Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — مريم 19:54 – مريم 19:84

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. مريم 19:54
  2. مريم 19:55
  3. مريم 19:56
  4. مريم 19:57
  5. مريم 19:58
  6. مريم 19:59
  7. مريم 19:60
  8. مريم 19:61
  9. مريم 19:62
  10. مريم 19:63
  11. مريم 19:64
  12. مريم 19:65
  13. مريم 19:66
  14. مريم 19:67
  15. مريم 19:68
  16. مريم 19:69
  17. مريم 19:70
  18. مريم 19:71
  19. مريم 19:72
  20. مريم 19:73
  21. مريم 19:74
  22. مريم 19:75
  23. مريم 19:76
  24. مريم 19:77
  25. مريم 19:78
  26. مريم 19:79
  27. مريم 19:80
  28. مريم 19:81
  29. مريم 19:82
  30. مريم 19:83
  31. مريم 19:84

مريم 19:54

قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب موسى﴾ قرأ أهلُ الكوفة مخلصاً، بفتح اللام، أي: مختاراً اختاره الله تعالى، واصطفاه. وقيل: أخلصه الله من الدَّنس. والباقون بالكسر، ومعناه: أخلص التَّوحيد لله والعبادة، ومتى ورد القرآنُ بقراءتين، فكلٌّ منهما ثابتٌ مقطوعٌ به، فجعل الله تعالى من صفة موسى - صلوات الله عليه - كلا الأمرين. ثم قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ وهذان وصفان مختلفان، لكنَّ المعتزلة زعمُوا كونهما متلازمين؛ فكلُّ رسول نبيٌّ، وكلُّ نبيٍّ رسولٌ، ومن الناس من أمرك ذلك، ويأتي الكلامُ عليه - إن شاء الله تعالى - في سورة الحج عند قوله تعالى ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ [الحج: 52] ثم قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطور﴾ يعني: يمين موسى، والظاهر أنَّ الأيمن صفة للجانب؛ بدليل أنه تبعه في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن﴾ [طه: 80] وقيل: إنه صفة للطُّور، إذا اشتقاقهُ من اليُمْن والبركة، والطُّور: جبلٌ بين مصر ومدين، ويقالُ: إنَّ اسمه الزُّبير، وذلك حين أبل من مدين، ورأى النَّار، فنودي ﴿ياموسى إني أَنَا الله رَبُّ العالمين﴾ [القصص: 30] قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ ، أي: مناجياً، والنجيُّ: المناجي؛ كما يقالُ: جليسٌ ونديمٌ، و «نجيَّا» حالٌ من مفعول «قرَّبناهُ» وأصله «نجيوا» لأنه من نجل يَنْجُو قال ابنُ عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - معناهُ: قرَّبه وكلَّمه. وقيل: أنجيناه من أعدائه، ومعنى التقريب: إسماعه كلامهُ. وقيل: رفعه على الحُجُب؛ حتَّى سمع صرير القلم؛ حيث تكتبُ التوراةُ في الألواح، وهو قولُ أبي العالية. قال القاضي: المرادُ بالقرب: أنَّه رفع قدره، وشرَّفه بالمُنَاجاة؛ لأنَّ استعمال القُرْب في الله، قد صار في التعارف لا يرادُ به إلا المنزلةُ؛ كما يقالُ في العبادة: تقرُّب، وفي الملائكة - عليهم السلام -: إنَّهم مقرَّبُون. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ﴾ : في «مِنْ» هذه وجهان: أحدهما: أنها تعليليةٌ، أي: من أجل رحمتنا، و «أخَاهُ» على هذا مفعولٌ به، و «هارُون» بدلٌ، أو عطف بيانٍ، أو منصوبٌ بإضمار أعني، و «نبيًّا» حالٌ. والثاني: أنها تبعيضيةٌ، أي: بعض رحمتنا، قال الزمخشريُّ: «وأخاه» على هذا بدلٌ، و «هَارُون» عطف بيان. قال أبو حيان: «الظاهرُ أنَّ» أخَاهُ «مفعولُ» وَهَبْنَا «ولا ترادفُ» مِنْ «فتبدل» أخاه «منها» . فصل في نبوة هارون قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كان هارونُ أكبر من موسى - صلوات الله عليه - وإنما وهب الله تعالى له نُبُوَّته، لا شخصه وأخُوّته، وذلك إجابة لدعائه في قوله: ﴿واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشدد بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: 29 - 31] فاجابه الله تعالى بقوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى﴾ [طه: 36] وقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ [القصص: 35] . قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب إِسْمَاعِيلَ﴾ . وهو إسماعيلُ بن إبراهيم جدِّ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد﴾ . قال مجاهدٌ لم يعد شيئاً إلاَّ وفَّى به. ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ أنه [واعد] صاحباً له أن ينتظره في مكانٍ، فانتظره سنة. وأيضاً: وعد من نفسه الصَّبْرَ على الذَّبْح، فوفَّى حيث قال: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين﴾ [الصافات: 102] ويُروى أنَّ عيسى - صلوات الله عليه - قال له رجلٌ: انتظرني؛ حتى آتيك، فقال عيسى: نعم، وانطلق الرجلُ، ونَسِيَ الميعاد، فجاء إلى حاجته إلى ذلك المكان، وعيسى - صلوات الله عليه - هناك للميعاد. وعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّهُ واعد رجُلاً، و [ونَسِيَ ذلك الرَّجلُ] ، فانتزهرٌ من الضُّحى إلى قريبٍ [مِنْ] غروب الشمس، وسُئِلَ الشعبيُّ عن الرجل يعدُ ميعاداً: إلى أيِّ وقتٍ ينتظر؟ قال: إن واعدهُ نهاراً، فكُلَّ النَّهارِ، وإن واعدهُ ليلاً، فكُلَّ اللَّيْلِ. وسُئِلَ إبراهيمُ بنُ زيدٍ عن ذلك، فقال: إذا وعدتهُ في وقتِ الصَّلاةِ، فانتنظرهُ إلى وقت صلاةِ أخرى، ثم قال: ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ وقد مرَّ تفسيرهُ، ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة﴾ ، والمرادُ بالأهل: قومهُ. وقيل: أهله جميع أمَّتِهِ. قال المفسِّرون: إنه كان رسولاً إلى «جُرْهُم» . والمراد بالصلاة هناك [قال] ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: يريد التي افترضها الله عليهم، وهي الحنيفية التي افترضها علينا. قيل: كان يبدأ بأهله في الأمر للعبادة، ليجعلهم قٌدوة لمن سواهُم؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: 214] ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة﴾ [طه: 132] ﴿قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [التحريم: 6] ، أمَّا الزكاةُ، فعن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّها طاعةُ الله، والإخلاصُ؛ فكأنَّه تأوَّله على ما يزكُو به الفاعلُ عند ربِّه، والظاهرُ: أنَّه إذا قُرنتِ الصَّلاة بالزَّكاة: أن يُرَاد بها [الصدقات] الواجبةُ. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ قائماً بطاعته. وقيل: رضيه لنبوته ورسالته. والعامَّةُ على قراءته كذلك معتلاًّ وأصله مَرْضُووٌ، بواوين: الأولى زائدةٌ؛ كهي في مضروبٍ: والثانية: لام الكلمة؛ لأنه من الرِّضوان، فأعلَّ بقلب الواو [ياءً، وأدغمت] الأخيرةُ ياءً، واجتمعت الياءُ والواوُ ياءً، وأدغمت، ويجوز النطقُ بالإصلِ، وقد تقدَّم تحريرُ هذا. وقرأ ابن أبي عبلة بهذا الأصل، وهوالأكثرُ؛ ومن الإعلالِ قوله: [الطويل] 3609 - لقَدْ عَلِمَتْ عرسِي مُلَيْكَةُ أنَّنِي ... أنَا المرءُ مَعْدِيًّا عليْهِ وعَاديَا وقالوا: أرضٌ مسنيَّةٌ، ومسنُوَّةٌ، أي: مسقاة بالسَّانيةِ. قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب إِدْرِيسَ﴾ الآية إدريسُ هو جدُّ أبي نوحٍ - صلوات الله عيله وسلامه - وهو نوحُ بنُ لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس - عليه السلام -. قيل: سُمِّي «إدريسَ» لكثرة دراسة الكُتُب، وكان خيَّاطاً، وهو أوَّلُ من خطَّ بالقلم، وخاط الثِّياب، ولبس المخيطَ، وكان قبلهُ يلبسُون الجُلُود، وأوَّل من اتَّخذ السِّلاح، وقاتل الكُفَّار، وأوَّلُ من نظر في علم الحساب ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾ . ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ . قيل: يعني في الجنَّةِ، وقيل: هي الرِّفعة بعُلُوِّ الرُّتْبَة في الدُّنيا؛ كقوبه تعالى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] وقيل: إنَّه رفع إلى السماءِ؛ روى أنسُ بن مالكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن مالك بن صعصعة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه رأى إدريسَ - صلوات الله عليه - في السماءِ الرَّابعةِ، ليلة المعراج وكان سببُ رفع إدريس على ما قاله «كَعْبٌ» وغيره - أنَّهُ [

مريم 19:55

قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب موسى﴾ قرأ أهلُ الكوفة مخلصاً، بفتح اللام، أي: مختاراً اختاره الله تعالى، واصطفاه. وقيل: أخلصه الله من الدَّنس. والباقون بالكسر، ومعناه: أخلص التَّوحيد لله والعبادة، ومتى ورد القرآنُ بقراءتين، فكلٌّ منهما ثابتٌ مقطوعٌ به، فجعل الله تعالى من صفة موسى - صلوات الله عليه - كلا الأمرين. ثم قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ وهذان وصفان مختلفان، لكنَّ المعتزلة زعمُوا كونهما متلازمين؛ فكلُّ رسول نبيٌّ، وكلُّ نبيٍّ رسولٌ، ومن الناس من أمرك ذلك، ويأتي الكلامُ عليه - إن شاء الله تعالى - في سورة الحج عند قوله تعالى ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ [الحج: 52] ثم قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطور﴾ يعني: يمين موسى، والظاهر أنَّ الأيمن صفة للجانب؛ بدليل أنه تبعه في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن﴾ [طه: 80] وقيل: إنه صفة للطُّور، إذا اشتقاقهُ من اليُمْن والبركة، والطُّور: جبلٌ بين مصر ومدين، ويقالُ: إنَّ اسمه الزُّبير، وذلك حين أبل من مدين، ورأى النَّار، فنودي ﴿ياموسى إني أَنَا الله رَبُّ العالمين﴾ [القصص: 30] قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ ، أي: مناجياً، والنجيُّ: المناجي؛ كما يقالُ: جليسٌ ونديمٌ، و «نجيَّا» حالٌ من مفعول «قرَّبناهُ» وأصله «نجيوا» لأنه من نجل يَنْجُو قال ابنُ عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - معناهُ: قرَّبه وكلَّمه. وقيل: أنجيناه من أعدائه، ومعنى التقريب: إسماعه كلامهُ. وقيل: رفعه على الحُجُب؛ حتَّى سمع صرير القلم؛ حيث تكتبُ التوراةُ في الألواح، وهو قولُ أبي العالية. قال القاضي: المرادُ بالقرب: أنَّه رفع قدره، وشرَّفه بالمُنَاجاة؛ لأنَّ استعمال القُرْب في الله، قد صار في التعارف لا يرادُ به إلا المنزلةُ؛ كما يقالُ في العبادة: تقرُّب، وفي الملائكة - عليهم السلام -: إنَّهم مقرَّبُون. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ﴾ : في «مِنْ» هذه وجهان: أحدهما: أنها تعليليةٌ، أي: من أجل رحمتنا، و «أخَاهُ» على هذا مفعولٌ به، و «هارُون» بدلٌ، أو عطف بيانٍ، أو منصوبٌ بإضمار أعني، و «نبيًّا» حالٌ. والثاني: أنها تبعيضيةٌ، أي: بعض رحمتنا، قال الزمخشريُّ: «وأخاه» على هذا بدلٌ، و «هَارُون» عطف بيان. قال أبو حيان: «الظاهرُ أنَّ» أخَاهُ «مفعولُ» وَهَبْنَا «ولا ترادفُ» مِنْ «فتبدل» أخاه «منها» . فصل في نبوة هارون قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كان هارونُ أكبر من موسى - صلوات الله عليه - وإنما وهب الله تعالى له نُبُوَّته، لا شخصه وأخُوّته، وذلك إجابة لدعائه في قوله: ﴿واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشدد بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: 29 - 31] فاجابه الله تعالى بقوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى﴾ [طه: 36] وقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ [القصص: 35] . قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب إِسْمَاعِيلَ﴾ . وهو إسماعيلُ بن إبراهيم جدِّ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد﴾ . قال مجاهدٌ لم يعد شيئاً إلاَّ وفَّى به. ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ أنه [واعد] صاحباً له أن ينتظره في مكانٍ، فانتظره سنة. وأيضاً: وعد من نفسه الصَّبْرَ على الذَّبْح، فوفَّى حيث قال: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين﴾ [الصافات: 102] ويُروى أنَّ عيسى - صلوات الله عليه - قال له رجلٌ: انتظرني؛ حتى آتيك، فقال عيسى: نعم، وانطلق الرجلُ، ونَسِيَ الميعاد، فجاء إلى حاجته إلى ذلك المكان، وعيسى - صلوات الله عليه - هناك للميعاد. وعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّهُ واعد رجُلاً، و [ونَسِيَ ذلك الرَّجلُ] ، فانتزهرٌ من الضُّحى إلى قريبٍ [مِنْ] غروب الشمس، وسُئِلَ الشعبيُّ عن الرجل يعدُ ميعاداً: إلى أيِّ وقتٍ ينتظر؟ قال: إن واعدهُ نهاراً، فكُلَّ النَّهارِ، وإن واعدهُ ليلاً، فكُلَّ اللَّيْلِ. وسُئِلَ إبراهيمُ بنُ زيدٍ عن ذلك، فقال: إذا وعدتهُ في وقتِ الصَّلاةِ، فانتنظرهُ إلى وقت صلاةِ أخرى، ثم قال: ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ وقد مرَّ تفسيرهُ، ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة﴾ ، والمرادُ بالأهل: قومهُ. وقيل: أهله جميع أمَّتِهِ. قال المفسِّرون: إنه كان رسولاً إلى «جُرْهُم» . والمراد بالصلاة هناك [قال] ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: يريد التي افترضها الله عليهم، وهي الحنيفية التي افترضها علينا. قيل: كان يبدأ بأهله في الأمر للعبادة، ليجعلهم قٌدوة لمن سواهُم؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: 214] ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة﴾ [طه: 132] ﴿قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [التحريم: 6] ، أمَّا الزكاةُ، فعن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّها طاعةُ الله، والإخلاصُ؛ فكأنَّه تأوَّله على ما يزكُو به الفاعلُ عند ربِّه، والظاهرُ: أنَّه إذا قُرنتِ الصَّلاة بالزَّكاة: أن يُرَاد بها [الصدقات] الواجبةُ. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ قائماً بطاعته. وقيل: رضيه لنبوته ورسالته. والعامَّةُ على قراءته كذلك معتلاًّ وأصله مَرْضُووٌ، بواوين: الأولى زائدةٌ؛ كهي في مضروبٍ: والثانية: لام الكلمة؛ لأنه من الرِّضوان، فأعلَّ بقلب الواو [ياءً، وأدغمت] الأخيرةُ ياءً، واجتمعت الياءُ والواوُ ياءً، وأدغمت، ويجوز النطقُ بالإصلِ، وقد تقدَّم تحريرُ هذا. وقرأ ابن أبي عبلة بهذا الأصل، وهوالأكثرُ؛ ومن الإعلالِ قوله: [الطويل] 3609 - لقَدْ عَلِمَتْ عرسِي مُلَيْكَةُ أنَّنِي ... أنَا المرءُ مَعْدِيًّا عليْهِ وعَاديَا وقالوا: أرضٌ مسنيَّةٌ، ومسنُوَّةٌ، أي: مسقاة بالسَّانيةِ. قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب إِدْرِيسَ﴾ الآية إدريسُ هو جدُّ أبي نوحٍ - صلوات الله عيله وسلامه - وهو نوحُ بنُ لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس - عليه السلام -. قيل: سُمِّي «إدريسَ» لكثرة دراسة الكُتُب، وكان خيَّاطاً، وهو أوَّلُ من خطَّ بالقلم، وخاط الثِّياب، ولبس المخيطَ، وكان قبلهُ يلبسُون الجُلُود، وأوَّل من اتَّخذ السِّلاح، وقاتل الكُفَّار، وأوَّلُ من نظر في علم الحساب ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾ . ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ . قيل: يعني في الجنَّةِ، وقيل: هي الرِّفعة بعُلُوِّ الرُّتْبَة في الدُّنيا؛ كقوبه تعالى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] وقيل: إنَّه رفع إلى السماءِ؛ روى أنسُ بن مالكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن مالك بن صعصعة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه رأى إدريسَ - صلوات الله عليه - في السماءِ الرَّابعةِ، ليلة المعراج وكان سببُ رفع إدريس على ما قاله «كَعْبٌ» وغيره - أنَّهُ [

مريم 19:56

قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب موسى﴾ قرأ أهلُ الكوفة مخلصاً، بفتح اللام، أي: مختاراً اختاره الله تعالى، واصطفاه. وقيل: أخلصه الله من الدَّنس. والباقون بالكسر، ومعناه: أخلص التَّوحيد لله والعبادة، ومتى ورد القرآنُ بقراءتين، فكلٌّ منهما ثابتٌ مقطوعٌ به، فجعل الله تعالى من صفة موسى - صلوات الله عليه - كلا الأمرين. ثم قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ وهذان وصفان مختلفان، لكنَّ المعتزلة زعمُوا كونهما متلازمين؛ فكلُّ رسول نبيٌّ، وكلُّ نبيٍّ رسولٌ، ومن الناس من أمرك ذلك، ويأتي الكلامُ عليه - إن شاء الله تعالى - في سورة الحج عند قوله تعالى ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ [الحج: 52] ثم قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطور﴾ يعني: يمين موسى، والظاهر أنَّ الأيمن صفة للجانب؛ بدليل أنه تبعه في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن﴾ [طه: 80] وقيل: إنه صفة للطُّور، إذا اشتقاقهُ من اليُمْن والبركة، والطُّور: جبلٌ بين مصر ومدين، ويقالُ: إنَّ اسمه الزُّبير، وذلك حين أبل من مدين، ورأى النَّار، فنودي ﴿ياموسى إني أَنَا الله رَبُّ العالمين﴾ [القصص: 30] قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ ، أي: مناجياً، والنجيُّ: المناجي؛ كما يقالُ: جليسٌ ونديمٌ، و «نجيَّا» حالٌ من مفعول «قرَّبناهُ» وأصله «نجيوا» لأنه من نجل يَنْجُو قال ابنُ عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - معناهُ: قرَّبه وكلَّمه. وقيل: أنجيناه من أعدائه، ومعنى التقريب: إسماعه كلامهُ. وقيل: رفعه على الحُجُب؛ حتَّى سمع صرير القلم؛ حيث تكتبُ التوراةُ في الألواح، وهو قولُ أبي العالية. قال القاضي: المرادُ بالقرب: أنَّه رفع قدره، وشرَّفه بالمُنَاجاة؛ لأنَّ استعمال القُرْب في الله، قد صار في التعارف لا يرادُ به إلا المنزلةُ؛ كما يقالُ في العبادة: تقرُّب، وفي الملائكة - عليهم السلام -: إنَّهم مقرَّبُون. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ﴾ : في «مِنْ» هذه وجهان: أحدهما: أنها تعليليةٌ، أي: من أجل رحمتنا، و «أخَاهُ» على هذا مفعولٌ به، و «هارُون» بدلٌ، أو عطف بيانٍ، أو منصوبٌ بإضمار أعني، و «نبيًّا» حالٌ. والثاني: أنها تبعيضيةٌ، أي: بعض رحمتنا، قال الزمخشريُّ: «وأخاه» على هذا بدلٌ، و «هَارُون» عطف بيان. قال أبو حيان: «الظاهرُ أنَّ» أخَاهُ «مفعولُ» وَهَبْنَا «ولا ترادفُ» مِنْ «فتبدل» أخاه «منها» . فصل في نبوة هارون قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كان هارونُ أكبر من موسى - صلوات الله عليه - وإنما وهب الله تعالى له نُبُوَّته، لا شخصه وأخُوّته، وذلك إجابة لدعائه في قوله: ﴿واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشدد بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: 29 - 31] فاجابه الله تعالى بقوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى﴾ [طه: 36] وقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ [القصص: 35] . قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب إِسْمَاعِيلَ﴾ . وهو إسماعيلُ بن إبراهيم جدِّ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد﴾ . قال مجاهدٌ لم يعد شيئاً إلاَّ وفَّى به. ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ أنه [واعد] صاحباً له أن ينتظره في مكانٍ، فانتظره سنة. وأيضاً: وعد من نفسه الصَّبْرَ على الذَّبْح، فوفَّى حيث قال: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين﴾ [الصافات: 102] ويُروى أنَّ عيسى - صلوات الله عليه - قال له رجلٌ: انتظرني؛ حتى آتيك، فقال عيسى: نعم، وانطلق الرجلُ، ونَسِيَ الميعاد، فجاء إلى حاجته إلى ذلك المكان، وعيسى - صلوات الله عليه - هناك للميعاد. وعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّهُ واعد رجُلاً، و [ونَسِيَ ذلك الرَّجلُ] ، فانتزهرٌ من الضُّحى إلى قريبٍ [مِنْ] غروب الشمس، وسُئِلَ الشعبيُّ عن الرجل يعدُ ميعاداً: إلى أيِّ وقتٍ ينتظر؟ قال: إن واعدهُ نهاراً، فكُلَّ النَّهارِ، وإن واعدهُ ليلاً، فكُلَّ اللَّيْلِ. وسُئِلَ إبراهيمُ بنُ زيدٍ عن ذلك، فقال: إذا وعدتهُ في وقتِ الصَّلاةِ، فانتنظرهُ إلى وقت صلاةِ أخرى، ثم قال: ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ وقد مرَّ تفسيرهُ، ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة﴾ ، والمرادُ بالأهل: قومهُ. وقيل: أهله جميع أمَّتِهِ. قال المفسِّرون: إنه كان رسولاً إلى «جُرْهُم» . والمراد بالصلاة هناك [قال] ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: يريد التي افترضها الله عليهم، وهي الحنيفية التي افترضها علينا. قيل: كان يبدأ بأهله في الأمر للعبادة، ليجعلهم قٌدوة لمن سواهُم؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: 214] ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة﴾ [طه: 132] ﴿قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [التحريم: 6] ، أمَّا الزكاةُ، فعن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّها طاعةُ الله، والإخلاصُ؛ فكأنَّه تأوَّله على ما يزكُو به الفاعلُ عند ربِّه، والظاهرُ: أنَّه إذا قُرنتِ الصَّلاة بالزَّكاة: أن يُرَاد بها [الصدقات] الواجبةُ. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ قائماً بطاعته. وقيل: رضيه لنبوته ورسالته. والعامَّةُ على قراءته كذلك معتلاًّ وأصله مَرْضُووٌ، بواوين: الأولى زائدةٌ؛ كهي في مضروبٍ: والثانية: لام الكلمة؛ لأنه من الرِّضوان، فأعلَّ بقلب الواو [ياءً، وأدغمت] الأخيرةُ ياءً، واجتمعت الياءُ والواوُ ياءً، وأدغمت، ويجوز النطقُ بالإصلِ، وقد تقدَّم تحريرُ هذا. وقرأ ابن أبي عبلة بهذا الأصل، وهوالأكثرُ؛ ومن الإعلالِ قوله: [الطويل] 3609 - لقَدْ عَلِمَتْ عرسِي مُلَيْكَةُ أنَّنِي ... أنَا المرءُ مَعْدِيًّا عليْهِ وعَاديَا وقالوا: أرضٌ مسنيَّةٌ، ومسنُوَّةٌ، أي: مسقاة بالسَّانيةِ. قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب إِدْرِيسَ﴾ الآية إدريسُ هو جدُّ أبي نوحٍ - صلوات الله عيله وسلامه - وهو نوحُ بنُ لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس - عليه السلام -. قيل: سُمِّي «إدريسَ» لكثرة دراسة الكُتُب، وكان خيَّاطاً، وهو أوَّلُ من خطَّ بالقلم، وخاط الثِّياب، ولبس المخيطَ، وكان قبلهُ يلبسُون الجُلُود، وأوَّل من اتَّخذ السِّلاح، وقاتل الكُفَّار، وأوَّلُ من نظر في علم الحساب ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾ . ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ . قيل: يعني في الجنَّةِ، وقيل: هي الرِّفعة بعُلُوِّ الرُّتْبَة في الدُّنيا؛ كقوبه تعالى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] وقيل: إنَّه رفع إلى السماءِ؛ روى أنسُ بن مالكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن مالك بن صعصعة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه رأى إدريسَ - صلوات الله عليه - في السماءِ الرَّابعةِ، ليلة المعراج وكان سببُ رفع إدريس على ما قاله «كَعْبٌ» وغيره - أنَّهُ [

مريم 19:57

قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب موسى﴾ قرأ أهلُ الكوفة مخلصاً، بفتح اللام، أي: مختاراً اختاره الله تعالى، واصطفاه. وقيل: أخلصه الله من الدَّنس. والباقون بالكسر، ومعناه: أخلص التَّوحيد لله والعبادة، ومتى ورد القرآنُ بقراءتين، فكلٌّ منهما ثابتٌ مقطوعٌ به، فجعل الله تعالى من صفة موسى - صلوات الله عليه - كلا الأمرين. ثم قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ وهذان وصفان مختلفان، لكنَّ المعتزلة زعمُوا كونهما متلازمين؛ فكلُّ رسول نبيٌّ، وكلُّ نبيٍّ رسولٌ، ومن الناس من أمرك ذلك، ويأتي الكلامُ عليه - إن شاء الله تعالى - في سورة الحج عند قوله تعالى ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ [الحج: 52] ثم قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطور﴾ يعني: يمين موسى، والظاهر أنَّ الأيمن صفة للجانب؛ بدليل أنه تبعه في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن﴾ [طه: 80] وقيل: إنه صفة للطُّور، إذا اشتقاقهُ من اليُمْن والبركة، والطُّور: جبلٌ بين مصر ومدين، ويقالُ: إنَّ اسمه الزُّبير، وذلك حين أبل من مدين، ورأى النَّار، فنودي ﴿ياموسى إني أَنَا الله رَبُّ العالمين﴾ [القصص: 30] قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ ، أي: مناجياً، والنجيُّ: المناجي؛ كما يقالُ: جليسٌ ونديمٌ، و «نجيَّا» حالٌ من مفعول «قرَّبناهُ» وأصله «نجيوا» لأنه من نجل يَنْجُو قال ابنُ عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - معناهُ: قرَّبه وكلَّمه. وقيل: أنجيناه من أعدائه، ومعنى التقريب: إسماعه كلامهُ. وقيل: رفعه على الحُجُب؛ حتَّى سمع صرير القلم؛ حيث تكتبُ التوراةُ في الألواح، وهو قولُ أبي العالية. قال القاضي: المرادُ بالقرب: أنَّه رفع قدره، وشرَّفه بالمُنَاجاة؛ لأنَّ استعمال القُرْب في الله، قد صار في التعارف لا يرادُ به إلا المنزلةُ؛ كما يقالُ في العبادة: تقرُّب، وفي الملائكة - عليهم السلام -: إنَّهم مقرَّبُون. قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ﴾ : في «مِنْ» هذه وجهان: أحدهما: أنها تعليليةٌ، أي: من أجل رحمتنا، و «أخَاهُ» على هذا مفعولٌ به، و «هارُون» بدلٌ، أو عطف بيانٍ، أو منصوبٌ بإضمار أعني، و «نبيًّا» حالٌ. والثاني: أنها تبعيضيةٌ، أي: بعض رحمتنا، قال الزمخشريُّ: «وأخاه» على هذا بدلٌ، و «هَارُون» عطف بيان. قال أبو حيان: «الظاهرُ أنَّ» أخَاهُ «مفعولُ» وَهَبْنَا «ولا ترادفُ» مِنْ «فتبدل» أخاه «منها» . فصل في نبوة هارون قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كان هارونُ أكبر من موسى - صلوات الله عليه - وإنما وهب الله تعالى له نُبُوَّته، لا شخصه وأخُوّته، وذلك إجابة لدعائه في قوله: ﴿واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشدد بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: 29 - 31] فاجابه الله تعالى بقوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى﴾ [طه: 36] وقوله: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ [القصص: 35] . قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب إِسْمَاعِيلَ﴾ . وهو إسماعيلُ بن إبراهيم جدِّ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد﴾ . قال مجاهدٌ لم يعد شيئاً إلاَّ وفَّى به. ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ أنه [واعد] صاحباً له أن ينتظره في مكانٍ، فانتظره سنة. وأيضاً: وعد من نفسه الصَّبْرَ على الذَّبْح، فوفَّى حيث قال: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين﴾ [الصافات: 102] ويُروى أنَّ عيسى - صلوات الله عليه - قال له رجلٌ: انتظرني؛ حتى آتيك، فقال عيسى: نعم، وانطلق الرجلُ، ونَسِيَ الميعاد، فجاء إلى حاجته إلى ذلك المكان، وعيسى - صلوات الله عليه - هناك للميعاد. وعن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّهُ واعد رجُلاً، و [ونَسِيَ ذلك الرَّجلُ] ، فانتزهرٌ من الضُّحى إلى قريبٍ [مِنْ] غروب الشمس، وسُئِلَ الشعبيُّ عن الرجل يعدُ ميعاداً: إلى أيِّ وقتٍ ينتظر؟ قال: إن واعدهُ نهاراً، فكُلَّ النَّهارِ، وإن واعدهُ ليلاً، فكُلَّ اللَّيْلِ. وسُئِلَ إبراهيمُ بنُ زيدٍ عن ذلك، فقال: إذا وعدتهُ في وقتِ الصَّلاةِ، فانتنظرهُ إلى وقت صلاةِ أخرى، ثم قال: ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ وقد مرَّ تفسيرهُ، ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة﴾ ، والمرادُ بالأهل: قومهُ. وقيل: أهله جميع أمَّتِهِ. قال المفسِّرون: إنه كان رسولاً إلى «جُرْهُم» . والمراد بالصلاة هناك [قال] ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: يريد التي افترضها الله عليهم، وهي الحنيفية التي افترضها علينا. قيل: كان يبدأ بأهله في الأمر للعبادة، ليجعلهم قٌدوة لمن سواهُم؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: 214] ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة﴾ [طه: 132] ﴿قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [التحريم: 6] ، أمَّا الزكاةُ، فعن ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّها طاعةُ الله، والإخلاصُ؛ فكأنَّه تأوَّله على ما يزكُو به الفاعلُ عند ربِّه، والظاهرُ: أنَّه إذا قُرنتِ الصَّلاة بالزَّكاة: أن يُرَاد بها [الصدقات] الواجبةُ. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ قائماً بطاعته. وقيل: رضيه لنبوته ورسالته. والعامَّةُ على قراءته كذلك معتلاًّ وأصله مَرْضُووٌ، بواوين: الأولى زائدةٌ؛ كهي في مضروبٍ: والثانية: لام الكلمة؛ لأنه من الرِّضوان، فأعلَّ بقلب الواو [ياءً، وأدغمت] الأخيرةُ ياءً، واجتمعت الياءُ والواوُ ياءً، وأدغمت، ويجوز النطقُ بالإصلِ، وقد تقدَّم تحريرُ هذا. وقرأ ابن أبي عبلة بهذا الأصل، وهوالأكثرُ؛ ومن الإعلالِ قوله: [الطويل] 3609 - لقَدْ عَلِمَتْ عرسِي مُلَيْكَةُ أنَّنِي ... أنَا المرءُ مَعْدِيًّا عليْهِ وعَاديَا وقالوا: أرضٌ مسنيَّةٌ، ومسنُوَّةٌ، أي: مسقاة بالسَّانيةِ. قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب إِدْرِيسَ﴾ الآية إدريسُ هو جدُّ أبي نوحٍ - صلوات الله عيله وسلامه - وهو نوحُ بنُ لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس - عليه السلام -. قيل: سُمِّي «إدريسَ» لكثرة دراسة الكُتُب، وكان خيَّاطاً، وهو أوَّلُ من خطَّ بالقلم، وخاط الثِّياب، ولبس المخيطَ، وكان قبلهُ يلبسُون الجُلُود، وأوَّل من اتَّخذ السِّلاح، وقاتل الكُفَّار، وأوَّلُ من نظر في علم الحساب ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾ . ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ . قيل: يعني في الجنَّةِ، وقيل: هي الرِّفعة بعُلُوِّ الرُّتْبَة في الدُّنيا؛ كقوبه تعالى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] وقيل: إنَّه رفع إلى السماءِ؛ روى أنسُ بن مالكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن مالك بن صعصعة، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّه رأى إدريسَ - صلوات الله عليه - في السماءِ الرَّابعةِ، ليلة المعراج وكان سببُ رفع إدريس على ما قاله «كَعْبٌ» وغيره - أنَّهُ [

مريم 19:58

سَارَ] ذات يومٍ في حاجةٍ، فأصابه وهج الشمس؛ فقال: يا ربِّ، أنا مشيتُ يوماً فيها؛ فأصابني المشقةُ الشديدة من وهج الشمس، وأضرَّني حرُّها ضرراً بليغاً - فكيف يحملُها مسيرة خمسمائةِ عامٍ في يومٍ واحدٍ؟! اللَّهُمَّ، خفِّف عنه من ثقلها، وحرِّها، فلمَّا أصبح الملكُ، وجد من خفَّة الشَّمس، وحرها ما لا يعرف؛ فقال: يا ربِّ، ما الذي قضيت فيه؟ قال: إنَّ عبدي إدريس سألني أنَّ أخفِّفق عنك حملها، وحرِّها؛ فأجبته، فقال: ربِّ، اجعل بيني وبينه خُلَّة، فأذن له؛ حتى أتى إدريسَ، فكان يسألُه إدريسُ، فقال له: إنِّي أخبرتُ أنَّك أكرمُ الملائكةِ، وأمكنُهم عن ملكِ الموتِ؛ فاسشفعْ لي إليه؛ ليُؤخِّر أجلِي؛ فأزداد شكراً وعبادة، فقال الملكُ: يؤخِّرُ الله نفساً، إذا جاء أجلهان وأنا مُكَلِّمُهُ، فرقعهُ إلى السَّماءِ، ووضعهُ عند مطلع الشَّمس، ثُمَّ أتى ملك الموتِ، فقال: حاجةٌ لي إليك؛ صديقٌ لي مِنْ بني آدم، تشفَّع بي إليك؛ تُؤخِّر أجله، قال: ليس ذلك إليّ، ولكت إن أحببت، أعلمته أجله؛ فيتقدَّمُ في نفسه، قال: نَعَم، فنظر في ديوانه، فقال: إنَّك كلَّمتني في إنسانٍ، ما أراه أن يموت أبداً، قال: وكيف؟ قال: لا أجده يموتُ إلا عند مطلع الشَّمس، قال: فإني أتَيْتُكَ، وتركته هناك: قال: انطللقْ، فلا أرَاكَ تجده إلاَّ وقد مات؛ فواللهِ، ما بقي من أجلِ إدريسَ شيءٌ؛ فرجع الملكُ، فوجده ميتاً. واحتلفُوا في أنَّه حيٌّ في السماء، أم ميِّتٌ؛ فقيل: هو ميتٌ، وقيل: حيٌّ، وقيل: أربعةٌ من الأنبياء أحياءٌ، اثنان في الأرض؛ «الخَضِرُ، وإلياسُ» واثنان في السماءِ «إدريسُ، وعيسَى» صلواتُ الله عليهم. قوله تعالى: ﴿أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين﴾ الآية. «مِنْ» الأولى؛ للبيان؛ لأنَّ كلَّ الأنبياء منَعَّمٌ عليهم، فالتبعيضُ محالٌ؛ والثانيةُ للتبعيض؛ فمجرورها بدلٌ مما قبله بإعادة العاملِ، بدلُ بعضٍ من كلٍّ. وقوله: «وإسرائيلَ» عطفٌ على [ «إبْراهيمَ» . قوله: «وممَّنْ هديْنَا» يحتملُ أن يكون عطفاً على «مِنَ النبييِّينَ» وأنْ يكون عطفاً على] «مِنْ ذرَّية آدمَ» . فصل اعلم أنَّه تعالى أثنى على كل واحدٍ ممَّن تقدم ذكرهُ [من الأنبياء] ، بما يخُصُّه من الثناء، ثمَّ جمعهم آخراً؛ فقال تعالى: ﴿أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم﴾ أي: بالنبوَّةِ، وغيرها، و «أولئِكَ» إشارةٌ إلى المذكورين في هذه السورة من «زكريَّا» إلى «إدريس» - صلوات الله عليهم - ثمَّ جمعهُم في كونهم من ذرية آدم. ثُمَّ خصَّ بعضهم بأنهم من ذريَّةِ آدمَ، ممَّن حمله مع نُوحِ، ومنهم من هو من ذرية آدم، دثون من حمله مع نوحٍ؛ وهو إدريسُ - عليه السلام - فقد كان سابقاً على نُوحٍ. والذين هم من ذُريَّة من حمل مع نوحٍ، وهو «إبراهيمُ» ؛ لأنَّه [ولدُ] سام بن نُوح، وإسماعيلُ، وإسحاقُ، ويعقوبُ من ذريةِ إبراهيم. ثم خصَّ بعضهم أنه من ولد إسرائيل، أي: يعقوب، وهم: مُوسَى، وهارونُ، وزكريَّا، ويحيى، وعيسى؛ من قبل الأمِّ. فرتَّب الله تعالى أحوال الأنبياء الذين ذكرهم على هذا الترتيب؛ منبهاً بذلك على أنَّهم كما فُضِّلُوا بأعمالهم، فلهم منزلةٌ في الفضل بولادتهم من هؤلاء الأنبياء. ثُمَّ بيَّن أنَّهم ممَّن هدينا، واجتبينا؛ منبِّهاً بذلك على أنَّهُم خُصُّوا بهذه المنازِلِ؛ لهداية الله تعالى لهمُ، ولأنَّهم اختارهم للرسالةِ. قوله: «إذا تُتْلى» جملةٌ شرطيةٌ فيها قولان: أظهرهما: أنها لا محلَّ لها؛ لاستئنافها. والثاني: أنها خبرُ «أولئكَ» والموصولُ قبلها صفةٌ لاسم الإشارة، وعلى الأول؛ يكونُ الموصول نفس الخبر. وقرأ العامَّةُ «تُتْلَى» بتاءين من فوق، وقرأ عبدُ الله، وشيبةُ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثير، وابن عامرٍ، وورشٌ عن نافعٍ في رواياتٍ شاذةٍ: بالياء أوَّلاً من تحت، والتأنيثُ مجازيٌّ؛ فلذلك جاز في الفعل الوجهان. قوله تعالى: «سُجَّداً» حالٌ مقدرةٌ؛ قال الزجاج: «لأنهم وقت الخُرُورِ ليسُوا سُجَّداً» . و «بُكِيًّا» فيها وجهان» أظهرهما: أنه جمعُ باكٍ، وليس بقياس، بل قياسُ جمعه على فعلة؛ كقاضٍ وقُضاة، ولم يسمع فيه هذا الأصلُ، وقد تقدَّم أنَّ الأخوين يكسران فاءهُ على الإتباع. والثاني: أنه مصدرٌ على فعولٍ؛ نحو: جلس جُلُوساً، وقَعَد قُعُوداً؛ والصلُ فيه على كلا القولين» بكُويٌ «بواو وياء، فأعلَّ الإعلال المشهور في مثله، وقال ابن عطيَّة:» وبكيًّا بكسر الباء، وهون مصدرٌ لا يحتمل غير ذلك» قال أبو حيَّان: «وليس بسديدٍ، بل الإتباعُ جائزٌ فيه» وهو جمعٌ؛ كقولهم: عُصِيٌّ ودُلِيٌّ، جمع عصا ودلو، وعلى هذا؛ فيكون «بكيًّا» : إمَّا مصدراً مؤكِّداً لفعل محذوفٍ، أي: وبكَوا بُكِيًّا، أي: بكاء، وإمَّا مصدراً واقعاً موقع الحال، أي باكينَ، أو ذوي بكاء، أو جعلُوا نفس البكاءِ مبالغةً. قال الزجاج: «بُكِيًّا» جمع باكٍ؛ مثل شاهدٍ وشُهوجٍ، وقاعدٍ وقُعُودٍ، ثمَّ قال: الإنسانُ في حال خُرُوره لا يكن ساجداً، والمرادُ: خرُّوا مقدِّمين للسُّجُودِ، ومن قال في «بُكِيًّا» : إنَّه مصدرٌ، فقد أخطأ؛ لأنَّ سُجَّداً جمع ساجدٍ، وبكياً معطوف عليه. فصل قال المفسِّرون: إنَّ الأنبياء - عليهم السلام - كانُوا إذا سمعُوا آيات الله؛ والمرادُ: الآياتُ التي تتضمنُ الوعد والوعيد، والتَّرغيبَ والتَّرهيب خروا سُجداً جمع ساجدٍ، وبكيًّا: جمع باكٍ خشُوعاً وخُضُوعاً، وحذراً وخوفاً. قال بعضهم: المراد بالسُّجود: الصَّلاة. وقال بعضهم: المراد: سجودُ التِّلاوة. وقل: المرادُ بالسُّجود: الخضوعُ والخشُوع عند التِّلاوة. قال - صلوات الله وسلامه عليه -: «اتلُوا القُرآنَ، وابْكُوا، فإنْ لَمْ تَبْكُوا، فَتَبَاكَوْا» .

مريم 19:59

قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الآية. لما وصف الأنبياء بالمدح ترغيباً لنا في التأسي بهم ذرك بعدهم من بالضد منهم، فقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد هؤلاء الأنبياء «خَلْفٌ» من أولادهم، يقال: خلفه إذا عقبه خلف سوء - بإسكان اللام - والخَلَف - بفتح اللام - الصالح، كما قالوا: وعد في ضمان الخير، ووعيد في ضمان الشر، وفي الحديث: «في الله خلفٌ من كل هالك» وفي الشعر: 3610 - ذَهَبَ الذِينَ يُعَاشُ في أكْنَافِهِمْ ... وبَقيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ قال السديُّ: أراد بهم اليهود ومن لحق بهم. وقال مجاهد وقتادة: هم في هذه الأمة. «أضاعُوا الصَّلاة» تركوا الصلاة المفروضة. وقال ابن مسعود وإبراهيم: أخروها عن وقتها. وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا يصلي العصر حتى تغرب الشمس. «واتَّبعُوا الشَّهواتِ» قال ابن عباس: هم اليهود تركوا الصلاة وشربوا الخمور، واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة. «فَسَوْفَ يقَوْنَ غيًّا» قال وهب وابن عباس وعطاء وكعب: هو وادٍ في جهنم بعيد قعره. وقال أبو أمامة: مجازاة الآثام. وقال الضحاك: «غَيًّا» : خسراناً. وقيل: هلاكاً وقيل: عذاباً، ونقل الأخفش أنه قرئ «يُلَقَّوْنَ» بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقَّاه مضاعفاً. وقوله: «يَلْقَوْنَ» ليس معناه «يرون» فقط بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية. قوله: «إلاَّ من تَابَ» فيه وجهان: أظهرهما: أنه استثناء متصل. وقال الزجاج: هو منقطع. وهذا بناء منه على أن المضيع للصلاة من الكفار. وقرأ عبد الله والحسن والضحاك وجماعة «الصلوات» جمعاً. وقرأ الحسن هنا وجميع ما في القرآن «يُدْخَلُونَ» مبنيًّا للمفعول. فصل «احتجوا» بقوله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ على أن الإيمان غير العمل، لأنه عطف العمل على الإيمان، والمعطوف غير المعطوف عليه. أجاب الكعبي: بأنه تعالى فرق بين التوبة والإيمان، والتوبة من الإيمان فكذلك العمل الصالح يكون من الإيمان وإن فرق بينهما. وهذا الجواب ضعيف، لأن عطف الإيمان على التوبة يقتضي المغايرة بينهما، لأن التوبة عزم على الترك، والإيمان إقرار بالله، وهما متغايران، فكذلك في هذه الصورة. ولما بيَّن وعيد من لم يتب بيَّن أن من تاب وآمن وعمل صالحاً فلهم الجنة ولا يلحقهم ظلم. وهنا سؤالان: السؤال الأول: الاستثناء دل على أنه لا بُدَّ من التوبة والإيمان والعمل الصالح، وليس الأمر كذلك، لأن من تاب عن الكفر ولم يدخل وقت الصلاة أو كانت المرأة حائضاً فإن الصلاة لا تجب عليه، وكذلك الصوم والزكاة فلو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر عنه عمل، فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح. والجواب: ان هذه الصورة نادرة، والأحكام إنما تناط بالأعم الأغلب. السؤال الثاني: قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ يدل على أن الثواب مستحق بالعمل لا بالتفضّل، لأنه لو كان بالتفضل، لاستحال حصول الظلم، لكن من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد. وأجيب بأنه لما أشبهه أجري على حكمه. قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ العامة على كسر التاء نصباً على أنها بدل من «الجنة» . وعلى هذه القراءة يكون قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه اعتراض بين البدل والمبدل منه. والثاني: أنه حال. كذا قال أبو حيان. وفيه نظرٌ من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في أنه لا تباشره واو الحال. وقرأ أبو حيوة، وعيسى بن عمر، والحسن، والأعمش: « جنَّات» بالرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: تلك أو هي جنات عدن. والثاني: وبه قال الزمخشري: أنها مبتدأ، يعني ويكون خبرها «الَّتي وَعدَ» . وقرأ الحسن بن حيّ، وعلي بن صالح، والأعمش في رواية «جنَّة عدنٍ» نصباً مفرداً. واليماني، والحسن، والأزرق عن حمزة، «جَنَّةُ» رفعاً «مفرداً» . وتخريجها واضح مما تقدم. قال الزمخشري: لما كانت مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، كقولك أبصرت دارك القاعة والعلالي، و «عَدْن» معرفة بمعنى العدن، وهو الإقامة كما جعلوا فينة، وسحر، وأمس فيمن لم يصرفه أعلاماً لمعاني الفينة والسحر والأمس، فجرى مجرى العجن لذلك، أو هو أعلم لأرض الجنة، لكونها دار إقامة، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأنَّ النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة، ولما ساغ وصفها ب «التي» . قال أبو حيان: وما ذكره متعقب، أما دعواه: إن عدناً علم لمعنى العدن. فيحتاج إلى توقيف وسماع من العرب، وكذا دعواه العلمية الشخصية فيه، وأما قوله: ولولا ذلك، إلى قوله: موصوفة؛ فليس مذهب البصريين، لأن مذهبهم جواز إبدال النكرة من المعرفة إن لم تكن موصوفة، وإنما ذلك شيء قاله البغداديون، وهم محجوجون بالسماع على ما بيناه، وملازمته فاسدة. وأما قوله: ولما ساغ وصفها ب « التي» ، فلا يتعين كون «التي» صفة، وقد ذكرنا أنه يجوز إعرابه بدلاً. قال شهاب الدين: إن «التي» صفة، والتمسك بهذا الظاهر كافٍ وأيضاً: فإن الموصول في قوة المشتقات، وقد نصوا على أن البدل بالمشتق، ضعيف، فكذلك ما في معناه. قوله: «بالغَيْبِ» فيه وجهان: أحدهما: ان الباء حالية، وفي صاحب الحال احتمالان: أحدهما: ضمير الجنة، وهو عائد الموصول، أي: وعدها وهي غائبة عنهم لا يشاهدونها. والثاني: أن يكون هو «عِبَادَهُ» ، أي: وهم غائبون عنها لا يرونها، إنما آمنوا بها بمجرد الإخبار عنه. والوجه الثاني: أن الباء سببية، أي: بسبب تصديقه الغيب، وبسبب الإيمان «به» . قوله: «إنَّهُ كَانَ» . يجوز في هذا الضمير وجهان: أحدهما: أنه ضمير الباري تعالى يعود على «الرحمن» أي: إن الرحمن كان وعده مأتياً. والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن، لأن مقام تعظيم وتفخيم. وعلى الأول يجوز أن يكون في «كان» ضمير هو اسمها يعود على الله - تعالى - و «وَعْدُهُ» بدل من ذلك الضمير بدل اشتمال، و «مَأتِيًّا» خبرها. ويجوز أن لا يكون فيها ضمير، بل هي رافعة ل «وعده» و «مأتياً» الخبر أيضاً. وهو نظير: إن زيداً كان أبوه منطلقاً. و «مأتيًّا» فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعول على بابه، والمراد بالوعد: الجنة، أطلق عليها المصدر، أي: موعود، نحو درهم ضرب الأمير. وقيل: الوعد مصدر على بابه، و «مأتيا» مفعول بمعنى فاعل. ولم يرتضه الزمخشري فإنه قال: قيل في «مأتيا» مفعول بمعنى فاعل، والوجه أن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها، أوهو من قولك: أتى إليه إحساناً، أي: كان وعده مفعولاً منجزاً. وقال الزجاج: كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه، وما أتاك فقد أتيته. والمقصود من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ بيان أن وعده تعالى - وإن كان بأمر غائب - فهو كأنه مشاهد حاصل، والمراد تقرير ذلك في القلوب. قوله: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً﴾ . اللغو من الكلام: ما يلقى ويطرح، وهو المنكر من القول كقوله: ﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ [الغاشية: 11] . وقال مقاتل: هي اليمين الكاذبة وفيه دلالة على وجوب اجتناب اللغو، لأن الله - تعالى - نزه عنه الدار التي لا تكليف فيها، ولقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ [الفرقان: 72] ، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ [القصص: 55] الآية. أبدى الزمخشري فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معناه: إن كان تسليم بعضهم على بعض، أو تسليم الملائكة عليهم لغواً، فلا يسمعون لغواً إلا ذلك، فهو من وادي قوله: 3611 - وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ الثاني: أنهم لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقصان على الاستثناء المنقطع. الثالث: أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، ودار السلامة هي دار السلامة، وأهلها أغنياء عن الدعاء بالسلامة، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث، لولا ما فيه من فائدة الإكرام. وظاهر هذا أن الاستثناء على الأول والأخير متصل، فإنه صرح بالمنقطع في الثاني وأما اتصال الثالث فواضح، لأنه أطلق اللغو على السلام بالاعتبار الذي ذكره. وأما الاتصال في الأول فعسر، إذ لا يعدُّ ذلك عيباً، فليس من جنس الأول وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله - تعالى - عند قوله: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى﴾ [الدخان: 56] . قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ فيه سؤالان: السؤال الأول: أن المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بآيات مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشياً ليس من الأمور المستعظمة. والجواب من وجهين: الأول: قال الحسن: أراد تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا، فلذلك ذكر أساور الذهب والفضة، ولبس الحرير التي كانت عادة العجم، والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرَّة، وكانت عادة أشراف اليمن، ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك. الثاني: المراد دوام الرزق، تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء، تريد الدوام، ولا تقصد الوقتين المعلومين. السؤال الثاني: قال تعالى: ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾ وقال عليه السلام: «لا صباح عند ربك ولا مساء بل هم في نور أبداً» . والبكرة والعشيّ لا يوجدان إلا عند وجود الصباح والمساء. والجواب: أنهم يأكلون على مقدار الغداة والعشي، لا أن في الجنة غدوة ولا عشياً، إذ لا ليل فيها. وقيل: إنهم يغرقون النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب. وقيل: المراد رفاهية العيش، وسعة الرزق، أي: لهم رزقهم متى شاءوا. قوله: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ﴾ صحت الإشارة ب «تِلْكَ» إلى «الجَنَّة» لأنها غائبة. وقرأ الأعمش: «نورثها» بإبراز عائد الموصول. وقرأ الحسن، والأعرج، وقتادة: «نُوَرِّثُ» بفتح الواو وتشديد الراء من ورَّث مضعفاً، وقوله: «نُورث» استعارة، أي: نبقي عيله الجنة كما نبقي على الوارث مال الموروث، وقيل: معناه: ننقل تلك المنازل ممن لو أطاع لكانت له إلى عبادنا الذين اتقوا ربهم، فجعل هذا النقل إرثاً، قاله الحسن. المتقي: هو من اتقى المعاصي؛ واتقى ترك الواجبات. قال القاضي: هذه الآية دالة على أن الجنة يدخلها من كان تقياً، والفاسق المرتكب للكبائر لم يوصف بذلك. وأجيب بأن هذه الآية تدل على أن المتقي يدخلها، وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها؛ وأيضاً: فصاحب الكبيرة متقٍ عن الكفر، ومن صدق عليه أنه متقٍ (عن الكفر، فقد صدق عليه أنه متق) ، لأن المتقي جزء مفهوم قولنا: المتقي عن الكفر، وإذا كان صاحب الكبيرة (يصدق عليه أنه متقٍ، وجب أنه) يدخل الجنة، (فالآية بأن تدل على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة) أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها.

مريم 19:60

قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الآية. لما وصف الأنبياء بالمدح ترغيباً لنا في التأسي بهم ذرك بعدهم من بالضد منهم، فقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد هؤلاء الأنبياء «خَلْفٌ» من أولادهم، يقال: خلفه إذا عقبه خلف سوء - بإسكان اللام - والخَلَف - بفتح اللام - الصالح، كما قالوا: وعد في ضمان الخير، ووعيد في ضمان الشر، وفي الحديث: «في الله خلفٌ من كل هالك» وفي الشعر: 3610 - ذَهَبَ الذِينَ يُعَاشُ في أكْنَافِهِمْ ... وبَقيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ قال السديُّ: أراد بهم اليهود ومن لحق بهم. وقال مجاهد وقتادة: هم في هذه الأمة. «أضاعُوا الصَّلاة» تركوا الصلاة المفروضة. وقال ابن مسعود وإبراهيم: أخروها عن وقتها. وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا يصلي العصر حتى تغرب الشمس. «واتَّبعُوا الشَّهواتِ» قال ابن عباس: هم اليهود تركوا الصلاة وشربوا الخمور، واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة. «فَسَوْفَ يقَوْنَ غيًّا» قال وهب وابن عباس وعطاء وكعب: هو وادٍ في جهنم بعيد قعره. وقال أبو أمامة: مجازاة الآثام. وقال الضحاك: «غَيًّا» : خسراناً. وقيل: هلاكاً وقيل: عذاباً، ونقل الأخفش أنه قرئ «يُلَقَّوْنَ» بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقَّاه مضاعفاً. وقوله: «يَلْقَوْنَ» ليس معناه «يرون» فقط بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية. قوله: «إلاَّ من تَابَ» فيه وجهان: أظهرهما: أنه استثناء متصل. وقال الزجاج: هو منقطع. وهذا بناء منه على أن المضيع للصلاة من الكفار. وقرأ عبد الله والحسن والضحاك وجماعة «الصلوات» جمعاً. وقرأ الحسن هنا وجميع ما في القرآن «يُدْخَلُونَ» مبنيًّا للمفعول. فصل «احتجوا» بقوله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ على أن الإيمان غير العمل، لأنه عطف العمل على الإيمان، والمعطوف غير المعطوف عليه. أجاب الكعبي: بأنه تعالى فرق بين التوبة والإيمان، والتوبة من الإيمان فكذلك العمل الصالح يكون من الإيمان وإن فرق بينهما. وهذا الجواب ضعيف، لأن عطف الإيمان على التوبة يقتضي المغايرة بينهما، لأن التوبة عزم على الترك، والإيمان إقرار بالله، وهما متغايران، فكذلك في هذه الصورة. ولما بيَّن وعيد من لم يتب بيَّن أن من تاب وآمن وعمل صالحاً فلهم الجنة ولا يلحقهم ظلم. وهنا سؤالان: السؤال الأول: الاستثناء دل على أنه لا بُدَّ من التوبة والإيمان والعمل الصالح، وليس الأمر كذلك، لأن من تاب عن الكفر ولم يدخل وقت الصلاة أو كانت المرأة حائضاً فإن الصلاة لا تجب عليه، وكذلك الصوم والزكاة فلو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر عنه عمل، فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح. والجواب: ان هذه الصورة نادرة، والأحكام إنما تناط بالأعم الأغلب. السؤال الثاني: قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ يدل على أن الثواب مستحق بالعمل لا بالتفضّل، لأنه لو كان بالتفضل، لاستحال حصول الظلم، لكن من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد. وأجيب بأنه لما أشبهه أجري على حكمه. قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ العامة على كسر التاء نصباً على أنها بدل من «الجنة» . وعلى هذه القراءة يكون قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه اعتراض بين البدل والمبدل منه. والثاني: أنه حال. كذا قال أبو حيان. وفيه نظرٌ من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في أنه لا تباشره واو الحال. وقرأ أبو حيوة، وعيسى بن عمر، والحسن، والأعمش: « جنَّات» بالرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: تلك أو هي جنات عدن. والثاني: وبه قال الزمخشري: أنها مبتدأ، يعني ويكون خبرها «الَّتي وَعدَ» . وقرأ الحسن بن حيّ، وعلي بن صالح، والأعمش في رواية «جنَّة عدنٍ» نصباً مفرداً. واليماني، والحسن، والأزرق عن حمزة، «جَنَّةُ» رفعاً «مفرداً» . وتخريجها واضح مما تقدم. قال الزمخشري: لما كانت مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، كقولك أبصرت دارك القاعة والعلالي، و «عَدْن» معرفة بمعنى العدن، وهو الإقامة كما جعلوا فينة، وسحر، وأمس فيمن لم يصرفه أعلاماً لمعاني الفينة والسحر والأمس، فجرى مجرى العجن لذلك، أو هو أعلم لأرض الجنة، لكونها دار إقامة، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأنَّ النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة، ولما ساغ وصفها ب «التي» . قال أبو حيان: وما ذكره متعقب، أما دعواه: إن عدناً علم لمعنى العدن. فيحتاج إلى توقيف وسماع من العرب، وكذا دعواه العلمية الشخصية فيه، وأما قوله: ولولا ذلك، إلى قوله: موصوفة؛ فليس مذهب البصريين، لأن مذهبهم جواز إبدال النكرة من المعرفة إن لم تكن موصوفة، وإنما ذلك شيء قاله البغداديون، وهم محجوجون بالسماع على ما بيناه، وملازمته فاسدة. وأما قوله: ولما ساغ وصفها ب « التي» ، فلا يتعين كون «التي» صفة، وقد ذكرنا أنه يجوز إعرابه بدلاً. قال شهاب الدين: إن «التي» صفة، والتمسك بهذا الظاهر كافٍ وأيضاً: فإن الموصول في قوة المشتقات، وقد نصوا على أن البدل بالمشتق، ضعيف، فكذلك ما في معناه. قوله: «بالغَيْبِ» فيه وجهان: أحدهما: ان الباء حالية، وفي صاحب الحال احتمالان: أحدهما: ضمير الجنة، وهو عائد الموصول، أي: وعدها وهي غائبة عنهم لا يشاهدونها. والثاني: أن يكون هو «عِبَادَهُ» ، أي: وهم غائبون عنها لا يرونها، إنما آمنوا بها بمجرد الإخبار عنه. والوجه الثاني: أن الباء سببية، أي: بسبب تصديقه الغيب، وبسبب الإيمان «به» . قوله: «إنَّهُ كَانَ» . يجوز في هذا الضمير وجهان: أحدهما: أنه ضمير الباري تعالى يعود على «الرحمن» أي: إن الرحمن كان وعده مأتياً. والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن، لأن مقام تعظيم وتفخيم. وعلى الأول يجوز أن يكون في «كان» ضمير هو اسمها يعود على الله - تعالى - و «وَعْدُهُ» بدل من ذلك الضمير بدل اشتمال، و «مَأتِيًّا» خبرها. ويجوز أن لا يكون فيها ضمير، بل هي رافعة ل «وعده» و «مأتياً» الخبر أيضاً. وهو نظير: إن زيداً كان أبوه منطلقاً. و «مأتيًّا» فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعول على بابه، والمراد بالوعد: الجنة، أطلق عليها المصدر، أي: موعود، نحو درهم ضرب الأمير. وقيل: الوعد مصدر على بابه، و «مأتيا» مفعول بمعنى فاعل. ولم يرتضه الزمخشري فإنه قال: قيل في «مأتيا» مفعول بمعنى فاعل، والوجه أن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها، أوهو من قولك: أتى إليه إحساناً، أي: كان وعده مفعولاً منجزاً. وقال الزجاج: كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه، وما أتاك فقد أتيته. والمقصود من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ بيان أن وعده تعالى - وإن كان بأمر غائب - فهو كأنه مشاهد حاصل، والمراد تقرير ذلك في القلوب. قوله: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً﴾ . اللغو من الكلام: ما يلقى ويطرح، وهو المنكر من القول كقوله: ﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ [الغاشية: 11] . وقال مقاتل: هي اليمين الكاذبة وفيه دلالة على وجوب اجتناب اللغو، لأن الله - تعالى - نزه عنه الدار التي لا تكليف فيها، ولقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ [الفرقان: 72] ، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ [القصص: 55] الآية. أبدى الزمخشري فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معناه: إن كان تسليم بعضهم على بعض، أو تسليم الملائكة عليهم لغواً، فلا يسمعون لغواً إلا ذلك، فهو من وادي قوله: 3611 - وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ الثاني: أنهم لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقصان على الاستثناء المنقطع. الثالث: أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، ودار السلامة هي دار السلامة، وأهلها أغنياء عن الدعاء بالسلامة، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث، لولا ما فيه من فائدة الإكرام. وظاهر هذا أن الاستثناء على الأول والأخير متصل، فإنه صرح بالمنقطع في الثاني وأما اتصال الثالث فواضح، لأنه أطلق اللغو على السلام بالاعتبار الذي ذكره. وأما الاتصال في الأول فعسر، إذ لا يعدُّ ذلك عيباً، فليس من جنس الأول وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله - تعالى - عند قوله: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى﴾ [الدخان: 56] . قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ فيه سؤالان: السؤال الأول: أن المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بآيات مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشياً ليس من الأمور المستعظمة. والجواب من وجهين: الأول: قال الحسن: أراد تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا، فلذلك ذكر أساور الذهب والفضة، ولبس الحرير التي كانت عادة العجم، والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرَّة، وكانت عادة أشراف اليمن، ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك. الثاني: المراد دوام الرزق، تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء، تريد الدوام، ولا تقصد الوقتين المعلومين. السؤال الثاني: قال تعالى: ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾ وقال عليه السلام: «لا صباح عند ربك ولا مساء بل هم في نور أبداً» . والبكرة والعشيّ لا يوجدان إلا عند وجود الصباح والمساء. والجواب: أنهم يأكلون على مقدار الغداة والعشي، لا أن في الجنة غدوة ولا عشياً، إذ لا ليل فيها. وقيل: إنهم يغرقون النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب. وقيل: المراد رفاهية العيش، وسعة الرزق، أي: لهم رزقهم متى شاءوا. قوله: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ﴾ صحت الإشارة ب «تِلْكَ» إلى «الجَنَّة» لأنها غائبة. وقرأ الأعمش: «نورثها» بإبراز عائد الموصول. وقرأ الحسن، والأعرج، وقتادة: «نُوَرِّثُ» بفتح الواو وتشديد الراء من ورَّث مضعفاً، وقوله: «نُورث» استعارة، أي: نبقي عيله الجنة كما نبقي على الوارث مال الموروث، وقيل: معناه: ننقل تلك المنازل ممن لو أطاع لكانت له إلى عبادنا الذين اتقوا ربهم، فجعل هذا النقل إرثاً، قاله الحسن. المتقي: هو من اتقى المعاصي؛ واتقى ترك الواجبات. قال القاضي: هذه الآية دالة على أن الجنة يدخلها من كان تقياً، والفاسق المرتكب للكبائر لم يوصف بذلك. وأجيب بأن هذه الآية تدل على أن المتقي يدخلها، وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها؛ وأيضاً: فصاحب الكبيرة متقٍ عن الكفر، ومن صدق عليه أنه متقٍ (عن الكفر، فقد صدق عليه أنه متق) ، لأن المتقي جزء مفهوم قولنا: المتقي عن الكفر، وإذا كان صاحب الكبيرة (يصدق عليه أنه متقٍ، وجب أنه) يدخل الجنة، (فالآية بأن تدل على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة) أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها.

مريم 19:61

قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الآية. لما وصف الأنبياء بالمدح ترغيباً لنا في التأسي بهم ذرك بعدهم من بالضد منهم، فقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد هؤلاء الأنبياء «خَلْفٌ» من أولادهم، يقال: خلفه إذا عقبه خلف سوء - بإسكان اللام - والخَلَف - بفتح اللام - الصالح، كما قالوا: وعد في ضمان الخير، ووعيد في ضمان الشر، وفي الحديث: «في الله خلفٌ من كل هالك» وفي الشعر: 3610 - ذَهَبَ الذِينَ يُعَاشُ في أكْنَافِهِمْ ... وبَقيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ قال السديُّ: أراد بهم اليهود ومن لحق بهم. وقال مجاهد وقتادة: هم في هذه الأمة. «أضاعُوا الصَّلاة» تركوا الصلاة المفروضة. وقال ابن مسعود وإبراهيم: أخروها عن وقتها. وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا يصلي العصر حتى تغرب الشمس. «واتَّبعُوا الشَّهواتِ» قال ابن عباس: هم اليهود تركوا الصلاة وشربوا الخمور، واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة. «فَسَوْفَ يقَوْنَ غيًّا» قال وهب وابن عباس وعطاء وكعب: هو وادٍ في جهنم بعيد قعره. وقال أبو أمامة: مجازاة الآثام. وقال الضحاك: «غَيًّا» : خسراناً. وقيل: هلاكاً وقيل: عذاباً، ونقل الأخفش أنه قرئ «يُلَقَّوْنَ» بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقَّاه مضاعفاً. وقوله: «يَلْقَوْنَ» ليس معناه «يرون» فقط بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية. قوله: «إلاَّ من تَابَ» فيه وجهان: أظهرهما: أنه استثناء متصل. وقال الزجاج: هو منقطع. وهذا بناء منه على أن المضيع للصلاة من الكفار. وقرأ عبد الله والحسن والضحاك وجماعة «الصلوات» جمعاً. وقرأ الحسن هنا وجميع ما في القرآن «يُدْخَلُونَ» مبنيًّا للمفعول. فصل «احتجوا» بقوله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ على أن الإيمان غير العمل، لأنه عطف العمل على الإيمان، والمعطوف غير المعطوف عليه. أجاب الكعبي: بأنه تعالى فرق بين التوبة والإيمان، والتوبة من الإيمان فكذلك العمل الصالح يكون من الإيمان وإن فرق بينهما. وهذا الجواب ضعيف، لأن عطف الإيمان على التوبة يقتضي المغايرة بينهما، لأن التوبة عزم على الترك، والإيمان إقرار بالله، وهما متغايران، فكذلك في هذه الصورة. ولما بيَّن وعيد من لم يتب بيَّن أن من تاب وآمن وعمل صالحاً فلهم الجنة ولا يلحقهم ظلم. وهنا سؤالان: السؤال الأول: الاستثناء دل على أنه لا بُدَّ من التوبة والإيمان والعمل الصالح، وليس الأمر كذلك، لأن من تاب عن الكفر ولم يدخل وقت الصلاة أو كانت المرأة حائضاً فإن الصلاة لا تجب عليه، وكذلك الصوم والزكاة فلو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر عنه عمل، فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح. والجواب: ان هذه الصورة نادرة، والأحكام إنما تناط بالأعم الأغلب. السؤال الثاني: قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ يدل على أن الثواب مستحق بالعمل لا بالتفضّل، لأنه لو كان بالتفضل، لاستحال حصول الظلم، لكن من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد. وأجيب بأنه لما أشبهه أجري على حكمه. قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ العامة على كسر التاء نصباً على أنها بدل من «الجنة» . وعلى هذه القراءة يكون قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه اعتراض بين البدل والمبدل منه. والثاني: أنه حال. كذا قال أبو حيان. وفيه نظرٌ من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في أنه لا تباشره واو الحال. وقرأ أبو حيوة، وعيسى بن عمر، والحسن، والأعمش: « جنَّات» بالرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: تلك أو هي جنات عدن. والثاني: وبه قال الزمخشري: أنها مبتدأ، يعني ويكون خبرها «الَّتي وَعدَ» . وقرأ الحسن بن حيّ، وعلي بن صالح، والأعمش في رواية «جنَّة عدنٍ» نصباً مفرداً. واليماني، والحسن، والأزرق عن حمزة، «جَنَّةُ» رفعاً «مفرداً» . وتخريجها واضح مما تقدم. قال الزمخشري: لما كانت مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، كقولك أبصرت دارك القاعة والعلالي، و «عَدْن» معرفة بمعنى العدن، وهو الإقامة كما جعلوا فينة، وسحر، وأمس فيمن لم يصرفه أعلاماً لمعاني الفينة والسحر والأمس، فجرى مجرى العجن لذلك، أو هو أعلم لأرض الجنة، لكونها دار إقامة، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأنَّ النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة، ولما ساغ وصفها ب «التي» . قال أبو حيان: وما ذكره متعقب، أما دعواه: إن عدناً علم لمعنى العدن. فيحتاج إلى توقيف وسماع من العرب، وكذا دعواه العلمية الشخصية فيه، وأما قوله: ولولا ذلك، إلى قوله: موصوفة؛ فليس مذهب البصريين، لأن مذهبهم جواز إبدال النكرة من المعرفة إن لم تكن موصوفة، وإنما ذلك شيء قاله البغداديون، وهم محجوجون بالسماع على ما بيناه، وملازمته فاسدة. وأما قوله: ولما ساغ وصفها ب « التي» ، فلا يتعين كون «التي» صفة، وقد ذكرنا أنه يجوز إعرابه بدلاً. قال شهاب الدين: إن «التي» صفة، والتمسك بهذا الظاهر كافٍ وأيضاً: فإن الموصول في قوة المشتقات، وقد نصوا على أن البدل بالمشتق، ضعيف، فكذلك ما في معناه. قوله: «بالغَيْبِ» فيه وجهان: أحدهما: ان الباء حالية، وفي صاحب الحال احتمالان: أحدهما: ضمير الجنة، وهو عائد الموصول، أي: وعدها وهي غائبة عنهم لا يشاهدونها. والثاني: أن يكون هو «عِبَادَهُ» ، أي: وهم غائبون عنها لا يرونها، إنما آمنوا بها بمجرد الإخبار عنه. والوجه الثاني: أن الباء سببية، أي: بسبب تصديقه الغيب، وبسبب الإيمان «به» . قوله: «إنَّهُ كَانَ» . يجوز في هذا الضمير وجهان: أحدهما: أنه ضمير الباري تعالى يعود على «الرحمن» أي: إن الرحمن كان وعده مأتياً. والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن، لأن مقام تعظيم وتفخيم. وعلى الأول يجوز أن يكون في «كان» ضمير هو اسمها يعود على الله - تعالى - و «وَعْدُهُ» بدل من ذلك الضمير بدل اشتمال، و «مَأتِيًّا» خبرها. ويجوز أن لا يكون فيها ضمير، بل هي رافعة ل «وعده» و «مأتياً» الخبر أيضاً. وهو نظير: إن زيداً كان أبوه منطلقاً. و «مأتيًّا» فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعول على بابه، والمراد بالوعد: الجنة، أطلق عليها المصدر، أي: موعود، نحو درهم ضرب الأمير. وقيل: الوعد مصدر على بابه، و «مأتيا» مفعول بمعنى فاعل. ولم يرتضه الزمخشري فإنه قال: قيل في «مأتيا» مفعول بمعنى فاعل، والوجه أن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها، أوهو من قولك: أتى إليه إحساناً، أي: كان وعده مفعولاً منجزاً. وقال الزجاج: كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه، وما أتاك فقد أتيته. والمقصود من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ بيان أن وعده تعالى - وإن كان بأمر غائب - فهو كأنه مشاهد حاصل، والمراد تقرير ذلك في القلوب. قوله: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً﴾ . اللغو من الكلام: ما يلقى ويطرح، وهو المنكر من القول كقوله: ﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ [الغاشية: 11] . وقال مقاتل: هي اليمين الكاذبة وفيه دلالة على وجوب اجتناب اللغو، لأن الله - تعالى - نزه عنه الدار التي لا تكليف فيها، ولقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ [الفرقان: 72] ، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ [القصص: 55] الآية. أبدى الزمخشري فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معناه: إن كان تسليم بعضهم على بعض، أو تسليم الملائكة عليهم لغواً، فلا يسمعون لغواً إلا ذلك، فهو من وادي قوله: 3611 - وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ الثاني: أنهم لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقصان على الاستثناء المنقطع. الثالث: أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، ودار السلامة هي دار السلامة، وأهلها أغنياء عن الدعاء بالسلامة، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث، لولا ما فيه من فائدة الإكرام. وظاهر هذا أن الاستثناء على الأول والأخير متصل، فإنه صرح بالمنقطع في الثاني وأما اتصال الثالث فواضح، لأنه أطلق اللغو على السلام بالاعتبار الذي ذكره. وأما الاتصال في الأول فعسر، إذ لا يعدُّ ذلك عيباً، فليس من جنس الأول وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله - تعالى - عند قوله: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى﴾ [الدخان: 56] . قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ فيه سؤالان: السؤال الأول: أن المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بآيات مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشياً ليس من الأمور المستعظمة. والجواب من وجهين: الأول: قال الحسن: أراد تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا، فلذلك ذكر أساور الذهب والفضة، ولبس الحرير التي كانت عادة العجم، والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرَّة، وكانت عادة أشراف اليمن، ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك. الثاني: المراد دوام الرزق، تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء، تريد الدوام، ولا تقصد الوقتين المعلومين. السؤال الثاني: قال تعالى: ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾ وقال عليه السلام: «لا صباح عند ربك ولا مساء بل هم في نور أبداً» . والبكرة والعشيّ لا يوجدان إلا عند وجود الصباح والمساء. والجواب: أنهم يأكلون على مقدار الغداة والعشي، لا أن في الجنة غدوة ولا عشياً، إذ لا ليل فيها. وقيل: إنهم يغرقون النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب. وقيل: المراد رفاهية العيش، وسعة الرزق، أي: لهم رزقهم متى شاءوا. قوله: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ﴾ صحت الإشارة ب «تِلْكَ» إلى «الجَنَّة» لأنها غائبة. وقرأ الأعمش: «نورثها» بإبراز عائد الموصول. وقرأ الحسن، والأعرج، وقتادة: «نُوَرِّثُ» بفتح الواو وتشديد الراء من ورَّث مضعفاً، وقوله: «نُورث» استعارة، أي: نبقي عيله الجنة كما نبقي على الوارث مال الموروث، وقيل: معناه: ننقل تلك المنازل ممن لو أطاع لكانت له إلى عبادنا الذين اتقوا ربهم، فجعل هذا النقل إرثاً، قاله الحسن. المتقي: هو من اتقى المعاصي؛ واتقى ترك الواجبات. قال القاضي: هذه الآية دالة على أن الجنة يدخلها من كان تقياً، والفاسق المرتكب للكبائر لم يوصف بذلك. وأجيب بأن هذه الآية تدل على أن المتقي يدخلها، وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها؛ وأيضاً: فصاحب الكبيرة متقٍ عن الكفر، ومن صدق عليه أنه متقٍ (عن الكفر، فقد صدق عليه أنه متق) ، لأن المتقي جزء مفهوم قولنا: المتقي عن الكفر، وإذا كان صاحب الكبيرة (يصدق عليه أنه متقٍ، وجب أنه) يدخل الجنة، (فالآية بأن تدل على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة) أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها.

