Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الكهف 18:33 – الكهف 18:53
المحتويات
الكهف 18:33
قوله: نعم الثواب» أي: نعم الجزاء.
قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ مجلساً، ومقرّاً، وهذا في مقابلة قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: 29] .
قوله تعالى: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الآية.
وجه النَّظم أن الكفار، لمَّا افتخرُوا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، بيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ممَّا لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن يصير الغنيُّ فقيراً، والفقير غنيًّا، وأما الذي تجبُ المفاخرةُ به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلةٌ لفقراءِ المسلمين، وبيَّن ذلك بضرب هذا المثل؛ فقال: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ أي: مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافرٌ، واسمه [براطوس] ، والآخر: مؤمنٌ، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس.
وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة «الصافات» في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ [الصافات: 51، 52] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمَّرٍ عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلافِ دينارٍ.
وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينارٍ، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما أربعة آلاف دينارٍ، فاشترى الكافر أرضاً بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم، إنَّ أخي اشترى أرضاً بألف، وإنِّي أشتري منك أرضاً بألف في الجنَّة، فتصدَّق به.
ثم [بنى] أخوه داراً بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني أشتري منك داراً بألف في الجنَّة، فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين، وتصدَّق به.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إنِّي اشتريتُ منك الولدان بألف، فتصدَّق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجةٌ، فجلس لأخيه على طريقه، فمرَّ به في خدمه وحشمه، فتعرَّض له، فقال: فلانٌ؟! قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجةٌ بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سويَّة] ، فأخذت شطره؟ فقصَّ عليه قصَّتهُ، قال: إنَّك لمن المصدِّقين، اذهب، فلا أعطيك شيئاً.
وقيل: نزلتْ في أخوين من أهل مكَّة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمنٌ، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أمِّ سلمة قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والآخر كافرٌ، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل.
قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ : قد تقدم أنَّ «ضرب» مع المثل، يجوز أن يتعدى لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مثل رجلين، و «جَعلْنَا» تفسير ل «مَثَل» فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصباً نعتاً ل «رَجُليْنِ» كقولك: مررتُ برجلين، جعل لأحدهما جنَّةٌ.
قوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ يقال: حفَّ بالشيء: طاف به من جميع جوانبه، قال النابغة: [البسيط]
3523 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نِيقٍ وتُتْبِعُهُ ... مِثلُ الزُّجاجةِ لمْ تُكْحَلْ من الرَّمدِ
وحفَّ به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافَّته، وحففته به، أي: جعلته مطيفاً به.
والحِفاف: الجانبُ، وجمعه أحِفَّةٌ، والمعنى: جعلنا حول الأعناب النَّخْل.
قال الزمخشريُّ: وهذه الصفة ممَّا يؤثرها الدَّهاقين في كرومهم، وهو أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسنٌ في [المنظر] .
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ قيل: كان الزَّرع في وسط الأعناب، وقيل: كان الزَّرْع بين الجنَّتين، أي: لم يكن بين الجنتين موضعٌ خالٍ.
والمقصود منه أمورق:
الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.
والثاني: أن تكون متَّسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم يتوسَّطها ما يقطع بعضها عن بعض.
والثالث: أنَّ مثل هذه الأرض تأتي كلَّ [يوم] بمنفعةٍ أخرى، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصفة.
قوله: ﴿كِلْتَا الجنتين﴾ : قد تقدَّم في السورة قبلها [الإسراء: 23] حكم «كلتا» وهي مبتدأ، و «آتتْ» خبرها، وجاء هنا على [الكثير: وهو] مراعاةُ لفظها، دون معناها.
وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - «كِلا الجنَّتَيْنِ» بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ «آتتْ» بالتأنيث؛ اعتباراً بلفظ «الجَنَّتين» فهو نظير «طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ» . وروى الفراء عنه قراءة أخرى: «كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ» أعاد الضمير على اللفظ «أكل» .
واعلم أنَّ لفظ «كل» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و «كِلْتَا» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: «جَاءنِي كِلاَ أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلاَ أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ» ، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
فصل
ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها تامًّا، ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ﴾ لم تنقص، ﴿مِّنْهُ شَيْئاً﴾ والظُّلم: النقصان، يقول الرَّجُل: ظلمنِي حقِّي، أي: نقصنِي.
قوله: «وفجَّرنَا» العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [القمر: 12] ، والتشديد هناك أظهر لقوله «عُيُوناً» .
والعامة على فتح هاء «نهر» وأبو السَّمال والفيَّاض بسكونها.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: لصاحب البستان.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه في الأنعام [الأنعام: 99] ، وتقدَّم أنَّ «الثُّمُرَ» بالضمِّ المال، فقال ابن عباس: جميع المال من ذهبٍ، وفضةٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك، قال النابغة: [البسيط]
3524 - مَهْلاً فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهمُ ... ومَا أثمِّرُ من مالٍ ومِنْ وَلدِ
وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضَّة خاصة.
«فقال» يعني صاحب البستان «لصاحبه» أي المؤمن.
«وهو يُحَاوِرهُ» أي: يخاطبه وهذه جملة حاليَّة مبيِّنةٌ؛ إذ لا يلزم من القول المحاورةُ؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 14] . وقال امرؤ القيس: [الطويل]
3525 - ومَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئهِ ... يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول.
قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ .
والنَّفَرُ: العشيرة الذين يذبُّون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: حشماً، وخدماً.
وقال مقاتلٌ: ولداً تصديقه قوله: ﴿أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: 39] .
قوله: ﴿جَنَّتَهُ﴾ : إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلمِ بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفى بالواحد عن الجمع في قول الهذليِّ: [الكامل]
3526 - فَالعيْنُ بَعدهُم كَأنَّ حِداقهَا ... سُمِلتْ بِشوْكِ فهي عُورٌ تَدْمَعُ
ولقائلٍ أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأنَّ جمع التكسير يجري مجرى المؤنَّثة، فالضمير في «سُمِلَتْ» وفي «فهي» يعود على الحداقِ، لا على حدقةٍ واحدة، كما يوهم.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم أفرد الجنَّة، بعد التثنية؟ قلت: معناه: ودخل ما هو جنَّتهُ، ما له جنة غيرها، بمعنى: أنه ليس له نصيب في الجنة الَّتي وعد المتَّقون، فما ملكه في الدنيا، فهو جنَّته، لا غير، ولم يقصد الجنتين، ولا واحدة منهما» .
فصل
قال أبو حيان: «ولا يتصوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إخبار من الله تعالى بأنَّ هذا الكافر دخل جنَّته، فلا بدَّ أن قصد في الإخبار: أنه دخل إحدى جنتيه؛ إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقتٍ واحدٍ» . قال شهاب الدين: من ادَّعى دخولهما في وقتٍ واحدٍ، حتَّى يلزمه بهذا المستحيلِ في البداية؟ وأمَّا قوله «ولم يقصد الجنَّتين، ولا واحدة» معناه: لم يقصد تعيين مفردٍ، ولا مثنى، لا أنه لم يقصد الإخبار بالدخول.
وقال أبو البقاء: «إنما أفرد؛ لأنَّهما جميعاً ملكهُ، فصارا كالشيء الواحد» .
قوله: «وهُو ظَالِمٌ» حال من فاعل «دَخلَ» ، وقوله «لنَفْسهِ» مفعول «ظَالِمٌ» واللام مزيدة فيه؛ لكون العامل فرعاً.
قوله:» ﴿مَآ أَظُنُّ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ان يكون مستأنفاً بياناً لسبب الظلم.
والثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير في «ظَالِمٌ» ، أي: وهو ظالمٌ في حال كونه قائلاً.
قوله: «أنْ تَبِيدَ» أي: تهلك، قال: [المقتضب]
3527 - فَلئِنْ بَادَ أهْلهُ ... لبِما كَانَ يُوهَلُ
ويقال: بَادَ يَبيدُ بُيُوداً وبَيْدُودة، مثل» كَيْنُونة «والعمل فيها معروفٌ، وهو أنه حذفت إحدى الياءين، ووزنها فيعلولة.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ يعني الكافر آخذاً بيد صاحبه المسلم يطوف به فيها، ويريه بهجتها وحسنها، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ بكفره، وهذا اعتراضٌ وقع في أثناء الكلام، والمعنى أنه لمَّا اغترَّ بتلك النِّعم، وتوسَّل بها إلى الكفران والجحود؛ لقدرته على البعث، كان واضعاً لتلك النِّعم في غير موضعها، ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ .
قال أهل المعاني: لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهَّم أنها لا تفنى أبداً مطلقاً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ فجمع بين كفرين.
الأول: قطعه بأنَّ تلك الأشياء لا تبيدُ أبداً.
والثاني: إنكار البعث.
فإن قيل: هب أنَّه شكَّ في القيامة، فكيف قال: ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً، مع أنَّ الحسَّ يدلُّ على أنَّ أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ غير باقية؟ .
فالجواب: مراده أنَّها لا تبيد مدَّة حياته، ثم قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التَّمييز، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: 50] .
وقوله: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: 77] .
فإن قيل: كيف قال: ولَئِنْ رددت إلى ربي وهو ينكرُ البعث؟ .
فالجواب: معناه: ولئنْ رددتُّ إلى ربِّي على زعمكَ، يعطيني هنالك خيراً منها.
والسَّبب في وقوعه في هذه الشُّبهة أنَّه تعالى لمَّا أعطاه المال والجاه في الدنيا، ظنَّ أنه إنَّما أعطاه ذلك؛ لكونه مستحقًّا له، والاستحقاقُ باقٍ بعد الموت؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدِّمة الأولى كاذبةٌ؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، يكون في أكثر الأمر للاستدراج.
وقرأ أبو عمرو والكوفيون «مِنْهَا» بالإفراد؛ نظراً إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: «جنَّتهُ» وهي في مصاحف العراق، دون ميم، والباقون «مِنْهُما» بالتثنية؛ نظراً إلى الأصل في قوله: «جَنَّتيْنِ» و «كِلتَا الجنَّتيْنِ» ورُسِمَتْ في مصاحفِ الحرمينِ والشَّام بالميم، فكل قد وافق رسم مصحفه.
قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ أي المسلم.
قوله: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي: خلق أصلك من تراب، وهذا يدلُّ على أنَّ الشاكَّ في البعث كافرٌ.
ووجه الاستدلال أنَّه، لمَّا قدر على [الابتداء] ، وجب أن يقدر على الإعادة.
وأيضاً: فإنَّه تعالى، لمَّا خلقك هكذا، فلم يخلقك عبثاً، وإنَّما خلقك لهذا المعنى، وجب أن يحصل للمطيع ثوابٌ، وللمذنب عقابٌ؛ ويدلُّ على هذا قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي: هيَّأك تهيئة تعقل وتصلح أنت للتكليف، فهل يحصل للعاقل مع هذه الآية إهمال أمرك؟! .
قوله: ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ النُّطفة في الأصل: القطرة من الماء الصافي، يقال: نَظفَ يَنطفُ، أي: قطرَ يَقطُر، وفي الحديث: «فَخرجَ، ورَأسهُ يَنطفُ» وفي رواية: يَقطرُ، وهي مفسِّرةٌ، وأطلق على المنيِّ «نُطفَةٌ» تشبيهاً بذلك.
قوله: «رجُلاً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه حالٌ، وجاز ذلك، وإن كان غير منتقلٍ، ولا مشتقٍّ؛ لأنه جاء بعد «سوَّاك» إذ كان من الجائز: أن يسوِّيهُ غير رجل، وهو كقولهم: «خَلقَ الله الزَّرافةَ يَديْهَا أطْولَ من رِجْلَيْهَا» وقول الآخر: [الطويل]
3528 - فَجاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كأنَّما ... عِمامَتهُ بيْنَ الرِّجالِ لِوَاءُ
والثاني: أنه مفعول ثانٍ ل «سَوَّاكَ» لتضمُّنه معنى خلقك، وصيَّرك وجعلك، وهو ظاهر قول الحوفيِّ.
قوله: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ : قرأ ابن عامر، ويعقوب، ونافع في رواية بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً وهي رواية عن نافعٍ، فالوقفُ وفاقٌ.
والأصل في هذه الكلمة: «لكن أنّا» فنقل حركة همزة «أنَا» إلى نون «لكِنْ» وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسنُ الوجهين في تخريج هذا، وقيل: حذف همزة «أنا» [اعتباطاً] ، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس بشيءٍ؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف «أنّا» وصلاً، وإثباتها وقفاً، وقد تقدم لك: أنَّ نافعاً يثبت ألفه وصلاً قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة؛ بتفصيلٍ مذكورٍ في البقرة، وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضاً، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب من إثبات غيره؛ لأنه أثبتها في الوصلِ جملة.
وأمَّا ابن عامرٍ، فإنه خرج عن أصله في الجملة؛ إذ ليس من مذهبه إثبات هذه الألف وصلاً في موضع [ما] ، وإنما اتَّبع الرسم. وقد تقدَّم أنها لغة تميمٍ أيضاً.
وإعراب ذلك: أن يكون «أنَا» مبتدأ، و «هو» مبتدأ ثانٍ، و «هو» ضمير الشأن، و «اللهُ» مبتدأ ثالث و «ربِّي» خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط [بين الأول] وبين خبره الياء في «ربِّي» ويجوز أن تكون الجلالة بدلاً من «هُوَ» أو نعتاً، أو بياناً، إذا جعل «هو» عائداً على ما تقدَّم من قوله «بالذي خلقك من تراب» لا على أنَّه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك، وليس بالبيِّن.
وخرَّجه الفارسي على وجهٍ غريب: وهو أن تكون «لكِنَّا» «لكنَّ» واسمها وهو «ن» والأصل: «لكنَّنا» فحذف إحدى النونات؛ نحو: ﴿إنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر: 9] وكان حق التركيب أن يكون «ربُّنا» «ولا نُشرِكُ بربِّنا» قال: «ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد» وهو غريبٌ جدًّا.
قال الكسائي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: «لكنَّ الله هُوَ ربِّي» .
وقرأ أبو عمرو «لكنَّهْ» بهاء السَّكت وقفاً؛ لأنَّ القصد بيان حركة نون «أنَا» فتارة تبيَّن بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي: [الرمل المجزوء]
3529 - هَكذَا فَرْدِي أَنَهْ ...
وقال ابن عطية عن أبي عمرو: روى عنه هارون «لكنَّه هو الله» بضمير لحق «لكن» قال شهاب الدين: فظاهر هذا أنه ليس بهاء السَّكت، بل تكون الهاءُ ضميراً اسماً ل «لكِنْ» وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، وما بعده خبره، وهو وخبره خبر «لكنَّ» ويجوز أن يكون تأكيداً للاسم، وأن يكون فصلاً، ولا يجوز أن يكون ضمير شأنٍ؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم «لكنَّ» من هذه الجملة الواقعة خبراً.
وأمَّا في قراءة العامة: فلا يجوز أن تكون «لكنَّ» مشددة عاملة؛ لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع.
وقرأ عبد الله «لكنْ أنَا هُوَ» على الأصل من غير نقل، ولا إدغامٍ، وروى عنه ابنُ خالويه «لكنْ هُو الله» بغير «أنا» . وقرئ أيضاً «لكننا» .
وقال الزمخشريُّ: «وحسَّن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع الألف عوضاً عن حذف الهمزة» ونحوه - يعني إدغام نون «لكن» في نون «نَا» بعد حذف الهمزة - قول القائل:
3530 - وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذنِبٌ ... وتَقْلِيننِي لكنَّ إيَّاكِ لا أقْلِي
الأصل: لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان: «ولا يتعيَّن ما قاله في البيت؛ لجواز أن يكون حذف اسم «لكنَّ» [وحذفه] لدليلٍ كثيرٌ، وعليه قوله:
3531 - فَلوْ كُنْتَ ضَبيًّا عَرفْتَ قَرابتِي ... ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافرِ
أي: ولكنَّك، وكذا ها هنا: ولكنَّني إيَّاك» قال شهاب الدين: لم يدَّع الزمخشري تعين ذلك في البيت؛ حتَّى يردَّ عليه بما ذكره.
ويقرب من هذا ما خرَّجه البصريُّون في بيت استدلَّ به الكوفيون عليهم في جواز دخولِ لام الابتداء في خبر «لكنَّ» وهو: [الطويل]
3533 - ... ... ... ... ..... ولكنَّني من حُبِّهَا لعَمِيدُ
فأدخل اللام في خبر «لكنَّ» وخرَّجه البصريون على أن الأصل: «ولكن من حُبِّها» في قوله: «ولكنَّني من حُبِّها لعمِيدُ» ، فأدغم اللام في خبر «لكنَّ» ، وجوَّزه البصريُّون، وخرَّجه طائفة من البصريِّين على أنَّ الأصل ولكن إنِّي من حُبِّها، ثم نقل حركة همزة «إنِّي» إلى نون «لكن» بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدَّم، فلم تدخل اللام إلا في خبر «إنَّ» ، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا: إنَّ البيت مصنوعٌ، ولا يعرف له قائلٌ.
والاستدراك من قوله «أكَفرْتَ» كأنَّه قال لأخيه: أنت كافرٌ؛ لأنَّه استفهام تقرير، لكنَّني أنَّا مؤمنٌ؛ نحو قولك: «زَيْجٌ غَائبٌ، لكنَّ عمراً حاضرٌ» لأنه قد يتوهَّم غيبةُ عمرو أيضاً.
فصل في المقصود بالشرك في الآية
معنى ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
ذكر القفال فيه وجهين:
الأول: أنِّي لا أرى الفقر والغنى إلاَّ منه؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، إذا ابتلى، ولا أتكبَّر عندما ينعم عليَّ، ولا أرى كثرة [المال] ، والأعوان من نفسي، وذلك لأنَّ الكافر، لمَّا [اعتزَّ] بكثرة المال والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العزِّ والغنى.
الثاني: أنَّ هذا الكافر، لمَّا أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشَّريك.
قوله: ﴿ولولاا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ : «لولا» تحضيضيَّةٌ داخلة على «قلت» و «إذْ دَخلْتَ» منصوب ب «قُلْتَ» فصل به بين «لوْلاَ» وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك؛ لأنه ليس بأجنبيٍّ، وقد عرفت أنَّ حرف التحضيضِ، إذا دخل على الماضي، كان للتَّوبيخ.
ومعنى الكلام: هلاَّ إذا دخلت جنَّتك، قلت: ما شَاءَ الله، أي: الأمر ما شاء الله، وقيل: جوابه مضمرٌ، أي: ما شاء الله كان.
﴿مَا شَآءَ الله﴾ يجوز في «مَا» وجهان:
الأول: أن تكون شرطية؛ فتكون في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً وجوباً ب «شاء» أي: أيَّ شيء شاء الله، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله، كان ووقع كما تقدم.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاء الله كائنٌ وواقعٌ.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاءه الله، وعلى كل تقدير: [فهذه الجملة] في محل نصبٍ بالقول.
قوله: «إلاَّ الله» خبر «لا» التبرئةِ، والجملة أيضاً منصوبة بالقولِ، أي: هلاَّ قلت هاتين الجملتين.
فإن قيل: معنى ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ أي: لا أقدرُ على حفظ مالي، ولا دفع شيءٍ عنه إلاَّ بالله.
روى هشامُ بن عروة عن أبيه: «أنَّهُ كان إذَا رأى مِنْ مَالهِ شَيْئاً يُعْجبهُ، أو دَخَلَ حَائِطاً من حِيطانِه قال: مَا شَاءَ الله لا قُوَّة إلاَّ بالله» .
فالجواب: احتجَّ أهل السنَّة بقوله: ﴿مَا شَآءَ الله﴾ على أنَّ كلَّ ما أراده الله واقعٌ، وكلَّ ما لم يقع، لم يرده الله تعالى؛ وهذا يدلُّ على أن الله ما أراد الإيمان من الكافر، وهو صريحٌ في إبطال قول المعتزلة.
فصل في الرد على استدلال المعتزلة بالآية
[ذكر الجبائيُّ] والكعبيُّ بأنَّ تأويل قولهم: «مَا شَاءَ الله» ممَّا تولَّى فعله، لا ما هو فعل العباد، كما قالوا: لا مردَّ لأمر الله، لم يرد ما أمر به العباد، ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريد، كما يحصل فيه ما ينهى عنه.
واعلم أنَّ الذي ذكره الكعبيُّ ليس جواباً عن الاستدلال، بل هو التزامٌ لمخالفة ظاهر النصِّ، وقياس الإرادة على الأمر باطلٌ؛ لأنَّ هذا النصَّ دالٌّ على أنَّه لا يوجد إلاَّ ما أراده الله، وليس في النصوص ما يدلُّ على أنَّه لا يدخل في الوجود إلاَّ ما أمر به، فظهر الفرق. وأجاب القفَّال عنه بأن قال: هلاَّ إذا دخلت [جنَّتك] ، قلت: ما شاء الله، أي: هذه الأشياء الموجودةُ في هذا البستان: ما شاء الله؛ كقول الإنسان، إذا نظر غلى شيءٍ عمله زيدٌ: عمل زيدٍ، أي: هذا عمل زيدٍ.
ومثله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ، أي: قالوا: ثلاثةٌ، وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: 161] أي: وقولوا: هذه حطَّة، وإذا كان كذلك، كان [المراد أن] هذا الشيء الموجود في البستان شيءٌ شاء الله تكوينه، وعلى هذا التقدير: لم يلزم أن يقال: وقع كلُّ ما شاء الله؛ لأنَّ هذا الحكم غير عامٍّ في الكلِّ، بل يختصُّ بالأشياء المشاهدة في البستان، وهذا التأويلُ الذي ذكره القفَّال أحسن مما ذكره الجبائيُّ والكعبيُّ.
فصل
قال ابن الخطيب: وأقول: إنَّه على جوابه لا يندفع الإشكال عن المعتزلة؛ لأنَّ عمارة ذلك البستان، ربَّما حصلت بالغصوب، وبالظُّلم الشديد؛ فلا يصحُّ أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقعٌ بمشيئةِ الله، اللهم، إلاَّ أن يقال: المراد أنَّ هذه الثمار حصلت بمشيئة الله إلاَّ أنَّ هذا تخصيص لظاهر النصِّ من غير دليل.
وأمَّا أمر المؤمن الكافر بأن يقول: لا قُوَّة إلاَّ بالله، أي: لا قُوَّة لأحدٍ على أمر من الأمور إلاَّ بإعانة الله وإقداره.
ثُمَّ إن المؤمن، لما علَّم الكافر الإيمان، أجابه عن الافتخار بالمال والنَّفر، فقال: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ .
واعلم أن ذكر الولد ها هنا يدلُّ على أنَّ المراد بالنَّفر المذكور في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ الأعوان والأولاد.
وقوله: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ﴾ يجوز في «أنا» وجهان:
أحدهما: أن يكون مؤكِّداً لياء المتكلم.
والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، و «أقلَّ» مفعول ثانٍ، أو حال بحسب الوجهين في الرؤية، هل هي بصرية أو علمية؟ إلا أنَّك إذا جعلتها بصرية، تعيَّن في «أنَا» أن تكون توكيداً، لا فصلاً؛ لأنَّ شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر.
وقرأ عيسى بن عمر «أقلُّ» بالرفع، ويتعيَّن أن يكون «أنا» مبتدأ، و «أقلُّ» خبره، والجملة: إمَّا في موضع المفعول الثاني، أو في موضع الحال على ما تقدَّم في الرؤية.
و «مَالاً وولداً» تمييزٌ، وجواب الشرط قوله «فعَسَى ربِّي» .
قوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ : الحسبان مصدر حسب الشيء يحسبه، أي: أحصاهُ، قال الزجاج: «أي عذاب حسبان، أي: حساب ما كسبت يداك» وهو حسن.
فصل في معنى الحسبان
قال الراغب: «قيل: معناه ناراً، وعذاباً، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسبُ عليه، فيجازى بحسبه» وهذا موافق لما قاله أبو إسحاق، والزمخشريُّ نحا إليه أيضاً، فقال: «والحُسْبان مصدر؛ كالغفران والبطلان بمعنى الحساب، أي: مقداراً حسبه الله وقدَّره، وهو الحكم بتخريبها» . وهو قول ابن عباس وقيل: جمع حسبانةٍ، وهي السَّهمُ.
وقال ابن قتيبة: مرامي من السَّماء، وهي مثل الصَّاعقة، أي: قطع من النَّار.
قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ : عطف على «يُرْسلَ» قال أبو حيَّان: و «أوْ يُصْبِحَ» عطفٌ على قوله: «ويُرْسِلَ» لأن غُؤورَ الماءِ لا يتَسبَّبُ عن الآفةِ السماوية، إلا إن عنى بالحسبان القضاء [الإلهيَّ] ؛ فحينئذ يتسبَّب عنه إصباحُ الجنة صعيداً زلقاً، أو إصباح مائها غوراً.
والزَّلقُ والغَوْرُ في الأصل: مصدران وصف بهما للمبالغة.
والعامة على فتح الغين، غَارَ المَاءُ يَغورُ غَوراً: غَاضَ وذهب ف يالأرض، وقرأ البرجميُّ بضم الغين لغة في المصدر، وقرأت طائفة «غُؤوراً» بضمِّ الغين، والهمزة، وواوٍ ساكنة، وهو مصدر أيضاً، يقال: غار الماء غؤوراً مثل: جلس جلوساً.
فصل في معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾
معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها، وقيل: تزلق فيها الأقدام.
وقال مجاهد: رملاً هائلاً، والصعيد وجه الأرض.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾ أي: غائراً منقطعاً ذاهباً لا تناله الأيدي، ولا الدِّلاءُ، والغور: مصدر وقع موقع الاسم، مثل زور وعدل.
قوله: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ أي: فيصير بحيثُ لا تقدر على ردِّه إلى موضعه.
ثمَّ أخبر الله تعالى أنَّه حقَّق ما قدره هذا المؤمن، فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ اي: أحاط العذاب بثمر جنته، وهو عبارة عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من إحاطة العدوِّ؛ لأنَّه إذا أحاط به، فقد استولى عليه، ثمَّ استعمل في كلِّ إهلاكٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] .
قوله: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ : قُرئ «تَقلَّبُ كفَّاهُ» ، أي: تتقلَّب كفَّاه، و «أصْبحَ» : يجوز أن تكون على بابها، وأن تكون بمعنى «صار» وهذا كناية عن الندم؛ لأنَّ النادم يفعل ذلك.
قوله: ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «يُقلِّبُ» وإنما عدِّي ب «عَلَى» لأنه ضمِّن معنى «يَندَمُ» .
وقوله: «فيها» ، أي: في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل «يُقلِّبُ» أي: متحسِّراً، كذا قدَّره أبو البقاس، وهو تفسير معنى، والتقدير الصناعي؛ إنما هو كونٌ مطلقٌ.
قوله: «ويَقُولُ» يجوز أن يكون معطوفاً على «يُقلِّبُ» ويجوز أن يكون حالاً.
فصل في كيفية الإحاطة
قال المفسرون: إنَّ الله تعالى أرسل عليها ناراً، فأهلكتها وغار ماؤها، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صاحبها الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ، أي: يصفِّق بيديه، إحداهما على الأخرى، ويلقِّب كفَّيه ظهراً لبطن؛ تأسُّفاً وتلهُّفاً ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿على عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، فتسقَّطت سقوفها، ثمَّ سقطت الجدران عليها.
ويمكن أنَّ يكون المراد بالعروشِ عروش الكرم، فتسقط العروش، ثم تسقط الجدران عليها.
قوله: ﴿وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
والمعنى: أن المؤمن، لمَّا قال: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ قال الكافر: يا ليتني قلت كذلك.
فإن قيل: هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنَّته؛ لشؤم شركه، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ أنواع البلاء أكثرها إنَّما تقع للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33] .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «خُصَّ البَلاءُ بالأنْبِياءِ، ثمَّ الأوْلياءِ، ثُمَّ الأمثلِ فالأمثَلِ» .
وأيضاً: فلما قال: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فقدم ندم على الشِّرك، ورغب في التوحيد؛ فوجب أن يصير مؤمناً، فلم قال بعده: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾ ؟ .
فالجواب عن الأوَّل: أنه لمَّا عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وكان معرضاً في عمره كلِّه عن طلب الدِّين، فلما ضاعت الدنيا بالكليَّة، بقي محروماً عن الدنيا والدِّين.
والجواب عن الثاني: أنَّه إنَّما نَدِمَ على الشِّرك؛ لاعتقاده أنَّه لو كان موحِّداً غير مشركٍ، لبقيت عليه جنَّته، فهو إنَّما رغب في التوحيد والردَّة عن الشِّرك؛ لأجل [طلب] الدنيا؛ فلهذا لم يقبل الله توحيده.
قوله: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ﴾ : قرأ الأخوان [ «يَكُنْ» ] بالياء من تحت، والباقون من فوق، وهما واضحتان؛ إذ التأنيث مجازيٌّ، وحسن التذكير للفصل.
قوله: «يَنْصُرونَهُ» يجوز أن تكون هذه الجملة خبراً، وهو الظاهر، وأن تكون حالية، والخبر الجار المتقدم، وسوَّغ مجيء الحال من النَّكرة تقدم النفي، ويجوز أن تكون صفة ل «فئةٍ» إذا جعلنا الخبر الجارَّ.
وقال: «يَنْصُرونَهُ» حملاً على معنى «فِئةٍ» لأنَّهم في قوَّة القوم والنَّاس، ولو حمل على لفظها، لأفرد؛ كقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: 13] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «تَنْصرُهُ» على اللفظ، قال أبو البقاء: «ولو كان» تَنْصرهُ «لكان على اللفظ» . قال شهاب الدين: قد قرئ بذلك، كما عرفت.
[قال بعضهم] : ومعنى «يَنْصُرونَهُ» يقدرون على نصرته، ويمنعونه من عذاب الله ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ممتنعاً متنعماً، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه، وقيل: لا يقدر على ردِّ ما ذهب عنه.
قوله: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ﴾ : يجوز أن يكون الكلام تمَّ على قوله «مُنْتَصِراً» وهذه جملة منقطعة عمَّا قبلها، وعلى هذا: فيجوز في الكلام أوجه:
الأول: أن يكون «هنالك الولايةُ» مقدَّراً بجملة فعلية، فالولاية فاعل بالظرف قبلها، أي: استقرَّت الولاية الله، و «لله» متعلق بالاستقرار، أو بنفس الظرف؛ لقيامه مقام العامل، أو بنفسِ الولاية، أو يمحذوفٍ على أنه حال من «الوَلاية» وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش من حيث إنَّ الظرف يرفع الفاعل من غير اعتمادٍ.
والثاني: أن يكون «هُنالِكَ» منصوباً على الظرف متعلقاً بخبر «الولاية» وهو «لله» أو بما تعلق به «لله» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها، والعامل الاستقرارُ في «لله» عند من يجيز تقدم الحال على عاملها المعنوي، أو يتعلق بنفس «الولايةِ» .
والثالث: أن يجعل «هُنالِكَ» هو الخبر، و «لله» فضلةٌ، والعامل فيه ما تقدَّم في الوجه الأول.
ويجوز أن يكون «هُنالِكَ» من تتمَّة ما قبلها، فلم يتمَّ الكلام دونه، وهو معمولٌ ل «مُنْتَصِراً» ، أي: وما كان منتصراً في الدار الآخرة، و «هُنالِكَ» إشارة غليها، وإليه نحا أبو إسحاق. وعلى هذا فيكون الوقف على «هُنالِكَ» تامًّا، والابتداء بقوله «الوَلايَةُ لله» فتكون جملة من مبتدأ وخبر.
والظاهر في «هُنالِكَ» : أنه على موضوعه من ظرفية المكان، كما تقدَّم، وتقدَّم أنَّ الأخوين يقرآن بالكسر، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين بالفتح في سورة الأنفال، فلا معنى لإعادته.
وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحنٌ، قالا: لأنَّ «فعالة» إنما تجيء فيما كان صنعة أو ممعنى متقلَّداً، وليس هنالك تولِّي أمورٍ.
فصل في لغات الولاية ومعانيها
قال الزمخشري: الولاية بالفتح: النصر، والتولِّي، وبالكسر: السلطان والملك.
وقيل: بالفتح: الربوبيَّة، وبالكسر: الإمارة.
قوله: «الحَقِّ» قرأ أبو عمرو، والكسائي برفع «الحقُّ» والباقون بجرِّه، فالرفع من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه صفة للولاية وتصديقه قراءة أبيٍّ «هُنالك الوَلايةُ الحق للهِ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ما أوحيناه إليك.
الثالث: أنه مبتدأ، وخبره مضمر، أي: الحق ذلك، وهو ما قلناه.
والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة؛ كقوله «ثُمَّ ردُّوا إلى الله مَولاهُم الحقِّ» .
وقرأ زيد بن عليٍّ، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ويعقوب «الحقَّ» نصباً على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة؛ كقولك «هذَا قَوْلُ الله الحق» وهذا عبد الله الحقَّ، لا الباطل.
قوله: «عُقباً» قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: لغتان؛ كالقُدُسِ والقُدْس، وقيل: الأصل الضمَّ، والسكون تخفيف، وقيل بالعكس؛ كالعُسْر واليُسْر، وهو عكس معهود اللغة، ونصبها ونصب «ثَواباً» و ﴿أَمَلاً﴾ [الكهف: 46] على التمييز لأفعل التفضيل قبلها، ونقل الزمخشريُّ أنه قرئ «عُقْبَى» بالألف، وهي مصدر أيضاً؛ كبُشْرَى، وتروى عن عاصم.
فصل في نظم الآية
اعلم أنَّه تعالى لمَّا ذكر من قصّة الرجلين ما ذكر علمنا أن النُّصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر، وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حقِّ كل مؤمنٍ وكافرٍ، فقال: ﴿هُنالِكَ الوَلايةُ للهِ الحَقِّ﴾ أي: في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام، تكون الولاية لله يوالي أولياءه؛ فيعليهم على أعدائه، ويفوِّض أمر الكفار إليهم.
فقوله: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الموضع، والوقت الذي يريد إظهار كرامة أوليائه، وإذلال أعدائه.
وقيل: المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولَّى الله، ويلتجئ إليه كلُّ محتاجٍ مضطرٍّ، يعني أن قوله: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فكأنه ألجَ إليها ذلك الكافر، فقالها جزعاً ممَّا ساقهُ إليه شؤمُ كفره، ولولا ذلك، لم يقلها.
وقيل: المعنى: هنالك الولاية لله ينصرُ فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمن بما فعل [بأخيه الكافر و] بصدق قوله: ﴿فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السمآء﴾ .
ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: لأوليائه، وقيل: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الدَّار الآخرةِ، أي: في تلك الدَّار الآخرة الولاية لله كقوله: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: 16] .
وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ أي: خيرٌ في الآخرة لمن آمن به، والتجأ إليه، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: هو خيرٌ عاقبة لمن رجاهُ، وعمل لوجهه.
الكهف 18:34
قوله: نعم الثواب» أي: نعم الجزاء.
قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ مجلساً، ومقرّاً، وهذا في مقابلة قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: 29] .
قوله تعالى: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الآية.
وجه النَّظم أن الكفار، لمَّا افتخرُوا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، بيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ممَّا لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن يصير الغنيُّ فقيراً، والفقير غنيًّا، وأما الذي تجبُ المفاخرةُ به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلةٌ لفقراءِ المسلمين، وبيَّن ذلك بضرب هذا المثل؛ فقال: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ أي: مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافرٌ، واسمه [براطوس] ، والآخر: مؤمنٌ، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس.
وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة «الصافات» في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ [الصافات: 51، 52] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمَّرٍ عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلافِ دينارٍ.
وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينارٍ، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما أربعة آلاف دينارٍ، فاشترى الكافر أرضاً بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم، إنَّ أخي اشترى أرضاً بألف، وإنِّي أشتري منك أرضاً بألف في الجنَّة، فتصدَّق به.
ثم [بنى] أخوه داراً بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني أشتري منك داراً بألف في الجنَّة، فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين، وتصدَّق به.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إنِّي اشتريتُ منك الولدان بألف، فتصدَّق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجةٌ، فجلس لأخيه على طريقه، فمرَّ به في خدمه وحشمه، فتعرَّض له، فقال: فلانٌ؟! قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجةٌ بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سويَّة] ، فأخذت شطره؟ فقصَّ عليه قصَّتهُ، قال: إنَّك لمن المصدِّقين، اذهب، فلا أعطيك شيئاً.
وقيل: نزلتْ في أخوين من أهل مكَّة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمنٌ، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أمِّ سلمة قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والآخر كافرٌ، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل.
قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ : قد تقدم أنَّ «ضرب» مع المثل، يجوز أن يتعدى لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مثل رجلين، و «جَعلْنَا» تفسير ل «مَثَل» فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصباً نعتاً ل «رَجُليْنِ» كقولك: مررتُ برجلين، جعل لأحدهما جنَّةٌ.
قوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ يقال: حفَّ بالشيء: طاف به من جميع جوانبه، قال النابغة: [البسيط]
3523 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نِيقٍ وتُتْبِعُهُ ... مِثلُ الزُّجاجةِ لمْ تُكْحَلْ من الرَّمدِ
وحفَّ به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافَّته، وحففته به، أي: جعلته مطيفاً به.
والحِفاف: الجانبُ، وجمعه أحِفَّةٌ، والمعنى: جعلنا حول الأعناب النَّخْل.
قال الزمخشريُّ: وهذه الصفة ممَّا يؤثرها الدَّهاقين في كرومهم، وهو أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسنٌ في [المنظر] .
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ قيل: كان الزَّرع في وسط الأعناب، وقيل: كان الزَّرْع بين الجنَّتين، أي: لم يكن بين الجنتين موضعٌ خالٍ.
والمقصود منه أمورق:
الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.
والثاني: أن تكون متَّسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم يتوسَّطها ما يقطع بعضها عن بعض.
والثالث: أنَّ مثل هذه الأرض تأتي كلَّ [يوم] بمنفعةٍ أخرى، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصفة.
قوله: ﴿كِلْتَا الجنتين﴾ : قد تقدَّم في السورة قبلها [الإسراء: 23] حكم «كلتا» وهي مبتدأ، و «آتتْ» خبرها، وجاء هنا على [الكثير: وهو] مراعاةُ لفظها، دون معناها.
وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - «كِلا الجنَّتَيْنِ» بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ «آتتْ» بالتأنيث؛ اعتباراً بلفظ «الجَنَّتين» فهو نظير «طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ» . وروى الفراء عنه قراءة أخرى: «كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ» أعاد الضمير على اللفظ «أكل» .
واعلم أنَّ لفظ «كل» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و «كِلْتَا» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: «جَاءنِي كِلاَ أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلاَ أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ» ، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
فصل
ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها تامًّا، ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ﴾ لم تنقص، ﴿مِّنْهُ شَيْئاً﴾ والظُّلم: النقصان، يقول الرَّجُل: ظلمنِي حقِّي، أي: نقصنِي.
قوله: «وفجَّرنَا» العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [القمر: 12] ، والتشديد هناك أظهر لقوله «عُيُوناً» .
والعامة على فتح هاء «نهر» وأبو السَّمال والفيَّاض بسكونها.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: لصاحب البستان.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه في الأنعام [الأنعام: 99] ، وتقدَّم أنَّ «الثُّمُرَ» بالضمِّ المال، فقال ابن عباس: جميع المال من ذهبٍ، وفضةٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك، قال النابغة: [البسيط]
3524 - مَهْلاً فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهمُ ... ومَا أثمِّرُ من مالٍ ومِنْ وَلدِ
وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضَّة خاصة.
«فقال» يعني صاحب البستان «لصاحبه» أي المؤمن.
«وهو يُحَاوِرهُ» أي: يخاطبه وهذه جملة حاليَّة مبيِّنةٌ؛ إذ لا يلزم من القول المحاورةُ؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 14] . وقال امرؤ القيس: [الطويل]
3525 - ومَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئهِ ... يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول.
قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ .
والنَّفَرُ: العشيرة الذين يذبُّون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: حشماً، وخدماً.
وقال مقاتلٌ: ولداً تصديقه قوله: ﴿أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: 39] .
قوله: ﴿جَنَّتَهُ﴾ : إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلمِ بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفى بالواحد عن الجمع في قول الهذليِّ: [الكامل]
3526 - فَالعيْنُ بَعدهُم كَأنَّ حِداقهَا ... سُمِلتْ بِشوْكِ فهي عُورٌ تَدْمَعُ
ولقائلٍ أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأنَّ جمع التكسير يجري مجرى المؤنَّثة، فالضمير في «سُمِلَتْ» وفي «فهي» يعود على الحداقِ، لا على حدقةٍ واحدة، كما يوهم.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم أفرد الجنَّة، بعد التثنية؟ قلت: معناه: ودخل ما هو جنَّتهُ، ما له جنة غيرها، بمعنى: أنه ليس له نصيب في الجنة الَّتي وعد المتَّقون، فما ملكه في الدنيا، فهو جنَّته، لا غير، ولم يقصد الجنتين، ولا واحدة منهما» .
فصل
قال أبو حيان: «ولا يتصوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إخبار من الله تعالى بأنَّ هذا الكافر دخل جنَّته، فلا بدَّ أن قصد في الإخبار: أنه دخل إحدى جنتيه؛ إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقتٍ واحدٍ» . قال شهاب الدين: من ادَّعى دخولهما في وقتٍ واحدٍ، حتَّى يلزمه بهذا المستحيلِ في البداية؟ وأمَّا قوله «ولم يقصد الجنَّتين، ولا واحدة» معناه: لم يقصد تعيين مفردٍ، ولا مثنى، لا أنه لم يقصد الإخبار بالدخول.
وقال أبو البقاء: «إنما أفرد؛ لأنَّهما جميعاً ملكهُ، فصارا كالشيء الواحد» .
قوله: «وهُو ظَالِمٌ» حال من فاعل «دَخلَ» ، وقوله «لنَفْسهِ» مفعول «ظَالِمٌ» واللام مزيدة فيه؛ لكون العامل فرعاً.
قوله:» ﴿مَآ أَظُنُّ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ان يكون مستأنفاً بياناً لسبب الظلم.
والثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير في «ظَالِمٌ» ، أي: وهو ظالمٌ في حال كونه قائلاً.
قوله: «أنْ تَبِيدَ» أي: تهلك، قال: [المقتضب]
3527 - فَلئِنْ بَادَ أهْلهُ ... لبِما كَانَ يُوهَلُ
ويقال: بَادَ يَبيدُ بُيُوداً وبَيْدُودة، مثل» كَيْنُونة «والعمل فيها معروفٌ، وهو أنه حذفت إحدى الياءين، ووزنها فيعلولة.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ يعني الكافر آخذاً بيد صاحبه المسلم يطوف به فيها، ويريه بهجتها وحسنها، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ بكفره، وهذا اعتراضٌ وقع في أثناء الكلام، والمعنى أنه لمَّا اغترَّ بتلك النِّعم، وتوسَّل بها إلى الكفران والجحود؛ لقدرته على البعث، كان واضعاً لتلك النِّعم في غير موضعها، ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ .
قال أهل المعاني: لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهَّم أنها لا تفنى أبداً مطلقاً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ فجمع بين كفرين.
الأول: قطعه بأنَّ تلك الأشياء لا تبيدُ أبداً.
والثاني: إنكار البعث.
فإن قيل: هب أنَّه شكَّ في القيامة، فكيف قال: ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً، مع أنَّ الحسَّ يدلُّ على أنَّ أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ غير باقية؟ .
فالجواب: مراده أنَّها لا تبيد مدَّة حياته، ثم قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التَّمييز، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: 50] .
وقوله: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: 77] .
فإن قيل: كيف قال: ولَئِنْ رددت إلى ربي وهو ينكرُ البعث؟ .
فالجواب: معناه: ولئنْ رددتُّ إلى ربِّي على زعمكَ، يعطيني هنالك خيراً منها.
والسَّبب في وقوعه في هذه الشُّبهة أنَّه تعالى لمَّا أعطاه المال والجاه في الدنيا، ظنَّ أنه إنَّما أعطاه ذلك؛ لكونه مستحقًّا له، والاستحقاقُ باقٍ بعد الموت؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدِّمة الأولى كاذبةٌ؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، يكون في أكثر الأمر للاستدراج.
وقرأ أبو عمرو والكوفيون «مِنْهَا» بالإفراد؛ نظراً إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: «جنَّتهُ» وهي في مصاحف العراق، دون ميم، والباقون «مِنْهُما» بالتثنية؛ نظراً إلى الأصل في قوله: «جَنَّتيْنِ» و «كِلتَا الجنَّتيْنِ» ورُسِمَتْ في مصاحفِ الحرمينِ والشَّام بالميم، فكل قد وافق رسم مصحفه.
قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ أي المسلم.
قوله: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي: خلق أصلك من تراب، وهذا يدلُّ على أنَّ الشاكَّ في البعث كافرٌ.
ووجه الاستدلال أنَّه، لمَّا قدر على [الابتداء] ، وجب أن يقدر على الإعادة.
وأيضاً: فإنَّه تعالى، لمَّا خلقك هكذا، فلم يخلقك عبثاً، وإنَّما خلقك لهذا المعنى، وجب أن يحصل للمطيع ثوابٌ، وللمذنب عقابٌ؛ ويدلُّ على هذا قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي: هيَّأك تهيئة تعقل وتصلح أنت للتكليف، فهل يحصل للعاقل مع هذه الآية إهمال أمرك؟! .
قوله: ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ النُّطفة في الأصل: القطرة من الماء الصافي، يقال: نَظفَ يَنطفُ، أي: قطرَ يَقطُر، وفي الحديث: «فَخرجَ، ورَأسهُ يَنطفُ» وفي رواية: يَقطرُ، وهي مفسِّرةٌ، وأطلق على المنيِّ «نُطفَةٌ» تشبيهاً بذلك.
قوله: «رجُلاً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه حالٌ، وجاز ذلك، وإن كان غير منتقلٍ، ولا مشتقٍّ؛ لأنه جاء بعد «سوَّاك» إذ كان من الجائز: أن يسوِّيهُ غير رجل، وهو كقولهم: «خَلقَ الله الزَّرافةَ يَديْهَا أطْولَ من رِجْلَيْهَا» وقول الآخر: [الطويل]
3528 - فَجاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كأنَّما ... عِمامَتهُ بيْنَ الرِّجالِ لِوَاءُ
والثاني: أنه مفعول ثانٍ ل «سَوَّاكَ» لتضمُّنه معنى خلقك، وصيَّرك وجعلك، وهو ظاهر قول الحوفيِّ.
قوله: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ : قرأ ابن عامر، ويعقوب، ونافع في رواية بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً وهي رواية عن نافعٍ، فالوقفُ وفاقٌ.
والأصل في هذه الكلمة: «لكن أنّا» فنقل حركة همزة «أنَا» إلى نون «لكِنْ» وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسنُ الوجهين في تخريج هذا، وقيل: حذف همزة «أنا» [اعتباطاً] ، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس بشيءٍ؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف «أنّا» وصلاً، وإثباتها وقفاً، وقد تقدم لك: أنَّ نافعاً يثبت ألفه وصلاً قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة؛ بتفصيلٍ مذكورٍ في البقرة، وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضاً، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب من إثبات غيره؛ لأنه أثبتها في الوصلِ جملة.
وأمَّا ابن عامرٍ، فإنه خرج عن أصله في الجملة؛ إذ ليس من مذهبه إثبات هذه الألف وصلاً في موضع [ما] ، وإنما اتَّبع الرسم. وقد تقدَّم أنها لغة تميمٍ أيضاً.
وإعراب ذلك: أن يكون «أنَا» مبتدأ، و «هو» مبتدأ ثانٍ، و «هو» ضمير الشأن، و «اللهُ» مبتدأ ثالث و «ربِّي» خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط [بين الأول] وبين خبره الياء في «ربِّي» ويجوز أن تكون الجلالة بدلاً من «هُوَ» أو نعتاً، أو بياناً، إذا جعل «هو» عائداً على ما تقدَّم من قوله «بالذي خلقك من تراب» لا على أنَّه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك، وليس بالبيِّن.
وخرَّجه الفارسي على وجهٍ غريب: وهو أن تكون «لكِنَّا» «لكنَّ» واسمها وهو «ن» والأصل: «لكنَّنا» فحذف إحدى النونات؛ نحو: ﴿إنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر: 9] وكان حق التركيب أن يكون «ربُّنا» «ولا نُشرِكُ بربِّنا» قال: «ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد» وهو غريبٌ جدًّا.
قال الكسائي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: «لكنَّ الله هُوَ ربِّي» .
وقرأ أبو عمرو «لكنَّهْ» بهاء السَّكت وقفاً؛ لأنَّ القصد بيان حركة نون «أنَا» فتارة تبيَّن بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي: [الرمل المجزوء]
3529 - هَكذَا فَرْدِي أَنَهْ ...
وقال ابن عطية عن أبي عمرو: روى عنه هارون «لكنَّه هو الله» بضمير لحق «لكن» قال شهاب الدين: فظاهر هذا أنه ليس بهاء السَّكت، بل تكون الهاءُ ضميراً اسماً ل «لكِنْ» وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، وما بعده خبره، وهو وخبره خبر «لكنَّ» ويجوز أن يكون تأكيداً للاسم، وأن يكون فصلاً، ولا يجوز أن يكون ضمير شأنٍ؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم «لكنَّ» من هذه الجملة الواقعة خبراً.
وأمَّا في قراءة العامة: فلا يجوز أن تكون «لكنَّ» مشددة عاملة؛ لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع.
وقرأ عبد الله «لكنْ أنَا هُوَ» على الأصل من غير نقل، ولا إدغامٍ، وروى عنه ابنُ خالويه «لكنْ هُو الله» بغير «أنا» . وقرئ أيضاً «لكننا» .
وقال الزمخشريُّ: «وحسَّن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع الألف عوضاً عن حذف الهمزة» ونحوه - يعني إدغام نون «لكن» في نون «نَا» بعد حذف الهمزة - قول القائل:
3530 - وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذنِبٌ ... وتَقْلِيننِي لكنَّ إيَّاكِ لا أقْلِي
الأصل: لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان: «ولا يتعيَّن ما قاله في البيت؛ لجواز أن يكون حذف اسم «لكنَّ» [وحذفه] لدليلٍ كثيرٌ، وعليه قوله:
3531 - فَلوْ كُنْتَ ضَبيًّا عَرفْتَ قَرابتِي ... ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافرِ
أي: ولكنَّك، وكذا ها هنا: ولكنَّني إيَّاك» قال شهاب الدين: لم يدَّع الزمخشري تعين ذلك في البيت؛ حتَّى يردَّ عليه بما ذكره.
ويقرب من هذا ما خرَّجه البصريُّون في بيت استدلَّ به الكوفيون عليهم في جواز دخولِ لام الابتداء في خبر «لكنَّ» وهو: [الطويل]
3533 - ... ... ... ... ..... ولكنَّني من حُبِّهَا لعَمِيدُ
فأدخل اللام في خبر «لكنَّ» وخرَّجه البصريون على أن الأصل: «ولكن من حُبِّها» في قوله: «ولكنَّني من حُبِّها لعمِيدُ» ، فأدغم اللام في خبر «لكنَّ» ، وجوَّزه البصريُّون، وخرَّجه طائفة من البصريِّين على أنَّ الأصل ولكن إنِّي من حُبِّها، ثم نقل حركة همزة «إنِّي» إلى نون «لكن» بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدَّم، فلم تدخل اللام إلا في خبر «إنَّ» ، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا: إنَّ البيت مصنوعٌ، ولا يعرف له قائلٌ.
والاستدراك من قوله «أكَفرْتَ» كأنَّه قال لأخيه: أنت كافرٌ؛ لأنَّه استفهام تقرير، لكنَّني أنَّا مؤمنٌ؛ نحو قولك: «زَيْجٌ غَائبٌ، لكنَّ عمراً حاضرٌ» لأنه قد يتوهَّم غيبةُ عمرو أيضاً.
فصل في المقصود بالشرك في الآية
معنى ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
ذكر القفال فيه وجهين:
الأول: أنِّي لا أرى الفقر والغنى إلاَّ منه؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، إذا ابتلى، ولا أتكبَّر عندما ينعم عليَّ، ولا أرى كثرة [المال] ، والأعوان من نفسي، وذلك لأنَّ الكافر، لمَّا [اعتزَّ] بكثرة المال والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العزِّ والغنى.
الثاني: أنَّ هذا الكافر، لمَّا أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشَّريك.
قوله: ﴿ولولاا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ : «لولا» تحضيضيَّةٌ داخلة على «قلت» و «إذْ دَخلْتَ» منصوب ب «قُلْتَ» فصل به بين «لوْلاَ» وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك؛ لأنه ليس بأجنبيٍّ، وقد عرفت أنَّ حرف التحضيضِ، إذا دخل على الماضي، كان للتَّوبيخ.
ومعنى الكلام: هلاَّ إذا دخلت جنَّتك، قلت: ما شَاءَ الله، أي: الأمر ما شاء الله، وقيل: جوابه مضمرٌ، أي: ما شاء الله كان.
﴿مَا شَآءَ الله﴾ يجوز في «مَا» وجهان:
الأول: أن تكون شرطية؛ فتكون في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً وجوباً ب «شاء» أي: أيَّ شيء شاء الله، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله، كان ووقع كما تقدم.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاء الله كائنٌ وواقعٌ.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاءه الله، وعلى كل تقدير: [فهذه الجملة] في محل نصبٍ بالقول.
قوله: «إلاَّ الله» خبر «لا» التبرئةِ، والجملة أيضاً منصوبة بالقولِ، أي: هلاَّ قلت هاتين الجملتين.
فإن قيل: معنى ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ أي: لا أقدرُ على حفظ مالي، ولا دفع شيءٍ عنه إلاَّ بالله.
روى هشامُ بن عروة عن أبيه: «أنَّهُ كان إذَا رأى مِنْ مَالهِ شَيْئاً يُعْجبهُ، أو دَخَلَ حَائِطاً من حِيطانِه قال: مَا شَاءَ الله لا قُوَّة إلاَّ بالله» .
فالجواب: احتجَّ أهل السنَّة بقوله: ﴿مَا شَآءَ الله﴾ على أنَّ كلَّ ما أراده الله واقعٌ، وكلَّ ما لم يقع، لم يرده الله تعالى؛ وهذا يدلُّ على أن الله ما أراد الإيمان من الكافر، وهو صريحٌ في إبطال قول المعتزلة.
فصل في الرد على استدلال المعتزلة بالآية
[ذكر الجبائيُّ] والكعبيُّ بأنَّ تأويل قولهم: «مَا شَاءَ الله» ممَّا تولَّى فعله، لا ما هو فعل العباد، كما قالوا: لا مردَّ لأمر الله، لم يرد ما أمر به العباد، ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريد، كما يحصل فيه ما ينهى عنه.
واعلم أنَّ الذي ذكره الكعبيُّ ليس جواباً عن الاستدلال، بل هو التزامٌ لمخالفة ظاهر النصِّ، وقياس الإرادة على الأمر باطلٌ؛ لأنَّ هذا النصَّ دالٌّ على أنَّه لا يوجد إلاَّ ما أراده الله، وليس في النصوص ما يدلُّ على أنَّه لا يدخل في الوجود إلاَّ ما أمر به، فظهر الفرق. وأجاب القفَّال عنه بأن قال: هلاَّ إذا دخلت [جنَّتك] ، قلت: ما شاء الله، أي: هذه الأشياء الموجودةُ في هذا البستان: ما شاء الله؛ كقول الإنسان، إذا نظر غلى شيءٍ عمله زيدٌ: عمل زيدٍ، أي: هذا عمل زيدٍ.
ومثله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ، أي: قالوا: ثلاثةٌ، وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: 161] أي: وقولوا: هذه حطَّة، وإذا كان كذلك، كان [المراد أن] هذا الشيء الموجود في البستان شيءٌ شاء الله تكوينه، وعلى هذا التقدير: لم يلزم أن يقال: وقع كلُّ ما شاء الله؛ لأنَّ هذا الحكم غير عامٍّ في الكلِّ، بل يختصُّ بالأشياء المشاهدة في البستان، وهذا التأويلُ الذي ذكره القفَّال أحسن مما ذكره الجبائيُّ والكعبيُّ.
فصل
قال ابن الخطيب: وأقول: إنَّه على جوابه لا يندفع الإشكال عن المعتزلة؛ لأنَّ عمارة ذلك البستان، ربَّما حصلت بالغصوب، وبالظُّلم الشديد؛ فلا يصحُّ أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقعٌ بمشيئةِ الله، اللهم، إلاَّ أن يقال: المراد أنَّ هذه الثمار حصلت بمشيئة الله إلاَّ أنَّ هذا تخصيص لظاهر النصِّ من غير دليل.
وأمَّا أمر المؤمن الكافر بأن يقول: لا قُوَّة إلاَّ بالله، أي: لا قُوَّة لأحدٍ على أمر من الأمور إلاَّ بإعانة الله وإقداره.
ثُمَّ إن المؤمن، لما علَّم الكافر الإيمان، أجابه عن الافتخار بالمال والنَّفر، فقال: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ .
واعلم أن ذكر الولد ها هنا يدلُّ على أنَّ المراد بالنَّفر المذكور في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ الأعوان والأولاد.
وقوله: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ﴾ يجوز في «أنا» وجهان:
أحدهما: أن يكون مؤكِّداً لياء المتكلم.
والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، و «أقلَّ» مفعول ثانٍ، أو حال بحسب الوجهين في الرؤية، هل هي بصرية أو علمية؟ إلا أنَّك إذا جعلتها بصرية، تعيَّن في «أنَا» أن تكون توكيداً، لا فصلاً؛ لأنَّ شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر.
وقرأ عيسى بن عمر «أقلُّ» بالرفع، ويتعيَّن أن يكون «أنا» مبتدأ، و «أقلُّ» خبره، والجملة: إمَّا في موضع المفعول الثاني، أو في موضع الحال على ما تقدَّم في الرؤية.
و «مَالاً وولداً» تمييزٌ، وجواب الشرط قوله «فعَسَى ربِّي» .
قوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ : الحسبان مصدر حسب الشيء يحسبه، أي: أحصاهُ، قال الزجاج: «أي عذاب حسبان، أي: حساب ما كسبت يداك» وهو حسن.
فصل في معنى الحسبان
قال الراغب: «قيل: معناه ناراً، وعذاباً، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسبُ عليه، فيجازى بحسبه» وهذا موافق لما قاله أبو إسحاق، والزمخشريُّ نحا إليه أيضاً، فقال: «والحُسْبان مصدر؛ كالغفران والبطلان بمعنى الحساب، أي: مقداراً حسبه الله وقدَّره، وهو الحكم بتخريبها» . وهو قول ابن عباس وقيل: جمع حسبانةٍ، وهي السَّهمُ.
وقال ابن قتيبة: مرامي من السَّماء، وهي مثل الصَّاعقة، أي: قطع من النَّار.
قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ : عطف على «يُرْسلَ» قال أبو حيَّان: و «أوْ يُصْبِحَ» عطفٌ على قوله: «ويُرْسِلَ» لأن غُؤورَ الماءِ لا يتَسبَّبُ عن الآفةِ السماوية، إلا إن عنى بالحسبان القضاء [الإلهيَّ] ؛ فحينئذ يتسبَّب عنه إصباحُ الجنة صعيداً زلقاً، أو إصباح مائها غوراً.
والزَّلقُ والغَوْرُ في الأصل: مصدران وصف بهما للمبالغة.
والعامة على فتح الغين، غَارَ المَاءُ يَغورُ غَوراً: غَاضَ وذهب ف يالأرض، وقرأ البرجميُّ بضم الغين لغة في المصدر، وقرأت طائفة «غُؤوراً» بضمِّ الغين، والهمزة، وواوٍ ساكنة، وهو مصدر أيضاً، يقال: غار الماء غؤوراً مثل: جلس جلوساً.
فصل في معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾
معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها، وقيل: تزلق فيها الأقدام.
وقال مجاهد: رملاً هائلاً، والصعيد وجه الأرض.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾ أي: غائراً منقطعاً ذاهباً لا تناله الأيدي، ولا الدِّلاءُ، والغور: مصدر وقع موقع الاسم، مثل زور وعدل.
قوله: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ أي: فيصير بحيثُ لا تقدر على ردِّه إلى موضعه.
ثمَّ أخبر الله تعالى أنَّه حقَّق ما قدره هذا المؤمن، فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ اي: أحاط العذاب بثمر جنته، وهو عبارة عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من إحاطة العدوِّ؛ لأنَّه إذا أحاط به، فقد استولى عليه، ثمَّ استعمل في كلِّ إهلاكٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] .
قوله: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ : قُرئ «تَقلَّبُ كفَّاهُ» ، أي: تتقلَّب كفَّاه، و «أصْبحَ» : يجوز أن تكون على بابها، وأن تكون بمعنى «صار» وهذا كناية عن الندم؛ لأنَّ النادم يفعل ذلك.
قوله: ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «يُقلِّبُ» وإنما عدِّي ب «عَلَى» لأنه ضمِّن معنى «يَندَمُ» .
وقوله: «فيها» ، أي: في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل «يُقلِّبُ» أي: متحسِّراً، كذا قدَّره أبو البقاس، وهو تفسير معنى، والتقدير الصناعي؛ إنما هو كونٌ مطلقٌ.
قوله: «ويَقُولُ» يجوز أن يكون معطوفاً على «يُقلِّبُ» ويجوز أن يكون حالاً.
فصل في كيفية الإحاطة
قال المفسرون: إنَّ الله تعالى أرسل عليها ناراً، فأهلكتها وغار ماؤها، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صاحبها الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ، أي: يصفِّق بيديه، إحداهما على الأخرى، ويلقِّب كفَّيه ظهراً لبطن؛ تأسُّفاً وتلهُّفاً ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿على عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، فتسقَّطت سقوفها، ثمَّ سقطت الجدران عليها.
ويمكن أنَّ يكون المراد بالعروشِ عروش الكرم، فتسقط العروش، ثم تسقط الجدران عليها.
قوله: ﴿وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
والمعنى: أن المؤمن، لمَّا قال: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ قال الكافر: يا ليتني قلت كذلك.
فإن قيل: هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنَّته؛ لشؤم شركه، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ أنواع البلاء أكثرها إنَّما تقع للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33] .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «خُصَّ البَلاءُ بالأنْبِياءِ، ثمَّ الأوْلياءِ، ثُمَّ الأمثلِ فالأمثَلِ» .
وأيضاً: فلما قال: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فقدم ندم على الشِّرك، ورغب في التوحيد؛ فوجب أن يصير مؤمناً، فلم قال بعده: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾ ؟ .
فالجواب عن الأوَّل: أنه لمَّا عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وكان معرضاً في عمره كلِّه عن طلب الدِّين، فلما ضاعت الدنيا بالكليَّة، بقي محروماً عن الدنيا والدِّين.
والجواب عن الثاني: أنَّه إنَّما نَدِمَ على الشِّرك؛ لاعتقاده أنَّه لو كان موحِّداً غير مشركٍ، لبقيت عليه جنَّته، فهو إنَّما رغب في التوحيد والردَّة عن الشِّرك؛ لأجل [طلب] الدنيا؛ فلهذا لم يقبل الله توحيده.
قوله: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ﴾ : قرأ الأخوان [ «يَكُنْ» ] بالياء من تحت، والباقون من فوق، وهما واضحتان؛ إذ التأنيث مجازيٌّ، وحسن التذكير للفصل.
قوله: «يَنْصُرونَهُ» يجوز أن تكون هذه الجملة خبراً، وهو الظاهر، وأن تكون حالية، والخبر الجار المتقدم، وسوَّغ مجيء الحال من النَّكرة تقدم النفي، ويجوز أن تكون صفة ل «فئةٍ» إذا جعلنا الخبر الجارَّ.
وقال: «يَنْصُرونَهُ» حملاً على معنى «فِئةٍ» لأنَّهم في قوَّة القوم والنَّاس، ولو حمل على لفظها، لأفرد؛ كقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: 13] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «تَنْصرُهُ» على اللفظ، قال أبو البقاء: «ولو كان» تَنْصرهُ «لكان على اللفظ» . قال شهاب الدين: قد قرئ بذلك، كما عرفت.
[قال بعضهم] : ومعنى «يَنْصُرونَهُ» يقدرون على نصرته، ويمنعونه من عذاب الله ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ممتنعاً متنعماً، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه، وقيل: لا يقدر على ردِّ ما ذهب عنه.
قوله: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ﴾ : يجوز أن يكون الكلام تمَّ على قوله «مُنْتَصِراً» وهذه جملة منقطعة عمَّا قبلها، وعلى هذا: فيجوز في الكلام أوجه:
الأول: أن يكون «هنالك الولايةُ» مقدَّراً بجملة فعلية، فالولاية فاعل بالظرف قبلها، أي: استقرَّت الولاية الله، و «لله» متعلق بالاستقرار، أو بنفس الظرف؛ لقيامه مقام العامل، أو بنفسِ الولاية، أو يمحذوفٍ على أنه حال من «الوَلاية» وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش من حيث إنَّ الظرف يرفع الفاعل من غير اعتمادٍ.
والثاني: أن يكون «هُنالِكَ» منصوباً على الظرف متعلقاً بخبر «الولاية» وهو «لله» أو بما تعلق به «لله» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها، والعامل الاستقرارُ في «لله» عند من يجيز تقدم الحال على عاملها المعنوي، أو يتعلق بنفس «الولايةِ» .
والثالث: أن يجعل «هُنالِكَ» هو الخبر، و «لله» فضلةٌ، والعامل فيه ما تقدَّم في الوجه الأول.
ويجوز أن يكون «هُنالِكَ» من تتمَّة ما قبلها، فلم يتمَّ الكلام دونه، وهو معمولٌ ل «مُنْتَصِراً» ، أي: وما كان منتصراً في الدار الآخرة، و «هُنالِكَ» إشارة غليها، وإليه نحا أبو إسحاق. وعلى هذا فيكون الوقف على «هُنالِكَ» تامًّا، والابتداء بقوله «الوَلايَةُ لله» فتكون جملة من مبتدأ وخبر.
والظاهر في «هُنالِكَ» : أنه على موضوعه من ظرفية المكان، كما تقدَّم، وتقدَّم أنَّ الأخوين يقرآن بالكسر، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين بالفتح في سورة الأنفال، فلا معنى لإعادته.
وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحنٌ، قالا: لأنَّ «فعالة» إنما تجيء فيما كان صنعة أو ممعنى متقلَّداً، وليس هنالك تولِّي أمورٍ.
فصل في لغات الولاية ومعانيها
قال الزمخشري: الولاية بالفتح: النصر، والتولِّي، وبالكسر: السلطان والملك.
وقيل: بالفتح: الربوبيَّة، وبالكسر: الإمارة.
قوله: «الحَقِّ» قرأ أبو عمرو، والكسائي برفع «الحقُّ» والباقون بجرِّه، فالرفع من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه صفة للولاية وتصديقه قراءة أبيٍّ «هُنالك الوَلايةُ الحق للهِ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ما أوحيناه إليك.
الثالث: أنه مبتدأ، وخبره مضمر، أي: الحق ذلك، وهو ما قلناه.
والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة؛ كقوله «ثُمَّ ردُّوا إلى الله مَولاهُم الحقِّ» .
وقرأ زيد بن عليٍّ، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ويعقوب «الحقَّ» نصباً على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة؛ كقولك «هذَا قَوْلُ الله الحق» وهذا عبد الله الحقَّ، لا الباطل.
قوله: «عُقباً» قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: لغتان؛ كالقُدُسِ والقُدْس، وقيل: الأصل الضمَّ، والسكون تخفيف، وقيل بالعكس؛ كالعُسْر واليُسْر، وهو عكس معهود اللغة، ونصبها ونصب «ثَواباً» و ﴿أَمَلاً﴾ [الكهف: 46] على التمييز لأفعل التفضيل قبلها، ونقل الزمخشريُّ أنه قرئ «عُقْبَى» بالألف، وهي مصدر أيضاً؛ كبُشْرَى، وتروى عن عاصم.
فصل في نظم الآية
اعلم أنَّه تعالى لمَّا ذكر من قصّة الرجلين ما ذكر علمنا أن النُّصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر، وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حقِّ كل مؤمنٍ وكافرٍ، فقال: ﴿هُنالِكَ الوَلايةُ للهِ الحَقِّ﴾ أي: في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام، تكون الولاية لله يوالي أولياءه؛ فيعليهم على أعدائه، ويفوِّض أمر الكفار إليهم.
فقوله: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الموضع، والوقت الذي يريد إظهار كرامة أوليائه، وإذلال أعدائه.
وقيل: المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولَّى الله، ويلتجئ إليه كلُّ محتاجٍ مضطرٍّ، يعني أن قوله: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فكأنه ألجَ إليها ذلك الكافر، فقالها جزعاً ممَّا ساقهُ إليه شؤمُ كفره، ولولا ذلك، لم يقلها.
وقيل: المعنى: هنالك الولاية لله ينصرُ فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمن بما فعل [بأخيه الكافر و] بصدق قوله: ﴿فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السمآء﴾ .
ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: لأوليائه، وقيل: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الدَّار الآخرةِ، أي: في تلك الدَّار الآخرة الولاية لله كقوله: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: 16] .
وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ أي: خيرٌ في الآخرة لمن آمن به، والتجأ إليه، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: هو خيرٌ عاقبة لمن رجاهُ، وعمل لوجهه.
الكهف 18:35
قوله: نعم الثواب» أي: نعم الجزاء.
قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ مجلساً، ومقرّاً، وهذا في مقابلة قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: 29] .
قوله تعالى: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الآية.
وجه النَّظم أن الكفار، لمَّا افتخرُوا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، بيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ممَّا لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن يصير الغنيُّ فقيراً، والفقير غنيًّا، وأما الذي تجبُ المفاخرةُ به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلةٌ لفقراءِ المسلمين، وبيَّن ذلك بضرب هذا المثل؛ فقال: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ أي: مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافرٌ، واسمه [براطوس] ، والآخر: مؤمنٌ، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس.
وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة «الصافات» في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ [الصافات: 51، 52] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمَّرٍ عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلافِ دينارٍ.
وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينارٍ، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما أربعة آلاف دينارٍ، فاشترى الكافر أرضاً بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم، إنَّ أخي اشترى أرضاً بألف، وإنِّي أشتري منك أرضاً بألف في الجنَّة، فتصدَّق به.
ثم [بنى] أخوه داراً بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني أشتري منك داراً بألف في الجنَّة، فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين، وتصدَّق به.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إنِّي اشتريتُ منك الولدان بألف، فتصدَّق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجةٌ، فجلس لأخيه على طريقه، فمرَّ به في خدمه وحشمه، فتعرَّض له، فقال: فلانٌ؟! قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجةٌ بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سويَّة] ، فأخذت شطره؟ فقصَّ عليه قصَّتهُ، قال: إنَّك لمن المصدِّقين، اذهب، فلا أعطيك شيئاً.
وقيل: نزلتْ في أخوين من أهل مكَّة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمنٌ، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أمِّ سلمة قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والآخر كافرٌ، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل.
قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ : قد تقدم أنَّ «ضرب» مع المثل، يجوز أن يتعدى لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مثل رجلين، و «جَعلْنَا» تفسير ل «مَثَل» فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصباً نعتاً ل «رَجُليْنِ» كقولك: مررتُ برجلين، جعل لأحدهما جنَّةٌ.
قوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ يقال: حفَّ بالشيء: طاف به من جميع جوانبه، قال النابغة: [البسيط]
3523 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نِيقٍ وتُتْبِعُهُ ... مِثلُ الزُّجاجةِ لمْ تُكْحَلْ من الرَّمدِ
وحفَّ به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافَّته، وحففته به، أي: جعلته مطيفاً به.
والحِفاف: الجانبُ، وجمعه أحِفَّةٌ، والمعنى: جعلنا حول الأعناب النَّخْل.
قال الزمخشريُّ: وهذه الصفة ممَّا يؤثرها الدَّهاقين في كرومهم، وهو أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسنٌ في [المنظر] .
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ قيل: كان الزَّرع في وسط الأعناب، وقيل: كان الزَّرْع بين الجنَّتين، أي: لم يكن بين الجنتين موضعٌ خالٍ.
والمقصود منه أمورق:
الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.
والثاني: أن تكون متَّسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم يتوسَّطها ما يقطع بعضها عن بعض.
والثالث: أنَّ مثل هذه الأرض تأتي كلَّ [يوم] بمنفعةٍ أخرى، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصفة.
قوله: ﴿كِلْتَا الجنتين﴾ : قد تقدَّم في السورة قبلها [الإسراء: 23] حكم «كلتا» وهي مبتدأ، و «آتتْ» خبرها، وجاء هنا على [الكثير: وهو] مراعاةُ لفظها، دون معناها.
وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - «كِلا الجنَّتَيْنِ» بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ «آتتْ» بالتأنيث؛ اعتباراً بلفظ «الجَنَّتين» فهو نظير «طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ» . وروى الفراء عنه قراءة أخرى: «كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ» أعاد الضمير على اللفظ «أكل» .
واعلم أنَّ لفظ «كل» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و «كِلْتَا» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: «جَاءنِي كِلاَ أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلاَ أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ» ، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
فصل
ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها تامًّا، ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ﴾ لم تنقص، ﴿مِّنْهُ شَيْئاً﴾ والظُّلم: النقصان، يقول الرَّجُل: ظلمنِي حقِّي، أي: نقصنِي.
قوله: «وفجَّرنَا» العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [القمر: 12] ، والتشديد هناك أظهر لقوله «عُيُوناً» .
والعامة على فتح هاء «نهر» وأبو السَّمال والفيَّاض بسكونها.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: لصاحب البستان.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه في الأنعام [الأنعام: 99] ، وتقدَّم أنَّ «الثُّمُرَ» بالضمِّ المال، فقال ابن عباس: جميع المال من ذهبٍ، وفضةٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك، قال النابغة: [البسيط]
3524 - مَهْلاً فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهمُ ... ومَا أثمِّرُ من مالٍ ومِنْ وَلدِ
وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضَّة خاصة.
«فقال» يعني صاحب البستان «لصاحبه» أي المؤمن.
«وهو يُحَاوِرهُ» أي: يخاطبه وهذه جملة حاليَّة مبيِّنةٌ؛ إذ لا يلزم من القول المحاورةُ؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 14] . وقال امرؤ القيس: [الطويل]
3525 - ومَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئهِ ... يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول.
قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ .
والنَّفَرُ: العشيرة الذين يذبُّون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: حشماً، وخدماً.
وقال مقاتلٌ: ولداً تصديقه قوله: ﴿أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: 39] .
قوله: ﴿جَنَّتَهُ﴾ : إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلمِ بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفى بالواحد عن الجمع في قول الهذليِّ: [الكامل]
3526 - فَالعيْنُ بَعدهُم كَأنَّ حِداقهَا ... سُمِلتْ بِشوْكِ فهي عُورٌ تَدْمَعُ
ولقائلٍ أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأنَّ جمع التكسير يجري مجرى المؤنَّثة، فالضمير في «سُمِلَتْ» وفي «فهي» يعود على الحداقِ، لا على حدقةٍ واحدة، كما يوهم.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم أفرد الجنَّة، بعد التثنية؟ قلت: معناه: ودخل ما هو جنَّتهُ، ما له جنة غيرها، بمعنى: أنه ليس له نصيب في الجنة الَّتي وعد المتَّقون، فما ملكه في الدنيا، فهو جنَّته، لا غير، ولم يقصد الجنتين، ولا واحدة منهما» .
فصل
قال أبو حيان: «ولا يتصوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إخبار من الله تعالى بأنَّ هذا الكافر دخل جنَّته، فلا بدَّ أن قصد في الإخبار: أنه دخل إحدى جنتيه؛ إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقتٍ واحدٍ» . قال شهاب الدين: من ادَّعى دخولهما في وقتٍ واحدٍ، حتَّى يلزمه بهذا المستحيلِ في البداية؟ وأمَّا قوله «ولم يقصد الجنَّتين، ولا واحدة» معناه: لم يقصد تعيين مفردٍ، ولا مثنى، لا أنه لم يقصد الإخبار بالدخول.
وقال أبو البقاء: «إنما أفرد؛ لأنَّهما جميعاً ملكهُ، فصارا كالشيء الواحد» .
قوله: «وهُو ظَالِمٌ» حال من فاعل «دَخلَ» ، وقوله «لنَفْسهِ» مفعول «ظَالِمٌ» واللام مزيدة فيه؛ لكون العامل فرعاً.
قوله:» ﴿مَآ أَظُنُّ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ان يكون مستأنفاً بياناً لسبب الظلم.
والثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير في «ظَالِمٌ» ، أي: وهو ظالمٌ في حال كونه قائلاً.
قوله: «أنْ تَبِيدَ» أي: تهلك، قال: [المقتضب]
3527 - فَلئِنْ بَادَ أهْلهُ ... لبِما كَانَ يُوهَلُ
ويقال: بَادَ يَبيدُ بُيُوداً وبَيْدُودة، مثل» كَيْنُونة «والعمل فيها معروفٌ، وهو أنه حذفت إحدى الياءين، ووزنها فيعلولة.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ يعني الكافر آخذاً بيد صاحبه المسلم يطوف به فيها، ويريه بهجتها وحسنها، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ بكفره، وهذا اعتراضٌ وقع في أثناء الكلام، والمعنى أنه لمَّا اغترَّ بتلك النِّعم، وتوسَّل بها إلى الكفران والجحود؛ لقدرته على البعث، كان واضعاً لتلك النِّعم في غير موضعها، ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ .
قال أهل المعاني: لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهَّم أنها لا تفنى أبداً مطلقاً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ فجمع بين كفرين.
الأول: قطعه بأنَّ تلك الأشياء لا تبيدُ أبداً.
والثاني: إنكار البعث.
فإن قيل: هب أنَّه شكَّ في القيامة، فكيف قال: ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً، مع أنَّ الحسَّ يدلُّ على أنَّ أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ غير باقية؟ .
فالجواب: مراده أنَّها لا تبيد مدَّة حياته، ثم قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التَّمييز، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: 50] .
وقوله: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: 77] .
فإن قيل: كيف قال: ولَئِنْ رددت إلى ربي وهو ينكرُ البعث؟ .
فالجواب: معناه: ولئنْ رددتُّ إلى ربِّي على زعمكَ، يعطيني هنالك خيراً منها.
والسَّبب في وقوعه في هذه الشُّبهة أنَّه تعالى لمَّا أعطاه المال والجاه في الدنيا، ظنَّ أنه إنَّما أعطاه ذلك؛ لكونه مستحقًّا له، والاستحقاقُ باقٍ بعد الموت؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدِّمة الأولى كاذبةٌ؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، يكون في أكثر الأمر للاستدراج.
وقرأ أبو عمرو والكوفيون «مِنْهَا» بالإفراد؛ نظراً إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: «جنَّتهُ» وهي في مصاحف العراق، دون ميم، والباقون «مِنْهُما» بالتثنية؛ نظراً إلى الأصل في قوله: «جَنَّتيْنِ» و «كِلتَا الجنَّتيْنِ» ورُسِمَتْ في مصاحفِ الحرمينِ والشَّام بالميم، فكل قد وافق رسم مصحفه.
قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ أي المسلم.
قوله: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي: خلق أصلك من تراب، وهذا يدلُّ على أنَّ الشاكَّ في البعث كافرٌ.
ووجه الاستدلال أنَّه، لمَّا قدر على [الابتداء] ، وجب أن يقدر على الإعادة.
وأيضاً: فإنَّه تعالى، لمَّا خلقك هكذا، فلم يخلقك عبثاً، وإنَّما خلقك لهذا المعنى، وجب أن يحصل للمطيع ثوابٌ، وللمذنب عقابٌ؛ ويدلُّ على هذا قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي: هيَّأك تهيئة تعقل وتصلح أنت للتكليف، فهل يحصل للعاقل مع هذه الآية إهمال أمرك؟! .
قوله: ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ النُّطفة في الأصل: القطرة من الماء الصافي، يقال: نَظفَ يَنطفُ، أي: قطرَ يَقطُر، وفي الحديث: «فَخرجَ، ورَأسهُ يَنطفُ» وفي رواية: يَقطرُ، وهي مفسِّرةٌ، وأطلق على المنيِّ «نُطفَةٌ» تشبيهاً بذلك.
قوله: «رجُلاً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه حالٌ، وجاز ذلك، وإن كان غير منتقلٍ، ولا مشتقٍّ؛ لأنه جاء بعد «سوَّاك» إذ كان من الجائز: أن يسوِّيهُ غير رجل، وهو كقولهم: «خَلقَ الله الزَّرافةَ يَديْهَا أطْولَ من رِجْلَيْهَا» وقول الآخر: [الطويل]
3528 - فَجاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كأنَّما ... عِمامَتهُ بيْنَ الرِّجالِ لِوَاءُ
والثاني: أنه مفعول ثانٍ ل «سَوَّاكَ» لتضمُّنه معنى خلقك، وصيَّرك وجعلك، وهو ظاهر قول الحوفيِّ.
قوله: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ : قرأ ابن عامر، ويعقوب، ونافع في رواية بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً وهي رواية عن نافعٍ، فالوقفُ وفاقٌ.
والأصل في هذه الكلمة: «لكن أنّا» فنقل حركة همزة «أنَا» إلى نون «لكِنْ» وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسنُ الوجهين في تخريج هذا، وقيل: حذف همزة «أنا» [اعتباطاً] ، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس بشيءٍ؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف «أنّا» وصلاً، وإثباتها وقفاً، وقد تقدم لك: أنَّ نافعاً يثبت ألفه وصلاً قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة؛ بتفصيلٍ مذكورٍ في البقرة، وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضاً، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب من إثبات غيره؛ لأنه أثبتها في الوصلِ جملة.
وأمَّا ابن عامرٍ، فإنه خرج عن أصله في الجملة؛ إذ ليس من مذهبه إثبات هذه الألف وصلاً في موضع [ما] ، وإنما اتَّبع الرسم. وقد تقدَّم أنها لغة تميمٍ أيضاً.
وإعراب ذلك: أن يكون «أنَا» مبتدأ، و «هو» مبتدأ ثانٍ، و «هو» ضمير الشأن، و «اللهُ» مبتدأ ثالث و «ربِّي» خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط [بين الأول] وبين خبره الياء في «ربِّي» ويجوز أن تكون الجلالة بدلاً من «هُوَ» أو نعتاً، أو بياناً، إذا جعل «هو» عائداً على ما تقدَّم من قوله «بالذي خلقك من تراب» لا على أنَّه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك، وليس بالبيِّن.
وخرَّجه الفارسي على وجهٍ غريب: وهو أن تكون «لكِنَّا» «لكنَّ» واسمها وهو «ن» والأصل: «لكنَّنا» فحذف إحدى النونات؛ نحو: ﴿إنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر: 9] وكان حق التركيب أن يكون «ربُّنا» «ولا نُشرِكُ بربِّنا» قال: «ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد» وهو غريبٌ جدًّا.
قال الكسائي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: «لكنَّ الله هُوَ ربِّي» .
وقرأ أبو عمرو «لكنَّهْ» بهاء السَّكت وقفاً؛ لأنَّ القصد بيان حركة نون «أنَا» فتارة تبيَّن بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي: [الرمل المجزوء]
3529 - هَكذَا فَرْدِي أَنَهْ ...
وقال ابن عطية عن أبي عمرو: روى عنه هارون «لكنَّه هو الله» بضمير لحق «لكن» قال شهاب الدين: فظاهر هذا أنه ليس بهاء السَّكت، بل تكون الهاءُ ضميراً اسماً ل «لكِنْ» وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، وما بعده خبره، وهو وخبره خبر «لكنَّ» ويجوز أن يكون تأكيداً للاسم، وأن يكون فصلاً، ولا يجوز أن يكون ضمير شأنٍ؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم «لكنَّ» من هذه الجملة الواقعة خبراً.
وأمَّا في قراءة العامة: فلا يجوز أن تكون «لكنَّ» مشددة عاملة؛ لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع.
وقرأ عبد الله «لكنْ أنَا هُوَ» على الأصل من غير نقل، ولا إدغامٍ، وروى عنه ابنُ خالويه «لكنْ هُو الله» بغير «أنا» . وقرئ أيضاً «لكننا» .
وقال الزمخشريُّ: «وحسَّن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع الألف عوضاً عن حذف الهمزة» ونحوه - يعني إدغام نون «لكن» في نون «نَا» بعد حذف الهمزة - قول القائل:
3530 - وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذنِبٌ ... وتَقْلِيننِي لكنَّ إيَّاكِ لا أقْلِي
الأصل: لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان: «ولا يتعيَّن ما قاله في البيت؛ لجواز أن يكون حذف اسم «لكنَّ» [وحذفه] لدليلٍ كثيرٌ، وعليه قوله:
3531 - فَلوْ كُنْتَ ضَبيًّا عَرفْتَ قَرابتِي ... ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافرِ
أي: ولكنَّك، وكذا ها هنا: ولكنَّني إيَّاك» قال شهاب الدين: لم يدَّع الزمخشري تعين ذلك في البيت؛ حتَّى يردَّ عليه بما ذكره.
ويقرب من هذا ما خرَّجه البصريُّون في بيت استدلَّ به الكوفيون عليهم في جواز دخولِ لام الابتداء في خبر «لكنَّ» وهو: [الطويل]
3533 - ... ... ... ... ..... ولكنَّني من حُبِّهَا لعَمِيدُ
فأدخل اللام في خبر «لكنَّ» وخرَّجه البصريون على أن الأصل: «ولكن من حُبِّها» في قوله: «ولكنَّني من حُبِّها لعمِيدُ» ، فأدغم اللام في خبر «لكنَّ» ، وجوَّزه البصريُّون، وخرَّجه طائفة من البصريِّين على أنَّ الأصل ولكن إنِّي من حُبِّها، ثم نقل حركة همزة «إنِّي» إلى نون «لكن» بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدَّم، فلم تدخل اللام إلا في خبر «إنَّ» ، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا: إنَّ البيت مصنوعٌ، ولا يعرف له قائلٌ.
والاستدراك من قوله «أكَفرْتَ» كأنَّه قال لأخيه: أنت كافرٌ؛ لأنَّه استفهام تقرير، لكنَّني أنَّا مؤمنٌ؛ نحو قولك: «زَيْجٌ غَائبٌ، لكنَّ عمراً حاضرٌ» لأنه قد يتوهَّم غيبةُ عمرو أيضاً.
فصل في المقصود بالشرك في الآية
معنى ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
ذكر القفال فيه وجهين:
الأول: أنِّي لا أرى الفقر والغنى إلاَّ منه؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، إذا ابتلى، ولا أتكبَّر عندما ينعم عليَّ، ولا أرى كثرة [المال] ، والأعوان من نفسي، وذلك لأنَّ الكافر، لمَّا [اعتزَّ] بكثرة المال والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العزِّ والغنى.
الثاني: أنَّ هذا الكافر، لمَّا أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشَّريك.
قوله: ﴿ولولاا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ : «لولا» تحضيضيَّةٌ داخلة على «قلت» و «إذْ دَخلْتَ» منصوب ب «قُلْتَ» فصل به بين «لوْلاَ» وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك؛ لأنه ليس بأجنبيٍّ، وقد عرفت أنَّ حرف التحضيضِ، إذا دخل على الماضي، كان للتَّوبيخ.
ومعنى الكلام: هلاَّ إذا دخلت جنَّتك، قلت: ما شَاءَ الله، أي: الأمر ما شاء الله، وقيل: جوابه مضمرٌ، أي: ما شاء الله كان.
﴿مَا شَآءَ الله﴾ يجوز في «مَا» وجهان:
الأول: أن تكون شرطية؛ فتكون في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً وجوباً ب «شاء» أي: أيَّ شيء شاء الله، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله، كان ووقع كما تقدم.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاء الله كائنٌ وواقعٌ.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاءه الله، وعلى كل تقدير: [فهذه الجملة] في محل نصبٍ بالقول.
قوله: «إلاَّ الله» خبر «لا» التبرئةِ، والجملة أيضاً منصوبة بالقولِ، أي: هلاَّ قلت هاتين الجملتين.
فإن قيل: معنى ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ أي: لا أقدرُ على حفظ مالي، ولا دفع شيءٍ عنه إلاَّ بالله.
روى هشامُ بن عروة عن أبيه: «أنَّهُ كان إذَا رأى مِنْ مَالهِ شَيْئاً يُعْجبهُ، أو دَخَلَ حَائِطاً من حِيطانِه قال: مَا شَاءَ الله لا قُوَّة إلاَّ بالله» .
فالجواب: احتجَّ أهل السنَّة بقوله: ﴿مَا شَآءَ الله﴾ على أنَّ كلَّ ما أراده الله واقعٌ، وكلَّ ما لم يقع، لم يرده الله تعالى؛ وهذا يدلُّ على أن الله ما أراد الإيمان من الكافر، وهو صريحٌ في إبطال قول المعتزلة.
فصل في الرد على استدلال المعتزلة بالآية
[ذكر الجبائيُّ] والكعبيُّ بأنَّ تأويل قولهم: «مَا شَاءَ الله» ممَّا تولَّى فعله، لا ما هو فعل العباد، كما قالوا: لا مردَّ لأمر الله، لم يرد ما أمر به العباد، ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريد، كما يحصل فيه ما ينهى عنه.
واعلم أنَّ الذي ذكره الكعبيُّ ليس جواباً عن الاستدلال، بل هو التزامٌ لمخالفة ظاهر النصِّ، وقياس الإرادة على الأمر باطلٌ؛ لأنَّ هذا النصَّ دالٌّ على أنَّه لا يوجد إلاَّ ما أراده الله، وليس في النصوص ما يدلُّ على أنَّه لا يدخل في الوجود إلاَّ ما أمر به، فظهر الفرق. وأجاب القفَّال عنه بأن قال: هلاَّ إذا دخلت [جنَّتك] ، قلت: ما شاء الله، أي: هذه الأشياء الموجودةُ في هذا البستان: ما شاء الله؛ كقول الإنسان، إذا نظر غلى شيءٍ عمله زيدٌ: عمل زيدٍ، أي: هذا عمل زيدٍ.
ومثله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ، أي: قالوا: ثلاثةٌ، وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: 161] أي: وقولوا: هذه حطَّة، وإذا كان كذلك، كان [المراد أن] هذا الشيء الموجود في البستان شيءٌ شاء الله تكوينه، وعلى هذا التقدير: لم يلزم أن يقال: وقع كلُّ ما شاء الله؛ لأنَّ هذا الحكم غير عامٍّ في الكلِّ، بل يختصُّ بالأشياء المشاهدة في البستان، وهذا التأويلُ الذي ذكره القفَّال أحسن مما ذكره الجبائيُّ والكعبيُّ.
فصل
قال ابن الخطيب: وأقول: إنَّه على جوابه لا يندفع الإشكال عن المعتزلة؛ لأنَّ عمارة ذلك البستان، ربَّما حصلت بالغصوب، وبالظُّلم الشديد؛ فلا يصحُّ أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقعٌ بمشيئةِ الله، اللهم، إلاَّ أن يقال: المراد أنَّ هذه الثمار حصلت بمشيئة الله إلاَّ أنَّ هذا تخصيص لظاهر النصِّ من غير دليل.
وأمَّا أمر المؤمن الكافر بأن يقول: لا قُوَّة إلاَّ بالله، أي: لا قُوَّة لأحدٍ على أمر من الأمور إلاَّ بإعانة الله وإقداره.
ثُمَّ إن المؤمن، لما علَّم الكافر الإيمان، أجابه عن الافتخار بالمال والنَّفر، فقال: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ .
واعلم أن ذكر الولد ها هنا يدلُّ على أنَّ المراد بالنَّفر المذكور في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ الأعوان والأولاد.
وقوله: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ﴾ يجوز في «أنا» وجهان:
أحدهما: أن يكون مؤكِّداً لياء المتكلم.
والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، و «أقلَّ» مفعول ثانٍ، أو حال بحسب الوجهين في الرؤية، هل هي بصرية أو علمية؟ إلا أنَّك إذا جعلتها بصرية، تعيَّن في «أنَا» أن تكون توكيداً، لا فصلاً؛ لأنَّ شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر.
وقرأ عيسى بن عمر «أقلُّ» بالرفع، ويتعيَّن أن يكون «أنا» مبتدأ، و «أقلُّ» خبره، والجملة: إمَّا في موضع المفعول الثاني، أو في موضع الحال على ما تقدَّم في الرؤية.
و «مَالاً وولداً» تمييزٌ، وجواب الشرط قوله «فعَسَى ربِّي» .
قوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ : الحسبان مصدر حسب الشيء يحسبه، أي: أحصاهُ، قال الزجاج: «أي عذاب حسبان، أي: حساب ما كسبت يداك» وهو حسن.
فصل في معنى الحسبان
قال الراغب: «قيل: معناه ناراً، وعذاباً، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسبُ عليه، فيجازى بحسبه» وهذا موافق لما قاله أبو إسحاق، والزمخشريُّ نحا إليه أيضاً، فقال: «والحُسْبان مصدر؛ كالغفران والبطلان بمعنى الحساب، أي: مقداراً حسبه الله وقدَّره، وهو الحكم بتخريبها» . وهو قول ابن عباس وقيل: جمع حسبانةٍ، وهي السَّهمُ.
وقال ابن قتيبة: مرامي من السَّماء، وهي مثل الصَّاعقة، أي: قطع من النَّار.
قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ : عطف على «يُرْسلَ» قال أبو حيَّان: و «أوْ يُصْبِحَ» عطفٌ على قوله: «ويُرْسِلَ» لأن غُؤورَ الماءِ لا يتَسبَّبُ عن الآفةِ السماوية، إلا إن عنى بالحسبان القضاء [الإلهيَّ] ؛ فحينئذ يتسبَّب عنه إصباحُ الجنة صعيداً زلقاً، أو إصباح مائها غوراً.
والزَّلقُ والغَوْرُ في الأصل: مصدران وصف بهما للمبالغة.
والعامة على فتح الغين، غَارَ المَاءُ يَغورُ غَوراً: غَاضَ وذهب ف يالأرض، وقرأ البرجميُّ بضم الغين لغة في المصدر، وقرأت طائفة «غُؤوراً» بضمِّ الغين، والهمزة، وواوٍ ساكنة، وهو مصدر أيضاً، يقال: غار الماء غؤوراً مثل: جلس جلوساً.
فصل في معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾
معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها، وقيل: تزلق فيها الأقدام.
وقال مجاهد: رملاً هائلاً، والصعيد وجه الأرض.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾ أي: غائراً منقطعاً ذاهباً لا تناله الأيدي، ولا الدِّلاءُ، والغور: مصدر وقع موقع الاسم، مثل زور وعدل.
قوله: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ أي: فيصير بحيثُ لا تقدر على ردِّه إلى موضعه.
ثمَّ أخبر الله تعالى أنَّه حقَّق ما قدره هذا المؤمن، فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ اي: أحاط العذاب بثمر جنته، وهو عبارة عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من إحاطة العدوِّ؛ لأنَّه إذا أحاط به، فقد استولى عليه، ثمَّ استعمل في كلِّ إهلاكٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] .
قوله: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ : قُرئ «تَقلَّبُ كفَّاهُ» ، أي: تتقلَّب كفَّاه، و «أصْبحَ» : يجوز أن تكون على بابها، وأن تكون بمعنى «صار» وهذا كناية عن الندم؛ لأنَّ النادم يفعل ذلك.
قوله: ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «يُقلِّبُ» وإنما عدِّي ب «عَلَى» لأنه ضمِّن معنى «يَندَمُ» .
وقوله: «فيها» ، أي: في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل «يُقلِّبُ» أي: متحسِّراً، كذا قدَّره أبو البقاس، وهو تفسير معنى، والتقدير الصناعي؛ إنما هو كونٌ مطلقٌ.
قوله: «ويَقُولُ» يجوز أن يكون معطوفاً على «يُقلِّبُ» ويجوز أن يكون حالاً.
فصل في كيفية الإحاطة
قال المفسرون: إنَّ الله تعالى أرسل عليها ناراً، فأهلكتها وغار ماؤها، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صاحبها الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ، أي: يصفِّق بيديه، إحداهما على الأخرى، ويلقِّب كفَّيه ظهراً لبطن؛ تأسُّفاً وتلهُّفاً ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿على عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، فتسقَّطت سقوفها، ثمَّ سقطت الجدران عليها.
ويمكن أنَّ يكون المراد بالعروشِ عروش الكرم، فتسقط العروش، ثم تسقط الجدران عليها.
قوله: ﴿وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
والمعنى: أن المؤمن، لمَّا قال: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ قال الكافر: يا ليتني قلت كذلك.
فإن قيل: هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنَّته؛ لشؤم شركه، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ أنواع البلاء أكثرها إنَّما تقع للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33] .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «خُصَّ البَلاءُ بالأنْبِياءِ، ثمَّ الأوْلياءِ، ثُمَّ الأمثلِ فالأمثَلِ» .
وأيضاً: فلما قال: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فقدم ندم على الشِّرك، ورغب في التوحيد؛ فوجب أن يصير مؤمناً، فلم قال بعده: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾ ؟ .
فالجواب عن الأوَّل: أنه لمَّا عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وكان معرضاً في عمره كلِّه عن طلب الدِّين، فلما ضاعت الدنيا بالكليَّة، بقي محروماً عن الدنيا والدِّين.
والجواب عن الثاني: أنَّه إنَّما نَدِمَ على الشِّرك؛ لاعتقاده أنَّه لو كان موحِّداً غير مشركٍ، لبقيت عليه جنَّته، فهو إنَّما رغب في التوحيد والردَّة عن الشِّرك؛ لأجل [طلب] الدنيا؛ فلهذا لم يقبل الله توحيده.
قوله: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ﴾ : قرأ الأخوان [ «يَكُنْ» ] بالياء من تحت، والباقون من فوق، وهما واضحتان؛ إذ التأنيث مجازيٌّ، وحسن التذكير للفصل.
قوله: «يَنْصُرونَهُ» يجوز أن تكون هذه الجملة خبراً، وهو الظاهر، وأن تكون حالية، والخبر الجار المتقدم، وسوَّغ مجيء الحال من النَّكرة تقدم النفي، ويجوز أن تكون صفة ل «فئةٍ» إذا جعلنا الخبر الجارَّ.
وقال: «يَنْصُرونَهُ» حملاً على معنى «فِئةٍ» لأنَّهم في قوَّة القوم والنَّاس، ولو حمل على لفظها، لأفرد؛ كقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: 13] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «تَنْصرُهُ» على اللفظ، قال أبو البقاء: «ولو كان» تَنْصرهُ «لكان على اللفظ» . قال شهاب الدين: قد قرئ بذلك، كما عرفت.
[قال بعضهم] : ومعنى «يَنْصُرونَهُ» يقدرون على نصرته، ويمنعونه من عذاب الله ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ممتنعاً متنعماً، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه، وقيل: لا يقدر على ردِّ ما ذهب عنه.
قوله: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ﴾ : يجوز أن يكون الكلام تمَّ على قوله «مُنْتَصِراً» وهذه جملة منقطعة عمَّا قبلها، وعلى هذا: فيجوز في الكلام أوجه:
الأول: أن يكون «هنالك الولايةُ» مقدَّراً بجملة فعلية، فالولاية فاعل بالظرف قبلها، أي: استقرَّت الولاية الله، و «لله» متعلق بالاستقرار، أو بنفس الظرف؛ لقيامه مقام العامل، أو بنفسِ الولاية، أو يمحذوفٍ على أنه حال من «الوَلاية» وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش من حيث إنَّ الظرف يرفع الفاعل من غير اعتمادٍ.
والثاني: أن يكون «هُنالِكَ» منصوباً على الظرف متعلقاً بخبر «الولاية» وهو «لله» أو بما تعلق به «لله» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها، والعامل الاستقرارُ في «لله» عند من يجيز تقدم الحال على عاملها المعنوي، أو يتعلق بنفس «الولايةِ» .
والثالث: أن يجعل «هُنالِكَ» هو الخبر، و «لله» فضلةٌ، والعامل فيه ما تقدَّم في الوجه الأول.
ويجوز أن يكون «هُنالِكَ» من تتمَّة ما قبلها، فلم يتمَّ الكلام دونه، وهو معمولٌ ل «مُنْتَصِراً» ، أي: وما كان منتصراً في الدار الآخرة، و «هُنالِكَ» إشارة غليها، وإليه نحا أبو إسحاق. وعلى هذا فيكون الوقف على «هُنالِكَ» تامًّا، والابتداء بقوله «الوَلايَةُ لله» فتكون جملة من مبتدأ وخبر.
والظاهر في «هُنالِكَ» : أنه على موضوعه من ظرفية المكان، كما تقدَّم، وتقدَّم أنَّ الأخوين يقرآن بالكسر، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين بالفتح في سورة الأنفال، فلا معنى لإعادته.
وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحنٌ، قالا: لأنَّ «فعالة» إنما تجيء فيما كان صنعة أو ممعنى متقلَّداً، وليس هنالك تولِّي أمورٍ.
فصل في لغات الولاية ومعانيها
قال الزمخشري: الولاية بالفتح: النصر، والتولِّي، وبالكسر: السلطان والملك.
وقيل: بالفتح: الربوبيَّة، وبالكسر: الإمارة.
قوله: «الحَقِّ» قرأ أبو عمرو، والكسائي برفع «الحقُّ» والباقون بجرِّه، فالرفع من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه صفة للولاية وتصديقه قراءة أبيٍّ «هُنالك الوَلايةُ الحق للهِ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ما أوحيناه إليك.
الثالث: أنه مبتدأ، وخبره مضمر، أي: الحق ذلك، وهو ما قلناه.
والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة؛ كقوله «ثُمَّ ردُّوا إلى الله مَولاهُم الحقِّ» .
وقرأ زيد بن عليٍّ، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ويعقوب «الحقَّ» نصباً على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة؛ كقولك «هذَا قَوْلُ الله الحق» وهذا عبد الله الحقَّ، لا الباطل.
قوله: «عُقباً» قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: لغتان؛ كالقُدُسِ والقُدْس، وقيل: الأصل الضمَّ، والسكون تخفيف، وقيل بالعكس؛ كالعُسْر واليُسْر، وهو عكس معهود اللغة، ونصبها ونصب «ثَواباً» و ﴿أَمَلاً﴾ [الكهف: 46] على التمييز لأفعل التفضيل قبلها، ونقل الزمخشريُّ أنه قرئ «عُقْبَى» بالألف، وهي مصدر أيضاً؛ كبُشْرَى، وتروى عن عاصم.
فصل في نظم الآية
اعلم أنَّه تعالى لمَّا ذكر من قصّة الرجلين ما ذكر علمنا أن النُّصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر، وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حقِّ كل مؤمنٍ وكافرٍ، فقال: ﴿هُنالِكَ الوَلايةُ للهِ الحَقِّ﴾ أي: في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام، تكون الولاية لله يوالي أولياءه؛ فيعليهم على أعدائه، ويفوِّض أمر الكفار إليهم.
فقوله: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الموضع، والوقت الذي يريد إظهار كرامة أوليائه، وإذلال أعدائه.
وقيل: المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولَّى الله، ويلتجئ إليه كلُّ محتاجٍ مضطرٍّ، يعني أن قوله: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فكأنه ألجَ إليها ذلك الكافر، فقالها جزعاً ممَّا ساقهُ إليه شؤمُ كفره، ولولا ذلك، لم يقلها.
وقيل: المعنى: هنالك الولاية لله ينصرُ فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمن بما فعل [بأخيه الكافر و] بصدق قوله: ﴿فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السمآء﴾ .
ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: لأوليائه، وقيل: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الدَّار الآخرةِ، أي: في تلك الدَّار الآخرة الولاية لله كقوله: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: 16] .
وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ أي: خيرٌ في الآخرة لمن آمن به، والتجأ إليه، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: هو خيرٌ عاقبة لمن رجاهُ، وعمل لوجهه.
الكهف 18:36
قوله: نعم الثواب» أي: نعم الجزاء.
قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ مجلساً، ومقرّاً، وهذا في مقابلة قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: 29] .
قوله تعالى: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الآية.
وجه النَّظم أن الكفار، لمَّا افتخرُوا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، بيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ممَّا لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن يصير الغنيُّ فقيراً، والفقير غنيًّا، وأما الذي تجبُ المفاخرةُ به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلةٌ لفقراءِ المسلمين، وبيَّن ذلك بضرب هذا المثل؛ فقال: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ أي: مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافرٌ، واسمه [براطوس] ، والآخر: مؤمنٌ، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس.
وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة «الصافات» في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ [الصافات: 51، 52] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمَّرٍ عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلافِ دينارٍ.
وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينارٍ، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما أربعة آلاف دينارٍ، فاشترى الكافر أرضاً بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم، إنَّ أخي اشترى أرضاً بألف، وإنِّي أشتري منك أرضاً بألف في الجنَّة، فتصدَّق به.
ثم [بنى] أخوه داراً بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني أشتري منك داراً بألف في الجنَّة، فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين، وتصدَّق به.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إنِّي اشتريتُ منك الولدان بألف، فتصدَّق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجةٌ، فجلس لأخيه على طريقه، فمرَّ به في خدمه وحشمه، فتعرَّض له، فقال: فلانٌ؟! قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجةٌ بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سويَّة] ، فأخذت شطره؟ فقصَّ عليه قصَّتهُ، قال: إنَّك لمن المصدِّقين، اذهب، فلا أعطيك شيئاً.
وقيل: نزلتْ في أخوين من أهل مكَّة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمنٌ، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أمِّ سلمة قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والآخر كافرٌ، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل.
قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ : قد تقدم أنَّ «ضرب» مع المثل، يجوز أن يتعدى لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مثل رجلين، و «جَعلْنَا» تفسير ل «مَثَل» فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصباً نعتاً ل «رَجُليْنِ» كقولك: مررتُ برجلين، جعل لأحدهما جنَّةٌ.
قوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ يقال: حفَّ بالشيء: طاف به من جميع جوانبه، قال النابغة: [البسيط]
3523 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نِيقٍ وتُتْبِعُهُ ... مِثلُ الزُّجاجةِ لمْ تُكْحَلْ من الرَّمدِ
وحفَّ به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافَّته، وحففته به، أي: جعلته مطيفاً به.
والحِفاف: الجانبُ، وجمعه أحِفَّةٌ، والمعنى: جعلنا حول الأعناب النَّخْل.
قال الزمخشريُّ: وهذه الصفة ممَّا يؤثرها الدَّهاقين في كرومهم، وهو أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسنٌ في [المنظر] .
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ قيل: كان الزَّرع في وسط الأعناب، وقيل: كان الزَّرْع بين الجنَّتين، أي: لم يكن بين الجنتين موضعٌ خالٍ.
والمقصود منه أمورق:
الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.
والثاني: أن تكون متَّسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم يتوسَّطها ما يقطع بعضها عن بعض.
والثالث: أنَّ مثل هذه الأرض تأتي كلَّ [يوم] بمنفعةٍ أخرى، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصفة.
قوله: ﴿كِلْتَا الجنتين﴾ : قد تقدَّم في السورة قبلها [الإسراء: 23] حكم «كلتا» وهي مبتدأ، و «آتتْ» خبرها، وجاء هنا على [الكثير: وهو] مراعاةُ لفظها، دون معناها.
وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - «كِلا الجنَّتَيْنِ» بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ «آتتْ» بالتأنيث؛ اعتباراً بلفظ «الجَنَّتين» فهو نظير «طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ» . وروى الفراء عنه قراءة أخرى: «كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ» أعاد الضمير على اللفظ «أكل» .
واعلم أنَّ لفظ «كل» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و «كِلْتَا» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: «جَاءنِي كِلاَ أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلاَ أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ» ، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
فصل
ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها تامًّا، ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ﴾ لم تنقص، ﴿مِّنْهُ شَيْئاً﴾ والظُّلم: النقصان، يقول الرَّجُل: ظلمنِي حقِّي، أي: نقصنِي.
قوله: «وفجَّرنَا» العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [القمر: 12] ، والتشديد هناك أظهر لقوله «عُيُوناً» .
والعامة على فتح هاء «نهر» وأبو السَّمال والفيَّاض بسكونها.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: لصاحب البستان.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه في الأنعام [الأنعام: 99] ، وتقدَّم أنَّ «الثُّمُرَ» بالضمِّ المال، فقال ابن عباس: جميع المال من ذهبٍ، وفضةٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك، قال النابغة: [البسيط]
3524 - مَهْلاً فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهمُ ... ومَا أثمِّرُ من مالٍ ومِنْ وَلدِ
وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضَّة خاصة.
«فقال» يعني صاحب البستان «لصاحبه» أي المؤمن.
«وهو يُحَاوِرهُ» أي: يخاطبه وهذه جملة حاليَّة مبيِّنةٌ؛ إذ لا يلزم من القول المحاورةُ؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 14] . وقال امرؤ القيس: [الطويل]
3525 - ومَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئهِ ... يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول.
قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ .
والنَّفَرُ: العشيرة الذين يذبُّون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: حشماً، وخدماً.
وقال مقاتلٌ: ولداً تصديقه قوله: ﴿أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: 39] .
قوله: ﴿جَنَّتَهُ﴾ : إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلمِ بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفى بالواحد عن الجمع في قول الهذليِّ: [الكامل]
3526 - فَالعيْنُ بَعدهُم كَأنَّ حِداقهَا ... سُمِلتْ بِشوْكِ فهي عُورٌ تَدْمَعُ
ولقائلٍ أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأنَّ جمع التكسير يجري مجرى المؤنَّثة، فالضمير في «سُمِلَتْ» وفي «فهي» يعود على الحداقِ، لا على حدقةٍ واحدة، كما يوهم.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم أفرد الجنَّة، بعد التثنية؟ قلت: معناه: ودخل ما هو جنَّتهُ، ما له جنة غيرها، بمعنى: أنه ليس له نصيب في الجنة الَّتي وعد المتَّقون، فما ملكه في الدنيا، فهو جنَّته، لا غير، ولم يقصد الجنتين، ولا واحدة منهما» .
فصل
قال أبو حيان: «ولا يتصوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إخبار من الله تعالى بأنَّ هذا الكافر دخل جنَّته، فلا بدَّ أن قصد في الإخبار: أنه دخل إحدى جنتيه؛ إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقتٍ واحدٍ» . قال شهاب الدين: من ادَّعى دخولهما في وقتٍ واحدٍ، حتَّى يلزمه بهذا المستحيلِ في البداية؟ وأمَّا قوله «ولم يقصد الجنَّتين، ولا واحدة» معناه: لم يقصد تعيين مفردٍ، ولا مثنى، لا أنه لم يقصد الإخبار بالدخول.
وقال أبو البقاء: «إنما أفرد؛ لأنَّهما جميعاً ملكهُ، فصارا كالشيء الواحد» .
قوله: «وهُو ظَالِمٌ» حال من فاعل «دَخلَ» ، وقوله «لنَفْسهِ» مفعول «ظَالِمٌ» واللام مزيدة فيه؛ لكون العامل فرعاً.
قوله:» ﴿مَآ أَظُنُّ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ان يكون مستأنفاً بياناً لسبب الظلم.
والثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير في «ظَالِمٌ» ، أي: وهو ظالمٌ في حال كونه قائلاً.
قوله: «أنْ تَبِيدَ» أي: تهلك، قال: [المقتضب]
3527 - فَلئِنْ بَادَ أهْلهُ ... لبِما كَانَ يُوهَلُ
ويقال: بَادَ يَبيدُ بُيُوداً وبَيْدُودة، مثل» كَيْنُونة «والعمل فيها معروفٌ، وهو أنه حذفت إحدى الياءين، ووزنها فيعلولة.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ يعني الكافر آخذاً بيد صاحبه المسلم يطوف به فيها، ويريه بهجتها وحسنها، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ بكفره، وهذا اعتراضٌ وقع في أثناء الكلام، والمعنى أنه لمَّا اغترَّ بتلك النِّعم، وتوسَّل بها إلى الكفران والجحود؛ لقدرته على البعث، كان واضعاً لتلك النِّعم في غير موضعها، ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ .
قال أهل المعاني: لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهَّم أنها لا تفنى أبداً مطلقاً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ فجمع بين كفرين.
الأول: قطعه بأنَّ تلك الأشياء لا تبيدُ أبداً.
والثاني: إنكار البعث.
فإن قيل: هب أنَّه شكَّ في القيامة، فكيف قال: ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً، مع أنَّ الحسَّ يدلُّ على أنَّ أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ غير باقية؟ .
فالجواب: مراده أنَّها لا تبيد مدَّة حياته، ثم قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التَّمييز، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: 50] .
وقوله: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: 77] .
فإن قيل: كيف قال: ولَئِنْ رددت إلى ربي وهو ينكرُ البعث؟ .
فالجواب: معناه: ولئنْ رددتُّ إلى ربِّي على زعمكَ، يعطيني هنالك خيراً منها.
والسَّبب في وقوعه في هذه الشُّبهة أنَّه تعالى لمَّا أعطاه المال والجاه في الدنيا، ظنَّ أنه إنَّما أعطاه ذلك؛ لكونه مستحقًّا له، والاستحقاقُ باقٍ بعد الموت؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدِّمة الأولى كاذبةٌ؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، يكون في أكثر الأمر للاستدراج.
وقرأ أبو عمرو والكوفيون «مِنْهَا» بالإفراد؛ نظراً إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: «جنَّتهُ» وهي في مصاحف العراق، دون ميم، والباقون «مِنْهُما» بالتثنية؛ نظراً إلى الأصل في قوله: «جَنَّتيْنِ» و «كِلتَا الجنَّتيْنِ» ورُسِمَتْ في مصاحفِ الحرمينِ والشَّام بالميم، فكل قد وافق رسم مصحفه.
قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ أي المسلم.
قوله: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي: خلق أصلك من تراب، وهذا يدلُّ على أنَّ الشاكَّ في البعث كافرٌ.
ووجه الاستدلال أنَّه، لمَّا قدر على [الابتداء] ، وجب أن يقدر على الإعادة.
وأيضاً: فإنَّه تعالى، لمَّا خلقك هكذا، فلم يخلقك عبثاً، وإنَّما خلقك لهذا المعنى، وجب أن يحصل للمطيع ثوابٌ، وللمذنب عقابٌ؛ ويدلُّ على هذا قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي: هيَّأك تهيئة تعقل وتصلح أنت للتكليف، فهل يحصل للعاقل مع هذه الآية إهمال أمرك؟! .
قوله: ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ النُّطفة في الأصل: القطرة من الماء الصافي، يقال: نَظفَ يَنطفُ، أي: قطرَ يَقطُر، وفي الحديث: «فَخرجَ، ورَأسهُ يَنطفُ» وفي رواية: يَقطرُ، وهي مفسِّرةٌ، وأطلق على المنيِّ «نُطفَةٌ» تشبيهاً بذلك.
قوله: «رجُلاً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه حالٌ، وجاز ذلك، وإن كان غير منتقلٍ، ولا مشتقٍّ؛ لأنه جاء بعد «سوَّاك» إذ كان من الجائز: أن يسوِّيهُ غير رجل، وهو كقولهم: «خَلقَ الله الزَّرافةَ يَديْهَا أطْولَ من رِجْلَيْهَا» وقول الآخر: [الطويل]
3528 - فَجاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كأنَّما ... عِمامَتهُ بيْنَ الرِّجالِ لِوَاءُ
والثاني: أنه مفعول ثانٍ ل «سَوَّاكَ» لتضمُّنه معنى خلقك، وصيَّرك وجعلك، وهو ظاهر قول الحوفيِّ.
قوله: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ : قرأ ابن عامر، ويعقوب، ونافع في رواية بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً وهي رواية عن نافعٍ، فالوقفُ وفاقٌ.
والأصل في هذه الكلمة: «لكن أنّا» فنقل حركة همزة «أنَا» إلى نون «لكِنْ» وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسنُ الوجهين في تخريج هذا، وقيل: حذف همزة «أنا» [اعتباطاً] ، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس بشيءٍ؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف «أنّا» وصلاً، وإثباتها وقفاً، وقد تقدم لك: أنَّ نافعاً يثبت ألفه وصلاً قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة؛ بتفصيلٍ مذكورٍ في البقرة، وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضاً، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب من إثبات غيره؛ لأنه أثبتها في الوصلِ جملة.
وأمَّا ابن عامرٍ، فإنه خرج عن أصله في الجملة؛ إذ ليس من مذهبه إثبات هذه الألف وصلاً في موضع [ما] ، وإنما اتَّبع الرسم. وقد تقدَّم أنها لغة تميمٍ أيضاً.
وإعراب ذلك: أن يكون «أنَا» مبتدأ، و «هو» مبتدأ ثانٍ، و «هو» ضمير الشأن، و «اللهُ» مبتدأ ثالث و «ربِّي» خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط [بين الأول] وبين خبره الياء في «ربِّي» ويجوز أن تكون الجلالة بدلاً من «هُوَ» أو نعتاً، أو بياناً، إذا جعل «هو» عائداً على ما تقدَّم من قوله «بالذي خلقك من تراب» لا على أنَّه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك، وليس بالبيِّن.
وخرَّجه الفارسي على وجهٍ غريب: وهو أن تكون «لكِنَّا» «لكنَّ» واسمها وهو «ن» والأصل: «لكنَّنا» فحذف إحدى النونات؛ نحو: ﴿إنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر: 9] وكان حق التركيب أن يكون «ربُّنا» «ولا نُشرِكُ بربِّنا» قال: «ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد» وهو غريبٌ جدًّا.
قال الكسائي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: «لكنَّ الله هُوَ ربِّي» .
وقرأ أبو عمرو «لكنَّهْ» بهاء السَّكت وقفاً؛ لأنَّ القصد بيان حركة نون «أنَا» فتارة تبيَّن بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي: [الرمل المجزوء]
3529 - هَكذَا فَرْدِي أَنَهْ ...
وقال ابن عطية عن أبي عمرو: روى عنه هارون «لكنَّه هو الله» بضمير لحق «لكن» قال شهاب الدين: فظاهر هذا أنه ليس بهاء السَّكت، بل تكون الهاءُ ضميراً اسماً ل «لكِنْ» وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، وما بعده خبره، وهو وخبره خبر «لكنَّ» ويجوز أن يكون تأكيداً للاسم، وأن يكون فصلاً، ولا يجوز أن يكون ضمير شأنٍ؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم «لكنَّ» من هذه الجملة الواقعة خبراً.
وأمَّا في قراءة العامة: فلا يجوز أن تكون «لكنَّ» مشددة عاملة؛ لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع.
وقرأ عبد الله «لكنْ أنَا هُوَ» على الأصل من غير نقل، ولا إدغامٍ، وروى عنه ابنُ خالويه «لكنْ هُو الله» بغير «أنا» . وقرئ أيضاً «لكننا» .
وقال الزمخشريُّ: «وحسَّن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع الألف عوضاً عن حذف الهمزة» ونحوه - يعني إدغام نون «لكن» في نون «نَا» بعد حذف الهمزة - قول القائل:
3530 - وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذنِبٌ ... وتَقْلِيننِي لكنَّ إيَّاكِ لا أقْلِي
الأصل: لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان: «ولا يتعيَّن ما قاله في البيت؛ لجواز أن يكون حذف اسم «لكنَّ» [وحذفه] لدليلٍ كثيرٌ، وعليه قوله:
3531 - فَلوْ كُنْتَ ضَبيًّا عَرفْتَ قَرابتِي ... ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافرِ
أي: ولكنَّك، وكذا ها هنا: ولكنَّني إيَّاك» قال شهاب الدين: لم يدَّع الزمخشري تعين ذلك في البيت؛ حتَّى يردَّ عليه بما ذكره.
ويقرب من هذا ما خرَّجه البصريُّون في بيت استدلَّ به الكوفيون عليهم في جواز دخولِ لام الابتداء في خبر «لكنَّ» وهو: [الطويل]
3533 - ... ... ... ... ..... ولكنَّني من حُبِّهَا لعَمِيدُ
فأدخل اللام في خبر «لكنَّ» وخرَّجه البصريون على أن الأصل: «ولكن من حُبِّها» في قوله: «ولكنَّني من حُبِّها لعمِيدُ» ، فأدغم اللام في خبر «لكنَّ» ، وجوَّزه البصريُّون، وخرَّجه طائفة من البصريِّين على أنَّ الأصل ولكن إنِّي من حُبِّها، ثم نقل حركة همزة «إنِّي» إلى نون «لكن» بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدَّم، فلم تدخل اللام إلا في خبر «إنَّ» ، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا: إنَّ البيت مصنوعٌ، ولا يعرف له قائلٌ.
والاستدراك من قوله «أكَفرْتَ» كأنَّه قال لأخيه: أنت كافرٌ؛ لأنَّه استفهام تقرير، لكنَّني أنَّا مؤمنٌ؛ نحو قولك: «زَيْجٌ غَائبٌ، لكنَّ عمراً حاضرٌ» لأنه قد يتوهَّم غيبةُ عمرو أيضاً.
فصل في المقصود بالشرك في الآية
معنى ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
ذكر القفال فيه وجهين:
الأول: أنِّي لا أرى الفقر والغنى إلاَّ منه؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، إذا ابتلى، ولا أتكبَّر عندما ينعم عليَّ، ولا أرى كثرة [المال] ، والأعوان من نفسي، وذلك لأنَّ الكافر، لمَّا [اعتزَّ] بكثرة المال والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العزِّ والغنى.
الثاني: أنَّ هذا الكافر، لمَّا أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشَّريك.
قوله: ﴿ولولاا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ : «لولا» تحضيضيَّةٌ داخلة على «قلت» و «إذْ دَخلْتَ» منصوب ب «قُلْتَ» فصل به بين «لوْلاَ» وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك؛ لأنه ليس بأجنبيٍّ، وقد عرفت أنَّ حرف التحضيضِ، إذا دخل على الماضي، كان للتَّوبيخ.
ومعنى الكلام: هلاَّ إذا دخلت جنَّتك، قلت: ما شَاءَ الله، أي: الأمر ما شاء الله، وقيل: جوابه مضمرٌ، أي: ما شاء الله كان.
﴿مَا شَآءَ الله﴾ يجوز في «مَا» وجهان:
الأول: أن تكون شرطية؛ فتكون في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً وجوباً ب «شاء» أي: أيَّ شيء شاء الله، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله، كان ووقع كما تقدم.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاء الله كائنٌ وواقعٌ.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاءه الله، وعلى كل تقدير: [فهذه الجملة] في محل نصبٍ بالقول.
قوله: «إلاَّ الله» خبر «لا» التبرئةِ، والجملة أيضاً منصوبة بالقولِ، أي: هلاَّ قلت هاتين الجملتين.
فإن قيل: معنى ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ أي: لا أقدرُ على حفظ مالي، ولا دفع شيءٍ عنه إلاَّ بالله.
روى هشامُ بن عروة عن أبيه: «أنَّهُ كان إذَا رأى مِنْ مَالهِ شَيْئاً يُعْجبهُ، أو دَخَلَ حَائِطاً من حِيطانِه قال: مَا شَاءَ الله لا قُوَّة إلاَّ بالله» .
فالجواب: احتجَّ أهل السنَّة بقوله: ﴿مَا شَآءَ الله﴾ على أنَّ كلَّ ما أراده الله واقعٌ، وكلَّ ما لم يقع، لم يرده الله تعالى؛ وهذا يدلُّ على أن الله ما أراد الإيمان من الكافر، وهو صريحٌ في إبطال قول المعتزلة.
فصل في الرد على استدلال المعتزلة بالآية
[ذكر الجبائيُّ] والكعبيُّ بأنَّ تأويل قولهم: «مَا شَاءَ الله» ممَّا تولَّى فعله، لا ما هو فعل العباد، كما قالوا: لا مردَّ لأمر الله، لم يرد ما أمر به العباد، ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريد، كما يحصل فيه ما ينهى عنه.
واعلم أنَّ الذي ذكره الكعبيُّ ليس جواباً عن الاستدلال، بل هو التزامٌ لمخالفة ظاهر النصِّ، وقياس الإرادة على الأمر باطلٌ؛ لأنَّ هذا النصَّ دالٌّ على أنَّه لا يوجد إلاَّ ما أراده الله، وليس في النصوص ما يدلُّ على أنَّه لا يدخل في الوجود إلاَّ ما أمر به، فظهر الفرق. وأجاب القفَّال عنه بأن قال: هلاَّ إذا دخلت [جنَّتك] ، قلت: ما شاء الله، أي: هذه الأشياء الموجودةُ في هذا البستان: ما شاء الله؛ كقول الإنسان، إذا نظر غلى شيءٍ عمله زيدٌ: عمل زيدٍ، أي: هذا عمل زيدٍ.
ومثله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ، أي: قالوا: ثلاثةٌ، وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: 161] أي: وقولوا: هذه حطَّة، وإذا كان كذلك، كان [المراد أن] هذا الشيء الموجود في البستان شيءٌ شاء الله تكوينه، وعلى هذا التقدير: لم يلزم أن يقال: وقع كلُّ ما شاء الله؛ لأنَّ هذا الحكم غير عامٍّ في الكلِّ، بل يختصُّ بالأشياء المشاهدة في البستان، وهذا التأويلُ الذي ذكره القفَّال أحسن مما ذكره الجبائيُّ والكعبيُّ.
فصل
قال ابن الخطيب: وأقول: إنَّه على جوابه لا يندفع الإشكال عن المعتزلة؛ لأنَّ عمارة ذلك البستان، ربَّما حصلت بالغصوب، وبالظُّلم الشديد؛ فلا يصحُّ أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقعٌ بمشيئةِ الله، اللهم، إلاَّ أن يقال: المراد أنَّ هذه الثمار حصلت بمشيئة الله إلاَّ أنَّ هذا تخصيص لظاهر النصِّ من غير دليل.
وأمَّا أمر المؤمن الكافر بأن يقول: لا قُوَّة إلاَّ بالله، أي: لا قُوَّة لأحدٍ على أمر من الأمور إلاَّ بإعانة الله وإقداره.
ثُمَّ إن المؤمن، لما علَّم الكافر الإيمان، أجابه عن الافتخار بالمال والنَّفر، فقال: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ .
واعلم أن ذكر الولد ها هنا يدلُّ على أنَّ المراد بالنَّفر المذكور في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ الأعوان والأولاد.
وقوله: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ﴾ يجوز في «أنا» وجهان:
أحدهما: أن يكون مؤكِّداً لياء المتكلم.
والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، و «أقلَّ» مفعول ثانٍ، أو حال بحسب الوجهين في الرؤية، هل هي بصرية أو علمية؟ إلا أنَّك إذا جعلتها بصرية، تعيَّن في «أنَا» أن تكون توكيداً، لا فصلاً؛ لأنَّ شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر.
وقرأ عيسى بن عمر «أقلُّ» بالرفع، ويتعيَّن أن يكون «أنا» مبتدأ، و «أقلُّ» خبره، والجملة: إمَّا في موضع المفعول الثاني، أو في موضع الحال على ما تقدَّم في الرؤية.
و «مَالاً وولداً» تمييزٌ، وجواب الشرط قوله «فعَسَى ربِّي» .
قوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ : الحسبان مصدر حسب الشيء يحسبه، أي: أحصاهُ، قال الزجاج: «أي عذاب حسبان، أي: حساب ما كسبت يداك» وهو حسن.
فصل في معنى الحسبان
قال الراغب: «قيل: معناه ناراً، وعذاباً، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسبُ عليه، فيجازى بحسبه» وهذا موافق لما قاله أبو إسحاق، والزمخشريُّ نحا إليه أيضاً، فقال: «والحُسْبان مصدر؛ كالغفران والبطلان بمعنى الحساب، أي: مقداراً حسبه الله وقدَّره، وهو الحكم بتخريبها» . وهو قول ابن عباس وقيل: جمع حسبانةٍ، وهي السَّهمُ.
وقال ابن قتيبة: مرامي من السَّماء، وهي مثل الصَّاعقة، أي: قطع من النَّار.
قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ : عطف على «يُرْسلَ» قال أبو حيَّان: و «أوْ يُصْبِحَ» عطفٌ على قوله: «ويُرْسِلَ» لأن غُؤورَ الماءِ لا يتَسبَّبُ عن الآفةِ السماوية، إلا إن عنى بالحسبان القضاء [الإلهيَّ] ؛ فحينئذ يتسبَّب عنه إصباحُ الجنة صعيداً زلقاً، أو إصباح مائها غوراً.
والزَّلقُ والغَوْرُ في الأصل: مصدران وصف بهما للمبالغة.
والعامة على فتح الغين، غَارَ المَاءُ يَغورُ غَوراً: غَاضَ وذهب ف يالأرض، وقرأ البرجميُّ بضم الغين لغة في المصدر، وقرأت طائفة «غُؤوراً» بضمِّ الغين، والهمزة، وواوٍ ساكنة، وهو مصدر أيضاً، يقال: غار الماء غؤوراً مثل: جلس جلوساً.
فصل في معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾
معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها، وقيل: تزلق فيها الأقدام.
وقال مجاهد: رملاً هائلاً، والصعيد وجه الأرض.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾ أي: غائراً منقطعاً ذاهباً لا تناله الأيدي، ولا الدِّلاءُ، والغور: مصدر وقع موقع الاسم، مثل زور وعدل.
قوله: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ أي: فيصير بحيثُ لا تقدر على ردِّه إلى موضعه.
ثمَّ أخبر الله تعالى أنَّه حقَّق ما قدره هذا المؤمن، فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ اي: أحاط العذاب بثمر جنته، وهو عبارة عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من إحاطة العدوِّ؛ لأنَّه إذا أحاط به، فقد استولى عليه، ثمَّ استعمل في كلِّ إهلاكٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] .
قوله: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ : قُرئ «تَقلَّبُ كفَّاهُ» ، أي: تتقلَّب كفَّاه، و «أصْبحَ» : يجوز أن تكون على بابها، وأن تكون بمعنى «صار» وهذا كناية عن الندم؛ لأنَّ النادم يفعل ذلك.
قوله: ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «يُقلِّبُ» وإنما عدِّي ب «عَلَى» لأنه ضمِّن معنى «يَندَمُ» .
وقوله: «فيها» ، أي: في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل «يُقلِّبُ» أي: متحسِّراً، كذا قدَّره أبو البقاس، وهو تفسير معنى، والتقدير الصناعي؛ إنما هو كونٌ مطلقٌ.
قوله: «ويَقُولُ» يجوز أن يكون معطوفاً على «يُقلِّبُ» ويجوز أن يكون حالاً.
فصل في كيفية الإحاطة
قال المفسرون: إنَّ الله تعالى أرسل عليها ناراً، فأهلكتها وغار ماؤها، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صاحبها الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ، أي: يصفِّق بيديه، إحداهما على الأخرى، ويلقِّب كفَّيه ظهراً لبطن؛ تأسُّفاً وتلهُّفاً ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿على عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، فتسقَّطت سقوفها، ثمَّ سقطت الجدران عليها.
ويمكن أنَّ يكون المراد بالعروشِ عروش الكرم، فتسقط العروش، ثم تسقط الجدران عليها.
قوله: ﴿وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
والمعنى: أن المؤمن، لمَّا قال: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ قال الكافر: يا ليتني قلت كذلك.
فإن قيل: هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنَّته؛ لشؤم شركه، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ أنواع البلاء أكثرها إنَّما تقع للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33] .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «خُصَّ البَلاءُ بالأنْبِياءِ، ثمَّ الأوْلياءِ، ثُمَّ الأمثلِ فالأمثَلِ» .
وأيضاً: فلما قال: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فقدم ندم على الشِّرك، ورغب في التوحيد؛ فوجب أن يصير مؤمناً، فلم قال بعده: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾ ؟ .
فالجواب عن الأوَّل: أنه لمَّا عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وكان معرضاً في عمره كلِّه عن طلب الدِّين، فلما ضاعت الدنيا بالكليَّة، بقي محروماً عن الدنيا والدِّين.
والجواب عن الثاني: أنَّه إنَّما نَدِمَ على الشِّرك؛ لاعتقاده أنَّه لو كان موحِّداً غير مشركٍ، لبقيت عليه جنَّته، فهو إنَّما رغب في التوحيد والردَّة عن الشِّرك؛ لأجل [طلب] الدنيا؛ فلهذا لم يقبل الله توحيده.
قوله: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ﴾ : قرأ الأخوان [ «يَكُنْ» ] بالياء من تحت، والباقون من فوق، وهما واضحتان؛ إذ التأنيث مجازيٌّ، وحسن التذكير للفصل.
قوله: «يَنْصُرونَهُ» يجوز أن تكون هذه الجملة خبراً، وهو الظاهر، وأن تكون حالية، والخبر الجار المتقدم، وسوَّغ مجيء الحال من النَّكرة تقدم النفي، ويجوز أن تكون صفة ل «فئةٍ» إذا جعلنا الخبر الجارَّ.
وقال: «يَنْصُرونَهُ» حملاً على معنى «فِئةٍ» لأنَّهم في قوَّة القوم والنَّاس، ولو حمل على لفظها، لأفرد؛ كقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: 13] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «تَنْصرُهُ» على اللفظ، قال أبو البقاء: «ولو كان» تَنْصرهُ «لكان على اللفظ» . قال شهاب الدين: قد قرئ بذلك، كما عرفت.
[قال بعضهم] : ومعنى «يَنْصُرونَهُ» يقدرون على نصرته، ويمنعونه من عذاب الله ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ممتنعاً متنعماً، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه، وقيل: لا يقدر على ردِّ ما ذهب عنه.
قوله: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ﴾ : يجوز أن يكون الكلام تمَّ على قوله «مُنْتَصِراً» وهذه جملة منقطعة عمَّا قبلها، وعلى هذا: فيجوز في الكلام أوجه:
الأول: أن يكون «هنالك الولايةُ» مقدَّراً بجملة فعلية، فالولاية فاعل بالظرف قبلها، أي: استقرَّت الولاية الله، و «لله» متعلق بالاستقرار، أو بنفس الظرف؛ لقيامه مقام العامل، أو بنفسِ الولاية، أو يمحذوفٍ على أنه حال من «الوَلاية» وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش من حيث إنَّ الظرف يرفع الفاعل من غير اعتمادٍ.
والثاني: أن يكون «هُنالِكَ» منصوباً على الظرف متعلقاً بخبر «الولاية» وهو «لله» أو بما تعلق به «لله» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها، والعامل الاستقرارُ في «لله» عند من يجيز تقدم الحال على عاملها المعنوي، أو يتعلق بنفس «الولايةِ» .
والثالث: أن يجعل «هُنالِكَ» هو الخبر، و «لله» فضلةٌ، والعامل فيه ما تقدَّم في الوجه الأول.
ويجوز أن يكون «هُنالِكَ» من تتمَّة ما قبلها، فلم يتمَّ الكلام دونه، وهو معمولٌ ل «مُنْتَصِراً» ، أي: وما كان منتصراً في الدار الآخرة، و «هُنالِكَ» إشارة غليها، وإليه نحا أبو إسحاق. وعلى هذا فيكون الوقف على «هُنالِكَ» تامًّا، والابتداء بقوله «الوَلايَةُ لله» فتكون جملة من مبتدأ وخبر.
والظاهر في «هُنالِكَ» : أنه على موضوعه من ظرفية المكان، كما تقدَّم، وتقدَّم أنَّ الأخوين يقرآن بالكسر، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين بالفتح في سورة الأنفال، فلا معنى لإعادته.
وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحنٌ، قالا: لأنَّ «فعالة» إنما تجيء فيما كان صنعة أو ممعنى متقلَّداً، وليس هنالك تولِّي أمورٍ.
فصل في لغات الولاية ومعانيها
قال الزمخشري: الولاية بالفتح: النصر، والتولِّي، وبالكسر: السلطان والملك.
وقيل: بالفتح: الربوبيَّة، وبالكسر: الإمارة.
قوله: «الحَقِّ» قرأ أبو عمرو، والكسائي برفع «الحقُّ» والباقون بجرِّه، فالرفع من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه صفة للولاية وتصديقه قراءة أبيٍّ «هُنالك الوَلايةُ الحق للهِ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ما أوحيناه إليك.
الثالث: أنه مبتدأ، وخبره مضمر، أي: الحق ذلك، وهو ما قلناه.
والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة؛ كقوله «ثُمَّ ردُّوا إلى الله مَولاهُم الحقِّ» .
وقرأ زيد بن عليٍّ، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ويعقوب «الحقَّ» نصباً على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة؛ كقولك «هذَا قَوْلُ الله الحق» وهذا عبد الله الحقَّ، لا الباطل.
قوله: «عُقباً» قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: لغتان؛ كالقُدُسِ والقُدْس، وقيل: الأصل الضمَّ، والسكون تخفيف، وقيل بالعكس؛ كالعُسْر واليُسْر، وهو عكس معهود اللغة، ونصبها ونصب «ثَواباً» و ﴿أَمَلاً﴾ [الكهف: 46] على التمييز لأفعل التفضيل قبلها، ونقل الزمخشريُّ أنه قرئ «عُقْبَى» بالألف، وهي مصدر أيضاً؛ كبُشْرَى، وتروى عن عاصم.
فصل في نظم الآية
اعلم أنَّه تعالى لمَّا ذكر من قصّة الرجلين ما ذكر علمنا أن النُّصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر، وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حقِّ كل مؤمنٍ وكافرٍ، فقال: ﴿هُنالِكَ الوَلايةُ للهِ الحَقِّ﴾ أي: في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام، تكون الولاية لله يوالي أولياءه؛ فيعليهم على أعدائه، ويفوِّض أمر الكفار إليهم.
فقوله: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الموضع، والوقت الذي يريد إظهار كرامة أوليائه، وإذلال أعدائه.
وقيل: المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولَّى الله، ويلتجئ إليه كلُّ محتاجٍ مضطرٍّ، يعني أن قوله: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فكأنه ألجَ إليها ذلك الكافر، فقالها جزعاً ممَّا ساقهُ إليه شؤمُ كفره، ولولا ذلك، لم يقلها.
وقيل: المعنى: هنالك الولاية لله ينصرُ فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمن بما فعل [بأخيه الكافر و] بصدق قوله: ﴿فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السمآء﴾ .
ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: لأوليائه، وقيل: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الدَّار الآخرةِ، أي: في تلك الدَّار الآخرة الولاية لله كقوله: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: 16] .
وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ أي: خيرٌ في الآخرة لمن آمن به، والتجأ إليه، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: هو خيرٌ عاقبة لمن رجاهُ، وعمل لوجهه.
الكهف 18:37
قوله: نعم الثواب» أي: نعم الجزاء.
قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ مجلساً، ومقرّاً، وهذا في مقابلة قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: 29] .
قوله تعالى: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الآية.
وجه النَّظم أن الكفار، لمَّا افتخرُوا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، بيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ممَّا لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن يصير الغنيُّ فقيراً، والفقير غنيًّا، وأما الذي تجبُ المفاخرةُ به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلةٌ لفقراءِ المسلمين، وبيَّن ذلك بضرب هذا المثل؛ فقال: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ أي: مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافرٌ، واسمه [براطوس] ، والآخر: مؤمنٌ، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس.
وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة «الصافات» في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ [الصافات: 51، 52] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمَّرٍ عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلافِ دينارٍ.
وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينارٍ، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما أربعة آلاف دينارٍ، فاشترى الكافر أرضاً بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم، إنَّ أخي اشترى أرضاً بألف، وإنِّي أشتري منك أرضاً بألف في الجنَّة، فتصدَّق به.
ثم [بنى] أخوه داراً بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني أشتري منك داراً بألف في الجنَّة، فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين، وتصدَّق به.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إنِّي اشتريتُ منك الولدان بألف، فتصدَّق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجةٌ، فجلس لأخيه على طريقه، فمرَّ به في خدمه وحشمه، فتعرَّض له، فقال: فلانٌ؟! قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجةٌ بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سويَّة] ، فأخذت شطره؟ فقصَّ عليه قصَّتهُ، قال: إنَّك لمن المصدِّقين، اذهب، فلا أعطيك شيئاً.
وقيل: نزلتْ في أخوين من أهل مكَّة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمنٌ، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أمِّ سلمة قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والآخر كافرٌ، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل.
قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ : قد تقدم أنَّ «ضرب» مع المثل، يجوز أن يتعدى لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مثل رجلين، و «جَعلْنَا» تفسير ل «مَثَل» فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصباً نعتاً ل «رَجُليْنِ» كقولك: مررتُ برجلين، جعل لأحدهما جنَّةٌ.
قوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ يقال: حفَّ بالشيء: طاف به من جميع جوانبه، قال النابغة: [البسيط]
3523 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نِيقٍ وتُتْبِعُهُ ... مِثلُ الزُّجاجةِ لمْ تُكْحَلْ من الرَّمدِ
وحفَّ به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافَّته، وحففته به، أي: جعلته مطيفاً به.
والحِفاف: الجانبُ، وجمعه أحِفَّةٌ، والمعنى: جعلنا حول الأعناب النَّخْل.
قال الزمخشريُّ: وهذه الصفة ممَّا يؤثرها الدَّهاقين في كرومهم، وهو أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسنٌ في [المنظر] .
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ قيل: كان الزَّرع في وسط الأعناب، وقيل: كان الزَّرْع بين الجنَّتين، أي: لم يكن بين الجنتين موضعٌ خالٍ.
والمقصود منه أمورق:
الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.
والثاني: أن تكون متَّسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم يتوسَّطها ما يقطع بعضها عن بعض.
والثالث: أنَّ مثل هذه الأرض تأتي كلَّ [يوم] بمنفعةٍ أخرى، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصفة.
قوله: ﴿كِلْتَا الجنتين﴾ : قد تقدَّم في السورة قبلها [الإسراء: 23] حكم «كلتا» وهي مبتدأ، و «آتتْ» خبرها، وجاء هنا على [الكثير: وهو] مراعاةُ لفظها، دون معناها.
وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - «كِلا الجنَّتَيْنِ» بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ «آتتْ» بالتأنيث؛ اعتباراً بلفظ «الجَنَّتين» فهو نظير «طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ» . وروى الفراء عنه قراءة أخرى: «كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ» أعاد الضمير على اللفظ «أكل» .
واعلم أنَّ لفظ «كل» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و «كِلْتَا» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: «جَاءنِي كِلاَ أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلاَ أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ» ، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
فصل
ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها تامًّا، ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ﴾ لم تنقص، ﴿مِّنْهُ شَيْئاً﴾ والظُّلم: النقصان، يقول الرَّجُل: ظلمنِي حقِّي، أي: نقصنِي.
قوله: «وفجَّرنَا» العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [القمر: 12] ، والتشديد هناك أظهر لقوله «عُيُوناً» .
والعامة على فتح هاء «نهر» وأبو السَّمال والفيَّاض بسكونها.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: لصاحب البستان.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه في الأنعام [الأنعام: 99] ، وتقدَّم أنَّ «الثُّمُرَ» بالضمِّ المال، فقال ابن عباس: جميع المال من ذهبٍ، وفضةٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك، قال النابغة: [البسيط]
3524 - مَهْلاً فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهمُ ... ومَا أثمِّرُ من مالٍ ومِنْ وَلدِ
وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضَّة خاصة.
«فقال» يعني صاحب البستان «لصاحبه» أي المؤمن.
«وهو يُحَاوِرهُ» أي: يخاطبه وهذه جملة حاليَّة مبيِّنةٌ؛ إذ لا يلزم من القول المحاورةُ؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 14] . وقال امرؤ القيس: [الطويل]
3525 - ومَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئهِ ... يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول.
قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ .
والنَّفَرُ: العشيرة الذين يذبُّون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: حشماً، وخدماً.
وقال مقاتلٌ: ولداً تصديقه قوله: ﴿أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: 39] .
قوله: ﴿جَنَّتَهُ﴾ : إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلمِ بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفى بالواحد عن الجمع في قول الهذليِّ: [الكامل]
3526 - فَالعيْنُ بَعدهُم كَأنَّ حِداقهَا ... سُمِلتْ بِشوْكِ فهي عُورٌ تَدْمَعُ
ولقائلٍ أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأنَّ جمع التكسير يجري مجرى المؤنَّثة، فالضمير في «سُمِلَتْ» وفي «فهي» يعود على الحداقِ، لا على حدقةٍ واحدة، كما يوهم.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم أفرد الجنَّة، بعد التثنية؟ قلت: معناه: ودخل ما هو جنَّتهُ، ما له جنة غيرها، بمعنى: أنه ليس له نصيب في الجنة الَّتي وعد المتَّقون، فما ملكه في الدنيا، فهو جنَّته، لا غير، ولم يقصد الجنتين، ولا واحدة منهما» .
فصل
قال أبو حيان: «ولا يتصوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إخبار من الله تعالى بأنَّ هذا الكافر دخل جنَّته، فلا بدَّ أن قصد في الإخبار: أنه دخل إحدى جنتيه؛ إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقتٍ واحدٍ» . قال شهاب الدين: من ادَّعى دخولهما في وقتٍ واحدٍ، حتَّى يلزمه بهذا المستحيلِ في البداية؟ وأمَّا قوله «ولم يقصد الجنَّتين، ولا واحدة» معناه: لم يقصد تعيين مفردٍ، ولا مثنى، لا أنه لم يقصد الإخبار بالدخول.
وقال أبو البقاء: «إنما أفرد؛ لأنَّهما جميعاً ملكهُ، فصارا كالشيء الواحد» .
قوله: «وهُو ظَالِمٌ» حال من فاعل «دَخلَ» ، وقوله «لنَفْسهِ» مفعول «ظَالِمٌ» واللام مزيدة فيه؛ لكون العامل فرعاً.
