Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الكهف 18:79 – الكهف 18:88
المحتويات
الكهف 18:79
قوله: ﴿وَتِلْكَ القرى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ أي قرى الأوَّلين: قوم نوح وعاد وغيرهم، وتلك مبتدأ، والقرى خبره.
و «أهْلكْنَاهُمْ» حينئذ: إمَّا خبر ثانٍ، أو حال، ويجوز أن تكون «تِلْكَ» مبتدأ، و «القرى» صفتها لأنَّ أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجنس أو بيان لها، أو بدلٌ منها، و «أهْلَكنَاهَا» الخبر، ويجوز أن يكون «تِلْكَ» منصوب المحلِّ بفعلٍ مقدَّر على الاشتغال.
والإضمار في «أهْلَكنَاهُمْ» عائد على «أهْل» المضاف إلى القرى، إذ التقدير: وأهل تلك القرى، فراعى المحذوف، فأعاد عليه الضمير، وتقدَّم ذلك في أول الأعراف [الآية: 4] .
و «لمَّا ظلموا» يجوز أن يكون حرفاً، وأن يكون ظرفاً، وقد تقدَّم.
قوله: «وجعلنا لمهلكهم موعداً» قرأ عاصم «مَهْلَك» بفتح الميم، والباقون بضمها، وحفص بكسر اللام، والباقون بفتحها، فتحصَّل من ذلك ثلاث قراءاتٍ، لعاصم قراءتان؛ فتح الميم مع فتح اللام، وهي رواية أبي بكرٍ عنه، والثانية فتح الميم، مع كسر اللام، وهي رواية حفص عنه، والثالثة: ضم الميم، وفتح اللام، وهي قراءة الباقين.
وأمَّا قراءة أبي بكرٍ، ف «مَهْلَك» فيها مصدرٌ مضاف لفاعله، وجوَّز أبو عليٍّ أن يكون مضافاً لمفعوله، وقال: إنَّ «هَلَكَ» يتعدَّى دون همز، وأنشد: [الرجز]
2542 - ومَهْمَهٍ هَالكِ مَنْ تعرَّجا ... ف «مَنْ» معمول ل «هالكٍ» وقد منع النَّاسُ ذلك، وقالوا: لا دليلَ في البيت؛ لجواز أن يكون ذلك من باب الصفةِ المشبهة، والأصل: هالك من تعرَّجا.
ف «مَنْ تعرَّج» فاعل الهالك، ثم أضمر في «هَالِك» ضمير «مهمه» ونصب «من تعرَّج» نصب «الوجه» في قولك: «مررتُ برجلٍ حسنٍ الوجهَ» ثم أضاف الصفة، وهي «هَالِك» إلى معمولها، فالإضافة من نصبٍ، والنصب من رفعٍ، فهو كقولك: «زيدٌ منطلقُ اللسان، ومنبسطُ الكفِّ» ولولا تقدير النصبِ، لامتنعتِ الإضافة؛ إذ اسم الفاعل لا يضاف إلى مرفوعه، وقد يقال: لا حاجة إلى تقدير النصب؛ إذ هذا جارٍ مجرى الصفة المشبهة، والصفة المشبهة تضاف إلى مرفوعها، إلا أنَّ هذا مبنيٌّ على خلافٍ آخر، وهو: هل يفع الموصول في باب الصفة أم لا؟ والصحيح جوازه، قال الشاعر: [البسيط]
3543 - فَعُجْتُهَا قِبلَ الأخْيار مَنْزلةً ... والطَّيبِي كُلِّ ما التَاثَتْ به الأزُرُ
وقال الهذليُّ: [الطويل]
3544 - أسِيلاتُ أبْدانٍ دِقَاقٌ خُصورُهَا ... وثِيرَاتُ ما التفَّت عليها المَلاحِفُ
وقال أبو حيَّان في قراءة أبي بكرٍ هذه: «إنَّه زمانٌ» ولم يذكر غيره، وجوَّز غيره فيه الزمان والمصدر، وهو عجيبٌ؛ فإنَّ الفعل متى كسرت عينُ مضارعه، فتحت في المفعل مراداً به المصدر، وكسرت فيه مراداً به الزمان والمكان، وكأنَّه اشتبهت عليه بقراءة حفص؛ فإنَّه بكسر اللام، كما تقدَّم، فالمفعل منه للزَّمان والمكان.
وجوَّز أبو البقاء في قراءته أن يكون المفعل فيها مصدراً، قال: «وشذَّ فيه الكسر كالمرجع» وإذا قلنا: إنَّه مصدر، فهل هو مضافٌ لفاعله، أو مفعوله؟ يجيء ما تقدَّم في قراءة رفيقه، وتخريجُ ابي عليٍّ، واستشهاده بالبيت، والردُّ عليه، كل ذلك عائد هنا.
وأمَّا قراءة الباقين، فواضحةٌ، و «مُهْلكٌ» فيها يجوز أن يكون مصدراً مضافاً لمفعوله أي لإهلاكهم، وأن يكون زماناً، ويبعد أن يراد به المفعول، أي: وجعلنا للشخصِ، أو للفريقِ المهلكِ منهم.
والمَوْعِدُ: مصدر، أو زمان.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِفَتَاهُ﴾ الآية: «إذْ» منصوب ب «اذْكُرْ» أو وقت قال لفتاه: جرى ما قصصنا عليك من خبره.
قال عامة أهل العلم: إنَّه موسى بن عمران. وقال بعضهم: إنَّه موسى بن ميشا من أولاد يوسف، والأول أصحُّ، لما روى عمرو بن دينارٍ، قال: أخبرني سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبَّاسٍ: إنَّ نوفاً لابكاليَّ يزعم أنَّ موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عبَّاس: كذب عدوُّ الله، حدَّثنا أبيّ بن كعبٍ أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إنَّ موسى قَامَ خطيباً في بني إسرائيل، فسُئِلَ: أيُّ النَّاس أعلمُ؟ فقال: أنَا، فَعَتبَ الله عليه؛ إذْ لم يردَّ العِلْمَ إليه، فأوحَى إليه: إنَّ لِي عَبْداً بمَجْمَع البَحْرينِ، هو أعلم منك، فقال موسى: يا ربِّ، فكيف لي به؟ قال: تأخذُ معك حوتاً، فتجعلهُ في مكتلٍ، فحيثما فقدتَّ الحوت، فهو ثمَّ؛ فأخذ حوتاً، فجعلهُ في مكتلٍ، ثمَّ انطلق، وانطلق معه فتاهُ يُوشعُ بن نونٍ، حتَّى أتيا الصَّخرةَ، ووضعَا رُءُوسَهُمَا، فنَامَا، واضطرب الحُوتُ في المكْتَلِ، فخرج منهُ، فسَقطَ في البَحْرِ، فاتَّخذَ سَبيلهُ في البَحْرِ سَرَباً، وأمْسَكَ الله عن الحُوت جَرية الماءِ، فصَارَ عَليْهِ كالطَّاقِ، فلمَّا اسْتيقظَ، نَسِيَ صَاحبهُ أنْ يُخْبِرَهُ بالحُوتِ، فانْطلقَا بقيَّة يَوْمهِمَا وليْلتِهمَا، حتَّى إذا كان من الغَداةِ، قَالَ مُوسَى لفتاهُ: آتِنَا غَداءَنَا، لقَدْ لقينا من سَفرنَا هذا نصباً، قال: ولمْ يَجِدْ مُوسى النَّصب، حتَّى جَاوزَ المكان الذي أمرهُ الله تعالى، فقال له فتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنَا إلى الصَّخرةِ، فإنِّي نَسيتُ الحُوتَ ومَا أنْسانيه إلاَّ الشَّيطانُ أنْ أذكرهُ، واتَّخذَ سبيلهُ في البحر عجباً، قال: وكَانَ للحُوتِ سرباً ولمُوسَى وفتاهُ عجباً، قال موسى: ذلكَ ما كُنَّا نبغي فَارتدّا على آثارهما قصصاً، رجعا يقُصَّانِ آثارهما، حتى [انتهيا] إلى الصَّخرة، فإذا رجلٌ مُسَجَّى ثوباً، فسلَّم عليه مُوسى، فقال الخَضِرُ: وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ؟ فقال: أنَا مُوسَى، قال: مُوسى بني إسرائيل؟ قال: نَعمْ، أتَيْتُك، لتُعَلِّمَنِي ممَّا علِّمتَ رُشداً [وذكر باقي] القصة» .
واعلم أنَّه كان ليوسف - عليه السلام - ولدان: أفرائيم وميشا، فولد أفرائيم نون وولد نون يوشع بن نون، وهو فتى موسى، ووليُّ عهده بعد وفاته، وأما ولد ميشا، فقيل: إنه جاءته النُّبوَّة قبل موسى بن عمران، وأهل التَّوراة يزعمون أنَّهُ هو الذي طلب هذا العالم ليتعلَّم منه، وهو العالمُ الذي خرق السَّفينة، وقتل الغلام، وبنى الجدار، وموسى بن ميشا معه، هذا قول جمهور اليهود.
واحتجَّ القفال على صحَّة قول الجمهور بأنه موسى صاحب التَّوراة، قال: إنَّ الله تعالى ما ذكر موسى في كتابه إلاَّ وأراد به موسى صاحب التوراة، فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه، ولو كان المرادِ شحصاً آخر يسمَّىموسى غيره، لعرّفه بصفةٍ تميِّزه وتزيل الشبهة كما أنَّه لما كان المشهور في العرف أنَّ ابا حنيفة هو الرجل المفتي، فلو ذكرنا هذا الاسم، وأردنا به غيره، لقيَّدناهُ، كما نقول: أبو حنيفة الدِّينوريُّ.
فصل في حجة القائلين بأنه موسى بن ميشا
واحتج القائلون بأنَّ موسى بن ميشا بأنَّ الله تعالى بعد أن أنزل عليه التوراة، وكلَّمه بلا واسطة، وخصَّه بالمعجزات الباهرة العظيمة التي لم يتَّفق مثلها لأكثر أكابر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يبعد أن يبعثه بعد ذلك إلى التَّعليمِ والاستفادة.
[فالجواب] عنه: بأنَّه ليس ببعيدٍ أن يكون العالم العامل الكامل في أكثر العلوم يجهل بعض الأشياء؛ فيحتاج إلى تعلُّمها إلى من هو دونه، وهو أمرٌ متعارفٌ.
فصل في اختلافهم في فتى موسى
واختلفوا في فتى موسى، فالصحيح أنه يوشعُ بن نونٍ؛ كما روي في الحديث المتقدِّم، وقيل: كان أخا يوشع.
وروى عمرو بن عبيدٍ عن الحسن أنَّه عبدٌ لموسى.
قال القفَّال والكعبي: يحتمل ذلك.
قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لا يقُولنَّ أحَدُكمْ: عَبْدِي وأمَتِي، وليقُلْ: فَتَايَ وفَتَاتِي» .
وهذا يدلُّ على أنهم كانوا يسمُّون العبد فتًى، والأمة فتاةً.
قوله: «لا أبْرَحُ» يجوز فيها وجهان:
أحدهما: أن تكون ناقصة، فتحتاج إلى خبر.
والثاني: أن تكون تامة، فلا تحتاج إليه، فإن كانت الناقصة، ففيها تخريجان:
أحدهما: أن يكون الخبر محذوفاً؛ للدلالة عليه تقديره: لا أبرح أسيرُ حتَّى ابلغ، إلاَّ أن حذف الخبر في هذا الباب نصَّ بعض النحويِّين على أنه لا يجوز ولو بدليلٍ، إلا في ضرورة؛ كقوله: [الكامل]
3545 - لَهفِي عَليْكَ للَهْفةٍ مِنْ خَائفٍ ... يَبْغِي جِوارَكَ حِينَ ليْسَ مُجِيرُ
أي: حين ليس في الدنيا مجيرٌ.
والثاني: أنَّ في الكلام حذف مضافٍ، تقديره: لا يبرحُ مسيري، حتَّى أبلغ، ثم حذف «مسير» وأقيمت الياء مقامه، فانقلبت مرفوعة مستترة بعد أن كانت مخفوضة المحلِّ بارزة، وبقي «حتَّى أبلغ» على حاله هو الخبر.
وقد خلط الزمخشري هذين الوجهين، فجعلهما وجهاً واحداً، ولكن في عبارة حسنة جدًّا، فقال: «فإن قلت:» لا أبْرَحُ «إن كان بمعنى» لا أزولُ «من برح المكان، فقد دلَّ على الإقامةِ، لا على السَّفر، وإن كان بمعنى» لا أزَالُ «فلا بدَّ من خبر، قلت: هي بمعنى» لا أزَالُ «وقد حذف الخبر؛ لأنَّ الحال والكلام معاً يدلان عليه؛ أمَّا الحال، فلأنها كانت حال سفرٍ، وأمَّا الكلام، فلأن قوله» حتَّى أبلغ «غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له، فلا بدَّ أن يكون المعنى: لا أبرحُ أسير حتَّى أبلغَ، ووجه آخرُ: وهو أن يكون المعنى: لا يبرحُ مسيري، حتَّى أبلغ على أنَّ» حتَّى أبلغَ «هو الخبر، فلمَّا حذف المضافُ، أقيم المضافُ إليه مقامهُ، وهو ضمير المتكلِّم، فانقلب الفعل من ضمير الغائب إلى لفظ المتكلِّم، وهو وجهٌ لطيفٌ» .
قال شهاب الدين: وهذا على حسنه فيه نظرٌ لا يخفى، وهو: خلوُّ الجملة الواقعة خبراً عن «مسيري» في الأصل من رابطٍ يربطها به؛ ألا ترى أنه ليس في قوله «حتَّى أبلغ» ضمير يعود على «مسيري» إنما يعود على المضاف إليه المستتر، ومثل ذلك لا يكتفى به.
ويمكن أن يجاب عنه: بأن العائد محذوفٌ، تقديره: حتى أبلغ به، أي: بمسيري.
وإن كانت التامة، كان المعنى: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزمُ المسير والطَّلبَ، ولا أفارقه، ولا أتركه؛ حتَّى أبلغ؛ كما تقول: لا أبرح المكان، فعلى هذا: يحتاجُ أيضاً إلى حذف مفعول به، كما تقدَّم تقريره فالحذف لا بدَّ منه على تقديري التَّمامِ والنقصان [في أحد وجهي النقصان] .
وقرأ العامة «مجمع» بفتح الميم، وهو مكان الاجتماع، وقيل: مصدر، وقرأ الضحاك وعبد الله بن مسلم بن يسارٍ بكسرها، وهو شاذٌّ؛ لفتح عين مضارعة.
قوله: «حُقُباً» منصوبٌ على الظرف، وهو بمعنى الدَّهر. وقيل: ثمانون سنة، وقيل: سنةٌ واحدةٌ بلغة قريش، وقيل: سبعون، وقرأ الحسن: «حُقْباً» بإسكان القاف، فيجوز أن يكون تخفيفاً، وأن يكون لغة مستقلة، ويجمع على «أحقابٍ» كعنقٍ وأعناقٍ، وفي معناه: الحقبةُ بالكسر، قال امرؤُ القيس:
3546 - فَإن تَنْأ عَنْهَا حِقْبةً لا تُلاقِهَا ... فإنَّكَ ممَّا أحْدَثَتْ بالمُجرِّبِ والحقبة بالضمِّ أيضاً، وتجمع الأولى على حقبٍ، بكسر الحاء كقربٍ، والثانية على حقبٍ، بضمِّها؛ كقربٍ.
فإن قيل قوله: «أوْ أمْضِيَ» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه منسوق على «أبْلُغَ» يعني بأحد أمرين: إمَّا ببلوغه المجمع، أو بمضيِّه حقباً.
والثاني: أنه تغييةٌ لقوله «لا أبْرَحُ» فيكون منصوباً بإضمار «أنْ» بعد «أو» بمعنى «إلى نحو» لألزَمنَّكَ أو تَقضِيَنِي حقِّي» .
فالجواب قال أبو حيان: «فالمعنى: لا أبرحُ حتى أبلغ مجمع البحرين، إلى أن أمضي زماناً، أتيقَّنُ معه فوات مجمع البحرين» قال شهاب الدين: فيكون الفعل المنفيُّ قد غيِّي بغايتين مكاناً وزماناً؛ فلا بدَّ من حصولهما معاً، نحو: «لأسيرنَّ إلى بيتك إلى الظَّهر» فلا بدَّ من حصولِ الغايتين؛ والمعنى الذي ذكره الشيخ يقتضي أنه يمضي زماناً يتيقَّن فيه فوات مجمع البحرين.
وجعل أبو البقاء «أو» هنا بمعنى «إلاَّ» في أحد الوجهين:
قال: «والثاني: أنها بمعنى: إلاَّ أن أمضي زماناً؛ أتيقَّن معه فوات مجمع البحرين» وهذا الذي ذكره أبو البقاء معنى صحيحٌ، فأخذ الشيخ هذا المعنى، ركَّبهُ مع القول بأنَّها بمعنى «إلى» المقتضيةِ للغاية، فمن ثمَّ جاء الإشكالُ.
فصل في المراد بمجمع البحرين
قوله: «مجمعُ البَحريْنِ» ؛ الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر - عليه السلام -: هو ملتقى بحرين فارس والرُّوم ممَّا يلي المشرق، قاله قتادة، [وقال محمد بن كعب: طنجة] وقال أبي بن كعبٍ: إفريقيَّة.
وقيل: البحران موسى والخضر؛ لأنَّهما كانا بحري علمٍ. وليس في اللفظ ما يدل على تعيين هذين البحرين؛ فإن صحَّ بالخبر الصحيح شيء فذاك، وإلاَّ فالأولى السُّكوت عنه.
ثم قال: «أوْ أمضيَ حُقباً» : أو أسير زماناً طويلاً.
واعلم أنَّ الله تعالى كان أعلم موسى حال هذا العالم، وما أعلمه بموضعه بعينه، فقال موسى: لا أزالُ أمشي؛ حتَّى يجتمع البحرانِ، فيصيرا بحراً واحداً، أو أمضي دهراً طويلاً؛ حتى أجد هذا العالم، وهذا إخبارٌ من موسى أنَّه وطن نفسه على تحمُّل التَّعب الشَّديد، والعناء العظيم في السَّفر؛ لأجل طلب العلم، وذلك تنبيهٌ على أنَّ المتعلِّم، لو سار من المشرق إلى المغرب؛ لأجل مسألة واحدة، حقَّ له ذلك.
ثم قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ .
أي: انطلقا إلى أن بلغا مجمع بينهما، والضمير في قوله: «بينهما» إلى ماذا يعود؟ .
فقيل: لمجمع البحرين.
وقيل: بلغا الموضع الذي وقع فيه نسيانُ الحوت، وهذا الموضع الذي كان يسكنه الخضر - عليه السلام - أي: يسكن بقربه، ولأجل هذا المعنى، لمَّا رجع موسى وفتاه بعد أن ذكر الحوت، صار إليه، وهو معنى حسنٌ، والمفسِّرون على القول الأوَّل.
قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ : الظاهر نسبةُ النِّسيانِ إلى موسى وفتاه، يعني نسيا تفقُّد أمره، فإنه كان علامة لهما على ما يطلبانه، وقيل: نسيَ موسى أن يأمرهُ بالإتيان به، ونسي يوشعُ أن يفكِّره بأمره، وقيل: النَّاسِي يوشع فقط، وهو على حذف مضاف، أي: نسي أحدهما؛ كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22] .
قوله: «في البَحْرِ سرباً» مفعول ثانٍ ل «اتَّخذَ» و «فِي البَحْرِ» يجوز أن يتعلق ب «اتَّخذ» وأن يتعلق بمحذوفٍ على أنه محالٌ من المفعول الأول أو الثاني.
والهاء في «سبيلهُ» تعود على الحوت، وكذا المرفوع في «اتَّخذَ» .
قوله: ﴿جَاوَزَا﴾ : مفعوله محذوف، أي: جاوزا الموعد، وقيل: جاوزا مجمع البحرين.
قوله: «هَذَا» إشارة إلى السَّفر الذي وقع بعد تجاوزهما الموعد، أو مجمع البحرين، و «نَصباً» هو المفعول ب «لَلِينَا» والعامة على فتح النون والصاد، وعبد الله بن عبيد بن عمير بضمِّهما، وهما لغتان من لغاتٍ أربعٍ في هذه اللفظة، كذا قال أبو الفضل الرازيُّ في «لَوامحِهِ» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ : تقدم الكلام عليها مشبعاً في الأنعام، وقال أبو الحسن الأخفش هنا فيها كلاماً حسناً، وهو: أنَّ العرب أخرجتها عن معناها بالكليَّة، فقالوا: أرَأيْتكَ، وأرَيْتكَ بحذف الهمزة، إذا كانت بمعنى: أخْبِرْنِي «وإذا كانت بمعنى» أبْصَرْتَ «لم تحذف همزتها، وشذَّت أيضاً، فألزمها الخطاب على هذا المعنى، ولا يقال فيها أيضاً:» أرَانِي زيداً عمراً ما صَنعَ «ويقال على معنى» اعْلَمْ «وشذَّت أيضاً، فأخرجتها عن موضعها بالكليَّة؛ بدليل دخول الفاء؛ ألا ترى قوله: ﴿أرَأيْتَ إذ أوينا إلى الصَّخرةِ فإني﴾ فمَا دخلت الفاء إلاَّ وقد أخرجت إلى معنى:» أمَّا» أو «تنبَّه» ، والمعنى: أمَّا إذ أوينا إلى الصَّخرة، فإنِّي نسيتُ الحوت، وقد أخرجتها أيضاً إلى معنى» أخبرني «كما قدَّمنا، وإذا كانت بمعنى» أخبرني «فلا بدَّ بعدها من الاسم المستخبر عنه، وتلزم [الجملة] التي بعدها الاستفهام، وقد تخرج لمعنى» أمَّا «ويكون أبداً بعدها الشرط، وظروف الزمان، فقوله» فإنِّي نسيتُ « معناه: أمَّا إذ أوينا فإنِّ] ، أو تنبَّه إذْ أويْنَا، وليست الفاءُ إلاَّ جواباً ل» أرَأيْتَ «لأنَّ» إذْ «لا يجوز أن يجازى بها إلاَّ مقرونة ب» ما «بلا خلافٍ» .
قال الزمخشري: «أرأيت» بمعنى «أخْبرنِي» فإن قلت: ما وجه التئامِ هذا الكلام، فإنَّ كلَّ واحد من «أرَأيْتَ» ومن «إذْ أويْنَا» ومن ﴿فإنِّي نسيتُ الحوت﴾ لا متعلق له.
قلت: لمَّا طلب موسى الحوت، ذكر يوشع ما رأى منه، وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، ودهش، فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك، كأنه قال: أرأيت ما دهاني، إذ أوينا إلى الصخرة، فإنّي نسيتُ الحوت، فحذف ذلك.
قال أبو حيَّان: وهذان مفقودان في تقدير الزمخشريِّ: «أرَأيْتَ بمعنى أخبرني» يعني بهذين ما تقدَّم في كلام الأخفش من أنَّه لا بدَّ بعدها من الاسم المستخبر عنه، ولزومِ الاستفهام الجملة التي بعدها.
قال النوويُّ في «التهذيب» يقال: أوى زيدٌ بالقصر: إذا كان فعلاً لازماً، وآوى غيره بالمدِّ: إذا كان متعدِّياً، فمن الأول هذه الآية قوله:
﴿إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف﴾ [الكهف: 10] .
ومن المتعدِّي قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: 50] .
وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ [الضحى: 6] .
هذا هو الفصيح المشهور، ويقال في كلِّ واحدٍ بالمدِّ والقصر، لكن بالقصر في اللازمِ أفصح، والمدُّ في المتعدِّي أفصحُ وأكثر.
قوله: «ومَا أنْسَانيهُ» قرأ حفص بضم الهاء، وكذا في قوله: «عَلَيْهُ الله» في سورة الفتح [آية: 10] ، قيل: لأنَّ الياء هنا أصلها الفتح، والهاء بعد الفتحة مضمومة، فنظر هنا إلى الأصل، وأمَّا في سورة الفتح؛ فلأنَّ الياء عارضة؛ إذ أصلها الألف، والهاء بعد الألف مضمومة، فنظر إلى الأصل أيضاً.
والباقون بالكسر نظراً إلى اللفظ، فإنَّها بعد ياءٍ ساكنة، وقد جمع حفص في قراءته بين اللغات في هاء الكناية: فإنه ضمَّ الهاء في «أنسانيه» في غير صلة، ووصلها بياءٍ في قوله: ﴿فِيهِ مُهَاناً﴾ [الفرقان: 69] على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، وقرأ كأكثر القراء فيما سوى ذلك.
وقرأ الكسائي «أنسانيه» بالإمالة.
قوله: «أنْ أذكرهُ» في محلِّ نصبٍ على البدل من هاء «أنسانيه» بدل اشتمال، أي: أنساني ذكرهُ.
وقرأ عبد الله: «أن أذكركه» ، وقرأ أبو حيوة: «واتِّخاذَ سبيلهِ» عطف هذا المصدر على مفعول «أذكرهُ» .
قوله: «عَجَباً» فيه أوجهٌ:
أحدها: أنه مفعول ثانٍ ل «اتَّخذَ» و «في البحْرِ» يجوز أن يتعلق بالاتخاذِ، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من المفعول الأول أو الثاني.
وفي فاعل «اتَّخذ» وجهان:
أحدهما: هو الحوتُ، كما تقدَّم في «اتَّخذ» الأولى.
والثاني: هو موسى.
الوجه الثاني من وجهي «عَجَباً» أنه مفعول به، والعامل فيه محذوف، فقال الزمخشريُّ: «أو قال: عجباً في آخر كلامه تعجباً من حاله، وقوله: ﴿وما أنسانيه إلاَّ الشيطان﴾ اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه» . فظاهر هذا أنَّه مفعول ب «قال» ، أي: قال هذا اللفظ، والسبب في وقوع هذا الاعتراض ما يجري مجرى القدر والعلة لوقوع ذلك النسيان.
الثالث: أنه مصدر، والعامل فيه مقدَّر، تقديره: فتعجَّب من ذلك عجباً.
الرابع: أنه نعت لمصدر محذوف، ناصبه «اتَّخذَ» أي: اتخذ سبيله في البحر اتِّخاذاً عجباً، وعلى هذه الأقوال الثلاثة: يكون «في البَحْرِ» مفعولا ثانياً ل «اتَّخذَ» إن عدَّيناها لمفعولين.
فصل
دلَّت الرواياتُ على أنَّه تعالى بيَّن لموسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّ هذا العالم موضعه مجمع البحرين، إلا أنَّه ما عيَّن موضعاً، إلا أنَّه جعل انقلاب الحوت حيًّا علامة على مسكنه المعيَّن، كمن يطلب إنساناً، فيقال له: إنَّ موضعه محل! َة كذا من كذا، فإذا انتهيت إلى المحلَّة، فسل فلاناً عن داره، فأينما ذهب بك، فاتبعه؛ فإنَّك تصل إليه، فكذا هنا قيل له: إنَّ موضعه مجمع البحرين، فإذا وصلت إليه، ورأيت انقلاب الحوت حيًّا وطفر إلى البحر، فيحتمل أنَّه قيل له: فهناك موضعه، ويحتمل أنَّه قيل له: فاذهب على موافقة ذلك الحوت؛ غفإنَّك تجدهُ.
وإذا عرفت هذا فنقول: إن موسى وفتاه، لمَّا بلغا مجمع بينهما، طفرت السَّمكةُ إلى البحر، وسارت، وفي كيفيَّة طفرها روايات.
فقيل: إن الفتى غسل السَّمكة، لأنها كانت مملحة، فطفرت وسارت.
وقيل: إنَّ يوشع توضَّأ في ذلك المكان من عينٍ تسمَّى «مَاءَ الحياةِ» لا يصيبُ ذلك الماءُ شيئاً إلاَّ حيي، فانتضح الماء على الحوت المالح، فعاش ووثب في الماء.
وقيل: انفجر هناك عينٌ من الجنَّة، ووصلت قطراتٌ من تلك العين إلى السَّمكة، وهي في المكتل، فاضطربت، وعاشت، فوثبت في البحر.
ثم قال تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ أي: نسيا كيفيَّة الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، فإن قيل: انقلاب السَّمكة المالحة حيَّة [حالة] عجيبة [فلما] جعل الله تعالى حصول هذه الحالة العجيبة دليلاً على الوصول إلى المطلوب، فكيف يعقل حصول النِّسيان في هذا المعنى؟ .
فالجواب أنَّ يوشع كان قد شاهد المعجزات الباهرات من موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كثيراً، فلم يبق لهذه المعجزات عنده وقعٌ عظيم، فجاز حصول النِّسيان.
وهذا الجواب فيه نظرٌ.
قال ابن زيدٍ: أي شيءٍ أعجبُ من حوتٍ يؤكل منه دهراً، ثم صار حيًّا بعدما أكلَ بعضه.
فصل في ذكر جوابٍ آخر لابن الخطيب
قال ابن الخطيب: وعندي فيه جوابٌ آخر، وهو أنَّ موسى - عليه السلام - لما استعظم علم نفسه، أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الضروريَّ؛ تنبيهاً لموسى عليه السلام - على أنَّ العلم لا يحصل ألبتَّة إلا بتعليم الله تعالى، وحفظه على القلب.
وقال البغويُّ: «نَسيَا» تركا «حُوتَهُمَا» ، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه، وأضاف النِّسيان إليهما؛ لأنهما جميعاً لمَّا تزوَّداه لسفرهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا من الزَّاد كذا [وإنما حملهُ واحد منهم. ثم قال: «واتخذ سبيله في البحر سرباً» قيل: تقديره سرب في البحر سرباً» ] إلاَّ أنه أقيم قوله: «فاتّخذ» مقام قوله: «سرباً» ، والسَّرب هو الذهاب ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَارِبٌ بالنهار﴾ [الرعد: 10] .
وقيل: إن الله تعالى أمسك الماء عن الجري، وجعله كالطاق والكوَّة؛ حتَّى سرب الحوت فيه، وذلك معجزةٌ لموسى أو الخضر - عليهما السلام -.
روي عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «انجاب الماءُ عن مسلكِ الحوت، فصار كوَّة، لم يلتئمْ، فدخل موسى الكوَّة على إثر الحوت، فإذا هو بالخضر» .
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أي: موسى وفتاه الموعد المعين، وهو الوصول إلى الصخرة بسبب النِّسيان المذكور، وذهبا كثيراً، وتعبا، وجاعا.
﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا﴾ والغداءُ: ما يعدُّ للأكل غدوة، والعشاء: ما يعدُّ للأكل عشية ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً﴾ أي: تعباً وشدَّة، وذلك أنَّه ألقى على موسى الجوع بعد مجاوزة الصَّخرة؛ ليتذكَّر الحوت، ويرجع إلى مطلبه، فقال له فتاه وتذكَّر: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة﴾ الهمزة في «أرَأيْتَ» همزة الاستفهام، و «رَأيْتَ» على معناه الأصليِّ، وجاء الكلام هذا على المتعارفِ بين النَّاس؛ فإنه إذَا حدث لأحدهم أمرٌ عجيبٌ، قال لصاحبه: أرأيت ما حدث لي، كذلك هنا، كأنه قال: أرأيت ما وقع لي، إذا أوينا إلى الصَّخرة، فحذف مفعول «أرَأيْتَ» لأنَّه - أي لأنَّ قوله: «فإنِّي نسيتُ الحوت» - يدل عليه، أي: فقدته.
﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي أذكر لك أمر الحوت.
﴿واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر عَجَباً﴾ ووجه كونه عجباً انقلابه من المكتل، وصيرورته حيًّا، وإلقاء نفسه في البحر على غفلةٍ منهما، ويكون المراد منه ما ذكرنا أنه تعالى جعل الماء عليه كالطَّاق والسَّرب، وقيل: تمّ الكلام عند قوله: ﴿واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر﴾ ، ثم قال: «عَجَباً» أي أنَّه يعجب من رؤية تلك العجيبة، ومن نسيانه لها.
وقيل: إنَّ قوله «عَجَباً» حكايةٌ لتعجُّب موسى.
ثم قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي: نطلبه؛ لأنَّه أمارة الظَّفر بالمطلوب، وهو لقاء الخضر.
قوله: ﴿نَبْغِى﴾ : حذف نافع وأبو عمرو والكسائي ياء «نَبْغِي» وقفاً، وأثبتوها وصلاً، وابن كثير أثبتها في الحالين، والباقون حذفوها في الحالين؛ اتِّباعاً للرسم، وكان من حقِّها الثبوتُ، وإنما حذفت تشبيهاً بالفواصل، أو لأنَّ الحذف يؤنس بالحذف، فإن «ما» موصولة حذف عائدها، وهذه بخلاف التي في يوسف [الآية: 65] ، فإنها ثابتة عند الجميع، كما تقدَّم.
قوله: «قصصاً» فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه مصدر في موضع الحال، أي: قاصِّين.
الثاني: أنه مصدر منصوب بفعل من لفظه مقدر، أي: يقصَّان قصصاً.
الثالث: أنه منصوبٌ ب «ارْتدَّا» لأنه في معنى «فقَصَّا» .
قوله: ﴿ {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ﴾ الآية.
قيل: كان ملكاً من الملائكة، والصحيح ما ثبت في التَّواريخ، وصحَّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه الخضر، واسمه بليا بن ملكان.
وقيل: كان من نسل بني إسرائيل.
وقيل: كان من أبناء الملوك الذين زهدُوا في الدنيا، والخضر لقبٌ له، سمِّي بذلك؛ لما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «إنَّما سمِّي خضراً؛ لأنَّه جلس على فَرْوةٍ بيْضاءَ، فإذا هِيَ تهتزُّ تَحْتَهُ خَضِراً» .
وقال مجاهد: إنما سمِّي خضراً؛ لأنَّه كان إذا صلَّى، اخضرَّ ما حوله.
روي في الحديث أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا رأى الخضر - عليه السلام - سلَّم عليه، فقال الخضر: وأنَّى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك؛ لتعلِّمنِي ممَّا علِّمت رشداً.
فصل في بيان أن الخضر كان نبياً
قال أكثر المفسرين: إنَّه كان نبيًّا، واحتجوا بوجوهٍ:
الأول: قوله: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ والرحمة: هي النبوة؛ لقوله تعال ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32] .
وقوله: ﴿وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [القصص: 86] .
والمراد من هذه الرحمة النبوة، ولقائلٍ أن يقول: سلَّمنا أن النبوَّة رحمة، ولكن لا يلزمُ بكلِّ رحمةٍ نبوةٌ.
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾ وهذا يدل على أنه علمه لا بواسطة، ومن علَّمه الله شيئاً، لا بواسطة البشر، يجب أن يكون نبيًّا، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند الله، وذلك لا يدلُّ على النبوَّة.
الثالث: قول موسى - عليه السلام -: «هل أتَّبِعُك على أن تعلِّمنِي ممَّا علِّمتَ رُشداً» والنبي لا يتَّبع غير النبي في التعلُّم.
وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ لأنَّ النبي لا يتبع غير النبي في العلوم التي باعتبارها صار نبيًّا، [أما في غير تلك العلوم فلا] .
الرابع: أنَّ ذلك العبد أظهر الترفُّع على موسى، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ فأما موسى، فإنه أظهر التواضع له؛ حيث قال: ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ وذلك يدلُّ على أنَّ ذلك العالم كان فوق موسى، ومن لا يكون نبيًّا، لا يكون فوق النبيِّ، وذلك أيضاً ضعيفٌ؛ لأنه يجوز أن يكون غير النبيِّ فوق النبي في علومٍ لا تتوقَّف نبوته عليها.
فإن قيل: إنه يوجبُ تنفيراً.
فالجواب: وتكليمه بغير واسطة يوجب التَّنفير.
فإن قالوا: هذا لا يوجبُ التنفير، فكذلك فيما ذكروه.
الخامس: احتجَّ الأصم بقوله: «وما فعلتهُ عن أمْرِي» أي: فعلته بوحي الله تعالى، وذلك يدلُّ على النبوة، وهذا ضعيف أيضاً.
روي أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا وصل غليه، فقال: السلام عليك، فقال: وعليك السلام، يا نبيَّ بني إسرائيل، فقال موسى: من عرَّفك هذا؟ قال: الذي بعثك إليَّ؛ وهذا يدلُّ على أنَّه إنما عرف ذلك بالوحي، والوحي لا يكون إلا إلى النبيِّ.
ولقائلٍ أن يوقل: لم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات؟ .
قال البغوي: ولم يكن الخضرُ نبيًّا عند أكثر أهل العلم.
قوله: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾ أي: علم الباطن إلهاماً.
و «عِلْماً» : مفعول ثان ل «عَلَّمْناهُ» قال أبو البقاء: «ولو كان مصدراً، لكان تعليماً» يعني: لأنَّ فعله على «فعَّل» بالتشديد، وقياس مصدره «التَّفعيلُ» .
و «مِنْ لدُنَّا» يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من «عِلْماً» .
قوله: (على أن تعلمني) : في موضع الحال من الكاف في «أتَّبِعُكَ» أي: أتَّبِعك [باذلاً لي علمكَ» .
قوله: «رُشْداً» مفعول ثان ل» تُعلِّمَنِي «لا لقوله:» ممَّا عُلِّمتَ» قال أبو البقاء: «لأنَّه لا عائد إذن على الذي» يعني أنه إذا تعدَّى لمفعول ثان غير ضمير الموصول، لم يجز أن يتعدَّى لضمير الموصول؛ لئلا يتعدَّى إلى ثلاثة، ولكن لا بدَّ من عائدٍ على الموصول.
وقد تقدَّم خلاف القراء في «رُشداً» في سورة الأعراف [الآية: 146] ، وهل هما بمعنى واحد أم لا؟ .
وقوله: رشداً» أي: علماً ذا رشدٍ.
قال القفَّال: قوله «رُشْداً» يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون «الرُّشْدُ» راجعاً إلى الخضرِ، أي: ممَّا علمك الله، وأرشدك به.
والثاني: أن يرجع إلى موسى، أي: على أن تعلِّمني، وتُرشِدني ممَّا علِّمت.
فصل في أدب موسة - عليه السلام - في تعلُّمه من الخضرِ
دلَّت هذه الآية على أنَّ موسى - عليه السلام - راعى أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلَّم من الخضر.
منها: أنه جعل لنفسه تبعاً له في قوله: «هَلْ أتَّبعكَ» .
ومنها: أنَّه استأذن في إثباتِ هذه التبعيَّة؛ كأنَّه قال: تأذنُ لي على أن أجعل نفسي تبعاً لك، وهذه مبالغةٌ عظيمةٌ في التواضعِ.
ومنها: قوله «على أن تعلمني» وهذا إقرارٌ منه على نفسه بالجهل، وعلى أستاذه بالعلم.
ومنها: قوله: «ممَّا علِّمتَ» وصيغة «مِنْ» للتبعيض، فطلب منه تعليم بعض ما علِّم، وهذا أيضاً إقرارٌ بالتواضع، كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً لك في العلم، بل أطلب منك أن تعطيني جزءاً من الجزء، ممَّا علِّمت.
ومنها: أن قوله: «مِمَّا علِّمتَ» اعترافٌ بأنَّ الله تعالى علَّمهُ ذلك العلم.
ومنها: قوله «رُشْداً» طلب منه الإرشاد والهداية.
ومنها أنَّ قوله: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به، أي: يكون إنعامك عليَّ عند تعليمك إيَّاي شبيهاً بإنعام الله عليك في هذا التعليم.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ يدل على طلب متابعته مطلقاً في جميع الأمور غير مقيَّد بشيءٍ دون شيءٍ.
ومنها: أنه ثبت [في الأخبار] أنَّ الخضر عرف أولاً أنَّه موسى صاحب التَّوراةِ، وهو الرجل الذي كلَّمه الله من غير واسطة، وخصَّه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنَّه - عليه السلام - مع هذه المناصب الرفيعة والدَّرجاتِ العالية الشَّريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع؛ وذلك يدلُّ على كونه - عليه السلام - آتياً في طلب العلم أعظم أبواب المبالغةِ في التواضع، وهذا هو اللائقُ به؛ لأنَّ كلَّ من كانت إحاطتهُ بالعلوم التي علم ما فيها من البهجة والسعادة أكثر، كان طلبه له أشدَّ، وكان تعظيمه لأربابِ العلم أكمل وأشدَّ.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ﴾ فأثبت أوَّلاً كونه تبعاً، ثم طلب منه ثانياً أن يعلِّمه، وهذا منه ابتداءٌ بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية، طلب منه التَّعليم.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ لم يطلب على المتابعة إلاَّ التعليم، كأنه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه، ولا عوض لي إلاَّ طلب العلم.
فصل
روي أنه لمَّا قال موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ﴾ ، قال له الخضرُ: كفى بالتَّوراة علماً، وببني إسرائيل شغلاً، فقال له موسى: إنَّ الله أمرني بهذا، فحينئذ قال له: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه علم أنَّه يرى معه أموراً كثيرة منكرة، بحسب الظاهر، ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات، ثمَّ بيَّن عذره في ترك الصَّبر، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ ، أي: علماً.
واعلم أنَّ المتعلِّم على قسمين: متعلِّم ليس عنده شيءٌ من المعلوم، ولم يمارس الاستدلال، ولم يتعوَّد التقرير، والاعتراض، ومتعلِّم حصَّل العلوم الكثيرة، ومارس الاستدلال والاعتراض، ثم إنَّه يريد أن يخالط إنساناً أكمل منه؛ ليبلغ درجة الكمال، فالتعلم في حقِّ هذا القسم الثاني شاقٌّ شديدٌ؛ لأنه إذا رأى شيئاً، أو سمع كلاماً، فربَّما يكون ذلك منكراً بحسب الظاهر، إلاَّ أنه في الحقيقة صوابٌ حقٌّ، فهذا المتعلم لأجل أنه ألف الكلام والجدال، يغترُّ بظاهره، ولأجل عدم كماله، لا يقف على سرِّه وحقيقته، فيقدم على النِّزاع، والاعتراض، والمجادلة، وذلك مما يثقل سماعه على [الأستاذ] المتبحِّر، فإذا اتَّفق مثل هذه الواقعة مرتين أو ثلاثة، حصلت النُّفرة التامَّة والكراهة الشديدة العظيمة، وإلى هذا، أشر الخضر بقوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي أنَّه ألف الإثبات والإبطال، والاستدلال والاعتراض.
وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ إشارةٌ إلى كونه غير عالمٍ بالحقائقِ، وقد تقدم أنه متى حصل الأمران، [عسر] السُّكوت، وعسر التعلم، وانتهى الأمر بالآخرة إلى النُّفرة التامة، وحصول التقاطع.
قوله: «خُبْراً» : فيه وجهان:
الأول: أنه تمييزٌ لقوله «تُحِطْ» وهو منقول من الفاعلية؛ إذ الأصل: مما لم يحطْ به خبرك.
والثاني: أنه مصدر لمعنى لم تحط؛ إذ هو في قوَّة: لم يخبره خبراً، وقرأ الحسن «خُبُراً» بضمتين.
فصل في أن الاستطاعة تحصل قبل الفعل
قال ابن الخطيب: احتجَّ أصحابنا بقوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ على أن الاستطاعة تحصل قبل الفعل.
وقالوا: لو كانت الاستطاعة على الفعل حاصلة قبل [حصول الفعل] ، لكانت الاستطاعة على الصَّبْر حاصلة لموسى قبل حصول الصَّبر، فيلزم أن يكون قوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ كذباً، ولمَّا بطل ذلك، علمنا أنَّ الاستطاعة لا توجد قبل الفعل.
أجاب الجبائيُّ بأنَّ المراد من هذا القول: أنَّه يثقل عليه الصَّبر؛ لا أنه لا يستطيعه، يقال في العرف: «إنَّ فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً، ولا أن يجالسه» إذا كان يثقل عليه ذلك.
ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع﴾ [هود: 20] أي كان يشقُّ عليهم الاستماع.
وأجيب بأنَّ هذا عدولٌ عن الظاهر من غير دليل، وأنه لا يجوز، ومما يؤكد استدلال الأصحاب قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ استبعد حصول الصبر على ما لا يقف الإنسان على حقيقته، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على الفعل حاصلة قبل حصول ذلك العلم، ولو كان كذلك لما كان حصول الصبر عند عدم ذلك العلم مستبعداً؛ لأن القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك الفعل ولما حكم الله تعالى باستبعاده، علمنا أن الاستطاعة، تحصل قبل الفعل.
قوله: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ . قال ابن الخطيب: احتج الطاعنون في عصمةِ الأنبياء بهذه الآية؛ فقالوا إن الخضر قال لموسى: إنَّك لنْ تستطيعَ معي صبراً، وقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً، وكلُّ واحدٍ من هذين القولين مكذبٌ للآخر، فيلزمُ إلحاقُ الكذب بأحدهما، وعلى التَّقديرين، فيلزم صدور الكذب عن الأنبياء - عليهم السلام -.
وأجيب بأنَّه يحمل قوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ على الأكثر والأغلب، وعلى هذا، فلا يلزم ما ذكروه، وقد يجاب بجواب آخر، وهو أن موسى - عليه السلام - استثنى في جوابه، فقال: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً﴾ وعلى هذا، فلا يلزمُ ما ذكروه.
قوله: ﴿وَلاَ أَعْصِي﴾ فيه أربعة أوجهٍ:
أحدها: أنَّها لا محلَّ لها من الإعراب لاستئنافها، وفيه بعدٌ.
الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ؛ عطفاً على ستجدني؛ لأنها منصوبة المحلِّ بالقول.
وقال أبو حيَّان: ويجوز أن يكون معطوفاً على «ستجدني» فلا يكون لهُ محلٌّ من الإعراب، وهذا سهوٌ؛ فإنَّ «سَتجِدُنِي» منصوب المحلِّ؛ لأنه منصوب بالقول، فكذلك ما عطف عليه، ولكنَّ الشيخ رأى كلام الزمخشريِّ كذلك، ولم يتأمَّله، فتبعه في ذلك، فمن ثمَّ جاء السَّهوُ قال الزمخشري: «ولا إعْصِي» في محلِّ النصب عطفاً على «صَابِراً» أي: ستجدني صابراً، وغير عاصٍ أو «لا» في محل رفع عطفاً على «سَتجدُنِي» .
الثالث: أنه في محلِّ نصب على «صَابِراً» كما تقدَّم تقريره.
فصل
دلَّ قوله: ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ على أنَّ ظاهر الأمر للوجوب، وأن تارك المأمور به عاصٍ، والعاصي يستحقُّ العقاب؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: 23] .
فصل
قوله الخضر لموسى: «وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً» نسبه إلى قلة العلم، فقول موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً تواضعٌ شديد، وإظهار للتَّحمل التَّام، وذلك يدلُّ على أنَّ الواجب على المتعلِّم إظهار التواضع بكلِّ الغايات، وأمَّا المعلم فإن رأى أنَّ في التغليظ على المتعلِّم ما يفيده نفعاً وإرشاداً إلى الخير، فالواجب عليه ذكره، فإنَّ السُّكوت عنه يوقع المتعلِّم في الغرور، وذلك يمنع من التعلُّم.
قوله: «فإن اتَّبْعتَنِي» أي صحبتني، ولم يقل: اتَّبعني، ولكن جعل الاختيار إليه، إلاَّ أنَّه شرط عليه شرطاً، فقال: «فلا تَسْالنِي» تقدَّم خلاف القرَّاء في هذا الحرفِ، في سورة «هود» .
وقرأ أبو جعفر وابن عامر - هنا - بفتح السِّين، واللام، وتشديد النون من غير همزٍ، وبغير ياءٍ، وروي عن ابن عامرٍ، ونافع كذلك مع الياء، والمعنى: لا تسألني: لا تستخبرني حين ترى منِّي ما لم تعلمْ وجههُ حتَّى أكون أنا المبتدئ بتعليمك إيَّاه، وإخبارك به، وهذا معنى قوله: ﴿حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أي: أبتدئ بذكره، فأبين لك شأنهُ.
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَا رَكِبَا فِي السفينة خَرَقَهَا﴾ الآية.
اعلم أنَّ موسى - عليه السلام - وذلك العالم، لمَّا تشارطا على الشرط المذكور، سار فانتهيا إلى موضع، احتاجا فيه إلى ركوب السَّفينة، فوجدا سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، [فحملوهم] من غير نول، فلما لجُّوا البحر، أقدم ذلك العالم على خرق السَّفينة.
قال ابن الخطيب: لعلَّه أقدم على إخراق مكانٍ في السفينة؛ لتصير السفينة بذلك السبب معيبة ظاهرة العيب، فلا يتسارع به إلى أهلها الغرق فعند ذلك قال له موسى: ﴿أخَرقْتهَا لتُغْرِقَ أهْلهَا﴾ [لمَّا رأى موسى - عليه السلام - ذلك الأمر المنكر بحسبِ الظَّاهر نسيَ الشرط المتقدم؛ فلهذا قال ما قال] .
وفي اللام وجهان:
أحدهما: هي لام العلة.
والثاني: هي لام الصَّيرورة، وقرأ الأخوان: «ليَغرَقَ» بفتح الياء من تحت، وسكون الغين، وفتح الراء، «أهْلُهَا» بالرفع فاعلاً، والباقون بضمِّ التاء من فوق، وكسر الراء، أي: لتغرق أنت أهلها، بالنصب مفعولاً به، والحسن وأبو رجاء كذلك، غلا أنَّهما شدَّدا الراء.
والسَّفينة معروفة، وتجمع على سفنٍ وسفائن، نحو: صحيفة وصحف وصحائف، وتحذف منها التاء مراداً بها الجمع، فتكون اسم جنسٍ؛ نحو: ثمر [وقمح] ، إلا أنه هذا في المصن وع قليلٌ جدًّا، نحو: جَرَّة وجر، وعمامة وعمام، قال الشاعر: [الوافر]
3547 - مَتَى تَأتيهِ تَأتِي لُجَّ بَحْرٍ ... تَقاذفُ في غَوارِبهِ السَّفِينُ
واشتقاقها من السَّفن، وهو القشر؛ لأنَّها تقشر الماء، كما سميت «بِنْتَ مخرٍ» لأنها تمخرُ الماء، أي: تشقُّه.
قوله: «إمْراً» أي شيئاً عظيماً، يقال: أمِرَ الأمْرُ، أي: عظم وتفاقم، قال: [الرجز]
3548 - دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إدًّا إمْرا ... والإمرُ في كلام العرب: الدَّاهيةُ، وأصله كل شيءٍ شديدٌ كثيرٌ، يقال: أمر القوم: إذا كثروا، واشتدَّ أمرهم.
ومعنى الآية: لقد جئت شيئاً منكراً.
وقال القتيبيُّ: «إمْراً» أي عظيماً عجيباً منكراً.
روي أنَّ الخضر، لمَّا [خرق] السَّفينة لم يخلها الماءِ.
وروي أن موسى لمَّا رأى ذلكَ أخذ ثوبه، وحشا به الخرق
قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي: قال ذلك الخضر، قال موسى ﴿لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ .
قال ابن عبَّاس: إنَّه لم ينس، ولكنًَّه من معاريض الكلام، فكأنَّه نسي شيئاً آخر.
وقيل: معناه: بما تركت من عهدك، والنِّسيان التَّرك.
وروي عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «كانت الأولى من موسى نسياناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً» .
فصل في الرد على الطاعنين في عصمة الأنبياء
قال ابن الخطيب: احتجَّ الطَّاعنون في عصمة الأنبياءِ بهذه الآية من وجهين:
أحدهما: أنه ثبت بالدليل أن ذلك العالم كان نبيًّا، ثم قال موسى: «أخَرقتهَا، لتُغْرِقَ أهْلهَا» ، فإن صدق موصى في هذا القول، دلَّ ذلك على صدور الذَّنْب العظيم من ذلك النبيِّ، وإن كذب، دلَّ ذلك على صدور الذنب [العظيم] من موسى.
والثاني: أنه التزم أنَّه لا يعترض على ذلك العالمِ، وجرت العهود المذكورة بذلك، ثم إنَّه خالف تلك العهود، وذلك ذنبٌ.
فالجواب عن الأول: أن موسى، لما شاهد منه الأمر الخارج عن العادةِ، قال هذا لكلام، لا لأجل أنه اعتقد فيه أنه فعل قبيحاً، بل إنَّه أحبَّ أن يقف على وجهه وسببه، وقد يقال في الشيء العجيب الذي لا يعرف سببه: إنَّه إمرٌ.
وعن الثاني: أنَّه إنما خالف الشَّرط؛ بناءً على النِّسيان، ثم إنه تعالى حكى عن ذلك العالم أنَّه [لما خالف الشرط] لم يزد على أن قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ، فعندها اعتذر موسى بقوله: ﴿لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أراد أنه نسي وصيَّته، ولا مؤاخذة على الناسي، ﴿وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ أي: لا تكلِّفني مشقَّة، يقال: أرهقهُ عسراً وأرهقته عسراً، أي: كلَّفتهُ ذلك. لا تضيِّق عليَّ أمري، لا تعسِّر متابعتك [ويسرها عليّ] بالإغضاء، وترك المناقشة، وعاملني باليسر، ولا تعاملني بالعسر.
و «عُسْراً» : مفعول ثانٍ ل «تُرهِقْنِي» من أرهقه كذا، إذا حمَّله إيَّاه، وغشَّاه به، و «ما» في «بِمَأ نسيتُ» مصدرية، أو بمعنى «الذي» والعائد محذوف.
وقرأ أبو جعفر: «عُسُراً» بضمِّ السين، حيث وقع.
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ﴾ الآية.
اعلم أنَّ لفظ الغلام قد يتناول الشابَّ البالغ، وأصله من الاغتلامِ، وهو شدَّة الشَّبقِ، وذلك إنما يكون في الشَّباب، وقد يتناولُ هذا اللفظُ الصبي الصغير، وليس في القرآن كيف لقياه: هل كان يلعبُ مع الغلمان، أو كان منفرداً؟ أو هل كان مسلماً، أو كان كافراً؟ أو هل كان بالغاً، أو صغيراً؟ لكن اسم الغلام بالصَّغير أليقُ، وإن احتمل الكبير، إلاَّ أن قوله: «بغير نفسٍ» أليق بالبالغ منه بالصبيِّ؛ لأن الصبيِّ لا [يقتل] .
قال ابن عباس: لم يكن نبي الله يقول: أقتلت نفساً زكيَّة بغير نفس إلاَّ وهو صبيٌّ لم يبلغ.
وكيفيَّة قتله، هل كان بحزِّ رأسه، أو بضرب رأسه بالجدار، أو بطريق آخر؟ فليس في لفظ القرآن ما يدلُّ على شيءٍ من هذه الأقسام، لكنَّه روي في الحديث عن ابن عباس عن أبيِّ بن كعب قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الغلام الذي قتله الخضرُ، طبع كافراً، ولو عاش، لأرهق والديه طغياناً وكفراً» .
فإن قيل: إنَّ موسى استبعد أن يقتل النَّفس إلاَّ لأجل القصاصِ، وليس الأمر كذلك، لأنه قد يحلُّ دمه بسبب آخر.
فالجواب: أنَّ السَّبب الأقوى هو ذاك.
قوله: ﴿زَكِيَّةً﴾ : قرأ «زَاكِية» بألف وتخفيف الياء: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وبدون الألف وتشديد الياء: الباقون، فمن قرأ «زاكيةً» فهو اسمُ فاعلٍ على أصله، ومَنْ قرأ «زَكِيَّةً» فقد أخرجه إلى فعيلة للمبالغة.
قال الكسائيُّ والفراء: معناهما واحدٌ؛ مثل القاسيةِ والقسيَّة، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزَّاكيةُ: التي لم تذنبْ قطُّ، والزكيَّة: التي أذنبت ثم تابت.
[والغلام: من لم يبلغْ] . وقد يطلق على البالغ الكبير. فقيل مجازاً باعتبار ما كان. ومنه قول ليلى: [الطويل]
3549 - شَفاهَا مِنَ الدَّاءِ الذي قَدْ أصَابهَا ... غُلامٌ إذَا هزَّ القَناةَ شَفاهَا
وقول الآخر: [الطويل] 3550 - تَلقَّ ذُبَابَ السَّيفِ عنِّي فإنَّني ... غُلامٌ إذا هو جيتُ لستُ بِشاعرِ
وقيل: بل هو حقيقة، لأنه من الاغتلام وهو الشَّبق، وذلك إنما يكون في الشاب المحتلمِ، والذي يظهرُ أنه حقيقةٌ فيهما عند الاطلاق، فإذا أريد أحدهما، قيد كقوله: «لغُلامَيْنِ يَتيمينِ» وقد تقدَّم ترتيب أسماءِ الآدميِّ من لدن هو جنينٌ إلى أن يصير شيخاً، ولله الحمد، في آل عمران.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لم قال:» حتى إذا ركبا في السفينة خرقها» بغير فاءٍ، و «حتَّى إذا لقيا غلاماً، فقتله» بالفاء؟ قلت: جعل» خَرقهَا «جزاء للشرط، وجعل» قتلهُ «من جملة الشرط معطوفاً عليه، والجزاء» قال: أقتلت «فإن قلت: لم خولف بينهما؟ قلت: لأنَّ الخرق لم يتعقَّب الركوب، وقد تعقَّب القتل لقاء الغلام» .
قوله: بغَيْرِ نفسٍ «فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنها متعلقة ب» قَتلْتَ» .
الثاني: أنها متعلقة بمحذوف، على أنها حال من الفاعل، أو من المفعول، أي: قتلته ظالماً، أو مظلوماً، كذا قدَّره أبو البقاء، وهو بعيد جدًّا.
الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف، أي: قتلاً بغير نفسٍ.
قوله: «نُكْراً» قرأ نافع، وأبو بكر، وابن ذكوان بضمَّتين، والباقون بضمة وسكون، وهما لغتان، أو أحدهما أصلٌ، و «شَيْئاً» : يجوز أن يراد به المصدر، أي: مجيئاً نكراً، وأن يراد به المفعول به، أي: جئت أمراً منكراً، وهل النكر أبلغ من الإمر، أو بالعكس؟ فقيل: الإمرُ أبلغُ؛ لأنَّ قتل أنفسٍ بسبب الخرقِ اعظم من قتل نفسٍ واحدة وأيضاً: فالإمر هو الداهية العظيمة فهو أبلغ من النكر، وقيل: النُّكر أبلغ، لأن معه القتل الحتم، بخلاف خرق السفينة، فإنه يمكن تداركه؛ ولذلك قال: «ألَمْ أقُلْ لَكَ» ولم يأتِ ب» لَكَ «مع» إمْراً» ؛ لأن هذه اللفظة تؤكِّد التَّوبيخ.
وقيل: زاد ذلك، لأنَّه نقض العهد مرَّتين، فقال الخضرُ لموسى - عليهما السلام -: ﴿ألَمْ أقُل لكَ إنَّكَ لنْ تَسْتطيعَ معي صَبْراً﴾ فعند ذلك قال موسى: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ وهذا كلام نادمٍ.
قوله: «فَلاَ تُصَاحِبْنِي» : العامة على» تُصاحِبُني «من المفاعلة، وعيسى ويعقوب:» فلا تَصْحبنِّ]» من صحبه يصحبه.
وأبو عمرو في رواية، وأبيٌّ بضمِّ التاءِ من فوق، وكسر الحاء، من أصحب يصحب، ومفعوله محذوف، تقديره: فلا تصحبني نفسك، وقرأ أبيٌّ» فلا تصحبني علمك «فأظهر المفعول.
قوله:» مِنْ لدُنِّي «العامة على ضمِّ الدال، وتشديد النون، وذلك أنَّهم أدخلوا نون الزيادة أعني الوقاية على» لَدُن «لتقيها من الكسر؛ محافظة على سكونها، حوفظ على سكون نون» مِنْ «و» عَنْ «فألحقت بهما نون الوقايةِ، فيقولون: منِّي وعنِّي بالتشديد.
ونافع بتخفيف النون، والوجه فيه: أنَّه لم يلحقُ نون الوقاية ل» لَدُن «إلا أن سيبويه منع من ذلك وقال:» لا يجوز أن تأتي ب «لَدُنْ» مع ياء المتكلم، دون نون وقاية «وهذه القراءة حجة عليه، فإن قيل: لم لا يقال: إن هذه النون نون الوقاية، وإنَّما اتصلت ب» لَدُ «لغة في» لَدُنْ» حتى يتوافق قول سيبويه، مع هذه القراءة؟ قيل: لا يصحُّ ذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّ نون الوقاية، إنما جيء بها؛ لتقيَ الكلمة الكسر؛ محافظة على سكونها، ودون النون لا سكون؛ لأنَّ الدال مضمومة، فلا حاجة إلى النُّون.
الثاني: أن سيبويه يمنع أن يقال: «لَدُنِي» بالتخفيف.
وقد حذفت النون من «عَنْ» و «مِنْ» في قوله: [الرمل]
3551 - أيُّهَا السَّائلُ عنهم وعنِي ... لستُ من قَيْسٍ ولا قَيْسُ مني
وقرأ أبو بكر بسكون الدَّال، وتخفيف النون، لكنَّه ألزم الدال الضمة منبهة على الأصل.
ولكن تحتمل هذه القراءة أن تكون النون فيها أصليَّة، وأن تكون للوقاية على أنها دخلت على «لد» الساكنة الدال، لغة في «لدُنْ» فالتقى ساكنان، فكسرت نون الوقاية على أصلها، وإذا قلنا بأنَّ النون أصلية، فالسكون تخفيف؛ كتسكين ضاد «عضدٍ» وبابه واختلف القراء في هذا الإشمام، فقائل: هو إشارة بالعضو من غير صوتٍ، كالإشمام الذي في الوقف، وهذا هو المعروف، وقائل: هو إشارة للحركة المدركة بالحسِّ، فهو كالرَّوْم في المعنى، يعني: أنه إتيان ببعض الحركة، وقد تقدَّم هذا محرَّراً في يوسف عند قوله ﴿لاَ تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: 11] ، وفي قوله في هذه السورة «من لدنه» في قراءة شعبة أيضاً، وتقدَّم بحثٌ يعود مثله هنا.
وقرأ عيسى وأبو عمرو في رواية «عُذُراً» بضمتين، وعن أبي عمرو أيضاً «عذري» مضافاً لياءِ المتكلم.
و «مِنْ لدُنَّي» متعلق ب «بَلغْتَ» أو بمحذوف على أنَّه حال من «عُذْراً» .
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس: معناه: أعذرت فيما بيني وبينك.
وقيل: حذَّرتني أنِّي لا أستطيع معك صبراً.
وقيل: اتَّضح لك العذر في مفارقتي.
والمراد أنَّه مدحه بهذه الطريقة من حيث إنَّه احتمله مرَّتين أولاً وثانياً.
روى ابن عبَّاس عن أبيِّ بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رَحْمَةُ الله عليْنَا، وعلى مُوسَى» وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بدأ بنفسه «لولا أنَّه عجَّل، لرأى العجب، ولكنَّه أخذته من صاحبه ذمامة، قال:» إنْ سألتُكَ عَن شيءٍ بعدها، فلا تُصَاحِبنِي، قَدْ بلغْتَ من لدُنِّي عُذْراً؛ فلو صبر، لرأي العجب» .
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا﴾ الآية.
قال ابن عباس: هي أنطاكية.
وقال ابن سيرين: هي [الأبلة] ، وهي أبعد الأرض من السَّماء وقيل: بَرْقَة.
وعن أبي هريرة: بلدة بالأندلس.
﴿استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ قال أبي بن كعبٍ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: حتَّى إذا أتيا أهل قريةٍ لئاماً، فطافَا في المجلسِ فاستطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما.
وروي أنَّهما طافا في القرية، فاستطعماهم، فلم يطعموهما، فاستضافاهم، فلم يضيِّفوهما.
قال قتادة: شرُّ القرى التي لا تضيِّف الضَّيف.
وروي عن أبي هريرة: «أطعمتهما امرأةٌ من أهل بربر بعد أن طلبا من الرِّجال، فلم يطعموهما؛ فدعوا لنسائهم، ولعنا رجالهم» .
قوله
: ﴿استطعمآ أَهْلَهَا﴾ : جواب «إذا» أي: سألاهم الطام، وفي تكرير «أهلها» وجهان:
أحدهما: أنه توكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر؛ كقوله: [الخفيف]
3552 - لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيءٌ ... نَغَّص المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا
وقول الآخر: [الكامل]
3553 - لَيْتَ الغُرابَ غَداةَ يَنْعُبُ دائماً ... كَانَ الغُرابُ مُقطَّعَ الأوْدَاجِ
والثاني: أنَّه للتأسيس؛ وذلك أنَّ الأهل المأتيِّين ليسوا جميع الأهل، إنما هم البعض؛ إذ لا يمكن أن يأتينا جميع الأهل في العادة في وقتٍ واحدٍ، فلما ذكر الاستطعام، ذكره بالنسبة غلى جميع الأهل، كأنهما تتبعا الأهل واحداً واحداً، فلو قيل: استطعماهم، لاحتمل أنَّ الضمير يعودُ على ذلك البعضِ المأتيِّ، دون غيره، فكرَّر الأهل لذلك.
فإن قيل: الاستطعام ليس من عادة الكرام، فكيف أقدم عليه موسى، مع أنَّ موسى كان من عادته طلبُ الطعام من الله تعالى، كما حكى عنه قوله: ﴿إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24] .
فالجواب: أنَّ إقدام الجائع على الاستطعام أمرٌ مباحٌ في كلِّ الشرائع، بل ربَّما وجب عند خوف الضَّرر الشديد.
فإن قيل: إنَّ الضيافة من المندوبات، فتركها ترك المندوب، وذلك أمرٌ غير منكرِ، فكيف يجوز من موسى - عليه السلام - مع علوِّ منصبه أن يغضب عليهم الغضب الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه مع ذلك العالم في قوله: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ .
وأيضاً مثل هذا الغضب لأجل ترك الأكل في ليلةٍ واحدةٍ، لا يليقُ بأدونِ الناس فضلاً عن كليم الله؟ .
فالجواب: أنَّ الضيافة قد تكون من الواجبات، بأن كان الضيف قد بلغ في الجوع إلى حيث لو لم يأكل، لهلك، وإذا كان كذلك، لم يكن الغضب الشديد لأجل ترك الأكل [ليلة] ، بل كان لأجل تركهم الواجب عليهم.
فإن قيل: إنه ما بلغ في الجوع إلى حدِّ الهلاك؛ بدليل أنَّه قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ، ولو كان بلغ في الجوع إلى حدِّ الهلاك، لما قدر على ذلك العمل، فكيف يصحُّ منه طلب الأجرة؟ .
فالجواب: لعلَّ ذلك الجوع كان شديداً، إلاَّ أنه ما بلغ حدَّ الهلاك.
قوله: «أنْ يُضيِّفُوهمَا» مفعولٌ به لقوله «أبَوْا» والعامة على التشديد من ضيَّفه يضيِّفه. والحسن وأبو رجاء وأبو رزين بالتخفيف من: أضافه يضيفه وهما مثل: ميَّله وأماله.
رُوِيَ أنَّ أهل تلك القرية، لمَّا سمعوا نزول هذه الآية، استحيوا، وجاءوا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بحمل من الذَّهب، وقالوا: يا رسول الله، نشتري بهذا الذَّهب أن تجعل الباء تاء؛ حتى تصير القراءة «فأتوا أن يضيفوهما» ، أي: أتوا [لأجل أن] يضيِّفوهما، أي كان إتيانهم لأجل الضِّيافة، وقالوا: غرضنا منه أن يندفع عنَّا هذا اللُّؤم، فامتنع النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: «تغير هذه النُّقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله تعالى، وذلك يوجب القدح في الإلهيَّة.
قوله: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ أي: فرأيا في القرية حائطاً مائلاً.
وقوله:» أنْ ينْقَضَّ» مفعول للإرادة، و «انقضَّ» يحتمل أن يكون وزنه «انفعل» من انقضاضِ الطائر، أو من القضَّة، وهي الحصى الصِّغار، والمعنى: يريد أن يتفتَّت، كالحصى، ومنه طعام قَضَضٌ، إذا كان فيه حصى صغارٌ، وأن يكون وزنه «افْعَلَّ» ك «احمَرَّ» من النقض، يقال: نقض البناء ينقضه، إذا هدمه، ويؤيد هذا ما في حرف عبد الله وقراءة الأعمش «يُرِيدُ ليُنْقَضَ» مبنيًّا للمفعول؛ واللام كهي في قوله ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً﴾ [النساء: 28] . وما قرأ به أبيٌّ «يُرِيدُ أن ينقض» بغير لامِ كيْ.
وقرأ الزهريُّ «أن ينقاضَ» بألف بعد القاف. قال الفارسي: «هو من قولهم قضته فانقاضَ» أي: هدمته، فانهدم. قال شهاب الدين: فعلى هذا يكون وزنه ينفعلُ، والأصل: «انْقيضَ» فأبدلت الياء ألفاً، ولمَّا نقل أبو البقاء هذه القراءة قال: «مثل: يَحمارُّ» ومقتضى هذا التشبيه: أن يكون وزنه «يفعالَّ» ونقل أبو البقاء: أنه قُرئ كذلك بتخفيف الضاد، قال: «هو من قولك: انقاضَ البناءُ، إذا تهدَّم» .
وقرأ عليٌّ أمير المؤمنين - كرَّم الله وجهه -، وعكرمة في آخرين «يَنقَاصُ» بالصاد مهملة، وهو من قاصه يقيصه، أي: كسره، قال ابن خالويه: «وتقول العرب: انقاصتِ السِّنُّ: إذا انشقَّت طولاً» وأنشد لذي الرّمّة:
3554 - ... ... ... ... ... . ..... ... ... . مُنقاصٌ ومُنْكثِبُ
وقيل: إذا تصدَّعتْ، كيف كان وأنشد لأبي ذؤيبٍ: [الطويل]
3555 - فراقٌ كقَيْصِ السنِّ، فالصَّبْرَ إنَّه ... لكلِّ أنَاسٍ عَثْرةٌ وجُبورُ
ونسبة الإرادة إلى الجدار مجازٌ، وهو شائع جدًّا.
وقد ورد في النَّثر والنَّظم، قال الشاعر: [الوافر]
3556 - يُرِيدُ الرُّمح صَدرَ أبِي بَراءٍ ... ويَرْغَبُ عنْ دِمَاءِ بنِي عَقيلٍ
والآية من هذا القبيل.
وكذا قوله: ﴿وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب﴾ [الأعراف: 154] وقوله: ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11] ومن أنكر [المجاز] مطلقاً أو في القرآن خاصة، تأوَّل ذلك على أنه خُلق للجدارِ حياةٌ وإرادةٌ؛ كالحيوانات، أو أنَّ الإرادة صدرت من الخضرِ؛ ليحصل له، ولموسى ما ذكره من العجب.
وهو تعسفٌ كبيرٌ، وقد أنحى الزمخشري على هذا القائل إنحاءً بليغاً جدًّا.
قوله: «فأقَامهُ» قيل: [نقضه] ، ثم بناه، قاله ابن عبَّاس.
وقيل: مسحه بيده، فقام، واستوى، وذلك من معجزاته، هكذا ورد في الحديث. وهو قول سعيد بن جبير.
واعلم أن ذلك العالم، لمَّا فعل ذلك، كانت الحالة حالة اضطرارٍ إلى الطعام، فلذلك نسيَ موسى قوله: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ فلا جرم قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ، أي: طلبت على إصلاحك الجدار جعلاً، أي لصرفه في تحصيل المطعوم؛ فإنك قد علمت أنَّا جياعٌ، وأنَّ أهل القرية لم يطعمونا، فعند ذلك قال الخضر: «هذا فراقُ بَيْنِي وبيْنكَ» .
قوله: ﴿لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو «لتخِذْتَ» بفتح التاء، وكسر الخاء مِنْ تَخِذَ يتْخذُ ك «تَعِبَ يَتْعَبُ» . والباقون «لاتَّخذتَ» بهمزة الوصل، وتشديد التاءِ، وفتح الخاء من الاتِّخاذ، واختلف: هل هما من الأخذ، والتاء بدلٌ من الهمزة، ثم تخذف التاء الأولى فيقال: تَخِذَ، كتَقِيَ من «اتَّقَى» نحو قوله: [الطويل]
3557 - ... ... ... ... ... ... تَقِ الله فِينَا والكِتابَ الَّذي تَتْلُو
أم هما من تخذَ، والتاء أصيلةٌ، ووزنهما فعل وافتعل؟ قولان تقدَّم تحقيقهما في هذا الموضوع، والفعل هنا على القراءتين متعدٍّ لواحدٍ؛ لأنَّه بمعنى الكسب.
قوله: ﴿فِرَاقُ بَيْنِي﴾ : العامة على الإضافة؛ اتِّساعاً في الظرف، وقيل: هو بمعنى الوصل. كقوله: [الطويل]
3558 - ... ... ... ... ... ..... وجِلْدَةُ بين العيْنِ والأنْفِ سَالِمُ
وحكى القفال عن بعض أهل العربيَّة أنَّ البين هو الوصل؛ لقوله ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] ، فيكون المعنى هذا فراقُ اتصالنا، كثول القائل: أخزى الله الكاذب بيني وبينك، أي: أحدنا هكذا. قاله الزجاج.
وقرأ ابن أبي عبلة «فِراقُ» بالتنوين على الأصل، وتكرير المضاف إليه عطفاً بالواو هو الذي سوَّغ إضافة «بين» إلى غير متعددٍ؛ ألا ترى أنَّك لو اقتصرت على قولك: «المَالُ بيني» لم يكن كلاماً؛ حتى تقول: بيننا أو بيني وبين فلانٍ.
وقوله: «هذا» أي: هذا الإنكار على ترك الأجر هو المفرَّق بيننا.
وقيل: إنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا شرط أنَّه إنْ سأله بعد ذلك سؤالاً ىخر، حصل الفراق بقوله: [ ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾ فلما ذكر هذا السؤال فارقه ذلك العالم، وقال] : ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ أي: هذا الفراق [الموعود] ، ثم قال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ .
قرأ ابن وثَّاب «سَانْبِيكَ» بإخلاص الياء بدل الهمزة.
قوله تعالى: ﴿أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ : العامة على تخفيف السين، جمع « مِسْكين» . وقرأ عليٌّ أميرالمؤمنين - كرَّم الله وجهه - بتشديدها جمع «مسَّاك» وفيه قولان:
أحدهما: أنه الذي يمسكُ سكَّان السفينة، وفيه بعض مناسبة.
والثاني: أنَّه الذي يدبغُ المُسوكَ جمع «مَسْكٍ» بفتح الميم، وهي الجلود، وهذا بعيدٌ؛ لقوله: ﴿يَعْمَلُونَ فِي البحر﴾ قال شهاب الدين ولا أظنُّها إلا تحريفاً على أمير المؤمنين، و «يَعْملُونَ» صفة لمساكين.
قوله: ﴿وَرَآءَهُم مَّلِكٌ﴾ «وَرَاء» هنا بمعنى المكان.
وقيل: «وَراءَهُمْ» بمعنى «أمَامَهُمْ» ؛ كقوله:
﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: 16] وقيل: «وَراءَهُمْ» خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه. والأول أصحُّ؛ لقوله: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: 16] ويؤيِّده قراءة ابن عباس: وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلَّ سفينةٍ غصباً وقال سوارُ بن المضرِّب السعديُّ: [الطويل]
3559 - أيَرْجُو بنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطَاعتِي ... وقَوْمِي تَميمٌ والفَلاةُ وَرائِيَا
وقال تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الإنسان: 27] وتحقيقه: أنَّ كلَّ ما غاب عنك، فقد توارى عنك وتواريت عنه، وقيل: إنَّ تحقيقه أنَّ ما غاب عنك، فقد توارى عنك، وأنت متوارٍ عنه، فكلُّ ما غاب عنك، فهو وراءك، وأمام الشيء وقدامه، إذا كان غائباً عنك، متوارياً عنك، فلم يبعد إطلاق لفظة «وراء» عليه، ويراد بها الزَّمان؛ قال الشاعر: [الطويل]
3560 - ألَيْسَ وَرائِي أنْ أدبَّ على العَصَا ... فَيأمَنَ أعْدائِي ويَسْأمنِي أهْلِي
وقال لبيد: [الطويل]
3561 - أليْسَ ورَائِي إنْ تَراخَتْ منيَّتِي ... لُزومُ العَصَا تُحْنَى عليْهَا الأصَابِعُ
قوله: «غَصْباً» فيه أوجه:
الأول: أنه مصدر في موضع الحال، أو منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ، أو منصوب على المفعول له، وهو بعيد عن المعنى، وادَّعى الزمخشري أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، فقال: «فإن قلت: قوله:» فأردتُّ أن أعيبها «مسبَّبٌ عن خوفه الغصب عليها، فكان حقه أن يتأخَّر عن السبب؛ فلمَ قُدِّم عليه؟ قلتُ: النيةُ به التأخيرُ؛ وإنما قدِّم للعناية به، ولأنَّ خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين، فكان بمنزلةِ قولك: زيدٌ ظنِّي مقيمٌ» .
قوله: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ : التثنية للتغليب، يريد: أباه وأمَّه، فغلَّب المذكَّر، وهو شائع، ومثله: القمران والعمران، وقد تقدَّم [في يوسف] : أنَّ الأبوين يراد بهما الأب والخالة، فهذا أقربُ.
والعامة على «مُؤمنين» بالياء، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، والجحدريُّ «مُؤمنانِ» بالألف، وفيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه على لغة بني الحارث، وغيرهم.
الثاني: أن في «كان» ضمير الشَّأن، و «أبواهُ مُؤمِنانِ» مبتدأ وخبر في محل النصب؛ كقوله: [الطويل]
3562 - إذَا مِتُّ كان النَّاسُ صِنفَانِ شَامتٌ..... ... ... ... ... .
فهذا أيضاً محتمل للوجهين.
الثالث: أن في «كان» ضمير الغلام، أي: فكان الغلامُ، والجملة بعده الخبر، وهو أحسن الوجوه.
قوله: ﴿فَخَشِينَآ﴾ أي: فعلمنا ﴿أَن يُرْهِقَهُمَا﴾ يفتنهما.
وقال الكلبيُّ: يكلِّفهما طغياناً وكفراً.
وقال سعيد بن جبيرٍ: فخشينا أن يحملهما حبُّه على أن يتابعاه على دينه.
قيل: إنَّ ذلك الغلام كان بالغاً، وكان يقطع الطريق، ويقدم على الأفعال المنكرة، وكان يصير ذلك سبباً لوقوعهما في الفسق، وربما يؤدِّي ذلك الفسق إلى الكفر.
وقيل: كان صبيًّا إلا أن الله تعالى علم منه أنَّه لو صار بالغاً، لحصلت منه تلك المفاسد.
وقيل: الخشية بمعنى الخوف، وغلبة الظنِّ، والله تعالى قد أباح له قتل من غلب على ظنِّه تولُّد المفاسد منه.
فإن قيل: هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان لمثل هذا الظنِّ؟
فالجواب: أنَّه إذا تأكَّد ذلك الظنُّ بوحي الله تعالى إليه، جاز.
قوله: ﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا﴾ : قرأ نافع، وأبو عمرو بفتح الباء، وتشديد الدال من « بدَّل» هنا، وفي التحريم [الآية: 5] ﴿أَن يُبْدِلَهُ﴾ وفي القلم [الآية: 32] ﴿أَن يُبْدِلَنَا﴾ والباقون بسكون الباء، وتخفيف الدال من «أبْدلَ» في المواضع الثلاثة، فقيل: هما لغتان بمعنى واحد، وقال ثعلبٌ: الإبدال تنحيةُ جوهرةٍ، واستئناف أخرى؛ وأنشد: [الرجز]
3563 - عَزْلَ الأميرِ للأمِيرِ المُبدَلِ ... قال: ألا تراه نحَّى جسماً، وجعل مكانه آخر، والتبديل: تغيير الصورة إلى غيرها، والجوهرة باقية بعينها؛ واحتجَّ الفراء بقوله تعالى: ﴿يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] قال: والذي قال ثعلبٌ حسنٌ، إلاَّ أنَّهم يجعلون «أبدلتُ» بمعنى «بدَّلتُ» قال شهاب الدين: ومن ثم، اختلف الناس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض﴾ [إبراهيم: 48] : هل يتغير الجسمُ والصفة، أو الصفة دون الجسم؟ .
قوله: ﴿يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً﴾ أي: يرزقهما الله ولداً خيراً من هذا الغلام «زَكَاةً» أي: ديناً، وصلاحاً.
وقيل: ذكر الزكاة تنبيهاً على مقابلة قول موسى - عليه السلام - «أقتَلْتَ نفساً زكيَّة بغيرِ نفسٍ» فقال العالم: أردنا أن يرزق الله هذين الأبوين خيراً، بدلاً عن ابنهما هذا ولداً يكون خيراً منه بما ذكره من الزَّكاة، ويكون المراد من الزَّكاة الطهارة، وكان قول موسى: «أقَتَلْتَ نَفْساً زكيَّة» ، أي: طاهرة، لأنَّها ما وصلت إلى حدِّ البلوغ، فكانت زاكية طاهرة من المعاصي، فقال العالم: إن تلك النفس، وإن كانت طاهرة زاكية في الحال، إلاَّ أنه تعالى علمَ منها أنَّها إذا بلغتْ، أقدمت على الطغيان، والكفر، فأردنا أن يحصل لهما ولدٌ عظيمٌ، أي: أعظم زكاة وطهارة منه، وهو الذي يعلمُ الله منه أنَّه عند البلوغ لا يقدم على شيءٍ من هذه المحظورات.
ومن قال: إنَّ ذلك الغلام كان بالغاً، قال: المراد من وصف نفسه بكونها زاكية أنه لم يظهر عليه ما يوجب قتله.
قوله: «رُحْماً» قرأ ابن عامر «رُحُماً» بضمتين، والباقون بضة وسكون، وهما بمعنى الرحمة؛ قال رؤبة: [الرجز]
3564 - يَا مُنْزِلَ الرُّحْمِ على إدْريسَا ... ومُنْزِلَ اللَّعْنِ على إبْليسَا
وقيل: الرُّحُم بمعنى الرَّحم، وهو لائِقٌ هنا من أجلِ القرابةِ بالولادة؛ ويؤيِّده قراءة ابن عباس «رَحِماً» بفتح الراءِ، وكسر الحاء، و «زَكاةً ورُحْماً» منصوبان على التمييز.
والمعنى: هذا البدل يكون [أقرب] عطفاً ورحمة بأبويه، وأشفق عليهما.
فصل في المبدل به
قال الكلبيُّ: أبدلهما الله جارية تزوَّجها نبيٌّ من الأنبياء، فولدت له نبيًّا، فهدى الله على يديه أمَّة من الأمم.
قوله: ﴿وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المدينة وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا﴾ وكان اسمهما «أصْرَم» و «صَرِيم» .
واعلم أنه سمَّى القرية في قوله: ﴿أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ وسمَّى القرية هنا مدينة بقوله: «يَتيميْنِ في المدينةِ» فدلَّ على جواز [تسمية] إحداهما بالأخرى، ثم قال: «وكَان تحته كنزٌ لهُمَا» .
روى أبو الدرداء عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «كَانَ ذهباً، وقضَّة» .
وقال عكرمة: كان مالاً، ويدلُّ على ذلك أنّ المفهوم من لفظ الكنز هو المالُ.
وعن ابن عباس قال: «كَانَ لوحاً من ذهبٍ مكتوباً فيه: عجباً لمن أيقن بالموتِ، كيف يفرحُ، عجباً لمن أيقن بالقدر كيف ينصبُ، عجباً لمن أيقن بالرزقِ كيف يتعب، عجباً لمن يؤمنُ بالحساب كيف يغفل، عجباً لمن أيقن بزوالِ الدُّنيا، وتقلبها بأهلها كيف يطمئنُ إليها، لا إله إلا الله، محمدُ رسول الله، وفي الخطاب الجانب الآخر: أنا الله، لا إله إلا أنا، وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشرَّ فطوبى [لمن] خلقته للخير، وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشرِّ، وأجريته على يديه» .
وهذا قول أكثر المفسِّرين وروي أيضاً مرفوعاً، قال الزجاج: والكنزُ إذا أطلق إنما ينصرفُ إلى كنز المال، ويجوز عند التَّقييد لكنز العلم، يقال: عنده كنز علم. وهذا اللوح كان جامعاً لهما.
«وكان أبُوهمَا صالحاً» قيل: كان [اسمه] «كَاشِحٌ» وكان من الأنبياء، قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولهذا قيل: إنَّ الرجل الصالح يكون كنزه العلم لا المال، قيل: كان بينهما وبين الأب الصَّالح سبعة آباء وهذا يدل على أنَّ صلاح الإنسان يفيد العناية بأحوال أبنائه، فإن قيل: اليتيمان، هل أحد منهما عرف حصول الكنز تحت ذلك الجدار، أو ما عرف أحد منهما ذلك؟ فإن كان الأول امتنع أن يتركوا سقوط ذلك الجدار، وإن كان الثاني فكيف يمكنه بعد البلوغ استخراج ذلك الكنز ومعرفته والانتفاع به؟ .
الجواب: لعل اليتيمين كانا جاهلين به إلاَّ أن وصيَّهما كان عالماً به، إما أن ذلك الوصيَّ غاب، وأشرف ذلك الجدار في غيبته على السُّقوطِ، ثم قال: «فأرادَ ربُّك أن يبلغا أشدَّهُما» أي: يبلغا ويعقلا، وقيل: يدركا شدَّتهما وقوتهما.
