقيق هذا، وأنه كقوله - عليه السلام -: «أعطُوا السَّائل، ولو جَاء على فَرسٍ» ، و «لبَعْضٍ» متعلقٌ ب «ظَهِيراً» . فصل في معنى الآية والمعنى: لو كان بعضهم لبعض عوناً، ومظاهراً، نزلت حين قال الكفَّار: ولو شئنا لقلنا مثل هذا، فكذَّبهم الله - عَزَّ وَجَلَّ َّ - فالقرآن معجزٌ في النَّظم، والتَّأليف، والإخبار عن الغيوب، وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة، لا يشبه كلام الخلق؛ لأنَّه غير مخلوقٍ، ولو كان مخلوقاً، لأتوا بمثله.

الإسراء 17:86

قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح﴾ الآية. رُوِثَ أن اليهود قالوا لقريشٍ: اسألوا محمداً عن ثلاثةِ أشياء، فإن أجاب عن كلِّها، أو لم يجب عن شيءٍ، فليس بنبيٍّ، وإن أجاب عن اثنين، وأمسك عن الثَّالِث، فهو نبيٌّ؛ فاسألوا عن فتيةٍ فقدوا في الزَّمنِ الأوَّل، فما كان أمرهم؛ فإنهم كان لهم حديثٌ عجيبٌ؟ وعن رجلٍ بلغ مشرق الشَّمسِ، ومغربها، ما خبره؟ وعن الرُّوحِ؛ فسأله، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «غداً أخبركم» ولم يقل: إن شَاءَ الله، فانقطع عنه الوحي. قال مجاهدٌ: اثنتي عشرة ليلة، وقيل: خمسة عشر يوماً، وقال عكرمة: أربعين يوماً، وأهل مكَّة يقولون: وعدنا محمد غداً، وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيءٍ، حتَّى حزن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من مكث الوحي، وشقَّ عليه ما يقول أهل مكَّة، ثم نزل الوحي بقوله: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: 23، 24] . ونزل في الفتية: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكهف والرقيم كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ [الكهف: 9] . ونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ [الكهف: 83] . ونزل في الرُّوح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . قال ابن الخطيب: ومن النَّاس من [طعن] في هذه الرواية؛ من وجوه: أولها: قالوا: ليس الروح أعظم شأناً، ولا أعلى درجة من الله تعالى، فإن كانت معرفة الله تعالى حاصلة ممكنة، فأي مانعٍ يمنع من معرفة الروح؟ ﴿. وثانيها: أن اليهود قالوا: إن أجاب عن قصَّة أهل الكهف، وقصَّة ذي القرنين، ولم يجب عن الروح، فهو نبيٌّ، وهذا كلامٌ بعيد عن العقلاء؛ لأن قصَّة أصحاب الكهف، وقصَّة ذي القرنين ليست إلا حكاية، والحكاية لا تكون دليلاً على النبوة. وأيضاً: فالحكاية التي يذكرها: إما أن تعتبر قبل العلم بنبوته، أو بعد العلم بنبوته. فإن كانت قبل العلم بنبوته، كذَّبوه فيها، وإن كانت بعد العلم بنبوته، فحينئذٍ: نبوَّتهُ معلومة؛ فلا فائدة في ذكر هذه الحكاية وأما عدم الجواب عن حقيقةِ الروح، فهذا يبعد جعله دليلاً على صحَّة النبوة. وثالثها: أنَّ مسألة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة، وأراذل المتكلِّمين، فلو قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي لا أعرفُها» لأورث ذلك ما يوجبُ التَّحقيرَ، والتَّنفيرَ؛ فإنَّ الجهل بمثل هذه المسألة يفيد تحقير أيِّ إنسانٍ كان، فكيف الرسول الذي هو أعلم العلماءِ، وأفضل الفضلاء؟﴾ . رابعها: أنه تعالى قال في حقِّه ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: 1، 2] . وقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113] . وقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: 114] . وقال في [حقِّه، أي القرآن، وصفته] : ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59] . وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «أرني الأشياء كما هي» . فمن هذا حاله وصفته، أيليق به أن يقول: أنا لا أعرف هذه المسألة، مع أنَّها من المسائل المشهورة المذكورة عند جمهور الخلق؟ {. بل المختار عندنا: أنَّهم سألوه عن الروح، وأنه - صلوات الله عليه - أجابهم على أحسن الوجوه، وتقريره أن المذكور في الآية، أنهم سألوه عن الروح، والسؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة. أولها: أن يقال: ماهية الروح، هل هي متحيِّز أو حالٌّ في المتحيِّز. وثانيها: أن يقال: الروح قديمة، أو حادثة؟ . وثالثها: أن يقالك الروح، هل تبقى بعد الأجسام، أو تفنى؟ . ورابعها: أن يقال: ما حقيقة سعادة الأرواح، وشقاوتها؟ . وبالجملة: فالمباحثُ المتعلقة بالروح كثيرة. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح﴾ ليس فيه ما يدلُّ على أنَّهم سألوه عن أيِّ المسائل، إلا أنه تعالى ذكر في الجواب عن هذا السؤال: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ وهذا الجواب لا يليقُ إلا بمسألتين من هذه المسائل التي ذكرناها: إحداهما: السؤال عن ماهية الروح. والأخرى: عن قدمها، أو حدوثها. أما البحث الأول: فهم قالوا: ما حقيقة الروح وماهيته؟} أهو أجسامٌ موجودة داخلة في البدنِ مولدةٌ من امتزاجِ الطبائع والأخلاط؟ أو هو عبارة عن نفس هذا المزاجِ والتركيب؟ أو هو عبارة عن عرض قائم بهذه الأجسام؟ أو هو عبارة عن موجودٍ يغاير هذه الأجسام، والأعراض؟ فأجاب الله عنه بأنَّه موجودٌ مغايرُ لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض؛ وذلك لأن لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض أشياء تحدثُ عن امتزاجِ الأخلاط والعناصر. وأمَّا الروح، فإنه ليس كذلك، بل هو جوهرٌ، بسيطٌ، مجردٌ، ولا يحدث إلا بمحدثٍ يقول له: «كن فيكون» ، فأجاب الله عنه بأنه موجود محدث بأمر الله وتكوينه، وتأثيره في إفادة الحياة بهذا الجسدِ، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه؛ فإنَّ أكثر حقائقِ الأشياءِ، وماهيَّاتها مجهولة؛ فإنَّا نعلم أنَّ السكنجبين له خاصيةٌ في قطع الصفراء؛ فأمَّا إذا أردنا أن نعرف ماهيَّة تلك الخاصِّيَّة، وحقيقتها المخصوصة، فذلك غير معلوم؛ فثبت أنَّ أكثر الحقائق مجهولةٌ، ولم يلزم من كونها مجهولة بعينها عدمُ العلم بخاصِّيَّتها، فكذا ها هنا؛ وهذا المراد بقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . وأما البحثُ الثاني: فهو أنَّ لفظ الأمرِ قد جاء بمعنى الفعل؛ قال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: 97] . وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: 82] أي: فعلنا. فقوله تعالى: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ . أي: من فعل ربِّي. وهذا الجواب يدلُّ على أنَّهم سألوه عن الروح، قديمة أو حادثة، فقال: بل حادثة، وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه. ثم احتجَّ على حدوثِ الرُّوحِ بقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . ثم استدلَّ بحدوثِ الأرواح بتغيُّرها من حال إلى حالٍ، وهو المراد بقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . وأما أقوال المفسِّرين في الروح المذكورة ها هنا: فقيل: الروح: القرآن؛ لأن الله تعالى سمَّى القرآن في هذه الآية، وفي كثيرٍ من الآيات روحًا؛ قال تعالى: ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52] . ﴿يُنَزِّلُ الملاائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: 2] . ولأنَّ القرآن تحصل به حياة الأرواح والعقول؛ لأنَّ به تحصل معرفة الله تعالى، ومعرفة ملائكته، وكتبه، ورسله، والأرواح إنَّما يحصلُ إحياؤها بهذه المعارف، وتقدم قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] . وقال بعده: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 86] . إلى قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: 88] . فلما كان ما قبل هذه الآية في وصف القرآن، وما بعدها كذلك، وجب أن يكون المراد بالروح القرآن؛ حتَّى تكون آيات القرآن كلها متناسبة؛ لأن القوم استعظموا أمر القرآن، فسألوا: هل هو من جنس الشِّعر، أو من جنس الكهانة؟ فأجابهم الله تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر، وإنما هو كلامٌ ظهر بأمر الله، ووحيه، وتنزيله، فقال: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ، أي: القرآن إنما ظهر بأمر الله ربِّي، وليس من جنس كلامِ البشر. ورُوِيَ عن ابن عباس: أنه جبريل، وهو قول الحسن وقتادة؛ لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: 193، 194] ؛ وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ [مريم: 17] . ويؤكده: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ . وقال جبريل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64] . فسالوا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: كيف جبريل في نفسه؟ وكيف يأتيه؟ وكيف يبلغ الوحي إليه؟ . وقال مجاهد: الرُّوحُ: خلق ليسوا من الملائكة، على صور بني آدم يأكلون، ولهم أيدٍ، وأرجلٌ، ورءوسٌ. وقال أبو صالحٍ: يشبهون الناس، وليسوا من النَّاس. فصل قال ابن الخطيب: ولم أجِدْ في القرآن، ولا في الأخبار الصحيحة شيئاً يمكنُ التمسُّك به بهذا القول. ورُوِيَ عن عليٍّ: أنَّه ملكٌ له سبعون ألف وجهٍ، لكلِّ وجهٍ سبعون ألف لسانٍ، لكلِّ لسانٍ سبعون ألف لغةٍ، يسبِّح الله تعالى بتلك اللغات، ويخلق الله تعالى من كلِّ تسبيحةٍ ملكاً يطير مع الملائكة، قالوا: ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروحِ غير العرشِ، ولو شاء أن يبتلع السَّموات السَّبع، والأرضين السبع، وما فيها بلقمةٍ واحدةٍ لفعله، صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه على صورة الآدميين، يقوم يوم القيامة عن يمين العرش، وهو أقرب الخلق إلى الله عزَّ وجلَّ اليوم عند الحجب السَّبعين، ويقرب إلى الله يوم القيامة، وهو يشفع لأهل التوحيد، ولولا أنَّ بينه وبين الملائكة ستراً من نورٍ، لاحترق أهل السموات من نوره. فصل في ضعف هذا القول قال ابن الخطيب: ولقائلٍ أن يقول: هذا القول ضعيفٌ؛ لوجوهٍ: الأول: أنَّ هذا التفصيل، إذا عرفه عليٌّ، فالنبي أولى بأن يعرفه، ويخبر به، وأيضاً: فإنَّ الوحي لم يكن ينزل على عليٍّ؛ فهذا التفصيل ما عرفه إلا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ فَلِمَ ذكر النبي هذا الشَّرح لعليٍّ، ولم يذكره لغيره؟! . الثاني: أنَّ ذلك الملك، إن كان حيواناً واحداً، وعاقلاً واحداً، فلا فائدة في تكثير تلك اللغات، وإن كان المتكلِّم بكلِّ لغةٍ ملكاً؛ فهذا مجموعُ ملائكة. الثالث: أنَّ هذا شيء مجهول الوجود، فكيف يسال عنه؟ أما الروح الذي هو سبب الحياة، فهو شيء تتوفَّر دواعي العقلاء على معرفته؛ فصرف هذا السؤال إليه أولى. وقيل: الرُّوحُ: عيسى؛ فإنَّه روح الله، وكلمته، والمعنى: أنَّه ليس كما يقوله اليهود، ولا كما يقوله النصارى. وقال قومٌ: هو الرُّوحُ المركَّب في الخلق الذي يحيا به الإنسان، وهو الأصحُّ. واختلفوا فيه؛ فقال بعضهم: هو الدم؛ ألا ترى [أنَّ الإنسان] ، إذا مات لا يفوتُ منه إلا الدمُ. وقال قومٌ: هو نفس الحيوان؛ بدليل أنَّه يموت باحتباس النفس. وقال قومٌ: هو عرضٌ. وقال قومٌ: هو جسم لطيف. وقال بعضهم: الروح معنى اجتمع فيه النُّور، والطِّيب، والعلوُّ، والعلم، والبقاء؛ ألا ترى أنه إذا كان موجوداً، يكون الإنسان موصوفاً بهذه الصفات [جميعها] ، وإذا خرج ذهب الكلُّ؟! . فصل في شرح مذاهب القائلين بأنَّ الإنسان جسم موجود، روح في داخل البدن. قال ابن الخطيب: اعلم أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفليِّ: إما أن تكون أحد العناصر الأربعة، أو ما يكون متولِّداً من امتزاجها، ويمتنع أن يحصل في البدنِ الإنسانيِّ جسمٌ عنصريٌّ خالصٌ، بل لا بدَّ وأن يكون الحاصل جسماً متولِّداً من امتزاجات هذه الأربعة. فنقول: أمَّا الجسم الذي تغلب عليه الأرضية: فهو الأعضار الصُّلبة الكثيفة؛ كالعظم، والعروق، والغُضروف، والعصب، والوتر، والرِّباطاتِ لهذا الجسم، واللَّحم والجلد، ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا: إنَّ الإنسان بمعنى: روح مغاير لهذا الجسد، بأنَّه عبارة عن عضوٍ معيَّن من هذه الأعضاء؛ وذلك لأنَّ هذه الأعضاء ثقيلة، كثيفة، ظلمانيَّة، لم يقل أحد من العقلاء بأنَّ الإنسان عبارةٌ عن أحد هذه الأعضاء. وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية؛ فهو الأخلاط الأربعة ولم يُقَلْ في شيءٍ منها: إنَّه الإنسان إلاَّ في الدَّم؛ فإنَّ فيهم من قال: هو الرُّوح؛ بدليل أنَّه، إذا خرج، لزم الموت. وأمَّا الجسم الذي تغلب عليه الهوائية، والنارية؛ فهو الأرواح: وهي نوعان: أجسامٌ هوائية مخلوطة بالحرارةِ الغريزيّة، متولِّدة: إمَّا في القلب، أو في الدِّماغ، وقالوا: إنما هي الروح الإنسانيُّ، ثمَّ اختلفوا. فمنهم من يقول: هو الرُّوح الذي في القلب. ومنهم من يقول: إنَّه جزءٌ لا يتجزَّأ في الدِّماغ. ومنهم من يقول: الرُّوحُ عبارة عن أجزاءٍ ناريَّة مختلطة بهذه الأرواح القلبيَّة، والدِّماغيَّة، وتلك الأجزاء النارية: هي المسمَّاة بالحرارة الغريزيَّة، وهي الإنسان. ومن النَّاس من يقول: الروح عبارةٌ عن أجسام نورانيَّةٍ، سماويةٍ، لطيفة الجوهر، على طبيعة ضوءِ الشَّمس، وهي لا تقبلُ التحلُّل، والتبدُّل، ولا التفرُّق، والتمزُّق؛ وهو المراد بقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29] نفذت تلك الأجسام الشَّريفة السماوية الإلهيَّة في داخل أعضاء البدنِ نفاذ النَّار في الفحم، ونفاذ دهن السِّمسم في السِّمسم، ونفاذ دهن الورد في جسمِ الورد؛ وهو المراد من قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29] . ثم إنَّ البدن ما دام سليماً، قابلاً لنفاذ تلك الأجسام الشريفة، بقي حيًّا، فإذا تولَّد في البدن أخلاطٌ غليظةٌ، منعت من سريان تلك الأجسام الشريفة فيها، فانفصلت عن هذا البدن؛ فحينئذ: يعرض الموت. قال: فأمَّا أنَّ الإنسان جنسٌ موجودٌ خارج البدن، فلا أعرف أحداً ذهب إلى هذا القول. فصل في الاحتجاج على أن الروح ليست بجسم ولا عرض احتجَّ ابن الخطيب لمسمَّى الروح بأنها ليست بجسمٍ، ولا عرضٍ، وأنها غير البدن؛ بوجوه كثيرة عقليَّة ونقليَّة. قال ابن الخطيب: منها أنَّ العلم البديهيَّ حاصل بأن أجزاء هذه الجثَّة متبدلة بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، والمتبدل مغاير للثَّابت. ومنها: أنَّ الإنسان حال كونه مشتغلاً بفكره في شيءٍ معيَّن، فإنه في تلك الحالة يكونُ غافلاً عن جميع أجزاء بدنه، وغير غافل عن نفسه؛ فوجب أن يكون الإنسان مغايراً لبدنه. ومنها: قول الإنسان: رأسي، وبدني، وعيني، ويضيف كل عضو إلى نفسه، والمضاف غير المضاف إليهز فإن قيل: قد يقول: نفسي وذاتي فيضيف الذات والنفس إلى [نفسه] ؛ فيلزم أن يكون الشيء وذاته مغايرة لنفسه، وهو محالٌ، قلنا: قد يريد بنفس الشيء وذاته الحقيقة المخصوصة التي يشير إليها كلُّ أحدٍ بقوله: أنا فلانٌ، فغذا قال: نفسي، وذاتي، كان المراد البدن، وهو مغاير للإنسان، أمَّا إذا أريد بالنَّفس والذَّات الحقيقة المخصوصة المشار إليها بقوله: أنا فلانٌ، ثم إنَّ الإنسان يكنه أن يضيف ذلك إلى نفسه بقوله: إنَّه لي. ومنها: أنَّ الإنسان قد يكون حيًّا، حال موت البدن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: 169] . والحِسُّ يرى الجسد ميِّتاً. وقال تعالى: ﴿النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر: 46] . وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: « [» أنبياء الله لا يموتون «] » . وقال - عليه السلام -: «إذَا حُمِلَ الميِّتُ على نعشِه، [رفرف] روحه فوق النَّعشِ، ويقول: يا أهْلِي، ويَا ولَدِي» . وقال تعالى: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر، 27، 28] . ومنها: أن الإنسان، إذا قطعت يداه ورجلاه، لم ينقص من عقله، وفهمه شيء. ومنها: الذين مسخهم الله قردة وخنازير؛ فإن لم يكن ذلك الإنسان حيًّا، وإلاَّ لكان ذلك المسخُ إماتة لذلك الإنسان، وخلقاً لذلك الخنزير. ومنها: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يرى جبريل في صورة دحية، ويرى إبليس في صورة الشَّيخِ النجديِّ. ومنها: العضو، وهذا يدل على أن الإنسان شيء غير الجسد، وأنَّ الزَّاني يزني بفرجه؛ فيضرب على ظهره؛ فيلزم أن يكون الإنسانُ شيئاً آخر، سوى الفرج، وسوى الظَّهر، وهو شيء يستعمل الظهر في عمل، والفرج في عمل؛ فيكون المتلذذ المتألم هو ذلك الشيء بواسطة ذلك العضو، وكل هذا يدل على أن الإنسان شيء غير الجسد. ثم قال: واحتج المنكر بثلاثة أوجه: الأول: لو كانت مساوية لذات الله في كونه ليس بجسم ولا عرض لكانت مساوية له في تمام الماهية، وذلك محال. الثاني: قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس: 17 - 22] . وهذا تصريحٌ بأنَّ الإنسان شيء مخلوق من النُّطفة، وأنه يموت، ويدخل القبر، ثم إنَّه تعالى يخرجه من القبر، ولو لم يكن الإنسان عبارة عن هذه الجثَّة، وإلاَّ لم تكن الأحوال المذكورة في هذه الآية صحيحة. الثالث: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً﴾ [آل عمران: 169] إلى قوله: ﴿فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: 170] . وهذا يدلُّ على أنَّ الروح جسم؛ لأنّ الارتزاق والفرح من صفات الأجسام. والجواب عن الأوَّل: أنَّ المساواة في أنَّه ليس بمتحيِّز، ولا حالٍّ في المتحيِّز مساواةٌ في صفةٍ سلبيةٍ، والمساواة في الصِّفة السلبيَّة لا توجبُ المماثلة. واعلم: أنَّ جماعة من الجهَّال يظنُّون أنَّه لما كان الروح موجوداً ليس بمتحيِّز، ولا حالٍّ في المتحيز، وجب أن يكون مثلاً للإله، أو جزءاً له، وذلك جهلٌ فاحشٌ، وغلطٌ قبيحٌ. وتحقيق القولك ما ذكرناه من أنَّ المساواة في السُّلوب، لو أوجبت المماثلة، لوجب القول باستواءِ كلِّ المخالفات؛ فإنَّ كل ماهيَّتينِ مختلفتين، لا بدَّ وأن يشتركا في سلب ما عداهما عنهما، فليتفكر في هذه الدقيقة؛ فإنَّها مغلطةٌ عظيمةٌ للجهَّال. والجوابُ عن الثاني: أنه لمَّا كان الاتِّصافُ في العرف والظَّاهر عبارة عن هذه الجثَّة أطلق عليه اسم الإنسان. وأيضاً: لقائل أن يقول: هَبْ أنَّا نجعلُ اسم الإنسان عبارة عن هذه الجثَّة، إلاَّ أنَّ قد دلَّلنا أنَّ محلَّ العلم والقدرة ليس هو الجثَّة. والجواب عن الثالث: أنَّ الرِّزْقَ المذكور في الآية محمولٌ على ما يقوِّي حالهم ويكمل كمالهم، وهو معرفةُ الله ومحبَّته. بل نقول: هذا من أدلِّ الدلائلِ على صحَّة قولنا؛ لأنَّ أبدانهم قد بليت في التُّراب، والله يقول: «إنَّ أرواحهم تأوي في قناديل معلقة تحت العرش» وهذا يدلُّ على أنَّ الروح غير البدن. قوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . أي: في جنب علم الله تعالى. قال المفسِّرون: هذا خطابٌ لليهود، وذلك أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا قال لهم ذلك، قالوا: نحن مختصُّون بهذا الخطاب، أم أنت معنا؟ فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً» ، فقالوا ما أعجب شأنك، يا محمد؛ ساعة تقول: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] . وساعة تقول هذا، فنزل قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾ [لقمان: 27] . وما ذكروه ليس بلازمٍ؛ لأنَّ الشيء قد يكون قليلاً بالنِّسبة إلى علم الله تعالى، وبالنسبة غلى حقائق الأشياء، ولكنَّها كثيرة بالنسبة إلى الشَّهوات الجسمانيَّة، واللذَّات الجسدانية. وقيل: هذا خطابٌ للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يعلم معنى الرُّوح، ولم يخبرْ به أحداً؛ لأنَّ ترك إخباره كان علماً لنُبوَّتهِ، وقد تقدَّم الكلام على ذلك، قال البغوي: الأصحُّ: أن الله تعالى استأثر بعلمه. قوله: ﴿مِّن العلم﴾ : متعلق ب «أوتيتم» ، ولا يجوز تعلُّقه بمحذوفٍ على أنه ح ال من «قَلِيلاً» ؛ لأنَّه لو تأخَّر، لكان صفة؛ لأنَّ ما في حيِّز «إلاَّ» لا يتقدَّم عليها. وقرأ عبد الله، والأعمش «ومَا أوتُوا» بضمير الغيبة. قوله تعالى: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية. لما ذكر أنَّه ما آتاهم من العلم إلاَّ قليلاً، قال ها هنا: إنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل، لقدر عليه، وذلك بأن يمحو حفظه من القلوب، وكتابته من الكتب، والمراد بالذي أوحينا إليك القرآن. واحتج الكعبي بهذه الآية الكريمة بأنَّ القرآن مخلوقٌ؛ فقال: الذي يقدر على إزالته والذَّهاب به يستحيل أن يكون قديماً، بل يجب أن يكون محدثاً. وأجيب بأن يكون المراد بهذا الإذهاب إزالة العلم به عن القلوب، وإزالة النَّقش الدَّال عليه من المصحف؛ وذلك لا يوجبُ كون ذلك المصكوكِ المدلول محدثاً. فصل في كيفية رفع القرآن آخر الزمان قال عبد الله بن مسعود: اقرءوا القرآن قبل أن يرفع؛ فإنَّه لا تقوم الساعة حتَّى يرفع، قيل: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور النَّاس؟ قال: يسري عليه ليلاً، فيرفع ما في صدورهم، فيصبحون لا يحفظون شيئاً، ولا يجدون ف يالمصاحف شيئاً، ثم يفيضون في الشِّعر. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: لا تقوم السَّاعة حتَّى يرفع القرآن من حيثُ نزل، لهُ دويٌّ حول العرشِ، كدويِّ النَّحلِ؛ فيقول الربُّ: ما لك؟ فيقول: يا ربِّ، أتلى، ولا يعمل بي. ثم قال: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً﴾ أي: لا تجدُ من تتوكَّل عليه في ردِّ شيءٍ منه. قوله تعالى: ﴿إِلاَّ رَحْمَةً﴾ : قيل: استثناء متصل؛ لأنها تندرج في قوله «وَكِيلاً» والمعنى: إلاَّ أن يرحمك ربُّك؛ فيردَّه عليك. وقيل: إنه استثناء منقطع، فتتقدر ب «لَكِنْ» عند البصريين، و «بَلْ» عند الكوفيين. والمعنى: إلا رحمة من ربِّك؛ إذ كل رحمة من ربِّك تركته غير مذهوب به، أي: لكن لا يشاء ذلك رحمة من ربِّك، وهذا امتنانٌ من الله؛ وهو نوعان: الأول: تسهيل ذلك العلم عليه. والثاني: إبقاء حفظه عليه. قوله «مِنْ ربِّكَ» يجوز أن يتعلق ب «رَحْمةً» وأن يتعلق بمحذوفٍ، صفة لها. ثم قال: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ . بسبب إبقاء العلم والقرآنِ عليك، وقيل: بسببِ أنَّه جعلك سيِّد ولد آدم، وختم بك النَّبيِّين، وأعطاك المقَام المحمود، فلما كان كذلك، لا جرم أنعم عليك بإبقاء العلم والقرآن عليك. قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن﴾ الآيات، وقد تقدَّم الكلام على مثلِ هذه الآية. فصل قال بعضهم: هب أنَّه ظهر عجز الإنسانِ عن معارضته؛ فكيف عرفتُم عجز الجنِّ؟ وأيضاً: فلم لا يجوز أن يقال: إن هذا الكلام نظم الجنِّ، ألقوهُ على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وخصُّوه به على سبيل السَّعي في إضلال الخلق؟ فعلى هذا: إنَّما تعرفون صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا عرفتم أنَّ محمَّداً صادق في قوله: إنَّه ليس من كلام الجنِّ، بل من كلامِ الله تعالى؛ وحينئذٍ: يلزم الدور، وليس لأحدٍ أن يقول: كيف يعقل أن يكون هذا من قول الجنِّ؛ لأنا نقول: إنَّ هذه الآية دلَّت على وقوعِ التحدِّي من الجنِّ، وإنما يحسن وقوعُ هذا التحدِّي، لو كانوا فصحاء بلغاء، ومتى كان الأمرُ كذلك، كان الاحتمال المذكور قائماً. فالجواب عن الأوَّل: بأنَّ عجز البشر عن معارضته يكون في إثبات كونه معجزاً. وعن الثاني: أنَّ ذلك، لو وقع، لوجب في حكمة الله: أن يظهر ذلك التَّلبيسُ، وحيث لم يظهر ذلك، دلَّ على عدمه، وعلى أنَّ الله تعالى أجاب عن هذه الأسئلةِ بالأجوبة الشَّافية في آخر سورة الشعراء؛ في قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين تَنَزَّلُ على كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: 221 - 222] وسيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -. قالت المعتزلة: هذه الآية تدلُّ على أنَّ القرآن مخلوقٌ؛ لأنَّ التحدِّي بالقديم محالٌ، وقد تقدَّمت هذه الآية في سورة البقرة. قوله: ﴿لاَ يَأْتُونَ﴾ : فيه وجهان: أظهرهما: أنه جوابٌ للقسمِ الموطَّأ له باللام. والثاني: أنه جواب الشرط، واعتذروا به عن رفعه بأنَّ الشرط ماضٍ؛ فهو كقوله: [البسيط] 3462 - وإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألةٍ ... يَقولُ لا غَائبٌ مَالِي ولا حَرِم واستشهدوا عليه بقول الأعشى: [البسيط] 3463 - لَئِنْ مُنِيتَ بِنَا عَنْ غِبِّ مَعْركةٍ ... لا تُلْفِنَا مِنْ دِمَاءِ القَوْمِ نَنْتَفِلُ فأجاب الشرط مع تقدُّمِ لام التوطئة، وهو دليلٌ للفراء، ومن تبعه على ذلك، وفيه ردٌّ على البصريِّين، حيث يحتَّمون جواب القسمِ عند عدمِ تقدم ذي خبرٍ. وأجاب بعضهم أنَّ اللام في البيت ليست للتوطئةِ، بل مزيدةٌ؛ وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا دليل عليه، وقال الزمخشريُّ: «لولا اللام الموطِّئةُ؛ لجاز أن يكون جواباً للشرط؛ كقوله: [البسيط] 3464 - ... ... ... ... ... ... ... . ... يَقُولُ لا غَائِبٌ ... ... ... ... لأنَّ الشرط وقع ماضياً» . وناقشه أبو حيَّان: بأنَّ هذا ليس مذهب سيبويه، ولا الكوفيين والمبرِّد؛ لأنَّ مذهب سيبويه في مثله: أن النية به التقديم، ومذهب الكوفيين، والمبرِّد: أنه على حذف الفاء، وهذا مذهب ثالثٌ، قال به بعضُ الناس. قوله: «ولَوْ كَانَ» جملةٌ حاليةٌ، وتقدَّم تحقيق هذا، وأنه كقوله - عليه السلام -: «أعطُوا السَّائل، ولو جَاء على فَرسٍ» ، و «لبَعْضٍ» متعلقٌ ب «ظَهِيراً» . فصل في معنى الآية والمعنى: لو كان بعضهم لبعض عوناً، ومظاهراً، نزلت حين قال الكفَّار: ولو شئنا لقلنا مثل هذا، فكذَّبهم الله - عَزَّ وَجَلَّ َّ - فالقرآن معجزٌ في النَّظم، والتَّأليف، والإخبار عن الغيوب، وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة، لا يشبه كلام الخلق؛ لأنَّه غير مخلوقٍ، ولو كان مخلوقاً، لأتوا بمثله.

الإسراء 17:87

قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح﴾ الآية. رُوِثَ أن اليهود قالوا لقريشٍ: اسألوا محمداً عن ثلاثةِ أشياء، فإن أجاب عن كلِّها، أو لم يجب عن شيءٍ، فليس بنبيٍّ، وإن أجاب عن اثنين، وأمسك عن الثَّالِث، فهو نبيٌّ؛ فاسألوا عن فتيةٍ فقدوا في الزَّمنِ الأوَّل، فما كان أمرهم؛ فإنهم كان لهم حديثٌ عجيبٌ؟ وعن رجلٍ بلغ مشرق الشَّمسِ، ومغربها، ما خبره؟ وعن الرُّوحِ؛ فسأله، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «غداً أخبركم» ولم يقل: إن شَاءَ الله، فانقطع عنه الوحي. قال مجاهدٌ: اثنتي عشرة ليلة، وقيل: خمسة عشر يوماً، وقال عكرمة: أربعين يوماً، وأهل مكَّة يقولون: وعدنا محمد غداً، وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيءٍ، حتَّى حزن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من مكث الوحي، وشقَّ عليه ما يقول أهل مكَّة، ثم نزل الوحي بقوله: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: 23، 24] . ونزل في الفتية: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكهف والرقيم كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ [الكهف: 9] . ونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ [الكهف: 83] . ونزل في الرُّوح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . قال ابن الخطيب: ومن النَّاس من [طعن] في هذه الرواية؛ من وجوه: أولها: قالوا: ليس الروح أعظم شأناً، ولا أعلى درجة من الله تعالى، فإن كانت معرفة الله تعالى حاصلة ممكنة، فأي مانعٍ يمنع من معرفة الروح؟ ﴿. وثانيها: أن اليهود قالوا: إن أجاب عن قصَّة أهل الكهف، وقصَّة ذي القرنين، ولم يجب عن الروح، فهو نبيٌّ، وهذا كلامٌ بعيد عن العقلاء؛ لأن قصَّة أصحاب الكهف، وقصَّة ذي القرنين ليست إلا حكاية، والحكاية لا تكون دليلاً على النبوة. وأيضاً: فالحكاية التي يذكرها: إما أن تعتبر قبل العلم بنبوته، أو بعد العلم بنبوته. فإن كانت قبل العلم بنبوته، كذَّبوه فيها، وإن كانت بعد العلم بنبوته، فحينئذٍ: نبوَّتهُ معلومة؛ فلا فائدة في ذكر هذه الحكاية وأما عدم الجواب عن حقيقةِ الروح، فهذا يبعد جعله دليلاً على صحَّة النبوة. وثالثها: أنَّ مسألة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة، وأراذل المتكلِّمين، فلو قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي لا أعرفُها» لأورث ذلك ما يوجبُ التَّحقيرَ، والتَّنفيرَ؛ فإنَّ الجهل بمثل هذه المسألة يفيد تحقير أيِّ إنسانٍ كان، فكيف الرسول الذي هو أعلم العلماءِ، وأفضل الفضلاء؟﴾ . رابعها: أنه تعالى قال في حقِّه ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: 1، 2] . وقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113] . وقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: 114] . وقال في [حقِّه، أي القرآن، وصفته] : ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59] . وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «أرني الأشياء كما هي» . فمن هذا حاله وصفته، أيليق به أن يقول: أنا لا أعرف هذه المسألة، مع أنَّها من المسائل المشهورة المذكورة عند جمهور الخلق؟ {. بل المختار عندنا: أنَّهم سألوه عن الروح، وأنه - صلوات الله عليه - أجابهم على أحسن الوجوه، وتقريره أن المذكور في الآية، أنهم سألوه عن الروح، والسؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة. أولها: أن يقال: ماهية الروح، هل هي متحيِّز أو حالٌّ في المتحيِّز. وثانيها: أن يقال: الروح قديمة، أو حادثة؟ . وثالثها: أن يقالك الروح، هل تبقى بعد الأجسام، أو تفنى؟ . ورابعها: أن يقال: ما حقيقة سعادة الأرواح، وشقاوتها؟ . وبالجملة: فالمباحثُ المتعلقة بالروح كثيرة. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح﴾ ليس فيه ما يدلُّ على أنَّهم سألوه عن أيِّ المسائل، إلا أنه تعالى ذكر في الجواب عن هذا السؤال: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ وهذا الجواب لا يليقُ إلا بمسألتين من هذه المسائل التي ذكرناها: إحداهما: السؤال عن ماهية الروح. والأخرى: عن قدمها، أو حدوثها. أما البحث الأول: فهم قالوا: ما حقيقة الروح وماهيته؟} أهو أجسامٌ موجودة داخلة في البدنِ مولدةٌ من امتزاجِ الطبائع والأخلاط؟ أو هو عبارة عن نفس هذا المزاجِ والتركيب؟ أو هو عبارة عن عرض قائم بهذه الأجسام؟ أو هو عبارة عن موجودٍ يغاير هذه الأجسام، والأعراض؟ فأجاب الله عنه بأنَّه موجودٌ مغايرُ لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض؛ وذلك لأن لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض أشياء تحدثُ عن امتزاجِ الأخلاط والعناصر. وأمَّا الروح، فإنه ليس كذلك، بل هو جوهرٌ، بسيطٌ، مجردٌ، ولا يحدث إلا بمحدثٍ يقول له: «كن فيكون» ، فأجاب الله عنه بأنه موجود محدث بأمر الله وتكوينه، وتأثيره في إفادة الحياة بهذا الجسدِ، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه؛ فإنَّ أكثر حقائقِ الأشياءِ، وماهيَّاتها مجهولة؛ فإنَّا نعلم أنَّ السكنجبين له خاصيةٌ في قطع الصفراء؛ فأمَّا إذا أردنا أن نعرف ماهيَّة تلك الخاصِّيَّة، وحقيقتها المخصوصة، فذلك غير معلوم؛ فثبت أنَّ أكثر الحقائق مجهولةٌ، ولم يلزم من كونها مجهولة بعينها عدمُ العلم بخاصِّيَّتها، فكذا ها هنا؛ وهذا المراد بقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . وأما البحثُ الثاني: فهو أنَّ لفظ الأمرِ قد جاء بمعنى الفعل؛ قال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: 97] . وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: 82] أي: فعلنا. فقوله تعالى: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ . أي: من فعل ربِّي. وهذا الجواب يدلُّ على أنَّهم سألوه عن الروح، قديمة أو حادثة، فقال: بل حادثة، وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه. ثم احتجَّ على حدوثِ الرُّوحِ بقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . ثم استدلَّ بحدوثِ الأرواح بتغيُّرها من حال إلى حالٍ، وهو المراد بقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . وأما أقوال المفسِّرين في الروح المذكورة ها هنا: فقيل: الروح: القرآن؛ لأن الله تعالى سمَّى القرآن في هذه الآية، وفي كثيرٍ من الآيات روحًا؛ قال تعالى: ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52] . ﴿يُنَزِّلُ الملاائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: 2] . ولأنَّ القرآن تحصل به حياة الأرواح والعقول؛ لأنَّ به تحصل معرفة الله تعالى، ومعرفة ملائكته، وكتبه، ورسله، والأرواح إنَّما يحصلُ إحياؤها بهذه المعارف، وتقدم قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] . وقال بعده: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 86] . إلى قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: 88] . فلما كان ما قبل هذه الآية في وصف القرآن، وما بعدها كذلك، وجب أن يكون المراد بالروح القرآن؛ حتَّى تكون آيات القرآن كلها متناسبة؛ لأن القوم استعظموا أمر القرآن، فسألوا: هل هو من جنس الشِّعر، أو من جنس الكهانة؟ فأجابهم الله تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر، وإنما هو كلامٌ ظهر بأمر الله، ووحيه، وتنزيله، فقال: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ، أي: القرآن إنما ظهر بأمر الله ربِّي، وليس من جنس كلامِ البشر. ورُوِيَ عن ابن عباس: أنه جبريل، وهو قول الحسن وقتادة؛ لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: 193، 194] ؛ وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ [مريم: 17] . ويؤكده: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ . وقال جبريل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64] . فسالوا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: كيف جبريل في نفسه؟ وكيف يأتيه؟ وكيف يبلغ الوحي إليه؟ . وقال مجاهد: الرُّوحُ: خلق ليسوا من الملائكة، على صور بني آدم يأكلون، ولهم أيدٍ، وأرجلٌ، ورءوسٌ. وقال أبو صالحٍ: يشبهون الناس، وليسوا من النَّاس. فصل قال ابن الخطيب: ولم أجِدْ في القرآن، ولا في الأخبار الصحيحة شيئاً يمكنُ التمسُّك به بهذا القول. ورُوِيَ عن عليٍّ: أنَّه ملكٌ له سبعون ألف وجهٍ، لكلِّ وجهٍ سبعون ألف لسانٍ، لكلِّ لسانٍ سبعون ألف لغةٍ، يسبِّح الله تعالى بتلك اللغات، ويخلق الله تعالى من كلِّ تسبيحةٍ ملكاً يطير مع الملائكة، قالوا: ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروحِ غير العرشِ، ولو شاء أن يبتلع السَّموات السَّبع، والأرضين السبع، وما فيها بلقمةٍ واحدةٍ لفعله، صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه على صورة الآدميين، يقوم يوم القيامة عن يمين العرش، وهو أقرب الخلق إلى الله عزَّ وجلَّ اليوم عند الحجب السَّبعين، ويقرب إلى الله يوم القيامة، وهو يشفع لأهل التوحيد، ولولا أنَّ بينه وبين الملائكة ستراً من نورٍ، لاحترق أهل السموات من نوره. فصل في ضعف هذا القول قال ابن الخطيب: ولقائلٍ أن يقول: هذا القول ضعيفٌ؛ لوجوهٍ: الأول: أنَّ هذا التفصيل، إذا عرفه عليٌّ، فالنبي أولى بأن يعرفه، ويخبر به، وأيضاً: فإنَّ الوحي لم يكن ينزل على عليٍّ؛ فهذا التفصيل ما عرفه إلا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ فَلِمَ ذكر النبي هذا الشَّرح لعليٍّ، ولم يذكره لغيره؟! . الثاني: أنَّ ذلك الملك، إن كان حيواناً واحداً، وعاقلاً واحداً، فلا فائدة في تكثير تلك اللغات، وإن كان المتكلِّم بكلِّ لغةٍ ملكاً؛ فهذا مجموعُ ملائكة. الثالث: أنَّ هذا شيء مجهول الوجود، فكيف يسال عنه؟ أما الروح الذي هو سبب الحياة، فهو شيء تتوفَّر دواعي العقلاء على معرفته؛ فصرف هذا السؤال إليه أولى. وقيل: الرُّوحُ: عيسى؛ فإنَّه روح الله، وكلمته، والمعنى: أنَّه ليس كما يقوله اليهود، ولا كما يقوله النصارى. وقال قومٌ: هو الرُّوحُ المركَّب في الخلق الذي يحيا به الإنسان، وهو الأصحُّ. واختلفوا فيه؛ فقال بعضهم: هو الدم؛ ألا ترى [أنَّ الإنسان] ، إذا مات لا يفوتُ منه إلا الدمُ. وقال قومٌ: هو نفس الحيوان؛ بدليل أنَّه يموت باحتباس النفس. وقال قومٌ: هو عرضٌ. وقال قومٌ: هو جسم لطيف. وقال بعضهم: الروح معنى اجتمع فيه النُّور، والطِّيب، والعلوُّ، والعلم، والبقاء؛ ألا ترى أنه إذا كان موجوداً، يكون الإنسان موصوفاً بهذه الصفات [جميعها] ، وإذا خرج ذهب الكلُّ؟! . فصل في شرح مذاهب القائلين بأنَّ الإنسان جسم موجود، روح في داخل البدن. قال ابن الخطيب: اعلم أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفليِّ: إما أن تكون أحد العناصر الأربعة، أو ما يكون متولِّداً من امتزاجها، ويمتنع أن يحصل في البدنِ الإنسانيِّ جسمٌ عنصريٌّ خالصٌ، بل لا بدَّ وأن يكون الحاصل جسماً متولِّداً من امتزاجات هذه الأربعة. فنقول: أمَّا الجسم الذي تغلب عليه الأرضية: فهو الأعضار الصُّلبة الكثيفة؛ كالعظم، والعروق، والغُضروف، والعصب، والوتر، والرِّباطاتِ لهذا الجسم، واللَّحم والجلد، ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا: إنَّ الإنسان بمعنى: روح مغاير لهذا الجسد، بأنَّه عبارة عن عضوٍ معيَّن من هذه الأعضاء؛ وذلك لأنَّ هذه الأعضاء ثقيلة، كثيفة، ظلمانيَّة، لم يقل أحد من العقلاء بأنَّ الإنسان عبارةٌ عن أحد هذه الأعضاء. وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية؛ فهو الأخلاط الأربعة ولم يُقَلْ في شيءٍ منها: إنَّه الإنسان إلاَّ في الدَّم؛ فإنَّ فيهم من قال: هو الرُّوح؛ بدليل أنَّه، إذا خرج، لزم الموت. وأمَّا الجسم الذي تغلب عليه الهوائية، والنارية؛ فهو الأرواح: وهي نوعان: أجسامٌ هوائية مخلوطة بالحرارةِ الغريزيّة، متولِّدة: إمَّا في القلب، أو في الدِّماغ، وقالوا: إنما هي الروح الإنسانيُّ، ثمَّ اختلفوا. فمنهم من يقول: هو الرُّوح الذي في القلب. ومنهم من يقول: إنَّه جزءٌ لا يتجزَّأ في الدِّماغ. ومنهم من يقول: الرُّوحُ عبارة عن أجزاءٍ ناريَّة مختلطة بهذه الأرواح القلبيَّة، والدِّماغيَّة، وتلك الأجزاء النارية: هي المسمَّاة بالحرارة الغريزيَّة، وهي الإنسان. ومن النَّاس من يقول: الروح عبارةٌ عن أجسام نورانيَّةٍ، سماويةٍ، لطيفة الجوهر، على طبيعة ضوءِ الشَّمس، وهي لا تقبلُ التحلُّل، والتبدُّل، ولا التفرُّق، والتمزُّق؛ وهو المراد بقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29] نفذت تلك الأجسام الشَّريفة السماوية الإلهيَّة في داخل أعضاء البدنِ نفاذ النَّار في الفحم، ونفاذ دهن السِّمسم في السِّمسم، ونفاذ دهن الورد في جسمِ الورد؛ وهو المراد من قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29] . ثم إنَّ البدن ما دام سليماً، قابلاً لنفاذ تلك الأجسام الشريفة، بقي حيًّا، فإذا تولَّد في البدن أخلاطٌ غليظةٌ، منعت من سريان تلك الأجسام الشريفة فيها، فانفصلت عن هذا البدن؛ فحينئذ: يعرض الموت. قال: فأمَّا أنَّ الإنسان جنسٌ موجودٌ خارج البدن، فلا أعرف أحداً ذهب إلى هذا القول. فصل في الاحتجاج على أن الروح ليست بجسم ولا عرض احتجَّ ابن الخطيب لمسمَّى الروح بأنها ليست بجسمٍ، ولا عرضٍ، وأنها غير البدن؛ بوجوه كثيرة عقليَّة ونقليَّة. قال ابن الخطيب: منها أنَّ العلم البديهيَّ حاصل بأن أجزاء هذه الجثَّة متبدلة بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، والمتبدل مغاير للثَّابت. ومنها: أنَّ الإنسان حال كونه مشتغلاً بفكره في شيءٍ معيَّن، فإنه في تلك الحالة يكونُ غافلاً عن جميع أجزاء بدنه، وغير غافل عن نفسه؛ فوجب أن يكون الإنسان مغايراً لبدنه. ومنها: قول الإنسان: رأسي، وبدني، وعيني، ويضيف كل عضو إلى نفسه، والمضاف غير المضاف إليهز فإن قيل: قد يقول: نفسي وذاتي فيضيف الذات والنفس إلى [نفسه] ؛ فيلزم أن يكون الشيء وذاته مغايرة لنفسه، وهو محالٌ، قلنا: قد يريد بنفس الشيء وذاته الحقيقة المخصوصة التي يشير إليها كلُّ أحدٍ بقوله: أنا فلانٌ، فغذا قال: نفسي، وذاتي، كان المراد البدن، وهو مغاير للإنسان، أمَّا إذا أريد بالنَّفس والذَّات الحقيقة المخصوصة المشار إليها بقوله: أنا فلانٌ، ثم إنَّ الإنسان يكنه أن يضيف ذلك إلى نفسه بقوله: إنَّه لي. ومنها: أنَّ الإنسان قد يكون حيًّا، حال موت البدن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: 169] . والحِسُّ يرى الجسد ميِّتاً. وقال تعالى: ﴿النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر: 46] . وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: « [» أنبياء الله لا يموتون «] » . وقال - عليه السلام -: «إذَا حُمِلَ الميِّتُ على نعشِه، [رفرف] روحه فوق النَّعشِ، ويقول: يا أهْلِي، ويَا ولَدِي» . وقال تعالى: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر، 27، 28] . ومنها: أن الإنسان، إذا قطعت يداه ورجلاه، لم ينقص من عقله، وفهمه شيء. ومنها: الذين مسخهم الله قردة وخنازير؛ فإن لم يكن ذلك الإنسان حيًّا، وإلاَّ لكان ذلك المسخُ إماتة لذلك الإنسان، وخلقاً لذلك الخنزير. ومنها: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يرى جبريل في صورة دحية، ويرى إبليس في صورة الشَّيخِ النجديِّ. ومنها: العضو، وهذا يدل على أن الإنسان شيء غير الجسد، وأنَّ الزَّاني يزني بفرجه؛ فيضرب على ظهره؛ فيلزم أن يكون الإنسانُ شيئاً آخر، سوى الفرج، وسوى الظَّهر، وهو شيء يستعمل الظهر في عمل، والفرج في عمل؛ فيكون المتلذذ المتألم هو ذلك الشيء بواسطة ذلك العضو، وكل هذا يدل على أن الإنسان شيء غير الجسد. ثم قال: واحتج المنكر بثلاثة أوجه: الأول: لو كانت مساوية لذات الله في كونه ليس بجسم ولا عرض لكانت مساوية له في تمام الماهية، وذلك محال. الثاني: قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس: 17 - 22] . وهذا تصريحٌ بأنَّ الإنسان شيء مخلوق من النُّطفة، وأنه يموت، ويدخل القبر، ثم إنَّه تعالى يخرجه من القبر، ولو لم يكن الإنسان عبارة عن هذه الجثَّة، وإلاَّ لم تكن الأحوال المذكورة في هذه الآية صحيحة. الثالث: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً﴾ [آل عمران: 169] إلى قوله: ﴿فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: 170] . وهذا يدلُّ على أنَّ الروح جسم؛ لأنّ الارتزاق والفرح من صفات الأجسام. والجواب عن الأوَّل: أنَّ المساواة في أنَّه ليس بمتحيِّز، ولا حالٍّ في المتحيِّز مساواةٌ في صفةٍ سلبيةٍ، والمساواة في الصِّفة السلبيَّة لا توجبُ المماثلة. واعلم: أنَّ جماعة من الجهَّال يظنُّون أنَّه لما كان الروح موجوداً ليس بمتحيِّز، ولا حالٍّ في المتحيز، وجب أن يكون مثلاً للإله، أو جزءاً له، وذلك جهلٌ فاحشٌ، وغلطٌ قبيحٌ. وتحقيق القولك ما ذكرناه من أنَّ المساواة في السُّلوب، لو أوجبت المماثلة، لوجب القول باستواءِ كلِّ المخالفات؛ فإنَّ كل ماهيَّتينِ مختلفتين، لا بدَّ وأن يشتركا في سلب ما عداهما عنهما، فليتفكر في هذه الدقيقة؛ فإنَّها مغلطةٌ عظيمةٌ للجهَّال. والجوابُ عن الثاني: أنه لمَّا كان الاتِّصافُ في العرف والظَّاهر عبارة عن هذه الجثَّة أطلق عليه اسم الإنسان. وأيضاً: لقائل أن يقول: هَبْ أنَّا نجعلُ اسم الإنسان عبارة عن هذه الجثَّة، إلاَّ أنَّ قد دلَّلنا أنَّ محلَّ العلم والقدرة ليس هو الجثَّة. والجواب عن الثالث: أنَّ الرِّزْقَ المذكور في الآية محمولٌ على ما يقوِّي حالهم ويكمل كمالهم، وهو معرفةُ الله ومحبَّته. بل نقول: هذا من أدلِّ الدلائلِ على صحَّة قولنا؛ لأنَّ أبدانهم قد بليت في التُّراب، والله يقول: «إنَّ أرواحهم تأوي في قناديل معلقة تحت العرش» وهذا يدلُّ على أنَّ الروح غير البدن. قوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . أي: في جنب علم الله تعالى. قال المفسِّرون: هذا خطابٌ لليهود، وذلك أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا قال لهم ذلك، قالوا: نحن مختصُّون بهذا الخطاب، أم أنت معنا؟ فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً» ، فقالوا ما أعجب شأنك، يا محمد؛ ساعة تقول: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] . وساعة تقول هذا، فنزل قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾ [لقمان: 27] . وما ذكروه ليس بلازمٍ؛ لأنَّ الشيء قد يكون قليلاً بالنِّسبة إلى علم الله تعالى، وبالنسبة غلى حقائق الأشياء، ولكنَّها كثيرة بالنسبة إلى الشَّهوات الجسمانيَّة، واللذَّات الجسدانية. وقيل: هذا خطابٌ للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يعلم معنى الرُّوح، ولم يخبرْ به أحداً؛ لأنَّ ترك إخباره كان علماً لنُبوَّتهِ، وقد تقدَّم الكلام على ذلك، قال البغوي: الأصحُّ: أن الله تعالى استأثر بعلمه. قوله: ﴿مِّن العلم﴾ : متعلق ب «أوتيتم» ، ولا يجوز تعلُّقه بمحذوفٍ على أنه ح ال من «قَلِيلاً» ؛ لأنَّه لو تأخَّر، لكان صفة؛ لأنَّ ما في حيِّز «إلاَّ» لا يتقدَّم عليها. وقرأ عبد الله، والأعمش «ومَا أوتُوا» بضمير الغيبة. قوله تعالى: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية. لما ذكر أنَّه ما آتاهم من العلم إلاَّ قليلاً، قال ها هنا: إنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل، لقدر عليه، وذلك بأن يمحو حفظه من القلوب، وكتابته من الكتب، والمراد بالذي أوحينا إليك القرآن. واحتج الكعبي بهذه الآية الكريمة بأنَّ القرآن مخلوقٌ؛ فقال: الذي يقدر على إزالته والذَّهاب به يستحيل أن يكون قديماً، بل يجب أن يكون محدثاً. وأجيب بأن يكون المراد بهذا الإذهاب إزالة العلم به عن القلوب، وإزالة النَّقش الدَّال عليه من المصحف؛ وذلك لا يوجبُ كون ذلك المصكوكِ المدلول محدثاً. فصل في كيفية رفع القرآن آخر الزمان قال عبد الله بن مسعود: اقرءوا القرآن قبل أن يرفع؛ فإنَّه لا تقوم الساعة حتَّى يرفع، قيل: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور النَّاس؟ قال: يسري عليه ليلاً، فيرفع ما في صدورهم، فيصبحون لا يحفظون شيئاً، ولا يجدون ف يالمصاحف شيئاً، ثم يفيضون في الشِّعر. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: لا تقوم السَّاعة حتَّى يرفع القرآن من حيثُ نزل، لهُ دويٌّ حول العرشِ، كدويِّ النَّحلِ؛ فيقول الربُّ: ما لك؟ فيقول: يا ربِّ، أتلى، ولا يعمل بي. ثم قال: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً﴾ أي: لا تجدُ من تتوكَّل عليه في ردِّ شيءٍ منه. قوله تعالى: ﴿إِلاَّ رَحْمَةً﴾ : قيل: استثناء متصل؛ لأنها تندرج في قوله «وَكِيلاً» والمعنى: إلاَّ أن يرحمك ربُّك؛ فيردَّه عليك. وقيل: إنه استثناء منقطع، فتتقدر ب «لَكِنْ» عند البصريين، و «بَلْ» عند الكوفيين. والمعنى: إلا رحمة من ربِّك؛ إذ كل رحمة من ربِّك تركته غير مذهوب به، أي: لكن لا يشاء ذلك رحمة من ربِّك، وهذا امتنانٌ من الله؛ وهو نوعان: الأول: تسهيل ذلك العلم عليه. والثاني: إبقاء حفظه عليه. قوله «مِنْ ربِّكَ» يجوز أن يتعلق ب «رَحْمةً» وأن يتعلق بمحذوفٍ، صفة لها. ثم قال: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ . بسبب إبقاء العلم والقرآنِ عليك، وقيل: بسببِ أنَّه جعلك سيِّد ولد آدم، وختم بك النَّبيِّين، وأعطاك المقَام المحمود، فلما كان كذلك، لا جرم أنعم عليك بإبقاء العلم والقرآن عليك. قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن﴾ الآيات، وقد تقدَّم الكلام على مثلِ هذه الآية. فصل قال بعضهم: هب أنَّه ظهر عجز الإنسانِ عن معارضته؛ فكيف عرفتُم عجز الجنِّ؟ وأيضاً: فلم لا يجوز أن يقال: إن هذا الكلام نظم الجنِّ، ألقوهُ على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وخصُّوه به على سبيل السَّعي في إضلال الخلق؟ فعلى هذا: إنَّما تعرفون صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا عرفتم أنَّ محمَّداً صادق في قوله: إنَّه ليس من كلام الجنِّ، بل من كلامِ الله تعالى؛ وحينئذٍ: يلزم الدور، وليس لأحدٍ أن يقول: كيف يعقل أن يكون هذا من قول الجنِّ؛ لأنا نقول: إنَّ هذه الآية دلَّت على وقوعِ التحدِّي من الجنِّ، وإنما يحسن وقوعُ هذا التحدِّي، لو كانوا فصحاء بلغاء، ومتى كان الأمرُ كذلك، كان الاحتمال المذكور قائماً. فالجواب عن الأوَّل: بأنَّ عجز البشر عن معارضته يكون في إثبات كونه معجزاً. وعن الثاني: أنَّ ذلك، لو وقع، لوجب في حكمة الله: أن يظهر ذلك التَّلبيسُ، وحيث لم يظهر ذلك، دلَّ على عدمه، وعلى أنَّ الله تعالى أجاب عن هذه الأسئلةِ بالأجوبة الشَّافية في آخر سورة الشعراء؛ في قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين تَنَزَّلُ على كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: 221 - 222] وسيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -. قالت المعتزلة: هذه الآية تدلُّ على أنَّ القرآن مخلوقٌ؛ لأنَّ التحدِّي بالقديم محالٌ، وقد تقدَّمت هذه الآية في سورة البقرة. قوله: ﴿لاَ يَأْتُونَ﴾ : فيه وجهان: أظهرهما: أنه جوابٌ للقسمِ الموطَّأ له باللام. والثاني: أنه جواب الشرط، واعتذروا به عن رفعه بأنَّ الشرط ماضٍ؛ فهو كقوله: [البسيط] 3462 - وإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألةٍ ... يَقولُ لا غَائبٌ مَالِي ولا حَرِم واستشهدوا عليه بقول الأعشى: [البسيط] 3463 - لَئِنْ مُنِيتَ بِنَا عَنْ غِبِّ مَعْركةٍ ... لا تُلْفِنَا مِنْ دِمَاءِ القَوْمِ نَنْتَفِلُ فأجاب الشرط مع تقدُّمِ لام التوطئة، وهو دليلٌ للفراء، ومن تبعه على ذلك، وفيه ردٌّ على البصريِّين، حيث يحتَّمون جواب القسمِ عند عدمِ تقدم ذي خبرٍ. وأجاب بعضهم أنَّ اللام في البيت ليست للتوطئةِ، بل مزيدةٌ؛ وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا دليل عليه، وقال الزمخشريُّ: «لولا اللام الموطِّئةُ؛ لجاز أن يكون جواباً للشرط؛ كقوله: [البسيط] 3464 - ... ... ... ... ... ... ... . ... يَقُولُ لا غَائِبٌ ... ... ... ... لأنَّ الشرط وقع ماضياً» . وناقشه أبو حيَّان: بأنَّ هذا ليس مذهب سيبويه، ولا الكوفيين والمبرِّد؛ لأنَّ مذهب سيبويه في مثله: أن النية به التقديم، ومذهب الكوفيين، والمبرِّد: أنه على حذف الفاء، وهذا مذهب ثالثٌ، قال به بعضُ الناس. قوله: «ولَوْ كَانَ» جملةٌ حاليةٌ، وتقدَّم تحقيق هذا، وأنه كقوله - عليه السلام -: «أعطُوا السَّائل، ولو جَاء على فَرسٍ» ، و «لبَعْضٍ» متعلقٌ ب «ظَهِيراً» . فصل في معنى الآية والمعنى: لو كان بعضهم لبعض عوناً، ومظاهراً، نزلت حين قال الكفَّار: ولو شئنا لقلنا مثل هذا، فكذَّبهم الله - عَزَّ وَجَلَّ َّ - فالقرآن معجزٌ في النَّظم، والتَّأليف، والإخبار عن الغيوب، وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة، لا يشبه كلام الخلق؛ لأنَّه غير مخلوقٍ، ولو كان مخلوقاً، لأتوا بمثله.