مريم 19:62

قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الآية. لما وصف الأنبياء بالمدح ترغيباً لنا في التأسي بهم ذرك بعدهم من بالضد منهم، فقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد هؤلاء الأنبياء «خَلْفٌ» من أولادهم، يقال: خلفه إذا عقبه خلف سوء - بإسكان اللام - والخَلَف - بفتح اللام - الصالح، كما قالوا: وعد في ضمان الخير، ووعيد في ضمان الشر، وفي الحديث: «في الله خلفٌ من كل هالك» وفي الشعر: 3610 - ذَهَبَ الذِينَ يُعَاشُ في أكْنَافِهِمْ ... وبَقيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ قال السديُّ: أراد بهم اليهود ومن لحق بهم. وقال مجاهد وقتادة: هم في هذه الأمة. «أضاعُوا الصَّلاة» تركوا الصلاة المفروضة. وقال ابن مسعود وإبراهيم: أخروها عن وقتها. وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا يصلي العصر حتى تغرب الشمس. «واتَّبعُوا الشَّهواتِ» قال ابن عباس: هم اليهود تركوا الصلاة وشربوا الخمور، واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة. «فَسَوْفَ يقَوْنَ غيًّا» قال وهب وابن عباس وعطاء وكعب: هو وادٍ في جهنم بعيد قعره. وقال أبو أمامة: مجازاة الآثام. وقال الضحاك: «غَيًّا» : خسراناً. وقيل: هلاكاً وقيل: عذاباً، ونقل الأخفش أنه قرئ «يُلَقَّوْنَ» بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقَّاه مضاعفاً. وقوله: «يَلْقَوْنَ» ليس معناه «يرون» فقط بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية. قوله: «إلاَّ من تَابَ» فيه وجهان: أظهرهما: أنه استثناء متصل. وقال الزجاج: هو منقطع. وهذا بناء منه على أن المضيع للصلاة من الكفار. وقرأ عبد الله والحسن والضحاك وجماعة «الصلوات» جمعاً. وقرأ الحسن هنا وجميع ما في القرآن «يُدْخَلُونَ» مبنيًّا للمفعول. فصل «احتجوا» بقوله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ على أن الإيمان غير العمل، لأنه عطف العمل على الإيمان، والمعطوف غير المعطوف عليه. أجاب الكعبي: بأنه تعالى فرق بين التوبة والإيمان، والتوبة من الإيمان فكذلك العمل الصالح يكون من الإيمان وإن فرق بينهما. وهذا الجواب ضعيف، لأن عطف الإيمان على التوبة يقتضي المغايرة بينهما، لأن التوبة عزم على الترك، والإيمان إقرار بالله، وهما متغايران، فكذلك في هذه الصورة. ولما بيَّن وعيد من لم يتب بيَّن أن من تاب وآمن وعمل صالحاً فلهم الجنة ولا يلحقهم ظلم. وهنا سؤالان: السؤال الأول: الاستثناء دل على أنه لا بُدَّ من التوبة والإيمان والعمل الصالح، وليس الأمر كذلك، لأن من تاب عن الكفر ولم يدخل وقت الصلاة أو كانت المرأة حائضاً فإن الصلاة لا تجب عليه، وكذلك الصوم والزكاة فلو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر عنه عمل، فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح. والجواب: ان هذه الصورة نادرة، والأحكام إنما تناط بالأعم الأغلب. السؤال الثاني: قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ يدل على أن الثواب مستحق بالعمل لا بالتفضّل، لأنه لو كان بالتفضل، لاستحال حصول الظلم، لكن من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد. وأجيب بأنه لما أشبهه أجري على حكمه. قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ العامة على كسر التاء نصباً على أنها بدل من «الجنة» . وعلى هذه القراءة يكون قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه اعتراض بين البدل والمبدل منه. والثاني: أنه حال. كذا قال أبو حيان. وفيه نظرٌ من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في أنه لا تباشره واو الحال. وقرأ أبو حيوة، وعيسى بن عمر، والحسن، والأعمش: « جنَّات» بالرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: تلك أو هي جنات عدن. والثاني: وبه قال الزمخشري: أنها مبتدأ، يعني ويكون خبرها «الَّتي وَعدَ» . وقرأ الحسن بن حيّ، وعلي بن صالح، والأعمش في رواية «جنَّة عدنٍ» نصباً مفرداً. واليماني، والحسن، والأزرق عن حمزة، «جَنَّةُ» رفعاً «مفرداً» . وتخريجها واضح مما تقدم. قال الزمخشري: لما كانت مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، كقولك أبصرت دارك القاعة والعلالي، و «عَدْن» معرفة بمعنى العدن، وهو الإقامة كما جعلوا فينة، وسحر، وأمس فيمن لم يصرفه أعلاماً لمعاني الفينة والسحر والأمس، فجرى مجرى العجن لذلك، أو هو أعلم لأرض الجنة، لكونها دار إقامة، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأنَّ النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة، ولما ساغ وصفها ب «التي» . قال أبو حيان: وما ذكره متعقب، أما دعواه: إن عدناً علم لمعنى العدن. فيحتاج إلى توقيف وسماع من العرب، وكذا دعواه العلمية الشخصية فيه، وأما قوله: ولولا ذلك، إلى قوله: موصوفة؛ فليس مذهب البصريين، لأن مذهبهم جواز إبدال النكرة من المعرفة إن لم تكن موصوفة، وإنما ذلك شيء قاله البغداديون، وهم محجوجون بالسماع على ما بيناه، وملازمته فاسدة. وأما قوله: ولما ساغ وصفها ب « التي» ، فلا يتعين كون «التي» صفة، وقد ذكرنا أنه يجوز إعرابه بدلاً. قال شهاب الدين: إن «التي» صفة، والتمسك بهذا الظاهر كافٍ وأيضاً: فإن الموصول في قوة المشتقات، وقد نصوا على أن البدل بالمشتق، ضعيف، فكذلك ما في معناه. قوله: «بالغَيْبِ» فيه وجهان: أحدهما: ان الباء حالية، وفي صاحب الحال احتمالان: أحدهما: ضمير الجنة، وهو عائد الموصول، أي: وعدها وهي غائبة عنهم لا يشاهدونها. والثاني: أن يكون هو «عِبَادَهُ» ، أي: وهم غائبون عنها لا يرونها، إنما آمنوا بها بمجرد الإخبار عنه. والوجه الثاني: أن الباء سببية، أي: بسبب تصديقه الغيب، وبسبب الإيمان «به» . قوله: «إنَّهُ كَانَ» . يجوز في هذا الضمير وجهان: أحدهما: أنه ضمير الباري تعالى يعود على «الرحمن» أي: إن الرحمن كان وعده مأتياً. والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن، لأن مقام تعظيم وتفخيم. وعلى الأول يجوز أن يكون في «كان» ضمير هو اسمها يعود على الله - تعالى - و «وَعْدُهُ» بدل من ذلك الضمير بدل اشتمال، و «مَأتِيًّا» خبرها. ويجوز أن لا يكون فيها ضمير، بل هي رافعة ل «وعده» و «مأتياً» الخبر أيضاً. وهو نظير: إن زيداً كان أبوه منطلقاً. و «مأتيًّا» فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعول على بابه، والمراد بالوعد: الجنة، أطلق عليها المصدر، أي: موعود، نحو درهم ضرب الأمير. وقيل: الوعد مصدر على بابه، و «مأتيا» مفعول بمعنى فاعل. ولم يرتضه الزمخشري فإنه قال: قيل في «مأتيا» مفعول بمعنى فاعل، والوجه أن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها، أوهو من قولك: أتى إليه إحساناً، أي: كان وعده مفعولاً منجزاً. وقال الزجاج: كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه، وما أتاك فقد أتيته. والمقصود من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ بيان أن وعده تعالى - وإن كان بأمر غائب - فهو كأنه مشاهد حاصل، والمراد تقرير ذلك في القلوب. قوله: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً﴾ . اللغو من الكلام: ما يلقى ويطرح، وهو المنكر من القول كقوله: ﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ [الغاشية: 11] . وقال مقاتل: هي اليمين الكاذبة وفيه دلالة على وجوب اجتناب اللغو، لأن الله - تعالى - نزه عنه الدار التي لا تكليف فيها، ولقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ [الفرقان: 72] ، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ [القصص: 55] الآية. أبدى الزمخشري فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معناه: إن كان تسليم بعضهم على بعض، أو تسليم الملائكة عليهم لغواً، فلا يسمعون لغواً إلا ذلك، فهو من وادي قوله: 3611 - وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ الثاني: أنهم لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقصان على الاستثناء المنقطع. الثالث: أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، ودار السلامة هي دار السلامة، وأهلها أغنياء عن الدعاء بالسلامة، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث، لولا ما فيه من فائدة الإكرام. وظاهر هذا أن الاستثناء على الأول والأخير متصل، فإنه صرح بالمنقطع في الثاني وأما اتصال الثالث فواضح، لأنه أطلق اللغو على السلام بالاعتبار الذي ذكره. وأما الاتصال في الأول فعسر، إذ لا يعدُّ ذلك عيباً، فليس من جنس الأول وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله - تعالى - عند قوله: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى﴾ [الدخان: 56] . قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ فيه سؤالان: السؤال الأول: أن المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بآيات مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشياً ليس من الأمور المستعظمة. والجواب من وجهين: الأول: قال الحسن: أراد تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا، فلذلك ذكر أساور الذهب والفضة، ولبس الحرير التي كانت عادة العجم، والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرَّة، وكانت عادة أشراف اليمن، ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك. الثاني: المراد دوام الرزق، تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء، تريد الدوام، ولا تقصد الوقتين المعلومين. السؤال الثاني: قال تعالى: ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾ وقال عليه السلام: «لا صباح عند ربك ولا مساء بل هم في نور أبداً» . والبكرة والعشيّ لا يوجدان إلا عند وجود الصباح والمساء. والجواب: أنهم يأكلون على مقدار الغداة والعشي، لا أن في الجنة غدوة ولا عشياً، إذ لا ليل فيها. وقيل: إنهم يغرقون النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب. وقيل: المراد رفاهية العيش، وسعة الرزق، أي: لهم رزقهم متى شاءوا. قوله: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ﴾ صحت الإشارة ب «تِلْكَ» إلى «الجَنَّة» لأنها غائبة. وقرأ الأعمش: «نورثها» بإبراز عائد الموصول. وقرأ الحسن، والأعرج، وقتادة: «نُوَرِّثُ» بفتح الواو وتشديد الراء من ورَّث مضعفاً، وقوله: «نُورث» استعارة، أي: نبقي عيله الجنة كما نبقي على الوارث مال الموروث، وقيل: معناه: ننقل تلك المنازل ممن لو أطاع لكانت له إلى عبادنا الذين اتقوا ربهم، فجعل هذا النقل إرثاً، قاله الحسن. المتقي: هو من اتقى المعاصي؛ واتقى ترك الواجبات. قال القاضي: هذه الآية دالة على أن الجنة يدخلها من كان تقياً، والفاسق المرتكب للكبائر لم يوصف بذلك. وأجيب بأن هذه الآية تدل على أن المتقي يدخلها، وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها؛ وأيضاً: فصاحب الكبيرة متقٍ عن الكفر، ومن صدق عليه أنه متقٍ (عن الكفر، فقد صدق عليه أنه متق) ، لأن المتقي جزء مفهوم قولنا: المتقي عن الكفر، وإذا كان صاحب الكبيرة (يصدق عليه أنه متقٍ، وجب أنه) يدخل الجنة، (فالآية بأن تدل على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة) أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها.

مريم 19:63

قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الآية. لما وصف الأنبياء بالمدح ترغيباً لنا في التأسي بهم ذرك بعدهم من بالضد منهم، فقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد هؤلاء الأنبياء «خَلْفٌ» من أولادهم، يقال: خلفه إذا عقبه خلف سوء - بإسكان اللام - والخَلَف - بفتح اللام - الصالح، كما قالوا: وعد في ضمان الخير، ووعيد في ضمان الشر، وفي الحديث: «في الله خلفٌ من كل هالك» وفي الشعر: 3610 - ذَهَبَ الذِينَ يُعَاشُ في أكْنَافِهِمْ ... وبَقيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ قال السديُّ: أراد بهم اليهود ومن لحق بهم. وقال مجاهد وقتادة: هم في هذه الأمة. «أضاعُوا الصَّلاة» تركوا الصلاة المفروضة. وقال ابن مسعود وإبراهيم: أخروها عن وقتها. وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا يصلي العصر حتى تغرب الشمس. «واتَّبعُوا الشَّهواتِ» قال ابن عباس: هم اليهود تركوا الصلاة وشربوا الخمور، واستحلوا نكاح الأخت من الأب. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة. «فَسَوْفَ يقَوْنَ غيًّا» قال وهب وابن عباس وعطاء وكعب: هو وادٍ في جهنم بعيد قعره. وقال أبو أمامة: مجازاة الآثام. وقال الضحاك: «غَيًّا» : خسراناً. وقيل: هلاكاً وقيل: عذاباً، ونقل الأخفش أنه قرئ «يُلَقَّوْنَ» بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقَّاه مضاعفاً. وقوله: «يَلْقَوْنَ» ليس معناه «يرون» فقط بل معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية. قوله: «إلاَّ من تَابَ» فيه وجهان: أظهرهما: أنه استثناء متصل. وقال الزجاج: هو منقطع. وهذا بناء منه على أن المضيع للصلاة من الكفار. وقرأ عبد الله والحسن والضحاك وجماعة «الصلوات» جمعاً. وقرأ الحسن هنا وجميع ما في القرآن «يُدْخَلُونَ» مبنيًّا للمفعول. فصل «احتجوا» بقوله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ على أن الإيمان غير العمل، لأنه عطف العمل على الإيمان، والمعطوف غير المعطوف عليه. أجاب الكعبي: بأنه تعالى فرق بين التوبة والإيمان، والتوبة من الإيمان فكذلك العمل الصالح يكون من الإيمان وإن فرق بينهما. وهذا الجواب ضعيف، لأن عطف الإيمان على التوبة يقتضي المغايرة بينهما، لأن التوبة عزم على الترك، والإيمان إقرار بالله، وهما متغايران، فكذلك في هذه الصورة. ولما بيَّن وعيد من لم يتب بيَّن أن من تاب وآمن وعمل صالحاً فلهم الجنة ولا يلحقهم ظلم. وهنا سؤالان: السؤال الأول: الاستثناء دل على أنه لا بُدَّ من التوبة والإيمان والعمل الصالح، وليس الأمر كذلك، لأن من تاب عن الكفر ولم يدخل وقت الصلاة أو كانت المرأة حائضاً فإن الصلاة لا تجب عليه، وكذلك الصوم والزكاة فلو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة مع أنه لم يصدر عنه عمل، فلم يجز توقف الأجر على العمل الصالح. والجواب: ان هذه الصورة نادرة، والأحكام إنما تناط بالأعم الأغلب. السؤال الثاني: قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ يدل على أن الثواب مستحق بالعمل لا بالتفضّل، لأنه لو كان بالتفضل، لاستحال حصول الظلم، لكن من مذهبكم أنه لا استحقاق للعبد بعمله إلا بالوعد. وأجيب بأنه لما أشبهه أجري على حكمه. قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ العامة على كسر التاء نصباً على أنها بدل من «الجنة» . وعلى هذه القراءة يكون قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه اعتراض بين البدل والمبدل منه. والثاني: أنه حال. كذا قال أبو حيان. وفيه نظرٌ من حيث إن المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في أنه لا تباشره واو الحال. وقرأ أبو حيوة، وعيسى بن عمر، والحسن، والأعمش: « جنَّات» بالرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ مضمر، تقديره: تلك أو هي جنات عدن. والثاني: وبه قال الزمخشري: أنها مبتدأ، يعني ويكون خبرها «الَّتي وَعدَ» . وقرأ الحسن بن حيّ، وعلي بن صالح، والأعمش في رواية «جنَّة عدنٍ» نصباً مفرداً. واليماني، والحسن، والأزرق عن حمزة، «جَنَّةُ» رفعاً «مفرداً» . وتخريجها واضح مما تقدم. قال الزمخشري: لما كانت مشتملة على جنات عدن أبدلت منها، كقولك أبصرت دارك القاعة والعلالي، و «عَدْن» معرفة بمعنى العدن، وهو الإقامة كما جعلوا فينة، وسحر، وأمس فيمن لم يصرفه أعلاماً لمعاني الفينة والسحر والأمس، فجرى مجرى العجن لذلك، أو هو أعلم لأرض الجنة، لكونها دار إقامة، ولولا ذلك لما ساغ الإبدال، لأنَّ النكرة لا تبدل من المعرفة إلا موصوفة، ولما ساغ وصفها ب «التي» . قال أبو حيان: وما ذكره متعقب، أما دعواه: إن عدناً علم لمعنى العدن. فيحتاج إلى توقيف وسماع من العرب، وكذا دعواه العلمية الشخصية فيه، وأما قوله: ولولا ذلك، إلى قوله: موصوفة؛ فليس مذهب البصريين، لأن مذهبهم جواز إبدال النكرة من المعرفة إن لم تكن موصوفة، وإنما ذلك شيء قاله البغداديون، وهم محجوجون بالسماع على ما بيناه، وملازمته فاسدة. وأما قوله: ولما ساغ وصفها ب « التي» ، فلا يتعين كون «التي» صفة، وقد ذكرنا أنه يجوز إعرابه بدلاً. قال شهاب الدين: إن «التي» صفة، والتمسك بهذا الظاهر كافٍ وأيضاً: فإن الموصول في قوة المشتقات، وقد نصوا على أن البدل بالمشتق، ضعيف، فكذلك ما في معناه. قوله: «بالغَيْبِ» فيه وجهان: أحدهما: ان الباء حالية، وفي صاحب الحال احتمالان: أحدهما: ضمير الجنة، وهو عائد الموصول، أي: وعدها وهي غائبة عنهم لا يشاهدونها. والثاني: أن يكون هو «عِبَادَهُ» ، أي: وهم غائبون عنها لا يرونها، إنما آمنوا بها بمجرد الإخبار عنه. والوجه الثاني: أن الباء سببية، أي: بسبب تصديقه الغيب، وبسبب الإيمان «به» . قوله: «إنَّهُ كَانَ» . يجوز في هذا الضمير وجهان: أحدهما: أنه ضمير الباري تعالى يعود على «الرحمن» أي: إن الرحمن كان وعده مأتياً. والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن، لأن مقام تعظيم وتفخيم. وعلى الأول يجوز أن يكون في «كان» ضمير هو اسمها يعود على الله - تعالى - و «وَعْدُهُ» بدل من ذلك الضمير بدل اشتمال، و «مَأتِيًّا» خبرها. ويجوز أن لا يكون فيها ضمير، بل هي رافعة ل «وعده» و «مأتياً» الخبر أيضاً. وهو نظير: إن زيداً كان أبوه منطلقاً. و «مأتيًّا» فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعول على بابه، والمراد بالوعد: الجنة، أطلق عليها المصدر، أي: موعود، نحو درهم ضرب الأمير. وقيل: الوعد مصدر على بابه، و «مأتيا» مفعول بمعنى فاعل. ولم يرتضه الزمخشري فإنه قال: قيل في «مأتيا» مفعول بمعنى فاعل، والوجه أن الوعد هو الجنة، وهم يأتونها، أوهو من قولك: أتى إليه إحساناً، أي: كان وعده مفعولاً منجزاً. وقال الزجاج: كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه، وما أتاك فقد أتيته. والمقصود من قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ بيان أن وعده تعالى - وإن كان بأمر غائب - فهو كأنه مشاهد حاصل، والمراد تقرير ذلك في القلوب. قوله: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً﴾ . اللغو من الكلام: ما يلقى ويطرح، وهو المنكر من القول كقوله: ﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ [الغاشية: 11] . وقال مقاتل: هي اليمين الكاذبة وفيه دلالة على وجوب اجتناب اللغو، لأن الله - تعالى - نزه عنه الدار التي لا تكليف فيها، ولقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ [الفرقان: 72] ، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ [القصص: 55] الآية. أبدى الزمخشري فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معناه: إن كان تسليم بعضهم على بعض، أو تسليم الملائكة عليهم لغواً، فلا يسمعون لغواً إلا ذلك، فهو من وادي قوله: 3611 - وَلا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتائِبِ الثاني: أنهم لا يسمعون فيها إلا قولاً يسلمون فيه من العيب والنقصان على الاستثناء المنقطع. الثالث: أن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة، ودار السلامة هي دار السلامة، وأهلها أغنياء عن الدعاء بالسلامة، فكان ظاهره من باب اللغو وفضول الحديث، لولا ما فيه من فائدة الإكرام. وظاهر هذا أن الاستثناء على الأول والأخير متصل، فإنه صرح بالمنقطع في الثاني وأما اتصال الثالث فواضح، لأنه أطلق اللغو على السلام بالاعتبار الذي ذكره. وأما الاتصال في الأول فعسر، إذ لا يعدُّ ذلك عيباً، فليس من جنس الأول وسيأتي تحقيق هذا إن شاء الله - تعالى - عند قوله: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى﴾ [الدخان: 56] . قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ فيه سؤالان: السؤال الأول: أن المقصود من هذه الآيات وصف الجنة بآيات مستعظمة ووصول الرزق إليهم بكرة وعشياً ليس من الأمور المستعظمة. والجواب من وجهين: الأول: قال الحسن: أراد تعالى أن يرغب كل قوم بما أحبوه في الدنيا، فلذلك ذكر أساور الذهب والفضة، ولبس الحرير التي كانت عادة العجم، والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرَّة، وكانت عادة أشراف اليمن، ولا شيء كان أحب إلى العرب من الغداء والعشاء فوعدهم بذلك. الثاني: المراد دوام الرزق، تقول: أنا عند فلان صباحاً ومساء، تريد الدوام، ولا تقصد الوقتين المعلومين. السؤال الثاني: قال تعالى: ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾ وقال عليه السلام: «لا صباح عند ربك ولا مساء بل هم في نور أبداً» . والبكرة والعشيّ لا يوجدان إلا عند وجود الصباح والمساء. والجواب: أنهم يأكلون على مقدار الغداة والعشي، لا أن في الجنة غدوة ولا عشياً، إذ لا ليل فيها. وقيل: إنهم يغرقون النهار برفع الحجب، ووقت الليل بإرخاء الحجب. وقيل: المراد رفاهية العيش، وسعة الرزق، أي: لهم رزقهم متى شاءوا. قوله: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ﴾ صحت الإشارة ب «تِلْكَ» إلى «الجَنَّة» لأنها غائبة. وقرأ الأعمش: «نورثها» بإبراز عائد الموصول. وقرأ الحسن، والأعرج، وقتادة: «نُوَرِّثُ» بفتح الواو وتشديد الراء من ورَّث مضعفاً، وقوله: «نُورث» استعارة، أي: نبقي عيله الجنة كما نبقي على الوارث مال الموروث، وقيل: معناه: ننقل تلك المنازل ممن لو أطاع لكانت له إلى عبادنا الذين اتقوا ربهم، فجعل هذا النقل إرثاً، قاله الحسن. المتقي: هو من اتقى المعاصي؛ واتقى ترك الواجبات. قال القاضي: هذه الآية دالة على أن الجنة يدخلها من كان تقياً، والفاسق المرتكب للكبائر لم يوصف بذلك. وأجيب بأن هذه الآية تدل على أن المتقي يدخلها، وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها؛ وأيضاً: فصاحب الكبيرة متقٍ عن الكفر، ومن صدق عليه أنه متقٍ (عن الكفر، فقد صدق عليه أنه متق) ، لأن المتقي جزء مفهوم قولنا: المتقي عن الكفر، وإذا كان صاحب الكبيرة (يصدق عليه أنه متقٍ، وجب أنه) يدخل الجنة، (فالآية بأن تدل على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة) أولى من أن تدل على أنه لا يدخلها.

مريم 19:64

قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. قال ابن عطية: الواو عاطفة جملة كلام على أخرى، واصلة بين القولين، وإن لم يكن معناهما واحداً. وقد أغرب النقاش في حكاية قول: وهو أن قوله: «وما نَتَنَزَّلُ» متصل بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ﴾ [مريم: 19] . وقال أبو البقاء: «وما نَتَنَزَّلُ» أي: وتقول الملائكة. فجعله معمولاً لقول مضمر. وقيل: هو من كلام أهل الجنة. وهو أقرب مما قبله. و «نَتَنَزَّلُ» مطاوع نزَّل - بالتشديد - ويقتضي العمل في مهلة وقد لا يقتضيها. قال الزمخشري: التنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق، كقوله: 3612 - فَلَسْتُ لإنْسِيّ ولكن لملأكٍ ... تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّمَاءِ يصُوبُ لأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، ويكون بمعنى التدرج، واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل، والمراد: أن نزولنا في الأحايين وقتاً بعد وقت. ثال شهاب الدين: وقد تقدم أنه يفرق بين نزَّل وأنزل في أول هذا الموضوع. وقرأ العامة «نَتَنَزَّلُ» بنون الجمع. وقرأ الأعرج «يتنزَّلُ» بياء الغيبة، وفي الفاعل حينئذ قولان: أحدهما: أنه ضمير جبريل - عليه السلام -. قال ابن عطية: ويرده قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ ، لأنه لا يطرد معه، وإنما يتجه أن يكون خبراً عن جبريل أي: القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها. وقد يجاب ابن عطية بأنه على إضمار القول، أي: قائلاً ما بين أيدينا. والثاني: أنه يعود على الوحي، وكذا قال الزمخشري على الحكاية عن جبريل، والضمير للوحي. ولا بد من إضمار هذا القول أيضاً. قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ . استدل بعض النحاة على أن الأزمنة ثلاثة: ماض، وحاضر، ومستقبل بهذه الآية وهو كقول زهير: 3613 - واعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ... ولكِنَّنِي عن عِلْمِ ما فِي غدٍ عَمِ فصل روى ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يا جبريل ما منعك أن تزورنا» فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. وقال عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل، والكلبي: «احتبس جبريل - عليه السلام - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سأل قومه عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح فقال:» أخبركم غداً «، ولم يقل: إن شاء الله حتى شق على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال المشركون ودَّعهُ ربه وقلاه، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت إليك «فقال له جبريل - عليه السلام - إني كنت إليك أشوق، ولكنني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست» فنزل قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ﴾ [الكهف: 23، 24] وسورة الضحى وفي هذه الآية سؤال: وهو أن قوله: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم: 63] كلام الله، وقوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ كلام غير الله، فكيف جاز هذا على ما قبله من غير فصل؟ . وأجيب: بأنه إذا كانت القرينة لم يقبح كقوله - تعالى -: ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35] ، (وهذا كلام الله تعالى، ثم عطف عليه) ﴿وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ [مريم: 36] . واعلم أنَّ ظاهر قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ خطاب جماعة لواحد، وذلك لا يليق بالذين ينزلون على الرسول، فلذلك ذكروا في سبب النزول ما تقدم. ثم قال: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي: علم ما بين أيدينا قال سعيد بن جبير وقتادة، ومقاتل: «ما بَيْنَ» أيدِينَا «من أمر الآخرة، والثواب والعقاب،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «ما يكون في هذا الوقت إلى قيام الساعة. وقيل:» مَا بَيْنَ أيْدِينَا «من أمر الآخرة،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «أي: بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وقيل:» مَا بَيْنَ أدينَا «ما بقي من أمر الدنيا،» ومَا خَلْفَنَا «ما مضى منها،» ومَا بَيْنَ ذَلِكَ «هذه حياتنا. وقيل:: مَا بَيْنَ أيْدِينَا» بعد أن نموت، «ومَا بَيْن ذلكَ» مدة الحياة. وقيل: «مَا بَيْنَ أيدِينَا» الأرض إذا أردنا النزول إليها، «ومَا خَلْفَنَا» السماء وما أنزل منها، «ومَا بَيْنَ ذلِكَ» الهواء، يريد أن ذلك كله لله - عَزَّ وَجَلَّ - فلا يقدر على شيء إلاَّ بأمره. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي: ناسياً، أي: ما نسيك ربك بمعنى تركك، والناسي التارك، كقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ [الضحى: 3] أي: ما كان امتناع النزول لترك الله لك وتوديعه إياك. قوله: ﴿رَّبُّ السماوات﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من «ربُّكَ» . الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو ربُّ. الثالث: كونه مبتدأ والخبر الجملة الأمرية بعده. وهذا ماشٍ رأي الأخفش، إذ يجوِّز زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً. قوله: «لِعبادَتِهِ» متعلق ب «اصْطَبَرْ» فإن قيل: لِمَ لَمْ يقُلْ: واصطبر على عبادته، لأنها صلته، فكان حقه تعديه ب «على» ؟ . فالجواب: أنَّه ضمن معنى الثبات، لأنَّ العبادة ذات تكاليف قل من يصبر لها، فكأنَّه قيل: واثبت لها مصطبرا. واستدلوا بهذه الآية على أنَّ فعل العبد خلق لله - تعالى -، لأنَّ فعل العبدِ حاصل بين السموات والأرض، وهو رب لكل شيء حاصل بينهما. قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أدغم الأخوان، وهشام، وجماع لام «هَلْ» في «التاء» . وأنشدوا على ذلك بيت مُزَاحِم العُقيليّ: 3614 - فَذَرْ ذَا ولكِن هَتُّعِينُ مُتَيَّماً ... عَلى ضَوْءِ برْقِ آخِرِ اللَّيْلِ نَاصِبِ فصل دلَّ ظاهر الآية على أنَّه - تعالى - رتب الأمر بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سميّ له، والأقرب أنه ذكر الاسم وأراد هل تعلم له نظيراً فيما يقتضي العبادة والتي يقتضيها كونه منعماً بأصول (النعم وفروعها، وهي خلق الأجسام، والحياة والعقل، وغيرها، فإنه لا يقدر على ذلك) أحد سواه - سبحانه وتعالى - وإذا كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام، وجب أن تعظمه بغاية التعظيم، وهي العبادة. قال ابن عباس: هل تعلم له مثلاً. وقال الكلبي: ليس له شريك في اسمه. وذلك لأنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله - تعالى - على شيء. قال ابن عباس: لا يسمة بالرحمن غيره. وأيضاً: هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل، لأنَّ التسمية على الباطل كلا تسمية، لأنها غير معتد بها، والقول الأول أقرب. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ الآية. «إذَا» منصوب بفعل مقدر مدلول عليه بقوله تعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ﴾ ، تقديره: إذا مت أبعث أو أحياً، ولا يجوز أن يكون العامل فيه «أخْرَجُ» لانَّ ما بعد لام الابتداء لا يعمل ما قبلها قال أبو البقاء: لأن ما بعد اللام وسوف لا يعمل فيما قبلها ك «إنَّ» قال شعاب الدين: قد جعل المانع مجموع الحرفين، أما اللام فمسلم وأما حرف التنفيس فلا مدخل له في المنع، لأن حرف التنفيس يعمل كا بعده فيما قبله، تقول: زَيْداً سأضَرِبُ وسوف أضرب، ولكن فيه خلاف ضعيف، والصحيح الجواز، وأنشدوا عليه: 3615 - فَلَمَّا رَأتْهُ آمَناً هَانَ وجْدُهَا ... وقَالَتْ أبُونَا سَوْفَ يَفْعَلُ ف «هَكَذَا» منصوب ب «يَفْعَلُ» بعد (حرف التنفيس) ، (وقال ابن عطية) : واللام في قوله: «لَسَوْفَ» مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى، كأن قائلاً قال للكافر: (إذا متُّ) يا فلان لسوف تخرج حيًّا، فقرر الكلام على الكلام على جهة الاستبعاد، وكرر اللام حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية لكلام تقدم بل هو من كلام الكافر، وهو استفهام فيه معنى الجحد والاستبعاد. وقال الزمخشري: فإن قيل: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلتُ: لم تجامعها إلاَّ مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض، واضْمَحَلَّ عنها معنى التعريف. قال أبو حيان: وما ذكر من أن اللام تعطي «معنى» الحال مخالف فيه، فعلى مذهب من لا يرى ذلك يسقط السؤال، وأما قوله: كما أخلصت الهمزة. فليس ذلك إلاَّ على مذهب من يزعم أن أصله: إله، وأما من يزعم أن أصله: لاه. فلا تكون الهمزة فيه للتعويض «إذْ لم يحذف منه شيء، ولو قلنا: إنَّ أصله إله، وحذفت فاء الكلمة لم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض» ، إذ لو كانت عوضاً من المحذوف لثبتت دائماً في النداء وغيره، ولما جاز حذفها في النداء، قالوا: يا الله بحذفها، وقد نصوا على أن «قطع» همزة الوصل في النداء شاذ. وقرأ الجمهور: «أءِذَا» بالاستفهام، وهو استبعاد كما تقدم. وقرأ أبو ذكوان بخلاف عنه، وجماعة «إذَا» بهمزة واحدة على الخبر أو الاستفهام وحذف أداته للعلم بها، ولدلالة القراءة الأخرى عليها. وقرأ طلحة بن مصرِّف «لسَأخرجُ» بالسين دون سوف. هذا نقل الزمخشري عنه. وغيره نقل «سَأخْرَجُ» دون لام الابتداء، وعلى هذه القراءة يكون العامل في الظرف نفس «أخْرَجُ» ، ولا يمنع حرف التنفيس على الصحيح. وقرأ العامة «أخْرَجُ» مبنياً للمفعول. والحسن، وأبو حيوة «أخْرُجُ» مبنياً للفاعل. و «حيًّا» حال مؤكدة، لأنَّ من لازم خروجه أن يكون حيًّا، وهو كقوله: ﴿أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم: 33] . فصل لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها، فكأنَّ سائلاً سأل وقال: هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا، وأمَّا في الاخرة فقد أنكرها قوم، فلا بُدَّ من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى تظهر فائدة الاشتغال بالعيادة، فلهذا حكى الله - تعالى - قول منكري الحشر، فقال: ﴿وَيَقُولُ الإنسان﴾ الآية: قالوا ذلك على سبيل افنكار والاستبعاد وذكروا في الإنسان وجهين: أحدها: أن يكون المراد الجنس كقوله: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ [الإنسان: 1] . فإن قيل: كلهم غير قائلين بذلك، فكيف يصح هذا القول؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ هذه المقولة لمَّا كانت موجودة في جنسهم صحَّ اسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناًَ، وإنما القاتل رجل منهم. الثاني: أنَّ هذا الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلاَّ أنَّ بعضهم تركه للدلالة القاطعة على صحة القول به. القول الثاني: أنَّ المراد بالإنسان شخص معين، فقيل: أبيُّ بن خلف الجمحي. وقيل: أبو جهل. وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث. ثم إن الله - تعالى - أقام للدلالة على صحة البعث فقال: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ﴾ الآية قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وجماعة: «يَذْكُرُ» مضارع ذكر. والباقون بالتشديد مضارع تذكَّر. والأصل: يتذكر، فأدغمت التاء في الذال. وقد قرأ بهذا الأصل وهو «يتذكَّر» أبيٌّ. والهمزة في قوله: «أو لا يذكُرُ مؤخرة على حرف العطف تقديراً كما هو قول الجمهور وقد رجع الزمخشري إلى قول الجمهور هنا فقال: الواو عطفت» لا يذكُرُ «على» يَقُولُ «ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف» عليه «وحرف العطف. ومذهبه: أن يقدر بين حرف العطف وهمزة الاستفهام جملة يعطف عليها ما بعدها. وقد فعل هذا أعني الرجوع إلى قول الجمهور في سورة الأعراف كما نبَّه عليه في موضعه. قوله:» مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل بعضه، وقدره الزمخشري: من قبل الحالة التي هو فيها، «وهي حالة» بقائه. فصل قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا شك أنَّ اعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً، ونظيره قوله تعالى ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] واحتجوا بهذه الآية على أنَّ المعدوم ليس بشيء، وهو ضعيف؛ لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض، وهذا المجموع ما كان شيئاً، ولكن لم قلت: إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئاً قبل كونه موجوداً فإن قيل: كيف أمر الله - تعالى - الإنسان بالتذكر مع أنَّ التذكر هو العلم بما علمه من قبل ثم تخللهما سهو؟ . فالجواب: المراد أو لا يتفكر فيعلم خصوصاً إذا قرئ «أو لا يذَّكَّرُ» مشدداً، أما إذا قرئ «أو لا يذكُرُ» مخففاً، فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأنَّ كل أحد يعلم أنه لم يكن حيًّا في الدنيا ثم صار حيًّا. ثم إنه تعالى لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتشديد فقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين﴾ أي: لنجمعنهم في المعاد، يعني المشركين المنكرين للبعث مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة. وفائدة القسم أمران: أحدهما: أنَّ العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين. والثاني: أنَّ في قسام الله - تعالى - باسمه مضافاً إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رفعاً منه لشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: 23] . والواو في «والشَّياطين» يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى «مع» وهي بمعنى «مع» أوقع. والمعنى، أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغروهم. ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ أي: نحضرهم على أذل صورة لقوله: «جِثِيًّا» لأنَّ البارك على ركبتيه صورته الذليل، أو صورة العاجز. فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل لقوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: 28] ، ولأنَّ العادة جارية بأنَّ الناس في مواقف مطالبات الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من القلق، أة لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم وإذا كان حاصلاً للكل، فكيف يدل على مزيد ذل الكفار. فالجواب: لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه الحال، وذلك يوجب مزيد ذلهم. قوله: «جِثِيًّا» حال مقدرة من مفعول «لنُحْضرنَّهُمْ» . و «جِثِيًّا» جمع جاثٍ جمع على فعول، نحو قَاعد وقُعُود، وجَالس وجُلوس، وفي لامه لغتان: أحدهما: الواو. والأخرى: الياء. يقال: جَثَا يَجْثُو جُثُوًّا، وجَثَا يَجْثِي جِثِيًّا. فعلى التقدير الأول: يكون أصله جُثُوو. بواوين الأولى زائدة علامة للجمع والثانية لام الكلمة، ثم أعلت إعلال عِصِيّ ودليّ، وتقدم تحقيقه في «عِتيًّا» . وعلى الثاني يكون الأصل: جُثُوياً، فأعل إعلال هيِّن وميِّت. وعن ابن عباس: أنه بمعنى جماعات جماعات، جمع جثْوة، وهوالمجموع من التراب والحجارة، وفي صحته عنه نظر من حيث إنَّ فعلهُ لا يجمع على فعول. ويجوز في «جِثِيًّا» أن يكون مصدراً على فعول، وأصله كما تقدم في حال كونه جمعاً، إمَّا جُثُوو، وإمَّا جُثُوي. وقد تقدم أنَّ الأخوين يكسران فاءه، والباقون يضمونها. والجثوّ: القعود على الركب. قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: ليخرجن من كل أمة وأهل دين من الكفار والشيعة فعلة كفرقة: ومنه الطائفة التي شاعت، أي: تبعت غاوياً من الغواة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 159] . والمعنى: أنه - تعالى - يحضرهم أولاً حول جهنم، ثم يميز البعض من البعض، فمن كان منهم أشد تمرداً في كفره خص بعذاب عظيم، لأنَّ عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعاً لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد، ومعنى الآية: أنه ينزع من كل فرقة من كان أشد عتياًّ وتمرداً ليعلم أنَّ عذابه أشد وفائدة هذا التمييز التخصيص «بشدة العذاب لا التخصيص» بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ ولا يقال: «أوْلَى» إلا مع اشتراكهم في العذاب. قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ فيه أقوال كثيرة، أظهرها عند جمهور المعربين، وهو مذهب سيبويه: أنَّ «أيُّهُمْ» موصولة بمعنى «الذي» ، وأنَّ حركتها حركة بناء، بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر. و «أشَدُّ» خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلة ل «أيُّهُمْ» ، و «أيُّّهُمْ» وصلتها في محل نصب مفعولاً بها بقوله: «لنَنْزِعَنَّ» . ول «أيّ» أحوال الأربعة: إحداها تبني فيها، وهي كما في هذه الآية أن تضاف ويحذف صدر صلتها، ومثله قول الآخر: 3616 - إذَا ما أتَيْتَ بَنِي مَالِكٍ ... فَسَلِّمْ عَلَى أيُّهثمْ أفْضَلُ بضم «أيُّهُمْ» . وتفاصيلها مقررة في كتب النحو. وزعم الخليل - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ «أيُّهُمْ» هنا مبتدأ، و «أشدُّ» خبره، وهس استفهامية، والجملة محكية بالقول مقدراً، والتقدير: لنَنْزِعَنَّ من كُل شيعةٍ المقول فيهم أيُّهُم. وقوى الخليل تخريجه بقول الشاعر: 3617 - ولقَدْ أبِيتُ مِنَ الفتاةِ بِمَنْزِلٍ ... فأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُوم قال: فأبيتُ يقالُ فيَّ: لا حرجٌ ولا محْرُوم. وذهب يونس إلى أنَّها استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبرها كقول الخليل إلاَّ أنَّه زعم أنها متعلقة ل «نَنْزِعَنَّ» ، فهي في محل نصب، لأنَّه يجوز التعليق في سائر الفعال، ولا يخصه «بأفعال القلوب كما يخصه» بها الجمهور. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون النزع واقعاً على ﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ كقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا﴾ [مريم: 50] ، أي: لننزعنَّ بعض كل شيعة، فكأنَّ قائلاً قال: مَنْ هُمْ؟ فقيل: أيهم أشدّ عِتِيًّا. فجعل «أيُّهُمْ» موصولة أيضاً، ولكن هي في قوله خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين هم أشد. قال أبو حيان: وهذا تكلف ما لا حاجة إليه، وادعاء إضمار غير محتاج إليه، وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين. وحكى أبو البقاء عن الأخفش والكسائي أن مفعول «نَنْزعنَّ» : «مِنْ كُلِّ شيعةٍ» و «مِنْ» مزيدة، قال: وهما يجيزان زيادة «مِنْ» «في الواجب» ، و «أيُّهُم» استفهام أي: لنَنْزِعَنَّ كُلَّ شيعةٍ. وهذا مخالف في المعنى تخريج الجمهور، فإنَّ تخريجهم يؤدي إلى التبعيض، وهذا يؤدي إلى العموم، إلاَّ أن يجعل «مِنْ» لابتداء الغاية لا للتبعيض فيتفق التخريجان، وذهب الكسائي إلى أنَّ معنى «لنَنْزِعَنَّ» لنُنَادِينَّ، فعومل معاملته، فلم يعمل في «أيّ» . قال المهدوي: «ونادى» يعلق إذا كان بعده جملة نصب، فيعمل في المعنى ولا يعمل في اللفظ. وقال المبرد: «أيُّهُمْ» متعلق ب «شيعةٍ» فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تسايعوا أيهم أشد، كأنهم يتبادرون إلى هذا. «ويلزمه على هذا» أن يقدر مفعولاً ل «ننزعنَّ» محذوفاً وقدر بعضهم في قول المبرد: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم. قال النحاس وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي تشايعوا بمعنى تعاونوا قال شهاب الدين: وفي هذه العبارة المنسوبة للمبرد قلق، ولا بيَّن الناقل عنه وجه الرفع عن ماذا يكون، وبيَّنه أبو البقاء، لكن جعل «أيهم» فاعلاً لما تضمنه «شِيعَةٍ» «من معنى الفعل، قال: التقدير: لننزعن من كل» فريق يشيع أيهم. وهي على هذا بمعنى «الذي» ونقل الكوفيون أنَّ «أيُّهُم» في الآية بمعنى الشرط، والتقدير: إن اشتدَّ عتوهم أو لم يشتد، كما تقول: ضرب القوم أيهم غضب. المعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا. وقرأ طلحة بن مصرِّف «ومعاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء، وزائدة» عن الأعمش «أيُّهُمْ» نصباً. فعلى هذه القراءة والتي قبلها ينبغي أن يكون مذهب سيبويه جواز إعرابها وبنائها، وهو المشهور عند النقلة عنه، «وقد نقل عنه» أنَّه يحتم بناءها. قال النحاس: ما علمتُ أحداً من النحويين إلاَّ وقد خطَّأ سيبويه، «قال: وسمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: ما يبين لي أنَّ سيبويه» غلط في كتابه إلاَّ في موضعين هذا أحدهما. قال: وقد أعرب سيبويه «أيًّا» وهي مفردة، لأنَّها تضاف فكيف يبينها مضافة. وقال الجرميّ: خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحداً يقول: لأضربن أيهم قائم، بالضم بل ينصب. قوله: «على الرَّحمنِ» متعلق ب «أشَدُّ» ، و «عِتِيًّا» منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ، «إذ التقدير» : أيُّهُم هو عتوه أشد. ولا بدَّ من محذوف يتم به الكلام، التقدير: فيلقيه في العذاب، أو فنبدأ بعذابه. قال الزمخشري: فإن قلت: بم يتعلق «عَلَى» ، و «البَاء» ، فإن تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه. قلتُ: هما للبيان لا للصلة، أو يتعلقان بأفعل، أي: عتوهم أشد على الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم: هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا. يعني ب «عَلَى» قوله:: على الرَّحمنِ «، وب» الباء «قوله:» بالَّذِينَ هُمْ «وقوله: بالمصدرين. يعني بهما» عتِيًّا «و» صِلِيًّا» . «وأما كونه لا سبيل إليه» ، فلأن المصدر في نية الموصول، ولا يتقدم معمول الموصول عليه» وجوَّز بعضهم «أن يكون» عِتِيًّا» ، و «صليًّا» في هذه الآية مصدرين كما تقدم وجوَّز أن يكون جمع عاتٍ وصالٍ فانتصابهما على هذا الحال. وعلى هذا يجوز أن يتعلق» عَلَى «و» الباء» بهما لزوال المحذوف المذكور. قال المفسرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ أي أحق بدخول النار. يقال: صَلِيَ يَصْلَى صُليًّا مثل لَقِيَ يَلْقَى لُقْيًّا، وصَلَى يَصْلِي صُليًّا مثل مَضَى يَمْضِي مُضيًّا، إذا دخل النار، وقَاسَى حرَّها. قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الآية. الواو في «وإنْ» فيها وجهان: أحدهما: أنها عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها. وقال ابن عطية: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحله القسم «وأراد بالقسم قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ . قال أبو حيان:» وذهل عن» قول النحويين: إنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو ب «إنَّ» ، والجواب هنا على زعمه ب» إنْ «النافية، فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا. وقوله: والواو تقتضيه. يدلُّ على أنها عنده واو القسم، ولا يذهب نَحْوِي إلى أنَّ مثل هذه الواو واو القسم، لأنَّهُ يلزم عن ذلك حذف المجرور وإبقاء الجاء، ولا يجوز بذلك إلا أن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه، كما أولوا في قولهم: نِعْمَ السًّيْرُ على بِئْسَ العيرُ. أي: على عير بئس العير، وقول الشاعر: 3618 - واللهِ مَا لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُهْ ... أي: بِلَيْل نام صاحبه، وهذه الآية ليست من هذا الضرب، إذ لم يحذف المقسم» به» وقامت صفته مقامه. و «إنْ» حرف نفي، «و» مِنْكُم «صفة لمحذوف تقديره: وإن أحد منكم» ويجوز أن يكون التقدير: وإن منكم إلاَّ من هو واردها وقد تقدم لذلك نظائر. والخطاب في قوله:: مِنْكُمْ «يحتمل الالتفات وعدمه. قال الزمخشري: التفات إلى الإنسان، ويعضده قراءة ابن مسعود وعكرمة،» وإنْ مِنْهُمْ «أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور. والحَتْمُ: القضاءُ، والوجوب حَتْم، أي: أوجبه حتماص، ثم يطلق الحتم على الأمر المحتوم كقوله تعالى: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: 11] ، وهذا درهمٌ ضرب الأمير. و» على ربِّك» متعلق ب «حَتْم» ، لأنَّه في معنى اسم المفعول ولذلك وصفه ب «مَقْضِيًّا» . فصل المعنى: وما منكم إلا واردها، والورود هو موافاة المكان. وقيل القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها. واختلفوا في معنى الورود هنا فقال ابن عباس والأكثرون: الورود ههنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى النار، وقالوا: يدخلها البر والفاجر، ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها، ويدلُّ على أنَّ الورود هو الدخول قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ [هود: 98] . روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنَّ نافع بن الأزرق مارى ابن عباس في الورود فقال ابن عباس: هو الدخول. وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلى ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنا وأنت سنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله، وما أرى أن يخرجك منها بتكذيبك. ويدلُّ عليه أيضاً قوله تعالى «ثُمَّ نُنَجِّي الذينَ اتَّقَوْا» ، أي: ننجي من الواردين من اتقى، ولا يجوز أن يقول» ثُمَّ نُنجي الذين اتقول ونذر الظالمين فيها جثياً «إلاَّ والكل واردون. والأخبار المروية دل على هذا القول، وهو ما «روي عن عبد الله بن رواحة قال: أخبر الله تعالى عن الورود ولم يخبر بالصد، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» يا ابن رواحة «اقرأ ما بعدها» ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا «فدلَّ على أنَّ ابن رواحة فهم من الورود الدخول، ولم ينكر عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك وعن جابر أنَّه سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» الورودُ الدخولُ، ولا يبقى بردٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، حتى إن للنار ضجيجاً من بردها» . وقيل: المراد من تقدم ذكره من الكفار، فكنى عنهم أولاً كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة. قالوا: ولا يجوز أن يدخل الناء مؤمن أبداً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها، ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها. وقوله: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] . والمراد في قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الحضور والرؤية لا الدخول، كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 23] أراد به الحضور. وقال عكرمة: الآية في الكفار يدخلونها ولا يخرجون منها. وقال ابن مسعود: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ يعني القيامة والكناية راجعة إليها. وقال البغوي: والأول أصح، وعليه أهل السنة أنهم جميعاً يدخلون النار، ثم يخرج الله منها أهل الإيمان، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾ أي: الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه. قوله: ﴿كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ أي: كان ورودكم جهنم حتماً لازماً مقضياً قضاه الله عليكم. قوله: «ثُمَّ نُنَجِّي» . قرأ العامة: ثُمَّ نُنَجِّي» بضم «ثُمَّ» على أنَّها العاطفة. وقرأ علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وابن مسعود، وابن عباس، وأبي، والجحدري ويعقوب «ثَمَّ» بفتحها على أنَّها الظرفية، ويكون منصوباً بما بعده، أي: هُناك نُنَجِّي الذين اتََّقَوا. وقرأ الجمهور «نُنَجِّي» بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم من نجَّى مضعفاً. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن «نُنَجِي» من أنْجَى. والفعل على هاتين القراءتين مضارع. وقرأت فرقة «نُجِّي» بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وهو على هذه القراءة ماض مبني للمفعول، وكان من حق قارئها أن يفتح الياء، ولكنه سكنه تخفيفاً. وتحتمل هذه القراءة توجيهاً آخر سيأتي في قراءة متواترة في آخر سورة الأنبياء. وقرأ علي بن أبي طالب - أيضاً - «نُنَحِّي» بحاء مهملة من التنحية. ومفعول «اتَّقَوْا» محذوف مراد للعلم به، أي: اتقوا الشرك والظلم. قوله: «جِثِيًّا» إمَّا مفعول ثان إن كان «نَذَرُ» يتعدى لاثنين بمعنى أن «نترك ونصير» . وإمَّا حال إن جعلت «نَذَرُ» بمعنى نخليهم. و «جَثِيًّا» على ما تقدم. و «فيها» يجوز أن يتعلق ب «نَذَرُ» ، وأن يتعلق ب «جِثِيًّا» إن كان حالاً ولا يجوز ذلك فيه إن كان مصدراً، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «جِثِيًّا» ، لأنه في الأصل صفة لنكرة قدم عليها فنصب حالاً. فصل اختلفوا في أنَّه كيف يندفع عن المتقين ضرر النار إذا ورودها بأنَّ القول هو الدخول. فقيل: «البقعة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، وإذا كان كذلك لا يمتنع» أن يدخل الكل في جهنم، ويكون المؤمنون في تلك المواضع الخالية عن النار والكفار في وسط النار، وعن جابر أنَِّ رسول الله صلى الله عيله وسلم قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول بعضهم لبعض: أليس ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: قد دخلتموها وهي خامدة» . وقيل: إنَّ الله - تعالى - يخمد النار فيعبرها المؤمنون، وتنهار بالكافرين. قال ابن عباس: يردونها كأنَّها إهالة. وقيل: إنَّ الله - تعالى - يجعل النار الملاصقة لأبدان المؤمنين برداً وسلاماً كما جاء في الحديث المتقدم، وكما في حق إبراهيم - عليه السلام -، وكما في حق الكوز الواحد من الماء يشربه القبطي فيكون دماً، ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء عذباً، وفي الحديث: «تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» وعن مجاهد في قوله تعالى « ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قال: من حُمَّ من المسلمين فقد وردها. وفي الخبر» الحمى كنز من جهنم، وهي حظ المؤمن من النار «واعلم أنه لا بُدَّ من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين. فإن قيل: إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم فما الفائدة في ذلك الدخول؟ فالجواب: أنَّ ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه. وأيضاً: فيه مزيد غم على أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إيله وأيضاً: إن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فيزداد غم الكفار وسرور المؤمنين. وأيضاً: فإن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر والنشر، ويستدلون على ذلك، فما كانوا يقبلون تلك الدلائل، فإذا دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوه، وأنَّ المكذِّبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين. وأيضاً: إنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة على ما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.

مريم 19:65

قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. قال ابن عطية: الواو عاطفة جملة كلام على أخرى، واصلة بين القولين، وإن لم يكن معناهما واحداً. وقد أغرب النقاش في حكاية قول: وهو أن قوله: «وما نَتَنَزَّلُ» متصل بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ﴾ [مريم: 19] . وقال أبو البقاء: «وما نَتَنَزَّلُ» أي: وتقول الملائكة. فجعله معمولاً لقول مضمر. وقيل: هو من كلام أهل الجنة. وهو أقرب مما قبله. و «نَتَنَزَّلُ» مطاوع نزَّل - بالتشديد - ويقتضي العمل في مهلة وقد لا يقتضيها. قال الزمخشري: التنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق، كقوله: 3612 - فَلَسْتُ لإنْسِيّ ولكن لملأكٍ ... تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّمَاءِ يصُوبُ لأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، ويكون بمعنى التدرج، واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل، والمراد: أن نزولنا في الأحايين وقتاً بعد وقت. ثال شهاب الدين: وقد تقدم أنه يفرق بين نزَّل وأنزل في أول هذا الموضوع. وقرأ العامة «نَتَنَزَّلُ» بنون الجمع. وقرأ الأعرج «يتنزَّلُ» بياء الغيبة، وفي الفاعل حينئذ قولان: أحدهما: أنه ضمير جبريل - عليه السلام -. قال ابن عطية: ويرده قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ ، لأنه لا يطرد معه، وإنما يتجه أن يكون خبراً عن جبريل أي: القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها. وقد يجاب ابن عطية بأنه على إضمار القول، أي: قائلاً ما بين أيدينا. والثاني: أنه يعود على الوحي، وكذا قال الزمخشري على الحكاية عن جبريل، والضمير للوحي. ولا بد من إضمار هذا القول أيضاً. قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ . استدل بعض النحاة على أن الأزمنة ثلاثة: ماض، وحاضر، ومستقبل بهذه الآية وهو كقول زهير: 3613 - واعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ... ولكِنَّنِي عن عِلْمِ ما فِي غدٍ عَمِ فصل روى ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يا جبريل ما منعك أن تزورنا» فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. وقال عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل، والكلبي: «احتبس جبريل - عليه السلام - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سأل قومه عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح فقال:» أخبركم غداً «، ولم يقل: إن شاء الله حتى شق على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال المشركون ودَّعهُ ربه وقلاه، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت إليك «فقال له جبريل - عليه السلام - إني كنت إليك أشوق، ولكنني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست» فنزل قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ﴾ [الكهف: 23، 24] وسورة الضحى وفي هذه الآية سؤال: وهو أن قوله: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم: 63] كلام الله، وقوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ كلام غير الله، فكيف جاز هذا على ما قبله من غير فصل؟ . وأجيب: بأنه إذا كانت القرينة لم يقبح كقوله - تعالى -: ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35] ، (وهذا كلام الله تعالى، ثم عطف عليه) ﴿وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ [مريم: 36] . واعلم أنَّ ظاهر قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ خطاب جماعة لواحد، وذلك لا يليق بالذين ينزلون على الرسول، فلذلك ذكروا في سبب النزول ما تقدم. ثم قال: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي: علم ما بين أيدينا قال سعيد بن جبير وقتادة، ومقاتل: «ما بَيْنَ» أيدِينَا «من أمر الآخرة، والثواب والعقاب،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «ما يكون في هذا الوقت إلى قيام الساعة. وقيل:» مَا بَيْنَ أيْدِينَا «من أمر الآخرة،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «أي: بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وقيل:» مَا بَيْنَ أدينَا «ما بقي من أمر الدنيا،» ومَا خَلْفَنَا «ما مضى منها،» ومَا بَيْنَ ذَلِكَ «هذه حياتنا. وقيل:: مَا بَيْنَ أيْدِينَا» بعد أن نموت، «ومَا بَيْن ذلكَ» مدة الحياة. وقيل: «مَا بَيْنَ أيدِينَا» الأرض إذا أردنا النزول إليها، «ومَا خَلْفَنَا» السماء وما أنزل منها، «ومَا بَيْنَ ذلِكَ» الهواء، يريد أن ذلك كله لله - عَزَّ وَجَلَّ - فلا يقدر على شيء إلاَّ بأمره. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي: ناسياً، أي: ما نسيك ربك بمعنى تركك، والناسي التارك، كقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ [الضحى: 3] أي: ما كان امتناع النزول لترك الله لك وتوديعه إياك. قوله: ﴿رَّبُّ السماوات﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من «ربُّكَ» . الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو ربُّ. الثالث: كونه مبتدأ والخبر الجملة الأمرية بعده. وهذا ماشٍ رأي الأخفش، إذ يجوِّز زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً. قوله: «لِعبادَتِهِ» متعلق ب «اصْطَبَرْ» فإن قيل: لِمَ لَمْ يقُلْ: واصطبر على عبادته، لأنها صلته، فكان حقه تعديه ب «على» ؟ . فالجواب: أنَّه ضمن معنى الثبات، لأنَّ العبادة ذات تكاليف قل من يصبر لها، فكأنَّه قيل: واثبت لها مصطبرا. واستدلوا بهذه الآية على أنَّ فعل العبد خلق لله - تعالى -، لأنَّ فعل العبدِ حاصل بين السموات والأرض، وهو رب لكل شيء حاصل بينهما. قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أدغم الأخوان، وهشام، وجماع لام «هَلْ» في «التاء» . وأنشدوا على ذلك بيت مُزَاحِم العُقيليّ: 3614 - فَذَرْ ذَا ولكِن هَتُّعِينُ مُتَيَّماً ... عَلى ضَوْءِ برْقِ آخِرِ اللَّيْلِ نَاصِبِ فصل دلَّ ظاهر الآية على أنَّه - تعالى - رتب الأمر بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سميّ له، والأقرب أنه ذكر الاسم وأراد هل تعلم له نظيراً فيما يقتضي العبادة والتي يقتضيها كونه منعماً بأصول (النعم وفروعها، وهي خلق الأجسام، والحياة والعقل، وغيرها، فإنه لا يقدر على ذلك) أحد سواه - سبحانه وتعالى - وإذا كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام، وجب أن تعظمه بغاية التعظيم، وهي العبادة. قال ابن عباس: هل تعلم له مثلاً. وقال الكلبي: ليس له شريك في اسمه. وذلك لأنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله - تعالى - على شيء. قال ابن عباس: لا يسمة بالرحمن غيره. وأيضاً: هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل، لأنَّ التسمية على الباطل كلا تسمية، لأنها غير معتد بها، والقول الأول أقرب. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ الآية. «إذَا» منصوب بفعل مقدر مدلول عليه بقوله تعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ﴾ ، تقديره: إذا مت أبعث أو أحياً، ولا يجوز أن يكون العامل فيه «أخْرَجُ» لانَّ ما بعد لام الابتداء لا يعمل ما قبلها قال أبو البقاء: لأن ما بعد اللام وسوف لا يعمل فيما قبلها ك «إنَّ» قال شعاب الدين: قد جعل المانع مجموع الحرفين، أما اللام فمسلم وأما حرف التنفيس فلا مدخل له في المنع، لأن حرف التنفيس يعمل كا بعده فيما قبله، تقول: زَيْداً سأضَرِبُ وسوف أضرب، ولكن فيه خلاف ضعيف، والصحيح الجواز، وأنشدوا عليه: 3615 - فَلَمَّا رَأتْهُ آمَناً هَانَ وجْدُهَا ... وقَالَتْ أبُونَا سَوْفَ يَفْعَلُ ف «هَكَذَا» منصوب ب «يَفْعَلُ» بعد (حرف التنفيس) ، (وقال ابن عطية) : واللام في قوله: «لَسَوْفَ» مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى، كأن قائلاً قال للكافر: (إذا متُّ) يا فلان لسوف تخرج حيًّا، فقرر الكلام على الكلام على جهة الاستبعاد، وكرر اللام حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية لكلام تقدم بل هو من كلام الكافر، وهو استفهام فيه معنى الجحد والاستبعاد. وقال الزمخشري: فإن قيل: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلتُ: لم تجامعها إلاَّ مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض، واضْمَحَلَّ عنها معنى التعريف. قال أبو حيان: وما ذكر من أن اللام تعطي «معنى» الحال مخالف فيه، فعلى مذهب من لا يرى ذلك يسقط السؤال، وأما قوله: كما أخلصت الهمزة. فليس ذلك إلاَّ على مذهب من يزعم أن أصله: إله، وأما من يزعم أن أصله: لاه. فلا تكون الهمزة فيه للتعويض «إذْ لم يحذف منه شيء، ولو قلنا: إنَّ أصله إله، وحذفت فاء الكلمة لم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض» ، إذ لو كانت عوضاً من المحذوف لثبتت دائماً في النداء وغيره، ولما جاز حذفها في النداء، قالوا: يا الله بحذفها، وقد نصوا على أن «قطع» همزة الوصل في النداء شاذ. وقرأ الجمهور: «أءِذَا» بالاستفهام، وهو استبعاد كما تقدم. وقرأ أبو ذكوان بخلاف عنه، وجماعة «إذَا» بهمزة واحدة على الخبر أو الاستفهام وحذف أداته للعلم بها، ولدلالة القراءة الأخرى عليها. وقرأ طلحة بن مصرِّف «لسَأخرجُ» بالسين دون سوف. هذا نقل الزمخشري عنه. وغيره نقل «سَأخْرَجُ» دون لام الابتداء، وعلى هذه القراءة يكون العامل في الظرف نفس «أخْرَجُ» ، ولا يمنع حرف التنفيس على الصحيح. وقرأ العامة «أخْرَجُ» مبنياً للمفعول. والحسن، وأبو حيوة «أخْرُجُ» مبنياً للفاعل. و «حيًّا» حال مؤكدة، لأنَّ من لازم خروجه أن يكون حيًّا، وهو كقوله: ﴿أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم: 33] . فصل لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها، فكأنَّ سائلاً سأل وقال: هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا، وأمَّا في الاخرة فقد أنكرها قوم، فلا بُدَّ من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى تظهر فائدة الاشتغال بالعيادة، فلهذا حكى الله - تعالى - قول منكري الحشر، فقال: ﴿وَيَقُولُ الإنسان﴾ الآية: قالوا ذلك على سبيل افنكار والاستبعاد وذكروا في الإنسان وجهين: أحدها: أن يكون المراد الجنس كقوله: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ [الإنسان: 1] . فإن قيل: كلهم غير قائلين بذلك، فكيف يصح هذا القول؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ هذه المقولة لمَّا كانت موجودة في جنسهم صحَّ اسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناًَ، وإنما القاتل رجل منهم. الثاني: أنَّ هذا الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلاَّ أنَّ بعضهم تركه للدلالة القاطعة على صحة القول به. القول الثاني: أنَّ المراد بالإنسان شخص معين، فقيل: أبيُّ بن خلف الجمحي. وقيل: أبو جهل. وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث. ثم إن الله - تعالى - أقام للدلالة على صحة البعث فقال: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ﴾ الآية قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وجماعة: «يَذْكُرُ» مضارع ذكر. والباقون بالتشديد مضارع تذكَّر. والأصل: يتذكر، فأدغمت التاء في الذال. وقد قرأ بهذا الأصل وهو «يتذكَّر» أبيٌّ. والهمزة في قوله: «أو لا يذكُرُ مؤخرة على حرف العطف تقديراً كما هو قول الجمهور وقد رجع الزمخشري إلى قول الجمهور هنا فقال: الواو عطفت» لا يذكُرُ «على» يَقُولُ «ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف» عليه «وحرف العطف. ومذهبه: أن يقدر بين حرف العطف وهمزة الاستفهام جملة يعطف عليها ما بعدها. وقد فعل هذا أعني الرجوع إلى قول الجمهور في سورة الأعراف كما نبَّه عليه في موضعه. قوله:» مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل بعضه، وقدره الزمخشري: من قبل الحالة التي هو فيها، «وهي حالة» بقائه. فصل قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا شك أنَّ اعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً، ونظيره قوله تعالى ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] واحتجوا بهذه الآية على أنَّ المعدوم ليس بشيء، وهو ضعيف؛ لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض، وهذا المجموع ما كان شيئاً، ولكن لم قلت: إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئاً قبل كونه موجوداً فإن قيل: كيف أمر الله - تعالى - الإنسان بالتذكر مع أنَّ التذكر هو العلم بما علمه من قبل ثم تخللهما سهو؟ . فالجواب: المراد أو لا يتفكر فيعلم خصوصاً إذا قرئ «أو لا يذَّكَّرُ» مشدداً، أما إذا قرئ «أو لا يذكُرُ» مخففاً، فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأنَّ كل أحد يعلم أنه لم يكن حيًّا في الدنيا ثم صار حيًّا. ثم إنه تعالى لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتشديد فقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين﴾ أي: لنجمعنهم في المعاد، يعني المشركين المنكرين للبعث مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة. وفائدة القسم أمران: أحدهما: أنَّ العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين. والثاني: أنَّ في قسام الله - تعالى - باسمه مضافاً إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رفعاً منه لشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: 23] . والواو في «والشَّياطين» يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى «مع» وهي بمعنى «مع» أوقع. والمعنى، أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغروهم. ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ أي: نحضرهم على أذل صورة لقوله: «جِثِيًّا» لأنَّ البارك على ركبتيه صورته الذليل، أو صورة العاجز. فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل لقوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: 28] ، ولأنَّ العادة جارية بأنَّ الناس في مواقف مطالبات الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من القلق، أة لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم وإذا كان حاصلاً للكل، فكيف يدل على مزيد ذل الكفار. فالجواب: لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه الحال، وذلك يوجب مزيد ذلهم. قوله: «جِثِيًّا» حال مقدرة من مفعول «لنُحْضرنَّهُمْ» . و «جِثِيًّا» جمع جاثٍ جمع على فعول، نحو قَاعد وقُعُود، وجَالس وجُلوس، وفي لامه لغتان: أحدهما: الواو. والأخرى: الياء. يقال: جَثَا يَجْثُو جُثُوًّا، وجَثَا يَجْثِي جِثِيًّا. فعلى التقدير الأول: يكون أصله جُثُوو. بواوين الأولى زائدة علامة للجمع والثانية لام الكلمة، ثم أعلت إعلال عِصِيّ ودليّ، وتقدم تحقيقه في «عِتيًّا» . وعلى الثاني يكون الأصل: جُثُوياً، فأعل إعلال هيِّن وميِّت. وعن ابن عباس: أنه بمعنى جماعات جماعات، جمع جثْوة، وهوالمجموع من التراب والحجارة، وفي صحته عنه نظر من حيث إنَّ فعلهُ لا يجمع على فعول. ويجوز في «جِثِيًّا» أن يكون مصدراً على فعول، وأصله كما تقدم في حال كونه جمعاً، إمَّا جُثُوو، وإمَّا جُثُوي. وقد تقدم أنَّ الأخوين يكسران فاءه، والباقون يضمونها. والجثوّ: القعود على الركب. قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: ليخرجن من كل أمة وأهل دين من الكفار والشيعة فعلة كفرقة: ومنه الطائفة التي شاعت، أي: تبعت غاوياً من الغواة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 159] . والمعنى: أنه - تعالى - يحضرهم أولاً حول جهنم، ثم يميز البعض من البعض، فمن كان منهم أشد تمرداً في كفره خص بعذاب عظيم، لأنَّ عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعاً لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد، ومعنى الآية: أنه ينزع من كل فرقة من كان أشد عتياًّ وتمرداً ليعلم أنَّ عذابه أشد وفائدة هذا التمييز التخصيص «بشدة العذاب لا التخصيص» بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ ولا يقال: «أوْلَى» إلا مع اشتراكهم في العذاب. قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ فيه أقوال كثيرة، أظهرها عند جمهور المعربين، وهو مذهب سيبويه: أنَّ «أيُّهُمْ» موصولة بمعنى «الذي» ، وأنَّ حركتها حركة بناء، بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر. و «أشَدُّ» خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلة ل «أيُّهُمْ» ، و «أيُّّهُمْ» وصلتها في محل نصب مفعولاً بها بقوله: «لنَنْزِعَنَّ» . ول «أيّ» أحوال الأربعة: إحداها تبني فيها، وهي كما في هذه الآية أن تضاف ويحذف صدر صلتها، ومثله قول الآخر: 3616 - إذَا ما أتَيْتَ بَنِي مَالِكٍ ... فَسَلِّمْ عَلَى أيُّهثمْ أفْضَلُ بضم «أيُّهُمْ» . وتفاصيلها مقررة في كتب النحو. وزعم الخليل - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ «أيُّهُمْ» هنا مبتدأ، و «أشدُّ» خبره، وهس استفهامية، والجملة محكية بالقول مقدراً، والتقدير: لنَنْزِعَنَّ من كُل شيعةٍ المقول فيهم أيُّهُم. وقوى الخليل تخريجه بقول الشاعر: 3617 - ولقَدْ أبِيتُ مِنَ الفتاةِ بِمَنْزِلٍ ... فأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُوم قال: فأبيتُ يقالُ فيَّ: لا حرجٌ ولا محْرُوم. وذهب يونس إلى أنَّها استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبرها كقول الخليل إلاَّ أنَّه زعم أنها متعلقة ل «نَنْزِعَنَّ» ، فهي في محل نصب، لأنَّه يجوز التعليق في سائر الفعال، ولا يخصه «بأفعال القلوب كما يخصه» بها الجمهور. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون النزع واقعاً على ﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ كقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا﴾ [مريم: 50] ، أي: لننزعنَّ بعض كل شيعة، فكأنَّ قائلاً قال: مَنْ هُمْ؟ فقيل: أيهم أشدّ عِتِيًّا. فجعل «أيُّهُمْ» موصولة أيضاً، ولكن هي في قوله خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين هم أشد. قال أبو حيان: وهذا تكلف ما لا حاجة إليه، وادعاء إضمار غير محتاج إليه، وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين. وحكى أبو البقاء عن الأخفش والكسائي أن مفعول «نَنْزعنَّ» : «مِنْ كُلِّ شيعةٍ» و «مِنْ» مزيدة، قال: وهما يجيزان زيادة «مِنْ» «في الواجب» ، و «أيُّهُم» استفهام أي: لنَنْزِعَنَّ كُلَّ شيعةٍ. وهذا مخالف في المعنى تخريج الجمهور، فإنَّ تخريجهم يؤدي إلى التبعيض، وهذا يؤدي إلى العموم، إلاَّ أن يجعل «مِنْ» لابتداء الغاية لا للتبعيض فيتفق التخريجان، وذهب الكسائي إلى أنَّ معنى «لنَنْزِعَنَّ» لنُنَادِينَّ، فعومل معاملته، فلم يعمل في «أيّ» . قال المهدوي: «ونادى» يعلق إذا كان بعده جملة نصب، فيعمل في المعنى ولا يعمل في اللفظ. وقال المبرد: «أيُّهُمْ» متعلق ب «شيعةٍ» فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تسايعوا أيهم أشد، كأنهم يتبادرون إلى هذا. «ويلزمه على هذا» أن يقدر مفعولاً ل «ننزعنَّ» محذوفاً وقدر بعضهم في قول المبرد: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم. قال النحاس وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي تشايعوا بمعنى تعاونوا قال شهاب الدين: وفي هذه العبارة المنسوبة للمبرد قلق، ولا بيَّن الناقل عنه وجه الرفع عن ماذا يكون، وبيَّنه أبو البقاء، لكن جعل «أيهم» فاعلاً لما تضمنه «شِيعَةٍ» «من معنى الفعل، قال: التقدير: لننزعن من كل» فريق يشيع أيهم. وهي على هذا بمعنى «الذي» ونقل الكوفيون أنَّ «أيُّهُم» في الآية بمعنى الشرط، والتقدير: إن اشتدَّ عتوهم أو لم يشتد، كما تقول: ضرب القوم أيهم غضب. المعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا. وقرأ طلحة بن مصرِّف «ومعاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء، وزائدة» عن الأعمش «أيُّهُمْ» نصباً. فعلى هذه القراءة والتي قبلها ينبغي أن يكون مذهب سيبويه جواز إعرابها وبنائها، وهو المشهور عند النقلة عنه، «وقد نقل عنه» أنَّه يحتم بناءها. قال النحاس: ما علمتُ أحداً من النحويين إلاَّ وقد خطَّأ سيبويه، «قال: وسمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: ما يبين لي أنَّ سيبويه» غلط في كتابه إلاَّ في موضعين هذا أحدهما. قال: وقد أعرب سيبويه «أيًّا» وهي مفردة، لأنَّها تضاف فكيف يبينها مضافة. وقال الجرميّ: خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحداً يقول: لأضربن أيهم قائم، بالضم بل ينصب. قوله: «على الرَّحمنِ» متعلق ب «أشَدُّ» ، و «عِتِيًّا» منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ، «إذ التقدير» : أيُّهُم هو عتوه أشد. ولا بدَّ من محذوف يتم به الكلام، التقدير: فيلقيه في العذاب، أو فنبدأ بعذابه. قال الزمخشري: فإن قلت: بم يتعلق «عَلَى» ، و «البَاء» ، فإن تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه. قلتُ: هما للبيان لا للصلة، أو يتعلقان بأفعل، أي: عتوهم أشد على الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم: هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا. يعني ب «عَلَى» قوله:: على الرَّحمنِ «، وب» الباء «قوله:» بالَّذِينَ هُمْ «وقوله: بالمصدرين. يعني بهما» عتِيًّا «و» صِلِيًّا» . «وأما كونه لا سبيل إليه» ، فلأن المصدر في نية الموصول، ولا يتقدم معمول الموصول عليه» وجوَّز بعضهم «أن يكون» عِتِيًّا» ، و «صليًّا» في هذه الآية مصدرين كما تقدم وجوَّز أن يكون جمع عاتٍ وصالٍ فانتصابهما على هذا الحال. وعلى هذا يجوز أن يتعلق» عَلَى «و» الباء» بهما لزوال المحذوف المذكور. قال المفسرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ أي أحق بدخول النار. يقال: صَلِيَ يَصْلَى صُليًّا مثل لَقِيَ يَلْقَى لُقْيًّا، وصَلَى يَصْلِي صُليًّا مثل مَضَى يَمْضِي مُضيًّا، إذا دخل النار، وقَاسَى حرَّها. قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الآية. الواو في «وإنْ» فيها وجهان: أحدهما: أنها عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها. وقال ابن عطية: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحله القسم «وأراد بالقسم قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ . قال أبو حيان:» وذهل عن» قول النحويين: إنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو ب «إنَّ» ، والجواب هنا على زعمه ب» إنْ «النافية، فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا. وقوله: والواو تقتضيه. يدلُّ على أنها عنده واو القسم، ولا يذهب نَحْوِي إلى أنَّ مثل هذه الواو واو القسم، لأنَّهُ يلزم عن ذلك حذف المجرور وإبقاء الجاء، ولا يجوز بذلك إلا أن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه، كما أولوا في قولهم: نِعْمَ السًّيْرُ على بِئْسَ العيرُ. أي: على عير بئس العير، وقول الشاعر: 3618 - واللهِ مَا لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُهْ ... أي: بِلَيْل نام صاحبه، وهذه الآية ليست من هذا الضرب، إذ لم يحذف المقسم» به» وقامت صفته مقامه. و «إنْ» حرف نفي، «و» مِنْكُم «صفة لمحذوف تقديره: وإن أحد منكم» ويجوز أن يكون التقدير: وإن منكم إلاَّ من هو واردها وقد تقدم لذلك نظائر. والخطاب في قوله:: مِنْكُمْ «يحتمل الالتفات وعدمه. قال الزمخشري: التفات إلى الإنسان، ويعضده قراءة ابن مسعود وعكرمة،» وإنْ مِنْهُمْ «أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور. والحَتْمُ: القضاءُ، والوجوب حَتْم، أي: أوجبه حتماص، ثم يطلق الحتم على الأمر المحتوم كقوله تعالى: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: 11] ، وهذا درهمٌ ضرب الأمير. و» على ربِّك» متعلق ب «حَتْم» ، لأنَّه في معنى اسم المفعول ولذلك وصفه ب «مَقْضِيًّا» . فصل المعنى: وما منكم إلا واردها، والورود هو موافاة المكان. وقيل القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها. واختلفوا في معنى الورود هنا فقال ابن عباس والأكثرون: الورود ههنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى النار، وقالوا: يدخلها البر والفاجر، ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها، ويدلُّ على أنَّ الورود هو الدخول قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ [هود: 98] . روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنَّ نافع بن الأزرق مارى ابن عباس في الورود فقال ابن عباس: هو الدخول. وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلى ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنا وأنت سنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله، وما أرى أن يخرجك منها بتكذيبك. ويدلُّ عليه أيضاً قوله تعالى «ثُمَّ نُنَجِّي الذينَ اتَّقَوْا» ، أي: ننجي من الواردين من اتقى، ولا يجوز أن يقول» ثُمَّ نُنجي الذين اتقول ونذر الظالمين فيها جثياً «إلاَّ والكل واردون. والأخبار المروية دل على هذا القول، وهو ما «روي عن عبد الله بن رواحة قال: أخبر الله تعالى عن الورود ولم يخبر بالصد، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» يا ابن رواحة «اقرأ ما بعدها» ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا «فدلَّ على أنَّ ابن رواحة فهم من الورود الدخول، ولم ينكر عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك وعن جابر أنَّه سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» الورودُ الدخولُ، ولا يبقى بردٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، حتى إن للنار ضجيجاً من بردها» . وقيل: المراد من تقدم ذكره من الكفار، فكنى عنهم أولاً كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة. قالوا: ولا يجوز أن يدخل الناء مؤمن أبداً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها، ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها. وقوله: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] . والمراد في قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الحضور والرؤية لا الدخول، كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 23] أراد به الحضور. وقال عكرمة: الآية في الكفار يدخلونها ولا يخرجون منها. وقال ابن مسعود: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ يعني القيامة والكناية راجعة إليها. وقال البغوي: والأول أصح، وعليه أهل السنة أنهم جميعاً يدخلون النار، ثم يخرج الله منها أهل الإيمان، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾ أي: الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه. قوله: ﴿كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ أي: كان ورودكم جهنم حتماً لازماً مقضياً قضاه الله عليكم. قوله: «ثُمَّ نُنَجِّي» . قرأ العامة: ثُمَّ نُنَجِّي» بضم «ثُمَّ» على أنَّها العاطفة. وقرأ علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وابن مسعود، وابن عباس، وأبي، والجحدري ويعقوب «ثَمَّ» بفتحها على أنَّها الظرفية، ويكون منصوباً بما بعده، أي: هُناك نُنَجِّي الذين اتََّقَوا. وقرأ الجمهور «نُنَجِّي» بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم من نجَّى مضعفاً. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن «نُنَجِي» من أنْجَى. والفعل على هاتين القراءتين مضارع. وقرأت فرقة «نُجِّي» بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وهو على هذه القراءة ماض مبني للمفعول، وكان من حق قارئها أن يفتح الياء، ولكنه سكنه تخفيفاً. وتحتمل هذه القراءة توجيهاً آخر سيأتي في قراءة متواترة في آخر سورة الأنبياء. وقرأ علي بن أبي طالب - أيضاً - «نُنَحِّي» بحاء مهملة من التنحية. ومفعول «اتَّقَوْا» محذوف مراد للعلم به، أي: اتقوا الشرك والظلم. قوله: «جِثِيًّا» إمَّا مفعول ثان إن كان «نَذَرُ» يتعدى لاثنين بمعنى أن «نترك ونصير» . وإمَّا حال إن جعلت «نَذَرُ» بمعنى نخليهم. و «جَثِيًّا» على ما تقدم. و «فيها» يجوز أن يتعلق ب «نَذَرُ» ، وأن يتعلق ب «جِثِيًّا» إن كان حالاً ولا يجوز ذلك فيه إن كان مصدراً، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «جِثِيًّا» ، لأنه في الأصل صفة لنكرة قدم عليها فنصب حالاً. فصل اختلفوا في أنَّه كيف يندفع عن المتقين ضرر النار إذا ورودها بأنَّ القول هو الدخول. فقيل: «البقعة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، وإذا كان كذلك لا يمتنع» أن يدخل الكل في جهنم، ويكون المؤمنون في تلك المواضع الخالية عن النار والكفار في وسط النار، وعن جابر أنَِّ رسول الله صلى الله عيله وسلم قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول بعضهم لبعض: أليس ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: قد دخلتموها وهي خامدة» . وقيل: إنَّ الله - تعالى - يخمد النار فيعبرها المؤمنون، وتنهار بالكافرين. قال ابن عباس: يردونها كأنَّها إهالة. وقيل: إنَّ الله - تعالى - يجعل النار الملاصقة لأبدان المؤمنين برداً وسلاماً كما جاء في الحديث المتقدم، وكما في حق إبراهيم - عليه السلام -، وكما في حق الكوز الواحد من الماء يشربه القبطي فيكون دماً، ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء عذباً، وفي الحديث: «تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» وعن مجاهد في قوله تعالى « ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قال: من حُمَّ من المسلمين فقد وردها. وفي الخبر» الحمى كنز من جهنم، وهي حظ المؤمن من النار «واعلم أنه لا بُدَّ من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين. فإن قيل: إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم فما الفائدة في ذلك الدخول؟ فالجواب: أنَّ ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه. وأيضاً: فيه مزيد غم على أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إيله وأيضاً: إن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فيزداد غم الكفار وسرور المؤمنين. وأيضاً: فإن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر والنشر، ويستدلون على ذلك، فما كانوا يقبلون تلك الدلائل، فإذا دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوه، وأنَّ المكذِّبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين. وأيضاً: إنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة على ما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.