قوله:» ﴿مَآ أَظُنُّ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ان يكون مستأنفاً بياناً لسبب الظلم.
والثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير في «ظَالِمٌ» ، أي: وهو ظالمٌ في حال كونه قائلاً.
قوله: «أنْ تَبِيدَ» أي: تهلك، قال: [المقتضب]
3527 - فَلئِنْ بَادَ أهْلهُ ... لبِما كَانَ يُوهَلُ
ويقال: بَادَ يَبيدُ بُيُوداً وبَيْدُودة، مثل» كَيْنُونة «والعمل فيها معروفٌ، وهو أنه حذفت إحدى الياءين، ووزنها فيعلولة.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ يعني الكافر آخذاً بيد صاحبه المسلم يطوف به فيها، ويريه بهجتها وحسنها، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ بكفره، وهذا اعتراضٌ وقع في أثناء الكلام، والمعنى أنه لمَّا اغترَّ بتلك النِّعم، وتوسَّل بها إلى الكفران والجحود؛ لقدرته على البعث، كان واضعاً لتلك النِّعم في غير موضعها، ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ .
قال أهل المعاني: لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهَّم أنها لا تفنى أبداً مطلقاً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ فجمع بين كفرين.
الأول: قطعه بأنَّ تلك الأشياء لا تبيدُ أبداً.
والثاني: إنكار البعث.
فإن قيل: هب أنَّه شكَّ في القيامة، فكيف قال: ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً، مع أنَّ الحسَّ يدلُّ على أنَّ أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ غير باقية؟ .
فالجواب: مراده أنَّها لا تبيد مدَّة حياته، ثم قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التَّمييز، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: 50] .
وقوله: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: 77] .
فإن قيل: كيف قال: ولَئِنْ رددت إلى ربي وهو ينكرُ البعث؟ .
فالجواب: معناه: ولئنْ رددتُّ إلى ربِّي على زعمكَ، يعطيني هنالك خيراً منها.
والسَّبب في وقوعه في هذه الشُّبهة أنَّه تعالى لمَّا أعطاه المال والجاه في الدنيا، ظنَّ أنه إنَّما أعطاه ذلك؛ لكونه مستحقًّا له، والاستحقاقُ باقٍ بعد الموت؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدِّمة الأولى كاذبةٌ؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، يكون في أكثر الأمر للاستدراج.
وقرأ أبو عمرو والكوفيون «مِنْهَا» بالإفراد؛ نظراً إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: «جنَّتهُ» وهي في مصاحف العراق، دون ميم، والباقون «مِنْهُما» بالتثنية؛ نظراً إلى الأصل في قوله: «جَنَّتيْنِ» و «كِلتَا الجنَّتيْنِ» ورُسِمَتْ في مصاحفِ الحرمينِ والشَّام بالميم، فكل قد وافق رسم مصحفه.
قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ أي المسلم.
قوله: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي: خلق أصلك من تراب، وهذا يدلُّ على أنَّ الشاكَّ في البعث كافرٌ.
ووجه الاستدلال أنَّه، لمَّا قدر على [الابتداء] ، وجب أن يقدر على الإعادة.
وأيضاً: فإنَّه تعالى، لمَّا خلقك هكذا، فلم يخلقك عبثاً، وإنَّما خلقك لهذا المعنى، وجب أن يحصل للمطيع ثوابٌ، وللمذنب عقابٌ؛ ويدلُّ على هذا قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي: هيَّأك تهيئة تعقل وتصلح أنت للتكليف، فهل يحصل للعاقل مع هذه الآية إهمال أمرك؟! .
قوله: ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ النُّطفة في الأصل: القطرة من الماء الصافي، يقال: نَظفَ يَنطفُ، أي: قطرَ يَقطُر، وفي الحديث: «فَخرجَ، ورَأسهُ يَنطفُ» وفي رواية: يَقطرُ، وهي مفسِّرةٌ، وأطلق على المنيِّ «نُطفَةٌ» تشبيهاً بذلك.
قوله: «رجُلاً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه حالٌ، وجاز ذلك، وإن كان غير منتقلٍ، ولا مشتقٍّ؛ لأنه جاء بعد «سوَّاك» إذ كان من الجائز: أن يسوِّيهُ غير رجل، وهو كقولهم: «خَلقَ الله الزَّرافةَ يَديْهَا أطْولَ من رِجْلَيْهَا» وقول الآخر: [الطويل]
3528 - فَجاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كأنَّما ... عِمامَتهُ بيْنَ الرِّجالِ لِوَاءُ
والثاني: أنه مفعول ثانٍ ل «سَوَّاكَ» لتضمُّنه معنى خلقك، وصيَّرك وجعلك، وهو ظاهر قول الحوفيِّ.
قوله: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ : قرأ ابن عامر، ويعقوب، ونافع في رواية بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً وهي رواية عن نافعٍ، فالوقفُ وفاقٌ.
والأصل في هذه الكلمة: «لكن أنّا» فنقل حركة همزة «أنَا» إلى نون «لكِنْ» وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسنُ الوجهين في تخريج هذا، وقيل: حذف همزة «أنا» [اعتباطاً] ، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس بشيءٍ؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف «أنّا» وصلاً، وإثباتها وقفاً، وقد تقدم لك: أنَّ نافعاً يثبت ألفه وصلاً قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة؛ بتفصيلٍ مذكورٍ في البقرة، وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضاً، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب من إثبات غيره؛ لأنه أثبتها في الوصلِ جملة.
وأمَّا ابن عامرٍ، فإنه خرج عن أصله في الجملة؛ إذ ليس من مذهبه إثبات هذه الألف وصلاً في موضع [ما] ، وإنما اتَّبع الرسم. وقد تقدَّم أنها لغة تميمٍ أيضاً.
وإعراب ذلك: أن يكون «أنَا» مبتدأ، و «هو» مبتدأ ثانٍ، و «هو» ضمير الشأن، و «اللهُ» مبتدأ ثالث و «ربِّي» خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط [بين الأول] وبين خبره الياء في «ربِّي» ويجوز أن تكون الجلالة بدلاً من «هُوَ» أو نعتاً، أو بياناً، إذا جعل «هو» عائداً على ما تقدَّم من قوله «بالذي خلقك من تراب» لا على أنَّه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك، وليس بالبيِّن.
وخرَّجه الفارسي على وجهٍ غريب: وهو أن تكون «لكِنَّا» «لكنَّ» واسمها وهو «ن» والأصل: «لكنَّنا» فحذف إحدى النونات؛ نحو: ﴿إنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر: 9] وكان حق التركيب أن يكون «ربُّنا» «ولا نُشرِكُ بربِّنا» قال: «ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد» وهو غريبٌ جدًّا.
قال الكسائي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: «لكنَّ الله هُوَ ربِّي» .
وقرأ أبو عمرو «لكنَّهْ» بهاء السَّكت وقفاً؛ لأنَّ القصد بيان حركة نون «أنَا» فتارة تبيَّن بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي: [الرمل المجزوء]
3529 - هَكذَا فَرْدِي أَنَهْ ...
وقال ابن عطية عن أبي عمرو: روى عنه هارون «لكنَّه هو الله» بضمير لحق «لكن» قال شهاب الدين: فظاهر هذا أنه ليس بهاء السَّكت، بل تكون الهاءُ ضميراً اسماً ل «لكِنْ» وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، وما بعده خبره، وهو وخبره خبر «لكنَّ» ويجوز أن يكون تأكيداً للاسم، وأن يكون فصلاً، ولا يجوز أن يكون ضمير شأنٍ؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم «لكنَّ» من هذه الجملة الواقعة خبراً.
وأمَّا في قراءة العامة: فلا يجوز أن تكون «لكنَّ» مشددة عاملة؛ لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع.
وقرأ عبد الله «لكنْ أنَا هُوَ» على الأصل من غير نقل، ولا إدغامٍ، وروى عنه ابنُ خالويه «لكنْ هُو الله» بغير «أنا» . وقرئ أيضاً «لكننا» .
وقال الزمخشريُّ: «وحسَّن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع الألف عوضاً عن حذف الهمزة» ونحوه - يعني إدغام نون «لكن» في نون «نَا» بعد حذف الهمزة - قول القائل:
3530 - وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذنِبٌ ... وتَقْلِيننِي لكنَّ إيَّاكِ لا أقْلِي
الأصل: لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان: «ولا يتعيَّن ما قاله في البيت؛ لجواز أن يكون حذف اسم «لكنَّ» [وحذفه] لدليلٍ كثيرٌ، وعليه قوله:
3531 - فَلوْ كُنْتَ ضَبيًّا عَرفْتَ قَرابتِي ... ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافرِ
أي: ولكنَّك، وكذا ها هنا: ولكنَّني إيَّاك» قال شهاب الدين: لم يدَّع الزمخشري تعين ذلك في البيت؛ حتَّى يردَّ عليه بما ذكره.
ويقرب من هذا ما خرَّجه البصريُّون في بيت استدلَّ به الكوفيون عليهم في جواز دخولِ لام الابتداء في خبر «لكنَّ» وهو: [الطويل]
3533 - ... ... ... ... ..... ولكنَّني من حُبِّهَا لعَمِيدُ
فأدخل اللام في خبر «لكنَّ» وخرَّجه البصريون على أن الأصل: «ولكن من حُبِّها» في قوله: «ولكنَّني من حُبِّها لعمِيدُ» ، فأدغم اللام في خبر «لكنَّ» ، وجوَّزه البصريُّون، وخرَّجه طائفة من البصريِّين على أنَّ الأصل ولكن إنِّي من حُبِّها، ثم نقل حركة همزة «إنِّي» إلى نون «لكن» بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدَّم، فلم تدخل اللام إلا في خبر «إنَّ» ، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا: إنَّ البيت مصنوعٌ، ولا يعرف له قائلٌ.
والاستدراك من قوله «أكَفرْتَ» كأنَّه قال لأخيه: أنت كافرٌ؛ لأنَّه استفهام تقرير، لكنَّني أنَّا مؤمنٌ؛ نحو قولك: «زَيْجٌ غَائبٌ، لكنَّ عمراً حاضرٌ» لأنه قد يتوهَّم غيبةُ عمرو أيضاً.
فصل في المقصود بالشرك في الآية
معنى ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
ذكر القفال فيه وجهين:
الأول: أنِّي لا أرى الفقر والغنى إلاَّ منه؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، إذا ابتلى، ولا أتكبَّر عندما ينعم عليَّ، ولا أرى كثرة [المال] ، والأعوان من نفسي، وذلك لأنَّ الكافر، لمَّا [اعتزَّ] بكثرة المال والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العزِّ والغنى.
الثاني: أنَّ هذا الكافر، لمَّا أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشَّريك.
قوله: ﴿ولولاا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ : «لولا» تحضيضيَّةٌ داخلة على «قلت» و «إذْ دَخلْتَ» منصوب ب «قُلْتَ» فصل به بين «لوْلاَ» وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك؛ لأنه ليس بأجنبيٍّ، وقد عرفت أنَّ حرف التحضيضِ، إذا دخل على الماضي، كان للتَّوبيخ.
ومعنى الكلام: هلاَّ إذا دخلت جنَّتك، قلت: ما شَاءَ الله، أي: الأمر ما شاء الله، وقيل: جوابه مضمرٌ، أي: ما شاء الله كان.
﴿مَا شَآءَ الله﴾ يجوز في «مَا» وجهان:
الأول: أن تكون شرطية؛ فتكون في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً وجوباً ب «شاء» أي: أيَّ شيء شاء الله، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله، كان ووقع كما تقدم.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاء الله كائنٌ وواقعٌ.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاءه الله، وعلى كل تقدير: [فهذه الجملة] في محل نصبٍ بالقول.
قوله: «إلاَّ الله» خبر «لا» التبرئةِ، والجملة أيضاً منصوبة بالقولِ، أي: هلاَّ قلت هاتين الجملتين.
فإن قيل: معنى ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ أي: لا أقدرُ على حفظ مالي، ولا دفع شيءٍ عنه إلاَّ بالله.
روى هشامُ بن عروة عن أبيه: «أنَّهُ كان إذَا رأى مِنْ مَالهِ شَيْئاً يُعْجبهُ، أو دَخَلَ حَائِطاً من حِيطانِه قال: مَا شَاءَ الله لا قُوَّة إلاَّ بالله» .
فالجواب: احتجَّ أهل السنَّة بقوله: ﴿مَا شَآءَ الله﴾ على أنَّ كلَّ ما أراده الله واقعٌ، وكلَّ ما لم يقع، لم يرده الله تعالى؛ وهذا يدلُّ على أن الله ما أراد الإيمان من الكافر، وهو صريحٌ في إبطال قول المعتزلة.
فصل في الرد على استدلال المعتزلة بالآية
[ذكر الجبائيُّ] والكعبيُّ بأنَّ تأويل قولهم: «مَا شَاءَ الله» ممَّا تولَّى فعله، لا ما هو فعل العباد، كما قالوا: لا مردَّ لأمر الله، لم يرد ما أمر به العباد، ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريد، كما يحصل فيه ما ينهى عنه.
واعلم أنَّ الذي ذكره الكعبيُّ ليس جواباً عن الاستدلال، بل هو التزامٌ لمخالفة ظاهر النصِّ، وقياس الإرادة على الأمر باطلٌ؛ لأنَّ هذا النصَّ دالٌّ على أنَّه لا يوجد إلاَّ ما أراده الله، وليس في النصوص ما يدلُّ على أنَّه لا يدخل في الوجود إلاَّ ما أمر به، فظهر الفرق. وأجاب القفَّال عنه بأن قال: هلاَّ إذا دخلت [جنَّتك] ، قلت: ما شاء الله، أي: هذه الأشياء الموجودةُ في هذا البستان: ما شاء الله؛ كقول الإنسان، إذا نظر غلى شيءٍ عمله زيدٌ: عمل زيدٍ، أي: هذا عمل زيدٍ.
ومثله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ، أي: قالوا: ثلاثةٌ، وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: 161] أي: وقولوا: هذه حطَّة، وإذا كان كذلك، كان [المراد أن] هذا الشيء الموجود في البستان شيءٌ شاء الله تكوينه، وعلى هذا التقدير: لم يلزم أن يقال: وقع كلُّ ما شاء الله؛ لأنَّ هذا الحكم غير عامٍّ في الكلِّ، بل يختصُّ بالأشياء المشاهدة في البستان، وهذا التأويلُ الذي ذكره القفَّال أحسن مما ذكره الجبائيُّ والكعبيُّ.
فصل
قال ابن الخطيب: وأقول: إنَّه على جوابه لا يندفع الإشكال عن المعتزلة؛ لأنَّ عمارة ذلك البستان، ربَّما حصلت بالغصوب، وبالظُّلم الشديد؛ فلا يصحُّ أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقعٌ بمشيئةِ الله، اللهم، إلاَّ أن يقال: المراد أنَّ هذه الثمار حصلت بمشيئة الله إلاَّ أنَّ هذا تخصيص لظاهر النصِّ من غير دليل.
وأمَّا أمر المؤمن الكافر بأن يقول: لا قُوَّة إلاَّ بالله، أي: لا قُوَّة لأحدٍ على أمر من الأمور إلاَّ بإعانة الله وإقداره.
ثُمَّ إن المؤمن، لما علَّم الكافر الإيمان، أجابه عن الافتخار بالمال والنَّفر، فقال: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ .
واعلم أن ذكر الولد ها هنا يدلُّ على أنَّ المراد بالنَّفر المذكور في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ الأعوان والأولاد.
وقوله: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ﴾ يجوز في «أنا» وجهان:
أحدهما: أن يكون مؤكِّداً لياء المتكلم.
والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، و «أقلَّ» مفعول ثانٍ، أو حال بحسب الوجهين في الرؤية، هل هي بصرية أو علمية؟ إلا أنَّك إذا جعلتها بصرية، تعيَّن في «أنَا» أن تكون توكيداً، لا فصلاً؛ لأنَّ شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر.
وقرأ عيسى بن عمر «أقلُّ» بالرفع، ويتعيَّن أن يكون «أنا» مبتدأ، و «أقلُّ» خبره، والجملة: إمَّا في موضع المفعول الثاني، أو في موضع الحال على ما تقدَّم في الرؤية.
و «مَالاً وولداً» تمييزٌ، وجواب الشرط قوله «فعَسَى ربِّي» .
قوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ : الحسبان مصدر حسب الشيء يحسبه، أي: أحصاهُ، قال الزجاج: «أي عذاب حسبان، أي: حساب ما كسبت يداك» وهو حسن.
فصل في معنى الحسبان
قال الراغب: «قيل: معناه ناراً، وعذاباً، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسبُ عليه، فيجازى بحسبه» وهذا موافق لما قاله أبو إسحاق، والزمخشريُّ نحا إليه أيضاً، فقال: «والحُسْبان مصدر؛ كالغفران والبطلان بمعنى الحساب، أي: مقداراً حسبه الله وقدَّره، وهو الحكم بتخريبها» . وهو قول ابن عباس وقيل: جمع حسبانةٍ، وهي السَّهمُ.
وقال ابن قتيبة: مرامي من السَّماء، وهي مثل الصَّاعقة، أي: قطع من النَّار.
قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ : عطف على «يُرْسلَ» قال أبو حيَّان: و «أوْ يُصْبِحَ» عطفٌ على قوله: «ويُرْسِلَ» لأن غُؤورَ الماءِ لا يتَسبَّبُ عن الآفةِ السماوية، إلا إن عنى بالحسبان القضاء [الإلهيَّ] ؛ فحينئذ يتسبَّب عنه إصباحُ الجنة صعيداً زلقاً، أو إصباح مائها غوراً.
والزَّلقُ والغَوْرُ في الأصل: مصدران وصف بهما للمبالغة.
والعامة على فتح الغين، غَارَ المَاءُ يَغورُ غَوراً: غَاضَ وذهب ف يالأرض، وقرأ البرجميُّ بضم الغين لغة في المصدر، وقرأت طائفة «غُؤوراً» بضمِّ الغين، والهمزة، وواوٍ ساكنة، وهو مصدر أيضاً، يقال: غار الماء غؤوراً مثل: جلس جلوساً.
فصل في معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾
معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها، وقيل: تزلق فيها الأقدام.
وقال مجاهد: رملاً هائلاً، والصعيد وجه الأرض.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾ أي: غائراً منقطعاً ذاهباً لا تناله الأيدي، ولا الدِّلاءُ، والغور: مصدر وقع موقع الاسم، مثل زور وعدل.
قوله: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ أي: فيصير بحيثُ لا تقدر على ردِّه إلى موضعه.
ثمَّ أخبر الله تعالى أنَّه حقَّق ما قدره هذا المؤمن، فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ اي: أحاط العذاب بثمر جنته، وهو عبارة عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من إحاطة العدوِّ؛ لأنَّه إذا أحاط به، فقد استولى عليه، ثمَّ استعمل في كلِّ إهلاكٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] .
قوله: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ : قُرئ «تَقلَّبُ كفَّاهُ» ، أي: تتقلَّب كفَّاه، و «أصْبحَ» : يجوز أن تكون على بابها، وأن تكون بمعنى «صار» وهذا كناية عن الندم؛ لأنَّ النادم يفعل ذلك.
قوله: ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «يُقلِّبُ» وإنما عدِّي ب «عَلَى» لأنه ضمِّن معنى «يَندَمُ» .
وقوله: «فيها» ، أي: في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل «يُقلِّبُ» أي: متحسِّراً، كذا قدَّره أبو البقاس، وهو تفسير معنى، والتقدير الصناعي؛ إنما هو كونٌ مطلقٌ.
قوله: «ويَقُولُ» يجوز أن يكون معطوفاً على «يُقلِّبُ» ويجوز أن يكون حالاً.
فصل في كيفية الإحاطة
قال المفسرون: إنَّ الله تعالى أرسل عليها ناراً، فأهلكتها وغار ماؤها، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صاحبها الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ، أي: يصفِّق بيديه، إحداهما على الأخرى، ويلقِّب كفَّيه ظهراً لبطن؛ تأسُّفاً وتلهُّفاً ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿على عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، فتسقَّطت سقوفها، ثمَّ سقطت الجدران عليها.
ويمكن أنَّ يكون المراد بالعروشِ عروش الكرم، فتسقط العروش، ثم تسقط الجدران عليها.
قوله: ﴿وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
والمعنى: أن المؤمن، لمَّا قال: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ قال الكافر: يا ليتني قلت كذلك.
فإن قيل: هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنَّته؛ لشؤم شركه، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ أنواع البلاء أكثرها إنَّما تقع للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33] .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «خُصَّ البَلاءُ بالأنْبِياءِ، ثمَّ الأوْلياءِ، ثُمَّ الأمثلِ فالأمثَلِ» .
وأيضاً: فلما قال: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فقدم ندم على الشِّرك، ورغب في التوحيد؛ فوجب أن يصير مؤمناً، فلم قال بعده: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾ ؟ .
فالجواب عن الأوَّل: أنه لمَّا عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وكان معرضاً في عمره كلِّه عن طلب الدِّين، فلما ضاعت الدنيا بالكليَّة، بقي محروماً عن الدنيا والدِّين.
والجواب عن الثاني: أنَّه إنَّما نَدِمَ على الشِّرك؛ لاعتقاده أنَّه لو كان موحِّداً غير مشركٍ، لبقيت عليه جنَّته، فهو إنَّما رغب في التوحيد والردَّة عن الشِّرك؛ لأجل [طلب] الدنيا؛ فلهذا لم يقبل الله توحيده.
قوله: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ﴾ : قرأ الأخوان [ «يَكُنْ» ] بالياء من تحت، والباقون من فوق، وهما واضحتان؛ إذ التأنيث مجازيٌّ، وحسن التذكير للفصل.
قوله: «يَنْصُرونَهُ» يجوز أن تكون هذه الجملة خبراً، وهو الظاهر، وأن تكون حالية، والخبر الجار المتقدم، وسوَّغ مجيء الحال من النَّكرة تقدم النفي، ويجوز أن تكون صفة ل «فئةٍ» إذا جعلنا الخبر الجارَّ.
وقال: «يَنْصُرونَهُ» حملاً على معنى «فِئةٍ» لأنَّهم في قوَّة القوم والنَّاس، ولو حمل على لفظها، لأفرد؛ كقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: 13] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «تَنْصرُهُ» على اللفظ، قال أبو البقاء: «ولو كان» تَنْصرهُ «لكان على اللفظ» . قال شهاب الدين: قد قرئ بذلك، كما عرفت.
[قال بعضهم] : ومعنى «يَنْصُرونَهُ» يقدرون على نصرته، ويمنعونه من عذاب الله ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ممتنعاً متنعماً، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه، وقيل: لا يقدر على ردِّ ما ذهب عنه.
قوله: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ﴾ : يجوز أن يكون الكلام تمَّ على قوله «مُنْتَصِراً» وهذه جملة منقطعة عمَّا قبلها، وعلى هذا: فيجوز في الكلام أوجه:
الأول: أن يكون «هنالك الولايةُ» مقدَّراً بجملة فعلية، فالولاية فاعل بالظرف قبلها، أي: استقرَّت الولاية الله، و «لله» متعلق بالاستقرار، أو بنفس الظرف؛ لقيامه مقام العامل، أو بنفسِ الولاية، أو يمحذوفٍ على أنه حال من «الوَلاية» وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش من حيث إنَّ الظرف يرفع الفاعل من غير اعتمادٍ.
والثاني: أن يكون «هُنالِكَ» منصوباً على الظرف متعلقاً بخبر «الولاية» وهو «لله» أو بما تعلق به «لله» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها، والعامل الاستقرارُ في «لله» عند من يجيز تقدم الحال على عاملها المعنوي، أو يتعلق بنفس «الولايةِ» .
والثالث: أن يجعل «هُنالِكَ» هو الخبر، و «لله» فضلةٌ، والعامل فيه ما تقدَّم في الوجه الأول.
ويجوز أن يكون «هُنالِكَ» من تتمَّة ما قبلها، فلم يتمَّ الكلام دونه، وهو معمولٌ ل «مُنْتَصِراً» ، أي: وما كان منتصراً في الدار الآخرة، و «هُنالِكَ» إشارة غليها، وإليه نحا أبو إسحاق. وعلى هذا فيكون الوقف على «هُنالِكَ» تامًّا، والابتداء بقوله «الوَلايَةُ لله» فتكون جملة من مبتدأ وخبر.
والظاهر في «هُنالِكَ» : أنه على موضوعه من ظرفية المكان، كما تقدَّم، وتقدَّم أنَّ الأخوين يقرآن بالكسر، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين بالفتح في سورة الأنفال، فلا معنى لإعادته.
وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحنٌ، قالا: لأنَّ «فعالة» إنما تجيء فيما كان صنعة أو ممعنى متقلَّداً، وليس هنالك تولِّي أمورٍ.
فصل في لغات الولاية ومعانيها
قال الزمخشري: الولاية بالفتح: النصر، والتولِّي، وبالكسر: السلطان والملك.
وقيل: بالفتح: الربوبيَّة، وبالكسر: الإمارة.
قوله: «الحَقِّ» قرأ أبو عمرو، والكسائي برفع «الحقُّ» والباقون بجرِّه، فالرفع من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه صفة للولاية وتصديقه قراءة أبيٍّ «هُنالك الوَلايةُ الحق للهِ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ما أوحيناه إليك.
الثالث: أنه مبتدأ، وخبره مضمر، أي: الحق ذلك، وهو ما قلناه.
والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة؛ كقوله «ثُمَّ ردُّوا إلى الله مَولاهُم الحقِّ» .
وقرأ زيد بن عليٍّ، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ويعقوب «الحقَّ» نصباً على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة؛ كقولك «هذَا قَوْلُ الله الحق» وهذا عبد الله الحقَّ، لا الباطل.
قوله: «عُقباً» قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: لغتان؛ كالقُدُسِ والقُدْس، وقيل: الأصل الضمَّ، والسكون تخفيف، وقيل بالعكس؛ كالعُسْر واليُسْر، وهو عكس معهود اللغة، ونصبها ونصب «ثَواباً» و ﴿أَمَلاً﴾ [الكهف: 46] على التمييز لأفعل التفضيل قبلها، ونقل الزمخشريُّ أنه قرئ «عُقْبَى» بالألف، وهي مصدر أيضاً؛ كبُشْرَى، وتروى عن عاصم.
فصل في نظم الآية
اعلم أنَّه تعالى لمَّا ذكر من قصّة الرجلين ما ذكر علمنا أن النُّصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر، وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حقِّ كل مؤمنٍ وكافرٍ، فقال: ﴿هُنالِكَ الوَلايةُ للهِ الحَقِّ﴾ أي: في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام، تكون الولاية لله يوالي أولياءه؛ فيعليهم على أعدائه، ويفوِّض أمر الكفار إليهم.
فقوله: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الموضع، والوقت الذي يريد إظهار كرامة أوليائه، وإذلال أعدائه.
وقيل: المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولَّى الله، ويلتجئ إليه كلُّ محتاجٍ مضطرٍّ، يعني أن قوله: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فكأنه ألجَ إليها ذلك الكافر، فقالها جزعاً ممَّا ساقهُ إليه شؤمُ كفره، ولولا ذلك، لم يقلها.
وقيل: المعنى: هنالك الولاية لله ينصرُ فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمن بما فعل [بأخيه الكافر و] بصدق قوله: ﴿فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السمآء﴾ .
ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: لأوليائه، وقيل: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الدَّار الآخرةِ، أي: في تلك الدَّار الآخرة الولاية لله كقوله: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: 16] .
وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ أي: خيرٌ في الآخرة لمن آمن به، والتجأ إليه، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: هو خيرٌ عاقبة لمن رجاهُ، وعمل لوجهه.
الكهف 18:38
قوله: نعم الثواب» أي: نعم الجزاء.
قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ مجلساً، ومقرّاً، وهذا في مقابلة قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: 29] .
قوله تعالى: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الآية.
وجه النَّظم أن الكفار، لمَّا افتخرُوا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، بيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ممَّا لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن يصير الغنيُّ فقيراً، والفقير غنيًّا، وأما الذي تجبُ المفاخرةُ به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلةٌ لفقراءِ المسلمين، وبيَّن ذلك بضرب هذا المثل؛ فقال: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ أي: مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافرٌ، واسمه [براطوس] ، والآخر: مؤمنٌ، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس.
وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة «الصافات» في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ [الصافات: 51، 52] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمَّرٍ عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلافِ دينارٍ.
وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينارٍ، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما أربعة آلاف دينارٍ، فاشترى الكافر أرضاً بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم، إنَّ أخي اشترى أرضاً بألف، وإنِّي أشتري منك أرضاً بألف في الجنَّة، فتصدَّق به.
ثم [بنى] أخوه داراً بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني أشتري منك داراً بألف في الجنَّة، فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين، وتصدَّق به.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إنِّي اشتريتُ منك الولدان بألف، فتصدَّق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجةٌ، فجلس لأخيه على طريقه، فمرَّ به في خدمه وحشمه، فتعرَّض له، فقال: فلانٌ؟! قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجةٌ بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سويَّة] ، فأخذت شطره؟ فقصَّ عليه قصَّتهُ، قال: إنَّك لمن المصدِّقين، اذهب، فلا أعطيك شيئاً.
وقيل: نزلتْ في أخوين من أهل مكَّة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمنٌ، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أمِّ سلمة قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والآخر كافرٌ، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل.
قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ : قد تقدم أنَّ «ضرب» مع المثل، يجوز أن يتعدى لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مثل رجلين، و «جَعلْنَا» تفسير ل «مَثَل» فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصباً نعتاً ل «رَجُليْنِ» كقولك: مررتُ برجلين، جعل لأحدهما جنَّةٌ.
قوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ يقال: حفَّ بالشيء: طاف به من جميع جوانبه، قال النابغة: [البسيط]
3523 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نِيقٍ وتُتْبِعُهُ ... مِثلُ الزُّجاجةِ لمْ تُكْحَلْ من الرَّمدِ
وحفَّ به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافَّته، وحففته به، أي: جعلته مطيفاً به.
والحِفاف: الجانبُ، وجمعه أحِفَّةٌ، والمعنى: جعلنا حول الأعناب النَّخْل.
قال الزمخشريُّ: وهذه الصفة ممَّا يؤثرها الدَّهاقين في كرومهم، وهو أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسنٌ في [المنظر] .
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ قيل: كان الزَّرع في وسط الأعناب، وقيل: كان الزَّرْع بين الجنَّتين، أي: لم يكن بين الجنتين موضعٌ خالٍ.
والمقصود منه أمورق:
الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.
والثاني: أن تكون متَّسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم يتوسَّطها ما يقطع بعضها عن بعض.
والثالث: أنَّ مثل هذه الأرض تأتي كلَّ [يوم] بمنفعةٍ أخرى، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصفة.
قوله: ﴿كِلْتَا الجنتين﴾ : قد تقدَّم في السورة قبلها [الإسراء: 23] حكم «كلتا» وهي مبتدأ، و «آتتْ» خبرها، وجاء هنا على [الكثير: وهو] مراعاةُ لفظها، دون معناها.
وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - «كِلا الجنَّتَيْنِ» بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ «آتتْ» بالتأنيث؛ اعتباراً بلفظ «الجَنَّتين» فهو نظير «طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ» . وروى الفراء عنه قراءة أخرى: «كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ» أعاد الضمير على اللفظ «أكل» .
واعلم أنَّ لفظ «كل» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و «كِلْتَا» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: «جَاءنِي كِلاَ أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلاَ أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ» ، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
فصل
ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها تامًّا، ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ﴾ لم تنقص، ﴿مِّنْهُ شَيْئاً﴾ والظُّلم: النقصان، يقول الرَّجُل: ظلمنِي حقِّي، أي: نقصنِي.
قوله: «وفجَّرنَا» العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [القمر: 12] ، والتشديد هناك أظهر لقوله «عُيُوناً» .
والعامة على فتح هاء «نهر» وأبو السَّمال والفيَّاض بسكونها.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: لصاحب البستان.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه في الأنعام [الأنعام: 99] ، وتقدَّم أنَّ «الثُّمُرَ» بالضمِّ المال، فقال ابن عباس: جميع المال من ذهبٍ، وفضةٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك، قال النابغة: [البسيط]
3524 - مَهْلاً فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهمُ ... ومَا أثمِّرُ من مالٍ ومِنْ وَلدِ
وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضَّة خاصة.
«فقال» يعني صاحب البستان «لصاحبه» أي المؤمن.
«وهو يُحَاوِرهُ» أي: يخاطبه وهذه جملة حاليَّة مبيِّنةٌ؛ إذ لا يلزم من القول المحاورةُ؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 14] . وقال امرؤ القيس: [الطويل]
3525 - ومَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئهِ ... يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول.
قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ .
والنَّفَرُ: العشيرة الذين يذبُّون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: حشماً، وخدماً.
وقال مقاتلٌ: ولداً تصديقه قوله: ﴿أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: 39] .
قوله: ﴿جَنَّتَهُ﴾ : إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلمِ بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفى بالواحد عن الجمع في قول الهذليِّ: [الكامل]
3526 - فَالعيْنُ بَعدهُم كَأنَّ حِداقهَا ... سُمِلتْ بِشوْكِ فهي عُورٌ تَدْمَعُ
ولقائلٍ أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأنَّ جمع التكسير يجري مجرى المؤنَّثة، فالضمير في «سُمِلَتْ» وفي «فهي» يعود على الحداقِ، لا على حدقةٍ واحدة، كما يوهم.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم أفرد الجنَّة، بعد التثنية؟ قلت: معناه: ودخل ما هو جنَّتهُ، ما له جنة غيرها، بمعنى: أنه ليس له نصيب في الجنة الَّتي وعد المتَّقون، فما ملكه في الدنيا، فهو جنَّته، لا غير، ولم يقصد الجنتين، ولا واحدة منهما» .
فصل
قال أبو حيان: «ولا يتصوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إخبار من الله تعالى بأنَّ هذا الكافر دخل جنَّته، فلا بدَّ أن قصد في الإخبار: أنه دخل إحدى جنتيه؛ إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقتٍ واحدٍ» . قال شهاب الدين: من ادَّعى دخولهما في وقتٍ واحدٍ، حتَّى يلزمه بهذا المستحيلِ في البداية؟ وأمَّا قوله «ولم يقصد الجنَّتين، ولا واحدة» معناه: لم يقصد تعيين مفردٍ، ولا مثنى، لا أنه لم يقصد الإخبار بالدخول.
وقال أبو البقاء: «إنما أفرد؛ لأنَّهما جميعاً ملكهُ، فصارا كالشيء الواحد» .
قوله: «وهُو ظَالِمٌ» حال من فاعل «دَخلَ» ، وقوله «لنَفْسهِ» مفعول «ظَالِمٌ» واللام مزيدة فيه؛ لكون العامل فرعاً.
قوله:» ﴿مَآ أَظُنُّ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ان يكون مستأنفاً بياناً لسبب الظلم.
والثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير في «ظَالِمٌ» ، أي: وهو ظالمٌ في حال كونه قائلاً.
قوله: «أنْ تَبِيدَ» أي: تهلك، قال: [المقتضب]
3527 - فَلئِنْ بَادَ أهْلهُ ... لبِما كَانَ يُوهَلُ
ويقال: بَادَ يَبيدُ بُيُوداً وبَيْدُودة، مثل» كَيْنُونة «والعمل فيها معروفٌ، وهو أنه حذفت إحدى الياءين، ووزنها فيعلولة.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ يعني الكافر آخذاً بيد صاحبه المسلم يطوف به فيها، ويريه بهجتها وحسنها، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ بكفره، وهذا اعتراضٌ وقع في أثناء الكلام، والمعنى أنه لمَّا اغترَّ بتلك النِّعم، وتوسَّل بها إلى الكفران والجحود؛ لقدرته على البعث، كان واضعاً لتلك النِّعم في غير موضعها، ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ .
قال أهل المعاني: لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهَّم أنها لا تفنى أبداً مطلقاً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ فجمع بين كفرين.
الأول: قطعه بأنَّ تلك الأشياء لا تبيدُ أبداً.
والثاني: إنكار البعث.
فإن قيل: هب أنَّه شكَّ في القيامة، فكيف قال: ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً، مع أنَّ الحسَّ يدلُّ على أنَّ أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ غير باقية؟ .
فالجواب: مراده أنَّها لا تبيد مدَّة حياته، ثم قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التَّمييز، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: 50] .
وقوله: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: 77] .
فإن قيل: كيف قال: ولَئِنْ رددت إلى ربي وهو ينكرُ البعث؟ .
فالجواب: معناه: ولئنْ رددتُّ إلى ربِّي على زعمكَ، يعطيني هنالك خيراً منها.
والسَّبب في وقوعه في هذه الشُّبهة أنَّه تعالى لمَّا أعطاه المال والجاه في الدنيا، ظنَّ أنه إنَّما أعطاه ذلك؛ لكونه مستحقًّا له، والاستحقاقُ باقٍ بعد الموت؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدِّمة الأولى كاذبةٌ؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، يكون في أكثر الأمر للاستدراج.
وقرأ أبو عمرو والكوفيون «مِنْهَا» بالإفراد؛ نظراً إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: «جنَّتهُ» وهي في مصاحف العراق، دون ميم، والباقون «مِنْهُما» بالتثنية؛ نظراً إلى الأصل في قوله: «جَنَّتيْنِ» و «كِلتَا الجنَّتيْنِ» ورُسِمَتْ في مصاحفِ الحرمينِ والشَّام بالميم، فكل قد وافق رسم مصحفه.
قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ أي المسلم.
قوله: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي: خلق أصلك من تراب، وهذا يدلُّ على أنَّ الشاكَّ في البعث كافرٌ.
ووجه الاستدلال أنَّه، لمَّا قدر على [الابتداء] ، وجب أن يقدر على الإعادة.
وأيضاً: فإنَّه تعالى، لمَّا خلقك هكذا، فلم يخلقك عبثاً، وإنَّما خلقك لهذا المعنى، وجب أن يحصل للمطيع ثوابٌ، وللمذنب عقابٌ؛ ويدلُّ على هذا قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي: هيَّأك تهيئة تعقل وتصلح أنت للتكليف، فهل يحصل للعاقل مع هذه الآية إهمال أمرك؟! .
قوله: ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ النُّطفة في الأصل: القطرة من الماء الصافي، يقال: نَظفَ يَنطفُ، أي: قطرَ يَقطُر، وفي الحديث: «فَخرجَ، ورَأسهُ يَنطفُ» وفي رواية: يَقطرُ، وهي مفسِّرةٌ، وأطلق على المنيِّ «نُطفَةٌ» تشبيهاً بذلك.
قوله: «رجُلاً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه حالٌ، وجاز ذلك، وإن كان غير منتقلٍ، ولا مشتقٍّ؛ لأنه جاء بعد «سوَّاك» إذ كان من الجائز: أن يسوِّيهُ غير رجل، وهو كقولهم: «خَلقَ الله الزَّرافةَ يَديْهَا أطْولَ من رِجْلَيْهَا» وقول الآخر: [الطويل]
3528 - فَجاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كأنَّما ... عِمامَتهُ بيْنَ الرِّجالِ لِوَاءُ
والثاني: أنه مفعول ثانٍ ل «سَوَّاكَ» لتضمُّنه معنى خلقك، وصيَّرك وجعلك، وهو ظاهر قول الحوفيِّ.
قوله: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ : قرأ ابن عامر، ويعقوب، ونافع في رواية بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً وهي رواية عن نافعٍ، فالوقفُ وفاقٌ.
والأصل في هذه الكلمة: «لكن أنّا» فنقل حركة همزة «أنَا» إلى نون «لكِنْ» وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسنُ الوجهين في تخريج هذا، وقيل: حذف همزة «أنا» [اعتباطاً] ، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس بشيءٍ؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف «أنّا» وصلاً، وإثباتها وقفاً، وقد تقدم لك: أنَّ نافعاً يثبت ألفه وصلاً قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة؛ بتفصيلٍ مذكورٍ في البقرة، وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضاً، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب من إثبات غيره؛ لأنه أثبتها في الوصلِ جملة.
وأمَّا ابن عامرٍ، فإنه خرج عن أصله في الجملة؛ إذ ليس من مذهبه إثبات هذه الألف وصلاً في موضع [ما] ، وإنما اتَّبع الرسم. وقد تقدَّم أنها لغة تميمٍ أيضاً.
وإعراب ذلك: أن يكون «أنَا» مبتدأ، و «هو» مبتدأ ثانٍ، و «هو» ضمير الشأن، و «اللهُ» مبتدأ ثالث و «ربِّي» خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط [بين الأول] وبين خبره الياء في «ربِّي» ويجوز أن تكون الجلالة بدلاً من «هُوَ» أو نعتاً، أو بياناً، إذا جعل «هو» عائداً على ما تقدَّم من قوله «بالذي خلقك من تراب» لا على أنَّه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك، وليس بالبيِّن.
وخرَّجه الفارسي على وجهٍ غريب: وهو أن تكون «لكِنَّا» «لكنَّ» واسمها وهو «ن» والأصل: «لكنَّنا» فحذف إحدى النونات؛ نحو: ﴿إنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر: 9] وكان حق التركيب أن يكون «ربُّنا» «ولا نُشرِكُ بربِّنا» قال: «ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد» وهو غريبٌ جدًّا.
قال الكسائي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: «لكنَّ الله هُوَ ربِّي» .
وقرأ أبو عمرو «لكنَّهْ» بهاء السَّكت وقفاً؛ لأنَّ القصد بيان حركة نون «أنَا» فتارة تبيَّن بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي: [الرمل المجزوء]
3529 - هَكذَا فَرْدِي أَنَهْ ...
وقال ابن عطية عن أبي عمرو: روى عنه هارون «لكنَّه هو الله» بضمير لحق «لكن» قال شهاب الدين: فظاهر هذا أنه ليس بهاء السَّكت، بل تكون الهاءُ ضميراً اسماً ل «لكِنْ» وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، وما بعده خبره، وهو وخبره خبر «لكنَّ» ويجوز أن يكون تأكيداً للاسم، وأن يكون فصلاً، ولا يجوز أن يكون ضمير شأنٍ؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم «لكنَّ» من هذه الجملة الواقعة خبراً.
وأمَّا في قراءة العامة: فلا يجوز أن تكون «لكنَّ» مشددة عاملة؛ لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع.
وقرأ عبد الله «لكنْ أنَا هُوَ» على الأصل من غير نقل، ولا إدغامٍ، وروى عنه ابنُ خالويه «لكنْ هُو الله» بغير «أنا» . وقرئ أيضاً «لكننا» .
وقال الزمخشريُّ: «وحسَّن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع الألف عوضاً عن حذف الهمزة» ونحوه - يعني إدغام نون «لكن» في نون «نَا» بعد حذف الهمزة - قول القائل:
3530 - وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذنِبٌ ... وتَقْلِيننِي لكنَّ إيَّاكِ لا أقْلِي
الأصل: لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان: «ولا يتعيَّن ما قاله في البيت؛ لجواز أن يكون حذف اسم «لكنَّ» [وحذفه] لدليلٍ كثيرٌ، وعليه قوله:
3531 - فَلوْ كُنْتَ ضَبيًّا عَرفْتَ قَرابتِي ... ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافرِ
أي: ولكنَّك، وكذا ها هنا: ولكنَّني إيَّاك» قال شهاب الدين: لم يدَّع الزمخشري تعين ذلك في البيت؛ حتَّى يردَّ عليه بما ذكره.
ويقرب من هذا ما خرَّجه البصريُّون في بيت استدلَّ به الكوفيون عليهم في جواز دخولِ لام الابتداء في خبر «لكنَّ» وهو: [الطويل]
3533 - ... ... ... ... ..... ولكنَّني من حُبِّهَا لعَمِيدُ
فأدخل اللام في خبر «لكنَّ» وخرَّجه البصريون على أن الأصل: «ولكن من حُبِّها» في قوله: «ولكنَّني من حُبِّها لعمِيدُ» ، فأدغم اللام في خبر «لكنَّ» ، وجوَّزه البصريُّون، وخرَّجه طائفة من البصريِّين على أنَّ الأصل ولكن إنِّي من حُبِّها، ثم نقل حركة همزة «إنِّي» إلى نون «لكن» بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدَّم، فلم تدخل اللام إلا في خبر «إنَّ» ، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا: إنَّ البيت مصنوعٌ، ولا يعرف له قائلٌ.
والاستدراك من قوله «أكَفرْتَ» كأنَّه قال لأخيه: أنت كافرٌ؛ لأنَّه استفهام تقرير، لكنَّني أنَّا مؤمنٌ؛ نحو قولك: «زَيْجٌ غَائبٌ، لكنَّ عمراً حاضرٌ» لأنه قد يتوهَّم غيبةُ عمرو أيضاً.
فصل في المقصود بالشرك في الآية
معنى ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
ذكر القفال فيه وجهين:
الأول: أنِّي لا أرى الفقر والغنى إلاَّ منه؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، إذا ابتلى، ولا أتكبَّر عندما ينعم عليَّ، ولا أرى كثرة [المال] ، والأعوان من نفسي، وذلك لأنَّ الكافر، لمَّا [اعتزَّ] بكثرة المال والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العزِّ والغنى.
الثاني: أنَّ هذا الكافر، لمَّا أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشَّريك.
قوله: ﴿ولولاا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ : «لولا» تحضيضيَّةٌ داخلة على «قلت» و «إذْ دَخلْتَ» منصوب ب «قُلْتَ» فصل به بين «لوْلاَ» وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك؛ لأنه ليس بأجنبيٍّ، وقد عرفت أنَّ حرف التحضيضِ، إذا دخل على الماضي، كان للتَّوبيخ.
ومعنى الكلام: هلاَّ إذا دخلت جنَّتك، قلت: ما شَاءَ الله، أي: الأمر ما شاء الله، وقيل: جوابه مضمرٌ، أي: ما شاء الله كان.
﴿مَا شَآءَ الله﴾ يجوز في «مَا» وجهان:
الأول: أن تكون شرطية؛ فتكون في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً وجوباً ب «شاء» أي: أيَّ شيء شاء الله، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله، كان ووقع كما تقدم.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاء الله كائنٌ وواقعٌ.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاءه الله، وعلى كل تقدير: [فهذه الجملة] في محل نصبٍ بالقول.
قوله: «إلاَّ الله» خبر «لا» التبرئةِ، والجملة أيضاً منصوبة بالقولِ، أي: هلاَّ قلت هاتين الجملتين.
فإن قيل: معنى ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ أي: لا أقدرُ على حفظ مالي، ولا دفع شيءٍ عنه إلاَّ بالله.
روى هشامُ بن عروة عن أبيه: «أنَّهُ كان إذَا رأى مِنْ مَالهِ شَيْئاً يُعْجبهُ، أو دَخَلَ حَائِطاً من حِيطانِه قال: مَا شَاءَ الله لا قُوَّة إلاَّ بالله» .
فالجواب: احتجَّ أهل السنَّة بقوله: ﴿مَا شَآءَ الله﴾ على أنَّ كلَّ ما أراده الله واقعٌ، وكلَّ ما لم يقع، لم يرده الله تعالى؛ وهذا يدلُّ على أن الله ما أراد الإيمان من الكافر، وهو صريحٌ في إبطال قول المعتزلة.
فصل في الرد على استدلال المعتزلة بالآية
[ذكر الجبائيُّ] والكعبيُّ بأنَّ تأويل قولهم: «مَا شَاءَ الله» ممَّا تولَّى فعله، لا ما هو فعل العباد، كما قالوا: لا مردَّ لأمر الله، لم يرد ما أمر به العباد، ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريد، كما يحصل فيه ما ينهى عنه.
واعلم أنَّ الذي ذكره الكعبيُّ ليس جواباً عن الاستدلال، بل هو التزامٌ لمخالفة ظاهر النصِّ، وقياس الإرادة على الأمر باطلٌ؛ لأنَّ هذا النصَّ دالٌّ على أنَّه لا يوجد إلاَّ ما أراده الله، وليس في النصوص ما يدلُّ على أنَّه لا يدخل في الوجود إلاَّ ما أمر به، فظهر الفرق. وأجاب القفَّال عنه بأن قال: هلاَّ إذا دخلت [جنَّتك] ، قلت: ما شاء الله، أي: هذه الأشياء الموجودةُ في هذا البستان: ما شاء الله؛ كقول الإنسان، إذا نظر غلى شيءٍ عمله زيدٌ: عمل زيدٍ، أي: هذا عمل زيدٍ.
ومثله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ، أي: قالوا: ثلاثةٌ، وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: 161] أي: وقولوا: هذه حطَّة، وإذا كان كذلك، كان [المراد أن] هذا الشيء الموجود في البستان شيءٌ شاء الله تكوينه، وعلى هذا التقدير: لم يلزم أن يقال: وقع كلُّ ما شاء الله؛ لأنَّ هذا الحكم غير عامٍّ في الكلِّ، بل يختصُّ بالأشياء المشاهدة في البستان، وهذا التأويلُ الذي ذكره القفَّال أحسن مما ذكره الجبائيُّ والكعبيُّ.
فصل
قال ابن الخطيب: وأقول: إنَّه على جوابه لا يندفع الإشكال عن المعتزلة؛ لأنَّ عمارة ذلك البستان، ربَّما حصلت بالغصوب، وبالظُّلم الشديد؛ فلا يصحُّ أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقعٌ بمشيئةِ الله، اللهم، إلاَّ أن يقال: المراد أنَّ هذه الثمار حصلت بمشيئة الله إلاَّ أنَّ هذا تخصيص لظاهر النصِّ من غير دليل.
وأمَّا أمر المؤمن الكافر بأن يقول: لا قُوَّة إلاَّ بالله، أي: لا قُوَّة لأحدٍ على أمر من الأمور إلاَّ بإعانة الله وإقداره.
ثُمَّ إن المؤمن، لما علَّم الكافر الإيمان، أجابه عن الافتخار بالمال والنَّفر، فقال: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ .
واعلم أن ذكر الولد ها هنا يدلُّ على أنَّ المراد بالنَّفر المذكور في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ الأعوان والأولاد.
وقوله: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ﴾ يجوز في «أنا» وجهان:
أحدهما: أن يكون مؤكِّداً لياء المتكلم.
والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، و «أقلَّ» مفعول ثانٍ، أو حال بحسب الوجهين في الرؤية، هل هي بصرية أو علمية؟ إلا أنَّك إذا جعلتها بصرية، تعيَّن في «أنَا» أن تكون توكيداً، لا فصلاً؛ لأنَّ شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر.
وقرأ عيسى بن عمر «أقلُّ» بالرفع، ويتعيَّن أن يكون «أنا» مبتدأ، و «أقلُّ» خبره، والجملة: إمَّا في موضع المفعول الثاني، أو في موضع الحال على ما تقدَّم في الرؤية.
و «مَالاً وولداً» تمييزٌ، وجواب الشرط قوله «فعَسَى ربِّي» .
قوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ : الحسبان مصدر حسب الشيء يحسبه، أي: أحصاهُ، قال الزجاج: «أي عذاب حسبان، أي: حساب ما كسبت يداك» وهو حسن.
فصل في معنى الحسبان
قال الراغب: «قيل: معناه ناراً، وعذاباً، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسبُ عليه، فيجازى بحسبه» وهذا موافق لما قاله أبو إسحاق، والزمخشريُّ نحا إليه أيضاً، فقال: «والحُسْبان مصدر؛ كالغفران والبطلان بمعنى الحساب، أي: مقداراً حسبه الله وقدَّره، وهو الحكم بتخريبها» . وهو قول ابن عباس وقيل: جمع حسبانةٍ، وهي السَّهمُ.
وقال ابن قتيبة: مرامي من السَّماء، وهي مثل الصَّاعقة، أي: قطع من النَّار.
قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ : عطف على «يُرْسلَ» قال أبو حيَّان: و «أوْ يُصْبِحَ» عطفٌ على قوله: «ويُرْسِلَ» لأن غُؤورَ الماءِ لا يتَسبَّبُ عن الآفةِ السماوية، إلا إن عنى بالحسبان القضاء [الإلهيَّ] ؛ فحينئذ يتسبَّب عنه إصباحُ الجنة صعيداً زلقاً، أو إصباح مائها غوراً.
والزَّلقُ والغَوْرُ في الأصل: مصدران وصف بهما للمبالغة.
والعامة على فتح الغين، غَارَ المَاءُ يَغورُ غَوراً: غَاضَ وذهب ف يالأرض، وقرأ البرجميُّ بضم الغين لغة في المصدر، وقرأت طائفة «غُؤوراً» بضمِّ الغين، والهمزة، وواوٍ ساكنة، وهو مصدر أيضاً، يقال: غار الماء غؤوراً مثل: جلس جلوساً.
فصل في معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾
معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها، وقيل: تزلق فيها الأقدام.
وقال مجاهد: رملاً هائلاً، والصعيد وجه الأرض.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾ أي: غائراً منقطعاً ذاهباً لا تناله الأيدي، ولا الدِّلاءُ، والغور: مصدر وقع موقع الاسم، مثل زور وعدل.
قوله: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ أي: فيصير بحيثُ لا تقدر على ردِّه إلى موضعه.
ثمَّ أخبر الله تعالى أنَّه حقَّق ما قدره هذا المؤمن، فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ اي: أحاط العذاب بثمر جنته، وهو عبارة عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من إحاطة العدوِّ؛ لأنَّه إذا أحاط به، فقد استولى عليه، ثمَّ استعمل في كلِّ إهلاكٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] .
قوله: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ : قُرئ «تَقلَّبُ كفَّاهُ» ، أي: تتقلَّب كفَّاه، و «أصْبحَ» : يجوز أن تكون على بابها، وأن تكون بمعنى «صار» وهذا كناية عن الندم؛ لأنَّ النادم يفعل ذلك.
قوله: ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «يُقلِّبُ» وإنما عدِّي ب «عَلَى» لأنه ضمِّن معنى «يَندَمُ» .
وقوله: «فيها» ، أي: في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل «يُقلِّبُ» أي: متحسِّراً، كذا قدَّره أبو البقاس، وهو تفسير معنى، والتقدير الصناعي؛ إنما هو كونٌ مطلقٌ.
قوله: «ويَقُولُ» يجوز أن يكون معطوفاً على «يُقلِّبُ» ويجوز أن يكون حالاً.
فصل في كيفية الإحاطة
قال المفسرون: إنَّ الله تعالى أرسل عليها ناراً، فأهلكتها وغار ماؤها، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صاحبها الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ، أي: يصفِّق بيديه، إحداهما على الأخرى، ويلقِّب كفَّيه ظهراً لبطن؛ تأسُّفاً وتلهُّفاً ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿على عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، فتسقَّطت سقوفها، ثمَّ سقطت الجدران عليها.
ويمكن أنَّ يكون المراد بالعروشِ عروش الكرم، فتسقط العروش، ثم تسقط الجدران عليها.
قوله: ﴿وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
والمعنى: أن المؤمن، لمَّا قال: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ قال الكافر: يا ليتني قلت كذلك.
فإن قيل: هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنَّته؛ لشؤم شركه، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ أنواع البلاء أكثرها إنَّما تقع للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33] .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «خُصَّ البَلاءُ بالأنْبِياءِ، ثمَّ الأوْلياءِ، ثُمَّ الأمثلِ فالأمثَلِ» .
وأيضاً: فلما قال: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فقدم ندم على الشِّرك، ورغب في التوحيد؛ فوجب أن يصير مؤمناً، فلم قال بعده: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾ ؟ .
فالجواب عن الأوَّل: أنه لمَّا عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وكان معرضاً في عمره كلِّه عن طلب الدِّين، فلما ضاعت الدنيا بالكليَّة، بقي محروماً عن الدنيا والدِّين.
والجواب عن الثاني: أنَّه إنَّما نَدِمَ على الشِّرك؛ لاعتقاده أنَّه لو كان موحِّداً غير مشركٍ، لبقيت عليه جنَّته، فهو إنَّما رغب في التوحيد والردَّة عن الشِّرك؛ لأجل [طلب] الدنيا؛ فلهذا لم يقبل الله توحيده.
قوله: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ﴾ : قرأ الأخوان [ «يَكُنْ» ] بالياء من تحت، والباقون من فوق، وهما واضحتان؛ إذ التأنيث مجازيٌّ، وحسن التذكير للفصل.
قوله: «يَنْصُرونَهُ» يجوز أن تكون هذه الجملة خبراً، وهو الظاهر، وأن تكون حالية، والخبر الجار المتقدم، وسوَّغ مجيء الحال من النَّكرة تقدم النفي، ويجوز أن تكون صفة ل «فئةٍ» إذا جعلنا الخبر الجارَّ.
وقال: «يَنْصُرونَهُ» حملاً على معنى «فِئةٍ» لأنَّهم في قوَّة القوم والنَّاس، ولو حمل على لفظها، لأفرد؛ كقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: 13] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «تَنْصرُهُ» على اللفظ، قال أبو البقاء: «ولو كان» تَنْصرهُ «لكان على اللفظ» . قال شهاب الدين: قد قرئ بذلك، كما عرفت.
[قال بعضهم] : ومعنى «يَنْصُرونَهُ» يقدرون على نصرته، ويمنعونه من عذاب الله ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ممتنعاً متنعماً، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه، وقيل: لا يقدر على ردِّ ما ذهب عنه.
قوله: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ﴾ : يجوز أن يكون الكلام تمَّ على قوله «مُنْتَصِراً» وهذه جملة منقطعة عمَّا قبلها، وعلى هذا: فيجوز في الكلام أوجه:
الأول: أن يكون «هنالك الولايةُ» مقدَّراً بجملة فعلية، فالولاية فاعل بالظرف قبلها، أي: استقرَّت الولاية الله، و «لله» متعلق بالاستقرار، أو بنفس الظرف؛ لقيامه مقام العامل، أو بنفسِ الولاية، أو يمحذوفٍ على أنه حال من «الوَلاية» وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش من حيث إنَّ الظرف يرفع الفاعل من غير اعتمادٍ.
والثاني: أن يكون «هُنالِكَ» منصوباً على الظرف متعلقاً بخبر «الولاية» وهو «لله» أو بما تعلق به «لله» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها، والعامل الاستقرارُ في «لله» عند من يجيز تقدم الحال على عاملها المعنوي، أو يتعلق بنفس «الولايةِ» .
والثالث: أن يجعل «هُنالِكَ» هو الخبر، و «لله» فضلةٌ، والعامل فيه ما تقدَّم في الوجه الأول.
ويجوز أن يكون «هُنالِكَ» من تتمَّة ما قبلها، فلم يتمَّ الكلام دونه، وهو معمولٌ ل «مُنْتَصِراً» ، أي: وما كان منتصراً في الدار الآخرة، و «هُنالِكَ» إشارة غليها، وإليه نحا أبو إسحاق. وعلى هذا فيكون الوقف على «هُنالِكَ» تامًّا، والابتداء بقوله «الوَلايَةُ لله» فتكون جملة من مبتدأ وخبر.
والظاهر في «هُنالِكَ» : أنه على موضوعه من ظرفية المكان، كما تقدَّم، وتقدَّم أنَّ الأخوين يقرآن بالكسر، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين بالفتح في سورة الأنفال، فلا معنى لإعادته.
وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحنٌ، قالا: لأنَّ «فعالة» إنما تجيء فيما كان صنعة أو ممعنى متقلَّداً، وليس هنالك تولِّي أمورٍ.
فصل في لغات الولاية ومعانيها
قال الزمخشري: الولاية بالفتح: النصر، والتولِّي، وبالكسر: السلطان والملك.
وقيل: بالفتح: الربوبيَّة، وبالكسر: الإمارة.
قوله: «الحَقِّ» قرأ أبو عمرو، والكسائي برفع «الحقُّ» والباقون بجرِّه، فالرفع من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه صفة للولاية وتصديقه قراءة أبيٍّ «هُنالك الوَلايةُ الحق للهِ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ما أوحيناه إليك.
الثالث: أنه مبتدأ، وخبره مضمر، أي: الحق ذلك، وهو ما قلناه.
والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة؛ كقوله «ثُمَّ ردُّوا إلى الله مَولاهُم الحقِّ» .
وقرأ زيد بن عليٍّ، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ويعقوب «الحقَّ» نصباً على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة؛ كقولك «هذَا قَوْلُ الله الحق» وهذا عبد الله الحقَّ، لا الباطل.
قوله: «عُقباً» قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: لغتان؛ كالقُدُسِ والقُدْس، وقيل: الأصل الضمَّ، والسكون تخفيف، وقيل بالعكس؛ كالعُسْر واليُسْر، وهو عكس معهود اللغة، ونصبها ونصب «ثَواباً» و ﴿أَمَلاً﴾ [الكهف: 46] على التمييز لأفعل التفضيل قبلها، ونقل الزمخشريُّ أنه قرئ «عُقْبَى» بالألف، وهي مصدر أيضاً؛ كبُشْرَى، وتروى عن عاصم.
فصل في نظم الآية
اعلم أنَّه تعالى لمَّا ذكر من قصّة الرجلين ما ذكر علمنا أن النُّصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر، وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حقِّ كل مؤمنٍ وكافرٍ، فقال: ﴿هُنالِكَ الوَلايةُ للهِ الحَقِّ﴾ أي: في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام، تكون الولاية لله يوالي أولياءه؛ فيعليهم على أعدائه، ويفوِّض أمر الكفار إليهم.
فقوله: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الموضع، والوقت الذي يريد إظهار كرامة أوليائه، وإذلال أعدائه.
وقيل: المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولَّى الله، ويلتجئ إليه كلُّ محتاجٍ مضطرٍّ، يعني أن قوله: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فكأنه ألجَ إليها ذلك الكافر، فقالها جزعاً ممَّا ساقهُ إليه شؤمُ كفره، ولولا ذلك، لم يقلها.
وقيل: المعنى: هنالك الولاية لله ينصرُ فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمن بما فعل [بأخيه الكافر و] بصدق قوله: ﴿فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السمآء﴾ .
ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: لأوليائه، وقيل: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الدَّار الآخرةِ، أي: في تلك الدَّار الآخرة الولاية لله كقوله: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: 16] .
وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ أي: خيرٌ في الآخرة لمن آمن به، والتجأ إليه، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: هو خيرٌ عاقبة لمن رجاهُ، وعمل لوجهه.
الكهف 18:39
قوله: نعم الثواب» أي: نعم الجزاء.
قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ مجلساً، ومقرّاً، وهذا في مقابلة قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: 29] .
قوله تعالى: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الآية.
وجه النَّظم أن الكفار، لمَّا افتخرُوا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، بيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ممَّا لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن يصير الغنيُّ فقيراً، والفقير غنيًّا، وأما الذي تجبُ المفاخرةُ به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلةٌ لفقراءِ المسلمين، وبيَّن ذلك بضرب هذا المثل؛ فقال: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ أي: مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافرٌ، واسمه [براطوس] ، والآخر: مؤمنٌ، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس.
وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة «الصافات» في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ [الصافات: 51، 52] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمَّرٍ عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلافِ دينارٍ.
وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينارٍ، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما أربعة آلاف دينارٍ، فاشترى الكافر أرضاً بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم، إنَّ أخي اشترى أرضاً بألف، وإنِّي أشتري منك أرضاً بألف في الجنَّة، فتصدَّق به.
ثم [بنى] أخوه داراً بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني أشتري منك داراً بألف في الجنَّة، فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين، وتصدَّق به.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إنِّي اشتريتُ منك الولدان بألف، فتصدَّق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجةٌ، فجلس لأخيه على طريقه، فمرَّ به في خدمه وحشمه، فتعرَّض له، فقال: فلانٌ؟! قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجةٌ بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سويَّة] ، فأخذت شطره؟ فقصَّ عليه قصَّتهُ، قال: إنَّك لمن المصدِّقين، اذهب، فلا أعطيك شيئاً.
وقيل: نزلتْ في أخوين من أهل مكَّة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمنٌ، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أمِّ سلمة قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والآخر كافرٌ، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل.
قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ : قد تقدم أنَّ «ضرب» مع المثل، يجوز أن يتعدى لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مثل رجلين، و «جَعلْنَا» تفسير ل «مَثَل» فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصباً نعتاً ل «رَجُليْنِ» كقولك: مررتُ برجلين، جعل لأحدهما جنَّةٌ.
قوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ يقال: حفَّ بالشيء: طاف به من جميع جوانبه، قال النابغة: [البسيط]
3523 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نِيقٍ وتُتْبِعُهُ ... مِثلُ الزُّجاجةِ لمْ تُكْحَلْ من الرَّمدِ
وحفَّ به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافَّته، وحففته به، أي: جعلته مطيفاً به.
والحِفاف: الجانبُ، وجمعه أحِفَّةٌ، والمعنى: جعلنا حول الأعناب النَّخْل.
قال الزمخشريُّ: وهذه الصفة ممَّا يؤثرها الدَّهاقين في كرومهم، وهو أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسنٌ في [المنظر] .
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ قيل: كان الزَّرع في وسط الأعناب، وقيل: كان الزَّرْع بين الجنَّتين، أي: لم يكن بين الجنتين موضعٌ خالٍ.
والمقصود منه أمورق:
الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.
والثاني: أن تكون متَّسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم يتوسَّطها ما يقطع بعضها عن بعض.
والثالث: أنَّ مثل هذه الأرض تأتي كلَّ [يوم] بمنفعةٍ أخرى، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصفة.
قوله: ﴿كِلْتَا الجنتين﴾ : قد تقدَّم في السورة قبلها [الإسراء: 23] حكم «كلتا» وهي مبتدأ، و «آتتْ» خبرها، وجاء هنا على [الكثير: وهو] مراعاةُ لفظها، دون معناها.
وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - «كِلا الجنَّتَيْنِ» بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ «آتتْ» بالتأنيث؛ اعتباراً بلفظ «الجَنَّتين» فهو نظير «طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ» . وروى الفراء عنه قراءة أخرى: «كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ» أعاد الضمير على اللفظ «أكل» .
واعلم أنَّ لفظ «كل» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و «كِلْتَا» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: «جَاءنِي كِلاَ أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلاَ أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ» ، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
فصل
ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها تامًّا، ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ﴾ لم تنقص، ﴿مِّنْهُ شَيْئاً﴾ والظُّلم: النقصان، يقول الرَّجُل: ظلمنِي حقِّي، أي: نقصنِي.
قوله: «وفجَّرنَا» العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [القمر: 12] ، والتشديد هناك أظهر لقوله «عُيُوناً» .
والعامة على فتح هاء «نهر» وأبو السَّمال والفيَّاض بسكونها.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: لصاحب البستان.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه في الأنعام [الأنعام: 99] ، وتقدَّم أنَّ «الثُّمُرَ» بالضمِّ المال، فقال ابن عباس: جميع المال من ذهبٍ، وفضةٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك، قال النابغة: [البسيط]
3524 - مَهْلاً فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهمُ ... ومَا أثمِّرُ من مالٍ ومِنْ وَلدِ
وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضَّة خاصة.
«فقال» يعني صاحب البستان «لصاحبه» أي المؤمن.
«وهو يُحَاوِرهُ» أي: يخاطبه وهذه جملة حاليَّة مبيِّنةٌ؛ إذ لا يلزم من القول المحاورةُ؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 14] . وقال امرؤ القيس: [الطويل]
3525 - ومَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئهِ ... يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول.
قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ .
والنَّفَرُ: العشيرة الذين يذبُّون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: حشماً، وخدماً.
وقال مقاتلٌ: ولداً تصديقه قوله: ﴿أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: 39] .
قوله: ﴿جَنَّتَهُ﴾ : إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلمِ بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفى بالواحد عن الجمع في قول الهذليِّ: [الكامل]
3526 - فَالعيْنُ بَعدهُم كَأنَّ حِداقهَا ... سُمِلتْ بِشوْكِ فهي عُورٌ تَدْمَعُ
ولقائلٍ أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأنَّ جمع التكسير يجري مجرى المؤنَّثة، فالضمير في «سُمِلَتْ» وفي «فهي» يعود على الحداقِ، لا على حدقةٍ واحدة، كما يوهم.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم أفرد الجنَّة، بعد التثنية؟ قلت: معناه: ودخل ما هو جنَّتهُ، ما له جنة غيرها، بمعنى: أنه ليس له نصيب في الجنة الَّتي وعد المتَّقون، فما ملكه في الدنيا، فهو جنَّته، لا غير، ولم يقصد الجنتين، ولا واحدة منهما» .
فصل
قال أبو حيان: «ولا يتصوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إخبار من الله تعالى بأنَّ هذا الكافر دخل جنَّته، فلا بدَّ أن قصد في الإخبار: أنه دخل إحدى جنتيه؛ إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقتٍ واحدٍ» . قال شهاب الدين: من ادَّعى دخولهما في وقتٍ واحدٍ، حتَّى يلزمه بهذا المستحيلِ في البداية؟ وأمَّا قوله «ولم يقصد الجنَّتين، ولا واحدة» معناه: لم يقصد تعيين مفردٍ، ولا مثنى، لا أنه لم يقصد الإخبار بالدخول.
وقال أبو البقاء: «إنما أفرد؛ لأنَّهما جميعاً ملكهُ، فصارا كالشيء الواحد» .
قوله: «وهُو ظَالِمٌ» حال من فاعل «دَخلَ» ، وقوله «لنَفْسهِ» مفعول «ظَالِمٌ» واللام مزيدة فيه؛ لكون العامل فرعاً.
قوله:» ﴿مَآ أَظُنُّ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ان يكون مستأنفاً بياناً لسبب الظلم.
والثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير في «ظَالِمٌ» ، أي: وهو ظالمٌ في حال كونه قائلاً.
قوله: «أنْ تَبِيدَ» أي: تهلك، قال: [المقتضب]
3527 - فَلئِنْ بَادَ أهْلهُ ... لبِما كَانَ يُوهَلُ
ويقال: بَادَ يَبيدُ بُيُوداً وبَيْدُودة، مثل» كَيْنُونة «والعمل فيها معروفٌ، وهو أنه حذفت إحدى الياءين، ووزنها فيعلولة.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ يعني الكافر آخذاً بيد صاحبه المسلم يطوف به فيها، ويريه بهجتها وحسنها، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ بكفره، وهذا اعتراضٌ وقع في أثناء الكلام، والمعنى أنه لمَّا اغترَّ بتلك النِّعم، وتوسَّل بها إلى الكفران والجحود؛ لقدرته على البعث، كان واضعاً لتلك النِّعم في غير موضعها، ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ .
قال أهل المعاني: لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهَّم أنها لا تفنى أبداً مطلقاً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ فجمع بين كفرين.
الأول: قطعه بأنَّ تلك الأشياء لا تبيدُ أبداً.
والثاني: إنكار البعث.
فإن قيل: هب أنَّه شكَّ في القيامة، فكيف قال: ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً، مع أنَّ الحسَّ يدلُّ على أنَّ أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ غير باقية؟ .
فالجواب: مراده أنَّها لا تبيد مدَّة حياته، ثم قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التَّمييز، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: 50] .
وقوله: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: 77] .
فإن قيل: كيف قال: ولَئِنْ رددت إلى ربي وهو ينكرُ البعث؟ .
فالجواب: معناه: ولئنْ رددتُّ إلى ربِّي على زعمكَ، يعطيني هنالك خيراً منها.
والسَّبب في وقوعه في هذه الشُّبهة أنَّه تعالى لمَّا أعطاه المال والجاه في الدنيا، ظنَّ أنه إنَّما أعطاه ذلك؛ لكونه مستحقًّا له، والاستحقاقُ باقٍ بعد الموت؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدِّمة الأولى كاذبةٌ؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، يكون في أكثر الأمر للاستدراج.
وقرأ أبو عمرو والكوفيون «مِنْهَا» بالإفراد؛ نظراً إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: «جنَّتهُ» وهي في مصاحف العراق، دون ميم، والباقون «مِنْهُما» بالتثنية؛ نظراً إلى الأصل في قوله: «جَنَّتيْنِ» و «كِلتَا الجنَّتيْنِ» ورُسِمَتْ في مصاحفِ الحرمينِ والشَّام بالميم، فكل قد وافق رسم مصحفه.
قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ أي المسلم.
قوله: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي: خلق أصلك من تراب، وهذا يدلُّ على أنَّ الشاكَّ في البعث كافرٌ.
ووجه الاستدلال أنَّه، لمَّا قدر على [الابتداء] ، وجب أن يقدر على الإعادة.
وأيضاً: فإنَّه تعالى، لمَّا خلقك هكذا، فلم يخلقك عبثاً، وإنَّما خلقك لهذا المعنى، وجب أن يحصل للمطيع ثوابٌ، وللمذنب عقابٌ؛ ويدلُّ على هذا قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي: هيَّأك تهيئة تعقل وتصلح أنت للتكليف، فهل يحصل للعاقل مع هذه الآية إهمال أمرك؟! .