الإسراء 17:88

قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح﴾ الآية. رُوِثَ أن اليهود قالوا لقريشٍ: اسألوا محمداً عن ثلاثةِ أشياء، فإن أجاب عن كلِّها، أو لم يجب عن شيءٍ، فليس بنبيٍّ، وإن أجاب عن اثنين، وأمسك عن الثَّالِث، فهو نبيٌّ؛ فاسألوا عن فتيةٍ فقدوا في الزَّمنِ الأوَّل، فما كان أمرهم؛ فإنهم كان لهم حديثٌ عجيبٌ؟ وعن رجلٍ بلغ مشرق الشَّمسِ، ومغربها، ما خبره؟ وعن الرُّوحِ؛ فسأله، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «غداً أخبركم» ولم يقل: إن شَاءَ الله، فانقطع عنه الوحي. قال مجاهدٌ: اثنتي عشرة ليلة، وقيل: خمسة عشر يوماً، وقال عكرمة: أربعين يوماً، وأهل مكَّة يقولون: وعدنا محمد غداً، وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيءٍ، حتَّى حزن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من مكث الوحي، وشقَّ عليه ما يقول أهل مكَّة، ثم نزل الوحي بقوله: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: 23، 24] . ونزل في الفتية: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكهف والرقيم كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ [الكهف: 9] . ونزل فيمن بلغ المشرق والمغرب: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ [الكهف: 83] . ونزل في الرُّوح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . قال ابن الخطيب: ومن النَّاس من [طعن] في هذه الرواية؛ من وجوه: أولها: قالوا: ليس الروح أعظم شأناً، ولا أعلى درجة من الله تعالى، فإن كانت معرفة الله تعالى حاصلة ممكنة، فأي مانعٍ يمنع من معرفة الروح؟ ﴿. وثانيها: أن اليهود قالوا: إن أجاب عن قصَّة أهل الكهف، وقصَّة ذي القرنين، ولم يجب عن الروح، فهو نبيٌّ، وهذا كلامٌ بعيد عن العقلاء؛ لأن قصَّة أصحاب الكهف، وقصَّة ذي القرنين ليست إلا حكاية، والحكاية لا تكون دليلاً على النبوة. وأيضاً: فالحكاية التي يذكرها: إما أن تعتبر قبل العلم بنبوته، أو بعد العلم بنبوته. فإن كانت قبل العلم بنبوته، كذَّبوه فيها، وإن كانت بعد العلم بنبوته، فحينئذٍ: نبوَّتهُ معلومة؛ فلا فائدة في ذكر هذه الحكاية وأما عدم الجواب عن حقيقةِ الروح، فهذا يبعد جعله دليلاً على صحَّة النبوة. وثالثها: أنَّ مسألة الروح يعرفها أصاغر الفلاسفة، وأراذل المتكلِّمين، فلو قال الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي لا أعرفُها» لأورث ذلك ما يوجبُ التَّحقيرَ، والتَّنفيرَ؛ فإنَّ الجهل بمثل هذه المسألة يفيد تحقير أيِّ إنسانٍ كان، فكيف الرسول الذي هو أعلم العلماءِ، وأفضل الفضلاء؟﴾ . رابعها: أنه تعالى قال في حقِّه ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: 1، 2] . وقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113] . وقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه: 114] . وقال في [حقِّه، أي القرآن، وصفته] : ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59] . وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «أرني الأشياء كما هي» . فمن هذا حاله وصفته، أيليق به أن يقول: أنا لا أعرف هذه المسألة، مع أنَّها من المسائل المشهورة المذكورة عند جمهور الخلق؟ {. بل المختار عندنا: أنَّهم سألوه عن الروح، وأنه - صلوات الله عليه - أجابهم على أحسن الوجوه، وتقريره أن المذكور في الآية، أنهم سألوه عن الروح، والسؤال عن الروح يقع على وجوه كثيرة. أولها: أن يقال: ماهية الروح، هل هي متحيِّز أو حالٌّ في المتحيِّز. وثانيها: أن يقال: الروح قديمة، أو حادثة؟ . وثالثها: أن يقالك الروح، هل تبقى بعد الأجسام، أو تفنى؟ . ورابعها: أن يقال: ما حقيقة سعادة الأرواح، وشقاوتها؟ . وبالجملة: فالمباحثُ المتعلقة بالروح كثيرة. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح﴾ ليس فيه ما يدلُّ على أنَّهم سألوه عن أيِّ المسائل، إلا أنه تعالى ذكر في الجواب عن هذا السؤال: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ وهذا الجواب لا يليقُ إلا بمسألتين من هذه المسائل التي ذكرناها: إحداهما: السؤال عن ماهية الروح. والأخرى: عن قدمها، أو حدوثها. أما البحث الأول: فهم قالوا: ما حقيقة الروح وماهيته؟} أهو أجسامٌ موجودة داخلة في البدنِ مولدةٌ من امتزاجِ الطبائع والأخلاط؟ أو هو عبارة عن نفس هذا المزاجِ والتركيب؟ أو هو عبارة عن عرض قائم بهذه الأجسام؟ أو هو عبارة عن موجودٍ يغاير هذه الأجسام، والأعراض؟ فأجاب الله عنه بأنَّه موجودٌ مغايرُ لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض؛ وذلك لأن لهذه الأجسام، ولهذه الأعراض أشياء تحدثُ عن امتزاجِ الأخلاط والعناصر. وأمَّا الروح، فإنه ليس كذلك، بل هو جوهرٌ، بسيطٌ، مجردٌ، ولا يحدث إلا بمحدثٍ يقول له: «كن فيكون» ، فأجاب الله عنه بأنه موجود محدث بأمر الله وتكوينه، وتأثيره في إفادة الحياة بهذا الجسدِ، ولا يلزم من عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه؛ فإنَّ أكثر حقائقِ الأشياءِ، وماهيَّاتها مجهولة؛ فإنَّا نعلم أنَّ السكنجبين له خاصيةٌ في قطع الصفراء؛ فأمَّا إذا أردنا أن نعرف ماهيَّة تلك الخاصِّيَّة، وحقيقتها المخصوصة، فذلك غير معلوم؛ فثبت أنَّ أكثر الحقائق مجهولةٌ، ولم يلزم من كونها مجهولة بعينها عدمُ العلم بخاصِّيَّتها، فكذا ها هنا؛ وهذا المراد بقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . وأما البحثُ الثاني: فهو أنَّ لفظ الأمرِ قد جاء بمعنى الفعل؛ قال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: 97] . وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: 82] أي: فعلنا. فقوله تعالى: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ . أي: من فعل ربِّي. وهذا الجواب يدلُّ على أنَّهم سألوه عن الروح، قديمة أو حادثة، فقال: بل حادثة، وإنما حصلت بفعل الله وتكوينه. ثم احتجَّ على حدوثِ الرُّوحِ بقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . ثم استدلَّ بحدوثِ الأرواح بتغيُّرها من حال إلى حالٍ، وهو المراد بقوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . وأما أقوال المفسِّرين في الروح المذكورة ها هنا: فقيل: الروح: القرآن؛ لأن الله تعالى سمَّى القرآن في هذه الآية، وفي كثيرٍ من الآيات روحًا؛ قال تعالى: ﴿أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52] . ﴿يُنَزِّلُ الملاائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: 2] . ولأنَّ القرآن تحصل به حياة الأرواح والعقول؛ لأنَّ به تحصل معرفة الله تعالى، ومعرفة ملائكته، وكتبه، ورسله، والأرواح إنَّما يحصلُ إحياؤها بهذه المعارف، وتقدم قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] . وقال بعده: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: 86] . إلى قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: 88] . فلما كان ما قبل هذه الآية في وصف القرآن، وما بعدها كذلك، وجب أن يكون المراد بالروح القرآن؛ حتَّى تكون آيات القرآن كلها متناسبة؛ لأن القوم استعظموا أمر القرآن، فسألوا: هل هو من جنس الشِّعر، أو من جنس الكهانة؟ فأجابهم الله تعالى بأنه ليس من جنس كلام البشر، وإنما هو كلامٌ ظهر بأمر الله، ووحيه، وتنزيله، فقال: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ، أي: القرآن إنما ظهر بأمر الله ربِّي، وليس من جنس كلامِ البشر. ورُوِيَ عن ابن عباس: أنه جبريل، وهو قول الحسن وقتادة؛ لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: 193، 194] ؛ وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ [مريم: 17] . ويؤكده: ﴿قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ . وقال جبريل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64] . فسالوا الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: كيف جبريل في نفسه؟ وكيف يأتيه؟ وكيف يبلغ الوحي إليه؟ . وقال مجاهد: الرُّوحُ: خلق ليسوا من الملائكة، على صور بني آدم يأكلون، ولهم أيدٍ، وأرجلٌ، ورءوسٌ. وقال أبو صالحٍ: يشبهون الناس، وليسوا من النَّاس. فصل قال ابن الخطيب: ولم أجِدْ في القرآن، ولا في الأخبار الصحيحة شيئاً يمكنُ التمسُّك به بهذا القول. ورُوِيَ عن عليٍّ: أنَّه ملكٌ له سبعون ألف وجهٍ، لكلِّ وجهٍ سبعون ألف لسانٍ، لكلِّ لسانٍ سبعون ألف لغةٍ، يسبِّح الله تعالى بتلك اللغات، ويخلق الله تعالى من كلِّ تسبيحةٍ ملكاً يطير مع الملائكة، قالوا: ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروحِ غير العرشِ، ولو شاء أن يبتلع السَّموات السَّبع، والأرضين السبع، وما فيها بلقمةٍ واحدةٍ لفعله، صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه على صورة الآدميين، يقوم يوم القيامة عن يمين العرش، وهو أقرب الخلق إلى الله عزَّ وجلَّ اليوم عند الحجب السَّبعين، ويقرب إلى الله يوم القيامة، وهو يشفع لأهل التوحيد، ولولا أنَّ بينه وبين الملائكة ستراً من نورٍ، لاحترق أهل السموات من نوره. فصل في ضعف هذا القول قال ابن الخطيب: ولقائلٍ أن يقول: هذا القول ضعيفٌ؛ لوجوهٍ: الأول: أنَّ هذا التفصيل، إذا عرفه عليٌّ، فالنبي أولى بأن يعرفه، ويخبر به، وأيضاً: فإنَّ الوحي لم يكن ينزل على عليٍّ؛ فهذا التفصيل ما عرفه إلا من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؛ فَلِمَ ذكر النبي هذا الشَّرح لعليٍّ، ولم يذكره لغيره؟! . الثاني: أنَّ ذلك الملك، إن كان حيواناً واحداً، وعاقلاً واحداً، فلا فائدة في تكثير تلك اللغات، وإن كان المتكلِّم بكلِّ لغةٍ ملكاً؛ فهذا مجموعُ ملائكة. الثالث: أنَّ هذا شيء مجهول الوجود، فكيف يسال عنه؟ أما الروح الذي هو سبب الحياة، فهو شيء تتوفَّر دواعي العقلاء على معرفته؛ فصرف هذا السؤال إليه أولى. وقيل: الرُّوحُ: عيسى؛ فإنَّه روح الله، وكلمته، والمعنى: أنَّه ليس كما يقوله اليهود، ولا كما يقوله النصارى. وقال قومٌ: هو الرُّوحُ المركَّب في الخلق الذي يحيا به الإنسان، وهو الأصحُّ. واختلفوا فيه؛ فقال بعضهم: هو الدم؛ ألا ترى [أنَّ الإنسان] ، إذا مات لا يفوتُ منه إلا الدمُ. وقال قومٌ: هو نفس الحيوان؛ بدليل أنَّه يموت باحتباس النفس. وقال قومٌ: هو عرضٌ. وقال قومٌ: هو جسم لطيف. وقال بعضهم: الروح معنى اجتمع فيه النُّور، والطِّيب، والعلوُّ، والعلم، والبقاء؛ ألا ترى أنه إذا كان موجوداً، يكون الإنسان موصوفاً بهذه الصفات [جميعها] ، وإذا خرج ذهب الكلُّ؟! . فصل في شرح مذاهب القائلين بأنَّ الإنسان جسم موجود، روح في داخل البدن. قال ابن الخطيب: اعلم أن الأجسام الموجودة في هذا العالم السفليِّ: إما أن تكون أحد العناصر الأربعة، أو ما يكون متولِّداً من امتزاجها، ويمتنع أن يحصل في البدنِ الإنسانيِّ جسمٌ عنصريٌّ خالصٌ، بل لا بدَّ وأن يكون الحاصل جسماً متولِّداً من امتزاجات هذه الأربعة. فنقول: أمَّا الجسم الذي تغلب عليه الأرضية: فهو الأعضار الصُّلبة الكثيفة؛ كالعظم، والعروق، والغُضروف، والعصب، والوتر، والرِّباطاتِ لهذا الجسم، واللَّحم والجلد، ولم يقل أحد من العقلاء الذين قالوا: إنَّ الإنسان بمعنى: روح مغاير لهذا الجسد، بأنَّه عبارة عن عضوٍ معيَّن من هذه الأعضاء؛ وذلك لأنَّ هذه الأعضاء ثقيلة، كثيفة، ظلمانيَّة، لم يقل أحد من العقلاء بأنَّ الإنسان عبارةٌ عن أحد هذه الأعضاء. وأما الجسم الذي تغلب عليه المائية؛ فهو الأخلاط الأربعة ولم يُقَلْ في شيءٍ منها: إنَّه الإنسان إلاَّ في الدَّم؛ فإنَّ فيهم من قال: هو الرُّوح؛ بدليل أنَّه، إذا خرج، لزم الموت. وأمَّا الجسم الذي تغلب عليه الهوائية، والنارية؛ فهو الأرواح: وهي نوعان: أجسامٌ هوائية مخلوطة بالحرارةِ الغريزيّة، متولِّدة: إمَّا في القلب، أو في الدِّماغ، وقالوا: إنما هي الروح الإنسانيُّ، ثمَّ اختلفوا. فمنهم من يقول: هو الرُّوح الذي في القلب. ومنهم من يقول: إنَّه جزءٌ لا يتجزَّأ في الدِّماغ. ومنهم من يقول: الرُّوحُ عبارة عن أجزاءٍ ناريَّة مختلطة بهذه الأرواح القلبيَّة، والدِّماغيَّة، وتلك الأجزاء النارية: هي المسمَّاة بالحرارة الغريزيَّة، وهي الإنسان. ومن النَّاس من يقول: الروح عبارةٌ عن أجسام نورانيَّةٍ، سماويةٍ، لطيفة الجوهر، على طبيعة ضوءِ الشَّمس، وهي لا تقبلُ التحلُّل، والتبدُّل، ولا التفرُّق، والتمزُّق؛ وهو المراد بقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29] نفذت تلك الأجسام الشَّريفة السماوية الإلهيَّة في داخل أعضاء البدنِ نفاذ النَّار في الفحم، ونفاذ دهن السِّمسم في السِّمسم، ونفاذ دهن الورد في جسمِ الورد؛ وهو المراد من قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29] . ثم إنَّ البدن ما دام سليماً، قابلاً لنفاذ تلك الأجسام الشريفة، بقي حيًّا، فإذا تولَّد في البدن أخلاطٌ غليظةٌ، منعت من سريان تلك الأجسام الشريفة فيها، فانفصلت عن هذا البدن؛ فحينئذ: يعرض الموت. قال: فأمَّا أنَّ الإنسان جنسٌ موجودٌ خارج البدن، فلا أعرف أحداً ذهب إلى هذا القول. فصل في الاحتجاج على أن الروح ليست بجسم ولا عرض احتجَّ ابن الخطيب لمسمَّى الروح بأنها ليست بجسمٍ، ولا عرضٍ، وأنها غير البدن؛ بوجوه كثيرة عقليَّة ونقليَّة. قال ابن الخطيب: منها أنَّ العلم البديهيَّ حاصل بأن أجزاء هذه الجثَّة متبدلة بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، والمتبدل مغاير للثَّابت. ومنها: أنَّ الإنسان حال كونه مشتغلاً بفكره في شيءٍ معيَّن، فإنه في تلك الحالة يكونُ غافلاً عن جميع أجزاء بدنه، وغير غافل عن نفسه؛ فوجب أن يكون الإنسان مغايراً لبدنه. ومنها: قول الإنسان: رأسي، وبدني، وعيني، ويضيف كل عضو إلى نفسه، والمضاف غير المضاف إليهز فإن قيل: قد يقول: نفسي وذاتي فيضيف الذات والنفس إلى [نفسه] ؛ فيلزم أن يكون الشيء وذاته مغايرة لنفسه، وهو محالٌ، قلنا: قد يريد بنفس الشيء وذاته الحقيقة المخصوصة التي يشير إليها كلُّ أحدٍ بقوله: أنا فلانٌ، فغذا قال: نفسي، وذاتي، كان المراد البدن، وهو مغاير للإنسان، أمَّا إذا أريد بالنَّفس والذَّات الحقيقة المخصوصة المشار إليها بقوله: أنا فلانٌ، ثم إنَّ الإنسان يكنه أن يضيف ذلك إلى نفسه بقوله: إنَّه لي. ومنها: أنَّ الإنسان قد يكون حيًّا، حال موت البدن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [آل عمران: 169] . والحِسُّ يرى الجسد ميِّتاً. وقال تعالى: ﴿النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ [غافر: 46] . وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: « [» أنبياء الله لا يموتون «] » . وقال - عليه السلام -: «إذَا حُمِلَ الميِّتُ على نعشِه، [رفرف] روحه فوق النَّعشِ، ويقول: يا أهْلِي، ويَا ولَدِي» . وقال تعالى: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر، 27، 28] . ومنها: أن الإنسان، إذا قطعت يداه ورجلاه، لم ينقص من عقله، وفهمه شيء. ومنها: الذين مسخهم الله قردة وخنازير؛ فإن لم يكن ذلك الإنسان حيًّا، وإلاَّ لكان ذلك المسخُ إماتة لذلك الإنسان، وخلقاً لذلك الخنزير. ومنها: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يرى جبريل في صورة دحية، ويرى إبليس في صورة الشَّيخِ النجديِّ. ومنها: العضو، وهذا يدل على أن الإنسان شيء غير الجسد، وأنَّ الزَّاني يزني بفرجه؛ فيضرب على ظهره؛ فيلزم أن يكون الإنسانُ شيئاً آخر، سوى الفرج، وسوى الظَّهر، وهو شيء يستعمل الظهر في عمل، والفرج في عمل؛ فيكون المتلذذ المتألم هو ذلك الشيء بواسطة ذلك العضو، وكل هذا يدل على أن الإنسان شيء غير الجسد. ثم قال: واحتج المنكر بثلاثة أوجه: الأول: لو كانت مساوية لذات الله في كونه ليس بجسم ولا عرض لكانت مساوية له في تمام الماهية، وذلك محال. الثاني: قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس: 17 - 22] . وهذا تصريحٌ بأنَّ الإنسان شيء مخلوق من النُّطفة، وأنه يموت، ويدخل القبر، ثم إنَّه تعالى يخرجه من القبر، ولو لم يكن الإنسان عبارة عن هذه الجثَّة، وإلاَّ لم تكن الأحوال المذكورة في هذه الآية صحيحة. الثالث: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً﴾ [آل عمران: 169] إلى قوله: ﴿فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: 170] . وهذا يدلُّ على أنَّ الروح جسم؛ لأنّ الارتزاق والفرح من صفات الأجسام. والجواب عن الأوَّل: أنَّ المساواة في أنَّه ليس بمتحيِّز، ولا حالٍّ في المتحيِّز مساواةٌ في صفةٍ سلبيةٍ، والمساواة في الصِّفة السلبيَّة لا توجبُ المماثلة. واعلم: أنَّ جماعة من الجهَّال يظنُّون أنَّه لما كان الروح موجوداً ليس بمتحيِّز، ولا حالٍّ في المتحيز، وجب أن يكون مثلاً للإله، أو جزءاً له، وذلك جهلٌ فاحشٌ، وغلطٌ قبيحٌ. وتحقيق القولك ما ذكرناه من أنَّ المساواة في السُّلوب، لو أوجبت المماثلة، لوجب القول باستواءِ كلِّ المخالفات؛ فإنَّ كل ماهيَّتينِ مختلفتين، لا بدَّ وأن يشتركا في سلب ما عداهما عنهما، فليتفكر في هذه الدقيقة؛ فإنَّها مغلطةٌ عظيمةٌ للجهَّال. والجوابُ عن الثاني: أنه لمَّا كان الاتِّصافُ في العرف والظَّاهر عبارة عن هذه الجثَّة أطلق عليه اسم الإنسان. وأيضاً: لقائل أن يقول: هَبْ أنَّا نجعلُ اسم الإنسان عبارة عن هذه الجثَّة، إلاَّ أنَّ قد دلَّلنا أنَّ محلَّ العلم والقدرة ليس هو الجثَّة. والجواب عن الثالث: أنَّ الرِّزْقَ المذكور في الآية محمولٌ على ما يقوِّي حالهم ويكمل كمالهم، وهو معرفةُ الله ومحبَّته. بل نقول: هذا من أدلِّ الدلائلِ على صحَّة قولنا؛ لأنَّ أبدانهم قد بليت في التُّراب، والله يقول: «إنَّ أرواحهم تأوي في قناديل معلقة تحت العرش» وهذا يدلُّ على أنَّ الروح غير البدن. قوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . أي: في جنب علم الله تعالى. قال المفسِّرون: هذا خطابٌ لليهود، وذلك أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لمَّا قال لهم ذلك، قالوا: نحن مختصُّون بهذا الخطاب، أم أنت معنا؟ فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «بل نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلاً» ، فقالوا ما أعجب شأنك، يا محمد؛ ساعة تقول: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] . وساعة تقول هذا، فنزل قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾ [لقمان: 27] . وما ذكروه ليس بلازمٍ؛ لأنَّ الشيء قد يكون قليلاً بالنِّسبة إلى علم الله تعالى، وبالنسبة غلى حقائق الأشياء، ولكنَّها كثيرة بالنسبة إلى الشَّهوات الجسمانيَّة، واللذَّات الجسدانية. وقيل: هذا خطابٌ للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يعلم معنى الرُّوح، ولم يخبرْ به أحداً؛ لأنَّ ترك إخباره كان علماً لنُبوَّتهِ، وقد تقدَّم الكلام على ذلك، قال البغوي: الأصحُّ: أن الله تعالى استأثر بعلمه. قوله: ﴿مِّن العلم﴾ : متعلق ب «أوتيتم» ، ولا يجوز تعلُّقه بمحذوفٍ على أنه ح ال من «قَلِيلاً» ؛ لأنَّه لو تأخَّر، لكان صفة؛ لأنَّ ما في حيِّز «إلاَّ» لا يتقدَّم عليها. وقرأ عبد الله، والأعمش «ومَا أوتُوا» بضمير الغيبة. قوله تعالى: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية. لما ذكر أنَّه ما آتاهم من العلم إلاَّ قليلاً، قال ها هنا: إنه لو شاء أن يأخذ منهم ذلك القليل، لقدر عليه، وذلك بأن يمحو حفظه من القلوب، وكتابته من الكتب، والمراد بالذي أوحينا إليك القرآن. واحتج الكعبي بهذه الآية الكريمة بأنَّ القرآن مخلوقٌ؛ فقال: الذي يقدر على إزالته والذَّهاب به يستحيل أن يكون قديماً، بل يجب أن يكون محدثاً. وأجيب بأن يكون المراد بهذا الإذهاب إزالة العلم به عن القلوب، وإزالة النَّقش الدَّال عليه من المصحف؛ وذلك لا يوجبُ كون ذلك المصكوكِ المدلول محدثاً. فصل في كيفية رفع القرآن آخر الزمان قال عبد الله بن مسعود: اقرءوا القرآن قبل أن يرفع؛ فإنَّه لا تقوم الساعة حتَّى يرفع، قيل: هذه المصاحف ترفع، فكيف بما في صدور النَّاس؟ قال: يسري عليه ليلاً، فيرفع ما في صدورهم، فيصبحون لا يحفظون شيئاً، ولا يجدون ف يالمصاحف شيئاً، ثم يفيضون في الشِّعر. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: لا تقوم السَّاعة حتَّى يرفع القرآن من حيثُ نزل، لهُ دويٌّ حول العرشِ، كدويِّ النَّحلِ؛ فيقول الربُّ: ما لك؟ فيقول: يا ربِّ، أتلى، ولا يعمل بي. ثم قال: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً﴾ أي: لا تجدُ من تتوكَّل عليه في ردِّ شيءٍ منه. قوله تعالى: ﴿إِلاَّ رَحْمَةً﴾ : قيل: استثناء متصل؛ لأنها تندرج في قوله «وَكِيلاً» والمعنى: إلاَّ أن يرحمك ربُّك؛ فيردَّه عليك. وقيل: إنه استثناء منقطع، فتتقدر ب «لَكِنْ» عند البصريين، و «بَلْ» عند الكوفيين. والمعنى: إلا رحمة من ربِّك؛ إذ كل رحمة من ربِّك تركته غير مذهوب به، أي: لكن لا يشاء ذلك رحمة من ربِّك، وهذا امتنانٌ من الله؛ وهو نوعان: الأول: تسهيل ذلك العلم عليه. والثاني: إبقاء حفظه عليه. قوله «مِنْ ربِّكَ» يجوز أن يتعلق ب «رَحْمةً» وأن يتعلق بمحذوفٍ، صفة لها. ثم قال: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾ . بسبب إبقاء العلم والقرآنِ عليك، وقيل: بسببِ أنَّه جعلك سيِّد ولد آدم، وختم بك النَّبيِّين، وأعطاك المقَام المحمود، فلما كان كذلك، لا جرم أنعم عليك بإبقاء العلم والقرآن عليك. قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن﴾ الآيات، وقد تقدَّم الكلام على مثلِ هذه الآية. فصل قال بعضهم: هب أنَّه ظهر عجز الإنسانِ عن معارضته؛ فكيف عرفتُم عجز الجنِّ؟ وأيضاً: فلم لا يجوز أن يقال: إن هذا الكلام نظم الجنِّ، ألقوهُ على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وخصُّوه به على سبيل السَّعي في إضلال الخلق؟ فعلى هذا: إنَّما تعرفون صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا عرفتم أنَّ محمَّداً صادق في قوله: إنَّه ليس من كلام الجنِّ، بل من كلامِ الله تعالى؛ وحينئذٍ: يلزم الدور، وليس لأحدٍ أن يقول: كيف يعقل أن يكون هذا من قول الجنِّ؛ لأنا نقول: إنَّ هذه الآية دلَّت على وقوعِ التحدِّي من الجنِّ، وإنما يحسن وقوعُ هذا التحدِّي، لو كانوا فصحاء بلغاء، ومتى كان الأمرُ كذلك، كان الاحتمال المذكور قائماً. فالجواب عن الأوَّل: بأنَّ عجز البشر عن معارضته يكون في إثبات كونه معجزاً. وعن الثاني: أنَّ ذلك، لو وقع، لوجب في حكمة الله: أن يظهر ذلك التَّلبيسُ، وحيث لم يظهر ذلك، دلَّ على عدمه، وعلى أنَّ الله تعالى أجاب عن هذه الأسئلةِ بالأجوبة الشَّافية في آخر سورة الشعراء؛ في قوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين تَنَزَّلُ على كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: 221 - 222] وسيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى -. قالت المعتزلة: هذه الآية تدلُّ على أنَّ القرآن مخلوقٌ؛ لأنَّ التحدِّي بالقديم محالٌ، وقد تقدَّمت هذه الآية في سورة البقرة. قوله: ﴿لاَ يَأْتُونَ﴾ : فيه وجهان: أظهرهما: أنه جوابٌ للقسمِ الموطَّأ له باللام. والثاني: أنه جواب الشرط، واعتذروا به عن رفعه بأنَّ الشرط ماضٍ؛ فهو كقوله: [البسيط] 3462 - وإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألةٍ ... يَقولُ لا غَائبٌ مَالِي ولا حَرِم واستشهدوا عليه بقول الأعشى: [البسيط] 3463 - لَئِنْ مُنِيتَ بِنَا عَنْ غِبِّ مَعْركةٍ ... لا تُلْفِنَا مِنْ دِمَاءِ القَوْمِ نَنْتَفِلُ فأجاب الشرط مع تقدُّمِ لام التوطئة، وهو دليلٌ للفراء، ومن تبعه على ذلك، وفيه ردٌّ على البصريِّين، حيث يحتَّمون جواب القسمِ عند عدمِ تقدم ذي خبرٍ. وأجاب بعضهم أنَّ اللام في البيت ليست للتوطئةِ، بل مزيدةٌ؛ وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا دليل عليه، وقال الزمخشريُّ: «لولا اللام الموطِّئةُ؛ لجاز أن يكون جواباً للشرط؛ كقوله: [البسيط] 3464 - ... ... ... ... ... ... ... . ... يَقُولُ لا غَائِبٌ ... ... ... ... لأنَّ الشرط وقع ماضياً» . وناقشه أبو حيَّان: بأنَّ هذا ليس مذهب سيبويه، ولا الكوفيين والمبرِّد؛ لأنَّ مذهب سيبويه في مثله: أن النية به التقديم، ومذهب الكوفيين، والمبرِّد: أنه على حذف الفاء، وهذا مذهب ثالثٌ، قال به بعضُ الناس. قوله: «ولَوْ كَانَ» جملةٌ حاليةٌ، وتقدَّم تحقيق هذا، وأنه كقوله - عليه السلام -: «أعطُوا السَّائل، ولو جَاء على فَرسٍ» ، و «لبَعْضٍ» متعلقٌ ب «ظَهِيراً» . فصل في معنى الآية والمعنى: لو كان بعضهم لبعض عوناً، ومظاهراً، نزلت حين قال الكفَّار: ولو شئنا لقلنا مثل هذا، فكذَّبهم الله - عَزَّ وَجَلَّ َّ - فالقرآن معجزٌ في النَّظم، والتَّأليف، والإخبار عن الغيوب، وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة، لا يشبه كلام الخلق؛ لأنَّه غير مخلوقٍ، ولو كان مخلوقاً، لأتوا بمثله.

الإسراء 17:89

قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ الآية. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ : مفعول محذوف، وقيل: «مِنْ» زائدة في «مِنْ كلِّ مَثلٍ» وهو المفعول، قاله ابن عطية، وهو مذهب الكوفيين والأخفش. وقرأ الحسن: «صَرَفْنَا» بتخفيف الراء، وتقدَّم نظيره. فصل في ذكر الوجوه المحتملة في هذا الكلام هذا الكلام يحتمل وجوهاً: احدها: أنه وقع التحدِّي بكلِّ القرآن؛ كما في هذه الآية، ووقع التحدِّي بسورة واحدة؛ كما في قوله: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: 34] فقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه التحدِّي؛ كما شرحناه، ثم إنهم مع ظهور عجزهم عن جميع هذه المراتب، صاروا مصرِّين على كفرهم. وثانيها: أن يكون المراد من «من كُلِّ مثلٍ» : أنَّا أخبرناهم بأنَّ الذين بقوا مصرِّين على الكفر؛ مثل قوم نوحٍ، وعادٍ، وثمود - ابتلاهم الله بأنواع البلاء - وشرحنا هذه الطريقة منراراً - ثم إنَّ هؤلاء الأقوام - يعني أهل مكَّة - لم ينتفعوا بهذا البيان، بل اصرُّوا على الكفر. وثالثها: أن يكون المراد من «مِنْ كلِّ مثلٍ» : مِنْ كلِّ وجهٍ من العبر، والأحكام والوعد، والوعيد، وغيرها. ورابعها: أن يكون المراد ذكر دلائل التوحيد، ونفي الشركاء في هذا لقرآن مراراً كثيرة، وذكر شبهات منكري النبوَّة، والمعاد؛ وأجاب عنها، ثمَّ أردفها بذكر الدَّلائل القاطعة على صحَّة النبوة، والمعاد، ثم إنَّ هؤلاء الكفَّار لم ينتفعوا بسماعها، بل بقوا مصرِّين على الشِّرك، وإنكار النُّبوَّة. قوله: «إلاَّ كُفوراً» مفعول به، وهو استثناءٌ مفرَّغ؛ لأنَّه في قوة: لم يفعلوا إلاَّ الكفور. والمعنى: ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس﴾ يعني: أهل مكَّة، ﴿إِلاَّ كُفُوراً﴾ أي: جحوداً للحقِّ. فإن قيل: كيف جاز: ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ ولا يجوز أن يقال: ضربتُ إلا زيداً؟ . فالجواب: إنَّ لفظة: «أبَى» تفيد النَّفي؛ كأنه قيل: فلم يؤمنوا إلا كفوراً. قوله: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ﴾ الآية. قرأ الكوفيُّون [ «تَفْجُرَ» ] بفتح التَّاء، وسكون الفاء، وضم الجيم خفيفة، مضارع «فَجَرَ» واختاره أبو حاتم؛ قالوا: لأنّ الينبوع واحدٌ، والباقون، بضمِّ التاء، وفتح الفاء، وكسر الجيم شديدة، مضارع «فجَّر» ، للتكثير، ولم يختلفوا في الثانية: أنَّها بالتثقيل للتصريح بمصدرها، وقرأ الأعمش «تُفْجِرَ» بضمِّ التاء، وسكون الفاء، وكسر الجيم خفيفة، مضارع «أفْجرَ» بمعنى «فَجرَ» فليس التضعيفُ، ولا الهمزة معدِّيينِ. فمن ثقَّل، أراد كثيرة الانفجار من الينبوع، وهو وإن كان واحداً، فلكثرة الانفجار فيه سحين أن يثقَّل؛ كما تقول: ضرَّب زيدٌ، إذا كثر الضَّربُ منه؛ لكثرة فعله، وإن كان الفاعل واحداً، ومن خفَّف؛ فلأن الينبوع واحدٌ. و «يَنْبُوعاً» مفعول به، ووزنه «يَفعُولٌ» ؛ لأنه من النَّبعِ، واليَنبُوعُ: العين تفور من الأرض. فصل فيما يثبت صدق النبوة اعلم أنَّه تعالى لمَّا بيَّن بالدليل كون القرآن معجزاً، وظهر هذا المعجز على وفق دعوى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فحينئذٍ: تمَّ الدليل على كونه نبيًّا صدقاً؛ لأنَّا نقول: إن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ادَّعى النبوة، وأظهر المعجزة على وفق دعواه، وكلُّ من كان كذلك، كان نبيًّا صادقاً؛ فهذا يدلُّ على أنَّ محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صادقٌ، وليس من شرط كونه نبيًّا صادقاً تَواترُ المعجزات الكثيرة، وتواليها؛ لأنَّا لو فتحنا هذا الباب، للزم ألاَّ ينقطع فيه، وكلما أتى الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بمعجز، اقترحوا عليه معجزاً آخر، ولا ينتهي الأمر فيه إلى حدِّ ينقطع عنده عناد المعاندين؛ لأنَّه تعالى حكى عن الكفَّار: أنهم بعد أن ظهر كون القرآن معجزاً، التمسُوا من الرسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ستَّة أنواعٍ من المعجزات الباهرات، كما روى عكرمة، عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - «أنَّ رؤساء أهل مكَّة، سألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهم جلوسٌ عند الكعبة، فقالوا: يا محمد، إنَّ أرض مكَّة ضيقةٌ، فسير جبالها؛ لننتفع فيها، وفجِّر لنا ينبوعاً، أي: نهراً، وعيوناً نزرع فيها، فقال:» لا أقدر عليه» . فقال قائلٌ منهم: أو يكون لك جنّة من نخيل وعنبٍ فتفجّر الأنهار خلالها تفجيراً، فقال: «لا أقْدرُ عَليْهِ» فقيل: أو يكون لك بيتٌ من زخرفٍ، اي: من ذهبٍ، فيُغْنِيكَ عَنَّا، فقال: «لا أقدِرُ عَليْهِ» فقيل له: أما تَسْتطِيعُ أن تَأتي قوْمكَ بِمَأ يسْألُونكَ؟ فقال: لا أسْتطِيعُ، فقالوا: فإذا كنت لا تَسْتطِيعُ الخير، فاسْتطعِ الشَّر، فأرسل السَّماء؛ كما زَعمْتَ، عَليْنَا كِسَفاً» . قرأ العامة «تُسْقِطَ» بإسناد الفعل للمخاطب، و «السَّماء» مفعول بها، ومجاهد على إسناده إلى «السَّماء» فرفعها به. وقرأ نافع، وابن عامرٍ، وعاصم «كِسَفاً» هنا، بفتح السِّين، وفعل ذلك حفصٌ في الشعراء [الآية: 187] وفي سبأ [الآية: 9] ، والباقون يسكنونها في المواضع الثلاثة، وقرأ ابن ذكوان بسكونها في الروم [الآية: 48] ؛ بلا خلافٍ، وهشام عنه الوجهان، والباقون بفتحها. فمن فتح السين، جعله جمع كسفةٍ؛ نحو: قِطعَةٍ وقِطَع، وكِسْرةٍ وكِسرٍ، ومن سكَّن، جعله جمع كسفة أيضاً على حدِّ: سِدْرةٍ وسِدْرٍ، وقِمْحَةٍ وقِمَحٍ. وجوَّز أبو البقاء فيه وجهين آخرين: أحدهما: أنه جمعٌ على «فَعَلٍ» بفتح العين، وإنما سكِّن تخفيفاً، وهذا لا يجوز؛ لأنَّ الفتحة خفيفة يحتملها حرف العلة، حيث يقدر فيه غيرها، فكيف بالحرف الصحيح؟ . قال: والثاني: أنه «فَعْلٌ» بمعنى «مَفْعُولٍ» ؛ ك «الطحْن» بمعنى «مَطْحُون» ؛ فصار في السكون ثلاثة أوجهٍ. وأصل الكسفِ: القطع، يقال: كسَفْتُ الثَّوبَ قطعته؛ وفي الحديث في قصَّة سليمان مع الصَّافناتِ الجياد: أنه «كَسَفَ عَراقِيبهَا» ، أي: قطعها. فصل في معنى الكسف قال اللَّيثُ: الكسف: قطع العرقوب، قال الفرَّاء: وسمعتُ أعرابيًّا يقول لبزَّاز: أعطني كسفةً، وقال الزجاج: «كَسفَ الشيء بمعنى غَطَّاهُ» ، قيل: ولا يعرفُ هذا لغيره. وانتصابه على الحال في القراءتين فإن جعلناه جمعاً، كان على حذفِ مضاف، أي: ذات كسفٍ، وإن جعلناه «فِعْلاً» بمعنى «مَفعُول» لم يحتج إلى تقدير، وحينئذ: فإن قيل لِمَ لمْ يُؤنَّث؟ فالجواب: لأنَّ تأنيثه أعني: السَّماء غير حقيقيٍّ، أو بأنها في معنى السَّقف. قوله: «كَمَا زعَمْتَ» : نعت لمصدر محذوف، أي: إسقاطاً مثل مزعومك؛ كذا قدَّره أبو البقاء. فصل في المراد بالآية قال عكرمة: ﴿كَمَا زَعَمْتَ﴾ ، يا محمد: أنَّك نبيٌّ، «فأسْقِط» السماء علينا كسفاً. وقيل: كما زعمت أن ربَّك إن شاء فعل، وقيل: المراد قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الإسراء: 68] . فقيل: اجعل السَّماء قطعاً متفرقة؛ كالحاصب، وأسقطها علينا. قوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله والملاائكة قَبِيلاً﴾ . القَبِيلُ: بمعنى: المقابل؛ كالعشير، بمعنى: المُعاشِر. وقال ابن عباس: فوجاً بعد فوجٍ. وقال الليث: كلُّ جندٍ من الجنِّ والإنسِ قبيلٌ، وقيل: كفيلاً، أي ضامناً. قال الزجاج: يقال: قبلتُ به أقبل؛ كما يقال: كفلت به أكفل، وعلى هذا: فهو واحدٌ أريد به الجمعُ؛ كقوله: ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: 69] ، وقال أبو عليِّ: معناه المعاينة؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الملائكة أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: 21] . قوله: «قَبِيلاً» [حالٌ من «الله، والمَلائِكَةِ» أو من أحدهما، والآخر محذوفة حاله، أي: بالله قبيلاً، والملائكة قبيلاً؛] كقوله: [الطويل] 3465 - ... ... ... ... . كُنْتُ مِنهُ ووالِدي ... بَرِيئاً ... ... ... ... ... وكقوله: [الطويل] 3466 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فَإنِّي وقيَّارٌ بِهَا لغَرِيبُ ذكره الزمخشريُّ، هذا إذا جعلنا «قَبِيلاً» بمعنى كفيلاً، أي: «ضَامِناً» أو بمعنى «معاينة» كما قاله الفارسي، وإن جعلناه بمعنى «جَماعَة» كان حالاً من «المَلائِكَة» . وقرأ الأعرج «قِبَلاً» من المقابلة. قوله ﴿ترقى﴾ : فعل مضارع [منصوبٌ] تقديراً؛ لأنه معطوفٌ على «تَفْجُرَ» ، أي: أو حتَّى ترْقَى في السَّماء، [أي:] في معارجها، والرقيُّ: الصعود، يقال: رَقِيَ، ببالكسر، يرقى، بالفتح، رقيًّا على فعولٍ، والأصل: «رُقُوي» فأدغم بعد قلب الواو ياء، ورقياً بزنة ضربٍ، قال الراجز: [الرجز] 3467 - أنْتَ الَّذي كَلَّفتَنِي رقْيَ الدَّرجْ ... عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرجَ قوله تعالى: ﴿نَّقْرَؤُهُ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون نعتاً ل «كتاباً» . والثاني: أن يكون حالاً مِنْ «نَا» في «عَليْنَا» ؛ قاله أبو البقاء، وهي حال مقدرة؛ لأنهم إنما يقرؤونه بعد إنزاله، لا في حال إنزاله. فصل في سبب نزول الآية قال المفسرون: لمّا قال المشركون: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا﴾ الآيات، قام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقام معهُ عبدُ الله بن أميَّة، وهو ابنُ عمَّته عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا محمد، عرض عليك قومُك ما عرضُوا، فلم تقبلهُ منهم، ثمَّ سألوكَ لأنفسهم أموراً يعرفون بها منزلتك من الله تعالى، فلم تفعل، ثمَّ سألوك أن تعجِّل ما تُخوِّفهم به، فلم تفعل، فوالله لا أومن بك حتَّى تتَّخذ إلى السَّماء سلَّماً ترقى فيه، وأنا أنظر حتَّى تأتيها، وتنزل بنُسخةٍ منشورةٍ، ومعك نفرٌ من الملائكةِ يشهدون لك بما تقولُ. وأيم الله، لو فعلت ذلك، لظننتُ أنِّي لا أصدِّقك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسل حزيناً لما يرى من مباعدتهم. ثم قال تعالى: قل، يا محمد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ أمره بتنزيهه، وتمجيده، أي: أنَّه لو أراد أن ينزل ما طلبوا، فلعل، ولكن لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر. واعلم أنَّه تعالى قد أعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من الآياتِ والمعجزات ما يغني عن هذا كلِّه مثل القرآن، وانشقاق القمر، وتفجير العيون من بين الأصابع، وما أشبهها، والقوم عامَّتهم كانوا متعنِّتين، لم يكن قصدهم طلب الدَّليل؛ ليؤمنوا، فردَّ الله عليهم سؤالهم. قوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ قرأ ابن كثير، وابن عامرٍ «قال» فعلاً ماضياً؛ إخباراً عن الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بذلك، والباقون «قُلْ» على الأمر أمراً منه تعالى لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك، وهي مرسومة في مصاحف المكيين والشاميين: «قال» بألف، وفي مصاحف غيرهم «قل» بدونها، فكل وافق مصحفه. قوله: ﴿إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ يجوز أن يكون «بَشَراً» خبر «كُنْتُ» و «رَسُولاً» صفته، ويجوز أن يكون «رَسُولاً» هو الخبر، و «بَشَراً» حال مقدمة عليه. فصل في استدلالهم بهذه الآية استدلُّوا بهذه الآية على أن المجيء على الله والذهاب محالٌ؛ لأنَّ كلمة «سبحان» للتنزيه عمَّا لا ينبغي. فقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ : تنزيه لله تعالى عن شيءٍ لا يليقُ به، وذلك تنزيهُ الله عما نسب إليه ممَّا تقدَّم ذكره، وليس فيما تقدَّم ذكره شيء مما لا يليقُ بالله إلا قولهم: أو تأتي بالله، فدلَّ على أنَّ قوله: «سُبحانَ ربِّي» تنزيهٌ لله تعالى أن يتحكَّم عليه المتحكِّمون في الإتيان، والمجيء؛ فدلَّ ذلك على فساد قول المشبهة. فإن قالوا: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد تنزيه الله تعالى أن يتحكَّم عليه المتحكِّمون في اقتراح الأشياء؟ . فالجواب: أنَّ القوم لم يتحكَّموا على الله، وإنما قالوا للرسول: إن كنت نبيًّا صادقاً، فاطلب من الله أن يشرِّفك بهذه المعجزات، فالقوم إنَّما تحكَّموا على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لا على الله، فلا يليقُ حمل قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ على هذا المعنى، فيجب حمله على قولهم ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله﴾ . فصل في تقرير هذا الجواب اعلم أنَّ تقرير هذا الجواب: أن يقال: إما أن يكون مرادكم من هذا الاقتراح أنَّكم طلبتم الإتيان من عند نفسي بهذه الأشياء، أو طلبتم منِّي أن أطلب من الله إظهارها على يديَّ؛ لتدلَّ لكم على كوني رسولاً حقًّا من عند الله. والأول باطلٌ؛ لأنِّي بشر، والبشر لا قدرة له على هذه الأشياء. والثاني أيضاً: باطل؛ لأنِّي قد أتيتكم بمعجزة واحدة، وهي القرآن، فطلب هذه المعجزات طلبٌ لما لا حاجة إليه، وكان طلبها يجري مجرى التعنُّت والتحكُّم، وأنا عبدٌ مأمورٌ ليس لي أن أتحكَّم على الله؛ فسقط هذا السؤال؛ فثبت كونُ قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ جواباً كافياً في هذا الباب.