مريم 19:66

قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. قال ابن عطية: الواو عاطفة جملة كلام على أخرى، واصلة بين القولين، وإن لم يكن معناهما واحداً. وقد أغرب النقاش في حكاية قول: وهو أن قوله: «وما نَتَنَزَّلُ» متصل بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ﴾ [مريم: 19] . وقال أبو البقاء: «وما نَتَنَزَّلُ» أي: وتقول الملائكة. فجعله معمولاً لقول مضمر. وقيل: هو من كلام أهل الجنة. وهو أقرب مما قبله. و «نَتَنَزَّلُ» مطاوع نزَّل - بالتشديد - ويقتضي العمل في مهلة وقد لا يقتضيها. قال الزمخشري: التنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق، كقوله: 3612 - فَلَسْتُ لإنْسِيّ ولكن لملأكٍ ... تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّمَاءِ يصُوبُ لأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، ويكون بمعنى التدرج، واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل، والمراد: أن نزولنا في الأحايين وقتاً بعد وقت. ثال شهاب الدين: وقد تقدم أنه يفرق بين نزَّل وأنزل في أول هذا الموضوع. وقرأ العامة «نَتَنَزَّلُ» بنون الجمع. وقرأ الأعرج «يتنزَّلُ» بياء الغيبة، وفي الفاعل حينئذ قولان: أحدهما: أنه ضمير جبريل - عليه السلام -. قال ابن عطية: ويرده قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ ، لأنه لا يطرد معه، وإنما يتجه أن يكون خبراً عن جبريل أي: القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها. وقد يجاب ابن عطية بأنه على إضمار القول، أي: قائلاً ما بين أيدينا. والثاني: أنه يعود على الوحي، وكذا قال الزمخشري على الحكاية عن جبريل، والضمير للوحي. ولا بد من إضمار هذا القول أيضاً. قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ . استدل بعض النحاة على أن الأزمنة ثلاثة: ماض، وحاضر، ومستقبل بهذه الآية وهو كقول زهير: 3613 - واعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ... ولكِنَّنِي عن عِلْمِ ما فِي غدٍ عَمِ فصل روى ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يا جبريل ما منعك أن تزورنا» فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. وقال عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل، والكلبي: «احتبس جبريل - عليه السلام - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سأل قومه عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح فقال:» أخبركم غداً «، ولم يقل: إن شاء الله حتى شق على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال المشركون ودَّعهُ ربه وقلاه، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت إليك «فقال له جبريل - عليه السلام - إني كنت إليك أشوق، ولكنني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست» فنزل قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ﴾ [الكهف: 23، 24] وسورة الضحى وفي هذه الآية سؤال: وهو أن قوله: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم: 63] كلام الله، وقوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ كلام غير الله، فكيف جاز هذا على ما قبله من غير فصل؟ . وأجيب: بأنه إذا كانت القرينة لم يقبح كقوله - تعالى -: ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35] ، (وهذا كلام الله تعالى، ثم عطف عليه) ﴿وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ [مريم: 36] . واعلم أنَّ ظاهر قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ خطاب جماعة لواحد، وذلك لا يليق بالذين ينزلون على الرسول، فلذلك ذكروا في سبب النزول ما تقدم. ثم قال: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي: علم ما بين أيدينا قال سعيد بن جبير وقتادة، ومقاتل: «ما بَيْنَ» أيدِينَا «من أمر الآخرة، والثواب والعقاب،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «ما يكون في هذا الوقت إلى قيام الساعة. وقيل:» مَا بَيْنَ أيْدِينَا «من أمر الآخرة،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «أي: بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وقيل:» مَا بَيْنَ أدينَا «ما بقي من أمر الدنيا،» ومَا خَلْفَنَا «ما مضى منها،» ومَا بَيْنَ ذَلِكَ «هذه حياتنا. وقيل:: مَا بَيْنَ أيْدِينَا» بعد أن نموت، «ومَا بَيْن ذلكَ» مدة الحياة. وقيل: «مَا بَيْنَ أيدِينَا» الأرض إذا أردنا النزول إليها، «ومَا خَلْفَنَا» السماء وما أنزل منها، «ومَا بَيْنَ ذلِكَ» الهواء، يريد أن ذلك كله لله - عَزَّ وَجَلَّ - فلا يقدر على شيء إلاَّ بأمره. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي: ناسياً، أي: ما نسيك ربك بمعنى تركك، والناسي التارك، كقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ [الضحى: 3] أي: ما كان امتناع النزول لترك الله لك وتوديعه إياك. قوله: ﴿رَّبُّ السماوات﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من «ربُّكَ» . الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو ربُّ. الثالث: كونه مبتدأ والخبر الجملة الأمرية بعده. وهذا ماشٍ رأي الأخفش، إذ يجوِّز زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً. قوله: «لِعبادَتِهِ» متعلق ب «اصْطَبَرْ» فإن قيل: لِمَ لَمْ يقُلْ: واصطبر على عبادته، لأنها صلته، فكان حقه تعديه ب «على» ؟ . فالجواب: أنَّه ضمن معنى الثبات، لأنَّ العبادة ذات تكاليف قل من يصبر لها، فكأنَّه قيل: واثبت لها مصطبرا. واستدلوا بهذه الآية على أنَّ فعل العبد خلق لله - تعالى -، لأنَّ فعل العبدِ حاصل بين السموات والأرض، وهو رب لكل شيء حاصل بينهما. قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أدغم الأخوان، وهشام، وجماع لام «هَلْ» في «التاء» . وأنشدوا على ذلك بيت مُزَاحِم العُقيليّ: 3614 - فَذَرْ ذَا ولكِن هَتُّعِينُ مُتَيَّماً ... عَلى ضَوْءِ برْقِ آخِرِ اللَّيْلِ نَاصِبِ فصل دلَّ ظاهر الآية على أنَّه - تعالى - رتب الأمر بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سميّ له، والأقرب أنه ذكر الاسم وأراد هل تعلم له نظيراً فيما يقتضي العبادة والتي يقتضيها كونه منعماً بأصول (النعم وفروعها، وهي خلق الأجسام، والحياة والعقل، وغيرها، فإنه لا يقدر على ذلك) أحد سواه - سبحانه وتعالى - وإذا كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام، وجب أن تعظمه بغاية التعظيم، وهي العبادة. قال ابن عباس: هل تعلم له مثلاً. وقال الكلبي: ليس له شريك في اسمه. وذلك لأنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله - تعالى - على شيء. قال ابن عباس: لا يسمة بالرحمن غيره. وأيضاً: هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل، لأنَّ التسمية على الباطل كلا تسمية، لأنها غير معتد بها، والقول الأول أقرب. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ الآية. «إذَا» منصوب بفعل مقدر مدلول عليه بقوله تعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ﴾ ، تقديره: إذا مت أبعث أو أحياً، ولا يجوز أن يكون العامل فيه «أخْرَجُ» لانَّ ما بعد لام الابتداء لا يعمل ما قبلها قال أبو البقاء: لأن ما بعد اللام وسوف لا يعمل فيما قبلها ك «إنَّ» قال شعاب الدين: قد جعل المانع مجموع الحرفين، أما اللام فمسلم وأما حرف التنفيس فلا مدخل له في المنع، لأن حرف التنفيس يعمل كا بعده فيما قبله، تقول: زَيْداً سأضَرِبُ وسوف أضرب، ولكن فيه خلاف ضعيف، والصحيح الجواز، وأنشدوا عليه: 3615 - فَلَمَّا رَأتْهُ آمَناً هَانَ وجْدُهَا ... وقَالَتْ أبُونَا سَوْفَ يَفْعَلُ ف «هَكَذَا» منصوب ب «يَفْعَلُ» بعد (حرف التنفيس) ، (وقال ابن عطية) : واللام في قوله: «لَسَوْفَ» مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى، كأن قائلاً قال للكافر: (إذا متُّ) يا فلان لسوف تخرج حيًّا، فقرر الكلام على الكلام على جهة الاستبعاد، وكرر اللام حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية لكلام تقدم بل هو من كلام الكافر، وهو استفهام فيه معنى الجحد والاستبعاد. وقال الزمخشري: فإن قيل: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلتُ: لم تجامعها إلاَّ مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض، واضْمَحَلَّ عنها معنى التعريف. قال أبو حيان: وما ذكر من أن اللام تعطي «معنى» الحال مخالف فيه، فعلى مذهب من لا يرى ذلك يسقط السؤال، وأما قوله: كما أخلصت الهمزة. فليس ذلك إلاَّ على مذهب من يزعم أن أصله: إله، وأما من يزعم أن أصله: لاه. فلا تكون الهمزة فيه للتعويض «إذْ لم يحذف منه شيء، ولو قلنا: إنَّ أصله إله، وحذفت فاء الكلمة لم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض» ، إذ لو كانت عوضاً من المحذوف لثبتت دائماً في النداء وغيره، ولما جاز حذفها في النداء، قالوا: يا الله بحذفها، وقد نصوا على أن «قطع» همزة الوصل في النداء شاذ. وقرأ الجمهور: «أءِذَا» بالاستفهام، وهو استبعاد كما تقدم. وقرأ أبو ذكوان بخلاف عنه، وجماعة «إذَا» بهمزة واحدة على الخبر أو الاستفهام وحذف أداته للعلم بها، ولدلالة القراءة الأخرى عليها. وقرأ طلحة بن مصرِّف «لسَأخرجُ» بالسين دون سوف. هذا نقل الزمخشري عنه. وغيره نقل «سَأخْرَجُ» دون لام الابتداء، وعلى هذه القراءة يكون العامل في الظرف نفس «أخْرَجُ» ، ولا يمنع حرف التنفيس على الصحيح. وقرأ العامة «أخْرَجُ» مبنياً للمفعول. والحسن، وأبو حيوة «أخْرُجُ» مبنياً للفاعل. و «حيًّا» حال مؤكدة، لأنَّ من لازم خروجه أن يكون حيًّا، وهو كقوله: ﴿أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم: 33] . فصل لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها، فكأنَّ سائلاً سأل وقال: هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا، وأمَّا في الاخرة فقد أنكرها قوم، فلا بُدَّ من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى تظهر فائدة الاشتغال بالعيادة، فلهذا حكى الله - تعالى - قول منكري الحشر، فقال: ﴿وَيَقُولُ الإنسان﴾ الآية: قالوا ذلك على سبيل افنكار والاستبعاد وذكروا في الإنسان وجهين: أحدها: أن يكون المراد الجنس كقوله: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ [الإنسان: 1] . فإن قيل: كلهم غير قائلين بذلك، فكيف يصح هذا القول؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ هذه المقولة لمَّا كانت موجودة في جنسهم صحَّ اسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناًَ، وإنما القاتل رجل منهم. الثاني: أنَّ هذا الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلاَّ أنَّ بعضهم تركه للدلالة القاطعة على صحة القول به. القول الثاني: أنَّ المراد بالإنسان شخص معين، فقيل: أبيُّ بن خلف الجمحي. وقيل: أبو جهل. وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث. ثم إن الله - تعالى - أقام للدلالة على صحة البعث فقال: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ﴾ الآية قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وجماعة: «يَذْكُرُ» مضارع ذكر. والباقون بالتشديد مضارع تذكَّر. والأصل: يتذكر، فأدغمت التاء في الذال. وقد قرأ بهذا الأصل وهو «يتذكَّر» أبيٌّ. والهمزة في قوله: «أو لا يذكُرُ مؤخرة على حرف العطف تقديراً كما هو قول الجمهور وقد رجع الزمخشري إلى قول الجمهور هنا فقال: الواو عطفت» لا يذكُرُ «على» يَقُولُ «ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف» عليه «وحرف العطف. ومذهبه: أن يقدر بين حرف العطف وهمزة الاستفهام جملة يعطف عليها ما بعدها. وقد فعل هذا أعني الرجوع إلى قول الجمهور في سورة الأعراف كما نبَّه عليه في موضعه. قوله:» مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل بعضه، وقدره الزمخشري: من قبل الحالة التي هو فيها، «وهي حالة» بقائه. فصل قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا شك أنَّ اعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً، ونظيره قوله تعالى ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] واحتجوا بهذه الآية على أنَّ المعدوم ليس بشيء، وهو ضعيف؛ لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض، وهذا المجموع ما كان شيئاً، ولكن لم قلت: إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئاً قبل كونه موجوداً فإن قيل: كيف أمر الله - تعالى - الإنسان بالتذكر مع أنَّ التذكر هو العلم بما علمه من قبل ثم تخللهما سهو؟ . فالجواب: المراد أو لا يتفكر فيعلم خصوصاً إذا قرئ «أو لا يذَّكَّرُ» مشدداً، أما إذا قرئ «أو لا يذكُرُ» مخففاً، فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأنَّ كل أحد يعلم أنه لم يكن حيًّا في الدنيا ثم صار حيًّا. ثم إنه تعالى لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتشديد فقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين﴾ أي: لنجمعنهم في المعاد، يعني المشركين المنكرين للبعث مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة. وفائدة القسم أمران: أحدهما: أنَّ العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين. والثاني: أنَّ في قسام الله - تعالى - باسمه مضافاً إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رفعاً منه لشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: 23] . والواو في «والشَّياطين» يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى «مع» وهي بمعنى «مع» أوقع. والمعنى، أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغروهم. ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ أي: نحضرهم على أذل صورة لقوله: «جِثِيًّا» لأنَّ البارك على ركبتيه صورته الذليل، أو صورة العاجز. فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل لقوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: 28] ، ولأنَّ العادة جارية بأنَّ الناس في مواقف مطالبات الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من القلق، أة لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم وإذا كان حاصلاً للكل، فكيف يدل على مزيد ذل الكفار. فالجواب: لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه الحال، وذلك يوجب مزيد ذلهم. قوله: «جِثِيًّا» حال مقدرة من مفعول «لنُحْضرنَّهُمْ» . و «جِثِيًّا» جمع جاثٍ جمع على فعول، نحو قَاعد وقُعُود، وجَالس وجُلوس، وفي لامه لغتان: أحدهما: الواو. والأخرى: الياء. يقال: جَثَا يَجْثُو جُثُوًّا، وجَثَا يَجْثِي جِثِيًّا. فعلى التقدير الأول: يكون أصله جُثُوو. بواوين الأولى زائدة علامة للجمع والثانية لام الكلمة، ثم أعلت إعلال عِصِيّ ودليّ، وتقدم تحقيقه في «عِتيًّا» . وعلى الثاني يكون الأصل: جُثُوياً، فأعل إعلال هيِّن وميِّت. وعن ابن عباس: أنه بمعنى جماعات جماعات، جمع جثْوة، وهوالمجموع من التراب والحجارة، وفي صحته عنه نظر من حيث إنَّ فعلهُ لا يجمع على فعول. ويجوز في «جِثِيًّا» أن يكون مصدراً على فعول، وأصله كما تقدم في حال كونه جمعاً، إمَّا جُثُوو، وإمَّا جُثُوي. وقد تقدم أنَّ الأخوين يكسران فاءه، والباقون يضمونها. والجثوّ: القعود على الركب. قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: ليخرجن من كل أمة وأهل دين من الكفار والشيعة فعلة كفرقة: ومنه الطائفة التي شاعت، أي: تبعت غاوياً من الغواة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 159] . والمعنى: أنه - تعالى - يحضرهم أولاً حول جهنم، ثم يميز البعض من البعض، فمن كان منهم أشد تمرداً في كفره خص بعذاب عظيم، لأنَّ عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعاً لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد، ومعنى الآية: أنه ينزع من كل فرقة من كان أشد عتياًّ وتمرداً ليعلم أنَّ عذابه أشد وفائدة هذا التمييز التخصيص «بشدة العذاب لا التخصيص» بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ ولا يقال: «أوْلَى» إلا مع اشتراكهم في العذاب. قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ فيه أقوال كثيرة، أظهرها عند جمهور المعربين، وهو مذهب سيبويه: أنَّ «أيُّهُمْ» موصولة بمعنى «الذي» ، وأنَّ حركتها حركة بناء، بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر. و «أشَدُّ» خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلة ل «أيُّهُمْ» ، و «أيُّّهُمْ» وصلتها في محل نصب مفعولاً بها بقوله: «لنَنْزِعَنَّ» . ول «أيّ» أحوال الأربعة: إحداها تبني فيها، وهي كما في هذه الآية أن تضاف ويحذف صدر صلتها، ومثله قول الآخر: 3616 - إذَا ما أتَيْتَ بَنِي مَالِكٍ ... فَسَلِّمْ عَلَى أيُّهثمْ أفْضَلُ بضم «أيُّهُمْ» . وتفاصيلها مقررة في كتب النحو. وزعم الخليل - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ «أيُّهُمْ» هنا مبتدأ، و «أشدُّ» خبره، وهس استفهامية، والجملة محكية بالقول مقدراً، والتقدير: لنَنْزِعَنَّ من كُل شيعةٍ المقول فيهم أيُّهُم. وقوى الخليل تخريجه بقول الشاعر: 3617 - ولقَدْ أبِيتُ مِنَ الفتاةِ بِمَنْزِلٍ ... فأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُوم قال: فأبيتُ يقالُ فيَّ: لا حرجٌ ولا محْرُوم. وذهب يونس إلى أنَّها استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبرها كقول الخليل إلاَّ أنَّه زعم أنها متعلقة ل «نَنْزِعَنَّ» ، فهي في محل نصب، لأنَّه يجوز التعليق في سائر الفعال، ولا يخصه «بأفعال القلوب كما يخصه» بها الجمهور. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون النزع واقعاً على ﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ كقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا﴾ [مريم: 50] ، أي: لننزعنَّ بعض كل شيعة، فكأنَّ قائلاً قال: مَنْ هُمْ؟ فقيل: أيهم أشدّ عِتِيًّا. فجعل «أيُّهُمْ» موصولة أيضاً، ولكن هي في قوله خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين هم أشد. قال أبو حيان: وهذا تكلف ما لا حاجة إليه، وادعاء إضمار غير محتاج إليه، وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين. وحكى أبو البقاء عن الأخفش والكسائي أن مفعول «نَنْزعنَّ» : «مِنْ كُلِّ شيعةٍ» و «مِنْ» مزيدة، قال: وهما يجيزان زيادة «مِنْ» «في الواجب» ، و «أيُّهُم» استفهام أي: لنَنْزِعَنَّ كُلَّ شيعةٍ. وهذا مخالف في المعنى تخريج الجمهور، فإنَّ تخريجهم يؤدي إلى التبعيض، وهذا يؤدي إلى العموم، إلاَّ أن يجعل «مِنْ» لابتداء الغاية لا للتبعيض فيتفق التخريجان، وذهب الكسائي إلى أنَّ معنى «لنَنْزِعَنَّ» لنُنَادِينَّ، فعومل معاملته، فلم يعمل في «أيّ» . قال المهدوي: «ونادى» يعلق إذا كان بعده جملة نصب، فيعمل في المعنى ولا يعمل في اللفظ. وقال المبرد: «أيُّهُمْ» متعلق ب «شيعةٍ» فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تسايعوا أيهم أشد، كأنهم يتبادرون إلى هذا. «ويلزمه على هذا» أن يقدر مفعولاً ل «ننزعنَّ» محذوفاً وقدر بعضهم في قول المبرد: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم. قال النحاس وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي تشايعوا بمعنى تعاونوا قال شهاب الدين: وفي هذه العبارة المنسوبة للمبرد قلق، ولا بيَّن الناقل عنه وجه الرفع عن ماذا يكون، وبيَّنه أبو البقاء، لكن جعل «أيهم» فاعلاً لما تضمنه «شِيعَةٍ» «من معنى الفعل، قال: التقدير: لننزعن من كل» فريق يشيع أيهم. وهي على هذا بمعنى «الذي» ونقل الكوفيون أنَّ «أيُّهُم» في الآية بمعنى الشرط، والتقدير: إن اشتدَّ عتوهم أو لم يشتد، كما تقول: ضرب القوم أيهم غضب. المعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا. وقرأ طلحة بن مصرِّف «ومعاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء، وزائدة» عن الأعمش «أيُّهُمْ» نصباً. فعلى هذه القراءة والتي قبلها ينبغي أن يكون مذهب سيبويه جواز إعرابها وبنائها، وهو المشهور عند النقلة عنه، «وقد نقل عنه» أنَّه يحتم بناءها. قال النحاس: ما علمتُ أحداً من النحويين إلاَّ وقد خطَّأ سيبويه، «قال: وسمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: ما يبين لي أنَّ سيبويه» غلط في كتابه إلاَّ في موضعين هذا أحدهما. قال: وقد أعرب سيبويه «أيًّا» وهي مفردة، لأنَّها تضاف فكيف يبينها مضافة. وقال الجرميّ: خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحداً يقول: لأضربن أيهم قائم، بالضم بل ينصب. قوله: «على الرَّحمنِ» متعلق ب «أشَدُّ» ، و «عِتِيًّا» منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ، «إذ التقدير» : أيُّهُم هو عتوه أشد. ولا بدَّ من محذوف يتم به الكلام، التقدير: فيلقيه في العذاب، أو فنبدأ بعذابه. قال الزمخشري: فإن قلت: بم يتعلق «عَلَى» ، و «البَاء» ، فإن تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه. قلتُ: هما للبيان لا للصلة، أو يتعلقان بأفعل، أي: عتوهم أشد على الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم: هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا. يعني ب «عَلَى» قوله:: على الرَّحمنِ «، وب» الباء «قوله:» بالَّذِينَ هُمْ «وقوله: بالمصدرين. يعني بهما» عتِيًّا «و» صِلِيًّا» . «وأما كونه لا سبيل إليه» ، فلأن المصدر في نية الموصول، ولا يتقدم معمول الموصول عليه» وجوَّز بعضهم «أن يكون» عِتِيًّا» ، و «صليًّا» في هذه الآية مصدرين كما تقدم وجوَّز أن يكون جمع عاتٍ وصالٍ فانتصابهما على هذا الحال. وعلى هذا يجوز أن يتعلق» عَلَى «و» الباء» بهما لزوال المحذوف المذكور. قال المفسرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ أي أحق بدخول النار. يقال: صَلِيَ يَصْلَى صُليًّا مثل لَقِيَ يَلْقَى لُقْيًّا، وصَلَى يَصْلِي صُليًّا مثل مَضَى يَمْضِي مُضيًّا، إذا دخل النار، وقَاسَى حرَّها. قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الآية. الواو في «وإنْ» فيها وجهان: أحدهما: أنها عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها. وقال ابن عطية: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحله القسم «وأراد بالقسم قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ . قال أبو حيان:» وذهل عن» قول النحويين: إنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو ب «إنَّ» ، والجواب هنا على زعمه ب» إنْ «النافية، فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا. وقوله: والواو تقتضيه. يدلُّ على أنها عنده واو القسم، ولا يذهب نَحْوِي إلى أنَّ مثل هذه الواو واو القسم، لأنَّهُ يلزم عن ذلك حذف المجرور وإبقاء الجاء، ولا يجوز بذلك إلا أن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه، كما أولوا في قولهم: نِعْمَ السًّيْرُ على بِئْسَ العيرُ. أي: على عير بئس العير، وقول الشاعر: 3618 - واللهِ مَا لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُهْ ... أي: بِلَيْل نام صاحبه، وهذه الآية ليست من هذا الضرب، إذ لم يحذف المقسم» به» وقامت صفته مقامه. و «إنْ» حرف نفي، «و» مِنْكُم «صفة لمحذوف تقديره: وإن أحد منكم» ويجوز أن يكون التقدير: وإن منكم إلاَّ من هو واردها وقد تقدم لذلك نظائر. والخطاب في قوله:: مِنْكُمْ «يحتمل الالتفات وعدمه. قال الزمخشري: التفات إلى الإنسان، ويعضده قراءة ابن مسعود وعكرمة،» وإنْ مِنْهُمْ «أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور. والحَتْمُ: القضاءُ، والوجوب حَتْم، أي: أوجبه حتماص، ثم يطلق الحتم على الأمر المحتوم كقوله تعالى: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: 11] ، وهذا درهمٌ ضرب الأمير. و» على ربِّك» متعلق ب «حَتْم» ، لأنَّه في معنى اسم المفعول ولذلك وصفه ب «مَقْضِيًّا» . فصل المعنى: وما منكم إلا واردها، والورود هو موافاة المكان. وقيل القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها. واختلفوا في معنى الورود هنا فقال ابن عباس والأكثرون: الورود ههنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى النار، وقالوا: يدخلها البر والفاجر، ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها، ويدلُّ على أنَّ الورود هو الدخول قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ [هود: 98] . روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنَّ نافع بن الأزرق مارى ابن عباس في الورود فقال ابن عباس: هو الدخول. وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلى ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنا وأنت سنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله، وما أرى أن يخرجك منها بتكذيبك. ويدلُّ عليه أيضاً قوله تعالى «ثُمَّ نُنَجِّي الذينَ اتَّقَوْا» ، أي: ننجي من الواردين من اتقى، ولا يجوز أن يقول» ثُمَّ نُنجي الذين اتقول ونذر الظالمين فيها جثياً «إلاَّ والكل واردون. والأخبار المروية دل على هذا القول، وهو ما «روي عن عبد الله بن رواحة قال: أخبر الله تعالى عن الورود ولم يخبر بالصد، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» يا ابن رواحة «اقرأ ما بعدها» ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا «فدلَّ على أنَّ ابن رواحة فهم من الورود الدخول، ولم ينكر عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك وعن جابر أنَّه سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» الورودُ الدخولُ، ولا يبقى بردٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، حتى إن للنار ضجيجاً من بردها» . وقيل: المراد من تقدم ذكره من الكفار، فكنى عنهم أولاً كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة. قالوا: ولا يجوز أن يدخل الناء مؤمن أبداً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها، ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها. وقوله: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] . والمراد في قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الحضور والرؤية لا الدخول، كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 23] أراد به الحضور. وقال عكرمة: الآية في الكفار يدخلونها ولا يخرجون منها. وقال ابن مسعود: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ يعني القيامة والكناية راجعة إليها. وقال البغوي: والأول أصح، وعليه أهل السنة أنهم جميعاً يدخلون النار، ثم يخرج الله منها أهل الإيمان، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾ أي: الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه. قوله: ﴿كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ أي: كان ورودكم جهنم حتماً لازماً مقضياً قضاه الله عليكم. قوله: «ثُمَّ نُنَجِّي» . قرأ العامة: ثُمَّ نُنَجِّي» بضم «ثُمَّ» على أنَّها العاطفة. وقرأ علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وابن مسعود، وابن عباس، وأبي، والجحدري ويعقوب «ثَمَّ» بفتحها على أنَّها الظرفية، ويكون منصوباً بما بعده، أي: هُناك نُنَجِّي الذين اتََّقَوا. وقرأ الجمهور «نُنَجِّي» بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم من نجَّى مضعفاً. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن «نُنَجِي» من أنْجَى. والفعل على هاتين القراءتين مضارع. وقرأت فرقة «نُجِّي» بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وهو على هذه القراءة ماض مبني للمفعول، وكان من حق قارئها أن يفتح الياء، ولكنه سكنه تخفيفاً. وتحتمل هذه القراءة توجيهاً آخر سيأتي في قراءة متواترة في آخر سورة الأنبياء. وقرأ علي بن أبي طالب - أيضاً - «نُنَحِّي» بحاء مهملة من التنحية. ومفعول «اتَّقَوْا» محذوف مراد للعلم به، أي: اتقوا الشرك والظلم. قوله: «جِثِيًّا» إمَّا مفعول ثان إن كان «نَذَرُ» يتعدى لاثنين بمعنى أن «نترك ونصير» . وإمَّا حال إن جعلت «نَذَرُ» بمعنى نخليهم. و «جَثِيًّا» على ما تقدم. و «فيها» يجوز أن يتعلق ب «نَذَرُ» ، وأن يتعلق ب «جِثِيًّا» إن كان حالاً ولا يجوز ذلك فيه إن كان مصدراً، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «جِثِيًّا» ، لأنه في الأصل صفة لنكرة قدم عليها فنصب حالاً. فصل اختلفوا في أنَّه كيف يندفع عن المتقين ضرر النار إذا ورودها بأنَّ القول هو الدخول. فقيل: «البقعة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، وإذا كان كذلك لا يمتنع» أن يدخل الكل في جهنم، ويكون المؤمنون في تلك المواضع الخالية عن النار والكفار في وسط النار، وعن جابر أنَِّ رسول الله صلى الله عيله وسلم قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول بعضهم لبعض: أليس ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: قد دخلتموها وهي خامدة» . وقيل: إنَّ الله - تعالى - يخمد النار فيعبرها المؤمنون، وتنهار بالكافرين. قال ابن عباس: يردونها كأنَّها إهالة. وقيل: إنَّ الله - تعالى - يجعل النار الملاصقة لأبدان المؤمنين برداً وسلاماً كما جاء في الحديث المتقدم، وكما في حق إبراهيم - عليه السلام -، وكما في حق الكوز الواحد من الماء يشربه القبطي فيكون دماً، ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء عذباً، وفي الحديث: «تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» وعن مجاهد في قوله تعالى « ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قال: من حُمَّ من المسلمين فقد وردها. وفي الخبر» الحمى كنز من جهنم، وهي حظ المؤمن من النار «واعلم أنه لا بُدَّ من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين. فإن قيل: إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم فما الفائدة في ذلك الدخول؟ فالجواب: أنَّ ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه. وأيضاً: فيه مزيد غم على أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إيله وأيضاً: إن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فيزداد غم الكفار وسرور المؤمنين. وأيضاً: فإن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر والنشر، ويستدلون على ذلك، فما كانوا يقبلون تلك الدلائل، فإذا دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوه، وأنَّ المكذِّبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين. وأيضاً: إنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة على ما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.

مريم 19:67

قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. قال ابن عطية: الواو عاطفة جملة كلام على أخرى، واصلة بين القولين، وإن لم يكن معناهما واحداً. وقد أغرب النقاش في حكاية قول: وهو أن قوله: «وما نَتَنَزَّلُ» متصل بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ﴾ [مريم: 19] . وقال أبو البقاء: «وما نَتَنَزَّلُ» أي: وتقول الملائكة. فجعله معمولاً لقول مضمر. وقيل: هو من كلام أهل الجنة. وهو أقرب مما قبله. و «نَتَنَزَّلُ» مطاوع نزَّل - بالتشديد - ويقتضي العمل في مهلة وقد لا يقتضيها. قال الزمخشري: التنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق، كقوله: 3612 - فَلَسْتُ لإنْسِيّ ولكن لملأكٍ ... تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّمَاءِ يصُوبُ لأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، ويكون بمعنى التدرج، واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل، والمراد: أن نزولنا في الأحايين وقتاً بعد وقت. ثال شهاب الدين: وقد تقدم أنه يفرق بين نزَّل وأنزل في أول هذا الموضوع. وقرأ العامة «نَتَنَزَّلُ» بنون الجمع. وقرأ الأعرج «يتنزَّلُ» بياء الغيبة، وفي الفاعل حينئذ قولان: أحدهما: أنه ضمير جبريل - عليه السلام -. قال ابن عطية: ويرده قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ ، لأنه لا يطرد معه، وإنما يتجه أن يكون خبراً عن جبريل أي: القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها. وقد يجاب ابن عطية بأنه على إضمار القول، أي: قائلاً ما بين أيدينا. والثاني: أنه يعود على الوحي، وكذا قال الزمخشري على الحكاية عن جبريل، والضمير للوحي. ولا بد من إضمار هذا القول أيضاً. قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ . استدل بعض النحاة على أن الأزمنة ثلاثة: ماض، وحاضر، ومستقبل بهذه الآية وهو كقول زهير: 3613 - واعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ... ولكِنَّنِي عن عِلْمِ ما فِي غدٍ عَمِ فصل روى ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يا جبريل ما منعك أن تزورنا» فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. وقال عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل، والكلبي: «احتبس جبريل - عليه السلام - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سأل قومه عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح فقال:» أخبركم غداً «، ولم يقل: إن شاء الله حتى شق على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال المشركون ودَّعهُ ربه وقلاه، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت إليك «فقال له جبريل - عليه السلام - إني كنت إليك أشوق، ولكنني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست» فنزل قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ﴾ [الكهف: 23، 24] وسورة الضحى وفي هذه الآية سؤال: وهو أن قوله: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم: 63] كلام الله، وقوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ كلام غير الله، فكيف جاز هذا على ما قبله من غير فصل؟ . وأجيب: بأنه إذا كانت القرينة لم يقبح كقوله - تعالى -: ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35] ، (وهذا كلام الله تعالى، ثم عطف عليه) ﴿وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ [مريم: 36] . واعلم أنَّ ظاهر قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ خطاب جماعة لواحد، وذلك لا يليق بالذين ينزلون على الرسول، فلذلك ذكروا في سبب النزول ما تقدم. ثم قال: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي: علم ما بين أيدينا قال سعيد بن جبير وقتادة، ومقاتل: «ما بَيْنَ» أيدِينَا «من أمر الآخرة، والثواب والعقاب،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «ما يكون في هذا الوقت إلى قيام الساعة. وقيل:» مَا بَيْنَ أيْدِينَا «من أمر الآخرة،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «أي: بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وقيل:» مَا بَيْنَ أدينَا «ما بقي من أمر الدنيا،» ومَا خَلْفَنَا «ما مضى منها،» ومَا بَيْنَ ذَلِكَ «هذه حياتنا. وقيل:: مَا بَيْنَ أيْدِينَا» بعد أن نموت، «ومَا بَيْن ذلكَ» مدة الحياة. وقيل: «مَا بَيْنَ أيدِينَا» الأرض إذا أردنا النزول إليها، «ومَا خَلْفَنَا» السماء وما أنزل منها، «ومَا بَيْنَ ذلِكَ» الهواء، يريد أن ذلك كله لله - عَزَّ وَجَلَّ - فلا يقدر على شيء إلاَّ بأمره. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي: ناسياً، أي: ما نسيك ربك بمعنى تركك، والناسي التارك، كقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ [الضحى: 3] أي: ما كان امتناع النزول لترك الله لك وتوديعه إياك. قوله: ﴿رَّبُّ السماوات﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من «ربُّكَ» . الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو ربُّ. الثالث: كونه مبتدأ والخبر الجملة الأمرية بعده. وهذا ماشٍ رأي الأخفش، إذ يجوِّز زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً. قوله: «لِعبادَتِهِ» متعلق ب «اصْطَبَرْ» فإن قيل: لِمَ لَمْ يقُلْ: واصطبر على عبادته، لأنها صلته، فكان حقه تعديه ب «على» ؟ . فالجواب: أنَّه ضمن معنى الثبات، لأنَّ العبادة ذات تكاليف قل من يصبر لها، فكأنَّه قيل: واثبت لها مصطبرا. واستدلوا بهذه الآية على أنَّ فعل العبد خلق لله - تعالى -، لأنَّ فعل العبدِ حاصل بين السموات والأرض، وهو رب لكل شيء حاصل بينهما. قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أدغم الأخوان، وهشام، وجماع لام «هَلْ» في «التاء» . وأنشدوا على ذلك بيت مُزَاحِم العُقيليّ: 3614 - فَذَرْ ذَا ولكِن هَتُّعِينُ مُتَيَّماً ... عَلى ضَوْءِ برْقِ آخِرِ اللَّيْلِ نَاصِبِ فصل دلَّ ظاهر الآية على أنَّه - تعالى - رتب الأمر بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سميّ له، والأقرب أنه ذكر الاسم وأراد هل تعلم له نظيراً فيما يقتضي العبادة والتي يقتضيها كونه منعماً بأصول (النعم وفروعها، وهي خلق الأجسام، والحياة والعقل، وغيرها، فإنه لا يقدر على ذلك) أحد سواه - سبحانه وتعالى - وإذا كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام، وجب أن تعظمه بغاية التعظيم، وهي العبادة. قال ابن عباس: هل تعلم له مثلاً. وقال الكلبي: ليس له شريك في اسمه. وذلك لأنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله - تعالى - على شيء. قال ابن عباس: لا يسمة بالرحمن غيره. وأيضاً: هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل، لأنَّ التسمية على الباطل كلا تسمية، لأنها غير معتد بها، والقول الأول أقرب. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ الآية. «إذَا» منصوب بفعل مقدر مدلول عليه بقوله تعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ﴾ ، تقديره: إذا مت أبعث أو أحياً، ولا يجوز أن يكون العامل فيه «أخْرَجُ» لانَّ ما بعد لام الابتداء لا يعمل ما قبلها قال أبو البقاء: لأن ما بعد اللام وسوف لا يعمل فيما قبلها ك «إنَّ» قال شعاب الدين: قد جعل المانع مجموع الحرفين، أما اللام فمسلم وأما حرف التنفيس فلا مدخل له في المنع، لأن حرف التنفيس يعمل كا بعده فيما قبله، تقول: زَيْداً سأضَرِبُ وسوف أضرب، ولكن فيه خلاف ضعيف، والصحيح الجواز، وأنشدوا عليه: 3615 - فَلَمَّا رَأتْهُ آمَناً هَانَ وجْدُهَا ... وقَالَتْ أبُونَا سَوْفَ يَفْعَلُ ف «هَكَذَا» منصوب ب «يَفْعَلُ» بعد (حرف التنفيس) ، (وقال ابن عطية) : واللام في قوله: «لَسَوْفَ» مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى، كأن قائلاً قال للكافر: (إذا متُّ) يا فلان لسوف تخرج حيًّا، فقرر الكلام على الكلام على جهة الاستبعاد، وكرر اللام حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية لكلام تقدم بل هو من كلام الكافر، وهو استفهام فيه معنى الجحد والاستبعاد. وقال الزمخشري: فإن قيل: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلتُ: لم تجامعها إلاَّ مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض، واضْمَحَلَّ عنها معنى التعريف. قال أبو حيان: وما ذكر من أن اللام تعطي «معنى» الحال مخالف فيه، فعلى مذهب من لا يرى ذلك يسقط السؤال، وأما قوله: كما أخلصت الهمزة. فليس ذلك إلاَّ على مذهب من يزعم أن أصله: إله، وأما من يزعم أن أصله: لاه. فلا تكون الهمزة فيه للتعويض «إذْ لم يحذف منه شيء، ولو قلنا: إنَّ أصله إله، وحذفت فاء الكلمة لم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض» ، إذ لو كانت عوضاً من المحذوف لثبتت دائماً في النداء وغيره، ولما جاز حذفها في النداء، قالوا: يا الله بحذفها، وقد نصوا على أن «قطع» همزة الوصل في النداء شاذ. وقرأ الجمهور: «أءِذَا» بالاستفهام، وهو استبعاد كما تقدم. وقرأ أبو ذكوان بخلاف عنه، وجماعة «إذَا» بهمزة واحدة على الخبر أو الاستفهام وحذف أداته للعلم بها، ولدلالة القراءة الأخرى عليها. وقرأ طلحة بن مصرِّف «لسَأخرجُ» بالسين دون سوف. هذا نقل الزمخشري عنه. وغيره نقل «سَأخْرَجُ» دون لام الابتداء، وعلى هذه القراءة يكون العامل في الظرف نفس «أخْرَجُ» ، ولا يمنع حرف التنفيس على الصحيح. وقرأ العامة «أخْرَجُ» مبنياً للمفعول. والحسن، وأبو حيوة «أخْرُجُ» مبنياً للفاعل. و «حيًّا» حال مؤكدة، لأنَّ من لازم خروجه أن يكون حيًّا، وهو كقوله: ﴿أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم: 33] . فصل لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها، فكأنَّ سائلاً سأل وقال: هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا، وأمَّا في الاخرة فقد أنكرها قوم، فلا بُدَّ من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى تظهر فائدة الاشتغال بالعيادة، فلهذا حكى الله - تعالى - قول منكري الحشر، فقال: ﴿وَيَقُولُ الإنسان﴾ الآية: قالوا ذلك على سبيل افنكار والاستبعاد وذكروا في الإنسان وجهين: أحدها: أن يكون المراد الجنس كقوله: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ [الإنسان: 1] . فإن قيل: كلهم غير قائلين بذلك، فكيف يصح هذا القول؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ هذه المقولة لمَّا كانت موجودة في جنسهم صحَّ اسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناًَ، وإنما القاتل رجل منهم. الثاني: أنَّ هذا الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلاَّ أنَّ بعضهم تركه للدلالة القاطعة على صحة القول به. القول الثاني: أنَّ المراد بالإنسان شخص معين، فقيل: أبيُّ بن خلف الجمحي. وقيل: أبو جهل. وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث. ثم إن الله - تعالى - أقام للدلالة على صحة البعث فقال: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ﴾ الآية قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وجماعة: «يَذْكُرُ» مضارع ذكر. والباقون بالتشديد مضارع تذكَّر. والأصل: يتذكر، فأدغمت التاء في الذال. وقد قرأ بهذا الأصل وهو «يتذكَّر» أبيٌّ. والهمزة في قوله: «أو لا يذكُرُ مؤخرة على حرف العطف تقديراً كما هو قول الجمهور وقد رجع الزمخشري إلى قول الجمهور هنا فقال: الواو عطفت» لا يذكُرُ «على» يَقُولُ «ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف» عليه «وحرف العطف. ومذهبه: أن يقدر بين حرف العطف وهمزة الاستفهام جملة يعطف عليها ما بعدها. وقد فعل هذا أعني الرجوع إلى قول الجمهور في سورة الأعراف كما نبَّه عليه في موضعه. قوله:» مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل بعضه، وقدره الزمخشري: من قبل الحالة التي هو فيها، «وهي حالة» بقائه. فصل قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا شك أنَّ اعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً، ونظيره قوله تعالى ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] واحتجوا بهذه الآية على أنَّ المعدوم ليس بشيء، وهو ضعيف؛ لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض، وهذا المجموع ما كان شيئاً، ولكن لم قلت: إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئاً قبل كونه موجوداً فإن قيل: كيف أمر الله - تعالى - الإنسان بالتذكر مع أنَّ التذكر هو العلم بما علمه من قبل ثم تخللهما سهو؟ . فالجواب: المراد أو لا يتفكر فيعلم خصوصاً إذا قرئ «أو لا يذَّكَّرُ» مشدداً، أما إذا قرئ «أو لا يذكُرُ» مخففاً، فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأنَّ كل أحد يعلم أنه لم يكن حيًّا في الدنيا ثم صار حيًّا. ثم إنه تعالى لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتشديد فقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين﴾ أي: لنجمعنهم في المعاد، يعني المشركين المنكرين للبعث مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة. وفائدة القسم أمران: أحدهما: أنَّ العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين. والثاني: أنَّ في قسام الله - تعالى - باسمه مضافاً إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رفعاً منه لشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: 23] . والواو في «والشَّياطين» يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى «مع» وهي بمعنى «مع» أوقع. والمعنى، أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغروهم. ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ أي: نحضرهم على أذل صورة لقوله: «جِثِيًّا» لأنَّ البارك على ركبتيه صورته الذليل، أو صورة العاجز. فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل لقوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: 28] ، ولأنَّ العادة جارية بأنَّ الناس في مواقف مطالبات الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من القلق، أة لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم وإذا كان حاصلاً للكل، فكيف يدل على مزيد ذل الكفار. فالجواب: لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه الحال، وذلك يوجب مزيد ذلهم. قوله: «جِثِيًّا» حال مقدرة من مفعول «لنُحْضرنَّهُمْ» . و «جِثِيًّا» جمع جاثٍ جمع على فعول، نحو قَاعد وقُعُود، وجَالس وجُلوس، وفي لامه لغتان: أحدهما: الواو. والأخرى: الياء. يقال: جَثَا يَجْثُو جُثُوًّا، وجَثَا يَجْثِي جِثِيًّا. فعلى التقدير الأول: يكون أصله جُثُوو. بواوين الأولى زائدة علامة للجمع والثانية لام الكلمة، ثم أعلت إعلال عِصِيّ ودليّ، وتقدم تحقيقه في «عِتيًّا» . وعلى الثاني يكون الأصل: جُثُوياً، فأعل إعلال هيِّن وميِّت. وعن ابن عباس: أنه بمعنى جماعات جماعات، جمع جثْوة، وهوالمجموع من التراب والحجارة، وفي صحته عنه نظر من حيث إنَّ فعلهُ لا يجمع على فعول. ويجوز في «جِثِيًّا» أن يكون مصدراً على فعول، وأصله كما تقدم في حال كونه جمعاً، إمَّا جُثُوو، وإمَّا جُثُوي. وقد تقدم أنَّ الأخوين يكسران فاءه، والباقون يضمونها. والجثوّ: القعود على الركب. قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: ليخرجن من كل أمة وأهل دين من الكفار والشيعة فعلة كفرقة: ومنه الطائفة التي شاعت، أي: تبعت غاوياً من الغواة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 159] . والمعنى: أنه - تعالى - يحضرهم أولاً حول جهنم، ثم يميز البعض من البعض، فمن كان منهم أشد تمرداً في كفره خص بعذاب عظيم، لأنَّ عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعاً لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد، ومعنى الآية: أنه ينزع من كل فرقة من كان أشد عتياًّ وتمرداً ليعلم أنَّ عذابه أشد وفائدة هذا التمييز التخصيص «بشدة العذاب لا التخصيص» بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ ولا يقال: «أوْلَى» إلا مع اشتراكهم في العذاب. قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ فيه أقوال كثيرة، أظهرها عند جمهور المعربين، وهو مذهب سيبويه: أنَّ «أيُّهُمْ» موصولة بمعنى «الذي» ، وأنَّ حركتها حركة بناء، بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر. و «أشَدُّ» خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلة ل «أيُّهُمْ» ، و «أيُّّهُمْ» وصلتها في محل نصب مفعولاً بها بقوله: «لنَنْزِعَنَّ» . ول «أيّ» أحوال الأربعة: إحداها تبني فيها، وهي كما في هذه الآية أن تضاف ويحذف صدر صلتها، ومثله قول الآخر: 3616 - إذَا ما أتَيْتَ بَنِي مَالِكٍ ... فَسَلِّمْ عَلَى أيُّهثمْ أفْضَلُ بضم «أيُّهُمْ» . وتفاصيلها مقررة في كتب النحو. وزعم الخليل - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ «أيُّهُمْ» هنا مبتدأ، و «أشدُّ» خبره، وهس استفهامية، والجملة محكية بالقول مقدراً، والتقدير: لنَنْزِعَنَّ من كُل شيعةٍ المقول فيهم أيُّهُم. وقوى الخليل تخريجه بقول الشاعر: 3617 - ولقَدْ أبِيتُ مِنَ الفتاةِ بِمَنْزِلٍ ... فأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُوم قال: فأبيتُ يقالُ فيَّ: لا حرجٌ ولا محْرُوم. وذهب يونس إلى أنَّها استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبرها كقول الخليل إلاَّ أنَّه زعم أنها متعلقة ل «نَنْزِعَنَّ» ، فهي في محل نصب، لأنَّه يجوز التعليق في سائر الفعال، ولا يخصه «بأفعال القلوب كما يخصه» بها الجمهور. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون النزع واقعاً على ﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ كقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا﴾ [مريم: 50] ، أي: لننزعنَّ بعض كل شيعة، فكأنَّ قائلاً قال: مَنْ هُمْ؟ فقيل: أيهم أشدّ عِتِيًّا. فجعل «أيُّهُمْ» موصولة أيضاً، ولكن هي في قوله خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين هم أشد. قال أبو حيان: وهذا تكلف ما لا حاجة إليه، وادعاء إضمار غير محتاج إليه، وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين. وحكى أبو البقاء عن الأخفش والكسائي أن مفعول «نَنْزعنَّ» : «مِنْ كُلِّ شيعةٍ» و «مِنْ» مزيدة، قال: وهما يجيزان زيادة «مِنْ» «في الواجب» ، و «أيُّهُم» استفهام أي: لنَنْزِعَنَّ كُلَّ شيعةٍ. وهذا مخالف في المعنى تخريج الجمهور، فإنَّ تخريجهم يؤدي إلى التبعيض، وهذا يؤدي إلى العموم، إلاَّ أن يجعل «مِنْ» لابتداء الغاية لا للتبعيض فيتفق التخريجان، وذهب الكسائي إلى أنَّ معنى «لنَنْزِعَنَّ» لنُنَادِينَّ، فعومل معاملته، فلم يعمل في «أيّ» . قال المهدوي: «ونادى» يعلق إذا كان بعده جملة نصب، فيعمل في المعنى ولا يعمل في اللفظ. وقال المبرد: «أيُّهُمْ» متعلق ب «شيعةٍ» فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تسايعوا أيهم أشد، كأنهم يتبادرون إلى هذا. «ويلزمه على هذا» أن يقدر مفعولاً ل «ننزعنَّ» محذوفاً وقدر بعضهم في قول المبرد: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم. قال النحاس وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي تشايعوا بمعنى تعاونوا قال شهاب الدين: وفي هذه العبارة المنسوبة للمبرد قلق، ولا بيَّن الناقل عنه وجه الرفع عن ماذا يكون، وبيَّنه أبو البقاء، لكن جعل «أيهم» فاعلاً لما تضمنه «شِيعَةٍ» «من معنى الفعل، قال: التقدير: لننزعن من كل» فريق يشيع أيهم. وهي على هذا بمعنى «الذي» ونقل الكوفيون أنَّ «أيُّهُم» في الآية بمعنى الشرط، والتقدير: إن اشتدَّ عتوهم أو لم يشتد، كما تقول: ضرب القوم أيهم غضب. المعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا. وقرأ طلحة بن مصرِّف «ومعاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء، وزائدة» عن الأعمش «أيُّهُمْ» نصباً. فعلى هذه القراءة والتي قبلها ينبغي أن يكون مذهب سيبويه جواز إعرابها وبنائها، وهو المشهور عند النقلة عنه، «وقد نقل عنه» أنَّه يحتم بناءها. قال النحاس: ما علمتُ أحداً من النحويين إلاَّ وقد خطَّأ سيبويه، «قال: وسمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: ما يبين لي أنَّ سيبويه» غلط في كتابه إلاَّ في موضعين هذا أحدهما. قال: وقد أعرب سيبويه «أيًّا» وهي مفردة، لأنَّها تضاف فكيف يبينها مضافة. وقال الجرميّ: خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحداً يقول: لأضربن أيهم قائم، بالضم بل ينصب. قوله: «على الرَّحمنِ» متعلق ب «أشَدُّ» ، و «عِتِيًّا» منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ، «إذ التقدير» : أيُّهُم هو عتوه أشد. ولا بدَّ من محذوف يتم به الكلام، التقدير: فيلقيه في العذاب، أو فنبدأ بعذابه. قال الزمخشري: فإن قلت: بم يتعلق «عَلَى» ، و «البَاء» ، فإن تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه. قلتُ: هما للبيان لا للصلة، أو يتعلقان بأفعل، أي: عتوهم أشد على الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم: هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا. يعني ب «عَلَى» قوله:: على الرَّحمنِ «، وب» الباء «قوله:» بالَّذِينَ هُمْ «وقوله: بالمصدرين. يعني بهما» عتِيًّا «و» صِلِيًّا» . «وأما كونه لا سبيل إليه» ، فلأن المصدر في نية الموصول، ولا يتقدم معمول الموصول عليه» وجوَّز بعضهم «أن يكون» عِتِيًّا» ، و «صليًّا» في هذه الآية مصدرين كما تقدم وجوَّز أن يكون جمع عاتٍ وصالٍ فانتصابهما على هذا الحال. وعلى هذا يجوز أن يتعلق» عَلَى «و» الباء» بهما لزوال المحذوف المذكور. قال المفسرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ أي أحق بدخول النار. يقال: صَلِيَ يَصْلَى صُليًّا مثل لَقِيَ يَلْقَى لُقْيًّا، وصَلَى يَصْلِي صُليًّا مثل مَضَى يَمْضِي مُضيًّا، إذا دخل النار، وقَاسَى حرَّها. قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الآية. الواو في «وإنْ» فيها وجهان: أحدهما: أنها عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها. وقال ابن عطية: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحله القسم «وأراد بالقسم قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ . قال أبو حيان:» وذهل عن» قول النحويين: إنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو ب «إنَّ» ، والجواب هنا على زعمه ب» إنْ «النافية، فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا. وقوله: والواو تقتضيه. يدلُّ على أنها عنده واو القسم، ولا يذهب نَحْوِي إلى أنَّ مثل هذه الواو واو القسم، لأنَّهُ يلزم عن ذلك حذف المجرور وإبقاء الجاء، ولا يجوز بذلك إلا أن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه، كما أولوا في قولهم: نِعْمَ السًّيْرُ على بِئْسَ العيرُ. أي: على عير بئس العير، وقول الشاعر: 3618 - واللهِ مَا لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُهْ ... أي: بِلَيْل نام صاحبه، وهذه الآية ليست من هذا الضرب، إذ لم يحذف المقسم» به» وقامت صفته مقامه. و «إنْ» حرف نفي، «و» مِنْكُم «صفة لمحذوف تقديره: وإن أحد منكم» ويجوز أن يكون التقدير: وإن منكم إلاَّ من هو واردها وقد تقدم لذلك نظائر. والخطاب في قوله:: مِنْكُمْ «يحتمل الالتفات وعدمه. قال الزمخشري: التفات إلى الإنسان، ويعضده قراءة ابن مسعود وعكرمة،» وإنْ مِنْهُمْ «أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور. والحَتْمُ: القضاءُ، والوجوب حَتْم، أي: أوجبه حتماص، ثم يطلق الحتم على الأمر المحتوم كقوله تعالى: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: 11] ، وهذا درهمٌ ضرب الأمير. و» على ربِّك» متعلق ب «حَتْم» ، لأنَّه في معنى اسم المفعول ولذلك وصفه ب «مَقْضِيًّا» . فصل المعنى: وما منكم إلا واردها، والورود هو موافاة المكان. وقيل القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها. واختلفوا في معنى الورود هنا فقال ابن عباس والأكثرون: الورود ههنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى النار، وقالوا: يدخلها البر والفاجر، ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها، ويدلُّ على أنَّ الورود هو الدخول قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ [هود: 98] . روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنَّ نافع بن الأزرق مارى ابن عباس في الورود فقال ابن عباس: هو الدخول. وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلى ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنا وأنت سنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله، وما أرى أن يخرجك منها بتكذيبك. ويدلُّ عليه أيضاً قوله تعالى «ثُمَّ نُنَجِّي الذينَ اتَّقَوْا» ، أي: ننجي من الواردين من اتقى، ولا يجوز أن يقول» ثُمَّ نُنجي الذين اتقول ونذر الظالمين فيها جثياً «إلاَّ والكل واردون. والأخبار المروية دل على هذا القول، وهو ما «روي عن عبد الله بن رواحة قال: أخبر الله تعالى عن الورود ولم يخبر بالصد، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» يا ابن رواحة «اقرأ ما بعدها» ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا «فدلَّ على أنَّ ابن رواحة فهم من الورود الدخول، ولم ينكر عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك وعن جابر أنَّه سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» الورودُ الدخولُ، ولا يبقى بردٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، حتى إن للنار ضجيجاً من بردها» . وقيل: المراد من تقدم ذكره من الكفار، فكنى عنهم أولاً كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة. قالوا: ولا يجوز أن يدخل الناء مؤمن أبداً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها، ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها. وقوله: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] . والمراد في قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الحضور والرؤية لا الدخول، كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 23] أراد به الحضور. وقال عكرمة: الآية في الكفار يدخلونها ولا يخرجون منها. وقال ابن مسعود: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ يعني القيامة والكناية راجعة إليها. وقال البغوي: والأول أصح، وعليه أهل السنة أنهم جميعاً يدخلون النار، ثم يخرج الله منها أهل الإيمان، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾ أي: الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه. قوله: ﴿كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ أي: كان ورودكم جهنم حتماً لازماً مقضياً قضاه الله عليكم. قوله: «ثُمَّ نُنَجِّي» . قرأ العامة: ثُمَّ نُنَجِّي» بضم «ثُمَّ» على أنَّها العاطفة. وقرأ علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وابن مسعود، وابن عباس، وأبي، والجحدري ويعقوب «ثَمَّ» بفتحها على أنَّها الظرفية، ويكون منصوباً بما بعده، أي: هُناك نُنَجِّي الذين اتََّقَوا. وقرأ الجمهور «نُنَجِّي» بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم من نجَّى مضعفاً. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن «نُنَجِي» من أنْجَى. والفعل على هاتين القراءتين مضارع. وقرأت فرقة «نُجِّي» بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وهو على هذه القراءة ماض مبني للمفعول، وكان من حق قارئها أن يفتح الياء، ولكنه سكنه تخفيفاً. وتحتمل هذه القراءة توجيهاً آخر سيأتي في قراءة متواترة في آخر سورة الأنبياء. وقرأ علي بن أبي طالب - أيضاً - «نُنَحِّي» بحاء مهملة من التنحية. ومفعول «اتَّقَوْا» محذوف مراد للعلم به، أي: اتقوا الشرك والظلم. قوله: «جِثِيًّا» إمَّا مفعول ثان إن كان «نَذَرُ» يتعدى لاثنين بمعنى أن «نترك ونصير» . وإمَّا حال إن جعلت «نَذَرُ» بمعنى نخليهم. و «جَثِيًّا» على ما تقدم. و «فيها» يجوز أن يتعلق ب «نَذَرُ» ، وأن يتعلق ب «جِثِيًّا» إن كان حالاً ولا يجوز ذلك فيه إن كان مصدراً، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «جِثِيًّا» ، لأنه في الأصل صفة لنكرة قدم عليها فنصب حالاً. فصل اختلفوا في أنَّه كيف يندفع عن المتقين ضرر النار إذا ورودها بأنَّ القول هو الدخول. فقيل: «البقعة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، وإذا كان كذلك لا يمتنع» أن يدخل الكل في جهنم، ويكون المؤمنون في تلك المواضع الخالية عن النار والكفار في وسط النار، وعن جابر أنَِّ رسول الله صلى الله عيله وسلم قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول بعضهم لبعض: أليس ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: قد دخلتموها وهي خامدة» . وقيل: إنَّ الله - تعالى - يخمد النار فيعبرها المؤمنون، وتنهار بالكافرين. قال ابن عباس: يردونها كأنَّها إهالة. وقيل: إنَّ الله - تعالى - يجعل النار الملاصقة لأبدان المؤمنين برداً وسلاماً كما جاء في الحديث المتقدم، وكما في حق إبراهيم - عليه السلام -، وكما في حق الكوز الواحد من الماء يشربه القبطي فيكون دماً، ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء عذباً، وفي الحديث: «تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» وعن مجاهد في قوله تعالى « ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قال: من حُمَّ من المسلمين فقد وردها. وفي الخبر» الحمى كنز من جهنم، وهي حظ المؤمن من النار «واعلم أنه لا بُدَّ من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين. فإن قيل: إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم فما الفائدة في ذلك الدخول؟ فالجواب: أنَّ ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه. وأيضاً: فيه مزيد غم على أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إيله وأيضاً: إن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فيزداد غم الكفار وسرور المؤمنين. وأيضاً: فإن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر والنشر، ويستدلون على ذلك، فما كانوا يقبلون تلك الدلائل، فإذا دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوه، وأنَّ المكذِّبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين. وأيضاً: إنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة على ما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.