وقيل: ثماني عشرة سنة، ويستخرجا حينئذ كنزهما «رحْمةً من ربِّك» أي: نعمة من ربِّك.
وفي نصب «رَحْمَةً» ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه مفعول له.
الثاني: أن يكون في موضع الحال من الفاعل، أي: أراد ذلك راحماً، وهي حالٌ لازمة.
الثالث: أن ينتصب انتصاب المصدر؛ لنَّ معنى «فاراد ربُّك أن يبلغا» معنى: «فرحمهما» ثم قال: وما فعلتهُ عن أمْرِي «أي: ما فعلته باختيارِي ورأيي، بل فعلتهُ بأمر الله وإلهامه، بأنَّ الإقدامَ على تنقيص أموالِ النَّاسِ وإراقةِ دمائهم، لا يجوز إلاَّ بالوحي والنفي القاطع،» وذلِكَ تأويلُ ما لمْ تَسْطِع عليه صبراً «أي: لم تطقْ عليه صبراً.
قوله:» تَسْطِعْ» قيل أصله «اسْتطاعَ» فحذفت تاء الافتعال، وقيل: المحذوف الطاء الأصلية، ثم أبدلت تاءُ الافتعال طاء بعد السِّين، وهذا تكلف بعيدٌ.
وقيل: السِّين مزيدة عوضاً من قلب الواو ألفاً، والأصل: أطاع، ولتحقيق القول فيه موضعٌ غير هذا، ويقال: استتاع - بتاءين، واستاع - بتاء واحدة، فهذه أربع لغاتٍ حكاها ابن السِّكيتِ.
فصل
اعلم أنَّ أحكام الأنبياء - عليهم السلام - مبنيةٌ على الظواهر؛ كما قال - عليه السلام -: «نَحْنُ نحكمُ بالظَّاهرِ والله يتولَّى السَّرائرَ» وهذا العالم ما كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور، بل كانت مبنية على الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس الأمر، وذلك لنَّ الظاهر في أموال النَّاس، وفي أرواحهم في المسالة الأولى والثانية من غير سببٍ ظاهرٍ لا يبيح ذلك التصرف؛ لأن تخريق السفينة تنقيصٌ لملك الغير من غير سبب ظاهر يبيحُ ذلك التصرُّف، والإقدام على قتل الغلامِ إلحاقٌ بضررِ القتل به من غير سبب ظاهر والإقدامُ على إقامةِ الجدار المائل تحملٌ للتَّعَب والمشقَّة من غير سبب ظاهر، فهذه المسائل الثلاثة ليس حكم ذلك العالم فيها مبنيًّا على الأسباب الظاهرة، بل كان مبنياً على أسباب معتبرة في نفس الأمر، وهذا يدلُّ على أنَّ ذلك العالم كان قد آتاهُ الله قوة عقلية يقدر بها أن يشرفَ على بواطن الأمور، ويطَّلع بها على حقائق الأشياء، فكانت مرتبة موسى - عليه السلام - في معرفةِ شرائع الأحكام بناء على الظواهر، وهذا العالم مرتبته الوقوف على بواطن الأشياء وحقائقها، فلهذا كانت مرتبته في العلم فوق مرتبة موسى. إذا عرف هذا؛ فنقول: هذه المسائل الثلاثة مبنيةٌ على حرف واحد، وهو أنه: إذا تعارض ضرران يجب تحمل الأولى، لدفع الأعرى، فهذا هو الأصل المعتبر في المسائل الثلاثة، أمَّا الأولى: فلأنَّ ذلك العالم علم أنَّه لو لم يعب السفينة بالتخريقِ، فغصبها ذلك الملك، وفاتت منافعها بالكليَّة على ملاَّكها، فوقع التعارضُ بين أن يخرقها ويعيبها، ويبقى مع ذلك العيب على ملاَّاكها وبين ألاَّ يخرقها، فيغصبها الملك، وتفوت منافعها على ملاكها بالكلِّية، ولا شكَّ أن الضرر الأوَّل أقلُّ؛ فوجب تحمُّله؛ لدفع الضرر الثاني؛ لكونه أعظم ضرراً.
وأمَّا المسألة الثانية فكذلك؛ لأنَّ بقاء ذلك الغلام كان مفسدة للوالدين في دينهم، وفي أبنائهم، ولعلَّه علم بالوحي أن المضار الناشئة من قتل ذلك الغلام أقل من المضار الناشئة بسبب حصول تلك المفاسدِ للأبوين؛ فلهذا السَّبب أقدم على قتله.
والمسألة الثالثة - أيضاً - كذلك؛ لأنَّ المشقة الحاصلة بسبب الإقدام على بناء الجدار المائل أسهل من المضارِّ الحاصلة بسبب ترك إقامته، لأنَّ ذلك الجدار لو سقط، لضاع مال أولئك الأيتام، وفيه ضررٌ شديدٌ، فالحاصل أنَّ ذلك العالم كان مخصوصاً بالوقوف على حقائق الأشياء وببناء الأحكام على حقائقها، وأنّ موسى - عليه السلام - كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور، فبهذا ظهر التفاوتُ بينهما في علمه.
فإن قيل: فحاصل الكلام أنَّه تعالى أطلعه على حقائق الأشياء، وهذا النَّوعُ من العلم ما يمكنُ تعلُّمه، وموسى - عليه السلام - إنما ذهب إليه ليتعلم منه العلم، فكان الواجب على ذلك العالم أن يظهر له علماً يمكنُ تعلُّمه، وهذه المسائل علمها لا يمكن تقاسمه، فما الفائدة في إظهارها؟
فالجواب: أنَّ العلم بظواهر الأشياء يمكن تحصيله بناء على معرفة الشرائع الظاهرة، وأمَّا العلم بحقائق الأشياء، فإنَّه لا يمكن تحصيله إلاّ بناءً على تصفية الباطن، وتطهير القلب ع نالعلائق الجسمانية، ولهذا قال تعالى في صفة علم ذلك العالم: ﴿وعلَّمناهُ من لدُنَّا علماً﴾ ثم إن موسى - عليه السلام - لمَّا كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه الله تعالى إلى ذلك العالم، ليعلِّم موسى أنَّ كمال الدرجة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظَّواهر إلى علوم البواطنِ المبنية على الإشراف على حقيقة الأمور.
فصل
احتجُّوا بهذه الآية على أن الفقير أشدُّ حاجة من المسكين؛ لأنَّه تعالى سمَّاهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون السفينة.
واعلم أن العالم بيَّن مراده من تخريق السفينة، وأنه لم يكن مقصوده تغريق أهلها؛ بل كان مقصوده تعييبها، لئلاَّ يأخذها ذلك الملك الظَّالم؛ لأنه كان من عادته أخذ السفن الخالية من العيوب، وضرر هذا التخريق أسهل من ضرر الغصب.
فإن قيل: هل يجوز للأجنبيِّ أن يتصرَّف في ملك الغير لمثل هذا الغرض؟ .
فالجواب: هذا مما تختلف أحواله بسبب اختلاف الشرائع، فلعلَّ هذا كان جائزاً في تلك الشريعة، وأما في شريعتنا فهذا الحكم غير بعيدٍ، فإنَّا إذا علمنا أن الذين يقطعون الطريق يأخذون جميع مال الإنسان، فإن دفعنا إلى قاطع الطَّريق بعض ذلك المال سلم الباقي، فحينئذ يحسنُ منَّا أن ندفع بعض مال ذلك افنسان إلى قاطع الطريق؛ ليسلم الباقي، وكان هذا إحساناً منا لذلك المالك.
كذلك قيل في السفينة المشحونة إذا خيف عليها الغرق، وأنه إذا ألقي منها شيءٌ في البحر خفَّت وسلم ما فيها جاز الإلقاء، بل يجب كذلك، وكذلك مسالة التترُّس بالمسلمين.
واعلم بأنَّ هذا التخريق يجب أن يكون على وجه لا يبطل منافع تلك السفينة بالكلِّية، إذ لو ك ان كذلك، لم يكن الضَّررُ الحاصل من غصبها أعظم من الضَّرر الحاصل من تخريقها، وحينئذ لم يكن تخريقها جائزاً.
فصل
اعلم أنَّه قال: ﴿فأردتُّ أن أعيبها﴾ وقال: ﴿فأردْنَا أن يبدلهما ربُّهما خيراً منهُ﴾ ، وقال: ﴿فأرَادَ ربُّك أن يبلُغا أشدَّهما﴾ فاختلفت الإضافة في هذه الإرادات الثلاثة، وهي كلها قضيَّة واحدة، وفائدة ذلك أنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه، فقال: ﴿فأرَدْتُ أن أعيبها﴾ ولمَّا ذكر القتل، عبَّر عن نفسه بلفظِ الجمع تنبيهاً على أنَّه من العظماء في علوم الحكمة، فلم يقدم على هذا القتل إلاَّ لحكمةٍ عاليةٍ، ولمَّا ذكر رعاية صالح اليتيمين لأجل صلاح أبيهما اضافه إلى الله تعالى، لأنَّ المتكفِّل بمصالح الأبناء برعاية حقِّ الآباء ليس إلاَّ الله تعالى.
فصل
اختلفوا: هل الخضر حيٌّ أم لا؟ فقيل: إنَّ الخضر وإلياس حيَّان يلتقيان كلَّ سنةٍ بالموسم، قيل: وسبب حياته أنَّ ذا القَرنَيْنِ دخل الظلمات، لطلب عين الحياة، وكان الخضر على مقدِّمته، فوقع الخضر على عين الحياة، فنزل، واغتسل، وشرب، وقيل: وأخطأ ذو القرنين الطريق، فعاد.
وقيل: إنه ميتٌ، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾ [الأنبياء: 34] وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ بعدما صلى العشاءَ ليلة: «أرَأيْتكُمْ ليْلتَكُم هذه، فإنه على رأس مائة سنةٍ لا يبقى ممَّن هو اليوم على ظهر الأرضِ أحدٌ» ولو كان الخضر حيًّا، لكان لا يعيش بعده.
رُويَ أنَّ موسى لمَّا اراد أن يفارقه قال: أوصني، قال: لا تطلب العلم لتحدِّث به، واطلبه لتعمل به.
الكهف 18:80
قوله: ﴿وَتِلْكَ القرى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ أي قرى الأوَّلين: قوم نوح وعاد وغيرهم، وتلك مبتدأ، والقرى خبره.
و «أهْلكْنَاهُمْ» حينئذ: إمَّا خبر ثانٍ، أو حال، ويجوز أن تكون «تِلْكَ» مبتدأ، و «القرى» صفتها لأنَّ أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجنس أو بيان لها، أو بدلٌ منها، و «أهْلَكنَاهَا» الخبر، ويجوز أن يكون «تِلْكَ» منصوب المحلِّ بفعلٍ مقدَّر على الاشتغال.
والإضمار في «أهْلَكنَاهُمْ» عائد على «أهْل» المضاف إلى القرى، إذ التقدير: وأهل تلك القرى، فراعى المحذوف، فأعاد عليه الضمير، وتقدَّم ذلك في أول الأعراف [الآية: 4] .
و «لمَّا ظلموا» يجوز أن يكون حرفاً، وأن يكون ظرفاً، وقد تقدَّم.
قوله: «وجعلنا لمهلكهم موعداً» قرأ عاصم «مَهْلَك» بفتح الميم، والباقون بضمها، وحفص بكسر اللام، والباقون بفتحها، فتحصَّل من ذلك ثلاث قراءاتٍ، لعاصم قراءتان؛ فتح الميم مع فتح اللام، وهي رواية أبي بكرٍ عنه، والثانية فتح الميم، مع كسر اللام، وهي رواية حفص عنه، والثالثة: ضم الميم، وفتح اللام، وهي قراءة الباقين.
وأمَّا قراءة أبي بكرٍ، ف «مَهْلَك» فيها مصدرٌ مضاف لفاعله، وجوَّز أبو عليٍّ أن يكون مضافاً لمفعوله، وقال: إنَّ «هَلَكَ» يتعدَّى دون همز، وأنشد: [الرجز]
2542 - ومَهْمَهٍ هَالكِ مَنْ تعرَّجا ... ف «مَنْ» معمول ل «هالكٍ» وقد منع النَّاسُ ذلك، وقالوا: لا دليلَ في البيت؛ لجواز أن يكون ذلك من باب الصفةِ المشبهة، والأصل: هالك من تعرَّجا.
ف «مَنْ تعرَّج» فاعل الهالك، ثم أضمر في «هَالِك» ضمير «مهمه» ونصب «من تعرَّج» نصب «الوجه» في قولك: «مررتُ برجلٍ حسنٍ الوجهَ» ثم أضاف الصفة، وهي «هَالِك» إلى معمولها، فالإضافة من نصبٍ، والنصب من رفعٍ، فهو كقولك: «زيدٌ منطلقُ اللسان، ومنبسطُ الكفِّ» ولولا تقدير النصبِ، لامتنعتِ الإضافة؛ إذ اسم الفاعل لا يضاف إلى مرفوعه، وقد يقال: لا حاجة إلى تقدير النصب؛ إذ هذا جارٍ مجرى الصفة المشبهة، والصفة المشبهة تضاف إلى مرفوعها، إلا أنَّ هذا مبنيٌّ على خلافٍ آخر، وهو: هل يفع الموصول في باب الصفة أم لا؟ والصحيح جوازه، قال الشاعر: [البسيط]
3543 - فَعُجْتُهَا قِبلَ الأخْيار مَنْزلةً ... والطَّيبِي كُلِّ ما التَاثَتْ به الأزُرُ
وقال الهذليُّ: [الطويل]
3544 - أسِيلاتُ أبْدانٍ دِقَاقٌ خُصورُهَا ... وثِيرَاتُ ما التفَّت عليها المَلاحِفُ
وقال أبو حيَّان في قراءة أبي بكرٍ هذه: «إنَّه زمانٌ» ولم يذكر غيره، وجوَّز غيره فيه الزمان والمصدر، وهو عجيبٌ؛ فإنَّ الفعل متى كسرت عينُ مضارعه، فتحت في المفعل مراداً به المصدر، وكسرت فيه مراداً به الزمان والمكان، وكأنَّه اشتبهت عليه بقراءة حفص؛ فإنَّه بكسر اللام، كما تقدَّم، فالمفعل منه للزَّمان والمكان.
وجوَّز أبو البقاء في قراءته أن يكون المفعل فيها مصدراً، قال: «وشذَّ فيه الكسر كالمرجع» وإذا قلنا: إنَّه مصدر، فهل هو مضافٌ لفاعله، أو مفعوله؟ يجيء ما تقدَّم في قراءة رفيقه، وتخريجُ ابي عليٍّ، واستشهاده بالبيت، والردُّ عليه، كل ذلك عائد هنا.
وأمَّا قراءة الباقين، فواضحةٌ، و «مُهْلكٌ» فيها يجوز أن يكون مصدراً مضافاً لمفعوله أي لإهلاكهم، وأن يكون زماناً، ويبعد أن يراد به المفعول، أي: وجعلنا للشخصِ، أو للفريقِ المهلكِ منهم.
والمَوْعِدُ: مصدر، أو زمان.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِفَتَاهُ﴾ الآية: «إذْ» منصوب ب «اذْكُرْ» أو وقت قال لفتاه: جرى ما قصصنا عليك من خبره.
قال عامة أهل العلم: إنَّه موسى بن عمران. وقال بعضهم: إنَّه موسى بن ميشا من أولاد يوسف، والأول أصحُّ، لما روى عمرو بن دينارٍ، قال: أخبرني سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبَّاسٍ: إنَّ نوفاً لابكاليَّ يزعم أنَّ موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عبَّاس: كذب عدوُّ الله، حدَّثنا أبيّ بن كعبٍ أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إنَّ موسى قَامَ خطيباً في بني إسرائيل، فسُئِلَ: أيُّ النَّاس أعلمُ؟ فقال: أنَا، فَعَتبَ الله عليه؛ إذْ لم يردَّ العِلْمَ إليه، فأوحَى إليه: إنَّ لِي عَبْداً بمَجْمَع البَحْرينِ، هو أعلم منك، فقال موسى: يا ربِّ، فكيف لي به؟ قال: تأخذُ معك حوتاً، فتجعلهُ في مكتلٍ، فحيثما فقدتَّ الحوت، فهو ثمَّ؛ فأخذ حوتاً، فجعلهُ في مكتلٍ، ثمَّ انطلق، وانطلق معه فتاهُ يُوشعُ بن نونٍ، حتَّى أتيا الصَّخرةَ، ووضعَا رُءُوسَهُمَا، فنَامَا، واضطرب الحُوتُ في المكْتَلِ، فخرج منهُ، فسَقطَ في البَحْرِ، فاتَّخذَ سَبيلهُ في البَحْرِ سَرَباً، وأمْسَكَ الله عن الحُوت جَرية الماءِ، فصَارَ عَليْهِ كالطَّاقِ، فلمَّا اسْتيقظَ، نَسِيَ صَاحبهُ أنْ يُخْبِرَهُ بالحُوتِ، فانْطلقَا بقيَّة يَوْمهِمَا وليْلتِهمَا، حتَّى إذا كان من الغَداةِ، قَالَ مُوسَى لفتاهُ: آتِنَا غَداءَنَا، لقَدْ لقينا من سَفرنَا هذا نصباً، قال: ولمْ يَجِدْ مُوسى النَّصب، حتَّى جَاوزَ المكان الذي أمرهُ الله تعالى، فقال له فتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنَا إلى الصَّخرةِ، فإنِّي نَسيتُ الحُوتَ ومَا أنْسانيه إلاَّ الشَّيطانُ أنْ أذكرهُ، واتَّخذَ سبيلهُ في البحر عجباً، قال: وكَانَ للحُوتِ سرباً ولمُوسَى وفتاهُ عجباً، قال موسى: ذلكَ ما كُنَّا نبغي فَارتدّا على آثارهما قصصاً، رجعا يقُصَّانِ آثارهما، حتى [انتهيا] إلى الصَّخرة، فإذا رجلٌ مُسَجَّى ثوباً، فسلَّم عليه مُوسى، فقال الخَضِرُ: وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ؟ فقال: أنَا مُوسَى، قال: مُوسى بني إسرائيل؟ قال: نَعمْ، أتَيْتُك، لتُعَلِّمَنِي ممَّا علِّمتَ رُشداً [وذكر باقي] القصة» .
واعلم أنَّه كان ليوسف - عليه السلام - ولدان: أفرائيم وميشا، فولد أفرائيم نون وولد نون يوشع بن نون، وهو فتى موسى، ووليُّ عهده بعد وفاته، وأما ولد ميشا، فقيل: إنه جاءته النُّبوَّة قبل موسى بن عمران، وأهل التَّوراة يزعمون أنَّهُ هو الذي طلب هذا العالم ليتعلَّم منه، وهو العالمُ الذي خرق السَّفينة، وقتل الغلام، وبنى الجدار، وموسى بن ميشا معه، هذا قول جمهور اليهود.
واحتجَّ القفال على صحَّة قول الجمهور بأنه موسى صاحب التَّوراة، قال: إنَّ الله تعالى ما ذكر موسى في كتابه إلاَّ وأراد به موسى صاحب التوراة، فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه، ولو كان المرادِ شحصاً آخر يسمَّىموسى غيره، لعرّفه بصفةٍ تميِّزه وتزيل الشبهة كما أنَّه لما كان المشهور في العرف أنَّ ابا حنيفة هو الرجل المفتي، فلو ذكرنا هذا الاسم، وأردنا به غيره، لقيَّدناهُ، كما نقول: أبو حنيفة الدِّينوريُّ.
فصل في حجة القائلين بأنه موسى بن ميشا
واحتج القائلون بأنَّ موسى بن ميشا بأنَّ الله تعالى بعد أن أنزل عليه التوراة، وكلَّمه بلا واسطة، وخصَّه بالمعجزات الباهرة العظيمة التي لم يتَّفق مثلها لأكثر أكابر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يبعد أن يبعثه بعد ذلك إلى التَّعليمِ والاستفادة.
[فالجواب] عنه: بأنَّه ليس ببعيدٍ أن يكون العالم العامل الكامل في أكثر العلوم يجهل بعض الأشياء؛ فيحتاج إلى تعلُّمها إلى من هو دونه، وهو أمرٌ متعارفٌ.
فصل في اختلافهم في فتى موسى
واختلفوا في فتى موسى، فالصحيح أنه يوشعُ بن نونٍ؛ كما روي في الحديث المتقدِّم، وقيل: كان أخا يوشع.
وروى عمرو بن عبيدٍ عن الحسن أنَّه عبدٌ لموسى.
قال القفَّال والكعبي: يحتمل ذلك.
قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لا يقُولنَّ أحَدُكمْ: عَبْدِي وأمَتِي، وليقُلْ: فَتَايَ وفَتَاتِي» .
وهذا يدلُّ على أنهم كانوا يسمُّون العبد فتًى، والأمة فتاةً.
قوله: «لا أبْرَحُ» يجوز فيها وجهان:
أحدهما: أن تكون ناقصة، فتحتاج إلى خبر.
والثاني: أن تكون تامة، فلا تحتاج إليه، فإن كانت الناقصة، ففيها تخريجان:
أحدهما: أن يكون الخبر محذوفاً؛ للدلالة عليه تقديره: لا أبرح أسيرُ حتَّى ابلغ، إلاَّ أن حذف الخبر في هذا الباب نصَّ بعض النحويِّين على أنه لا يجوز ولو بدليلٍ، إلا في ضرورة؛ كقوله: [الكامل]
3545 - لَهفِي عَليْكَ للَهْفةٍ مِنْ خَائفٍ ... يَبْغِي جِوارَكَ حِينَ ليْسَ مُجِيرُ
أي: حين ليس في الدنيا مجيرٌ.
والثاني: أنَّ في الكلام حذف مضافٍ، تقديره: لا يبرحُ مسيري، حتَّى أبلغ، ثم حذف «مسير» وأقيمت الياء مقامه، فانقلبت مرفوعة مستترة بعد أن كانت مخفوضة المحلِّ بارزة، وبقي «حتَّى أبلغ» على حاله هو الخبر.
وقد خلط الزمخشري هذين الوجهين، فجعلهما وجهاً واحداً، ولكن في عبارة حسنة جدًّا، فقال: «فإن قلت:» لا أبْرَحُ «إن كان بمعنى» لا أزولُ «من برح المكان، فقد دلَّ على الإقامةِ، لا على السَّفر، وإن كان بمعنى» لا أزَالُ «فلا بدَّ من خبر، قلت: هي بمعنى» لا أزَالُ «وقد حذف الخبر؛ لأنَّ الحال والكلام معاً يدلان عليه؛ أمَّا الحال، فلأنها كانت حال سفرٍ، وأمَّا الكلام، فلأن قوله» حتَّى أبلغ «غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له، فلا بدَّ أن يكون المعنى: لا أبرحُ أسير حتَّى أبلغَ، ووجه آخرُ: وهو أن يكون المعنى: لا يبرحُ مسيري، حتَّى أبلغ على أنَّ» حتَّى أبلغَ «هو الخبر، فلمَّا حذف المضافُ، أقيم المضافُ إليه مقامهُ، وهو ضمير المتكلِّم، فانقلب الفعل من ضمير الغائب إلى لفظ المتكلِّم، وهو وجهٌ لطيفٌ» .
قال شهاب الدين: وهذا على حسنه فيه نظرٌ لا يخفى، وهو: خلوُّ الجملة الواقعة خبراً عن «مسيري» في الأصل من رابطٍ يربطها به؛ ألا ترى أنه ليس في قوله «حتَّى أبلغ» ضمير يعود على «مسيري» إنما يعود على المضاف إليه المستتر، ومثل ذلك لا يكتفى به.
ويمكن أن يجاب عنه: بأن العائد محذوفٌ، تقديره: حتى أبلغ به، أي: بمسيري.
وإن كانت التامة، كان المعنى: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزمُ المسير والطَّلبَ، ولا أفارقه، ولا أتركه؛ حتَّى أبلغ؛ كما تقول: لا أبرح المكان، فعلى هذا: يحتاجُ أيضاً إلى حذف مفعول به، كما تقدَّم تقريره فالحذف لا بدَّ منه على تقديري التَّمامِ والنقصان [في أحد وجهي النقصان] .
وقرأ العامة «مجمع» بفتح الميم، وهو مكان الاجتماع، وقيل: مصدر، وقرأ الضحاك وعبد الله بن مسلم بن يسارٍ بكسرها، وهو شاذٌّ؛ لفتح عين مضارعة.
قوله: «حُقُباً» منصوبٌ على الظرف، وهو بمعنى الدَّهر. وقيل: ثمانون سنة، وقيل: سنةٌ واحدةٌ بلغة قريش، وقيل: سبعون، وقرأ الحسن: «حُقْباً» بإسكان القاف، فيجوز أن يكون تخفيفاً، وأن يكون لغة مستقلة، ويجمع على «أحقابٍ» كعنقٍ وأعناقٍ، وفي معناه: الحقبةُ بالكسر، قال امرؤُ القيس:
3546 - فَإن تَنْأ عَنْهَا حِقْبةً لا تُلاقِهَا ... فإنَّكَ ممَّا أحْدَثَتْ بالمُجرِّبِ والحقبة بالضمِّ أيضاً، وتجمع الأولى على حقبٍ، بكسر الحاء كقربٍ، والثانية على حقبٍ، بضمِّها؛ كقربٍ.
فإن قيل قوله: «أوْ أمْضِيَ» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه منسوق على «أبْلُغَ» يعني بأحد أمرين: إمَّا ببلوغه المجمع، أو بمضيِّه حقباً.
والثاني: أنه تغييةٌ لقوله «لا أبْرَحُ» فيكون منصوباً بإضمار «أنْ» بعد «أو» بمعنى «إلى نحو» لألزَمنَّكَ أو تَقضِيَنِي حقِّي» .
فالجواب قال أبو حيان: «فالمعنى: لا أبرحُ حتى أبلغ مجمع البحرين، إلى أن أمضي زماناً، أتيقَّنُ معه فوات مجمع البحرين» قال شهاب الدين: فيكون الفعل المنفيُّ قد غيِّي بغايتين مكاناً وزماناً؛ فلا بدَّ من حصولهما معاً، نحو: «لأسيرنَّ إلى بيتك إلى الظَّهر» فلا بدَّ من حصولِ الغايتين؛ والمعنى الذي ذكره الشيخ يقتضي أنه يمضي زماناً يتيقَّن فيه فوات مجمع البحرين.
وجعل أبو البقاء «أو» هنا بمعنى «إلاَّ» في أحد الوجهين:
قال: «والثاني: أنها بمعنى: إلاَّ أن أمضي زماناً؛ أتيقَّن معه فوات مجمع البحرين» وهذا الذي ذكره أبو البقاء معنى صحيحٌ، فأخذ الشيخ هذا المعنى، ركَّبهُ مع القول بأنَّها بمعنى «إلى» المقتضيةِ للغاية، فمن ثمَّ جاء الإشكالُ.
فصل في المراد بمجمع البحرين
قوله: «مجمعُ البَحريْنِ» ؛ الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر - عليه السلام -: هو ملتقى بحرين فارس والرُّوم ممَّا يلي المشرق، قاله قتادة، [وقال محمد بن كعب: طنجة] وقال أبي بن كعبٍ: إفريقيَّة.
وقيل: البحران موسى والخضر؛ لأنَّهما كانا بحري علمٍ. وليس في اللفظ ما يدل على تعيين هذين البحرين؛ فإن صحَّ بالخبر الصحيح شيء فذاك، وإلاَّ فالأولى السُّكوت عنه.
ثم قال: «أوْ أمضيَ حُقباً» : أو أسير زماناً طويلاً.
واعلم أنَّ الله تعالى كان أعلم موسى حال هذا العالم، وما أعلمه بموضعه بعينه، فقال موسى: لا أزالُ أمشي؛ حتَّى يجتمع البحرانِ، فيصيرا بحراً واحداً، أو أمضي دهراً طويلاً؛ حتى أجد هذا العالم، وهذا إخبارٌ من موسى أنَّه وطن نفسه على تحمُّل التَّعب الشَّديد، والعناء العظيم في السَّفر؛ لأجل طلب العلم، وذلك تنبيهٌ على أنَّ المتعلِّم، لو سار من المشرق إلى المغرب؛ لأجل مسألة واحدة، حقَّ له ذلك.
ثم قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ .
أي: انطلقا إلى أن بلغا مجمع بينهما، والضمير في قوله: «بينهما» إلى ماذا يعود؟ .
فقيل: لمجمع البحرين.
وقيل: بلغا الموضع الذي وقع فيه نسيانُ الحوت، وهذا الموضع الذي كان يسكنه الخضر - عليه السلام - أي: يسكن بقربه، ولأجل هذا المعنى، لمَّا رجع موسى وفتاه بعد أن ذكر الحوت، صار إليه، وهو معنى حسنٌ، والمفسِّرون على القول الأوَّل.
قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ : الظاهر نسبةُ النِّسيانِ إلى موسى وفتاه، يعني نسيا تفقُّد أمره، فإنه كان علامة لهما على ما يطلبانه، وقيل: نسيَ موسى أن يأمرهُ بالإتيان به، ونسي يوشعُ أن يفكِّره بأمره، وقيل: النَّاسِي يوشع فقط، وهو على حذف مضاف، أي: نسي أحدهما؛ كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22] .
قوله: «في البَحْرِ سرباً» مفعول ثانٍ ل «اتَّخذَ» و «فِي البَحْرِ» يجوز أن يتعلق ب «اتَّخذ» وأن يتعلق بمحذوفٍ على أنه محالٌ من المفعول الأول أو الثاني.
والهاء في «سبيلهُ» تعود على الحوت، وكذا المرفوع في «اتَّخذَ» .
قوله: ﴿جَاوَزَا﴾ : مفعوله محذوف، أي: جاوزا الموعد، وقيل: جاوزا مجمع البحرين.
قوله: «هَذَا» إشارة إلى السَّفر الذي وقع بعد تجاوزهما الموعد، أو مجمع البحرين، و «نَصباً» هو المفعول ب «لَلِينَا» والعامة على فتح النون والصاد، وعبد الله بن عبيد بن عمير بضمِّهما، وهما لغتان من لغاتٍ أربعٍ في هذه اللفظة، كذا قال أبو الفضل الرازيُّ في «لَوامحِهِ» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ : تقدم الكلام عليها مشبعاً في الأنعام، وقال أبو الحسن الأخفش هنا فيها كلاماً حسناً، وهو: أنَّ العرب أخرجتها عن معناها بالكليَّة، فقالوا: أرَأيْتكَ، وأرَيْتكَ بحذف الهمزة، إذا كانت بمعنى: أخْبِرْنِي «وإذا كانت بمعنى» أبْصَرْتَ «لم تحذف همزتها، وشذَّت أيضاً، فألزمها الخطاب على هذا المعنى، ولا يقال فيها أيضاً:» أرَانِي زيداً عمراً ما صَنعَ «ويقال على معنى» اعْلَمْ «وشذَّت أيضاً، فأخرجتها عن موضعها بالكليَّة؛ بدليل دخول الفاء؛ ألا ترى قوله: ﴿أرَأيْتَ إذ أوينا إلى الصَّخرةِ فإني﴾ فمَا دخلت الفاء إلاَّ وقد أخرجت إلى معنى:» أمَّا» أو «تنبَّه» ، والمعنى: أمَّا إذ أوينا إلى الصَّخرة، فإنِّي نسيتُ الحوت، وقد أخرجتها أيضاً إلى معنى» أخبرني «كما قدَّمنا، وإذا كانت بمعنى» أخبرني «فلا بدَّ بعدها من الاسم المستخبر عنه، وتلزم [الجملة] التي بعدها الاستفهام، وقد تخرج لمعنى» أمَّا «ويكون أبداً بعدها الشرط، وظروف الزمان، فقوله» فإنِّي نسيتُ « معناه: أمَّا إذ أوينا فإنِّ] ، أو تنبَّه إذْ أويْنَا، وليست الفاءُ إلاَّ جواباً ل» أرَأيْتَ «لأنَّ» إذْ «لا يجوز أن يجازى بها إلاَّ مقرونة ب» ما «بلا خلافٍ» .
قال الزمخشري: «أرأيت» بمعنى «أخْبرنِي» فإن قلت: ما وجه التئامِ هذا الكلام، فإنَّ كلَّ واحد من «أرَأيْتَ» ومن «إذْ أويْنَا» ومن ﴿فإنِّي نسيتُ الحوت﴾ لا متعلق له.
قلت: لمَّا طلب موسى الحوت، ذكر يوشع ما رأى منه، وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، ودهش، فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك، كأنه قال: أرأيت ما دهاني، إذ أوينا إلى الصخرة، فإنّي نسيتُ الحوت، فحذف ذلك.
قال أبو حيَّان: وهذان مفقودان في تقدير الزمخشريِّ: «أرَأيْتَ بمعنى أخبرني» يعني بهذين ما تقدَّم في كلام الأخفش من أنَّه لا بدَّ بعدها من الاسم المستخبر عنه، ولزومِ الاستفهام الجملة التي بعدها.
قال النوويُّ في «التهذيب» يقال: أوى زيدٌ بالقصر: إذا كان فعلاً لازماً، وآوى غيره بالمدِّ: إذا كان متعدِّياً، فمن الأول هذه الآية قوله:
﴿إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف﴾ [الكهف: 10] .
ومن المتعدِّي قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: 50] .
وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ [الضحى: 6] .
هذا هو الفصيح المشهور، ويقال في كلِّ واحدٍ بالمدِّ والقصر، لكن بالقصر في اللازمِ أفصح، والمدُّ في المتعدِّي أفصحُ وأكثر.
قوله: «ومَا أنْسَانيهُ» قرأ حفص بضم الهاء، وكذا في قوله: «عَلَيْهُ الله» في سورة الفتح [آية: 10] ، قيل: لأنَّ الياء هنا أصلها الفتح، والهاء بعد الفتحة مضمومة، فنظر هنا إلى الأصل، وأمَّا في سورة الفتح؛ فلأنَّ الياء عارضة؛ إذ أصلها الألف، والهاء بعد الألف مضمومة، فنظر إلى الأصل أيضاً.
والباقون بالكسر نظراً إلى اللفظ، فإنَّها بعد ياءٍ ساكنة، وقد جمع حفص في قراءته بين اللغات في هاء الكناية: فإنه ضمَّ الهاء في «أنسانيه» في غير صلة، ووصلها بياءٍ في قوله: ﴿فِيهِ مُهَاناً﴾ [الفرقان: 69] على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، وقرأ كأكثر القراء فيما سوى ذلك.
وقرأ الكسائي «أنسانيه» بالإمالة.
قوله: «أنْ أذكرهُ» في محلِّ نصبٍ على البدل من هاء «أنسانيه» بدل اشتمال، أي: أنساني ذكرهُ.
وقرأ عبد الله: «أن أذكركه» ، وقرأ أبو حيوة: «واتِّخاذَ سبيلهِ» عطف هذا المصدر على مفعول «أذكرهُ» .
قوله: «عَجَباً» فيه أوجهٌ:
أحدها: أنه مفعول ثانٍ ل «اتَّخذَ» و «في البحْرِ» يجوز أن يتعلق بالاتخاذِ، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من المفعول الأول أو الثاني.
وفي فاعل «اتَّخذ» وجهان:
أحدهما: هو الحوتُ، كما تقدَّم في «اتَّخذ» الأولى.
والثاني: هو موسى.
الوجه الثاني من وجهي «عَجَباً» أنه مفعول به، والعامل فيه محذوف، فقال الزمخشريُّ: «أو قال: عجباً في آخر كلامه تعجباً من حاله، وقوله: ﴿وما أنسانيه إلاَّ الشيطان﴾ اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه» . فظاهر هذا أنَّه مفعول ب «قال» ، أي: قال هذا اللفظ، والسبب في وقوع هذا الاعتراض ما يجري مجرى القدر والعلة لوقوع ذلك النسيان.
الثالث: أنه مصدر، والعامل فيه مقدَّر، تقديره: فتعجَّب من ذلك عجباً.
الرابع: أنه نعت لمصدر محذوف، ناصبه «اتَّخذَ» أي: اتخذ سبيله في البحر اتِّخاذاً عجباً، وعلى هذه الأقوال الثلاثة: يكون «في البَحْرِ» مفعولا ثانياً ل «اتَّخذَ» إن عدَّيناها لمفعولين.
فصل
دلَّت الرواياتُ على أنَّه تعالى بيَّن لموسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّ هذا العالم موضعه مجمع البحرين، إلا أنَّه ما عيَّن موضعاً، إلا أنَّه جعل انقلاب الحوت حيًّا علامة على مسكنه المعيَّن، كمن يطلب إنساناً، فيقال له: إنَّ موضعه محل! َة كذا من كذا، فإذا انتهيت إلى المحلَّة، فسل فلاناً عن داره، فأينما ذهب بك، فاتبعه؛ فإنَّك تصل إليه، فكذا هنا قيل له: إنَّ موضعه مجمع البحرين، فإذا وصلت إليه، ورأيت انقلاب الحوت حيًّا وطفر إلى البحر، فيحتمل أنَّه قيل له: فهناك موضعه، ويحتمل أنَّه قيل له: فاذهب على موافقة ذلك الحوت؛ غفإنَّك تجدهُ.
وإذا عرفت هذا فنقول: إن موسى وفتاه، لمَّا بلغا مجمع بينهما، طفرت السَّمكةُ إلى البحر، وسارت، وفي كيفيَّة طفرها روايات.
فقيل: إن الفتى غسل السَّمكة، لأنها كانت مملحة، فطفرت وسارت.
وقيل: إنَّ يوشع توضَّأ في ذلك المكان من عينٍ تسمَّى «مَاءَ الحياةِ» لا يصيبُ ذلك الماءُ شيئاً إلاَّ حيي، فانتضح الماء على الحوت المالح، فعاش ووثب في الماء.
وقيل: انفجر هناك عينٌ من الجنَّة، ووصلت قطراتٌ من تلك العين إلى السَّمكة، وهي في المكتل، فاضطربت، وعاشت، فوثبت في البحر.
ثم قال تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ أي: نسيا كيفيَّة الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، فإن قيل: انقلاب السَّمكة المالحة حيَّة [حالة] عجيبة [فلما] جعل الله تعالى حصول هذه الحالة العجيبة دليلاً على الوصول إلى المطلوب، فكيف يعقل حصول النِّسيان في هذا المعنى؟ .
فالجواب أنَّ يوشع كان قد شاهد المعجزات الباهرات من موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كثيراً، فلم يبق لهذه المعجزات عنده وقعٌ عظيم، فجاز حصول النِّسيان.
وهذا الجواب فيه نظرٌ.
قال ابن زيدٍ: أي شيءٍ أعجبُ من حوتٍ يؤكل منه دهراً، ثم صار حيًّا بعدما أكلَ بعضه.
فصل في ذكر جوابٍ آخر لابن الخطيب
قال ابن الخطيب: وعندي فيه جوابٌ آخر، وهو أنَّ موسى - عليه السلام - لما استعظم علم نفسه، أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الضروريَّ؛ تنبيهاً لموسى عليه السلام - على أنَّ العلم لا يحصل ألبتَّة إلا بتعليم الله تعالى، وحفظه على القلب.
وقال البغويُّ: «نَسيَا» تركا «حُوتَهُمَا» ، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه، وأضاف النِّسيان إليهما؛ لأنهما جميعاً لمَّا تزوَّداه لسفرهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا من الزَّاد كذا [وإنما حملهُ واحد منهم. ثم قال: «واتخذ سبيله في البحر سرباً» قيل: تقديره سرب في البحر سرباً» ] إلاَّ أنه أقيم قوله: «فاتّخذ» مقام قوله: «سرباً» ، والسَّرب هو الذهاب ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَارِبٌ بالنهار﴾ [الرعد: 10] .
وقيل: إن الله تعالى أمسك الماء عن الجري، وجعله كالطاق والكوَّة؛ حتَّى سرب الحوت فيه، وذلك معجزةٌ لموسى أو الخضر - عليهما السلام -.
روي عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «انجاب الماءُ عن مسلكِ الحوت، فصار كوَّة، لم يلتئمْ، فدخل موسى الكوَّة على إثر الحوت، فإذا هو بالخضر» .
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أي: موسى وفتاه الموعد المعين، وهو الوصول إلى الصخرة بسبب النِّسيان المذكور، وذهبا كثيراً، وتعبا، وجاعا.
﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا﴾ والغداءُ: ما يعدُّ للأكل غدوة، والعشاء: ما يعدُّ للأكل عشية ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً﴾ أي: تعباً وشدَّة، وذلك أنَّه ألقى على موسى الجوع بعد مجاوزة الصَّخرة؛ ليتذكَّر الحوت، ويرجع إلى مطلبه، فقال له فتاه وتذكَّر: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة﴾ الهمزة في «أرَأيْتَ» همزة الاستفهام، و «رَأيْتَ» على معناه الأصليِّ، وجاء الكلام هذا على المتعارفِ بين النَّاس؛ فإنه إذَا حدث لأحدهم أمرٌ عجيبٌ، قال لصاحبه: أرأيت ما حدث لي، كذلك هنا، كأنه قال: أرأيت ما وقع لي، إذا أوينا إلى الصَّخرة، فحذف مفعول «أرَأيْتَ» لأنَّه - أي لأنَّ قوله: «فإنِّي نسيتُ الحوت» - يدل عليه، أي: فقدته.
﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي أذكر لك أمر الحوت.
﴿واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر عَجَباً﴾ ووجه كونه عجباً انقلابه من المكتل، وصيرورته حيًّا، وإلقاء نفسه في البحر على غفلةٍ منهما، ويكون المراد منه ما ذكرنا أنه تعالى جعل الماء عليه كالطَّاق والسَّرب، وقيل: تمّ الكلام عند قوله: ﴿واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر﴾ ، ثم قال: «عَجَباً» أي أنَّه يعجب من رؤية تلك العجيبة، ومن نسيانه لها.
وقيل: إنَّ قوله «عَجَباً» حكايةٌ لتعجُّب موسى.
ثم قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي: نطلبه؛ لأنَّه أمارة الظَّفر بالمطلوب، وهو لقاء الخضر.
قوله: ﴿نَبْغِى﴾ : حذف نافع وأبو عمرو والكسائي ياء «نَبْغِي» وقفاً، وأثبتوها وصلاً، وابن كثير أثبتها في الحالين، والباقون حذفوها في الحالين؛ اتِّباعاً للرسم، وكان من حقِّها الثبوتُ، وإنما حذفت تشبيهاً بالفواصل، أو لأنَّ الحذف يؤنس بالحذف، فإن «ما» موصولة حذف عائدها، وهذه بخلاف التي في يوسف [الآية: 65] ، فإنها ثابتة عند الجميع، كما تقدَّم.
قوله: «قصصاً» فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه مصدر في موضع الحال، أي: قاصِّين.
الثاني: أنه مصدر منصوب بفعل من لفظه مقدر، أي: يقصَّان قصصاً.
الثالث: أنه منصوبٌ ب «ارْتدَّا» لأنه في معنى «فقَصَّا» .
قوله: ﴿ {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ﴾ الآية.
قيل: كان ملكاً من الملائكة، والصحيح ما ثبت في التَّواريخ، وصحَّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه الخضر، واسمه بليا بن ملكان.
وقيل: كان من نسل بني إسرائيل.
وقيل: كان من أبناء الملوك الذين زهدُوا في الدنيا، والخضر لقبٌ له، سمِّي بذلك؛ لما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «إنَّما سمِّي خضراً؛ لأنَّه جلس على فَرْوةٍ بيْضاءَ، فإذا هِيَ تهتزُّ تَحْتَهُ خَضِراً» .
وقال مجاهد: إنما سمِّي خضراً؛ لأنَّه كان إذا صلَّى، اخضرَّ ما حوله.
روي في الحديث أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا رأى الخضر - عليه السلام - سلَّم عليه، فقال الخضر: وأنَّى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك؛ لتعلِّمنِي ممَّا علِّمت رشداً.
فصل في بيان أن الخضر كان نبياً
قال أكثر المفسرين: إنَّه كان نبيًّا، واحتجوا بوجوهٍ:
الأول: قوله: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ والرحمة: هي النبوة؛ لقوله تعال ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32] .
وقوله: ﴿وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [القصص: 86] .
والمراد من هذه الرحمة النبوة، ولقائلٍ أن يقول: سلَّمنا أن النبوَّة رحمة، ولكن لا يلزمُ بكلِّ رحمةٍ نبوةٌ.
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾ وهذا يدل على أنه علمه لا بواسطة، ومن علَّمه الله شيئاً، لا بواسطة البشر، يجب أن يكون نبيًّا، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند الله، وذلك لا يدلُّ على النبوَّة.
الثالث: قول موسى - عليه السلام -: «هل أتَّبِعُك على أن تعلِّمنِي ممَّا علِّمتَ رُشداً» والنبي لا يتَّبع غير النبي في التعلُّم.
وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ لأنَّ النبي لا يتبع غير النبي في العلوم التي باعتبارها صار نبيًّا، [أما في غير تلك العلوم فلا] .
الرابع: أنَّ ذلك العبد أظهر الترفُّع على موسى، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ فأما موسى، فإنه أظهر التواضع له؛ حيث قال: ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ وذلك يدلُّ على أنَّ ذلك العالم كان فوق موسى، ومن لا يكون نبيًّا، لا يكون فوق النبيِّ، وذلك أيضاً ضعيفٌ؛ لأنه يجوز أن يكون غير النبيِّ فوق النبي في علومٍ لا تتوقَّف نبوته عليها.
فإن قيل: إنه يوجبُ تنفيراً.
فالجواب: وتكليمه بغير واسطة يوجب التَّنفير.
فإن قالوا: هذا لا يوجبُ التنفير، فكذلك فيما ذكروه.
الخامس: احتجَّ الأصم بقوله: «وما فعلتهُ عن أمْرِي» أي: فعلته بوحي الله تعالى، وذلك يدلُّ على النبوة، وهذا ضعيف أيضاً.
روي أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا وصل غليه، فقال: السلام عليك، فقال: وعليك السلام، يا نبيَّ بني إسرائيل، فقال موسى: من عرَّفك هذا؟ قال: الذي بعثك إليَّ؛ وهذا يدلُّ على أنَّه إنما عرف ذلك بالوحي، والوحي لا يكون إلا إلى النبيِّ.
ولقائلٍ أن يوقل: لم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات؟ .
قال البغوي: ولم يكن الخضرُ نبيًّا عند أكثر أهل العلم.
قوله: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾ أي: علم الباطن إلهاماً.
و «عِلْماً» : مفعول ثان ل «عَلَّمْناهُ» قال أبو البقاء: «ولو كان مصدراً، لكان تعليماً» يعني: لأنَّ فعله على «فعَّل» بالتشديد، وقياس مصدره «التَّفعيلُ» .
و «مِنْ لدُنَّا» يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من «عِلْماً» .
قوله: (على أن تعلمني) : في موضع الحال من الكاف في «أتَّبِعُكَ» أي: أتَّبِعك [باذلاً لي علمكَ» .
قوله: «رُشْداً» مفعول ثان ل» تُعلِّمَنِي «لا لقوله:» ممَّا عُلِّمتَ» قال أبو البقاء: «لأنَّه لا عائد إذن على الذي» يعني أنه إذا تعدَّى لمفعول ثان غير ضمير الموصول، لم يجز أن يتعدَّى لضمير الموصول؛ لئلا يتعدَّى إلى ثلاثة، ولكن لا بدَّ من عائدٍ على الموصول.
وقد تقدَّم خلاف القراء في «رُشداً» في سورة الأعراف [الآية: 146] ، وهل هما بمعنى واحد أم لا؟ .
وقوله: رشداً» أي: علماً ذا رشدٍ.
قال القفَّال: قوله «رُشْداً» يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون «الرُّشْدُ» راجعاً إلى الخضرِ، أي: ممَّا علمك الله، وأرشدك به.
والثاني: أن يرجع إلى موسى، أي: على أن تعلِّمني، وتُرشِدني ممَّا علِّمت.
فصل في أدب موسة - عليه السلام - في تعلُّمه من الخضرِ
دلَّت هذه الآية على أنَّ موسى - عليه السلام - راعى أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلَّم من الخضر.
منها: أنه جعل لنفسه تبعاً له في قوله: «هَلْ أتَّبعكَ» .
ومنها: أنَّه استأذن في إثباتِ هذه التبعيَّة؛ كأنَّه قال: تأذنُ لي على أن أجعل نفسي تبعاً لك، وهذه مبالغةٌ عظيمةٌ في التواضعِ.
ومنها: قوله «على أن تعلمني» وهذا إقرارٌ منه على نفسه بالجهل، وعلى أستاذه بالعلم.
ومنها: قوله: «ممَّا علِّمتَ» وصيغة «مِنْ» للتبعيض، فطلب منه تعليم بعض ما علِّم، وهذا أيضاً إقرارٌ بالتواضع، كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً لك في العلم، بل أطلب منك أن تعطيني جزءاً من الجزء، ممَّا علِّمت.
ومنها: أن قوله: «مِمَّا علِّمتَ» اعترافٌ بأنَّ الله تعالى علَّمهُ ذلك العلم.
ومنها: قوله «رُشْداً» طلب منه الإرشاد والهداية.
ومنها أنَّ قوله: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به، أي: يكون إنعامك عليَّ عند تعليمك إيَّاي شبيهاً بإنعام الله عليك في هذا التعليم.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ يدل على طلب متابعته مطلقاً في جميع الأمور غير مقيَّد بشيءٍ دون شيءٍ.
ومنها: أنه ثبت [في الأخبار] أنَّ الخضر عرف أولاً أنَّه موسى صاحب التَّوراةِ، وهو الرجل الذي كلَّمه الله من غير واسطة، وخصَّه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنَّه - عليه السلام - مع هذه المناصب الرفيعة والدَّرجاتِ العالية الشَّريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع؛ وذلك يدلُّ على كونه - عليه السلام - آتياً في طلب العلم أعظم أبواب المبالغةِ في التواضع، وهذا هو اللائقُ به؛ لأنَّ كلَّ من كانت إحاطتهُ بالعلوم التي علم ما فيها من البهجة والسعادة أكثر، كان طلبه له أشدَّ، وكان تعظيمه لأربابِ العلم أكمل وأشدَّ.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ﴾ فأثبت أوَّلاً كونه تبعاً، ثم طلب منه ثانياً أن يعلِّمه، وهذا منه ابتداءٌ بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية، طلب منه التَّعليم.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ لم يطلب على المتابعة إلاَّ التعليم، كأنه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه، ولا عوض لي إلاَّ طلب العلم.
فصل
روي أنه لمَّا قال موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ﴾ ، قال له الخضرُ: كفى بالتَّوراة علماً، وببني إسرائيل شغلاً، فقال له موسى: إنَّ الله أمرني بهذا، فحينئذ قال له: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه علم أنَّه يرى معه أموراً كثيرة منكرة، بحسب الظاهر، ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات، ثمَّ بيَّن عذره في ترك الصَّبر، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ ، أي: علماً.
واعلم أنَّ المتعلِّم على قسمين: متعلِّم ليس عنده شيءٌ من المعلوم، ولم يمارس الاستدلال، ولم يتعوَّد التقرير، والاعتراض، ومتعلِّم حصَّل العلوم الكثيرة، ومارس الاستدلال والاعتراض، ثم إنَّه يريد أن يخالط إنساناً أكمل منه؛ ليبلغ درجة الكمال، فالتعلم في حقِّ هذا القسم الثاني شاقٌّ شديدٌ؛ لأنه إذا رأى شيئاً، أو سمع كلاماً، فربَّما يكون ذلك منكراً بحسب الظاهر، إلاَّ أنه في الحقيقة صوابٌ حقٌّ، فهذا المتعلم لأجل أنه ألف الكلام والجدال، يغترُّ بظاهره، ولأجل عدم كماله، لا يقف على سرِّه وحقيقته، فيقدم على النِّزاع، والاعتراض، والمجادلة، وذلك مما يثقل سماعه على [الأستاذ] المتبحِّر، فإذا اتَّفق مثل هذه الواقعة مرتين أو ثلاثة، حصلت النُّفرة التامَّة والكراهة الشديدة العظيمة، وإلى هذا، أشر الخضر بقوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي أنَّه ألف الإثبات والإبطال، والاستدلال والاعتراض.
وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ إشارةٌ إلى كونه غير عالمٍ بالحقائقِ، وقد تقدم أنه متى حصل الأمران، [عسر] السُّكوت، وعسر التعلم، وانتهى الأمر بالآخرة إلى النُّفرة التامة، وحصول التقاطع.
قوله: «خُبْراً» : فيه وجهان:
الأول: أنه تمييزٌ لقوله «تُحِطْ» وهو منقول من الفاعلية؛ إذ الأصل: مما لم يحطْ به خبرك.
والثاني: أنه مصدر لمعنى لم تحط؛ إذ هو في قوَّة: لم يخبره خبراً، وقرأ الحسن «خُبُراً» بضمتين.
فصل في أن الاستطاعة تحصل قبل الفعل
قال ابن الخطيب: احتجَّ أصحابنا بقوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ على أن الاستطاعة تحصل قبل الفعل.
وقالوا: لو كانت الاستطاعة على الفعل حاصلة قبل [حصول الفعل] ، لكانت الاستطاعة على الصَّبْر حاصلة لموسى قبل حصول الصَّبر، فيلزم أن يكون قوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ كذباً، ولمَّا بطل ذلك، علمنا أنَّ الاستطاعة لا توجد قبل الفعل.
أجاب الجبائيُّ بأنَّ المراد من هذا القول: أنَّه يثقل عليه الصَّبر؛ لا أنه لا يستطيعه، يقال في العرف: «إنَّ فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً، ولا أن يجالسه» إذا كان يثقل عليه ذلك.
ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع﴾ [هود: 20] أي كان يشقُّ عليهم الاستماع.
وأجيب بأنَّ هذا عدولٌ عن الظاهر من غير دليل، وأنه لا يجوز، ومما يؤكد استدلال الأصحاب قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ استبعد حصول الصبر على ما لا يقف الإنسان على حقيقته، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على الفعل حاصلة قبل حصول ذلك العلم، ولو كان كذلك لما كان حصول الصبر عند عدم ذلك العلم مستبعداً؛ لأن القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك الفعل ولما حكم الله تعالى باستبعاده، علمنا أن الاستطاعة، تحصل قبل الفعل.
قوله: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ . قال ابن الخطيب: احتج الطاعنون في عصمةِ الأنبياء بهذه الآية؛ فقالوا إن الخضر قال لموسى: إنَّك لنْ تستطيعَ معي صبراً، وقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً، وكلُّ واحدٍ من هذين القولين مكذبٌ للآخر، فيلزمُ إلحاقُ الكذب بأحدهما، وعلى التَّقديرين، فيلزم صدور الكذب عن الأنبياء - عليهم السلام -.
وأجيب بأنَّه يحمل قوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ على الأكثر والأغلب، وعلى هذا، فلا يلزم ما ذكروه، وقد يجاب بجواب آخر، وهو أن موسى - عليه السلام - استثنى في جوابه، فقال: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً﴾ وعلى هذا، فلا يلزمُ ما ذكروه.
قوله: ﴿وَلاَ أَعْصِي﴾ فيه أربعة أوجهٍ:
أحدها: أنَّها لا محلَّ لها من الإعراب لاستئنافها، وفيه بعدٌ.
الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ؛ عطفاً على ستجدني؛ لأنها منصوبة المحلِّ بالقول.
وقال أبو حيَّان: ويجوز أن يكون معطوفاً على «ستجدني» فلا يكون لهُ محلٌّ من الإعراب، وهذا سهوٌ؛ فإنَّ «سَتجِدُنِي» منصوب المحلِّ؛ لأنه منصوب بالقول، فكذلك ما عطف عليه، ولكنَّ الشيخ رأى كلام الزمخشريِّ كذلك، ولم يتأمَّله، فتبعه في ذلك، فمن ثمَّ جاء السَّهوُ قال الزمخشري: «ولا إعْصِي» في محلِّ النصب عطفاً على «صَابِراً» أي: ستجدني صابراً، وغير عاصٍ أو «لا» في محل رفع عطفاً على «سَتجدُنِي» .
الثالث: أنه في محلِّ نصب على «صَابِراً» كما تقدَّم تقريره.
فصل
دلَّ قوله: ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ على أنَّ ظاهر الأمر للوجوب، وأن تارك المأمور به عاصٍ، والعاصي يستحقُّ العقاب؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: 23] .
فصل
قوله الخضر لموسى: «وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً» نسبه إلى قلة العلم، فقول موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً تواضعٌ شديد، وإظهار للتَّحمل التَّام، وذلك يدلُّ على أنَّ الواجب على المتعلِّم إظهار التواضع بكلِّ الغايات، وأمَّا المعلم فإن رأى أنَّ في التغليظ على المتعلِّم ما يفيده نفعاً وإرشاداً إلى الخير، فالواجب عليه ذكره، فإنَّ السُّكوت عنه يوقع المتعلِّم في الغرور، وذلك يمنع من التعلُّم.
قوله: «فإن اتَّبْعتَنِي» أي صحبتني، ولم يقل: اتَّبعني، ولكن جعل الاختيار إليه، إلاَّ أنَّه شرط عليه شرطاً، فقال: «فلا تَسْالنِي» تقدَّم خلاف القرَّاء في هذا الحرفِ، في سورة «هود» .
وقرأ أبو جعفر وابن عامر - هنا - بفتح السِّين، واللام، وتشديد النون من غير همزٍ، وبغير ياءٍ، وروي عن ابن عامرٍ، ونافع كذلك مع الياء، والمعنى: لا تسألني: لا تستخبرني حين ترى منِّي ما لم تعلمْ وجههُ حتَّى أكون أنا المبتدئ بتعليمك إيَّاه، وإخبارك به، وهذا معنى قوله: ﴿حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أي: أبتدئ بذكره، فأبين لك شأنهُ.
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَا رَكِبَا فِي السفينة خَرَقَهَا﴾ الآية.
اعلم أنَّ موسى - عليه السلام - وذلك العالم، لمَّا تشارطا على الشرط المذكور، سار فانتهيا إلى موضع، احتاجا فيه إلى ركوب السَّفينة، فوجدا سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، [فحملوهم] من غير نول، فلما لجُّوا البحر، أقدم ذلك العالم على خرق السَّفينة.
قال ابن الخطيب: لعلَّه أقدم على إخراق مكانٍ في السفينة؛ لتصير السفينة بذلك السبب معيبة ظاهرة العيب، فلا يتسارع به إلى أهلها الغرق فعند ذلك قال له موسى: ﴿أخَرقْتهَا لتُغْرِقَ أهْلهَا﴾ [لمَّا رأى موسى - عليه السلام - ذلك الأمر المنكر بحسبِ الظَّاهر نسيَ الشرط المتقدم؛ فلهذا قال ما قال] .
وفي اللام وجهان:
أحدهما: هي لام العلة.
والثاني: هي لام الصَّيرورة، وقرأ الأخوان: «ليَغرَقَ» بفتح الياء من تحت، وسكون الغين، وفتح الراء، «أهْلُهَا» بالرفع فاعلاً، والباقون بضمِّ التاء من فوق، وكسر الراء، أي: لتغرق أنت أهلها، بالنصب مفعولاً به، والحسن وأبو رجاء كذلك، غلا أنَّهما شدَّدا الراء.
والسَّفينة معروفة، وتجمع على سفنٍ وسفائن، نحو: صحيفة وصحف وصحائف، وتحذف منها التاء مراداً بها الجمع، فتكون اسم جنسٍ؛ نحو: ثمر [وقمح] ، إلا أنه هذا في المصن وع قليلٌ جدًّا، نحو: جَرَّة وجر، وعمامة وعمام، قال الشاعر: [الوافر]
3547 - مَتَى تَأتيهِ تَأتِي لُجَّ بَحْرٍ ... تَقاذفُ في غَوارِبهِ السَّفِينُ
واشتقاقها من السَّفن، وهو القشر؛ لأنَّها تقشر الماء، كما سميت «بِنْتَ مخرٍ» لأنها تمخرُ الماء، أي: تشقُّه.
قوله: «إمْراً» أي شيئاً عظيماً، يقال: أمِرَ الأمْرُ، أي: عظم وتفاقم، قال: [الرجز]
3548 - دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إدًّا إمْرا ... والإمرُ في كلام العرب: الدَّاهيةُ، وأصله كل شيءٍ شديدٌ كثيرٌ، يقال: أمر القوم: إذا كثروا، واشتدَّ أمرهم.
ومعنى الآية: لقد جئت شيئاً منكراً.
وقال القتيبيُّ: «إمْراً» أي عظيماً عجيباً منكراً.
روي أنَّ الخضر، لمَّا [خرق] السَّفينة لم يخلها الماءِ.
وروي أن موسى لمَّا رأى ذلكَ أخذ ثوبه، وحشا به الخرق
قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي: قال ذلك الخضر، قال موسى ﴿لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ .
قال ابن عبَّاس: إنَّه لم ينس، ولكنًَّه من معاريض الكلام، فكأنَّه نسي شيئاً آخر.
وقيل: معناه: بما تركت من عهدك، والنِّسيان التَّرك.
وروي عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «كانت الأولى من موسى نسياناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً» .
فصل في الرد على الطاعنين في عصمة الأنبياء
قال ابن الخطيب: احتجَّ الطَّاعنون في عصمة الأنبياءِ بهذه الآية من وجهين:
أحدهما: أنه ثبت بالدليل أن ذلك العالم كان نبيًّا، ثم قال موسى: «أخَرقتهَا، لتُغْرِقَ أهْلهَا» ، فإن صدق موصى في هذا القول، دلَّ ذلك على صدور الذَّنْب العظيم من ذلك النبيِّ، وإن كذب، دلَّ ذلك على صدور الذنب [العظيم] من موسى.
والثاني: أنه التزم أنَّه لا يعترض على ذلك العالمِ، وجرت العهود المذكورة بذلك، ثم إنَّه خالف تلك العهود، وذلك ذنبٌ.
فالجواب عن الأول: أن موسى، لما شاهد منه الأمر الخارج عن العادةِ، قال هذا لكلام، لا لأجل أنه اعتقد فيه أنه فعل قبيحاً، بل إنَّه أحبَّ أن يقف على وجهه وسببه، وقد يقال في الشيء العجيب الذي لا يعرف سببه: إنَّه إمرٌ.
وعن الثاني: أنَّه إنما خالف الشَّرط؛ بناءً على النِّسيان، ثم إنه تعالى حكى عن ذلك العالم أنَّه [لما خالف الشرط] لم يزد على أن قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ، فعندها اعتذر موسى بقوله: ﴿لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أراد أنه نسي وصيَّته، ولا مؤاخذة على الناسي، ﴿وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ أي: لا تكلِّفني مشقَّة، يقال: أرهقهُ عسراً وأرهقته عسراً، أي: كلَّفتهُ ذلك. لا تضيِّق عليَّ أمري، لا تعسِّر متابعتك [ويسرها عليّ] بالإغضاء، وترك المناقشة، وعاملني باليسر، ولا تعاملني بالعسر.
و «عُسْراً» : مفعول ثانٍ ل «تُرهِقْنِي» من أرهقه كذا، إذا حمَّله إيَّاه، وغشَّاه به، و «ما» في «بِمَأ نسيتُ» مصدرية، أو بمعنى «الذي» والعائد محذوف.
وقرأ أبو جعفر: «عُسُراً» بضمِّ السين، حيث وقع.
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ﴾ الآية.
اعلم أنَّ لفظ الغلام قد يتناول الشابَّ البالغ، وأصله من الاغتلامِ، وهو شدَّة الشَّبقِ، وذلك إنما يكون في الشَّباب، وقد يتناولُ هذا اللفظُ الصبي الصغير، وليس في القرآن كيف لقياه: هل كان يلعبُ مع الغلمان، أو كان منفرداً؟ أو هل كان مسلماً، أو كان كافراً؟ أو هل كان بالغاً، أو صغيراً؟ لكن اسم الغلام بالصَّغير أليقُ، وإن احتمل الكبير، إلاَّ أن قوله: «بغير نفسٍ» أليق بالبالغ منه بالصبيِّ؛ لأن الصبيِّ لا [يقتل] .
قال ابن عباس: لم يكن نبي الله يقول: أقتلت نفساً زكيَّة بغير نفس إلاَّ وهو صبيٌّ لم يبلغ.
وكيفيَّة قتله، هل كان بحزِّ رأسه، أو بضرب رأسه بالجدار، أو بطريق آخر؟ فليس في لفظ القرآن ما يدلُّ على شيءٍ من هذه الأقسام، لكنَّه روي في الحديث عن ابن عباس عن أبيِّ بن كعب قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الغلام الذي قتله الخضرُ، طبع كافراً، ولو عاش، لأرهق والديه طغياناً وكفراً» .
فإن قيل: إنَّ موسى استبعد أن يقتل النَّفس إلاَّ لأجل القصاصِ، وليس الأمر كذلك، لأنه قد يحلُّ دمه بسبب آخر.
فالجواب: أنَّ السَّبب الأقوى هو ذاك.
قوله: ﴿زَكِيَّةً﴾ : قرأ «زَاكِية» بألف وتخفيف الياء: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وبدون الألف وتشديد الياء: الباقون، فمن قرأ «زاكيةً» فهو اسمُ فاعلٍ على أصله، ومَنْ قرأ «زَكِيَّةً» فقد أخرجه إلى فعيلة للمبالغة.
قال الكسائيُّ والفراء: معناهما واحدٌ؛ مثل القاسيةِ والقسيَّة، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزَّاكيةُ: التي لم تذنبْ قطُّ، والزكيَّة: التي أذنبت ثم تابت.
[والغلام: من لم يبلغْ] . وقد يطلق على البالغ الكبير. فقيل مجازاً باعتبار ما كان. ومنه قول ليلى: [الطويل]
3549 - شَفاهَا مِنَ الدَّاءِ الذي قَدْ أصَابهَا ... غُلامٌ إذَا هزَّ القَناةَ شَفاهَا
وقول الآخر: [الطويل] 3550 - تَلقَّ ذُبَابَ السَّيفِ عنِّي فإنَّني ... غُلامٌ إذا هو جيتُ لستُ بِشاعرِ
وقيل: بل هو حقيقة، لأنه من الاغتلام وهو الشَّبق، وذلك إنما يكون في الشاب المحتلمِ، والذي يظهرُ أنه حقيقةٌ فيهما عند الاطلاق، فإذا أريد أحدهما، قيد كقوله: «لغُلامَيْنِ يَتيمينِ» وقد تقدَّم ترتيب أسماءِ الآدميِّ من لدن هو جنينٌ إلى أن يصير شيخاً، ولله الحمد، في آل عمران.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لم قال:» حتى إذا ركبا في السفينة خرقها» بغير فاءٍ، و «حتَّى إذا لقيا غلاماً، فقتله» بالفاء؟ قلت: جعل» خَرقهَا «جزاء للشرط، وجعل» قتلهُ «من جملة الشرط معطوفاً عليه، والجزاء» قال: أقتلت «فإن قلت: لم خولف بينهما؟ قلت: لأنَّ الخرق لم يتعقَّب الركوب، وقد تعقَّب القتل لقاء الغلام» .
قوله: بغَيْرِ نفسٍ «فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنها متعلقة ب» قَتلْتَ» .
الثاني: أنها متعلقة بمحذوف، على أنها حال من الفاعل، أو من المفعول، أي: قتلته ظالماً، أو مظلوماً، كذا قدَّره أبو البقاء، وهو بعيد جدًّا.
الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف، أي: قتلاً بغير نفسٍ.
قوله: «نُكْراً» قرأ نافع، وأبو بكر، وابن ذكوان بضمَّتين، والباقون بضمة وسكون، وهما لغتان، أو أحدهما أصلٌ، و «شَيْئاً» : يجوز أن يراد به المصدر، أي: مجيئاً نكراً، وأن يراد به المفعول به، أي: جئت أمراً منكراً، وهل النكر أبلغ من الإمر، أو بالعكس؟ فقيل: الإمرُ أبلغُ؛ لأنَّ قتل أنفسٍ بسبب الخرقِ اعظم من قتل نفسٍ واحدة وأيضاً: فالإمر هو الداهية العظيمة فهو أبلغ من النكر، وقيل: النُّكر أبلغ، لأن معه القتل الحتم، بخلاف خرق السفينة، فإنه يمكن تداركه؛ ولذلك قال: «ألَمْ أقُلْ لَكَ» ولم يأتِ ب» لَكَ «مع» إمْراً» ؛ لأن هذه اللفظة تؤكِّد التَّوبيخ.
وقيل: زاد ذلك، لأنَّه نقض العهد مرَّتين، فقال الخضرُ لموسى - عليهما السلام -: ﴿ألَمْ أقُل لكَ إنَّكَ لنْ تَسْتطيعَ معي صَبْراً﴾ فعند ذلك قال موسى: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ وهذا كلام نادمٍ.
قوله: «فَلاَ تُصَاحِبْنِي» : العامة على» تُصاحِبُني «من المفاعلة، وعيسى ويعقوب:» فلا تَصْحبنِّ]» من صحبه يصحبه.
وأبو عمرو في رواية، وأبيٌّ بضمِّ التاءِ من فوق، وكسر الحاء، من أصحب يصحب، ومفعوله محذوف، تقديره: فلا تصحبني نفسك، وقرأ أبيٌّ» فلا تصحبني علمك «فأظهر المفعول.
قوله:» مِنْ لدُنِّي «العامة على ضمِّ الدال، وتشديد النون، وذلك أنَّهم أدخلوا نون الزيادة أعني الوقاية على» لَدُن «لتقيها من الكسر؛ محافظة على سكونها، حوفظ على سكون نون» مِنْ «و» عَنْ «فألحقت بهما نون الوقايةِ، فيقولون: منِّي وعنِّي بالتشديد.
ونافع بتخفيف النون، والوجه فيه: أنَّه لم يلحقُ نون الوقاية ل» لَدُن «إلا أن سيبويه منع من ذلك وقال:» لا يجوز أن تأتي ب «لَدُنْ» مع ياء المتكلم، دون نون وقاية «وهذه القراءة حجة عليه، فإن قيل: لم لا يقال: إن هذه النون نون الوقاية، وإنَّما اتصلت ب» لَدُ «لغة في» لَدُنْ» حتى يتوافق قول سيبويه، مع هذه القراءة؟ قيل: لا يصحُّ ذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّ نون الوقاية، إنما جيء بها؛ لتقيَ الكلمة الكسر؛ محافظة على سكونها، ودون النون لا سكون؛ لأنَّ الدال مضمومة، فلا حاجة إلى النُّون.
الثاني: أن سيبويه يمنع أن يقال: «لَدُنِي» بالتخفيف.
وقد حذفت النون من «عَنْ» و «مِنْ» في قوله: [الرمل]
3551 - أيُّهَا السَّائلُ عنهم وعنِي ... لستُ من قَيْسٍ ولا قَيْسُ مني
وقرأ أبو بكر بسكون الدَّال، وتخفيف النون، لكنَّه ألزم الدال الضمة منبهة على الأصل.
ولكن تحتمل هذه القراءة أن تكون النون فيها أصليَّة، وأن تكون للوقاية على أنها دخلت على «لد» الساكنة الدال، لغة في «لدُنْ» فالتقى ساكنان، فكسرت نون الوقاية على أصلها، وإذا قلنا بأنَّ النون أصلية، فالسكون تخفيف؛ كتسكين ضاد «عضدٍ» وبابه واختلف القراء في هذا الإشمام، فقائل: هو إشارة بالعضو من غير صوتٍ، كالإشمام الذي في الوقف، وهذا هو المعروف، وقائل: هو إشارة للحركة المدركة بالحسِّ، فهو كالرَّوْم في المعنى، يعني: أنه إتيان ببعض الحركة، وقد تقدَّم هذا محرَّراً في يوسف عند قوله ﴿لاَ تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: 11] ، وفي قوله في هذه السورة «من لدنه» في قراءة شعبة أيضاً، وتقدَّم بحثٌ يعود مثله هنا.
وقرأ عيسى وأبو عمرو في رواية «عُذُراً» بضمتين، وعن أبي عمرو أيضاً «عذري» مضافاً لياءِ المتكلم.
و «مِنْ لدُنَّي» متعلق ب «بَلغْتَ» أو بمحذوف على أنَّه حال من «عُذْراً» .
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس: معناه: أعذرت فيما بيني وبينك.
وقيل: حذَّرتني أنِّي لا أستطيع معك صبراً.
وقيل: اتَّضح لك العذر في مفارقتي.
والمراد أنَّه مدحه بهذه الطريقة من حيث إنَّه احتمله مرَّتين أولاً وثانياً.
روى ابن عبَّاس عن أبيِّ بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رَحْمَةُ الله عليْنَا، وعلى مُوسَى» وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بدأ بنفسه «لولا أنَّه عجَّل، لرأى العجب، ولكنَّه أخذته من صاحبه ذمامة، قال:» إنْ سألتُكَ عَن شيءٍ بعدها، فلا تُصَاحِبنِي، قَدْ بلغْتَ من لدُنِّي عُذْراً؛ فلو صبر، لرأي العجب» .
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا﴾ الآية.
قال ابن عباس: هي أنطاكية.
وقال ابن سيرين: هي [الأبلة] ، وهي أبعد الأرض من السَّماء وقيل: بَرْقَة.
وعن أبي هريرة: بلدة بالأندلس.
﴿استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ قال أبي بن كعبٍ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: حتَّى إذا أتيا أهل قريةٍ لئاماً، فطافَا في المجلسِ فاستطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما.
وروي أنَّهما طافا في القرية، فاستطعماهم، فلم يطعموهما، فاستضافاهم، فلم يضيِّفوهما.
قال قتادة: شرُّ القرى التي لا تضيِّف الضَّيف.
وروي عن أبي هريرة: «أطعمتهما امرأةٌ من أهل بربر بعد أن طلبا من الرِّجال، فلم يطعموهما؛ فدعوا لنسائهم، ولعنا رجالهم» .
قوله
: ﴿استطعمآ أَهْلَهَا﴾ : جواب «إذا» أي: سألاهم الطام، وفي تكرير «أهلها» وجهان:
أحدهما: أنه توكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر؛ كقوله: [الخفيف]
3552 - لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيءٌ ... نَغَّص المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا
وقول الآخر: [الكامل]
3553 - لَيْتَ الغُرابَ غَداةَ يَنْعُبُ دائماً ... كَانَ الغُرابُ مُقطَّعَ الأوْدَاجِ
والثاني: أنَّه للتأسيس؛ وذلك أنَّ الأهل المأتيِّين ليسوا جميع الأهل، إنما هم البعض؛ إذ لا يمكن أن يأتينا جميع الأهل في العادة في وقتٍ واحدٍ، فلما ذكر الاستطعام، ذكره بالنسبة غلى جميع الأهل، كأنهما تتبعا الأهل واحداً واحداً، فلو قيل: استطعماهم، لاحتمل أنَّ الضمير يعودُ على ذلك البعضِ المأتيِّ، دون غيره، فكرَّر الأهل لذلك.
فإن قيل: الاستطعام ليس من عادة الكرام، فكيف أقدم عليه موسى، مع أنَّ موسى كان من عادته طلبُ الطعام من الله تعالى، كما حكى عنه قوله: ﴿إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24] .
فالجواب: أنَّ إقدام الجائع على الاستطعام أمرٌ مباحٌ في كلِّ الشرائع، بل ربَّما وجب عند خوف الضَّرر الشديد.
فإن قيل: إنَّ الضيافة من المندوبات، فتركها ترك المندوب، وذلك أمرٌ غير منكرِ، فكيف يجوز من موسى - عليه السلام - مع علوِّ منصبه أن يغضب عليهم الغضب الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه مع ذلك العالم في قوله: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ .
وأيضاً مثل هذا الغضب لأجل ترك الأكل في ليلةٍ واحدةٍ، لا يليقُ بأدونِ الناس فضلاً عن كليم الله؟ .
فالجواب: أنَّ الضيافة قد تكون من الواجبات، بأن كان الضيف قد بلغ في الجوع إلى حيث لو لم يأكل، لهلك، وإذا كان كذلك، لم يكن الغضب الشديد لأجل ترك الأكل [ليلة] ، بل كان لأجل تركهم الواجب عليهم.
فإن قيل: إنه ما بلغ في الجوع إلى حدِّ الهلاك؛ بدليل أنَّه قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ، ولو كان بلغ في الجوع إلى حدِّ الهلاك، لما قدر على ذلك العمل، فكيف يصحُّ منه طلب الأجرة؟ .
فالجواب: لعلَّ ذلك الجوع كان شديداً، إلاَّ أنه ما بلغ حدَّ الهلاك.
قوله: «أنْ يُضيِّفُوهمَا» مفعولٌ به لقوله «أبَوْا» والعامة على التشديد من ضيَّفه يضيِّفه. والحسن وأبو رجاء وأبو رزين بالتخفيف من: أضافه يضيفه وهما مثل: ميَّله وأماله.
رُوِيَ أنَّ أهل تلك القرية، لمَّا سمعوا نزول هذه الآية، استحيوا، وجاءوا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بحمل من الذَّهب، وقالوا: يا رسول الله، نشتري بهذا الذَّهب أن تجعل الباء تاء؛ حتى تصير القراءة «فأتوا أن يضيفوهما» ، أي: أتوا [لأجل أن] يضيِّفوهما، أي كان إتيانهم لأجل الضِّيافة، وقالوا: غرضنا منه أن يندفع عنَّا هذا اللُّؤم، فامتنع النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: «تغير هذه النُّقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله تعالى، وذلك يوجب القدح في الإلهيَّة.
قوله: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ أي: فرأيا في القرية حائطاً مائلاً.
وقوله:» أنْ ينْقَضَّ» مفعول للإرادة، و «انقضَّ» يحتمل أن يكون وزنه «انفعل» من انقضاضِ الطائر، أو من القضَّة، وهي الحصى الصِّغار، والمعنى: يريد أن يتفتَّت، كالحصى، ومنه طعام قَضَضٌ، إذا كان فيه حصى صغارٌ، وأن يكون وزنه «افْعَلَّ» ك «احمَرَّ» من النقض، يقال: نقض البناء ينقضه، إذا هدمه، ويؤيد هذا ما في حرف عبد الله وقراءة الأعمش «يُرِيدُ ليُنْقَضَ» مبنيًّا للمفعول؛ واللام كهي في قوله ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً﴾ [النساء: 28] . وما قرأ به أبيٌّ «يُرِيدُ أن ينقض» بغير لامِ كيْ.
وقرأ الزهريُّ «أن ينقاضَ» بألف بعد القاف. قال الفارسي: «هو من قولهم قضته فانقاضَ» أي: هدمته، فانهدم. قال شهاب الدين: فعلى هذا يكون وزنه ينفعلُ، والأصل: «انْقيضَ» فأبدلت الياء ألفاً، ولمَّا نقل أبو البقاء هذه القراءة قال: «مثل: يَحمارُّ» ومقتضى هذا التشبيه: أن يكون وزنه «يفعالَّ» ونقل أبو البقاء: أنه قُرئ كذلك بتخفيف الضاد، قال: «هو من قولك: انقاضَ البناءُ، إذا تهدَّم» .
وقرأ عليٌّ أمير المؤمنين - كرَّم الله وجهه -، وعكرمة في آخرين «يَنقَاصُ» بالصاد مهملة، وهو من قاصه يقيصه، أي: كسره، قال ابن خالويه: «وتقول العرب: انقاصتِ السِّنُّ: إذا انشقَّت طولاً» وأنشد لذي الرّمّة:
3554 - ... ... ... ... ... . ..... ... ... . مُنقاصٌ ومُنْكثِبُ
وقيل: إذا تصدَّعتْ، كيف كان وأنشد لأبي ذؤيبٍ: [الطويل]
3555 - فراقٌ كقَيْصِ السنِّ، فالصَّبْرَ إنَّه ... لكلِّ أنَاسٍ عَثْرةٌ وجُبورُ
ونسبة الإرادة إلى الجدار مجازٌ، وهو شائع جدًّا.
وقد ورد في النَّثر والنَّظم، قال الشاعر: [الوافر]
3556 - يُرِيدُ الرُّمح صَدرَ أبِي بَراءٍ ... ويَرْغَبُ عنْ دِمَاءِ بنِي عَقيلٍ
والآية من هذا القبيل.
وكذا قوله: ﴿وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب﴾ [الأعراف: 154] وقوله: ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11] ومن أنكر [المجاز] مطلقاً أو في القرآن خاصة، تأوَّل ذلك على أنه خُلق للجدارِ حياةٌ وإرادةٌ؛ كالحيوانات، أو أنَّ الإرادة صدرت من الخضرِ؛ ليحصل له، ولموسى ما ذكره من العجب.
وهو تعسفٌ كبيرٌ، وقد أنحى الزمخشري على هذا القائل إنحاءً بليغاً جدًّا.
قوله: «فأقَامهُ» قيل: [نقضه] ، ثم بناه، قاله ابن عبَّاس.
وقيل: مسحه بيده، فقام، واستوى، وذلك من معجزاته، هكذا ورد في الحديث. وهو قول سعيد بن جبير.
واعلم أن ذلك العالم، لمَّا فعل ذلك، كانت الحالة حالة اضطرارٍ إلى الطعام، فلذلك نسيَ موسى قوله: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ فلا جرم قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ، أي: طلبت على إصلاحك الجدار جعلاً، أي لصرفه في تحصيل المطعوم؛ فإنك قد علمت أنَّا جياعٌ، وأنَّ أهل القرية لم يطعمونا، فعند ذلك قال الخضر: «هذا فراقُ بَيْنِي وبيْنكَ» .
قوله: ﴿لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو «لتخِذْتَ» بفتح التاء، وكسر الخاء مِنْ تَخِذَ يتْخذُ ك «تَعِبَ يَتْعَبُ» . والباقون «لاتَّخذتَ» بهمزة الوصل، وتشديد التاءِ، وفتح الخاء من الاتِّخاذ، واختلف: هل هما من الأخذ، والتاء بدلٌ من الهمزة، ثم تخذف التاء الأولى فيقال: تَخِذَ، كتَقِيَ من «اتَّقَى» نحو قوله: [الطويل]
3557 - ... ... ... ... ... ... تَقِ الله فِينَا والكِتابَ الَّذي تَتْلُو
أم هما من تخذَ، والتاء أصيلةٌ، ووزنهما فعل وافتعل؟ قولان تقدَّم تحقيقهما في هذا الموضوع، والفعل هنا على القراءتين متعدٍّ لواحدٍ؛ لأنَّه بمعنى الكسب.
قوله: ﴿فِرَاقُ بَيْنِي﴾ : العامة على الإضافة؛ اتِّساعاً في الظرف، وقيل: هو بمعنى الوصل. كقوله: [الطويل]
3558 - ... ... ... ... ... ..... وجِلْدَةُ بين العيْنِ والأنْفِ سَالِمُ
وحكى القفال عن بعض أهل العربيَّة أنَّ البين هو الوصل؛ لقوله ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] ، فيكون المعنى هذا فراقُ اتصالنا، كثول القائل: أخزى الله الكاذب بيني وبينك، أي: أحدنا هكذا. قاله الزجاج.
وقرأ ابن أبي عبلة «فِراقُ» بالتنوين على الأصل، وتكرير المضاف إليه عطفاً بالواو هو الذي سوَّغ إضافة «بين» إلى غير متعددٍ؛ ألا ترى أنَّك لو اقتصرت على قولك: «المَالُ بيني» لم يكن كلاماً؛ حتى تقول: بيننا أو بيني وبين فلانٍ.
وقوله: «هذا» أي: هذا الإنكار على ترك الأجر هو المفرَّق بيننا.
وقيل: إنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا شرط أنَّه إنْ سأله بعد ذلك سؤالاً ىخر، حصل الفراق بقوله: [ ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾ فلما ذكر هذا السؤال فارقه ذلك العالم، وقال] : ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ أي: هذا الفراق [الموعود] ، ثم قال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ .
قرأ ابن وثَّاب «سَانْبِيكَ» بإخلاص الياء بدل الهمزة.
قوله تعالى: ﴿أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ : العامة على تخفيف السين، جمع « مِسْكين» . وقرأ عليٌّ أميرالمؤمنين - كرَّم الله وجهه - بتشديدها جمع «مسَّاك» وفيه قولان:
أحدهما: أنه الذي يمسكُ سكَّان السفينة، وفيه بعض مناسبة.
والثاني: أنَّه الذي يدبغُ المُسوكَ جمع «مَسْكٍ» بفتح الميم، وهي الجلود، وهذا بعيدٌ؛ لقوله: ﴿يَعْمَلُونَ فِي البحر﴾ قال شهاب الدين ولا أظنُّها إلا تحريفاً على أمير المؤمنين، و «يَعْملُونَ» صفة لمساكين.
قوله: ﴿وَرَآءَهُم مَّلِكٌ﴾ «وَرَاء» هنا بمعنى المكان.