الإسراء 17:90

قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ الآية. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ : مفعول محذوف، وقيل: «مِنْ» زائدة في «مِنْ كلِّ مَثلٍ» وهو المفعول، قاله ابن عطية، وهو مذهب الكوفيين والأخفش. وقرأ الحسن: «صَرَفْنَا» بتخفيف الراء، وتقدَّم نظيره. فصل في ذكر الوجوه المحتملة في هذا الكلام هذا الكلام يحتمل وجوهاً: احدها: أنه وقع التحدِّي بكلِّ القرآن؛ كما في هذه الآية، ووقع التحدِّي بسورة واحدة؛ كما في قوله: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: 34] فقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه التحدِّي؛ كما شرحناه، ثم إنهم مع ظهور عجزهم عن جميع هذه المراتب، صاروا مصرِّين على كفرهم. وثانيها: أن يكون المراد من «من كُلِّ مثلٍ» : أنَّا أخبرناهم بأنَّ الذين بقوا مصرِّين على الكفر؛ مثل قوم نوحٍ، وعادٍ، وثمود - ابتلاهم الله بأنواع البلاء - وشرحنا هذه الطريقة منراراً - ثم إنَّ هؤلاء الأقوام - يعني أهل مكَّة - لم ينتفعوا بهذا البيان، بل اصرُّوا على الكفر. وثالثها: أن يكون المراد من «مِنْ كلِّ مثلٍ» : مِنْ كلِّ وجهٍ من العبر، والأحكام والوعد، والوعيد، وغيرها. ورابعها: أن يكون المراد ذكر دلائل التوحيد، ونفي الشركاء في هذا لقرآن مراراً كثيرة، وذكر شبهات منكري النبوَّة، والمعاد؛ وأجاب عنها، ثمَّ أردفها بذكر الدَّلائل القاطعة على صحَّة النبوة، والمعاد، ثم إنَّ هؤلاء الكفَّار لم ينتفعوا بسماعها، بل بقوا مصرِّين على الشِّرك، وإنكار النُّبوَّة. قوله: «إلاَّ كُفوراً» مفعول به، وهو استثناءٌ مفرَّغ؛ لأنَّه في قوة: لم يفعلوا إلاَّ الكفور. والمعنى: ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس﴾ يعني: أهل مكَّة، ﴿إِلاَّ كُفُوراً﴾ أي: جحوداً للحقِّ. فإن قيل: كيف جاز: ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ ولا يجوز أن يقال: ضربتُ إلا زيداً؟ . فالجواب: إنَّ لفظة: «أبَى» تفيد النَّفي؛ كأنه قيل: فلم يؤمنوا إلا كفوراً. قوله: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ﴾ الآية. قرأ الكوفيُّون [ «تَفْجُرَ» ] بفتح التَّاء، وسكون الفاء، وضم الجيم خفيفة، مضارع «فَجَرَ» واختاره أبو حاتم؛ قالوا: لأنّ الينبوع واحدٌ، والباقون، بضمِّ التاء، وفتح الفاء، وكسر الجيم شديدة، مضارع «فجَّر» ، للتكثير، ولم يختلفوا في الثانية: أنَّها بالتثقيل للتصريح بمصدرها، وقرأ الأعمش «تُفْجِرَ» بضمِّ التاء، وسكون الفاء، وكسر الجيم خفيفة، مضارع «أفْجرَ» بمعنى «فَجرَ» فليس التضعيفُ، ولا الهمزة معدِّيينِ. فمن ثقَّل، أراد كثيرة الانفجار من الينبوع، وهو وإن كان واحداً، فلكثرة الانفجار فيه سحين أن يثقَّل؛ كما تقول: ضرَّب زيدٌ، إذا كثر الضَّربُ منه؛ لكثرة فعله، وإن كان الفاعل واحداً، ومن خفَّف؛ فلأن الينبوع واحدٌ. و «يَنْبُوعاً» مفعول به، ووزنه «يَفعُولٌ» ؛ لأنه من النَّبعِ، واليَنبُوعُ: العين تفور من الأرض. فصل فيما يثبت صدق النبوة اعلم أنَّه تعالى لمَّا بيَّن بالدليل كون القرآن معجزاً، وظهر هذا المعجز على وفق دعوى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فحينئذٍ: تمَّ الدليل على كونه نبيًّا صدقاً؛ لأنَّا نقول: إن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ادَّعى النبوة، وأظهر المعجزة على وفق دعواه، وكلُّ من كان كذلك، كان نبيًّا صادقاً؛ فهذا يدلُّ على أنَّ محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صادقٌ، وليس من شرط كونه نبيًّا صادقاً تَواترُ المعجزات الكثيرة، وتواليها؛ لأنَّا لو فتحنا هذا الباب، للزم ألاَّ ينقطع فيه، وكلما أتى الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بمعجز، اقترحوا عليه معجزاً آخر، ولا ينتهي الأمر فيه إلى حدِّ ينقطع عنده عناد المعاندين؛ لأنَّه تعالى حكى عن الكفَّار: أنهم بعد أن ظهر كون القرآن معجزاً، التمسُوا من الرسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ستَّة أنواعٍ من المعجزات الباهرات، كما روى عكرمة، عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - «أنَّ رؤساء أهل مكَّة، سألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهم جلوسٌ عند الكعبة، فقالوا: يا محمد، إنَّ أرض مكَّة ضيقةٌ، فسير جبالها؛ لننتفع فيها، وفجِّر لنا ينبوعاً، أي: نهراً، وعيوناً نزرع فيها، فقال:» لا أقدر عليه» . فقال قائلٌ منهم: أو يكون لك جنّة من نخيل وعنبٍ فتفجّر الأنهار خلالها تفجيراً، فقال: «لا أقْدرُ عَليْهِ» فقيل: أو يكون لك بيتٌ من زخرفٍ، اي: من ذهبٍ، فيُغْنِيكَ عَنَّا، فقال: «لا أقدِرُ عَليْهِ» فقيل له: أما تَسْتطِيعُ أن تَأتي قوْمكَ بِمَأ يسْألُونكَ؟ فقال: لا أسْتطِيعُ، فقالوا: فإذا كنت لا تَسْتطِيعُ الخير، فاسْتطعِ الشَّر، فأرسل السَّماء؛ كما زَعمْتَ، عَليْنَا كِسَفاً» . قرأ العامة «تُسْقِطَ» بإسناد الفعل للمخاطب، و «السَّماء» مفعول بها، ومجاهد على إسناده إلى «السَّماء» فرفعها به. وقرأ نافع، وابن عامرٍ، وعاصم «كِسَفاً» هنا، بفتح السِّين، وفعل ذلك حفصٌ في الشعراء [الآية: 187] وفي سبأ [الآية: 9] ، والباقون يسكنونها في المواضع الثلاثة، وقرأ ابن ذكوان بسكونها في الروم [الآية: 48] ؛ بلا خلافٍ، وهشام عنه الوجهان، والباقون بفتحها. فمن فتح السين، جعله جمع كسفةٍ؛ نحو: قِطعَةٍ وقِطَع، وكِسْرةٍ وكِسرٍ، ومن سكَّن، جعله جمع كسفة أيضاً على حدِّ: سِدْرةٍ وسِدْرٍ، وقِمْحَةٍ وقِمَحٍ. وجوَّز أبو البقاء فيه وجهين آخرين: أحدهما: أنه جمعٌ على «فَعَلٍ» بفتح العين، وإنما سكِّن تخفيفاً، وهذا لا يجوز؛ لأنَّ الفتحة خفيفة يحتملها حرف العلة، حيث يقدر فيه غيرها، فكيف بالحرف الصحيح؟ . قال: والثاني: أنه «فَعْلٌ» بمعنى «مَفْعُولٍ» ؛ ك «الطحْن» بمعنى «مَطْحُون» ؛ فصار في السكون ثلاثة أوجهٍ. وأصل الكسفِ: القطع، يقال: كسَفْتُ الثَّوبَ قطعته؛ وفي الحديث في قصَّة سليمان مع الصَّافناتِ الجياد: أنه «كَسَفَ عَراقِيبهَا» ، أي: قطعها. فصل في معنى الكسف قال اللَّيثُ: الكسف: قطع العرقوب، قال الفرَّاء: وسمعتُ أعرابيًّا يقول لبزَّاز: أعطني كسفةً، وقال الزجاج: «كَسفَ الشيء بمعنى غَطَّاهُ» ، قيل: ولا يعرفُ هذا لغيره. وانتصابه على الحال في القراءتين فإن جعلناه جمعاً، كان على حذفِ مضاف، أي: ذات كسفٍ، وإن جعلناه «فِعْلاً» بمعنى «مَفعُول» لم يحتج إلى تقدير، وحينئذ: فإن قيل لِمَ لمْ يُؤنَّث؟ فالجواب: لأنَّ تأنيثه أعني: السَّماء غير حقيقيٍّ، أو بأنها في معنى السَّقف. قوله: «كَمَا زعَمْتَ» : نعت لمصدر محذوف، أي: إسقاطاً مثل مزعومك؛ كذا قدَّره أبو البقاء. فصل في المراد بالآية قال عكرمة: ﴿كَمَا زَعَمْتَ﴾ ، يا محمد: أنَّك نبيٌّ، «فأسْقِط» السماء علينا كسفاً. وقيل: كما زعمت أن ربَّك إن شاء فعل، وقيل: المراد قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الإسراء: 68] . فقيل: اجعل السَّماء قطعاً متفرقة؛ كالحاصب، وأسقطها علينا. قوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله والملاائكة قَبِيلاً﴾ . القَبِيلُ: بمعنى: المقابل؛ كالعشير، بمعنى: المُعاشِر. وقال ابن عباس: فوجاً بعد فوجٍ. وقال الليث: كلُّ جندٍ من الجنِّ والإنسِ قبيلٌ، وقيل: كفيلاً، أي ضامناً. قال الزجاج: يقال: قبلتُ به أقبل؛ كما يقال: كفلت به أكفل، وعلى هذا: فهو واحدٌ أريد به الجمعُ؛ كقوله: ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: 69] ، وقال أبو عليِّ: معناه المعاينة؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الملائكة أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: 21] . قوله: «قَبِيلاً» [حالٌ من «الله، والمَلائِكَةِ» أو من أحدهما، والآخر محذوفة حاله، أي: بالله قبيلاً، والملائكة قبيلاً؛] كقوله: [الطويل] 3465 - ... ... ... ... . كُنْتُ مِنهُ ووالِدي ... بَرِيئاً ... ... ... ... ... وكقوله: [الطويل] 3466 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فَإنِّي وقيَّارٌ بِهَا لغَرِيبُ ذكره الزمخشريُّ، هذا إذا جعلنا «قَبِيلاً» بمعنى كفيلاً، أي: «ضَامِناً» أو بمعنى «معاينة» كما قاله الفارسي، وإن جعلناه بمعنى «جَماعَة» كان حالاً من «المَلائِكَة» . وقرأ الأعرج «قِبَلاً» من المقابلة. قوله ﴿ترقى﴾ : فعل مضارع [منصوبٌ] تقديراً؛ لأنه معطوفٌ على «تَفْجُرَ» ، أي: أو حتَّى ترْقَى في السَّماء، [أي:] في معارجها، والرقيُّ: الصعود، يقال: رَقِيَ، ببالكسر، يرقى، بالفتح، رقيًّا على فعولٍ، والأصل: «رُقُوي» فأدغم بعد قلب الواو ياء، ورقياً بزنة ضربٍ، قال الراجز: [الرجز] 3467 - أنْتَ الَّذي كَلَّفتَنِي رقْيَ الدَّرجْ ... عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرجَ قوله تعالى: ﴿نَّقْرَؤُهُ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون نعتاً ل «كتاباً» . والثاني: أن يكون حالاً مِنْ «نَا» في «عَليْنَا» ؛ قاله أبو البقاء، وهي حال مقدرة؛ لأنهم إنما يقرؤونه بعد إنزاله، لا في حال إنزاله. فصل في سبب نزول الآية قال المفسرون: لمّا قال المشركون: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا﴾ الآيات، قام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقام معهُ عبدُ الله بن أميَّة، وهو ابنُ عمَّته عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا محمد، عرض عليك قومُك ما عرضُوا، فلم تقبلهُ منهم، ثمَّ سألوكَ لأنفسهم أموراً يعرفون بها منزلتك من الله تعالى، فلم تفعل، ثمَّ سألوك أن تعجِّل ما تُخوِّفهم به، فلم تفعل، فوالله لا أومن بك حتَّى تتَّخذ إلى السَّماء سلَّماً ترقى فيه، وأنا أنظر حتَّى تأتيها، وتنزل بنُسخةٍ منشورةٍ، ومعك نفرٌ من الملائكةِ يشهدون لك بما تقولُ. وأيم الله، لو فعلت ذلك، لظننتُ أنِّي لا أصدِّقك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسل حزيناً لما يرى من مباعدتهم. ثم قال تعالى: قل، يا محمد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ أمره بتنزيهه، وتمجيده، أي: أنَّه لو أراد أن ينزل ما طلبوا، فلعل، ولكن لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر. واعلم أنَّه تعالى قد أعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من الآياتِ والمعجزات ما يغني عن هذا كلِّه مثل القرآن، وانشقاق القمر، وتفجير العيون من بين الأصابع، وما أشبهها، والقوم عامَّتهم كانوا متعنِّتين، لم يكن قصدهم طلب الدَّليل؛ ليؤمنوا، فردَّ الله عليهم سؤالهم. قوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ قرأ ابن كثير، وابن عامرٍ «قال» فعلاً ماضياً؛ إخباراً عن الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بذلك، والباقون «قُلْ» على الأمر أمراً منه تعالى لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك، وهي مرسومة في مصاحف المكيين والشاميين: «قال» بألف، وفي مصاحف غيرهم «قل» بدونها، فكل وافق مصحفه. قوله: ﴿إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ يجوز أن يكون «بَشَراً» خبر «كُنْتُ» و «رَسُولاً» صفته، ويجوز أن يكون «رَسُولاً» هو الخبر، و «بَشَراً» حال مقدمة عليه. فصل في استدلالهم بهذه الآية استدلُّوا بهذه الآية على أن المجيء على الله والذهاب محالٌ؛ لأنَّ كلمة «سبحان» للتنزيه عمَّا لا ينبغي. فقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ : تنزيه لله تعالى عن شيءٍ لا يليقُ به، وذلك تنزيهُ الله عما نسب إليه ممَّا تقدَّم ذكره، وليس فيما تقدَّم ذكره شيء مما لا يليقُ بالله إلا قولهم: أو تأتي بالله، فدلَّ على أنَّ قوله: «سُبحانَ ربِّي» تنزيهٌ لله تعالى أن يتحكَّم عليه المتحكِّمون في الإتيان، والمجيء؛ فدلَّ ذلك على فساد قول المشبهة. فإن قالوا: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد تنزيه الله تعالى أن يتحكَّم عليه المتحكِّمون في اقتراح الأشياء؟ . فالجواب: أنَّ القوم لم يتحكَّموا على الله، وإنما قالوا للرسول: إن كنت نبيًّا صادقاً، فاطلب من الله أن يشرِّفك بهذه المعجزات، فالقوم إنَّما تحكَّموا على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لا على الله، فلا يليقُ حمل قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ على هذا المعنى، فيجب حمله على قولهم ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله﴾ . فصل في تقرير هذا الجواب اعلم أنَّ تقرير هذا الجواب: أن يقال: إما أن يكون مرادكم من هذا الاقتراح أنَّكم طلبتم الإتيان من عند نفسي بهذه الأشياء، أو طلبتم منِّي أن أطلب من الله إظهارها على يديَّ؛ لتدلَّ لكم على كوني رسولاً حقًّا من عند الله. والأول باطلٌ؛ لأنِّي بشر، والبشر لا قدرة له على هذه الأشياء. والثاني أيضاً: باطل؛ لأنِّي قد أتيتكم بمعجزة واحدة، وهي القرآن، فطلب هذه المعجزات طلبٌ لما لا حاجة إليه، وكان طلبها يجري مجرى التعنُّت والتحكُّم، وأنا عبدٌ مأمورٌ ليس لي أن أتحكَّم على الله؛ فسقط هذا السؤال؛ فثبت كونُ قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ جواباً كافياً في هذا الباب.

الإسراء 17:91

قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ الآية. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ : مفعول محذوف، وقيل: «مِنْ» زائدة في «مِنْ كلِّ مَثلٍ» وهو المفعول، قاله ابن عطية، وهو مذهب الكوفيين والأخفش. وقرأ الحسن: «صَرَفْنَا» بتخفيف الراء، وتقدَّم نظيره. فصل في ذكر الوجوه المحتملة في هذا الكلام هذا الكلام يحتمل وجوهاً: احدها: أنه وقع التحدِّي بكلِّ القرآن؛ كما في هذه الآية، ووقع التحدِّي بسورة واحدة؛ كما في قوله: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: 34] فقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه التحدِّي؛ كما شرحناه، ثم إنهم مع ظهور عجزهم عن جميع هذه المراتب، صاروا مصرِّين على كفرهم. وثانيها: أن يكون المراد من «من كُلِّ مثلٍ» : أنَّا أخبرناهم بأنَّ الذين بقوا مصرِّين على الكفر؛ مثل قوم نوحٍ، وعادٍ، وثمود - ابتلاهم الله بأنواع البلاء - وشرحنا هذه الطريقة منراراً - ثم إنَّ هؤلاء الأقوام - يعني أهل مكَّة - لم ينتفعوا بهذا البيان، بل اصرُّوا على الكفر. وثالثها: أن يكون المراد من «مِنْ كلِّ مثلٍ» : مِنْ كلِّ وجهٍ من العبر، والأحكام والوعد، والوعيد، وغيرها. ورابعها: أن يكون المراد ذكر دلائل التوحيد، ونفي الشركاء في هذا لقرآن مراراً كثيرة، وذكر شبهات منكري النبوَّة، والمعاد؛ وأجاب عنها، ثمَّ أردفها بذكر الدَّلائل القاطعة على صحَّة النبوة، والمعاد، ثم إنَّ هؤلاء الكفَّار لم ينتفعوا بسماعها، بل بقوا مصرِّين على الشِّرك، وإنكار النُّبوَّة. قوله: «إلاَّ كُفوراً» مفعول به، وهو استثناءٌ مفرَّغ؛ لأنَّه في قوة: لم يفعلوا إلاَّ الكفور. والمعنى: ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس﴾ يعني: أهل مكَّة، ﴿إِلاَّ كُفُوراً﴾ أي: جحوداً للحقِّ. فإن قيل: كيف جاز: ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ ولا يجوز أن يقال: ضربتُ إلا زيداً؟ . فالجواب: إنَّ لفظة: «أبَى» تفيد النَّفي؛ كأنه قيل: فلم يؤمنوا إلا كفوراً. قوله: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ﴾ الآية. قرأ الكوفيُّون [ «تَفْجُرَ» ] بفتح التَّاء، وسكون الفاء، وضم الجيم خفيفة، مضارع «فَجَرَ» واختاره أبو حاتم؛ قالوا: لأنّ الينبوع واحدٌ، والباقون، بضمِّ التاء، وفتح الفاء، وكسر الجيم شديدة، مضارع «فجَّر» ، للتكثير، ولم يختلفوا في الثانية: أنَّها بالتثقيل للتصريح بمصدرها، وقرأ الأعمش «تُفْجِرَ» بضمِّ التاء، وسكون الفاء، وكسر الجيم خفيفة، مضارع «أفْجرَ» بمعنى «فَجرَ» فليس التضعيفُ، ولا الهمزة معدِّيينِ. فمن ثقَّل، أراد كثيرة الانفجار من الينبوع، وهو وإن كان واحداً، فلكثرة الانفجار فيه سحين أن يثقَّل؛ كما تقول: ضرَّب زيدٌ، إذا كثر الضَّربُ منه؛ لكثرة فعله، وإن كان الفاعل واحداً، ومن خفَّف؛ فلأن الينبوع واحدٌ. و «يَنْبُوعاً» مفعول به، ووزنه «يَفعُولٌ» ؛ لأنه من النَّبعِ، واليَنبُوعُ: العين تفور من الأرض. فصل فيما يثبت صدق النبوة اعلم أنَّه تعالى لمَّا بيَّن بالدليل كون القرآن معجزاً، وظهر هذا المعجز على وفق دعوى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فحينئذٍ: تمَّ الدليل على كونه نبيًّا صدقاً؛ لأنَّا نقول: إن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ادَّعى النبوة، وأظهر المعجزة على وفق دعواه، وكلُّ من كان كذلك، كان نبيًّا صادقاً؛ فهذا يدلُّ على أنَّ محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صادقٌ، وليس من شرط كونه نبيًّا صادقاً تَواترُ المعجزات الكثيرة، وتواليها؛ لأنَّا لو فتحنا هذا الباب، للزم ألاَّ ينقطع فيه، وكلما أتى الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بمعجز، اقترحوا عليه معجزاً آخر، ولا ينتهي الأمر فيه إلى حدِّ ينقطع عنده عناد المعاندين؛ لأنَّه تعالى حكى عن الكفَّار: أنهم بعد أن ظهر كون القرآن معجزاً، التمسُوا من الرسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ستَّة أنواعٍ من المعجزات الباهرات، كما روى عكرمة، عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - «أنَّ رؤساء أهل مكَّة، سألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهم جلوسٌ عند الكعبة، فقالوا: يا محمد، إنَّ أرض مكَّة ضيقةٌ، فسير جبالها؛ لننتفع فيها، وفجِّر لنا ينبوعاً، أي: نهراً، وعيوناً نزرع فيها، فقال:» لا أقدر عليه» . فقال قائلٌ منهم: أو يكون لك جنّة من نخيل وعنبٍ فتفجّر الأنهار خلالها تفجيراً، فقال: «لا أقْدرُ عَليْهِ» فقيل: أو يكون لك بيتٌ من زخرفٍ، اي: من ذهبٍ، فيُغْنِيكَ عَنَّا، فقال: «لا أقدِرُ عَليْهِ» فقيل له: أما تَسْتطِيعُ أن تَأتي قوْمكَ بِمَأ يسْألُونكَ؟ فقال: لا أسْتطِيعُ، فقالوا: فإذا كنت لا تَسْتطِيعُ الخير، فاسْتطعِ الشَّر، فأرسل السَّماء؛ كما زَعمْتَ، عَليْنَا كِسَفاً» . قرأ العامة «تُسْقِطَ» بإسناد الفعل للمخاطب، و «السَّماء» مفعول بها، ومجاهد على إسناده إلى «السَّماء» فرفعها به. وقرأ نافع، وابن عامرٍ، وعاصم «كِسَفاً» هنا، بفتح السِّين، وفعل ذلك حفصٌ في الشعراء [الآية: 187] وفي سبأ [الآية: 9] ، والباقون يسكنونها في المواضع الثلاثة، وقرأ ابن ذكوان بسكونها في الروم [الآية: 48] ؛ بلا خلافٍ، وهشام عنه الوجهان، والباقون بفتحها. فمن فتح السين، جعله جمع كسفةٍ؛ نحو: قِطعَةٍ وقِطَع، وكِسْرةٍ وكِسرٍ، ومن سكَّن، جعله جمع كسفة أيضاً على حدِّ: سِدْرةٍ وسِدْرٍ، وقِمْحَةٍ وقِمَحٍ. وجوَّز أبو البقاء فيه وجهين آخرين: أحدهما: أنه جمعٌ على «فَعَلٍ» بفتح العين، وإنما سكِّن تخفيفاً، وهذا لا يجوز؛ لأنَّ الفتحة خفيفة يحتملها حرف العلة، حيث يقدر فيه غيرها، فكيف بالحرف الصحيح؟ . قال: والثاني: أنه «فَعْلٌ» بمعنى «مَفْعُولٍ» ؛ ك «الطحْن» بمعنى «مَطْحُون» ؛ فصار في السكون ثلاثة أوجهٍ. وأصل الكسفِ: القطع، يقال: كسَفْتُ الثَّوبَ قطعته؛ وفي الحديث في قصَّة سليمان مع الصَّافناتِ الجياد: أنه «كَسَفَ عَراقِيبهَا» ، أي: قطعها. فصل في معنى الكسف قال اللَّيثُ: الكسف: قطع العرقوب، قال الفرَّاء: وسمعتُ أعرابيًّا يقول لبزَّاز: أعطني كسفةً، وقال الزجاج: «كَسفَ الشيء بمعنى غَطَّاهُ» ، قيل: ولا يعرفُ هذا لغيره. وانتصابه على الحال في القراءتين فإن جعلناه جمعاً، كان على حذفِ مضاف، أي: ذات كسفٍ، وإن جعلناه «فِعْلاً» بمعنى «مَفعُول» لم يحتج إلى تقدير، وحينئذ: فإن قيل لِمَ لمْ يُؤنَّث؟ فالجواب: لأنَّ تأنيثه أعني: السَّماء غير حقيقيٍّ، أو بأنها في معنى السَّقف. قوله: «كَمَا زعَمْتَ» : نعت لمصدر محذوف، أي: إسقاطاً مثل مزعومك؛ كذا قدَّره أبو البقاء. فصل في المراد بالآية قال عكرمة: ﴿كَمَا زَعَمْتَ﴾ ، يا محمد: أنَّك نبيٌّ، «فأسْقِط» السماء علينا كسفاً. وقيل: كما زعمت أن ربَّك إن شاء فعل، وقيل: المراد قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الإسراء: 68] . فقيل: اجعل السَّماء قطعاً متفرقة؛ كالحاصب، وأسقطها علينا. قوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله والملاائكة قَبِيلاً﴾ . القَبِيلُ: بمعنى: المقابل؛ كالعشير، بمعنى: المُعاشِر. وقال ابن عباس: فوجاً بعد فوجٍ. وقال الليث: كلُّ جندٍ من الجنِّ والإنسِ قبيلٌ، وقيل: كفيلاً، أي ضامناً. قال الزجاج: يقال: قبلتُ به أقبل؛ كما يقال: كفلت به أكفل، وعلى هذا: فهو واحدٌ أريد به الجمعُ؛ كقوله: ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: 69] ، وقال أبو عليِّ: معناه المعاينة؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الملائكة أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: 21] . قوله: «قَبِيلاً» [حالٌ من «الله، والمَلائِكَةِ» أو من أحدهما، والآخر محذوفة حاله، أي: بالله قبيلاً، والملائكة قبيلاً؛] كقوله: [الطويل] 3465 - ... ... ... ... . كُنْتُ مِنهُ ووالِدي ... بَرِيئاً ... ... ... ... ... وكقوله: [الطويل] 3466 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فَإنِّي وقيَّارٌ بِهَا لغَرِيبُ ذكره الزمخشريُّ، هذا إذا جعلنا «قَبِيلاً» بمعنى كفيلاً، أي: «ضَامِناً» أو بمعنى «معاينة» كما قاله الفارسي، وإن جعلناه بمعنى «جَماعَة» كان حالاً من «المَلائِكَة» . وقرأ الأعرج «قِبَلاً» من المقابلة. قوله ﴿ترقى﴾ : فعل مضارع [منصوبٌ] تقديراً؛ لأنه معطوفٌ على «تَفْجُرَ» ، أي: أو حتَّى ترْقَى في السَّماء، [أي:] في معارجها، والرقيُّ: الصعود، يقال: رَقِيَ، ببالكسر، يرقى، بالفتح، رقيًّا على فعولٍ، والأصل: «رُقُوي» فأدغم بعد قلب الواو ياء، ورقياً بزنة ضربٍ، قال الراجز: [الرجز] 3467 - أنْتَ الَّذي كَلَّفتَنِي رقْيَ الدَّرجْ ... عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرجَ قوله تعالى: ﴿نَّقْرَؤُهُ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون نعتاً ل «كتاباً» . والثاني: أن يكون حالاً مِنْ «نَا» في «عَليْنَا» ؛ قاله أبو البقاء، وهي حال مقدرة؛ لأنهم إنما يقرؤونه بعد إنزاله، لا في حال إنزاله. فصل في سبب نزول الآية قال المفسرون: لمّا قال المشركون: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا﴾ الآيات، قام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقام معهُ عبدُ الله بن أميَّة، وهو ابنُ عمَّته عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا محمد، عرض عليك قومُك ما عرضُوا، فلم تقبلهُ منهم، ثمَّ سألوكَ لأنفسهم أموراً يعرفون بها منزلتك من الله تعالى، فلم تفعل، ثمَّ سألوك أن تعجِّل ما تُخوِّفهم به، فلم تفعل، فوالله لا أومن بك حتَّى تتَّخذ إلى السَّماء سلَّماً ترقى فيه، وأنا أنظر حتَّى تأتيها، وتنزل بنُسخةٍ منشورةٍ، ومعك نفرٌ من الملائكةِ يشهدون لك بما تقولُ. وأيم الله، لو فعلت ذلك، لظننتُ أنِّي لا أصدِّقك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسل حزيناً لما يرى من مباعدتهم. ثم قال تعالى: قل، يا محمد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ أمره بتنزيهه، وتمجيده، أي: أنَّه لو أراد أن ينزل ما طلبوا، فلعل، ولكن لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر. واعلم أنَّه تعالى قد أعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من الآياتِ والمعجزات ما يغني عن هذا كلِّه مثل القرآن، وانشقاق القمر، وتفجير العيون من بين الأصابع، وما أشبهها، والقوم عامَّتهم كانوا متعنِّتين، لم يكن قصدهم طلب الدَّليل؛ ليؤمنوا، فردَّ الله عليهم سؤالهم. قوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ قرأ ابن كثير، وابن عامرٍ «قال» فعلاً ماضياً؛ إخباراً عن الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بذلك، والباقون «قُلْ» على الأمر أمراً منه تعالى لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك، وهي مرسومة في مصاحف المكيين والشاميين: «قال» بألف، وفي مصاحف غيرهم «قل» بدونها، فكل وافق مصحفه. قوله: ﴿إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ يجوز أن يكون «بَشَراً» خبر «كُنْتُ» و «رَسُولاً» صفته، ويجوز أن يكون «رَسُولاً» هو الخبر، و «بَشَراً» حال مقدمة عليه. فصل في استدلالهم بهذه الآية استدلُّوا بهذه الآية على أن المجيء على الله والذهاب محالٌ؛ لأنَّ كلمة «سبحان» للتنزيه عمَّا لا ينبغي. فقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ : تنزيه لله تعالى عن شيءٍ لا يليقُ به، وذلك تنزيهُ الله عما نسب إليه ممَّا تقدَّم ذكره، وليس فيما تقدَّم ذكره شيء مما لا يليقُ بالله إلا قولهم: أو تأتي بالله، فدلَّ على أنَّ قوله: «سُبحانَ ربِّي» تنزيهٌ لله تعالى أن يتحكَّم عليه المتحكِّمون في الإتيان، والمجيء؛ فدلَّ ذلك على فساد قول المشبهة. فإن قالوا: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد تنزيه الله تعالى أن يتحكَّم عليه المتحكِّمون في اقتراح الأشياء؟ . فالجواب: أنَّ القوم لم يتحكَّموا على الله، وإنما قالوا للرسول: إن كنت نبيًّا صادقاً، فاطلب من الله أن يشرِّفك بهذه المعجزات، فالقوم إنَّما تحكَّموا على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لا على الله، فلا يليقُ حمل قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ على هذا المعنى، فيجب حمله على قولهم ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله﴾ . فصل في تقرير هذا الجواب اعلم أنَّ تقرير هذا الجواب: أن يقال: إما أن يكون مرادكم من هذا الاقتراح أنَّكم طلبتم الإتيان من عند نفسي بهذه الأشياء، أو طلبتم منِّي أن أطلب من الله إظهارها على يديَّ؛ لتدلَّ لكم على كوني رسولاً حقًّا من عند الله. والأول باطلٌ؛ لأنِّي بشر، والبشر لا قدرة له على هذه الأشياء. والثاني أيضاً: باطل؛ لأنِّي قد أتيتكم بمعجزة واحدة، وهي القرآن، فطلب هذه المعجزات طلبٌ لما لا حاجة إليه، وكان طلبها يجري مجرى التعنُّت والتحكُّم، وأنا عبدٌ مأمورٌ ليس لي أن أتحكَّم على الله؛ فسقط هذا السؤال؛ فثبت كونُ قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ جواباً كافياً في هذا الباب.

الإسراء 17:92

قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ الآية. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ : مفعول محذوف، وقيل: «مِنْ» زائدة في «مِنْ كلِّ مَثلٍ» وهو المفعول، قاله ابن عطية، وهو مذهب الكوفيين والأخفش. وقرأ الحسن: «صَرَفْنَا» بتخفيف الراء، وتقدَّم نظيره. فصل في ذكر الوجوه المحتملة في هذا الكلام هذا الكلام يحتمل وجوهاً: احدها: أنه وقع التحدِّي بكلِّ القرآن؛ كما في هذه الآية، ووقع التحدِّي بسورة واحدة؛ كما في قوله: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: 34] فقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه التحدِّي؛ كما شرحناه، ثم إنهم مع ظهور عجزهم عن جميع هذه المراتب، صاروا مصرِّين على كفرهم. وثانيها: أن يكون المراد من «من كُلِّ مثلٍ» : أنَّا أخبرناهم بأنَّ الذين بقوا مصرِّين على الكفر؛ مثل قوم نوحٍ، وعادٍ، وثمود - ابتلاهم الله بأنواع البلاء - وشرحنا هذه الطريقة منراراً - ثم إنَّ هؤلاء الأقوام - يعني أهل مكَّة - لم ينتفعوا بهذا البيان، بل اصرُّوا على الكفر. وثالثها: أن يكون المراد من «مِنْ كلِّ مثلٍ» : مِنْ كلِّ وجهٍ من العبر، والأحكام والوعد، والوعيد، وغيرها. ورابعها: أن يكون المراد ذكر دلائل التوحيد، ونفي الشركاء في هذا لقرآن مراراً كثيرة، وذكر شبهات منكري النبوَّة، والمعاد؛ وأجاب عنها، ثمَّ أردفها بذكر الدَّلائل القاطعة على صحَّة النبوة، والمعاد، ثم إنَّ هؤلاء الكفَّار لم ينتفعوا بسماعها، بل بقوا مصرِّين على الشِّرك، وإنكار النُّبوَّة. قوله: «إلاَّ كُفوراً» مفعول به، وهو استثناءٌ مفرَّغ؛ لأنَّه في قوة: لم يفعلوا إلاَّ الكفور. والمعنى: ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس﴾ يعني: أهل مكَّة، ﴿إِلاَّ كُفُوراً﴾ أي: جحوداً للحقِّ. فإن قيل: كيف جاز: ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ ولا يجوز أن يقال: ضربتُ إلا زيداً؟ . فالجواب: إنَّ لفظة: «أبَى» تفيد النَّفي؛ كأنه قيل: فلم يؤمنوا إلا كفوراً. قوله: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ﴾ الآية. قرأ الكوفيُّون [ «تَفْجُرَ» ] بفتح التَّاء، وسكون الفاء، وضم الجيم خفيفة، مضارع «فَجَرَ» واختاره أبو حاتم؛ قالوا: لأنّ الينبوع واحدٌ، والباقون، بضمِّ التاء، وفتح الفاء، وكسر الجيم شديدة، مضارع «فجَّر» ، للتكثير، ولم يختلفوا في الثانية: أنَّها بالتثقيل للتصريح بمصدرها، وقرأ الأعمش «تُفْجِرَ» بضمِّ التاء، وسكون الفاء، وكسر الجيم خفيفة، مضارع «أفْجرَ» بمعنى «فَجرَ» فليس التضعيفُ، ولا الهمزة معدِّيينِ. فمن ثقَّل، أراد كثيرة الانفجار من الينبوع، وهو وإن كان واحداً، فلكثرة الانفجار فيه سحين أن يثقَّل؛ كما تقول: ضرَّب زيدٌ، إذا كثر الضَّربُ منه؛ لكثرة فعله، وإن كان الفاعل واحداً، ومن خفَّف؛ فلأن الينبوع واحدٌ. و «يَنْبُوعاً» مفعول به، ووزنه «يَفعُولٌ» ؛ لأنه من النَّبعِ، واليَنبُوعُ: العين تفور من الأرض. فصل فيما يثبت صدق النبوة اعلم أنَّه تعالى لمَّا بيَّن بالدليل كون القرآن معجزاً، وظهر هذا المعجز على وفق دعوى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فحينئذٍ: تمَّ الدليل على كونه نبيًّا صدقاً؛ لأنَّا نقول: إن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ادَّعى النبوة، وأظهر المعجزة على وفق دعواه، وكلُّ من كان كذلك، كان نبيًّا صادقاً؛ فهذا يدلُّ على أنَّ محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صادقٌ، وليس من شرط كونه نبيًّا صادقاً تَواترُ المعجزات الكثيرة، وتواليها؛ لأنَّا لو فتحنا هذا الباب، للزم ألاَّ ينقطع فيه، وكلما أتى الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بمعجز، اقترحوا عليه معجزاً آخر، ولا ينتهي الأمر فيه إلى حدِّ ينقطع عنده عناد المعاندين؛ لأنَّه تعالى حكى عن الكفَّار: أنهم بعد أن ظهر كون القرآن معجزاً، التمسُوا من الرسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ستَّة أنواعٍ من المعجزات الباهرات، كما روى عكرمة، عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - «أنَّ رؤساء أهل مكَّة، سألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهم جلوسٌ عند الكعبة، فقالوا: يا محمد، إنَّ أرض مكَّة ضيقةٌ، فسير جبالها؛ لننتفع فيها، وفجِّر لنا ينبوعاً، أي: نهراً، وعيوناً نزرع فيها، فقال:» لا أقدر عليه» . فقال قائلٌ منهم: أو يكون لك جنّة من نخيل وعنبٍ فتفجّر الأنهار خلالها تفجيراً، فقال: «لا أقْدرُ عَليْهِ» فقيل: أو يكون لك بيتٌ من زخرفٍ، اي: من ذهبٍ، فيُغْنِيكَ عَنَّا، فقال: «لا أقدِرُ عَليْهِ» فقيل له: أما تَسْتطِيعُ أن تَأتي قوْمكَ بِمَأ يسْألُونكَ؟ فقال: لا أسْتطِيعُ، فقالوا: فإذا كنت لا تَسْتطِيعُ الخير، فاسْتطعِ الشَّر، فأرسل السَّماء؛ كما زَعمْتَ، عَليْنَا كِسَفاً» . قرأ العامة «تُسْقِطَ» بإسناد الفعل للمخاطب، و «السَّماء» مفعول بها، ومجاهد على إسناده إلى «السَّماء» فرفعها به. وقرأ نافع، وابن عامرٍ، وعاصم «كِسَفاً» هنا، بفتح السِّين، وفعل ذلك حفصٌ في الشعراء [الآية: 187] وفي سبأ [الآية: 9] ، والباقون يسكنونها في المواضع الثلاثة، وقرأ ابن ذكوان بسكونها في الروم [الآية: 48] ؛ بلا خلافٍ، وهشام عنه الوجهان، والباقون بفتحها. فمن فتح السين، جعله جمع كسفةٍ؛ نحو: قِطعَةٍ وقِطَع، وكِسْرةٍ وكِسرٍ، ومن سكَّن، جعله جمع كسفة أيضاً على حدِّ: سِدْرةٍ وسِدْرٍ، وقِمْحَةٍ وقِمَحٍ. وجوَّز أبو البقاء فيه وجهين آخرين: أحدهما: أنه جمعٌ على «فَعَلٍ» بفتح العين، وإنما سكِّن تخفيفاً، وهذا لا يجوز؛ لأنَّ الفتحة خفيفة يحتملها حرف العلة، حيث يقدر فيه غيرها، فكيف بالحرف الصحيح؟ . قال: والثاني: أنه «فَعْلٌ» بمعنى «مَفْعُولٍ» ؛ ك «الطحْن» بمعنى «مَطْحُون» ؛ فصار في السكون ثلاثة أوجهٍ. وأصل الكسفِ: القطع، يقال: كسَفْتُ الثَّوبَ قطعته؛ وفي الحديث في قصَّة سليمان مع الصَّافناتِ الجياد: أنه «كَسَفَ عَراقِيبهَا» ، أي: قطعها. فصل في معنى الكسف قال اللَّيثُ: الكسف: قطع العرقوب، قال الفرَّاء: وسمعتُ أعرابيًّا يقول لبزَّاز: أعطني كسفةً، وقال الزجاج: «كَسفَ الشيء بمعنى غَطَّاهُ» ، قيل: ولا يعرفُ هذا لغيره. وانتصابه على الحال في القراءتين فإن جعلناه جمعاً، كان على حذفِ مضاف، أي: ذات كسفٍ، وإن جعلناه «فِعْلاً» بمعنى «مَفعُول» لم يحتج إلى تقدير، وحينئذ: فإن قيل لِمَ لمْ يُؤنَّث؟ فالجواب: لأنَّ تأنيثه أعني: السَّماء غير حقيقيٍّ، أو بأنها في معنى السَّقف. قوله: «كَمَا زعَمْتَ» : نعت لمصدر محذوف، أي: إسقاطاً مثل مزعومك؛ كذا قدَّره أبو البقاء. فصل في المراد بالآية قال عكرمة: ﴿كَمَا زَعَمْتَ﴾ ، يا محمد: أنَّك نبيٌّ، «فأسْقِط» السماء علينا كسفاً. وقيل: كما زعمت أن ربَّك إن شاء فعل، وقيل: المراد قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الإسراء: 68] . فقيل: اجعل السَّماء قطعاً متفرقة؛ كالحاصب، وأسقطها علينا. قوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله والملاائكة قَبِيلاً﴾ . القَبِيلُ: بمعنى: المقابل؛ كالعشير، بمعنى: المُعاشِر. وقال ابن عباس: فوجاً بعد فوجٍ. وقال الليث: كلُّ جندٍ من الجنِّ والإنسِ قبيلٌ، وقيل: كفيلاً، أي ضامناً. قال الزجاج: يقال: قبلتُ به أقبل؛ كما يقال: كفلت به أكفل، وعلى هذا: فهو واحدٌ أريد به الجمعُ؛ كقوله: ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: 69] ، وقال أبو عليِّ: معناه المعاينة؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الملائكة أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: 21] . قوله: «قَبِيلاً» [حالٌ من «الله، والمَلائِكَةِ» أو من أحدهما، والآخر محذوفة حاله، أي: بالله قبيلاً، والملائكة قبيلاً؛] كقوله: [الطويل] 3465 - ... ... ... ... . كُنْتُ مِنهُ ووالِدي ... بَرِيئاً ... ... ... ... ... وكقوله: [الطويل] 3466 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فَإنِّي وقيَّارٌ بِهَا لغَرِيبُ ذكره الزمخشريُّ، هذا إذا جعلنا «قَبِيلاً» بمعنى كفيلاً، أي: «ضَامِناً» أو بمعنى «معاينة» كما قاله الفارسي، وإن جعلناه بمعنى «جَماعَة» كان حالاً من «المَلائِكَة» . وقرأ الأعرج «قِبَلاً» من المقابلة. قوله ﴿ترقى﴾ : فعل مضارع [منصوبٌ] تقديراً؛ لأنه معطوفٌ على «تَفْجُرَ» ، أي: أو حتَّى ترْقَى في السَّماء، [أي:] في معارجها، والرقيُّ: الصعود، يقال: رَقِيَ، ببالكسر، يرقى، بالفتح، رقيًّا على فعولٍ، والأصل: «رُقُوي» فأدغم بعد قلب الواو ياء، ورقياً بزنة ضربٍ، قال الراجز: [الرجز] 3467 - أنْتَ الَّذي كَلَّفتَنِي رقْيَ الدَّرجْ ... عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرجَ قوله تعالى: ﴿نَّقْرَؤُهُ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون نعتاً ل «كتاباً» . والثاني: أن يكون حالاً مِنْ «نَا» في «عَليْنَا» ؛ قاله أبو البقاء، وهي حال مقدرة؛ لأنهم إنما يقرؤونه بعد إنزاله، لا في حال إنزاله. فصل في سبب نزول الآية قال المفسرون: لمّا قال المشركون: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا﴾ الآيات، قام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقام معهُ عبدُ الله بن أميَّة، وهو ابنُ عمَّته عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا محمد، عرض عليك قومُك ما عرضُوا، فلم تقبلهُ منهم، ثمَّ سألوكَ لأنفسهم أموراً يعرفون بها منزلتك من الله تعالى، فلم تفعل، ثمَّ سألوك أن تعجِّل ما تُخوِّفهم به، فلم تفعل، فوالله لا أومن بك حتَّى تتَّخذ إلى السَّماء سلَّماً ترقى فيه، وأنا أنظر حتَّى تأتيها، وتنزل بنُسخةٍ منشورةٍ، ومعك نفرٌ من الملائكةِ يشهدون لك بما تقولُ. وأيم الله، لو فعلت ذلك، لظننتُ أنِّي لا أصدِّقك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسل حزيناً لما يرى من مباعدتهم. ثم قال تعالى: قل، يا محمد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ أمره بتنزيهه، وتمجيده، أي: أنَّه لو أراد أن ينزل ما طلبوا، فلعل، ولكن لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر. واعلم أنَّه تعالى قد أعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من الآياتِ والمعجزات ما يغني عن هذا كلِّه مثل القرآن، وانشقاق القمر، وتفجير العيون من بين الأصابع، وما أشبهها، والقوم عامَّتهم كانوا متعنِّتين، لم يكن قصدهم طلب الدَّليل؛ ليؤمنوا، فردَّ الله عليهم سؤالهم. قوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ قرأ ابن كثير، وابن عامرٍ «قال» فعلاً ماضياً؛ إخباراً عن الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بذلك، والباقون «قُلْ» على الأمر أمراً منه تعالى لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك، وهي مرسومة في مصاحف المكيين والشاميين: «قال» بألف، وفي مصاحف غيرهم «قل» بدونها، فكل وافق مصحفه. قوله: ﴿إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ يجوز أن يكون «بَشَراً» خبر «كُنْتُ» و «رَسُولاً» صفته، ويجوز أن يكون «رَسُولاً» هو الخبر، و «بَشَراً» حال مقدمة عليه. فصل في استدلالهم بهذه الآية استدلُّوا بهذه الآية على أن المجيء على الله والذهاب محالٌ؛ لأنَّ كلمة «سبحان» للتنزيه عمَّا لا ينبغي. فقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ : تنزيه لله تعالى عن شيءٍ لا يليقُ به، وذلك تنزيهُ الله عما نسب إليه ممَّا تقدَّم ذكره، وليس فيما تقدَّم ذكره شيء مما لا يليقُ بالله إلا قولهم: أو تأتي بالله، فدلَّ على أنَّ قوله: «سُبحانَ ربِّي» تنزيهٌ لله تعالى أن يتحكَّم عليه المتحكِّمون في الإتيان، والمجيء؛ فدلَّ ذلك على فساد قول المشبهة. فإن قالوا: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد تنزيه الله تعالى أن يتحكَّم عليه المتحكِّمون في اقتراح الأشياء؟ . فالجواب: أنَّ القوم لم يتحكَّموا على الله، وإنما قالوا للرسول: إن كنت نبيًّا صادقاً، فاطلب من الله أن يشرِّفك بهذه المعجزات، فالقوم إنَّما تحكَّموا على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لا على الله، فلا يليقُ حمل قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ على هذا المعنى، فيجب حمله على قولهم ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله﴾ . فصل في تقرير هذا الجواب اعلم أنَّ تقرير هذا الجواب: أن يقال: إما أن يكون مرادكم من هذا الاقتراح أنَّكم طلبتم الإتيان من عند نفسي بهذه الأشياء، أو طلبتم منِّي أن أطلب من الله إظهارها على يديَّ؛ لتدلَّ لكم على كوني رسولاً حقًّا من عند الله. والأول باطلٌ؛ لأنِّي بشر، والبشر لا قدرة له على هذه الأشياء. والثاني أيضاً: باطل؛ لأنِّي قد أتيتكم بمعجزة واحدة، وهي القرآن، فطلب هذه المعجزات طلبٌ لما لا حاجة إليه، وكان طلبها يجري مجرى التعنُّت والتحكُّم، وأنا عبدٌ مأمورٌ ليس لي أن أتحكَّم على الله؛ فسقط هذا السؤال؛ فثبت كونُ قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ جواباً كافياً في هذا الباب.

الإسراء 17:93

قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ الآية. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ : مفعول محذوف، وقيل: «مِنْ» زائدة في «مِنْ كلِّ مَثلٍ» وهو المفعول، قاله ابن عطية، وهو مذهب الكوفيين والأخفش. وقرأ الحسن: «صَرَفْنَا» بتخفيف الراء، وتقدَّم نظيره. فصل في ذكر الوجوه المحتملة في هذا الكلام هذا الكلام يحتمل وجوهاً: احدها: أنه وقع التحدِّي بكلِّ القرآن؛ كما في هذه الآية، ووقع التحدِّي بسورة واحدة؛ كما في قوله: ﴿فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ [الطور: 34] فقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه التحدِّي؛ كما شرحناه، ثم إنهم مع ظهور عجزهم عن جميع هذه المراتب، صاروا مصرِّين على كفرهم. وثانيها: أن يكون المراد من «من كُلِّ مثلٍ» : أنَّا أخبرناهم بأنَّ الذين بقوا مصرِّين على الكفر؛ مثل قوم نوحٍ، وعادٍ، وثمود - ابتلاهم الله بأنواع البلاء - وشرحنا هذه الطريقة منراراً - ثم إنَّ هؤلاء الأقوام - يعني أهل مكَّة - لم ينتفعوا بهذا البيان، بل اصرُّوا على الكفر. وثالثها: أن يكون المراد من «مِنْ كلِّ مثلٍ» : مِنْ كلِّ وجهٍ من العبر، والأحكام والوعد، والوعيد، وغيرها. ورابعها: أن يكون المراد ذكر دلائل التوحيد، ونفي الشركاء في هذا لقرآن مراراً كثيرة، وذكر شبهات منكري النبوَّة، والمعاد؛ وأجاب عنها، ثمَّ أردفها بذكر الدَّلائل القاطعة على صحَّة النبوة، والمعاد، ثم إنَّ هؤلاء الكفَّار لم ينتفعوا بسماعها، بل بقوا مصرِّين على الشِّرك، وإنكار النُّبوَّة. قوله: «إلاَّ كُفوراً» مفعول به، وهو استثناءٌ مفرَّغ؛ لأنَّه في قوة: لم يفعلوا إلاَّ الكفور. والمعنى: ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس﴾ يعني: أهل مكَّة، ﴿إِلاَّ كُفُوراً﴾ أي: جحوداً للحقِّ. فإن قيل: كيف جاز: ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ ولا يجوز أن يقال: ضربتُ إلا زيداً؟ . فالجواب: إنَّ لفظة: «أبَى» تفيد النَّفي؛ كأنه قيل: فلم يؤمنوا إلا كفوراً. قوله: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ﴾ الآية. قرأ الكوفيُّون [ «تَفْجُرَ» ] بفتح التَّاء، وسكون الفاء، وضم الجيم خفيفة، مضارع «فَجَرَ» واختاره أبو حاتم؛ قالوا: لأنّ الينبوع واحدٌ، والباقون، بضمِّ التاء، وفتح الفاء، وكسر الجيم شديدة، مضارع «فجَّر» ، للتكثير، ولم يختلفوا في الثانية: أنَّها بالتثقيل للتصريح بمصدرها، وقرأ الأعمش «تُفْجِرَ» بضمِّ التاء، وسكون الفاء، وكسر الجيم خفيفة، مضارع «أفْجرَ» بمعنى «فَجرَ» فليس التضعيفُ، ولا الهمزة معدِّيينِ. فمن ثقَّل، أراد كثيرة الانفجار من الينبوع، وهو وإن كان واحداً، فلكثرة الانفجار فيه سحين أن يثقَّل؛ كما تقول: ضرَّب زيدٌ، إذا كثر الضَّربُ منه؛ لكثرة فعله، وإن كان الفاعل واحداً، ومن خفَّف؛ فلأن الينبوع واحدٌ. و «يَنْبُوعاً» مفعول به، ووزنه «يَفعُولٌ» ؛ لأنه من النَّبعِ، واليَنبُوعُ: العين تفور من الأرض. فصل فيما يثبت صدق النبوة اعلم أنَّه تعالى لمَّا بيَّن بالدليل كون القرآن معجزاً، وظهر هذا المعجز على وفق دعوى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فحينئذٍ: تمَّ الدليل على كونه نبيًّا صدقاً؛ لأنَّا نقول: إن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ادَّعى النبوة، وأظهر المعجزة على وفق دعواه، وكلُّ من كان كذلك، كان نبيًّا صادقاً؛ فهذا يدلُّ على أنَّ محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ صادقٌ، وليس من شرط كونه نبيًّا صادقاً تَواترُ المعجزات الكثيرة، وتواليها؛ لأنَّا لو فتحنا هذا الباب، للزم ألاَّ ينقطع فيه، وكلما أتى الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بمعجز، اقترحوا عليه معجزاً آخر، ولا ينتهي الأمر فيه إلى حدِّ ينقطع عنده عناد المعاندين؛ لأنَّه تعالى حكى عن الكفَّار: أنهم بعد أن ظهر كون القرآن معجزاً، التمسُوا من الرسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ستَّة أنواعٍ من المعجزات الباهرات، كما روى عكرمة، عن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - «أنَّ رؤساء أهل مكَّة، سألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهم جلوسٌ عند الكعبة، فقالوا: يا محمد، إنَّ أرض مكَّة ضيقةٌ، فسير جبالها؛ لننتفع فيها، وفجِّر لنا ينبوعاً، أي: نهراً، وعيوناً نزرع فيها، فقال:» لا أقدر عليه» . فقال قائلٌ منهم: أو يكون لك جنّة من نخيل وعنبٍ فتفجّر الأنهار خلالها تفجيراً، فقال: «لا أقْدرُ عَليْهِ» فقيل: أو يكون لك بيتٌ من زخرفٍ، اي: من ذهبٍ، فيُغْنِيكَ عَنَّا، فقال: «لا أقدِرُ عَليْهِ» فقيل له: أما تَسْتطِيعُ أن تَأتي قوْمكَ بِمَأ يسْألُونكَ؟ فقال: لا أسْتطِيعُ، فقالوا: فإذا كنت لا تَسْتطِيعُ الخير، فاسْتطعِ الشَّر، فأرسل السَّماء؛ كما زَعمْتَ، عَليْنَا كِسَفاً» . قرأ العامة «تُسْقِطَ» بإسناد الفعل للمخاطب، و «السَّماء» مفعول بها، ومجاهد على إسناده إلى «السَّماء» فرفعها به. وقرأ نافع، وابن عامرٍ، وعاصم «كِسَفاً» هنا، بفتح السِّين، وفعل ذلك حفصٌ في الشعراء [الآية: 187] وفي سبأ [الآية: 9] ، والباقون يسكنونها في المواضع الثلاثة، وقرأ ابن ذكوان بسكونها في الروم [الآية: 48] ؛ بلا خلافٍ، وهشام عنه الوجهان، والباقون بفتحها. فمن فتح السين، جعله جمع كسفةٍ؛ نحو: قِطعَةٍ وقِطَع، وكِسْرةٍ وكِسرٍ، ومن سكَّن، جعله جمع كسفة أيضاً على حدِّ: سِدْرةٍ وسِدْرٍ، وقِمْحَةٍ وقِمَحٍ. وجوَّز أبو البقاء فيه وجهين آخرين: أحدهما: أنه جمعٌ على «فَعَلٍ» بفتح العين، وإنما سكِّن تخفيفاً، وهذا لا يجوز؛ لأنَّ الفتحة خفيفة يحتملها حرف العلة، حيث يقدر فيه غيرها، فكيف بالحرف الصحيح؟ . قال: والثاني: أنه «فَعْلٌ» بمعنى «مَفْعُولٍ» ؛ ك «الطحْن» بمعنى «مَطْحُون» ؛ فصار في السكون ثلاثة أوجهٍ. وأصل الكسفِ: القطع، يقال: كسَفْتُ الثَّوبَ قطعته؛ وفي الحديث في قصَّة سليمان مع الصَّافناتِ الجياد: أنه «كَسَفَ عَراقِيبهَا» ، أي: قطعها. فصل في معنى الكسف قال اللَّيثُ: الكسف: قطع العرقوب، قال الفرَّاء: وسمعتُ أعرابيًّا يقول لبزَّاز: أعطني كسفةً، وقال الزجاج: «كَسفَ الشيء بمعنى غَطَّاهُ» ، قيل: ولا يعرفُ هذا لغيره. وانتصابه على الحال في القراءتين فإن جعلناه جمعاً، كان على حذفِ مضاف، أي: ذات كسفٍ، وإن جعلناه «فِعْلاً» بمعنى «مَفعُول» لم يحتج إلى تقدير، وحينئذ: فإن قيل لِمَ لمْ يُؤنَّث؟ فالجواب: لأنَّ تأنيثه أعني: السَّماء غير حقيقيٍّ، أو بأنها في معنى السَّقف. قوله: «كَمَا زعَمْتَ» : نعت لمصدر محذوف، أي: إسقاطاً مثل مزعومك؛ كذا قدَّره أبو البقاء. فصل في المراد بالآية قال عكرمة: ﴿كَمَا زَعَمْتَ﴾ ، يا محمد: أنَّك نبيٌّ، «فأسْقِط» السماء علينا كسفاً. وقيل: كما زعمت أن ربَّك إن شاء فعل، وقيل: المراد قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ [الإسراء: 68] . فقيل: اجعل السَّماء قطعاً متفرقة؛ كالحاصب، وأسقطها علينا. قوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله والملاائكة قَبِيلاً﴾ . القَبِيلُ: بمعنى: المقابل؛ كالعشير، بمعنى: المُعاشِر. وقال ابن عباس: فوجاً بعد فوجٍ. وقال الليث: كلُّ جندٍ من الجنِّ والإنسِ قبيلٌ، وقيل: كفيلاً، أي ضامناً. قال الزجاج: يقال: قبلتُ به أقبل؛ كما يقال: كفلت به أكفل، وعلى هذا: فهو واحدٌ أريد به الجمعُ؛ كقوله: ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: 69] ، وقال أبو عليِّ: معناه المعاينة؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الملائكة أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: 21] . قوله: «قَبِيلاً» [حالٌ من «الله، والمَلائِكَةِ» أو من أحدهما، والآخر محذوفة حاله، أي: بالله قبيلاً، والملائكة قبيلاً؛] كقوله: [الطويل] 3465 - ... ... ... ... . كُنْتُ مِنهُ ووالِدي ... بَرِيئاً ... ... ... ... ... وكقوله: [الطويل] 3466 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... فَإنِّي وقيَّارٌ بِهَا لغَرِيبُ ذكره الزمخشريُّ، هذا إذا جعلنا «قَبِيلاً» بمعنى كفيلاً، أي: «ضَامِناً» أو بمعنى «معاينة» كما قاله الفارسي، وإن جعلناه بمعنى «جَماعَة» كان حالاً من «المَلائِكَة» . وقرأ الأعرج «قِبَلاً» من المقابلة. قوله ﴿ترقى﴾ : فعل مضارع [منصوبٌ] تقديراً؛ لأنه معطوفٌ على «تَفْجُرَ» ، أي: أو حتَّى ترْقَى في السَّماء، [أي:] في معارجها، والرقيُّ: الصعود، يقال: رَقِيَ، ببالكسر، يرقى، بالفتح، رقيًّا على فعولٍ، والأصل: «رُقُوي» فأدغم بعد قلب الواو ياء، ورقياً بزنة ضربٍ، قال الراجز: [الرجز] 3467 - أنْتَ الَّذي كَلَّفتَنِي رقْيَ الدَّرجْ ... عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرجَ قوله تعالى: ﴿نَّقْرَؤُهُ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن يكون نعتاً ل «كتاباً» . والثاني: أن يكون حالاً مِنْ «نَا» في «عَليْنَا» ؛ قاله أبو البقاء، وهي حال مقدرة؛ لأنهم إنما يقرؤونه بعد إنزاله، لا في حال إنزاله. فصل في سبب نزول الآية قال المفسرون: لمّا قال المشركون: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا﴾ الآيات، قام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقام معهُ عبدُ الله بن أميَّة، وهو ابنُ عمَّته عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا محمد، عرض عليك قومُك ما عرضُوا، فلم تقبلهُ منهم، ثمَّ سألوكَ لأنفسهم أموراً يعرفون بها منزلتك من الله تعالى، فلم تفعل، ثمَّ سألوك أن تعجِّل ما تُخوِّفهم به، فلم تفعل، فوالله لا أومن بك حتَّى تتَّخذ إلى السَّماء سلَّماً ترقى فيه، وأنا أنظر حتَّى تأتيها، وتنزل بنُسخةٍ منشورةٍ، ومعك نفرٌ من الملائكةِ يشهدون لك بما تقولُ. وأيم الله، لو فعلت ذلك، لظننتُ أنِّي لا أصدِّقك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسل حزيناً لما يرى من مباعدتهم. ثم قال تعالى: قل، يا محمد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ أمره بتنزيهه، وتمجيده، أي: أنَّه لو أراد أن ينزل ما طلبوا، فلعل، ولكن لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر. واعلم أنَّه تعالى قد أعطى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من الآياتِ والمعجزات ما يغني عن هذا كلِّه مثل القرآن، وانشقاق القمر، وتفجير العيون من بين الأصابع، وما أشبهها، والقوم عامَّتهم كانوا متعنِّتين، لم يكن قصدهم طلب الدَّليل؛ ليؤمنوا، فردَّ الله عليهم سؤالهم. قوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ قرأ ابن كثير، وابن عامرٍ «قال» فعلاً ماضياً؛ إخباراً عن الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بذلك، والباقون «قُلْ» على الأمر أمراً منه تعالى لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك، وهي مرسومة في مصاحف المكيين والشاميين: «قال» بألف، وفي مصاحف غيرهم «قل» بدونها، فكل وافق مصحفه. قوله: ﴿إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ يجوز أن يكون «بَشَراً» خبر «كُنْتُ» و «رَسُولاً» صفته، ويجوز أن يكون «رَسُولاً» هو الخبر، و «بَشَراً» حال مقدمة عليه. فصل في استدلالهم بهذه الآية استدلُّوا بهذه الآية على أن المجيء على الله والذهاب محالٌ؛ لأنَّ كلمة «سبحان» للتنزيه عمَّا لا ينبغي. فقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ : تنزيه لله تعالى عن شيءٍ لا يليقُ به، وذلك تنزيهُ الله عما نسب إليه ممَّا تقدَّم ذكره، وليس فيما تقدَّم ذكره شيء مما لا يليقُ بالله إلا قولهم: أو تأتي بالله، فدلَّ على أنَّ قوله: «سُبحانَ ربِّي» تنزيهٌ لله تعالى أن يتحكَّم عليه المتحكِّمون في الإتيان، والمجيء؛ فدلَّ ذلك على فساد قول المشبهة. فإن قالوا: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد تنزيه الله تعالى أن يتحكَّم عليه المتحكِّمون في اقتراح الأشياء؟ . فالجواب: أنَّ القوم لم يتحكَّموا على الله، وإنما قالوا للرسول: إن كنت نبيًّا صادقاً، فاطلب من الله أن يشرِّفك بهذه المعجزات، فالقوم إنَّما تحكَّموا على الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لا على الله، فلا يليقُ حمل قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ على هذا المعنى، فيجب حمله على قولهم ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله﴾ . فصل في تقرير هذا الجواب اعلم أنَّ تقرير هذا الجواب: أن يقال: إما أن يكون مرادكم من هذا الاقتراح أنَّكم طلبتم الإتيان من عند نفسي بهذه الأشياء، أو طلبتم منِّي أن أطلب من الله إظهارها على يديَّ؛ لتدلَّ لكم على كوني رسولاً حقًّا من عند الله. والأول باطلٌ؛ لأنِّي بشر، والبشر لا قدرة له على هذه الأشياء. والثاني أيضاً: باطل؛ لأنِّي قد أتيتكم بمعجزة واحدة، وهي القرآن، فطلب هذه المعجزات طلبٌ لما لا حاجة إليه، وكان طلبها يجري مجرى التعنُّت والتحكُّم، وأنا عبدٌ مأمورٌ ليس لي أن أتحكَّم على الله؛ فسقط هذا السؤال؛ فثبت كونُ قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ جواباً كافياً في هذا الباب.