مريم 19:68

قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. قال ابن عطية: الواو عاطفة جملة كلام على أخرى، واصلة بين القولين، وإن لم يكن معناهما واحداً. وقد أغرب النقاش في حكاية قول: وهو أن قوله: «وما نَتَنَزَّلُ» متصل بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ﴾ [مريم: 19] . وقال أبو البقاء: «وما نَتَنَزَّلُ» أي: وتقول الملائكة. فجعله معمولاً لقول مضمر. وقيل: هو من كلام أهل الجنة. وهو أقرب مما قبله. و «نَتَنَزَّلُ» مطاوع نزَّل - بالتشديد - ويقتضي العمل في مهلة وقد لا يقتضيها. قال الزمخشري: التنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق، كقوله: 3612 - فَلَسْتُ لإنْسِيّ ولكن لملأكٍ ... تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّمَاءِ يصُوبُ لأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، ويكون بمعنى التدرج، واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل، والمراد: أن نزولنا في الأحايين وقتاً بعد وقت. ثال شهاب الدين: وقد تقدم أنه يفرق بين نزَّل وأنزل في أول هذا الموضوع. وقرأ العامة «نَتَنَزَّلُ» بنون الجمع. وقرأ الأعرج «يتنزَّلُ» بياء الغيبة، وفي الفاعل حينئذ قولان: أحدهما: أنه ضمير جبريل - عليه السلام -. قال ابن عطية: ويرده قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ ، لأنه لا يطرد معه، وإنما يتجه أن يكون خبراً عن جبريل أي: القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها. وقد يجاب ابن عطية بأنه على إضمار القول، أي: قائلاً ما بين أيدينا. والثاني: أنه يعود على الوحي، وكذا قال الزمخشري على الحكاية عن جبريل، والضمير للوحي. ولا بد من إضمار هذا القول أيضاً. قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ . استدل بعض النحاة على أن الأزمنة ثلاثة: ماض، وحاضر، ومستقبل بهذه الآية وهو كقول زهير: 3613 - واعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ... ولكِنَّنِي عن عِلْمِ ما فِي غدٍ عَمِ فصل روى ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يا جبريل ما منعك أن تزورنا» فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. وقال عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل، والكلبي: «احتبس جبريل - عليه السلام - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سأل قومه عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح فقال:» أخبركم غداً «، ولم يقل: إن شاء الله حتى شق على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال المشركون ودَّعهُ ربه وقلاه، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت إليك «فقال له جبريل - عليه السلام - إني كنت إليك أشوق، ولكنني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست» فنزل قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ﴾ [الكهف: 23، 24] وسورة الضحى وفي هذه الآية سؤال: وهو أن قوله: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم: 63] كلام الله، وقوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ كلام غير الله، فكيف جاز هذا على ما قبله من غير فصل؟ . وأجيب: بأنه إذا كانت القرينة لم يقبح كقوله - تعالى -: ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35] ، (وهذا كلام الله تعالى، ثم عطف عليه) ﴿وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ [مريم: 36] . واعلم أنَّ ظاهر قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ خطاب جماعة لواحد، وذلك لا يليق بالذين ينزلون على الرسول، فلذلك ذكروا في سبب النزول ما تقدم. ثم قال: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي: علم ما بين أيدينا قال سعيد بن جبير وقتادة، ومقاتل: «ما بَيْنَ» أيدِينَا «من أمر الآخرة، والثواب والعقاب،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «ما يكون في هذا الوقت إلى قيام الساعة. وقيل:» مَا بَيْنَ أيْدِينَا «من أمر الآخرة،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «أي: بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وقيل:» مَا بَيْنَ أدينَا «ما بقي من أمر الدنيا،» ومَا خَلْفَنَا «ما مضى منها،» ومَا بَيْنَ ذَلِكَ «هذه حياتنا. وقيل:: مَا بَيْنَ أيْدِينَا» بعد أن نموت، «ومَا بَيْن ذلكَ» مدة الحياة. وقيل: «مَا بَيْنَ أيدِينَا» الأرض إذا أردنا النزول إليها، «ومَا خَلْفَنَا» السماء وما أنزل منها، «ومَا بَيْنَ ذلِكَ» الهواء، يريد أن ذلك كله لله - عَزَّ وَجَلَّ - فلا يقدر على شيء إلاَّ بأمره. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي: ناسياً، أي: ما نسيك ربك بمعنى تركك، والناسي التارك، كقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ [الضحى: 3] أي: ما كان امتناع النزول لترك الله لك وتوديعه إياك. قوله: ﴿رَّبُّ السماوات﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من «ربُّكَ» . الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو ربُّ. الثالث: كونه مبتدأ والخبر الجملة الأمرية بعده. وهذا ماشٍ رأي الأخفش، إذ يجوِّز زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً. قوله: «لِعبادَتِهِ» متعلق ب «اصْطَبَرْ» فإن قيل: لِمَ لَمْ يقُلْ: واصطبر على عبادته، لأنها صلته، فكان حقه تعديه ب «على» ؟ . فالجواب: أنَّه ضمن معنى الثبات، لأنَّ العبادة ذات تكاليف قل من يصبر لها، فكأنَّه قيل: واثبت لها مصطبرا. واستدلوا بهذه الآية على أنَّ فعل العبد خلق لله - تعالى -، لأنَّ فعل العبدِ حاصل بين السموات والأرض، وهو رب لكل شيء حاصل بينهما. قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أدغم الأخوان، وهشام، وجماع لام «هَلْ» في «التاء» . وأنشدوا على ذلك بيت مُزَاحِم العُقيليّ: 3614 - فَذَرْ ذَا ولكِن هَتُّعِينُ مُتَيَّماً ... عَلى ضَوْءِ برْقِ آخِرِ اللَّيْلِ نَاصِبِ فصل دلَّ ظاهر الآية على أنَّه - تعالى - رتب الأمر بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سميّ له، والأقرب أنه ذكر الاسم وأراد هل تعلم له نظيراً فيما يقتضي العبادة والتي يقتضيها كونه منعماً بأصول (النعم وفروعها، وهي خلق الأجسام، والحياة والعقل، وغيرها، فإنه لا يقدر على ذلك) أحد سواه - سبحانه وتعالى - وإذا كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام، وجب أن تعظمه بغاية التعظيم، وهي العبادة. قال ابن عباس: هل تعلم له مثلاً. وقال الكلبي: ليس له شريك في اسمه. وذلك لأنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله - تعالى - على شيء. قال ابن عباس: لا يسمة بالرحمن غيره. وأيضاً: هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل، لأنَّ التسمية على الباطل كلا تسمية، لأنها غير معتد بها، والقول الأول أقرب. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ الآية. «إذَا» منصوب بفعل مقدر مدلول عليه بقوله تعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ﴾ ، تقديره: إذا مت أبعث أو أحياً، ولا يجوز أن يكون العامل فيه «أخْرَجُ» لانَّ ما بعد لام الابتداء لا يعمل ما قبلها قال أبو البقاء: لأن ما بعد اللام وسوف لا يعمل فيما قبلها ك «إنَّ» قال شعاب الدين: قد جعل المانع مجموع الحرفين، أما اللام فمسلم وأما حرف التنفيس فلا مدخل له في المنع، لأن حرف التنفيس يعمل كا بعده فيما قبله، تقول: زَيْداً سأضَرِبُ وسوف أضرب، ولكن فيه خلاف ضعيف، والصحيح الجواز، وأنشدوا عليه: 3615 - فَلَمَّا رَأتْهُ آمَناً هَانَ وجْدُهَا ... وقَالَتْ أبُونَا سَوْفَ يَفْعَلُ ف «هَكَذَا» منصوب ب «يَفْعَلُ» بعد (حرف التنفيس) ، (وقال ابن عطية) : واللام في قوله: «لَسَوْفَ» مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى، كأن قائلاً قال للكافر: (إذا متُّ) يا فلان لسوف تخرج حيًّا، فقرر الكلام على الكلام على جهة الاستبعاد، وكرر اللام حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية لكلام تقدم بل هو من كلام الكافر، وهو استفهام فيه معنى الجحد والاستبعاد. وقال الزمخشري: فإن قيل: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلتُ: لم تجامعها إلاَّ مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض، واضْمَحَلَّ عنها معنى التعريف. قال أبو حيان: وما ذكر من أن اللام تعطي «معنى» الحال مخالف فيه، فعلى مذهب من لا يرى ذلك يسقط السؤال، وأما قوله: كما أخلصت الهمزة. فليس ذلك إلاَّ على مذهب من يزعم أن أصله: إله، وأما من يزعم أن أصله: لاه. فلا تكون الهمزة فيه للتعويض «إذْ لم يحذف منه شيء، ولو قلنا: إنَّ أصله إله، وحذفت فاء الكلمة لم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض» ، إذ لو كانت عوضاً من المحذوف لثبتت دائماً في النداء وغيره، ولما جاز حذفها في النداء، قالوا: يا الله بحذفها، وقد نصوا على أن «قطع» همزة الوصل في النداء شاذ. وقرأ الجمهور: «أءِذَا» بالاستفهام، وهو استبعاد كما تقدم. وقرأ أبو ذكوان بخلاف عنه، وجماعة «إذَا» بهمزة واحدة على الخبر أو الاستفهام وحذف أداته للعلم بها، ولدلالة القراءة الأخرى عليها. وقرأ طلحة بن مصرِّف «لسَأخرجُ» بالسين دون سوف. هذا نقل الزمخشري عنه. وغيره نقل «سَأخْرَجُ» دون لام الابتداء، وعلى هذه القراءة يكون العامل في الظرف نفس «أخْرَجُ» ، ولا يمنع حرف التنفيس على الصحيح. وقرأ العامة «أخْرَجُ» مبنياً للمفعول. والحسن، وأبو حيوة «أخْرُجُ» مبنياً للفاعل. و «حيًّا» حال مؤكدة، لأنَّ من لازم خروجه أن يكون حيًّا، وهو كقوله: ﴿أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم: 33] . فصل لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها، فكأنَّ سائلاً سأل وقال: هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا، وأمَّا في الاخرة فقد أنكرها قوم، فلا بُدَّ من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى تظهر فائدة الاشتغال بالعيادة، فلهذا حكى الله - تعالى - قول منكري الحشر، فقال: ﴿وَيَقُولُ الإنسان﴾ الآية: قالوا ذلك على سبيل افنكار والاستبعاد وذكروا في الإنسان وجهين: أحدها: أن يكون المراد الجنس كقوله: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ [الإنسان: 1] . فإن قيل: كلهم غير قائلين بذلك، فكيف يصح هذا القول؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ هذه المقولة لمَّا كانت موجودة في جنسهم صحَّ اسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناًَ، وإنما القاتل رجل منهم. الثاني: أنَّ هذا الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلاَّ أنَّ بعضهم تركه للدلالة القاطعة على صحة القول به. القول الثاني: أنَّ المراد بالإنسان شخص معين، فقيل: أبيُّ بن خلف الجمحي. وقيل: أبو جهل. وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث. ثم إن الله - تعالى - أقام للدلالة على صحة البعث فقال: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ﴾ الآية قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وجماعة: «يَذْكُرُ» مضارع ذكر. والباقون بالتشديد مضارع تذكَّر. والأصل: يتذكر، فأدغمت التاء في الذال. وقد قرأ بهذا الأصل وهو «يتذكَّر» أبيٌّ. والهمزة في قوله: «أو لا يذكُرُ مؤخرة على حرف العطف تقديراً كما هو قول الجمهور وقد رجع الزمخشري إلى قول الجمهور هنا فقال: الواو عطفت» لا يذكُرُ «على» يَقُولُ «ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف» عليه «وحرف العطف. ومذهبه: أن يقدر بين حرف العطف وهمزة الاستفهام جملة يعطف عليها ما بعدها. وقد فعل هذا أعني الرجوع إلى قول الجمهور في سورة الأعراف كما نبَّه عليه في موضعه. قوله:» مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل بعضه، وقدره الزمخشري: من قبل الحالة التي هو فيها، «وهي حالة» بقائه. فصل قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا شك أنَّ اعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً، ونظيره قوله تعالى ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] واحتجوا بهذه الآية على أنَّ المعدوم ليس بشيء، وهو ضعيف؛ لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض، وهذا المجموع ما كان شيئاً، ولكن لم قلت: إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئاً قبل كونه موجوداً فإن قيل: كيف أمر الله - تعالى - الإنسان بالتذكر مع أنَّ التذكر هو العلم بما علمه من قبل ثم تخللهما سهو؟ . فالجواب: المراد أو لا يتفكر فيعلم خصوصاً إذا قرئ «أو لا يذَّكَّرُ» مشدداً، أما إذا قرئ «أو لا يذكُرُ» مخففاً، فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأنَّ كل أحد يعلم أنه لم يكن حيًّا في الدنيا ثم صار حيًّا. ثم إنه تعالى لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتشديد فقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين﴾ أي: لنجمعنهم في المعاد، يعني المشركين المنكرين للبعث مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة. وفائدة القسم أمران: أحدهما: أنَّ العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين. والثاني: أنَّ في قسام الله - تعالى - باسمه مضافاً إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رفعاً منه لشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: 23] . والواو في «والشَّياطين» يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى «مع» وهي بمعنى «مع» أوقع. والمعنى، أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغروهم. ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ أي: نحضرهم على أذل صورة لقوله: «جِثِيًّا» لأنَّ البارك على ركبتيه صورته الذليل، أو صورة العاجز. فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل لقوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: 28] ، ولأنَّ العادة جارية بأنَّ الناس في مواقف مطالبات الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من القلق، أة لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم وإذا كان حاصلاً للكل، فكيف يدل على مزيد ذل الكفار. فالجواب: لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه الحال، وذلك يوجب مزيد ذلهم. قوله: «جِثِيًّا» حال مقدرة من مفعول «لنُحْضرنَّهُمْ» . و «جِثِيًّا» جمع جاثٍ جمع على فعول، نحو قَاعد وقُعُود، وجَالس وجُلوس، وفي لامه لغتان: أحدهما: الواو. والأخرى: الياء. يقال: جَثَا يَجْثُو جُثُوًّا، وجَثَا يَجْثِي جِثِيًّا. فعلى التقدير الأول: يكون أصله جُثُوو. بواوين الأولى زائدة علامة للجمع والثانية لام الكلمة، ثم أعلت إعلال عِصِيّ ودليّ، وتقدم تحقيقه في «عِتيًّا» . وعلى الثاني يكون الأصل: جُثُوياً، فأعل إعلال هيِّن وميِّت. وعن ابن عباس: أنه بمعنى جماعات جماعات، جمع جثْوة، وهوالمجموع من التراب والحجارة، وفي صحته عنه نظر من حيث إنَّ فعلهُ لا يجمع على فعول. ويجوز في «جِثِيًّا» أن يكون مصدراً على فعول، وأصله كما تقدم في حال كونه جمعاً، إمَّا جُثُوو، وإمَّا جُثُوي. وقد تقدم أنَّ الأخوين يكسران فاءه، والباقون يضمونها. والجثوّ: القعود على الركب. قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: ليخرجن من كل أمة وأهل دين من الكفار والشيعة فعلة كفرقة: ومنه الطائفة التي شاعت، أي: تبعت غاوياً من الغواة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 159] . والمعنى: أنه - تعالى - يحضرهم أولاً حول جهنم، ثم يميز البعض من البعض، فمن كان منهم أشد تمرداً في كفره خص بعذاب عظيم، لأنَّ عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعاً لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد، ومعنى الآية: أنه ينزع من كل فرقة من كان أشد عتياًّ وتمرداً ليعلم أنَّ عذابه أشد وفائدة هذا التمييز التخصيص «بشدة العذاب لا التخصيص» بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ ولا يقال: «أوْلَى» إلا مع اشتراكهم في العذاب. قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ فيه أقوال كثيرة، أظهرها عند جمهور المعربين، وهو مذهب سيبويه: أنَّ «أيُّهُمْ» موصولة بمعنى «الذي» ، وأنَّ حركتها حركة بناء، بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر. و «أشَدُّ» خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلة ل «أيُّهُمْ» ، و «أيُّّهُمْ» وصلتها في محل نصب مفعولاً بها بقوله: «لنَنْزِعَنَّ» . ول «أيّ» أحوال الأربعة: إحداها تبني فيها، وهي كما في هذه الآية أن تضاف ويحذف صدر صلتها، ومثله قول الآخر: 3616 - إذَا ما أتَيْتَ بَنِي مَالِكٍ ... فَسَلِّمْ عَلَى أيُّهثمْ أفْضَلُ بضم «أيُّهُمْ» . وتفاصيلها مقررة في كتب النحو. وزعم الخليل - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ «أيُّهُمْ» هنا مبتدأ، و «أشدُّ» خبره، وهس استفهامية، والجملة محكية بالقول مقدراً، والتقدير: لنَنْزِعَنَّ من كُل شيعةٍ المقول فيهم أيُّهُم. وقوى الخليل تخريجه بقول الشاعر: 3617 - ولقَدْ أبِيتُ مِنَ الفتاةِ بِمَنْزِلٍ ... فأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُوم قال: فأبيتُ يقالُ فيَّ: لا حرجٌ ولا محْرُوم. وذهب يونس إلى أنَّها استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبرها كقول الخليل إلاَّ أنَّه زعم أنها متعلقة ل «نَنْزِعَنَّ» ، فهي في محل نصب، لأنَّه يجوز التعليق في سائر الفعال، ولا يخصه «بأفعال القلوب كما يخصه» بها الجمهور. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون النزع واقعاً على ﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ كقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا﴾ [مريم: 50] ، أي: لننزعنَّ بعض كل شيعة، فكأنَّ قائلاً قال: مَنْ هُمْ؟ فقيل: أيهم أشدّ عِتِيًّا. فجعل «أيُّهُمْ» موصولة أيضاً، ولكن هي في قوله خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين هم أشد. قال أبو حيان: وهذا تكلف ما لا حاجة إليه، وادعاء إضمار غير محتاج إليه، وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين. وحكى أبو البقاء عن الأخفش والكسائي أن مفعول «نَنْزعنَّ» : «مِنْ كُلِّ شيعةٍ» و «مِنْ» مزيدة، قال: وهما يجيزان زيادة «مِنْ» «في الواجب» ، و «أيُّهُم» استفهام أي: لنَنْزِعَنَّ كُلَّ شيعةٍ. وهذا مخالف في المعنى تخريج الجمهور، فإنَّ تخريجهم يؤدي إلى التبعيض، وهذا يؤدي إلى العموم، إلاَّ أن يجعل «مِنْ» لابتداء الغاية لا للتبعيض فيتفق التخريجان، وذهب الكسائي إلى أنَّ معنى «لنَنْزِعَنَّ» لنُنَادِينَّ، فعومل معاملته، فلم يعمل في «أيّ» . قال المهدوي: «ونادى» يعلق إذا كان بعده جملة نصب، فيعمل في المعنى ولا يعمل في اللفظ. وقال المبرد: «أيُّهُمْ» متعلق ب «شيعةٍ» فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تسايعوا أيهم أشد، كأنهم يتبادرون إلى هذا. «ويلزمه على هذا» أن يقدر مفعولاً ل «ننزعنَّ» محذوفاً وقدر بعضهم في قول المبرد: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم. قال النحاس وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي تشايعوا بمعنى تعاونوا قال شهاب الدين: وفي هذه العبارة المنسوبة للمبرد قلق، ولا بيَّن الناقل عنه وجه الرفع عن ماذا يكون، وبيَّنه أبو البقاء، لكن جعل «أيهم» فاعلاً لما تضمنه «شِيعَةٍ» «من معنى الفعل، قال: التقدير: لننزعن من كل» فريق يشيع أيهم. وهي على هذا بمعنى «الذي» ونقل الكوفيون أنَّ «أيُّهُم» في الآية بمعنى الشرط، والتقدير: إن اشتدَّ عتوهم أو لم يشتد، كما تقول: ضرب القوم أيهم غضب. المعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا. وقرأ طلحة بن مصرِّف «ومعاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء، وزائدة» عن الأعمش «أيُّهُمْ» نصباً. فعلى هذه القراءة والتي قبلها ينبغي أن يكون مذهب سيبويه جواز إعرابها وبنائها، وهو المشهور عند النقلة عنه، «وقد نقل عنه» أنَّه يحتم بناءها. قال النحاس: ما علمتُ أحداً من النحويين إلاَّ وقد خطَّأ سيبويه، «قال: وسمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: ما يبين لي أنَّ سيبويه» غلط في كتابه إلاَّ في موضعين هذا أحدهما. قال: وقد أعرب سيبويه «أيًّا» وهي مفردة، لأنَّها تضاف فكيف يبينها مضافة. وقال الجرميّ: خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحداً يقول: لأضربن أيهم قائم، بالضم بل ينصب. قوله: «على الرَّحمنِ» متعلق ب «أشَدُّ» ، و «عِتِيًّا» منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ، «إذ التقدير» : أيُّهُم هو عتوه أشد. ولا بدَّ من محذوف يتم به الكلام، التقدير: فيلقيه في العذاب، أو فنبدأ بعذابه. قال الزمخشري: فإن قلت: بم يتعلق «عَلَى» ، و «البَاء» ، فإن تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه. قلتُ: هما للبيان لا للصلة، أو يتعلقان بأفعل، أي: عتوهم أشد على الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم: هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا. يعني ب «عَلَى» قوله:: على الرَّحمنِ «، وب» الباء «قوله:» بالَّذِينَ هُمْ «وقوله: بالمصدرين. يعني بهما» عتِيًّا «و» صِلِيًّا» . «وأما كونه لا سبيل إليه» ، فلأن المصدر في نية الموصول، ولا يتقدم معمول الموصول عليه» وجوَّز بعضهم «أن يكون» عِتِيًّا» ، و «صليًّا» في هذه الآية مصدرين كما تقدم وجوَّز أن يكون جمع عاتٍ وصالٍ فانتصابهما على هذا الحال. وعلى هذا يجوز أن يتعلق» عَلَى «و» الباء» بهما لزوال المحذوف المذكور. قال المفسرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ أي أحق بدخول النار. يقال: صَلِيَ يَصْلَى صُليًّا مثل لَقِيَ يَلْقَى لُقْيًّا، وصَلَى يَصْلِي صُليًّا مثل مَضَى يَمْضِي مُضيًّا، إذا دخل النار، وقَاسَى حرَّها. قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الآية. الواو في «وإنْ» فيها وجهان: أحدهما: أنها عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها. وقال ابن عطية: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحله القسم «وأراد بالقسم قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ . قال أبو حيان:» وذهل عن» قول النحويين: إنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو ب «إنَّ» ، والجواب هنا على زعمه ب» إنْ «النافية، فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا. وقوله: والواو تقتضيه. يدلُّ على أنها عنده واو القسم، ولا يذهب نَحْوِي إلى أنَّ مثل هذه الواو واو القسم، لأنَّهُ يلزم عن ذلك حذف المجرور وإبقاء الجاء، ولا يجوز بذلك إلا أن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه، كما أولوا في قولهم: نِعْمَ السًّيْرُ على بِئْسَ العيرُ. أي: على عير بئس العير، وقول الشاعر: 3618 - واللهِ مَا لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُهْ ... أي: بِلَيْل نام صاحبه، وهذه الآية ليست من هذا الضرب، إذ لم يحذف المقسم» به» وقامت صفته مقامه. و «إنْ» حرف نفي، «و» مِنْكُم «صفة لمحذوف تقديره: وإن أحد منكم» ويجوز أن يكون التقدير: وإن منكم إلاَّ من هو واردها وقد تقدم لذلك نظائر. والخطاب في قوله:: مِنْكُمْ «يحتمل الالتفات وعدمه. قال الزمخشري: التفات إلى الإنسان، ويعضده قراءة ابن مسعود وعكرمة،» وإنْ مِنْهُمْ «أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور. والحَتْمُ: القضاءُ، والوجوب حَتْم، أي: أوجبه حتماص، ثم يطلق الحتم على الأمر المحتوم كقوله تعالى: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: 11] ، وهذا درهمٌ ضرب الأمير. و» على ربِّك» متعلق ب «حَتْم» ، لأنَّه في معنى اسم المفعول ولذلك وصفه ب «مَقْضِيًّا» . فصل المعنى: وما منكم إلا واردها، والورود هو موافاة المكان. وقيل القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها. واختلفوا في معنى الورود هنا فقال ابن عباس والأكثرون: الورود ههنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى النار، وقالوا: يدخلها البر والفاجر، ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها، ويدلُّ على أنَّ الورود هو الدخول قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ [هود: 98] . روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنَّ نافع بن الأزرق مارى ابن عباس في الورود فقال ابن عباس: هو الدخول. وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلى ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنا وأنت سنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله، وما أرى أن يخرجك منها بتكذيبك. ويدلُّ عليه أيضاً قوله تعالى «ثُمَّ نُنَجِّي الذينَ اتَّقَوْا» ، أي: ننجي من الواردين من اتقى، ولا يجوز أن يقول» ثُمَّ نُنجي الذين اتقول ونذر الظالمين فيها جثياً «إلاَّ والكل واردون. والأخبار المروية دل على هذا القول، وهو ما «روي عن عبد الله بن رواحة قال: أخبر الله تعالى عن الورود ولم يخبر بالصد، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» يا ابن رواحة «اقرأ ما بعدها» ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا «فدلَّ على أنَّ ابن رواحة فهم من الورود الدخول، ولم ينكر عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك وعن جابر أنَّه سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» الورودُ الدخولُ، ولا يبقى بردٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، حتى إن للنار ضجيجاً من بردها» . وقيل: المراد من تقدم ذكره من الكفار، فكنى عنهم أولاً كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة. قالوا: ولا يجوز أن يدخل الناء مؤمن أبداً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها، ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها. وقوله: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] . والمراد في قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الحضور والرؤية لا الدخول، كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 23] أراد به الحضور. وقال عكرمة: الآية في الكفار يدخلونها ولا يخرجون منها. وقال ابن مسعود: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ يعني القيامة والكناية راجعة إليها. وقال البغوي: والأول أصح، وعليه أهل السنة أنهم جميعاً يدخلون النار، ثم يخرج الله منها أهل الإيمان، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾ أي: الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه. قوله: ﴿كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ أي: كان ورودكم جهنم حتماً لازماً مقضياً قضاه الله عليكم. قوله: «ثُمَّ نُنَجِّي» . قرأ العامة: ثُمَّ نُنَجِّي» بضم «ثُمَّ» على أنَّها العاطفة. وقرأ علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وابن مسعود، وابن عباس، وأبي، والجحدري ويعقوب «ثَمَّ» بفتحها على أنَّها الظرفية، ويكون منصوباً بما بعده، أي: هُناك نُنَجِّي الذين اتََّقَوا. وقرأ الجمهور «نُنَجِّي» بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم من نجَّى مضعفاً. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن «نُنَجِي» من أنْجَى. والفعل على هاتين القراءتين مضارع. وقرأت فرقة «نُجِّي» بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وهو على هذه القراءة ماض مبني للمفعول، وكان من حق قارئها أن يفتح الياء، ولكنه سكنه تخفيفاً. وتحتمل هذه القراءة توجيهاً آخر سيأتي في قراءة متواترة في آخر سورة الأنبياء. وقرأ علي بن أبي طالب - أيضاً - «نُنَحِّي» بحاء مهملة من التنحية. ومفعول «اتَّقَوْا» محذوف مراد للعلم به، أي: اتقوا الشرك والظلم. قوله: «جِثِيًّا» إمَّا مفعول ثان إن كان «نَذَرُ» يتعدى لاثنين بمعنى أن «نترك ونصير» . وإمَّا حال إن جعلت «نَذَرُ» بمعنى نخليهم. و «جَثِيًّا» على ما تقدم. و «فيها» يجوز أن يتعلق ب «نَذَرُ» ، وأن يتعلق ب «جِثِيًّا» إن كان حالاً ولا يجوز ذلك فيه إن كان مصدراً، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «جِثِيًّا» ، لأنه في الأصل صفة لنكرة قدم عليها فنصب حالاً. فصل اختلفوا في أنَّه كيف يندفع عن المتقين ضرر النار إذا ورودها بأنَّ القول هو الدخول. فقيل: «البقعة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، وإذا كان كذلك لا يمتنع» أن يدخل الكل في جهنم، ويكون المؤمنون في تلك المواضع الخالية عن النار والكفار في وسط النار، وعن جابر أنَِّ رسول الله صلى الله عيله وسلم قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول بعضهم لبعض: أليس ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: قد دخلتموها وهي خامدة» . وقيل: إنَّ الله - تعالى - يخمد النار فيعبرها المؤمنون، وتنهار بالكافرين. قال ابن عباس: يردونها كأنَّها إهالة. وقيل: إنَّ الله - تعالى - يجعل النار الملاصقة لأبدان المؤمنين برداً وسلاماً كما جاء في الحديث المتقدم، وكما في حق إبراهيم - عليه السلام -، وكما في حق الكوز الواحد من الماء يشربه القبطي فيكون دماً، ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء عذباً، وفي الحديث: «تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» وعن مجاهد في قوله تعالى « ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قال: من حُمَّ من المسلمين فقد وردها. وفي الخبر» الحمى كنز من جهنم، وهي حظ المؤمن من النار «واعلم أنه لا بُدَّ من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين. فإن قيل: إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم فما الفائدة في ذلك الدخول؟ فالجواب: أنَّ ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه. وأيضاً: فيه مزيد غم على أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إيله وأيضاً: إن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فيزداد غم الكفار وسرور المؤمنين. وأيضاً: فإن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر والنشر، ويستدلون على ذلك، فما كانوا يقبلون تلك الدلائل، فإذا دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوه، وأنَّ المكذِّبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين. وأيضاً: إنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة على ما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.

مريم 19:69

قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. قال ابن عطية: الواو عاطفة جملة كلام على أخرى، واصلة بين القولين، وإن لم يكن معناهما واحداً. وقد أغرب النقاش في حكاية قول: وهو أن قوله: «وما نَتَنَزَّلُ» متصل بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ﴾ [مريم: 19] . وقال أبو البقاء: «وما نَتَنَزَّلُ» أي: وتقول الملائكة. فجعله معمولاً لقول مضمر. وقيل: هو من كلام أهل الجنة. وهو أقرب مما قبله. و «نَتَنَزَّلُ» مطاوع نزَّل - بالتشديد - ويقتضي العمل في مهلة وقد لا يقتضيها. قال الزمخشري: التنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق، كقوله: 3612 - فَلَسْتُ لإنْسِيّ ولكن لملأكٍ ... تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّمَاءِ يصُوبُ لأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، ويكون بمعنى التدرج، واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل، والمراد: أن نزولنا في الأحايين وقتاً بعد وقت. ثال شهاب الدين: وقد تقدم أنه يفرق بين نزَّل وأنزل في أول هذا الموضوع. وقرأ العامة «نَتَنَزَّلُ» بنون الجمع. وقرأ الأعرج «يتنزَّلُ» بياء الغيبة، وفي الفاعل حينئذ قولان: أحدهما: أنه ضمير جبريل - عليه السلام -. قال ابن عطية: ويرده قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ ، لأنه لا يطرد معه، وإنما يتجه أن يكون خبراً عن جبريل أي: القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها. وقد يجاب ابن عطية بأنه على إضمار القول، أي: قائلاً ما بين أيدينا. والثاني: أنه يعود على الوحي، وكذا قال الزمخشري على الحكاية عن جبريل، والضمير للوحي. ولا بد من إضمار هذا القول أيضاً. قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ . استدل بعض النحاة على أن الأزمنة ثلاثة: ماض، وحاضر، ومستقبل بهذه الآية وهو كقول زهير: 3613 - واعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ... ولكِنَّنِي عن عِلْمِ ما فِي غدٍ عَمِ فصل روى ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يا جبريل ما منعك أن تزورنا» فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. وقال عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل، والكلبي: «احتبس جبريل - عليه السلام - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سأل قومه عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح فقال:» أخبركم غداً «، ولم يقل: إن شاء الله حتى شق على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال المشركون ودَّعهُ ربه وقلاه، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت إليك «فقال له جبريل - عليه السلام - إني كنت إليك أشوق، ولكنني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست» فنزل قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ﴾ [الكهف: 23، 24] وسورة الضحى وفي هذه الآية سؤال: وهو أن قوله: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم: 63] كلام الله، وقوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ كلام غير الله، فكيف جاز هذا على ما قبله من غير فصل؟ . وأجيب: بأنه إذا كانت القرينة لم يقبح كقوله - تعالى -: ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35] ، (وهذا كلام الله تعالى، ثم عطف عليه) ﴿وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ [مريم: 36] . واعلم أنَّ ظاهر قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ خطاب جماعة لواحد، وذلك لا يليق بالذين ينزلون على الرسول، فلذلك ذكروا في سبب النزول ما تقدم. ثم قال: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي: علم ما بين أيدينا قال سعيد بن جبير وقتادة، ومقاتل: «ما بَيْنَ» أيدِينَا «من أمر الآخرة، والثواب والعقاب،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «ما يكون في هذا الوقت إلى قيام الساعة. وقيل:» مَا بَيْنَ أيْدِينَا «من أمر الآخرة،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «أي: بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وقيل:» مَا بَيْنَ أدينَا «ما بقي من أمر الدنيا،» ومَا خَلْفَنَا «ما مضى منها،» ومَا بَيْنَ ذَلِكَ «هذه حياتنا. وقيل:: مَا بَيْنَ أيْدِينَا» بعد أن نموت، «ومَا بَيْن ذلكَ» مدة الحياة. وقيل: «مَا بَيْنَ أيدِينَا» الأرض إذا أردنا النزول إليها، «ومَا خَلْفَنَا» السماء وما أنزل منها، «ومَا بَيْنَ ذلِكَ» الهواء، يريد أن ذلك كله لله - عَزَّ وَجَلَّ - فلا يقدر على شيء إلاَّ بأمره. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي: ناسياً، أي: ما نسيك ربك بمعنى تركك، والناسي التارك، كقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ [الضحى: 3] أي: ما كان امتناع النزول لترك الله لك وتوديعه إياك. قوله: ﴿رَّبُّ السماوات﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من «ربُّكَ» . الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو ربُّ. الثالث: كونه مبتدأ والخبر الجملة الأمرية بعده. وهذا ماشٍ رأي الأخفش، إذ يجوِّز زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً. قوله: «لِعبادَتِهِ» متعلق ب «اصْطَبَرْ» فإن قيل: لِمَ لَمْ يقُلْ: واصطبر على عبادته، لأنها صلته، فكان حقه تعديه ب «على» ؟ . فالجواب: أنَّه ضمن معنى الثبات، لأنَّ العبادة ذات تكاليف قل من يصبر لها، فكأنَّه قيل: واثبت لها مصطبرا. واستدلوا بهذه الآية على أنَّ فعل العبد خلق لله - تعالى -، لأنَّ فعل العبدِ حاصل بين السموات والأرض، وهو رب لكل شيء حاصل بينهما. قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أدغم الأخوان، وهشام، وجماع لام «هَلْ» في «التاء» . وأنشدوا على ذلك بيت مُزَاحِم العُقيليّ: 3614 - فَذَرْ ذَا ولكِن هَتُّعِينُ مُتَيَّماً ... عَلى ضَوْءِ برْقِ آخِرِ اللَّيْلِ نَاصِبِ فصل دلَّ ظاهر الآية على أنَّه - تعالى - رتب الأمر بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سميّ له، والأقرب أنه ذكر الاسم وأراد هل تعلم له نظيراً فيما يقتضي العبادة والتي يقتضيها كونه منعماً بأصول (النعم وفروعها، وهي خلق الأجسام، والحياة والعقل، وغيرها، فإنه لا يقدر على ذلك) أحد سواه - سبحانه وتعالى - وإذا كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام، وجب أن تعظمه بغاية التعظيم، وهي العبادة. قال ابن عباس: هل تعلم له مثلاً. وقال الكلبي: ليس له شريك في اسمه. وذلك لأنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله - تعالى - على شيء. قال ابن عباس: لا يسمة بالرحمن غيره. وأيضاً: هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل، لأنَّ التسمية على الباطل كلا تسمية، لأنها غير معتد بها، والقول الأول أقرب. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ الآية. «إذَا» منصوب بفعل مقدر مدلول عليه بقوله تعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ﴾ ، تقديره: إذا مت أبعث أو أحياً، ولا يجوز أن يكون العامل فيه «أخْرَجُ» لانَّ ما بعد لام الابتداء لا يعمل ما قبلها قال أبو البقاء: لأن ما بعد اللام وسوف لا يعمل فيما قبلها ك «إنَّ» قال شعاب الدين: قد جعل المانع مجموع الحرفين، أما اللام فمسلم وأما حرف التنفيس فلا مدخل له في المنع، لأن حرف التنفيس يعمل كا بعده فيما قبله، تقول: زَيْداً سأضَرِبُ وسوف أضرب، ولكن فيه خلاف ضعيف، والصحيح الجواز، وأنشدوا عليه: 3615 - فَلَمَّا رَأتْهُ آمَناً هَانَ وجْدُهَا ... وقَالَتْ أبُونَا سَوْفَ يَفْعَلُ ف «هَكَذَا» منصوب ب «يَفْعَلُ» بعد (حرف التنفيس) ، (وقال ابن عطية) : واللام في قوله: «لَسَوْفَ» مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى، كأن قائلاً قال للكافر: (إذا متُّ) يا فلان لسوف تخرج حيًّا، فقرر الكلام على الكلام على جهة الاستبعاد، وكرر اللام حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية لكلام تقدم بل هو من كلام الكافر، وهو استفهام فيه معنى الجحد والاستبعاد. وقال الزمخشري: فإن قيل: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلتُ: لم تجامعها إلاَّ مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض، واضْمَحَلَّ عنها معنى التعريف. قال أبو حيان: وما ذكر من أن اللام تعطي «معنى» الحال مخالف فيه، فعلى مذهب من لا يرى ذلك يسقط السؤال، وأما قوله: كما أخلصت الهمزة. فليس ذلك إلاَّ على مذهب من يزعم أن أصله: إله، وأما من يزعم أن أصله: لاه. فلا تكون الهمزة فيه للتعويض «إذْ لم يحذف منه شيء، ولو قلنا: إنَّ أصله إله، وحذفت فاء الكلمة لم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض» ، إذ لو كانت عوضاً من المحذوف لثبتت دائماً في النداء وغيره، ولما جاز حذفها في النداء، قالوا: يا الله بحذفها، وقد نصوا على أن «قطع» همزة الوصل في النداء شاذ. وقرأ الجمهور: «أءِذَا» بالاستفهام، وهو استبعاد كما تقدم. وقرأ أبو ذكوان بخلاف عنه، وجماعة «إذَا» بهمزة واحدة على الخبر أو الاستفهام وحذف أداته للعلم بها، ولدلالة القراءة الأخرى عليها. وقرأ طلحة بن مصرِّف «لسَأخرجُ» بالسين دون سوف. هذا نقل الزمخشري عنه. وغيره نقل «سَأخْرَجُ» دون لام الابتداء، وعلى هذه القراءة يكون العامل في الظرف نفس «أخْرَجُ» ، ولا يمنع حرف التنفيس على الصحيح. وقرأ العامة «أخْرَجُ» مبنياً للمفعول. والحسن، وأبو حيوة «أخْرُجُ» مبنياً للفاعل. و «حيًّا» حال مؤكدة، لأنَّ من لازم خروجه أن يكون حيًّا، وهو كقوله: ﴿أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم: 33] . فصل لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها، فكأنَّ سائلاً سأل وقال: هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا، وأمَّا في الاخرة فقد أنكرها قوم، فلا بُدَّ من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى تظهر فائدة الاشتغال بالعيادة، فلهذا حكى الله - تعالى - قول منكري الحشر، فقال: ﴿وَيَقُولُ الإنسان﴾ الآية: قالوا ذلك على سبيل افنكار والاستبعاد وذكروا في الإنسان وجهين: أحدها: أن يكون المراد الجنس كقوله: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ [الإنسان: 1] . فإن قيل: كلهم غير قائلين بذلك، فكيف يصح هذا القول؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ هذه المقولة لمَّا كانت موجودة في جنسهم صحَّ اسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناًَ، وإنما القاتل رجل منهم. الثاني: أنَّ هذا الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلاَّ أنَّ بعضهم تركه للدلالة القاطعة على صحة القول به. القول الثاني: أنَّ المراد بالإنسان شخص معين، فقيل: أبيُّ بن خلف الجمحي. وقيل: أبو جهل. وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث. ثم إن الله - تعالى - أقام للدلالة على صحة البعث فقال: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ﴾ الآية قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وجماعة: «يَذْكُرُ» مضارع ذكر. والباقون بالتشديد مضارع تذكَّر. والأصل: يتذكر، فأدغمت التاء في الذال. وقد قرأ بهذا الأصل وهو «يتذكَّر» أبيٌّ. والهمزة في قوله: «أو لا يذكُرُ مؤخرة على حرف العطف تقديراً كما هو قول الجمهور وقد رجع الزمخشري إلى قول الجمهور هنا فقال: الواو عطفت» لا يذكُرُ «على» يَقُولُ «ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف» عليه «وحرف العطف. ومذهبه: أن يقدر بين حرف العطف وهمزة الاستفهام جملة يعطف عليها ما بعدها. وقد فعل هذا أعني الرجوع إلى قول الجمهور في سورة الأعراف كما نبَّه عليه في موضعه. قوله:» مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل بعضه، وقدره الزمخشري: من قبل الحالة التي هو فيها، «وهي حالة» بقائه. فصل قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا شك أنَّ اعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً، ونظيره قوله تعالى ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] واحتجوا بهذه الآية على أنَّ المعدوم ليس بشيء، وهو ضعيف؛ لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض، وهذا المجموع ما كان شيئاً، ولكن لم قلت: إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئاً قبل كونه موجوداً فإن قيل: كيف أمر الله - تعالى - الإنسان بالتذكر مع أنَّ التذكر هو العلم بما علمه من قبل ثم تخللهما سهو؟ . فالجواب: المراد أو لا يتفكر فيعلم خصوصاً إذا قرئ «أو لا يذَّكَّرُ» مشدداً، أما إذا قرئ «أو لا يذكُرُ» مخففاً، فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأنَّ كل أحد يعلم أنه لم يكن حيًّا في الدنيا ثم صار حيًّا. ثم إنه تعالى لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتشديد فقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين﴾ أي: لنجمعنهم في المعاد، يعني المشركين المنكرين للبعث مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة. وفائدة القسم أمران: أحدهما: أنَّ العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين. والثاني: أنَّ في قسام الله - تعالى - باسمه مضافاً إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رفعاً منه لشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: 23] . والواو في «والشَّياطين» يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى «مع» وهي بمعنى «مع» أوقع. والمعنى، أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغروهم. ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ أي: نحضرهم على أذل صورة لقوله: «جِثِيًّا» لأنَّ البارك على ركبتيه صورته الذليل، أو صورة العاجز. فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل لقوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: 28] ، ولأنَّ العادة جارية بأنَّ الناس في مواقف مطالبات الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من القلق، أة لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم وإذا كان حاصلاً للكل، فكيف يدل على مزيد ذل الكفار. فالجواب: لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه الحال، وذلك يوجب مزيد ذلهم. قوله: «جِثِيًّا» حال مقدرة من مفعول «لنُحْضرنَّهُمْ» . و «جِثِيًّا» جمع جاثٍ جمع على فعول، نحو قَاعد وقُعُود، وجَالس وجُلوس، وفي لامه لغتان: أحدهما: الواو. والأخرى: الياء. يقال: جَثَا يَجْثُو جُثُوًّا، وجَثَا يَجْثِي جِثِيًّا. فعلى التقدير الأول: يكون أصله جُثُوو. بواوين الأولى زائدة علامة للجمع والثانية لام الكلمة، ثم أعلت إعلال عِصِيّ ودليّ، وتقدم تحقيقه في «عِتيًّا» . وعلى الثاني يكون الأصل: جُثُوياً، فأعل إعلال هيِّن وميِّت. وعن ابن عباس: أنه بمعنى جماعات جماعات، جمع جثْوة، وهوالمجموع من التراب والحجارة، وفي صحته عنه نظر من حيث إنَّ فعلهُ لا يجمع على فعول. ويجوز في «جِثِيًّا» أن يكون مصدراً على فعول، وأصله كما تقدم في حال كونه جمعاً، إمَّا جُثُوو، وإمَّا جُثُوي. وقد تقدم أنَّ الأخوين يكسران فاءه، والباقون يضمونها. والجثوّ: القعود على الركب. قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: ليخرجن من كل أمة وأهل دين من الكفار والشيعة فعلة كفرقة: ومنه الطائفة التي شاعت، أي: تبعت غاوياً من الغواة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 159] . والمعنى: أنه - تعالى - يحضرهم أولاً حول جهنم، ثم يميز البعض من البعض، فمن كان منهم أشد تمرداً في كفره خص بعذاب عظيم، لأنَّ عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعاً لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد، ومعنى الآية: أنه ينزع من كل فرقة من كان أشد عتياًّ وتمرداً ليعلم أنَّ عذابه أشد وفائدة هذا التمييز التخصيص «بشدة العذاب لا التخصيص» بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ ولا يقال: «أوْلَى» إلا مع اشتراكهم في العذاب. قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ فيه أقوال كثيرة، أظهرها عند جمهور المعربين، وهو مذهب سيبويه: أنَّ «أيُّهُمْ» موصولة بمعنى «الذي» ، وأنَّ حركتها حركة بناء، بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر. و «أشَدُّ» خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلة ل «أيُّهُمْ» ، و «أيُّّهُمْ» وصلتها في محل نصب مفعولاً بها بقوله: «لنَنْزِعَنَّ» . ول «أيّ» أحوال الأربعة: إحداها تبني فيها، وهي كما في هذه الآية أن تضاف ويحذف صدر صلتها، ومثله قول الآخر: 3616 - إذَا ما أتَيْتَ بَنِي مَالِكٍ ... فَسَلِّمْ عَلَى أيُّهثمْ أفْضَلُ بضم «أيُّهُمْ» . وتفاصيلها مقررة في كتب النحو. وزعم الخليل - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ «أيُّهُمْ» هنا مبتدأ، و «أشدُّ» خبره، وهس استفهامية، والجملة محكية بالقول مقدراً، والتقدير: لنَنْزِعَنَّ من كُل شيعةٍ المقول فيهم أيُّهُم. وقوى الخليل تخريجه بقول الشاعر: 3617 - ولقَدْ أبِيتُ مِنَ الفتاةِ بِمَنْزِلٍ ... فأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُوم قال: فأبيتُ يقالُ فيَّ: لا حرجٌ ولا محْرُوم. وذهب يونس إلى أنَّها استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبرها كقول الخليل إلاَّ أنَّه زعم أنها متعلقة ل «نَنْزِعَنَّ» ، فهي في محل نصب، لأنَّه يجوز التعليق في سائر الفعال، ولا يخصه «بأفعال القلوب كما يخصه» بها الجمهور. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون النزع واقعاً على ﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ كقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا﴾ [مريم: 50] ، أي: لننزعنَّ بعض كل شيعة، فكأنَّ قائلاً قال: مَنْ هُمْ؟ فقيل: أيهم أشدّ عِتِيًّا. فجعل «أيُّهُمْ» موصولة أيضاً، ولكن هي في قوله خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين هم أشد. قال أبو حيان: وهذا تكلف ما لا حاجة إليه، وادعاء إضمار غير محتاج إليه، وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين. وحكى أبو البقاء عن الأخفش والكسائي أن مفعول «نَنْزعنَّ» : «مِنْ كُلِّ شيعةٍ» و «مِنْ» مزيدة، قال: وهما يجيزان زيادة «مِنْ» «في الواجب» ، و «أيُّهُم» استفهام أي: لنَنْزِعَنَّ كُلَّ شيعةٍ. وهذا مخالف في المعنى تخريج الجمهور، فإنَّ تخريجهم يؤدي إلى التبعيض، وهذا يؤدي إلى العموم، إلاَّ أن يجعل «مِنْ» لابتداء الغاية لا للتبعيض فيتفق التخريجان، وذهب الكسائي إلى أنَّ معنى «لنَنْزِعَنَّ» لنُنَادِينَّ، فعومل معاملته، فلم يعمل في «أيّ» . قال المهدوي: «ونادى» يعلق إذا كان بعده جملة نصب، فيعمل في المعنى ولا يعمل في اللفظ. وقال المبرد: «أيُّهُمْ» متعلق ب «شيعةٍ» فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تسايعوا أيهم أشد، كأنهم يتبادرون إلى هذا. «ويلزمه على هذا» أن يقدر مفعولاً ل «ننزعنَّ» محذوفاً وقدر بعضهم في قول المبرد: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم. قال النحاس وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي تشايعوا بمعنى تعاونوا قال شهاب الدين: وفي هذه العبارة المنسوبة للمبرد قلق، ولا بيَّن الناقل عنه وجه الرفع عن ماذا يكون، وبيَّنه أبو البقاء، لكن جعل «أيهم» فاعلاً لما تضمنه «شِيعَةٍ» «من معنى الفعل، قال: التقدير: لننزعن من كل» فريق يشيع أيهم. وهي على هذا بمعنى «الذي» ونقل الكوفيون أنَّ «أيُّهُم» في الآية بمعنى الشرط، والتقدير: إن اشتدَّ عتوهم أو لم يشتد، كما تقول: ضرب القوم أيهم غضب. المعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا. وقرأ طلحة بن مصرِّف «ومعاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء، وزائدة» عن الأعمش «أيُّهُمْ» نصباً. فعلى هذه القراءة والتي قبلها ينبغي أن يكون مذهب سيبويه جواز إعرابها وبنائها، وهو المشهور عند النقلة عنه، «وقد نقل عنه» أنَّه يحتم بناءها. قال النحاس: ما علمتُ أحداً من النحويين إلاَّ وقد خطَّأ سيبويه، «قال: وسمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: ما يبين لي أنَّ سيبويه» غلط في كتابه إلاَّ في موضعين هذا أحدهما. قال: وقد أعرب سيبويه «أيًّا» وهي مفردة، لأنَّها تضاف فكيف يبينها مضافة. وقال الجرميّ: خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحداً يقول: لأضربن أيهم قائم، بالضم بل ينصب. قوله: «على الرَّحمنِ» متعلق ب «أشَدُّ» ، و «عِتِيًّا» منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ، «إذ التقدير» : أيُّهُم هو عتوه أشد. ولا بدَّ من محذوف يتم به الكلام، التقدير: فيلقيه في العذاب، أو فنبدأ بعذابه. قال الزمخشري: فإن قلت: بم يتعلق «عَلَى» ، و «البَاء» ، فإن تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه. قلتُ: هما للبيان لا للصلة، أو يتعلقان بأفعل، أي: عتوهم أشد على الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم: هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا. يعني ب «عَلَى» قوله:: على الرَّحمنِ «، وب» الباء «قوله:» بالَّذِينَ هُمْ «وقوله: بالمصدرين. يعني بهما» عتِيًّا «و» صِلِيًّا» . «وأما كونه لا سبيل إليه» ، فلأن المصدر في نية الموصول، ولا يتقدم معمول الموصول عليه» وجوَّز بعضهم «أن يكون» عِتِيًّا» ، و «صليًّا» في هذه الآية مصدرين كما تقدم وجوَّز أن يكون جمع عاتٍ وصالٍ فانتصابهما على هذا الحال. وعلى هذا يجوز أن يتعلق» عَلَى «و» الباء» بهما لزوال المحذوف المذكور. قال المفسرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ أي أحق بدخول النار. يقال: صَلِيَ يَصْلَى صُليًّا مثل لَقِيَ يَلْقَى لُقْيًّا، وصَلَى يَصْلِي صُليًّا مثل مَضَى يَمْضِي مُضيًّا، إذا دخل النار، وقَاسَى حرَّها. قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الآية. الواو في «وإنْ» فيها وجهان: أحدهما: أنها عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها. وقال ابن عطية: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحله القسم «وأراد بالقسم قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ . قال أبو حيان:» وذهل عن» قول النحويين: إنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو ب «إنَّ» ، والجواب هنا على زعمه ب» إنْ «النافية، فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا. وقوله: والواو تقتضيه. يدلُّ على أنها عنده واو القسم، ولا يذهب نَحْوِي إلى أنَّ مثل هذه الواو واو القسم، لأنَّهُ يلزم عن ذلك حذف المجرور وإبقاء الجاء، ولا يجوز بذلك إلا أن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه، كما أولوا في قولهم: نِعْمَ السًّيْرُ على بِئْسَ العيرُ. أي: على عير بئس العير، وقول الشاعر: 3618 - واللهِ مَا لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُهْ ... أي: بِلَيْل نام صاحبه، وهذه الآية ليست من هذا الضرب، إذ لم يحذف المقسم» به» وقامت صفته مقامه. و «إنْ» حرف نفي، «و» مِنْكُم «صفة لمحذوف تقديره: وإن أحد منكم» ويجوز أن يكون التقدير: وإن منكم إلاَّ من هو واردها وقد تقدم لذلك نظائر. والخطاب في قوله:: مِنْكُمْ «يحتمل الالتفات وعدمه. قال الزمخشري: التفات إلى الإنسان، ويعضده قراءة ابن مسعود وعكرمة،» وإنْ مِنْهُمْ «أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور. والحَتْمُ: القضاءُ، والوجوب حَتْم، أي: أوجبه حتماص، ثم يطلق الحتم على الأمر المحتوم كقوله تعالى: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: 11] ، وهذا درهمٌ ضرب الأمير. و» على ربِّك» متعلق ب «حَتْم» ، لأنَّه في معنى اسم المفعول ولذلك وصفه ب «مَقْضِيًّا» . فصل المعنى: وما منكم إلا واردها، والورود هو موافاة المكان. وقيل القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها. واختلفوا في معنى الورود هنا فقال ابن عباس والأكثرون: الورود ههنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى النار، وقالوا: يدخلها البر والفاجر، ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها، ويدلُّ على أنَّ الورود هو الدخول قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ [هود: 98] . روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنَّ نافع بن الأزرق مارى ابن عباس في الورود فقال ابن عباس: هو الدخول. وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلى ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنا وأنت سنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله، وما أرى أن يخرجك منها بتكذيبك. ويدلُّ عليه أيضاً قوله تعالى «ثُمَّ نُنَجِّي الذينَ اتَّقَوْا» ، أي: ننجي من الواردين من اتقى، ولا يجوز أن يقول» ثُمَّ نُنجي الذين اتقول ونذر الظالمين فيها جثياً «إلاَّ والكل واردون. والأخبار المروية دل على هذا القول، وهو ما «روي عن عبد الله بن رواحة قال: أخبر الله تعالى عن الورود ولم يخبر بالصد، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» يا ابن رواحة «اقرأ ما بعدها» ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا «فدلَّ على أنَّ ابن رواحة فهم من الورود الدخول، ولم ينكر عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك وعن جابر أنَّه سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» الورودُ الدخولُ، ولا يبقى بردٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، حتى إن للنار ضجيجاً من بردها» . وقيل: المراد من تقدم ذكره من الكفار، فكنى عنهم أولاً كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة. قالوا: ولا يجوز أن يدخل الناء مؤمن أبداً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها، ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها. وقوله: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] . والمراد في قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الحضور والرؤية لا الدخول، كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 23] أراد به الحضور. وقال عكرمة: الآية في الكفار يدخلونها ولا يخرجون منها. وقال ابن مسعود: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ يعني القيامة والكناية راجعة إليها. وقال البغوي: والأول أصح، وعليه أهل السنة أنهم جميعاً يدخلون النار، ثم يخرج الله منها أهل الإيمان، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾ أي: الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه. قوله: ﴿كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ أي: كان ورودكم جهنم حتماً لازماً مقضياً قضاه الله عليكم. قوله: «ثُمَّ نُنَجِّي» . قرأ العامة: ثُمَّ نُنَجِّي» بضم «ثُمَّ» على أنَّها العاطفة. وقرأ علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وابن مسعود، وابن عباس، وأبي، والجحدري ويعقوب «ثَمَّ» بفتحها على أنَّها الظرفية، ويكون منصوباً بما بعده، أي: هُناك نُنَجِّي الذين اتََّقَوا. وقرأ الجمهور «نُنَجِّي» بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم من نجَّى مضعفاً. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن «نُنَجِي» من أنْجَى. والفعل على هاتين القراءتين مضارع. وقرأت فرقة «نُجِّي» بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وهو على هذه القراءة ماض مبني للمفعول، وكان من حق قارئها أن يفتح الياء، ولكنه سكنه تخفيفاً. وتحتمل هذه القراءة توجيهاً آخر سيأتي في قراءة متواترة في آخر سورة الأنبياء. وقرأ علي بن أبي طالب - أيضاً - «نُنَحِّي» بحاء مهملة من التنحية. ومفعول «اتَّقَوْا» محذوف مراد للعلم به، أي: اتقوا الشرك والظلم. قوله: «جِثِيًّا» إمَّا مفعول ثان إن كان «نَذَرُ» يتعدى لاثنين بمعنى أن «نترك ونصير» . وإمَّا حال إن جعلت «نَذَرُ» بمعنى نخليهم. و «جَثِيًّا» على ما تقدم. و «فيها» يجوز أن يتعلق ب «نَذَرُ» ، وأن يتعلق ب «جِثِيًّا» إن كان حالاً ولا يجوز ذلك فيه إن كان مصدراً، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «جِثِيًّا» ، لأنه في الأصل صفة لنكرة قدم عليها فنصب حالاً. فصل اختلفوا في أنَّه كيف يندفع عن المتقين ضرر النار إذا ورودها بأنَّ القول هو الدخول. فقيل: «البقعة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، وإذا كان كذلك لا يمتنع» أن يدخل الكل في جهنم، ويكون المؤمنون في تلك المواضع الخالية عن النار والكفار في وسط النار، وعن جابر أنَِّ رسول الله صلى الله عيله وسلم قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول بعضهم لبعض: أليس ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: قد دخلتموها وهي خامدة» . وقيل: إنَّ الله - تعالى - يخمد النار فيعبرها المؤمنون، وتنهار بالكافرين. قال ابن عباس: يردونها كأنَّها إهالة. وقيل: إنَّ الله - تعالى - يجعل النار الملاصقة لأبدان المؤمنين برداً وسلاماً كما جاء في الحديث المتقدم، وكما في حق إبراهيم - عليه السلام -، وكما في حق الكوز الواحد من الماء يشربه القبطي فيكون دماً، ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء عذباً، وفي الحديث: «تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» وعن مجاهد في قوله تعالى « ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قال: من حُمَّ من المسلمين فقد وردها. وفي الخبر» الحمى كنز من جهنم، وهي حظ المؤمن من النار «واعلم أنه لا بُدَّ من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين. فإن قيل: إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم فما الفائدة في ذلك الدخول؟ فالجواب: أنَّ ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه. وأيضاً: فيه مزيد غم على أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إيله وأيضاً: إن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فيزداد غم الكفار وسرور المؤمنين. وأيضاً: فإن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر والنشر، ويستدلون على ذلك، فما كانوا يقبلون تلك الدلائل، فإذا دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوه، وأنَّ المكذِّبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين. وأيضاً: إنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة على ما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.