قوله: ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ النُّطفة في الأصل: القطرة من الماء الصافي، يقال: نَظفَ يَنطفُ، أي: قطرَ يَقطُر، وفي الحديث: «فَخرجَ، ورَأسهُ يَنطفُ» وفي رواية: يَقطرُ، وهي مفسِّرةٌ، وأطلق على المنيِّ «نُطفَةٌ» تشبيهاً بذلك.
قوله: «رجُلاً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه حالٌ، وجاز ذلك، وإن كان غير منتقلٍ، ولا مشتقٍّ؛ لأنه جاء بعد «سوَّاك» إذ كان من الجائز: أن يسوِّيهُ غير رجل، وهو كقولهم: «خَلقَ الله الزَّرافةَ يَديْهَا أطْولَ من رِجْلَيْهَا» وقول الآخر: [الطويل]
3528 - فَجاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كأنَّما ... عِمامَتهُ بيْنَ الرِّجالِ لِوَاءُ
والثاني: أنه مفعول ثانٍ ل «سَوَّاكَ» لتضمُّنه معنى خلقك، وصيَّرك وجعلك، وهو ظاهر قول الحوفيِّ.
قوله: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ : قرأ ابن عامر، ويعقوب، ونافع في رواية بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً وهي رواية عن نافعٍ، فالوقفُ وفاقٌ.
والأصل في هذه الكلمة: «لكن أنّا» فنقل حركة همزة «أنَا» إلى نون «لكِنْ» وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسنُ الوجهين في تخريج هذا، وقيل: حذف همزة «أنا» [اعتباطاً] ، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس بشيءٍ؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف «أنّا» وصلاً، وإثباتها وقفاً، وقد تقدم لك: أنَّ نافعاً يثبت ألفه وصلاً قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة؛ بتفصيلٍ مذكورٍ في البقرة، وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضاً، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب من إثبات غيره؛ لأنه أثبتها في الوصلِ جملة.
وأمَّا ابن عامرٍ، فإنه خرج عن أصله في الجملة؛ إذ ليس من مذهبه إثبات هذه الألف وصلاً في موضع [ما] ، وإنما اتَّبع الرسم. وقد تقدَّم أنها لغة تميمٍ أيضاً.
وإعراب ذلك: أن يكون «أنَا» مبتدأ، و «هو» مبتدأ ثانٍ، و «هو» ضمير الشأن، و «اللهُ» مبتدأ ثالث و «ربِّي» خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط [بين الأول] وبين خبره الياء في «ربِّي» ويجوز أن تكون الجلالة بدلاً من «هُوَ» أو نعتاً، أو بياناً، إذا جعل «هو» عائداً على ما تقدَّم من قوله «بالذي خلقك من تراب» لا على أنَّه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك، وليس بالبيِّن.
وخرَّجه الفارسي على وجهٍ غريب: وهو أن تكون «لكِنَّا» «لكنَّ» واسمها وهو «ن» والأصل: «لكنَّنا» فحذف إحدى النونات؛ نحو: ﴿إنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر: 9] وكان حق التركيب أن يكون «ربُّنا» «ولا نُشرِكُ بربِّنا» قال: «ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد» وهو غريبٌ جدًّا.
قال الكسائي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: «لكنَّ الله هُوَ ربِّي» .
وقرأ أبو عمرو «لكنَّهْ» بهاء السَّكت وقفاً؛ لأنَّ القصد بيان حركة نون «أنَا» فتارة تبيَّن بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي: [الرمل المجزوء]
3529 - هَكذَا فَرْدِي أَنَهْ ...
وقال ابن عطية عن أبي عمرو: روى عنه هارون «لكنَّه هو الله» بضمير لحق «لكن» قال شهاب الدين: فظاهر هذا أنه ليس بهاء السَّكت، بل تكون الهاءُ ضميراً اسماً ل «لكِنْ» وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، وما بعده خبره، وهو وخبره خبر «لكنَّ» ويجوز أن يكون تأكيداً للاسم، وأن يكون فصلاً، ولا يجوز أن يكون ضمير شأنٍ؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم «لكنَّ» من هذه الجملة الواقعة خبراً.
وأمَّا في قراءة العامة: فلا يجوز أن تكون «لكنَّ» مشددة عاملة؛ لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع.
وقرأ عبد الله «لكنْ أنَا هُوَ» على الأصل من غير نقل، ولا إدغامٍ، وروى عنه ابنُ خالويه «لكنْ هُو الله» بغير «أنا» . وقرئ أيضاً «لكننا» .
وقال الزمخشريُّ: «وحسَّن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع الألف عوضاً عن حذف الهمزة» ونحوه - يعني إدغام نون «لكن» في نون «نَا» بعد حذف الهمزة - قول القائل:
3530 - وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذنِبٌ ... وتَقْلِيننِي لكنَّ إيَّاكِ لا أقْلِي
الأصل: لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان: «ولا يتعيَّن ما قاله في البيت؛ لجواز أن يكون حذف اسم «لكنَّ» [وحذفه] لدليلٍ كثيرٌ، وعليه قوله:
3531 - فَلوْ كُنْتَ ضَبيًّا عَرفْتَ قَرابتِي ... ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافرِ
أي: ولكنَّك، وكذا ها هنا: ولكنَّني إيَّاك» قال شهاب الدين: لم يدَّع الزمخشري تعين ذلك في البيت؛ حتَّى يردَّ عليه بما ذكره.
ويقرب من هذا ما خرَّجه البصريُّون في بيت استدلَّ به الكوفيون عليهم في جواز دخولِ لام الابتداء في خبر «لكنَّ» وهو: [الطويل]
3533 - ... ... ... ... ..... ولكنَّني من حُبِّهَا لعَمِيدُ
فأدخل اللام في خبر «لكنَّ» وخرَّجه البصريون على أن الأصل: «ولكن من حُبِّها» في قوله: «ولكنَّني من حُبِّها لعمِيدُ» ، فأدغم اللام في خبر «لكنَّ» ، وجوَّزه البصريُّون، وخرَّجه طائفة من البصريِّين على أنَّ الأصل ولكن إنِّي من حُبِّها، ثم نقل حركة همزة «إنِّي» إلى نون «لكن» بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدَّم، فلم تدخل اللام إلا في خبر «إنَّ» ، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا: إنَّ البيت مصنوعٌ، ولا يعرف له قائلٌ.
والاستدراك من قوله «أكَفرْتَ» كأنَّه قال لأخيه: أنت كافرٌ؛ لأنَّه استفهام تقرير، لكنَّني أنَّا مؤمنٌ؛ نحو قولك: «زَيْجٌ غَائبٌ، لكنَّ عمراً حاضرٌ» لأنه قد يتوهَّم غيبةُ عمرو أيضاً.
فصل في المقصود بالشرك في الآية
معنى ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
ذكر القفال فيه وجهين:
الأول: أنِّي لا أرى الفقر والغنى إلاَّ منه؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، إذا ابتلى، ولا أتكبَّر عندما ينعم عليَّ، ولا أرى كثرة [المال] ، والأعوان من نفسي، وذلك لأنَّ الكافر، لمَّا [اعتزَّ] بكثرة المال والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العزِّ والغنى.
الثاني: أنَّ هذا الكافر، لمَّا أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشَّريك.
قوله: ﴿ولولاا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ : «لولا» تحضيضيَّةٌ داخلة على «قلت» و «إذْ دَخلْتَ» منصوب ب «قُلْتَ» فصل به بين «لوْلاَ» وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك؛ لأنه ليس بأجنبيٍّ، وقد عرفت أنَّ حرف التحضيضِ، إذا دخل على الماضي، كان للتَّوبيخ.
ومعنى الكلام: هلاَّ إذا دخلت جنَّتك، قلت: ما شَاءَ الله، أي: الأمر ما شاء الله، وقيل: جوابه مضمرٌ، أي: ما شاء الله كان.
﴿مَا شَآءَ الله﴾ يجوز في «مَا» وجهان:
الأول: أن تكون شرطية؛ فتكون في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً وجوباً ب «شاء» أي: أيَّ شيء شاء الله، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله، كان ووقع كما تقدم.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاء الله كائنٌ وواقعٌ.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاءه الله، وعلى كل تقدير: [فهذه الجملة] في محل نصبٍ بالقول.
قوله: «إلاَّ الله» خبر «لا» التبرئةِ، والجملة أيضاً منصوبة بالقولِ، أي: هلاَّ قلت هاتين الجملتين.
فإن قيل: معنى ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ أي: لا أقدرُ على حفظ مالي، ولا دفع شيءٍ عنه إلاَّ بالله.
روى هشامُ بن عروة عن أبيه: «أنَّهُ كان إذَا رأى مِنْ مَالهِ شَيْئاً يُعْجبهُ، أو دَخَلَ حَائِطاً من حِيطانِه قال: مَا شَاءَ الله لا قُوَّة إلاَّ بالله» .
فالجواب: احتجَّ أهل السنَّة بقوله: ﴿مَا شَآءَ الله﴾ على أنَّ كلَّ ما أراده الله واقعٌ، وكلَّ ما لم يقع، لم يرده الله تعالى؛ وهذا يدلُّ على أن الله ما أراد الإيمان من الكافر، وهو صريحٌ في إبطال قول المعتزلة.
فصل في الرد على استدلال المعتزلة بالآية
[ذكر الجبائيُّ] والكعبيُّ بأنَّ تأويل قولهم: «مَا شَاءَ الله» ممَّا تولَّى فعله، لا ما هو فعل العباد، كما قالوا: لا مردَّ لأمر الله، لم يرد ما أمر به العباد، ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريد، كما يحصل فيه ما ينهى عنه.
واعلم أنَّ الذي ذكره الكعبيُّ ليس جواباً عن الاستدلال، بل هو التزامٌ لمخالفة ظاهر النصِّ، وقياس الإرادة على الأمر باطلٌ؛ لأنَّ هذا النصَّ دالٌّ على أنَّه لا يوجد إلاَّ ما أراده الله، وليس في النصوص ما يدلُّ على أنَّه لا يدخل في الوجود إلاَّ ما أمر به، فظهر الفرق. وأجاب القفَّال عنه بأن قال: هلاَّ إذا دخلت [جنَّتك] ، قلت: ما شاء الله، أي: هذه الأشياء الموجودةُ في هذا البستان: ما شاء الله؛ كقول الإنسان، إذا نظر غلى شيءٍ عمله زيدٌ: عمل زيدٍ، أي: هذا عمل زيدٍ.
ومثله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ، أي: قالوا: ثلاثةٌ، وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: 161] أي: وقولوا: هذه حطَّة، وإذا كان كذلك، كان [المراد أن] هذا الشيء الموجود في البستان شيءٌ شاء الله تكوينه، وعلى هذا التقدير: لم يلزم أن يقال: وقع كلُّ ما شاء الله؛ لأنَّ هذا الحكم غير عامٍّ في الكلِّ، بل يختصُّ بالأشياء المشاهدة في البستان، وهذا التأويلُ الذي ذكره القفَّال أحسن مما ذكره الجبائيُّ والكعبيُّ.
فصل
قال ابن الخطيب: وأقول: إنَّه على جوابه لا يندفع الإشكال عن المعتزلة؛ لأنَّ عمارة ذلك البستان، ربَّما حصلت بالغصوب، وبالظُّلم الشديد؛ فلا يصحُّ أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقعٌ بمشيئةِ الله، اللهم، إلاَّ أن يقال: المراد أنَّ هذه الثمار حصلت بمشيئة الله إلاَّ أنَّ هذا تخصيص لظاهر النصِّ من غير دليل.
وأمَّا أمر المؤمن الكافر بأن يقول: لا قُوَّة إلاَّ بالله، أي: لا قُوَّة لأحدٍ على أمر من الأمور إلاَّ بإعانة الله وإقداره.
ثُمَّ إن المؤمن، لما علَّم الكافر الإيمان، أجابه عن الافتخار بالمال والنَّفر، فقال: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ .
واعلم أن ذكر الولد ها هنا يدلُّ على أنَّ المراد بالنَّفر المذكور في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ الأعوان والأولاد.
وقوله: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ﴾ يجوز في «أنا» وجهان:
أحدهما: أن يكون مؤكِّداً لياء المتكلم.
والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، و «أقلَّ» مفعول ثانٍ، أو حال بحسب الوجهين في الرؤية، هل هي بصرية أو علمية؟ إلا أنَّك إذا جعلتها بصرية، تعيَّن في «أنَا» أن تكون توكيداً، لا فصلاً؛ لأنَّ شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر.
وقرأ عيسى بن عمر «أقلُّ» بالرفع، ويتعيَّن أن يكون «أنا» مبتدأ، و «أقلُّ» خبره، والجملة: إمَّا في موضع المفعول الثاني، أو في موضع الحال على ما تقدَّم في الرؤية.
و «مَالاً وولداً» تمييزٌ، وجواب الشرط قوله «فعَسَى ربِّي» .
قوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ : الحسبان مصدر حسب الشيء يحسبه، أي: أحصاهُ، قال الزجاج: «أي عذاب حسبان، أي: حساب ما كسبت يداك» وهو حسن.
فصل في معنى الحسبان
قال الراغب: «قيل: معناه ناراً، وعذاباً، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسبُ عليه، فيجازى بحسبه» وهذا موافق لما قاله أبو إسحاق، والزمخشريُّ نحا إليه أيضاً، فقال: «والحُسْبان مصدر؛ كالغفران والبطلان بمعنى الحساب، أي: مقداراً حسبه الله وقدَّره، وهو الحكم بتخريبها» . وهو قول ابن عباس وقيل: جمع حسبانةٍ، وهي السَّهمُ.
وقال ابن قتيبة: مرامي من السَّماء، وهي مثل الصَّاعقة، أي: قطع من النَّار.
قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ : عطف على «يُرْسلَ» قال أبو حيَّان: و «أوْ يُصْبِحَ» عطفٌ على قوله: «ويُرْسِلَ» لأن غُؤورَ الماءِ لا يتَسبَّبُ عن الآفةِ السماوية، إلا إن عنى بالحسبان القضاء [الإلهيَّ] ؛ فحينئذ يتسبَّب عنه إصباحُ الجنة صعيداً زلقاً، أو إصباح مائها غوراً.
والزَّلقُ والغَوْرُ في الأصل: مصدران وصف بهما للمبالغة.
والعامة على فتح الغين، غَارَ المَاءُ يَغورُ غَوراً: غَاضَ وذهب ف يالأرض، وقرأ البرجميُّ بضم الغين لغة في المصدر، وقرأت طائفة «غُؤوراً» بضمِّ الغين، والهمزة، وواوٍ ساكنة، وهو مصدر أيضاً، يقال: غار الماء غؤوراً مثل: جلس جلوساً.
فصل في معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾
معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها، وقيل: تزلق فيها الأقدام.
وقال مجاهد: رملاً هائلاً، والصعيد وجه الأرض.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾ أي: غائراً منقطعاً ذاهباً لا تناله الأيدي، ولا الدِّلاءُ، والغور: مصدر وقع موقع الاسم، مثل زور وعدل.
قوله: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ أي: فيصير بحيثُ لا تقدر على ردِّه إلى موضعه.
ثمَّ أخبر الله تعالى أنَّه حقَّق ما قدره هذا المؤمن، فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ اي: أحاط العذاب بثمر جنته، وهو عبارة عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من إحاطة العدوِّ؛ لأنَّه إذا أحاط به، فقد استولى عليه، ثمَّ استعمل في كلِّ إهلاكٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] .
قوله: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ : قُرئ «تَقلَّبُ كفَّاهُ» ، أي: تتقلَّب كفَّاه، و «أصْبحَ» : يجوز أن تكون على بابها، وأن تكون بمعنى «صار» وهذا كناية عن الندم؛ لأنَّ النادم يفعل ذلك.
قوله: ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «يُقلِّبُ» وإنما عدِّي ب «عَلَى» لأنه ضمِّن معنى «يَندَمُ» .
وقوله: «فيها» ، أي: في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل «يُقلِّبُ» أي: متحسِّراً، كذا قدَّره أبو البقاس، وهو تفسير معنى، والتقدير الصناعي؛ إنما هو كونٌ مطلقٌ.
قوله: «ويَقُولُ» يجوز أن يكون معطوفاً على «يُقلِّبُ» ويجوز أن يكون حالاً.
فصل في كيفية الإحاطة
قال المفسرون: إنَّ الله تعالى أرسل عليها ناراً، فأهلكتها وغار ماؤها، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صاحبها الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ، أي: يصفِّق بيديه، إحداهما على الأخرى، ويلقِّب كفَّيه ظهراً لبطن؛ تأسُّفاً وتلهُّفاً ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿على عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، فتسقَّطت سقوفها، ثمَّ سقطت الجدران عليها.
ويمكن أنَّ يكون المراد بالعروشِ عروش الكرم، فتسقط العروش، ثم تسقط الجدران عليها.
قوله: ﴿وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
والمعنى: أن المؤمن، لمَّا قال: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ قال الكافر: يا ليتني قلت كذلك.
فإن قيل: هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنَّته؛ لشؤم شركه، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ أنواع البلاء أكثرها إنَّما تقع للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33] .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «خُصَّ البَلاءُ بالأنْبِياءِ، ثمَّ الأوْلياءِ، ثُمَّ الأمثلِ فالأمثَلِ» .
وأيضاً: فلما قال: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فقدم ندم على الشِّرك، ورغب في التوحيد؛ فوجب أن يصير مؤمناً، فلم قال بعده: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾ ؟ .
فالجواب عن الأوَّل: أنه لمَّا عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وكان معرضاً في عمره كلِّه عن طلب الدِّين، فلما ضاعت الدنيا بالكليَّة، بقي محروماً عن الدنيا والدِّين.
والجواب عن الثاني: أنَّه إنَّما نَدِمَ على الشِّرك؛ لاعتقاده أنَّه لو كان موحِّداً غير مشركٍ، لبقيت عليه جنَّته، فهو إنَّما رغب في التوحيد والردَّة عن الشِّرك؛ لأجل [طلب] الدنيا؛ فلهذا لم يقبل الله توحيده.
قوله: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ﴾ : قرأ الأخوان [ «يَكُنْ» ] بالياء من تحت، والباقون من فوق، وهما واضحتان؛ إذ التأنيث مجازيٌّ، وحسن التذكير للفصل.
قوله: «يَنْصُرونَهُ» يجوز أن تكون هذه الجملة خبراً، وهو الظاهر، وأن تكون حالية، والخبر الجار المتقدم، وسوَّغ مجيء الحال من النَّكرة تقدم النفي، ويجوز أن تكون صفة ل «فئةٍ» إذا جعلنا الخبر الجارَّ.
وقال: «يَنْصُرونَهُ» حملاً على معنى «فِئةٍ» لأنَّهم في قوَّة القوم والنَّاس، ولو حمل على لفظها، لأفرد؛ كقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: 13] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «تَنْصرُهُ» على اللفظ، قال أبو البقاء: «ولو كان» تَنْصرهُ «لكان على اللفظ» . قال شهاب الدين: قد قرئ بذلك، كما عرفت.
[قال بعضهم] : ومعنى «يَنْصُرونَهُ» يقدرون على نصرته، ويمنعونه من عذاب الله ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ممتنعاً متنعماً، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه، وقيل: لا يقدر على ردِّ ما ذهب عنه.
قوله: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ﴾ : يجوز أن يكون الكلام تمَّ على قوله «مُنْتَصِراً» وهذه جملة منقطعة عمَّا قبلها، وعلى هذا: فيجوز في الكلام أوجه:
الأول: أن يكون «هنالك الولايةُ» مقدَّراً بجملة فعلية، فالولاية فاعل بالظرف قبلها، أي: استقرَّت الولاية الله، و «لله» متعلق بالاستقرار، أو بنفس الظرف؛ لقيامه مقام العامل، أو بنفسِ الولاية، أو يمحذوفٍ على أنه حال من «الوَلاية» وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش من حيث إنَّ الظرف يرفع الفاعل من غير اعتمادٍ.
والثاني: أن يكون «هُنالِكَ» منصوباً على الظرف متعلقاً بخبر «الولاية» وهو «لله» أو بما تعلق به «لله» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها، والعامل الاستقرارُ في «لله» عند من يجيز تقدم الحال على عاملها المعنوي، أو يتعلق بنفس «الولايةِ» .
والثالث: أن يجعل «هُنالِكَ» هو الخبر، و «لله» فضلةٌ، والعامل فيه ما تقدَّم في الوجه الأول.
ويجوز أن يكون «هُنالِكَ» من تتمَّة ما قبلها، فلم يتمَّ الكلام دونه، وهو معمولٌ ل «مُنْتَصِراً» ، أي: وما كان منتصراً في الدار الآخرة، و «هُنالِكَ» إشارة غليها، وإليه نحا أبو إسحاق. وعلى هذا فيكون الوقف على «هُنالِكَ» تامًّا، والابتداء بقوله «الوَلايَةُ لله» فتكون جملة من مبتدأ وخبر.
والظاهر في «هُنالِكَ» : أنه على موضوعه من ظرفية المكان، كما تقدَّم، وتقدَّم أنَّ الأخوين يقرآن بالكسر، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين بالفتح في سورة الأنفال، فلا معنى لإعادته.
وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحنٌ، قالا: لأنَّ «فعالة» إنما تجيء فيما كان صنعة أو ممعنى متقلَّداً، وليس هنالك تولِّي أمورٍ.
فصل في لغات الولاية ومعانيها
قال الزمخشري: الولاية بالفتح: النصر، والتولِّي، وبالكسر: السلطان والملك.
وقيل: بالفتح: الربوبيَّة، وبالكسر: الإمارة.
قوله: «الحَقِّ» قرأ أبو عمرو، والكسائي برفع «الحقُّ» والباقون بجرِّه، فالرفع من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه صفة للولاية وتصديقه قراءة أبيٍّ «هُنالك الوَلايةُ الحق للهِ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ما أوحيناه إليك.
الثالث: أنه مبتدأ، وخبره مضمر، أي: الحق ذلك، وهو ما قلناه.
والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة؛ كقوله «ثُمَّ ردُّوا إلى الله مَولاهُم الحقِّ» .
وقرأ زيد بن عليٍّ، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ويعقوب «الحقَّ» نصباً على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة؛ كقولك «هذَا قَوْلُ الله الحق» وهذا عبد الله الحقَّ، لا الباطل.
قوله: «عُقباً» قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: لغتان؛ كالقُدُسِ والقُدْس، وقيل: الأصل الضمَّ، والسكون تخفيف، وقيل بالعكس؛ كالعُسْر واليُسْر، وهو عكس معهود اللغة، ونصبها ونصب «ثَواباً» و ﴿أَمَلاً﴾ [الكهف: 46] على التمييز لأفعل التفضيل قبلها، ونقل الزمخشريُّ أنه قرئ «عُقْبَى» بالألف، وهي مصدر أيضاً؛ كبُشْرَى، وتروى عن عاصم.
فصل في نظم الآية
اعلم أنَّه تعالى لمَّا ذكر من قصّة الرجلين ما ذكر علمنا أن النُّصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر، وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حقِّ كل مؤمنٍ وكافرٍ، فقال: ﴿هُنالِكَ الوَلايةُ للهِ الحَقِّ﴾ أي: في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام، تكون الولاية لله يوالي أولياءه؛ فيعليهم على أعدائه، ويفوِّض أمر الكفار إليهم.
فقوله: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الموضع، والوقت الذي يريد إظهار كرامة أوليائه، وإذلال أعدائه.
وقيل: المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولَّى الله، ويلتجئ إليه كلُّ محتاجٍ مضطرٍّ، يعني أن قوله: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فكأنه ألجَ إليها ذلك الكافر، فقالها جزعاً ممَّا ساقهُ إليه شؤمُ كفره، ولولا ذلك، لم يقلها.
وقيل: المعنى: هنالك الولاية لله ينصرُ فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمن بما فعل [بأخيه الكافر و] بصدق قوله: ﴿فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السمآء﴾ .
ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: لأوليائه، وقيل: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الدَّار الآخرةِ، أي: في تلك الدَّار الآخرة الولاية لله كقوله: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: 16] .
وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ أي: خيرٌ في الآخرة لمن آمن به، والتجأ إليه، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: هو خيرٌ عاقبة لمن رجاهُ، وعمل لوجهه.
الكهف 18:40
قوله: نعم الثواب» أي: نعم الجزاء.
قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ مجلساً، ومقرّاً، وهذا في مقابلة قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: 29] .
قوله تعالى: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الآية.
وجه النَّظم أن الكفار، لمَّا افتخرُوا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، بيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ممَّا لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن يصير الغنيُّ فقيراً، والفقير غنيًّا، وأما الذي تجبُ المفاخرةُ به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلةٌ لفقراءِ المسلمين، وبيَّن ذلك بضرب هذا المثل؛ فقال: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ أي: مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافرٌ، واسمه [براطوس] ، والآخر: مؤمنٌ، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس.
وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة «الصافات» في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ [الصافات: 51، 52] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمَّرٍ عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلافِ دينارٍ.
وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينارٍ، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما أربعة آلاف دينارٍ، فاشترى الكافر أرضاً بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم، إنَّ أخي اشترى أرضاً بألف، وإنِّي أشتري منك أرضاً بألف في الجنَّة، فتصدَّق به.
ثم [بنى] أخوه داراً بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني أشتري منك داراً بألف في الجنَّة، فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين، وتصدَّق به.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إنِّي اشتريتُ منك الولدان بألف، فتصدَّق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجةٌ، فجلس لأخيه على طريقه، فمرَّ به في خدمه وحشمه، فتعرَّض له، فقال: فلانٌ؟! قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجةٌ بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سويَّة] ، فأخذت شطره؟ فقصَّ عليه قصَّتهُ، قال: إنَّك لمن المصدِّقين، اذهب، فلا أعطيك شيئاً.
وقيل: نزلتْ في أخوين من أهل مكَّة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمنٌ، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أمِّ سلمة قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والآخر كافرٌ، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل.
قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ : قد تقدم أنَّ «ضرب» مع المثل، يجوز أن يتعدى لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مثل رجلين، و «جَعلْنَا» تفسير ل «مَثَل» فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصباً نعتاً ل «رَجُليْنِ» كقولك: مررتُ برجلين، جعل لأحدهما جنَّةٌ.
قوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ يقال: حفَّ بالشيء: طاف به من جميع جوانبه، قال النابغة: [البسيط]
3523 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نِيقٍ وتُتْبِعُهُ ... مِثلُ الزُّجاجةِ لمْ تُكْحَلْ من الرَّمدِ
وحفَّ به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافَّته، وحففته به، أي: جعلته مطيفاً به.
والحِفاف: الجانبُ، وجمعه أحِفَّةٌ، والمعنى: جعلنا حول الأعناب النَّخْل.
قال الزمخشريُّ: وهذه الصفة ممَّا يؤثرها الدَّهاقين في كرومهم، وهو أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسنٌ في [المنظر] .
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ قيل: كان الزَّرع في وسط الأعناب، وقيل: كان الزَّرْع بين الجنَّتين، أي: لم يكن بين الجنتين موضعٌ خالٍ.
والمقصود منه أمورق:
الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.
والثاني: أن تكون متَّسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم يتوسَّطها ما يقطع بعضها عن بعض.
والثالث: أنَّ مثل هذه الأرض تأتي كلَّ [يوم] بمنفعةٍ أخرى، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصفة.
قوله: ﴿كِلْتَا الجنتين﴾ : قد تقدَّم في السورة قبلها [الإسراء: 23] حكم «كلتا» وهي مبتدأ، و «آتتْ» خبرها، وجاء هنا على [الكثير: وهو] مراعاةُ لفظها، دون معناها.
وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - «كِلا الجنَّتَيْنِ» بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ «آتتْ» بالتأنيث؛ اعتباراً بلفظ «الجَنَّتين» فهو نظير «طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ» . وروى الفراء عنه قراءة أخرى: «كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ» أعاد الضمير على اللفظ «أكل» .
واعلم أنَّ لفظ «كل» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و «كِلْتَا» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: «جَاءنِي كِلاَ أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلاَ أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ» ، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
فصل
ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها تامًّا، ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ﴾ لم تنقص، ﴿مِّنْهُ شَيْئاً﴾ والظُّلم: النقصان، يقول الرَّجُل: ظلمنِي حقِّي، أي: نقصنِي.
قوله: «وفجَّرنَا» العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [القمر: 12] ، والتشديد هناك أظهر لقوله «عُيُوناً» .
والعامة على فتح هاء «نهر» وأبو السَّمال والفيَّاض بسكونها.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: لصاحب البستان.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه في الأنعام [الأنعام: 99] ، وتقدَّم أنَّ «الثُّمُرَ» بالضمِّ المال، فقال ابن عباس: جميع المال من ذهبٍ، وفضةٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك، قال النابغة: [البسيط]
3524 - مَهْلاً فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهمُ ... ومَا أثمِّرُ من مالٍ ومِنْ وَلدِ
وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضَّة خاصة.
«فقال» يعني صاحب البستان «لصاحبه» أي المؤمن.
«وهو يُحَاوِرهُ» أي: يخاطبه وهذه جملة حاليَّة مبيِّنةٌ؛ إذ لا يلزم من القول المحاورةُ؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 14] . وقال امرؤ القيس: [الطويل]
3525 - ومَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئهِ ... يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول.
قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ .
والنَّفَرُ: العشيرة الذين يذبُّون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: حشماً، وخدماً.
وقال مقاتلٌ: ولداً تصديقه قوله: ﴿أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: 39] .
قوله: ﴿جَنَّتَهُ﴾ : إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلمِ بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفى بالواحد عن الجمع في قول الهذليِّ: [الكامل]
3526 - فَالعيْنُ بَعدهُم كَأنَّ حِداقهَا ... سُمِلتْ بِشوْكِ فهي عُورٌ تَدْمَعُ
ولقائلٍ أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأنَّ جمع التكسير يجري مجرى المؤنَّثة، فالضمير في «سُمِلَتْ» وفي «فهي» يعود على الحداقِ، لا على حدقةٍ واحدة، كما يوهم.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم أفرد الجنَّة، بعد التثنية؟ قلت: معناه: ودخل ما هو جنَّتهُ، ما له جنة غيرها، بمعنى: أنه ليس له نصيب في الجنة الَّتي وعد المتَّقون، فما ملكه في الدنيا، فهو جنَّته، لا غير، ولم يقصد الجنتين، ولا واحدة منهما» .
فصل
قال أبو حيان: «ولا يتصوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إخبار من الله تعالى بأنَّ هذا الكافر دخل جنَّته، فلا بدَّ أن قصد في الإخبار: أنه دخل إحدى جنتيه؛ إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقتٍ واحدٍ» . قال شهاب الدين: من ادَّعى دخولهما في وقتٍ واحدٍ، حتَّى يلزمه بهذا المستحيلِ في البداية؟ وأمَّا قوله «ولم يقصد الجنَّتين، ولا واحدة» معناه: لم يقصد تعيين مفردٍ، ولا مثنى، لا أنه لم يقصد الإخبار بالدخول.
وقال أبو البقاء: «إنما أفرد؛ لأنَّهما جميعاً ملكهُ، فصارا كالشيء الواحد» .
قوله: «وهُو ظَالِمٌ» حال من فاعل «دَخلَ» ، وقوله «لنَفْسهِ» مفعول «ظَالِمٌ» واللام مزيدة فيه؛ لكون العامل فرعاً.
قوله:» ﴿مَآ أَظُنُّ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ان يكون مستأنفاً بياناً لسبب الظلم.
والثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير في «ظَالِمٌ» ، أي: وهو ظالمٌ في حال كونه قائلاً.
قوله: «أنْ تَبِيدَ» أي: تهلك، قال: [المقتضب]
3527 - فَلئِنْ بَادَ أهْلهُ ... لبِما كَانَ يُوهَلُ
ويقال: بَادَ يَبيدُ بُيُوداً وبَيْدُودة، مثل» كَيْنُونة «والعمل فيها معروفٌ، وهو أنه حذفت إحدى الياءين، ووزنها فيعلولة.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ يعني الكافر آخذاً بيد صاحبه المسلم يطوف به فيها، ويريه بهجتها وحسنها، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ بكفره، وهذا اعتراضٌ وقع في أثناء الكلام، والمعنى أنه لمَّا اغترَّ بتلك النِّعم، وتوسَّل بها إلى الكفران والجحود؛ لقدرته على البعث، كان واضعاً لتلك النِّعم في غير موضعها، ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ .
قال أهل المعاني: لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهَّم أنها لا تفنى أبداً مطلقاً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ فجمع بين كفرين.
الأول: قطعه بأنَّ تلك الأشياء لا تبيدُ أبداً.
والثاني: إنكار البعث.
فإن قيل: هب أنَّه شكَّ في القيامة، فكيف قال: ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً، مع أنَّ الحسَّ يدلُّ على أنَّ أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ غير باقية؟ .
فالجواب: مراده أنَّها لا تبيد مدَّة حياته، ثم قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التَّمييز، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: 50] .
وقوله: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: 77] .
فإن قيل: كيف قال: ولَئِنْ رددت إلى ربي وهو ينكرُ البعث؟ .
فالجواب: معناه: ولئنْ رددتُّ إلى ربِّي على زعمكَ، يعطيني هنالك خيراً منها.
والسَّبب في وقوعه في هذه الشُّبهة أنَّه تعالى لمَّا أعطاه المال والجاه في الدنيا، ظنَّ أنه إنَّما أعطاه ذلك؛ لكونه مستحقًّا له، والاستحقاقُ باقٍ بعد الموت؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدِّمة الأولى كاذبةٌ؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، يكون في أكثر الأمر للاستدراج.
وقرأ أبو عمرو والكوفيون «مِنْهَا» بالإفراد؛ نظراً إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: «جنَّتهُ» وهي في مصاحف العراق، دون ميم، والباقون «مِنْهُما» بالتثنية؛ نظراً إلى الأصل في قوله: «جَنَّتيْنِ» و «كِلتَا الجنَّتيْنِ» ورُسِمَتْ في مصاحفِ الحرمينِ والشَّام بالميم، فكل قد وافق رسم مصحفه.
قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ أي المسلم.
قوله: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي: خلق أصلك من تراب، وهذا يدلُّ على أنَّ الشاكَّ في البعث كافرٌ.
ووجه الاستدلال أنَّه، لمَّا قدر على [الابتداء] ، وجب أن يقدر على الإعادة.
وأيضاً: فإنَّه تعالى، لمَّا خلقك هكذا، فلم يخلقك عبثاً، وإنَّما خلقك لهذا المعنى، وجب أن يحصل للمطيع ثوابٌ، وللمذنب عقابٌ؛ ويدلُّ على هذا قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي: هيَّأك تهيئة تعقل وتصلح أنت للتكليف، فهل يحصل للعاقل مع هذه الآية إهمال أمرك؟! .
قوله: ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ النُّطفة في الأصل: القطرة من الماء الصافي، يقال: نَظفَ يَنطفُ، أي: قطرَ يَقطُر، وفي الحديث: «فَخرجَ، ورَأسهُ يَنطفُ» وفي رواية: يَقطرُ، وهي مفسِّرةٌ، وأطلق على المنيِّ «نُطفَةٌ» تشبيهاً بذلك.
قوله: «رجُلاً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه حالٌ، وجاز ذلك، وإن كان غير منتقلٍ، ولا مشتقٍّ؛ لأنه جاء بعد «سوَّاك» إذ كان من الجائز: أن يسوِّيهُ غير رجل، وهو كقولهم: «خَلقَ الله الزَّرافةَ يَديْهَا أطْولَ من رِجْلَيْهَا» وقول الآخر: [الطويل]
3528 - فَجاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كأنَّما ... عِمامَتهُ بيْنَ الرِّجالِ لِوَاءُ
والثاني: أنه مفعول ثانٍ ل «سَوَّاكَ» لتضمُّنه معنى خلقك، وصيَّرك وجعلك، وهو ظاهر قول الحوفيِّ.
قوله: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ : قرأ ابن عامر، ويعقوب، ونافع في رواية بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً وهي رواية عن نافعٍ، فالوقفُ وفاقٌ.
والأصل في هذه الكلمة: «لكن أنّا» فنقل حركة همزة «أنَا» إلى نون «لكِنْ» وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسنُ الوجهين في تخريج هذا، وقيل: حذف همزة «أنا» [اعتباطاً] ، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس بشيءٍ؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف «أنّا» وصلاً، وإثباتها وقفاً، وقد تقدم لك: أنَّ نافعاً يثبت ألفه وصلاً قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة؛ بتفصيلٍ مذكورٍ في البقرة، وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضاً، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب من إثبات غيره؛ لأنه أثبتها في الوصلِ جملة.
وأمَّا ابن عامرٍ، فإنه خرج عن أصله في الجملة؛ إذ ليس من مذهبه إثبات هذه الألف وصلاً في موضع [ما] ، وإنما اتَّبع الرسم. وقد تقدَّم أنها لغة تميمٍ أيضاً.
وإعراب ذلك: أن يكون «أنَا» مبتدأ، و «هو» مبتدأ ثانٍ، و «هو» ضمير الشأن، و «اللهُ» مبتدأ ثالث و «ربِّي» خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط [بين الأول] وبين خبره الياء في «ربِّي» ويجوز أن تكون الجلالة بدلاً من «هُوَ» أو نعتاً، أو بياناً، إذا جعل «هو» عائداً على ما تقدَّم من قوله «بالذي خلقك من تراب» لا على أنَّه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك، وليس بالبيِّن.
وخرَّجه الفارسي على وجهٍ غريب: وهو أن تكون «لكِنَّا» «لكنَّ» واسمها وهو «ن» والأصل: «لكنَّنا» فحذف إحدى النونات؛ نحو: ﴿إنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر: 9] وكان حق التركيب أن يكون «ربُّنا» «ولا نُشرِكُ بربِّنا» قال: «ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد» وهو غريبٌ جدًّا.
قال الكسائي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: «لكنَّ الله هُوَ ربِّي» .
وقرأ أبو عمرو «لكنَّهْ» بهاء السَّكت وقفاً؛ لأنَّ القصد بيان حركة نون «أنَا» فتارة تبيَّن بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي: [الرمل المجزوء]
3529 - هَكذَا فَرْدِي أَنَهْ ...
وقال ابن عطية عن أبي عمرو: روى عنه هارون «لكنَّه هو الله» بضمير لحق «لكن» قال شهاب الدين: فظاهر هذا أنه ليس بهاء السَّكت، بل تكون الهاءُ ضميراً اسماً ل «لكِنْ» وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، وما بعده خبره، وهو وخبره خبر «لكنَّ» ويجوز أن يكون تأكيداً للاسم، وأن يكون فصلاً، ولا يجوز أن يكون ضمير شأنٍ؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم «لكنَّ» من هذه الجملة الواقعة خبراً.
وأمَّا في قراءة العامة: فلا يجوز أن تكون «لكنَّ» مشددة عاملة؛ لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع.
وقرأ عبد الله «لكنْ أنَا هُوَ» على الأصل من غير نقل، ولا إدغامٍ، وروى عنه ابنُ خالويه «لكنْ هُو الله» بغير «أنا» . وقرئ أيضاً «لكننا» .
وقال الزمخشريُّ: «وحسَّن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع الألف عوضاً عن حذف الهمزة» ونحوه - يعني إدغام نون «لكن» في نون «نَا» بعد حذف الهمزة - قول القائل:
3530 - وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذنِبٌ ... وتَقْلِيننِي لكنَّ إيَّاكِ لا أقْلِي
الأصل: لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان: «ولا يتعيَّن ما قاله في البيت؛ لجواز أن يكون حذف اسم «لكنَّ» [وحذفه] لدليلٍ كثيرٌ، وعليه قوله:
3531 - فَلوْ كُنْتَ ضَبيًّا عَرفْتَ قَرابتِي ... ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافرِ
أي: ولكنَّك، وكذا ها هنا: ولكنَّني إيَّاك» قال شهاب الدين: لم يدَّع الزمخشري تعين ذلك في البيت؛ حتَّى يردَّ عليه بما ذكره.
ويقرب من هذا ما خرَّجه البصريُّون في بيت استدلَّ به الكوفيون عليهم في جواز دخولِ لام الابتداء في خبر «لكنَّ» وهو: [الطويل]
3533 - ... ... ... ... ..... ولكنَّني من حُبِّهَا لعَمِيدُ
فأدخل اللام في خبر «لكنَّ» وخرَّجه البصريون على أن الأصل: «ولكن من حُبِّها» في قوله: «ولكنَّني من حُبِّها لعمِيدُ» ، فأدغم اللام في خبر «لكنَّ» ، وجوَّزه البصريُّون، وخرَّجه طائفة من البصريِّين على أنَّ الأصل ولكن إنِّي من حُبِّها، ثم نقل حركة همزة «إنِّي» إلى نون «لكن» بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدَّم، فلم تدخل اللام إلا في خبر «إنَّ» ، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا: إنَّ البيت مصنوعٌ، ولا يعرف له قائلٌ.
والاستدراك من قوله «أكَفرْتَ» كأنَّه قال لأخيه: أنت كافرٌ؛ لأنَّه استفهام تقرير، لكنَّني أنَّا مؤمنٌ؛ نحو قولك: «زَيْجٌ غَائبٌ، لكنَّ عمراً حاضرٌ» لأنه قد يتوهَّم غيبةُ عمرو أيضاً.
فصل في المقصود بالشرك في الآية
معنى ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
ذكر القفال فيه وجهين:
الأول: أنِّي لا أرى الفقر والغنى إلاَّ منه؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، إذا ابتلى، ولا أتكبَّر عندما ينعم عليَّ، ولا أرى كثرة [المال] ، والأعوان من نفسي، وذلك لأنَّ الكافر، لمَّا [اعتزَّ] بكثرة المال والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العزِّ والغنى.
الثاني: أنَّ هذا الكافر، لمَّا أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشَّريك.
قوله: ﴿ولولاا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ : «لولا» تحضيضيَّةٌ داخلة على «قلت» و «إذْ دَخلْتَ» منصوب ب «قُلْتَ» فصل به بين «لوْلاَ» وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك؛ لأنه ليس بأجنبيٍّ، وقد عرفت أنَّ حرف التحضيضِ، إذا دخل على الماضي، كان للتَّوبيخ.
ومعنى الكلام: هلاَّ إذا دخلت جنَّتك، قلت: ما شَاءَ الله، أي: الأمر ما شاء الله، وقيل: جوابه مضمرٌ، أي: ما شاء الله كان.
﴿مَا شَآءَ الله﴾ يجوز في «مَا» وجهان:
الأول: أن تكون شرطية؛ فتكون في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً وجوباً ب «شاء» أي: أيَّ شيء شاء الله، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله، كان ووقع كما تقدم.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاء الله كائنٌ وواقعٌ.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاءه الله، وعلى كل تقدير: [فهذه الجملة] في محل نصبٍ بالقول.
قوله: «إلاَّ الله» خبر «لا» التبرئةِ، والجملة أيضاً منصوبة بالقولِ، أي: هلاَّ قلت هاتين الجملتين.
فإن قيل: معنى ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ أي: لا أقدرُ على حفظ مالي، ولا دفع شيءٍ عنه إلاَّ بالله.
روى هشامُ بن عروة عن أبيه: «أنَّهُ كان إذَا رأى مِنْ مَالهِ شَيْئاً يُعْجبهُ، أو دَخَلَ حَائِطاً من حِيطانِه قال: مَا شَاءَ الله لا قُوَّة إلاَّ بالله» .
فالجواب: احتجَّ أهل السنَّة بقوله: ﴿مَا شَآءَ الله﴾ على أنَّ كلَّ ما أراده الله واقعٌ، وكلَّ ما لم يقع، لم يرده الله تعالى؛ وهذا يدلُّ على أن الله ما أراد الإيمان من الكافر، وهو صريحٌ في إبطال قول المعتزلة.
فصل في الرد على استدلال المعتزلة بالآية
[ذكر الجبائيُّ] والكعبيُّ بأنَّ تأويل قولهم: «مَا شَاءَ الله» ممَّا تولَّى فعله، لا ما هو فعل العباد، كما قالوا: لا مردَّ لأمر الله، لم يرد ما أمر به العباد، ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريد، كما يحصل فيه ما ينهى عنه.
واعلم أنَّ الذي ذكره الكعبيُّ ليس جواباً عن الاستدلال، بل هو التزامٌ لمخالفة ظاهر النصِّ، وقياس الإرادة على الأمر باطلٌ؛ لأنَّ هذا النصَّ دالٌّ على أنَّه لا يوجد إلاَّ ما أراده الله، وليس في النصوص ما يدلُّ على أنَّه لا يدخل في الوجود إلاَّ ما أمر به، فظهر الفرق. وأجاب القفَّال عنه بأن قال: هلاَّ إذا دخلت [جنَّتك] ، قلت: ما شاء الله، أي: هذه الأشياء الموجودةُ في هذا البستان: ما شاء الله؛ كقول الإنسان، إذا نظر غلى شيءٍ عمله زيدٌ: عمل زيدٍ، أي: هذا عمل زيدٍ.
ومثله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ، أي: قالوا: ثلاثةٌ، وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: 161] أي: وقولوا: هذه حطَّة، وإذا كان كذلك، كان [المراد أن] هذا الشيء الموجود في البستان شيءٌ شاء الله تكوينه، وعلى هذا التقدير: لم يلزم أن يقال: وقع كلُّ ما شاء الله؛ لأنَّ هذا الحكم غير عامٍّ في الكلِّ، بل يختصُّ بالأشياء المشاهدة في البستان، وهذا التأويلُ الذي ذكره القفَّال أحسن مما ذكره الجبائيُّ والكعبيُّ.
فصل
قال ابن الخطيب: وأقول: إنَّه على جوابه لا يندفع الإشكال عن المعتزلة؛ لأنَّ عمارة ذلك البستان، ربَّما حصلت بالغصوب، وبالظُّلم الشديد؛ فلا يصحُّ أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقعٌ بمشيئةِ الله، اللهم، إلاَّ أن يقال: المراد أنَّ هذه الثمار حصلت بمشيئة الله إلاَّ أنَّ هذا تخصيص لظاهر النصِّ من غير دليل.
وأمَّا أمر المؤمن الكافر بأن يقول: لا قُوَّة إلاَّ بالله، أي: لا قُوَّة لأحدٍ على أمر من الأمور إلاَّ بإعانة الله وإقداره.
ثُمَّ إن المؤمن، لما علَّم الكافر الإيمان، أجابه عن الافتخار بالمال والنَّفر، فقال: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ .
واعلم أن ذكر الولد ها هنا يدلُّ على أنَّ المراد بالنَّفر المذكور في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ الأعوان والأولاد.
وقوله: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ﴾ يجوز في «أنا» وجهان:
أحدهما: أن يكون مؤكِّداً لياء المتكلم.
والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، و «أقلَّ» مفعول ثانٍ، أو حال بحسب الوجهين في الرؤية، هل هي بصرية أو علمية؟ إلا أنَّك إذا جعلتها بصرية، تعيَّن في «أنَا» أن تكون توكيداً، لا فصلاً؛ لأنَّ شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر.
وقرأ عيسى بن عمر «أقلُّ» بالرفع، ويتعيَّن أن يكون «أنا» مبتدأ، و «أقلُّ» خبره، والجملة: إمَّا في موضع المفعول الثاني، أو في موضع الحال على ما تقدَّم في الرؤية.
و «مَالاً وولداً» تمييزٌ، وجواب الشرط قوله «فعَسَى ربِّي» .
قوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ : الحسبان مصدر حسب الشيء يحسبه، أي: أحصاهُ، قال الزجاج: «أي عذاب حسبان، أي: حساب ما كسبت يداك» وهو حسن.
فصل في معنى الحسبان
قال الراغب: «قيل: معناه ناراً، وعذاباً، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسبُ عليه، فيجازى بحسبه» وهذا موافق لما قاله أبو إسحاق، والزمخشريُّ نحا إليه أيضاً، فقال: «والحُسْبان مصدر؛ كالغفران والبطلان بمعنى الحساب، أي: مقداراً حسبه الله وقدَّره، وهو الحكم بتخريبها» . وهو قول ابن عباس وقيل: جمع حسبانةٍ، وهي السَّهمُ.
وقال ابن قتيبة: مرامي من السَّماء، وهي مثل الصَّاعقة، أي: قطع من النَّار.
قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ : عطف على «يُرْسلَ» قال أبو حيَّان: و «أوْ يُصْبِحَ» عطفٌ على قوله: «ويُرْسِلَ» لأن غُؤورَ الماءِ لا يتَسبَّبُ عن الآفةِ السماوية، إلا إن عنى بالحسبان القضاء [الإلهيَّ] ؛ فحينئذ يتسبَّب عنه إصباحُ الجنة صعيداً زلقاً، أو إصباح مائها غوراً.
والزَّلقُ والغَوْرُ في الأصل: مصدران وصف بهما للمبالغة.
والعامة على فتح الغين، غَارَ المَاءُ يَغورُ غَوراً: غَاضَ وذهب ف يالأرض، وقرأ البرجميُّ بضم الغين لغة في المصدر، وقرأت طائفة «غُؤوراً» بضمِّ الغين، والهمزة، وواوٍ ساكنة، وهو مصدر أيضاً، يقال: غار الماء غؤوراً مثل: جلس جلوساً.
فصل في معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾
معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها، وقيل: تزلق فيها الأقدام.
وقال مجاهد: رملاً هائلاً، والصعيد وجه الأرض.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾ أي: غائراً منقطعاً ذاهباً لا تناله الأيدي، ولا الدِّلاءُ، والغور: مصدر وقع موقع الاسم، مثل زور وعدل.
قوله: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ أي: فيصير بحيثُ لا تقدر على ردِّه إلى موضعه.
ثمَّ أخبر الله تعالى أنَّه حقَّق ما قدره هذا المؤمن، فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ اي: أحاط العذاب بثمر جنته، وهو عبارة عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من إحاطة العدوِّ؛ لأنَّه إذا أحاط به، فقد استولى عليه، ثمَّ استعمل في كلِّ إهلاكٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] .
قوله: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ : قُرئ «تَقلَّبُ كفَّاهُ» ، أي: تتقلَّب كفَّاه، و «أصْبحَ» : يجوز أن تكون على بابها، وأن تكون بمعنى «صار» وهذا كناية عن الندم؛ لأنَّ النادم يفعل ذلك.
قوله: ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «يُقلِّبُ» وإنما عدِّي ب «عَلَى» لأنه ضمِّن معنى «يَندَمُ» .
وقوله: «فيها» ، أي: في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل «يُقلِّبُ» أي: متحسِّراً، كذا قدَّره أبو البقاس، وهو تفسير معنى، والتقدير الصناعي؛ إنما هو كونٌ مطلقٌ.
قوله: «ويَقُولُ» يجوز أن يكون معطوفاً على «يُقلِّبُ» ويجوز أن يكون حالاً.
فصل في كيفية الإحاطة
قال المفسرون: إنَّ الله تعالى أرسل عليها ناراً، فأهلكتها وغار ماؤها، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صاحبها الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ، أي: يصفِّق بيديه، إحداهما على الأخرى، ويلقِّب كفَّيه ظهراً لبطن؛ تأسُّفاً وتلهُّفاً ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿على عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، فتسقَّطت سقوفها، ثمَّ سقطت الجدران عليها.
ويمكن أنَّ يكون المراد بالعروشِ عروش الكرم، فتسقط العروش، ثم تسقط الجدران عليها.
قوله: ﴿وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
والمعنى: أن المؤمن، لمَّا قال: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ قال الكافر: يا ليتني قلت كذلك.
فإن قيل: هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنَّته؛ لشؤم شركه، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ أنواع البلاء أكثرها إنَّما تقع للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33] .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «خُصَّ البَلاءُ بالأنْبِياءِ، ثمَّ الأوْلياءِ، ثُمَّ الأمثلِ فالأمثَلِ» .
وأيضاً: فلما قال: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فقدم ندم على الشِّرك، ورغب في التوحيد؛ فوجب أن يصير مؤمناً، فلم قال بعده: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾ ؟ .
فالجواب عن الأوَّل: أنه لمَّا عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وكان معرضاً في عمره كلِّه عن طلب الدِّين، فلما ضاعت الدنيا بالكليَّة، بقي محروماً عن الدنيا والدِّين.
والجواب عن الثاني: أنَّه إنَّما نَدِمَ على الشِّرك؛ لاعتقاده أنَّه لو كان موحِّداً غير مشركٍ، لبقيت عليه جنَّته، فهو إنَّما رغب في التوحيد والردَّة عن الشِّرك؛ لأجل [طلب] الدنيا؛ فلهذا لم يقبل الله توحيده.
قوله: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ﴾ : قرأ الأخوان [ «يَكُنْ» ] بالياء من تحت، والباقون من فوق، وهما واضحتان؛ إذ التأنيث مجازيٌّ، وحسن التذكير للفصل.
قوله: «يَنْصُرونَهُ» يجوز أن تكون هذه الجملة خبراً، وهو الظاهر، وأن تكون حالية، والخبر الجار المتقدم، وسوَّغ مجيء الحال من النَّكرة تقدم النفي، ويجوز أن تكون صفة ل «فئةٍ» إذا جعلنا الخبر الجارَّ.
وقال: «يَنْصُرونَهُ» حملاً على معنى «فِئةٍ» لأنَّهم في قوَّة القوم والنَّاس، ولو حمل على لفظها، لأفرد؛ كقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: 13] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «تَنْصرُهُ» على اللفظ، قال أبو البقاء: «ولو كان» تَنْصرهُ «لكان على اللفظ» . قال شهاب الدين: قد قرئ بذلك، كما عرفت.
[قال بعضهم] : ومعنى «يَنْصُرونَهُ» يقدرون على نصرته، ويمنعونه من عذاب الله ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ممتنعاً متنعماً، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه، وقيل: لا يقدر على ردِّ ما ذهب عنه.
قوله: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ﴾ : يجوز أن يكون الكلام تمَّ على قوله «مُنْتَصِراً» وهذه جملة منقطعة عمَّا قبلها، وعلى هذا: فيجوز في الكلام أوجه:
الأول: أن يكون «هنالك الولايةُ» مقدَّراً بجملة فعلية، فالولاية فاعل بالظرف قبلها، أي: استقرَّت الولاية الله، و «لله» متعلق بالاستقرار، أو بنفس الظرف؛ لقيامه مقام العامل، أو بنفسِ الولاية، أو يمحذوفٍ على أنه حال من «الوَلاية» وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش من حيث إنَّ الظرف يرفع الفاعل من غير اعتمادٍ.
والثاني: أن يكون «هُنالِكَ» منصوباً على الظرف متعلقاً بخبر «الولاية» وهو «لله» أو بما تعلق به «لله» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها، والعامل الاستقرارُ في «لله» عند من يجيز تقدم الحال على عاملها المعنوي، أو يتعلق بنفس «الولايةِ» .
والثالث: أن يجعل «هُنالِكَ» هو الخبر، و «لله» فضلةٌ، والعامل فيه ما تقدَّم في الوجه الأول.
ويجوز أن يكون «هُنالِكَ» من تتمَّة ما قبلها، فلم يتمَّ الكلام دونه، وهو معمولٌ ل «مُنْتَصِراً» ، أي: وما كان منتصراً في الدار الآخرة، و «هُنالِكَ» إشارة غليها، وإليه نحا أبو إسحاق. وعلى هذا فيكون الوقف على «هُنالِكَ» تامًّا، والابتداء بقوله «الوَلايَةُ لله» فتكون جملة من مبتدأ وخبر.
والظاهر في «هُنالِكَ» : أنه على موضوعه من ظرفية المكان، كما تقدَّم، وتقدَّم أنَّ الأخوين يقرآن بالكسر، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين بالفتح في سورة الأنفال، فلا معنى لإعادته.
وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحنٌ، قالا: لأنَّ «فعالة» إنما تجيء فيما كان صنعة أو ممعنى متقلَّداً، وليس هنالك تولِّي أمورٍ.
فصل في لغات الولاية ومعانيها
قال الزمخشري: الولاية بالفتح: النصر، والتولِّي، وبالكسر: السلطان والملك.
وقيل: بالفتح: الربوبيَّة، وبالكسر: الإمارة.
قوله: «الحَقِّ» قرأ أبو عمرو، والكسائي برفع «الحقُّ» والباقون بجرِّه، فالرفع من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه صفة للولاية وتصديقه قراءة أبيٍّ «هُنالك الوَلايةُ الحق للهِ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ما أوحيناه إليك.
الثالث: أنه مبتدأ، وخبره مضمر، أي: الحق ذلك، وهو ما قلناه.
والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة؛ كقوله «ثُمَّ ردُّوا إلى الله مَولاهُم الحقِّ» .
وقرأ زيد بن عليٍّ، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ويعقوب «الحقَّ» نصباً على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة؛ كقولك «هذَا قَوْلُ الله الحق» وهذا عبد الله الحقَّ، لا الباطل.
قوله: «عُقباً» قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: لغتان؛ كالقُدُسِ والقُدْس، وقيل: الأصل الضمَّ، والسكون تخفيف، وقيل بالعكس؛ كالعُسْر واليُسْر، وهو عكس معهود اللغة، ونصبها ونصب «ثَواباً» و ﴿أَمَلاً﴾ [الكهف: 46] على التمييز لأفعل التفضيل قبلها، ونقل الزمخشريُّ أنه قرئ «عُقْبَى» بالألف، وهي مصدر أيضاً؛ كبُشْرَى، وتروى عن عاصم.
فصل في نظم الآية
اعلم أنَّه تعالى لمَّا ذكر من قصّة الرجلين ما ذكر علمنا أن النُّصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر، وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حقِّ كل مؤمنٍ وكافرٍ، فقال: ﴿هُنالِكَ الوَلايةُ للهِ الحَقِّ﴾ أي: في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام، تكون الولاية لله يوالي أولياءه؛ فيعليهم على أعدائه، ويفوِّض أمر الكفار إليهم.
فقوله: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الموضع، والوقت الذي يريد إظهار كرامة أوليائه، وإذلال أعدائه.
وقيل: المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولَّى الله، ويلتجئ إليه كلُّ محتاجٍ مضطرٍّ، يعني أن قوله: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فكأنه ألجَ إليها ذلك الكافر، فقالها جزعاً ممَّا ساقهُ إليه شؤمُ كفره، ولولا ذلك، لم يقلها.
وقيل: المعنى: هنالك الولاية لله ينصرُ فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمن بما فعل [بأخيه الكافر و] بصدق قوله: ﴿فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السمآء﴾ .
ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: لأوليائه، وقيل: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الدَّار الآخرةِ، أي: في تلك الدَّار الآخرة الولاية لله كقوله: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: 16] .
وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ أي: خيرٌ في الآخرة لمن آمن به، والتجأ إليه، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: هو خيرٌ عاقبة لمن رجاهُ، وعمل لوجهه.
الكهف 18:41
قوله: نعم الثواب» أي: نعم الجزاء.
قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ مجلساً، ومقرّاً، وهذا في مقابلة قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: 29] .
قوله تعالى: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الآية.
وجه النَّظم أن الكفار، لمَّا افتخرُوا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، بيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ممَّا لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن يصير الغنيُّ فقيراً، والفقير غنيًّا، وأما الذي تجبُ المفاخرةُ به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلةٌ لفقراءِ المسلمين، وبيَّن ذلك بضرب هذا المثل؛ فقال: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ أي: مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافرٌ، واسمه [براطوس] ، والآخر: مؤمنٌ، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس.
وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة «الصافات» في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ [الصافات: 51، 52] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمَّرٍ عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلافِ دينارٍ.
وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينارٍ، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما أربعة آلاف دينارٍ، فاشترى الكافر أرضاً بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم، إنَّ أخي اشترى أرضاً بألف، وإنِّي أشتري منك أرضاً بألف في الجنَّة، فتصدَّق به.
ثم [بنى] أخوه داراً بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني أشتري منك داراً بألف في الجنَّة، فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين، وتصدَّق به.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إنِّي اشتريتُ منك الولدان بألف، فتصدَّق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجةٌ، فجلس لأخيه على طريقه، فمرَّ به في خدمه وحشمه، فتعرَّض له، فقال: فلانٌ؟! قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجةٌ بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سويَّة] ، فأخذت شطره؟ فقصَّ عليه قصَّتهُ، قال: إنَّك لمن المصدِّقين، اذهب، فلا أعطيك شيئاً.
وقيل: نزلتْ في أخوين من أهل مكَّة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمنٌ، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أمِّ سلمة قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والآخر كافرٌ، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل.
قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ : قد تقدم أنَّ «ضرب» مع المثل، يجوز أن يتعدى لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مثل رجلين، و «جَعلْنَا» تفسير ل «مَثَل» فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصباً نعتاً ل «رَجُليْنِ» كقولك: مررتُ برجلين، جعل لأحدهما جنَّةٌ.
قوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ يقال: حفَّ بالشيء: طاف به من جميع جوانبه، قال النابغة: [البسيط]
3523 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نِيقٍ وتُتْبِعُهُ ... مِثلُ الزُّجاجةِ لمْ تُكْحَلْ من الرَّمدِ
وحفَّ به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافَّته، وحففته به، أي: جعلته مطيفاً به.
والحِفاف: الجانبُ، وجمعه أحِفَّةٌ، والمعنى: جعلنا حول الأعناب النَّخْل.
قال الزمخشريُّ: وهذه الصفة ممَّا يؤثرها الدَّهاقين في كرومهم، وهو أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسنٌ في [المنظر] .
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ قيل: كان الزَّرع في وسط الأعناب، وقيل: كان الزَّرْع بين الجنَّتين، أي: لم يكن بين الجنتين موضعٌ خالٍ.
والمقصود منه أمورق:
الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.
والثاني: أن تكون متَّسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم يتوسَّطها ما يقطع بعضها عن بعض.
والثالث: أنَّ مثل هذه الأرض تأتي كلَّ [يوم] بمنفعةٍ أخرى، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصفة.
قوله: ﴿كِلْتَا الجنتين﴾ : قد تقدَّم في السورة قبلها [الإسراء: 23] حكم «كلتا» وهي مبتدأ، و «آتتْ» خبرها، وجاء هنا على [الكثير: وهو] مراعاةُ لفظها، دون معناها.
وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - «كِلا الجنَّتَيْنِ» بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ «آتتْ» بالتأنيث؛ اعتباراً بلفظ «الجَنَّتين» فهو نظير «طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ» . وروى الفراء عنه قراءة أخرى: «كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ» أعاد الضمير على اللفظ «أكل» .
واعلم أنَّ لفظ «كل» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و «كِلْتَا» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: «جَاءنِي كِلاَ أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلاَ أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ» ، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
فصل
ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها تامًّا، ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ﴾ لم تنقص، ﴿مِّنْهُ شَيْئاً﴾ والظُّلم: النقصان، يقول الرَّجُل: ظلمنِي حقِّي، أي: نقصنِي.
قوله: «وفجَّرنَا» العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [القمر: 12] ، والتشديد هناك أظهر لقوله «عُيُوناً» .
والعامة على فتح هاء «نهر» وأبو السَّمال والفيَّاض بسكونها.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: لصاحب البستان.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه في الأنعام [الأنعام: 99] ، وتقدَّم أنَّ «الثُّمُرَ» بالضمِّ المال، فقال ابن عباس: جميع المال من ذهبٍ، وفضةٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك، قال النابغة: [البسيط]
3524 - مَهْلاً فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهمُ ... ومَا أثمِّرُ من مالٍ ومِنْ وَلدِ
وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضَّة خاصة.
«فقال» يعني صاحب البستان «لصاحبه» أي المؤمن.
«وهو يُحَاوِرهُ» أي: يخاطبه وهذه جملة حاليَّة مبيِّنةٌ؛ إذ لا يلزم من القول المحاورةُ؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 14] . وقال امرؤ القيس: [الطويل]
3525 - ومَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئهِ ... يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول.
قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ .
والنَّفَرُ: العشيرة الذين يذبُّون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: حشماً، وخدماً.
وقال مقاتلٌ: ولداً تصديقه قوله: ﴿أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: 39] .
قوله: ﴿جَنَّتَهُ﴾ : إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلمِ بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفى بالواحد عن الجمع في قول الهذليِّ: [الكامل]
3526 - فَالعيْنُ بَعدهُم كَأنَّ حِداقهَا ... سُمِلتْ بِشوْكِ فهي عُورٌ تَدْمَعُ
ولقائلٍ أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأنَّ جمع التكسير يجري مجرى المؤنَّثة، فالضمير في «سُمِلَتْ» وفي «فهي» يعود على الحداقِ، لا على حدقةٍ واحدة، كما يوهم.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم أفرد الجنَّة، بعد التثنية؟ قلت: معناه: ودخل ما هو جنَّتهُ، ما له جنة غيرها، بمعنى: أنه ليس له نصيب في الجنة الَّتي وعد المتَّقون، فما ملكه في الدنيا، فهو جنَّته، لا غير، ولم يقصد الجنتين، ولا واحدة منهما» .
فصل
قال أبو حيان: «ولا يتصوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إخبار من الله تعالى بأنَّ هذا الكافر دخل جنَّته، فلا بدَّ أن قصد في الإخبار: أنه دخل إحدى جنتيه؛ إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقتٍ واحدٍ» . قال شهاب الدين: من ادَّعى دخولهما في وقتٍ واحدٍ، حتَّى يلزمه بهذا المستحيلِ في البداية؟ وأمَّا قوله «ولم يقصد الجنَّتين، ولا واحدة» معناه: لم يقصد تعيين مفردٍ، ولا مثنى، لا أنه لم يقصد الإخبار بالدخول.
وقال أبو البقاء: «إنما أفرد؛ لأنَّهما جميعاً ملكهُ، فصارا كالشيء الواحد» .
قوله: «وهُو ظَالِمٌ» حال من فاعل «دَخلَ» ، وقوله «لنَفْسهِ» مفعول «ظَالِمٌ» واللام مزيدة فيه؛ لكون العامل فرعاً.
قوله:» ﴿مَآ أَظُنُّ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ان يكون مستأنفاً بياناً لسبب الظلم.
والثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير في «ظَالِمٌ» ، أي: وهو ظالمٌ في حال كونه قائلاً.
قوله: «أنْ تَبِيدَ» أي: تهلك، قال: [المقتضب]
3527 - فَلئِنْ بَادَ أهْلهُ ... لبِما كَانَ يُوهَلُ
ويقال: بَادَ يَبيدُ بُيُوداً وبَيْدُودة، مثل» كَيْنُونة «والعمل فيها معروفٌ، وهو أنه حذفت إحدى الياءين، ووزنها فيعلولة.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ يعني الكافر آخذاً بيد صاحبه المسلم يطوف به فيها، ويريه بهجتها وحسنها، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ بكفره، وهذا اعتراضٌ وقع في أثناء الكلام، والمعنى أنه لمَّا اغترَّ بتلك النِّعم، وتوسَّل بها إلى الكفران والجحود؛ لقدرته على البعث، كان واضعاً لتلك النِّعم في غير موضعها، ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ .
قال أهل المعاني: لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهَّم أنها لا تفنى أبداً مطلقاً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ فجمع بين كفرين.
الأول: قطعه بأنَّ تلك الأشياء لا تبيدُ أبداً.
والثاني: إنكار البعث.
فإن قيل: هب أنَّه شكَّ في القيامة، فكيف قال: ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً، مع أنَّ الحسَّ يدلُّ على أنَّ أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ غير باقية؟ .
فالجواب: مراده أنَّها لا تبيد مدَّة حياته، ثم قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التَّمييز، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: 50] .
وقوله: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: 77] .
فإن قيل: كيف قال: ولَئِنْ رددت إلى ربي وهو ينكرُ البعث؟ .
فالجواب: معناه: ولئنْ رددتُّ إلى ربِّي على زعمكَ، يعطيني هنالك خيراً منها.
والسَّبب في وقوعه في هذه الشُّبهة أنَّه تعالى لمَّا أعطاه المال والجاه في الدنيا، ظنَّ أنه إنَّما أعطاه ذلك؛ لكونه مستحقًّا له، والاستحقاقُ باقٍ بعد الموت؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدِّمة الأولى كاذبةٌ؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، يكون في أكثر الأمر للاستدراج.
وقرأ أبو عمرو والكوفيون «مِنْهَا» بالإفراد؛ نظراً إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: «جنَّتهُ» وهي في مصاحف العراق، دون ميم، والباقون «مِنْهُما» بالتثنية؛ نظراً إلى الأصل في قوله: «جَنَّتيْنِ» و «كِلتَا الجنَّتيْنِ» ورُسِمَتْ في مصاحفِ الحرمينِ والشَّام بالميم، فكل قد وافق رسم مصحفه.
قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ أي المسلم.
قوله: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي: خلق أصلك من تراب، وهذا يدلُّ على أنَّ الشاكَّ في البعث كافرٌ.
ووجه الاستدلال أنَّه، لمَّا قدر على [الابتداء] ، وجب أن يقدر على الإعادة.
وأيضاً: فإنَّه تعالى، لمَّا خلقك هكذا، فلم يخلقك عبثاً، وإنَّما خلقك لهذا المعنى، وجب أن يحصل للمطيع ثوابٌ، وللمذنب عقابٌ؛ ويدلُّ على هذا قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي: هيَّأك تهيئة تعقل وتصلح أنت للتكليف، فهل يحصل للعاقل مع هذه الآية إهمال أمرك؟! .
قوله: ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ النُّطفة في الأصل: القطرة من الماء الصافي، يقال: نَظفَ يَنطفُ، أي: قطرَ يَقطُر، وفي الحديث: «فَخرجَ، ورَأسهُ يَنطفُ» وفي رواية: يَقطرُ، وهي مفسِّرةٌ، وأطلق على المنيِّ «نُطفَةٌ» تشبيهاً بذلك.
قوله: «رجُلاً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه حالٌ، وجاز ذلك، وإن كان غير منتقلٍ، ولا مشتقٍّ؛ لأنه جاء بعد «سوَّاك» إذ كان من الجائز: أن يسوِّيهُ غير رجل، وهو كقولهم: «خَلقَ الله الزَّرافةَ يَديْهَا أطْولَ من رِجْلَيْهَا» وقول الآخر: [الطويل]
3528 - فَجاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كأنَّما ... عِمامَتهُ بيْنَ الرِّجالِ لِوَاءُ
والثاني: أنه مفعول ثانٍ ل «سَوَّاكَ» لتضمُّنه معنى خلقك، وصيَّرك وجعلك، وهو ظاهر قول الحوفيِّ.
قوله: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ : قرأ ابن عامر، ويعقوب، ونافع في رواية بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً وهي رواية عن نافعٍ، فالوقفُ وفاقٌ.
والأصل في هذه الكلمة: «لكن أنّا» فنقل حركة همزة «أنَا» إلى نون «لكِنْ» وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسنُ الوجهين في تخريج هذا، وقيل: حذف همزة «أنا» [اعتباطاً] ، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس بشيءٍ؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف «أنّا» وصلاً، وإثباتها وقفاً، وقد تقدم لك: أنَّ نافعاً يثبت ألفه وصلاً قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة؛ بتفصيلٍ مذكورٍ في البقرة، وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضاً، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب من إثبات غيره؛ لأنه أثبتها في الوصلِ جملة.
وأمَّا ابن عامرٍ، فإنه خرج عن أصله في الجملة؛ إذ ليس من مذهبه إثبات هذه الألف وصلاً في موضع [ما] ، وإنما اتَّبع الرسم. وقد تقدَّم أنها لغة تميمٍ أيضاً.
وإعراب ذلك: أن يكون «أنَا» مبتدأ، و «هو» مبتدأ ثانٍ، و «هو» ضمير الشأن، و «اللهُ» مبتدأ ثالث و «ربِّي» خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط [بين الأول] وبين خبره الياء في «ربِّي» ويجوز أن تكون الجلالة بدلاً من «هُوَ» أو نعتاً، أو بياناً، إذا جعل «هو» عائداً على ما تقدَّم من قوله «بالذي خلقك من تراب» لا على أنَّه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك، وليس بالبيِّن.
وخرَّجه الفارسي على وجهٍ غريب: وهو أن تكون «لكِنَّا» «لكنَّ» واسمها وهو «ن» والأصل: «لكنَّنا» فحذف إحدى النونات؛ نحو: ﴿إنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر: 9] وكان حق التركيب أن يكون «ربُّنا» «ولا نُشرِكُ بربِّنا» قال: «ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد» وهو غريبٌ جدًّا.
قال الكسائي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: «لكنَّ الله هُوَ ربِّي» .
وقرأ أبو عمرو «لكنَّهْ» بهاء السَّكت وقفاً؛ لأنَّ القصد بيان حركة نون «أنَا» فتارة تبيَّن بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي: [الرمل المجزوء]
3529 - هَكذَا فَرْدِي أَنَهْ ...
وقال ابن عطية عن أبي عمرو: روى عنه هارون «لكنَّه هو الله» بضمير لحق «لكن» قال شهاب الدين: فظاهر هذا أنه ليس بهاء السَّكت، بل تكون الهاءُ ضميراً اسماً ل «لكِنْ» وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، وما بعده خبره، وهو وخبره خبر «لكنَّ» ويجوز أن يكون تأكيداً للاسم، وأن يكون فصلاً، ولا يجوز أن يكون ضمير شأنٍ؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم «لكنَّ» من هذه الجملة الواقعة خبراً.
وأمَّا في قراءة العامة: فلا يجوز أن تكون «لكنَّ» مشددة عاملة؛ لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع.
وقرأ عبد الله «لكنْ أنَا هُوَ» على الأصل من غير نقل، ولا إدغامٍ، وروى عنه ابنُ خالويه «لكنْ هُو الله» بغير «أنا» . وقرئ أيضاً «لكننا» .
وقال الزمخشريُّ: «وحسَّن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع الألف عوضاً عن حذف الهمزة» ونحوه - يعني إدغام نون «لكن» في نون «نَا» بعد حذف الهمزة - قول القائل:
3530 - وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذنِبٌ ... وتَقْلِيننِي لكنَّ إيَّاكِ لا أقْلِي
الأصل: لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان: «ولا يتعيَّن ما قاله في البيت؛ لجواز أن يكون حذف اسم «لكنَّ» [وحذفه] لدليلٍ كثيرٌ، وعليه قوله:
3531 - فَلوْ كُنْتَ ضَبيًّا عَرفْتَ قَرابتِي ... ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافرِ
أي: ولكنَّك، وكذا ها هنا: ولكنَّني إيَّاك» قال شهاب الدين: لم يدَّع الزمخشري تعين ذلك في البيت؛ حتَّى يردَّ عليه بما ذكره.
ويقرب من هذا ما خرَّجه البصريُّون في بيت استدلَّ به الكوفيون عليهم في جواز دخولِ لام الابتداء في خبر «لكنَّ» وهو: [الطويل]
3533 - ... ... ... ... ..... ولكنَّني من حُبِّهَا لعَمِيدُ
فأدخل اللام في خبر «لكنَّ» وخرَّجه البصريون على أن الأصل: «ولكن من حُبِّها» في قوله: «ولكنَّني من حُبِّها لعمِيدُ» ، فأدغم اللام في خبر «لكنَّ» ، وجوَّزه البصريُّون، وخرَّجه طائفة من البصريِّين على أنَّ الأصل ولكن إنِّي من حُبِّها، ثم نقل حركة همزة «إنِّي» إلى نون «لكن» بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدَّم، فلم تدخل اللام إلا في خبر «إنَّ» ، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا: إنَّ البيت مصنوعٌ، ولا يعرف له قائلٌ.
والاستدراك من قوله «أكَفرْتَ» كأنَّه قال لأخيه: أنت كافرٌ؛ لأنَّه استفهام تقرير، لكنَّني أنَّا مؤمنٌ؛ نحو قولك: «زَيْجٌ غَائبٌ، لكنَّ عمراً حاضرٌ» لأنه قد يتوهَّم غيبةُ عمرو أيضاً.
فصل في المقصود بالشرك في الآية
معنى ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
ذكر القفال فيه وجهين:
الأول: أنِّي لا أرى الفقر والغنى إلاَّ منه؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، إذا ابتلى، ولا أتكبَّر عندما ينعم عليَّ، ولا أرى كثرة [المال] ، والأعوان من نفسي، وذلك لأنَّ الكافر، لمَّا [اعتزَّ] بكثرة المال والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العزِّ والغنى.
الثاني: أنَّ هذا الكافر، لمَّا أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشَّريك.
قوله: ﴿ولولاا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ : «لولا» تحضيضيَّةٌ داخلة على «قلت» و «إذْ دَخلْتَ» منصوب ب «قُلْتَ» فصل به بين «لوْلاَ» وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك؛ لأنه ليس بأجنبيٍّ، وقد عرفت أنَّ حرف التحضيضِ، إذا دخل على الماضي، كان للتَّوبيخ.
ومعنى الكلام: هلاَّ إذا دخلت جنَّتك، قلت: ما شَاءَ الله، أي: الأمر ما شاء الله، وقيل: جوابه مضمرٌ، أي: ما شاء الله كان.
﴿مَا شَآءَ الله﴾ يجوز في «مَا» وجهان:
الأول: أن تكون شرطية؛ فتكون في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً وجوباً ب «شاء» أي: أيَّ شيء شاء الله، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله، كان ووقع كما تقدم.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاء الله كائنٌ وواقعٌ.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاءه الله، وعلى كل تقدير: [فهذه الجملة] في محل نصبٍ بالقول.
قوله: «إلاَّ الله» خبر «لا» التبرئةِ، والجملة أيضاً منصوبة بالقولِ، أي: هلاَّ قلت هاتين الجملتين.
فإن قيل: معنى ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ أي: لا أقدرُ على حفظ مالي، ولا دفع شيءٍ عنه إلاَّ بالله.
روى هشامُ بن عروة عن أبيه: «أنَّهُ كان إذَا رأى مِنْ مَالهِ شَيْئاً يُعْجبهُ، أو دَخَلَ حَائِطاً من حِيطانِه قال: مَا شَاءَ الله لا قُوَّة إلاَّ بالله» .
فالجواب: احتجَّ أهل السنَّة بقوله: ﴿مَا شَآءَ الله﴾ على أنَّ كلَّ ما أراده الله واقعٌ، وكلَّ ما لم يقع، لم يرده الله تعالى؛ وهذا يدلُّ على أن الله ما أراد الإيمان من الكافر، وهو صريحٌ في إبطال قول المعتزلة.
فصل في الرد على استدلال المعتزلة بالآية
[ذكر الجبائيُّ] والكعبيُّ بأنَّ تأويل قولهم: «مَا شَاءَ الله» ممَّا تولَّى فعله، لا ما هو فعل العباد، كما قالوا: لا مردَّ لأمر الله، لم يرد ما أمر به العباد، ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريد، كما يحصل فيه ما ينهى عنه.
واعلم أنَّ الذي ذكره الكعبيُّ ليس جواباً عن الاستدلال، بل هو التزامٌ لمخالفة ظاهر النصِّ، وقياس الإرادة على الأمر باطلٌ؛ لأنَّ هذا النصَّ دالٌّ على أنَّه لا يوجد إلاَّ ما أراده الله، وليس في النصوص ما يدلُّ على أنَّه لا يدخل في الوجود إلاَّ ما أمر به، فظهر الفرق. وأجاب القفَّال عنه بأن قال: هلاَّ إذا دخلت [جنَّتك] ، قلت: ما شاء الله، أي: هذه الأشياء الموجودةُ في هذا البستان: ما شاء الله؛ كقول الإنسان، إذا نظر غلى شيءٍ عمله زيدٌ: عمل زيدٍ، أي: هذا عمل زيدٍ.
ومثله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ، أي: قالوا: ثلاثةٌ، وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: 161] أي: وقولوا: هذه حطَّة، وإذا كان كذلك، كان [المراد أن] هذا الشيء الموجود في البستان شيءٌ شاء الله تكوينه، وعلى هذا التقدير: لم يلزم أن يقال: وقع كلُّ ما شاء الله؛ لأنَّ هذا الحكم غير عامٍّ في الكلِّ، بل يختصُّ بالأشياء المشاهدة في البستان، وهذا التأويلُ الذي ذكره القفَّال أحسن مما ذكره الجبائيُّ والكعبيُّ.
فصل
قال ابن الخطيب: وأقول: إنَّه على جوابه لا يندفع الإشكال عن المعتزلة؛ لأنَّ عمارة ذلك البستان، ربَّما حصلت بالغصوب، وبالظُّلم الشديد؛ فلا يصحُّ أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقعٌ بمشيئةِ الله، اللهم، إلاَّ أن يقال: المراد أنَّ هذه الثمار حصلت بمشيئة الله إلاَّ أنَّ هذا تخصيص لظاهر النصِّ من غير دليل.
وأمَّا أمر المؤمن الكافر بأن يقول: لا قُوَّة إلاَّ بالله، أي: لا قُوَّة لأحدٍ على أمر من الأمور إلاَّ بإعانة الله وإقداره.
ثُمَّ إن المؤمن، لما علَّم الكافر الإيمان، أجابه عن الافتخار بالمال والنَّفر، فقال: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ .
واعلم أن ذكر الولد ها هنا يدلُّ على أنَّ المراد بالنَّفر المذكور في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ الأعوان والأولاد.
وقوله: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ﴾ يجوز في «أنا» وجهان:
أحدهما: أن يكون مؤكِّداً لياء المتكلم.
والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، و «أقلَّ» مفعول ثانٍ، أو حال بحسب الوجهين في الرؤية، هل هي بصرية أو علمية؟ إلا أنَّك إذا جعلتها بصرية، تعيَّن في «أنَا» أن تكون توكيداً، لا فصلاً؛ لأنَّ شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر.
وقرأ عيسى بن عمر «أقلُّ» بالرفع، ويتعيَّن أن يكون «أنا» مبتدأ، و «أقلُّ» خبره، والجملة: إمَّا في موضع المفعول الثاني، أو في موضع الحال على ما تقدَّم في الرؤية.
و «مَالاً وولداً» تمييزٌ، وجواب الشرط قوله «فعَسَى ربِّي» .
قوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ : الحسبان مصدر حسب الشيء يحسبه، أي: أحصاهُ، قال الزجاج: «أي عذاب حسبان، أي: حساب ما كسبت يداك» وهو حسن.
فصل في معنى الحسبان
قال الراغب: «قيل: معناه ناراً، وعذاباً، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسبُ عليه، فيجازى بحسبه» وهذا موافق لما قاله أبو إسحاق، والزمخشريُّ نحا إليه أيضاً، فقال: «والحُسْبان مصدر؛ كالغفران والبطلان بمعنى الحساب، أي: مقداراً حسبه الله وقدَّره، وهو الحكم بتخريبها» . وهو قول ابن عباس وقيل: جمع حسبانةٍ، وهي السَّهمُ.
وقال ابن قتيبة: مرامي من السَّماء، وهي مثل الصَّاعقة، أي: قطع من النَّار.
قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ : عطف على «يُرْسلَ» قال أبو حيَّان: و «أوْ يُصْبِحَ» عطفٌ على قوله: «ويُرْسِلَ» لأن غُؤورَ الماءِ لا يتَسبَّبُ عن الآفةِ السماوية، إلا إن عنى بالحسبان القضاء [الإلهيَّ] ؛ فحينئذ يتسبَّب عنه إصباحُ الجنة صعيداً زلقاً، أو إصباح مائها غوراً.
والزَّلقُ والغَوْرُ في الأصل: مصدران وصف بهما للمبالغة.
والعامة على فتح الغين، غَارَ المَاءُ يَغورُ غَوراً: غَاضَ وذهب ف يالأرض، وقرأ البرجميُّ بضم الغين لغة في المصدر، وقرأت طائفة «غُؤوراً» بضمِّ الغين، والهمزة، وواوٍ ساكنة، وهو مصدر أيضاً، يقال: غار الماء غؤوراً مثل: جلس جلوساً.
فصل في معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾
معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها، وقيل: تزلق فيها الأقدام.
وقال مجاهد: رملاً هائلاً، والصعيد وجه الأرض.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾ أي: غائراً منقطعاً ذاهباً لا تناله الأيدي، ولا الدِّلاءُ، والغور: مصدر وقع موقع الاسم، مثل زور وعدل.
قوله: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ أي: فيصير بحيثُ لا تقدر على ردِّه إلى موضعه.
ثمَّ أخبر الله تعالى أنَّه حقَّق ما قدره هذا المؤمن، فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ اي: أحاط العذاب بثمر جنته، وهو عبارة عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من إحاطة العدوِّ؛ لأنَّه إذا أحاط به، فقد استولى عليه، ثمَّ استعمل في كلِّ إهلاكٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] .
قوله: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ : قُرئ «تَقلَّبُ كفَّاهُ» ، أي: تتقلَّب كفَّاه، و «أصْبحَ» : يجوز أن تكون على بابها، وأن تكون بمعنى «صار» وهذا كناية عن الندم؛ لأنَّ النادم يفعل ذلك.
قوله: ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «يُقلِّبُ» وإنما عدِّي ب «عَلَى» لأنه ضمِّن معنى «يَندَمُ» .
وقوله: «فيها» ، أي: في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل «يُقلِّبُ» أي: متحسِّراً، كذا قدَّره أبو البقاس، وهو تفسير معنى، والتقدير الصناعي؛ إنما هو كونٌ مطلقٌ.
قوله: «ويَقُولُ» يجوز أن يكون معطوفاً على «يُقلِّبُ» ويجوز أن يكون حالاً.
فصل في كيفية الإحاطة
قال المفسرون: إنَّ الله تعالى أرسل عليها ناراً، فأهلكتها وغار ماؤها، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صاحبها الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ، أي: يصفِّق بيديه، إحداهما على الأخرى، ويلقِّب كفَّيه ظهراً لبطن؛ تأسُّفاً وتلهُّفاً ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿على عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، فتسقَّطت سقوفها، ثمَّ سقطت الجدران عليها.
ويمكن أنَّ يكون المراد بالعروشِ عروش الكرم، فتسقط العروش، ثم تسقط الجدران عليها.
قوله: ﴿وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
والمعنى: أن المؤمن، لمَّا قال: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ قال الكافر: يا ليتني قلت كذلك.
فإن قيل: هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنَّته؛ لشؤم شركه، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ أنواع البلاء أكثرها إنَّما تقع للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33] .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «خُصَّ البَلاءُ بالأنْبِياءِ، ثمَّ الأوْلياءِ، ثُمَّ الأمثلِ فالأمثَلِ» .
وأيضاً: فلما قال: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فقدم ندم على الشِّرك، ورغب في التوحيد؛ فوجب أن يصير مؤمناً، فلم قال بعده: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾ ؟ .
فالجواب عن الأوَّل: أنه لمَّا عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وكان معرضاً في عمره كلِّه عن طلب الدِّين، فلما ضاعت الدنيا بالكليَّة، بقي محروماً عن الدنيا والدِّين.
والجواب عن الثاني: أنَّه إنَّما نَدِمَ على الشِّرك؛ لاعتقاده أنَّه لو كان موحِّداً غير مشركٍ، لبقيت عليه جنَّته، فهو إنَّما رغب في التوحيد والردَّة عن الشِّرك؛ لأجل [طلب] الدنيا؛ فلهذا لم يقبل الله توحيده.
قوله: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ﴾ : قرأ الأخوان [ «يَكُنْ» ] بالياء من تحت، والباقون من فوق، وهما واضحتان؛ إذ التأنيث مجازيٌّ، وحسن التذكير للفصل.
قوله: «يَنْصُرونَهُ» يجوز أن تكون هذه الجملة خبراً، وهو الظاهر، وأن تكون حالية، والخبر الجار المتقدم، وسوَّغ مجيء الحال من النَّكرة تقدم النفي، ويجوز أن تكون صفة ل «فئةٍ» إذا جعلنا الخبر الجارَّ.
وقال: «يَنْصُرونَهُ» حملاً على معنى «فِئةٍ» لأنَّهم في قوَّة القوم والنَّاس، ولو حمل على لفظها، لأفرد؛ كقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: 13] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «تَنْصرُهُ» على اللفظ، قال أبو البقاء: «ولو كان» تَنْصرهُ «لكان على اللفظ» . قال شهاب الدين: قد قرئ بذلك، كما عرفت.
[قال بعضهم] : ومعنى «يَنْصُرونَهُ» يقدرون على نصرته، ويمنعونه من عذاب الله ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ممتنعاً متنعماً، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه، وقيل: لا يقدر على ردِّ ما ذهب عنه.
قوله: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ﴾ : يجوز أن يكون الكلام تمَّ على قوله «مُنْتَصِراً» وهذه جملة منقطعة عمَّا قبلها، وعلى هذا: فيجوز في الكلام أوجه:
الأول: أن يكون «هنالك الولايةُ» مقدَّراً بجملة فعلية، فالولاية فاعل بالظرف قبلها، أي: استقرَّت الولاية الله، و «لله» متعلق بالاستقرار، أو بنفس الظرف؛ لقيامه مقام العامل، أو بنفسِ الولاية، أو يمحذوفٍ على أنه حال من «الوَلاية» وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش من حيث إنَّ الظرف يرفع الفاعل من غير اعتمادٍ.
والثاني: أن يكون «هُنالِكَ» منصوباً على الظرف متعلقاً بخبر «الولاية» وهو «لله» أو بما تعلق به «لله» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها، والعامل الاستقرارُ في «لله» عند من يجيز تقدم الحال على عاملها المعنوي، أو يتعلق بنفس «الولايةِ» .
والثالث: أن يجعل «هُنالِكَ» هو الخبر، و «لله» فضلةٌ، والعامل فيه ما تقدَّم في الوجه الأول.
ويجوز أن يكون «هُنالِكَ» من تتمَّة ما قبلها، فلم يتمَّ الكلام دونه، وهو معمولٌ ل «مُنْتَصِراً» ، أي: وما كان منتصراً في الدار الآخرة، و «هُنالِكَ» إشارة غليها، وإليه نحا أبو إسحاق. وعلى هذا فيكون الوقف على «هُنالِكَ» تامًّا، والابتداء بقوله «الوَلايَةُ لله» فتكون جملة من مبتدأ وخبر.
والظاهر في «هُنالِكَ» : أنه على موضوعه من ظرفية المكان، كما تقدَّم، وتقدَّم أنَّ الأخوين يقرآن بالكسر، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين بالفتح في سورة الأنفال، فلا معنى لإعادته.
وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحنٌ، قالا: لأنَّ «فعالة» إنما تجيء فيما كان صنعة أو ممعنى متقلَّداً، وليس هنالك تولِّي أمورٍ.
فصل في لغات الولاية ومعانيها
قال الزمخشري: الولاية بالفتح: النصر، والتولِّي، وبالكسر: السلطان والملك.
وقيل: بالفتح: الربوبيَّة، وبالكسر: الإمارة.
قوله: «الحَقِّ» قرأ أبو عمرو، والكسائي برفع «الحقُّ» والباقون بجرِّه، فالرفع من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه صفة للولاية وتصديقه قراءة أبيٍّ «هُنالك الوَلايةُ الحق للهِ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ما أوحيناه إليك.
الثالث: أنه مبتدأ، وخبره مضمر، أي: الحق ذلك، وهو ما قلناه.
والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة؛ كقوله «ثُمَّ ردُّوا إلى الله مَولاهُم الحقِّ» .
وقرأ زيد بن عليٍّ، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ويعقوب «الحقَّ» نصباً على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة؛ كقولك «هذَا قَوْلُ الله الحق» وهذا عبد الله الحقَّ، لا الباطل.
قوله: «عُقباً» قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: لغتان؛ كالقُدُسِ والقُدْس، وقيل: الأصل الضمَّ، والسكون تخفيف، وقيل بالعكس؛ كالعُسْر واليُسْر، وهو عكس معهود اللغة، ونصبها ونصب «ثَواباً» و ﴿أَمَلاً﴾ [الكهف: 46] على التمييز لأفعل التفضيل قبلها، ونقل الزمخشريُّ أنه قرئ «عُقْبَى» بالألف، وهي مصدر أيضاً؛ كبُشْرَى، وتروى عن عاصم.
فصل في نظم الآية
اعلم أنَّه تعالى لمَّا ذكر من قصّة الرجلين ما ذكر علمنا أن النُّصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر، وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حقِّ كل مؤمنٍ وكافرٍ، فقال: ﴿هُنالِكَ الوَلايةُ للهِ الحَقِّ﴾ أي: في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام، تكون الولاية لله يوالي أولياءه؛ فيعليهم على أعدائه، ويفوِّض أمر الكفار إليهم.
فقوله: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الموضع، والوقت الذي يريد إظهار كرامة أوليائه، وإذلال أعدائه.
وقيل: المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولَّى الله، ويلتجئ إليه كلُّ محتاجٍ مضطرٍّ، يعني أن قوله: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فكأنه ألجَ إليها ذلك الكافر، فقالها جزعاً ممَّا ساقهُ إليه شؤمُ كفره، ولولا ذلك، لم يقلها.
وقيل: المعنى: هنالك الولاية لله ينصرُ فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمن بما فعل [بأخيه الكافر و] بصدق قوله: ﴿فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السمآء﴾ .
ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: لأوليائه، وقيل: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الدَّار الآخرةِ، أي: في تلك الدَّار الآخرة الولاية لله كقوله: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: 16] .
وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ أي: خيرٌ في الآخرة لمن آمن به، والتجأ إليه، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: هو خيرٌ عاقبة لمن رجاهُ، وعمل لوجهه.
الكهف 18:42
قوله: نعم الثواب» أي: نعم الجزاء.
قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ مجلساً، ومقرّاً، وهذا في مقابلة قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: 29] .
قوله تعالى: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الآية.
وجه النَّظم أن الكفار، لمَّا افتخرُوا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، بيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ممَّا لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن يصير الغنيُّ فقيراً، والفقير غنيًّا، وأما الذي تجبُ المفاخرةُ به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلةٌ لفقراءِ المسلمين، وبيَّن ذلك بضرب هذا المثل؛ فقال: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ أي: مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافرٌ، واسمه [براطوس] ، والآخر: مؤمنٌ، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس.
وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة «الصافات» في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ [الصافات: 51، 52] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمَّرٍ عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلافِ دينارٍ.
وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينارٍ، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما أربعة آلاف دينارٍ، فاشترى الكافر أرضاً بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم، إنَّ أخي اشترى أرضاً بألف، وإنِّي أشتري منك أرضاً بألف في الجنَّة، فتصدَّق به.
ثم [بنى] أخوه داراً بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني أشتري منك داراً بألف في الجنَّة، فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين، وتصدَّق به.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إنِّي اشتريتُ منك الولدان بألف، فتصدَّق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجةٌ، فجلس لأخيه على طريقه، فمرَّ به في خدمه وحشمه، فتعرَّض له، فقال: فلانٌ؟! قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجةٌ بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سويَّة] ، فأخذت شطره؟ فقصَّ عليه قصَّتهُ، قال: إنَّك لمن المصدِّقين، اذهب، فلا أعطيك شيئاً.
وقيل: نزلتْ في أخوين من أهل مكَّة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمنٌ، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أمِّ سلمة قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والآخر كافرٌ، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل.
قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ : قد تقدم أنَّ «ضرب» مع المثل، يجوز أن يتعدى لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مثل رجلين، و «جَعلْنَا» تفسير ل «مَثَل» فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصباً نعتاً ل «رَجُليْنِ» كقولك: مررتُ برجلين، جعل لأحدهما جنَّةٌ.
قوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ يقال: حفَّ بالشيء: طاف به من جميع جوانبه، قال النابغة: [البسيط]
3523 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نِيقٍ وتُتْبِعُهُ ... مِثلُ الزُّجاجةِ لمْ تُكْحَلْ من الرَّمدِ
وحفَّ به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافَّته، وحففته به، أي: جعلته مطيفاً به.
والحِفاف: الجانبُ، وجمعه أحِفَّةٌ، والمعنى: جعلنا حول الأعناب النَّخْل.
قال الزمخشريُّ: وهذه الصفة ممَّا يؤثرها الدَّهاقين في كرومهم، وهو أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسنٌ في [المنظر] .
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ قيل: كان الزَّرع في وسط الأعناب، وقيل: كان الزَّرْع بين الجنَّتين، أي: لم يكن بين الجنتين موضعٌ خالٍ.
والمقصود منه أمورق:
الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.
والثاني: أن تكون متَّسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم يتوسَّطها ما يقطع بعضها عن بعض.
والثالث: أنَّ مثل هذه الأرض تأتي كلَّ [يوم] بمنفعةٍ أخرى، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصفة.
قوله: ﴿كِلْتَا الجنتين﴾ : قد تقدَّم في السورة قبلها [الإسراء: 23] حكم «كلتا» وهي مبتدأ، و «آتتْ» خبرها، وجاء هنا على [الكثير: وهو] مراعاةُ لفظها، دون معناها.
وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - «كِلا الجنَّتَيْنِ» بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ «آتتْ» بالتأنيث؛ اعتباراً بلفظ «الجَنَّتين» فهو نظير «طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ» . وروى الفراء عنه قراءة أخرى: «كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ» أعاد الضمير على اللفظ «أكل» .
واعلم أنَّ لفظ «كل» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و «كِلْتَا» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: «جَاءنِي كِلاَ أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلاَ أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ» ، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
فصل
ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها تامًّا، ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ﴾ لم تنقص، ﴿مِّنْهُ شَيْئاً﴾ والظُّلم: النقصان، يقول الرَّجُل: ظلمنِي حقِّي، أي: نقصنِي.
قوله: «وفجَّرنَا» العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [القمر: 12] ، والتشديد هناك أظهر لقوله «عُيُوناً» .
والعامة على فتح هاء «نهر» وأبو السَّمال والفيَّاض بسكونها.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: لصاحب البستان.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه في الأنعام [الأنعام: 99] ، وتقدَّم أنَّ «الثُّمُرَ» بالضمِّ المال، فقال ابن عباس: جميع المال من ذهبٍ، وفضةٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك، قال النابغة: [البسيط]
3524 - مَهْلاً فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهمُ ... ومَا أثمِّرُ من مالٍ ومِنْ وَلدِ
وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضَّة خاصة.
«فقال» يعني صاحب البستان «لصاحبه» أي المؤمن.
«وهو يُحَاوِرهُ» أي: يخاطبه وهذه جملة حاليَّة مبيِّنةٌ؛ إذ لا يلزم من القول المحاورةُ؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 14] . وقال امرؤ القيس: [الطويل]
3525 - ومَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئهِ ... يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول.
قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ .
والنَّفَرُ: العشيرة الذين يذبُّون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: حشماً، وخدماً.
وقال مقاتلٌ: ولداً تصديقه قوله: ﴿أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: 39] .
قوله: ﴿جَنَّتَهُ﴾ : إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلمِ بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفى بالواحد عن الجمع في قول الهذليِّ: [الكامل]
3526 - فَالعيْنُ بَعدهُم كَأنَّ حِداقهَا ... سُمِلتْ بِشوْكِ فهي عُورٌ تَدْمَعُ
ولقائلٍ أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأنَّ جمع التكسير يجري مجرى المؤنَّثة، فالضمير في «سُمِلَتْ» وفي «فهي» يعود على الحداقِ، لا على حدقةٍ واحدة، كما يوهم.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم أفرد الجنَّة، بعد التثنية؟ قلت: معناه: ودخل ما هو جنَّتهُ، ما له جنة غيرها، بمعنى: أنه ليس له نصيب في الجنة الَّتي وعد المتَّقون، فما ملكه في الدنيا، فهو جنَّته، لا غير، ولم يقصد الجنتين، ولا واحدة منهما» .
فصل
قال أبو حيان: «ولا يتصوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إخبار من الله تعالى بأنَّ هذا الكافر دخل جنَّته، فلا بدَّ أن قصد في الإخبار: أنه دخل إحدى جنتيه؛ إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقتٍ واحدٍ» . قال شهاب الدين: من ادَّعى دخولهما في وقتٍ واحدٍ، حتَّى يلزمه بهذا المستحيلِ في البداية؟ وأمَّا قوله «ولم يقصد الجنَّتين، ولا واحدة» معناه: لم يقصد تعيين مفردٍ، ولا مثنى، لا أنه لم يقصد الإخبار بالدخول.
وقال أبو البقاء: «إنما أفرد؛ لأنَّهما جميعاً ملكهُ، فصارا كالشيء الواحد» .
قوله: «وهُو ظَالِمٌ» حال من فاعل «دَخلَ» ، وقوله «لنَفْسهِ» مفعول «ظَالِمٌ» واللام مزيدة فيه؛ لكون العامل فرعاً.
قوله:» ﴿مَآ أَظُنُّ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ان يكون مستأنفاً بياناً لسبب الظلم.
والثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير في «ظَالِمٌ» ، أي: وهو ظالمٌ في حال كونه قائلاً.
قوله: «أنْ تَبِيدَ» أي: تهلك، قال: [المقتضب]
3527 - فَلئِنْ بَادَ أهْلهُ ... لبِما كَانَ يُوهَلُ
ويقال: بَادَ يَبيدُ بُيُوداً وبَيْدُودة، مثل» كَيْنُونة «والعمل فيها معروفٌ، وهو أنه حذفت إحدى الياءين، ووزنها فيعلولة.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ يعني الكافر آخذاً بيد صاحبه المسلم يطوف به فيها، ويريه بهجتها وحسنها، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ بكفره، وهذا اعتراضٌ وقع في أثناء الكلام، والمعنى أنه لمَّا اغترَّ بتلك النِّعم، وتوسَّل بها إلى الكفران والجحود؛ لقدرته على البعث، كان واضعاً لتلك النِّعم في غير موضعها، ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ .
قال أهل المعاني: لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهَّم أنها لا تفنى أبداً مطلقاً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ فجمع بين كفرين.
الأول: قطعه بأنَّ تلك الأشياء لا تبيدُ أبداً.
والثاني: إنكار البعث.
فإن قيل: هب أنَّه شكَّ في القيامة، فكيف قال: ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً، مع أنَّ الحسَّ يدلُّ على أنَّ أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ غير باقية؟ .
فالجواب: مراده أنَّها لا تبيد مدَّة حياته، ثم قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التَّمييز، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: 50] .
وقوله: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: 77] .
فإن قيل: كيف قال: ولَئِنْ رددت إلى ربي وهو ينكرُ البعث؟ .
فالجواب: معناه: ولئنْ رددتُّ إلى ربِّي على زعمكَ، يعطيني هنالك خيراً منها.
والسَّبب في وقوعه في هذه الشُّبهة أنَّه تعالى لمَّا أعطاه المال والجاه في الدنيا، ظنَّ أنه إنَّما أعطاه ذلك؛ لكونه مستحقًّا له، والاستحقاقُ باقٍ بعد الموت؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدِّمة الأولى كاذبةٌ؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، يكون في أكثر الأمر للاستدراج.
وقرأ أبو عمرو والكوفيون «مِنْهَا» بالإفراد؛ نظراً إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: «جنَّتهُ» وهي في مصاحف العراق، دون ميم، والباقون «مِنْهُما» بالتثنية؛ نظراً إلى الأصل في قوله: «جَنَّتيْنِ» و «كِلتَا الجنَّتيْنِ» ورُسِمَتْ في مصاحفِ الحرمينِ والشَّام بالميم، فكل قد وافق رسم مصحفه.
قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ أي المسلم.
قوله: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي: خلق أصلك من تراب، وهذا يدلُّ على أنَّ الشاكَّ في البعث كافرٌ.
ووجه الاستدلال أنَّه، لمَّا قدر على [الابتداء] ، وجب أن يقدر على الإعادة.
وأيضاً: فإنَّه تعالى، لمَّا خلقك هكذا، فلم يخلقك عبثاً، وإنَّما خلقك لهذا المعنى، وجب أن يحصل للمطيع ثوابٌ، وللمذنب عقابٌ؛ ويدلُّ على هذا قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي: هيَّأك تهيئة تعقل وتصلح أنت للتكليف، فهل يحصل للعاقل مع هذه الآية إهمال أمرك؟! .
قوله: ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ النُّطفة في الأصل: القطرة من الماء الصافي، يقال: نَظفَ يَنطفُ، أي: قطرَ يَقطُر، وفي الحديث: «فَخرجَ، ورَأسهُ يَنطفُ» وفي رواية: يَقطرُ، وهي مفسِّرةٌ، وأطلق على المنيِّ «نُطفَةٌ» تشبيهاً بذلك.
قوله: «رجُلاً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه حالٌ، وجاز ذلك، وإن كان غير منتقلٍ، ولا مشتقٍّ؛ لأنه جاء بعد «سوَّاك» إذ كان من الجائز: أن يسوِّيهُ غير رجل، وهو كقولهم: «خَلقَ الله الزَّرافةَ يَديْهَا أطْولَ من رِجْلَيْهَا» وقول الآخر: [الطويل]
3528 - فَجاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كأنَّما ... عِمامَتهُ بيْنَ الرِّجالِ لِوَاءُ
والثاني: أنه مفعول ثانٍ ل «سَوَّاكَ» لتضمُّنه معنى خلقك، وصيَّرك وجعلك، وهو ظاهر قول الحوفيِّ.
قوله: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ : قرأ ابن عامر، ويعقوب، ونافع في رواية بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً وهي رواية عن نافعٍ، فالوقفُ وفاقٌ.
والأصل في هذه الكلمة: «لكن أنّا» فنقل حركة همزة «أنَا» إلى نون «لكِنْ» وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسنُ الوجهين في تخريج هذا، وقيل: حذف همزة «أنا» [اعتباطاً] ، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس بشيءٍ؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف «أنّا» وصلاً، وإثباتها وقفاً، وقد تقدم لك: أنَّ نافعاً يثبت ألفه وصلاً قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة؛ بتفصيلٍ مذكورٍ في البقرة، وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضاً، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب من إثبات غيره؛ لأنه أثبتها في الوصلِ جملة.
وأمَّا ابن عامرٍ، فإنه خرج عن أصله في الجملة؛ إذ ليس من مذهبه إثبات هذه الألف وصلاً في موضع [ما] ، وإنما اتَّبع الرسم. وقد تقدَّم أنها لغة تميمٍ أيضاً.
وإعراب ذلك: أن يكون «أنَا» مبتدأ، و «هو» مبتدأ ثانٍ، و «هو» ضمير الشأن، و «اللهُ» مبتدأ ثالث و «ربِّي» خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط [بين الأول] وبين خبره الياء في «ربِّي» ويجوز أن تكون الجلالة بدلاً من «هُوَ» أو نعتاً، أو بياناً، إذا جعل «هو» عائداً على ما تقدَّم من قوله «بالذي خلقك من تراب» لا على أنَّه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك، وليس بالبيِّن.
وخرَّجه الفارسي على وجهٍ غريب: وهو أن تكون «لكِنَّا» «لكنَّ» واسمها وهو «ن» والأصل: «لكنَّنا» فحذف إحدى النونات؛ نحو: ﴿إنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر: 9] وكان حق التركيب أن يكون «ربُّنا» «ولا نُشرِكُ بربِّنا» قال: «ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد» وهو غريبٌ جدًّا.
قال الكسائي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: «لكنَّ الله هُوَ ربِّي» .
وقرأ أبو عمرو «لكنَّهْ» بهاء السَّكت وقفاً؛ لأنَّ القصد بيان حركة نون «أنَا» فتارة تبيَّن بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي: [الرمل المجزوء]
3529 - هَكذَا فَرْدِي أَنَهْ ...
وقال ابن عطية عن أبي عمرو: روى عنه هارون «لكنَّه هو الله» بضمير لحق «لكن» قال شهاب الدين: فظاهر هذا أنه ليس بهاء السَّكت، بل تكون الهاءُ ضميراً اسماً ل «لكِنْ» وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، وما بعده خبره، وهو وخبره خبر «لكنَّ» ويجوز أن يكون تأكيداً للاسم، وأن يكون فصلاً، ولا يجوز أن يكون ضمير شأنٍ؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم «لكنَّ» من هذه الجملة الواقعة خبراً.
وأمَّا في قراءة العامة: فلا يجوز أن تكون «لكنَّ» مشددة عاملة؛ لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع.
وقرأ عبد الله «لكنْ أنَا هُوَ» على الأصل من غير نقل، ولا إدغامٍ، وروى عنه ابنُ خالويه «لكنْ هُو الله» بغير «أنا» . وقرئ أيضاً «لكننا» .
وقال الزمخشريُّ: «وحسَّن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع الألف عوضاً عن حذف الهمزة» ونحوه - يعني إدغام نون «لكن» في نون «نَا» بعد حذف الهمزة - قول القائل:
3530 - وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذنِبٌ ... وتَقْلِيننِي لكنَّ إيَّاكِ لا أقْلِي
الأصل: لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان: «ولا يتعيَّن ما قاله في البيت؛ لجواز أن يكون حذف اسم «لكنَّ» [وحذفه] لدليلٍ كثيرٌ، وعليه قوله:
3531 - فَلوْ كُنْتَ ضَبيًّا عَرفْتَ قَرابتِي ... ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافرِ
أي: ولكنَّك، وكذا ها هنا: ولكنَّني إيَّاك» قال شهاب الدين: لم يدَّع الزمخشري تعين ذلك في البيت؛ حتَّى يردَّ عليه بما ذكره.
ويقرب من هذا ما خرَّجه البصريُّون في بيت استدلَّ به الكوفيون عليهم في جواز دخولِ لام الابتداء في خبر «لكنَّ» وهو: [الطويل]
3533 - ... ... ... ... ..... ولكنَّني من حُبِّهَا لعَمِيدُ
فأدخل اللام في خبر «لكنَّ» وخرَّجه البصريون على أن الأصل: «ولكن من حُبِّها» في قوله: «ولكنَّني من حُبِّها لعمِيدُ» ، فأدغم اللام في خبر «لكنَّ» ، وجوَّزه البصريُّون، وخرَّجه طائفة من البصريِّين على أنَّ الأصل ولكن إنِّي من حُبِّها، ثم نقل حركة همزة «إنِّي» إلى نون «لكن» بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدَّم، فلم تدخل اللام إلا في خبر «إنَّ» ، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا: إنَّ البيت مصنوعٌ، ولا يعرف له قائلٌ.
والاستدراك من قوله «أكَفرْتَ» كأنَّه قال لأخيه: أنت كافرٌ؛ لأنَّه استفهام تقرير، لكنَّني أنَّا مؤمنٌ؛ نحو قولك: «زَيْجٌ غَائبٌ، لكنَّ عمراً حاضرٌ» لأنه قد يتوهَّم غيبةُ عمرو أيضاً.
فصل في المقصود بالشرك في الآية
معنى ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
ذكر القفال فيه وجهين:
الأول: أنِّي لا أرى الفقر والغنى إلاَّ منه؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، إذا ابتلى، ولا أتكبَّر عندما ينعم عليَّ، ولا أرى كثرة [المال] ، والأعوان من نفسي، وذلك لأنَّ الكافر، لمَّا [اعتزَّ] بكثرة المال والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العزِّ والغنى.
الثاني: أنَّ هذا الكافر، لمَّا أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشَّريك.
قوله: ﴿ولولاا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ : «لولا» تحضيضيَّةٌ داخلة على «قلت» و «إذْ دَخلْتَ» منصوب ب «قُلْتَ» فصل به بين «لوْلاَ» وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك؛ لأنه ليس بأجنبيٍّ، وقد عرفت أنَّ حرف التحضيضِ، إذا دخل على الماضي، كان للتَّوبيخ.
ومعنى الكلام: هلاَّ إذا دخلت جنَّتك، قلت: ما شَاءَ الله، أي: الأمر ما شاء الله، وقيل: جوابه مضمرٌ، أي: ما شاء الله كان.
﴿مَا شَآءَ الله﴾ يجوز في «مَا» وجهان:
الأول: أن تكون شرطية؛ فتكون في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً وجوباً ب «شاء» أي: أيَّ شيء شاء الله، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله، كان ووقع كما تقدم.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاء الله كائنٌ وواقعٌ.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاءه الله، وعلى كل تقدير: [فهذه الجملة] في محل نصبٍ بالقول.
قوله: «إلاَّ الله» خبر «لا» التبرئةِ، والجملة أيضاً منصوبة بالقولِ، أي: هلاَّ قلت هاتين الجملتين.
فإن قيل: معنى ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ أي: لا أقدرُ على حفظ مالي، ولا دفع شيءٍ عنه إلاَّ بالله.
روى هشامُ بن عروة عن أبيه: «أنَّهُ كان إذَا رأى مِنْ مَالهِ شَيْئاً يُعْجبهُ، أو دَخَلَ حَائِطاً من حِيطانِه قال: مَا شَاءَ الله لا قُوَّة إلاَّ بالله» .
فالجواب: احتجَّ أهل السنَّة بقوله: ﴿مَا شَآءَ الله﴾ على أنَّ كلَّ ما أراده الله واقعٌ، وكلَّ ما لم يقع، لم يرده الله تعالى؛ وهذا يدلُّ على أن الله ما أراد الإيمان من الكافر، وهو صريحٌ في إبطال قول المعتزلة.
فصل في الرد على استدلال المعتزلة بالآية
[ذكر الجبائيُّ] والكعبيُّ بأنَّ تأويل قولهم: «مَا شَاءَ الله» ممَّا تولَّى فعله، لا ما هو فعل العباد، كما قالوا: لا مردَّ لأمر الله، لم يرد ما أمر به العباد، ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريد، كما يحصل فيه ما ينهى عنه.
واعلم أنَّ الذي ذكره الكعبيُّ ليس جواباً عن الاستدلال، بل هو التزامٌ لمخالفة ظاهر النصِّ، وقياس الإرادة على الأمر باطلٌ؛ لأنَّ هذا النصَّ دالٌّ على أنَّه لا يوجد إلاَّ ما أراده الله، وليس في النصوص ما يدلُّ على أنَّه لا يدخل في الوجود إلاَّ ما أمر به، فظهر الفرق. وأجاب القفَّال عنه بأن قال: هلاَّ إذا دخلت [جنَّتك] ، قلت: ما شاء الله، أي: هذه الأشياء الموجودةُ في هذا البستان: ما شاء الله؛ كقول الإنسان، إذا نظر غلى شيءٍ عمله زيدٌ: عمل زيدٍ، أي: هذا عمل زيدٍ.
ومثله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ، أي: قالوا: ثلاثةٌ، وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: 161] أي: وقولوا: هذه حطَّة، وإذا كان كذلك، كان [المراد أن] هذا الشيء الموجود في البستان شيءٌ شاء الله تكوينه، وعلى هذا التقدير: لم يلزم أن يقال: وقع كلُّ ما شاء الله؛ لأنَّ هذا الحكم غير عامٍّ في الكلِّ، بل يختصُّ بالأشياء المشاهدة في البستان، وهذا التأويلُ الذي ذكره القفَّال أحسن مما ذكره الجبائيُّ والكعبيُّ.
فصل
قال ابن الخطيب: وأقول: إنَّه على جوابه لا يندفع الإشكال عن المعتزلة؛ لأنَّ عمارة ذلك البستان، ربَّما حصلت بالغصوب، وبالظُّلم الشديد؛ فلا يصحُّ أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقعٌ بمشيئةِ الله، اللهم، إلاَّ أن يقال: المراد أنَّ هذه الثمار حصلت بمشيئة الله إلاَّ أنَّ هذا تخصيص لظاهر النصِّ من غير دليل.
وأمَّا أمر المؤمن الكافر بأن يقول: لا قُوَّة إلاَّ بالله، أي: لا قُوَّة لأحدٍ على أمر من الأمور إلاَّ بإعانة الله وإقداره.
ثُمَّ إن المؤمن، لما علَّم الكافر الإيمان، أجابه عن الافتخار بالمال والنَّفر، فقال: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ .
واعلم أن ذكر الولد ها هنا يدلُّ على أنَّ المراد بالنَّفر المذكور في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ الأعوان والأولاد.
وقوله: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ﴾ يجوز في «أنا» وجهان:
أحدهما: أن يكون مؤكِّداً لياء المتكلم.
والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، و «أقلَّ» مفعول ثانٍ، أو حال بحسب الوجهين في الرؤية، هل هي بصرية أو علمية؟ إلا أنَّك إذا جعلتها بصرية، تعيَّن في «أنَا» أن تكون توكيداً، لا فصلاً؛ لأنَّ شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر.
وقرأ عيسى بن عمر «أقلُّ» بالرفع، ويتعيَّن أن يكون «أنا» مبتدأ، و «أقلُّ» خبره، والجملة: إمَّا في موضع المفعول الثاني، أو في موضع الحال على ما تقدَّم في الرؤية.
و «مَالاً وولداً» تمييزٌ، وجواب الشرط قوله «فعَسَى ربِّي» .
قوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ : الحسبان مصدر حسب الشيء يحسبه، أي: أحصاهُ، قال الزجاج: «أي عذاب حسبان، أي: حساب ما كسبت يداك» وهو حسن.
فصل في معنى الحسبان
قال الراغب: «قيل: معناه ناراً، وعذاباً، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسبُ عليه، فيجازى بحسبه» وهذا موافق لما قاله أبو إسحاق، والزمخشريُّ نحا إليه أيضاً، فقال: «والحُسْبان مصدر؛ كالغفران والبطلان بمعنى الحساب، أي: مقداراً حسبه الله وقدَّره، وهو الحكم بتخريبها» . وهو قول ابن عباس وقيل: جمع حسبانةٍ، وهي السَّهمُ.
وقال ابن قتيبة: مرامي من السَّماء، وهي مثل الصَّاعقة، أي: قطع من النَّار.
قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ : عطف على «يُرْسلَ» قال أبو حيَّان: و «أوْ يُصْبِحَ» عطفٌ على قوله: «ويُرْسِلَ» لأن غُؤورَ الماءِ لا يتَسبَّبُ عن الآفةِ السماوية، إلا إن عنى بالحسبان القضاء [الإلهيَّ] ؛ فحينئذ يتسبَّب عنه إصباحُ الجنة صعيداً زلقاً، أو إصباح مائها غوراً.
والزَّلقُ والغَوْرُ في الأصل: مصدران وصف بهما للمبالغة.
والعامة على فتح الغين، غَارَ المَاءُ يَغورُ غَوراً: غَاضَ وذهب ف يالأرض، وقرأ البرجميُّ بضم الغين لغة في المصدر، وقرأت طائفة «غُؤوراً» بضمِّ الغين، والهمزة، وواوٍ ساكنة، وهو مصدر أيضاً، يقال: غار الماء غؤوراً مثل: جلس جلوساً.
فصل في معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾
معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها، وقيل: تزلق فيها الأقدام.
وقال مجاهد: رملاً هائلاً، والصعيد وجه الأرض.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾ أي: غائراً منقطعاً ذاهباً لا تناله الأيدي، ولا الدِّلاءُ، والغور: مصدر وقع موقع الاسم، مثل زور وعدل.
قوله: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ أي: فيصير بحيثُ لا تقدر على ردِّه إلى موضعه.
ثمَّ أخبر الله تعالى أنَّه حقَّق ما قدره هذا المؤمن، فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ اي: أحاط العذاب بثمر جنته، وهو عبارة عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من إحاطة العدوِّ؛ لأنَّه إذا أحاط به، فقد استولى عليه، ثمَّ استعمل في كلِّ إهلاكٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] .
قوله: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ : قُرئ «تَقلَّبُ كفَّاهُ» ، أي: تتقلَّب كفَّاه، و «أصْبحَ» : يجوز أن تكون على بابها، وأن تكون بمعنى «صار» وهذا كناية عن الندم؛ لأنَّ النادم يفعل ذلك.
قوله: ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «يُقلِّبُ» وإنما عدِّي ب «عَلَى» لأنه ضمِّن معنى «يَندَمُ» .
وقوله: «فيها» ، أي: في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل «يُقلِّبُ» أي: متحسِّراً، كذا قدَّره أبو البقاس، وهو تفسير معنى، والتقدير الصناعي؛ إنما هو كونٌ مطلقٌ.
قوله: «ويَقُولُ» يجوز أن يكون معطوفاً على «يُقلِّبُ» ويجوز أن يكون حالاً.
فصل في كيفية الإحاطة
قال المفسرون: إنَّ الله تعالى أرسل عليها ناراً، فأهلكتها وغار ماؤها، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صاحبها الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ، أي: يصفِّق بيديه، إحداهما على الأخرى، ويلقِّب كفَّيه ظهراً لبطن؛ تأسُّفاً وتلهُّفاً ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿على عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، فتسقَّطت سقوفها، ثمَّ سقطت الجدران عليها.
ويمكن أنَّ يكون المراد بالعروشِ عروش الكرم، فتسقط العروش، ثم تسقط الجدران عليها.
قوله: ﴿وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
والمعنى: أن المؤمن، لمَّا قال: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ قال الكافر: يا ليتني قلت كذلك.
فإن قيل: هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنَّته؛ لشؤم شركه، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ أنواع البلاء أكثرها إنَّما تقع للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33] .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «خُصَّ البَلاءُ بالأنْبِياءِ، ثمَّ الأوْلياءِ، ثُمَّ الأمثلِ فالأمثَلِ» .
وأيضاً: فلما قال: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فقدم ندم على الشِّرك، ورغب في التوحيد؛ فوجب أن يصير مؤمناً، فلم قال بعده: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾ ؟ .
فالجواب عن الأوَّل: أنه لمَّا عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وكان معرضاً في عمره كلِّه عن طلب الدِّين، فلما ضاعت الدنيا بالكليَّة، بقي محروماً عن الدنيا والدِّين.
والجواب عن الثاني: أنَّه إنَّما نَدِمَ على الشِّرك؛ لاعتقاده أنَّه لو كان موحِّداً غير مشركٍ، لبقيت عليه جنَّته، فهو إنَّما رغب في التوحيد والردَّة عن الشِّرك؛ لأجل [طلب] الدنيا؛ فلهذا لم يقبل الله توحيده.
قوله: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ﴾ : قرأ الأخوان [ «يَكُنْ» ] بالياء من تحت، والباقون من فوق، وهما واضحتان؛ إذ التأنيث مجازيٌّ، وحسن التذكير للفصل.
قوله: «يَنْصُرونَهُ» يجوز أن تكون هذه الجملة خبراً، وهو الظاهر، وأن تكون حالية، والخبر الجار المتقدم، وسوَّغ مجيء الحال من النَّكرة تقدم النفي، ويجوز أن تكون صفة ل «فئةٍ» إذا جعلنا الخبر الجارَّ.
وقال: «يَنْصُرونَهُ» حملاً على معنى «فِئةٍ» لأنَّهم في قوَّة القوم والنَّاس، ولو حمل على لفظها، لأفرد؛ كقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: 13] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «تَنْصرُهُ» على اللفظ، قال أبو البقاء: «ولو كان» تَنْصرهُ «لكان على اللفظ» . قال شهاب الدين: قد قرئ بذلك، كما عرفت.
[قال بعضهم] : ومعنى «يَنْصُرونَهُ» يقدرون على نصرته، ويمنعونه من عذاب الله ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ممتنعاً متنعماً، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه، وقيل: لا يقدر على ردِّ ما ذهب عنه.
قوله: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ﴾ : يجوز أن يكون الكلام تمَّ على قوله «مُنْتَصِراً» وهذه جملة منقطعة عمَّا قبلها، وعلى هذا: فيجوز في الكلام أوجه:
الأول: أن يكون «هنالك الولايةُ» مقدَّراً بجملة فعلية، فالولاية فاعل بالظرف قبلها، أي: استقرَّت الولاية الله، و «لله» متعلق بالاستقرار، أو بنفس الظرف؛ لقيامه مقام العامل، أو بنفسِ الولاية، أو يمحذوفٍ على أنه حال من «الوَلاية» وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش من حيث إنَّ الظرف يرفع الفاعل من غير اعتمادٍ.
والثاني: أن يكون «هُنالِكَ» منصوباً على الظرف متعلقاً بخبر «الولاية» وهو «لله» أو بما تعلق به «لله» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها، والعامل الاستقرارُ في «لله» عند من يجيز تقدم الحال على عاملها المعنوي، أو يتعلق بنفس «الولايةِ» .
والثالث: أن يجعل «هُنالِكَ» هو الخبر، و «لله» فضلةٌ، والعامل فيه ما تقدَّم في الوجه الأول.
ويجوز أن يكون «هُنالِكَ» من تتمَّة ما قبلها، فلم يتمَّ الكلام دونه، وهو معمولٌ ل «مُنْتَصِراً» ، أي: وما كان منتصراً في الدار الآخرة، و «هُنالِكَ» إشارة غليها، وإليه نحا أبو إسحاق. وعلى هذا فيكون الوقف على «هُنالِكَ» تامًّا، والابتداء بقوله «الوَلايَةُ لله» فتكون جملة من مبتدأ وخبر.
والظاهر في «هُنالِكَ» : أنه على موضوعه من ظرفية المكان، كما تقدَّم، وتقدَّم أنَّ الأخوين يقرآن بالكسر، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين بالفتح في سورة الأنفال، فلا معنى لإعادته.
وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحنٌ، قالا: لأنَّ «فعالة» إنما تجيء فيما كان صنعة أو ممعنى متقلَّداً، وليس هنالك تولِّي أمورٍ.
فصل في لغات الولاية ومعانيها
قال الزمخشري: الولاية بالفتح: النصر، والتولِّي، وبالكسر: السلطان والملك.
وقيل: بالفتح: الربوبيَّة، وبالكسر: الإمارة.
قوله: «الحَقِّ» قرأ أبو عمرو، والكسائي برفع «الحقُّ» والباقون بجرِّه، فالرفع من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه صفة للولاية وتصديقه قراءة أبيٍّ «هُنالك الوَلايةُ الحق للهِ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ما أوحيناه إليك.
الثالث: أنه مبتدأ، وخبره مضمر، أي: الحق ذلك، وهو ما قلناه.
والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة؛ كقوله «ثُمَّ ردُّوا إلى الله مَولاهُم الحقِّ» .
وقرأ زيد بن عليٍّ، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ويعقوب «الحقَّ» نصباً على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة؛ كقولك «هذَا قَوْلُ الله الحق» وهذا عبد الله الحقَّ، لا الباطل.
قوله: «عُقباً» قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: لغتان؛ كالقُدُسِ والقُدْس، وقيل: الأصل الضمَّ، والسكون تخفيف، وقيل بالعكس؛ كالعُسْر واليُسْر، وهو عكس معهود اللغة، ونصبها ونصب «ثَواباً» و ﴿أَمَلاً﴾ [الكهف: 46] على التمييز لأفعل التفضيل قبلها، ونقل الزمخشريُّ أنه قرئ «عُقْبَى» بالألف، وهي مصدر أيضاً؛ كبُشْرَى، وتروى عن عاصم.
فصل في نظم الآية
اعلم أنَّه تعالى لمَّا ذكر من قصّة الرجلين ما ذكر علمنا أن النُّصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر، وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حقِّ كل مؤمنٍ وكافرٍ، فقال: ﴿هُنالِكَ الوَلايةُ للهِ الحَقِّ﴾ أي: في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام، تكون الولاية لله يوالي أولياءه؛ فيعليهم على أعدائه، ويفوِّض أمر الكفار إليهم.
فقوله: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الموضع، والوقت الذي يريد إظهار كرامة أوليائه، وإذلال أعدائه.
وقيل: المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولَّى الله، ويلتجئ إليه كلُّ محتاجٍ مضطرٍّ، يعني أن قوله: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فكأنه ألجَ إليها ذلك الكافر، فقالها جزعاً ممَّا ساقهُ إليه شؤمُ كفره، ولولا ذلك، لم يقلها.
وقيل: المعنى: هنالك الولاية لله ينصرُ فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمن بما فعل [بأخيه الكافر و] بصدق قوله: ﴿فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السمآء﴾ .
ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: لأوليائه، وقيل: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الدَّار الآخرةِ، أي: في تلك الدَّار الآخرة الولاية لله كقوله: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: 16] .
وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ أي: خيرٌ في الآخرة لمن آمن به، والتجأ إليه، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: هو خيرٌ عاقبة لمن رجاهُ، وعمل لوجهه.
الكهف 18:43
قوله: نعم الثواب» أي: نعم الجزاء.
قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ مجلساً، ومقرّاً، وهذا في مقابلة قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: 29] .
قوله تعالى: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الآية.
وجه النَّظم أن الكفار، لمَّا افتخرُوا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، بيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ممَّا لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن يصير الغنيُّ فقيراً، والفقير غنيًّا، وأما الذي تجبُ المفاخرةُ به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلةٌ لفقراءِ المسلمين، وبيَّن ذلك بضرب هذا المثل؛ فقال: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ أي: مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافرٌ، واسمه [براطوس] ، والآخر: مؤمنٌ، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس.
وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة «الصافات» في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ [الصافات: 51، 52] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمَّرٍ عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلافِ دينارٍ.
وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينارٍ، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما أربعة آلاف دينارٍ، فاشترى الكافر أرضاً بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم، إنَّ أخي اشترى أرضاً بألف، وإنِّي أشتري منك أرضاً بألف في الجنَّة، فتصدَّق به.
ثم [بنى] أخوه داراً بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني أشتري منك داراً بألف في الجنَّة، فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين، وتصدَّق به.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إنِّي اشتريتُ منك الولدان بألف، فتصدَّق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجةٌ، فجلس لأخيه على طريقه، فمرَّ به في خدمه وحشمه، فتعرَّض له، فقال: فلانٌ؟! قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجةٌ بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سويَّة] ، فأخذت شطره؟ فقصَّ عليه قصَّتهُ، قال: إنَّك لمن المصدِّقين، اذهب، فلا أعطيك شيئاً.
وقيل: نزلتْ في أخوين من أهل مكَّة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمنٌ، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أمِّ سلمة قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والآخر كافرٌ، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل.
قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ : قد تقدم أنَّ «ضرب» مع المثل، يجوز أن يتعدى لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مثل رجلين، و «جَعلْنَا» تفسير ل «مَثَل» فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصباً نعتاً ل «رَجُليْنِ» كقولك: مررتُ برجلين، جعل لأحدهما جنَّةٌ.
قوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ يقال: حفَّ بالشيء: طاف به من جميع جوانبه، قال النابغة: [البسيط]
3523 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نِيقٍ وتُتْبِعُهُ ... مِثلُ الزُّجاجةِ لمْ تُكْحَلْ من الرَّمدِ
وحفَّ به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافَّته، وحففته به، أي: جعلته مطيفاً به.
والحِفاف: الجانبُ، وجمعه أحِفَّةٌ، والمعنى: جعلنا حول الأعناب النَّخْل.
قال الزمخشريُّ: وهذه الصفة ممَّا يؤثرها الدَّهاقين في كرومهم، وهو أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسنٌ في [المنظر] .
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ قيل: كان الزَّرع في وسط الأعناب، وقيل: كان الزَّرْع بين الجنَّتين، أي: لم يكن بين الجنتين موضعٌ خالٍ.
والمقصود منه أمورق:
الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.
والثاني: أن تكون متَّسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم يتوسَّطها ما يقطع بعضها عن بعض.
والثالث: أنَّ مثل هذه الأرض تأتي كلَّ [يوم] بمنفعةٍ أخرى، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصفة.
قوله: ﴿كِلْتَا الجنتين﴾ : قد تقدَّم في السورة قبلها [الإسراء: 23] حكم «كلتا» وهي مبتدأ، و «آتتْ» خبرها، وجاء هنا على [الكثير: وهو] مراعاةُ لفظها، دون معناها.
وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - «كِلا الجنَّتَيْنِ» بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ «آتتْ» بالتأنيث؛ اعتباراً بلفظ «الجَنَّتين» فهو نظير «طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ» . وروى الفراء عنه قراءة أخرى: «كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ» أعاد الضمير على اللفظ «أكل» .
واعلم أنَّ لفظ «كل» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و «كِلْتَا» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: «جَاءنِي كِلاَ أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلاَ أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ» ، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
فصل
ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها تامًّا، ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ﴾ لم تنقص، ﴿مِّنْهُ شَيْئاً﴾ والظُّلم: النقصان، يقول الرَّجُل: ظلمنِي حقِّي، أي: نقصنِي.
قوله: «وفجَّرنَا» العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [القمر: 12] ، والتشديد هناك أظهر لقوله «عُيُوناً» .
والعامة على فتح هاء «نهر» وأبو السَّمال والفيَّاض بسكونها.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: لصاحب البستان.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه في الأنعام [الأنعام: 99] ، وتقدَّم أنَّ «الثُّمُرَ» بالضمِّ المال، فقال ابن عباس: جميع المال من ذهبٍ، وفضةٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك، قال النابغة: [البسيط]
3524 - مَهْلاً فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهمُ ... ومَا أثمِّرُ من مالٍ ومِنْ وَلدِ
وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضَّة خاصة.
«فقال» يعني صاحب البستان «لصاحبه» أي المؤمن.
«وهو يُحَاوِرهُ» أي: يخاطبه وهذه جملة حاليَّة مبيِّنةٌ؛ إذ لا يلزم من القول المحاورةُ؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 14] . وقال امرؤ القيس: [الطويل]
3525 - ومَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئهِ ... يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول.
قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ .
والنَّفَرُ: العشيرة الذين يذبُّون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: حشماً، وخدماً.
وقال مقاتلٌ: ولداً تصديقه قوله: ﴿أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: 39] .
قوله: ﴿جَنَّتَهُ﴾ : إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلمِ بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفى بالواحد عن الجمع في قول الهذليِّ: [الكامل]
3526 - فَالعيْنُ بَعدهُم كَأنَّ حِداقهَا ... سُمِلتْ بِشوْكِ فهي عُورٌ تَدْمَعُ
ولقائلٍ أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأنَّ جمع التكسير يجري مجرى المؤنَّثة، فالضمير في «سُمِلَتْ» وفي «فهي» يعود على الحداقِ، لا على حدقةٍ واحدة، كما يوهم.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم أفرد الجنَّة، بعد التثنية؟ قلت: معناه: ودخل ما هو جنَّتهُ، ما له جنة غيرها، بمعنى: أنه ليس له نصيب في الجنة الَّتي وعد المتَّقون، فما ملكه في الدنيا، فهو جنَّته، لا غير، ولم يقصد الجنتين، ولا واحدة منهما» .
فصل
قال أبو حيان: «ولا يتصوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إخبار من الله تعالى بأنَّ هذا الكافر دخل جنَّته، فلا بدَّ أن قصد في الإخبار: أنه دخل إحدى جنتيه؛ إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقتٍ واحدٍ» . قال شهاب الدين: من ادَّعى دخولهما في وقتٍ واحدٍ، حتَّى يلزمه بهذا المستحيلِ في البداية؟ وأمَّا قوله «ولم يقصد الجنَّتين، ولا واحدة» معناه: لم يقصد تعيين مفردٍ، ولا مثنى، لا أنه لم يقصد الإخبار بالدخول.
وقال أبو البقاء: «إنما أفرد؛ لأنَّهما جميعاً ملكهُ، فصارا كالشيء الواحد» .
قوله: «وهُو ظَالِمٌ» حال من فاعل «دَخلَ» ، وقوله «لنَفْسهِ» مفعول «ظَالِمٌ» واللام مزيدة فيه؛ لكون العامل فرعاً.
قوله:» ﴿مَآ أَظُنُّ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ان يكون مستأنفاً بياناً لسبب الظلم.
والثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير في «ظَالِمٌ» ، أي: وهو ظالمٌ في حال كونه قائلاً.
قوله: «أنْ تَبِيدَ» أي: تهلك، قال: [المقتضب]
3527 - فَلئِنْ بَادَ أهْلهُ ... لبِما كَانَ يُوهَلُ
ويقال: بَادَ يَبيدُ بُيُوداً وبَيْدُودة، مثل» كَيْنُونة «والعمل فيها معروفٌ، وهو أنه حذفت إحدى الياءين، ووزنها فيعلولة.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ يعني الكافر آخذاً بيد صاحبه المسلم يطوف به فيها، ويريه بهجتها وحسنها، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ بكفره، وهذا اعتراضٌ وقع في أثناء الكلام، والمعنى أنه لمَّا اغترَّ بتلك النِّعم، وتوسَّل بها إلى الكفران والجحود؛ لقدرته على البعث، كان واضعاً لتلك النِّعم في غير موضعها، ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ .
قال أهل المعاني: لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهَّم أنها لا تفنى أبداً مطلقاً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ فجمع بين كفرين.
الأول: قطعه بأنَّ تلك الأشياء لا تبيدُ أبداً.
والثاني: إنكار البعث.
فإن قيل: هب أنَّه شكَّ في القيامة، فكيف قال: ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً، مع أنَّ الحسَّ يدلُّ على أنَّ أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ غير باقية؟ .
فالجواب: مراده أنَّها لا تبيد مدَّة حياته، ثم قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التَّمييز، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: 50] .
وقوله: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: 77] .
فإن قيل: كيف قال: ولَئِنْ رددت إلى ربي وهو ينكرُ البعث؟ .
فالجواب: معناه: ولئنْ رددتُّ إلى ربِّي على زعمكَ، يعطيني هنالك خيراً منها.
والسَّبب في وقوعه في هذه الشُّبهة أنَّه تعالى لمَّا أعطاه المال والجاه في الدنيا، ظنَّ أنه إنَّما أعطاه ذلك؛ لكونه مستحقًّا له، والاستحقاقُ باقٍ بعد الموت؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدِّمة الأولى كاذبةٌ؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، يكون في أكثر الأمر للاستدراج.
وقرأ أبو عمرو والكوفيون «مِنْهَا» بالإفراد؛ نظراً إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: «جنَّتهُ» وهي في مصاحف العراق، دون ميم، والباقون «مِنْهُما» بالتثنية؛ نظراً إلى الأصل في قوله: «جَنَّتيْنِ» و «كِلتَا الجنَّتيْنِ» ورُسِمَتْ في مصاحفِ الحرمينِ والشَّام بالميم، فكل قد وافق رسم مصحفه.
قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ أي المسلم.
قوله: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي: خلق أصلك من تراب، وهذا يدلُّ على أنَّ الشاكَّ في البعث كافرٌ.
ووجه الاستدلال أنَّه، لمَّا قدر على [الابتداء] ، وجب أن يقدر على الإعادة.
وأيضاً: فإنَّه تعالى، لمَّا خلقك هكذا، فلم يخلقك عبثاً، وإنَّما خلقك لهذا المعنى، وجب أن يحصل للمطيع ثوابٌ، وللمذنب عقابٌ؛ ويدلُّ على هذا قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي: هيَّأك تهيئة تعقل وتصلح أنت للتكليف، فهل يحصل للعاقل مع هذه الآية إهمال أمرك؟! .
قوله: ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ النُّطفة في الأصل: القطرة من الماء الصافي، يقال: نَظفَ يَنطفُ، أي: قطرَ يَقطُر، وفي الحديث: «فَخرجَ، ورَأسهُ يَنطفُ» وفي رواية: يَقطرُ، وهي مفسِّرةٌ، وأطلق على المنيِّ «نُطفَةٌ» تشبيهاً بذلك.
قوله: «رجُلاً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه حالٌ، وجاز ذلك، وإن كان غير منتقلٍ، ولا مشتقٍّ؛ لأنه جاء بعد «سوَّاك» إذ كان من الجائز: أن يسوِّيهُ غير رجل، وهو كقولهم: «خَلقَ الله الزَّرافةَ يَديْهَا أطْولَ من رِجْلَيْهَا» وقول الآخر: [الطويل]
3528 - فَجاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كأنَّما ... عِمامَتهُ بيْنَ الرِّجالِ لِوَاءُ
والثاني: أنه مفعول ثانٍ ل «سَوَّاكَ» لتضمُّنه معنى خلقك، وصيَّرك وجعلك، وهو ظاهر قول الحوفيِّ.
قوله: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ : قرأ ابن عامر، ويعقوب، ونافع في رواية بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً وهي رواية عن نافعٍ، فالوقفُ وفاقٌ.
والأصل في هذه الكلمة: «لكن أنّا» فنقل حركة همزة «أنَا» إلى نون «لكِنْ» وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسنُ الوجهين في تخريج هذا، وقيل: حذف همزة «أنا» [اعتباطاً] ، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس بشيءٍ؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف «أنّا» وصلاً، وإثباتها وقفاً، وقد تقدم لك: أنَّ نافعاً يثبت ألفه وصلاً قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة؛ بتفصيلٍ مذكورٍ في البقرة، وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضاً، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب من إثبات غيره؛ لأنه أثبتها في الوصلِ جملة.
وأمَّا ابن عامرٍ، فإنه خرج عن أصله في الجملة؛ إذ ليس من مذهبه إثبات هذه الألف وصلاً في موضع [ما] ، وإنما اتَّبع الرسم. وقد تقدَّم أنها لغة تميمٍ أيضاً.
وإعراب ذلك: أن يكون «أنَا» مبتدأ، و «هو» مبتدأ ثانٍ، و «هو» ضمير الشأن، و «اللهُ» مبتدأ ثالث و «ربِّي» خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط [بين الأول] وبين خبره الياء في «ربِّي» ويجوز أن تكون الجلالة بدلاً من «هُوَ» أو نعتاً، أو بياناً، إذا جعل «هو» عائداً على ما تقدَّم من قوله «بالذي خلقك من تراب» لا على أنَّه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك، وليس بالبيِّن.
وخرَّجه الفارسي على وجهٍ غريب: وهو أن تكون «لكِنَّا» «لكنَّ» واسمها وهو «ن» والأصل: «لكنَّنا» فحذف إحدى النونات؛ نحو: ﴿إنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر: 9] وكان حق التركيب أن يكون «ربُّنا» «ولا نُشرِكُ بربِّنا» قال: «ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد» وهو غريبٌ جدًّا.
قال الكسائي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: «لكنَّ الله هُوَ ربِّي» .
وقرأ أبو عمرو «لكنَّهْ» بهاء السَّكت وقفاً؛ لأنَّ القصد بيان حركة نون «أنَا» فتارة تبيَّن بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي: [الرمل المجزوء]
3529 - هَكذَا فَرْدِي أَنَهْ ...
وقال ابن عطية عن أبي عمرو: روى عنه هارون «لكنَّه هو الله» بضمير لحق «لكن» قال شهاب الدين: فظاهر هذا أنه ليس بهاء السَّكت، بل تكون الهاءُ ضميراً اسماً ل «لكِنْ» وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، وما بعده خبره، وهو وخبره خبر «لكنَّ» ويجوز أن يكون تأكيداً للاسم، وأن يكون فصلاً، ولا يجوز أن يكون ضمير شأنٍ؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم «لكنَّ» من هذه الجملة الواقعة خبراً.
وأمَّا في قراءة العامة: فلا يجوز أن تكون «لكنَّ» مشددة عاملة؛ لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع.
وقرأ عبد الله «لكنْ أنَا هُوَ» على الأصل من غير نقل، ولا إدغامٍ، وروى عنه ابنُ خالويه «لكنْ هُو الله» بغير «أنا» . وقرئ أيضاً «لكننا» .
وقال الزمخشريُّ: «وحسَّن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع الألف عوضاً عن حذف الهمزة» ونحوه - يعني إدغام نون «لكن» في نون «نَا» بعد حذف الهمزة - قول القائل:
3530 - وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذنِبٌ ... وتَقْلِيننِي لكنَّ إيَّاكِ لا أقْلِي
الأصل: لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان: «ولا يتعيَّن ما قاله في البيت؛ لجواز أن يكون حذف اسم «لكنَّ» [وحذفه] لدليلٍ كثيرٌ، وعليه قوله:
3531 - فَلوْ كُنْتَ ضَبيًّا عَرفْتَ قَرابتِي ... ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافرِ
أي: ولكنَّك، وكذا ها هنا: ولكنَّني إيَّاك» قال شهاب الدين: لم يدَّع الزمخشري تعين ذلك في البيت؛ حتَّى يردَّ عليه بما ذكره.
ويقرب من هذا ما خرَّجه البصريُّون في بيت استدلَّ به الكوفيون عليهم في جواز دخولِ لام الابتداء في خبر «لكنَّ» وهو: [الطويل]
3533 - ... ... ... ... ..... ولكنَّني من حُبِّهَا لعَمِيدُ
فأدخل اللام في خبر «لكنَّ» وخرَّجه البصريون على أن الأصل: «ولكن من حُبِّها» في قوله: «ولكنَّني من حُبِّها لعمِيدُ» ، فأدغم اللام في خبر «لكنَّ» ، وجوَّزه البصريُّون، وخرَّجه طائفة من البصريِّين على أنَّ الأصل ولكن إنِّي من حُبِّها، ثم نقل حركة همزة «إنِّي» إلى نون «لكن» بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدَّم، فلم تدخل اللام إلا في خبر «إنَّ» ، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا: إنَّ البيت مصنوعٌ، ولا يعرف له قائلٌ.
والاستدراك من قوله «أكَفرْتَ» كأنَّه قال لأخيه: أنت كافرٌ؛ لأنَّه استفهام تقرير، لكنَّني أنَّا مؤمنٌ؛ نحو قولك: «زَيْجٌ غَائبٌ، لكنَّ عمراً حاضرٌ» لأنه قد يتوهَّم غيبةُ عمرو أيضاً.
فصل في المقصود بالشرك في الآية
معنى ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
ذكر القفال فيه وجهين:
الأول: أنِّي لا أرى الفقر والغنى إلاَّ منه؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، إذا ابتلى، ولا أتكبَّر عندما ينعم عليَّ، ولا أرى كثرة [المال] ، والأعوان من نفسي، وذلك لأنَّ الكافر، لمَّا [اعتزَّ] بكثرة المال والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العزِّ والغنى.
الثاني: أنَّ هذا الكافر، لمَّا أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشَّريك.
قوله: ﴿ولولاا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ : «لولا» تحضيضيَّةٌ داخلة على «قلت» و «إذْ دَخلْتَ» منصوب ب «قُلْتَ» فصل به بين «لوْلاَ» وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك؛ لأنه ليس بأجنبيٍّ، وقد عرفت أنَّ حرف التحضيضِ، إذا دخل على الماضي، كان للتَّوبيخ.
ومعنى الكلام: هلاَّ إذا دخلت جنَّتك، قلت: ما شَاءَ الله، أي: الأمر ما شاء الله، وقيل: جوابه مضمرٌ، أي: ما شاء الله كان.
﴿مَا شَآءَ الله﴾ يجوز في «مَا» وجهان:
الأول: أن تكون شرطية؛ فتكون في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً وجوباً ب «شاء» أي: أيَّ شيء شاء الله، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله، كان ووقع كما تقدم.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاء الله كائنٌ وواقعٌ.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاءه الله، وعلى كل تقدير: [فهذه الجملة] في محل نصبٍ بالقول.
قوله: «إلاَّ الله» خبر «لا» التبرئةِ، والجملة أيضاً منصوبة بالقولِ، أي: هلاَّ قلت هاتين الجملتين.
فإن قيل: معنى ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ أي: لا أقدرُ على حفظ مالي، ولا دفع شيءٍ عنه إلاَّ بالله.
روى هشامُ بن عروة عن أبيه: «أنَّهُ كان إذَا رأى مِنْ مَالهِ شَيْئاً يُعْجبهُ، أو دَخَلَ حَائِطاً من حِيطانِه قال: مَا شَاءَ الله لا قُوَّة إلاَّ بالله» .
فالجواب: احتجَّ أهل السنَّة بقوله: ﴿مَا شَآءَ الله﴾ على أنَّ كلَّ ما أراده الله واقعٌ، وكلَّ ما لم يقع، لم يرده الله تعالى؛ وهذا يدلُّ على أن الله ما أراد الإيمان من الكافر، وهو صريحٌ في إبطال قول المعتزلة.
فصل في الرد على استدلال المعتزلة بالآية
[ذكر الجبائيُّ] والكعبيُّ بأنَّ تأويل قولهم: «مَا شَاءَ الله» ممَّا تولَّى فعله، لا ما هو فعل العباد، كما قالوا: لا مردَّ لأمر الله، لم يرد ما أمر به العباد، ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريد، كما يحصل فيه ما ينهى عنه.
واعلم أنَّ الذي ذكره الكعبيُّ ليس جواباً عن الاستدلال، بل هو التزامٌ لمخالفة ظاهر النصِّ، وقياس الإرادة على الأمر باطلٌ؛ لأنَّ هذا النصَّ دالٌّ على أنَّه لا يوجد إلاَّ ما أراده الله، وليس في النصوص ما يدلُّ على أنَّه لا يدخل في الوجود إلاَّ ما أمر به، فظهر الفرق. وأجاب القفَّال عنه بأن قال: هلاَّ إذا دخلت [جنَّتك] ، قلت: ما شاء الله، أي: هذه الأشياء الموجودةُ في هذا البستان: ما شاء الله؛ كقول الإنسان، إذا نظر غلى شيءٍ عمله زيدٌ: عمل زيدٍ، أي: هذا عمل زيدٍ.
ومثله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ، أي: قالوا: ثلاثةٌ، وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: 161] أي: وقولوا: هذه حطَّة، وإذا كان كذلك، كان [المراد أن] هذا الشيء الموجود في البستان شيءٌ شاء الله تكوينه، وعلى هذا التقدير: لم يلزم أن يقال: وقع كلُّ ما شاء الله؛ لأنَّ هذا الحكم غير عامٍّ في الكلِّ، بل يختصُّ بالأشياء المشاهدة في البستان، وهذا التأويلُ الذي ذكره القفَّال أحسن مما ذكره الجبائيُّ والكعبيُّ.
فصل
قال ابن الخطيب: وأقول: إنَّه على جوابه لا يندفع الإشكال عن المعتزلة؛ لأنَّ عمارة ذلك البستان، ربَّما حصلت بالغصوب، وبالظُّلم الشديد؛ فلا يصحُّ أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقعٌ بمشيئةِ الله، اللهم، إلاَّ أن يقال: المراد أنَّ هذه الثمار حصلت بمشيئة الله إلاَّ أنَّ هذا تخصيص لظاهر النصِّ من غير دليل.
وأمَّا أمر المؤمن الكافر بأن يقول: لا قُوَّة إلاَّ بالله، أي: لا قُوَّة لأحدٍ على أمر من الأمور إلاَّ بإعانة الله وإقداره.
ثُمَّ إن المؤمن، لما علَّم الكافر الإيمان، أجابه عن الافتخار بالمال والنَّفر، فقال: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ .
واعلم أن ذكر الولد ها هنا يدلُّ على أنَّ المراد بالنَّفر المذكور في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ الأعوان والأولاد.
وقوله: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ﴾ يجوز في «أنا» وجهان:
أحدهما: أن يكون مؤكِّداً لياء المتكلم.
والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، و «أقلَّ» مفعول ثانٍ، أو حال بحسب الوجهين في الرؤية، هل هي بصرية أو علمية؟ إلا أنَّك إذا جعلتها بصرية، تعيَّن في «أنَا» أن تكون توكيداً، لا فصلاً؛ لأنَّ شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر.
وقرأ عيسى بن عمر «أقلُّ» بالرفع، ويتعيَّن أن يكون «أنا» مبتدأ، و «أقلُّ» خبره، والجملة: إمَّا في موضع المفعول الثاني، أو في موضع الحال على ما تقدَّم في الرؤية.
و «مَالاً وولداً» تمييزٌ، وجواب الشرط قوله «فعَسَى ربِّي» .
قوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ : الحسبان مصدر حسب الشيء يحسبه، أي: أحصاهُ، قال الزجاج: «أي عذاب حسبان، أي: حساب ما كسبت يداك» وهو حسن.
فصل في معنى الحسبان
قال الراغب: «قيل: معناه ناراً، وعذاباً، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسبُ عليه، فيجازى بحسبه» وهذا موافق لما قاله أبو إسحاق، والزمخشريُّ نحا إليه أيضاً، فقال: «والحُسْبان مصدر؛ كالغفران والبطلان بمعنى الحساب، أي: مقداراً حسبه الله وقدَّره، وهو الحكم بتخريبها» . وهو قول ابن عباس وقيل: جمع حسبانةٍ، وهي السَّهمُ.
وقال ابن قتيبة: مرامي من السَّماء، وهي مثل الصَّاعقة، أي: قطع من النَّار.
قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ : عطف على «يُرْسلَ» قال أبو حيَّان: و «أوْ يُصْبِحَ» عطفٌ على قوله: «ويُرْسِلَ» لأن غُؤورَ الماءِ لا يتَسبَّبُ عن الآفةِ السماوية، إلا إن عنى بالحسبان القضاء [الإلهيَّ] ؛ فحينئذ يتسبَّب عنه إصباحُ الجنة صعيداً زلقاً، أو إصباح مائها غوراً.
والزَّلقُ والغَوْرُ في الأصل: مصدران وصف بهما للمبالغة.
والعامة على فتح الغين، غَارَ المَاءُ يَغورُ غَوراً: غَاضَ وذهب ف يالأرض، وقرأ البرجميُّ بضم الغين لغة في المصدر، وقرأت طائفة «غُؤوراً» بضمِّ الغين، والهمزة، وواوٍ ساكنة، وهو مصدر أيضاً، يقال: غار الماء غؤوراً مثل: جلس جلوساً.
فصل في معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾
معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها، وقيل: تزلق فيها الأقدام.
وقال مجاهد: رملاً هائلاً، والصعيد وجه الأرض.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾ أي: غائراً منقطعاً ذاهباً لا تناله الأيدي، ولا الدِّلاءُ، والغور: مصدر وقع موقع الاسم، مثل زور وعدل.
قوله: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ أي: فيصير بحيثُ لا تقدر على ردِّه إلى موضعه.
ثمَّ أخبر الله تعالى أنَّه حقَّق ما قدره هذا المؤمن، فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ اي: أحاط العذاب بثمر جنته، وهو عبارة عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من إحاطة العدوِّ؛ لأنَّه إذا أحاط به، فقد استولى عليه، ثمَّ استعمل في كلِّ إهلاكٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] .
قوله: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ : قُرئ «تَقلَّبُ كفَّاهُ» ، أي: تتقلَّب كفَّاه، و «أصْبحَ» : يجوز أن تكون على بابها، وأن تكون بمعنى «صار» وهذا كناية عن الندم؛ لأنَّ النادم يفعل ذلك.
قوله: ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «يُقلِّبُ» وإنما عدِّي ب «عَلَى» لأنه ضمِّن معنى «يَندَمُ» .
وقوله: «فيها» ، أي: في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل «يُقلِّبُ» أي: متحسِّراً، كذا قدَّره أبو البقاس، وهو تفسير معنى، والتقدير الصناعي؛ إنما هو كونٌ مطلقٌ.
قوله: «ويَقُولُ» يجوز أن يكون معطوفاً على «يُقلِّبُ» ويجوز أن يكون حالاً.
فصل في كيفية الإحاطة
قال المفسرون: إنَّ الله تعالى أرسل عليها ناراً، فأهلكتها وغار ماؤها، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صاحبها الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ، أي: يصفِّق بيديه، إحداهما على الأخرى، ويلقِّب كفَّيه ظهراً لبطن؛ تأسُّفاً وتلهُّفاً ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿على عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، فتسقَّطت سقوفها، ثمَّ سقطت الجدران عليها.
ويمكن أنَّ يكون المراد بالعروشِ عروش الكرم، فتسقط العروش، ثم تسقط الجدران عليها.
قوله: ﴿وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
والمعنى: أن المؤمن، لمَّا قال: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ قال الكافر: يا ليتني قلت كذلك.
فإن قيل: هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنَّته؛ لشؤم شركه، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ أنواع البلاء أكثرها إنَّما تقع للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33] .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «خُصَّ البَلاءُ بالأنْبِياءِ، ثمَّ الأوْلياءِ، ثُمَّ الأمثلِ فالأمثَلِ» .
وأيضاً: فلما قال: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فقدم ندم على الشِّرك، ورغب في التوحيد؛ فوجب أن يصير مؤمناً، فلم قال بعده: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾ ؟ .
فالجواب عن الأوَّل: أنه لمَّا عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وكان معرضاً في عمره كلِّه عن طلب الدِّين، فلما ضاعت الدنيا بالكليَّة، بقي محروماً عن الدنيا والدِّين.
والجواب عن الثاني: أنَّه إنَّما نَدِمَ على الشِّرك؛ لاعتقاده أنَّه لو كان موحِّداً غير مشركٍ، لبقيت عليه جنَّته، فهو إنَّما رغب في التوحيد والردَّة عن الشِّرك؛ لأجل [طلب] الدنيا؛ فلهذا لم يقبل الله توحيده.
قوله: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ﴾ : قرأ الأخوان [ «يَكُنْ» ] بالياء من تحت، والباقون من فوق، وهما واضحتان؛ إذ التأنيث مجازيٌّ، وحسن التذكير للفصل.
قوله: «يَنْصُرونَهُ» يجوز أن تكون هذه الجملة خبراً، وهو الظاهر، وأن تكون حالية، والخبر الجار المتقدم، وسوَّغ مجيء الحال من النَّكرة تقدم النفي، ويجوز أن تكون صفة ل «فئةٍ» إذا جعلنا الخبر الجارَّ.
وقال: «يَنْصُرونَهُ» حملاً على معنى «فِئةٍ» لأنَّهم في قوَّة القوم والنَّاس، ولو حمل على لفظها، لأفرد؛ كقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: 13] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «تَنْصرُهُ» على اللفظ، قال أبو البقاء: «ولو كان» تَنْصرهُ «لكان على اللفظ» . قال شهاب الدين: قد قرئ بذلك، كما عرفت.
[قال بعضهم] : ومعنى «يَنْصُرونَهُ» يقدرون على نصرته، ويمنعونه من عذاب الله ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ممتنعاً متنعماً، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه، وقيل: لا يقدر على ردِّ ما ذهب عنه.
قوله: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ﴾ : يجوز أن يكون الكلام تمَّ على قوله «مُنْتَصِراً» وهذه جملة منقطعة عمَّا قبلها، وعلى هذا: فيجوز في الكلام أوجه:
الأول: أن يكون «هنالك الولايةُ» مقدَّراً بجملة فعلية، فالولاية فاعل بالظرف قبلها، أي: استقرَّت الولاية الله، و «لله» متعلق بالاستقرار، أو بنفس الظرف؛ لقيامه مقام العامل، أو بنفسِ الولاية، أو يمحذوفٍ على أنه حال من «الوَلاية» وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش من حيث إنَّ الظرف يرفع الفاعل من غير اعتمادٍ.
والثاني: أن يكون «هُنالِكَ» منصوباً على الظرف متعلقاً بخبر «الولاية» وهو «لله» أو بما تعلق به «لله» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها، والعامل الاستقرارُ في «لله» عند من يجيز تقدم الحال على عاملها المعنوي، أو يتعلق بنفس «الولايةِ» .
والثالث: أن يجعل «هُنالِكَ» هو الخبر، و «لله» فضلةٌ، والعامل فيه ما تقدَّم في الوجه الأول.
ويجوز أن يكون «هُنالِكَ» من تتمَّة ما قبلها، فلم يتمَّ الكلام دونه، وهو معمولٌ ل «مُنْتَصِراً» ، أي: وما كان منتصراً في الدار الآخرة، و «هُنالِكَ» إشارة غليها، وإليه نحا أبو إسحاق. وعلى هذا فيكون الوقف على «هُنالِكَ» تامًّا، والابتداء بقوله «الوَلايَةُ لله» فتكون جملة من مبتدأ وخبر.
والظاهر في «هُنالِكَ» : أنه على موضوعه من ظرفية المكان، كما تقدَّم، وتقدَّم أنَّ الأخوين يقرآن بالكسر، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين بالفتح في سورة الأنفال، فلا معنى لإعادته.
وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحنٌ، قالا: لأنَّ «فعالة» إنما تجيء فيما كان صنعة أو ممعنى متقلَّداً، وليس هنالك تولِّي أمورٍ.
فصل في لغات الولاية ومعانيها
قال الزمخشري: الولاية بالفتح: النصر، والتولِّي، وبالكسر: السلطان والملك.
وقيل: بالفتح: الربوبيَّة، وبالكسر: الإمارة.
قوله: «الحَقِّ» قرأ أبو عمرو، والكسائي برفع «الحقُّ» والباقون بجرِّه، فالرفع من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه صفة للولاية وتصديقه قراءة أبيٍّ «هُنالك الوَلايةُ الحق للهِ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ما أوحيناه إليك.
الثالث: أنه مبتدأ، وخبره مضمر، أي: الحق ذلك، وهو ما قلناه.
والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة؛ كقوله «ثُمَّ ردُّوا إلى الله مَولاهُم الحقِّ» .
وقرأ زيد بن عليٍّ، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ويعقوب «الحقَّ» نصباً على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة؛ كقولك «هذَا قَوْلُ الله الحق» وهذا عبد الله الحقَّ، لا الباطل.
قوله: «عُقباً» قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: لغتان؛ كالقُدُسِ والقُدْس، وقيل: الأصل الضمَّ، والسكون تخفيف، وقيل بالعكس؛ كالعُسْر واليُسْر، وهو عكس معهود اللغة، ونصبها ونصب «ثَواباً» و ﴿أَمَلاً﴾ [الكهف: 46] على التمييز لأفعل التفضيل قبلها، ونقل الزمخشريُّ أنه قرئ «عُقْبَى» بالألف، وهي مصدر أيضاً؛ كبُشْرَى، وتروى عن عاصم.
فصل في نظم الآية
اعلم أنَّه تعالى لمَّا ذكر من قصّة الرجلين ما ذكر علمنا أن النُّصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر، وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حقِّ كل مؤمنٍ وكافرٍ، فقال: ﴿هُنالِكَ الوَلايةُ للهِ الحَقِّ﴾ أي: في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام، تكون الولاية لله يوالي أولياءه؛ فيعليهم على أعدائه، ويفوِّض أمر الكفار إليهم.
فقوله: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الموضع، والوقت الذي يريد إظهار كرامة أوليائه، وإذلال أعدائه.
وقيل: المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولَّى الله، ويلتجئ إليه كلُّ محتاجٍ مضطرٍّ، يعني أن قوله: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فكأنه ألجَ إليها ذلك الكافر، فقالها جزعاً ممَّا ساقهُ إليه شؤمُ كفره، ولولا ذلك، لم يقلها.
وقيل: المعنى: هنالك الولاية لله ينصرُ فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمن بما فعل [بأخيه الكافر و] بصدق قوله: ﴿فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السمآء﴾ .
ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: لأوليائه، وقيل: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الدَّار الآخرةِ، أي: في تلك الدَّار الآخرة الولاية لله كقوله: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: 16] .
وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ أي: خيرٌ في الآخرة لمن آمن به، والتجأ إليه، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: هو خيرٌ عاقبة لمن رجاهُ، وعمل لوجهه.
الكهف 18:44
قوله: نعم الثواب» أي: نعم الجزاء.
قوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ مجلساً، ومقرّاً، وهذا في مقابلة قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: 29] .
قوله تعالى: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الآية.
وجه النَّظم أن الكفار، لمَّا افتخرُوا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، بيَّن الله تعالى أنَّ ذلك ممَّا لا يوجب الافتخار، لاحتمال أن يصير الغنيُّ فقيراً، والفقير غنيًّا، وأما الذي تجبُ المفاخرةُ به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلةٌ لفقراءِ المسلمين، وبيَّن ذلك بضرب هذا المثل؛ فقال: ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ أي: مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين، وكانا أخوين في بني إسرائيل: أحدهما: كافرٌ، واسمه [براطوس] ، والآخر: مؤمنٌ، اسمه يهوذا، قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: اسم المؤمن تمليخا، واسم الكافر قطروس.
وقيل: قطفر، وهما المذكوران في سورة «الصافات» في قوله تعالى: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ المصدقين﴾ [الصافات: 51، 52] على ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمَّرٍ عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: كانا رجلين شريكين، لهما ثمانية آلافِ دينارٍ.
وقيل: كانا أخوين، وورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينارٍ، فأخذ كلُّ واحدٍ منهما أربعة آلاف دينارٍ، فاشترى الكافر أرضاً بألفٍ، فقال المؤمن: اللَّهم، إنَّ أخي اشترى أرضاً بألف، وإنِّي أشتري منك أرضاً بألف في الجنَّة، فتصدَّق به.
ثم [بنى] أخوه داراً بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني أشتري منك داراً بألف في الجنَّة، فتصدق به.
ثم تزوج أخوه امرأة بألف، فقال المؤمن: اللَّهم، إني جعلت ألفاً صداقاً للحور العين، وتصدَّق به.
ثم اشترى أخوه خدماً ومتاعاً بألف دينار، فقال المؤمن: اللهم، إنِّي اشتريتُ منك الولدان بألف، فتصدَّق به، ثم أحاجه، أي: أصابه حاجةٌ، فجلس لأخيه على طريقه، فمرَّ به في خدمه وحشمه، فتعرَّض له، فقال: فلانٌ؟! قال: نعم، قال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجةٌ بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير، قال: ما فعل مالك، وقد اقتسمنا المال [سويَّة] ، فأخذت شطره؟ فقصَّ عليه قصَّتهُ، قال: إنَّك لمن المصدِّقين، اذهب، فلا أعطيك شيئاً.
وقيل: نزلتْ في أخوين من أهل مكَّة من بني مخزوم، أحدهما: مؤمنٌ، وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل، وكان زوج أمِّ سلمة قبل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والآخر كافرٌ، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل.
قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ : قد تقدم أنَّ «ضرب» مع المثل، يجوز أن يتعدى لاثنين في سورة البقرة، وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مثل رجلين، و «جَعلْنَا» تفسير ل «مَثَل» فلا موضع له، ويجوز أن يكون موضعه نصباً نعتاً ل «رَجُليْنِ» كقولك: مررتُ برجلين، جعل لأحدهما جنَّةٌ.
قوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ يقال: حفَّ بالشيء: طاف به من جميع جوانبه، قال النابغة: [البسيط]
3523 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نِيقٍ وتُتْبِعُهُ ... مِثلُ الزُّجاجةِ لمْ تُكْحَلْ من الرَّمدِ
وحفَّ به القوم: صاروا طائفين بجوانبه وحافَّته، وحففته به، أي: جعلته مطيفاً به.
والحِفاف: الجانبُ، وجمعه أحِفَّةٌ، والمعنى: جعلنا حول الأعناب النَّخْل.
قال الزمخشريُّ: وهذه الصفة ممَّا يؤثرها الدَّهاقين في كرومهم، وهو أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة، وهو أيضاً حسنٌ في [المنظر] .
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾ قيل: كان الزَّرع في وسط الأعناب، وقيل: كان الزَّرْع بين الجنَّتين، أي: لم يكن بين الجنتين موضعٌ خالٍ.
والمقصود منه أمورق:
الأول: أن تكون تلك الأرض جامعة للأقوات والفواكه.
والثاني: أن تكون متَّسعة الأطراف، متباعدة الأكناف، ومع ذلك، لم يتوسَّطها ما يقطع بعضها عن بعض.
والثالث: أنَّ مثل هذه الأرض تأتي كلَّ [يوم] بمنفعةٍ أخرى، وثمرة أخرى فكانت منافعها دارّة متواصفة.
قوله: ﴿كِلْتَا الجنتين﴾ : قد تقدَّم في السورة قبلها [الإسراء: 23] حكم «كلتا» وهي مبتدأ، و «آتتْ» خبرها، وجاء هنا على [الكثير: وهو] مراعاةُ لفظها، دون معناها.
وقرأ عبد الله - وكذلك في مصحفه - «كِلا الجنَّتَيْنِ» بالتذكير؛ لأنَّ التأنيث مجازي، ثم قرأ «آتتْ» بالتأنيث؛ اعتباراً بلفظ «الجَنَّتين» فهو نظير «طَلعَ الشَّمسُ، وأشْرقَتْ» . وروى الفراء عنه قراءة أخرى: «كُلُّ الجنَّتينِ أتَى أكُلَهُ» أعاد الضمير على اللفظ «أكل» .
واعلم أنَّ لفظ «كل» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مذكَّران معرفتان، و «كِلْتَا» اسمٌ مفردٌ معرفة يؤكَّد به مؤنثان معرفتان، وإذا أضيفا إلى المظهر كانا بالألف في الأحوال الثلاثة؛ كقولك: «جَاءنِي كِلاَ أخَويْكَ، ورَأيْتُ كِلاَ أخَويْكَ، ومَررْتُ بِكلا أخَويْكَ، وجَاءنِي كِلْتَا أخْتَيْكَ، ورأيْتُ كِلْتَا أخْتَيْكَ، ومَرَرْتُ بِكلْتَا أخْتيْكَ» ، وإذا أضيفا إلى المضمر، كانا في الرَّفع بالألف، وفي الجر والنَّصب بالياءِ، وبعضهم يقول مع المضمر بالألف في الأحوال الثلاثة أيضاً.
فصل
ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت كلُّ واحدةٍ من الجنتين ﴿أُكُلَهَا﴾ ثمرها تامًّا، ﴿وَلَمْ تَظْلِمِ﴾ لم تنقص، ﴿مِّنْهُ شَيْئاً﴾ والظُّلم: النقصان، يقول الرَّجُل: ظلمنِي حقِّي، أي: نقصنِي.
قوله: «وفجَّرنَا» العامة على التشديد، وإنما كان كذلك، وهو نهرٌ واحدٌ مبالغة فيه، وقرأ يعقوب، وعيسى بن عمر بالتخفيف، وهي قراءة الأعمش في سورة القمر [القمر: 12] ، والتشديد هناك أظهر لقوله «عُيُوناً» .
والعامة على فتح هاء «نهر» وأبو السَّمال والفيَّاض بسكونها.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ أي: لصاحب البستان.
قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه في الأنعام [الأنعام: 99] ، وتقدَّم أنَّ «الثُّمُرَ» بالضمِّ المال، فقال ابن عباس: جميع المال من ذهبٍ، وفضةٍ، وحيوانٍ، وغير ذلك، قال النابغة: [البسيط]
3524 - مَهْلاً فِداءً لَكَ الأقْوامُ كُلُّهمُ ... ومَا أثمِّرُ من مالٍ ومِنْ وَلدِ
وقال مجاهد: هو الذهبُ والفضَّة خاصة.
«فقال» يعني صاحب البستان «لصاحبه» أي المؤمن.
«وهو يُحَاوِرهُ» أي: يخاطبه وهذه جملة حاليَّة مبيِّنةٌ؛ إذ لا يلزم من القول المحاورةُ؛ إذ لمحاورة مراجعة الكلام من حار، أي: رجع، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: 14] . وقال امرؤ القيس: [الطويل]
3525 - ومَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئهِ ... يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إذْ هُوَ سَاطِعُ
ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول.
قوله: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ .
والنَّفَرُ: العشيرة الذين يذبُّون عن الرجل، وينفرون معه، وقال قتادة: حشماً، وخدماً.
وقال مقاتلٌ: ولداً تصديقه قوله: ﴿أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: 39] .
قوله: ﴿جَنَّتَهُ﴾ : إنما أفرد بعد ذكر التثنية؛ اكتفاء بالواحد للعلمِ بالحال، قال أبو البقاء: كما اكتفى بالواحد عن الجمع في قول الهذليِّ: [الكامل]
3526 - فَالعيْنُ بَعدهُم كَأنَّ حِداقهَا ... سُمِلتْ بِشوْكِ فهي عُورٌ تَدْمَعُ
ولقائلٍ أن يقول: إنما يجوز ذلك؛ لأنَّ جمع التكسير يجري مجرى المؤنَّثة، فالضمير في «سُمِلَتْ» وفي «فهي» يعود على الحداقِ، لا على حدقةٍ واحدة، كما يوهم.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم أفرد الجنَّة، بعد التثنية؟ قلت: معناه: ودخل ما هو جنَّتهُ، ما له جنة غيرها، بمعنى: أنه ليس له نصيب في الجنة الَّتي وعد المتَّقون، فما ملكه في الدنيا، فهو جنَّته، لا غير، ولم يقصد الجنتين، ولا واحدة منهما» .
فصل
قال أبو حيان: «ولا يتصوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ إخبار من الله تعالى بأنَّ هذا الكافر دخل جنَّته، فلا بدَّ أن قصد في الإخبار: أنه دخل إحدى جنتيه؛ إذ لا يمكن أن يدخلهما معاً في وقتٍ واحدٍ» . قال شهاب الدين: من ادَّعى دخولهما في وقتٍ واحدٍ، حتَّى يلزمه بهذا المستحيلِ في البداية؟ وأمَّا قوله «ولم يقصد الجنَّتين، ولا واحدة» معناه: لم يقصد تعيين مفردٍ، ولا مثنى، لا أنه لم يقصد الإخبار بالدخول.
وقال أبو البقاء: «إنما أفرد؛ لأنَّهما جميعاً ملكهُ، فصارا كالشيء الواحد» .
قوله: «وهُو ظَالِمٌ» حال من فاعل «دَخلَ» ، وقوله «لنَفْسهِ» مفعول «ظَالِمٌ» واللام مزيدة فيه؛ لكون العامل فرعاً.
قوله:» ﴿مَآ أَظُنُّ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: ان يكون مستأنفاً بياناً لسبب الظلم.
والثاني: أن يكون حالاً من الضَّمير في «ظَالِمٌ» ، أي: وهو ظالمٌ في حال كونه قائلاً.
قوله: «أنْ تَبِيدَ» أي: تهلك، قال: [المقتضب]
3527 - فَلئِنْ بَادَ أهْلهُ ... لبِما كَانَ يُوهَلُ
ويقال: بَادَ يَبيدُ بُيُوداً وبَيْدُودة، مثل» كَيْنُونة «والعمل فيها معروفٌ، وهو أنه حذفت إحدى الياءين، ووزنها فيعلولة.
قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ يعني الكافر آخذاً بيد صاحبه المسلم يطوف به فيها، ويريه بهجتها وحسنها، وأخبره بصنوف ما يملكه من المال ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ بكفره، وهذا اعتراضٌ وقع في أثناء الكلام، والمعنى أنه لمَّا اغترَّ بتلك النِّعم، وتوسَّل بها إلى الكفران والجحود؛ لقدرته على البعث، كان واضعاً لتلك النِّعم في غير موضعها، ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ .
قال أهل المعاني: لما أذاقه حسنها وزهوتها، توهَّم أنها لا تفنى أبداً مطلقاً، ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ فجمع بين كفرين.
الأول: قطعه بأنَّ تلك الأشياء لا تبيدُ أبداً.
والثاني: إنكار البعث.
فإن قيل: هب أنَّه شكَّ في القيامة، فكيف قال: ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً، مع أنَّ الحسَّ يدلُّ على أنَّ أحوال الدنيا بأسرها ذاهبةٌ غير باقية؟ .
فالجواب: مراده أنَّها لا تبيد مدَّة حياته، ثم قال: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ أي مرجعاً وعاقبة، وانتصابه على التَّمييز، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: 50] .
وقوله: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ [مريم: 77] .
فإن قيل: كيف قال: ولَئِنْ رددت إلى ربي وهو ينكرُ البعث؟ .
فالجواب: معناه: ولئنْ رددتُّ إلى ربِّي على زعمكَ، يعطيني هنالك خيراً منها.
والسَّبب في وقوعه في هذه الشُّبهة أنَّه تعالى لمَّا أعطاه المال والجاه في الدنيا، ظنَّ أنه إنَّما أعطاه ذلك؛ لكونه مستحقًّا له، والاستحقاقُ باقٍ بعد الموت؛ فوجب حصول الإعطاء، والمقدِّمة الأولى كاذبةٌ؛ فإن فتح باب الدنيا على الإنسان، يكون في أكثر الأمر للاستدراج.
وقرأ أبو عمرو والكوفيون «مِنْهَا» بالإفراد؛ نظراً إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: «جنَّتهُ» وهي في مصاحف العراق، دون ميم، والباقون «مِنْهُما» بالتثنية؛ نظراً إلى الأصل في قوله: «جَنَّتيْنِ» و «كِلتَا الجنَّتيْنِ» ورُسِمَتْ في مصاحفِ الحرمينِ والشَّام بالميم، فكل قد وافق رسم مصحفه.
قوله: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ أي المسلم.
قوله: ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾ أي: خلق أصلك من تراب، وهذا يدلُّ على أنَّ الشاكَّ في البعث كافرٌ.
ووجه الاستدلال أنَّه، لمَّا قدر على [الابتداء] ، وجب أن يقدر على الإعادة.
وأيضاً: فإنَّه تعالى، لمَّا خلقك هكذا، فلم يخلقك عبثاً، وإنَّما خلقك لهذا المعنى، وجب أن يحصل للمطيع ثوابٌ، وللمذنب عقابٌ؛ ويدلُّ على هذا قوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أي: هيَّأك تهيئة تعقل وتصلح أنت للتكليف، فهل يحصل للعاقل مع هذه الآية إهمال أمرك؟! .
قوله: ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ النُّطفة في الأصل: القطرة من الماء الصافي، يقال: نَظفَ يَنطفُ، أي: قطرَ يَقطُر، وفي الحديث: «فَخرجَ، ورَأسهُ يَنطفُ» وفي رواية: يَقطرُ، وهي مفسِّرةٌ، وأطلق على المنيِّ «نُطفَةٌ» تشبيهاً بذلك.
قوله: «رجُلاً» فيه وجهان:
أحدهما: أنه حالٌ، وجاز ذلك، وإن كان غير منتقلٍ، ولا مشتقٍّ؛ لأنه جاء بعد «سوَّاك» إذ كان من الجائز: أن يسوِّيهُ غير رجل، وهو كقولهم: «خَلقَ الله الزَّرافةَ يَديْهَا أطْولَ من رِجْلَيْهَا» وقول الآخر: [الطويل]
3528 - فَجاءَتْ بِهِ سَبْطَ العِظامِ كأنَّما ... عِمامَتهُ بيْنَ الرِّجالِ لِوَاءُ
والثاني: أنه مفعول ثانٍ ل «سَوَّاكَ» لتضمُّنه معنى خلقك، وصيَّرك وجعلك، وهو ظاهر قول الحوفيِّ.
قوله: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ : قرأ ابن عامر، ويعقوب، ونافع في رواية بإثبات الألف وصلاً ووقفاً، والباقون بحذفها وصلاً، وبإثباتها وقفاً وهي رواية عن نافعٍ، فالوقفُ وفاقٌ.
والأصل في هذه الكلمة: «لكن أنّا» فنقل حركة همزة «أنَا» إلى نون «لكِنْ» وحذف الهمزة، فالتقى مثلان، فأدغم، وهذا أحسنُ الوجهين في تخريج هذا، وقيل: حذف همزة «أنا» [اعتباطاً] ، فالتقى مثلان، فأدغم، وليس بشيءٍ؛ لجري الأول على القواعد، فالجماعة جروا على مقتضى قواعدهم في حذف ألف «أنّا» وصلاً، وإثباتها وقفاً، وقد تقدم لك: أنَّ نافعاً يثبت ألفه وصلاً قبل همزة مضمومة، أو مكسورة، أو مفتوحة؛ بتفصيلٍ مذكورٍ في البقرة، وهنا لم يصادف همزة، فهو على أصله أيضاً، ولو أثبت الألف هنا، لكان أقرب من إثبات غيره؛ لأنه أثبتها في الوصلِ جملة.
وأمَّا ابن عامرٍ، فإنه خرج عن أصله في الجملة؛ إذ ليس من مذهبه إثبات هذه الألف وصلاً في موضع [ما] ، وإنما اتَّبع الرسم. وقد تقدَّم أنها لغة تميمٍ أيضاً.
وإعراب ذلك: أن يكون «أنَا» مبتدأ، و «هو» مبتدأ ثانٍ، و «هو» ضمير الشأن، و «اللهُ» مبتدأ ثالث و «ربِّي» خبر الثالث، والثالث وخبره خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول، والرابط [بين الأول] وبين خبره الياء في «ربِّي» ويجوز أن تكون الجلالة بدلاً من «هُوَ» أو نعتاً، أو بياناً، إذا جعل «هو» عائداً على ما تقدَّم من قوله «بالذي خلقك من تراب» لا على أنَّه ضمير الشأن، وإن كان أبو البقاء أطلق ذلك، وليس بالبيِّن.
وخرَّجه الفارسي على وجهٍ غريب: وهو أن تكون «لكِنَّا» «لكنَّ» واسمها وهو «ن» والأصل: «لكنَّنا» فحذف إحدى النونات؛ نحو: ﴿إنَّا نَحْنُ﴾ [الحجر: 9] وكان حق التركيب أن يكون «ربُّنا» «ولا نُشرِكُ بربِّنا» قال: «ولكنه اعتبر المعنى، فأفرد» وهو غريبٌ جدًّا.
قال الكسائي: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: «لكنَّ الله هُوَ ربِّي» .
وقرأ أبو عمرو «لكنَّهْ» بهاء السَّكت وقفاً؛ لأنَّ القصد بيان حركة نون «أنَا» فتارة تبيَّن بالألف، وتارة بهاء السكت، وعن حاتم الطائي: [الرمل المجزوء]
3529 - هَكذَا فَرْدِي أَنَهْ ...
وقال ابن عطية عن أبي عمرو: روى عنه هارون «لكنَّه هو الله» بضمير لحق «لكن» قال شهاب الدين: فظاهر هذا أنه ليس بهاء السَّكت، بل تكون الهاءُ ضميراً اسماً ل «لكِنْ» وما بعدها الخبر ويجوز أن يكون «هو» مبتدأ، وما بعده خبره، وهو وخبره خبر «لكنَّ» ويجوز أن يكون تأكيداً للاسم، وأن يكون فصلاً، ولا يجوز أن يكون ضمير شأنٍ؛ لأنه حينئذ لا عائد على اسم «لكنَّ» من هذه الجملة الواقعة خبراً.
وأمَّا في قراءة العامة: فلا يجوز أن تكون «لكنَّ» مشددة عاملة؛ لوقوع الضمير بعدها بصيغة المرفوع.
وقرأ عبد الله «لكنْ أنَا هُوَ» على الأصل من غير نقل، ولا إدغامٍ، وروى عنه ابنُ خالويه «لكنْ هُو الله» بغير «أنا» . وقرئ أيضاً «لكننا» .
وقال الزمخشريُّ: «وحسَّن ذلك - يعني إثبات الألف في الوصل - وقوع الألف عوضاً عن حذف الهمزة» ونحوه - يعني إدغام نون «لكن» في نون «نَا» بعد حذف الهمزة - قول القائل:
3530 - وتَرْمِينَنِي بالطَّرْفِ أيْ أنْتَ مُذنِبٌ ... وتَقْلِيننِي لكنَّ إيَّاكِ لا أقْلِي
الأصل: لكن أنا، فنقل، وحذف، وأدغم، قال أبو حيان: «ولا يتعيَّن ما قاله في البيت؛ لجواز أن يكون حذف اسم «لكنَّ» [وحذفه] لدليلٍ كثيرٌ، وعليه قوله:
3531 - فَلوْ كُنْتَ ضَبيًّا عَرفْتَ قَرابتِي ... ولكنَّ زَنْجِيٌّ عَظِيمُ المَشافرِ
أي: ولكنَّك، وكذا ها هنا: ولكنَّني إيَّاك» قال شهاب الدين: لم يدَّع الزمخشري تعين ذلك في البيت؛ حتَّى يردَّ عليه بما ذكره.
ويقرب من هذا ما خرَّجه البصريُّون في بيت استدلَّ به الكوفيون عليهم في جواز دخولِ لام الابتداء في خبر «لكنَّ» وهو: [الطويل]
3533 - ... ... ... ... ..... ولكنَّني من حُبِّهَا لعَمِيدُ
فأدخل اللام في خبر «لكنَّ» وخرَّجه البصريون على أن الأصل: «ولكن من حُبِّها» في قوله: «ولكنَّني من حُبِّها لعمِيدُ» ، فأدغم اللام في خبر «لكنَّ» ، وجوَّزه البصريُّون، وخرَّجه طائفة من البصريِّين على أنَّ الأصل ولكن إنِّي من حُبِّها، ثم نقل حركة همزة «إنِّي» إلى نون «لكن» بعد حذف الهمزة، وأدغم على ما تقدَّم، فلم تدخل اللام إلا في خبر «إنَّ» ، هذا على تقدير تسليم صحة الرواية، وإلا فقالوا: إنَّ البيت مصنوعٌ، ولا يعرف له قائلٌ.
والاستدراك من قوله «أكَفرْتَ» كأنَّه قال لأخيه: أنت كافرٌ؛ لأنَّه استفهام تقرير، لكنَّني أنَّا مؤمنٌ؛ نحو قولك: «زَيْجٌ غَائبٌ، لكنَّ عمراً حاضرٌ» لأنه قد يتوهَّم غيبةُ عمرو أيضاً.
فصل في المقصود بالشرك في الآية
معنى ﴿وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
ذكر القفال فيه وجهين:
الأول: أنِّي لا أرى الفقر والغنى إلاَّ منه؛ فأحمده إذا أعطى، وأصبر، إذا ابتلى، ولا أتكبَّر عندما ينعم عليَّ، ولا أرى كثرة [المال] ، والأعوان من نفسي، وذلك لأنَّ الكافر، لمَّا [اعتزَّ] بكثرة المال والجاه، فكأنه قد أثبت لله شريكاً في إعطاء العزِّ والغنى.
الثاني: أنَّ هذا الكافر، لمَّا أعجز الله عن البعث والحشر، فقد جعله مساوياً للخلق في هذا العجز، وإذا أثبت المساواة، فقد أثبت الشَّريك.
قوله: ﴿ولولاا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ الله﴾ : «لولا» تحضيضيَّةٌ داخلة على «قلت» و «إذْ دَخلْتَ» منصوب ب «قُلْتَ» فصل به بين «لوْلاَ» وما دخلت عليه، ولم يبال بذلك؛ لأنه ليس بأجنبيٍّ، وقد عرفت أنَّ حرف التحضيضِ، إذا دخل على الماضي، كان للتَّوبيخ.
ومعنى الكلام: هلاَّ إذا دخلت جنَّتك، قلت: ما شَاءَ الله، أي: الأمر ما شاء الله، وقيل: جوابه مضمرٌ، أي: ما شاء الله كان.
﴿مَا شَآءَ الله﴾ يجوز في «مَا» وجهان:
الأول: أن تكون شرطية؛ فتكون في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً وجوباً ب «شاء» أي: أيَّ شيء شاء الله، والجواب محذوف، أي: ما شاء الله، كان ووقع كما تقدم.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاء الله كائنٌ وواقعٌ.
والثاني: أنها موصولة بمعنى «الذي» وفيها حينئذ وجهان:
أحدهما: أن تكون مبتدأة، وخبرها محذوف، أي: الذي شاءه الله، وعلى كل تقدير: [فهذه الجملة] في محل نصبٍ بالقول.
قوله: «إلاَّ الله» خبر «لا» التبرئةِ، والجملة أيضاً منصوبة بالقولِ، أي: هلاَّ قلت هاتين الجملتين.
فإن قيل: معنى ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله﴾ أي: لا أقدرُ على حفظ مالي، ولا دفع شيءٍ عنه إلاَّ بالله.
روى هشامُ بن عروة عن أبيه: «أنَّهُ كان إذَا رأى مِنْ مَالهِ شَيْئاً يُعْجبهُ، أو دَخَلَ حَائِطاً من حِيطانِه قال: مَا شَاءَ الله لا قُوَّة إلاَّ بالله» .
فالجواب: احتجَّ أهل السنَّة بقوله: ﴿مَا شَآءَ الله﴾ على أنَّ كلَّ ما أراده الله واقعٌ، وكلَّ ما لم يقع، لم يرده الله تعالى؛ وهذا يدلُّ على أن الله ما أراد الإيمان من الكافر، وهو صريحٌ في إبطال قول المعتزلة.
فصل في الرد على استدلال المعتزلة بالآية
[ذكر الجبائيُّ] والكعبيُّ بأنَّ تأويل قولهم: «مَا شَاءَ الله» ممَّا تولَّى فعله، لا ما هو فعل العباد، كما قالوا: لا مردَّ لأمر الله، لم يرد ما أمر به العباد، ثم قال: لا يمتنع أن يحصل في سلطانه ما لا يريد، كما يحصل فيه ما ينهى عنه.
واعلم أنَّ الذي ذكره الكعبيُّ ليس جواباً عن الاستدلال، بل هو التزامٌ لمخالفة ظاهر النصِّ، وقياس الإرادة على الأمر باطلٌ؛ لأنَّ هذا النصَّ دالٌّ على أنَّه لا يوجد إلاَّ ما أراده الله، وليس في النصوص ما يدلُّ على أنَّه لا يدخل في الوجود إلاَّ ما أمر به، فظهر الفرق. وأجاب القفَّال عنه بأن قال: هلاَّ إذا دخلت [جنَّتك] ، قلت: ما شاء الله، أي: هذه الأشياء الموجودةُ في هذا البستان: ما شاء الله؛ كقول الإنسان، إذا نظر غلى شيءٍ عمله زيدٌ: عمل زيدٍ، أي: هذا عمل زيدٍ.
ومثله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] ، أي: قالوا: ثلاثةٌ، وقوله: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [الأعراف: 161] أي: وقولوا: هذه حطَّة، وإذا كان كذلك، كان [المراد أن] هذا الشيء الموجود في البستان شيءٌ شاء الله تكوينه، وعلى هذا التقدير: لم يلزم أن يقال: وقع كلُّ ما شاء الله؛ لأنَّ هذا الحكم غير عامٍّ في الكلِّ، بل يختصُّ بالأشياء المشاهدة في البستان، وهذا التأويلُ الذي ذكره القفَّال أحسن مما ذكره الجبائيُّ والكعبيُّ.
فصل
قال ابن الخطيب: وأقول: إنَّه على جوابه لا يندفع الإشكال عن المعتزلة؛ لأنَّ عمارة ذلك البستان، ربَّما حصلت بالغصوب، وبالظُّلم الشديد؛ فلا يصحُّ أيضاً على قول المعتزلة أن يقال: هذا واقعٌ بمشيئةِ الله، اللهم، إلاَّ أن يقال: المراد أنَّ هذه الثمار حصلت بمشيئة الله إلاَّ أنَّ هذا تخصيص لظاهر النصِّ من غير دليل.
وأمَّا أمر المؤمن الكافر بأن يقول: لا قُوَّة إلاَّ بالله، أي: لا قُوَّة لأحدٍ على أمر من الأمور إلاَّ بإعانة الله وإقداره.
ثُمَّ إن المؤمن، لما علَّم الكافر الإيمان، أجابه عن الافتخار بالمال والنَّفر، فقال: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً﴾ .
واعلم أن ذكر الولد ها هنا يدلُّ على أنَّ المراد بالنَّفر المذكور في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ الأعوان والأولاد.
وقوله: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ﴾ يجوز في «أنا» وجهان:
أحدهما: أن يكون مؤكِّداً لياء المتكلم.
والثاني: أنه ضمير الفصل بين المفعولين، و «أقلَّ» مفعول ثانٍ، أو حال بحسب الوجهين في الرؤية، هل هي بصرية أو علمية؟ إلا أنَّك إذا جعلتها بصرية، تعيَّن في «أنَا» أن تكون توكيداً، لا فصلاً؛ لأنَّ شرطه أن يقع بين مبتدأ وخبر، أو ما أصله المبتدأ والخبر.
وقرأ عيسى بن عمر «أقلُّ» بالرفع، ويتعيَّن أن يكون «أنا» مبتدأ، و «أقلُّ» خبره، والجملة: إمَّا في موضع المفعول الثاني، أو في موضع الحال على ما تقدَّم في الرؤية.
و «مَالاً وولداً» تمييزٌ، وجواب الشرط قوله «فعَسَى ربِّي» .
قوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ : الحسبان مصدر حسب الشيء يحسبه، أي: أحصاهُ، قال الزجاج: «أي عذاب حسبان، أي: حساب ما كسبت يداك» وهو حسن.
فصل في معنى الحسبان
قال الراغب: «قيل: معناه ناراً، وعذاباً، وإنما هو في الحقيقة ما يحاسبُ عليه، فيجازى بحسبه» وهذا موافق لما قاله أبو إسحاق، والزمخشريُّ نحا إليه أيضاً، فقال: «والحُسْبان مصدر؛ كالغفران والبطلان بمعنى الحساب، أي: مقداراً حسبه الله وقدَّره، وهو الحكم بتخريبها» . وهو قول ابن عباس وقيل: جمع حسبانةٍ، وهي السَّهمُ.
وقال ابن قتيبة: مرامي من السَّماء، وهي مثل الصَّاعقة، أي: قطع من النَّار.
قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾ : عطف على «يُرْسلَ» قال أبو حيَّان: و «أوْ يُصْبِحَ» عطفٌ على قوله: «ويُرْسِلَ» لأن غُؤورَ الماءِ لا يتَسبَّبُ عن الآفةِ السماوية، إلا إن عنى بالحسبان القضاء [الإلهيَّ] ؛ فحينئذ يتسبَّب عنه إصباحُ الجنة صعيداً زلقاً، أو إصباح مائها غوراً.
والزَّلقُ والغَوْرُ في الأصل: مصدران وصف بهما للمبالغة.
والعامة على فتح الغين، غَارَ المَاءُ يَغورُ غَوراً: غَاضَ وذهب ف يالأرض، وقرأ البرجميُّ بضم الغين لغة في المصدر، وقرأت طائفة «غُؤوراً» بضمِّ الغين، والهمزة، وواوٍ ساكنة، وهو مصدر أيضاً، يقال: غار الماء غؤوراً مثل: جلس جلوساً.
فصل في معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾
معنى قوله: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾ أرضاً جرداء ملساء لا نبات فيها، وقيل: تزلق فيها الأقدام.
وقال مجاهد: رملاً هائلاً، والصعيد وجه الأرض.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً﴾ أي: غائراً منقطعاً ذاهباً لا تناله الأيدي، ولا الدِّلاءُ، والغور: مصدر وقع موقع الاسم، مثل زور وعدل.
قوله: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾ أي: فيصير بحيثُ لا تقدر على ردِّه إلى موضعه.
ثمَّ أخبر الله تعالى أنَّه حقَّق ما قدره هذا المؤمن، فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ اي: أحاط العذاب بثمر جنته، وهو عبارة عن إهلاكه بالكليَّة، وأصله من إحاطة العدوِّ؛ لأنَّه إذا أحاط به، فقد استولى عليه، ثمَّ استعمل في كلِّ إهلاكٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: 66] .
قوله: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ : قُرئ «تَقلَّبُ كفَّاهُ» ، أي: تتقلَّب كفَّاه، و «أصْبحَ» : يجوز أن تكون على بابها، وأن تكون بمعنى «صار» وهذا كناية عن الندم؛ لأنَّ النادم يفعل ذلك.
قوله: ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «يُقلِّبُ» وإنما عدِّي ب «عَلَى» لأنه ضمِّن معنى «يَندَمُ» .
وقوله: «فيها» ، أي: في عمارتها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنَّه حال من فاعل «يُقلِّبُ» أي: متحسِّراً، كذا قدَّره أبو البقاس، وهو تفسير معنى، والتقدير الصناعي؛ إنما هو كونٌ مطلقٌ.
قوله: «ويَقُولُ» يجوز أن يكون معطوفاً على «يُقلِّبُ» ويجوز أن يكون حالاً.
فصل في كيفية الإحاطة
قال المفسرون: إنَّ الله تعالى أرسل عليها ناراً، فأهلكتها وغار ماؤها، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ صاحبها الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ، أي: يصفِّق بيديه، إحداهما على الأخرى، ويلقِّب كفَّيه ظهراً لبطن؛ تأسُّفاً وتلهُّفاً ﴿عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿على عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، فتسقَّطت سقوفها، ثمَّ سقطت الجدران عليها.
ويمكن أنَّ يكون المراد بالعروشِ عروش الكرم، فتسقط العروش، ثم تسقط الجدران عليها.
قوله: ﴿وَيَقُولُ ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ .
والمعنى: أن المؤمن، لمَّا قال: ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ قال الكافر: يا ليتني قلت كذلك.
فإن قيل: هذا الكلام يوهم أنه إنما هلكت جنَّته؛ لشؤم شركه، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ أنواع البلاء أكثرها إنَّما تقع للمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: 33] .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «خُصَّ البَلاءُ بالأنْبِياءِ، ثمَّ الأوْلياءِ، ثُمَّ الأمثلِ فالأمثَلِ» .
وأيضاً: فلما قال: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فقدم ندم على الشِّرك، ورغب في التوحيد؛ فوجب أن يصير مؤمناً، فلم قال بعده: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله﴾ ؟ .
فالجواب عن الأوَّل: أنه لمَّا عظمت حسراته لأجل أنه أنفق عمره في تحصيل الدنيا، وكان معرضاً في عمره كلِّه عن طلب الدِّين، فلما ضاعت الدنيا بالكليَّة، بقي محروماً عن الدنيا والدِّين.
والجواب عن الثاني: أنَّه إنَّما نَدِمَ على الشِّرك؛ لاعتقاده أنَّه لو كان موحِّداً غير مشركٍ، لبقيت عليه جنَّته، فهو إنَّما رغب في التوحيد والردَّة عن الشِّرك؛ لأجل [طلب] الدنيا؛ فلهذا لم يقبل الله توحيده.
قوله: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ﴾ : قرأ الأخوان [ «يَكُنْ» ] بالياء من تحت، والباقون من فوق، وهما واضحتان؛ إذ التأنيث مجازيٌّ، وحسن التذكير للفصل.
قوله: «يَنْصُرونَهُ» يجوز أن تكون هذه الجملة خبراً، وهو الظاهر، وأن تكون حالية، والخبر الجار المتقدم، وسوَّغ مجيء الحال من النَّكرة تقدم النفي، ويجوز أن تكون صفة ل «فئةٍ» إذا جعلنا الخبر الجارَّ.
وقال: «يَنْصُرونَهُ» حملاً على معنى «فِئةٍ» لأنَّهم في قوَّة القوم والنَّاس، ولو حمل على لفظها، لأفرد؛ كقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ﴾ [آل عمران: 13] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «تَنْصرُهُ» على اللفظ، قال أبو البقاء: «ولو كان» تَنْصرهُ «لكان على اللفظ» . قال شهاب الدين: قد قرئ بذلك، كما عرفت.
[قال بعضهم] : ومعنى «يَنْصُرونَهُ» يقدرون على نصرته، ويمنعونه من عذاب الله ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ممتنعاً متنعماً، أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه، وقيل: لا يقدر على ردِّ ما ذهب عنه.
قوله: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ﴾ : يجوز أن يكون الكلام تمَّ على قوله «مُنْتَصِراً» وهذه جملة منقطعة عمَّا قبلها، وعلى هذا: فيجوز في الكلام أوجه:
الأول: أن يكون «هنالك الولايةُ» مقدَّراً بجملة فعلية، فالولاية فاعل بالظرف قبلها، أي: استقرَّت الولاية الله، و «لله» متعلق بالاستقرار، أو بنفس الظرف؛ لقيامه مقام العامل، أو بنفسِ الولاية، أو يمحذوفٍ على أنه حال من «الوَلاية» وهذا إنما يتأتَّى على رأي الأخفش من حيث إنَّ الظرف يرفع الفاعل من غير اعتمادٍ.
والثاني: أن يكون «هُنالِكَ» منصوباً على الظرف متعلقاً بخبر «الولاية» وهو «لله» أو بما تعلق به «لله» أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ منها، والعامل الاستقرارُ في «لله» عند من يجيز تقدم الحال على عاملها المعنوي، أو يتعلق بنفس «الولايةِ» .
والثالث: أن يجعل «هُنالِكَ» هو الخبر، و «لله» فضلةٌ، والعامل فيه ما تقدَّم في الوجه الأول.
ويجوز أن يكون «هُنالِكَ» من تتمَّة ما قبلها، فلم يتمَّ الكلام دونه، وهو معمولٌ ل «مُنْتَصِراً» ، أي: وما كان منتصراً في الدار الآخرة، و «هُنالِكَ» إشارة غليها، وإليه نحا أبو إسحاق. وعلى هذا فيكون الوقف على «هُنالِكَ» تامًّا، والابتداء بقوله «الوَلايَةُ لله» فتكون جملة من مبتدأ وخبر.
والظاهر في «هُنالِكَ» : أنه على موضوعه من ظرفية المكان، كما تقدَّم، وتقدَّم أنَّ الأخوين يقرآن بالكسر، والفرق بينهما وبين قراءة الباقين بالفتح في سورة الأنفال، فلا معنى لإعادته.
وحكي عن أبي عمرو والأصمعي أن كسر الواو هنا لحنٌ، قالا: لأنَّ «فعالة» إنما تجيء فيما كان صنعة أو ممعنى متقلَّداً، وليس هنالك تولِّي أمورٍ.
فصل في لغات الولاية ومعانيها
قال الزمخشري: الولاية بالفتح: النصر، والتولِّي، وبالكسر: السلطان والملك.
وقيل: بالفتح: الربوبيَّة، وبالكسر: الإمارة.
قوله: «الحَقِّ» قرأ أبو عمرو، والكسائي برفع «الحقُّ» والباقون بجرِّه، فالرفع من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه صفة للولاية وتصديقه قراءة أبيٍّ «هُنالك الوَلايةُ الحق للهِ» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ما أوحيناه إليك.
الثالث: أنه مبتدأ، وخبره مضمر، أي: الحق ذلك، وهو ما قلناه.
والجر على أنه صفة للجلالة الكريمة؛ كقوله «ثُمَّ ردُّوا إلى الله مَولاهُم الحقِّ» .
وقرأ زيد بن عليٍّ، وأبو حيوة، وعمرو بن عبيد، ويعقوب «الحقَّ» نصباً على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة؛ كقولك «هذَا قَوْلُ الله الحق» وهذا عبد الله الحقَّ، لا الباطل.
قوله: «عُقباً» قرأ عاصم وحمزة بسكون القاف، والباقون بضمِّها، فقيل: لغتان؛ كالقُدُسِ والقُدْس، وقيل: الأصل الضمَّ، والسكون تخفيف، وقيل بالعكس؛ كالعُسْر واليُسْر، وهو عكس معهود اللغة، ونصبها ونصب «ثَواباً» و ﴿أَمَلاً﴾ [الكهف: 46] على التمييز لأفعل التفضيل قبلها، ونقل الزمخشريُّ أنه قرئ «عُقْبَى» بالألف، وهي مصدر أيضاً؛ كبُشْرَى، وتروى عن عاصم.
فصل في نظم الآية
اعلم أنَّه تعالى لمَّا ذكر من قصّة الرجلين ما ذكر علمنا أن النُّصرة والعاقبة المحمودة كانت للمؤمن على الكافر، وعرفنا أن الأمر هكذا يكون في حقِّ كل مؤمنٍ وكافرٍ، فقال: ﴿هُنالِكَ الوَلايةُ للهِ الحَقِّ﴾ أي: في مثل ذلك الوقت وفي مثل ذلك المقام، تكون الولاية لله يوالي أولياءه؛ فيعليهم على أعدائه، ويفوِّض أمر الكفار إليهم.
فقوله: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الموضع، والوقت الذي يريد إظهار كرامة أوليائه، وإذلال أعدائه.
وقيل: المعنى في مثل تلك الحالة الشديدة يتولَّى الله، ويلتجئ إليه كلُّ محتاجٍ مضطرٍّ، يعني أن قوله: ﴿ياليتني لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾ فكأنه ألجَ إليها ذلك الكافر، فقالها جزعاً ممَّا ساقهُ إليه شؤمُ كفره، ولولا ذلك، لم يقلها.
وقيل: المعنى: هنالك الولاية لله ينصرُ فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمنين على الكفرة، وينتقم لهم ويشفي صدورهم من [أعدائهم] ، يعني أنَّه تعالى نصر المؤمن بما فعل [بأخيه الكافر و] بصدق قوله: ﴿فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السمآء﴾ .
ويعضده قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: لأوليائه، وقيل: «هُنالِكَ» إشارةٌ إلى الدَّار الآخرةِ، أي: في تلك الدَّار الآخرة الولاية لله كقوله: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: 16] .
وقوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾ أي: خيرٌ في الآخرة لمن آمن به، والتجأ إليه، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي: هو خيرٌ عاقبة لمن رجاهُ، وعمل لوجهه.
الكهف 18:45
قوله تعالى: ﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾ الآية.
أي: واضرب، يا محمد، لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم، وأنصارهم على فقراء المسلمين ﴿مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾ ثم ذكر المثل فقال: ﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ .
قوله: ﴿كَمَآءٍ﴾ : فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون خبر مبتدأ محذوف، فقدَّره ابن عطيَّة هي، أي: الحياة الدنيا.
والثاني: أنه متعلق بمعنى المصدر، أي: ضرباً كماء، قاله الحوفيُّ. وهذا بناء منهما على أن «ضرب» هذه متعدية لواحدٍ فقط.
والثالث: أنه في موضع المفعول الثاني ل «اضْرِبْ» لأنها بمعنى طصَيِّرْ «وقد تقدم.
قال أبو حيان بعدما نقل قولي ابن عطيَّة والحوفيِّ:» وأقول: إنَّ «كماءٍ» في موضع المفعول الثاني لقوله «واضْرِبْ» ، أي: وصيِّر لهم مثل الحياة، أي: صفتها شبه ماء» . قال شهاب الدين: وهذا قد سبقه إليه أبو البقاء.
و «أنْزَلنَاهُ» صفة ل «مَاءٍ» .
قوله: «فاخْتلَطَ به» يجوز في هذه الباء وجهان:
أحدهما: أن تكون سببية.
الثاني: أن تكون متعدِّية، قال الزخشري: «فالتفَّ بسببه، وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً، وقيل: تجمع الماء في النبات؛ حتى روي ورَفَّ رفيفاً، وكان حق اللفظ على هذا التفسير: فاختلط بنباتِ الأرض، ووجه صحته: أنَّ كلَّ مختلطين موصوف كل واحدٍ منهما بصفةِ الآخر» .
قوله: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً﴾ » أصْبَحَ «يجوز أن تكون على بابها؛ فإنَّ أكثر ما يطرقُ من الآفاتِ صباحاً؛ كقوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: 42] ويجوز أن تكون بمعنى» صار «من غير تقييدٍ بصباحٍ؛ كقوله: [المنسرح]
3533 - أصْبَحَتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولاَ ... أمْلِكُ رَأسَ البعيرِ إنْ نَفرَا
والهشيمُ: واحده هشيمة، وهو اليابس، وقال الزجاج وابن قتيبة: كل ما كان رطباً، فيَبِسَ، ومنه ﴿كَهَشِيمِ المحتظر﴾ [القمر: 31] ومنه: حشمتُ الفتَّ والهشيم: المتفتِّت المتكسِّر، ومنه هشمت أنفه، وهشَمَ الثَّريدَ: إذا فتَّه.
قال: [الكامل]
3534 - عَمْرُو الَّذي هَشمَ الثَّريدَ لقَومهِ ... ورِجَالُ مَكَّةَ مُسنتُونَ عِجَاف
قوله:» تَذرُوهُ «صفة ل» هَشِيماً «والذَّرْوُ: التفريق، وقيل: الرفع.
والعامة» تَذْروهُ «بالواو، وقرأ عبد الله» تَذْريه «من الذَّري، ففي لامه لغتان: الواو والياء، وقرأ ابن عبَّاس» تُذْريهِ «بضمِّ التاء من الإذراءِ، وهذه تحتمل أن تكون من الذَّرْوِ، وأن تكون من الذَّري، والعامة على» الرَّياحِ «جمعاً، وزيد بن عليِّ، والحسنُ، والنخعيُّ في آخرين» الرِّيحُ «بالإفراد.
فصل في معنى ألفاظ الآية
و» مَثَل «معنى المثل، قال ابن عباسٍ: يعني بالماءِ المطر، نزل من السماء ﴿فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ خرج من كل لون وزهرة،» فأصْبحَ «عن قريب» هَشِيماً «يابساً.
وقال الضحاك: كسيراً.
«تَذْروهُ الرِّياحُ» :
قال ابن عباس: تذريه.
وقال أبو عبيدة: تفرّقه.
وقال القتبي: تنسفه.
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾ قادراً بتكوينه أولاً، وتنميته وسطاً، وإبطاله آخراً، فأحوال الدنيا كذلك تظهرُ أولاً في غاية الحسن والنَّضارة، ثم تتزايد قليلاً قليلاً، ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء والذَّهاب، ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به.
فصل في حسن ترتيب الآيات
قوله تعالى: ﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ الآية.
لما بيّن تعالى أنَّ الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزَّوال والبوار والفناء، بيَّن تعالى أنَّ المال والبنين زينة الحياة الدنيا، والمقصود منه إدخال هذا الجزئيِّ تحت ذلك الكليِّ، فينعقد به قياسٌ بيِّن الإنتاج، وهو أنَّ المال والبنين زينة الحياة الدنيا، وكل ما كان زينة الحياة الدنيا، فهو سريعُ الانقضاءِ والانقراضِ، ومن اليقين البديهيِّ، أن ما كان كذلك، فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به، أو يقيم له في نظره وزناً، فهذا برهان باهرٌ على فساد قول المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والولاد على فقراء [المؤمنين] .
قوله: ﴿زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ على التثنية، وسقطت ألفها لفظاً لالتقاء الساكنين، فيتوهم أنه قرئ بنصب «زينة الحياة» .
فصل في بيان رجحان فقراء المؤمنين على أغنياء الكفار
لما أقام البرهان على فساد قول المشركين، ذكر ما يدلُّ على رجحان أولئك الفقراء على أغنياء الكفَّار، فقال: ﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾ .
وبيان هذا الدليل: أنَّ خيرات الدنيا [منقرضة] ، وخبرات الآخرة باقيةٌ دائمةٌ، والدائم الباقي خيرٌ من المنقرضِ الزائل، وهذا معلومٌ بالضَّرورة.
قال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المال والبنون حرث الحياة الدنيا، والأعمال الصالحة حرث الآخرة، وقد يجمعها الله لأقوامٍ
وقال ابن عبَّاس وعكرمة ومجاهد: الباقيات الصالحات هي قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «أفْضَلُ الكلامِ أربعٌ: سُبْحانَ الله، والحَمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبرْ» .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أكثروا من البَاقيَاتِ الصَّالحاتِ قيل: وما هُنَّ يَا رسُول الله؟ قال: الملة. قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التَّكبيرُ، والتَّهليلُ، والتَّسبيحُ، والتَّحميدُ، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلِّ العظيم» .
وقال سعيد بن جبير ومسروق وإبراهيم ويروى أيضاً عن ابن عباس: البَاقيَاتُ الصَّالحاتُ: الصلوات الخَمْسُ.
وقال قتادة: ويروى أيضاً عن ابن عبَّاس أنَّها الأعمال الصالحة ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾ جزاء ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ أي: ما يؤمِّله الإنسان.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ الآية.
لما بيَّن خساسة الدُّنيا، وشرف القيامة، أراد أن يعيِّن أحوال القيامةِ.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ﴾ : «يَوْمَ» منصوب بقولٍ مضمرٍ بعده، تقديره: نقول لهم يوم نسيِّر الجبالك لقد جئتمونا، وقيل: بإضمار «اذْكُرْ» وقيل: هو معطوف على «عِنْدَ ربِّكَ» فيكون معمولاً لقوله «خَيْرٌ» .
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بضمِّ التاء، وفتح الياء مبنياً للمفعول، «الجِبَالُ» بالرفع؛ لقيامه مقام الفاعل، وحذف الفاعل؛ للعلم به، وهو الله، أو من يأمره من الملائكة، وهذه القراءة موافقةٌ لما اتُّفقَ عليه في قوله ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال﴾ [النبأ: 20] ، ويؤيِّدها قراءة عبد الله هنا ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال﴾ فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول.
والباقون «نُسيِّرُ» بنون العظمة، والياء مكسورة من «سَيَّرَ» بالتشديد؛ «الجبالَ» بالنصب على المفعول به، وهذه القراءة مناسبة لما بعدها من قوله ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ .
وقرأ الحسن كقراءة ابن كثير، ومن ذكر معه إلاَّ أنه بالياء من تحت؛ لأنَّ التأنيث مجازيٌّ وقرأ ابن محيصن، ورواها محبوب عن أبي عمرو: [ «تسير» ] بفتح التاء من فوق ساكن الياء، من سارت تسير، و «الجِبَالُ» بالرفع على الفاعلية.
قوله: ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ «بَارِزَةً» حالٌ؛ إذ الرؤية بصرية، وقرأ عيسى ﴿وتُرَى الأرضُ﴾ مبنيًّا للمفعول، و «الأرضُ» قائمة مقام الفاعل.
قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه ماضٍ، يراد به المستقبل، أي: ونحشرهم، وكذلك ﴿وَعُرِضُوا﴾ [الكهف: 48] و ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ [الكهف: 49] .
والثاني: أن تكون الواو للحالِ، والجملة في محلِّ النصب، أي: نفعل التسيير في حال حشرهم؛ ليشاهدوا تلك الأهوال.
والثالث: قال الزمخشري: «فإن قلت: لِمَ جيء ب» حَشرْنَاهُمْ «ماضياً بعد» نُسيِّرُ «و» ترى «؟ قلت: للدلالة على أنَّ حشرهم قبل التسيير، وقيل البروز؛ ليعاينوا تلك الأهوال العظام؛ كأنَّه قيل: وحَشرنَاهُم قبل ذلكَ» .
فصل
قال أبو البقاء، وأبو حيان: «والأولى أن تكون الواو للحال» فذكر نحواً ممَّا قدَّمته.
قوله: «فَلمْ نُغادِرْ» عطل على «حَشَرنَاهُمْ» فإنه ماضٍ معنى، والمغادرة هنا: بمعنى «الغَدْر» وهو الترك، أي: فلم نترك، والمفاعلة هنا ليس فيها مشاركة، وسمي الغدر غدراً؛ لأنَّ به ترك الوفاءُ، وغدير الماء من ذلك؛ لأنَّ السيل غادره، أي: تركه، فلم يجئه أو ترك فيه الماء، ويجمع على «غدر» و «غُدرَان» كرغيف ورغفان، واستغدر الغَديرُ: صار فيه الماء، والغديرة: الشَّعرُ الذي ترك حتى طال، والجمع غدائرُ. قال امرؤ القيس: [الطويل]
3535 - غَدائِرُهُ مُسْتشْزِرَاتٌ إلى العُلا..... ... ... ... ... ... ... ... .
وقرأ قتادة «فَلمْ تُغادِرْ» بالتاء من فوقُ، والفاعل ضمير الأرض، أو الغدرة المفهومة من السياق، وأبان: «يُغادَرْ» مبنياً للمفعول، «أحدٌ» بالرفع، والضحاك: «نُغْدِرْ» بضم النون، وسكون العين، وكسر الدال، من «أغْدرَ» بمعنى «غَدرَ» .
فصل في المراد بالتسيير
ليس في الآية ما يدلُّ على أنَّ الأرض إلى أين تسير، فيحتمل أن الله يسيِّرها إلى موضع يريده، ولم يبيِّن ذلك الموضع لخلقه.
والحقُّ أنَّ المراد أنَّه يسيِّرها إلى العدم؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 105 - 107] ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: 5، 6] ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ [الكهف: 47] ، أي: لم يبق عليها شيء من الجبال، والعمران، والشَّجر «بَارِزةً» ظاهرة ليس عليها ما يسترها؛ كما قال: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 106، 107] .
وقال عطاء: «بَارِزةً» أبرزت ما في بطنها، وقذفت الموتى المقبورين فيها، أي بارزة البطن والجوف، فحذف ذكر الجوف، ودليله قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: 4] ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] وقال: ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: 21] .
﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ أي: وحشرناهم أي: وجمعناهم للحساب، فلم نترك من الأوَّلين والآخرين أحداً، إلاَّ وجمعناهم لذلك اليوم.
قوله: ﴿وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً﴾ .
﴿صَفًّا﴾ : حال من مرفوع «عرضوا» وأصله المصدرية، يقال منه: صفَّ يصفُّ صفًّا، ثم يطلق على الجماعة المصطفِّين، واختلف هنا في «صفًّا» : هل هو مفرد وقع موقع الجمع؛ إذ المراد صفوفاً؛ ويدل عليه الحديث الصحيح: «يجمعُ الله الأوَّلين والآخرينَ في صعيدٍ واحدٍ صفوفاً» وفي حديث آخر: «اهلُ الجنَّة مائةٌ وعشرون صفًّا، أنتم منها ثمانون» .
ويؤيده قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: 67] أي أطفالاً. وقيل: ثَمَّ حذف، أي: صفًّا صفًّا، ونظيره قوله في موضع: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: 22] . وقال في آخر: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾ [النبأ: 38] يريد: صفًّا صفًّا؛ بدليل الآية الأخرى، فكذلك هنا، وقيل: بل كل الخلائق تكون صفًّا [واحداً] ، وهو أبلغ في القدرة، وأمَّا الحديثان فيحملان على اختلاف أحوالٍ؛ لأنه يوم طويل، كما شهد له بقوله ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4] فتارة يكونون فيه صفًّا واحداً، وتارة صفوفاً.
وقيل: صفًّا أي: قياماً؛ لقوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ [الحج: 36] أي قياماً.
قوله: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ على إضمار قول، أي: وقلنا لهم كيت وكيت.
وتقدَّم أن هذا القول هو العامل في قوله ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ [الكهف: 47] . ويجوز أن يضمر هذا القول حالاً من مرفوع «عُرِضُوا» ، أي: عرضوا مقولاً لهم كذا وكذا.
قوله: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ : أي: مجيئاً مشبهاً لخلقكم الأول حفاة، عراة غرلاً، لا مال، ولا ولد معكم، وقال الزمخشري: «لقَدْ بَعثْنَاكُم كَمَأ أنْشَأناكُمْ أوَّل مرَّة» فعلى هذين التقديرين، يكون نعتاً للمصدر المحذوف، وعلى رأي سيبويه: يكون حالاً من ضميره.
قوله: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .
ليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه؛ لأنهم خلقوا صغاراً، ولا عقل لهم، ولا تكليف عليهم، بل المراد أنَّه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي حفاة، عراة، بغير أموال، ولا أعوانٍ، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94] .
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾ أي كنتم مع التعزُّز على المؤمنين بالأموال والأنصار، تنكرون البعث، فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا، وشاهدتم أنَّ البعث والقيامة حقٌّ.
قوله: ﴿أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾ «أنْ» هي المخففة، وفصل بينها وبين خبرها؛ لكونه جملة فعلية متصرفة غير دعاءٍ بحرف النفي، و «لكم» يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً للجعل بمعنى التصيير، و «مَوْعداً» هو الأول، ويجوز أن يكون معلَّقاً بالجعل، أو يكون حالاً من «مَوعِداً» إذا لم يجعل الجعل تصييراً، بل لمجرد الإيجادِ.
و «بَلْ» في قوله: «بَل زَعَمتُمْ» لمجرَّد الانتقالِ، من غير إبطالٍ.
قوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ : العامة على بنائه للمفعول، وزيد بن عليٍّ على بنائه للفاعل، وهو الله، أو الملك، و «الكِتاب» منصوب مفعولاً به، و «الكتابُ» جنس للكتب؛ إذ من المعلوم أنَّ لكلِّ إنسانٍ كتاباً بخصُّه، وقد تقدَّم الوقف على «مَا لهذا الكتابِ» وكيف فصلت لام الجرِّ من مجرورها خطًّا في سورة النساء عند ﴿فَمَا لهؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ [النساء: 78] .
و «لا يُغَادِرُ» جملة حالية من «الكتاب» . والعامل الجار والمجرور؛ لقيامه مقام الفعل، أو الاستقرار الذي تعلق به الحال.
قوله: «إلاَّ أحْصَاهَا» في محل نصب نعتاً لصغيرة وكبيرة، ويجوز أن تكون الجملة في موضع المفعول الثاني؛ لأنَّ «يُغَادِرُ» بمعنى «يترك» و «يتركُ» قد يتعدَّى لاثنين؛ كقوله: [البسيط]
3536 - ... ... ... ... ... ..... فَقدْ تَركْتُكَ ذَا مَالٍ وذَا نَشبِ
في أحد الوجهين.
روى أبو هريرة عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يُحشَرُ النَّاس على ثلاثِ طرائقَ رَاغبينَ رَاهبينَ، فاثْنانِ على بَعيرٍ، وثَلاثةٌ على بَعيرٍ، وأرْبعةٌ على بَعيرٍ، وعَشرةٌ على بَعيرٍ، وتَحشُرَ بقيَّتهُم النَّارُ، تَقيلُ مَعهُمْ، حَيْثُ قَالُوا، وتَبِيتُ معهم؛ حيث باتوا، وتُصْبِحُ معهم، حيث أصبحُوا، وتمسي معهم، حيث أمسوا» .
وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالت: «قلت: يا رسول الله كيف يُحْشَر النَّاسُ يوم القِيامة؟ قال: حُفاةً عُراةً، قالت: قلتُ: والنِّساء؟ قال: والنِّساء، قالت: قلت: يا رسول الله، أستحي، قال: يا عائشة، الأمر اشدُّ من ذلك؛ أن يهمهم أن ينظر بعضهم لبعض» .
وقيل: توضعُ بين يدي الله عزَّ وجلَّ، ﴿فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ في الكتاب من الأعمال الخبيثة، كيف تظهر لأهل الموقف، فيفتضحون ﴿وَيَقُولُونَ﴾ إذا رأوها: ﴿ياويلتنا﴾ يا هلاكنا، والويلُ والويلة: الهلكة، وكأنَّ كلَّ من وقع في مهلكة، دعا بالويل، ومعنى النِّداء تنبيه المخاطبين.
﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً﴾ من ذنوبنا.
قال ابن عباس: الصَّغيرة: التبسُّم، والكبيرة: القهقهة.
قال سعيد بن جبير: الصغيرة: اللَّمم، [والمسُّ، والقبلة] ، والكبيرة: الزِّنا.
﴿إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ وهو عبارة عن الإحاطة، أي: ضبطها وحصرها، وإدخال تاء التأنيث في الصغيرة والكبيرة، على تقدير أنَّ المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة.
قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إيَّاكُم ومحقِّرات الذنوب؛ فإنَّما مثلُ محقِّرات الذنوب؛ فإنَّما مثلُ محقِّراتِ الذُّنوب مثل قوم نزلوا ببطنِ وادٍ، فجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، حتَّى أنضجوا خبزتهم، وإنَّ محقِّراتِ الذنوب لموبقاتٌ» .
﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً﴾ مكتوباً في الصَّحيفة.
﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ لا ينقص ثواب أحدٍ عمل خيراً.
وقال الضحاك: لم يؤاخذ أحداً بجرم لم يعمله.
فصل في الرد على المجبرة
قال الجبائي: هذه الآية تدلُّ على فساد قول المجبرة في مسائل:
أحدها: أنه لو عذَّب عباده من غير ذنب صدر منهم، لكان ظالماً.
وثانيها: أنه لا يعذِّب الأطفال بغير ذنب.
وثالثها: بطلان قولهم: لله أن يفعل ما شاء، ويعذِّب من غير جرم؛ لأنَّ الخلق خلقه، إذ لو كان كذلك، لما كان لنفي الظلم عنه معنى؛ لأنَّ بتقدير أنه إذا فعل أي شيءٍ، لم يكن ظلماً منه؛ لم يكن لقوله: «إنَّه لا يظلمُ» فائدة.
فإن قيل: أيُّ فائدة في ذلك؟ .
فالجواب عن الأوَّل بمعارضة العلم والدَّاعي.
وعن الثاني: أنَّه تعالى، قال: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] ولم يدلَّ هذا على أنَّ اتخاذ الولد يصحُّ عليه، فكذلك ها هنا.
الكهف 18:46
قوله تعالى: ﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾ الآية.
أي: واضرب، يا محمد، لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم، وأنصارهم على فقراء المسلمين ﴿مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾ ثم ذكر المثل فقال: ﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ .
قوله: ﴿كَمَآءٍ﴾ : فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون خبر مبتدأ محذوف، فقدَّره ابن عطيَّة هي، أي: الحياة الدنيا.
والثاني: أنه متعلق بمعنى المصدر، أي: ضرباً كماء، قاله الحوفيُّ. وهذا بناء منهما على أن «ضرب» هذه متعدية لواحدٍ فقط.
والثالث: أنه في موضع المفعول الثاني ل «اضْرِبْ» لأنها بمعنى طصَيِّرْ «وقد تقدم.
قال أبو حيان بعدما نقل قولي ابن عطيَّة والحوفيِّ:» وأقول: إنَّ «كماءٍ» في موضع المفعول الثاني لقوله «واضْرِبْ» ، أي: وصيِّر لهم مثل الحياة، أي: صفتها شبه ماء» . قال شهاب الدين: وهذا قد سبقه إليه أبو البقاء.
و «أنْزَلنَاهُ» صفة ل «مَاءٍ» .
قوله: «فاخْتلَطَ به» يجوز في هذه الباء وجهان:
أحدهما: أن تكون سببية.
الثاني: أن تكون متعدِّية، قال الزخشري: «فالتفَّ بسببه، وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً، وقيل: تجمع الماء في النبات؛ حتى روي ورَفَّ رفيفاً، وكان حق اللفظ على هذا التفسير: فاختلط بنباتِ الأرض، ووجه صحته: أنَّ كلَّ مختلطين موصوف كل واحدٍ منهما بصفةِ الآخر» .
قوله: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً﴾ » أصْبَحَ «يجوز أن تكون على بابها؛ فإنَّ أكثر ما يطرقُ من الآفاتِ صباحاً؛ كقوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: 42] ويجوز أن تكون بمعنى» صار «من غير تقييدٍ بصباحٍ؛ كقوله: [المنسرح]
3533 - أصْبَحَتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولاَ ... أمْلِكُ رَأسَ البعيرِ إنْ نَفرَا
والهشيمُ: واحده هشيمة، وهو اليابس، وقال الزجاج وابن قتيبة: كل ما كان رطباً، فيَبِسَ، ومنه ﴿كَهَشِيمِ المحتظر﴾ [القمر: 31] ومنه: حشمتُ الفتَّ والهشيم: المتفتِّت المتكسِّر، ومنه هشمت أنفه، وهشَمَ الثَّريدَ: إذا فتَّه.
قال: [الكامل]
3534 - عَمْرُو الَّذي هَشمَ الثَّريدَ لقَومهِ ... ورِجَالُ مَكَّةَ مُسنتُونَ عِجَاف
قوله:» تَذرُوهُ «صفة ل» هَشِيماً «والذَّرْوُ: التفريق، وقيل: الرفع.
والعامة» تَذْروهُ «بالواو، وقرأ عبد الله» تَذْريه «من الذَّري، ففي لامه لغتان: الواو والياء، وقرأ ابن عبَّاس» تُذْريهِ «بضمِّ التاء من الإذراءِ، وهذه تحتمل أن تكون من الذَّرْوِ، وأن تكون من الذَّري، والعامة على» الرَّياحِ «جمعاً، وزيد بن عليِّ، والحسنُ، والنخعيُّ في آخرين» الرِّيحُ «بالإفراد.
فصل في معنى ألفاظ الآية
و» مَثَل «معنى المثل، قال ابن عباسٍ: يعني بالماءِ المطر، نزل من السماء ﴿فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ خرج من كل لون وزهرة،» فأصْبحَ «عن قريب» هَشِيماً «يابساً.
وقال الضحاك: كسيراً.
«تَذْروهُ الرِّياحُ» :
قال ابن عباس: تذريه.
وقال أبو عبيدة: تفرّقه.
وقال القتبي: تنسفه.
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾ قادراً بتكوينه أولاً، وتنميته وسطاً، وإبطاله آخراً، فأحوال الدنيا كذلك تظهرُ أولاً في غاية الحسن والنَّضارة، ثم تتزايد قليلاً قليلاً، ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء والذَّهاب، ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به.
فصل في حسن ترتيب الآيات
قوله تعالى: ﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ الآية.
لما بيّن تعالى أنَّ الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزَّوال والبوار والفناء، بيَّن تعالى أنَّ المال والبنين زينة الحياة الدنيا، والمقصود منه إدخال هذا الجزئيِّ تحت ذلك الكليِّ، فينعقد به قياسٌ بيِّن الإنتاج، وهو أنَّ المال والبنين زينة الحياة الدنيا، وكل ما كان زينة الحياة الدنيا، فهو سريعُ الانقضاءِ والانقراضِ، ومن اليقين البديهيِّ، أن ما كان كذلك، فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به، أو يقيم له في نظره وزناً، فهذا برهان باهرٌ على فساد قول المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والولاد على فقراء [المؤمنين] .
قوله: ﴿زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ على التثنية، وسقطت ألفها لفظاً لالتقاء الساكنين، فيتوهم أنه قرئ بنصب «زينة الحياة» .
فصل في بيان رجحان فقراء المؤمنين على أغنياء الكفار
لما أقام البرهان على فساد قول المشركين، ذكر ما يدلُّ على رجحان أولئك الفقراء على أغنياء الكفَّار، فقال: ﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾ .
وبيان هذا الدليل: أنَّ خيرات الدنيا [منقرضة] ، وخبرات الآخرة باقيةٌ دائمةٌ، والدائم الباقي خيرٌ من المنقرضِ الزائل، وهذا معلومٌ بالضَّرورة.
قال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المال والبنون حرث الحياة الدنيا، والأعمال الصالحة حرث الآخرة، وقد يجمعها الله لأقوامٍ
وقال ابن عبَّاس وعكرمة ومجاهد: الباقيات الصالحات هي قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «أفْضَلُ الكلامِ أربعٌ: سُبْحانَ الله، والحَمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبرْ» .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أكثروا من البَاقيَاتِ الصَّالحاتِ قيل: وما هُنَّ يَا رسُول الله؟ قال: الملة. قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التَّكبيرُ، والتَّهليلُ، والتَّسبيحُ، والتَّحميدُ، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلِّ العظيم» .
وقال سعيد بن جبير ومسروق وإبراهيم ويروى أيضاً عن ابن عباس: البَاقيَاتُ الصَّالحاتُ: الصلوات الخَمْسُ.
وقال قتادة: ويروى أيضاً عن ابن عبَّاس أنَّها الأعمال الصالحة ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾ جزاء ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ أي: ما يؤمِّله الإنسان.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ الآية.
لما بيَّن خساسة الدُّنيا، وشرف القيامة، أراد أن يعيِّن أحوال القيامةِ.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ﴾ : «يَوْمَ» منصوب بقولٍ مضمرٍ بعده، تقديره: نقول لهم يوم نسيِّر الجبالك لقد جئتمونا، وقيل: بإضمار «اذْكُرْ» وقيل: هو معطوف على «عِنْدَ ربِّكَ» فيكون معمولاً لقوله «خَيْرٌ» .
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بضمِّ التاء، وفتح الياء مبنياً للمفعول، «الجِبَالُ» بالرفع؛ لقيامه مقام الفاعل، وحذف الفاعل؛ للعلم به، وهو الله، أو من يأمره من الملائكة، وهذه القراءة موافقةٌ لما اتُّفقَ عليه في قوله ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال﴾ [النبأ: 20] ، ويؤيِّدها قراءة عبد الله هنا ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال﴾ فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول.
والباقون «نُسيِّرُ» بنون العظمة، والياء مكسورة من «سَيَّرَ» بالتشديد؛ «الجبالَ» بالنصب على المفعول به، وهذه القراءة مناسبة لما بعدها من قوله ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ .
وقرأ الحسن كقراءة ابن كثير، ومن ذكر معه إلاَّ أنه بالياء من تحت؛ لأنَّ التأنيث مجازيٌّ وقرأ ابن محيصن، ورواها محبوب عن أبي عمرو: [ «تسير» ] بفتح التاء من فوق ساكن الياء، من سارت تسير، و «الجِبَالُ» بالرفع على الفاعلية.
قوله: ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ «بَارِزَةً» حالٌ؛ إذ الرؤية بصرية، وقرأ عيسى ﴿وتُرَى الأرضُ﴾ مبنيًّا للمفعول، و «الأرضُ» قائمة مقام الفاعل.
قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه ماضٍ، يراد به المستقبل، أي: ونحشرهم، وكذلك ﴿وَعُرِضُوا﴾ [الكهف: 48] و ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ [الكهف: 49] .
والثاني: أن تكون الواو للحالِ، والجملة في محلِّ النصب، أي: نفعل التسيير في حال حشرهم؛ ليشاهدوا تلك الأهوال.
والثالث: قال الزمخشري: «فإن قلت: لِمَ جيء ب» حَشرْنَاهُمْ «ماضياً بعد» نُسيِّرُ «و» ترى «؟ قلت: للدلالة على أنَّ حشرهم قبل التسيير، وقيل البروز؛ ليعاينوا تلك الأهوال العظام؛ كأنَّه قيل: وحَشرنَاهُم قبل ذلكَ» .
فصل
قال أبو البقاء، وأبو حيان: «والأولى أن تكون الواو للحال» فذكر نحواً ممَّا قدَّمته.
قوله: «فَلمْ نُغادِرْ» عطل على «حَشَرنَاهُمْ» فإنه ماضٍ معنى، والمغادرة هنا: بمعنى «الغَدْر» وهو الترك، أي: فلم نترك، والمفاعلة هنا ليس فيها مشاركة، وسمي الغدر غدراً؛ لأنَّ به ترك الوفاءُ، وغدير الماء من ذلك؛ لأنَّ السيل غادره، أي: تركه، فلم يجئه أو ترك فيه الماء، ويجمع على «غدر» و «غُدرَان» كرغيف ورغفان، واستغدر الغَديرُ: صار فيه الماء، والغديرة: الشَّعرُ الذي ترك حتى طال، والجمع غدائرُ. قال امرؤ القيس: [الطويل]
3535 - غَدائِرُهُ مُسْتشْزِرَاتٌ إلى العُلا..... ... ... ... ... ... ... ... .
وقرأ قتادة «فَلمْ تُغادِرْ» بالتاء من فوقُ، والفاعل ضمير الأرض، أو الغدرة المفهومة من السياق، وأبان: «يُغادَرْ» مبنياً للمفعول، «أحدٌ» بالرفع، والضحاك: «نُغْدِرْ» بضم النون، وسكون العين، وكسر الدال، من «أغْدرَ» بمعنى «غَدرَ» .
فصل في المراد بالتسيير
ليس في الآية ما يدلُّ على أنَّ الأرض إلى أين تسير، فيحتمل أن الله يسيِّرها إلى موضع يريده، ولم يبيِّن ذلك الموضع لخلقه.
والحقُّ أنَّ المراد أنَّه يسيِّرها إلى العدم؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 105 - 107] ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: 5، 6] ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ [الكهف: 47] ، أي: لم يبق عليها شيء من الجبال، والعمران، والشَّجر «بَارِزةً» ظاهرة ليس عليها ما يسترها؛ كما قال: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 106، 107] .
وقال عطاء: «بَارِزةً» أبرزت ما في بطنها، وقذفت الموتى المقبورين فيها، أي بارزة البطن والجوف، فحذف ذكر الجوف، ودليله قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: 4] ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] وقال: ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: 21] .
﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ أي: وحشرناهم أي: وجمعناهم للحساب، فلم نترك من الأوَّلين والآخرين أحداً، إلاَّ وجمعناهم لذلك اليوم.
قوله: ﴿وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً﴾ .
﴿صَفًّا﴾ : حال من مرفوع «عرضوا» وأصله المصدرية، يقال منه: صفَّ يصفُّ صفًّا، ثم يطلق على الجماعة المصطفِّين، واختلف هنا في «صفًّا» : هل هو مفرد وقع موقع الجمع؛ إذ المراد صفوفاً؛ ويدل عليه الحديث الصحيح: «يجمعُ الله الأوَّلين والآخرينَ في صعيدٍ واحدٍ صفوفاً» وفي حديث آخر: «اهلُ الجنَّة مائةٌ وعشرون صفًّا، أنتم منها ثمانون» .
ويؤيده قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: 67] أي أطفالاً. وقيل: ثَمَّ حذف، أي: صفًّا صفًّا، ونظيره قوله في موضع: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: 22] . وقال في آخر: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾ [النبأ: 38] يريد: صفًّا صفًّا؛ بدليل الآية الأخرى، فكذلك هنا، وقيل: بل كل الخلائق تكون صفًّا [واحداً] ، وهو أبلغ في القدرة، وأمَّا الحديثان فيحملان على اختلاف أحوالٍ؛ لأنه يوم طويل، كما شهد له بقوله ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4] فتارة يكونون فيه صفًّا واحداً، وتارة صفوفاً.
وقيل: صفًّا أي: قياماً؛ لقوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ [الحج: 36] أي قياماً.
قوله: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ على إضمار قول، أي: وقلنا لهم كيت وكيت.
وتقدَّم أن هذا القول هو العامل في قوله ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ [الكهف: 47] . ويجوز أن يضمر هذا القول حالاً من مرفوع «عُرِضُوا» ، أي: عرضوا مقولاً لهم كذا وكذا.
قوله: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ : أي: مجيئاً مشبهاً لخلقكم الأول حفاة، عراة غرلاً، لا مال، ولا ولد معكم، وقال الزمخشري: «لقَدْ بَعثْنَاكُم كَمَأ أنْشَأناكُمْ أوَّل مرَّة» فعلى هذين التقديرين، يكون نعتاً للمصدر المحذوف، وعلى رأي سيبويه: يكون حالاً من ضميره.
قوله: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .
ليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه؛ لأنهم خلقوا صغاراً، ولا عقل لهم، ولا تكليف عليهم، بل المراد أنَّه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي حفاة، عراة، بغير أموال، ولا أعوانٍ، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94] .
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾ أي كنتم مع التعزُّز على المؤمنين بالأموال والأنصار، تنكرون البعث، فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا، وشاهدتم أنَّ البعث والقيامة حقٌّ.
قوله: ﴿أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾ «أنْ» هي المخففة، وفصل بينها وبين خبرها؛ لكونه جملة فعلية متصرفة غير دعاءٍ بحرف النفي، و «لكم» يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً للجعل بمعنى التصيير، و «مَوْعداً» هو الأول، ويجوز أن يكون معلَّقاً بالجعل، أو يكون حالاً من «مَوعِداً» إذا لم يجعل الجعل تصييراً، بل لمجرد الإيجادِ.
و «بَلْ» في قوله: «بَل زَعَمتُمْ» لمجرَّد الانتقالِ، من غير إبطالٍ.
قوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ : العامة على بنائه للمفعول، وزيد بن عليٍّ على بنائه للفاعل، وهو الله، أو الملك، و «الكِتاب» منصوب مفعولاً به، و «الكتابُ» جنس للكتب؛ إذ من المعلوم أنَّ لكلِّ إنسانٍ كتاباً بخصُّه، وقد تقدَّم الوقف على «مَا لهذا الكتابِ» وكيف فصلت لام الجرِّ من مجرورها خطًّا في سورة النساء عند ﴿فَمَا لهؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ [النساء: 78] .
و «لا يُغَادِرُ» جملة حالية من «الكتاب» . والعامل الجار والمجرور؛ لقيامه مقام الفعل، أو الاستقرار الذي تعلق به الحال.
قوله: «إلاَّ أحْصَاهَا» في محل نصب نعتاً لصغيرة وكبيرة، ويجوز أن تكون الجملة في موضع المفعول الثاني؛ لأنَّ «يُغَادِرُ» بمعنى «يترك» و «يتركُ» قد يتعدَّى لاثنين؛ كقوله: [البسيط]
3536 - ... ... ... ... ... ..... فَقدْ تَركْتُكَ ذَا مَالٍ وذَا نَشبِ
في أحد الوجهين.
روى أبو هريرة عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يُحشَرُ النَّاس على ثلاثِ طرائقَ رَاغبينَ رَاهبينَ، فاثْنانِ على بَعيرٍ، وثَلاثةٌ على بَعيرٍ، وأرْبعةٌ على بَعيرٍ، وعَشرةٌ على بَعيرٍ، وتَحشُرَ بقيَّتهُم النَّارُ، تَقيلُ مَعهُمْ، حَيْثُ قَالُوا، وتَبِيتُ معهم؛ حيث باتوا، وتُصْبِحُ معهم، حيث أصبحُوا، وتمسي معهم، حيث أمسوا» .
وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالت: «قلت: يا رسول الله كيف يُحْشَر النَّاسُ يوم القِيامة؟ قال: حُفاةً عُراةً، قالت: قلتُ: والنِّساء؟ قال: والنِّساء، قالت: قلت: يا رسول الله، أستحي، قال: يا عائشة، الأمر اشدُّ من ذلك؛ أن يهمهم أن ينظر بعضهم لبعض» .
وقيل: توضعُ بين يدي الله عزَّ وجلَّ، ﴿فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ في الكتاب من الأعمال الخبيثة، كيف تظهر لأهل الموقف، فيفتضحون ﴿وَيَقُولُونَ﴾ إذا رأوها: ﴿ياويلتنا﴾ يا هلاكنا، والويلُ والويلة: الهلكة، وكأنَّ كلَّ من وقع في مهلكة، دعا بالويل، ومعنى النِّداء تنبيه المخاطبين.
﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً﴾ من ذنوبنا.
قال ابن عباس: الصَّغيرة: التبسُّم، والكبيرة: القهقهة.
قال سعيد بن جبير: الصغيرة: اللَّمم، [والمسُّ، والقبلة] ، والكبيرة: الزِّنا.
﴿إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ وهو عبارة عن الإحاطة، أي: ضبطها وحصرها، وإدخال تاء التأنيث في الصغيرة والكبيرة، على تقدير أنَّ المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة.
قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إيَّاكُم ومحقِّرات الذنوب؛ فإنَّما مثلُ محقِّرات الذنوب؛ فإنَّما مثلُ محقِّراتِ الذُّنوب مثل قوم نزلوا ببطنِ وادٍ، فجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، حتَّى أنضجوا خبزتهم، وإنَّ محقِّراتِ الذنوب لموبقاتٌ» .
﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً﴾ مكتوباً في الصَّحيفة.
﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ لا ينقص ثواب أحدٍ عمل خيراً.
وقال الضحاك: لم يؤاخذ أحداً بجرم لم يعمله.
فصل في الرد على المجبرة
قال الجبائي: هذه الآية تدلُّ على فساد قول المجبرة في مسائل:
أحدها: أنه لو عذَّب عباده من غير ذنب صدر منهم، لكان ظالماً.
وثانيها: أنه لا يعذِّب الأطفال بغير ذنب.
وثالثها: بطلان قولهم: لله أن يفعل ما شاء، ويعذِّب من غير جرم؛ لأنَّ الخلق خلقه، إذ لو كان كذلك، لما كان لنفي الظلم عنه معنى؛ لأنَّ بتقدير أنه إذا فعل أي شيءٍ، لم يكن ظلماً منه؛ لم يكن لقوله: «إنَّه لا يظلمُ» فائدة.
فإن قيل: أيُّ فائدة في ذلك؟ .
فالجواب عن الأوَّل بمعارضة العلم والدَّاعي.
وعن الثاني: أنَّه تعالى، قال: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] ولم يدلَّ هذا على أنَّ اتخاذ الولد يصحُّ عليه، فكذلك ها هنا.
الكهف 18:47
قوله تعالى: ﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾ الآية.
أي: واضرب، يا محمد، لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم، وأنصارهم على فقراء المسلمين ﴿مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾ ثم ذكر المثل فقال: ﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ .
قوله: ﴿كَمَآءٍ﴾ : فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون خبر مبتدأ محذوف، فقدَّره ابن عطيَّة هي، أي: الحياة الدنيا.
والثاني: أنه متعلق بمعنى المصدر، أي: ضرباً كماء، قاله الحوفيُّ. وهذا بناء منهما على أن «ضرب» هذه متعدية لواحدٍ فقط.
والثالث: أنه في موضع المفعول الثاني ل «اضْرِبْ» لأنها بمعنى طصَيِّرْ «وقد تقدم.
قال أبو حيان بعدما نقل قولي ابن عطيَّة والحوفيِّ:» وأقول: إنَّ «كماءٍ» في موضع المفعول الثاني لقوله «واضْرِبْ» ، أي: وصيِّر لهم مثل الحياة، أي: صفتها شبه ماء» . قال شهاب الدين: وهذا قد سبقه إليه أبو البقاء.
و «أنْزَلنَاهُ» صفة ل «مَاءٍ» .
قوله: «فاخْتلَطَ به» يجوز في هذه الباء وجهان:
أحدهما: أن تكون سببية.
الثاني: أن تكون متعدِّية، قال الزخشري: «فالتفَّ بسببه، وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً، وقيل: تجمع الماء في النبات؛ حتى روي ورَفَّ رفيفاً، وكان حق اللفظ على هذا التفسير: فاختلط بنباتِ الأرض، ووجه صحته: أنَّ كلَّ مختلطين موصوف كل واحدٍ منهما بصفةِ الآخر» .
قوله: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً﴾ » أصْبَحَ «يجوز أن تكون على بابها؛ فإنَّ أكثر ما يطرقُ من الآفاتِ صباحاً؛ كقوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: 42] ويجوز أن تكون بمعنى» صار «من غير تقييدٍ بصباحٍ؛ كقوله: [المنسرح]
3533 - أصْبَحَتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولاَ ... أمْلِكُ رَأسَ البعيرِ إنْ نَفرَا
والهشيمُ: واحده هشيمة، وهو اليابس، وقال الزجاج وابن قتيبة: كل ما كان رطباً، فيَبِسَ، ومنه ﴿كَهَشِيمِ المحتظر﴾ [القمر: 31] ومنه: حشمتُ الفتَّ والهشيم: المتفتِّت المتكسِّر، ومنه هشمت أنفه، وهشَمَ الثَّريدَ: إذا فتَّه.
قال: [الكامل]
3534 - عَمْرُو الَّذي هَشمَ الثَّريدَ لقَومهِ ... ورِجَالُ مَكَّةَ مُسنتُونَ عِجَاف
قوله:» تَذرُوهُ «صفة ل» هَشِيماً «والذَّرْوُ: التفريق، وقيل: الرفع.
والعامة» تَذْروهُ «بالواو، وقرأ عبد الله» تَذْريه «من الذَّري، ففي لامه لغتان: الواو والياء، وقرأ ابن عبَّاس» تُذْريهِ «بضمِّ التاء من الإذراءِ، وهذه تحتمل أن تكون من الذَّرْوِ، وأن تكون من الذَّري، والعامة على» الرَّياحِ «جمعاً، وزيد بن عليِّ، والحسنُ، والنخعيُّ في آخرين» الرِّيحُ «بالإفراد.
فصل في معنى ألفاظ الآية
و» مَثَل «معنى المثل، قال ابن عباسٍ: يعني بالماءِ المطر، نزل من السماء ﴿فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ خرج من كل لون وزهرة،» فأصْبحَ «عن قريب» هَشِيماً «يابساً.
وقال الضحاك: كسيراً.
«تَذْروهُ الرِّياحُ» :
قال ابن عباس: تذريه.
وقال أبو عبيدة: تفرّقه.
وقال القتبي: تنسفه.
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾ قادراً بتكوينه أولاً، وتنميته وسطاً، وإبطاله آخراً، فأحوال الدنيا كذلك تظهرُ أولاً في غاية الحسن والنَّضارة، ثم تتزايد قليلاً قليلاً، ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء والذَّهاب، ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به.
فصل في حسن ترتيب الآيات
قوله تعالى: ﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ الآية.
لما بيّن تعالى أنَّ الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزَّوال والبوار والفناء، بيَّن تعالى أنَّ المال والبنين زينة الحياة الدنيا، والمقصود منه إدخال هذا الجزئيِّ تحت ذلك الكليِّ، فينعقد به قياسٌ بيِّن الإنتاج، وهو أنَّ المال والبنين زينة الحياة الدنيا، وكل ما كان زينة الحياة الدنيا، فهو سريعُ الانقضاءِ والانقراضِ، ومن اليقين البديهيِّ، أن ما كان كذلك، فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به، أو يقيم له في نظره وزناً، فهذا برهان باهرٌ على فساد قول المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والولاد على فقراء [المؤمنين] .
قوله: ﴿زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ على التثنية، وسقطت ألفها لفظاً لالتقاء الساكنين، فيتوهم أنه قرئ بنصب «زينة الحياة» .
فصل في بيان رجحان فقراء المؤمنين على أغنياء الكفار
لما أقام البرهان على فساد قول المشركين، ذكر ما يدلُّ على رجحان أولئك الفقراء على أغنياء الكفَّار، فقال: ﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾ .
وبيان هذا الدليل: أنَّ خيرات الدنيا [منقرضة] ، وخبرات الآخرة باقيةٌ دائمةٌ، والدائم الباقي خيرٌ من المنقرضِ الزائل، وهذا معلومٌ بالضَّرورة.
قال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المال والبنون حرث الحياة الدنيا، والأعمال الصالحة حرث الآخرة، وقد يجمعها الله لأقوامٍ
وقال ابن عبَّاس وعكرمة ومجاهد: الباقيات الصالحات هي قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «أفْضَلُ الكلامِ أربعٌ: سُبْحانَ الله، والحَمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبرْ» .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أكثروا من البَاقيَاتِ الصَّالحاتِ قيل: وما هُنَّ يَا رسُول الله؟ قال: الملة. قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التَّكبيرُ، والتَّهليلُ، والتَّسبيحُ، والتَّحميدُ، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلِّ العظيم» .
وقال سعيد بن جبير ومسروق وإبراهيم ويروى أيضاً عن ابن عباس: البَاقيَاتُ الصَّالحاتُ: الصلوات الخَمْسُ.
وقال قتادة: ويروى أيضاً عن ابن عبَّاس أنَّها الأعمال الصالحة ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾ جزاء ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ أي: ما يؤمِّله الإنسان.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ الآية.
لما بيَّن خساسة الدُّنيا، وشرف القيامة، أراد أن يعيِّن أحوال القيامةِ.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ﴾ : «يَوْمَ» منصوب بقولٍ مضمرٍ بعده، تقديره: نقول لهم يوم نسيِّر الجبالك لقد جئتمونا، وقيل: بإضمار «اذْكُرْ» وقيل: هو معطوف على «عِنْدَ ربِّكَ» فيكون معمولاً لقوله «خَيْرٌ» .
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بضمِّ التاء، وفتح الياء مبنياً للمفعول، «الجِبَالُ» بالرفع؛ لقيامه مقام الفاعل، وحذف الفاعل؛ للعلم به، وهو الله، أو من يأمره من الملائكة، وهذه القراءة موافقةٌ لما اتُّفقَ عليه في قوله ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال﴾ [النبأ: 20] ، ويؤيِّدها قراءة عبد الله هنا ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال﴾ فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول.
والباقون «نُسيِّرُ» بنون العظمة، والياء مكسورة من «سَيَّرَ» بالتشديد؛ «الجبالَ» بالنصب على المفعول به، وهذه القراءة مناسبة لما بعدها من قوله ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ .
وقرأ الحسن كقراءة ابن كثير، ومن ذكر معه إلاَّ أنه بالياء من تحت؛ لأنَّ التأنيث مجازيٌّ وقرأ ابن محيصن، ورواها محبوب عن أبي عمرو: [ «تسير» ] بفتح التاء من فوق ساكن الياء، من سارت تسير، و «الجِبَالُ» بالرفع على الفاعلية.
قوله: ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ «بَارِزَةً» حالٌ؛ إذ الرؤية بصرية، وقرأ عيسى ﴿وتُرَى الأرضُ﴾ مبنيًّا للمفعول، و «الأرضُ» قائمة مقام الفاعل.
قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه ماضٍ، يراد به المستقبل، أي: ونحشرهم، وكذلك ﴿وَعُرِضُوا﴾ [الكهف: 48] و ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ [الكهف: 49] .
والثاني: أن تكون الواو للحالِ، والجملة في محلِّ النصب، أي: نفعل التسيير في حال حشرهم؛ ليشاهدوا تلك الأهوال.
والثالث: قال الزمخشري: «فإن قلت: لِمَ جيء ب» حَشرْنَاهُمْ «ماضياً بعد» نُسيِّرُ «و» ترى «؟ قلت: للدلالة على أنَّ حشرهم قبل التسيير، وقيل البروز؛ ليعاينوا تلك الأهوال العظام؛ كأنَّه قيل: وحَشرنَاهُم قبل ذلكَ» .
فصل
قال أبو البقاء، وأبو حيان: «والأولى أن تكون الواو للحال» فذكر نحواً ممَّا قدَّمته.
قوله: «فَلمْ نُغادِرْ» عطل على «حَشَرنَاهُمْ» فإنه ماضٍ معنى، والمغادرة هنا: بمعنى «الغَدْر» وهو الترك، أي: فلم نترك، والمفاعلة هنا ليس فيها مشاركة، وسمي الغدر غدراً؛ لأنَّ به ترك الوفاءُ، وغدير الماء من ذلك؛ لأنَّ السيل غادره، أي: تركه، فلم يجئه أو ترك فيه الماء، ويجمع على «غدر» و «غُدرَان» كرغيف ورغفان، واستغدر الغَديرُ: صار فيه الماء، والغديرة: الشَّعرُ الذي ترك حتى طال، والجمع غدائرُ. قال امرؤ القيس: [الطويل]
3535 - غَدائِرُهُ مُسْتشْزِرَاتٌ إلى العُلا..... ... ... ... ... ... ... ... .
وقرأ قتادة «فَلمْ تُغادِرْ» بالتاء من فوقُ، والفاعل ضمير الأرض، أو الغدرة المفهومة من السياق، وأبان: «يُغادَرْ» مبنياً للمفعول، «أحدٌ» بالرفع، والضحاك: «نُغْدِرْ» بضم النون، وسكون العين، وكسر الدال، من «أغْدرَ» بمعنى «غَدرَ» .
فصل في المراد بالتسيير
ليس في الآية ما يدلُّ على أنَّ الأرض إلى أين تسير، فيحتمل أن الله يسيِّرها إلى موضع يريده، ولم يبيِّن ذلك الموضع لخلقه.
والحقُّ أنَّ المراد أنَّه يسيِّرها إلى العدم؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 105 - 107] ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: 5، 6] ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ [الكهف: 47] ، أي: لم يبق عليها شيء من الجبال، والعمران، والشَّجر «بَارِزةً» ظاهرة ليس عليها ما يسترها؛ كما قال: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 106، 107] .
وقال عطاء: «بَارِزةً» أبرزت ما في بطنها، وقذفت الموتى المقبورين فيها، أي بارزة البطن والجوف، فحذف ذكر الجوف، ودليله قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: 4] ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] وقال: ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: 21] .
﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ أي: وحشرناهم أي: وجمعناهم للحساب، فلم نترك من الأوَّلين والآخرين أحداً، إلاَّ وجمعناهم لذلك اليوم.
قوله: ﴿وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً﴾ .
﴿صَفًّا﴾ : حال من مرفوع «عرضوا» وأصله المصدرية، يقال منه: صفَّ يصفُّ صفًّا، ثم يطلق على الجماعة المصطفِّين، واختلف هنا في «صفًّا» : هل هو مفرد وقع موقع الجمع؛ إذ المراد صفوفاً؛ ويدل عليه الحديث الصحيح: «يجمعُ الله الأوَّلين والآخرينَ في صعيدٍ واحدٍ صفوفاً» وفي حديث آخر: «اهلُ الجنَّة مائةٌ وعشرون صفًّا، أنتم منها ثمانون» .
ويؤيده قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: 67] أي أطفالاً. وقيل: ثَمَّ حذف، أي: صفًّا صفًّا، ونظيره قوله في موضع: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: 22] . وقال في آخر: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾ [النبأ: 38] يريد: صفًّا صفًّا؛ بدليل الآية الأخرى، فكذلك هنا، وقيل: بل كل الخلائق تكون صفًّا [واحداً] ، وهو أبلغ في القدرة، وأمَّا الحديثان فيحملان على اختلاف أحوالٍ؛ لأنه يوم طويل، كما شهد له بقوله ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4] فتارة يكونون فيه صفًّا واحداً، وتارة صفوفاً.
وقيل: صفًّا أي: قياماً؛ لقوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ [الحج: 36] أي قياماً.
قوله: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ على إضمار قول، أي: وقلنا لهم كيت وكيت.
وتقدَّم أن هذا القول هو العامل في قوله ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ [الكهف: 47] . ويجوز أن يضمر هذا القول حالاً من مرفوع «عُرِضُوا» ، أي: عرضوا مقولاً لهم كذا وكذا.
قوله: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ : أي: مجيئاً مشبهاً لخلقكم الأول حفاة، عراة غرلاً، لا مال، ولا ولد معكم، وقال الزمخشري: «لقَدْ بَعثْنَاكُم كَمَأ أنْشَأناكُمْ أوَّل مرَّة» فعلى هذين التقديرين، يكون نعتاً للمصدر المحذوف، وعلى رأي سيبويه: يكون حالاً من ضميره.
قوله: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .
ليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه؛ لأنهم خلقوا صغاراً، ولا عقل لهم، ولا تكليف عليهم، بل المراد أنَّه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي حفاة، عراة، بغير أموال، ولا أعوانٍ، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94] .
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾ أي كنتم مع التعزُّز على المؤمنين بالأموال والأنصار، تنكرون البعث، فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا، وشاهدتم أنَّ البعث والقيامة حقٌّ.
قوله: ﴿أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾ «أنْ» هي المخففة، وفصل بينها وبين خبرها؛ لكونه جملة فعلية متصرفة غير دعاءٍ بحرف النفي، و «لكم» يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً للجعل بمعنى التصيير، و «مَوْعداً» هو الأول، ويجوز أن يكون معلَّقاً بالجعل، أو يكون حالاً من «مَوعِداً» إذا لم يجعل الجعل تصييراً، بل لمجرد الإيجادِ.
و «بَلْ» في قوله: «بَل زَعَمتُمْ» لمجرَّد الانتقالِ، من غير إبطالٍ.
قوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ : العامة على بنائه للمفعول، وزيد بن عليٍّ على بنائه للفاعل، وهو الله، أو الملك، و «الكِتاب» منصوب مفعولاً به، و «الكتابُ» جنس للكتب؛ إذ من المعلوم أنَّ لكلِّ إنسانٍ كتاباً بخصُّه، وقد تقدَّم الوقف على «مَا لهذا الكتابِ» وكيف فصلت لام الجرِّ من مجرورها خطًّا في سورة النساء عند ﴿فَمَا لهؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ [النساء: 78] .
و «لا يُغَادِرُ» جملة حالية من «الكتاب» . والعامل الجار والمجرور؛ لقيامه مقام الفعل، أو الاستقرار الذي تعلق به الحال.
قوله: «إلاَّ أحْصَاهَا» في محل نصب نعتاً لصغيرة وكبيرة، ويجوز أن تكون الجملة في موضع المفعول الثاني؛ لأنَّ «يُغَادِرُ» بمعنى «يترك» و «يتركُ» قد يتعدَّى لاثنين؛ كقوله: [البسيط]
3536 - ... ... ... ... ... ..... فَقدْ تَركْتُكَ ذَا مَالٍ وذَا نَشبِ
في أحد الوجهين.
روى أبو هريرة عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يُحشَرُ النَّاس على ثلاثِ طرائقَ رَاغبينَ رَاهبينَ، فاثْنانِ على بَعيرٍ، وثَلاثةٌ على بَعيرٍ، وأرْبعةٌ على بَعيرٍ، وعَشرةٌ على بَعيرٍ، وتَحشُرَ بقيَّتهُم النَّارُ، تَقيلُ مَعهُمْ، حَيْثُ قَالُوا، وتَبِيتُ معهم؛ حيث باتوا، وتُصْبِحُ معهم، حيث أصبحُوا، وتمسي معهم، حيث أمسوا» .
وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالت: «قلت: يا رسول الله كيف يُحْشَر النَّاسُ يوم القِيامة؟ قال: حُفاةً عُراةً، قالت: قلتُ: والنِّساء؟ قال: والنِّساء، قالت: قلت: يا رسول الله، أستحي، قال: يا عائشة، الأمر اشدُّ من ذلك؛ أن يهمهم أن ينظر بعضهم لبعض» .
وقيل: توضعُ بين يدي الله عزَّ وجلَّ، ﴿فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ في الكتاب من الأعمال الخبيثة، كيف تظهر لأهل الموقف، فيفتضحون ﴿وَيَقُولُونَ﴾ إذا رأوها: ﴿ياويلتنا﴾ يا هلاكنا، والويلُ والويلة: الهلكة، وكأنَّ كلَّ من وقع في مهلكة، دعا بالويل، ومعنى النِّداء تنبيه المخاطبين.
﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً﴾ من ذنوبنا.
قال ابن عباس: الصَّغيرة: التبسُّم، والكبيرة: القهقهة.
قال سعيد بن جبير: الصغيرة: اللَّمم، [والمسُّ، والقبلة] ، والكبيرة: الزِّنا.
﴿إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ وهو عبارة عن الإحاطة، أي: ضبطها وحصرها، وإدخال تاء التأنيث في الصغيرة والكبيرة، على تقدير أنَّ المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة.
قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إيَّاكُم ومحقِّرات الذنوب؛ فإنَّما مثلُ محقِّرات الذنوب؛ فإنَّما مثلُ محقِّراتِ الذُّنوب مثل قوم نزلوا ببطنِ وادٍ، فجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، حتَّى أنضجوا خبزتهم، وإنَّ محقِّراتِ الذنوب لموبقاتٌ» .
﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً﴾ مكتوباً في الصَّحيفة.
﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ لا ينقص ثواب أحدٍ عمل خيراً.
وقال الضحاك: لم يؤاخذ أحداً بجرم لم يعمله.
فصل في الرد على المجبرة
قال الجبائي: هذه الآية تدلُّ على فساد قول المجبرة في مسائل:
أحدها: أنه لو عذَّب عباده من غير ذنب صدر منهم، لكان ظالماً.
وثانيها: أنه لا يعذِّب الأطفال بغير ذنب.
وثالثها: بطلان قولهم: لله أن يفعل ما شاء، ويعذِّب من غير جرم؛ لأنَّ الخلق خلقه، إذ لو كان كذلك، لما كان لنفي الظلم عنه معنى؛ لأنَّ بتقدير أنه إذا فعل أي شيءٍ، لم يكن ظلماً منه؛ لم يكن لقوله: «إنَّه لا يظلمُ» فائدة.
فإن قيل: أيُّ فائدة في ذلك؟ .
فالجواب عن الأوَّل بمعارضة العلم والدَّاعي.
وعن الثاني: أنَّه تعالى، قال: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] ولم يدلَّ هذا على أنَّ اتخاذ الولد يصحُّ عليه، فكذلك ها هنا.
الكهف 18:48
قوله تعالى: ﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾ الآية.
أي: واضرب، يا محمد، لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم، وأنصارهم على فقراء المسلمين ﴿مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾ ثم ذكر المثل فقال: ﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ .
قوله: ﴿كَمَآءٍ﴾ : فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون خبر مبتدأ محذوف، فقدَّره ابن عطيَّة هي، أي: الحياة الدنيا.
والثاني: أنه متعلق بمعنى المصدر، أي: ضرباً كماء، قاله الحوفيُّ. وهذا بناء منهما على أن «ضرب» هذه متعدية لواحدٍ فقط.
والثالث: أنه في موضع المفعول الثاني ل «اضْرِبْ» لأنها بمعنى طصَيِّرْ «وقد تقدم.
قال أبو حيان بعدما نقل قولي ابن عطيَّة والحوفيِّ:» وأقول: إنَّ «كماءٍ» في موضع المفعول الثاني لقوله «واضْرِبْ» ، أي: وصيِّر لهم مثل الحياة، أي: صفتها شبه ماء» . قال شهاب الدين: وهذا قد سبقه إليه أبو البقاء.
و «أنْزَلنَاهُ» صفة ل «مَاءٍ» .
قوله: «فاخْتلَطَ به» يجوز في هذه الباء وجهان:
أحدهما: أن تكون سببية.
الثاني: أن تكون متعدِّية، قال الزخشري: «فالتفَّ بسببه، وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً، وقيل: تجمع الماء في النبات؛ حتى روي ورَفَّ رفيفاً، وكان حق اللفظ على هذا التفسير: فاختلط بنباتِ الأرض، ووجه صحته: أنَّ كلَّ مختلطين موصوف كل واحدٍ منهما بصفةِ الآخر» .
قوله: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً﴾ » أصْبَحَ «يجوز أن تكون على بابها؛ فإنَّ أكثر ما يطرقُ من الآفاتِ صباحاً؛ كقوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: 42] ويجوز أن تكون بمعنى» صار «من غير تقييدٍ بصباحٍ؛ كقوله: [المنسرح]
3533 - أصْبَحَتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولاَ ... أمْلِكُ رَأسَ البعيرِ إنْ نَفرَا
والهشيمُ: واحده هشيمة، وهو اليابس، وقال الزجاج وابن قتيبة: كل ما كان رطباً، فيَبِسَ، ومنه ﴿كَهَشِيمِ المحتظر﴾ [القمر: 31] ومنه: حشمتُ الفتَّ والهشيم: المتفتِّت المتكسِّر، ومنه هشمت أنفه، وهشَمَ الثَّريدَ: إذا فتَّه.
قال: [الكامل]
3534 - عَمْرُو الَّذي هَشمَ الثَّريدَ لقَومهِ ... ورِجَالُ مَكَّةَ مُسنتُونَ عِجَاف
قوله:» تَذرُوهُ «صفة ل» هَشِيماً «والذَّرْوُ: التفريق، وقيل: الرفع.
والعامة» تَذْروهُ «بالواو، وقرأ عبد الله» تَذْريه «من الذَّري، ففي لامه لغتان: الواو والياء، وقرأ ابن عبَّاس» تُذْريهِ «بضمِّ التاء من الإذراءِ، وهذه تحتمل أن تكون من الذَّرْوِ، وأن تكون من الذَّري، والعامة على» الرَّياحِ «جمعاً، وزيد بن عليِّ، والحسنُ، والنخعيُّ في آخرين» الرِّيحُ «بالإفراد.
فصل في معنى ألفاظ الآية
و» مَثَل «معنى المثل، قال ابن عباسٍ: يعني بالماءِ المطر، نزل من السماء ﴿فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ خرج من كل لون وزهرة،» فأصْبحَ «عن قريب» هَشِيماً «يابساً.
وقال الضحاك: كسيراً.
«تَذْروهُ الرِّياحُ» :
قال ابن عباس: تذريه.
وقال أبو عبيدة: تفرّقه.
وقال القتبي: تنسفه.
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾ قادراً بتكوينه أولاً، وتنميته وسطاً، وإبطاله آخراً، فأحوال الدنيا كذلك تظهرُ أولاً في غاية الحسن والنَّضارة، ثم تتزايد قليلاً قليلاً، ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء والذَّهاب، ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به.
فصل في حسن ترتيب الآيات
قوله تعالى: ﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ الآية.
لما بيّن تعالى أنَّ الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزَّوال والبوار والفناء، بيَّن تعالى أنَّ المال والبنين زينة الحياة الدنيا، والمقصود منه إدخال هذا الجزئيِّ تحت ذلك الكليِّ، فينعقد به قياسٌ بيِّن الإنتاج، وهو أنَّ المال والبنين زينة الحياة الدنيا، وكل ما كان زينة الحياة الدنيا، فهو سريعُ الانقضاءِ والانقراضِ، ومن اليقين البديهيِّ، أن ما كان كذلك، فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به، أو يقيم له في نظره وزناً، فهذا برهان باهرٌ على فساد قول المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والولاد على فقراء [المؤمنين] .
قوله: ﴿زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ على التثنية، وسقطت ألفها لفظاً لالتقاء الساكنين، فيتوهم أنه قرئ بنصب «زينة الحياة» .
فصل في بيان رجحان فقراء المؤمنين على أغنياء الكفار
لما أقام البرهان على فساد قول المشركين، ذكر ما يدلُّ على رجحان أولئك الفقراء على أغنياء الكفَّار، فقال: ﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾ .
وبيان هذا الدليل: أنَّ خيرات الدنيا [منقرضة] ، وخبرات الآخرة باقيةٌ دائمةٌ، والدائم الباقي خيرٌ من المنقرضِ الزائل، وهذا معلومٌ بالضَّرورة.
قال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المال والبنون حرث الحياة الدنيا، والأعمال الصالحة حرث الآخرة، وقد يجمعها الله لأقوامٍ
وقال ابن عبَّاس وعكرمة ومجاهد: الباقيات الصالحات هي قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «أفْضَلُ الكلامِ أربعٌ: سُبْحانَ الله، والحَمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبرْ» .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أكثروا من البَاقيَاتِ الصَّالحاتِ قيل: وما هُنَّ يَا رسُول الله؟ قال: الملة. قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التَّكبيرُ، والتَّهليلُ، والتَّسبيحُ، والتَّحميدُ، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلِّ العظيم» .
وقال سعيد بن جبير ومسروق وإبراهيم ويروى أيضاً عن ابن عباس: البَاقيَاتُ الصَّالحاتُ: الصلوات الخَمْسُ.
وقال قتادة: ويروى أيضاً عن ابن عبَّاس أنَّها الأعمال الصالحة ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾ جزاء ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ أي: ما يؤمِّله الإنسان.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ الآية.
لما بيَّن خساسة الدُّنيا، وشرف القيامة، أراد أن يعيِّن أحوال القيامةِ.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ﴾ : «يَوْمَ» منصوب بقولٍ مضمرٍ بعده، تقديره: نقول لهم يوم نسيِّر الجبالك لقد جئتمونا، وقيل: بإضمار «اذْكُرْ» وقيل: هو معطوف على «عِنْدَ ربِّكَ» فيكون معمولاً لقوله «خَيْرٌ» .
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بضمِّ التاء، وفتح الياء مبنياً للمفعول، «الجِبَالُ» بالرفع؛ لقيامه مقام الفاعل، وحذف الفاعل؛ للعلم به، وهو الله، أو من يأمره من الملائكة، وهذه القراءة موافقةٌ لما اتُّفقَ عليه في قوله ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال﴾ [النبأ: 20] ، ويؤيِّدها قراءة عبد الله هنا ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال﴾ فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول.
والباقون «نُسيِّرُ» بنون العظمة، والياء مكسورة من «سَيَّرَ» بالتشديد؛ «الجبالَ» بالنصب على المفعول به، وهذه القراءة مناسبة لما بعدها من قوله ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ .
وقرأ الحسن كقراءة ابن كثير، ومن ذكر معه إلاَّ أنه بالياء من تحت؛ لأنَّ التأنيث مجازيٌّ وقرأ ابن محيصن، ورواها محبوب عن أبي عمرو: [ «تسير» ] بفتح التاء من فوق ساكن الياء، من سارت تسير، و «الجِبَالُ» بالرفع على الفاعلية.
قوله: ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ «بَارِزَةً» حالٌ؛ إذ الرؤية بصرية، وقرأ عيسى ﴿وتُرَى الأرضُ﴾ مبنيًّا للمفعول، و «الأرضُ» قائمة مقام الفاعل.
قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه ماضٍ، يراد به المستقبل، أي: ونحشرهم، وكذلك ﴿وَعُرِضُوا﴾ [الكهف: 48] و ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ [الكهف: 49] .
والثاني: أن تكون الواو للحالِ، والجملة في محلِّ النصب، أي: نفعل التسيير في حال حشرهم؛ ليشاهدوا تلك الأهوال.
والثالث: قال الزمخشري: «فإن قلت: لِمَ جيء ب» حَشرْنَاهُمْ «ماضياً بعد» نُسيِّرُ «و» ترى «؟ قلت: للدلالة على أنَّ حشرهم قبل التسيير، وقيل البروز؛ ليعاينوا تلك الأهوال العظام؛ كأنَّه قيل: وحَشرنَاهُم قبل ذلكَ» .
فصل
قال أبو البقاء، وأبو حيان: «والأولى أن تكون الواو للحال» فذكر نحواً ممَّا قدَّمته.
قوله: «فَلمْ نُغادِرْ» عطل على «حَشَرنَاهُمْ» فإنه ماضٍ معنى، والمغادرة هنا: بمعنى «الغَدْر» وهو الترك، أي: فلم نترك، والمفاعلة هنا ليس فيها مشاركة، وسمي الغدر غدراً؛ لأنَّ به ترك الوفاءُ، وغدير الماء من ذلك؛ لأنَّ السيل غادره، أي: تركه، فلم يجئه أو ترك فيه الماء، ويجمع على «غدر» و «غُدرَان» كرغيف ورغفان، واستغدر الغَديرُ: صار فيه الماء، والغديرة: الشَّعرُ الذي ترك حتى طال، والجمع غدائرُ. قال امرؤ القيس: [الطويل]
3535 - غَدائِرُهُ مُسْتشْزِرَاتٌ إلى العُلا..... ... ... ... ... ... ... ... .
وقرأ قتادة «فَلمْ تُغادِرْ» بالتاء من فوقُ، والفاعل ضمير الأرض، أو الغدرة المفهومة من السياق، وأبان: «يُغادَرْ» مبنياً للمفعول، «أحدٌ» بالرفع، والضحاك: «نُغْدِرْ» بضم النون، وسكون العين، وكسر الدال، من «أغْدرَ» بمعنى «غَدرَ» .
فصل في المراد بالتسيير
ليس في الآية ما يدلُّ على أنَّ الأرض إلى أين تسير، فيحتمل أن الله يسيِّرها إلى موضع يريده، ولم يبيِّن ذلك الموضع لخلقه.
والحقُّ أنَّ المراد أنَّه يسيِّرها إلى العدم؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 105 - 107] ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: 5، 6] ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ [الكهف: 47] ، أي: لم يبق عليها شيء من الجبال، والعمران، والشَّجر «بَارِزةً» ظاهرة ليس عليها ما يسترها؛ كما قال: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 106، 107] .
وقال عطاء: «بَارِزةً» أبرزت ما في بطنها، وقذفت الموتى المقبورين فيها، أي بارزة البطن والجوف، فحذف ذكر الجوف، ودليله قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: 4] ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] وقال: ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: 21] .
﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ أي: وحشرناهم أي: وجمعناهم للحساب، فلم نترك من الأوَّلين والآخرين أحداً، إلاَّ وجمعناهم لذلك اليوم.
قوله: ﴿وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً﴾ .
﴿صَفًّا﴾ : حال من مرفوع «عرضوا» وأصله المصدرية، يقال منه: صفَّ يصفُّ صفًّا، ثم يطلق على الجماعة المصطفِّين، واختلف هنا في «صفًّا» : هل هو مفرد وقع موقع الجمع؛ إذ المراد صفوفاً؛ ويدل عليه الحديث الصحيح: «يجمعُ الله الأوَّلين والآخرينَ في صعيدٍ واحدٍ صفوفاً» وفي حديث آخر: «اهلُ الجنَّة مائةٌ وعشرون صفًّا، أنتم منها ثمانون» .
ويؤيده قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: 67] أي أطفالاً. وقيل: ثَمَّ حذف، أي: صفًّا صفًّا، ونظيره قوله في موضع: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: 22] . وقال في آخر: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾ [النبأ: 38] يريد: صفًّا صفًّا؛ بدليل الآية الأخرى، فكذلك هنا، وقيل: بل كل الخلائق تكون صفًّا [واحداً] ، وهو أبلغ في القدرة، وأمَّا الحديثان فيحملان على اختلاف أحوالٍ؛ لأنه يوم طويل، كما شهد له بقوله ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4] فتارة يكونون فيه صفًّا واحداً، وتارة صفوفاً.
وقيل: صفًّا أي: قياماً؛ لقوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ [الحج: 36] أي قياماً.
قوله: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ على إضمار قول، أي: وقلنا لهم كيت وكيت.
وتقدَّم أن هذا القول هو العامل في قوله ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ [الكهف: 47] . ويجوز أن يضمر هذا القول حالاً من مرفوع «عُرِضُوا» ، أي: عرضوا مقولاً لهم كذا وكذا.
قوله: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ : أي: مجيئاً مشبهاً لخلقكم الأول حفاة، عراة غرلاً، لا مال، ولا ولد معكم، وقال الزمخشري: «لقَدْ بَعثْنَاكُم كَمَأ أنْشَأناكُمْ أوَّل مرَّة» فعلى هذين التقديرين، يكون نعتاً للمصدر المحذوف، وعلى رأي سيبويه: يكون حالاً من ضميره.
قوله: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .
ليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه؛ لأنهم خلقوا صغاراً، ولا عقل لهم، ولا تكليف عليهم، بل المراد أنَّه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي حفاة، عراة، بغير أموال، ولا أعوانٍ، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94] .
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾ أي كنتم مع التعزُّز على المؤمنين بالأموال والأنصار، تنكرون البعث، فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا، وشاهدتم أنَّ البعث والقيامة حقٌّ.
قوله: ﴿أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾ «أنْ» هي المخففة، وفصل بينها وبين خبرها؛ لكونه جملة فعلية متصرفة غير دعاءٍ بحرف النفي، و «لكم» يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً للجعل بمعنى التصيير، و «مَوْعداً» هو الأول، ويجوز أن يكون معلَّقاً بالجعل، أو يكون حالاً من «مَوعِداً» إذا لم يجعل الجعل تصييراً، بل لمجرد الإيجادِ.
و «بَلْ» في قوله: «بَل زَعَمتُمْ» لمجرَّد الانتقالِ، من غير إبطالٍ.
قوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ : العامة على بنائه للمفعول، وزيد بن عليٍّ على بنائه للفاعل، وهو الله، أو الملك، و «الكِتاب» منصوب مفعولاً به، و «الكتابُ» جنس للكتب؛ إذ من المعلوم أنَّ لكلِّ إنسانٍ كتاباً بخصُّه، وقد تقدَّم الوقف على «مَا لهذا الكتابِ» وكيف فصلت لام الجرِّ من مجرورها خطًّا في سورة النساء عند ﴿فَمَا لهؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ [النساء: 78] .
و «لا يُغَادِرُ» جملة حالية من «الكتاب» . والعامل الجار والمجرور؛ لقيامه مقام الفعل، أو الاستقرار الذي تعلق به الحال.
قوله: «إلاَّ أحْصَاهَا» في محل نصب نعتاً لصغيرة وكبيرة، ويجوز أن تكون الجملة في موضع المفعول الثاني؛ لأنَّ «يُغَادِرُ» بمعنى «يترك» و «يتركُ» قد يتعدَّى لاثنين؛ كقوله: [البسيط]
3536 - ... ... ... ... ... ..... فَقدْ تَركْتُكَ ذَا مَالٍ وذَا نَشبِ
في أحد الوجهين.
روى أبو هريرة عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يُحشَرُ النَّاس على ثلاثِ طرائقَ رَاغبينَ رَاهبينَ، فاثْنانِ على بَعيرٍ، وثَلاثةٌ على بَعيرٍ، وأرْبعةٌ على بَعيرٍ، وعَشرةٌ على بَعيرٍ، وتَحشُرَ بقيَّتهُم النَّارُ، تَقيلُ مَعهُمْ، حَيْثُ قَالُوا، وتَبِيتُ معهم؛ حيث باتوا، وتُصْبِحُ معهم، حيث أصبحُوا، وتمسي معهم، حيث أمسوا» .
وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالت: «قلت: يا رسول الله كيف يُحْشَر النَّاسُ يوم القِيامة؟ قال: حُفاةً عُراةً، قالت: قلتُ: والنِّساء؟ قال: والنِّساء، قالت: قلت: يا رسول الله، أستحي، قال: يا عائشة، الأمر اشدُّ من ذلك؛ أن يهمهم أن ينظر بعضهم لبعض» .
وقيل: توضعُ بين يدي الله عزَّ وجلَّ، ﴿فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ في الكتاب من الأعمال الخبيثة، كيف تظهر لأهل الموقف، فيفتضحون ﴿وَيَقُولُونَ﴾ إذا رأوها: ﴿ياويلتنا﴾ يا هلاكنا، والويلُ والويلة: الهلكة، وكأنَّ كلَّ من وقع في مهلكة، دعا بالويل، ومعنى النِّداء تنبيه المخاطبين.
﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً﴾ من ذنوبنا.
قال ابن عباس: الصَّغيرة: التبسُّم، والكبيرة: القهقهة.
قال سعيد بن جبير: الصغيرة: اللَّمم، [والمسُّ، والقبلة] ، والكبيرة: الزِّنا.
﴿إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ وهو عبارة عن الإحاطة، أي: ضبطها وحصرها، وإدخال تاء التأنيث في الصغيرة والكبيرة، على تقدير أنَّ المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة.
قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إيَّاكُم ومحقِّرات الذنوب؛ فإنَّما مثلُ محقِّرات الذنوب؛ فإنَّما مثلُ محقِّراتِ الذُّنوب مثل قوم نزلوا ببطنِ وادٍ، فجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، حتَّى أنضجوا خبزتهم، وإنَّ محقِّراتِ الذنوب لموبقاتٌ» .
﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً﴾ مكتوباً في الصَّحيفة.
﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ لا ينقص ثواب أحدٍ عمل خيراً.
وقال الضحاك: لم يؤاخذ أحداً بجرم لم يعمله.
فصل في الرد على المجبرة
قال الجبائي: هذه الآية تدلُّ على فساد قول المجبرة في مسائل:
أحدها: أنه لو عذَّب عباده من غير ذنب صدر منهم، لكان ظالماً.
وثانيها: أنه لا يعذِّب الأطفال بغير ذنب.
وثالثها: بطلان قولهم: لله أن يفعل ما شاء، ويعذِّب من غير جرم؛ لأنَّ الخلق خلقه، إذ لو كان كذلك، لما كان لنفي الظلم عنه معنى؛ لأنَّ بتقدير أنه إذا فعل أي شيءٍ، لم يكن ظلماً منه؛ لم يكن لقوله: «إنَّه لا يظلمُ» فائدة.
فإن قيل: أيُّ فائدة في ذلك؟ .
فالجواب عن الأوَّل بمعارضة العلم والدَّاعي.
وعن الثاني: أنَّه تعالى، قال: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] ولم يدلَّ هذا على أنَّ اتخاذ الولد يصحُّ عليه، فكذلك ها هنا.
الكهف 18:49
قوله تعالى: ﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾ الآية.
أي: واضرب، يا محمد، لهؤلاء الذين افتخروا بأموالهم، وأنصارهم على فقراء المسلمين ﴿مَّثَلَ الحياة الدنيا﴾ ثم ذكر المثل فقال: ﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ .
قوله: ﴿كَمَآءٍ﴾ : فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون خبر مبتدأ محذوف، فقدَّره ابن عطيَّة هي، أي: الحياة الدنيا.
والثاني: أنه متعلق بمعنى المصدر، أي: ضرباً كماء، قاله الحوفيُّ. وهذا بناء منهما على أن «ضرب» هذه متعدية لواحدٍ فقط.
والثالث: أنه في موضع المفعول الثاني ل «اضْرِبْ» لأنها بمعنى طصَيِّرْ «وقد تقدم.
قال أبو حيان بعدما نقل قولي ابن عطيَّة والحوفيِّ:» وأقول: إنَّ «كماءٍ» في موضع المفعول الثاني لقوله «واضْرِبْ» ، أي: وصيِّر لهم مثل الحياة، أي: صفتها شبه ماء» . قال شهاب الدين: وهذا قد سبقه إليه أبو البقاء.
و «أنْزَلنَاهُ» صفة ل «مَاءٍ» .
قوله: «فاخْتلَطَ به» يجوز في هذه الباء وجهان:
أحدهما: أن تكون سببية.
الثاني: أن تكون متعدِّية، قال الزخشري: «فالتفَّ بسببه، وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً، وقيل: تجمع الماء في النبات؛ حتى روي ورَفَّ رفيفاً، وكان حق اللفظ على هذا التفسير: فاختلط بنباتِ الأرض، ووجه صحته: أنَّ كلَّ مختلطين موصوف كل واحدٍ منهما بصفةِ الآخر» .
قوله: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيماً﴾ » أصْبَحَ «يجوز أن تكون على بابها؛ فإنَّ أكثر ما يطرقُ من الآفاتِ صباحاً؛ كقوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: 42] ويجوز أن تكون بمعنى» صار «من غير تقييدٍ بصباحٍ؛ كقوله: [المنسرح]
3533 - أصْبَحَتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولاَ ... أمْلِكُ رَأسَ البعيرِ إنْ نَفرَا
والهشيمُ: واحده هشيمة، وهو اليابس، وقال الزجاج وابن قتيبة: كل ما كان رطباً، فيَبِسَ، ومنه ﴿كَهَشِيمِ المحتظر﴾ [القمر: 31] ومنه: حشمتُ الفتَّ والهشيم: المتفتِّت المتكسِّر، ومنه هشمت أنفه، وهشَمَ الثَّريدَ: إذا فتَّه.
قال: [الكامل]
3534 - عَمْرُو الَّذي هَشمَ الثَّريدَ لقَومهِ ... ورِجَالُ مَكَّةَ مُسنتُونَ عِجَاف
قوله:» تَذرُوهُ «صفة ل» هَشِيماً «والذَّرْوُ: التفريق، وقيل: الرفع.
والعامة» تَذْروهُ «بالواو، وقرأ عبد الله» تَذْريه «من الذَّري، ففي لامه لغتان: الواو والياء، وقرأ ابن عبَّاس» تُذْريهِ «بضمِّ التاء من الإذراءِ، وهذه تحتمل أن تكون من الذَّرْوِ، وأن تكون من الذَّري، والعامة على» الرَّياحِ «جمعاً، وزيد بن عليِّ، والحسنُ، والنخعيُّ في آخرين» الرِّيحُ «بالإفراد.
فصل في معنى ألفاظ الآية
و» مَثَل «معنى المثل، قال ابن عباسٍ: يعني بالماءِ المطر، نزل من السماء ﴿فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ خرج من كل لون وزهرة،» فأصْبحَ «عن قريب» هَشِيماً «يابساً.
وقال الضحاك: كسيراً.
«تَذْروهُ الرِّياحُ» :
قال ابن عباس: تذريه.
وقال أبو عبيدة: تفرّقه.
وقال القتبي: تنسفه.
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾ قادراً بتكوينه أولاً، وتنميته وسطاً، وإبطاله آخراً، فأحوال الدنيا كذلك تظهرُ أولاً في غاية الحسن والنَّضارة، ثم تتزايد قليلاً قليلاً، ثم تأخذ في الانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء والذَّهاب، ومثل هذا الشيء ليس للعاقل أن يبتهج به.
فصل في حسن ترتيب الآيات
قوله تعالى: ﴿المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ الآية.
لما بيّن تعالى أنَّ الدنيا سريعة الانقراض والانقضاء مشرفة على الزَّوال والبوار والفناء، بيَّن تعالى أنَّ المال والبنين زينة الحياة الدنيا، والمقصود منه إدخال هذا الجزئيِّ تحت ذلك الكليِّ، فينعقد به قياسٌ بيِّن الإنتاج، وهو أنَّ المال والبنين زينة الحياة الدنيا، وكل ما كان زينة الحياة الدنيا، فهو سريعُ الانقضاءِ والانقراضِ، ومن اليقين البديهيِّ، أن ما كان كذلك، فإنه يقبح بالعاقل أن يفتخر به، أو يقيم له في نظره وزناً، فهذا برهان باهرٌ على فساد قول المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والولاد على فقراء [المؤمنين] .
قوله: ﴿زِينَةُ الحياة الدنيا﴾ على التثنية، وسقطت ألفها لفظاً لالتقاء الساكنين، فيتوهم أنه قرئ بنصب «زينة الحياة» .
فصل في بيان رجحان فقراء المؤمنين على أغنياء الكفار
لما أقام البرهان على فساد قول المشركين، ذكر ما يدلُّ على رجحان أولئك الفقراء على أغنياء الكفَّار، فقال: ﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾ .
وبيان هذا الدليل: أنَّ خيرات الدنيا [منقرضة] ، وخبرات الآخرة باقيةٌ دائمةٌ، والدائم الباقي خيرٌ من المنقرضِ الزائل، وهذا معلومٌ بالضَّرورة.
قال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المال والبنون حرث الحياة الدنيا، والأعمال الصالحة حرث الآخرة، وقد يجمعها الله لأقوامٍ
وقال ابن عبَّاس وعكرمة ومجاهد: الباقيات الصالحات هي قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «أفْضَلُ الكلامِ أربعٌ: سُبْحانَ الله، والحَمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبرْ» .
وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أكثروا من البَاقيَاتِ الصَّالحاتِ قيل: وما هُنَّ يَا رسُول الله؟ قال: الملة. قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التَّكبيرُ، والتَّهليلُ، والتَّسبيحُ، والتَّحميدُ، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العلِّ العظيم» .
وقال سعيد بن جبير ومسروق وإبراهيم ويروى أيضاً عن ابن عباس: البَاقيَاتُ الصَّالحاتُ: الصلوات الخَمْسُ.
وقال قتادة: ويروى أيضاً عن ابن عبَّاس أنَّها الأعمال الصالحة ﴿خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾ جزاء ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾ أي: ما يؤمِّله الإنسان.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ الآية.
لما بيَّن خساسة الدُّنيا، وشرف القيامة، أراد أن يعيِّن أحوال القيامةِ.
قوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ﴾ : «يَوْمَ» منصوب بقولٍ مضمرٍ بعده، تقديره: نقول لهم يوم نسيِّر الجبالك لقد جئتمونا، وقيل: بإضمار «اذْكُرْ» وقيل: هو معطوف على «عِنْدَ ربِّكَ» فيكون معمولاً لقوله «خَيْرٌ» .
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر بضمِّ التاء، وفتح الياء مبنياً للمفعول، «الجِبَالُ» بالرفع؛ لقيامه مقام الفاعل، وحذف الفاعل؛ للعلم به، وهو الله، أو من يأمره من الملائكة، وهذه القراءة موافقةٌ لما اتُّفقَ عليه في قوله ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال﴾ [النبأ: 20] ، ويؤيِّدها قراءة عبد الله هنا ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال﴾ فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول.
والباقون «نُسيِّرُ» بنون العظمة، والياء مكسورة من «سَيَّرَ» بالتشديد؛ «الجبالَ» بالنصب على المفعول به، وهذه القراءة مناسبة لما بعدها من قوله ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ .
وقرأ الحسن كقراءة ابن كثير، ومن ذكر معه إلاَّ أنه بالياء من تحت؛ لأنَّ التأنيث مجازيٌّ وقرأ ابن محيصن، ورواها محبوب عن أبي عمرو: [ «تسير» ] بفتح التاء من فوق ساكن الياء، من سارت تسير، و «الجِبَالُ» بالرفع على الفاعلية.
قوله: ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ «بَارِزَةً» حالٌ؛ إذ الرؤية بصرية، وقرأ عيسى ﴿وتُرَى الأرضُ﴾ مبنيًّا للمفعول، و «الأرضُ» قائمة مقام الفاعل.
قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه ماضٍ، يراد به المستقبل، أي: ونحشرهم، وكذلك ﴿وَعُرِضُوا﴾ [الكهف: 48] و ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ [الكهف: 49] .
والثاني: أن تكون الواو للحالِ، والجملة في محلِّ النصب، أي: نفعل التسيير في حال حشرهم؛ ليشاهدوا تلك الأهوال.
والثالث: قال الزمخشري: «فإن قلت: لِمَ جيء ب» حَشرْنَاهُمْ «ماضياً بعد» نُسيِّرُ «و» ترى «؟ قلت: للدلالة على أنَّ حشرهم قبل التسيير، وقيل البروز؛ ليعاينوا تلك الأهوال العظام؛ كأنَّه قيل: وحَشرنَاهُم قبل ذلكَ» .
فصل
قال أبو البقاء، وأبو حيان: «والأولى أن تكون الواو للحال» فذكر نحواً ممَّا قدَّمته.
قوله: «فَلمْ نُغادِرْ» عطل على «حَشَرنَاهُمْ» فإنه ماضٍ معنى، والمغادرة هنا: بمعنى «الغَدْر» وهو الترك، أي: فلم نترك، والمفاعلة هنا ليس فيها مشاركة، وسمي الغدر غدراً؛ لأنَّ به ترك الوفاءُ، وغدير الماء من ذلك؛ لأنَّ السيل غادره، أي: تركه، فلم يجئه أو ترك فيه الماء، ويجمع على «غدر» و «غُدرَان» كرغيف ورغفان، واستغدر الغَديرُ: صار فيه الماء، والغديرة: الشَّعرُ الذي ترك حتى طال، والجمع غدائرُ. قال امرؤ القيس: [الطويل]
3535 - غَدائِرُهُ مُسْتشْزِرَاتٌ إلى العُلا..... ... ... ... ... ... ... ... .
وقرأ قتادة «فَلمْ تُغادِرْ» بالتاء من فوقُ، والفاعل ضمير الأرض، أو الغدرة المفهومة من السياق، وأبان: «يُغادَرْ» مبنياً للمفعول، «أحدٌ» بالرفع، والضحاك: «نُغْدِرْ» بضم النون، وسكون العين، وكسر الدال، من «أغْدرَ» بمعنى «غَدرَ» .
فصل في المراد بالتسيير
ليس في الآية ما يدلُّ على أنَّ الأرض إلى أين تسير، فيحتمل أن الله يسيِّرها إلى موضع يريده، ولم يبيِّن ذلك الموضع لخلقه.
والحقُّ أنَّ المراد أنَّه يسيِّرها إلى العدم؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 105 - 107] ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ [الواقعة: 5، 6] ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ [الكهف: 47] ، أي: لم يبق عليها شيء من الجبال، والعمران، والشَّجر «بَارِزةً» ظاهرة ليس عليها ما يسترها؛ كما قال: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولاا أَمْتاً﴾ [طه: 106، 107] .
وقال عطاء: «بَارِزةً» أبرزت ما في بطنها، وقذفت الموتى المقبورين فيها، أي بارزة البطن والجوف، فحذف ذكر الجوف، ودليله قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: 4] ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] وقال: ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ [إبراهيم: 21] .
﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ أي: وحشرناهم أي: وجمعناهم للحساب، فلم نترك من الأوَّلين والآخرين أحداً، إلاَّ وجمعناهم لذلك اليوم.
قوله: ﴿وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفَّاً﴾ .
﴿صَفًّا﴾ : حال من مرفوع «عرضوا» وأصله المصدرية، يقال منه: صفَّ يصفُّ صفًّا، ثم يطلق على الجماعة المصطفِّين، واختلف هنا في «صفًّا» : هل هو مفرد وقع موقع الجمع؛ إذ المراد صفوفاً؛ ويدل عليه الحديث الصحيح: «يجمعُ الله الأوَّلين والآخرينَ في صعيدٍ واحدٍ صفوفاً» وفي حديث آخر: «اهلُ الجنَّة مائةٌ وعشرون صفًّا، أنتم منها ثمانون» .
ويؤيده قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: 67] أي أطفالاً. وقيل: ثَمَّ حذف، أي: صفًّا صفًّا، ونظيره قوله في موضع: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: 22] . وقال في آخر: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾ [النبأ: 38] يريد: صفًّا صفًّا؛ بدليل الآية الأخرى، فكذلك هنا، وقيل: بل كل الخلائق تكون صفًّا [واحداً] ، وهو أبلغ في القدرة، وأمَّا الحديثان فيحملان على اختلاف أحوالٍ؛ لأنه يوم طويل، كما شهد له بقوله ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4] فتارة يكونون فيه صفًّا واحداً، وتارة صفوفاً.
وقيل: صفًّا أي: قياماً؛ لقوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ [الحج: 36] أي قياماً.
قوله: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ على إضمار قول، أي: وقلنا لهم كيت وكيت.
وتقدَّم أن هذا القول هو العامل في قوله ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ [الكهف: 47] . ويجوز أن يضمر هذا القول حالاً من مرفوع «عُرِضُوا» ، أي: عرضوا مقولاً لهم كذا وكذا.
قوله: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ : أي: مجيئاً مشبهاً لخلقكم الأول حفاة، عراة غرلاً، لا مال، ولا ولد معكم، وقال الزمخشري: «لقَدْ بَعثْنَاكُم كَمَأ أنْشَأناكُمْ أوَّل مرَّة» فعلى هذين التقديرين، يكون نعتاً للمصدر المحذوف، وعلى رأي سيبويه: يكون حالاً من ضميره.
قوله: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ .
ليس المراد حصول المساواة من كل الوجوه؛ لأنهم خلقوا صغاراً، ولا عقل لهم، ولا تكليف عليهم، بل المراد أنَّه قال للمشركين المنكرين للبعث المفتخرين على فقراء المؤمنين بالأموال والأنصار: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي حفاة، عراة، بغير أموال، ولا أعوانٍ، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94] .
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾ أي كنتم مع التعزُّز على المؤمنين بالأموال والأنصار، تنكرون البعث، فالآن قد تركتم الأموال والأنصار في الدنيا، وشاهدتم أنَّ البعث والقيامة حقٌّ.
قوله: ﴿أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾ «أنْ» هي المخففة، وفصل بينها وبين خبرها؛ لكونه جملة فعلية متصرفة غير دعاءٍ بحرف النفي، و «لكم» يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً للجعل بمعنى التصيير، و «مَوْعداً» هو الأول، ويجوز أن يكون معلَّقاً بالجعل، أو يكون حالاً من «مَوعِداً» إذا لم يجعل الجعل تصييراً، بل لمجرد الإيجادِ.
و «بَلْ» في قوله: «بَل زَعَمتُمْ» لمجرَّد الانتقالِ، من غير إبطالٍ.
قوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ : العامة على بنائه للمفعول، وزيد بن عليٍّ على بنائه للفاعل، وهو الله، أو الملك، و «الكِتاب» منصوب مفعولاً به، و «الكتابُ» جنس للكتب؛ إذ من المعلوم أنَّ لكلِّ إنسانٍ كتاباً بخصُّه، وقد تقدَّم الوقف على «مَا لهذا الكتابِ» وكيف فصلت لام الجرِّ من مجرورها خطًّا في سورة النساء عند ﴿فَمَا لهؤلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ [النساء: 78] .
و «لا يُغَادِرُ» جملة حالية من «الكتاب» . والعامل الجار والمجرور؛ لقيامه مقام الفعل، أو الاستقرار الذي تعلق به الحال.
قوله: «إلاَّ أحْصَاهَا» في محل نصب نعتاً لصغيرة وكبيرة، ويجوز أن تكون الجملة في موضع المفعول الثاني؛ لأنَّ «يُغَادِرُ» بمعنى «يترك» و «يتركُ» قد يتعدَّى لاثنين؛ كقوله: [البسيط]
3536 - ... ... ... ... ... ..... فَقدْ تَركْتُكَ ذَا مَالٍ وذَا نَشبِ
في أحد الوجهين.
روى أبو هريرة عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يُحشَرُ النَّاس على ثلاثِ طرائقَ رَاغبينَ رَاهبينَ، فاثْنانِ على بَعيرٍ، وثَلاثةٌ على بَعيرٍ، وأرْبعةٌ على بَعيرٍ، وعَشرةٌ على بَعيرٍ، وتَحشُرَ بقيَّتهُم النَّارُ، تَقيلُ مَعهُمْ، حَيْثُ قَالُوا، وتَبِيتُ معهم؛ حيث باتوا، وتُصْبِحُ معهم، حيث أصبحُوا، وتمسي معهم، حيث أمسوا» .
وعن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالت: «قلت: يا رسول الله كيف يُحْشَر النَّاسُ يوم القِيامة؟ قال: حُفاةً عُراةً، قالت: قلتُ: والنِّساء؟ قال: والنِّساء، قالت: قلت: يا رسول الله، أستحي، قال: يا عائشة، الأمر اشدُّ من ذلك؛ أن يهمهم أن ينظر بعضهم لبعض» .
وقيل: توضعُ بين يدي الله عزَّ وجلَّ، ﴿فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ في الكتاب من الأعمال الخبيثة، كيف تظهر لأهل الموقف، فيفتضحون ﴿وَيَقُولُونَ﴾ إذا رأوها: ﴿ياويلتنا﴾ يا هلاكنا، والويلُ والويلة: الهلكة، وكأنَّ كلَّ من وقع في مهلكة، دعا بالويل، ومعنى النِّداء تنبيه المخاطبين.
﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً﴾ من ذنوبنا.
قال ابن عباس: الصَّغيرة: التبسُّم، والكبيرة: القهقهة.
قال سعيد بن جبير: الصغيرة: اللَّمم، [والمسُّ، والقبلة] ، والكبيرة: الزِّنا.
﴿إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ وهو عبارة عن الإحاطة، أي: ضبطها وحصرها، وإدخال تاء التأنيث في الصغيرة والكبيرة، على تقدير أنَّ المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة.
قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «إيَّاكُم ومحقِّرات الذنوب؛ فإنَّما مثلُ محقِّرات الذنوب؛ فإنَّما مثلُ محقِّراتِ الذُّنوب مثل قوم نزلوا ببطنِ وادٍ، فجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، وجاء هذا بعودٍ، حتَّى أنضجوا خبزتهم، وإنَّ محقِّراتِ الذنوب لموبقاتٌ» .
﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً﴾ مكتوباً في الصَّحيفة.
﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ لا ينقص ثواب أحدٍ عمل خيراً.
وقال الضحاك: لم يؤاخذ أحداً بجرم لم يعمله.
فصل في الرد على المجبرة
قال الجبائي: هذه الآية تدلُّ على فساد قول المجبرة في مسائل:
أحدها: أنه لو عذَّب عباده من غير ذنب صدر منهم، لكان ظالماً.
وثانيها: أنه لا يعذِّب الأطفال بغير ذنب.
وثالثها: بطلان قولهم: لله أن يفعل ما شاء، ويعذِّب من غير جرم؛ لأنَّ الخلق خلقه، إذ لو كان كذلك، لما كان لنفي الظلم عنه معنى؛ لأنَّ بتقدير أنه إذا فعل أي شيءٍ، لم يكن ظلماً منه؛ لم يكن لقوله: «إنَّه لا يظلمُ» فائدة.
فإن قيل: أيُّ فائدة في ذلك؟ .
فالجواب عن الأوَّل بمعارضة العلم والدَّاعي.
وعن الثاني: أنَّه تعالى، قال: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] ولم يدلَّ هذا على أنَّ اتخاذ الولد يصحُّ عليه، فكذلك ها هنا.
الكهف 18:50
قوله: ﴿وَإِذَا قُلْنَا للملاائكة اسجدوا لآدَمَ﴾ الآية.
اعلم أنَّ المقصود في الآياتِ المتقدِّمة الردُّ على الذين افتخروا بأموالهم، وأعوانهم على فقراء المسلمين، وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى؛ وذلك: أنَّ إبليس، إنما تكبَّر على آدم؛ لأنَّه افتخر بأصله ونسبه، فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 13] فأنا أشرف منه أصلاً ونسباً، فكيف أسجد له، وكيف أتواضع له؟ وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المؤمنين بهذه المعاملة، فقالوا: كيف نجالسُ هؤلاء الفقراء، مع أنَّا من أنساب شريفة، وهم من أنساب نازلة، ونحن أغنياء، وهم فقراء؟ فذكر الله هذه القصة؛ تنبيهاً على أنَّ هذه الطريقة بعينها طريقة إبليس، ثم إنه تعالى حذَّر عنها، وعن الاقتضاء بها في قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ﴾ ، وهذا وجه النظم.
قوله: ﴿وَإِذَا قُلْنَا﴾ : أي: اذكر.
قوله: ﴿كَانَ مِنَ الجن﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استئناف يفيد التعليل؛ جواباً لسؤال مقدَّر.
والثاني: أن الجملة حالية، و «قَدْ» معها مرادة، قاله أبو البقاء.
قوله: «فَفسَقَ» السببية في الفاء ظاهرة، تسبَّب عن كونه من الجنِّ الفسقُ، قال أبو البقاء: إنما أدخل الفاء هنا؛ لأنَّ المعنى: «إلاَّ إبليس امتنع ففسق» . قال شهاب الدين. إن عنى أنَّ قوله «كان من الجنِّ» وضع موضع قوله «امْتنعَ» فيحتمل مع بُعده، وإن عنى أنه حذف فعلٌ عطف عليه هذا، فليس بصحيحٍ؛ للاتغناء عنه.
قوله: «عَنْ أمْر» «عَنْ» على بابها من المجاوزة، وهذ متعلقة ب «فَسقَ» ، أي: خرج مجاوزاً أمر ربِّه، وقيل: هي بمعنى الباء، أي: بسبب أمره؛ فإنه فعَّالٌ لما يريدُ.
قوله: «وذُرِّيتهُ» يجوز في الواو أن تكون عاطفة، وهو الظاهر، وأن تكون بمعنى «مع» و «مِنْ دُونِي» يجوز تعلقه بالاتِّخاذ، وبمحذوف على أنَّه صفة لأولياء.
قوله: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ جملة حالية من مفعول الاتخاذ أو فاعله، لأن فيها مصححاً لكلٍّ من الوجهين، وهو الرابط.
قوله: «بِئْسَ» فاعلها مضمرٌ مفسَّر بتمييزه، والمخصوص بالذمِّ محذوف، تقديره: بِئْسَ البدل إبليس وذرِّيتهُ. وقوله «للظَّالمينَ» متعلق بمحذوفٍ حالاً من «بَدلاً» وقيل: متعلق بفعل الذمِّ.
فصل في الخلاف في أصل إبليس
اعلم أنه تعالى بيَّن في هذه الآية أنَّ إبليس كان من الجنِّ، وللنَّاس في الآية أقوالٌ:
الأول: قال ابن عبَّاس: كان من حيٍّ من الملائكةِ، يقال لهم الحنُّ، خلقوا من نار السَّموم، وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجنِّ، لقوله: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: 158] وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الجن﴾ [الأنعام: 100] وسمِّي الجن جنًّا؛ لاستتارهم، والملائكة داخلون في ذلك.
وأيضاً: فإنه كان خازن الجنة، فنسب إلى الجنَّة؛ كقولهم: كوفيٌّ، وبصريٌّ.
وعن سعيد بن جبير، قال: كان من الجنَّانين الذين يعملون في الجنان، وهم حيٌّ من الملائكة، يصوغون حلية أهل الجنة منذ خلقوا.
رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبيرٍ.
وقال الحسن: كان من الجنِّ، ولم يكن من الملائكةِ، فهو أصل الجنِّ، كما أنَّ آدم أصل الإنس.
وقيل: كان من الملائكة، فمسخ وغيَّر، وكما يدلُّ على أنه ليس من الملائكة قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي﴾ والملائكة ليس لهم نسلٌ، ولا ذرِّيَّة.
بقي أن يقال: لو لم يكن من الملائكة، لما تناوله الأمر بالسجود، فكيف يصحُّ استثناؤه منهم؟ .
تقدَّم الكلام على ذلك في البقرة.
ثم قال تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ .
قال الفراء: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ، أي: خرج من طاعته، تقول العرب: فسقتِ الرطبة عن قشرها، أي خرجت، وسميت الفأرة فويسقة؛ لخروجها من جحرها.
قال رؤبة: [الرجز]
3537 - يَهْويْنَ في نَجْدٍ وغَوْراً غَائِرَا ... فَواسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوائِرَا
وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه، أنه قال: لما أمر فعصَى، كان سبب فسقه هو ذلك الأمر، والمعنى: أنه لولا ذلك الأمر السابق، لما حصل ذلك الفسق، فلهذا حسن أن يقال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ كقوله: ﴿واسأل القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] .
ثم قال: «أفَتَتَّخِذُونَهُ» يعني: يا بني آدم ﴿وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ، أي: أعداء.
روى مجاهد عن الشعبيِّ قال: إنِّي قاعدٌ يوماً؛ إذ أقبل رجل فقال: أخبرني، هل لإبليس زوجة؟ قال: إنَّه لعرسٌ ما شَهدتُّه، ثُم ذكرتُ قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي﴾ فعلمت أنَّه لا يكون ذريَّة إلا من زوجة، فقلت، نعم.
وقال قتادة: يتوالدون، كما يتوالد بنو آدم.
وقيل: إنَّه يدخل ذنبه في دبره، فيبيض، فتنفلق البيضة عن جماعة من الشَّياطين.
ثم قال: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ .
قال قتادة: بئس ما استبدلوا طاعة إبليس، وذريته بعبادة ربِّهم.
قوله: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات﴾ : أي: إبليس وذريته، أو ما أشهدت الملائكة، فكيف يعبدونهم؟ أو ما أشهدت الكفار، فكيف ينسبون إليَّ ما لا يليق بجلالي؟ أو ما أشهدت جميع الخلقِ.
وقرأ أبو جعفر، [وشيبة] والسختياني في آخرين: «ما أشهدناهم» على التعظيم.
والمعنى: ما أحضرناهم ﴿خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ولا أشهدت بعضهم خلق بعض، يعني: ما اشهدتهم؛ لأعتضد بهم.
قوله: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ أي: ما كنت متَّخذهم، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ بياناً لإضلالهم؛ وذمًّا لهم وقوله: «عَضُدًا» أي: ما كنت متَّخذهم، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ بياناً لإضلالهم؛ وذمَّا لهم وقوله: «عَضُداً» أي: أعواناً.
قال ابن الخطيب: والأقرب عندي أنه الضمير الرَّاجع على الكفَّار الذين قالوا للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء، لم نؤمن بك، فكأنه - تعالى - قال: إنَّ هؤلاء الذين أتوا بالاقتراح الفاسد، والتعنُّت الباطل، ما كانوا شركاء في تدبير العالم؛ لأنِّي ما أشهدتهم خلق السموات والأرض، ولا خلق أنفسهم، ولا أعتذد بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟ .
ويؤكِّد هذا أن الضمير يجب عوده على أقرب مذكور، وهو هنا ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ .
قوله: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ وضع الظاهر موضع المضمر؛ إذ المراد ب «المُضلِّينَ» من نفى عنهم إشهاد خلق السموات، وإنما نبَّه بذلك على وصفهم القبيح.
وقرأ العامة «كُنْتُ» بضمِّ التاء؛ إخباراً عنه تعالى وقرأ الحسن، والجحدري، وأبو جعفر بفتحها؛ خطاباً لنبيِّنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقرأ علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ﴿مُتَّخِذاً المضلين﴾ نوَّن اسم الفاعل، ونصب به، إذ المراد به الحال، أو الاستقبال.
وقرأ عيسى «عَضْداً» بفتح العين، وسكون الضاد، وهو تخفيف سائغ، كقول تميمٍ: سبْع ورجْل في: سبُعٍ ورجُلٍ وقرأ الحسن «عُضداً» بالضم والسكون؛ وذلك أنه نقل حركة الضاد إلى العين بعد سلب العين حركتها، وعنه أيضاً «عضداً» بفتحتين، و «عضداً» بضمتين، والضحاك «عضداً» بكسر العين، وفتح الضاد، وهذه لغات في هذا الحرف.
والعضدُ من الإنسان وغيره معروف، ويعبِّر به عن العون والنصير؛ يقال: فلان عضدي، ومنه ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35] أي: سنقوِّي نصرتك ومعونتك.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ : معمول ل «اذْكُرْ» أي: ويوم نقول، يجري كيت وكيت وقرأ حمزة «نقُول» بنون العظمة؛ مراعاة للتكلُّم في قوله: «مَا أشْهدتهُمْ» إلى آخره، والباقون بياء الغيبة؛ لتقدم اسمه الشريف العظيم الظاهر.
أي: يقول الله يوم القيامة: ﴿نَادُواْ شُرَكَآئِيَ﴾ يعني الأوثان.
وقيل: للجنِّ، ولم يذكر تعالى أنَّهم كيف دعوهم في هذه الآية الكريمة، بيَّن ذلك في آية أخرى، وهو أنَّهم قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: 21] .
﴿الذين زَعَمْتُمْ﴾ أنهم شركاء ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ فاستغاثوا بهم، ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ ، أي: لم يجيبوهم، ولم ينصروهم، ولم يدفعوا عنهم ضرراً، ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾ أي: مهلكاً. قاله عطاء والضحاك.
فصل في بيان الموبق
قال الزمخشري وغيره: والمَوْبِقُ: المهلك، يقال: وَبِقَ يَوبِقُ وَبَقاً، أي: هَلَكَ ووَبَقَ يَبِقُ وُبُوقاً أيضاً: هلك وأوبقه ذنبه، وعن الفراء: «جعَل اللهُ تواصُلهمْ هَلاكاً» فجعل البين بمعنى الوصل، وليس بظرفٍ؛ كقوله: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] على قراءة من قرأ بالرفع، فعلى الأول يكون «موبقاً» مفعولاً أول للجعل، والثاني الظرف المتقدِّم، ويجوز أن تكون متعدية لواحدٍ، فيتعلق الظرف بالجعلِ أو بمحذوفٍ على الحال من «مَوْبِقاً» .
وعلى قول الفراء ليكون «بينهم» مفعولاً أول و «مَوبقاً» مفعولاً ثانياً، والمَوْبِقُ هنا: يجوز أن يكون مصدراً، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون مكاناً.
قال ابن عباس: وهو وادٍ في النَّار.
وقال ابن الأعربيِّ: كل حاجزٍ بين الشيئين يكون المَوبِقَ.
وقال الحسن: «مَوْبقاً» أي: عداوة، هي في شدَّتها هلاك؛ كقولهم: لا يكن حُبك كلفاً.
وقيل: الموبقُ: البَرْزَخُ البعيد.
وجعلنا بين هؤلاء الكفَّار وبين الملائكة وعيسى برزخاً بعيداً، يهلك فيه النصارى؛ لفرط بعده؛ لأنَّهم في قاع جهنَّم، وهو في أعلى الجنا.
قوله: روَرَأَى المجرمون النار} الآية.
﴿وَرَأَى المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾ ، في هذا الظنِّ قولان:
الأول: أنه بمعنى العلم واليقين.
والثاني: قال ابن الخطيب: الأقرب إلى المعنى: أن هؤلاء الكفار يرون النَّاس من مكانٍ بعيدٍ، فيظنُّون أنهم مواقعوها في تلك السَّاعة، من غير تأخير من شدَّة ما يسمعون من تغيُّظها وزفيرها، كقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] .
وقوله: ﴿مُّوَاقِعُوهَا﴾ أي: مخالطوها؛ فإنَّ مخالطة الشيء لغيره، إذا كان تامَّة قويَّة، يقال لها: مواقعة.
قوله: «مَصْرِفاً» المصرف المعدل، اي: لم يجدوا عنها معدلاً.
قال الهذليُّ: [الكامل]
3538 - أزُهَيْرُ هَلْ عَن شَيْبةٍ مِنْ مصْرفِ ... أمْ لا خُلودَ لبَاذلٍ مُتكلِّفِ
والمصرف يجوز أن يكون اسم مكانٍ، أو زمانٍ، وقال أبو البقاء: «مَصْرِفاً: أي انصرافاً، ويجوز أن يكون مكاناً» . قال شهاب الدين: وهذا سهوٌ، فإنه جعل المفعل بكسر العين مصدراً لما مضارعه يفعل بالكسر من الصحيح، وقد نصُّوا على أنَّ اسم مصدر هذا النوع مفتوح العين، واسم زمانه ومكانه مكسوراً، نحو: المَضْرَبُ والمَضْرِبُ.
وقرأ زيد بن عليٍّ «مَصْرَفاً» بفتح الراء جعله مصدراً؛ لأنه مكسور العين في المضارع، فهو كالمضرب بمعنى الضَّرب، وليت أبا البقاء ذكر هذه القراءة ووجَّهه بما ذكره قبل.
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ بينَّا ﴿فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ .
اعلم أن الكفَّار، لما افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم، وأبطل الله أقوالهم الفاسدة، وذكر المثلين المتقدِّمين، ذكر بعده: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ وهو إشارة إلى ما سبق، والتصريف يقتضي التكرير، والأمر كذلك؛ لأنه تعالى أجاب عن شبهتهم التي ذكروها من وجوهٍ كثيرةٍ، والكفار مع تلك الجوابات الصَّافية، والأمثلة المطابقة لا يتركون المجادلة الباطلة؛ فقال: ﴿وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ .
قوله: ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ : يجوز أن تكون «مِنْ كلِّ» صفة لموصوف محذوف، وهو مفعول «صرَّفنا» ، أي: صرَّفنا مثلاً من كلِّ مثلٍ، ويجوز أن تكون «مِنْ» مزيدة على رأي الأخفش والكوفيين.
قوله: «جَدَلاً» منصوب على التمييز، وقوله: ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ أي: أكثر الأشياء التي يتأتَّى منها الجدالُ، إن فصَّلتها واحداً واحداً، يعني أنَّ الإنسان أكثر جدلاً من كلِّ شيء يجادلُ، فوضع «شيءٍ» موضع الأشياء، وهل يجوز أن يكون جدلاً منقولاً عن اسم كان؛ إذ الأصل: وكان جدلُ الإنسان أكثر شيء؟ فيه نظر، وكلام أبي البقاء يشعر بجوازه؛ فإنه قال: «فيه وجهان:
أحدهما: أنًَّ شيئاً ههنا في معنى فجادل، لأنَّ أفعل يضاف إلى ما هو بعضٌ له، وتمييزه ب» جدلاً «يقتضي أن يكون الأكثر مجادلاً، وهذا من وضع العام موضع الخاص.
والثاني: أن في الكلام محذوفاً، تقديره: وكان جدل الإنسان أكثر شيءٍ، ثم ميَّزه» . فقوله: «تقديره: وكان جدل الإنسان» يفيد أنَّ إسناد «كان» إلى الجدلِ جائز في الجملة، إلا أنه لا بدَّ من تتميم لذلك: وهو أن تتجوَّز، فتجعل للجدلِ جدلاً؛ كقولهم: «شِعرٌ شَاعرٌ» يعني أنَّ لجدل الإنسان جدلاً هو أكثر من جدلِ سائر الأشياءِ.
وهذه الآية دالَّة على أنَّ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - جادلوهم في الدِّين حتَّى صاروا مجادلين؛ لأنَّ المجادلة لا تحصل إلاَّ من الطرفين.
الكهف 18:51
قوله: ﴿وَإِذَا قُلْنَا للملاائكة اسجدوا لآدَمَ﴾ الآية.
اعلم أنَّ المقصود في الآياتِ المتقدِّمة الردُّ على الذين افتخروا بأموالهم، وأعوانهم على فقراء المسلمين، وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى؛ وذلك: أنَّ إبليس، إنما تكبَّر على آدم؛ لأنَّه افتخر بأصله ونسبه، فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 13] فأنا أشرف منه أصلاً ونسباً، فكيف أسجد له، وكيف أتواضع له؟ وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المؤمنين بهذه المعاملة، فقالوا: كيف نجالسُ هؤلاء الفقراء، مع أنَّا من أنساب شريفة، وهم من أنساب نازلة، ونحن أغنياء، وهم فقراء؟ فذكر الله هذه القصة؛ تنبيهاً على أنَّ هذه الطريقة بعينها طريقة إبليس، ثم إنه تعالى حذَّر عنها، وعن الاقتضاء بها في قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ﴾ ، وهذا وجه النظم.
قوله: ﴿وَإِذَا قُلْنَا﴾ : أي: اذكر.
قوله: ﴿كَانَ مِنَ الجن﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استئناف يفيد التعليل؛ جواباً لسؤال مقدَّر.
والثاني: أن الجملة حالية، و «قَدْ» معها مرادة، قاله أبو البقاء.
قوله: «فَفسَقَ» السببية في الفاء ظاهرة، تسبَّب عن كونه من الجنِّ الفسقُ، قال أبو البقاء: إنما أدخل الفاء هنا؛ لأنَّ المعنى: «إلاَّ إبليس امتنع ففسق» . قال شهاب الدين. إن عنى أنَّ قوله «كان من الجنِّ» وضع موضع قوله «امْتنعَ» فيحتمل مع بُعده، وإن عنى أنه حذف فعلٌ عطف عليه هذا، فليس بصحيحٍ؛ للاتغناء عنه.
قوله: «عَنْ أمْر» «عَنْ» على بابها من المجاوزة، وهذ متعلقة ب «فَسقَ» ، أي: خرج مجاوزاً أمر ربِّه، وقيل: هي بمعنى الباء، أي: بسبب أمره؛ فإنه فعَّالٌ لما يريدُ.
قوله: «وذُرِّيتهُ» يجوز في الواو أن تكون عاطفة، وهو الظاهر، وأن تكون بمعنى «مع» و «مِنْ دُونِي» يجوز تعلقه بالاتِّخاذ، وبمحذوف على أنَّه صفة لأولياء.
قوله: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ جملة حالية من مفعول الاتخاذ أو فاعله، لأن فيها مصححاً لكلٍّ من الوجهين، وهو الرابط.
قوله: «بِئْسَ» فاعلها مضمرٌ مفسَّر بتمييزه، والمخصوص بالذمِّ محذوف، تقديره: بِئْسَ البدل إبليس وذرِّيتهُ. وقوله «للظَّالمينَ» متعلق بمحذوفٍ حالاً من «بَدلاً» وقيل: متعلق بفعل الذمِّ.
فصل في الخلاف في أصل إبليس
اعلم أنه تعالى بيَّن في هذه الآية أنَّ إبليس كان من الجنِّ، وللنَّاس في الآية أقوالٌ:
الأول: قال ابن عبَّاس: كان من حيٍّ من الملائكةِ، يقال لهم الحنُّ، خلقوا من نار السَّموم، وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجنِّ، لقوله: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: 158] وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الجن﴾ [الأنعام: 100] وسمِّي الجن جنًّا؛ لاستتارهم، والملائكة داخلون في ذلك.
وأيضاً: فإنه كان خازن الجنة، فنسب إلى الجنَّة؛ كقولهم: كوفيٌّ، وبصريٌّ.
وعن سعيد بن جبير، قال: كان من الجنَّانين الذين يعملون في الجنان، وهم حيٌّ من الملائكة، يصوغون حلية أهل الجنة منذ خلقوا.
رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبيرٍ.
وقال الحسن: كان من الجنِّ، ولم يكن من الملائكةِ، فهو أصل الجنِّ، كما أنَّ آدم أصل الإنس.
وقيل: كان من الملائكة، فمسخ وغيَّر، وكما يدلُّ على أنه ليس من الملائكة قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي﴾ والملائكة ليس لهم نسلٌ، ولا ذرِّيَّة.
بقي أن يقال: لو لم يكن من الملائكة، لما تناوله الأمر بالسجود، فكيف يصحُّ استثناؤه منهم؟ .
تقدَّم الكلام على ذلك في البقرة.
ثم قال تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ .
قال الفراء: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ، أي: خرج من طاعته، تقول العرب: فسقتِ الرطبة عن قشرها، أي خرجت، وسميت الفأرة فويسقة؛ لخروجها من جحرها.
قال رؤبة: [الرجز]
3537 - يَهْويْنَ في نَجْدٍ وغَوْراً غَائِرَا ... فَواسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوائِرَا
وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه، أنه قال: لما أمر فعصَى، كان سبب فسقه هو ذلك الأمر، والمعنى: أنه لولا ذلك الأمر السابق، لما حصل ذلك الفسق، فلهذا حسن أن يقال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ كقوله: ﴿واسأل القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] .
ثم قال: «أفَتَتَّخِذُونَهُ» يعني: يا بني آدم ﴿وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ، أي: أعداء.
روى مجاهد عن الشعبيِّ قال: إنِّي قاعدٌ يوماً؛ إذ أقبل رجل فقال: أخبرني، هل لإبليس زوجة؟ قال: إنَّه لعرسٌ ما شَهدتُّه، ثُم ذكرتُ قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي﴾ فعلمت أنَّه لا يكون ذريَّة إلا من زوجة، فقلت، نعم.
وقال قتادة: يتوالدون، كما يتوالد بنو آدم.
وقيل: إنَّه يدخل ذنبه في دبره، فيبيض، فتنفلق البيضة عن جماعة من الشَّياطين.
ثم قال: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ .
قال قتادة: بئس ما استبدلوا طاعة إبليس، وذريته بعبادة ربِّهم.
قوله: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات﴾ : أي: إبليس وذريته، أو ما أشهدت الملائكة، فكيف يعبدونهم؟ أو ما أشهدت الكفار، فكيف ينسبون إليَّ ما لا يليق بجلالي؟ أو ما أشهدت جميع الخلقِ.
وقرأ أبو جعفر، [وشيبة] والسختياني في آخرين: «ما أشهدناهم» على التعظيم.
والمعنى: ما أحضرناهم ﴿خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ولا أشهدت بعضهم خلق بعض، يعني: ما اشهدتهم؛ لأعتضد بهم.
قوله: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ أي: ما كنت متَّخذهم، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ بياناً لإضلالهم؛ وذمًّا لهم وقوله: «عَضُدًا» أي: ما كنت متَّخذهم، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ بياناً لإضلالهم؛ وذمَّا لهم وقوله: «عَضُداً» أي: أعواناً.
قال ابن الخطيب: والأقرب عندي أنه الضمير الرَّاجع على الكفَّار الذين قالوا للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء، لم نؤمن بك، فكأنه - تعالى - قال: إنَّ هؤلاء الذين أتوا بالاقتراح الفاسد، والتعنُّت الباطل، ما كانوا شركاء في تدبير العالم؛ لأنِّي ما أشهدتهم خلق السموات والأرض، ولا خلق أنفسهم، ولا أعتذد بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟ .
ويؤكِّد هذا أن الضمير يجب عوده على أقرب مذكور، وهو هنا ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ .
قوله: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ وضع الظاهر موضع المضمر؛ إذ المراد ب «المُضلِّينَ» من نفى عنهم إشهاد خلق السموات، وإنما نبَّه بذلك على وصفهم القبيح.
وقرأ العامة «كُنْتُ» بضمِّ التاء؛ إخباراً عنه تعالى وقرأ الحسن، والجحدري، وأبو جعفر بفتحها؛ خطاباً لنبيِّنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقرأ علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ﴿مُتَّخِذاً المضلين﴾ نوَّن اسم الفاعل، ونصب به، إذ المراد به الحال، أو الاستقبال.
وقرأ عيسى «عَضْداً» بفتح العين، وسكون الضاد، وهو تخفيف سائغ، كقول تميمٍ: سبْع ورجْل في: سبُعٍ ورجُلٍ وقرأ الحسن «عُضداً» بالضم والسكون؛ وذلك أنه نقل حركة الضاد إلى العين بعد سلب العين حركتها، وعنه أيضاً «عضداً» بفتحتين، و «عضداً» بضمتين، والضحاك «عضداً» بكسر العين، وفتح الضاد، وهذه لغات في هذا الحرف.
والعضدُ من الإنسان وغيره معروف، ويعبِّر به عن العون والنصير؛ يقال: فلان عضدي، ومنه ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35] أي: سنقوِّي نصرتك ومعونتك.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ : معمول ل «اذْكُرْ» أي: ويوم نقول، يجري كيت وكيت وقرأ حمزة «نقُول» بنون العظمة؛ مراعاة للتكلُّم في قوله: «مَا أشْهدتهُمْ» إلى آخره، والباقون بياء الغيبة؛ لتقدم اسمه الشريف العظيم الظاهر.
أي: يقول الله يوم القيامة: ﴿نَادُواْ شُرَكَآئِيَ﴾ يعني الأوثان.
وقيل: للجنِّ، ولم يذكر تعالى أنَّهم كيف دعوهم في هذه الآية الكريمة، بيَّن ذلك في آية أخرى، وهو أنَّهم قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: 21] .
﴿الذين زَعَمْتُمْ﴾ أنهم شركاء ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ فاستغاثوا بهم، ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ ، أي: لم يجيبوهم، ولم ينصروهم، ولم يدفعوا عنهم ضرراً، ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾ أي: مهلكاً. قاله عطاء والضحاك.
فصل في بيان الموبق
قال الزمخشري وغيره: والمَوْبِقُ: المهلك، يقال: وَبِقَ يَوبِقُ وَبَقاً، أي: هَلَكَ ووَبَقَ يَبِقُ وُبُوقاً أيضاً: هلك وأوبقه ذنبه، وعن الفراء: «جعَل اللهُ تواصُلهمْ هَلاكاً» فجعل البين بمعنى الوصل، وليس بظرفٍ؛ كقوله: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] على قراءة من قرأ بالرفع، فعلى الأول يكون «موبقاً» مفعولاً أول للجعل، والثاني الظرف المتقدِّم، ويجوز أن تكون متعدية لواحدٍ، فيتعلق الظرف بالجعلِ أو بمحذوفٍ على الحال من «مَوْبِقاً» .
وعلى قول الفراء ليكون «بينهم» مفعولاً أول و «مَوبقاً» مفعولاً ثانياً، والمَوْبِقُ هنا: يجوز أن يكون مصدراً، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون مكاناً.
قال ابن عباس: وهو وادٍ في النَّار.
وقال ابن الأعربيِّ: كل حاجزٍ بين الشيئين يكون المَوبِقَ.
وقال الحسن: «مَوْبقاً» أي: عداوة، هي في شدَّتها هلاك؛ كقولهم: لا يكن حُبك كلفاً.
وقيل: الموبقُ: البَرْزَخُ البعيد.
وجعلنا بين هؤلاء الكفَّار وبين الملائكة وعيسى برزخاً بعيداً، يهلك فيه النصارى؛ لفرط بعده؛ لأنَّهم في قاع جهنَّم، وهو في أعلى الجنا.
قوله: روَرَأَى المجرمون النار} الآية.
﴿وَرَأَى المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾ ، في هذا الظنِّ قولان:
الأول: أنه بمعنى العلم واليقين.
والثاني: قال ابن الخطيب: الأقرب إلى المعنى: أن هؤلاء الكفار يرون النَّاس من مكانٍ بعيدٍ، فيظنُّون أنهم مواقعوها في تلك السَّاعة، من غير تأخير من شدَّة ما يسمعون من تغيُّظها وزفيرها، كقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] .
وقوله: ﴿مُّوَاقِعُوهَا﴾ أي: مخالطوها؛ فإنَّ مخالطة الشيء لغيره، إذا كان تامَّة قويَّة، يقال لها: مواقعة.
قوله: «مَصْرِفاً» المصرف المعدل، اي: لم يجدوا عنها معدلاً.
قال الهذليُّ: [الكامل]
3538 - أزُهَيْرُ هَلْ عَن شَيْبةٍ مِنْ مصْرفِ ... أمْ لا خُلودَ لبَاذلٍ مُتكلِّفِ
والمصرف يجوز أن يكون اسم مكانٍ، أو زمانٍ، وقال أبو البقاء: «مَصْرِفاً: أي انصرافاً، ويجوز أن يكون مكاناً» . قال شهاب الدين: وهذا سهوٌ، فإنه جعل المفعل بكسر العين مصدراً لما مضارعه يفعل بالكسر من الصحيح، وقد نصُّوا على أنَّ اسم مصدر هذا النوع مفتوح العين، واسم زمانه ومكانه مكسوراً، نحو: المَضْرَبُ والمَضْرِبُ.
وقرأ زيد بن عليٍّ «مَصْرَفاً» بفتح الراء جعله مصدراً؛ لأنه مكسور العين في المضارع، فهو كالمضرب بمعنى الضَّرب، وليت أبا البقاء ذكر هذه القراءة ووجَّهه بما ذكره قبل.
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ بينَّا ﴿فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ .
اعلم أن الكفَّار، لما افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم، وأبطل الله أقوالهم الفاسدة، وذكر المثلين المتقدِّمين، ذكر بعده: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ وهو إشارة إلى ما سبق، والتصريف يقتضي التكرير، والأمر كذلك؛ لأنه تعالى أجاب عن شبهتهم التي ذكروها من وجوهٍ كثيرةٍ، والكفار مع تلك الجوابات الصَّافية، والأمثلة المطابقة لا يتركون المجادلة الباطلة؛ فقال: ﴿وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ .
قوله: ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ : يجوز أن تكون «مِنْ كلِّ» صفة لموصوف محذوف، وهو مفعول «صرَّفنا» ، أي: صرَّفنا مثلاً من كلِّ مثلٍ، ويجوز أن تكون «مِنْ» مزيدة على رأي الأخفش والكوفيين.
قوله: «جَدَلاً» منصوب على التمييز، وقوله: ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ أي: أكثر الأشياء التي يتأتَّى منها الجدالُ، إن فصَّلتها واحداً واحداً، يعني أنَّ الإنسان أكثر جدلاً من كلِّ شيء يجادلُ، فوضع «شيءٍ» موضع الأشياء، وهل يجوز أن يكون جدلاً منقولاً عن اسم كان؛ إذ الأصل: وكان جدلُ الإنسان أكثر شيء؟ فيه نظر، وكلام أبي البقاء يشعر بجوازه؛ فإنه قال: «فيه وجهان:
أحدهما: أنًَّ شيئاً ههنا في معنى فجادل، لأنَّ أفعل يضاف إلى ما هو بعضٌ له، وتمييزه ب» جدلاً «يقتضي أن يكون الأكثر مجادلاً، وهذا من وضع العام موضع الخاص.
والثاني: أن في الكلام محذوفاً، تقديره: وكان جدل الإنسان أكثر شيءٍ، ثم ميَّزه» . فقوله: «تقديره: وكان جدل الإنسان» يفيد أنَّ إسناد «كان» إلى الجدلِ جائز في الجملة، إلا أنه لا بدَّ من تتميم لذلك: وهو أن تتجوَّز، فتجعل للجدلِ جدلاً؛ كقولهم: «شِعرٌ شَاعرٌ» يعني أنَّ لجدل الإنسان جدلاً هو أكثر من جدلِ سائر الأشياءِ.
وهذه الآية دالَّة على أنَّ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - جادلوهم في الدِّين حتَّى صاروا مجادلين؛ لأنَّ المجادلة لا تحصل إلاَّ من الطرفين.
الكهف 18:52
قوله: ﴿وَإِذَا قُلْنَا للملاائكة اسجدوا لآدَمَ﴾ الآية.
اعلم أنَّ المقصود في الآياتِ المتقدِّمة الردُّ على الذين افتخروا بأموالهم، وأعوانهم على فقراء المسلمين، وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى؛ وذلك: أنَّ إبليس، إنما تكبَّر على آدم؛ لأنَّه افتخر بأصله ونسبه، فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 13] فأنا أشرف منه أصلاً ونسباً، فكيف أسجد له، وكيف أتواضع له؟ وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المؤمنين بهذه المعاملة، فقالوا: كيف نجالسُ هؤلاء الفقراء، مع أنَّا من أنساب شريفة، وهم من أنساب نازلة، ونحن أغنياء، وهم فقراء؟ فذكر الله هذه القصة؛ تنبيهاً على أنَّ هذه الطريقة بعينها طريقة إبليس، ثم إنه تعالى حذَّر عنها، وعن الاقتضاء بها في قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ﴾ ، وهذا وجه النظم.
قوله: ﴿وَإِذَا قُلْنَا﴾ : أي: اذكر.
قوله: ﴿كَانَ مِنَ الجن﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استئناف يفيد التعليل؛ جواباً لسؤال مقدَّر.
والثاني: أن الجملة حالية، و «قَدْ» معها مرادة، قاله أبو البقاء.
قوله: «فَفسَقَ» السببية في الفاء ظاهرة، تسبَّب عن كونه من الجنِّ الفسقُ، قال أبو البقاء: إنما أدخل الفاء هنا؛ لأنَّ المعنى: «إلاَّ إبليس امتنع ففسق» . قال شهاب الدين. إن عنى أنَّ قوله «كان من الجنِّ» وضع موضع قوله «امْتنعَ» فيحتمل مع بُعده، وإن عنى أنه حذف فعلٌ عطف عليه هذا، فليس بصحيحٍ؛ للاتغناء عنه.
قوله: «عَنْ أمْر» «عَنْ» على بابها من المجاوزة، وهذ متعلقة ب «فَسقَ» ، أي: خرج مجاوزاً أمر ربِّه، وقيل: هي بمعنى الباء، أي: بسبب أمره؛ فإنه فعَّالٌ لما يريدُ.
قوله: «وذُرِّيتهُ» يجوز في الواو أن تكون عاطفة، وهو الظاهر، وأن تكون بمعنى «مع» و «مِنْ دُونِي» يجوز تعلقه بالاتِّخاذ، وبمحذوف على أنَّه صفة لأولياء.
قوله: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ جملة حالية من مفعول الاتخاذ أو فاعله، لأن فيها مصححاً لكلٍّ من الوجهين، وهو الرابط.
قوله: «بِئْسَ» فاعلها مضمرٌ مفسَّر بتمييزه، والمخصوص بالذمِّ محذوف، تقديره: بِئْسَ البدل إبليس وذرِّيتهُ. وقوله «للظَّالمينَ» متعلق بمحذوفٍ حالاً من «بَدلاً» وقيل: متعلق بفعل الذمِّ.
فصل في الخلاف في أصل إبليس
اعلم أنه تعالى بيَّن في هذه الآية أنَّ إبليس كان من الجنِّ، وللنَّاس في الآية أقوالٌ:
الأول: قال ابن عبَّاس: كان من حيٍّ من الملائكةِ، يقال لهم الحنُّ، خلقوا من نار السَّموم، وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجنِّ، لقوله: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: 158] وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الجن﴾ [الأنعام: 100] وسمِّي الجن جنًّا؛ لاستتارهم، والملائكة داخلون في ذلك.
وأيضاً: فإنه كان خازن الجنة، فنسب إلى الجنَّة؛ كقولهم: كوفيٌّ، وبصريٌّ.
وعن سعيد بن جبير، قال: كان من الجنَّانين الذين يعملون في الجنان، وهم حيٌّ من الملائكة، يصوغون حلية أهل الجنة منذ خلقوا.
رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبيرٍ.
وقال الحسن: كان من الجنِّ، ولم يكن من الملائكةِ، فهو أصل الجنِّ، كما أنَّ آدم أصل الإنس.
وقيل: كان من الملائكة، فمسخ وغيَّر، وكما يدلُّ على أنه ليس من الملائكة قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي﴾ والملائكة ليس لهم نسلٌ، ولا ذرِّيَّة.
بقي أن يقال: لو لم يكن من الملائكة، لما تناوله الأمر بالسجود، فكيف يصحُّ استثناؤه منهم؟ .
تقدَّم الكلام على ذلك في البقرة.
ثم قال تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ .
قال الفراء: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ، أي: خرج من طاعته، تقول العرب: فسقتِ الرطبة عن قشرها، أي خرجت، وسميت الفأرة فويسقة؛ لخروجها من جحرها.
قال رؤبة: [الرجز]
3537 - يَهْويْنَ في نَجْدٍ وغَوْراً غَائِرَا ... فَواسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوائِرَا
وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه، أنه قال: لما أمر فعصَى، كان سبب فسقه هو ذلك الأمر، والمعنى: أنه لولا ذلك الأمر السابق، لما حصل ذلك الفسق، فلهذا حسن أن يقال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ كقوله: ﴿واسأل القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] .
ثم قال: «أفَتَتَّخِذُونَهُ» يعني: يا بني آدم ﴿وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ، أي: أعداء.
روى مجاهد عن الشعبيِّ قال: إنِّي قاعدٌ يوماً؛ إذ أقبل رجل فقال: أخبرني، هل لإبليس زوجة؟ قال: إنَّه لعرسٌ ما شَهدتُّه، ثُم ذكرتُ قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي﴾ فعلمت أنَّه لا يكون ذريَّة إلا من زوجة، فقلت، نعم.
وقال قتادة: يتوالدون، كما يتوالد بنو آدم.
وقيل: إنَّه يدخل ذنبه في دبره، فيبيض، فتنفلق البيضة عن جماعة من الشَّياطين.
ثم قال: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ .
قال قتادة: بئس ما استبدلوا طاعة إبليس، وذريته بعبادة ربِّهم.
قوله: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات﴾ : أي: إبليس وذريته، أو ما أشهدت الملائكة، فكيف يعبدونهم؟ أو ما أشهدت الكفار، فكيف ينسبون إليَّ ما لا يليق بجلالي؟ أو ما أشهدت جميع الخلقِ.
وقرأ أبو جعفر، [وشيبة] والسختياني في آخرين: «ما أشهدناهم» على التعظيم.
والمعنى: ما أحضرناهم ﴿خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ولا أشهدت بعضهم خلق بعض، يعني: ما اشهدتهم؛ لأعتضد بهم.
قوله: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ أي: ما كنت متَّخذهم، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ بياناً لإضلالهم؛ وذمًّا لهم وقوله: «عَضُدًا» أي: ما كنت متَّخذهم، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ بياناً لإضلالهم؛ وذمَّا لهم وقوله: «عَضُداً» أي: أعواناً.
قال ابن الخطيب: والأقرب عندي أنه الضمير الرَّاجع على الكفَّار الذين قالوا للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء، لم نؤمن بك، فكأنه - تعالى - قال: إنَّ هؤلاء الذين أتوا بالاقتراح الفاسد، والتعنُّت الباطل، ما كانوا شركاء في تدبير العالم؛ لأنِّي ما أشهدتهم خلق السموات والأرض، ولا خلق أنفسهم، ولا أعتذد بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟ .
ويؤكِّد هذا أن الضمير يجب عوده على أقرب مذكور، وهو هنا ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ .
قوله: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ وضع الظاهر موضع المضمر؛ إذ المراد ب «المُضلِّينَ» من نفى عنهم إشهاد خلق السموات، وإنما نبَّه بذلك على وصفهم القبيح.
وقرأ العامة «كُنْتُ» بضمِّ التاء؛ إخباراً عنه تعالى وقرأ الحسن، والجحدري، وأبو جعفر بفتحها؛ خطاباً لنبيِّنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقرأ علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ﴿مُتَّخِذاً المضلين﴾ نوَّن اسم الفاعل، ونصب به، إذ المراد به الحال، أو الاستقبال.
وقرأ عيسى «عَضْداً» بفتح العين، وسكون الضاد، وهو تخفيف سائغ، كقول تميمٍ: سبْع ورجْل في: سبُعٍ ورجُلٍ وقرأ الحسن «عُضداً» بالضم والسكون؛ وذلك أنه نقل حركة الضاد إلى العين بعد سلب العين حركتها، وعنه أيضاً «عضداً» بفتحتين، و «عضداً» بضمتين، والضحاك «عضداً» بكسر العين، وفتح الضاد، وهذه لغات في هذا الحرف.
والعضدُ من الإنسان وغيره معروف، ويعبِّر به عن العون والنصير؛ يقال: فلان عضدي، ومنه ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35] أي: سنقوِّي نصرتك ومعونتك.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ : معمول ل «اذْكُرْ» أي: ويوم نقول، يجري كيت وكيت وقرأ حمزة «نقُول» بنون العظمة؛ مراعاة للتكلُّم في قوله: «مَا أشْهدتهُمْ» إلى آخره، والباقون بياء الغيبة؛ لتقدم اسمه الشريف العظيم الظاهر.
أي: يقول الله يوم القيامة: ﴿نَادُواْ شُرَكَآئِيَ﴾ يعني الأوثان.
وقيل: للجنِّ، ولم يذكر تعالى أنَّهم كيف دعوهم في هذه الآية الكريمة، بيَّن ذلك في آية أخرى، وهو أنَّهم قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: 21] .
﴿الذين زَعَمْتُمْ﴾ أنهم شركاء ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ فاستغاثوا بهم، ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ ، أي: لم يجيبوهم، ولم ينصروهم، ولم يدفعوا عنهم ضرراً، ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾ أي: مهلكاً. قاله عطاء والضحاك.
فصل في بيان الموبق
قال الزمخشري وغيره: والمَوْبِقُ: المهلك، يقال: وَبِقَ يَوبِقُ وَبَقاً، أي: هَلَكَ ووَبَقَ يَبِقُ وُبُوقاً أيضاً: هلك وأوبقه ذنبه، وعن الفراء: «جعَل اللهُ تواصُلهمْ هَلاكاً» فجعل البين بمعنى الوصل، وليس بظرفٍ؛ كقوله: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] على قراءة من قرأ بالرفع، فعلى الأول يكون «موبقاً» مفعولاً أول للجعل، والثاني الظرف المتقدِّم، ويجوز أن تكون متعدية لواحدٍ، فيتعلق الظرف بالجعلِ أو بمحذوفٍ على الحال من «مَوْبِقاً» .
وعلى قول الفراء ليكون «بينهم» مفعولاً أول و «مَوبقاً» مفعولاً ثانياً، والمَوْبِقُ هنا: يجوز أن يكون مصدراً، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون مكاناً.
قال ابن عباس: وهو وادٍ في النَّار.
وقال ابن الأعربيِّ: كل حاجزٍ بين الشيئين يكون المَوبِقَ.
وقال الحسن: «مَوْبقاً» أي: عداوة، هي في شدَّتها هلاك؛ كقولهم: لا يكن حُبك كلفاً.
وقيل: الموبقُ: البَرْزَخُ البعيد.
وجعلنا بين هؤلاء الكفَّار وبين الملائكة وعيسى برزخاً بعيداً، يهلك فيه النصارى؛ لفرط بعده؛ لأنَّهم في قاع جهنَّم، وهو في أعلى الجنا.
قوله: روَرَأَى المجرمون النار} الآية.
﴿وَرَأَى المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾ ، في هذا الظنِّ قولان:
الأول: أنه بمعنى العلم واليقين.
والثاني: قال ابن الخطيب: الأقرب إلى المعنى: أن هؤلاء الكفار يرون النَّاس من مكانٍ بعيدٍ، فيظنُّون أنهم مواقعوها في تلك السَّاعة، من غير تأخير من شدَّة ما يسمعون من تغيُّظها وزفيرها، كقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] .
وقوله: ﴿مُّوَاقِعُوهَا﴾ أي: مخالطوها؛ فإنَّ مخالطة الشيء لغيره، إذا كان تامَّة قويَّة، يقال لها: مواقعة.
قوله: «مَصْرِفاً» المصرف المعدل، اي: لم يجدوا عنها معدلاً.
قال الهذليُّ: [الكامل]
3538 - أزُهَيْرُ هَلْ عَن شَيْبةٍ مِنْ مصْرفِ ... أمْ لا خُلودَ لبَاذلٍ مُتكلِّفِ
والمصرف يجوز أن يكون اسم مكانٍ، أو زمانٍ، وقال أبو البقاء: «مَصْرِفاً: أي انصرافاً، ويجوز أن يكون مكاناً» . قال شهاب الدين: وهذا سهوٌ، فإنه جعل المفعل بكسر العين مصدراً لما مضارعه يفعل بالكسر من الصحيح، وقد نصُّوا على أنَّ اسم مصدر هذا النوع مفتوح العين، واسم زمانه ومكانه مكسوراً، نحو: المَضْرَبُ والمَضْرِبُ.
وقرأ زيد بن عليٍّ «مَصْرَفاً» بفتح الراء جعله مصدراً؛ لأنه مكسور العين في المضارع، فهو كالمضرب بمعنى الضَّرب، وليت أبا البقاء ذكر هذه القراءة ووجَّهه بما ذكره قبل.
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ بينَّا ﴿فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ .
اعلم أن الكفَّار، لما افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم، وأبطل الله أقوالهم الفاسدة، وذكر المثلين المتقدِّمين، ذكر بعده: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ وهو إشارة إلى ما سبق، والتصريف يقتضي التكرير، والأمر كذلك؛ لأنه تعالى أجاب عن شبهتهم التي ذكروها من وجوهٍ كثيرةٍ، والكفار مع تلك الجوابات الصَّافية، والأمثلة المطابقة لا يتركون المجادلة الباطلة؛ فقال: ﴿وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ .
قوله: ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ : يجوز أن تكون «مِنْ كلِّ» صفة لموصوف محذوف، وهو مفعول «صرَّفنا» ، أي: صرَّفنا مثلاً من كلِّ مثلٍ، ويجوز أن تكون «مِنْ» مزيدة على رأي الأخفش والكوفيين.
قوله: «جَدَلاً» منصوب على التمييز، وقوله: ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ أي: أكثر الأشياء التي يتأتَّى منها الجدالُ، إن فصَّلتها واحداً واحداً، يعني أنَّ الإنسان أكثر جدلاً من كلِّ شيء يجادلُ، فوضع «شيءٍ» موضع الأشياء، وهل يجوز أن يكون جدلاً منقولاً عن اسم كان؛ إذ الأصل: وكان جدلُ الإنسان أكثر شيء؟ فيه نظر، وكلام أبي البقاء يشعر بجوازه؛ فإنه قال: «فيه وجهان:
أحدهما: أنًَّ شيئاً ههنا في معنى فجادل، لأنَّ أفعل يضاف إلى ما هو بعضٌ له، وتمييزه ب» جدلاً «يقتضي أن يكون الأكثر مجادلاً، وهذا من وضع العام موضع الخاص.
والثاني: أن في الكلام محذوفاً، تقديره: وكان جدل الإنسان أكثر شيءٍ، ثم ميَّزه» . فقوله: «تقديره: وكان جدل الإنسان» يفيد أنَّ إسناد «كان» إلى الجدلِ جائز في الجملة، إلا أنه لا بدَّ من تتميم لذلك: وهو أن تتجوَّز، فتجعل للجدلِ جدلاً؛ كقولهم: «شِعرٌ شَاعرٌ» يعني أنَّ لجدل الإنسان جدلاً هو أكثر من جدلِ سائر الأشياءِ.
وهذه الآية دالَّة على أنَّ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - جادلوهم في الدِّين حتَّى صاروا مجادلين؛ لأنَّ المجادلة لا تحصل إلاَّ من الطرفين.
الكهف 18:53
قوله: ﴿وَإِذَا قُلْنَا للملاائكة اسجدوا لآدَمَ﴾ الآية.
اعلم أنَّ المقصود في الآياتِ المتقدِّمة الردُّ على الذين افتخروا بأموالهم، وأعوانهم على فقراء المسلمين، وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى؛ وذلك: أنَّ إبليس، إنما تكبَّر على آدم؛ لأنَّه افتخر بأصله ونسبه، فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 13] فأنا أشرف منه أصلاً ونسباً، فكيف أسجد له، وكيف أتواضع له؟ وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المؤمنين بهذه المعاملة، فقالوا: كيف نجالسُ هؤلاء الفقراء، مع أنَّا من أنساب شريفة، وهم من أنساب نازلة، ونحن أغنياء، وهم فقراء؟ فذكر الله هذه القصة؛ تنبيهاً على أنَّ هذه الطريقة بعينها طريقة إبليس، ثم إنه تعالى حذَّر عنها، وعن الاقتضاء بها في قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ﴾ ، وهذا وجه النظم.
قوله: ﴿وَإِذَا قُلْنَا﴾ : أي: اذكر.
قوله: ﴿كَانَ مِنَ الجن﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه استئناف يفيد التعليل؛ جواباً لسؤال مقدَّر.
والثاني: أن الجملة حالية، و «قَدْ» معها مرادة، قاله أبو البقاء.
قوله: «فَفسَقَ» السببية في الفاء ظاهرة، تسبَّب عن كونه من الجنِّ الفسقُ، قال أبو البقاء: إنما أدخل الفاء هنا؛ لأنَّ المعنى: «إلاَّ إبليس امتنع ففسق» . قال شهاب الدين. إن عنى أنَّ قوله «كان من الجنِّ» وضع موضع قوله «امْتنعَ» فيحتمل مع بُعده، وإن عنى أنه حذف فعلٌ عطف عليه هذا، فليس بصحيحٍ؛ للاتغناء عنه.
قوله: «عَنْ أمْر» «عَنْ» على بابها من المجاوزة، وهذ متعلقة ب «فَسقَ» ، أي: خرج مجاوزاً أمر ربِّه، وقيل: هي بمعنى الباء، أي: بسبب أمره؛ فإنه فعَّالٌ لما يريدُ.
قوله: «وذُرِّيتهُ» يجوز في الواو أن تكون عاطفة، وهو الظاهر، وأن تكون بمعنى «مع» و «مِنْ دُونِي» يجوز تعلقه بالاتِّخاذ، وبمحذوف على أنَّه صفة لأولياء.
قوله: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ جملة حالية من مفعول الاتخاذ أو فاعله، لأن فيها مصححاً لكلٍّ من الوجهين، وهو الرابط.
قوله: «بِئْسَ» فاعلها مضمرٌ مفسَّر بتمييزه، والمخصوص بالذمِّ محذوف، تقديره: بِئْسَ البدل إبليس وذرِّيتهُ. وقوله «للظَّالمينَ» متعلق بمحذوفٍ حالاً من «بَدلاً» وقيل: متعلق بفعل الذمِّ.
فصل في الخلاف في أصل إبليس
اعلم أنه تعالى بيَّن في هذه الآية أنَّ إبليس كان من الجنِّ، وللنَّاس في الآية أقوالٌ:
الأول: قال ابن عبَّاس: كان من حيٍّ من الملائكةِ، يقال لهم الحنُّ، خلقوا من نار السَّموم، وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجنِّ، لقوله: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: 158] وقوله: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الجن﴾ [الأنعام: 100] وسمِّي الجن جنًّا؛ لاستتارهم، والملائكة داخلون في ذلك.
وأيضاً: فإنه كان خازن الجنة، فنسب إلى الجنَّة؛ كقولهم: كوفيٌّ، وبصريٌّ.
وعن سعيد بن جبير، قال: كان من الجنَّانين الذين يعملون في الجنان، وهم حيٌّ من الملائكة، يصوغون حلية أهل الجنة منذ خلقوا.
رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبيرٍ.
وقال الحسن: كان من الجنِّ، ولم يكن من الملائكةِ، فهو أصل الجنِّ، كما أنَّ آدم أصل الإنس.
وقيل: كان من الملائكة، فمسخ وغيَّر، وكما يدلُّ على أنه ليس من الملائكة قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي﴾ والملائكة ليس لهم نسلٌ، ولا ذرِّيَّة.
بقي أن يقال: لو لم يكن من الملائكة، لما تناوله الأمر بالسجود، فكيف يصحُّ استثناؤه منهم؟ .
تقدَّم الكلام على ذلك في البقرة.
ثم قال تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ .
قال الفراء: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ، أي: خرج من طاعته، تقول العرب: فسقتِ الرطبة عن قشرها، أي خرجت، وسميت الفأرة فويسقة؛ لخروجها من جحرها.
قال رؤبة: [الرجز]
3537 - يَهْويْنَ في نَجْدٍ وغَوْراً غَائِرَا ... فَواسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوائِرَا
وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه، أنه قال: لما أمر فعصَى، كان سبب فسقه هو ذلك الأمر، والمعنى: أنه لولا ذلك الأمر السابق، لما حصل ذلك الفسق، فلهذا حسن أن يقال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ كقوله: ﴿واسأل القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] .
ثم قال: «أفَتَتَّخِذُونَهُ» يعني: يا بني آدم ﴿وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ، أي: أعداء.
روى مجاهد عن الشعبيِّ قال: إنِّي قاعدٌ يوماً؛ إذ أقبل رجل فقال: أخبرني، هل لإبليس زوجة؟ قال: إنَّه لعرسٌ ما شَهدتُّه، ثُم ذكرتُ قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي﴾ فعلمت أنَّه لا يكون ذريَّة إلا من زوجة، فقلت، نعم.
وقال قتادة: يتوالدون، كما يتوالد بنو آدم.
وقيل: إنَّه يدخل ذنبه في دبره، فيبيض، فتنفلق البيضة عن جماعة من الشَّياطين.
ثم قال: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ .
قال قتادة: بئس ما استبدلوا طاعة إبليس، وذريته بعبادة ربِّهم.
قوله: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات﴾ : أي: إبليس وذريته، أو ما أشهدت الملائكة، فكيف يعبدونهم؟ أو ما أشهدت الكفار، فكيف ينسبون إليَّ ما لا يليق بجلالي؟ أو ما أشهدت جميع الخلقِ.
وقرأ أبو جعفر، [وشيبة] والسختياني في آخرين: «ما أشهدناهم» على التعظيم.
والمعنى: ما أحضرناهم ﴿خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ولا أشهدت بعضهم خلق بعض، يعني: ما اشهدتهم؛ لأعتضد بهم.
قوله: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ أي: ما كنت متَّخذهم، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ بياناً لإضلالهم؛ وذمًّا لهم وقوله: «عَضُدًا» أي: ما كنت متَّخذهم، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ بياناً لإضلالهم؛ وذمَّا لهم وقوله: «عَضُداً» أي: أعواناً.
قال ابن الخطيب: والأقرب عندي أنه الضمير الرَّاجع على الكفَّار الذين قالوا للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إن لم تطرد عن مجلسك هؤلاء الفقراء، لم نؤمن بك، فكأنه - تعالى - قال: إنَّ هؤلاء الذين أتوا بالاقتراح الفاسد، والتعنُّت الباطل، ما كانوا شركاء في تدبير العالم؛ لأنِّي ما أشهدتهم خلق السموات والأرض، ولا خلق أنفسهم، ولا أعتذد بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟ .
ويؤكِّد هذا أن الضمير يجب عوده على أقرب مذكور، وهو هنا ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ .
قوله: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ وضع الظاهر موضع المضمر؛ إذ المراد ب «المُضلِّينَ» من نفى عنهم إشهاد خلق السموات، وإنما نبَّه بذلك على وصفهم القبيح.
وقرأ العامة «كُنْتُ» بضمِّ التاء؛ إخباراً عنه تعالى وقرأ الحسن، والجحدري، وأبو جعفر بفتحها؛ خطاباً لنبيِّنا محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقرأ علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ﴿مُتَّخِذاً المضلين﴾ نوَّن اسم الفاعل، ونصب به، إذ المراد به الحال، أو الاستقبال.
وقرأ عيسى «عَضْداً» بفتح العين، وسكون الضاد، وهو تخفيف سائغ، كقول تميمٍ: سبْع ورجْل في: سبُعٍ ورجُلٍ وقرأ الحسن «عُضداً» بالضم والسكون؛ وذلك أنه نقل حركة الضاد إلى العين بعد سلب العين حركتها، وعنه أيضاً «عضداً» بفتحتين، و «عضداً» بضمتين، والضحاك «عضداً» بكسر العين، وفتح الضاد، وهذه لغات في هذا الحرف.
والعضدُ من الإنسان وغيره معروف، ويعبِّر به عن العون والنصير؛ يقال: فلان عضدي، ومنه ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35] أي: سنقوِّي نصرتك ومعونتك.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ : معمول ل «اذْكُرْ» أي: ويوم نقول، يجري كيت وكيت وقرأ حمزة «نقُول» بنون العظمة؛ مراعاة للتكلُّم في قوله: «مَا أشْهدتهُمْ» إلى آخره، والباقون بياء الغيبة؛ لتقدم اسمه الشريف العظيم الظاهر.
أي: يقول الله يوم القيامة: ﴿نَادُواْ شُرَكَآئِيَ﴾ يعني الأوثان.
وقيل: للجنِّ، ولم يذكر تعالى أنَّهم كيف دعوهم في هذه الآية الكريمة، بيَّن ذلك في آية أخرى، وهو أنَّهم قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: 21] .
﴿الذين زَعَمْتُمْ﴾ أنهم شركاء ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ فاستغاثوا بهم، ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ ، أي: لم يجيبوهم، ولم ينصروهم، ولم يدفعوا عنهم ضرراً، ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾ أي: مهلكاً. قاله عطاء والضحاك.
فصل في بيان الموبق
قال الزمخشري وغيره: والمَوْبِقُ: المهلك، يقال: وَبِقَ يَوبِقُ وَبَقاً، أي: هَلَكَ ووَبَقَ يَبِقُ وُبُوقاً أيضاً: هلك وأوبقه ذنبه، وعن الفراء: «جعَل اللهُ تواصُلهمْ هَلاكاً» فجعل البين بمعنى الوصل، وليس بظرفٍ؛ كقوله: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] على قراءة من قرأ بالرفع، فعلى الأول يكون «موبقاً» مفعولاً أول للجعل، والثاني الظرف المتقدِّم، ويجوز أن تكون متعدية لواحدٍ، فيتعلق الظرف بالجعلِ أو بمحذوفٍ على الحال من «مَوْبِقاً» .
وعلى قول الفراء ليكون «بينهم» مفعولاً أول و «مَوبقاً» مفعولاً ثانياً، والمَوْبِقُ هنا: يجوز أن يكون مصدراً، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون مكاناً.
قال ابن عباس: وهو وادٍ في النَّار.
وقال ابن الأعربيِّ: كل حاجزٍ بين الشيئين يكون المَوبِقَ.
وقال الحسن: «مَوْبقاً» أي: عداوة، هي في شدَّتها هلاك؛ كقولهم: لا يكن حُبك كلفاً.
وقيل: الموبقُ: البَرْزَخُ البعيد.
وجعلنا بين هؤلاء الكفَّار وبين الملائكة وعيسى برزخاً بعيداً، يهلك فيه النصارى؛ لفرط بعده؛ لأنَّهم في قاع جهنَّم، وهو في أعلى الجنا.
قوله: روَرَأَى المجرمون النار} الآية.
﴿وَرَأَى المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾ ، في هذا الظنِّ قولان:
الأول: أنه بمعنى العلم واليقين.
والثاني: قال ابن الخطيب: الأقرب إلى المعنى: أن هؤلاء الكفار يرون النَّاس من مكانٍ بعيدٍ، فيظنُّون أنهم مواقعوها في تلك السَّاعة، من غير تأخير من شدَّة ما يسمعون من تغيُّظها وزفيرها، كقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12] .
وقوله: ﴿مُّوَاقِعُوهَا﴾ أي: مخالطوها؛ فإنَّ مخالطة الشيء لغيره، إذا كان تامَّة قويَّة، يقال لها: مواقعة.
قوله: «مَصْرِفاً» المصرف المعدل، اي: لم يجدوا عنها معدلاً.
قال الهذليُّ: [الكامل]
3538 - أزُهَيْرُ هَلْ عَن شَيْبةٍ مِنْ مصْرفِ ... أمْ لا خُلودَ لبَاذلٍ مُتكلِّفِ
والمصرف يجوز أن يكون اسم مكانٍ، أو زمانٍ، وقال أبو البقاء: «مَصْرِفاً: أي انصرافاً، ويجوز أن يكون مكاناً» . قال شهاب الدين: وهذا سهوٌ، فإنه جعل المفعل بكسر العين مصدراً لما مضارعه يفعل بالكسر من الصحيح، وقد نصُّوا على أنَّ اسم مصدر هذا النوع مفتوح العين، واسم زمانه ومكانه مكسوراً، نحو: المَضْرَبُ والمَضْرِبُ.
وقرأ زيد بن عليٍّ «مَصْرَفاً» بفتح الراء جعله مصدراً؛ لأنه مكسور العين في المضارع، فهو كالمضرب بمعنى الضَّرب، وليت أبا البقاء ذكر هذه القراءة ووجَّهه بما ذكره قبل.
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ بينَّا ﴿فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ .
اعلم أن الكفَّار، لما افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم وأتباعهم، وأبطل الله أقوالهم الفاسدة، وذكر المثلين المتقدِّمين، ذكر بعده: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ وهو إشارة إلى ما سبق، والتصريف يقتضي التكرير، والأمر كذلك؛ لأنه تعالى أجاب عن شبهتهم التي ذكروها من وجوهٍ كثيرةٍ، والكفار مع تلك الجوابات الصَّافية، والأمثلة المطابقة لا يتركون المجادلة الباطلة؛ فقال: ﴿وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ .
قوله: ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ : يجوز أن تكون «مِنْ كلِّ» صفة لموصوف محذوف، وهو مفعول «صرَّفنا» ، أي: صرَّفنا مثلاً من كلِّ مثلٍ، ويجوز أن تكون «مِنْ» مزيدة على رأي الأخفش والكوفيين.
قوله: «جَدَلاً» منصوب على التمييز، وقوله: ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ أي: أكثر الأشياء التي يتأتَّى منها الجدالُ، إن فصَّلتها واحداً واحداً، يعني أنَّ الإنسان أكثر جدلاً من كلِّ شيء يجادلُ، فوضع «شيءٍ» موضع الأشياء، وهل يجوز أن يكون جدلاً منقولاً عن اسم كان؛ إذ الأصل: وكان جدلُ الإنسان أكثر شيء؟ فيه نظر، وكلام أبي البقاء يشعر بجوازه؛ فإنه قال: «فيه وجهان:
أحدهما: أنًَّ شيئاً ههنا في معنى فجادل، لأنَّ أفعل يضاف إلى ما هو بعضٌ له، وتمييزه ب» جدلاً «يقتضي أن يكون الأكثر مجادلاً، وهذا من وضع العام موضع الخاص.
والثاني: أن في الكلام محذوفاً، تقديره: وكان جدل الإنسان أكثر شيءٍ، ثم ميَّزه» . فقوله: «تقديره: وكان جدل الإنسان» يفيد أنَّ إسناد «كان» إلى الجدلِ جائز في الجملة، إلا أنه لا بدَّ من تتميم لذلك: وهو أن تتجوَّز، فتجعل للجدلِ جدلاً؛ كقولهم: «شِعرٌ شَاعرٌ» يعني أنَّ لجدل الإنسان جدلاً هو أكثر من جدلِ سائر الأشياءِ.
وهذه الآية دالَّة على أنَّ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - جادلوهم في الدِّين حتَّى صاروا مجادلين؛ لأنَّ المجادلة لا تحصل إلاَّ من الطرفين.