الإسراء 17:94

قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا﴾ الاية. لمَّا حكى الله تعالى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزَّائدة، وأجاب عنها حكى شبهة أخرى وهي أنهم استبعدوا أن يبعث الله للخقل رسولاً من البشرِ، بل اعتقدوا أنَّ الله تعالى، لو أرسل رسولاً إلى الخلق، لكان ذلك الرسول من الملائكةِ، وأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بوجوهٍ: أحدها: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾ . وتقرير هذا الجواب: أنَّ بتقدير أن يبعث الله ملكاً رسولاً إلى الخلق، فالخلق إنما يؤمنون بكونه رسولاً من عند الله؛ لأجل قيام المعجزات الدالة على صدقه؛ وذلك المعجز هو الذي يهديهم إلى معرفة صدق ذلك الملك في ادِّعاء رسالته، فالمراد من قوله: ﴿إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾ هو المعجز، [وإذا كان كذلك، فنقول: لما كان الدليل على الصِّدق هو المعجز] فقط فهذا المعجو سواءٌ ظهر على الملكِ، أو على البشرِ، وجب الإقرارُ برسالته، فقولهم: «لا بُدَّ وأن يكون الرسول من الملائكة» : تحكم فاسد باطل. والجواب الثاني عن شبهتهم، وهي أنَّ أهل الأرض لو كانوا ملائكة، لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة؛ لأنّ الجنس إلى الجنس أميل، فلما كان [أهل الأرض] من البشر، فوجب أن يكون رسولهم من البشر؛ وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِي الأرض ملاائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: 95] . الجواب الثالث: قوله تعالى: ﴿قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ . وتقريره أنَّ الله تعالى، لمَّا أظهر المعجزة على وفق دعواى، كان ذلك شهادة من الله تعالى على كوني صادقاً، ومن شهد الله على صدقه، فهو صادق، فقولكم بأنَّ الرسول يجب أن يكون ملكاً، فذلك تحكُّم فاسدٌ؛ لا يلتفت إليه. ولمَّا ذكر الله تعالى هذه الأجوبة الثلاثة، أردفها بما يجري مجرى التهديد، والوعيد؛ فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [الإسراء: 96] . أي: يعلم ظواهرهم وبواطنهم، ويعلم أنَّهم لا يذكرون هذه الشبهات إلا لمحض الحسد، وحبِّ الرياسة. قوله: ﴿أَن يؤمنوا﴾ : مفعولٌ ثانٍ ل «مَنَع» ، أي: ما منعهم إيمانهم؛ و «أن قالوا» هو الفاعل، و «إذْ» ظرف ل «مَنعَ» ، والتقدير: وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الهدى إيَّاهم إلا قولهم: أبعث الله. وهذه الجملة المنفيَّة يحتمل أن تكون من كلام الله، فتكون مستأنفة، وأن تكون من كلام الرسول، فتكون منصوبة المحلِّ؛ لاندراجها تحت القول في كلتا القراءتينز قوله: ﴿بَشَراً رَّسُولاً﴾ تقدَّم في نظيره وجهان، وكذلك قوله ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ . قوله تعالى: ﴿قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض﴾ : يجوز في «كَانَ» هذه التمام، أي: لو وجد، وحصل، و «يَمشُونَ» صفة ل «مَلائِكَة» و «في الأرض» متعلِّق به، «مُطْمئنينَ» حال من فاعل «يَمشُونَ» ، ويجوز أن تكون الناقصة، وفي خبرها أوجه، أظهرها: أنه الجار، و «يَمشُون» و «مُطمَئنِّينَ» على ما تقدم. وقيل: الخبر «يمشُون» و «في الأرض» متعلق به. وقيل: الخبر «مُطمئنِّينَ» و «يمشُونَ» صفة، وهذان الوجهان ضعيفان؛ لأنَّ المعنى على الأول. فإن قيل: إنَّه تعالى لو قال: قل لو كان في الأرض ملائكة، لنزَّلنا عليهم من السَّماء ملكاً رسولاً كان كافياً في هذا المعنى. فما الحكمة في قوله: ﴿يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ ؟! . فالجواب: أن المراد بقوله: ﴿يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ أي: مستوفين مقيمين. قوله: ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد﴾ الآية. لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة، وأردفها بالوعيد بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ على الإجمال، ذكر بعده الوعيد الشديد على التَّفصيل، فقال: ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ﴾ . المراد تسليةُ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو أنَّ الذين حكم لهم بالإسلام والهداية سابقاً، وجب أن يصيروا مؤمنين، ومن سبق لهم حكم الله بالضَّلال والجهل، استحال أن ينقلبوا عن ذلك. واحتجَّ أهل السنة بهذه الآية على صحَّة مذهبهم في الهدى والضَّلال، والمعتزلة حملوا هذا الضلال تارة على طريق الجنَّة؛ وتارة على منع الألطاف، وتارة على التَّخلية، وعدم التعرُّض لهم بالمنع. والواو مندرجة تحت القول، فيكون محلُّها نصباً، وأن يكون من كلام الله، فلا محلَّ لها؛ لاستئنافها، ويكون في الكلام التفاتٌ؛ إذ فيه خروجٌ من غيبة إلى تكلُّم في قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ﴾ . وحمل على لفظ «مَنْ» في قوله «فَهُوَ المُهتدِ» فأفرد، وحمل على معنى «من» الثانية في قوله «ومَن يُضلِلْ، فلنْ تَجدَ لَهُم» ، [فجمع] . ووجه المناسبة في ذلك - والله أعلم -: أنه لمَّا كان الهدي شيئاً واحداً غير متشعِّب السبل، ناسبه التوحيد، ولمَّا كان الضلال له طرقٌ متشعبةٌ؛ نحو: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام 153] ناسب الجمع الجمع، وهذا الحمل الثاني مما حمل فيه على المعنى، وإن لم يتقدمه حمل على اللفظ، قال أبو حيان: «وهو قليل في القرآن» ، يعني: بالنسبة إلى غيره، ومثله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: 42] ويمكن أن يكون المحسِّن لهذا هنا كونه تقدَّم حمل على اللفظ، وإن كان في جملة أخرى غير جملته. وقرأ نافعٌ، وأبو عمرو بإثبات ياء «المهتدي» وصلاً، وحذفها وقفاً، وكذلك في التي تحت هذه السورة، وحذفها الباقون في الحالتين. قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ يجوز أن يتعلق الجار في قوله ﴿على وُجُوهِهِمْ﴾ بالحشر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول، أي: كائنين ومسحوبين على وجوههم. فإن قيل: كيف يمكنهم المشي على وجوههم؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّهم يسحبون على وجوههم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] . والثاني: قال أبو هريرة: قيل: يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «الذي يُمشِيهمْ على أقْدامِهمْ قَادرٌ أن يُمشِيهُمْ على وُجوهِهمْ» . قوله: «عُمْياً» يجوز أن تكون حالاً ثانية من الضمير، أو بدلاً من الأولى، وفيه نظر؛ لأنه لا يظهر فيه أنواع البدل، وهي: كلٌّ من كلٍّ، ولا بعض من كلٍّ، ولا اشتمال، وأن تكون حالاً من الضمير المرفوع [في الجارِّ] لوقوعه حالاً، وأن تكون حالاً من الضمير المجرور في «وُجوهِهمْ» . فصل في توهم الاضطراب بين بعض الآيات والجواب عنه قال رجل لابن عباس: أليس أنه تعالى يقول: ﴿وَرَأَى المجرمون النار﴾ [الكهف: 53] . وقال: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] . وقال: ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: 13] . وقال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: 111] . وقال حكاية عن الكفَّار: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] . وأثبت لهم الرؤية، والكلام، والسَّمع، فكيف قال ههنا: «عُمياً وبُكماً وصُماً» ؟ . فأجاب ابن عباس وتلامذته من وجوه: الأول: قال ابن عباس: «عُمْياً» : لا يرون شيئاً يسرهم، و «صُمًّا» : لا يسمعون شيئاً يسرهم، و «بُكْماً» لا ينطقون بحجَّة. والثاني: في رواية عطاء: «عُمْياً» عن النَّظر إلى ما جعله الله إلى أوليائه، و «بُكْماً» عن مخاطبة الله تعالى، ومخاطبة الملائكة المقرَّبين. الثالث: قال مقاتلٌ: حين قال لهم: ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108] يصيرون صمًّا بكماً، أما قبل ذلك، فهم يرون، ويسمعون، وينطقون. الرابع: أنَّهم يكونون رائين، سامعين، ناطقين في الموقف، ولولا ذلك، لما قدروا على مطالعة كتبهم، ولا سمعوا إلزام حجة الله تعالى عليهم، إلا أنَّهم إذا ذهبوا من الموقف إلى النَّار، صاروا صمًّا، وبكماً، وعمياً. وقيل: يحشرون على هذه الصفة. قوله: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يجوز في هذه الجملة الاستئناف، والحالية إمَّا من الضمير المنصوب أو المجرور. قوله: "كُلَّما خَبتْ «يجوز فيها الاستئناف، والحالية من» جهنَّم «، والعامل فيها معنى المأوى. وخَبتِ النَّار تَخْبُوا» إذا سكن لهيبها؛ قال الواحدي: خبت سكنت، فإذا ضعف جمرها، قيل: خمدتْ، فإذا طفئت بالجملة، قيل: همدتْ؛ قال: 3468 - وَسْطهُ كاليَراعِ أوْ سُرجِ المِجْ ... دَلِ طَوْراً يَخْبُو وطَوْراً يُنِيرُ وقال آخر: [الهزج] 3469 - لمن نَارٌ قُبَيْلَ الصُّبْ ... حِ عند البَيتِ ما تَخْبُو إذا مَا أخمدَتْ ألْقِي عَليْهَا المَندلُ الرَّطْبُ وأدغم التاء في زاي «زِدْنَاهُمْ» أبو عمرو، والأخوان، وورش، وأظهرها الباقون. قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ . قال ابن قتيبة: زدناهم تلهُّباً. فإن قيل: إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب. وقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ يدلُّ على أنَّ العذاب محققٌ في ذلك الوقت. فالجواب: أن قوله «كُلَّما خَبَتْ» يقتضي سكون لهب النار، أما أنه يدل على تخفيف العذاب، فلا؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: 75] . وقيل: معناه: «كلَّما خبت» [أي:] كلما أرادت أن تخبو ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي: وقوداً. وقيل: المراد من قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ أي: نضجت جلودهم، واحترقت، أعيدوا إلى ما كانوا عليه. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ وخبراً، و «بأنهم» متعلق بالجزاء، أي: «ذلك العذاب المتقدم جزاؤهم بسبب أنَّهم» ويجوز أن يكون «جَزاؤهُمْ» مبتدأ ثانياً، والجار خبره، والجملة خبر «ذلك» ، ويجوز أن يكون «جَزاؤهُمْ» بدلاً، أو بياناً، و «بِأنَّهُم» الخبر. وهذه الآية تدلُّ على أنَّ العمل علَّة الجزاءِ. قوله: ﴿وَقَالُواْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ . لمَّا أجاب عن شبهات منكري النبوة، عاد إلى حكاية شبهة منكري المعاد. وتلك الشبهة: هي أنَّ الإنسان بعد أن يصير رفاتاً، ورميماً، يبعد أن يعود هو بعينه، فأجاب الله عنه: بأنَّ من بدر على خلق السموات والأرض في عظمتها وشدَّتها قادر على أن يخلق مثلهم في سغرهم، وضعفهم؛ نظيره قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ [غافر: 75] . وفي قوله: ﴿قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ قولان: الأول: [معناه] قادر على أن يخلقهم ثانياً، فعبَّر عن خلقهم بلفظ «المثل» ؛ كقوله المتكلِّمين: إنَّ الإعادة مثل الابتداء. والثاني: قادر على أن يخلق عبيداً آخرين يوحِّدونه، ويقرُّون بكمال حكمته وقدرته، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة؛ وعلى هذا، فهو كقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 19] وقوله: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: 39] . قال الواحديُّ: والأول أشبه بما قبله. ولمَّا بيَّن الله تعالى بالدَّليل المذكور: أنَّ البعث يمكنُ الوجود في نفسه، أردفه بأنَّ لوقوعه ودخوله في الوجود وقتاً معلوماً عند الله تعالى؛ وهو قوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: جعل لهم وقتاً لا ريب فيه، ﴿فأبى الظالمون إَلاَّ كُفُوراً﴾ أي: الظالمون إلا الكفر والجحود. قوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ﴾ : معطوف على قوله «أو لَمْ يَروْا» ؛ لأنه في قوة: قد رأوا، فليس داخلاً في حيِّز الإنكار، بل معطوفاً على جملته برأسها. وقوله: ﴿لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ صفة ل «أجلاً» ، أي: أجلاً غير مرتابٍ فيه، فإن أريد به يوم القيامة، فالإفرادُ واضحٌ، وإن أريد به الموت، فهو اسم جنسٍ؛ إذ لكلِّ إنسانٍ أجلٌ يخصه. وقوله: ﴿إَلاَّ كُفُوراً﴾ قد تقدَّم.

الإسراء 17:95

قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا﴾ الاية. لمَّا حكى الله تعالى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزَّائدة، وأجاب عنها حكى شبهة أخرى وهي أنهم استبعدوا أن يبعث الله للخقل رسولاً من البشرِ، بل اعتقدوا أنَّ الله تعالى، لو أرسل رسولاً إلى الخلق، لكان ذلك الرسول من الملائكةِ، وأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بوجوهٍ: أحدها: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾ . وتقرير هذا الجواب: أنَّ بتقدير أن يبعث الله ملكاً رسولاً إلى الخلق، فالخلق إنما يؤمنون بكونه رسولاً من عند الله؛ لأجل قيام المعجزات الدالة على صدقه؛ وذلك المعجز هو الذي يهديهم إلى معرفة صدق ذلك الملك في ادِّعاء رسالته، فالمراد من قوله: ﴿إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾ هو المعجز، [وإذا كان كذلك، فنقول: لما كان الدليل على الصِّدق هو المعجز] فقط فهذا المعجو سواءٌ ظهر على الملكِ، أو على البشرِ، وجب الإقرارُ برسالته، فقولهم: «لا بُدَّ وأن يكون الرسول من الملائكة» : تحكم فاسد باطل. والجواب الثاني عن شبهتهم، وهي أنَّ أهل الأرض لو كانوا ملائكة، لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة؛ لأنّ الجنس إلى الجنس أميل، فلما كان [أهل الأرض] من البشر، فوجب أن يكون رسولهم من البشر؛ وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِي الأرض ملاائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: 95] . الجواب الثالث: قوله تعالى: ﴿قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ . وتقريره أنَّ الله تعالى، لمَّا أظهر المعجزة على وفق دعواى، كان ذلك شهادة من الله تعالى على كوني صادقاً، ومن شهد الله على صدقه، فهو صادق، فقولكم بأنَّ الرسول يجب أن يكون ملكاً، فذلك تحكُّم فاسدٌ؛ لا يلتفت إليه. ولمَّا ذكر الله تعالى هذه الأجوبة الثلاثة، أردفها بما يجري مجرى التهديد، والوعيد؛ فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [الإسراء: 96] . أي: يعلم ظواهرهم وبواطنهم، ويعلم أنَّهم لا يذكرون هذه الشبهات إلا لمحض الحسد، وحبِّ الرياسة. قوله: ﴿أَن يؤمنوا﴾ : مفعولٌ ثانٍ ل «مَنَع» ، أي: ما منعهم إيمانهم؛ و «أن قالوا» هو الفاعل، و «إذْ» ظرف ل «مَنعَ» ، والتقدير: وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الهدى إيَّاهم إلا قولهم: أبعث الله. وهذه الجملة المنفيَّة يحتمل أن تكون من كلام الله، فتكون مستأنفة، وأن تكون من كلام الرسول، فتكون منصوبة المحلِّ؛ لاندراجها تحت القول في كلتا القراءتينز قوله: ﴿بَشَراً رَّسُولاً﴾ تقدَّم في نظيره وجهان، وكذلك قوله ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ . قوله تعالى: ﴿قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض﴾ : يجوز في «كَانَ» هذه التمام، أي: لو وجد، وحصل، و «يَمشُونَ» صفة ل «مَلائِكَة» و «في الأرض» متعلِّق به، «مُطْمئنينَ» حال من فاعل «يَمشُونَ» ، ويجوز أن تكون الناقصة، وفي خبرها أوجه، أظهرها: أنه الجار، و «يَمشُون» و «مُطمَئنِّينَ» على ما تقدم. وقيل: الخبر «يمشُون» و «في الأرض» متعلق به. وقيل: الخبر «مُطمئنِّينَ» و «يمشُونَ» صفة، وهذان الوجهان ضعيفان؛ لأنَّ المعنى على الأول. فإن قيل: إنَّه تعالى لو قال: قل لو كان في الأرض ملائكة، لنزَّلنا عليهم من السَّماء ملكاً رسولاً كان كافياً في هذا المعنى. فما الحكمة في قوله: ﴿يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ ؟! . فالجواب: أن المراد بقوله: ﴿يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ أي: مستوفين مقيمين. قوله: ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد﴾ الآية. لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة، وأردفها بالوعيد بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ على الإجمال، ذكر بعده الوعيد الشديد على التَّفصيل، فقال: ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ﴾ . المراد تسليةُ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو أنَّ الذين حكم لهم بالإسلام والهداية سابقاً، وجب أن يصيروا مؤمنين، ومن سبق لهم حكم الله بالضَّلال والجهل، استحال أن ينقلبوا عن ذلك. واحتجَّ أهل السنة بهذه الآية على صحَّة مذهبهم في الهدى والضَّلال، والمعتزلة حملوا هذا الضلال تارة على طريق الجنَّة؛ وتارة على منع الألطاف، وتارة على التَّخلية، وعدم التعرُّض لهم بالمنع. والواو مندرجة تحت القول، فيكون محلُّها نصباً، وأن يكون من كلام الله، فلا محلَّ لها؛ لاستئنافها، ويكون في الكلام التفاتٌ؛ إذ فيه خروجٌ من غيبة إلى تكلُّم في قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ﴾ . وحمل على لفظ «مَنْ» في قوله «فَهُوَ المُهتدِ» فأفرد، وحمل على معنى «من» الثانية في قوله «ومَن يُضلِلْ، فلنْ تَجدَ لَهُم» ، [فجمع] . ووجه المناسبة في ذلك - والله أعلم -: أنه لمَّا كان الهدي شيئاً واحداً غير متشعِّب السبل، ناسبه التوحيد، ولمَّا كان الضلال له طرقٌ متشعبةٌ؛ نحو: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام 153] ناسب الجمع الجمع، وهذا الحمل الثاني مما حمل فيه على المعنى، وإن لم يتقدمه حمل على اللفظ، قال أبو حيان: «وهو قليل في القرآن» ، يعني: بالنسبة إلى غيره، ومثله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: 42] ويمكن أن يكون المحسِّن لهذا هنا كونه تقدَّم حمل على اللفظ، وإن كان في جملة أخرى غير جملته. وقرأ نافعٌ، وأبو عمرو بإثبات ياء «المهتدي» وصلاً، وحذفها وقفاً، وكذلك في التي تحت هذه السورة، وحذفها الباقون في الحالتين. قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ يجوز أن يتعلق الجار في قوله ﴿على وُجُوهِهِمْ﴾ بالحشر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول، أي: كائنين ومسحوبين على وجوههم. فإن قيل: كيف يمكنهم المشي على وجوههم؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّهم يسحبون على وجوههم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] . والثاني: قال أبو هريرة: قيل: يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «الذي يُمشِيهمْ على أقْدامِهمْ قَادرٌ أن يُمشِيهُمْ على وُجوهِهمْ» . قوله: «عُمْياً» يجوز أن تكون حالاً ثانية من الضمير، أو بدلاً من الأولى، وفيه نظر؛ لأنه لا يظهر فيه أنواع البدل، وهي: كلٌّ من كلٍّ، ولا بعض من كلٍّ، ولا اشتمال، وأن تكون حالاً من الضمير المرفوع [في الجارِّ] لوقوعه حالاً، وأن تكون حالاً من الضمير المجرور في «وُجوهِهمْ» . فصل في توهم الاضطراب بين بعض الآيات والجواب عنه قال رجل لابن عباس: أليس أنه تعالى يقول: ﴿وَرَأَى المجرمون النار﴾ [الكهف: 53] . وقال: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] . وقال: ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: 13] . وقال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: 111] . وقال حكاية عن الكفَّار: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] . وأثبت لهم الرؤية، والكلام، والسَّمع، فكيف قال ههنا: «عُمياً وبُكماً وصُماً» ؟ . فأجاب ابن عباس وتلامذته من وجوه: الأول: قال ابن عباس: «عُمْياً» : لا يرون شيئاً يسرهم، و «صُمًّا» : لا يسمعون شيئاً يسرهم، و «بُكْماً» لا ينطقون بحجَّة. والثاني: في رواية عطاء: «عُمْياً» عن النَّظر إلى ما جعله الله إلى أوليائه، و «بُكْماً» عن مخاطبة الله تعالى، ومخاطبة الملائكة المقرَّبين. الثالث: قال مقاتلٌ: حين قال لهم: ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108] يصيرون صمًّا بكماً، أما قبل ذلك، فهم يرون، ويسمعون، وينطقون. الرابع: أنَّهم يكونون رائين، سامعين، ناطقين في الموقف، ولولا ذلك، لما قدروا على مطالعة كتبهم، ولا سمعوا إلزام حجة الله تعالى عليهم، إلا أنَّهم إذا ذهبوا من الموقف إلى النَّار، صاروا صمًّا، وبكماً، وعمياً. وقيل: يحشرون على هذه الصفة. قوله: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يجوز في هذه الجملة الاستئناف، والحالية إمَّا من الضمير المنصوب أو المجرور. قوله: "كُلَّما خَبتْ «يجوز فيها الاستئناف، والحالية من» جهنَّم «، والعامل فيها معنى المأوى. وخَبتِ النَّار تَخْبُوا» إذا سكن لهيبها؛ قال الواحدي: خبت سكنت، فإذا ضعف جمرها، قيل: خمدتْ، فإذا طفئت بالجملة، قيل: همدتْ؛ قال: 3468 - وَسْطهُ كاليَراعِ أوْ سُرجِ المِجْ ... دَلِ طَوْراً يَخْبُو وطَوْراً يُنِيرُ وقال آخر: [الهزج] 3469 - لمن نَارٌ قُبَيْلَ الصُّبْ ... حِ عند البَيتِ ما تَخْبُو إذا مَا أخمدَتْ ألْقِي عَليْهَا المَندلُ الرَّطْبُ وأدغم التاء في زاي «زِدْنَاهُمْ» أبو عمرو، والأخوان، وورش، وأظهرها الباقون. قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ . قال ابن قتيبة: زدناهم تلهُّباً. فإن قيل: إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب. وقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ يدلُّ على أنَّ العذاب محققٌ في ذلك الوقت. فالجواب: أن قوله «كُلَّما خَبَتْ» يقتضي سكون لهب النار، أما أنه يدل على تخفيف العذاب، فلا؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: 75] . وقيل: معناه: «كلَّما خبت» [أي:] كلما أرادت أن تخبو ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي: وقوداً. وقيل: المراد من قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ أي: نضجت جلودهم، واحترقت، أعيدوا إلى ما كانوا عليه. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ وخبراً، و «بأنهم» متعلق بالجزاء، أي: «ذلك العذاب المتقدم جزاؤهم بسبب أنَّهم» ويجوز أن يكون «جَزاؤهُمْ» مبتدأ ثانياً، والجار خبره، والجملة خبر «ذلك» ، ويجوز أن يكون «جَزاؤهُمْ» بدلاً، أو بياناً، و «بِأنَّهُم» الخبر. وهذه الآية تدلُّ على أنَّ العمل علَّة الجزاءِ. قوله: ﴿وَقَالُواْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ . لمَّا أجاب عن شبهات منكري النبوة، عاد إلى حكاية شبهة منكري المعاد. وتلك الشبهة: هي أنَّ الإنسان بعد أن يصير رفاتاً، ورميماً، يبعد أن يعود هو بعينه، فأجاب الله عنه: بأنَّ من بدر على خلق السموات والأرض في عظمتها وشدَّتها قادر على أن يخلق مثلهم في سغرهم، وضعفهم؛ نظيره قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ [غافر: 75] . وفي قوله: ﴿قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ قولان: الأول: [معناه] قادر على أن يخلقهم ثانياً، فعبَّر عن خلقهم بلفظ «المثل» ؛ كقوله المتكلِّمين: إنَّ الإعادة مثل الابتداء. والثاني: قادر على أن يخلق عبيداً آخرين يوحِّدونه، ويقرُّون بكمال حكمته وقدرته، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة؛ وعلى هذا، فهو كقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 19] وقوله: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: 39] . قال الواحديُّ: والأول أشبه بما قبله. ولمَّا بيَّن الله تعالى بالدَّليل المذكور: أنَّ البعث يمكنُ الوجود في نفسه، أردفه بأنَّ لوقوعه ودخوله في الوجود وقتاً معلوماً عند الله تعالى؛ وهو قوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: جعل لهم وقتاً لا ريب فيه، ﴿فأبى الظالمون إَلاَّ كُفُوراً﴾ أي: الظالمون إلا الكفر والجحود. قوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ﴾ : معطوف على قوله «أو لَمْ يَروْا» ؛ لأنه في قوة: قد رأوا، فليس داخلاً في حيِّز الإنكار، بل معطوفاً على جملته برأسها. وقوله: ﴿لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ صفة ل «أجلاً» ، أي: أجلاً غير مرتابٍ فيه، فإن أريد به يوم القيامة، فالإفرادُ واضحٌ، وإن أريد به الموت، فهو اسم جنسٍ؛ إذ لكلِّ إنسانٍ أجلٌ يخصه. وقوله: ﴿إَلاَّ كُفُوراً﴾ قد تقدَّم.

الإسراء 17:96

قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا﴾ الاية. لمَّا حكى الله تعالى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزَّائدة، وأجاب عنها حكى شبهة أخرى وهي أنهم استبعدوا أن يبعث الله للخقل رسولاً من البشرِ، بل اعتقدوا أنَّ الله تعالى، لو أرسل رسولاً إلى الخلق، لكان ذلك الرسول من الملائكةِ، وأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بوجوهٍ: أحدها: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾ . وتقرير هذا الجواب: أنَّ بتقدير أن يبعث الله ملكاً رسولاً إلى الخلق، فالخلق إنما يؤمنون بكونه رسولاً من عند الله؛ لأجل قيام المعجزات الدالة على صدقه؛ وذلك المعجز هو الذي يهديهم إلى معرفة صدق ذلك الملك في ادِّعاء رسالته، فالمراد من قوله: ﴿إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾ هو المعجز، [وإذا كان كذلك، فنقول: لما كان الدليل على الصِّدق هو المعجز] فقط فهذا المعجو سواءٌ ظهر على الملكِ، أو على البشرِ، وجب الإقرارُ برسالته، فقولهم: «لا بُدَّ وأن يكون الرسول من الملائكة» : تحكم فاسد باطل. والجواب الثاني عن شبهتهم، وهي أنَّ أهل الأرض لو كانوا ملائكة، لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة؛ لأنّ الجنس إلى الجنس أميل، فلما كان [أهل الأرض] من البشر، فوجب أن يكون رسولهم من البشر؛ وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِي الأرض ملاائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: 95] . الجواب الثالث: قوله تعالى: ﴿قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ . وتقريره أنَّ الله تعالى، لمَّا أظهر المعجزة على وفق دعواى، كان ذلك شهادة من الله تعالى على كوني صادقاً، ومن شهد الله على صدقه، فهو صادق، فقولكم بأنَّ الرسول يجب أن يكون ملكاً، فذلك تحكُّم فاسدٌ؛ لا يلتفت إليه. ولمَّا ذكر الله تعالى هذه الأجوبة الثلاثة، أردفها بما يجري مجرى التهديد، والوعيد؛ فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [الإسراء: 96] . أي: يعلم ظواهرهم وبواطنهم، ويعلم أنَّهم لا يذكرون هذه الشبهات إلا لمحض الحسد، وحبِّ الرياسة. قوله: ﴿أَن يؤمنوا﴾ : مفعولٌ ثانٍ ل «مَنَع» ، أي: ما منعهم إيمانهم؛ و «أن قالوا» هو الفاعل، و «إذْ» ظرف ل «مَنعَ» ، والتقدير: وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الهدى إيَّاهم إلا قولهم: أبعث الله. وهذه الجملة المنفيَّة يحتمل أن تكون من كلام الله، فتكون مستأنفة، وأن تكون من كلام الرسول، فتكون منصوبة المحلِّ؛ لاندراجها تحت القول في كلتا القراءتينز قوله: ﴿بَشَراً رَّسُولاً﴾ تقدَّم في نظيره وجهان، وكذلك قوله ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ . قوله تعالى: ﴿قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض﴾ : يجوز في «كَانَ» هذه التمام، أي: لو وجد، وحصل، و «يَمشُونَ» صفة ل «مَلائِكَة» و «في الأرض» متعلِّق به، «مُطْمئنينَ» حال من فاعل «يَمشُونَ» ، ويجوز أن تكون الناقصة، وفي خبرها أوجه، أظهرها: أنه الجار، و «يَمشُون» و «مُطمَئنِّينَ» على ما تقدم. وقيل: الخبر «يمشُون» و «في الأرض» متعلق به. وقيل: الخبر «مُطمئنِّينَ» و «يمشُونَ» صفة، وهذان الوجهان ضعيفان؛ لأنَّ المعنى على الأول. فإن قيل: إنَّه تعالى لو قال: قل لو كان في الأرض ملائكة، لنزَّلنا عليهم من السَّماء ملكاً رسولاً كان كافياً في هذا المعنى. فما الحكمة في قوله: ﴿يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ ؟! . فالجواب: أن المراد بقوله: ﴿يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ أي: مستوفين مقيمين. قوله: ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد﴾ الآية. لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة، وأردفها بالوعيد بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ على الإجمال، ذكر بعده الوعيد الشديد على التَّفصيل، فقال: ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ﴾ . المراد تسليةُ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو أنَّ الذين حكم لهم بالإسلام والهداية سابقاً، وجب أن يصيروا مؤمنين، ومن سبق لهم حكم الله بالضَّلال والجهل، استحال أن ينقلبوا عن ذلك. واحتجَّ أهل السنة بهذه الآية على صحَّة مذهبهم في الهدى والضَّلال، والمعتزلة حملوا هذا الضلال تارة على طريق الجنَّة؛ وتارة على منع الألطاف، وتارة على التَّخلية، وعدم التعرُّض لهم بالمنع. والواو مندرجة تحت القول، فيكون محلُّها نصباً، وأن يكون من كلام الله، فلا محلَّ لها؛ لاستئنافها، ويكون في الكلام التفاتٌ؛ إذ فيه خروجٌ من غيبة إلى تكلُّم في قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ﴾ . وحمل على لفظ «مَنْ» في قوله «فَهُوَ المُهتدِ» فأفرد، وحمل على معنى «من» الثانية في قوله «ومَن يُضلِلْ، فلنْ تَجدَ لَهُم» ، [فجمع] . ووجه المناسبة في ذلك - والله أعلم -: أنه لمَّا كان الهدي شيئاً واحداً غير متشعِّب السبل، ناسبه التوحيد، ولمَّا كان الضلال له طرقٌ متشعبةٌ؛ نحو: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام 153] ناسب الجمع الجمع، وهذا الحمل الثاني مما حمل فيه على المعنى، وإن لم يتقدمه حمل على اللفظ، قال أبو حيان: «وهو قليل في القرآن» ، يعني: بالنسبة إلى غيره، ومثله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: 42] ويمكن أن يكون المحسِّن لهذا هنا كونه تقدَّم حمل على اللفظ، وإن كان في جملة أخرى غير جملته. وقرأ نافعٌ، وأبو عمرو بإثبات ياء «المهتدي» وصلاً، وحذفها وقفاً، وكذلك في التي تحت هذه السورة، وحذفها الباقون في الحالتين. قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ يجوز أن يتعلق الجار في قوله ﴿على وُجُوهِهِمْ﴾ بالحشر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول، أي: كائنين ومسحوبين على وجوههم. فإن قيل: كيف يمكنهم المشي على وجوههم؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّهم يسحبون على وجوههم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] . والثاني: قال أبو هريرة: قيل: يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «الذي يُمشِيهمْ على أقْدامِهمْ قَادرٌ أن يُمشِيهُمْ على وُجوهِهمْ» . قوله: «عُمْياً» يجوز أن تكون حالاً ثانية من الضمير، أو بدلاً من الأولى، وفيه نظر؛ لأنه لا يظهر فيه أنواع البدل، وهي: كلٌّ من كلٍّ، ولا بعض من كلٍّ، ولا اشتمال، وأن تكون حالاً من الضمير المرفوع [في الجارِّ] لوقوعه حالاً، وأن تكون حالاً من الضمير المجرور في «وُجوهِهمْ» . فصل في توهم الاضطراب بين بعض الآيات والجواب عنه قال رجل لابن عباس: أليس أنه تعالى يقول: ﴿وَرَأَى المجرمون النار﴾ [الكهف: 53] . وقال: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] . وقال: ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: 13] . وقال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: 111] . وقال حكاية عن الكفَّار: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] . وأثبت لهم الرؤية، والكلام، والسَّمع، فكيف قال ههنا: «عُمياً وبُكماً وصُماً» ؟ . فأجاب ابن عباس وتلامذته من وجوه: الأول: قال ابن عباس: «عُمْياً» : لا يرون شيئاً يسرهم، و «صُمًّا» : لا يسمعون شيئاً يسرهم، و «بُكْماً» لا ينطقون بحجَّة. والثاني: في رواية عطاء: «عُمْياً» عن النَّظر إلى ما جعله الله إلى أوليائه، و «بُكْماً» عن مخاطبة الله تعالى، ومخاطبة الملائكة المقرَّبين. الثالث: قال مقاتلٌ: حين قال لهم: ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108] يصيرون صمًّا بكماً، أما قبل ذلك، فهم يرون، ويسمعون، وينطقون. الرابع: أنَّهم يكونون رائين، سامعين، ناطقين في الموقف، ولولا ذلك، لما قدروا على مطالعة كتبهم، ولا سمعوا إلزام حجة الله تعالى عليهم، إلا أنَّهم إذا ذهبوا من الموقف إلى النَّار، صاروا صمًّا، وبكماً، وعمياً. وقيل: يحشرون على هذه الصفة. قوله: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يجوز في هذه الجملة الاستئناف، والحالية إمَّا من الضمير المنصوب أو المجرور. قوله: "كُلَّما خَبتْ «يجوز فيها الاستئناف، والحالية من» جهنَّم «، والعامل فيها معنى المأوى. وخَبتِ النَّار تَخْبُوا» إذا سكن لهيبها؛ قال الواحدي: خبت سكنت، فإذا ضعف جمرها، قيل: خمدتْ، فإذا طفئت بالجملة، قيل: همدتْ؛ قال: 3468 - وَسْطهُ كاليَراعِ أوْ سُرجِ المِجْ ... دَلِ طَوْراً يَخْبُو وطَوْراً يُنِيرُ وقال آخر: [الهزج] 3469 - لمن نَارٌ قُبَيْلَ الصُّبْ ... حِ عند البَيتِ ما تَخْبُو إذا مَا أخمدَتْ ألْقِي عَليْهَا المَندلُ الرَّطْبُ وأدغم التاء في زاي «زِدْنَاهُمْ» أبو عمرو، والأخوان، وورش، وأظهرها الباقون. قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ . قال ابن قتيبة: زدناهم تلهُّباً. فإن قيل: إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب. وقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ يدلُّ على أنَّ العذاب محققٌ في ذلك الوقت. فالجواب: أن قوله «كُلَّما خَبَتْ» يقتضي سكون لهب النار، أما أنه يدل على تخفيف العذاب، فلا؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: 75] . وقيل: معناه: «كلَّما خبت» [أي:] كلما أرادت أن تخبو ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي: وقوداً. وقيل: المراد من قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ أي: نضجت جلودهم، واحترقت، أعيدوا إلى ما كانوا عليه. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ وخبراً، و «بأنهم» متعلق بالجزاء، أي: «ذلك العذاب المتقدم جزاؤهم بسبب أنَّهم» ويجوز أن يكون «جَزاؤهُمْ» مبتدأ ثانياً، والجار خبره، والجملة خبر «ذلك» ، ويجوز أن يكون «جَزاؤهُمْ» بدلاً، أو بياناً، و «بِأنَّهُم» الخبر. وهذه الآية تدلُّ على أنَّ العمل علَّة الجزاءِ. قوله: ﴿وَقَالُواْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ . لمَّا أجاب عن شبهات منكري النبوة، عاد إلى حكاية شبهة منكري المعاد. وتلك الشبهة: هي أنَّ الإنسان بعد أن يصير رفاتاً، ورميماً، يبعد أن يعود هو بعينه، فأجاب الله عنه: بأنَّ من بدر على خلق السموات والأرض في عظمتها وشدَّتها قادر على أن يخلق مثلهم في سغرهم، وضعفهم؛ نظيره قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ [غافر: 75] . وفي قوله: ﴿قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ قولان: الأول: [معناه] قادر على أن يخلقهم ثانياً، فعبَّر عن خلقهم بلفظ «المثل» ؛ كقوله المتكلِّمين: إنَّ الإعادة مثل الابتداء. والثاني: قادر على أن يخلق عبيداً آخرين يوحِّدونه، ويقرُّون بكمال حكمته وقدرته، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة؛ وعلى هذا، فهو كقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 19] وقوله: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: 39] . قال الواحديُّ: والأول أشبه بما قبله. ولمَّا بيَّن الله تعالى بالدَّليل المذكور: أنَّ البعث يمكنُ الوجود في نفسه، أردفه بأنَّ لوقوعه ودخوله في الوجود وقتاً معلوماً عند الله تعالى؛ وهو قوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: جعل لهم وقتاً لا ريب فيه، ﴿فأبى الظالمون إَلاَّ كُفُوراً﴾ أي: الظالمون إلا الكفر والجحود. قوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ﴾ : معطوف على قوله «أو لَمْ يَروْا» ؛ لأنه في قوة: قد رأوا، فليس داخلاً في حيِّز الإنكار، بل معطوفاً على جملته برأسها. وقوله: ﴿لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ صفة ل «أجلاً» ، أي: أجلاً غير مرتابٍ فيه، فإن أريد به يوم القيامة، فالإفرادُ واضحٌ، وإن أريد به الموت، فهو اسم جنسٍ؛ إذ لكلِّ إنسانٍ أجلٌ يخصه. وقوله: ﴿إَلاَّ كُفُوراً﴾ قد تقدَّم.

الإسراء 17:97

قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا﴾ الاية. لمَّا حكى الله تعالى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزَّائدة، وأجاب عنها حكى شبهة أخرى وهي أنهم استبعدوا أن يبعث الله للخقل رسولاً من البشرِ، بل اعتقدوا أنَّ الله تعالى، لو أرسل رسولاً إلى الخلق، لكان ذلك الرسول من الملائكةِ، وأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بوجوهٍ: أحدها: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾ . وتقرير هذا الجواب: أنَّ بتقدير أن يبعث الله ملكاً رسولاً إلى الخلق، فالخلق إنما يؤمنون بكونه رسولاً من عند الله؛ لأجل قيام المعجزات الدالة على صدقه؛ وذلك المعجز هو الذي يهديهم إلى معرفة صدق ذلك الملك في ادِّعاء رسالته، فالمراد من قوله: ﴿إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾ هو المعجز، [وإذا كان كذلك، فنقول: لما كان الدليل على الصِّدق هو المعجز] فقط فهذا المعجو سواءٌ ظهر على الملكِ، أو على البشرِ، وجب الإقرارُ برسالته، فقولهم: «لا بُدَّ وأن يكون الرسول من الملائكة» : تحكم فاسد باطل. والجواب الثاني عن شبهتهم، وهي أنَّ أهل الأرض لو كانوا ملائكة، لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة؛ لأنّ الجنس إلى الجنس أميل، فلما كان [أهل الأرض] من البشر، فوجب أن يكون رسولهم من البشر؛ وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِي الأرض ملاائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: 95] . الجواب الثالث: قوله تعالى: ﴿قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ . وتقريره أنَّ الله تعالى، لمَّا أظهر المعجزة على وفق دعواى، كان ذلك شهادة من الله تعالى على كوني صادقاً، ومن شهد الله على صدقه، فهو صادق، فقولكم بأنَّ الرسول يجب أن يكون ملكاً، فذلك تحكُّم فاسدٌ؛ لا يلتفت إليه. ولمَّا ذكر الله تعالى هذه الأجوبة الثلاثة، أردفها بما يجري مجرى التهديد، والوعيد؛ فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [الإسراء: 96] . أي: يعلم ظواهرهم وبواطنهم، ويعلم أنَّهم لا يذكرون هذه الشبهات إلا لمحض الحسد، وحبِّ الرياسة. قوله: ﴿أَن يؤمنوا﴾ : مفعولٌ ثانٍ ل «مَنَع» ، أي: ما منعهم إيمانهم؛ و «أن قالوا» هو الفاعل، و «إذْ» ظرف ل «مَنعَ» ، والتقدير: وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الهدى إيَّاهم إلا قولهم: أبعث الله. وهذه الجملة المنفيَّة يحتمل أن تكون من كلام الله، فتكون مستأنفة، وأن تكون من كلام الرسول، فتكون منصوبة المحلِّ؛ لاندراجها تحت القول في كلتا القراءتينز قوله: ﴿بَشَراً رَّسُولاً﴾ تقدَّم في نظيره وجهان، وكذلك قوله ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ . قوله تعالى: ﴿قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض﴾ : يجوز في «كَانَ» هذه التمام، أي: لو وجد، وحصل، و «يَمشُونَ» صفة ل «مَلائِكَة» و «في الأرض» متعلِّق به، «مُطْمئنينَ» حال من فاعل «يَمشُونَ» ، ويجوز أن تكون الناقصة، وفي خبرها أوجه، أظهرها: أنه الجار، و «يَمشُون» و «مُطمَئنِّينَ» على ما تقدم. وقيل: الخبر «يمشُون» و «في الأرض» متعلق به. وقيل: الخبر «مُطمئنِّينَ» و «يمشُونَ» صفة، وهذان الوجهان ضعيفان؛ لأنَّ المعنى على الأول. فإن قيل: إنَّه تعالى لو قال: قل لو كان في الأرض ملائكة، لنزَّلنا عليهم من السَّماء ملكاً رسولاً كان كافياً في هذا المعنى. فما الحكمة في قوله: ﴿يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ ؟! . فالجواب: أن المراد بقوله: ﴿يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ أي: مستوفين مقيمين. قوله: ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد﴾ الآية. لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة، وأردفها بالوعيد بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ على الإجمال، ذكر بعده الوعيد الشديد على التَّفصيل، فقال: ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ﴾ . المراد تسليةُ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو أنَّ الذين حكم لهم بالإسلام والهداية سابقاً، وجب أن يصيروا مؤمنين، ومن سبق لهم حكم الله بالضَّلال والجهل، استحال أن ينقلبوا عن ذلك. واحتجَّ أهل السنة بهذه الآية على صحَّة مذهبهم في الهدى والضَّلال، والمعتزلة حملوا هذا الضلال تارة على طريق الجنَّة؛ وتارة على منع الألطاف، وتارة على التَّخلية، وعدم التعرُّض لهم بالمنع. والواو مندرجة تحت القول، فيكون محلُّها نصباً، وأن يكون من كلام الله، فلا محلَّ لها؛ لاستئنافها، ويكون في الكلام التفاتٌ؛ إذ فيه خروجٌ من غيبة إلى تكلُّم في قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ﴾ . وحمل على لفظ «مَنْ» في قوله «فَهُوَ المُهتدِ» فأفرد، وحمل على معنى «من» الثانية في قوله «ومَن يُضلِلْ، فلنْ تَجدَ لَهُم» ، [فجمع] . ووجه المناسبة في ذلك - والله أعلم -: أنه لمَّا كان الهدي شيئاً واحداً غير متشعِّب السبل، ناسبه التوحيد، ولمَّا كان الضلال له طرقٌ متشعبةٌ؛ نحو: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام 153] ناسب الجمع الجمع، وهذا الحمل الثاني مما حمل فيه على المعنى، وإن لم يتقدمه حمل على اللفظ، قال أبو حيان: «وهو قليل في القرآن» ، يعني: بالنسبة إلى غيره، ومثله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: 42] ويمكن أن يكون المحسِّن لهذا هنا كونه تقدَّم حمل على اللفظ، وإن كان في جملة أخرى غير جملته. وقرأ نافعٌ، وأبو عمرو بإثبات ياء «المهتدي» وصلاً، وحذفها وقفاً، وكذلك في التي تحت هذه السورة، وحذفها الباقون في الحالتين. قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ يجوز أن يتعلق الجار في قوله ﴿على وُجُوهِهِمْ﴾ بالحشر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول، أي: كائنين ومسحوبين على وجوههم. فإن قيل: كيف يمكنهم المشي على وجوههم؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّهم يسحبون على وجوههم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] . والثاني: قال أبو هريرة: قيل: يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «الذي يُمشِيهمْ على أقْدامِهمْ قَادرٌ أن يُمشِيهُمْ على وُجوهِهمْ» . قوله: «عُمْياً» يجوز أن تكون حالاً ثانية من الضمير، أو بدلاً من الأولى، وفيه نظر؛ لأنه لا يظهر فيه أنواع البدل، وهي: كلٌّ من كلٍّ، ولا بعض من كلٍّ، ولا اشتمال، وأن تكون حالاً من الضمير المرفوع [في الجارِّ] لوقوعه حالاً، وأن تكون حالاً من الضمير المجرور في «وُجوهِهمْ» . فصل في توهم الاضطراب بين بعض الآيات والجواب عنه قال رجل لابن عباس: أليس أنه تعالى يقول: ﴿وَرَأَى المجرمون النار﴾ [الكهف: 53] . وقال: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] . وقال: ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: 13] . وقال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: 111] . وقال حكاية عن الكفَّار: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] . وأثبت لهم الرؤية، والكلام، والسَّمع، فكيف قال ههنا: «عُمياً وبُكماً وصُماً» ؟ . فأجاب ابن عباس وتلامذته من وجوه: الأول: قال ابن عباس: «عُمْياً» : لا يرون شيئاً يسرهم، و «صُمًّا» : لا يسمعون شيئاً يسرهم، و «بُكْماً» لا ينطقون بحجَّة. والثاني: في رواية عطاء: «عُمْياً» عن النَّظر إلى ما جعله الله إلى أوليائه، و «بُكْماً» عن مخاطبة الله تعالى، ومخاطبة الملائكة المقرَّبين. الثالث: قال مقاتلٌ: حين قال لهم: ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108] يصيرون صمًّا بكماً، أما قبل ذلك، فهم يرون، ويسمعون، وينطقون. الرابع: أنَّهم يكونون رائين، سامعين، ناطقين في الموقف، ولولا ذلك، لما قدروا على مطالعة كتبهم، ولا سمعوا إلزام حجة الله تعالى عليهم، إلا أنَّهم إذا ذهبوا من الموقف إلى النَّار، صاروا صمًّا، وبكماً، وعمياً. وقيل: يحشرون على هذه الصفة. قوله: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يجوز في هذه الجملة الاستئناف، والحالية إمَّا من الضمير المنصوب أو المجرور. قوله: "كُلَّما خَبتْ «يجوز فيها الاستئناف، والحالية من» جهنَّم «، والعامل فيها معنى المأوى. وخَبتِ النَّار تَخْبُوا» إذا سكن لهيبها؛ قال الواحدي: خبت سكنت، فإذا ضعف جمرها، قيل: خمدتْ، فإذا طفئت بالجملة، قيل: همدتْ؛ قال: 3468 - وَسْطهُ كاليَراعِ أوْ سُرجِ المِجْ ... دَلِ طَوْراً يَخْبُو وطَوْراً يُنِيرُ وقال آخر: [الهزج] 3469 - لمن نَارٌ قُبَيْلَ الصُّبْ ... حِ عند البَيتِ ما تَخْبُو إذا مَا أخمدَتْ ألْقِي عَليْهَا المَندلُ الرَّطْبُ وأدغم التاء في زاي «زِدْنَاهُمْ» أبو عمرو، والأخوان، وورش، وأظهرها الباقون. قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ . قال ابن قتيبة: زدناهم تلهُّباً. فإن قيل: إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب. وقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ يدلُّ على أنَّ العذاب محققٌ في ذلك الوقت. فالجواب: أن قوله «كُلَّما خَبَتْ» يقتضي سكون لهب النار، أما أنه يدل على تخفيف العذاب، فلا؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: 75] . وقيل: معناه: «كلَّما خبت» [أي:] كلما أرادت أن تخبو ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي: وقوداً. وقيل: المراد من قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ أي: نضجت جلودهم، واحترقت، أعيدوا إلى ما كانوا عليه. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ وخبراً، و «بأنهم» متعلق بالجزاء، أي: «ذلك العذاب المتقدم جزاؤهم بسبب أنَّهم» ويجوز أن يكون «جَزاؤهُمْ» مبتدأ ثانياً، والجار خبره، والجملة خبر «ذلك» ، ويجوز أن يكون «جَزاؤهُمْ» بدلاً، أو بياناً، و «بِأنَّهُم» الخبر. وهذه الآية تدلُّ على أنَّ العمل علَّة الجزاءِ. قوله: ﴿وَقَالُواْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ . لمَّا أجاب عن شبهات منكري النبوة، عاد إلى حكاية شبهة منكري المعاد. وتلك الشبهة: هي أنَّ الإنسان بعد أن يصير رفاتاً، ورميماً، يبعد أن يعود هو بعينه، فأجاب الله عنه: بأنَّ من بدر على خلق السموات والأرض في عظمتها وشدَّتها قادر على أن يخلق مثلهم في سغرهم، وضعفهم؛ نظيره قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ [غافر: 75] . وفي قوله: ﴿قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ قولان: الأول: [معناه] قادر على أن يخلقهم ثانياً، فعبَّر عن خلقهم بلفظ «المثل» ؛ كقوله المتكلِّمين: إنَّ الإعادة مثل الابتداء. والثاني: قادر على أن يخلق عبيداً آخرين يوحِّدونه، ويقرُّون بكمال حكمته وقدرته، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة؛ وعلى هذا، فهو كقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 19] وقوله: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: 39] . قال الواحديُّ: والأول أشبه بما قبله. ولمَّا بيَّن الله تعالى بالدَّليل المذكور: أنَّ البعث يمكنُ الوجود في نفسه، أردفه بأنَّ لوقوعه ودخوله في الوجود وقتاً معلوماً عند الله تعالى؛ وهو قوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: جعل لهم وقتاً لا ريب فيه، ﴿فأبى الظالمون إَلاَّ كُفُوراً﴾ أي: الظالمون إلا الكفر والجحود. قوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ﴾ : معطوف على قوله «أو لَمْ يَروْا» ؛ لأنه في قوة: قد رأوا، فليس داخلاً في حيِّز الإنكار، بل معطوفاً على جملته برأسها. وقوله: ﴿لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ صفة ل «أجلاً» ، أي: أجلاً غير مرتابٍ فيه، فإن أريد به يوم القيامة، فالإفرادُ واضحٌ، وإن أريد به الموت، فهو اسم جنسٍ؛ إذ لكلِّ إنسانٍ أجلٌ يخصه. وقوله: ﴿إَلاَّ كُفُوراً﴾ قد تقدَّم.