مريم 19:70

قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. قال ابن عطية: الواو عاطفة جملة كلام على أخرى، واصلة بين القولين، وإن لم يكن معناهما واحداً. وقد أغرب النقاش في حكاية قول: وهو أن قوله: «وما نَتَنَزَّلُ» متصل بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ﴾ [مريم: 19] . وقال أبو البقاء: «وما نَتَنَزَّلُ» أي: وتقول الملائكة. فجعله معمولاً لقول مضمر. وقيل: هو من كلام أهل الجنة. وهو أقرب مما قبله. و «نَتَنَزَّلُ» مطاوع نزَّل - بالتشديد - ويقتضي العمل في مهلة وقد لا يقتضيها. قال الزمخشري: التنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق، كقوله: 3612 - فَلَسْتُ لإنْسِيّ ولكن لملأكٍ ... تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّمَاءِ يصُوبُ لأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، ويكون بمعنى التدرج، واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل، والمراد: أن نزولنا في الأحايين وقتاً بعد وقت. ثال شهاب الدين: وقد تقدم أنه يفرق بين نزَّل وأنزل في أول هذا الموضوع. وقرأ العامة «نَتَنَزَّلُ» بنون الجمع. وقرأ الأعرج «يتنزَّلُ» بياء الغيبة، وفي الفاعل حينئذ قولان: أحدهما: أنه ضمير جبريل - عليه السلام -. قال ابن عطية: ويرده قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ ، لأنه لا يطرد معه، وإنما يتجه أن يكون خبراً عن جبريل أي: القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها. وقد يجاب ابن عطية بأنه على إضمار القول، أي: قائلاً ما بين أيدينا. والثاني: أنه يعود على الوحي، وكذا قال الزمخشري على الحكاية عن جبريل، والضمير للوحي. ولا بد من إضمار هذا القول أيضاً. قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ . استدل بعض النحاة على أن الأزمنة ثلاثة: ماض، وحاضر، ومستقبل بهذه الآية وهو كقول زهير: 3613 - واعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ... ولكِنَّنِي عن عِلْمِ ما فِي غدٍ عَمِ فصل روى ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يا جبريل ما منعك أن تزورنا» فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. وقال عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل، والكلبي: «احتبس جبريل - عليه السلام - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سأل قومه عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح فقال:» أخبركم غداً «، ولم يقل: إن شاء الله حتى شق على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال المشركون ودَّعهُ ربه وقلاه، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت إليك «فقال له جبريل - عليه السلام - إني كنت إليك أشوق، ولكنني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست» فنزل قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ﴾ [الكهف: 23، 24] وسورة الضحى وفي هذه الآية سؤال: وهو أن قوله: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم: 63] كلام الله، وقوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ كلام غير الله، فكيف جاز هذا على ما قبله من غير فصل؟ . وأجيب: بأنه إذا كانت القرينة لم يقبح كقوله - تعالى -: ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35] ، (وهذا كلام الله تعالى، ثم عطف عليه) ﴿وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ [مريم: 36] . واعلم أنَّ ظاهر قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ خطاب جماعة لواحد، وذلك لا يليق بالذين ينزلون على الرسول، فلذلك ذكروا في سبب النزول ما تقدم. ثم قال: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي: علم ما بين أيدينا قال سعيد بن جبير وقتادة، ومقاتل: «ما بَيْنَ» أيدِينَا «من أمر الآخرة، والثواب والعقاب،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «ما يكون في هذا الوقت إلى قيام الساعة. وقيل:» مَا بَيْنَ أيْدِينَا «من أمر الآخرة،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «أي: بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وقيل:» مَا بَيْنَ أدينَا «ما بقي من أمر الدنيا،» ومَا خَلْفَنَا «ما مضى منها،» ومَا بَيْنَ ذَلِكَ «هذه حياتنا. وقيل:: مَا بَيْنَ أيْدِينَا» بعد أن نموت، «ومَا بَيْن ذلكَ» مدة الحياة. وقيل: «مَا بَيْنَ أيدِينَا» الأرض إذا أردنا النزول إليها، «ومَا خَلْفَنَا» السماء وما أنزل منها، «ومَا بَيْنَ ذلِكَ» الهواء، يريد أن ذلك كله لله - عَزَّ وَجَلَّ - فلا يقدر على شيء إلاَّ بأمره. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي: ناسياً، أي: ما نسيك ربك بمعنى تركك، والناسي التارك، كقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ [الضحى: 3] أي: ما كان امتناع النزول لترك الله لك وتوديعه إياك. قوله: ﴿رَّبُّ السماوات﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من «ربُّكَ» . الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو ربُّ. الثالث: كونه مبتدأ والخبر الجملة الأمرية بعده. وهذا ماشٍ رأي الأخفش، إذ يجوِّز زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً. قوله: «لِعبادَتِهِ» متعلق ب «اصْطَبَرْ» فإن قيل: لِمَ لَمْ يقُلْ: واصطبر على عبادته، لأنها صلته، فكان حقه تعديه ب «على» ؟ . فالجواب: أنَّه ضمن معنى الثبات، لأنَّ العبادة ذات تكاليف قل من يصبر لها، فكأنَّه قيل: واثبت لها مصطبرا. واستدلوا بهذه الآية على أنَّ فعل العبد خلق لله - تعالى -، لأنَّ فعل العبدِ حاصل بين السموات والأرض، وهو رب لكل شيء حاصل بينهما. قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أدغم الأخوان، وهشام، وجماع لام «هَلْ» في «التاء» . وأنشدوا على ذلك بيت مُزَاحِم العُقيليّ: 3614 - فَذَرْ ذَا ولكِن هَتُّعِينُ مُتَيَّماً ... عَلى ضَوْءِ برْقِ آخِرِ اللَّيْلِ نَاصِبِ فصل دلَّ ظاهر الآية على أنَّه - تعالى - رتب الأمر بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سميّ له، والأقرب أنه ذكر الاسم وأراد هل تعلم له نظيراً فيما يقتضي العبادة والتي يقتضيها كونه منعماً بأصول (النعم وفروعها، وهي خلق الأجسام، والحياة والعقل، وغيرها، فإنه لا يقدر على ذلك) أحد سواه - سبحانه وتعالى - وإذا كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام، وجب أن تعظمه بغاية التعظيم، وهي العبادة. قال ابن عباس: هل تعلم له مثلاً. وقال الكلبي: ليس له شريك في اسمه. وذلك لأنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله - تعالى - على شيء. قال ابن عباس: لا يسمة بالرحمن غيره. وأيضاً: هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل، لأنَّ التسمية على الباطل كلا تسمية، لأنها غير معتد بها، والقول الأول أقرب. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ الآية. «إذَا» منصوب بفعل مقدر مدلول عليه بقوله تعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ﴾ ، تقديره: إذا مت أبعث أو أحياً، ولا يجوز أن يكون العامل فيه «أخْرَجُ» لانَّ ما بعد لام الابتداء لا يعمل ما قبلها قال أبو البقاء: لأن ما بعد اللام وسوف لا يعمل فيما قبلها ك «إنَّ» قال شعاب الدين: قد جعل المانع مجموع الحرفين، أما اللام فمسلم وأما حرف التنفيس فلا مدخل له في المنع، لأن حرف التنفيس يعمل كا بعده فيما قبله، تقول: زَيْداً سأضَرِبُ وسوف أضرب، ولكن فيه خلاف ضعيف، والصحيح الجواز، وأنشدوا عليه: 3615 - فَلَمَّا رَأتْهُ آمَناً هَانَ وجْدُهَا ... وقَالَتْ أبُونَا سَوْفَ يَفْعَلُ ف «هَكَذَا» منصوب ب «يَفْعَلُ» بعد (حرف التنفيس) ، (وقال ابن عطية) : واللام في قوله: «لَسَوْفَ» مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى، كأن قائلاً قال للكافر: (إذا متُّ) يا فلان لسوف تخرج حيًّا، فقرر الكلام على الكلام على جهة الاستبعاد، وكرر اللام حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية لكلام تقدم بل هو من كلام الكافر، وهو استفهام فيه معنى الجحد والاستبعاد. وقال الزمخشري: فإن قيل: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلتُ: لم تجامعها إلاَّ مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض، واضْمَحَلَّ عنها معنى التعريف. قال أبو حيان: وما ذكر من أن اللام تعطي «معنى» الحال مخالف فيه، فعلى مذهب من لا يرى ذلك يسقط السؤال، وأما قوله: كما أخلصت الهمزة. فليس ذلك إلاَّ على مذهب من يزعم أن أصله: إله، وأما من يزعم أن أصله: لاه. فلا تكون الهمزة فيه للتعويض «إذْ لم يحذف منه شيء، ولو قلنا: إنَّ أصله إله، وحذفت فاء الكلمة لم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض» ، إذ لو كانت عوضاً من المحذوف لثبتت دائماً في النداء وغيره، ولما جاز حذفها في النداء، قالوا: يا الله بحذفها، وقد نصوا على أن «قطع» همزة الوصل في النداء شاذ. وقرأ الجمهور: «أءِذَا» بالاستفهام، وهو استبعاد كما تقدم. وقرأ أبو ذكوان بخلاف عنه، وجماعة «إذَا» بهمزة واحدة على الخبر أو الاستفهام وحذف أداته للعلم بها، ولدلالة القراءة الأخرى عليها. وقرأ طلحة بن مصرِّف «لسَأخرجُ» بالسين دون سوف. هذا نقل الزمخشري عنه. وغيره نقل «سَأخْرَجُ» دون لام الابتداء، وعلى هذه القراءة يكون العامل في الظرف نفس «أخْرَجُ» ، ولا يمنع حرف التنفيس على الصحيح. وقرأ العامة «أخْرَجُ» مبنياً للمفعول. والحسن، وأبو حيوة «أخْرُجُ» مبنياً للفاعل. و «حيًّا» حال مؤكدة، لأنَّ من لازم خروجه أن يكون حيًّا، وهو كقوله: ﴿أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم: 33] . فصل لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها، فكأنَّ سائلاً سأل وقال: هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا، وأمَّا في الاخرة فقد أنكرها قوم، فلا بُدَّ من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى تظهر فائدة الاشتغال بالعيادة، فلهذا حكى الله - تعالى - قول منكري الحشر، فقال: ﴿وَيَقُولُ الإنسان﴾ الآية: قالوا ذلك على سبيل افنكار والاستبعاد وذكروا في الإنسان وجهين: أحدها: أن يكون المراد الجنس كقوله: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ [الإنسان: 1] . فإن قيل: كلهم غير قائلين بذلك، فكيف يصح هذا القول؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ هذه المقولة لمَّا كانت موجودة في جنسهم صحَّ اسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناًَ، وإنما القاتل رجل منهم. الثاني: أنَّ هذا الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلاَّ أنَّ بعضهم تركه للدلالة القاطعة على صحة القول به. القول الثاني: أنَّ المراد بالإنسان شخص معين، فقيل: أبيُّ بن خلف الجمحي. وقيل: أبو جهل. وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث. ثم إن الله - تعالى - أقام للدلالة على صحة البعث فقال: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ﴾ الآية قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وجماعة: «يَذْكُرُ» مضارع ذكر. والباقون بالتشديد مضارع تذكَّر. والأصل: يتذكر، فأدغمت التاء في الذال. وقد قرأ بهذا الأصل وهو «يتذكَّر» أبيٌّ. والهمزة في قوله: «أو لا يذكُرُ مؤخرة على حرف العطف تقديراً كما هو قول الجمهور وقد رجع الزمخشري إلى قول الجمهور هنا فقال: الواو عطفت» لا يذكُرُ «على» يَقُولُ «ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف» عليه «وحرف العطف. ومذهبه: أن يقدر بين حرف العطف وهمزة الاستفهام جملة يعطف عليها ما بعدها. وقد فعل هذا أعني الرجوع إلى قول الجمهور في سورة الأعراف كما نبَّه عليه في موضعه. قوله:» مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل بعضه، وقدره الزمخشري: من قبل الحالة التي هو فيها، «وهي حالة» بقائه. فصل قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا شك أنَّ اعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً، ونظيره قوله تعالى ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] واحتجوا بهذه الآية على أنَّ المعدوم ليس بشيء، وهو ضعيف؛ لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض، وهذا المجموع ما كان شيئاً، ولكن لم قلت: إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئاً قبل كونه موجوداً فإن قيل: كيف أمر الله - تعالى - الإنسان بالتذكر مع أنَّ التذكر هو العلم بما علمه من قبل ثم تخللهما سهو؟ . فالجواب: المراد أو لا يتفكر فيعلم خصوصاً إذا قرئ «أو لا يذَّكَّرُ» مشدداً، أما إذا قرئ «أو لا يذكُرُ» مخففاً، فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأنَّ كل أحد يعلم أنه لم يكن حيًّا في الدنيا ثم صار حيًّا. ثم إنه تعالى لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتشديد فقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين﴾ أي: لنجمعنهم في المعاد، يعني المشركين المنكرين للبعث مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة. وفائدة القسم أمران: أحدهما: أنَّ العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين. والثاني: أنَّ في قسام الله - تعالى - باسمه مضافاً إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رفعاً منه لشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: 23] . والواو في «والشَّياطين» يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى «مع» وهي بمعنى «مع» أوقع. والمعنى، أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغروهم. ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ أي: نحضرهم على أذل صورة لقوله: «جِثِيًّا» لأنَّ البارك على ركبتيه صورته الذليل، أو صورة العاجز. فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل لقوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: 28] ، ولأنَّ العادة جارية بأنَّ الناس في مواقف مطالبات الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من القلق، أة لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم وإذا كان حاصلاً للكل، فكيف يدل على مزيد ذل الكفار. فالجواب: لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه الحال، وذلك يوجب مزيد ذلهم. قوله: «جِثِيًّا» حال مقدرة من مفعول «لنُحْضرنَّهُمْ» . و «جِثِيًّا» جمع جاثٍ جمع على فعول، نحو قَاعد وقُعُود، وجَالس وجُلوس، وفي لامه لغتان: أحدهما: الواو. والأخرى: الياء. يقال: جَثَا يَجْثُو جُثُوًّا، وجَثَا يَجْثِي جِثِيًّا. فعلى التقدير الأول: يكون أصله جُثُوو. بواوين الأولى زائدة علامة للجمع والثانية لام الكلمة، ثم أعلت إعلال عِصِيّ ودليّ، وتقدم تحقيقه في «عِتيًّا» . وعلى الثاني يكون الأصل: جُثُوياً، فأعل إعلال هيِّن وميِّت. وعن ابن عباس: أنه بمعنى جماعات جماعات، جمع جثْوة، وهوالمجموع من التراب والحجارة، وفي صحته عنه نظر من حيث إنَّ فعلهُ لا يجمع على فعول. ويجوز في «جِثِيًّا» أن يكون مصدراً على فعول، وأصله كما تقدم في حال كونه جمعاً، إمَّا جُثُوو، وإمَّا جُثُوي. وقد تقدم أنَّ الأخوين يكسران فاءه، والباقون يضمونها. والجثوّ: القعود على الركب. قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: ليخرجن من كل أمة وأهل دين من الكفار والشيعة فعلة كفرقة: ومنه الطائفة التي شاعت، أي: تبعت غاوياً من الغواة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 159] . والمعنى: أنه - تعالى - يحضرهم أولاً حول جهنم، ثم يميز البعض من البعض، فمن كان منهم أشد تمرداً في كفره خص بعذاب عظيم، لأنَّ عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعاً لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد، ومعنى الآية: أنه ينزع من كل فرقة من كان أشد عتياًّ وتمرداً ليعلم أنَّ عذابه أشد وفائدة هذا التمييز التخصيص «بشدة العذاب لا التخصيص» بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ ولا يقال: «أوْلَى» إلا مع اشتراكهم في العذاب. قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ فيه أقوال كثيرة، أظهرها عند جمهور المعربين، وهو مذهب سيبويه: أنَّ «أيُّهُمْ» موصولة بمعنى «الذي» ، وأنَّ حركتها حركة بناء، بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر. و «أشَدُّ» خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلة ل «أيُّهُمْ» ، و «أيُّّهُمْ» وصلتها في محل نصب مفعولاً بها بقوله: «لنَنْزِعَنَّ» . ول «أيّ» أحوال الأربعة: إحداها تبني فيها، وهي كما في هذه الآية أن تضاف ويحذف صدر صلتها، ومثله قول الآخر: 3616 - إذَا ما أتَيْتَ بَنِي مَالِكٍ ... فَسَلِّمْ عَلَى أيُّهثمْ أفْضَلُ بضم «أيُّهُمْ» . وتفاصيلها مقررة في كتب النحو. وزعم الخليل - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ «أيُّهُمْ» هنا مبتدأ، و «أشدُّ» خبره، وهس استفهامية، والجملة محكية بالقول مقدراً، والتقدير: لنَنْزِعَنَّ من كُل شيعةٍ المقول فيهم أيُّهُم. وقوى الخليل تخريجه بقول الشاعر: 3617 - ولقَدْ أبِيتُ مِنَ الفتاةِ بِمَنْزِلٍ ... فأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُوم قال: فأبيتُ يقالُ فيَّ: لا حرجٌ ولا محْرُوم. وذهب يونس إلى أنَّها استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبرها كقول الخليل إلاَّ أنَّه زعم أنها متعلقة ل «نَنْزِعَنَّ» ، فهي في محل نصب، لأنَّه يجوز التعليق في سائر الفعال، ولا يخصه «بأفعال القلوب كما يخصه» بها الجمهور. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون النزع واقعاً على ﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ كقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا﴾ [مريم: 50] ، أي: لننزعنَّ بعض كل شيعة، فكأنَّ قائلاً قال: مَنْ هُمْ؟ فقيل: أيهم أشدّ عِتِيًّا. فجعل «أيُّهُمْ» موصولة أيضاً، ولكن هي في قوله خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين هم أشد. قال أبو حيان: وهذا تكلف ما لا حاجة إليه، وادعاء إضمار غير محتاج إليه، وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين. وحكى أبو البقاء عن الأخفش والكسائي أن مفعول «نَنْزعنَّ» : «مِنْ كُلِّ شيعةٍ» و «مِنْ» مزيدة، قال: وهما يجيزان زيادة «مِنْ» «في الواجب» ، و «أيُّهُم» استفهام أي: لنَنْزِعَنَّ كُلَّ شيعةٍ. وهذا مخالف في المعنى تخريج الجمهور، فإنَّ تخريجهم يؤدي إلى التبعيض، وهذا يؤدي إلى العموم، إلاَّ أن يجعل «مِنْ» لابتداء الغاية لا للتبعيض فيتفق التخريجان، وذهب الكسائي إلى أنَّ معنى «لنَنْزِعَنَّ» لنُنَادِينَّ، فعومل معاملته، فلم يعمل في «أيّ» . قال المهدوي: «ونادى» يعلق إذا كان بعده جملة نصب، فيعمل في المعنى ولا يعمل في اللفظ. وقال المبرد: «أيُّهُمْ» متعلق ب «شيعةٍ» فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تسايعوا أيهم أشد، كأنهم يتبادرون إلى هذا. «ويلزمه على هذا» أن يقدر مفعولاً ل «ننزعنَّ» محذوفاً وقدر بعضهم في قول المبرد: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم. قال النحاس وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي تشايعوا بمعنى تعاونوا قال شهاب الدين: وفي هذه العبارة المنسوبة للمبرد قلق، ولا بيَّن الناقل عنه وجه الرفع عن ماذا يكون، وبيَّنه أبو البقاء، لكن جعل «أيهم» فاعلاً لما تضمنه «شِيعَةٍ» «من معنى الفعل، قال: التقدير: لننزعن من كل» فريق يشيع أيهم. وهي على هذا بمعنى «الذي» ونقل الكوفيون أنَّ «أيُّهُم» في الآية بمعنى الشرط، والتقدير: إن اشتدَّ عتوهم أو لم يشتد، كما تقول: ضرب القوم أيهم غضب. المعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا. وقرأ طلحة بن مصرِّف «ومعاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء، وزائدة» عن الأعمش «أيُّهُمْ» نصباً. فعلى هذه القراءة والتي قبلها ينبغي أن يكون مذهب سيبويه جواز إعرابها وبنائها، وهو المشهور عند النقلة عنه، «وقد نقل عنه» أنَّه يحتم بناءها. قال النحاس: ما علمتُ أحداً من النحويين إلاَّ وقد خطَّأ سيبويه، «قال: وسمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: ما يبين لي أنَّ سيبويه» غلط في كتابه إلاَّ في موضعين هذا أحدهما. قال: وقد أعرب سيبويه «أيًّا» وهي مفردة، لأنَّها تضاف فكيف يبينها مضافة. وقال الجرميّ: خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحداً يقول: لأضربن أيهم قائم، بالضم بل ينصب. قوله: «على الرَّحمنِ» متعلق ب «أشَدُّ» ، و «عِتِيًّا» منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ، «إذ التقدير» : أيُّهُم هو عتوه أشد. ولا بدَّ من محذوف يتم به الكلام، التقدير: فيلقيه في العذاب، أو فنبدأ بعذابه. قال الزمخشري: فإن قلت: بم يتعلق «عَلَى» ، و «البَاء» ، فإن تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه. قلتُ: هما للبيان لا للصلة، أو يتعلقان بأفعل، أي: عتوهم أشد على الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم: هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا. يعني ب «عَلَى» قوله:: على الرَّحمنِ «، وب» الباء «قوله:» بالَّذِينَ هُمْ «وقوله: بالمصدرين. يعني بهما» عتِيًّا «و» صِلِيًّا» . «وأما كونه لا سبيل إليه» ، فلأن المصدر في نية الموصول، ولا يتقدم معمول الموصول عليه» وجوَّز بعضهم «أن يكون» عِتِيًّا» ، و «صليًّا» في هذه الآية مصدرين كما تقدم وجوَّز أن يكون جمع عاتٍ وصالٍ فانتصابهما على هذا الحال. وعلى هذا يجوز أن يتعلق» عَلَى «و» الباء» بهما لزوال المحذوف المذكور. قال المفسرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ أي أحق بدخول النار. يقال: صَلِيَ يَصْلَى صُليًّا مثل لَقِيَ يَلْقَى لُقْيًّا، وصَلَى يَصْلِي صُليًّا مثل مَضَى يَمْضِي مُضيًّا، إذا دخل النار، وقَاسَى حرَّها. قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الآية. الواو في «وإنْ» فيها وجهان: أحدهما: أنها عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها. وقال ابن عطية: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحله القسم «وأراد بالقسم قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ . قال أبو حيان:» وذهل عن» قول النحويين: إنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو ب «إنَّ» ، والجواب هنا على زعمه ب» إنْ «النافية، فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا. وقوله: والواو تقتضيه. يدلُّ على أنها عنده واو القسم، ولا يذهب نَحْوِي إلى أنَّ مثل هذه الواو واو القسم، لأنَّهُ يلزم عن ذلك حذف المجرور وإبقاء الجاء، ولا يجوز بذلك إلا أن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه، كما أولوا في قولهم: نِعْمَ السًّيْرُ على بِئْسَ العيرُ. أي: على عير بئس العير، وقول الشاعر: 3618 - واللهِ مَا لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُهْ ... أي: بِلَيْل نام صاحبه، وهذه الآية ليست من هذا الضرب، إذ لم يحذف المقسم» به» وقامت صفته مقامه. و «إنْ» حرف نفي، «و» مِنْكُم «صفة لمحذوف تقديره: وإن أحد منكم» ويجوز أن يكون التقدير: وإن منكم إلاَّ من هو واردها وقد تقدم لذلك نظائر. والخطاب في قوله:: مِنْكُمْ «يحتمل الالتفات وعدمه. قال الزمخشري: التفات إلى الإنسان، ويعضده قراءة ابن مسعود وعكرمة،» وإنْ مِنْهُمْ «أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور. والحَتْمُ: القضاءُ، والوجوب حَتْم، أي: أوجبه حتماص، ثم يطلق الحتم على الأمر المحتوم كقوله تعالى: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: 11] ، وهذا درهمٌ ضرب الأمير. و» على ربِّك» متعلق ب «حَتْم» ، لأنَّه في معنى اسم المفعول ولذلك وصفه ب «مَقْضِيًّا» . فصل المعنى: وما منكم إلا واردها، والورود هو موافاة المكان. وقيل القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها. واختلفوا في معنى الورود هنا فقال ابن عباس والأكثرون: الورود ههنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى النار، وقالوا: يدخلها البر والفاجر، ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها، ويدلُّ على أنَّ الورود هو الدخول قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ [هود: 98] . روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنَّ نافع بن الأزرق مارى ابن عباس في الورود فقال ابن عباس: هو الدخول. وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلى ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنا وأنت سنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله، وما أرى أن يخرجك منها بتكذيبك. ويدلُّ عليه أيضاً قوله تعالى «ثُمَّ نُنَجِّي الذينَ اتَّقَوْا» ، أي: ننجي من الواردين من اتقى، ولا يجوز أن يقول» ثُمَّ نُنجي الذين اتقول ونذر الظالمين فيها جثياً «إلاَّ والكل واردون. والأخبار المروية دل على هذا القول، وهو ما «روي عن عبد الله بن رواحة قال: أخبر الله تعالى عن الورود ولم يخبر بالصد، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» يا ابن رواحة «اقرأ ما بعدها» ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا «فدلَّ على أنَّ ابن رواحة فهم من الورود الدخول، ولم ينكر عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك وعن جابر أنَّه سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» الورودُ الدخولُ، ولا يبقى بردٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، حتى إن للنار ضجيجاً من بردها» . وقيل: المراد من تقدم ذكره من الكفار، فكنى عنهم أولاً كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة. قالوا: ولا يجوز أن يدخل الناء مؤمن أبداً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها، ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها. وقوله: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] . والمراد في قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الحضور والرؤية لا الدخول، كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 23] أراد به الحضور. وقال عكرمة: الآية في الكفار يدخلونها ولا يخرجون منها. وقال ابن مسعود: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ يعني القيامة والكناية راجعة إليها. وقال البغوي: والأول أصح، وعليه أهل السنة أنهم جميعاً يدخلون النار، ثم يخرج الله منها أهل الإيمان، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾ أي: الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه. قوله: ﴿كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ أي: كان ورودكم جهنم حتماً لازماً مقضياً قضاه الله عليكم. قوله: «ثُمَّ نُنَجِّي» . قرأ العامة: ثُمَّ نُنَجِّي» بضم «ثُمَّ» على أنَّها العاطفة. وقرأ علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وابن مسعود، وابن عباس، وأبي، والجحدري ويعقوب «ثَمَّ» بفتحها على أنَّها الظرفية، ويكون منصوباً بما بعده، أي: هُناك نُنَجِّي الذين اتََّقَوا. وقرأ الجمهور «نُنَجِّي» بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم من نجَّى مضعفاً. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن «نُنَجِي» من أنْجَى. والفعل على هاتين القراءتين مضارع. وقرأت فرقة «نُجِّي» بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وهو على هذه القراءة ماض مبني للمفعول، وكان من حق قارئها أن يفتح الياء، ولكنه سكنه تخفيفاً. وتحتمل هذه القراءة توجيهاً آخر سيأتي في قراءة متواترة في آخر سورة الأنبياء. وقرأ علي بن أبي طالب - أيضاً - «نُنَحِّي» بحاء مهملة من التنحية. ومفعول «اتَّقَوْا» محذوف مراد للعلم به، أي: اتقوا الشرك والظلم. قوله: «جِثِيًّا» إمَّا مفعول ثان إن كان «نَذَرُ» يتعدى لاثنين بمعنى أن «نترك ونصير» . وإمَّا حال إن جعلت «نَذَرُ» بمعنى نخليهم. و «جَثِيًّا» على ما تقدم. و «فيها» يجوز أن يتعلق ب «نَذَرُ» ، وأن يتعلق ب «جِثِيًّا» إن كان حالاً ولا يجوز ذلك فيه إن كان مصدراً، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «جِثِيًّا» ، لأنه في الأصل صفة لنكرة قدم عليها فنصب حالاً. فصل اختلفوا في أنَّه كيف يندفع عن المتقين ضرر النار إذا ورودها بأنَّ القول هو الدخول. فقيل: «البقعة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، وإذا كان كذلك لا يمتنع» أن يدخل الكل في جهنم، ويكون المؤمنون في تلك المواضع الخالية عن النار والكفار في وسط النار، وعن جابر أنَِّ رسول الله صلى الله عيله وسلم قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول بعضهم لبعض: أليس ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: قد دخلتموها وهي خامدة» . وقيل: إنَّ الله - تعالى - يخمد النار فيعبرها المؤمنون، وتنهار بالكافرين. قال ابن عباس: يردونها كأنَّها إهالة. وقيل: إنَّ الله - تعالى - يجعل النار الملاصقة لأبدان المؤمنين برداً وسلاماً كما جاء في الحديث المتقدم، وكما في حق إبراهيم - عليه السلام -، وكما في حق الكوز الواحد من الماء يشربه القبطي فيكون دماً، ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء عذباً، وفي الحديث: «تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» وعن مجاهد في قوله تعالى « ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قال: من حُمَّ من المسلمين فقد وردها. وفي الخبر» الحمى كنز من جهنم، وهي حظ المؤمن من النار «واعلم أنه لا بُدَّ من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين. فإن قيل: إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم فما الفائدة في ذلك الدخول؟ فالجواب: أنَّ ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه. وأيضاً: فيه مزيد غم على أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إيله وأيضاً: إن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فيزداد غم الكفار وسرور المؤمنين. وأيضاً: فإن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر والنشر، ويستدلون على ذلك، فما كانوا يقبلون تلك الدلائل، فإذا دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوه، وأنَّ المكذِّبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين. وأيضاً: إنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة على ما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.

مريم 19:71

قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. قال ابن عطية: الواو عاطفة جملة كلام على أخرى، واصلة بين القولين، وإن لم يكن معناهما واحداً. وقد أغرب النقاش في حكاية قول: وهو أن قوله: «وما نَتَنَزَّلُ» متصل بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ﴾ [مريم: 19] . وقال أبو البقاء: «وما نَتَنَزَّلُ» أي: وتقول الملائكة. فجعله معمولاً لقول مضمر. وقيل: هو من كلام أهل الجنة. وهو أقرب مما قبله. و «نَتَنَزَّلُ» مطاوع نزَّل - بالتشديد - ويقتضي العمل في مهلة وقد لا يقتضيها. قال الزمخشري: التنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق، كقوله: 3612 - فَلَسْتُ لإنْسِيّ ولكن لملأكٍ ... تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّمَاءِ يصُوبُ لأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، ويكون بمعنى التدرج، واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل، والمراد: أن نزولنا في الأحايين وقتاً بعد وقت. ثال شهاب الدين: وقد تقدم أنه يفرق بين نزَّل وأنزل في أول هذا الموضوع. وقرأ العامة «نَتَنَزَّلُ» بنون الجمع. وقرأ الأعرج «يتنزَّلُ» بياء الغيبة، وفي الفاعل حينئذ قولان: أحدهما: أنه ضمير جبريل - عليه السلام -. قال ابن عطية: ويرده قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ ، لأنه لا يطرد معه، وإنما يتجه أن يكون خبراً عن جبريل أي: القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها. وقد يجاب ابن عطية بأنه على إضمار القول، أي: قائلاً ما بين أيدينا. والثاني: أنه يعود على الوحي، وكذا قال الزمخشري على الحكاية عن جبريل، والضمير للوحي. ولا بد من إضمار هذا القول أيضاً. قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ . استدل بعض النحاة على أن الأزمنة ثلاثة: ماض، وحاضر، ومستقبل بهذه الآية وهو كقول زهير: 3613 - واعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ... ولكِنَّنِي عن عِلْمِ ما فِي غدٍ عَمِ فصل روى ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يا جبريل ما منعك أن تزورنا» فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. وقال عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل، والكلبي: «احتبس جبريل - عليه السلام - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سأل قومه عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح فقال:» أخبركم غداً «، ولم يقل: إن شاء الله حتى شق على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال المشركون ودَّعهُ ربه وقلاه، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت إليك «فقال له جبريل - عليه السلام - إني كنت إليك أشوق، ولكنني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست» فنزل قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ﴾ [الكهف: 23، 24] وسورة الضحى وفي هذه الآية سؤال: وهو أن قوله: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم: 63] كلام الله، وقوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ كلام غير الله، فكيف جاز هذا على ما قبله من غير فصل؟ . وأجيب: بأنه إذا كانت القرينة لم يقبح كقوله - تعالى -: ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35] ، (وهذا كلام الله تعالى، ثم عطف عليه) ﴿وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ [مريم: 36] . واعلم أنَّ ظاهر قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ خطاب جماعة لواحد، وذلك لا يليق بالذين ينزلون على الرسول، فلذلك ذكروا في سبب النزول ما تقدم. ثم قال: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي: علم ما بين أيدينا قال سعيد بن جبير وقتادة، ومقاتل: «ما بَيْنَ» أيدِينَا «من أمر الآخرة، والثواب والعقاب،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «ما يكون في هذا الوقت إلى قيام الساعة. وقيل:» مَا بَيْنَ أيْدِينَا «من أمر الآخرة،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «أي: بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وقيل:» مَا بَيْنَ أدينَا «ما بقي من أمر الدنيا،» ومَا خَلْفَنَا «ما مضى منها،» ومَا بَيْنَ ذَلِكَ «هذه حياتنا. وقيل:: مَا بَيْنَ أيْدِينَا» بعد أن نموت، «ومَا بَيْن ذلكَ» مدة الحياة. وقيل: «مَا بَيْنَ أيدِينَا» الأرض إذا أردنا النزول إليها، «ومَا خَلْفَنَا» السماء وما أنزل منها، «ومَا بَيْنَ ذلِكَ» الهواء، يريد أن ذلك كله لله - عَزَّ وَجَلَّ - فلا يقدر على شيء إلاَّ بأمره. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي: ناسياً، أي: ما نسيك ربك بمعنى تركك، والناسي التارك، كقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ [الضحى: 3] أي: ما كان امتناع النزول لترك الله لك وتوديعه إياك. قوله: ﴿رَّبُّ السماوات﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من «ربُّكَ» . الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو ربُّ. الثالث: كونه مبتدأ والخبر الجملة الأمرية بعده. وهذا ماشٍ رأي الأخفش، إذ يجوِّز زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً. قوله: «لِعبادَتِهِ» متعلق ب «اصْطَبَرْ» فإن قيل: لِمَ لَمْ يقُلْ: واصطبر على عبادته، لأنها صلته، فكان حقه تعديه ب «على» ؟ . فالجواب: أنَّه ضمن معنى الثبات، لأنَّ العبادة ذات تكاليف قل من يصبر لها، فكأنَّه قيل: واثبت لها مصطبرا. واستدلوا بهذه الآية على أنَّ فعل العبد خلق لله - تعالى -، لأنَّ فعل العبدِ حاصل بين السموات والأرض، وهو رب لكل شيء حاصل بينهما. قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أدغم الأخوان، وهشام، وجماع لام «هَلْ» في «التاء» . وأنشدوا على ذلك بيت مُزَاحِم العُقيليّ: 3614 - فَذَرْ ذَا ولكِن هَتُّعِينُ مُتَيَّماً ... عَلى ضَوْءِ برْقِ آخِرِ اللَّيْلِ نَاصِبِ فصل دلَّ ظاهر الآية على أنَّه - تعالى - رتب الأمر بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سميّ له، والأقرب أنه ذكر الاسم وأراد هل تعلم له نظيراً فيما يقتضي العبادة والتي يقتضيها كونه منعماً بأصول (النعم وفروعها، وهي خلق الأجسام، والحياة والعقل، وغيرها، فإنه لا يقدر على ذلك) أحد سواه - سبحانه وتعالى - وإذا كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام، وجب أن تعظمه بغاية التعظيم، وهي العبادة. قال ابن عباس: هل تعلم له مثلاً. وقال الكلبي: ليس له شريك في اسمه. وذلك لأنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله - تعالى - على شيء. قال ابن عباس: لا يسمة بالرحمن غيره. وأيضاً: هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل، لأنَّ التسمية على الباطل كلا تسمية، لأنها غير معتد بها، والقول الأول أقرب. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ الآية. «إذَا» منصوب بفعل مقدر مدلول عليه بقوله تعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ﴾ ، تقديره: إذا مت أبعث أو أحياً، ولا يجوز أن يكون العامل فيه «أخْرَجُ» لانَّ ما بعد لام الابتداء لا يعمل ما قبلها قال أبو البقاء: لأن ما بعد اللام وسوف لا يعمل فيما قبلها ك «إنَّ» قال شعاب الدين: قد جعل المانع مجموع الحرفين، أما اللام فمسلم وأما حرف التنفيس فلا مدخل له في المنع، لأن حرف التنفيس يعمل كا بعده فيما قبله، تقول: زَيْداً سأضَرِبُ وسوف أضرب، ولكن فيه خلاف ضعيف، والصحيح الجواز، وأنشدوا عليه: 3615 - فَلَمَّا رَأتْهُ آمَناً هَانَ وجْدُهَا ... وقَالَتْ أبُونَا سَوْفَ يَفْعَلُ ف «هَكَذَا» منصوب ب «يَفْعَلُ» بعد (حرف التنفيس) ، (وقال ابن عطية) : واللام في قوله: «لَسَوْفَ» مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى، كأن قائلاً قال للكافر: (إذا متُّ) يا فلان لسوف تخرج حيًّا، فقرر الكلام على الكلام على جهة الاستبعاد، وكرر اللام حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية لكلام تقدم بل هو من كلام الكافر، وهو استفهام فيه معنى الجحد والاستبعاد. وقال الزمخشري: فإن قيل: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلتُ: لم تجامعها إلاَّ مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض، واضْمَحَلَّ عنها معنى التعريف. قال أبو حيان: وما ذكر من أن اللام تعطي «معنى» الحال مخالف فيه، فعلى مذهب من لا يرى ذلك يسقط السؤال، وأما قوله: كما أخلصت الهمزة. فليس ذلك إلاَّ على مذهب من يزعم أن أصله: إله، وأما من يزعم أن أصله: لاه. فلا تكون الهمزة فيه للتعويض «إذْ لم يحذف منه شيء، ولو قلنا: إنَّ أصله إله، وحذفت فاء الكلمة لم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض» ، إذ لو كانت عوضاً من المحذوف لثبتت دائماً في النداء وغيره، ولما جاز حذفها في النداء، قالوا: يا الله بحذفها، وقد نصوا على أن «قطع» همزة الوصل في النداء شاذ. وقرأ الجمهور: «أءِذَا» بالاستفهام، وهو استبعاد كما تقدم. وقرأ أبو ذكوان بخلاف عنه، وجماعة «إذَا» بهمزة واحدة على الخبر أو الاستفهام وحذف أداته للعلم بها، ولدلالة القراءة الأخرى عليها. وقرأ طلحة بن مصرِّف «لسَأخرجُ» بالسين دون سوف. هذا نقل الزمخشري عنه. وغيره نقل «سَأخْرَجُ» دون لام الابتداء، وعلى هذه القراءة يكون العامل في الظرف نفس «أخْرَجُ» ، ولا يمنع حرف التنفيس على الصحيح. وقرأ العامة «أخْرَجُ» مبنياً للمفعول. والحسن، وأبو حيوة «أخْرُجُ» مبنياً للفاعل. و «حيًّا» حال مؤكدة، لأنَّ من لازم خروجه أن يكون حيًّا، وهو كقوله: ﴿أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم: 33] . فصل لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها، فكأنَّ سائلاً سأل وقال: هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا، وأمَّا في الاخرة فقد أنكرها قوم، فلا بُدَّ من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى تظهر فائدة الاشتغال بالعيادة، فلهذا حكى الله - تعالى - قول منكري الحشر، فقال: ﴿وَيَقُولُ الإنسان﴾ الآية: قالوا ذلك على سبيل افنكار والاستبعاد وذكروا في الإنسان وجهين: أحدها: أن يكون المراد الجنس كقوله: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ [الإنسان: 1] . فإن قيل: كلهم غير قائلين بذلك، فكيف يصح هذا القول؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ هذه المقولة لمَّا كانت موجودة في جنسهم صحَّ اسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناًَ، وإنما القاتل رجل منهم. الثاني: أنَّ هذا الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلاَّ أنَّ بعضهم تركه للدلالة القاطعة على صحة القول به. القول الثاني: أنَّ المراد بالإنسان شخص معين، فقيل: أبيُّ بن خلف الجمحي. وقيل: أبو جهل. وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث. ثم إن الله - تعالى - أقام للدلالة على صحة البعث فقال: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ﴾ الآية قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وجماعة: «يَذْكُرُ» مضارع ذكر. والباقون بالتشديد مضارع تذكَّر. والأصل: يتذكر، فأدغمت التاء في الذال. وقد قرأ بهذا الأصل وهو «يتذكَّر» أبيٌّ. والهمزة في قوله: «أو لا يذكُرُ مؤخرة على حرف العطف تقديراً كما هو قول الجمهور وقد رجع الزمخشري إلى قول الجمهور هنا فقال: الواو عطفت» لا يذكُرُ «على» يَقُولُ «ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف» عليه «وحرف العطف. ومذهبه: أن يقدر بين حرف العطف وهمزة الاستفهام جملة يعطف عليها ما بعدها. وقد فعل هذا أعني الرجوع إلى قول الجمهور في سورة الأعراف كما نبَّه عليه في موضعه. قوله:» مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل بعضه، وقدره الزمخشري: من قبل الحالة التي هو فيها، «وهي حالة» بقائه. فصل قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا شك أنَّ اعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً، ونظيره قوله تعالى ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] واحتجوا بهذه الآية على أنَّ المعدوم ليس بشيء، وهو ضعيف؛ لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض، وهذا المجموع ما كان شيئاً، ولكن لم قلت: إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئاً قبل كونه موجوداً فإن قيل: كيف أمر الله - تعالى - الإنسان بالتذكر مع أنَّ التذكر هو العلم بما علمه من قبل ثم تخللهما سهو؟ . فالجواب: المراد أو لا يتفكر فيعلم خصوصاً إذا قرئ «أو لا يذَّكَّرُ» مشدداً، أما إذا قرئ «أو لا يذكُرُ» مخففاً، فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأنَّ كل أحد يعلم أنه لم يكن حيًّا في الدنيا ثم صار حيًّا. ثم إنه تعالى لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتشديد فقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين﴾ أي: لنجمعنهم في المعاد، يعني المشركين المنكرين للبعث مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة. وفائدة القسم أمران: أحدهما: أنَّ العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين. والثاني: أنَّ في قسام الله - تعالى - باسمه مضافاً إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رفعاً منه لشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: 23] . والواو في «والشَّياطين» يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى «مع» وهي بمعنى «مع» أوقع. والمعنى، أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغروهم. ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ أي: نحضرهم على أذل صورة لقوله: «جِثِيًّا» لأنَّ البارك على ركبتيه صورته الذليل، أو صورة العاجز. فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل لقوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: 28] ، ولأنَّ العادة جارية بأنَّ الناس في مواقف مطالبات الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من القلق، أة لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم وإذا كان حاصلاً للكل، فكيف يدل على مزيد ذل الكفار. فالجواب: لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه الحال، وذلك يوجب مزيد ذلهم. قوله: «جِثِيًّا» حال مقدرة من مفعول «لنُحْضرنَّهُمْ» . و «جِثِيًّا» جمع جاثٍ جمع على فعول، نحو قَاعد وقُعُود، وجَالس وجُلوس، وفي لامه لغتان: أحدهما: الواو. والأخرى: الياء. يقال: جَثَا يَجْثُو جُثُوًّا، وجَثَا يَجْثِي جِثِيًّا. فعلى التقدير الأول: يكون أصله جُثُوو. بواوين الأولى زائدة علامة للجمع والثانية لام الكلمة، ثم أعلت إعلال عِصِيّ ودليّ، وتقدم تحقيقه في «عِتيًّا» . وعلى الثاني يكون الأصل: جُثُوياً، فأعل إعلال هيِّن وميِّت. وعن ابن عباس: أنه بمعنى جماعات جماعات، جمع جثْوة، وهوالمجموع من التراب والحجارة، وفي صحته عنه نظر من حيث إنَّ فعلهُ لا يجمع على فعول. ويجوز في «جِثِيًّا» أن يكون مصدراً على فعول، وأصله كما تقدم في حال كونه جمعاً، إمَّا جُثُوو، وإمَّا جُثُوي. وقد تقدم أنَّ الأخوين يكسران فاءه، والباقون يضمونها. والجثوّ: القعود على الركب. قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: ليخرجن من كل أمة وأهل دين من الكفار والشيعة فعلة كفرقة: ومنه الطائفة التي شاعت، أي: تبعت غاوياً من الغواة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 159] . والمعنى: أنه - تعالى - يحضرهم أولاً حول جهنم، ثم يميز البعض من البعض، فمن كان منهم أشد تمرداً في كفره خص بعذاب عظيم، لأنَّ عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعاً لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد، ومعنى الآية: أنه ينزع من كل فرقة من كان أشد عتياًّ وتمرداً ليعلم أنَّ عذابه أشد وفائدة هذا التمييز التخصيص «بشدة العذاب لا التخصيص» بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ ولا يقال: «أوْلَى» إلا مع اشتراكهم في العذاب. قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ فيه أقوال كثيرة، أظهرها عند جمهور المعربين، وهو مذهب سيبويه: أنَّ «أيُّهُمْ» موصولة بمعنى «الذي» ، وأنَّ حركتها حركة بناء، بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر. و «أشَدُّ» خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلة ل «أيُّهُمْ» ، و «أيُّّهُمْ» وصلتها في محل نصب مفعولاً بها بقوله: «لنَنْزِعَنَّ» . ول «أيّ» أحوال الأربعة: إحداها تبني فيها، وهي كما في هذه الآية أن تضاف ويحذف صدر صلتها، ومثله قول الآخر: 3616 - إذَا ما أتَيْتَ بَنِي مَالِكٍ ... فَسَلِّمْ عَلَى أيُّهثمْ أفْضَلُ بضم «أيُّهُمْ» . وتفاصيلها مقررة في كتب النحو. وزعم الخليل - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ «أيُّهُمْ» هنا مبتدأ، و «أشدُّ» خبره، وهس استفهامية، والجملة محكية بالقول مقدراً، والتقدير: لنَنْزِعَنَّ من كُل شيعةٍ المقول فيهم أيُّهُم. وقوى الخليل تخريجه بقول الشاعر: 3617 - ولقَدْ أبِيتُ مِنَ الفتاةِ بِمَنْزِلٍ ... فأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُوم قال: فأبيتُ يقالُ فيَّ: لا حرجٌ ولا محْرُوم. وذهب يونس إلى أنَّها استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبرها كقول الخليل إلاَّ أنَّه زعم أنها متعلقة ل «نَنْزِعَنَّ» ، فهي في محل نصب، لأنَّه يجوز التعليق في سائر الفعال، ولا يخصه «بأفعال القلوب كما يخصه» بها الجمهور. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون النزع واقعاً على ﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ كقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا﴾ [مريم: 50] ، أي: لننزعنَّ بعض كل شيعة، فكأنَّ قائلاً قال: مَنْ هُمْ؟ فقيل: أيهم أشدّ عِتِيًّا. فجعل «أيُّهُمْ» موصولة أيضاً، ولكن هي في قوله خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين هم أشد. قال أبو حيان: وهذا تكلف ما لا حاجة إليه، وادعاء إضمار غير محتاج إليه، وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين. وحكى أبو البقاء عن الأخفش والكسائي أن مفعول «نَنْزعنَّ» : «مِنْ كُلِّ شيعةٍ» و «مِنْ» مزيدة، قال: وهما يجيزان زيادة «مِنْ» «في الواجب» ، و «أيُّهُم» استفهام أي: لنَنْزِعَنَّ كُلَّ شيعةٍ. وهذا مخالف في المعنى تخريج الجمهور، فإنَّ تخريجهم يؤدي إلى التبعيض، وهذا يؤدي إلى العموم، إلاَّ أن يجعل «مِنْ» لابتداء الغاية لا للتبعيض فيتفق التخريجان، وذهب الكسائي إلى أنَّ معنى «لنَنْزِعَنَّ» لنُنَادِينَّ، فعومل معاملته، فلم يعمل في «أيّ» . قال المهدوي: «ونادى» يعلق إذا كان بعده جملة نصب، فيعمل في المعنى ولا يعمل في اللفظ. وقال المبرد: «أيُّهُمْ» متعلق ب «شيعةٍ» فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تسايعوا أيهم أشد، كأنهم يتبادرون إلى هذا. «ويلزمه على هذا» أن يقدر مفعولاً ل «ننزعنَّ» محذوفاً وقدر بعضهم في قول المبرد: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم. قال النحاس وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي تشايعوا بمعنى تعاونوا قال شهاب الدين: وفي هذه العبارة المنسوبة للمبرد قلق، ولا بيَّن الناقل عنه وجه الرفع عن ماذا يكون، وبيَّنه أبو البقاء، لكن جعل «أيهم» فاعلاً لما تضمنه «شِيعَةٍ» «من معنى الفعل، قال: التقدير: لننزعن من كل» فريق يشيع أيهم. وهي على هذا بمعنى «الذي» ونقل الكوفيون أنَّ «أيُّهُم» في الآية بمعنى الشرط، والتقدير: إن اشتدَّ عتوهم أو لم يشتد، كما تقول: ضرب القوم أيهم غضب. المعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا. وقرأ طلحة بن مصرِّف «ومعاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء، وزائدة» عن الأعمش «أيُّهُمْ» نصباً. فعلى هذه القراءة والتي قبلها ينبغي أن يكون مذهب سيبويه جواز إعرابها وبنائها، وهو المشهور عند النقلة عنه، «وقد نقل عنه» أنَّه يحتم بناءها. قال النحاس: ما علمتُ أحداً من النحويين إلاَّ وقد خطَّأ سيبويه، «قال: وسمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: ما يبين لي أنَّ سيبويه» غلط في كتابه إلاَّ في موضعين هذا أحدهما. قال: وقد أعرب سيبويه «أيًّا» وهي مفردة، لأنَّها تضاف فكيف يبينها مضافة. وقال الجرميّ: خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحداً يقول: لأضربن أيهم قائم، بالضم بل ينصب. قوله: «على الرَّحمنِ» متعلق ب «أشَدُّ» ، و «عِتِيًّا» منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ، «إذ التقدير» : أيُّهُم هو عتوه أشد. ولا بدَّ من محذوف يتم به الكلام، التقدير: فيلقيه في العذاب، أو فنبدأ بعذابه. قال الزمخشري: فإن قلت: بم يتعلق «عَلَى» ، و «البَاء» ، فإن تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه. قلتُ: هما للبيان لا للصلة، أو يتعلقان بأفعل، أي: عتوهم أشد على الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم: هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا. يعني ب «عَلَى» قوله:: على الرَّحمنِ «، وب» الباء «قوله:» بالَّذِينَ هُمْ «وقوله: بالمصدرين. يعني بهما» عتِيًّا «و» صِلِيًّا» . «وأما كونه لا سبيل إليه» ، فلأن المصدر في نية الموصول، ولا يتقدم معمول الموصول عليه» وجوَّز بعضهم «أن يكون» عِتِيًّا» ، و «صليًّا» في هذه الآية مصدرين كما تقدم وجوَّز أن يكون جمع عاتٍ وصالٍ فانتصابهما على هذا الحال. وعلى هذا يجوز أن يتعلق» عَلَى «و» الباء» بهما لزوال المحذوف المذكور. قال المفسرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ أي أحق بدخول النار. يقال: صَلِيَ يَصْلَى صُليًّا مثل لَقِيَ يَلْقَى لُقْيًّا، وصَلَى يَصْلِي صُليًّا مثل مَضَى يَمْضِي مُضيًّا، إذا دخل النار، وقَاسَى حرَّها. قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الآية. الواو في «وإنْ» فيها وجهان: أحدهما: أنها عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها. وقال ابن عطية: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحله القسم «وأراد بالقسم قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ . قال أبو حيان:» وذهل عن» قول النحويين: إنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو ب «إنَّ» ، والجواب هنا على زعمه ب» إنْ «النافية، فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا. وقوله: والواو تقتضيه. يدلُّ على أنها عنده واو القسم، ولا يذهب نَحْوِي إلى أنَّ مثل هذه الواو واو القسم، لأنَّهُ يلزم عن ذلك حذف المجرور وإبقاء الجاء، ولا يجوز بذلك إلا أن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه، كما أولوا في قولهم: نِعْمَ السًّيْرُ على بِئْسَ العيرُ. أي: على عير بئس العير، وقول الشاعر: 3618 - واللهِ مَا لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُهْ ... أي: بِلَيْل نام صاحبه، وهذه الآية ليست من هذا الضرب، إذ لم يحذف المقسم» به» وقامت صفته مقامه. و «إنْ» حرف نفي، «و» مِنْكُم «صفة لمحذوف تقديره: وإن أحد منكم» ويجوز أن يكون التقدير: وإن منكم إلاَّ من هو واردها وقد تقدم لذلك نظائر. والخطاب في قوله:: مِنْكُمْ «يحتمل الالتفات وعدمه. قال الزمخشري: التفات إلى الإنسان، ويعضده قراءة ابن مسعود وعكرمة،» وإنْ مِنْهُمْ «أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور. والحَتْمُ: القضاءُ، والوجوب حَتْم، أي: أوجبه حتماص، ثم يطلق الحتم على الأمر المحتوم كقوله تعالى: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: 11] ، وهذا درهمٌ ضرب الأمير. و» على ربِّك» متعلق ب «حَتْم» ، لأنَّه في معنى اسم المفعول ولذلك وصفه ب «مَقْضِيًّا» . فصل المعنى: وما منكم إلا واردها، والورود هو موافاة المكان. وقيل القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها. واختلفوا في معنى الورود هنا فقال ابن عباس والأكثرون: الورود ههنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى النار، وقالوا: يدخلها البر والفاجر، ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها، ويدلُّ على أنَّ الورود هو الدخول قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ [هود: 98] . روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنَّ نافع بن الأزرق مارى ابن عباس في الورود فقال ابن عباس: هو الدخول. وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلى ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنا وأنت سنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله، وما أرى أن يخرجك منها بتكذيبك. ويدلُّ عليه أيضاً قوله تعالى «ثُمَّ نُنَجِّي الذينَ اتَّقَوْا» ، أي: ننجي من الواردين من اتقى، ولا يجوز أن يقول» ثُمَّ نُنجي الذين اتقول ونذر الظالمين فيها جثياً «إلاَّ والكل واردون. والأخبار المروية دل على هذا القول، وهو ما «روي عن عبد الله بن رواحة قال: أخبر الله تعالى عن الورود ولم يخبر بالصد، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» يا ابن رواحة «اقرأ ما بعدها» ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا «فدلَّ على أنَّ ابن رواحة فهم من الورود الدخول، ولم ينكر عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك وعن جابر أنَّه سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» الورودُ الدخولُ، ولا يبقى بردٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، حتى إن للنار ضجيجاً من بردها» . وقيل: المراد من تقدم ذكره من الكفار، فكنى عنهم أولاً كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة. قالوا: ولا يجوز أن يدخل الناء مؤمن أبداً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها، ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها. وقوله: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] . والمراد في قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الحضور والرؤية لا الدخول، كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 23] أراد به الحضور. وقال عكرمة: الآية في الكفار يدخلونها ولا يخرجون منها. وقال ابن مسعود: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ يعني القيامة والكناية راجعة إليها. وقال البغوي: والأول أصح، وعليه أهل السنة أنهم جميعاً يدخلون النار، ثم يخرج الله منها أهل الإيمان، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾ أي: الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه. قوله: ﴿كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ أي: كان ورودكم جهنم حتماً لازماً مقضياً قضاه الله عليكم. قوله: «ثُمَّ نُنَجِّي» . قرأ العامة: ثُمَّ نُنَجِّي» بضم «ثُمَّ» على أنَّها العاطفة. وقرأ علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وابن مسعود، وابن عباس، وأبي، والجحدري ويعقوب «ثَمَّ» بفتحها على أنَّها الظرفية، ويكون منصوباً بما بعده، أي: هُناك نُنَجِّي الذين اتََّقَوا. وقرأ الجمهور «نُنَجِّي» بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم من نجَّى مضعفاً. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن «نُنَجِي» من أنْجَى. والفعل على هاتين القراءتين مضارع. وقرأت فرقة «نُجِّي» بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وهو على هذه القراءة ماض مبني للمفعول، وكان من حق قارئها أن يفتح الياء، ولكنه سكنه تخفيفاً. وتحتمل هذه القراءة توجيهاً آخر سيأتي في قراءة متواترة في آخر سورة الأنبياء. وقرأ علي بن أبي طالب - أيضاً - «نُنَحِّي» بحاء مهملة من التنحية. ومفعول «اتَّقَوْا» محذوف مراد للعلم به، أي: اتقوا الشرك والظلم. قوله: «جِثِيًّا» إمَّا مفعول ثان إن كان «نَذَرُ» يتعدى لاثنين بمعنى أن «نترك ونصير» . وإمَّا حال إن جعلت «نَذَرُ» بمعنى نخليهم. و «جَثِيًّا» على ما تقدم. و «فيها» يجوز أن يتعلق ب «نَذَرُ» ، وأن يتعلق ب «جِثِيًّا» إن كان حالاً ولا يجوز ذلك فيه إن كان مصدراً، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «جِثِيًّا» ، لأنه في الأصل صفة لنكرة قدم عليها فنصب حالاً. فصل اختلفوا في أنَّه كيف يندفع عن المتقين ضرر النار إذا ورودها بأنَّ القول هو الدخول. فقيل: «البقعة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، وإذا كان كذلك لا يمتنع» أن يدخل الكل في جهنم، ويكون المؤمنون في تلك المواضع الخالية عن النار والكفار في وسط النار، وعن جابر أنَِّ رسول الله صلى الله عيله وسلم قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول بعضهم لبعض: أليس ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: قد دخلتموها وهي خامدة» . وقيل: إنَّ الله - تعالى - يخمد النار فيعبرها المؤمنون، وتنهار بالكافرين. قال ابن عباس: يردونها كأنَّها إهالة. وقيل: إنَّ الله - تعالى - يجعل النار الملاصقة لأبدان المؤمنين برداً وسلاماً كما جاء في الحديث المتقدم، وكما في حق إبراهيم - عليه السلام -، وكما في حق الكوز الواحد من الماء يشربه القبطي فيكون دماً، ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء عذباً، وفي الحديث: «تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» وعن مجاهد في قوله تعالى « ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قال: من حُمَّ من المسلمين فقد وردها. وفي الخبر» الحمى كنز من جهنم، وهي حظ المؤمن من النار «واعلم أنه لا بُدَّ من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين. فإن قيل: إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم فما الفائدة في ذلك الدخول؟ فالجواب: أنَّ ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه. وأيضاً: فيه مزيد غم على أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إيله وأيضاً: إن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فيزداد غم الكفار وسرور المؤمنين. وأيضاً: فإن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر والنشر، ويستدلون على ذلك، فما كانوا يقبلون تلك الدلائل، فإذا دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوه، وأنَّ المكذِّبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين. وأيضاً: إنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة على ما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.

مريم 19:72

قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. قال ابن عطية: الواو عاطفة جملة كلام على أخرى، واصلة بين القولين، وإن لم يكن معناهما واحداً. وقد أغرب النقاش في حكاية قول: وهو أن قوله: «وما نَتَنَزَّلُ» متصل بقوله: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لاًّهَبَ لَكِ﴾ [مريم: 19] . وقال أبو البقاء: «وما نَتَنَزَّلُ» أي: وتقول الملائكة. فجعله معمولاً لقول مضمر. وقيل: هو من كلام أهل الجنة. وهو أقرب مما قبله. و «نَتَنَزَّلُ» مطاوع نزَّل - بالتشديد - ويقتضي العمل في مهلة وقد لا يقتضيها. قال الزمخشري: التنزل على معنيين: معنى النزول على مهل، ومعنى النزول على الإطلاق، كقوله: 3612 - فَلَسْتُ لإنْسِيّ ولكن لملأكٍ ... تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّمَاءِ يصُوبُ لأنه مطاوع نزل، ونزل يكون بمعنى أنزل، ويكون بمعنى التدرج، واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل، والمراد: أن نزولنا في الأحايين وقتاً بعد وقت. ثال شهاب الدين: وقد تقدم أنه يفرق بين نزَّل وأنزل في أول هذا الموضوع. وقرأ العامة «نَتَنَزَّلُ» بنون الجمع. وقرأ الأعرج «يتنزَّلُ» بياء الغيبة، وفي الفاعل حينئذ قولان: أحدهما: أنه ضمير جبريل - عليه السلام -. قال ابن عطية: ويرده قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ ، لأنه لا يطرد معه، وإنما يتجه أن يكون خبراً عن جبريل أي: القرآن لا يتنزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها. وقد يجاب ابن عطية بأنه على إضمار القول، أي: قائلاً ما بين أيدينا. والثاني: أنه يعود على الوحي، وكذا قال الزمخشري على الحكاية عن جبريل، والضمير للوحي. ولا بد من إضمار هذا القول أيضاً. قوله: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ . استدل بعض النحاة على أن الأزمنة ثلاثة: ماض، وحاضر، ومستقبل بهذه الآية وهو كقول زهير: 3613 - واعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ... ولكِنَّنِي عن عِلْمِ ما فِي غدٍ عَمِ فصل روى ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يا جبريل ما منعك أن تزورنا» فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. وقال عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل، والكلبي: «احتبس جبريل - عليه السلام - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سأل قومه عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح فقال:» أخبركم غداً «، ولم يقل: إن شاء الله حتى شق على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال المشركون ودَّعهُ ربه وقلاه، ثم نزل بعد أيام، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» أبطأت علي حتى ساء ظني، واشتقت إليك «فقال له جبريل - عليه السلام - إني كنت إليك أشوق، ولكنني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست» فنزل قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ﴾ [الكهف: 23، 24] وسورة الضحى وفي هذه الآية سؤال: وهو أن قوله: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ [مريم: 63] كلام الله، وقوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ كلام غير الله، فكيف جاز هذا على ما قبله من غير فصل؟ . وأجيب: بأنه إذا كانت القرينة لم يقبح كقوله - تعالى -: ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [مريم: 35] ، (وهذا كلام الله تعالى، ثم عطف عليه) ﴿وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ [مريم: 36] . واعلم أنَّ ظاهر قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ خطاب جماعة لواحد، وذلك لا يليق بالذين ينزلون على الرسول، فلذلك ذكروا في سبب النزول ما تقدم. ثم قال: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي: علم ما بين أيدينا قال سعيد بن جبير وقتادة، ومقاتل: «ما بَيْنَ» أيدِينَا «من أمر الآخرة، والثواب والعقاب،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «ما يكون في هذا الوقت إلى قيام الساعة. وقيل:» مَا بَيْنَ أيْدِينَا «من أمر الآخرة،» ومَا خَلْفَنَا «من أمر الدنيا،» ومَا بَيْنَ ذلِكَ «أي: بين النفختين، وبينهما أربعون سنة. وقيل:» مَا بَيْنَ أدينَا «ما بقي من أمر الدنيا،» ومَا خَلْفَنَا «ما مضى منها،» ومَا بَيْنَ ذَلِكَ «هذه حياتنا. وقيل:: مَا بَيْنَ أيْدِينَا» بعد أن نموت، «ومَا بَيْن ذلكَ» مدة الحياة. وقيل: «مَا بَيْنَ أيدِينَا» الأرض إذا أردنا النزول إليها، «ومَا خَلْفَنَا» السماء وما أنزل منها، «ومَا بَيْنَ ذلِكَ» الهواء، يريد أن ذلك كله لله - عَزَّ وَجَلَّ - فلا يقدر على شيء إلاَّ بأمره. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي: ناسياً، أي: ما نسيك ربك بمعنى تركك، والناسي التارك، كقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ [الضحى: 3] أي: ما كان امتناع النزول لترك الله لك وتوديعه إياك. قوله: ﴿رَّبُّ السماوات﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من «ربُّكَ» . الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هُو ربُّ. الثالث: كونه مبتدأ والخبر الجملة الأمرية بعده. وهذا ماشٍ رأي الأخفش، إذ يجوِّز زيادة الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً. قوله: «لِعبادَتِهِ» متعلق ب «اصْطَبَرْ» فإن قيل: لِمَ لَمْ يقُلْ: واصطبر على عبادته، لأنها صلته، فكان حقه تعديه ب «على» ؟ . فالجواب: أنَّه ضمن معنى الثبات، لأنَّ العبادة ذات تكاليف قل من يصبر لها، فكأنَّه قيل: واثبت لها مصطبرا. واستدلوا بهذه الآية على أنَّ فعل العبد خلق لله - تعالى -، لأنَّ فعل العبدِ حاصل بين السموات والأرض، وهو رب لكل شيء حاصل بينهما. قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أدغم الأخوان، وهشام، وجماع لام «هَلْ» في «التاء» . وأنشدوا على ذلك بيت مُزَاحِم العُقيليّ: 3614 - فَذَرْ ذَا ولكِن هَتُّعِينُ مُتَيَّماً ... عَلى ضَوْءِ برْقِ آخِرِ اللَّيْلِ نَاصِبِ فصل دلَّ ظاهر الآية على أنَّه - تعالى - رتب الأمر بالعبادة والأمر بالمصابرة عليها أنه لا سميّ له، والأقرب أنه ذكر الاسم وأراد هل تعلم له نظيراً فيما يقتضي العبادة والتي يقتضيها كونه منعماً بأصول (النعم وفروعها، وهي خلق الأجسام، والحياة والعقل، وغيرها، فإنه لا يقدر على ذلك) أحد سواه - سبحانه وتعالى - وإذا كان قد أنعم عليك بغاية الإنعام، وجب أن تعظمه بغاية التعظيم، وهي العبادة. قال ابن عباس: هل تعلم له مثلاً. وقال الكلبي: ليس له شريك في اسمه. وذلك لأنهم وإن كانوا يطلقون لفظ الإله على الوثن فما أطلقوا لفظ الله - تعالى - على شيء. قال ابن عباس: لا يسمة بالرحمن غيره. وأيضاً: هل تعلم من سمي باسمه على الحق دون الباطل، لأنَّ التسمية على الباطل كلا تسمية، لأنها غير معتد بها، والقول الأول أقرب. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ﴾ الآية. «إذَا» منصوب بفعل مقدر مدلول عليه بقوله تعالى: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ﴾ ، تقديره: إذا مت أبعث أو أحياً، ولا يجوز أن يكون العامل فيه «أخْرَجُ» لانَّ ما بعد لام الابتداء لا يعمل ما قبلها قال أبو البقاء: لأن ما بعد اللام وسوف لا يعمل فيما قبلها ك «إنَّ» قال شعاب الدين: قد جعل المانع مجموع الحرفين، أما اللام فمسلم وأما حرف التنفيس فلا مدخل له في المنع، لأن حرف التنفيس يعمل كا بعده فيما قبله، تقول: زَيْداً سأضَرِبُ وسوف أضرب، ولكن فيه خلاف ضعيف، والصحيح الجواز، وأنشدوا عليه: 3615 - فَلَمَّا رَأتْهُ آمَناً هَانَ وجْدُهَا ... وقَالَتْ أبُونَا سَوْفَ يَفْعَلُ ف «هَكَذَا» منصوب ب «يَفْعَلُ» بعد (حرف التنفيس) ، (وقال ابن عطية) : واللام في قوله: «لَسَوْفَ» مجلوبة على الحكاية لكلام تقدم بهذا المعنى، كأن قائلاً قال للكافر: (إذا متُّ) يا فلان لسوف تخرج حيًّا، فقرر الكلام على الكلام على جهة الاستبعاد، وكرر اللام حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية للقول الأول. قال أبو حيان: ولا يحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكاية لكلام تقدم بل هو من كلام الكافر، وهو استفهام فيه معنى الجحد والاستبعاد. وقال الزمخشري: فإن قيل: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف الاستقبال؟ قلتُ: لم تجامعها إلاَّ مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض، واضْمَحَلَّ عنها معنى التعريف. قال أبو حيان: وما ذكر من أن اللام تعطي «معنى» الحال مخالف فيه، فعلى مذهب من لا يرى ذلك يسقط السؤال، وأما قوله: كما أخلصت الهمزة. فليس ذلك إلاَّ على مذهب من يزعم أن أصله: إله، وأما من يزعم أن أصله: لاه. فلا تكون الهمزة فيه للتعويض «إذْ لم يحذف منه شيء، ولو قلنا: إنَّ أصله إله، وحذفت فاء الكلمة لم يتعين أن الهمزة فيه في النداء للتعويض» ، إذ لو كانت عوضاً من المحذوف لثبتت دائماً في النداء وغيره، ولما جاز حذفها في النداء، قالوا: يا الله بحذفها، وقد نصوا على أن «قطع» همزة الوصل في النداء شاذ. وقرأ الجمهور: «أءِذَا» بالاستفهام، وهو استبعاد كما تقدم. وقرأ أبو ذكوان بخلاف عنه، وجماعة «إذَا» بهمزة واحدة على الخبر أو الاستفهام وحذف أداته للعلم بها، ولدلالة القراءة الأخرى عليها. وقرأ طلحة بن مصرِّف «لسَأخرجُ» بالسين دون سوف. هذا نقل الزمخشري عنه. وغيره نقل «سَأخْرَجُ» دون لام الابتداء، وعلى هذه القراءة يكون العامل في الظرف نفس «أخْرَجُ» ، ولا يمنع حرف التنفيس على الصحيح. وقرأ العامة «أخْرَجُ» مبنياً للمفعول. والحسن، وأبو حيوة «أخْرُجُ» مبنياً للفاعل. و «حيًّا» حال مؤكدة، لأنَّ من لازم خروجه أن يكون حيًّا، وهو كقوله: ﴿أُبْعَثُ حَيّاً﴾ [مريم: 33] . فصل لما أمر بالعبادة والمصابرة عليها، فكأنَّ سائلاً سأل وقال: هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا، وأمَّا في الاخرة فقد أنكرها قوم، فلا بُدَّ من ذكر الدلالة على القول بالحشر حتى تظهر فائدة الاشتغال بالعيادة، فلهذا حكى الله - تعالى - قول منكري الحشر، فقال: ﴿وَيَقُولُ الإنسان﴾ الآية: قالوا ذلك على سبيل افنكار والاستبعاد وذكروا في الإنسان وجهين: أحدها: أن يكون المراد الجنس كقوله: ﴿هَلْ أتى عَلَى الإنسان﴾ [الإنسان: 1] . فإن قيل: كلهم غير قائلين بذلك، فكيف يصح هذا القول؟ . فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ هذه المقولة لمَّا كانت موجودة في جنسهم صحَّ اسنادها إلى جميعهم، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناًَ، وإنما القاتل رجل منهم. الثاني: أنَّ هذا الاستبعاد موجود ابتداء في طبع كل أحد إلاَّ أنَّ بعضهم تركه للدلالة القاطعة على صحة القول به. القول الثاني: أنَّ المراد بالإنسان شخص معين، فقيل: أبيُّ بن خلف الجمحي. وقيل: أبو جهل. وقيل: المراد جنس الكفار القائلين بعدم البعث. ثم إن الله - تعالى - أقام للدلالة على صحة البعث فقال: ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ﴾ الآية قرأ نافع، وابن عامر، وعاصم، وجماعة: «يَذْكُرُ» مضارع ذكر. والباقون بالتشديد مضارع تذكَّر. والأصل: يتذكر، فأدغمت التاء في الذال. وقد قرأ بهذا الأصل وهو «يتذكَّر» أبيٌّ. والهمزة في قوله: «أو لا يذكُرُ مؤخرة على حرف العطف تقديراً كما هو قول الجمهور وقد رجع الزمخشري إلى قول الجمهور هنا فقال: الواو عطفت» لا يذكُرُ «على» يَقُولُ «ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف» عليه «وحرف العطف. ومذهبه: أن يقدر بين حرف العطف وهمزة الاستفهام جملة يعطف عليها ما بعدها. وقد فعل هذا أعني الرجوع إلى قول الجمهور في سورة الأعراف كما نبَّه عليه في موضعه. قوله:» مِنْ قَبْلُ» أي: من قبل بعضه، وقدره الزمخشري: من قبل الحالة التي هو فيها، «وهي حالة» بقائه. فصل قال بعض العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجة في البعث على هذا الاختصار ما قدروا عليه، إذ لا شك أنَّ اعادة ثانياً أهون من الإيجاد أولاً، ونظيره قوله تعالى ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27] واحتجوا بهذه الآية على أنَّ المعدوم ليس بشيء، وهو ضعيف؛ لأن الإنسان عبارة عن مجموع جواهر متألفة قامت بها أعراض، وهذا المجموع ما كان شيئاً، ولكن لم قلت: إن كل واحد من تلك الأجزاء ما كان شيئاً قبل كونه موجوداً فإن قيل: كيف أمر الله - تعالى - الإنسان بالتذكر مع أنَّ التذكر هو العلم بما علمه من قبل ثم تخللهما سهو؟ . فالجواب: المراد أو لا يتفكر فيعلم خصوصاً إذا قرئ «أو لا يذَّكَّرُ» مشدداً، أما إذا قرئ «أو لا يذكُرُ» مخففاً، فالمراد أو لا يعلم ذلك من حال نفسه لأنَّ كل أحد يعلم أنه لم يكن حيًّا في الدنيا ثم صار حيًّا. ثم إنه تعالى لما قرر المطلوب بالدليل أردفه بالتشديد فقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين﴾ أي: لنجمعنهم في المعاد، يعني المشركين المنكرين للبعث مع الشياطين، وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة. وفائدة القسم أمران: أحدهما: أنَّ العادة جارية بتأكيد الخبر باليمين. والثاني: أنَّ في قسام الله - تعالى - باسمه مضافاً إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رفعاً منه لشأنه كما رفع من شأن السماء والأرض في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: 23] . والواو في «والشَّياطين» يجوز أن تكون للعطف، وبمعنى «مع» وهي بمعنى «مع» أوقع. والمعنى، أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغروهم. ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ أي: نحضرهم على أذل صورة لقوله: «جِثِيًّا» لأنَّ البارك على ركبتيه صورته الذليل، أو صورة العاجز. فإن قيل: هذا المعنى حاصل للكل لقوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: 28] ، ولأنَّ العادة جارية بأنَّ الناس في مواقف مطالبات الملوك يتجاثون على ركبهم لما في ذلك من القلق، أة لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معه القيام على أرجلهم وإذا كان حاصلاً للكل، فكيف يدل على مزيد ذل الكفار. فالجواب: لعل المراد أنهم يكونون من وقت الحشر إلى وقت الحضور في الموقف على هذه الحال، وذلك يوجب مزيد ذلهم. قوله: «جِثِيًّا» حال مقدرة من مفعول «لنُحْضرنَّهُمْ» . و «جِثِيًّا» جمع جاثٍ جمع على فعول، نحو قَاعد وقُعُود، وجَالس وجُلوس، وفي لامه لغتان: أحدهما: الواو. والأخرى: الياء. يقال: جَثَا يَجْثُو جُثُوًّا، وجَثَا يَجْثِي جِثِيًّا. فعلى التقدير الأول: يكون أصله جُثُوو. بواوين الأولى زائدة علامة للجمع والثانية لام الكلمة، ثم أعلت إعلال عِصِيّ ودليّ، وتقدم تحقيقه في «عِتيًّا» . وعلى الثاني يكون الأصل: جُثُوياً، فأعل إعلال هيِّن وميِّت. وعن ابن عباس: أنه بمعنى جماعات جماعات، جمع جثْوة، وهوالمجموع من التراب والحجارة، وفي صحته عنه نظر من حيث إنَّ فعلهُ لا يجمع على فعول. ويجوز في «جِثِيًّا» أن يكون مصدراً على فعول، وأصله كما تقدم في حال كونه جمعاً، إمَّا جُثُوو، وإمَّا جُثُوي. وقد تقدم أنَّ الأخوين يكسران فاءه، والباقون يضمونها. والجثوّ: القعود على الركب. قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: ليخرجن من كل أمة وأهل دين من الكفار والشيعة فعلة كفرقة: ومنه الطائفة التي شاعت، أي: تبعت غاوياً من الغواة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ [الأنعام: 159] . والمعنى: أنه - تعالى - يحضرهم أولاً حول جهنم، ثم يميز البعض من البعض، فمن كان منهم أشد تمرداً في كفره خص بعذاب عظيم، لأنَّ عذاب الضال المضل يجب أن يكون فوق عذاب من يضل تبعاً لغيره، وليس عذاب من يتمرد ويتجبر كعذاب المقلد، ومعنى الآية: أنه ينزع من كل فرقة من كان أشد عتياًّ وتمرداً ليعلم أنَّ عذابه أشد وفائدة هذا التمييز التخصيص «بشدة العذاب لا التخصيص» بأصل العذاب، فلذلك قال في جميعهم: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ ولا يقال: «أوْلَى» إلا مع اشتراكهم في العذاب. قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ فيه أقوال كثيرة، أظهرها عند جمهور المعربين، وهو مذهب سيبويه: أنَّ «أيُّهُمْ» موصولة بمعنى «الذي» ، وأنَّ حركتها حركة بناء، بنيت عند سيبويه لخروجها عن النظائر. و «أشَدُّ» خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلة ل «أيُّهُمْ» ، و «أيُّّهُمْ» وصلتها في محل نصب مفعولاً بها بقوله: «لنَنْزِعَنَّ» . ول «أيّ» أحوال الأربعة: إحداها تبني فيها، وهي كما في هذه الآية أن تضاف ويحذف صدر صلتها، ومثله قول الآخر: 3616 - إذَا ما أتَيْتَ بَنِي مَالِكٍ ... فَسَلِّمْ عَلَى أيُّهثمْ أفْضَلُ بضم «أيُّهُمْ» . وتفاصيلها مقررة في كتب النحو. وزعم الخليل - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ «أيُّهُمْ» هنا مبتدأ، و «أشدُّ» خبره، وهس استفهامية، والجملة محكية بالقول مقدراً، والتقدير: لنَنْزِعَنَّ من كُل شيعةٍ المقول فيهم أيُّهُم. وقوى الخليل تخريجه بقول الشاعر: 3617 - ولقَدْ أبِيتُ مِنَ الفتاةِ بِمَنْزِلٍ ... فأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُوم قال: فأبيتُ يقالُ فيَّ: لا حرجٌ ولا محْرُوم. وذهب يونس إلى أنَّها استفهامية مبتدأ، وما بعدها خبرها كقول الخليل إلاَّ أنَّه زعم أنها متعلقة ل «نَنْزِعَنَّ» ، فهي في محل نصب، لأنَّه يجوز التعليق في سائر الفعال، ولا يخصه «بأفعال القلوب كما يخصه» بها الجمهور. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون النزع واقعاً على ﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ كقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّن رَّحْمَتِنَا﴾ [مريم: 50] ، أي: لننزعنَّ بعض كل شيعة، فكأنَّ قائلاً قال: مَنْ هُمْ؟ فقيل: أيهم أشدّ عِتِيًّا. فجعل «أيُّهُمْ» موصولة أيضاً، ولكن هي في قوله خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين هم أشد. قال أبو حيان: وهذا تكلف ما لا حاجة إليه، وادعاء إضمار غير محتاج إليه، وجعل ما ظاهره أنه جملة واحدة جملتين. وحكى أبو البقاء عن الأخفش والكسائي أن مفعول «نَنْزعنَّ» : «مِنْ كُلِّ شيعةٍ» و «مِنْ» مزيدة، قال: وهما يجيزان زيادة «مِنْ» «في الواجب» ، و «أيُّهُم» استفهام أي: لنَنْزِعَنَّ كُلَّ شيعةٍ. وهذا مخالف في المعنى تخريج الجمهور، فإنَّ تخريجهم يؤدي إلى التبعيض، وهذا يؤدي إلى العموم، إلاَّ أن يجعل «مِنْ» لابتداء الغاية لا للتبعيض فيتفق التخريجان، وذهب الكسائي إلى أنَّ معنى «لنَنْزِعَنَّ» لنُنَادِينَّ، فعومل معاملته، فلم يعمل في «أيّ» . قال المهدوي: «ونادى» يعلق إذا كان بعده جملة نصب، فيعمل في المعنى ولا يعمل في اللفظ. وقال المبرد: «أيُّهُمْ» متعلق ب «شيعةٍ» فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تسايعوا أيهم أشد، كأنهم يتبادرون إلى هذا. «ويلزمه على هذا» أن يقدر مفعولاً ل «ننزعنَّ» محذوفاً وقدر بعضهم في قول المبرد: من الذين تعاونوا فنظروا أيهم. قال النحاس وهذا قول حسن. وقد حكى الكسائي تشايعوا بمعنى تعاونوا قال شهاب الدين: وفي هذه العبارة المنسوبة للمبرد قلق، ولا بيَّن الناقل عنه وجه الرفع عن ماذا يكون، وبيَّنه أبو البقاء، لكن جعل «أيهم» فاعلاً لما تضمنه «شِيعَةٍ» «من معنى الفعل، قال: التقدير: لننزعن من كل» فريق يشيع أيهم. وهي على هذا بمعنى «الذي» ونقل الكوفيون أنَّ «أيُّهُم» في الآية بمعنى الشرط، والتقدير: إن اشتدَّ عتوهم أو لم يشتد، كما تقول: ضرب القوم أيهم غضب. المعنى: إن غضبوا أو لم يغضبوا. وقرأ طلحة بن مصرِّف «ومعاذ بن مسلم الهراء أستاذ الفراء، وزائدة» عن الأعمش «أيُّهُمْ» نصباً. فعلى هذه القراءة والتي قبلها ينبغي أن يكون مذهب سيبويه جواز إعرابها وبنائها، وهو المشهور عند النقلة عنه، «وقد نقل عنه» أنَّه يحتم بناءها. قال النحاس: ما علمتُ أحداً من النحويين إلاَّ وقد خطَّأ سيبويه، «قال: وسمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: ما يبين لي أنَّ سيبويه» غلط في كتابه إلاَّ في موضعين هذا أحدهما. قال: وقد أعرب سيبويه «أيًّا» وهي مفردة، لأنَّها تضاف فكيف يبينها مضافة. وقال الجرميّ: خرجت من البصرة فلم أسمع منذ فارقت الخندق إلى مكة أحداً يقول: لأضربن أيهم قائم، بالضم بل ينصب. قوله: «على الرَّحمنِ» متعلق ب «أشَدُّ» ، و «عِتِيًّا» منصوب على التمييز وهو محول عن المبتدأ، «إذ التقدير» : أيُّهُم هو عتوه أشد. ولا بدَّ من محذوف يتم به الكلام، التقدير: فيلقيه في العذاب، أو فنبدأ بعذابه. قال الزمخشري: فإن قلت: بم يتعلق «عَلَى» ، و «البَاء» ، فإن تعلقهما بالمصدرين لا سبيل إليه. قلتُ: هما للبيان لا للصلة، أو يتعلقان بأفعل، أي: عتوهم أشد على الرحمن، وصليهم أولى بالنار، كقولهم: هو أشد على خصمه، وهو أولى بكذا. يعني ب «عَلَى» قوله:: على الرَّحمنِ «، وب» الباء «قوله:» بالَّذِينَ هُمْ «وقوله: بالمصدرين. يعني بهما» عتِيًّا «و» صِلِيًّا» . «وأما كونه لا سبيل إليه» ، فلأن المصدر في نية الموصول، ولا يتقدم معمول الموصول عليه» وجوَّز بعضهم «أن يكون» عِتِيًّا» ، و «صليًّا» في هذه الآية مصدرين كما تقدم وجوَّز أن يكون جمع عاتٍ وصالٍ فانتصابهما على هذا الحال. وعلى هذا يجوز أن يتعلق» عَلَى «و» الباء» بهما لزوال المحذوف المذكور. قال المفسرون: معنى قوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ أي أحق بدخول النار. يقال: صَلِيَ يَصْلَى صُليًّا مثل لَقِيَ يَلْقَى لُقْيًّا، وصَلَى يَصْلِي صُليًّا مثل مَضَى يَمْضِي مُضيًّا، إذا دخل النار، وقَاسَى حرَّها. قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الآية. الواو في «وإنْ» فيها وجهان: أحدهما: أنها عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها. وقال ابن عطية: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحله القسم «وأراد بالقسم قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ . قال أبو حيان:» وذهل عن» قول النحويين: إنه لا يستغنى عن القسم بالجواب لدلالة المعنى إلا إذا كان الجواب باللام أو ب «إنَّ» ، والجواب هنا على زعمه ب» إنْ «النافية، فلا يجوز حذف القسم على ما نصوا. وقوله: والواو تقتضيه. يدلُّ على أنها عنده واو القسم، ولا يذهب نَحْوِي إلى أنَّ مثل هذه الواو واو القسم، لأنَّهُ يلزم عن ذلك حذف المجرور وإبقاء الجاء، ولا يجوز بذلك إلا أن وقع في شعر أو نادر كلام بشرط أن تقوم صفة المحذوف مقامه، كما أولوا في قولهم: نِعْمَ السًّيْرُ على بِئْسَ العيرُ. أي: على عير بئس العير، وقول الشاعر: 3618 - واللهِ مَا لَيْلِي بِنَامَ صَاحِبُهْ ... أي: بِلَيْل نام صاحبه، وهذه الآية ليست من هذا الضرب، إذ لم يحذف المقسم» به» وقامت صفته مقامه. و «إنْ» حرف نفي، «و» مِنْكُم «صفة لمحذوف تقديره: وإن أحد منكم» ويجوز أن يكون التقدير: وإن منكم إلاَّ من هو واردها وقد تقدم لذلك نظائر. والخطاب في قوله:: مِنْكُمْ «يحتمل الالتفات وعدمه. قال الزمخشري: التفات إلى الإنسان، ويعضده قراءة ابن مسعود وعكرمة،» وإنْ مِنْهُمْ «أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور. والحَتْمُ: القضاءُ، والوجوب حَتْم، أي: أوجبه حتماص، ثم يطلق الحتم على الأمر المحتوم كقوله تعالى: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: 11] ، وهذا درهمٌ ضرب الأمير. و» على ربِّك» متعلق ب «حَتْم» ، لأنَّه في معنى اسم المفعول ولذلك وصفه ب «مَقْضِيًّا» . فصل المعنى: وما منكم إلا واردها، والورود هو موافاة المكان. وقيل القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها. واختلفوا في معنى الورود هنا فقال ابن عباس والأكثرون: الورود ههنا هو الدخول، والكناية راجعة إلى النار، وقالوا: يدخلها البر والفاجر، ثم ينجي الله المتقين فيخرجهم منها، ويدلُّ على أنَّ الورود هو الدخول قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾ [هود: 98] . روى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنَّ نافع بن الأزرق مارى ابن عباس في الورود فقال ابن عباس: هو الدخول. وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلى ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنا وأنت سنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله، وما أرى أن يخرجك منها بتكذيبك. ويدلُّ عليه أيضاً قوله تعالى «ثُمَّ نُنَجِّي الذينَ اتَّقَوْا» ، أي: ننجي من الواردين من اتقى، ولا يجوز أن يقول» ثُمَّ نُنجي الذين اتقول ونذر الظالمين فيها جثياً «إلاَّ والكل واردون. والأخبار المروية دل على هذا القول، وهو ما «روي عن عبد الله بن رواحة قال: أخبر الله تعالى عن الورود ولم يخبر بالصد، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» يا ابن رواحة «اقرأ ما بعدها» ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا «فدلَّ على أنَّ ابن رواحة فهم من الورود الدخول، ولم ينكر عليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك وعن جابر أنَّه سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» الورودُ الدخولُ، ولا يبقى بردٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، حتى إن للنار ضجيجاً من بردها» . وقيل: المراد من تقدم ذكره من الكفار، فكنى عنهم أولاً كناية الغيبة ثم خاطب خطاب المشافهة. قالوا: ولا يجوز أن يدخل الناء مؤمن أبداً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا﴾ والمبعد عنها لا يوصف بأنه واردها، ولو وردوا جهنم لسمعوا حسيسها. وقوله: ﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89] . والمراد في قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ الحضور والرؤية لا الدخول، كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: 23] أراد به الحضور. وقال عكرمة: الآية في الكفار يدخلونها ولا يخرجون منها. وقال ابن مسعود: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ يعني القيامة والكناية راجعة إليها. وقال البغوي: والأول أصح، وعليه أهل السنة أنهم جميعاً يدخلون النار، ثم يخرج الله منها أهل الإيمان، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾ أي: الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه. قوله: ﴿كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ أي: كان ورودكم جهنم حتماً لازماً مقضياً قضاه الله عليكم. قوله: «ثُمَّ نُنَجِّي» . قرأ العامة: ثُمَّ نُنَجِّي» بضم «ثُمَّ» على أنَّها العاطفة. وقرأ علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وابن مسعود، وابن عباس، وأبي، والجحدري ويعقوب «ثَمَّ» بفتحها على أنَّها الظرفية، ويكون منصوباً بما بعده، أي: هُناك نُنَجِّي الذين اتََّقَوا. وقرأ الجمهور «نُنَجِّي» بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد الجيم من نجَّى مضعفاً. وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن «نُنَجِي» من أنْجَى. والفعل على هاتين القراءتين مضارع. وقرأت فرقة «نُجِّي» بنون واحدة مضمومة وجيم مشددة، وهو على هذه القراءة ماض مبني للمفعول، وكان من حق قارئها أن يفتح الياء، ولكنه سكنه تخفيفاً. وتحتمل هذه القراءة توجيهاً آخر سيأتي في قراءة متواترة في آخر سورة الأنبياء. وقرأ علي بن أبي طالب - أيضاً - «نُنَحِّي» بحاء مهملة من التنحية. ومفعول «اتَّقَوْا» محذوف مراد للعلم به، أي: اتقوا الشرك والظلم. قوله: «جِثِيًّا» إمَّا مفعول ثان إن كان «نَذَرُ» يتعدى لاثنين بمعنى أن «نترك ونصير» . وإمَّا حال إن جعلت «نَذَرُ» بمعنى نخليهم. و «جَثِيًّا» على ما تقدم. و «فيها» يجوز أن يتعلق ب «نَذَرُ» ، وأن يتعلق ب «جِثِيًّا» إن كان حالاً ولا يجوز ذلك فيه إن كان مصدراً، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «جِثِيًّا» ، لأنه في الأصل صفة لنكرة قدم عليها فنصب حالاً. فصل اختلفوا في أنَّه كيف يندفع عن المتقين ضرر النار إذا ورودها بأنَّ القول هو الدخول. فقيل: «البقعة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها ما لا نار فيه، وإذا كان كذلك لا يمتنع» أن يدخل الكل في جهنم، ويكون المؤمنون في تلك المواضع الخالية عن النار والكفار في وسط النار، وعن جابر أنَِّ رسول الله صلى الله عيله وسلم قال «إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول بعضهم لبعض: أليس ربنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: قد دخلتموها وهي خامدة» . وقيل: إنَّ الله - تعالى - يخمد النار فيعبرها المؤمنون، وتنهار بالكافرين. قال ابن عباس: يردونها كأنَّها إهالة. وقيل: إنَّ الله - تعالى - يجعل النار الملاصقة لأبدان المؤمنين برداً وسلاماً كما جاء في الحديث المتقدم، وكما في حق إبراهيم - عليه السلام -، وكما في حق الكوز الواحد من الماء يشربه القبطي فيكون دماً، ويشربه الإسرائيلي فيكون ماء عذباً، وفي الحديث: «تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» وعن مجاهد في قوله تعالى « ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ قال: من حُمَّ من المسلمين فقد وردها. وفي الخبر» الحمى كنز من جهنم، وهي حظ المؤمن من النار «واعلم أنه لا بُدَّ من أحد هذه الوجوه في الملائكة الموكلين بالعذاب حتى يكونوا في النار مع المعاقبين. فإن قيل: إذا لم يكن على المؤمنين عذاب في دخولهم فما الفائدة في ذلك الدخول؟ فالجواب: أنَّ ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه. وأيضاً: فيه مزيد غم على أهل النار حيث تظهر فضيحتهم عند من كان يخوفهم من النار فما كانوا يلتفتون إيله وأيضاً: إن المؤمنين إذا كانوا معهم في النار يبكتونهم فيزداد غم الكفار وسرور المؤمنين. وأيضاً: فإن المؤمنين كانوا يخوفونهم بالحشر والنشر، ويستدلون على ذلك، فما كانوا يقبلون تلك الدلائل، فإذا دخلوا جهنم معهم أظهروا لهم أنهم كانوا صادقين فيما قالوه، وأنَّ المكذِّبين بالحشر والنشر كانوا كاذبين. وأيضاً: إنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب صار سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة على ما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.