وقيل: «وَراءَهُمْ» بمعنى «أمَامَهُمْ» ؛ كقوله:
﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: 16] وقيل: «وَراءَهُمْ» خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه. والأول أصحُّ؛ لقوله: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: 16] ويؤيِّده قراءة ابن عباس: وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلَّ سفينةٍ غصباً وقال سوارُ بن المضرِّب السعديُّ: [الطويل]
3559 - أيَرْجُو بنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطَاعتِي ... وقَوْمِي تَميمٌ والفَلاةُ وَرائِيَا
وقال تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الإنسان: 27] وتحقيقه: أنَّ كلَّ ما غاب عنك، فقد توارى عنك وتواريت عنه، وقيل: إنَّ تحقيقه أنَّ ما غاب عنك، فقد توارى عنك، وأنت متوارٍ عنه، فكلُّ ما غاب عنك، فهو وراءك، وأمام الشيء وقدامه، إذا كان غائباً عنك، متوارياً عنك، فلم يبعد إطلاق لفظة «وراء» عليه، ويراد بها الزَّمان؛ قال الشاعر: [الطويل]
3560 - ألَيْسَ وَرائِي أنْ أدبَّ على العَصَا ... فَيأمَنَ أعْدائِي ويَسْأمنِي أهْلِي
وقال لبيد: [الطويل]
3561 - أليْسَ ورَائِي إنْ تَراخَتْ منيَّتِي ... لُزومُ العَصَا تُحْنَى عليْهَا الأصَابِعُ
قوله: «غَصْباً» فيه أوجه:
الأول: أنه مصدر في موضع الحال، أو منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ، أو منصوب على المفعول له، وهو بعيد عن المعنى، وادَّعى الزمخشري أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، فقال: «فإن قلت: قوله:» فأردتُّ أن أعيبها «مسبَّبٌ عن خوفه الغصب عليها، فكان حقه أن يتأخَّر عن السبب؛ فلمَ قُدِّم عليه؟ قلتُ: النيةُ به التأخيرُ؛ وإنما قدِّم للعناية به، ولأنَّ خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين، فكان بمنزلةِ قولك: زيدٌ ظنِّي مقيمٌ» .
قوله: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ : التثنية للتغليب، يريد: أباه وأمَّه، فغلَّب المذكَّر، وهو شائع، ومثله: القمران والعمران، وقد تقدَّم [في يوسف] : أنَّ الأبوين يراد بهما الأب والخالة، فهذا أقربُ.
والعامة على «مُؤمنين» بالياء، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، والجحدريُّ «مُؤمنانِ» بالألف، وفيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه على لغة بني الحارث، وغيرهم.
الثاني: أن في «كان» ضمير الشَّأن، و «أبواهُ مُؤمِنانِ» مبتدأ وخبر في محل النصب؛ كقوله: [الطويل]
3562 - إذَا مِتُّ كان النَّاسُ صِنفَانِ شَامتٌ..... ... ... ... ... .
فهذا أيضاً محتمل للوجهين.
الثالث: أن في «كان» ضمير الغلام، أي: فكان الغلامُ، والجملة بعده الخبر، وهو أحسن الوجوه.
قوله: ﴿فَخَشِينَآ﴾ أي: فعلمنا ﴿أَن يُرْهِقَهُمَا﴾ يفتنهما.
وقال الكلبيُّ: يكلِّفهما طغياناً وكفراً.
وقال سعيد بن جبيرٍ: فخشينا أن يحملهما حبُّه على أن يتابعاه على دينه.
قيل: إنَّ ذلك الغلام كان بالغاً، وكان يقطع الطريق، ويقدم على الأفعال المنكرة، وكان يصير ذلك سبباً لوقوعهما في الفسق، وربما يؤدِّي ذلك الفسق إلى الكفر.
وقيل: كان صبيًّا إلا أن الله تعالى علم منه أنَّه لو صار بالغاً، لحصلت منه تلك المفاسد.
وقيل: الخشية بمعنى الخوف، وغلبة الظنِّ، والله تعالى قد أباح له قتل من غلب على ظنِّه تولُّد المفاسد منه.
فإن قيل: هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان لمثل هذا الظنِّ؟
فالجواب: أنَّه إذا تأكَّد ذلك الظنُّ بوحي الله تعالى إليه، جاز.
قوله: ﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا﴾ : قرأ نافع، وأبو عمرو بفتح الباء، وتشديد الدال من « بدَّل» هنا، وفي التحريم [الآية: 5] ﴿أَن يُبْدِلَهُ﴾ وفي القلم [الآية: 32] ﴿أَن يُبْدِلَنَا﴾ والباقون بسكون الباء، وتخفيف الدال من «أبْدلَ» في المواضع الثلاثة، فقيل: هما لغتان بمعنى واحد، وقال ثعلبٌ: الإبدال تنحيةُ جوهرةٍ، واستئناف أخرى؛ وأنشد: [الرجز]
3563 - عَزْلَ الأميرِ للأمِيرِ المُبدَلِ ... قال: ألا تراه نحَّى جسماً، وجعل مكانه آخر، والتبديل: تغيير الصورة إلى غيرها، والجوهرة باقية بعينها؛ واحتجَّ الفراء بقوله تعالى: ﴿يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] قال: والذي قال ثعلبٌ حسنٌ، إلاَّ أنَّهم يجعلون «أبدلتُ» بمعنى «بدَّلتُ» قال شهاب الدين: ومن ثم، اختلف الناس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض﴾ [إبراهيم: 48] : هل يتغير الجسمُ والصفة، أو الصفة دون الجسم؟ .
قوله: ﴿يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً﴾ أي: يرزقهما الله ولداً خيراً من هذا الغلام «زَكَاةً» أي: ديناً، وصلاحاً.
وقيل: ذكر الزكاة تنبيهاً على مقابلة قول موسى - عليه السلام - «أقتَلْتَ نفساً زكيَّة بغيرِ نفسٍ» فقال العالم: أردنا أن يرزق الله هذين الأبوين خيراً، بدلاً عن ابنهما هذا ولداً يكون خيراً منه بما ذكره من الزَّكاة، ويكون المراد من الزَّكاة الطهارة، وكان قول موسى: «أقَتَلْتَ نَفْساً زكيَّة» ، أي: طاهرة، لأنَّها ما وصلت إلى حدِّ البلوغ، فكانت زاكية طاهرة من المعاصي، فقال العالم: إن تلك النفس، وإن كانت طاهرة زاكية في الحال، إلاَّ أنه تعالى علمَ منها أنَّها إذا بلغتْ، أقدمت على الطغيان، والكفر، فأردنا أن يحصل لهما ولدٌ عظيمٌ، أي: أعظم زكاة وطهارة منه، وهو الذي يعلمُ الله منه أنَّه عند البلوغ لا يقدم على شيءٍ من هذه المحظورات.
ومن قال: إنَّ ذلك الغلام كان بالغاً، قال: المراد من وصف نفسه بكونها زاكية أنه لم يظهر عليه ما يوجب قتله.
قوله: «رُحْماً» قرأ ابن عامر «رُحُماً» بضمتين، والباقون بضة وسكون، وهما بمعنى الرحمة؛ قال رؤبة: [الرجز]
3564 - يَا مُنْزِلَ الرُّحْمِ على إدْريسَا ... ومُنْزِلَ اللَّعْنِ على إبْليسَا
وقيل: الرُّحُم بمعنى الرَّحم، وهو لائِقٌ هنا من أجلِ القرابةِ بالولادة؛ ويؤيِّده قراءة ابن عباس «رَحِماً» بفتح الراءِ، وكسر الحاء، و «زَكاةً ورُحْماً» منصوبان على التمييز.
والمعنى: هذا البدل يكون [أقرب] عطفاً ورحمة بأبويه، وأشفق عليهما.
فصل في المبدل به
قال الكلبيُّ: أبدلهما الله جارية تزوَّجها نبيٌّ من الأنبياء، فولدت له نبيًّا، فهدى الله على يديه أمَّة من الأمم.
قوله: ﴿وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المدينة وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا﴾ وكان اسمهما «أصْرَم» و «صَرِيم» .
واعلم أنه سمَّى القرية في قوله: ﴿أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ وسمَّى القرية هنا مدينة بقوله: «يَتيميْنِ في المدينةِ» فدلَّ على جواز [تسمية] إحداهما بالأخرى، ثم قال: «وكَان تحته كنزٌ لهُمَا» .
روى أبو الدرداء عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «كَانَ ذهباً، وقضَّة» .
وقال عكرمة: كان مالاً، ويدلُّ على ذلك أنّ المفهوم من لفظ الكنز هو المالُ.
وعن ابن عباس قال: «كَانَ لوحاً من ذهبٍ مكتوباً فيه: عجباً لمن أيقن بالموتِ، كيف يفرحُ، عجباً لمن أيقن بالقدر كيف ينصبُ، عجباً لمن أيقن بالرزقِ كيف يتعب، عجباً لمن يؤمنُ بالحساب كيف يغفل، عجباً لمن أيقن بزوالِ الدُّنيا، وتقلبها بأهلها كيف يطمئنُ إليها، لا إله إلا الله، محمدُ رسول الله، وفي الخطاب الجانب الآخر: أنا الله، لا إله إلا أنا، وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشرَّ فطوبى [لمن] خلقته للخير، وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشرِّ، وأجريته على يديه» .
وهذا قول أكثر المفسِّرين وروي أيضاً مرفوعاً، قال الزجاج: والكنزُ إذا أطلق إنما ينصرفُ إلى كنز المال، ويجوز عند التَّقييد لكنز العلم، يقال: عنده كنز علم. وهذا اللوح كان جامعاً لهما.
«وكان أبُوهمَا صالحاً» قيل: كان [اسمه] «كَاشِحٌ» وكان من الأنبياء، قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولهذا قيل: إنَّ الرجل الصالح يكون كنزه العلم لا المال، قيل: كان بينهما وبين الأب الصَّالح سبعة آباء وهذا يدل على أنَّ صلاح الإنسان يفيد العناية بأحوال أبنائه، فإن قيل: اليتيمان، هل أحد منهما عرف حصول الكنز تحت ذلك الجدار، أو ما عرف أحد منهما ذلك؟ فإن كان الأول امتنع أن يتركوا سقوط ذلك الجدار، وإن كان الثاني فكيف يمكنه بعد البلوغ استخراج ذلك الكنز ومعرفته والانتفاع به؟ .
الجواب: لعل اليتيمين كانا جاهلين به إلاَّ أن وصيَّهما كان عالماً به، إما أن ذلك الوصيَّ غاب، وأشرف ذلك الجدار في غيبته على السُّقوطِ، ثم قال: «فأرادَ ربُّك أن يبلغا أشدَّهُما» أي: يبلغا ويعقلا، وقيل: يدركا شدَّتهما وقوتهما.
وقيل: ثماني عشرة سنة، ويستخرجا حينئذ كنزهما «رحْمةً من ربِّك» أي: نعمة من ربِّك.
وفي نصب «رَحْمَةً» ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه مفعول له.
الثاني: أن يكون في موضع الحال من الفاعل، أي: أراد ذلك راحماً، وهي حالٌ لازمة.
الثالث: أن ينتصب انتصاب المصدر؛ لنَّ معنى «فاراد ربُّك أن يبلغا» معنى: «فرحمهما» ثم قال: وما فعلتهُ عن أمْرِي «أي: ما فعلته باختيارِي ورأيي، بل فعلتهُ بأمر الله وإلهامه، بأنَّ الإقدامَ على تنقيص أموالِ النَّاسِ وإراقةِ دمائهم، لا يجوز إلاَّ بالوحي والنفي القاطع،» وذلِكَ تأويلُ ما لمْ تَسْطِع عليه صبراً «أي: لم تطقْ عليه صبراً.
قوله:» تَسْطِعْ» قيل أصله «اسْتطاعَ» فحذفت تاء الافتعال، وقيل: المحذوف الطاء الأصلية، ثم أبدلت تاءُ الافتعال طاء بعد السِّين، وهذا تكلف بعيدٌ.
وقيل: السِّين مزيدة عوضاً من قلب الواو ألفاً، والأصل: أطاع، ولتحقيق القول فيه موضعٌ غير هذا، ويقال: استتاع - بتاءين، واستاع - بتاء واحدة، فهذه أربع لغاتٍ حكاها ابن السِّكيتِ.
فصل
اعلم أنَّ أحكام الأنبياء - عليهم السلام - مبنيةٌ على الظواهر؛ كما قال - عليه السلام -: «نَحْنُ نحكمُ بالظَّاهرِ والله يتولَّى السَّرائرَ» وهذا العالم ما كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور، بل كانت مبنية على الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس الأمر، وذلك لنَّ الظاهر في أموال النَّاس، وفي أرواحهم في المسالة الأولى والثانية من غير سببٍ ظاهرٍ لا يبيح ذلك التصرف؛ لأن تخريق السفينة تنقيصٌ لملك الغير من غير سبب ظاهر يبيحُ ذلك التصرُّف، والإقدام على قتل الغلامِ إلحاقٌ بضررِ القتل به من غير سبب ظاهر والإقدامُ على إقامةِ الجدار المائل تحملٌ للتَّعَب والمشقَّة من غير سبب ظاهر، فهذه المسائل الثلاثة ليس حكم ذلك العالم فيها مبنيًّا على الأسباب الظاهرة، بل كان مبنياً على أسباب معتبرة في نفس الأمر، وهذا يدلُّ على أنَّ ذلك العالم كان قد آتاهُ الله قوة عقلية يقدر بها أن يشرفَ على بواطن الأمور، ويطَّلع بها على حقائق الأشياء، فكانت مرتبة موسى - عليه السلام - في معرفةِ شرائع الأحكام بناء على الظواهر، وهذا العالم مرتبته الوقوف على بواطن الأشياء وحقائقها، فلهذا كانت مرتبته في العلم فوق مرتبة موسى. إذا عرف هذا؛ فنقول: هذه المسائل الثلاثة مبنيةٌ على حرف واحد، وهو أنه: إذا تعارض ضرران يجب تحمل الأولى، لدفع الأعرى، فهذا هو الأصل المعتبر في المسائل الثلاثة، أمَّا الأولى: فلأنَّ ذلك العالم علم أنَّه لو لم يعب السفينة بالتخريقِ، فغصبها ذلك الملك، وفاتت منافعها بالكليَّة على ملاَّكها، فوقع التعارضُ بين أن يخرقها ويعيبها، ويبقى مع ذلك العيب على ملاَّاكها وبين ألاَّ يخرقها، فيغصبها الملك، وتفوت منافعها على ملاكها بالكلِّية، ولا شكَّ أن الضرر الأوَّل أقلُّ؛ فوجب تحمُّله؛ لدفع الضرر الثاني؛ لكونه أعظم ضرراً.
وأمَّا المسألة الثانية فكذلك؛ لأنَّ بقاء ذلك الغلام كان مفسدة للوالدين في دينهم، وفي أبنائهم، ولعلَّه علم بالوحي أن المضار الناشئة من قتل ذلك الغلام أقل من المضار الناشئة بسبب حصول تلك المفاسدِ للأبوين؛ فلهذا السَّبب أقدم على قتله.
والمسألة الثالثة - أيضاً - كذلك؛ لأنَّ المشقة الحاصلة بسبب الإقدام على بناء الجدار المائل أسهل من المضارِّ الحاصلة بسبب ترك إقامته، لأنَّ ذلك الجدار لو سقط، لضاع مال أولئك الأيتام، وفيه ضررٌ شديدٌ، فالحاصل أنَّ ذلك العالم كان مخصوصاً بالوقوف على حقائق الأشياء وببناء الأحكام على حقائقها، وأنّ موسى - عليه السلام - كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور، فبهذا ظهر التفاوتُ بينهما في علمه.
فإن قيل: فحاصل الكلام أنَّه تعالى أطلعه على حقائق الأشياء، وهذا النَّوعُ من العلم ما يمكنُ تعلُّمه، وموسى - عليه السلام - إنما ذهب إليه ليتعلم منه العلم، فكان الواجب على ذلك العالم أن يظهر له علماً يمكنُ تعلُّمه، وهذه المسائل علمها لا يمكن تقاسمه، فما الفائدة في إظهارها؟
فالجواب: أنَّ العلم بظواهر الأشياء يمكن تحصيله بناء على معرفة الشرائع الظاهرة، وأمَّا العلم بحقائق الأشياء، فإنَّه لا يمكن تحصيله إلاّ بناءً على تصفية الباطن، وتطهير القلب ع نالعلائق الجسمانية، ولهذا قال تعالى في صفة علم ذلك العالم: ﴿وعلَّمناهُ من لدُنَّا علماً﴾ ثم إن موسى - عليه السلام - لمَّا كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه الله تعالى إلى ذلك العالم، ليعلِّم موسى أنَّ كمال الدرجة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظَّواهر إلى علوم البواطنِ المبنية على الإشراف على حقيقة الأمور.
فصل
احتجُّوا بهذه الآية على أن الفقير أشدُّ حاجة من المسكين؛ لأنَّه تعالى سمَّاهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون السفينة.
واعلم أن العالم بيَّن مراده من تخريق السفينة، وأنه لم يكن مقصوده تغريق أهلها؛ بل كان مقصوده تعييبها، لئلاَّ يأخذها ذلك الملك الظَّالم؛ لأنه كان من عادته أخذ السفن الخالية من العيوب، وضرر هذا التخريق أسهل من ضرر الغصب.
فإن قيل: هل يجوز للأجنبيِّ أن يتصرَّف في ملك الغير لمثل هذا الغرض؟ .
فالجواب: هذا مما تختلف أحواله بسبب اختلاف الشرائع، فلعلَّ هذا كان جائزاً في تلك الشريعة، وأما في شريعتنا فهذا الحكم غير بعيدٍ، فإنَّا إذا علمنا أن الذين يقطعون الطريق يأخذون جميع مال الإنسان، فإن دفعنا إلى قاطع الطَّريق بعض ذلك المال سلم الباقي، فحينئذ يحسنُ منَّا أن ندفع بعض مال ذلك افنسان إلى قاطع الطريق؛ ليسلم الباقي، وكان هذا إحساناً منا لذلك المالك.
كذلك قيل في السفينة المشحونة إذا خيف عليها الغرق، وأنه إذا ألقي منها شيءٌ في البحر خفَّت وسلم ما فيها جاز الإلقاء، بل يجب كذلك، وكذلك مسالة التترُّس بالمسلمين.
واعلم بأنَّ هذا التخريق يجب أن يكون على وجه لا يبطل منافع تلك السفينة بالكلِّية، إذ لو ك ان كذلك، لم يكن الضَّررُ الحاصل من غصبها أعظم من الضَّرر الحاصل من تخريقها، وحينئذ لم يكن تخريقها جائزاً.
فصل
اعلم أنَّه قال: ﴿فأردتُّ أن أعيبها﴾ وقال: ﴿فأردْنَا أن يبدلهما ربُّهما خيراً منهُ﴾ ، وقال: ﴿فأرَادَ ربُّك أن يبلُغا أشدَّهما﴾ فاختلفت الإضافة في هذه الإرادات الثلاثة، وهي كلها قضيَّة واحدة، وفائدة ذلك أنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه، فقال: ﴿فأرَدْتُ أن أعيبها﴾ ولمَّا ذكر القتل، عبَّر عن نفسه بلفظِ الجمع تنبيهاً على أنَّه من العظماء في علوم الحكمة، فلم يقدم على هذا القتل إلاَّ لحكمةٍ عاليةٍ، ولمَّا ذكر رعاية صالح اليتيمين لأجل صلاح أبيهما اضافه إلى الله تعالى، لأنَّ المتكفِّل بمصالح الأبناء برعاية حقِّ الآباء ليس إلاَّ الله تعالى.
فصل
اختلفوا: هل الخضر حيٌّ أم لا؟ فقيل: إنَّ الخضر وإلياس حيَّان يلتقيان كلَّ سنةٍ بالموسم، قيل: وسبب حياته أنَّ ذا القَرنَيْنِ دخل الظلمات، لطلب عين الحياة، وكان الخضر على مقدِّمته، فوقع الخضر على عين الحياة، فنزل، واغتسل، وشرب، وقيل: وأخطأ ذو القرنين الطريق، فعاد.
وقيل: إنه ميتٌ، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾ [الأنبياء: 34] وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ بعدما صلى العشاءَ ليلة: «أرَأيْتكُمْ ليْلتَكُم هذه، فإنه على رأس مائة سنةٍ لا يبقى ممَّن هو اليوم على ظهر الأرضِ أحدٌ» ولو كان الخضر حيًّا، لكان لا يعيش بعده.
رُويَ أنَّ موسى لمَّا اراد أن يفارقه قال: أوصني، قال: لا تطلب العلم لتحدِّث به، واطلبه لتعمل به.
الكهف 18:81
قوله: ﴿وَتِلْكَ القرى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ أي قرى الأوَّلين: قوم نوح وعاد وغيرهم، وتلك مبتدأ، والقرى خبره.
و «أهْلكْنَاهُمْ» حينئذ: إمَّا خبر ثانٍ، أو حال، ويجوز أن تكون «تِلْكَ» مبتدأ، و «القرى» صفتها لأنَّ أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجنس أو بيان لها، أو بدلٌ منها، و «أهْلَكنَاهَا» الخبر، ويجوز أن يكون «تِلْكَ» منصوب المحلِّ بفعلٍ مقدَّر على الاشتغال.
والإضمار في «أهْلَكنَاهُمْ» عائد على «أهْل» المضاف إلى القرى، إذ التقدير: وأهل تلك القرى، فراعى المحذوف، فأعاد عليه الضمير، وتقدَّم ذلك في أول الأعراف [الآية: 4] .
و «لمَّا ظلموا» يجوز أن يكون حرفاً، وأن يكون ظرفاً، وقد تقدَّم.
قوله: «وجعلنا لمهلكهم موعداً» قرأ عاصم «مَهْلَك» بفتح الميم، والباقون بضمها، وحفص بكسر اللام، والباقون بفتحها، فتحصَّل من ذلك ثلاث قراءاتٍ، لعاصم قراءتان؛ فتح الميم مع فتح اللام، وهي رواية أبي بكرٍ عنه، والثانية فتح الميم، مع كسر اللام، وهي رواية حفص عنه، والثالثة: ضم الميم، وفتح اللام، وهي قراءة الباقين.
وأمَّا قراءة أبي بكرٍ، ف «مَهْلَك» فيها مصدرٌ مضاف لفاعله، وجوَّز أبو عليٍّ أن يكون مضافاً لمفعوله، وقال: إنَّ «هَلَكَ» يتعدَّى دون همز، وأنشد: [الرجز]
2542 - ومَهْمَهٍ هَالكِ مَنْ تعرَّجا ... ف «مَنْ» معمول ل «هالكٍ» وقد منع النَّاسُ ذلك، وقالوا: لا دليلَ في البيت؛ لجواز أن يكون ذلك من باب الصفةِ المشبهة، والأصل: هالك من تعرَّجا.
ف «مَنْ تعرَّج» فاعل الهالك، ثم أضمر في «هَالِك» ضمير «مهمه» ونصب «من تعرَّج» نصب «الوجه» في قولك: «مررتُ برجلٍ حسنٍ الوجهَ» ثم أضاف الصفة، وهي «هَالِك» إلى معمولها، فالإضافة من نصبٍ، والنصب من رفعٍ، فهو كقولك: «زيدٌ منطلقُ اللسان، ومنبسطُ الكفِّ» ولولا تقدير النصبِ، لامتنعتِ الإضافة؛ إذ اسم الفاعل لا يضاف إلى مرفوعه، وقد يقال: لا حاجة إلى تقدير النصب؛ إذ هذا جارٍ مجرى الصفة المشبهة، والصفة المشبهة تضاف إلى مرفوعها، إلا أنَّ هذا مبنيٌّ على خلافٍ آخر، وهو: هل يفع الموصول في باب الصفة أم لا؟ والصحيح جوازه، قال الشاعر: [البسيط]
3543 - فَعُجْتُهَا قِبلَ الأخْيار مَنْزلةً ... والطَّيبِي كُلِّ ما التَاثَتْ به الأزُرُ
وقال الهذليُّ: [الطويل]
3544 - أسِيلاتُ أبْدانٍ دِقَاقٌ خُصورُهَا ... وثِيرَاتُ ما التفَّت عليها المَلاحِفُ
وقال أبو حيَّان في قراءة أبي بكرٍ هذه: «إنَّه زمانٌ» ولم يذكر غيره، وجوَّز غيره فيه الزمان والمصدر، وهو عجيبٌ؛ فإنَّ الفعل متى كسرت عينُ مضارعه، فتحت في المفعل مراداً به المصدر، وكسرت فيه مراداً به الزمان والمكان، وكأنَّه اشتبهت عليه بقراءة حفص؛ فإنَّه بكسر اللام، كما تقدَّم، فالمفعل منه للزَّمان والمكان.
وجوَّز أبو البقاء في قراءته أن يكون المفعل فيها مصدراً، قال: «وشذَّ فيه الكسر كالمرجع» وإذا قلنا: إنَّه مصدر، فهل هو مضافٌ لفاعله، أو مفعوله؟ يجيء ما تقدَّم في قراءة رفيقه، وتخريجُ ابي عليٍّ، واستشهاده بالبيت، والردُّ عليه، كل ذلك عائد هنا.
وأمَّا قراءة الباقين، فواضحةٌ، و «مُهْلكٌ» فيها يجوز أن يكون مصدراً مضافاً لمفعوله أي لإهلاكهم، وأن يكون زماناً، ويبعد أن يراد به المفعول، أي: وجعلنا للشخصِ، أو للفريقِ المهلكِ منهم.
والمَوْعِدُ: مصدر، أو زمان.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِفَتَاهُ﴾ الآية: «إذْ» منصوب ب «اذْكُرْ» أو وقت قال لفتاه: جرى ما قصصنا عليك من خبره.
قال عامة أهل العلم: إنَّه موسى بن عمران. وقال بعضهم: إنَّه موسى بن ميشا من أولاد يوسف، والأول أصحُّ، لما روى عمرو بن دينارٍ، قال: أخبرني سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبَّاسٍ: إنَّ نوفاً لابكاليَّ يزعم أنَّ موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عبَّاس: كذب عدوُّ الله، حدَّثنا أبيّ بن كعبٍ أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إنَّ موسى قَامَ خطيباً في بني إسرائيل، فسُئِلَ: أيُّ النَّاس أعلمُ؟ فقال: أنَا، فَعَتبَ الله عليه؛ إذْ لم يردَّ العِلْمَ إليه، فأوحَى إليه: إنَّ لِي عَبْداً بمَجْمَع البَحْرينِ، هو أعلم منك، فقال موسى: يا ربِّ، فكيف لي به؟ قال: تأخذُ معك حوتاً، فتجعلهُ في مكتلٍ، فحيثما فقدتَّ الحوت، فهو ثمَّ؛ فأخذ حوتاً، فجعلهُ في مكتلٍ، ثمَّ انطلق، وانطلق معه فتاهُ يُوشعُ بن نونٍ، حتَّى أتيا الصَّخرةَ، ووضعَا رُءُوسَهُمَا، فنَامَا، واضطرب الحُوتُ في المكْتَلِ، فخرج منهُ، فسَقطَ في البَحْرِ، فاتَّخذَ سَبيلهُ في البَحْرِ سَرَباً، وأمْسَكَ الله عن الحُوت جَرية الماءِ، فصَارَ عَليْهِ كالطَّاقِ، فلمَّا اسْتيقظَ، نَسِيَ صَاحبهُ أنْ يُخْبِرَهُ بالحُوتِ، فانْطلقَا بقيَّة يَوْمهِمَا وليْلتِهمَا، حتَّى إذا كان من الغَداةِ، قَالَ مُوسَى لفتاهُ: آتِنَا غَداءَنَا، لقَدْ لقينا من سَفرنَا هذا نصباً، قال: ولمْ يَجِدْ مُوسى النَّصب، حتَّى جَاوزَ المكان الذي أمرهُ الله تعالى، فقال له فتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنَا إلى الصَّخرةِ، فإنِّي نَسيتُ الحُوتَ ومَا أنْسانيه إلاَّ الشَّيطانُ أنْ أذكرهُ، واتَّخذَ سبيلهُ في البحر عجباً، قال: وكَانَ للحُوتِ سرباً ولمُوسَى وفتاهُ عجباً، قال موسى: ذلكَ ما كُنَّا نبغي فَارتدّا على آثارهما قصصاً، رجعا يقُصَّانِ آثارهما، حتى [انتهيا] إلى الصَّخرة، فإذا رجلٌ مُسَجَّى ثوباً، فسلَّم عليه مُوسى، فقال الخَضِرُ: وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ؟ فقال: أنَا مُوسَى، قال: مُوسى بني إسرائيل؟ قال: نَعمْ، أتَيْتُك، لتُعَلِّمَنِي ممَّا علِّمتَ رُشداً [وذكر باقي] القصة» .
واعلم أنَّه كان ليوسف - عليه السلام - ولدان: أفرائيم وميشا، فولد أفرائيم نون وولد نون يوشع بن نون، وهو فتى موسى، ووليُّ عهده بعد وفاته، وأما ولد ميشا، فقيل: إنه جاءته النُّبوَّة قبل موسى بن عمران، وأهل التَّوراة يزعمون أنَّهُ هو الذي طلب هذا العالم ليتعلَّم منه، وهو العالمُ الذي خرق السَّفينة، وقتل الغلام، وبنى الجدار، وموسى بن ميشا معه، هذا قول جمهور اليهود.
واحتجَّ القفال على صحَّة قول الجمهور بأنه موسى صاحب التَّوراة، قال: إنَّ الله تعالى ما ذكر موسى في كتابه إلاَّ وأراد به موسى صاحب التوراة، فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه، ولو كان المرادِ شحصاً آخر يسمَّىموسى غيره، لعرّفه بصفةٍ تميِّزه وتزيل الشبهة كما أنَّه لما كان المشهور في العرف أنَّ ابا حنيفة هو الرجل المفتي، فلو ذكرنا هذا الاسم، وأردنا به غيره، لقيَّدناهُ، كما نقول: أبو حنيفة الدِّينوريُّ.
فصل في حجة القائلين بأنه موسى بن ميشا
واحتج القائلون بأنَّ موسى بن ميشا بأنَّ الله تعالى بعد أن أنزل عليه التوراة، وكلَّمه بلا واسطة، وخصَّه بالمعجزات الباهرة العظيمة التي لم يتَّفق مثلها لأكثر أكابر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يبعد أن يبعثه بعد ذلك إلى التَّعليمِ والاستفادة.
[فالجواب] عنه: بأنَّه ليس ببعيدٍ أن يكون العالم العامل الكامل في أكثر العلوم يجهل بعض الأشياء؛ فيحتاج إلى تعلُّمها إلى من هو دونه، وهو أمرٌ متعارفٌ.
فصل في اختلافهم في فتى موسى
واختلفوا في فتى موسى، فالصحيح أنه يوشعُ بن نونٍ؛ كما روي في الحديث المتقدِّم، وقيل: كان أخا يوشع.
وروى عمرو بن عبيدٍ عن الحسن أنَّه عبدٌ لموسى.
قال القفَّال والكعبي: يحتمل ذلك.
قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لا يقُولنَّ أحَدُكمْ: عَبْدِي وأمَتِي، وليقُلْ: فَتَايَ وفَتَاتِي» .
وهذا يدلُّ على أنهم كانوا يسمُّون العبد فتًى، والأمة فتاةً.
قوله: «لا أبْرَحُ» يجوز فيها وجهان:
أحدهما: أن تكون ناقصة، فتحتاج إلى خبر.
والثاني: أن تكون تامة، فلا تحتاج إليه، فإن كانت الناقصة، ففيها تخريجان:
أحدهما: أن يكون الخبر محذوفاً؛ للدلالة عليه تقديره: لا أبرح أسيرُ حتَّى ابلغ، إلاَّ أن حذف الخبر في هذا الباب نصَّ بعض النحويِّين على أنه لا يجوز ولو بدليلٍ، إلا في ضرورة؛ كقوله: [الكامل]
3545 - لَهفِي عَليْكَ للَهْفةٍ مِنْ خَائفٍ ... يَبْغِي جِوارَكَ حِينَ ليْسَ مُجِيرُ
أي: حين ليس في الدنيا مجيرٌ.
والثاني: أنَّ في الكلام حذف مضافٍ، تقديره: لا يبرحُ مسيري، حتَّى أبلغ، ثم حذف «مسير» وأقيمت الياء مقامه، فانقلبت مرفوعة مستترة بعد أن كانت مخفوضة المحلِّ بارزة، وبقي «حتَّى أبلغ» على حاله هو الخبر.
وقد خلط الزمخشري هذين الوجهين، فجعلهما وجهاً واحداً، ولكن في عبارة حسنة جدًّا، فقال: «فإن قلت:» لا أبْرَحُ «إن كان بمعنى» لا أزولُ «من برح المكان، فقد دلَّ على الإقامةِ، لا على السَّفر، وإن كان بمعنى» لا أزَالُ «فلا بدَّ من خبر، قلت: هي بمعنى» لا أزَالُ «وقد حذف الخبر؛ لأنَّ الحال والكلام معاً يدلان عليه؛ أمَّا الحال، فلأنها كانت حال سفرٍ، وأمَّا الكلام، فلأن قوله» حتَّى أبلغ «غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له، فلا بدَّ أن يكون المعنى: لا أبرحُ أسير حتَّى أبلغَ، ووجه آخرُ: وهو أن يكون المعنى: لا يبرحُ مسيري، حتَّى أبلغ على أنَّ» حتَّى أبلغَ «هو الخبر، فلمَّا حذف المضافُ، أقيم المضافُ إليه مقامهُ، وهو ضمير المتكلِّم، فانقلب الفعل من ضمير الغائب إلى لفظ المتكلِّم، وهو وجهٌ لطيفٌ» .
قال شهاب الدين: وهذا على حسنه فيه نظرٌ لا يخفى، وهو: خلوُّ الجملة الواقعة خبراً عن «مسيري» في الأصل من رابطٍ يربطها به؛ ألا ترى أنه ليس في قوله «حتَّى أبلغ» ضمير يعود على «مسيري» إنما يعود على المضاف إليه المستتر، ومثل ذلك لا يكتفى به.
ويمكن أن يجاب عنه: بأن العائد محذوفٌ، تقديره: حتى أبلغ به، أي: بمسيري.
وإن كانت التامة، كان المعنى: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزمُ المسير والطَّلبَ، ولا أفارقه، ولا أتركه؛ حتَّى أبلغ؛ كما تقول: لا أبرح المكان، فعلى هذا: يحتاجُ أيضاً إلى حذف مفعول به، كما تقدَّم تقريره فالحذف لا بدَّ منه على تقديري التَّمامِ والنقصان [في أحد وجهي النقصان] .
وقرأ العامة «مجمع» بفتح الميم، وهو مكان الاجتماع، وقيل: مصدر، وقرأ الضحاك وعبد الله بن مسلم بن يسارٍ بكسرها، وهو شاذٌّ؛ لفتح عين مضارعة.
قوله: «حُقُباً» منصوبٌ على الظرف، وهو بمعنى الدَّهر. وقيل: ثمانون سنة، وقيل: سنةٌ واحدةٌ بلغة قريش، وقيل: سبعون، وقرأ الحسن: «حُقْباً» بإسكان القاف، فيجوز أن يكون تخفيفاً، وأن يكون لغة مستقلة، ويجمع على «أحقابٍ» كعنقٍ وأعناقٍ، وفي معناه: الحقبةُ بالكسر، قال امرؤُ القيس:
3546 - فَإن تَنْأ عَنْهَا حِقْبةً لا تُلاقِهَا ... فإنَّكَ ممَّا أحْدَثَتْ بالمُجرِّبِ والحقبة بالضمِّ أيضاً، وتجمع الأولى على حقبٍ، بكسر الحاء كقربٍ، والثانية على حقبٍ، بضمِّها؛ كقربٍ.
فإن قيل قوله: «أوْ أمْضِيَ» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه منسوق على «أبْلُغَ» يعني بأحد أمرين: إمَّا ببلوغه المجمع، أو بمضيِّه حقباً.
والثاني: أنه تغييةٌ لقوله «لا أبْرَحُ» فيكون منصوباً بإضمار «أنْ» بعد «أو» بمعنى «إلى نحو» لألزَمنَّكَ أو تَقضِيَنِي حقِّي» .
فالجواب قال أبو حيان: «فالمعنى: لا أبرحُ حتى أبلغ مجمع البحرين، إلى أن أمضي زماناً، أتيقَّنُ معه فوات مجمع البحرين» قال شهاب الدين: فيكون الفعل المنفيُّ قد غيِّي بغايتين مكاناً وزماناً؛ فلا بدَّ من حصولهما معاً، نحو: «لأسيرنَّ إلى بيتك إلى الظَّهر» فلا بدَّ من حصولِ الغايتين؛ والمعنى الذي ذكره الشيخ يقتضي أنه يمضي زماناً يتيقَّن فيه فوات مجمع البحرين.
وجعل أبو البقاء «أو» هنا بمعنى «إلاَّ» في أحد الوجهين:
قال: «والثاني: أنها بمعنى: إلاَّ أن أمضي زماناً؛ أتيقَّن معه فوات مجمع البحرين» وهذا الذي ذكره أبو البقاء معنى صحيحٌ، فأخذ الشيخ هذا المعنى، ركَّبهُ مع القول بأنَّها بمعنى «إلى» المقتضيةِ للغاية، فمن ثمَّ جاء الإشكالُ.
فصل في المراد بمجمع البحرين
قوله: «مجمعُ البَحريْنِ» ؛ الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر - عليه السلام -: هو ملتقى بحرين فارس والرُّوم ممَّا يلي المشرق، قاله قتادة، [وقال محمد بن كعب: طنجة] وقال أبي بن كعبٍ: إفريقيَّة.
وقيل: البحران موسى والخضر؛ لأنَّهما كانا بحري علمٍ. وليس في اللفظ ما يدل على تعيين هذين البحرين؛ فإن صحَّ بالخبر الصحيح شيء فذاك، وإلاَّ فالأولى السُّكوت عنه.
ثم قال: «أوْ أمضيَ حُقباً» : أو أسير زماناً طويلاً.
واعلم أنَّ الله تعالى كان أعلم موسى حال هذا العالم، وما أعلمه بموضعه بعينه، فقال موسى: لا أزالُ أمشي؛ حتَّى يجتمع البحرانِ، فيصيرا بحراً واحداً، أو أمضي دهراً طويلاً؛ حتى أجد هذا العالم، وهذا إخبارٌ من موسى أنَّه وطن نفسه على تحمُّل التَّعب الشَّديد، والعناء العظيم في السَّفر؛ لأجل طلب العلم، وذلك تنبيهٌ على أنَّ المتعلِّم، لو سار من المشرق إلى المغرب؛ لأجل مسألة واحدة، حقَّ له ذلك.
ثم قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ .
أي: انطلقا إلى أن بلغا مجمع بينهما، والضمير في قوله: «بينهما» إلى ماذا يعود؟ .
فقيل: لمجمع البحرين.
وقيل: بلغا الموضع الذي وقع فيه نسيانُ الحوت، وهذا الموضع الذي كان يسكنه الخضر - عليه السلام - أي: يسكن بقربه، ولأجل هذا المعنى، لمَّا رجع موسى وفتاه بعد أن ذكر الحوت، صار إليه، وهو معنى حسنٌ، والمفسِّرون على القول الأوَّل.
قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ : الظاهر نسبةُ النِّسيانِ إلى موسى وفتاه، يعني نسيا تفقُّد أمره، فإنه كان علامة لهما على ما يطلبانه، وقيل: نسيَ موسى أن يأمرهُ بالإتيان به، ونسي يوشعُ أن يفكِّره بأمره، وقيل: النَّاسِي يوشع فقط، وهو على حذف مضاف، أي: نسي أحدهما؛ كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22] .
قوله: «في البَحْرِ سرباً» مفعول ثانٍ ل «اتَّخذَ» و «فِي البَحْرِ» يجوز أن يتعلق ب «اتَّخذ» وأن يتعلق بمحذوفٍ على أنه محالٌ من المفعول الأول أو الثاني.
والهاء في «سبيلهُ» تعود على الحوت، وكذا المرفوع في «اتَّخذَ» .
قوله: ﴿جَاوَزَا﴾ : مفعوله محذوف، أي: جاوزا الموعد، وقيل: جاوزا مجمع البحرين.
قوله: «هَذَا» إشارة إلى السَّفر الذي وقع بعد تجاوزهما الموعد، أو مجمع البحرين، و «نَصباً» هو المفعول ب «لَلِينَا» والعامة على فتح النون والصاد، وعبد الله بن عبيد بن عمير بضمِّهما، وهما لغتان من لغاتٍ أربعٍ في هذه اللفظة، كذا قال أبو الفضل الرازيُّ في «لَوامحِهِ» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ : تقدم الكلام عليها مشبعاً في الأنعام، وقال أبو الحسن الأخفش هنا فيها كلاماً حسناً، وهو: أنَّ العرب أخرجتها عن معناها بالكليَّة، فقالوا: أرَأيْتكَ، وأرَيْتكَ بحذف الهمزة، إذا كانت بمعنى: أخْبِرْنِي «وإذا كانت بمعنى» أبْصَرْتَ «لم تحذف همزتها، وشذَّت أيضاً، فألزمها الخطاب على هذا المعنى، ولا يقال فيها أيضاً:» أرَانِي زيداً عمراً ما صَنعَ «ويقال على معنى» اعْلَمْ «وشذَّت أيضاً، فأخرجتها عن موضعها بالكليَّة؛ بدليل دخول الفاء؛ ألا ترى قوله: ﴿أرَأيْتَ إذ أوينا إلى الصَّخرةِ فإني﴾ فمَا دخلت الفاء إلاَّ وقد أخرجت إلى معنى:» أمَّا» أو «تنبَّه» ، والمعنى: أمَّا إذ أوينا إلى الصَّخرة، فإنِّي نسيتُ الحوت، وقد أخرجتها أيضاً إلى معنى» أخبرني «كما قدَّمنا، وإذا كانت بمعنى» أخبرني «فلا بدَّ بعدها من الاسم المستخبر عنه، وتلزم [الجملة] التي بعدها الاستفهام، وقد تخرج لمعنى» أمَّا «ويكون أبداً بعدها الشرط، وظروف الزمان، فقوله» فإنِّي نسيتُ « معناه: أمَّا إذ أوينا فإنِّ] ، أو تنبَّه إذْ أويْنَا، وليست الفاءُ إلاَّ جواباً ل» أرَأيْتَ «لأنَّ» إذْ «لا يجوز أن يجازى بها إلاَّ مقرونة ب» ما «بلا خلافٍ» .
قال الزمخشري: «أرأيت» بمعنى «أخْبرنِي» فإن قلت: ما وجه التئامِ هذا الكلام، فإنَّ كلَّ واحد من «أرَأيْتَ» ومن «إذْ أويْنَا» ومن ﴿فإنِّي نسيتُ الحوت﴾ لا متعلق له.
قلت: لمَّا طلب موسى الحوت، ذكر يوشع ما رأى منه، وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، ودهش، فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك، كأنه قال: أرأيت ما دهاني، إذ أوينا إلى الصخرة، فإنّي نسيتُ الحوت، فحذف ذلك.
قال أبو حيَّان: وهذان مفقودان في تقدير الزمخشريِّ: «أرَأيْتَ بمعنى أخبرني» يعني بهذين ما تقدَّم في كلام الأخفش من أنَّه لا بدَّ بعدها من الاسم المستخبر عنه، ولزومِ الاستفهام الجملة التي بعدها.
قال النوويُّ في «التهذيب» يقال: أوى زيدٌ بالقصر: إذا كان فعلاً لازماً، وآوى غيره بالمدِّ: إذا كان متعدِّياً، فمن الأول هذه الآية قوله:
﴿إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف﴾ [الكهف: 10] .
ومن المتعدِّي قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: 50] .
وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ [الضحى: 6] .
هذا هو الفصيح المشهور، ويقال في كلِّ واحدٍ بالمدِّ والقصر، لكن بالقصر في اللازمِ أفصح، والمدُّ في المتعدِّي أفصحُ وأكثر.
قوله: «ومَا أنْسَانيهُ» قرأ حفص بضم الهاء، وكذا في قوله: «عَلَيْهُ الله» في سورة الفتح [آية: 10] ، قيل: لأنَّ الياء هنا أصلها الفتح، والهاء بعد الفتحة مضمومة، فنظر هنا إلى الأصل، وأمَّا في سورة الفتح؛ فلأنَّ الياء عارضة؛ إذ أصلها الألف، والهاء بعد الألف مضمومة، فنظر إلى الأصل أيضاً.
والباقون بالكسر نظراً إلى اللفظ، فإنَّها بعد ياءٍ ساكنة، وقد جمع حفص في قراءته بين اللغات في هاء الكناية: فإنه ضمَّ الهاء في «أنسانيه» في غير صلة، ووصلها بياءٍ في قوله: ﴿فِيهِ مُهَاناً﴾ [الفرقان: 69] على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، وقرأ كأكثر القراء فيما سوى ذلك.
وقرأ الكسائي «أنسانيه» بالإمالة.
قوله: «أنْ أذكرهُ» في محلِّ نصبٍ على البدل من هاء «أنسانيه» بدل اشتمال، أي: أنساني ذكرهُ.
وقرأ عبد الله: «أن أذكركه» ، وقرأ أبو حيوة: «واتِّخاذَ سبيلهِ» عطف هذا المصدر على مفعول «أذكرهُ» .
قوله: «عَجَباً» فيه أوجهٌ:
أحدها: أنه مفعول ثانٍ ل «اتَّخذَ» و «في البحْرِ» يجوز أن يتعلق بالاتخاذِ، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من المفعول الأول أو الثاني.
وفي فاعل «اتَّخذ» وجهان:
أحدهما: هو الحوتُ، كما تقدَّم في «اتَّخذ» الأولى.
والثاني: هو موسى.
الوجه الثاني من وجهي «عَجَباً» أنه مفعول به، والعامل فيه محذوف، فقال الزمخشريُّ: «أو قال: عجباً في آخر كلامه تعجباً من حاله، وقوله: ﴿وما أنسانيه إلاَّ الشيطان﴾ اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه» . فظاهر هذا أنَّه مفعول ب «قال» ، أي: قال هذا اللفظ، والسبب في وقوع هذا الاعتراض ما يجري مجرى القدر والعلة لوقوع ذلك النسيان.
الثالث: أنه مصدر، والعامل فيه مقدَّر، تقديره: فتعجَّب من ذلك عجباً.
الرابع: أنه نعت لمصدر محذوف، ناصبه «اتَّخذَ» أي: اتخذ سبيله في البحر اتِّخاذاً عجباً، وعلى هذه الأقوال الثلاثة: يكون «في البَحْرِ» مفعولا ثانياً ل «اتَّخذَ» إن عدَّيناها لمفعولين.
فصل
دلَّت الرواياتُ على أنَّه تعالى بيَّن لموسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّ هذا العالم موضعه مجمع البحرين، إلا أنَّه ما عيَّن موضعاً، إلا أنَّه جعل انقلاب الحوت حيًّا علامة على مسكنه المعيَّن، كمن يطلب إنساناً، فيقال له: إنَّ موضعه محل! َة كذا من كذا، فإذا انتهيت إلى المحلَّة، فسل فلاناً عن داره، فأينما ذهب بك، فاتبعه؛ فإنَّك تصل إليه، فكذا هنا قيل له: إنَّ موضعه مجمع البحرين، فإذا وصلت إليه، ورأيت انقلاب الحوت حيًّا وطفر إلى البحر، فيحتمل أنَّه قيل له: فهناك موضعه، ويحتمل أنَّه قيل له: فاذهب على موافقة ذلك الحوت؛ غفإنَّك تجدهُ.
وإذا عرفت هذا فنقول: إن موسى وفتاه، لمَّا بلغا مجمع بينهما، طفرت السَّمكةُ إلى البحر، وسارت، وفي كيفيَّة طفرها روايات.
فقيل: إن الفتى غسل السَّمكة، لأنها كانت مملحة، فطفرت وسارت.
وقيل: إنَّ يوشع توضَّأ في ذلك المكان من عينٍ تسمَّى «مَاءَ الحياةِ» لا يصيبُ ذلك الماءُ شيئاً إلاَّ حيي، فانتضح الماء على الحوت المالح، فعاش ووثب في الماء.
وقيل: انفجر هناك عينٌ من الجنَّة، ووصلت قطراتٌ من تلك العين إلى السَّمكة، وهي في المكتل، فاضطربت، وعاشت، فوثبت في البحر.
ثم قال تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ أي: نسيا كيفيَّة الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، فإن قيل: انقلاب السَّمكة المالحة حيَّة [حالة] عجيبة [فلما] جعل الله تعالى حصول هذه الحالة العجيبة دليلاً على الوصول إلى المطلوب، فكيف يعقل حصول النِّسيان في هذا المعنى؟ .
فالجواب أنَّ يوشع كان قد شاهد المعجزات الباهرات من موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كثيراً، فلم يبق لهذه المعجزات عنده وقعٌ عظيم، فجاز حصول النِّسيان.
وهذا الجواب فيه نظرٌ.
قال ابن زيدٍ: أي شيءٍ أعجبُ من حوتٍ يؤكل منه دهراً، ثم صار حيًّا بعدما أكلَ بعضه.
فصل في ذكر جوابٍ آخر لابن الخطيب
قال ابن الخطيب: وعندي فيه جوابٌ آخر، وهو أنَّ موسى - عليه السلام - لما استعظم علم نفسه، أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الضروريَّ؛ تنبيهاً لموسى عليه السلام - على أنَّ العلم لا يحصل ألبتَّة إلا بتعليم الله تعالى، وحفظه على القلب.
وقال البغويُّ: «نَسيَا» تركا «حُوتَهُمَا» ، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه، وأضاف النِّسيان إليهما؛ لأنهما جميعاً لمَّا تزوَّداه لسفرهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا من الزَّاد كذا [وإنما حملهُ واحد منهم. ثم قال: «واتخذ سبيله في البحر سرباً» قيل: تقديره سرب في البحر سرباً» ] إلاَّ أنه أقيم قوله: «فاتّخذ» مقام قوله: «سرباً» ، والسَّرب هو الذهاب ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَارِبٌ بالنهار﴾ [الرعد: 10] .
وقيل: إن الله تعالى أمسك الماء عن الجري، وجعله كالطاق والكوَّة؛ حتَّى سرب الحوت فيه، وذلك معجزةٌ لموسى أو الخضر - عليهما السلام -.
روي عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «انجاب الماءُ عن مسلكِ الحوت، فصار كوَّة، لم يلتئمْ، فدخل موسى الكوَّة على إثر الحوت، فإذا هو بالخضر» .
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أي: موسى وفتاه الموعد المعين، وهو الوصول إلى الصخرة بسبب النِّسيان المذكور، وذهبا كثيراً، وتعبا، وجاعا.
﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا﴾ والغداءُ: ما يعدُّ للأكل غدوة، والعشاء: ما يعدُّ للأكل عشية ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً﴾ أي: تعباً وشدَّة، وذلك أنَّه ألقى على موسى الجوع بعد مجاوزة الصَّخرة؛ ليتذكَّر الحوت، ويرجع إلى مطلبه، فقال له فتاه وتذكَّر: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة﴾ الهمزة في «أرَأيْتَ» همزة الاستفهام، و «رَأيْتَ» على معناه الأصليِّ، وجاء الكلام هذا على المتعارفِ بين النَّاس؛ فإنه إذَا حدث لأحدهم أمرٌ عجيبٌ، قال لصاحبه: أرأيت ما حدث لي، كذلك هنا، كأنه قال: أرأيت ما وقع لي، إذا أوينا إلى الصَّخرة، فحذف مفعول «أرَأيْتَ» لأنَّه - أي لأنَّ قوله: «فإنِّي نسيتُ الحوت» - يدل عليه، أي: فقدته.
﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي أذكر لك أمر الحوت.
﴿واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر عَجَباً﴾ ووجه كونه عجباً انقلابه من المكتل، وصيرورته حيًّا، وإلقاء نفسه في البحر على غفلةٍ منهما، ويكون المراد منه ما ذكرنا أنه تعالى جعل الماء عليه كالطَّاق والسَّرب، وقيل: تمّ الكلام عند قوله: ﴿واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر﴾ ، ثم قال: «عَجَباً» أي أنَّه يعجب من رؤية تلك العجيبة، ومن نسيانه لها.
وقيل: إنَّ قوله «عَجَباً» حكايةٌ لتعجُّب موسى.
ثم قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي: نطلبه؛ لأنَّه أمارة الظَّفر بالمطلوب، وهو لقاء الخضر.
قوله: ﴿نَبْغِى﴾ : حذف نافع وأبو عمرو والكسائي ياء «نَبْغِي» وقفاً، وأثبتوها وصلاً، وابن كثير أثبتها في الحالين، والباقون حذفوها في الحالين؛ اتِّباعاً للرسم، وكان من حقِّها الثبوتُ، وإنما حذفت تشبيهاً بالفواصل، أو لأنَّ الحذف يؤنس بالحذف، فإن «ما» موصولة حذف عائدها، وهذه بخلاف التي في يوسف [الآية: 65] ، فإنها ثابتة عند الجميع، كما تقدَّم.
قوله: «قصصاً» فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه مصدر في موضع الحال، أي: قاصِّين.
الثاني: أنه مصدر منصوب بفعل من لفظه مقدر، أي: يقصَّان قصصاً.
الثالث: أنه منصوبٌ ب «ارْتدَّا» لأنه في معنى «فقَصَّا» .
قوله: ﴿ {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ﴾ الآية.
قيل: كان ملكاً من الملائكة، والصحيح ما ثبت في التَّواريخ، وصحَّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه الخضر، واسمه بليا بن ملكان.
وقيل: كان من نسل بني إسرائيل.
وقيل: كان من أبناء الملوك الذين زهدُوا في الدنيا، والخضر لقبٌ له، سمِّي بذلك؛ لما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «إنَّما سمِّي خضراً؛ لأنَّه جلس على فَرْوةٍ بيْضاءَ، فإذا هِيَ تهتزُّ تَحْتَهُ خَضِراً» .
وقال مجاهد: إنما سمِّي خضراً؛ لأنَّه كان إذا صلَّى، اخضرَّ ما حوله.
روي في الحديث أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا رأى الخضر - عليه السلام - سلَّم عليه، فقال الخضر: وأنَّى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك؛ لتعلِّمنِي ممَّا علِّمت رشداً.
فصل في بيان أن الخضر كان نبياً
قال أكثر المفسرين: إنَّه كان نبيًّا، واحتجوا بوجوهٍ:
الأول: قوله: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ والرحمة: هي النبوة؛ لقوله تعال ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32] .
وقوله: ﴿وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [القصص: 86] .
والمراد من هذه الرحمة النبوة، ولقائلٍ أن يقول: سلَّمنا أن النبوَّة رحمة، ولكن لا يلزمُ بكلِّ رحمةٍ نبوةٌ.
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾ وهذا يدل على أنه علمه لا بواسطة، ومن علَّمه الله شيئاً، لا بواسطة البشر، يجب أن يكون نبيًّا، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند الله، وذلك لا يدلُّ على النبوَّة.
الثالث: قول موسى - عليه السلام -: «هل أتَّبِعُك على أن تعلِّمنِي ممَّا علِّمتَ رُشداً» والنبي لا يتَّبع غير النبي في التعلُّم.
وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ لأنَّ النبي لا يتبع غير النبي في العلوم التي باعتبارها صار نبيًّا، [أما في غير تلك العلوم فلا] .
الرابع: أنَّ ذلك العبد أظهر الترفُّع على موسى، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ فأما موسى، فإنه أظهر التواضع له؛ حيث قال: ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ وذلك يدلُّ على أنَّ ذلك العالم كان فوق موسى، ومن لا يكون نبيًّا، لا يكون فوق النبيِّ، وذلك أيضاً ضعيفٌ؛ لأنه يجوز أن يكون غير النبيِّ فوق النبي في علومٍ لا تتوقَّف نبوته عليها.
فإن قيل: إنه يوجبُ تنفيراً.
فالجواب: وتكليمه بغير واسطة يوجب التَّنفير.
فإن قالوا: هذا لا يوجبُ التنفير، فكذلك فيما ذكروه.
الخامس: احتجَّ الأصم بقوله: «وما فعلتهُ عن أمْرِي» أي: فعلته بوحي الله تعالى، وذلك يدلُّ على النبوة، وهذا ضعيف أيضاً.
روي أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا وصل غليه، فقال: السلام عليك، فقال: وعليك السلام، يا نبيَّ بني إسرائيل، فقال موسى: من عرَّفك هذا؟ قال: الذي بعثك إليَّ؛ وهذا يدلُّ على أنَّه إنما عرف ذلك بالوحي، والوحي لا يكون إلا إلى النبيِّ.
ولقائلٍ أن يوقل: لم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات؟ .
قال البغوي: ولم يكن الخضرُ نبيًّا عند أكثر أهل العلم.
قوله: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾ أي: علم الباطن إلهاماً.
و «عِلْماً» : مفعول ثان ل «عَلَّمْناهُ» قال أبو البقاء: «ولو كان مصدراً، لكان تعليماً» يعني: لأنَّ فعله على «فعَّل» بالتشديد، وقياس مصدره «التَّفعيلُ» .
و «مِنْ لدُنَّا» يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من «عِلْماً» .
قوله: (على أن تعلمني) : في موضع الحال من الكاف في «أتَّبِعُكَ» أي: أتَّبِعك [باذلاً لي علمكَ» .
قوله: «رُشْداً» مفعول ثان ل» تُعلِّمَنِي «لا لقوله:» ممَّا عُلِّمتَ» قال أبو البقاء: «لأنَّه لا عائد إذن على الذي» يعني أنه إذا تعدَّى لمفعول ثان غير ضمير الموصول، لم يجز أن يتعدَّى لضمير الموصول؛ لئلا يتعدَّى إلى ثلاثة، ولكن لا بدَّ من عائدٍ على الموصول.
وقد تقدَّم خلاف القراء في «رُشداً» في سورة الأعراف [الآية: 146] ، وهل هما بمعنى واحد أم لا؟ .
وقوله: رشداً» أي: علماً ذا رشدٍ.
قال القفَّال: قوله «رُشْداً» يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون «الرُّشْدُ» راجعاً إلى الخضرِ، أي: ممَّا علمك الله، وأرشدك به.
والثاني: أن يرجع إلى موسى، أي: على أن تعلِّمني، وتُرشِدني ممَّا علِّمت.
فصل في أدب موسة - عليه السلام - في تعلُّمه من الخضرِ
دلَّت هذه الآية على أنَّ موسى - عليه السلام - راعى أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلَّم من الخضر.
منها: أنه جعل لنفسه تبعاً له في قوله: «هَلْ أتَّبعكَ» .
ومنها: أنَّه استأذن في إثباتِ هذه التبعيَّة؛ كأنَّه قال: تأذنُ لي على أن أجعل نفسي تبعاً لك، وهذه مبالغةٌ عظيمةٌ في التواضعِ.
ومنها: قوله «على أن تعلمني» وهذا إقرارٌ منه على نفسه بالجهل، وعلى أستاذه بالعلم.
ومنها: قوله: «ممَّا علِّمتَ» وصيغة «مِنْ» للتبعيض، فطلب منه تعليم بعض ما علِّم، وهذا أيضاً إقرارٌ بالتواضع، كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً لك في العلم، بل أطلب منك أن تعطيني جزءاً من الجزء، ممَّا علِّمت.
ومنها: أن قوله: «مِمَّا علِّمتَ» اعترافٌ بأنَّ الله تعالى علَّمهُ ذلك العلم.
ومنها: قوله «رُشْداً» طلب منه الإرشاد والهداية.
ومنها أنَّ قوله: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به، أي: يكون إنعامك عليَّ عند تعليمك إيَّاي شبيهاً بإنعام الله عليك في هذا التعليم.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ يدل على طلب متابعته مطلقاً في جميع الأمور غير مقيَّد بشيءٍ دون شيءٍ.
ومنها: أنه ثبت [في الأخبار] أنَّ الخضر عرف أولاً أنَّه موسى صاحب التَّوراةِ، وهو الرجل الذي كلَّمه الله من غير واسطة، وخصَّه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنَّه - عليه السلام - مع هذه المناصب الرفيعة والدَّرجاتِ العالية الشَّريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع؛ وذلك يدلُّ على كونه - عليه السلام - آتياً في طلب العلم أعظم أبواب المبالغةِ في التواضع، وهذا هو اللائقُ به؛ لأنَّ كلَّ من كانت إحاطتهُ بالعلوم التي علم ما فيها من البهجة والسعادة أكثر، كان طلبه له أشدَّ، وكان تعظيمه لأربابِ العلم أكمل وأشدَّ.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ﴾ فأثبت أوَّلاً كونه تبعاً، ثم طلب منه ثانياً أن يعلِّمه، وهذا منه ابتداءٌ بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية، طلب منه التَّعليم.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ لم يطلب على المتابعة إلاَّ التعليم، كأنه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه، ولا عوض لي إلاَّ طلب العلم.
فصل
روي أنه لمَّا قال موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ﴾ ، قال له الخضرُ: كفى بالتَّوراة علماً، وببني إسرائيل شغلاً، فقال له موسى: إنَّ الله أمرني بهذا، فحينئذ قال له: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه علم أنَّه يرى معه أموراً كثيرة منكرة، بحسب الظاهر، ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات، ثمَّ بيَّن عذره في ترك الصَّبر، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ ، أي: علماً.
واعلم أنَّ المتعلِّم على قسمين: متعلِّم ليس عنده شيءٌ من المعلوم، ولم يمارس الاستدلال، ولم يتعوَّد التقرير، والاعتراض، ومتعلِّم حصَّل العلوم الكثيرة، ومارس الاستدلال والاعتراض، ثم إنَّه يريد أن يخالط إنساناً أكمل منه؛ ليبلغ درجة الكمال، فالتعلم في حقِّ هذا القسم الثاني شاقٌّ شديدٌ؛ لأنه إذا رأى شيئاً، أو سمع كلاماً، فربَّما يكون ذلك منكراً بحسب الظاهر، إلاَّ أنه في الحقيقة صوابٌ حقٌّ، فهذا المتعلم لأجل أنه ألف الكلام والجدال، يغترُّ بظاهره، ولأجل عدم كماله، لا يقف على سرِّه وحقيقته، فيقدم على النِّزاع، والاعتراض، والمجادلة، وذلك مما يثقل سماعه على [الأستاذ] المتبحِّر، فإذا اتَّفق مثل هذه الواقعة مرتين أو ثلاثة، حصلت النُّفرة التامَّة والكراهة الشديدة العظيمة، وإلى هذا، أشر الخضر بقوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي أنَّه ألف الإثبات والإبطال، والاستدلال والاعتراض.
وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ إشارةٌ إلى كونه غير عالمٍ بالحقائقِ، وقد تقدم أنه متى حصل الأمران، [عسر] السُّكوت، وعسر التعلم، وانتهى الأمر بالآخرة إلى النُّفرة التامة، وحصول التقاطع.
قوله: «خُبْراً» : فيه وجهان:
الأول: أنه تمييزٌ لقوله «تُحِطْ» وهو منقول من الفاعلية؛ إذ الأصل: مما لم يحطْ به خبرك.
والثاني: أنه مصدر لمعنى لم تحط؛ إذ هو في قوَّة: لم يخبره خبراً، وقرأ الحسن «خُبُراً» بضمتين.
فصل في أن الاستطاعة تحصل قبل الفعل
قال ابن الخطيب: احتجَّ أصحابنا بقوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ على أن الاستطاعة تحصل قبل الفعل.
وقالوا: لو كانت الاستطاعة على الفعل حاصلة قبل [حصول الفعل] ، لكانت الاستطاعة على الصَّبْر حاصلة لموسى قبل حصول الصَّبر، فيلزم أن يكون قوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ كذباً، ولمَّا بطل ذلك، علمنا أنَّ الاستطاعة لا توجد قبل الفعل.
أجاب الجبائيُّ بأنَّ المراد من هذا القول: أنَّه يثقل عليه الصَّبر؛ لا أنه لا يستطيعه، يقال في العرف: «إنَّ فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً، ولا أن يجالسه» إذا كان يثقل عليه ذلك.
ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع﴾ [هود: 20] أي كان يشقُّ عليهم الاستماع.
وأجيب بأنَّ هذا عدولٌ عن الظاهر من غير دليل، وأنه لا يجوز، ومما يؤكد استدلال الأصحاب قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ استبعد حصول الصبر على ما لا يقف الإنسان على حقيقته، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على الفعل حاصلة قبل حصول ذلك العلم، ولو كان كذلك لما كان حصول الصبر عند عدم ذلك العلم مستبعداً؛ لأن القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك الفعل ولما حكم الله تعالى باستبعاده، علمنا أن الاستطاعة، تحصل قبل الفعل.
قوله: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ . قال ابن الخطيب: احتج الطاعنون في عصمةِ الأنبياء بهذه الآية؛ فقالوا إن الخضر قال لموسى: إنَّك لنْ تستطيعَ معي صبراً، وقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً، وكلُّ واحدٍ من هذين القولين مكذبٌ للآخر، فيلزمُ إلحاقُ الكذب بأحدهما، وعلى التَّقديرين، فيلزم صدور الكذب عن الأنبياء - عليهم السلام -.
وأجيب بأنَّه يحمل قوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ على الأكثر والأغلب، وعلى هذا، فلا يلزم ما ذكروه، وقد يجاب بجواب آخر، وهو أن موسى - عليه السلام - استثنى في جوابه، فقال: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً﴾ وعلى هذا، فلا يلزمُ ما ذكروه.
قوله: ﴿وَلاَ أَعْصِي﴾ فيه أربعة أوجهٍ:
أحدها: أنَّها لا محلَّ لها من الإعراب لاستئنافها، وفيه بعدٌ.
الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ؛ عطفاً على ستجدني؛ لأنها منصوبة المحلِّ بالقول.
وقال أبو حيَّان: ويجوز أن يكون معطوفاً على «ستجدني» فلا يكون لهُ محلٌّ من الإعراب، وهذا سهوٌ؛ فإنَّ «سَتجِدُنِي» منصوب المحلِّ؛ لأنه منصوب بالقول، فكذلك ما عطف عليه، ولكنَّ الشيخ رأى كلام الزمخشريِّ كذلك، ولم يتأمَّله، فتبعه في ذلك، فمن ثمَّ جاء السَّهوُ قال الزمخشري: «ولا إعْصِي» في محلِّ النصب عطفاً على «صَابِراً» أي: ستجدني صابراً، وغير عاصٍ أو «لا» في محل رفع عطفاً على «سَتجدُنِي» .
الثالث: أنه في محلِّ نصب على «صَابِراً» كما تقدَّم تقريره.
فصل
دلَّ قوله: ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ على أنَّ ظاهر الأمر للوجوب، وأن تارك المأمور به عاصٍ، والعاصي يستحقُّ العقاب؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: 23] .
فصل
قوله الخضر لموسى: «وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً» نسبه إلى قلة العلم، فقول موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً تواضعٌ شديد، وإظهار للتَّحمل التَّام، وذلك يدلُّ على أنَّ الواجب على المتعلِّم إظهار التواضع بكلِّ الغايات، وأمَّا المعلم فإن رأى أنَّ في التغليظ على المتعلِّم ما يفيده نفعاً وإرشاداً إلى الخير، فالواجب عليه ذكره، فإنَّ السُّكوت عنه يوقع المتعلِّم في الغرور، وذلك يمنع من التعلُّم.
قوله: «فإن اتَّبْعتَنِي» أي صحبتني، ولم يقل: اتَّبعني، ولكن جعل الاختيار إليه، إلاَّ أنَّه شرط عليه شرطاً، فقال: «فلا تَسْالنِي» تقدَّم خلاف القرَّاء في هذا الحرفِ، في سورة «هود» .
وقرأ أبو جعفر وابن عامر - هنا - بفتح السِّين، واللام، وتشديد النون من غير همزٍ، وبغير ياءٍ، وروي عن ابن عامرٍ، ونافع كذلك مع الياء، والمعنى: لا تسألني: لا تستخبرني حين ترى منِّي ما لم تعلمْ وجههُ حتَّى أكون أنا المبتدئ بتعليمك إيَّاه، وإخبارك به، وهذا معنى قوله: ﴿حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أي: أبتدئ بذكره، فأبين لك شأنهُ.
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَا رَكِبَا فِي السفينة خَرَقَهَا﴾ الآية.
اعلم أنَّ موسى - عليه السلام - وذلك العالم، لمَّا تشارطا على الشرط المذكور، سار فانتهيا إلى موضع، احتاجا فيه إلى ركوب السَّفينة، فوجدا سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، [فحملوهم] من غير نول، فلما لجُّوا البحر، أقدم ذلك العالم على خرق السَّفينة.
قال ابن الخطيب: لعلَّه أقدم على إخراق مكانٍ في السفينة؛ لتصير السفينة بذلك السبب معيبة ظاهرة العيب، فلا يتسارع به إلى أهلها الغرق فعند ذلك قال له موسى: ﴿أخَرقْتهَا لتُغْرِقَ أهْلهَا﴾ [لمَّا رأى موسى - عليه السلام - ذلك الأمر المنكر بحسبِ الظَّاهر نسيَ الشرط المتقدم؛ فلهذا قال ما قال] .
وفي اللام وجهان:
أحدهما: هي لام العلة.
والثاني: هي لام الصَّيرورة، وقرأ الأخوان: «ليَغرَقَ» بفتح الياء من تحت، وسكون الغين، وفتح الراء، «أهْلُهَا» بالرفع فاعلاً، والباقون بضمِّ التاء من فوق، وكسر الراء، أي: لتغرق أنت أهلها، بالنصب مفعولاً به، والحسن وأبو رجاء كذلك، غلا أنَّهما شدَّدا الراء.
والسَّفينة معروفة، وتجمع على سفنٍ وسفائن، نحو: صحيفة وصحف وصحائف، وتحذف منها التاء مراداً بها الجمع، فتكون اسم جنسٍ؛ نحو: ثمر [وقمح] ، إلا أنه هذا في المصن وع قليلٌ جدًّا، نحو: جَرَّة وجر، وعمامة وعمام، قال الشاعر: [الوافر]
3547 - مَتَى تَأتيهِ تَأتِي لُجَّ بَحْرٍ ... تَقاذفُ في غَوارِبهِ السَّفِينُ
واشتقاقها من السَّفن، وهو القشر؛ لأنَّها تقشر الماء، كما سميت «بِنْتَ مخرٍ» لأنها تمخرُ الماء، أي: تشقُّه.
قوله: «إمْراً» أي شيئاً عظيماً، يقال: أمِرَ الأمْرُ، أي: عظم وتفاقم، قال: [الرجز]
3548 - دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إدًّا إمْرا ... والإمرُ في كلام العرب: الدَّاهيةُ، وأصله كل شيءٍ شديدٌ كثيرٌ، يقال: أمر القوم: إذا كثروا، واشتدَّ أمرهم.
ومعنى الآية: لقد جئت شيئاً منكراً.
وقال القتيبيُّ: «إمْراً» أي عظيماً عجيباً منكراً.
روي أنَّ الخضر، لمَّا [خرق] السَّفينة لم يخلها الماءِ.
وروي أن موسى لمَّا رأى ذلكَ أخذ ثوبه، وحشا به الخرق
قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي: قال ذلك الخضر، قال موسى ﴿لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ .
قال ابن عبَّاس: إنَّه لم ينس، ولكنًَّه من معاريض الكلام، فكأنَّه نسي شيئاً آخر.
وقيل: معناه: بما تركت من عهدك، والنِّسيان التَّرك.
وروي عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «كانت الأولى من موسى نسياناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً» .
فصل في الرد على الطاعنين في عصمة الأنبياء
قال ابن الخطيب: احتجَّ الطَّاعنون في عصمة الأنبياءِ بهذه الآية من وجهين:
أحدهما: أنه ثبت بالدليل أن ذلك العالم كان نبيًّا، ثم قال موسى: «أخَرقتهَا، لتُغْرِقَ أهْلهَا» ، فإن صدق موصى في هذا القول، دلَّ ذلك على صدور الذَّنْب العظيم من ذلك النبيِّ، وإن كذب، دلَّ ذلك على صدور الذنب [العظيم] من موسى.
والثاني: أنه التزم أنَّه لا يعترض على ذلك العالمِ، وجرت العهود المذكورة بذلك، ثم إنَّه خالف تلك العهود، وذلك ذنبٌ.
فالجواب عن الأول: أن موسى، لما شاهد منه الأمر الخارج عن العادةِ، قال هذا لكلام، لا لأجل أنه اعتقد فيه أنه فعل قبيحاً، بل إنَّه أحبَّ أن يقف على وجهه وسببه، وقد يقال في الشيء العجيب الذي لا يعرف سببه: إنَّه إمرٌ.
وعن الثاني: أنَّه إنما خالف الشَّرط؛ بناءً على النِّسيان، ثم إنه تعالى حكى عن ذلك العالم أنَّه [لما خالف الشرط] لم يزد على أن قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ، فعندها اعتذر موسى بقوله: ﴿لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أراد أنه نسي وصيَّته، ولا مؤاخذة على الناسي، ﴿وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ أي: لا تكلِّفني مشقَّة، يقال: أرهقهُ عسراً وأرهقته عسراً، أي: كلَّفتهُ ذلك. لا تضيِّق عليَّ أمري، لا تعسِّر متابعتك [ويسرها عليّ] بالإغضاء، وترك المناقشة، وعاملني باليسر، ولا تعاملني بالعسر.
و «عُسْراً» : مفعول ثانٍ ل «تُرهِقْنِي» من أرهقه كذا، إذا حمَّله إيَّاه، وغشَّاه به، و «ما» في «بِمَأ نسيتُ» مصدرية، أو بمعنى «الذي» والعائد محذوف.
وقرأ أبو جعفر: «عُسُراً» بضمِّ السين، حيث وقع.
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ﴾ الآية.
اعلم أنَّ لفظ الغلام قد يتناول الشابَّ البالغ، وأصله من الاغتلامِ، وهو شدَّة الشَّبقِ، وذلك إنما يكون في الشَّباب، وقد يتناولُ هذا اللفظُ الصبي الصغير، وليس في القرآن كيف لقياه: هل كان يلعبُ مع الغلمان، أو كان منفرداً؟ أو هل كان مسلماً، أو كان كافراً؟ أو هل كان بالغاً، أو صغيراً؟ لكن اسم الغلام بالصَّغير أليقُ، وإن احتمل الكبير، إلاَّ أن قوله: «بغير نفسٍ» أليق بالبالغ منه بالصبيِّ؛ لأن الصبيِّ لا [يقتل] .
قال ابن عباس: لم يكن نبي الله يقول: أقتلت نفساً زكيَّة بغير نفس إلاَّ وهو صبيٌّ لم يبلغ.
وكيفيَّة قتله، هل كان بحزِّ رأسه، أو بضرب رأسه بالجدار، أو بطريق آخر؟ فليس في لفظ القرآن ما يدلُّ على شيءٍ من هذه الأقسام، لكنَّه روي في الحديث عن ابن عباس عن أبيِّ بن كعب قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الغلام الذي قتله الخضرُ، طبع كافراً، ولو عاش، لأرهق والديه طغياناً وكفراً» .
فإن قيل: إنَّ موسى استبعد أن يقتل النَّفس إلاَّ لأجل القصاصِ، وليس الأمر كذلك، لأنه قد يحلُّ دمه بسبب آخر.
فالجواب: أنَّ السَّبب الأقوى هو ذاك.
قوله: ﴿زَكِيَّةً﴾ : قرأ «زَاكِية» بألف وتخفيف الياء: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وبدون الألف وتشديد الياء: الباقون، فمن قرأ «زاكيةً» فهو اسمُ فاعلٍ على أصله، ومَنْ قرأ «زَكِيَّةً» فقد أخرجه إلى فعيلة للمبالغة.
قال الكسائيُّ والفراء: معناهما واحدٌ؛ مثل القاسيةِ والقسيَّة، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزَّاكيةُ: التي لم تذنبْ قطُّ، والزكيَّة: التي أذنبت ثم تابت.
[والغلام: من لم يبلغْ] . وقد يطلق على البالغ الكبير. فقيل مجازاً باعتبار ما كان. ومنه قول ليلى: [الطويل]
3549 - شَفاهَا مِنَ الدَّاءِ الذي قَدْ أصَابهَا ... غُلامٌ إذَا هزَّ القَناةَ شَفاهَا
وقول الآخر: [الطويل] 3550 - تَلقَّ ذُبَابَ السَّيفِ عنِّي فإنَّني ... غُلامٌ إذا هو جيتُ لستُ بِشاعرِ
وقيل: بل هو حقيقة، لأنه من الاغتلام وهو الشَّبق، وذلك إنما يكون في الشاب المحتلمِ، والذي يظهرُ أنه حقيقةٌ فيهما عند الاطلاق، فإذا أريد أحدهما، قيد كقوله: «لغُلامَيْنِ يَتيمينِ» وقد تقدَّم ترتيب أسماءِ الآدميِّ من لدن هو جنينٌ إلى أن يصير شيخاً، ولله الحمد، في آل عمران.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لم قال:» حتى إذا ركبا في السفينة خرقها» بغير فاءٍ، و «حتَّى إذا لقيا غلاماً، فقتله» بالفاء؟ قلت: جعل» خَرقهَا «جزاء للشرط، وجعل» قتلهُ «من جملة الشرط معطوفاً عليه، والجزاء» قال: أقتلت «فإن قلت: لم خولف بينهما؟ قلت: لأنَّ الخرق لم يتعقَّب الركوب، وقد تعقَّب القتل لقاء الغلام» .
قوله: بغَيْرِ نفسٍ «فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنها متعلقة ب» قَتلْتَ» .
الثاني: أنها متعلقة بمحذوف، على أنها حال من الفاعل، أو من المفعول، أي: قتلته ظالماً، أو مظلوماً، كذا قدَّره أبو البقاء، وهو بعيد جدًّا.
الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف، أي: قتلاً بغير نفسٍ.
قوله: «نُكْراً» قرأ نافع، وأبو بكر، وابن ذكوان بضمَّتين، والباقون بضمة وسكون، وهما لغتان، أو أحدهما أصلٌ، و «شَيْئاً» : يجوز أن يراد به المصدر، أي: مجيئاً نكراً، وأن يراد به المفعول به، أي: جئت أمراً منكراً، وهل النكر أبلغ من الإمر، أو بالعكس؟ فقيل: الإمرُ أبلغُ؛ لأنَّ قتل أنفسٍ بسبب الخرقِ اعظم من قتل نفسٍ واحدة وأيضاً: فالإمر هو الداهية العظيمة فهو أبلغ من النكر، وقيل: النُّكر أبلغ، لأن معه القتل الحتم، بخلاف خرق السفينة، فإنه يمكن تداركه؛ ولذلك قال: «ألَمْ أقُلْ لَكَ» ولم يأتِ ب» لَكَ «مع» إمْراً» ؛ لأن هذه اللفظة تؤكِّد التَّوبيخ.
وقيل: زاد ذلك، لأنَّه نقض العهد مرَّتين، فقال الخضرُ لموسى - عليهما السلام -: ﴿ألَمْ أقُل لكَ إنَّكَ لنْ تَسْتطيعَ معي صَبْراً﴾ فعند ذلك قال موسى: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ وهذا كلام نادمٍ.
قوله: «فَلاَ تُصَاحِبْنِي» : العامة على» تُصاحِبُني «من المفاعلة، وعيسى ويعقوب:» فلا تَصْحبنِّ]» من صحبه يصحبه.
وأبو عمرو في رواية، وأبيٌّ بضمِّ التاءِ من فوق، وكسر الحاء، من أصحب يصحب، ومفعوله محذوف، تقديره: فلا تصحبني نفسك، وقرأ أبيٌّ» فلا تصحبني علمك «فأظهر المفعول.
قوله:» مِنْ لدُنِّي «العامة على ضمِّ الدال، وتشديد النون، وذلك أنَّهم أدخلوا نون الزيادة أعني الوقاية على» لَدُن «لتقيها من الكسر؛ محافظة على سكونها، حوفظ على سكون نون» مِنْ «و» عَنْ «فألحقت بهما نون الوقايةِ، فيقولون: منِّي وعنِّي بالتشديد.
ونافع بتخفيف النون، والوجه فيه: أنَّه لم يلحقُ نون الوقاية ل» لَدُن «إلا أن سيبويه منع من ذلك وقال:» لا يجوز أن تأتي ب «لَدُنْ» مع ياء المتكلم، دون نون وقاية «وهذه القراءة حجة عليه، فإن قيل: لم لا يقال: إن هذه النون نون الوقاية، وإنَّما اتصلت ب» لَدُ «لغة في» لَدُنْ» حتى يتوافق قول سيبويه، مع هذه القراءة؟ قيل: لا يصحُّ ذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّ نون الوقاية، إنما جيء بها؛ لتقيَ الكلمة الكسر؛ محافظة على سكونها، ودون النون لا سكون؛ لأنَّ الدال مضمومة، فلا حاجة إلى النُّون.
الثاني: أن سيبويه يمنع أن يقال: «لَدُنِي» بالتخفيف.
وقد حذفت النون من «عَنْ» و «مِنْ» في قوله: [الرمل]
3551 - أيُّهَا السَّائلُ عنهم وعنِي ... لستُ من قَيْسٍ ولا قَيْسُ مني
وقرأ أبو بكر بسكون الدَّال، وتخفيف النون، لكنَّه ألزم الدال الضمة منبهة على الأصل.
ولكن تحتمل هذه القراءة أن تكون النون فيها أصليَّة، وأن تكون للوقاية على أنها دخلت على «لد» الساكنة الدال، لغة في «لدُنْ» فالتقى ساكنان، فكسرت نون الوقاية على أصلها، وإذا قلنا بأنَّ النون أصلية، فالسكون تخفيف؛ كتسكين ضاد «عضدٍ» وبابه واختلف القراء في هذا الإشمام، فقائل: هو إشارة بالعضو من غير صوتٍ، كالإشمام الذي في الوقف، وهذا هو المعروف، وقائل: هو إشارة للحركة المدركة بالحسِّ، فهو كالرَّوْم في المعنى، يعني: أنه إتيان ببعض الحركة، وقد تقدَّم هذا محرَّراً في يوسف عند قوله ﴿لاَ تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: 11] ، وفي قوله في هذه السورة «من لدنه» في قراءة شعبة أيضاً، وتقدَّم بحثٌ يعود مثله هنا.
وقرأ عيسى وأبو عمرو في رواية «عُذُراً» بضمتين، وعن أبي عمرو أيضاً «عذري» مضافاً لياءِ المتكلم.
و «مِنْ لدُنَّي» متعلق ب «بَلغْتَ» أو بمحذوف على أنَّه حال من «عُذْراً» .
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس: معناه: أعذرت فيما بيني وبينك.
وقيل: حذَّرتني أنِّي لا أستطيع معك صبراً.
وقيل: اتَّضح لك العذر في مفارقتي.
والمراد أنَّه مدحه بهذه الطريقة من حيث إنَّه احتمله مرَّتين أولاً وثانياً.
روى ابن عبَّاس عن أبيِّ بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رَحْمَةُ الله عليْنَا، وعلى مُوسَى» وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بدأ بنفسه «لولا أنَّه عجَّل، لرأى العجب، ولكنَّه أخذته من صاحبه ذمامة، قال:» إنْ سألتُكَ عَن شيءٍ بعدها، فلا تُصَاحِبنِي، قَدْ بلغْتَ من لدُنِّي عُذْراً؛ فلو صبر، لرأي العجب» .
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا﴾ الآية.
قال ابن عباس: هي أنطاكية.
وقال ابن سيرين: هي [الأبلة] ، وهي أبعد الأرض من السَّماء وقيل: بَرْقَة.
وعن أبي هريرة: بلدة بالأندلس.
﴿استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ قال أبي بن كعبٍ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: حتَّى إذا أتيا أهل قريةٍ لئاماً، فطافَا في المجلسِ فاستطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما.
وروي أنَّهما طافا في القرية، فاستطعماهم، فلم يطعموهما، فاستضافاهم، فلم يضيِّفوهما.
قال قتادة: شرُّ القرى التي لا تضيِّف الضَّيف.
وروي عن أبي هريرة: «أطعمتهما امرأةٌ من أهل بربر بعد أن طلبا من الرِّجال، فلم يطعموهما؛ فدعوا لنسائهم، ولعنا رجالهم» .
قوله
: ﴿استطعمآ أَهْلَهَا﴾ : جواب «إذا» أي: سألاهم الطام، وفي تكرير «أهلها» وجهان:
أحدهما: أنه توكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر؛ كقوله: [الخفيف]
3552 - لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيءٌ ... نَغَّص المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا
وقول الآخر: [الكامل]
3553 - لَيْتَ الغُرابَ غَداةَ يَنْعُبُ دائماً ... كَانَ الغُرابُ مُقطَّعَ الأوْدَاجِ
والثاني: أنَّه للتأسيس؛ وذلك أنَّ الأهل المأتيِّين ليسوا جميع الأهل، إنما هم البعض؛ إذ لا يمكن أن يأتينا جميع الأهل في العادة في وقتٍ واحدٍ، فلما ذكر الاستطعام، ذكره بالنسبة غلى جميع الأهل، كأنهما تتبعا الأهل واحداً واحداً، فلو قيل: استطعماهم، لاحتمل أنَّ الضمير يعودُ على ذلك البعضِ المأتيِّ، دون غيره، فكرَّر الأهل لذلك.
فإن قيل: الاستطعام ليس من عادة الكرام، فكيف أقدم عليه موسى، مع أنَّ موسى كان من عادته طلبُ الطعام من الله تعالى، كما حكى عنه قوله: ﴿إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24] .