الإسراء 17:98

قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا﴾ الاية. لمَّا حكى الله تعالى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزَّائدة، وأجاب عنها حكى شبهة أخرى وهي أنهم استبعدوا أن يبعث الله للخقل رسولاً من البشرِ، بل اعتقدوا أنَّ الله تعالى، لو أرسل رسولاً إلى الخلق، لكان ذلك الرسول من الملائكةِ، وأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بوجوهٍ: أحدها: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾ . وتقرير هذا الجواب: أنَّ بتقدير أن يبعث الله ملكاً رسولاً إلى الخلق، فالخلق إنما يؤمنون بكونه رسولاً من عند الله؛ لأجل قيام المعجزات الدالة على صدقه؛ وذلك المعجز هو الذي يهديهم إلى معرفة صدق ذلك الملك في ادِّعاء رسالته، فالمراد من قوله: ﴿إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾ هو المعجز، [وإذا كان كذلك، فنقول: لما كان الدليل على الصِّدق هو المعجز] فقط فهذا المعجو سواءٌ ظهر على الملكِ، أو على البشرِ، وجب الإقرارُ برسالته، فقولهم: «لا بُدَّ وأن يكون الرسول من الملائكة» : تحكم فاسد باطل. والجواب الثاني عن شبهتهم، وهي أنَّ أهل الأرض لو كانوا ملائكة، لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة؛ لأنّ الجنس إلى الجنس أميل، فلما كان [أهل الأرض] من البشر، فوجب أن يكون رسولهم من البشر؛ وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِي الأرض ملاائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: 95] . الجواب الثالث: قوله تعالى: ﴿قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ . وتقريره أنَّ الله تعالى، لمَّا أظهر المعجزة على وفق دعواى، كان ذلك شهادة من الله تعالى على كوني صادقاً، ومن شهد الله على صدقه، فهو صادق، فقولكم بأنَّ الرسول يجب أن يكون ملكاً، فذلك تحكُّم فاسدٌ؛ لا يلتفت إليه. ولمَّا ذكر الله تعالى هذه الأجوبة الثلاثة، أردفها بما يجري مجرى التهديد، والوعيد؛ فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [الإسراء: 96] . أي: يعلم ظواهرهم وبواطنهم، ويعلم أنَّهم لا يذكرون هذه الشبهات إلا لمحض الحسد، وحبِّ الرياسة. قوله: ﴿أَن يؤمنوا﴾ : مفعولٌ ثانٍ ل «مَنَع» ، أي: ما منعهم إيمانهم؛ و «أن قالوا» هو الفاعل، و «إذْ» ظرف ل «مَنعَ» ، والتقدير: وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الهدى إيَّاهم إلا قولهم: أبعث الله. وهذه الجملة المنفيَّة يحتمل أن تكون من كلام الله، فتكون مستأنفة، وأن تكون من كلام الرسول، فتكون منصوبة المحلِّ؛ لاندراجها تحت القول في كلتا القراءتينز قوله: ﴿بَشَراً رَّسُولاً﴾ تقدَّم في نظيره وجهان، وكذلك قوله ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ . قوله تعالى: ﴿قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض﴾ : يجوز في «كَانَ» هذه التمام، أي: لو وجد، وحصل، و «يَمشُونَ» صفة ل «مَلائِكَة» و «في الأرض» متعلِّق به، «مُطْمئنينَ» حال من فاعل «يَمشُونَ» ، ويجوز أن تكون الناقصة، وفي خبرها أوجه، أظهرها: أنه الجار، و «يَمشُون» و «مُطمَئنِّينَ» على ما تقدم. وقيل: الخبر «يمشُون» و «في الأرض» متعلق به. وقيل: الخبر «مُطمئنِّينَ» و «يمشُونَ» صفة، وهذان الوجهان ضعيفان؛ لأنَّ المعنى على الأول. فإن قيل: إنَّه تعالى لو قال: قل لو كان في الأرض ملائكة، لنزَّلنا عليهم من السَّماء ملكاً رسولاً كان كافياً في هذا المعنى. فما الحكمة في قوله: ﴿يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ ؟! . فالجواب: أن المراد بقوله: ﴿يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ أي: مستوفين مقيمين. قوله: ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد﴾ الآية. لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة، وأردفها بالوعيد بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ على الإجمال، ذكر بعده الوعيد الشديد على التَّفصيل، فقال: ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ﴾ . المراد تسليةُ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو أنَّ الذين حكم لهم بالإسلام والهداية سابقاً، وجب أن يصيروا مؤمنين، ومن سبق لهم حكم الله بالضَّلال والجهل، استحال أن ينقلبوا عن ذلك. واحتجَّ أهل السنة بهذه الآية على صحَّة مذهبهم في الهدى والضَّلال، والمعتزلة حملوا هذا الضلال تارة على طريق الجنَّة؛ وتارة على منع الألطاف، وتارة على التَّخلية، وعدم التعرُّض لهم بالمنع. والواو مندرجة تحت القول، فيكون محلُّها نصباً، وأن يكون من كلام الله، فلا محلَّ لها؛ لاستئنافها، ويكون في الكلام التفاتٌ؛ إذ فيه خروجٌ من غيبة إلى تكلُّم في قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ﴾ . وحمل على لفظ «مَنْ» في قوله «فَهُوَ المُهتدِ» فأفرد، وحمل على معنى «من» الثانية في قوله «ومَن يُضلِلْ، فلنْ تَجدَ لَهُم» ، [فجمع] . ووجه المناسبة في ذلك - والله أعلم -: أنه لمَّا كان الهدي شيئاً واحداً غير متشعِّب السبل، ناسبه التوحيد، ولمَّا كان الضلال له طرقٌ متشعبةٌ؛ نحو: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام 153] ناسب الجمع الجمع، وهذا الحمل الثاني مما حمل فيه على المعنى، وإن لم يتقدمه حمل على اللفظ، قال أبو حيان: «وهو قليل في القرآن» ، يعني: بالنسبة إلى غيره، ومثله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: 42] ويمكن أن يكون المحسِّن لهذا هنا كونه تقدَّم حمل على اللفظ، وإن كان في جملة أخرى غير جملته. وقرأ نافعٌ، وأبو عمرو بإثبات ياء «المهتدي» وصلاً، وحذفها وقفاً، وكذلك في التي تحت هذه السورة، وحذفها الباقون في الحالتين. قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ يجوز أن يتعلق الجار في قوله ﴿على وُجُوهِهِمْ﴾ بالحشر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول، أي: كائنين ومسحوبين على وجوههم. فإن قيل: كيف يمكنهم المشي على وجوههم؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّهم يسحبون على وجوههم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] . والثاني: قال أبو هريرة: قيل: يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «الذي يُمشِيهمْ على أقْدامِهمْ قَادرٌ أن يُمشِيهُمْ على وُجوهِهمْ» . قوله: «عُمْياً» يجوز أن تكون حالاً ثانية من الضمير، أو بدلاً من الأولى، وفيه نظر؛ لأنه لا يظهر فيه أنواع البدل، وهي: كلٌّ من كلٍّ، ولا بعض من كلٍّ، ولا اشتمال، وأن تكون حالاً من الضمير المرفوع [في الجارِّ] لوقوعه حالاً، وأن تكون حالاً من الضمير المجرور في «وُجوهِهمْ» . فصل في توهم الاضطراب بين بعض الآيات والجواب عنه قال رجل لابن عباس: أليس أنه تعالى يقول: ﴿وَرَأَى المجرمون النار﴾ [الكهف: 53] . وقال: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] . وقال: ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: 13] . وقال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: 111] . وقال حكاية عن الكفَّار: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] . وأثبت لهم الرؤية، والكلام، والسَّمع، فكيف قال ههنا: «عُمياً وبُكماً وصُماً» ؟ . فأجاب ابن عباس وتلامذته من وجوه: الأول: قال ابن عباس: «عُمْياً» : لا يرون شيئاً يسرهم، و «صُمًّا» : لا يسمعون شيئاً يسرهم، و «بُكْماً» لا ينطقون بحجَّة. والثاني: في رواية عطاء: «عُمْياً» عن النَّظر إلى ما جعله الله إلى أوليائه، و «بُكْماً» عن مخاطبة الله تعالى، ومخاطبة الملائكة المقرَّبين. الثالث: قال مقاتلٌ: حين قال لهم: ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108] يصيرون صمًّا بكماً، أما قبل ذلك، فهم يرون، ويسمعون، وينطقون. الرابع: أنَّهم يكونون رائين، سامعين، ناطقين في الموقف، ولولا ذلك، لما قدروا على مطالعة كتبهم، ولا سمعوا إلزام حجة الله تعالى عليهم، إلا أنَّهم إذا ذهبوا من الموقف إلى النَّار، صاروا صمًّا، وبكماً، وعمياً. وقيل: يحشرون على هذه الصفة. قوله: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يجوز في هذه الجملة الاستئناف، والحالية إمَّا من الضمير المنصوب أو المجرور. قوله: "كُلَّما خَبتْ «يجوز فيها الاستئناف، والحالية من» جهنَّم «، والعامل فيها معنى المأوى. وخَبتِ النَّار تَخْبُوا» إذا سكن لهيبها؛ قال الواحدي: خبت سكنت، فإذا ضعف جمرها، قيل: خمدتْ، فإذا طفئت بالجملة، قيل: همدتْ؛ قال: 3468 - وَسْطهُ كاليَراعِ أوْ سُرجِ المِجْ ... دَلِ طَوْراً يَخْبُو وطَوْراً يُنِيرُ وقال آخر: [الهزج] 3469 - لمن نَارٌ قُبَيْلَ الصُّبْ ... حِ عند البَيتِ ما تَخْبُو إذا مَا أخمدَتْ ألْقِي عَليْهَا المَندلُ الرَّطْبُ وأدغم التاء في زاي «زِدْنَاهُمْ» أبو عمرو، والأخوان، وورش، وأظهرها الباقون. قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ . قال ابن قتيبة: زدناهم تلهُّباً. فإن قيل: إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب. وقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ يدلُّ على أنَّ العذاب محققٌ في ذلك الوقت. فالجواب: أن قوله «كُلَّما خَبَتْ» يقتضي سكون لهب النار، أما أنه يدل على تخفيف العذاب، فلا؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: 75] . وقيل: معناه: «كلَّما خبت» [أي:] كلما أرادت أن تخبو ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي: وقوداً. وقيل: المراد من قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ أي: نضجت جلودهم، واحترقت، أعيدوا إلى ما كانوا عليه. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ وخبراً، و «بأنهم» متعلق بالجزاء، أي: «ذلك العذاب المتقدم جزاؤهم بسبب أنَّهم» ويجوز أن يكون «جَزاؤهُمْ» مبتدأ ثانياً، والجار خبره، والجملة خبر «ذلك» ، ويجوز أن يكون «جَزاؤهُمْ» بدلاً، أو بياناً، و «بِأنَّهُم» الخبر. وهذه الآية تدلُّ على أنَّ العمل علَّة الجزاءِ. قوله: ﴿وَقَالُواْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ . لمَّا أجاب عن شبهات منكري النبوة، عاد إلى حكاية شبهة منكري المعاد. وتلك الشبهة: هي أنَّ الإنسان بعد أن يصير رفاتاً، ورميماً، يبعد أن يعود هو بعينه، فأجاب الله عنه: بأنَّ من بدر على خلق السموات والأرض في عظمتها وشدَّتها قادر على أن يخلق مثلهم في سغرهم، وضعفهم؛ نظيره قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ [غافر: 75] . وفي قوله: ﴿قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ قولان: الأول: [معناه] قادر على أن يخلقهم ثانياً، فعبَّر عن خلقهم بلفظ «المثل» ؛ كقوله المتكلِّمين: إنَّ الإعادة مثل الابتداء. والثاني: قادر على أن يخلق عبيداً آخرين يوحِّدونه، ويقرُّون بكمال حكمته وقدرته، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة؛ وعلى هذا، فهو كقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 19] وقوله: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: 39] . قال الواحديُّ: والأول أشبه بما قبله. ولمَّا بيَّن الله تعالى بالدَّليل المذكور: أنَّ البعث يمكنُ الوجود في نفسه، أردفه بأنَّ لوقوعه ودخوله في الوجود وقتاً معلوماً عند الله تعالى؛ وهو قوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: جعل لهم وقتاً لا ريب فيه، ﴿فأبى الظالمون إَلاَّ كُفُوراً﴾ أي: الظالمون إلا الكفر والجحود. قوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ﴾ : معطوف على قوله «أو لَمْ يَروْا» ؛ لأنه في قوة: قد رأوا، فليس داخلاً في حيِّز الإنكار، بل معطوفاً على جملته برأسها. وقوله: ﴿لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ صفة ل «أجلاً» ، أي: أجلاً غير مرتابٍ فيه، فإن أريد به يوم القيامة، فالإفرادُ واضحٌ، وإن أريد به الموت، فهو اسم جنسٍ؛ إذ لكلِّ إنسانٍ أجلٌ يخصه. وقوله: ﴿إَلاَّ كُفُوراً﴾ قد تقدَّم.

الإسراء 17:99

قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا﴾ الاية. لمَّا حكى الله تعالى شبهة القوم في اقتراح المعجزات الزَّائدة، وأجاب عنها حكى شبهة أخرى وهي أنهم استبعدوا أن يبعث الله للخقل رسولاً من البشرِ، بل اعتقدوا أنَّ الله تعالى، لو أرسل رسولاً إلى الخلق، لكان ذلك الرسول من الملائكةِ، وأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بوجوهٍ: أحدها: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾ . وتقرير هذا الجواب: أنَّ بتقدير أن يبعث الله ملكاً رسولاً إلى الخلق، فالخلق إنما يؤمنون بكونه رسولاً من عند الله؛ لأجل قيام المعجزات الدالة على صدقه؛ وذلك المعجز هو الذي يهديهم إلى معرفة صدق ذلك الملك في ادِّعاء رسالته، فالمراد من قوله: ﴿إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾ هو المعجز، [وإذا كان كذلك، فنقول: لما كان الدليل على الصِّدق هو المعجز] فقط فهذا المعجو سواءٌ ظهر على الملكِ، أو على البشرِ، وجب الإقرارُ برسالته، فقولهم: «لا بُدَّ وأن يكون الرسول من الملائكة» : تحكم فاسد باطل. والجواب الثاني عن شبهتهم، وهي أنَّ أهل الأرض لو كانوا ملائكة، لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة؛ لأنّ الجنس إلى الجنس أميل، فلما كان [أهل الأرض] من البشر، فوجب أن يكون رسولهم من البشر؛ وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِي الأرض ملاائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: 95] . الجواب الثالث: قوله تعالى: ﴿قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ . وتقريره أنَّ الله تعالى، لمَّا أظهر المعجزة على وفق دعواى، كان ذلك شهادة من الله تعالى على كوني صادقاً، ومن شهد الله على صدقه، فهو صادق، فقولكم بأنَّ الرسول يجب أن يكون ملكاً، فذلك تحكُّم فاسدٌ؛ لا يلتفت إليه. ولمَّا ذكر الله تعالى هذه الأجوبة الثلاثة، أردفها بما يجري مجرى التهديد، والوعيد؛ فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ [الإسراء: 96] . أي: يعلم ظواهرهم وبواطنهم، ويعلم أنَّهم لا يذكرون هذه الشبهات إلا لمحض الحسد، وحبِّ الرياسة. قوله: ﴿أَن يؤمنوا﴾ : مفعولٌ ثانٍ ل «مَنَع» ، أي: ما منعهم إيمانهم؛ و «أن قالوا» هو الفاعل، و «إذْ» ظرف ل «مَنعَ» ، والتقدير: وما منع الناس من الإيمان وقت مجيء الهدى إيَّاهم إلا قولهم: أبعث الله. وهذه الجملة المنفيَّة يحتمل أن تكون من كلام الله، فتكون مستأنفة، وأن تكون من كلام الرسول، فتكون منصوبة المحلِّ؛ لاندراجها تحت القول في كلتا القراءتينز قوله: ﴿بَشَراً رَّسُولاً﴾ تقدَّم في نظيره وجهان، وكذلك قوله ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ . قوله تعالى: ﴿قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض﴾ : يجوز في «كَانَ» هذه التمام، أي: لو وجد، وحصل، و «يَمشُونَ» صفة ل «مَلائِكَة» و «في الأرض» متعلِّق به، «مُطْمئنينَ» حال من فاعل «يَمشُونَ» ، ويجوز أن تكون الناقصة، وفي خبرها أوجه، أظهرها: أنه الجار، و «يَمشُون» و «مُطمَئنِّينَ» على ما تقدم. وقيل: الخبر «يمشُون» و «في الأرض» متعلق به. وقيل: الخبر «مُطمئنِّينَ» و «يمشُونَ» صفة، وهذان الوجهان ضعيفان؛ لأنَّ المعنى على الأول. فإن قيل: إنَّه تعالى لو قال: قل لو كان في الأرض ملائكة، لنزَّلنا عليهم من السَّماء ملكاً رسولاً كان كافياً في هذا المعنى. فما الحكمة في قوله: ﴿يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ ؟! . فالجواب: أن المراد بقوله: ﴿يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ أي: مستوفين مقيمين. قوله: ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد﴾ الآية. لما أجاب عن شبهات القوم في إنكار النبوة، وأردفها بالوعيد بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ على الإجمال، ذكر بعده الوعيد الشديد على التَّفصيل، فقال: ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ﴾ . المراد تسليةُ الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو أنَّ الذين حكم لهم بالإسلام والهداية سابقاً، وجب أن يصيروا مؤمنين، ومن سبق لهم حكم الله بالضَّلال والجهل، استحال أن ينقلبوا عن ذلك. واحتجَّ أهل السنة بهذه الآية على صحَّة مذهبهم في الهدى والضَّلال، والمعتزلة حملوا هذا الضلال تارة على طريق الجنَّة؛ وتارة على منع الألطاف، وتارة على التَّخلية، وعدم التعرُّض لهم بالمنع. والواو مندرجة تحت القول، فيكون محلُّها نصباً، وأن يكون من كلام الله، فلا محلَّ لها؛ لاستئنافها، ويكون في الكلام التفاتٌ؛ إذ فيه خروجٌ من غيبة إلى تكلُّم في قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ﴾ . وحمل على لفظ «مَنْ» في قوله «فَهُوَ المُهتدِ» فأفرد، وحمل على معنى «من» الثانية في قوله «ومَن يُضلِلْ، فلنْ تَجدَ لَهُم» ، [فجمع] . ووجه المناسبة في ذلك - والله أعلم -: أنه لمَّا كان الهدي شيئاً واحداً غير متشعِّب السبل، ناسبه التوحيد، ولمَّا كان الضلال له طرقٌ متشعبةٌ؛ نحو: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام 153] ناسب الجمع الجمع، وهذا الحمل الثاني مما حمل فيه على المعنى، وإن لم يتقدمه حمل على اللفظ، قال أبو حيان: «وهو قليل في القرآن» ، يعني: بالنسبة إلى غيره، ومثله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: 42] ويمكن أن يكون المحسِّن لهذا هنا كونه تقدَّم حمل على اللفظ، وإن كان في جملة أخرى غير جملته. وقرأ نافعٌ، وأبو عمرو بإثبات ياء «المهتدي» وصلاً، وحذفها وقفاً، وكذلك في التي تحت هذه السورة، وحذفها الباقون في الحالتين. قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾ يجوز أن يتعلق الجار في قوله ﴿على وُجُوهِهِمْ﴾ بالحشر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من المفعول، أي: كائنين ومسحوبين على وجوههم. فإن قيل: كيف يمكنهم المشي على وجوههم؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّهم يسحبون على وجوههم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] . والثاني: قال أبو هريرة: قيل: يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم؟ قال: «الذي يُمشِيهمْ على أقْدامِهمْ قَادرٌ أن يُمشِيهُمْ على وُجوهِهمْ» . قوله: «عُمْياً» يجوز أن تكون حالاً ثانية من الضمير، أو بدلاً من الأولى، وفيه نظر؛ لأنه لا يظهر فيه أنواع البدل، وهي: كلٌّ من كلٍّ، ولا بعض من كلٍّ، ولا اشتمال، وأن تكون حالاً من الضمير المرفوع [في الجارِّ] لوقوعه حالاً، وأن تكون حالاً من الضمير المجرور في «وُجوهِهمْ» . فصل في توهم الاضطراب بين بعض الآيات والجواب عنه قال رجل لابن عباس: أليس أنه تعالى يقول: ﴿وَرَأَى المجرمون النار﴾ [الكهف: 53] . وقال: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] . وقال: ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: 13] . وقال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: 111] . وقال حكاية عن الكفَّار: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] . وأثبت لهم الرؤية، والكلام، والسَّمع، فكيف قال ههنا: «عُمياً وبُكماً وصُماً» ؟ . فأجاب ابن عباس وتلامذته من وجوه: الأول: قال ابن عباس: «عُمْياً» : لا يرون شيئاً يسرهم، و «صُمًّا» : لا يسمعون شيئاً يسرهم، و «بُكْماً» لا ينطقون بحجَّة. والثاني: في رواية عطاء: «عُمْياً» عن النَّظر إلى ما جعله الله إلى أوليائه، و «بُكْماً» عن مخاطبة الله تعالى، ومخاطبة الملائكة المقرَّبين. الثالث: قال مقاتلٌ: حين قال لهم: ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108] يصيرون صمًّا بكماً، أما قبل ذلك، فهم يرون، ويسمعون، وينطقون. الرابع: أنَّهم يكونون رائين، سامعين، ناطقين في الموقف، ولولا ذلك، لما قدروا على مطالعة كتبهم، ولا سمعوا إلزام حجة الله تعالى عليهم، إلا أنَّهم إذا ذهبوا من الموقف إلى النَّار، صاروا صمًّا، وبكماً، وعمياً. وقيل: يحشرون على هذه الصفة. قوله: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يجوز في هذه الجملة الاستئناف، والحالية إمَّا من الضمير المنصوب أو المجرور. قوله: "كُلَّما خَبتْ «يجوز فيها الاستئناف، والحالية من» جهنَّم «، والعامل فيها معنى المأوى. وخَبتِ النَّار تَخْبُوا» إذا سكن لهيبها؛ قال الواحدي: خبت سكنت، فإذا ضعف جمرها، قيل: خمدتْ، فإذا طفئت بالجملة، قيل: همدتْ؛ قال: 3468 - وَسْطهُ كاليَراعِ أوْ سُرجِ المِجْ ... دَلِ طَوْراً يَخْبُو وطَوْراً يُنِيرُ وقال آخر: [الهزج] 3469 - لمن نَارٌ قُبَيْلَ الصُّبْ ... حِ عند البَيتِ ما تَخْبُو إذا مَا أخمدَتْ ألْقِي عَليْهَا المَندلُ الرَّطْبُ وأدغم التاء في زاي «زِدْنَاهُمْ» أبو عمرو، والأخوان، وورش، وأظهرها الباقون. قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ . قال ابن قتيبة: زدناهم تلهُّباً. فإن قيل: إنه تعالى لا يخفف عنهم العذاب. وقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ يدلُّ على أنَّ العذاب محققٌ في ذلك الوقت. فالجواب: أن قوله «كُلَّما خَبَتْ» يقتضي سكون لهب النار، أما أنه يدل على تخفيف العذاب، فلا؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ [الزخرف: 75] . وقيل: معناه: «كلَّما خبت» [أي:] كلما أرادت أن تخبو ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي: وقوداً. وقيل: المراد من قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ أي: نضجت جلودهم، واحترقت، أعيدوا إلى ما كانوا عليه. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ﴾ يجوز أن يكون مبتدأ وخبراً، و «بأنهم» متعلق بالجزاء، أي: «ذلك العذاب المتقدم جزاؤهم بسبب أنَّهم» ويجوز أن يكون «جَزاؤهُمْ» مبتدأ ثانياً، والجار خبره، والجملة خبر «ذلك» ، ويجوز أن يكون «جَزاؤهُمْ» بدلاً، أو بياناً، و «بِأنَّهُم» الخبر. وهذه الآية تدلُّ على أنَّ العمل علَّة الجزاءِ. قوله: ﴿وَقَالُواْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ . لمَّا أجاب عن شبهات منكري النبوة، عاد إلى حكاية شبهة منكري المعاد. وتلك الشبهة: هي أنَّ الإنسان بعد أن يصير رفاتاً، ورميماً، يبعد أن يعود هو بعينه، فأجاب الله عنه: بأنَّ من بدر على خلق السموات والأرض في عظمتها وشدَّتها قادر على أن يخلق مثلهم في سغرهم، وضعفهم؛ نظيره قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ [غافر: 75] . وفي قوله: ﴿قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ قولان: الأول: [معناه] قادر على أن يخلقهم ثانياً، فعبَّر عن خلقهم بلفظ «المثل» ؛ كقوله المتكلِّمين: إنَّ الإعادة مثل الابتداء. والثاني: قادر على أن يخلق عبيداً آخرين يوحِّدونه، ويقرُّون بكمال حكمته وقدرته، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة؛ وعلى هذا، فهو كقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 19] وقوله: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: 39] . قال الواحديُّ: والأول أشبه بما قبله. ولمَّا بيَّن الله تعالى بالدَّليل المذكور: أنَّ البعث يمكنُ الوجود في نفسه، أردفه بأنَّ لوقوعه ودخوله في الوجود وقتاً معلوماً عند الله تعالى؛ وهو قوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: جعل لهم وقتاً لا ريب فيه، ﴿فأبى الظالمون إَلاَّ كُفُوراً﴾ أي: الظالمون إلا الكفر والجحود. قوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ﴾ : معطوف على قوله «أو لَمْ يَروْا» ؛ لأنه في قوة: قد رأوا، فليس داخلاً في حيِّز الإنكار، بل معطوفاً على جملته برأسها. وقوله: ﴿لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ صفة ل «أجلاً» ، أي: أجلاً غير مرتابٍ فيه، فإن أريد به يوم القيامة، فالإفرادُ واضحٌ، وإن أريد به الموت، فهو اسم جنسٍ؛ إذ لكلِّ إنسانٍ أجلٌ يخصه. وقوله: ﴿إَلاَّ كُفُوراً﴾ قد تقدَّم.

الإسراء 17:100

اعلم أنَّ الكفار، لما قالوا: لن نؤمن لك؛ حتَّى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً وطلبوا إجراء الأنهارِ، والعيون في بلدهم لتكثر أموالهم؛ بين أنَّهم لو ملكوا خزائن رحمة الله، لبقوا على بخلهم وشحهم، ولا أقدموا على إيصال النفع إلى أحدٍ، وعلى هذا التقدير: فلا فائدة في إسعافهم لما طلبوه. قوله: ﴿لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ : فيه ثلاثة أوجه: أحدها: - وإليه ذهب الزمخشري، والحوفي، وابن عطيَّة، وأبو البقاء، ومكيٌّ -: أن المسألة من باب الاشتغال، ف «أنْتُمْ» مرفوع بفعلٍ مقدر يفسِّره هذا الظاهر، لأنَّ «لَوْ» لا يليها إلا الفعل، ظاهراً أو مضمراً، فهي ك «إنْ» في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين﴾ [التوبة: 6] ، وفي قوله: 3470 - وإنْ هُوَ لمْ يَحْمِلْ على النَّفْسِ ضَيْمهَا ... فَليْسَ إلى حُسْنِ الثَّنَاءِ سَبيلُ والأصل: لو تملكون، فحذف الفعل؛ لدلالة ما بعده عليه، فانفصل الضمير، وهو الواو؛ إذ لا يمكن بقاؤه متَّصلاً بعد حذف رافعه، ومثله: «وإنْ هو لم يحمل» : الأصل: وإن لم يحمل، فلما حذف الفعل، انفصل ذلك الضميرُ المستتر، وبرز، ومثله فيما نحنُ فيه قول الشاعر: 3471 - «لوْ ذَاتُ سِوارٍ لطَمتْنِي» ... برفع «ذَاتُ» وقول المتلمِّس: 3472 - ولَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي..... ... ... ... ... ... ... ... ف «ذَاتُ سوارٍ» مرفوعةٌ بفعل مفسَّر بالظاهر بعده. الثاني: أنه مرفوع ب «كَانَ» وقد كثر حذفها بعد «لو» والتقدير: لو كنتم تملكون، فحذف «كَانَ» ، فانفصل الضمير، و «تَمْلكُونَ» في محلِّ نصبٍ ب «كَانَ» المحذوفةِ، وهو قولُ ابن الصائغ؛ وقريبٌ منه قوله: [البسيط] 3473 - أبَا خُرَاشةَ أمَّا أنْتَ ذَا نَفرٍ..... ... ... ... ... ... ... . . فإنَّ الأصل: لأن كنت، فحذفت «كَانَ» ، فانفصل الضمير، إلا أنَّ هنا عوِّض من «كَانَ» «ما» ، وفي [ «لَوْ» ] لم يعوَّض منها. الثالث: أنَّ «أنتم» توكيدٌ لاسم «كانَ» المقدر معها، والأصل «لَوْ كُنتمْ أنْتُم تَمْلكُونَ» فحذفت «كَانَ» واسمها، وبقي المؤكِّدُ، وهو قول ابن فضالٍ المجاشعيِّ، وفيه نظرٌ؛ من حيث إنَّا نحذف ما في التَّوكيد، وإن كان سيبويه يجيزه. وإنما أحوج هذين القائلين إلى ذلك: كون مذهب البصريِّين في «لَوْ» أنَّه لا يليها إلاَّ الفعل ظاهراً، ولا يجوز عندهم أن يليها مضمراً مفسَّراً إلاَّ في ضرورة، أو ندور، كقوله: «لَو ذَات سوارٍ لطَمتْنِي» ، فإن قيل: هذان الوجهان أيضاً فيهما إذمار فعلٍ، قيل: ليس هو الإضمار المعنيَّ؛ فإنَّ الإضمار الذي أبوه هو على شريطة التفسير في غير «كان» ، وأمَّا «كان» فقد كثر حذفها بعد [ «لو» ] في مواضع كثيرة، وقد وقع الاسم الصَّريحُ بعد «لَوْ» غير مذكور بعده فعلٌ؛ وأنشد الفارسيُّ: [الرمل] 3474 - لَو بِغيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرقٌ ... كُنْتُ كالغصَّانِ بالمَاءِ اعْتِصَارِي إلا أنه أخرجه على أنه مرفوع بفعل مقدَّر يفسِّره الوصف من قوله «شَرِقٌ» ، وقد تقدَّم الكلام في «لَوْ» . قال أهل المعاني: إنَّ التقديم بالذكر يدل على التَّخصيص، فقوله: ﴿لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ دليل على أنَّهم هم المختصُّون بهذه الحالة الخسيسة، والشُّحْ الكامل. واعلم أنَّ خزائن رحمة الله غير متناهية؛ فكان المعنى أنكم لو ملكتم من النِّعم خزائن لا نهاية لها، لتقيمنَّ على الشحِّ، وهذه مبالغة عظيمة في وصفهم بهذه الصفة. قوله: «لأمْسَكْتُمْ» يجوز أن يكون لازماً؛ لتضمنه معنى «بخِلتمْ» وأن يكون متعدِّياً، ومفعوله محذوف، أي: لأمسكتم المال، ويجوز أن يكون كقوله ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] . قوله: ﴿خَشْيَةَ الإنفاق﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه مفعول من أجله. والثاني: أنه مصدر في موضع الحال، قاله أبو البقاء، أي: خاشين الإنفاق، وفيه نظر؛ إذ لا يقع المصدر المعرفة موقع الحال، إلا سماعاً؛ نحو: «جَهْدكَ» و «طَاقَتكَ» ، وكقوله: 3475 - وأرْسلَهَا العِراكَ ... ... ... ... ....... ... ... ... ... ... . . ولا يقاس عليه، والإنفاقُ مصدر «أنْفقَ» ، أي: أخرج المال، وقال أبو عبيدة: «هو بمعنى الافتقار، والإقتار» . قوله: ﴿خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ ، أي: نعمة ربِّي. ﴿إِذاً لأمْسَكْتُمْ﴾ لبخلتم. ﴿خَشْيَةَ الإنفاق﴾ : الفاقة. وقيل: خشية النفاق يقال: أنفق الرجل، أي: أملق، وذهب ماله، ونفق الشَّرُّ، أي: ذهب. وقيل: لأمسكتم عن الإنفاق؛ خشية الفقر، ومعنى «قَتُوراً» : قال قتادة: بخيلاً ممسكاً. يقال: أقْتَرَ يُقْتِرُ إقتاراً، وقتَّر تَقْتِيراً: إذا قصَّر في الإنفاق. فإن قيل: قد حصل في الإنسان الجواد، والكريم. فالجواب من وجوه: الأول: أن الأصل في الإنسان البخلُ؛ لأنَّه خلق محتاجاً، والمحتاج لا بد وأن يحبَّ ما به يدفع الحاجة، وأن يمسكه لنفسه، إلا أنَّه قد يجود به [لأسبابٍ] من خارج، فثبت أنَّ الأصل في الإنسان البخلُ. الثاني: أنَّ الإنسان إنَّما يبذلُ؛ لطلب الحمدِ، وليخرج من عهدة الواجب، ثم للتَّقرُّب إلى الله تعالى، فهو في الحقيقة إنَّما أنفق ليأخذ العوض، فهو بخيلٌ، والمراد بهذا الإنسان المعهود السَّابق، وهم الذين قالوا: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: 90] .

الإسراء 17:101

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآيات. اعلم أنَّ المقصود من هذا الكلام هو الجواب عن قولهم: لن نؤمن لك؛ حتى تأتينا بهذه المعجزات الباهرة؛ فقال تعالى: ولقد آتينا موسى معجزات مساويات لهذه الأشياء التي طلبتموها، بل أقوى، وأعظم، فلو حصل في علمنا أنَّ جعلها في زمانكم؛ لعلمنا بأنها لا مصلحة في فعلها. واعلم: أنه [أزال] القعدة في لسانه. قال المفسرون: أذهب الأعجمية منه، وبقي فصيحاً. ومنها: انقلاب العصا حيَّة. ومنها: تلقُّف الحية حبالهم وعصيَّهم، مع كثرتها. ومنها: اليد البيضاء من غير سوء. ومنها: الطُّوفان والجراد، والقمَّل، والضَّفادع، والدَّم. ومنها: شقُّ البحر. ومنها: ضربه الحجر بالعصا، فانفجر. ومنها: إظلال الجبل. ومنها: إنزال المنِّ والسلوى عليه وعلى قومه. ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بالسنين وَنَقْصٍ مِّن الثمرات﴾ [الأعراف: 130] لأهل القرى؛ فهذه آيتان. ومنها: الطَّمس على أموالهم، فجعلها حجارة من النَّخيلِ، والدَّقيق، والأطعمة، والدَّراهم والدَّنانير. روي أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب، عن قوله: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ، فذكر محمد بن كعب في جملة التسعة؛ حلَّ عقدة اللِّسان، والطَّمس، فقال عمر بن العزيز: هكذا يجبُ أن يكون الفقيهُ، ثم قال: يا غلامُ، أخرج ذلك الجراب، فأخرجه، فإذا فيه بيضٌ مكسورٌ؛ نصفين، وجوز مكسور، وفول، وحمص، وعدس، كلها حجارة. وإذا كان كذلك، فإنه تعالى ذكر في القرآن أنَّ هذه المعجزات لموسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وتخصيص التسعة بالذِّكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه؛ لأنَّه ثبت في أصول الفقه أنَّ تخصيص العدد بالذكر لا يدلُّ على نفي الزائد؛ وهذه الآية دليل على هذه المسألة. واعلم: أن هذه التسعة قد اتَّفقوا على سبعة منها؛ وهي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وبقي اثنتان اختلفت أقوال المفسرين فيهما، ولمَّا لم تكن تلك الأقوال مستندة إلى حجَّة ظنيَّة؛ فضلاً عن حجة يقينيَّة، لا جرم تركت تلك الروايات. فصل في أجود ما قيل في تفسير التسع آيات في تفسير قوله: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قول هو أجود ما قيل، وهو ما روي عن صفوان بن عسَّالٍ المراديِّ: أن يهوديًّا قال لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله عن تسع الآيات، فقال الآخر: لا تقل: نبي؛ فإنه لو سمع، لصارت له أربعة أعين فأتياه، فسألاه عن هذه الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ . فقال: هِيَ ألاَّ تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النَّفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحقِّ، ولا تَزنُوا، ولا تَأكلُوا الرِّبا، ولا تَسْحرُوا، ولا تمشُوا بالبريءِ للسلطان؛ ليقتله، ولا تسرقوا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تَفرُّوا من الزَّحف، وعليكم - خاصة اليهود - ألاَّ تعذوا في السَّبت، فقام اليهوديَّان يقبِّلان يده، ويقولون: نشهدُ أنَّك نبيٌّ، قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قال اليهودي: إنَّ داود دعا ربَّهُ ألاَّ يزال في ذُريَّته نبيٌّ، وإنَّا نخافُ إن اتَّبعنَاكَ أن تقْتُلنَا يهُودُ. قوله تعالى: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ : [يجوز في «بَيِّنات» ] النصب صفة للعدد، والجر صفة للمعدود. قوله: «إذْ جَاءهُمْ» فيه أوجهٌ: أحدها: أن يكون معمولاً ل «آتيْنا» ويكون قول÷ «فاسْألْ بَنِي إسْرائيلَ» اعتراضاً، وتقديره: ولقد آتينا موسى تسع آياتٍ بيِّناتٍ؛ إذ جاء بني إسرائيل، فسألهم، وعلى هذا التقدير: فليس المطلوبُ من سؤال بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم، بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود بقول علمائهم صدق ما ذكره الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد. والثاني: أنه منصوب بإضمار اذكر. والثالث: أنه منصوبٌ ب «يُخْبرُونكَ» مقدراً. الرابع: أنه منصوب بقولٍ مضمرٍ؛ إذ التقدير: فقلنا له: سل بني إسرائيل حين جاءهم، ذكر هذه الأوجه الزمخشري مرتبة على مقدمة ذكرها قبلُ [قال:] فاسْأَلْ بنِي إسْرائيلَ، أي: فقلنا له: اسأل بني إسرائيل، أي: اسْألهُم عن فرعون، وقل له: أرسل معي بني إسرائيل، أو اسألهم عن إيمانهم، وحال دينهم، أو اسألهم أن يعاضدوك. ويدل عليه قراءة رسول الله «فَسَألَ» على لفظ الماضي، بغير همزٍ، وهي لغة قريشٍ. وقيل: فَسلْ، يا رسول الله، المُؤمنَ من بني إسرائيل؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه عن الآيات؛ ليزدادوا يقيناً وطمأنينة؛ كقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] [ثم قال:] فإن قيل بم تعلق «إذْ جَاءهُمْ» ؟ فالجواب: أمَّا على الوجه الأول: فبالقول المحذوف، [أي] : فقلنا له، سلهم حين جاءهم، أو ب «سَالَ» في القراءة الثانية، وأمَّا على الآخر فب «آتَيْنَا» أو بإضمار «اذكر» أو ب «يُخْبرونَكَ» ومعنى «إذْ جَاءهُمْ» «إذ جاء آباءهم» ، انتهى. قال أبو حيان: «لا يتأتَّى تعلقه ب» اذْكُر «ولا ب» يُخْبرُونَكَ «؛ لأنه ظرف ماضٍ» . قال شهاب الدين: إذا جعله معمولاً ل «اذْكُر» ، أو ل «يُخْبرُونكَ» لم يجعله ظرفاً، بل مفعولاً به، كما تقرَّر مراراً. الوجه الخامس: أنه مفعول به، والعامل فيه «فَسلْ» . قال أبو البقاء: «فيه وجهان: أحدهما: هو مفعول به ب» اسْألْ «على المعنى إذ التقدير: اذكر لبني إسرائيل؛ إذ جاءهم، وقيل: التقدير: اذكر إذا جاءهم وهي غير» اذكُر «الذي قدَّرت به» اسْأل «» ، يعني: أن «اذكر» المقدرة غير «اذكُر» التي فسَّرت «اسألْ» بها؛ وهذا يؤيِّد ما تقدَّم من أنهم، إذا قدروا «اذكُر» جعلوا «إدْ» مفعولاً به، لا ظرفاً. إلا أنَّ أبا البقاء ذكر [حال] كونه ظرفاً، ما يقتضي أن يعمل فيه فعلٌ مستقبل، فقال: «والثاني: أن يكون ظرفاً، وفي العامل وجوه: أحدها:» آتيْنا» . والثاني: «قلنا» مضمرة. والثالث: [ «قُل» ] ، تقديره: قل لخصمك: سل؛ والمراد به فرعون، أي: قل، يا موسى، وكان الوجه أن يقال: إذ جئتهم بالفتح، فخرج من الخطاب، إلى الغيبة» . فظاهر الوجه الثالث: أن العامل فيه «قُلْ» وهو ظرف ماض، على أنَّ هذا المعنى الذي نحا إليه ليس بشيء؛ إذ يرجع إلى: يا موسى، قل لفرعون: يا فرعون سل بني إسرائيل، فيعود فرعون هو السائل لبني إسرائيل، وليس المراد ذلك قطعاً، وعلى التقدير الذي تقدم عن الزمخشري - وهو أن المعنى: يا موسى، سل بني إسرائيل، [أي: اطلبهم من فرعون - يكون المفعول الأول للسؤال محذوفاً، والثاني هو «بني إسْرائيلَ» ] ، والتقدير: سَلْ فرعون بني إسرائيل، وعلى هذا: فيجوز أن تكون المسألة من التنازع، وأعمل الثاني؛ إذ التقدير: سل فرعون، فقال فرعون، فأعمل الثاني، فرفع به الفاعل، وحذف المفعول من الأول، وهو المختار من المذهبين. والظاهر غير ذلك كلِّه، وأن المأمور بالسؤال سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبنو إسرائيل كانوا معاصريه. والضمير [في] «إذْ جَاءَهُمْ» : إمَّا للآباء، وإمَّا لهم على حذف مضافٍ، أي: جاء آباءهم. فصل في معنى «واسأل بني إسرائيل» المعنى: فسَلْ، يا محمد، بني إسرائيل؛ إذ جاءهم موسى، يجوز أن يكون الخطاب معه، والمراد غيره، ويجوز أن يكون خاطبه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وأمره بالسؤال؛ ليتبيَّن كذبهم مع قومهم، فقال له فرعون: ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ ياموسى مَسْحُوراً﴾ . وقوله «مَسْحُوراً» : وفيه وجهان: أظهرهما: أنه بمعناه الأصلي، أي: إنك سحرت، فمن ثمَّ؛ اختل كلامك، قال ذلك حين جاءه بما لا تهوى نفسه الخبيثة، قاله الكلبي. وقال ابن عباس: مخدوعاً، وقال: مصروفاً عن الحقِّ. والثاني: أنه بمعنى «فاعل» كميمون ومَشْئُوم، أي: أنت ساحرٌ؛ كقوله: ﴿حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ [الإسراء: 45] . فوضع المفعول موضع الفاعل، قاله الفراء، وأبو عبيدة، وقال ابن جرير: يعطى علم السِّحر؛ فلذلك تأتي بالأعاجيب، يشير لانقلابِ عصاه حيَّة ونحو ذلك. قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ : قرأ الكسائي بضمِّ التاء أسند الفعل لضمير موسى - عليه السلام - أي: إنِّي متحققٌ أن ما جئتُ به هو منزَّلٌ من عند الله تعالى، والباقون بالفتح على إسناده لضمير فرعون، أي: أنت متحقِّقٌ أنَّ ما جئت به هو منزَّل من عند الله، وإنَّما كفرك عنادٌ، وعن عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه أنكر الفتح، وقال: «ما عَلِمَ عدُو الله قطُّ، وإنَّما علمَ مُوسَى» ، [ولَو عَلِمَ، لآمنَ؛] فبلغ ذلك ابن عباس، فاحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14] على أنَّ فرعون وقومه علموا بصحَّة أمر موسى. فصل في الخلاف في أجود القراءتين قال الزجاج: الأجودُ في القراءة الفتحُ؛ لأنَّ علم فرعون بأنَّها آياتٌ نازلةٌ من عند الله أوكد في الاحتجاج، واحتجاج موسى على فرعون بعلم فرعون أوكد من الاحتجاج عليه بعلم نفسه. وأجاب من نصر قراءة عليٍّ عن دليل ابن عباس، فقال قوله: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ﴾ يدلُّ على أنهم استيقنوا أشياء، فأمَّا أنهم استيقنوا كون هذه الأشياء نازلة من عند الله، فليس في الآية ما يدل عليه؛ ويدلُّ بأنَّ فرعون قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: 27] . قال موسى: «لقَدْ عَلْمتَ» . والمعنى: «اعلم أنِّي لستُ بمجنونٍ» ، ولم يثبت عن عليٍّ رفعُ التاء؛ لأنه يروى عن رجلٍ من مرادٍ عن عليٍّ، وذلك الرجل مجهول. واعلم: أن هذه الآيات من عند الله، ولا تشكَّ في ذلك بسبب سفاهتك والجملة المنفيَّة في محلِّ نصبٍ؛ لأنها معلقة للعلم قبلها وتقدير الآية: ما أنزل هؤلاء «الآيات» ؛ ونظيره قوله: [الكامل] 3476 - ... ... ... ... ... . ... والعَيْشَ بَعْدَ أولئك الأيَّام أي: للأمام. قوله: «بَصائِرَ» حالٌ، وفي عاملها قولان: أحدهما: أنه «أنْزلَ» هذا الملفوظ به، وصاحبُ الحال «هؤلاءِ» وإليه ذهب الحوفي، وابن عطيَّة، وأبو البقاء، وهؤلاء يجيزون أن يعمل ما قبل «إلاَّ» فيما بعدها، وإن لم يكن مستثنى، ولا مستثنى منه، ولا تابعاً له. والثاني: - وهو مذهب الجمهور -: أنَّ ما بعد «إلاَّ» لا يكون معمولاً لما قبله، فيقدر لها عامل، تقديره: أنزلها بصائر، وقد تقدَّم نظير هذه في «هود» عند قوله ﴿إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرأي﴾ [هود: 27] . ومعنى «بَصائِرَ» أي: حججاً بيِّنة؛ كأنها بصائر العقول، والمراد: الآيات التِّسع، ثم قال موسى: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُوراً﴾ . قوله: «مَثبُوراً» مفعول ثانٍ، واعترض بين المفعولين بالنِّداء، والمَثبُورُ: المهلك؛ يقال: ثبرهُ الله، أي: أهلكه، قال ابن الزبعرى: [الخفيف] 3477 - إذْ أجَارِي الشَّيطَانَ في سَننِ الغَيْ ... يِ ومَنْ مَالَ مَيلهُ مَثْبُور والثُّبورُ: الهلاكُ؛ قال تعالى: ﴿لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً وَاحِداً﴾ [الفرقان: 14] . وقال ابن عباس: مَثْبُوراً، أي: ملعوناً، وقال الفراء: مصروفاً ممنوعاً عن الخير، والعرب تقول: ما ثبرك عن هذا؟ أي: ما منعك عن هذا، وما صرفك عنه؟ . قال أبو زيدٍ: يقال ثبرت فلاناً عن الشيء، أثبرهُ، أي رددتُّه عنه. فصل في جواب موسى لفرعون بكونه مثبوراً واعلم أنَّ فرعون لمَّا وصف موسى - عليه السلام - بكونه مسحوراً، أجابه موسى بأنَّك مثبورٌ، أي: أنَّ هذه الآيات ظاهراتٌ، ومعجزاتٌ ظاهرةٌ؛ لا يرتاب العاقل في أنَّها من عند الله؛ وأنه أظهرها لأجل تصديقي، وأنت تنكرها حسداً، وعناداً، ومن كان كذلك، كان عاقبته الدَّمار والهلاك. ثم قال تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأرض﴾ . أي: أراد فرعون أن يخرج موسى - عليه السلام - وبني إسرائيل من الأرض أي: أرض مصر. قال الزجاج: لا يبعد أن يكون المراد من استفزازهم إخراجهم منها بالقتل، أو بالتنحية، وتقدَّم الكلام على الاستفزاز، ثم قال: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً﴾ . وهو معنى ما ذكره الله في قوله: ﴿وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43] ، أي: إنَّ فرعون أراد إخراج موسى من أرض مصر؛ لتخلص له تلك البلاد، فأهلك الله فرعون، وجعل تلك الأرض خالصة لموسى ولقومه، وقال من بعد هلاك فرعون لبني إسرائيل: اسكنوا الأرض خالصة لكم، خالية من عدوِّكم، يعني: أرض مصر والشام، ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة﴾ . يعني: القيامة ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ من ههنا وههنا. وفي ﴿لَفِيفاً﴾ : وجهان: أحدهما: أنه حال، وأن أصله مصدر لفَّ يلفُّ لفيفاً؛ نحو: النَّذير والنَّكير، أي: جئنا بكم منضماً بعضكم إلى بعض، من لفَّ الشيء يلفُّه لفًّا، والألفُّ: المتداني الفخذين، وقيل: العظيم البطن. والثاني: أنه اسم جمع، لا واحج له من لفظه، والمعنى: جئنا بكم جميعاً، فهو في قوة التَّأكيد. واللَّفيفُ: الجمع العظيم من أخلاطٍ شتَّى من الشريف، والدنيء، والمطيع، والعاصي، والقويّ، والضعيف، وكل شيءٍ خلطته بشيءٍ آخر، فقد لففته، ومنه قيل: لففتُ الجيوش: إذا ضرب بعضها ببعض.