مريم 19:73

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بِيِّنَاتٍ﴾ الآية. لما أقام الحجة، على مشركي قريش المنكرين للبعض، وأتبعه بالوعيد حكى عنهم أنهم عارضوا حجة الله بكلام، فقالوا: لو كنتم انتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أحسن من حالنا، لأنَّ الحكيمَ لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في الذل وأعداءه المعرضين عن خدمته في العز والراحة، وإنما كان الأمر بالعكس، فإنَّ الكفار في النعمة والراحة والاستعلاء، والمؤمنين كانوا في ذلك الوقت في الخوف والقلة، فدل على أنَّ الحق ليس من المؤمنين، هذا حاصل شبهتهم. وقوله: ﴿آيَاتُنَا بِيِّنَاتٍ﴾ أي: واضحات، وقيل: مرتلات، وقيل: ظاهرات الإعجاز. ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ يعني النضر بن الحارث وذويه من قريش ﴿لِلَّذِينَ آمنوا﴾ يعني فقراء أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونةٌ، وفي ثيابهم رثاثةٌ، وكان المشركون يرجلون شعورهم، ويلبسون خير ثيابهم، فقالوا للمؤمنين ﴿أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً﴾ منزلاً ومسكناً، وهو موضع الإقامة، «وأحْسَنُ نديًّا» أي: مجلساً، ومثله النادي. قوله: «مَقَاماً» . قرأ ابن كثير «مُقَاماً» بالضم. ورُوِيَتْ عن أبي عمرو، وهي قراءة ابن محيصن وهو موضع الإقامة والمنزل. والباقون بالفتح وفي كلتا القراءتين يحتمل أن يكون اسم مكان «أو اسم مصدر من قَامَ ثلاثياً، أو من أقَامَ أي: خير مكان» قياماً أو إقاَمَة. فصل قالوا: زيْدٌ خيرٌ من عمروٍ، وشرٌّ من بكر، ولم يقولوا: أخير منه، ولا أشرّ منه، لأنَّ هاتين اللفظتين كثر استعمالهما فحذفت همزتاهما، ولم يثبتا إلا في فعل التعجب، «فقالوا: أخير بزيدٍ وأشرر بعمرو، وما أخْيَر زيْداً ومَا أشرَّ عَمْراً. والعلة في إثباتها في فعلي التعجب أنَّ» استعمال هاتين اللفظتين اسماً أكثرُ من استعمالهما فعلاً، فحذفت الهمزةُ في موضع «الكثرة، وبقيتْ على أصلها في موضع» القلة ثابتة. والنَّديّ فعيل، أصله: نَدِيو، لأنَّ لامه واو، يقال: ندوتُهُمْ أندوهم، أي: أتَيْتُ نَاديَهُمْ والنَّادِي، مثله، ومنه: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ أي: أهل ناديه. والنَّدِيِّ والنَّادي مجلس القوم ومحدثهم. وقيل: هو مشتق من النَّدى، وهو الكرم، لأنَّ الكرماء يجتمعون فيه. وانْتَديْتُ المكان والمنتدى كذلك، «وقال حاتم» : 3619 - ودُعِيتُ في أولَى النَّديِّ ولَمْ ... يُنْظَر «إليّ بأ» عْيُنٍ خُرْزِ والمصدر النَّدو. و «مَقَاماً» و «نَدِيًّا» منصوبان على التمييز من أفعل. وقرأ أبو حيوة والأعرج وابن محيصن «يُتْلَى» بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق. واللام في «اللَّذينَ» يحتمل أن تكون للتبليغ، وهو الظاهر، وأن تكون للتعليل. قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ . «كَم» مفعول مقدم، واجب التقديم، لأنَّ له مصدر الكلام، لأنها إمَّا استفهامية أو خبرية، وهي محمولة على الاستفهامية. و «أهْلَكْنَا» متسلط على «كَمْ» ، أي: كثير من القرون أهلكنا. و «مِنْ قَرْنٍ» تمييز ل «كَمْ» مبين لها. قوله: «هُمْ أحْسَنُ» في هذه الجملة وجهان: أحدهما: وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء: أنَّه في محل نصب صفة ل «كَمْ» قال الزمخشري: ألا ترى أنك لو أسقطت «هُمْ» لم يكن بُدّ من نصب «أحْسَنُ» على الوصفية. وفي هذا نظرٌ، لأنَّ النحويين نصوا على أنَّ «كَمْ» الاستفهامية والخبرية لا تُوصف ولا يُوصف بها. الثاني: أنها في محل جرّ صفة ل «قَرْن» ، ولا محذور في هذا. وإنما جمع في قوله: «هُمْ» ، لأنَّ «قَرْنٍ» وإنْ كَانَ لَفظهُ «مفرداً فمعناه جمع، ف» قَرْن «كلفظ» جَمِيع» ، و «جَمِيع» يجوز مراعاة لفظه تارة فيفرد كقوله تعالى ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ [القمر: 44] ، ومراعاة معناه أخرى فيجمع كقوله: ﴿لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 32] . فصل لمَّا ذكروا شبهتهم أجاب الله عنها بقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً﴾ أي: متاعاً وأموالاً. قوله: «ورئيا» الجمهور على» رِئْياً «بهمزة ساكنة بعدها ياء صريحة وصلاً ووقفاً. وحمزة إذا وقف يبدل هذه الهمزة ياء على أصله في تخفيف الهمز، ثم له بعد ذلك وجهان: الإظهار اعتباراً بالأصل، والإدغام اعتباراً باللفظ. وفي الإظهار صعوبة لا تَخْفَى، وفي الإدغام إيهام أنَّها مادة أخرى، وهو الريُّ الذي هو بمعنى الامتلاء والنضارة، ولذلك ترك أبو عمرو وأصله في تخفيف الهمزة. وقرأ قالون عن نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر» ورِيًّا «بياء مشددة بعد الراء. فقيل: هي مهموزة الأصل، ثم أبدلتِ الهمزةُ ياء، وأدغمتْ. والرِّئْيُ بالهمز وقيل: من رؤية العين، وفعلٌ فيه معنى مفعول أي: مَرْئِيٌّ. وقيل: من الرواء وحسن المنظر. وقيل: بل هو من الريّ ضد العطش، وليس مهموز الأصل، والمعنى: أحسن منظراً، لأنَّ الريّ والامتلاء أحسن من ضديهما، ومعناه الارتواء من النعمة، فإنَّ المُنْعم يظهر فيه ارتواء النعمة، والفقير يظهر عليه ذبول الفقر. وقرأ حميد وأبو بكر عن عاصم في رواية الأعمش: وَرِيْئَا» بياء ساكنة بعدها همزة وهو مقلوب من «رِئْياً» في قراءة العامة، ووزنه «فِلْع» ، وهو من وراءه يراؤه كقول الشاعر: 3620 - وكُلُّ خليلٍ رَاءَنِي فَهُوَ قَائِلٌ ... من أجْلِكِ هذا هامةُ اليَوْمِ أوْ غَدِ وفي القلب من القلب ما فيه. وروى اليزيدي قراءة «ورَيَاء» بياء بعدها ألف «بعدها همزة» ، وهي المراءاة، أي: يرى بعضهم حسن بعض، ثم خفف الهمزة الأولى بقلبها ياء، وهو تخفيف قياسي. «وقرأ ابنُ عباس أيضاً في رواية طلحة» وَرِياً «بياء فقط مخففة، ولها وجهان: أحدهما: أن يكون» أصلها كقراءة قالون، ثم خففت الكلمة بحذف إحدى الياءين، وهي الثانية، لأنَّ بها حصل الثقل، ولأنها لام الكلمة، والأواخر أحرى بالتغيير. والثاني: أن يكون أصلها كقراءة حميد «وَرَيْئاً» بالقلب، ثم نقل حركة الهمزة إلى الياء قبلها، وحذف الهمزة على قاعدة تخفيف الهمزة بالنقل، فصار «وَرِياً» كما ترى. وتجاسر بعضهم فجعل هذه القراءة لحناً، وليس اللاحن غيره، لخفاء توجيهها عليه. وقرأ ابن عباس - أيضاً - وابن جبير وجماعة «وَزِياً» بزاي وياء مشددة. والزِّيّ: البِزَّةُ الحسنة والآلات المجتمعة، لأنه من زَوَى كذا يَزْوِيهِ، أي: يجمعه، والمتزين يجمع الأشياء التي تزينه وتظهر زيَّه. قوله: ﴿مَن كَانَ فِي الضلالة﴾ . «مَنْ» يجوز أن تكون شرطية، وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، ودخلت الفاء في الخبر، لما تضمنه الموصول من معنى الشرط. وقوله «: فَلْيَمْدُدْ» فيه وجهان: أحدهما: أنه طلب على بابه، ومعناه الدعاء. والثاني: لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر. قال الزمخشري: أي: مدَّ له الرحمن بمعنى أمهلهُ «وأمْلَى له في العمر» فأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك ... أو فيمد له في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدة حياته. قوله: «حتَّى إذَا» في «حتَّى» هذه ما تقدم في نظائرها من كونها حرف جر أو حرف ابتداء، وإنَّما الشأن فيما هي غاية له في كلا القولين. فقال الزمخشري: وفي هذه الآية وجهان: الأول: أن تكون متصلة بالآية التي هي رابعتها، والآيتان اعتراض بينهما، أي: قالوا: «أي الفَريقِيْنِ خيرٌ مقَاماً وأحْسَنُ نديًّا» ، «حتَّى إذَا رَأوْا ما يُوعَدُون» ، أي: لا يبرحون يقولون هذا القول، ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعد رأي العين. فقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ مذكور في مقابلة قوله «خَيْرٌ مَقَاماً» ، وأضْعَفُ جُنْداً «في مقابلة قولهم:» وأحْسَنُ نَدِيًّا «. فبين تعالى أنَّهم عن ظنوا في الحال أنَّ مَنزلتهم أفضل من حيث فضلهم الله بالمقام والندي، فسيعلمون من بعد أنَّ المر بالضد من ذلك وأنَّهم شر مكاناً، فإنَّه لا مكان شر من النار والمناقشة في الحساب،» وأضْعَفُ جُنْداً «فقد كانوا يظنون وهم في الدنيا أنَّ اجتماعهم ينفع، فإذا رأوا أن لا ناصر لهم في الآخرة عرفوا عند ذلك أنهم كانوا في الدنيا مبطلين فيما ادعوه. » ثم قال: «والثاني: أن تتصل بما يليها، والمعنى أنَّ الذين في الضلالة ممدود لهم، ثم ذكر كلاماً كثيراً، ثم قال: إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين، أو يشاهدوا الساعة ومقدماتها، فإن قلت: «حتَّى» هذه ما هي؟ قلتُ: هي التي تُحْكى بعدها الجمل، ألا ترى أنَّ الجملة الشرطية واقعة بعدها، وهي» إذَا رَأوْا ما يُوعَدُون فَسَيَعْلمُونَ «قال أبو حيان: مستبعداً الوجه الأول، وهو في غاية البعد، لطول الفصل بين قوله:: أيُّ الفَرِيقَيْنِ» وبين الغاية، وفيه الفصل بجملتي اعتراض، ولا يجيزه أبو علي. وهذا الاستبعاد قريب. وقال أبو البقاء: «حتَّى» تَحكي ما بعدها ههنا، وليست متعلقة بفعل. قوله: ﴿إِمَّا العذاب وَإِمَّا الساعة﴾ تقدم الكلام في «إمَّا» من كونها حرف عطف أو لا، ولا خلاف أنَّ أحد معانيها التفصيل كما في الآية الكريمة. و «العَذَابَ» و «السَّاعَةَ» بدلاً من قوله: «مَا يُوعَدُون» المنصوبة ب «رَأوا» ، و «فَسَيعْلَمُونِ» جواب الشرط. «مَنْ هُو شرٌّ مكاناً» يجوز أن تكون «مَنْ» موصولة بمعنى «الَّذي» ، ويكون مفعولاً ل «يَعْلَمُونَ» ويجوز أن تكون استفهامية في محل رفع بالابتداء، و «هُوَ» مبتدأ ثان، و «شرٌّ» خبره، والمبتدأ والخبر خبر الأول، ويجوز أن تكون الجملة معلقة لفعل الرؤية، فالجملة في محل نصب على التعليق. فصل قال المفسرون: مَدَّ له الرحمن، أي: أمهله، وأملى له في الأمر، فأخرج على لفظ الأمر ومعناه الخبر، أي: يدعه في طغيانه، ويمهله في كفره ﴿حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العذاب﴾ وهو الأسر، والقتل في الدنيا، و «إمَّا السَّاعةَ» يعني القيامة، فيدخلون النار. وقوله: «وإمَّا السَّاعة» يدلُّ على أنَّ المراد بالعذاب عذاب يحصل قبل يوم القيامة، فيحتمل أن يكون المراد به الأسر والقتل كما تقدم، ويحتمل أن يكون عذاب القبر، ويمكن أن يكون تغير أحوالهم من العز إلى الذُّل، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الصحة إلى المرض، ومن الأمن إلى الخوف. «فَسَيَعْلمُونَ» عند ذلك «مَنْ هُو شرٌّ مكاناً» منزلاً، «وأضْعَفُ جُنْداً» أقل ناصراً، لأنَّهم في النار والمؤمنون في الجنة، وهذا ردٌّ عليهم في قولهم: «أيُّ الفريقَيْن خيرٌ مَقَاماً وأحْسَنُ نَدِيًّا» . قوله: " ويزيد الله " في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها لا محل لها، لاستئنافها، فإنها سيقت للإخبار بذلك. وقال الزمخشري: إنها معطوفة على موضع " فليمدد "، لأنه واقع موقع الخبر، تقديره من كل في الضلالة يمد له الرحمن مدا ويزيد، أي: في ضلالهم بذلك المد. قال أبو حيان: ولا يصح أن يكون " ويزيد " معطوفا على " فليمدد " سواء كان دعاء أو خبرا بصورة الأمر؛ لأنه في موضع الخبر إن كانت " من " موصولة، أو في موضع الجواب إن كانت " من " شرطية وعلى كلا التقديرين فالجملة من قوله " ويزيد الله الذين اهتدوا هدى " عارية من ضمير يعود على " من " يربط جملة الخبر بالمبتدأ، أو جملة الشرط بالجزاء، " الذي هو " فليمدد "، وما عطف عليه، لأن المعطوف على الخبر خبر، والمعطوف على جملة الجزاء " جزاء، وإذا كانت أداة الشرط اسما لا ظرفا تعين أن يكون في جملة الجزاء ضميره أو ما يقوم مقامه، وكذا في الجملة المعطوفة عليها. وذكره أبو البقاء - أيضا - كما ذكر الزمخشري. قال شهاب الدين: وقد يجاب عما قالاه بأنا نختار على هذا التقدير أن تكون " من " شرطية. وقوله: " ولا بد من ضمير يعود على اسم الشرط غير الظرف " ممنوع، لان فيه خلافا تقدم تحقيقه، ودليله في سورة البقرة فيكون الزمخشري وأبو البقاء من القائلين بأنه لا يشترط. (فصل) اعلم أنه - تعالى - لما بين أنه يعامل الكفار " بعد ذلك " بما ذكره، فكذلك يزيد المؤمنين المهتدين هدى، أي إيمانا وإيقانا على يقينهم. ومن الناس من حمل زيادة الهدى على الثواب، أي: يزيدهم ثوابا على ذلك الاهتداء ومنهم من فسر الزيادة بالعبادة المرتبة على الإيمان. ثم قال: ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا﴾ . قال المحققون: هي الإيمان، والأعمال الصالحة تبقى لصاحبها وبعضهم قال: الصلوات، وبعضهم قال: التسبيح وقد تقدم. ثم قال: " خير عند ربك ثوابا وخير مردا " عاقبة ومرجعا، ولا يجوز أن يقال: هذا خير إلا والمراد أنه خير من غيره، فالمراد إذا: أنه خير مما ظنه الكفار بقولهم: " خير مقاما وأحسن نديا ".

مريم 19:74

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بِيِّنَاتٍ﴾ الآية. لما أقام الحجة، على مشركي قريش المنكرين للبعض، وأتبعه بالوعيد حكى عنهم أنهم عارضوا حجة الله بكلام، فقالوا: لو كنتم انتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أحسن من حالنا، لأنَّ الحكيمَ لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في الذل وأعداءه المعرضين عن خدمته في العز والراحة، وإنما كان الأمر بالعكس، فإنَّ الكفار في النعمة والراحة والاستعلاء، والمؤمنين كانوا في ذلك الوقت في الخوف والقلة، فدل على أنَّ الحق ليس من المؤمنين، هذا حاصل شبهتهم. وقوله: ﴿آيَاتُنَا بِيِّنَاتٍ﴾ أي: واضحات، وقيل: مرتلات، وقيل: ظاهرات الإعجاز. ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ يعني النضر بن الحارث وذويه من قريش ﴿لِلَّذِينَ آمنوا﴾ يعني فقراء أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونةٌ، وفي ثيابهم رثاثةٌ، وكان المشركون يرجلون شعورهم، ويلبسون خير ثيابهم، فقالوا للمؤمنين ﴿أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً﴾ منزلاً ومسكناً، وهو موضع الإقامة، «وأحْسَنُ نديًّا» أي: مجلساً، ومثله النادي. قوله: «مَقَاماً» . قرأ ابن كثير «مُقَاماً» بالضم. ورُوِيَتْ عن أبي عمرو، وهي قراءة ابن محيصن وهو موضع الإقامة والمنزل. والباقون بالفتح وفي كلتا القراءتين يحتمل أن يكون اسم مكان «أو اسم مصدر من قَامَ ثلاثياً، أو من أقَامَ أي: خير مكان» قياماً أو إقاَمَة. فصل قالوا: زيْدٌ خيرٌ من عمروٍ، وشرٌّ من بكر، ولم يقولوا: أخير منه، ولا أشرّ منه، لأنَّ هاتين اللفظتين كثر استعمالهما فحذفت همزتاهما، ولم يثبتا إلا في فعل التعجب، «فقالوا: أخير بزيدٍ وأشرر بعمرو، وما أخْيَر زيْداً ومَا أشرَّ عَمْراً. والعلة في إثباتها في فعلي التعجب أنَّ» استعمال هاتين اللفظتين اسماً أكثرُ من استعمالهما فعلاً، فحذفت الهمزةُ في موضع «الكثرة، وبقيتْ على أصلها في موضع» القلة ثابتة. والنَّديّ فعيل، أصله: نَدِيو، لأنَّ لامه واو، يقال: ندوتُهُمْ أندوهم، أي: أتَيْتُ نَاديَهُمْ والنَّادِي، مثله، ومنه: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ أي: أهل ناديه. والنَّدِيِّ والنَّادي مجلس القوم ومحدثهم. وقيل: هو مشتق من النَّدى، وهو الكرم، لأنَّ الكرماء يجتمعون فيه. وانْتَديْتُ المكان والمنتدى كذلك، «وقال حاتم» : 3619 - ودُعِيتُ في أولَى النَّديِّ ولَمْ ... يُنْظَر «إليّ بأ» عْيُنٍ خُرْزِ والمصدر النَّدو. و «مَقَاماً» و «نَدِيًّا» منصوبان على التمييز من أفعل. وقرأ أبو حيوة والأعرج وابن محيصن «يُتْلَى» بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق. واللام في «اللَّذينَ» يحتمل أن تكون للتبليغ، وهو الظاهر، وأن تكون للتعليل. قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ . «كَم» مفعول مقدم، واجب التقديم، لأنَّ له مصدر الكلام، لأنها إمَّا استفهامية أو خبرية، وهي محمولة على الاستفهامية. و «أهْلَكْنَا» متسلط على «كَمْ» ، أي: كثير من القرون أهلكنا. و «مِنْ قَرْنٍ» تمييز ل «كَمْ» مبين لها. قوله: «هُمْ أحْسَنُ» في هذه الجملة وجهان: أحدهما: وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء: أنَّه في محل نصب صفة ل «كَمْ» قال الزمخشري: ألا ترى أنك لو أسقطت «هُمْ» لم يكن بُدّ من نصب «أحْسَنُ» على الوصفية. وفي هذا نظرٌ، لأنَّ النحويين نصوا على أنَّ «كَمْ» الاستفهامية والخبرية لا تُوصف ولا يُوصف بها. الثاني: أنها في محل جرّ صفة ل «قَرْن» ، ولا محذور في هذا. وإنما جمع في قوله: «هُمْ» ، لأنَّ «قَرْنٍ» وإنْ كَانَ لَفظهُ «مفرداً فمعناه جمع، ف» قَرْن «كلفظ» جَمِيع» ، و «جَمِيع» يجوز مراعاة لفظه تارة فيفرد كقوله تعالى ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ [القمر: 44] ، ومراعاة معناه أخرى فيجمع كقوله: ﴿لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 32] . فصل لمَّا ذكروا شبهتهم أجاب الله عنها بقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً﴾ أي: متاعاً وأموالاً. قوله: «ورئيا» الجمهور على» رِئْياً «بهمزة ساكنة بعدها ياء صريحة وصلاً ووقفاً. وحمزة إذا وقف يبدل هذه الهمزة ياء على أصله في تخفيف الهمز، ثم له بعد ذلك وجهان: الإظهار اعتباراً بالأصل، والإدغام اعتباراً باللفظ. وفي الإظهار صعوبة لا تَخْفَى، وفي الإدغام إيهام أنَّها مادة أخرى، وهو الريُّ الذي هو بمعنى الامتلاء والنضارة، ولذلك ترك أبو عمرو وأصله في تخفيف الهمزة. وقرأ قالون عن نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر» ورِيًّا «بياء مشددة بعد الراء. فقيل: هي مهموزة الأصل، ثم أبدلتِ الهمزةُ ياء، وأدغمتْ. والرِّئْيُ بالهمز وقيل: من رؤية العين، وفعلٌ فيه معنى مفعول أي: مَرْئِيٌّ. وقيل: من الرواء وحسن المنظر. وقيل: بل هو من الريّ ضد العطش، وليس مهموز الأصل، والمعنى: أحسن منظراً، لأنَّ الريّ والامتلاء أحسن من ضديهما، ومعناه الارتواء من النعمة، فإنَّ المُنْعم يظهر فيه ارتواء النعمة، والفقير يظهر عليه ذبول الفقر. وقرأ حميد وأبو بكر عن عاصم في رواية الأعمش: وَرِيْئَا» بياء ساكنة بعدها همزة وهو مقلوب من «رِئْياً» في قراءة العامة، ووزنه «فِلْع» ، وهو من وراءه يراؤه كقول الشاعر: 3620 - وكُلُّ خليلٍ رَاءَنِي فَهُوَ قَائِلٌ ... من أجْلِكِ هذا هامةُ اليَوْمِ أوْ غَدِ وفي القلب من القلب ما فيه. وروى اليزيدي قراءة «ورَيَاء» بياء بعدها ألف «بعدها همزة» ، وهي المراءاة، أي: يرى بعضهم حسن بعض، ثم خفف الهمزة الأولى بقلبها ياء، وهو تخفيف قياسي. «وقرأ ابنُ عباس أيضاً في رواية طلحة» وَرِياً «بياء فقط مخففة، ولها وجهان: أحدهما: أن يكون» أصلها كقراءة قالون، ثم خففت الكلمة بحذف إحدى الياءين، وهي الثانية، لأنَّ بها حصل الثقل، ولأنها لام الكلمة، والأواخر أحرى بالتغيير. والثاني: أن يكون أصلها كقراءة حميد «وَرَيْئاً» بالقلب، ثم نقل حركة الهمزة إلى الياء قبلها، وحذف الهمزة على قاعدة تخفيف الهمزة بالنقل، فصار «وَرِياً» كما ترى. وتجاسر بعضهم فجعل هذه القراءة لحناً، وليس اللاحن غيره، لخفاء توجيهها عليه. وقرأ ابن عباس - أيضاً - وابن جبير وجماعة «وَزِياً» بزاي وياء مشددة. والزِّيّ: البِزَّةُ الحسنة والآلات المجتمعة، لأنه من زَوَى كذا يَزْوِيهِ، أي: يجمعه، والمتزين يجمع الأشياء التي تزينه وتظهر زيَّه. قوله: ﴿مَن كَانَ فِي الضلالة﴾ . «مَنْ» يجوز أن تكون شرطية، وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، ودخلت الفاء في الخبر، لما تضمنه الموصول من معنى الشرط. وقوله «: فَلْيَمْدُدْ» فيه وجهان: أحدهما: أنه طلب على بابه، ومعناه الدعاء. والثاني: لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر. قال الزمخشري: أي: مدَّ له الرحمن بمعنى أمهلهُ «وأمْلَى له في العمر» فأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك ... أو فيمد له في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدة حياته. قوله: «حتَّى إذَا» في «حتَّى» هذه ما تقدم في نظائرها من كونها حرف جر أو حرف ابتداء، وإنَّما الشأن فيما هي غاية له في كلا القولين. فقال الزمخشري: وفي هذه الآية وجهان: الأول: أن تكون متصلة بالآية التي هي رابعتها، والآيتان اعتراض بينهما، أي: قالوا: «أي الفَريقِيْنِ خيرٌ مقَاماً وأحْسَنُ نديًّا» ، «حتَّى إذَا رَأوْا ما يُوعَدُون» ، أي: لا يبرحون يقولون هذا القول، ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعد رأي العين. فقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ مذكور في مقابلة قوله «خَيْرٌ مَقَاماً» ، وأضْعَفُ جُنْداً «في مقابلة قولهم:» وأحْسَنُ نَدِيًّا «. فبين تعالى أنَّهم عن ظنوا في الحال أنَّ مَنزلتهم أفضل من حيث فضلهم الله بالمقام والندي، فسيعلمون من بعد أنَّ المر بالضد من ذلك وأنَّهم شر مكاناً، فإنَّه لا مكان شر من النار والمناقشة في الحساب،» وأضْعَفُ جُنْداً «فقد كانوا يظنون وهم في الدنيا أنَّ اجتماعهم ينفع، فإذا رأوا أن لا ناصر لهم في الآخرة عرفوا عند ذلك أنهم كانوا في الدنيا مبطلين فيما ادعوه. » ثم قال: «والثاني: أن تتصل بما يليها، والمعنى أنَّ الذين في الضلالة ممدود لهم، ثم ذكر كلاماً كثيراً، ثم قال: إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين، أو يشاهدوا الساعة ومقدماتها، فإن قلت: «حتَّى» هذه ما هي؟ قلتُ: هي التي تُحْكى بعدها الجمل، ألا ترى أنَّ الجملة الشرطية واقعة بعدها، وهي» إذَا رَأوْا ما يُوعَدُون فَسَيَعْلمُونَ «قال أبو حيان: مستبعداً الوجه الأول، وهو في غاية البعد، لطول الفصل بين قوله:: أيُّ الفَرِيقَيْنِ» وبين الغاية، وفيه الفصل بجملتي اعتراض، ولا يجيزه أبو علي. وهذا الاستبعاد قريب. وقال أبو البقاء: «حتَّى» تَحكي ما بعدها ههنا، وليست متعلقة بفعل. قوله: ﴿إِمَّا العذاب وَإِمَّا الساعة﴾ تقدم الكلام في «إمَّا» من كونها حرف عطف أو لا، ولا خلاف أنَّ أحد معانيها التفصيل كما في الآية الكريمة. و «العَذَابَ» و «السَّاعَةَ» بدلاً من قوله: «مَا يُوعَدُون» المنصوبة ب «رَأوا» ، و «فَسَيعْلَمُونِ» جواب الشرط. «مَنْ هُو شرٌّ مكاناً» يجوز أن تكون «مَنْ» موصولة بمعنى «الَّذي» ، ويكون مفعولاً ل «يَعْلَمُونَ» ويجوز أن تكون استفهامية في محل رفع بالابتداء، و «هُوَ» مبتدأ ثان، و «شرٌّ» خبره، والمبتدأ والخبر خبر الأول، ويجوز أن تكون الجملة معلقة لفعل الرؤية، فالجملة في محل نصب على التعليق. فصل قال المفسرون: مَدَّ له الرحمن، أي: أمهله، وأملى له في الأمر، فأخرج على لفظ الأمر ومعناه الخبر، أي: يدعه في طغيانه، ويمهله في كفره ﴿حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العذاب﴾ وهو الأسر، والقتل في الدنيا، و «إمَّا السَّاعةَ» يعني القيامة، فيدخلون النار. وقوله: «وإمَّا السَّاعة» يدلُّ على أنَّ المراد بالعذاب عذاب يحصل قبل يوم القيامة، فيحتمل أن يكون المراد به الأسر والقتل كما تقدم، ويحتمل أن يكون عذاب القبر، ويمكن أن يكون تغير أحوالهم من العز إلى الذُّل، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الصحة إلى المرض، ومن الأمن إلى الخوف. «فَسَيَعْلمُونَ» عند ذلك «مَنْ هُو شرٌّ مكاناً» منزلاً، «وأضْعَفُ جُنْداً» أقل ناصراً، لأنَّهم في النار والمؤمنون في الجنة، وهذا ردٌّ عليهم في قولهم: «أيُّ الفريقَيْن خيرٌ مَقَاماً وأحْسَنُ نَدِيًّا» . قوله: " ويزيد الله " في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها لا محل لها، لاستئنافها، فإنها سيقت للإخبار بذلك. وقال الزمخشري: إنها معطوفة على موضع " فليمدد "، لأنه واقع موقع الخبر، تقديره من كل في الضلالة يمد له الرحمن مدا ويزيد، أي: في ضلالهم بذلك المد. قال أبو حيان: ولا يصح أن يكون " ويزيد " معطوفا على " فليمدد " سواء كان دعاء أو خبرا بصورة الأمر؛ لأنه في موضع الخبر إن كانت " من " موصولة، أو في موضع الجواب إن كانت " من " شرطية وعلى كلا التقديرين فالجملة من قوله " ويزيد الله الذين اهتدوا هدى " عارية من ضمير يعود على " من " يربط جملة الخبر بالمبتدأ، أو جملة الشرط بالجزاء، " الذي هو " فليمدد "، وما عطف عليه، لأن المعطوف على الخبر خبر، والمعطوف على جملة الجزاء " جزاء، وإذا كانت أداة الشرط اسما لا ظرفا تعين أن يكون في جملة الجزاء ضميره أو ما يقوم مقامه، وكذا في الجملة المعطوفة عليها. وذكره أبو البقاء - أيضا - كما ذكر الزمخشري. قال شهاب الدين: وقد يجاب عما قالاه بأنا نختار على هذا التقدير أن تكون " من " شرطية. وقوله: " ولا بد من ضمير يعود على اسم الشرط غير الظرف " ممنوع، لان فيه خلافا تقدم تحقيقه، ودليله في سورة البقرة فيكون الزمخشري وأبو البقاء من القائلين بأنه لا يشترط. (فصل) اعلم أنه - تعالى - لما بين أنه يعامل الكفار " بعد ذلك " بما ذكره، فكذلك يزيد المؤمنين المهتدين هدى، أي إيمانا وإيقانا على يقينهم. ومن الناس من حمل زيادة الهدى على الثواب، أي: يزيدهم ثوابا على ذلك الاهتداء ومنهم من فسر الزيادة بالعبادة المرتبة على الإيمان. ثم قال: ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا﴾ . قال المحققون: هي الإيمان، والأعمال الصالحة تبقى لصاحبها وبعضهم قال: الصلوات، وبعضهم قال: التسبيح وقد تقدم. ثم قال: " خير عند ربك ثوابا وخير مردا " عاقبة ومرجعا، ولا يجوز أن يقال: هذا خير إلا والمراد أنه خير من غيره، فالمراد إذا: أنه خير مما ظنه الكفار بقولهم: " خير مقاما وأحسن نديا ".

مريم 19:75

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بِيِّنَاتٍ﴾ الآية. لما أقام الحجة، على مشركي قريش المنكرين للبعض، وأتبعه بالوعيد حكى عنهم أنهم عارضوا حجة الله بكلام، فقالوا: لو كنتم انتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أحسن من حالنا، لأنَّ الحكيمَ لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في الذل وأعداءه المعرضين عن خدمته في العز والراحة، وإنما كان الأمر بالعكس، فإنَّ الكفار في النعمة والراحة والاستعلاء، والمؤمنين كانوا في ذلك الوقت في الخوف والقلة، فدل على أنَّ الحق ليس من المؤمنين، هذا حاصل شبهتهم. وقوله: ﴿آيَاتُنَا بِيِّنَاتٍ﴾ أي: واضحات، وقيل: مرتلات، وقيل: ظاهرات الإعجاز. ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ يعني النضر بن الحارث وذويه من قريش ﴿لِلَّذِينَ آمنوا﴾ يعني فقراء أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونةٌ، وفي ثيابهم رثاثةٌ، وكان المشركون يرجلون شعورهم، ويلبسون خير ثيابهم، فقالوا للمؤمنين ﴿أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً﴾ منزلاً ومسكناً، وهو موضع الإقامة، «وأحْسَنُ نديًّا» أي: مجلساً، ومثله النادي. قوله: «مَقَاماً» . قرأ ابن كثير «مُقَاماً» بالضم. ورُوِيَتْ عن أبي عمرو، وهي قراءة ابن محيصن وهو موضع الإقامة والمنزل. والباقون بالفتح وفي كلتا القراءتين يحتمل أن يكون اسم مكان «أو اسم مصدر من قَامَ ثلاثياً، أو من أقَامَ أي: خير مكان» قياماً أو إقاَمَة. فصل قالوا: زيْدٌ خيرٌ من عمروٍ، وشرٌّ من بكر، ولم يقولوا: أخير منه، ولا أشرّ منه، لأنَّ هاتين اللفظتين كثر استعمالهما فحذفت همزتاهما، ولم يثبتا إلا في فعل التعجب، «فقالوا: أخير بزيدٍ وأشرر بعمرو، وما أخْيَر زيْداً ومَا أشرَّ عَمْراً. والعلة في إثباتها في فعلي التعجب أنَّ» استعمال هاتين اللفظتين اسماً أكثرُ من استعمالهما فعلاً، فحذفت الهمزةُ في موضع «الكثرة، وبقيتْ على أصلها في موضع» القلة ثابتة. والنَّديّ فعيل، أصله: نَدِيو، لأنَّ لامه واو، يقال: ندوتُهُمْ أندوهم، أي: أتَيْتُ نَاديَهُمْ والنَّادِي، مثله، ومنه: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ أي: أهل ناديه. والنَّدِيِّ والنَّادي مجلس القوم ومحدثهم. وقيل: هو مشتق من النَّدى، وهو الكرم، لأنَّ الكرماء يجتمعون فيه. وانْتَديْتُ المكان والمنتدى كذلك، «وقال حاتم» : 3619 - ودُعِيتُ في أولَى النَّديِّ ولَمْ ... يُنْظَر «إليّ بأ» عْيُنٍ خُرْزِ والمصدر النَّدو. و «مَقَاماً» و «نَدِيًّا» منصوبان على التمييز من أفعل. وقرأ أبو حيوة والأعرج وابن محيصن «يُتْلَى» بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق. واللام في «اللَّذينَ» يحتمل أن تكون للتبليغ، وهو الظاهر، وأن تكون للتعليل. قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ . «كَم» مفعول مقدم، واجب التقديم، لأنَّ له مصدر الكلام، لأنها إمَّا استفهامية أو خبرية، وهي محمولة على الاستفهامية. و «أهْلَكْنَا» متسلط على «كَمْ» ، أي: كثير من القرون أهلكنا. و «مِنْ قَرْنٍ» تمييز ل «كَمْ» مبين لها. قوله: «هُمْ أحْسَنُ» في هذه الجملة وجهان: أحدهما: وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء: أنَّه في محل نصب صفة ل «كَمْ» قال الزمخشري: ألا ترى أنك لو أسقطت «هُمْ» لم يكن بُدّ من نصب «أحْسَنُ» على الوصفية. وفي هذا نظرٌ، لأنَّ النحويين نصوا على أنَّ «كَمْ» الاستفهامية والخبرية لا تُوصف ولا يُوصف بها. الثاني: أنها في محل جرّ صفة ل «قَرْن» ، ولا محذور في هذا. وإنما جمع في قوله: «هُمْ» ، لأنَّ «قَرْنٍ» وإنْ كَانَ لَفظهُ «مفرداً فمعناه جمع، ف» قَرْن «كلفظ» جَمِيع» ، و «جَمِيع» يجوز مراعاة لفظه تارة فيفرد كقوله تعالى ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ [القمر: 44] ، ومراعاة معناه أخرى فيجمع كقوله: ﴿لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 32] . فصل لمَّا ذكروا شبهتهم أجاب الله عنها بقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً﴾ أي: متاعاً وأموالاً. قوله: «ورئيا» الجمهور على» رِئْياً «بهمزة ساكنة بعدها ياء صريحة وصلاً ووقفاً. وحمزة إذا وقف يبدل هذه الهمزة ياء على أصله في تخفيف الهمز، ثم له بعد ذلك وجهان: الإظهار اعتباراً بالأصل، والإدغام اعتباراً باللفظ. وفي الإظهار صعوبة لا تَخْفَى، وفي الإدغام إيهام أنَّها مادة أخرى، وهو الريُّ الذي هو بمعنى الامتلاء والنضارة، ولذلك ترك أبو عمرو وأصله في تخفيف الهمزة. وقرأ قالون عن نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر» ورِيًّا «بياء مشددة بعد الراء. فقيل: هي مهموزة الأصل، ثم أبدلتِ الهمزةُ ياء، وأدغمتْ. والرِّئْيُ بالهمز وقيل: من رؤية العين، وفعلٌ فيه معنى مفعول أي: مَرْئِيٌّ. وقيل: من الرواء وحسن المنظر. وقيل: بل هو من الريّ ضد العطش، وليس مهموز الأصل، والمعنى: أحسن منظراً، لأنَّ الريّ والامتلاء أحسن من ضديهما، ومعناه الارتواء من النعمة، فإنَّ المُنْعم يظهر فيه ارتواء النعمة، والفقير يظهر عليه ذبول الفقر. وقرأ حميد وأبو بكر عن عاصم في رواية الأعمش: وَرِيْئَا» بياء ساكنة بعدها همزة وهو مقلوب من «رِئْياً» في قراءة العامة، ووزنه «فِلْع» ، وهو من وراءه يراؤه كقول الشاعر: 3620 - وكُلُّ خليلٍ رَاءَنِي فَهُوَ قَائِلٌ ... من أجْلِكِ هذا هامةُ اليَوْمِ أوْ غَدِ وفي القلب من القلب ما فيه. وروى اليزيدي قراءة «ورَيَاء» بياء بعدها ألف «بعدها همزة» ، وهي المراءاة، أي: يرى بعضهم حسن بعض، ثم خفف الهمزة الأولى بقلبها ياء، وهو تخفيف قياسي. «وقرأ ابنُ عباس أيضاً في رواية طلحة» وَرِياً «بياء فقط مخففة، ولها وجهان: أحدهما: أن يكون» أصلها كقراءة قالون، ثم خففت الكلمة بحذف إحدى الياءين، وهي الثانية، لأنَّ بها حصل الثقل، ولأنها لام الكلمة، والأواخر أحرى بالتغيير. والثاني: أن يكون أصلها كقراءة حميد «وَرَيْئاً» بالقلب، ثم نقل حركة الهمزة إلى الياء قبلها، وحذف الهمزة على قاعدة تخفيف الهمزة بالنقل، فصار «وَرِياً» كما ترى. وتجاسر بعضهم فجعل هذه القراءة لحناً، وليس اللاحن غيره، لخفاء توجيهها عليه. وقرأ ابن عباس - أيضاً - وابن جبير وجماعة «وَزِياً» بزاي وياء مشددة. والزِّيّ: البِزَّةُ الحسنة والآلات المجتمعة، لأنه من زَوَى كذا يَزْوِيهِ، أي: يجمعه، والمتزين يجمع الأشياء التي تزينه وتظهر زيَّه. قوله: ﴿مَن كَانَ فِي الضلالة﴾ . «مَنْ» يجوز أن تكون شرطية، وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، ودخلت الفاء في الخبر، لما تضمنه الموصول من معنى الشرط. وقوله «: فَلْيَمْدُدْ» فيه وجهان: أحدهما: أنه طلب على بابه، ومعناه الدعاء. والثاني: لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر. قال الزمخشري: أي: مدَّ له الرحمن بمعنى أمهلهُ «وأمْلَى له في العمر» فأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك ... أو فيمد له في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدة حياته. قوله: «حتَّى إذَا» في «حتَّى» هذه ما تقدم في نظائرها من كونها حرف جر أو حرف ابتداء، وإنَّما الشأن فيما هي غاية له في كلا القولين. فقال الزمخشري: وفي هذه الآية وجهان: الأول: أن تكون متصلة بالآية التي هي رابعتها، والآيتان اعتراض بينهما، أي: قالوا: «أي الفَريقِيْنِ خيرٌ مقَاماً وأحْسَنُ نديًّا» ، «حتَّى إذَا رَأوْا ما يُوعَدُون» ، أي: لا يبرحون يقولون هذا القول، ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعد رأي العين. فقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ مذكور في مقابلة قوله «خَيْرٌ مَقَاماً» ، وأضْعَفُ جُنْداً «في مقابلة قولهم:» وأحْسَنُ نَدِيًّا «. فبين تعالى أنَّهم عن ظنوا في الحال أنَّ مَنزلتهم أفضل من حيث فضلهم الله بالمقام والندي، فسيعلمون من بعد أنَّ المر بالضد من ذلك وأنَّهم شر مكاناً، فإنَّه لا مكان شر من النار والمناقشة في الحساب،» وأضْعَفُ جُنْداً «فقد كانوا يظنون وهم في الدنيا أنَّ اجتماعهم ينفع، فإذا رأوا أن لا ناصر لهم في الآخرة عرفوا عند ذلك أنهم كانوا في الدنيا مبطلين فيما ادعوه. » ثم قال: «والثاني: أن تتصل بما يليها، والمعنى أنَّ الذين في الضلالة ممدود لهم، ثم ذكر كلاماً كثيراً، ثم قال: إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين، أو يشاهدوا الساعة ومقدماتها، فإن قلت: «حتَّى» هذه ما هي؟ قلتُ: هي التي تُحْكى بعدها الجمل، ألا ترى أنَّ الجملة الشرطية واقعة بعدها، وهي» إذَا رَأوْا ما يُوعَدُون فَسَيَعْلمُونَ «قال أبو حيان: مستبعداً الوجه الأول، وهو في غاية البعد، لطول الفصل بين قوله:: أيُّ الفَرِيقَيْنِ» وبين الغاية، وفيه الفصل بجملتي اعتراض، ولا يجيزه أبو علي. وهذا الاستبعاد قريب. وقال أبو البقاء: «حتَّى» تَحكي ما بعدها ههنا، وليست متعلقة بفعل. قوله: ﴿إِمَّا العذاب وَإِمَّا الساعة﴾ تقدم الكلام في «إمَّا» من كونها حرف عطف أو لا، ولا خلاف أنَّ أحد معانيها التفصيل كما في الآية الكريمة. و «العَذَابَ» و «السَّاعَةَ» بدلاً من قوله: «مَا يُوعَدُون» المنصوبة ب «رَأوا» ، و «فَسَيعْلَمُونِ» جواب الشرط. «مَنْ هُو شرٌّ مكاناً» يجوز أن تكون «مَنْ» موصولة بمعنى «الَّذي» ، ويكون مفعولاً ل «يَعْلَمُونَ» ويجوز أن تكون استفهامية في محل رفع بالابتداء، و «هُوَ» مبتدأ ثان، و «شرٌّ» خبره، والمبتدأ والخبر خبر الأول، ويجوز أن تكون الجملة معلقة لفعل الرؤية، فالجملة في محل نصب على التعليق. فصل قال المفسرون: مَدَّ له الرحمن، أي: أمهله، وأملى له في الأمر، فأخرج على لفظ الأمر ومعناه الخبر، أي: يدعه في طغيانه، ويمهله في كفره ﴿حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العذاب﴾ وهو الأسر، والقتل في الدنيا، و «إمَّا السَّاعةَ» يعني القيامة، فيدخلون النار. وقوله: «وإمَّا السَّاعة» يدلُّ على أنَّ المراد بالعذاب عذاب يحصل قبل يوم القيامة، فيحتمل أن يكون المراد به الأسر والقتل كما تقدم، ويحتمل أن يكون عذاب القبر، ويمكن أن يكون تغير أحوالهم من العز إلى الذُّل، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الصحة إلى المرض، ومن الأمن إلى الخوف. «فَسَيَعْلمُونَ» عند ذلك «مَنْ هُو شرٌّ مكاناً» منزلاً، «وأضْعَفُ جُنْداً» أقل ناصراً، لأنَّهم في النار والمؤمنون في الجنة، وهذا ردٌّ عليهم في قولهم: «أيُّ الفريقَيْن خيرٌ مَقَاماً وأحْسَنُ نَدِيًّا» . قوله: " ويزيد الله " في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها لا محل لها، لاستئنافها، فإنها سيقت للإخبار بذلك. وقال الزمخشري: إنها معطوفة على موضع " فليمدد "، لأنه واقع موقع الخبر، تقديره من كل في الضلالة يمد له الرحمن مدا ويزيد، أي: في ضلالهم بذلك المد. قال أبو حيان: ولا يصح أن يكون " ويزيد " معطوفا على " فليمدد " سواء كان دعاء أو خبرا بصورة الأمر؛ لأنه في موضع الخبر إن كانت " من " موصولة، أو في موضع الجواب إن كانت " من " شرطية وعلى كلا التقديرين فالجملة من قوله " ويزيد الله الذين اهتدوا هدى " عارية من ضمير يعود على " من " يربط جملة الخبر بالمبتدأ، أو جملة الشرط بالجزاء، " الذي هو " فليمدد "، وما عطف عليه، لأن المعطوف على الخبر خبر، والمعطوف على جملة الجزاء " جزاء، وإذا كانت أداة الشرط اسما لا ظرفا تعين أن يكون في جملة الجزاء ضميره أو ما يقوم مقامه، وكذا في الجملة المعطوفة عليها. وذكره أبو البقاء - أيضا - كما ذكر الزمخشري. قال شهاب الدين: وقد يجاب عما قالاه بأنا نختار على هذا التقدير أن تكون " من " شرطية. وقوله: " ولا بد من ضمير يعود على اسم الشرط غير الظرف " ممنوع، لان فيه خلافا تقدم تحقيقه، ودليله في سورة البقرة فيكون الزمخشري وأبو البقاء من القائلين بأنه لا يشترط. (فصل) اعلم أنه - تعالى - لما بين أنه يعامل الكفار " بعد ذلك " بما ذكره، فكذلك يزيد المؤمنين المهتدين هدى، أي إيمانا وإيقانا على يقينهم. ومن الناس من حمل زيادة الهدى على الثواب، أي: يزيدهم ثوابا على ذلك الاهتداء ومنهم من فسر الزيادة بالعبادة المرتبة على الإيمان. ثم قال: ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا﴾ . قال المحققون: هي الإيمان، والأعمال الصالحة تبقى لصاحبها وبعضهم قال: الصلوات، وبعضهم قال: التسبيح وقد تقدم. ثم قال: " خير عند ربك ثوابا وخير مردا " عاقبة ومرجعا، ولا يجوز أن يقال: هذا خير إلا والمراد أنه خير من غيره، فالمراد إذا: أنه خير مما ظنه الكفار بقولهم: " خير مقاما وأحسن نديا ".

مريم 19:76

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بِيِّنَاتٍ﴾ الآية. لما أقام الحجة، على مشركي قريش المنكرين للبعض، وأتبعه بالوعيد حكى عنهم أنهم عارضوا حجة الله بكلام، فقالوا: لو كنتم انتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أحسن من حالنا، لأنَّ الحكيمَ لا يليق به أن يوقع أولياءه المخلصين في الذل وأعداءه المعرضين عن خدمته في العز والراحة، وإنما كان الأمر بالعكس، فإنَّ الكفار في النعمة والراحة والاستعلاء، والمؤمنين كانوا في ذلك الوقت في الخوف والقلة، فدل على أنَّ الحق ليس من المؤمنين، هذا حاصل شبهتهم. وقوله: ﴿آيَاتُنَا بِيِّنَاتٍ﴾ أي: واضحات، وقيل: مرتلات، وقيل: ظاهرات الإعجاز. ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ﴾ يعني النضر بن الحارث وذويه من قريش ﴿لِلَّذِينَ آمنوا﴾ يعني فقراء أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونةٌ، وفي ثيابهم رثاثةٌ، وكان المشركون يرجلون شعورهم، ويلبسون خير ثيابهم، فقالوا للمؤمنين ﴿أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً﴾ منزلاً ومسكناً، وهو موضع الإقامة، «وأحْسَنُ نديًّا» أي: مجلساً، ومثله النادي. قوله: «مَقَاماً» . قرأ ابن كثير «مُقَاماً» بالضم. ورُوِيَتْ عن أبي عمرو، وهي قراءة ابن محيصن وهو موضع الإقامة والمنزل. والباقون بالفتح وفي كلتا القراءتين يحتمل أن يكون اسم مكان «أو اسم مصدر من قَامَ ثلاثياً، أو من أقَامَ أي: خير مكان» قياماً أو إقاَمَة. فصل قالوا: زيْدٌ خيرٌ من عمروٍ، وشرٌّ من بكر، ولم يقولوا: أخير منه، ولا أشرّ منه، لأنَّ هاتين اللفظتين كثر استعمالهما فحذفت همزتاهما، ولم يثبتا إلا في فعل التعجب، «فقالوا: أخير بزيدٍ وأشرر بعمرو، وما أخْيَر زيْداً ومَا أشرَّ عَمْراً. والعلة في إثباتها في فعلي التعجب أنَّ» استعمال هاتين اللفظتين اسماً أكثرُ من استعمالهما فعلاً، فحذفت الهمزةُ في موضع «الكثرة، وبقيتْ على أصلها في موضع» القلة ثابتة. والنَّديّ فعيل، أصله: نَدِيو، لأنَّ لامه واو، يقال: ندوتُهُمْ أندوهم، أي: أتَيْتُ نَاديَهُمْ والنَّادِي، مثله، ومنه: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ أي: أهل ناديه. والنَّدِيِّ والنَّادي مجلس القوم ومحدثهم. وقيل: هو مشتق من النَّدى، وهو الكرم، لأنَّ الكرماء يجتمعون فيه. وانْتَديْتُ المكان والمنتدى كذلك، «وقال حاتم» : 3619 - ودُعِيتُ في أولَى النَّديِّ ولَمْ ... يُنْظَر «إليّ بأ» عْيُنٍ خُرْزِ والمصدر النَّدو. و «مَقَاماً» و «نَدِيًّا» منصوبان على التمييز من أفعل. وقرأ أبو حيوة والأعرج وابن محيصن «يُتْلَى» بالياء من تحت، والباقون بالتاء من فوق. واللام في «اللَّذينَ» يحتمل أن تكون للتبليغ، وهو الظاهر، وأن تكون للتعليل. قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ . «كَم» مفعول مقدم، واجب التقديم، لأنَّ له مصدر الكلام، لأنها إمَّا استفهامية أو خبرية، وهي محمولة على الاستفهامية. و «أهْلَكْنَا» متسلط على «كَمْ» ، أي: كثير من القرون أهلكنا. و «مِنْ قَرْنٍ» تمييز ل «كَمْ» مبين لها. قوله: «هُمْ أحْسَنُ» في هذه الجملة وجهان: أحدهما: وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء: أنَّه في محل نصب صفة ل «كَمْ» قال الزمخشري: ألا ترى أنك لو أسقطت «هُمْ» لم يكن بُدّ من نصب «أحْسَنُ» على الوصفية. وفي هذا نظرٌ، لأنَّ النحويين نصوا على أنَّ «كَمْ» الاستفهامية والخبرية لا تُوصف ولا يُوصف بها. الثاني: أنها في محل جرّ صفة ل «قَرْن» ، ولا محذور في هذا. وإنما جمع في قوله: «هُمْ» ، لأنَّ «قَرْنٍ» وإنْ كَانَ لَفظهُ «مفرداً فمعناه جمع، ف» قَرْن «كلفظ» جَمِيع» ، و «جَمِيع» يجوز مراعاة لفظه تارة فيفرد كقوله تعالى ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ [القمر: 44] ، ومراعاة معناه أخرى فيجمع كقوله: ﴿لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 32] . فصل لمَّا ذكروا شبهتهم أجاب الله عنها بقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً﴾ أي: متاعاً وأموالاً. قوله: «ورئيا» الجمهور على» رِئْياً «بهمزة ساكنة بعدها ياء صريحة وصلاً ووقفاً. وحمزة إذا وقف يبدل هذه الهمزة ياء على أصله في تخفيف الهمز، ثم له بعد ذلك وجهان: الإظهار اعتباراً بالأصل، والإدغام اعتباراً باللفظ. وفي الإظهار صعوبة لا تَخْفَى، وفي الإدغام إيهام أنَّها مادة أخرى، وهو الريُّ الذي هو بمعنى الامتلاء والنضارة، ولذلك ترك أبو عمرو وأصله في تخفيف الهمزة. وقرأ قالون عن نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر» ورِيًّا «بياء مشددة بعد الراء. فقيل: هي مهموزة الأصل، ثم أبدلتِ الهمزةُ ياء، وأدغمتْ. والرِّئْيُ بالهمز وقيل: من رؤية العين، وفعلٌ فيه معنى مفعول أي: مَرْئِيٌّ. وقيل: من الرواء وحسن المنظر. وقيل: بل هو من الريّ ضد العطش، وليس مهموز الأصل، والمعنى: أحسن منظراً، لأنَّ الريّ والامتلاء أحسن من ضديهما، ومعناه الارتواء من النعمة، فإنَّ المُنْعم يظهر فيه ارتواء النعمة، والفقير يظهر عليه ذبول الفقر. وقرأ حميد وأبو بكر عن عاصم في رواية الأعمش: وَرِيْئَا» بياء ساكنة بعدها همزة وهو مقلوب من «رِئْياً» في قراءة العامة، ووزنه «فِلْع» ، وهو من وراءه يراؤه كقول الشاعر: 3620 - وكُلُّ خليلٍ رَاءَنِي فَهُوَ قَائِلٌ ... من أجْلِكِ هذا هامةُ اليَوْمِ أوْ غَدِ وفي القلب من القلب ما فيه. وروى اليزيدي قراءة «ورَيَاء» بياء بعدها ألف «بعدها همزة» ، وهي المراءاة، أي: يرى بعضهم حسن بعض، ثم خفف الهمزة الأولى بقلبها ياء، وهو تخفيف قياسي. «وقرأ ابنُ عباس أيضاً في رواية طلحة» وَرِياً «بياء فقط مخففة، ولها وجهان: أحدهما: أن يكون» أصلها كقراءة قالون، ثم خففت الكلمة بحذف إحدى الياءين، وهي الثانية، لأنَّ بها حصل الثقل، ولأنها لام الكلمة، والأواخر أحرى بالتغيير. والثاني: أن يكون أصلها كقراءة حميد «وَرَيْئاً» بالقلب، ثم نقل حركة الهمزة إلى الياء قبلها، وحذف الهمزة على قاعدة تخفيف الهمزة بالنقل، فصار «وَرِياً» كما ترى. وتجاسر بعضهم فجعل هذه القراءة لحناً، وليس اللاحن غيره، لخفاء توجيهها عليه. وقرأ ابن عباس - أيضاً - وابن جبير وجماعة «وَزِياً» بزاي وياء مشددة. والزِّيّ: البِزَّةُ الحسنة والآلات المجتمعة، لأنه من زَوَى كذا يَزْوِيهِ، أي: يجمعه، والمتزين يجمع الأشياء التي تزينه وتظهر زيَّه. قوله: ﴿مَن كَانَ فِي الضلالة﴾ . «مَنْ» يجوز أن تكون شرطية، وهو الظاهر، وأن تكون موصولة، ودخلت الفاء في الخبر، لما تضمنه الموصول من معنى الشرط. وقوله «: فَلْيَمْدُدْ» فيه وجهان: أحدهما: أنه طلب على بابه، ومعناه الدعاء. والثاني: لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر. قال الزمخشري: أي: مدَّ له الرحمن بمعنى أمهلهُ «وأمْلَى له في العمر» فأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك ... أو فيمد له في معنى الدعاء بأن يمهله الله وينفس في مدة حياته. قوله: «حتَّى إذَا» في «حتَّى» هذه ما تقدم في نظائرها من كونها حرف جر أو حرف ابتداء، وإنَّما الشأن فيما هي غاية له في كلا القولين. فقال الزمخشري: وفي هذه الآية وجهان: الأول: أن تكون متصلة بالآية التي هي رابعتها، والآيتان اعتراض بينهما، أي: قالوا: «أي الفَريقِيْنِ خيرٌ مقَاماً وأحْسَنُ نديًّا» ، «حتَّى إذَا رَأوْا ما يُوعَدُون» ، أي: لا يبرحون يقولون هذا القول، ويتولعون به لا يتكافون عنه إلى أن يشاهدوا الموعد رأي العين. فقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ مذكور في مقابلة قوله «خَيْرٌ مَقَاماً» ، وأضْعَفُ جُنْداً «في مقابلة قولهم:» وأحْسَنُ نَدِيًّا «. فبين تعالى أنَّهم عن ظنوا في الحال أنَّ مَنزلتهم أفضل من حيث فضلهم الله بالمقام والندي، فسيعلمون من بعد أنَّ المر بالضد من ذلك وأنَّهم شر مكاناً، فإنَّه لا مكان شر من النار والمناقشة في الحساب،» وأضْعَفُ جُنْداً «فقد كانوا يظنون وهم في الدنيا أنَّ اجتماعهم ينفع، فإذا رأوا أن لا ناصر لهم في الآخرة عرفوا عند ذلك أنهم كانوا في الدنيا مبطلين فيما ادعوه. » ثم قال: «والثاني: أن تتصل بما يليها، والمعنى أنَّ الذين في الضلالة ممدود لهم، ثم ذكر كلاماً كثيراً، ثم قال: إلى أن يعاينوا نصرة الله المؤمنين، أو يشاهدوا الساعة ومقدماتها، فإن قلت: «حتَّى» هذه ما هي؟ قلتُ: هي التي تُحْكى بعدها الجمل، ألا ترى أنَّ الجملة الشرطية واقعة بعدها، وهي» إذَا رَأوْا ما يُوعَدُون فَسَيَعْلمُونَ «قال أبو حيان: مستبعداً الوجه الأول، وهو في غاية البعد، لطول الفصل بين قوله:: أيُّ الفَرِيقَيْنِ» وبين الغاية، وفيه الفصل بجملتي اعتراض، ولا يجيزه أبو علي. وهذا الاستبعاد قريب. وقال أبو البقاء: «حتَّى» تَحكي ما بعدها ههنا، وليست متعلقة بفعل. قوله: ﴿إِمَّا العذاب وَإِمَّا الساعة﴾ تقدم الكلام في «إمَّا» من كونها حرف عطف أو لا، ولا خلاف أنَّ أحد معانيها التفصيل كما في الآية الكريمة. و «العَذَابَ» و «السَّاعَةَ» بدلاً من قوله: «مَا يُوعَدُون» المنصوبة ب «رَأوا» ، و «فَسَيعْلَمُونِ» جواب الشرط. «مَنْ هُو شرٌّ مكاناً» يجوز أن تكون «مَنْ» موصولة بمعنى «الَّذي» ، ويكون مفعولاً ل «يَعْلَمُونَ» ويجوز أن تكون استفهامية في محل رفع بالابتداء، و «هُوَ» مبتدأ ثان، و «شرٌّ» خبره، والمبتدأ والخبر خبر الأول، ويجوز أن تكون الجملة معلقة لفعل الرؤية، فالجملة في محل نصب على التعليق. فصل قال المفسرون: مَدَّ له الرحمن، أي: أمهله، وأملى له في الأمر، فأخرج على لفظ الأمر ومعناه الخبر، أي: يدعه في طغيانه، ويمهله في كفره ﴿حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العذاب﴾ وهو الأسر، والقتل في الدنيا، و «إمَّا السَّاعةَ» يعني القيامة، فيدخلون النار. وقوله: «وإمَّا السَّاعة» يدلُّ على أنَّ المراد بالعذاب عذاب يحصل قبل يوم القيامة، فيحتمل أن يكون المراد به الأسر والقتل كما تقدم، ويحتمل أن يكون عذاب القبر، ويمكن أن يكون تغير أحوالهم من العز إلى الذُّل، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الصحة إلى المرض، ومن الأمن إلى الخوف. «فَسَيَعْلمُونَ» عند ذلك «مَنْ هُو شرٌّ مكاناً» منزلاً، «وأضْعَفُ جُنْداً» أقل ناصراً، لأنَّهم في النار والمؤمنون في الجنة، وهذا ردٌّ عليهم في قولهم: «أيُّ الفريقَيْن خيرٌ مَقَاماً وأحْسَنُ نَدِيًّا» . قوله: " ويزيد الله " في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها لا محل لها، لاستئنافها، فإنها سيقت للإخبار بذلك. وقال الزمخشري: إنها معطوفة على موضع " فليمدد "، لأنه واقع موقع الخبر، تقديره من كل في الضلالة يمد له الرحمن مدا ويزيد، أي: في ضلالهم بذلك المد. قال أبو حيان: ولا يصح أن يكون " ويزيد " معطوفا على " فليمدد " سواء كان دعاء أو خبرا بصورة الأمر؛ لأنه في موضع الخبر إن كانت " من " موصولة، أو في موضع الجواب إن كانت " من " شرطية وعلى كلا التقديرين فالجملة من قوله " ويزيد الله الذين اهتدوا هدى " عارية من ضمير يعود على " من " يربط جملة الخبر بالمبتدأ، أو جملة الشرط بالجزاء، " الذي هو " فليمدد "، وما عطف عليه، لأن المعطوف على الخبر خبر، والمعطوف على جملة الجزاء " جزاء، وإذا كانت أداة الشرط اسما لا ظرفا تعين أن يكون في جملة الجزاء ضميره أو ما يقوم مقامه، وكذا في الجملة المعطوفة عليها. وذكره أبو البقاء - أيضا - كما ذكر الزمخشري. قال شهاب الدين: وقد يجاب عما قالاه بأنا نختار على هذا التقدير أن تكون " من " شرطية. وقوله: " ولا بد من ضمير يعود على اسم الشرط غير الظرف " ممنوع، لان فيه خلافا تقدم تحقيقه، ودليله في سورة البقرة فيكون الزمخشري وأبو البقاء من القائلين بأنه لا يشترط. (فصل) اعلم أنه - تعالى - لما بين أنه يعامل الكفار " بعد ذلك " بما ذكره، فكذلك يزيد المؤمنين المهتدين هدى، أي إيمانا وإيقانا على يقينهم. ومن الناس من حمل زيادة الهدى على الثواب، أي: يزيدهم ثوابا على ذلك الاهتداء ومنهم من فسر الزيادة بالعبادة المرتبة على الإيمان. ثم قال: ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا﴾ . قال المحققون: هي الإيمان، والأعمال الصالحة تبقى لصاحبها وبعضهم قال: الصلوات، وبعضهم قال: التسبيح وقد تقدم. ثم قال: " خير عند ربك ثوابا وخير مردا " عاقبة ومرجعا، ولا يجوز أن يقال: هذا خير إلا والمراد أنه خير من غيره، فالمراد إذا: أنه خير مما ظنه الكفار بقولهم: " خير مقاما وأحسن نديا ".