فالجواب: أنَّ إقدام الجائع على الاستطعام أمرٌ مباحٌ في كلِّ الشرائع، بل ربَّما وجب عند خوف الضَّرر الشديد.
فإن قيل: إنَّ الضيافة من المندوبات، فتركها ترك المندوب، وذلك أمرٌ غير منكرِ، فكيف يجوز من موسى - عليه السلام - مع علوِّ منصبه أن يغضب عليهم الغضب الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه مع ذلك العالم في قوله: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ .
وأيضاً مثل هذا الغضب لأجل ترك الأكل في ليلةٍ واحدةٍ، لا يليقُ بأدونِ الناس فضلاً عن كليم الله؟ .
فالجواب: أنَّ الضيافة قد تكون من الواجبات، بأن كان الضيف قد بلغ في الجوع إلى حيث لو لم يأكل، لهلك، وإذا كان كذلك، لم يكن الغضب الشديد لأجل ترك الأكل [ليلة] ، بل كان لأجل تركهم الواجب عليهم.
فإن قيل: إنه ما بلغ في الجوع إلى حدِّ الهلاك؛ بدليل أنَّه قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ، ولو كان بلغ في الجوع إلى حدِّ الهلاك، لما قدر على ذلك العمل، فكيف يصحُّ منه طلب الأجرة؟ .
فالجواب: لعلَّ ذلك الجوع كان شديداً، إلاَّ أنه ما بلغ حدَّ الهلاك.
قوله: «أنْ يُضيِّفُوهمَا» مفعولٌ به لقوله «أبَوْا» والعامة على التشديد من ضيَّفه يضيِّفه. والحسن وأبو رجاء وأبو رزين بالتخفيف من: أضافه يضيفه وهما مثل: ميَّله وأماله.
رُوِيَ أنَّ أهل تلك القرية، لمَّا سمعوا نزول هذه الآية، استحيوا، وجاءوا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بحمل من الذَّهب، وقالوا: يا رسول الله، نشتري بهذا الذَّهب أن تجعل الباء تاء؛ حتى تصير القراءة «فأتوا أن يضيفوهما» ، أي: أتوا [لأجل أن] يضيِّفوهما، أي كان إتيانهم لأجل الضِّيافة، وقالوا: غرضنا منه أن يندفع عنَّا هذا اللُّؤم، فامتنع النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: «تغير هذه النُّقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله تعالى، وذلك يوجب القدح في الإلهيَّة.
قوله: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ أي: فرأيا في القرية حائطاً مائلاً.
وقوله:» أنْ ينْقَضَّ» مفعول للإرادة، و «انقضَّ» يحتمل أن يكون وزنه «انفعل» من انقضاضِ الطائر، أو من القضَّة، وهي الحصى الصِّغار، والمعنى: يريد أن يتفتَّت، كالحصى، ومنه طعام قَضَضٌ، إذا كان فيه حصى صغارٌ، وأن يكون وزنه «افْعَلَّ» ك «احمَرَّ» من النقض، يقال: نقض البناء ينقضه، إذا هدمه، ويؤيد هذا ما في حرف عبد الله وقراءة الأعمش «يُرِيدُ ليُنْقَضَ» مبنيًّا للمفعول؛ واللام كهي في قوله ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً﴾ [النساء: 28] . وما قرأ به أبيٌّ «يُرِيدُ أن ينقض» بغير لامِ كيْ.
وقرأ الزهريُّ «أن ينقاضَ» بألف بعد القاف. قال الفارسي: «هو من قولهم قضته فانقاضَ» أي: هدمته، فانهدم. قال شهاب الدين: فعلى هذا يكون وزنه ينفعلُ، والأصل: «انْقيضَ» فأبدلت الياء ألفاً، ولمَّا نقل أبو البقاء هذه القراءة قال: «مثل: يَحمارُّ» ومقتضى هذا التشبيه: أن يكون وزنه «يفعالَّ» ونقل أبو البقاء: أنه قُرئ كذلك بتخفيف الضاد، قال: «هو من قولك: انقاضَ البناءُ، إذا تهدَّم» .
وقرأ عليٌّ أمير المؤمنين - كرَّم الله وجهه -، وعكرمة في آخرين «يَنقَاصُ» بالصاد مهملة، وهو من قاصه يقيصه، أي: كسره، قال ابن خالويه: «وتقول العرب: انقاصتِ السِّنُّ: إذا انشقَّت طولاً» وأنشد لذي الرّمّة:
3554 - ... ... ... ... ... . ..... ... ... . مُنقاصٌ ومُنْكثِبُ
وقيل: إذا تصدَّعتْ، كيف كان وأنشد لأبي ذؤيبٍ: [الطويل]
3555 - فراقٌ كقَيْصِ السنِّ، فالصَّبْرَ إنَّه ... لكلِّ أنَاسٍ عَثْرةٌ وجُبورُ
ونسبة الإرادة إلى الجدار مجازٌ، وهو شائع جدًّا.
وقد ورد في النَّثر والنَّظم، قال الشاعر: [الوافر]
3556 - يُرِيدُ الرُّمح صَدرَ أبِي بَراءٍ ... ويَرْغَبُ عنْ دِمَاءِ بنِي عَقيلٍ
والآية من هذا القبيل.
وكذا قوله: ﴿وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب﴾ [الأعراف: 154] وقوله: ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11] ومن أنكر [المجاز] مطلقاً أو في القرآن خاصة، تأوَّل ذلك على أنه خُلق للجدارِ حياةٌ وإرادةٌ؛ كالحيوانات، أو أنَّ الإرادة صدرت من الخضرِ؛ ليحصل له، ولموسى ما ذكره من العجب.
وهو تعسفٌ كبيرٌ، وقد أنحى الزمخشري على هذا القائل إنحاءً بليغاً جدًّا.
قوله: «فأقَامهُ» قيل: [نقضه] ، ثم بناه، قاله ابن عبَّاس.
وقيل: مسحه بيده، فقام، واستوى، وذلك من معجزاته، هكذا ورد في الحديث. وهو قول سعيد بن جبير.
واعلم أن ذلك العالم، لمَّا فعل ذلك، كانت الحالة حالة اضطرارٍ إلى الطعام، فلذلك نسيَ موسى قوله: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ فلا جرم قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ، أي: طلبت على إصلاحك الجدار جعلاً، أي لصرفه في تحصيل المطعوم؛ فإنك قد علمت أنَّا جياعٌ، وأنَّ أهل القرية لم يطعمونا، فعند ذلك قال الخضر: «هذا فراقُ بَيْنِي وبيْنكَ» .
قوله: ﴿لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو «لتخِذْتَ» بفتح التاء، وكسر الخاء مِنْ تَخِذَ يتْخذُ ك «تَعِبَ يَتْعَبُ» . والباقون «لاتَّخذتَ» بهمزة الوصل، وتشديد التاءِ، وفتح الخاء من الاتِّخاذ، واختلف: هل هما من الأخذ، والتاء بدلٌ من الهمزة، ثم تخذف التاء الأولى فيقال: تَخِذَ، كتَقِيَ من «اتَّقَى» نحو قوله: [الطويل]
3557 - ... ... ... ... ... ... تَقِ الله فِينَا والكِتابَ الَّذي تَتْلُو
أم هما من تخذَ، والتاء أصيلةٌ، ووزنهما فعل وافتعل؟ قولان تقدَّم تحقيقهما في هذا الموضوع، والفعل هنا على القراءتين متعدٍّ لواحدٍ؛ لأنَّه بمعنى الكسب.
قوله: ﴿فِرَاقُ بَيْنِي﴾ : العامة على الإضافة؛ اتِّساعاً في الظرف، وقيل: هو بمعنى الوصل. كقوله: [الطويل]
3558 - ... ... ... ... ... ..... وجِلْدَةُ بين العيْنِ والأنْفِ سَالِمُ
وحكى القفال عن بعض أهل العربيَّة أنَّ البين هو الوصل؛ لقوله ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] ، فيكون المعنى هذا فراقُ اتصالنا، كثول القائل: أخزى الله الكاذب بيني وبينك، أي: أحدنا هكذا. قاله الزجاج.
وقرأ ابن أبي عبلة «فِراقُ» بالتنوين على الأصل، وتكرير المضاف إليه عطفاً بالواو هو الذي سوَّغ إضافة «بين» إلى غير متعددٍ؛ ألا ترى أنَّك لو اقتصرت على قولك: «المَالُ بيني» لم يكن كلاماً؛ حتى تقول: بيننا أو بيني وبين فلانٍ.
وقوله: «هذا» أي: هذا الإنكار على ترك الأجر هو المفرَّق بيننا.
وقيل: إنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا شرط أنَّه إنْ سأله بعد ذلك سؤالاً ىخر، حصل الفراق بقوله: [ ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾ فلما ذكر هذا السؤال فارقه ذلك العالم، وقال] : ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ أي: هذا الفراق [الموعود] ، ثم قال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ .
قرأ ابن وثَّاب «سَانْبِيكَ» بإخلاص الياء بدل الهمزة.
قوله تعالى: ﴿أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ : العامة على تخفيف السين، جمع « مِسْكين» . وقرأ عليٌّ أميرالمؤمنين - كرَّم الله وجهه - بتشديدها جمع «مسَّاك» وفيه قولان:
أحدهما: أنه الذي يمسكُ سكَّان السفينة، وفيه بعض مناسبة.
والثاني: أنَّه الذي يدبغُ المُسوكَ جمع «مَسْكٍ» بفتح الميم، وهي الجلود، وهذا بعيدٌ؛ لقوله: ﴿يَعْمَلُونَ فِي البحر﴾ قال شهاب الدين ولا أظنُّها إلا تحريفاً على أمير المؤمنين، و «يَعْملُونَ» صفة لمساكين.
قوله: ﴿وَرَآءَهُم مَّلِكٌ﴾ «وَرَاء» هنا بمعنى المكان.
وقيل: «وَراءَهُمْ» بمعنى «أمَامَهُمْ» ؛ كقوله:
﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: 16] وقيل: «وَراءَهُمْ» خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه. والأول أصحُّ؛ لقوله: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: 16] ويؤيِّده قراءة ابن عباس: وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلَّ سفينةٍ غصباً وقال سوارُ بن المضرِّب السعديُّ: [الطويل]
3559 - أيَرْجُو بنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطَاعتِي ... وقَوْمِي تَميمٌ والفَلاةُ وَرائِيَا
وقال تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الإنسان: 27] وتحقيقه: أنَّ كلَّ ما غاب عنك، فقد توارى عنك وتواريت عنه، وقيل: إنَّ تحقيقه أنَّ ما غاب عنك، فقد توارى عنك، وأنت متوارٍ عنه، فكلُّ ما غاب عنك، فهو وراءك، وأمام الشيء وقدامه، إذا كان غائباً عنك، متوارياً عنك، فلم يبعد إطلاق لفظة «وراء» عليه، ويراد بها الزَّمان؛ قال الشاعر: [الطويل]
3560 - ألَيْسَ وَرائِي أنْ أدبَّ على العَصَا ... فَيأمَنَ أعْدائِي ويَسْأمنِي أهْلِي
وقال لبيد: [الطويل]
3561 - أليْسَ ورَائِي إنْ تَراخَتْ منيَّتِي ... لُزومُ العَصَا تُحْنَى عليْهَا الأصَابِعُ
قوله: «غَصْباً» فيه أوجه:
الأول: أنه مصدر في موضع الحال، أو منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ، أو منصوب على المفعول له، وهو بعيد عن المعنى، وادَّعى الزمخشري أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، فقال: «فإن قلت: قوله:» فأردتُّ أن أعيبها «مسبَّبٌ عن خوفه الغصب عليها، فكان حقه أن يتأخَّر عن السبب؛ فلمَ قُدِّم عليه؟ قلتُ: النيةُ به التأخيرُ؛ وإنما قدِّم للعناية به، ولأنَّ خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين، فكان بمنزلةِ قولك: زيدٌ ظنِّي مقيمٌ» .
قوله: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ : التثنية للتغليب، يريد: أباه وأمَّه، فغلَّب المذكَّر، وهو شائع، ومثله: القمران والعمران، وقد تقدَّم [في يوسف] : أنَّ الأبوين يراد بهما الأب والخالة، فهذا أقربُ.
والعامة على «مُؤمنين» بالياء، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، والجحدريُّ «مُؤمنانِ» بالألف، وفيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه على لغة بني الحارث، وغيرهم.
الثاني: أن في «كان» ضمير الشَّأن، و «أبواهُ مُؤمِنانِ» مبتدأ وخبر في محل النصب؛ كقوله: [الطويل]
3562 - إذَا مِتُّ كان النَّاسُ صِنفَانِ شَامتٌ..... ... ... ... ... .
فهذا أيضاً محتمل للوجهين.
الثالث: أن في «كان» ضمير الغلام، أي: فكان الغلامُ، والجملة بعده الخبر، وهو أحسن الوجوه.
قوله: ﴿فَخَشِينَآ﴾ أي: فعلمنا ﴿أَن يُرْهِقَهُمَا﴾ يفتنهما.
وقال الكلبيُّ: يكلِّفهما طغياناً وكفراً.
وقال سعيد بن جبيرٍ: فخشينا أن يحملهما حبُّه على أن يتابعاه على دينه.
قيل: إنَّ ذلك الغلام كان بالغاً، وكان يقطع الطريق، ويقدم على الأفعال المنكرة، وكان يصير ذلك سبباً لوقوعهما في الفسق، وربما يؤدِّي ذلك الفسق إلى الكفر.
وقيل: كان صبيًّا إلا أن الله تعالى علم منه أنَّه لو صار بالغاً، لحصلت منه تلك المفاسد.
وقيل: الخشية بمعنى الخوف، وغلبة الظنِّ، والله تعالى قد أباح له قتل من غلب على ظنِّه تولُّد المفاسد منه.
فإن قيل: هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان لمثل هذا الظنِّ؟
فالجواب: أنَّه إذا تأكَّد ذلك الظنُّ بوحي الله تعالى إليه، جاز.
قوله: ﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا﴾ : قرأ نافع، وأبو عمرو بفتح الباء، وتشديد الدال من « بدَّل» هنا، وفي التحريم [الآية: 5] ﴿أَن يُبْدِلَهُ﴾ وفي القلم [الآية: 32] ﴿أَن يُبْدِلَنَا﴾ والباقون بسكون الباء، وتخفيف الدال من «أبْدلَ» في المواضع الثلاثة، فقيل: هما لغتان بمعنى واحد، وقال ثعلبٌ: الإبدال تنحيةُ جوهرةٍ، واستئناف أخرى؛ وأنشد: [الرجز]
3563 - عَزْلَ الأميرِ للأمِيرِ المُبدَلِ ... قال: ألا تراه نحَّى جسماً، وجعل مكانه آخر، والتبديل: تغيير الصورة إلى غيرها، والجوهرة باقية بعينها؛ واحتجَّ الفراء بقوله تعالى: ﴿يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] قال: والذي قال ثعلبٌ حسنٌ، إلاَّ أنَّهم يجعلون «أبدلتُ» بمعنى «بدَّلتُ» قال شهاب الدين: ومن ثم، اختلف الناس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض﴾ [إبراهيم: 48] : هل يتغير الجسمُ والصفة، أو الصفة دون الجسم؟ .
قوله: ﴿يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً﴾ أي: يرزقهما الله ولداً خيراً من هذا الغلام «زَكَاةً» أي: ديناً، وصلاحاً.
وقيل: ذكر الزكاة تنبيهاً على مقابلة قول موسى - عليه السلام - «أقتَلْتَ نفساً زكيَّة بغيرِ نفسٍ» فقال العالم: أردنا أن يرزق الله هذين الأبوين خيراً، بدلاً عن ابنهما هذا ولداً يكون خيراً منه بما ذكره من الزَّكاة، ويكون المراد من الزَّكاة الطهارة، وكان قول موسى: «أقَتَلْتَ نَفْساً زكيَّة» ، أي: طاهرة، لأنَّها ما وصلت إلى حدِّ البلوغ، فكانت زاكية طاهرة من المعاصي، فقال العالم: إن تلك النفس، وإن كانت طاهرة زاكية في الحال، إلاَّ أنه تعالى علمَ منها أنَّها إذا بلغتْ، أقدمت على الطغيان، والكفر، فأردنا أن يحصل لهما ولدٌ عظيمٌ، أي: أعظم زكاة وطهارة منه، وهو الذي يعلمُ الله منه أنَّه عند البلوغ لا يقدم على شيءٍ من هذه المحظورات.
ومن قال: إنَّ ذلك الغلام كان بالغاً، قال: المراد من وصف نفسه بكونها زاكية أنه لم يظهر عليه ما يوجب قتله.
قوله: «رُحْماً» قرأ ابن عامر «رُحُماً» بضمتين، والباقون بضة وسكون، وهما بمعنى الرحمة؛ قال رؤبة: [الرجز]
3564 - يَا مُنْزِلَ الرُّحْمِ على إدْريسَا ... ومُنْزِلَ اللَّعْنِ على إبْليسَا
وقيل: الرُّحُم بمعنى الرَّحم، وهو لائِقٌ هنا من أجلِ القرابةِ بالولادة؛ ويؤيِّده قراءة ابن عباس «رَحِماً» بفتح الراءِ، وكسر الحاء، و «زَكاةً ورُحْماً» منصوبان على التمييز.
والمعنى: هذا البدل يكون [أقرب] عطفاً ورحمة بأبويه، وأشفق عليهما.
فصل في المبدل به
قال الكلبيُّ: أبدلهما الله جارية تزوَّجها نبيٌّ من الأنبياء، فولدت له نبيًّا، فهدى الله على يديه أمَّة من الأمم.
قوله: ﴿وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المدينة وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا﴾ وكان اسمهما «أصْرَم» و «صَرِيم» .
واعلم أنه سمَّى القرية في قوله: ﴿أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ وسمَّى القرية هنا مدينة بقوله: «يَتيميْنِ في المدينةِ» فدلَّ على جواز [تسمية] إحداهما بالأخرى، ثم قال: «وكَان تحته كنزٌ لهُمَا» .
روى أبو الدرداء عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «كَانَ ذهباً، وقضَّة» .
وقال عكرمة: كان مالاً، ويدلُّ على ذلك أنّ المفهوم من لفظ الكنز هو المالُ.
وعن ابن عباس قال: «كَانَ لوحاً من ذهبٍ مكتوباً فيه: عجباً لمن أيقن بالموتِ، كيف يفرحُ، عجباً لمن أيقن بالقدر كيف ينصبُ، عجباً لمن أيقن بالرزقِ كيف يتعب، عجباً لمن يؤمنُ بالحساب كيف يغفل، عجباً لمن أيقن بزوالِ الدُّنيا، وتقلبها بأهلها كيف يطمئنُ إليها، لا إله إلا الله، محمدُ رسول الله، وفي الخطاب الجانب الآخر: أنا الله، لا إله إلا أنا، وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشرَّ فطوبى [لمن] خلقته للخير، وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشرِّ، وأجريته على يديه» .
وهذا قول أكثر المفسِّرين وروي أيضاً مرفوعاً، قال الزجاج: والكنزُ إذا أطلق إنما ينصرفُ إلى كنز المال، ويجوز عند التَّقييد لكنز العلم، يقال: عنده كنز علم. وهذا اللوح كان جامعاً لهما.
«وكان أبُوهمَا صالحاً» قيل: كان [اسمه] «كَاشِحٌ» وكان من الأنبياء، قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولهذا قيل: إنَّ الرجل الصالح يكون كنزه العلم لا المال، قيل: كان بينهما وبين الأب الصَّالح سبعة آباء وهذا يدل على أنَّ صلاح الإنسان يفيد العناية بأحوال أبنائه، فإن قيل: اليتيمان، هل أحد منهما عرف حصول الكنز تحت ذلك الجدار، أو ما عرف أحد منهما ذلك؟ فإن كان الأول امتنع أن يتركوا سقوط ذلك الجدار، وإن كان الثاني فكيف يمكنه بعد البلوغ استخراج ذلك الكنز ومعرفته والانتفاع به؟ .
الجواب: لعل اليتيمين كانا جاهلين به إلاَّ أن وصيَّهما كان عالماً به، إما أن ذلك الوصيَّ غاب، وأشرف ذلك الجدار في غيبته على السُّقوطِ، ثم قال: «فأرادَ ربُّك أن يبلغا أشدَّهُما» أي: يبلغا ويعقلا، وقيل: يدركا شدَّتهما وقوتهما.
وقيل: ثماني عشرة سنة، ويستخرجا حينئذ كنزهما «رحْمةً من ربِّك» أي: نعمة من ربِّك.
وفي نصب «رَحْمَةً» ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه مفعول له.
الثاني: أن يكون في موضع الحال من الفاعل، أي: أراد ذلك راحماً، وهي حالٌ لازمة.
الثالث: أن ينتصب انتصاب المصدر؛ لنَّ معنى «فاراد ربُّك أن يبلغا» معنى: «فرحمهما» ثم قال: وما فعلتهُ عن أمْرِي «أي: ما فعلته باختيارِي ورأيي، بل فعلتهُ بأمر الله وإلهامه، بأنَّ الإقدامَ على تنقيص أموالِ النَّاسِ وإراقةِ دمائهم، لا يجوز إلاَّ بالوحي والنفي القاطع،» وذلِكَ تأويلُ ما لمْ تَسْطِع عليه صبراً «أي: لم تطقْ عليه صبراً.
قوله:» تَسْطِعْ» قيل أصله «اسْتطاعَ» فحذفت تاء الافتعال، وقيل: المحذوف الطاء الأصلية، ثم أبدلت تاءُ الافتعال طاء بعد السِّين، وهذا تكلف بعيدٌ.
وقيل: السِّين مزيدة عوضاً من قلب الواو ألفاً، والأصل: أطاع، ولتحقيق القول فيه موضعٌ غير هذا، ويقال: استتاع - بتاءين، واستاع - بتاء واحدة، فهذه أربع لغاتٍ حكاها ابن السِّكيتِ.
فصل
اعلم أنَّ أحكام الأنبياء - عليهم السلام - مبنيةٌ على الظواهر؛ كما قال - عليه السلام -: «نَحْنُ نحكمُ بالظَّاهرِ والله يتولَّى السَّرائرَ» وهذا العالم ما كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور، بل كانت مبنية على الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس الأمر، وذلك لنَّ الظاهر في أموال النَّاس، وفي أرواحهم في المسالة الأولى والثانية من غير سببٍ ظاهرٍ لا يبيح ذلك التصرف؛ لأن تخريق السفينة تنقيصٌ لملك الغير من غير سبب ظاهر يبيحُ ذلك التصرُّف، والإقدام على قتل الغلامِ إلحاقٌ بضررِ القتل به من غير سبب ظاهر والإقدامُ على إقامةِ الجدار المائل تحملٌ للتَّعَب والمشقَّة من غير سبب ظاهر، فهذه المسائل الثلاثة ليس حكم ذلك العالم فيها مبنيًّا على الأسباب الظاهرة، بل كان مبنياً على أسباب معتبرة في نفس الأمر، وهذا يدلُّ على أنَّ ذلك العالم كان قد آتاهُ الله قوة عقلية يقدر بها أن يشرفَ على بواطن الأمور، ويطَّلع بها على حقائق الأشياء، فكانت مرتبة موسى - عليه السلام - في معرفةِ شرائع الأحكام بناء على الظواهر، وهذا العالم مرتبته الوقوف على بواطن الأشياء وحقائقها، فلهذا كانت مرتبته في العلم فوق مرتبة موسى. إذا عرف هذا؛ فنقول: هذه المسائل الثلاثة مبنيةٌ على حرف واحد، وهو أنه: إذا تعارض ضرران يجب تحمل الأولى، لدفع الأعرى، فهذا هو الأصل المعتبر في المسائل الثلاثة، أمَّا الأولى: فلأنَّ ذلك العالم علم أنَّه لو لم يعب السفينة بالتخريقِ، فغصبها ذلك الملك، وفاتت منافعها بالكليَّة على ملاَّكها، فوقع التعارضُ بين أن يخرقها ويعيبها، ويبقى مع ذلك العيب على ملاَّاكها وبين ألاَّ يخرقها، فيغصبها الملك، وتفوت منافعها على ملاكها بالكلِّية، ولا شكَّ أن الضرر الأوَّل أقلُّ؛ فوجب تحمُّله؛ لدفع الضرر الثاني؛ لكونه أعظم ضرراً.
وأمَّا المسألة الثانية فكذلك؛ لأنَّ بقاء ذلك الغلام كان مفسدة للوالدين في دينهم، وفي أبنائهم، ولعلَّه علم بالوحي أن المضار الناشئة من قتل ذلك الغلام أقل من المضار الناشئة بسبب حصول تلك المفاسدِ للأبوين؛ فلهذا السَّبب أقدم على قتله.
والمسألة الثالثة - أيضاً - كذلك؛ لأنَّ المشقة الحاصلة بسبب الإقدام على بناء الجدار المائل أسهل من المضارِّ الحاصلة بسبب ترك إقامته، لأنَّ ذلك الجدار لو سقط، لضاع مال أولئك الأيتام، وفيه ضررٌ شديدٌ، فالحاصل أنَّ ذلك العالم كان مخصوصاً بالوقوف على حقائق الأشياء وببناء الأحكام على حقائقها، وأنّ موسى - عليه السلام - كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور، فبهذا ظهر التفاوتُ بينهما في علمه.
فإن قيل: فحاصل الكلام أنَّه تعالى أطلعه على حقائق الأشياء، وهذا النَّوعُ من العلم ما يمكنُ تعلُّمه، وموسى - عليه السلام - إنما ذهب إليه ليتعلم منه العلم، فكان الواجب على ذلك العالم أن يظهر له علماً يمكنُ تعلُّمه، وهذه المسائل علمها لا يمكن تقاسمه، فما الفائدة في إظهارها؟
فالجواب: أنَّ العلم بظواهر الأشياء يمكن تحصيله بناء على معرفة الشرائع الظاهرة، وأمَّا العلم بحقائق الأشياء، فإنَّه لا يمكن تحصيله إلاّ بناءً على تصفية الباطن، وتطهير القلب ع نالعلائق الجسمانية، ولهذا قال تعالى في صفة علم ذلك العالم: ﴿وعلَّمناهُ من لدُنَّا علماً﴾ ثم إن موسى - عليه السلام - لمَّا كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه الله تعالى إلى ذلك العالم، ليعلِّم موسى أنَّ كمال الدرجة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظَّواهر إلى علوم البواطنِ المبنية على الإشراف على حقيقة الأمور.
فصل
احتجُّوا بهذه الآية على أن الفقير أشدُّ حاجة من المسكين؛ لأنَّه تعالى سمَّاهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون السفينة.
واعلم أن العالم بيَّن مراده من تخريق السفينة، وأنه لم يكن مقصوده تغريق أهلها؛ بل كان مقصوده تعييبها، لئلاَّ يأخذها ذلك الملك الظَّالم؛ لأنه كان من عادته أخذ السفن الخالية من العيوب، وضرر هذا التخريق أسهل من ضرر الغصب.
فإن قيل: هل يجوز للأجنبيِّ أن يتصرَّف في ملك الغير لمثل هذا الغرض؟ .
فالجواب: هذا مما تختلف أحواله بسبب اختلاف الشرائع، فلعلَّ هذا كان جائزاً في تلك الشريعة، وأما في شريعتنا فهذا الحكم غير بعيدٍ، فإنَّا إذا علمنا أن الذين يقطعون الطريق يأخذون جميع مال الإنسان، فإن دفعنا إلى قاطع الطَّريق بعض ذلك المال سلم الباقي، فحينئذ يحسنُ منَّا أن ندفع بعض مال ذلك افنسان إلى قاطع الطريق؛ ليسلم الباقي، وكان هذا إحساناً منا لذلك المالك.
كذلك قيل في السفينة المشحونة إذا خيف عليها الغرق، وأنه إذا ألقي منها شيءٌ في البحر خفَّت وسلم ما فيها جاز الإلقاء، بل يجب كذلك، وكذلك مسالة التترُّس بالمسلمين.
واعلم بأنَّ هذا التخريق يجب أن يكون على وجه لا يبطل منافع تلك السفينة بالكلِّية، إذ لو ك ان كذلك، لم يكن الضَّررُ الحاصل من غصبها أعظم من الضَّرر الحاصل من تخريقها، وحينئذ لم يكن تخريقها جائزاً.
فصل
اعلم أنَّه قال: ﴿فأردتُّ أن أعيبها﴾ وقال: ﴿فأردْنَا أن يبدلهما ربُّهما خيراً منهُ﴾ ، وقال: ﴿فأرَادَ ربُّك أن يبلُغا أشدَّهما﴾ فاختلفت الإضافة في هذه الإرادات الثلاثة، وهي كلها قضيَّة واحدة، وفائدة ذلك أنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه، فقال: ﴿فأرَدْتُ أن أعيبها﴾ ولمَّا ذكر القتل، عبَّر عن نفسه بلفظِ الجمع تنبيهاً على أنَّه من العظماء في علوم الحكمة، فلم يقدم على هذا القتل إلاَّ لحكمةٍ عاليةٍ، ولمَّا ذكر رعاية صالح اليتيمين لأجل صلاح أبيهما اضافه إلى الله تعالى، لأنَّ المتكفِّل بمصالح الأبناء برعاية حقِّ الآباء ليس إلاَّ الله تعالى.
فصل
اختلفوا: هل الخضر حيٌّ أم لا؟ فقيل: إنَّ الخضر وإلياس حيَّان يلتقيان كلَّ سنةٍ بالموسم، قيل: وسبب حياته أنَّ ذا القَرنَيْنِ دخل الظلمات، لطلب عين الحياة، وكان الخضر على مقدِّمته، فوقع الخضر على عين الحياة، فنزل، واغتسل، وشرب، وقيل: وأخطأ ذو القرنين الطريق، فعاد.
وقيل: إنه ميتٌ، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾ [الأنبياء: 34] وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ بعدما صلى العشاءَ ليلة: «أرَأيْتكُمْ ليْلتَكُم هذه، فإنه على رأس مائة سنةٍ لا يبقى ممَّن هو اليوم على ظهر الأرضِ أحدٌ» ولو كان الخضر حيًّا، لكان لا يعيش بعده.
رُويَ أنَّ موسى لمَّا اراد أن يفارقه قال: أوصني، قال: لا تطلب العلم لتحدِّث به، واطلبه لتعمل به.
الكهف 18:82
قوله: ﴿وَتِلْكَ القرى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ أي قرى الأوَّلين: قوم نوح وعاد وغيرهم، وتلك مبتدأ، والقرى خبره.
و «أهْلكْنَاهُمْ» حينئذ: إمَّا خبر ثانٍ، أو حال، ويجوز أن تكون «تِلْكَ» مبتدأ، و «القرى» صفتها لأنَّ أسماء الإشارة توصف بأسماء الأجنس أو بيان لها، أو بدلٌ منها، و «أهْلَكنَاهَا» الخبر، ويجوز أن يكون «تِلْكَ» منصوب المحلِّ بفعلٍ مقدَّر على الاشتغال.
والإضمار في «أهْلَكنَاهُمْ» عائد على «أهْل» المضاف إلى القرى، إذ التقدير: وأهل تلك القرى، فراعى المحذوف، فأعاد عليه الضمير، وتقدَّم ذلك في أول الأعراف [الآية: 4] .
و «لمَّا ظلموا» يجوز أن يكون حرفاً، وأن يكون ظرفاً، وقد تقدَّم.
قوله: «وجعلنا لمهلكهم موعداً» قرأ عاصم «مَهْلَك» بفتح الميم، والباقون بضمها، وحفص بكسر اللام، والباقون بفتحها، فتحصَّل من ذلك ثلاث قراءاتٍ، لعاصم قراءتان؛ فتح الميم مع فتح اللام، وهي رواية أبي بكرٍ عنه، والثانية فتح الميم، مع كسر اللام، وهي رواية حفص عنه، والثالثة: ضم الميم، وفتح اللام، وهي قراءة الباقين.
وأمَّا قراءة أبي بكرٍ، ف «مَهْلَك» فيها مصدرٌ مضاف لفاعله، وجوَّز أبو عليٍّ أن يكون مضافاً لمفعوله، وقال: إنَّ «هَلَكَ» يتعدَّى دون همز، وأنشد: [الرجز]
2542 - ومَهْمَهٍ هَالكِ مَنْ تعرَّجا ... ف «مَنْ» معمول ل «هالكٍ» وقد منع النَّاسُ ذلك، وقالوا: لا دليلَ في البيت؛ لجواز أن يكون ذلك من باب الصفةِ المشبهة، والأصل: هالك من تعرَّجا.
ف «مَنْ تعرَّج» فاعل الهالك، ثم أضمر في «هَالِك» ضمير «مهمه» ونصب «من تعرَّج» نصب «الوجه» في قولك: «مررتُ برجلٍ حسنٍ الوجهَ» ثم أضاف الصفة، وهي «هَالِك» إلى معمولها، فالإضافة من نصبٍ، والنصب من رفعٍ، فهو كقولك: «زيدٌ منطلقُ اللسان، ومنبسطُ الكفِّ» ولولا تقدير النصبِ، لامتنعتِ الإضافة؛ إذ اسم الفاعل لا يضاف إلى مرفوعه، وقد يقال: لا حاجة إلى تقدير النصب؛ إذ هذا جارٍ مجرى الصفة المشبهة، والصفة المشبهة تضاف إلى مرفوعها، إلا أنَّ هذا مبنيٌّ على خلافٍ آخر، وهو: هل يفع الموصول في باب الصفة أم لا؟ والصحيح جوازه، قال الشاعر: [البسيط]
3543 - فَعُجْتُهَا قِبلَ الأخْيار مَنْزلةً ... والطَّيبِي كُلِّ ما التَاثَتْ به الأزُرُ
وقال الهذليُّ: [الطويل]
3544 - أسِيلاتُ أبْدانٍ دِقَاقٌ خُصورُهَا ... وثِيرَاتُ ما التفَّت عليها المَلاحِفُ
وقال أبو حيَّان في قراءة أبي بكرٍ هذه: «إنَّه زمانٌ» ولم يذكر غيره، وجوَّز غيره فيه الزمان والمصدر، وهو عجيبٌ؛ فإنَّ الفعل متى كسرت عينُ مضارعه، فتحت في المفعل مراداً به المصدر، وكسرت فيه مراداً به الزمان والمكان، وكأنَّه اشتبهت عليه بقراءة حفص؛ فإنَّه بكسر اللام، كما تقدَّم، فالمفعل منه للزَّمان والمكان.
وجوَّز أبو البقاء في قراءته أن يكون المفعل فيها مصدراً، قال: «وشذَّ فيه الكسر كالمرجع» وإذا قلنا: إنَّه مصدر، فهل هو مضافٌ لفاعله، أو مفعوله؟ يجيء ما تقدَّم في قراءة رفيقه، وتخريجُ ابي عليٍّ، واستشهاده بالبيت، والردُّ عليه، كل ذلك عائد هنا.
وأمَّا قراءة الباقين، فواضحةٌ، و «مُهْلكٌ» فيها يجوز أن يكون مصدراً مضافاً لمفعوله أي لإهلاكهم، وأن يكون زماناً، ويبعد أن يراد به المفعول، أي: وجعلنا للشخصِ، أو للفريقِ المهلكِ منهم.
والمَوْعِدُ: مصدر، أو زمان.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِفَتَاهُ﴾ الآية: «إذْ» منصوب ب «اذْكُرْ» أو وقت قال لفتاه: جرى ما قصصنا عليك من خبره.
قال عامة أهل العلم: إنَّه موسى بن عمران. وقال بعضهم: إنَّه موسى بن ميشا من أولاد يوسف، والأول أصحُّ، لما روى عمرو بن دينارٍ، قال: أخبرني سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبَّاسٍ: إنَّ نوفاً لابكاليَّ يزعم أنَّ موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل، فقال ابن عبَّاس: كذب عدوُّ الله، حدَّثنا أبيّ بن كعبٍ أنه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «إنَّ موسى قَامَ خطيباً في بني إسرائيل، فسُئِلَ: أيُّ النَّاس أعلمُ؟ فقال: أنَا، فَعَتبَ الله عليه؛ إذْ لم يردَّ العِلْمَ إليه، فأوحَى إليه: إنَّ لِي عَبْداً بمَجْمَع البَحْرينِ، هو أعلم منك، فقال موسى: يا ربِّ، فكيف لي به؟ قال: تأخذُ معك حوتاً، فتجعلهُ في مكتلٍ، فحيثما فقدتَّ الحوت، فهو ثمَّ؛ فأخذ حوتاً، فجعلهُ في مكتلٍ، ثمَّ انطلق، وانطلق معه فتاهُ يُوشعُ بن نونٍ، حتَّى أتيا الصَّخرةَ، ووضعَا رُءُوسَهُمَا، فنَامَا، واضطرب الحُوتُ في المكْتَلِ، فخرج منهُ، فسَقطَ في البَحْرِ، فاتَّخذَ سَبيلهُ في البَحْرِ سَرَباً، وأمْسَكَ الله عن الحُوت جَرية الماءِ، فصَارَ عَليْهِ كالطَّاقِ، فلمَّا اسْتيقظَ، نَسِيَ صَاحبهُ أنْ يُخْبِرَهُ بالحُوتِ، فانْطلقَا بقيَّة يَوْمهِمَا وليْلتِهمَا، حتَّى إذا كان من الغَداةِ، قَالَ مُوسَى لفتاهُ: آتِنَا غَداءَنَا، لقَدْ لقينا من سَفرنَا هذا نصباً، قال: ولمْ يَجِدْ مُوسى النَّصب، حتَّى جَاوزَ المكان الذي أمرهُ الله تعالى، فقال له فتاهُ: أرَأيْتَ إذْ أوَيْنَا إلى الصَّخرةِ، فإنِّي نَسيتُ الحُوتَ ومَا أنْسانيه إلاَّ الشَّيطانُ أنْ أذكرهُ، واتَّخذَ سبيلهُ في البحر عجباً، قال: وكَانَ للحُوتِ سرباً ولمُوسَى وفتاهُ عجباً، قال موسى: ذلكَ ما كُنَّا نبغي فَارتدّا على آثارهما قصصاً، رجعا يقُصَّانِ آثارهما، حتى [انتهيا] إلى الصَّخرة، فإذا رجلٌ مُسَجَّى ثوباً، فسلَّم عليه مُوسى، فقال الخَضِرُ: وأنَّى بأرضِكَ السَّلامُ؟ فقال: أنَا مُوسَى، قال: مُوسى بني إسرائيل؟ قال: نَعمْ، أتَيْتُك، لتُعَلِّمَنِي ممَّا علِّمتَ رُشداً [وذكر باقي] القصة» .
واعلم أنَّه كان ليوسف - عليه السلام - ولدان: أفرائيم وميشا، فولد أفرائيم نون وولد نون يوشع بن نون، وهو فتى موسى، ووليُّ عهده بعد وفاته، وأما ولد ميشا، فقيل: إنه جاءته النُّبوَّة قبل موسى بن عمران، وأهل التَّوراة يزعمون أنَّهُ هو الذي طلب هذا العالم ليتعلَّم منه، وهو العالمُ الذي خرق السَّفينة، وقتل الغلام، وبنى الجدار، وموسى بن ميشا معه، هذا قول جمهور اليهود.
واحتجَّ القفال على صحَّة قول الجمهور بأنه موسى صاحب التَّوراة، قال: إنَّ الله تعالى ما ذكر موسى في كتابه إلاَّ وأراد به موسى صاحب التوراة، فإطلاق هذا الاسم يوجب الانصراف إليه، ولو كان المرادِ شحصاً آخر يسمَّىموسى غيره، لعرّفه بصفةٍ تميِّزه وتزيل الشبهة كما أنَّه لما كان المشهور في العرف أنَّ ابا حنيفة هو الرجل المفتي، فلو ذكرنا هذا الاسم، وأردنا به غيره، لقيَّدناهُ، كما نقول: أبو حنيفة الدِّينوريُّ.
فصل في حجة القائلين بأنه موسى بن ميشا
واحتج القائلون بأنَّ موسى بن ميشا بأنَّ الله تعالى بعد أن أنزل عليه التوراة، وكلَّمه بلا واسطة، وخصَّه بالمعجزات الباهرة العظيمة التي لم يتَّفق مثلها لأكثر أكابر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يبعد أن يبعثه بعد ذلك إلى التَّعليمِ والاستفادة.
[فالجواب] عنه: بأنَّه ليس ببعيدٍ أن يكون العالم العامل الكامل في أكثر العلوم يجهل بعض الأشياء؛ فيحتاج إلى تعلُّمها إلى من هو دونه، وهو أمرٌ متعارفٌ.
فصل في اختلافهم في فتى موسى
واختلفوا في فتى موسى، فالصحيح أنه يوشعُ بن نونٍ؛ كما روي في الحديث المتقدِّم، وقيل: كان أخا يوشع.
وروى عمرو بن عبيدٍ عن الحسن أنَّه عبدٌ لموسى.
قال القفَّال والكعبي: يحتمل ذلك.
قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لا يقُولنَّ أحَدُكمْ: عَبْدِي وأمَتِي، وليقُلْ: فَتَايَ وفَتَاتِي» .
وهذا يدلُّ على أنهم كانوا يسمُّون العبد فتًى، والأمة فتاةً.
قوله: «لا أبْرَحُ» يجوز فيها وجهان:
أحدهما: أن تكون ناقصة، فتحتاج إلى خبر.
والثاني: أن تكون تامة، فلا تحتاج إليه، فإن كانت الناقصة، ففيها تخريجان:
أحدهما: أن يكون الخبر محذوفاً؛ للدلالة عليه تقديره: لا أبرح أسيرُ حتَّى ابلغ، إلاَّ أن حذف الخبر في هذا الباب نصَّ بعض النحويِّين على أنه لا يجوز ولو بدليلٍ، إلا في ضرورة؛ كقوله: [الكامل]
3545 - لَهفِي عَليْكَ للَهْفةٍ مِنْ خَائفٍ ... يَبْغِي جِوارَكَ حِينَ ليْسَ مُجِيرُ
أي: حين ليس في الدنيا مجيرٌ.
والثاني: أنَّ في الكلام حذف مضافٍ، تقديره: لا يبرحُ مسيري، حتَّى أبلغ، ثم حذف «مسير» وأقيمت الياء مقامه، فانقلبت مرفوعة مستترة بعد أن كانت مخفوضة المحلِّ بارزة، وبقي «حتَّى أبلغ» على حاله هو الخبر.
وقد خلط الزمخشري هذين الوجهين، فجعلهما وجهاً واحداً، ولكن في عبارة حسنة جدًّا، فقال: «فإن قلت:» لا أبْرَحُ «إن كان بمعنى» لا أزولُ «من برح المكان، فقد دلَّ على الإقامةِ، لا على السَّفر، وإن كان بمعنى» لا أزَالُ «فلا بدَّ من خبر، قلت: هي بمعنى» لا أزَالُ «وقد حذف الخبر؛ لأنَّ الحال والكلام معاً يدلان عليه؛ أمَّا الحال، فلأنها كانت حال سفرٍ، وأمَّا الكلام، فلأن قوله» حتَّى أبلغ «غاية مضروبة تستدعي ما هي غاية له، فلا بدَّ أن يكون المعنى: لا أبرحُ أسير حتَّى أبلغَ، ووجه آخرُ: وهو أن يكون المعنى: لا يبرحُ مسيري، حتَّى أبلغ على أنَّ» حتَّى أبلغَ «هو الخبر، فلمَّا حذف المضافُ، أقيم المضافُ إليه مقامهُ، وهو ضمير المتكلِّم، فانقلب الفعل من ضمير الغائب إلى لفظ المتكلِّم، وهو وجهٌ لطيفٌ» .
قال شهاب الدين: وهذا على حسنه فيه نظرٌ لا يخفى، وهو: خلوُّ الجملة الواقعة خبراً عن «مسيري» في الأصل من رابطٍ يربطها به؛ ألا ترى أنه ليس في قوله «حتَّى أبلغ» ضمير يعود على «مسيري» إنما يعود على المضاف إليه المستتر، ومثل ذلك لا يكتفى به.
ويمكن أن يجاب عنه: بأن العائد محذوفٌ، تقديره: حتى أبلغ به، أي: بمسيري.
وإن كانت التامة، كان المعنى: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى: ألزمُ المسير والطَّلبَ، ولا أفارقه، ولا أتركه؛ حتَّى أبلغ؛ كما تقول: لا أبرح المكان، فعلى هذا: يحتاجُ أيضاً إلى حذف مفعول به، كما تقدَّم تقريره فالحذف لا بدَّ منه على تقديري التَّمامِ والنقصان [في أحد وجهي النقصان] .
وقرأ العامة «مجمع» بفتح الميم، وهو مكان الاجتماع، وقيل: مصدر، وقرأ الضحاك وعبد الله بن مسلم بن يسارٍ بكسرها، وهو شاذٌّ؛ لفتح عين مضارعة.
قوله: «حُقُباً» منصوبٌ على الظرف، وهو بمعنى الدَّهر. وقيل: ثمانون سنة، وقيل: سنةٌ واحدةٌ بلغة قريش، وقيل: سبعون، وقرأ الحسن: «حُقْباً» بإسكان القاف، فيجوز أن يكون تخفيفاً، وأن يكون لغة مستقلة، ويجمع على «أحقابٍ» كعنقٍ وأعناقٍ، وفي معناه: الحقبةُ بالكسر، قال امرؤُ القيس:
3546 - فَإن تَنْأ عَنْهَا حِقْبةً لا تُلاقِهَا ... فإنَّكَ ممَّا أحْدَثَتْ بالمُجرِّبِ والحقبة بالضمِّ أيضاً، وتجمع الأولى على حقبٍ، بكسر الحاء كقربٍ، والثانية على حقبٍ، بضمِّها؛ كقربٍ.
فإن قيل قوله: «أوْ أمْضِيَ» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه منسوق على «أبْلُغَ» يعني بأحد أمرين: إمَّا ببلوغه المجمع، أو بمضيِّه حقباً.
والثاني: أنه تغييةٌ لقوله «لا أبْرَحُ» فيكون منصوباً بإضمار «أنْ» بعد «أو» بمعنى «إلى نحو» لألزَمنَّكَ أو تَقضِيَنِي حقِّي» .
فالجواب قال أبو حيان: «فالمعنى: لا أبرحُ حتى أبلغ مجمع البحرين، إلى أن أمضي زماناً، أتيقَّنُ معه فوات مجمع البحرين» قال شهاب الدين: فيكون الفعل المنفيُّ قد غيِّي بغايتين مكاناً وزماناً؛ فلا بدَّ من حصولهما معاً، نحو: «لأسيرنَّ إلى بيتك إلى الظَّهر» فلا بدَّ من حصولِ الغايتين؛ والمعنى الذي ذكره الشيخ يقتضي أنه يمضي زماناً يتيقَّن فيه فوات مجمع البحرين.
وجعل أبو البقاء «أو» هنا بمعنى «إلاَّ» في أحد الوجهين:
قال: «والثاني: أنها بمعنى: إلاَّ أن أمضي زماناً؛ أتيقَّن معه فوات مجمع البحرين» وهذا الذي ذكره أبو البقاء معنى صحيحٌ، فأخذ الشيخ هذا المعنى، ركَّبهُ مع القول بأنَّها بمعنى «إلى» المقتضيةِ للغاية، فمن ثمَّ جاء الإشكالُ.
فصل في المراد بمجمع البحرين
قوله: «مجمعُ البَحريْنِ» ؛ الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر - عليه السلام -: هو ملتقى بحرين فارس والرُّوم ممَّا يلي المشرق، قاله قتادة، [وقال محمد بن كعب: طنجة] وقال أبي بن كعبٍ: إفريقيَّة.
وقيل: البحران موسى والخضر؛ لأنَّهما كانا بحري علمٍ. وليس في اللفظ ما يدل على تعيين هذين البحرين؛ فإن صحَّ بالخبر الصحيح شيء فذاك، وإلاَّ فالأولى السُّكوت عنه.
ثم قال: «أوْ أمضيَ حُقباً» : أو أسير زماناً طويلاً.
واعلم أنَّ الله تعالى كان أعلم موسى حال هذا العالم، وما أعلمه بموضعه بعينه، فقال موسى: لا أزالُ أمشي؛ حتَّى يجتمع البحرانِ، فيصيرا بحراً واحداً، أو أمضي دهراً طويلاً؛ حتى أجد هذا العالم، وهذا إخبارٌ من موسى أنَّه وطن نفسه على تحمُّل التَّعب الشَّديد، والعناء العظيم في السَّفر؛ لأجل طلب العلم، وذلك تنبيهٌ على أنَّ المتعلِّم، لو سار من المشرق إلى المغرب؛ لأجل مسألة واحدة، حقَّ له ذلك.
ثم قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ .
أي: انطلقا إلى أن بلغا مجمع بينهما، والضمير في قوله: «بينهما» إلى ماذا يعود؟ .
فقيل: لمجمع البحرين.
وقيل: بلغا الموضع الذي وقع فيه نسيانُ الحوت، وهذا الموضع الذي كان يسكنه الخضر - عليه السلام - أي: يسكن بقربه، ولأجل هذا المعنى، لمَّا رجع موسى وفتاه بعد أن ذكر الحوت، صار إليه، وهو معنى حسنٌ، والمفسِّرون على القول الأوَّل.
قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ : الظاهر نسبةُ النِّسيانِ إلى موسى وفتاه، يعني نسيا تفقُّد أمره، فإنه كان علامة لهما على ما يطلبانه، وقيل: نسيَ موسى أن يأمرهُ بالإتيان به، ونسي يوشعُ أن يفكِّره بأمره، وقيل: النَّاسِي يوشع فقط، وهو على حذف مضاف، أي: نسي أحدهما؛ كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22] .
قوله: «في البَحْرِ سرباً» مفعول ثانٍ ل «اتَّخذَ» و «فِي البَحْرِ» يجوز أن يتعلق ب «اتَّخذ» وأن يتعلق بمحذوفٍ على أنه محالٌ من المفعول الأول أو الثاني.
والهاء في «سبيلهُ» تعود على الحوت، وكذا المرفوع في «اتَّخذَ» .
قوله: ﴿جَاوَزَا﴾ : مفعوله محذوف، أي: جاوزا الموعد، وقيل: جاوزا مجمع البحرين.
قوله: «هَذَا» إشارة إلى السَّفر الذي وقع بعد تجاوزهما الموعد، أو مجمع البحرين، و «نَصباً» هو المفعول ب «لَلِينَا» والعامة على فتح النون والصاد، وعبد الله بن عبيد بن عمير بضمِّهما، وهما لغتان من لغاتٍ أربعٍ في هذه اللفظة، كذا قال أبو الفضل الرازيُّ في «لَوامحِهِ» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ : تقدم الكلام عليها مشبعاً في الأنعام، وقال أبو الحسن الأخفش هنا فيها كلاماً حسناً، وهو: أنَّ العرب أخرجتها عن معناها بالكليَّة، فقالوا: أرَأيْتكَ، وأرَيْتكَ بحذف الهمزة، إذا كانت بمعنى: أخْبِرْنِي «وإذا كانت بمعنى» أبْصَرْتَ «لم تحذف همزتها، وشذَّت أيضاً، فألزمها الخطاب على هذا المعنى، ولا يقال فيها أيضاً:» أرَانِي زيداً عمراً ما صَنعَ «ويقال على معنى» اعْلَمْ «وشذَّت أيضاً، فأخرجتها عن موضعها بالكليَّة؛ بدليل دخول الفاء؛ ألا ترى قوله: ﴿أرَأيْتَ إذ أوينا إلى الصَّخرةِ فإني﴾ فمَا دخلت الفاء إلاَّ وقد أخرجت إلى معنى:» أمَّا» أو «تنبَّه» ، والمعنى: أمَّا إذ أوينا إلى الصَّخرة، فإنِّي نسيتُ الحوت، وقد أخرجتها أيضاً إلى معنى» أخبرني «كما قدَّمنا، وإذا كانت بمعنى» أخبرني «فلا بدَّ بعدها من الاسم المستخبر عنه، وتلزم [الجملة] التي بعدها الاستفهام، وقد تخرج لمعنى» أمَّا «ويكون أبداً بعدها الشرط، وظروف الزمان، فقوله» فإنِّي نسيتُ « معناه: أمَّا إذ أوينا فإنِّ] ، أو تنبَّه إذْ أويْنَا، وليست الفاءُ إلاَّ جواباً ل» أرَأيْتَ «لأنَّ» إذْ «لا يجوز أن يجازى بها إلاَّ مقرونة ب» ما «بلا خلافٍ» .
قال الزمخشري: «أرأيت» بمعنى «أخْبرنِي» فإن قلت: ما وجه التئامِ هذا الكلام، فإنَّ كلَّ واحد من «أرَأيْتَ» ومن «إذْ أويْنَا» ومن ﴿فإنِّي نسيتُ الحوت﴾ لا متعلق له.
قلت: لمَّا طلب موسى الحوت، ذكر يوشع ما رأى منه، وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، ودهش، فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك، كأنه قال: أرأيت ما دهاني، إذ أوينا إلى الصخرة، فإنّي نسيتُ الحوت، فحذف ذلك.
قال أبو حيَّان: وهذان مفقودان في تقدير الزمخشريِّ: «أرَأيْتَ بمعنى أخبرني» يعني بهذين ما تقدَّم في كلام الأخفش من أنَّه لا بدَّ بعدها من الاسم المستخبر عنه، ولزومِ الاستفهام الجملة التي بعدها.
قال النوويُّ في «التهذيب» يقال: أوى زيدٌ بالقصر: إذا كان فعلاً لازماً، وآوى غيره بالمدِّ: إذا كان متعدِّياً، فمن الأول هذه الآية قوله:
﴿إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف﴾ [الكهف: 10] .
ومن المتعدِّي قوله تعالى: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: 50] .
وقوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ [الضحى: 6] .
هذا هو الفصيح المشهور، ويقال في كلِّ واحدٍ بالمدِّ والقصر، لكن بالقصر في اللازمِ أفصح، والمدُّ في المتعدِّي أفصحُ وأكثر.
قوله: «ومَا أنْسَانيهُ» قرأ حفص بضم الهاء، وكذا في قوله: «عَلَيْهُ الله» في سورة الفتح [آية: 10] ، قيل: لأنَّ الياء هنا أصلها الفتح، والهاء بعد الفتحة مضمومة، فنظر هنا إلى الأصل، وأمَّا في سورة الفتح؛ فلأنَّ الياء عارضة؛ إذ أصلها الألف، والهاء بعد الألف مضمومة، فنظر إلى الأصل أيضاً.
والباقون بالكسر نظراً إلى اللفظ، فإنَّها بعد ياءٍ ساكنة، وقد جمع حفص في قراءته بين اللغات في هاء الكناية: فإنه ضمَّ الهاء في «أنسانيه» في غير صلة، ووصلها بياءٍ في قوله: ﴿فِيهِ مُهَاناً﴾ [الفرقان: 69] على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، وقرأ كأكثر القراء فيما سوى ذلك.
وقرأ الكسائي «أنسانيه» بالإمالة.
قوله: «أنْ أذكرهُ» في محلِّ نصبٍ على البدل من هاء «أنسانيه» بدل اشتمال، أي: أنساني ذكرهُ.
وقرأ عبد الله: «أن أذكركه» ، وقرأ أبو حيوة: «واتِّخاذَ سبيلهِ» عطف هذا المصدر على مفعول «أذكرهُ» .
قوله: «عَجَباً» فيه أوجهٌ:
أحدها: أنه مفعول ثانٍ ل «اتَّخذَ» و «في البحْرِ» يجوز أن يتعلق بالاتخاذِ، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من المفعول الأول أو الثاني.
وفي فاعل «اتَّخذ» وجهان:
أحدهما: هو الحوتُ، كما تقدَّم في «اتَّخذ» الأولى.
والثاني: هو موسى.
الوجه الثاني من وجهي «عَجَباً» أنه مفعول به، والعامل فيه محذوف، فقال الزمخشريُّ: «أو قال: عجباً في آخر كلامه تعجباً من حاله، وقوله: ﴿وما أنسانيه إلاَّ الشيطان﴾ اعتراضٌ بين المعطوف والمعطوف عليه» . فظاهر هذا أنَّه مفعول ب «قال» ، أي: قال هذا اللفظ، والسبب في وقوع هذا الاعتراض ما يجري مجرى القدر والعلة لوقوع ذلك النسيان.
الثالث: أنه مصدر، والعامل فيه مقدَّر، تقديره: فتعجَّب من ذلك عجباً.
الرابع: أنه نعت لمصدر محذوف، ناصبه «اتَّخذَ» أي: اتخذ سبيله في البحر اتِّخاذاً عجباً، وعلى هذه الأقوال الثلاثة: يكون «في البَحْرِ» مفعولا ثانياً ل «اتَّخذَ» إن عدَّيناها لمفعولين.
فصل
دلَّت الرواياتُ على أنَّه تعالى بيَّن لموسى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّ هذا العالم موضعه مجمع البحرين، إلا أنَّه ما عيَّن موضعاً، إلا أنَّه جعل انقلاب الحوت حيًّا علامة على مسكنه المعيَّن، كمن يطلب إنساناً، فيقال له: إنَّ موضعه محل! َة كذا من كذا، فإذا انتهيت إلى المحلَّة، فسل فلاناً عن داره، فأينما ذهب بك، فاتبعه؛ فإنَّك تصل إليه، فكذا هنا قيل له: إنَّ موضعه مجمع البحرين، فإذا وصلت إليه، ورأيت انقلاب الحوت حيًّا وطفر إلى البحر، فيحتمل أنَّه قيل له: فهناك موضعه، ويحتمل أنَّه قيل له: فاذهب على موافقة ذلك الحوت؛ غفإنَّك تجدهُ.
وإذا عرفت هذا فنقول: إن موسى وفتاه، لمَّا بلغا مجمع بينهما، طفرت السَّمكةُ إلى البحر، وسارت، وفي كيفيَّة طفرها روايات.
فقيل: إن الفتى غسل السَّمكة، لأنها كانت مملحة، فطفرت وسارت.
وقيل: إنَّ يوشع توضَّأ في ذلك المكان من عينٍ تسمَّى «مَاءَ الحياةِ» لا يصيبُ ذلك الماءُ شيئاً إلاَّ حيي، فانتضح الماء على الحوت المالح، فعاش ووثب في الماء.
وقيل: انفجر هناك عينٌ من الجنَّة، ووصلت قطراتٌ من تلك العين إلى السَّمكة، وهي في المكتل، فاضطربت، وعاشت، فوثبت في البحر.
ثم قال تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ أي: نسيا كيفيَّة الاستدلال بهذه الحالة المخصوصة على الوصول إلى المطلوب، فإن قيل: انقلاب السَّمكة المالحة حيَّة [حالة] عجيبة [فلما] جعل الله تعالى حصول هذه الحالة العجيبة دليلاً على الوصول إلى المطلوب، فكيف يعقل حصول النِّسيان في هذا المعنى؟ .
فالجواب أنَّ يوشع كان قد شاهد المعجزات الباهرات من موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كثيراً، فلم يبق لهذه المعجزات عنده وقعٌ عظيم، فجاز حصول النِّسيان.
وهذا الجواب فيه نظرٌ.
قال ابن زيدٍ: أي شيءٍ أعجبُ من حوتٍ يؤكل منه دهراً، ثم صار حيًّا بعدما أكلَ بعضه.
فصل في ذكر جوابٍ آخر لابن الخطيب
قال ابن الخطيب: وعندي فيه جوابٌ آخر، وهو أنَّ موسى - عليه السلام - لما استعظم علم نفسه، أزال الله عن قلب صاحبه هذا العلم الضروريَّ؛ تنبيهاً لموسى عليه السلام - على أنَّ العلم لا يحصل ألبتَّة إلا بتعليم الله تعالى، وحفظه على القلب.
وقال البغويُّ: «نَسيَا» تركا «حُوتَهُمَا» ، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه، وأضاف النِّسيان إليهما؛ لأنهما جميعاً لمَّا تزوَّداه لسفرهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا من الزَّاد كذا [وإنما حملهُ واحد منهم. ثم قال: «واتخذ سبيله في البحر سرباً» قيل: تقديره سرب في البحر سرباً» ] إلاَّ أنه أقيم قوله: «فاتّخذ» مقام قوله: «سرباً» ، والسَّرب هو الذهاب ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَارِبٌ بالنهار﴾ [الرعد: 10] .
وقيل: إن الله تعالى أمسك الماء عن الجري، وجعله كالطاق والكوَّة؛ حتَّى سرب الحوت فيه، وذلك معجزةٌ لموسى أو الخضر - عليهما السلام -.
روي عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «انجاب الماءُ عن مسلكِ الحوت، فصار كوَّة، لم يلتئمْ، فدخل موسى الكوَّة على إثر الحوت، فإذا هو بالخضر» .
وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أي: موسى وفتاه الموعد المعين، وهو الوصول إلى الصخرة بسبب النِّسيان المذكور، وذهبا كثيراً، وتعبا، وجاعا.
﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا﴾ والغداءُ: ما يعدُّ للأكل غدوة، والعشاء: ما يعدُّ للأكل عشية ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً﴾ أي: تعباً وشدَّة، وذلك أنَّه ألقى على موسى الجوع بعد مجاوزة الصَّخرة؛ ليتذكَّر الحوت، ويرجع إلى مطلبه، فقال له فتاه وتذكَّر: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة﴾ الهمزة في «أرَأيْتَ» همزة الاستفهام، و «رَأيْتَ» على معناه الأصليِّ، وجاء الكلام هذا على المتعارفِ بين النَّاس؛ فإنه إذَا حدث لأحدهم أمرٌ عجيبٌ، قال لصاحبه: أرأيت ما حدث لي، كذلك هنا، كأنه قال: أرأيت ما وقع لي، إذا أوينا إلى الصَّخرة، فحذف مفعول «أرَأيْتَ» لأنَّه - أي لأنَّ قوله: «فإنِّي نسيتُ الحوت» - يدل عليه، أي: فقدته.
﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي أذكر لك أمر الحوت.
﴿واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر عَجَباً﴾ ووجه كونه عجباً انقلابه من المكتل، وصيرورته حيًّا، وإلقاء نفسه في البحر على غفلةٍ منهما، ويكون المراد منه ما ذكرنا أنه تعالى جعل الماء عليه كالطَّاق والسَّرب، وقيل: تمّ الكلام عند قوله: ﴿واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر﴾ ، ثم قال: «عَجَباً» أي أنَّه يعجب من رؤية تلك العجيبة، ومن نسيانه لها.
وقيل: إنَّ قوله «عَجَباً» حكايةٌ لتعجُّب موسى.
ثم قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي: نطلبه؛ لأنَّه أمارة الظَّفر بالمطلوب، وهو لقاء الخضر.
قوله: ﴿نَبْغِى﴾ : حذف نافع وأبو عمرو والكسائي ياء «نَبْغِي» وقفاً، وأثبتوها وصلاً، وابن كثير أثبتها في الحالين، والباقون حذفوها في الحالين؛ اتِّباعاً للرسم، وكان من حقِّها الثبوتُ، وإنما حذفت تشبيهاً بالفواصل، أو لأنَّ الحذف يؤنس بالحذف، فإن «ما» موصولة حذف عائدها، وهذه بخلاف التي في يوسف [الآية: 65] ، فإنها ثابتة عند الجميع، كما تقدَّم.
قوله: «قصصاً» فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه مصدر في موضع الحال، أي: قاصِّين.
الثاني: أنه مصدر منصوب بفعل من لفظه مقدر، أي: يقصَّان قصصاً.
الثالث: أنه منصوبٌ ب «ارْتدَّا» لأنه في معنى «فقَصَّا» .
قوله: ﴿ {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ﴾ الآية.
قيل: كان ملكاً من الملائكة، والصحيح ما ثبت في التَّواريخ، وصحَّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه الخضر، واسمه بليا بن ملكان.
وقيل: كان من نسل بني إسرائيل.
وقيل: كان من أبناء الملوك الذين زهدُوا في الدنيا، والخضر لقبٌ له، سمِّي بذلك؛ لما روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «إنَّما سمِّي خضراً؛ لأنَّه جلس على فَرْوةٍ بيْضاءَ، فإذا هِيَ تهتزُّ تَحْتَهُ خَضِراً» .
وقال مجاهد: إنما سمِّي خضراً؛ لأنَّه كان إذا صلَّى، اخضرَّ ما حوله.
روي في الحديث أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا رأى الخضر - عليه السلام - سلَّم عليه، فقال الخضر: وأنَّى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك؛ لتعلِّمنِي ممَّا علِّمت رشداً.
فصل في بيان أن الخضر كان نبياً
قال أكثر المفسرين: إنَّه كان نبيًّا، واحتجوا بوجوهٍ:
الأول: قوله: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ والرحمة: هي النبوة؛ لقوله تعال ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32] .
وقوله: ﴿وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [القصص: 86] .
والمراد من هذه الرحمة النبوة، ولقائلٍ أن يقول: سلَّمنا أن النبوَّة رحمة، ولكن لا يلزمُ بكلِّ رحمةٍ نبوةٌ.
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾ وهذا يدل على أنه علمه لا بواسطة، ومن علَّمه الله شيئاً، لا بواسطة البشر، يجب أن يكون نبيًّا، وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند الله، وذلك لا يدلُّ على النبوَّة.
الثالث: قول موسى - عليه السلام -: «هل أتَّبِعُك على أن تعلِّمنِي ممَّا علِّمتَ رُشداً» والنبي لا يتَّبع غير النبي في التعلُّم.
وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ لأنَّ النبي لا يتبع غير النبي في العلوم التي باعتبارها صار نبيًّا، [أما في غير تلك العلوم فلا] .
الرابع: أنَّ ذلك العبد أظهر الترفُّع على موسى، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ فأما موسى، فإنه أظهر التواضع له؛ حيث قال: ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ وذلك يدلُّ على أنَّ ذلك العالم كان فوق موسى، ومن لا يكون نبيًّا، لا يكون فوق النبيِّ، وذلك أيضاً ضعيفٌ؛ لأنه يجوز أن يكون غير النبيِّ فوق النبي في علومٍ لا تتوقَّف نبوته عليها.
فإن قيل: إنه يوجبُ تنفيراً.
فالجواب: وتكليمه بغير واسطة يوجب التَّنفير.
فإن قالوا: هذا لا يوجبُ التنفير، فكذلك فيما ذكروه.
الخامس: احتجَّ الأصم بقوله: «وما فعلتهُ عن أمْرِي» أي: فعلته بوحي الله تعالى، وذلك يدلُّ على النبوة، وهذا ضعيف أيضاً.
روي أنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا وصل غليه، فقال: السلام عليك، فقال: وعليك السلام، يا نبيَّ بني إسرائيل، فقال موسى: من عرَّفك هذا؟ قال: الذي بعثك إليَّ؛ وهذا يدلُّ على أنَّه إنما عرف ذلك بالوحي، والوحي لا يكون إلا إلى النبيِّ.
ولقائلٍ أن يوقل: لم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات؟ .
قال البغوي: ولم يكن الخضرُ نبيًّا عند أكثر أهل العلم.
قوله: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾ أي: علم الباطن إلهاماً.
و «عِلْماً» : مفعول ثان ل «عَلَّمْناهُ» قال أبو البقاء: «ولو كان مصدراً، لكان تعليماً» يعني: لأنَّ فعله على «فعَّل» بالتشديد، وقياس مصدره «التَّفعيلُ» .
و «مِنْ لدُنَّا» يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، أو بمحذوف على أنه حالٌ من «عِلْماً» .
قوله: (على أن تعلمني) : في موضع الحال من الكاف في «أتَّبِعُكَ» أي: أتَّبِعك [باذلاً لي علمكَ» .
قوله: «رُشْداً» مفعول ثان ل» تُعلِّمَنِي «لا لقوله:» ممَّا عُلِّمتَ» قال أبو البقاء: «لأنَّه لا عائد إذن على الذي» يعني أنه إذا تعدَّى لمفعول ثان غير ضمير الموصول، لم يجز أن يتعدَّى لضمير الموصول؛ لئلا يتعدَّى إلى ثلاثة، ولكن لا بدَّ من عائدٍ على الموصول.
وقد تقدَّم خلاف القراء في «رُشداً» في سورة الأعراف [الآية: 146] ، وهل هما بمعنى واحد أم لا؟ .
وقوله: رشداً» أي: علماً ذا رشدٍ.
قال القفَّال: قوله «رُشْداً» يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون «الرُّشْدُ» راجعاً إلى الخضرِ، أي: ممَّا علمك الله، وأرشدك به.
والثاني: أن يرجع إلى موسى، أي: على أن تعلِّمني، وتُرشِدني ممَّا علِّمت.
فصل في أدب موسة - عليه السلام - في تعلُّمه من الخضرِ
دلَّت هذه الآية على أنَّ موسى - عليه السلام - راعى أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلَّم من الخضر.
منها: أنه جعل لنفسه تبعاً له في قوله: «هَلْ أتَّبعكَ» .
ومنها: أنَّه استأذن في إثباتِ هذه التبعيَّة؛ كأنَّه قال: تأذنُ لي على أن أجعل نفسي تبعاً لك، وهذه مبالغةٌ عظيمةٌ في التواضعِ.
ومنها: قوله «على أن تعلمني» وهذا إقرارٌ منه على نفسه بالجهل، وعلى أستاذه بالعلم.
ومنها: قوله: «ممَّا علِّمتَ» وصيغة «مِنْ» للتبعيض، فطلب منه تعليم بعض ما علِّم، وهذا أيضاً إقرارٌ بالتواضع، كأنه يقول: لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً لك في العلم، بل أطلب منك أن تعطيني جزءاً من الجزء، ممَّا علِّمت.
ومنها: أن قوله: «مِمَّا علِّمتَ» اعترافٌ بأنَّ الله تعالى علَّمهُ ذلك العلم.
ومنها: قوله «رُشْداً» طلب منه الإرشاد والهداية.
ومنها أنَّ قوله: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به، أي: يكون إنعامك عليَّ عند تعليمك إيَّاي شبيهاً بإنعام الله عليك في هذا التعليم.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ يدل على طلب متابعته مطلقاً في جميع الأمور غير مقيَّد بشيءٍ دون شيءٍ.
ومنها: أنه ثبت [في الأخبار] أنَّ الخضر عرف أولاً أنَّه موسى صاحب التَّوراةِ، وهو الرجل الذي كلَّمه الله من غير واسطة، وخصَّه بالمعجزات القاهرة الباهرة، ثم إنَّه - عليه السلام - مع هذه المناصب الرفيعة والدَّرجاتِ العالية الشَّريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع؛ وذلك يدلُّ على كونه - عليه السلام - آتياً في طلب العلم أعظم أبواب المبالغةِ في التواضع، وهذا هو اللائقُ به؛ لأنَّ كلَّ من كانت إحاطتهُ بالعلوم التي علم ما فيها من البهجة والسعادة أكثر، كان طلبه له أشدَّ، وكان تعظيمه لأربابِ العلم أكمل وأشدَّ.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ﴾ فأثبت أوَّلاً كونه تبعاً، ثم طلب منه ثانياً أن يعلِّمه، وهذا منه ابتداءٌ بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية، طلب منه التَّعليم.
ومنها: قوله: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ لم يطلب على المتابعة إلاَّ التعليم، كأنه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه، ولا عوض لي إلاَّ طلب العلم.
فصل
روي أنه لمَّا قال موسى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ﴾ ، قال له الخضرُ: كفى بالتَّوراة علماً، وببني إسرائيل شغلاً، فقال له موسى: إنَّ الله أمرني بهذا، فحينئذ قال له: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّه علم أنَّه يرى معه أموراً كثيرة منكرة، بحسب الظاهر، ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات، ثمَّ بيَّن عذره في ترك الصَّبر، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ ، أي: علماً.
واعلم أنَّ المتعلِّم على قسمين: متعلِّم ليس عنده شيءٌ من المعلوم، ولم يمارس الاستدلال، ولم يتعوَّد التقرير، والاعتراض، ومتعلِّم حصَّل العلوم الكثيرة، ومارس الاستدلال والاعتراض، ثم إنَّه يريد أن يخالط إنساناً أكمل منه؛ ليبلغ درجة الكمال، فالتعلم في حقِّ هذا القسم الثاني شاقٌّ شديدٌ؛ لأنه إذا رأى شيئاً، أو سمع كلاماً، فربَّما يكون ذلك منكراً بحسب الظاهر، إلاَّ أنه في الحقيقة صوابٌ حقٌّ، فهذا المتعلم لأجل أنه ألف الكلام والجدال، يغترُّ بظاهره، ولأجل عدم كماله، لا يقف على سرِّه وحقيقته، فيقدم على النِّزاع، والاعتراض، والمجادلة، وذلك مما يثقل سماعه على [الأستاذ] المتبحِّر، فإذا اتَّفق مثل هذه الواقعة مرتين أو ثلاثة، حصلت النُّفرة التامَّة والكراهة الشديدة العظيمة، وإلى هذا، أشر الخضر بقوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي أنَّه ألف الإثبات والإبطال، والاستدلال والاعتراض.
وقوله: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ إشارةٌ إلى كونه غير عالمٍ بالحقائقِ، وقد تقدم أنه متى حصل الأمران، [عسر] السُّكوت، وعسر التعلم، وانتهى الأمر بالآخرة إلى النُّفرة التامة، وحصول التقاطع.
قوله: «خُبْراً» : فيه وجهان:
الأول: أنه تمييزٌ لقوله «تُحِطْ» وهو منقول من الفاعلية؛ إذ الأصل: مما لم يحطْ به خبرك.
والثاني: أنه مصدر لمعنى لم تحط؛ إذ هو في قوَّة: لم يخبره خبراً، وقرأ الحسن «خُبُراً» بضمتين.
فصل في أن الاستطاعة تحصل قبل الفعل
قال ابن الخطيب: احتجَّ أصحابنا بقوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ على أن الاستطاعة تحصل قبل الفعل.
وقالوا: لو كانت الاستطاعة على الفعل حاصلة قبل [حصول الفعل] ، لكانت الاستطاعة على الصَّبْر حاصلة لموسى قبل حصول الصَّبر، فيلزم أن يكون قوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ كذباً، ولمَّا بطل ذلك، علمنا أنَّ الاستطاعة لا توجد قبل الفعل.
أجاب الجبائيُّ بأنَّ المراد من هذا القول: أنَّه يثقل عليه الصَّبر؛ لا أنه لا يستطيعه، يقال في العرف: «إنَّ فلاناً لا يستطيع أن يرى فلاناً، ولا أن يجالسه» إذا كان يثقل عليه ذلك.
ونظيره قوله تعالى: ﴿مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع﴾ [هود: 20] أي كان يشقُّ عليهم الاستماع.
وأجيب بأنَّ هذا عدولٌ عن الظاهر من غير دليل، وأنه لا يجوز، ومما يؤكد استدلال الأصحاب قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ استبعد حصول الصبر على ما لا يقف الإنسان على حقيقته، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على الفعل حاصلة قبل حصول ذلك العلم، ولو كان كذلك لما كان حصول الصبر عند عدم ذلك العلم مستبعداً؛ لأن القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك الفعل ولما حكم الله تعالى باستبعاده، علمنا أن الاستطاعة، تحصل قبل الفعل.
قوله: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ . قال ابن الخطيب: احتج الطاعنون في عصمةِ الأنبياء بهذه الآية؛ فقالوا إن الخضر قال لموسى: إنَّك لنْ تستطيعَ معي صبراً، وقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً، وكلُّ واحدٍ من هذين القولين مكذبٌ للآخر، فيلزمُ إلحاقُ الكذب بأحدهما، وعلى التَّقديرين، فيلزم صدور الكذب عن الأنبياء - عليهم السلام -.
وأجيب بأنَّه يحمل قوله: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ على الأكثر والأغلب، وعلى هذا، فلا يلزم ما ذكروه، وقد يجاب بجواب آخر، وهو أن موسى - عليه السلام - استثنى في جوابه، فقال: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً﴾ وعلى هذا، فلا يلزمُ ما ذكروه.
قوله: ﴿وَلاَ أَعْصِي﴾ فيه أربعة أوجهٍ:
أحدها: أنَّها لا محلَّ لها من الإعراب لاستئنافها، وفيه بعدٌ.
الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ؛ عطفاً على ستجدني؛ لأنها منصوبة المحلِّ بالقول.
وقال أبو حيَّان: ويجوز أن يكون معطوفاً على «ستجدني» فلا يكون لهُ محلٌّ من الإعراب، وهذا سهوٌ؛ فإنَّ «سَتجِدُنِي» منصوب المحلِّ؛ لأنه منصوب بالقول، فكذلك ما عطف عليه، ولكنَّ الشيخ رأى كلام الزمخشريِّ كذلك، ولم يتأمَّله، فتبعه في ذلك، فمن ثمَّ جاء السَّهوُ قال الزمخشري: «ولا إعْصِي» في محلِّ النصب عطفاً على «صَابِراً» أي: ستجدني صابراً، وغير عاصٍ أو «لا» في محل رفع عطفاً على «سَتجدُنِي» .
الثالث: أنه في محلِّ نصب على «صَابِراً» كما تقدَّم تقريره.
فصل
دلَّ قوله: ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ على أنَّ ظاهر الأمر للوجوب، وأن تارك المأمور به عاصٍ، والعاصي يستحقُّ العقاب؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: 23] .
فصل
قوله الخضر لموسى: «وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً» نسبه إلى قلة العلم، فقول موسى: ستجدني إن شاء الله صابراً ولا أعصي لك أمراً تواضعٌ شديد، وإظهار للتَّحمل التَّام، وذلك يدلُّ على أنَّ الواجب على المتعلِّم إظهار التواضع بكلِّ الغايات، وأمَّا المعلم فإن رأى أنَّ في التغليظ على المتعلِّم ما يفيده نفعاً وإرشاداً إلى الخير، فالواجب عليه ذكره، فإنَّ السُّكوت عنه يوقع المتعلِّم في الغرور، وذلك يمنع من التعلُّم.
قوله: «فإن اتَّبْعتَنِي» أي صحبتني، ولم يقل: اتَّبعني، ولكن جعل الاختيار إليه، إلاَّ أنَّه شرط عليه شرطاً، فقال: «فلا تَسْالنِي» تقدَّم خلاف القرَّاء في هذا الحرفِ، في سورة «هود» .
وقرأ أبو جعفر وابن عامر - هنا - بفتح السِّين، واللام، وتشديد النون من غير همزٍ، وبغير ياءٍ، وروي عن ابن عامرٍ، ونافع كذلك مع الياء، والمعنى: لا تسألني: لا تستخبرني حين ترى منِّي ما لم تعلمْ وجههُ حتَّى أكون أنا المبتدئ بتعليمك إيَّاه، وإخبارك به، وهذا معنى قوله: ﴿حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أي: أبتدئ بذكره، فأبين لك شأنهُ.
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَا رَكِبَا فِي السفينة خَرَقَهَا﴾ الآية.
اعلم أنَّ موسى - عليه السلام - وذلك العالم، لمَّا تشارطا على الشرط المذكور، سار فانتهيا إلى موضع، احتاجا فيه إلى ركوب السَّفينة، فوجدا سفينة، فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر، [فحملوهم] من غير نول، فلما لجُّوا البحر، أقدم ذلك العالم على خرق السَّفينة.
قال ابن الخطيب: لعلَّه أقدم على إخراق مكانٍ في السفينة؛ لتصير السفينة بذلك السبب معيبة ظاهرة العيب، فلا يتسارع به إلى أهلها الغرق فعند ذلك قال له موسى: ﴿أخَرقْتهَا لتُغْرِقَ أهْلهَا﴾ [لمَّا رأى موسى - عليه السلام - ذلك الأمر المنكر بحسبِ الظَّاهر نسيَ الشرط المتقدم؛ فلهذا قال ما قال] .
وفي اللام وجهان:
أحدهما: هي لام العلة.
والثاني: هي لام الصَّيرورة، وقرأ الأخوان: «ليَغرَقَ» بفتح الياء من تحت، وسكون الغين، وفتح الراء، «أهْلُهَا» بالرفع فاعلاً، والباقون بضمِّ التاء من فوق، وكسر الراء، أي: لتغرق أنت أهلها، بالنصب مفعولاً به، والحسن وأبو رجاء كذلك، غلا أنَّهما شدَّدا الراء.
والسَّفينة معروفة، وتجمع على سفنٍ وسفائن، نحو: صحيفة وصحف وصحائف، وتحذف منها التاء مراداً بها الجمع، فتكون اسم جنسٍ؛ نحو: ثمر [وقمح] ، إلا أنه هذا في المصن وع قليلٌ جدًّا، نحو: جَرَّة وجر، وعمامة وعمام، قال الشاعر: [الوافر]
3547 - مَتَى تَأتيهِ تَأتِي لُجَّ بَحْرٍ ... تَقاذفُ في غَوارِبهِ السَّفِينُ
واشتقاقها من السَّفن، وهو القشر؛ لأنَّها تقشر الماء، كما سميت «بِنْتَ مخرٍ» لأنها تمخرُ الماء، أي: تشقُّه.
قوله: «إمْراً» أي شيئاً عظيماً، يقال: أمِرَ الأمْرُ، أي: عظم وتفاقم، قال: [الرجز]
3548 - دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إدًّا إمْرا ... والإمرُ في كلام العرب: الدَّاهيةُ، وأصله كل شيءٍ شديدٌ كثيرٌ، يقال: أمر القوم: إذا كثروا، واشتدَّ أمرهم.
ومعنى الآية: لقد جئت شيئاً منكراً.
وقال القتيبيُّ: «إمْراً» أي عظيماً عجيباً منكراً.
روي أنَّ الخضر، لمَّا [خرق] السَّفينة لم يخلها الماءِ.
وروي أن موسى لمَّا رأى ذلكَ أخذ ثوبه، وحشا به الخرق
قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي: قال ذلك الخضر، قال موسى ﴿لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ .
قال ابن عبَّاس: إنَّه لم ينس، ولكنًَّه من معاريض الكلام، فكأنَّه نسي شيئاً آخر.
وقيل: معناه: بما تركت من عهدك، والنِّسيان التَّرك.
وروي عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «كانت الأولى من موسى نسياناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً» .
فصل في الرد على الطاعنين في عصمة الأنبياء
قال ابن الخطيب: احتجَّ الطَّاعنون في عصمة الأنبياءِ بهذه الآية من وجهين:
أحدهما: أنه ثبت بالدليل أن ذلك العالم كان نبيًّا، ثم قال موسى: «أخَرقتهَا، لتُغْرِقَ أهْلهَا» ، فإن صدق موصى في هذا القول، دلَّ ذلك على صدور الذَّنْب العظيم من ذلك النبيِّ، وإن كذب، دلَّ ذلك على صدور الذنب [العظيم] من موسى.
والثاني: أنه التزم أنَّه لا يعترض على ذلك العالمِ، وجرت العهود المذكورة بذلك، ثم إنَّه خالف تلك العهود، وذلك ذنبٌ.
فالجواب عن الأول: أن موسى، لما شاهد منه الأمر الخارج عن العادةِ، قال هذا لكلام، لا لأجل أنه اعتقد فيه أنه فعل قبيحاً، بل إنَّه أحبَّ أن يقف على وجهه وسببه، وقد يقال في الشيء العجيب الذي لا يعرف سببه: إنَّه إمرٌ.
وعن الثاني: أنَّه إنما خالف الشَّرط؛ بناءً على النِّسيان، ثم إنه تعالى حكى عن ذلك العالم أنَّه [لما خالف الشرط] لم يزد على أن قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ ، فعندها اعتذر موسى بقوله: ﴿لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أراد أنه نسي وصيَّته، ولا مؤاخذة على الناسي، ﴿وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ أي: لا تكلِّفني مشقَّة، يقال: أرهقهُ عسراً وأرهقته عسراً، أي: كلَّفتهُ ذلك. لا تضيِّق عليَّ أمري، لا تعسِّر متابعتك [ويسرها عليّ] بالإغضاء، وترك المناقشة، وعاملني باليسر، ولا تعاملني بالعسر.
و «عُسْراً» : مفعول ثانٍ ل «تُرهِقْنِي» من أرهقه كذا، إذا حمَّله إيَّاه، وغشَّاه به، و «ما» في «بِمَأ نسيتُ» مصدرية، أو بمعنى «الذي» والعائد محذوف.
وقرأ أبو جعفر: «عُسُراً» بضمِّ السين، حيث وقع.
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ﴾ الآية.
اعلم أنَّ لفظ الغلام قد يتناول الشابَّ البالغ، وأصله من الاغتلامِ، وهو شدَّة الشَّبقِ، وذلك إنما يكون في الشَّباب، وقد يتناولُ هذا اللفظُ الصبي الصغير، وليس في القرآن كيف لقياه: هل كان يلعبُ مع الغلمان، أو كان منفرداً؟ أو هل كان مسلماً، أو كان كافراً؟ أو هل كان بالغاً، أو صغيراً؟ لكن اسم الغلام بالصَّغير أليقُ، وإن احتمل الكبير، إلاَّ أن قوله: «بغير نفسٍ» أليق بالبالغ منه بالصبيِّ؛ لأن الصبيِّ لا [يقتل] .
قال ابن عباس: لم يكن نبي الله يقول: أقتلت نفساً زكيَّة بغير نفس إلاَّ وهو صبيٌّ لم يبلغ.
وكيفيَّة قتله، هل كان بحزِّ رأسه، أو بضرب رأسه بالجدار، أو بطريق آخر؟ فليس في لفظ القرآن ما يدلُّ على شيءٍ من هذه الأقسام، لكنَّه روي في الحديث عن ابن عباس عن أبيِّ بن كعب قال: قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الغلام الذي قتله الخضرُ، طبع كافراً، ولو عاش، لأرهق والديه طغياناً وكفراً» .
فإن قيل: إنَّ موسى استبعد أن يقتل النَّفس إلاَّ لأجل القصاصِ، وليس الأمر كذلك، لأنه قد يحلُّ دمه بسبب آخر.
فالجواب: أنَّ السَّبب الأقوى هو ذاك.
قوله: ﴿زَكِيَّةً﴾ : قرأ «زَاكِية» بألف وتخفيف الياء: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وبدون الألف وتشديد الياء: الباقون، فمن قرأ «زاكيةً» فهو اسمُ فاعلٍ على أصله، ومَنْ قرأ «زَكِيَّةً» فقد أخرجه إلى فعيلة للمبالغة.
قال الكسائيُّ والفراء: معناهما واحدٌ؛ مثل القاسيةِ والقسيَّة، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزَّاكيةُ: التي لم تذنبْ قطُّ، والزكيَّة: التي أذنبت ثم تابت.
[والغلام: من لم يبلغْ] . وقد يطلق على البالغ الكبير. فقيل مجازاً باعتبار ما كان. ومنه قول ليلى: [الطويل]
3549 - شَفاهَا مِنَ الدَّاءِ الذي قَدْ أصَابهَا ... غُلامٌ إذَا هزَّ القَناةَ شَفاهَا
وقول الآخر: [الطويل] 3550 - تَلقَّ ذُبَابَ السَّيفِ عنِّي فإنَّني ... غُلامٌ إذا هو جيتُ لستُ بِشاعرِ
وقيل: بل هو حقيقة، لأنه من الاغتلام وهو الشَّبق، وذلك إنما يكون في الشاب المحتلمِ، والذي يظهرُ أنه حقيقةٌ فيهما عند الاطلاق، فإذا أريد أحدهما، قيد كقوله: «لغُلامَيْنِ يَتيمينِ» وقد تقدَّم ترتيب أسماءِ الآدميِّ من لدن هو جنينٌ إلى أن يصير شيخاً، ولله الحمد، في آل عمران.
قال الزمخشري: «فإن قلت: لم قال:» حتى إذا ركبا في السفينة خرقها» بغير فاءٍ، و «حتَّى إذا لقيا غلاماً، فقتله» بالفاء؟ قلت: جعل» خَرقهَا «جزاء للشرط، وجعل» قتلهُ «من جملة الشرط معطوفاً عليه، والجزاء» قال: أقتلت «فإن قلت: لم خولف بينهما؟ قلت: لأنَّ الخرق لم يتعقَّب الركوب، وقد تعقَّب القتل لقاء الغلام» .
قوله: بغَيْرِ نفسٍ «فيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنها متعلقة ب» قَتلْتَ» .
الثاني: أنها متعلقة بمحذوف، على أنها حال من الفاعل، أو من المفعول، أي: قتلته ظالماً، أو مظلوماً، كذا قدَّره أبو البقاء، وهو بعيد جدًّا.
الثالث: أنها صفة لمصدر محذوف، أي: قتلاً بغير نفسٍ.
قوله: «نُكْراً» قرأ نافع، وأبو بكر، وابن ذكوان بضمَّتين، والباقون بضمة وسكون، وهما لغتان، أو أحدهما أصلٌ، و «شَيْئاً» : يجوز أن يراد به المصدر، أي: مجيئاً نكراً، وأن يراد به المفعول به، أي: جئت أمراً منكراً، وهل النكر أبلغ من الإمر، أو بالعكس؟ فقيل: الإمرُ أبلغُ؛ لأنَّ قتل أنفسٍ بسبب الخرقِ اعظم من قتل نفسٍ واحدة وأيضاً: فالإمر هو الداهية العظيمة فهو أبلغ من النكر، وقيل: النُّكر أبلغ، لأن معه القتل الحتم، بخلاف خرق السفينة، فإنه يمكن تداركه؛ ولذلك قال: «ألَمْ أقُلْ لَكَ» ولم يأتِ ب» لَكَ «مع» إمْراً» ؛ لأن هذه اللفظة تؤكِّد التَّوبيخ.
وقيل: زاد ذلك، لأنَّه نقض العهد مرَّتين، فقال الخضرُ لموسى - عليهما السلام -: ﴿ألَمْ أقُل لكَ إنَّكَ لنْ تَسْتطيعَ معي صَبْراً﴾ فعند ذلك قال موسى: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ وهذا كلام نادمٍ.
قوله: «فَلاَ تُصَاحِبْنِي» : العامة على» تُصاحِبُني «من المفاعلة، وعيسى ويعقوب:» فلا تَصْحبنِّ]» من صحبه يصحبه.
وأبو عمرو في رواية، وأبيٌّ بضمِّ التاءِ من فوق، وكسر الحاء، من أصحب يصحب، ومفعوله محذوف، تقديره: فلا تصحبني نفسك، وقرأ أبيٌّ» فلا تصحبني علمك «فأظهر المفعول.
قوله:» مِنْ لدُنِّي «العامة على ضمِّ الدال، وتشديد النون، وذلك أنَّهم أدخلوا نون الزيادة أعني الوقاية على» لَدُن «لتقيها من الكسر؛ محافظة على سكونها، حوفظ على سكون نون» مِنْ «و» عَنْ «فألحقت بهما نون الوقايةِ، فيقولون: منِّي وعنِّي بالتشديد.
ونافع بتخفيف النون، والوجه فيه: أنَّه لم يلحقُ نون الوقاية ل» لَدُن «إلا أن سيبويه منع من ذلك وقال:» لا يجوز أن تأتي ب «لَدُنْ» مع ياء المتكلم، دون نون وقاية «وهذه القراءة حجة عليه، فإن قيل: لم لا يقال: إن هذه النون نون الوقاية، وإنَّما اتصلت ب» لَدُ «لغة في» لَدُنْ» حتى يتوافق قول سيبويه، مع هذه القراءة؟ قيل: لا يصحُّ ذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّ نون الوقاية، إنما جيء بها؛ لتقيَ الكلمة الكسر؛ محافظة على سكونها، ودون النون لا سكون؛ لأنَّ الدال مضمومة، فلا حاجة إلى النُّون.
الثاني: أن سيبويه يمنع أن يقال: «لَدُنِي» بالتخفيف.
وقد حذفت النون من «عَنْ» و «مِنْ» في قوله: [الرمل]
3551 - أيُّهَا السَّائلُ عنهم وعنِي ... لستُ من قَيْسٍ ولا قَيْسُ مني
وقرأ أبو بكر بسكون الدَّال، وتخفيف النون، لكنَّه ألزم الدال الضمة منبهة على الأصل.
ولكن تحتمل هذه القراءة أن تكون النون فيها أصليَّة، وأن تكون للوقاية على أنها دخلت على «لد» الساكنة الدال، لغة في «لدُنْ» فالتقى ساكنان، فكسرت نون الوقاية على أصلها، وإذا قلنا بأنَّ النون أصلية، فالسكون تخفيف؛ كتسكين ضاد «عضدٍ» وبابه واختلف القراء في هذا الإشمام، فقائل: هو إشارة بالعضو من غير صوتٍ، كالإشمام الذي في الوقف، وهذا هو المعروف، وقائل: هو إشارة للحركة المدركة بالحسِّ، فهو كالرَّوْم في المعنى، يعني: أنه إتيان ببعض الحركة، وقد تقدَّم هذا محرَّراً في يوسف عند قوله ﴿لاَ تَأْمَنَّا﴾ [يوسف: 11] ، وفي قوله في هذه السورة «من لدنه» في قراءة شعبة أيضاً، وتقدَّم بحثٌ يعود مثله هنا.
وقرأ عيسى وأبو عمرو في رواية «عُذُراً» بضمتين، وعن أبي عمرو أيضاً «عذري» مضافاً لياءِ المتكلم.
و «مِنْ لدُنَّي» متعلق ب «بَلغْتَ» أو بمحذوف على أنَّه حال من «عُذْراً» .
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس: معناه: أعذرت فيما بيني وبينك.
وقيل: حذَّرتني أنِّي لا أستطيع معك صبراً.
وقيل: اتَّضح لك العذر في مفارقتي.
والمراد أنَّه مدحه بهذه الطريقة من حيث إنَّه احتمله مرَّتين أولاً وثانياً.
روى ابن عبَّاس عن أبيِّ بن كعب، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «رَحْمَةُ الله عليْنَا، وعلى مُوسَى» وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بدأ بنفسه «لولا أنَّه عجَّل، لرأى العجب، ولكنَّه أخذته من صاحبه ذمامة، قال:» إنْ سألتُكَ عَن شيءٍ بعدها، فلا تُصَاحِبنِي، قَدْ بلغْتَ من لدُنِّي عُذْراً؛ فلو صبر، لرأي العجب» .
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا﴾ الآية.
قال ابن عباس: هي أنطاكية.
وقال ابن سيرين: هي [الأبلة] ، وهي أبعد الأرض من السَّماء وقيل: بَرْقَة.
وعن أبي هريرة: بلدة بالأندلس.
﴿استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ قال أبي بن كعبٍ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: حتَّى إذا أتيا أهل قريةٍ لئاماً، فطافَا في المجلسِ فاستطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما.
وروي أنَّهما طافا في القرية، فاستطعماهم، فلم يطعموهما، فاستضافاهم، فلم يضيِّفوهما.
قال قتادة: شرُّ القرى التي لا تضيِّف الضَّيف.
وروي عن أبي هريرة: «أطعمتهما امرأةٌ من أهل بربر بعد أن طلبا من الرِّجال، فلم يطعموهما؛ فدعوا لنسائهم، ولعنا رجالهم» .
قوله
: ﴿استطعمآ أَهْلَهَا﴾ : جواب «إذا» أي: سألاهم الطام، وفي تكرير «أهلها» وجهان:
أحدهما: أنه توكيد من باب إقامة الظاهر مقام المضمر؛ كقوله: [الخفيف]
3552 - لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ الموتَ شَيءٌ ... نَغَّص المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا
وقول الآخر: [الكامل]
3553 - لَيْتَ الغُرابَ غَداةَ يَنْعُبُ دائماً ... كَانَ الغُرابُ مُقطَّعَ الأوْدَاجِ
والثاني: أنَّه للتأسيس؛ وذلك أنَّ الأهل المأتيِّين ليسوا جميع الأهل، إنما هم البعض؛ إذ لا يمكن أن يأتينا جميع الأهل في العادة في وقتٍ واحدٍ، فلما ذكر الاستطعام، ذكره بالنسبة غلى جميع الأهل، كأنهما تتبعا الأهل واحداً واحداً، فلو قيل: استطعماهم، لاحتمل أنَّ الضمير يعودُ على ذلك البعضِ المأتيِّ، دون غيره، فكرَّر الأهل لذلك.
فإن قيل: الاستطعام ليس من عادة الكرام، فكيف أقدم عليه موسى، مع أنَّ موسى كان من عادته طلبُ الطعام من الله تعالى، كما حكى عنه قوله: ﴿إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24] .
فالجواب: أنَّ إقدام الجائع على الاستطعام أمرٌ مباحٌ في كلِّ الشرائع، بل ربَّما وجب عند خوف الضَّرر الشديد.
فإن قيل: إنَّ الضيافة من المندوبات، فتركها ترك المندوب، وذلك أمرٌ غير منكرِ، فكيف يجوز من موسى - عليه السلام - مع علوِّ منصبه أن يغضب عليهم الغضب الشديد الذي لأجله ترك العهد الذي التزمه مع ذلك العالم في قوله: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ .
وأيضاً مثل هذا الغضب لأجل ترك الأكل في ليلةٍ واحدةٍ، لا يليقُ بأدونِ الناس فضلاً عن كليم الله؟ .
فالجواب: أنَّ الضيافة قد تكون من الواجبات، بأن كان الضيف قد بلغ في الجوع إلى حيث لو لم يأكل، لهلك، وإذا كان كذلك، لم يكن الغضب الشديد لأجل ترك الأكل [ليلة] ، بل كان لأجل تركهم الواجب عليهم.
فإن قيل: إنه ما بلغ في الجوع إلى حدِّ الهلاك؛ بدليل أنَّه قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ، ولو كان بلغ في الجوع إلى حدِّ الهلاك، لما قدر على ذلك العمل، فكيف يصحُّ منه طلب الأجرة؟ .
فالجواب: لعلَّ ذلك الجوع كان شديداً، إلاَّ أنه ما بلغ حدَّ الهلاك.
قوله: «أنْ يُضيِّفُوهمَا» مفعولٌ به لقوله «أبَوْا» والعامة على التشديد من ضيَّفه يضيِّفه. والحسن وأبو رجاء وأبو رزين بالتخفيف من: أضافه يضيفه وهما مثل: ميَّله وأماله.
رُوِيَ أنَّ أهل تلك القرية، لمَّا سمعوا نزول هذه الآية، استحيوا، وجاءوا إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بحمل من الذَّهب، وقالوا: يا رسول الله، نشتري بهذا الذَّهب أن تجعل الباء تاء؛ حتى تصير القراءة «فأتوا أن يضيفوهما» ، أي: أتوا [لأجل أن] يضيِّفوهما، أي كان إتيانهم لأجل الضِّيافة، وقالوا: غرضنا منه أن يندفع عنَّا هذا اللُّؤم، فامتنع النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: «تغير هذه النُّقطة يوجب دخول الكذب في كلام الله تعالى، وذلك يوجب القدح في الإلهيَّة.
قوله: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ أي: فرأيا في القرية حائطاً مائلاً.
وقوله:» أنْ ينْقَضَّ» مفعول للإرادة، و «انقضَّ» يحتمل أن يكون وزنه «انفعل» من انقضاضِ الطائر، أو من القضَّة، وهي الحصى الصِّغار، والمعنى: يريد أن يتفتَّت، كالحصى، ومنه طعام قَضَضٌ، إذا كان فيه حصى صغارٌ، وأن يكون وزنه «افْعَلَّ» ك «احمَرَّ» من النقض، يقال: نقض البناء ينقضه، إذا هدمه، ويؤيد هذا ما في حرف عبد الله وقراءة الأعمش «يُرِيدُ ليُنْقَضَ» مبنيًّا للمفعول؛ واللام كهي في قوله ﴿يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً﴾ [النساء: 28] . وما قرأ به أبيٌّ «يُرِيدُ أن ينقض» بغير لامِ كيْ.
وقرأ الزهريُّ «أن ينقاضَ» بألف بعد القاف. قال الفارسي: «هو من قولهم قضته فانقاضَ» أي: هدمته، فانهدم. قال شهاب الدين: فعلى هذا يكون وزنه ينفعلُ، والأصل: «انْقيضَ» فأبدلت الياء ألفاً، ولمَّا نقل أبو البقاء هذه القراءة قال: «مثل: يَحمارُّ» ومقتضى هذا التشبيه: أن يكون وزنه «يفعالَّ» ونقل أبو البقاء: أنه قُرئ كذلك بتخفيف الضاد، قال: «هو من قولك: انقاضَ البناءُ، إذا تهدَّم» .
وقرأ عليٌّ أمير المؤمنين - كرَّم الله وجهه -، وعكرمة في آخرين «يَنقَاصُ» بالصاد مهملة، وهو من قاصه يقيصه، أي: كسره، قال ابن خالويه: «وتقول العرب: انقاصتِ السِّنُّ: إذا انشقَّت طولاً» وأنشد لذي الرّمّة:
3554 - ... ... ... ... ... . ..... ... ... . مُنقاصٌ ومُنْكثِبُ
وقيل: إذا تصدَّعتْ، كيف كان وأنشد لأبي ذؤيبٍ: [الطويل]
3555 - فراقٌ كقَيْصِ السنِّ، فالصَّبْرَ إنَّه ... لكلِّ أنَاسٍ عَثْرةٌ وجُبورُ
ونسبة الإرادة إلى الجدار مجازٌ، وهو شائع جدًّا.
وقد ورد في النَّثر والنَّظم، قال الشاعر: [الوافر]
3556 - يُرِيدُ الرُّمح صَدرَ أبِي بَراءٍ ... ويَرْغَبُ عنْ دِمَاءِ بنِي عَقيلٍ
والآية من هذا القبيل.
وكذا قوله: ﴿وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب﴾ [الأعراف: 154] وقوله: ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11] ومن أنكر [المجاز] مطلقاً أو في القرآن خاصة، تأوَّل ذلك على أنه خُلق للجدارِ حياةٌ وإرادةٌ؛ كالحيوانات، أو أنَّ الإرادة صدرت من الخضرِ؛ ليحصل له، ولموسى ما ذكره من العجب.
وهو تعسفٌ كبيرٌ، وقد أنحى الزمخشري على هذا القائل إنحاءً بليغاً جدًّا.
قوله: «فأقَامهُ» قيل: [نقضه] ، ثم بناه، قاله ابن عبَّاس.
وقيل: مسحه بيده، فقام، واستوى، وذلك من معجزاته، هكذا ورد في الحديث. وهو قول سعيد بن جبير.
واعلم أن ذلك العالم، لمَّا فعل ذلك، كانت الحالة حالة اضطرارٍ إلى الطعام، فلذلك نسيَ موسى قوله: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ فلا جرم قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ، أي: طلبت على إصلاحك الجدار جعلاً، أي لصرفه في تحصيل المطعوم؛ فإنك قد علمت أنَّا جياعٌ، وأنَّ أهل القرية لم يطعمونا، فعند ذلك قال الخضر: «هذا فراقُ بَيْنِي وبيْنكَ» .
قوله: ﴿لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو «لتخِذْتَ» بفتح التاء، وكسر الخاء مِنْ تَخِذَ يتْخذُ ك «تَعِبَ يَتْعَبُ» . والباقون «لاتَّخذتَ» بهمزة الوصل، وتشديد التاءِ، وفتح الخاء من الاتِّخاذ، واختلف: هل هما من الأخذ، والتاء بدلٌ من الهمزة، ثم تخذف التاء الأولى فيقال: تَخِذَ، كتَقِيَ من «اتَّقَى» نحو قوله: [الطويل]
3557 - ... ... ... ... ... ... تَقِ الله فِينَا والكِتابَ الَّذي تَتْلُو
أم هما من تخذَ، والتاء أصيلةٌ، ووزنهما فعل وافتعل؟ قولان تقدَّم تحقيقهما في هذا الموضوع، والفعل هنا على القراءتين متعدٍّ لواحدٍ؛ لأنَّه بمعنى الكسب.
قوله: ﴿فِرَاقُ بَيْنِي﴾ : العامة على الإضافة؛ اتِّساعاً في الظرف، وقيل: هو بمعنى الوصل. كقوله: [الطويل]
3558 - ... ... ... ... ... ..... وجِلْدَةُ بين العيْنِ والأنْفِ سَالِمُ
وحكى القفال عن بعض أهل العربيَّة أنَّ البين هو الوصل؛ لقوله ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] ، فيكون المعنى هذا فراقُ اتصالنا، كثول القائل: أخزى الله الكاذب بيني وبينك، أي: أحدنا هكذا. قاله الزجاج.
وقرأ ابن أبي عبلة «فِراقُ» بالتنوين على الأصل، وتكرير المضاف إليه عطفاً بالواو هو الذي سوَّغ إضافة «بين» إلى غير متعددٍ؛ ألا ترى أنَّك لو اقتصرت على قولك: «المَالُ بيني» لم يكن كلاماً؛ حتى تقول: بيننا أو بيني وبين فلانٍ.
وقوله: «هذا» أي: هذا الإنكار على ترك الأجر هو المفرَّق بيننا.
وقيل: إنَّ موسى - عليه السلام - لمَّا شرط أنَّه إنْ سأله بعد ذلك سؤالاً ىخر، حصل الفراق بقوله: [ ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾ فلما ذكر هذا السؤال فارقه ذلك العالم، وقال] : ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ أي: هذا الفراق [الموعود] ، ثم قال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ .
قرأ ابن وثَّاب «سَانْبِيكَ» بإخلاص الياء بدل الهمزة.
قوله تعالى: ﴿أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ : العامة على تخفيف السين، جمع « مِسْكين» . وقرأ عليٌّ أميرالمؤمنين - كرَّم الله وجهه - بتشديدها جمع «مسَّاك» وفيه قولان:
أحدهما: أنه الذي يمسكُ سكَّان السفينة، وفيه بعض مناسبة.
والثاني: أنَّه الذي يدبغُ المُسوكَ جمع «مَسْكٍ» بفتح الميم، وهي الجلود، وهذا بعيدٌ؛ لقوله: ﴿يَعْمَلُونَ فِي البحر﴾ قال شهاب الدين ولا أظنُّها إلا تحريفاً على أمير المؤمنين، و «يَعْملُونَ» صفة لمساكين.
قوله: ﴿وَرَآءَهُم مَّلِكٌ﴾ «وَرَاء» هنا بمعنى المكان.
وقيل: «وَراءَهُمْ» بمعنى «أمَامَهُمْ» ؛ كقوله:
﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: 16] وقيل: «وَراءَهُمْ» خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه. والأول أصحُّ؛ لقوله: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾ [إبراهيم: 16] ويؤيِّده قراءة ابن عباس: وكان أمامهم ملكٌ يأخذ كلَّ سفينةٍ غصباً وقال سوارُ بن المضرِّب السعديُّ: [الطويل]
3559 - أيَرْجُو بنُو مَرْوانَ سَمْعِي وطَاعتِي ... وقَوْمِي تَميمٌ والفَلاةُ وَرائِيَا
وقال تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الإنسان: 27] وتحقيقه: أنَّ كلَّ ما غاب عنك، فقد توارى عنك وتواريت عنه، وقيل: إنَّ تحقيقه أنَّ ما غاب عنك، فقد توارى عنك، وأنت متوارٍ عنه، فكلُّ ما غاب عنك، فهو وراءك، وأمام الشيء وقدامه، إذا كان غائباً عنك، متوارياً عنك، فلم يبعد إطلاق لفظة «وراء» عليه، ويراد بها الزَّمان؛ قال الشاعر: [الطويل]
3560 - ألَيْسَ وَرائِي أنْ أدبَّ على العَصَا ... فَيأمَنَ أعْدائِي ويَسْأمنِي أهْلِي
وقال لبيد: [الطويل]
3561 - أليْسَ ورَائِي إنْ تَراخَتْ منيَّتِي ... لُزومُ العَصَا تُحْنَى عليْهَا الأصَابِعُ
قوله: «غَصْباً» فيه أوجه:
الأول: أنه مصدر في موضع الحال، أو منصوب على المصدر المبين لنوع الأخذ، أو منصوب على المفعول له، وهو بعيد عن المعنى، وادَّعى الزمخشري أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، فقال: «فإن قلت: قوله:» فأردتُّ أن أعيبها «مسبَّبٌ عن خوفه الغصب عليها، فكان حقه أن يتأخَّر عن السبب؛ فلمَ قُدِّم عليه؟ قلتُ: النيةُ به التأخيرُ؛ وإنما قدِّم للعناية به، ولأنَّ خوف الغصب ليس هو السبب وحده، ولكن مع كونها للمساكين، فكان بمنزلةِ قولك: زيدٌ ظنِّي مقيمٌ» .
قوله: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ : التثنية للتغليب، يريد: أباه وأمَّه، فغلَّب المذكَّر، وهو شائع، ومثله: القمران والعمران، وقد تقدَّم [في يوسف] : أنَّ الأبوين يراد بهما الأب والخالة، فهذا أقربُ.
والعامة على «مُؤمنين» بالياء، وأبو سعيدٍ الخدريُّ، والجحدريُّ «مُؤمنانِ» بالألف، وفيه ثلاثة أوجه:
الأول: أنه على لغة بني الحارث، وغيرهم.
الثاني: أن في «كان» ضمير الشَّأن، و «أبواهُ مُؤمِنانِ» مبتدأ وخبر في محل النصب؛ كقوله: [الطويل]
3562 - إذَا مِتُّ كان النَّاسُ صِنفَانِ شَامتٌ..... ... ... ... ... .
فهذا أيضاً محتمل للوجهين.
الثالث: أن في «كان» ضمير الغلام، أي: فكان الغلامُ، والجملة بعده الخبر، وهو أحسن الوجوه.
قوله: ﴿فَخَشِينَآ﴾ أي: فعلمنا ﴿أَن يُرْهِقَهُمَا﴾ يفتنهما.
وقال الكلبيُّ: يكلِّفهما طغياناً وكفراً.
وقال سعيد بن جبيرٍ: فخشينا أن يحملهما حبُّه على أن يتابعاه على دينه.
قيل: إنَّ ذلك الغلام كان بالغاً، وكان يقطع الطريق، ويقدم على الأفعال المنكرة، وكان يصير ذلك سبباً لوقوعهما في الفسق، وربما يؤدِّي ذلك الفسق إلى الكفر.
وقيل: كان صبيًّا إلا أن الله تعالى علم منه أنَّه لو صار بالغاً، لحصلت منه تلك المفاسد.
وقيل: الخشية بمعنى الخوف، وغلبة الظنِّ، والله تعالى قد أباح له قتل من غلب على ظنِّه تولُّد المفاسد منه.
فإن قيل: هل يجوز الإقدام على قتل الإنسان لمثل هذا الظنِّ؟
فالجواب: أنَّه إذا تأكَّد ذلك الظنُّ بوحي الله تعالى إليه، جاز.
قوله: ﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا﴾ : قرأ نافع، وأبو عمرو بفتح الباء، وتشديد الدال من « بدَّل» هنا، وفي التحريم [الآية: 5] ﴿أَن يُبْدِلَهُ﴾ وفي القلم [الآية: 32] ﴿أَن يُبْدِلَنَا﴾ والباقون بسكون الباء، وتخفيف الدال من «أبْدلَ» في المواضع الثلاثة، فقيل: هما لغتان بمعنى واحد، وقال ثعلبٌ: الإبدال تنحيةُ جوهرةٍ، واستئناف أخرى؛ وأنشد: [الرجز]
3563 - عَزْلَ الأميرِ للأمِيرِ المُبدَلِ ... قال: ألا تراه نحَّى جسماً، وجعل مكانه آخر، والتبديل: تغيير الصورة إلى غيرها، والجوهرة باقية بعينها؛ واحتجَّ الفراء بقوله تعالى: ﴿يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] قال: والذي قال ثعلبٌ حسنٌ، إلاَّ أنَّهم يجعلون «أبدلتُ» بمعنى «بدَّلتُ» قال شهاب الدين: ومن ثم، اختلف الناس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض﴾ [إبراهيم: 48] : هل يتغير الجسمُ والصفة، أو الصفة دون الجسم؟ .
قوله: ﴿يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً﴾ أي: يرزقهما الله ولداً خيراً من هذا الغلام «زَكَاةً» أي: ديناً، وصلاحاً.
وقيل: ذكر الزكاة تنبيهاً على مقابلة قول موسى - عليه السلام - «أقتَلْتَ نفساً زكيَّة بغيرِ نفسٍ» فقال العالم: أردنا أن يرزق الله هذين الأبوين خيراً، بدلاً عن ابنهما هذا ولداً يكون خيراً منه بما ذكره من الزَّكاة، ويكون المراد من الزَّكاة الطهارة، وكان قول موسى: «أقَتَلْتَ نَفْساً زكيَّة» ، أي: طاهرة، لأنَّها ما وصلت إلى حدِّ البلوغ، فكانت زاكية طاهرة من المعاصي، فقال العالم: إن تلك النفس، وإن كانت طاهرة زاكية في الحال، إلاَّ أنه تعالى علمَ منها أنَّها إذا بلغتْ، أقدمت على الطغيان، والكفر، فأردنا أن يحصل لهما ولدٌ عظيمٌ، أي: أعظم زكاة وطهارة منه، وهو الذي يعلمُ الله منه أنَّه عند البلوغ لا يقدم على شيءٍ من هذه المحظورات.
ومن قال: إنَّ ذلك الغلام كان بالغاً، قال: المراد من وصف نفسه بكونها زاكية أنه لم يظهر عليه ما يوجب قتله.
قوله: «رُحْماً» قرأ ابن عامر «رُحُماً» بضمتين، والباقون بضة وسكون، وهما بمعنى الرحمة؛ قال رؤبة: [الرجز]
3564 - يَا مُنْزِلَ الرُّحْمِ على إدْريسَا ... ومُنْزِلَ اللَّعْنِ على إبْليسَا
وقيل: الرُّحُم بمعنى الرَّحم، وهو لائِقٌ هنا من أجلِ القرابةِ بالولادة؛ ويؤيِّده قراءة ابن عباس «رَحِماً» بفتح الراءِ، وكسر الحاء، و «زَكاةً ورُحْماً» منصوبان على التمييز.
والمعنى: هذا البدل يكون [أقرب] عطفاً ورحمة بأبويه، وأشفق عليهما.
فصل في المبدل به
قال الكلبيُّ: أبدلهما الله جارية تزوَّجها نبيٌّ من الأنبياء، فولدت له نبيًّا، فهدى الله على يديه أمَّة من الأمم.
قوله: ﴿وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المدينة وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا﴾ وكان اسمهما «أصْرَم» و «صَرِيم» .
واعلم أنه سمَّى القرية في قوله: ﴿أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ وسمَّى القرية هنا مدينة بقوله: «يَتيميْنِ في المدينةِ» فدلَّ على جواز [تسمية] إحداهما بالأخرى، ثم قال: «وكَان تحته كنزٌ لهُمَا» .
روى أبو الدرداء عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «كَانَ ذهباً، وقضَّة» .
وقال عكرمة: كان مالاً، ويدلُّ على ذلك أنّ المفهوم من لفظ الكنز هو المالُ.
وعن ابن عباس قال: «كَانَ لوحاً من ذهبٍ مكتوباً فيه: عجباً لمن أيقن بالموتِ، كيف يفرحُ، عجباً لمن أيقن بالقدر كيف ينصبُ، عجباً لمن أيقن بالرزقِ كيف يتعب، عجباً لمن يؤمنُ بالحساب كيف يغفل، عجباً لمن أيقن بزوالِ الدُّنيا، وتقلبها بأهلها كيف يطمئنُ إليها، لا إله إلا الله، محمدُ رسول الله، وفي الخطاب الجانب الآخر: أنا الله، لا إله إلا أنا، وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشرَّ فطوبى [لمن] خلقته للخير، وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشرِّ، وأجريته على يديه» .
وهذا قول أكثر المفسِّرين وروي أيضاً مرفوعاً، قال الزجاج: والكنزُ إذا أطلق إنما ينصرفُ إلى كنز المال، ويجوز عند التَّقييد لكنز العلم، يقال: عنده كنز علم. وهذا اللوح كان جامعاً لهما.
«وكان أبُوهمَا صالحاً» قيل: كان [اسمه] «كَاشِحٌ» وكان من الأنبياء، قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولهذا قيل: إنَّ الرجل الصالح يكون كنزه العلم لا المال، قيل: كان بينهما وبين الأب الصَّالح سبعة آباء وهذا يدل على أنَّ صلاح الإنسان يفيد العناية بأحوال أبنائه، فإن قيل: اليتيمان، هل أحد منهما عرف حصول الكنز تحت ذلك الجدار، أو ما عرف أحد منهما ذلك؟ فإن كان الأول امتنع أن يتركوا سقوط ذلك الجدار، وإن كان الثاني فكيف يمكنه بعد البلوغ استخراج ذلك الكنز ومعرفته والانتفاع به؟ .
الجواب: لعل اليتيمين كانا جاهلين به إلاَّ أن وصيَّهما كان عالماً به، إما أن ذلك الوصيَّ غاب، وأشرف ذلك الجدار في غيبته على السُّقوطِ، ثم قال: «فأرادَ ربُّك أن يبلغا أشدَّهُما» أي: يبلغا ويعقلا، وقيل: يدركا شدَّتهما وقوتهما.
وقيل: ثماني عشرة سنة، ويستخرجا حينئذ كنزهما «رحْمةً من ربِّك» أي: نعمة من ربِّك.
وفي نصب «رَحْمَةً» ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه مفعول له.
الثاني: أن يكون في موضع الحال من الفاعل، أي: أراد ذلك راحماً، وهي حالٌ لازمة.
الثالث: أن ينتصب انتصاب المصدر؛ لنَّ معنى «فاراد ربُّك أن يبلغا» معنى: «فرحمهما» ثم قال: وما فعلتهُ عن أمْرِي «أي: ما فعلته باختيارِي ورأيي، بل فعلتهُ بأمر الله وإلهامه، بأنَّ الإقدامَ على تنقيص أموالِ النَّاسِ وإراقةِ دمائهم، لا يجوز إلاَّ بالوحي والنفي القاطع،» وذلِكَ تأويلُ ما لمْ تَسْطِع عليه صبراً «أي: لم تطقْ عليه صبراً.
قوله:» تَسْطِعْ» قيل أصله «اسْتطاعَ» فحذفت تاء الافتعال، وقيل: المحذوف الطاء الأصلية، ثم أبدلت تاءُ الافتعال طاء بعد السِّين، وهذا تكلف بعيدٌ.
وقيل: السِّين مزيدة عوضاً من قلب الواو ألفاً، والأصل: أطاع، ولتحقيق القول فيه موضعٌ غير هذا، ويقال: استتاع - بتاءين، واستاع - بتاء واحدة، فهذه أربع لغاتٍ حكاها ابن السِّكيتِ.
فصل
اعلم أنَّ أحكام الأنبياء - عليهم السلام - مبنيةٌ على الظواهر؛ كما قال - عليه السلام -: «نَحْنُ نحكمُ بالظَّاهرِ والله يتولَّى السَّرائرَ» وهذا العالم ما كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور، بل كانت مبنية على الأسباب الحقيقية الواقعة في نفس الأمر، وذلك لنَّ الظاهر في أموال النَّاس، وفي أرواحهم في المسالة الأولى والثانية من غير سببٍ ظاهرٍ لا يبيح ذلك التصرف؛ لأن تخريق السفينة تنقيصٌ لملك الغير من غير سبب ظاهر يبيحُ ذلك التصرُّف، والإقدام على قتل الغلامِ إلحاقٌ بضررِ القتل به من غير سبب ظاهر والإقدامُ على إقامةِ الجدار المائل تحملٌ للتَّعَب والمشقَّة من غير سبب ظاهر، فهذه المسائل الثلاثة ليس حكم ذلك العالم فيها مبنيًّا على الأسباب الظاهرة، بل كان مبنياً على أسباب معتبرة في نفس الأمر، وهذا يدلُّ على أنَّ ذلك العالم كان قد آتاهُ الله قوة عقلية يقدر بها أن يشرفَ على بواطن الأمور، ويطَّلع بها على حقائق الأشياء، فكانت مرتبة موسى - عليه السلام - في معرفةِ شرائع الأحكام بناء على الظواهر، وهذا العالم مرتبته الوقوف على بواطن الأشياء وحقائقها، فلهذا كانت مرتبته في العلم فوق مرتبة موسى. إذا عرف هذا؛ فنقول: هذه المسائل الثلاثة مبنيةٌ على حرف واحد، وهو أنه: إذا تعارض ضرران يجب تحمل الأولى، لدفع الأعرى، فهذا هو الأصل المعتبر في المسائل الثلاثة، أمَّا الأولى: فلأنَّ ذلك العالم علم أنَّه لو لم يعب السفينة بالتخريقِ، فغصبها ذلك الملك، وفاتت منافعها بالكليَّة على ملاَّكها، فوقع التعارضُ بين أن يخرقها ويعيبها، ويبقى مع ذلك العيب على ملاَّاكها وبين ألاَّ يخرقها، فيغصبها الملك، وتفوت منافعها على ملاكها بالكلِّية، ولا شكَّ أن الضرر الأوَّل أقلُّ؛ فوجب تحمُّله؛ لدفع الضرر الثاني؛ لكونه أعظم ضرراً.
وأمَّا المسألة الثانية فكذلك؛ لأنَّ بقاء ذلك الغلام كان مفسدة للوالدين في دينهم، وفي أبنائهم، ولعلَّه علم بالوحي أن المضار الناشئة من قتل ذلك الغلام أقل من المضار الناشئة بسبب حصول تلك المفاسدِ للأبوين؛ فلهذا السَّبب أقدم على قتله.
والمسألة الثالثة - أيضاً - كذلك؛ لأنَّ المشقة الحاصلة بسبب الإقدام على بناء الجدار المائل أسهل من المضارِّ الحاصلة بسبب ترك إقامته، لأنَّ ذلك الجدار لو سقط، لضاع مال أولئك الأيتام، وفيه ضررٌ شديدٌ، فالحاصل أنَّ ذلك العالم كان مخصوصاً بالوقوف على حقائق الأشياء وببناء الأحكام على حقائقها، وأنّ موسى - عليه السلام - كانت أحكامه مبنية على ظواهر الأمور، فبهذا ظهر التفاوتُ بينهما في علمه.
فإن قيل: فحاصل الكلام أنَّه تعالى أطلعه على حقائق الأشياء، وهذا النَّوعُ من العلم ما يمكنُ تعلُّمه، وموسى - عليه السلام - إنما ذهب إليه ليتعلم منه العلم، فكان الواجب على ذلك العالم أن يظهر له علماً يمكنُ تعلُّمه، وهذه المسائل علمها لا يمكن تقاسمه، فما الفائدة في إظهارها؟
فالجواب: أنَّ العلم بظواهر الأشياء يمكن تحصيله بناء على معرفة الشرائع الظاهرة، وأمَّا العلم بحقائق الأشياء، فإنَّه لا يمكن تحصيله إلاّ بناءً على تصفية الباطن، وتطهير القلب ع نالعلائق الجسمانية، ولهذا قال تعالى في صفة علم ذلك العالم: ﴿وعلَّمناهُ من لدُنَّا علماً﴾ ثم إن موسى - عليه السلام - لمَّا كملت مرتبته في علم الشريعة بعثه الله تعالى إلى ذلك العالم، ليعلِّم موسى أنَّ كمال الدرجة في أن ينتقل الإنسان من علوم الشريعة المبنية على الظَّواهر إلى علوم البواطنِ المبنية على الإشراف على حقيقة الأمور.
فصل
احتجُّوا بهذه الآية على أن الفقير أشدُّ حاجة من المسكين؛ لأنَّه تعالى سمَّاهم مساكين مع أنهم كانوا يملكون السفينة.
واعلم أن العالم بيَّن مراده من تخريق السفينة، وأنه لم يكن مقصوده تغريق أهلها؛ بل كان مقصوده تعييبها، لئلاَّ يأخذها ذلك الملك الظَّالم؛ لأنه كان من عادته أخذ السفن الخالية من العيوب، وضرر هذا التخريق أسهل من ضرر الغصب.
فإن قيل: هل يجوز للأجنبيِّ أن يتصرَّف في ملك الغير لمثل هذا الغرض؟ .
فالجواب: هذا مما تختلف أحواله بسبب اختلاف الشرائع، فلعلَّ هذا كان جائزاً في تلك الشريعة، وأما في شريعتنا فهذا الحكم غير بعيدٍ، فإنَّا إذا علمنا أن الذين يقطعون الطريق يأخذون جميع مال الإنسان، فإن دفعنا إلى قاطع الطَّريق بعض ذلك المال سلم الباقي، فحينئذ يحسنُ منَّا أن ندفع بعض مال ذلك افنسان إلى قاطع الطريق؛ ليسلم الباقي، وكان هذا إحساناً منا لذلك المالك.
كذلك قيل في السفينة المشحونة إذا خيف عليها الغرق، وأنه إذا ألقي منها شيءٌ في البحر خفَّت وسلم ما فيها جاز الإلقاء، بل يجب كذلك، وكذلك مسالة التترُّس بالمسلمين.
واعلم بأنَّ هذا التخريق يجب أن يكون على وجه لا يبطل منافع تلك السفينة بالكلِّية، إذ لو ك ان كذلك، لم يكن الضَّررُ الحاصل من غصبها أعظم من الضَّرر الحاصل من تخريقها، وحينئذ لم يكن تخريقها جائزاً.
فصل
اعلم أنَّه قال: ﴿فأردتُّ أن أعيبها﴾ وقال: ﴿فأردْنَا أن يبدلهما ربُّهما خيراً منهُ﴾ ، وقال: ﴿فأرَادَ ربُّك أن يبلُغا أشدَّهما﴾ فاختلفت الإضافة في هذه الإرادات الثلاثة، وهي كلها قضيَّة واحدة، وفائدة ذلك أنه لما ذكر العيب أضافه إلى إرادة نفسه، فقال: ﴿فأرَدْتُ أن أعيبها﴾ ولمَّا ذكر القتل، عبَّر عن نفسه بلفظِ الجمع تنبيهاً على أنَّه من العظماء في علوم الحكمة، فلم يقدم على هذا القتل إلاَّ لحكمةٍ عاليةٍ، ولمَّا ذكر رعاية صالح اليتيمين لأجل صلاح أبيهما اضافه إلى الله تعالى، لأنَّ المتكفِّل بمصالح الأبناء برعاية حقِّ الآباء ليس إلاَّ الله تعالى.
فصل
اختلفوا: هل الخضر حيٌّ أم لا؟ فقيل: إنَّ الخضر وإلياس حيَّان يلتقيان كلَّ سنةٍ بالموسم، قيل: وسبب حياته أنَّ ذا القَرنَيْنِ دخل الظلمات، لطلب عين الحياة، وكان الخضر على مقدِّمته، فوقع الخضر على عين الحياة، فنزل، واغتسل، وشرب، وقيل: وأخطأ ذو القرنين الطريق، فعاد.
وقيل: إنه ميتٌ، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾ [الأنبياء: 34] وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ بعدما صلى العشاءَ ليلة: «أرَأيْتكُمْ ليْلتَكُم هذه، فإنه على رأس مائة سنةٍ لا يبقى ممَّن هو اليوم على ظهر الأرضِ أحدٌ» ولو كان الخضر حيًّا، لكان لا يعيش بعده.
رُويَ أنَّ موسى لمَّا اراد أن يفارقه قال: أوصني، قال: لا تطلب العلم لتحدِّث به، واطلبه لتعمل به.
الكهف 18:83
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ الآية.
قد تقدَّم في أول هذه السورة أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الرُّوح، فقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ هو ذلك السؤال، واختلفوا في ذي القرنين، فقيل: هو الإسكندر بن فيلبوس اليونانيُّ، وقيل: كان اسمه مرزبان بن مرزبة من ولد يونان بن ثافث بن نوحٍ، وكان اسود، قال بعضهم: كان نبيًّا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض﴾ والأولى حمله على التمكين في الدِّين، والتَّمكين الكامل في الدِّين هو النبوة، ولقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ ومن جملة الأسباب النبوة، فمقتضى العموم أنه آتاهُ من النبوة سبباً، ولقوله تعالى: ﴿ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ والذي يتكلَّم الله معه لا بد وأن يكون نبياً. قال ابو الطفيل، وسئل عن ذي القرنين: أكان نبيًّا أم ملكاً؟ قال: لم يكن نبياً، ولا ملكاً، ولكن كان عبداً أحبَّ الله، فأحبَّه الله، وناصح الله فناصحه.
روي أنَّ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - سمع رجلاً يقول لآخر: «يَا ذَا القرنين» فقال: تسمَّيتم بأسماء النبيين، فلم ترضوا حتى تسمّيتم بأسماء الملائكة. والأكثرون على أنه كان ملكاً عادلاً صالحاً، واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين قيل: لأنه بلغ قرني الشمس: مشرقها ومغربها، وأيضاً: بلغ ملكه أقصى الشمال، لأنَّ «يأُجوجَ ومأجُوجَ» قومٌ من التركِ يسكنون في أقصى الشمالِ، فهذا المسمَّى بذي القرنين قد دلَّ القرآن على أنَّ ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال، وهذا نهاية المعمور من الأرض، ومثل هذا الملك البسيط على خلاف العادات، فيجب أن يبقى ذكره مخلّداً على وجه الدهر لا يخفى، والذي اشتهر في كتب التواريخ أن الذي بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر، وذلك أنه لمَّا مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك العرب وقهرهم، وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر، ثم عاد إلى مصر، فبنى الإسكندرية، وسمَّاها باسم نفسه، ثم دخل الشَّام، وقصد بني إسرائيل، وورد «بيت المقدس» ، وذبح في مذبحه، ثم انعطف إلى «أرمينيَّة» و «باب الأبواب» ودان له العراقيُّون، والقبط، والبربر، ثم توجه نحو دارا بن دارا، وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه، واستولى الإسكندر على ممالك الفرس، وقصد الهند والصِّين، وغزا الأمم البعيدة، ورجع إلى «خراسان» وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق، ومرض ب «شهرزور» ومات، فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض أو ما يقرب منها، وثبت من التَّواريخ أن من هذا شأنه ماكان إلاَّ الإسكندر وجب القطعُ بأنَّ المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني.
قيل: وسمِّي بذي القرنين، لأنه ملك الرُّوم وفارس، وقيل: لأنه دخل النور والظلمة، وقيل: لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشَّمس، وقيل: لأنه كانت له ذؤابتان حسنتان، وقيل: لأنه كان له قرنان تواليهما العمامة.
وروى أبو الفضلِ عن عليّ أنه أمر قومهُ بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيمن، فمات، فبعثه الله، فأمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيسر، فمات فأحياه الله.
وقيل: كان لتاجه قرنان، وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وقيل: لأن الله سخر له النُّور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه، وتمتد الظلمة من ورائه.
فروي أن ذا القرنين أمر ببناء مدنٍ كثيرةٍ منها: «الدبوسية» و «حمدان» و «برج الحجارة» ، ولما بلغ «الهند» بنى مدينة «سرنديب» وأن أرباب الحساب قالوا له: إنَّك لا تموتُ إلا على أرض من حديدٍ، وسماه من خشب، وكان يدفن كنوز كلِّ بلدٍ فيها، ويكتب ذلك معه بصفته وموضعه، فبلغ «بابل» ، فرعف، فسقط عن دابَّته، فبسطت له دروع فنام عليها، فآذته الشمس، فأظلوه بتُرسٍ، فنظر وقال: هذه أرضٌ من حديدٍ وسماء من خشبٍ، فأيقن بالموت، فمات وهو ابنُ ألف سنة وثلاثمائة سنة.
وقال أبو الرَّيحان البيروني في كتابه المسمَّى ب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» : قيل: إنَّ ذا القرنين هو أبو كربٍ سُمَيُّ بن عبرين بن أقريقيش الحميريّ، وأنَّ ملكهُ بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير: [الكامل]
قَدْ كَانَ ذُو القَرنيْنِ قَبْلي مُسْلِماً ... مَلِكاً عَلا فِي الأرْضِ غير مُفَنَّدِ
بلغَ المشارِقَ والمغارِبَ يَبتَغِي ... أسْبابَ ملكٍ من كَرِيم سيِّدِ
ثم قال أبو الريحان: ويشبهُ أن يكون هذا القول أقرب، لأن الأذواء كانوا من اليمن، وهم الذين لا يخلون أساميهم من «ذي كذا» المنار، و «ذي نواس» ، و «ذي النُّون» ، و «ذي رعين» والقول الأول أظهر، لما تقدم من الدليل، ولأنه روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «سمِّي ذا القرنَيْنِ لأنَّه طاف قرنَي الدُّنيا شرقها وغربها» .
قال ابن الخطيب: إلاَّ أنَّ فيه إشكالاً قويًّا، وهو أن الإسكندر كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم، وكان على مذهبه، فتعظيم الله إيَّاه يُوجِبُ الحكم بأنَّ مذهب أرسطاطاليس حقٌّ وصدقٌ، وذلك ممَّا لا سبيل إليه.
قال ابن كثير: روي عن ابن عباسٍ: أنَّ اسم ذي القرنين عبد الله بن الضحاك.
وقيل: مصعبُ بن عبد الله بن قينان بن منصور بن عبد الله بن الآزر بن عون بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان.
وروي أنَّه كان من حمير، وأمُّه روميَّة، وأنه كان يقال له الفيلسوفُ؛ لعقله.
وقال السهيلي: قيل: كان اسمه مرزبي بن مرذبة ذكره ابن هشام، وهو أول التَّبابعة.
وقيل: إنه أفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك ويروى في خطبة قيس بن ساعدة التي خطبها بسوق عكاظ، أنه قال فيها يا معشر إياد أين الصعب ذو القرنين ملك الخافقين، وأوّل المسلمين، وعمر ألفين، ثم كان ذلك كطرفة عين، وأنشد ابن هشام: [الكامل]
والصَّعبُ ذُو القرنيْنِ أصْبحَ ثَاوِياً ... بالحِنْوِ حيث أميم مقيم
أمَّا ذو القرنين الثاني فهو الإسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن هردوس ابن ميطون بن رومي بن نويط بن نوفيل بن ليطى بن يونان بن يافث بن نوح بن سرحون بن رومي بن قريط بن نوفيل بن رومي بن الأصفر بن اليغز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليه السلام - كذا نسبه ابن عساكر المقدوني اليوناني المصري باني الإسكندرية الذي يؤرِّخ بأيَّامه الروم، وكان متأخِّراً عن الأول بدهر طويل، وكان هذا قبل المسيح بنحوٍ من ثلاثمائة سنة، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف، وهو قتل دارا بن دارا [ملك] ملوكِ الفرس.
وإنما نبهنا على هذا؛ لأنَّ كثيراً من الناس يعتقد أنهما واحدٌ، وأن المذكور في القرىن هو الذي كان أرسطاطاليس وزيرهُ، فيقع بذلك خطأ كثير؛ فإنَّ الأول كان مؤمناً عبداً صالحاً، وملكاً عادلاً، وكان وزيره الخضر - عليهما السلام - وكان نبيًّا، وأمَّا الثاني فكان مشركاً، وكان وزيره فيلسوفاً، وكان بين زمانيهما أزيد من ألفي [سنة] فأين هذا من هذا؟ .
قوله: «سَأتلُو» : دخلت السين ها هنا؛ لأن المعنى أني سأفعل هذا إن وفَّقني الله عليه، وأنزل عليَّ وحياً، وأخبرني عن كيفية تلك الحال.
قوله «مِنْهُ ذِكْراً» أي: من أخباره وقصصه.
قوله: «إنَّا مكَّنا له» .
ومعنى «مكنَّا لهُ» : أوطأنا، والتمكينُ: تمهيد الأسباب قال عليٌّ: سخَّر له السَّحاب، فحمله عليه، ومدَّ له في الأسباب، وبسط له في النُّورِ، وكان اللَّيلُ والنهار عليه سواء، فهذا معنى تمكنيه في الأرض؛ وأنه سهَّل عليه السير فيها، وذلل له طريقها.
وهذا التَّمكينُ بسبب النبوة، ويحتمل أن يكون المراد التمكين بسبب الملكِ من حيث إنه ملك مشارق العالم ومغاربه، والأول أولى؛ لأنَّ التمكينَ بسبب النبوّة أعلى من التمكين بسبب الملك، وحمل كلام الله تعالى على الوجه الأكمل الأفضل أولى، ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ قالوا: السبب في أصل اللغة عبارة عن الحبل، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى المقصود، وهو يتناول العلم والقدرة والآلة، فلذلك قيل: «وآتيناه من كل شيء» ما يستعين به الملوك على فتح المدن، ومحاربة الأعداء «سبباً» أي: علماً يتسبب به إلى كل ما يريد ويسير به في أقطار الأرض، وقيل: قرَّبنا له أقطار الأرض.
واستدلوا بعموم قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ على أنه كان نبيًّا كما تقدَّم، ومن أنكر نبوته قال: المعنى: وآتيناه من كلِّ شيءٍ يحتاجُ إلى إصلاح ملكه إلاَّ أن تخصيص العموم خلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلاَّ بدليلٍ.
قوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ .
قرأ نافع، وابن كثيرٍ، وأبو عمرو «فَاتَّبعَ» و «ثمَّ اتَّبعَ» في الموضعين بهمزة وصل، وتشديد التاء. والباقون بهمزة القطع في المواضع الثلاثة وسكون التاء.
فقيل: هما بمعنى واحدٍ فيتعدَّيان لمفعولٍ واحدٍ.
وقيل: «أتْبَعَ» بالقطع متعدٍّ لاثنين حذف أحدهما تقديره: فأتْبع سبباً سبباً آخر، أو فأتبع أمره سبباً آخر، ومنه ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً﴾ [القصص: 42] فعدَّاه لاثنين ومن حذف أحد المفعولين: قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: 60] ، أي: أتبعوهم جنودهم. واختار أبو عبيد «اتَّبعَ» بالوصل، قال: «لأنَّه من المسيرِ» قال: تقول: تبعتُ القوم واتَّبعتُهم. فأمَّا الإتباعُ بالقطع فمعناه اللحاقُ، كقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] .
وقال يونس، وأبو زيدٍ: «أتْبعَ» بالقطع عبارة عن المجدِّ المسرعِ الحثيثِ الطلب. وبالوصلِ إنَّما يتضمَّن الاقتفاء دون هذه الصفات.
قال البغويُّ: والصحيح الفرق بينهما، فمن قطع الألف، فمعناه: أدرك ولحق، ومن قرأ بالتشديد فمعناه: سار، يقال: ما زلتُ أتَّبعه حتى اتبعته، أي: ما زلتُ أسير خلفهُ حتى لحقته، ومعنى الآية: أنه تعالى لمَّا أعطاهُ من كل شيءٍ سببه، فإذا أراد سبباً أتبع سبباً يوصله إليه ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة﴾ .
عن أبي ذرٍّ قال: كنت رديف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على جملٍ، فرأى الشمس حين غابت، فقال: أتدري يا أبا ذرٍّ، أتدري أين تغربُ هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: «فإنَّها تغربُ في عينٍ حاميةٍ» وهي قراءة ابن مسعود، وطلحة، وابن عمر، واختارها أبو عبيدة، قال: لأنَّ عليها جماعة من الصحابة.
وأما القراءة الثانية، فهي من الحمأةِ، وهي الطِّين، وهي قراءة ابن عبَّاس.
فصل
ثبت بالدَّليل أنَّ الأرض كرة، وأنَّ السماء محيطة، وأنَّ الشمس في الفلك الرابع، وكيف يعقل دخولها في عينٍ؟ وأيضاً قال: «وجد عِنْدهَا قوماً» ومعلومٌ أن جلوس القوم قرب الشَّمسِ غير موجودٍ، وأيضاً فالشمس أكبر من الأرض بمراتٍ كثيرةٍ، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ وإذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ من وجوه:
الأول: أنَّ ذا القرنين لما بلغ موضعاً من المغرب، لم يبق بعدهُ شيءٌ من العماراتِ، وجد الشَّمس كأنَّها تغربُ في عينٍ مظلمةٍ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة كما أنَّ راكب البحر يرى الشمس كأنَّها تغيبُ في البحر إذا لم يرَ الشطَّ، وهي في الحقيقة تغيبُ وراء البحر، ذكر هذا التأويل الجبائيُّ في تفسيره.
الثاني: أنَّ للجانب الغربيّ من الأرض مساكنَ يحيطُ البحر بها، فالناظرُ إلى الشَّمْسِ يتخيلُ كأنَّها تغيب في تلك البحار، ولا شكَّ أنَّ البحار الغربية قويةٌ السخونة، فهي حاميةٌ، وهي أيضاً حمئة لكثرة ما فيها من الماء ومن الحمأةِ السَّوداءِ، فقوله: ﴿تَغْربُ في عينٍ حمئةٍ﴾ إشارةٌ إلى أن الجانب الغربي منالأرض قد أحاط البحر به، وهو موضعٌ شديدُ السخونة، قال اهل الأخبار: إنَّ الشمس تغيب في عينٍ كثيرة الماءِ والحمأةِ، وهذا في غاية البعد؛ وذلك لأنَّا إذا رصدنا كسوفاً قمريًّا، فإذا اعتبرناه، ورأينا أنَّ المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أوَّل الليل، ورأينا المشرقين، قالوا: حصل في أوَّل النَّهار علمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق، بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا هو وقت العصر في بلد، ووقت الظُّهر في بلدٍ آخر، ووقت الضَّحوة في بلد ثالثٍ، ووقت طلوع الشمس في بلدٍ رابع، ونصف الليل في بلد خامسٍ، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بالاستقراء والأخبار وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنَّها تغيبُ في الطين والحمأة كلاماً على خلاف اليقين؛ وكلام الله تعالى مبرَّأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلاَّ أن يصار غلى التَّأويل المذكور
ثم قال: «ووجد عندها قوماً» أي: عند العين أمة، وقيل: الضمير [عائد] إلى الشمس.
قال ابن جريج: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجبُ.
قوله: ﴿قُلْنَا ياذا القرنين﴾ يدل على أنه تعالى كلمه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبيًّا، فإن قيل: خوطب على ألسنة بعض الأنبياء، فهو عدولٌ عن الظاهر.
وقال بعضهم: المراد منه الإلهام.
قوله: ﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ﴾ .
يجوز فيه الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي: إمَّا تعذيبك واقعٌ، والرفع على خبر مضمرٍ، أي: هو تعذيبك، والنصب اي: إمَّا أن تفعل أن تعذِّب.
وهذا يدلُّ على أنَّ سكَّان آخر المغرب، كانوا كفاراً، فخيَّر الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب، إن أقاموا على الكفر، وبين المنِّ عليهم، والعفو عنهم، وهذا التخيير على معنى الاجتهاد في أصلح المرين، كما خيَّر نبيه - محمداً عليه الصلاة والسلام - بين المنِّ على المشركين، وبين قتلهم.
وقال الكثرون: هذا التعذيب هو القتل، وأمَّا اتِّخاذ الحسنى فيهم، فهو تركهم أحياء.
ثم قال ذو القرنين: ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ﴾ أي: ظلم نفسه؛ بمعنى «كفر» لأنَّه ذكر في مقابلته: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾ ثم قال: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أي بقتله ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ﴾ في الآخرة ﴿عَذَاباً نُّكْرا﴾ أي: منكراً فظيعاً.
وهو النار، والنار أنكر من القتل.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ .
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى﴾ الآية.
قوله: ﴿جَزَآءً الحسنى﴾ قرأ الأخوان، وحفص بنصب «جزاءً» وتنوينه، والباقون برفعه مضافاً، فالنصب على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة، أو بنصب بمضمرٍ، أو مؤكدٍ لعامل من لفظه مقدَّر، أي: يجزي جزاء، وتكون الجملة معترضة بين المبتدأ وخبره المقدَّم عليه، وقد يعترض على الأول: بأنَّ المصدر المؤكِّد لمضمون جملة لا يتقدَّم عليها، فكذا لا يتوسَّطُ، وفيه نظر يحتمل الجواز والمنع، وهو إلى الجواز أقرب.
الثالث: أنه في موضع الحال.
الرابع: نصبه على التفسير، قاله الفراء؛ يعني التمييز، وهو بعيد.
وقرأ ابن عباس، ومسروق بالنصب والإضافة، وفيها تخريجان: أحدهما: أن المبتدأ محذوف، وهو العامل في «جزاءَ الحُسْنى» التقدير: فله الجزاء جزاء الحسنى.
والثاني: أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب]
3565 - ... ... ... ... ... ..... ولا ذَاكِرَ الله إلاَّ قَلِيلا
ذكره المهدويُّ.
والقراءة الثانية رفعه فيها على الابتداء، والخبر الجار قبله، و «الحُسْنَى» مضاف إليها، والمراد بالحسنى الجنَّة، وقيل: الفعلة الحسنى.
وقرأ عبد الله، وابن أبي إسحاق «جزاءٌ» مرفوعاً منوناً على الابتداء، و «الحُسْنَى» بدلٌ، أو بيان، أو منصوبة بإضمار «أعْنِي» أو خبر مبتدأ مضمرٍ.
و «يُسْراً» نعت مصدر محذوف، أي: قولاً ذا يسرٍ، وقرأ أبو جعفر بضم السين في اليُسُر حيث ورد.
فصل في اختلاف معنى الآية باختلاف القراءة
قال المفسرون: المعنى على قراءة النصب: فله الحسنى جزاء؛ كما يقال: لك هذا الثوب هبةً.
وعلى قراءة الرفع، فيه وجهان:
أحدهما: فله الجزاءُ الحسنى، والفعلةُ الحسنى: هي الإيمانُ، والعمل الصَّالح.
والثاني: فلهُ جزاء المثوبة الحسنى، وإضافة الموصوف إلى الصِّفة مشهورةٌ؛ كقوله: ﴿وَلَدَارُ الآخرة﴾ [يوسف: 109] . و ﴿حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] .
وقوله: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ الآية، أي: لا نأمرهُ بالصَّعب الشَّاق، ولكن بالسَّهل الميسَّر من الزَّكاة، والخراج وغيرهما، وتقديره: ذا يسر؛ كقوله: ﴿قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ [الإسراء: 28] .
قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس﴾ .
أي: سلك طرقاً ومنازل ﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ﴾ أي: موضع طلوعها ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ .
قال الحسنُ وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستراً، وليس هناك شجرٌ، ولا جبلٌ، ولا أبنيةٌ، تمنع [طلوع] الشمس عليهم؛ لأنَّهم كانوا في مكان لا يستقرُّ عليهم بناءٌ، وكانوا يكونون في أسراب لهم، حتَّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم.
وقال الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس، يدخلون الماء، فإذا ارتفعت عنهم، خرجوا فرعوا؛ كأنَّهم بهائمُ.
قال الكلبيُّ: هم قومٌ عراةٌ؛ كسائر الحيوان، يفترشُ أحدهم أذنيه؛ أحدهما تحته، ويلتحفُ بالأخرى.
فصل فيما يروى عن السد
ذكروا في بعض كتب التفسير: أن بعضهم، قال: سافرت، حتَّى جاوزت الصِّين، فسألت عن هؤلاء القوم، فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلةٍ، فبلغتهم، فإذا أحدهم يفترش إحدى أذنبه، ويلبس الأخرى، فلما قرب طلوع الشمس، سمعت صوتاً كهيئة الصَّلصلة، فغُشي عليَّ، ثم أفقتُ، فلمَّا طلعت الشمس؛ إذ هي فوق الماءِ؛ كهيئة الزيت، فأدخلونا سرباً لهم، فلما ارتفع النَّهار، جعلوا يصطادون السَّمك فيطرحونه في الشمس؛ فينضج.
قوله: ﴿مَطْلِعَ الشمس﴾ .
العامَّة على كسر اللام من «مَطْلِع» والمضارعُ «يَطلُع» بالضم، فكان القياس فتح اللام في المفعل مطلقاً، ولكنَّها مع أخواتٍ لها سمع فيها الكسر، وقياسها الفتح، وقد قرأ به الحسن، وعيسى، وابن محيصن، ورويت عن ابن كثيرٍ، وأهل مكة، قال الكسائي: «هذه اللغة قد ماتت» يعني: أي: بكسر اللام من المضارع، والمفعل، وهذا يشعرُ أنَّ من العرب من كان يقول: طَلَع يَطلِعُ، بالكسر في المضارع.
قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ : الكاف: إمَّا مرفوعة المحلِّ، أي: الأمر كذلك، أو منصوبته، أي: فعلنا مثل ذلك.
ومعنى الكلام: كذلك فعل ذو القرنينِ، أتبع هذه الأسباب، حتى بلغ، وقد علمنا حين ملَّكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك.
وقيل: كذلك جعل الله أمر هؤلاء القوم على ما قد أعلم رسول الله - عليه السلام - في هذا الذِّكر.
وقيل: كذلك كانت حاأهل المطلع؛ كما كانت حاله مع أهل المغرب، قضى في هؤلاء، كما قضى في أولئك؛ من تعذيب الظالمين، والإحسان إلى المؤمنين.
وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ .
والمعنى: أنه تعالى قال: أمر هؤلاء القوم، كما وجدهم عليه ذو القرنين، ثم قال بعده: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً﴾ أي: كنَّا عالمين بأنَّ الأمر كذلك.
قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ الآية.
و ﴿بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ «بين» هنا يجوز أن يكون ظرفاً، والمفعول محذوف، أي: بلغ غرضه ومقصوده، وأن يكون مفعولاً به على الاتِّساع، أي: بلغ المكان الحاجز بينهما.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بفتح سين «السَّدَّين» و «سَدًّا» في هذه السورة، وحفصٌ فتح الجميع، أعني موضعي هذه السورة، وموضعي سورة يس [الآية: 9] ، وقرأ الأخوان بالفتح في «سدًّا» في سورتيه، وبالضمِّ في «السُّدَّين» والباقون بالضمِّ في الجميع، فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وقيل: لمضمومُ: ما كان من فعل الله تعالى، والمفتوحُ ما كان من فعل النَّاس، وهذا مرويٌّ عن عكرمة، والكسائي، وأبي عبيد وابن الأنباريِّ.
قال الزمخشري: لأنَّ السُّدَّ، بالضمِّ: «فُعْل» بمعنى «مفْعُول» أي: هو مما فعله الله، وخلقه، والسَّدُّ، بالفتح: مصدر حدث يحدثه الناس. وهو مردودٌ: بأنَّ السدَّين في هذه السورة جبلان، سدَّ ذو القرنين بينهما بسدٍّ، فهما من فعلِ الله، والسدُّ الذي فعله ذو القرنين من فعل المخلوق، و «سدًّا» في يس من فعلِ الله تعالى؛ لقوله: «وجعلنا» ومع ذلك قرئ في الجميع، بالفتح، والضمِّ، فعلم أنَّهما لغتان؛ كالضَّعف، والضُّعف، والفَقر، والفُقر، وقال الخليل: المضموم اسمٌ، والمفتوح مصدر، وهذا هو الاختيار.
فصل في مكان السد
الأظهرُ: أنَّ موضع السدَّين في ناحية الشَّمال، وقيل: جبلان بين أرمينيَّة، وأذربيجان.
وقيل: هذا المكان في مقطع أرض التُّرك.
وحكى محمد بن جرير الطبريُّ في تاريخه: أنَّ صاحب أذربيجان أيَّام فتحها، وجَّه إنساناً إليه من ناحية الخزر، فشاهده، ووصف أنَّه بنيانٌ رفيعٌ وراء خندقٍ وثيقٍ منيعٍ، وذكر ابن خرداذبة في كتابه «المسالك والممالك» أن الواثق بالله رأى في المنام كأنَّه فتح هذا الردم، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه، فوصفوا أنه بنيانٌ من لبنٍ من حديد مشدود بالنُّحاس المذاب، وعليه بابٌ مقفلٌ، ثم إنَّ ذلك الإنسان لمَّا حاول الرُّجوع، أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند.
فصل في مقتضى هذا الخبر
قال أبو الرَّيحان البيرونيُّ: مقتضى هذا الخبر أنَّ موضعه في الربع الشماليِّ الغربيِّ من المعمورة.
قوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ : قرأ الأخوان بضمِّ الياء، وكسر القاف، من أفقه غيره، فالمفعول محذوف، أي: لا يفقهون غيرهم قولاً، والباقون بفتحهما، أي: لا يفهمون كلام غيرهم، وهو بمعنى الأول، وقيل: ليس بمتلازمٍ؛ إذ قد يفقه الإنسان كلام غيره، ولا يفقه قوله غيره، وبالعكس.
فصل في كيفية فهم ذي القرنين كلام أولئك القوم
لمَّا بلغ ذو القرنين ما بين السَّدين ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا﴾ [أي] من ورائهما مجاوزاً عنهما «قوماً» ، أي: أمَّة من الناس ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ .
فإن قيل: كيف فهم ذو القرنين منهم هذا الكلام، بعد أن وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ ؟ .
فالجواب من وجوه:
أحدهما: قيل: كلّم عنهم مترجمٌ؛ ويدل عليه قراءة ابن مسعودٍ: لا يكادون يفقهون قولاً، قال الذين من دونهم: يا ذا القرنين ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوج﴾ .
وثانيها: أن قوله: ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ يدلُّ على أنَّهم قد يفقهون بمشقَّة وصعوبة [من إشارة ونحوها] .
وثالثها: أنَّ «كاد» معناه المقاربة؛ وعلى هذا، فلا بدَّ من غضمارٍ، تقديره: لا يكادون يفقهون إلاَّ بمشقةٍ؛ من إشارة ونحوها.
قوله: ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوج﴾ : قرأ عاصم بالهمزة الساكنة، والباقون بألف صريحة، واختلف في ذلك؛ فقيل: هما أعجميَّان، لا اشتقاق لهما، ومنعا من الصرف؛ للعلميَّة والعجمة، ويحتمل أن تكون الهمزة أصلاً، والألف بدلاً منها، أو بالعكس؛ لأنَّ العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية، وقيل: بل هما عربيَّان، واختلف في اشتقاقهما.
فقال الكسائي: يأجوجُ: مأخوذٌ من تأجُّج النار، ولهبها أو شدَّة توقُّدها؛ فلسرعتهم في الحركة سمُّوا بذلك، ومأجوج من موج البحر.
وقيل من الأجِّ، وهو الاختلاط أو شدَّة الحرِّ.
وقيل من الأجِّ، وهو الاختلاط أو شدَّة الحرِّ.
وقال القتيبيُّ: من الأجِّ، وهو سرعة العدو، ومنه قوله: [الطويل]
3566 - ... ... ... ... ... ..... تَؤجُّ كمَا أجَّ الظَّلِيم المُنفَّرُ
وقيل: من الأجاجِ، وهو الماءُ المالح الزُّعاقُ.
وقال الخليلُ: الأجُّ: حبٌّ؛ كالعدس، والمجُّ: مجُّ الرِّيق، فيحتمل أن يكونا مأخوذين منهما، ووزنهما يفعولُ، ومفعول، وهذا ظاهر على قراءة عاصم، وأمَّا قراءة الباقين، فيحتمل أن تكون الألف بدلاً من الهمزة الساكنة، إلا أنَّ فيه أنَّ من هؤلاء من ليس أصله قلب الهمزة الساكنة، وهم الأكثر، ولا ضير في ذلك، ويحتمل أن تكون ألفهما زائدتين، ووزنهما «فَاعُول» من يجَّ، ومجَّ.
ويحتمل أن يكون ماجوج من «مَاجَ، يَمُوجُ» أي: اضطرب، ومنه الموجُ، فوزنه مفعول، وأصله: مَوجُوج، قاله أبو حاتم، وفيه نظر؛ من حيث ادِّعاءُ قلب حرف العلة، وهو ساكنٌ، وشذوذه كشذوذ «طائي» في النَّسب إلى طيِّئ.
وعلى القول بكونهما عربيَّين مشتقَّين، فمنع صرفهما؛ للعلميَّة والتأنيث؛ بمعنى القبيلة؛ كما تقدَّم في سورة هود، ومثل هذا الخلاف والتعليل جارٍ في سورة الأنبياء [الآية: 93]- عليهم السلام - والهمزة في يأجوج ومأجوج لغة بني أسدٍ، وقرأ رؤبة وأبوه العجاج «آجُوج» .
فصل في اصل يأجوج ومأجوج
اختلفوا في أنَّهم من أيِّ الأقوام، فقال الضحاك: هم جيلٌ من التُّرك.
وقال السديُّ: التُّرك: سريَّة من يأجُوج ومأجوج، خرجت، فضرب ذو القرنين السدَّ، فبقيت خارجة، فجميع الترك منهم.
وعن قتادة: أنَّهم اثنان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السدَّ على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت قبيلة واحدة، وهم التُّركُ، سمُّوا بذلك؛ لأنَّهم [تركوا] خارجين.
فصل في أجناس البشر
قال أهل التَّاريخ: أولاد نوحٍ ثلاثة: سام، وحام، ويافث. فسام أبو العرب، والعجم، والرُّوم.
وحام: أبو الحبشة، والزَّنج، والنُّوبة.
ويافث: أبو التُّرك، والخزر، والصقالبة، ويأجوج ومأجوج.
واختلفوا في صفاتهم:
فمن النَّاس من وصفهم بقصر القامة، وصغر الجثَّة بكون طول أحدهم شبراً، ومنهم من يصفهم بطُول القامة، وكبر الجثَّة، فقيل: طول أحدهم مائةُ وعشرون ذراعاً، ومنهم من طوله وعرضه كذلك، وأثبتوا لهم مخالب في الأظفار وأضراساً كأضراسِ السِّباع، ومنهم من يفترش إحدى أذنيه، ويلتحفُ بالأخرى.
فصل في إفسادهم
واختلفوا في كيفية إفسادهم:
فقيل: كانوا يقتلون الناس.
وقيل: كانوا يأكلوه لحوم النَّاس، وقيل: كانوا يخرجون أيَّام الربيع ولا يتركون لهم شيئاً أخضر.
وبالجملة: فلفظ الفساد يحتمل هذه الأقسام.
ثمَّ إنَّه تعالى حكى عن أهل ما بين السَّديْن أنَّهم قالوا لذي القرنين: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ الآية.
قوله: «خَرْجاً» قرأ ابن عامر «خَرْجاً» هنا وفي المؤمنين [الآية: 72] بسكون الراء، والأخوان «خَرَاجاً» «فَخَراج» في السورتين بالألف، والباقون كقراءة ابن عامر في هذه السورة، والأول في المؤمنين، وفي الثاني، وهو «فَخرَاج» كقراءة الأخوين، فقيل: هما بمعنى واحد كالقول والقوال، والنّوْل والنَّوال، وقيل: «الخَراجُ» بالألف ما ضرب على الأرض من الإتاوةِ كلَّ عامٍ، وبغير الألف بمعنى الجعل، أي: نُعطيكَ من أموالنا مرَّة واحدة ما تستعينُ به على ذلك، وقال أبو عمر: الخرج: ما تبرَّعت به، والخراج ما لزمك أداؤهُ.
قال مكيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: واختيار تركُ الألف؛ لأنَّهم إنما عرضوا عليه: أن يعطوه عطيَّة واحدة على بنائه، لا أن يضرب ذلك عليهم كلَّ عامٍ، وقيل: الخرجُ: ما كان على الرءوس، والخراج: ما كان على الأرض، قاله قطرب يقال: أدِّ خرج رأسك، وخراج أرضك، قاله ابن الأعرابيِّ، وقيل: الخرجُ أخصُّ، والخَراجُ أعمُّ، قاله ثعلبٌ، وقيل: الخرجُ مصدر، والخراجُ: اسم لما يعطى، ثم قد يطلق على المفعول المصدر؛ كالخلقِ؛ بمعنى المخلوق.
ثم قال: ﴿على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ أي: حاجزاً، فلا يصلون إلينا.
قوله: ﴿مَا مَكَّنِّي﴾ : «ما» بمعنى «الذي» وقرأ ابن كثيرٍ: «مكَّنني» بإظهار النون، والباقون بإدغامها في نون الوقاية؛ للتخفيف.
وهي مرسومةٌ في مصاحف غير مكَّة بنون واحدة، وفي مصاحف مكَّة بنونين، فكلٌّ وافق مصحفه.
ومعنى الكلام: ما قوَّاني عليه ربِّي خيرٌ من جعلكم، أي: ما جعلني مكيناً من المال الكثير، خيرٌ ممَّا تبذلُون لي من الخراج؛ فلا حاجة بي إليه، كقول سليمان - عليه السلام -: ﴿فَمَآ آتَانِي الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ﴾ [النمل: 36] .
قوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي: لا أريد المال، ولكن أعينوني بأيديكم، وقوَّتكم ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ .
والرَّدْم: هو السدُّ، يقال: ردمت الباب، أي: سددتُّه، وردمتُ الثوب: رقعته؛ لأنه يسدُّ موضع الخرق بالرَّقع، والرَّدم أكثر من السدِّ؛ من قولهم: ثوبٌ مردم، أي: وضعت عليه رقاعٌ.
قالوا: وما تلك القوة؟ . قال: فعلةٌ وصنَّاعٌ يحسنون البناء والعمل، والآلة.
قالوا: وما تلك الآلة؟ .
قال: ﴿آتُونِي﴾ : قرأ أبو بكرٍ «ايتُونِي» بهمزة وصلٍ؛ من أتى يأتي في الموضعين من هذه السورة؛ بخلاف عنه في الثاني، ووافقه حمزة على الثاني، من غير خلافٍ عنه، والباقون بهمزة القطع فيهما.
ف «زُبرَ» على قراءة همزة الوصل منصوبة على إسقاط الخافض، أي: جيئُوني بزُبرِ الحديد، وفي قراءة قطعها على المفعول الثاني؛ لأنه يتعدَّى بالهمزة إلى اثنين، وعلى قراءة أبي بكرٍ يحتاج إلى كسر التنوين من «رَدْماً» لالتقاءِ الساكنين؛ لنَّ همزة الوصل، تسقط درجاً، فيقرأ له بكسر التنوين، وبعده همزة ساكنة هي فاءُ الكلمة، وإذا ابتدأت بكلمتي «ائتُونِي» في قراءته، وقراءة حمزة، تبدأ بهمزة مكسورة للوصلِ، ثم ياءٍ صريحة، هي بدلٌ من همزة فاء الكلمة، وفي الدَّرج تسقط همزة الوصل، فتعود الهمزة؛ لزوالِ موجب إبدالها.
والباقون يبتدئون، ويصلون بهمزة مفتوحة؛ لأنَّها همزة قطعٍ، ويتركون تنوين «رَدْماً» على حاله من السكون، وهذا كله ظاهر لأهل النحو، خفيٌّ على القراء.
والزُّبَرُ: جمع زُبْرَة، كغُرفَةٍ وغُرَفٍ.
و «زُبَرَ الحَديدِ» قطعه.
قال الخليل: الزُّبرة من الحديد: القطعة الضخمة.
وقرأ الحسن بضمِّ الباء.
قوله: «سَاوَى» هذه قراءة الجمهور، وقتادة «سوَّى» بالتضعيف، وعاصم في رواية طسُوِّيَ «مبنيًّا للمفعول.
وفيه إضمارٌ، أي: فأتوهُ بها، فوضع تلك الزُّبرَ بعضها على بعض ﴿حتى إِذَا ساوى﴾ أي سدت ما بين الجبلين إلى أعلاهما.
قوله:» الصَّدفَيْنِ» قرأ أبو بكرٍ بضم الصاد، وسكون الدَّال، وابن كثيرٍ، وأبو عمرو، وابن عامر بضمهما، والباقون بفتحهما، وهذه لغاتٌ قرئ بها في السَّبع، وأبو جعفرٍ، وشيبة، وحميد بالفتح والإسكان، والماجشونُ بالفتح والضمِّ، وعاصم في رواية بالعكس.
والصَّدفانِ: ناحيتا الجبلين، وقيل: أن يتقابل جبلان، وبينهما طريقٌ، والناحيتان صدفان؛ لتقابلهما، وتصادفهما، من صادفت الرجل، أي: لاقيته وقابلته، وقال أبو عبيد: «الصَّدفُ: كل بناءٍ مرتفعٍ، وقيل: ليس بمعروفٍ، والفتحُ لغة تميمٍ، والضمُّ لغة حميرٍ» .
فصل في بناء السد
لما أتوهُ بزبر الحديد، وضع بعضها على بعض؛ حتى ساوتْ، وسدَّت ما بين الجبلينِ، ووضع المنافخ عليها، والحطب، حتَّى إذا صارت كالنَّار، صبَّ النُّحاس المذاب على الحديدِ المحمَّى، فالتصق بعضه ببعض، فصار جبلاً صَلْداً.
وهذه معجزةٌ تامَّةٌ؛ لأنَّ هذه الزُّبَر الكثيرة، إذا نفخ عليها؛ حتَّى تصير كالنَّار، لم يقدر الحيوان على القرب منها، والنَّفخُ عليها لا يكون إلا بالقرب منها، فكأنَّه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النَّافخين عليها.
قيل: إنَّه وضع الحديد على الحطب، والحطب على الحديد؛ فصار الحطب في خلال الحديد، ثمَّ نفخُوا عليه؛ حتَّى صار ناراً، أفرغ عليه النُّحاس المذاب؛ فدخل في خلال الحديد مكان الحطب؛ لأنَّ النَّار أكلت الحطب؛ فصار النحاسُ مكان الحطب؛ حتَّى لزم الحديدُ النُّحاس.
قال قتادة: صار كالبُرد المحبَّر طريقة سوداء وطريقة حمراء.
فصل فيما بين السدين
قال الزمخشريُّ: قيل: بعد ما بين السَّدين مائة فرسخٍ.
وروي: عرضهُ كان خمسين ذراعاً، وارتفاعه مائتي ذراعٍ.
قوله: «قِطْراً» هو المتنازع فيه، وهذه الآية أشهر أمثلةِ النحاةِ في باب التنازع، وهي من إعمال الثاني؛ للحذف من الأول، والقِطرُ: النُّحاس، أو الرَّصاصُ المذاب؛ لأنه يقطر.
قوله
: ﴿فَمَا اسطاعوا ﴾ : قرأ حمزة بتشديد الطاء، والباقون بتخفيفها، والوجه في الإدغام، كما قال أبو عليٍّ: «لمَّا لم يمكنْ إلقاء حركة [التَّاء] على السِّين؛ لئلاَّ يحرَّك ما لا يتحرَّك» - يعني: أنَّ سين «اسْتَفْعَلَ» لا تتحرَّك - أدغم مع السَّاكن، وإن لم يكن حرف لين، وقد قرأت القراء غير حرفٍ من هذا النحو؛ وقد أنشد سيبويه «ومَسْحي» يعني في قول الشاعر: [الرجز]
3567 - كَأنَّهُ بَعْدَ كَلالِ الزَّاجرِ ... ومَسْحِي مرُّ عُقابٍ كَاسرِ
[يريد «ومَسْحِه» ] فأدغم الحاء في الهاء بعد أن قلب الهاء حاء، وهو عكس قاعدة الإدغام في المتقاربين، وهذه القراءة قد لحَّنها بعض النُّحاة، قال الزجاج: «من قرأ بذلك، فهو لاحِنٌ مخطئٌ» وقال أبو عليٍّ: «هي غيرُ جائزةٍ» .
وقرأ الأعشى، عن أبي بكر «اصْطاعُوا» بإبدال السِّين صاداً، والأعمش «استطاعوا» كالثانية.
فصل
حذفت تاء «اسْتطَاعُوا» للخفَّة؛ لأنَّ التاء قريبة المخرجِ من الطَّاء، ومعنى «يَظْهَرُوهُ» أي: يعلونه من فوق ظهره؛ لطوله، وملاسته، وصلابته، وثخانته، ثم قال ذو القرنين: «هَذَا» إشارةٌ غلى السدِّ «رَحْمَةٌ» أي: نعمة من الله، ورحمة على عباده ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي: القيامة.
وقيل: وقت خروجهم ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ أي: جعل السدَّ مدكوكاً مستوياً، مع وجه الأرض.
قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ : الظاهر أنَّ «الجَعْلَ» هنا بمعنى «التَّصْيير» فتكون «دكَّاء» مفعولاً ثانياً، وجوَّو ابن عطيَّة: أن يكون حالاً، و «جَعَلَ» بمعنى «خَلَقَ» وفيه بعدٌ؛ لأنه إذ ذاك موجود، وتقدَّم خلاف القراء في «دكَّاء» في الأعراف.
قوله: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ الوعْدُ هنا مصدر بمعنى «المَوعُود» أو على بابه.
فصل فيما روي عن يأجوج ومأجوج
روى قتادة، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة، يرفعه: أنَّ يأجُوج ومأجُوجَ يحفرونه كلَّ يوم، حتَّى إذا كادوا يرون شُعاعَ الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارجعوا؛ فسَتحْفُرونهُ غداً، فيُعيدهُ الله كما كان، حتَّى إذا بَلغَتْ مُدَّتهُمْ، حفروا؛ حتَّى كادوا يرون شعاع الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارْجِعُوا، فسَتحْفرُونَهُ، إن شاء الله تعالى غداً، واستثنى، فيَعُودُونَ إليه، وهو كهيئته حين تركوهُ، فيحفرونه، فيخرجون على النَّاس [فَيَشْرَبُونَ] المياهَ، ويتحَصَّنُ النَّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السَّماءِ، فتَرجِعُ فيها كهيئةِ الدَّم، فيقولون: قهرنا أهْلَ الأرْضِ، وعلونا أهل السَّماء، فيَبعَثُ الله عليهم نغفاً في أقفائهم، فَيهلكُونَ، وإنَّ دوابَّ الأرضِ لتسمنُ وتشكرُ من لحومهم.
وعن النَّواس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الدَّجَّال ذات غداةٍ، فخفَّض فيه ورفَّع حتَّى ظننَّاهُ في طائفةِ النَّخل، فلمَّا رحنا إليه، عرف ذلك فينا، فقال: ما شَأنكم؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرتَ الدَّجالِ أخْوفني عليكم، إنْ يخرجْ وأنا فيكم، فأنا حَجيجُهُ دونكم، وإن يخرج، ولستُ فيكم، فكلُّ امرئٍ حَجِيجُ نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم؛ إنَّهُ شابٌّ قططٌ، عينه طافيةٌ؛ كأنِّي أشبِّهه بعبد العُزَّى بن قطنٍ، فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنَّه خارجٌ خلَّة بين الشَّام والعراق، فعاث يميناً، وعاث شمالاً؛ يا عباد الله فاثبتوا قلنا: يا رسول الله، وما لبثهُ في الأرض؟ قال: أربعون يوماً؛ يومٌ كسنةٍ، ويومٌ كشهرٍ، ويومٌ كجمعةٍ، وسَائ~رُ أيَّامه كأيَّامكُمْ، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليومُ الذي كسنةٍ، يكْفِينَا فيه صلاةُ يوم؟ قال: لا، اقدرُوا لهُ قدرهُ، قلنا: يا رسول الله، وما إسراعهُ في الأرض؟ قال: كالغَيْثِ اسْتدْبَرَتهُ الرِّيحث، فيأتي على القومِ، فيَدعُوهُمْ، فيُؤمِنُونَ به، ويسْتَجيبُونَ له، فيَأمُر السَّماءَ، فتُمْطِرُ، والأرض فتُنْبِتُ، وتَروحُ عليهم سارحتهم، أطول ماكانت ذُرًى، وأسبغهُ ضُرُوعاً، وأمدَّهُ خَواصِرَ، ثمَّ يأتي القوم، فيَدعُوهُمْ، فيَردُّونَ عليه قوله، قال: فيَنْصرِفُ عنهم، فيُصْبِحُونَ مُمْحلين، ليس بايديهم شيءٌ من أموالهم، ويمرُّ بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنُوزكِ، فتَتْبَعُهُ كنُوزهَا؛ كيعَاسيب النَّحلِ، ثمَّ يدعو رجلاً مُمتلِئاً شباباً، فيَضْرِبُهُ بالسَّيفِ، فيَقْطعُه جزلتين رمية الغرض، ثمَّ يدعوهُ، فيُقْبلُ، يتهلَّلُ وجههُ؛ يضحك، فبينما هو كذلك؛ إذْ بعثَ الله عيسى ابن مريم المسيح - عليه السلام - فينزلُ عند المنارةِ البيضاءِ شرقيَّ دمشق، بين مهرُودتين واضعاً كفَّيه على أجْنحَةِ ملكين، إذا طأطأ رأسهُ، قطر، وإذا رفعه؛ تحدَّر منه مثل جمان اللؤلؤِ، فلا يحلُّ للكافر يجدُ ريحَ نفسه غلاَّ مات، ونفسه ينتهي حيثُ ينتهي طرفه حتَّى يدركه ببابِ لدٍّ، فيقتلهُ، ثمَّ يأتي عيسى قومٌ قد عصمهمُ الله منهُ، فيَمْسحُ عن وجوههم، ويحدِّثهُمْ بدرجاتهم في الجنَّة، فبينما هو كذلك إذْ أوحى الله تعالى غلى عيسى: إنِّي قَدْ أخرجتُ عباداً لي لا يدان لأحدٍ بقتالهم، فحرِّزْ عبادي إلى الطُّور، ويبعثُ الله يأجُوج ومأجُوجَ، وهُمْ من كلِّ حدبٍ ينسلون، فيمُرُّ أوائلهُم على بحيرة «طبَريَّة» فيَشْربُونَ ما فيها، ويمرُّ آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرَّة ماءٌ، ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأسُ الثَّور لأحدهم خيراً من مائة دينارٍ لأحدكم اليْومَ، فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيُرسِلُ الله تعالى عليهم النَّغف في رقابهم، فيُصْبِحُون فَرْسَى كموتِ نفسٍ واحدةٍ ثمَّ يهبطُ نبيُّ الله وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدُونَ في الأرض موضع شبر إلا ملأهُ زَهمهُمْ ونتنهُمْ، فيَرْغبُ نبيُّ الله عيسى وأصحابهُ إلى الله، فيُرسِلُ الله عليهم طيراً؛ كأعناقِ البُخْتِ، فتَحْملهُمْ، فتَطْرَحهُمْ حيثُ شَاءَ الله، ثمَّ يرسلُ الله مطراً، لا يكنُّ منهُ بيتٌ مَدَرٌ، ولا وبرٌ، فيَغْسِلُ الأرض، حتَّى يَتركهَا كالزَّلقة، ثمَّ يقال للأرض: أنْبتِي ثَمرتك، ورُدِّي بَركتَكِ، فيَومئذٍ: تَأكلُ العَصابةُ الرُّمانَة، ويَسْتظلُّونَ بِقحْفِهَا، ويبارك في الرِّسلِ، حتَّى إنَّ اللقحة من الإبل، لتكفي الفئامَ من النَّاس، وبينما هم كذلك؛ إذْ بعث الله ريحاً طيبة، فتَأخُذهُمْ تحت آباطهم، فتَقْبِضُ رُوح كلِّ مؤمنٍ، وكلِّ مسلمٍ، ويبقى شِرارُ النَّاس يَتهارَجُونَ فيها تَهارُجَ الحُمُر، فعليهم تَقومُ السَّاعةُ.
قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ الآية.
قيل: هذا عند فتح السَّد، وتركنا يأجوج ومأجوج يموجُ بعضهم في بعضٍ، أي: يزدحمون كموج الماء، ويختلط بعضهم في بعضٍ؛ لكثرتهم.
وقيل: هذا عند قيام السَّاعة يدخل الخلق بعضهم في بعض، ويختلط إنسيُّهم بِجنِّيِّهِمْ حَيَارَى.
قوله: «يَوْمئِذٍ» التنوين عوضٌ من جملةٍ محذوفة، تقديرها: يوم إذ جاء وعدُ ربِّي، أو إذ حجز السدُّ بينهم.
قوله: ﴿يَمُوجُ﴾ : مفعول ثانٍ ل «تَركْنَا» والضمير في «بَعْضهُمْ» يعود على «يَأجُوج ومأجُوج» أو على سائر الخلق.
قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ . لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب السَّاعة، وتقدَّم الكلام في الصور، ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾ في صعيدٍ واحدٍ.
«وعَرضْنَا» : أبْرَزْنَا.
﴿جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ حتَّى يشاهدوها عياناً.
قوله: ﴿الذين كَانَتْ﴾ : يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من «لِلْكافِرينَ» أو بياناً، أو نعتاً، وأن يكون منصوباً بإضمار «أذمُّ» وأن يكون مرفوعاً خبر ابتداءٍ مضمرٍ.
ومعنى ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ﴾ : أي: [غشاءٍ، والغطاء: ما يغطِّي الشيء ويسترهُ ﴿عَن ذِكْرِي﴾ : عن الإيمان والقرآن، والمراد منه: شدَّة انصرافهم عن قَبُول الحقِّ، وعن الهدى والبيان، وقيل: عن رؤية الدلائل: ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ .
أي: سمع الصَّوت، أي: القبول والإيمان؛ لغلبةِ الشَّقاء عليهم.
وقيل: لا يعقلون، وهذا قوله: ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ [المائدة: 71] .
أما العمى، فهو قوله: ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾ وأما الصّمم فقوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ .
أي: لا يقدرون [أن يَسْمَعُوا] من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما يتلوه عليهم؛ لشدَّة عداوتهم له.
الكهف 18:84
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ الآية.
قد تقدَّم في أول هذه السورة أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الرُّوح، فقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ هو ذلك السؤال، واختلفوا في ذي القرنين، فقيل: هو الإسكندر بن فيلبوس اليونانيُّ، وقيل: كان اسمه مرزبان بن مرزبة من ولد يونان بن ثافث بن نوحٍ، وكان اسود، قال بعضهم: كان نبيًّا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض﴾ والأولى حمله على التمكين في الدِّين، والتَّمكين الكامل في الدِّين هو النبوة، ولقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ ومن جملة الأسباب النبوة، فمقتضى العموم أنه آتاهُ من النبوة سبباً، ولقوله تعالى: ﴿ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ والذي يتكلَّم الله معه لا بد وأن يكون نبياً. قال ابو الطفيل، وسئل عن ذي القرنين: أكان نبيًّا أم ملكاً؟ قال: لم يكن نبياً، ولا ملكاً، ولكن كان عبداً أحبَّ الله، فأحبَّه الله، وناصح الله فناصحه.
روي أنَّ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - سمع رجلاً يقول لآخر: «يَا ذَا القرنين» فقال: تسمَّيتم بأسماء النبيين، فلم ترضوا حتى تسمّيتم بأسماء الملائكة. والأكثرون على أنه كان ملكاً عادلاً صالحاً، واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين قيل: لأنه بلغ قرني الشمس: مشرقها ومغربها، وأيضاً: بلغ ملكه أقصى الشمال، لأنَّ «يأُجوجَ ومأجُوجَ» قومٌ من التركِ يسكنون في أقصى الشمالِ، فهذا المسمَّى بذي القرنين قد دلَّ القرآن على أنَّ ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال، وهذا نهاية المعمور من الأرض، ومثل هذا الملك البسيط على خلاف العادات، فيجب أن يبقى ذكره مخلّداً على وجه الدهر لا يخفى، والذي اشتهر في كتب التواريخ أن الذي بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر، وذلك أنه لمَّا مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك العرب وقهرهم، وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر، ثم عاد إلى مصر، فبنى الإسكندرية، وسمَّاها باسم نفسه، ثم دخل الشَّام، وقصد بني إسرائيل، وورد «بيت المقدس» ، وذبح في مذبحه، ثم انعطف إلى «أرمينيَّة» و «باب الأبواب» ودان له العراقيُّون، والقبط، والبربر، ثم توجه نحو دارا بن دارا، وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه، واستولى الإسكندر على ممالك الفرس، وقصد الهند والصِّين، وغزا الأمم البعيدة، ورجع إلى «خراسان» وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق، ومرض ب «شهرزور» ومات، فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض أو ما يقرب منها، وثبت من التَّواريخ أن من هذا شأنه ماكان إلاَّ الإسكندر وجب القطعُ بأنَّ المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني.
قيل: وسمِّي بذي القرنين، لأنه ملك الرُّوم وفارس، وقيل: لأنه دخل النور والظلمة، وقيل: لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشَّمس، وقيل: لأنه كانت له ذؤابتان حسنتان، وقيل: لأنه كان له قرنان تواليهما العمامة.
وروى أبو الفضلِ عن عليّ أنه أمر قومهُ بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيمن، فمات، فبعثه الله، فأمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيسر، فمات فأحياه الله.
وقيل: كان لتاجه قرنان، وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وقيل: لأن الله سخر له النُّور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه، وتمتد الظلمة من ورائه.
فروي أن ذا القرنين أمر ببناء مدنٍ كثيرةٍ منها: «الدبوسية» و «حمدان» و «برج الحجارة» ، ولما بلغ «الهند» بنى مدينة «سرنديب» وأن أرباب الحساب قالوا له: إنَّك لا تموتُ إلا على أرض من حديدٍ، وسماه من خشب، وكان يدفن كنوز كلِّ بلدٍ فيها، ويكتب ذلك معه بصفته وموضعه، فبلغ «بابل» ، فرعف، فسقط عن دابَّته، فبسطت له دروع فنام عليها، فآذته الشمس، فأظلوه بتُرسٍ، فنظر وقال: هذه أرضٌ من حديدٍ وسماء من خشبٍ، فأيقن بالموت، فمات وهو ابنُ ألف سنة وثلاثمائة سنة.
وقال أبو الرَّيحان البيروني في كتابه المسمَّى ب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» : قيل: إنَّ ذا القرنين هو أبو كربٍ سُمَيُّ بن عبرين بن أقريقيش الحميريّ، وأنَّ ملكهُ بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير: [الكامل]
قَدْ كَانَ ذُو القَرنيْنِ قَبْلي مُسْلِماً ... مَلِكاً عَلا فِي الأرْضِ غير مُفَنَّدِ
بلغَ المشارِقَ والمغارِبَ يَبتَغِي ... أسْبابَ ملكٍ من كَرِيم سيِّدِ
ثم قال أبو الريحان: ويشبهُ أن يكون هذا القول أقرب، لأن الأذواء كانوا من اليمن، وهم الذين لا يخلون أساميهم من «ذي كذا» المنار، و «ذي نواس» ، و «ذي النُّون» ، و «ذي رعين» والقول الأول أظهر، لما تقدم من الدليل، ولأنه روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «سمِّي ذا القرنَيْنِ لأنَّه طاف قرنَي الدُّنيا شرقها وغربها» .
قال ابن الخطيب: إلاَّ أنَّ فيه إشكالاً قويًّا، وهو أن الإسكندر كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم، وكان على مذهبه، فتعظيم الله إيَّاه يُوجِبُ الحكم بأنَّ مذهب أرسطاطاليس حقٌّ وصدقٌ، وذلك ممَّا لا سبيل إليه.
قال ابن كثير: روي عن ابن عباسٍ: أنَّ اسم ذي القرنين عبد الله بن الضحاك.
وقيل: مصعبُ بن عبد الله بن قينان بن منصور بن عبد الله بن الآزر بن عون بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان.
وروي أنَّه كان من حمير، وأمُّه روميَّة، وأنه كان يقال له الفيلسوفُ؛ لعقله.
وقال السهيلي: قيل: كان اسمه مرزبي بن مرذبة ذكره ابن هشام، وهو أول التَّبابعة.
وقيل: إنه أفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك ويروى في خطبة قيس بن ساعدة التي خطبها بسوق عكاظ، أنه قال فيها يا معشر إياد أين الصعب ذو القرنين ملك الخافقين، وأوّل المسلمين، وعمر ألفين، ثم كان ذلك كطرفة عين، وأنشد ابن هشام: [الكامل]
والصَّعبُ ذُو القرنيْنِ أصْبحَ ثَاوِياً ... بالحِنْوِ حيث أميم مقيم
أمَّا ذو القرنين الثاني فهو الإسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن هردوس ابن ميطون بن رومي بن نويط بن نوفيل بن ليطى بن يونان بن يافث بن نوح بن سرحون بن رومي بن قريط بن نوفيل بن رومي بن الأصفر بن اليغز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليه السلام - كذا نسبه ابن عساكر المقدوني اليوناني المصري باني الإسكندرية الذي يؤرِّخ بأيَّامه الروم، وكان متأخِّراً عن الأول بدهر طويل، وكان هذا قبل المسيح بنحوٍ من ثلاثمائة سنة، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف، وهو قتل دارا بن دارا [ملك] ملوكِ الفرس.
وإنما نبهنا على هذا؛ لأنَّ كثيراً من الناس يعتقد أنهما واحدٌ، وأن المذكور في القرىن هو الذي كان أرسطاطاليس وزيرهُ، فيقع بذلك خطأ كثير؛ فإنَّ الأول كان مؤمناً عبداً صالحاً، وملكاً عادلاً، وكان وزيره الخضر - عليهما السلام - وكان نبيًّا، وأمَّا الثاني فكان مشركاً، وكان وزيره فيلسوفاً، وكان بين زمانيهما أزيد من ألفي [سنة] فأين هذا من هذا؟ .
قوله: «سَأتلُو» : دخلت السين ها هنا؛ لأن المعنى أني سأفعل هذا إن وفَّقني الله عليه، وأنزل عليَّ وحياً، وأخبرني عن كيفية تلك الحال.
قوله «مِنْهُ ذِكْراً» أي: من أخباره وقصصه.
قوله: «إنَّا مكَّنا له» .
ومعنى «مكنَّا لهُ» : أوطأنا، والتمكينُ: تمهيد الأسباب قال عليٌّ: سخَّر له السَّحاب، فحمله عليه، ومدَّ له في الأسباب، وبسط له في النُّورِ، وكان اللَّيلُ والنهار عليه سواء، فهذا معنى تمكنيه في الأرض؛ وأنه سهَّل عليه السير فيها، وذلل له طريقها.
وهذا التَّمكينُ بسبب النبوة، ويحتمل أن يكون المراد التمكين بسبب الملكِ من حيث إنه ملك مشارق العالم ومغاربه، والأول أولى؛ لأنَّ التمكينَ بسبب النبوّة أعلى من التمكين بسبب الملك، وحمل كلام الله تعالى على الوجه الأكمل الأفضل أولى، ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ قالوا: السبب في أصل اللغة عبارة عن الحبل، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى المقصود، وهو يتناول العلم والقدرة والآلة، فلذلك قيل: «وآتيناه من كل شيء» ما يستعين به الملوك على فتح المدن، ومحاربة الأعداء «سبباً» أي: علماً يتسبب به إلى كل ما يريد ويسير به في أقطار الأرض، وقيل: قرَّبنا له أقطار الأرض.
واستدلوا بعموم قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ على أنه كان نبيًّا كما تقدَّم، ومن أنكر نبوته قال: المعنى: وآتيناه من كلِّ شيءٍ يحتاجُ إلى إصلاح ملكه إلاَّ أن تخصيص العموم خلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلاَّ بدليلٍ.
قوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ .
قرأ نافع، وابن كثيرٍ، وأبو عمرو «فَاتَّبعَ» و «ثمَّ اتَّبعَ» في الموضعين بهمزة وصل، وتشديد التاء. والباقون بهمزة القطع في المواضع الثلاثة وسكون التاء.
فقيل: هما بمعنى واحدٍ فيتعدَّيان لمفعولٍ واحدٍ.
وقيل: «أتْبَعَ» بالقطع متعدٍّ لاثنين حذف أحدهما تقديره: فأتْبع سبباً سبباً آخر، أو فأتبع أمره سبباً آخر، ومنه ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً﴾ [القصص: 42] فعدَّاه لاثنين ومن حذف أحد المفعولين: قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: 60] ، أي: أتبعوهم جنودهم. واختار أبو عبيد «اتَّبعَ» بالوصل، قال: «لأنَّه من المسيرِ» قال: تقول: تبعتُ القوم واتَّبعتُهم. فأمَّا الإتباعُ بالقطع فمعناه اللحاقُ، كقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] .
وقال يونس، وأبو زيدٍ: «أتْبعَ» بالقطع عبارة عن المجدِّ المسرعِ الحثيثِ الطلب. وبالوصلِ إنَّما يتضمَّن الاقتفاء دون هذه الصفات.
قال البغويُّ: والصحيح الفرق بينهما، فمن قطع الألف، فمعناه: أدرك ولحق، ومن قرأ بالتشديد فمعناه: سار، يقال: ما زلتُ أتَّبعه حتى اتبعته، أي: ما زلتُ أسير خلفهُ حتى لحقته، ومعنى الآية: أنه تعالى لمَّا أعطاهُ من كل شيءٍ سببه، فإذا أراد سبباً أتبع سبباً يوصله إليه ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة﴾ .
عن أبي ذرٍّ قال: كنت رديف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على جملٍ، فرأى الشمس حين غابت، فقال: أتدري يا أبا ذرٍّ، أتدري أين تغربُ هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: «فإنَّها تغربُ في عينٍ حاميةٍ» وهي قراءة ابن مسعود، وطلحة، وابن عمر، واختارها أبو عبيدة، قال: لأنَّ عليها جماعة من الصحابة.
وأما القراءة الثانية، فهي من الحمأةِ، وهي الطِّين، وهي قراءة ابن عبَّاس.
فصل
ثبت بالدَّليل أنَّ الأرض كرة، وأنَّ السماء محيطة، وأنَّ الشمس في الفلك الرابع، وكيف يعقل دخولها في عينٍ؟ وأيضاً قال: «وجد عِنْدهَا قوماً» ومعلومٌ أن جلوس القوم قرب الشَّمسِ غير موجودٍ، وأيضاً فالشمس أكبر من الأرض بمراتٍ كثيرةٍ، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ وإذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ من وجوه:
الأول: أنَّ ذا القرنين لما بلغ موضعاً من المغرب، لم يبق بعدهُ شيءٌ من العماراتِ، وجد الشَّمس كأنَّها تغربُ في عينٍ مظلمةٍ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة كما أنَّ راكب البحر يرى الشمس كأنَّها تغيبُ في البحر إذا لم يرَ الشطَّ، وهي في الحقيقة تغيبُ وراء البحر، ذكر هذا التأويل الجبائيُّ في تفسيره.
الثاني: أنَّ للجانب الغربيّ من الأرض مساكنَ يحيطُ البحر بها، فالناظرُ إلى الشَّمْسِ يتخيلُ كأنَّها تغيب في تلك البحار، ولا شكَّ أنَّ البحار الغربية قويةٌ السخونة، فهي حاميةٌ، وهي أيضاً حمئة لكثرة ما فيها من الماء ومن الحمأةِ السَّوداءِ، فقوله: ﴿تَغْربُ في عينٍ حمئةٍ﴾ إشارةٌ إلى أن الجانب الغربي منالأرض قد أحاط البحر به، وهو موضعٌ شديدُ السخونة، قال اهل الأخبار: إنَّ الشمس تغيب في عينٍ كثيرة الماءِ والحمأةِ، وهذا في غاية البعد؛ وذلك لأنَّا إذا رصدنا كسوفاً قمريًّا، فإذا اعتبرناه، ورأينا أنَّ المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أوَّل الليل، ورأينا المشرقين، قالوا: حصل في أوَّل النَّهار علمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق، بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا هو وقت العصر في بلد، ووقت الظُّهر في بلدٍ آخر، ووقت الضَّحوة في بلد ثالثٍ، ووقت طلوع الشمس في بلدٍ رابع، ونصف الليل في بلد خامسٍ، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بالاستقراء والأخبار وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنَّها تغيبُ في الطين والحمأة كلاماً على خلاف اليقين؛ وكلام الله تعالى مبرَّأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلاَّ أن يصار غلى التَّأويل المذكور
ثم قال: «ووجد عندها قوماً» أي: عند العين أمة، وقيل: الضمير [عائد] إلى الشمس.
قال ابن جريج: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجبُ.
قوله: ﴿قُلْنَا ياذا القرنين﴾ يدل على أنه تعالى كلمه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبيًّا، فإن قيل: خوطب على ألسنة بعض الأنبياء، فهو عدولٌ عن الظاهر.
وقال بعضهم: المراد منه الإلهام.
قوله: ﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ﴾ .
يجوز فيه الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي: إمَّا تعذيبك واقعٌ، والرفع على خبر مضمرٍ، أي: هو تعذيبك، والنصب اي: إمَّا أن تفعل أن تعذِّب.
وهذا يدلُّ على أنَّ سكَّان آخر المغرب، كانوا كفاراً، فخيَّر الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب، إن أقاموا على الكفر، وبين المنِّ عليهم، والعفو عنهم، وهذا التخيير على معنى الاجتهاد في أصلح المرين، كما خيَّر نبيه - محمداً عليه الصلاة والسلام - بين المنِّ على المشركين، وبين قتلهم.
وقال الكثرون: هذا التعذيب هو القتل، وأمَّا اتِّخاذ الحسنى فيهم، فهو تركهم أحياء.
ثم قال ذو القرنين: ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ﴾ أي: ظلم نفسه؛ بمعنى «كفر» لأنَّه ذكر في مقابلته: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾ ثم قال: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أي بقتله ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ﴾ في الآخرة ﴿عَذَاباً نُّكْرا﴾ أي: منكراً فظيعاً.
وهو النار، والنار أنكر من القتل.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ .
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى﴾ الآية.
قوله: ﴿جَزَآءً الحسنى﴾ قرأ الأخوان، وحفص بنصب «جزاءً» وتنوينه، والباقون برفعه مضافاً، فالنصب على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة، أو بنصب بمضمرٍ، أو مؤكدٍ لعامل من لفظه مقدَّر، أي: يجزي جزاء، وتكون الجملة معترضة بين المبتدأ وخبره المقدَّم عليه، وقد يعترض على الأول: بأنَّ المصدر المؤكِّد لمضمون جملة لا يتقدَّم عليها، فكذا لا يتوسَّطُ، وفيه نظر يحتمل الجواز والمنع، وهو إلى الجواز أقرب.
الثالث: أنه في موضع الحال.
الرابع: نصبه على التفسير، قاله الفراء؛ يعني التمييز، وهو بعيد.
وقرأ ابن عباس، ومسروق بالنصب والإضافة، وفيها تخريجان: أحدهما: أن المبتدأ محذوف، وهو العامل في «جزاءَ الحُسْنى» التقدير: فله الجزاء جزاء الحسنى.
والثاني: أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب]
3565 - ... ... ... ... ... ..... ولا ذَاكِرَ الله إلاَّ قَلِيلا
ذكره المهدويُّ.
والقراءة الثانية رفعه فيها على الابتداء، والخبر الجار قبله، و «الحُسْنَى» مضاف إليها، والمراد بالحسنى الجنَّة، وقيل: الفعلة الحسنى.
وقرأ عبد الله، وابن أبي إسحاق «جزاءٌ» مرفوعاً منوناً على الابتداء، و «الحُسْنَى» بدلٌ، أو بيان، أو منصوبة بإضمار «أعْنِي» أو خبر مبتدأ مضمرٍ.
و «يُسْراً» نعت مصدر محذوف، أي: قولاً ذا يسرٍ، وقرأ أبو جعفر بضم السين في اليُسُر حيث ورد.
فصل في اختلاف معنى الآية باختلاف القراءة
قال المفسرون: المعنى على قراءة النصب: فله الحسنى جزاء؛ كما يقال: لك هذا الثوب هبةً.
وعلى قراءة الرفع، فيه وجهان:
أحدهما: فله الجزاءُ الحسنى، والفعلةُ الحسنى: هي الإيمانُ، والعمل الصَّالح.
والثاني: فلهُ جزاء المثوبة الحسنى، وإضافة الموصوف إلى الصِّفة مشهورةٌ؛ كقوله: ﴿وَلَدَارُ الآخرة﴾ [يوسف: 109] . و ﴿حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] .
وقوله: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ الآية، أي: لا نأمرهُ بالصَّعب الشَّاق، ولكن بالسَّهل الميسَّر من الزَّكاة، والخراج وغيرهما، وتقديره: ذا يسر؛ كقوله: ﴿قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ [الإسراء: 28] .
قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس﴾ .
أي: سلك طرقاً ومنازل ﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ﴾ أي: موضع طلوعها ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ .
قال الحسنُ وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستراً، وليس هناك شجرٌ، ولا جبلٌ، ولا أبنيةٌ، تمنع [طلوع] الشمس عليهم؛ لأنَّهم كانوا في مكان لا يستقرُّ عليهم بناءٌ، وكانوا يكونون في أسراب لهم، حتَّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم.
وقال الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس، يدخلون الماء، فإذا ارتفعت عنهم، خرجوا فرعوا؛ كأنَّهم بهائمُ.
قال الكلبيُّ: هم قومٌ عراةٌ؛ كسائر الحيوان، يفترشُ أحدهم أذنيه؛ أحدهما تحته، ويلتحفُ بالأخرى.
فصل فيما يروى عن السد
ذكروا في بعض كتب التفسير: أن بعضهم، قال: سافرت، حتَّى جاوزت الصِّين، فسألت عن هؤلاء القوم، فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلةٍ، فبلغتهم، فإذا أحدهم يفترش إحدى أذنبه، ويلبس الأخرى، فلما قرب طلوع الشمس، سمعت صوتاً كهيئة الصَّلصلة، فغُشي عليَّ، ثم أفقتُ، فلمَّا طلعت الشمس؛ إذ هي فوق الماءِ؛ كهيئة الزيت، فأدخلونا سرباً لهم، فلما ارتفع النَّهار، جعلوا يصطادون السَّمك فيطرحونه في الشمس؛ فينضج.
قوله: ﴿مَطْلِعَ الشمس﴾ .
العامَّة على كسر اللام من «مَطْلِع» والمضارعُ «يَطلُع» بالضم، فكان القياس فتح اللام في المفعل مطلقاً، ولكنَّها مع أخواتٍ لها سمع فيها الكسر، وقياسها الفتح، وقد قرأ به الحسن، وعيسى، وابن محيصن، ورويت عن ابن كثيرٍ، وأهل مكة، قال الكسائي: «هذه اللغة قد ماتت» يعني: أي: بكسر اللام من المضارع، والمفعل، وهذا يشعرُ أنَّ من العرب من كان يقول: طَلَع يَطلِعُ، بالكسر في المضارع.
قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ : الكاف: إمَّا مرفوعة المحلِّ، أي: الأمر كذلك، أو منصوبته، أي: فعلنا مثل ذلك.
ومعنى الكلام: كذلك فعل ذو القرنينِ، أتبع هذه الأسباب، حتى بلغ، وقد علمنا حين ملَّكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك.
وقيل: كذلك جعل الله أمر هؤلاء القوم على ما قد أعلم رسول الله - عليه السلام - في هذا الذِّكر.
وقيل: كذلك كانت حاأهل المطلع؛ كما كانت حاله مع أهل المغرب، قضى في هؤلاء، كما قضى في أولئك؛ من تعذيب الظالمين، والإحسان إلى المؤمنين.
وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ .
والمعنى: أنه تعالى قال: أمر هؤلاء القوم، كما وجدهم عليه ذو القرنين، ثم قال بعده: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً﴾ أي: كنَّا عالمين بأنَّ الأمر كذلك.
قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ الآية.
و ﴿بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ «بين» هنا يجوز أن يكون ظرفاً، والمفعول محذوف، أي: بلغ غرضه ومقصوده، وأن يكون مفعولاً به على الاتِّساع، أي: بلغ المكان الحاجز بينهما.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بفتح سين «السَّدَّين» و «سَدًّا» في هذه السورة، وحفصٌ فتح الجميع، أعني موضعي هذه السورة، وموضعي سورة يس [الآية: 9] ، وقرأ الأخوان بالفتح في «سدًّا» في سورتيه، وبالضمِّ في «السُّدَّين» والباقون بالضمِّ في الجميع، فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وقيل: لمضمومُ: ما كان من فعل الله تعالى، والمفتوحُ ما كان من فعل النَّاس، وهذا مرويٌّ عن عكرمة، والكسائي، وأبي عبيد وابن الأنباريِّ.
قال الزمخشري: لأنَّ السُّدَّ، بالضمِّ: «فُعْل» بمعنى «مفْعُول» أي: هو مما فعله الله، وخلقه، والسَّدُّ، بالفتح: مصدر حدث يحدثه الناس. وهو مردودٌ: بأنَّ السدَّين في هذه السورة جبلان، سدَّ ذو القرنين بينهما بسدٍّ، فهما من فعلِ الله، والسدُّ الذي فعله ذو القرنين من فعل المخلوق، و «سدًّا» في يس من فعلِ الله تعالى؛ لقوله: «وجعلنا» ومع ذلك قرئ في الجميع، بالفتح، والضمِّ، فعلم أنَّهما لغتان؛ كالضَّعف، والضُّعف، والفَقر، والفُقر، وقال الخليل: المضموم اسمٌ، والمفتوح مصدر، وهذا هو الاختيار.
فصل في مكان السد
الأظهرُ: أنَّ موضع السدَّين في ناحية الشَّمال، وقيل: جبلان بين أرمينيَّة، وأذربيجان.
وقيل: هذا المكان في مقطع أرض التُّرك.
وحكى محمد بن جرير الطبريُّ في تاريخه: أنَّ صاحب أذربيجان أيَّام فتحها، وجَّه إنساناً إليه من ناحية الخزر، فشاهده، ووصف أنَّه بنيانٌ رفيعٌ وراء خندقٍ وثيقٍ منيعٍ، وذكر ابن خرداذبة في كتابه «المسالك والممالك» أن الواثق بالله رأى في المنام كأنَّه فتح هذا الردم، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه، فوصفوا أنه بنيانٌ من لبنٍ من حديد مشدود بالنُّحاس المذاب، وعليه بابٌ مقفلٌ، ثم إنَّ ذلك الإنسان لمَّا حاول الرُّجوع، أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند.
فصل في مقتضى هذا الخبر
قال أبو الرَّيحان البيرونيُّ: مقتضى هذا الخبر أنَّ موضعه في الربع الشماليِّ الغربيِّ من المعمورة.
قوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ : قرأ الأخوان بضمِّ الياء، وكسر القاف، من أفقه غيره، فالمفعول محذوف، أي: لا يفقهون غيرهم قولاً، والباقون بفتحهما، أي: لا يفهمون كلام غيرهم، وهو بمعنى الأول، وقيل: ليس بمتلازمٍ؛ إذ قد يفقه الإنسان كلام غيره، ولا يفقه قوله غيره، وبالعكس.
فصل في كيفية فهم ذي القرنين كلام أولئك القوم
لمَّا بلغ ذو القرنين ما بين السَّدين ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا﴾ [أي] من ورائهما مجاوزاً عنهما «قوماً» ، أي: أمَّة من الناس ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ .
فإن قيل: كيف فهم ذو القرنين منهم هذا الكلام، بعد أن وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ ؟ .
فالجواب من وجوه:
أحدهما: قيل: كلّم عنهم مترجمٌ؛ ويدل عليه قراءة ابن مسعودٍ: لا يكادون يفقهون قولاً، قال الذين من دونهم: يا ذا القرنين ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوج﴾ .
وثانيها: أن قوله: ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ يدلُّ على أنَّهم قد يفقهون بمشقَّة وصعوبة [من إشارة ونحوها] .
وثالثها: أنَّ «كاد» معناه المقاربة؛ وعلى هذا، فلا بدَّ من غضمارٍ، تقديره: لا يكادون يفقهون إلاَّ بمشقةٍ؛ من إشارة ونحوها.
قوله: ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوج﴾ : قرأ عاصم بالهمزة الساكنة، والباقون بألف صريحة، واختلف في ذلك؛ فقيل: هما أعجميَّان، لا اشتقاق لهما، ومنعا من الصرف؛ للعلميَّة والعجمة، ويحتمل أن تكون الهمزة أصلاً، والألف بدلاً منها، أو بالعكس؛ لأنَّ العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية، وقيل: بل هما عربيَّان، واختلف في اشتقاقهما.
فقال الكسائي: يأجوجُ: مأخوذٌ من تأجُّج النار، ولهبها أو شدَّة توقُّدها؛ فلسرعتهم في الحركة سمُّوا بذلك، ومأجوج من موج البحر.
وقيل من الأجِّ، وهو الاختلاط أو شدَّة الحرِّ.
وقيل من الأجِّ، وهو الاختلاط أو شدَّة الحرِّ.
وقال القتيبيُّ: من الأجِّ، وهو سرعة العدو، ومنه قوله: [الطويل]
3566 - ... ... ... ... ... ..... تَؤجُّ كمَا أجَّ الظَّلِيم المُنفَّرُ
وقيل: من الأجاجِ، وهو الماءُ المالح الزُّعاقُ.
وقال الخليلُ: الأجُّ: حبٌّ؛ كالعدس، والمجُّ: مجُّ الرِّيق، فيحتمل أن يكونا مأخوذين منهما، ووزنهما يفعولُ، ومفعول، وهذا ظاهر على قراءة عاصم، وأمَّا قراءة الباقين، فيحتمل أن تكون الألف بدلاً من الهمزة الساكنة، إلا أنَّ فيه أنَّ من هؤلاء من ليس أصله قلب الهمزة الساكنة، وهم الأكثر، ولا ضير في ذلك، ويحتمل أن تكون ألفهما زائدتين، ووزنهما «فَاعُول» من يجَّ، ومجَّ.
ويحتمل أن يكون ماجوج من «مَاجَ، يَمُوجُ» أي: اضطرب، ومنه الموجُ، فوزنه مفعول، وأصله: مَوجُوج، قاله أبو حاتم، وفيه نظر؛ من حيث ادِّعاءُ قلب حرف العلة، وهو ساكنٌ، وشذوذه كشذوذ «طائي» في النَّسب إلى طيِّئ.
وعلى القول بكونهما عربيَّين مشتقَّين، فمنع صرفهما؛ للعلميَّة والتأنيث؛ بمعنى القبيلة؛ كما تقدَّم في سورة هود، ومثل هذا الخلاف والتعليل جارٍ في سورة الأنبياء [الآية: 93]- عليهم السلام - والهمزة في يأجوج ومأجوج لغة بني أسدٍ، وقرأ رؤبة وأبوه العجاج «آجُوج» .
فصل في اصل يأجوج ومأجوج
اختلفوا في أنَّهم من أيِّ الأقوام، فقال الضحاك: هم جيلٌ من التُّرك.
وقال السديُّ: التُّرك: سريَّة من يأجُوج ومأجوج، خرجت، فضرب ذو القرنين السدَّ، فبقيت خارجة، فجميع الترك منهم.
وعن قتادة: أنَّهم اثنان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السدَّ على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت قبيلة واحدة، وهم التُّركُ، سمُّوا بذلك؛ لأنَّهم [تركوا] خارجين.
فصل في أجناس البشر
قال أهل التَّاريخ: أولاد نوحٍ ثلاثة: سام، وحام، ويافث. فسام أبو العرب، والعجم، والرُّوم.
وحام: أبو الحبشة، والزَّنج، والنُّوبة.
ويافث: أبو التُّرك، والخزر، والصقالبة، ويأجوج ومأجوج.
واختلفوا في صفاتهم:
فمن النَّاس من وصفهم بقصر القامة، وصغر الجثَّة بكون طول أحدهم شبراً، ومنهم من يصفهم بطُول القامة، وكبر الجثَّة، فقيل: طول أحدهم مائةُ وعشرون ذراعاً، ومنهم من طوله وعرضه كذلك، وأثبتوا لهم مخالب في الأظفار وأضراساً كأضراسِ السِّباع، ومنهم من يفترش إحدى أذنيه، ويلتحفُ بالأخرى.
فصل في إفسادهم
واختلفوا في كيفية إفسادهم:
فقيل: كانوا يقتلون الناس.
وقيل: كانوا يأكلوه لحوم النَّاس، وقيل: كانوا يخرجون أيَّام الربيع ولا يتركون لهم شيئاً أخضر.
وبالجملة: فلفظ الفساد يحتمل هذه الأقسام.
ثمَّ إنَّه تعالى حكى عن أهل ما بين السَّديْن أنَّهم قالوا لذي القرنين: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ الآية.
قوله: «خَرْجاً» قرأ ابن عامر «خَرْجاً» هنا وفي المؤمنين [الآية: 72] بسكون الراء، والأخوان «خَرَاجاً» «فَخَراج» في السورتين بالألف، والباقون كقراءة ابن عامر في هذه السورة، والأول في المؤمنين، وفي الثاني، وهو «فَخرَاج» كقراءة الأخوين، فقيل: هما بمعنى واحد كالقول والقوال، والنّوْل والنَّوال، وقيل: «الخَراجُ» بالألف ما ضرب على الأرض من الإتاوةِ كلَّ عامٍ، وبغير الألف بمعنى الجعل، أي: نُعطيكَ من أموالنا مرَّة واحدة ما تستعينُ به على ذلك، وقال أبو عمر: الخرج: ما تبرَّعت به، والخراج ما لزمك أداؤهُ.
قال مكيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: واختيار تركُ الألف؛ لأنَّهم إنما عرضوا عليه: أن يعطوه عطيَّة واحدة على بنائه، لا أن يضرب ذلك عليهم كلَّ عامٍ، وقيل: الخرجُ: ما كان على الرءوس، والخراج: ما كان على الأرض، قاله قطرب يقال: أدِّ خرج رأسك، وخراج أرضك، قاله ابن الأعرابيِّ، وقيل: الخرجُ أخصُّ، والخَراجُ أعمُّ، قاله ثعلبٌ، وقيل: الخرجُ مصدر، والخراجُ: اسم لما يعطى، ثم قد يطلق على المفعول المصدر؛ كالخلقِ؛ بمعنى المخلوق.
ثم قال: ﴿على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ أي: حاجزاً، فلا يصلون إلينا.
قوله: ﴿مَا مَكَّنِّي﴾ : «ما» بمعنى «الذي» وقرأ ابن كثيرٍ: «مكَّنني» بإظهار النون، والباقون بإدغامها في نون الوقاية؛ للتخفيف.
وهي مرسومةٌ في مصاحف غير مكَّة بنون واحدة، وفي مصاحف مكَّة بنونين، فكلٌّ وافق مصحفه.
ومعنى الكلام: ما قوَّاني عليه ربِّي خيرٌ من جعلكم، أي: ما جعلني مكيناً من المال الكثير، خيرٌ ممَّا تبذلُون لي من الخراج؛ فلا حاجة بي إليه، كقول سليمان - عليه السلام -: ﴿فَمَآ آتَانِي الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ﴾ [النمل: 36] .
قوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي: لا أريد المال، ولكن أعينوني بأيديكم، وقوَّتكم ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ .
والرَّدْم: هو السدُّ، يقال: ردمت الباب، أي: سددتُّه، وردمتُ الثوب: رقعته؛ لأنه يسدُّ موضع الخرق بالرَّقع، والرَّدم أكثر من السدِّ؛ من قولهم: ثوبٌ مردم، أي: وضعت عليه رقاعٌ.
قالوا: وما تلك القوة؟ . قال: فعلةٌ وصنَّاعٌ يحسنون البناء والعمل، والآلة.
قالوا: وما تلك الآلة؟ .
قال: ﴿آتُونِي﴾ : قرأ أبو بكرٍ «ايتُونِي» بهمزة وصلٍ؛ من أتى يأتي في الموضعين من هذه السورة؛ بخلاف عنه في الثاني، ووافقه حمزة على الثاني، من غير خلافٍ عنه، والباقون بهمزة القطع فيهما.
ف «زُبرَ» على قراءة همزة الوصل منصوبة على إسقاط الخافض، أي: جيئُوني بزُبرِ الحديد، وفي قراءة قطعها على المفعول الثاني؛ لأنه يتعدَّى بالهمزة إلى اثنين، وعلى قراءة أبي بكرٍ يحتاج إلى كسر التنوين من «رَدْماً» لالتقاءِ الساكنين؛ لنَّ همزة الوصل، تسقط درجاً، فيقرأ له بكسر التنوين، وبعده همزة ساكنة هي فاءُ الكلمة، وإذا ابتدأت بكلمتي «ائتُونِي» في قراءته، وقراءة حمزة، تبدأ بهمزة مكسورة للوصلِ، ثم ياءٍ صريحة، هي بدلٌ من همزة فاء الكلمة، وفي الدَّرج تسقط همزة الوصل، فتعود الهمزة؛ لزوالِ موجب إبدالها.
والباقون يبتدئون، ويصلون بهمزة مفتوحة؛ لأنَّها همزة قطعٍ، ويتركون تنوين «رَدْماً» على حاله من السكون، وهذا كله ظاهر لأهل النحو، خفيٌّ على القراء.
والزُّبَرُ: جمع زُبْرَة، كغُرفَةٍ وغُرَفٍ.
و «زُبَرَ الحَديدِ» قطعه.
قال الخليل: الزُّبرة من الحديد: القطعة الضخمة.
وقرأ الحسن بضمِّ الباء.
قوله: «سَاوَى» هذه قراءة الجمهور، وقتادة «سوَّى» بالتضعيف، وعاصم في رواية طسُوِّيَ «مبنيًّا للمفعول.
وفيه إضمارٌ، أي: فأتوهُ بها، فوضع تلك الزُّبرَ بعضها على بعض ﴿حتى إِذَا ساوى﴾ أي سدت ما بين الجبلين إلى أعلاهما.
قوله:» الصَّدفَيْنِ» قرأ أبو بكرٍ بضم الصاد، وسكون الدَّال، وابن كثيرٍ، وأبو عمرو، وابن عامر بضمهما، والباقون بفتحهما، وهذه لغاتٌ قرئ بها في السَّبع، وأبو جعفرٍ، وشيبة، وحميد بالفتح والإسكان، والماجشونُ بالفتح والضمِّ، وعاصم في رواية بالعكس.
والصَّدفانِ: ناحيتا الجبلين، وقيل: أن يتقابل جبلان، وبينهما طريقٌ، والناحيتان صدفان؛ لتقابلهما، وتصادفهما، من صادفت الرجل، أي: لاقيته وقابلته، وقال أبو عبيد: «الصَّدفُ: كل بناءٍ مرتفعٍ، وقيل: ليس بمعروفٍ، والفتحُ لغة تميمٍ، والضمُّ لغة حميرٍ» .
فصل في بناء السد
لما أتوهُ بزبر الحديد، وضع بعضها على بعض؛ حتى ساوتْ، وسدَّت ما بين الجبلينِ، ووضع المنافخ عليها، والحطب، حتَّى إذا صارت كالنَّار، صبَّ النُّحاس المذاب على الحديدِ المحمَّى، فالتصق بعضه ببعض، فصار جبلاً صَلْداً.
وهذه معجزةٌ تامَّةٌ؛ لأنَّ هذه الزُّبَر الكثيرة، إذا نفخ عليها؛ حتَّى تصير كالنَّار، لم يقدر الحيوان على القرب منها، والنَّفخُ عليها لا يكون إلا بالقرب منها، فكأنَّه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النَّافخين عليها.
قيل: إنَّه وضع الحديد على الحطب، والحطب على الحديد؛ فصار الحطب في خلال الحديد، ثمَّ نفخُوا عليه؛ حتَّى صار ناراً، أفرغ عليه النُّحاس المذاب؛ فدخل في خلال الحديد مكان الحطب؛ لأنَّ النَّار أكلت الحطب؛ فصار النحاسُ مكان الحطب؛ حتَّى لزم الحديدُ النُّحاس.
قال قتادة: صار كالبُرد المحبَّر طريقة سوداء وطريقة حمراء.
فصل فيما بين السدين
قال الزمخشريُّ: قيل: بعد ما بين السَّدين مائة فرسخٍ.
وروي: عرضهُ كان خمسين ذراعاً، وارتفاعه مائتي ذراعٍ.
قوله: «قِطْراً» هو المتنازع فيه، وهذه الآية أشهر أمثلةِ النحاةِ في باب التنازع، وهي من إعمال الثاني؛ للحذف من الأول، والقِطرُ: النُّحاس، أو الرَّصاصُ المذاب؛ لأنه يقطر.
قوله
: ﴿فَمَا اسطاعوا ﴾ : قرأ حمزة بتشديد الطاء، والباقون بتخفيفها، والوجه في الإدغام، كما قال أبو عليٍّ: «لمَّا لم يمكنْ إلقاء حركة [التَّاء] على السِّين؛ لئلاَّ يحرَّك ما لا يتحرَّك» - يعني: أنَّ سين «اسْتَفْعَلَ» لا تتحرَّك - أدغم مع السَّاكن، وإن لم يكن حرف لين، وقد قرأت القراء غير حرفٍ من هذا النحو؛ وقد أنشد سيبويه «ومَسْحي» يعني في قول الشاعر: [الرجز]
3567 - كَأنَّهُ بَعْدَ كَلالِ الزَّاجرِ ... ومَسْحِي مرُّ عُقابٍ كَاسرِ
[يريد «ومَسْحِه» ] فأدغم الحاء في الهاء بعد أن قلب الهاء حاء، وهو عكس قاعدة الإدغام في المتقاربين، وهذه القراءة قد لحَّنها بعض النُّحاة، قال الزجاج: «من قرأ بذلك، فهو لاحِنٌ مخطئٌ» وقال أبو عليٍّ: «هي غيرُ جائزةٍ» .
وقرأ الأعشى، عن أبي بكر «اصْطاعُوا» بإبدال السِّين صاداً، والأعمش «استطاعوا» كالثانية.
فصل
حذفت تاء «اسْتطَاعُوا» للخفَّة؛ لأنَّ التاء قريبة المخرجِ من الطَّاء، ومعنى «يَظْهَرُوهُ» أي: يعلونه من فوق ظهره؛ لطوله، وملاسته، وصلابته، وثخانته، ثم قال ذو القرنين: «هَذَا» إشارةٌ غلى السدِّ «رَحْمَةٌ» أي: نعمة من الله، ورحمة على عباده ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي: القيامة.
وقيل: وقت خروجهم ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ أي: جعل السدَّ مدكوكاً مستوياً، مع وجه الأرض.
قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ : الظاهر أنَّ «الجَعْلَ» هنا بمعنى «التَّصْيير» فتكون «دكَّاء» مفعولاً ثانياً، وجوَّو ابن عطيَّة: أن يكون حالاً، و «جَعَلَ» بمعنى «خَلَقَ» وفيه بعدٌ؛ لأنه إذ ذاك موجود، وتقدَّم خلاف القراء في «دكَّاء» في الأعراف.
قوله: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ الوعْدُ هنا مصدر بمعنى «المَوعُود» أو على بابه.
فصل فيما روي عن يأجوج ومأجوج
روى قتادة، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة، يرفعه: أنَّ يأجُوج ومأجُوجَ يحفرونه كلَّ يوم، حتَّى إذا كادوا يرون شُعاعَ الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارجعوا؛ فسَتحْفُرونهُ غداً، فيُعيدهُ الله كما كان، حتَّى إذا بَلغَتْ مُدَّتهُمْ، حفروا؛ حتَّى كادوا يرون شعاع الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارْجِعُوا، فسَتحْفرُونَهُ، إن شاء الله تعالى غداً، واستثنى، فيَعُودُونَ إليه، وهو كهيئته حين تركوهُ، فيحفرونه، فيخرجون على النَّاس [فَيَشْرَبُونَ] المياهَ، ويتحَصَّنُ النَّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السَّماءِ، فتَرجِعُ فيها كهيئةِ الدَّم، فيقولون: قهرنا أهْلَ الأرْضِ، وعلونا أهل السَّماء، فيَبعَثُ الله عليهم نغفاً في أقفائهم، فَيهلكُونَ، وإنَّ دوابَّ الأرضِ لتسمنُ وتشكرُ من لحومهم.
وعن النَّواس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الدَّجَّال ذات غداةٍ، فخفَّض فيه ورفَّع حتَّى ظننَّاهُ في طائفةِ النَّخل، فلمَّا رحنا إليه، عرف ذلك فينا، فقال: ما شَأنكم؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرتَ الدَّجالِ أخْوفني عليكم، إنْ يخرجْ وأنا فيكم، فأنا حَجيجُهُ دونكم، وإن يخرج، ولستُ فيكم، فكلُّ امرئٍ حَجِيجُ نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم؛ إنَّهُ شابٌّ قططٌ، عينه طافيةٌ؛ كأنِّي أشبِّهه بعبد العُزَّى بن قطنٍ، فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنَّه خارجٌ خلَّة بين الشَّام والعراق، فعاث يميناً، وعاث شمالاً؛ يا عباد الله فاثبتوا قلنا: يا رسول الله، وما لبثهُ في الأرض؟ قال: أربعون يوماً؛ يومٌ كسنةٍ، ويومٌ كشهرٍ، ويومٌ كجمعةٍ، وسَائ~رُ أيَّامه كأيَّامكُمْ، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليومُ الذي كسنةٍ، يكْفِينَا فيه صلاةُ يوم؟ قال: لا، اقدرُوا لهُ قدرهُ، قلنا: يا رسول الله، وما إسراعهُ في الأرض؟ قال: كالغَيْثِ اسْتدْبَرَتهُ الرِّيحث، فيأتي على القومِ، فيَدعُوهُمْ، فيُؤمِنُونَ به، ويسْتَجيبُونَ له، فيَأمُر السَّماءَ، فتُمْطِرُ، والأرض فتُنْبِتُ، وتَروحُ عليهم سارحتهم، أطول ماكانت ذُرًى، وأسبغهُ ضُرُوعاً، وأمدَّهُ خَواصِرَ، ثمَّ يأتي القوم، فيَدعُوهُمْ، فيَردُّونَ عليه قوله، قال: فيَنْصرِفُ عنهم، فيُصْبِحُونَ مُمْحلين، ليس بايديهم شيءٌ من أموالهم، ويمرُّ بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنُوزكِ، فتَتْبَعُهُ كنُوزهَا؛ كيعَاسيب النَّحلِ، ثمَّ يدعو رجلاً مُمتلِئاً شباباً، فيَضْرِبُهُ بالسَّيفِ، فيَقْطعُه جزلتين رمية الغرض، ثمَّ يدعوهُ، فيُقْبلُ، يتهلَّلُ وجههُ؛ يضحك، فبينما هو كذلك؛ إذْ بعثَ الله عيسى ابن مريم المسيح - عليه السلام - فينزلُ عند المنارةِ البيضاءِ شرقيَّ دمشق، بين مهرُودتين واضعاً كفَّيه على أجْنحَةِ ملكين، إذا طأطأ رأسهُ، قطر، وإذا رفعه؛ تحدَّر منه مثل جمان اللؤلؤِ، فلا يحلُّ للكافر يجدُ ريحَ نفسه غلاَّ مات، ونفسه ينتهي حيثُ ينتهي طرفه حتَّى يدركه ببابِ لدٍّ، فيقتلهُ، ثمَّ يأتي عيسى قومٌ قد عصمهمُ الله منهُ، فيَمْسحُ عن وجوههم، ويحدِّثهُمْ بدرجاتهم في الجنَّة، فبينما هو كذلك إذْ أوحى الله تعالى غلى عيسى: إنِّي قَدْ أخرجتُ عباداً لي لا يدان لأحدٍ بقتالهم، فحرِّزْ عبادي إلى الطُّور، ويبعثُ الله يأجُوج ومأجُوجَ، وهُمْ من كلِّ حدبٍ ينسلون، فيمُرُّ أوائلهُم على بحيرة «طبَريَّة» فيَشْربُونَ ما فيها، ويمرُّ آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرَّة ماءٌ، ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأسُ الثَّور لأحدهم خيراً من مائة دينارٍ لأحدكم اليْومَ، فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيُرسِلُ الله تعالى عليهم النَّغف في رقابهم، فيُصْبِحُون فَرْسَى كموتِ نفسٍ واحدةٍ ثمَّ يهبطُ نبيُّ الله وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدُونَ في الأرض موضع شبر إلا ملأهُ زَهمهُمْ ونتنهُمْ، فيَرْغبُ نبيُّ الله عيسى وأصحابهُ إلى الله، فيُرسِلُ الله عليهم طيراً؛ كأعناقِ البُخْتِ، فتَحْملهُمْ، فتَطْرَحهُمْ حيثُ شَاءَ الله، ثمَّ يرسلُ الله مطراً، لا يكنُّ منهُ بيتٌ مَدَرٌ، ولا وبرٌ، فيَغْسِلُ الأرض، حتَّى يَتركهَا كالزَّلقة، ثمَّ يقال للأرض: أنْبتِي ثَمرتك، ورُدِّي بَركتَكِ، فيَومئذٍ: تَأكلُ العَصابةُ الرُّمانَة، ويَسْتظلُّونَ بِقحْفِهَا، ويبارك في الرِّسلِ، حتَّى إنَّ اللقحة من الإبل، لتكفي الفئامَ من النَّاس، وبينما هم كذلك؛ إذْ بعث الله ريحاً طيبة، فتَأخُذهُمْ تحت آباطهم، فتَقْبِضُ رُوح كلِّ مؤمنٍ، وكلِّ مسلمٍ، ويبقى شِرارُ النَّاس يَتهارَجُونَ فيها تَهارُجَ الحُمُر، فعليهم تَقومُ السَّاعةُ.
قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ الآية.
قيل: هذا عند فتح السَّد، وتركنا يأجوج ومأجوج يموجُ بعضهم في بعضٍ، أي: يزدحمون كموج الماء، ويختلط بعضهم في بعضٍ؛ لكثرتهم.
وقيل: هذا عند قيام السَّاعة يدخل الخلق بعضهم في بعض، ويختلط إنسيُّهم بِجنِّيِّهِمْ حَيَارَى.
قوله: «يَوْمئِذٍ» التنوين عوضٌ من جملةٍ محذوفة، تقديرها: يوم إذ جاء وعدُ ربِّي، أو إذ حجز السدُّ بينهم.
قوله: ﴿يَمُوجُ﴾ : مفعول ثانٍ ل «تَركْنَا» والضمير في «بَعْضهُمْ» يعود على «يَأجُوج ومأجُوج» أو على سائر الخلق.
قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ . لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب السَّاعة، وتقدَّم الكلام في الصور، ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾ في صعيدٍ واحدٍ.
«وعَرضْنَا» : أبْرَزْنَا.
﴿جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ حتَّى يشاهدوها عياناً.
قوله: ﴿الذين كَانَتْ﴾ : يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من «لِلْكافِرينَ» أو بياناً، أو نعتاً، وأن يكون منصوباً بإضمار «أذمُّ» وأن يكون مرفوعاً خبر ابتداءٍ مضمرٍ.
ومعنى ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ﴾ : أي: [غشاءٍ، والغطاء: ما يغطِّي الشيء ويسترهُ ﴿عَن ذِكْرِي﴾ : عن الإيمان والقرآن، والمراد منه: شدَّة انصرافهم عن قَبُول الحقِّ، وعن الهدى والبيان، وقيل: عن رؤية الدلائل: ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ .
أي: سمع الصَّوت، أي: القبول والإيمان؛ لغلبةِ الشَّقاء عليهم.
وقيل: لا يعقلون، وهذا قوله: ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ [المائدة: 71] .
أما العمى، فهو قوله: ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾ وأما الصّمم فقوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ .
أي: لا يقدرون [أن يَسْمَعُوا] من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما يتلوه عليهم؛ لشدَّة عداوتهم له.
الكهف 18:85
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ الآية.
قد تقدَّم في أول هذه السورة أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الرُّوح، فقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ هو ذلك السؤال، واختلفوا في ذي القرنين، فقيل: هو الإسكندر بن فيلبوس اليونانيُّ، وقيل: كان اسمه مرزبان بن مرزبة من ولد يونان بن ثافث بن نوحٍ، وكان اسود، قال بعضهم: كان نبيًّا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض﴾ والأولى حمله على التمكين في الدِّين، والتَّمكين الكامل في الدِّين هو النبوة، ولقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ ومن جملة الأسباب النبوة، فمقتضى العموم أنه آتاهُ من النبوة سبباً، ولقوله تعالى: ﴿ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ والذي يتكلَّم الله معه لا بد وأن يكون نبياً. قال ابو الطفيل، وسئل عن ذي القرنين: أكان نبيًّا أم ملكاً؟ قال: لم يكن نبياً، ولا ملكاً، ولكن كان عبداً أحبَّ الله، فأحبَّه الله، وناصح الله فناصحه.
روي أنَّ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - سمع رجلاً يقول لآخر: «يَا ذَا القرنين» فقال: تسمَّيتم بأسماء النبيين، فلم ترضوا حتى تسمّيتم بأسماء الملائكة. والأكثرون على أنه كان ملكاً عادلاً صالحاً، واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين قيل: لأنه بلغ قرني الشمس: مشرقها ومغربها، وأيضاً: بلغ ملكه أقصى الشمال، لأنَّ «يأُجوجَ ومأجُوجَ» قومٌ من التركِ يسكنون في أقصى الشمالِ، فهذا المسمَّى بذي القرنين قد دلَّ القرآن على أنَّ ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال، وهذا نهاية المعمور من الأرض، ومثل هذا الملك البسيط على خلاف العادات، فيجب أن يبقى ذكره مخلّداً على وجه الدهر لا يخفى، والذي اشتهر في كتب التواريخ أن الذي بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر، وذلك أنه لمَّا مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك العرب وقهرهم، وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر، ثم عاد إلى مصر، فبنى الإسكندرية، وسمَّاها باسم نفسه، ثم دخل الشَّام، وقصد بني إسرائيل، وورد «بيت المقدس» ، وذبح في مذبحه، ثم انعطف إلى «أرمينيَّة» و «باب الأبواب» ودان له العراقيُّون، والقبط، والبربر، ثم توجه نحو دارا بن دارا، وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه، واستولى الإسكندر على ممالك الفرس، وقصد الهند والصِّين، وغزا الأمم البعيدة، ورجع إلى «خراسان» وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق، ومرض ب «شهرزور» ومات، فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض أو ما يقرب منها، وثبت من التَّواريخ أن من هذا شأنه ماكان إلاَّ الإسكندر وجب القطعُ بأنَّ المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني.
قيل: وسمِّي بذي القرنين، لأنه ملك الرُّوم وفارس، وقيل: لأنه دخل النور والظلمة، وقيل: لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشَّمس، وقيل: لأنه كانت له ذؤابتان حسنتان، وقيل: لأنه كان له قرنان تواليهما العمامة.
وروى أبو الفضلِ عن عليّ أنه أمر قومهُ بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيمن، فمات، فبعثه الله، فأمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيسر، فمات فأحياه الله.
وقيل: كان لتاجه قرنان، وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وقيل: لأن الله سخر له النُّور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه، وتمتد الظلمة من ورائه.
فروي أن ذا القرنين أمر ببناء مدنٍ كثيرةٍ منها: «الدبوسية» و «حمدان» و «برج الحجارة» ، ولما بلغ «الهند» بنى مدينة «سرنديب» وأن أرباب الحساب قالوا له: إنَّك لا تموتُ إلا على أرض من حديدٍ، وسماه من خشب، وكان يدفن كنوز كلِّ بلدٍ فيها، ويكتب ذلك معه بصفته وموضعه، فبلغ «بابل» ، فرعف، فسقط عن دابَّته، فبسطت له دروع فنام عليها، فآذته الشمس، فأظلوه بتُرسٍ، فنظر وقال: هذه أرضٌ من حديدٍ وسماء من خشبٍ، فأيقن بالموت، فمات وهو ابنُ ألف سنة وثلاثمائة سنة.
وقال أبو الرَّيحان البيروني في كتابه المسمَّى ب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» : قيل: إنَّ ذا القرنين هو أبو كربٍ سُمَيُّ بن عبرين بن أقريقيش الحميريّ، وأنَّ ملكهُ بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير: [الكامل]
قَدْ كَانَ ذُو القَرنيْنِ قَبْلي مُسْلِماً ... مَلِكاً عَلا فِي الأرْضِ غير مُفَنَّدِ
بلغَ المشارِقَ والمغارِبَ يَبتَغِي ... أسْبابَ ملكٍ من كَرِيم سيِّدِ
ثم قال أبو الريحان: ويشبهُ أن يكون هذا القول أقرب، لأن الأذواء كانوا من اليمن، وهم الذين لا يخلون أساميهم من «ذي كذا» المنار، و «ذي نواس» ، و «ذي النُّون» ، و «ذي رعين» والقول الأول أظهر، لما تقدم من الدليل، ولأنه روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «سمِّي ذا القرنَيْنِ لأنَّه طاف قرنَي الدُّنيا شرقها وغربها» .
قال ابن الخطيب: إلاَّ أنَّ فيه إشكالاً قويًّا، وهو أن الإسكندر كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم، وكان على مذهبه، فتعظيم الله إيَّاه يُوجِبُ الحكم بأنَّ مذهب أرسطاطاليس حقٌّ وصدقٌ، وذلك ممَّا لا سبيل إليه.
قال ابن كثير: روي عن ابن عباسٍ: أنَّ اسم ذي القرنين عبد الله بن الضحاك.
وقيل: مصعبُ بن عبد الله بن قينان بن منصور بن عبد الله بن الآزر بن عون بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان.
وروي أنَّه كان من حمير، وأمُّه روميَّة، وأنه كان يقال له الفيلسوفُ؛ لعقله.
وقال السهيلي: قيل: كان اسمه مرزبي بن مرذبة ذكره ابن هشام، وهو أول التَّبابعة.
وقيل: إنه أفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك ويروى في خطبة قيس بن ساعدة التي خطبها بسوق عكاظ، أنه قال فيها يا معشر إياد أين الصعب ذو القرنين ملك الخافقين، وأوّل المسلمين، وعمر ألفين، ثم كان ذلك كطرفة عين، وأنشد ابن هشام: [الكامل]
والصَّعبُ ذُو القرنيْنِ أصْبحَ ثَاوِياً ... بالحِنْوِ حيث أميم مقيم
أمَّا ذو القرنين الثاني فهو الإسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن هردوس ابن ميطون بن رومي بن نويط بن نوفيل بن ليطى بن يونان بن يافث بن نوح بن سرحون بن رومي بن قريط بن نوفيل بن رومي بن الأصفر بن اليغز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليه السلام - كذا نسبه ابن عساكر المقدوني اليوناني المصري باني الإسكندرية الذي يؤرِّخ بأيَّامه الروم، وكان متأخِّراً عن الأول بدهر طويل، وكان هذا قبل المسيح بنحوٍ من ثلاثمائة سنة، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف، وهو قتل دارا بن دارا [ملك] ملوكِ الفرس.
وإنما نبهنا على هذا؛ لأنَّ كثيراً من الناس يعتقد أنهما واحدٌ، وأن المذكور في القرىن هو الذي كان أرسطاطاليس وزيرهُ، فيقع بذلك خطأ كثير؛ فإنَّ الأول كان مؤمناً عبداً صالحاً، وملكاً عادلاً، وكان وزيره الخضر - عليهما السلام - وكان نبيًّا، وأمَّا الثاني فكان مشركاً، وكان وزيره فيلسوفاً، وكان بين زمانيهما أزيد من ألفي [سنة] فأين هذا من هذا؟ .
قوله: «سَأتلُو» : دخلت السين ها هنا؛ لأن المعنى أني سأفعل هذا إن وفَّقني الله عليه، وأنزل عليَّ وحياً، وأخبرني عن كيفية تلك الحال.
قوله «مِنْهُ ذِكْراً» أي: من أخباره وقصصه.
قوله: «إنَّا مكَّنا له» .
ومعنى «مكنَّا لهُ» : أوطأنا، والتمكينُ: تمهيد الأسباب قال عليٌّ: سخَّر له السَّحاب، فحمله عليه، ومدَّ له في الأسباب، وبسط له في النُّورِ، وكان اللَّيلُ والنهار عليه سواء، فهذا معنى تمكنيه في الأرض؛ وأنه سهَّل عليه السير فيها، وذلل له طريقها.
وهذا التَّمكينُ بسبب النبوة، ويحتمل أن يكون المراد التمكين بسبب الملكِ من حيث إنه ملك مشارق العالم ومغاربه، والأول أولى؛ لأنَّ التمكينَ بسبب النبوّة أعلى من التمكين بسبب الملك، وحمل كلام الله تعالى على الوجه الأكمل الأفضل أولى، ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ قالوا: السبب في أصل اللغة عبارة عن الحبل، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى المقصود، وهو يتناول العلم والقدرة والآلة، فلذلك قيل: «وآتيناه من كل شيء» ما يستعين به الملوك على فتح المدن، ومحاربة الأعداء «سبباً» أي: علماً يتسبب به إلى كل ما يريد ويسير به في أقطار الأرض، وقيل: قرَّبنا له أقطار الأرض.
واستدلوا بعموم قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ على أنه كان نبيًّا كما تقدَّم، ومن أنكر نبوته قال: المعنى: وآتيناه من كلِّ شيءٍ يحتاجُ إلى إصلاح ملكه إلاَّ أن تخصيص العموم خلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلاَّ بدليلٍ.
قوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ .
قرأ نافع، وابن كثيرٍ، وأبو عمرو «فَاتَّبعَ» و «ثمَّ اتَّبعَ» في الموضعين بهمزة وصل، وتشديد التاء. والباقون بهمزة القطع في المواضع الثلاثة وسكون التاء.
فقيل: هما بمعنى واحدٍ فيتعدَّيان لمفعولٍ واحدٍ.
وقيل: «أتْبَعَ» بالقطع متعدٍّ لاثنين حذف أحدهما تقديره: فأتْبع سبباً سبباً آخر، أو فأتبع أمره سبباً آخر، ومنه ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً﴾ [القصص: 42] فعدَّاه لاثنين ومن حذف أحد المفعولين: قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: 60] ، أي: أتبعوهم جنودهم. واختار أبو عبيد «اتَّبعَ» بالوصل، قال: «لأنَّه من المسيرِ» قال: تقول: تبعتُ القوم واتَّبعتُهم. فأمَّا الإتباعُ بالقطع فمعناه اللحاقُ، كقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] .
وقال يونس، وأبو زيدٍ: «أتْبعَ» بالقطع عبارة عن المجدِّ المسرعِ الحثيثِ الطلب. وبالوصلِ إنَّما يتضمَّن الاقتفاء دون هذه الصفات.
قال البغويُّ: والصحيح الفرق بينهما، فمن قطع الألف، فمعناه: أدرك ولحق، ومن قرأ بالتشديد فمعناه: سار، يقال: ما زلتُ أتَّبعه حتى اتبعته، أي: ما زلتُ أسير خلفهُ حتى لحقته، ومعنى الآية: أنه تعالى لمَّا أعطاهُ من كل شيءٍ سببه، فإذا أراد سبباً أتبع سبباً يوصله إليه ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة﴾ .
عن أبي ذرٍّ قال: كنت رديف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على جملٍ، فرأى الشمس حين غابت، فقال: أتدري يا أبا ذرٍّ، أتدري أين تغربُ هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: «فإنَّها تغربُ في عينٍ حاميةٍ» وهي قراءة ابن مسعود، وطلحة، وابن عمر، واختارها أبو عبيدة، قال: لأنَّ عليها جماعة من الصحابة.
وأما القراءة الثانية، فهي من الحمأةِ، وهي الطِّين، وهي قراءة ابن عبَّاس.
فصل
ثبت بالدَّليل أنَّ الأرض كرة، وأنَّ السماء محيطة، وأنَّ الشمس في الفلك الرابع، وكيف يعقل دخولها في عينٍ؟ وأيضاً قال: «وجد عِنْدهَا قوماً» ومعلومٌ أن جلوس القوم قرب الشَّمسِ غير موجودٍ، وأيضاً فالشمس أكبر من الأرض بمراتٍ كثيرةٍ، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ وإذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ من وجوه:
الأول: أنَّ ذا القرنين لما بلغ موضعاً من المغرب، لم يبق بعدهُ شيءٌ من العماراتِ، وجد الشَّمس كأنَّها تغربُ في عينٍ مظلمةٍ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة كما أنَّ راكب البحر يرى الشمس كأنَّها تغيبُ في البحر إذا لم يرَ الشطَّ، وهي في الحقيقة تغيبُ وراء البحر، ذكر هذا التأويل الجبائيُّ في تفسيره.
الثاني: أنَّ للجانب الغربيّ من الأرض مساكنَ يحيطُ البحر بها، فالناظرُ إلى الشَّمْسِ يتخيلُ كأنَّها تغيب في تلك البحار، ولا شكَّ أنَّ البحار الغربية قويةٌ السخونة، فهي حاميةٌ، وهي أيضاً حمئة لكثرة ما فيها من الماء ومن الحمأةِ السَّوداءِ، فقوله: ﴿تَغْربُ في عينٍ حمئةٍ﴾ إشارةٌ إلى أن الجانب الغربي منالأرض قد أحاط البحر به، وهو موضعٌ شديدُ السخونة، قال اهل الأخبار: إنَّ الشمس تغيب في عينٍ كثيرة الماءِ والحمأةِ، وهذا في غاية البعد؛ وذلك لأنَّا إذا رصدنا كسوفاً قمريًّا، فإذا اعتبرناه، ورأينا أنَّ المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أوَّل الليل، ورأينا المشرقين، قالوا: حصل في أوَّل النَّهار علمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق، بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا هو وقت العصر في بلد، ووقت الظُّهر في بلدٍ آخر، ووقت الضَّحوة في بلد ثالثٍ، ووقت طلوع الشمس في بلدٍ رابع، ونصف الليل في بلد خامسٍ، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بالاستقراء والأخبار وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنَّها تغيبُ في الطين والحمأة كلاماً على خلاف اليقين؛ وكلام الله تعالى مبرَّأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلاَّ أن يصار غلى التَّأويل المذكور
ثم قال: «ووجد عندها قوماً» أي: عند العين أمة، وقيل: الضمير [عائد] إلى الشمس.
قال ابن جريج: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجبُ.
قوله: ﴿قُلْنَا ياذا القرنين﴾ يدل على أنه تعالى كلمه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبيًّا، فإن قيل: خوطب على ألسنة بعض الأنبياء، فهو عدولٌ عن الظاهر.
وقال بعضهم: المراد منه الإلهام.
قوله: ﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ﴾ .
يجوز فيه الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي: إمَّا تعذيبك واقعٌ، والرفع على خبر مضمرٍ، أي: هو تعذيبك، والنصب اي: إمَّا أن تفعل أن تعذِّب.
وهذا يدلُّ على أنَّ سكَّان آخر المغرب، كانوا كفاراً، فخيَّر الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب، إن أقاموا على الكفر، وبين المنِّ عليهم، والعفو عنهم، وهذا التخيير على معنى الاجتهاد في أصلح المرين، كما خيَّر نبيه - محمداً عليه الصلاة والسلام - بين المنِّ على المشركين، وبين قتلهم.
وقال الكثرون: هذا التعذيب هو القتل، وأمَّا اتِّخاذ الحسنى فيهم، فهو تركهم أحياء.
ثم قال ذو القرنين: ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ﴾ أي: ظلم نفسه؛ بمعنى «كفر» لأنَّه ذكر في مقابلته: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾ ثم قال: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أي بقتله ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ﴾ في الآخرة ﴿عَذَاباً نُّكْرا﴾ أي: منكراً فظيعاً.
وهو النار، والنار أنكر من القتل.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ .
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى﴾ الآية.
قوله: ﴿جَزَآءً الحسنى﴾ قرأ الأخوان، وحفص بنصب «جزاءً» وتنوينه، والباقون برفعه مضافاً، فالنصب على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة، أو بنصب بمضمرٍ، أو مؤكدٍ لعامل من لفظه مقدَّر، أي: يجزي جزاء، وتكون الجملة معترضة بين المبتدأ وخبره المقدَّم عليه، وقد يعترض على الأول: بأنَّ المصدر المؤكِّد لمضمون جملة لا يتقدَّم عليها، فكذا لا يتوسَّطُ، وفيه نظر يحتمل الجواز والمنع، وهو إلى الجواز أقرب.
الثالث: أنه في موضع الحال.
الرابع: نصبه على التفسير، قاله الفراء؛ يعني التمييز، وهو بعيد.
وقرأ ابن عباس، ومسروق بالنصب والإضافة، وفيها تخريجان: أحدهما: أن المبتدأ محذوف، وهو العامل في «جزاءَ الحُسْنى» التقدير: فله الجزاء جزاء الحسنى.
والثاني: أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب]
3565 - ... ... ... ... ... ..... ولا ذَاكِرَ الله إلاَّ قَلِيلا
ذكره المهدويُّ.
والقراءة الثانية رفعه فيها على الابتداء، والخبر الجار قبله، و «الحُسْنَى» مضاف إليها، والمراد بالحسنى الجنَّة، وقيل: الفعلة الحسنى.
وقرأ عبد الله، وابن أبي إسحاق «جزاءٌ» مرفوعاً منوناً على الابتداء، و «الحُسْنَى» بدلٌ، أو بيان، أو منصوبة بإضمار «أعْنِي» أو خبر مبتدأ مضمرٍ.
و «يُسْراً» نعت مصدر محذوف، أي: قولاً ذا يسرٍ، وقرأ أبو جعفر بضم السين في اليُسُر حيث ورد.
فصل في اختلاف معنى الآية باختلاف القراءة
قال المفسرون: المعنى على قراءة النصب: فله الحسنى جزاء؛ كما يقال: لك هذا الثوب هبةً.
وعلى قراءة الرفع، فيه وجهان:
أحدهما: فله الجزاءُ الحسنى، والفعلةُ الحسنى: هي الإيمانُ، والعمل الصَّالح.
والثاني: فلهُ جزاء المثوبة الحسنى، وإضافة الموصوف إلى الصِّفة مشهورةٌ؛ كقوله: ﴿وَلَدَارُ الآخرة﴾ [يوسف: 109] . و ﴿حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] .
وقوله: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ الآية، أي: لا نأمرهُ بالصَّعب الشَّاق، ولكن بالسَّهل الميسَّر من الزَّكاة، والخراج وغيرهما، وتقديره: ذا يسر؛ كقوله: ﴿قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ [الإسراء: 28] .
قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس﴾ .
أي: سلك طرقاً ومنازل ﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ﴾ أي: موضع طلوعها ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ .
قال الحسنُ وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستراً، وليس هناك شجرٌ، ولا جبلٌ، ولا أبنيةٌ، تمنع [طلوع] الشمس عليهم؛ لأنَّهم كانوا في مكان لا يستقرُّ عليهم بناءٌ، وكانوا يكونون في أسراب لهم، حتَّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم.
وقال الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس، يدخلون الماء، فإذا ارتفعت عنهم، خرجوا فرعوا؛ كأنَّهم بهائمُ.
قال الكلبيُّ: هم قومٌ عراةٌ؛ كسائر الحيوان، يفترشُ أحدهم أذنيه؛ أحدهما تحته، ويلتحفُ بالأخرى.
فصل فيما يروى عن السد
ذكروا في بعض كتب التفسير: أن بعضهم، قال: سافرت، حتَّى جاوزت الصِّين، فسألت عن هؤلاء القوم، فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلةٍ، فبلغتهم، فإذا أحدهم يفترش إحدى أذنبه، ويلبس الأخرى، فلما قرب طلوع الشمس، سمعت صوتاً كهيئة الصَّلصلة، فغُشي عليَّ، ثم أفقتُ، فلمَّا طلعت الشمس؛ إذ هي فوق الماءِ؛ كهيئة الزيت، فأدخلونا سرباً لهم، فلما ارتفع النَّهار، جعلوا يصطادون السَّمك فيطرحونه في الشمس؛ فينضج.
قوله: ﴿مَطْلِعَ الشمس﴾ .
العامَّة على كسر اللام من «مَطْلِع» والمضارعُ «يَطلُع» بالضم، فكان القياس فتح اللام في المفعل مطلقاً، ولكنَّها مع أخواتٍ لها سمع فيها الكسر، وقياسها الفتح، وقد قرأ به الحسن، وعيسى، وابن محيصن، ورويت عن ابن كثيرٍ، وأهل مكة، قال الكسائي: «هذه اللغة قد ماتت» يعني: أي: بكسر اللام من المضارع، والمفعل، وهذا يشعرُ أنَّ من العرب من كان يقول: طَلَع يَطلِعُ، بالكسر في المضارع.
قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ : الكاف: إمَّا مرفوعة المحلِّ، أي: الأمر كذلك، أو منصوبته، أي: فعلنا مثل ذلك.
ومعنى الكلام: كذلك فعل ذو القرنينِ، أتبع هذه الأسباب، حتى بلغ، وقد علمنا حين ملَّكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك.
وقيل: كذلك جعل الله أمر هؤلاء القوم على ما قد أعلم رسول الله - عليه السلام - في هذا الذِّكر.
وقيل: كذلك كانت حاأهل المطلع؛ كما كانت حاله مع أهل المغرب، قضى في هؤلاء، كما قضى في أولئك؛ من تعذيب الظالمين، والإحسان إلى المؤمنين.
وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ .
والمعنى: أنه تعالى قال: أمر هؤلاء القوم، كما وجدهم عليه ذو القرنين، ثم قال بعده: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً﴾ أي: كنَّا عالمين بأنَّ الأمر كذلك.
قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ الآية.
و ﴿بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ «بين» هنا يجوز أن يكون ظرفاً، والمفعول محذوف، أي: بلغ غرضه ومقصوده، وأن يكون مفعولاً به على الاتِّساع، أي: بلغ المكان الحاجز بينهما.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بفتح سين «السَّدَّين» و «سَدًّا» في هذه السورة، وحفصٌ فتح الجميع، أعني موضعي هذه السورة، وموضعي سورة يس [الآية: 9] ، وقرأ الأخوان بالفتح في «سدًّا» في سورتيه، وبالضمِّ في «السُّدَّين» والباقون بالضمِّ في الجميع، فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وقيل: لمضمومُ: ما كان من فعل الله تعالى، والمفتوحُ ما كان من فعل النَّاس، وهذا مرويٌّ عن عكرمة، والكسائي، وأبي عبيد وابن الأنباريِّ.
قال الزمخشري: لأنَّ السُّدَّ، بالضمِّ: «فُعْل» بمعنى «مفْعُول» أي: هو مما فعله الله، وخلقه، والسَّدُّ، بالفتح: مصدر حدث يحدثه الناس. وهو مردودٌ: بأنَّ السدَّين في هذه السورة جبلان، سدَّ ذو القرنين بينهما بسدٍّ، فهما من فعلِ الله، والسدُّ الذي فعله ذو القرنين من فعل المخلوق، و «سدًّا» في يس من فعلِ الله تعالى؛ لقوله: «وجعلنا» ومع ذلك قرئ في الجميع، بالفتح، والضمِّ، فعلم أنَّهما لغتان؛ كالضَّعف، والضُّعف، والفَقر، والفُقر، وقال الخليل: المضموم اسمٌ، والمفتوح مصدر، وهذا هو الاختيار.
فصل في مكان السد
الأظهرُ: أنَّ موضع السدَّين في ناحية الشَّمال، وقيل: جبلان بين أرمينيَّة، وأذربيجان.
وقيل: هذا المكان في مقطع أرض التُّرك.
وحكى محمد بن جرير الطبريُّ في تاريخه: أنَّ صاحب أذربيجان أيَّام فتحها، وجَّه إنساناً إليه من ناحية الخزر، فشاهده، ووصف أنَّه بنيانٌ رفيعٌ وراء خندقٍ وثيقٍ منيعٍ، وذكر ابن خرداذبة في كتابه «المسالك والممالك» أن الواثق بالله رأى في المنام كأنَّه فتح هذا الردم، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه، فوصفوا أنه بنيانٌ من لبنٍ من حديد مشدود بالنُّحاس المذاب، وعليه بابٌ مقفلٌ، ثم إنَّ ذلك الإنسان لمَّا حاول الرُّجوع، أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند.
فصل في مقتضى هذا الخبر
قال أبو الرَّيحان البيرونيُّ: مقتضى هذا الخبر أنَّ موضعه في الربع الشماليِّ الغربيِّ من المعمورة.
قوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ : قرأ الأخوان بضمِّ الياء، وكسر القاف، من أفقه غيره، فالمفعول محذوف، أي: لا يفقهون غيرهم قولاً، والباقون بفتحهما، أي: لا يفهمون كلام غيرهم، وهو بمعنى الأول، وقيل: ليس بمتلازمٍ؛ إذ قد يفقه الإنسان كلام غيره، ولا يفقه قوله غيره، وبالعكس.
فصل في كيفية فهم ذي القرنين كلام أولئك القوم
لمَّا بلغ ذو القرنين ما بين السَّدين ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا﴾ [أي] من ورائهما مجاوزاً عنهما «قوماً» ، أي: أمَّة من الناس ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ .
فإن قيل: كيف فهم ذو القرنين منهم هذا الكلام، بعد أن وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ ؟ .
فالجواب من وجوه:
أحدهما: قيل: كلّم عنهم مترجمٌ؛ ويدل عليه قراءة ابن مسعودٍ: لا يكادون يفقهون قولاً، قال الذين من دونهم: يا ذا القرنين ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوج﴾ .
وثانيها: أن قوله: ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ يدلُّ على أنَّهم قد يفقهون بمشقَّة وصعوبة [من إشارة ونحوها] .
وثالثها: أنَّ «كاد» معناه المقاربة؛ وعلى هذا، فلا بدَّ من غضمارٍ، تقديره: لا يكادون يفقهون إلاَّ بمشقةٍ؛ من إشارة ونحوها.
قوله: ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوج﴾ : قرأ عاصم بالهمزة الساكنة، والباقون بألف صريحة، واختلف في ذلك؛ فقيل: هما أعجميَّان، لا اشتقاق لهما، ومنعا من الصرف؛ للعلميَّة والعجمة، ويحتمل أن تكون الهمزة أصلاً، والألف بدلاً منها، أو بالعكس؛ لأنَّ العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية، وقيل: بل هما عربيَّان، واختلف في اشتقاقهما.
فقال الكسائي: يأجوجُ: مأخوذٌ من تأجُّج النار، ولهبها أو شدَّة توقُّدها؛ فلسرعتهم في الحركة سمُّوا بذلك، ومأجوج من موج البحر.
وقيل من الأجِّ، وهو الاختلاط أو شدَّة الحرِّ.
وقيل من الأجِّ، وهو الاختلاط أو شدَّة الحرِّ.
وقال القتيبيُّ: من الأجِّ، وهو سرعة العدو، ومنه قوله: [الطويل]
3566 - ... ... ... ... ... ..... تَؤجُّ كمَا أجَّ الظَّلِيم المُنفَّرُ
وقيل: من الأجاجِ، وهو الماءُ المالح الزُّعاقُ.
وقال الخليلُ: الأجُّ: حبٌّ؛ كالعدس، والمجُّ: مجُّ الرِّيق، فيحتمل أن يكونا مأخوذين منهما، ووزنهما يفعولُ، ومفعول، وهذا ظاهر على قراءة عاصم، وأمَّا قراءة الباقين، فيحتمل أن تكون الألف بدلاً من الهمزة الساكنة، إلا أنَّ فيه أنَّ من هؤلاء من ليس أصله قلب الهمزة الساكنة، وهم الأكثر، ولا ضير في ذلك، ويحتمل أن تكون ألفهما زائدتين، ووزنهما «فَاعُول» من يجَّ، ومجَّ.
ويحتمل أن يكون ماجوج من «مَاجَ، يَمُوجُ» أي: اضطرب، ومنه الموجُ، فوزنه مفعول، وأصله: مَوجُوج، قاله أبو حاتم، وفيه نظر؛ من حيث ادِّعاءُ قلب حرف العلة، وهو ساكنٌ، وشذوذه كشذوذ «طائي» في النَّسب إلى طيِّئ.
وعلى القول بكونهما عربيَّين مشتقَّين، فمنع صرفهما؛ للعلميَّة والتأنيث؛ بمعنى القبيلة؛ كما تقدَّم في سورة هود، ومثل هذا الخلاف والتعليل جارٍ في سورة الأنبياء [الآية: 93]- عليهم السلام - والهمزة في يأجوج ومأجوج لغة بني أسدٍ، وقرأ رؤبة وأبوه العجاج «آجُوج» .
فصل في اصل يأجوج ومأجوج
اختلفوا في أنَّهم من أيِّ الأقوام، فقال الضحاك: هم جيلٌ من التُّرك.
وقال السديُّ: التُّرك: سريَّة من يأجُوج ومأجوج، خرجت، فضرب ذو القرنين السدَّ، فبقيت خارجة، فجميع الترك منهم.
وعن قتادة: أنَّهم اثنان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السدَّ على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت قبيلة واحدة، وهم التُّركُ، سمُّوا بذلك؛ لأنَّهم [تركوا] خارجين.
فصل في أجناس البشر
قال أهل التَّاريخ: أولاد نوحٍ ثلاثة: سام، وحام، ويافث. فسام أبو العرب، والعجم، والرُّوم.
وحام: أبو الحبشة، والزَّنج، والنُّوبة.
ويافث: أبو التُّرك، والخزر، والصقالبة، ويأجوج ومأجوج.
واختلفوا في صفاتهم:
فمن النَّاس من وصفهم بقصر القامة، وصغر الجثَّة بكون طول أحدهم شبراً، ومنهم من يصفهم بطُول القامة، وكبر الجثَّة، فقيل: طول أحدهم مائةُ وعشرون ذراعاً، ومنهم من طوله وعرضه كذلك، وأثبتوا لهم مخالب في الأظفار وأضراساً كأضراسِ السِّباع، ومنهم من يفترش إحدى أذنيه، ويلتحفُ بالأخرى.
فصل في إفسادهم
واختلفوا في كيفية إفسادهم:
فقيل: كانوا يقتلون الناس.
وقيل: كانوا يأكلوه لحوم النَّاس، وقيل: كانوا يخرجون أيَّام الربيع ولا يتركون لهم شيئاً أخضر.
وبالجملة: فلفظ الفساد يحتمل هذه الأقسام.
ثمَّ إنَّه تعالى حكى عن أهل ما بين السَّديْن أنَّهم قالوا لذي القرنين: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ الآية.
قوله: «خَرْجاً» قرأ ابن عامر «خَرْجاً» هنا وفي المؤمنين [الآية: 72] بسكون الراء، والأخوان «خَرَاجاً» «فَخَراج» في السورتين بالألف، والباقون كقراءة ابن عامر في هذه السورة، والأول في المؤمنين، وفي الثاني، وهو «فَخرَاج» كقراءة الأخوين، فقيل: هما بمعنى واحد كالقول والقوال، والنّوْل والنَّوال، وقيل: «الخَراجُ» بالألف ما ضرب على الأرض من الإتاوةِ كلَّ عامٍ، وبغير الألف بمعنى الجعل، أي: نُعطيكَ من أموالنا مرَّة واحدة ما تستعينُ به على ذلك، وقال أبو عمر: الخرج: ما تبرَّعت به، والخراج ما لزمك أداؤهُ.
قال مكيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: واختيار تركُ الألف؛ لأنَّهم إنما عرضوا عليه: أن يعطوه عطيَّة واحدة على بنائه، لا أن يضرب ذلك عليهم كلَّ عامٍ، وقيل: الخرجُ: ما كان على الرءوس، والخراج: ما كان على الأرض، قاله قطرب يقال: أدِّ خرج رأسك، وخراج أرضك، قاله ابن الأعرابيِّ، وقيل: الخرجُ أخصُّ، والخَراجُ أعمُّ، قاله ثعلبٌ، وقيل: الخرجُ مصدر، والخراجُ: اسم لما يعطى، ثم قد يطلق على المفعول المصدر؛ كالخلقِ؛ بمعنى المخلوق.
ثم قال: ﴿على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ أي: حاجزاً، فلا يصلون إلينا.
قوله: ﴿مَا مَكَّنِّي﴾ : «ما» بمعنى «الذي» وقرأ ابن كثيرٍ: «مكَّنني» بإظهار النون، والباقون بإدغامها في نون الوقاية؛ للتخفيف.
وهي مرسومةٌ في مصاحف غير مكَّة بنون واحدة، وفي مصاحف مكَّة بنونين، فكلٌّ وافق مصحفه.
ومعنى الكلام: ما قوَّاني عليه ربِّي خيرٌ من جعلكم، أي: ما جعلني مكيناً من المال الكثير، خيرٌ ممَّا تبذلُون لي من الخراج؛ فلا حاجة بي إليه، كقول سليمان - عليه السلام -: ﴿فَمَآ آتَانِي الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ﴾ [النمل: 36] .
قوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي: لا أريد المال، ولكن أعينوني بأيديكم، وقوَّتكم ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ .
والرَّدْم: هو السدُّ، يقال: ردمت الباب، أي: سددتُّه، وردمتُ الثوب: رقعته؛ لأنه يسدُّ موضع الخرق بالرَّقع، والرَّدم أكثر من السدِّ؛ من قولهم: ثوبٌ مردم، أي: وضعت عليه رقاعٌ.
قالوا: وما تلك القوة؟ . قال: فعلةٌ وصنَّاعٌ يحسنون البناء والعمل، والآلة.
قالوا: وما تلك الآلة؟ .
قال: ﴿آتُونِي﴾ : قرأ أبو بكرٍ «ايتُونِي» بهمزة وصلٍ؛ من أتى يأتي في الموضعين من هذه السورة؛ بخلاف عنه في الثاني، ووافقه حمزة على الثاني، من غير خلافٍ عنه، والباقون بهمزة القطع فيهما.
ف «زُبرَ» على قراءة همزة الوصل منصوبة على إسقاط الخافض، أي: جيئُوني بزُبرِ الحديد، وفي قراءة قطعها على المفعول الثاني؛ لأنه يتعدَّى بالهمزة إلى اثنين، وعلى قراءة أبي بكرٍ يحتاج إلى كسر التنوين من «رَدْماً» لالتقاءِ الساكنين؛ لنَّ همزة الوصل، تسقط درجاً، فيقرأ له بكسر التنوين، وبعده همزة ساكنة هي فاءُ الكلمة، وإذا ابتدأت بكلمتي «ائتُونِي» في قراءته، وقراءة حمزة، تبدأ بهمزة مكسورة للوصلِ، ثم ياءٍ صريحة، هي بدلٌ من همزة فاء الكلمة، وفي الدَّرج تسقط همزة الوصل، فتعود الهمزة؛ لزوالِ موجب إبدالها.
والباقون يبتدئون، ويصلون بهمزة مفتوحة؛ لأنَّها همزة قطعٍ، ويتركون تنوين «رَدْماً» على حاله من السكون، وهذا كله ظاهر لأهل النحو، خفيٌّ على القراء.
والزُّبَرُ: جمع زُبْرَة، كغُرفَةٍ وغُرَفٍ.
و «زُبَرَ الحَديدِ» قطعه.
قال الخليل: الزُّبرة من الحديد: القطعة الضخمة.
وقرأ الحسن بضمِّ الباء.
قوله: «سَاوَى» هذه قراءة الجمهور، وقتادة «سوَّى» بالتضعيف، وعاصم في رواية طسُوِّيَ «مبنيًّا للمفعول.
وفيه إضمارٌ، أي: فأتوهُ بها، فوضع تلك الزُّبرَ بعضها على بعض ﴿حتى إِذَا ساوى﴾ أي سدت ما بين الجبلين إلى أعلاهما.
قوله:» الصَّدفَيْنِ» قرأ أبو بكرٍ بضم الصاد، وسكون الدَّال، وابن كثيرٍ، وأبو عمرو، وابن عامر بضمهما، والباقون بفتحهما، وهذه لغاتٌ قرئ بها في السَّبع، وأبو جعفرٍ، وشيبة، وحميد بالفتح والإسكان، والماجشونُ بالفتح والضمِّ، وعاصم في رواية بالعكس.
والصَّدفانِ: ناحيتا الجبلين، وقيل: أن يتقابل جبلان، وبينهما طريقٌ، والناحيتان صدفان؛ لتقابلهما، وتصادفهما، من صادفت الرجل، أي: لاقيته وقابلته، وقال أبو عبيد: «الصَّدفُ: كل بناءٍ مرتفعٍ، وقيل: ليس بمعروفٍ، والفتحُ لغة تميمٍ، والضمُّ لغة حميرٍ» .
فصل في بناء السد
لما أتوهُ بزبر الحديد، وضع بعضها على بعض؛ حتى ساوتْ، وسدَّت ما بين الجبلينِ، ووضع المنافخ عليها، والحطب، حتَّى إذا صارت كالنَّار، صبَّ النُّحاس المذاب على الحديدِ المحمَّى، فالتصق بعضه ببعض، فصار جبلاً صَلْداً.
وهذه معجزةٌ تامَّةٌ؛ لأنَّ هذه الزُّبَر الكثيرة، إذا نفخ عليها؛ حتَّى تصير كالنَّار، لم يقدر الحيوان على القرب منها، والنَّفخُ عليها لا يكون إلا بالقرب منها، فكأنَّه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النَّافخين عليها.
قيل: إنَّه وضع الحديد على الحطب، والحطب على الحديد؛ فصار الحطب في خلال الحديد، ثمَّ نفخُوا عليه؛ حتَّى صار ناراً، أفرغ عليه النُّحاس المذاب؛ فدخل في خلال الحديد مكان الحطب؛ لأنَّ النَّار أكلت الحطب؛ فصار النحاسُ مكان الحطب؛ حتَّى لزم الحديدُ النُّحاس.
قال قتادة: صار كالبُرد المحبَّر طريقة سوداء وطريقة حمراء.
فصل فيما بين السدين
قال الزمخشريُّ: قيل: بعد ما بين السَّدين مائة فرسخٍ.
وروي: عرضهُ كان خمسين ذراعاً، وارتفاعه مائتي ذراعٍ.
قوله: «قِطْراً» هو المتنازع فيه، وهذه الآية أشهر أمثلةِ النحاةِ في باب التنازع، وهي من إعمال الثاني؛ للحذف من الأول، والقِطرُ: النُّحاس، أو الرَّصاصُ المذاب؛ لأنه يقطر.
قوله
: ﴿فَمَا اسطاعوا ﴾ : قرأ حمزة بتشديد الطاء، والباقون بتخفيفها، والوجه في الإدغام، كما قال أبو عليٍّ: «لمَّا لم يمكنْ إلقاء حركة [التَّاء] على السِّين؛ لئلاَّ يحرَّك ما لا يتحرَّك» - يعني: أنَّ سين «اسْتَفْعَلَ» لا تتحرَّك - أدغم مع السَّاكن، وإن لم يكن حرف لين، وقد قرأت القراء غير حرفٍ من هذا النحو؛ وقد أنشد سيبويه «ومَسْحي» يعني في قول الشاعر: [الرجز]
3567 - كَأنَّهُ بَعْدَ كَلالِ الزَّاجرِ ... ومَسْحِي مرُّ عُقابٍ كَاسرِ
[يريد «ومَسْحِه» ] فأدغم الحاء في الهاء بعد أن قلب الهاء حاء، وهو عكس قاعدة الإدغام في المتقاربين، وهذه القراءة قد لحَّنها بعض النُّحاة، قال الزجاج: «من قرأ بذلك، فهو لاحِنٌ مخطئٌ» وقال أبو عليٍّ: «هي غيرُ جائزةٍ» .
وقرأ الأعشى، عن أبي بكر «اصْطاعُوا» بإبدال السِّين صاداً، والأعمش «استطاعوا» كالثانية.
فصل
حذفت تاء «اسْتطَاعُوا» للخفَّة؛ لأنَّ التاء قريبة المخرجِ من الطَّاء، ومعنى «يَظْهَرُوهُ» أي: يعلونه من فوق ظهره؛ لطوله، وملاسته، وصلابته، وثخانته، ثم قال ذو القرنين: «هَذَا» إشارةٌ غلى السدِّ «رَحْمَةٌ» أي: نعمة من الله، ورحمة على عباده ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي: القيامة.
وقيل: وقت خروجهم ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ أي: جعل السدَّ مدكوكاً مستوياً، مع وجه الأرض.
قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ : الظاهر أنَّ «الجَعْلَ» هنا بمعنى «التَّصْيير» فتكون «دكَّاء» مفعولاً ثانياً، وجوَّو ابن عطيَّة: أن يكون حالاً، و «جَعَلَ» بمعنى «خَلَقَ» وفيه بعدٌ؛ لأنه إذ ذاك موجود، وتقدَّم خلاف القراء في «دكَّاء» في الأعراف.
قوله: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ الوعْدُ هنا مصدر بمعنى «المَوعُود» أو على بابه.
فصل فيما روي عن يأجوج ومأجوج
روى قتادة، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة، يرفعه: أنَّ يأجُوج ومأجُوجَ يحفرونه كلَّ يوم، حتَّى إذا كادوا يرون شُعاعَ الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارجعوا؛ فسَتحْفُرونهُ غداً، فيُعيدهُ الله كما كان، حتَّى إذا بَلغَتْ مُدَّتهُمْ، حفروا؛ حتَّى كادوا يرون شعاع الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارْجِعُوا، فسَتحْفرُونَهُ، إن شاء الله تعالى غداً، واستثنى، فيَعُودُونَ إليه، وهو كهيئته حين تركوهُ، فيحفرونه، فيخرجون على النَّاس [فَيَشْرَبُونَ] المياهَ، ويتحَصَّنُ النَّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السَّماءِ، فتَرجِعُ فيها كهيئةِ الدَّم، فيقولون: قهرنا أهْلَ الأرْضِ، وعلونا أهل السَّماء، فيَبعَثُ الله عليهم نغفاً في أقفائهم، فَيهلكُونَ، وإنَّ دوابَّ الأرضِ لتسمنُ وتشكرُ من لحومهم.
وعن النَّواس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الدَّجَّال ذات غداةٍ، فخفَّض فيه ورفَّع حتَّى ظننَّاهُ في طائفةِ النَّخل، فلمَّا رحنا إليه، عرف ذلك فينا، فقال: ما شَأنكم؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرتَ الدَّجالِ أخْوفني عليكم، إنْ يخرجْ وأنا فيكم، فأنا حَجيجُهُ دونكم، وإن يخرج، ولستُ فيكم، فكلُّ امرئٍ حَجِيجُ نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم؛ إنَّهُ شابٌّ قططٌ، عينه طافيةٌ؛ كأنِّي أشبِّهه بعبد العُزَّى بن قطنٍ، فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنَّه خارجٌ خلَّة بين الشَّام والعراق، فعاث يميناً، وعاث شمالاً؛ يا عباد الله فاثبتوا قلنا: يا رسول الله، وما لبثهُ في الأرض؟ قال: أربعون يوماً؛ يومٌ كسنةٍ، ويومٌ كشهرٍ، ويومٌ كجمعةٍ، وسَائ~رُ أيَّامه كأيَّامكُمْ، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليومُ الذي كسنةٍ، يكْفِينَا فيه صلاةُ يوم؟ قال: لا، اقدرُوا لهُ قدرهُ، قلنا: يا رسول الله، وما إسراعهُ في الأرض؟ قال: كالغَيْثِ اسْتدْبَرَتهُ الرِّيحث، فيأتي على القومِ، فيَدعُوهُمْ، فيُؤمِنُونَ به، ويسْتَجيبُونَ له، فيَأمُر السَّماءَ، فتُمْطِرُ، والأرض فتُنْبِتُ، وتَروحُ عليهم سارحتهم، أطول ماكانت ذُرًى، وأسبغهُ ضُرُوعاً، وأمدَّهُ خَواصِرَ، ثمَّ يأتي القوم، فيَدعُوهُمْ، فيَردُّونَ عليه قوله، قال: فيَنْصرِفُ عنهم، فيُصْبِحُونَ مُمْحلين، ليس بايديهم شيءٌ من أموالهم، ويمرُّ بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنُوزكِ، فتَتْبَعُهُ كنُوزهَا؛ كيعَاسيب النَّحلِ، ثمَّ يدعو رجلاً مُمتلِئاً شباباً، فيَضْرِبُهُ بالسَّيفِ، فيَقْطعُه جزلتين رمية الغرض، ثمَّ يدعوهُ، فيُقْبلُ، يتهلَّلُ وجههُ؛ يضحك، فبينما هو كذلك؛ إذْ بعثَ الله عيسى ابن مريم المسيح - عليه السلام - فينزلُ عند المنارةِ البيضاءِ شرقيَّ دمشق، بين مهرُودتين واضعاً كفَّيه على أجْنحَةِ ملكين، إذا طأطأ رأسهُ، قطر، وإذا رفعه؛ تحدَّر منه مثل جمان اللؤلؤِ، فلا يحلُّ للكافر يجدُ ريحَ نفسه غلاَّ مات، ونفسه ينتهي حيثُ ينتهي طرفه حتَّى يدركه ببابِ لدٍّ، فيقتلهُ، ثمَّ يأتي عيسى قومٌ قد عصمهمُ الله منهُ، فيَمْسحُ عن وجوههم، ويحدِّثهُمْ بدرجاتهم في الجنَّة، فبينما هو كذلك إذْ أوحى الله تعالى غلى عيسى: إنِّي قَدْ أخرجتُ عباداً لي لا يدان لأحدٍ بقتالهم، فحرِّزْ عبادي إلى الطُّور، ويبعثُ الله يأجُوج ومأجُوجَ، وهُمْ من كلِّ حدبٍ ينسلون، فيمُرُّ أوائلهُم على بحيرة «طبَريَّة» فيَشْربُونَ ما فيها، ويمرُّ آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرَّة ماءٌ، ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأسُ الثَّور لأحدهم خيراً من مائة دينارٍ لأحدكم اليْومَ، فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيُرسِلُ الله تعالى عليهم النَّغف في رقابهم، فيُصْبِحُون فَرْسَى كموتِ نفسٍ واحدةٍ ثمَّ يهبطُ نبيُّ الله وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدُونَ في الأرض موضع شبر إلا ملأهُ زَهمهُمْ ونتنهُمْ، فيَرْغبُ نبيُّ الله عيسى وأصحابهُ إلى الله، فيُرسِلُ الله عليهم طيراً؛ كأعناقِ البُخْتِ، فتَحْملهُمْ، فتَطْرَحهُمْ حيثُ شَاءَ الله، ثمَّ يرسلُ الله مطراً، لا يكنُّ منهُ بيتٌ مَدَرٌ، ولا وبرٌ، فيَغْسِلُ الأرض، حتَّى يَتركهَا كالزَّلقة، ثمَّ يقال للأرض: أنْبتِي ثَمرتك، ورُدِّي بَركتَكِ، فيَومئذٍ: تَأكلُ العَصابةُ الرُّمانَة، ويَسْتظلُّونَ بِقحْفِهَا، ويبارك في الرِّسلِ، حتَّى إنَّ اللقحة من الإبل، لتكفي الفئامَ من النَّاس، وبينما هم كذلك؛ إذْ بعث الله ريحاً طيبة، فتَأخُذهُمْ تحت آباطهم، فتَقْبِضُ رُوح كلِّ مؤمنٍ، وكلِّ مسلمٍ، ويبقى شِرارُ النَّاس يَتهارَجُونَ فيها تَهارُجَ الحُمُر، فعليهم تَقومُ السَّاعةُ.
قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ الآية.
قيل: هذا عند فتح السَّد، وتركنا يأجوج ومأجوج يموجُ بعضهم في بعضٍ، أي: يزدحمون كموج الماء، ويختلط بعضهم في بعضٍ؛ لكثرتهم.
وقيل: هذا عند قيام السَّاعة يدخل الخلق بعضهم في بعض، ويختلط إنسيُّهم بِجنِّيِّهِمْ حَيَارَى.
قوله: «يَوْمئِذٍ» التنوين عوضٌ من جملةٍ محذوفة، تقديرها: يوم إذ جاء وعدُ ربِّي، أو إذ حجز السدُّ بينهم.
قوله: ﴿يَمُوجُ﴾ : مفعول ثانٍ ل «تَركْنَا» والضمير في «بَعْضهُمْ» يعود على «يَأجُوج ومأجُوج» أو على سائر الخلق.
قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ . لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب السَّاعة، وتقدَّم الكلام في الصور، ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾ في صعيدٍ واحدٍ.
«وعَرضْنَا» : أبْرَزْنَا.
﴿جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ حتَّى يشاهدوها عياناً.
قوله: ﴿الذين كَانَتْ﴾ : يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من «لِلْكافِرينَ» أو بياناً، أو نعتاً، وأن يكون منصوباً بإضمار «أذمُّ» وأن يكون مرفوعاً خبر ابتداءٍ مضمرٍ.
ومعنى ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ﴾ : أي: [غشاءٍ، والغطاء: ما يغطِّي الشيء ويسترهُ ﴿عَن ذِكْرِي﴾ : عن الإيمان والقرآن، والمراد منه: شدَّة انصرافهم عن قَبُول الحقِّ، وعن الهدى والبيان، وقيل: عن رؤية الدلائل: ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ .
أي: سمع الصَّوت، أي: القبول والإيمان؛ لغلبةِ الشَّقاء عليهم.
وقيل: لا يعقلون، وهذا قوله: ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ [المائدة: 71] .
أما العمى، فهو قوله: ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾ وأما الصّمم فقوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ .
أي: لا يقدرون [أن يَسْمَعُوا] من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما يتلوه عليهم؛ لشدَّة عداوتهم له.
الكهف 18:86
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ الآية.
قد تقدَّم في أول هذه السورة أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الرُّوح، فقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ هو ذلك السؤال، واختلفوا في ذي القرنين، فقيل: هو الإسكندر بن فيلبوس اليونانيُّ، وقيل: كان اسمه مرزبان بن مرزبة من ولد يونان بن ثافث بن نوحٍ، وكان اسود، قال بعضهم: كان نبيًّا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض﴾ والأولى حمله على التمكين في الدِّين، والتَّمكين الكامل في الدِّين هو النبوة، ولقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ ومن جملة الأسباب النبوة، فمقتضى العموم أنه آتاهُ من النبوة سبباً، ولقوله تعالى: ﴿ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ والذي يتكلَّم الله معه لا بد وأن يكون نبياً. قال ابو الطفيل، وسئل عن ذي القرنين: أكان نبيًّا أم ملكاً؟ قال: لم يكن نبياً، ولا ملكاً، ولكن كان عبداً أحبَّ الله، فأحبَّه الله، وناصح الله فناصحه.
روي أنَّ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - سمع رجلاً يقول لآخر: «يَا ذَا القرنين» فقال: تسمَّيتم بأسماء النبيين، فلم ترضوا حتى تسمّيتم بأسماء الملائكة. والأكثرون على أنه كان ملكاً عادلاً صالحاً، واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين قيل: لأنه بلغ قرني الشمس: مشرقها ومغربها، وأيضاً: بلغ ملكه أقصى الشمال، لأنَّ «يأُجوجَ ومأجُوجَ» قومٌ من التركِ يسكنون في أقصى الشمالِ، فهذا المسمَّى بذي القرنين قد دلَّ القرآن على أنَّ ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال، وهذا نهاية المعمور من الأرض، ومثل هذا الملك البسيط على خلاف العادات، فيجب أن يبقى ذكره مخلّداً على وجه الدهر لا يخفى، والذي اشتهر في كتب التواريخ أن الذي بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر، وذلك أنه لمَّا مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك العرب وقهرهم، وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر، ثم عاد إلى مصر، فبنى الإسكندرية، وسمَّاها باسم نفسه، ثم دخل الشَّام، وقصد بني إسرائيل، وورد «بيت المقدس» ، وذبح في مذبحه، ثم انعطف إلى «أرمينيَّة» و «باب الأبواب» ودان له العراقيُّون، والقبط، والبربر، ثم توجه نحو دارا بن دارا، وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه، واستولى الإسكندر على ممالك الفرس، وقصد الهند والصِّين، وغزا الأمم البعيدة، ورجع إلى «خراسان» وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق، ومرض ب «شهرزور» ومات، فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض أو ما يقرب منها، وثبت من التَّواريخ أن من هذا شأنه ماكان إلاَّ الإسكندر وجب القطعُ بأنَّ المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني.
قيل: وسمِّي بذي القرنين، لأنه ملك الرُّوم وفارس، وقيل: لأنه دخل النور والظلمة، وقيل: لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشَّمس، وقيل: لأنه كانت له ذؤابتان حسنتان، وقيل: لأنه كان له قرنان تواليهما العمامة.
وروى أبو الفضلِ عن عليّ أنه أمر قومهُ بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيمن، فمات، فبعثه الله، فأمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيسر، فمات فأحياه الله.
وقيل: كان لتاجه قرنان، وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وقيل: لأن الله سخر له النُّور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه، وتمتد الظلمة من ورائه.
فروي أن ذا القرنين أمر ببناء مدنٍ كثيرةٍ منها: «الدبوسية» و «حمدان» و «برج الحجارة» ، ولما بلغ «الهند» بنى مدينة «سرنديب» وأن أرباب الحساب قالوا له: إنَّك لا تموتُ إلا على أرض من حديدٍ، وسماه من خشب، وكان يدفن كنوز كلِّ بلدٍ فيها، ويكتب ذلك معه بصفته وموضعه، فبلغ «بابل» ، فرعف، فسقط عن دابَّته، فبسطت له دروع فنام عليها، فآذته الشمس، فأظلوه بتُرسٍ، فنظر وقال: هذه أرضٌ من حديدٍ وسماء من خشبٍ، فأيقن بالموت، فمات وهو ابنُ ألف سنة وثلاثمائة سنة.
وقال أبو الرَّيحان البيروني في كتابه المسمَّى ب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» : قيل: إنَّ ذا القرنين هو أبو كربٍ سُمَيُّ بن عبرين بن أقريقيش الحميريّ، وأنَّ ملكهُ بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير: [الكامل]
قَدْ كَانَ ذُو القَرنيْنِ قَبْلي مُسْلِماً ... مَلِكاً عَلا فِي الأرْضِ غير مُفَنَّدِ
بلغَ المشارِقَ والمغارِبَ يَبتَغِي ... أسْبابَ ملكٍ من كَرِيم سيِّدِ
ثم قال أبو الريحان: ويشبهُ أن يكون هذا القول أقرب، لأن الأذواء كانوا من اليمن، وهم الذين لا يخلون أساميهم من «ذي كذا» المنار، و «ذي نواس» ، و «ذي النُّون» ، و «ذي رعين» والقول الأول أظهر، لما تقدم من الدليل، ولأنه روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «سمِّي ذا القرنَيْنِ لأنَّه طاف قرنَي الدُّنيا شرقها وغربها» .
قال ابن الخطيب: إلاَّ أنَّ فيه إشكالاً قويًّا، وهو أن الإسكندر كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم، وكان على مذهبه، فتعظيم الله إيَّاه يُوجِبُ الحكم بأنَّ مذهب أرسطاطاليس حقٌّ وصدقٌ، وذلك ممَّا لا سبيل إليه.
قال ابن كثير: روي عن ابن عباسٍ: أنَّ اسم ذي القرنين عبد الله بن الضحاك.
وقيل: مصعبُ بن عبد الله بن قينان بن منصور بن عبد الله بن الآزر بن عون بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان.
وروي أنَّه كان من حمير، وأمُّه روميَّة، وأنه كان يقال له الفيلسوفُ؛ لعقله.
وقال السهيلي: قيل: كان اسمه مرزبي بن مرذبة ذكره ابن هشام، وهو أول التَّبابعة.
وقيل: إنه أفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك ويروى في خطبة قيس بن ساعدة التي خطبها بسوق عكاظ، أنه قال فيها يا معشر إياد أين الصعب ذو القرنين ملك الخافقين، وأوّل المسلمين، وعمر ألفين، ثم كان ذلك كطرفة عين، وأنشد ابن هشام: [الكامل]
والصَّعبُ ذُو القرنيْنِ أصْبحَ ثَاوِياً ... بالحِنْوِ حيث أميم مقيم
أمَّا ذو القرنين الثاني فهو الإسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن هردوس ابن ميطون بن رومي بن نويط بن نوفيل بن ليطى بن يونان بن يافث بن نوح بن سرحون بن رومي بن قريط بن نوفيل بن رومي بن الأصفر بن اليغز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليه السلام - كذا نسبه ابن عساكر المقدوني اليوناني المصري باني الإسكندرية الذي يؤرِّخ بأيَّامه الروم، وكان متأخِّراً عن الأول بدهر طويل، وكان هذا قبل المسيح بنحوٍ من ثلاثمائة سنة، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف، وهو قتل دارا بن دارا [ملك] ملوكِ الفرس.
وإنما نبهنا على هذا؛ لأنَّ كثيراً من الناس يعتقد أنهما واحدٌ، وأن المذكور في القرىن هو الذي كان أرسطاطاليس وزيرهُ، فيقع بذلك خطأ كثير؛ فإنَّ الأول كان مؤمناً عبداً صالحاً، وملكاً عادلاً، وكان وزيره الخضر - عليهما السلام - وكان نبيًّا، وأمَّا الثاني فكان مشركاً، وكان وزيره فيلسوفاً، وكان بين زمانيهما أزيد من ألفي [سنة] فأين هذا من هذا؟ .
قوله: «سَأتلُو» : دخلت السين ها هنا؛ لأن المعنى أني سأفعل هذا إن وفَّقني الله عليه، وأنزل عليَّ وحياً، وأخبرني عن كيفية تلك الحال.
قوله «مِنْهُ ذِكْراً» أي: من أخباره وقصصه.
قوله: «إنَّا مكَّنا له» .
ومعنى «مكنَّا لهُ» : أوطأنا، والتمكينُ: تمهيد الأسباب قال عليٌّ: سخَّر له السَّحاب، فحمله عليه، ومدَّ له في الأسباب، وبسط له في النُّورِ، وكان اللَّيلُ والنهار عليه سواء، فهذا معنى تمكنيه في الأرض؛ وأنه سهَّل عليه السير فيها، وذلل له طريقها.
وهذا التَّمكينُ بسبب النبوة، ويحتمل أن يكون المراد التمكين بسبب الملكِ من حيث إنه ملك مشارق العالم ومغاربه، والأول أولى؛ لأنَّ التمكينَ بسبب النبوّة أعلى من التمكين بسبب الملك، وحمل كلام الله تعالى على الوجه الأكمل الأفضل أولى، ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ قالوا: السبب في أصل اللغة عبارة عن الحبل، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى المقصود، وهو يتناول العلم والقدرة والآلة، فلذلك قيل: «وآتيناه من كل شيء» ما يستعين به الملوك على فتح المدن، ومحاربة الأعداء «سبباً» أي: علماً يتسبب به إلى كل ما يريد ويسير به في أقطار الأرض، وقيل: قرَّبنا له أقطار الأرض.
واستدلوا بعموم قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ على أنه كان نبيًّا كما تقدَّم، ومن أنكر نبوته قال: المعنى: وآتيناه من كلِّ شيءٍ يحتاجُ إلى إصلاح ملكه إلاَّ أن تخصيص العموم خلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلاَّ بدليلٍ.
قوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ .
قرأ نافع، وابن كثيرٍ، وأبو عمرو «فَاتَّبعَ» و «ثمَّ اتَّبعَ» في الموضعين بهمزة وصل، وتشديد التاء. والباقون بهمزة القطع في المواضع الثلاثة وسكون التاء.
فقيل: هما بمعنى واحدٍ فيتعدَّيان لمفعولٍ واحدٍ.
وقيل: «أتْبَعَ» بالقطع متعدٍّ لاثنين حذف أحدهما تقديره: فأتْبع سبباً سبباً آخر، أو فأتبع أمره سبباً آخر، ومنه ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً﴾ [القصص: 42] فعدَّاه لاثنين ومن حذف أحد المفعولين: قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: 60] ، أي: أتبعوهم جنودهم. واختار أبو عبيد «اتَّبعَ» بالوصل، قال: «لأنَّه من المسيرِ» قال: تقول: تبعتُ القوم واتَّبعتُهم. فأمَّا الإتباعُ بالقطع فمعناه اللحاقُ، كقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] .
وقال يونس، وأبو زيدٍ: «أتْبعَ» بالقطع عبارة عن المجدِّ المسرعِ الحثيثِ الطلب. وبالوصلِ إنَّما يتضمَّن الاقتفاء دون هذه الصفات.
قال البغويُّ: والصحيح الفرق بينهما، فمن قطع الألف، فمعناه: أدرك ولحق، ومن قرأ بالتشديد فمعناه: سار، يقال: ما زلتُ أتَّبعه حتى اتبعته، أي: ما زلتُ أسير خلفهُ حتى لحقته، ومعنى الآية: أنه تعالى لمَّا أعطاهُ من كل شيءٍ سببه، فإذا أراد سبباً أتبع سبباً يوصله إليه ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة﴾ .
عن أبي ذرٍّ قال: كنت رديف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على جملٍ، فرأى الشمس حين غابت، فقال: أتدري يا أبا ذرٍّ، أتدري أين تغربُ هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: «فإنَّها تغربُ في عينٍ حاميةٍ» وهي قراءة ابن مسعود، وطلحة، وابن عمر، واختارها أبو عبيدة، قال: لأنَّ عليها جماعة من الصحابة.
وأما القراءة الثانية، فهي من الحمأةِ، وهي الطِّين، وهي قراءة ابن عبَّاس.
فصل
ثبت بالدَّليل أنَّ الأرض كرة، وأنَّ السماء محيطة، وأنَّ الشمس في الفلك الرابع، وكيف يعقل دخولها في عينٍ؟ وأيضاً قال: «وجد عِنْدهَا قوماً» ومعلومٌ أن جلوس القوم قرب الشَّمسِ غير موجودٍ، وأيضاً فالشمس أكبر من الأرض بمراتٍ كثيرةٍ، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ وإذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ من وجوه:
الأول: أنَّ ذا القرنين لما بلغ موضعاً من المغرب، لم يبق بعدهُ شيءٌ من العماراتِ، وجد الشَّمس كأنَّها تغربُ في عينٍ مظلمةٍ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة كما أنَّ راكب البحر يرى الشمس كأنَّها تغيبُ في البحر إذا لم يرَ الشطَّ، وهي في الحقيقة تغيبُ وراء البحر، ذكر هذا التأويل الجبائيُّ في تفسيره.
الثاني: أنَّ للجانب الغربيّ من الأرض مساكنَ يحيطُ البحر بها، فالناظرُ إلى الشَّمْسِ يتخيلُ كأنَّها تغيب في تلك البحار، ولا شكَّ أنَّ البحار الغربية قويةٌ السخونة، فهي حاميةٌ، وهي أيضاً حمئة لكثرة ما فيها من الماء ومن الحمأةِ السَّوداءِ، فقوله: ﴿تَغْربُ في عينٍ حمئةٍ﴾ إشارةٌ إلى أن الجانب الغربي منالأرض قد أحاط البحر به، وهو موضعٌ شديدُ السخونة، قال اهل الأخبار: إنَّ الشمس تغيب في عينٍ كثيرة الماءِ والحمأةِ، وهذا في غاية البعد؛ وذلك لأنَّا إذا رصدنا كسوفاً قمريًّا، فإذا اعتبرناه، ورأينا أنَّ المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أوَّل الليل، ورأينا المشرقين، قالوا: حصل في أوَّل النَّهار علمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق، بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا هو وقت العصر في بلد، ووقت الظُّهر في بلدٍ آخر، ووقت الضَّحوة في بلد ثالثٍ، ووقت طلوع الشمس في بلدٍ رابع، ونصف الليل في بلد خامسٍ، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بالاستقراء والأخبار وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنَّها تغيبُ في الطين والحمأة كلاماً على خلاف اليقين؛ وكلام الله تعالى مبرَّأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلاَّ أن يصار غلى التَّأويل المذكور
ثم قال: «ووجد عندها قوماً» أي: عند العين أمة، وقيل: الضمير [عائد] إلى الشمس.
قال ابن جريج: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجبُ.
قوله: ﴿قُلْنَا ياذا القرنين﴾ يدل على أنه تعالى كلمه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبيًّا، فإن قيل: خوطب على ألسنة بعض الأنبياء، فهو عدولٌ عن الظاهر.
وقال بعضهم: المراد منه الإلهام.
قوله: ﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ﴾ .
يجوز فيه الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي: إمَّا تعذيبك واقعٌ، والرفع على خبر مضمرٍ، أي: هو تعذيبك، والنصب اي: إمَّا أن تفعل أن تعذِّب.
وهذا يدلُّ على أنَّ سكَّان آخر المغرب، كانوا كفاراً، فخيَّر الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب، إن أقاموا على الكفر، وبين المنِّ عليهم، والعفو عنهم، وهذا التخيير على معنى الاجتهاد في أصلح المرين، كما خيَّر نبيه - محمداً عليه الصلاة والسلام - بين المنِّ على المشركين، وبين قتلهم.
وقال الكثرون: هذا التعذيب هو القتل، وأمَّا اتِّخاذ الحسنى فيهم، فهو تركهم أحياء.
ثم قال ذو القرنين: ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ﴾ أي: ظلم نفسه؛ بمعنى «كفر» لأنَّه ذكر في مقابلته: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾ ثم قال: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أي بقتله ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ﴾ في الآخرة ﴿عَذَاباً نُّكْرا﴾ أي: منكراً فظيعاً.
وهو النار، والنار أنكر من القتل.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ .
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى﴾ الآية.
قوله: ﴿جَزَآءً الحسنى﴾ قرأ الأخوان، وحفص بنصب «جزاءً» وتنوينه، والباقون برفعه مضافاً، فالنصب على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة، أو بنصب بمضمرٍ، أو مؤكدٍ لعامل من لفظه مقدَّر، أي: يجزي جزاء، وتكون الجملة معترضة بين المبتدأ وخبره المقدَّم عليه، وقد يعترض على الأول: بأنَّ المصدر المؤكِّد لمضمون جملة لا يتقدَّم عليها، فكذا لا يتوسَّطُ، وفيه نظر يحتمل الجواز والمنع، وهو إلى الجواز أقرب.
الثالث: أنه في موضع الحال.
الرابع: نصبه على التفسير، قاله الفراء؛ يعني التمييز، وهو بعيد.
وقرأ ابن عباس، ومسروق بالنصب والإضافة، وفيها تخريجان: أحدهما: أن المبتدأ محذوف، وهو العامل في «جزاءَ الحُسْنى» التقدير: فله الجزاء جزاء الحسنى.
والثاني: أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب]
3565 - ... ... ... ... ... ..... ولا ذَاكِرَ الله إلاَّ قَلِيلا
ذكره المهدويُّ.
والقراءة الثانية رفعه فيها على الابتداء، والخبر الجار قبله، و «الحُسْنَى» مضاف إليها، والمراد بالحسنى الجنَّة، وقيل: الفعلة الحسنى.
وقرأ عبد الله، وابن أبي إسحاق «جزاءٌ» مرفوعاً منوناً على الابتداء، و «الحُسْنَى» بدلٌ، أو بيان، أو منصوبة بإضمار «أعْنِي» أو خبر مبتدأ مضمرٍ.
و «يُسْراً» نعت مصدر محذوف، أي: قولاً ذا يسرٍ، وقرأ أبو جعفر بضم السين في اليُسُر حيث ورد.
فصل في اختلاف معنى الآية باختلاف القراءة
قال المفسرون: المعنى على قراءة النصب: فله الحسنى جزاء؛ كما يقال: لك هذا الثوب هبةً.
وعلى قراءة الرفع، فيه وجهان:
أحدهما: فله الجزاءُ الحسنى، والفعلةُ الحسنى: هي الإيمانُ، والعمل الصَّالح.
والثاني: فلهُ جزاء المثوبة الحسنى، وإضافة الموصوف إلى الصِّفة مشهورةٌ؛ كقوله: ﴿وَلَدَارُ الآخرة﴾ [يوسف: 109] . و ﴿حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] .
وقوله: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ الآية، أي: لا نأمرهُ بالصَّعب الشَّاق، ولكن بالسَّهل الميسَّر من الزَّكاة، والخراج وغيرهما، وتقديره: ذا يسر؛ كقوله: ﴿قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ [الإسراء: 28] .
قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس﴾ .
أي: سلك طرقاً ومنازل ﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ﴾ أي: موضع طلوعها ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ .
قال الحسنُ وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستراً، وليس هناك شجرٌ، ولا جبلٌ، ولا أبنيةٌ، تمنع [طلوع] الشمس عليهم؛ لأنَّهم كانوا في مكان لا يستقرُّ عليهم بناءٌ، وكانوا يكونون في أسراب لهم، حتَّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم.
وقال الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس، يدخلون الماء، فإذا ارتفعت عنهم، خرجوا فرعوا؛ كأنَّهم بهائمُ.
قال الكلبيُّ: هم قومٌ عراةٌ؛ كسائر الحيوان، يفترشُ أحدهم أذنيه؛ أحدهما تحته، ويلتحفُ بالأخرى.
فصل فيما يروى عن السد
ذكروا في بعض كتب التفسير: أن بعضهم، قال: سافرت، حتَّى جاوزت الصِّين، فسألت عن هؤلاء القوم، فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلةٍ، فبلغتهم، فإذا أحدهم يفترش إحدى أذنبه، ويلبس الأخرى، فلما قرب طلوع الشمس، سمعت صوتاً كهيئة الصَّلصلة، فغُشي عليَّ، ثم أفقتُ، فلمَّا طلعت الشمس؛ إذ هي فوق الماءِ؛ كهيئة الزيت، فأدخلونا سرباً لهم، فلما ارتفع النَّهار، جعلوا يصطادون السَّمك فيطرحونه في الشمس؛ فينضج.
قوله: ﴿مَطْلِعَ الشمس﴾ .
العامَّة على كسر اللام من «مَطْلِع» والمضارعُ «يَطلُع» بالضم، فكان القياس فتح اللام في المفعل مطلقاً، ولكنَّها مع أخواتٍ لها سمع فيها الكسر، وقياسها الفتح، وقد قرأ به الحسن، وعيسى، وابن محيصن، ورويت عن ابن كثيرٍ، وأهل مكة، قال الكسائي: «هذه اللغة قد ماتت» يعني: أي: بكسر اللام من المضارع، والمفعل، وهذا يشعرُ أنَّ من العرب من كان يقول: طَلَع يَطلِعُ، بالكسر في المضارع.
قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ : الكاف: إمَّا مرفوعة المحلِّ، أي: الأمر كذلك، أو منصوبته، أي: فعلنا مثل ذلك.
ومعنى الكلام: كذلك فعل ذو القرنينِ، أتبع هذه الأسباب، حتى بلغ، وقد علمنا حين ملَّكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك.
وقيل: كذلك جعل الله أمر هؤلاء القوم على ما قد أعلم رسول الله - عليه السلام - في هذا الذِّكر.
وقيل: كذلك كانت حاأهل المطلع؛ كما كانت حاله مع أهل المغرب، قضى في هؤلاء، كما قضى في أولئك؛ من تعذيب الظالمين، والإحسان إلى المؤمنين.
وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ .
والمعنى: أنه تعالى قال: أمر هؤلاء القوم، كما وجدهم عليه ذو القرنين، ثم قال بعده: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً﴾ أي: كنَّا عالمين بأنَّ الأمر كذلك.
قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ الآية.
و ﴿بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ «بين» هنا يجوز أن يكون ظرفاً، والمفعول محذوف، أي: بلغ غرضه ومقصوده، وأن يكون مفعولاً به على الاتِّساع، أي: بلغ المكان الحاجز بينهما.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بفتح سين «السَّدَّين» و «سَدًّا» في هذه السورة، وحفصٌ فتح الجميع، أعني موضعي هذه السورة، وموضعي سورة يس [الآية: 9] ، وقرأ الأخوان بالفتح في «سدًّا» في سورتيه، وبالضمِّ في «السُّدَّين» والباقون بالضمِّ في الجميع، فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وقيل: لمضمومُ: ما كان من فعل الله تعالى، والمفتوحُ ما كان من فعل النَّاس، وهذا مرويٌّ عن عكرمة، والكسائي، وأبي عبيد وابن الأنباريِّ.
قال الزمخشري: لأنَّ السُّدَّ، بالضمِّ: «فُعْل» بمعنى «مفْعُول» أي: هو مما فعله الله، وخلقه، والسَّدُّ، بالفتح: مصدر حدث يحدثه الناس. وهو مردودٌ: بأنَّ السدَّين في هذه السورة جبلان، سدَّ ذو القرنين بينهما بسدٍّ، فهما من فعلِ الله، والسدُّ الذي فعله ذو القرنين من فعل المخلوق، و «سدًّا» في يس من فعلِ الله تعالى؛ لقوله: «وجعلنا» ومع ذلك قرئ في الجميع، بالفتح، والضمِّ، فعلم أنَّهما لغتان؛ كالضَّعف، والضُّعف، والفَقر، والفُقر، وقال الخليل: المضموم اسمٌ، والمفتوح مصدر، وهذا هو الاختيار.
فصل في مكان السد
الأظهرُ: أنَّ موضع السدَّين في ناحية الشَّمال، وقيل: جبلان بين أرمينيَّة، وأذربيجان.
وقيل: هذا المكان في مقطع أرض التُّرك.
وحكى محمد بن جرير الطبريُّ في تاريخه: أنَّ صاحب أذربيجان أيَّام فتحها، وجَّه إنساناً إليه من ناحية الخزر، فشاهده، ووصف أنَّه بنيانٌ رفيعٌ وراء خندقٍ وثيقٍ منيعٍ، وذكر ابن خرداذبة في كتابه «المسالك والممالك» أن الواثق بالله رأى في المنام كأنَّه فتح هذا الردم، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه، فوصفوا أنه بنيانٌ من لبنٍ من حديد مشدود بالنُّحاس المذاب، وعليه بابٌ مقفلٌ، ثم إنَّ ذلك الإنسان لمَّا حاول الرُّجوع، أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند.
فصل في مقتضى هذا الخبر
قال أبو الرَّيحان البيرونيُّ: مقتضى هذا الخبر أنَّ موضعه في الربع الشماليِّ الغربيِّ من المعمورة.
قوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ : قرأ الأخوان بضمِّ الياء، وكسر القاف، من أفقه غيره، فالمفعول محذوف، أي: لا يفقهون غيرهم قولاً، والباقون بفتحهما، أي: لا يفهمون كلام غيرهم، وهو بمعنى الأول، وقيل: ليس بمتلازمٍ؛ إذ قد يفقه الإنسان كلام غيره، ولا يفقه قوله غيره، وبالعكس.
فصل في كيفية فهم ذي القرنين كلام أولئك القوم
لمَّا بلغ ذو القرنين ما بين السَّدين ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا﴾ [أي] من ورائهما مجاوزاً عنهما «قوماً» ، أي: أمَّة من الناس ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ .
فإن قيل: كيف فهم ذو القرنين منهم هذا الكلام، بعد أن وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ ؟ .
فالجواب من وجوه:
أحدهما: قيل: كلّم عنهم مترجمٌ؛ ويدل عليه قراءة ابن مسعودٍ: لا يكادون يفقهون قولاً، قال الذين من دونهم: يا ذا القرنين ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوج﴾ .
وثانيها: أن قوله: ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ يدلُّ على أنَّهم قد يفقهون بمشقَّة وصعوبة [من إشارة ونحوها] .
وثالثها: أنَّ «كاد» معناه المقاربة؛ وعلى هذا، فلا بدَّ من غضمارٍ، تقديره: لا يكادون يفقهون إلاَّ بمشقةٍ؛ من إشارة ونحوها.
قوله: ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوج﴾ : قرأ عاصم بالهمزة الساكنة، والباقون بألف صريحة، واختلف في ذلك؛ فقيل: هما أعجميَّان، لا اشتقاق لهما، ومنعا من الصرف؛ للعلميَّة والعجمة، ويحتمل أن تكون الهمزة أصلاً، والألف بدلاً منها، أو بالعكس؛ لأنَّ العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية، وقيل: بل هما عربيَّان، واختلف في اشتقاقهما.
فقال الكسائي: يأجوجُ: مأخوذٌ من تأجُّج النار، ولهبها أو شدَّة توقُّدها؛ فلسرعتهم في الحركة سمُّوا بذلك، ومأجوج من موج البحر.
وقيل من الأجِّ، وهو الاختلاط أو شدَّة الحرِّ.
وقيل من الأجِّ، وهو الاختلاط أو شدَّة الحرِّ.
وقال القتيبيُّ: من الأجِّ، وهو سرعة العدو، ومنه قوله: [الطويل]
3566 - ... ... ... ... ... ..... تَؤجُّ كمَا أجَّ الظَّلِيم المُنفَّرُ
وقيل: من الأجاجِ، وهو الماءُ المالح الزُّعاقُ.
وقال الخليلُ: الأجُّ: حبٌّ؛ كالعدس، والمجُّ: مجُّ الرِّيق، فيحتمل أن يكونا مأخوذين منهما، ووزنهما يفعولُ، ومفعول، وهذا ظاهر على قراءة عاصم، وأمَّا قراءة الباقين، فيحتمل أن تكون الألف بدلاً من الهمزة الساكنة، إلا أنَّ فيه أنَّ من هؤلاء من ليس أصله قلب الهمزة الساكنة، وهم الأكثر، ولا ضير في ذلك، ويحتمل أن تكون ألفهما زائدتين، ووزنهما «فَاعُول» من يجَّ، ومجَّ.
ويحتمل أن يكون ماجوج من «مَاجَ، يَمُوجُ» أي: اضطرب، ومنه الموجُ، فوزنه مفعول، وأصله: مَوجُوج، قاله أبو حاتم، وفيه نظر؛ من حيث ادِّعاءُ قلب حرف العلة، وهو ساكنٌ، وشذوذه كشذوذ «طائي» في النَّسب إلى طيِّئ.
وعلى القول بكونهما عربيَّين مشتقَّين، فمنع صرفهما؛ للعلميَّة والتأنيث؛ بمعنى القبيلة؛ كما تقدَّم في سورة هود، ومثل هذا الخلاف والتعليل جارٍ في سورة الأنبياء [الآية: 93]- عليهم السلام - والهمزة في يأجوج ومأجوج لغة بني أسدٍ، وقرأ رؤبة وأبوه العجاج «آجُوج» .
فصل في اصل يأجوج ومأجوج
اختلفوا في أنَّهم من أيِّ الأقوام، فقال الضحاك: هم جيلٌ من التُّرك.
وقال السديُّ: التُّرك: سريَّة من يأجُوج ومأجوج، خرجت، فضرب ذو القرنين السدَّ، فبقيت خارجة، فجميع الترك منهم.
وعن قتادة: أنَّهم اثنان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السدَّ على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت قبيلة واحدة، وهم التُّركُ، سمُّوا بذلك؛ لأنَّهم [تركوا] خارجين.
فصل في أجناس البشر
قال أهل التَّاريخ: أولاد نوحٍ ثلاثة: سام، وحام، ويافث. فسام أبو العرب، والعجم، والرُّوم.
وحام: أبو الحبشة، والزَّنج، والنُّوبة.
ويافث: أبو التُّرك، والخزر، والصقالبة، ويأجوج ومأجوج.
واختلفوا في صفاتهم:
فمن النَّاس من وصفهم بقصر القامة، وصغر الجثَّة بكون طول أحدهم شبراً، ومنهم من يصفهم بطُول القامة، وكبر الجثَّة، فقيل: طول أحدهم مائةُ وعشرون ذراعاً، ومنهم من طوله وعرضه كذلك، وأثبتوا لهم مخالب في الأظفار وأضراساً كأضراسِ السِّباع، ومنهم من يفترش إحدى أذنيه، ويلتحفُ بالأخرى.
فصل في إفسادهم
واختلفوا في كيفية إفسادهم:
فقيل: كانوا يقتلون الناس.
وقيل: كانوا يأكلوه لحوم النَّاس، وقيل: كانوا يخرجون أيَّام الربيع ولا يتركون لهم شيئاً أخضر.
وبالجملة: فلفظ الفساد يحتمل هذه الأقسام.
ثمَّ إنَّه تعالى حكى عن أهل ما بين السَّديْن أنَّهم قالوا لذي القرنين: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ الآية.
قوله: «خَرْجاً» قرأ ابن عامر «خَرْجاً» هنا وفي المؤمنين [الآية: 72] بسكون الراء، والأخوان «خَرَاجاً» «فَخَراج» في السورتين بالألف، والباقون كقراءة ابن عامر في هذه السورة، والأول في المؤمنين، وفي الثاني، وهو «فَخرَاج» كقراءة الأخوين، فقيل: هما بمعنى واحد كالقول والقوال، والنّوْل والنَّوال، وقيل: «الخَراجُ» بالألف ما ضرب على الأرض من الإتاوةِ كلَّ عامٍ، وبغير الألف بمعنى الجعل، أي: نُعطيكَ من أموالنا مرَّة واحدة ما تستعينُ به على ذلك، وقال أبو عمر: الخرج: ما تبرَّعت به، والخراج ما لزمك أداؤهُ.
قال مكيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: واختيار تركُ الألف؛ لأنَّهم إنما عرضوا عليه: أن يعطوه عطيَّة واحدة على بنائه، لا أن يضرب ذلك عليهم كلَّ عامٍ، وقيل: الخرجُ: ما كان على الرءوس، والخراج: ما كان على الأرض، قاله قطرب يقال: أدِّ خرج رأسك، وخراج أرضك، قاله ابن الأعرابيِّ، وقيل: الخرجُ أخصُّ، والخَراجُ أعمُّ، قاله ثعلبٌ، وقيل: الخرجُ مصدر، والخراجُ: اسم لما يعطى، ثم قد يطلق على المفعول المصدر؛ كالخلقِ؛ بمعنى المخلوق.
ثم قال: ﴿على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ أي: حاجزاً، فلا يصلون إلينا.
قوله: ﴿مَا مَكَّنِّي﴾ : «ما» بمعنى «الذي» وقرأ ابن كثيرٍ: «مكَّنني» بإظهار النون، والباقون بإدغامها في نون الوقاية؛ للتخفيف.
وهي مرسومةٌ في مصاحف غير مكَّة بنون واحدة، وفي مصاحف مكَّة بنونين، فكلٌّ وافق مصحفه.
ومعنى الكلام: ما قوَّاني عليه ربِّي خيرٌ من جعلكم، أي: ما جعلني مكيناً من المال الكثير، خيرٌ ممَّا تبذلُون لي من الخراج؛ فلا حاجة بي إليه، كقول سليمان - عليه السلام -: ﴿فَمَآ آتَانِي الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ﴾ [النمل: 36] .
قوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي: لا أريد المال، ولكن أعينوني بأيديكم، وقوَّتكم ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ .
والرَّدْم: هو السدُّ، يقال: ردمت الباب، أي: سددتُّه، وردمتُ الثوب: رقعته؛ لأنه يسدُّ موضع الخرق بالرَّقع، والرَّدم أكثر من السدِّ؛ من قولهم: ثوبٌ مردم، أي: وضعت عليه رقاعٌ.
قالوا: وما تلك القوة؟ . قال: فعلةٌ وصنَّاعٌ يحسنون البناء والعمل، والآلة.
قالوا: وما تلك الآلة؟ .
قال: ﴿آتُونِي﴾ : قرأ أبو بكرٍ «ايتُونِي» بهمزة وصلٍ؛ من أتى يأتي في الموضعين من هذه السورة؛ بخلاف عنه في الثاني، ووافقه حمزة على الثاني، من غير خلافٍ عنه، والباقون بهمزة القطع فيهما.
ف «زُبرَ» على قراءة همزة الوصل منصوبة على إسقاط الخافض، أي: جيئُوني بزُبرِ الحديد، وفي قراءة قطعها على المفعول الثاني؛ لأنه يتعدَّى بالهمزة إلى اثنين، وعلى قراءة أبي بكرٍ يحتاج إلى كسر التنوين من «رَدْماً» لالتقاءِ الساكنين؛ لنَّ همزة الوصل، تسقط درجاً، فيقرأ له بكسر التنوين، وبعده همزة ساكنة هي فاءُ الكلمة، وإذا ابتدأت بكلمتي «ائتُونِي» في قراءته، وقراءة حمزة، تبدأ بهمزة مكسورة للوصلِ، ثم ياءٍ صريحة، هي بدلٌ من همزة فاء الكلمة، وفي الدَّرج تسقط همزة الوصل، فتعود الهمزة؛ لزوالِ موجب إبدالها.
والباقون يبتدئون، ويصلون بهمزة مفتوحة؛ لأنَّها همزة قطعٍ، ويتركون تنوين «رَدْماً» على حاله من السكون، وهذا كله ظاهر لأهل النحو، خفيٌّ على القراء.
والزُّبَرُ: جمع زُبْرَة، كغُرفَةٍ وغُرَفٍ.
و «زُبَرَ الحَديدِ» قطعه.
قال الخليل: الزُّبرة من الحديد: القطعة الضخمة.
وقرأ الحسن بضمِّ الباء.
قوله: «سَاوَى» هذه قراءة الجمهور، وقتادة «سوَّى» بالتضعيف، وعاصم في رواية طسُوِّيَ «مبنيًّا للمفعول.
وفيه إضمارٌ، أي: فأتوهُ بها، فوضع تلك الزُّبرَ بعضها على بعض ﴿حتى إِذَا ساوى﴾ أي سدت ما بين الجبلين إلى أعلاهما.
قوله:» الصَّدفَيْنِ» قرأ أبو بكرٍ بضم الصاد، وسكون الدَّال، وابن كثيرٍ، وأبو عمرو، وابن عامر بضمهما، والباقون بفتحهما، وهذه لغاتٌ قرئ بها في السَّبع، وأبو جعفرٍ، وشيبة، وحميد بالفتح والإسكان، والماجشونُ بالفتح والضمِّ، وعاصم في رواية بالعكس.
والصَّدفانِ: ناحيتا الجبلين، وقيل: أن يتقابل جبلان، وبينهما طريقٌ، والناحيتان صدفان؛ لتقابلهما، وتصادفهما، من صادفت الرجل، أي: لاقيته وقابلته، وقال أبو عبيد: «الصَّدفُ: كل بناءٍ مرتفعٍ، وقيل: ليس بمعروفٍ، والفتحُ لغة تميمٍ، والضمُّ لغة حميرٍ» .
فصل في بناء السد
لما أتوهُ بزبر الحديد، وضع بعضها على بعض؛ حتى ساوتْ، وسدَّت ما بين الجبلينِ، ووضع المنافخ عليها، والحطب، حتَّى إذا صارت كالنَّار، صبَّ النُّحاس المذاب على الحديدِ المحمَّى، فالتصق بعضه ببعض، فصار جبلاً صَلْداً.
وهذه معجزةٌ تامَّةٌ؛ لأنَّ هذه الزُّبَر الكثيرة، إذا نفخ عليها؛ حتَّى تصير كالنَّار، لم يقدر الحيوان على القرب منها، والنَّفخُ عليها لا يكون إلا بالقرب منها، فكأنَّه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النَّافخين عليها.
قيل: إنَّه وضع الحديد على الحطب، والحطب على الحديد؛ فصار الحطب في خلال الحديد، ثمَّ نفخُوا عليه؛ حتَّى صار ناراً، أفرغ عليه النُّحاس المذاب؛ فدخل في خلال الحديد مكان الحطب؛ لأنَّ النَّار أكلت الحطب؛ فصار النحاسُ مكان الحطب؛ حتَّى لزم الحديدُ النُّحاس.
قال قتادة: صار كالبُرد المحبَّر طريقة سوداء وطريقة حمراء.
فصل فيما بين السدين
قال الزمخشريُّ: قيل: بعد ما بين السَّدين مائة فرسخٍ.
وروي: عرضهُ كان خمسين ذراعاً، وارتفاعه مائتي ذراعٍ.
قوله: «قِطْراً» هو المتنازع فيه، وهذه الآية أشهر أمثلةِ النحاةِ في باب التنازع، وهي من إعمال الثاني؛ للحذف من الأول، والقِطرُ: النُّحاس، أو الرَّصاصُ المذاب؛ لأنه يقطر.
قوله
: ﴿فَمَا اسطاعوا ﴾ : قرأ حمزة بتشديد الطاء، والباقون بتخفيفها، والوجه في الإدغام، كما قال أبو عليٍّ: «لمَّا لم يمكنْ إلقاء حركة [التَّاء] على السِّين؛ لئلاَّ يحرَّك ما لا يتحرَّك» - يعني: أنَّ سين «اسْتَفْعَلَ» لا تتحرَّك - أدغم مع السَّاكن، وإن لم يكن حرف لين، وقد قرأت القراء غير حرفٍ من هذا النحو؛ وقد أنشد سيبويه «ومَسْحي» يعني في قول الشاعر: [الرجز]
3567 - كَأنَّهُ بَعْدَ كَلالِ الزَّاجرِ ... ومَسْحِي مرُّ عُقابٍ كَاسرِ
[يريد «ومَسْحِه» ] فأدغم الحاء في الهاء بعد أن قلب الهاء حاء، وهو عكس قاعدة الإدغام في المتقاربين، وهذه القراءة قد لحَّنها بعض النُّحاة، قال الزجاج: «من قرأ بذلك، فهو لاحِنٌ مخطئٌ» وقال أبو عليٍّ: «هي غيرُ جائزةٍ» .
وقرأ الأعشى، عن أبي بكر «اصْطاعُوا» بإبدال السِّين صاداً، والأعمش «استطاعوا» كالثانية.
فصل
حذفت تاء «اسْتطَاعُوا» للخفَّة؛ لأنَّ التاء قريبة المخرجِ من الطَّاء، ومعنى «يَظْهَرُوهُ» أي: يعلونه من فوق ظهره؛ لطوله، وملاسته، وصلابته، وثخانته، ثم قال ذو القرنين: «هَذَا» إشارةٌ غلى السدِّ «رَحْمَةٌ» أي: نعمة من الله، ورحمة على عباده ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي: القيامة.
وقيل: وقت خروجهم ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ أي: جعل السدَّ مدكوكاً مستوياً، مع وجه الأرض.
قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ : الظاهر أنَّ «الجَعْلَ» هنا بمعنى «التَّصْيير» فتكون «دكَّاء» مفعولاً ثانياً، وجوَّو ابن عطيَّة: أن يكون حالاً، و «جَعَلَ» بمعنى «خَلَقَ» وفيه بعدٌ؛ لأنه إذ ذاك موجود، وتقدَّم خلاف القراء في «دكَّاء» في الأعراف.
قوله: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ الوعْدُ هنا مصدر بمعنى «المَوعُود» أو على بابه.
فصل فيما روي عن يأجوج ومأجوج
روى قتادة، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة، يرفعه: أنَّ يأجُوج ومأجُوجَ يحفرونه كلَّ يوم، حتَّى إذا كادوا يرون شُعاعَ الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارجعوا؛ فسَتحْفُرونهُ غداً، فيُعيدهُ الله كما كان، حتَّى إذا بَلغَتْ مُدَّتهُمْ، حفروا؛ حتَّى كادوا يرون شعاع الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارْجِعُوا، فسَتحْفرُونَهُ، إن شاء الله تعالى غداً، واستثنى، فيَعُودُونَ إليه، وهو كهيئته حين تركوهُ، فيحفرونه، فيخرجون على النَّاس [فَيَشْرَبُونَ] المياهَ، ويتحَصَّنُ النَّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السَّماءِ، فتَرجِعُ فيها كهيئةِ الدَّم، فيقولون: قهرنا أهْلَ الأرْضِ، وعلونا أهل السَّماء، فيَبعَثُ الله عليهم نغفاً في أقفائهم، فَيهلكُونَ، وإنَّ دوابَّ الأرضِ لتسمنُ وتشكرُ من لحومهم.
وعن النَّواس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الدَّجَّال ذات غداةٍ، فخفَّض فيه ورفَّع حتَّى ظننَّاهُ في طائفةِ النَّخل، فلمَّا رحنا إليه، عرف ذلك فينا، فقال: ما شَأنكم؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرتَ الدَّجالِ أخْوفني عليكم، إنْ يخرجْ وأنا فيكم، فأنا حَجيجُهُ دونكم، وإن يخرج، ولستُ فيكم، فكلُّ امرئٍ حَجِيجُ نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم؛ إنَّهُ شابٌّ قططٌ، عينه طافيةٌ؛ كأنِّي أشبِّهه بعبد العُزَّى بن قطنٍ، فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنَّه خارجٌ خلَّة بين الشَّام والعراق، فعاث يميناً، وعاث شمالاً؛ يا عباد الله فاثبتوا قلنا: يا رسول الله، وما لبثهُ في الأرض؟ قال: أربعون يوماً؛ يومٌ كسنةٍ، ويومٌ كشهرٍ، ويومٌ كجمعةٍ، وسَائ~رُ أيَّامه كأيَّامكُمْ، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليومُ الذي كسنةٍ، يكْفِينَا فيه صلاةُ يوم؟ قال: لا، اقدرُوا لهُ قدرهُ، قلنا: يا رسول الله، وما إسراعهُ في الأرض؟ قال: كالغَيْثِ اسْتدْبَرَتهُ الرِّيحث، فيأتي على القومِ، فيَدعُوهُمْ، فيُؤمِنُونَ به، ويسْتَجيبُونَ له، فيَأمُر السَّماءَ، فتُمْطِرُ، والأرض فتُنْبِتُ، وتَروحُ عليهم سارحتهم، أطول ماكانت ذُرًى، وأسبغهُ ضُرُوعاً، وأمدَّهُ خَواصِرَ، ثمَّ يأتي القوم، فيَدعُوهُمْ، فيَردُّونَ عليه قوله، قال: فيَنْصرِفُ عنهم، فيُصْبِحُونَ مُمْحلين، ليس بايديهم شيءٌ من أموالهم، ويمرُّ بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنُوزكِ، فتَتْبَعُهُ كنُوزهَا؛ كيعَاسيب النَّحلِ، ثمَّ يدعو رجلاً مُمتلِئاً شباباً، فيَضْرِبُهُ بالسَّيفِ، فيَقْطعُه جزلتين رمية الغرض، ثمَّ يدعوهُ، فيُقْبلُ، يتهلَّلُ وجههُ؛ يضحك، فبينما هو كذلك؛ إذْ بعثَ الله عيسى ابن مريم المسيح - عليه السلام - فينزلُ عند المنارةِ البيضاءِ شرقيَّ دمشق، بين مهرُودتين واضعاً كفَّيه على أجْنحَةِ ملكين، إذا طأطأ رأسهُ، قطر، وإذا رفعه؛ تحدَّر منه مثل جمان اللؤلؤِ، فلا يحلُّ للكافر يجدُ ريحَ نفسه غلاَّ مات، ونفسه ينتهي حيثُ ينتهي طرفه حتَّى يدركه ببابِ لدٍّ، فيقتلهُ، ثمَّ يأتي عيسى قومٌ قد عصمهمُ الله منهُ، فيَمْسحُ عن وجوههم، ويحدِّثهُمْ بدرجاتهم في الجنَّة، فبينما هو كذلك إذْ أوحى الله تعالى غلى عيسى: إنِّي قَدْ أخرجتُ عباداً لي لا يدان لأحدٍ بقتالهم، فحرِّزْ عبادي إلى الطُّور، ويبعثُ الله يأجُوج ومأجُوجَ، وهُمْ من كلِّ حدبٍ ينسلون، فيمُرُّ أوائلهُم على بحيرة «طبَريَّة» فيَشْربُونَ ما فيها، ويمرُّ آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرَّة ماءٌ، ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأسُ الثَّور لأحدهم خيراً من مائة دينارٍ لأحدكم اليْومَ، فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيُرسِلُ الله تعالى عليهم النَّغف في رقابهم، فيُصْبِحُون فَرْسَى كموتِ نفسٍ واحدةٍ ثمَّ يهبطُ نبيُّ الله وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدُونَ في الأرض موضع شبر إلا ملأهُ زَهمهُمْ ونتنهُمْ، فيَرْغبُ نبيُّ الله عيسى وأصحابهُ إلى الله، فيُرسِلُ الله عليهم طيراً؛ كأعناقِ البُخْتِ، فتَحْملهُمْ، فتَطْرَحهُمْ حيثُ شَاءَ الله، ثمَّ يرسلُ الله مطراً، لا يكنُّ منهُ بيتٌ مَدَرٌ، ولا وبرٌ، فيَغْسِلُ الأرض، حتَّى يَتركهَا كالزَّلقة، ثمَّ يقال للأرض: أنْبتِي ثَمرتك، ورُدِّي بَركتَكِ، فيَومئذٍ: تَأكلُ العَصابةُ الرُّمانَة، ويَسْتظلُّونَ بِقحْفِهَا، ويبارك في الرِّسلِ، حتَّى إنَّ اللقحة من الإبل، لتكفي الفئامَ من النَّاس، وبينما هم كذلك؛ إذْ بعث الله ريحاً طيبة، فتَأخُذهُمْ تحت آباطهم، فتَقْبِضُ رُوح كلِّ مؤمنٍ، وكلِّ مسلمٍ، ويبقى شِرارُ النَّاس يَتهارَجُونَ فيها تَهارُجَ الحُمُر، فعليهم تَقومُ السَّاعةُ.
قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ الآية.
قيل: هذا عند فتح السَّد، وتركنا يأجوج ومأجوج يموجُ بعضهم في بعضٍ، أي: يزدحمون كموج الماء، ويختلط بعضهم في بعضٍ؛ لكثرتهم.
وقيل: هذا عند قيام السَّاعة يدخل الخلق بعضهم في بعض، ويختلط إنسيُّهم بِجنِّيِّهِمْ حَيَارَى.
قوله: «يَوْمئِذٍ» التنوين عوضٌ من جملةٍ محذوفة، تقديرها: يوم إذ جاء وعدُ ربِّي، أو إذ حجز السدُّ بينهم.
قوله: ﴿يَمُوجُ﴾ : مفعول ثانٍ ل «تَركْنَا» والضمير في «بَعْضهُمْ» يعود على «يَأجُوج ومأجُوج» أو على سائر الخلق.
قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ . لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب السَّاعة، وتقدَّم الكلام في الصور، ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾ في صعيدٍ واحدٍ.
«وعَرضْنَا» : أبْرَزْنَا.
﴿جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ حتَّى يشاهدوها عياناً.
قوله: ﴿الذين كَانَتْ﴾ : يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من «لِلْكافِرينَ» أو بياناً، أو نعتاً، وأن يكون منصوباً بإضمار «أذمُّ» وأن يكون مرفوعاً خبر ابتداءٍ مضمرٍ.
ومعنى ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ﴾ : أي: [غشاءٍ، والغطاء: ما يغطِّي الشيء ويسترهُ ﴿عَن ذِكْرِي﴾ : عن الإيمان والقرآن، والمراد منه: شدَّة انصرافهم عن قَبُول الحقِّ، وعن الهدى والبيان، وقيل: عن رؤية الدلائل: ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ .
أي: سمع الصَّوت، أي: القبول والإيمان؛ لغلبةِ الشَّقاء عليهم.
وقيل: لا يعقلون، وهذا قوله: ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ [المائدة: 71] .
أما العمى، فهو قوله: ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾ وأما الصّمم فقوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ .
أي: لا يقدرون [أن يَسْمَعُوا] من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما يتلوه عليهم؛ لشدَّة عداوتهم له.
الكهف 18:87
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ الآية.
قد تقدَّم في أول هذه السورة أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الرُّوح، فقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ هو ذلك السؤال، واختلفوا في ذي القرنين، فقيل: هو الإسكندر بن فيلبوس اليونانيُّ، وقيل: كان اسمه مرزبان بن مرزبة من ولد يونان بن ثافث بن نوحٍ، وكان اسود، قال بعضهم: كان نبيًّا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض﴾ والأولى حمله على التمكين في الدِّين، والتَّمكين الكامل في الدِّين هو النبوة، ولقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ ومن جملة الأسباب النبوة، فمقتضى العموم أنه آتاهُ من النبوة سبباً، ولقوله تعالى: ﴿ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ والذي يتكلَّم الله معه لا بد وأن يكون نبياً. قال ابو الطفيل، وسئل عن ذي القرنين: أكان نبيًّا أم ملكاً؟ قال: لم يكن نبياً، ولا ملكاً، ولكن كان عبداً أحبَّ الله، فأحبَّه الله، وناصح الله فناصحه.
روي أنَّ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - سمع رجلاً يقول لآخر: «يَا ذَا القرنين» فقال: تسمَّيتم بأسماء النبيين، فلم ترضوا حتى تسمّيتم بأسماء الملائكة. والأكثرون على أنه كان ملكاً عادلاً صالحاً، واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين قيل: لأنه بلغ قرني الشمس: مشرقها ومغربها، وأيضاً: بلغ ملكه أقصى الشمال، لأنَّ «يأُجوجَ ومأجُوجَ» قومٌ من التركِ يسكنون في أقصى الشمالِ، فهذا المسمَّى بذي القرنين قد دلَّ القرآن على أنَّ ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال، وهذا نهاية المعمور من الأرض، ومثل هذا الملك البسيط على خلاف العادات، فيجب أن يبقى ذكره مخلّداً على وجه الدهر لا يخفى، والذي اشتهر في كتب التواريخ أن الذي بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر، وذلك أنه لمَّا مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك العرب وقهرهم، وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر، ثم عاد إلى مصر، فبنى الإسكندرية، وسمَّاها باسم نفسه، ثم دخل الشَّام، وقصد بني إسرائيل، وورد «بيت المقدس» ، وذبح في مذبحه، ثم انعطف إلى «أرمينيَّة» و «باب الأبواب» ودان له العراقيُّون، والقبط، والبربر، ثم توجه نحو دارا بن دارا، وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه، واستولى الإسكندر على ممالك الفرس، وقصد الهند والصِّين، وغزا الأمم البعيدة، ورجع إلى «خراسان» وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق، ومرض ب «شهرزور» ومات، فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض أو ما يقرب منها، وثبت من التَّواريخ أن من هذا شأنه ماكان إلاَّ الإسكندر وجب القطعُ بأنَّ المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني.
قيل: وسمِّي بذي القرنين، لأنه ملك الرُّوم وفارس، وقيل: لأنه دخل النور والظلمة، وقيل: لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشَّمس، وقيل: لأنه كانت له ذؤابتان حسنتان، وقيل: لأنه كان له قرنان تواليهما العمامة.
وروى أبو الفضلِ عن عليّ أنه أمر قومهُ بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيمن، فمات، فبعثه الله، فأمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيسر، فمات فأحياه الله.
وقيل: كان لتاجه قرنان، وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وقيل: لأن الله سخر له النُّور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه، وتمتد الظلمة من ورائه.
فروي أن ذا القرنين أمر ببناء مدنٍ كثيرةٍ منها: «الدبوسية» و «حمدان» و «برج الحجارة» ، ولما بلغ «الهند» بنى مدينة «سرنديب» وأن أرباب الحساب قالوا له: إنَّك لا تموتُ إلا على أرض من حديدٍ، وسماه من خشب، وكان يدفن كنوز كلِّ بلدٍ فيها، ويكتب ذلك معه بصفته وموضعه، فبلغ «بابل» ، فرعف، فسقط عن دابَّته، فبسطت له دروع فنام عليها، فآذته الشمس، فأظلوه بتُرسٍ، فنظر وقال: هذه أرضٌ من حديدٍ وسماء من خشبٍ، فأيقن بالموت، فمات وهو ابنُ ألف سنة وثلاثمائة سنة.
وقال أبو الرَّيحان البيروني في كتابه المسمَّى ب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» : قيل: إنَّ ذا القرنين هو أبو كربٍ سُمَيُّ بن عبرين بن أقريقيش الحميريّ، وأنَّ ملكهُ بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير: [الكامل]
قَدْ كَانَ ذُو القَرنيْنِ قَبْلي مُسْلِماً ... مَلِكاً عَلا فِي الأرْضِ غير مُفَنَّدِ
بلغَ المشارِقَ والمغارِبَ يَبتَغِي ... أسْبابَ ملكٍ من كَرِيم سيِّدِ
ثم قال أبو الريحان: ويشبهُ أن يكون هذا القول أقرب، لأن الأذواء كانوا من اليمن، وهم الذين لا يخلون أساميهم من «ذي كذا» المنار، و «ذي نواس» ، و «ذي النُّون» ، و «ذي رعين» والقول الأول أظهر، لما تقدم من الدليل، ولأنه روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «سمِّي ذا القرنَيْنِ لأنَّه طاف قرنَي الدُّنيا شرقها وغربها» .
قال ابن الخطيب: إلاَّ أنَّ فيه إشكالاً قويًّا، وهو أن الإسكندر كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم، وكان على مذهبه، فتعظيم الله إيَّاه يُوجِبُ الحكم بأنَّ مذهب أرسطاطاليس حقٌّ وصدقٌ، وذلك ممَّا لا سبيل إليه.
قال ابن كثير: روي عن ابن عباسٍ: أنَّ اسم ذي القرنين عبد الله بن الضحاك.
وقيل: مصعبُ بن عبد الله بن قينان بن منصور بن عبد الله بن الآزر بن عون بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان.
وروي أنَّه كان من حمير، وأمُّه روميَّة، وأنه كان يقال له الفيلسوفُ؛ لعقله.
وقال السهيلي: قيل: كان اسمه مرزبي بن مرذبة ذكره ابن هشام، وهو أول التَّبابعة.
وقيل: إنه أفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك ويروى في خطبة قيس بن ساعدة التي خطبها بسوق عكاظ، أنه قال فيها يا معشر إياد أين الصعب ذو القرنين ملك الخافقين، وأوّل المسلمين، وعمر ألفين، ثم كان ذلك كطرفة عين، وأنشد ابن هشام: [الكامل]
والصَّعبُ ذُو القرنيْنِ أصْبحَ ثَاوِياً ... بالحِنْوِ حيث أميم مقيم
أمَّا ذو القرنين الثاني فهو الإسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن هردوس ابن ميطون بن رومي بن نويط بن نوفيل بن ليطى بن يونان بن يافث بن نوح بن سرحون بن رومي بن قريط بن نوفيل بن رومي بن الأصفر بن اليغز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليه السلام - كذا نسبه ابن عساكر المقدوني اليوناني المصري باني الإسكندرية الذي يؤرِّخ بأيَّامه الروم، وكان متأخِّراً عن الأول بدهر طويل، وكان هذا قبل المسيح بنحوٍ من ثلاثمائة سنة، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف، وهو قتل دارا بن دارا [ملك] ملوكِ الفرس.
وإنما نبهنا على هذا؛ لأنَّ كثيراً من الناس يعتقد أنهما واحدٌ، وأن المذكور في القرىن هو الذي كان أرسطاطاليس وزيرهُ، فيقع بذلك خطأ كثير؛ فإنَّ الأول كان مؤمناً عبداً صالحاً، وملكاً عادلاً، وكان وزيره الخضر - عليهما السلام - وكان نبيًّا، وأمَّا الثاني فكان مشركاً، وكان وزيره فيلسوفاً، وكان بين زمانيهما أزيد من ألفي [سنة] فأين هذا من هذا؟ .
قوله: «سَأتلُو» : دخلت السين ها هنا؛ لأن المعنى أني سأفعل هذا إن وفَّقني الله عليه، وأنزل عليَّ وحياً، وأخبرني عن كيفية تلك الحال.
قوله «مِنْهُ ذِكْراً» أي: من أخباره وقصصه.
قوله: «إنَّا مكَّنا له» .
ومعنى «مكنَّا لهُ» : أوطأنا، والتمكينُ: تمهيد الأسباب قال عليٌّ: سخَّر له السَّحاب، فحمله عليه، ومدَّ له في الأسباب، وبسط له في النُّورِ، وكان اللَّيلُ والنهار عليه سواء، فهذا معنى تمكنيه في الأرض؛ وأنه سهَّل عليه السير فيها، وذلل له طريقها.
وهذا التَّمكينُ بسبب النبوة، ويحتمل أن يكون المراد التمكين بسبب الملكِ من حيث إنه ملك مشارق العالم ومغاربه، والأول أولى؛ لأنَّ التمكينَ بسبب النبوّة أعلى من التمكين بسبب الملك، وحمل كلام الله تعالى على الوجه الأكمل الأفضل أولى، ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ قالوا: السبب في أصل اللغة عبارة عن الحبل، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى المقصود، وهو يتناول العلم والقدرة والآلة، فلذلك قيل: «وآتيناه من كل شيء» ما يستعين به الملوك على فتح المدن، ومحاربة الأعداء «سبباً» أي: علماً يتسبب به إلى كل ما يريد ويسير به في أقطار الأرض، وقيل: قرَّبنا له أقطار الأرض.
واستدلوا بعموم قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ على أنه كان نبيًّا كما تقدَّم، ومن أنكر نبوته قال: المعنى: وآتيناه من كلِّ شيءٍ يحتاجُ إلى إصلاح ملكه إلاَّ أن تخصيص العموم خلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلاَّ بدليلٍ.
قوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ .
قرأ نافع، وابن كثيرٍ، وأبو عمرو «فَاتَّبعَ» و «ثمَّ اتَّبعَ» في الموضعين بهمزة وصل، وتشديد التاء. والباقون بهمزة القطع في المواضع الثلاثة وسكون التاء.
فقيل: هما بمعنى واحدٍ فيتعدَّيان لمفعولٍ واحدٍ.
وقيل: «أتْبَعَ» بالقطع متعدٍّ لاثنين حذف أحدهما تقديره: فأتْبع سبباً سبباً آخر، أو فأتبع أمره سبباً آخر، ومنه ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً﴾ [القصص: 42] فعدَّاه لاثنين ومن حذف أحد المفعولين: قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: 60] ، أي: أتبعوهم جنودهم. واختار أبو عبيد «اتَّبعَ» بالوصل، قال: «لأنَّه من المسيرِ» قال: تقول: تبعتُ القوم واتَّبعتُهم. فأمَّا الإتباعُ بالقطع فمعناه اللحاقُ، كقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] .
وقال يونس، وأبو زيدٍ: «أتْبعَ» بالقطع عبارة عن المجدِّ المسرعِ الحثيثِ الطلب. وبالوصلِ إنَّما يتضمَّن الاقتفاء دون هذه الصفات.
قال البغويُّ: والصحيح الفرق بينهما، فمن قطع الألف، فمعناه: أدرك ولحق، ومن قرأ بالتشديد فمعناه: سار، يقال: ما زلتُ أتَّبعه حتى اتبعته، أي: ما زلتُ أسير خلفهُ حتى لحقته، ومعنى الآية: أنه تعالى لمَّا أعطاهُ من كل شيءٍ سببه، فإذا أراد سبباً أتبع سبباً يوصله إليه ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة﴾ .
عن أبي ذرٍّ قال: كنت رديف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على جملٍ، فرأى الشمس حين غابت، فقال: أتدري يا أبا ذرٍّ، أتدري أين تغربُ هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: «فإنَّها تغربُ في عينٍ حاميةٍ» وهي قراءة ابن مسعود، وطلحة، وابن عمر، واختارها أبو عبيدة، قال: لأنَّ عليها جماعة من الصحابة.
وأما القراءة الثانية، فهي من الحمأةِ، وهي الطِّين، وهي قراءة ابن عبَّاس.
فصل
ثبت بالدَّليل أنَّ الأرض كرة، وأنَّ السماء محيطة، وأنَّ الشمس في الفلك الرابع، وكيف يعقل دخولها في عينٍ؟ وأيضاً قال: «وجد عِنْدهَا قوماً» ومعلومٌ أن جلوس القوم قرب الشَّمسِ غير موجودٍ، وأيضاً فالشمس أكبر من الأرض بمراتٍ كثيرةٍ، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ وإذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ من وجوه:
الأول: أنَّ ذا القرنين لما بلغ موضعاً من المغرب، لم يبق بعدهُ شيءٌ من العماراتِ، وجد الشَّمس كأنَّها تغربُ في عينٍ مظلمةٍ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة كما أنَّ راكب البحر يرى الشمس كأنَّها تغيبُ في البحر إذا لم يرَ الشطَّ، وهي في الحقيقة تغيبُ وراء البحر، ذكر هذا التأويل الجبائيُّ في تفسيره.
الثاني: أنَّ للجانب الغربيّ من الأرض مساكنَ يحيطُ البحر بها، فالناظرُ إلى الشَّمْسِ يتخيلُ كأنَّها تغيب في تلك البحار، ولا شكَّ أنَّ البحار الغربية قويةٌ السخونة، فهي حاميةٌ، وهي أيضاً حمئة لكثرة ما فيها من الماء ومن الحمأةِ السَّوداءِ، فقوله: ﴿تَغْربُ في عينٍ حمئةٍ﴾ إشارةٌ إلى أن الجانب الغربي منالأرض قد أحاط البحر به، وهو موضعٌ شديدُ السخونة، قال اهل الأخبار: إنَّ الشمس تغيب في عينٍ كثيرة الماءِ والحمأةِ، وهذا في غاية البعد؛ وذلك لأنَّا إذا رصدنا كسوفاً قمريًّا، فإذا اعتبرناه، ورأينا أنَّ المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أوَّل الليل، ورأينا المشرقين، قالوا: حصل في أوَّل النَّهار علمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق، بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا هو وقت العصر في بلد، ووقت الظُّهر في بلدٍ آخر، ووقت الضَّحوة في بلد ثالثٍ، ووقت طلوع الشمس في بلدٍ رابع، ونصف الليل في بلد خامسٍ، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بالاستقراء والأخبار وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنَّها تغيبُ في الطين والحمأة كلاماً على خلاف اليقين؛ وكلام الله تعالى مبرَّأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلاَّ أن يصار غلى التَّأويل المذكور
ثم قال: «ووجد عندها قوماً» أي: عند العين أمة، وقيل: الضمير [عائد] إلى الشمس.
قال ابن جريج: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجبُ.
قوله: ﴿قُلْنَا ياذا القرنين﴾ يدل على أنه تعالى كلمه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبيًّا، فإن قيل: خوطب على ألسنة بعض الأنبياء، فهو عدولٌ عن الظاهر.
وقال بعضهم: المراد منه الإلهام.
قوله: ﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ﴾ .
يجوز فيه الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي: إمَّا تعذيبك واقعٌ، والرفع على خبر مضمرٍ، أي: هو تعذيبك، والنصب اي: إمَّا أن تفعل أن تعذِّب.
وهذا يدلُّ على أنَّ سكَّان آخر المغرب، كانوا كفاراً، فخيَّر الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب، إن أقاموا على الكفر، وبين المنِّ عليهم، والعفو عنهم، وهذا التخيير على معنى الاجتهاد في أصلح المرين، كما خيَّر نبيه - محمداً عليه الصلاة والسلام - بين المنِّ على المشركين، وبين قتلهم.
وقال الكثرون: هذا التعذيب هو القتل، وأمَّا اتِّخاذ الحسنى فيهم، فهو تركهم أحياء.
ثم قال ذو القرنين: ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ﴾ أي: ظلم نفسه؛ بمعنى «كفر» لأنَّه ذكر في مقابلته: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾ ثم قال: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أي بقتله ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ﴾ في الآخرة ﴿عَذَاباً نُّكْرا﴾ أي: منكراً فظيعاً.
وهو النار، والنار أنكر من القتل.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ .
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى﴾ الآية.
قوله: ﴿جَزَآءً الحسنى﴾ قرأ الأخوان، وحفص بنصب «جزاءً» وتنوينه، والباقون برفعه مضافاً، فالنصب على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة، أو بنصب بمضمرٍ، أو مؤكدٍ لعامل من لفظه مقدَّر، أي: يجزي جزاء، وتكون الجملة معترضة بين المبتدأ وخبره المقدَّم عليه، وقد يعترض على الأول: بأنَّ المصدر المؤكِّد لمضمون جملة لا يتقدَّم عليها، فكذا لا يتوسَّطُ، وفيه نظر يحتمل الجواز والمنع، وهو إلى الجواز أقرب.
الثالث: أنه في موضع الحال.
الرابع: نصبه على التفسير، قاله الفراء؛ يعني التمييز، وهو بعيد.
وقرأ ابن عباس، ومسروق بالنصب والإضافة، وفيها تخريجان: أحدهما: أن المبتدأ محذوف، وهو العامل في «جزاءَ الحُسْنى» التقدير: فله الجزاء جزاء الحسنى.
والثاني: أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب]
3565 - ... ... ... ... ... ..... ولا ذَاكِرَ الله إلاَّ قَلِيلا
ذكره المهدويُّ.
والقراءة الثانية رفعه فيها على الابتداء، والخبر الجار قبله، و «الحُسْنَى» مضاف إليها، والمراد بالحسنى الجنَّة، وقيل: الفعلة الحسنى.
وقرأ عبد الله، وابن أبي إسحاق «جزاءٌ» مرفوعاً منوناً على الابتداء، و «الحُسْنَى» بدلٌ، أو بيان، أو منصوبة بإضمار «أعْنِي» أو خبر مبتدأ مضمرٍ.
و «يُسْراً» نعت مصدر محذوف، أي: قولاً ذا يسرٍ، وقرأ أبو جعفر بضم السين في اليُسُر حيث ورد.
فصل في اختلاف معنى الآية باختلاف القراءة
قال المفسرون: المعنى على قراءة النصب: فله الحسنى جزاء؛ كما يقال: لك هذا الثوب هبةً.
وعلى قراءة الرفع، فيه وجهان:
أحدهما: فله الجزاءُ الحسنى، والفعلةُ الحسنى: هي الإيمانُ، والعمل الصَّالح.
والثاني: فلهُ جزاء المثوبة الحسنى، وإضافة الموصوف إلى الصِّفة مشهورةٌ؛ كقوله: ﴿وَلَدَارُ الآخرة﴾ [يوسف: 109] . و ﴿حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] .
وقوله: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ الآية، أي: لا نأمرهُ بالصَّعب الشَّاق، ولكن بالسَّهل الميسَّر من الزَّكاة، والخراج وغيرهما، وتقديره: ذا يسر؛ كقوله: ﴿قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ [الإسراء: 28] .
قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس﴾ .
أي: سلك طرقاً ومنازل ﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ﴾ أي: موضع طلوعها ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ .
قال الحسنُ وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستراً، وليس هناك شجرٌ، ولا جبلٌ، ولا أبنيةٌ، تمنع [طلوع] الشمس عليهم؛ لأنَّهم كانوا في مكان لا يستقرُّ عليهم بناءٌ، وكانوا يكونون في أسراب لهم، حتَّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم.
وقال الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس، يدخلون الماء، فإذا ارتفعت عنهم، خرجوا فرعوا؛ كأنَّهم بهائمُ.
قال الكلبيُّ: هم قومٌ عراةٌ؛ كسائر الحيوان، يفترشُ أحدهم أذنيه؛ أحدهما تحته، ويلتحفُ بالأخرى.
فصل فيما يروى عن السد
ذكروا في بعض كتب التفسير: أن بعضهم، قال: سافرت، حتَّى جاوزت الصِّين، فسألت عن هؤلاء القوم، فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلةٍ، فبلغتهم، فإذا أحدهم يفترش إحدى أذنبه، ويلبس الأخرى، فلما قرب طلوع الشمس، سمعت صوتاً كهيئة الصَّلصلة، فغُشي عليَّ، ثم أفقتُ، فلمَّا طلعت الشمس؛ إذ هي فوق الماءِ؛ كهيئة الزيت، فأدخلونا سرباً لهم، فلما ارتفع النَّهار، جعلوا يصطادون السَّمك فيطرحونه في الشمس؛ فينضج.
قوله: ﴿مَطْلِعَ الشمس﴾ .
العامَّة على كسر اللام من «مَطْلِع» والمضارعُ «يَطلُع» بالضم، فكان القياس فتح اللام في المفعل مطلقاً، ولكنَّها مع أخواتٍ لها سمع فيها الكسر، وقياسها الفتح، وقد قرأ به الحسن، وعيسى، وابن محيصن، ورويت عن ابن كثيرٍ، وأهل مكة، قال الكسائي: «هذه اللغة قد ماتت» يعني: أي: بكسر اللام من المضارع، والمفعل، وهذا يشعرُ أنَّ من العرب من كان يقول: طَلَع يَطلِعُ، بالكسر في المضارع.
قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ : الكاف: إمَّا مرفوعة المحلِّ، أي: الأمر كذلك، أو منصوبته، أي: فعلنا مثل ذلك.
ومعنى الكلام: كذلك فعل ذو القرنينِ، أتبع هذه الأسباب، حتى بلغ، وقد علمنا حين ملَّكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك.
وقيل: كذلك جعل الله أمر هؤلاء القوم على ما قد أعلم رسول الله - عليه السلام - في هذا الذِّكر.
وقيل: كذلك كانت حاأهل المطلع؛ كما كانت حاله مع أهل المغرب، قضى في هؤلاء، كما قضى في أولئك؛ من تعذيب الظالمين، والإحسان إلى المؤمنين.
وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ .
والمعنى: أنه تعالى قال: أمر هؤلاء القوم، كما وجدهم عليه ذو القرنين، ثم قال بعده: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً﴾ أي: كنَّا عالمين بأنَّ الأمر كذلك.
قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ الآية.
و ﴿بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ «بين» هنا يجوز أن يكون ظرفاً، والمفعول محذوف، أي: بلغ غرضه ومقصوده، وأن يكون مفعولاً به على الاتِّساع، أي: بلغ المكان الحاجز بينهما.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بفتح سين «السَّدَّين» و «سَدًّا» في هذه السورة، وحفصٌ فتح الجميع، أعني موضعي هذه السورة، وموضعي سورة يس [الآية: 9] ، وقرأ الأخوان بالفتح في «سدًّا» في سورتيه، وبالضمِّ في «السُّدَّين» والباقون بالضمِّ في الجميع، فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وقيل: لمضمومُ: ما كان من فعل الله تعالى، والمفتوحُ ما كان من فعل النَّاس، وهذا مرويٌّ عن عكرمة، والكسائي، وأبي عبيد وابن الأنباريِّ.
قال الزمخشري: لأنَّ السُّدَّ، بالضمِّ: «فُعْل» بمعنى «مفْعُول» أي: هو مما فعله الله، وخلقه، والسَّدُّ، بالفتح: مصدر حدث يحدثه الناس. وهو مردودٌ: بأنَّ السدَّين في هذه السورة جبلان، سدَّ ذو القرنين بينهما بسدٍّ، فهما من فعلِ الله، والسدُّ الذي فعله ذو القرنين من فعل المخلوق، و «سدًّا» في يس من فعلِ الله تعالى؛ لقوله: «وجعلنا» ومع ذلك قرئ في الجميع، بالفتح، والضمِّ، فعلم أنَّهما لغتان؛ كالضَّعف، والضُّعف، والفَقر، والفُقر، وقال الخليل: المضموم اسمٌ، والمفتوح مصدر، وهذا هو الاختيار.
فصل في مكان السد
الأظهرُ: أنَّ موضع السدَّين في ناحية الشَّمال، وقيل: جبلان بين أرمينيَّة، وأذربيجان.
وقيل: هذا المكان في مقطع أرض التُّرك.
وحكى محمد بن جرير الطبريُّ في تاريخه: أنَّ صاحب أذربيجان أيَّام فتحها، وجَّه إنساناً إليه من ناحية الخزر، فشاهده، ووصف أنَّه بنيانٌ رفيعٌ وراء خندقٍ وثيقٍ منيعٍ، وذكر ابن خرداذبة في كتابه «المسالك والممالك» أن الواثق بالله رأى في المنام كأنَّه فتح هذا الردم، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه، فوصفوا أنه بنيانٌ من لبنٍ من حديد مشدود بالنُّحاس المذاب، وعليه بابٌ مقفلٌ، ثم إنَّ ذلك الإنسان لمَّا حاول الرُّجوع، أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند.
فصل في مقتضى هذا الخبر
قال أبو الرَّيحان البيرونيُّ: مقتضى هذا الخبر أنَّ موضعه في الربع الشماليِّ الغربيِّ من المعمورة.
قوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ : قرأ الأخوان بضمِّ الياء، وكسر القاف، من أفقه غيره، فالمفعول محذوف، أي: لا يفقهون غيرهم قولاً، والباقون بفتحهما، أي: لا يفهمون كلام غيرهم، وهو بمعنى الأول، وقيل: ليس بمتلازمٍ؛ إذ قد يفقه الإنسان كلام غيره، ولا يفقه قوله غيره، وبالعكس.
فصل في كيفية فهم ذي القرنين كلام أولئك القوم
لمَّا بلغ ذو القرنين ما بين السَّدين ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا﴾ [أي] من ورائهما مجاوزاً عنهما «قوماً» ، أي: أمَّة من الناس ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ .
فإن قيل: كيف فهم ذو القرنين منهم هذا الكلام، بعد أن وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ ؟ .
فالجواب من وجوه:
أحدهما: قيل: كلّم عنهم مترجمٌ؛ ويدل عليه قراءة ابن مسعودٍ: لا يكادون يفقهون قولاً، قال الذين من دونهم: يا ذا القرنين ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوج﴾ .
وثانيها: أن قوله: ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ يدلُّ على أنَّهم قد يفقهون بمشقَّة وصعوبة [من إشارة ونحوها] .
وثالثها: أنَّ «كاد» معناه المقاربة؛ وعلى هذا، فلا بدَّ من غضمارٍ، تقديره: لا يكادون يفقهون إلاَّ بمشقةٍ؛ من إشارة ونحوها.
قوله: ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوج﴾ : قرأ عاصم بالهمزة الساكنة، والباقون بألف صريحة، واختلف في ذلك؛ فقيل: هما أعجميَّان، لا اشتقاق لهما، ومنعا من الصرف؛ للعلميَّة والعجمة، ويحتمل أن تكون الهمزة أصلاً، والألف بدلاً منها، أو بالعكس؛ لأنَّ العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية، وقيل: بل هما عربيَّان، واختلف في اشتقاقهما.
فقال الكسائي: يأجوجُ: مأخوذٌ من تأجُّج النار، ولهبها أو شدَّة توقُّدها؛ فلسرعتهم في الحركة سمُّوا بذلك، ومأجوج من موج البحر.
وقيل من الأجِّ، وهو الاختلاط أو شدَّة الحرِّ.
وقيل من الأجِّ، وهو الاختلاط أو شدَّة الحرِّ.
وقال القتيبيُّ: من الأجِّ، وهو سرعة العدو، ومنه قوله: [الطويل]
3566 - ... ... ... ... ... ..... تَؤجُّ كمَا أجَّ الظَّلِيم المُنفَّرُ
وقيل: من الأجاجِ، وهو الماءُ المالح الزُّعاقُ.
وقال الخليلُ: الأجُّ: حبٌّ؛ كالعدس، والمجُّ: مجُّ الرِّيق، فيحتمل أن يكونا مأخوذين منهما، ووزنهما يفعولُ، ومفعول، وهذا ظاهر على قراءة عاصم، وأمَّا قراءة الباقين، فيحتمل أن تكون الألف بدلاً من الهمزة الساكنة، إلا أنَّ فيه أنَّ من هؤلاء من ليس أصله قلب الهمزة الساكنة، وهم الأكثر، ولا ضير في ذلك، ويحتمل أن تكون ألفهما زائدتين، ووزنهما «فَاعُول» من يجَّ، ومجَّ.
ويحتمل أن يكون ماجوج من «مَاجَ، يَمُوجُ» أي: اضطرب، ومنه الموجُ، فوزنه مفعول، وأصله: مَوجُوج، قاله أبو حاتم، وفيه نظر؛ من حيث ادِّعاءُ قلب حرف العلة، وهو ساكنٌ، وشذوذه كشذوذ «طائي» في النَّسب إلى طيِّئ.
وعلى القول بكونهما عربيَّين مشتقَّين، فمنع صرفهما؛ للعلميَّة والتأنيث؛ بمعنى القبيلة؛ كما تقدَّم في سورة هود، ومثل هذا الخلاف والتعليل جارٍ في سورة الأنبياء [الآية: 93]- عليهم السلام - والهمزة في يأجوج ومأجوج لغة بني أسدٍ، وقرأ رؤبة وأبوه العجاج «آجُوج» .
فصل في اصل يأجوج ومأجوج
اختلفوا في أنَّهم من أيِّ الأقوام، فقال الضحاك: هم جيلٌ من التُّرك.
وقال السديُّ: التُّرك: سريَّة من يأجُوج ومأجوج، خرجت، فضرب ذو القرنين السدَّ، فبقيت خارجة، فجميع الترك منهم.
وعن قتادة: أنَّهم اثنان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السدَّ على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت قبيلة واحدة، وهم التُّركُ، سمُّوا بذلك؛ لأنَّهم [تركوا] خارجين.
فصل في أجناس البشر
قال أهل التَّاريخ: أولاد نوحٍ ثلاثة: سام، وحام، ويافث. فسام أبو العرب، والعجم، والرُّوم.
وحام: أبو الحبشة، والزَّنج، والنُّوبة.
ويافث: أبو التُّرك، والخزر، والصقالبة، ويأجوج ومأجوج.
واختلفوا في صفاتهم:
فمن النَّاس من وصفهم بقصر القامة، وصغر الجثَّة بكون طول أحدهم شبراً، ومنهم من يصفهم بطُول القامة، وكبر الجثَّة، فقيل: طول أحدهم مائةُ وعشرون ذراعاً، ومنهم من طوله وعرضه كذلك، وأثبتوا لهم مخالب في الأظفار وأضراساً كأضراسِ السِّباع، ومنهم من يفترش إحدى أذنيه، ويلتحفُ بالأخرى.
فصل في إفسادهم
واختلفوا في كيفية إفسادهم:
فقيل: كانوا يقتلون الناس.
وقيل: كانوا يأكلوه لحوم النَّاس، وقيل: كانوا يخرجون أيَّام الربيع ولا يتركون لهم شيئاً أخضر.
وبالجملة: فلفظ الفساد يحتمل هذه الأقسام.
ثمَّ إنَّه تعالى حكى عن أهل ما بين السَّديْن أنَّهم قالوا لذي القرنين: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ الآية.
قوله: «خَرْجاً» قرأ ابن عامر «خَرْجاً» هنا وفي المؤمنين [الآية: 72] بسكون الراء، والأخوان «خَرَاجاً» «فَخَراج» في السورتين بالألف، والباقون كقراءة ابن عامر في هذه السورة، والأول في المؤمنين، وفي الثاني، وهو «فَخرَاج» كقراءة الأخوين، فقيل: هما بمعنى واحد كالقول والقوال، والنّوْل والنَّوال، وقيل: «الخَراجُ» بالألف ما ضرب على الأرض من الإتاوةِ كلَّ عامٍ، وبغير الألف بمعنى الجعل، أي: نُعطيكَ من أموالنا مرَّة واحدة ما تستعينُ به على ذلك، وقال أبو عمر: الخرج: ما تبرَّعت به، والخراج ما لزمك أداؤهُ.
قال مكيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: واختيار تركُ الألف؛ لأنَّهم إنما عرضوا عليه: أن يعطوه عطيَّة واحدة على بنائه، لا أن يضرب ذلك عليهم كلَّ عامٍ، وقيل: الخرجُ: ما كان على الرءوس، والخراج: ما كان على الأرض، قاله قطرب يقال: أدِّ خرج رأسك، وخراج أرضك، قاله ابن الأعرابيِّ، وقيل: الخرجُ أخصُّ، والخَراجُ أعمُّ، قاله ثعلبٌ، وقيل: الخرجُ مصدر، والخراجُ: اسم لما يعطى، ثم قد يطلق على المفعول المصدر؛ كالخلقِ؛ بمعنى المخلوق.
ثم قال: ﴿على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ أي: حاجزاً، فلا يصلون إلينا.
قوله: ﴿مَا مَكَّنِّي﴾ : «ما» بمعنى «الذي» وقرأ ابن كثيرٍ: «مكَّنني» بإظهار النون، والباقون بإدغامها في نون الوقاية؛ للتخفيف.
وهي مرسومةٌ في مصاحف غير مكَّة بنون واحدة، وفي مصاحف مكَّة بنونين، فكلٌّ وافق مصحفه.
ومعنى الكلام: ما قوَّاني عليه ربِّي خيرٌ من جعلكم، أي: ما جعلني مكيناً من المال الكثير، خيرٌ ممَّا تبذلُون لي من الخراج؛ فلا حاجة بي إليه، كقول سليمان - عليه السلام -: ﴿فَمَآ آتَانِي الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ﴾ [النمل: 36] .
قوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي: لا أريد المال، ولكن أعينوني بأيديكم، وقوَّتكم ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ .
والرَّدْم: هو السدُّ، يقال: ردمت الباب، أي: سددتُّه، وردمتُ الثوب: رقعته؛ لأنه يسدُّ موضع الخرق بالرَّقع، والرَّدم أكثر من السدِّ؛ من قولهم: ثوبٌ مردم، أي: وضعت عليه رقاعٌ.
قالوا: وما تلك القوة؟ . قال: فعلةٌ وصنَّاعٌ يحسنون البناء والعمل، والآلة.
قالوا: وما تلك الآلة؟ .
قال: ﴿آتُونِي﴾ : قرأ أبو بكرٍ «ايتُونِي» بهمزة وصلٍ؛ من أتى يأتي في الموضعين من هذه السورة؛ بخلاف عنه في الثاني، ووافقه حمزة على الثاني، من غير خلافٍ عنه، والباقون بهمزة القطع فيهما.
ف «زُبرَ» على قراءة همزة الوصل منصوبة على إسقاط الخافض، أي: جيئُوني بزُبرِ الحديد، وفي قراءة قطعها على المفعول الثاني؛ لأنه يتعدَّى بالهمزة إلى اثنين، وعلى قراءة أبي بكرٍ يحتاج إلى كسر التنوين من «رَدْماً» لالتقاءِ الساكنين؛ لنَّ همزة الوصل، تسقط درجاً، فيقرأ له بكسر التنوين، وبعده همزة ساكنة هي فاءُ الكلمة، وإذا ابتدأت بكلمتي «ائتُونِي» في قراءته، وقراءة حمزة، تبدأ بهمزة مكسورة للوصلِ، ثم ياءٍ صريحة، هي بدلٌ من همزة فاء الكلمة، وفي الدَّرج تسقط همزة الوصل، فتعود الهمزة؛ لزوالِ موجب إبدالها.
والباقون يبتدئون، ويصلون بهمزة مفتوحة؛ لأنَّها همزة قطعٍ، ويتركون تنوين «رَدْماً» على حاله من السكون، وهذا كله ظاهر لأهل النحو، خفيٌّ على القراء.
والزُّبَرُ: جمع زُبْرَة، كغُرفَةٍ وغُرَفٍ.
و «زُبَرَ الحَديدِ» قطعه.
قال الخليل: الزُّبرة من الحديد: القطعة الضخمة.
وقرأ الحسن بضمِّ الباء.
قوله: «سَاوَى» هذه قراءة الجمهور، وقتادة «سوَّى» بالتضعيف، وعاصم في رواية طسُوِّيَ «مبنيًّا للمفعول.
وفيه إضمارٌ، أي: فأتوهُ بها، فوضع تلك الزُّبرَ بعضها على بعض ﴿حتى إِذَا ساوى﴾ أي سدت ما بين الجبلين إلى أعلاهما.
قوله:» الصَّدفَيْنِ» قرأ أبو بكرٍ بضم الصاد، وسكون الدَّال، وابن كثيرٍ، وأبو عمرو، وابن عامر بضمهما، والباقون بفتحهما، وهذه لغاتٌ قرئ بها في السَّبع، وأبو جعفرٍ، وشيبة، وحميد بالفتح والإسكان، والماجشونُ بالفتح والضمِّ، وعاصم في رواية بالعكس.
والصَّدفانِ: ناحيتا الجبلين، وقيل: أن يتقابل جبلان، وبينهما طريقٌ، والناحيتان صدفان؛ لتقابلهما، وتصادفهما، من صادفت الرجل، أي: لاقيته وقابلته، وقال أبو عبيد: «الصَّدفُ: كل بناءٍ مرتفعٍ، وقيل: ليس بمعروفٍ، والفتحُ لغة تميمٍ، والضمُّ لغة حميرٍ» .
فصل في بناء السد
لما أتوهُ بزبر الحديد، وضع بعضها على بعض؛ حتى ساوتْ، وسدَّت ما بين الجبلينِ، ووضع المنافخ عليها، والحطب، حتَّى إذا صارت كالنَّار، صبَّ النُّحاس المذاب على الحديدِ المحمَّى، فالتصق بعضه ببعض، فصار جبلاً صَلْداً.
وهذه معجزةٌ تامَّةٌ؛ لأنَّ هذه الزُّبَر الكثيرة، إذا نفخ عليها؛ حتَّى تصير كالنَّار، لم يقدر الحيوان على القرب منها، والنَّفخُ عليها لا يكون إلا بالقرب منها، فكأنَّه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النَّافخين عليها.
قيل: إنَّه وضع الحديد على الحطب، والحطب على الحديد؛ فصار الحطب في خلال الحديد، ثمَّ نفخُوا عليه؛ حتَّى صار ناراً، أفرغ عليه النُّحاس المذاب؛ فدخل في خلال الحديد مكان الحطب؛ لأنَّ النَّار أكلت الحطب؛ فصار النحاسُ مكان الحطب؛ حتَّى لزم الحديدُ النُّحاس.
قال قتادة: صار كالبُرد المحبَّر طريقة سوداء وطريقة حمراء.
فصل فيما بين السدين
قال الزمخشريُّ: قيل: بعد ما بين السَّدين مائة فرسخٍ.
وروي: عرضهُ كان خمسين ذراعاً، وارتفاعه مائتي ذراعٍ.
قوله: «قِطْراً» هو المتنازع فيه، وهذه الآية أشهر أمثلةِ النحاةِ في باب التنازع، وهي من إعمال الثاني؛ للحذف من الأول، والقِطرُ: النُّحاس، أو الرَّصاصُ المذاب؛ لأنه يقطر.
قوله
: ﴿فَمَا اسطاعوا ﴾ : قرأ حمزة بتشديد الطاء، والباقون بتخفيفها، والوجه في الإدغام، كما قال أبو عليٍّ: «لمَّا لم يمكنْ إلقاء حركة [التَّاء] على السِّين؛ لئلاَّ يحرَّك ما لا يتحرَّك» - يعني: أنَّ سين «اسْتَفْعَلَ» لا تتحرَّك - أدغم مع السَّاكن، وإن لم يكن حرف لين، وقد قرأت القراء غير حرفٍ من هذا النحو؛ وقد أنشد سيبويه «ومَسْحي» يعني في قول الشاعر: [الرجز]
3567 - كَأنَّهُ بَعْدَ كَلالِ الزَّاجرِ ... ومَسْحِي مرُّ عُقابٍ كَاسرِ
[يريد «ومَسْحِه» ] فأدغم الحاء في الهاء بعد أن قلب الهاء حاء، وهو عكس قاعدة الإدغام في المتقاربين، وهذه القراءة قد لحَّنها بعض النُّحاة، قال الزجاج: «من قرأ بذلك، فهو لاحِنٌ مخطئٌ» وقال أبو عليٍّ: «هي غيرُ جائزةٍ» .
وقرأ الأعشى، عن أبي بكر «اصْطاعُوا» بإبدال السِّين صاداً، والأعمش «استطاعوا» كالثانية.
فصل
حذفت تاء «اسْتطَاعُوا» للخفَّة؛ لأنَّ التاء قريبة المخرجِ من الطَّاء، ومعنى «يَظْهَرُوهُ» أي: يعلونه من فوق ظهره؛ لطوله، وملاسته، وصلابته، وثخانته، ثم قال ذو القرنين: «هَذَا» إشارةٌ غلى السدِّ «رَحْمَةٌ» أي: نعمة من الله، ورحمة على عباده ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي: القيامة.
وقيل: وقت خروجهم ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ أي: جعل السدَّ مدكوكاً مستوياً، مع وجه الأرض.
قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ : الظاهر أنَّ «الجَعْلَ» هنا بمعنى «التَّصْيير» فتكون «دكَّاء» مفعولاً ثانياً، وجوَّو ابن عطيَّة: أن يكون حالاً، و «جَعَلَ» بمعنى «خَلَقَ» وفيه بعدٌ؛ لأنه إذ ذاك موجود، وتقدَّم خلاف القراء في «دكَّاء» في الأعراف.
قوله: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ الوعْدُ هنا مصدر بمعنى «المَوعُود» أو على بابه.
فصل فيما روي عن يأجوج ومأجوج
روى قتادة، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة، يرفعه: أنَّ يأجُوج ومأجُوجَ يحفرونه كلَّ يوم، حتَّى إذا كادوا يرون شُعاعَ الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارجعوا؛ فسَتحْفُرونهُ غداً، فيُعيدهُ الله كما كان، حتَّى إذا بَلغَتْ مُدَّتهُمْ، حفروا؛ حتَّى كادوا يرون شعاع الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارْجِعُوا، فسَتحْفرُونَهُ، إن شاء الله تعالى غداً، واستثنى، فيَعُودُونَ إليه، وهو كهيئته حين تركوهُ، فيحفرونه، فيخرجون على النَّاس [فَيَشْرَبُونَ] المياهَ، ويتحَصَّنُ النَّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السَّماءِ، فتَرجِعُ فيها كهيئةِ الدَّم، فيقولون: قهرنا أهْلَ الأرْضِ، وعلونا أهل السَّماء، فيَبعَثُ الله عليهم نغفاً في أقفائهم، فَيهلكُونَ، وإنَّ دوابَّ الأرضِ لتسمنُ وتشكرُ من لحومهم.
وعن النَّواس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الدَّجَّال ذات غداةٍ، فخفَّض فيه ورفَّع حتَّى ظننَّاهُ في طائفةِ النَّخل، فلمَّا رحنا إليه، عرف ذلك فينا، فقال: ما شَأنكم؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرتَ الدَّجالِ أخْوفني عليكم، إنْ يخرجْ وأنا فيكم، فأنا حَجيجُهُ دونكم، وإن يخرج، ولستُ فيكم، فكلُّ امرئٍ حَجِيجُ نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم؛ إنَّهُ شابٌّ قططٌ، عينه طافيةٌ؛ كأنِّي أشبِّهه بعبد العُزَّى بن قطنٍ، فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنَّه خارجٌ خلَّة بين الشَّام والعراق، فعاث يميناً، وعاث شمالاً؛ يا عباد الله فاثبتوا قلنا: يا رسول الله، وما لبثهُ في الأرض؟ قال: أربعون يوماً؛ يومٌ كسنةٍ، ويومٌ كشهرٍ، ويومٌ كجمعةٍ، وسَائ~رُ أيَّامه كأيَّامكُمْ، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليومُ الذي كسنةٍ، يكْفِينَا فيه صلاةُ يوم؟ قال: لا، اقدرُوا لهُ قدرهُ، قلنا: يا رسول الله، وما إسراعهُ في الأرض؟ قال: كالغَيْثِ اسْتدْبَرَتهُ الرِّيحث، فيأتي على القومِ، فيَدعُوهُمْ، فيُؤمِنُونَ به، ويسْتَجيبُونَ له، فيَأمُر السَّماءَ، فتُمْطِرُ، والأرض فتُنْبِتُ، وتَروحُ عليهم سارحتهم، أطول ماكانت ذُرًى، وأسبغهُ ضُرُوعاً، وأمدَّهُ خَواصِرَ، ثمَّ يأتي القوم، فيَدعُوهُمْ، فيَردُّونَ عليه قوله، قال: فيَنْصرِفُ عنهم، فيُصْبِحُونَ مُمْحلين، ليس بايديهم شيءٌ من أموالهم، ويمرُّ بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنُوزكِ، فتَتْبَعُهُ كنُوزهَا؛ كيعَاسيب النَّحلِ، ثمَّ يدعو رجلاً مُمتلِئاً شباباً، فيَضْرِبُهُ بالسَّيفِ، فيَقْطعُه جزلتين رمية الغرض، ثمَّ يدعوهُ، فيُقْبلُ، يتهلَّلُ وجههُ؛ يضحك، فبينما هو كذلك؛ إذْ بعثَ الله عيسى ابن مريم المسيح - عليه السلام - فينزلُ عند المنارةِ البيضاءِ شرقيَّ دمشق، بين مهرُودتين واضعاً كفَّيه على أجْنحَةِ ملكين، إذا طأطأ رأسهُ، قطر، وإذا رفعه؛ تحدَّر منه مثل جمان اللؤلؤِ، فلا يحلُّ للكافر يجدُ ريحَ نفسه غلاَّ مات، ونفسه ينتهي حيثُ ينتهي طرفه حتَّى يدركه ببابِ لدٍّ، فيقتلهُ، ثمَّ يأتي عيسى قومٌ قد عصمهمُ الله منهُ، فيَمْسحُ عن وجوههم، ويحدِّثهُمْ بدرجاتهم في الجنَّة، فبينما هو كذلك إذْ أوحى الله تعالى غلى عيسى: إنِّي قَدْ أخرجتُ عباداً لي لا يدان لأحدٍ بقتالهم، فحرِّزْ عبادي إلى الطُّور، ويبعثُ الله يأجُوج ومأجُوجَ، وهُمْ من كلِّ حدبٍ ينسلون، فيمُرُّ أوائلهُم على بحيرة «طبَريَّة» فيَشْربُونَ ما فيها، ويمرُّ آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرَّة ماءٌ، ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأسُ الثَّور لأحدهم خيراً من مائة دينارٍ لأحدكم اليْومَ، فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيُرسِلُ الله تعالى عليهم النَّغف في رقابهم، فيُصْبِحُون فَرْسَى كموتِ نفسٍ واحدةٍ ثمَّ يهبطُ نبيُّ الله وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدُونَ في الأرض موضع شبر إلا ملأهُ زَهمهُمْ ونتنهُمْ، فيَرْغبُ نبيُّ الله عيسى وأصحابهُ إلى الله، فيُرسِلُ الله عليهم طيراً؛ كأعناقِ البُخْتِ، فتَحْملهُمْ، فتَطْرَحهُمْ حيثُ شَاءَ الله، ثمَّ يرسلُ الله مطراً، لا يكنُّ منهُ بيتٌ مَدَرٌ، ولا وبرٌ، فيَغْسِلُ الأرض، حتَّى يَتركهَا كالزَّلقة، ثمَّ يقال للأرض: أنْبتِي ثَمرتك، ورُدِّي بَركتَكِ، فيَومئذٍ: تَأكلُ العَصابةُ الرُّمانَة، ويَسْتظلُّونَ بِقحْفِهَا، ويبارك في الرِّسلِ، حتَّى إنَّ اللقحة من الإبل، لتكفي الفئامَ من النَّاس، وبينما هم كذلك؛ إذْ بعث الله ريحاً طيبة، فتَأخُذهُمْ تحت آباطهم، فتَقْبِضُ رُوح كلِّ مؤمنٍ، وكلِّ مسلمٍ، ويبقى شِرارُ النَّاس يَتهارَجُونَ فيها تَهارُجَ الحُمُر، فعليهم تَقومُ السَّاعةُ.
قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ الآية.
قيل: هذا عند فتح السَّد، وتركنا يأجوج ومأجوج يموجُ بعضهم في بعضٍ، أي: يزدحمون كموج الماء، ويختلط بعضهم في بعضٍ؛ لكثرتهم.
وقيل: هذا عند قيام السَّاعة يدخل الخلق بعضهم في بعض، ويختلط إنسيُّهم بِجنِّيِّهِمْ حَيَارَى.
قوله: «يَوْمئِذٍ» التنوين عوضٌ من جملةٍ محذوفة، تقديرها: يوم إذ جاء وعدُ ربِّي، أو إذ حجز السدُّ بينهم.
قوله: ﴿يَمُوجُ﴾ : مفعول ثانٍ ل «تَركْنَا» والضمير في «بَعْضهُمْ» يعود على «يَأجُوج ومأجُوج» أو على سائر الخلق.
قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ . لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب السَّاعة، وتقدَّم الكلام في الصور، ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾ في صعيدٍ واحدٍ.
«وعَرضْنَا» : أبْرَزْنَا.
﴿جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ حتَّى يشاهدوها عياناً.
قوله: ﴿الذين كَانَتْ﴾ : يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من «لِلْكافِرينَ» أو بياناً، أو نعتاً، وأن يكون منصوباً بإضمار «أذمُّ» وأن يكون مرفوعاً خبر ابتداءٍ مضمرٍ.
ومعنى ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ﴾ : أي: [غشاءٍ، والغطاء: ما يغطِّي الشيء ويسترهُ ﴿عَن ذِكْرِي﴾ : عن الإيمان والقرآن، والمراد منه: شدَّة انصرافهم عن قَبُول الحقِّ، وعن الهدى والبيان، وقيل: عن رؤية الدلائل: ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ .
أي: سمع الصَّوت، أي: القبول والإيمان؛ لغلبةِ الشَّقاء عليهم.
وقيل: لا يعقلون، وهذا قوله: ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ [المائدة: 71] .
أما العمى، فهو قوله: ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾ وأما الصّمم فقوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ .
أي: لا يقدرون [أن يَسْمَعُوا] من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما يتلوه عليهم؛ لشدَّة عداوتهم له.
الكهف 18:88
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ الآية.
قد تقدَّم في أول هذه السورة أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن أصحاب الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الرُّوح، فقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ هو ذلك السؤال، واختلفوا في ذي القرنين، فقيل: هو الإسكندر بن فيلبوس اليونانيُّ، وقيل: كان اسمه مرزبان بن مرزبة من ولد يونان بن ثافث بن نوحٍ، وكان اسود، قال بعضهم: كان نبيًّا، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض﴾ والأولى حمله على التمكين في الدِّين، والتَّمكين الكامل في الدِّين هو النبوة، ولقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ ومن جملة الأسباب النبوة، فمقتضى العموم أنه آتاهُ من النبوة سبباً، ولقوله تعالى: ﴿ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ والذي يتكلَّم الله معه لا بد وأن يكون نبياً. قال ابو الطفيل، وسئل عن ذي القرنين: أكان نبيًّا أم ملكاً؟ قال: لم يكن نبياً، ولا ملكاً، ولكن كان عبداً أحبَّ الله، فأحبَّه الله، وناصح الله فناصحه.
روي أنَّ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - سمع رجلاً يقول لآخر: «يَا ذَا القرنين» فقال: تسمَّيتم بأسماء النبيين، فلم ترضوا حتى تسمّيتم بأسماء الملائكة. والأكثرون على أنه كان ملكاً عادلاً صالحاً، واختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين قيل: لأنه بلغ قرني الشمس: مشرقها ومغربها، وأيضاً: بلغ ملكه أقصى الشمال، لأنَّ «يأُجوجَ ومأجُوجَ» قومٌ من التركِ يسكنون في أقصى الشمالِ، فهذا المسمَّى بذي القرنين قد دلَّ القرآن على أنَّ ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق والشمال، وهذا نهاية المعمور من الأرض، ومثل هذا الملك البسيط على خلاف العادات، فيجب أن يبقى ذكره مخلّداً على وجه الدهر لا يخفى، والذي اشتهر في كتب التواريخ أن الذي بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر، وذلك أنه لمَّا مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك العرب وقهرهم، وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر، ثم عاد إلى مصر، فبنى الإسكندرية، وسمَّاها باسم نفسه، ثم دخل الشَّام، وقصد بني إسرائيل، وورد «بيت المقدس» ، وذبح في مذبحه، ثم انعطف إلى «أرمينيَّة» و «باب الأبواب» ودان له العراقيُّون، والقبط، والبربر، ثم توجه نحو دارا بن دارا، وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه، واستولى الإسكندر على ممالك الفرس، وقصد الهند والصِّين، وغزا الأمم البعيدة، ورجع إلى «خراسان» وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق، ومرض ب «شهرزور» ومات، فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض أو ما يقرب منها، وثبت من التَّواريخ أن من هذا شأنه ماكان إلاَّ الإسكندر وجب القطعُ بأنَّ المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني.
قيل: وسمِّي بذي القرنين، لأنه ملك الرُّوم وفارس، وقيل: لأنه دخل النور والظلمة، وقيل: لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشَّمس، وقيل: لأنه كانت له ذؤابتان حسنتان، وقيل: لأنه كان له قرنان تواليهما العمامة.
وروى أبو الفضلِ عن عليّ أنه أمر قومهُ بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيمن، فمات، فبعثه الله، فأمرهم بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيسر، فمات فأحياه الله.
وقيل: كان لتاجه قرنان، وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وقيل: لأن الله سخر له النُّور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه، وتمتد الظلمة من ورائه.
فروي أن ذا القرنين أمر ببناء مدنٍ كثيرةٍ منها: «الدبوسية» و «حمدان» و «برج الحجارة» ، ولما بلغ «الهند» بنى مدينة «سرنديب» وأن أرباب الحساب قالوا له: إنَّك لا تموتُ إلا على أرض من حديدٍ، وسماه من خشب، وكان يدفن كنوز كلِّ بلدٍ فيها، ويكتب ذلك معه بصفته وموضعه، فبلغ «بابل» ، فرعف، فسقط عن دابَّته، فبسطت له دروع فنام عليها، فآذته الشمس، فأظلوه بتُرسٍ، فنظر وقال: هذه أرضٌ من حديدٍ وسماء من خشبٍ، فأيقن بالموت، فمات وهو ابنُ ألف سنة وثلاثمائة سنة.
وقال أبو الرَّيحان البيروني في كتابه المسمَّى ب «الآثار الباقية عن القرون الخالية» : قيل: إنَّ ذا القرنين هو أبو كربٍ سُمَيُّ بن عبرين بن أقريقيش الحميريّ، وأنَّ ملكهُ بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير: [الكامل]
قَدْ كَانَ ذُو القَرنيْنِ قَبْلي مُسْلِماً ... مَلِكاً عَلا فِي الأرْضِ غير مُفَنَّدِ
بلغَ المشارِقَ والمغارِبَ يَبتَغِي ... أسْبابَ ملكٍ من كَرِيم سيِّدِ
ثم قال أبو الريحان: ويشبهُ أن يكون هذا القول أقرب، لأن الأذواء كانوا من اليمن، وهم الذين لا يخلون أساميهم من «ذي كذا» المنار، و «ذي نواس» ، و «ذي النُّون» ، و «ذي رعين» والقول الأول أظهر، لما تقدم من الدليل، ولأنه روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «سمِّي ذا القرنَيْنِ لأنَّه طاف قرنَي الدُّنيا شرقها وغربها» .
قال ابن الخطيب: إلاَّ أنَّ فيه إشكالاً قويًّا، وهو أن الإسكندر كان تلميذ أرسطاطاليس الحكيم، وكان على مذهبه، فتعظيم الله إيَّاه يُوجِبُ الحكم بأنَّ مذهب أرسطاطاليس حقٌّ وصدقٌ، وذلك ممَّا لا سبيل إليه.
قال ابن كثير: روي عن ابن عباسٍ: أنَّ اسم ذي القرنين عبد الله بن الضحاك.
وقيل: مصعبُ بن عبد الله بن قينان بن منصور بن عبد الله بن الآزر بن عون بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان.
وروي أنَّه كان من حمير، وأمُّه روميَّة، وأنه كان يقال له الفيلسوفُ؛ لعقله.
وقال السهيلي: قيل: كان اسمه مرزبي بن مرذبة ذكره ابن هشام، وهو أول التَّبابعة.
وقيل: إنه أفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك ويروى في خطبة قيس بن ساعدة التي خطبها بسوق عكاظ، أنه قال فيها يا معشر إياد أين الصعب ذو القرنين ملك الخافقين، وأوّل المسلمين، وعمر ألفين، ثم كان ذلك كطرفة عين، وأنشد ابن هشام: [الكامل]
والصَّعبُ ذُو القرنيْنِ أصْبحَ ثَاوِياً ... بالحِنْوِ حيث أميم مقيم
أمَّا ذو القرنين الثاني فهو الإسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن هردوس ابن ميطون بن رومي بن نويط بن نوفيل بن ليطى بن يونان بن يافث بن نوح بن سرحون بن رومي بن قريط بن نوفيل بن رومي بن الأصفر بن اليغز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليه السلام - كذا نسبه ابن عساكر المقدوني اليوناني المصري باني الإسكندرية الذي يؤرِّخ بأيَّامه الروم، وكان متأخِّراً عن الأول بدهر طويل، وكان هذا قبل المسيح بنحوٍ من ثلاثمائة سنة، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف، وهو قتل دارا بن دارا [ملك] ملوكِ الفرس.
وإنما نبهنا على هذا؛ لأنَّ كثيراً من الناس يعتقد أنهما واحدٌ، وأن المذكور في القرىن هو الذي كان أرسطاطاليس وزيرهُ، فيقع بذلك خطأ كثير؛ فإنَّ الأول كان مؤمناً عبداً صالحاً، وملكاً عادلاً، وكان وزيره الخضر - عليهما السلام - وكان نبيًّا، وأمَّا الثاني فكان مشركاً، وكان وزيره فيلسوفاً، وكان بين زمانيهما أزيد من ألفي [سنة] فأين هذا من هذا؟ .
قوله: «سَأتلُو» : دخلت السين ها هنا؛ لأن المعنى أني سأفعل هذا إن وفَّقني الله عليه، وأنزل عليَّ وحياً، وأخبرني عن كيفية تلك الحال.
قوله «مِنْهُ ذِكْراً» أي: من أخباره وقصصه.
قوله: «إنَّا مكَّنا له» .
ومعنى «مكنَّا لهُ» : أوطأنا، والتمكينُ: تمهيد الأسباب قال عليٌّ: سخَّر له السَّحاب، فحمله عليه، ومدَّ له في الأسباب، وبسط له في النُّورِ، وكان اللَّيلُ والنهار عليه سواء، فهذا معنى تمكنيه في الأرض؛ وأنه سهَّل عليه السير فيها، وذلل له طريقها.
وهذا التَّمكينُ بسبب النبوة، ويحتمل أن يكون المراد التمكين بسبب الملكِ من حيث إنه ملك مشارق العالم ومغاربه، والأول أولى؛ لأنَّ التمكينَ بسبب النبوّة أعلى من التمكين بسبب الملك، وحمل كلام الله تعالى على الوجه الأكمل الأفضل أولى، ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ قالوا: السبب في أصل اللغة عبارة عن الحبل، ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى المقصود، وهو يتناول العلم والقدرة والآلة، فلذلك قيل: «وآتيناه من كل شيء» ما يستعين به الملوك على فتح المدن، ومحاربة الأعداء «سبباً» أي: علماً يتسبب به إلى كل ما يريد ويسير به في أقطار الأرض، وقيل: قرَّبنا له أقطار الأرض.
واستدلوا بعموم قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ على أنه كان نبيًّا كما تقدَّم، ومن أنكر نبوته قال: المعنى: وآتيناه من كلِّ شيءٍ يحتاجُ إلى إصلاح ملكه إلاَّ أن تخصيص العموم خلاف الظاهر، فلا يصار إليه إلاَّ بدليلٍ.
قوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ .
قرأ نافع، وابن كثيرٍ، وأبو عمرو «فَاتَّبعَ» و «ثمَّ اتَّبعَ» في الموضعين بهمزة وصل، وتشديد التاء. والباقون بهمزة القطع في المواضع الثلاثة وسكون التاء.
فقيل: هما بمعنى واحدٍ فيتعدَّيان لمفعولٍ واحدٍ.
وقيل: «أتْبَعَ» بالقطع متعدٍّ لاثنين حذف أحدهما تقديره: فأتْبع سبباً سبباً آخر، أو فأتبع أمره سبباً آخر، ومنه ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً﴾ [القصص: 42] فعدَّاه لاثنين ومن حذف أحد المفعولين: قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: 60] ، أي: أتبعوهم جنودهم. واختار أبو عبيد «اتَّبعَ» بالوصل، قال: «لأنَّه من المسيرِ» قال: تقول: تبعتُ القوم واتَّبعتُهم. فأمَّا الإتباعُ بالقطع فمعناه اللحاقُ، كقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10] .
وقال يونس، وأبو زيدٍ: «أتْبعَ» بالقطع عبارة عن المجدِّ المسرعِ الحثيثِ الطلب. وبالوصلِ إنَّما يتضمَّن الاقتفاء دون هذه الصفات.
قال البغويُّ: والصحيح الفرق بينهما، فمن قطع الألف، فمعناه: أدرك ولحق، ومن قرأ بالتشديد فمعناه: سار، يقال: ما زلتُ أتَّبعه حتى اتبعته، أي: ما زلتُ أسير خلفهُ حتى لحقته، ومعنى الآية: أنه تعالى لمَّا أعطاهُ من كل شيءٍ سببه، فإذا أراد سبباً أتبع سبباً يوصله إليه ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة﴾ .
عن أبي ذرٍّ قال: كنت رديف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على جملٍ، فرأى الشمس حين غابت، فقال: أتدري يا أبا ذرٍّ، أتدري أين تغربُ هذه؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: «فإنَّها تغربُ في عينٍ حاميةٍ» وهي قراءة ابن مسعود، وطلحة، وابن عمر، واختارها أبو عبيدة، قال: لأنَّ عليها جماعة من الصحابة.
وأما القراءة الثانية، فهي من الحمأةِ، وهي الطِّين، وهي قراءة ابن عبَّاس.
فصل
ثبت بالدَّليل أنَّ الأرض كرة، وأنَّ السماء محيطة، وأنَّ الشمس في الفلك الرابع، وكيف يعقل دخولها في عينٍ؟ وأيضاً قال: «وجد عِنْدهَا قوماً» ومعلومٌ أن جلوس القوم قرب الشَّمسِ غير موجودٍ، وأيضاً فالشمس أكبر من الأرض بمراتٍ كثيرةٍ، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ وإذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ من وجوه:
الأول: أنَّ ذا القرنين لما بلغ موضعاً من المغرب، لم يبق بعدهُ شيءٌ من العماراتِ، وجد الشَّمس كأنَّها تغربُ في عينٍ مظلمةٍ، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة كما أنَّ راكب البحر يرى الشمس كأنَّها تغيبُ في البحر إذا لم يرَ الشطَّ، وهي في الحقيقة تغيبُ وراء البحر، ذكر هذا التأويل الجبائيُّ في تفسيره.
الثاني: أنَّ للجانب الغربيّ من الأرض مساكنَ يحيطُ البحر بها، فالناظرُ إلى الشَّمْسِ يتخيلُ كأنَّها تغيب في تلك البحار، ولا شكَّ أنَّ البحار الغربية قويةٌ السخونة، فهي حاميةٌ، وهي أيضاً حمئة لكثرة ما فيها من الماء ومن الحمأةِ السَّوداءِ، فقوله: ﴿تَغْربُ في عينٍ حمئةٍ﴾ إشارةٌ إلى أن الجانب الغربي منالأرض قد أحاط البحر به، وهو موضعٌ شديدُ السخونة، قال اهل الأخبار: إنَّ الشمس تغيب في عينٍ كثيرة الماءِ والحمأةِ، وهذا في غاية البعد؛ وذلك لأنَّا إذا رصدنا كسوفاً قمريًّا، فإذا اعتبرناه، ورأينا أنَّ المغربيين قالوا: حصل هذا الكسوف في أوَّل الليل، ورأينا المشرقين، قالوا: حصل في أوَّل النَّهار علمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق، بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا هو وقت العصر في بلد، ووقت الظُّهر في بلدٍ آخر، ووقت الضَّحوة في بلد ثالثٍ، ووقت طلوع الشمس في بلدٍ رابع، ونصف الليل في بلد خامسٍ، وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بالاستقراء والأخبار وعلمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يقال: إنَّها تغيبُ في الطين والحمأة كلاماً على خلاف اليقين؛ وكلام الله تعالى مبرَّأ عن هذه التهمة، فلم يبق إلاَّ أن يصار غلى التَّأويل المذكور
ثم قال: «ووجد عندها قوماً» أي: عند العين أمة، وقيل: الضمير [عائد] إلى الشمس.
قال ابن جريج: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجبُ.
قوله: ﴿قُلْنَا ياذا القرنين﴾ يدل على أنه تعالى كلمه من غير واسطة، وذلك يدل على أنه كان نبيًّا، فإن قيل: خوطب على ألسنة بعض الأنبياء، فهو عدولٌ عن الظاهر.
وقال بعضهم: المراد منه الإلهام.
قوله: ﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ﴾ .
يجوز فيه الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، أي: إمَّا تعذيبك واقعٌ، والرفع على خبر مضمرٍ، أي: هو تعذيبك، والنصب اي: إمَّا أن تفعل أن تعذِّب.
وهذا يدلُّ على أنَّ سكَّان آخر المغرب، كانوا كفاراً، فخيَّر الله ذا القرنين فيهم بين التعذيب، إن أقاموا على الكفر، وبين المنِّ عليهم، والعفو عنهم، وهذا التخيير على معنى الاجتهاد في أصلح المرين، كما خيَّر نبيه - محمداً عليه الصلاة والسلام - بين المنِّ على المشركين، وبين قتلهم.
وقال الكثرون: هذا التعذيب هو القتل، وأمَّا اتِّخاذ الحسنى فيهم، فهو تركهم أحياء.
ثم قال ذو القرنين: ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ﴾ أي: ظلم نفسه؛ بمعنى «كفر» لأنَّه ذكر في مقابلته: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾ ثم قال: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أي بقتله ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ﴾ في الآخرة ﴿عَذَاباً نُّكْرا﴾ أي: منكراً فظيعاً.
وهو النار، والنار أنكر من القتل.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ .
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى﴾ الآية.
قوله: ﴿جَزَآءً الحسنى﴾ قرأ الأخوان، وحفص بنصب «جزاءً» وتنوينه، والباقون برفعه مضافاً، فالنصب على المصدر المؤكِّد لمضمون الجملة، أو بنصب بمضمرٍ، أو مؤكدٍ لعامل من لفظه مقدَّر، أي: يجزي جزاء، وتكون الجملة معترضة بين المبتدأ وخبره المقدَّم عليه، وقد يعترض على الأول: بأنَّ المصدر المؤكِّد لمضمون جملة لا يتقدَّم عليها، فكذا لا يتوسَّطُ، وفيه نظر يحتمل الجواز والمنع، وهو إلى الجواز أقرب.
الثالث: أنه في موضع الحال.
الرابع: نصبه على التفسير، قاله الفراء؛ يعني التمييز، وهو بعيد.
وقرأ ابن عباس، ومسروق بالنصب والإضافة، وفيها تخريجان: أحدهما: أن المبتدأ محذوف، وهو العامل في «جزاءَ الحُسْنى» التقدير: فله الجزاء جزاء الحسنى.
والثاني: أنه حذف التنوين لالتقاء الساكنين؛ كقوله: [المتقارب]
3565 - ... ... ... ... ... ..... ولا ذَاكِرَ الله إلاَّ قَلِيلا
ذكره المهدويُّ.
والقراءة الثانية رفعه فيها على الابتداء، والخبر الجار قبله، و «الحُسْنَى» مضاف إليها، والمراد بالحسنى الجنَّة، وقيل: الفعلة الحسنى.
وقرأ عبد الله، وابن أبي إسحاق «جزاءٌ» مرفوعاً منوناً على الابتداء، و «الحُسْنَى» بدلٌ، أو بيان، أو منصوبة بإضمار «أعْنِي» أو خبر مبتدأ مضمرٍ.
و «يُسْراً» نعت مصدر محذوف، أي: قولاً ذا يسرٍ، وقرأ أبو جعفر بضم السين في اليُسُر حيث ورد.
فصل في اختلاف معنى الآية باختلاف القراءة
قال المفسرون: المعنى على قراءة النصب: فله الحسنى جزاء؛ كما يقال: لك هذا الثوب هبةً.
وعلى قراءة الرفع، فيه وجهان:
أحدهما: فله الجزاءُ الحسنى، والفعلةُ الحسنى: هي الإيمانُ، والعمل الصَّالح.
والثاني: فلهُ جزاء المثوبة الحسنى، وإضافة الموصوف إلى الصِّفة مشهورةٌ؛ كقوله: ﴿وَلَدَارُ الآخرة﴾ [يوسف: 109] . و ﴿حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: 95] .
وقوله: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ الآية، أي: لا نأمرهُ بالصَّعب الشَّاق، ولكن بالسَّهل الميسَّر من الزَّكاة، والخراج وغيرهما، وتقديره: ذا يسر؛ كقوله: ﴿قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ [الإسراء: 28] .
قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس﴾ .
أي: سلك طرقاً ومنازل ﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ﴾ أي: موضع طلوعها ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ .
قال الحسنُ وقتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستراً، وليس هناك شجرٌ، ولا جبلٌ، ولا أبنيةٌ، تمنع [طلوع] الشمس عليهم؛ لأنَّهم كانوا في مكان لا يستقرُّ عليهم بناءٌ، وكانوا يكونون في أسراب لهم، حتَّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم.
وقال الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس، يدخلون الماء، فإذا ارتفعت عنهم، خرجوا فرعوا؛ كأنَّهم بهائمُ.
قال الكلبيُّ: هم قومٌ عراةٌ؛ كسائر الحيوان، يفترشُ أحدهم أذنيه؛ أحدهما تحته، ويلتحفُ بالأخرى.
فصل فيما يروى عن السد
ذكروا في بعض كتب التفسير: أن بعضهم، قال: سافرت، حتَّى جاوزت الصِّين، فسألت عن هؤلاء القوم، فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلةٍ، فبلغتهم، فإذا أحدهم يفترش إحدى أذنبه، ويلبس الأخرى، فلما قرب طلوع الشمس، سمعت صوتاً كهيئة الصَّلصلة، فغُشي عليَّ، ثم أفقتُ، فلمَّا طلعت الشمس؛ إذ هي فوق الماءِ؛ كهيئة الزيت، فأدخلونا سرباً لهم، فلما ارتفع النَّهار، جعلوا يصطادون السَّمك فيطرحونه في الشمس؛ فينضج.
قوله: ﴿مَطْلِعَ الشمس﴾ .
العامَّة على كسر اللام من «مَطْلِع» والمضارعُ «يَطلُع» بالضم، فكان القياس فتح اللام في المفعل مطلقاً، ولكنَّها مع أخواتٍ لها سمع فيها الكسر، وقياسها الفتح، وقد قرأ به الحسن، وعيسى، وابن محيصن، ورويت عن ابن كثيرٍ، وأهل مكة، قال الكسائي: «هذه اللغة قد ماتت» يعني: أي: بكسر اللام من المضارع، والمفعل، وهذا يشعرُ أنَّ من العرب من كان يقول: طَلَع يَطلِعُ، بالكسر في المضارع.
قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ : الكاف: إمَّا مرفوعة المحلِّ، أي: الأمر كذلك، أو منصوبته، أي: فعلنا مثل ذلك.
ومعنى الكلام: كذلك فعل ذو القرنينِ، أتبع هذه الأسباب، حتى بلغ، وقد علمنا حين ملَّكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك.
وقيل: كذلك جعل الله أمر هؤلاء القوم على ما قد أعلم رسول الله - عليه السلام - في هذا الذِّكر.
وقيل: كذلك كانت حاأهل المطلع؛ كما كانت حاله مع أهل المغرب، قضى في هؤلاء، كما قضى في أولئك؛ من تعذيب الظالمين، والإحسان إلى المؤمنين.
وقيل: تمَّ الكلام عند قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ .
والمعنى: أنه تعالى قال: أمر هؤلاء القوم، كما وجدهم عليه ذو القرنين، ثم قال بعده: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً﴾ أي: كنَّا عالمين بأنَّ الأمر كذلك.
قوله: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ الآية.
و ﴿بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ «بين» هنا يجوز أن يكون ظرفاً، والمفعول محذوف، أي: بلغ غرضه ومقصوده، وأن يكون مفعولاً به على الاتِّساع، أي: بلغ المكان الحاجز بينهما.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، بفتح سين «السَّدَّين» و «سَدًّا» في هذه السورة، وحفصٌ فتح الجميع، أعني موضعي هذه السورة، وموضعي سورة يس [الآية: 9] ، وقرأ الأخوان بالفتح في «سدًّا» في سورتيه، وبالضمِّ في «السُّدَّين» والباقون بالضمِّ في الجميع، فقيل: هما بمعنى واحدٍ، وقيل: لمضمومُ: ما كان من فعل الله تعالى، والمفتوحُ ما كان من فعل النَّاس، وهذا مرويٌّ عن عكرمة، والكسائي، وأبي عبيد وابن الأنباريِّ.
قال الزمخشري: لأنَّ السُّدَّ، بالضمِّ: «فُعْل» بمعنى «مفْعُول» أي: هو مما فعله الله، وخلقه، والسَّدُّ، بالفتح: مصدر حدث يحدثه الناس. وهو مردودٌ: بأنَّ السدَّين في هذه السورة جبلان، سدَّ ذو القرنين بينهما بسدٍّ، فهما من فعلِ الله، والسدُّ الذي فعله ذو القرنين من فعل المخلوق، و «سدًّا» في يس من فعلِ الله تعالى؛ لقوله: «وجعلنا» ومع ذلك قرئ في الجميع، بالفتح، والضمِّ، فعلم أنَّهما لغتان؛ كالضَّعف، والضُّعف، والفَقر، والفُقر، وقال الخليل: المضموم اسمٌ، والمفتوح مصدر، وهذا هو الاختيار.
فصل في مكان السد
الأظهرُ: أنَّ موضع السدَّين في ناحية الشَّمال، وقيل: جبلان بين أرمينيَّة، وأذربيجان.
وقيل: هذا المكان في مقطع أرض التُّرك.
وحكى محمد بن جرير الطبريُّ في تاريخه: أنَّ صاحب أذربيجان أيَّام فتحها، وجَّه إنساناً إليه من ناحية الخزر، فشاهده، ووصف أنَّه بنيانٌ رفيعٌ وراء خندقٍ وثيقٍ منيعٍ، وذكر ابن خرداذبة في كتابه «المسالك والممالك» أن الواثق بالله رأى في المنام كأنَّه فتح هذا الردم، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه، فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه، فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه، فوصفوا أنه بنيانٌ من لبنٍ من حديد مشدود بالنُّحاس المذاب، وعليه بابٌ مقفلٌ، ثم إنَّ ذلك الإنسان لمَّا حاول الرُّجوع، أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند.
فصل في مقتضى هذا الخبر
قال أبو الرَّيحان البيرونيُّ: مقتضى هذا الخبر أنَّ موضعه في الربع الشماليِّ الغربيِّ من المعمورة.
قوله: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ : قرأ الأخوان بضمِّ الياء، وكسر القاف، من أفقه غيره، فالمفعول محذوف، أي: لا يفقهون غيرهم قولاً، والباقون بفتحهما، أي: لا يفهمون كلام غيرهم، وهو بمعنى الأول، وقيل: ليس بمتلازمٍ؛ إذ قد يفقه الإنسان كلام غيره، ولا يفقه قوله غيره، وبالعكس.
فصل في كيفية فهم ذي القرنين كلام أولئك القوم
لمَّا بلغ ذو القرنين ما بين السَّدين ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا﴾ [أي] من ورائهما مجاوزاً عنهما «قوماً» ، أي: أمَّة من الناس ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ .
فإن قيل: كيف فهم ذو القرنين منهم هذا الكلام، بعد أن وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ ؟ .
فالجواب من وجوه:
أحدهما: قيل: كلّم عنهم مترجمٌ؛ ويدل عليه قراءة ابن مسعودٍ: لا يكادون يفقهون قولاً، قال الذين من دونهم: يا ذا القرنين ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوج﴾ .
وثانيها: أن قوله: ﴿لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ يدلُّ على أنَّهم قد يفقهون بمشقَّة وصعوبة [من إشارة ونحوها] .
وثالثها: أنَّ «كاد» معناه المقاربة؛ وعلى هذا، فلا بدَّ من غضمارٍ، تقديره: لا يكادون يفقهون إلاَّ بمشقةٍ؛ من إشارة ونحوها.
قوله: ﴿يَأْجُوجَ وَمَأْجُوج﴾ : قرأ عاصم بالهمزة الساكنة، والباقون بألف صريحة، واختلف في ذلك؛ فقيل: هما أعجميَّان، لا اشتقاق لهما، ومنعا من الصرف؛ للعلميَّة والعجمة، ويحتمل أن تكون الهمزة أصلاً، والألف بدلاً منها، أو بالعكس؛ لأنَّ العرب تتلاعب بالأسماء الأعجمية، وقيل: بل هما عربيَّان، واختلف في اشتقاقهما.
فقال الكسائي: يأجوجُ: مأخوذٌ من تأجُّج النار، ولهبها أو شدَّة توقُّدها؛ فلسرعتهم في الحركة سمُّوا بذلك، ومأجوج من موج البحر.
وقيل من الأجِّ، وهو الاختلاط أو شدَّة الحرِّ.
وقيل من الأجِّ، وهو الاختلاط أو شدَّة الحرِّ.
وقال القتيبيُّ: من الأجِّ، وهو سرعة العدو، ومنه قوله: [الطويل]
3566 - ... ... ... ... ... ..... تَؤجُّ كمَا أجَّ الظَّلِيم المُنفَّرُ
وقيل: من الأجاجِ، وهو الماءُ المالح الزُّعاقُ.
وقال الخليلُ: الأجُّ: حبٌّ؛ كالعدس، والمجُّ: مجُّ الرِّيق، فيحتمل أن يكونا مأخوذين منهما، ووزنهما يفعولُ، ومفعول، وهذا ظاهر على قراءة عاصم، وأمَّا قراءة الباقين، فيحتمل أن تكون الألف بدلاً من الهمزة الساكنة، إلا أنَّ فيه أنَّ من هؤلاء من ليس أصله قلب الهمزة الساكنة، وهم الأكثر، ولا ضير في ذلك، ويحتمل أن تكون ألفهما زائدتين، ووزنهما «فَاعُول» من يجَّ، ومجَّ.
ويحتمل أن يكون ماجوج من «مَاجَ، يَمُوجُ» أي: اضطرب، ومنه الموجُ، فوزنه مفعول، وأصله: مَوجُوج، قاله أبو حاتم، وفيه نظر؛ من حيث ادِّعاءُ قلب حرف العلة، وهو ساكنٌ، وشذوذه كشذوذ «طائي» في النَّسب إلى طيِّئ.
وعلى القول بكونهما عربيَّين مشتقَّين، فمنع صرفهما؛ للعلميَّة والتأنيث؛ بمعنى القبيلة؛ كما تقدَّم في سورة هود، ومثل هذا الخلاف والتعليل جارٍ في سورة الأنبياء [الآية: 93]- عليهم السلام - والهمزة في يأجوج ومأجوج لغة بني أسدٍ، وقرأ رؤبة وأبوه العجاج «آجُوج» .
فصل في اصل يأجوج ومأجوج
اختلفوا في أنَّهم من أيِّ الأقوام، فقال الضحاك: هم جيلٌ من التُّرك.
وقال السديُّ: التُّرك: سريَّة من يأجُوج ومأجوج، خرجت، فضرب ذو القرنين السدَّ، فبقيت خارجة، فجميع الترك منهم.
وعن قتادة: أنَّهم اثنان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السدَّ على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت قبيلة واحدة، وهم التُّركُ، سمُّوا بذلك؛ لأنَّهم [تركوا] خارجين.
فصل في أجناس البشر
قال أهل التَّاريخ: أولاد نوحٍ ثلاثة: سام، وحام، ويافث. فسام أبو العرب، والعجم، والرُّوم.
وحام: أبو الحبشة، والزَّنج، والنُّوبة.
ويافث: أبو التُّرك، والخزر، والصقالبة، ويأجوج ومأجوج.
واختلفوا في صفاتهم:
فمن النَّاس من وصفهم بقصر القامة، وصغر الجثَّة بكون طول أحدهم شبراً، ومنهم من يصفهم بطُول القامة، وكبر الجثَّة، فقيل: طول أحدهم مائةُ وعشرون ذراعاً، ومنهم من طوله وعرضه كذلك، وأثبتوا لهم مخالب في الأظفار وأضراساً كأضراسِ السِّباع، ومنهم من يفترش إحدى أذنيه، ويلتحفُ بالأخرى.
فصل في إفسادهم
واختلفوا في كيفية إفسادهم:
فقيل: كانوا يقتلون الناس.
وقيل: كانوا يأكلوه لحوم النَّاس، وقيل: كانوا يخرجون أيَّام الربيع ولا يتركون لهم شيئاً أخضر.
وبالجملة: فلفظ الفساد يحتمل هذه الأقسام.
ثمَّ إنَّه تعالى حكى عن أهل ما بين السَّديْن أنَّهم قالوا لذي القرنين: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ الآية.
قوله: «خَرْجاً» قرأ ابن عامر «خَرْجاً» هنا وفي المؤمنين [الآية: 72] بسكون الراء، والأخوان «خَرَاجاً» «فَخَراج» في السورتين بالألف، والباقون كقراءة ابن عامر في هذه السورة، والأول في المؤمنين، وفي الثاني، وهو «فَخرَاج» كقراءة الأخوين، فقيل: هما بمعنى واحد كالقول والقوال، والنّوْل والنَّوال، وقيل: «الخَراجُ» بالألف ما ضرب على الأرض من الإتاوةِ كلَّ عامٍ، وبغير الألف بمعنى الجعل، أي: نُعطيكَ من أموالنا مرَّة واحدة ما تستعينُ به على ذلك، وقال أبو عمر: الخرج: ما تبرَّعت به، والخراج ما لزمك أداؤهُ.
قال مكيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: واختيار تركُ الألف؛ لأنَّهم إنما عرضوا عليه: أن يعطوه عطيَّة واحدة على بنائه، لا أن يضرب ذلك عليهم كلَّ عامٍ، وقيل: الخرجُ: ما كان على الرءوس، والخراج: ما كان على الأرض، قاله قطرب يقال: أدِّ خرج رأسك، وخراج أرضك، قاله ابن الأعرابيِّ، وقيل: الخرجُ أخصُّ، والخَراجُ أعمُّ، قاله ثعلبٌ، وقيل: الخرجُ مصدر، والخراجُ: اسم لما يعطى، ثم قد يطلق على المفعول المصدر؛ كالخلقِ؛ بمعنى المخلوق.
ثم قال: ﴿على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ أي: حاجزاً، فلا يصلون إلينا.
قوله: ﴿مَا مَكَّنِّي﴾ : «ما» بمعنى «الذي» وقرأ ابن كثيرٍ: «مكَّنني» بإظهار النون، والباقون بإدغامها في نون الوقاية؛ للتخفيف.
وهي مرسومةٌ في مصاحف غير مكَّة بنون واحدة، وفي مصاحف مكَّة بنونين، فكلٌّ وافق مصحفه.
ومعنى الكلام: ما قوَّاني عليه ربِّي خيرٌ من جعلكم، أي: ما جعلني مكيناً من المال الكثير، خيرٌ ممَّا تبذلُون لي من الخراج؛ فلا حاجة بي إليه، كقول سليمان - عليه السلام -: ﴿فَمَآ آتَانِي الله خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ﴾ [النمل: 36] .
قوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي: لا أريد المال، ولكن أعينوني بأيديكم، وقوَّتكم ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ .
والرَّدْم: هو السدُّ، يقال: ردمت الباب، أي: سددتُّه، وردمتُ الثوب: رقعته؛ لأنه يسدُّ موضع الخرق بالرَّقع، والرَّدم أكثر من السدِّ؛ من قولهم: ثوبٌ مردم، أي: وضعت عليه رقاعٌ.
قالوا: وما تلك القوة؟ . قال: فعلةٌ وصنَّاعٌ يحسنون البناء والعمل، والآلة.
قالوا: وما تلك الآلة؟ .
قال: ﴿آتُونِي﴾ : قرأ أبو بكرٍ «ايتُونِي» بهمزة وصلٍ؛ من أتى يأتي في الموضعين من هذه السورة؛ بخلاف عنه في الثاني، ووافقه حمزة على الثاني، من غير خلافٍ عنه، والباقون بهمزة القطع فيهما.
ف «زُبرَ» على قراءة همزة الوصل منصوبة على إسقاط الخافض، أي: جيئُوني بزُبرِ الحديد، وفي قراءة قطعها على المفعول الثاني؛ لأنه يتعدَّى بالهمزة إلى اثنين، وعلى قراءة أبي بكرٍ يحتاج إلى كسر التنوين من «رَدْماً» لالتقاءِ الساكنين؛ لنَّ همزة الوصل، تسقط درجاً، فيقرأ له بكسر التنوين، وبعده همزة ساكنة هي فاءُ الكلمة، وإذا ابتدأت بكلمتي «ائتُونِي» في قراءته، وقراءة حمزة، تبدأ بهمزة مكسورة للوصلِ، ثم ياءٍ صريحة، هي بدلٌ من همزة فاء الكلمة، وفي الدَّرج تسقط همزة الوصل، فتعود الهمزة؛ لزوالِ موجب إبدالها.
والباقون يبتدئون، ويصلون بهمزة مفتوحة؛ لأنَّها همزة قطعٍ، ويتركون تنوين «رَدْماً» على حاله من السكون، وهذا كله ظاهر لأهل النحو، خفيٌّ على القراء.
والزُّبَرُ: جمع زُبْرَة، كغُرفَةٍ وغُرَفٍ.
و «زُبَرَ الحَديدِ» قطعه.
قال الخليل: الزُّبرة من الحديد: القطعة الضخمة.
وقرأ الحسن بضمِّ الباء.
قوله: «سَاوَى» هذه قراءة الجمهور، وقتادة «سوَّى» بالتضعيف، وعاصم في رواية طسُوِّيَ «مبنيًّا للمفعول.
وفيه إضمارٌ، أي: فأتوهُ بها، فوضع تلك الزُّبرَ بعضها على بعض ﴿حتى إِذَا ساوى﴾ أي سدت ما بين الجبلين إلى أعلاهما.
قوله:» الصَّدفَيْنِ» قرأ أبو بكرٍ بضم الصاد، وسكون الدَّال، وابن كثيرٍ، وأبو عمرو، وابن عامر بضمهما، والباقون بفتحهما، وهذه لغاتٌ قرئ بها في السَّبع، وأبو جعفرٍ، وشيبة، وحميد بالفتح والإسكان، والماجشونُ بالفتح والضمِّ، وعاصم في رواية بالعكس.
والصَّدفانِ: ناحيتا الجبلين، وقيل: أن يتقابل جبلان، وبينهما طريقٌ، والناحيتان صدفان؛ لتقابلهما، وتصادفهما، من صادفت الرجل، أي: لاقيته وقابلته، وقال أبو عبيد: «الصَّدفُ: كل بناءٍ مرتفعٍ، وقيل: ليس بمعروفٍ، والفتحُ لغة تميمٍ، والضمُّ لغة حميرٍ» .
فصل في بناء السد
لما أتوهُ بزبر الحديد، وضع بعضها على بعض؛ حتى ساوتْ، وسدَّت ما بين الجبلينِ، ووضع المنافخ عليها، والحطب، حتَّى إذا صارت كالنَّار، صبَّ النُّحاس المذاب على الحديدِ المحمَّى، فالتصق بعضه ببعض، فصار جبلاً صَلْداً.
وهذه معجزةٌ تامَّةٌ؛ لأنَّ هذه الزُّبَر الكثيرة، إذا نفخ عليها؛ حتَّى تصير كالنَّار، لم يقدر الحيوان على القرب منها، والنَّفخُ عليها لا يكون إلا بالقرب منها، فكأنَّه تعالى صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النَّافخين عليها.
قيل: إنَّه وضع الحديد على الحطب، والحطب على الحديد؛ فصار الحطب في خلال الحديد، ثمَّ نفخُوا عليه؛ حتَّى صار ناراً، أفرغ عليه النُّحاس المذاب؛ فدخل في خلال الحديد مكان الحطب؛ لأنَّ النَّار أكلت الحطب؛ فصار النحاسُ مكان الحطب؛ حتَّى لزم الحديدُ النُّحاس.
قال قتادة: صار كالبُرد المحبَّر طريقة سوداء وطريقة حمراء.
فصل فيما بين السدين
قال الزمخشريُّ: قيل: بعد ما بين السَّدين مائة فرسخٍ.
وروي: عرضهُ كان خمسين ذراعاً، وارتفاعه مائتي ذراعٍ.
قوله: «قِطْراً» هو المتنازع فيه، وهذه الآية أشهر أمثلةِ النحاةِ في باب التنازع، وهي من إعمال الثاني؛ للحذف من الأول، والقِطرُ: النُّحاس، أو الرَّصاصُ المذاب؛ لأنه يقطر.
قوله
: ﴿فَمَا اسطاعوا ﴾ : قرأ حمزة بتشديد الطاء، والباقون بتخفيفها، والوجه في الإدغام، كما قال أبو عليٍّ: «لمَّا لم يمكنْ إلقاء حركة [التَّاء] على السِّين؛ لئلاَّ يحرَّك ما لا يتحرَّك» - يعني: أنَّ سين «اسْتَفْعَلَ» لا تتحرَّك - أدغم مع السَّاكن، وإن لم يكن حرف لين، وقد قرأت القراء غير حرفٍ من هذا النحو؛ وقد أنشد سيبويه «ومَسْحي» يعني في قول الشاعر: [الرجز]
3567 - كَأنَّهُ بَعْدَ كَلالِ الزَّاجرِ ... ومَسْحِي مرُّ عُقابٍ كَاسرِ
[يريد «ومَسْحِه» ] فأدغم الحاء في الهاء بعد أن قلب الهاء حاء، وهو عكس قاعدة الإدغام في المتقاربين، وهذه القراءة قد لحَّنها بعض النُّحاة، قال الزجاج: «من قرأ بذلك، فهو لاحِنٌ مخطئٌ» وقال أبو عليٍّ: «هي غيرُ جائزةٍ» .
وقرأ الأعشى، عن أبي بكر «اصْطاعُوا» بإبدال السِّين صاداً، والأعمش «استطاعوا» كالثانية.
فصل
حذفت تاء «اسْتطَاعُوا» للخفَّة؛ لأنَّ التاء قريبة المخرجِ من الطَّاء، ومعنى «يَظْهَرُوهُ» أي: يعلونه من فوق ظهره؛ لطوله، وملاسته، وصلابته، وثخانته، ثم قال ذو القرنين: «هَذَا» إشارةٌ غلى السدِّ «رَحْمَةٌ» أي: نعمة من الله، ورحمة على عباده ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي: القيامة.
وقيل: وقت خروجهم ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ أي: جعل السدَّ مدكوكاً مستوياً، مع وجه الأرض.
قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ : الظاهر أنَّ «الجَعْلَ» هنا بمعنى «التَّصْيير» فتكون «دكَّاء» مفعولاً ثانياً، وجوَّو ابن عطيَّة: أن يكون حالاً، و «جَعَلَ» بمعنى «خَلَقَ» وفيه بعدٌ؛ لأنه إذ ذاك موجود، وتقدَّم خلاف القراء في «دكَّاء» في الأعراف.
قوله: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ الوعْدُ هنا مصدر بمعنى «المَوعُود» أو على بابه.
فصل فيما روي عن يأجوج ومأجوج
روى قتادة، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة، يرفعه: أنَّ يأجُوج ومأجُوجَ يحفرونه كلَّ يوم، حتَّى إذا كادوا يرون شُعاعَ الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارجعوا؛ فسَتحْفُرونهُ غداً، فيُعيدهُ الله كما كان، حتَّى إذا بَلغَتْ مُدَّتهُمْ، حفروا؛ حتَّى كادوا يرون شعاع الشَّمسِ، قال الذي عليهم: ارْجِعُوا، فسَتحْفرُونَهُ، إن شاء الله تعالى غداً، واستثنى، فيَعُودُونَ إليه، وهو كهيئته حين تركوهُ، فيحفرونه، فيخرجون على النَّاس [فَيَشْرَبُونَ] المياهَ، ويتحَصَّنُ النَّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السَّماءِ، فتَرجِعُ فيها كهيئةِ الدَّم، فيقولون: قهرنا أهْلَ الأرْضِ، وعلونا أهل السَّماء، فيَبعَثُ الله عليهم نغفاً في أقفائهم، فَيهلكُونَ، وإنَّ دوابَّ الأرضِ لتسمنُ وتشكرُ من لحومهم.
وعن النَّواس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الدَّجَّال ذات غداةٍ، فخفَّض فيه ورفَّع حتَّى ظننَّاهُ في طائفةِ النَّخل، فلمَّا رحنا إليه، عرف ذلك فينا، فقال: ما شَأنكم؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرتَ الدَّجالِ أخْوفني عليكم، إنْ يخرجْ وأنا فيكم، فأنا حَجيجُهُ دونكم، وإن يخرج، ولستُ فيكم، فكلُّ امرئٍ حَجِيجُ نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم؛ إنَّهُ شابٌّ قططٌ، عينه طافيةٌ؛ كأنِّي أشبِّهه بعبد العُزَّى بن قطنٍ، فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنَّه خارجٌ خلَّة بين الشَّام والعراق، فعاث يميناً، وعاث شمالاً؛ يا عباد الله فاثبتوا قلنا: يا رسول الله، وما لبثهُ في الأرض؟ قال: أربعون يوماً؛ يومٌ كسنةٍ، ويومٌ كشهرٍ، ويومٌ كجمعةٍ، وسَائ~رُ أيَّامه كأيَّامكُمْ، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليومُ الذي كسنةٍ، يكْفِينَا فيه صلاةُ يوم؟ قال: لا، اقدرُوا لهُ قدرهُ، قلنا: يا رسول الله، وما إسراعهُ في الأرض؟ قال: كالغَيْثِ اسْتدْبَرَتهُ الرِّيحث، فيأتي على القومِ، فيَدعُوهُمْ، فيُؤمِنُونَ به، ويسْتَجيبُونَ له، فيَأمُر السَّماءَ، فتُمْطِرُ، والأرض فتُنْبِتُ، وتَروحُ عليهم سارحتهم، أطول ماكانت ذُرًى، وأسبغهُ ضُرُوعاً، وأمدَّهُ خَواصِرَ، ثمَّ يأتي القوم، فيَدعُوهُمْ، فيَردُّونَ عليه قوله، قال: فيَنْصرِفُ عنهم، فيُصْبِحُونَ مُمْحلين، ليس بايديهم شيءٌ من أموالهم، ويمرُّ بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنُوزكِ، فتَتْبَعُهُ كنُوزهَا؛ كيعَاسيب النَّحلِ، ثمَّ يدعو رجلاً مُمتلِئاً شباباً، فيَضْرِبُهُ بالسَّيفِ، فيَقْطعُه جزلتين رمية الغرض، ثمَّ يدعوهُ، فيُقْبلُ، يتهلَّلُ وجههُ؛ يضحك، فبينما هو كذلك؛ إذْ بعثَ الله عيسى ابن مريم المسيح - عليه السلام - فينزلُ عند المنارةِ البيضاءِ شرقيَّ دمشق، بين مهرُودتين واضعاً كفَّيه على أجْنحَةِ ملكين، إذا طأطأ رأسهُ، قطر، وإذا رفعه؛ تحدَّر منه مثل جمان اللؤلؤِ، فلا يحلُّ للكافر يجدُ ريحَ نفسه غلاَّ مات، ونفسه ينتهي حيثُ ينتهي طرفه حتَّى يدركه ببابِ لدٍّ، فيقتلهُ، ثمَّ يأتي عيسى قومٌ قد عصمهمُ الله منهُ، فيَمْسحُ عن وجوههم، ويحدِّثهُمْ بدرجاتهم في الجنَّة، فبينما هو كذلك إذْ أوحى الله تعالى غلى عيسى: إنِّي قَدْ أخرجتُ عباداً لي لا يدان لأحدٍ بقتالهم، فحرِّزْ عبادي إلى الطُّور، ويبعثُ الله يأجُوج ومأجُوجَ، وهُمْ من كلِّ حدبٍ ينسلون، فيمُرُّ أوائلهُم على بحيرة «طبَريَّة» فيَشْربُونَ ما فيها، ويمرُّ آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرَّة ماءٌ، ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأسُ الثَّور لأحدهم خيراً من مائة دينارٍ لأحدكم اليْومَ، فيرغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيُرسِلُ الله تعالى عليهم النَّغف في رقابهم، فيُصْبِحُون فَرْسَى كموتِ نفسٍ واحدةٍ ثمَّ يهبطُ نبيُّ الله وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدُونَ في الأرض موضع شبر إلا ملأهُ زَهمهُمْ ونتنهُمْ، فيَرْغبُ نبيُّ الله عيسى وأصحابهُ إلى الله، فيُرسِلُ الله عليهم طيراً؛ كأعناقِ البُخْتِ، فتَحْملهُمْ، فتَطْرَحهُمْ حيثُ شَاءَ الله، ثمَّ يرسلُ الله مطراً، لا يكنُّ منهُ بيتٌ مَدَرٌ، ولا وبرٌ، فيَغْسِلُ الأرض، حتَّى يَتركهَا كالزَّلقة، ثمَّ يقال للأرض: أنْبتِي ثَمرتك، ورُدِّي بَركتَكِ، فيَومئذٍ: تَأكلُ العَصابةُ الرُّمانَة، ويَسْتظلُّونَ بِقحْفِهَا، ويبارك في الرِّسلِ، حتَّى إنَّ اللقحة من الإبل، لتكفي الفئامَ من النَّاس، وبينما هم كذلك؛ إذْ بعث الله ريحاً طيبة، فتَأخُذهُمْ تحت آباطهم، فتَقْبِضُ رُوح كلِّ مؤمنٍ، وكلِّ مسلمٍ، ويبقى شِرارُ النَّاس يَتهارَجُونَ فيها تَهارُجَ الحُمُر، فعليهم تَقومُ السَّاعةُ.
قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ الآية.
قيل: هذا عند فتح السَّد، وتركنا يأجوج ومأجوج يموجُ بعضهم في بعضٍ، أي: يزدحمون كموج الماء، ويختلط بعضهم في بعضٍ؛ لكثرتهم.
وقيل: هذا عند قيام السَّاعة يدخل الخلق بعضهم في بعض، ويختلط إنسيُّهم بِجنِّيِّهِمْ حَيَارَى.
قوله: «يَوْمئِذٍ» التنوين عوضٌ من جملةٍ محذوفة، تقديرها: يوم إذ جاء وعدُ ربِّي، أو إذ حجز السدُّ بينهم.
قوله: ﴿يَمُوجُ﴾ : مفعول ثانٍ ل «تَركْنَا» والضمير في «بَعْضهُمْ» يعود على «يَأجُوج ومأجُوج» أو على سائر الخلق.
قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ . لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب السَّاعة، وتقدَّم الكلام في الصور، ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾ في صعيدٍ واحدٍ.
«وعَرضْنَا» : أبْرَزْنَا.
﴿جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ حتَّى يشاهدوها عياناً.
قوله: ﴿الذين كَانَتْ﴾ : يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من «لِلْكافِرينَ» أو بياناً، أو نعتاً، وأن يكون منصوباً بإضمار «أذمُّ» وأن يكون مرفوعاً خبر ابتداءٍ مضمرٍ.
ومعنى ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ﴾ : أي: [غشاءٍ، والغطاء: ما يغطِّي الشيء ويسترهُ ﴿عَن ذِكْرِي﴾ : عن الإيمان والقرآن، والمراد منه: شدَّة انصرافهم عن قَبُول الحقِّ، وعن الهدى والبيان، وقيل: عن رؤية الدلائل: ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ .
أي: سمع الصَّوت، أي: القبول والإيمان؛ لغلبةِ الشَّقاء عليهم.
وقيل: لا يعقلون، وهذا قوله: ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ [المائدة: 71] .
أما العمى، فهو قوله: ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾ وأما الصّمم فقوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ .
أي: لا يقدرون [أن يَسْمَعُوا] من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما يتلوه عليهم؛ لشدَّة عداوتهم له.