الإسراء 17:102

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآيات. اعلم أنَّ المقصود من هذا الكلام هو الجواب عن قولهم: لن نؤمن لك؛ حتى تأتينا بهذه المعجزات الباهرة؛ فقال تعالى: ولقد آتينا موسى معجزات مساويات لهذه الأشياء التي طلبتموها، بل أقوى، وأعظم، فلو حصل في علمنا أنَّ جعلها في زمانكم؛ لعلمنا بأنها لا مصلحة في فعلها. واعلم: أنه [أزال] القعدة في لسانه. قال المفسرون: أذهب الأعجمية منه، وبقي فصيحاً. ومنها: انقلاب العصا حيَّة. ومنها: تلقُّف الحية حبالهم وعصيَّهم، مع كثرتها. ومنها: اليد البيضاء من غير سوء. ومنها: الطُّوفان والجراد، والقمَّل، والضَّفادع، والدَّم. ومنها: شقُّ البحر. ومنها: ضربه الحجر بالعصا، فانفجر. ومنها: إظلال الجبل. ومنها: إنزال المنِّ والسلوى عليه وعلى قومه. ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بالسنين وَنَقْصٍ مِّن الثمرات﴾ [الأعراف: 130] لأهل القرى؛ فهذه آيتان. ومنها: الطَّمس على أموالهم، فجعلها حجارة من النَّخيلِ، والدَّقيق، والأطعمة، والدَّراهم والدَّنانير. روي أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب، عن قوله: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ، فذكر محمد بن كعب في جملة التسعة؛ حلَّ عقدة اللِّسان، والطَّمس، فقال عمر بن العزيز: هكذا يجبُ أن يكون الفقيهُ، ثم قال: يا غلامُ، أخرج ذلك الجراب، فأخرجه، فإذا فيه بيضٌ مكسورٌ؛ نصفين، وجوز مكسور، وفول، وحمص، وعدس، كلها حجارة. وإذا كان كذلك، فإنه تعالى ذكر في القرآن أنَّ هذه المعجزات لموسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وتخصيص التسعة بالذِّكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه؛ لأنَّه ثبت في أصول الفقه أنَّ تخصيص العدد بالذكر لا يدلُّ على نفي الزائد؛ وهذه الآية دليل على هذه المسألة. واعلم: أن هذه التسعة قد اتَّفقوا على سبعة منها؛ وهي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وبقي اثنتان اختلفت أقوال المفسرين فيهما، ولمَّا لم تكن تلك الأقوال مستندة إلى حجَّة ظنيَّة؛ فضلاً عن حجة يقينيَّة، لا جرم تركت تلك الروايات. فصل في أجود ما قيل في تفسير التسع آيات في تفسير قوله: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قول هو أجود ما قيل، وهو ما روي عن صفوان بن عسَّالٍ المراديِّ: أن يهوديًّا قال لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله عن تسع الآيات، فقال الآخر: لا تقل: نبي؛ فإنه لو سمع، لصارت له أربعة أعين فأتياه، فسألاه عن هذه الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ . فقال: هِيَ ألاَّ تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النَّفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحقِّ، ولا تَزنُوا، ولا تَأكلُوا الرِّبا، ولا تَسْحرُوا، ولا تمشُوا بالبريءِ للسلطان؛ ليقتله، ولا تسرقوا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تَفرُّوا من الزَّحف، وعليكم - خاصة اليهود - ألاَّ تعذوا في السَّبت، فقام اليهوديَّان يقبِّلان يده، ويقولون: نشهدُ أنَّك نبيٌّ، قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قال اليهودي: إنَّ داود دعا ربَّهُ ألاَّ يزال في ذُريَّته نبيٌّ، وإنَّا نخافُ إن اتَّبعنَاكَ أن تقْتُلنَا يهُودُ. قوله تعالى: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ : [يجوز في «بَيِّنات» ] النصب صفة للعدد، والجر صفة للمعدود. قوله: «إذْ جَاءهُمْ» فيه أوجهٌ: أحدها: أن يكون معمولاً ل «آتيْنا» ويكون قول÷ «فاسْألْ بَنِي إسْرائيلَ» اعتراضاً، وتقديره: ولقد آتينا موسى تسع آياتٍ بيِّناتٍ؛ إذ جاء بني إسرائيل، فسألهم، وعلى هذا التقدير: فليس المطلوبُ من سؤال بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم، بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود بقول علمائهم صدق ما ذكره الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد. والثاني: أنه منصوب بإضمار اذكر. والثالث: أنه منصوبٌ ب «يُخْبرُونكَ» مقدراً. الرابع: أنه منصوب بقولٍ مضمرٍ؛ إذ التقدير: فقلنا له: سل بني إسرائيل حين جاءهم، ذكر هذه الأوجه الزمخشري مرتبة على مقدمة ذكرها قبلُ [قال:] فاسْأَلْ بنِي إسْرائيلَ، أي: فقلنا له: اسأل بني إسرائيل، أي: اسْألهُم عن فرعون، وقل له: أرسل معي بني إسرائيل، أو اسألهم عن إيمانهم، وحال دينهم، أو اسألهم أن يعاضدوك. ويدل عليه قراءة رسول الله «فَسَألَ» على لفظ الماضي، بغير همزٍ، وهي لغة قريشٍ. وقيل: فَسلْ، يا رسول الله، المُؤمنَ من بني إسرائيل؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه عن الآيات؛ ليزدادوا يقيناً وطمأنينة؛ كقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] [ثم قال:] فإن قيل بم تعلق «إذْ جَاءهُمْ» ؟ فالجواب: أمَّا على الوجه الأول: فبالقول المحذوف، [أي] : فقلنا له، سلهم حين جاءهم، أو ب «سَالَ» في القراءة الثانية، وأمَّا على الآخر فب «آتَيْنَا» أو بإضمار «اذكر» أو ب «يُخْبرونَكَ» ومعنى «إذْ جَاءهُمْ» «إذ جاء آباءهم» ، انتهى. قال أبو حيان: «لا يتأتَّى تعلقه ب» اذْكُر «ولا ب» يُخْبرُونَكَ «؛ لأنه ظرف ماضٍ» . قال شهاب الدين: إذا جعله معمولاً ل «اذْكُر» ، أو ل «يُخْبرُونكَ» لم يجعله ظرفاً، بل مفعولاً به، كما تقرَّر مراراً. الوجه الخامس: أنه مفعول به، والعامل فيه «فَسلْ» . قال أبو البقاء: «فيه وجهان: أحدهما: هو مفعول به ب» اسْألْ «على المعنى إذ التقدير: اذكر لبني إسرائيل؛ إذ جاءهم، وقيل: التقدير: اذكر إذا جاءهم وهي غير» اذكُر «الذي قدَّرت به» اسْأل «» ، يعني: أن «اذكر» المقدرة غير «اذكُر» التي فسَّرت «اسألْ» بها؛ وهذا يؤيِّد ما تقدَّم من أنهم، إذا قدروا «اذكُر» جعلوا «إدْ» مفعولاً به، لا ظرفاً. إلا أنَّ أبا البقاء ذكر [حال] كونه ظرفاً، ما يقتضي أن يعمل فيه فعلٌ مستقبل، فقال: «والثاني: أن يكون ظرفاً، وفي العامل وجوه: أحدها:» آتيْنا» . والثاني: «قلنا» مضمرة. والثالث: [ «قُل» ] ، تقديره: قل لخصمك: سل؛ والمراد به فرعون، أي: قل، يا موسى، وكان الوجه أن يقال: إذ جئتهم بالفتح، فخرج من الخطاب، إلى الغيبة» . فظاهر الوجه الثالث: أن العامل فيه «قُلْ» وهو ظرف ماض، على أنَّ هذا المعنى الذي نحا إليه ليس بشيء؛ إذ يرجع إلى: يا موسى، قل لفرعون: يا فرعون سل بني إسرائيل، فيعود فرعون هو السائل لبني إسرائيل، وليس المراد ذلك قطعاً، وعلى التقدير الذي تقدم عن الزمخشري - وهو أن المعنى: يا موسى، سل بني إسرائيل، [أي: اطلبهم من فرعون - يكون المفعول الأول للسؤال محذوفاً، والثاني هو «بني إسْرائيلَ» ] ، والتقدير: سَلْ فرعون بني إسرائيل، وعلى هذا: فيجوز أن تكون المسألة من التنازع، وأعمل الثاني؛ إذ التقدير: سل فرعون، فقال فرعون، فأعمل الثاني، فرفع به الفاعل، وحذف المفعول من الأول، وهو المختار من المذهبين. والظاهر غير ذلك كلِّه، وأن المأمور بالسؤال سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبنو إسرائيل كانوا معاصريه. والضمير [في] «إذْ جَاءَهُمْ» : إمَّا للآباء، وإمَّا لهم على حذف مضافٍ، أي: جاء آباءهم. فصل في معنى «واسأل بني إسرائيل» المعنى: فسَلْ، يا محمد، بني إسرائيل؛ إذ جاءهم موسى، يجوز أن يكون الخطاب معه، والمراد غيره، ويجوز أن يكون خاطبه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وأمره بالسؤال؛ ليتبيَّن كذبهم مع قومهم، فقال له فرعون: ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ ياموسى مَسْحُوراً﴾ . وقوله «مَسْحُوراً» : وفيه وجهان: أظهرهما: أنه بمعناه الأصلي، أي: إنك سحرت، فمن ثمَّ؛ اختل كلامك، قال ذلك حين جاءه بما لا تهوى نفسه الخبيثة، قاله الكلبي. وقال ابن عباس: مخدوعاً، وقال: مصروفاً عن الحقِّ. والثاني: أنه بمعنى «فاعل» كميمون ومَشْئُوم، أي: أنت ساحرٌ؛ كقوله: ﴿حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ [الإسراء: 45] . فوضع المفعول موضع الفاعل، قاله الفراء، وأبو عبيدة، وقال ابن جرير: يعطى علم السِّحر؛ فلذلك تأتي بالأعاجيب، يشير لانقلابِ عصاه حيَّة ونحو ذلك. قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ : قرأ الكسائي بضمِّ التاء أسند الفعل لضمير موسى - عليه السلام - أي: إنِّي متحققٌ أن ما جئتُ به هو منزَّلٌ من عند الله تعالى، والباقون بالفتح على إسناده لضمير فرعون، أي: أنت متحقِّقٌ أنَّ ما جئت به هو منزَّل من عند الله، وإنَّما كفرك عنادٌ، وعن عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه أنكر الفتح، وقال: «ما عَلِمَ عدُو الله قطُّ، وإنَّما علمَ مُوسَى» ، [ولَو عَلِمَ، لآمنَ؛] فبلغ ذلك ابن عباس، فاحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14] على أنَّ فرعون وقومه علموا بصحَّة أمر موسى. فصل في الخلاف في أجود القراءتين قال الزجاج: الأجودُ في القراءة الفتحُ؛ لأنَّ علم فرعون بأنَّها آياتٌ نازلةٌ من عند الله أوكد في الاحتجاج، واحتجاج موسى على فرعون بعلم فرعون أوكد من الاحتجاج عليه بعلم نفسه. وأجاب من نصر قراءة عليٍّ عن دليل ابن عباس، فقال قوله: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ﴾ يدلُّ على أنهم استيقنوا أشياء، فأمَّا أنهم استيقنوا كون هذه الأشياء نازلة من عند الله، فليس في الآية ما يدل عليه؛ ويدلُّ بأنَّ فرعون قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: 27] . قال موسى: «لقَدْ عَلْمتَ» . والمعنى: «اعلم أنِّي لستُ بمجنونٍ» ، ولم يثبت عن عليٍّ رفعُ التاء؛ لأنه يروى عن رجلٍ من مرادٍ عن عليٍّ، وذلك الرجل مجهول. واعلم: أن هذه الآيات من عند الله، ولا تشكَّ في ذلك بسبب سفاهتك والجملة المنفيَّة في محلِّ نصبٍ؛ لأنها معلقة للعلم قبلها وتقدير الآية: ما أنزل هؤلاء «الآيات» ؛ ونظيره قوله: [الكامل] 3476 - ... ... ... ... ... . ... والعَيْشَ بَعْدَ أولئك الأيَّام أي: للأمام. قوله: «بَصائِرَ» حالٌ، وفي عاملها قولان: أحدهما: أنه «أنْزلَ» هذا الملفوظ به، وصاحبُ الحال «هؤلاءِ» وإليه ذهب الحوفي، وابن عطيَّة، وأبو البقاء، وهؤلاء يجيزون أن يعمل ما قبل «إلاَّ» فيما بعدها، وإن لم يكن مستثنى، ولا مستثنى منه، ولا تابعاً له. والثاني: - وهو مذهب الجمهور -: أنَّ ما بعد «إلاَّ» لا يكون معمولاً لما قبله، فيقدر لها عامل، تقديره: أنزلها بصائر، وقد تقدَّم نظير هذه في «هود» عند قوله ﴿إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرأي﴾ [هود: 27] . ومعنى «بَصائِرَ» أي: حججاً بيِّنة؛ كأنها بصائر العقول، والمراد: الآيات التِّسع، ثم قال موسى: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُوراً﴾ . قوله: «مَثبُوراً» مفعول ثانٍ، واعترض بين المفعولين بالنِّداء، والمَثبُورُ: المهلك؛ يقال: ثبرهُ الله، أي: أهلكه، قال ابن الزبعرى: [الخفيف] 3477 - إذْ أجَارِي الشَّيطَانَ في سَننِ الغَيْ ... يِ ومَنْ مَالَ مَيلهُ مَثْبُور والثُّبورُ: الهلاكُ؛ قال تعالى: ﴿لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً وَاحِداً﴾ [الفرقان: 14] . وقال ابن عباس: مَثْبُوراً، أي: ملعوناً، وقال الفراء: مصروفاً ممنوعاً عن الخير، والعرب تقول: ما ثبرك عن هذا؟ أي: ما منعك عن هذا، وما صرفك عنه؟ . قال أبو زيدٍ: يقال ثبرت فلاناً عن الشيء، أثبرهُ، أي رددتُّه عنه. فصل في جواب موسى لفرعون بكونه مثبوراً واعلم أنَّ فرعون لمَّا وصف موسى - عليه السلام - بكونه مسحوراً، أجابه موسى بأنَّك مثبورٌ، أي: أنَّ هذه الآيات ظاهراتٌ، ومعجزاتٌ ظاهرةٌ؛ لا يرتاب العاقل في أنَّها من عند الله؛ وأنه أظهرها لأجل تصديقي، وأنت تنكرها حسداً، وعناداً، ومن كان كذلك، كان عاقبته الدَّمار والهلاك. ثم قال تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأرض﴾ . أي: أراد فرعون أن يخرج موسى - عليه السلام - وبني إسرائيل من الأرض أي: أرض مصر. قال الزجاج: لا يبعد أن يكون المراد من استفزازهم إخراجهم منها بالقتل، أو بالتنحية، وتقدَّم الكلام على الاستفزاز، ثم قال: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً﴾ . وهو معنى ما ذكره الله في قوله: ﴿وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43] ، أي: إنَّ فرعون أراد إخراج موسى من أرض مصر؛ لتخلص له تلك البلاد، فأهلك الله فرعون، وجعل تلك الأرض خالصة لموسى ولقومه، وقال من بعد هلاك فرعون لبني إسرائيل: اسكنوا الأرض خالصة لكم، خالية من عدوِّكم، يعني: أرض مصر والشام، ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة﴾ . يعني: القيامة ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ من ههنا وههنا. وفي ﴿لَفِيفاً﴾ : وجهان: أحدهما: أنه حال، وأن أصله مصدر لفَّ يلفُّ لفيفاً؛ نحو: النَّذير والنَّكير، أي: جئنا بكم منضماً بعضكم إلى بعض، من لفَّ الشيء يلفُّه لفًّا، والألفُّ: المتداني الفخذين، وقيل: العظيم البطن. والثاني: أنه اسم جمع، لا واحج له من لفظه، والمعنى: جئنا بكم جميعاً، فهو في قوة التَّأكيد. واللَّفيفُ: الجمع العظيم من أخلاطٍ شتَّى من الشريف، والدنيء، والمطيع، والعاصي، والقويّ، والضعيف، وكل شيءٍ خلطته بشيءٍ آخر، فقد لففته، ومنه قيل: لففتُ الجيوش: إذا ضرب بعضها ببعض.

الإسراء 17:103

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآيات. اعلم أنَّ المقصود من هذا الكلام هو الجواب عن قولهم: لن نؤمن لك؛ حتى تأتينا بهذه المعجزات الباهرة؛ فقال تعالى: ولقد آتينا موسى معجزات مساويات لهذه الأشياء التي طلبتموها، بل أقوى، وأعظم، فلو حصل في علمنا أنَّ جعلها في زمانكم؛ لعلمنا بأنها لا مصلحة في فعلها. واعلم: أنه [أزال] القعدة في لسانه. قال المفسرون: أذهب الأعجمية منه، وبقي فصيحاً. ومنها: انقلاب العصا حيَّة. ومنها: تلقُّف الحية حبالهم وعصيَّهم، مع كثرتها. ومنها: اليد البيضاء من غير سوء. ومنها: الطُّوفان والجراد، والقمَّل، والضَّفادع، والدَّم. ومنها: شقُّ البحر. ومنها: ضربه الحجر بالعصا، فانفجر. ومنها: إظلال الجبل. ومنها: إنزال المنِّ والسلوى عليه وعلى قومه. ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بالسنين وَنَقْصٍ مِّن الثمرات﴾ [الأعراف: 130] لأهل القرى؛ فهذه آيتان. ومنها: الطَّمس على أموالهم، فجعلها حجارة من النَّخيلِ، والدَّقيق، والأطعمة، والدَّراهم والدَّنانير. روي أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب، عن قوله: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ، فذكر محمد بن كعب في جملة التسعة؛ حلَّ عقدة اللِّسان، والطَّمس، فقال عمر بن العزيز: هكذا يجبُ أن يكون الفقيهُ، ثم قال: يا غلامُ، أخرج ذلك الجراب، فأخرجه، فإذا فيه بيضٌ مكسورٌ؛ نصفين، وجوز مكسور، وفول، وحمص، وعدس، كلها حجارة. وإذا كان كذلك، فإنه تعالى ذكر في القرآن أنَّ هذه المعجزات لموسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وتخصيص التسعة بالذِّكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه؛ لأنَّه ثبت في أصول الفقه أنَّ تخصيص العدد بالذكر لا يدلُّ على نفي الزائد؛ وهذه الآية دليل على هذه المسألة. واعلم: أن هذه التسعة قد اتَّفقوا على سبعة منها؛ وهي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وبقي اثنتان اختلفت أقوال المفسرين فيهما، ولمَّا لم تكن تلك الأقوال مستندة إلى حجَّة ظنيَّة؛ فضلاً عن حجة يقينيَّة، لا جرم تركت تلك الروايات. فصل في أجود ما قيل في تفسير التسع آيات في تفسير قوله: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قول هو أجود ما قيل، وهو ما روي عن صفوان بن عسَّالٍ المراديِّ: أن يهوديًّا قال لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله عن تسع الآيات، فقال الآخر: لا تقل: نبي؛ فإنه لو سمع، لصارت له أربعة أعين فأتياه، فسألاه عن هذه الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ . فقال: هِيَ ألاَّ تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النَّفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحقِّ، ولا تَزنُوا، ولا تَأكلُوا الرِّبا، ولا تَسْحرُوا، ولا تمشُوا بالبريءِ للسلطان؛ ليقتله، ولا تسرقوا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تَفرُّوا من الزَّحف، وعليكم - خاصة اليهود - ألاَّ تعذوا في السَّبت، فقام اليهوديَّان يقبِّلان يده، ويقولون: نشهدُ أنَّك نبيٌّ، قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قال اليهودي: إنَّ داود دعا ربَّهُ ألاَّ يزال في ذُريَّته نبيٌّ، وإنَّا نخافُ إن اتَّبعنَاكَ أن تقْتُلنَا يهُودُ. قوله تعالى: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ : [يجوز في «بَيِّنات» ] النصب صفة للعدد، والجر صفة للمعدود. قوله: «إذْ جَاءهُمْ» فيه أوجهٌ: أحدها: أن يكون معمولاً ل «آتيْنا» ويكون قول÷ «فاسْألْ بَنِي إسْرائيلَ» اعتراضاً، وتقديره: ولقد آتينا موسى تسع آياتٍ بيِّناتٍ؛ إذ جاء بني إسرائيل، فسألهم، وعلى هذا التقدير: فليس المطلوبُ من سؤال بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم، بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود بقول علمائهم صدق ما ذكره الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد. والثاني: أنه منصوب بإضمار اذكر. والثالث: أنه منصوبٌ ب «يُخْبرُونكَ» مقدراً. الرابع: أنه منصوب بقولٍ مضمرٍ؛ إذ التقدير: فقلنا له: سل بني إسرائيل حين جاءهم، ذكر هذه الأوجه الزمخشري مرتبة على مقدمة ذكرها قبلُ [قال:] فاسْأَلْ بنِي إسْرائيلَ، أي: فقلنا له: اسأل بني إسرائيل، أي: اسْألهُم عن فرعون، وقل له: أرسل معي بني إسرائيل، أو اسألهم عن إيمانهم، وحال دينهم، أو اسألهم أن يعاضدوك. ويدل عليه قراءة رسول الله «فَسَألَ» على لفظ الماضي، بغير همزٍ، وهي لغة قريشٍ. وقيل: فَسلْ، يا رسول الله، المُؤمنَ من بني إسرائيل؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه عن الآيات؛ ليزدادوا يقيناً وطمأنينة؛ كقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] [ثم قال:] فإن قيل بم تعلق «إذْ جَاءهُمْ» ؟ فالجواب: أمَّا على الوجه الأول: فبالقول المحذوف، [أي] : فقلنا له، سلهم حين جاءهم، أو ب «سَالَ» في القراءة الثانية، وأمَّا على الآخر فب «آتَيْنَا» أو بإضمار «اذكر» أو ب «يُخْبرونَكَ» ومعنى «إذْ جَاءهُمْ» «إذ جاء آباءهم» ، انتهى. قال أبو حيان: «لا يتأتَّى تعلقه ب» اذْكُر «ولا ب» يُخْبرُونَكَ «؛ لأنه ظرف ماضٍ» . قال شهاب الدين: إذا جعله معمولاً ل «اذْكُر» ، أو ل «يُخْبرُونكَ» لم يجعله ظرفاً، بل مفعولاً به، كما تقرَّر مراراً. الوجه الخامس: أنه مفعول به، والعامل فيه «فَسلْ» . قال أبو البقاء: «فيه وجهان: أحدهما: هو مفعول به ب» اسْألْ «على المعنى إذ التقدير: اذكر لبني إسرائيل؛ إذ جاءهم، وقيل: التقدير: اذكر إذا جاءهم وهي غير» اذكُر «الذي قدَّرت به» اسْأل «» ، يعني: أن «اذكر» المقدرة غير «اذكُر» التي فسَّرت «اسألْ» بها؛ وهذا يؤيِّد ما تقدَّم من أنهم، إذا قدروا «اذكُر» جعلوا «إدْ» مفعولاً به، لا ظرفاً. إلا أنَّ أبا البقاء ذكر [حال] كونه ظرفاً، ما يقتضي أن يعمل فيه فعلٌ مستقبل، فقال: «والثاني: أن يكون ظرفاً، وفي العامل وجوه: أحدها:» آتيْنا» . والثاني: «قلنا» مضمرة. والثالث: [ «قُل» ] ، تقديره: قل لخصمك: سل؛ والمراد به فرعون، أي: قل، يا موسى، وكان الوجه أن يقال: إذ جئتهم بالفتح، فخرج من الخطاب، إلى الغيبة» . فظاهر الوجه الثالث: أن العامل فيه «قُلْ» وهو ظرف ماض، على أنَّ هذا المعنى الذي نحا إليه ليس بشيء؛ إذ يرجع إلى: يا موسى، قل لفرعون: يا فرعون سل بني إسرائيل، فيعود فرعون هو السائل لبني إسرائيل، وليس المراد ذلك قطعاً، وعلى التقدير الذي تقدم عن الزمخشري - وهو أن المعنى: يا موسى، سل بني إسرائيل، [أي: اطلبهم من فرعون - يكون المفعول الأول للسؤال محذوفاً، والثاني هو «بني إسْرائيلَ» ] ، والتقدير: سَلْ فرعون بني إسرائيل، وعلى هذا: فيجوز أن تكون المسألة من التنازع، وأعمل الثاني؛ إذ التقدير: سل فرعون، فقال فرعون، فأعمل الثاني، فرفع به الفاعل، وحذف المفعول من الأول، وهو المختار من المذهبين. والظاهر غير ذلك كلِّه، وأن المأمور بالسؤال سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبنو إسرائيل كانوا معاصريه. والضمير [في] «إذْ جَاءَهُمْ» : إمَّا للآباء، وإمَّا لهم على حذف مضافٍ، أي: جاء آباءهم. فصل في معنى «واسأل بني إسرائيل» المعنى: فسَلْ، يا محمد، بني إسرائيل؛ إذ جاءهم موسى، يجوز أن يكون الخطاب معه، والمراد غيره، ويجوز أن يكون خاطبه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وأمره بالسؤال؛ ليتبيَّن كذبهم مع قومهم، فقال له فرعون: ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ ياموسى مَسْحُوراً﴾ . وقوله «مَسْحُوراً» : وفيه وجهان: أظهرهما: أنه بمعناه الأصلي، أي: إنك سحرت، فمن ثمَّ؛ اختل كلامك، قال ذلك حين جاءه بما لا تهوى نفسه الخبيثة، قاله الكلبي. وقال ابن عباس: مخدوعاً، وقال: مصروفاً عن الحقِّ. والثاني: أنه بمعنى «فاعل» كميمون ومَشْئُوم، أي: أنت ساحرٌ؛ كقوله: ﴿حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ [الإسراء: 45] . فوضع المفعول موضع الفاعل، قاله الفراء، وأبو عبيدة، وقال ابن جرير: يعطى علم السِّحر؛ فلذلك تأتي بالأعاجيب، يشير لانقلابِ عصاه حيَّة ونحو ذلك. قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ : قرأ الكسائي بضمِّ التاء أسند الفعل لضمير موسى - عليه السلام - أي: إنِّي متحققٌ أن ما جئتُ به هو منزَّلٌ من عند الله تعالى، والباقون بالفتح على إسناده لضمير فرعون، أي: أنت متحقِّقٌ أنَّ ما جئت به هو منزَّل من عند الله، وإنَّما كفرك عنادٌ، وعن عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه أنكر الفتح، وقال: «ما عَلِمَ عدُو الله قطُّ، وإنَّما علمَ مُوسَى» ، [ولَو عَلِمَ، لآمنَ؛] فبلغ ذلك ابن عباس، فاحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14] على أنَّ فرعون وقومه علموا بصحَّة أمر موسى. فصل في الخلاف في أجود القراءتين قال الزجاج: الأجودُ في القراءة الفتحُ؛ لأنَّ علم فرعون بأنَّها آياتٌ نازلةٌ من عند الله أوكد في الاحتجاج، واحتجاج موسى على فرعون بعلم فرعون أوكد من الاحتجاج عليه بعلم نفسه. وأجاب من نصر قراءة عليٍّ عن دليل ابن عباس، فقال قوله: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ﴾ يدلُّ على أنهم استيقنوا أشياء، فأمَّا أنهم استيقنوا كون هذه الأشياء نازلة من عند الله، فليس في الآية ما يدل عليه؛ ويدلُّ بأنَّ فرعون قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: 27] . قال موسى: «لقَدْ عَلْمتَ» . والمعنى: «اعلم أنِّي لستُ بمجنونٍ» ، ولم يثبت عن عليٍّ رفعُ التاء؛ لأنه يروى عن رجلٍ من مرادٍ عن عليٍّ، وذلك الرجل مجهول. واعلم: أن هذه الآيات من عند الله، ولا تشكَّ في ذلك بسبب سفاهتك والجملة المنفيَّة في محلِّ نصبٍ؛ لأنها معلقة للعلم قبلها وتقدير الآية: ما أنزل هؤلاء «الآيات» ؛ ونظيره قوله: [الكامل] 3476 - ... ... ... ... ... . ... والعَيْشَ بَعْدَ أولئك الأيَّام أي: للأمام. قوله: «بَصائِرَ» حالٌ، وفي عاملها قولان: أحدهما: أنه «أنْزلَ» هذا الملفوظ به، وصاحبُ الحال «هؤلاءِ» وإليه ذهب الحوفي، وابن عطيَّة، وأبو البقاء، وهؤلاء يجيزون أن يعمل ما قبل «إلاَّ» فيما بعدها، وإن لم يكن مستثنى، ولا مستثنى منه، ولا تابعاً له. والثاني: - وهو مذهب الجمهور -: أنَّ ما بعد «إلاَّ» لا يكون معمولاً لما قبله، فيقدر لها عامل، تقديره: أنزلها بصائر، وقد تقدَّم نظير هذه في «هود» عند قوله ﴿إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرأي﴾ [هود: 27] . ومعنى «بَصائِرَ» أي: حججاً بيِّنة؛ كأنها بصائر العقول، والمراد: الآيات التِّسع، ثم قال موسى: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُوراً﴾ . قوله: «مَثبُوراً» مفعول ثانٍ، واعترض بين المفعولين بالنِّداء، والمَثبُورُ: المهلك؛ يقال: ثبرهُ الله، أي: أهلكه، قال ابن الزبعرى: [الخفيف] 3477 - إذْ أجَارِي الشَّيطَانَ في سَننِ الغَيْ ... يِ ومَنْ مَالَ مَيلهُ مَثْبُور والثُّبورُ: الهلاكُ؛ قال تعالى: ﴿لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً وَاحِداً﴾ [الفرقان: 14] . وقال ابن عباس: مَثْبُوراً، أي: ملعوناً، وقال الفراء: مصروفاً ممنوعاً عن الخير، والعرب تقول: ما ثبرك عن هذا؟ أي: ما منعك عن هذا، وما صرفك عنه؟ . قال أبو زيدٍ: يقال ثبرت فلاناً عن الشيء، أثبرهُ، أي رددتُّه عنه. فصل في جواب موسى لفرعون بكونه مثبوراً واعلم أنَّ فرعون لمَّا وصف موسى - عليه السلام - بكونه مسحوراً، أجابه موسى بأنَّك مثبورٌ، أي: أنَّ هذه الآيات ظاهراتٌ، ومعجزاتٌ ظاهرةٌ؛ لا يرتاب العاقل في أنَّها من عند الله؛ وأنه أظهرها لأجل تصديقي، وأنت تنكرها حسداً، وعناداً، ومن كان كذلك، كان عاقبته الدَّمار والهلاك. ثم قال تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأرض﴾ . أي: أراد فرعون أن يخرج موسى - عليه السلام - وبني إسرائيل من الأرض أي: أرض مصر. قال الزجاج: لا يبعد أن يكون المراد من استفزازهم إخراجهم منها بالقتل، أو بالتنحية، وتقدَّم الكلام على الاستفزاز، ثم قال: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً﴾ . وهو معنى ما ذكره الله في قوله: ﴿وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43] ، أي: إنَّ فرعون أراد إخراج موسى من أرض مصر؛ لتخلص له تلك البلاد، فأهلك الله فرعون، وجعل تلك الأرض خالصة لموسى ولقومه، وقال من بعد هلاك فرعون لبني إسرائيل: اسكنوا الأرض خالصة لكم، خالية من عدوِّكم، يعني: أرض مصر والشام، ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة﴾ . يعني: القيامة ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ من ههنا وههنا. وفي ﴿لَفِيفاً﴾ : وجهان: أحدهما: أنه حال، وأن أصله مصدر لفَّ يلفُّ لفيفاً؛ نحو: النَّذير والنَّكير، أي: جئنا بكم منضماً بعضكم إلى بعض، من لفَّ الشيء يلفُّه لفًّا، والألفُّ: المتداني الفخذين، وقيل: العظيم البطن. والثاني: أنه اسم جمع، لا واحج له من لفظه، والمعنى: جئنا بكم جميعاً، فهو في قوة التَّأكيد. واللَّفيفُ: الجمع العظيم من أخلاطٍ شتَّى من الشريف، والدنيء، والمطيع، والعاصي، والقويّ، والضعيف، وكل شيءٍ خلطته بشيءٍ آخر، فقد لففته، ومنه قيل: لففتُ الجيوش: إذا ضرب بعضها ببعض.

الإسراء 17:104

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآيات. اعلم أنَّ المقصود من هذا الكلام هو الجواب عن قولهم: لن نؤمن لك؛ حتى تأتينا بهذه المعجزات الباهرة؛ فقال تعالى: ولقد آتينا موسى معجزات مساويات لهذه الأشياء التي طلبتموها، بل أقوى، وأعظم، فلو حصل في علمنا أنَّ جعلها في زمانكم؛ لعلمنا بأنها لا مصلحة في فعلها. واعلم: أنه [أزال] القعدة في لسانه. قال المفسرون: أذهب الأعجمية منه، وبقي فصيحاً. ومنها: انقلاب العصا حيَّة. ومنها: تلقُّف الحية حبالهم وعصيَّهم، مع كثرتها. ومنها: اليد البيضاء من غير سوء. ومنها: الطُّوفان والجراد، والقمَّل، والضَّفادع، والدَّم. ومنها: شقُّ البحر. ومنها: ضربه الحجر بالعصا، فانفجر. ومنها: إظلال الجبل. ومنها: إنزال المنِّ والسلوى عليه وعلى قومه. ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بالسنين وَنَقْصٍ مِّن الثمرات﴾ [الأعراف: 130] لأهل القرى؛ فهذه آيتان. ومنها: الطَّمس على أموالهم، فجعلها حجارة من النَّخيلِ، والدَّقيق، والأطعمة، والدَّراهم والدَّنانير. روي أن عمر بن عبد العزيز سأل محمد بن كعب، عن قوله: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ، فذكر محمد بن كعب في جملة التسعة؛ حلَّ عقدة اللِّسان، والطَّمس، فقال عمر بن العزيز: هكذا يجبُ أن يكون الفقيهُ، ثم قال: يا غلامُ، أخرج ذلك الجراب، فأخرجه، فإذا فيه بيضٌ مكسورٌ؛ نصفين، وجوز مكسور، وفول، وحمص، وعدس، كلها حجارة. وإذا كان كذلك، فإنه تعالى ذكر في القرآن أنَّ هذه المعجزات لموسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وتخصيص التسعة بالذِّكر لا يقدح فيه ثبوت الزائد عليه؛ لأنَّه ثبت في أصول الفقه أنَّ تخصيص العدد بالذكر لا يدلُّ على نفي الزائد؛ وهذه الآية دليل على هذه المسألة. واعلم: أن هذه التسعة قد اتَّفقوا على سبعة منها؛ وهي: العصا، واليد، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وبقي اثنتان اختلفت أقوال المفسرين فيهما، ولمَّا لم تكن تلك الأقوال مستندة إلى حجَّة ظنيَّة؛ فضلاً عن حجة يقينيَّة، لا جرم تركت تلك الروايات. فصل في أجود ما قيل في تفسير التسع آيات في تفسير قوله: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قول هو أجود ما قيل، وهو ما روي عن صفوان بن عسَّالٍ المراديِّ: أن يهوديًّا قال لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله عن تسع الآيات، فقال الآخر: لا تقل: نبي؛ فإنه لو سمع، لصارت له أربعة أعين فأتياه، فسألاه عن هذه الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ . فقال: هِيَ ألاَّ تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النَّفس التي حرَّم الله إلاَّ بالحقِّ، ولا تَزنُوا، ولا تَأكلُوا الرِّبا، ولا تَسْحرُوا، ولا تمشُوا بالبريءِ للسلطان؛ ليقتله، ولا تسرقوا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تَفرُّوا من الزَّحف، وعليكم - خاصة اليهود - ألاَّ تعذوا في السَّبت، فقام اليهوديَّان يقبِّلان يده، ويقولون: نشهدُ أنَّك نبيٌّ، قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قال اليهودي: إنَّ داود دعا ربَّهُ ألاَّ يزال في ذُريَّته نبيٌّ، وإنَّا نخافُ إن اتَّبعنَاكَ أن تقْتُلنَا يهُودُ. قوله تعالى: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ : [يجوز في «بَيِّنات» ] النصب صفة للعدد، والجر صفة للمعدود. قوله: «إذْ جَاءهُمْ» فيه أوجهٌ: أحدها: أن يكون معمولاً ل «آتيْنا» ويكون قول÷ «فاسْألْ بَنِي إسْرائيلَ» اعتراضاً، وتقديره: ولقد آتينا موسى تسع آياتٍ بيِّناتٍ؛ إذ جاء بني إسرائيل، فسألهم، وعلى هذا التقدير: فليس المطلوبُ من سؤال بني إسرائيل أن يستفيد هذا العلم منهم، بل المقصود أن يظهر لعامة اليهود بقول علمائهم صدق ما ذكره الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد. والثاني: أنه منصوب بإضمار اذكر. والثالث: أنه منصوبٌ ب «يُخْبرُونكَ» مقدراً. الرابع: أنه منصوب بقولٍ مضمرٍ؛ إذ التقدير: فقلنا له: سل بني إسرائيل حين جاءهم، ذكر هذه الأوجه الزمخشري مرتبة على مقدمة ذكرها قبلُ [قال:] فاسْأَلْ بنِي إسْرائيلَ، أي: فقلنا له: اسأل بني إسرائيل، أي: اسْألهُم عن فرعون، وقل له: أرسل معي بني إسرائيل، أو اسألهم عن إيمانهم، وحال دينهم، أو اسألهم أن يعاضدوك. ويدل عليه قراءة رسول الله «فَسَألَ» على لفظ الماضي، بغير همزٍ، وهي لغة قريشٍ. وقيل: فَسلْ، يا رسول الله، المُؤمنَ من بني إسرائيل؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه عن الآيات؛ ليزدادوا يقيناً وطمأنينة؛ كقوله: ﴿وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] [ثم قال:] فإن قيل بم تعلق «إذْ جَاءهُمْ» ؟ فالجواب: أمَّا على الوجه الأول: فبالقول المحذوف، [أي] : فقلنا له، سلهم حين جاءهم، أو ب «سَالَ» في القراءة الثانية، وأمَّا على الآخر فب «آتَيْنَا» أو بإضمار «اذكر» أو ب «يُخْبرونَكَ» ومعنى «إذْ جَاءهُمْ» «إذ جاء آباءهم» ، انتهى. قال أبو حيان: «لا يتأتَّى تعلقه ب» اذْكُر «ولا ب» يُخْبرُونَكَ «؛ لأنه ظرف ماضٍ» . قال شهاب الدين: إذا جعله معمولاً ل «اذْكُر» ، أو ل «يُخْبرُونكَ» لم يجعله ظرفاً، بل مفعولاً به، كما تقرَّر مراراً. الوجه الخامس: أنه مفعول به، والعامل فيه «فَسلْ» . قال أبو البقاء: «فيه وجهان: أحدهما: هو مفعول به ب» اسْألْ «على المعنى إذ التقدير: اذكر لبني إسرائيل؛ إذ جاءهم، وقيل: التقدير: اذكر إذا جاءهم وهي غير» اذكُر «الذي قدَّرت به» اسْأل «» ، يعني: أن «اذكر» المقدرة غير «اذكُر» التي فسَّرت «اسألْ» بها؛ وهذا يؤيِّد ما تقدَّم من أنهم، إذا قدروا «اذكُر» جعلوا «إدْ» مفعولاً به، لا ظرفاً. إلا أنَّ أبا البقاء ذكر [حال] كونه ظرفاً، ما يقتضي أن يعمل فيه فعلٌ مستقبل، فقال: «والثاني: أن يكون ظرفاً، وفي العامل وجوه: أحدها:» آتيْنا» . والثاني: «قلنا» مضمرة. والثالث: [ «قُل» ] ، تقديره: قل لخصمك: سل؛ والمراد به فرعون، أي: قل، يا موسى، وكان الوجه أن يقال: إذ جئتهم بالفتح، فخرج من الخطاب، إلى الغيبة» . فظاهر الوجه الثالث: أن العامل فيه «قُلْ» وهو ظرف ماض، على أنَّ هذا المعنى الذي نحا إليه ليس بشيء؛ إذ يرجع إلى: يا موسى، قل لفرعون: يا فرعون سل بني إسرائيل، فيعود فرعون هو السائل لبني إسرائيل، وليس المراد ذلك قطعاً، وعلى التقدير الذي تقدم عن الزمخشري - وهو أن المعنى: يا موسى، سل بني إسرائيل، [أي: اطلبهم من فرعون - يكون المفعول الأول للسؤال محذوفاً، والثاني هو «بني إسْرائيلَ» ] ، والتقدير: سَلْ فرعون بني إسرائيل، وعلى هذا: فيجوز أن تكون المسألة من التنازع، وأعمل الثاني؛ إذ التقدير: سل فرعون، فقال فرعون، فأعمل الثاني، فرفع به الفاعل، وحذف المفعول من الأول، وهو المختار من المذهبين. والظاهر غير ذلك كلِّه، وأن المأمور بالسؤال سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وبنو إسرائيل كانوا معاصريه. والضمير [في] «إذْ جَاءَهُمْ» : إمَّا للآباء، وإمَّا لهم على حذف مضافٍ، أي: جاء آباءهم. فصل في معنى «واسأل بني إسرائيل» المعنى: فسَلْ، يا محمد، بني إسرائيل؛ إذ جاءهم موسى، يجوز أن يكون الخطاب معه، والمراد غيره، ويجوز أن يكون خاطبه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وأمره بالسؤال؛ ليتبيَّن كذبهم مع قومهم، فقال له فرعون: ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ ياموسى مَسْحُوراً﴾ . وقوله «مَسْحُوراً» : وفيه وجهان: أظهرهما: أنه بمعناه الأصلي، أي: إنك سحرت، فمن ثمَّ؛ اختل كلامك، قال ذلك حين جاءه بما لا تهوى نفسه الخبيثة، قاله الكلبي. وقال ابن عباس: مخدوعاً، وقال: مصروفاً عن الحقِّ. والثاني: أنه بمعنى «فاعل» كميمون ومَشْئُوم، أي: أنت ساحرٌ؛ كقوله: ﴿حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ [الإسراء: 45] . فوضع المفعول موضع الفاعل، قاله الفراء، وأبو عبيدة، وقال ابن جرير: يعطى علم السِّحر؛ فلذلك تأتي بالأعاجيب، يشير لانقلابِ عصاه حيَّة ونحو ذلك. قوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ : قرأ الكسائي بضمِّ التاء أسند الفعل لضمير موسى - عليه السلام - أي: إنِّي متحققٌ أن ما جئتُ به هو منزَّلٌ من عند الله تعالى، والباقون بالفتح على إسناده لضمير فرعون، أي: أنت متحقِّقٌ أنَّ ما جئت به هو منزَّل من عند الله، وإنَّما كفرك عنادٌ، وعن عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه أنكر الفتح، وقال: «ما عَلِمَ عدُو الله قطُّ، وإنَّما علمَ مُوسَى» ، [ولَو عَلِمَ، لآمنَ؛] فبلغ ذلك ابن عباس، فاحتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14] على أنَّ فرعون وقومه علموا بصحَّة أمر موسى. فصل في الخلاف في أجود القراءتين قال الزجاج: الأجودُ في القراءة الفتحُ؛ لأنَّ علم فرعون بأنَّها آياتٌ نازلةٌ من عند الله أوكد في الاحتجاج، واحتجاج موسى على فرعون بعلم فرعون أوكد من الاحتجاج عليه بعلم نفسه. وأجاب من نصر قراءة عليٍّ عن دليل ابن عباس، فقال قوله: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ﴾ يدلُّ على أنهم استيقنوا أشياء، فأمَّا أنهم استيقنوا كون هذه الأشياء نازلة من عند الله، فليس في الآية ما يدل عليه؛ ويدلُّ بأنَّ فرعون قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: 27] . قال موسى: «لقَدْ عَلْمتَ» . والمعنى: «اعلم أنِّي لستُ بمجنونٍ» ، ولم يثبت عن عليٍّ رفعُ التاء؛ لأنه يروى عن رجلٍ من مرادٍ عن عليٍّ، وذلك الرجل مجهول. واعلم: أن هذه الآيات من عند الله، ولا تشكَّ في ذلك بسبب سفاهتك والجملة المنفيَّة في محلِّ نصبٍ؛ لأنها معلقة للعلم قبلها وتقدير الآية: ما أنزل هؤلاء «الآيات» ؛ ونظيره قوله: [الكامل] 3476 - ... ... ... ... ... . ... والعَيْشَ بَعْدَ أولئك الأيَّام أي: للأمام. قوله: «بَصائِرَ» حالٌ، وفي عاملها قولان: أحدهما: أنه «أنْزلَ» هذا الملفوظ به، وصاحبُ الحال «هؤلاءِ» وإليه ذهب الحوفي، وابن عطيَّة، وأبو البقاء، وهؤلاء يجيزون أن يعمل ما قبل «إلاَّ» فيما بعدها، وإن لم يكن مستثنى، ولا مستثنى منه، ولا تابعاً له. والثاني: - وهو مذهب الجمهور -: أنَّ ما بعد «إلاَّ» لا يكون معمولاً لما قبله، فيقدر لها عامل، تقديره: أنزلها بصائر، وقد تقدَّم نظير هذه في «هود» عند قوله ﴿إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرأي﴾ [هود: 27] . ومعنى «بَصائِرَ» أي: حججاً بيِّنة؛ كأنها بصائر العقول، والمراد: الآيات التِّسع، ثم قال موسى: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُوراً﴾ . قوله: «مَثبُوراً» مفعول ثانٍ، واعترض بين المفعولين بالنِّداء، والمَثبُورُ: المهلك؛ يقال: ثبرهُ الله، أي: أهلكه، قال ابن الزبعرى: [الخفيف] 3477 - إذْ أجَارِي الشَّيطَانَ في سَننِ الغَيْ ... يِ ومَنْ مَالَ مَيلهُ مَثْبُور والثُّبورُ: الهلاكُ؛ قال تعالى: ﴿لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً وَاحِداً﴾ [الفرقان: 14] . وقال ابن عباس: مَثْبُوراً، أي: ملعوناً، وقال الفراء: مصروفاً ممنوعاً عن الخير، والعرب تقول: ما ثبرك عن هذا؟ أي: ما منعك عن هذا، وما صرفك عنه؟ . قال أبو زيدٍ: يقال ثبرت فلاناً عن الشيء، أثبرهُ، أي رددتُّه عنه. فصل في جواب موسى لفرعون بكونه مثبوراً واعلم أنَّ فرعون لمَّا وصف موسى - عليه السلام - بكونه مسحوراً، أجابه موسى بأنَّك مثبورٌ، أي: أنَّ هذه الآيات ظاهراتٌ، ومعجزاتٌ ظاهرةٌ؛ لا يرتاب العاقل في أنَّها من عند الله؛ وأنه أظهرها لأجل تصديقي، وأنت تنكرها حسداً، وعناداً، ومن كان كذلك، كان عاقبته الدَّمار والهلاك. ثم قال تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأرض﴾ . أي: أراد فرعون أن يخرج موسى - عليه السلام - وبني إسرائيل من الأرض أي: أرض مصر. قال الزجاج: لا يبعد أن يكون المراد من استفزازهم إخراجهم منها بالقتل، أو بالتنحية، وتقدَّم الكلام على الاستفزاز، ثم قال: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً﴾ . وهو معنى ما ذكره الله في قوله: ﴿وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43] ، أي: إنَّ فرعون أراد إخراج موسى من أرض مصر؛ لتخلص له تلك البلاد، فأهلك الله فرعون، وجعل تلك الأرض خالصة لموسى ولقومه، وقال من بعد هلاك فرعون لبني إسرائيل: اسكنوا الأرض خالصة لكم، خالية من عدوِّكم، يعني: أرض مصر والشام، ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة﴾ . يعني: القيامة ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ من ههنا وههنا. وفي ﴿لَفِيفاً﴾ : وجهان: أحدهما: أنه حال، وأن أصله مصدر لفَّ يلفُّ لفيفاً؛ نحو: النَّذير والنَّكير، أي: جئنا بكم منضماً بعضكم إلى بعض، من لفَّ الشيء يلفُّه لفًّا، والألفُّ: المتداني الفخذين، وقيل: العظيم البطن. والثاني: أنه اسم جمع، لا واحج له من لفظه، والمعنى: جئنا بكم جميعاً، فهو في قوة التَّأكيد. واللَّفيفُ: الجمع العظيم من أخلاطٍ شتَّى من الشريف، والدنيء، والمطيع، والعاصي، والقويّ، والضعيف، وكل شيءٍ خلطته بشيءٍ آخر، فقد لففته، ومنه قيل: لففتُ الجيوش: إذا ضرب بعضها ببعض.

الإسراء 17:105

قوله: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ الآية. لما بيَّن أن القرآن معجز قاهر دالٌّ على الصدق في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن﴾ [الإسراء: 88] . ثم حكى عن الكفار أنَّهم لم يكتفوا بهذا المعجز، بل طلبوا أشياء أخر، ثم أجاب تعالى بأنَّه لا حاجة إلى إظهار معجزاتٍ أخر، وبيَّن ذلك بوجوهٍ كثيرةٍ: منها: أنَّ قوم موسى آتاهم تسع آيات بيِّناتٍ، فلما جحدوا بها أهلكهم الله، فكذا ههنا، أي: أنَّ المعجزات التي اقترحها قوم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثمَّ كفروا بها؛ فوجب إنزال عذاب الاستئصال بهم، وذلك غير جائزٍ في الحكمة؛ لعلمه تعالى أنَّ فيهم من يؤمن، أو من يظهر من نسله مؤمنٌ. لمَّا تمَّ هذا الجواب، عاد إلى حال تعظيم القرآن؛ فقال: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ﴾ ، أي: ما أردنا بإنزاله إلاَّ إظهار الحقِّ. قوله: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ : في هذا الجار ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق ب «أنْزَلْنَاهُ» ، والباء سببية، أي: أنزلناه بسبب الحقِّ. والثاني: أنه حال من مفعول «أنْزَلنَاهُ» ، أي: ومعه الحقُّ. فتكون الباء بمعنى «مَعَ» قاله الفارسي؛ كما تقول: نزل بعدَّته، وخرج بسلاحه. والثالث: أنه حال من فاعله، أي: ملتبسين بالحق، وعلى هذين الوجهين يتعلق بمحذوف. والضمير في «أنْزلْنَاهُ» الظاهر عوده للقرآن: إمَّا الملفوظ به في قوله قبل ذلك ﴿على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؛ ويكون ذلك جرياً على قاعدة أساليب كلامهم، وهو أن يستطرد المتكلمُ في ذكر شيءٍ لم يسبق له كلامه أولاً، ثم يعود إلى كلامه الأول. وإمَّا للقرآن غير الملفوظ أولاً؛ لدلالة الحال عليه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3] وقيل: يعود على موسى؛ كقوله: ﴿وَأَنزْلْنَا الحديد﴾ [الحديد: 25] ، وقيل: على الوعد، وقيل: على الآيات التِّسعِ، وذكر الضمير، وأفرده؛ حملاً على معنى الدليل والبرهان. قوله: «وبالحقِّ نَزلَ» فيه الوجهان الأولان، دون الثالث؛ لعدم ضميرٍ آخر غير ضمير القرآن لاحتمال أن يكون التقدير: نزل بالحقِّ؛ كما تقول: نزلت بزيدٍ، وعلى هذا التقدير: فالحق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها للتأكيد؛ وذلك أنه يقال: أنزلته، فنزل، وأنزلته فلم ينزل؛ فجيء بقوله «وبالحقِّ نَزلَ» ؛ دفعاً لهذا الوهم، وقيل: لست للتأكيد، والمغايرة تحصل بالتغاير بين الحقَّين، فالحق الأول التوحيد، والثاني الوعد والوعيد، والمر والنهي، وقال الزمخشري: «وما أنزلنا القرآن إلاَّ بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحق والحكمة؛ لاشتماله على الهداية إلى كلِّ خيرٍ، أو ما أنزلناه من المسماء إلا بالحقِّ محفوظاً بالرَّصدِ من الملائكةِ، وما نزل على الرسول إلاَّ محفوظاً بهم من تخليط الشياطين» ، و «مبشِّراً ونذيراً» : حالان من مفعول «أرْسلْنَاكَ» مبشراً للمطيعين، ونذيراً للعاصين، فإن قبلوا الدِّين الحقَّ، انتفعوا به، وإلا فليس عليك من كفرهم [شيءٌ] . قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾ الآية: في نصب «قُرْآناً» أوجه: أظهرها: أنه منصوب بفعل مقدر، أي: «وآتَيْناكَ قُرآناً» يدل عليه قوله ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى﴾ [الإسراء: 101] . الثاني: أنه منصوبٌ؛ عطفاً على الكاف في «أرْسَلْنَاكَ» ؛ قال ابن عطية: «من حيثُ كان إرسالُ هذا، وإنزال هذا بمعنى واحدٍ» . الثالث: أنه منصوب؛ عطفاً على «مُبشِّراً ونذيراً» قال الفراء: «هو منصوبٌ ب» أرْسَلناكَ «، أي: ما أرسلناك إلا مبشِّراً ونذيراً وقرآناً؛ كما تقول: ورحمة يعني: لأن القرآن رحمةٌ» ، بمعنى أنه جعل نفس القرآن مراداً به الرحمة؛ مبالغة، ولو ادَّعى ذلك على حذفِ مضافٍ، كان أقرب، أي: «وذا قرآنٍ» وهذان الوجهان متكلَّفان. الرابع: أن ينتصب على الاشتغال، أي: وفرقنا قُرآناً فرقناه، واعتذر أبو حيان عن ذلك، أي: عن كونه لا يصحُّ الابتداء به، لو جعلناه مبتدأ؛ لعدم مسوغٍ؛ لأنه لا يجوز الاشتغال إلا حيث يجوز في ذلك الاسم الابتداء، بأنَّ ثمَّ صفة محذوفة، تقديره: وقرآناً أي قرآن، بمعنى عظيم، و «فَرقْنَاهُ» على هذا: لا محل له؛ بخلاف الأوجه المتقدمة؛ فإن محلَّه النصب؛ لأنَّه نعتٌ ل «قُرآناً» . وقرأ العامة «فَرقْناهُ» بالتخفيف، أي: بيَّنا حلاله وحرامه، أو فرقنا فيه بين الحق والباطل، وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ - كرَّم الله وجهه - وأبيٌّ، وعبد الله، وابن عباس والشعبي، وقتادة، وحميدٌ في آخرين بالتشديد، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّ التضعيف فيه للتكثير، أي: فرَّقنا آياته بين أمرٍ ونهيٍ، وحكمٍ وأحكامٍ، ومواعظ وأمثال، وقصصٍ وأخبار ماضية ومستقبلة. والثاني: أنه دالٍّ على التفريق والتنجيم. قال الزمخشريُّ: «وعن ابن عباس: أنه قرأ مشدداً، وقال: لم ينزل في يومين، ولا في ثلاثة، بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة، يعني أنَّ» فرقَ «بالتخفيف يدل على فصل متقاربٍ» . قال أبو حيان: «وقال بعضُ من اختار ذلك - يعني التنجيم - لم ينزل في يوم، ولا يومين، ولا شهرٍ، ولا شهرين، ولا سنة، ولا سنتين؛ قال ابن عبَّاس: كان بين أوله، وآخره عشرون سنة، كذا قال الزمخشريُّ، عن ابن عباس» . قال شهاب الدين: ظاهر هذا: أنَّ القول بالتنجيم: ليس مرويًّا عن ابن عباس، ولا سيما وقد فصل قوله «قَالَ ابن عبَّاسٍ» من قوله «وقال بعض من اختار ذلك» ، ومقصوده أنه لم يسنده لابن عباس؛ ليتمَّ له الردُّ على الزمخشري في أنَّ «فَعَّل» بالتشديد لا يدلُّ على التفريق، وقد تقدم له معه هذا المبحث أوَّل هذا الموضوع. قال ابن الخطيب: والاختيار عند الأئمة: «فَرقْنَاهُ» بالتخفيف، وفسَّره أبو عمرو: بيَّناه. قال ابو عبيدة: التخفيف أعجبُ غليَّ؛ لأنَّ معناه: بينَّاه، ومن قرأ بالتشديد، لم يكن له معنًى إلا أنه أنزل متفرِّقاً، [فالتفرُّق] يتضمَّن التَّبيين، ويؤكِّده ما رواه ثعلبٌ عن ابن الأعرابيِّ أنه قال: فَرقتُ، أو أفْرَقتُ بين الكلامِ، وفرَّقتُ بين الأجسامِ؛ ويدلُّ عليه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «البَيِّعانِ بالخِيَارِ، ما لمْ يتفرَّقا» ولم يقل: «يَفْترِقَا» . فصل في نزول القرآن مفرقاً قال ابن الخطيب: إنَّ القوم قالوا: هَبْ أنَّ هذا القرآن معجز، إلا أنه بتقدير أن يكون الأمر كذلك، فكان من الواجب أن ينزله الله عليك دفعة واحدة؛ ليظهر فيه وجه الإعجاز؛ فجعلوا إتيان الرسول به مفرَّقاً شبهة في أنَّه يتفكَّر في فصل فصل، ويقرؤه عليهم، فأجاب الله عن ذلك أنه إنَّما فرَّقه ليكون حفظه أسهل؛ ولتكون الإحاطة والوقوف على دلائله، وحقائقه، ودقائقه أكمل. قال سعيد بن جبير: نزل القرآن كلُّه في ليلة القدر من السَّماء العليا إلى السَّماء السفلى، ثم فصل في السِّنين التي نزل فيها، ومعنى الآية: قطَّعناه آية آية، وسورة وسورة. قوله: «لتَقْرَأهُ» متعلق ب «فَرقْنَاهُ» ، وقوله «عَلَى مُكْثٍ» فيه ثلاثةُ أوجه: الأول: أنه متعلِّق بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الفاعل، أو المفعول في «لتَقْرَأهُ» ، أي: متمهِّلاً مترسِّلاً. الثاني: أنه بدلٌ من «عَلَى النَّاس» قاله الحوفيُّ، وهو وهمٌ؛ لأنَّ قوله «عَلى مُكثٍ» من صفاتِ القارئ، أو المقرُوءِ من وجهة المعنى، لا من صفات الناس؛ حتى يكون بدلاً منهم. الثالث: أنه متعلق ب «فَرقنَاهُ» . قال ابو حيان: «والظاهر تعلق» عَلى مُكثٍ «بقوله» لتَقْرأهُ «، ولا يبالى بكون الفعل يتعلق به حرفا جر من جنسٍ واحدٍ؛ لأنه اختلف معنى الحرفين؛ لأن الأول في موضع المفعول به، والثاني في موضع الحال، أي: متمهِّلاً مترسلاً» . قال شهاب الدين: قوله أولاً: إنه متعلق بقوله «لِتقْرَأهُ» : ينافي قوله في موضع الحال، لأنه متى كان حالاً، تعلق بمحذوفٍ، لا يقال: أراد التعلق المعنوي، لا الصناعي؛ لأنه قال: ولا يبالى بكون الفعل يتعلق به حرفا جرٍّ من جنسٍ واحد، وهذا تفسير إعراب، لا تفسير معنى. والمُْثُ: التَّطاولُ في المدة، وفيه ثلاثة لغات: الضمُّ، والفتح - ونقل القراءة بهما الحوفيُّ، وأبو البقاء - والكسر، ولم يقرأ به فيما علمتُ، وفي فعله الفتح والضمُّ وسيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى في النَّمل [الآية: 22] ومعنى «عَلى مُكْثٍ» أي على تؤدةٍ، وترسُّل في ثلاثٍ وعشرين سنة ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ على الحدِّ المذكور. قوله: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تؤمنوا﴾ : يخاطب الذين اقترحوا تلك المعجزات العظيمة؛ على وجه التَّهديد والإنكار، أي: أنَّه تعالى، أوضح البينات والدلائل، وأزاح الأعذار، فاختاروا ما تريدون. ﴿إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل نزول القرآن، قال مجاهد: هم ناسٌ من أهل الكتاب، كانوا يطلبون الدِّين قبل مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثمَّ أسلموا بعد مبعثه؛ كزيد بن عمرو بن نفيلٍ، وسلمان الفارسيِّ، وأبي ذرٍّ، وورقة بن نوفلٍ، وغيرهم. ﴿إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ﴾ يعني القرآن. ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً﴾ . يعني: يسقطون للأذقان، قال ابن عباس: أراد به الوجوه. قوله: ﴿لِلأَذْقَانِ﴾ : في اللام ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمعنى «على» ، أي: على الأذقان؛ كقولهم: خرَّ علىوجهه. والثاني: أنها للاختصاص، قال الزمخشري: فإن قيل: حرف الاستعلاءِ ظاهر المعنى، إذا قلت: خرَّ على وجهه، وعلى ذقنه، فما معنى اللام في «خرَّ لذقنه، ولوجهه» ؟ قال: [الطويل] 3478 - ... ... ... ... ... . ... فَخرَّ صَرِيعاً للْيَديْنِ وللْفَمِ قلت: معناه: جعل ذقنهُ، ووجههُ [للخرور] ، قال الزجاج: الذَّقنُ: مجمع اللَّحيين، وكلما يبتدئ الإنسان بالخرور إلى السجود، فأقرب الأشياء من الجبهة إلى الأرض الذَّقنُ. وقيل: الأذقان اللِّحى؛ فإن الإنسان، إذا بالغ في السجود، والخضوع، ربَّما مسح ليحتهُ على التُّراب؛ فإنَّ اللحية يبالغ في تنظيفها، فإذا عفَّرها بالتُّراب، فقد أتى بغايةِ التعظيم [للخُرور] . واختصَّ به؛ لأنَّ اللام للاختصاص، وقال أبو البقاء: «والثاني: هي متعلقة ب» يَخِرُّون «، واللام على بابها، أي: مذلُّون للأذقان» . والأذقانُ: جمعُ ذقنٍ، وهو مجمعُ اللَّحيين؛ قال الشاعر: [الطويل] 3479 - فَخرُّوا لأذقَانِ الوُجوهِ تَنُوشُهمْ ... سِباعٌ من الطَّيْرِ العَوادِي وتَنتِفُ و «سُجَّداً» حال، وجوَّز أبو البقاء في «للأذقانِ» أن يكون حالاً، قال: «أي: ساجدين للأذقان» وكأنه يعني به «للأذْقانِ» الثانية؛ لأنَّه يصير المعنى: ساجدين للأذقان سجداً؛ ولذلك قال: «والثالث: أنها - يعني اللام -[بمعنى] » على» ؛ فعلى هذا يكون حالاً من «يَبْكُونَ» ، و «يَبْكُون» حال» . فإن قيل: لم قيل: يَخرُّون للأذقان سجداً، ولم يقل يسجدون؟ والجواب: أن المقصود من هذا اللفظ مسارعتهم إلى ذلك؛ حتَّى أنهم يسقطون. ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ ، أي: كان قولهم في سجودهم: «سبحان ربِّنا» ، أي: ينزِّهونه، ويعظِّمونه ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ أي: بإنزال القرآن، وبعث محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا يدلُّ على أنَّ هؤلاء كانوا من أهل الكتاب، لأنَّ الوعد ببعثة محمد سبق في كتابهم، وهم كانوا ينتظرون إنجاز ذلك الوعد، ثم قال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ . والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين، وهما: خُرورهُمْ في حال كونهم باكين، في حال استماع القرآن، ويدلُّ عليه قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ . وجاءت الحال الأولى اسماً؛ لدلالته على الاستقرار، والثانية فعلاً؛ لدلالته على التجدُّد والحدوث. ويجوز أن يكون القول دلالة على تكرير الفعل منهم. وقوله: «يَبْكُونَ» ، معناه: الحال، ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ ، أي: تواضعاً. قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ : فاعل «يزيدُ» : إمَّا القرآن، أو البكاءُ، أو السُّجودُ، أو المتلوُّ، لدلالة قوله: «إذَا يُتْلَى» . قوله تعالى: ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن﴾ الآية. قال ابن عباس: سجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بمكَّة ذات ليلة، فجعل يبكي، ويقول في سجوده: (يا الله، يا رحمن) . فقال أبو جهلٍ: إنَّ محمداً ينهانا عن آلهتنا، وهو يدعو إلهين، فأنزل الله هذه الآية، ومعناه: أنَّهما اسمان لواحدٍ، [أي:] أيَّ هذين الاسمين سميتم، فله الأسماءُ الحسنى. قوله: ﴿أَيّاً مَّا تَدْعُواْ﴾ : [ «أيًّ» ] منصوب [ب «تَدْعُوا» ] على المفعول به، والمضاف إليه محذوف، أي: أيَّ الاسمين، و «تَدْعُوا» مجزوم بها، فهي عاملة معمولة، وكذلك الفعل، والجواب الجملة الاسمية من قوله «فلهُ الأسْماءُ الحُسنَى» . وقيل: هو محذوفٌ، تقديره: جاز، ثم استأنف، فقال: فله الأسماء الحسنى، وليس بشيءٍ. والتنوين في «أيًّا» عوض من المضاف إليه، وفي «ما» قولان: أحدهما: أنها مزيدة للتأكيد. والثاني: أنها شرطية جمع بينهما؛ تأكيداً كما جمع بين حرفي الجر؛ للتأكيد، وحسَّنه اختلافُ اللفظ؛ كثوله: [الطويل] 3480 - فأصْبَحْنَ لا يَسْألنَنِي ... عن بِمَا بِهِ ... ... ... ... . . ويؤيِّد هذا ما قرأ به طلحة بن مصرِّفٍ «أيًّا من تدعُوا» فقيل: «مَنْ» تحتمل الزيادة على رأي الكسائيِّ؛ كقوله: [الكامل] 3481 - يَا شَاةَ من قَنصٍ لمَنْ حَلَّتْ لهُ..... ... ... ... ... . واحتمل أن تكون شرطية، وجمع بينهما؛ تأكيداً لما تقدَّم، و «تَدعُوا» هنا يحتمل أن يكون من الدعاء، وهو النداءُ، فيتعدَّى لواحدٍ، وأن يكون بمعنى التسمية، فيتعدَّى لاثنين، إلى الأول بنفسه، وإلى الثاني بحرف الجرِّ، ثم يتسع في الجارِّ فيحذف؛ كثوله: [الطويل] 3482 - دَعتْني أخَاهَا أمُّ عَمْرٍو ... ... . ..... ... ... ... ... ... والتقدير: قل: ادعُوا معبودكم بالله، أو بالرَّحمن، بأيِّ الاسمين سمَّيتموه، وممَّن ذهب غلى كونها بمعنى «سمَّى» الزمخشريز ووقف الأخوان على طأيًّا «بإبدال التنوين ألفاً، ولم يقفا على» مَا «؛ تبييناً لانفصال» أيًّا «من» مَا» ، ووقف غيرهما على «مَا» ؛ لامتزاجها ب «أيّ» ؛ ولهذا فصل بها بين «أي» ، وبين ما أضيفت إليه في قوله تعالى ﴿أَيَّمَا الأجلين﴾ [القصص: 28] ، وقيل: «ما» شرطية عند من وقف على «ايًّا» ، وجعل المعنى: أي الاسمين دعوتموه به، جاز، ثم استأنف «مَا تدعوا، فله الأسماء الحسنى» ، يعني أنَّ» ما «شرطٌ ثانٍ، و» فَلهُ الأسماءُ «جوابه، وجواب الأول مقدر، وهذا مردودٌ بأنَّ» ما «لا تطلق على آحاد أولي العلم، وبأنَّ الشرط يقتضي عموماً، ولا يصحُّ هنا، وبأن فيه حذف الشرط والجزاء معاً. فصل والمعنى: أيًّا ما تدعوا، فهو حسنٌ؛ لأنه إذا حسنت أسماؤه، فقد حسن هذان الاسمان؛ لأنهما منها، ومعنى حسن أسماء الله كونها مفيدة لمعاني التَّمجيد والتَّقديس. واحتجَّ الجبائي بهذه الآية، فقال: لو كان تعالى خالقاً للظُّلم، والجور، لصحَّ أن يقال: يا ظالمُ، حينئذٍ: يبطل ما ثبت بهذه الآية من كون أسمائه بأسرها حسنة. والجواب: أنَّا لا نسلِّم أنه لو كان خالقاً لأفعال العباد، لصحَّ وصفه بأنَّه ظالمٌ، وجائرٌ، كما لا يلزم من كونه خالقاً للحركة والسكون، والسواد، والبياض أن يقال: ما متحرك، ويا ساكن، ويا أبيض، ويا أسود. فإن قيل: فيلزم أن يقال: يا خالق الظُّلم والجور. تقولون: ذلك حقٌّ في نفس الأمر، وإنَّما الأدب أن يقال: يا خالق السَّموات والأرض، فكذا قولنا ها هنا. ثمَّ قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ . وروى سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبَّاس في هذه الآية، قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يرفعُ صوته بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبُّوا القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ﴾ ، أي: بقراءتك، أي: فيسمعك المشركون؛ ليسبُّوا القرآن، ويسبُّوا الله عدواً بغير علم. قوله: ﴿وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا يسمعك أصحابك. قوله: ﴿وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً﴾ . روى أبو قتادة «أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ طاف باللَّيل على دور أصحابه؛ فكان أبو بكرٍ يخفي صوته بالقراءة، وكان عمر يرفعُ صوته، فلما جاء النَّهار، وجاء أبو بكرٍ وعمر، فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: هِيَ لَكَ، مَررْتُ بِكَ، وأنْتَ تَقْرأ، وأنْتَ تخفضُ من صَوتِكَ، فقال: إنِّي سَمِعتُ من نَاجَيتُ، قَالَ: فَارفَعْ قليلاً، وقَالَ لِعُمرَ: مَررْتُ بِكَ، وأنْتَ تَقْرَأ، وأنْتَ تَرْفَعُ مِنْ صَوْتِكَ، فقال: إنِّي أوقظُ الوسْنانَ، وأطردُ الشَّيطَانَ، فقال: اخْفِضْ قليلاً» . وقيل: المراد (ولا تجهر بصلاتك كلها) ، ولا تخافت بها كلها (وابتغ بين ذلك سبيلا) بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النَّهار. وقيل: الآية في الدعاء، وهو قول أبي هريرة، وعائشة، والنخعيِّ، ومجاهدٍ، ومكحولٍ، وروي مرفوعاً إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال في هذه الآية، قال: إنَّما ذلِكَ في الدُّعاءِ والمسالة. قال عبد الله بن شدَّادٍ: كان أعرابٌ من بني تميم، إذا سلَّم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قالوا: اللهم ارزقنا مالاً وولداً يجهرون، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ﴾ . أي: لا ترفع صوتك بقراءتك، ودعائك، ولا تخافت بها. والمُخَافتَةُ: خفض الصَّوت والسُّكوتُ. يقل: خفت صوته يخفته خفوتاً، إذا ضعف وسكن، وصوتٌ خفيتٌ، أي: خفيضٌ. ومنه يقال للرجل، إذا مات: قد خفت كلامه، أي: انقطع كلامه، وخفت الزَّرعُ، إذا ذبل، وخفت الرَّجل بقراءته، يتخافتُ بها، إذا لم يبيِّن قراءته برفع الصوت، وقد تخافت القوم، إذا تسارُّوا بينهم. فصل في المستحب في الدعاء واعلم أن الجهر بالدعاء منهيٌّ عنه، والمبالغة في الإسرار غير مطلوبة، والمستحبُّ التوسُّط، وهو أن يسمع نفسه؛ كما روي عن ابن مسعود: أنه قال: لم يتخافت من يسمع أذنيه. واعلم أن العدل هو رعاية الوسط؛ كما مدح الله هذه الأمَّة بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: 143] . ومدح المؤمنين بقوله: ﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان: 67] . وأمر الله تعالى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ [الإسراء: 29] فكذا ههنا: نهى عن الطَّرفين، وهما الجهر والمخافتة، وأمر بالتوسُّط بينهما، فقال: ﴿وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً﴾ . وقال بعضهم: الآية منسوخة بقوله - تعالى -: ﴿ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55] . وهو بعيدٌ. واعلم أنه تعالى، لمَّا أمر بأن لا يذكر، ولا ينادى، إلا بأسمائه الحسنى، علَّم كيفيَّة التمجيد؛ فقال: ﴿وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ الذل﴾ . فذكر ثلاثة أنواع من صفات التنزيه والجلال: الأول: أنه لم يتخذ ولداً، والسَّببُ فيه وجوهٌ: أولها: أنَّ الولد هو الشيء المتولِّد من أجزاء ذلك الشيء، فكلُّ من له ولدٌ، فهو مركبٌ من الأجزاء، والمركَّب محدثٌ، والمحدث محتاجٌ؛ لا يقدر على كمال الإنعامِ؛ فلا يستحقُّ كمال الحمدِ. وثانيها: أنَّ كل من له ولدٌ، فهو يمسك جميع النِّعم لولده، فإذا يكن له ولدٌ، أفاض كلَّ النِّعم على عبيده. وثالثها: أن الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه، فلو كان له ولد، لكان منقضياً فانياً، ومن كان كذلك، لم يقدر على كمال الإنعام في جميع الأوقات؛ فوجب ألاَّ يستحقَّ الحمد على الإطلاق. وهذه الآية ردٌّ على اليهود في قولهم ﴿عُزَيْرٌ ابن الله﴾ [التوبة: 30] ، وردٌّ على النصارى في قولهم ﴿المسيح ابن الله﴾ [التوبة: 30] وعلى مشركي العرب في قولهم: «المَلائِكةُ بنَاتُ الله» . والنوع الثاني من الصفات السلبية قوله: ﴿وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك﴾ . والسَّببُ في اعتبار هذه الصفة: أنَّه لو كان له شريكٌ، فلا يعرف كونه مستحقًّا للحمد والشُّكر. والنوع الثالث: قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ الذل﴾ . والسببُ في اعتباره: أنه لو جاز عليه وليٌّ من الذلِّ، لم يجب شكره؛ لتجويز أن يكون غيره حمله على ذلك الإنعام. أما إذا كان منزَّهاً عن الولد، وعن الشَّريك، وعن أن يكون له وليٌّ يلي أمرهُ، كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد والشُّكر. قوله: ﴿مَّنَ الذل﴾ : فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها صفة ل «وليّ» ، والتقدير: وليٌّ من أهل الذلِّ، والمراد بهم: اليهود والنصارى؛ لأنهم أذلُّ الناس. والثاني: أنها تبعيضية. الثالث: أنها للتعليل، أي: من أجل الذلِّ، وإلى هذين المعنيين نحا الزمخشريُّ فإنه قال: «وليٌّ من الذلِّ: ناصر من الذلِّ، ومانع له منه؛ لاعتزازه به، أو لم يوالِ أحداً لأجل مذلَّة به؛ ليدفعها بموالاته» . وقد تقدَّم الفرق بين الذُّلِّ والذِّلّ في أول هذه السورة [الآية: 24] . فصل في معنى قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ معنى قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ، أي: أنَّ التمجيد يكون مقروناً بالتكبير، والمعنى: عظِّمه عن أن يكون له شريكٌ، أو وليٌّ؛ قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «أحَبُّ الكلام إلى الله تعالى اربع: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمدُ لله لا يضرك بأيِّهنَّ بدأت» . فصل روى أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة بني إسرائيل، فَرَقَّ قَلبهُ عِندَ ذِكْر الوالدين أعْطِيَ في الجنَّة قِنْطَاريْنِ مِنَ الأجْرِ، والقِنطَارُ ألْفُ أوقيَّةٍ، ومِائتَا أوقيَّةٍ، كلُّ أوقيَّةٍ خيرٌ من الدُّنْيَا وما فِيهَا» . وقال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: قول العبد: «الله أكبرُ خيرٌ من الدنيا وما فِيهَا» وهذه الآية خاتمة التَّوراة. وروى مطرفٌ، عن عبد الله بْنِ كعبٍ، قال: «افتُتِحَتِ التَّوراةُ بفَاتحةِ سُورةِ الأنعامِ، وخُتمَتْ بِخاتمَةِ هذه السُّورةِ» . وروى عمرُو بنُ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا أفْصَحَ الغلام من بني عَبْدِ المطَّلبِ، عَلَّمهُ: الحَمدُ للهِ الَّذي لَمْ يتَّخذْ ولداً الآية. وقال عبدُ الحميدِ بنُ واصلٍ: سَمعْتُ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّهُ قال: مَنْ قَرَأ: ﴿وَقُلِ الحمد لِلَّهِ﴾ الآية، كَتبَ الله لهُ من الأجْرِ مِثلَ الأرْض والجِبالِ؛ لأنَّ الله تعلى يَقُولُ فيمَنْ زَعمَ أنَّ لهُ ولداً: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً﴾ [مريم: 90] . سورة الكهف

الإسراء 17:106

قوله: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ الآية. لما بيَّن أن القرآن معجز قاهر دالٌّ على الصدق في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن﴾ [الإسراء: 88] . ثم حكى عن الكفار أنَّهم لم يكتفوا بهذا المعجز، بل طلبوا أشياء أخر، ثم أجاب تعالى بأنَّه لا حاجة إلى إظهار معجزاتٍ أخر، وبيَّن ذلك بوجوهٍ كثيرةٍ: منها: أنَّ قوم موسى آتاهم تسع آيات بيِّناتٍ، فلما جحدوا بها أهلكهم الله، فكذا ههنا، أي: أنَّ المعجزات التي اقترحها قوم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثمَّ كفروا بها؛ فوجب إنزال عذاب الاستئصال بهم، وذلك غير جائزٍ في الحكمة؛ لعلمه تعالى أنَّ فيهم من يؤمن، أو من يظهر من نسله مؤمنٌ. لمَّا تمَّ هذا الجواب، عاد إلى حال تعظيم القرآن؛ فقال: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ﴾ ، أي: ما أردنا بإنزاله إلاَّ إظهار الحقِّ. قوله: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ : في هذا الجار ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق ب «أنْزَلْنَاهُ» ، والباء سببية، أي: أنزلناه بسبب الحقِّ. والثاني: أنه حال من مفعول «أنْزَلنَاهُ» ، أي: ومعه الحقُّ. فتكون الباء بمعنى «مَعَ» قاله الفارسي؛ كما تقول: نزل بعدَّته، وخرج بسلاحه. والثالث: أنه حال من فاعله، أي: ملتبسين بالحق، وعلى هذين الوجهين يتعلق بمحذوف. والضمير في «أنْزلْنَاهُ» الظاهر عوده للقرآن: إمَّا الملفوظ به في قوله قبل ذلك ﴿على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؛ ويكون ذلك جرياً على قاعدة أساليب كلامهم، وهو أن يستطرد المتكلمُ في ذكر شيءٍ لم يسبق له كلامه أولاً، ثم يعود إلى كلامه الأول. وإمَّا للقرآن غير الملفوظ أولاً؛ لدلالة الحال عليه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3] وقيل: يعود على موسى؛ كقوله: ﴿وَأَنزْلْنَا الحديد﴾ [الحديد: 25] ، وقيل: على الوعد، وقيل: على الآيات التِّسعِ، وذكر الضمير، وأفرده؛ حملاً على معنى الدليل والبرهان. قوله: «وبالحقِّ نَزلَ» فيه الوجهان الأولان، دون الثالث؛ لعدم ضميرٍ آخر غير ضمير القرآن لاحتمال أن يكون التقدير: نزل بالحقِّ؛ كما تقول: نزلت بزيدٍ، وعلى هذا التقدير: فالحق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها للتأكيد؛ وذلك أنه يقال: أنزلته، فنزل، وأنزلته فلم ينزل؛ فجيء بقوله «وبالحقِّ نَزلَ» ؛ دفعاً لهذا الوهم، وقيل: لست للتأكيد، والمغايرة تحصل بالتغاير بين الحقَّين، فالحق الأول التوحيد، والثاني الوعد والوعيد، والمر والنهي، وقال الزمخشري: «وما أنزلنا القرآن إلاَّ بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحق والحكمة؛ لاشتماله على الهداية إلى كلِّ خيرٍ، أو ما أنزلناه من المسماء إلا بالحقِّ محفوظاً بالرَّصدِ من الملائكةِ، وما نزل على الرسول إلاَّ محفوظاً بهم من تخليط الشياطين» ، و «مبشِّراً ونذيراً» : حالان من مفعول «أرْسلْنَاكَ» مبشراً للمطيعين، ونذيراً للعاصين، فإن قبلوا الدِّين الحقَّ، انتفعوا به، وإلا فليس عليك من كفرهم [شيءٌ] . قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾ الآية: في نصب «قُرْآناً» أوجه: أظهرها: أنه منصوب بفعل مقدر، أي: «وآتَيْناكَ قُرآناً» يدل عليه قوله ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى﴾ [الإسراء: 101] . الثاني: أنه منصوبٌ؛ عطفاً على الكاف في «أرْسَلْنَاكَ» ؛ قال ابن عطية: «من حيثُ كان إرسالُ هذا، وإنزال هذا بمعنى واحدٍ» . الثالث: أنه منصوب؛ عطفاً على «مُبشِّراً ونذيراً» قال الفراء: «هو منصوبٌ ب» أرْسَلناكَ «، أي: ما أرسلناك إلا مبشِّراً ونذيراً وقرآناً؛ كما تقول: ورحمة يعني: لأن القرآن رحمةٌ» ، بمعنى أنه جعل نفس القرآن مراداً به الرحمة؛ مبالغة، ولو ادَّعى ذلك على حذفِ مضافٍ، كان أقرب، أي: «وذا قرآنٍ» وهذان الوجهان متكلَّفان. الرابع: أن ينتصب على الاشتغال، أي: وفرقنا قُرآناً فرقناه، واعتذر أبو حيان عن ذلك، أي: عن كونه لا يصحُّ الابتداء به، لو جعلناه مبتدأ؛ لعدم مسوغٍ؛ لأنه لا يجوز الاشتغال إلا حيث يجوز في ذلك الاسم الابتداء، بأنَّ ثمَّ صفة محذوفة، تقديره: وقرآناً أي قرآن، بمعنى عظيم، و «فَرقْنَاهُ» على هذا: لا محل له؛ بخلاف الأوجه المتقدمة؛ فإن محلَّه النصب؛ لأنَّه نعتٌ ل «قُرآناً» . وقرأ العامة «فَرقْناهُ» بالتخفيف، أي: بيَّنا حلاله وحرامه، أو فرقنا فيه بين الحق والباطل، وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ - كرَّم الله وجهه - وأبيٌّ، وعبد الله، وابن عباس والشعبي، وقتادة، وحميدٌ في آخرين بالتشديد، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّ التضعيف فيه للتكثير، أي: فرَّقنا آياته بين أمرٍ ونهيٍ، وحكمٍ وأحكامٍ، ومواعظ وأمثال، وقصصٍ وأخبار ماضية ومستقبلة. والثاني: أنه دالٍّ على التفريق والتنجيم. قال الزمخشريُّ: «وعن ابن عباس: أنه قرأ مشدداً، وقال: لم ينزل في يومين، ولا في ثلاثة، بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة، يعني أنَّ» فرقَ «بالتخفيف يدل على فصل متقاربٍ» . قال أبو حيان: «وقال بعضُ من اختار ذلك - يعني التنجيم - لم ينزل في يوم، ولا يومين، ولا شهرٍ، ولا شهرين، ولا سنة، ولا سنتين؛ قال ابن عبَّاس: كان بين أوله، وآخره عشرون سنة، كذا قال الزمخشريُّ، عن ابن عباس» . قال شهاب الدين: ظاهر هذا: أنَّ القول بالتنجيم: ليس مرويًّا عن ابن عباس، ولا سيما وقد فصل قوله «قَالَ ابن عبَّاسٍ» من قوله «وقال بعض من اختار ذلك» ، ومقصوده أنه لم يسنده لابن عباس؛ ليتمَّ له الردُّ على الزمخشري في أنَّ «فَعَّل» بالتشديد لا يدلُّ على التفريق، وقد تقدم له معه هذا المبحث أوَّل هذا الموضوع. قال ابن الخطيب: والاختيار عند الأئمة: «فَرقْنَاهُ» بالتخفيف، وفسَّره أبو عمرو: بيَّناه. قال ابو عبيدة: التخفيف أعجبُ غليَّ؛ لأنَّ معناه: بينَّاه، ومن قرأ بالتشديد، لم يكن له معنًى إلا أنه أنزل متفرِّقاً، [فالتفرُّق] يتضمَّن التَّبيين، ويؤكِّده ما رواه ثعلبٌ عن ابن الأعرابيِّ أنه قال: فَرقتُ، أو أفْرَقتُ بين الكلامِ، وفرَّقتُ بين الأجسامِ؛ ويدلُّ عليه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «البَيِّعانِ بالخِيَارِ، ما لمْ يتفرَّقا» ولم يقل: «يَفْترِقَا» . فصل في نزول القرآن مفرقاً قال ابن الخطيب: إنَّ القوم قالوا: هَبْ أنَّ هذا القرآن معجز، إلا أنه بتقدير أن يكون الأمر كذلك، فكان من الواجب أن ينزله الله عليك دفعة واحدة؛ ليظهر فيه وجه الإعجاز؛ فجعلوا إتيان الرسول به مفرَّقاً شبهة في أنَّه يتفكَّر في فصل فصل، ويقرؤه عليهم، فأجاب الله عن ذلك أنه إنَّما فرَّقه ليكون حفظه أسهل؛ ولتكون الإحاطة والوقوف على دلائله، وحقائقه، ودقائقه أكمل. قال سعيد بن جبير: نزل القرآن كلُّه في ليلة القدر من السَّماء العليا إلى السَّماء السفلى، ثم فصل في السِّنين التي نزل فيها، ومعنى الآية: قطَّعناه آية آية، وسورة وسورة. قوله: «لتَقْرَأهُ» متعلق ب «فَرقْنَاهُ» ، وقوله «عَلَى مُكْثٍ» فيه ثلاثةُ أوجه: الأول: أنه متعلِّق بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الفاعل، أو المفعول في «لتَقْرَأهُ» ، أي: متمهِّلاً مترسِّلاً. الثاني: أنه بدلٌ من «عَلَى النَّاس» قاله الحوفيُّ، وهو وهمٌ؛ لأنَّ قوله «عَلى مُكثٍ» من صفاتِ القارئ، أو المقرُوءِ من وجهة المعنى، لا من صفات الناس؛ حتى يكون بدلاً منهم. الثالث: أنه متعلق ب «فَرقنَاهُ» . قال ابو حيان: «والظاهر تعلق» عَلى مُكثٍ «بقوله» لتَقْرأهُ «، ولا يبالى بكون الفعل يتعلق به حرفا جر من جنسٍ واحدٍ؛ لأنه اختلف معنى الحرفين؛ لأن الأول في موضع المفعول به، والثاني في موضع الحال، أي: متمهِّلاً مترسلاً» . قال شهاب الدين: قوله أولاً: إنه متعلق بقوله «لِتقْرَأهُ» : ينافي قوله في موضع الحال، لأنه متى كان حالاً، تعلق بمحذوفٍ، لا يقال: أراد التعلق المعنوي، لا الصناعي؛ لأنه قال: ولا يبالى بكون الفعل يتعلق به حرفا جرٍّ من جنسٍ واحد، وهذا تفسير إعراب، لا تفسير معنى. والمُْثُ: التَّطاولُ في المدة، وفيه ثلاثة لغات: الضمُّ، والفتح - ونقل القراءة بهما الحوفيُّ، وأبو البقاء - والكسر، ولم يقرأ به فيما علمتُ، وفي فعله الفتح والضمُّ وسيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى في النَّمل [الآية: 22] ومعنى «عَلى مُكْثٍ» أي على تؤدةٍ، وترسُّل في ثلاثٍ وعشرين سنة ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ على الحدِّ المذكور. قوله: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تؤمنوا﴾ : يخاطب الذين اقترحوا تلك المعجزات العظيمة؛ على وجه التَّهديد والإنكار، أي: أنَّه تعالى، أوضح البينات والدلائل، وأزاح الأعذار، فاختاروا ما تريدون. ﴿إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل نزول القرآن، قال مجاهد: هم ناسٌ من أهل الكتاب، كانوا يطلبون الدِّين قبل مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثمَّ أسلموا بعد مبعثه؛ كزيد بن عمرو بن نفيلٍ، وسلمان الفارسيِّ، وأبي ذرٍّ، وورقة بن نوفلٍ، وغيرهم. ﴿إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ﴾ يعني القرآن. ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً﴾ . يعني: يسقطون للأذقان، قال ابن عباس: أراد به الوجوه. قوله: ﴿لِلأَذْقَانِ﴾ : في اللام ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمعنى «على» ، أي: على الأذقان؛ كقولهم: خرَّ علىوجهه. والثاني: أنها للاختصاص، قال الزمخشري: فإن قيل: حرف الاستعلاءِ ظاهر المعنى، إذا قلت: خرَّ على وجهه، وعلى ذقنه، فما معنى اللام في «خرَّ لذقنه، ولوجهه» ؟ قال: [الطويل] 3478 - ... ... ... ... ... . ... فَخرَّ صَرِيعاً للْيَديْنِ وللْفَمِ قلت: معناه: جعل ذقنهُ، ووجههُ [للخرور] ، قال الزجاج: الذَّقنُ: مجمع اللَّحيين، وكلما يبتدئ الإنسان بالخرور إلى السجود، فأقرب الأشياء من الجبهة إلى الأرض الذَّقنُ. وقيل: الأذقان اللِّحى؛ فإن الإنسان، إذا بالغ في السجود، والخضوع، ربَّما مسح ليحتهُ على التُّراب؛ فإنَّ اللحية يبالغ في تنظيفها، فإذا عفَّرها بالتُّراب، فقد أتى بغايةِ التعظيم [للخُرور] . واختصَّ به؛ لأنَّ اللام للاختصاص، وقال أبو البقاء: «والثاني: هي متعلقة ب» يَخِرُّون «، واللام على بابها، أي: مذلُّون للأذقان» . والأذقانُ: جمعُ ذقنٍ، وهو مجمعُ اللَّحيين؛ قال الشاعر: [الطويل] 3479 - فَخرُّوا لأذقَانِ الوُجوهِ تَنُوشُهمْ ... سِباعٌ من الطَّيْرِ العَوادِي وتَنتِفُ و «سُجَّداً» حال، وجوَّز أبو البقاء في «للأذقانِ» أن يكون حالاً، قال: «أي: ساجدين للأذقان» وكأنه يعني به «للأذْقانِ» الثانية؛ لأنَّه يصير المعنى: ساجدين للأذقان سجداً؛ ولذلك قال: «والثالث: أنها - يعني اللام -[بمعنى] » على» ؛ فعلى هذا يكون حالاً من «يَبْكُونَ» ، و «يَبْكُون» حال» . فإن قيل: لم قيل: يَخرُّون للأذقان سجداً، ولم يقل يسجدون؟ والجواب: أن المقصود من هذا اللفظ مسارعتهم إلى ذلك؛ حتَّى أنهم يسقطون. ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ ، أي: كان قولهم في سجودهم: «سبحان ربِّنا» ، أي: ينزِّهونه، ويعظِّمونه ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ أي: بإنزال القرآن، وبعث محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا يدلُّ على أنَّ هؤلاء كانوا من أهل الكتاب، لأنَّ الوعد ببعثة محمد سبق في كتابهم، وهم كانوا ينتظرون إنجاز ذلك الوعد، ثم قال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ . والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين، وهما: خُرورهُمْ في حال كونهم باكين، في حال استماع القرآن، ويدلُّ عليه قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ . وجاءت الحال الأولى اسماً؛ لدلالته على الاستقرار، والثانية فعلاً؛ لدلالته على التجدُّد والحدوث. ويجوز أن يكون القول دلالة على تكرير الفعل منهم. وقوله: «يَبْكُونَ» ، معناه: الحال، ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ ، أي: تواضعاً. قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ : فاعل «يزيدُ» : إمَّا القرآن، أو البكاءُ، أو السُّجودُ، أو المتلوُّ، لدلالة قوله: «إذَا يُتْلَى» . قوله تعالى: ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن﴾ الآية. قال ابن عباس: سجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بمكَّة ذات ليلة، فجعل يبكي، ويقول في سجوده: (يا الله، يا رحمن) . فقال أبو جهلٍ: إنَّ محمداً ينهانا عن آلهتنا، وهو يدعو إلهين، فأنزل الله هذه الآية، ومعناه: أنَّهما اسمان لواحدٍ، [أي:] أيَّ هذين الاسمين سميتم، فله الأسماءُ الحسنى. قوله: ﴿أَيّاً مَّا تَدْعُواْ﴾ : [ «أيًّ» ] منصوب [ب «تَدْعُوا» ] على المفعول به، والمضاف إليه محذوف، أي: أيَّ الاسمين، و «تَدْعُوا» مجزوم بها، فهي عاملة معمولة، وكذلك الفعل، والجواب الجملة الاسمية من قوله «فلهُ الأسْماءُ الحُسنَى» . وقيل: هو محذوفٌ، تقديره: جاز، ثم استأنف، فقال: فله الأسماء الحسنى، وليس بشيءٍ. والتنوين في «أيًّا» عوض من المضاف إليه، وفي «ما» قولان: أحدهما: أنها مزيدة للتأكيد. والثاني: أنها شرطية جمع بينهما؛ تأكيداً كما جمع بين حرفي الجر؛ للتأكيد، وحسَّنه اختلافُ اللفظ؛ كثوله: [الطويل] 3480 - فأصْبَحْنَ لا يَسْألنَنِي ... عن بِمَا بِهِ ... ... ... ... . . ويؤيِّد هذا ما قرأ به طلحة بن مصرِّفٍ «أيًّا من تدعُوا» فقيل: «مَنْ» تحتمل الزيادة على رأي الكسائيِّ؛ كقوله: [الكامل] 3481 - يَا شَاةَ من قَنصٍ لمَنْ حَلَّتْ لهُ..... ... ... ... ... . واحتمل أن تكون شرطية، وجمع بينهما؛ تأكيداً لما تقدَّم، و «تَدعُوا» هنا يحتمل أن يكون من الدعاء، وهو النداءُ، فيتعدَّى لواحدٍ، وأن يكون بمعنى التسمية، فيتعدَّى لاثنين، إلى الأول بنفسه، وإلى الثاني بحرف الجرِّ، ثم يتسع في الجارِّ فيحذف؛ كثوله: [الطويل] 3482 - دَعتْني أخَاهَا أمُّ عَمْرٍو ... ... . ..... ... ... ... ... ... والتقدير: قل: ادعُوا معبودكم بالله، أو بالرَّحمن، بأيِّ الاسمين سمَّيتموه، وممَّن ذهب غلى كونها بمعنى «سمَّى» الزمخشريز ووقف الأخوان على طأيًّا «بإبدال التنوين ألفاً، ولم يقفا على» مَا «؛ تبييناً لانفصال» أيًّا «من» مَا» ، ووقف غيرهما على «مَا» ؛ لامتزاجها ب «أيّ» ؛ ولهذا فصل بها بين «أي» ، وبين ما أضيفت إليه في قوله تعالى ﴿أَيَّمَا الأجلين﴾ [القصص: 28] ، وقيل: «ما» شرطية عند من وقف على «ايًّا» ، وجعل المعنى: أي الاسمين دعوتموه به، جاز، ثم استأنف «مَا تدعوا، فله الأسماء الحسنى» ، يعني أنَّ» ما «شرطٌ ثانٍ، و» فَلهُ الأسماءُ «جوابه، وجواب الأول مقدر، وهذا مردودٌ بأنَّ» ما «لا تطلق على آحاد أولي العلم، وبأنَّ الشرط يقتضي عموماً، ولا يصحُّ هنا، وبأن فيه حذف الشرط والجزاء معاً. فصل والمعنى: أيًّا ما تدعوا، فهو حسنٌ؛ لأنه إذا حسنت أسماؤه، فقد حسن هذان الاسمان؛ لأنهما منها، ومعنى حسن أسماء الله كونها مفيدة لمعاني التَّمجيد والتَّقديس. واحتجَّ الجبائي بهذه الآية، فقال: لو كان تعالى خالقاً للظُّلم، والجور، لصحَّ أن يقال: يا ظالمُ، حينئذٍ: يبطل ما ثبت بهذه الآية من كون أسمائه بأسرها حسنة. والجواب: أنَّا لا نسلِّم أنه لو كان خالقاً لأفعال العباد، لصحَّ وصفه بأنَّه ظالمٌ، وجائرٌ، كما لا يلزم من كونه خالقاً للحركة والسكون، والسواد، والبياض أن يقال: ما متحرك، ويا ساكن، ويا أبيض، ويا أسود. فإن قيل: فيلزم أن يقال: يا خالق الظُّلم والجور. تقولون: ذلك حقٌّ في نفس الأمر، وإنَّما الأدب أن يقال: يا خالق السَّموات والأرض، فكذا قولنا ها هنا. ثمَّ قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ . وروى سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبَّاس في هذه الآية، قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يرفعُ صوته بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبُّوا القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ﴾ ، أي: بقراءتك، أي: فيسمعك المشركون؛ ليسبُّوا القرآن، ويسبُّوا الله عدواً بغير علم. قوله: ﴿وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا يسمعك أصحابك. قوله: ﴿وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً﴾ . روى أبو قتادة «أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ طاف باللَّيل على دور أصحابه؛ فكان أبو بكرٍ يخفي صوته بالقراءة، وكان عمر يرفعُ صوته، فلما جاء النَّهار، وجاء أبو بكرٍ وعمر، فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: هِيَ لَكَ، مَررْتُ بِكَ، وأنْتَ تَقْرأ، وأنْتَ تخفضُ من صَوتِكَ، فقال: إنِّي سَمِعتُ من نَاجَيتُ، قَالَ: فَارفَعْ قليلاً، وقَالَ لِعُمرَ: مَررْتُ بِكَ، وأنْتَ تَقْرَأ، وأنْتَ تَرْفَعُ مِنْ صَوْتِكَ، فقال: إنِّي أوقظُ الوسْنانَ، وأطردُ الشَّيطَانَ، فقال: اخْفِضْ قليلاً» . وقيل: المراد (ولا تجهر بصلاتك كلها) ، ولا تخافت بها كلها (وابتغ بين ذلك سبيلا) بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النَّهار. وقيل: الآية في الدعاء، وهو قول أبي هريرة، وعائشة، والنخعيِّ، ومجاهدٍ، ومكحولٍ، وروي مرفوعاً إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال في هذه الآية، قال: إنَّما ذلِكَ في الدُّعاءِ والمسالة. قال عبد الله بن شدَّادٍ: كان أعرابٌ من بني تميم، إذا سلَّم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قالوا: اللهم ارزقنا مالاً وولداً يجهرون، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ﴾ . أي: لا ترفع صوتك بقراءتك، ودعائك، ولا تخافت بها. والمُخَافتَةُ: خفض الصَّوت والسُّكوتُ. يقل: خفت صوته يخفته خفوتاً، إذا ضعف وسكن، وصوتٌ خفيتٌ، أي: خفيضٌ. ومنه يقال للرجل، إذا مات: قد خفت كلامه، أي: انقطع كلامه، وخفت الزَّرعُ، إذا ذبل، وخفت الرَّجل بقراءته، يتخافتُ بها، إذا لم يبيِّن قراءته برفع الصوت، وقد تخافت القوم، إذا تسارُّوا بينهم. فصل في المستحب في الدعاء واعلم أن الجهر بالدعاء منهيٌّ عنه، والمبالغة في الإسرار غير مطلوبة، والمستحبُّ التوسُّط، وهو أن يسمع نفسه؛ كما روي عن ابن مسعود: أنه قال: لم يتخافت من يسمع أذنيه. واعلم أن العدل هو رعاية الوسط؛ كما مدح الله هذه الأمَّة بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: 143] . ومدح المؤمنين بقوله: ﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان: 67] . وأمر الله تعالى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ [الإسراء: 29] فكذا ههنا: نهى عن الطَّرفين، وهما الجهر والمخافتة، وأمر بالتوسُّط بينهما، فقال: ﴿وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً﴾ . وقال بعضهم: الآية منسوخة بقوله - تعالى -: ﴿ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55] . وهو بعيدٌ. واعلم أنه تعالى، لمَّا أمر بأن لا يذكر، ولا ينادى، إلا بأسمائه الحسنى، علَّم كيفيَّة التمجيد؛ فقال: ﴿وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ الذل﴾ . فذكر ثلاثة أنواع من صفات التنزيه والجلال: الأول: أنه لم يتخذ ولداً، والسَّببُ فيه وجوهٌ: أولها: أنَّ الولد هو الشيء المتولِّد من أجزاء ذلك الشيء، فكلُّ من له ولدٌ، فهو مركبٌ من الأجزاء، والمركَّب محدثٌ، والمحدث محتاجٌ؛ لا يقدر على كمال الإنعامِ؛ فلا يستحقُّ كمال الحمدِ. وثانيها: أنَّ كل من له ولدٌ، فهو يمسك جميع النِّعم لولده، فإذا يكن له ولدٌ، أفاض كلَّ النِّعم على عبيده. وثالثها: أن الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه، فلو كان له ولد، لكان منقضياً فانياً، ومن كان كذلك، لم يقدر على كمال الإنعام في جميع الأوقات؛ فوجب ألاَّ يستحقَّ الحمد على الإطلاق. وهذه الآية ردٌّ على اليهود في قولهم ﴿عُزَيْرٌ ابن الله﴾ [التوبة: 30] ، وردٌّ على النصارى في قولهم ﴿المسيح ابن الله﴾ [التوبة: 30] وعلى مشركي العرب في قولهم: «المَلائِكةُ بنَاتُ الله» . والنوع الثاني من الصفات السلبية قوله: ﴿وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك﴾ . والسَّببُ في اعتبار هذه الصفة: أنَّه لو كان له شريكٌ، فلا يعرف كونه مستحقًّا للحمد والشُّكر. والنوع الثالث: قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ الذل﴾ . والسببُ في اعتباره: أنه لو جاز عليه وليٌّ من الذلِّ، لم يجب شكره؛ لتجويز أن يكون غيره حمله على ذلك الإنعام. أما إذا كان منزَّهاً عن الولد، وعن الشَّريك، وعن أن يكون له وليٌّ يلي أمرهُ، كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد والشُّكر. قوله: ﴿مَّنَ الذل﴾ : فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها صفة ل «وليّ» ، والتقدير: وليٌّ من أهل الذلِّ، والمراد بهم: اليهود والنصارى؛ لأنهم أذلُّ الناس. والثاني: أنها تبعيضية. الثالث: أنها للتعليل، أي: من أجل الذلِّ، وإلى هذين المعنيين نحا الزمخشريُّ فإنه قال: «وليٌّ من الذلِّ: ناصر من الذلِّ، ومانع له منه؛ لاعتزازه به، أو لم يوالِ أحداً لأجل مذلَّة به؛ ليدفعها بموالاته» . وقد تقدَّم الفرق بين الذُّلِّ والذِّلّ في أول هذه السورة [الآية: 24] . فصل في معنى قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ معنى قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ، أي: أنَّ التمجيد يكون مقروناً بالتكبير، والمعنى: عظِّمه عن أن يكون له شريكٌ، أو وليٌّ؛ قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «أحَبُّ الكلام إلى الله تعالى اربع: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمدُ لله لا يضرك بأيِّهنَّ بدأت» . فصل روى أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة بني إسرائيل، فَرَقَّ قَلبهُ عِندَ ذِكْر الوالدين أعْطِيَ في الجنَّة قِنْطَاريْنِ مِنَ الأجْرِ، والقِنطَارُ ألْفُ أوقيَّةٍ، ومِائتَا أوقيَّةٍ، كلُّ أوقيَّةٍ خيرٌ من الدُّنْيَا وما فِيهَا» . وقال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: قول العبد: «الله أكبرُ خيرٌ من الدنيا وما فِيهَا» وهذه الآية خاتمة التَّوراة. وروى مطرفٌ، عن عبد الله بْنِ كعبٍ، قال: «افتُتِحَتِ التَّوراةُ بفَاتحةِ سُورةِ الأنعامِ، وخُتمَتْ بِخاتمَةِ هذه السُّورةِ» . وروى عمرُو بنُ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا أفْصَحَ الغلام من بني عَبْدِ المطَّلبِ، عَلَّمهُ: الحَمدُ للهِ الَّذي لَمْ يتَّخذْ ولداً الآية. وقال عبدُ الحميدِ بنُ واصلٍ: سَمعْتُ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّهُ قال: مَنْ قَرَأ: ﴿وَقُلِ الحمد لِلَّهِ﴾ الآية، كَتبَ الله لهُ من الأجْرِ مِثلَ الأرْض والجِبالِ؛ لأنَّ الله تعلى يَقُولُ فيمَنْ زَعمَ أنَّ لهُ ولداً: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً﴾ [مريم: 90] . سورة الكهف

الإسراء 17:107

قوله: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ الآية. لما بيَّن أن القرآن معجز قاهر دالٌّ على الصدق في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن﴾ [الإسراء: 88] . ثم حكى عن الكفار أنَّهم لم يكتفوا بهذا المعجز، بل طلبوا أشياء أخر، ثم أجاب تعالى بأنَّه لا حاجة إلى إظهار معجزاتٍ أخر، وبيَّن ذلك بوجوهٍ كثيرةٍ: منها: أنَّ قوم موسى آتاهم تسع آيات بيِّناتٍ، فلما جحدوا بها أهلكهم الله، فكذا ههنا، أي: أنَّ المعجزات التي اقترحها قوم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثمَّ كفروا بها؛ فوجب إنزال عذاب الاستئصال بهم، وذلك غير جائزٍ في الحكمة؛ لعلمه تعالى أنَّ فيهم من يؤمن، أو من يظهر من نسله مؤمنٌ. لمَّا تمَّ هذا الجواب، عاد إلى حال تعظيم القرآن؛ فقال: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ﴾ ، أي: ما أردنا بإنزاله إلاَّ إظهار الحقِّ. قوله: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ : في هذا الجار ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق ب «أنْزَلْنَاهُ» ، والباء سببية، أي: أنزلناه بسبب الحقِّ. والثاني: أنه حال من مفعول «أنْزَلنَاهُ» ، أي: ومعه الحقُّ. فتكون الباء بمعنى «مَعَ» قاله الفارسي؛ كما تقول: نزل بعدَّته، وخرج بسلاحه. والثالث: أنه حال من فاعله، أي: ملتبسين بالحق، وعلى هذين الوجهين يتعلق بمحذوف. والضمير في «أنْزلْنَاهُ» الظاهر عوده للقرآن: إمَّا الملفوظ به في قوله قبل ذلك ﴿على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؛ ويكون ذلك جرياً على قاعدة أساليب كلامهم، وهو أن يستطرد المتكلمُ في ذكر شيءٍ لم يسبق له كلامه أولاً، ثم يعود إلى كلامه الأول. وإمَّا للقرآن غير الملفوظ أولاً؛ لدلالة الحال عليه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3] وقيل: يعود على موسى؛ كقوله: ﴿وَأَنزْلْنَا الحديد﴾ [الحديد: 25] ، وقيل: على الوعد، وقيل: على الآيات التِّسعِ، وذكر الضمير، وأفرده؛ حملاً على معنى الدليل والبرهان. قوله: «وبالحقِّ نَزلَ» فيه الوجهان الأولان، دون الثالث؛ لعدم ضميرٍ آخر غير ضمير القرآن لاحتمال أن يكون التقدير: نزل بالحقِّ؛ كما تقول: نزلت بزيدٍ، وعلى هذا التقدير: فالحق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها للتأكيد؛ وذلك أنه يقال: أنزلته، فنزل، وأنزلته فلم ينزل؛ فجيء بقوله «وبالحقِّ نَزلَ» ؛ دفعاً لهذا الوهم، وقيل: لست للتأكيد، والمغايرة تحصل بالتغاير بين الحقَّين، فالحق الأول التوحيد، والثاني الوعد والوعيد، والمر والنهي، وقال الزمخشري: «وما أنزلنا القرآن إلاَّ بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحق والحكمة؛ لاشتماله على الهداية إلى كلِّ خيرٍ، أو ما أنزلناه من المسماء إلا بالحقِّ محفوظاً بالرَّصدِ من الملائكةِ، وما نزل على الرسول إلاَّ محفوظاً بهم من تخليط الشياطين» ، و «مبشِّراً ونذيراً» : حالان من مفعول «أرْسلْنَاكَ» مبشراً للمطيعين، ونذيراً للعاصين، فإن قبلوا الدِّين الحقَّ، انتفعوا به، وإلا فليس عليك من كفرهم [شيءٌ] . قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾ الآية: في نصب «قُرْآناً» أوجه: أظهرها: أنه منصوب بفعل مقدر، أي: «وآتَيْناكَ قُرآناً» يدل عليه قوله ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى﴾ [الإسراء: 101] . الثاني: أنه منصوبٌ؛ عطفاً على الكاف في «أرْسَلْنَاكَ» ؛ قال ابن عطية: «من حيثُ كان إرسالُ هذا، وإنزال هذا بمعنى واحدٍ» . الثالث: أنه منصوب؛ عطفاً على «مُبشِّراً ونذيراً» قال الفراء: «هو منصوبٌ ب» أرْسَلناكَ «، أي: ما أرسلناك إلا مبشِّراً ونذيراً وقرآناً؛ كما تقول: ورحمة يعني: لأن القرآن رحمةٌ» ، بمعنى أنه جعل نفس القرآن مراداً به الرحمة؛ مبالغة، ولو ادَّعى ذلك على حذفِ مضافٍ، كان أقرب، أي: «وذا قرآنٍ» وهذان الوجهان متكلَّفان. الرابع: أن ينتصب على الاشتغال، أي: وفرقنا قُرآناً فرقناه، واعتذر أبو حيان عن ذلك، أي: عن كونه لا يصحُّ الابتداء به، لو جعلناه مبتدأ؛ لعدم مسوغٍ؛ لأنه لا يجوز الاشتغال إلا حيث يجوز في ذلك الاسم الابتداء، بأنَّ ثمَّ صفة محذوفة، تقديره: وقرآناً أي قرآن، بمعنى عظيم، و «فَرقْنَاهُ» على هذا: لا محل له؛ بخلاف الأوجه المتقدمة؛ فإن محلَّه النصب؛ لأنَّه نعتٌ ل «قُرآناً» . وقرأ العامة «فَرقْناهُ» بالتخفيف، أي: بيَّنا حلاله وحرامه، أو فرقنا فيه بين الحق والباطل، وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ - كرَّم الله وجهه - وأبيٌّ، وعبد الله، وابن عباس والشعبي، وقتادة، وحميدٌ في آخرين بالتشديد، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّ التضعيف فيه للتكثير، أي: فرَّقنا آياته بين أمرٍ ونهيٍ، وحكمٍ وأحكامٍ، ومواعظ وأمثال، وقصصٍ وأخبار ماضية ومستقبلة. والثاني: أنه دالٍّ على التفريق والتنجيم. قال الزمخشريُّ: «وعن ابن عباس: أنه قرأ مشدداً، وقال: لم ينزل في يومين، ولا في ثلاثة، بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة، يعني أنَّ» فرقَ «بالتخفيف يدل على فصل متقاربٍ» . قال أبو حيان: «وقال بعضُ من اختار ذلك - يعني التنجيم - لم ينزل في يوم، ولا يومين، ولا شهرٍ، ولا شهرين، ولا سنة، ولا سنتين؛ قال ابن عبَّاس: كان بين أوله، وآخره عشرون سنة، كذا قال الزمخشريُّ، عن ابن عباس» . قال شهاب الدين: ظاهر هذا: أنَّ القول بالتنجيم: ليس مرويًّا عن ابن عباس، ولا سيما وقد فصل قوله «قَالَ ابن عبَّاسٍ» من قوله «وقال بعض من اختار ذلك» ، ومقصوده أنه لم يسنده لابن عباس؛ ليتمَّ له الردُّ على الزمخشري في أنَّ «فَعَّل» بالتشديد لا يدلُّ على التفريق، وقد تقدم له معه هذا المبحث أوَّل هذا الموضوع. قال ابن الخطيب: والاختيار عند الأئمة: «فَرقْنَاهُ» بالتخفيف، وفسَّره أبو عمرو: بيَّناه. قال ابو عبيدة: التخفيف أعجبُ غليَّ؛ لأنَّ معناه: بينَّاه، ومن قرأ بالتشديد، لم يكن له معنًى إلا أنه أنزل متفرِّقاً، [فالتفرُّق] يتضمَّن التَّبيين، ويؤكِّده ما رواه ثعلبٌ عن ابن الأعرابيِّ أنه قال: فَرقتُ، أو أفْرَقتُ بين الكلامِ، وفرَّقتُ بين الأجسامِ؛ ويدلُّ عليه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «البَيِّعانِ بالخِيَارِ، ما لمْ يتفرَّقا» ولم يقل: «يَفْترِقَا» . فصل في نزول القرآن مفرقاً قال ابن الخطيب: إنَّ القوم قالوا: هَبْ أنَّ هذا القرآن معجز، إلا أنه بتقدير أن يكون الأمر كذلك، فكان من الواجب أن ينزله الله عليك دفعة واحدة؛ ليظهر فيه وجه الإعجاز؛ فجعلوا إتيان الرسول به مفرَّقاً شبهة في أنَّه يتفكَّر في فصل فصل، ويقرؤه عليهم، فأجاب الله عن ذلك أنه إنَّما فرَّقه ليكون حفظه أسهل؛ ولتكون الإحاطة والوقوف على دلائله، وحقائقه، ودقائقه أكمل. قال سعيد بن جبير: نزل القرآن كلُّه في ليلة القدر من السَّماء العليا إلى السَّماء السفلى، ثم فصل في السِّنين التي نزل فيها، ومعنى الآية: قطَّعناه آية آية، وسورة وسورة. قوله: «لتَقْرَأهُ» متعلق ب «فَرقْنَاهُ» ، وقوله «عَلَى مُكْثٍ» فيه ثلاثةُ أوجه: الأول: أنه متعلِّق بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الفاعل، أو المفعول في «لتَقْرَأهُ» ، أي: متمهِّلاً مترسِّلاً. الثاني: أنه بدلٌ من «عَلَى النَّاس» قاله الحوفيُّ، وهو وهمٌ؛ لأنَّ قوله «عَلى مُكثٍ» من صفاتِ القارئ، أو المقرُوءِ من وجهة المعنى، لا من صفات الناس؛ حتى يكون بدلاً منهم. الثالث: أنه متعلق ب «فَرقنَاهُ» . قال ابو حيان: «والظاهر تعلق» عَلى مُكثٍ «بقوله» لتَقْرأهُ «، ولا يبالى بكون الفعل يتعلق به حرفا جر من جنسٍ واحدٍ؛ لأنه اختلف معنى الحرفين؛ لأن الأول في موضع المفعول به، والثاني في موضع الحال، أي: متمهِّلاً مترسلاً» . قال شهاب الدين: قوله أولاً: إنه متعلق بقوله «لِتقْرَأهُ» : ينافي قوله في موضع الحال، لأنه متى كان حالاً، تعلق بمحذوفٍ، لا يقال: أراد التعلق المعنوي، لا الصناعي؛ لأنه قال: ولا يبالى بكون الفعل يتعلق به حرفا جرٍّ من جنسٍ واحد، وهذا تفسير إعراب، لا تفسير معنى. والمُْثُ: التَّطاولُ في المدة، وفيه ثلاثة لغات: الضمُّ، والفتح - ونقل القراءة بهما الحوفيُّ، وأبو البقاء - والكسر، ولم يقرأ به فيما علمتُ، وفي فعله الفتح والضمُّ وسيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى في النَّمل [الآية: 22] ومعنى «عَلى مُكْثٍ» أي على تؤدةٍ، وترسُّل في ثلاثٍ وعشرين سنة ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ على الحدِّ المذكور. قوله: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تؤمنوا﴾ : يخاطب الذين اقترحوا تلك المعجزات العظيمة؛ على وجه التَّهديد والإنكار، أي: أنَّه تعالى، أوضح البينات والدلائل، وأزاح الأعذار، فاختاروا ما تريدون. ﴿إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل نزول القرآن، قال مجاهد: هم ناسٌ من أهل الكتاب، كانوا يطلبون الدِّين قبل مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثمَّ أسلموا بعد مبعثه؛ كزيد بن عمرو بن نفيلٍ، وسلمان الفارسيِّ، وأبي ذرٍّ، وورقة بن نوفلٍ، وغيرهم. ﴿إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ﴾ يعني القرآن. ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً﴾ . يعني: يسقطون للأذقان، قال ابن عباس: أراد به الوجوه. قوله: ﴿لِلأَذْقَانِ﴾ : في اللام ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمعنى «على» ، أي: على الأذقان؛ كقولهم: خرَّ علىوجهه. والثاني: أنها للاختصاص، قال الزمخشري: فإن قيل: حرف الاستعلاءِ ظاهر المعنى، إذا قلت: خرَّ على وجهه، وعلى ذقنه، فما معنى اللام في «خرَّ لذقنه، ولوجهه» ؟ قال: [الطويل] 3478 - ... ... ... ... ... . ... فَخرَّ صَرِيعاً للْيَديْنِ وللْفَمِ قلت: معناه: جعل ذقنهُ، ووجههُ [للخرور] ، قال الزجاج: الذَّقنُ: مجمع اللَّحيين، وكلما يبتدئ الإنسان بالخرور إلى السجود، فأقرب الأشياء من الجبهة إلى الأرض الذَّقنُ. وقيل: الأذقان اللِّحى؛ فإن الإنسان، إذا بالغ في السجود، والخضوع، ربَّما مسح ليحتهُ على التُّراب؛ فإنَّ اللحية يبالغ في تنظيفها، فإذا عفَّرها بالتُّراب، فقد أتى بغايةِ التعظيم [للخُرور] . واختصَّ به؛ لأنَّ اللام للاختصاص، وقال أبو البقاء: «والثاني: هي متعلقة ب» يَخِرُّون «، واللام على بابها، أي: مذلُّون للأذقان» . والأذقانُ: جمعُ ذقنٍ، وهو مجمعُ اللَّحيين؛ قال الشاعر: [الطويل] 3479 - فَخرُّوا لأذقَانِ الوُجوهِ تَنُوشُهمْ ... سِباعٌ من الطَّيْرِ العَوادِي وتَنتِفُ و «سُجَّداً» حال، وجوَّز أبو البقاء في «للأذقانِ» أن يكون حالاً، قال: «أي: ساجدين للأذقان» وكأنه يعني به «للأذْقانِ» الثانية؛ لأنَّه يصير المعنى: ساجدين للأذقان سجداً؛ ولذلك قال: «والثالث: أنها - يعني اللام -[بمعنى] » على» ؛ فعلى هذا يكون حالاً من «يَبْكُونَ» ، و «يَبْكُون» حال» . فإن قيل: لم قيل: يَخرُّون للأذقان سجداً، ولم يقل يسجدون؟ والجواب: أن المقصود من هذا اللفظ مسارعتهم إلى ذلك؛ حتَّى أنهم يسقطون. ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ ، أي: كان قولهم في سجودهم: «سبحان ربِّنا» ، أي: ينزِّهونه، ويعظِّمونه ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ أي: بإنزال القرآن، وبعث محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا يدلُّ على أنَّ هؤلاء كانوا من أهل الكتاب، لأنَّ الوعد ببعثة محمد سبق في كتابهم، وهم كانوا ينتظرون إنجاز ذلك الوعد، ثم قال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ . والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين، وهما: خُرورهُمْ في حال كونهم باكين، في حال استماع القرآن، ويدلُّ عليه قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ . وجاءت الحال الأولى اسماً؛ لدلالته على الاستقرار، والثانية فعلاً؛ لدلالته على التجدُّد والحدوث. ويجوز أن يكون القول دلالة على تكرير الفعل منهم. وقوله: «يَبْكُونَ» ، معناه: الحال، ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ ، أي: تواضعاً. قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ : فاعل «يزيدُ» : إمَّا القرآن، أو البكاءُ، أو السُّجودُ، أو المتلوُّ، لدلالة قوله: «إذَا يُتْلَى» . قوله تعالى: ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن﴾ الآية. قال ابن عباس: سجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بمكَّة ذات ليلة، فجعل يبكي، ويقول في سجوده: (يا الله، يا رحمن) . فقال أبو جهلٍ: إنَّ محمداً ينهانا عن آلهتنا، وهو يدعو إلهين، فأنزل الله هذه الآية، ومعناه: أنَّهما اسمان لواحدٍ، [أي:] أيَّ هذين الاسمين سميتم، فله الأسماءُ الحسنى. قوله: ﴿أَيّاً مَّا تَدْعُواْ﴾ : [ «أيًّ» ] منصوب [ب «تَدْعُوا» ] على المفعول به، والمضاف إليه محذوف، أي: أيَّ الاسمين، و «تَدْعُوا» مجزوم بها، فهي عاملة معمولة، وكذلك الفعل، والجواب الجملة الاسمية من قوله «فلهُ الأسْماءُ الحُسنَى» . وقيل: هو محذوفٌ، تقديره: جاز، ثم استأنف، فقال: فله الأسماء الحسنى، وليس بشيءٍ. والتنوين في «أيًّا» عوض من المضاف إليه، وفي «ما» قولان: أحدهما: أنها مزيدة للتأكيد. والثاني: أنها شرطية جمع بينهما؛ تأكيداً كما جمع بين حرفي الجر؛ للتأكيد، وحسَّنه اختلافُ اللفظ؛ كثوله: [الطويل] 3480 - فأصْبَحْنَ لا يَسْألنَنِي ... عن بِمَا بِهِ ... ... ... ... . . ويؤيِّد هذا ما قرأ به طلحة بن مصرِّفٍ «أيًّا من تدعُوا» فقيل: «مَنْ» تحتمل الزيادة على رأي الكسائيِّ؛ كقوله: [الكامل] 3481 - يَا شَاةَ من قَنصٍ لمَنْ حَلَّتْ لهُ..... ... ... ... ... . واحتمل أن تكون شرطية، وجمع بينهما؛ تأكيداً لما تقدَّم، و «تَدعُوا» هنا يحتمل أن يكون من الدعاء، وهو النداءُ، فيتعدَّى لواحدٍ، وأن يكون بمعنى التسمية، فيتعدَّى لاثنين، إلى الأول بنفسه، وإلى الثاني بحرف الجرِّ، ثم يتسع في الجارِّ فيحذف؛ كثوله: [الطويل] 3482 - دَعتْني أخَاهَا أمُّ عَمْرٍو ... ... . ..... ... ... ... ... ... والتقدير: قل: ادعُوا معبودكم بالله، أو بالرَّحمن، بأيِّ الاسمين سمَّيتموه، وممَّن ذهب غلى كونها بمعنى «سمَّى» الزمخشريز ووقف الأخوان على طأيًّا «بإبدال التنوين ألفاً، ولم يقفا على» مَا «؛ تبييناً لانفصال» أيًّا «من» مَا» ، ووقف غيرهما على «مَا» ؛ لامتزاجها ب «أيّ» ؛ ولهذا فصل بها بين «أي» ، وبين ما أضيفت إليه في قوله تعالى ﴿أَيَّمَا الأجلين﴾ [القصص: 28] ، وقيل: «ما» شرطية عند من وقف على «ايًّا» ، وجعل المعنى: أي الاسمين دعوتموه به، جاز، ثم استأنف «مَا تدعوا، فله الأسماء الحسنى» ، يعني أنَّ» ما «شرطٌ ثانٍ، و» فَلهُ الأسماءُ «جوابه، وجواب الأول مقدر، وهذا مردودٌ بأنَّ» ما «لا تطلق على آحاد أولي العلم، وبأنَّ الشرط يقتضي عموماً، ولا يصحُّ هنا، وبأن فيه حذف الشرط والجزاء معاً. فصل والمعنى: أيًّا ما تدعوا، فهو حسنٌ؛ لأنه إذا حسنت أسماؤه، فقد حسن هذان الاسمان؛ لأنهما منها، ومعنى حسن أسماء الله كونها مفيدة لمعاني التَّمجيد والتَّقديس. واحتجَّ الجبائي بهذه الآية، فقال: لو كان تعالى خالقاً للظُّلم، والجور، لصحَّ أن يقال: يا ظالمُ، حينئذٍ: يبطل ما ثبت بهذه الآية من كون أسمائه بأسرها حسنة. والجواب: أنَّا لا نسلِّم أنه لو كان خالقاً لأفعال العباد، لصحَّ وصفه بأنَّه ظالمٌ، وجائرٌ، كما لا يلزم من كونه خالقاً للحركة والسكون، والسواد، والبياض أن يقال: ما متحرك، ويا ساكن، ويا أبيض، ويا أسود. فإن قيل: فيلزم أن يقال: يا خالق الظُّلم والجور. تقولون: ذلك حقٌّ في نفس الأمر، وإنَّما الأدب أن يقال: يا خالق السَّموات والأرض، فكذا قولنا ها هنا. ثمَّ قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ . وروى سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبَّاس في هذه الآية، قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يرفعُ صوته بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبُّوا القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ﴾ ، أي: بقراءتك، أي: فيسمعك المشركون؛ ليسبُّوا القرآن، ويسبُّوا الله عدواً بغير علم. قوله: ﴿وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا يسمعك أصحابك. قوله: ﴿وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً﴾ . روى أبو قتادة «أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ طاف باللَّيل على دور أصحابه؛ فكان أبو بكرٍ يخفي صوته بالقراءة، وكان عمر يرفعُ صوته، فلما جاء النَّهار، وجاء أبو بكرٍ وعمر، فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: هِيَ لَكَ، مَررْتُ بِكَ، وأنْتَ تَقْرأ، وأنْتَ تخفضُ من صَوتِكَ، فقال: إنِّي سَمِعتُ من نَاجَيتُ، قَالَ: فَارفَعْ قليلاً، وقَالَ لِعُمرَ: مَررْتُ بِكَ، وأنْتَ تَقْرَأ، وأنْتَ تَرْفَعُ مِنْ صَوْتِكَ، فقال: إنِّي أوقظُ الوسْنانَ، وأطردُ الشَّيطَانَ، فقال: اخْفِضْ قليلاً» . وقيل: المراد (ولا تجهر بصلاتك كلها) ، ولا تخافت بها كلها (وابتغ بين ذلك سبيلا) بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النَّهار. وقيل: الآية في الدعاء، وهو قول أبي هريرة، وعائشة، والنخعيِّ، ومجاهدٍ، ومكحولٍ، وروي مرفوعاً إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال في هذه الآية، قال: إنَّما ذلِكَ في الدُّعاءِ والمسالة. قال عبد الله بن شدَّادٍ: كان أعرابٌ من بني تميم، إذا سلَّم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قالوا: اللهم ارزقنا مالاً وولداً يجهرون، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ﴾ . أي: لا ترفع صوتك بقراءتك، ودعائك، ولا تخافت بها. والمُخَافتَةُ: خفض الصَّوت والسُّكوتُ. يقل: خفت صوته يخفته خفوتاً، إذا ضعف وسكن، وصوتٌ خفيتٌ، أي: خفيضٌ. ومنه يقال للرجل، إذا مات: قد خفت كلامه، أي: انقطع كلامه، وخفت الزَّرعُ، إذا ذبل، وخفت الرَّجل بقراءته، يتخافتُ بها، إذا لم يبيِّن قراءته برفع الصوت، وقد تخافت القوم، إذا تسارُّوا بينهم. فصل في المستحب في الدعاء واعلم أن الجهر بالدعاء منهيٌّ عنه، والمبالغة في الإسرار غير مطلوبة، والمستحبُّ التوسُّط، وهو أن يسمع نفسه؛ كما روي عن ابن مسعود: أنه قال: لم يتخافت من يسمع أذنيه. واعلم أن العدل هو رعاية الوسط؛ كما مدح الله هذه الأمَّة بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: 143] . ومدح المؤمنين بقوله: ﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان: 67] . وأمر الله تعالى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ [الإسراء: 29] فكذا ههنا: نهى عن الطَّرفين، وهما الجهر والمخافتة، وأمر بالتوسُّط بينهما، فقال: ﴿وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً﴾ . وقال بعضهم: الآية منسوخة بقوله - تعالى -: ﴿ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55] . وهو بعيدٌ. واعلم أنه تعالى، لمَّا أمر بأن لا يذكر، ولا ينادى، إلا بأسمائه الحسنى، علَّم كيفيَّة التمجيد؛ فقال: ﴿وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ الذل﴾ . فذكر ثلاثة أنواع من صفات التنزيه والجلال: الأول: أنه لم يتخذ ولداً، والسَّببُ فيه وجوهٌ: أولها: أنَّ الولد هو الشيء المتولِّد من أجزاء ذلك الشيء، فكلُّ من له ولدٌ، فهو مركبٌ من الأجزاء، والمركَّب محدثٌ، والمحدث محتاجٌ؛ لا يقدر على كمال الإنعامِ؛ فلا يستحقُّ كمال الحمدِ. وثانيها: أنَّ كل من له ولدٌ، فهو يمسك جميع النِّعم لولده، فإذا يكن له ولدٌ، أفاض كلَّ النِّعم على عبيده. وثالثها: أن الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه، فلو كان له ولد، لكان منقضياً فانياً، ومن كان كذلك، لم يقدر على كمال الإنعام في جميع الأوقات؛ فوجب ألاَّ يستحقَّ الحمد على الإطلاق. وهذه الآية ردٌّ على اليهود في قولهم ﴿عُزَيْرٌ ابن الله﴾ [التوبة: 30] ، وردٌّ على النصارى في قولهم ﴿المسيح ابن الله﴾ [التوبة: 30] وعلى مشركي العرب في قولهم: «المَلائِكةُ بنَاتُ الله» . والنوع الثاني من الصفات السلبية قوله: ﴿وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك﴾ . والسَّببُ في اعتبار هذه الصفة: أنَّه لو كان له شريكٌ، فلا يعرف كونه مستحقًّا للحمد والشُّكر. والنوع الثالث: قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ الذل﴾ . والسببُ في اعتباره: أنه لو جاز عليه وليٌّ من الذلِّ، لم يجب شكره؛ لتجويز أن يكون غيره حمله على ذلك الإنعام. أما إذا كان منزَّهاً عن الولد، وعن الشَّريك، وعن أن يكون له وليٌّ يلي أمرهُ، كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد والشُّكر. قوله: ﴿مَّنَ الذل﴾ : فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها صفة ل «وليّ» ، والتقدير: وليٌّ من أهل الذلِّ، والمراد بهم: اليهود والنصارى؛ لأنهم أذلُّ الناس. والثاني: أنها تبعيضية. الثالث: أنها للتعليل، أي: من أجل الذلِّ، وإلى هذين المعنيين نحا الزمخشريُّ فإنه قال: «وليٌّ من الذلِّ: ناصر من الذلِّ، ومانع له منه؛ لاعتزازه به، أو لم يوالِ أحداً لأجل مذلَّة به؛ ليدفعها بموالاته» . وقد تقدَّم الفرق بين الذُّلِّ والذِّلّ في أول هذه السورة [الآية: 24] . فصل في معنى قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ معنى قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ، أي: أنَّ التمجيد يكون مقروناً بالتكبير، والمعنى: عظِّمه عن أن يكون له شريكٌ، أو وليٌّ؛ قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «أحَبُّ الكلام إلى الله تعالى اربع: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمدُ لله لا يضرك بأيِّهنَّ بدأت» . فصل روى أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة بني إسرائيل، فَرَقَّ قَلبهُ عِندَ ذِكْر الوالدين أعْطِيَ في الجنَّة قِنْطَاريْنِ مِنَ الأجْرِ، والقِنطَارُ ألْفُ أوقيَّةٍ، ومِائتَا أوقيَّةٍ، كلُّ أوقيَّةٍ خيرٌ من الدُّنْيَا وما فِيهَا» . وقال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: قول العبد: «الله أكبرُ خيرٌ من الدنيا وما فِيهَا» وهذه الآية خاتمة التَّوراة. وروى مطرفٌ، عن عبد الله بْنِ كعبٍ، قال: «افتُتِحَتِ التَّوراةُ بفَاتحةِ سُورةِ الأنعامِ، وخُتمَتْ بِخاتمَةِ هذه السُّورةِ» . وروى عمرُو بنُ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا أفْصَحَ الغلام من بني عَبْدِ المطَّلبِ، عَلَّمهُ: الحَمدُ للهِ الَّذي لَمْ يتَّخذْ ولداً الآية. وقال عبدُ الحميدِ بنُ واصلٍ: سَمعْتُ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّهُ قال: مَنْ قَرَأ: ﴿وَقُلِ الحمد لِلَّهِ﴾ الآية، كَتبَ الله لهُ من الأجْرِ مِثلَ الأرْض والجِبالِ؛ لأنَّ الله تعلى يَقُولُ فيمَنْ زَعمَ أنَّ لهُ ولداً: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً﴾ [مريم: 90] . سورة الكهف

الإسراء 17:108

قوله: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ الآية. لما بيَّن أن القرآن معجز قاهر دالٌّ على الصدق في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن﴾ [الإسراء: 88] . ثم حكى عن الكفار أنَّهم لم يكتفوا بهذا المعجز، بل طلبوا أشياء أخر، ثم أجاب تعالى بأنَّه لا حاجة إلى إظهار معجزاتٍ أخر، وبيَّن ذلك بوجوهٍ كثيرةٍ: منها: أنَّ قوم موسى آتاهم تسع آيات بيِّناتٍ، فلما جحدوا بها أهلكهم الله، فكذا ههنا، أي: أنَّ المعجزات التي اقترحها قوم محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثمَّ كفروا بها؛ فوجب إنزال عذاب الاستئصال بهم، وذلك غير جائزٍ في الحكمة؛ لعلمه تعالى أنَّ فيهم من يؤمن، أو من يظهر من نسله مؤمنٌ. لمَّا تمَّ هذا الجواب، عاد إلى حال تعظيم القرآن؛ فقال: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ﴾ ، أي: ما أردنا بإنزاله إلاَّ إظهار الحقِّ. قوله: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ : في هذا الجار ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق ب «أنْزَلْنَاهُ» ، والباء سببية، أي: أنزلناه بسبب الحقِّ. والثاني: أنه حال من مفعول «أنْزَلنَاهُ» ، أي: ومعه الحقُّ. فتكون الباء بمعنى «مَعَ» قاله الفارسي؛ كما تقول: نزل بعدَّته، وخرج بسلاحه. والثالث: أنه حال من فاعله، أي: ملتبسين بالحق، وعلى هذين الوجهين يتعلق بمحذوف. والضمير في «أنْزلْنَاهُ» الظاهر عوده للقرآن: إمَّا الملفوظ به في قوله قبل ذلك ﴿على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؛ ويكون ذلك جرياً على قاعدة أساليب كلامهم، وهو أن يستطرد المتكلمُ في ذكر شيءٍ لم يسبق له كلامه أولاً، ثم يعود إلى كلامه الأول. وإمَّا للقرآن غير الملفوظ أولاً؛ لدلالة الحال عليه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3] وقيل: يعود على موسى؛ كقوله: ﴿وَأَنزْلْنَا الحديد﴾ [الحديد: 25] ، وقيل: على الوعد، وقيل: على الآيات التِّسعِ، وذكر الضمير، وأفرده؛ حملاً على معنى الدليل والبرهان. قوله: «وبالحقِّ نَزلَ» فيه الوجهان الأولان، دون الثالث؛ لعدم ضميرٍ آخر غير ضمير القرآن لاحتمال أن يكون التقدير: نزل بالحقِّ؛ كما تقول: نزلت بزيدٍ، وعلى هذا التقدير: فالحق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها للتأكيد؛ وذلك أنه يقال: أنزلته، فنزل، وأنزلته فلم ينزل؛ فجيء بقوله «وبالحقِّ نَزلَ» ؛ دفعاً لهذا الوهم، وقيل: لست للتأكيد، والمغايرة تحصل بالتغاير بين الحقَّين، فالحق الأول التوحيد، والثاني الوعد والوعيد، والمر والنهي، وقال الزمخشري: «وما أنزلنا القرآن إلاَّ بالحكمة المقتضية لإنزاله، وما نزل إلا ملتبساً بالحق والحكمة؛ لاشتماله على الهداية إلى كلِّ خيرٍ، أو ما أنزلناه من المسماء إلا بالحقِّ محفوظاً بالرَّصدِ من الملائكةِ، وما نزل على الرسول إلاَّ محفوظاً بهم من تخليط الشياطين» ، و «مبشِّراً ونذيراً» : حالان من مفعول «أرْسلْنَاكَ» مبشراً للمطيعين، ونذيراً للعاصين، فإن قبلوا الدِّين الحقَّ، انتفعوا به، وإلا فليس عليك من كفرهم [شيءٌ] . قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾ الآية: في نصب «قُرْآناً» أوجه: أظهرها: أنه منصوب بفعل مقدر، أي: «وآتَيْناكَ قُرآناً» يدل عليه قوله ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى﴾ [الإسراء: 101] . الثاني: أنه منصوبٌ؛ عطفاً على الكاف في «أرْسَلْنَاكَ» ؛ قال ابن عطية: «من حيثُ كان إرسالُ هذا، وإنزال هذا بمعنى واحدٍ» . الثالث: أنه منصوب؛ عطفاً على «مُبشِّراً ونذيراً» قال الفراء: «هو منصوبٌ ب» أرْسَلناكَ «، أي: ما أرسلناك إلا مبشِّراً ونذيراً وقرآناً؛ كما تقول: ورحمة يعني: لأن القرآن رحمةٌ» ، بمعنى أنه جعل نفس القرآن مراداً به الرحمة؛ مبالغة، ولو ادَّعى ذلك على حذفِ مضافٍ، كان أقرب، أي: «وذا قرآنٍ» وهذان الوجهان متكلَّفان. الرابع: أن ينتصب على الاشتغال، أي: وفرقنا قُرآناً فرقناه، واعتذر أبو حيان عن ذلك، أي: عن كونه لا يصحُّ الابتداء به، لو جعلناه مبتدأ؛ لعدم مسوغٍ؛ لأنه لا يجوز الاشتغال إلا حيث يجوز في ذلك الاسم الابتداء، بأنَّ ثمَّ صفة محذوفة، تقديره: وقرآناً أي قرآن، بمعنى عظيم، و «فَرقْنَاهُ» على هذا: لا محل له؛ بخلاف الأوجه المتقدمة؛ فإن محلَّه النصب؛ لأنَّه نعتٌ ل «قُرآناً» . وقرأ العامة «فَرقْناهُ» بالتخفيف، أي: بيَّنا حلاله وحرامه، أو فرقنا فيه بين الحق والباطل، وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ - كرَّم الله وجهه - وأبيٌّ، وعبد الله، وابن عباس والشعبي، وقتادة، وحميدٌ في آخرين بالتشديد، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّ التضعيف فيه للتكثير، أي: فرَّقنا آياته بين أمرٍ ونهيٍ، وحكمٍ وأحكامٍ، ومواعظ وأمثال، وقصصٍ وأخبار ماضية ومستقبلة. والثاني: أنه دالٍّ على التفريق والتنجيم. قال الزمخشريُّ: «وعن ابن عباس: أنه قرأ مشدداً، وقال: لم ينزل في يومين، ولا في ثلاثة، بل كان بين أوله وآخره عشرون سنة، يعني أنَّ» فرقَ «بالتخفيف يدل على فصل متقاربٍ» . قال أبو حيان: «وقال بعضُ من اختار ذلك - يعني التنجيم - لم ينزل في يوم، ولا يومين، ولا شهرٍ، ولا شهرين، ولا سنة، ولا سنتين؛ قال ابن عبَّاس: كان بين أوله، وآخره عشرون سنة، كذا قال الزمخشريُّ، عن ابن عباس» . قال شهاب الدين: ظاهر هذا: أنَّ القول بالتنجيم: ليس مرويًّا عن ابن عباس، ولا سيما وقد فصل قوله «قَالَ ابن عبَّاسٍ» من قوله «وقال بعض من اختار ذلك» ، ومقصوده أنه لم يسنده لابن عباس؛ ليتمَّ له الردُّ على الزمخشري في أنَّ «فَعَّل» بالتشديد لا يدلُّ على التفريق، وقد تقدم له معه هذا المبحث أوَّل هذا الموضوع. قال ابن الخطيب: والاختيار عند الأئمة: «فَرقْنَاهُ» بالتخفيف، وفسَّره أبو عمرو: بيَّناه. قال ابو عبيدة: التخفيف أعجبُ غليَّ؛ لأنَّ معناه: بينَّاه، ومن قرأ بالتشديد، لم يكن له معنًى إلا أنه أنزل متفرِّقاً، [فالتفرُّق] يتضمَّن التَّبيين، ويؤكِّده ما رواه ثعلبٌ عن ابن الأعرابيِّ أنه قال: فَرقتُ، أو أفْرَقتُ بين الكلامِ، وفرَّقتُ بين الأجسامِ؛ ويدلُّ عليه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «البَيِّعانِ بالخِيَارِ، ما لمْ يتفرَّقا» ولم يقل: «يَفْترِقَا» . فصل في نزول القرآن مفرقاً قال ابن الخطيب: إنَّ القوم قالوا: هَبْ أنَّ هذا القرآن معجز، إلا أنه بتقدير أن يكون الأمر كذلك، فكان من الواجب أن ينزله الله عليك دفعة واحدة؛ ليظهر فيه وجه الإعجاز؛ فجعلوا إتيان الرسول به مفرَّقاً شبهة في أنَّه يتفكَّر في فصل فصل، ويقرؤه عليهم، فأجاب الله عن ذلك أنه إنَّما فرَّقه ليكون حفظه أسهل؛ ولتكون الإحاطة والوقوف على دلائله، وحقائقه، ودقائقه أكمل. قال سعيد بن جبير: نزل القرآن كلُّه في ليلة القدر من السَّماء العليا إلى السَّماء السفلى، ثم فصل في السِّنين التي نزل فيها، ومعنى الآية: قطَّعناه آية آية، وسورة وسورة. قوله: «لتَقْرَأهُ» متعلق ب «فَرقْنَاهُ» ، وقوله «عَلَى مُكْثٍ» فيه ثلاثةُ أوجه: الأول: أنه متعلِّق بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الفاعل، أو المفعول في «لتَقْرَأهُ» ، أي: متمهِّلاً مترسِّلاً. الثاني: أنه بدلٌ من «عَلَى النَّاس» قاله الحوفيُّ، وهو وهمٌ؛ لأنَّ قوله «عَلى مُكثٍ» من صفاتِ القارئ، أو المقرُوءِ من وجهة المعنى، لا من صفات الناس؛ حتى يكون بدلاً منهم. الثالث: أنه متعلق ب «فَرقنَاهُ» . قال ابو حيان: «والظاهر تعلق» عَلى مُكثٍ «بقوله» لتَقْرأهُ «، ولا يبالى بكون الفعل يتعلق به حرفا جر من جنسٍ واحدٍ؛ لأنه اختلف معنى الحرفين؛ لأن الأول في موضع المفعول به، والثاني في موضع الحال، أي: متمهِّلاً مترسلاً» . قال شهاب الدين: قوله أولاً: إنه متعلق بقوله «لِتقْرَأهُ» : ينافي قوله في موضع الحال، لأنه متى كان حالاً، تعلق بمحذوفٍ، لا يقال: أراد التعلق المعنوي، لا الصناعي؛ لأنه قال: ولا يبالى بكون الفعل يتعلق به حرفا جرٍّ من جنسٍ واحد، وهذا تفسير إعراب، لا تفسير معنى. والمُْثُ: التَّطاولُ في المدة، وفيه ثلاثة لغات: الضمُّ، والفتح - ونقل القراءة بهما الحوفيُّ، وأبو البقاء - والكسر، ولم يقرأ به فيما علمتُ، وفي فعله الفتح والضمُّ وسيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى في النَّمل [الآية: 22] ومعنى «عَلى مُكْثٍ» أي على تؤدةٍ، وترسُّل في ثلاثٍ وعشرين سنة ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ على الحدِّ المذكور. قوله: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تؤمنوا﴾ : يخاطب الذين اقترحوا تلك المعجزات العظيمة؛ على وجه التَّهديد والإنكار، أي: أنَّه تعالى، أوضح البينات والدلائل، وأزاح الأعذار، فاختاروا ما تريدون. ﴿إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل نزول القرآن، قال مجاهد: هم ناسٌ من أهل الكتاب، كانوا يطلبون الدِّين قبل مبعث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثمَّ أسلموا بعد مبعثه؛ كزيد بن عمرو بن نفيلٍ، وسلمان الفارسيِّ، وأبي ذرٍّ، وورقة بن نوفلٍ، وغيرهم. ﴿إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ﴾ يعني القرآن. ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً﴾ . يعني: يسقطون للأذقان، قال ابن عباس: أراد به الوجوه. قوله: ﴿لِلأَذْقَانِ﴾ : في اللام ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمعنى «على» ، أي: على الأذقان؛ كقولهم: خرَّ علىوجهه. والثاني: أنها للاختصاص، قال الزمخشري: فإن قيل: حرف الاستعلاءِ ظاهر المعنى، إذا قلت: خرَّ على وجهه، وعلى ذقنه، فما معنى اللام في «خرَّ لذقنه، ولوجهه» ؟ قال: [الطويل] 3478 - ... ... ... ... ... . ... فَخرَّ صَرِيعاً للْيَديْنِ وللْفَمِ قلت: معناه: جعل ذقنهُ، ووجههُ [للخرور] ، قال الزجاج: الذَّقنُ: مجمع اللَّحيين، وكلما يبتدئ الإنسان بالخرور إلى السجود، فأقرب الأشياء من الجبهة إلى الأرض الذَّقنُ. وقيل: الأذقان اللِّحى؛ فإن الإنسان، إذا بالغ في السجود، والخضوع، ربَّما مسح ليحتهُ على التُّراب؛ فإنَّ اللحية يبالغ في تنظيفها، فإذا عفَّرها بالتُّراب، فقد أتى بغايةِ التعظيم [للخُرور] . واختصَّ به؛ لأنَّ اللام للاختصاص، وقال أبو البقاء: «والثاني: هي متعلقة ب» يَخِرُّون «، واللام على بابها، أي: مذلُّون للأذقان» . والأذقانُ: جمعُ ذقنٍ، وهو مجمعُ اللَّحيين؛ قال الشاعر: [الطويل] 3479 - فَخرُّوا لأذقَانِ الوُجوهِ تَنُوشُهمْ ... سِباعٌ من الطَّيْرِ العَوادِي وتَنتِفُ و «سُجَّداً» حال، وجوَّز أبو البقاء في «للأذقانِ» أن يكون حالاً، قال: «أي: ساجدين للأذقان» وكأنه يعني به «للأذْقانِ» الثانية؛ لأنَّه يصير المعنى: ساجدين للأذقان سجداً؛ ولذلك قال: «والثالث: أنها - يعني اللام -[بمعنى] » على» ؛ فعلى هذا يكون حالاً من «يَبْكُونَ» ، و «يَبْكُون» حال» . فإن قيل: لم قيل: يَخرُّون للأذقان سجداً، ولم يقل يسجدون؟ والجواب: أن المقصود من هذا اللفظ مسارعتهم إلى ذلك؛ حتَّى أنهم يسقطون. ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ ، أي: كان قولهم في سجودهم: «سبحان ربِّنا» ، أي: ينزِّهونه، ويعظِّمونه ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ أي: بإنزال القرآن، وبعث محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا يدلُّ على أنَّ هؤلاء كانوا من أهل الكتاب، لأنَّ الوعد ببعثة محمد سبق في كتابهم، وهم كانوا ينتظرون إنجاز ذلك الوعد، ثم قال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ . والفائدة في هذا التكرير اختلاف الحالين، وهما: خُرورهُمْ في حال كونهم باكين، في حال استماع القرآن، ويدلُّ عليه قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ . وجاءت الحال الأولى اسماً؛ لدلالته على الاستقرار، والثانية فعلاً؛ لدلالته على التجدُّد والحدوث. ويجوز أن يكون القول دلالة على تكرير الفعل منهم. وقوله: «يَبْكُونَ» ، معناه: الحال، ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ ، أي: تواضعاً. قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ : فاعل «يزيدُ» : إمَّا القرآن، أو البكاءُ، أو السُّجودُ، أو المتلوُّ، لدلالة قوله: «إذَا يُتْلَى» . قوله تعالى: ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن﴾ الآية. قال ابن عباس: سجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بمكَّة ذات ليلة، فجعل يبكي، ويقول في سجوده: (يا الله، يا رحمن) . فقال أبو جهلٍ: إنَّ محمداً ينهانا عن آلهتنا، وهو يدعو إلهين، فأنزل الله هذه الآية، ومعناه: أنَّهما اسمان لواحدٍ، [أي:] أيَّ هذين الاسمين سميتم، فله الأسماءُ الحسنى. قوله: ﴿أَيّاً مَّا تَدْعُواْ﴾ : [ «أيًّ» ] منصوب [ب «تَدْعُوا» ] على المفعول به، والمضاف إليه محذوف، أي: أيَّ الاسمين، و «تَدْعُوا» مجزوم بها، فهي عاملة معمولة، وكذلك الفعل، والجواب الجملة الاسمية من قوله «فلهُ الأسْماءُ الحُسنَى» . وقيل: هو محذوفٌ، تقديره: جاز، ثم استأنف، فقال: فله الأسماء الحسنى، وليس بشيءٍ. والتنوين في «أيًّا» عوض من المضاف إليه، وفي «ما» قولان: أحدهما: أنها مزيدة للتأكيد. والثاني: أنها شرطية جمع بينهما؛ تأكيداً كما جمع بين حرفي الجر؛ للتأكيد، وحسَّنه اختلافُ اللفظ؛ كثوله: [الطويل] 3480 - فأصْبَحْنَ لا يَسْألنَنِي ... عن بِمَا بِهِ ... ... ... ... . . ويؤيِّد هذا ما قرأ به طلحة بن مصرِّفٍ «أيًّا من تدعُوا» فقيل: «مَنْ» تحتمل الزيادة على رأي الكسائيِّ؛ كقوله: [الكامل] 3481 - يَا شَاةَ من قَنصٍ لمَنْ حَلَّتْ لهُ..... ... ... ... ... . واحتمل أن تكون شرطية، وجمع بينهما؛ تأكيداً لما تقدَّم، و «تَدعُوا» هنا يحتمل أن يكون من الدعاء، وهو النداءُ، فيتعدَّى لواحدٍ، وأن يكون بمعنى التسمية، فيتعدَّى لاثنين، إلى الأول بنفسه، وإلى الثاني بحرف الجرِّ، ثم يتسع في الجارِّ فيحذف؛ كثوله: [الطويل] 3482 - دَعتْني أخَاهَا أمُّ عَمْرٍو ... ... . ..... ... ... ... ... ... والتقدير: قل: ادعُوا معبودكم بالله، أو بالرَّحمن، بأيِّ الاسمين سمَّيتموه، وممَّن ذهب غلى كونها بمعنى «سمَّى» الزمخشريز ووقف الأخوان على طأيًّا «بإبدال التنوين ألفاً، ولم يقفا على» مَا «؛ تبييناً لانفصال» أيًّا «من» مَا» ، ووقف غيرهما على «مَا» ؛ لامتزاجها ب «أيّ» ؛ ولهذا فصل بها بين «أي» ، وبين ما أضيفت إليه في قوله تعالى ﴿أَيَّمَا الأجلين﴾ [القصص: 28] ، وقيل: «ما» شرطية عند من وقف على «ايًّا» ، وجعل المعنى: أي الاسمين دعوتموه به، جاز، ثم استأنف «مَا تدعوا، فله الأسماء الحسنى» ، يعني أنَّ» ما «شرطٌ ثانٍ، و» فَلهُ الأسماءُ «جوابه، وجواب الأول مقدر، وهذا مردودٌ بأنَّ» ما «لا تطلق على آحاد أولي العلم، وبأنَّ الشرط يقتضي عموماً، ولا يصحُّ هنا، وبأن فيه حذف الشرط والجزاء معاً. فصل والمعنى: أيًّا ما تدعوا، فهو حسنٌ؛ لأنه إذا حسنت أسماؤه، فقد حسن هذان الاسمان؛ لأنهما منها، ومعنى حسن أسماء الله كونها مفيدة لمعاني التَّمجيد والتَّقديس. واحتجَّ الجبائي بهذه الآية، فقال: لو كان تعالى خالقاً للظُّلم، والجور، لصحَّ أن يقال: يا ظالمُ، حينئذٍ: يبطل ما ثبت بهذه الآية من كون أسمائه بأسرها حسنة. والجواب: أنَّا لا نسلِّم أنه لو كان خالقاً لأفعال العباد، لصحَّ وصفه بأنَّه ظالمٌ، وجائرٌ، كما لا يلزم من كونه خالقاً للحركة والسكون، والسواد، والبياض أن يقال: ما متحرك، ويا ساكن، ويا أبيض، ويا أسود. فإن قيل: فيلزم أن يقال: يا خالق الظُّلم والجور. تقولون: ذلك حقٌّ في نفس الأمر، وإنَّما الأدب أن يقال: يا خالق السَّموات والأرض، فكذا قولنا ها هنا. ثمَّ قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ . وروى سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبَّاس في هذه الآية، قال: كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يرفعُ صوته بالقراءة، فإذا سمعه المشركون سبُّوا القرآن ومن أنزله، ومن جاء به، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ﴾ ، أي: بقراءتك، أي: فيسمعك المشركون؛ ليسبُّوا القرآن، ويسبُّوا الله عدواً بغير علم. قوله: ﴿وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا يسمعك أصحابك. قوله: ﴿وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً﴾ . روى أبو قتادة «أنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ طاف باللَّيل على دور أصحابه؛ فكان أبو بكرٍ يخفي صوته بالقراءة، وكان عمر يرفعُ صوته، فلما جاء النَّهار، وجاء أبو بكرٍ وعمر، فقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: هِيَ لَكَ، مَررْتُ بِكَ، وأنْتَ تَقْرأ، وأنْتَ تخفضُ من صَوتِكَ، فقال: إنِّي سَمِعتُ من نَاجَيتُ، قَالَ: فَارفَعْ قليلاً، وقَالَ لِعُمرَ: مَررْتُ بِكَ، وأنْتَ تَقْرَأ، وأنْتَ تَرْفَعُ مِنْ صَوْتِكَ، فقال: إنِّي أوقظُ الوسْنانَ، وأطردُ الشَّيطَانَ، فقال: اخْفِضْ قليلاً» . وقيل: المراد (ولا تجهر بصلاتك كلها) ، ولا تخافت بها كلها (وابتغ بين ذلك سبيلا) بأن تجهر بصلاة الليل، وتخافت بصلاة النَّهار. وقيل: الآية في الدعاء، وهو قول أبي هريرة، وعائشة، والنخعيِّ، ومجاهدٍ، ومكحولٍ، وروي مرفوعاً إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال في هذه الآية، قال: إنَّما ذلِكَ في الدُّعاءِ والمسالة. قال عبد الله بن شدَّادٍ: كان أعرابٌ من بني تميم، إذا سلَّم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قالوا: اللهم ارزقنا مالاً وولداً يجهرون، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ﴾ . أي: لا ترفع صوتك بقراءتك، ودعائك، ولا تخافت بها. والمُخَافتَةُ: خفض الصَّوت والسُّكوتُ. يقل: خفت صوته يخفته خفوتاً، إذا ضعف وسكن، وصوتٌ خفيتٌ، أي: خفيضٌ. ومنه يقال للرجل، إذا مات: قد خفت كلامه، أي: انقطع كلامه، وخفت الزَّرعُ، إذا ذبل، وخفت الرَّجل بقراءته، يتخافتُ بها، إذا لم يبيِّن قراءته برفع الصوت، وقد تخافت القوم، إذا تسارُّوا بينهم. فصل في المستحب في الدعاء واعلم أن الجهر بالدعاء منهيٌّ عنه، والمبالغة في الإسرار غير مطلوبة، والمستحبُّ التوسُّط، وهو أن يسمع نفسه؛ كما روي عن ابن مسعود: أنه قال: لم يتخافت من يسمع أذنيه. واعلم أن العدل هو رعاية الوسط؛ كما مدح الله هذه الأمَّة بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة: 143] . ومدح المؤمنين بقوله: ﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان: 67] . وأمر الله تعالى رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ [الإسراء: 29] فكذا ههنا: نهى عن الطَّرفين، وهما الجهر والمخافتة، وأمر بالتوسُّط بينهما، فقال: ﴿وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً﴾ . وقال بعضهم: الآية منسوخة بقوله - تعالى -: ﴿ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55] . وهو بعيدٌ. واعلم أنه تعالى، لمَّا أمر بأن لا يذكر، ولا ينادى، إلا بأسمائه الحسنى، علَّم كيفيَّة التمجيد؛ فقال: ﴿وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ الذل﴾ . فذكر ثلاثة أنواع من صفات التنزيه والجلال: الأول: أنه لم يتخذ ولداً، والسَّببُ فيه وجوهٌ: أولها: أنَّ الولد هو الشيء المتولِّد من أجزاء ذلك الشيء، فكلُّ من له ولدٌ، فهو مركبٌ من الأجزاء، والمركَّب محدثٌ، والمحدث محتاجٌ؛ لا يقدر على كمال الإنعامِ؛ فلا يستحقُّ كمال الحمدِ. وثانيها: أنَّ كل من له ولدٌ، فهو يمسك جميع النِّعم لولده، فإذا يكن له ولدٌ، أفاض كلَّ النِّعم على عبيده. وثالثها: أن الولد هو الذي يقوم مقام الوالد بعد انقضائه، فلو كان له ولد، لكان منقضياً فانياً، ومن كان كذلك، لم يقدر على كمال الإنعام في جميع الأوقات؛ فوجب ألاَّ يستحقَّ الحمد على الإطلاق. وهذه الآية ردٌّ على اليهود في قولهم ﴿عُزَيْرٌ ابن الله﴾ [التوبة: 30] ، وردٌّ على النصارى في قولهم ﴿المسيح ابن الله﴾ [التوبة: 30] وعلى مشركي العرب في قولهم: «المَلائِكةُ بنَاتُ الله» . والنوع الثاني من الصفات السلبية قوله: ﴿وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك﴾ . والسَّببُ في اعتبار هذه الصفة: أنَّه لو كان له شريكٌ، فلا يعرف كونه مستحقًّا للحمد والشُّكر. والنوع الثالث: قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ الذل﴾ . والسببُ في اعتباره: أنه لو جاز عليه وليٌّ من الذلِّ، لم يجب شكره؛ لتجويز أن يكون غيره حمله على ذلك الإنعام. أما إذا كان منزَّهاً عن الولد، وعن الشَّريك، وعن أن يكون له وليٌّ يلي أمرهُ، كان مستوجباً لأعظم أنواع الحمد والشُّكر. قوله: ﴿مَّنَ الذل﴾ : فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها صفة ل «وليّ» ، والتقدير: وليٌّ من أهل الذلِّ، والمراد بهم: اليهود والنصارى؛ لأنهم أذلُّ الناس. والثاني: أنها تبعيضية. الثالث: أنها للتعليل، أي: من أجل الذلِّ، وإلى هذين المعنيين نحا الزمخشريُّ فإنه قال: «وليٌّ من الذلِّ: ناصر من الذلِّ، ومانع له منه؛ لاعتزازه به، أو لم يوالِ أحداً لأجل مذلَّة به؛ ليدفعها بموالاته» . وقد تقدَّم الفرق بين الذُّلِّ والذِّلّ في أول هذه السورة [الآية: 24] . فصل في معنى قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ معنى قوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ ، أي: أنَّ التمجيد يكون مقروناً بالتكبير، والمعنى: عظِّمه عن أن يكون له شريكٌ، أو وليٌّ؛ قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - «أحَبُّ الكلام إلى الله تعالى اربع: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمدُ لله لا يضرك بأيِّهنَّ بدأت» . فصل روى أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُورة بني إسرائيل، فَرَقَّ قَلبهُ عِندَ ذِكْر الوالدين أعْطِيَ في الجنَّة قِنْطَاريْنِ مِنَ الأجْرِ، والقِنطَارُ ألْفُ أوقيَّةٍ، ومِائتَا أوقيَّةٍ، كلُّ أوقيَّةٍ خيرٌ من الدُّنْيَا وما فِيهَا» . وقال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: قول العبد: «الله أكبرُ خيرٌ من الدنيا وما فِيهَا» وهذه الآية خاتمة التَّوراة. وروى مطرفٌ، عن عبد الله بْنِ كعبٍ، قال: «افتُتِحَتِ التَّوراةُ بفَاتحةِ سُورةِ الأنعامِ، وخُتمَتْ بِخاتمَةِ هذه السُّورةِ» . وروى عمرُو بنُ شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا أفْصَحَ الغلام من بني عَبْدِ المطَّلبِ، عَلَّمهُ: الحَمدُ للهِ الَّذي لَمْ يتَّخذْ ولداً الآية. وقال عبدُ الحميدِ بنُ واصلٍ: سَمعْتُ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّهُ قال: مَنْ قَرَأ: ﴿وَقُلِ الحمد لِلَّهِ﴾ الآية، كَتبَ الله لهُ من الأجْرِ مِثلَ الأرْض والجِبالِ؛ لأنَّ الله تعلى يَقُولُ فيمَنْ زَعمَ أنَّ لهُ ولداً: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً﴾ [مريم: 90] . سورة الكهف