مريم 19:77

قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية. «أفَرَأيْتَ» عطف بالفاء إيذاناً بإفادة التعقيب، كأنه قيل: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر عقيب أولئك. وأرأيت بمعنى: أخبرني كما تقدم، والموصول هو المفعول الأول، والثاني هو الجملة الاستفهامية من قوله: «أطَّلع الغَيْبَ» . و «لأوتَينَّ» جواب قسمٍ مضمر، والجملة القسمية كلها في محل نصب بالقول. وقوله هنا «وولداً» ، وفي آخر السورة: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً﴾ [مريم: 88] موضعان وفي الزخرف ﴿إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ﴾ [الآية: 81] ، وفي نوح ﴿مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ [الآية: 21] . وقرأ الأخوان الأربعة بضم الواو وسكون اللام، ووافقهما ابن كثير وأبو عمرو على الذي في نوح دون السورتين، والباقون وهم نافع وابن عامر وعاصم قرأوا ذلك كلَّه بفتح اللام والواو. فأمَّا القراءةُ بفتحتين فواضحة، وهو اسم مفرد قائم مقام الجمع. وأما قراءة الضم والإسكان، فقيل: هي كالتي قبلها في المعنى، يقال: وَلَدٌ ووُلْدٌ كما يقال: عَربٌ وعُرْبٌ، وعدمٌ وعُدْمَ. وقيل: بل هي جمع ل «ولد» نحو أسَدٌ وأسْدٌ، «وأنشدوا على ذلك: 3621 - ولقَد رَأيْتُ مَعَاشِراً ... قَدْ ثَمَّرُوا مالاً ووُلدا» وأنشدوا شاهداً على أن الوَلَد والوُلْدَ مترادفان قول الآخر: 3622 - فَلَيْتَ فُلاناً كان في بَطْنِ أمِّهِ ... وليْتَ فُلاناً كانَ وُلْدَ حمارِ وقرأ عبد الله ويحيى بن يعمر «ووِلْدا» بكسر الواو، وهي لغة الولد، ولا يبعد أن يكون هذا من باب الذبح والرئي، فيكون ولد بمعنى مولود، وكذلك في الذي بفتحتين نحو القبض بمعنى المقبوض. قوله: «اطَّلَعَ» هذه همزة استفهام سقط من أجلها همزة وصل، وقد قُرئ بسقوطها درجاً، وكسرها ابتداء على أن همزة الاستفهام قد حذفت لدلالة «أمْ» عليها، كقوله: 3623 - لَعمركَ مَا أدْرِي وإنْ كُنْتَ دَارياً ... بسَبْعٍ رمَيْنَ الجَمْرَ أمْ «بِثَمَانِ» و «أطَّلعَ» من قولهم: اطلع فلان الجبل، أي: ارتقى أعلاه. 3624 - لاقَيْتَ مُطَّلِعَ الجِبَالِ «وعُوراً» ... و «الغَيْبَ» مفعول به، لا على إسقاط حرف الجر، أي: على الغيب، كما زعم بعضهم. فصل لمَّا استدل على صحة البعث، وأورد شبهة المنكرين، وأجاب عنها ذكر عنهم ما قالوه استهزاء طعناً بالقول في الحشر فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ . قال الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة والمشهور أنها نزلت في العاص بن وائل، قال خباب بن الأرت: كان لي عليه دين، فأتيت أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا والله لا أكفر بمحمدٍ حيًّا ولا ميتاً. وفي رواية: حتى تموت ثم تبعث. فقال: وإنّي لميتٌ ثم مبعوثٌ؟ قلت: نعم. قال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً فأنا أقضيك ثمَّ، فإنه سيكون لي مالٌ وولد. ثم قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الغيب﴾ . «قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ» . وقال مجاهد: أعلمَ علن الغيب حتى يعلم افي الجنة هو أم لا؟ . والمعنى: أنَّ الذي ادعى حصوله لا يتوصل إلاَّ بأحد هذين الطريقين: إمَّا علم الغيب، وإمَّا عهدٌ من عالم الغيب، فبأيهما توصل إليه. قيل: العهد كلمة الشهادة. وقال قتادة: عملاً صالحاً قدَّمه، فهو يرجو بذلك ما يقول. وقال الكلبي: عهد إليه أن يدخله الجنة. «كَلاَّ» للنحويين في هذه اللفظة ستة مذاهب: أحدها: وهو مذهب جمهور البصريين كالخليل وسيبويه وأبي الحسن الأخفش وأبي العباس أنها حرف ردع وزجر. وهذا معنى لائق بها حيث وقعت في القرآن، وما أحسن ما جاءت في هذه الآية حيث زجرت وردعت ذلك القائل. والثاني: وهو مذهب النضر بن شميل أنها حرف تصديق بمعنى نعم، فيكون جواباً، ولا بد حينئذ من أن يتقدمها شيء لفظاً أو تقديراً، وقد تستعمل في القسم. والثالث: وهو مذهب الكسائي، وأبي بكر بن الأنباري، «ونصر بن يوسف» وابن واصل أنها بمعنى حقًّا. والرابع: وهو مذهب أبي عبد الله محمد بن الباهلي أنها رد لما قبلها. وهذا قريب من معنى الردع. الخامس: أنها صلة في الكلام بمعنى «إي» كذا قيل. وفيه نظر، فإن «إي» حرف جواب، ولكنه مختص بالقسم. السادس: أنها حرف استفتاح، وهو قول «أبي حاتم ولتقرير هذه المذاهب موضع يليق به. وقد قرئ هنا بالفتح والتنوين في كَلاَّ» هذه، وتروى عن ابن نهيك وحكى الزمخشري هذه القراءة، وعزاها لابن نهيك في قوله: ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ﴾ كما سيأتي ويحكى أيضاً قراءةٌ بضم الكاف والتنوين، ويعزيها لابن نهيك أيضاً» . فأما قولهم: ابن نهيك، فليس لهم ابن نهيك، إنما لهم أبو نهبك بالكنية. وفي قراءة الفتح «والتنوين أربعة أوجه: أحدها: أنَّه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدر من لفظها تقديره» : كَلُّوا كَلاًّ، أي: أعيُوا عن الحقِّ إعياء، أو كلُّوا عن عبادة الله، لتهاونهم بها من قول العرب: كَلَّ السَّيْفُ، إذا نبا عن الضرب، وكلَّ زيدٌ، أي تعِبَ. وقيل: المعنى: كلُّوا في دعواهم وانقطعوا. والثاني: أنه مفعولٌ به بفعل مقدر من معنى الكلام، تقديره: حُمِّلُوا كلاًّ. والكلُّ أيضاً: الثقل: تقول: فلان كلٌّ على الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ﴾ [النحل: 76] . والثالث: أن «التنوين بدل من ألف» » كلاَّ «، وهي التي يراد بها الردع والزجر، فتكون حرفاً أيضاً. قال الزمخشري: ولقائل أن يقول: غن صحت هذه الرواية، فهي» كلاَّ «التي للردع» قلب الواقف عليها ألفها نوناً كما في قوله: «قوارِيرا» . قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد، لأنه قال: التي للردع، «والتي للردع» حرف، وجه لقلب ألفها نوناً، وتشبيهه ب «قَوَارِيراً» ليس بجيد، لنَّ «قَوَارِيرَ» اسم يرجع به إلى أصله، فالنون ليس بدلاً من ألف بل هو تنوين الصرف، وهذا اجمع مختلف فيه أيتحتَّمُ منع صرفه أم يجوز؟ قولان. ومنقول أيضاً: أن بعض لغة العرب يصرفون ما لا ينصرف، فهذا القول، إما على قول من لا يرى بالتحتم، أو على تلك اللغة. والرابع: أنه نعتٌ ل «آلهة» ، قاله ابن عطية. وفيه نظر، إذ ليس المعنى على ذلك، وقد يظهر له وجه، «أن يكون وصف» الآلهة بالكلِّ الذي هو المصدر بمعنى الإعياء والعجز، كأنه قيل: آلهةٌ كالِّين، أي: عاجزين منقطعين. ولمَّا وصفهم وصفهم بالمصدر وحده. وروى ابن عطية والداني وغيره عن أبي نهيك أنه قرأ «كُلاًّ» بضم الكاف والتنوين، وفيها تأويلان: أحدهما: أن ينتصب على الحال، أي: سيكفرون جميعاً؛ كذا قدره أبو البقاء، واستبعده. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدر، يرفضون، أي: يجحدون، أو يتركون كلاًّ، قاله ابن عطية. وحكى ابن جرير أن أبنا نهيك قرأ «كُلُّ» بضم الكاف ورفع اللام منونة على أنه مبتدأ والجملة الفعلية بعده خبره. وظاهر عبارة هؤلاء أنه لم يقرأ بذلك إلا في «كلاًّ» الثانية. وقرأ عليُّ بنُ أبي طالب «ونُمِدُّ» من أمدَّ، وقد تقدم القول في مدَّهُ وأمدَّهُ. قوله:: ونَرثهُ ما يقُولُ» . يجوز في «مَا» وجهان: أحدهما: أن يكون مفعولاً بها، والضمير في «نَرِثُهُ» منصوب على إسقاط الخافض تقديره: ونرثُ منه «ما يقوله» . والثاني: أن يكون بدلاً من الضمير في «نَرِثُهُ» بدل اشتمال. وقدَّر بعضهم مضافاً قبل الموصول، أي: نرثه معنى ما يقول: أو مسمَّى ما يقول، وهو المال والولد، لأن نفس القول لا يورث.» و «فَرْداً» حال إمَّا مقدرة نحو ﴿فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73] ، أو مقارنة، وذلك مبنيٌّ على اختلاف معنى الآية» . قوله تعالى: «سَنَكْتبُ» سنحفظ» ما يقُولُ «فنُجازيه في الآخرة. وقيل: نأمر الملائكة حتى يكتبوا ما يقول. ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً﴾ أي: نزيده عذاباً فوق العذاب، وقيل: نطيل عذابه. و» نَرِثهُ ما يقُولُ «» أي: ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال قوله، وقوله «مَا يَقُولُ» ، لأنه زعم أنَّ له مالاً وولداً، أي: لا نعطيه ونعطي غيره، فيكون الإرث راجعاً إلى ما تحت القول لا إلى نفس القول. وقيل: معنى قوله «ونَرِثهُ ما يقُولُ» أي: نحفظ ما يقول حتى نجازيه به «ويَأتِينَا فَرْداً» يوم القيامة بلا مالٍ ولا ولد» . قوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله﴾ الآية. لمَّا تكلَّم في مسألة الحشر والنشر تكلَّم الآن في الرد على عُبَّاد الأصنام فقال: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾ يعني كفار قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها «ليكُونُوا لَهُمْ عِزًّا» أي منعة بحيث يكونون لهم شفعاء وأنصاراً ينقذونهم من الهلاك. ثم أجاب الله - تعالى - بقوله: «كَلاَّ» ليس الأمر كما زعموا ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: «كُلُّهم سيكفُرُون بعبادِة» هذه الأوثان. قوله: «سَيَكْفرُونَ» يجوز أن يعود الضمير على الالهة، لأنه أقرب مذكور، ولأن الضمير في «يَكونُونَ» أيضاً عائد عليهم فقط، ومثله ﴿وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ﴾ [النحل: 86] ثم قال ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 86] . قيل: أراد بذلك الملائكة، لأنهم يكفرون بعبادتهم «ويتبرءون منهم» ويخاصمونهم وهو المراد بقوله: ﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: 40] . وقيل: إن الله - تعالى - يحيي الأصنام يوم القيامة حتى يوبِّخوا عبَّادها ويتبرءوا منهم فيكون ذلك أعظم لحسرتهم. وقيل: الضمير يعود على المشركين، ومثله قوله: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ إلا أنَّ فيه عدم توافق الضمائر، إذ الضمير في «يَكُونُونَ» عائد إلى الآلهة. و «بِعبَادتهِمْ» مصدر مضاف إلى فاعله، إن عاد الضمير في عبادتهم على المشركين العابدين، وإلى المفعول إن عاد على الالهة. قوله: «ضِدًّا» إنما وحَّده وإن كان خبراً عن جمع لأحد وجهين: إما لأنه مصدر في الأصل، «والمصادر موحَّدة مذكَّرة، وإمَّا لأنه مفرد في معنى الجمع. قال الزمخشري» : والضِّدُّ: العَوْن، وحِّد توحيد قوله عليه السلام: «وهُم يَدٌ على مِنْ سِوَاهُم» لاتفاق كلمتهم، وأنَّهم كشيء واحد لفرط تضامنهم وتوافقهم. والضَّدُّ: العونُ والمعاونة، ويقال: من أضدادكم، أي: أعوانكم. قيل: سمي العونُ ضدًّا، لأنه يضاد من يعاديك وينافيه بإعانته لك عليه. وفي التفسير: إنَّ الضِّدَّ هنا الأعداء. وقل: القرن. وقيل: البلاء. وهذه تناسب معنى الآية. قيل: ذكر ذلك في مقابلة قولهم «عِزًّا» ، والمراد ضد العِزّ، وهو الذُّلُّ والهوان، أي: يكونون عليهم ضِدًّا لما قصدوا وأرادوه. كأنه قيل: ويكون عليهم ذلاًّ لهُم.

مريم 19:78

قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية. «أفَرَأيْتَ» عطف بالفاء إيذاناً بإفادة التعقيب، كأنه قيل: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر عقيب أولئك. وأرأيت بمعنى: أخبرني كما تقدم، والموصول هو المفعول الأول، والثاني هو الجملة الاستفهامية من قوله: «أطَّلع الغَيْبَ» . و «لأوتَينَّ» جواب قسمٍ مضمر، والجملة القسمية كلها في محل نصب بالقول. وقوله هنا «وولداً» ، وفي آخر السورة: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً﴾ [مريم: 88] موضعان وفي الزخرف ﴿إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ﴾ [الآية: 81] ، وفي نوح ﴿مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ [الآية: 21] . وقرأ الأخوان الأربعة بضم الواو وسكون اللام، ووافقهما ابن كثير وأبو عمرو على الذي في نوح دون السورتين، والباقون وهم نافع وابن عامر وعاصم قرأوا ذلك كلَّه بفتح اللام والواو. فأمَّا القراءةُ بفتحتين فواضحة، وهو اسم مفرد قائم مقام الجمع. وأما قراءة الضم والإسكان، فقيل: هي كالتي قبلها في المعنى، يقال: وَلَدٌ ووُلْدٌ كما يقال: عَربٌ وعُرْبٌ، وعدمٌ وعُدْمَ. وقيل: بل هي جمع ل «ولد» نحو أسَدٌ وأسْدٌ، «وأنشدوا على ذلك: 3621 - ولقَد رَأيْتُ مَعَاشِراً ... قَدْ ثَمَّرُوا مالاً ووُلدا» وأنشدوا شاهداً على أن الوَلَد والوُلْدَ مترادفان قول الآخر: 3622 - فَلَيْتَ فُلاناً كان في بَطْنِ أمِّهِ ... وليْتَ فُلاناً كانَ وُلْدَ حمارِ وقرأ عبد الله ويحيى بن يعمر «ووِلْدا» بكسر الواو، وهي لغة الولد، ولا يبعد أن يكون هذا من باب الذبح والرئي، فيكون ولد بمعنى مولود، وكذلك في الذي بفتحتين نحو القبض بمعنى المقبوض. قوله: «اطَّلَعَ» هذه همزة استفهام سقط من أجلها همزة وصل، وقد قُرئ بسقوطها درجاً، وكسرها ابتداء على أن همزة الاستفهام قد حذفت لدلالة «أمْ» عليها، كقوله: 3623 - لَعمركَ مَا أدْرِي وإنْ كُنْتَ دَارياً ... بسَبْعٍ رمَيْنَ الجَمْرَ أمْ «بِثَمَانِ» و «أطَّلعَ» من قولهم: اطلع فلان الجبل، أي: ارتقى أعلاه. 3624 - لاقَيْتَ مُطَّلِعَ الجِبَالِ «وعُوراً» ... و «الغَيْبَ» مفعول به، لا على إسقاط حرف الجر، أي: على الغيب، كما زعم بعضهم. فصل لمَّا استدل على صحة البعث، وأورد شبهة المنكرين، وأجاب عنها ذكر عنهم ما قالوه استهزاء طعناً بالقول في الحشر فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ . قال الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة والمشهور أنها نزلت في العاص بن وائل، قال خباب بن الأرت: كان لي عليه دين، فأتيت أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا والله لا أكفر بمحمدٍ حيًّا ولا ميتاً. وفي رواية: حتى تموت ثم تبعث. فقال: وإنّي لميتٌ ثم مبعوثٌ؟ قلت: نعم. قال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً فأنا أقضيك ثمَّ، فإنه سيكون لي مالٌ وولد. ثم قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الغيب﴾ . «قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ» . وقال مجاهد: أعلمَ علن الغيب حتى يعلم افي الجنة هو أم لا؟ . والمعنى: أنَّ الذي ادعى حصوله لا يتوصل إلاَّ بأحد هذين الطريقين: إمَّا علم الغيب، وإمَّا عهدٌ من عالم الغيب، فبأيهما توصل إليه. قيل: العهد كلمة الشهادة. وقال قتادة: عملاً صالحاً قدَّمه، فهو يرجو بذلك ما يقول. وقال الكلبي: عهد إليه أن يدخله الجنة. «كَلاَّ» للنحويين في هذه اللفظة ستة مذاهب: أحدها: وهو مذهب جمهور البصريين كالخليل وسيبويه وأبي الحسن الأخفش وأبي العباس أنها حرف ردع وزجر. وهذا معنى لائق بها حيث وقعت في القرآن، وما أحسن ما جاءت في هذه الآية حيث زجرت وردعت ذلك القائل. والثاني: وهو مذهب النضر بن شميل أنها حرف تصديق بمعنى نعم، فيكون جواباً، ولا بد حينئذ من أن يتقدمها شيء لفظاً أو تقديراً، وقد تستعمل في القسم. والثالث: وهو مذهب الكسائي، وأبي بكر بن الأنباري، «ونصر بن يوسف» وابن واصل أنها بمعنى حقًّا. والرابع: وهو مذهب أبي عبد الله محمد بن الباهلي أنها رد لما قبلها. وهذا قريب من معنى الردع. الخامس: أنها صلة في الكلام بمعنى «إي» كذا قيل. وفيه نظر، فإن «إي» حرف جواب، ولكنه مختص بالقسم. السادس: أنها حرف استفتاح، وهو قول «أبي حاتم ولتقرير هذه المذاهب موضع يليق به. وقد قرئ هنا بالفتح والتنوين في كَلاَّ» هذه، وتروى عن ابن نهيك وحكى الزمخشري هذه القراءة، وعزاها لابن نهيك في قوله: ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ﴾ كما سيأتي ويحكى أيضاً قراءةٌ بضم الكاف والتنوين، ويعزيها لابن نهيك أيضاً» . فأما قولهم: ابن نهيك، فليس لهم ابن نهيك، إنما لهم أبو نهبك بالكنية. وفي قراءة الفتح «والتنوين أربعة أوجه: أحدها: أنَّه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدر من لفظها تقديره» : كَلُّوا كَلاًّ، أي: أعيُوا عن الحقِّ إعياء، أو كلُّوا عن عبادة الله، لتهاونهم بها من قول العرب: كَلَّ السَّيْفُ، إذا نبا عن الضرب، وكلَّ زيدٌ، أي تعِبَ. وقيل: المعنى: كلُّوا في دعواهم وانقطعوا. والثاني: أنه مفعولٌ به بفعل مقدر من معنى الكلام، تقديره: حُمِّلُوا كلاًّ. والكلُّ أيضاً: الثقل: تقول: فلان كلٌّ على الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ﴾ [النحل: 76] . والثالث: أن «التنوين بدل من ألف» » كلاَّ «، وهي التي يراد بها الردع والزجر، فتكون حرفاً أيضاً. قال الزمخشري: ولقائل أن يقول: غن صحت هذه الرواية، فهي» كلاَّ «التي للردع» قلب الواقف عليها ألفها نوناً كما في قوله: «قوارِيرا» . قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد، لأنه قال: التي للردع، «والتي للردع» حرف، وجه لقلب ألفها نوناً، وتشبيهه ب «قَوَارِيراً» ليس بجيد، لنَّ «قَوَارِيرَ» اسم يرجع به إلى أصله، فالنون ليس بدلاً من ألف بل هو تنوين الصرف، وهذا اجمع مختلف فيه أيتحتَّمُ منع صرفه أم يجوز؟ قولان. ومنقول أيضاً: أن بعض لغة العرب يصرفون ما لا ينصرف، فهذا القول، إما على قول من لا يرى بالتحتم، أو على تلك اللغة. والرابع: أنه نعتٌ ل «آلهة» ، قاله ابن عطية. وفيه نظر، إذ ليس المعنى على ذلك، وقد يظهر له وجه، «أن يكون وصف» الآلهة بالكلِّ الذي هو المصدر بمعنى الإعياء والعجز، كأنه قيل: آلهةٌ كالِّين، أي: عاجزين منقطعين. ولمَّا وصفهم وصفهم بالمصدر وحده. وروى ابن عطية والداني وغيره عن أبي نهيك أنه قرأ «كُلاًّ» بضم الكاف والتنوين، وفيها تأويلان: أحدهما: أن ينتصب على الحال، أي: سيكفرون جميعاً؛ كذا قدره أبو البقاء، واستبعده. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدر، يرفضون، أي: يجحدون، أو يتركون كلاًّ، قاله ابن عطية. وحكى ابن جرير أن أبنا نهيك قرأ «كُلُّ» بضم الكاف ورفع اللام منونة على أنه مبتدأ والجملة الفعلية بعده خبره. وظاهر عبارة هؤلاء أنه لم يقرأ بذلك إلا في «كلاًّ» الثانية. وقرأ عليُّ بنُ أبي طالب «ونُمِدُّ» من أمدَّ، وقد تقدم القول في مدَّهُ وأمدَّهُ. قوله:: ونَرثهُ ما يقُولُ» . يجوز في «مَا» وجهان: أحدهما: أن يكون مفعولاً بها، والضمير في «نَرِثُهُ» منصوب على إسقاط الخافض تقديره: ونرثُ منه «ما يقوله» . والثاني: أن يكون بدلاً من الضمير في «نَرِثُهُ» بدل اشتمال. وقدَّر بعضهم مضافاً قبل الموصول، أي: نرثه معنى ما يقول: أو مسمَّى ما يقول، وهو المال والولد، لأن نفس القول لا يورث.» و «فَرْداً» حال إمَّا مقدرة نحو ﴿فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73] ، أو مقارنة، وذلك مبنيٌّ على اختلاف معنى الآية» . قوله تعالى: «سَنَكْتبُ» سنحفظ» ما يقُولُ «فنُجازيه في الآخرة. وقيل: نأمر الملائكة حتى يكتبوا ما يقول. ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً﴾ أي: نزيده عذاباً فوق العذاب، وقيل: نطيل عذابه. و» نَرِثهُ ما يقُولُ «» أي: ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال قوله، وقوله «مَا يَقُولُ» ، لأنه زعم أنَّ له مالاً وولداً، أي: لا نعطيه ونعطي غيره، فيكون الإرث راجعاً إلى ما تحت القول لا إلى نفس القول. وقيل: معنى قوله «ونَرِثهُ ما يقُولُ» أي: نحفظ ما يقول حتى نجازيه به «ويَأتِينَا فَرْداً» يوم القيامة بلا مالٍ ولا ولد» . قوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله﴾ الآية. لمَّا تكلَّم في مسألة الحشر والنشر تكلَّم الآن في الرد على عُبَّاد الأصنام فقال: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾ يعني كفار قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها «ليكُونُوا لَهُمْ عِزًّا» أي منعة بحيث يكونون لهم شفعاء وأنصاراً ينقذونهم من الهلاك. ثم أجاب الله - تعالى - بقوله: «كَلاَّ» ليس الأمر كما زعموا ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: «كُلُّهم سيكفُرُون بعبادِة» هذه الأوثان. قوله: «سَيَكْفرُونَ» يجوز أن يعود الضمير على الالهة، لأنه أقرب مذكور، ولأن الضمير في «يَكونُونَ» أيضاً عائد عليهم فقط، ومثله ﴿وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ﴾ [النحل: 86] ثم قال ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 86] . قيل: أراد بذلك الملائكة، لأنهم يكفرون بعبادتهم «ويتبرءون منهم» ويخاصمونهم وهو المراد بقوله: ﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: 40] . وقيل: إن الله - تعالى - يحيي الأصنام يوم القيامة حتى يوبِّخوا عبَّادها ويتبرءوا منهم فيكون ذلك أعظم لحسرتهم. وقيل: الضمير يعود على المشركين، ومثله قوله: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ إلا أنَّ فيه عدم توافق الضمائر، إذ الضمير في «يَكُونُونَ» عائد إلى الآلهة. و «بِعبَادتهِمْ» مصدر مضاف إلى فاعله، إن عاد الضمير في عبادتهم على المشركين العابدين، وإلى المفعول إن عاد على الالهة. قوله: «ضِدًّا» إنما وحَّده وإن كان خبراً عن جمع لأحد وجهين: إما لأنه مصدر في الأصل، «والمصادر موحَّدة مذكَّرة، وإمَّا لأنه مفرد في معنى الجمع. قال الزمخشري» : والضِّدُّ: العَوْن، وحِّد توحيد قوله عليه السلام: «وهُم يَدٌ على مِنْ سِوَاهُم» لاتفاق كلمتهم، وأنَّهم كشيء واحد لفرط تضامنهم وتوافقهم. والضَّدُّ: العونُ والمعاونة، ويقال: من أضدادكم، أي: أعوانكم. قيل: سمي العونُ ضدًّا، لأنه يضاد من يعاديك وينافيه بإعانته لك عليه. وفي التفسير: إنَّ الضِّدَّ هنا الأعداء. وقل: القرن. وقيل: البلاء. وهذه تناسب معنى الآية. قيل: ذكر ذلك في مقابلة قولهم «عِزًّا» ، والمراد ضد العِزّ، وهو الذُّلُّ والهوان، أي: يكونون عليهم ضِدًّا لما قصدوا وأرادوه. كأنه قيل: ويكون عليهم ذلاًّ لهُم.

مريم 19:79

قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية. «أفَرَأيْتَ» عطف بالفاء إيذاناً بإفادة التعقيب، كأنه قيل: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر عقيب أولئك. وأرأيت بمعنى: أخبرني كما تقدم، والموصول هو المفعول الأول، والثاني هو الجملة الاستفهامية من قوله: «أطَّلع الغَيْبَ» . و «لأوتَينَّ» جواب قسمٍ مضمر، والجملة القسمية كلها في محل نصب بالقول. وقوله هنا «وولداً» ، وفي آخر السورة: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً﴾ [مريم: 88] موضعان وفي الزخرف ﴿إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ﴾ [الآية: 81] ، وفي نوح ﴿مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ [الآية: 21] . وقرأ الأخوان الأربعة بضم الواو وسكون اللام، ووافقهما ابن كثير وأبو عمرو على الذي في نوح دون السورتين، والباقون وهم نافع وابن عامر وعاصم قرأوا ذلك كلَّه بفتح اللام والواو. فأمَّا القراءةُ بفتحتين فواضحة، وهو اسم مفرد قائم مقام الجمع. وأما قراءة الضم والإسكان، فقيل: هي كالتي قبلها في المعنى، يقال: وَلَدٌ ووُلْدٌ كما يقال: عَربٌ وعُرْبٌ، وعدمٌ وعُدْمَ. وقيل: بل هي جمع ل «ولد» نحو أسَدٌ وأسْدٌ، «وأنشدوا على ذلك: 3621 - ولقَد رَأيْتُ مَعَاشِراً ... قَدْ ثَمَّرُوا مالاً ووُلدا» وأنشدوا شاهداً على أن الوَلَد والوُلْدَ مترادفان قول الآخر: 3622 - فَلَيْتَ فُلاناً كان في بَطْنِ أمِّهِ ... وليْتَ فُلاناً كانَ وُلْدَ حمارِ وقرأ عبد الله ويحيى بن يعمر «ووِلْدا» بكسر الواو، وهي لغة الولد، ولا يبعد أن يكون هذا من باب الذبح والرئي، فيكون ولد بمعنى مولود، وكذلك في الذي بفتحتين نحو القبض بمعنى المقبوض. قوله: «اطَّلَعَ» هذه همزة استفهام سقط من أجلها همزة وصل، وقد قُرئ بسقوطها درجاً، وكسرها ابتداء على أن همزة الاستفهام قد حذفت لدلالة «أمْ» عليها، كقوله: 3623 - لَعمركَ مَا أدْرِي وإنْ كُنْتَ دَارياً ... بسَبْعٍ رمَيْنَ الجَمْرَ أمْ «بِثَمَانِ» و «أطَّلعَ» من قولهم: اطلع فلان الجبل، أي: ارتقى أعلاه. 3624 - لاقَيْتَ مُطَّلِعَ الجِبَالِ «وعُوراً» ... و «الغَيْبَ» مفعول به، لا على إسقاط حرف الجر، أي: على الغيب، كما زعم بعضهم. فصل لمَّا استدل على صحة البعث، وأورد شبهة المنكرين، وأجاب عنها ذكر عنهم ما قالوه استهزاء طعناً بالقول في الحشر فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ . قال الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة والمشهور أنها نزلت في العاص بن وائل، قال خباب بن الأرت: كان لي عليه دين، فأتيت أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا والله لا أكفر بمحمدٍ حيًّا ولا ميتاً. وفي رواية: حتى تموت ثم تبعث. فقال: وإنّي لميتٌ ثم مبعوثٌ؟ قلت: نعم. قال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً فأنا أقضيك ثمَّ، فإنه سيكون لي مالٌ وولد. ثم قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الغيب﴾ . «قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ» . وقال مجاهد: أعلمَ علن الغيب حتى يعلم افي الجنة هو أم لا؟ . والمعنى: أنَّ الذي ادعى حصوله لا يتوصل إلاَّ بأحد هذين الطريقين: إمَّا علم الغيب، وإمَّا عهدٌ من عالم الغيب، فبأيهما توصل إليه. قيل: العهد كلمة الشهادة. وقال قتادة: عملاً صالحاً قدَّمه، فهو يرجو بذلك ما يقول. وقال الكلبي: عهد إليه أن يدخله الجنة. «كَلاَّ» للنحويين في هذه اللفظة ستة مذاهب: أحدها: وهو مذهب جمهور البصريين كالخليل وسيبويه وأبي الحسن الأخفش وأبي العباس أنها حرف ردع وزجر. وهذا معنى لائق بها حيث وقعت في القرآن، وما أحسن ما جاءت في هذه الآية حيث زجرت وردعت ذلك القائل. والثاني: وهو مذهب النضر بن شميل أنها حرف تصديق بمعنى نعم، فيكون جواباً، ولا بد حينئذ من أن يتقدمها شيء لفظاً أو تقديراً، وقد تستعمل في القسم. والثالث: وهو مذهب الكسائي، وأبي بكر بن الأنباري، «ونصر بن يوسف» وابن واصل أنها بمعنى حقًّا. والرابع: وهو مذهب أبي عبد الله محمد بن الباهلي أنها رد لما قبلها. وهذا قريب من معنى الردع. الخامس: أنها صلة في الكلام بمعنى «إي» كذا قيل. وفيه نظر، فإن «إي» حرف جواب، ولكنه مختص بالقسم. السادس: أنها حرف استفتاح، وهو قول «أبي حاتم ولتقرير هذه المذاهب موضع يليق به. وقد قرئ هنا بالفتح والتنوين في كَلاَّ» هذه، وتروى عن ابن نهيك وحكى الزمخشري هذه القراءة، وعزاها لابن نهيك في قوله: ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ﴾ كما سيأتي ويحكى أيضاً قراءةٌ بضم الكاف والتنوين، ويعزيها لابن نهيك أيضاً» . فأما قولهم: ابن نهيك، فليس لهم ابن نهيك، إنما لهم أبو نهبك بالكنية. وفي قراءة الفتح «والتنوين أربعة أوجه: أحدها: أنَّه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدر من لفظها تقديره» : كَلُّوا كَلاًّ، أي: أعيُوا عن الحقِّ إعياء، أو كلُّوا عن عبادة الله، لتهاونهم بها من قول العرب: كَلَّ السَّيْفُ، إذا نبا عن الضرب، وكلَّ زيدٌ، أي تعِبَ. وقيل: المعنى: كلُّوا في دعواهم وانقطعوا. والثاني: أنه مفعولٌ به بفعل مقدر من معنى الكلام، تقديره: حُمِّلُوا كلاًّ. والكلُّ أيضاً: الثقل: تقول: فلان كلٌّ على الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ﴾ [النحل: 76] . والثالث: أن «التنوين بدل من ألف» » كلاَّ «، وهي التي يراد بها الردع والزجر، فتكون حرفاً أيضاً. قال الزمخشري: ولقائل أن يقول: غن صحت هذه الرواية، فهي» كلاَّ «التي للردع» قلب الواقف عليها ألفها نوناً كما في قوله: «قوارِيرا» . قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد، لأنه قال: التي للردع، «والتي للردع» حرف، وجه لقلب ألفها نوناً، وتشبيهه ب «قَوَارِيراً» ليس بجيد، لنَّ «قَوَارِيرَ» اسم يرجع به إلى أصله، فالنون ليس بدلاً من ألف بل هو تنوين الصرف، وهذا اجمع مختلف فيه أيتحتَّمُ منع صرفه أم يجوز؟ قولان. ومنقول أيضاً: أن بعض لغة العرب يصرفون ما لا ينصرف، فهذا القول، إما على قول من لا يرى بالتحتم، أو على تلك اللغة. والرابع: أنه نعتٌ ل «آلهة» ، قاله ابن عطية. وفيه نظر، إذ ليس المعنى على ذلك، وقد يظهر له وجه، «أن يكون وصف» الآلهة بالكلِّ الذي هو المصدر بمعنى الإعياء والعجز، كأنه قيل: آلهةٌ كالِّين، أي: عاجزين منقطعين. ولمَّا وصفهم وصفهم بالمصدر وحده. وروى ابن عطية والداني وغيره عن أبي نهيك أنه قرأ «كُلاًّ» بضم الكاف والتنوين، وفيها تأويلان: أحدهما: أن ينتصب على الحال، أي: سيكفرون جميعاً؛ كذا قدره أبو البقاء، واستبعده. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدر، يرفضون، أي: يجحدون، أو يتركون كلاًّ، قاله ابن عطية. وحكى ابن جرير أن أبنا نهيك قرأ «كُلُّ» بضم الكاف ورفع اللام منونة على أنه مبتدأ والجملة الفعلية بعده خبره. وظاهر عبارة هؤلاء أنه لم يقرأ بذلك إلا في «كلاًّ» الثانية. وقرأ عليُّ بنُ أبي طالب «ونُمِدُّ» من أمدَّ، وقد تقدم القول في مدَّهُ وأمدَّهُ. قوله:: ونَرثهُ ما يقُولُ» . يجوز في «مَا» وجهان: أحدهما: أن يكون مفعولاً بها، والضمير في «نَرِثُهُ» منصوب على إسقاط الخافض تقديره: ونرثُ منه «ما يقوله» . والثاني: أن يكون بدلاً من الضمير في «نَرِثُهُ» بدل اشتمال. وقدَّر بعضهم مضافاً قبل الموصول، أي: نرثه معنى ما يقول: أو مسمَّى ما يقول، وهو المال والولد، لأن نفس القول لا يورث.» و «فَرْداً» حال إمَّا مقدرة نحو ﴿فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73] ، أو مقارنة، وذلك مبنيٌّ على اختلاف معنى الآية» . قوله تعالى: «سَنَكْتبُ» سنحفظ» ما يقُولُ «فنُجازيه في الآخرة. وقيل: نأمر الملائكة حتى يكتبوا ما يقول. ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً﴾ أي: نزيده عذاباً فوق العذاب، وقيل: نطيل عذابه. و» نَرِثهُ ما يقُولُ «» أي: ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال قوله، وقوله «مَا يَقُولُ» ، لأنه زعم أنَّ له مالاً وولداً، أي: لا نعطيه ونعطي غيره، فيكون الإرث راجعاً إلى ما تحت القول لا إلى نفس القول. وقيل: معنى قوله «ونَرِثهُ ما يقُولُ» أي: نحفظ ما يقول حتى نجازيه به «ويَأتِينَا فَرْداً» يوم القيامة بلا مالٍ ولا ولد» . قوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله﴾ الآية. لمَّا تكلَّم في مسألة الحشر والنشر تكلَّم الآن في الرد على عُبَّاد الأصنام فقال: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾ يعني كفار قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها «ليكُونُوا لَهُمْ عِزًّا» أي منعة بحيث يكونون لهم شفعاء وأنصاراً ينقذونهم من الهلاك. ثم أجاب الله - تعالى - بقوله: «كَلاَّ» ليس الأمر كما زعموا ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: «كُلُّهم سيكفُرُون بعبادِة» هذه الأوثان. قوله: «سَيَكْفرُونَ» يجوز أن يعود الضمير على الالهة، لأنه أقرب مذكور، ولأن الضمير في «يَكونُونَ» أيضاً عائد عليهم فقط، ومثله ﴿وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ﴾ [النحل: 86] ثم قال ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 86] . قيل: أراد بذلك الملائكة، لأنهم يكفرون بعبادتهم «ويتبرءون منهم» ويخاصمونهم وهو المراد بقوله: ﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: 40] . وقيل: إن الله - تعالى - يحيي الأصنام يوم القيامة حتى يوبِّخوا عبَّادها ويتبرءوا منهم فيكون ذلك أعظم لحسرتهم. وقيل: الضمير يعود على المشركين، ومثله قوله: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ إلا أنَّ فيه عدم توافق الضمائر، إذ الضمير في «يَكُونُونَ» عائد إلى الآلهة. و «بِعبَادتهِمْ» مصدر مضاف إلى فاعله، إن عاد الضمير في عبادتهم على المشركين العابدين، وإلى المفعول إن عاد على الالهة. قوله: «ضِدًّا» إنما وحَّده وإن كان خبراً عن جمع لأحد وجهين: إما لأنه مصدر في الأصل، «والمصادر موحَّدة مذكَّرة، وإمَّا لأنه مفرد في معنى الجمع. قال الزمخشري» : والضِّدُّ: العَوْن، وحِّد توحيد قوله عليه السلام: «وهُم يَدٌ على مِنْ سِوَاهُم» لاتفاق كلمتهم، وأنَّهم كشيء واحد لفرط تضامنهم وتوافقهم. والضَّدُّ: العونُ والمعاونة، ويقال: من أضدادكم، أي: أعوانكم. قيل: سمي العونُ ضدًّا، لأنه يضاد من يعاديك وينافيه بإعانته لك عليه. وفي التفسير: إنَّ الضِّدَّ هنا الأعداء. وقل: القرن. وقيل: البلاء. وهذه تناسب معنى الآية. قيل: ذكر ذلك في مقابلة قولهم «عِزًّا» ، والمراد ضد العِزّ، وهو الذُّلُّ والهوان، أي: يكونون عليهم ضِدًّا لما قصدوا وأرادوه. كأنه قيل: ويكون عليهم ذلاًّ لهُم.

مريم 19:80

قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية. «أفَرَأيْتَ» عطف بالفاء إيذاناً بإفادة التعقيب، كأنه قيل: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر عقيب أولئك. وأرأيت بمعنى: أخبرني كما تقدم، والموصول هو المفعول الأول، والثاني هو الجملة الاستفهامية من قوله: «أطَّلع الغَيْبَ» . و «لأوتَينَّ» جواب قسمٍ مضمر، والجملة القسمية كلها في محل نصب بالقول. وقوله هنا «وولداً» ، وفي آخر السورة: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً﴾ [مريم: 88] موضعان وفي الزخرف ﴿إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ﴾ [الآية: 81] ، وفي نوح ﴿مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ [الآية: 21] . وقرأ الأخوان الأربعة بضم الواو وسكون اللام، ووافقهما ابن كثير وأبو عمرو على الذي في نوح دون السورتين، والباقون وهم نافع وابن عامر وعاصم قرأوا ذلك كلَّه بفتح اللام والواو. فأمَّا القراءةُ بفتحتين فواضحة، وهو اسم مفرد قائم مقام الجمع. وأما قراءة الضم والإسكان، فقيل: هي كالتي قبلها في المعنى، يقال: وَلَدٌ ووُلْدٌ كما يقال: عَربٌ وعُرْبٌ، وعدمٌ وعُدْمَ. وقيل: بل هي جمع ل «ولد» نحو أسَدٌ وأسْدٌ، «وأنشدوا على ذلك: 3621 - ولقَد رَأيْتُ مَعَاشِراً ... قَدْ ثَمَّرُوا مالاً ووُلدا» وأنشدوا شاهداً على أن الوَلَد والوُلْدَ مترادفان قول الآخر: 3622 - فَلَيْتَ فُلاناً كان في بَطْنِ أمِّهِ ... وليْتَ فُلاناً كانَ وُلْدَ حمارِ وقرأ عبد الله ويحيى بن يعمر «ووِلْدا» بكسر الواو، وهي لغة الولد، ولا يبعد أن يكون هذا من باب الذبح والرئي، فيكون ولد بمعنى مولود، وكذلك في الذي بفتحتين نحو القبض بمعنى المقبوض. قوله: «اطَّلَعَ» هذه همزة استفهام سقط من أجلها همزة وصل، وقد قُرئ بسقوطها درجاً، وكسرها ابتداء على أن همزة الاستفهام قد حذفت لدلالة «أمْ» عليها، كقوله: 3623 - لَعمركَ مَا أدْرِي وإنْ كُنْتَ دَارياً ... بسَبْعٍ رمَيْنَ الجَمْرَ أمْ «بِثَمَانِ» و «أطَّلعَ» من قولهم: اطلع فلان الجبل، أي: ارتقى أعلاه. 3624 - لاقَيْتَ مُطَّلِعَ الجِبَالِ «وعُوراً» ... و «الغَيْبَ» مفعول به، لا على إسقاط حرف الجر، أي: على الغيب، كما زعم بعضهم. فصل لمَّا استدل على صحة البعث، وأورد شبهة المنكرين، وأجاب عنها ذكر عنهم ما قالوه استهزاء طعناً بالقول في الحشر فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ . قال الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة والمشهور أنها نزلت في العاص بن وائل، قال خباب بن الأرت: كان لي عليه دين، فأتيت أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا والله لا أكفر بمحمدٍ حيًّا ولا ميتاً. وفي رواية: حتى تموت ثم تبعث. فقال: وإنّي لميتٌ ثم مبعوثٌ؟ قلت: نعم. قال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً فأنا أقضيك ثمَّ، فإنه سيكون لي مالٌ وولد. ثم قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الغيب﴾ . «قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ» . وقال مجاهد: أعلمَ علن الغيب حتى يعلم افي الجنة هو أم لا؟ . والمعنى: أنَّ الذي ادعى حصوله لا يتوصل إلاَّ بأحد هذين الطريقين: إمَّا علم الغيب، وإمَّا عهدٌ من عالم الغيب، فبأيهما توصل إليه. قيل: العهد كلمة الشهادة. وقال قتادة: عملاً صالحاً قدَّمه، فهو يرجو بذلك ما يقول. وقال الكلبي: عهد إليه أن يدخله الجنة. «كَلاَّ» للنحويين في هذه اللفظة ستة مذاهب: أحدها: وهو مذهب جمهور البصريين كالخليل وسيبويه وأبي الحسن الأخفش وأبي العباس أنها حرف ردع وزجر. وهذا معنى لائق بها حيث وقعت في القرآن، وما أحسن ما جاءت في هذه الآية حيث زجرت وردعت ذلك القائل. والثاني: وهو مذهب النضر بن شميل أنها حرف تصديق بمعنى نعم، فيكون جواباً، ولا بد حينئذ من أن يتقدمها شيء لفظاً أو تقديراً، وقد تستعمل في القسم. والثالث: وهو مذهب الكسائي، وأبي بكر بن الأنباري، «ونصر بن يوسف» وابن واصل أنها بمعنى حقًّا. والرابع: وهو مذهب أبي عبد الله محمد بن الباهلي أنها رد لما قبلها. وهذا قريب من معنى الردع. الخامس: أنها صلة في الكلام بمعنى «إي» كذا قيل. وفيه نظر، فإن «إي» حرف جواب، ولكنه مختص بالقسم. السادس: أنها حرف استفتاح، وهو قول «أبي حاتم ولتقرير هذه المذاهب موضع يليق به. وقد قرئ هنا بالفتح والتنوين في كَلاَّ» هذه، وتروى عن ابن نهيك وحكى الزمخشري هذه القراءة، وعزاها لابن نهيك في قوله: ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ﴾ كما سيأتي ويحكى أيضاً قراءةٌ بضم الكاف والتنوين، ويعزيها لابن نهيك أيضاً» . فأما قولهم: ابن نهيك، فليس لهم ابن نهيك، إنما لهم أبو نهبك بالكنية. وفي قراءة الفتح «والتنوين أربعة أوجه: أحدها: أنَّه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدر من لفظها تقديره» : كَلُّوا كَلاًّ، أي: أعيُوا عن الحقِّ إعياء، أو كلُّوا عن عبادة الله، لتهاونهم بها من قول العرب: كَلَّ السَّيْفُ، إذا نبا عن الضرب، وكلَّ زيدٌ، أي تعِبَ. وقيل: المعنى: كلُّوا في دعواهم وانقطعوا. والثاني: أنه مفعولٌ به بفعل مقدر من معنى الكلام، تقديره: حُمِّلُوا كلاًّ. والكلُّ أيضاً: الثقل: تقول: فلان كلٌّ على الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ﴾ [النحل: 76] . والثالث: أن «التنوين بدل من ألف» » كلاَّ «، وهي التي يراد بها الردع والزجر، فتكون حرفاً أيضاً. قال الزمخشري: ولقائل أن يقول: غن صحت هذه الرواية، فهي» كلاَّ «التي للردع» قلب الواقف عليها ألفها نوناً كما في قوله: «قوارِيرا» . قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد، لأنه قال: التي للردع، «والتي للردع» حرف، وجه لقلب ألفها نوناً، وتشبيهه ب «قَوَارِيراً» ليس بجيد، لنَّ «قَوَارِيرَ» اسم يرجع به إلى أصله، فالنون ليس بدلاً من ألف بل هو تنوين الصرف، وهذا اجمع مختلف فيه أيتحتَّمُ منع صرفه أم يجوز؟ قولان. ومنقول أيضاً: أن بعض لغة العرب يصرفون ما لا ينصرف، فهذا القول، إما على قول من لا يرى بالتحتم، أو على تلك اللغة. والرابع: أنه نعتٌ ل «آلهة» ، قاله ابن عطية. وفيه نظر، إذ ليس المعنى على ذلك، وقد يظهر له وجه، «أن يكون وصف» الآلهة بالكلِّ الذي هو المصدر بمعنى الإعياء والعجز، كأنه قيل: آلهةٌ كالِّين، أي: عاجزين منقطعين. ولمَّا وصفهم وصفهم بالمصدر وحده. وروى ابن عطية والداني وغيره عن أبي نهيك أنه قرأ «كُلاًّ» بضم الكاف والتنوين، وفيها تأويلان: أحدهما: أن ينتصب على الحال، أي: سيكفرون جميعاً؛ كذا قدره أبو البقاء، واستبعده. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدر، يرفضون، أي: يجحدون، أو يتركون كلاًّ، قاله ابن عطية. وحكى ابن جرير أن أبنا نهيك قرأ «كُلُّ» بضم الكاف ورفع اللام منونة على أنه مبتدأ والجملة الفعلية بعده خبره. وظاهر عبارة هؤلاء أنه لم يقرأ بذلك إلا في «كلاًّ» الثانية. وقرأ عليُّ بنُ أبي طالب «ونُمِدُّ» من أمدَّ، وقد تقدم القول في مدَّهُ وأمدَّهُ. قوله:: ونَرثهُ ما يقُولُ» . يجوز في «مَا» وجهان: أحدهما: أن يكون مفعولاً بها، والضمير في «نَرِثُهُ» منصوب على إسقاط الخافض تقديره: ونرثُ منه «ما يقوله» . والثاني: أن يكون بدلاً من الضمير في «نَرِثُهُ» بدل اشتمال. وقدَّر بعضهم مضافاً قبل الموصول، أي: نرثه معنى ما يقول: أو مسمَّى ما يقول، وهو المال والولد، لأن نفس القول لا يورث.» و «فَرْداً» حال إمَّا مقدرة نحو ﴿فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73] ، أو مقارنة، وذلك مبنيٌّ على اختلاف معنى الآية» . قوله تعالى: «سَنَكْتبُ» سنحفظ» ما يقُولُ «فنُجازيه في الآخرة. وقيل: نأمر الملائكة حتى يكتبوا ما يقول. ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً﴾ أي: نزيده عذاباً فوق العذاب، وقيل: نطيل عذابه. و» نَرِثهُ ما يقُولُ «» أي: ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال قوله، وقوله «مَا يَقُولُ» ، لأنه زعم أنَّ له مالاً وولداً، أي: لا نعطيه ونعطي غيره، فيكون الإرث راجعاً إلى ما تحت القول لا إلى نفس القول. وقيل: معنى قوله «ونَرِثهُ ما يقُولُ» أي: نحفظ ما يقول حتى نجازيه به «ويَأتِينَا فَرْداً» يوم القيامة بلا مالٍ ولا ولد» . قوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله﴾ الآية. لمَّا تكلَّم في مسألة الحشر والنشر تكلَّم الآن في الرد على عُبَّاد الأصنام فقال: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾ يعني كفار قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها «ليكُونُوا لَهُمْ عِزًّا» أي منعة بحيث يكونون لهم شفعاء وأنصاراً ينقذونهم من الهلاك. ثم أجاب الله - تعالى - بقوله: «كَلاَّ» ليس الأمر كما زعموا ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: «كُلُّهم سيكفُرُون بعبادِة» هذه الأوثان. قوله: «سَيَكْفرُونَ» يجوز أن يعود الضمير على الالهة، لأنه أقرب مذكور، ولأن الضمير في «يَكونُونَ» أيضاً عائد عليهم فقط، ومثله ﴿وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ﴾ [النحل: 86] ثم قال ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 86] . قيل: أراد بذلك الملائكة، لأنهم يكفرون بعبادتهم «ويتبرءون منهم» ويخاصمونهم وهو المراد بقوله: ﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: 40] . وقيل: إن الله - تعالى - يحيي الأصنام يوم القيامة حتى يوبِّخوا عبَّادها ويتبرءوا منهم فيكون ذلك أعظم لحسرتهم. وقيل: الضمير يعود على المشركين، ومثله قوله: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ إلا أنَّ فيه عدم توافق الضمائر، إذ الضمير في «يَكُونُونَ» عائد إلى الآلهة. و «بِعبَادتهِمْ» مصدر مضاف إلى فاعله، إن عاد الضمير في عبادتهم على المشركين العابدين، وإلى المفعول إن عاد على الالهة. قوله: «ضِدًّا» إنما وحَّده وإن كان خبراً عن جمع لأحد وجهين: إما لأنه مصدر في الأصل، «والمصادر موحَّدة مذكَّرة، وإمَّا لأنه مفرد في معنى الجمع. قال الزمخشري» : والضِّدُّ: العَوْن، وحِّد توحيد قوله عليه السلام: «وهُم يَدٌ على مِنْ سِوَاهُم» لاتفاق كلمتهم، وأنَّهم كشيء واحد لفرط تضامنهم وتوافقهم. والضَّدُّ: العونُ والمعاونة، ويقال: من أضدادكم، أي: أعوانكم. قيل: سمي العونُ ضدًّا، لأنه يضاد من يعاديك وينافيه بإعانته لك عليه. وفي التفسير: إنَّ الضِّدَّ هنا الأعداء. وقل: القرن. وقيل: البلاء. وهذه تناسب معنى الآية. قيل: ذكر ذلك في مقابلة قولهم «عِزًّا» ، والمراد ضد العِزّ، وهو الذُّلُّ والهوان، أي: يكونون عليهم ضِدًّا لما قصدوا وأرادوه. كأنه قيل: ويكون عليهم ذلاًّ لهُم.

مريم 19:81

قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية. «أفَرَأيْتَ» عطف بالفاء إيذاناً بإفادة التعقيب، كأنه قيل: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر عقيب أولئك. وأرأيت بمعنى: أخبرني كما تقدم، والموصول هو المفعول الأول، والثاني هو الجملة الاستفهامية من قوله: «أطَّلع الغَيْبَ» . و «لأوتَينَّ» جواب قسمٍ مضمر، والجملة القسمية كلها في محل نصب بالقول. وقوله هنا «وولداً» ، وفي آخر السورة: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً﴾ [مريم: 88] موضعان وفي الزخرف ﴿إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ﴾ [الآية: 81] ، وفي نوح ﴿مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ [الآية: 21] . وقرأ الأخوان الأربعة بضم الواو وسكون اللام، ووافقهما ابن كثير وأبو عمرو على الذي في نوح دون السورتين، والباقون وهم نافع وابن عامر وعاصم قرأوا ذلك كلَّه بفتح اللام والواو. فأمَّا القراءةُ بفتحتين فواضحة، وهو اسم مفرد قائم مقام الجمع. وأما قراءة الضم والإسكان، فقيل: هي كالتي قبلها في المعنى، يقال: وَلَدٌ ووُلْدٌ كما يقال: عَربٌ وعُرْبٌ، وعدمٌ وعُدْمَ. وقيل: بل هي جمع ل «ولد» نحو أسَدٌ وأسْدٌ، «وأنشدوا على ذلك: 3621 - ولقَد رَأيْتُ مَعَاشِراً ... قَدْ ثَمَّرُوا مالاً ووُلدا» وأنشدوا شاهداً على أن الوَلَد والوُلْدَ مترادفان قول الآخر: 3622 - فَلَيْتَ فُلاناً كان في بَطْنِ أمِّهِ ... وليْتَ فُلاناً كانَ وُلْدَ حمارِ وقرأ عبد الله ويحيى بن يعمر «ووِلْدا» بكسر الواو، وهي لغة الولد، ولا يبعد أن يكون هذا من باب الذبح والرئي، فيكون ولد بمعنى مولود، وكذلك في الذي بفتحتين نحو القبض بمعنى المقبوض. قوله: «اطَّلَعَ» هذه همزة استفهام سقط من أجلها همزة وصل، وقد قُرئ بسقوطها درجاً، وكسرها ابتداء على أن همزة الاستفهام قد حذفت لدلالة «أمْ» عليها، كقوله: 3623 - لَعمركَ مَا أدْرِي وإنْ كُنْتَ دَارياً ... بسَبْعٍ رمَيْنَ الجَمْرَ أمْ «بِثَمَانِ» و «أطَّلعَ» من قولهم: اطلع فلان الجبل، أي: ارتقى أعلاه. 3624 - لاقَيْتَ مُطَّلِعَ الجِبَالِ «وعُوراً» ... و «الغَيْبَ» مفعول به، لا على إسقاط حرف الجر، أي: على الغيب، كما زعم بعضهم. فصل لمَّا استدل على صحة البعث، وأورد شبهة المنكرين، وأجاب عنها ذكر عنهم ما قالوه استهزاء طعناً بالقول في الحشر فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ . قال الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة والمشهور أنها نزلت في العاص بن وائل، قال خباب بن الأرت: كان لي عليه دين، فأتيت أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا والله لا أكفر بمحمدٍ حيًّا ولا ميتاً. وفي رواية: حتى تموت ثم تبعث. فقال: وإنّي لميتٌ ثم مبعوثٌ؟ قلت: نعم. قال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً فأنا أقضيك ثمَّ، فإنه سيكون لي مالٌ وولد. ثم قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الغيب﴾ . «قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ» . وقال مجاهد: أعلمَ علن الغيب حتى يعلم افي الجنة هو أم لا؟ . والمعنى: أنَّ الذي ادعى حصوله لا يتوصل إلاَّ بأحد هذين الطريقين: إمَّا علم الغيب، وإمَّا عهدٌ من عالم الغيب، فبأيهما توصل إليه. قيل: العهد كلمة الشهادة. وقال قتادة: عملاً صالحاً قدَّمه، فهو يرجو بذلك ما يقول. وقال الكلبي: عهد إليه أن يدخله الجنة. «كَلاَّ» للنحويين في هذه اللفظة ستة مذاهب: أحدها: وهو مذهب جمهور البصريين كالخليل وسيبويه وأبي الحسن الأخفش وأبي العباس أنها حرف ردع وزجر. وهذا معنى لائق بها حيث وقعت في القرآن، وما أحسن ما جاءت في هذه الآية حيث زجرت وردعت ذلك القائل. والثاني: وهو مذهب النضر بن شميل أنها حرف تصديق بمعنى نعم، فيكون جواباً، ولا بد حينئذ من أن يتقدمها شيء لفظاً أو تقديراً، وقد تستعمل في القسم. والثالث: وهو مذهب الكسائي، وأبي بكر بن الأنباري، «ونصر بن يوسف» وابن واصل أنها بمعنى حقًّا. والرابع: وهو مذهب أبي عبد الله محمد بن الباهلي أنها رد لما قبلها. وهذا قريب من معنى الردع. الخامس: أنها صلة في الكلام بمعنى «إي» كذا قيل. وفيه نظر، فإن «إي» حرف جواب، ولكنه مختص بالقسم. السادس: أنها حرف استفتاح، وهو قول «أبي حاتم ولتقرير هذه المذاهب موضع يليق به. وقد قرئ هنا بالفتح والتنوين في كَلاَّ» هذه، وتروى عن ابن نهيك وحكى الزمخشري هذه القراءة، وعزاها لابن نهيك في قوله: ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ﴾ كما سيأتي ويحكى أيضاً قراءةٌ بضم الكاف والتنوين، ويعزيها لابن نهيك أيضاً» . فأما قولهم: ابن نهيك، فليس لهم ابن نهيك، إنما لهم أبو نهبك بالكنية. وفي قراءة الفتح «والتنوين أربعة أوجه: أحدها: أنَّه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدر من لفظها تقديره» : كَلُّوا كَلاًّ، أي: أعيُوا عن الحقِّ إعياء، أو كلُّوا عن عبادة الله، لتهاونهم بها من قول العرب: كَلَّ السَّيْفُ، إذا نبا عن الضرب، وكلَّ زيدٌ، أي تعِبَ. وقيل: المعنى: كلُّوا في دعواهم وانقطعوا. والثاني: أنه مفعولٌ به بفعل مقدر من معنى الكلام، تقديره: حُمِّلُوا كلاًّ. والكلُّ أيضاً: الثقل: تقول: فلان كلٌّ على الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ﴾ [النحل: 76] . والثالث: أن «التنوين بدل من ألف» » كلاَّ «، وهي التي يراد بها الردع والزجر، فتكون حرفاً أيضاً. قال الزمخشري: ولقائل أن يقول: غن صحت هذه الرواية، فهي» كلاَّ «التي للردع» قلب الواقف عليها ألفها نوناً كما في قوله: «قوارِيرا» . قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد، لأنه قال: التي للردع، «والتي للردع» حرف، وجه لقلب ألفها نوناً، وتشبيهه ب «قَوَارِيراً» ليس بجيد، لنَّ «قَوَارِيرَ» اسم يرجع به إلى أصله، فالنون ليس بدلاً من ألف بل هو تنوين الصرف، وهذا اجمع مختلف فيه أيتحتَّمُ منع صرفه أم يجوز؟ قولان. ومنقول أيضاً: أن بعض لغة العرب يصرفون ما لا ينصرف، فهذا القول، إما على قول من لا يرى بالتحتم، أو على تلك اللغة. والرابع: أنه نعتٌ ل «آلهة» ، قاله ابن عطية. وفيه نظر، إذ ليس المعنى على ذلك، وقد يظهر له وجه، «أن يكون وصف» الآلهة بالكلِّ الذي هو المصدر بمعنى الإعياء والعجز، كأنه قيل: آلهةٌ كالِّين، أي: عاجزين منقطعين. ولمَّا وصفهم وصفهم بالمصدر وحده. وروى ابن عطية والداني وغيره عن أبي نهيك أنه قرأ «كُلاًّ» بضم الكاف والتنوين، وفيها تأويلان: أحدهما: أن ينتصب على الحال، أي: سيكفرون جميعاً؛ كذا قدره أبو البقاء، واستبعده. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدر، يرفضون، أي: يجحدون، أو يتركون كلاًّ، قاله ابن عطية. وحكى ابن جرير أن أبنا نهيك قرأ «كُلُّ» بضم الكاف ورفع اللام منونة على أنه مبتدأ والجملة الفعلية بعده خبره. وظاهر عبارة هؤلاء أنه لم يقرأ بذلك إلا في «كلاًّ» الثانية. وقرأ عليُّ بنُ أبي طالب «ونُمِدُّ» من أمدَّ، وقد تقدم القول في مدَّهُ وأمدَّهُ. قوله:: ونَرثهُ ما يقُولُ» . يجوز في «مَا» وجهان: أحدهما: أن يكون مفعولاً بها، والضمير في «نَرِثُهُ» منصوب على إسقاط الخافض تقديره: ونرثُ منه «ما يقوله» . والثاني: أن يكون بدلاً من الضمير في «نَرِثُهُ» بدل اشتمال. وقدَّر بعضهم مضافاً قبل الموصول، أي: نرثه معنى ما يقول: أو مسمَّى ما يقول، وهو المال والولد، لأن نفس القول لا يورث.» و «فَرْداً» حال إمَّا مقدرة نحو ﴿فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73] ، أو مقارنة، وذلك مبنيٌّ على اختلاف معنى الآية» . قوله تعالى: «سَنَكْتبُ» سنحفظ» ما يقُولُ «فنُجازيه في الآخرة. وقيل: نأمر الملائكة حتى يكتبوا ما يقول. ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً﴾ أي: نزيده عذاباً فوق العذاب، وقيل: نطيل عذابه. و» نَرِثهُ ما يقُولُ «» أي: ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال قوله، وقوله «مَا يَقُولُ» ، لأنه زعم أنَّ له مالاً وولداً، أي: لا نعطيه ونعطي غيره، فيكون الإرث راجعاً إلى ما تحت القول لا إلى نفس القول. وقيل: معنى قوله «ونَرِثهُ ما يقُولُ» أي: نحفظ ما يقول حتى نجازيه به «ويَأتِينَا فَرْداً» يوم القيامة بلا مالٍ ولا ولد» . قوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله﴾ الآية. لمَّا تكلَّم في مسألة الحشر والنشر تكلَّم الآن في الرد على عُبَّاد الأصنام فقال: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾ يعني كفار قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها «ليكُونُوا لَهُمْ عِزًّا» أي منعة بحيث يكونون لهم شفعاء وأنصاراً ينقذونهم من الهلاك. ثم أجاب الله - تعالى - بقوله: «كَلاَّ» ليس الأمر كما زعموا ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: «كُلُّهم سيكفُرُون بعبادِة» هذه الأوثان. قوله: «سَيَكْفرُونَ» يجوز أن يعود الضمير على الالهة، لأنه أقرب مذكور، ولأن الضمير في «يَكونُونَ» أيضاً عائد عليهم فقط، ومثله ﴿وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ﴾ [النحل: 86] ثم قال ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 86] . قيل: أراد بذلك الملائكة، لأنهم يكفرون بعبادتهم «ويتبرءون منهم» ويخاصمونهم وهو المراد بقوله: ﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: 40] . وقيل: إن الله - تعالى - يحيي الأصنام يوم القيامة حتى يوبِّخوا عبَّادها ويتبرءوا منهم فيكون ذلك أعظم لحسرتهم. وقيل: الضمير يعود على المشركين، ومثله قوله: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ إلا أنَّ فيه عدم توافق الضمائر، إذ الضمير في «يَكُونُونَ» عائد إلى الآلهة. و «بِعبَادتهِمْ» مصدر مضاف إلى فاعله، إن عاد الضمير في عبادتهم على المشركين العابدين، وإلى المفعول إن عاد على الالهة. قوله: «ضِدًّا» إنما وحَّده وإن كان خبراً عن جمع لأحد وجهين: إما لأنه مصدر في الأصل، «والمصادر موحَّدة مذكَّرة، وإمَّا لأنه مفرد في معنى الجمع. قال الزمخشري» : والضِّدُّ: العَوْن، وحِّد توحيد قوله عليه السلام: «وهُم يَدٌ على مِنْ سِوَاهُم» لاتفاق كلمتهم، وأنَّهم كشيء واحد لفرط تضامنهم وتوافقهم. والضَّدُّ: العونُ والمعاونة، ويقال: من أضدادكم، أي: أعوانكم. قيل: سمي العونُ ضدًّا، لأنه يضاد من يعاديك وينافيه بإعانته لك عليه. وفي التفسير: إنَّ الضِّدَّ هنا الأعداء. وقل: القرن. وقيل: البلاء. وهذه تناسب معنى الآية. قيل: ذكر ذلك في مقابلة قولهم «عِزًّا» ، والمراد ضد العِزّ، وهو الذُّلُّ والهوان، أي: يكونون عليهم ضِدًّا لما قصدوا وأرادوه. كأنه قيل: ويكون عليهم ذلاًّ لهُم.

مريم 19:82

قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية. «أفَرَأيْتَ» عطف بالفاء إيذاناً بإفادة التعقيب، كأنه قيل: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر عقيب أولئك. وأرأيت بمعنى: أخبرني كما تقدم، والموصول هو المفعول الأول، والثاني هو الجملة الاستفهامية من قوله: «أطَّلع الغَيْبَ» . و «لأوتَينَّ» جواب قسمٍ مضمر، والجملة القسمية كلها في محل نصب بالقول. وقوله هنا «وولداً» ، وفي آخر السورة: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً﴾ [مريم: 88] موضعان وفي الزخرف ﴿إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ﴾ [الآية: 81] ، وفي نوح ﴿مَالُهُ وَوَلَدُهُ﴾ [الآية: 21] . وقرأ الأخوان الأربعة بضم الواو وسكون اللام، ووافقهما ابن كثير وأبو عمرو على الذي في نوح دون السورتين، والباقون وهم نافع وابن عامر وعاصم قرأوا ذلك كلَّه بفتح اللام والواو. فأمَّا القراءةُ بفتحتين فواضحة، وهو اسم مفرد قائم مقام الجمع. وأما قراءة الضم والإسكان، فقيل: هي كالتي قبلها في المعنى، يقال: وَلَدٌ ووُلْدٌ كما يقال: عَربٌ وعُرْبٌ، وعدمٌ وعُدْمَ. وقيل: بل هي جمع ل «ولد» نحو أسَدٌ وأسْدٌ، «وأنشدوا على ذلك: 3621 - ولقَد رَأيْتُ مَعَاشِراً ... قَدْ ثَمَّرُوا مالاً ووُلدا» وأنشدوا شاهداً على أن الوَلَد والوُلْدَ مترادفان قول الآخر: 3622 - فَلَيْتَ فُلاناً كان في بَطْنِ أمِّهِ ... وليْتَ فُلاناً كانَ وُلْدَ حمارِ وقرأ عبد الله ويحيى بن يعمر «ووِلْدا» بكسر الواو، وهي لغة الولد، ولا يبعد أن يكون هذا من باب الذبح والرئي، فيكون ولد بمعنى مولود، وكذلك في الذي بفتحتين نحو القبض بمعنى المقبوض. قوله: «اطَّلَعَ» هذه همزة استفهام سقط من أجلها همزة وصل، وقد قُرئ بسقوطها درجاً، وكسرها ابتداء على أن همزة الاستفهام قد حذفت لدلالة «أمْ» عليها، كقوله: 3623 - لَعمركَ مَا أدْرِي وإنْ كُنْتَ دَارياً ... بسَبْعٍ رمَيْنَ الجَمْرَ أمْ «بِثَمَانِ» و «أطَّلعَ» من قولهم: اطلع فلان الجبل، أي: ارتقى أعلاه. 3624 - لاقَيْتَ مُطَّلِعَ الجِبَالِ «وعُوراً» ... و «الغَيْبَ» مفعول به، لا على إسقاط حرف الجر، أي: على الغيب، كما زعم بعضهم. فصل لمَّا استدل على صحة البعث، وأورد شبهة المنكرين، وأجاب عنها ذكر عنهم ما قالوه استهزاء طعناً بالقول في الحشر فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ . قال الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة والمشهور أنها نزلت في العاص بن وائل، قال خباب بن الأرت: كان لي عليه دين، فأتيت أتقاضاه، فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا والله لا أكفر بمحمدٍ حيًّا ولا ميتاً. وفي رواية: حتى تموت ثم تبعث. فقال: وإنّي لميتٌ ثم مبعوثٌ؟ قلت: نعم. قال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون، وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً فأنا أقضيك ثمَّ، فإنه سيكون لي مالٌ وولد. ثم قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الغيب﴾ . «قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ» . وقال مجاهد: أعلمَ علن الغيب حتى يعلم افي الجنة هو أم لا؟ . والمعنى: أنَّ الذي ادعى حصوله لا يتوصل إلاَّ بأحد هذين الطريقين: إمَّا علم الغيب، وإمَّا عهدٌ من عالم الغيب، فبأيهما توصل إليه. قيل: العهد كلمة الشهادة. وقال قتادة: عملاً صالحاً قدَّمه، فهو يرجو بذلك ما يقول. وقال الكلبي: عهد إليه أن يدخله الجنة. «كَلاَّ» للنحويين في هذه اللفظة ستة مذاهب: أحدها: وهو مذهب جمهور البصريين كالخليل وسيبويه وأبي الحسن الأخفش وأبي العباس أنها حرف ردع وزجر. وهذا معنى لائق بها حيث وقعت في القرآن، وما أحسن ما جاءت في هذه الآية حيث زجرت وردعت ذلك القائل. والثاني: وهو مذهب النضر بن شميل أنها حرف تصديق بمعنى نعم، فيكون جواباً، ولا بد حينئذ من أن يتقدمها شيء لفظاً أو تقديراً، وقد تستعمل في القسم. والثالث: وهو مذهب الكسائي، وأبي بكر بن الأنباري، «ونصر بن يوسف» وابن واصل أنها بمعنى حقًّا. والرابع: وهو مذهب أبي عبد الله محمد بن الباهلي أنها رد لما قبلها. وهذا قريب من معنى الردع. الخامس: أنها صلة في الكلام بمعنى «إي» كذا قيل. وفيه نظر، فإن «إي» حرف جواب، ولكنه مختص بالقسم. السادس: أنها حرف استفتاح، وهو قول «أبي حاتم ولتقرير هذه المذاهب موضع يليق به. وقد قرئ هنا بالفتح والتنوين في كَلاَّ» هذه، وتروى عن ابن نهيك وحكى الزمخشري هذه القراءة، وعزاها لابن نهيك في قوله: ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ﴾ كما سيأتي ويحكى أيضاً قراءةٌ بضم الكاف والتنوين، ويعزيها لابن نهيك أيضاً» . فأما قولهم: ابن نهيك، فليس لهم ابن نهيك، إنما لهم أبو نهبك بالكنية. وفي قراءة الفتح «والتنوين أربعة أوجه: أحدها: أنَّه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدر من لفظها تقديره» : كَلُّوا كَلاًّ، أي: أعيُوا عن الحقِّ إعياء، أو كلُّوا عن عبادة الله، لتهاونهم بها من قول العرب: كَلَّ السَّيْفُ، إذا نبا عن الضرب، وكلَّ زيدٌ، أي تعِبَ. وقيل: المعنى: كلُّوا في دعواهم وانقطعوا. والثاني: أنه مفعولٌ به بفعل مقدر من معنى الكلام، تقديره: حُمِّلُوا كلاًّ. والكلُّ أيضاً: الثقل: تقول: فلان كلٌّ على الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ﴾ [النحل: 76] . والثالث: أن «التنوين بدل من ألف» » كلاَّ «، وهي التي يراد بها الردع والزجر، فتكون حرفاً أيضاً. قال الزمخشري: ولقائل أن يقول: غن صحت هذه الرواية، فهي» كلاَّ «التي للردع» قلب الواقف عليها ألفها نوناً كما في قوله: «قوارِيرا» . قال أبو حيان: وهذا ليس بجيد، لأنه قال: التي للردع، «والتي للردع» حرف، وجه لقلب ألفها نوناً، وتشبيهه ب «قَوَارِيراً» ليس بجيد، لنَّ «قَوَارِيرَ» اسم يرجع به إلى أصله، فالنون ليس بدلاً من ألف بل هو تنوين الصرف، وهذا اجمع مختلف فيه أيتحتَّمُ منع صرفه أم يجوز؟ قولان. ومنقول أيضاً: أن بعض لغة العرب يصرفون ما لا ينصرف، فهذا القول، إما على قول من لا يرى بالتحتم، أو على تلك اللغة. والرابع: أنه نعتٌ ل «آلهة» ، قاله ابن عطية. وفيه نظر، إذ ليس المعنى على ذلك، وقد يظهر له وجه، «أن يكون وصف» الآلهة بالكلِّ الذي هو المصدر بمعنى الإعياء والعجز، كأنه قيل: آلهةٌ كالِّين، أي: عاجزين منقطعين. ولمَّا وصفهم وصفهم بالمصدر وحده. وروى ابن عطية والداني وغيره عن أبي نهيك أنه قرأ «كُلاًّ» بضم الكاف والتنوين، وفيها تأويلان: أحدهما: أن ينتصب على الحال، أي: سيكفرون جميعاً؛ كذا قدره أبو البقاء، واستبعده. والثاني: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدر، يرفضون، أي: يجحدون، أو يتركون كلاًّ، قاله ابن عطية. وحكى ابن جرير أن أبنا نهيك قرأ «كُلُّ» بضم الكاف ورفع اللام منونة على أنه مبتدأ والجملة الفعلية بعده خبره. وظاهر عبارة هؤلاء أنه لم يقرأ بذلك إلا في «كلاًّ» الثانية. وقرأ عليُّ بنُ أبي طالب «ونُمِدُّ» من أمدَّ، وقد تقدم القول في مدَّهُ وأمدَّهُ. قوله:: ونَرثهُ ما يقُولُ» . يجوز في «مَا» وجهان: أحدهما: أن يكون مفعولاً بها، والضمير في «نَرِثُهُ» منصوب على إسقاط الخافض تقديره: ونرثُ منه «ما يقوله» . والثاني: أن يكون بدلاً من الضمير في «نَرِثُهُ» بدل اشتمال. وقدَّر بعضهم مضافاً قبل الموصول، أي: نرثه معنى ما يقول: أو مسمَّى ما يقول، وهو المال والولد، لأن نفس القول لا يورث.» و «فَرْداً» حال إمَّا مقدرة نحو ﴿فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73] ، أو مقارنة، وذلك مبنيٌّ على اختلاف معنى الآية» . قوله تعالى: «سَنَكْتبُ» سنحفظ» ما يقُولُ «فنُجازيه في الآخرة. وقيل: نأمر الملائكة حتى يكتبوا ما يقول. ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً﴾ أي: نزيده عذاباً فوق العذاب، وقيل: نطيل عذابه. و» نَرِثهُ ما يقُولُ «» أي: ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال قوله، وقوله «مَا يَقُولُ» ، لأنه زعم أنَّ له مالاً وولداً، أي: لا نعطيه ونعطي غيره، فيكون الإرث راجعاً إلى ما تحت القول لا إلى نفس القول. وقيل: معنى قوله «ونَرِثهُ ما يقُولُ» أي: نحفظ ما يقول حتى نجازيه به «ويَأتِينَا فَرْداً» يوم القيامة بلا مالٍ ولا ولد» . قوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله﴾ الآية. لمَّا تكلَّم في مسألة الحشر والنشر تكلَّم الآن في الرد على عُبَّاد الأصنام فقال: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾ يعني كفار قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها «ليكُونُوا لَهُمْ عِزًّا» أي منعة بحيث يكونون لهم شفعاء وأنصاراً ينقذونهم من الهلاك. ثم أجاب الله - تعالى - بقوله: «كَلاَّ» ليس الأمر كما زعموا ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: «كُلُّهم سيكفُرُون بعبادِة» هذه الأوثان. قوله: «سَيَكْفرُونَ» يجوز أن يعود الضمير على الالهة، لأنه أقرب مذكور، ولأن الضمير في «يَكونُونَ» أيضاً عائد عليهم فقط، ومثله ﴿وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ﴾ [النحل: 86] ثم قال ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 86] . قيل: أراد بذلك الملائكة، لأنهم يكفرون بعبادتهم «ويتبرءون منهم» ويخاصمونهم وهو المراد بقوله: ﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: 40] . وقيل: إن الله - تعالى - يحيي الأصنام يوم القيامة حتى يوبِّخوا عبَّادها ويتبرءوا منهم فيكون ذلك أعظم لحسرتهم. وقيل: الضمير يعود على المشركين، ومثله قوله: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ إلا أنَّ فيه عدم توافق الضمائر، إذ الضمير في «يَكُونُونَ» عائد إلى الآلهة. و «بِعبَادتهِمْ» مصدر مضاف إلى فاعله، إن عاد الضمير في عبادتهم على المشركين العابدين، وإلى المفعول إن عاد على الالهة. قوله: «ضِدًّا» إنما وحَّده وإن كان خبراً عن جمع لأحد وجهين: إما لأنه مصدر في الأصل، «والمصادر موحَّدة مذكَّرة، وإمَّا لأنه مفرد في معنى الجمع. قال الزمخشري» : والضِّدُّ: العَوْن، وحِّد توحيد قوله عليه السلام: «وهُم يَدٌ على مِنْ سِوَاهُم» لاتفاق كلمتهم، وأنَّهم كشيء واحد لفرط تضامنهم وتوافقهم. والضَّدُّ: العونُ والمعاونة، ويقال: من أضدادكم، أي: أعوانكم. قيل: سمي العونُ ضدًّا، لأنه يضاد من يعاديك وينافيه بإعانته لك عليه. وفي التفسير: إنَّ الضِّدَّ هنا الأعداء. وقل: القرن. وقيل: البلاء. وهذه تناسب معنى الآية. قيل: ذكر ذلك في مقابلة قولهم «عِزًّا» ، والمراد ضد العِزّ، وهو الذُّلُّ والهوان، أي: يكونون عليهم ضِدًّا لما قصدوا وأرادوه. كأنه قيل: ويكون عليهم ذلاًّ لهُم.

مريم 19:83

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا﴾ الآية. لمَّا ذكر حال هؤلاء الكفار مع الأصنام في الآخرة ذكر بعده حالهم مع الشياطين في الدنيا، وأنهم يتولونهم وينقادون لهم، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين﴾ احتج أهل السنة بهذه الآية على أنَّ الله - تعالى - سلَّطهم عليهم لإرادة أن يستولوا عليهم، ويتأكد هذا بقوله «تؤزُّهُم أزًّا» فإن معناه لتؤزُّهُم أزاً، ويتأكد بقوله: ﴿واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: 64] . قال القاضي: حقيقة اللفظ توجب أنه تعالى أرسل الشياطين إلى الكفار كما أرسل الأنبياء، بأن حملهم رسالة يؤدونها إليهم، ولا يجوز في تلك الرسالة إلا ما أرسل عيله الشياطين من الإغواء، فكان يجب في الكفار أن يكونوا بقبولهم من الشياطين مطيعين، وذلك كفر من قائله، ولأن من العجب تعلق المجبرة بذلك، لأن عندهم أن ضلالهم من قبله - تعلاى - خلق فيهم الكفر وقدر الكفر، فلا تأثير لما لا يكون من الشياطين. وإذا بطل حمل اللفظ على ظاهره فلا بد من التأويل، فنحمله على أنه - تعالى - خلَّى بين الشياطين وبين الكفار، وما منعهم من إغوائهم، وهذه التخلية تسمى إرسالاً في سعة اللغة، كما إذا لم يمنع الرجل كلبه من دخول بيت جيرانه يقال: أرسل كلبه علينا، وإن لم يرد أذى الناس. وهذه التخلية وإن لم يكن فيها تشديد للمحنة عليهم فهم متمكنون بأن لا يقبوا منهم، ويكون ثوابهم على ترك القبول أعظم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ﴾ قال ابن الخطيب: وهذا لا يمكن حمله على ظاهره، فإنَّ قوله: الشياطين لو أرسلهم الله - تعالى - إلى الكفار «لكان الكفار مطيعين له بقبول قول الشياطين. قلنا: الله - تعالى - ما أرسل الشياطين إلى الكفار» بل أرسلهم عليهم، والإرسال عليهم هو التسليط لإرادة أن يصير مستولياً عليه، فأين هذا من الإرسال إليهم. وقوله: ضلال الكافر من قبل الله - تعالى -، فأي تأثير للشياطين فيه. قلنا: لِمَ لا يجوز أن سماع الشياطين إياه تلك الوسوسة بوجب في قلبه الضلال بشرط سلامة فهم السامع، لأن كلام الشياطين «من خلق الله - تعالى - فيكون ذلك الضلال الحاصل في قلب الكافر منتسباً إلى الشيطان، وإلى الله - تعالى - من هذين الوجهين. وقوله: لِمَ لا يجوز أن يكن الإرسال التخلية. قلنا: كما خلَّى بين الشياطين والكفرة» فقد خلَّى بينهم وبين الأنبياء، ثم إنه - تعالى - خص الكافر بأنه أرسل الشياطين عليه، فلا بد من فائدة زائدة ههنا. ولأن قوله «تؤزُّهُمْ أزًّا» أي: تحركهم تحريكاً شديداً، فالغرض من ذلك الإرسال موجب أن يكون ذلك الأزُّ مراداً لله - تعالى - إذ يحصل المقصود منه. قوله: «أزًّا» مصدر مؤكد. والأزُّ، والأزيزُ، والاستفزاز. قال الزمخشري: أخوات وهو التهيج وشدة الإزعاج، أي: تغريهم على المعاصي، وتهيجهم لها بالوساوس. قال ابن عباس: «تَؤزُّهُمْ أزًّا» أي: تزعجهم في المعاصي إزعاجاً من الطاعة إلى المعصية. والأزُّ أيضاً: شدة الصوت، ومنه: أزَّ المِرْجَلُ أزًّا وأزيزاً، أي: غلا واشتد غليانه حتى سمع له صوت، وفي الحديث «فكَان له أزيزٌ» أي للجذع حين فارقه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله: ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا تعجل بطلب عقوبتهم، يقال: عجلت عيله بكذا إذا استعجلت منه «إنَّا نعدُّ لهُمْ عدًّا» . قال الكلبي: يعني الليالي والأيام والشهور والأعوام. وقيل: الأنفاس التي يتنفّسون بها في الدنيا إلى الأجل الذي أجِّل لعذابهم. وقيل: نَعُدُّ أنفاسهم وأعمالهم فنجازيهم على قليلها وكثيرها. وقيل: نَعُدُّ الأوقات، أي: الوقت الأجل المعين «لكل أحد» الذي لا يتطرق إليه الزيادة والنقصان. قوله: «يَوْمَ نَحشُرُ» منصوب ب «سَيَكْفُرون» ، أو ب «يَكونُونَ» عليْهِمْ ضدًّا «أو ب» نَعُد «لأن» نَعُدُّ «تضمن معنى المجازاة، أو بقوله:» لا يَمْلِكُونَ «الذي بعده، أو بمضمر وهو» اذكُرْ «أو» احْذَرْ» . وقيل: هو معمول لجواب سؤال مقدر كأنه قيل: «متى يكون ذلك؟ فقيل» : يكون يوم نحشر. وقيل: تقديره: يوم نحشر ونسوق: نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف. قوله: «وفداً» نصب على الحال، وكذا «ورْداً» . والوَفْدُ: الجماعة الوافدون، يقال: وَفَدَ يَفِدُ وَفْداً ووفوداً وفَادَةً، أي: قدم على سبيل التكرمة، فهو في الأصل مصدر ثم أطلق على الأشخاص كالضيف. وقال أبو البقاء: وفد جمع وافد مثل راكب ورَكْب، وصاحب وصَحْب. وهذا الذي قاله ليس مذهب سيبويه، لأن فاعلاً لا يجمع على فعل عند سيبويه. وأجازه الأخفش. فأمَّا رَكْب وصَحْب فاسما جمع لا جمع بدليل تصغيرها على ألفاظها، قال: 3625 - أخْْشَى رجَيْلاً وَرُكَيْباً عَاديَا ... فإن قيل: لعل أبا البقاء أراد الجمع اللغوي. فالجواب: أنه قال بعد قوله هذا: والوِرْد اسم لجمع وارد. فدل على أنه قصد الجمع صناعة المقابل لاسم الجمع. والوِرْد اسم للجماعة العطاش الواردين للماء، وهو أيضاً في الأصل مصدر أطلق على الأشخاص، يقال: وَرَد الماء يردُه وِرْداً وورُوداً، قال الشاعر: 3626 - رِدِي رِدِي وِرْدَ قَطَاةٍ صَمًّا ... كَدريَّةٍ أعْجَبْهَا بَرْدَ الْمَا وقال أبو البقاء: هو اسم لجمع وارد،» وقيل: هو بمعنى وارد «وقيل: هو محذوف من وراد، وهو بعيد. يعني أنه يجوز أن يكون صفة على فَعْل. وقرأ الحسن والجحدري» يُحْشَرُ المتَّقُونَ «» ويُسَاقُُ المُجْرِمُون «على ما لم يسم فاعله. فصل قال المفسرون: اذكر لهم يا محمد اليوم الذي يجمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته إلى الرحمن إلى جنته وفْداً، أي جماعات، جمع وافد مثل راكب ورَكْب وصاحب وصَحْب. وقال ابن عباس: رُكْبَاناً: وقال أبو هريرة: على الإبل. وقال علي بن أبي طالب - «رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» -: ما يُحْشَرون والله على أرجلهم، ولكن على نوق رجالها الذهب، ونجائب سروجها ياقوت إن هموا بها سارت وإنْ همُّوا طارت. ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ أي: مُشاة، وقيل: عطاشاً قد تقطعت أعناقهم من العطش. وقوله «ونَسُوق المجرمينَ» يدل على أنهم يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم عطاش تساق إلى الماء، والوِرْدُ للعطاش وحقيقة الوِرْد الميسرُ إلى الماء، فسمي به «الواردون» . فصل طعن الملاحدة في قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن﴾ فقالوا: هذا إنما يستقيم أن لو كان الحشر عند غير الرحمن، أما إذا كان الحشر عند الرحمن، فهذا الكلام لا ينتظم. وأجاب المسلمون: بأنَّ التقدير: يوم نحشرُ المتقِّين إلى محلِّ كرامةِ الرحمن. قوله: «لا يَمْلِكُون» في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة سيقت للإخبار بذلك. والثاني: أنَّها في محل نصب على الحال مما تقدم. وفي هذه الواو قولان: أحدهما: أنها علامة للجمع ليست ضميراً ألبتة، وإنما هي علامة، كهي في لغة أكلُوني البراغيثُ والفاعل «من اتَّخَذَ» لأنه في معنى الجمع قاله الزمخشري وفيه بعدٌ، وكأنه قيل: لا يملكُون الشفاعةَ إلاَّ المتَّخِذُون عَهْداً. قال أبو حيَّان: ولا ينبغي حملُ القرآن على هذه اللغة القليلة، مع وضوح جعل الواو ضميراً. وقد قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: إنَّها لغةٌ ضعيفة. قال شهابُ الدين: قد قالوا ذلك في قوله: ﴿عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: 71] ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: 3] فلهذا الموضع بهما أسوة. ثم قال أبو حيان: وأيضاً فالألف، والواو، والنون التي تكون علامات لا ضمائر لا يحفظ ما يجيء بعدها فاعلاً إلا بصريح الجمع، وصريح التثنية، «أو العطف» ، أما أن يأتي بلفظ مفرد ويطلق على جمع أو مثنى، فيحتاج في إثبات مثل ذلك إلى نقل، وأما عودُ الضمائر مثناة أو مجموعة على مفرد في اللفظ يراد به المثنى والمجموع فمسموع معروف في لسان العرب، على أنه يمكن قياس هذه العلامات على تلك الضمائر ولكن الأحوط أن لا يقال إلا بسماع. والثاني: أن الواو ضميرٌ، وفيما يعود عليه حينئذ أربعة أوجه: أحدها: أنها تعود على الخلق جميعهم، لدلالة ذكر الفريقين المتقين والمجرمين عليهم، إذ هما قسماه. والثاني: أنه يعود على المتقين والمجرمين، وهذا لا يظهر مخالفته للأول أصلاً. لأن هذين القسمين الخلقُ كلُّه. والثالث: أنَّه يعوج على المتقين فقط، أو المجرمين فقط، وهو تحكُّم. قوله: «إلاَّ من اتَّخَذَ» هذا الاستثناء يترتب على عود الواو على ماذا؟ فإن قيل بأنها تعود على الخلق، أو على الفريقين المذكورين «أو على المتقين فقط» . فالاستثناء حينئذ متصل، وفي محل المستثنى الوجهان المشهوران إما الرفع على البدا، وإما النصب على أصل الاستثناء. وإن قيل: إنه يعود على المجرمين فقط كان استثناء منقطعاً، وفيه حينئذ اللغتان المشهورتان: لغةُ الحجاز التزام النصب، ولغةُ تميم جوازه مع جواز البدل «كالمتصل» . وجعل الزمخشري هذا الاستثناء من الشفاعة على وجهي البدل وأصل الاستثناء نحو: ما رأيت أحداً إلا زَيْداً. وقال بعضهم: إن المستثنى منه محذوف، والتقدير: لا يملكون الشفاعة لأحدٍ إلاَّ اتَّخذ عن الرحمن عهداً، فحذف المستثنى «منه للعلم» به، فهو كقول الأخرِ: 3627 - نَجَا سَالِمٌ والنَّفْسُ مِنْهُ بِشدقهِ ... ولَمْ يَنْجُ إلاَّ جَفْنَ سَيْفِ ومِئزَرا أي: ولَمْ يَنْجُ بشيءٍ. وجعل ابنُ عطية الاستثناء متصلاً، وإن عاد الضمير في «لا يَمْلِكُون» على المجرمين فقط على أن يراد بالمجرمين الكفرة والعصاة من المسلمين. قال أبو حيان: وحمل المجرمين على الكفار والعصاة بعيد. قال شهاب الدين: ولا بعد فيه، وكما استبعد إطلاق المجرمين على العصاة كذلك يستبعد غيره إطلاق المتقين على العصاة، بل إطلاق المجرم على العاصي أشهر من إطلاق المتقي عليه. فصل قال بعضهم: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم كما يملك المؤمنون. وقال آخرون: لا يملك غيرهم أن يشفع لهم. وهذا أولى، أن الأول يجري مجرى إيضاح الواضح. وإذا ثبت ذلك دلت الآية على حصول الشفاعة أهل الكبائر. لأنه قال عقيبه «إلاَّ من اتَّخذَ عندَ الرَّحمن عَهْداً» ، والتقدير: لا يشفع الشافعون إلا لمن اتَّخذَ عند الرَّحمن عهداً، يعني للمؤمنين «، كقوله: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28] فكل من اتخذ عند الرحمن عهداً وجب دخوله فيه، وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهداً، وهو التوحيد، فوجب دخوله تحته، ويؤكده ما روى ابن مسعود أنه - عليه السلام -» قال لأأصحابه يوماً: «أيَعْجَزُ أحدكُمْ أن يتَّخذ عندَ كُلِّ صباح ومساء» عند الرَّحمن عهداً «قالوا: وكيف ذلك؟ قال:» يقُولُ عِنْدَ كُلِّ صباحٍ ومساء» : اللَّهُمَّ فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ عالمِ الغَيْبِ والشَّهادة إنِّي أعْهَدُ إليكَ بأنِّي أشْهَدُ أنَّ لا إله إلاَّ أنتَ وحْدَكَ لا شرِيكَ لَكَ، وأنَّ مُحَدَّداً عبدُكَ ورسُولَك، فإنَّك إنْ تكلني إلى نفسي تُقرَّبِنْي من الشَّر، وتُباعدني من الخَيْرِ، وإنَّي لا أثقُ إلاَّ برحمتكَ، فاجْعَل لي عهداً تُوفنيه يَوْمَ القيامة إنَّك لا تُخْلِفُ الميعَاد. فإذا قال ذلِكَ طُبِعَ عليه بطابع وَوُضع تحت العرش، فإذا كان يومُ القيامةِ نادَى مُنَادٍ: أيْنَ الذين لهُم عِندَ الرَّحمن عهد؟ فيَدْخُلونَ الجنَّة» . فظهر أن المراد من العد كلمة الشهادة، وظهر وجه الدلالة على ثبوت الشفاعة أهل الكبائر. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً﴾ تقدم خلافُ القراء في قوله «ولداً» بفتح اللام وسكونها، وأنهما لغتان مثل العَرَبِ والعُرْبِ والعَجَم والعُجْم. واعلم أنَّه لمَّا ردَّ على عبدة الأوثان عاد إلى الرَّد على من أثبت له ولداً. فقالت اليهود: عزيزٌ ابنُ الله، وقالت النصارى: المسيحُ ابن الله، وقالت العرب: الملائكة بناتُ الله. وههنا الرد على الذين قالوا: الملائكة بنات الله، وهم العرب الذين يعبدون الأوثان، لأن الرد على النصارى تقدم أول السورة. قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ . العامة على كسر الهمزة من «إدَّا» ، وهو الأمر العظيم المنكر المتعجب منه. قاله ابن عباس. «وقال مجاهد: عظيماً» وقرأ أمير المؤمنين والسلمي بفتحها. وخرَّجوه على حذف مضاف، أي شيئاً أدَّ «لأنَّ الأدَّ - بالفتح - يقال: أدَّ الأمر وأدَّني يؤدِّنِي أدَّا. أي: أثقلني. وكان أبو حيان ذكر: أنَّ الأدَّ والإد - بفتح الهمزة وكسرها - هو العجب، وقيل: «هو العظيم المنكر، والإدَّة: الشدَّة. وعلى قوله: إنَّ الأدّ والإدّ بمعنى واحد ينبغي أن لا يحتاج إلى حذف مضاف» إلا أن يريد أنَّه أراد بكونهما بمعنى العجب في المعنى لا في المصدرية وعدمها، والإدَد في كلام العرب الدواهي. قوله: «تَكَادُ» . قرأ نافع والكسائي بالياء من تحت. والباقون بالتاء من فوق وهما واضحتان، إذ التأنيث مجازي. وكذا في سورة الشورى. وقرأ أبو عمرو: وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وحمزة» يَنْفَطْرن «مضارع انفطرَ، لقوله تعالى: ﴿إِذَا السمآء انفطرت﴾ والباقون:» يتفَطّرْن «» مضارع تفطَّر «بالتشديد في هذه السورة، وأما التي في الشورى فقرأها حمزة وابن عامر بالياء والتاء وتشديد الطاء. والباقون على أصولهم في هذه السورة. فتلخص من ذلك أن أبا بكر وأبا عمرو يقرآن بالياء والنون في السورتين. وأن نافعاً وابن كثير والكسائي وحفصاً عن عاصم يقرءون بالياء والتاء وتشديد الطاء فيهما، وأن حمزة وابن عامر في هذه السورة بالياء والنون، وفي الشورى بالياء وتشديد الطاء» فالانفطار من فطرهُ إذا شقه، «والتفطُّر إذا شقَّقهُ» ، وكرر فيه الفعل. قال أبو البقاء: وهو هنا أشبه بالمعنى، أي: التشديد. و «يَتَفَطَّرْنَ» في محل نصب «خبراً ل» كَانَ «وزعم الأخفش أنها هنا بمعنى الإرادة، وأنشد: 3628 - كَادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرَادةٍ ... لَوْ عَادَ مِنْ زمنٍ الصِّبابةِ مَا مَضَى فصل يقال: انفطر الشيء وتفطَّر أي تشقَّق. وقرأ ابن مسعود» يتصَدَّعْنَ» . و «تَنْشَقُّ الأرْضُ» أي تخسفُ بهم، والانفطار في السماء، أي: تسقط عليهم. » وتخُرُّ الجِبَالُ هدَّاً «أي: تُهَدُّ هَداً، بمعنى» تنطبق عليهم. فإن قيل من أين يؤثر القول بإثبات الولد لله في انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال؟ فالجوابُ من وجوه: «الأول: أنَّ الله - تعالى - يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود» هذه الكلمة غضباً منِّي على من تفوَّه بها، لولا حلمي، وإني لا أعجِّل بالعقوبة، كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر: 41] . الثاني: أن يكون استعظاماً للكلمة، وتهويلاً من فظاعتها، وهدمها لأركان الدين وقواعده. الثالث: أنَّ السمواتِ والأرضِ والجبال تكاد أن تفعل ذلك لو كانت تعقل من غلظ هذا القول، وهذا تأويل أبي مسلم. الرابع: أنَّ السموات والأرض والجبال كانت سليمة من كل العيوب، فلما تكلم بنو آدم بهذا القول ظهرت العيوب فيها. قوله: «هدَّا» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه مصدر وفي مضع الحال، أبي: مهدودة، وذلك على أن يكون هذا المصدر من هدَّ زيدٌ الحائط يهدُّه هدَّا، أي: «هدمهُ» . والثاني: وهو قول أبي جعفر: أنه مصدر على غير المصدر لما كان في معناه، لأن الخرور: السقوطُ والهدمُ، وهذا على أن يكون من هدَّ الحائطُ يَهِدُّ - بالكسر - انهدم، فيكون لازماً. الثالث: أن يكون مفعولاً من أجله، قال الزمخشري: أي: لأنها تهد. قوله: «أنْ دَعَواْ» في محله همسة أوجه: أحدها: أنه في محل نصب على المفعول من أجله، قاله أبو البقاء، والحوفي، ولم يُبيِّنَا ما العامل فيه، ويجوز أن يكون العامل «تَكَادُ» ، أو «تَخُرُّ» ، أو «هَدَّا» ، أي: تَهُدُّ لأن دعوا، ولكن شرطُ النصب هنا مفقود، وهو اتحاد «الفاعل في المفعول له والعامل فيه، فإن عنيا على أنه على إسقاط اللام مطرد في» أنْ «فقريب» . وقال الزمخشري: وأن يكون منصوباً بتقدير سقوط اللام «وإفضاء الفعل، أي هدَّا أن دعوا» ، علل الخرور بالهدِّ، والهدُّ بدعاء الولد للرحمن. فهذا تصريح منه على أنه بإسقاط الخافض. «وليس مفعولاً له صريحاً» . الوجه الثاني: أن يكون مجروراً بعد إسقاط الخافض «كما هو مذهب الخليل والكسائي. والثالث: أنه بدل من الضمير في» مِنْهُ «كقوله: 3629 - عَلَى حَالةٍ لوْ أنَّ في القَوْمِ حَاتِماً ... عَلى جُودهِ لضن بالمَاءِ حاتمِ » بجر «حاتم» الأخير بدلاً من الهاء في «جوده» . قال أبو حيان: وهو بعيد لكثرة الفصل بين البدل والمبدل منه بجملتين. الوجه الرابع: أن يكون مرفوعاً ب «هَدَّا» . قال الزمخشري: أي هدَّهَا دعاءُ الولدِ للرحمن. قال أبو حيان: وفيه بعدٌ، لأن الظاهر في «هَدَّا» أن يكون مصدراً توكيدياً، والمصدر التوكيدي لا يعمل، ولو فرضناه غير توكيدي لم يعمل بقياس إلا إذا كان أمراً، أو مستفهماً عنه نحو ضرباً زيداً، وأضربا زيداً؟ على خلاف فيه، وأما إن كان خبراً كما قدَّره الزمخشري، أي: هدَّها دعاء الولد للرحمن. فلا ينقاس، بل ما جاء من ذلك هو نادر كقول امرئ القيس: 3630 - وقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَليَّ مَطِيُّهُمْ ... يقُولونَ لا تَهْلَكْ أسّى وتجمَّلِ أي: وقَفَ صَحْبِي. الخامس: أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره: الموجب لذلك دعاؤهم. كذا قدره أبو البقاء. و «دَعَا» يجوز أن يكون بمعنى سمَّى، فيتعدى لاثنين، ويجوز جر ثانيهما بالباء، قال الشاعر: 3631 - دَعَتْنِي أخَاهَا أمُّ عَمْرٍو ولمْ أكُنْ ... أخَاهَا ولَمْ أرْضَعْ لهَا بِلبَانِ دَعَتْنِي أخَاهَا «بَعْدَمَا كَانَ بَيْنَنَا ... مِنَ الفِعْلِ ما لا يفعلُ الأخوانِ» وقول الآخر: 3632 - ألا رُبَّ مَنْ يُدْعَى نَصِيحاً وإن تَغِبْ ... تَجِدْهُ بِغَيْبٍِ مِنْكَ غَيْرَ نَصِيحِ وأولهما في الآية محذوف، قال الزمخشري: طلباً للعموم والإحاطة بكل ما يدعى له ولد، ويجوز أن يكون من «دَعَا» بمعنى نسب الذي مطاوعه ما في قوله - عليه السلام -: «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ موالِيهِ» ، وقول الشاعر: 3633 - إنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لأب ... عَنْهُ ولا هُوَ بالأبْنَاءِ يَشْرِينَا لأي: لا ننتَسِبُ إليه. «يَنْبَغِي» مضارع انْبَغَى، وانْبَغَى مطاوعٌ لبغى، أي: طلب، و «أنْ يتَّخِذَ» فاعله. وقد عد ابن مالك «يَنْبَغِي» في الأفعال التي لا تتصرف. وهو مردودٌ عليه، لأنه قد سُمِعَ فيه الماضي قالوا: انْبَغَى. وكرَّر لفظ «الرَّحْمَنِ» تنبيهاً على أنه - تعالى - هو الرحمنُ وحدهُ، لأن أصول النعم وفروعها ليست إلا منه. فصل قال ابن عباس وكعب: فَزِعَت السَّمواتُ والأرضُ والجبالُ وجميعُ الخلائق إلا الثقلين، وكادت أن تزول، وغضبت الملائكةُ، واستعرت جهنم حين قالوا: لله ولدٌ، ثم نفى الله - تعالى - عن نفسه فقال: «وما يَنْبَغِي للرَّحمنِ أن يتَّخذَ ولداً» أي: ما يليق به «اتِّخاذُ الولد» ، لأنة ذلك محال؛ أما الولادة المعروفة فلا مقالة في امتناعها، وأما التبني، فلأن الولد لا بد وأن يكون شبيهاً بالوالد، ولا شبيه لله - تعالى -، ولأن اتخاذ الولد إنَّما يكون لأغراض إما لسرور، أو استعانةٍ، أو ذكرٍ جميلٍ، وكلُّ ذلك لا يصح في الله - تعالى -. قوله: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض﴾ . يجوز في «مَنْ» أن تكون نكرة موصوفة، وصفتها الجار بعدها، ولم يذكر أبو البقاء غير ذلك، وكذا الزمخشري إلا أن ظاهر عبارته تقتضي أنه لا يجوز غير ذلك، فإنه قال: «مَنْ» موصوفة فإنها وقعت بعد «كُل» «نكرة أشبهت وقوعها بعد» رُبَّ «في قوله: 3634 - ربَّ مَنْ أنْضِجَتْ غَيْظاً صَدْرَهُ ... انتهى» . ويجوز أن تكون موصولة. قال أبو حيان: ما كُل الذي في السموات، و «كلُّ» تدخل على الذي، لأنها تأتي للجنس كقوله - تعالى -: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: 33] ونحوه: 3635 -» وكُلُّ الذي «حَمَّلْتَنِي أتحَمَّلُ ... يعني أنه لا بد» من تأويل «الموصول بالعموم حتى تصح إضافة» كُل «إليه، ومتى أريد به معهود بعينه لشخص استحال إضافة» كُلّ «إليه. و» آتِ الرَّحْمَنِ «خبر» كل «جعل مفرداً حملاً على لفظها، ولو جمع لجاز، وقد تقدم أول الكتاب: أنها متى أضيفت لمعرفة جاز الوجهان. وقد تكلم السهيلي في ذلك فقال:» كُلُّ «إذا ابتدئت وكانت مضافة لفظاً يعني لمعرفة فلا يحسن إلا أفراد الخبر حملاً على المعنى، تقول: كُلكم ذاهب، أي: كل واحد» منكم ذاهب، هكذا هذه المسألة في القرآن والحديث والكلام الفصيح. فإن قلت في قوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ﴾ : إنما هو حمل على اللفظ، لأنه اسم مفرد. قلنا: بل هو اسم للجمع، واسم الجمع لا يخبر عنه بإفراد، تقول: القوم ذاهبُون، ولا تقول: ذاهب، وإن كان لفظ «القَوْم» لفظ المفرد، وإنما حسن «كُلكُم ذاهِبٌ» لأنهم يقولون: كل واحد منكم ذاهب، فكان الإفراد مراعاة لهذا المعنى. قال أبو حيان: ويحتاج «كُلكُم ذاهِبُون» ونحوه إلى سماع ونقل عن العرب. قال شهاب الدين: وتسمية الإفراد حملاً على المعنى غير الاصطلاح بل ذلك حمل على اللفظ والجمع هو الحمل على المعنى. وقال أبو البقاء: ووحد «آتِي» حملاً على لفظ «كُل» ، وقد جمع في موضع آخر حملاً على معناها. قال شهاب الدين: قوله: في موضع آخر. إن عني في القرآن فلم يأت الجمع إلا و «كُل» مقطوعة عن الإضافة نحو ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33] ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: 87] ، وإن عني في فيحتاج إلى سماع عن العرب كما تقدم. والجمهور على إضافة «آتي» إلى «الرَّحمَن» . وقرأ عبد الله بن الزبير وأبو حيوة وطلحة وجماعة بتنويه ونصب «الرَّحْمَن» وانتصب «عَبْداً» و «فَرْداً» على الحال. فصل المعنى: أن كل معبود من الملائكة في السموات وفي الأرض من الناس إلا ياتي الرحمن يلتجئ إلى ربوبيته عبداً منقاداً مطيعاً ذليلاً خاضعاً كما يفعل العبيد. ومنهم من حمله على يوم القيامة خاصة. والأول أولى، لأنه لا تخصيص فيه. ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾ أي: عدَّ أنفاسهم وأيامهم وآثارهم، فكلهم تحت تدبيره وقهره محيط بهم لا يخفى عليه شيء من أمورهم، ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ﴾ أي: كل واحد منهم يأتيه ﴿يَوْمَ القيامة فَرْداً﴾ وحيداً ليس معه من الدنيا شيء «ويبرأ المشركون منهم» . قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ إلى آخر السورة. لمَّا ردَّ على الكفرة، وشرح أقوالهم في الدنيا والآخرة ختم السورة بذكر أحوال المؤمنين. قوله: «وُدَّا» العامة على ضم الواو. وقرأ أبو الحارث الحنفي بفتحها، وجناح بن حبيش بكسرها. فيحتمل أن يكون المفتوح مصدراً، والمكسور والمضموم اسمين. قال المفسرون: سَيَجْعَلُ لهُم الرَّحمنُ محبةً، قال مجاهد: يحبهم الله ويحببهم إلى عباده المؤمنين. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا أحبَّ اللهُ العبد قال لجبريل - عليه السلام -:» قَدْ أحبَّ فلاناً فأحبُّوه، فيحبه أهلُ السَّماء، ثُمَّ يوضعُ لهُ القبُولُ في الأرضِ، وإذا أبغضَ العبد» قال مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك. والسِّين في «سَيَجِعَلُ» إما لأن السورة مكية، وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة، فوعدهم الله ذلك إذا جاء الإسلام. والمعنى: سَيُحْدِثُ لهم في القلوب مودة. وإمَّا أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يظهر من حسناتهم. روي عن كعب قال: مكتوب في التوراة لا محبَّة في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله - تعالى - ينزلها على أهل السماء، ثم على أهل الأرض. وتصديق ذلك في القرآن قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً﴾ . وقال أبو مسلم: معناه يهبُ لهم ما يحبون. والوُدُّ والمحبَّةُ سواء، يقال: آتيتُ فلاناً محبته، وجعلت له ودَّه، ومن كلامهم: يَوَدُّ لو كان كذا، «وودتُ أن لو كان كذا أي أحببتُ» ، فالمعنى: سيعطيهم الرحمن ودَّهم، أي: محبوبهم في الجنة. والقول الأول أولى، لتفسير الرسول - عليه السلام -، ولأن حمل المحبة على المحبوب مجاز، «ولأن رسول الله قرأ هذه الآية وفسَّرها بذلك فكانت أولى» . قال أبو مسلم: القول الثاني أولى لوجوه: أحدها: كيف يصح القول الأول مع علمنا بأن المسلم التقي يبغضه الكفار، وقد يبغضه كثير من المسلمين. وثانيها: أنَّ مثل هذه المحبة قد تحصل للكفار والفساق أكثر، فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين؟ وثالثها: أن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا أنَّ الله - تعالى - فعله، فكان حمل الآية على إعطاء المنافع الأخروية أولى. وأجيب عن الأول: بأن المراد يجعل له محبة عند الملائكة والأنبياء. وعن الثاني: ما روي عنه - عليه السلام -: أنه حكى عن ربه - سبحانه وتعالى - أنه قال: «وإذا ذكرني عَبْدي في نفسه ذكرتُهُ» في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرنِي) في ملأ ذكرتهُ في ملأ أطيب منهم وأفضل» والكافر والفاسق ليسا كذلك. وعن الثالث: أنه محمول على فعل الألطاف، وخلق داعية إكرامه في قلوبهم. قوله: «بِلِسَانِكَ» يجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال، واللسان هنا اللغة، أي: أنزلناه كائناً بلسانِكَ. وقيل: هي بمعنى «على» ، وهذا لا حاجة إليه، بل لا يظهر له معنى، «ولُدَّا» جمع «ألَدَّ» ، وهو الشديد الخصومة كالحُمْر جمع أحْمَرٍ. قال أهل اللغة: اللُّدُّ جمع الألَدّ، وهو المعوج في المناظرة الرواغ من الحق الميال عنه، وفي الحديث «إنَّ أبغضَ الرِّجال إلى الله الخَصْمُ الألَدُّ» أي المعوج «قوله:» يَسَرْنَاهُ «سهلناهُ يعني القرآن» بِلِسَانِكَ «يا محمد» لِنُبَشِّر به المتَّقِين «يعني المؤمنين، وهذا كلام مستأنف» بيَّن به عظيم «موقع هذه السورة لما فيها من ذكر التوحيد والنبوة والحشر، والرد على فرق المبطلين، فبين - تعالى - أنَّه يسَّر ذلك بلسانه، ليبشر وينذر، ولولا أنه - تعالى - نقل قصصهم إلى اللغة العربية لما تيسَّر لك على الرسول. وكما ذكر أنه يبشر به المتقين ذكر في مقابلته من هو في مخالفة التقوى أبلغ، وهو الألد الذي يتمسك بالباطل ويجادل فيه فقال:» ويُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدَّا «، وهو جمع الألد،» وهو الشديد الخصومة. وقال مجاهد: هو الظالم الذي لا يستقيم. وقال أبو عبيدة الألد «الذي لا يقبل الحقَّ ويدَّعي الباطل. وق الحسن: الألد الأصم عن الحق. ثم ختم السورة بموعظةٍ بليغة فقال: «وكمْ أهْلَكٍنَا قبلهُمْ مِنْ قرنٍ» لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا، وأنه لا بد فيها من الموت خافوا سوء العاقبة في الآخرة فكانوا إلى الحذر من المعاصي أقرب، ثم أكد تعالى ذلك فقال: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ . قرأ الناس بضم التاء وكسر الحاء من أحسَّ. وقرأ أبو حيوة، وأبو جعفر، وابن أبي عبلة «نَحُسُّ» » بفتح التاء وضم الحاء «وقرأ بعضهم:» تَحِس» بالفتح والكسر، من حسَّه: أي شعر به، ومنه الحواس الخمس. و «مِنْهُم» حال من «أحَد» ، إذ هو في الأصل صفة له. و «مِنْ أحَد» مفعول زيدت فيه» مِنْ. وقرأ حنظلة «تُسْمَعُ» بضم التاء وفتح الميم مبنياً للمفعول. و «رِكْزاً» مفعول على كلتا القارءتين، إلا أنه مفعول ثان في القراءة «الشاذة» . والرَِّكْزُ: الصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم، «ومنه ركز الرمح أي غيب طرفه في الأرض وأخفاه، ومنه الرِّكاز، وهو المال المدفون لخفائه واستتاره، وأنشدوا: 3636 - فَتَوجَّسَتْ رَكْزَ الأنيسِ فَراعَها ... عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ، والأنيسُ سَقامُهَا فصل قال المفسرون: «هّلْ تُحِسُّ» ، وقيل: هل تجد. «مِنْهُم مِنْ أحَدٍ» ، لأنَّ الرسول - عليه السلام - إذا لم يحسّ منهم أحداً برؤية وإدراك ووجدان، ولا يسمع لهم ركزاً، أي: صوتاً خفياً دلَّ ذلك على انقراضهم وفنائهم بالكلية. قال الحسن: بادوا جميعاً، يبق عين ولا أثر. روى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر بعدد من صدق بزكريا، ويحيى، وعيسى، وموسى، وهارون، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولداً، وبعدد من لم يدع له ولداً» . سورة طه (مكية وهي مائة وخمس وثلاثون آية، وعدد كلماتها ألف وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة، وعدد حروفها خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا)

مريم 19:84

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا﴾ الآية. لمَّا ذكر حال هؤلاء الكفار مع الأصنام في الآخرة ذكر بعده حالهم مع الشياطين في الدنيا، وأنهم يتولونهم وينقادون لهم، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين﴾ احتج أهل السنة بهذه الآية على أنَّ الله - تعالى - سلَّطهم عليهم لإرادة أن يستولوا عليهم، ويتأكد هذا بقوله «تؤزُّهُم أزًّا» فإن معناه لتؤزُّهُم أزاً، ويتأكد بقوله: ﴿واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: 64] . قال القاضي: حقيقة اللفظ توجب أنه تعالى أرسل الشياطين إلى الكفار كما أرسل الأنبياء، بأن حملهم رسالة يؤدونها إليهم، ولا يجوز في تلك الرسالة إلا ما أرسل عيله الشياطين من الإغواء، فكان يجب في الكفار أن يكونوا بقبولهم من الشياطين مطيعين، وذلك كفر من قائله، ولأن من العجب تعلق المجبرة بذلك، لأن عندهم أن ضلالهم من قبله - تعلاى - خلق فيهم الكفر وقدر الكفر، فلا تأثير لما لا يكون من الشياطين. وإذا بطل حمل اللفظ على ظاهره فلا بد من التأويل، فنحمله على أنه - تعالى - خلَّى بين الشياطين وبين الكفار، وما منعهم من إغوائهم، وهذه التخلية تسمى إرسالاً في سعة اللغة، كما إذا لم يمنع الرجل كلبه من دخول بيت جيرانه يقال: أرسل كلبه علينا، وإن لم يرد أذى الناس. وهذه التخلية وإن لم يكن فيها تشديد للمحنة عليهم فهم متمكنون بأن لا يقبوا منهم، ويكون ثوابهم على ترك القبول أعظم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ﴾ قال ابن الخطيب: وهذا لا يمكن حمله على ظاهره، فإنَّ قوله: الشياطين لو أرسلهم الله - تعالى - إلى الكفار «لكان الكفار مطيعين له بقبول قول الشياطين. قلنا: الله - تعالى - ما أرسل الشياطين إلى الكفار» بل أرسلهم عليهم، والإرسال عليهم هو التسليط لإرادة أن يصير مستولياً عليه، فأين هذا من الإرسال إليهم. وقوله: ضلال الكافر من قبل الله - تعالى -، فأي تأثير للشياطين فيه. قلنا: لِمَ لا يجوز أن سماع الشياطين إياه تلك الوسوسة بوجب في قلبه الضلال بشرط سلامة فهم السامع، لأن كلام الشياطين «من خلق الله - تعالى - فيكون ذلك الضلال الحاصل في قلب الكافر منتسباً إلى الشيطان، وإلى الله - تعالى - من هذين الوجهين. وقوله: لِمَ لا يجوز أن يكن الإرسال التخلية. قلنا: كما خلَّى بين الشياطين والكفرة» فقد خلَّى بينهم وبين الأنبياء، ثم إنه - تعالى - خص الكافر بأنه أرسل الشياطين عليه، فلا بد من فائدة زائدة ههنا. ولأن قوله «تؤزُّهُمْ أزًّا» أي: تحركهم تحريكاً شديداً، فالغرض من ذلك الإرسال موجب أن يكون ذلك الأزُّ مراداً لله - تعالى - إذ يحصل المقصود منه. قوله: «أزًّا» مصدر مؤكد. والأزُّ، والأزيزُ، والاستفزاز. قال الزمخشري: أخوات وهو التهيج وشدة الإزعاج، أي: تغريهم على المعاصي، وتهيجهم لها بالوساوس. قال ابن عباس: «تَؤزُّهُمْ أزًّا» أي: تزعجهم في المعاصي إزعاجاً من الطاعة إلى المعصية. والأزُّ أيضاً: شدة الصوت، ومنه: أزَّ المِرْجَلُ أزًّا وأزيزاً، أي: غلا واشتد غليانه حتى سمع له صوت، وفي الحديث «فكَان له أزيزٌ» أي للجذع حين فارقه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله: ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا تعجل بطلب عقوبتهم، يقال: عجلت عيله بكذا إذا استعجلت منه «إنَّا نعدُّ لهُمْ عدًّا» . قال الكلبي: يعني الليالي والأيام والشهور والأعوام. وقيل: الأنفاس التي يتنفّسون بها في الدنيا إلى الأجل الذي أجِّل لعذابهم. وقيل: نَعُدُّ أنفاسهم وأعمالهم فنجازيهم على قليلها وكثيرها. وقيل: نَعُدُّ الأوقات، أي: الوقت الأجل المعين «لكل أحد» الذي لا يتطرق إليه الزيادة والنقصان. قوله: «يَوْمَ نَحشُرُ» منصوب ب «سَيَكْفُرون» ، أو ب «يَكونُونَ» عليْهِمْ ضدًّا «أو ب» نَعُد «لأن» نَعُدُّ «تضمن معنى المجازاة، أو بقوله:» لا يَمْلِكُونَ «الذي بعده، أو بمضمر وهو» اذكُرْ «أو» احْذَرْ» . وقيل: هو معمول لجواب سؤال مقدر كأنه قيل: «متى يكون ذلك؟ فقيل» : يكون يوم نحشر. وقيل: تقديره: يوم نحشر ونسوق: نفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف. قوله: «وفداً» نصب على الحال، وكذا «ورْداً» . والوَفْدُ: الجماعة الوافدون، يقال: وَفَدَ يَفِدُ وَفْداً ووفوداً وفَادَةً، أي: قدم على سبيل التكرمة، فهو في الأصل مصدر ثم أطلق على الأشخاص كالضيف. وقال أبو البقاء: وفد جمع وافد مثل راكب ورَكْب، وصاحب وصَحْب. وهذا الذي قاله ليس مذهب سيبويه، لأن فاعلاً لا يجمع على فعل عند سيبويه. وأجازه الأخفش. فأمَّا رَكْب وصَحْب فاسما جمع لا جمع بدليل تصغيرها على ألفاظها، قال: 3625 - أخْْشَى رجَيْلاً وَرُكَيْباً عَاديَا ... فإن قيل: لعل أبا البقاء أراد الجمع اللغوي. فالجواب: أنه قال بعد قوله هذا: والوِرْد اسم لجمع وارد. فدل على أنه قصد الجمع صناعة المقابل لاسم الجمع. والوِرْد اسم للجماعة العطاش الواردين للماء، وهو أيضاً في الأصل مصدر أطلق على الأشخاص، يقال: وَرَد الماء يردُه وِرْداً وورُوداً، قال الشاعر: 3626 - رِدِي رِدِي وِرْدَ قَطَاةٍ صَمًّا ... كَدريَّةٍ أعْجَبْهَا بَرْدَ الْمَا وقال أبو البقاء: هو اسم لجمع وارد،» وقيل: هو بمعنى وارد «وقيل: هو محذوف من وراد، وهو بعيد. يعني أنه يجوز أن يكون صفة على فَعْل. وقرأ الحسن والجحدري» يُحْشَرُ المتَّقُونَ «» ويُسَاقُُ المُجْرِمُون «على ما لم يسم فاعله. فصل قال المفسرون: اذكر لهم يا محمد اليوم الذي يجمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته إلى الرحمن إلى جنته وفْداً، أي جماعات، جمع وافد مثل راكب ورَكْب وصاحب وصَحْب. وقال ابن عباس: رُكْبَاناً: وقال أبو هريرة: على الإبل. وقال علي بن أبي طالب - «رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» -: ما يُحْشَرون والله على أرجلهم، ولكن على نوق رجالها الذهب، ونجائب سروجها ياقوت إن هموا بها سارت وإنْ همُّوا طارت. ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ أي: مُشاة، وقيل: عطاشاً قد تقطعت أعناقهم من العطش. وقوله «ونَسُوق المجرمينَ» يدل على أنهم يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم عطاش تساق إلى الماء، والوِرْدُ للعطاش وحقيقة الوِرْد الميسرُ إلى الماء، فسمي به «الواردون» . فصل طعن الملاحدة في قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن﴾ فقالوا: هذا إنما يستقيم أن لو كان الحشر عند غير الرحمن، أما إذا كان الحشر عند الرحمن، فهذا الكلام لا ينتظم. وأجاب المسلمون: بأنَّ التقدير: يوم نحشرُ المتقِّين إلى محلِّ كرامةِ الرحمن. قوله: «لا يَمْلِكُون» في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة سيقت للإخبار بذلك. والثاني: أنَّها في محل نصب على الحال مما تقدم. وفي هذه الواو قولان: أحدهما: أنها علامة للجمع ليست ضميراً ألبتة، وإنما هي علامة، كهي في لغة أكلُوني البراغيثُ والفاعل «من اتَّخَذَ» لأنه في معنى الجمع قاله الزمخشري وفيه بعدٌ، وكأنه قيل: لا يملكُون الشفاعةَ إلاَّ المتَّخِذُون عَهْداً. قال أبو حيَّان: ولا ينبغي حملُ القرآن على هذه اللغة القليلة، مع وضوح جعل الواو ضميراً. وقد قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: إنَّها لغةٌ ضعيفة. قال شهابُ الدين: قد قالوا ذلك في قوله: ﴿عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: 71] ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: 3] فلهذا الموضع بهما أسوة. ثم قال أبو حيان: وأيضاً فالألف، والواو، والنون التي تكون علامات لا ضمائر لا يحفظ ما يجيء بعدها فاعلاً إلا بصريح الجمع، وصريح التثنية، «أو العطف» ، أما أن يأتي بلفظ مفرد ويطلق على جمع أو مثنى، فيحتاج في إثبات مثل ذلك إلى نقل، وأما عودُ الضمائر مثناة أو مجموعة على مفرد في اللفظ يراد به المثنى والمجموع فمسموع معروف في لسان العرب، على أنه يمكن قياس هذه العلامات على تلك الضمائر ولكن الأحوط أن لا يقال إلا بسماع. والثاني: أن الواو ضميرٌ، وفيما يعود عليه حينئذ أربعة أوجه: أحدها: أنها تعود على الخلق جميعهم، لدلالة ذكر الفريقين المتقين والمجرمين عليهم، إذ هما قسماه. والثاني: أنه يعود على المتقين والمجرمين، وهذا لا يظهر مخالفته للأول أصلاً. لأن هذين القسمين الخلقُ كلُّه. والثالث: أنَّه يعوج على المتقين فقط، أو المجرمين فقط، وهو تحكُّم. قوله: «إلاَّ من اتَّخَذَ» هذا الاستثناء يترتب على عود الواو على ماذا؟ فإن قيل بأنها تعود على الخلق، أو على الفريقين المذكورين «أو على المتقين فقط» . فالاستثناء حينئذ متصل، وفي محل المستثنى الوجهان المشهوران إما الرفع على البدا، وإما النصب على أصل الاستثناء. وإن قيل: إنه يعود على المجرمين فقط كان استثناء منقطعاً، وفيه حينئذ اللغتان المشهورتان: لغةُ الحجاز التزام النصب، ولغةُ تميم جوازه مع جواز البدل «كالمتصل» . وجعل الزمخشري هذا الاستثناء من الشفاعة على وجهي البدل وأصل الاستثناء نحو: ما رأيت أحداً إلا زَيْداً. وقال بعضهم: إن المستثنى منه محذوف، والتقدير: لا يملكون الشفاعة لأحدٍ إلاَّ اتَّخذ عن الرحمن عهداً، فحذف المستثنى «منه للعلم» به، فهو كقول الأخرِ: 3627 - نَجَا سَالِمٌ والنَّفْسُ مِنْهُ بِشدقهِ ... ولَمْ يَنْجُ إلاَّ جَفْنَ سَيْفِ ومِئزَرا أي: ولَمْ يَنْجُ بشيءٍ. وجعل ابنُ عطية الاستثناء متصلاً، وإن عاد الضمير في «لا يَمْلِكُون» على المجرمين فقط على أن يراد بالمجرمين الكفرة والعصاة من المسلمين. قال أبو حيان: وحمل المجرمين على الكفار والعصاة بعيد. قال شهاب الدين: ولا بعد فيه، وكما استبعد إطلاق المجرمين على العصاة كذلك يستبعد غيره إطلاق المتقين على العصاة، بل إطلاق المجرم على العاصي أشهر من إطلاق المتقي عليه. فصل قال بعضهم: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم كما يملك المؤمنون. وقال آخرون: لا يملك غيرهم أن يشفع لهم. وهذا أولى، أن الأول يجري مجرى إيضاح الواضح. وإذا ثبت ذلك دلت الآية على حصول الشفاعة أهل الكبائر. لأنه قال عقيبه «إلاَّ من اتَّخذَ عندَ الرَّحمن عَهْداً» ، والتقدير: لا يشفع الشافعون إلا لمن اتَّخذَ عند الرَّحمن عهداً، يعني للمؤمنين «، كقوله: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28] فكل من اتخذ عند الرحمن عهداً وجب دخوله فيه، وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهداً، وهو التوحيد، فوجب دخوله تحته، ويؤكده ما روى ابن مسعود أنه - عليه السلام -» قال لأأصحابه يوماً: «أيَعْجَزُ أحدكُمْ أن يتَّخذ عندَ كُلِّ صباح ومساء» عند الرَّحمن عهداً «قالوا: وكيف ذلك؟ قال:» يقُولُ عِنْدَ كُلِّ صباحٍ ومساء» : اللَّهُمَّ فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ عالمِ الغَيْبِ والشَّهادة إنِّي أعْهَدُ إليكَ بأنِّي أشْهَدُ أنَّ لا إله إلاَّ أنتَ وحْدَكَ لا شرِيكَ لَكَ، وأنَّ مُحَدَّداً عبدُكَ ورسُولَك، فإنَّك إنْ تكلني إلى نفسي تُقرَّبِنْي من الشَّر، وتُباعدني من الخَيْرِ، وإنَّي لا أثقُ إلاَّ برحمتكَ، فاجْعَل لي عهداً تُوفنيه يَوْمَ القيامة إنَّك لا تُخْلِفُ الميعَاد. فإذا قال ذلِكَ طُبِعَ عليه بطابع وَوُضع تحت العرش، فإذا كان يومُ القيامةِ نادَى مُنَادٍ: أيْنَ الذين لهُم عِندَ الرَّحمن عهد؟ فيَدْخُلونَ الجنَّة» . فظهر أن المراد من العد كلمة الشهادة، وظهر وجه الدلالة على ثبوت الشفاعة أهل الكبائر. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً﴾ تقدم خلافُ القراء في قوله «ولداً» بفتح اللام وسكونها، وأنهما لغتان مثل العَرَبِ والعُرْبِ والعَجَم والعُجْم. واعلم أنَّه لمَّا ردَّ على عبدة الأوثان عاد إلى الرَّد على من أثبت له ولداً. فقالت اليهود: عزيزٌ ابنُ الله، وقالت النصارى: المسيحُ ابن الله، وقالت العرب: الملائكة بناتُ الله. وههنا الرد على الذين قالوا: الملائكة بنات الله، وهم العرب الذين يعبدون الأوثان، لأن الرد على النصارى تقدم أول السورة. قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ . العامة على كسر الهمزة من «إدَّا» ، وهو الأمر العظيم المنكر المتعجب منه. قاله ابن عباس. «وقال مجاهد: عظيماً» وقرأ أمير المؤمنين والسلمي بفتحها. وخرَّجوه على حذف مضاف، أي شيئاً أدَّ «لأنَّ الأدَّ - بالفتح - يقال: أدَّ الأمر وأدَّني يؤدِّنِي أدَّا. أي: أثقلني. وكان أبو حيان ذكر: أنَّ الأدَّ والإد - بفتح الهمزة وكسرها - هو العجب، وقيل: «هو العظيم المنكر، والإدَّة: الشدَّة. وعلى قوله: إنَّ الأدّ والإدّ بمعنى واحد ينبغي أن لا يحتاج إلى حذف مضاف» إلا أن يريد أنَّه أراد بكونهما بمعنى العجب في المعنى لا في المصدرية وعدمها، والإدَد في كلام العرب الدواهي. قوله: «تَكَادُ» . قرأ نافع والكسائي بالياء من تحت. والباقون بالتاء من فوق وهما واضحتان، إذ التأنيث مجازي. وكذا في سورة الشورى. وقرأ أبو عمرو: وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وحمزة» يَنْفَطْرن «مضارع انفطرَ، لقوله تعالى: ﴿إِذَا السمآء انفطرت﴾ والباقون:» يتفَطّرْن «» مضارع تفطَّر «بالتشديد في هذه السورة، وأما التي في الشورى فقرأها حمزة وابن عامر بالياء والتاء وتشديد الطاء. والباقون على أصولهم في هذه السورة. فتلخص من ذلك أن أبا بكر وأبا عمرو يقرآن بالياء والنون في السورتين. وأن نافعاً وابن كثير والكسائي وحفصاً عن عاصم يقرءون بالياء والتاء وتشديد الطاء فيهما، وأن حمزة وابن عامر في هذه السورة بالياء والنون، وفي الشورى بالياء وتشديد الطاء» فالانفطار من فطرهُ إذا شقه، «والتفطُّر إذا شقَّقهُ» ، وكرر فيه الفعل. قال أبو البقاء: وهو هنا أشبه بالمعنى، أي: التشديد. و «يَتَفَطَّرْنَ» في محل نصب «خبراً ل» كَانَ «وزعم الأخفش أنها هنا بمعنى الإرادة، وأنشد: 3628 - كَادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرَادةٍ ... لَوْ عَادَ مِنْ زمنٍ الصِّبابةِ مَا مَضَى فصل يقال: انفطر الشيء وتفطَّر أي تشقَّق. وقرأ ابن مسعود» يتصَدَّعْنَ» . و «تَنْشَقُّ الأرْضُ» أي تخسفُ بهم، والانفطار في السماء، أي: تسقط عليهم. » وتخُرُّ الجِبَالُ هدَّاً «أي: تُهَدُّ هَداً، بمعنى» تنطبق عليهم. فإن قيل من أين يؤثر القول بإثبات الولد لله في انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال؟ فالجوابُ من وجوه: «الأول: أنَّ الله - تعالى - يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود» هذه الكلمة غضباً منِّي على من تفوَّه بها، لولا حلمي، وإني لا أعجِّل بالعقوبة، كقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر: 41] . الثاني: أن يكون استعظاماً للكلمة، وتهويلاً من فظاعتها، وهدمها لأركان الدين وقواعده. الثالث: أنَّ السمواتِ والأرضِ والجبال تكاد أن تفعل ذلك لو كانت تعقل من غلظ هذا القول، وهذا تأويل أبي مسلم. الرابع: أنَّ السموات والأرض والجبال كانت سليمة من كل العيوب، فلما تكلم بنو آدم بهذا القول ظهرت العيوب فيها. قوله: «هدَّا» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه مصدر وفي مضع الحال، أبي: مهدودة، وذلك على أن يكون هذا المصدر من هدَّ زيدٌ الحائط يهدُّه هدَّا، أي: «هدمهُ» . والثاني: وهو قول أبي جعفر: أنه مصدر على غير المصدر لما كان في معناه، لأن الخرور: السقوطُ والهدمُ، وهذا على أن يكون من هدَّ الحائطُ يَهِدُّ - بالكسر - انهدم، فيكون لازماً. الثالث: أن يكون مفعولاً من أجله، قال الزمخشري: أي: لأنها تهد. قوله: «أنْ دَعَواْ» في محله همسة أوجه: أحدها: أنه في محل نصب على المفعول من أجله، قاله أبو البقاء، والحوفي، ولم يُبيِّنَا ما العامل فيه، ويجوز أن يكون العامل «تَكَادُ» ، أو «تَخُرُّ» ، أو «هَدَّا» ، أي: تَهُدُّ لأن دعوا، ولكن شرطُ النصب هنا مفقود، وهو اتحاد «الفاعل في المفعول له والعامل فيه، فإن عنيا على أنه على إسقاط اللام مطرد في» أنْ «فقريب» . وقال الزمخشري: وأن يكون منصوباً بتقدير سقوط اللام «وإفضاء الفعل، أي هدَّا أن دعوا» ، علل الخرور بالهدِّ، والهدُّ بدعاء الولد للرحمن. فهذا تصريح منه على أنه بإسقاط الخافض. «وليس مفعولاً له صريحاً» . الوجه الثاني: أن يكون مجروراً بعد إسقاط الخافض «كما هو مذهب الخليل والكسائي. والثالث: أنه بدل من الضمير في» مِنْهُ «كقوله: 3629 - عَلَى حَالةٍ لوْ أنَّ في القَوْمِ حَاتِماً ... عَلى جُودهِ لضن بالمَاءِ حاتمِ » بجر «حاتم» الأخير بدلاً من الهاء في «جوده» . قال أبو حيان: وهو بعيد لكثرة الفصل بين البدل والمبدل منه بجملتين. الوجه الرابع: أن يكون مرفوعاً ب «هَدَّا» . قال الزمخشري: أي هدَّهَا دعاءُ الولدِ للرحمن. قال أبو حيان: وفيه بعدٌ، لأن الظاهر في «هَدَّا» أن يكون مصدراً توكيدياً، والمصدر التوكيدي لا يعمل، ولو فرضناه غير توكيدي لم يعمل بقياس إلا إذا كان أمراً، أو مستفهماً عنه نحو ضرباً زيداً، وأضربا زيداً؟ على خلاف فيه، وأما إن كان خبراً كما قدَّره الزمخشري، أي: هدَّها دعاء الولد للرحمن. فلا ينقاس، بل ما جاء من ذلك هو نادر كقول امرئ القيس: 3630 - وقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَليَّ مَطِيُّهُمْ ... يقُولونَ لا تَهْلَكْ أسّى وتجمَّلِ أي: وقَفَ صَحْبِي. الخامس: أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره: الموجب لذلك دعاؤهم. كذا قدره أبو البقاء. و «دَعَا» يجوز أن يكون بمعنى سمَّى، فيتعدى لاثنين، ويجوز جر ثانيهما بالباء، قال الشاعر: 3631 - دَعَتْنِي أخَاهَا أمُّ عَمْرٍو ولمْ أكُنْ ... أخَاهَا ولَمْ أرْضَعْ لهَا بِلبَانِ دَعَتْنِي أخَاهَا «بَعْدَمَا كَانَ بَيْنَنَا ... مِنَ الفِعْلِ ما لا يفعلُ الأخوانِ» وقول الآخر: 3632 - ألا رُبَّ مَنْ يُدْعَى نَصِيحاً وإن تَغِبْ ... تَجِدْهُ بِغَيْبٍِ مِنْكَ غَيْرَ نَصِيحِ وأولهما في الآية محذوف، قال الزمخشري: طلباً للعموم والإحاطة بكل ما يدعى له ولد، ويجوز أن يكون من «دَعَا» بمعنى نسب الذي مطاوعه ما في قوله - عليه السلام -: «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ موالِيهِ» ، وقول الشاعر: 3633 - إنَّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لأب ... عَنْهُ ولا هُوَ بالأبْنَاءِ يَشْرِينَا لأي: لا ننتَسِبُ إليه. «يَنْبَغِي» مضارع انْبَغَى، وانْبَغَى مطاوعٌ لبغى، أي: طلب، و «أنْ يتَّخِذَ» فاعله. وقد عد ابن مالك «يَنْبَغِي» في الأفعال التي لا تتصرف. وهو مردودٌ عليه، لأنه قد سُمِعَ فيه الماضي قالوا: انْبَغَى. وكرَّر لفظ «الرَّحْمَنِ» تنبيهاً على أنه - تعالى - هو الرحمنُ وحدهُ، لأن أصول النعم وفروعها ليست إلا منه. فصل قال ابن عباس وكعب: فَزِعَت السَّمواتُ والأرضُ والجبالُ وجميعُ الخلائق إلا الثقلين، وكادت أن تزول، وغضبت الملائكةُ، واستعرت جهنم حين قالوا: لله ولدٌ، ثم نفى الله - تعالى - عن نفسه فقال: «وما يَنْبَغِي للرَّحمنِ أن يتَّخذَ ولداً» أي: ما يليق به «اتِّخاذُ الولد» ، لأنة ذلك محال؛ أما الولادة المعروفة فلا مقالة في امتناعها، وأما التبني، فلأن الولد لا بد وأن يكون شبيهاً بالوالد، ولا شبيه لله - تعالى -، ولأن اتخاذ الولد إنَّما يكون لأغراض إما لسرور، أو استعانةٍ، أو ذكرٍ جميلٍ، وكلُّ ذلك لا يصح في الله - تعالى -. قوله: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض﴾ . يجوز في «مَنْ» أن تكون نكرة موصوفة، وصفتها الجار بعدها، ولم يذكر أبو البقاء غير ذلك، وكذا الزمخشري إلا أن ظاهر عبارته تقتضي أنه لا يجوز غير ذلك، فإنه قال: «مَنْ» موصوفة فإنها وقعت بعد «كُل» «نكرة أشبهت وقوعها بعد» رُبَّ «في قوله: 3634 - ربَّ مَنْ أنْضِجَتْ غَيْظاً صَدْرَهُ ... انتهى» . ويجوز أن تكون موصولة. قال أبو حيان: ما كُل الذي في السموات، و «كلُّ» تدخل على الذي، لأنها تأتي للجنس كقوله - تعالى -: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: 33] ونحوه: 3635 -» وكُلُّ الذي «حَمَّلْتَنِي أتحَمَّلُ ... يعني أنه لا بد» من تأويل «الموصول بالعموم حتى تصح إضافة» كُل «إليه، ومتى أريد به معهود بعينه لشخص استحال إضافة» كُلّ «إليه. و» آتِ الرَّحْمَنِ «خبر» كل «جعل مفرداً حملاً على لفظها، ولو جمع لجاز، وقد تقدم أول الكتاب: أنها متى أضيفت لمعرفة جاز الوجهان. وقد تكلم السهيلي في ذلك فقال:» كُلُّ «إذا ابتدئت وكانت مضافة لفظاً يعني لمعرفة فلا يحسن إلا أفراد الخبر حملاً على المعنى، تقول: كُلكم ذاهب، أي: كل واحد» منكم ذاهب، هكذا هذه المسألة في القرآن والحديث والكلام الفصيح. فإن قلت في قوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ﴾ : إنما هو حمل على اللفظ، لأنه اسم مفرد. قلنا: بل هو اسم للجمع، واسم الجمع لا يخبر عنه بإفراد، تقول: القوم ذاهبُون، ولا تقول: ذاهب، وإن كان لفظ «القَوْم» لفظ المفرد، وإنما حسن «كُلكُم ذاهِبٌ» لأنهم يقولون: كل واحد منكم ذاهب، فكان الإفراد مراعاة لهذا المعنى. قال أبو حيان: ويحتاج «كُلكُم ذاهِبُون» ونحوه إلى سماع ونقل عن العرب. قال شهاب الدين: وتسمية الإفراد حملاً على المعنى غير الاصطلاح بل ذلك حمل على اللفظ والجمع هو الحمل على المعنى. وقال أبو البقاء: ووحد «آتِي» حملاً على لفظ «كُل» ، وقد جمع في موضع آخر حملاً على معناها. قال شهاب الدين: قوله: في موضع آخر. إن عني في القرآن فلم يأت الجمع إلا و «كُل» مقطوعة عن الإضافة نحو ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33] ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: 87] ، وإن عني في فيحتاج إلى سماع عن العرب كما تقدم. والجمهور على إضافة «آتي» إلى «الرَّحمَن» . وقرأ عبد الله بن الزبير وأبو حيوة وطلحة وجماعة بتنويه ونصب «الرَّحْمَن» وانتصب «عَبْداً» و «فَرْداً» على الحال. فصل المعنى: أن كل معبود من الملائكة في السموات وفي الأرض من الناس إلا ياتي الرحمن يلتجئ إلى ربوبيته عبداً منقاداً مطيعاً ذليلاً خاضعاً كما يفعل العبيد. ومنهم من حمله على يوم القيامة خاصة. والأول أولى، لأنه لا تخصيص فيه. ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾ أي: عدَّ أنفاسهم وأيامهم وآثارهم، فكلهم تحت تدبيره وقهره محيط بهم لا يخفى عليه شيء من أمورهم، ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ﴾ أي: كل واحد منهم يأتيه ﴿يَوْمَ القيامة فَرْداً﴾ وحيداً ليس معه من الدنيا شيء «ويبرأ المشركون منهم» . قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ إلى آخر السورة. لمَّا ردَّ على الكفرة، وشرح أقوالهم في الدنيا والآخرة ختم السورة بذكر أحوال المؤمنين. قوله: «وُدَّا» العامة على ضم الواو. وقرأ أبو الحارث الحنفي بفتحها، وجناح بن حبيش بكسرها. فيحتمل أن يكون المفتوح مصدراً، والمكسور والمضموم اسمين. قال المفسرون: سَيَجْعَلُ لهُم الرَّحمنُ محبةً، قال مجاهد: يحبهم الله ويحببهم إلى عباده المؤمنين. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إذَا أحبَّ اللهُ العبد قال لجبريل - عليه السلام -:» قَدْ أحبَّ فلاناً فأحبُّوه، فيحبه أهلُ السَّماء، ثُمَّ يوضعُ لهُ القبُولُ في الأرضِ، وإذا أبغضَ العبد» قال مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك. والسِّين في «سَيَجِعَلُ» إما لأن السورة مكية، وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة، فوعدهم الله ذلك إذا جاء الإسلام. والمعنى: سَيُحْدِثُ لهم في القلوب مودة. وإمَّا أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يظهر من حسناتهم. روي عن كعب قال: مكتوب في التوراة لا محبَّة في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله - تعالى - ينزلها على أهل السماء، ثم على أهل الأرض. وتصديق ذلك في القرآن قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً﴾ . وقال أبو مسلم: معناه يهبُ لهم ما يحبون. والوُدُّ والمحبَّةُ سواء، يقال: آتيتُ فلاناً محبته، وجعلت له ودَّه، ومن كلامهم: يَوَدُّ لو كان كذا، «وودتُ أن لو كان كذا أي أحببتُ» ، فالمعنى: سيعطيهم الرحمن ودَّهم، أي: محبوبهم في الجنة. والقول الأول أولى، لتفسير الرسول - عليه السلام -، ولأن حمل المحبة على المحبوب مجاز، «ولأن رسول الله قرأ هذه الآية وفسَّرها بذلك فكانت أولى» . قال أبو مسلم: القول الثاني أولى لوجوه: أحدها: كيف يصح القول الأول مع علمنا بأن المسلم التقي يبغضه الكفار، وقد يبغضه كثير من المسلمين. وثانيها: أنَّ مثل هذه المحبة قد تحصل للكفار والفساق أكثر، فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين؟ وثالثها: أن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا أنَّ الله - تعالى - فعله، فكان حمل الآية على إعطاء المنافع الأخروية أولى. وأجيب عن الأول: بأن المراد يجعل له محبة عند الملائكة والأنبياء. وعن الثاني: ما روي عنه - عليه السلام -: أنه حكى عن ربه - سبحانه وتعالى - أنه قال: «وإذا ذكرني عَبْدي في نفسه ذكرتُهُ» في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرنِي) في ملأ ذكرتهُ في ملأ أطيب منهم وأفضل» والكافر والفاسق ليسا كذلك. وعن الثالث: أنه محمول على فعل الألطاف، وخلق داعية إكرامه في قلوبهم. قوله: «بِلِسَانِكَ» يجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال، واللسان هنا اللغة، أي: أنزلناه كائناً بلسانِكَ. وقيل: هي بمعنى «على» ، وهذا لا حاجة إليه، بل لا يظهر له معنى، «ولُدَّا» جمع «ألَدَّ» ، وهو الشديد الخصومة كالحُمْر جمع أحْمَرٍ. قال أهل اللغة: اللُّدُّ جمع الألَدّ، وهو المعوج في المناظرة الرواغ من الحق الميال عنه، وفي الحديث «إنَّ أبغضَ الرِّجال إلى الله الخَصْمُ الألَدُّ» أي المعوج «قوله:» يَسَرْنَاهُ «سهلناهُ يعني القرآن» بِلِسَانِكَ «يا محمد» لِنُبَشِّر به المتَّقِين «يعني المؤمنين، وهذا كلام مستأنف» بيَّن به عظيم «موقع هذه السورة لما فيها من ذكر التوحيد والنبوة والحشر، والرد على فرق المبطلين، فبين - تعالى - أنَّه يسَّر ذلك بلسانه، ليبشر وينذر، ولولا أنه - تعالى - نقل قصصهم إلى اللغة العربية لما تيسَّر لك على الرسول. وكما ذكر أنه يبشر به المتقين ذكر في مقابلته من هو في مخالفة التقوى أبلغ، وهو الألد الذي يتمسك بالباطل ويجادل فيه فقال:» ويُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدَّا «، وهو جمع الألد،» وهو الشديد الخصومة. وقال مجاهد: هو الظالم الذي لا يستقيم. وقال أبو عبيدة الألد «الذي لا يقبل الحقَّ ويدَّعي الباطل. وق الحسن: الألد الأصم عن الحق. ثم ختم السورة بموعظةٍ بليغة فقال: «وكمْ أهْلَكٍنَا قبلهُمْ مِنْ قرنٍ» لأنهم إذا تأملوا وعلموا أنه لا بد من زوال الدنيا، وأنه لا بد فيها من الموت خافوا سوء العاقبة في الآخرة فكانوا إلى الحذر من المعاصي أقرب، ثم أكد تعالى ذلك فقال: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ . قرأ الناس بضم التاء وكسر الحاء من أحسَّ. وقرأ أبو حيوة، وأبو جعفر، وابن أبي عبلة «نَحُسُّ» » بفتح التاء وضم الحاء «وقرأ بعضهم:» تَحِس» بالفتح والكسر، من حسَّه: أي شعر به، ومنه الحواس الخمس. و «مِنْهُم» حال من «أحَد» ، إذ هو في الأصل صفة له. و «مِنْ أحَد» مفعول زيدت فيه» مِنْ. وقرأ حنظلة «تُسْمَعُ» بضم التاء وفتح الميم مبنياً للمفعول. و «رِكْزاً» مفعول على كلتا القارءتين، إلا أنه مفعول ثان في القراءة «الشاذة» . والرَِّكْزُ: الصوت الخفي دون نطق بحروف ولا فم، «ومنه ركز الرمح أي غيب طرفه في الأرض وأخفاه، ومنه الرِّكاز، وهو المال المدفون لخفائه واستتاره، وأنشدوا: 3636 - فَتَوجَّسَتْ رَكْزَ الأنيسِ فَراعَها ... عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ، والأنيسُ سَقامُهَا فصل قال المفسرون: «هّلْ تُحِسُّ» ، وقيل: هل تجد. «مِنْهُم مِنْ أحَدٍ» ، لأنَّ الرسول - عليه السلام - إذا لم يحسّ منهم أحداً برؤية وإدراك ووجدان، ولا يسمع لهم ركزاً، أي: صوتاً خفياً دلَّ ذلك على انقراضهم وفنائهم بالكلية. قال الحسن: بادوا جميعاً، يبق عين ولا أثر. روى الثعلبي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر بعدد من صدق بزكريا، ويحيى، وعيسى، وموسى، وهارون، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولداً، وبعدد من لم يدع له ولداً» . سورة طه (مكية وهي مائة وخمس وثلاثون آية، وعدد كلماتها ألف وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة، وعدد حروفها خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا)