Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — المؤمنون 23:37 – المؤمنون 23:113

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. المؤمنون 23:37
  2. المؤمنون 23:38
  3. المؤمنون 23:39
  4. المؤمنون 23:40
  5. المؤمنون 23:41
  6. المؤمنون 23:42
  7. المؤمنون 23:43
  8. المؤمنون 23:44
  9. المؤمنون 23:45
  10. المؤمنون 23:46
  11. المؤمنون 23:47
  12. المؤمنون 23:48
  13. المؤمنون 23:49
  14. المؤمنون 23:50
  15. المؤمنون 23:51
  16. المؤمنون 23:52
  17. المؤمنون 23:53
  18. المؤمنون 23:54
  19. المؤمنون 23:55
  20. المؤمنون 23:56
  21. المؤمنون 23:57
  22. المؤمنون 23:58
  23. المؤمنون 23:59
  24. المؤمنون 23:60
  25. المؤمنون 23:61
  26. المؤمنون 23:62
  27. المؤمنون 23:63
  28. المؤمنون 23:64
  29. المؤمنون 23:65
  30. المؤمنون 23:66
  31. المؤمنون 23:67
  32. المؤمنون 23:68
  33. المؤمنون 23:69
  34. المؤمنون 23:70
  35. المؤمنون 23:71
  36. المؤمنون 23:72
  37. المؤمنون 23:73
  38. المؤمنون 23:74
  39. المؤمنون 23:75
  40. المؤمنون 23:76
  41. المؤمنون 23:77
  42. المؤمنون 23:78
  43. المؤمنون 23:79
  44. المؤمنون 23:80
  45. المؤمنون 23:81
  46. المؤمنون 23:82
  47. المؤمنون 23:83
  48. المؤمنون 23:84
  49. المؤمنون 23:85
  50. المؤمنون 23:86
  51. المؤمنون 23:87
  52. المؤمنون 23:88
  53. المؤمنون 23:89
  54. المؤمنون 23:90
  55. المؤمنون 23:91
  56. المؤمنون 23:92
  57. المؤمنون 23:93
  58. المؤمنون 23:94
  59. المؤمنون 23:95
  60. المؤمنون 23:96
  61. المؤمنون 23:97
  62. المؤمنون 23:98
  63. المؤمنون 23:99
  64. المؤمنون 23:100
  65. المؤمنون 23:101
  66. المؤمنون 23:102
  67. المؤمنون 23:103
  68. المؤمنون 23:104
  69. المؤمنون 23:105
  70. المؤمنون 23:106
  71. المؤمنون 23:107
  72. المؤمنون 23:108
  73. المؤمنون 23:109
  74. المؤمنون 23:110
  75. المؤمنون 23:111
  76. المؤمنون 23:112
  77. المؤمنون 23:113

المؤمنون 23:37

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ الآيات. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هذه قصة هود لقوله تعالى حكاية عن هود ﴿واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: 69] ، ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف، وهود، والشعراء. وقال بعضهم: هي قصة صالح لأنَّ قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة وتقدم كيفية الدعوى في قصة نوح. قوله: «فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ» قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: حق «أَرْسَلَ» أن يتعدى ب «إلى» كأخواته التي هي: وَجَّهَ، وأَنْفَذَ وبَعَثَ، فما له عدي في القرآن ب (إلى) تارة وب (في) أخرى كقوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرعد: 30] ﴿ (وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ) ﴾ [سبأ: 34] . قُلْتُ: لم يعد ب (في) كما عُدّي ب (إلى) ، ولم يجعل صلة مثله، ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال، كقول رؤبة: 3891 - أرسلت فيها مصعباً ذا أقحام ... وقد جاء (بَعَثَ) على ذلك، كقوله تعالى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ [الفرقان: 51] . قوله: ﴿أَنِ اعبدوا الله﴾ يجوز أن تكون المصدرية أي: أرسلناه بأن اعبدوا الله. أي: بقوله اعبدوا، وأن تكون مفسرة. «أَفَلاَ تَتَّقُونَ» قال بعضهم: هذا الكلام غير موصول بالأول، وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه، وردّوا عليه بعد إقامة الحجة عليهم فعند ذلك خوفهم بقوله: «أَفَلاَ تَتَّقُون» هذه الطريقة مخالفة العذاب الذي أنذركم به. ويجوز أن يكون موصولاً بالكلام الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين بعبادة الأوثان، فدعاهم إلى عبادة الله، وحذّرهم من العقاب بسبب إقبالهم على عبادة الأوثان. قوله: «وقَالَ الملأُ» قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: ذكر مقالة قوم هود في جوابه في سورة الأعراف، وسورة هود بغير واو، ﴿قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: 66] ﴿قَالُواْ (ياهود مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) ﴾ [هود: 53] . وههنا مع الواو، فأيّ فرق بينهما؟ قُلْتُ: الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال: فماذا قيل له؟ فقيل له: قالوا: كيت وكيت، وأمّا الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله، ومعناه أنه اجتمع في الحصول، (أي في هذه الواقعة في) هذا الكلام الحق وهذا (الكلام) الباطل وشتان ما بينهما قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: هذا جواب بنفس الواقع، والسؤال باق، إذ يحسن أن يقال: لِمَ لا جعل هنا قولهم أيضاً جواباً لسؤال سائل كما في نظيرتها أو عكس الأمر. قوله ﴿وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخرة﴾ أي: بالمصير إلى الآخرة «وأَتْرَفْنَاهُم» نعمناهم ووسعنا عليهم ﴿فِي الحياة الدنيا مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ﴾ وقد تقدم شرح هذه الشبهة في القصة الأولى ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ أي: منه، فحذف العائد لاستكمال شروطه، وهو اتحاد الحرف، والمتعلق، وعدم قيامه مقام مرفوع، وعدم ضمير آخر، هذا إذا جعلناها بمعنى الّذي، فإن جعلتها مصدراً لم يحتج إلى عائد، فيكون المصدر واقعاً موقع المفعول. أي: من مشروبكم. وقال في التحرير: وزعم الفراء أن معنى «مِمَّا تَشْرَبُونَ» على حذف أي: تشربون منه. وهذا لا يجوز عند البصريين، ولا يحتاج إلى حذف ألبتة، لأن (ما) إذا كانت مصدراً لم تحتج إلى عائد، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت العائد، ولم تحتج إلى إضمار (من) يعني: أنه يقدر تشربونه من غير حرف جر، وحينئذ تكون شروط الحذف أيضاً موجودة ولكن تفوت المقابلة إذ قوله: «تَأْكُلُونَ مِنْهُ» فيه تبعيض، فلو قدرت هنا تشربونه من غير (من) فاتت المقابلة. ثم إن قوله: وهو لا يجوز عند البصريين ممنوع، بل هو جائز لوجود شرط الحذف. قوله: ﴿لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ لمغبونون، جعلوا اتباع الرسول خسراناً ولم يجعلوا عبادة الصنم خسراناً، قال الزمخشري و «إذا» وقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قولهم قال أبو حيان: وليس واقعاً في جزاء الشرط، بل واقعاً بين «إنكم» و (الخبر) ، و «إنكم» و (الخبر) ليس جزاء للشرط بل ذلك جواب للقسم المحذوف قبل «إن» الشرطية (ولو كانت «إنكم» والخبر جواباً للشرط) لزمت (الفاء) في (إنكم) بل لو كان بالفاء في تركيب غير القرآن لم يكن ذلك التركيب جائزاً إلا عند الفراء، والبصريون لا يجيزونه وهو عندهم خطأ قال شهاب الدين: يعني أنه إذ توالى شرط وقسم أجيب سابقهما، والقسم هنا متقدم فينبغي أن يجاب ولا يجاب الشرط، ولو أجيب الشرط لاختلت القاعدة إلا عند بعض الكوفيين، فإنه يجيب الشرط وإن تأخر، وهو موجود في الشعر. قوله: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ «الآية. في إعرابها ستة أوجه: أحدها: أنّ اسم أنّ الأولى مضاف لضمير الخطاب، حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، والخبر قوله:» إِذَا متُّم» ، و «أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» تكرير، لأنَّ الأولى للتأكيد، والدلالة على المحذوف والمعنى: أنَّ إخراجكم إذا متم وكنتم. الثاني: أنَّ خبر (أنَّ) الأولى هو «مُخْرَجُونَ» ، وهو العامل في «إِذَا» وكررت الثانية توكيداً لمَّا طال الفصل وإليه ذهب الجرمي والمبرد والفراء، ويدل على كون الثانية توكيداً قراءة عبد الله: ﴿أَيَعِدُكُمْ إِذَا متُّمْ وكُنْتُمْ تُراباً وعِظَاماً أَنَّكُم مُخْرَجُونَ﴾ . الثالث: أنّ» أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ «مؤول بمصدر مرفوع بفعل محذوف ذلك الفعل المحذوف جواب (إذا) الشرطية، و (إذا) الشرطية وجوابها المقدر خبر ل (أنَّكُم) الأولى تقديره: يحدث أنكم مخرجون. الرابع: كالثالث في كونه مرفوعاً بفعل مقدر إلا أنَّ هذا الفعل المقدر خبر ل (أَنَّ) الأولى وهو العامل في (إذا) . الخامس: أنّ خبر الأولى محذوف لدلالة خبر الثانية عليه، فتقديره: أنكم تبعثون، وهو العامل في الظرف، و (أنَّ) الثانية وما في حيزها بدل من الأولى، وهذا مذهب سيبويه. السادس: أن يكون «أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» مبتدأ وخبره الظرف مقدماً عليه، والجملة خبر عن (أَنَّكُمْ) الأولى، والتقدير: أيعدكم أنكم إخراجكم كائن أو مستقر وقت موتكم. ولا يجوز أن يكون العامل في «إذَا» «مُخْرَجُونَ» على كل قول لأن ما في حيز (أنَّ) لا يعمل فيما قبلها ولا يعمل فيها «متم» ، لأنه مضاف إليه، و «أَنَّكُمْ» وما في حيزه في محل نصب أو جر بعد حذف الحرف إذ الأصل: أيعدكم بأنكم ويجوز أن لا يقدر حرف جر، فيكون في محل نصب فقط نحو: وعدت زيداً خيراً. قوله: «هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ» . «هَيْهَاتَ» اسم فعل معناه: بَعُدَ، وكُرر للتوكيد وليست المسألة من التنازع، قال جرير: 3792 - فَهَيْهَات هَيْهَاتَ العقيقُ وأهلهُ ... وهَيْهَاتَ خِلٌّ بالعقيقِ نُوَاصِلُه وفسره الزجاج في عبارته بالمصدر، فقال: البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ، أو بُعْدٌ لِمَا تُوعَدُون فظاهرها أنه مصدر بدليل عطف الفعل عليه، ويمكن أن يكون فسّر المعنى فقط. و «هَيْهَات» اسم لفعل قاصر برفع الفاعل، وهنا قد جاء ما ظاهره الفاعل مجروراً باللام فمنهم من جعله على ظاهره وقال «مَا تُوعدُون» فاعل به، وزيدت فيه اللام التقدير: بَعُدَ بَعُدَ ما تُوعدُون،، وهو ضعيف: إذ لم يعهد زيادتها في الفاعل. ومنهم من جعل الفاعل مضمراً لدلالة الكلام عليه، فقدره أبو البقاء: هيهات التصديق، أو: الصحة لما توعدون. وقدّره غيره: بَعُدَ إخْرَاجُكُم. و (لِمَا تُوعَدُونَ) للبيان، قال الزمخشري: لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في «هَيْتَ لَكَ» لبيان المهيت به. وقال الزجاج: «البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ» فجعله مبتدأ والجار بعد الخبر. قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: (مَا تُوعَدُونَ) هو المستبعد، فمن حقه أن يرتفع ب «هَيْهَاتَ» كما ارتفع بقوله: 3793 - هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ العَقِيقُ وأَهْلُه ... فما هذه اللام؟ قُلتُ: قال الزجاج في تفسيره: البعْدُ لِمَا تُوعدُونَ أو بُعْدٌ لِمَا تُوعَدُونَ فيمن نَوّن، فنزّله منزلة المصدر. قال أبو حيان: وقول الزمخشري (فمن نَوّنه نزّله منزلة المصدر) ليس بواضح، لأنهم قد نَوّنُوا أسماء الأفعال ولا نقول: إنها إذا نُوّنت تنزلت منزلة المصادر. قال شهاب الدين: الزمخشري لم يقل كذا، إنما قال: فيمن نَوَّن نزله منزلة المصدر لأجل قوله: أو بُعْد، فالتنوين علة لتقديره إياه نكرة لا لكونه منزلاً منزلة المصدر، فإنّ أسماء الأفعال ما نُوّن منها نكرة، وما لم يُنوّن معرفة نحو: صَهْ وصَهٍ يقدر الأول بالسكوت، والثاني بسكوت ما. وقال ابن عطية: طوراً تلي الفاعل دون لام، تقول: هيهات مجيء زيد أي: بَعُدَ، وأحياناً يكون الفاعل محذوفاً عند اللام، كهذه الآية، والتقدير: بَعُدَ الوجودُ لمَا تُوعَدُونَ. ولم يستجيده أبو حيان من حيث قوله: حذف الفاعل، والفاعل لا يحذف، ومن حيث إنّ فيه حذف المصدر، وهو الموجود، وإبقاء معموله وهو «لِمَا تُوعَدُون» و «هَيْهَاتَ» الثاني تأكيد للأول تأكيداً لفظياً، وقد جاء غير مؤكد كقوله: 3794 - هَيْهَاتَ مَنْزِلُنَا بِنَعْفِ سُوَيْقَةٍ ... كانت مُبَارَكَةً على الأَيَّامِ وقال آخر: 3795 - هَيْهَاتَ نَاسٌ مِنْ أُنَاس دِيَارُهُمْ ... دُقَاق ودَارُ الآخِرِينَ الأَوَائِنُ وقال رؤبة: 3796 - هَيْهَاتَ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهَاؤُه ... قال القيسي شارح أبيات الإيضاح: وهذا مثل قولك: «بَعُدَ بُعْدَهُ» وذلك أَنَّه بَنَى من هذه اللفظة (فَعْلاَلاً) فجاء به مجيء القَلْقَال والزلزَال. والألف في «هَيْهَاتَ» غير الألف في (هَيْهَاؤُه) ، وهي في «هَيْهَاتَ» لام الفعل الثانية كقاف الحَقْحَقَة الثانية، وهي في (هَيْهَاؤُه) ألف الفعلال الزائدة. وفي هذه اللفظة لغات كثيرة تزيد على الأربعين، ذكر منها الصَّاغَانِي ستة وثلاثين لغة، وهي: (هَيْهَاتَ) ، وأَيْهَاتَ، وهَيْهَانَ، وأَيْهَانَ وهَيْهَاه، وأَيْهَاه كل واحد من هذه الستة مضمومة الآخرة ومفتوحته، ومكسورته، وكل واحدةٍ منها منوّنة وغير منوّنة، فتكون ستًّا وثلاثين. وحكى غيره: هَيْهَاك، وأَيْهَاكَ - بكاف الخطاب -، وأَيْهاء، وأَيْهَا، وهَيْهَاء، فأمّا المشهور ما قرئ به. فالمشهور «هَيْهَات» بفتح التاء من غير تنوين بُني لوقوعه موقع المبني، أو لشبهه بالحرف، وتقدم تحقيق ذلك وبها قرأ العامة وهي لغة أهل الحجاز. و «هَيْهَاتاً» بالفتح والتنوين، وبها قرأ أبو عمرو في رواية هارون عنه ونسبها ابن عطية لخالد بن إلياس. و «هَيْهَاتٌ» بالضم والتنوين وبها قرأ الأحمر وأبو حيوة. وبالضم من غير تنوين، ويروى عن أبي حيوة أيضاً، فعنه فيها وجهان وافقه أبو السمال في الأولى دون الثانية. و «هَيْهَاتٍ» بالكسر والتنوين، وبها قرأ عيسى وخالد بن إلياس. وبالكسر من غير تنوين، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة، وتُروى عن عيسى أيضاً وهي لغة تميم وأسد. و «هَيْهَاتْ» بإسكان التاء، وبها قرأ عيسى بن عمر الهمداني أيضاً وخارجة عن أبي عمرو والأعرج و «هَيْهَاه» بالهاء آخراً وصلاً ووقفاً. و «أيْهَاتَ» بإبدال الهاء همزة مع فتح التاء، وبهاتين قرأ بعض القراء فيما نقل أبو البقاء. فهذه تسع لغات قد قرئ بهنّ لم يتواتر منها غير الأولى. ويجوز إبدال الهمزة من الهاء الأولى في جميع ما تقدم فيكمل بذلك ست عشرة لغة. و «أَيْهَان» بالنون آخراً. و «أَيْهَا» بألف آخراً. فمن فتح التاء قالوا: فهي عنده اسم مفرد، ومن كسرها فهي عنده جمع تأنيث كزَيْنَبَات وهِنْدَات. ويُعْزَى هذا لسيبويه، لأنه قال: هي مثل بَيْضَات، فنسب إليه أنه جمع من ذلك، حتى قال بعض النحويين: مفردها (هَيْهَة) مثل بَيْضَة. وليس بشيء بل مفردها (هَيْهَاتَ) . قالوا: وكان يبغي على أصله أن يقال فيها: (هَيْهَيَات) بقلب ألف (هَيْهَاتَ) ياء، لزيادتها على الأربعة نحو: مَلْهَيَات، ومَغْزَيات، ومَرْمَيات، لأنها من بنات الأربعة المضعّفة من الياء من باب حَاحَيْتَ وصِيْصِية، وأصلها بوزن القَلْقلة والحَقْحَقَة فانقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت: هَيْهَاة كالسلْقَاة والجَعْبَاة. وإن كانت الياء التي انقلبت عنها ألف سلْقَاة وجَعْبَاة زائدة، وياء هَيْهية أصلاً، فلما جمعت كان قياسها على قولهم: أَرْطَيَاتٍ وعَلْقَيَاتٍ أن يقولوا فيها: (هَيْهَياتٍ) ، إلاّ أنهم حذفوا الألف لالتقاء الساكنين لمّا كانت في آخر اسم مبني كما حذفُوها في (ذان) ، و (اللَّتان) و (تان) : ليفصلوا بين الألفات في أواخر المبنية، والألفات في أواخر المتمكنة، وعلى هذا حذفوها في أولات وذَوَات، لتخالف ياء حَصَيات ونَوَيات. وقالوا: من فتح تاء (هَيْهَاتَ) فحقه أن يكتبها هاء، لأنها في مفرد كتَمْرة ونَواة، ومن كسرها فحقه أن يكتبها تاء، لأنها في جمع كهِنْدَات، وكذلك حكم الوقف سواء، ولا التفات إلى لغة: كيف الإخوهْ والأخواهْ، ولا هذه ثمرت، لقلتها، وقد رسمت في المصحف بالهاء. واختلف القراء في الوقف عليها، فمنهم من اتبع الرسم فوقف بالهاء وهما الكسائي والبزيّ عن ابن كثير. ومنهم من وقف بالتاء وهم الباقون. وكان ينبغي أن يكون الأكثر على الوقف بالهاء لوجهين: أحدهما: موافقة الرسم. والثاني: أنهم قالوا: المفتوح اسم مفرد أصله هَيْهَيَة كَوَلولة وقَلْقَلة في مضاعف الرباعي، وقد تقدم أن المفرد يوقف على تاء تأنيثه بالهاء. وأمّا التنوين فهو على قاعدة تنوين أسماء الأفعال دخوله دال على التنكير، وخروجه دال على التعريف. قال القيسي: من نَوّن اعتقد تنكيرها، وتصوَّرَ معنى المصدر النكرة، كأنه قال: بُعْداً بُعْداً. ومن لم يُنوّن اعتقد تعريفها، وتصوَّر معنى المصدر المعرفة، كأنه قال: البُعْدُ البُعْدُ فجعل التنوين دليل التنكير وعدمه دليل التعريف انتهى. ولا يوجد تنوين التنكير إلا في نوعين: أسماء الأفعال وأسماء الأصوات (نحو صَهْ وصَهٍ، وبَخْ وبَخٍ، والعلم المختوم ب (ويه)) نحو سيبويهِ وسيبويهٍ، وليس بقياس بمعنى: أنه ليس لك أن تنوّن منها ما شئت بل ما سمع تنوينه اعتقد تنكيره. والذي يقال في القراءات المتقدمة: إنّ من نوّن جعله للتنكير كما تقدم. ومن لم ينوّن جعل عدم التنوين للتعريف. ومن فتح فللخفةِ وللاتباع. ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن ضم فتشبيهاً بقَبْل وبَعْد. ومن سَكّن فلأنّ أصل البناء السكون. ومن وقف بالهاء فاتباعاً للرسم، ومن وقف بالتاء فعلى الأصل سواء كُسرت التاء أو فتحت، لأنّ الظاهر أنهما سواء، وإنما ذلك من تغيير اللغات وإن كان المنقول عن مذهب سيبويه ما تقدم. هكذا ينبغي أن تعلل القراءات المتقدمة. وقال ابن عطية فيمن ضم ونوّن: إنه اسم معرب مستقل مرفوع بالابتداء، وخبره «لِمَا تُوعدُونَ» أي: البُعْد لوعدكم، كما تقول: النجح لسعيك. وقال الرازي في اللوامح: فأمَّا مَنْ رَفَعَ وَنَوَّنَ احتمل أن يكونا اسمين متمكنين مرفوعين، خبرهما من حروف الجر بمعنى: البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ، والتكرار للتأكيد، ويجوز أن يكونا اسماً للفعل، والضم للبناء مثل: حُوبُ في زجر الإبل لكنه نَوّنه (لكونه) نكرة. قال شهاب الدين: وكان ينبغي لابن عطية وأبي الفضل أن يجعلاه اسماً أيضاً في حالة النصب مع التنوين على أنه مصدر واقع موقع الفعل وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ مَا تُوعَدُونَ﴾ من غير لام جر. وهي واضحة، مؤيدة لمدعي زيادتها في قراءة العامة. و «ما» في «لِمَا تُوعَدُونَ» تحتمل المصدرية، أي: لوعدكم، وأن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: توعدونه. قوله: «إنْ هِيَ» «هي» ضمير يفسره سياق الكلام، أي: إن الحياة إلا حياتنا. وقال الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يُراد به إلاَّ بما يتلوه من بيانه، وأصله: إن الحياة ﴿إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ ، فوضع «هي» موضع «الحياة» لأنّ الخبر يدل عليها ويبينها، ومنه: هي النَّفْس تتحمل مَا حُمِّلَتْ، وهي العَرَبُ تقول ما شَاءَتْ. وقد جعل بعضهم هذا القسم مما يفسر بما بعده لفظاً ورتبةً، ونسبه إلى الزمخشري متعلقاً بما نقلناه عنه. قال شهاب الدين: ولا تعلق له في ذلك. قوله: «نَمُوتُ ونَحْيَا» جملة مفسرة لما ادّعوه من أنَّ حياتهم ما هي إلا كذا. وزعم بعضهم أنَّ فيها دليلاً على عدم الترتيب في الواو، إذ المعنى: نحيا ونموت إذ هو الواقع. ولا دليل فيها لأنّ الظاهر من معناها يموت البعض منا ويحيا آخرون وهلم جرًّا يسير إلى انقراض العصر ويخلف غيره مكانه. وقل: نموت نحن ويحيا أبناؤنا. وقيل: القوم كانوا يعتقدون الرجعة أي: نموت ثم نحيا بعد ذلك الموت. فصل اعلم أنَّ القوم طعنوا في نبوّته بكونه بشراً يأكل ويشرب، ثم جعلوا طاعته خسراناً: أي: إنكم إن أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم بإزائها نفع، فذلك هو الخسران، ثم طعنوا في صحة الحشر والنشر، فقالوا: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾ معادون أحياء للمجازاة، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم، فقالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ثم أكدوا ذلك بقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ولم يريدوا بقولهم: «نَمُوتُ ونَحْيَا» الشخص الواحد، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا، وأنه لا إعادة ولا حشر فلذلك قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ثم بنوا على هذا فطعنوا في نبوّته وقالوا لما أتى في دينه بهذا الباطل فقد ﴿افترى على الله كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ . واعلم أنَّ الله - تعالى - ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أمّا الأولى: فتقدم الجواب عنها. وأمّا إنكارهم الحشر والنشر فجوابه، أنّه لمّا كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على الحشر والنشر، وأيضاً: فلولا الإعادة لكان تسليط القويِّ على الضعيف في الدنيا ظلماً، وهو غير لائق بالحكيم على ما تقرر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى﴾ [طه: 15] . واعلم أنَّ الرسول لمّا يئس من قبول دعوته فزع إلى ربّه وقال: ﴿رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ﴾ وقد تقدّم تفسيره. فأجاب الله سؤاله وقال: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ . قوله: «عَمَّا قَلِيلٍ» في (ما) هذه وجهان: أحدهما: أنّها مزيدة بين الجار والمجرور للتوكيد كما زيدت الباء نحو: «فَبِمَا رَحْمَةٍ» ، وفي من نحو «مِمَّا خَطَايَاهُمْ» . و «قَلِيلٍ» صفة لزمن محذوف، أي: عن زمن قليل. والثاني: أنّها غير زائدة، بل هي نكرة بمعنى شيء أو زمن، و «قَلِيلٍ» صفتها، أو بدل منها، وهذا الجار فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه متعلق بقوله: «لَيُصْبِحُنَّ» ، أي: ليصبحن عن زمن قليل نادمين. الثاني: أنه متعلق ب «نَادِمِين» ، وهذا على أحد الأقوال في لام القسم، وذلك أنّ فيها ثلاثة أقوال: جواز تقديم معمول ما بعدها عليها مطلقاً، وهو قول الفراء وأبي عبيدة. والثاني: المنع مطلقاً، وهو قول جمهور البصريين. والثالث: التفصيل بين الظرف وعديله وبين غيرهما، فيجوز للاتساع ويمتنع في غيرهما فلا يجوز في: والله لأضربن زيداً، زيداً لأضربن لأنه غير ظرف ولا عديله. والثالث من الأوجه المتقدمة: أنّه متعلق بمحذوف تقديره: عَمّا قَلِيلٍ تنصر حذف لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله: «رَبّ انْصُرْنِي» . وقرئ: «لَتُصْبِحُنَّ» بتاء الخطاب على الالتفات، أو على أنَّ القول صدر من الرسول لقومه بذلك. قوله: «عَمَّا قَلِيلٍ» الآية معناه أنه يظهر لهم علامات الهلال فعند ذلك يحصل لهم الحسرة والندامة على ترك القبول. ثم بيّن تعالى الهلاك الذي أنزل عليهم بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق﴾ قيل: إن جبريل - عليه السلام - صاح بهم صيحةً عظيمةً فهلكوا. وقال ابن عباس: الصيحة الرجفة. وعن الحسن: الصيحة نفس العذاب والموت. كما يقال فيمن يموت: دعي فأجاب. وقيل: هي العذاب المصطلم، قال الشاعر: 3797 - صاح الزمان بآل برمك صيحة ... خروا لشدتها على الأذقان والأول أولى لأنه الحقيقة. قوله: «بالحقِّ» أي: دمرناهم بالعدل، من قولك: فلانٌ يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضائه. وقال المُفضل: «بالحقِّ» بما لا مدفع له كقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: 19] . قوله: «فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً» الجعل بمعنى: التصيير، و «غُثَاءً» مفعول ثان، والغُثَاء: قيل: هو الجفاء، وتقدم في الرعد، قاله الأخفش وقال الزجاج: هو البالي من ورق الشجر والعيدان إذا جرى السيل خالط زبده واسود، ومنه قوله: «غُثَاءً أَحْوَى» وقيل: كل ما يلقيه السيل والقدر مما لا ينتفع به، وبه يُضْربُ المثل في ذلك ولامه واو، لأنه من غَثَا الوادي يَغْثُوا غَثْواً، وكذلك غَثَتِ القِدر، وأمّا غَثِيَتْ نَفْسُهُ تَغْثِي غَثَيَاناً، أي: خَبُثَتْ. فهو قريب من معناه، ولكنه من مادة الياء. وتشدد (ثاء) الغُثَاء، وتُخفَّف، وقد جمع على أَغْثَاء، وهو شاذ، بل كان قياسه أن يجمع على أغْثِية، كَأغْرِيَة، وعلى غِيثَان، كغِرْبَان، وغِلْمَان وأنشدوا لامرئ القيس: 3798 - مِنَ السَّيْلِ والغُثَّاءُ فَلْكَةُ مِغْزَلِ ... بتشديد الثاء، وتخفيفها، والجمع، أي: والأَغْثَاء. قوله: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ «بُعْداً» مصدر يذكر بدلاً من اللفظ بفعله فناصبه واجب الإضمار لأنه بمعنى الدعاء عليهم، والأصل: بَعُدَ بُعْداً وبَعَداً نحو رَشُدَ رُشْداً ورَشَداً وفي هذه اللام قولان: أظهرهما: أنها متعلقة بمحذوف للبيان، كهي في سَقْياً له، وجَدْعاً له. قاله الزمخشري. والثاني: أنَّها متعلقة ب «بُعْداً» قاله الحوفي. وهذا مردود، لأنه لا يُحفظ حذف هذه اللام، ووصول المصدر إلى مجرورها ألبتة، ولذلك منعوا الاشتغال في قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ [محمد: 8] لأن اللام لا تتعلق ب «تَعْساً» بل بمحذوف، وإن كان الزمخشري جَوَّز ذلك، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. فصل «فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً» صيرناهم هلكى فَيَبِسُوا يَبْسَ الغثاء من نبات الأرض، «فَبُعْداً» بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير «لِلقَوْمِ الظَالِمِينَ» الكافرين، ذكر هذا على وجه الاستخفاف والإهانة لهم.

المؤمنون 23:38

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ الآيات. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هذه قصة هود لقوله تعالى حكاية عن هود ﴿واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: 69] ، ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف، وهود، والشعراء. وقال بعضهم: هي قصة صالح لأنَّ قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة وتقدم كيفية الدعوى في قصة نوح. قوله: «فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ» قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: حق «أَرْسَلَ» أن يتعدى ب «إلى» كأخواته التي هي: وَجَّهَ، وأَنْفَذَ وبَعَثَ، فما له عدي في القرآن ب (إلى) تارة وب (في) أخرى كقوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرعد: 30] ﴿ (وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ) ﴾ [سبأ: 34] . قُلْتُ: لم يعد ب (في) كما عُدّي ب (إلى) ، ولم يجعل صلة مثله، ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال، كقول رؤبة: 3891 - أرسلت فيها مصعباً ذا أقحام ... وقد جاء (بَعَثَ) على ذلك، كقوله تعالى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ [الفرقان: 51] . قوله: ﴿أَنِ اعبدوا الله﴾ يجوز أن تكون المصدرية أي: أرسلناه بأن اعبدوا الله. أي: بقوله اعبدوا، وأن تكون مفسرة. «أَفَلاَ تَتَّقُونَ» قال بعضهم: هذا الكلام غير موصول بالأول، وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه، وردّوا عليه بعد إقامة الحجة عليهم فعند ذلك خوفهم بقوله: «أَفَلاَ تَتَّقُون» هذه الطريقة مخالفة العذاب الذي أنذركم به. ويجوز أن يكون موصولاً بالكلام الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين بعبادة الأوثان، فدعاهم إلى عبادة الله، وحذّرهم من العقاب بسبب إقبالهم على عبادة الأوثان. قوله: «وقَالَ الملأُ» قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: ذكر مقالة قوم هود في جوابه في سورة الأعراف، وسورة هود بغير واو، ﴿قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: 66] ﴿قَالُواْ (ياهود مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) ﴾ [هود: 53] . وههنا مع الواو، فأيّ فرق بينهما؟ قُلْتُ: الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال: فماذا قيل له؟ فقيل له: قالوا: كيت وكيت، وأمّا الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله، ومعناه أنه اجتمع في الحصول، (أي في هذه الواقعة في) هذا الكلام الحق وهذا (الكلام) الباطل وشتان ما بينهما قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: هذا جواب بنفس الواقع، والسؤال باق، إذ يحسن أن يقال: لِمَ لا جعل هنا قولهم أيضاً جواباً لسؤال سائل كما في نظيرتها أو عكس الأمر. قوله ﴿وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخرة﴾ أي: بالمصير إلى الآخرة «وأَتْرَفْنَاهُم» نعمناهم ووسعنا عليهم ﴿فِي الحياة الدنيا مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ﴾ وقد تقدم شرح هذه الشبهة في القصة الأولى ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ أي: منه، فحذف العائد لاستكمال شروطه، وهو اتحاد الحرف، والمتعلق، وعدم قيامه مقام مرفوع، وعدم ضمير آخر، هذا إذا جعلناها بمعنى الّذي، فإن جعلتها مصدراً لم يحتج إلى عائد، فيكون المصدر واقعاً موقع المفعول. أي: من مشروبكم. وقال في التحرير: وزعم الفراء أن معنى «مِمَّا تَشْرَبُونَ» على حذف أي: تشربون منه. وهذا لا يجوز عند البصريين، ولا يحتاج إلى حذف ألبتة، لأن (ما) إذا كانت مصدراً لم تحتج إلى عائد، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت العائد، ولم تحتج إلى إضمار (من) يعني: أنه يقدر تشربونه من غير حرف جر، وحينئذ تكون شروط الحذف أيضاً موجودة ولكن تفوت المقابلة إذ قوله: «تَأْكُلُونَ مِنْهُ» فيه تبعيض، فلو قدرت هنا تشربونه من غير (من) فاتت المقابلة. ثم إن قوله: وهو لا يجوز عند البصريين ممنوع، بل هو جائز لوجود شرط الحذف. قوله: ﴿لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ لمغبونون، جعلوا اتباع الرسول خسراناً ولم يجعلوا عبادة الصنم خسراناً، قال الزمخشري و «إذا» وقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قولهم قال أبو حيان: وليس واقعاً في جزاء الشرط، بل واقعاً بين «إنكم» و (الخبر) ، و «إنكم» و (الخبر) ليس جزاء للشرط بل ذلك جواب للقسم المحذوف قبل «إن» الشرطية (ولو كانت «إنكم» والخبر جواباً للشرط) لزمت (الفاء) في (إنكم) بل لو كان بالفاء في تركيب غير القرآن لم يكن ذلك التركيب جائزاً إلا عند الفراء، والبصريون لا يجيزونه وهو عندهم خطأ قال شهاب الدين: يعني أنه إذ توالى شرط وقسم أجيب سابقهما، والقسم هنا متقدم فينبغي أن يجاب ولا يجاب الشرط، ولو أجيب الشرط لاختلت القاعدة إلا عند بعض الكوفيين، فإنه يجيب الشرط وإن تأخر، وهو موجود في الشعر. قوله: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ «الآية. في إعرابها ستة أوجه: أحدها: أنّ اسم أنّ الأولى مضاف لضمير الخطاب، حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، والخبر قوله:» إِذَا متُّم» ، و «أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» تكرير، لأنَّ الأولى للتأكيد، والدلالة على المحذوف والمعنى: أنَّ إخراجكم إذا متم وكنتم. الثاني: أنَّ خبر (أنَّ) الأولى هو «مُخْرَجُونَ» ، وهو العامل في «إِذَا» وكررت الثانية توكيداً لمَّا طال الفصل وإليه ذهب الجرمي والمبرد والفراء، ويدل على كون الثانية توكيداً قراءة عبد الله: ﴿أَيَعِدُكُمْ إِذَا متُّمْ وكُنْتُمْ تُراباً وعِظَاماً أَنَّكُم مُخْرَجُونَ﴾ . الثالث: أنّ» أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ «مؤول بمصدر مرفوع بفعل محذوف ذلك الفعل المحذوف جواب (إذا) الشرطية، و (إذا) الشرطية وجوابها المقدر خبر ل (أنَّكُم) الأولى تقديره: يحدث أنكم مخرجون. الرابع: كالثالث في كونه مرفوعاً بفعل مقدر إلا أنَّ هذا الفعل المقدر خبر ل (أَنَّ) الأولى وهو العامل في (إذا) . الخامس: أنّ خبر الأولى محذوف لدلالة خبر الثانية عليه، فتقديره: أنكم تبعثون، وهو العامل في الظرف، و (أنَّ) الثانية وما في حيزها بدل من الأولى، وهذا مذهب سيبويه. السادس: أن يكون «أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» مبتدأ وخبره الظرف مقدماً عليه، والجملة خبر عن (أَنَّكُمْ) الأولى، والتقدير: أيعدكم أنكم إخراجكم كائن أو مستقر وقت موتكم. ولا يجوز أن يكون العامل في «إذَا» «مُخْرَجُونَ» على كل قول لأن ما في حيز (أنَّ) لا يعمل فيما قبلها ولا يعمل فيها «متم» ، لأنه مضاف إليه، و «أَنَّكُمْ» وما في حيزه في محل نصب أو جر بعد حذف الحرف إذ الأصل: أيعدكم بأنكم ويجوز أن لا يقدر حرف جر، فيكون في محل نصب فقط نحو: وعدت زيداً خيراً. قوله: «هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ» . «هَيْهَاتَ» اسم فعل معناه: بَعُدَ، وكُرر للتوكيد وليست المسألة من التنازع، قال جرير: 3792 - فَهَيْهَات هَيْهَاتَ العقيقُ وأهلهُ ... وهَيْهَاتَ خِلٌّ بالعقيقِ نُوَاصِلُه وفسره الزجاج في عبارته بالمصدر، فقال: البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ، أو بُعْدٌ لِمَا تُوعَدُون فظاهرها أنه مصدر بدليل عطف الفعل عليه، ويمكن أن يكون فسّر المعنى فقط. و «هَيْهَات» اسم لفعل قاصر برفع الفاعل، وهنا قد جاء ما ظاهره الفاعل مجروراً باللام فمنهم من جعله على ظاهره وقال «مَا تُوعدُون» فاعل به، وزيدت فيه اللام التقدير: بَعُدَ بَعُدَ ما تُوعدُون،، وهو ضعيف: إذ لم يعهد زيادتها في الفاعل. ومنهم من جعل الفاعل مضمراً لدلالة الكلام عليه، فقدره أبو البقاء: هيهات التصديق، أو: الصحة لما توعدون. وقدّره غيره: بَعُدَ إخْرَاجُكُم. و (لِمَا تُوعَدُونَ) للبيان، قال الزمخشري: لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في «هَيْتَ لَكَ» لبيان المهيت به. وقال الزجاج: «البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ» فجعله مبتدأ والجار بعد الخبر. قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: (مَا تُوعَدُونَ) هو المستبعد، فمن حقه أن يرتفع ب «هَيْهَاتَ» كما ارتفع بقوله: 3793 - هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ العَقِيقُ وأَهْلُه ... فما هذه اللام؟ قُلتُ: قال الزجاج في تفسيره: البعْدُ لِمَا تُوعدُونَ أو بُعْدٌ لِمَا تُوعَدُونَ فيمن نَوّن، فنزّله منزلة المصدر. قال أبو حيان: وقول الزمخشري (فمن نَوّنه نزّله منزلة المصدر) ليس بواضح، لأنهم قد نَوّنُوا أسماء الأفعال ولا نقول: إنها إذا نُوّنت تنزلت منزلة المصادر. قال شهاب الدين: الزمخشري لم يقل كذا، إنما قال: فيمن نَوَّن نزله منزلة المصدر لأجل قوله: أو بُعْد، فالتنوين علة لتقديره إياه نكرة لا لكونه منزلاً منزلة المصدر، فإنّ أسماء الأفعال ما نُوّن منها نكرة، وما لم يُنوّن معرفة نحو: صَهْ وصَهٍ يقدر الأول بالسكوت، والثاني بسكوت ما. وقال ابن عطية: طوراً تلي الفاعل دون لام، تقول: هيهات مجيء زيد أي: بَعُدَ، وأحياناً يكون الفاعل محذوفاً عند اللام، كهذه الآية، والتقدير: بَعُدَ الوجودُ لمَا تُوعَدُونَ. ولم يستجيده أبو حيان من حيث قوله: حذف الفاعل، والفاعل لا يحذف، ومن حيث إنّ فيه حذف المصدر، وهو الموجود، وإبقاء معموله وهو «لِمَا تُوعَدُون» و «هَيْهَاتَ» الثاني تأكيد للأول تأكيداً لفظياً، وقد جاء غير مؤكد كقوله: 3794 - هَيْهَاتَ مَنْزِلُنَا بِنَعْفِ سُوَيْقَةٍ ... كانت مُبَارَكَةً على الأَيَّامِ وقال آخر: 3795 - هَيْهَاتَ نَاسٌ مِنْ أُنَاس دِيَارُهُمْ ... دُقَاق ودَارُ الآخِرِينَ الأَوَائِنُ وقال رؤبة: 3796 - هَيْهَاتَ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهَاؤُه ... قال القيسي شارح أبيات الإيضاح: وهذا مثل قولك: «بَعُدَ بُعْدَهُ» وذلك أَنَّه بَنَى من هذه اللفظة (فَعْلاَلاً) فجاء به مجيء القَلْقَال والزلزَال. والألف في «هَيْهَاتَ» غير الألف في (هَيْهَاؤُه) ، وهي في «هَيْهَاتَ» لام الفعل الثانية كقاف الحَقْحَقَة الثانية، وهي في (هَيْهَاؤُه) ألف الفعلال الزائدة. وفي هذه اللفظة لغات كثيرة تزيد على الأربعين، ذكر منها الصَّاغَانِي ستة وثلاثين لغة، وهي: (هَيْهَاتَ) ، وأَيْهَاتَ، وهَيْهَانَ، وأَيْهَانَ وهَيْهَاه، وأَيْهَاه كل واحد من هذه الستة مضمومة الآخرة ومفتوحته، ومكسورته، وكل واحدةٍ منها منوّنة وغير منوّنة، فتكون ستًّا وثلاثين. وحكى غيره: هَيْهَاك، وأَيْهَاكَ - بكاف الخطاب -، وأَيْهاء، وأَيْهَا، وهَيْهَاء، فأمّا المشهور ما قرئ به. فالمشهور «هَيْهَات» بفتح التاء من غير تنوين بُني لوقوعه موقع المبني، أو لشبهه بالحرف، وتقدم تحقيق ذلك وبها قرأ العامة وهي لغة أهل الحجاز. و «هَيْهَاتاً» بالفتح والتنوين، وبها قرأ أبو عمرو في رواية هارون عنه ونسبها ابن عطية لخالد بن إلياس. و «هَيْهَاتٌ» بالضم والتنوين وبها قرأ الأحمر وأبو حيوة. وبالضم من غير تنوين، ويروى عن أبي حيوة أيضاً، فعنه فيها وجهان وافقه أبو السمال في الأولى دون الثانية. و «هَيْهَاتٍ» بالكسر والتنوين، وبها قرأ عيسى وخالد بن إلياس. وبالكسر من غير تنوين، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة، وتُروى عن عيسى أيضاً وهي لغة تميم وأسد. و «هَيْهَاتْ» بإسكان التاء، وبها قرأ عيسى بن عمر الهمداني أيضاً وخارجة عن أبي عمرو والأعرج و «هَيْهَاه» بالهاء آخراً وصلاً ووقفاً. و «أيْهَاتَ» بإبدال الهاء همزة مع فتح التاء، وبهاتين قرأ بعض القراء فيما نقل أبو البقاء. فهذه تسع لغات قد قرئ بهنّ لم يتواتر منها غير الأولى. ويجوز إبدال الهمزة من الهاء الأولى في جميع ما تقدم فيكمل بذلك ست عشرة لغة. و «أَيْهَان» بالنون آخراً. و «أَيْهَا» بألف آخراً. فمن فتح التاء قالوا: فهي عنده اسم مفرد، ومن كسرها فهي عنده جمع تأنيث كزَيْنَبَات وهِنْدَات. ويُعْزَى هذا لسيبويه، لأنه قال: هي مثل بَيْضَات، فنسب إليه أنه جمع من ذلك، حتى قال بعض النحويين: مفردها (هَيْهَة) مثل بَيْضَة. وليس بشيء بل مفردها (هَيْهَاتَ) . قالوا: وكان يبغي على أصله أن يقال فيها: (هَيْهَيَات) بقلب ألف (هَيْهَاتَ) ياء، لزيادتها على الأربعة نحو: مَلْهَيَات، ومَغْزَيات، ومَرْمَيات، لأنها من بنات الأربعة المضعّفة من الياء من باب حَاحَيْتَ وصِيْصِية، وأصلها بوزن القَلْقلة والحَقْحَقَة فانقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت: هَيْهَاة كالسلْقَاة والجَعْبَاة. وإن كانت الياء التي انقلبت عنها ألف سلْقَاة وجَعْبَاة زائدة، وياء هَيْهية أصلاً، فلما جمعت كان قياسها على قولهم: أَرْطَيَاتٍ وعَلْقَيَاتٍ أن يقولوا فيها: (هَيْهَياتٍ) ، إلاّ أنهم حذفوا الألف لالتقاء الساكنين لمّا كانت في آخر اسم مبني كما حذفُوها في (ذان) ، و (اللَّتان) و (تان) : ليفصلوا بين الألفات في أواخر المبنية، والألفات في أواخر المتمكنة، وعلى هذا حذفوها في أولات وذَوَات، لتخالف ياء حَصَيات ونَوَيات. وقالوا: من فتح تاء (هَيْهَاتَ) فحقه أن يكتبها هاء، لأنها في مفرد كتَمْرة ونَواة، ومن كسرها فحقه أن يكتبها تاء، لأنها في جمع كهِنْدَات، وكذلك حكم الوقف سواء، ولا التفات إلى لغة: كيف الإخوهْ والأخواهْ، ولا هذه ثمرت، لقلتها، وقد رسمت في المصحف بالهاء. واختلف القراء في الوقف عليها، فمنهم من اتبع الرسم فوقف بالهاء وهما الكسائي والبزيّ عن ابن كثير. ومنهم من وقف بالتاء وهم الباقون. وكان ينبغي أن يكون الأكثر على الوقف بالهاء لوجهين: أحدهما: موافقة الرسم. والثاني: أنهم قالوا: المفتوح اسم مفرد أصله هَيْهَيَة كَوَلولة وقَلْقَلة في مضاعف الرباعي، وقد تقدم أن المفرد يوقف على تاء تأنيثه بالهاء. وأمّا التنوين فهو على قاعدة تنوين أسماء الأفعال دخوله دال على التنكير، وخروجه دال على التعريف. قال القيسي: من نَوّن اعتقد تنكيرها، وتصوَّرَ معنى المصدر النكرة، كأنه قال: بُعْداً بُعْداً. ومن لم يُنوّن اعتقد تعريفها، وتصوَّر معنى المصدر المعرفة، كأنه قال: البُعْدُ البُعْدُ فجعل التنوين دليل التنكير وعدمه دليل التعريف انتهى. ولا يوجد تنوين التنكير إلا في نوعين: أسماء الأفعال وأسماء الأصوات (نحو صَهْ وصَهٍ، وبَخْ وبَخٍ، والعلم المختوم ب (ويه)) نحو سيبويهِ وسيبويهٍ، وليس بقياس بمعنى: أنه ليس لك أن تنوّن منها ما شئت بل ما سمع تنوينه اعتقد تنكيره. والذي يقال في القراءات المتقدمة: إنّ من نوّن جعله للتنكير كما تقدم. ومن لم ينوّن جعل عدم التنوين للتعريف. ومن فتح فللخفةِ وللاتباع. ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن ضم فتشبيهاً بقَبْل وبَعْد. ومن سَكّن فلأنّ أصل البناء السكون. ومن وقف بالهاء فاتباعاً للرسم، ومن وقف بالتاء فعلى الأصل سواء كُسرت التاء أو فتحت، لأنّ الظاهر أنهما سواء، وإنما ذلك من تغيير اللغات وإن كان المنقول عن مذهب سيبويه ما تقدم. هكذا ينبغي أن تعلل القراءات المتقدمة. وقال ابن عطية فيمن ضم ونوّن: إنه اسم معرب مستقل مرفوع بالابتداء، وخبره «لِمَا تُوعدُونَ» أي: البُعْد لوعدكم، كما تقول: النجح لسعيك. وقال الرازي في اللوامح: فأمَّا مَنْ رَفَعَ وَنَوَّنَ احتمل أن يكونا اسمين متمكنين مرفوعين، خبرهما من حروف الجر بمعنى: البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ، والتكرار للتأكيد، ويجوز أن يكونا اسماً للفعل، والضم للبناء مثل: حُوبُ في زجر الإبل لكنه نَوّنه (لكونه) نكرة. قال شهاب الدين: وكان ينبغي لابن عطية وأبي الفضل أن يجعلاه اسماً أيضاً في حالة النصب مع التنوين على أنه مصدر واقع موقع الفعل وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ مَا تُوعَدُونَ﴾ من غير لام جر. وهي واضحة، مؤيدة لمدعي زيادتها في قراءة العامة. و «ما» في «لِمَا تُوعَدُونَ» تحتمل المصدرية، أي: لوعدكم، وأن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: توعدونه. قوله: «إنْ هِيَ» «هي» ضمير يفسره سياق الكلام، أي: إن الحياة إلا حياتنا. وقال الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يُراد به إلاَّ بما يتلوه من بيانه، وأصله: إن الحياة ﴿إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ ، فوضع «هي» موضع «الحياة» لأنّ الخبر يدل عليها ويبينها، ومنه: هي النَّفْس تتحمل مَا حُمِّلَتْ، وهي العَرَبُ تقول ما شَاءَتْ. وقد جعل بعضهم هذا القسم مما يفسر بما بعده لفظاً ورتبةً، ونسبه إلى الزمخشري متعلقاً بما نقلناه عنه. قال شهاب الدين: ولا تعلق له في ذلك. قوله: «نَمُوتُ ونَحْيَا» جملة مفسرة لما ادّعوه من أنَّ حياتهم ما هي إلا كذا. وزعم بعضهم أنَّ فيها دليلاً على عدم الترتيب في الواو، إذ المعنى: نحيا ونموت إذ هو الواقع. ولا دليل فيها لأنّ الظاهر من معناها يموت البعض منا ويحيا آخرون وهلم جرًّا يسير إلى انقراض العصر ويخلف غيره مكانه. وقل: نموت نحن ويحيا أبناؤنا. وقيل: القوم كانوا يعتقدون الرجعة أي: نموت ثم نحيا بعد ذلك الموت. فصل اعلم أنَّ القوم طعنوا في نبوّته بكونه بشراً يأكل ويشرب، ثم جعلوا طاعته خسراناً: أي: إنكم إن أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم بإزائها نفع، فذلك هو الخسران، ثم طعنوا في صحة الحشر والنشر، فقالوا: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾ معادون أحياء للمجازاة، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم، فقالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ثم أكدوا ذلك بقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ولم يريدوا بقولهم: «نَمُوتُ ونَحْيَا» الشخص الواحد، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا، وأنه لا إعادة ولا حشر فلذلك قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ثم بنوا على هذا فطعنوا في نبوّته وقالوا لما أتى في دينه بهذا الباطل فقد ﴿افترى على الله كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ . واعلم أنَّ الله - تعالى - ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أمّا الأولى: فتقدم الجواب عنها. وأمّا إنكارهم الحشر والنشر فجوابه، أنّه لمّا كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على الحشر والنشر، وأيضاً: فلولا الإعادة لكان تسليط القويِّ على الضعيف في الدنيا ظلماً، وهو غير لائق بالحكيم على ما تقرر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى﴾ [طه: 15] . واعلم أنَّ الرسول لمّا يئس من قبول دعوته فزع إلى ربّه وقال: ﴿رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ﴾ وقد تقدّم تفسيره. فأجاب الله سؤاله وقال: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ . قوله: «عَمَّا قَلِيلٍ» في (ما) هذه وجهان: أحدهما: أنّها مزيدة بين الجار والمجرور للتوكيد كما زيدت الباء نحو: «فَبِمَا رَحْمَةٍ» ، وفي من نحو «مِمَّا خَطَايَاهُمْ» . و «قَلِيلٍ» صفة لزمن محذوف، أي: عن زمن قليل. والثاني: أنّها غير زائدة، بل هي نكرة بمعنى شيء أو زمن، و «قَلِيلٍ» صفتها، أو بدل منها، وهذا الجار فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه متعلق بقوله: «لَيُصْبِحُنَّ» ، أي: ليصبحن عن زمن قليل نادمين. الثاني: أنه متعلق ب «نَادِمِين» ، وهذا على أحد الأقوال في لام القسم، وذلك أنّ فيها ثلاثة أقوال: جواز تقديم معمول ما بعدها عليها مطلقاً، وهو قول الفراء وأبي عبيدة. والثاني: المنع مطلقاً، وهو قول جمهور البصريين. والثالث: التفصيل بين الظرف وعديله وبين غيرهما، فيجوز للاتساع ويمتنع في غيرهما فلا يجوز في: والله لأضربن زيداً، زيداً لأضربن لأنه غير ظرف ولا عديله. والثالث من الأوجه المتقدمة: أنّه متعلق بمحذوف تقديره: عَمّا قَلِيلٍ تنصر حذف لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله: «رَبّ انْصُرْنِي» . وقرئ: «لَتُصْبِحُنَّ» بتاء الخطاب على الالتفات، أو على أنَّ القول صدر من الرسول لقومه بذلك. قوله: «عَمَّا قَلِيلٍ» الآية معناه أنه يظهر لهم علامات الهلال فعند ذلك يحصل لهم الحسرة والندامة على ترك القبول. ثم بيّن تعالى الهلاك الذي أنزل عليهم بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق﴾ قيل: إن جبريل - عليه السلام - صاح بهم صيحةً عظيمةً فهلكوا. وقال ابن عباس: الصيحة الرجفة. وعن الحسن: الصيحة نفس العذاب والموت. كما يقال فيمن يموت: دعي فأجاب. وقيل: هي العذاب المصطلم، قال الشاعر: 3797 - صاح الزمان بآل برمك صيحة ... خروا لشدتها على الأذقان والأول أولى لأنه الحقيقة. قوله: «بالحقِّ» أي: دمرناهم بالعدل، من قولك: فلانٌ يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضائه. وقال المُفضل: «بالحقِّ» بما لا مدفع له كقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: 19] . قوله: «فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً» الجعل بمعنى: التصيير، و «غُثَاءً» مفعول ثان، والغُثَاء: قيل: هو الجفاء، وتقدم في الرعد، قاله الأخفش وقال الزجاج: هو البالي من ورق الشجر والعيدان إذا جرى السيل خالط زبده واسود، ومنه قوله: «غُثَاءً أَحْوَى» وقيل: كل ما يلقيه السيل والقدر مما لا ينتفع به، وبه يُضْربُ المثل في ذلك ولامه واو، لأنه من غَثَا الوادي يَغْثُوا غَثْواً، وكذلك غَثَتِ القِدر، وأمّا غَثِيَتْ نَفْسُهُ تَغْثِي غَثَيَاناً، أي: خَبُثَتْ. فهو قريب من معناه، ولكنه من مادة الياء. وتشدد (ثاء) الغُثَاء، وتُخفَّف، وقد جمع على أَغْثَاء، وهو شاذ، بل كان قياسه أن يجمع على أغْثِية، كَأغْرِيَة، وعلى غِيثَان، كغِرْبَان، وغِلْمَان وأنشدوا لامرئ القيس: 3798 - مِنَ السَّيْلِ والغُثَّاءُ فَلْكَةُ مِغْزَلِ ... بتشديد الثاء، وتخفيفها، والجمع، أي: والأَغْثَاء. قوله: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ «بُعْداً» مصدر يذكر بدلاً من اللفظ بفعله فناصبه واجب الإضمار لأنه بمعنى الدعاء عليهم، والأصل: بَعُدَ بُعْداً وبَعَداً نحو رَشُدَ رُشْداً ورَشَداً وفي هذه اللام قولان: أظهرهما: أنها متعلقة بمحذوف للبيان، كهي في سَقْياً له، وجَدْعاً له. قاله الزمخشري. والثاني: أنَّها متعلقة ب «بُعْداً» قاله الحوفي. وهذا مردود، لأنه لا يُحفظ حذف هذه اللام، ووصول المصدر إلى مجرورها ألبتة، ولذلك منعوا الاشتغال في قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ [محمد: 8] لأن اللام لا تتعلق ب «تَعْساً» بل بمحذوف، وإن كان الزمخشري جَوَّز ذلك، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. فصل «فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً» صيرناهم هلكى فَيَبِسُوا يَبْسَ الغثاء من نبات الأرض، «فَبُعْداً» بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير «لِلقَوْمِ الظَالِمِينَ» الكافرين، ذكر هذا على وجه الاستخفاف والإهانة لهم.

المؤمنون 23:39

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ الآيات. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هذه قصة هود لقوله تعالى حكاية عن هود ﴿واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: 69] ، ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف، وهود، والشعراء. وقال بعضهم: هي قصة صالح لأنَّ قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة وتقدم كيفية الدعوى في قصة نوح. قوله: «فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ» قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: حق «أَرْسَلَ» أن يتعدى ب «إلى» كأخواته التي هي: وَجَّهَ، وأَنْفَذَ وبَعَثَ، فما له عدي في القرآن ب (إلى) تارة وب (في) أخرى كقوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرعد: 30] ﴿ (وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ) ﴾ [سبأ: 34] . قُلْتُ: لم يعد ب (في) كما عُدّي ب (إلى) ، ولم يجعل صلة مثله، ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال، كقول رؤبة: 3891 - أرسلت فيها مصعباً ذا أقحام ... وقد جاء (بَعَثَ) على ذلك، كقوله تعالى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ [الفرقان: 51] . قوله: ﴿أَنِ اعبدوا الله﴾ يجوز أن تكون المصدرية أي: أرسلناه بأن اعبدوا الله. أي: بقوله اعبدوا، وأن تكون مفسرة. «أَفَلاَ تَتَّقُونَ» قال بعضهم: هذا الكلام غير موصول بالأول، وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه، وردّوا عليه بعد إقامة الحجة عليهم فعند ذلك خوفهم بقوله: «أَفَلاَ تَتَّقُون» هذه الطريقة مخالفة العذاب الذي أنذركم به. ويجوز أن يكون موصولاً بالكلام الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين بعبادة الأوثان، فدعاهم إلى عبادة الله، وحذّرهم من العقاب بسبب إقبالهم على عبادة الأوثان. قوله: «وقَالَ الملأُ» قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: ذكر مقالة قوم هود في جوابه في سورة الأعراف، وسورة هود بغير واو، ﴿قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: 66] ﴿قَالُواْ (ياهود مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) ﴾ [هود: 53] . وههنا مع الواو، فأيّ فرق بينهما؟ قُلْتُ: الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال: فماذا قيل له؟ فقيل له: قالوا: كيت وكيت، وأمّا الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله، ومعناه أنه اجتمع في الحصول، (أي في هذه الواقعة في) هذا الكلام الحق وهذا (الكلام) الباطل وشتان ما بينهما قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: هذا جواب بنفس الواقع، والسؤال باق، إذ يحسن أن يقال: لِمَ لا جعل هنا قولهم أيضاً جواباً لسؤال سائل كما في نظيرتها أو عكس الأمر. قوله ﴿وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخرة﴾ أي: بالمصير إلى الآخرة «وأَتْرَفْنَاهُم» نعمناهم ووسعنا عليهم ﴿فِي الحياة الدنيا مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ﴾ وقد تقدم شرح هذه الشبهة في القصة الأولى ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ أي: منه، فحذف العائد لاستكمال شروطه، وهو اتحاد الحرف، والمتعلق، وعدم قيامه مقام مرفوع، وعدم ضمير آخر، هذا إذا جعلناها بمعنى الّذي، فإن جعلتها مصدراً لم يحتج إلى عائد، فيكون المصدر واقعاً موقع المفعول. أي: من مشروبكم. وقال في التحرير: وزعم الفراء أن معنى «مِمَّا تَشْرَبُونَ» على حذف أي: تشربون منه. وهذا لا يجوز عند البصريين، ولا يحتاج إلى حذف ألبتة، لأن (ما) إذا كانت مصدراً لم تحتج إلى عائد، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت العائد، ولم تحتج إلى إضمار (من) يعني: أنه يقدر تشربونه من غير حرف جر، وحينئذ تكون شروط الحذف أيضاً موجودة ولكن تفوت المقابلة إذ قوله: «تَأْكُلُونَ مِنْهُ» فيه تبعيض، فلو قدرت هنا تشربونه من غير (من) فاتت المقابلة. ثم إن قوله: وهو لا يجوز عند البصريين ممنوع، بل هو جائز لوجود شرط الحذف. قوله: ﴿لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ لمغبونون، جعلوا اتباع الرسول خسراناً ولم يجعلوا عبادة الصنم خسراناً، قال الزمخشري و «إذا» وقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قولهم قال أبو حيان: وليس واقعاً في جزاء الشرط، بل واقعاً بين «إنكم» و (الخبر) ، و «إنكم» و (الخبر) ليس جزاء للشرط بل ذلك جواب للقسم المحذوف قبل «إن» الشرطية (ولو كانت «إنكم» والخبر جواباً للشرط) لزمت (الفاء) في (إنكم) بل لو كان بالفاء في تركيب غير القرآن لم يكن ذلك التركيب جائزاً إلا عند الفراء، والبصريون لا يجيزونه وهو عندهم خطأ قال شهاب الدين: يعني أنه إذ توالى شرط وقسم أجيب سابقهما، والقسم هنا متقدم فينبغي أن يجاب ولا يجاب الشرط، ولو أجيب الشرط لاختلت القاعدة إلا عند بعض الكوفيين، فإنه يجيب الشرط وإن تأخر، وهو موجود في الشعر. قوله: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ «الآية. في إعرابها ستة أوجه: أحدها: أنّ اسم أنّ الأولى مضاف لضمير الخطاب، حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، والخبر قوله:» إِذَا متُّم» ، و «أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» تكرير، لأنَّ الأولى للتأكيد، والدلالة على المحذوف والمعنى: أنَّ إخراجكم إذا متم وكنتم. الثاني: أنَّ خبر (أنَّ) الأولى هو «مُخْرَجُونَ» ، وهو العامل في «إِذَا» وكررت الثانية توكيداً لمَّا طال الفصل وإليه ذهب الجرمي والمبرد والفراء، ويدل على كون الثانية توكيداً قراءة عبد الله: ﴿أَيَعِدُكُمْ إِذَا متُّمْ وكُنْتُمْ تُراباً وعِظَاماً أَنَّكُم مُخْرَجُونَ﴾ . الثالث: أنّ» أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ «مؤول بمصدر مرفوع بفعل محذوف ذلك الفعل المحذوف جواب (إذا) الشرطية، و (إذا) الشرطية وجوابها المقدر خبر ل (أنَّكُم) الأولى تقديره: يحدث أنكم مخرجون. الرابع: كالثالث في كونه مرفوعاً بفعل مقدر إلا أنَّ هذا الفعل المقدر خبر ل (أَنَّ) الأولى وهو العامل في (إذا) . الخامس: أنّ خبر الأولى محذوف لدلالة خبر الثانية عليه، فتقديره: أنكم تبعثون، وهو العامل في الظرف، و (أنَّ) الثانية وما في حيزها بدل من الأولى، وهذا مذهب سيبويه. السادس: أن يكون «أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» مبتدأ وخبره الظرف مقدماً عليه، والجملة خبر عن (أَنَّكُمْ) الأولى، والتقدير: أيعدكم أنكم إخراجكم كائن أو مستقر وقت موتكم. ولا يجوز أن يكون العامل في «إذَا» «مُخْرَجُونَ» على كل قول لأن ما في حيز (أنَّ) لا يعمل فيما قبلها ولا يعمل فيها «متم» ، لأنه مضاف إليه، و «أَنَّكُمْ» وما في حيزه في محل نصب أو جر بعد حذف الحرف إذ الأصل: أيعدكم بأنكم ويجوز أن لا يقدر حرف جر، فيكون في محل نصب فقط نحو: وعدت زيداً خيراً. قوله: «هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ» . «هَيْهَاتَ» اسم فعل معناه: بَعُدَ، وكُرر للتوكيد وليست المسألة من التنازع، قال جرير: 3792 - فَهَيْهَات هَيْهَاتَ العقيقُ وأهلهُ ... وهَيْهَاتَ خِلٌّ بالعقيقِ نُوَاصِلُه وفسره الزجاج في عبارته بالمصدر، فقال: البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ، أو بُعْدٌ لِمَا تُوعَدُون فظاهرها أنه مصدر بدليل عطف الفعل عليه، ويمكن أن يكون فسّر المعنى فقط. و «هَيْهَات» اسم لفعل قاصر برفع الفاعل، وهنا قد جاء ما ظاهره الفاعل مجروراً باللام فمنهم من جعله على ظاهره وقال «مَا تُوعدُون» فاعل به، وزيدت فيه اللام التقدير: بَعُدَ بَعُدَ ما تُوعدُون،، وهو ضعيف: إذ لم يعهد زيادتها في الفاعل. ومنهم من جعل الفاعل مضمراً لدلالة الكلام عليه، فقدره أبو البقاء: هيهات التصديق، أو: الصحة لما توعدون. وقدّره غيره: بَعُدَ إخْرَاجُكُم. و (لِمَا تُوعَدُونَ) للبيان، قال الزمخشري: لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في «هَيْتَ لَكَ» لبيان المهيت به. وقال الزجاج: «البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ» فجعله مبتدأ والجار بعد الخبر. قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: (مَا تُوعَدُونَ) هو المستبعد، فمن حقه أن يرتفع ب «هَيْهَاتَ» كما ارتفع بقوله: 3793 - هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ العَقِيقُ وأَهْلُه ... فما هذه اللام؟ قُلتُ: قال الزجاج في تفسيره: البعْدُ لِمَا تُوعدُونَ أو بُعْدٌ لِمَا تُوعَدُونَ فيمن نَوّن، فنزّله منزلة المصدر. قال أبو حيان: وقول الزمخشري (فمن نَوّنه نزّله منزلة المصدر) ليس بواضح، لأنهم قد نَوّنُوا أسماء الأفعال ولا نقول: إنها إذا نُوّنت تنزلت منزلة المصادر. قال شهاب الدين: الزمخشري لم يقل كذا، إنما قال: فيمن نَوَّن نزله منزلة المصدر لأجل قوله: أو بُعْد، فالتنوين علة لتقديره إياه نكرة لا لكونه منزلاً منزلة المصدر، فإنّ أسماء الأفعال ما نُوّن منها نكرة، وما لم يُنوّن معرفة نحو: صَهْ وصَهٍ يقدر الأول بالسكوت، والثاني بسكوت ما. وقال ابن عطية: طوراً تلي الفاعل دون لام، تقول: هيهات مجيء زيد أي: بَعُدَ، وأحياناً يكون الفاعل محذوفاً عند اللام، كهذه الآية، والتقدير: بَعُدَ الوجودُ لمَا تُوعَدُونَ. ولم يستجيده أبو حيان من حيث قوله: حذف الفاعل، والفاعل لا يحذف، ومن حيث إنّ فيه حذف المصدر، وهو الموجود، وإبقاء معموله وهو «لِمَا تُوعَدُون» و «هَيْهَاتَ» الثاني تأكيد للأول تأكيداً لفظياً، وقد جاء غير مؤكد كقوله: 3794 - هَيْهَاتَ مَنْزِلُنَا بِنَعْفِ سُوَيْقَةٍ ... كانت مُبَارَكَةً على الأَيَّامِ وقال آخر: 3795 - هَيْهَاتَ نَاسٌ مِنْ أُنَاس دِيَارُهُمْ ... دُقَاق ودَارُ الآخِرِينَ الأَوَائِنُ وقال رؤبة: 3796 - هَيْهَاتَ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهَاؤُه ... قال القيسي شارح أبيات الإيضاح: وهذا مثل قولك: «بَعُدَ بُعْدَهُ» وذلك أَنَّه بَنَى من هذه اللفظة (فَعْلاَلاً) فجاء به مجيء القَلْقَال والزلزَال. والألف في «هَيْهَاتَ» غير الألف في (هَيْهَاؤُه) ، وهي في «هَيْهَاتَ» لام الفعل الثانية كقاف الحَقْحَقَة الثانية، وهي في (هَيْهَاؤُه) ألف الفعلال الزائدة. وفي هذه اللفظة لغات كثيرة تزيد على الأربعين، ذكر منها الصَّاغَانِي ستة وثلاثين لغة، وهي: (هَيْهَاتَ) ، وأَيْهَاتَ، وهَيْهَانَ، وأَيْهَانَ وهَيْهَاه، وأَيْهَاه كل واحد من هذه الستة مضمومة الآخرة ومفتوحته، ومكسورته، وكل واحدةٍ منها منوّنة وغير منوّنة، فتكون ستًّا وثلاثين. وحكى غيره: هَيْهَاك، وأَيْهَاكَ - بكاف الخطاب -، وأَيْهاء، وأَيْهَا، وهَيْهَاء، فأمّا المشهور ما قرئ به. فالمشهور «هَيْهَات» بفتح التاء من غير تنوين بُني لوقوعه موقع المبني، أو لشبهه بالحرف، وتقدم تحقيق ذلك وبها قرأ العامة وهي لغة أهل الحجاز. و «هَيْهَاتاً» بالفتح والتنوين، وبها قرأ أبو عمرو في رواية هارون عنه ونسبها ابن عطية لخالد بن إلياس. و «هَيْهَاتٌ» بالضم والتنوين وبها قرأ الأحمر وأبو حيوة. وبالضم من غير تنوين، ويروى عن أبي حيوة أيضاً، فعنه فيها وجهان وافقه أبو السمال في الأولى دون الثانية. و «هَيْهَاتٍ» بالكسر والتنوين، وبها قرأ عيسى وخالد بن إلياس. وبالكسر من غير تنوين، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة، وتُروى عن عيسى أيضاً وهي لغة تميم وأسد. و «هَيْهَاتْ» بإسكان التاء، وبها قرأ عيسى بن عمر الهمداني أيضاً وخارجة عن أبي عمرو والأعرج و «هَيْهَاه» بالهاء آخراً وصلاً ووقفاً. و «أيْهَاتَ» بإبدال الهاء همزة مع فتح التاء، وبهاتين قرأ بعض القراء فيما نقل أبو البقاء. فهذه تسع لغات قد قرئ بهنّ لم يتواتر منها غير الأولى. ويجوز إبدال الهمزة من الهاء الأولى في جميع ما تقدم فيكمل بذلك ست عشرة لغة. و «أَيْهَان» بالنون آخراً. و «أَيْهَا» بألف آخراً. فمن فتح التاء قالوا: فهي عنده اسم مفرد، ومن كسرها فهي عنده جمع تأنيث كزَيْنَبَات وهِنْدَات. ويُعْزَى هذا لسيبويه، لأنه قال: هي مثل بَيْضَات، فنسب إليه أنه جمع من ذلك، حتى قال بعض النحويين: مفردها (هَيْهَة) مثل بَيْضَة. وليس بشيء بل مفردها (هَيْهَاتَ) . قالوا: وكان يبغي على أصله أن يقال فيها: (هَيْهَيَات) بقلب ألف (هَيْهَاتَ) ياء، لزيادتها على الأربعة نحو: مَلْهَيَات، ومَغْزَيات، ومَرْمَيات، لأنها من بنات الأربعة المضعّفة من الياء من باب حَاحَيْتَ وصِيْصِية، وأصلها بوزن القَلْقلة والحَقْحَقَة فانقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت: هَيْهَاة كالسلْقَاة والجَعْبَاة. وإن كانت الياء التي انقلبت عنها ألف سلْقَاة وجَعْبَاة زائدة، وياء هَيْهية أصلاً، فلما جمعت كان قياسها على قولهم: أَرْطَيَاتٍ وعَلْقَيَاتٍ أن يقولوا فيها: (هَيْهَياتٍ) ، إلاّ أنهم حذفوا الألف لالتقاء الساكنين لمّا كانت في آخر اسم مبني كما حذفُوها في (ذان) ، و (اللَّتان) و (تان) : ليفصلوا بين الألفات في أواخر المبنية، والألفات في أواخر المتمكنة، وعلى هذا حذفوها في أولات وذَوَات، لتخالف ياء حَصَيات ونَوَيات. وقالوا: من فتح تاء (هَيْهَاتَ) فحقه أن يكتبها هاء، لأنها في مفرد كتَمْرة ونَواة، ومن كسرها فحقه أن يكتبها تاء، لأنها في جمع كهِنْدَات، وكذلك حكم الوقف سواء، ولا التفات إلى لغة: كيف الإخوهْ والأخواهْ، ولا هذه ثمرت، لقلتها، وقد رسمت في المصحف بالهاء. واختلف القراء في الوقف عليها، فمنهم من اتبع الرسم فوقف بالهاء وهما الكسائي والبزيّ عن ابن كثير. ومنهم من وقف بالتاء وهم الباقون. وكان ينبغي أن يكون الأكثر على الوقف بالهاء لوجهين: أحدهما: موافقة الرسم. والثاني: أنهم قالوا: المفتوح اسم مفرد أصله هَيْهَيَة كَوَلولة وقَلْقَلة في مضاعف الرباعي، وقد تقدم أن المفرد يوقف على تاء تأنيثه بالهاء. وأمّا التنوين فهو على قاعدة تنوين أسماء الأفعال دخوله دال على التنكير، وخروجه دال على التعريف. قال القيسي: من نَوّن اعتقد تنكيرها، وتصوَّرَ معنى المصدر النكرة، كأنه قال: بُعْداً بُعْداً. ومن لم يُنوّن اعتقد تعريفها، وتصوَّر معنى المصدر المعرفة، كأنه قال: البُعْدُ البُعْدُ فجعل التنوين دليل التنكير وعدمه دليل التعريف انتهى. ولا يوجد تنوين التنكير إلا في نوعين: أسماء الأفعال وأسماء الأصوات (نحو صَهْ وصَهٍ، وبَخْ وبَخٍ، والعلم المختوم ب (ويه)) نحو سيبويهِ وسيبويهٍ، وليس بقياس بمعنى: أنه ليس لك أن تنوّن منها ما شئت بل ما سمع تنوينه اعتقد تنكيره. والذي يقال في القراءات المتقدمة: إنّ من نوّن جعله للتنكير كما تقدم. ومن لم ينوّن جعل عدم التنوين للتعريف. ومن فتح فللخفةِ وللاتباع. ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن ضم فتشبيهاً بقَبْل وبَعْد. ومن سَكّن فلأنّ أصل البناء السكون. ومن وقف بالهاء فاتباعاً للرسم، ومن وقف بالتاء فعلى الأصل سواء كُسرت التاء أو فتحت، لأنّ الظاهر أنهما سواء، وإنما ذلك من تغيير اللغات وإن كان المنقول عن مذهب سيبويه ما تقدم. هكذا ينبغي أن تعلل القراءات المتقدمة. وقال ابن عطية فيمن ضم ونوّن: إنه اسم معرب مستقل مرفوع بالابتداء، وخبره «لِمَا تُوعدُونَ» أي: البُعْد لوعدكم، كما تقول: النجح لسعيك. وقال الرازي في اللوامح: فأمَّا مَنْ رَفَعَ وَنَوَّنَ احتمل أن يكونا اسمين متمكنين مرفوعين، خبرهما من حروف الجر بمعنى: البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ، والتكرار للتأكيد، ويجوز أن يكونا اسماً للفعل، والضم للبناء مثل: حُوبُ في زجر الإبل لكنه نَوّنه (لكونه) نكرة. قال شهاب الدين: وكان ينبغي لابن عطية وأبي الفضل أن يجعلاه اسماً أيضاً في حالة النصب مع التنوين على أنه مصدر واقع موقع الفعل وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ مَا تُوعَدُونَ﴾ من غير لام جر. وهي واضحة، مؤيدة لمدعي زيادتها في قراءة العامة. و «ما» في «لِمَا تُوعَدُونَ» تحتمل المصدرية، أي: لوعدكم، وأن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: توعدونه. قوله: «إنْ هِيَ» «هي» ضمير يفسره سياق الكلام، أي: إن الحياة إلا حياتنا. وقال الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يُراد به إلاَّ بما يتلوه من بيانه، وأصله: إن الحياة ﴿إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ ، فوضع «هي» موضع «الحياة» لأنّ الخبر يدل عليها ويبينها، ومنه: هي النَّفْس تتحمل مَا حُمِّلَتْ، وهي العَرَبُ تقول ما شَاءَتْ. وقد جعل بعضهم هذا القسم مما يفسر بما بعده لفظاً ورتبةً، ونسبه إلى الزمخشري متعلقاً بما نقلناه عنه. قال شهاب الدين: ولا تعلق له في ذلك. قوله: «نَمُوتُ ونَحْيَا» جملة مفسرة لما ادّعوه من أنَّ حياتهم ما هي إلا كذا. وزعم بعضهم أنَّ فيها دليلاً على عدم الترتيب في الواو، إذ المعنى: نحيا ونموت إذ هو الواقع. ولا دليل فيها لأنّ الظاهر من معناها يموت البعض منا ويحيا آخرون وهلم جرًّا يسير إلى انقراض العصر ويخلف غيره مكانه. وقل: نموت نحن ويحيا أبناؤنا. وقيل: القوم كانوا يعتقدون الرجعة أي: نموت ثم نحيا بعد ذلك الموت. فصل اعلم أنَّ القوم طعنوا في نبوّته بكونه بشراً يأكل ويشرب، ثم جعلوا طاعته خسراناً: أي: إنكم إن أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم بإزائها نفع، فذلك هو الخسران، ثم طعنوا في صحة الحشر والنشر، فقالوا: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾ معادون أحياء للمجازاة، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم، فقالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ثم أكدوا ذلك بقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ولم يريدوا بقولهم: «نَمُوتُ ونَحْيَا» الشخص الواحد، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا، وأنه لا إعادة ولا حشر فلذلك قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ثم بنوا على هذا فطعنوا في نبوّته وقالوا لما أتى في دينه بهذا الباطل فقد ﴿افترى على الله كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ . واعلم أنَّ الله - تعالى - ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أمّا الأولى: فتقدم الجواب عنها. وأمّا إنكارهم الحشر والنشر فجوابه، أنّه لمّا كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على الحشر والنشر، وأيضاً: فلولا الإعادة لكان تسليط القويِّ على الضعيف في الدنيا ظلماً، وهو غير لائق بالحكيم على ما تقرر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى﴾ [طه: 15] . واعلم أنَّ الرسول لمّا يئس من قبول دعوته فزع إلى ربّه وقال: ﴿رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ﴾ وقد تقدّم تفسيره. فأجاب الله سؤاله وقال: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ . قوله: «عَمَّا قَلِيلٍ» في (ما) هذه وجهان: أحدهما: أنّها مزيدة بين الجار والمجرور للتوكيد كما زيدت الباء نحو: «فَبِمَا رَحْمَةٍ» ، وفي من نحو «مِمَّا خَطَايَاهُمْ» . و «قَلِيلٍ» صفة لزمن محذوف، أي: عن زمن قليل. والثاني: أنّها غير زائدة، بل هي نكرة بمعنى شيء أو زمن، و «قَلِيلٍ» صفتها، أو بدل منها، وهذا الجار فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه متعلق بقوله: «لَيُصْبِحُنَّ» ، أي: ليصبحن عن زمن قليل نادمين. الثاني: أنه متعلق ب «نَادِمِين» ، وهذا على أحد الأقوال في لام القسم، وذلك أنّ فيها ثلاثة أقوال: جواز تقديم معمول ما بعدها عليها مطلقاً، وهو قول الفراء وأبي عبيدة. والثاني: المنع مطلقاً، وهو قول جمهور البصريين. والثالث: التفصيل بين الظرف وعديله وبين غيرهما، فيجوز للاتساع ويمتنع في غيرهما فلا يجوز في: والله لأضربن زيداً، زيداً لأضربن لأنه غير ظرف ولا عديله. والثالث من الأوجه المتقدمة: أنّه متعلق بمحذوف تقديره: عَمّا قَلِيلٍ تنصر حذف لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله: «رَبّ انْصُرْنِي» . وقرئ: «لَتُصْبِحُنَّ» بتاء الخطاب على الالتفات، أو على أنَّ القول صدر من الرسول لقومه بذلك. قوله: «عَمَّا قَلِيلٍ» الآية معناه أنه يظهر لهم علامات الهلال فعند ذلك يحصل لهم الحسرة والندامة على ترك القبول. ثم بيّن تعالى الهلاك الذي أنزل عليهم بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق﴾ قيل: إن جبريل - عليه السلام - صاح بهم صيحةً عظيمةً فهلكوا. وقال ابن عباس: الصيحة الرجفة. وعن الحسن: الصيحة نفس العذاب والموت. كما يقال فيمن يموت: دعي فأجاب. وقيل: هي العذاب المصطلم، قال الشاعر: 3797 - صاح الزمان بآل برمك صيحة ... خروا لشدتها على الأذقان والأول أولى لأنه الحقيقة. قوله: «بالحقِّ» أي: دمرناهم بالعدل، من قولك: فلانٌ يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضائه. وقال المُفضل: «بالحقِّ» بما لا مدفع له كقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: 19] . قوله: «فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً» الجعل بمعنى: التصيير، و «غُثَاءً» مفعول ثان، والغُثَاء: قيل: هو الجفاء، وتقدم في الرعد، قاله الأخفش وقال الزجاج: هو البالي من ورق الشجر والعيدان إذا جرى السيل خالط زبده واسود، ومنه قوله: «غُثَاءً أَحْوَى» وقيل: كل ما يلقيه السيل والقدر مما لا ينتفع به، وبه يُضْربُ المثل في ذلك ولامه واو، لأنه من غَثَا الوادي يَغْثُوا غَثْواً، وكذلك غَثَتِ القِدر، وأمّا غَثِيَتْ نَفْسُهُ تَغْثِي غَثَيَاناً، أي: خَبُثَتْ. فهو قريب من معناه، ولكنه من مادة الياء. وتشدد (ثاء) الغُثَاء، وتُخفَّف، وقد جمع على أَغْثَاء، وهو شاذ، بل كان قياسه أن يجمع على أغْثِية، كَأغْرِيَة، وعلى غِيثَان، كغِرْبَان، وغِلْمَان وأنشدوا لامرئ القيس: 3798 - مِنَ السَّيْلِ والغُثَّاءُ فَلْكَةُ مِغْزَلِ ... بتشديد الثاء، وتخفيفها، والجمع، أي: والأَغْثَاء. قوله: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ «بُعْداً» مصدر يذكر بدلاً من اللفظ بفعله فناصبه واجب الإضمار لأنه بمعنى الدعاء عليهم، والأصل: بَعُدَ بُعْداً وبَعَداً نحو رَشُدَ رُشْداً ورَشَداً وفي هذه اللام قولان: أظهرهما: أنها متعلقة بمحذوف للبيان، كهي في سَقْياً له، وجَدْعاً له. قاله الزمخشري. والثاني: أنَّها متعلقة ب «بُعْداً» قاله الحوفي. وهذا مردود، لأنه لا يُحفظ حذف هذه اللام، ووصول المصدر إلى مجرورها ألبتة، ولذلك منعوا الاشتغال في قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ [محمد: 8] لأن اللام لا تتعلق ب «تَعْساً» بل بمحذوف، وإن كان الزمخشري جَوَّز ذلك، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. فصل «فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً» صيرناهم هلكى فَيَبِسُوا يَبْسَ الغثاء من نبات الأرض، «فَبُعْداً» بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير «لِلقَوْمِ الظَالِمِينَ» الكافرين، ذكر هذا على وجه الاستخفاف والإهانة لهم.

المؤمنون 23:40

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ الآيات. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هذه قصة هود لقوله تعالى حكاية عن هود ﴿واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: 69] ، ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف، وهود، والشعراء. وقال بعضهم: هي قصة صالح لأنَّ قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة وتقدم كيفية الدعوى في قصة نوح. قوله: «فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ» قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: حق «أَرْسَلَ» أن يتعدى ب «إلى» كأخواته التي هي: وَجَّهَ، وأَنْفَذَ وبَعَثَ، فما له عدي في القرآن ب (إلى) تارة وب (في) أخرى كقوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرعد: 30] ﴿ (وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ) ﴾ [سبأ: 34] . قُلْتُ: لم يعد ب (في) كما عُدّي ب (إلى) ، ولم يجعل صلة مثله، ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال، كقول رؤبة: 3891 - أرسلت فيها مصعباً ذا أقحام ... وقد جاء (بَعَثَ) على ذلك، كقوله تعالى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ [الفرقان: 51] . قوله: ﴿أَنِ اعبدوا الله﴾ يجوز أن تكون المصدرية أي: أرسلناه بأن اعبدوا الله. أي: بقوله اعبدوا، وأن تكون مفسرة. «أَفَلاَ تَتَّقُونَ» قال بعضهم: هذا الكلام غير موصول بالأول، وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه، وردّوا عليه بعد إقامة الحجة عليهم فعند ذلك خوفهم بقوله: «أَفَلاَ تَتَّقُون» هذه الطريقة مخالفة العذاب الذي أنذركم به. ويجوز أن يكون موصولاً بالكلام الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين بعبادة الأوثان، فدعاهم إلى عبادة الله، وحذّرهم من العقاب بسبب إقبالهم على عبادة الأوثان. قوله: «وقَالَ الملأُ» قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: ذكر مقالة قوم هود في جوابه في سورة الأعراف، وسورة هود بغير واو، ﴿قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: 66] ﴿قَالُواْ (ياهود مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) ﴾ [هود: 53] . وههنا مع الواو، فأيّ فرق بينهما؟ قُلْتُ: الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال: فماذا قيل له؟ فقيل له: قالوا: كيت وكيت، وأمّا الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله، ومعناه أنه اجتمع في الحصول، (أي في هذه الواقعة في) هذا الكلام الحق وهذا (الكلام) الباطل وشتان ما بينهما قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: هذا جواب بنفس الواقع، والسؤال باق، إذ يحسن أن يقال: لِمَ لا جعل هنا قولهم أيضاً جواباً لسؤال سائل كما في نظيرتها أو عكس الأمر. قوله ﴿وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخرة﴾ أي: بالمصير إلى الآخرة «وأَتْرَفْنَاهُم» نعمناهم ووسعنا عليهم ﴿فِي الحياة الدنيا مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ﴾ وقد تقدم شرح هذه الشبهة في القصة الأولى ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ أي: منه، فحذف العائد لاستكمال شروطه، وهو اتحاد الحرف، والمتعلق، وعدم قيامه مقام مرفوع، وعدم ضمير آخر، هذا إذا جعلناها بمعنى الّذي، فإن جعلتها مصدراً لم يحتج إلى عائد، فيكون المصدر واقعاً موقع المفعول. أي: من مشروبكم. وقال في التحرير: وزعم الفراء أن معنى «مِمَّا تَشْرَبُونَ» على حذف أي: تشربون منه. وهذا لا يجوز عند البصريين، ولا يحتاج إلى حذف ألبتة، لأن (ما) إذا كانت مصدراً لم تحتج إلى عائد، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت العائد، ولم تحتج إلى إضمار (من) يعني: أنه يقدر تشربونه من غير حرف جر، وحينئذ تكون شروط الحذف أيضاً موجودة ولكن تفوت المقابلة إذ قوله: «تَأْكُلُونَ مِنْهُ» فيه تبعيض، فلو قدرت هنا تشربونه من غير (من) فاتت المقابلة. ثم إن قوله: وهو لا يجوز عند البصريين ممنوع، بل هو جائز لوجود شرط الحذف. قوله: ﴿لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ لمغبونون، جعلوا اتباع الرسول خسراناً ولم يجعلوا عبادة الصنم خسراناً، قال الزمخشري و «إذا» وقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قولهم قال أبو حيان: وليس واقعاً في جزاء الشرط، بل واقعاً بين «إنكم» و (الخبر) ، و «إنكم» و (الخبر) ليس جزاء للشرط بل ذلك جواب للقسم المحذوف قبل «إن» الشرطية (ولو كانت «إنكم» والخبر جواباً للشرط) لزمت (الفاء) في (إنكم) بل لو كان بالفاء في تركيب غير القرآن لم يكن ذلك التركيب جائزاً إلا عند الفراء، والبصريون لا يجيزونه وهو عندهم خطأ قال شهاب الدين: يعني أنه إذ توالى شرط وقسم أجيب سابقهما، والقسم هنا متقدم فينبغي أن يجاب ولا يجاب الشرط، ولو أجيب الشرط لاختلت القاعدة إلا عند بعض الكوفيين، فإنه يجيب الشرط وإن تأخر، وهو موجود في الشعر. قوله: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ «الآية. في إعرابها ستة أوجه: أحدها: أنّ اسم أنّ الأولى مضاف لضمير الخطاب، حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، والخبر قوله:» إِذَا متُّم» ، و «أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» تكرير، لأنَّ الأولى للتأكيد، والدلالة على المحذوف والمعنى: أنَّ إخراجكم إذا متم وكنتم. الثاني: أنَّ خبر (أنَّ) الأولى هو «مُخْرَجُونَ» ، وهو العامل في «إِذَا» وكررت الثانية توكيداً لمَّا طال الفصل وإليه ذهب الجرمي والمبرد والفراء، ويدل على كون الثانية توكيداً قراءة عبد الله: ﴿أَيَعِدُكُمْ إِذَا متُّمْ وكُنْتُمْ تُراباً وعِظَاماً أَنَّكُم مُخْرَجُونَ﴾ . الثالث: أنّ» أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ «مؤول بمصدر مرفوع بفعل محذوف ذلك الفعل المحذوف جواب (إذا) الشرطية، و (إذا) الشرطية وجوابها المقدر خبر ل (أنَّكُم) الأولى تقديره: يحدث أنكم مخرجون. الرابع: كالثالث في كونه مرفوعاً بفعل مقدر إلا أنَّ هذا الفعل المقدر خبر ل (أَنَّ) الأولى وهو العامل في (إذا) . الخامس: أنّ خبر الأولى محذوف لدلالة خبر الثانية عليه، فتقديره: أنكم تبعثون، وهو العامل في الظرف، و (أنَّ) الثانية وما في حيزها بدل من الأولى، وهذا مذهب سيبويه. السادس: أن يكون «أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» مبتدأ وخبره الظرف مقدماً عليه، والجملة خبر عن (أَنَّكُمْ) الأولى، والتقدير: أيعدكم أنكم إخراجكم كائن أو مستقر وقت موتكم. ولا يجوز أن يكون العامل في «إذَا» «مُخْرَجُونَ» على كل قول لأن ما في حيز (أنَّ) لا يعمل فيما قبلها ولا يعمل فيها «متم» ، لأنه مضاف إليه، و «أَنَّكُمْ» وما في حيزه في محل نصب أو جر بعد حذف الحرف إذ الأصل: أيعدكم بأنكم ويجوز أن لا يقدر حرف جر، فيكون في محل نصب فقط نحو: وعدت زيداً خيراً. قوله: «هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ» . «هَيْهَاتَ» اسم فعل معناه: بَعُدَ، وكُرر للتوكيد وليست المسألة من التنازع، قال جرير: 3792 - فَهَيْهَات هَيْهَاتَ العقيقُ وأهلهُ ... وهَيْهَاتَ خِلٌّ بالعقيقِ نُوَاصِلُه وفسره الزجاج في عبارته بالمصدر، فقال: البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ، أو بُعْدٌ لِمَا تُوعَدُون فظاهرها أنه مصدر بدليل عطف الفعل عليه، ويمكن أن يكون فسّر المعنى فقط. و «هَيْهَات» اسم لفعل قاصر برفع الفاعل، وهنا قد جاء ما ظاهره الفاعل مجروراً باللام فمنهم من جعله على ظاهره وقال «مَا تُوعدُون» فاعل به، وزيدت فيه اللام التقدير: بَعُدَ بَعُدَ ما تُوعدُون،، وهو ضعيف: إذ لم يعهد زيادتها في الفاعل. ومنهم من جعل الفاعل مضمراً لدلالة الكلام عليه، فقدره أبو البقاء: هيهات التصديق، أو: الصحة لما توعدون. وقدّره غيره: بَعُدَ إخْرَاجُكُم. و (لِمَا تُوعَدُونَ) للبيان، قال الزمخشري: لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في «هَيْتَ لَكَ» لبيان المهيت به. وقال الزجاج: «البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ» فجعله مبتدأ والجار بعد الخبر. قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: (مَا تُوعَدُونَ) هو المستبعد، فمن حقه أن يرتفع ب «هَيْهَاتَ» كما ارتفع بقوله: 3793 - هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ العَقِيقُ وأَهْلُه ... فما هذه اللام؟ قُلتُ: قال الزجاج في تفسيره: البعْدُ لِمَا تُوعدُونَ أو بُعْدٌ لِمَا تُوعَدُونَ فيمن نَوّن، فنزّله منزلة المصدر. قال أبو حيان: وقول الزمخشري (فمن نَوّنه نزّله منزلة المصدر) ليس بواضح، لأنهم قد نَوّنُوا أسماء الأفعال ولا نقول: إنها إذا نُوّنت تنزلت منزلة المصادر. قال شهاب الدين: الزمخشري لم يقل كذا، إنما قال: فيمن نَوَّن نزله منزلة المصدر لأجل قوله: أو بُعْد، فالتنوين علة لتقديره إياه نكرة لا لكونه منزلاً منزلة المصدر، فإنّ أسماء الأفعال ما نُوّن منها نكرة، وما لم يُنوّن معرفة نحو: صَهْ وصَهٍ يقدر الأول بالسكوت، والثاني بسكوت ما. وقال ابن عطية: طوراً تلي الفاعل دون لام، تقول: هيهات مجيء زيد أي: بَعُدَ، وأحياناً يكون الفاعل محذوفاً عند اللام، كهذه الآية، والتقدير: بَعُدَ الوجودُ لمَا تُوعَدُونَ. ولم يستجيده أبو حيان من حيث قوله: حذف الفاعل، والفاعل لا يحذف، ومن حيث إنّ فيه حذف المصدر، وهو الموجود، وإبقاء معموله وهو «لِمَا تُوعَدُون» و «هَيْهَاتَ» الثاني تأكيد للأول تأكيداً لفظياً، وقد جاء غير مؤكد كقوله: 3794 - هَيْهَاتَ مَنْزِلُنَا بِنَعْفِ سُوَيْقَةٍ ... كانت مُبَارَكَةً على الأَيَّامِ وقال آخر: 3795 - هَيْهَاتَ نَاسٌ مِنْ أُنَاس دِيَارُهُمْ ... دُقَاق ودَارُ الآخِرِينَ الأَوَائِنُ وقال رؤبة: 3796 - هَيْهَاتَ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهَاؤُه ... قال القيسي شارح أبيات الإيضاح: وهذا مثل قولك: «بَعُدَ بُعْدَهُ» وذلك أَنَّه بَنَى من هذه اللفظة (فَعْلاَلاً) فجاء به مجيء القَلْقَال والزلزَال. والألف في «هَيْهَاتَ» غير الألف في (هَيْهَاؤُه) ، وهي في «هَيْهَاتَ» لام الفعل الثانية كقاف الحَقْحَقَة الثانية، وهي في (هَيْهَاؤُه) ألف الفعلال الزائدة. وفي هذه اللفظة لغات كثيرة تزيد على الأربعين، ذكر منها الصَّاغَانِي ستة وثلاثين لغة، وهي: (هَيْهَاتَ) ، وأَيْهَاتَ، وهَيْهَانَ، وأَيْهَانَ وهَيْهَاه، وأَيْهَاه كل واحد من هذه الستة مضمومة الآخرة ومفتوحته، ومكسورته، وكل واحدةٍ منها منوّنة وغير منوّنة، فتكون ستًّا وثلاثين. وحكى غيره: هَيْهَاك، وأَيْهَاكَ - بكاف الخطاب -، وأَيْهاء، وأَيْهَا، وهَيْهَاء، فأمّا المشهور ما قرئ به. فالمشهور «هَيْهَات» بفتح التاء من غير تنوين بُني لوقوعه موقع المبني، أو لشبهه بالحرف، وتقدم تحقيق ذلك وبها قرأ العامة وهي لغة أهل الحجاز. و «هَيْهَاتاً» بالفتح والتنوين، وبها قرأ أبو عمرو في رواية هارون عنه ونسبها ابن عطية لخالد بن إلياس. و «هَيْهَاتٌ» بالضم والتنوين وبها قرأ الأحمر وأبو حيوة. وبالضم من غير تنوين، ويروى عن أبي حيوة أيضاً، فعنه فيها وجهان وافقه أبو السمال في الأولى دون الثانية. و «هَيْهَاتٍ» بالكسر والتنوين، وبها قرأ عيسى وخالد بن إلياس. وبالكسر من غير تنوين، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة، وتُروى عن عيسى أيضاً وهي لغة تميم وأسد. و «هَيْهَاتْ» بإسكان التاء، وبها قرأ عيسى بن عمر الهمداني أيضاً وخارجة عن أبي عمرو والأعرج و «هَيْهَاه» بالهاء آخراً وصلاً ووقفاً. و «أيْهَاتَ» بإبدال الهاء همزة مع فتح التاء، وبهاتين قرأ بعض القراء فيما نقل أبو البقاء. فهذه تسع لغات قد قرئ بهنّ لم يتواتر منها غير الأولى. ويجوز إبدال الهمزة من الهاء الأولى في جميع ما تقدم فيكمل بذلك ست عشرة لغة. و «أَيْهَان» بالنون آخراً. و «أَيْهَا» بألف آخراً. فمن فتح التاء قالوا: فهي عنده اسم مفرد، ومن كسرها فهي عنده جمع تأنيث كزَيْنَبَات وهِنْدَات. ويُعْزَى هذا لسيبويه، لأنه قال: هي مثل بَيْضَات، فنسب إليه أنه جمع من ذلك، حتى قال بعض النحويين: مفردها (هَيْهَة) مثل بَيْضَة. وليس بشيء بل مفردها (هَيْهَاتَ) . قالوا: وكان يبغي على أصله أن يقال فيها: (هَيْهَيَات) بقلب ألف (هَيْهَاتَ) ياء، لزيادتها على الأربعة نحو: مَلْهَيَات، ومَغْزَيات، ومَرْمَيات، لأنها من بنات الأربعة المضعّفة من الياء من باب حَاحَيْتَ وصِيْصِية، وأصلها بوزن القَلْقلة والحَقْحَقَة فانقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت: هَيْهَاة كالسلْقَاة والجَعْبَاة. وإن كانت الياء التي انقلبت عنها ألف سلْقَاة وجَعْبَاة زائدة، وياء هَيْهية أصلاً، فلما جمعت كان قياسها على قولهم: أَرْطَيَاتٍ وعَلْقَيَاتٍ أن يقولوا فيها: (هَيْهَياتٍ) ، إلاّ أنهم حذفوا الألف لالتقاء الساكنين لمّا كانت في آخر اسم مبني كما حذفُوها في (ذان) ، و (اللَّتان) و (تان) : ليفصلوا بين الألفات في أواخر المبنية، والألفات في أواخر المتمكنة، وعلى هذا حذفوها في أولات وذَوَات، لتخالف ياء حَصَيات ونَوَيات. وقالوا: من فتح تاء (هَيْهَاتَ) فحقه أن يكتبها هاء، لأنها في مفرد كتَمْرة ونَواة، ومن كسرها فحقه أن يكتبها تاء، لأنها في جمع كهِنْدَات، وكذلك حكم الوقف سواء، ولا التفات إلى لغة: كيف الإخوهْ والأخواهْ، ولا هذه ثمرت، لقلتها، وقد رسمت في المصحف بالهاء. واختلف القراء في الوقف عليها، فمنهم من اتبع الرسم فوقف بالهاء وهما الكسائي والبزيّ عن ابن كثير. ومنهم من وقف بالتاء وهم الباقون. وكان ينبغي أن يكون الأكثر على الوقف بالهاء لوجهين: أحدهما: موافقة الرسم. والثاني: أنهم قالوا: المفتوح اسم مفرد أصله هَيْهَيَة كَوَلولة وقَلْقَلة في مضاعف الرباعي، وقد تقدم أن المفرد يوقف على تاء تأنيثه بالهاء. وأمّا التنوين فهو على قاعدة تنوين أسماء الأفعال دخوله دال على التنكير، وخروجه دال على التعريف. قال القيسي: من نَوّن اعتقد تنكيرها، وتصوَّرَ معنى المصدر النكرة، كأنه قال: بُعْداً بُعْداً. ومن لم يُنوّن اعتقد تعريفها، وتصوَّر معنى المصدر المعرفة، كأنه قال: البُعْدُ البُعْدُ فجعل التنوين دليل التنكير وعدمه دليل التعريف انتهى. ولا يوجد تنوين التنكير إلا في نوعين: أسماء الأفعال وأسماء الأصوات (نحو صَهْ وصَهٍ، وبَخْ وبَخٍ، والعلم المختوم ب (ويه)) نحو سيبويهِ وسيبويهٍ، وليس بقياس بمعنى: أنه ليس لك أن تنوّن منها ما شئت بل ما سمع تنوينه اعتقد تنكيره. والذي يقال في القراءات المتقدمة: إنّ من نوّن جعله للتنكير كما تقدم. ومن لم ينوّن جعل عدم التنوين للتعريف. ومن فتح فللخفةِ وللاتباع. ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن ضم فتشبيهاً بقَبْل وبَعْد. ومن سَكّن فلأنّ أصل البناء السكون. ومن وقف بالهاء فاتباعاً للرسم، ومن وقف بالتاء فعلى الأصل سواء كُسرت التاء أو فتحت، لأنّ الظاهر أنهما سواء، وإنما ذلك من تغيير اللغات وإن كان المنقول عن مذهب سيبويه ما تقدم. هكذا ينبغي أن تعلل القراءات المتقدمة. وقال ابن عطية فيمن ضم ونوّن: إنه اسم معرب مستقل مرفوع بالابتداء، وخبره «لِمَا تُوعدُونَ» أي: البُعْد لوعدكم، كما تقول: النجح لسعيك. وقال الرازي في اللوامح: فأمَّا مَنْ رَفَعَ وَنَوَّنَ احتمل أن يكونا اسمين متمكنين مرفوعين، خبرهما من حروف الجر بمعنى: البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ، والتكرار للتأكيد، ويجوز أن يكونا اسماً للفعل، والضم للبناء مثل: حُوبُ في زجر الإبل لكنه نَوّنه (لكونه) نكرة. قال شهاب الدين: وكان ينبغي لابن عطية وأبي الفضل أن يجعلاه اسماً أيضاً في حالة النصب مع التنوين على أنه مصدر واقع موقع الفعل وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ مَا تُوعَدُونَ﴾ من غير لام جر. وهي واضحة، مؤيدة لمدعي زيادتها في قراءة العامة. و «ما» في «لِمَا تُوعَدُونَ» تحتمل المصدرية، أي: لوعدكم، وأن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: توعدونه. قوله: «إنْ هِيَ» «هي» ضمير يفسره سياق الكلام، أي: إن الحياة إلا حياتنا. وقال الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يُراد به إلاَّ بما يتلوه من بيانه، وأصله: إن الحياة ﴿إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ ، فوضع «هي» موضع «الحياة» لأنّ الخبر يدل عليها ويبينها، ومنه: هي النَّفْس تتحمل مَا حُمِّلَتْ، وهي العَرَبُ تقول ما شَاءَتْ. وقد جعل بعضهم هذا القسم مما يفسر بما بعده لفظاً ورتبةً، ونسبه إلى الزمخشري متعلقاً بما نقلناه عنه. قال شهاب الدين: ولا تعلق له في ذلك. قوله: «نَمُوتُ ونَحْيَا» جملة مفسرة لما ادّعوه من أنَّ حياتهم ما هي إلا كذا. وزعم بعضهم أنَّ فيها دليلاً على عدم الترتيب في الواو، إذ المعنى: نحيا ونموت إذ هو الواقع. ولا دليل فيها لأنّ الظاهر من معناها يموت البعض منا ويحيا آخرون وهلم جرًّا يسير إلى انقراض العصر ويخلف غيره مكانه. وقل: نموت نحن ويحيا أبناؤنا. وقيل: القوم كانوا يعتقدون الرجعة أي: نموت ثم نحيا بعد ذلك الموت. فصل اعلم أنَّ القوم طعنوا في نبوّته بكونه بشراً يأكل ويشرب، ثم جعلوا طاعته خسراناً: أي: إنكم إن أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم بإزائها نفع، فذلك هو الخسران، ثم طعنوا في صحة الحشر والنشر، فقالوا: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾ معادون أحياء للمجازاة، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم، فقالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ثم أكدوا ذلك بقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ولم يريدوا بقولهم: «نَمُوتُ ونَحْيَا» الشخص الواحد، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا، وأنه لا إعادة ولا حشر فلذلك قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ثم بنوا على هذا فطعنوا في نبوّته وقالوا لما أتى في دينه بهذا الباطل فقد ﴿افترى على الله كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ . واعلم أنَّ الله - تعالى - ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أمّا الأولى: فتقدم الجواب عنها. وأمّا إنكارهم الحشر والنشر فجوابه، أنّه لمّا كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على الحشر والنشر، وأيضاً: فلولا الإعادة لكان تسليط القويِّ على الضعيف في الدنيا ظلماً، وهو غير لائق بالحكيم على ما تقرر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى﴾ [طه: 15] . واعلم أنَّ الرسول لمّا يئس من قبول دعوته فزع إلى ربّه وقال: ﴿رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ﴾ وقد تقدّم تفسيره. فأجاب الله سؤاله وقال: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ . قوله: «عَمَّا قَلِيلٍ» في (ما) هذه وجهان: أحدهما: أنّها مزيدة بين الجار والمجرور للتوكيد كما زيدت الباء نحو: «فَبِمَا رَحْمَةٍ» ، وفي من نحو «مِمَّا خَطَايَاهُمْ» . و «قَلِيلٍ» صفة لزمن محذوف، أي: عن زمن قليل. والثاني: أنّها غير زائدة، بل هي نكرة بمعنى شيء أو زمن، و «قَلِيلٍ» صفتها، أو بدل منها، وهذا الجار فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه متعلق بقوله: «لَيُصْبِحُنَّ» ، أي: ليصبحن عن زمن قليل نادمين. الثاني: أنه متعلق ب «نَادِمِين» ، وهذا على أحد الأقوال في لام القسم، وذلك أنّ فيها ثلاثة أقوال: جواز تقديم معمول ما بعدها عليها مطلقاً، وهو قول الفراء وأبي عبيدة. والثاني: المنع مطلقاً، وهو قول جمهور البصريين. والثالث: التفصيل بين الظرف وعديله وبين غيرهما، فيجوز للاتساع ويمتنع في غيرهما فلا يجوز في: والله لأضربن زيداً، زيداً لأضربن لأنه غير ظرف ولا عديله. والثالث من الأوجه المتقدمة: أنّه متعلق بمحذوف تقديره: عَمّا قَلِيلٍ تنصر حذف لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله: «رَبّ انْصُرْنِي» . وقرئ: «لَتُصْبِحُنَّ» بتاء الخطاب على الالتفات، أو على أنَّ القول صدر من الرسول لقومه بذلك. قوله: «عَمَّا قَلِيلٍ» الآية معناه أنه يظهر لهم علامات الهلال فعند ذلك يحصل لهم الحسرة والندامة على ترك القبول. ثم بيّن تعالى الهلاك الذي أنزل عليهم بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق﴾ قيل: إن جبريل - عليه السلام - صاح بهم صيحةً عظيمةً فهلكوا. وقال ابن عباس: الصيحة الرجفة. وعن الحسن: الصيحة نفس العذاب والموت. كما يقال فيمن يموت: دعي فأجاب. وقيل: هي العذاب المصطلم، قال الشاعر: 3797 - صاح الزمان بآل برمك صيحة ... خروا لشدتها على الأذقان والأول أولى لأنه الحقيقة. قوله: «بالحقِّ» أي: دمرناهم بالعدل، من قولك: فلانٌ يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضائه. وقال المُفضل: «بالحقِّ» بما لا مدفع له كقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: 19] . قوله: «فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً» الجعل بمعنى: التصيير، و «غُثَاءً» مفعول ثان، والغُثَاء: قيل: هو الجفاء، وتقدم في الرعد، قاله الأخفش وقال الزجاج: هو البالي من ورق الشجر والعيدان إذا جرى السيل خالط زبده واسود، ومنه قوله: «غُثَاءً أَحْوَى» وقيل: كل ما يلقيه السيل والقدر مما لا ينتفع به، وبه يُضْربُ المثل في ذلك ولامه واو، لأنه من غَثَا الوادي يَغْثُوا غَثْواً، وكذلك غَثَتِ القِدر، وأمّا غَثِيَتْ نَفْسُهُ تَغْثِي غَثَيَاناً، أي: خَبُثَتْ. فهو قريب من معناه، ولكنه من مادة الياء. وتشدد (ثاء) الغُثَاء، وتُخفَّف، وقد جمع على أَغْثَاء، وهو شاذ، بل كان قياسه أن يجمع على أغْثِية، كَأغْرِيَة، وعلى غِيثَان، كغِرْبَان، وغِلْمَان وأنشدوا لامرئ القيس: 3798 - مِنَ السَّيْلِ والغُثَّاءُ فَلْكَةُ مِغْزَلِ ... بتشديد الثاء، وتخفيفها، والجمع، أي: والأَغْثَاء. قوله: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ «بُعْداً» مصدر يذكر بدلاً من اللفظ بفعله فناصبه واجب الإضمار لأنه بمعنى الدعاء عليهم، والأصل: بَعُدَ بُعْداً وبَعَداً نحو رَشُدَ رُشْداً ورَشَداً وفي هذه اللام قولان: أظهرهما: أنها متعلقة بمحذوف للبيان، كهي في سَقْياً له، وجَدْعاً له. قاله الزمخشري. والثاني: أنَّها متعلقة ب «بُعْداً» قاله الحوفي. وهذا مردود، لأنه لا يُحفظ حذف هذه اللام، ووصول المصدر إلى مجرورها ألبتة، ولذلك منعوا الاشتغال في قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ [محمد: 8] لأن اللام لا تتعلق ب «تَعْساً» بل بمحذوف، وإن كان الزمخشري جَوَّز ذلك، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. فصل «فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً» صيرناهم هلكى فَيَبِسُوا يَبْسَ الغثاء من نبات الأرض، «فَبُعْداً» بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير «لِلقَوْمِ الظَالِمِينَ» الكافرين، ذكر هذا على وجه الاستخفاف والإهانة لهم.

المؤمنون 23:41

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ الآيات. قال ابن عباس وأكثر المفسرين: هذه قصة هود لقوله تعالى حكاية عن هود ﴿واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: 69] ، ومجيء قصة هود عقيب قصة نوح في سورة الأعراف، وهود، والشعراء. وقال بعضهم: هي قصة صالح لأنَّ قومه الذين كذبوه هم الذين هلكوا بالصيحة وتقدم كيفية الدعوى في قصة نوح. قوله: «فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ» قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: حق «أَرْسَلَ» أن يتعدى ب «إلى» كأخواته التي هي: وَجَّهَ، وأَنْفَذَ وبَعَثَ، فما له عدي في القرآن ب (إلى) تارة وب (في) أخرى كقوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ﴾ [الرعد: 30] ﴿ (وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ) ﴾ [سبأ: 34] . قُلْتُ: لم يعد ب (في) كما عُدّي ب (إلى) ، ولم يجعل صلة مثله، ولكن الأمة أو القرية جعلت موضعاً للإرسال، كقول رؤبة: 3891 - أرسلت فيها مصعباً ذا أقحام ... وقد جاء (بَعَثَ) على ذلك، كقوله تعالى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ [الفرقان: 51] . قوله: ﴿أَنِ اعبدوا الله﴾ يجوز أن تكون المصدرية أي: أرسلناه بأن اعبدوا الله. أي: بقوله اعبدوا، وأن تكون مفسرة. «أَفَلاَ تَتَّقُونَ» قال بعضهم: هذا الكلام غير موصول بالأول، وإنما قاله لهم بعد أن كذبوه، وردّوا عليه بعد إقامة الحجة عليهم فعند ذلك خوفهم بقوله: «أَفَلاَ تَتَّقُون» هذه الطريقة مخالفة العذاب الذي أنذركم به. ويجوز أن يكون موصولاً بالكلام الأول بأن رآهم معرضين عن عبادة الله مشتغلين بعبادة الأوثان، فدعاهم إلى عبادة الله، وحذّرهم من العقاب بسبب إقبالهم على عبادة الأوثان. قوله: «وقَالَ الملأُ» قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: ذكر مقالة قوم هود في جوابه في سورة الأعراف، وسورة هود بغير واو، ﴿قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: 66] ﴿قَالُواْ (ياهود مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ) ﴾ [هود: 53] . وههنا مع الواو، فأيّ فرق بينهما؟ قُلْتُ: الذي بغير واو على تقدير سؤال سائل قال: فماذا قيل له؟ فقيل له: قالوا: كيت وكيت، وأمّا الذي مع الواو فعطف لما قالوه على ما قاله، ومعناه أنه اجتمع في الحصول، (أي في هذه الواقعة في) هذا الكلام الحق وهذا (الكلام) الباطل وشتان ما بينهما قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: هذا جواب بنفس الواقع، والسؤال باق، إذ يحسن أن يقال: لِمَ لا جعل هنا قولهم أيضاً جواباً لسؤال سائل كما في نظيرتها أو عكس الأمر. قوله ﴿وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الآخرة﴾ أي: بالمصير إلى الآخرة «وأَتْرَفْنَاهُم» نعمناهم ووسعنا عليهم ﴿فِي الحياة الدنيا مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ﴾ وقد تقدم شرح هذه الشبهة في القصة الأولى ﴿وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ أي: منه، فحذف العائد لاستكمال شروطه، وهو اتحاد الحرف، والمتعلق، وعدم قيامه مقام مرفوع، وعدم ضمير آخر، هذا إذا جعلناها بمعنى الّذي، فإن جعلتها مصدراً لم يحتج إلى عائد، فيكون المصدر واقعاً موقع المفعول. أي: من مشروبكم. وقال في التحرير: وزعم الفراء أن معنى «مِمَّا تَشْرَبُونَ» على حذف أي: تشربون منه. وهذا لا يجوز عند البصريين، ولا يحتاج إلى حذف ألبتة، لأن (ما) إذا كانت مصدراً لم تحتج إلى عائد، فإن جعلتها بمعنى الذي حذفت العائد، ولم تحتج إلى إضمار (من) يعني: أنه يقدر تشربونه من غير حرف جر، وحينئذ تكون شروط الحذف أيضاً موجودة ولكن تفوت المقابلة إذ قوله: «تَأْكُلُونَ مِنْهُ» فيه تبعيض، فلو قدرت هنا تشربونه من غير (من) فاتت المقابلة. ثم إن قوله: وهو لا يجوز عند البصريين ممنوع، بل هو جائز لوجود شرط الحذف. قوله: ﴿لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾ لمغبونون، جعلوا اتباع الرسول خسراناً ولم يجعلوا عبادة الصنم خسراناً، قال الزمخشري و «إذا» وقع في جزاء الشرط وجواب للذين قاولوهم من قولهم قال أبو حيان: وليس واقعاً في جزاء الشرط، بل واقعاً بين «إنكم» و (الخبر) ، و «إنكم» و (الخبر) ليس جزاء للشرط بل ذلك جواب للقسم المحذوف قبل «إن» الشرطية (ولو كانت «إنكم» والخبر جواباً للشرط) لزمت (الفاء) في (إنكم) بل لو كان بالفاء في تركيب غير القرآن لم يكن ذلك التركيب جائزاً إلا عند الفراء، والبصريون لا يجيزونه وهو عندهم خطأ قال شهاب الدين: يعني أنه إذ توالى شرط وقسم أجيب سابقهما، والقسم هنا متقدم فينبغي أن يجاب ولا يجاب الشرط، ولو أجيب الشرط لاختلت القاعدة إلا عند بعض الكوفيين، فإنه يجيب الشرط وإن تأخر، وهو موجود في الشعر. قوله: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ «الآية. في إعرابها ستة أوجه: أحدها: أنّ اسم أنّ الأولى مضاف لضمير الخطاب، حذف وأقيم المضاف إليه مقامه، والخبر قوله:» إِذَا متُّم» ، و «أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» تكرير، لأنَّ الأولى للتأكيد، والدلالة على المحذوف والمعنى: أنَّ إخراجكم إذا متم وكنتم. الثاني: أنَّ خبر (أنَّ) الأولى هو «مُخْرَجُونَ» ، وهو العامل في «إِذَا» وكررت الثانية توكيداً لمَّا طال الفصل وإليه ذهب الجرمي والمبرد والفراء، ويدل على كون الثانية توكيداً قراءة عبد الله: ﴿أَيَعِدُكُمْ إِذَا متُّمْ وكُنْتُمْ تُراباً وعِظَاماً أَنَّكُم مُخْرَجُونَ﴾ . الثالث: أنّ» أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ «مؤول بمصدر مرفوع بفعل محذوف ذلك الفعل المحذوف جواب (إذا) الشرطية، و (إذا) الشرطية وجوابها المقدر خبر ل (أنَّكُم) الأولى تقديره: يحدث أنكم مخرجون. الرابع: كالثالث في كونه مرفوعاً بفعل مقدر إلا أنَّ هذا الفعل المقدر خبر ل (أَنَّ) الأولى وهو العامل في (إذا) . الخامس: أنّ خبر الأولى محذوف لدلالة خبر الثانية عليه، فتقديره: أنكم تبعثون، وهو العامل في الظرف، و (أنَّ) الثانية وما في حيزها بدل من الأولى، وهذا مذهب سيبويه. السادس: أن يكون «أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ» مبتدأ وخبره الظرف مقدماً عليه، والجملة خبر عن (أَنَّكُمْ) الأولى، والتقدير: أيعدكم أنكم إخراجكم كائن أو مستقر وقت موتكم. ولا يجوز أن يكون العامل في «إذَا» «مُخْرَجُونَ» على كل قول لأن ما في حيز (أنَّ) لا يعمل فيما قبلها ولا يعمل فيها «متم» ، لأنه مضاف إليه، و «أَنَّكُمْ» وما في حيزه في محل نصب أو جر بعد حذف الحرف إذ الأصل: أيعدكم بأنكم ويجوز أن لا يقدر حرف جر، فيكون في محل نصب فقط نحو: وعدت زيداً خيراً. قوله: «هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ» . «هَيْهَاتَ» اسم فعل معناه: بَعُدَ، وكُرر للتوكيد وليست المسألة من التنازع، قال جرير: 3792 - فَهَيْهَات هَيْهَاتَ العقيقُ وأهلهُ ... وهَيْهَاتَ خِلٌّ بالعقيقِ نُوَاصِلُه وفسره الزجاج في عبارته بالمصدر، فقال: البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ، أو بُعْدٌ لِمَا تُوعَدُون فظاهرها أنه مصدر بدليل عطف الفعل عليه، ويمكن أن يكون فسّر المعنى فقط. و «هَيْهَات» اسم لفعل قاصر برفع الفاعل، وهنا قد جاء ما ظاهره الفاعل مجروراً باللام فمنهم من جعله على ظاهره وقال «مَا تُوعدُون» فاعل به، وزيدت فيه اللام التقدير: بَعُدَ بَعُدَ ما تُوعدُون،، وهو ضعيف: إذ لم يعهد زيادتها في الفاعل. ومنهم من جعل الفاعل مضمراً لدلالة الكلام عليه، فقدره أبو البقاء: هيهات التصديق، أو: الصحة لما توعدون. وقدّره غيره: بَعُدَ إخْرَاجُكُم. و (لِمَا تُوعَدُونَ) للبيان، قال الزمخشري: لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في «هَيْتَ لَكَ» لبيان المهيت به. وقال الزجاج: «البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ» فجعله مبتدأ والجار بعد الخبر. قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: (مَا تُوعَدُونَ) هو المستبعد، فمن حقه أن يرتفع ب «هَيْهَاتَ» كما ارتفع بقوله: 3793 - هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ العَقِيقُ وأَهْلُه ... فما هذه اللام؟ قُلتُ: قال الزجاج في تفسيره: البعْدُ لِمَا تُوعدُونَ أو بُعْدٌ لِمَا تُوعَدُونَ فيمن نَوّن، فنزّله منزلة المصدر. قال أبو حيان: وقول الزمخشري (فمن نَوّنه نزّله منزلة المصدر) ليس بواضح، لأنهم قد نَوّنُوا أسماء الأفعال ولا نقول: إنها إذا نُوّنت تنزلت منزلة المصادر. قال شهاب الدين: الزمخشري لم يقل كذا، إنما قال: فيمن نَوَّن نزله منزلة المصدر لأجل قوله: أو بُعْد، فالتنوين علة لتقديره إياه نكرة لا لكونه منزلاً منزلة المصدر، فإنّ أسماء الأفعال ما نُوّن منها نكرة، وما لم يُنوّن معرفة نحو: صَهْ وصَهٍ يقدر الأول بالسكوت، والثاني بسكوت ما. وقال ابن عطية: طوراً تلي الفاعل دون لام، تقول: هيهات مجيء زيد أي: بَعُدَ، وأحياناً يكون الفاعل محذوفاً عند اللام، كهذه الآية، والتقدير: بَعُدَ الوجودُ لمَا تُوعَدُونَ. ولم يستجيده أبو حيان من حيث قوله: حذف الفاعل، والفاعل لا يحذف، ومن حيث إنّ فيه حذف المصدر، وهو الموجود، وإبقاء معموله وهو «لِمَا تُوعَدُون» و «هَيْهَاتَ» الثاني تأكيد للأول تأكيداً لفظياً، وقد جاء غير مؤكد كقوله: 3794 - هَيْهَاتَ مَنْزِلُنَا بِنَعْفِ سُوَيْقَةٍ ... كانت مُبَارَكَةً على الأَيَّامِ وقال آخر: 3795 - هَيْهَاتَ نَاسٌ مِنْ أُنَاس دِيَارُهُمْ ... دُقَاق ودَارُ الآخِرِينَ الأَوَائِنُ وقال رؤبة: 3796 - هَيْهَاتَ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهَاؤُه ... قال القيسي شارح أبيات الإيضاح: وهذا مثل قولك: «بَعُدَ بُعْدَهُ» وذلك أَنَّه بَنَى من هذه اللفظة (فَعْلاَلاً) فجاء به مجيء القَلْقَال والزلزَال. والألف في «هَيْهَاتَ» غير الألف في (هَيْهَاؤُه) ، وهي في «هَيْهَاتَ» لام الفعل الثانية كقاف الحَقْحَقَة الثانية، وهي في (هَيْهَاؤُه) ألف الفعلال الزائدة. وفي هذه اللفظة لغات كثيرة تزيد على الأربعين، ذكر منها الصَّاغَانِي ستة وثلاثين لغة، وهي: (هَيْهَاتَ) ، وأَيْهَاتَ، وهَيْهَانَ، وأَيْهَانَ وهَيْهَاه، وأَيْهَاه كل واحد من هذه الستة مضمومة الآخرة ومفتوحته، ومكسورته، وكل واحدةٍ منها منوّنة وغير منوّنة، فتكون ستًّا وثلاثين. وحكى غيره: هَيْهَاك، وأَيْهَاكَ - بكاف الخطاب -، وأَيْهاء، وأَيْهَا، وهَيْهَاء، فأمّا المشهور ما قرئ به. فالمشهور «هَيْهَات» بفتح التاء من غير تنوين بُني لوقوعه موقع المبني، أو لشبهه بالحرف، وتقدم تحقيق ذلك وبها قرأ العامة وهي لغة أهل الحجاز. و «هَيْهَاتاً» بالفتح والتنوين، وبها قرأ أبو عمرو في رواية هارون عنه ونسبها ابن عطية لخالد بن إلياس. و «هَيْهَاتٌ» بالضم والتنوين وبها قرأ الأحمر وأبو حيوة. وبالضم من غير تنوين، ويروى عن أبي حيوة أيضاً، فعنه فيها وجهان وافقه أبو السمال في الأولى دون الثانية. و «هَيْهَاتٍ» بالكسر والتنوين، وبها قرأ عيسى وخالد بن إلياس. وبالكسر من غير تنوين، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة، وتُروى عن عيسى أيضاً وهي لغة تميم وأسد. و «هَيْهَاتْ» بإسكان التاء، وبها قرأ عيسى بن عمر الهمداني أيضاً وخارجة عن أبي عمرو والأعرج و «هَيْهَاه» بالهاء آخراً وصلاً ووقفاً. و «أيْهَاتَ» بإبدال الهاء همزة مع فتح التاء، وبهاتين قرأ بعض القراء فيما نقل أبو البقاء. فهذه تسع لغات قد قرئ بهنّ لم يتواتر منها غير الأولى. ويجوز إبدال الهمزة من الهاء الأولى في جميع ما تقدم فيكمل بذلك ست عشرة لغة. و «أَيْهَان» بالنون آخراً. و «أَيْهَا» بألف آخراً. فمن فتح التاء قالوا: فهي عنده اسم مفرد، ومن كسرها فهي عنده جمع تأنيث كزَيْنَبَات وهِنْدَات. ويُعْزَى هذا لسيبويه، لأنه قال: هي مثل بَيْضَات، فنسب إليه أنه جمع من ذلك، حتى قال بعض النحويين: مفردها (هَيْهَة) مثل بَيْضَة. وليس بشيء بل مفردها (هَيْهَاتَ) . قالوا: وكان يبغي على أصله أن يقال فيها: (هَيْهَيَات) بقلب ألف (هَيْهَاتَ) ياء، لزيادتها على الأربعة نحو: مَلْهَيَات، ومَغْزَيات، ومَرْمَيات، لأنها من بنات الأربعة المضعّفة من الياء من باب حَاحَيْتَ وصِيْصِية، وأصلها بوزن القَلْقلة والحَقْحَقَة فانقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت: هَيْهَاة كالسلْقَاة والجَعْبَاة. وإن كانت الياء التي انقلبت عنها ألف سلْقَاة وجَعْبَاة زائدة، وياء هَيْهية أصلاً، فلما جمعت كان قياسها على قولهم: أَرْطَيَاتٍ وعَلْقَيَاتٍ أن يقولوا فيها: (هَيْهَياتٍ) ، إلاّ أنهم حذفوا الألف لالتقاء الساكنين لمّا كانت في آخر اسم مبني كما حذفُوها في (ذان) ، و (اللَّتان) و (تان) : ليفصلوا بين الألفات في أواخر المبنية، والألفات في أواخر المتمكنة، وعلى هذا حذفوها في أولات وذَوَات، لتخالف ياء حَصَيات ونَوَيات. وقالوا: من فتح تاء (هَيْهَاتَ) فحقه أن يكتبها هاء، لأنها في مفرد كتَمْرة ونَواة، ومن كسرها فحقه أن يكتبها تاء، لأنها في جمع كهِنْدَات، وكذلك حكم الوقف سواء، ولا التفات إلى لغة: كيف الإخوهْ والأخواهْ، ولا هذه ثمرت، لقلتها، وقد رسمت في المصحف بالهاء. واختلف القراء في الوقف عليها، فمنهم من اتبع الرسم فوقف بالهاء وهما الكسائي والبزيّ عن ابن كثير. ومنهم من وقف بالتاء وهم الباقون. وكان ينبغي أن يكون الأكثر على الوقف بالهاء لوجهين: أحدهما: موافقة الرسم. والثاني: أنهم قالوا: المفتوح اسم مفرد أصله هَيْهَيَة كَوَلولة وقَلْقَلة في مضاعف الرباعي، وقد تقدم أن المفرد يوقف على تاء تأنيثه بالهاء. وأمّا التنوين فهو على قاعدة تنوين أسماء الأفعال دخوله دال على التنكير، وخروجه دال على التعريف. قال القيسي: من نَوّن اعتقد تنكيرها، وتصوَّرَ معنى المصدر النكرة، كأنه قال: بُعْداً بُعْداً. ومن لم يُنوّن اعتقد تعريفها، وتصوَّر معنى المصدر المعرفة، كأنه قال: البُعْدُ البُعْدُ فجعل التنوين دليل التنكير وعدمه دليل التعريف انتهى. ولا يوجد تنوين التنكير إلا في نوعين: أسماء الأفعال وأسماء الأصوات (نحو صَهْ وصَهٍ، وبَخْ وبَخٍ، والعلم المختوم ب (ويه)) نحو سيبويهِ وسيبويهٍ، وليس بقياس بمعنى: أنه ليس لك أن تنوّن منها ما شئت بل ما سمع تنوينه اعتقد تنكيره. والذي يقال في القراءات المتقدمة: إنّ من نوّن جعله للتنكير كما تقدم. ومن لم ينوّن جعل عدم التنوين للتعريف. ومن فتح فللخفةِ وللاتباع. ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين، ومن ضم فتشبيهاً بقَبْل وبَعْد. ومن سَكّن فلأنّ أصل البناء السكون. ومن وقف بالهاء فاتباعاً للرسم، ومن وقف بالتاء فعلى الأصل سواء كُسرت التاء أو فتحت، لأنّ الظاهر أنهما سواء، وإنما ذلك من تغيير اللغات وإن كان المنقول عن مذهب سيبويه ما تقدم. هكذا ينبغي أن تعلل القراءات المتقدمة. وقال ابن عطية فيمن ضم ونوّن: إنه اسم معرب مستقل مرفوع بالابتداء، وخبره «لِمَا تُوعدُونَ» أي: البُعْد لوعدكم، كما تقول: النجح لسعيك. وقال الرازي في اللوامح: فأمَّا مَنْ رَفَعَ وَنَوَّنَ احتمل أن يكونا اسمين متمكنين مرفوعين، خبرهما من حروف الجر بمعنى: البُعْدُ لِمَا تُوعَدُونَ، والتكرار للتأكيد، ويجوز أن يكونا اسماً للفعل، والضم للبناء مثل: حُوبُ في زجر الإبل لكنه نَوّنه (لكونه) نكرة. قال شهاب الدين: وكان ينبغي لابن عطية وأبي الفضل أن يجعلاه اسماً أيضاً في حالة النصب مع التنوين على أنه مصدر واقع موقع الفعل وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ مَا تُوعَدُونَ﴾ من غير لام جر. وهي واضحة، مؤيدة لمدعي زيادتها في قراءة العامة. و «ما» في «لِمَا تُوعَدُونَ» تحتمل المصدرية، أي: لوعدكم، وأن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوف، أي: توعدونه. قوله: «إنْ هِيَ» «هي» ضمير يفسره سياق الكلام، أي: إن الحياة إلا حياتنا. وقال الزمخشري: هذا ضمير لا يعلم ما يُراد به إلاَّ بما يتلوه من بيانه، وأصله: إن الحياة ﴿إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ ، فوضع «هي» موضع «الحياة» لأنّ الخبر يدل عليها ويبينها، ومنه: هي النَّفْس تتحمل مَا حُمِّلَتْ، وهي العَرَبُ تقول ما شَاءَتْ. وقد جعل بعضهم هذا القسم مما يفسر بما بعده لفظاً ورتبةً، ونسبه إلى الزمخشري متعلقاً بما نقلناه عنه. قال شهاب الدين: ولا تعلق له في ذلك. قوله: «نَمُوتُ ونَحْيَا» جملة مفسرة لما ادّعوه من أنَّ حياتهم ما هي إلا كذا. وزعم بعضهم أنَّ فيها دليلاً على عدم الترتيب في الواو، إذ المعنى: نحيا ونموت إذ هو الواقع. ولا دليل فيها لأنّ الظاهر من معناها يموت البعض منا ويحيا آخرون وهلم جرًّا يسير إلى انقراض العصر ويخلف غيره مكانه. وقل: نموت نحن ويحيا أبناؤنا. وقيل: القوم كانوا يعتقدون الرجعة أي: نموت ثم نحيا بعد ذلك الموت. فصل اعلم أنَّ القوم طعنوا في نبوّته بكونه بشراً يأكل ويشرب، ثم جعلوا طاعته خسراناً: أي: إنكم إن أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم بإزائها نفع، فذلك هو الخسران، ثم طعنوا في صحة الحشر والنشر، فقالوا: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾ معادون أحياء للمجازاة، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم، فقالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ ثم أكدوا ذلك بقولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ ولم يريدوا بقولهم: «نَمُوتُ ونَحْيَا» الشخص الواحد، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا، وأنه لا إعادة ولا حشر فلذلك قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ثم بنوا على هذا فطعنوا في نبوّته وقالوا لما أتى في دينه بهذا الباطل فقد ﴿افترى على الله كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ . واعلم أنَّ الله - تعالى - ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أمّا الأولى: فتقدم الجواب عنها. وأمّا إنكارهم الحشر والنشر فجوابه، أنّه لمّا كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على الحشر والنشر، وأيضاً: فلولا الإعادة لكان تسليط القويِّ على الضعيف في الدنيا ظلماً، وهو غير لائق بالحكيم على ما تقرر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى﴾ [طه: 15] . واعلم أنَّ الرسول لمّا يئس من قبول دعوته فزع إلى ربّه وقال: ﴿رَبِّ انصرني بِمَا كَذَّبُونِ﴾ وقد تقدّم تفسيره. فأجاب الله سؤاله وقال: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ . قوله: «عَمَّا قَلِيلٍ» في (ما) هذه وجهان: أحدهما: أنّها مزيدة بين الجار والمجرور للتوكيد كما زيدت الباء نحو: «فَبِمَا رَحْمَةٍ» ، وفي من نحو «مِمَّا خَطَايَاهُمْ» . و «قَلِيلٍ» صفة لزمن محذوف، أي: عن زمن قليل. والثاني: أنّها غير زائدة، بل هي نكرة بمعنى شيء أو زمن، و «قَلِيلٍ» صفتها، أو بدل منها، وهذا الجار فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه متعلق بقوله: «لَيُصْبِحُنَّ» ، أي: ليصبحن عن زمن قليل نادمين. الثاني: أنه متعلق ب «نَادِمِين» ، وهذا على أحد الأقوال في لام القسم، وذلك أنّ فيها ثلاثة أقوال: جواز تقديم معمول ما بعدها عليها مطلقاً، وهو قول الفراء وأبي عبيدة. والثاني: المنع مطلقاً، وهو قول جمهور البصريين. والثالث: التفصيل بين الظرف وعديله وبين غيرهما، فيجوز للاتساع ويمتنع في غيرهما فلا يجوز في: والله لأضربن زيداً، زيداً لأضربن لأنه غير ظرف ولا عديله. والثالث من الأوجه المتقدمة: أنّه متعلق بمحذوف تقديره: عَمّا قَلِيلٍ تنصر حذف لدلالة ما قبله عليه، وهو قوله: «رَبّ انْصُرْنِي» . وقرئ: «لَتُصْبِحُنَّ» بتاء الخطاب على الالتفات، أو على أنَّ القول صدر من الرسول لقومه بذلك. قوله: «عَمَّا قَلِيلٍ» الآية معناه أنه يظهر لهم علامات الهلال فعند ذلك يحصل لهم الحسرة والندامة على ترك القبول. ثم بيّن تعالى الهلاك الذي أنزل عليهم بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة بالحق﴾ قيل: إن جبريل - عليه السلام - صاح بهم صيحةً عظيمةً فهلكوا. وقال ابن عباس: الصيحة الرجفة. وعن الحسن: الصيحة نفس العذاب والموت. كما يقال فيمن يموت: دعي فأجاب. وقيل: هي العذاب المصطلم، قال الشاعر: 3797 - صاح الزمان بآل برمك صيحة ... خروا لشدتها على الأذقان والأول أولى لأنه الحقيقة. قوله: «بالحقِّ» أي: دمرناهم بالعدل، من قولك: فلانٌ يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضائه. وقال المُفضل: «بالحقِّ» بما لا مدفع له كقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: 19] . قوله: «فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً» الجعل بمعنى: التصيير، و «غُثَاءً» مفعول ثان، والغُثَاء: قيل: هو الجفاء، وتقدم في الرعد، قاله الأخفش وقال الزجاج: هو البالي من ورق الشجر والعيدان إذا جرى السيل خالط زبده واسود، ومنه قوله: «غُثَاءً أَحْوَى» وقيل: كل ما يلقيه السيل والقدر مما لا ينتفع به، وبه يُضْربُ المثل في ذلك ولامه واو، لأنه من غَثَا الوادي يَغْثُوا غَثْواً، وكذلك غَثَتِ القِدر، وأمّا غَثِيَتْ نَفْسُهُ تَغْثِي غَثَيَاناً، أي: خَبُثَتْ. فهو قريب من معناه، ولكنه من مادة الياء. وتشدد (ثاء) الغُثَاء، وتُخفَّف، وقد جمع على أَغْثَاء، وهو شاذ، بل كان قياسه أن يجمع على أغْثِية، كَأغْرِيَة، وعلى غِيثَان، كغِرْبَان، وغِلْمَان وأنشدوا لامرئ القيس: 3798 - مِنَ السَّيْلِ والغُثَّاءُ فَلْكَةُ مِغْزَلِ ... بتشديد الثاء، وتخفيفها، والجمع، أي: والأَغْثَاء. قوله: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ «بُعْداً» مصدر يذكر بدلاً من اللفظ بفعله فناصبه واجب الإضمار لأنه بمعنى الدعاء عليهم، والأصل: بَعُدَ بُعْداً وبَعَداً نحو رَشُدَ رُشْداً ورَشَداً وفي هذه اللام قولان: أظهرهما: أنها متعلقة بمحذوف للبيان، كهي في سَقْياً له، وجَدْعاً له. قاله الزمخشري. والثاني: أنَّها متعلقة ب «بُعْداً» قاله الحوفي. وهذا مردود، لأنه لا يُحفظ حذف هذه اللام، ووصول المصدر إلى مجرورها ألبتة، ولذلك منعوا الاشتغال في قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ﴾ [محمد: 8] لأن اللام لا تتعلق ب «تَعْساً» بل بمحذوف، وإن كان الزمخشري جَوَّز ذلك، وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. فصل «فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً» صيرناهم هلكى فَيَبِسُوا يَبْسَ الغثاء من نبات الأرض، «فَبُعْداً» بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير «لِلقَوْمِ الظَالِمِينَ» الكافرين، ذكر هذا على وجه الاستخفاف والإهانة لهم.

المؤمنون 23:42

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ﴾ أي: أقواماً آخرين. قيل: المراد قصة لُوط، وشعيب، وأيوب، ويوسف - صلوات الله عليهم أجمعين -، والمعنى: أنه ما أخلى الديار من المكلفين. ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ (مِنْ) صلة كأيّ: ما تَسْبِقُ أمة أجلها وقت هلاكها. وقيل: آجال حياتها وتكليفها. قال أهل السنة: هذه الآية تدل على أن المقتول ميّت بأجله، إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدّم الأجل أو تأخر، وذلك ينافيه هذا النص. قوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ في «تَتْرَى» وجهان: أظهرهما: أنه منصوب على الحال من «رُسُلنَا» ، يعني: متواترين أي: واحداً بعد واحد، أو متتابعين على حسب الخلاف في معناه. وحقيقته: أنه مصدر واقع موقع الحال. والثاني: أنه نعت مصدر محذوف، تقديره: إرسالاً تَتْرَى، أي: متتابعاً أو إرسالاً إثر إرسال وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر، وهي قراءة الشافعي «تَتْرًى» بالتنوين، ويقفون بالألف، وباقي السبعة «تَتْرَى» بألف صريحة دون تنوين، والوقف عندهم يكون بالياء، ويميله حمزة والكسائي، وهو مثل غَضْبَى وسَكْرَى، ولا يميله أبو عمرو في الوقف، وهذه هي اللغة المشهورة. فمن نَوّن فله وجهان: أحدهما: أنَّ وزن الكلمة فَعْلٌ كفَلْس فقوله: «تَتْرًى» كقولك: نصرته نَصْراً؛ ووزنه في قراءتهم «فَعْلاً» . وقد رُدَّ هذا الوجه، بأنه لم يحفظ جريان حركات الإعراب على رائه، فيقال: هذا تَتْرٌ، ورأيتُ تَتْراً، ومررت بتترٍ، نحو: هذا نصرٌ، ورأيت نصراً، ومررت بنصرٍ، فلمّا لم يحفظ ذلك بَطَلَ أن يكون وزنه (فَعْلاً) . الثاني: أنّ ألفه للإلحاق بِجَعْفَر، كهي في أَرْطَى وَعَلْقَى، فلما نُوّن ذهبت لالتقاء الساكنين وهذا أقرب مما قبله، ولكنه يلزم منه وجود ألف الإلحاق في المصادر، وهو نادر (ومن لم يُنوّن، فله فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الألف بدل من التنوين في حالة الوقف. والثاني: أنها للإلحاق كأَرْطَى وعَلْقَى) . الثالث: أنها للتأنيث كدَعْوَى، وهي واضحة. فتحصّل في ألفه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بدل من التنوين في الوقف. الثاني: أنها للإلحاق. الثالث: أنها للتأنيث. واختلفوا فيها هل هي مصدر كَدَعْوَى و «ذِكْرَى» ، أو اسم جمع ك «أَسْرَى» و «شَتَّى» ؟ كذا قاله أبو حيان. وفيه نظر: إذ المشهور أن «أَسْرَى» و «شَتَّى» جمعا تكسير لا اسما جمع. وتاؤها في الأصل واو لأنها من المواترة، والوتر، فقلبت تاء كما قلبت تاء في «تَوْرِيَة» ، وتَوْلَج، وتَيْقُور، وتخمة وتراث، وتجاه فإنه من الوَرْي والولُوج، والوَقَار، والوَخَامَة، والورَاثة، والوَجه. واختلفوا في مدلولها، فعن الأصمعي: واحداً بعد واحد وبينهما هُنَيْهَة وقال غيره: هو من المُوَاتَرَة، وهي التتابع بغير مُهْلَة. وقال الراغب: والتوَاتُر تَتَابُع الشيء وِتْراً وفُرَادَى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ . والوَتِيرة: السَّجية والطريقة، يقال: هم على وَتِيرةٍ واحدةٍ. والتِّرَةُ: الذَّحْلَ والوَتِيرة: الحاجز بن المنخرين. قوله: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ أي: أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدّم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة، ولذلك قال: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ بالإهلاك. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ قيل: هو جمع حديث، ولكنه شاذ. والمعنى: سَمَراً وقصصاً يحدث من بعدهم بأمرهم، ولم يبق منهم عين ولا أثر إلا الحديث الذي يعتبر به. وقيل: بل هو جمع أُحْدُوثة، كأُضْحُوكة وأُعْجُوبَة، وهو ما يحدث به الناس تَلهياً وتَعَجُّباً. وقال الأخفش: لا يقال ذلك إلا في الشر ولا يقال في الخير وقد شذت العرب في ألفاظ، فجمعوها على صيغة (أفَاعيل) كأباطيل وأقاطيع. وقال الزمخشري: الأحاديث يكون اسم جمع للحديث، ومنه أحاديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقال أبو حيان: و (أفاعيل) ليس من أبنية اسم الجمع، فإنما ذكره النحاة فيما شذ من الجموع كقَطِيع وأقَاطِيع، وإذا كان عَبَادِيد قد حكموا عليه بأنه جمع تكسير مع أنهم لم يلفظوا له بواحد، فأحرى أحاديث وقد لفظ له بواحد وهو حديث فاتضح أنه جمع تكسير لا اسم جمع لما ذكرنا. ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ وهذا دعاء، وذم، وتوبيخ، وذلك وعيد شديد.

المؤمنون 23:43

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ﴾ أي: أقواماً آخرين. قيل: المراد قصة لُوط، وشعيب، وأيوب، ويوسف - صلوات الله عليهم أجمعين -، والمعنى: أنه ما أخلى الديار من المكلفين. ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ (مِنْ) صلة كأيّ: ما تَسْبِقُ أمة أجلها وقت هلاكها. وقيل: آجال حياتها وتكليفها. قال أهل السنة: هذه الآية تدل على أن المقتول ميّت بأجله، إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدّم الأجل أو تأخر، وذلك ينافيه هذا النص. قوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ في «تَتْرَى» وجهان: أظهرهما: أنه منصوب على الحال من «رُسُلنَا» ، يعني: متواترين أي: واحداً بعد واحد، أو متتابعين على حسب الخلاف في معناه. وحقيقته: أنه مصدر واقع موقع الحال. والثاني: أنه نعت مصدر محذوف، تقديره: إرسالاً تَتْرَى، أي: متتابعاً أو إرسالاً إثر إرسال وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر، وهي قراءة الشافعي «تَتْرًى» بالتنوين، ويقفون بالألف، وباقي السبعة «تَتْرَى» بألف صريحة دون تنوين، والوقف عندهم يكون بالياء، ويميله حمزة والكسائي، وهو مثل غَضْبَى وسَكْرَى، ولا يميله أبو عمرو في الوقف، وهذه هي اللغة المشهورة. فمن نَوّن فله وجهان: أحدهما: أنَّ وزن الكلمة فَعْلٌ كفَلْس فقوله: «تَتْرًى» كقولك: نصرته نَصْراً؛ ووزنه في قراءتهم «فَعْلاً» . وقد رُدَّ هذا الوجه، بأنه لم يحفظ جريان حركات الإعراب على رائه، فيقال: هذا تَتْرٌ، ورأيتُ تَتْراً، ومررت بتترٍ، نحو: هذا نصرٌ، ورأيت نصراً، ومررت بنصرٍ، فلمّا لم يحفظ ذلك بَطَلَ أن يكون وزنه (فَعْلاً) . الثاني: أنّ ألفه للإلحاق بِجَعْفَر، كهي في أَرْطَى وَعَلْقَى، فلما نُوّن ذهبت لالتقاء الساكنين وهذا أقرب مما قبله، ولكنه يلزم منه وجود ألف الإلحاق في المصادر، وهو نادر (ومن لم يُنوّن، فله فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الألف بدل من التنوين في حالة الوقف. والثاني: أنها للإلحاق كأَرْطَى وعَلْقَى) . الثالث: أنها للتأنيث كدَعْوَى، وهي واضحة. فتحصّل في ألفه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بدل من التنوين في الوقف. الثاني: أنها للإلحاق. الثالث: أنها للتأنيث. واختلفوا فيها هل هي مصدر كَدَعْوَى و «ذِكْرَى» ، أو اسم جمع ك «أَسْرَى» و «شَتَّى» ؟ كذا قاله أبو حيان. وفيه نظر: إذ المشهور أن «أَسْرَى» و «شَتَّى» جمعا تكسير لا اسما جمع. وتاؤها في الأصل واو لأنها من المواترة، والوتر، فقلبت تاء كما قلبت تاء في «تَوْرِيَة» ، وتَوْلَج، وتَيْقُور، وتخمة وتراث، وتجاه فإنه من الوَرْي والولُوج، والوَقَار، والوَخَامَة، والورَاثة، والوَجه. واختلفوا في مدلولها، فعن الأصمعي: واحداً بعد واحد وبينهما هُنَيْهَة وقال غيره: هو من المُوَاتَرَة، وهي التتابع بغير مُهْلَة. وقال الراغب: والتوَاتُر تَتَابُع الشيء وِتْراً وفُرَادَى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ . والوَتِيرة: السَّجية والطريقة، يقال: هم على وَتِيرةٍ واحدةٍ. والتِّرَةُ: الذَّحْلَ والوَتِيرة: الحاجز بن المنخرين. قوله: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ أي: أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدّم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة، ولذلك قال: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ بالإهلاك. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ قيل: هو جمع حديث، ولكنه شاذ. والمعنى: سَمَراً وقصصاً يحدث من بعدهم بأمرهم، ولم يبق منهم عين ولا أثر إلا الحديث الذي يعتبر به. وقيل: بل هو جمع أُحْدُوثة، كأُضْحُوكة وأُعْجُوبَة، وهو ما يحدث به الناس تَلهياً وتَعَجُّباً. وقال الأخفش: لا يقال ذلك إلا في الشر ولا يقال في الخير وقد شذت العرب في ألفاظ، فجمعوها على صيغة (أفَاعيل) كأباطيل وأقاطيع. وقال الزمخشري: الأحاديث يكون اسم جمع للحديث، ومنه أحاديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقال أبو حيان: و (أفاعيل) ليس من أبنية اسم الجمع، فإنما ذكره النحاة فيما شذ من الجموع كقَطِيع وأقَاطِيع، وإذا كان عَبَادِيد قد حكموا عليه بأنه جمع تكسير مع أنهم لم يلفظوا له بواحد، فأحرى أحاديث وقد لفظ له بواحد وهو حديث فاتضح أنه جمع تكسير لا اسم جمع لما ذكرنا. ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ وهذا دعاء، وذم، وتوبيخ، وذلك وعيد شديد.

المؤمنون 23:44

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ﴾ أي: أقواماً آخرين. قيل: المراد قصة لُوط، وشعيب، وأيوب، ويوسف - صلوات الله عليهم أجمعين -، والمعنى: أنه ما أخلى الديار من المكلفين. ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ (مِنْ) صلة كأيّ: ما تَسْبِقُ أمة أجلها وقت هلاكها. وقيل: آجال حياتها وتكليفها. قال أهل السنة: هذه الآية تدل على أن المقتول ميّت بأجله، إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدّم الأجل أو تأخر، وذلك ينافيه هذا النص. قوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ في «تَتْرَى» وجهان: أظهرهما: أنه منصوب على الحال من «رُسُلنَا» ، يعني: متواترين أي: واحداً بعد واحد، أو متتابعين على حسب الخلاف في معناه. وحقيقته: أنه مصدر واقع موقع الحال. والثاني: أنه نعت مصدر محذوف، تقديره: إرسالاً تَتْرَى، أي: متتابعاً أو إرسالاً إثر إرسال وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر، وهي قراءة الشافعي «تَتْرًى» بالتنوين، ويقفون بالألف، وباقي السبعة «تَتْرَى» بألف صريحة دون تنوين، والوقف عندهم يكون بالياء، ويميله حمزة والكسائي، وهو مثل غَضْبَى وسَكْرَى، ولا يميله أبو عمرو في الوقف، وهذه هي اللغة المشهورة. فمن نَوّن فله وجهان: أحدهما: أنَّ وزن الكلمة فَعْلٌ كفَلْس فقوله: «تَتْرًى» كقولك: نصرته نَصْراً؛ ووزنه في قراءتهم «فَعْلاً» . وقد رُدَّ هذا الوجه، بأنه لم يحفظ جريان حركات الإعراب على رائه، فيقال: هذا تَتْرٌ، ورأيتُ تَتْراً، ومررت بتترٍ، نحو: هذا نصرٌ، ورأيت نصراً، ومررت بنصرٍ، فلمّا لم يحفظ ذلك بَطَلَ أن يكون وزنه (فَعْلاً) . الثاني: أنّ ألفه للإلحاق بِجَعْفَر، كهي في أَرْطَى وَعَلْقَى، فلما نُوّن ذهبت لالتقاء الساكنين وهذا أقرب مما قبله، ولكنه يلزم منه وجود ألف الإلحاق في المصادر، وهو نادر (ومن لم يُنوّن، فله فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الألف بدل من التنوين في حالة الوقف. والثاني: أنها للإلحاق كأَرْطَى وعَلْقَى) . الثالث: أنها للتأنيث كدَعْوَى، وهي واضحة. فتحصّل في ألفه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بدل من التنوين في الوقف. الثاني: أنها للإلحاق. الثالث: أنها للتأنيث. واختلفوا فيها هل هي مصدر كَدَعْوَى و «ذِكْرَى» ، أو اسم جمع ك «أَسْرَى» و «شَتَّى» ؟ كذا قاله أبو حيان. وفيه نظر: إذ المشهور أن «أَسْرَى» و «شَتَّى» جمعا تكسير لا اسما جمع. وتاؤها في الأصل واو لأنها من المواترة، والوتر، فقلبت تاء كما قلبت تاء في «تَوْرِيَة» ، وتَوْلَج، وتَيْقُور، وتخمة وتراث، وتجاه فإنه من الوَرْي والولُوج، والوَقَار، والوَخَامَة، والورَاثة، والوَجه. واختلفوا في مدلولها، فعن الأصمعي: واحداً بعد واحد وبينهما هُنَيْهَة وقال غيره: هو من المُوَاتَرَة، وهي التتابع بغير مُهْلَة. وقال الراغب: والتوَاتُر تَتَابُع الشيء وِتْراً وفُرَادَى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ . والوَتِيرة: السَّجية والطريقة، يقال: هم على وَتِيرةٍ واحدةٍ. والتِّرَةُ: الذَّحْلَ والوَتِيرة: الحاجز بن المنخرين. قوله: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ أي: أنهم سلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من تقدّم ذكره ممن أهلكه الله بالغرق والصيحة، ولذلك قال: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ بالإهلاك. قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ قيل: هو جمع حديث، ولكنه شاذ. والمعنى: سَمَراً وقصصاً يحدث من بعدهم بأمرهم، ولم يبق منهم عين ولا أثر إلا الحديث الذي يعتبر به. وقيل: بل هو جمع أُحْدُوثة، كأُضْحُوكة وأُعْجُوبَة، وهو ما يحدث به الناس تَلهياً وتَعَجُّباً. وقال الأخفش: لا يقال ذلك إلا في الشر ولا يقال في الخير وقد شذت العرب في ألفاظ، فجمعوها على صيغة (أفَاعيل) كأباطيل وأقاطيع. وقال الزمخشري: الأحاديث يكون اسم جمع للحديث، ومنه أحاديث رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقال أبو حيان: و (أفاعيل) ليس من أبنية اسم الجمع، فإنما ذكره النحاة فيما شذ من الجموع كقَطِيع وأقَاطِيع، وإذا كان عَبَادِيد قد حكموا عليه بأنه جمع تكسير مع أنهم لم يلفظوا له بواحد، فأحرى أحاديث وقد لفظ له بواحد وهو حديث فاتضح أنه جمع تكسير لا اسم جمع لما ذكرنا. ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ وهذا دعاء، وذم، وتوبيخ، وذلك وعيد شديد.

المؤمنون 23:45

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا موسى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ الآية. يجوز أن يكون «هَارُونَ» بدلاً، وأن يكون بياناً، وأن يكون منصوباً بإضمار أعني. واختلفوا في الآيات، فقال ابن عباس: هي الآيات التسع وهي العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والبحر، والسنين، ونقص الثمرات. وقال الحسن: «بآيَاتِنَا» أي: بديننا. واحتج بأن المراد لو كان الآيات وهي المعجزات، والسلطان المبين: هو أيضاً المعجز، لزم منه عطف الشيء على نفسه. والأول أقرب، لأنّ لفظ الآيات إذا ذكر مع الرسول فالمراد به المعجزات. وأما احتجاجه فالجواب عنه من وجوه: الأول: أنّ المراد بالسلطان المبين: يجوز أن يكون أشرف معجزاته، وهي العصا، لأن فيها معجزات شتّى من انقلابها حيّة وتلقّفها ما صنع السحرة، وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها، وكونها حارساً، وشمعةً، وشجرة مثمرة، ودَلْواً، ورشَاءً، فلاجتماع هذه الفضائل فيها أفردت بالذكر كقوله: «وجِبْرِيلَ ومِيكَالَ» . والثاني: يجوز أن يكون المراد بالآيات نفس تلك المعجزات، وبالسلطان المبين كيفيّة دلالتها على الصدق، فلأنها وإن شاركت آيات سائر الأنبياء في كونها آيات فقد فارقتها في قوة دلالتها على قبول قول موسى - عليه السلام -. الثالث: أن يكون المراد بالسلطان المبين استيلاء موسى - عليه السلام - عليهم في الاستدلال على وجود الصانع، وإثبات النبوّة، وأنه ما كان يقيم لهم قدراً ولا وزناً. واعلم أنَّ الآية تدل على أنّ معجزات موسى كانت معجزات هارون أيضاً وأنّ النبوة مشتركة بينهما، فكذلك المعجزات. ثم قال: ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فاستكبروا﴾ وتعظموا عن الإيمان ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾ متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم. قوله: «لِبَشَرَيْنِ» شر يقع على الواحد والمثنى والمجموع، والمذكر والمؤنث قال تعالى: ﴿مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ﴾ [يس: 15] ، وقد يطابق، ومنه هذه الآية وأما إفراد «مِثْلِنَا» ، فلأنه يجري مجرى المصادر في الإفراد والتذكير، ولا يؤنث أصلاً، وقد يطابق ما هو له تثنية لقوله: ﴿مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين﴾ [آل عمران: 13] وجمعاً كقوله: ﴿ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38] . وقيل: أريد المماثلة في البشريّة لا الكمية. وقيل: اكتفى بالواحد عن الاثنين. ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ جملة حالية. فصل «فَقَالُوا» يعني لفرعون وقومه ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ يعنون موسى وهارون ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ مطيعون متذللون. قال أبو عبيدة: والعرب تسمي كل من دان لِملك عابداً له ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية، وإن طاعة الناس له عبادة، ولمّا خطر ببالهم هذه الشبهة صرحوا بالتكذيب، ولمّا كان التكذيب كالعلّة لهلاكهم لا جَرَم رتّبه عليه بفاء التعقيب، فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ المهلكين﴾ أي: بالغرق (أي: فيمن حكم عليهم بالغرق) فإن الغرق لم يحصل عقيب التكذيب، (إنما حصل عقيب التكذيب) حكم الله - تعالى - عليهم بالغرق في الوقت اللائق به. قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب﴾ قيل: أراد قوم موسى، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولذلك أعاد الضمير من قوله: «لَعَلَّهُم» عليهم. وفيه نَظَر، إذ يجوز عود الضمير على القوم من غير تقدير إضافتهم إلى موسى، ويكون هدايتهم مترتبة على إيتاء التوراة لموسى. قال الزمخشري: لا يجوز أن يرجع الضمير في «لَعَلَّهُم» إلى فرعون وملئه لأن التوراة إنما أوتيت بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون، بدليل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى﴾ [القصص: 43] . بل المعنى الصحيح ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يعملون بشرائعها، ومواعظها، فذكر موسى والمراد آل موسى كما يقال: هاشم وثقيف. والمراد قومهم.

المؤمنون 23:46

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا موسى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ الآية. يجوز أن يكون «هَارُونَ» بدلاً، وأن يكون بياناً، وأن يكون منصوباً بإضمار أعني. واختلفوا في الآيات، فقال ابن عباس: هي الآيات التسع وهي العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والبحر، والسنين، ونقص الثمرات. وقال الحسن: «بآيَاتِنَا» أي: بديننا. واحتج بأن المراد لو كان الآيات وهي المعجزات، والسلطان المبين: هو أيضاً المعجز، لزم منه عطف الشيء على نفسه. والأول أقرب، لأنّ لفظ الآيات إذا ذكر مع الرسول فالمراد به المعجزات. وأما احتجاجه فالجواب عنه من وجوه: الأول: أنّ المراد بالسلطان المبين: يجوز أن يكون أشرف معجزاته، وهي العصا، لأن فيها معجزات شتّى من انقلابها حيّة وتلقّفها ما صنع السحرة، وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها، وكونها حارساً، وشمعةً، وشجرة مثمرة، ودَلْواً، ورشَاءً، فلاجتماع هذه الفضائل فيها أفردت بالذكر كقوله: «وجِبْرِيلَ ومِيكَالَ» . والثاني: يجوز أن يكون المراد بالآيات نفس تلك المعجزات، وبالسلطان المبين كيفيّة دلالتها على الصدق، فلأنها وإن شاركت آيات سائر الأنبياء في كونها آيات فقد فارقتها في قوة دلالتها على قبول قول موسى - عليه السلام -. الثالث: أن يكون المراد بالسلطان المبين استيلاء موسى - عليه السلام - عليهم في الاستدلال على وجود الصانع، وإثبات النبوّة، وأنه ما كان يقيم لهم قدراً ولا وزناً. واعلم أنَّ الآية تدل على أنّ معجزات موسى كانت معجزات هارون أيضاً وأنّ النبوة مشتركة بينهما، فكذلك المعجزات. ثم قال: ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فاستكبروا﴾ وتعظموا عن الإيمان ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾ متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم. قوله: «لِبَشَرَيْنِ» شر يقع على الواحد والمثنى والمجموع، والمذكر والمؤنث قال تعالى: ﴿مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ﴾ [يس: 15] ، وقد يطابق، ومنه هذه الآية وأما إفراد «مِثْلِنَا» ، فلأنه يجري مجرى المصادر في الإفراد والتذكير، ولا يؤنث أصلاً، وقد يطابق ما هو له تثنية لقوله: ﴿مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين﴾ [آل عمران: 13] وجمعاً كقوله: ﴿ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38] . وقيل: أريد المماثلة في البشريّة لا الكمية. وقيل: اكتفى بالواحد عن الاثنين. ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ جملة حالية. فصل «فَقَالُوا» يعني لفرعون وقومه ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ يعنون موسى وهارون ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ مطيعون متذللون. قال أبو عبيدة: والعرب تسمي كل من دان لِملك عابداً له ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية، وإن طاعة الناس له عبادة، ولمّا خطر ببالهم هذه الشبهة صرحوا بالتكذيب، ولمّا كان التكذيب كالعلّة لهلاكهم لا جَرَم رتّبه عليه بفاء التعقيب، فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ المهلكين﴾ أي: بالغرق (أي: فيمن حكم عليهم بالغرق) فإن الغرق لم يحصل عقيب التكذيب، (إنما حصل عقيب التكذيب) حكم الله - تعالى - عليهم بالغرق في الوقت اللائق به. قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب﴾ قيل: أراد قوم موسى، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولذلك أعاد الضمير من قوله: «لَعَلَّهُم» عليهم. وفيه نَظَر، إذ يجوز عود الضمير على القوم من غير تقدير إضافتهم إلى موسى، ويكون هدايتهم مترتبة على إيتاء التوراة لموسى. قال الزمخشري: لا يجوز أن يرجع الضمير في «لَعَلَّهُم» إلى فرعون وملئه لأن التوراة إنما أوتيت بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون، بدليل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى﴾ [القصص: 43] . بل المعنى الصحيح ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يعملون بشرائعها، ومواعظها، فذكر موسى والمراد آل موسى كما يقال: هاشم وثقيف. والمراد قومهم.

المؤمنون 23:47

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا موسى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ الآية. يجوز أن يكون «هَارُونَ» بدلاً، وأن يكون بياناً، وأن يكون منصوباً بإضمار أعني. واختلفوا في الآيات، فقال ابن عباس: هي الآيات التسع وهي العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والبحر، والسنين، ونقص الثمرات. وقال الحسن: «بآيَاتِنَا» أي: بديننا. واحتج بأن المراد لو كان الآيات وهي المعجزات، والسلطان المبين: هو أيضاً المعجز، لزم منه عطف الشيء على نفسه. والأول أقرب، لأنّ لفظ الآيات إذا ذكر مع الرسول فالمراد به المعجزات. وأما احتجاجه فالجواب عنه من وجوه: الأول: أنّ المراد بالسلطان المبين: يجوز أن يكون أشرف معجزاته، وهي العصا، لأن فيها معجزات شتّى من انقلابها حيّة وتلقّفها ما صنع السحرة، وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها، وكونها حارساً، وشمعةً، وشجرة مثمرة، ودَلْواً، ورشَاءً، فلاجتماع هذه الفضائل فيها أفردت بالذكر كقوله: «وجِبْرِيلَ ومِيكَالَ» . والثاني: يجوز أن يكون المراد بالآيات نفس تلك المعجزات، وبالسلطان المبين كيفيّة دلالتها على الصدق، فلأنها وإن شاركت آيات سائر الأنبياء في كونها آيات فقد فارقتها في قوة دلالتها على قبول قول موسى - عليه السلام -. الثالث: أن يكون المراد بالسلطان المبين استيلاء موسى - عليه السلام - عليهم في الاستدلال على وجود الصانع، وإثبات النبوّة، وأنه ما كان يقيم لهم قدراً ولا وزناً. واعلم أنَّ الآية تدل على أنّ معجزات موسى كانت معجزات هارون أيضاً وأنّ النبوة مشتركة بينهما، فكذلك المعجزات. ثم قال: ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فاستكبروا﴾ وتعظموا عن الإيمان ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾ متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم. قوله: «لِبَشَرَيْنِ» شر يقع على الواحد والمثنى والمجموع، والمذكر والمؤنث قال تعالى: ﴿مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ﴾ [يس: 15] ، وقد يطابق، ومنه هذه الآية وأما إفراد «مِثْلِنَا» ، فلأنه يجري مجرى المصادر في الإفراد والتذكير، ولا يؤنث أصلاً، وقد يطابق ما هو له تثنية لقوله: ﴿مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين﴾ [آل عمران: 13] وجمعاً كقوله: ﴿ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38] . وقيل: أريد المماثلة في البشريّة لا الكمية. وقيل: اكتفى بالواحد عن الاثنين. ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ جملة حالية. فصل «فَقَالُوا» يعني لفرعون وقومه ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ يعنون موسى وهارون ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ مطيعون متذللون. قال أبو عبيدة: والعرب تسمي كل من دان لِملك عابداً له ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية، وإن طاعة الناس له عبادة، ولمّا خطر ببالهم هذه الشبهة صرحوا بالتكذيب، ولمّا كان التكذيب كالعلّة لهلاكهم لا جَرَم رتّبه عليه بفاء التعقيب، فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ المهلكين﴾ أي: بالغرق (أي: فيمن حكم عليهم بالغرق) فإن الغرق لم يحصل عقيب التكذيب، (إنما حصل عقيب التكذيب) حكم الله - تعالى - عليهم بالغرق في الوقت اللائق به. قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب﴾ قيل: أراد قوم موسى، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولذلك أعاد الضمير من قوله: «لَعَلَّهُم» عليهم. وفيه نَظَر، إذ يجوز عود الضمير على القوم من غير تقدير إضافتهم إلى موسى، ويكون هدايتهم مترتبة على إيتاء التوراة لموسى. قال الزمخشري: لا يجوز أن يرجع الضمير في «لَعَلَّهُم» إلى فرعون وملئه لأن التوراة إنما أوتيت بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون، بدليل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى﴾ [القصص: 43] . بل المعنى الصحيح ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يعملون بشرائعها، ومواعظها، فذكر موسى والمراد آل موسى كما يقال: هاشم وثقيف. والمراد قومهم.

المؤمنون 23:48

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا موسى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ الآية. يجوز أن يكون «هَارُونَ» بدلاً، وأن يكون بياناً، وأن يكون منصوباً بإضمار أعني. واختلفوا في الآيات، فقال ابن عباس: هي الآيات التسع وهي العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والبحر، والسنين، ونقص الثمرات. وقال الحسن: «بآيَاتِنَا» أي: بديننا. واحتج بأن المراد لو كان الآيات وهي المعجزات، والسلطان المبين: هو أيضاً المعجز، لزم منه عطف الشيء على نفسه. والأول أقرب، لأنّ لفظ الآيات إذا ذكر مع الرسول فالمراد به المعجزات. وأما احتجاجه فالجواب عنه من وجوه: الأول: أنّ المراد بالسلطان المبين: يجوز أن يكون أشرف معجزاته، وهي العصا، لأن فيها معجزات شتّى من انقلابها حيّة وتلقّفها ما صنع السحرة، وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها، وكونها حارساً، وشمعةً، وشجرة مثمرة، ودَلْواً، ورشَاءً، فلاجتماع هذه الفضائل فيها أفردت بالذكر كقوله: «وجِبْرِيلَ ومِيكَالَ» . والثاني: يجوز أن يكون المراد بالآيات نفس تلك المعجزات، وبالسلطان المبين كيفيّة دلالتها على الصدق، فلأنها وإن شاركت آيات سائر الأنبياء في كونها آيات فقد فارقتها في قوة دلالتها على قبول قول موسى - عليه السلام -. الثالث: أن يكون المراد بالسلطان المبين استيلاء موسى - عليه السلام - عليهم في الاستدلال على وجود الصانع، وإثبات النبوّة، وأنه ما كان يقيم لهم قدراً ولا وزناً. واعلم أنَّ الآية تدل على أنّ معجزات موسى كانت معجزات هارون أيضاً وأنّ النبوة مشتركة بينهما، فكذلك المعجزات. ثم قال: ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فاستكبروا﴾ وتعظموا عن الإيمان ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾ متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم. قوله: «لِبَشَرَيْنِ» شر يقع على الواحد والمثنى والمجموع، والمذكر والمؤنث قال تعالى: ﴿مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ﴾ [يس: 15] ، وقد يطابق، ومنه هذه الآية وأما إفراد «مِثْلِنَا» ، فلأنه يجري مجرى المصادر في الإفراد والتذكير، ولا يؤنث أصلاً، وقد يطابق ما هو له تثنية لقوله: ﴿مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين﴾ [آل عمران: 13] وجمعاً كقوله: ﴿ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38] . وقيل: أريد المماثلة في البشريّة لا الكمية. وقيل: اكتفى بالواحد عن الاثنين. ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ جملة حالية. فصل «فَقَالُوا» يعني لفرعون وقومه ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ يعنون موسى وهارون ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ مطيعون متذللون. قال أبو عبيدة: والعرب تسمي كل من دان لِملك عابداً له ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية، وإن طاعة الناس له عبادة، ولمّا خطر ببالهم هذه الشبهة صرحوا بالتكذيب، ولمّا كان التكذيب كالعلّة لهلاكهم لا جَرَم رتّبه عليه بفاء التعقيب، فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ المهلكين﴾ أي: بالغرق (أي: فيمن حكم عليهم بالغرق) فإن الغرق لم يحصل عقيب التكذيب، (إنما حصل عقيب التكذيب) حكم الله - تعالى - عليهم بالغرق في الوقت اللائق به. قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب﴾ قيل: أراد قوم موسى، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولذلك أعاد الضمير من قوله: «لَعَلَّهُم» عليهم. وفيه نَظَر، إذ يجوز عود الضمير على القوم من غير تقدير إضافتهم إلى موسى، ويكون هدايتهم مترتبة على إيتاء التوراة لموسى. قال الزمخشري: لا يجوز أن يرجع الضمير في «لَعَلَّهُم» إلى فرعون وملئه لأن التوراة إنما أوتيت بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون، بدليل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى﴾ [القصص: 43] . بل المعنى الصحيح ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يعملون بشرائعها، ومواعظها، فذكر موسى والمراد آل موسى كما يقال: هاشم وثقيف. والمراد قومهم.

المؤمنون 23:49

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا موسى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ الآية. يجوز أن يكون «هَارُونَ» بدلاً، وأن يكون بياناً، وأن يكون منصوباً بإضمار أعني. واختلفوا في الآيات، فقال ابن عباس: هي الآيات التسع وهي العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والبحر، والسنين، ونقص الثمرات. وقال الحسن: «بآيَاتِنَا» أي: بديننا. واحتج بأن المراد لو كان الآيات وهي المعجزات، والسلطان المبين: هو أيضاً المعجز، لزم منه عطف الشيء على نفسه. والأول أقرب، لأنّ لفظ الآيات إذا ذكر مع الرسول فالمراد به المعجزات. وأما احتجاجه فالجواب عنه من وجوه: الأول: أنّ المراد بالسلطان المبين: يجوز أن يكون أشرف معجزاته، وهي العصا، لأن فيها معجزات شتّى من انقلابها حيّة وتلقّفها ما صنع السحرة، وانفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها، وكونها حارساً، وشمعةً، وشجرة مثمرة، ودَلْواً، ورشَاءً، فلاجتماع هذه الفضائل فيها أفردت بالذكر كقوله: «وجِبْرِيلَ ومِيكَالَ» . والثاني: يجوز أن يكون المراد بالآيات نفس تلك المعجزات، وبالسلطان المبين كيفيّة دلالتها على الصدق، فلأنها وإن شاركت آيات سائر الأنبياء في كونها آيات فقد فارقتها في قوة دلالتها على قبول قول موسى - عليه السلام -. الثالث: أن يكون المراد بالسلطان المبين استيلاء موسى - عليه السلام - عليهم في الاستدلال على وجود الصانع، وإثبات النبوّة، وأنه ما كان يقيم لهم قدراً ولا وزناً. واعلم أنَّ الآية تدل على أنّ معجزات موسى كانت معجزات هارون أيضاً وأنّ النبوة مشتركة بينهما، فكذلك المعجزات. ثم قال: ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فاستكبروا﴾ وتعظموا عن الإيمان ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾ متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم. قوله: «لِبَشَرَيْنِ» شر يقع على الواحد والمثنى والمجموع، والمذكر والمؤنث قال تعالى: ﴿مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ﴾ [يس: 15] ، وقد يطابق، ومنه هذه الآية وأما إفراد «مِثْلِنَا» ، فلأنه يجري مجرى المصادر في الإفراد والتذكير، ولا يؤنث أصلاً، وقد يطابق ما هو له تثنية لقوله: ﴿مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ العين﴾ [آل عمران: 13] وجمعاً كقوله: ﴿ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38] . وقيل: أريد المماثلة في البشريّة لا الكمية. وقيل: اكتفى بالواحد عن الاثنين. ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ جملة حالية. فصل «فَقَالُوا» يعني لفرعون وقومه ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ يعنون موسى وهارون ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ مطيعون متذللون. قال أبو عبيدة: والعرب تسمي كل من دان لِملك عابداً له ويحتمل أن يقال: إنه كان يدعي الإلهية، وإن طاعة الناس له عبادة، ولمّا خطر ببالهم هذه الشبهة صرحوا بالتكذيب، ولمّا كان التكذيب كالعلّة لهلاكهم لا جَرَم رتّبه عليه بفاء التعقيب، فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ المهلكين﴾ أي: بالغرق (أي: فيمن حكم عليهم بالغرق) فإن الغرق لم يحصل عقيب التكذيب، (إنما حصل عقيب التكذيب) حكم الله - تعالى - عليهم بالغرق في الوقت اللائق به. قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب﴾ قيل: أراد قوم موسى، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ولذلك أعاد الضمير من قوله: «لَعَلَّهُم» عليهم. وفيه نَظَر، إذ يجوز عود الضمير على القوم من غير تقدير إضافتهم إلى موسى، ويكون هدايتهم مترتبة على إيتاء التوراة لموسى. قال الزمخشري: لا يجوز أن يرجع الضمير في «لَعَلَّهُم» إلى فرعون وملئه لأن التوراة إنما أوتيت بنو إسرائيل بعد إغراق فرعون، بدليل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى﴾ [القصص: 43] . بل المعنى الصحيح ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يعملون بشرائعها، ومواعظها، فذكر موسى والمراد آل موسى كما يقال: هاشم وثقيف. والمراد قومهم.

المؤمنون 23:50

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ والمراد عيسى - عليه السلام - وأمه «آيَةً» دلالة على قدرتنا. ولم يقل آيتين قيل: معناه جعلنا شأنهما آية. وقيل المعنى كل واحدٍ آية كقوله: ﴿كِلْتَا الجنتين آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: 33] . قال المفسرون: معنى كون عيسى وأمه آية أنه خُلِقَ من غير ذكر، وأنطقه في المهد في الصغر، وأجرى على يده إبراء الأَكْمَه والأبرص، وإحياء الموتَى وأمّا مريم فلأنها حملت من غير ذَكَر. وقال الحسن: تكلّمت مريم في صغرها كما تكلّم عيسى وهو قولها: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ الله إنًّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 37] ، ولم تلقم ثدياً قط. قال ابن الخطيب: والأقرب أن جعلهما آيةً هو نفس الولادة، لأنه ولد من غير ذكر وولدته من دون ذكر فاشتركا جميعاً في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة، ويدل على هذا وجهان: الأول: قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ لأن نفس المعجز ظهر منهما، لا أنَّه ظهر على يديهما، لأنَّ الولادة فيه وفيها بخلاف الآيات التي ظهرت على يده. الثاني: قوله: ﴿آيَةً﴾ ولم يقل آيتين، وحمل هذا اللفظ على الأمر الذي لا يتمّ إلا بمجموعهما أولى، وذلك هو الولادة لا المعجزات التي كانت لعيسى. قوله: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إلى رَبْوَةٍ﴾ «الرُّبْوَة» و «الرُّبَاوة» في رَائهما الحركات الثلاثة، وهي الأرض المرتفعة. قال عطاء عن ابن عباس: هي بيت المقدس، وهو قول قتادة وأبي العالية وكعب قال كعب: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال أبو هريرة: إنها الرَّمْلَة. وقال السدي: أرض فلسطين. وقال عبد الله بن سلام: هي دمشق، وهو قول سعيد بن المسيب ومقاتل والضحاك. وقال الكلبي وابن زيد: هي مصر. والقَرار: المستقر من أرض مستوية منبسطة. وقال قتادة: ذات ثمارٍ وماء، أي: لأجل الثمار يستقر فيها ساكنوها. قوله: «وَمَعِينٍ» صفة لموصوف محذوف، أي: وماء معين. وفيه قولان: أحدهما: أن ميمه زائدة، وأصله مَعْيُون. أي: مبصر بالعين فَأُعلّ إعلال مَبِيع وبابه وهو مثل قولهم: كَبْدتُه، أي ضربت كَبده، ورأسته أي: أصبت رأسه، وعنْتُه أي: أدركته بعيني ولذلك أدخله الخليل في مادة ع ي ن. والثاني: أن الميم أصلية، ووزنه (فَعِيل) مشتق من المَعْن. واختلف في المعين، فقيل: هو الشيء القليل، ومنه: المَاعُون. وقيل: هو من مَعنَ الشيء معانة أي: كثر، قال جرير: 3799 - إنَّ الَّذِينَ غَدَوْا بِلُبِّكَ غَادَرُوا ... وَشَلاً بِعَيْنِكَ لا يزالُ مَعِينَا وقال الراغب: هو من مَعَن الماء جرى، وسُمي مَجَارِي الماء مُعْنان، وأمْعَن الفرس تباعد في عَدْوه، وأمْعَن بِحَقِّي: ذهب به، وفلانٌ معن في حاجته يعني: سريعاً فكلّه راجع إلى معنى الجري والسرعة.

المؤمنون 23:51

وفي المعين قولان: أحدهما: أنّه مفعول، لأنه لظهوره مدرك بالعين من عانه: إذا أدركه بعينه. وقال الفراء والزجاج: إن شِئْتَ جعلته (فَعِيلاً) من المَاعون، ويكون أصله من المَعْن والمَاعون فاعُول منه. قال أبو علي: والمعين: السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى، والماعون ما سهل على معطيه. قالوا: وسبب الإيواء أنها فرّت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف، ثم رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم. قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات﴾ الآية. اعلم أنَّ هذا خطاب مع كل الرسل، وذلك غير ممكن، لأنّ الرّسل إنّما أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، فلهذا تأوّلوه على وجوه: فقيل: معناه الإعلام بأن كلّ رسول نُودي في زمانه بهذا المعنى، ووصي به، ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل، ووصوا به، حقيق أن يؤخذ ويعمل عليه. وقال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة: أراد به محمداً - عليه السلام - وحّده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة كقولك للواحد: أيُّها القوم كُفُّوا عنّا أذاكم ولأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل. وقال ابن جرير: المراد عيسى - عليه السلام - لأنه إنما ذكر بعد ذكره مكانه الجامع للطعام والشراب، ولأنه روي «أنّ عيسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان يأكل من غزل أمه» . والأول أقرب، لأنه أوفق للفظ، ولأنه «روي عن أم عبد الله أخت شدّاد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقدح لبن في شدّة الحر عند فطره وهو صائم فردّه الرسول إليها وقال:» من أين لَكِ هذا؟» ، فقالت: من شاةٍ لي، فقال: «من أين هذه الشاة؟» ، فقالت: اشتريتُها بِمَالي، فأخذه، ثم إنها جاءته فقالت: يا رسول الله لِمَ رَدَدته؟ فقال - عليه السلام -: «بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلاّ طيباً ولا تعمل إلاّ صالحاً» . واختلفوا في الطيّب، فقيل: هو الحلال. وقيل: هو المستطاب المستلذ من المأكل. قوله: ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ يجوز أن يكون» صالحاً «نعتاً لمصدر محذوف أي: واعملوا عملاً صالحاً من غير نظر إلى ما يعملونه، كقولهم: يُعطي ويمنع. ويجوز أن يكون مفعولاً به، وهو واقع على نفس المعمول. ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وهذا تحذير من مخالفة ما أمرهم به، وإذا كان تحذيراً للرسل مع علو شأنهم، فبأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى. قوله: ﴿وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قرأ ابن عامر وحده» وأن هذه «بفتح الهمزة وتخفيف النون. والكوفيون بكسرها والتثقيل. والباقون بفتحها والتثقيل. فأمّا قراءة ابن عامر فهي المخففة من الثقيلة، وسيأتي توجيه الفتح في الثقيلة، فيتضح معنى قراءته. وأمّا قراءة الكوفيين فعلى الاستئناف. وأمّا قراءة الباقين ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنّها على حذف اللام أي: ولأنّ هذه، فلمّا حذف حرف الجَرّ جَرَى الخلاف المشهور، وهذه اللام تتعلق ب» اتّقون» . والكلام في الفاء كالكلام في قوله: «وَإِيَّايَ فَارْهَبُون» . الثاني: أنها منسوقة على» بِمَا تَعْمَلُون «أي: إنِّي عليم بما تعملون وبأنّ هذه، فهذه داخلة في حيز المعلوم. الثالث: أنّ في الكلام حذفاً تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. وتقدّم ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾ وما قيل فيها. فصل المعنى: وأن هذه ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها أمةً واحدةً، أي: ملة واحدة وهي الإسلام. فإن قيل: لمّا كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحداً؟ فالجواب: أنّ المراد من الدين ما لا يختلفون من أصول الدين من معرفة ذات الله وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يُسمّى اختلافاً في الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء: إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا هنا. وقيل: المعنى: أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، وأمركم واحد. ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون﴾ فاحذرون، ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: تفرقوا فصاروا فرقاً يهوداً، ونصارى، ومجوساً.» زُبُراً» أي: فرقاً وقطعاً مختلفة، واحدها (زَبُور) ، وهو الفرقة والطائفة، ومثلها «الزُّبْرَة» وجمعها «زُبَر» ومنه «زُبَرَ الحَدِيدِ» . وقرأ بعض أهل الشام: «زُبَراً» بفتح الباء. وقال مجاهد وقتادة «زُبراً» أي: كتباً، أي: دان كلّ فريق بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخر. وقيل: جعلوا كتبهم قطعاً آمنوا بالبعض وكفروا بالبعض وحرّفوا البعض ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ بما عندهم من الدين معجبون مسرورون. ولما ذكر تفرقهم في دينهم أتبعه بالوعيد وقال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ وهذا خطاب لنبينا - عليه السلام -، أي: دع هؤلاء الكفار في جهلهم. قوله: «في غَمْرتِهِمْ» مفعول ثان ل «ذَرْهُمْ» أي: اتركهم مستقرين «في غَمْرَتِهِمْ» ويجوز أن يكون ظرفاً للترك، والمفعول الثاني محذوف. والغمرة في الأصل الماء الذي يغمر القامة، والمغمر الماء الذي يَغْمُر الأرض ثم استعير ذلك للجهالة، فقيل: فلانٌ في غمرة والمادة تدل على الغطاء والاستتار ومنه الغُمر - بالضم - لمن لم يجرب الأمور، وغُمَار الناس وخمارهم زحامهم، والغِمْر - بالكسر - الحقد، لأنه يغطي القلب، فالغمرات الشدائد، والغامر: الذي يلقي نفسه في المهالك. وقال الزمخشري: الغمرة الماء الذي يغمر القامة، فضربت لهم مثلاً لما هم فيه من جهلهم وعَمَايَتِهم، او شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لِمَا هُمْ عليه من الباطل كقوله: 3800 - كَأَنَّنِي ضَارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِب ... وقرأ أمير المؤمنين وأبو حيوة وأبو عبد الرحمن «غمراتهم بالجمع، لأنَّ لكل منهم غمرة تخصه. وقراءة العامة لا تأبى هذا المعنى، فإنه اسم جنس مضاف. قوله:» حَتَّى حِين» أي إلى أن يموتوا. وقيل: إلى حين المعاينة. وقيل: إلى حين العذاب. ولمّا كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أنّ تلك النعم كالثواب المعجل لهم إلى أديانهم، فبيّن سبحانه أنّ الأمر بخلاف ذلك فقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ أي: أن ما نعطيهم ونجعله مدداً لهم من المال والبنين في الدنيا ل ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات﴾ أي: نعجل لهم في الخيرات، ونقدّمها ثواباً بأعمالهم لمرضاتنا عنهم ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أنّ ذلك استدراج لهم. قوله: «أَنَّما نُمِدُّهُمْ» في «مَا» ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمعنى الذي، وهي اسم (أنَّ) و (نُمِدُّهُمْ بِهِ) صلتها وعائدها محذوف، و (مِنْ مَالٍ) حال من الموصول أو بيان له، فيتعلق بمحذوف، و (نُسَارعُ) خبر (أنَّ) والعائد من هذه الجملة إلى اسم (أنَّ) محذوف تقديره: نسارع لهم به أو فيه إلا أنّ حذف مثله قليل. وقيل: الرابط بين هذه الجملة باسم «أنَّ» هو الظاهر الذي قام مقام المضمر من قوله: «في الخَيْرَاتِ» ، إذ الأصل نُسَارع لهم فيه، فأوقع الخيرات موقعه تعظيماً وتنبيهاً على كونه من الخيرات، وهذا يتمشّى على مذهب الأخفش، إذ يرى الربط بالأسماء الظاهرة وإن لم يكن بلفظ الأوَّل، فيجيز زيد الذي قام أبو عبد الله، إذا كان أبو عبد الله كنية زيد، وتقدّمت منه أمثلة. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون الخبر (مِنْ مَالٍ) ، لأنه (إذا) كان من مال فلا (يعاب عليهم ذلك، وإنّما) يُعاب عليهم اعتقادهم أن تلك الأموال خيرٌ لهم. الثاني: أن تكون (ما) مصدرية فَيَنْسَبِك منها ومما بعدها مصدر، هو اسم (أنّ) ، و «نُسَارع» هو الخبر، وعلى هذا فلا بدّ من حذف (أنْ) المصدرية قبل «نُسَارعُ» ، ليصح الإخبار، تقديره: أن نُسَارعَ. فلمّا حذفت (أنْ) ارتفع المضارع بعدها، والتقدير: أيحسبون أن إمدادنا لهم من كذا مسارعةً مِنَّا لهم في الخيرات. الثالث: أنها مهيئة كافة، وبه قال الكسائي في هذه الآية، وحينئذ يوقف على (وَبَنِينَ) ، لأنّه قد حصل بعد فعل الحسبان نسبة من مسند ومسند إليه نحو: حسبتُ إنّما ينطلق عمرو وإنّما تقوم أنت. وقرأ يحيى بن وثاب: «إِنَّمَا» بكسر الهمزة على الاستئناف، ويكون حذف مفعول الحسبان اقتصاراً واختصاراً. وابن كثير في رواية «يَمدُّهُمْ» بالياء، وهو الله تعالى، وقياسه أن يقرأ «يُسَارع» أيضاً. وقرأ السلمي وابن أبي بكرة «يُسَارع» بالياء وكسر الراء، وفي فاعله وجهان: أحدهما: الباري تعالى. والثاني: ضمير (ما) الموصولة إن جعلناها بمعنى (الذي) ، أو على المصدر إن جعلناها مصدرية، وحينئذ يكون «يُسَارعُ لَهُمْ» الخبر. فعلى الأوّل يحتاج إلى تقدير عائد أي: يُسَارعُ الله لهم به أو فيه وعلى الثاني لا يحتاج إذ الفاعل ضمير (ما) الموصولة. وعن (ابن) أبي بكرة المتقدم أيضاً «يُسَارع» بالياء مبنياً للمفعول و «في الخَيْرَاتِ» هو القائم مقام الفاعل، والجملة خبر (أنّ) والعائد محذوف على ما تقدّم. وقرأ الحسن: «نُسْرِعُ» بالنون من أسْرَعَ، وهي ك «نُسَارع» فيما تقدم. و ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ إضراب عن الحسبان المستفهم عنه استفهام تقريع، وهو إضراب انتقال، والمعنى: أنهم أشباه البهائم لا شعور لهم حتى يتفكروا في ذلك الإمداد، أهو استدراج أم مسارعة في الخير روى يزيد بن ميسرة قال: أوحى الله - تعالى - إلى نبيّ من الأنبياء: «أيفرح عبدي أن أبسط له في الدنيا وهو أبعد له منّي، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهي أقرب له منّي» ثم تلا ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ .

المؤمنون 23:52

وفي المعين قولان: أحدهما: أنّه مفعول، لأنه لظهوره مدرك بالعين من عانه: إذا أدركه بعينه. وقال الفراء والزجاج: إن شِئْتَ جعلته (فَعِيلاً) من المَاعون، ويكون أصله من المَعْن والمَاعون فاعُول منه. قال أبو علي: والمعين: السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى، والماعون ما سهل على معطيه. قالوا: وسبب الإيواء أنها فرّت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف، ثم رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم. قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات﴾ الآية. اعلم أنَّ هذا خطاب مع كل الرسل، وذلك غير ممكن، لأنّ الرّسل إنّما أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، فلهذا تأوّلوه على وجوه: فقيل: معناه الإعلام بأن كلّ رسول نُودي في زمانه بهذا المعنى، ووصي به، ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل، ووصوا به، حقيق أن يؤخذ ويعمل عليه. وقال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة: أراد به محمداً - عليه السلام - وحّده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة كقولك للواحد: أيُّها القوم كُفُّوا عنّا أذاكم ولأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل. وقال ابن جرير: المراد عيسى - عليه السلام - لأنه إنما ذكر بعد ذكره مكانه الجامع للطعام والشراب، ولأنه روي «أنّ عيسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان يأكل من غزل أمه» . والأول أقرب، لأنه أوفق للفظ، ولأنه «روي عن أم عبد الله أخت شدّاد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقدح لبن في شدّة الحر عند فطره وهو صائم فردّه الرسول إليها وقال:» من أين لَكِ هذا؟» ، فقالت: من شاةٍ لي، فقال: «من أين هذه الشاة؟» ، فقالت: اشتريتُها بِمَالي، فأخذه، ثم إنها جاءته فقالت: يا رسول الله لِمَ رَدَدته؟ فقال - عليه السلام -: «بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلاّ طيباً ولا تعمل إلاّ صالحاً» . واختلفوا في الطيّب، فقيل: هو الحلال. وقيل: هو المستطاب المستلذ من المأكل. قوله: ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ يجوز أن يكون» صالحاً «نعتاً لمصدر محذوف أي: واعملوا عملاً صالحاً من غير نظر إلى ما يعملونه، كقولهم: يُعطي ويمنع. ويجوز أن يكون مفعولاً به، وهو واقع على نفس المعمول. ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وهذا تحذير من مخالفة ما أمرهم به، وإذا كان تحذيراً للرسل مع علو شأنهم، فبأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى. قوله: ﴿وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قرأ ابن عامر وحده» وأن هذه «بفتح الهمزة وتخفيف النون. والكوفيون بكسرها والتثقيل. والباقون بفتحها والتثقيل. فأمّا قراءة ابن عامر فهي المخففة من الثقيلة، وسيأتي توجيه الفتح في الثقيلة، فيتضح معنى قراءته. وأمّا قراءة الكوفيين فعلى الاستئناف. وأمّا قراءة الباقين ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنّها على حذف اللام أي: ولأنّ هذه، فلمّا حذف حرف الجَرّ جَرَى الخلاف المشهور، وهذه اللام تتعلق ب» اتّقون» . والكلام في الفاء كالكلام في قوله: «وَإِيَّايَ فَارْهَبُون» . الثاني: أنها منسوقة على» بِمَا تَعْمَلُون «أي: إنِّي عليم بما تعملون وبأنّ هذه، فهذه داخلة في حيز المعلوم. الثالث: أنّ في الكلام حذفاً تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. وتقدّم ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾ وما قيل فيها. فصل المعنى: وأن هذه ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها أمةً واحدةً، أي: ملة واحدة وهي الإسلام. فإن قيل: لمّا كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحداً؟ فالجواب: أنّ المراد من الدين ما لا يختلفون من أصول الدين من معرفة ذات الله وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يُسمّى اختلافاً في الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء: إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا هنا. وقيل: المعنى: أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، وأمركم واحد. ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون﴾ فاحذرون، ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: تفرقوا فصاروا فرقاً يهوداً، ونصارى، ومجوساً.» زُبُراً» أي: فرقاً وقطعاً مختلفة، واحدها (زَبُور) ، وهو الفرقة والطائفة، ومثلها «الزُّبْرَة» وجمعها «زُبَر» ومنه «زُبَرَ الحَدِيدِ» . وقرأ بعض أهل الشام: «زُبَراً» بفتح الباء. وقال مجاهد وقتادة «زُبراً» أي: كتباً، أي: دان كلّ فريق بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخر. وقيل: جعلوا كتبهم قطعاً آمنوا بالبعض وكفروا بالبعض وحرّفوا البعض ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ بما عندهم من الدين معجبون مسرورون. ولما ذكر تفرقهم في دينهم أتبعه بالوعيد وقال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ وهذا خطاب لنبينا - عليه السلام -، أي: دع هؤلاء الكفار في جهلهم. قوله: «في غَمْرتِهِمْ» مفعول ثان ل «ذَرْهُمْ» أي: اتركهم مستقرين «في غَمْرَتِهِمْ» ويجوز أن يكون ظرفاً للترك، والمفعول الثاني محذوف. والغمرة في الأصل الماء الذي يغمر القامة، والمغمر الماء الذي يَغْمُر الأرض ثم استعير ذلك للجهالة، فقيل: فلانٌ في غمرة والمادة تدل على الغطاء والاستتار ومنه الغُمر - بالضم - لمن لم يجرب الأمور، وغُمَار الناس وخمارهم زحامهم، والغِمْر - بالكسر - الحقد، لأنه يغطي القلب، فالغمرات الشدائد، والغامر: الذي يلقي نفسه في المهالك. وقال الزمخشري: الغمرة الماء الذي يغمر القامة، فضربت لهم مثلاً لما هم فيه من جهلهم وعَمَايَتِهم، او شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لِمَا هُمْ عليه من الباطل كقوله: 3800 - كَأَنَّنِي ضَارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِب ... وقرأ أمير المؤمنين وأبو حيوة وأبو عبد الرحمن «غمراتهم بالجمع، لأنَّ لكل منهم غمرة تخصه. وقراءة العامة لا تأبى هذا المعنى، فإنه اسم جنس مضاف. قوله:» حَتَّى حِين» أي إلى أن يموتوا. وقيل: إلى حين المعاينة. وقيل: إلى حين العذاب. ولمّا كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أنّ تلك النعم كالثواب المعجل لهم إلى أديانهم، فبيّن سبحانه أنّ الأمر بخلاف ذلك فقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ أي: أن ما نعطيهم ونجعله مدداً لهم من المال والبنين في الدنيا ل ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات﴾ أي: نعجل لهم في الخيرات، ونقدّمها ثواباً بأعمالهم لمرضاتنا عنهم ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أنّ ذلك استدراج لهم. قوله: «أَنَّما نُمِدُّهُمْ» في «مَا» ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمعنى الذي، وهي اسم (أنَّ) و (نُمِدُّهُمْ بِهِ) صلتها وعائدها محذوف، و (مِنْ مَالٍ) حال من الموصول أو بيان له، فيتعلق بمحذوف، و (نُسَارعُ) خبر (أنَّ) والعائد من هذه الجملة إلى اسم (أنَّ) محذوف تقديره: نسارع لهم به أو فيه إلا أنّ حذف مثله قليل. وقيل: الرابط بين هذه الجملة باسم «أنَّ» هو الظاهر الذي قام مقام المضمر من قوله: «في الخَيْرَاتِ» ، إذ الأصل نُسَارع لهم فيه، فأوقع الخيرات موقعه تعظيماً وتنبيهاً على كونه من الخيرات، وهذا يتمشّى على مذهب الأخفش، إذ يرى الربط بالأسماء الظاهرة وإن لم يكن بلفظ الأوَّل، فيجيز زيد الذي قام أبو عبد الله، إذا كان أبو عبد الله كنية زيد، وتقدّمت منه أمثلة. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون الخبر (مِنْ مَالٍ) ، لأنه (إذا) كان من مال فلا (يعاب عليهم ذلك، وإنّما) يُعاب عليهم اعتقادهم أن تلك الأموال خيرٌ لهم. الثاني: أن تكون (ما) مصدرية فَيَنْسَبِك منها ومما بعدها مصدر، هو اسم (أنّ) ، و «نُسَارع» هو الخبر، وعلى هذا فلا بدّ من حذف (أنْ) المصدرية قبل «نُسَارعُ» ، ليصح الإخبار، تقديره: أن نُسَارعَ. فلمّا حذفت (أنْ) ارتفع المضارع بعدها، والتقدير: أيحسبون أن إمدادنا لهم من كذا مسارعةً مِنَّا لهم في الخيرات. الثالث: أنها مهيئة كافة، وبه قال الكسائي في هذه الآية، وحينئذ يوقف على (وَبَنِينَ) ، لأنّه قد حصل بعد فعل الحسبان نسبة من مسند ومسند إليه نحو: حسبتُ إنّما ينطلق عمرو وإنّما تقوم أنت. وقرأ يحيى بن وثاب: «إِنَّمَا» بكسر الهمزة على الاستئناف، ويكون حذف مفعول الحسبان اقتصاراً واختصاراً. وابن كثير في رواية «يَمدُّهُمْ» بالياء، وهو الله تعالى، وقياسه أن يقرأ «يُسَارع» أيضاً. وقرأ السلمي وابن أبي بكرة «يُسَارع» بالياء وكسر الراء، وفي فاعله وجهان: أحدهما: الباري تعالى. والثاني: ضمير (ما) الموصولة إن جعلناها بمعنى (الذي) ، أو على المصدر إن جعلناها مصدرية، وحينئذ يكون «يُسَارعُ لَهُمْ» الخبر. فعلى الأوّل يحتاج إلى تقدير عائد أي: يُسَارعُ الله لهم به أو فيه وعلى الثاني لا يحتاج إذ الفاعل ضمير (ما) الموصولة. وعن (ابن) أبي بكرة المتقدم أيضاً «يُسَارع» بالياء مبنياً للمفعول و «في الخَيْرَاتِ» هو القائم مقام الفاعل، والجملة خبر (أنّ) والعائد محذوف على ما تقدّم. وقرأ الحسن: «نُسْرِعُ» بالنون من أسْرَعَ، وهي ك «نُسَارع» فيما تقدم. و ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ إضراب عن الحسبان المستفهم عنه استفهام تقريع، وهو إضراب انتقال، والمعنى: أنهم أشباه البهائم لا شعور لهم حتى يتفكروا في ذلك الإمداد، أهو استدراج أم مسارعة في الخير روى يزيد بن ميسرة قال: أوحى الله - تعالى - إلى نبيّ من الأنبياء: «أيفرح عبدي أن أبسط له في الدنيا وهو أبعد له منّي، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهي أقرب له منّي» ثم تلا ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ .

المؤمنون 23:53

وفي المعين قولان: أحدهما: أنّه مفعول، لأنه لظهوره مدرك بالعين من عانه: إذا أدركه بعينه. وقال الفراء والزجاج: إن شِئْتَ جعلته (فَعِيلاً) من المَاعون، ويكون أصله من المَعْن والمَاعون فاعُول منه. قال أبو علي: والمعين: السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى، والماعون ما سهل على معطيه. قالوا: وسبب الإيواء أنها فرّت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف، ثم رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم. قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات﴾ الآية. اعلم أنَّ هذا خطاب مع كل الرسل، وذلك غير ممكن، لأنّ الرّسل إنّما أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، فلهذا تأوّلوه على وجوه: فقيل: معناه الإعلام بأن كلّ رسول نُودي في زمانه بهذا المعنى، ووصي به، ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل، ووصوا به، حقيق أن يؤخذ ويعمل عليه. وقال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة: أراد به محمداً - عليه السلام - وحّده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة كقولك للواحد: أيُّها القوم كُفُّوا عنّا أذاكم ولأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل. وقال ابن جرير: المراد عيسى - عليه السلام - لأنه إنما ذكر بعد ذكره مكانه الجامع للطعام والشراب، ولأنه روي «أنّ عيسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان يأكل من غزل أمه» . والأول أقرب، لأنه أوفق للفظ، ولأنه «روي عن أم عبد الله أخت شدّاد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقدح لبن في شدّة الحر عند فطره وهو صائم فردّه الرسول إليها وقال:» من أين لَكِ هذا؟» ، فقالت: من شاةٍ لي، فقال: «من أين هذه الشاة؟» ، فقالت: اشتريتُها بِمَالي، فأخذه، ثم إنها جاءته فقالت: يا رسول الله لِمَ رَدَدته؟ فقال - عليه السلام -: «بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلاّ طيباً ولا تعمل إلاّ صالحاً» . واختلفوا في الطيّب، فقيل: هو الحلال. وقيل: هو المستطاب المستلذ من المأكل. قوله: ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ يجوز أن يكون» صالحاً «نعتاً لمصدر محذوف أي: واعملوا عملاً صالحاً من غير نظر إلى ما يعملونه، كقولهم: يُعطي ويمنع. ويجوز أن يكون مفعولاً به، وهو واقع على نفس المعمول. ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وهذا تحذير من مخالفة ما أمرهم به، وإذا كان تحذيراً للرسل مع علو شأنهم، فبأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى. قوله: ﴿وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قرأ ابن عامر وحده» وأن هذه «بفتح الهمزة وتخفيف النون. والكوفيون بكسرها والتثقيل. والباقون بفتحها والتثقيل. فأمّا قراءة ابن عامر فهي المخففة من الثقيلة، وسيأتي توجيه الفتح في الثقيلة، فيتضح معنى قراءته. وأمّا قراءة الكوفيين فعلى الاستئناف. وأمّا قراءة الباقين ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنّها على حذف اللام أي: ولأنّ هذه، فلمّا حذف حرف الجَرّ جَرَى الخلاف المشهور، وهذه اللام تتعلق ب» اتّقون» . والكلام في الفاء كالكلام في قوله: «وَإِيَّايَ فَارْهَبُون» . الثاني: أنها منسوقة على» بِمَا تَعْمَلُون «أي: إنِّي عليم بما تعملون وبأنّ هذه، فهذه داخلة في حيز المعلوم. الثالث: أنّ في الكلام حذفاً تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. وتقدّم ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾ وما قيل فيها. فصل المعنى: وأن هذه ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها أمةً واحدةً، أي: ملة واحدة وهي الإسلام. فإن قيل: لمّا كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحداً؟ فالجواب: أنّ المراد من الدين ما لا يختلفون من أصول الدين من معرفة ذات الله وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يُسمّى اختلافاً في الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء: إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا هنا. وقيل: المعنى: أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، وأمركم واحد. ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون﴾ فاحذرون، ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: تفرقوا فصاروا فرقاً يهوداً، ونصارى، ومجوساً.» زُبُراً» أي: فرقاً وقطعاً مختلفة، واحدها (زَبُور) ، وهو الفرقة والطائفة، ومثلها «الزُّبْرَة» وجمعها «زُبَر» ومنه «زُبَرَ الحَدِيدِ» . وقرأ بعض أهل الشام: «زُبَراً» بفتح الباء. وقال مجاهد وقتادة «زُبراً» أي: كتباً، أي: دان كلّ فريق بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخر. وقيل: جعلوا كتبهم قطعاً آمنوا بالبعض وكفروا بالبعض وحرّفوا البعض ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ بما عندهم من الدين معجبون مسرورون. ولما ذكر تفرقهم في دينهم أتبعه بالوعيد وقال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ وهذا خطاب لنبينا - عليه السلام -، أي: دع هؤلاء الكفار في جهلهم. قوله: «في غَمْرتِهِمْ» مفعول ثان ل «ذَرْهُمْ» أي: اتركهم مستقرين «في غَمْرَتِهِمْ» ويجوز أن يكون ظرفاً للترك، والمفعول الثاني محذوف. والغمرة في الأصل الماء الذي يغمر القامة، والمغمر الماء الذي يَغْمُر الأرض ثم استعير ذلك للجهالة، فقيل: فلانٌ في غمرة والمادة تدل على الغطاء والاستتار ومنه الغُمر - بالضم - لمن لم يجرب الأمور، وغُمَار الناس وخمارهم زحامهم، والغِمْر - بالكسر - الحقد، لأنه يغطي القلب، فالغمرات الشدائد، والغامر: الذي يلقي نفسه في المهالك. وقال الزمخشري: الغمرة الماء الذي يغمر القامة، فضربت لهم مثلاً لما هم فيه من جهلهم وعَمَايَتِهم، او شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لِمَا هُمْ عليه من الباطل كقوله: 3800 - كَأَنَّنِي ضَارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِب ... وقرأ أمير المؤمنين وأبو حيوة وأبو عبد الرحمن «غمراتهم بالجمع، لأنَّ لكل منهم غمرة تخصه. وقراءة العامة لا تأبى هذا المعنى، فإنه اسم جنس مضاف. قوله:» حَتَّى حِين» أي إلى أن يموتوا. وقيل: إلى حين المعاينة. وقيل: إلى حين العذاب. ولمّا كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أنّ تلك النعم كالثواب المعجل لهم إلى أديانهم، فبيّن سبحانه أنّ الأمر بخلاف ذلك فقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ أي: أن ما نعطيهم ونجعله مدداً لهم من المال والبنين في الدنيا ل ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات﴾ أي: نعجل لهم في الخيرات، ونقدّمها ثواباً بأعمالهم لمرضاتنا عنهم ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أنّ ذلك استدراج لهم. قوله: «أَنَّما نُمِدُّهُمْ» في «مَا» ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمعنى الذي، وهي اسم (أنَّ) و (نُمِدُّهُمْ بِهِ) صلتها وعائدها محذوف، و (مِنْ مَالٍ) حال من الموصول أو بيان له، فيتعلق بمحذوف، و (نُسَارعُ) خبر (أنَّ) والعائد من هذه الجملة إلى اسم (أنَّ) محذوف تقديره: نسارع لهم به أو فيه إلا أنّ حذف مثله قليل. وقيل: الرابط بين هذه الجملة باسم «أنَّ» هو الظاهر الذي قام مقام المضمر من قوله: «في الخَيْرَاتِ» ، إذ الأصل نُسَارع لهم فيه، فأوقع الخيرات موقعه تعظيماً وتنبيهاً على كونه من الخيرات، وهذا يتمشّى على مذهب الأخفش، إذ يرى الربط بالأسماء الظاهرة وإن لم يكن بلفظ الأوَّل، فيجيز زيد الذي قام أبو عبد الله، إذا كان أبو عبد الله كنية زيد، وتقدّمت منه أمثلة. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون الخبر (مِنْ مَالٍ) ، لأنه (إذا) كان من مال فلا (يعاب عليهم ذلك، وإنّما) يُعاب عليهم اعتقادهم أن تلك الأموال خيرٌ لهم. الثاني: أن تكون (ما) مصدرية فَيَنْسَبِك منها ومما بعدها مصدر، هو اسم (أنّ) ، و «نُسَارع» هو الخبر، وعلى هذا فلا بدّ من حذف (أنْ) المصدرية قبل «نُسَارعُ» ، ليصح الإخبار، تقديره: أن نُسَارعَ. فلمّا حذفت (أنْ) ارتفع المضارع بعدها، والتقدير: أيحسبون أن إمدادنا لهم من كذا مسارعةً مِنَّا لهم في الخيرات. الثالث: أنها مهيئة كافة، وبه قال الكسائي في هذه الآية، وحينئذ يوقف على (وَبَنِينَ) ، لأنّه قد حصل بعد فعل الحسبان نسبة من مسند ومسند إليه نحو: حسبتُ إنّما ينطلق عمرو وإنّما تقوم أنت. وقرأ يحيى بن وثاب: «إِنَّمَا» بكسر الهمزة على الاستئناف، ويكون حذف مفعول الحسبان اقتصاراً واختصاراً. وابن كثير في رواية «يَمدُّهُمْ» بالياء، وهو الله تعالى، وقياسه أن يقرأ «يُسَارع» أيضاً. وقرأ السلمي وابن أبي بكرة «يُسَارع» بالياء وكسر الراء، وفي فاعله وجهان: أحدهما: الباري تعالى. والثاني: ضمير (ما) الموصولة إن جعلناها بمعنى (الذي) ، أو على المصدر إن جعلناها مصدرية، وحينئذ يكون «يُسَارعُ لَهُمْ» الخبر. فعلى الأوّل يحتاج إلى تقدير عائد أي: يُسَارعُ الله لهم به أو فيه وعلى الثاني لا يحتاج إذ الفاعل ضمير (ما) الموصولة. وعن (ابن) أبي بكرة المتقدم أيضاً «يُسَارع» بالياء مبنياً للمفعول و «في الخَيْرَاتِ» هو القائم مقام الفاعل، والجملة خبر (أنّ) والعائد محذوف على ما تقدّم. وقرأ الحسن: «نُسْرِعُ» بالنون من أسْرَعَ، وهي ك «نُسَارع» فيما تقدم. و ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ إضراب عن الحسبان المستفهم عنه استفهام تقريع، وهو إضراب انتقال، والمعنى: أنهم أشباه البهائم لا شعور لهم حتى يتفكروا في ذلك الإمداد، أهو استدراج أم مسارعة في الخير روى يزيد بن ميسرة قال: أوحى الله - تعالى - إلى نبيّ من الأنبياء: «أيفرح عبدي أن أبسط له في الدنيا وهو أبعد له منّي، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهي أقرب له منّي» ثم تلا ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ .

المؤمنون 23:54

وفي المعين قولان: أحدهما: أنّه مفعول، لأنه لظهوره مدرك بالعين من عانه: إذا أدركه بعينه. وقال الفراء والزجاج: إن شِئْتَ جعلته (فَعِيلاً) من المَاعون، ويكون أصله من المَعْن والمَاعون فاعُول منه. قال أبو علي: والمعين: السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى، والماعون ما سهل على معطيه. قالوا: وسبب الإيواء أنها فرّت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف، ثم رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم. قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات﴾ الآية. اعلم أنَّ هذا خطاب مع كل الرسل، وذلك غير ممكن، لأنّ الرّسل إنّما أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، فلهذا تأوّلوه على وجوه: فقيل: معناه الإعلام بأن كلّ رسول نُودي في زمانه بهذا المعنى، ووصي به، ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل، ووصوا به، حقيق أن يؤخذ ويعمل عليه. وقال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة: أراد به محمداً - عليه السلام - وحّده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة كقولك للواحد: أيُّها القوم كُفُّوا عنّا أذاكم ولأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل. وقال ابن جرير: المراد عيسى - عليه السلام - لأنه إنما ذكر بعد ذكره مكانه الجامع للطعام والشراب، ولأنه روي «أنّ عيسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان يأكل من غزل أمه» . والأول أقرب، لأنه أوفق للفظ، ولأنه «روي عن أم عبد الله أخت شدّاد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقدح لبن في شدّة الحر عند فطره وهو صائم فردّه الرسول إليها وقال:» من أين لَكِ هذا؟» ، فقالت: من شاةٍ لي، فقال: «من أين هذه الشاة؟» ، فقالت: اشتريتُها بِمَالي، فأخذه، ثم إنها جاءته فقالت: يا رسول الله لِمَ رَدَدته؟ فقال - عليه السلام -: «بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلاّ طيباً ولا تعمل إلاّ صالحاً» . واختلفوا في الطيّب، فقيل: هو الحلال. وقيل: هو المستطاب المستلذ من المأكل. قوله: ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ يجوز أن يكون» صالحاً «نعتاً لمصدر محذوف أي: واعملوا عملاً صالحاً من غير نظر إلى ما يعملونه، كقولهم: يُعطي ويمنع. ويجوز أن يكون مفعولاً به، وهو واقع على نفس المعمول. ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وهذا تحذير من مخالفة ما أمرهم به، وإذا كان تحذيراً للرسل مع علو شأنهم، فبأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى. قوله: ﴿وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قرأ ابن عامر وحده» وأن هذه «بفتح الهمزة وتخفيف النون. والكوفيون بكسرها والتثقيل. والباقون بفتحها والتثقيل. فأمّا قراءة ابن عامر فهي المخففة من الثقيلة، وسيأتي توجيه الفتح في الثقيلة، فيتضح معنى قراءته. وأمّا قراءة الكوفيين فعلى الاستئناف. وأمّا قراءة الباقين ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنّها على حذف اللام أي: ولأنّ هذه، فلمّا حذف حرف الجَرّ جَرَى الخلاف المشهور، وهذه اللام تتعلق ب» اتّقون» . والكلام في الفاء كالكلام في قوله: «وَإِيَّايَ فَارْهَبُون» . الثاني: أنها منسوقة على» بِمَا تَعْمَلُون «أي: إنِّي عليم بما تعملون وبأنّ هذه، فهذه داخلة في حيز المعلوم. الثالث: أنّ في الكلام حذفاً تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. وتقدّم ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾ وما قيل فيها. فصل المعنى: وأن هذه ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها أمةً واحدةً، أي: ملة واحدة وهي الإسلام. فإن قيل: لمّا كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحداً؟ فالجواب: أنّ المراد من الدين ما لا يختلفون من أصول الدين من معرفة ذات الله وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يُسمّى اختلافاً في الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء: إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا هنا. وقيل: المعنى: أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، وأمركم واحد. ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون﴾ فاحذرون، ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: تفرقوا فصاروا فرقاً يهوداً، ونصارى، ومجوساً.» زُبُراً» أي: فرقاً وقطعاً مختلفة، واحدها (زَبُور) ، وهو الفرقة والطائفة، ومثلها «الزُّبْرَة» وجمعها «زُبَر» ومنه «زُبَرَ الحَدِيدِ» . وقرأ بعض أهل الشام: «زُبَراً» بفتح الباء. وقال مجاهد وقتادة «زُبراً» أي: كتباً، أي: دان كلّ فريق بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخر. وقيل: جعلوا كتبهم قطعاً آمنوا بالبعض وكفروا بالبعض وحرّفوا البعض ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ بما عندهم من الدين معجبون مسرورون. ولما ذكر تفرقهم في دينهم أتبعه بالوعيد وقال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ وهذا خطاب لنبينا - عليه السلام -، أي: دع هؤلاء الكفار في جهلهم. قوله: «في غَمْرتِهِمْ» مفعول ثان ل «ذَرْهُمْ» أي: اتركهم مستقرين «في غَمْرَتِهِمْ» ويجوز أن يكون ظرفاً للترك، والمفعول الثاني محذوف. والغمرة في الأصل الماء الذي يغمر القامة، والمغمر الماء الذي يَغْمُر الأرض ثم استعير ذلك للجهالة، فقيل: فلانٌ في غمرة والمادة تدل على الغطاء والاستتار ومنه الغُمر - بالضم - لمن لم يجرب الأمور، وغُمَار الناس وخمارهم زحامهم، والغِمْر - بالكسر - الحقد، لأنه يغطي القلب، فالغمرات الشدائد، والغامر: الذي يلقي نفسه في المهالك. وقال الزمخشري: الغمرة الماء الذي يغمر القامة، فضربت لهم مثلاً لما هم فيه من جهلهم وعَمَايَتِهم، او شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لِمَا هُمْ عليه من الباطل كقوله: 3800 - كَأَنَّنِي ضَارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِب ... وقرأ أمير المؤمنين وأبو حيوة وأبو عبد الرحمن «غمراتهم بالجمع، لأنَّ لكل منهم غمرة تخصه. وقراءة العامة لا تأبى هذا المعنى، فإنه اسم جنس مضاف. قوله:» حَتَّى حِين» أي إلى أن يموتوا. وقيل: إلى حين المعاينة. وقيل: إلى حين العذاب. ولمّا كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أنّ تلك النعم كالثواب المعجل لهم إلى أديانهم، فبيّن سبحانه أنّ الأمر بخلاف ذلك فقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ أي: أن ما نعطيهم ونجعله مدداً لهم من المال والبنين في الدنيا ل ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات﴾ أي: نعجل لهم في الخيرات، ونقدّمها ثواباً بأعمالهم لمرضاتنا عنهم ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أنّ ذلك استدراج لهم. قوله: «أَنَّما نُمِدُّهُمْ» في «مَا» ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمعنى الذي، وهي اسم (أنَّ) و (نُمِدُّهُمْ بِهِ) صلتها وعائدها محذوف، و (مِنْ مَالٍ) حال من الموصول أو بيان له، فيتعلق بمحذوف، و (نُسَارعُ) خبر (أنَّ) والعائد من هذه الجملة إلى اسم (أنَّ) محذوف تقديره: نسارع لهم به أو فيه إلا أنّ حذف مثله قليل. وقيل: الرابط بين هذه الجملة باسم «أنَّ» هو الظاهر الذي قام مقام المضمر من قوله: «في الخَيْرَاتِ» ، إذ الأصل نُسَارع لهم فيه، فأوقع الخيرات موقعه تعظيماً وتنبيهاً على كونه من الخيرات، وهذا يتمشّى على مذهب الأخفش، إذ يرى الربط بالأسماء الظاهرة وإن لم يكن بلفظ الأوَّل، فيجيز زيد الذي قام أبو عبد الله، إذا كان أبو عبد الله كنية زيد، وتقدّمت منه أمثلة. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون الخبر (مِنْ مَالٍ) ، لأنه (إذا) كان من مال فلا (يعاب عليهم ذلك، وإنّما) يُعاب عليهم اعتقادهم أن تلك الأموال خيرٌ لهم. الثاني: أن تكون (ما) مصدرية فَيَنْسَبِك منها ومما بعدها مصدر، هو اسم (أنّ) ، و «نُسَارع» هو الخبر، وعلى هذا فلا بدّ من حذف (أنْ) المصدرية قبل «نُسَارعُ» ، ليصح الإخبار، تقديره: أن نُسَارعَ. فلمّا حذفت (أنْ) ارتفع المضارع بعدها، والتقدير: أيحسبون أن إمدادنا لهم من كذا مسارعةً مِنَّا لهم في الخيرات. الثالث: أنها مهيئة كافة، وبه قال الكسائي في هذه الآية، وحينئذ يوقف على (وَبَنِينَ) ، لأنّه قد حصل بعد فعل الحسبان نسبة من مسند ومسند إليه نحو: حسبتُ إنّما ينطلق عمرو وإنّما تقوم أنت. وقرأ يحيى بن وثاب: «إِنَّمَا» بكسر الهمزة على الاستئناف، ويكون حذف مفعول الحسبان اقتصاراً واختصاراً. وابن كثير في رواية «يَمدُّهُمْ» بالياء، وهو الله تعالى، وقياسه أن يقرأ «يُسَارع» أيضاً. وقرأ السلمي وابن أبي بكرة «يُسَارع» بالياء وكسر الراء، وفي فاعله وجهان: أحدهما: الباري تعالى. والثاني: ضمير (ما) الموصولة إن جعلناها بمعنى (الذي) ، أو على المصدر إن جعلناها مصدرية، وحينئذ يكون «يُسَارعُ لَهُمْ» الخبر. فعلى الأوّل يحتاج إلى تقدير عائد أي: يُسَارعُ الله لهم به أو فيه وعلى الثاني لا يحتاج إذ الفاعل ضمير (ما) الموصولة. وعن (ابن) أبي بكرة المتقدم أيضاً «يُسَارع» بالياء مبنياً للمفعول و «في الخَيْرَاتِ» هو القائم مقام الفاعل، والجملة خبر (أنّ) والعائد محذوف على ما تقدّم. وقرأ الحسن: «نُسْرِعُ» بالنون من أسْرَعَ، وهي ك «نُسَارع» فيما تقدم. و ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ إضراب عن الحسبان المستفهم عنه استفهام تقريع، وهو إضراب انتقال، والمعنى: أنهم أشباه البهائم لا شعور لهم حتى يتفكروا في ذلك الإمداد، أهو استدراج أم مسارعة في الخير روى يزيد بن ميسرة قال: أوحى الله - تعالى - إلى نبيّ من الأنبياء: «أيفرح عبدي أن أبسط له في الدنيا وهو أبعد له منّي، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهي أقرب له منّي» ثم تلا ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ .

المؤمنون 23:55

وفي المعين قولان: أحدهما: أنّه مفعول، لأنه لظهوره مدرك بالعين من عانه: إذا أدركه بعينه. وقال الفراء والزجاج: إن شِئْتَ جعلته (فَعِيلاً) من المَاعون، ويكون أصله من المَعْن والمَاعون فاعُول منه. قال أبو علي: والمعين: السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى، والماعون ما سهل على معطيه. قالوا: وسبب الإيواء أنها فرّت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف، ثم رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم. قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات﴾ الآية. اعلم أنَّ هذا خطاب مع كل الرسل، وذلك غير ممكن، لأنّ الرّسل إنّما أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، فلهذا تأوّلوه على وجوه: فقيل: معناه الإعلام بأن كلّ رسول نُودي في زمانه بهذا المعنى، ووصي به، ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل، ووصوا به، حقيق أن يؤخذ ويعمل عليه. وقال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة: أراد به محمداً - عليه السلام - وحّده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة كقولك للواحد: أيُّها القوم كُفُّوا عنّا أذاكم ولأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل. وقال ابن جرير: المراد عيسى - عليه السلام - لأنه إنما ذكر بعد ذكره مكانه الجامع للطعام والشراب، ولأنه روي «أنّ عيسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان يأكل من غزل أمه» . والأول أقرب، لأنه أوفق للفظ، ولأنه «روي عن أم عبد الله أخت شدّاد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقدح لبن في شدّة الحر عند فطره وهو صائم فردّه الرسول إليها وقال:» من أين لَكِ هذا؟» ، فقالت: من شاةٍ لي، فقال: «من أين هذه الشاة؟» ، فقالت: اشتريتُها بِمَالي، فأخذه، ثم إنها جاءته فقالت: يا رسول الله لِمَ رَدَدته؟ فقال - عليه السلام -: «بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلاّ طيباً ولا تعمل إلاّ صالحاً» . واختلفوا في الطيّب، فقيل: هو الحلال. وقيل: هو المستطاب المستلذ من المأكل. قوله: ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ يجوز أن يكون» صالحاً «نعتاً لمصدر محذوف أي: واعملوا عملاً صالحاً من غير نظر إلى ما يعملونه، كقولهم: يُعطي ويمنع. ويجوز أن يكون مفعولاً به، وهو واقع على نفس المعمول. ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وهذا تحذير من مخالفة ما أمرهم به، وإذا كان تحذيراً للرسل مع علو شأنهم، فبأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى. قوله: ﴿وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قرأ ابن عامر وحده» وأن هذه «بفتح الهمزة وتخفيف النون. والكوفيون بكسرها والتثقيل. والباقون بفتحها والتثقيل. فأمّا قراءة ابن عامر فهي المخففة من الثقيلة، وسيأتي توجيه الفتح في الثقيلة، فيتضح معنى قراءته. وأمّا قراءة الكوفيين فعلى الاستئناف. وأمّا قراءة الباقين ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنّها على حذف اللام أي: ولأنّ هذه، فلمّا حذف حرف الجَرّ جَرَى الخلاف المشهور، وهذه اللام تتعلق ب» اتّقون» . والكلام في الفاء كالكلام في قوله: «وَإِيَّايَ فَارْهَبُون» . الثاني: أنها منسوقة على» بِمَا تَعْمَلُون «أي: إنِّي عليم بما تعملون وبأنّ هذه، فهذه داخلة في حيز المعلوم. الثالث: أنّ في الكلام حذفاً تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. وتقدّم ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾ وما قيل فيها. فصل المعنى: وأن هذه ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها أمةً واحدةً، أي: ملة واحدة وهي الإسلام. فإن قيل: لمّا كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحداً؟ فالجواب: أنّ المراد من الدين ما لا يختلفون من أصول الدين من معرفة ذات الله وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يُسمّى اختلافاً في الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء: إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا هنا. وقيل: المعنى: أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، وأمركم واحد. ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون﴾ فاحذرون، ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: تفرقوا فصاروا فرقاً يهوداً، ونصارى، ومجوساً.» زُبُراً» أي: فرقاً وقطعاً مختلفة، واحدها (زَبُور) ، وهو الفرقة والطائفة، ومثلها «الزُّبْرَة» وجمعها «زُبَر» ومنه «زُبَرَ الحَدِيدِ» . وقرأ بعض أهل الشام: «زُبَراً» بفتح الباء. وقال مجاهد وقتادة «زُبراً» أي: كتباً، أي: دان كلّ فريق بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخر. وقيل: جعلوا كتبهم قطعاً آمنوا بالبعض وكفروا بالبعض وحرّفوا البعض ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ بما عندهم من الدين معجبون مسرورون. ولما ذكر تفرقهم في دينهم أتبعه بالوعيد وقال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ وهذا خطاب لنبينا - عليه السلام -، أي: دع هؤلاء الكفار في جهلهم. قوله: «في غَمْرتِهِمْ» مفعول ثان ل «ذَرْهُمْ» أي: اتركهم مستقرين «في غَمْرَتِهِمْ» ويجوز أن يكون ظرفاً للترك، والمفعول الثاني محذوف. والغمرة في الأصل الماء الذي يغمر القامة، والمغمر الماء الذي يَغْمُر الأرض ثم استعير ذلك للجهالة، فقيل: فلانٌ في غمرة والمادة تدل على الغطاء والاستتار ومنه الغُمر - بالضم - لمن لم يجرب الأمور، وغُمَار الناس وخمارهم زحامهم، والغِمْر - بالكسر - الحقد، لأنه يغطي القلب، فالغمرات الشدائد، والغامر: الذي يلقي نفسه في المهالك. وقال الزمخشري: الغمرة الماء الذي يغمر القامة، فضربت لهم مثلاً لما هم فيه من جهلهم وعَمَايَتِهم، او شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لِمَا هُمْ عليه من الباطل كقوله: 3800 - كَأَنَّنِي ضَارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِب ... وقرأ أمير المؤمنين وأبو حيوة وأبو عبد الرحمن «غمراتهم بالجمع، لأنَّ لكل منهم غمرة تخصه. وقراءة العامة لا تأبى هذا المعنى، فإنه اسم جنس مضاف. قوله:» حَتَّى حِين» أي إلى أن يموتوا. وقيل: إلى حين المعاينة. وقيل: إلى حين العذاب. ولمّا كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أنّ تلك النعم كالثواب المعجل لهم إلى أديانهم، فبيّن سبحانه أنّ الأمر بخلاف ذلك فقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ أي: أن ما نعطيهم ونجعله مدداً لهم من المال والبنين في الدنيا ل ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات﴾ أي: نعجل لهم في الخيرات، ونقدّمها ثواباً بأعمالهم لمرضاتنا عنهم ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أنّ ذلك استدراج لهم. قوله: «أَنَّما نُمِدُّهُمْ» في «مَا» ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمعنى الذي، وهي اسم (أنَّ) و (نُمِدُّهُمْ بِهِ) صلتها وعائدها محذوف، و (مِنْ مَالٍ) حال من الموصول أو بيان له، فيتعلق بمحذوف، و (نُسَارعُ) خبر (أنَّ) والعائد من هذه الجملة إلى اسم (أنَّ) محذوف تقديره: نسارع لهم به أو فيه إلا أنّ حذف مثله قليل. وقيل: الرابط بين هذه الجملة باسم «أنَّ» هو الظاهر الذي قام مقام المضمر من قوله: «في الخَيْرَاتِ» ، إذ الأصل نُسَارع لهم فيه، فأوقع الخيرات موقعه تعظيماً وتنبيهاً على كونه من الخيرات، وهذا يتمشّى على مذهب الأخفش، إذ يرى الربط بالأسماء الظاهرة وإن لم يكن بلفظ الأوَّل، فيجيز زيد الذي قام أبو عبد الله، إذا كان أبو عبد الله كنية زيد، وتقدّمت منه أمثلة. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون الخبر (مِنْ مَالٍ) ، لأنه (إذا) كان من مال فلا (يعاب عليهم ذلك، وإنّما) يُعاب عليهم اعتقادهم أن تلك الأموال خيرٌ لهم. الثاني: أن تكون (ما) مصدرية فَيَنْسَبِك منها ومما بعدها مصدر، هو اسم (أنّ) ، و «نُسَارع» هو الخبر، وعلى هذا فلا بدّ من حذف (أنْ) المصدرية قبل «نُسَارعُ» ، ليصح الإخبار، تقديره: أن نُسَارعَ. فلمّا حذفت (أنْ) ارتفع المضارع بعدها، والتقدير: أيحسبون أن إمدادنا لهم من كذا مسارعةً مِنَّا لهم في الخيرات. الثالث: أنها مهيئة كافة، وبه قال الكسائي في هذه الآية، وحينئذ يوقف على (وَبَنِينَ) ، لأنّه قد حصل بعد فعل الحسبان نسبة من مسند ومسند إليه نحو: حسبتُ إنّما ينطلق عمرو وإنّما تقوم أنت. وقرأ يحيى بن وثاب: «إِنَّمَا» بكسر الهمزة على الاستئناف، ويكون حذف مفعول الحسبان اقتصاراً واختصاراً. وابن كثير في رواية «يَمدُّهُمْ» بالياء، وهو الله تعالى، وقياسه أن يقرأ «يُسَارع» أيضاً. وقرأ السلمي وابن أبي بكرة «يُسَارع» بالياء وكسر الراء، وفي فاعله وجهان: أحدهما: الباري تعالى. والثاني: ضمير (ما) الموصولة إن جعلناها بمعنى (الذي) ، أو على المصدر إن جعلناها مصدرية، وحينئذ يكون «يُسَارعُ لَهُمْ» الخبر. فعلى الأوّل يحتاج إلى تقدير عائد أي: يُسَارعُ الله لهم به أو فيه وعلى الثاني لا يحتاج إذ الفاعل ضمير (ما) الموصولة. وعن (ابن) أبي بكرة المتقدم أيضاً «يُسَارع» بالياء مبنياً للمفعول و «في الخَيْرَاتِ» هو القائم مقام الفاعل، والجملة خبر (أنّ) والعائد محذوف على ما تقدّم. وقرأ الحسن: «نُسْرِعُ» بالنون من أسْرَعَ، وهي ك «نُسَارع» فيما تقدم. و ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ إضراب عن الحسبان المستفهم عنه استفهام تقريع، وهو إضراب انتقال، والمعنى: أنهم أشباه البهائم لا شعور لهم حتى يتفكروا في ذلك الإمداد، أهو استدراج أم مسارعة في الخير روى يزيد بن ميسرة قال: أوحى الله - تعالى - إلى نبيّ من الأنبياء: «أيفرح عبدي أن أبسط له في الدنيا وهو أبعد له منّي، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهي أقرب له منّي» ثم تلا ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ .

المؤمنون 23:56

وفي المعين قولان: أحدهما: أنّه مفعول، لأنه لظهوره مدرك بالعين من عانه: إذا أدركه بعينه. وقال الفراء والزجاج: إن شِئْتَ جعلته (فَعِيلاً) من المَاعون، ويكون أصله من المَعْن والمَاعون فاعُول منه. قال أبو علي: والمعين: السهل الذي ينقاد ولا يتعاصى، والماعون ما سهل على معطيه. قالوا: وسبب الإيواء أنها فرّت بابنها عيسى إلى الربوة وبقيت بها اثنتي عشرة سنة، وإنما ذهب بها ابن عمها يوسف، ثم رجعت إلى أهلها بعدما مات ملكهم. قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات﴾ الآية. اعلم أنَّ هذا خطاب مع كل الرسل، وذلك غير ممكن، لأنّ الرّسل إنّما أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، فلهذا تأوّلوه على وجوه: فقيل: معناه الإعلام بأن كلّ رسول نُودي في زمانه بهذا المعنى، ووصي به، ليعتقد السامع أن أمراً نودي له جميع الرسل، ووصوا به، حقيق أن يؤخذ ويعمل عليه. وقال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة: أراد به محمداً - عليه السلام - وحّده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة كقولك للواحد: أيُّها القوم كُفُّوا عنّا أذاكم ولأنه ذكر ذلك بعد انقضاء أخبار الرسل. وقال ابن جرير: المراد عيسى - عليه السلام - لأنه إنما ذكر بعد ذكره مكانه الجامع للطعام والشراب، ولأنه روي «أنّ عيسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان يأكل من غزل أمه» . والأول أقرب، لأنه أوفق للفظ، ولأنه «روي عن أم عبد الله أخت شدّاد بن أوس أنها بعثت إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بقدح لبن في شدّة الحر عند فطره وهو صائم فردّه الرسول إليها وقال:» من أين لَكِ هذا؟» ، فقالت: من شاةٍ لي، فقال: «من أين هذه الشاة؟» ، فقالت: اشتريتُها بِمَالي، فأخذه، ثم إنها جاءته فقالت: يا رسول الله لِمَ رَدَدته؟ فقال - عليه السلام -: «بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلاّ طيباً ولا تعمل إلاّ صالحاً» . واختلفوا في الطيّب، فقيل: هو الحلال. وقيل: هو المستطاب المستلذ من المأكل. قوله: ﴿واعملوا صَالِحاً﴾ يجوز أن يكون» صالحاً «نعتاً لمصدر محذوف أي: واعملوا عملاً صالحاً من غير نظر إلى ما يعملونه، كقولهم: يُعطي ويمنع. ويجوز أن يكون مفعولاً به، وهو واقع على نفس المعمول. ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وهذا تحذير من مخالفة ما أمرهم به، وإذا كان تحذيراً للرسل مع علو شأنهم، فبأن يكون تحذيراً لغيرهم أولى. قوله: ﴿وَإِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قرأ ابن عامر وحده» وأن هذه «بفتح الهمزة وتخفيف النون. والكوفيون بكسرها والتثقيل. والباقون بفتحها والتثقيل. فأمّا قراءة ابن عامر فهي المخففة من الثقيلة، وسيأتي توجيه الفتح في الثقيلة، فيتضح معنى قراءته. وأمّا قراءة الكوفيين فعلى الاستئناف. وأمّا قراءة الباقين ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنّها على حذف اللام أي: ولأنّ هذه، فلمّا حذف حرف الجَرّ جَرَى الخلاف المشهور، وهذه اللام تتعلق ب» اتّقون» . والكلام في الفاء كالكلام في قوله: «وَإِيَّايَ فَارْهَبُون» . الثاني: أنها منسوقة على» بِمَا تَعْمَلُون «أي: إنِّي عليم بما تعملون وبأنّ هذه، فهذه داخلة في حيز المعلوم. الثالث: أنّ في الكلام حذفاً تقديره: واعلموا أن هذه أمتكم. وتقدّم ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾ وما قيل فيها. فصل المعنى: وأن هذه ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها أمةً واحدةً، أي: ملة واحدة وهي الإسلام. فإن قيل: لمّا كانت شرائعهم مختلفة فكيف يكون دينهم واحداً؟ فالجواب: أنّ المراد من الدين ما لا يختلفون من أصول الدين من معرفة ذات الله وصفاته، وأما الشرائع فإن الاختلاف فيها لا يُسمّى اختلافاً في الدين، فكما يقال في الحائض والطاهر من النساء: إن دينهن واحد وإن افترق تكليفهما فكذا هنا. وقيل: المعنى: أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، وأمركم واحد. ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون﴾ فاحذرون، ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: تفرقوا فصاروا فرقاً يهوداً، ونصارى، ومجوساً.» زُبُراً» أي: فرقاً وقطعاً مختلفة، واحدها (زَبُور) ، وهو الفرقة والطائفة، ومثلها «الزُّبْرَة» وجمعها «زُبَر» ومنه «زُبَرَ الحَدِيدِ» . وقرأ بعض أهل الشام: «زُبَراً» بفتح الباء. وقال مجاهد وقتادة «زُبراً» أي: كتباً، أي: دان كلّ فريق بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخر. وقيل: جعلوا كتبهم قطعاً آمنوا بالبعض وكفروا بالبعض وحرّفوا البعض ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ بما عندهم من الدين معجبون مسرورون. ولما ذكر تفرقهم في دينهم أتبعه بالوعيد وقال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ وهذا خطاب لنبينا - عليه السلام -، أي: دع هؤلاء الكفار في جهلهم. قوله: «في غَمْرتِهِمْ» مفعول ثان ل «ذَرْهُمْ» أي: اتركهم مستقرين «في غَمْرَتِهِمْ» ويجوز أن يكون ظرفاً للترك، والمفعول الثاني محذوف. والغمرة في الأصل الماء الذي يغمر القامة، والمغمر الماء الذي يَغْمُر الأرض ثم استعير ذلك للجهالة، فقيل: فلانٌ في غمرة والمادة تدل على الغطاء والاستتار ومنه الغُمر - بالضم - لمن لم يجرب الأمور، وغُمَار الناس وخمارهم زحامهم، والغِمْر - بالكسر - الحقد، لأنه يغطي القلب، فالغمرات الشدائد، والغامر: الذي يلقي نفسه في المهالك. وقال الزمخشري: الغمرة الماء الذي يغمر القامة، فضربت لهم مثلاً لما هم فيه من جهلهم وعَمَايَتِهم، او شبهوا باللاعبين في غمرة الماء لِمَا هُمْ عليه من الباطل كقوله: 3800 - كَأَنَّنِي ضَارِبٌ في غَمْرَةٍ لَعِب ... وقرأ أمير المؤمنين وأبو حيوة وأبو عبد الرحمن «غمراتهم بالجمع، لأنَّ لكل منهم غمرة تخصه. وقراءة العامة لا تأبى هذا المعنى، فإنه اسم جنس مضاف. قوله:» حَتَّى حِين» أي إلى أن يموتوا. وقيل: إلى حين المعاينة. وقيل: إلى حين العذاب. ولمّا كان القوم في نعم عظيمة في الدنيا جاز أن يظنوا أنّ تلك النعم كالثواب المعجل لهم إلى أديانهم، فبيّن سبحانه أنّ الأمر بخلاف ذلك فقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ أي: أن ما نعطيهم ونجعله مدداً لهم من المال والبنين في الدنيا ل ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات﴾ أي: نعجل لهم في الخيرات، ونقدّمها ثواباً بأعمالهم لمرضاتنا عنهم ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أنّ ذلك استدراج لهم. قوله: «أَنَّما نُمِدُّهُمْ» في «مَا» ثلاثة أوجه: أحدها: أنها بمعنى الذي، وهي اسم (أنَّ) و (نُمِدُّهُمْ بِهِ) صلتها وعائدها محذوف، و (مِنْ مَالٍ) حال من الموصول أو بيان له، فيتعلق بمحذوف، و (نُسَارعُ) خبر (أنَّ) والعائد من هذه الجملة إلى اسم (أنَّ) محذوف تقديره: نسارع لهم به أو فيه إلا أنّ حذف مثله قليل. وقيل: الرابط بين هذه الجملة باسم «أنَّ» هو الظاهر الذي قام مقام المضمر من قوله: «في الخَيْرَاتِ» ، إذ الأصل نُسَارع لهم فيه، فأوقع الخيرات موقعه تعظيماً وتنبيهاً على كونه من الخيرات، وهذا يتمشّى على مذهب الأخفش، إذ يرى الربط بالأسماء الظاهرة وإن لم يكن بلفظ الأوَّل، فيجيز زيد الذي قام أبو عبد الله، إذا كان أبو عبد الله كنية زيد، وتقدّمت منه أمثلة. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون الخبر (مِنْ مَالٍ) ، لأنه (إذا) كان من مال فلا (يعاب عليهم ذلك، وإنّما) يُعاب عليهم اعتقادهم أن تلك الأموال خيرٌ لهم. الثاني: أن تكون (ما) مصدرية فَيَنْسَبِك منها ومما بعدها مصدر، هو اسم (أنّ) ، و «نُسَارع» هو الخبر، وعلى هذا فلا بدّ من حذف (أنْ) المصدرية قبل «نُسَارعُ» ، ليصح الإخبار، تقديره: أن نُسَارعَ. فلمّا حذفت (أنْ) ارتفع المضارع بعدها، والتقدير: أيحسبون أن إمدادنا لهم من كذا مسارعةً مِنَّا لهم في الخيرات. الثالث: أنها مهيئة كافة، وبه قال الكسائي في هذه الآية، وحينئذ يوقف على (وَبَنِينَ) ، لأنّه قد حصل بعد فعل الحسبان نسبة من مسند ومسند إليه نحو: حسبتُ إنّما ينطلق عمرو وإنّما تقوم أنت. وقرأ يحيى بن وثاب: «إِنَّمَا» بكسر الهمزة على الاستئناف، ويكون حذف مفعول الحسبان اقتصاراً واختصاراً. وابن كثير في رواية «يَمدُّهُمْ» بالياء، وهو الله تعالى، وقياسه أن يقرأ «يُسَارع» أيضاً. وقرأ السلمي وابن أبي بكرة «يُسَارع» بالياء وكسر الراء، وفي فاعله وجهان: أحدهما: الباري تعالى. والثاني: ضمير (ما) الموصولة إن جعلناها بمعنى (الذي) ، أو على المصدر إن جعلناها مصدرية، وحينئذ يكون «يُسَارعُ لَهُمْ» الخبر. فعلى الأوّل يحتاج إلى تقدير عائد أي: يُسَارعُ الله لهم به أو فيه وعلى الثاني لا يحتاج إذ الفاعل ضمير (ما) الموصولة. وعن (ابن) أبي بكرة المتقدم أيضاً «يُسَارع» بالياء مبنياً للمفعول و «في الخَيْرَاتِ» هو القائم مقام الفاعل، والجملة خبر (أنّ) والعائد محذوف على ما تقدّم. وقرأ الحسن: «نُسْرِعُ» بالنون من أسْرَعَ، وهي ك «نُسَارع» فيما تقدم. و ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ إضراب عن الحسبان المستفهم عنه استفهام تقريع، وهو إضراب انتقال، والمعنى: أنهم أشباه البهائم لا شعور لهم حتى يتفكروا في ذلك الإمداد، أهو استدراج أم مسارعة في الخير روى يزيد بن ميسرة قال: أوحى الله - تعالى - إلى نبيّ من الأنبياء: «أيفرح عبدي أن أبسط له في الدنيا وهو أبعد له منّي، ويجزع أن أقبض عنه الدنيا وهي أقرب له منّي» ثم تلا ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ .

المؤمنون 23:57

قوله: ﴿إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾ الآيات لمَّا ذمَّ من تقدّم بقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ [المؤمنون: 55] ثم قال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 56] ، بيّن بعده صفات من يُسارع في الخيرات، فقال: ﴿إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾ ، والإشفاق يتضمن الخشية مع زيادة رقة وضعف. وقيل: جمع بينهما للتأكيد. ومنهم من حمل الخشية على العذاب، والمعنى: إن الذي هم من عذاب ربهم مشفقون أي: خائفون من عقابه. قوله: «مِنْ خَشْيَةِ» فيه وجهان: أحدهما: أنها لبيان الجنس. قال ابن عطية: هي لبيان جنس الإشفاق. قال شهاب الدين: وهي عبارة قَلِقَة. والثاني: أنها متعلقة ب «مُشْفِقُونَ» . قاله الحوفي، وهو واضح. قوله: ﴿والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدّقون، وآيات الله هي المخلوقات الدالة على وجوده. ﴿والذين هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله - تعالى -، لأن ذلك داخل في قوله: ﴿والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ بل المراد منه نفي الشرك الخفيّ، وهو أن يكون مخلصاً في العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه الله وطلب رضوانه. قوله: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ﴾ العامة على أنه من الإيتاء، أي: يعطون ما أعطوا. وقرأت عائشة وابن عباس والحسن والأعمش: «يَأَتُونَ مَا أَتَوْا» من الإتيان، أي: يفعلون ما فعلوا من الطاعات. واقتصر أبو البقاء في ذكر الخلاف على «أَتَوْا» فقط، وليس بجيّد، لأنّه يوهم أن من قرأ «أَتَوْا» بالقصر قرأ «يُؤْتُونَ» من الرباعي وليس كذلك. قوله: ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هذه الجملة حال من فاعل «يُؤْتُونَ» ، فالواو للحال، والمعنى: يعطون ما أعطوه، ويدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه سواء كان من حقوق الله كالزكوات، والكفارات وغيرها. أو من حقوق الآدميين، كالودائع، والديون وأصناف الإنصاف والعدل. وبيّن أن ذلك إنما ينفع إذا فعلوه «وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» ، أي: إنهم يقدمون على العبادة على وجل من تقصير وإخلال بنقصان. «روي أن عائشة سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني، ويشرب الخمر، ويسرق وهو على ذلك يخاف الله؟ فقال عليه السلام: «لا يا بنت الصديق، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، وهو على ذلك يخاف الله» قوله: «أنَّهُمْ» يجوز أن يكون التقدير: وجلة مِنْ أنَّهُمْ أي: خائفة من رجوعهم إلى ربّهم. ويجوز أن يكون: لأنهم أي: سبب الوجل الرجوع إلى ربهم. قوله: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ﴾ هذه الجملة خبر «إنَّ الَّذِينَ» ، وقرأ الأعمش: «إنَّهُمْ» بالكسر، على الاستئناف، فالوقف على» وَجِلَةٌ «تام أو كاف. وقرأ الحسن:» يُسْرعُونَ» من أسْرَعَ. قال الزجاج: يُسَارِعُونَ أبلغ. يعني: من حيث إن المفاعلة تدل على قوة الفعل لأجل المبالغة. قوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ في الضمير في «لَهَا» أوجه: أظهرها: أنه يعود على الخيرات لتقدمها في اللفظ. وقيل: يعود على الجنة. وقال ابن عباس: إلى السعادة. وقال الكلبي: سبقوا الأمم إلى الخيرات. والظاهر أن «سَابِقُونَ» هو الخبر، و «لَهَا» متعلق به قُدّم للفاصلة وللاختصاص. واللام، قيل: بمعنى (إلى) ، يقال: سبقت له، وإليه، بمعنى ومفعول «سَابِقُون» محذوف، تقديره: سابقون الناس إليها. وقيل: اللام للتعليل، أي: سابقون الناس لأجلها. وتكون هذه الجملة مؤكدة للجملة قبلها، وهي ﴿يُسَارِعُونَ فِي الخيرات﴾ ، ولأنها تفيد معنى آخر وهو الثبوت والاستقرار بعدما دلَّت الأولى على التجدد. وقال الزمخشري: أي: فاعلون السَّبق لأجلها، أو سابقون الناس لأجلها قال أبو حيان وهذان القولان عندي واحد. قال شهاب الدين: ليسا بواحد إذ مراده بالتقدير الأول: أن لا يقدر السبق مفعول ألبتة، وإنّما الغرض الإعلام بوقوع السبق منهم من غير نظرٍ إلى مَنْ سبقوه كقوله: «يُحْيِي وَيُمِيتُ» ، و «كُلُوا واشْرَبُوا» ، و «يعطي ويمنع» وغرضه في الثاني تقدير مفعول حذف لدلالة، واللام للعلة في التقديرين وقال الزمخشري أيضاً: أو: إيّاها سابقون. أي: ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا. قال شهاب الدين: يعني أن «لَهَا» هو المفعول ب «سَابِقُونَ» ، وتكون اللام قد زيدت في المفعول، وحسن زيادتها شيئان كل منهما لو انفرد لاقتضى الجواز، كَوْن العامل فرعاً، وكونه مقدّماً عليه معموله. قال أبو حيان: ولا يدل لفظ «لَهَا سَابِقُون» على هذا التفسير، لأنّ سبق الشيء الشيء يدل على تقديم السابق على المسبوق، فكيف يقول: وهم يسبقون الخيرات، هذا لا يصح. قال شهاب الدين: ولا أدري عدم الصحة من أي جهةٍ، وكأنّه تخيّل أنّ السابق يتقدم على المسبوق فكيف يتلاقيان؟ لكنّه كان ينبغي أن يقول: فكيف يقول: وهم ينالون الخيرات، وهم لا يجامعونها، لتقدمهم عليها إلاّ أن يكون قد سبقه القلم فكتب بدل (وهم ينالون) (وهم يسبقون) وعلى كل تقدير فأين عدم الصحة؟ وقال الزمخشري أيضاً: ويجوز أن يكون ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ خبراً بعد خبرٍ ومعنى «وَهُمْ لَهَا» كمعنى قوله: 3801 - أَنْتَ لَهَا أَحْمَد مِنَ بَيْنِ البَشَر ... يعني: أن هذا الوصف الذي وصف به الصالحين غير خارج من حد الوسع والطاقة. فتحصل في اللام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى (إلى) . الثاني: أنها للتعليل على بابها. والثالث: أنها مزيدة. وفي خبر المبتدأ قولان: أحدهما: أنه «سَابِقُونَ» وهو الظاهر. والثاني: أنه الجار كقوله. 3802 - أَنْتَ لَهَا أَحْمَد مِنْ بَيْنِ البَشَر ... وهذا قد رجّحه الطبري، وهو مروي عن ابن عباس.

المؤمنون 23:58

قوله: ﴿إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾ الآيات لمَّا ذمَّ من تقدّم بقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ [المؤمنون: 55] ثم قال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 56] ، بيّن بعده صفات من يُسارع في الخيرات، فقال: ﴿إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾ ، والإشفاق يتضمن الخشية مع زيادة رقة وضعف. وقيل: جمع بينهما للتأكيد. ومنهم من حمل الخشية على العذاب، والمعنى: إن الذي هم من عذاب ربهم مشفقون أي: خائفون من عقابه. قوله: «مِنْ خَشْيَةِ» فيه وجهان: أحدهما: أنها لبيان الجنس. قال ابن عطية: هي لبيان جنس الإشفاق. قال شهاب الدين: وهي عبارة قَلِقَة. والثاني: أنها متعلقة ب «مُشْفِقُونَ» . قاله الحوفي، وهو واضح. قوله: ﴿والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدّقون، وآيات الله هي المخلوقات الدالة على وجوده. ﴿والذين هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله - تعالى -، لأن ذلك داخل في قوله: ﴿والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ بل المراد منه نفي الشرك الخفيّ، وهو أن يكون مخلصاً في العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه الله وطلب رضوانه. قوله: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ﴾ العامة على أنه من الإيتاء، أي: يعطون ما أعطوا. وقرأت عائشة وابن عباس والحسن والأعمش: «يَأَتُونَ مَا أَتَوْا» من الإتيان، أي: يفعلون ما فعلوا من الطاعات. واقتصر أبو البقاء في ذكر الخلاف على «أَتَوْا» فقط، وليس بجيّد، لأنّه يوهم أن من قرأ «أَتَوْا» بالقصر قرأ «يُؤْتُونَ» من الرباعي وليس كذلك. قوله: ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هذه الجملة حال من فاعل «يُؤْتُونَ» ، فالواو للحال، والمعنى: يعطون ما أعطوه، ويدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه سواء كان من حقوق الله كالزكوات، والكفارات وغيرها. أو من حقوق الآدميين، كالودائع، والديون وأصناف الإنصاف والعدل. وبيّن أن ذلك إنما ينفع إذا فعلوه «وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» ، أي: إنهم يقدمون على العبادة على وجل من تقصير وإخلال بنقصان. «روي أن عائشة سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني، ويشرب الخمر، ويسرق وهو على ذلك يخاف الله؟ فقال عليه السلام: «لا يا بنت الصديق، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، وهو على ذلك يخاف الله» قوله: «أنَّهُمْ» يجوز أن يكون التقدير: وجلة مِنْ أنَّهُمْ أي: خائفة من رجوعهم إلى ربّهم. ويجوز أن يكون: لأنهم أي: سبب الوجل الرجوع إلى ربهم. قوله: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ﴾ هذه الجملة خبر «إنَّ الَّذِينَ» ، وقرأ الأعمش: «إنَّهُمْ» بالكسر، على الاستئناف، فالوقف على» وَجِلَةٌ «تام أو كاف. وقرأ الحسن:» يُسْرعُونَ» من أسْرَعَ. قال الزجاج: يُسَارِعُونَ أبلغ. يعني: من حيث إن المفاعلة تدل على قوة الفعل لأجل المبالغة. قوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ في الضمير في «لَهَا» أوجه: أظهرها: أنه يعود على الخيرات لتقدمها في اللفظ. وقيل: يعود على الجنة. وقال ابن عباس: إلى السعادة. وقال الكلبي: سبقوا الأمم إلى الخيرات. والظاهر أن «سَابِقُونَ» هو الخبر، و «لَهَا» متعلق به قُدّم للفاصلة وللاختصاص. واللام، قيل: بمعنى (إلى) ، يقال: سبقت له، وإليه، بمعنى ومفعول «سَابِقُون» محذوف، تقديره: سابقون الناس إليها. وقيل: اللام للتعليل، أي: سابقون الناس لأجلها. وتكون هذه الجملة مؤكدة للجملة قبلها، وهي ﴿يُسَارِعُونَ فِي الخيرات﴾ ، ولأنها تفيد معنى آخر وهو الثبوت والاستقرار بعدما دلَّت الأولى على التجدد. وقال الزمخشري: أي: فاعلون السَّبق لأجلها، أو سابقون الناس لأجلها قال أبو حيان وهذان القولان عندي واحد. قال شهاب الدين: ليسا بواحد إذ مراده بالتقدير الأول: أن لا يقدر السبق مفعول ألبتة، وإنّما الغرض الإعلام بوقوع السبق منهم من غير نظرٍ إلى مَنْ سبقوه كقوله: «يُحْيِي وَيُمِيتُ» ، و «كُلُوا واشْرَبُوا» ، و «يعطي ويمنع» وغرضه في الثاني تقدير مفعول حذف لدلالة، واللام للعلة في التقديرين وقال الزمخشري أيضاً: أو: إيّاها سابقون. أي: ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا. قال شهاب الدين: يعني أن «لَهَا» هو المفعول ب «سَابِقُونَ» ، وتكون اللام قد زيدت في المفعول، وحسن زيادتها شيئان كل منهما لو انفرد لاقتضى الجواز، كَوْن العامل فرعاً، وكونه مقدّماً عليه معموله. قال أبو حيان: ولا يدل لفظ «لَهَا سَابِقُون» على هذا التفسير، لأنّ سبق الشيء الشيء يدل على تقديم السابق على المسبوق، فكيف يقول: وهم يسبقون الخيرات، هذا لا يصح. قال شهاب الدين: ولا أدري عدم الصحة من أي جهةٍ، وكأنّه تخيّل أنّ السابق يتقدم على المسبوق فكيف يتلاقيان؟ لكنّه كان ينبغي أن يقول: فكيف يقول: وهم ينالون الخيرات، وهم لا يجامعونها، لتقدمهم عليها إلاّ أن يكون قد سبقه القلم فكتب بدل (وهم ينالون) (وهم يسبقون) وعلى كل تقدير فأين عدم الصحة؟ وقال الزمخشري أيضاً: ويجوز أن يكون ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ خبراً بعد خبرٍ ومعنى «وَهُمْ لَهَا» كمعنى قوله: 3801 - أَنْتَ لَهَا أَحْمَد مِنَ بَيْنِ البَشَر ... يعني: أن هذا الوصف الذي وصف به الصالحين غير خارج من حد الوسع والطاقة. فتحصل في اللام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى (إلى) . الثاني: أنها للتعليل على بابها. والثالث: أنها مزيدة. وفي خبر المبتدأ قولان: أحدهما: أنه «سَابِقُونَ» وهو الظاهر. والثاني: أنه الجار كقوله. 3802 - أَنْتَ لَهَا أَحْمَد مِنْ بَيْنِ البَشَر ... وهذا قد رجّحه الطبري، وهو مروي عن ابن عباس.

المؤمنون 23:59

قوله: ﴿إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾ الآيات لمَّا ذمَّ من تقدّم بقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ [المؤمنون: 55] ثم قال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 56] ، بيّن بعده صفات من يُسارع في الخيرات، فقال: ﴿إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾ ، والإشفاق يتضمن الخشية مع زيادة رقة وضعف. وقيل: جمع بينهما للتأكيد. ومنهم من حمل الخشية على العذاب، والمعنى: إن الذي هم من عذاب ربهم مشفقون أي: خائفون من عقابه. قوله: «مِنْ خَشْيَةِ» فيه وجهان: أحدهما: أنها لبيان الجنس. قال ابن عطية: هي لبيان جنس الإشفاق. قال شهاب الدين: وهي عبارة قَلِقَة. والثاني: أنها متعلقة ب «مُشْفِقُونَ» . قاله الحوفي، وهو واضح. قوله: ﴿والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدّقون، وآيات الله هي المخلوقات الدالة على وجوده. ﴿والذين هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله - تعالى -، لأن ذلك داخل في قوله: ﴿والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ بل المراد منه نفي الشرك الخفيّ، وهو أن يكون مخلصاً في العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه الله وطلب رضوانه. قوله: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ﴾ العامة على أنه من الإيتاء، أي: يعطون ما أعطوا. وقرأت عائشة وابن عباس والحسن والأعمش: «يَأَتُونَ مَا أَتَوْا» من الإتيان، أي: يفعلون ما فعلوا من الطاعات. واقتصر أبو البقاء في ذكر الخلاف على «أَتَوْا» فقط، وليس بجيّد، لأنّه يوهم أن من قرأ «أَتَوْا» بالقصر قرأ «يُؤْتُونَ» من الرباعي وليس كذلك. قوله: ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هذه الجملة حال من فاعل «يُؤْتُونَ» ، فالواو للحال، والمعنى: يعطون ما أعطوه، ويدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه سواء كان من حقوق الله كالزكوات، والكفارات وغيرها. أو من حقوق الآدميين، كالودائع، والديون وأصناف الإنصاف والعدل. وبيّن أن ذلك إنما ينفع إذا فعلوه «وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» ، أي: إنهم يقدمون على العبادة على وجل من تقصير وإخلال بنقصان. «روي أن عائشة سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني، ويشرب الخمر، ويسرق وهو على ذلك يخاف الله؟ فقال عليه السلام: «لا يا بنت الصديق، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، وهو على ذلك يخاف الله» قوله: «أنَّهُمْ» يجوز أن يكون التقدير: وجلة مِنْ أنَّهُمْ أي: خائفة من رجوعهم إلى ربّهم. ويجوز أن يكون: لأنهم أي: سبب الوجل الرجوع إلى ربهم. قوله: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ﴾ هذه الجملة خبر «إنَّ الَّذِينَ» ، وقرأ الأعمش: «إنَّهُمْ» بالكسر، على الاستئناف، فالوقف على» وَجِلَةٌ «تام أو كاف. وقرأ الحسن:» يُسْرعُونَ» من أسْرَعَ. قال الزجاج: يُسَارِعُونَ أبلغ. يعني: من حيث إن المفاعلة تدل على قوة الفعل لأجل المبالغة. قوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ في الضمير في «لَهَا» أوجه: أظهرها: أنه يعود على الخيرات لتقدمها في اللفظ. وقيل: يعود على الجنة. وقال ابن عباس: إلى السعادة. وقال الكلبي: سبقوا الأمم إلى الخيرات. والظاهر أن «سَابِقُونَ» هو الخبر، و «لَهَا» متعلق به قُدّم للفاصلة وللاختصاص. واللام، قيل: بمعنى (إلى) ، يقال: سبقت له، وإليه، بمعنى ومفعول «سَابِقُون» محذوف، تقديره: سابقون الناس إليها. وقيل: اللام للتعليل، أي: سابقون الناس لأجلها. وتكون هذه الجملة مؤكدة للجملة قبلها، وهي ﴿يُسَارِعُونَ فِي الخيرات﴾ ، ولأنها تفيد معنى آخر وهو الثبوت والاستقرار بعدما دلَّت الأولى على التجدد. وقال الزمخشري: أي: فاعلون السَّبق لأجلها، أو سابقون الناس لأجلها قال أبو حيان وهذان القولان عندي واحد. قال شهاب الدين: ليسا بواحد إذ مراده بالتقدير الأول: أن لا يقدر السبق مفعول ألبتة، وإنّما الغرض الإعلام بوقوع السبق منهم من غير نظرٍ إلى مَنْ سبقوه كقوله: «يُحْيِي وَيُمِيتُ» ، و «كُلُوا واشْرَبُوا» ، و «يعطي ويمنع» وغرضه في الثاني تقدير مفعول حذف لدلالة، واللام للعلة في التقديرين وقال الزمخشري أيضاً: أو: إيّاها سابقون. أي: ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا. قال شهاب الدين: يعني أن «لَهَا» هو المفعول ب «سَابِقُونَ» ، وتكون اللام قد زيدت في المفعول، وحسن زيادتها شيئان كل منهما لو انفرد لاقتضى الجواز، كَوْن العامل فرعاً، وكونه مقدّماً عليه معموله. قال أبو حيان: ولا يدل لفظ «لَهَا سَابِقُون» على هذا التفسير، لأنّ سبق الشيء الشيء يدل على تقديم السابق على المسبوق، فكيف يقول: وهم يسبقون الخيرات، هذا لا يصح. قال شهاب الدين: ولا أدري عدم الصحة من أي جهةٍ، وكأنّه تخيّل أنّ السابق يتقدم على المسبوق فكيف يتلاقيان؟ لكنّه كان ينبغي أن يقول: فكيف يقول: وهم ينالون الخيرات، وهم لا يجامعونها، لتقدمهم عليها إلاّ أن يكون قد سبقه القلم فكتب بدل (وهم ينالون) (وهم يسبقون) وعلى كل تقدير فأين عدم الصحة؟ وقال الزمخشري أيضاً: ويجوز أن يكون ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ خبراً بعد خبرٍ ومعنى «وَهُمْ لَهَا» كمعنى قوله: 3801 - أَنْتَ لَهَا أَحْمَد مِنَ بَيْنِ البَشَر ... يعني: أن هذا الوصف الذي وصف به الصالحين غير خارج من حد الوسع والطاقة. فتحصل في اللام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى (إلى) . الثاني: أنها للتعليل على بابها. والثالث: أنها مزيدة. وفي خبر المبتدأ قولان: أحدهما: أنه «سَابِقُونَ» وهو الظاهر. والثاني: أنه الجار كقوله. 3802 - أَنْتَ لَهَا أَحْمَد مِنْ بَيْنِ البَشَر ... وهذا قد رجّحه الطبري، وهو مروي عن ابن عباس.

المؤمنون 23:60

قوله: ﴿إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾ الآيات لمَّا ذمَّ من تقدّم بقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ [المؤمنون: 55] ثم قال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 56] ، بيّن بعده صفات من يُسارع في الخيرات، فقال: ﴿إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾ ، والإشفاق يتضمن الخشية مع زيادة رقة وضعف. وقيل: جمع بينهما للتأكيد. ومنهم من حمل الخشية على العذاب، والمعنى: إن الذي هم من عذاب ربهم مشفقون أي: خائفون من عقابه. قوله: «مِنْ خَشْيَةِ» فيه وجهان: أحدهما: أنها لبيان الجنس. قال ابن عطية: هي لبيان جنس الإشفاق. قال شهاب الدين: وهي عبارة قَلِقَة. والثاني: أنها متعلقة ب «مُشْفِقُونَ» . قاله الحوفي، وهو واضح. قوله: ﴿والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدّقون، وآيات الله هي المخلوقات الدالة على وجوده. ﴿والذين هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله - تعالى -، لأن ذلك داخل في قوله: ﴿والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ بل المراد منه نفي الشرك الخفيّ، وهو أن يكون مخلصاً في العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه الله وطلب رضوانه. قوله: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ﴾ العامة على أنه من الإيتاء، أي: يعطون ما أعطوا. وقرأت عائشة وابن عباس والحسن والأعمش: «يَأَتُونَ مَا أَتَوْا» من الإتيان، أي: يفعلون ما فعلوا من الطاعات. واقتصر أبو البقاء في ذكر الخلاف على «أَتَوْا» فقط، وليس بجيّد، لأنّه يوهم أن من قرأ «أَتَوْا» بالقصر قرأ «يُؤْتُونَ» من الرباعي وليس كذلك. قوله: ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هذه الجملة حال من فاعل «يُؤْتُونَ» ، فالواو للحال، والمعنى: يعطون ما أعطوه، ويدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه سواء كان من حقوق الله كالزكوات، والكفارات وغيرها. أو من حقوق الآدميين، كالودائع، والديون وأصناف الإنصاف والعدل. وبيّن أن ذلك إنما ينفع إذا فعلوه «وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» ، أي: إنهم يقدمون على العبادة على وجل من تقصير وإخلال بنقصان. «روي أن عائشة سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني، ويشرب الخمر، ويسرق وهو على ذلك يخاف الله؟ فقال عليه السلام: «لا يا بنت الصديق، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، وهو على ذلك يخاف الله» قوله: «أنَّهُمْ» يجوز أن يكون التقدير: وجلة مِنْ أنَّهُمْ أي: خائفة من رجوعهم إلى ربّهم. ويجوز أن يكون: لأنهم أي: سبب الوجل الرجوع إلى ربهم. قوله: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ﴾ هذه الجملة خبر «إنَّ الَّذِينَ» ، وقرأ الأعمش: «إنَّهُمْ» بالكسر، على الاستئناف، فالوقف على» وَجِلَةٌ «تام أو كاف. وقرأ الحسن:» يُسْرعُونَ» من أسْرَعَ. قال الزجاج: يُسَارِعُونَ أبلغ. يعني: من حيث إن المفاعلة تدل على قوة الفعل لأجل المبالغة. قوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ في الضمير في «لَهَا» أوجه: أظهرها: أنه يعود على الخيرات لتقدمها في اللفظ. وقيل: يعود على الجنة. وقال ابن عباس: إلى السعادة. وقال الكلبي: سبقوا الأمم إلى الخيرات. والظاهر أن «سَابِقُونَ» هو الخبر، و «لَهَا» متعلق به قُدّم للفاصلة وللاختصاص. واللام، قيل: بمعنى (إلى) ، يقال: سبقت له، وإليه، بمعنى ومفعول «سَابِقُون» محذوف، تقديره: سابقون الناس إليها. وقيل: اللام للتعليل، أي: سابقون الناس لأجلها. وتكون هذه الجملة مؤكدة للجملة قبلها، وهي ﴿يُسَارِعُونَ فِي الخيرات﴾ ، ولأنها تفيد معنى آخر وهو الثبوت والاستقرار بعدما دلَّت الأولى على التجدد. وقال الزمخشري: أي: فاعلون السَّبق لأجلها، أو سابقون الناس لأجلها قال أبو حيان وهذان القولان عندي واحد. قال شهاب الدين: ليسا بواحد إذ مراده بالتقدير الأول: أن لا يقدر السبق مفعول ألبتة، وإنّما الغرض الإعلام بوقوع السبق منهم من غير نظرٍ إلى مَنْ سبقوه كقوله: «يُحْيِي وَيُمِيتُ» ، و «كُلُوا واشْرَبُوا» ، و «يعطي ويمنع» وغرضه في الثاني تقدير مفعول حذف لدلالة، واللام للعلة في التقديرين وقال الزمخشري أيضاً: أو: إيّاها سابقون. أي: ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا. قال شهاب الدين: يعني أن «لَهَا» هو المفعول ب «سَابِقُونَ» ، وتكون اللام قد زيدت في المفعول، وحسن زيادتها شيئان كل منهما لو انفرد لاقتضى الجواز، كَوْن العامل فرعاً، وكونه مقدّماً عليه معموله. قال أبو حيان: ولا يدل لفظ «لَهَا سَابِقُون» على هذا التفسير، لأنّ سبق الشيء الشيء يدل على تقديم السابق على المسبوق، فكيف يقول: وهم يسبقون الخيرات، هذا لا يصح. قال شهاب الدين: ولا أدري عدم الصحة من أي جهةٍ، وكأنّه تخيّل أنّ السابق يتقدم على المسبوق فكيف يتلاقيان؟ لكنّه كان ينبغي أن يقول: فكيف يقول: وهم ينالون الخيرات، وهم لا يجامعونها، لتقدمهم عليها إلاّ أن يكون قد سبقه القلم فكتب بدل (وهم ينالون) (وهم يسبقون) وعلى كل تقدير فأين عدم الصحة؟ وقال الزمخشري أيضاً: ويجوز أن يكون ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ خبراً بعد خبرٍ ومعنى «وَهُمْ لَهَا» كمعنى قوله: 3801 - أَنْتَ لَهَا أَحْمَد مِنَ بَيْنِ البَشَر ... يعني: أن هذا الوصف الذي وصف به الصالحين غير خارج من حد الوسع والطاقة. فتحصل في اللام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى (إلى) . الثاني: أنها للتعليل على بابها. والثالث: أنها مزيدة. وفي خبر المبتدأ قولان: أحدهما: أنه «سَابِقُونَ» وهو الظاهر. والثاني: أنه الجار كقوله. 3802 - أَنْتَ لَهَا أَحْمَد مِنْ بَيْنِ البَشَر ... وهذا قد رجّحه الطبري، وهو مروي عن ابن عباس.

المؤمنون 23:61

قوله: ﴿إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾ الآيات لمَّا ذمَّ من تقدّم بقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ﴾ [المؤمنون: 55] ثم قال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 56] ، بيّن بعده صفات من يُسارع في الخيرات، فقال: ﴿إِنَّ الذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾ ، والإشفاق يتضمن الخشية مع زيادة رقة وضعف. وقيل: جمع بينهما للتأكيد. ومنهم من حمل الخشية على العذاب، والمعنى: إن الذي هم من عذاب ربهم مشفقون أي: خائفون من عقابه. قوله: «مِنْ خَشْيَةِ» فيه وجهان: أحدهما: أنها لبيان الجنس. قال ابن عطية: هي لبيان جنس الإشفاق. قال شهاب الدين: وهي عبارة قَلِقَة. والثاني: أنها متعلقة ب «مُشْفِقُونَ» . قاله الحوفي، وهو واضح. قوله: ﴿والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدّقون، وآيات الله هي المخلوقات الدالة على وجوده. ﴿والذين هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾ وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله - تعالى -، لأن ذلك داخل في قوله: ﴿والذين هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ بل المراد منه نفي الشرك الخفيّ، وهو أن يكون مخلصاً في العبادة لا يقدم عليها إلا لوجه الله وطلب رضوانه. قوله: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ﴾ العامة على أنه من الإيتاء، أي: يعطون ما أعطوا. وقرأت عائشة وابن عباس والحسن والأعمش: «يَأَتُونَ مَا أَتَوْا» من الإتيان، أي: يفعلون ما فعلوا من الطاعات. واقتصر أبو البقاء في ذكر الخلاف على «أَتَوْا» فقط، وليس بجيّد، لأنّه يوهم أن من قرأ «أَتَوْا» بالقصر قرأ «يُؤْتُونَ» من الرباعي وليس كذلك. قوله: ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هذه الجملة حال من فاعل «يُؤْتُونَ» ، فالواو للحال، والمعنى: يعطون ما أعطوه، ويدخل فيه كل حق يلزم إيتاؤه سواء كان من حقوق الله كالزكوات، والكفارات وغيرها. أو من حقوق الآدميين، كالودائع، والديون وأصناف الإنصاف والعدل. وبيّن أن ذلك إنما ينفع إذا فعلوه «وقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» ، أي: إنهم يقدمون على العبادة على وجل من تقصير وإخلال بنقصان. «روي أن عائشة سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهو الذي يزني، ويشرب الخمر، ويسرق وهو على ذلك يخاف الله؟ فقال عليه السلام: «لا يا بنت الصديق، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، وهو على ذلك يخاف الله» قوله: «أنَّهُمْ» يجوز أن يكون التقدير: وجلة مِنْ أنَّهُمْ أي: خائفة من رجوعهم إلى ربّهم. ويجوز أن يكون: لأنهم أي: سبب الوجل الرجوع إلى ربهم. قوله: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ﴾ هذه الجملة خبر «إنَّ الَّذِينَ» ، وقرأ الأعمش: «إنَّهُمْ» بالكسر، على الاستئناف، فالوقف على» وَجِلَةٌ «تام أو كاف. وقرأ الحسن:» يُسْرعُونَ» من أسْرَعَ. قال الزجاج: يُسَارِعُونَ أبلغ. يعني: من حيث إن المفاعلة تدل على قوة الفعل لأجل المبالغة. قوله: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ في الضمير في «لَهَا» أوجه: أظهرها: أنه يعود على الخيرات لتقدمها في اللفظ. وقيل: يعود على الجنة. وقال ابن عباس: إلى السعادة. وقال الكلبي: سبقوا الأمم إلى الخيرات. والظاهر أن «سَابِقُونَ» هو الخبر، و «لَهَا» متعلق به قُدّم للفاصلة وللاختصاص. واللام، قيل: بمعنى (إلى) ، يقال: سبقت له، وإليه، بمعنى ومفعول «سَابِقُون» محذوف، تقديره: سابقون الناس إليها. وقيل: اللام للتعليل، أي: سابقون الناس لأجلها. وتكون هذه الجملة مؤكدة للجملة قبلها، وهي ﴿يُسَارِعُونَ فِي الخيرات﴾ ، ولأنها تفيد معنى آخر وهو الثبوت والاستقرار بعدما دلَّت الأولى على التجدد. وقال الزمخشري: أي: فاعلون السَّبق لأجلها، أو سابقون الناس لأجلها قال أبو حيان وهذان القولان عندي واحد. قال شهاب الدين: ليسا بواحد إذ مراده بالتقدير الأول: أن لا يقدر السبق مفعول ألبتة، وإنّما الغرض الإعلام بوقوع السبق منهم من غير نظرٍ إلى مَنْ سبقوه كقوله: «يُحْيِي وَيُمِيتُ» ، و «كُلُوا واشْرَبُوا» ، و «يعطي ويمنع» وغرضه في الثاني تقدير مفعول حذف لدلالة، واللام للعلة في التقديرين وقال الزمخشري أيضاً: أو: إيّاها سابقون. أي: ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا. قال شهاب الدين: يعني أن «لَهَا» هو المفعول ب «سَابِقُونَ» ، وتكون اللام قد زيدت في المفعول، وحسن زيادتها شيئان كل منهما لو انفرد لاقتضى الجواز، كَوْن العامل فرعاً، وكونه مقدّماً عليه معموله. قال أبو حيان: ولا يدل لفظ «لَهَا سَابِقُون» على هذا التفسير، لأنّ سبق الشيء الشيء يدل على تقديم السابق على المسبوق، فكيف يقول: وهم يسبقون الخيرات، هذا لا يصح. قال شهاب الدين: ولا أدري عدم الصحة من أي جهةٍ، وكأنّه تخيّل أنّ السابق يتقدم على المسبوق فكيف يتلاقيان؟ لكنّه كان ينبغي أن يقول: فكيف يقول: وهم ينالون الخيرات، وهم لا يجامعونها، لتقدمهم عليها إلاّ أن يكون قد سبقه القلم فكتب بدل (وهم ينالون) (وهم يسبقون) وعلى كل تقدير فأين عدم الصحة؟ وقال الزمخشري أيضاً: ويجوز أن يكون ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ خبراً بعد خبرٍ ومعنى «وَهُمْ لَهَا» كمعنى قوله: 3801 - أَنْتَ لَهَا أَحْمَد مِنَ بَيْنِ البَشَر ... يعني: أن هذا الوصف الذي وصف به الصالحين غير خارج من حد الوسع والطاقة. فتحصل في اللام ثلاثة أقوال: أحدها: أنها بمعنى (إلى) . الثاني: أنها للتعليل على بابها. والثالث: أنها مزيدة. وفي خبر المبتدأ قولان: أحدهما: أنه «سَابِقُونَ» وهو الظاهر. والثاني: أنه الجار كقوله. 3802 - أَنْتَ لَهَا أَحْمَد مِنْ بَيْنِ البَشَر ... وهذا قد رجّحه الطبري، وهو مروي عن ابن عباس.

المؤمنون 23:62

قوله: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ الآية، لمّا ذكر كيفيّة أعمال المؤمنين المخلصين ذكر حكمين من أحكام أعمال العبادة: الأوّل: قوله: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ قال المفضّل: الوسع الطاقة. وقال مقاتل، والضحّاك، والكلبي، والمعتزلة: هو دون الطاقة، لأن الوسع إنما سُمي وُسعاً، لأنه يتسع عليه فعله، ولا يصعب ولا يضيق، فبيّن أن أولئك المخلصين لم يكلفوا أكثر مما عملوا. قال مقاتل: من لم يستطع القيام فليصلّ قاعداً، ومن لم يستطع الجلوس فَلْيومئ إيماء، ومن لم يستطع الصوم فليفطر. قوله: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بالحق﴾ «يَنْطِقُ» صفة ل «كِتَابٌ» و «بِالحَقِّ» يجوز أن يتعلق ب «يَنْطِق» ، وأن يتعلق بمحذوف حالاً من فاعله. أي: ينطق ملتبساً بالحق، ونطيره ﴿هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ [الجاثية: 29] . فشبّه الكتاب بمن يصدر عنه البيان، فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرب بما فيه كما يعرب وينطق الناطق إذا كان مُحِقًّا. فإن قيل: هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب، إما ان يكونوا محيلين الكذب على الله، أو مجوزين ذلك عليه، فإن أحالوه عليه، فإنهم يصدقونه في كل ما يقول سواء وجد الكتاب أو لم يوجد، وإن جوزوه عليه لم يحصل لهم بذلك الكتاب يقين، لتجويزهم أنه - سبحانه - كتب فيه خلاف ما حصل، وعلى التقديرين لا فائدة في ذلك الكتاب. فالجواب: يفعل الله ما يشاء، وعلى أنه لا يَبْعُد أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين من الملائكة. قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ لا ينقص من حسناتهم، ولا يُزاد على سيئاتهم ونظيره: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: 49] . قالت المعتزلة: الظلم إمّا أن يكون بالزيادة في العقاب أو بالنقصان من الثواب، أو بأن يعذب على ما لم يعمل أو بأن يكلفهم (ما لاَ يَطِيقُونَ) فتكون الآية دالة على كون العبد مُوجداً لفعله، وإلا لكان تعذيبه عليه ظلماً، ويدلُّ على أنه - سبحانه - لا يكلف ما لا يطاق. وأجيب بأنه لمّا كلف أبا لهب أن يؤمن (والإيمان يقتضي تصديق الله في كل ما أخبر به، ومما أخبر أنّ أبا لهب لا يؤمن) فقد كلّفه (بأن يؤمن) بأن لا يؤمن فيلزمكم (كل ما ذكرتموه) . قوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ أي: في غفلة وجهالةٍ، يعني الكفار في غفلة. «مِنْ هَذَا» أي: القرآن، أي من هذا الذي بيّناه في القرآن، أو من الكتاب الذي ينطق بالحق أو من هذا الذي هو وصف المشفقين. «وَلَهُمْ» أي: ولهؤلاء الكفار ﴿أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلك﴾ أي: أعمال خبيثة من المعاصي «دُون ذَلِك» أي: سوى جهلهم وكفرهم. وقيل: «دُون ذَلِك» يعني: من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله - عَزَّ وَجَلَّ - قال بعضهم: أراد أعمالهم في الحال. وقيل: بل أراد المستقبل لقوله: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ . وإنما قال: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ ، لأنها مثبتة في علم الله - تعالى - وفي اللوح المحفوظ، فوجب أن يعملوها ليدخلوا بها النار لما سبق لهم من الشقاوة. وقال أبو مسلم: هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه قال بعد وصفهم: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون «وَلَدَيْنَا كِتَابٌ» يحفظ أعمالهم «يَنْطِقُ بالحَقِّ» «فَلاَ يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ في غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا» هو أيضاً وصفٌ لهم بالحيرة كأنه قال: وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في أن أعمالهم مقبولة أو مردودة ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلك﴾ أي: لهم أيضاً من النوافل ووجوه البرِّ سِوَى ما هم عليه إمَّا أعمالاً قد عملوها في الماضي، أو سيعملوها في المستقبل، ثم إنه تعالى رجع بقوله: ﴿حتى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ إلى وصف الكفار وهذا قول قتادة. قال ابن الخطيب: وقول أبي مسلم أولى، لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به كان أولى من ردّه إلى ما بعد خصوصاً، وقد يرغب المرء في فعل الخير بأن يذكر أنّ أعمالهم محفوظة، كما يحذر بذلك من الشر، وقد يُوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته بأن قلبه في غمرة، ويراد أنّه قد استولى عليه الفكر في قبوله أو ردِّه، وفي أنه هل أدَّى عمله كما يجب أو قصّر؟ فإن قيل: فما المراد بقوله: «مِنْ هَذَا» وهو إشارة إلى ماذا؟ قلنا: إشارة إلى إشفاقهم ووجهلم بيَّن أنهما مستوليان على قلوبهم. قوله: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ كقوله: ﴿هُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61] . قوله: ﴿حتى إِذَآ﴾ «حَتَّى» هذه إمّا حرف ابتداء والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها، وإذا الثانية فجائية، وهي جواب الشرط، وإمّا حرف جر عند بعضهم، وتقدّم تحقيقه. وقال الحوفي: «حَتَّى» غاية، وهي عاطفة، و «إذَا» ظرف مضاف لما بعده فيه معنى الشرط، و «إذَا» الثانية في موضع جواب الأولى، ومعنى الكلام عامل في « إذَا» ، والمعنى: جأروا، والعامل في الثانية «أَخَذْنَا» . وهو كلام لا يظهر. وقال ابن عطية: و «حَتَّى» حرف ابتداء لا غير، و «إذا» الثانية - (التي هي جواب) - تمنعان من أن تكون «حَتَّى» غاية ل «عَامِلُونَ» . قال شهاب الدين: يعني أنّ الجملة الشرطية وجوابها لا يظهر ان تكون غاية ل «عَامِلُونَ» . وظاهر كلام مكّي أنها غاية ل «عَامِلُونَ» ، فإنه قال: أي: لكفار قريش أعمال من الشر دون أعمال أهل البرّ ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم إذا هم يضجون والجُؤار: الصراخ مطلقاً، وأنشد الجوهري: 3803 - يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المَلِي ... ك طَوْراً سُجُوداً وطَوْراً جُؤَارَا وتقدّم مستوفى في النحل. فصل قال المزمخشري: «حَتَّى» هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام الجملة الشرطية. واعلم أن الضمير في «مُتْرفِيهِم» راجع إلى من تقدّم ذكره من الكفار، لأنّ العذاب لا يليق إلا بهم. والمراد بالمُترفين: رؤساؤهم. قال ابن عباس: هو السيف يوم بدر. وقال الضحاك: يعني الجوع حين دعا عليهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: «اللهُّم اشْدُدْ وَطْأَتَك على مُضَر واجْعَلْهَا عليهم سِنِينَ كَسِني يُوسُف» فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجِيفَ. وقيل: أراد عذاب الآخرة. ثم بيّن تعالى أنّهم إذا نزل بهم هذا «يَجْأَرُونَ» أي: ترتفع أصواتهم بالاستغاثة والضجيج لشدة مَا نَالَهُم. ويقال لهم على وجه التبكيت: ﴿لاَ تَجْأَرُواْ اليوم إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ﴾ . لا تُمنعون منا ولا ينفعكم تضرعكم.

المؤمنون 23:63

قوله: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ الآية، لمّا ذكر كيفيّة أعمال المؤمنين المخلصين ذكر حكمين من أحكام أعمال العبادة: الأوّل: قوله: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ قال المفضّل: الوسع الطاقة. وقال مقاتل، والضحّاك، والكلبي، والمعتزلة: هو دون الطاقة، لأن الوسع إنما سُمي وُسعاً، لأنه يتسع عليه فعله، ولا يصعب ولا يضيق، فبيّن أن أولئك المخلصين لم يكلفوا أكثر مما عملوا. قال مقاتل: من لم يستطع القيام فليصلّ قاعداً، ومن لم يستطع الجلوس فَلْيومئ إيماء، ومن لم يستطع الصوم فليفطر. قوله: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بالحق﴾ «يَنْطِقُ» صفة ل «كِتَابٌ» و «بِالحَقِّ» يجوز أن يتعلق ب «يَنْطِق» ، وأن يتعلق بمحذوف حالاً من فاعله. أي: ينطق ملتبساً بالحق، ونطيره ﴿هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ [الجاثية: 29] . فشبّه الكتاب بمن يصدر عنه البيان، فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرب بما فيه كما يعرب وينطق الناطق إذا كان مُحِقًّا. فإن قيل: هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب، إما ان يكونوا محيلين الكذب على الله، أو مجوزين ذلك عليه، فإن أحالوه عليه، فإنهم يصدقونه في كل ما يقول سواء وجد الكتاب أو لم يوجد، وإن جوزوه عليه لم يحصل لهم بذلك الكتاب يقين، لتجويزهم أنه - سبحانه - كتب فيه خلاف ما حصل، وعلى التقديرين لا فائدة في ذلك الكتاب. فالجواب: يفعل الله ما يشاء، وعلى أنه لا يَبْعُد أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين من الملائكة. قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ لا ينقص من حسناتهم، ولا يُزاد على سيئاتهم ونظيره: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: 49] . قالت المعتزلة: الظلم إمّا أن يكون بالزيادة في العقاب أو بالنقصان من الثواب، أو بأن يعذب على ما لم يعمل أو بأن يكلفهم (ما لاَ يَطِيقُونَ) فتكون الآية دالة على كون العبد مُوجداً لفعله، وإلا لكان تعذيبه عليه ظلماً، ويدلُّ على أنه - سبحانه - لا يكلف ما لا يطاق. وأجيب بأنه لمّا كلف أبا لهب أن يؤمن (والإيمان يقتضي تصديق الله في كل ما أخبر به، ومما أخبر أنّ أبا لهب لا يؤمن) فقد كلّفه (بأن يؤمن) بأن لا يؤمن فيلزمكم (كل ما ذكرتموه) . قوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ أي: في غفلة وجهالةٍ، يعني الكفار في غفلة. «مِنْ هَذَا» أي: القرآن، أي من هذا الذي بيّناه في القرآن، أو من الكتاب الذي ينطق بالحق أو من هذا الذي هو وصف المشفقين. «وَلَهُمْ» أي: ولهؤلاء الكفار ﴿أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلك﴾ أي: أعمال خبيثة من المعاصي «دُون ذَلِك» أي: سوى جهلهم وكفرهم. وقيل: «دُون ذَلِك» يعني: من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله - عَزَّ وَجَلَّ - قال بعضهم: أراد أعمالهم في الحال. وقيل: بل أراد المستقبل لقوله: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ . وإنما قال: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ ، لأنها مثبتة في علم الله - تعالى - وفي اللوح المحفوظ، فوجب أن يعملوها ليدخلوا بها النار لما سبق لهم من الشقاوة. وقال أبو مسلم: هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه قال بعد وصفهم: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون «وَلَدَيْنَا كِتَابٌ» يحفظ أعمالهم «يَنْطِقُ بالحَقِّ» «فَلاَ يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ في غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا» هو أيضاً وصفٌ لهم بالحيرة كأنه قال: وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في أن أعمالهم مقبولة أو مردودة ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلك﴾ أي: لهم أيضاً من النوافل ووجوه البرِّ سِوَى ما هم عليه إمَّا أعمالاً قد عملوها في الماضي، أو سيعملوها في المستقبل، ثم إنه تعالى رجع بقوله: ﴿حتى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ إلى وصف الكفار وهذا قول قتادة. قال ابن الخطيب: وقول أبي مسلم أولى، لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به كان أولى من ردّه إلى ما بعد خصوصاً، وقد يرغب المرء في فعل الخير بأن يذكر أنّ أعمالهم محفوظة، كما يحذر بذلك من الشر، وقد يُوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته بأن قلبه في غمرة، ويراد أنّه قد استولى عليه الفكر في قبوله أو ردِّه، وفي أنه هل أدَّى عمله كما يجب أو قصّر؟ فإن قيل: فما المراد بقوله: «مِنْ هَذَا» وهو إشارة إلى ماذا؟ قلنا: إشارة إلى إشفاقهم ووجهلم بيَّن أنهما مستوليان على قلوبهم. قوله: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ كقوله: ﴿هُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61] . قوله: ﴿حتى إِذَآ﴾ «حَتَّى» هذه إمّا حرف ابتداء والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها، وإذا الثانية فجائية، وهي جواب الشرط، وإمّا حرف جر عند بعضهم، وتقدّم تحقيقه. وقال الحوفي: «حَتَّى» غاية، وهي عاطفة، و «إذَا» ظرف مضاف لما بعده فيه معنى الشرط، و «إذَا» الثانية في موضع جواب الأولى، ومعنى الكلام عامل في « إذَا» ، والمعنى: جأروا، والعامل في الثانية «أَخَذْنَا» . وهو كلام لا يظهر. وقال ابن عطية: و «حَتَّى» حرف ابتداء لا غير، و «إذا» الثانية - (التي هي جواب) - تمنعان من أن تكون «حَتَّى» غاية ل «عَامِلُونَ» . قال شهاب الدين: يعني أنّ الجملة الشرطية وجوابها لا يظهر ان تكون غاية ل «عَامِلُونَ» . وظاهر كلام مكّي أنها غاية ل «عَامِلُونَ» ، فإنه قال: أي: لكفار قريش أعمال من الشر دون أعمال أهل البرّ ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم إذا هم يضجون والجُؤار: الصراخ مطلقاً، وأنشد الجوهري: 3803 - يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المَلِي ... ك طَوْراً سُجُوداً وطَوْراً جُؤَارَا وتقدّم مستوفى في النحل. فصل قال المزمخشري: «حَتَّى» هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام الجملة الشرطية. واعلم أن الضمير في «مُتْرفِيهِم» راجع إلى من تقدّم ذكره من الكفار، لأنّ العذاب لا يليق إلا بهم. والمراد بالمُترفين: رؤساؤهم. قال ابن عباس: هو السيف يوم بدر. وقال الضحاك: يعني الجوع حين دعا عليهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: «اللهُّم اشْدُدْ وَطْأَتَك على مُضَر واجْعَلْهَا عليهم سِنِينَ كَسِني يُوسُف» فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجِيفَ. وقيل: أراد عذاب الآخرة. ثم بيّن تعالى أنّهم إذا نزل بهم هذا «يَجْأَرُونَ» أي: ترتفع أصواتهم بالاستغاثة والضجيج لشدة مَا نَالَهُم. ويقال لهم على وجه التبكيت: ﴿لاَ تَجْأَرُواْ اليوم إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ﴾ . لا تُمنعون منا ولا ينفعكم تضرعكم.

المؤمنون 23:64

قوله: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ الآية، لمّا ذكر كيفيّة أعمال المؤمنين المخلصين ذكر حكمين من أحكام أعمال العبادة: الأوّل: قوله: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ قال المفضّل: الوسع الطاقة. وقال مقاتل، والضحّاك، والكلبي، والمعتزلة: هو دون الطاقة، لأن الوسع إنما سُمي وُسعاً، لأنه يتسع عليه فعله، ولا يصعب ولا يضيق، فبيّن أن أولئك المخلصين لم يكلفوا أكثر مما عملوا. قال مقاتل: من لم يستطع القيام فليصلّ قاعداً، ومن لم يستطع الجلوس فَلْيومئ إيماء، ومن لم يستطع الصوم فليفطر. قوله: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بالحق﴾ «يَنْطِقُ» صفة ل «كِتَابٌ» و «بِالحَقِّ» يجوز أن يتعلق ب «يَنْطِق» ، وأن يتعلق بمحذوف حالاً من فاعله. أي: ينطق ملتبساً بالحق، ونطيره ﴿هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ [الجاثية: 29] . فشبّه الكتاب بمن يصدر عنه البيان، فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرب بما فيه كما يعرب وينطق الناطق إذا كان مُحِقًّا. فإن قيل: هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب، إما ان يكونوا محيلين الكذب على الله، أو مجوزين ذلك عليه، فإن أحالوه عليه، فإنهم يصدقونه في كل ما يقول سواء وجد الكتاب أو لم يوجد، وإن جوزوه عليه لم يحصل لهم بذلك الكتاب يقين، لتجويزهم أنه - سبحانه - كتب فيه خلاف ما حصل، وعلى التقديرين لا فائدة في ذلك الكتاب. فالجواب: يفعل الله ما يشاء، وعلى أنه لا يَبْعُد أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين من الملائكة. قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ لا ينقص من حسناتهم، ولا يُزاد على سيئاتهم ونظيره: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: 49] . قالت المعتزلة: الظلم إمّا أن يكون بالزيادة في العقاب أو بالنقصان من الثواب، أو بأن يعذب على ما لم يعمل أو بأن يكلفهم (ما لاَ يَطِيقُونَ) فتكون الآية دالة على كون العبد مُوجداً لفعله، وإلا لكان تعذيبه عليه ظلماً، ويدلُّ على أنه - سبحانه - لا يكلف ما لا يطاق. وأجيب بأنه لمّا كلف أبا لهب أن يؤمن (والإيمان يقتضي تصديق الله في كل ما أخبر به، ومما أخبر أنّ أبا لهب لا يؤمن) فقد كلّفه (بأن يؤمن) بأن لا يؤمن فيلزمكم (كل ما ذكرتموه) . قوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ أي: في غفلة وجهالةٍ، يعني الكفار في غفلة. «مِنْ هَذَا» أي: القرآن، أي من هذا الذي بيّناه في القرآن، أو من الكتاب الذي ينطق بالحق أو من هذا الذي هو وصف المشفقين. «وَلَهُمْ» أي: ولهؤلاء الكفار ﴿أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلك﴾ أي: أعمال خبيثة من المعاصي «دُون ذَلِك» أي: سوى جهلهم وكفرهم. وقيل: «دُون ذَلِك» يعني: من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله - عَزَّ وَجَلَّ - قال بعضهم: أراد أعمالهم في الحال. وقيل: بل أراد المستقبل لقوله: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ . وإنما قال: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ ، لأنها مثبتة في علم الله - تعالى - وفي اللوح المحفوظ، فوجب أن يعملوها ليدخلوا بها النار لما سبق لهم من الشقاوة. وقال أبو مسلم: هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه قال بعد وصفهم: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون «وَلَدَيْنَا كِتَابٌ» يحفظ أعمالهم «يَنْطِقُ بالحَقِّ» «فَلاَ يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ في غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا» هو أيضاً وصفٌ لهم بالحيرة كأنه قال: وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في أن أعمالهم مقبولة أو مردودة ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلك﴾ أي: لهم أيضاً من النوافل ووجوه البرِّ سِوَى ما هم عليه إمَّا أعمالاً قد عملوها في الماضي، أو سيعملوها في المستقبل، ثم إنه تعالى رجع بقوله: ﴿حتى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ إلى وصف الكفار وهذا قول قتادة. قال ابن الخطيب: وقول أبي مسلم أولى، لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به كان أولى من ردّه إلى ما بعد خصوصاً، وقد يرغب المرء في فعل الخير بأن يذكر أنّ أعمالهم محفوظة، كما يحذر بذلك من الشر، وقد يُوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته بأن قلبه في غمرة، ويراد أنّه قد استولى عليه الفكر في قبوله أو ردِّه، وفي أنه هل أدَّى عمله كما يجب أو قصّر؟ فإن قيل: فما المراد بقوله: «مِنْ هَذَا» وهو إشارة إلى ماذا؟ قلنا: إشارة إلى إشفاقهم ووجهلم بيَّن أنهما مستوليان على قلوبهم. قوله: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ كقوله: ﴿هُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61] . قوله: ﴿حتى إِذَآ﴾ «حَتَّى» هذه إمّا حرف ابتداء والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها، وإذا الثانية فجائية، وهي جواب الشرط، وإمّا حرف جر عند بعضهم، وتقدّم تحقيقه. وقال الحوفي: «حَتَّى» غاية، وهي عاطفة، و «إذَا» ظرف مضاف لما بعده فيه معنى الشرط، و «إذَا» الثانية في موضع جواب الأولى، ومعنى الكلام عامل في « إذَا» ، والمعنى: جأروا، والعامل في الثانية «أَخَذْنَا» . وهو كلام لا يظهر. وقال ابن عطية: و «حَتَّى» حرف ابتداء لا غير، و «إذا» الثانية - (التي هي جواب) - تمنعان من أن تكون «حَتَّى» غاية ل «عَامِلُونَ» . قال شهاب الدين: يعني أنّ الجملة الشرطية وجوابها لا يظهر ان تكون غاية ل «عَامِلُونَ» . وظاهر كلام مكّي أنها غاية ل «عَامِلُونَ» ، فإنه قال: أي: لكفار قريش أعمال من الشر دون أعمال أهل البرّ ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم إذا هم يضجون والجُؤار: الصراخ مطلقاً، وأنشد الجوهري: 3803 - يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المَلِي ... ك طَوْراً سُجُوداً وطَوْراً جُؤَارَا وتقدّم مستوفى في النحل. فصل قال المزمخشري: «حَتَّى» هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام الجملة الشرطية. واعلم أن الضمير في «مُتْرفِيهِم» راجع إلى من تقدّم ذكره من الكفار، لأنّ العذاب لا يليق إلا بهم. والمراد بالمُترفين: رؤساؤهم. قال ابن عباس: هو السيف يوم بدر. وقال الضحاك: يعني الجوع حين دعا عليهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: «اللهُّم اشْدُدْ وَطْأَتَك على مُضَر واجْعَلْهَا عليهم سِنِينَ كَسِني يُوسُف» فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجِيفَ. وقيل: أراد عذاب الآخرة. ثم بيّن تعالى أنّهم إذا نزل بهم هذا «يَجْأَرُونَ» أي: ترتفع أصواتهم بالاستغاثة والضجيج لشدة مَا نَالَهُم. ويقال لهم على وجه التبكيت: ﴿لاَ تَجْأَرُواْ اليوم إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ﴾ . لا تُمنعون منا ولا ينفعكم تضرعكم.

المؤمنون 23:65

قوله: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ الآية، لمّا ذكر كيفيّة أعمال المؤمنين المخلصين ذكر حكمين من أحكام أعمال العبادة: الأوّل: قوله: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ قال المفضّل: الوسع الطاقة. وقال مقاتل، والضحّاك، والكلبي، والمعتزلة: هو دون الطاقة، لأن الوسع إنما سُمي وُسعاً، لأنه يتسع عليه فعله، ولا يصعب ولا يضيق، فبيّن أن أولئك المخلصين لم يكلفوا أكثر مما عملوا. قال مقاتل: من لم يستطع القيام فليصلّ قاعداً، ومن لم يستطع الجلوس فَلْيومئ إيماء، ومن لم يستطع الصوم فليفطر. قوله: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بالحق﴾ «يَنْطِقُ» صفة ل «كِتَابٌ» و «بِالحَقِّ» يجوز أن يتعلق ب «يَنْطِق» ، وأن يتعلق بمحذوف حالاً من فاعله. أي: ينطق ملتبساً بالحق، ونطيره ﴿هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ [الجاثية: 29] . فشبّه الكتاب بمن يصدر عنه البيان، فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرب بما فيه كما يعرب وينطق الناطق إذا كان مُحِقًّا. فإن قيل: هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب، إما ان يكونوا محيلين الكذب على الله، أو مجوزين ذلك عليه، فإن أحالوه عليه، فإنهم يصدقونه في كل ما يقول سواء وجد الكتاب أو لم يوجد، وإن جوزوه عليه لم يحصل لهم بذلك الكتاب يقين، لتجويزهم أنه - سبحانه - كتب فيه خلاف ما حصل، وعلى التقديرين لا فائدة في ذلك الكتاب. فالجواب: يفعل الله ما يشاء، وعلى أنه لا يَبْعُد أن يكون ذلك مصلحة للمكلفين من الملائكة. قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ لا ينقص من حسناتهم، ولا يُزاد على سيئاتهم ونظيره: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: 49] . قالت المعتزلة: الظلم إمّا أن يكون بالزيادة في العقاب أو بالنقصان من الثواب، أو بأن يعذب على ما لم يعمل أو بأن يكلفهم (ما لاَ يَطِيقُونَ) فتكون الآية دالة على كون العبد مُوجداً لفعله، وإلا لكان تعذيبه عليه ظلماً، ويدلُّ على أنه - سبحانه - لا يكلف ما لا يطاق. وأجيب بأنه لمّا كلف أبا لهب أن يؤمن (والإيمان يقتضي تصديق الله في كل ما أخبر به، ومما أخبر أنّ أبا لهب لا يؤمن) فقد كلّفه (بأن يؤمن) بأن لا يؤمن فيلزمكم (كل ما ذكرتموه) . قوله: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ أي: في غفلة وجهالةٍ، يعني الكفار في غفلة. «مِنْ هَذَا» أي: القرآن، أي من هذا الذي بيّناه في القرآن، أو من الكتاب الذي ينطق بالحق أو من هذا الذي هو وصف المشفقين. «وَلَهُمْ» أي: ولهؤلاء الكفار ﴿أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلك﴾ أي: أعمال خبيثة من المعاصي «دُون ذَلِك» أي: سوى جهلهم وكفرهم. وقيل: «دُون ذَلِك» يعني: من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله - عَزَّ وَجَلَّ - قال بعضهم: أراد أعمالهم في الحال. وقيل: بل أراد المستقبل لقوله: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ . وإنما قال: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ ، لأنها مثبتة في علم الله - تعالى - وفي اللوح المحفوظ، فوجب أن يعملوها ليدخلوا بها النار لما سبق لهم من الشقاوة. وقال أبو مسلم: هذه الآيات من صفات المشفقين كأنه قال بعد وصفهم: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون «وَلَدَيْنَا كِتَابٌ» يحفظ أعمالهم «يَنْطِقُ بالحَقِّ» «فَلاَ يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهُمْ في غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا» هو أيضاً وصفٌ لهم بالحيرة كأنه قال: وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في أن أعمالهم مقبولة أو مردودة ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلك﴾ أي: لهم أيضاً من النوافل ووجوه البرِّ سِوَى ما هم عليه إمَّا أعمالاً قد عملوها في الماضي، أو سيعملوها في المستقبل، ثم إنه تعالى رجع بقوله: ﴿حتى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ إلى وصف الكفار وهذا قول قتادة. قال ابن الخطيب: وقول أبي مسلم أولى، لأنه إذا أمكن رد الكلام إلى ما يتصل به كان أولى من ردّه إلى ما بعد خصوصاً، وقد يرغب المرء في فعل الخير بأن يذكر أنّ أعمالهم محفوظة، كما يحذر بذلك من الشر، وقد يُوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته بأن قلبه في غمرة، ويراد أنّه قد استولى عليه الفكر في قبوله أو ردِّه، وفي أنه هل أدَّى عمله كما يجب أو قصّر؟ فإن قيل: فما المراد بقوله: «مِنْ هَذَا» وهو إشارة إلى ماذا؟ قلنا: إشارة إلى إشفاقهم ووجهلم بيَّن أنهما مستوليان على قلوبهم. قوله: ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ كقوله: ﴿هُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61] . قوله: ﴿حتى إِذَآ﴾ «حَتَّى» هذه إمّا حرف ابتداء والجملة الشرطية بعدها غاية لما قبلها، وإذا الثانية فجائية، وهي جواب الشرط، وإمّا حرف جر عند بعضهم، وتقدّم تحقيقه. وقال الحوفي: «حَتَّى» غاية، وهي عاطفة، و «إذَا» ظرف مضاف لما بعده فيه معنى الشرط، و «إذَا» الثانية في موضع جواب الأولى، ومعنى الكلام عامل في « إذَا» ، والمعنى: جأروا، والعامل في الثانية «أَخَذْنَا» . وهو كلام لا يظهر. وقال ابن عطية: و «حَتَّى» حرف ابتداء لا غير، و «إذا» الثانية - (التي هي جواب) - تمنعان من أن تكون «حَتَّى» غاية ل «عَامِلُونَ» . قال شهاب الدين: يعني أنّ الجملة الشرطية وجوابها لا يظهر ان تكون غاية ل «عَامِلُونَ» . وظاهر كلام مكّي أنها غاية ل «عَامِلُونَ» ، فإنه قال: أي: لكفار قريش أعمال من الشر دون أعمال أهل البرّ ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم إذا هم يضجون والجُؤار: الصراخ مطلقاً، وأنشد الجوهري: 3803 - يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ المَلِي ... ك طَوْراً سُجُوداً وطَوْراً جُؤَارَا وتقدّم مستوفى في النحل. فصل قال المزمخشري: «حَتَّى» هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام الجملة الشرطية. واعلم أن الضمير في «مُتْرفِيهِم» راجع إلى من تقدّم ذكره من الكفار، لأنّ العذاب لا يليق إلا بهم. والمراد بالمُترفين: رؤساؤهم. قال ابن عباس: هو السيف يوم بدر. وقال الضحاك: يعني الجوع حين دعا عليهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: «اللهُّم اشْدُدْ وَطْأَتَك على مُضَر واجْعَلْهَا عليهم سِنِينَ كَسِني يُوسُف» فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجِيفَ. وقيل: أراد عذاب الآخرة. ثم بيّن تعالى أنّهم إذا نزل بهم هذا «يَجْأَرُونَ» أي: ترتفع أصواتهم بالاستغاثة والضجيج لشدة مَا نَالَهُم. ويقال لهم على وجه التبكيت: ﴿لاَ تَجْأَرُواْ اليوم إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ﴾ . لا تُمنعون منا ولا ينفعكم تضرعكم.

المؤمنون 23:66

قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ وهذا مثل يُضرب لمن يتباعد عن الحق كل التباعد فهو قوله: ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ أي: ترجعون قهقرى وتتأخرون عن الإيمان، وينفرون عن تلك الآيات، وعن من يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه. قوله: «عَلَى أَعْقَابِكُمْ» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق ب «تَنْكِصُونَ» كقولك نكص على عقبيه. والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه حال من فاعل (تنْكِصُونَ) قاله أبو البقاء وقرأ أمير المؤمنين «تَنْكُصُونَ» بضم العين، وهي لغة. قوله: «مُسْتَكْبِرِينَ» حال من فاعل «تَنْكِصُونَ» ، و «بِهِ» فيه قولان: أحدهما: أنه متعلق ب «مُسْتَكْبِرِينَ» . والثاني: أنه متعلق ب «سَامِراً» . وعلى الأوَّل فالضمير للقرآن، لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت باللّيل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته سحراً وشعراً. أو للبيت شرّفه الله - تعالى - كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنّا أهل الحرم، كانوا يفتخرون به، لأنهم ولاته، والقائمون به. قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل الضمير في «بِهِ» للرسول - عليه السلام -. أو للنكوص المدلول عليه ب «تَنْكِصُونَ» كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8] . والباء في هذا كله للسببية، لأنهم استكبروا بسبب القرآن لما تلي عليهم وبسبب البيت لأنهم كانوا يقولون نحن ولاته، وبالرسول لأنهم كانوا يقولون هو منا دون غيرنا وبالنكوص لأنه سبب الاستكبار. وقيل: ضُمّن الاستكبار معنى التكذيب فلذلك عدي بالباء، وهذا يتأتى على أن يكون الضمير للقرآن وللرسول. وأمّا على الثاني وهو تعلقه ب «سَامِراً» فيجوز أن يكون الضمير عائداً على ما عاد عليه فيما تقدّم إلا النكوص، لأنهم كانوا يسمرون بالقرآن وبالرسول يجعلونهما حديثاً لهم يخوضون في ذلك كما يسمر بالأحاديث وكانوا يسمرون في البيت فالباء ظرفية على هذا و «سَامِراً» نصب على الحال إمّا من فاعل «تَنْكِصُونَ» وإمّا من الضمير في (مُسْتَكْبِرِينَ) . وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة ويروى عن أبي عمرو: «سُمّراً» كذلك إلا أنه بزيادة ألف بين الميم والراء، وكِلاَهُمَا جمع لِسَامِر، وهما جمعان مقيسان لفاعل الصفة نحو ضُرَّب وضُرَّاب في ضَارِب، والأفصح الإفراد، لأنه يقع على ما فوق الواحد بلفظ الإفراد يقال: قَوْمٌ سَامِر ونظيره: «نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً» . والسامِر مأخوذ من السَّمر، وهو سَهَر الليل أو مأخوذ من السَّمَر: وهو ما يقع على الشجر من ضوء القمر، فيجلسون إليه يتحدثون مستأنسين به قال: 3804 - كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكةَ سَامِرُ وقال الراغب: السَّامِر: الليل المظلم يقال: وَلاَ آتِيكَ ما سَمَرَ ابْنَا سَمِيرٍ يعنون الليل والنهار. وقال الراغب: ويقال: سَامِرٌ، وسُمَّارٌ، وسَمَرَةٌ، وسَامِرُونَ. وسَمَرْتُ الشيءَ، وإبل مُسْمَرَةٌ، أي: مُهْمَلَةٌ، والسَّامِريُ: منسوب إلى رجل انتهى. والسُّمْرَةُ أحج الألوان، والسَّمْرَاء يكنى بها عن الحِنْطَة. قوله: «تَهْجُرُونَ» قرأ العامة بفتح التاء وضم الجيم، وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنها من الهَجْر بسكون الجيم، وهو القطع والصدّ. أي تهجرون آيات الله ورسوله، وتزهدون فيهما فلا تصلونهما. والثاني: أنها من الهَجَر - بفتحها - وهو الهذيان، يقال: هَجَر المريض هَجَراً أي: هذى فلا مفعول له. ونافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم من أَهْجَر إهْجاراً، أي: أفحش في منطقه قال ابن عباس: يعني كانوا يسبون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه وقرأ زيد بن علي، وابن محيصن، وأبو نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة مضارع هَجّر بالتشديد، وهو محتمل لأن يكون تضعيفاً للهَجَر أو للهَجْر (أو للهُجْر) وقرأ ابن أبي عاصم كالعامة إلا أنه بالياء من تحت، وهو التفات. قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ أي: يتدبروا القول، يعني ما جاءهم من القول وهو القرآن من حيث إنه كان مبايناً لكلام العرب في الفصاحة، ومبرأ من التناقض مع طوله، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ومعرفة الصانع، والوحدانية، فيتركوا الباطل، ويرجعوا إلى الحق ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأولين﴾ واعلم أنّ إقدامهم على كفرهم وجهلهم لا بُدّ وأن يكون لأحد أمور أربعة: الأول: أن لا يتأملوا دليل ثبوته، وهو المراد من قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ وهو القرآن يعني: أنه كان معروفاً لهم. والثاني: أن يعتقدوا أن مجيء الرسول على خلاف العادة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ﴾ وذلك أنهم عرفوا بالتواتر مجيء الرسول إلى الأمم السالفة، وكانت الأمم بين مُصدّقٍ ناجٍ وبين مكذّبٍ هالك، أفَمَا دعاهم ذلك إلى تصديق الرسل. وقال بعضهم: «أَمْ» هاهنا بمعنى «بَلْ» والمعنى بل جاءهم ما لم يأت آباءهم. والثالث: أن لا يكونوا عالمين بديانته، وحسن خصاله قبله ادعائه النبوة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ والمعنى: أنهم كانوا يعرفونه قبل أن يدعي الرسالة، وكونه في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار عن الكذب والأخلاق الذميمة، وكانوا يسمونه الأمين، فكيف كذبوه بعد أن اتفقتْ كلمتهم على تسميته بالأمين. والرابع: أن يعتقدوا فيه الجنون، فيقولوا إنّما حمله على ادعاء الرسالة جنونه، وهو المراد بقوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ . وهذا أيضاً ظاهر الفساد، لأنّهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة، والشرائع الكاملة. وفي كونهم سمّوه بذلك وجهان: أحدهما: أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له، وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم، فنسبوه إلى الجنون لذلك. والثاني: أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لئلاّ ينقادوا له، فذكروا ذلك استحقاراً له. ثم إنه - تعالى - بعد أن عدّ هذه الوجوه، ونبّه على فسادها قال: ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بالحق﴾ أي: بالصدق والقول الذي لا يخفى صحته على عاقل ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ لأنهم تمسكوا بالتقليد، وعلموا أنّهم لو أقرُّوا بمحمدٍ لزالت رياستهم ومناصبهم، فلذلك كرهوه. فإن قيل قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ يدلُّ على أنّ أقلّهم لا يكرهون الحق. فالجواب: أنه كان منهم من ترك الإيمان أنفَةً من توبيخ قومه، وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق. قوله: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ﴾ الجمهور على كسر الواو لالتقاء الساكنين وابن وثّاب بضمها تشبيهاً بواو الضمير كما كُسرتْ واو الضمير تشبيهاً بها. فصل قال ابن جريج ومقاتل والسّدّيّ وجماعة: الحق هو الله. أي: لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل وقيل: لو اتبع مرادهم، فيسمّي لنفسه شريكاً وولداً كما يقولون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض﴾ . وقال الفراء والزجاج: المراد بالحق: القرآن. أي: نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ﴾ وهو كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] . قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ العامة على إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه، والمراد أتتهم رسلنا. وقرأ أبو عمرو في رواية «آتَيْنَاهُمْ» بالمد أي أعطيناهم، فيحتمل أن يكون المفعول الثاني غير مذكور، ويحتمل أن يكون «بِذِكْرِهِمْ» والباء مزيدة فيه وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمرو أيضاً «أَتَيْتهمْ» بتاء المتكلم وحده. وأبو البرهثم وأبو حيوة والجحدري وأبو رجاء «أَتَيْتَهُمْ» بتاء الخطاب، وهو الرسول - عليه السلام -. وعيسى: «بِذِكْرَاهُم» بألف التأنيث. وقتادة «نُذَكِّرهُمْ» بنون المتكلم المعظم نفسه مكان باء الجر مضارع (ذَكَّر) المشدد، ويكون (نُذكرُهُمْ) جملة حالية. وتقدم الكلام في «خَرْجاً» و «خَرَاجاً» في: الكهف. فصل قال ابن عباس: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ بما فيه فخرهم وشرفهم. يعني: القرآن، فهو كقوله: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] أي: شرفكم، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] أي: شرف لك ولقومك ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ﴾ شرفهم «معرِضون» . وقيل: الذكر هو الوعظ والتذكير التحذير. «أَمْ تَسْأَلُهُمْ» على ما جئتم به «خَرْجاً» أجراً وجعلاً ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ وتقدم الكلام على نظيره.

المؤمنون 23:67

قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ وهذا مثل يُضرب لمن يتباعد عن الحق كل التباعد فهو قوله: ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ أي: ترجعون قهقرى وتتأخرون عن الإيمان، وينفرون عن تلك الآيات، وعن من يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه. قوله: «عَلَى أَعْقَابِكُمْ» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق ب «تَنْكِصُونَ» كقولك نكص على عقبيه. والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه حال من فاعل (تنْكِصُونَ) قاله أبو البقاء وقرأ أمير المؤمنين «تَنْكُصُونَ» بضم العين، وهي لغة. قوله: «مُسْتَكْبِرِينَ» حال من فاعل «تَنْكِصُونَ» ، و «بِهِ» فيه قولان: أحدهما: أنه متعلق ب «مُسْتَكْبِرِينَ» . والثاني: أنه متعلق ب «سَامِراً» . وعلى الأوَّل فالضمير للقرآن، لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت باللّيل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته سحراً وشعراً. أو للبيت شرّفه الله - تعالى - كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنّا أهل الحرم، كانوا يفتخرون به، لأنهم ولاته، والقائمون به. قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل الضمير في «بِهِ» للرسول - عليه السلام -. أو للنكوص المدلول عليه ب «تَنْكِصُونَ» كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8] . والباء في هذا كله للسببية، لأنهم استكبروا بسبب القرآن لما تلي عليهم وبسبب البيت لأنهم كانوا يقولون نحن ولاته، وبالرسول لأنهم كانوا يقولون هو منا دون غيرنا وبالنكوص لأنه سبب الاستكبار. وقيل: ضُمّن الاستكبار معنى التكذيب فلذلك عدي بالباء، وهذا يتأتى على أن يكون الضمير للقرآن وللرسول. وأمّا على الثاني وهو تعلقه ب «سَامِراً» فيجوز أن يكون الضمير عائداً على ما عاد عليه فيما تقدّم إلا النكوص، لأنهم كانوا يسمرون بالقرآن وبالرسول يجعلونهما حديثاً لهم يخوضون في ذلك كما يسمر بالأحاديث وكانوا يسمرون في البيت فالباء ظرفية على هذا و «سَامِراً» نصب على الحال إمّا من فاعل «تَنْكِصُونَ» وإمّا من الضمير في (مُسْتَكْبِرِينَ) . وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة ويروى عن أبي عمرو: «سُمّراً» كذلك إلا أنه بزيادة ألف بين الميم والراء، وكِلاَهُمَا جمع لِسَامِر، وهما جمعان مقيسان لفاعل الصفة نحو ضُرَّب وضُرَّاب في ضَارِب، والأفصح الإفراد، لأنه يقع على ما فوق الواحد بلفظ الإفراد يقال: قَوْمٌ سَامِر ونظيره: «نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً» . والسامِر مأخوذ من السَّمر، وهو سَهَر الليل أو مأخوذ من السَّمَر: وهو ما يقع على الشجر من ضوء القمر، فيجلسون إليه يتحدثون مستأنسين به قال: 3804 - كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكةَ سَامِرُ وقال الراغب: السَّامِر: الليل المظلم يقال: وَلاَ آتِيكَ ما سَمَرَ ابْنَا سَمِيرٍ يعنون الليل والنهار. وقال الراغب: ويقال: سَامِرٌ، وسُمَّارٌ، وسَمَرَةٌ، وسَامِرُونَ. وسَمَرْتُ الشيءَ، وإبل مُسْمَرَةٌ، أي: مُهْمَلَةٌ، والسَّامِريُ: منسوب إلى رجل انتهى. والسُّمْرَةُ أحج الألوان، والسَّمْرَاء يكنى بها عن الحِنْطَة. قوله: «تَهْجُرُونَ» قرأ العامة بفتح التاء وضم الجيم، وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنها من الهَجْر بسكون الجيم، وهو القطع والصدّ. أي تهجرون آيات الله ورسوله، وتزهدون فيهما فلا تصلونهما. والثاني: أنها من الهَجَر - بفتحها - وهو الهذيان، يقال: هَجَر المريض هَجَراً أي: هذى فلا مفعول له. ونافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم من أَهْجَر إهْجاراً، أي: أفحش في منطقه قال ابن عباس: يعني كانوا يسبون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه وقرأ زيد بن علي، وابن محيصن، وأبو نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة مضارع هَجّر بالتشديد، وهو محتمل لأن يكون تضعيفاً للهَجَر أو للهَجْر (أو للهُجْر) وقرأ ابن أبي عاصم كالعامة إلا أنه بالياء من تحت، وهو التفات. قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ أي: يتدبروا القول، يعني ما جاءهم من القول وهو القرآن من حيث إنه كان مبايناً لكلام العرب في الفصاحة، ومبرأ من التناقض مع طوله، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ومعرفة الصانع، والوحدانية، فيتركوا الباطل، ويرجعوا إلى الحق ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأولين﴾ واعلم أنّ إقدامهم على كفرهم وجهلهم لا بُدّ وأن يكون لأحد أمور أربعة: الأول: أن لا يتأملوا دليل ثبوته، وهو المراد من قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ وهو القرآن يعني: أنه كان معروفاً لهم. والثاني: أن يعتقدوا أن مجيء الرسول على خلاف العادة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ﴾ وذلك أنهم عرفوا بالتواتر مجيء الرسول إلى الأمم السالفة، وكانت الأمم بين مُصدّقٍ ناجٍ وبين مكذّبٍ هالك، أفَمَا دعاهم ذلك إلى تصديق الرسل. وقال بعضهم: «أَمْ» هاهنا بمعنى «بَلْ» والمعنى بل جاءهم ما لم يأت آباءهم. والثالث: أن لا يكونوا عالمين بديانته، وحسن خصاله قبله ادعائه النبوة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ والمعنى: أنهم كانوا يعرفونه قبل أن يدعي الرسالة، وكونه في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار عن الكذب والأخلاق الذميمة، وكانوا يسمونه الأمين، فكيف كذبوه بعد أن اتفقتْ كلمتهم على تسميته بالأمين. والرابع: أن يعتقدوا فيه الجنون، فيقولوا إنّما حمله على ادعاء الرسالة جنونه، وهو المراد بقوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ . وهذا أيضاً ظاهر الفساد، لأنّهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة، والشرائع الكاملة. وفي كونهم سمّوه بذلك وجهان: أحدهما: أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له، وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم، فنسبوه إلى الجنون لذلك. والثاني: أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لئلاّ ينقادوا له، فذكروا ذلك استحقاراً له. ثم إنه - تعالى - بعد أن عدّ هذه الوجوه، ونبّه على فسادها قال: ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بالحق﴾ أي: بالصدق والقول الذي لا يخفى صحته على عاقل ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ لأنهم تمسكوا بالتقليد، وعلموا أنّهم لو أقرُّوا بمحمدٍ لزالت رياستهم ومناصبهم، فلذلك كرهوه. فإن قيل قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ يدلُّ على أنّ أقلّهم لا يكرهون الحق. فالجواب: أنه كان منهم من ترك الإيمان أنفَةً من توبيخ قومه، وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق. قوله: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ﴾ الجمهور على كسر الواو لالتقاء الساكنين وابن وثّاب بضمها تشبيهاً بواو الضمير كما كُسرتْ واو الضمير تشبيهاً بها. فصل قال ابن جريج ومقاتل والسّدّيّ وجماعة: الحق هو الله. أي: لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل وقيل: لو اتبع مرادهم، فيسمّي لنفسه شريكاً وولداً كما يقولون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض﴾ . وقال الفراء والزجاج: المراد بالحق: القرآن. أي: نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ﴾ وهو كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] . قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ العامة على إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه، والمراد أتتهم رسلنا. وقرأ أبو عمرو في رواية «آتَيْنَاهُمْ» بالمد أي أعطيناهم، فيحتمل أن يكون المفعول الثاني غير مذكور، ويحتمل أن يكون «بِذِكْرِهِمْ» والباء مزيدة فيه وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمرو أيضاً «أَتَيْتهمْ» بتاء المتكلم وحده. وأبو البرهثم وأبو حيوة والجحدري وأبو رجاء «أَتَيْتَهُمْ» بتاء الخطاب، وهو الرسول - عليه السلام -. وعيسى: «بِذِكْرَاهُم» بألف التأنيث. وقتادة «نُذَكِّرهُمْ» بنون المتكلم المعظم نفسه مكان باء الجر مضارع (ذَكَّر) المشدد، ويكون (نُذكرُهُمْ) جملة حالية. وتقدم الكلام في «خَرْجاً» و «خَرَاجاً» في: الكهف. فصل قال ابن عباس: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ بما فيه فخرهم وشرفهم. يعني: القرآن، فهو كقوله: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] أي: شرفكم، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] أي: شرف لك ولقومك ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ﴾ شرفهم «معرِضون» . وقيل: الذكر هو الوعظ والتذكير التحذير. «أَمْ تَسْأَلُهُمْ» على ما جئتم به «خَرْجاً» أجراً وجعلاً ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ وتقدم الكلام على نظيره.

المؤمنون 23:68

قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ وهذا مثل يُضرب لمن يتباعد عن الحق كل التباعد فهو قوله: ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ أي: ترجعون قهقرى وتتأخرون عن الإيمان، وينفرون عن تلك الآيات، وعن من يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه. قوله: «عَلَى أَعْقَابِكُمْ» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق ب «تَنْكِصُونَ» كقولك نكص على عقبيه. والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه حال من فاعل (تنْكِصُونَ) قاله أبو البقاء وقرأ أمير المؤمنين «تَنْكُصُونَ» بضم العين، وهي لغة. قوله: «مُسْتَكْبِرِينَ» حال من فاعل «تَنْكِصُونَ» ، و «بِهِ» فيه قولان: أحدهما: أنه متعلق ب «مُسْتَكْبِرِينَ» . والثاني: أنه متعلق ب «سَامِراً» . وعلى الأوَّل فالضمير للقرآن، لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت باللّيل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته سحراً وشعراً. أو للبيت شرّفه الله - تعالى - كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنّا أهل الحرم، كانوا يفتخرون به، لأنهم ولاته، والقائمون به. قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل الضمير في «بِهِ» للرسول - عليه السلام -. أو للنكوص المدلول عليه ب «تَنْكِصُونَ» كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8] . والباء في هذا كله للسببية، لأنهم استكبروا بسبب القرآن لما تلي عليهم وبسبب البيت لأنهم كانوا يقولون نحن ولاته، وبالرسول لأنهم كانوا يقولون هو منا دون غيرنا وبالنكوص لأنه سبب الاستكبار. وقيل: ضُمّن الاستكبار معنى التكذيب فلذلك عدي بالباء، وهذا يتأتى على أن يكون الضمير للقرآن وللرسول. وأمّا على الثاني وهو تعلقه ب «سَامِراً» فيجوز أن يكون الضمير عائداً على ما عاد عليه فيما تقدّم إلا النكوص، لأنهم كانوا يسمرون بالقرآن وبالرسول يجعلونهما حديثاً لهم يخوضون في ذلك كما يسمر بالأحاديث وكانوا يسمرون في البيت فالباء ظرفية على هذا و «سَامِراً» نصب على الحال إمّا من فاعل «تَنْكِصُونَ» وإمّا من الضمير في (مُسْتَكْبِرِينَ) . وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة ويروى عن أبي عمرو: «سُمّراً» كذلك إلا أنه بزيادة ألف بين الميم والراء، وكِلاَهُمَا جمع لِسَامِر، وهما جمعان مقيسان لفاعل الصفة نحو ضُرَّب وضُرَّاب في ضَارِب، والأفصح الإفراد، لأنه يقع على ما فوق الواحد بلفظ الإفراد يقال: قَوْمٌ سَامِر ونظيره: «نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً» . والسامِر مأخوذ من السَّمر، وهو سَهَر الليل أو مأخوذ من السَّمَر: وهو ما يقع على الشجر من ضوء القمر، فيجلسون إليه يتحدثون مستأنسين به قال: 3804 - كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكةَ سَامِرُ وقال الراغب: السَّامِر: الليل المظلم يقال: وَلاَ آتِيكَ ما سَمَرَ ابْنَا سَمِيرٍ يعنون الليل والنهار. وقال الراغب: ويقال: سَامِرٌ، وسُمَّارٌ، وسَمَرَةٌ، وسَامِرُونَ. وسَمَرْتُ الشيءَ، وإبل مُسْمَرَةٌ، أي: مُهْمَلَةٌ، والسَّامِريُ: منسوب إلى رجل انتهى. والسُّمْرَةُ أحج الألوان، والسَّمْرَاء يكنى بها عن الحِنْطَة. قوله: «تَهْجُرُونَ» قرأ العامة بفتح التاء وضم الجيم، وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنها من الهَجْر بسكون الجيم، وهو القطع والصدّ. أي تهجرون آيات الله ورسوله، وتزهدون فيهما فلا تصلونهما. والثاني: أنها من الهَجَر - بفتحها - وهو الهذيان، يقال: هَجَر المريض هَجَراً أي: هذى فلا مفعول له. ونافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم من أَهْجَر إهْجاراً، أي: أفحش في منطقه قال ابن عباس: يعني كانوا يسبون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه وقرأ زيد بن علي، وابن محيصن، وأبو نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة مضارع هَجّر بالتشديد، وهو محتمل لأن يكون تضعيفاً للهَجَر أو للهَجْر (أو للهُجْر) وقرأ ابن أبي عاصم كالعامة إلا أنه بالياء من تحت، وهو التفات. قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ أي: يتدبروا القول، يعني ما جاءهم من القول وهو القرآن من حيث إنه كان مبايناً لكلام العرب في الفصاحة، ومبرأ من التناقض مع طوله، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ومعرفة الصانع، والوحدانية، فيتركوا الباطل، ويرجعوا إلى الحق ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأولين﴾ واعلم أنّ إقدامهم على كفرهم وجهلهم لا بُدّ وأن يكون لأحد أمور أربعة: الأول: أن لا يتأملوا دليل ثبوته، وهو المراد من قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ وهو القرآن يعني: أنه كان معروفاً لهم. والثاني: أن يعتقدوا أن مجيء الرسول على خلاف العادة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ﴾ وذلك أنهم عرفوا بالتواتر مجيء الرسول إلى الأمم السالفة، وكانت الأمم بين مُصدّقٍ ناجٍ وبين مكذّبٍ هالك، أفَمَا دعاهم ذلك إلى تصديق الرسل. وقال بعضهم: «أَمْ» هاهنا بمعنى «بَلْ» والمعنى بل جاءهم ما لم يأت آباءهم. والثالث: أن لا يكونوا عالمين بديانته، وحسن خصاله قبله ادعائه النبوة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ والمعنى: أنهم كانوا يعرفونه قبل أن يدعي الرسالة، وكونه في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار عن الكذب والأخلاق الذميمة، وكانوا يسمونه الأمين، فكيف كذبوه بعد أن اتفقتْ كلمتهم على تسميته بالأمين. والرابع: أن يعتقدوا فيه الجنون، فيقولوا إنّما حمله على ادعاء الرسالة جنونه، وهو المراد بقوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ . وهذا أيضاً ظاهر الفساد، لأنّهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة، والشرائع الكاملة. وفي كونهم سمّوه بذلك وجهان: أحدهما: أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له، وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم، فنسبوه إلى الجنون لذلك. والثاني: أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لئلاّ ينقادوا له، فذكروا ذلك استحقاراً له. ثم إنه - تعالى - بعد أن عدّ هذه الوجوه، ونبّه على فسادها قال: ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بالحق﴾ أي: بالصدق والقول الذي لا يخفى صحته على عاقل ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ لأنهم تمسكوا بالتقليد، وعلموا أنّهم لو أقرُّوا بمحمدٍ لزالت رياستهم ومناصبهم، فلذلك كرهوه. فإن قيل قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ يدلُّ على أنّ أقلّهم لا يكرهون الحق. فالجواب: أنه كان منهم من ترك الإيمان أنفَةً من توبيخ قومه، وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق. قوله: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ﴾ الجمهور على كسر الواو لالتقاء الساكنين وابن وثّاب بضمها تشبيهاً بواو الضمير كما كُسرتْ واو الضمير تشبيهاً بها. فصل قال ابن جريج ومقاتل والسّدّيّ وجماعة: الحق هو الله. أي: لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل وقيل: لو اتبع مرادهم، فيسمّي لنفسه شريكاً وولداً كما يقولون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض﴾ . وقال الفراء والزجاج: المراد بالحق: القرآن. أي: نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ﴾ وهو كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] . قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ العامة على إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه، والمراد أتتهم رسلنا. وقرأ أبو عمرو في رواية «آتَيْنَاهُمْ» بالمد أي أعطيناهم، فيحتمل أن يكون المفعول الثاني غير مذكور، ويحتمل أن يكون «بِذِكْرِهِمْ» والباء مزيدة فيه وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمرو أيضاً «أَتَيْتهمْ» بتاء المتكلم وحده. وأبو البرهثم وأبو حيوة والجحدري وأبو رجاء «أَتَيْتَهُمْ» بتاء الخطاب، وهو الرسول - عليه السلام -. وعيسى: «بِذِكْرَاهُم» بألف التأنيث. وقتادة «نُذَكِّرهُمْ» بنون المتكلم المعظم نفسه مكان باء الجر مضارع (ذَكَّر) المشدد، ويكون (نُذكرُهُمْ) جملة حالية. وتقدم الكلام في «خَرْجاً» و «خَرَاجاً» في: الكهف. فصل قال ابن عباس: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ بما فيه فخرهم وشرفهم. يعني: القرآن، فهو كقوله: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] أي: شرفكم، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] أي: شرف لك ولقومك ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ﴾ شرفهم «معرِضون» . وقيل: الذكر هو الوعظ والتذكير التحذير. «أَمْ تَسْأَلُهُمْ» على ما جئتم به «خَرْجاً» أجراً وجعلاً ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ وتقدم الكلام على نظيره.

المؤمنون 23:69

قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ وهذا مثل يُضرب لمن يتباعد عن الحق كل التباعد فهو قوله: ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ أي: ترجعون قهقرى وتتأخرون عن الإيمان، وينفرون عن تلك الآيات، وعن من يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه. قوله: «عَلَى أَعْقَابِكُمْ» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق ب «تَنْكِصُونَ» كقولك نكص على عقبيه. والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه حال من فاعل (تنْكِصُونَ) قاله أبو البقاء وقرأ أمير المؤمنين «تَنْكُصُونَ» بضم العين، وهي لغة. قوله: «مُسْتَكْبِرِينَ» حال من فاعل «تَنْكِصُونَ» ، و «بِهِ» فيه قولان: أحدهما: أنه متعلق ب «مُسْتَكْبِرِينَ» . والثاني: أنه متعلق ب «سَامِراً» . وعلى الأوَّل فالضمير للقرآن، لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت باللّيل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته سحراً وشعراً. أو للبيت شرّفه الله - تعالى - كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنّا أهل الحرم، كانوا يفتخرون به، لأنهم ولاته، والقائمون به. قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل الضمير في «بِهِ» للرسول - عليه السلام -. أو للنكوص المدلول عليه ب «تَنْكِصُونَ» كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8] . والباء في هذا كله للسببية، لأنهم استكبروا بسبب القرآن لما تلي عليهم وبسبب البيت لأنهم كانوا يقولون نحن ولاته، وبالرسول لأنهم كانوا يقولون هو منا دون غيرنا وبالنكوص لأنه سبب الاستكبار. وقيل: ضُمّن الاستكبار معنى التكذيب فلذلك عدي بالباء، وهذا يتأتى على أن يكون الضمير للقرآن وللرسول. وأمّا على الثاني وهو تعلقه ب «سَامِراً» فيجوز أن يكون الضمير عائداً على ما عاد عليه فيما تقدّم إلا النكوص، لأنهم كانوا يسمرون بالقرآن وبالرسول يجعلونهما حديثاً لهم يخوضون في ذلك كما يسمر بالأحاديث وكانوا يسمرون في البيت فالباء ظرفية على هذا و «سَامِراً» نصب على الحال إمّا من فاعل «تَنْكِصُونَ» وإمّا من الضمير في (مُسْتَكْبِرِينَ) . وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة ويروى عن أبي عمرو: «سُمّراً» كذلك إلا أنه بزيادة ألف بين الميم والراء، وكِلاَهُمَا جمع لِسَامِر، وهما جمعان مقيسان لفاعل الصفة نحو ضُرَّب وضُرَّاب في ضَارِب، والأفصح الإفراد، لأنه يقع على ما فوق الواحد بلفظ الإفراد يقال: قَوْمٌ سَامِر ونظيره: «نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً» . والسامِر مأخوذ من السَّمر، وهو سَهَر الليل أو مأخوذ من السَّمَر: وهو ما يقع على الشجر من ضوء القمر، فيجلسون إليه يتحدثون مستأنسين به قال: 3804 - كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكةَ سَامِرُ وقال الراغب: السَّامِر: الليل المظلم يقال: وَلاَ آتِيكَ ما سَمَرَ ابْنَا سَمِيرٍ يعنون الليل والنهار. وقال الراغب: ويقال: سَامِرٌ، وسُمَّارٌ، وسَمَرَةٌ، وسَامِرُونَ. وسَمَرْتُ الشيءَ، وإبل مُسْمَرَةٌ، أي: مُهْمَلَةٌ، والسَّامِريُ: منسوب إلى رجل انتهى. والسُّمْرَةُ أحج الألوان، والسَّمْرَاء يكنى بها عن الحِنْطَة. قوله: «تَهْجُرُونَ» قرأ العامة بفتح التاء وضم الجيم، وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنها من الهَجْر بسكون الجيم، وهو القطع والصدّ. أي تهجرون آيات الله ورسوله، وتزهدون فيهما فلا تصلونهما. والثاني: أنها من الهَجَر - بفتحها - وهو الهذيان، يقال: هَجَر المريض هَجَراً أي: هذى فلا مفعول له. ونافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم من أَهْجَر إهْجاراً، أي: أفحش في منطقه قال ابن عباس: يعني كانوا يسبون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه وقرأ زيد بن علي، وابن محيصن، وأبو نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة مضارع هَجّر بالتشديد، وهو محتمل لأن يكون تضعيفاً للهَجَر أو للهَجْر (أو للهُجْر) وقرأ ابن أبي عاصم كالعامة إلا أنه بالياء من تحت، وهو التفات. قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ أي: يتدبروا القول، يعني ما جاءهم من القول وهو القرآن من حيث إنه كان مبايناً لكلام العرب في الفصاحة، ومبرأ من التناقض مع طوله، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ومعرفة الصانع، والوحدانية، فيتركوا الباطل، ويرجعوا إلى الحق ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأولين﴾ واعلم أنّ إقدامهم على كفرهم وجهلهم لا بُدّ وأن يكون لأحد أمور أربعة: الأول: أن لا يتأملوا دليل ثبوته، وهو المراد من قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ وهو القرآن يعني: أنه كان معروفاً لهم. والثاني: أن يعتقدوا أن مجيء الرسول على خلاف العادة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ﴾ وذلك أنهم عرفوا بالتواتر مجيء الرسول إلى الأمم السالفة، وكانت الأمم بين مُصدّقٍ ناجٍ وبين مكذّبٍ هالك، أفَمَا دعاهم ذلك إلى تصديق الرسل. وقال بعضهم: «أَمْ» هاهنا بمعنى «بَلْ» والمعنى بل جاءهم ما لم يأت آباءهم. والثالث: أن لا يكونوا عالمين بديانته، وحسن خصاله قبله ادعائه النبوة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ والمعنى: أنهم كانوا يعرفونه قبل أن يدعي الرسالة، وكونه في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار عن الكذب والأخلاق الذميمة، وكانوا يسمونه الأمين، فكيف كذبوه بعد أن اتفقتْ كلمتهم على تسميته بالأمين. والرابع: أن يعتقدوا فيه الجنون، فيقولوا إنّما حمله على ادعاء الرسالة جنونه، وهو المراد بقوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ . وهذا أيضاً ظاهر الفساد، لأنّهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة، والشرائع الكاملة. وفي كونهم سمّوه بذلك وجهان: أحدهما: أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له، وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم، فنسبوه إلى الجنون لذلك. والثاني: أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لئلاّ ينقادوا له، فذكروا ذلك استحقاراً له. ثم إنه - تعالى - بعد أن عدّ هذه الوجوه، ونبّه على فسادها قال: ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بالحق﴾ أي: بالصدق والقول الذي لا يخفى صحته على عاقل ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ لأنهم تمسكوا بالتقليد، وعلموا أنّهم لو أقرُّوا بمحمدٍ لزالت رياستهم ومناصبهم، فلذلك كرهوه. فإن قيل قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ يدلُّ على أنّ أقلّهم لا يكرهون الحق. فالجواب: أنه كان منهم من ترك الإيمان أنفَةً من توبيخ قومه، وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق. قوله: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ﴾ الجمهور على كسر الواو لالتقاء الساكنين وابن وثّاب بضمها تشبيهاً بواو الضمير كما كُسرتْ واو الضمير تشبيهاً بها. فصل قال ابن جريج ومقاتل والسّدّيّ وجماعة: الحق هو الله. أي: لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل وقيل: لو اتبع مرادهم، فيسمّي لنفسه شريكاً وولداً كما يقولون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض﴾ . وقال الفراء والزجاج: المراد بالحق: القرآن. أي: نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ﴾ وهو كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] . قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ العامة على إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه، والمراد أتتهم رسلنا. وقرأ أبو عمرو في رواية «آتَيْنَاهُمْ» بالمد أي أعطيناهم، فيحتمل أن يكون المفعول الثاني غير مذكور، ويحتمل أن يكون «بِذِكْرِهِمْ» والباء مزيدة فيه وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمرو أيضاً «أَتَيْتهمْ» بتاء المتكلم وحده. وأبو البرهثم وأبو حيوة والجحدري وأبو رجاء «أَتَيْتَهُمْ» بتاء الخطاب، وهو الرسول - عليه السلام -. وعيسى: «بِذِكْرَاهُم» بألف التأنيث. وقتادة «نُذَكِّرهُمْ» بنون المتكلم المعظم نفسه مكان باء الجر مضارع (ذَكَّر) المشدد، ويكون (نُذكرُهُمْ) جملة حالية. وتقدم الكلام في «خَرْجاً» و «خَرَاجاً» في: الكهف. فصل قال ابن عباس: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ بما فيه فخرهم وشرفهم. يعني: القرآن، فهو كقوله: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] أي: شرفكم، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] أي: شرف لك ولقومك ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ﴾ شرفهم «معرِضون» . وقيل: الذكر هو الوعظ والتذكير التحذير. «أَمْ تَسْأَلُهُمْ» على ما جئتم به «خَرْجاً» أجراً وجعلاً ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ وتقدم الكلام على نظيره.

المؤمنون 23:70

قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ وهذا مثل يُضرب لمن يتباعد عن الحق كل التباعد فهو قوله: ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ أي: ترجعون قهقرى وتتأخرون عن الإيمان، وينفرون عن تلك الآيات، وعن من يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه. قوله: «عَلَى أَعْقَابِكُمْ» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق ب «تَنْكِصُونَ» كقولك نكص على عقبيه. والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه حال من فاعل (تنْكِصُونَ) قاله أبو البقاء وقرأ أمير المؤمنين «تَنْكُصُونَ» بضم العين، وهي لغة. قوله: «مُسْتَكْبِرِينَ» حال من فاعل «تَنْكِصُونَ» ، و «بِهِ» فيه قولان: أحدهما: أنه متعلق ب «مُسْتَكْبِرِينَ» . والثاني: أنه متعلق ب «سَامِراً» . وعلى الأوَّل فالضمير للقرآن، لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت باللّيل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته سحراً وشعراً. أو للبيت شرّفه الله - تعالى - كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنّا أهل الحرم، كانوا يفتخرون به، لأنهم ولاته، والقائمون به. قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل الضمير في «بِهِ» للرسول - عليه السلام -. أو للنكوص المدلول عليه ب «تَنْكِصُونَ» كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8] . والباء في هذا كله للسببية، لأنهم استكبروا بسبب القرآن لما تلي عليهم وبسبب البيت لأنهم كانوا يقولون نحن ولاته، وبالرسول لأنهم كانوا يقولون هو منا دون غيرنا وبالنكوص لأنه سبب الاستكبار. وقيل: ضُمّن الاستكبار معنى التكذيب فلذلك عدي بالباء، وهذا يتأتى على أن يكون الضمير للقرآن وللرسول. وأمّا على الثاني وهو تعلقه ب «سَامِراً» فيجوز أن يكون الضمير عائداً على ما عاد عليه فيما تقدّم إلا النكوص، لأنهم كانوا يسمرون بالقرآن وبالرسول يجعلونهما حديثاً لهم يخوضون في ذلك كما يسمر بالأحاديث وكانوا يسمرون في البيت فالباء ظرفية على هذا و «سَامِراً» نصب على الحال إمّا من فاعل «تَنْكِصُونَ» وإمّا من الضمير في (مُسْتَكْبِرِينَ) . وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة ويروى عن أبي عمرو: «سُمّراً» كذلك إلا أنه بزيادة ألف بين الميم والراء، وكِلاَهُمَا جمع لِسَامِر، وهما جمعان مقيسان لفاعل الصفة نحو ضُرَّب وضُرَّاب في ضَارِب، والأفصح الإفراد، لأنه يقع على ما فوق الواحد بلفظ الإفراد يقال: قَوْمٌ سَامِر ونظيره: «نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً» . والسامِر مأخوذ من السَّمر، وهو سَهَر الليل أو مأخوذ من السَّمَر: وهو ما يقع على الشجر من ضوء القمر، فيجلسون إليه يتحدثون مستأنسين به قال: 3804 - كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكةَ سَامِرُ وقال الراغب: السَّامِر: الليل المظلم يقال: وَلاَ آتِيكَ ما سَمَرَ ابْنَا سَمِيرٍ يعنون الليل والنهار. وقال الراغب: ويقال: سَامِرٌ، وسُمَّارٌ، وسَمَرَةٌ، وسَامِرُونَ. وسَمَرْتُ الشيءَ، وإبل مُسْمَرَةٌ، أي: مُهْمَلَةٌ، والسَّامِريُ: منسوب إلى رجل انتهى. والسُّمْرَةُ أحج الألوان، والسَّمْرَاء يكنى بها عن الحِنْطَة. قوله: «تَهْجُرُونَ» قرأ العامة بفتح التاء وضم الجيم، وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنها من الهَجْر بسكون الجيم، وهو القطع والصدّ. أي تهجرون آيات الله ورسوله، وتزهدون فيهما فلا تصلونهما. والثاني: أنها من الهَجَر - بفتحها - وهو الهذيان، يقال: هَجَر المريض هَجَراً أي: هذى فلا مفعول له. ونافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم من أَهْجَر إهْجاراً، أي: أفحش في منطقه قال ابن عباس: يعني كانوا يسبون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه وقرأ زيد بن علي، وابن محيصن، وأبو نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة مضارع هَجّر بالتشديد، وهو محتمل لأن يكون تضعيفاً للهَجَر أو للهَجْر (أو للهُجْر) وقرأ ابن أبي عاصم كالعامة إلا أنه بالياء من تحت، وهو التفات. قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ أي: يتدبروا القول، يعني ما جاءهم من القول وهو القرآن من حيث إنه كان مبايناً لكلام العرب في الفصاحة، ومبرأ من التناقض مع طوله، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ومعرفة الصانع، والوحدانية، فيتركوا الباطل، ويرجعوا إلى الحق ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأولين﴾ واعلم أنّ إقدامهم على كفرهم وجهلهم لا بُدّ وأن يكون لأحد أمور أربعة: الأول: أن لا يتأملوا دليل ثبوته، وهو المراد من قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ وهو القرآن يعني: أنه كان معروفاً لهم. والثاني: أن يعتقدوا أن مجيء الرسول على خلاف العادة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ﴾ وذلك أنهم عرفوا بالتواتر مجيء الرسول إلى الأمم السالفة، وكانت الأمم بين مُصدّقٍ ناجٍ وبين مكذّبٍ هالك، أفَمَا دعاهم ذلك إلى تصديق الرسل. وقال بعضهم: «أَمْ» هاهنا بمعنى «بَلْ» والمعنى بل جاءهم ما لم يأت آباءهم. والثالث: أن لا يكونوا عالمين بديانته، وحسن خصاله قبله ادعائه النبوة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ والمعنى: أنهم كانوا يعرفونه قبل أن يدعي الرسالة، وكونه في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار عن الكذب والأخلاق الذميمة، وكانوا يسمونه الأمين، فكيف كذبوه بعد أن اتفقتْ كلمتهم على تسميته بالأمين. والرابع: أن يعتقدوا فيه الجنون، فيقولوا إنّما حمله على ادعاء الرسالة جنونه، وهو المراد بقوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ . وهذا أيضاً ظاهر الفساد، لأنّهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة، والشرائع الكاملة. وفي كونهم سمّوه بذلك وجهان: أحدهما: أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له، وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم، فنسبوه إلى الجنون لذلك. والثاني: أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لئلاّ ينقادوا له، فذكروا ذلك استحقاراً له. ثم إنه - تعالى - بعد أن عدّ هذه الوجوه، ونبّه على فسادها قال: ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بالحق﴾ أي: بالصدق والقول الذي لا يخفى صحته على عاقل ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ لأنهم تمسكوا بالتقليد، وعلموا أنّهم لو أقرُّوا بمحمدٍ لزالت رياستهم ومناصبهم، فلذلك كرهوه. فإن قيل قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ يدلُّ على أنّ أقلّهم لا يكرهون الحق. فالجواب: أنه كان منهم من ترك الإيمان أنفَةً من توبيخ قومه، وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق. قوله: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ﴾ الجمهور على كسر الواو لالتقاء الساكنين وابن وثّاب بضمها تشبيهاً بواو الضمير كما كُسرتْ واو الضمير تشبيهاً بها. فصل قال ابن جريج ومقاتل والسّدّيّ وجماعة: الحق هو الله. أي: لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل وقيل: لو اتبع مرادهم، فيسمّي لنفسه شريكاً وولداً كما يقولون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض﴾ . وقال الفراء والزجاج: المراد بالحق: القرآن. أي: نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ﴾ وهو كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] . قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ العامة على إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه، والمراد أتتهم رسلنا. وقرأ أبو عمرو في رواية «آتَيْنَاهُمْ» بالمد أي أعطيناهم، فيحتمل أن يكون المفعول الثاني غير مذكور، ويحتمل أن يكون «بِذِكْرِهِمْ» والباء مزيدة فيه وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمرو أيضاً «أَتَيْتهمْ» بتاء المتكلم وحده. وأبو البرهثم وأبو حيوة والجحدري وأبو رجاء «أَتَيْتَهُمْ» بتاء الخطاب، وهو الرسول - عليه السلام -. وعيسى: «بِذِكْرَاهُم» بألف التأنيث. وقتادة «نُذَكِّرهُمْ» بنون المتكلم المعظم نفسه مكان باء الجر مضارع (ذَكَّر) المشدد، ويكون (نُذكرُهُمْ) جملة حالية. وتقدم الكلام في «خَرْجاً» و «خَرَاجاً» في: الكهف. فصل قال ابن عباس: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ بما فيه فخرهم وشرفهم. يعني: القرآن، فهو كقوله: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] أي: شرفكم، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] أي: شرف لك ولقومك ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ﴾ شرفهم «معرِضون» . وقيل: الذكر هو الوعظ والتذكير التحذير. «أَمْ تَسْأَلُهُمْ» على ما جئتم به «خَرْجاً» أجراً وجعلاً ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ وتقدم الكلام على نظيره.

المؤمنون 23:71

قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ وهذا مثل يُضرب لمن يتباعد عن الحق كل التباعد فهو قوله: ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ أي: ترجعون قهقرى وتتأخرون عن الإيمان، وينفرون عن تلك الآيات، وعن من يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه. قوله: «عَلَى أَعْقَابِكُمْ» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق ب «تَنْكِصُونَ» كقولك نكص على عقبيه. والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه حال من فاعل (تنْكِصُونَ) قاله أبو البقاء وقرأ أمير المؤمنين «تَنْكُصُونَ» بضم العين، وهي لغة. قوله: «مُسْتَكْبِرِينَ» حال من فاعل «تَنْكِصُونَ» ، و «بِهِ» فيه قولان: أحدهما: أنه متعلق ب «مُسْتَكْبِرِينَ» . والثاني: أنه متعلق ب «سَامِراً» . وعلى الأوَّل فالضمير للقرآن، لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت باللّيل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته سحراً وشعراً. أو للبيت شرّفه الله - تعالى - كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنّا أهل الحرم، كانوا يفتخرون به، لأنهم ولاته، والقائمون به. قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل الضمير في «بِهِ» للرسول - عليه السلام -. أو للنكوص المدلول عليه ب «تَنْكِصُونَ» كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8] . والباء في هذا كله للسببية، لأنهم استكبروا بسبب القرآن لما تلي عليهم وبسبب البيت لأنهم كانوا يقولون نحن ولاته، وبالرسول لأنهم كانوا يقولون هو منا دون غيرنا وبالنكوص لأنه سبب الاستكبار. وقيل: ضُمّن الاستكبار معنى التكذيب فلذلك عدي بالباء، وهذا يتأتى على أن يكون الضمير للقرآن وللرسول. وأمّا على الثاني وهو تعلقه ب «سَامِراً» فيجوز أن يكون الضمير عائداً على ما عاد عليه فيما تقدّم إلا النكوص، لأنهم كانوا يسمرون بالقرآن وبالرسول يجعلونهما حديثاً لهم يخوضون في ذلك كما يسمر بالأحاديث وكانوا يسمرون في البيت فالباء ظرفية على هذا و «سَامِراً» نصب على الحال إمّا من فاعل «تَنْكِصُونَ» وإمّا من الضمير في (مُسْتَكْبِرِينَ) . وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة ويروى عن أبي عمرو: «سُمّراً» كذلك إلا أنه بزيادة ألف بين الميم والراء، وكِلاَهُمَا جمع لِسَامِر، وهما جمعان مقيسان لفاعل الصفة نحو ضُرَّب وضُرَّاب في ضَارِب، والأفصح الإفراد، لأنه يقع على ما فوق الواحد بلفظ الإفراد يقال: قَوْمٌ سَامِر ونظيره: «نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً» . والسامِر مأخوذ من السَّمر، وهو سَهَر الليل أو مأخوذ من السَّمَر: وهو ما يقع على الشجر من ضوء القمر، فيجلسون إليه يتحدثون مستأنسين به قال: 3804 - كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكةَ سَامِرُ وقال الراغب: السَّامِر: الليل المظلم يقال: وَلاَ آتِيكَ ما سَمَرَ ابْنَا سَمِيرٍ يعنون الليل والنهار. وقال الراغب: ويقال: سَامِرٌ، وسُمَّارٌ، وسَمَرَةٌ، وسَامِرُونَ. وسَمَرْتُ الشيءَ، وإبل مُسْمَرَةٌ، أي: مُهْمَلَةٌ، والسَّامِريُ: منسوب إلى رجل انتهى. والسُّمْرَةُ أحج الألوان، والسَّمْرَاء يكنى بها عن الحِنْطَة. قوله: «تَهْجُرُونَ» قرأ العامة بفتح التاء وضم الجيم، وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنها من الهَجْر بسكون الجيم، وهو القطع والصدّ. أي تهجرون آيات الله ورسوله، وتزهدون فيهما فلا تصلونهما. والثاني: أنها من الهَجَر - بفتحها - وهو الهذيان، يقال: هَجَر المريض هَجَراً أي: هذى فلا مفعول له. ونافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم من أَهْجَر إهْجاراً، أي: أفحش في منطقه قال ابن عباس: يعني كانوا يسبون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه وقرأ زيد بن علي، وابن محيصن، وأبو نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة مضارع هَجّر بالتشديد، وهو محتمل لأن يكون تضعيفاً للهَجَر أو للهَجْر (أو للهُجْر) وقرأ ابن أبي عاصم كالعامة إلا أنه بالياء من تحت، وهو التفات. قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ أي: يتدبروا القول، يعني ما جاءهم من القول وهو القرآن من حيث إنه كان مبايناً لكلام العرب في الفصاحة، ومبرأ من التناقض مع طوله، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ومعرفة الصانع، والوحدانية، فيتركوا الباطل، ويرجعوا إلى الحق ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأولين﴾ واعلم أنّ إقدامهم على كفرهم وجهلهم لا بُدّ وأن يكون لأحد أمور أربعة: الأول: أن لا يتأملوا دليل ثبوته، وهو المراد من قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ وهو القرآن يعني: أنه كان معروفاً لهم. والثاني: أن يعتقدوا أن مجيء الرسول على خلاف العادة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ﴾ وذلك أنهم عرفوا بالتواتر مجيء الرسول إلى الأمم السالفة، وكانت الأمم بين مُصدّقٍ ناجٍ وبين مكذّبٍ هالك، أفَمَا دعاهم ذلك إلى تصديق الرسل. وقال بعضهم: «أَمْ» هاهنا بمعنى «بَلْ» والمعنى بل جاءهم ما لم يأت آباءهم. والثالث: أن لا يكونوا عالمين بديانته، وحسن خصاله قبله ادعائه النبوة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ والمعنى: أنهم كانوا يعرفونه قبل أن يدعي الرسالة، وكونه في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار عن الكذب والأخلاق الذميمة، وكانوا يسمونه الأمين، فكيف كذبوه بعد أن اتفقتْ كلمتهم على تسميته بالأمين. والرابع: أن يعتقدوا فيه الجنون، فيقولوا إنّما حمله على ادعاء الرسالة جنونه، وهو المراد بقوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ . وهذا أيضاً ظاهر الفساد، لأنّهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة، والشرائع الكاملة. وفي كونهم سمّوه بذلك وجهان: أحدهما: أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له، وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم، فنسبوه إلى الجنون لذلك. والثاني: أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لئلاّ ينقادوا له، فذكروا ذلك استحقاراً له. ثم إنه - تعالى - بعد أن عدّ هذه الوجوه، ونبّه على فسادها قال: ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بالحق﴾ أي: بالصدق والقول الذي لا يخفى صحته على عاقل ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ لأنهم تمسكوا بالتقليد، وعلموا أنّهم لو أقرُّوا بمحمدٍ لزالت رياستهم ومناصبهم، فلذلك كرهوه. فإن قيل قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ يدلُّ على أنّ أقلّهم لا يكرهون الحق. فالجواب: أنه كان منهم من ترك الإيمان أنفَةً من توبيخ قومه، وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق. قوله: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ﴾ الجمهور على كسر الواو لالتقاء الساكنين وابن وثّاب بضمها تشبيهاً بواو الضمير كما كُسرتْ واو الضمير تشبيهاً بها. فصل قال ابن جريج ومقاتل والسّدّيّ وجماعة: الحق هو الله. أي: لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل وقيل: لو اتبع مرادهم، فيسمّي لنفسه شريكاً وولداً كما يقولون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض﴾ . وقال الفراء والزجاج: المراد بالحق: القرآن. أي: نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ﴾ وهو كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] . قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ العامة على إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه، والمراد أتتهم رسلنا. وقرأ أبو عمرو في رواية «آتَيْنَاهُمْ» بالمد أي أعطيناهم، فيحتمل أن يكون المفعول الثاني غير مذكور، ويحتمل أن يكون «بِذِكْرِهِمْ» والباء مزيدة فيه وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمرو أيضاً «أَتَيْتهمْ» بتاء المتكلم وحده. وأبو البرهثم وأبو حيوة والجحدري وأبو رجاء «أَتَيْتَهُمْ» بتاء الخطاب، وهو الرسول - عليه السلام -. وعيسى: «بِذِكْرَاهُم» بألف التأنيث. وقتادة «نُذَكِّرهُمْ» بنون المتكلم المعظم نفسه مكان باء الجر مضارع (ذَكَّر) المشدد، ويكون (نُذكرُهُمْ) جملة حالية. وتقدم الكلام في «خَرْجاً» و «خَرَاجاً» في: الكهف. فصل قال ابن عباس: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ بما فيه فخرهم وشرفهم. يعني: القرآن، فهو كقوله: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] أي: شرفكم، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] أي: شرف لك ولقومك ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ﴾ شرفهم «معرِضون» . وقيل: الذكر هو الوعظ والتذكير التحذير. «أَمْ تَسْأَلُهُمْ» على ما جئتم به «خَرْجاً» أجراً وجعلاً ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ وتقدم الكلام على نظيره.

المؤمنون 23:72

قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ وهذا مثل يُضرب لمن يتباعد عن الحق كل التباعد فهو قوله: ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ أي: ترجعون قهقرى وتتأخرون عن الإيمان، وينفرون عن تلك الآيات، وعن من يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه. قوله: «عَلَى أَعْقَابِكُمْ» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق ب «تَنْكِصُونَ» كقولك نكص على عقبيه. والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه حال من فاعل (تنْكِصُونَ) قاله أبو البقاء وقرأ أمير المؤمنين «تَنْكُصُونَ» بضم العين، وهي لغة. قوله: «مُسْتَكْبِرِينَ» حال من فاعل «تَنْكِصُونَ» ، و «بِهِ» فيه قولان: أحدهما: أنه متعلق ب «مُسْتَكْبِرِينَ» . والثاني: أنه متعلق ب «سَامِراً» . وعلى الأوَّل فالضمير للقرآن، لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت باللّيل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته سحراً وشعراً. أو للبيت شرّفه الله - تعالى - كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنّا أهل الحرم، كانوا يفتخرون به، لأنهم ولاته، والقائمون به. قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل الضمير في «بِهِ» للرسول - عليه السلام -. أو للنكوص المدلول عليه ب «تَنْكِصُونَ» كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8] . والباء في هذا كله للسببية، لأنهم استكبروا بسبب القرآن لما تلي عليهم وبسبب البيت لأنهم كانوا يقولون نحن ولاته، وبالرسول لأنهم كانوا يقولون هو منا دون غيرنا وبالنكوص لأنه سبب الاستكبار. وقيل: ضُمّن الاستكبار معنى التكذيب فلذلك عدي بالباء، وهذا يتأتى على أن يكون الضمير للقرآن وللرسول. وأمّا على الثاني وهو تعلقه ب «سَامِراً» فيجوز أن يكون الضمير عائداً على ما عاد عليه فيما تقدّم إلا النكوص، لأنهم كانوا يسمرون بالقرآن وبالرسول يجعلونهما حديثاً لهم يخوضون في ذلك كما يسمر بالأحاديث وكانوا يسمرون في البيت فالباء ظرفية على هذا و «سَامِراً» نصب على الحال إمّا من فاعل «تَنْكِصُونَ» وإمّا من الضمير في (مُسْتَكْبِرِينَ) . وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة ويروى عن أبي عمرو: «سُمّراً» كذلك إلا أنه بزيادة ألف بين الميم والراء، وكِلاَهُمَا جمع لِسَامِر، وهما جمعان مقيسان لفاعل الصفة نحو ضُرَّب وضُرَّاب في ضَارِب، والأفصح الإفراد، لأنه يقع على ما فوق الواحد بلفظ الإفراد يقال: قَوْمٌ سَامِر ونظيره: «نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً» . والسامِر مأخوذ من السَّمر، وهو سَهَر الليل أو مأخوذ من السَّمَر: وهو ما يقع على الشجر من ضوء القمر، فيجلسون إليه يتحدثون مستأنسين به قال: 3804 - كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكةَ سَامِرُ وقال الراغب: السَّامِر: الليل المظلم يقال: وَلاَ آتِيكَ ما سَمَرَ ابْنَا سَمِيرٍ يعنون الليل والنهار. وقال الراغب: ويقال: سَامِرٌ، وسُمَّارٌ، وسَمَرَةٌ، وسَامِرُونَ. وسَمَرْتُ الشيءَ، وإبل مُسْمَرَةٌ، أي: مُهْمَلَةٌ، والسَّامِريُ: منسوب إلى رجل انتهى. والسُّمْرَةُ أحج الألوان، والسَّمْرَاء يكنى بها عن الحِنْطَة. قوله: «تَهْجُرُونَ» قرأ العامة بفتح التاء وضم الجيم، وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنها من الهَجْر بسكون الجيم، وهو القطع والصدّ. أي تهجرون آيات الله ورسوله، وتزهدون فيهما فلا تصلونهما. والثاني: أنها من الهَجَر - بفتحها - وهو الهذيان، يقال: هَجَر المريض هَجَراً أي: هذى فلا مفعول له. ونافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم من أَهْجَر إهْجاراً، أي: أفحش في منطقه قال ابن عباس: يعني كانوا يسبون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه وقرأ زيد بن علي، وابن محيصن، وأبو نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة مضارع هَجّر بالتشديد، وهو محتمل لأن يكون تضعيفاً للهَجَر أو للهَجْر (أو للهُجْر) وقرأ ابن أبي عاصم كالعامة إلا أنه بالياء من تحت، وهو التفات. قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ أي: يتدبروا القول، يعني ما جاءهم من القول وهو القرآن من حيث إنه كان مبايناً لكلام العرب في الفصاحة، ومبرأ من التناقض مع طوله، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ومعرفة الصانع، والوحدانية، فيتركوا الباطل، ويرجعوا إلى الحق ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأولين﴾ واعلم أنّ إقدامهم على كفرهم وجهلهم لا بُدّ وأن يكون لأحد أمور أربعة: الأول: أن لا يتأملوا دليل ثبوته، وهو المراد من قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ وهو القرآن يعني: أنه كان معروفاً لهم. والثاني: أن يعتقدوا أن مجيء الرسول على خلاف العادة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ﴾ وذلك أنهم عرفوا بالتواتر مجيء الرسول إلى الأمم السالفة، وكانت الأمم بين مُصدّقٍ ناجٍ وبين مكذّبٍ هالك، أفَمَا دعاهم ذلك إلى تصديق الرسل. وقال بعضهم: «أَمْ» هاهنا بمعنى «بَلْ» والمعنى بل جاءهم ما لم يأت آباءهم. والثالث: أن لا يكونوا عالمين بديانته، وحسن خصاله قبله ادعائه النبوة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ والمعنى: أنهم كانوا يعرفونه قبل أن يدعي الرسالة، وكونه في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار عن الكذب والأخلاق الذميمة، وكانوا يسمونه الأمين، فكيف كذبوه بعد أن اتفقتْ كلمتهم على تسميته بالأمين. والرابع: أن يعتقدوا فيه الجنون، فيقولوا إنّما حمله على ادعاء الرسالة جنونه، وهو المراد بقوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ . وهذا أيضاً ظاهر الفساد، لأنّهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة، والشرائع الكاملة. وفي كونهم سمّوه بذلك وجهان: أحدهما: أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له، وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم، فنسبوه إلى الجنون لذلك. والثاني: أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لئلاّ ينقادوا له، فذكروا ذلك استحقاراً له. ثم إنه - تعالى - بعد أن عدّ هذه الوجوه، ونبّه على فسادها قال: ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بالحق﴾ أي: بالصدق والقول الذي لا يخفى صحته على عاقل ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ لأنهم تمسكوا بالتقليد، وعلموا أنّهم لو أقرُّوا بمحمدٍ لزالت رياستهم ومناصبهم، فلذلك كرهوه. فإن قيل قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ يدلُّ على أنّ أقلّهم لا يكرهون الحق. فالجواب: أنه كان منهم من ترك الإيمان أنفَةً من توبيخ قومه، وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق. قوله: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ﴾ الجمهور على كسر الواو لالتقاء الساكنين وابن وثّاب بضمها تشبيهاً بواو الضمير كما كُسرتْ واو الضمير تشبيهاً بها. فصل قال ابن جريج ومقاتل والسّدّيّ وجماعة: الحق هو الله. أي: لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل وقيل: لو اتبع مرادهم، فيسمّي لنفسه شريكاً وولداً كما يقولون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض﴾ . وقال الفراء والزجاج: المراد بالحق: القرآن. أي: نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ﴾ وهو كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] . قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ العامة على إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه، والمراد أتتهم رسلنا. وقرأ أبو عمرو في رواية «آتَيْنَاهُمْ» بالمد أي أعطيناهم، فيحتمل أن يكون المفعول الثاني غير مذكور، ويحتمل أن يكون «بِذِكْرِهِمْ» والباء مزيدة فيه وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمرو أيضاً «أَتَيْتهمْ» بتاء المتكلم وحده. وأبو البرهثم وأبو حيوة والجحدري وأبو رجاء «أَتَيْتَهُمْ» بتاء الخطاب، وهو الرسول - عليه السلام -. وعيسى: «بِذِكْرَاهُم» بألف التأنيث. وقتادة «نُذَكِّرهُمْ» بنون المتكلم المعظم نفسه مكان باء الجر مضارع (ذَكَّر) المشدد، ويكون (نُذكرُهُمْ) جملة حالية. وتقدم الكلام في «خَرْجاً» و «خَرَاجاً» في: الكهف. فصل قال ابن عباس: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ بما فيه فخرهم وشرفهم. يعني: القرآن، فهو كقوله: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] أي: شرفكم، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] أي: شرف لك ولقومك ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ﴾ شرفهم «معرِضون» . وقيل: الذكر هو الوعظ والتذكير التحذير. «أَمْ تَسْأَلُهُمْ» على ما جئتم به «خَرْجاً» أجراً وجعلاً ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ وتقدم الكلام على نظيره.

المؤمنون 23:73

قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسلام. {وَإِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة عَنِ الصراط} عن دين الحق «لَنَاكِبُونَ» لعادون عن هذا الطريق، لأنَّ طريق الاستقامة واحد وما يخالفه فكثير. قوله: «عَنِ الصِّرَاطِ» متعلق ب «نَاكِبُونَ» ولا تمنع لام الابتداء من ذلك على رأي تقدّم تحقيقه. والنُّكُوب والنَّكْبُ: العدول والميل، ومنه: النَّكْبَاء للريح بين ريحين، سُميت بذلك لعدولها عن المهاب، وَنَكَبَتْ حوادثُ الدهرِ، أي: هَبّت هبوب النَّكْبَاء. والمَنْكِبُ: مجتمع ما بين العَضُدِ والكتف، والأَنْكَبُ: المائل المَنْكِب، ولفلان نِكَابَة في قومه أي: نقابة فتشبه أن تكون الكاف بدلاً من القاف، ويقال: نَكَبَ ونَكَّبَ مخففاً ومثقلاً. قوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾ قحط وجدب وقيل: ضرر القتال والسبي. وقيل: مضار الآخرة وعذابها. قوله: «للجُّوا» جواب «لَوْ» ، وقد توالى فيه لاَمَان، وفيه تضعيف لقول من قال: جوابها إذا نفي ب (لم) ونحوها مما صدر فيه حرف النفي بلام أنه لا يجوز دخول اللام ولو قلت: لو قام لَلَمْ يقم عمرو، لَمْ يجز، قال: لئّلا يتوالى لامان، وهذا موجود في الإيجاب كهذه الآية، ولم يمتنع، وإلا فما الفَرْق بين النفي والإثبات في ذلك واللّجَاجُ: التمادي في العناد في تعاطي الفعل المزجور عنه، ومنه اللَّجَّة: بالفتح: لتردد الصوت، كقوله: 3805 - في لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاَناً عن فُلِ ... ولجَّة البحر لتردد أمواجه، ولَجَّةُ الليل لتردّد ظلامه. واللَّجْلَجَةُ تردّد الكلام، وهو تكرير لَجَّ، ويقال: لَجَّ والتَجَّ. ومعنى الآية: لتمادوا في طغيانهم وضلالهم وهم متحيرون لم ينزعوا عنه.

المؤمنون 23:74

قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسلام. {وَإِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة عَنِ الصراط} عن دين الحق «لَنَاكِبُونَ» لعادون عن هذا الطريق، لأنَّ طريق الاستقامة واحد وما يخالفه فكثير. قوله: «عَنِ الصِّرَاطِ» متعلق ب «نَاكِبُونَ» ولا تمنع لام الابتداء من ذلك على رأي تقدّم تحقيقه. والنُّكُوب والنَّكْبُ: العدول والميل، ومنه: النَّكْبَاء للريح بين ريحين، سُميت بذلك لعدولها عن المهاب، وَنَكَبَتْ حوادثُ الدهرِ، أي: هَبّت هبوب النَّكْبَاء. والمَنْكِبُ: مجتمع ما بين العَضُدِ والكتف، والأَنْكَبُ: المائل المَنْكِب، ولفلان نِكَابَة في قومه أي: نقابة فتشبه أن تكون الكاف بدلاً من القاف، ويقال: نَكَبَ ونَكَّبَ مخففاً ومثقلاً. قوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾ قحط وجدب وقيل: ضرر القتال والسبي. وقيل: مضار الآخرة وعذابها. قوله: «للجُّوا» جواب «لَوْ» ، وقد توالى فيه لاَمَان، وفيه تضعيف لقول من قال: جوابها إذا نفي ب (لم) ونحوها مما صدر فيه حرف النفي بلام أنه لا يجوز دخول اللام ولو قلت: لو قام لَلَمْ يقم عمرو، لَمْ يجز، قال: لئّلا يتوالى لامان، وهذا موجود في الإيجاب كهذه الآية، ولم يمتنع، وإلا فما الفَرْق بين النفي والإثبات في ذلك واللّجَاجُ: التمادي في العناد في تعاطي الفعل المزجور عنه، ومنه اللَّجَّة: بالفتح: لتردد الصوت، كقوله: 3805 - في لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاَناً عن فُلِ ... ولجَّة البحر لتردد أمواجه، ولَجَّةُ الليل لتردّد ظلامه. واللَّجْلَجَةُ تردّد الكلام، وهو تكرير لَجَّ، ويقال: لَجَّ والتَجَّ. ومعنى الآية: لتمادوا في طغيانهم وضلالهم وهم متحيرون لم ينزعوا عنه.

المؤمنون 23:75

قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسلام. {وَإِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة عَنِ الصراط} عن دين الحق «لَنَاكِبُونَ» لعادون عن هذا الطريق، لأنَّ طريق الاستقامة واحد وما يخالفه فكثير. قوله: «عَنِ الصِّرَاطِ» متعلق ب «نَاكِبُونَ» ولا تمنع لام الابتداء من ذلك على رأي تقدّم تحقيقه. والنُّكُوب والنَّكْبُ: العدول والميل، ومنه: النَّكْبَاء للريح بين ريحين، سُميت بذلك لعدولها عن المهاب، وَنَكَبَتْ حوادثُ الدهرِ، أي: هَبّت هبوب النَّكْبَاء. والمَنْكِبُ: مجتمع ما بين العَضُدِ والكتف، والأَنْكَبُ: المائل المَنْكِب، ولفلان نِكَابَة في قومه أي: نقابة فتشبه أن تكون الكاف بدلاً من القاف، ويقال: نَكَبَ ونَكَّبَ مخففاً ومثقلاً. قوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾ قحط وجدب وقيل: ضرر القتال والسبي. وقيل: مضار الآخرة وعذابها. قوله: «للجُّوا» جواب «لَوْ» ، وقد توالى فيه لاَمَان، وفيه تضعيف لقول من قال: جوابها إذا نفي ب (لم) ونحوها مما صدر فيه حرف النفي بلام أنه لا يجوز دخول اللام ولو قلت: لو قام لَلَمْ يقم عمرو، لَمْ يجز، قال: لئّلا يتوالى لامان، وهذا موجود في الإيجاب كهذه الآية، ولم يمتنع، وإلا فما الفَرْق بين النفي والإثبات في ذلك واللّجَاجُ: التمادي في العناد في تعاطي الفعل المزجور عنه، ومنه اللَّجَّة: بالفتح: لتردد الصوت، كقوله: 3805 - في لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاَناً عن فُلِ ... ولجَّة البحر لتردد أمواجه، ولَجَّةُ الليل لتردّد ظلامه. واللَّجْلَجَةُ تردّد الكلام، وهو تكرير لَجَّ، ويقال: لَجَّ والتَجَّ. ومعنى الآية: لتمادوا في طغيانهم وضلالهم وهم متحيرون لم ينزعوا عنه.

المؤمنون 23:76

قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب﴾ قال المفسرون: لما أسلم ثُمامة بن أثال الحنفي، ولحق باليمامة، ومنع المِيرَة عن أهل مكة، ودَعَا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم القحط حتى أكلوا العِلْهِز، جاء أبو سفيان إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: أنشدك الله والرحم، ألَسْتَ تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: «بَلَى» . فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فادعُ الله يكشف عنا هذا القحط، فدعا فكشف عنهم، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى أخذناهم بالجوع فما أطاعوا. وقال الأصم: العذاب هو ما نالهم يوم بدر من القتل والأسر يعني أن ذلك مع شدة ما دعاهم إلى الإيمان. وقيل: المراد من عُذِّبَ من الأمم الخالية. «فَمَا اسْتَكَانُوا» أي: مشركو العرب. قوله: «فَمَا اسْتَكَانُوا» تقدم وزن (استكان) في آل عمران. وجاء الأول ماضياً والثاني مضارعاً، ولم يجيئا ماضيين، ولا مضارعين ولا جاء الأول مضارعاً والثاني ماضياً، لإفادة الماضي وجود الفعل وتحققه، وهو بالاستكانة أليق، بخلاف التضرع فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبال وأما الاستكانة فقد توجد منهم. وقال الزمخشري: فإن قلت: هَلاَّ قيل: وما تَضرّعوا (أو) فما يستكينون. قلت: لأنّ المعنى محنّاهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة، وما مِنْ عادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد. فظاهر هذا أنَّ (حَتَّى) غاية لنفي الاستكانة والتضرّع. ومعنى الاستكانة طلب السكون، أي: ما خضعوا وما ذلوا إلى ربهم، وما تضرعوا بل مضوا على تمرّدهم. قوله: ﴿حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ . قرئ «فَتَّحنَا» بالتشديد. قال ابن عباس ومجاهد: يعني القتل يوم بدر. وقيل: الموت وقيل: قيام الساعة. وقيل: الجوع. ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من كل خير. وقرأ السلمي: «مُبْلَسُون» - بفتح اللام - من أبلسه، أي: أدخله في الإبلاس. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار﴾ الآية. العطف لا يحسن إلاّ مع المجانسة، فأي مناسبة بين قوله: ﴿وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار﴾ وبين ما قبله؟ والجواب: كأنّه تعالى لمّا بيّن مبالغة الكفار في الإعراض عن سماع الأدلة والاعتبار، وتأمّل الحقائق قال للمؤمنين: هو الذي أعطاكم هذه الأشياء ووفّقكم لها تنبيهاً على أنَّ من لم يُعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها، لقوله: ﴿فَمَآ أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: 26] وأفرد السمع والمراد الأسماع ثم قال: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ . قال أبو مسلم: وليس المراد أنَّ لهم شكراً وإن قَلّ، لكنه كما يقال للكفور والجاحد للنعمة: ما أقلّ شكر فلان. ثم قال: ﴿وَهُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض﴾ أي: خلقكم، قال أبو مسلم: ويحتمل بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 3] أي: هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم فيها سواه، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشراً إليه لا بمعنى المكان. ثم قال: ﴿وَهُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة وأنّه سبحانه - وإن أنعم بها، فالمقصود منها الانتقال إلى دار الثواب. ثم قال: ﴿وَلَهُ اختلاف الليل والنهار﴾ أي: تدبير الليل والنهار في الزيادة والنقصان، ووجه النعمة بذلك معلوم. قال الفراء: جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض. ثم قال: «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» قرأ أبو عمرو في رواية يعقوب: بياء الغيبة على الالتفات والمعنى: أفلا تعقلون ما ترون صُنْعَهُ فَتعْتبرونَ.

المؤمنون 23:77

قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب﴾ قال المفسرون: لما أسلم ثُمامة بن أثال الحنفي، ولحق باليمامة، ومنع المِيرَة عن أهل مكة، ودَعَا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم القحط حتى أكلوا العِلْهِز، جاء أبو سفيان إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: أنشدك الله والرحم، ألَسْتَ تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: «بَلَى» . فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فادعُ الله يكشف عنا هذا القحط، فدعا فكشف عنهم، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى أخذناهم بالجوع فما أطاعوا. وقال الأصم: العذاب هو ما نالهم يوم بدر من القتل والأسر يعني أن ذلك مع شدة ما دعاهم إلى الإيمان. وقيل: المراد من عُذِّبَ من الأمم الخالية. «فَمَا اسْتَكَانُوا» أي: مشركو العرب. قوله: «فَمَا اسْتَكَانُوا» تقدم وزن (استكان) في آل عمران. وجاء الأول ماضياً والثاني مضارعاً، ولم يجيئا ماضيين، ولا مضارعين ولا جاء الأول مضارعاً والثاني ماضياً، لإفادة الماضي وجود الفعل وتحققه، وهو بالاستكانة أليق، بخلاف التضرع فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبال وأما الاستكانة فقد توجد منهم. وقال الزمخشري: فإن قلت: هَلاَّ قيل: وما تَضرّعوا (أو) فما يستكينون. قلت: لأنّ المعنى محنّاهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة، وما مِنْ عادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد. فظاهر هذا أنَّ (حَتَّى) غاية لنفي الاستكانة والتضرّع. ومعنى الاستكانة طلب السكون، أي: ما خضعوا وما ذلوا إلى ربهم، وما تضرعوا بل مضوا على تمرّدهم. قوله: ﴿حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ . قرئ «فَتَّحنَا» بالتشديد. قال ابن عباس ومجاهد: يعني القتل يوم بدر. وقيل: الموت وقيل: قيام الساعة. وقيل: الجوع. ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من كل خير. وقرأ السلمي: «مُبْلَسُون» - بفتح اللام - من أبلسه، أي: أدخله في الإبلاس. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار﴾ الآية. العطف لا يحسن إلاّ مع المجانسة، فأي مناسبة بين قوله: ﴿وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار﴾ وبين ما قبله؟ والجواب: كأنّه تعالى لمّا بيّن مبالغة الكفار في الإعراض عن سماع الأدلة والاعتبار، وتأمّل الحقائق قال للمؤمنين: هو الذي أعطاكم هذه الأشياء ووفّقكم لها تنبيهاً على أنَّ من لم يُعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها، لقوله: ﴿فَمَآ أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: 26] وأفرد السمع والمراد الأسماع ثم قال: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ . قال أبو مسلم: وليس المراد أنَّ لهم شكراً وإن قَلّ، لكنه كما يقال للكفور والجاحد للنعمة: ما أقلّ شكر فلان. ثم قال: ﴿وَهُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض﴾ أي: خلقكم، قال أبو مسلم: ويحتمل بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 3] أي: هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم فيها سواه، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشراً إليه لا بمعنى المكان. ثم قال: ﴿وَهُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة وأنّه سبحانه - وإن أنعم بها، فالمقصود منها الانتقال إلى دار الثواب. ثم قال: ﴿وَلَهُ اختلاف الليل والنهار﴾ أي: تدبير الليل والنهار في الزيادة والنقصان، ووجه النعمة بذلك معلوم. قال الفراء: جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض. ثم قال: «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» قرأ أبو عمرو في رواية يعقوب: بياء الغيبة على الالتفات والمعنى: أفلا تعقلون ما ترون صُنْعَهُ فَتعْتبرونَ.

المؤمنون 23:78

قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب﴾ قال المفسرون: لما أسلم ثُمامة بن أثال الحنفي، ولحق باليمامة، ومنع المِيرَة عن أهل مكة، ودَعَا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم القحط حتى أكلوا العِلْهِز، جاء أبو سفيان إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: أنشدك الله والرحم، ألَسْتَ تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: «بَلَى» . فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فادعُ الله يكشف عنا هذا القحط، فدعا فكشف عنهم، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى أخذناهم بالجوع فما أطاعوا. وقال الأصم: العذاب هو ما نالهم يوم بدر من القتل والأسر يعني أن ذلك مع شدة ما دعاهم إلى الإيمان. وقيل: المراد من عُذِّبَ من الأمم الخالية. «فَمَا اسْتَكَانُوا» أي: مشركو العرب. قوله: «فَمَا اسْتَكَانُوا» تقدم وزن (استكان) في آل عمران. وجاء الأول ماضياً والثاني مضارعاً، ولم يجيئا ماضيين، ولا مضارعين ولا جاء الأول مضارعاً والثاني ماضياً، لإفادة الماضي وجود الفعل وتحققه، وهو بالاستكانة أليق، بخلاف التضرع فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبال وأما الاستكانة فقد توجد منهم. وقال الزمخشري: فإن قلت: هَلاَّ قيل: وما تَضرّعوا (أو) فما يستكينون. قلت: لأنّ المعنى محنّاهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة، وما مِنْ عادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد. فظاهر هذا أنَّ (حَتَّى) غاية لنفي الاستكانة والتضرّع. ومعنى الاستكانة طلب السكون، أي: ما خضعوا وما ذلوا إلى ربهم، وما تضرعوا بل مضوا على تمرّدهم. قوله: ﴿حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ . قرئ «فَتَّحنَا» بالتشديد. قال ابن عباس ومجاهد: يعني القتل يوم بدر. وقيل: الموت وقيل: قيام الساعة. وقيل: الجوع. ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من كل خير. وقرأ السلمي: «مُبْلَسُون» - بفتح اللام - من أبلسه، أي: أدخله في الإبلاس. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار﴾ الآية. العطف لا يحسن إلاّ مع المجانسة، فأي مناسبة بين قوله: ﴿وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار﴾ وبين ما قبله؟ والجواب: كأنّه تعالى لمّا بيّن مبالغة الكفار في الإعراض عن سماع الأدلة والاعتبار، وتأمّل الحقائق قال للمؤمنين: هو الذي أعطاكم هذه الأشياء ووفّقكم لها تنبيهاً على أنَّ من لم يُعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها، لقوله: ﴿فَمَآ أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: 26] وأفرد السمع والمراد الأسماع ثم قال: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ . قال أبو مسلم: وليس المراد أنَّ لهم شكراً وإن قَلّ، لكنه كما يقال للكفور والجاحد للنعمة: ما أقلّ شكر فلان. ثم قال: ﴿وَهُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض﴾ أي: خلقكم، قال أبو مسلم: ويحتمل بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 3] أي: هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم فيها سواه، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشراً إليه لا بمعنى المكان. ثم قال: ﴿وَهُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة وأنّه سبحانه - وإن أنعم بها، فالمقصود منها الانتقال إلى دار الثواب. ثم قال: ﴿وَلَهُ اختلاف الليل والنهار﴾ أي: تدبير الليل والنهار في الزيادة والنقصان، ووجه النعمة بذلك معلوم. قال الفراء: جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض. ثم قال: «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» قرأ أبو عمرو في رواية يعقوب: بياء الغيبة على الالتفات والمعنى: أفلا تعقلون ما ترون صُنْعَهُ فَتعْتبرونَ.

المؤمنون 23:79

قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب﴾ قال المفسرون: لما أسلم ثُمامة بن أثال الحنفي، ولحق باليمامة، ومنع المِيرَة عن أهل مكة، ودَعَا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم القحط حتى أكلوا العِلْهِز، جاء أبو سفيان إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: أنشدك الله والرحم، ألَسْتَ تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: «بَلَى» . فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فادعُ الله يكشف عنا هذا القحط، فدعا فكشف عنهم، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى أخذناهم بالجوع فما أطاعوا. وقال الأصم: العذاب هو ما نالهم يوم بدر من القتل والأسر يعني أن ذلك مع شدة ما دعاهم إلى الإيمان. وقيل: المراد من عُذِّبَ من الأمم الخالية. «فَمَا اسْتَكَانُوا» أي: مشركو العرب. قوله: «فَمَا اسْتَكَانُوا» تقدم وزن (استكان) في آل عمران. وجاء الأول ماضياً والثاني مضارعاً، ولم يجيئا ماضيين، ولا مضارعين ولا جاء الأول مضارعاً والثاني ماضياً، لإفادة الماضي وجود الفعل وتحققه، وهو بالاستكانة أليق، بخلاف التضرع فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبال وأما الاستكانة فقد توجد منهم. وقال الزمخشري: فإن قلت: هَلاَّ قيل: وما تَضرّعوا (أو) فما يستكينون. قلت: لأنّ المعنى محنّاهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة، وما مِنْ عادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد. فظاهر هذا أنَّ (حَتَّى) غاية لنفي الاستكانة والتضرّع. ومعنى الاستكانة طلب السكون، أي: ما خضعوا وما ذلوا إلى ربهم، وما تضرعوا بل مضوا على تمرّدهم. قوله: ﴿حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ . قرئ «فَتَّحنَا» بالتشديد. قال ابن عباس ومجاهد: يعني القتل يوم بدر. وقيل: الموت وقيل: قيام الساعة. وقيل: الجوع. ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من كل خير. وقرأ السلمي: «مُبْلَسُون» - بفتح اللام - من أبلسه، أي: أدخله في الإبلاس. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار﴾ الآية. العطف لا يحسن إلاّ مع المجانسة، فأي مناسبة بين قوله: ﴿وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار﴾ وبين ما قبله؟ والجواب: كأنّه تعالى لمّا بيّن مبالغة الكفار في الإعراض عن سماع الأدلة والاعتبار، وتأمّل الحقائق قال للمؤمنين: هو الذي أعطاكم هذه الأشياء ووفّقكم لها تنبيهاً على أنَّ من لم يُعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها، لقوله: ﴿فَمَآ أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: 26] وأفرد السمع والمراد الأسماع ثم قال: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ . قال أبو مسلم: وليس المراد أنَّ لهم شكراً وإن قَلّ، لكنه كما يقال للكفور والجاحد للنعمة: ما أقلّ شكر فلان. ثم قال: ﴿وَهُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض﴾ أي: خلقكم، قال أبو مسلم: ويحتمل بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 3] أي: هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم فيها سواه، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشراً إليه لا بمعنى المكان. ثم قال: ﴿وَهُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة وأنّه سبحانه - وإن أنعم بها، فالمقصود منها الانتقال إلى دار الثواب. ثم قال: ﴿وَلَهُ اختلاف الليل والنهار﴾ أي: تدبير الليل والنهار في الزيادة والنقصان، ووجه النعمة بذلك معلوم. قال الفراء: جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض. ثم قال: «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» قرأ أبو عمرو في رواية يعقوب: بياء الغيبة على الالتفات والمعنى: أفلا تعقلون ما ترون صُنْعَهُ فَتعْتبرونَ.

المؤمنون 23:80

قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بالعذاب﴾ قال المفسرون: لما أسلم ثُمامة بن أثال الحنفي، ولحق باليمامة، ومنع المِيرَة عن أهل مكة، ودَعَا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم القحط حتى أكلوا العِلْهِز، جاء أبو سفيان إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: أنشدك الله والرحم، ألَسْتَ تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: «بَلَى» . فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فادعُ الله يكشف عنا هذا القحط، فدعا فكشف عنهم، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى أخذناهم بالجوع فما أطاعوا. وقال الأصم: العذاب هو ما نالهم يوم بدر من القتل والأسر يعني أن ذلك مع شدة ما دعاهم إلى الإيمان. وقيل: المراد من عُذِّبَ من الأمم الخالية. «فَمَا اسْتَكَانُوا» أي: مشركو العرب. قوله: «فَمَا اسْتَكَانُوا» تقدم وزن (استكان) في آل عمران. وجاء الأول ماضياً والثاني مضارعاً، ولم يجيئا ماضيين، ولا مضارعين ولا جاء الأول مضارعاً والثاني ماضياً، لإفادة الماضي وجود الفعل وتحققه، وهو بالاستكانة أليق، بخلاف التضرع فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في الاستقبال وأما الاستكانة فقد توجد منهم. وقال الزمخشري: فإن قلت: هَلاَّ قيل: وما تَضرّعوا (أو) فما يستكينون. قلت: لأنّ المعنى محنّاهم فما وجدت منهم عقيب المحنة استكانة، وما مِنْ عادة هؤلاء أن يستكينوا ويتضرعوا حتى يفتح عليهم باب العذاب الشديد. فظاهر هذا أنَّ (حَتَّى) غاية لنفي الاستكانة والتضرّع. ومعنى الاستكانة طلب السكون، أي: ما خضعوا وما ذلوا إلى ربهم، وما تضرعوا بل مضوا على تمرّدهم. قوله: ﴿حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ . قرئ «فَتَّحنَا» بالتشديد. قال ابن عباس ومجاهد: يعني القتل يوم بدر. وقيل: الموت وقيل: قيام الساعة. وقيل: الجوع. ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من كل خير. وقرأ السلمي: «مُبْلَسُون» - بفتح اللام - من أبلسه، أي: أدخله في الإبلاس. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار﴾ الآية. العطف لا يحسن إلاّ مع المجانسة، فأي مناسبة بين قوله: ﴿وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار﴾ وبين ما قبله؟ والجواب: كأنّه تعالى لمّا بيّن مبالغة الكفار في الإعراض عن سماع الأدلة والاعتبار، وتأمّل الحقائق قال للمؤمنين: هو الذي أعطاكم هذه الأشياء ووفّقكم لها تنبيهاً على أنَّ من لم يُعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها، لقوله: ﴿فَمَآ أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: 26] وأفرد السمع والمراد الأسماع ثم قال: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ . قال أبو مسلم: وليس المراد أنَّ لهم شكراً وإن قَلّ، لكنه كما يقال للكفور والجاحد للنعمة: ما أقلّ شكر فلان. ثم قال: ﴿وَهُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض﴾ أي: خلقكم، قال أبو مسلم: ويحتمل بسطكم فيها ذرية بعضكم من بعض حتى كثرتم كقوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 3] أي: هو الذي جعلكم في الأرض متناسلين، ويحشركم يوم القيامة إلى دار لا حاكم فيها سواه، فجعل حشرهم إلى ذلك الموضع حشراً إليه لا بمعنى المكان. ثم قال: ﴿وَهُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: نعمة الحياة وإن كانت من أعظم النعم فهي منقطعة وأنّه سبحانه - وإن أنعم بها، فالمقصود منها الانتقال إلى دار الثواب. ثم قال: ﴿وَلَهُ اختلاف الليل والنهار﴾ أي: تدبير الليل والنهار في الزيادة والنقصان، ووجه النعمة بذلك معلوم. قال الفراء: جعلهما مختلفين يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض. ثم قال: «أَفَلاَ تَعْقِلُونَ» قرأ أبو عمرو في رواية يعقوب: بياء الغيبة على الالتفات والمعنى: أفلا تعقلون ما ترون صُنْعَهُ فَتعْتبرونَ.

المؤمنون 23:81

قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الأولون﴾ أي: كذبوا كما كذب الأولون ﴿قالوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ لمحشورون، قالوا ذلك منكرين متعجبين. واعلم أنه - سبحانه - لما أوضح دلائل التوحيد عقّبه بذكر المعاد، فذكر إنكارهم البعث مع وضوح أدلته، وذكر أن إنكارهم ذلك تقليد للأولين، وذلك يدل على فساد القول بالتقليد ثم حكى قولهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هذا مِن قَبْلُ﴾ كأنهم قالوا إنّ هذا الوعد كما وقع منه - عليه السلام - فقد وقع قديماً من سائر الأنبياء ثم لم يوجد مع طول العهد، وظنُّوا أنّ الإعادة تكون في الدنيا، ثم قالوا: لمّا لم يكن ذلك فهو من أساطير الأولين. والأساطير جمع أسْطار، وهي جمع سَطْر، أي: ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له، أو جمع أُسْطُورَة.

المؤمنون 23:82

قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الأولون﴾ أي: كذبوا كما كذب الأولون ﴿قالوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ لمحشورون، قالوا ذلك منكرين متعجبين. واعلم أنه - سبحانه - لما أوضح دلائل التوحيد عقّبه بذكر المعاد، فذكر إنكارهم البعث مع وضوح أدلته، وذكر أن إنكارهم ذلك تقليد للأولين، وذلك يدل على فساد القول بالتقليد ثم حكى قولهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هذا مِن قَبْلُ﴾ كأنهم قالوا إنّ هذا الوعد كما وقع منه - عليه السلام - فقد وقع قديماً من سائر الأنبياء ثم لم يوجد مع طول العهد، وظنُّوا أنّ الإعادة تكون في الدنيا، ثم قالوا: لمّا لم يكن ذلك فهو من أساطير الأولين. والأساطير جمع أسْطار، وهي جمع سَطْر، أي: ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له، أو جمع أُسْطُورَة.

المؤمنون 23:83

قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ الأولون﴾ أي: كذبوا كما كذب الأولون ﴿قالوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ لمحشورون، قالوا ذلك منكرين متعجبين. واعلم أنه - سبحانه - لما أوضح دلائل التوحيد عقّبه بذكر المعاد، فذكر إنكارهم البعث مع وضوح أدلته، وذكر أن إنكارهم ذلك تقليد للأولين، وذلك يدل على فساد القول بالتقليد ثم حكى قولهم: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هذا مِن قَبْلُ﴾ كأنهم قالوا إنّ هذا الوعد كما وقع منه - عليه السلام - فقد وقع قديماً من سائر الأنبياء ثم لم يوجد مع طول العهد، وظنُّوا أنّ الإعادة تكون في الدنيا، ثم قالوا: لمّا لم يكن ذلك فهو من أساطير الأولين. والأساطير جمع أسْطار، وهي جمع سَطْر، أي: ما كتبه الأولون مما لا حقيقة له، أو جمع أُسْطُورَة.

المؤمنون 23:84

قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ الآية. اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود من هذه الآيات الرد على منكري الإعادة، وأن يكون المقصود الرد على عبدة الأوثان، لأنّ القوم كانوا مُقرين بالله، وقالوا: نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله زلفى، فقال تعالى: قل يا محمد مُجيباً لَهُم يعني يا أهل مكة ﴿لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ من الخلق ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خالقها ومالكها «سَيَقُولُونَ لِلَّهِ» فَلا بُدّ لهم من ذلك، لأنهم يقرون أنها مخلوقة، فقل لهم إذا أقَرُّوا بذلك: «أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ» فتعلمون أنّ من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت. وفي قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سؤال يأتي في قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ووجه الاستدلال به على نفي عبادة الأوثان من حيث أن عبادة من خلقهم، وخلق الأرض وكل من فيها هي الواجبة دون عبادة ما لا يضر ولا ينفع. وقوله: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ معناه الترغيب في التدبّر ليعلموا بطلان ما هم عليه. قوله: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ووجه الاستدلال بها على الأمرين كما تقدّم. وإنما قال: «أَفَلاَ تَتَقُّونَ» أي: تحذرون، تنبيهاً على أنَّ اتقاء عذاب الله لا يحصل إلاَّ بترك عبادة الأوثان، والاعتراف بجواز الإعادة. قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ قرأ أبو عمرو «سَيُقُولونَ اللَّهُ» في الأخيرتين من غير لام جر، ورفع الجلالة جواباً على اللفظ لقوله «مَنْ» قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ﴾ ، لأنّ المسؤول به مرفوع المحل وهو «مَنْ» فجاء جوابه مرفوعاً مطابقاً له لفظاً، وكذلك رُسِم الموضعان في مصاحف البصرة بالألف. والباقون: «لِلَّهِ» في الموضعين باللام وهو جواب على المعنى؛ لأنه لا فرق بين قوله: ﴿مَن رَّبُّ السماوات﴾ وبين قوله: لِمَن السَّمَوات، ولا بين قوله: «مَنْ بِيَدِهِ» ولا لمن له الإحسان، وهذا كقولك: مَنْ رَبّ هذه الدار؟ فيقال: زيدٌ، وإن شئت لزيدٍ، لأنّ قولك: من ربُّه؟ ولمن هو؟ في معنى واحد، لأنّ السؤال لا فرق فيه بين أن يقال: لمن هذه الدار؟ ومن ربُّها؟ واللام مرسومة في مصاحفهم فوافق كل مصحفه. ولم يختلف في الأول أنه «لِلَّهِ» ، لأنه مرسوم باللام وجاء الجواب باللام كما في السؤال ولو حذفت من الجواب لجاز، لأنه لا فرق بين: «لِمَنِ الأَرْضُ» ومَنْ رَبّ الأرض، إلا أنه لم يقرأ به أحد. قوله: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (لمّا ذكر الأرض أولاً والسماء ثانياً، عمَّم الحكم هاهنا بقوله: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ) ويدخل في الملكوت المِلْك والمُلْك والتاء فيه على سبيل المبالغة. «وَهُوَ يُجِيرُ» أي: يؤمن من يشاء، ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي: لا يؤمن من أخافه الله، يقال: أجرت فلاناً على فلان إذا منعته منه. قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فيه سؤال: وهو كيف قال: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثم حكى عنهم «سَيَقُولُونَ اللَّهُ» وفيه تناقض؟ والجواب: لا تناقض، لأنّ قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا ينفي علمهم بذلك وقد يُقال مثل ذلك في الحِجَاج على وجه التأكيد لعلمهم والبعث على اعترافهم بما يورد من ذلك. وقوله: ﴿فأنى تُسْحَرُونَ﴾ أي: تصرفون عن توحيده وطاعته، والمعنى كيف يحتمل لكم الحق باطلاً. ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بالحق﴾ بالصدق، «وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» فيما يدعون من الشرك والولد، وقرئ هنا ببعض ما قرئ به في نظيره. فقرأ ابن إسحاق: «أَتَيْتُهُمْ» بتاء الخطاب، وغيره بتاء المتكلم.

المؤمنون 23:85

قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ الآية. اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود من هذه الآيات الرد على منكري الإعادة، وأن يكون المقصود الرد على عبدة الأوثان، لأنّ القوم كانوا مُقرين بالله، وقالوا: نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله زلفى، فقال تعالى: قل يا محمد مُجيباً لَهُم يعني يا أهل مكة ﴿لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ من الخلق ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خالقها ومالكها «سَيَقُولُونَ لِلَّهِ» فَلا بُدّ لهم من ذلك، لأنهم يقرون أنها مخلوقة، فقل لهم إذا أقَرُّوا بذلك: «أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ» فتعلمون أنّ من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت. وفي قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سؤال يأتي في قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ووجه الاستدلال به على نفي عبادة الأوثان من حيث أن عبادة من خلقهم، وخلق الأرض وكل من فيها هي الواجبة دون عبادة ما لا يضر ولا ينفع. وقوله: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ معناه الترغيب في التدبّر ليعلموا بطلان ما هم عليه. قوله: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ووجه الاستدلال بها على الأمرين كما تقدّم. وإنما قال: «أَفَلاَ تَتَقُّونَ» أي: تحذرون، تنبيهاً على أنَّ اتقاء عذاب الله لا يحصل إلاَّ بترك عبادة الأوثان، والاعتراف بجواز الإعادة. قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ قرأ أبو عمرو «سَيُقُولونَ اللَّهُ» في الأخيرتين من غير لام جر، ورفع الجلالة جواباً على اللفظ لقوله «مَنْ» قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ﴾ ، لأنّ المسؤول به مرفوع المحل وهو «مَنْ» فجاء جوابه مرفوعاً مطابقاً له لفظاً، وكذلك رُسِم الموضعان في مصاحف البصرة بالألف. والباقون: «لِلَّهِ» في الموضعين باللام وهو جواب على المعنى؛ لأنه لا فرق بين قوله: ﴿مَن رَّبُّ السماوات﴾ وبين قوله: لِمَن السَّمَوات، ولا بين قوله: «مَنْ بِيَدِهِ» ولا لمن له الإحسان، وهذا كقولك: مَنْ رَبّ هذه الدار؟ فيقال: زيدٌ، وإن شئت لزيدٍ، لأنّ قولك: من ربُّه؟ ولمن هو؟ في معنى واحد، لأنّ السؤال لا فرق فيه بين أن يقال: لمن هذه الدار؟ ومن ربُّها؟ واللام مرسومة في مصاحفهم فوافق كل مصحفه. ولم يختلف في الأول أنه «لِلَّهِ» ، لأنه مرسوم باللام وجاء الجواب باللام كما في السؤال ولو حذفت من الجواب لجاز، لأنه لا فرق بين: «لِمَنِ الأَرْضُ» ومَنْ رَبّ الأرض، إلا أنه لم يقرأ به أحد. قوله: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (لمّا ذكر الأرض أولاً والسماء ثانياً، عمَّم الحكم هاهنا بقوله: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ) ويدخل في الملكوت المِلْك والمُلْك والتاء فيه على سبيل المبالغة. «وَهُوَ يُجِيرُ» أي: يؤمن من يشاء، ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي: لا يؤمن من أخافه الله، يقال: أجرت فلاناً على فلان إذا منعته منه. قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فيه سؤال: وهو كيف قال: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثم حكى عنهم «سَيَقُولُونَ اللَّهُ» وفيه تناقض؟ والجواب: لا تناقض، لأنّ قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا ينفي علمهم بذلك وقد يُقال مثل ذلك في الحِجَاج على وجه التأكيد لعلمهم والبعث على اعترافهم بما يورد من ذلك. وقوله: ﴿فأنى تُسْحَرُونَ﴾ أي: تصرفون عن توحيده وطاعته، والمعنى كيف يحتمل لكم الحق باطلاً. ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بالحق﴾ بالصدق، «وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» فيما يدعون من الشرك والولد، وقرئ هنا ببعض ما قرئ به في نظيره. فقرأ ابن إسحاق: «أَتَيْتُهُمْ» بتاء الخطاب، وغيره بتاء المتكلم.

المؤمنون 23:86

قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ الآية. اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود من هذه الآيات الرد على منكري الإعادة، وأن يكون المقصود الرد على عبدة الأوثان، لأنّ القوم كانوا مُقرين بالله، وقالوا: نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله زلفى، فقال تعالى: قل يا محمد مُجيباً لَهُم يعني يا أهل مكة ﴿لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ من الخلق ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خالقها ومالكها «سَيَقُولُونَ لِلَّهِ» فَلا بُدّ لهم من ذلك، لأنهم يقرون أنها مخلوقة، فقل لهم إذا أقَرُّوا بذلك: «أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ» فتعلمون أنّ من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت. وفي قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سؤال يأتي في قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ووجه الاستدلال به على نفي عبادة الأوثان من حيث أن عبادة من خلقهم، وخلق الأرض وكل من فيها هي الواجبة دون عبادة ما لا يضر ولا ينفع. وقوله: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ معناه الترغيب في التدبّر ليعلموا بطلان ما هم عليه. قوله: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ووجه الاستدلال بها على الأمرين كما تقدّم. وإنما قال: «أَفَلاَ تَتَقُّونَ» أي: تحذرون، تنبيهاً على أنَّ اتقاء عذاب الله لا يحصل إلاَّ بترك عبادة الأوثان، والاعتراف بجواز الإعادة. قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ قرأ أبو عمرو «سَيُقُولونَ اللَّهُ» في الأخيرتين من غير لام جر، ورفع الجلالة جواباً على اللفظ لقوله «مَنْ» قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ﴾ ، لأنّ المسؤول به مرفوع المحل وهو «مَنْ» فجاء جوابه مرفوعاً مطابقاً له لفظاً، وكذلك رُسِم الموضعان في مصاحف البصرة بالألف. والباقون: «لِلَّهِ» في الموضعين باللام وهو جواب على المعنى؛ لأنه لا فرق بين قوله: ﴿مَن رَّبُّ السماوات﴾ وبين قوله: لِمَن السَّمَوات، ولا بين قوله: «مَنْ بِيَدِهِ» ولا لمن له الإحسان، وهذا كقولك: مَنْ رَبّ هذه الدار؟ فيقال: زيدٌ، وإن شئت لزيدٍ، لأنّ قولك: من ربُّه؟ ولمن هو؟ في معنى واحد، لأنّ السؤال لا فرق فيه بين أن يقال: لمن هذه الدار؟ ومن ربُّها؟ واللام مرسومة في مصاحفهم فوافق كل مصحفه. ولم يختلف في الأول أنه «لِلَّهِ» ، لأنه مرسوم باللام وجاء الجواب باللام كما في السؤال ولو حذفت من الجواب لجاز، لأنه لا فرق بين: «لِمَنِ الأَرْضُ» ومَنْ رَبّ الأرض، إلا أنه لم يقرأ به أحد. قوله: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (لمّا ذكر الأرض أولاً والسماء ثانياً، عمَّم الحكم هاهنا بقوله: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ) ويدخل في الملكوت المِلْك والمُلْك والتاء فيه على سبيل المبالغة. «وَهُوَ يُجِيرُ» أي: يؤمن من يشاء، ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي: لا يؤمن من أخافه الله، يقال: أجرت فلاناً على فلان إذا منعته منه. قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فيه سؤال: وهو كيف قال: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثم حكى عنهم «سَيَقُولُونَ اللَّهُ» وفيه تناقض؟ والجواب: لا تناقض، لأنّ قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا ينفي علمهم بذلك وقد يُقال مثل ذلك في الحِجَاج على وجه التأكيد لعلمهم والبعث على اعترافهم بما يورد من ذلك. وقوله: ﴿فأنى تُسْحَرُونَ﴾ أي: تصرفون عن توحيده وطاعته، والمعنى كيف يحتمل لكم الحق باطلاً. ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بالحق﴾ بالصدق، «وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» فيما يدعون من الشرك والولد، وقرئ هنا ببعض ما قرئ به في نظيره. فقرأ ابن إسحاق: «أَتَيْتُهُمْ» بتاء الخطاب، وغيره بتاء المتكلم.

المؤمنون 23:87

قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ الآية. اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود من هذه الآيات الرد على منكري الإعادة، وأن يكون المقصود الرد على عبدة الأوثان، لأنّ القوم كانوا مُقرين بالله، وقالوا: نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله زلفى، فقال تعالى: قل يا محمد مُجيباً لَهُم يعني يا أهل مكة ﴿لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ من الخلق ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خالقها ومالكها «سَيَقُولُونَ لِلَّهِ» فَلا بُدّ لهم من ذلك، لأنهم يقرون أنها مخلوقة، فقل لهم إذا أقَرُّوا بذلك: «أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ» فتعلمون أنّ من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت. وفي قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سؤال يأتي في قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ووجه الاستدلال به على نفي عبادة الأوثان من حيث أن عبادة من خلقهم، وخلق الأرض وكل من فيها هي الواجبة دون عبادة ما لا يضر ولا ينفع. وقوله: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ معناه الترغيب في التدبّر ليعلموا بطلان ما هم عليه. قوله: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ووجه الاستدلال بها على الأمرين كما تقدّم. وإنما قال: «أَفَلاَ تَتَقُّونَ» أي: تحذرون، تنبيهاً على أنَّ اتقاء عذاب الله لا يحصل إلاَّ بترك عبادة الأوثان، والاعتراف بجواز الإعادة. قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ قرأ أبو عمرو «سَيُقُولونَ اللَّهُ» في الأخيرتين من غير لام جر، ورفع الجلالة جواباً على اللفظ لقوله «مَنْ» قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ﴾ ، لأنّ المسؤول به مرفوع المحل وهو «مَنْ» فجاء جوابه مرفوعاً مطابقاً له لفظاً، وكذلك رُسِم الموضعان في مصاحف البصرة بالألف. والباقون: «لِلَّهِ» في الموضعين باللام وهو جواب على المعنى؛ لأنه لا فرق بين قوله: ﴿مَن رَّبُّ السماوات﴾ وبين قوله: لِمَن السَّمَوات، ولا بين قوله: «مَنْ بِيَدِهِ» ولا لمن له الإحسان، وهذا كقولك: مَنْ رَبّ هذه الدار؟ فيقال: زيدٌ، وإن شئت لزيدٍ، لأنّ قولك: من ربُّه؟ ولمن هو؟ في معنى واحد، لأنّ السؤال لا فرق فيه بين أن يقال: لمن هذه الدار؟ ومن ربُّها؟ واللام مرسومة في مصاحفهم فوافق كل مصحفه. ولم يختلف في الأول أنه «لِلَّهِ» ، لأنه مرسوم باللام وجاء الجواب باللام كما في السؤال ولو حذفت من الجواب لجاز، لأنه لا فرق بين: «لِمَنِ الأَرْضُ» ومَنْ رَبّ الأرض، إلا أنه لم يقرأ به أحد. قوله: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (لمّا ذكر الأرض أولاً والسماء ثانياً، عمَّم الحكم هاهنا بقوله: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ) ويدخل في الملكوت المِلْك والمُلْك والتاء فيه على سبيل المبالغة. «وَهُوَ يُجِيرُ» أي: يؤمن من يشاء، ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي: لا يؤمن من أخافه الله، يقال: أجرت فلاناً على فلان إذا منعته منه. قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فيه سؤال: وهو كيف قال: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثم حكى عنهم «سَيَقُولُونَ اللَّهُ» وفيه تناقض؟ والجواب: لا تناقض، لأنّ قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا ينفي علمهم بذلك وقد يُقال مثل ذلك في الحِجَاج على وجه التأكيد لعلمهم والبعث على اعترافهم بما يورد من ذلك. وقوله: ﴿فأنى تُسْحَرُونَ﴾ أي: تصرفون عن توحيده وطاعته، والمعنى كيف يحتمل لكم الحق باطلاً. ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بالحق﴾ بالصدق، «وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» فيما يدعون من الشرك والولد، وقرئ هنا ببعض ما قرئ به في نظيره. فقرأ ابن إسحاق: «أَتَيْتُهُمْ» بتاء الخطاب، وغيره بتاء المتكلم.

المؤمنون 23:88

قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ الآية. اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود من هذه الآيات الرد على منكري الإعادة، وأن يكون المقصود الرد على عبدة الأوثان، لأنّ القوم كانوا مُقرين بالله، وقالوا: نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله زلفى، فقال تعالى: قل يا محمد مُجيباً لَهُم يعني يا أهل مكة ﴿لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ من الخلق ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خالقها ومالكها «سَيَقُولُونَ لِلَّهِ» فَلا بُدّ لهم من ذلك، لأنهم يقرون أنها مخلوقة، فقل لهم إذا أقَرُّوا بذلك: «أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ» فتعلمون أنّ من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت. وفي قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سؤال يأتي في قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ووجه الاستدلال به على نفي عبادة الأوثان من حيث أن عبادة من خلقهم، وخلق الأرض وكل من فيها هي الواجبة دون عبادة ما لا يضر ولا ينفع. وقوله: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ معناه الترغيب في التدبّر ليعلموا بطلان ما هم عليه. قوله: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ووجه الاستدلال بها على الأمرين كما تقدّم. وإنما قال: «أَفَلاَ تَتَقُّونَ» أي: تحذرون، تنبيهاً على أنَّ اتقاء عذاب الله لا يحصل إلاَّ بترك عبادة الأوثان، والاعتراف بجواز الإعادة. قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ قرأ أبو عمرو «سَيُقُولونَ اللَّهُ» في الأخيرتين من غير لام جر، ورفع الجلالة جواباً على اللفظ لقوله «مَنْ» قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ﴾ ، لأنّ المسؤول به مرفوع المحل وهو «مَنْ» فجاء جوابه مرفوعاً مطابقاً له لفظاً، وكذلك رُسِم الموضعان في مصاحف البصرة بالألف. والباقون: «لِلَّهِ» في الموضعين باللام وهو جواب على المعنى؛ لأنه لا فرق بين قوله: ﴿مَن رَّبُّ السماوات﴾ وبين قوله: لِمَن السَّمَوات، ولا بين قوله: «مَنْ بِيَدِهِ» ولا لمن له الإحسان، وهذا كقولك: مَنْ رَبّ هذه الدار؟ فيقال: زيدٌ، وإن شئت لزيدٍ، لأنّ قولك: من ربُّه؟ ولمن هو؟ في معنى واحد، لأنّ السؤال لا فرق فيه بين أن يقال: لمن هذه الدار؟ ومن ربُّها؟ واللام مرسومة في مصاحفهم فوافق كل مصحفه. ولم يختلف في الأول أنه «لِلَّهِ» ، لأنه مرسوم باللام وجاء الجواب باللام كما في السؤال ولو حذفت من الجواب لجاز، لأنه لا فرق بين: «لِمَنِ الأَرْضُ» ومَنْ رَبّ الأرض، إلا أنه لم يقرأ به أحد. قوله: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (لمّا ذكر الأرض أولاً والسماء ثانياً، عمَّم الحكم هاهنا بقوله: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ) ويدخل في الملكوت المِلْك والمُلْك والتاء فيه على سبيل المبالغة. «وَهُوَ يُجِيرُ» أي: يؤمن من يشاء، ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي: لا يؤمن من أخافه الله، يقال: أجرت فلاناً على فلان إذا منعته منه. قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فيه سؤال: وهو كيف قال: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثم حكى عنهم «سَيَقُولُونَ اللَّهُ» وفيه تناقض؟ والجواب: لا تناقض، لأنّ قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا ينفي علمهم بذلك وقد يُقال مثل ذلك في الحِجَاج على وجه التأكيد لعلمهم والبعث على اعترافهم بما يورد من ذلك. وقوله: ﴿فأنى تُسْحَرُونَ﴾ أي: تصرفون عن توحيده وطاعته، والمعنى كيف يحتمل لكم الحق باطلاً. ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بالحق﴾ بالصدق، «وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» فيما يدعون من الشرك والولد، وقرئ هنا ببعض ما قرئ به في نظيره. فقرأ ابن إسحاق: «أَتَيْتُهُمْ» بتاء الخطاب، وغيره بتاء المتكلم.

المؤمنون 23:89

قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ الآية. اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود من هذه الآيات الرد على منكري الإعادة، وأن يكون المقصود الرد على عبدة الأوثان، لأنّ القوم كانوا مُقرين بالله، وقالوا: نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله زلفى، فقال تعالى: قل يا محمد مُجيباً لَهُم يعني يا أهل مكة ﴿لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ من الخلق ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خالقها ومالكها «سَيَقُولُونَ لِلَّهِ» فَلا بُدّ لهم من ذلك، لأنهم يقرون أنها مخلوقة، فقل لهم إذا أقَرُّوا بذلك: «أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ» فتعلمون أنّ من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت. وفي قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سؤال يأتي في قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ووجه الاستدلال به على نفي عبادة الأوثان من حيث أن عبادة من خلقهم، وخلق الأرض وكل من فيها هي الواجبة دون عبادة ما لا يضر ولا ينفع. وقوله: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ معناه الترغيب في التدبّر ليعلموا بطلان ما هم عليه. قوله: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ووجه الاستدلال بها على الأمرين كما تقدّم. وإنما قال: «أَفَلاَ تَتَقُّونَ» أي: تحذرون، تنبيهاً على أنَّ اتقاء عذاب الله لا يحصل إلاَّ بترك عبادة الأوثان، والاعتراف بجواز الإعادة. قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ قرأ أبو عمرو «سَيُقُولونَ اللَّهُ» في الأخيرتين من غير لام جر، ورفع الجلالة جواباً على اللفظ لقوله «مَنْ» قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ﴾ ، لأنّ المسؤول به مرفوع المحل وهو «مَنْ» فجاء جوابه مرفوعاً مطابقاً له لفظاً، وكذلك رُسِم الموضعان في مصاحف البصرة بالألف. والباقون: «لِلَّهِ» في الموضعين باللام وهو جواب على المعنى؛ لأنه لا فرق بين قوله: ﴿مَن رَّبُّ السماوات﴾ وبين قوله: لِمَن السَّمَوات، ولا بين قوله: «مَنْ بِيَدِهِ» ولا لمن له الإحسان، وهذا كقولك: مَنْ رَبّ هذه الدار؟ فيقال: زيدٌ، وإن شئت لزيدٍ، لأنّ قولك: من ربُّه؟ ولمن هو؟ في معنى واحد، لأنّ السؤال لا فرق فيه بين أن يقال: لمن هذه الدار؟ ومن ربُّها؟ واللام مرسومة في مصاحفهم فوافق كل مصحفه. ولم يختلف في الأول أنه «لِلَّهِ» ، لأنه مرسوم باللام وجاء الجواب باللام كما في السؤال ولو حذفت من الجواب لجاز، لأنه لا فرق بين: «لِمَنِ الأَرْضُ» ومَنْ رَبّ الأرض، إلا أنه لم يقرأ به أحد. قوله: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (لمّا ذكر الأرض أولاً والسماء ثانياً، عمَّم الحكم هاهنا بقوله: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ) ويدخل في الملكوت المِلْك والمُلْك والتاء فيه على سبيل المبالغة. «وَهُوَ يُجِيرُ» أي: يؤمن من يشاء، ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي: لا يؤمن من أخافه الله، يقال: أجرت فلاناً على فلان إذا منعته منه. قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فيه سؤال: وهو كيف قال: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثم حكى عنهم «سَيَقُولُونَ اللَّهُ» وفيه تناقض؟ والجواب: لا تناقض، لأنّ قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا ينفي علمهم بذلك وقد يُقال مثل ذلك في الحِجَاج على وجه التأكيد لعلمهم والبعث على اعترافهم بما يورد من ذلك. وقوله: ﴿فأنى تُسْحَرُونَ﴾ أي: تصرفون عن توحيده وطاعته، والمعنى كيف يحتمل لكم الحق باطلاً. ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بالحق﴾ بالصدق، «وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» فيما يدعون من الشرك والولد، وقرئ هنا ببعض ما قرئ به في نظيره. فقرأ ابن إسحاق: «أَتَيْتُهُمْ» بتاء الخطاب، وغيره بتاء المتكلم.

المؤمنون 23:90

قوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ الآية. اعلم أنه يمكن أن يكون المقصود من هذه الآيات الرد على منكري الإعادة، وأن يكون المقصود الرد على عبدة الأوثان، لأنّ القوم كانوا مُقرين بالله، وقالوا: نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله زلفى، فقال تعالى: قل يا محمد مُجيباً لَهُم يعني يا أهل مكة ﴿لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ من الخلق ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خالقها ومالكها «سَيَقُولُونَ لِلَّهِ» فَلا بُدّ لهم من ذلك، لأنهم يقرون أنها مخلوقة، فقل لهم إذا أقَرُّوا بذلك: «أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ» فتعلمون أنّ من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت. وفي قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سؤال يأتي في قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ووجه الاستدلال به على نفي عبادة الأوثان من حيث أن عبادة من خلقهم، وخلق الأرض وكل من فيها هي الواجبة دون عبادة ما لا يضر ولا ينفع. وقوله: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ معناه الترغيب في التدبّر ليعلموا بطلان ما هم عليه. قوله: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السماوات السبع وَرَبُّ العرش العظيم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ووجه الاستدلال بها على الأمرين كما تقدّم. وإنما قال: «أَفَلاَ تَتَقُّونَ» أي: تحذرون، تنبيهاً على أنَّ اتقاء عذاب الله لا يحصل إلاَّ بترك عبادة الأوثان، والاعتراف بجواز الإعادة. قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ قرأ أبو عمرو «سَيُقُولونَ اللَّهُ» في الأخيرتين من غير لام جر، ورفع الجلالة جواباً على اللفظ لقوله «مَنْ» قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ﴾ ، لأنّ المسؤول به مرفوع المحل وهو «مَنْ» فجاء جوابه مرفوعاً مطابقاً له لفظاً، وكذلك رُسِم الموضعان في مصاحف البصرة بالألف. والباقون: «لِلَّهِ» في الموضعين باللام وهو جواب على المعنى؛ لأنه لا فرق بين قوله: ﴿مَن رَّبُّ السماوات﴾ وبين قوله: لِمَن السَّمَوات، ولا بين قوله: «مَنْ بِيَدِهِ» ولا لمن له الإحسان، وهذا كقولك: مَنْ رَبّ هذه الدار؟ فيقال: زيدٌ، وإن شئت لزيدٍ، لأنّ قولك: من ربُّه؟ ولمن هو؟ في معنى واحد، لأنّ السؤال لا فرق فيه بين أن يقال: لمن هذه الدار؟ ومن ربُّها؟ واللام مرسومة في مصاحفهم فوافق كل مصحفه. ولم يختلف في الأول أنه «لِلَّهِ» ، لأنه مرسوم باللام وجاء الجواب باللام كما في السؤال ولو حذفت من الجواب لجاز، لأنه لا فرق بين: «لِمَنِ الأَرْضُ» ومَنْ رَبّ الأرض، إلا أنه لم يقرأ به أحد. قوله: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (لمّا ذكر الأرض أولاً والسماء ثانياً، عمَّم الحكم هاهنا بقوله: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ) ويدخل في الملكوت المِلْك والمُلْك والتاء فيه على سبيل المبالغة. «وَهُوَ يُجِيرُ» أي: يؤمن من يشاء، ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي: لا يؤمن من أخافه الله، يقال: أجرت فلاناً على فلان إذا منعته منه. قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فيه سؤال: وهو كيف قال: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثم حكى عنهم «سَيَقُولُونَ اللَّهُ» وفيه تناقض؟ والجواب: لا تناقض، لأنّ قوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا ينفي علمهم بذلك وقد يُقال مثل ذلك في الحِجَاج على وجه التأكيد لعلمهم والبعث على اعترافهم بما يورد من ذلك. وقوله: ﴿فأنى تُسْحَرُونَ﴾ أي: تصرفون عن توحيده وطاعته، والمعنى كيف يحتمل لكم الحق باطلاً. ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بالحق﴾ بالصدق، «وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» فيما يدعون من الشرك والولد، وقرئ هنا ببعض ما قرئ به في نظيره. فقرأ ابن إسحاق: «أَتَيْتُهُمْ» بتاء الخطاب، وغيره بتاء المتكلم.

المؤمنون 23:91

قوله تعالى: ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ الآية. وهذه الآية كالتنبيه على الردّ على الكفار الذين يقولون: الملائكة بنات الله. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ ردّ على اتخاذهم الأصنام آلهة، ويحتمل أن يريد به إبطال قول النصارى والثنوية. ثم إنه تعالى ذكر الدليل بقوله: ﴿إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي: لانفرد كل واحد من الآلهة بما خلقه، ولم يرض أن يضاف خلقه إلى غيره، ومنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي: طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم، وحين لم تروا ذلك فاعلموا أنه إله واحد. قوله: «إذاً» جواب وجزاء، قال الزمخشري: فإن قلت: «إذاً» لا تدخل إلاَّ على كلام هو جواب وجزاء، فكيف وقع قوله: «لَذَهَبَ» جواباً وجزاءً ولم يتقدّم شرط ولا سؤال سائل قُلْتُ: الشرط محذوف تقديره: لَوَ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، حذف لدلالة ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ . وهذا رأي الفراء، وقد تقدّم في الإسراء في قوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: 73] ثم إنه تعالى نَزّه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من إثبات الولد والشريك. قرئ: «تَصِفُونَ» بتاء الخطاب وهو التفات. قوله: «عَالِمُ الغَيْبِ» قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: بالجر على البدل من الجلالة. وقال الزمخشري: صفة لله. كأنه محض الإضافة فتعرف المضاف. والباقون: بالرفع على القطع خبر مبتدأ محذوف. ومعنى الآية: أنه مختص بعلم الغيب والشهادة، فغيره وإن علم الشهادة لكن لم يعلم الغيب، لأن الشهادة لا يتكامل بها النفع إلا مع العلم بالغيب وذلك كالوعيد لهم فلذلك قال: ( «فَتَعَالَى اللَّهُ) عَمَّا يُشْرِكُونَ» . قوله: «فَتَعَالَى» عطف على معنى ما تقدم، كأنّه قال علم الغيب فتَعَالَى كقولك: زيد شجاع فعظمت منزلته أي: شجع فعظمت. أو يكون على إضمار القول، أي: أقول فتعالى الله. قوله: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ أي: ما أوعدتهم من العذاب قرأ العامة «تُرِيَنِّي» بصريح الياء. والضحاك: «تُرِئَنِّي» بالهمز عوض الياء، وهذا كقراءة: «فَإِمَّا تَرِئَنَّ» «لتَرؤُنَّ» بالهمز، وهو بدل شاذ. قوله: ﴿رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي﴾ جواب الشرط، و «رَبِّ» نداء معترض بين الشرط وجزائه، وذكر الربّ مرتين مرة قبل الشرط ومرة قبل الجزاء مبالغة في التضرع. فإن قيل: كيف يجوز أن يجعل الله نبيه مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ فالجواب: يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه. قوله: ﴿وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ﴾ هذا الجار متعلق ب «لَقَادِرُونَ» أو بمحذوف على خلاف سبق في أن هذه اللام تمنع ما بعدها أن يعمل فيما قبلها. والمعنى: أنهم كانوا ينكرون الوعد بالعذاب، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد في الدنيا. وقيل: المراد عذاب الآخرة. قوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ وهو الصفح والإعراض والصبر على أذاهم. قال الزمخشري: قوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ أبلغ من أن يقال: بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل، (كأنه قال ادفع بالحُسنى السيئة) والمعنى الصفح عن إساءتهم، ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان، وبذل الاستطاعة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء سيئة ... قيلك هذه الآية نُسخت بآية السيف، وقيل: محكمة، لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دينٍ أو مروءة. ثم قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي: يقولون من الشرك.

المؤمنون 23:92

قوله تعالى: ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ الآية. وهذه الآية كالتنبيه على الردّ على الكفار الذين يقولون: الملائكة بنات الله. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ ردّ على اتخاذهم الأصنام آلهة، ويحتمل أن يريد به إبطال قول النصارى والثنوية. ثم إنه تعالى ذكر الدليل بقوله: ﴿إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي: لانفرد كل واحد من الآلهة بما خلقه، ولم يرض أن يضاف خلقه إلى غيره، ومنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي: طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم، وحين لم تروا ذلك فاعلموا أنه إله واحد. قوله: «إذاً» جواب وجزاء، قال الزمخشري: فإن قلت: «إذاً» لا تدخل إلاَّ على كلام هو جواب وجزاء، فكيف وقع قوله: «لَذَهَبَ» جواباً وجزاءً ولم يتقدّم شرط ولا سؤال سائل قُلْتُ: الشرط محذوف تقديره: لَوَ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، حذف لدلالة ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ . وهذا رأي الفراء، وقد تقدّم في الإسراء في قوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: 73] ثم إنه تعالى نَزّه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من إثبات الولد والشريك. قرئ: «تَصِفُونَ» بتاء الخطاب وهو التفات. قوله: «عَالِمُ الغَيْبِ» قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: بالجر على البدل من الجلالة. وقال الزمخشري: صفة لله. كأنه محض الإضافة فتعرف المضاف. والباقون: بالرفع على القطع خبر مبتدأ محذوف. ومعنى الآية: أنه مختص بعلم الغيب والشهادة، فغيره وإن علم الشهادة لكن لم يعلم الغيب، لأن الشهادة لا يتكامل بها النفع إلا مع العلم بالغيب وذلك كالوعيد لهم فلذلك قال: ( «فَتَعَالَى اللَّهُ) عَمَّا يُشْرِكُونَ» . قوله: «فَتَعَالَى» عطف على معنى ما تقدم، كأنّه قال علم الغيب فتَعَالَى كقولك: زيد شجاع فعظمت منزلته أي: شجع فعظمت. أو يكون على إضمار القول، أي: أقول فتعالى الله. قوله: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ أي: ما أوعدتهم من العذاب قرأ العامة «تُرِيَنِّي» بصريح الياء. والضحاك: «تُرِئَنِّي» بالهمز عوض الياء، وهذا كقراءة: «فَإِمَّا تَرِئَنَّ» «لتَرؤُنَّ» بالهمز، وهو بدل شاذ. قوله: ﴿رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي﴾ جواب الشرط، و «رَبِّ» نداء معترض بين الشرط وجزائه، وذكر الربّ مرتين مرة قبل الشرط ومرة قبل الجزاء مبالغة في التضرع. فإن قيل: كيف يجوز أن يجعل الله نبيه مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ فالجواب: يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه. قوله: ﴿وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ﴾ هذا الجار متعلق ب «لَقَادِرُونَ» أو بمحذوف على خلاف سبق في أن هذه اللام تمنع ما بعدها أن يعمل فيما قبلها. والمعنى: أنهم كانوا ينكرون الوعد بالعذاب، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد في الدنيا. وقيل: المراد عذاب الآخرة. قوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ وهو الصفح والإعراض والصبر على أذاهم. قال الزمخشري: قوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ أبلغ من أن يقال: بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل، (كأنه قال ادفع بالحُسنى السيئة) والمعنى الصفح عن إساءتهم، ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان، وبذل الاستطاعة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء سيئة ... قيلك هذه الآية نُسخت بآية السيف، وقيل: محكمة، لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دينٍ أو مروءة. ثم قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي: يقولون من الشرك.

المؤمنون 23:93

قوله تعالى: ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ الآية. وهذه الآية كالتنبيه على الردّ على الكفار الذين يقولون: الملائكة بنات الله. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ ردّ على اتخاذهم الأصنام آلهة، ويحتمل أن يريد به إبطال قول النصارى والثنوية. ثم إنه تعالى ذكر الدليل بقوله: ﴿إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي: لانفرد كل واحد من الآلهة بما خلقه، ولم يرض أن يضاف خلقه إلى غيره، ومنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي: طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم، وحين لم تروا ذلك فاعلموا أنه إله واحد. قوله: «إذاً» جواب وجزاء، قال الزمخشري: فإن قلت: «إذاً» لا تدخل إلاَّ على كلام هو جواب وجزاء، فكيف وقع قوله: «لَذَهَبَ» جواباً وجزاءً ولم يتقدّم شرط ولا سؤال سائل قُلْتُ: الشرط محذوف تقديره: لَوَ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، حذف لدلالة ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ . وهذا رأي الفراء، وقد تقدّم في الإسراء في قوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: 73] ثم إنه تعالى نَزّه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من إثبات الولد والشريك. قرئ: «تَصِفُونَ» بتاء الخطاب وهو التفات. قوله: «عَالِمُ الغَيْبِ» قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: بالجر على البدل من الجلالة. وقال الزمخشري: صفة لله. كأنه محض الإضافة فتعرف المضاف. والباقون: بالرفع على القطع خبر مبتدأ محذوف. ومعنى الآية: أنه مختص بعلم الغيب والشهادة، فغيره وإن علم الشهادة لكن لم يعلم الغيب، لأن الشهادة لا يتكامل بها النفع إلا مع العلم بالغيب وذلك كالوعيد لهم فلذلك قال: ( «فَتَعَالَى اللَّهُ) عَمَّا يُشْرِكُونَ» . قوله: «فَتَعَالَى» عطف على معنى ما تقدم، كأنّه قال علم الغيب فتَعَالَى كقولك: زيد شجاع فعظمت منزلته أي: شجع فعظمت. أو يكون على إضمار القول، أي: أقول فتعالى الله. قوله: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ أي: ما أوعدتهم من العذاب قرأ العامة «تُرِيَنِّي» بصريح الياء. والضحاك: «تُرِئَنِّي» بالهمز عوض الياء، وهذا كقراءة: «فَإِمَّا تَرِئَنَّ» «لتَرؤُنَّ» بالهمز، وهو بدل شاذ. قوله: ﴿رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي﴾ جواب الشرط، و «رَبِّ» نداء معترض بين الشرط وجزائه، وذكر الربّ مرتين مرة قبل الشرط ومرة قبل الجزاء مبالغة في التضرع. فإن قيل: كيف يجوز أن يجعل الله نبيه مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ فالجواب: يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه. قوله: ﴿وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ﴾ هذا الجار متعلق ب «لَقَادِرُونَ» أو بمحذوف على خلاف سبق في أن هذه اللام تمنع ما بعدها أن يعمل فيما قبلها. والمعنى: أنهم كانوا ينكرون الوعد بالعذاب، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد في الدنيا. وقيل: المراد عذاب الآخرة. قوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ وهو الصفح والإعراض والصبر على أذاهم. قال الزمخشري: قوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ أبلغ من أن يقال: بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل، (كأنه قال ادفع بالحُسنى السيئة) والمعنى الصفح عن إساءتهم، ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان، وبذل الاستطاعة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء سيئة ... قيلك هذه الآية نُسخت بآية السيف، وقيل: محكمة، لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دينٍ أو مروءة. ثم قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي: يقولون من الشرك.

المؤمنون 23:94

قوله تعالى: ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ الآية. وهذه الآية كالتنبيه على الردّ على الكفار الذين يقولون: الملائكة بنات الله. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ ردّ على اتخاذهم الأصنام آلهة، ويحتمل أن يريد به إبطال قول النصارى والثنوية. ثم إنه تعالى ذكر الدليل بقوله: ﴿إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي: لانفرد كل واحد من الآلهة بما خلقه، ولم يرض أن يضاف خلقه إلى غيره، ومنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي: طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم، وحين لم تروا ذلك فاعلموا أنه إله واحد. قوله: «إذاً» جواب وجزاء، قال الزمخشري: فإن قلت: «إذاً» لا تدخل إلاَّ على كلام هو جواب وجزاء، فكيف وقع قوله: «لَذَهَبَ» جواباً وجزاءً ولم يتقدّم شرط ولا سؤال سائل قُلْتُ: الشرط محذوف تقديره: لَوَ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، حذف لدلالة ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ . وهذا رأي الفراء، وقد تقدّم في الإسراء في قوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: 73] ثم إنه تعالى نَزّه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من إثبات الولد والشريك. قرئ: «تَصِفُونَ» بتاء الخطاب وهو التفات. قوله: «عَالِمُ الغَيْبِ» قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: بالجر على البدل من الجلالة. وقال الزمخشري: صفة لله. كأنه محض الإضافة فتعرف المضاف. والباقون: بالرفع على القطع خبر مبتدأ محذوف. ومعنى الآية: أنه مختص بعلم الغيب والشهادة، فغيره وإن علم الشهادة لكن لم يعلم الغيب، لأن الشهادة لا يتكامل بها النفع إلا مع العلم بالغيب وذلك كالوعيد لهم فلذلك قال: ( «فَتَعَالَى اللَّهُ) عَمَّا يُشْرِكُونَ» . قوله: «فَتَعَالَى» عطف على معنى ما تقدم، كأنّه قال علم الغيب فتَعَالَى كقولك: زيد شجاع فعظمت منزلته أي: شجع فعظمت. أو يكون على إضمار القول، أي: أقول فتعالى الله. قوله: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ أي: ما أوعدتهم من العذاب قرأ العامة «تُرِيَنِّي» بصريح الياء. والضحاك: «تُرِئَنِّي» بالهمز عوض الياء، وهذا كقراءة: «فَإِمَّا تَرِئَنَّ» «لتَرؤُنَّ» بالهمز، وهو بدل شاذ. قوله: ﴿رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي﴾ جواب الشرط، و «رَبِّ» نداء معترض بين الشرط وجزائه، وذكر الربّ مرتين مرة قبل الشرط ومرة قبل الجزاء مبالغة في التضرع. فإن قيل: كيف يجوز أن يجعل الله نبيه مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ فالجواب: يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه. قوله: ﴿وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ﴾ هذا الجار متعلق ب «لَقَادِرُونَ» أو بمحذوف على خلاف سبق في أن هذه اللام تمنع ما بعدها أن يعمل فيما قبلها. والمعنى: أنهم كانوا ينكرون الوعد بالعذاب، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد في الدنيا. وقيل: المراد عذاب الآخرة. قوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ وهو الصفح والإعراض والصبر على أذاهم. قال الزمخشري: قوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ أبلغ من أن يقال: بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل، (كأنه قال ادفع بالحُسنى السيئة) والمعنى الصفح عن إساءتهم، ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان، وبذل الاستطاعة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء سيئة ... قيلك هذه الآية نُسخت بآية السيف، وقيل: محكمة، لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دينٍ أو مروءة. ثم قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي: يقولون من الشرك.

المؤمنون 23:95

قوله تعالى: ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ الآية. وهذه الآية كالتنبيه على الردّ على الكفار الذين يقولون: الملائكة بنات الله. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ ردّ على اتخاذهم الأصنام آلهة، ويحتمل أن يريد به إبطال قول النصارى والثنوية. ثم إنه تعالى ذكر الدليل بقوله: ﴿إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي: لانفرد كل واحد من الآلهة بما خلقه، ولم يرض أن يضاف خلقه إلى غيره، ومنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي: طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم، وحين لم تروا ذلك فاعلموا أنه إله واحد. قوله: «إذاً» جواب وجزاء، قال الزمخشري: فإن قلت: «إذاً» لا تدخل إلاَّ على كلام هو جواب وجزاء، فكيف وقع قوله: «لَذَهَبَ» جواباً وجزاءً ولم يتقدّم شرط ولا سؤال سائل قُلْتُ: الشرط محذوف تقديره: لَوَ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، حذف لدلالة ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ . وهذا رأي الفراء، وقد تقدّم في الإسراء في قوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: 73] ثم إنه تعالى نَزّه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من إثبات الولد والشريك. قرئ: «تَصِفُونَ» بتاء الخطاب وهو التفات. قوله: «عَالِمُ الغَيْبِ» قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: بالجر على البدل من الجلالة. وقال الزمخشري: صفة لله. كأنه محض الإضافة فتعرف المضاف. والباقون: بالرفع على القطع خبر مبتدأ محذوف. ومعنى الآية: أنه مختص بعلم الغيب والشهادة، فغيره وإن علم الشهادة لكن لم يعلم الغيب، لأن الشهادة لا يتكامل بها النفع إلا مع العلم بالغيب وذلك كالوعيد لهم فلذلك قال: ( «فَتَعَالَى اللَّهُ) عَمَّا يُشْرِكُونَ» . قوله: «فَتَعَالَى» عطف على معنى ما تقدم، كأنّه قال علم الغيب فتَعَالَى كقولك: زيد شجاع فعظمت منزلته أي: شجع فعظمت. أو يكون على إضمار القول، أي: أقول فتعالى الله. قوله: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ أي: ما أوعدتهم من العذاب قرأ العامة «تُرِيَنِّي» بصريح الياء. والضحاك: «تُرِئَنِّي» بالهمز عوض الياء، وهذا كقراءة: «فَإِمَّا تَرِئَنَّ» «لتَرؤُنَّ» بالهمز، وهو بدل شاذ. قوله: ﴿رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي﴾ جواب الشرط، و «رَبِّ» نداء معترض بين الشرط وجزائه، وذكر الربّ مرتين مرة قبل الشرط ومرة قبل الجزاء مبالغة في التضرع. فإن قيل: كيف يجوز أن يجعل الله نبيه مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ فالجواب: يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه. قوله: ﴿وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ﴾ هذا الجار متعلق ب «لَقَادِرُونَ» أو بمحذوف على خلاف سبق في أن هذه اللام تمنع ما بعدها أن يعمل فيما قبلها. والمعنى: أنهم كانوا ينكرون الوعد بالعذاب، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد في الدنيا. وقيل: المراد عذاب الآخرة. قوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ وهو الصفح والإعراض والصبر على أذاهم. قال الزمخشري: قوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ أبلغ من أن يقال: بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل، (كأنه قال ادفع بالحُسنى السيئة) والمعنى الصفح عن إساءتهم، ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان، وبذل الاستطاعة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء سيئة ... قيلك هذه الآية نُسخت بآية السيف، وقيل: محكمة، لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دينٍ أو مروءة. ثم قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي: يقولون من الشرك.

المؤمنون 23:96

قوله تعالى: ﴿مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ الآية. وهذه الآية كالتنبيه على الردّ على الكفار الذين يقولون: الملائكة بنات الله. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ ردّ على اتخاذهم الأصنام آلهة، ويحتمل أن يريد به إبطال قول النصارى والثنوية. ثم إنه تعالى ذكر الدليل بقوله: ﴿إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي: لانفرد كل واحد من الآلهة بما خلقه، ولم يرض أن يضاف خلقه إلى غيره، ومنع الإله الآخر عن الاستيلاء على ما خلق ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي: طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم، وحين لم تروا ذلك فاعلموا أنه إله واحد. قوله: «إذاً» جواب وجزاء، قال الزمخشري: فإن قلت: «إذاً» لا تدخل إلاَّ على كلام هو جواب وجزاء، فكيف وقع قوله: «لَذَهَبَ» جواباً وجزاءً ولم يتقدّم شرط ولا سؤال سائل قُلْتُ: الشرط محذوف تقديره: لَوَ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ، حذف لدلالة ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ . وهذا رأي الفراء، وقد تقدّم في الإسراء في قوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: 73] ثم إنه تعالى نَزّه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ الله عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من إثبات الولد والشريك. قرئ: «تَصِفُونَ» بتاء الخطاب وهو التفات. قوله: «عَالِمُ الغَيْبِ» قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: بالجر على البدل من الجلالة. وقال الزمخشري: صفة لله. كأنه محض الإضافة فتعرف المضاف. والباقون: بالرفع على القطع خبر مبتدأ محذوف. ومعنى الآية: أنه مختص بعلم الغيب والشهادة، فغيره وإن علم الشهادة لكن لم يعلم الغيب، لأن الشهادة لا يتكامل بها النفع إلا مع العلم بالغيب وذلك كالوعيد لهم فلذلك قال: ( «فَتَعَالَى اللَّهُ) عَمَّا يُشْرِكُونَ» . قوله: «فَتَعَالَى» عطف على معنى ما تقدم، كأنّه قال علم الغيب فتَعَالَى كقولك: زيد شجاع فعظمت منزلته أي: شجع فعظمت. أو يكون على إضمار القول، أي: أقول فتعالى الله. قوله: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾ أي: ما أوعدتهم من العذاب قرأ العامة «تُرِيَنِّي» بصريح الياء. والضحاك: «تُرِئَنِّي» بالهمز عوض الياء، وهذا كقراءة: «فَإِمَّا تَرِئَنَّ» «لتَرؤُنَّ» بالهمز، وهو بدل شاذ. قوله: ﴿رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي﴾ جواب الشرط، و «رَبِّ» نداء معترض بين الشرط وجزائه، وذكر الربّ مرتين مرة قبل الشرط ومرة قبل الجزاء مبالغة في التضرع. فإن قيل: كيف يجوز أن يجعل الله نبيه مع الظالمين حتى يطلب أن لا يجعله معهم؟ فالجواب: يجوز أن يسأل العبد ربه ما علم أنه يفعله، وأن يستعيذ به مما علم أنه لا يفعله إظهاراً للعبودية وتواضعاً لربه. قوله: ﴿وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ﴾ هذا الجار متعلق ب «لَقَادِرُونَ» أو بمحذوف على خلاف سبق في أن هذه اللام تمنع ما بعدها أن يعمل فيما قبلها. والمعنى: أنهم كانوا ينكرون الوعد بالعذاب، فقيل لهم: إن الله قادر على إنجاز ما وعد في الدنيا. وقيل: المراد عذاب الآخرة. قوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ وهو الصفح والإعراض والصبر على أذاهم. قال الزمخشري: قوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة﴾ أبلغ من أن يقال: بالحسنة السيئة لما فيه من التفضيل، (كأنه قال ادفع بالحُسنى السيئة) والمعنى الصفح عن إساءتهم، ومقابلتها بما أمكن من الإحسان، حتى إذا اجتمع الصفح والإحسان، وبذل الاستطاعة فيه كانت حسنة مضاعفة بإزاء سيئة ... قيلك هذه الآية نُسخت بآية السيف، وقيل: محكمة، لأن المداراة محثوث عليها ما لم تؤد إلى نقصان دينٍ أو مروءة. ثم قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي: يقولون من الشرك.

المؤمنون 23:97

قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين﴾ الآية لما أدَّب رسوله بقوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: 96] أتبعه بما يقوي على ذلك وهو الاستعاذة بالله من أمرين: أحدهما: من همزات الشياطين. والهَمَزَاتُ جمع همزَة، وهي النخسة والدفع بيدٍ وغيرها، وهي كالهزِّ والأزّ، ومنه مِهْمَازُ الرائض، والمِهْمَاز مفْعَالٌ من ذلك كالمِحْرَاث من الحَرْث والهَمَّازُ الذي يصيب الناس، كأنه يدفع بلسانه وينخس به. فصل معنى «أعُوذُ بِكَ» أمتنع وأعتصم بك ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين﴾ نزعاتهم وقال الحسن: وساوسهم. وقال مجاهد: نفخهم ونفثهم. وقال أهل المعاني: دفعهم بالإغواء إلى المعاصي. قال الحسن: كان عليه السلام يقول بعد استفتاح الصلاة: «لا إله إلاّ الله ثلاثاً، الله أكبر ثلاثاً، اللهم إني أعوذ بك من هَمَزَاتِ الشياطين هَمْزِهِ ونَفْثِه ونَفْخِه» . فقيل: يا رسول الله ما همزه؟ قال: «الموتة التي تأخذ ابن آدم» أي: الجنون. قيل: فَمَا نَفْثه؟ قال: «الشعْر» قيل: فما نفخُه؟ قيل: «الكِبْر» . والثاني: قوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ أي: في شيء من أموري، وإنما ذكر الحضور، لأن الشيطان إذا حَضَر وسوس. قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت﴾ الآية في (حَتَّى) هذه أوجه: أحدها: أنها غاية لقوله: «بِمَا يَصِفُونَ» . والثاني: أنها غاية «لِكَاذِبُونَ» . ويبين هذين الوجهين قول الزمخشري: «حَتَّى» يتعلق ب «يَصِفُونَ» أي: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت، والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد. ثم قال: أو على قوله: «وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» . قال شهاب الدين: قوله: (أو على قوله كذا) كلام محمول على المعنى، إذ التقدير: «حَتَّى» معلقة على «يَصِفُونَ» أو على قوله: «لَكَاذِبُونَ» وفي الجملة فعبارته مشكلة. الثالث: قال ابن عطية: «حَتَّى» في هذا الموضع حرف ابتداء، ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف، والأوَّل أبْيَن، لأنّ ما بعدها هو المعنيّ به المقصود (ذكره) . قال أبو حيان: فتوهم ابن عطية أن «حَتَّى» إذا كانت حرف ابتداء لا تكون غاية، وهي وإن كانت حرف ابتداء فالغاية معنى لا يفارقها، ولم يبيّن الكلام المحذوف المقدر. وقال أبو البقاء: (حَتَّى) غاية في معنى العطف. قال أبو حيّان: والذي يظهر لي أن قبلها جملة محذوفة تكون «حَتَّى» غاية لها يدل عليها ما قبلها، التقدير: فلا أكون كالكفار الذين تهزمهم الشياطين ويحضرونهم حتى إذا جَاءَ، ونظير حذفها قول الشاعر: 3806 - فَيَا عَجَبا حَتَّى كُليْبٌ تسُبُّني ... أي: يسبني الناس كُلهم حتى كليب إلاَّ أن في البيت دلّ ما بعدها عليها بخلاف الآية الكريمة. قوله : ﴿رَبِّ ارجعون ﴾ . في قوله: «ارْجِعُونِ» بخطاب الجمع ثلاثة أوجه: أجودها: أنه على سبيل التعظيم كقوله: 3807 - فَإِنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ ... وَإِنْ شِئْتُ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً وَلاَ بَرْدَا وقال الآخر: 3808 - أَلاَ فَارْحَمُونِي يَا إلهَ مُحَمَّدٍ ... وقد يؤخذ من هذا البيت ما يرّد على ابن مالك حيث قال: إنه لم نعلم أحداً أجاز للداعي أن يقول: يَا رَحْيَمُون قال: لئّلا يُوهم خلاف التوحيد، وقد أخبر تعالى عن نفسه بهذه الصفة وشبهها للتعظيم في مواضع من كتابه الكريم كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] . الثاني: أنه نادى ربه ثم خاطب ملائكة ربه بقوله: «ارْجِعُونِ» . ويجوز على هذا الوجه أن يكون على حذف مضاف، أي: ملائكة ربي، فحذف المضاف ثم التف إليه في عود الضمير كقوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: 4] . ثم قال: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ [الأعراف: 4] التفاتاً ل «أهل» المحذوف. الثالث: أنّ ذلك يدل على تكرير الفعل كأنه قال: ارْجعنِي ارجعنِي نقله أبو البقاء وهو يشبه ما قالوه في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] أنه بمعنى: أَلْقِ أَلْقِ ثنّى الفعل للدلالة على ذلك، وأنشدوا: 3809 - قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِل ... أي: قف قف. فصل اعلم أنّه تعالى أخبر أنَّ هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت فقال: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت (قَالَ رَبِّ ارجعون﴾ ) ولم يقل: ارجعني، وهو يسأل الله وحده الرجعة لما تقدّم في الإعراب. وقال الضحّاك: كنت جالساً عند ابن عباس فقال: مَنْ لَمْ يُزَكِّ ولم يَحُج سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل: إنما يسأل ذلك الكفار. فقال ابن عباس: أنا أقرأ عليك به قرآناً ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولاا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: 10] . وقال عليه السلام: «إذا حضر الإنسان الموت جمع كل شيء كان يمنعه من حقه بين يديه فعنده يقول: ﴿رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ » . واختلفوا في وقت مسألة الرجعة، فالأكثرون على أنه يسأل حال المعاينة وقيل: بل عند معاينة النار في الآخرة، وهذا القائل إنَّما ترك ظاهر هذه الآية لمَّا أخبر الله - تعالى - عن أهل النار في الآخرة أنهم يسألون الرجعة. قوله: ﴿لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ أي: ضيّعتُ. أي: أقول لا إله إلاَّ الله. وقيل: أعمل بطاعة الله تعالى. وقيل: أعمل صالحاً فيما قصّرتُ، فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية، وهذا أقرب، لأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾ كيف يجوز أن يسأل الرجعة مع الشك. فالجواب: ليس المراد ب «لَعَّلَ» الشك فإِنَّه في هذا الوقت باذل للجهد في العزم على الطاعة إن أعطي ما سأل، فهو مِثْل من قَصّر في حق نفسه، وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير، فيقول: مكنُونِي من التدارك لعلى أتدارك فيقول هذه الكلمة مع كونه جازماً بأنه سيتدارك. ويحتمل أيضاً أنَّ الأمر المستقبل إذا لم يعرفوه أوردُوا الكلام الموضوع للترجي والظن دون اليقين فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] . قوله: «كَلاَّ» كلمة ردع وزجر أي: لا ترجع. معناه المنع طلبوا، كما يقال لطالب الأمر المُسْتبعد: هَيْهَات. ويحتمل أن يكون ذلك إخباراً بأنهم يقولون ذلك، وأنّ هذا الخبر حق، فكأنّه تعالى قال: حقاً إنّها كلمة هو قائلها. والأول أقرب. قوله: «إِنَّهَا كَلِمةٌ» من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل كقوله: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد» يعني قوله: 3810 - أَلاَ كُلُّ شَيءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِل ... وقد تقدم طرف من هذا في آل عمران. و «هُوَ قَائِلُهَا» صفة ل «كَلِمَة» . والمراد بالكلمة: سؤاله الرجعة: كلمة هو قائلها ولا ينالها، وقيل: معناه لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه. قوله: «وَمِنْ وَرَائِهِمْ» أي: أمامهم وبين أيديهم. «بَرْزَخٌ» البرزخ: الحاجز بين المسافتين وقيل: الحجاب بين الشيئين أن يصل أحدهما إلى الآخر، وهو بمعنى الأوّل. وقال الراغب: أصلة برْزَة بالهاء فعُرّب، وهو في القيامة الحائل بين الإنسان وبين المنازل الرفيعة والبرزخ قبل البعث المنع بين الإنسان وبين الرجعة التي يتمناها. قال مجاهد: حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا. (وقال قتادة: بقيّة الدنيا) . قال الضحاك: البرزخ ما بين الموت إلى البعث. وقيل: القبر وهم فيه إلى يوم يبعثون.

المؤمنون 23:98

قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين﴾ الآية لما أدَّب رسوله بقوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: 96] أتبعه بما يقوي على ذلك وهو الاستعاذة بالله من أمرين: أحدهما: من همزات الشياطين. والهَمَزَاتُ جمع همزَة، وهي النخسة والدفع بيدٍ وغيرها، وهي كالهزِّ والأزّ، ومنه مِهْمَازُ الرائض، والمِهْمَاز مفْعَالٌ من ذلك كالمِحْرَاث من الحَرْث والهَمَّازُ الذي يصيب الناس، كأنه يدفع بلسانه وينخس به. فصل معنى «أعُوذُ بِكَ» أمتنع وأعتصم بك ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين﴾ نزعاتهم وقال الحسن: وساوسهم. وقال مجاهد: نفخهم ونفثهم. وقال أهل المعاني: دفعهم بالإغواء إلى المعاصي. قال الحسن: كان عليه السلام يقول بعد استفتاح الصلاة: «لا إله إلاّ الله ثلاثاً، الله أكبر ثلاثاً، اللهم إني أعوذ بك من هَمَزَاتِ الشياطين هَمْزِهِ ونَفْثِه ونَفْخِه» . فقيل: يا رسول الله ما همزه؟ قال: «الموتة التي تأخذ ابن آدم» أي: الجنون. قيل: فَمَا نَفْثه؟ قال: «الشعْر» قيل: فما نفخُه؟ قيل: «الكِبْر» . والثاني: قوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ أي: في شيء من أموري، وإنما ذكر الحضور، لأن الشيطان إذا حَضَر وسوس. قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت﴾ الآية في (حَتَّى) هذه أوجه: أحدها: أنها غاية لقوله: «بِمَا يَصِفُونَ» . والثاني: أنها غاية «لِكَاذِبُونَ» . ويبين هذين الوجهين قول الزمخشري: «حَتَّى» يتعلق ب «يَصِفُونَ» أي: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت، والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد. ثم قال: أو على قوله: «وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» . قال شهاب الدين: قوله: (أو على قوله كذا) كلام محمول على المعنى، إذ التقدير: «حَتَّى» معلقة على «يَصِفُونَ» أو على قوله: «لَكَاذِبُونَ» وفي الجملة فعبارته مشكلة. الثالث: قال ابن عطية: «حَتَّى» في هذا الموضع حرف ابتداء، ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف، والأوَّل أبْيَن، لأنّ ما بعدها هو المعنيّ به المقصود (ذكره) . قال أبو حيان: فتوهم ابن عطية أن «حَتَّى» إذا كانت حرف ابتداء لا تكون غاية، وهي وإن كانت حرف ابتداء فالغاية معنى لا يفارقها، ولم يبيّن الكلام المحذوف المقدر. وقال أبو البقاء: (حَتَّى) غاية في معنى العطف. قال أبو حيّان: والذي يظهر لي أن قبلها جملة محذوفة تكون «حَتَّى» غاية لها يدل عليها ما قبلها، التقدير: فلا أكون كالكفار الذين تهزمهم الشياطين ويحضرونهم حتى إذا جَاءَ، ونظير حذفها قول الشاعر: 3806 - فَيَا عَجَبا حَتَّى كُليْبٌ تسُبُّني ... أي: يسبني الناس كُلهم حتى كليب إلاَّ أن في البيت دلّ ما بعدها عليها بخلاف الآية الكريمة. قوله : ﴿رَبِّ ارجعون ﴾ . في قوله: «ارْجِعُونِ» بخطاب الجمع ثلاثة أوجه: أجودها: أنه على سبيل التعظيم كقوله: 3807 - فَإِنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ ... وَإِنْ شِئْتُ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً وَلاَ بَرْدَا وقال الآخر: 3808 - أَلاَ فَارْحَمُونِي يَا إلهَ مُحَمَّدٍ ... وقد يؤخذ من هذا البيت ما يرّد على ابن مالك حيث قال: إنه لم نعلم أحداً أجاز للداعي أن يقول: يَا رَحْيَمُون قال: لئّلا يُوهم خلاف التوحيد، وقد أخبر تعالى عن نفسه بهذه الصفة وشبهها للتعظيم في مواضع من كتابه الكريم كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] . الثاني: أنه نادى ربه ثم خاطب ملائكة ربه بقوله: «ارْجِعُونِ» . ويجوز على هذا الوجه أن يكون على حذف مضاف، أي: ملائكة ربي، فحذف المضاف ثم التف إليه في عود الضمير كقوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: 4] . ثم قال: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ [الأعراف: 4] التفاتاً ل «أهل» المحذوف. الثالث: أنّ ذلك يدل على تكرير الفعل كأنه قال: ارْجعنِي ارجعنِي نقله أبو البقاء وهو يشبه ما قالوه في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] أنه بمعنى: أَلْقِ أَلْقِ ثنّى الفعل للدلالة على ذلك، وأنشدوا: 3809 - قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِل ... أي: قف قف. فصل اعلم أنّه تعالى أخبر أنَّ هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت فقال: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت (قَالَ رَبِّ ارجعون﴾ ) ولم يقل: ارجعني، وهو يسأل الله وحده الرجعة لما تقدّم في الإعراب. وقال الضحّاك: كنت جالساً عند ابن عباس فقال: مَنْ لَمْ يُزَكِّ ولم يَحُج سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل: إنما يسأل ذلك الكفار. فقال ابن عباس: أنا أقرأ عليك به قرآناً ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولاا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: 10] . وقال عليه السلام: «إذا حضر الإنسان الموت جمع كل شيء كان يمنعه من حقه بين يديه فعنده يقول: ﴿رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ » . واختلفوا في وقت مسألة الرجعة، فالأكثرون على أنه يسأل حال المعاينة وقيل: بل عند معاينة النار في الآخرة، وهذا القائل إنَّما ترك ظاهر هذه الآية لمَّا أخبر الله - تعالى - عن أهل النار في الآخرة أنهم يسألون الرجعة. قوله: ﴿لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ أي: ضيّعتُ. أي: أقول لا إله إلاَّ الله. وقيل: أعمل بطاعة الله تعالى. وقيل: أعمل صالحاً فيما قصّرتُ، فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية، وهذا أقرب، لأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾ كيف يجوز أن يسأل الرجعة مع الشك. فالجواب: ليس المراد ب «لَعَّلَ» الشك فإِنَّه في هذا الوقت باذل للجهد في العزم على الطاعة إن أعطي ما سأل، فهو مِثْل من قَصّر في حق نفسه، وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير، فيقول: مكنُونِي من التدارك لعلى أتدارك فيقول هذه الكلمة مع كونه جازماً بأنه سيتدارك. ويحتمل أيضاً أنَّ الأمر المستقبل إذا لم يعرفوه أوردُوا الكلام الموضوع للترجي والظن دون اليقين فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] . قوله: «كَلاَّ» كلمة ردع وزجر أي: لا ترجع. معناه المنع طلبوا، كما يقال لطالب الأمر المُسْتبعد: هَيْهَات. ويحتمل أن يكون ذلك إخباراً بأنهم يقولون ذلك، وأنّ هذا الخبر حق، فكأنّه تعالى قال: حقاً إنّها كلمة هو قائلها. والأول أقرب. قوله: «إِنَّهَا كَلِمةٌ» من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل كقوله: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد» يعني قوله: 3810 - أَلاَ كُلُّ شَيءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِل ... وقد تقدم طرف من هذا في آل عمران. و «هُوَ قَائِلُهَا» صفة ل «كَلِمَة» . والمراد بالكلمة: سؤاله الرجعة: كلمة هو قائلها ولا ينالها، وقيل: معناه لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه. قوله: «وَمِنْ وَرَائِهِمْ» أي: أمامهم وبين أيديهم. «بَرْزَخٌ» البرزخ: الحاجز بين المسافتين وقيل: الحجاب بين الشيئين أن يصل أحدهما إلى الآخر، وهو بمعنى الأوّل. وقال الراغب: أصلة برْزَة بالهاء فعُرّب، وهو في القيامة الحائل بين الإنسان وبين المنازل الرفيعة والبرزخ قبل البعث المنع بين الإنسان وبين الرجعة التي يتمناها. قال مجاهد: حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا. (وقال قتادة: بقيّة الدنيا) . قال الضحاك: البرزخ ما بين الموت إلى البعث. وقيل: القبر وهم فيه إلى يوم يبعثون.

المؤمنون 23:99

قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين﴾ الآية لما أدَّب رسوله بقوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: 96] أتبعه بما يقوي على ذلك وهو الاستعاذة بالله من أمرين: أحدهما: من همزات الشياطين. والهَمَزَاتُ جمع همزَة، وهي النخسة والدفع بيدٍ وغيرها، وهي كالهزِّ والأزّ، ومنه مِهْمَازُ الرائض، والمِهْمَاز مفْعَالٌ من ذلك كالمِحْرَاث من الحَرْث والهَمَّازُ الذي يصيب الناس، كأنه يدفع بلسانه وينخس به. فصل معنى «أعُوذُ بِكَ» أمتنع وأعتصم بك ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين﴾ نزعاتهم وقال الحسن: وساوسهم. وقال مجاهد: نفخهم ونفثهم. وقال أهل المعاني: دفعهم بالإغواء إلى المعاصي. قال الحسن: كان عليه السلام يقول بعد استفتاح الصلاة: «لا إله إلاّ الله ثلاثاً، الله أكبر ثلاثاً، اللهم إني أعوذ بك من هَمَزَاتِ الشياطين هَمْزِهِ ونَفْثِه ونَفْخِه» . فقيل: يا رسول الله ما همزه؟ قال: «الموتة التي تأخذ ابن آدم» أي: الجنون. قيل: فَمَا نَفْثه؟ قال: «الشعْر» قيل: فما نفخُه؟ قيل: «الكِبْر» . والثاني: قوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ أي: في شيء من أموري، وإنما ذكر الحضور، لأن الشيطان إذا حَضَر وسوس. قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت﴾ الآية في (حَتَّى) هذه أوجه: أحدها: أنها غاية لقوله: «بِمَا يَصِفُونَ» . والثاني: أنها غاية «لِكَاذِبُونَ» . ويبين هذين الوجهين قول الزمخشري: «حَتَّى» يتعلق ب «يَصِفُونَ» أي: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت، والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد. ثم قال: أو على قوله: «وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» . قال شهاب الدين: قوله: (أو على قوله كذا) كلام محمول على المعنى، إذ التقدير: «حَتَّى» معلقة على «يَصِفُونَ» أو على قوله: «لَكَاذِبُونَ» وفي الجملة فعبارته مشكلة. الثالث: قال ابن عطية: «حَتَّى» في هذا الموضع حرف ابتداء، ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف، والأوَّل أبْيَن، لأنّ ما بعدها هو المعنيّ به المقصود (ذكره) . قال أبو حيان: فتوهم ابن عطية أن «حَتَّى» إذا كانت حرف ابتداء لا تكون غاية، وهي وإن كانت حرف ابتداء فالغاية معنى لا يفارقها، ولم يبيّن الكلام المحذوف المقدر. وقال أبو البقاء: (حَتَّى) غاية في معنى العطف. قال أبو حيّان: والذي يظهر لي أن قبلها جملة محذوفة تكون «حَتَّى» غاية لها يدل عليها ما قبلها، التقدير: فلا أكون كالكفار الذين تهزمهم الشياطين ويحضرونهم حتى إذا جَاءَ، ونظير حذفها قول الشاعر: 3806 - فَيَا عَجَبا حَتَّى كُليْبٌ تسُبُّني ... أي: يسبني الناس كُلهم حتى كليب إلاَّ أن في البيت دلّ ما بعدها عليها بخلاف الآية الكريمة. قوله : ﴿رَبِّ ارجعون ﴾ . في قوله: «ارْجِعُونِ» بخطاب الجمع ثلاثة أوجه: أجودها: أنه على سبيل التعظيم كقوله: 3807 - فَإِنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ ... وَإِنْ شِئْتُ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً وَلاَ بَرْدَا وقال الآخر: 3808 - أَلاَ فَارْحَمُونِي يَا إلهَ مُحَمَّدٍ ... وقد يؤخذ من هذا البيت ما يرّد على ابن مالك حيث قال: إنه لم نعلم أحداً أجاز للداعي أن يقول: يَا رَحْيَمُون قال: لئّلا يُوهم خلاف التوحيد، وقد أخبر تعالى عن نفسه بهذه الصفة وشبهها للتعظيم في مواضع من كتابه الكريم كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] . الثاني: أنه نادى ربه ثم خاطب ملائكة ربه بقوله: «ارْجِعُونِ» . ويجوز على هذا الوجه أن يكون على حذف مضاف، أي: ملائكة ربي، فحذف المضاف ثم التف إليه في عود الضمير كقوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: 4] . ثم قال: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ [الأعراف: 4] التفاتاً ل «أهل» المحذوف. الثالث: أنّ ذلك يدل على تكرير الفعل كأنه قال: ارْجعنِي ارجعنِي نقله أبو البقاء وهو يشبه ما قالوه في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] أنه بمعنى: أَلْقِ أَلْقِ ثنّى الفعل للدلالة على ذلك، وأنشدوا: 3809 - قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِل ... أي: قف قف. فصل اعلم أنّه تعالى أخبر أنَّ هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت فقال: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت (قَالَ رَبِّ ارجعون﴾ ) ولم يقل: ارجعني، وهو يسأل الله وحده الرجعة لما تقدّم في الإعراب. وقال الضحّاك: كنت جالساً عند ابن عباس فقال: مَنْ لَمْ يُزَكِّ ولم يَحُج سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل: إنما يسأل ذلك الكفار. فقال ابن عباس: أنا أقرأ عليك به قرآناً ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولاا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: 10] . وقال عليه السلام: «إذا حضر الإنسان الموت جمع كل شيء كان يمنعه من حقه بين يديه فعنده يقول: ﴿رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ » . واختلفوا في وقت مسألة الرجعة، فالأكثرون على أنه يسأل حال المعاينة وقيل: بل عند معاينة النار في الآخرة، وهذا القائل إنَّما ترك ظاهر هذه الآية لمَّا أخبر الله - تعالى - عن أهل النار في الآخرة أنهم يسألون الرجعة. قوله: ﴿لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ أي: ضيّعتُ. أي: أقول لا إله إلاَّ الله. وقيل: أعمل بطاعة الله تعالى. وقيل: أعمل صالحاً فيما قصّرتُ، فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية، وهذا أقرب، لأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾ كيف يجوز أن يسأل الرجعة مع الشك. فالجواب: ليس المراد ب «لَعَّلَ» الشك فإِنَّه في هذا الوقت باذل للجهد في العزم على الطاعة إن أعطي ما سأل، فهو مِثْل من قَصّر في حق نفسه، وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير، فيقول: مكنُونِي من التدارك لعلى أتدارك فيقول هذه الكلمة مع كونه جازماً بأنه سيتدارك. ويحتمل أيضاً أنَّ الأمر المستقبل إذا لم يعرفوه أوردُوا الكلام الموضوع للترجي والظن دون اليقين فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] . قوله: «كَلاَّ» كلمة ردع وزجر أي: لا ترجع. معناه المنع طلبوا، كما يقال لطالب الأمر المُسْتبعد: هَيْهَات. ويحتمل أن يكون ذلك إخباراً بأنهم يقولون ذلك، وأنّ هذا الخبر حق، فكأنّه تعالى قال: حقاً إنّها كلمة هو قائلها. والأول أقرب. قوله: «إِنَّهَا كَلِمةٌ» من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل كقوله: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد» يعني قوله: 3810 - أَلاَ كُلُّ شَيءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِل ... وقد تقدم طرف من هذا في آل عمران. و «هُوَ قَائِلُهَا» صفة ل «كَلِمَة» . والمراد بالكلمة: سؤاله الرجعة: كلمة هو قائلها ولا ينالها، وقيل: معناه لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه. قوله: «وَمِنْ وَرَائِهِمْ» أي: أمامهم وبين أيديهم. «بَرْزَخٌ» البرزخ: الحاجز بين المسافتين وقيل: الحجاب بين الشيئين أن يصل أحدهما إلى الآخر، وهو بمعنى الأوّل. وقال الراغب: أصلة برْزَة بالهاء فعُرّب، وهو في القيامة الحائل بين الإنسان وبين المنازل الرفيعة والبرزخ قبل البعث المنع بين الإنسان وبين الرجعة التي يتمناها. قال مجاهد: حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا. (وقال قتادة: بقيّة الدنيا) . قال الضحاك: البرزخ ما بين الموت إلى البعث. وقيل: القبر وهم فيه إلى يوم يبعثون.

المؤمنون 23:100

قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين﴾ الآية لما أدَّب رسوله بقوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: 96] أتبعه بما يقوي على ذلك وهو الاستعاذة بالله من أمرين: أحدهما: من همزات الشياطين. والهَمَزَاتُ جمع همزَة، وهي النخسة والدفع بيدٍ وغيرها، وهي كالهزِّ والأزّ، ومنه مِهْمَازُ الرائض، والمِهْمَاز مفْعَالٌ من ذلك كالمِحْرَاث من الحَرْث والهَمَّازُ الذي يصيب الناس، كأنه يدفع بلسانه وينخس به. فصل معنى «أعُوذُ بِكَ» أمتنع وأعتصم بك ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين﴾ نزعاتهم وقال الحسن: وساوسهم. وقال مجاهد: نفخهم ونفثهم. وقال أهل المعاني: دفعهم بالإغواء إلى المعاصي. قال الحسن: كان عليه السلام يقول بعد استفتاح الصلاة: «لا إله إلاّ الله ثلاثاً، الله أكبر ثلاثاً، اللهم إني أعوذ بك من هَمَزَاتِ الشياطين هَمْزِهِ ونَفْثِه ونَفْخِه» . فقيل: يا رسول الله ما همزه؟ قال: «الموتة التي تأخذ ابن آدم» أي: الجنون. قيل: فَمَا نَفْثه؟ قال: «الشعْر» قيل: فما نفخُه؟ قيل: «الكِبْر» . والثاني: قوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ أي: في شيء من أموري، وإنما ذكر الحضور، لأن الشيطان إذا حَضَر وسوس. قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت﴾ الآية في (حَتَّى) هذه أوجه: أحدها: أنها غاية لقوله: «بِمَا يَصِفُونَ» . والثاني: أنها غاية «لِكَاذِبُونَ» . ويبين هذين الوجهين قول الزمخشري: «حَتَّى» يتعلق ب «يَصِفُونَ» أي: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت، والآية فاصلة بينهما على وجه الاعتراض والتأكيد. ثم قال: أو على قوله: «وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ» . قال شهاب الدين: قوله: (أو على قوله كذا) كلام محمول على المعنى، إذ التقدير: «حَتَّى» معلقة على «يَصِفُونَ» أو على قوله: «لَكَاذِبُونَ» وفي الجملة فعبارته مشكلة. الثالث: قال ابن عطية: «حَتَّى» في هذا الموضع حرف ابتداء، ويحتمل أن تكون غاية مجردة بتقدير كلام محذوف، والأوَّل أبْيَن، لأنّ ما بعدها هو المعنيّ به المقصود (ذكره) . قال أبو حيان: فتوهم ابن عطية أن «حَتَّى» إذا كانت حرف ابتداء لا تكون غاية، وهي وإن كانت حرف ابتداء فالغاية معنى لا يفارقها، ولم يبيّن الكلام المحذوف المقدر. وقال أبو البقاء: (حَتَّى) غاية في معنى العطف. قال أبو حيّان: والذي يظهر لي أن قبلها جملة محذوفة تكون «حَتَّى» غاية لها يدل عليها ما قبلها، التقدير: فلا أكون كالكفار الذين تهزمهم الشياطين ويحضرونهم حتى إذا جَاءَ، ونظير حذفها قول الشاعر: 3806 - فَيَا عَجَبا حَتَّى كُليْبٌ تسُبُّني ... أي: يسبني الناس كُلهم حتى كليب إلاَّ أن في البيت دلّ ما بعدها عليها بخلاف الآية الكريمة. قوله : ﴿رَبِّ ارجعون ﴾ . في قوله: «ارْجِعُونِ» بخطاب الجمع ثلاثة أوجه: أجودها: أنه على سبيل التعظيم كقوله: 3807 - فَإِنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ ... وَإِنْ شِئْتُ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً وَلاَ بَرْدَا وقال الآخر: 3808 - أَلاَ فَارْحَمُونِي يَا إلهَ مُحَمَّدٍ ... وقد يؤخذ من هذا البيت ما يرّد على ابن مالك حيث قال: إنه لم نعلم أحداً أجاز للداعي أن يقول: يَا رَحْيَمُون قال: لئّلا يُوهم خلاف التوحيد، وقد أخبر تعالى عن نفسه بهذه الصفة وشبهها للتعظيم في مواضع من كتابه الكريم كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9] . الثاني: أنه نادى ربه ثم خاطب ملائكة ربه بقوله: «ارْجِعُونِ» . ويجوز على هذا الوجه أن يكون على حذف مضاف، أي: ملائكة ربي، فحذف المضاف ثم التف إليه في عود الضمير كقوله: ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: 4] . ثم قال: ﴿أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ [الأعراف: 4] التفاتاً ل «أهل» المحذوف. الثالث: أنّ ذلك يدل على تكرير الفعل كأنه قال: ارْجعنِي ارجعنِي نقله أبو البقاء وهو يشبه ما قالوه في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] أنه بمعنى: أَلْقِ أَلْقِ ثنّى الفعل للدلالة على ذلك، وأنشدوا: 3809 - قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِل ... أي: قف قف. فصل اعلم أنّه تعالى أخبر أنَّ هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت فقال: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت (قَالَ رَبِّ ارجعون﴾ ) ولم يقل: ارجعني، وهو يسأل الله وحده الرجعة لما تقدّم في الإعراب. وقال الضحّاك: كنت جالساً عند ابن عباس فقال: مَنْ لَمْ يُزَكِّ ولم يَحُج سأل الرجعة عند الموت، فقال رجل: إنما يسأل ذلك الكفار. فقال ابن عباس: أنا أقرأ عليك به قرآناً ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبِّ لولاا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: 10] . وقال عليه السلام: «إذا حضر الإنسان الموت جمع كل شيء كان يمنعه من حقه بين يديه فعنده يقول: ﴿رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ » . واختلفوا في وقت مسألة الرجعة، فالأكثرون على أنه يسأل حال المعاينة وقيل: بل عند معاينة النار في الآخرة، وهذا القائل إنَّما ترك ظاهر هذه الآية لمَّا أخبر الله - تعالى - عن أهل النار في الآخرة أنهم يسألون الرجعة. قوله: ﴿لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ أي: ضيّعتُ. أي: أقول لا إله إلاَّ الله. وقيل: أعمل بطاعة الله تعالى. وقيل: أعمل صالحاً فيما قصّرتُ، فيدخل فيه العبادات البدنية والمالية، وهذا أقرب، لأنهم تمنوا الرجعة ليصلحوا ما أفسدوه. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾ كيف يجوز أن يسأل الرجعة مع الشك. فالجواب: ليس المراد ب «لَعَّلَ» الشك فإِنَّه في هذا الوقت باذل للجهد في العزم على الطاعة إن أعطي ما سأل، فهو مِثْل من قَصّر في حق نفسه، وعرف سوء عاقبة ذلك التقصير، فيقول: مكنُونِي من التدارك لعلى أتدارك فيقول هذه الكلمة مع كونه جازماً بأنه سيتدارك. ويحتمل أيضاً أنَّ الأمر المستقبل إذا لم يعرفوه أوردُوا الكلام الموضوع للترجي والظن دون اليقين فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28] . قوله: «كَلاَّ» كلمة ردع وزجر أي: لا ترجع. معناه المنع طلبوا، كما يقال لطالب الأمر المُسْتبعد: هَيْهَات. ويحتمل أن يكون ذلك إخباراً بأنهم يقولون ذلك، وأنّ هذا الخبر حق، فكأنّه تعالى قال: حقاً إنّها كلمة هو قائلها. والأول أقرب. قوله: «إِنَّهَا كَلِمةٌ» من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل كقوله: «أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد» يعني قوله: 3810 - أَلاَ كُلُّ شَيءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِل ... وقد تقدم طرف من هذا في آل عمران. و «هُوَ قَائِلُهَا» صفة ل «كَلِمَة» . والمراد بالكلمة: سؤاله الرجعة: كلمة هو قائلها ولا ينالها، وقيل: معناه لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة عليه. قوله: «وَمِنْ وَرَائِهِمْ» أي: أمامهم وبين أيديهم. «بَرْزَخٌ» البرزخ: الحاجز بين المسافتين وقيل: الحجاب بين الشيئين أن يصل أحدهما إلى الآخر، وهو بمعنى الأوّل. وقال الراغب: أصلة برْزَة بالهاء فعُرّب، وهو في القيامة الحائل بين الإنسان وبين المنازل الرفيعة والبرزخ قبل البعث المنع بين الإنسان وبين الرجعة التي يتمناها. قال مجاهد: حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا. (وقال قتادة: بقيّة الدنيا) . قال الضحاك: البرزخ ما بين الموت إلى البعث. وقيل: القبر وهم فيه إلى يوم يبعثون.

المؤمنون 23:101

قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور﴾ الآية لمَّا قال: ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100] ذكر أحوال ذلك اليوم فقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور﴾ وقرأ العامة بضم الصاد وسكون الواو، وهو آلة إذا نُفِخ فيها ظهر صوت عظيم جعله الله علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات، قال عليه السلام: «إِنَّه قَرْنٌ يُنفخُ فِيه» وقرأ ابن عباس والحسن: بفتح الواو جمع صُورة. والمعنى: فإذا نُفخ في الصور أَرْوَاحها وقرأ أبو رزين: بكسر الصاد وفتح الواو، وهو شاذ. هذا عكس (لُحَى) بضم اللام جمع (لِحْية) بكسرها. وقيل: إنّ النفخ في الصور استعارة، والمراد منه البعث والحشر. قوله: «فَلا أَنْسَابَ» الأنساب جمع نَسَب، وهو القرابة من جهة الولادة، ويُعبّر به عن التواصل، وهو في الأصل مصدر قال: 3811 - لاَ نَسَبَ اليَوْمَ وَلاَ خُلَّةً ... اتسعَ الخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ قوله: «بَيْنَهُم» يجوز تعلقه بنفس «أَنْسَابَ» ، وكذلك «يَوْمَئِذٍ» ، أي: فلا قربة بينهم في ذلك اليوم. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنّه صفة ل «أَنْسَابَ» ، والتنوين في «يَوْمَئِذٍ» عوض عن جملة تقديره: يومئذ نفخ في الصور. فصل من المعلوم أنَّه تعالى إذا أَعادهم فالأنساب ثابتة، لأنّ المعاد هو الولد والوالد، فلا يجوز أن يكونَ المراد نفي النسب حقيقة بل المراد نفي حكمه وذلك من وجوه: أحدها: أنّ من حق النسب أنْ يقع به التعاطف والتراحم كما يُقال في الدنيا: أسألك باللَّه والرحم أن تفعل كذا، فنفى سبحانه ذلك من حيث أنَّ كل أحد من أهل النار يكون مشغولاً بنفسه، وذلك يمنعه من الالتفات إلى النسب كما أنَّ الإنسان في الدنيا إذا كان في آلام عظيمة ينسى ولده ووالده. وثانيها: أنَّ من حق النسب أنْ يحصل به التفاخر في الدنيا، وأنْ يسأل البعض عن أحوال البعض، وفي الآخرة لا يَتَفَرغونَ لذلك. وثالثها: أنّ ذلك عبارة عن الخوف الشديد، فكل امرئٍ مشغول بنفسه عن نسبه وأخيه وفصيلته التي تؤويه. قال ابن مسعود: يؤخذ العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الخلائق ينادي منادٍ ألا إنّ هذا فلان فمن له عليه حق فليأت إلى حقه، فيفرح المرء يومئذ أن يثبت له الحق على أمه أو أخيه أو أبيه ثم قرأ ابن مسعود ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ وروى عطاء عن ابن عباس: أنّها النفخة الثانية. ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لا يتفاخرون في الدنيا ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا مَنْ أنت؟ ومن أي قبيلة أنت؟ ولم يرد أنّ الأنساب تنقطع. فإن قيل: أليس قد جاء في الحديث: «كل سَبَبٍ ونسب ينقطع إلا سَبَبِي ونَسَبِي» قيل معناه: لا ينفع يوم القيامة سبب ولا نسب إلاّ سببه ونسبه، وهو الإيمان والقرآن. فإن قيل: قد قال ههنا «وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ» وقال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج: 10] . وقال ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 27] . فالجواب: رُوي عن ابن عباس أنّ للقيامة أحوالاً ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عِظَم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة يتساءلون. وقيل: إذا نفخ في الصور نفخة واحدة شُغلوا بأنفسهم عن التساؤل، فإذا نفخ فيه أخرى أقبل بعضهم على بعض وقالوا: ﴿ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: 52] . وقيل: المراد لا يتساءلون بحقوق النسب. وقيل: «لاَ يَتَسَاءَلُونَ» صفة للكفار لشدة خوفهم، وأمّا قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 27] فهو صفة أهل الجنة إذا دخلوها. وعن الشعبي قالت عائشة: «يا رسول الله أما نتعارف يوم القيامة أسمع الله يقول: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فقال عليه السلام» ثلاثة مواطن تذهل فيها كُلُّ مرضعةٍ عما أرضعت عند رؤية القيامة وعند الموازين وعلى جسر جهنم» . قوله: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فأولئك هُمُ المفلحون﴾ لمَّا ذكر القيامة شرح أحوال السعداء والأشقياء. قيل المراد بالموازين الأعمال فمن أُتِيَ بِمَا لَهُ قدر وخطر فهو الفائز المفلح، ومن أتي بِمَا لاَ وزن له ولا قدر فهو الخاسر. وقال ابن عباس: الموازين جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال الصالحة التي لها وزن وقدر عند الله من قوله: ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً﴾ [الكهف: 105] أي: قدراً وقيل: ميزان له لسان وكفتان يوزن به الحسنات في أحسن صورة، والسيّئات في أقبح صورة. وتقدّم ذلك في سورة الأنبياء. قوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولئك الذين خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس: غبنوها بأن صارت منازلهم للمؤمنين. وقيل: امتنع انتفاعهم بأنفسهم لكونهم في العذاب. قوله: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ يجوز أن يكون» خَالِدُونَ «خبراً ثانياً ل (أُولَئِكَ) ، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هم خالدون. وقال الزمخشري: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ بدل من» خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ «، ولا محل للبدل والمبدل منه، لأنّ الصلة لا محل لها. قال أبو حيان: جعل» فِي جَهَنَّمَ «بدلاً من (خَسِرُوا) ، وهذا بدل غريب، وحقيقته أن يكون البدل الفعل الذي تعلق به» فِي جَهَنَّمَ «أي: استقروا في جهنم وهو بدل شيء من شيء لأنّ من خسر نفسه استقر في جهنم. قال شهاب الدين: فجعل الشيخ الجار والمجرور البدل دون» خالدون «، والزمخشري جعل جميع ذلك بدلاً، بدليل قوله بعد ذلك: أو خبراً بعد خبر، ل» أُولَئِكَ «أو خبر مبتدأ محذوف. وهذان إنّما يليقان ب» خَالِدُونَ «، وأما» فِي جهنَّم «فمتعلق به، فيحتاج كلام الزمخشري إلى جواب، وأيضاً فيصير» خَالِدُونَ «معلقاً. وجوَّز أبو البقاء أن يكون الموصول نعتاً لاسم الإشارة، وفيه نظر، إذ الظاهر كونه خبراً له. قوله:» تَلْفَحُ» يجوز استئنافه، ويجوز حَالِيته، ويجوز كونه خبراً ل «أُولَئِك» . واللَّفْحُ إصابة النار الشيء بِوَهجها وإحراقها له، وهو أشدُّ من النفح، وقد تقدّم النفح في الأنبياء. قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ الكُلُوح تشمير الشفة العليا، واسترخاء السفلى. قال عليه السلام في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: «تَشْويه النَّارُ فَتَقْلِصُ شَفَتُه العُلْيَا حَتّى تَبْلغ وَسَطَ رَأْسِه، وتَسْترخِي شَفَتُهُ السُفْلَى حَتّى تَبْلغَ سُرَّتَهُ» وقال أبو هريرة: يعظم الكافر في النار مسيرة سبع ليال ضرسه مثل أحد، وشفاههم عند سررهم سود زرق خنق مقبوحون. ومنه كُلُوح الأسد أي: تكشيره عن أنيابه، ودهرٌ كالح (وبرد كالح) أي: شديد وقيل الكُلُوح: تقطيب الوجه وتسوره، وكَلَحَ الرجلُ يَكْلَحُ كُلُوحاً (وكُلاَحاً) . قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن تخوفون بها ﴿فكنتم بها تكذبون﴾ قالت المعتزلة دلّت الآية على أنهم إنّما عُذِّبُوا بسوء أفعالهم، ولو كان فعل العبد بخلق الله لما صحّ ذلك. والجواب: أن القادر على الطاعة والمعصية إنْ صدرت المعصية عنه لا لِمُرجح ألبتّة كان صدورها عنه اتفاقيّاً لا اختيارياً فوجب أن لا يستحق العقاب، وإن كان لمرجح فذلك المرجح ليس من فعله وإلاّ لزم التسلسل فحينئذ يكون صدور تلك الطاعة عنه اضطرارياً لا اختيارياً فوجب أن لا يستحق الثواب.

المؤمنون 23:102

قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور﴾ الآية لمَّا قال: ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100] ذكر أحوال ذلك اليوم فقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور﴾ وقرأ العامة بضم الصاد وسكون الواو، وهو آلة إذا نُفِخ فيها ظهر صوت عظيم جعله الله علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات، قال عليه السلام: «إِنَّه قَرْنٌ يُنفخُ فِيه» وقرأ ابن عباس والحسن: بفتح الواو جمع صُورة. والمعنى: فإذا نُفخ في الصور أَرْوَاحها وقرأ أبو رزين: بكسر الصاد وفتح الواو، وهو شاذ. هذا عكس (لُحَى) بضم اللام جمع (لِحْية) بكسرها. وقيل: إنّ النفخ في الصور استعارة، والمراد منه البعث والحشر. قوله: «فَلا أَنْسَابَ» الأنساب جمع نَسَب، وهو القرابة من جهة الولادة، ويُعبّر به عن التواصل، وهو في الأصل مصدر قال: 3811 - لاَ نَسَبَ اليَوْمَ وَلاَ خُلَّةً ... اتسعَ الخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ قوله: «بَيْنَهُم» يجوز تعلقه بنفس «أَنْسَابَ» ، وكذلك «يَوْمَئِذٍ» ، أي: فلا قربة بينهم في ذلك اليوم. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنّه صفة ل «أَنْسَابَ» ، والتنوين في «يَوْمَئِذٍ» عوض عن جملة تقديره: يومئذ نفخ في الصور. فصل من المعلوم أنَّه تعالى إذا أَعادهم فالأنساب ثابتة، لأنّ المعاد هو الولد والوالد، فلا يجوز أن يكونَ المراد نفي النسب حقيقة بل المراد نفي حكمه وذلك من وجوه: أحدها: أنّ من حق النسب أنْ يقع به التعاطف والتراحم كما يُقال في الدنيا: أسألك باللَّه والرحم أن تفعل كذا، فنفى سبحانه ذلك من حيث أنَّ كل أحد من أهل النار يكون مشغولاً بنفسه، وذلك يمنعه من الالتفات إلى النسب كما أنَّ الإنسان في الدنيا إذا كان في آلام عظيمة ينسى ولده ووالده. وثانيها: أنَّ من حق النسب أنْ يحصل به التفاخر في الدنيا، وأنْ يسأل البعض عن أحوال البعض، وفي الآخرة لا يَتَفَرغونَ لذلك. وثالثها: أنّ ذلك عبارة عن الخوف الشديد، فكل امرئٍ مشغول بنفسه عن نسبه وأخيه وفصيلته التي تؤويه. قال ابن مسعود: يؤخذ العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الخلائق ينادي منادٍ ألا إنّ هذا فلان فمن له عليه حق فليأت إلى حقه، فيفرح المرء يومئذ أن يثبت له الحق على أمه أو أخيه أو أبيه ثم قرأ ابن مسعود ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ وروى عطاء عن ابن عباس: أنّها النفخة الثانية. ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لا يتفاخرون في الدنيا ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا مَنْ أنت؟ ومن أي قبيلة أنت؟ ولم يرد أنّ الأنساب تنقطع. فإن قيل: أليس قد جاء في الحديث: «كل سَبَبٍ ونسب ينقطع إلا سَبَبِي ونَسَبِي» قيل معناه: لا ينفع يوم القيامة سبب ولا نسب إلاّ سببه ونسبه، وهو الإيمان والقرآن. فإن قيل: قد قال ههنا «وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ» وقال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج: 10] . وقال ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 27] . فالجواب: رُوي عن ابن عباس أنّ للقيامة أحوالاً ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عِظَم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة يتساءلون. وقيل: إذا نفخ في الصور نفخة واحدة شُغلوا بأنفسهم عن التساؤل، فإذا نفخ فيه أخرى أقبل بعضهم على بعض وقالوا: ﴿ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: 52] . وقيل: المراد لا يتساءلون بحقوق النسب. وقيل: «لاَ يَتَسَاءَلُونَ» صفة للكفار لشدة خوفهم، وأمّا قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 27] فهو صفة أهل الجنة إذا دخلوها. وعن الشعبي قالت عائشة: «يا رسول الله أما نتعارف يوم القيامة أسمع الله يقول: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فقال عليه السلام» ثلاثة مواطن تذهل فيها كُلُّ مرضعةٍ عما أرضعت عند رؤية القيامة وعند الموازين وعلى جسر جهنم» . قوله: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فأولئك هُمُ المفلحون﴾ لمَّا ذكر القيامة شرح أحوال السعداء والأشقياء. قيل المراد بالموازين الأعمال فمن أُتِيَ بِمَا لَهُ قدر وخطر فهو الفائز المفلح، ومن أتي بِمَا لاَ وزن له ولا قدر فهو الخاسر. وقال ابن عباس: الموازين جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال الصالحة التي لها وزن وقدر عند الله من قوله: ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً﴾ [الكهف: 105] أي: قدراً وقيل: ميزان له لسان وكفتان يوزن به الحسنات في أحسن صورة، والسيّئات في أقبح صورة. وتقدّم ذلك في سورة الأنبياء. قوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولئك الذين خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس: غبنوها بأن صارت منازلهم للمؤمنين. وقيل: امتنع انتفاعهم بأنفسهم لكونهم في العذاب. قوله: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ يجوز أن يكون» خَالِدُونَ «خبراً ثانياً ل (أُولَئِكَ) ، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هم خالدون. وقال الزمخشري: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ بدل من» خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ «، ولا محل للبدل والمبدل منه، لأنّ الصلة لا محل لها. قال أبو حيان: جعل» فِي جَهَنَّمَ «بدلاً من (خَسِرُوا) ، وهذا بدل غريب، وحقيقته أن يكون البدل الفعل الذي تعلق به» فِي جَهَنَّمَ «أي: استقروا في جهنم وهو بدل شيء من شيء لأنّ من خسر نفسه استقر في جهنم. قال شهاب الدين: فجعل الشيخ الجار والمجرور البدل دون» خالدون «، والزمخشري جعل جميع ذلك بدلاً، بدليل قوله بعد ذلك: أو خبراً بعد خبر، ل» أُولَئِكَ «أو خبر مبتدأ محذوف. وهذان إنّما يليقان ب» خَالِدُونَ «، وأما» فِي جهنَّم «فمتعلق به، فيحتاج كلام الزمخشري إلى جواب، وأيضاً فيصير» خَالِدُونَ «معلقاً. وجوَّز أبو البقاء أن يكون الموصول نعتاً لاسم الإشارة، وفيه نظر، إذ الظاهر كونه خبراً له. قوله:» تَلْفَحُ» يجوز استئنافه، ويجوز حَالِيته، ويجوز كونه خبراً ل «أُولَئِك» . واللَّفْحُ إصابة النار الشيء بِوَهجها وإحراقها له، وهو أشدُّ من النفح، وقد تقدّم النفح في الأنبياء. قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ الكُلُوح تشمير الشفة العليا، واسترخاء السفلى. قال عليه السلام في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: «تَشْويه النَّارُ فَتَقْلِصُ شَفَتُه العُلْيَا حَتّى تَبْلغ وَسَطَ رَأْسِه، وتَسْترخِي شَفَتُهُ السُفْلَى حَتّى تَبْلغَ سُرَّتَهُ» وقال أبو هريرة: يعظم الكافر في النار مسيرة سبع ليال ضرسه مثل أحد، وشفاههم عند سررهم سود زرق خنق مقبوحون. ومنه كُلُوح الأسد أي: تكشيره عن أنيابه، ودهرٌ كالح (وبرد كالح) أي: شديد وقيل الكُلُوح: تقطيب الوجه وتسوره، وكَلَحَ الرجلُ يَكْلَحُ كُلُوحاً (وكُلاَحاً) . قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن تخوفون بها ﴿فكنتم بها تكذبون﴾ قالت المعتزلة دلّت الآية على أنهم إنّما عُذِّبُوا بسوء أفعالهم، ولو كان فعل العبد بخلق الله لما صحّ ذلك. والجواب: أن القادر على الطاعة والمعصية إنْ صدرت المعصية عنه لا لِمُرجح ألبتّة كان صدورها عنه اتفاقيّاً لا اختيارياً فوجب أن لا يستحق العقاب، وإن كان لمرجح فذلك المرجح ليس من فعله وإلاّ لزم التسلسل فحينئذ يكون صدور تلك الطاعة عنه اضطرارياً لا اختيارياً فوجب أن لا يستحق الثواب.

المؤمنون 23:103

قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور﴾ الآية لمَّا قال: ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100] ذكر أحوال ذلك اليوم فقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور﴾ وقرأ العامة بضم الصاد وسكون الواو، وهو آلة إذا نُفِخ فيها ظهر صوت عظيم جعله الله علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات، قال عليه السلام: «إِنَّه قَرْنٌ يُنفخُ فِيه» وقرأ ابن عباس والحسن: بفتح الواو جمع صُورة. والمعنى: فإذا نُفخ في الصور أَرْوَاحها وقرأ أبو رزين: بكسر الصاد وفتح الواو، وهو شاذ. هذا عكس (لُحَى) بضم اللام جمع (لِحْية) بكسرها. وقيل: إنّ النفخ في الصور استعارة، والمراد منه البعث والحشر. قوله: «فَلا أَنْسَابَ» الأنساب جمع نَسَب، وهو القرابة من جهة الولادة، ويُعبّر به عن التواصل، وهو في الأصل مصدر قال: 3811 - لاَ نَسَبَ اليَوْمَ وَلاَ خُلَّةً ... اتسعَ الخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ قوله: «بَيْنَهُم» يجوز تعلقه بنفس «أَنْسَابَ» ، وكذلك «يَوْمَئِذٍ» ، أي: فلا قربة بينهم في ذلك اليوم. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنّه صفة ل «أَنْسَابَ» ، والتنوين في «يَوْمَئِذٍ» عوض عن جملة تقديره: يومئذ نفخ في الصور. فصل من المعلوم أنَّه تعالى إذا أَعادهم فالأنساب ثابتة، لأنّ المعاد هو الولد والوالد، فلا يجوز أن يكونَ المراد نفي النسب حقيقة بل المراد نفي حكمه وذلك من وجوه: أحدها: أنّ من حق النسب أنْ يقع به التعاطف والتراحم كما يُقال في الدنيا: أسألك باللَّه والرحم أن تفعل كذا، فنفى سبحانه ذلك من حيث أنَّ كل أحد من أهل النار يكون مشغولاً بنفسه، وذلك يمنعه من الالتفات إلى النسب كما أنَّ الإنسان في الدنيا إذا كان في آلام عظيمة ينسى ولده ووالده. وثانيها: أنَّ من حق النسب أنْ يحصل به التفاخر في الدنيا، وأنْ يسأل البعض عن أحوال البعض، وفي الآخرة لا يَتَفَرغونَ لذلك. وثالثها: أنّ ذلك عبارة عن الخوف الشديد، فكل امرئٍ مشغول بنفسه عن نسبه وأخيه وفصيلته التي تؤويه. قال ابن مسعود: يؤخذ العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الخلائق ينادي منادٍ ألا إنّ هذا فلان فمن له عليه حق فليأت إلى حقه، فيفرح المرء يومئذ أن يثبت له الحق على أمه أو أخيه أو أبيه ثم قرأ ابن مسعود ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ وروى عطاء عن ابن عباس: أنّها النفخة الثانية. ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لا يتفاخرون في الدنيا ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا مَنْ أنت؟ ومن أي قبيلة أنت؟ ولم يرد أنّ الأنساب تنقطع. فإن قيل: أليس قد جاء في الحديث: «كل سَبَبٍ ونسب ينقطع إلا سَبَبِي ونَسَبِي» قيل معناه: لا ينفع يوم القيامة سبب ولا نسب إلاّ سببه ونسبه، وهو الإيمان والقرآن. فإن قيل: قد قال ههنا «وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ» وقال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج: 10] . وقال ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 27] . فالجواب: رُوي عن ابن عباس أنّ للقيامة أحوالاً ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عِظَم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة يتساءلون. وقيل: إذا نفخ في الصور نفخة واحدة شُغلوا بأنفسهم عن التساؤل، فإذا نفخ فيه أخرى أقبل بعضهم على بعض وقالوا: ﴿ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: 52] . وقيل: المراد لا يتساءلون بحقوق النسب. وقيل: «لاَ يَتَسَاءَلُونَ» صفة للكفار لشدة خوفهم، وأمّا قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 27] فهو صفة أهل الجنة إذا دخلوها. وعن الشعبي قالت عائشة: «يا رسول الله أما نتعارف يوم القيامة أسمع الله يقول: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فقال عليه السلام» ثلاثة مواطن تذهل فيها كُلُّ مرضعةٍ عما أرضعت عند رؤية القيامة وعند الموازين وعلى جسر جهنم» . قوله: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فأولئك هُمُ المفلحون﴾ لمَّا ذكر القيامة شرح أحوال السعداء والأشقياء. قيل المراد بالموازين الأعمال فمن أُتِيَ بِمَا لَهُ قدر وخطر فهو الفائز المفلح، ومن أتي بِمَا لاَ وزن له ولا قدر فهو الخاسر. وقال ابن عباس: الموازين جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال الصالحة التي لها وزن وقدر عند الله من قوله: ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً﴾ [الكهف: 105] أي: قدراً وقيل: ميزان له لسان وكفتان يوزن به الحسنات في أحسن صورة، والسيّئات في أقبح صورة. وتقدّم ذلك في سورة الأنبياء. قوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولئك الذين خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس: غبنوها بأن صارت منازلهم للمؤمنين. وقيل: امتنع انتفاعهم بأنفسهم لكونهم في العذاب. قوله: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ يجوز أن يكون» خَالِدُونَ «خبراً ثانياً ل (أُولَئِكَ) ، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هم خالدون. وقال الزمخشري: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ بدل من» خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ «، ولا محل للبدل والمبدل منه، لأنّ الصلة لا محل لها. قال أبو حيان: جعل» فِي جَهَنَّمَ «بدلاً من (خَسِرُوا) ، وهذا بدل غريب، وحقيقته أن يكون البدل الفعل الذي تعلق به» فِي جَهَنَّمَ «أي: استقروا في جهنم وهو بدل شيء من شيء لأنّ من خسر نفسه استقر في جهنم. قال شهاب الدين: فجعل الشيخ الجار والمجرور البدل دون» خالدون «، والزمخشري جعل جميع ذلك بدلاً، بدليل قوله بعد ذلك: أو خبراً بعد خبر، ل» أُولَئِكَ «أو خبر مبتدأ محذوف. وهذان إنّما يليقان ب» خَالِدُونَ «، وأما» فِي جهنَّم «فمتعلق به، فيحتاج كلام الزمخشري إلى جواب، وأيضاً فيصير» خَالِدُونَ «معلقاً. وجوَّز أبو البقاء أن يكون الموصول نعتاً لاسم الإشارة، وفيه نظر، إذ الظاهر كونه خبراً له. قوله:» تَلْفَحُ» يجوز استئنافه، ويجوز حَالِيته، ويجوز كونه خبراً ل «أُولَئِك» . واللَّفْحُ إصابة النار الشيء بِوَهجها وإحراقها له، وهو أشدُّ من النفح، وقد تقدّم النفح في الأنبياء. قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ الكُلُوح تشمير الشفة العليا، واسترخاء السفلى. قال عليه السلام في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: «تَشْويه النَّارُ فَتَقْلِصُ شَفَتُه العُلْيَا حَتّى تَبْلغ وَسَطَ رَأْسِه، وتَسْترخِي شَفَتُهُ السُفْلَى حَتّى تَبْلغَ سُرَّتَهُ» وقال أبو هريرة: يعظم الكافر في النار مسيرة سبع ليال ضرسه مثل أحد، وشفاههم عند سررهم سود زرق خنق مقبوحون. ومنه كُلُوح الأسد أي: تكشيره عن أنيابه، ودهرٌ كالح (وبرد كالح) أي: شديد وقيل الكُلُوح: تقطيب الوجه وتسوره، وكَلَحَ الرجلُ يَكْلَحُ كُلُوحاً (وكُلاَحاً) . قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن تخوفون بها ﴿فكنتم بها تكذبون﴾ قالت المعتزلة دلّت الآية على أنهم إنّما عُذِّبُوا بسوء أفعالهم، ولو كان فعل العبد بخلق الله لما صحّ ذلك. والجواب: أن القادر على الطاعة والمعصية إنْ صدرت المعصية عنه لا لِمُرجح ألبتّة كان صدورها عنه اتفاقيّاً لا اختيارياً فوجب أن لا يستحق العقاب، وإن كان لمرجح فذلك المرجح ليس من فعله وإلاّ لزم التسلسل فحينئذ يكون صدور تلك الطاعة عنه اضطرارياً لا اختيارياً فوجب أن لا يستحق الثواب.

المؤمنون 23:104

قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور﴾ الآية لمَّا قال: ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100] ذكر أحوال ذلك اليوم فقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور﴾ وقرأ العامة بضم الصاد وسكون الواو، وهو آلة إذا نُفِخ فيها ظهر صوت عظيم جعله الله علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات، قال عليه السلام: «إِنَّه قَرْنٌ يُنفخُ فِيه» وقرأ ابن عباس والحسن: بفتح الواو جمع صُورة. والمعنى: فإذا نُفخ في الصور أَرْوَاحها وقرأ أبو رزين: بكسر الصاد وفتح الواو، وهو شاذ. هذا عكس (لُحَى) بضم اللام جمع (لِحْية) بكسرها. وقيل: إنّ النفخ في الصور استعارة، والمراد منه البعث والحشر. قوله: «فَلا أَنْسَابَ» الأنساب جمع نَسَب، وهو القرابة من جهة الولادة، ويُعبّر به عن التواصل، وهو في الأصل مصدر قال: 3811 - لاَ نَسَبَ اليَوْمَ وَلاَ خُلَّةً ... اتسعَ الخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ قوله: «بَيْنَهُم» يجوز تعلقه بنفس «أَنْسَابَ» ، وكذلك «يَوْمَئِذٍ» ، أي: فلا قربة بينهم في ذلك اليوم. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنّه صفة ل «أَنْسَابَ» ، والتنوين في «يَوْمَئِذٍ» عوض عن جملة تقديره: يومئذ نفخ في الصور. فصل من المعلوم أنَّه تعالى إذا أَعادهم فالأنساب ثابتة، لأنّ المعاد هو الولد والوالد، فلا يجوز أن يكونَ المراد نفي النسب حقيقة بل المراد نفي حكمه وذلك من وجوه: أحدها: أنّ من حق النسب أنْ يقع به التعاطف والتراحم كما يُقال في الدنيا: أسألك باللَّه والرحم أن تفعل كذا، فنفى سبحانه ذلك من حيث أنَّ كل أحد من أهل النار يكون مشغولاً بنفسه، وذلك يمنعه من الالتفات إلى النسب كما أنَّ الإنسان في الدنيا إذا كان في آلام عظيمة ينسى ولده ووالده. وثانيها: أنَّ من حق النسب أنْ يحصل به التفاخر في الدنيا، وأنْ يسأل البعض عن أحوال البعض، وفي الآخرة لا يَتَفَرغونَ لذلك. وثالثها: أنّ ذلك عبارة عن الخوف الشديد، فكل امرئٍ مشغول بنفسه عن نسبه وأخيه وفصيلته التي تؤويه. قال ابن مسعود: يؤخذ العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الخلائق ينادي منادٍ ألا إنّ هذا فلان فمن له عليه حق فليأت إلى حقه، فيفرح المرء يومئذ أن يثبت له الحق على أمه أو أخيه أو أبيه ثم قرأ ابن مسعود ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ وروى عطاء عن ابن عباس: أنّها النفخة الثانية. ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لا يتفاخرون في الدنيا ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا مَنْ أنت؟ ومن أي قبيلة أنت؟ ولم يرد أنّ الأنساب تنقطع. فإن قيل: أليس قد جاء في الحديث: «كل سَبَبٍ ونسب ينقطع إلا سَبَبِي ونَسَبِي» قيل معناه: لا ينفع يوم القيامة سبب ولا نسب إلاّ سببه ونسبه، وهو الإيمان والقرآن. فإن قيل: قد قال ههنا «وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ» وقال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج: 10] . وقال ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 27] . فالجواب: رُوي عن ابن عباس أنّ للقيامة أحوالاً ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عِظَم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة يتساءلون. وقيل: إذا نفخ في الصور نفخة واحدة شُغلوا بأنفسهم عن التساؤل، فإذا نفخ فيه أخرى أقبل بعضهم على بعض وقالوا: ﴿ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: 52] . وقيل: المراد لا يتساءلون بحقوق النسب. وقيل: «لاَ يَتَسَاءَلُونَ» صفة للكفار لشدة خوفهم، وأمّا قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 27] فهو صفة أهل الجنة إذا دخلوها. وعن الشعبي قالت عائشة: «يا رسول الله أما نتعارف يوم القيامة أسمع الله يقول: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فقال عليه السلام» ثلاثة مواطن تذهل فيها كُلُّ مرضعةٍ عما أرضعت عند رؤية القيامة وعند الموازين وعلى جسر جهنم» . قوله: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فأولئك هُمُ المفلحون﴾ لمَّا ذكر القيامة شرح أحوال السعداء والأشقياء. قيل المراد بالموازين الأعمال فمن أُتِيَ بِمَا لَهُ قدر وخطر فهو الفائز المفلح، ومن أتي بِمَا لاَ وزن له ولا قدر فهو الخاسر. وقال ابن عباس: الموازين جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال الصالحة التي لها وزن وقدر عند الله من قوله: ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً﴾ [الكهف: 105] أي: قدراً وقيل: ميزان له لسان وكفتان يوزن به الحسنات في أحسن صورة، والسيّئات في أقبح صورة. وتقدّم ذلك في سورة الأنبياء. قوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولئك الذين خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس: غبنوها بأن صارت منازلهم للمؤمنين. وقيل: امتنع انتفاعهم بأنفسهم لكونهم في العذاب. قوله: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ يجوز أن يكون» خَالِدُونَ «خبراً ثانياً ل (أُولَئِكَ) ، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هم خالدون. وقال الزمخشري: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ بدل من» خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ «، ولا محل للبدل والمبدل منه، لأنّ الصلة لا محل لها. قال أبو حيان: جعل» فِي جَهَنَّمَ «بدلاً من (خَسِرُوا) ، وهذا بدل غريب، وحقيقته أن يكون البدل الفعل الذي تعلق به» فِي جَهَنَّمَ «أي: استقروا في جهنم وهو بدل شيء من شيء لأنّ من خسر نفسه استقر في جهنم. قال شهاب الدين: فجعل الشيخ الجار والمجرور البدل دون» خالدون «، والزمخشري جعل جميع ذلك بدلاً، بدليل قوله بعد ذلك: أو خبراً بعد خبر، ل» أُولَئِكَ «أو خبر مبتدأ محذوف. وهذان إنّما يليقان ب» خَالِدُونَ «، وأما» فِي جهنَّم «فمتعلق به، فيحتاج كلام الزمخشري إلى جواب، وأيضاً فيصير» خَالِدُونَ «معلقاً. وجوَّز أبو البقاء أن يكون الموصول نعتاً لاسم الإشارة، وفيه نظر، إذ الظاهر كونه خبراً له. قوله:» تَلْفَحُ» يجوز استئنافه، ويجوز حَالِيته، ويجوز كونه خبراً ل «أُولَئِك» . واللَّفْحُ إصابة النار الشيء بِوَهجها وإحراقها له، وهو أشدُّ من النفح، وقد تقدّم النفح في الأنبياء. قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ الكُلُوح تشمير الشفة العليا، واسترخاء السفلى. قال عليه السلام في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: «تَشْويه النَّارُ فَتَقْلِصُ شَفَتُه العُلْيَا حَتّى تَبْلغ وَسَطَ رَأْسِه، وتَسْترخِي شَفَتُهُ السُفْلَى حَتّى تَبْلغَ سُرَّتَهُ» وقال أبو هريرة: يعظم الكافر في النار مسيرة سبع ليال ضرسه مثل أحد، وشفاههم عند سررهم سود زرق خنق مقبوحون. ومنه كُلُوح الأسد أي: تكشيره عن أنيابه، ودهرٌ كالح (وبرد كالح) أي: شديد وقيل الكُلُوح: تقطيب الوجه وتسوره، وكَلَحَ الرجلُ يَكْلَحُ كُلُوحاً (وكُلاَحاً) . قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن تخوفون بها ﴿فكنتم بها تكذبون﴾ قالت المعتزلة دلّت الآية على أنهم إنّما عُذِّبُوا بسوء أفعالهم، ولو كان فعل العبد بخلق الله لما صحّ ذلك. والجواب: أن القادر على الطاعة والمعصية إنْ صدرت المعصية عنه لا لِمُرجح ألبتّة كان صدورها عنه اتفاقيّاً لا اختيارياً فوجب أن لا يستحق العقاب، وإن كان لمرجح فذلك المرجح ليس من فعله وإلاّ لزم التسلسل فحينئذ يكون صدور تلك الطاعة عنه اضطرارياً لا اختيارياً فوجب أن لا يستحق الثواب.

المؤمنون 23:105

قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور﴾ الآية لمَّا قال: ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100] ذكر أحوال ذلك اليوم فقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور﴾ وقرأ العامة بضم الصاد وسكون الواو، وهو آلة إذا نُفِخ فيها ظهر صوت عظيم جعله الله علامة لخراب الدنيا ولإعادة الأموات، قال عليه السلام: «إِنَّه قَرْنٌ يُنفخُ فِيه» وقرأ ابن عباس والحسن: بفتح الواو جمع صُورة. والمعنى: فإذا نُفخ في الصور أَرْوَاحها وقرأ أبو رزين: بكسر الصاد وفتح الواو، وهو شاذ. هذا عكس (لُحَى) بضم اللام جمع (لِحْية) بكسرها. وقيل: إنّ النفخ في الصور استعارة، والمراد منه البعث والحشر. قوله: «فَلا أَنْسَابَ» الأنساب جمع نَسَب، وهو القرابة من جهة الولادة، ويُعبّر به عن التواصل، وهو في الأصل مصدر قال: 3811 - لاَ نَسَبَ اليَوْمَ وَلاَ خُلَّةً ... اتسعَ الخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ قوله: «بَيْنَهُم» يجوز تعلقه بنفس «أَنْسَابَ» ، وكذلك «يَوْمَئِذٍ» ، أي: فلا قربة بينهم في ذلك اليوم. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنّه صفة ل «أَنْسَابَ» ، والتنوين في «يَوْمَئِذٍ» عوض عن جملة تقديره: يومئذ نفخ في الصور. فصل من المعلوم أنَّه تعالى إذا أَعادهم فالأنساب ثابتة، لأنّ المعاد هو الولد والوالد، فلا يجوز أن يكونَ المراد نفي النسب حقيقة بل المراد نفي حكمه وذلك من وجوه: أحدها: أنّ من حق النسب أنْ يقع به التعاطف والتراحم كما يُقال في الدنيا: أسألك باللَّه والرحم أن تفعل كذا، فنفى سبحانه ذلك من حيث أنَّ كل أحد من أهل النار يكون مشغولاً بنفسه، وذلك يمنعه من الالتفات إلى النسب كما أنَّ الإنسان في الدنيا إذا كان في آلام عظيمة ينسى ولده ووالده. وثانيها: أنَّ من حق النسب أنْ يحصل به التفاخر في الدنيا، وأنْ يسأل البعض عن أحوال البعض، وفي الآخرة لا يَتَفَرغونَ لذلك. وثالثها: أنّ ذلك عبارة عن الخوف الشديد، فكل امرئٍ مشغول بنفسه عن نسبه وأخيه وفصيلته التي تؤويه. قال ابن مسعود: يؤخذ العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الخلائق ينادي منادٍ ألا إنّ هذا فلان فمن له عليه حق فليأت إلى حقه، فيفرح المرء يومئذ أن يثبت له الحق على أمه أو أخيه أو أبيه ثم قرأ ابن مسعود ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ وروى عطاء عن ابن عباس: أنّها النفخة الثانية. ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: لا يتفاخرون في الدنيا ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا مَنْ أنت؟ ومن أي قبيلة أنت؟ ولم يرد أنّ الأنساب تنقطع. فإن قيل: أليس قد جاء في الحديث: «كل سَبَبٍ ونسب ينقطع إلا سَبَبِي ونَسَبِي» قيل معناه: لا ينفع يوم القيامة سبب ولا نسب إلاّ سببه ونسبه، وهو الإيمان والقرآن. فإن قيل: قد قال ههنا «وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ» وقال: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ [المعارج: 10] . وقال ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 27] . فالجواب: رُوي عن ابن عباس أنّ للقيامة أحوالاً ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف فيشغلهم عِظَم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة يتساءلون. وقيل: إذا نفخ في الصور نفخة واحدة شُغلوا بأنفسهم عن التساؤل، فإذا نفخ فيه أخرى أقبل بعضهم على بعض وقالوا: ﴿ياويلنا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ [يس: 52] . وقيل: المراد لا يتساءلون بحقوق النسب. وقيل: «لاَ يَتَسَاءَلُونَ» صفة للكفار لشدة خوفهم، وأمّا قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 27] فهو صفة أهل الجنة إذا دخلوها. وعن الشعبي قالت عائشة: «يا رسول الله أما نتعارف يوم القيامة أسمع الله يقول: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فقال عليه السلام» ثلاثة مواطن تذهل فيها كُلُّ مرضعةٍ عما أرضعت عند رؤية القيامة وعند الموازين وعلى جسر جهنم» . قوله: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فأولئك هُمُ المفلحون﴾ لمَّا ذكر القيامة شرح أحوال السعداء والأشقياء. قيل المراد بالموازين الأعمال فمن أُتِيَ بِمَا لَهُ قدر وخطر فهو الفائز المفلح، ومن أتي بِمَا لاَ وزن له ولا قدر فهو الخاسر. وقال ابن عباس: الموازين جمع موزون وهي الموزونات من الأعمال الصالحة التي لها وزن وقدر عند الله من قوله: ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً﴾ [الكهف: 105] أي: قدراً وقيل: ميزان له لسان وكفتان يوزن به الحسنات في أحسن صورة، والسيّئات في أقبح صورة. وتقدّم ذلك في سورة الأنبياء. قوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولئك الذين خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس: غبنوها بأن صارت منازلهم للمؤمنين. وقيل: امتنع انتفاعهم بأنفسهم لكونهم في العذاب. قوله: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ يجوز أن يكون» خَالِدُونَ «خبراً ثانياً ل (أُولَئِكَ) ، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي: هم خالدون. وقال الزمخشري: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ بدل من» خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ «، ولا محل للبدل والمبدل منه، لأنّ الصلة لا محل لها. قال أبو حيان: جعل» فِي جَهَنَّمَ «بدلاً من (خَسِرُوا) ، وهذا بدل غريب، وحقيقته أن يكون البدل الفعل الذي تعلق به» فِي جَهَنَّمَ «أي: استقروا في جهنم وهو بدل شيء من شيء لأنّ من خسر نفسه استقر في جهنم. قال شهاب الدين: فجعل الشيخ الجار والمجرور البدل دون» خالدون «، والزمخشري جعل جميع ذلك بدلاً، بدليل قوله بعد ذلك: أو خبراً بعد خبر، ل» أُولَئِكَ «أو خبر مبتدأ محذوف. وهذان إنّما يليقان ب» خَالِدُونَ «، وأما» فِي جهنَّم «فمتعلق به، فيحتاج كلام الزمخشري إلى جواب، وأيضاً فيصير» خَالِدُونَ «معلقاً. وجوَّز أبو البقاء أن يكون الموصول نعتاً لاسم الإشارة، وفيه نظر، إذ الظاهر كونه خبراً له. قوله:» تَلْفَحُ» يجوز استئنافه، ويجوز حَالِيته، ويجوز كونه خبراً ل «أُولَئِك» . واللَّفْحُ إصابة النار الشيء بِوَهجها وإحراقها له، وهو أشدُّ من النفح، وقد تقدّم النفح في الأنبياء. قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ الكُلُوح تشمير الشفة العليا، واسترخاء السفلى. قال عليه السلام في قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: «تَشْويه النَّارُ فَتَقْلِصُ شَفَتُه العُلْيَا حَتّى تَبْلغ وَسَطَ رَأْسِه، وتَسْترخِي شَفَتُهُ السُفْلَى حَتّى تَبْلغَ سُرَّتَهُ» وقال أبو هريرة: يعظم الكافر في النار مسيرة سبع ليال ضرسه مثل أحد، وشفاههم عند سررهم سود زرق خنق مقبوحون. ومنه كُلُوح الأسد أي: تكشيره عن أنيابه، ودهرٌ كالح (وبرد كالح) أي: شديد وقيل الكُلُوح: تقطيب الوجه وتسوره، وكَلَحَ الرجلُ يَكْلَحُ كُلُوحاً (وكُلاَحاً) . قوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن تخوفون بها ﴿فكنتم بها تكذبون﴾ قالت المعتزلة دلّت الآية على أنهم إنّما عُذِّبُوا بسوء أفعالهم، ولو كان فعل العبد بخلق الله لما صحّ ذلك. والجواب: أن القادر على الطاعة والمعصية إنْ صدرت المعصية عنه لا لِمُرجح ألبتّة كان صدورها عنه اتفاقيّاً لا اختيارياً فوجب أن لا يستحق العقاب، وإن كان لمرجح فذلك المرجح ليس من فعله وإلاّ لزم التسلسل فحينئذ يكون صدور تلك الطاعة عنه اضطرارياً لا اختيارياً فوجب أن لا يستحق الثواب.

المؤمنون 23:106

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ الآية. لمّا قال سبحانه ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: 105] ذكر ما يجري مجرى الجواب عنه وهو من وجهين الأول قولهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ قرأ الأخوان: «شقاوتنا» بفتح الشين وألف بعد القاف. والباقون بكسر الشين وسكون القاف. وهما مصدران بمعنى واحد فالشقاوة كالقساوة، وهي لغة فاشية، والشقوة كالفطنة والنعمة، وأنشد الفراء: 3812 - كُلِّفَ مِنْ عَنَائِهِ وشِقْوَتِهْ ... بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ وهي لغة الحجاز. قال أبو مسلم: «الشقْوَة من الشقَاء كجِرْيَة الماء، والمصدر الجَرْي، وقد يجيء لفظ فِعْلَة، والمراد به الهيئة والحال فيقول: جِلْسَة حَسنة ورِكْبَة وقِعْدَة، وذلك من الهيئة، وتقول: عاش فلان عِيشَةً طيبة، ومات مِيتَةً كريمة، وهذا هو الحال والهيئة، فَعَلَى هذا المراد من الشقْوَة حال الشقاء. وقرأ قتادة والحسن في رواية كالأخوين إلاّ أنهما كسرا الشين، وشبل في اختياره كالباقين إلاّ أنّه فتح الشين. قال الزمخشري: «غَلَبَتْ عَلَيْنَا» ملكتنا من قولك غَلَبَنِي فلان على كذا إذا أخذه منك (وامتلكه) والشَّقاوة سوء العاقبة. فصل قال الجبائي: المراد أن طلبنا اللذّات المحرّمة، وخروجنا عن العمل الحسن ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المُسبب على السبب، وليس هذا باعتذار فيه، لأن علمهم بأن لا عُذر لهم فيه ثابت عندهم، ولكنه اعتراف بقيام الحجة عليهم في سوء صنيعهم. وأجيب: بأنك حملت الشقاوة على طلب تلك اللذّات المحرّمة، وطلب تلك اللذّات حاصل باختيارهم أو لا باختيارهم، فإن حصل باختيارهم فذلك الاختيار محدث فإن استغنى عن المؤثر، فَلِم لا يجوز في كل الحوادث ذلك؟ وحينئذ يَنْسد عليك باب إثبات الصانع، وإن افتقر إلى مُحدث فمحدثه إمَّا العبد أو الله، فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه: أحدها: أنَّ قدرة العبد صالحة للفعل والترك، فإن توقَّف صدور تلك الإرادة عنه إلى مرجح آخر، عاد الكلام فيه، ولزم التسلسل، وإن لم يتوقف على المرجّح، فقد جوزتَ رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجّح، وذلك يسد باب إثبات الصانع. وثانيها: أنَّ العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال، ولا كيفيّتها، والجاهل بالشيء لا يكون محدثاً له، وإلاّ لبطلت دلالة الأحكام، ولا يقال علم العلم. وثالثها: أَنَّ أحداً في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل، بل لا يقصد إلا (ما قصد إيقاعه لكنه لم يقصد إلاّ) تحصيل العلم فكيف حصل الجهل فثبت أن الموجد للداعي والبواعث هو الله، ثم إنَّ الداعية إِذا كانت سائقة إلى الخير كانت سعادة، وإن كانت سائقة إلى الشرّ كانت شقاوة. وقال القاضي، قولهم ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ دليل على أنه لا عذر لهم لاعترافهم، فلو كان كفرهم من خلقه وإرادته، وعَلِمُوا ذلك، لكان ذكرهم ذلك أولى وأقرب إلى العذر. والجواب: قد بيّنا أنّ الذي ذكروه ليس إلاّ ذلك، ولكنهم مُقرّون أن لا عذر لهم فلا جرم قيل: «اخْسَئُوا فِيهَا» . والوجه الثاني لهم في الجواب: قولهم: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ أي: عن الهدى، وهذا الضلال الذي جعلوه كالعِلّة في إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس التكذيب لزم تعليل الشيء بنفسه، وهو باطل، فلم يبق إلاّ أن يكون ذلك الضلال (عبارة عن شيء آخر ترتب عليه فعلهم، وما ذلك إلاّ خلق الداعي إلى الضلال) . ثم إنّ القوم لما اعتذرُوا بهذين العُذرين، قالوا: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ أي: من النار «فَإِنْ عُدْنَا» لما أنكرنا «فَإِنَّا ظَالِمُونَ» فعند ذلك أجابهم الله تعالى فقال: ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ . فإن قيل: كيف يجوز أن يطلبوا الخروج وقد علموا أنَّ عقابهم دائم؟ قلنا: يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة. ويحتمل أن يكون مع علمهم بذلك يسألون على وجه الغوث والاسترواح. قوله: «اخْسَئُوا فِيهَا» أقيموا فيها، كما يقال للكلب إذا طُرد اخسأ؛ أي: انزجر كما تنزجر الكلاب إذا زُجرت، يقال: خسأ الكلب وخَسَأَ بِنَفْسِه. «وَلاَ تُكَلمون» في رفع العذاب فإِنّي لا أرفعه عنكم، وليس هذا نهياً، لأنّه لا تكليف في الآخرة. قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار، ثم لا يتكلّمون بعده إلا الشهيق والزفير. ويصير لهم عواء كعواء الكلب لا يَفْهَمُون ولا يُفْهمُون. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي﴾ الآية. العامة على كسر همزة (إِنَّهُ) استئنافاً. وأُبّي والعتكي: بفتحها أي: لأنه والهاء ضمير الشأن. قال البغوي: الهاء في إنه عماد، وتسمى المجهولة أيضاً. قوله: «فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرياً» قرأ الأخوان ونافع هنا وفي ص بكسر السين. والباقون: بضمها في المَوْضعين. و (سِخْريًّا) مفعول ثان للاتخاذ. واختلف في معناها فقال الخليل وسيبويه والكسائي وأبو زيد: هما بمعنى واحد نحو دُريّ ودِريّ، وبَحْر لُجِّي ولِجِّي بضم اللام وكسرها. وقال يونس: إن أريد الخدمة والسخرة فالضم لا غير، وإن أريد الهزء فالضم والكسر ورَجّح أبو عليّ وتَبعه مكي قراءة الكسر، قالا: لأنّ ما بعدها أَلْيَق لها لقوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ . ولا حجة فيه، لأنّهم جمعوا بين الأمرين سَخروهم في العمل، وسَخِرُوا منهم استهزاءً. والسُّخْرَة بالتاء الاستخدام وسُخْرِيًّا بالضم منها، والسُّخْر بدونها الهُزء والمكسور منه، قال الأعشى: 3813 - إِنِّي أَتَانِي حَدِيثٌ لاَ أُسَرُّ بِهِ ... مِنْ علْو لاَ كذبٌ فِيهِ ولاَ سَخَرُ ولم يختلف السبعة في ضم ما في الزخرف، لأنّ المراد الاستخدام، وهو يُقوِّي قول من فرّق بينهما، إلاَّ أنَّ ابن محيصن وابن مسلم وأصحاب عبد الله كَسَرُوه أيضاً، وهي مُقَوية لقول من جعلهما بمعنى والياء في سُخْريًّا وسِخْريًّا للنسب زيدت للدلالة على قوة الفعل، فالسُّخْريّ أقوى من السُّخْر، كما قيل في الخصوص خُصُوصيّة دلالة على قوة ذلك. قال معناه الزمخشري. فصل اعلم أنّه تعالى قرعهم بأمر يتصل بالمؤمنين قال مقاتل: إن رؤوس قريش مثل أبي جهل، وعقبة وأبيّ بن خلف، كانوا يستهزؤون بأصحاب محمدٍ، ويضحكون بالفقراء منهم، كبلال، وخباب، وعمّار، وصهيب، والمَعْنى: اتخذتموهم هزواً «حَتَّى أَنْسَوْكُمْ» بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ ونظيره: ﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 29] ثم إنّه تعالى ذكر ما يوجب أسفهم وخسرانهم بأَنْ وصف ما جازى به أولئك فقال: ﴿جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صبروا﴾ أي: جزيتهم اليوم الجزاء الوافر. قوله: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الفآئزون﴾ قرأ الأخوان بكسر الهمزة، استئنافاً. والباقون بالفتح، وفيه وجهان: أظهرهما: أنَّه تعليل فيكون نصباً بإضمار الخافض أي: لأنهم هم الفائزون، وهي موافقة للأُولى فإنّ الاستئناف يعلل به أيضاً. والثاني: قاله الزمخشري، ولم يذكر غيره، أنه مفعول ثان ل «جَزَيْتُهُمْ» أي: بأنهم أي: فوزهم وعلى الأَوّل يكون المفعول الثاني محذوفاً.

المؤمنون 23:107

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ الآية. لمّا قال سبحانه ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: 105] ذكر ما يجري مجرى الجواب عنه وهو من وجهين الأول قولهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ قرأ الأخوان: «شقاوتنا» بفتح الشين وألف بعد القاف. والباقون بكسر الشين وسكون القاف. وهما مصدران بمعنى واحد فالشقاوة كالقساوة، وهي لغة فاشية، والشقوة كالفطنة والنعمة، وأنشد الفراء: 3812 - كُلِّفَ مِنْ عَنَائِهِ وشِقْوَتِهْ ... بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ وهي لغة الحجاز. قال أبو مسلم: «الشقْوَة من الشقَاء كجِرْيَة الماء، والمصدر الجَرْي، وقد يجيء لفظ فِعْلَة، والمراد به الهيئة والحال فيقول: جِلْسَة حَسنة ورِكْبَة وقِعْدَة، وذلك من الهيئة، وتقول: عاش فلان عِيشَةً طيبة، ومات مِيتَةً كريمة، وهذا هو الحال والهيئة، فَعَلَى هذا المراد من الشقْوَة حال الشقاء. وقرأ قتادة والحسن في رواية كالأخوين إلاّ أنهما كسرا الشين، وشبل في اختياره كالباقين إلاّ أنّه فتح الشين. قال الزمخشري: «غَلَبَتْ عَلَيْنَا» ملكتنا من قولك غَلَبَنِي فلان على كذا إذا أخذه منك (وامتلكه) والشَّقاوة سوء العاقبة. فصل قال الجبائي: المراد أن طلبنا اللذّات المحرّمة، وخروجنا عن العمل الحسن ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المُسبب على السبب، وليس هذا باعتذار فيه، لأن علمهم بأن لا عُذر لهم فيه ثابت عندهم، ولكنه اعتراف بقيام الحجة عليهم في سوء صنيعهم. وأجيب: بأنك حملت الشقاوة على طلب تلك اللذّات المحرّمة، وطلب تلك اللذّات حاصل باختيارهم أو لا باختيارهم، فإن حصل باختيارهم فذلك الاختيار محدث فإن استغنى عن المؤثر، فَلِم لا يجوز في كل الحوادث ذلك؟ وحينئذ يَنْسد عليك باب إثبات الصانع، وإن افتقر إلى مُحدث فمحدثه إمَّا العبد أو الله، فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه: أحدها: أنَّ قدرة العبد صالحة للفعل والترك، فإن توقَّف صدور تلك الإرادة عنه إلى مرجح آخر، عاد الكلام فيه، ولزم التسلسل، وإن لم يتوقف على المرجّح، فقد جوزتَ رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجّح، وذلك يسد باب إثبات الصانع. وثانيها: أنَّ العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال، ولا كيفيّتها، والجاهل بالشيء لا يكون محدثاً له، وإلاّ لبطلت دلالة الأحكام، ولا يقال علم العلم. وثالثها: أَنَّ أحداً في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل، بل لا يقصد إلا (ما قصد إيقاعه لكنه لم يقصد إلاّ) تحصيل العلم فكيف حصل الجهل فثبت أن الموجد للداعي والبواعث هو الله، ثم إنَّ الداعية إِذا كانت سائقة إلى الخير كانت سعادة، وإن كانت سائقة إلى الشرّ كانت شقاوة. وقال القاضي، قولهم ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ دليل على أنه لا عذر لهم لاعترافهم، فلو كان كفرهم من خلقه وإرادته، وعَلِمُوا ذلك، لكان ذكرهم ذلك أولى وأقرب إلى العذر. والجواب: قد بيّنا أنّ الذي ذكروه ليس إلاّ ذلك، ولكنهم مُقرّون أن لا عذر لهم فلا جرم قيل: «اخْسَئُوا فِيهَا» . والوجه الثاني لهم في الجواب: قولهم: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ أي: عن الهدى، وهذا الضلال الذي جعلوه كالعِلّة في إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس التكذيب لزم تعليل الشيء بنفسه، وهو باطل، فلم يبق إلاّ أن يكون ذلك الضلال (عبارة عن شيء آخر ترتب عليه فعلهم، وما ذلك إلاّ خلق الداعي إلى الضلال) . ثم إنّ القوم لما اعتذرُوا بهذين العُذرين، قالوا: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ أي: من النار «فَإِنْ عُدْنَا» لما أنكرنا «فَإِنَّا ظَالِمُونَ» فعند ذلك أجابهم الله تعالى فقال: ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ . فإن قيل: كيف يجوز أن يطلبوا الخروج وقد علموا أنَّ عقابهم دائم؟ قلنا: يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة. ويحتمل أن يكون مع علمهم بذلك يسألون على وجه الغوث والاسترواح. قوله: «اخْسَئُوا فِيهَا» أقيموا فيها، كما يقال للكلب إذا طُرد اخسأ؛ أي: انزجر كما تنزجر الكلاب إذا زُجرت، يقال: خسأ الكلب وخَسَأَ بِنَفْسِه. «وَلاَ تُكَلمون» في رفع العذاب فإِنّي لا أرفعه عنكم، وليس هذا نهياً، لأنّه لا تكليف في الآخرة. قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار، ثم لا يتكلّمون بعده إلا الشهيق والزفير. ويصير لهم عواء كعواء الكلب لا يَفْهَمُون ولا يُفْهمُون. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي﴾ الآية. العامة على كسر همزة (إِنَّهُ) استئنافاً. وأُبّي والعتكي: بفتحها أي: لأنه والهاء ضمير الشأن. قال البغوي: الهاء في إنه عماد، وتسمى المجهولة أيضاً. قوله: «فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرياً» قرأ الأخوان ونافع هنا وفي ص بكسر السين. والباقون: بضمها في المَوْضعين. و (سِخْريًّا) مفعول ثان للاتخاذ. واختلف في معناها فقال الخليل وسيبويه والكسائي وأبو زيد: هما بمعنى واحد نحو دُريّ ودِريّ، وبَحْر لُجِّي ولِجِّي بضم اللام وكسرها. وقال يونس: إن أريد الخدمة والسخرة فالضم لا غير، وإن أريد الهزء فالضم والكسر ورَجّح أبو عليّ وتَبعه مكي قراءة الكسر، قالا: لأنّ ما بعدها أَلْيَق لها لقوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ . ولا حجة فيه، لأنّهم جمعوا بين الأمرين سَخروهم في العمل، وسَخِرُوا منهم استهزاءً. والسُّخْرَة بالتاء الاستخدام وسُخْرِيًّا بالضم منها، والسُّخْر بدونها الهُزء والمكسور منه، قال الأعشى: 3813 - إِنِّي أَتَانِي حَدِيثٌ لاَ أُسَرُّ بِهِ ... مِنْ علْو لاَ كذبٌ فِيهِ ولاَ سَخَرُ ولم يختلف السبعة في ضم ما في الزخرف، لأنّ المراد الاستخدام، وهو يُقوِّي قول من فرّق بينهما، إلاَّ أنَّ ابن محيصن وابن مسلم وأصحاب عبد الله كَسَرُوه أيضاً، وهي مُقَوية لقول من جعلهما بمعنى والياء في سُخْريًّا وسِخْريًّا للنسب زيدت للدلالة على قوة الفعل، فالسُّخْريّ أقوى من السُّخْر، كما قيل في الخصوص خُصُوصيّة دلالة على قوة ذلك. قال معناه الزمخشري. فصل اعلم أنّه تعالى قرعهم بأمر يتصل بالمؤمنين قال مقاتل: إن رؤوس قريش مثل أبي جهل، وعقبة وأبيّ بن خلف، كانوا يستهزؤون بأصحاب محمدٍ، ويضحكون بالفقراء منهم، كبلال، وخباب، وعمّار، وصهيب، والمَعْنى: اتخذتموهم هزواً «حَتَّى أَنْسَوْكُمْ» بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ ونظيره: ﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 29] ثم إنّه تعالى ذكر ما يوجب أسفهم وخسرانهم بأَنْ وصف ما جازى به أولئك فقال: ﴿جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صبروا﴾ أي: جزيتهم اليوم الجزاء الوافر. قوله: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الفآئزون﴾ قرأ الأخوان بكسر الهمزة، استئنافاً. والباقون بالفتح، وفيه وجهان: أظهرهما: أنَّه تعليل فيكون نصباً بإضمار الخافض أي: لأنهم هم الفائزون، وهي موافقة للأُولى فإنّ الاستئناف يعلل به أيضاً. والثاني: قاله الزمخشري، ولم يذكر غيره، أنه مفعول ثان ل «جَزَيْتُهُمْ» أي: بأنهم أي: فوزهم وعلى الأَوّل يكون المفعول الثاني محذوفاً.

المؤمنون 23:108

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ الآية. لمّا قال سبحانه ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: 105] ذكر ما يجري مجرى الجواب عنه وهو من وجهين الأول قولهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ قرأ الأخوان: «شقاوتنا» بفتح الشين وألف بعد القاف. والباقون بكسر الشين وسكون القاف. وهما مصدران بمعنى واحد فالشقاوة كالقساوة، وهي لغة فاشية، والشقوة كالفطنة والنعمة، وأنشد الفراء: 3812 - كُلِّفَ مِنْ عَنَائِهِ وشِقْوَتِهْ ... بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ وهي لغة الحجاز. قال أبو مسلم: «الشقْوَة من الشقَاء كجِرْيَة الماء، والمصدر الجَرْي، وقد يجيء لفظ فِعْلَة، والمراد به الهيئة والحال فيقول: جِلْسَة حَسنة ورِكْبَة وقِعْدَة، وذلك من الهيئة، وتقول: عاش فلان عِيشَةً طيبة، ومات مِيتَةً كريمة، وهذا هو الحال والهيئة، فَعَلَى هذا المراد من الشقْوَة حال الشقاء. وقرأ قتادة والحسن في رواية كالأخوين إلاّ أنهما كسرا الشين، وشبل في اختياره كالباقين إلاّ أنّه فتح الشين. قال الزمخشري: «غَلَبَتْ عَلَيْنَا» ملكتنا من قولك غَلَبَنِي فلان على كذا إذا أخذه منك (وامتلكه) والشَّقاوة سوء العاقبة. فصل قال الجبائي: المراد أن طلبنا اللذّات المحرّمة، وخروجنا عن العمل الحسن ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المُسبب على السبب، وليس هذا باعتذار فيه، لأن علمهم بأن لا عُذر لهم فيه ثابت عندهم، ولكنه اعتراف بقيام الحجة عليهم في سوء صنيعهم. وأجيب: بأنك حملت الشقاوة على طلب تلك اللذّات المحرّمة، وطلب تلك اللذّات حاصل باختيارهم أو لا باختيارهم، فإن حصل باختيارهم فذلك الاختيار محدث فإن استغنى عن المؤثر، فَلِم لا يجوز في كل الحوادث ذلك؟ وحينئذ يَنْسد عليك باب إثبات الصانع، وإن افتقر إلى مُحدث فمحدثه إمَّا العبد أو الله، فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه: أحدها: أنَّ قدرة العبد صالحة للفعل والترك، فإن توقَّف صدور تلك الإرادة عنه إلى مرجح آخر، عاد الكلام فيه، ولزم التسلسل، وإن لم يتوقف على المرجّح، فقد جوزتَ رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجّح، وذلك يسد باب إثبات الصانع. وثانيها: أنَّ العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال، ولا كيفيّتها، والجاهل بالشيء لا يكون محدثاً له، وإلاّ لبطلت دلالة الأحكام، ولا يقال علم العلم. وثالثها: أَنَّ أحداً في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل، بل لا يقصد إلا (ما قصد إيقاعه لكنه لم يقصد إلاّ) تحصيل العلم فكيف حصل الجهل فثبت أن الموجد للداعي والبواعث هو الله، ثم إنَّ الداعية إِذا كانت سائقة إلى الخير كانت سعادة، وإن كانت سائقة إلى الشرّ كانت شقاوة. وقال القاضي، قولهم ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ دليل على أنه لا عذر لهم لاعترافهم، فلو كان كفرهم من خلقه وإرادته، وعَلِمُوا ذلك، لكان ذكرهم ذلك أولى وأقرب إلى العذر. والجواب: قد بيّنا أنّ الذي ذكروه ليس إلاّ ذلك، ولكنهم مُقرّون أن لا عذر لهم فلا جرم قيل: «اخْسَئُوا فِيهَا» . والوجه الثاني لهم في الجواب: قولهم: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ أي: عن الهدى، وهذا الضلال الذي جعلوه كالعِلّة في إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس التكذيب لزم تعليل الشيء بنفسه، وهو باطل، فلم يبق إلاّ أن يكون ذلك الضلال (عبارة عن شيء آخر ترتب عليه فعلهم، وما ذلك إلاّ خلق الداعي إلى الضلال) . ثم إنّ القوم لما اعتذرُوا بهذين العُذرين، قالوا: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ أي: من النار «فَإِنْ عُدْنَا» لما أنكرنا «فَإِنَّا ظَالِمُونَ» فعند ذلك أجابهم الله تعالى فقال: ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ . فإن قيل: كيف يجوز أن يطلبوا الخروج وقد علموا أنَّ عقابهم دائم؟ قلنا: يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة. ويحتمل أن يكون مع علمهم بذلك يسألون على وجه الغوث والاسترواح. قوله: «اخْسَئُوا فِيهَا» أقيموا فيها، كما يقال للكلب إذا طُرد اخسأ؛ أي: انزجر كما تنزجر الكلاب إذا زُجرت، يقال: خسأ الكلب وخَسَأَ بِنَفْسِه. «وَلاَ تُكَلمون» في رفع العذاب فإِنّي لا أرفعه عنكم، وليس هذا نهياً، لأنّه لا تكليف في الآخرة. قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار، ثم لا يتكلّمون بعده إلا الشهيق والزفير. ويصير لهم عواء كعواء الكلب لا يَفْهَمُون ولا يُفْهمُون. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي﴾ الآية. العامة على كسر همزة (إِنَّهُ) استئنافاً. وأُبّي والعتكي: بفتحها أي: لأنه والهاء ضمير الشأن. قال البغوي: الهاء في إنه عماد، وتسمى المجهولة أيضاً. قوله: «فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرياً» قرأ الأخوان ونافع هنا وفي ص بكسر السين. والباقون: بضمها في المَوْضعين. و (سِخْريًّا) مفعول ثان للاتخاذ. واختلف في معناها فقال الخليل وسيبويه والكسائي وأبو زيد: هما بمعنى واحد نحو دُريّ ودِريّ، وبَحْر لُجِّي ولِجِّي بضم اللام وكسرها. وقال يونس: إن أريد الخدمة والسخرة فالضم لا غير، وإن أريد الهزء فالضم والكسر ورَجّح أبو عليّ وتَبعه مكي قراءة الكسر، قالا: لأنّ ما بعدها أَلْيَق لها لقوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ . ولا حجة فيه، لأنّهم جمعوا بين الأمرين سَخروهم في العمل، وسَخِرُوا منهم استهزاءً. والسُّخْرَة بالتاء الاستخدام وسُخْرِيًّا بالضم منها، والسُّخْر بدونها الهُزء والمكسور منه، قال الأعشى: 3813 - إِنِّي أَتَانِي حَدِيثٌ لاَ أُسَرُّ بِهِ ... مِنْ علْو لاَ كذبٌ فِيهِ ولاَ سَخَرُ ولم يختلف السبعة في ضم ما في الزخرف، لأنّ المراد الاستخدام، وهو يُقوِّي قول من فرّق بينهما، إلاَّ أنَّ ابن محيصن وابن مسلم وأصحاب عبد الله كَسَرُوه أيضاً، وهي مُقَوية لقول من جعلهما بمعنى والياء في سُخْريًّا وسِخْريًّا للنسب زيدت للدلالة على قوة الفعل، فالسُّخْريّ أقوى من السُّخْر، كما قيل في الخصوص خُصُوصيّة دلالة على قوة ذلك. قال معناه الزمخشري. فصل اعلم أنّه تعالى قرعهم بأمر يتصل بالمؤمنين قال مقاتل: إن رؤوس قريش مثل أبي جهل، وعقبة وأبيّ بن خلف، كانوا يستهزؤون بأصحاب محمدٍ، ويضحكون بالفقراء منهم، كبلال، وخباب، وعمّار، وصهيب، والمَعْنى: اتخذتموهم هزواً «حَتَّى أَنْسَوْكُمْ» بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ ونظيره: ﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 29] ثم إنّه تعالى ذكر ما يوجب أسفهم وخسرانهم بأَنْ وصف ما جازى به أولئك فقال: ﴿جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صبروا﴾ أي: جزيتهم اليوم الجزاء الوافر. قوله: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الفآئزون﴾ قرأ الأخوان بكسر الهمزة، استئنافاً. والباقون بالفتح، وفيه وجهان: أظهرهما: أنَّه تعليل فيكون نصباً بإضمار الخافض أي: لأنهم هم الفائزون، وهي موافقة للأُولى فإنّ الاستئناف يعلل به أيضاً. والثاني: قاله الزمخشري، ولم يذكر غيره، أنه مفعول ثان ل «جَزَيْتُهُمْ» أي: بأنهم أي: فوزهم وعلى الأَوّل يكون المفعول الثاني محذوفاً.

المؤمنون 23:109

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ الآية. لمّا قال سبحانه ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: 105] ذكر ما يجري مجرى الجواب عنه وهو من وجهين الأول قولهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ قرأ الأخوان: «شقاوتنا» بفتح الشين وألف بعد القاف. والباقون بكسر الشين وسكون القاف. وهما مصدران بمعنى واحد فالشقاوة كالقساوة، وهي لغة فاشية، والشقوة كالفطنة والنعمة، وأنشد الفراء: 3812 - كُلِّفَ مِنْ عَنَائِهِ وشِقْوَتِهْ ... بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ وهي لغة الحجاز. قال أبو مسلم: «الشقْوَة من الشقَاء كجِرْيَة الماء، والمصدر الجَرْي، وقد يجيء لفظ فِعْلَة، والمراد به الهيئة والحال فيقول: جِلْسَة حَسنة ورِكْبَة وقِعْدَة، وذلك من الهيئة، وتقول: عاش فلان عِيشَةً طيبة، ومات مِيتَةً كريمة، وهذا هو الحال والهيئة، فَعَلَى هذا المراد من الشقْوَة حال الشقاء. وقرأ قتادة والحسن في رواية كالأخوين إلاّ أنهما كسرا الشين، وشبل في اختياره كالباقين إلاّ أنّه فتح الشين. قال الزمخشري: «غَلَبَتْ عَلَيْنَا» ملكتنا من قولك غَلَبَنِي فلان على كذا إذا أخذه منك (وامتلكه) والشَّقاوة سوء العاقبة. فصل قال الجبائي: المراد أن طلبنا اللذّات المحرّمة، وخروجنا عن العمل الحسن ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المُسبب على السبب، وليس هذا باعتذار فيه، لأن علمهم بأن لا عُذر لهم فيه ثابت عندهم، ولكنه اعتراف بقيام الحجة عليهم في سوء صنيعهم. وأجيب: بأنك حملت الشقاوة على طلب تلك اللذّات المحرّمة، وطلب تلك اللذّات حاصل باختيارهم أو لا باختيارهم، فإن حصل باختيارهم فذلك الاختيار محدث فإن استغنى عن المؤثر، فَلِم لا يجوز في كل الحوادث ذلك؟ وحينئذ يَنْسد عليك باب إثبات الصانع، وإن افتقر إلى مُحدث فمحدثه إمَّا العبد أو الله، فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه: أحدها: أنَّ قدرة العبد صالحة للفعل والترك، فإن توقَّف صدور تلك الإرادة عنه إلى مرجح آخر، عاد الكلام فيه، ولزم التسلسل، وإن لم يتوقف على المرجّح، فقد جوزتَ رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجّح، وذلك يسد باب إثبات الصانع. وثانيها: أنَّ العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال، ولا كيفيّتها، والجاهل بالشيء لا يكون محدثاً له، وإلاّ لبطلت دلالة الأحكام، ولا يقال علم العلم. وثالثها: أَنَّ أحداً في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل، بل لا يقصد إلا (ما قصد إيقاعه لكنه لم يقصد إلاّ) تحصيل العلم فكيف حصل الجهل فثبت أن الموجد للداعي والبواعث هو الله، ثم إنَّ الداعية إِذا كانت سائقة إلى الخير كانت سعادة، وإن كانت سائقة إلى الشرّ كانت شقاوة. وقال القاضي، قولهم ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ دليل على أنه لا عذر لهم لاعترافهم، فلو كان كفرهم من خلقه وإرادته، وعَلِمُوا ذلك، لكان ذكرهم ذلك أولى وأقرب إلى العذر. والجواب: قد بيّنا أنّ الذي ذكروه ليس إلاّ ذلك، ولكنهم مُقرّون أن لا عذر لهم فلا جرم قيل: «اخْسَئُوا فِيهَا» . والوجه الثاني لهم في الجواب: قولهم: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ أي: عن الهدى، وهذا الضلال الذي جعلوه كالعِلّة في إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس التكذيب لزم تعليل الشيء بنفسه، وهو باطل، فلم يبق إلاّ أن يكون ذلك الضلال (عبارة عن شيء آخر ترتب عليه فعلهم، وما ذلك إلاّ خلق الداعي إلى الضلال) . ثم إنّ القوم لما اعتذرُوا بهذين العُذرين، قالوا: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ أي: من النار «فَإِنْ عُدْنَا» لما أنكرنا «فَإِنَّا ظَالِمُونَ» فعند ذلك أجابهم الله تعالى فقال: ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ . فإن قيل: كيف يجوز أن يطلبوا الخروج وقد علموا أنَّ عقابهم دائم؟ قلنا: يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة. ويحتمل أن يكون مع علمهم بذلك يسألون على وجه الغوث والاسترواح. قوله: «اخْسَئُوا فِيهَا» أقيموا فيها، كما يقال للكلب إذا طُرد اخسأ؛ أي: انزجر كما تنزجر الكلاب إذا زُجرت، يقال: خسأ الكلب وخَسَأَ بِنَفْسِه. «وَلاَ تُكَلمون» في رفع العذاب فإِنّي لا أرفعه عنكم، وليس هذا نهياً، لأنّه لا تكليف في الآخرة. قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار، ثم لا يتكلّمون بعده إلا الشهيق والزفير. ويصير لهم عواء كعواء الكلب لا يَفْهَمُون ولا يُفْهمُون. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي﴾ الآية. العامة على كسر همزة (إِنَّهُ) استئنافاً. وأُبّي والعتكي: بفتحها أي: لأنه والهاء ضمير الشأن. قال البغوي: الهاء في إنه عماد، وتسمى المجهولة أيضاً. قوله: «فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرياً» قرأ الأخوان ونافع هنا وفي ص بكسر السين. والباقون: بضمها في المَوْضعين. و (سِخْريًّا) مفعول ثان للاتخاذ. واختلف في معناها فقال الخليل وسيبويه والكسائي وأبو زيد: هما بمعنى واحد نحو دُريّ ودِريّ، وبَحْر لُجِّي ولِجِّي بضم اللام وكسرها. وقال يونس: إن أريد الخدمة والسخرة فالضم لا غير، وإن أريد الهزء فالضم والكسر ورَجّح أبو عليّ وتَبعه مكي قراءة الكسر، قالا: لأنّ ما بعدها أَلْيَق لها لقوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ . ولا حجة فيه، لأنّهم جمعوا بين الأمرين سَخروهم في العمل، وسَخِرُوا منهم استهزاءً. والسُّخْرَة بالتاء الاستخدام وسُخْرِيًّا بالضم منها، والسُّخْر بدونها الهُزء والمكسور منه، قال الأعشى: 3813 - إِنِّي أَتَانِي حَدِيثٌ لاَ أُسَرُّ بِهِ ... مِنْ علْو لاَ كذبٌ فِيهِ ولاَ سَخَرُ ولم يختلف السبعة في ضم ما في الزخرف، لأنّ المراد الاستخدام، وهو يُقوِّي قول من فرّق بينهما، إلاَّ أنَّ ابن محيصن وابن مسلم وأصحاب عبد الله كَسَرُوه أيضاً، وهي مُقَوية لقول من جعلهما بمعنى والياء في سُخْريًّا وسِخْريًّا للنسب زيدت للدلالة على قوة الفعل، فالسُّخْريّ أقوى من السُّخْر، كما قيل في الخصوص خُصُوصيّة دلالة على قوة ذلك. قال معناه الزمخشري. فصل اعلم أنّه تعالى قرعهم بأمر يتصل بالمؤمنين قال مقاتل: إن رؤوس قريش مثل أبي جهل، وعقبة وأبيّ بن خلف، كانوا يستهزؤون بأصحاب محمدٍ، ويضحكون بالفقراء منهم، كبلال، وخباب، وعمّار، وصهيب، والمَعْنى: اتخذتموهم هزواً «حَتَّى أَنْسَوْكُمْ» بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ ونظيره: ﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 29] ثم إنّه تعالى ذكر ما يوجب أسفهم وخسرانهم بأَنْ وصف ما جازى به أولئك فقال: ﴿جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صبروا﴾ أي: جزيتهم اليوم الجزاء الوافر. قوله: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الفآئزون﴾ قرأ الأخوان بكسر الهمزة، استئنافاً. والباقون بالفتح، وفيه وجهان: أظهرهما: أنَّه تعليل فيكون نصباً بإضمار الخافض أي: لأنهم هم الفائزون، وهي موافقة للأُولى فإنّ الاستئناف يعلل به أيضاً. والثاني: قاله الزمخشري، ولم يذكر غيره، أنه مفعول ثان ل «جَزَيْتُهُمْ» أي: بأنهم أي: فوزهم وعلى الأَوّل يكون المفعول الثاني محذوفاً.

المؤمنون 23:110

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ الآية. لمّا قال سبحانه ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: 105] ذكر ما يجري مجرى الجواب عنه وهو من وجهين الأول قولهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ قرأ الأخوان: «شقاوتنا» بفتح الشين وألف بعد القاف. والباقون بكسر الشين وسكون القاف. وهما مصدران بمعنى واحد فالشقاوة كالقساوة، وهي لغة فاشية، والشقوة كالفطنة والنعمة، وأنشد الفراء: 3812 - كُلِّفَ مِنْ عَنَائِهِ وشِقْوَتِهْ ... بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ وهي لغة الحجاز. قال أبو مسلم: «الشقْوَة من الشقَاء كجِرْيَة الماء، والمصدر الجَرْي، وقد يجيء لفظ فِعْلَة، والمراد به الهيئة والحال فيقول: جِلْسَة حَسنة ورِكْبَة وقِعْدَة، وذلك من الهيئة، وتقول: عاش فلان عِيشَةً طيبة، ومات مِيتَةً كريمة، وهذا هو الحال والهيئة، فَعَلَى هذا المراد من الشقْوَة حال الشقاء. وقرأ قتادة والحسن في رواية كالأخوين إلاّ أنهما كسرا الشين، وشبل في اختياره كالباقين إلاّ أنّه فتح الشين. قال الزمخشري: «غَلَبَتْ عَلَيْنَا» ملكتنا من قولك غَلَبَنِي فلان على كذا إذا أخذه منك (وامتلكه) والشَّقاوة سوء العاقبة. فصل قال الجبائي: المراد أن طلبنا اللذّات المحرّمة، وخروجنا عن العمل الحسن ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المُسبب على السبب، وليس هذا باعتذار فيه، لأن علمهم بأن لا عُذر لهم فيه ثابت عندهم، ولكنه اعتراف بقيام الحجة عليهم في سوء صنيعهم. وأجيب: بأنك حملت الشقاوة على طلب تلك اللذّات المحرّمة، وطلب تلك اللذّات حاصل باختيارهم أو لا باختيارهم، فإن حصل باختيارهم فذلك الاختيار محدث فإن استغنى عن المؤثر، فَلِم لا يجوز في كل الحوادث ذلك؟ وحينئذ يَنْسد عليك باب إثبات الصانع، وإن افتقر إلى مُحدث فمحدثه إمَّا العبد أو الله، فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه: أحدها: أنَّ قدرة العبد صالحة للفعل والترك، فإن توقَّف صدور تلك الإرادة عنه إلى مرجح آخر، عاد الكلام فيه، ولزم التسلسل، وإن لم يتوقف على المرجّح، فقد جوزتَ رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجّح، وذلك يسد باب إثبات الصانع. وثانيها: أنَّ العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال، ولا كيفيّتها، والجاهل بالشيء لا يكون محدثاً له، وإلاّ لبطلت دلالة الأحكام، ولا يقال علم العلم. وثالثها: أَنَّ أحداً في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل، بل لا يقصد إلا (ما قصد إيقاعه لكنه لم يقصد إلاّ) تحصيل العلم فكيف حصل الجهل فثبت أن الموجد للداعي والبواعث هو الله، ثم إنَّ الداعية إِذا كانت سائقة إلى الخير كانت سعادة، وإن كانت سائقة إلى الشرّ كانت شقاوة. وقال القاضي، قولهم ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ دليل على أنه لا عذر لهم لاعترافهم، فلو كان كفرهم من خلقه وإرادته، وعَلِمُوا ذلك، لكان ذكرهم ذلك أولى وأقرب إلى العذر. والجواب: قد بيّنا أنّ الذي ذكروه ليس إلاّ ذلك، ولكنهم مُقرّون أن لا عذر لهم فلا جرم قيل: «اخْسَئُوا فِيهَا» . والوجه الثاني لهم في الجواب: قولهم: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ أي: عن الهدى، وهذا الضلال الذي جعلوه كالعِلّة في إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس التكذيب لزم تعليل الشيء بنفسه، وهو باطل، فلم يبق إلاّ أن يكون ذلك الضلال (عبارة عن شيء آخر ترتب عليه فعلهم، وما ذلك إلاّ خلق الداعي إلى الضلال) . ثم إنّ القوم لما اعتذرُوا بهذين العُذرين، قالوا: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ أي: من النار «فَإِنْ عُدْنَا» لما أنكرنا «فَإِنَّا ظَالِمُونَ» فعند ذلك أجابهم الله تعالى فقال: ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ . فإن قيل: كيف يجوز أن يطلبوا الخروج وقد علموا أنَّ عقابهم دائم؟ قلنا: يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة. ويحتمل أن يكون مع علمهم بذلك يسألون على وجه الغوث والاسترواح. قوله: «اخْسَئُوا فِيهَا» أقيموا فيها، كما يقال للكلب إذا طُرد اخسأ؛ أي: انزجر كما تنزجر الكلاب إذا زُجرت، يقال: خسأ الكلب وخَسَأَ بِنَفْسِه. «وَلاَ تُكَلمون» في رفع العذاب فإِنّي لا أرفعه عنكم، وليس هذا نهياً، لأنّه لا تكليف في الآخرة. قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار، ثم لا يتكلّمون بعده إلا الشهيق والزفير. ويصير لهم عواء كعواء الكلب لا يَفْهَمُون ولا يُفْهمُون. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي﴾ الآية. العامة على كسر همزة (إِنَّهُ) استئنافاً. وأُبّي والعتكي: بفتحها أي: لأنه والهاء ضمير الشأن. قال البغوي: الهاء في إنه عماد، وتسمى المجهولة أيضاً. قوله: «فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرياً» قرأ الأخوان ونافع هنا وفي ص بكسر السين. والباقون: بضمها في المَوْضعين. و (سِخْريًّا) مفعول ثان للاتخاذ. واختلف في معناها فقال الخليل وسيبويه والكسائي وأبو زيد: هما بمعنى واحد نحو دُريّ ودِريّ، وبَحْر لُجِّي ولِجِّي بضم اللام وكسرها. وقال يونس: إن أريد الخدمة والسخرة فالضم لا غير، وإن أريد الهزء فالضم والكسر ورَجّح أبو عليّ وتَبعه مكي قراءة الكسر، قالا: لأنّ ما بعدها أَلْيَق لها لقوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ . ولا حجة فيه، لأنّهم جمعوا بين الأمرين سَخروهم في العمل، وسَخِرُوا منهم استهزاءً. والسُّخْرَة بالتاء الاستخدام وسُخْرِيًّا بالضم منها، والسُّخْر بدونها الهُزء والمكسور منه، قال الأعشى: 3813 - إِنِّي أَتَانِي حَدِيثٌ لاَ أُسَرُّ بِهِ ... مِنْ علْو لاَ كذبٌ فِيهِ ولاَ سَخَرُ ولم يختلف السبعة في ضم ما في الزخرف، لأنّ المراد الاستخدام، وهو يُقوِّي قول من فرّق بينهما، إلاَّ أنَّ ابن محيصن وابن مسلم وأصحاب عبد الله كَسَرُوه أيضاً، وهي مُقَوية لقول من جعلهما بمعنى والياء في سُخْريًّا وسِخْريًّا للنسب زيدت للدلالة على قوة الفعل، فالسُّخْريّ أقوى من السُّخْر، كما قيل في الخصوص خُصُوصيّة دلالة على قوة ذلك. قال معناه الزمخشري. فصل اعلم أنّه تعالى قرعهم بأمر يتصل بالمؤمنين قال مقاتل: إن رؤوس قريش مثل أبي جهل، وعقبة وأبيّ بن خلف، كانوا يستهزؤون بأصحاب محمدٍ، ويضحكون بالفقراء منهم، كبلال، وخباب، وعمّار، وصهيب، والمَعْنى: اتخذتموهم هزواً «حَتَّى أَنْسَوْكُمْ» بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ ونظيره: ﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 29] ثم إنّه تعالى ذكر ما يوجب أسفهم وخسرانهم بأَنْ وصف ما جازى به أولئك فقال: ﴿جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صبروا﴾ أي: جزيتهم اليوم الجزاء الوافر. قوله: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الفآئزون﴾ قرأ الأخوان بكسر الهمزة، استئنافاً. والباقون بالفتح، وفيه وجهان: أظهرهما: أنَّه تعليل فيكون نصباً بإضمار الخافض أي: لأنهم هم الفائزون، وهي موافقة للأُولى فإنّ الاستئناف يعلل به أيضاً. والثاني: قاله الزمخشري، ولم يذكر غيره، أنه مفعول ثان ل «جَزَيْتُهُمْ» أي: بأنهم أي: فوزهم وعلى الأَوّل يكون المفعول الثاني محذوفاً.

المؤمنون 23:111

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ الآية. لمّا قال سبحانه ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون: 105] ذكر ما يجري مجرى الجواب عنه وهو من وجهين الأول قولهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ قرأ الأخوان: «شقاوتنا» بفتح الشين وألف بعد القاف. والباقون بكسر الشين وسكون القاف. وهما مصدران بمعنى واحد فالشقاوة كالقساوة، وهي لغة فاشية، والشقوة كالفطنة والنعمة، وأنشد الفراء: 3812 - كُلِّفَ مِنْ عَنَائِهِ وشِقْوَتِهْ ... بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ وهي لغة الحجاز. قال أبو مسلم: «الشقْوَة من الشقَاء كجِرْيَة الماء، والمصدر الجَرْي، وقد يجيء لفظ فِعْلَة، والمراد به الهيئة والحال فيقول: جِلْسَة حَسنة ورِكْبَة وقِعْدَة، وذلك من الهيئة، وتقول: عاش فلان عِيشَةً طيبة، ومات مِيتَةً كريمة، وهذا هو الحال والهيئة، فَعَلَى هذا المراد من الشقْوَة حال الشقاء. وقرأ قتادة والحسن في رواية كالأخوين إلاّ أنهما كسرا الشين، وشبل في اختياره كالباقين إلاّ أنّه فتح الشين. قال الزمخشري: «غَلَبَتْ عَلَيْنَا» ملكتنا من قولك غَلَبَنِي فلان على كذا إذا أخذه منك (وامتلكه) والشَّقاوة سوء العاقبة. فصل قال الجبائي: المراد أن طلبنا اللذّات المحرّمة، وخروجنا عن العمل الحسن ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المُسبب على السبب، وليس هذا باعتذار فيه، لأن علمهم بأن لا عُذر لهم فيه ثابت عندهم، ولكنه اعتراف بقيام الحجة عليهم في سوء صنيعهم. وأجيب: بأنك حملت الشقاوة على طلب تلك اللذّات المحرّمة، وطلب تلك اللذّات حاصل باختيارهم أو لا باختيارهم، فإن حصل باختيارهم فذلك الاختيار محدث فإن استغنى عن المؤثر، فَلِم لا يجوز في كل الحوادث ذلك؟ وحينئذ يَنْسد عليك باب إثبات الصانع، وإن افتقر إلى مُحدث فمحدثه إمَّا العبد أو الله، فإن كان هو العبد فذلك باطل لوجوه: أحدها: أنَّ قدرة العبد صالحة للفعل والترك، فإن توقَّف صدور تلك الإرادة عنه إلى مرجح آخر، عاد الكلام فيه، ولزم التسلسل، وإن لم يتوقف على المرجّح، فقد جوزتَ رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجّح، وذلك يسد باب إثبات الصانع. وثانيها: أنَّ العبد لا يعلم كمية تلك الأفعال، ولا كيفيّتها، والجاهل بالشيء لا يكون محدثاً له، وإلاّ لبطلت دلالة الأحكام، ولا يقال علم العلم. وثالثها: أَنَّ أحداً في الدنيا لا يرضى بأن يختار الجهل، بل لا يقصد إلا (ما قصد إيقاعه لكنه لم يقصد إلاّ) تحصيل العلم فكيف حصل الجهل فثبت أن الموجد للداعي والبواعث هو الله، ثم إنَّ الداعية إِذا كانت سائقة إلى الخير كانت سعادة، وإن كانت سائقة إلى الشرّ كانت شقاوة. وقال القاضي، قولهم ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ دليل على أنه لا عذر لهم لاعترافهم، فلو كان كفرهم من خلقه وإرادته، وعَلِمُوا ذلك، لكان ذكرهم ذلك أولى وأقرب إلى العذر. والجواب: قد بيّنا أنّ الذي ذكروه ليس إلاّ ذلك، ولكنهم مُقرّون أن لا عذر لهم فلا جرم قيل: «اخْسَئُوا فِيهَا» . والوجه الثاني لهم في الجواب: قولهم: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ أي: عن الهدى، وهذا الضلال الذي جعلوه كالعِلّة في إقدامهم على التكذيب إن كان هو نفس التكذيب لزم تعليل الشيء بنفسه، وهو باطل، فلم يبق إلاّ أن يكون ذلك الضلال (عبارة عن شيء آخر ترتب عليه فعلهم، وما ذلك إلاّ خلق الداعي إلى الضلال) . ثم إنّ القوم لما اعتذرُوا بهذين العُذرين، قالوا: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ أي: من النار «فَإِنْ عُدْنَا» لما أنكرنا «فَإِنَّا ظَالِمُونَ» فعند ذلك أجابهم الله تعالى فقال: ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ . فإن قيل: كيف يجوز أن يطلبوا الخروج وقد علموا أنَّ عقابهم دائم؟ قلنا: يجوز أن يلحقهم السهو عن ذلك في أحوال شدة العذاب فيسألون الرجعة. ويحتمل أن يكون مع علمهم بذلك يسألون على وجه الغوث والاسترواح. قوله: «اخْسَئُوا فِيهَا» أقيموا فيها، كما يقال للكلب إذا طُرد اخسأ؛ أي: انزجر كما تنزجر الكلاب إذا زُجرت، يقال: خسأ الكلب وخَسَأَ بِنَفْسِه. «وَلاَ تُكَلمون» في رفع العذاب فإِنّي لا أرفعه عنكم، وليس هذا نهياً، لأنّه لا تكليف في الآخرة. قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار، ثم لا يتكلّمون بعده إلا الشهيق والزفير. ويصير لهم عواء كعواء الكلب لا يَفْهَمُون ولا يُفْهمُون. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي﴾ الآية. العامة على كسر همزة (إِنَّهُ) استئنافاً. وأُبّي والعتكي: بفتحها أي: لأنه والهاء ضمير الشأن. قال البغوي: الهاء في إنه عماد، وتسمى المجهولة أيضاً. قوله: «فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرياً» قرأ الأخوان ونافع هنا وفي ص بكسر السين. والباقون: بضمها في المَوْضعين. و (سِخْريًّا) مفعول ثان للاتخاذ. واختلف في معناها فقال الخليل وسيبويه والكسائي وأبو زيد: هما بمعنى واحد نحو دُريّ ودِريّ، وبَحْر لُجِّي ولِجِّي بضم اللام وكسرها. وقال يونس: إن أريد الخدمة والسخرة فالضم لا غير، وإن أريد الهزء فالضم والكسر ورَجّح أبو عليّ وتَبعه مكي قراءة الكسر، قالا: لأنّ ما بعدها أَلْيَق لها لقوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ . ولا حجة فيه، لأنّهم جمعوا بين الأمرين سَخروهم في العمل، وسَخِرُوا منهم استهزاءً. والسُّخْرَة بالتاء الاستخدام وسُخْرِيًّا بالضم منها، والسُّخْر بدونها الهُزء والمكسور منه، قال الأعشى: 3813 - إِنِّي أَتَانِي حَدِيثٌ لاَ أُسَرُّ بِهِ ... مِنْ علْو لاَ كذبٌ فِيهِ ولاَ سَخَرُ ولم يختلف السبعة في ضم ما في الزخرف، لأنّ المراد الاستخدام، وهو يُقوِّي قول من فرّق بينهما، إلاَّ أنَّ ابن محيصن وابن مسلم وأصحاب عبد الله كَسَرُوه أيضاً، وهي مُقَوية لقول من جعلهما بمعنى والياء في سُخْريًّا وسِخْريًّا للنسب زيدت للدلالة على قوة الفعل، فالسُّخْريّ أقوى من السُّخْر، كما قيل في الخصوص خُصُوصيّة دلالة على قوة ذلك. قال معناه الزمخشري. فصل اعلم أنّه تعالى قرعهم بأمر يتصل بالمؤمنين قال مقاتل: إن رؤوس قريش مثل أبي جهل، وعقبة وأبيّ بن خلف، كانوا يستهزؤون بأصحاب محمدٍ، ويضحكون بالفقراء منهم، كبلال، وخباب، وعمّار، وصهيب، والمَعْنى: اتخذتموهم هزواً «حَتَّى أَنْسَوْكُمْ» بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ﴿ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ ونظيره: ﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: 29] ثم إنّه تعالى ذكر ما يوجب أسفهم وخسرانهم بأَنْ وصف ما جازى به أولئك فقال: ﴿جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صبروا﴾ أي: جزيتهم اليوم الجزاء الوافر. قوله: ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الفآئزون﴾ قرأ الأخوان بكسر الهمزة، استئنافاً. والباقون بالفتح، وفيه وجهان: أظهرهما: أنَّه تعليل فيكون نصباً بإضمار الخافض أي: لأنهم هم الفائزون، وهي موافقة للأُولى فإنّ الاستئناف يعلل به أيضاً. والثاني: قاله الزمخشري، ولم يذكر غيره، أنه مفعول ثان ل «جَزَيْتُهُمْ» أي: بأنهم أي: فوزهم وعلى الأَوّل يكون المفعول الثاني محذوفاً.

المؤمنون 23:112

قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ قرأ الأخوان: ﴿قُلْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ ﴿قُلْ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ بالأمر في الموضعين وابن كثير كالأخوين في الأوَّل فقط. والباقون: «قَالَ» في الموضعَين على الإخبار عن الله أو الملك. والفعلان مرسومان بغير ألف في مصاحف الكوفة، وبألف في مصاحف مكة والمدينة والشام والبصرة. فحمزة والكسائي وَافَقَا مصاحف الكوفة، وخالفها عاصم أو وافقها على تقدير حذف الألف من الرسم وإرادتها. وابن كثير وافق في الثاني مصاحف مكة، وفي الأَوّل غيرها، أو إيّاها على تقدير حذف الألف وإرادتها. وأمّا الباقون فوافقُوا مصاحفهم في الأوّل والثاني. فَعَلَى الأمر معنى الآية: قُولُوا أَيُّها الكَافِرُونَ، فأخرج الكلام مخرج الواحد، والمراد منه الجماعة إذ كان معناه مفهوماً. ويجوز أن يكون الخطاب لكل واحد منهم، أي: قل أيها الكافرون. وأمّا على الخبر أي قال الله - عزَّ وجلَّ - للكفار يوم البعث ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض﴾ أي: في الدنيا أو في القبور. و (كَمْ) في موضع نصب على ظرف الزمان، أي: كم سنة، و «عَدَد» بدل من «كَمْ» قاله أبو البقاء، وقال غيره: «عَدَدَ سَنِينَ» تمييز ل «كَمْ» وهذا هو الصحيح. وقرأ الأعمش والمفضّل عن عاصم: «عَدَداً» منوناً، وفيه أوجه: أحدها: أن يكون عدداً مصدراً أقيم مقام الاسم فهو نعت مقدّم على المنعوت قاله صاحب اللوامح. يعني: أنَّ الأصل سنين عدداً. أي: معدودة، لكنّه يلزم تقديم النعت على المنعوت، فصوابُه أن يقول فانتُصب حالاً هذا مذهب البصريين. والثاني: أن «لَبِثْتُم» بمعنى: عددتم، فيكون نصب «عَدَداً» على المصدر و «سَنِينَ» بدل منه. قاله صاحب اللوامح أيضاً. وفيه بُعْد لعدم دلالة اللبث على العدد. والثالث: أنَّ «عَدَداً» تمييز ل «كَمْ» و «سِنِينَ» بدل منه. فصل الغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ، لأنّهم كانُوا ينكرون لبثاً في الآخرة أصلاً، ولا يُعدون اللبث إلاّ في دار الدنيا، ويظنون أنَّ بعد الموت يدوم الفناء ولا إعادة. فلمّا حصلوا في النار، وأيقنوا دوامها، وخلودهم فيها سألهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض﴾ مُنبِّهاً لهم على ما ظَنُّوه دائماً طويلاً، وهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه، فحينئذٍ تحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه في الدنيا، حيث تيقّنوا خلافه، وهذا هو الغرض من السؤال فإنْ قيل: فكيف يصح أن يقولوا في جوابهم: ﴿لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ولا يقع الكذب من أهل النار؟ فالجواب: لعلّهم نسوا لكثرة ما هم فيه من الأهوال، وقد اعترفوا بهذا النسيان وقالوا: «فَاسْأَلِ العَادِّينَ» . قال ابن عباس: أنساهم ما كانُوا فيه من العذاب بين النفختين. وقيل: مرادهم بقولهم: ﴿لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة إلى ما وقعوا فيه من العذاب. وقيل: أرادوا أن لبثهم في الدنيا يوماً أو بعض يوم من أيام الآخرة، لأن يوم القيامة مقداره خمسين ألف سنة. فصل اختلفوا في أنّ السؤال عن أيّ لبث؟ فقيل عن لبثهم أحياء في الدنيا، فأجابوا بأَنّ قدر لبثهم كان يسيراً بناء على أنّ الله أعلمهم أنَّ الدنيا متاع قليل وأن الآخرة هي دار القرار. وقيل: المراد اللبث في حال الموت، لأنَّ قوله: «فِي الأَرْضِ» يفيد الكَوْن في الأَرض أي: في القبر، والحيّ إِنّما يقال فيه أنّه على الأرض. وهذا ضعيف لقوله: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض﴾ [الأعراف: 56] ، واستدلوا أيضاً بقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: 55] ثم قالوا: «فَاسْأَلِ العَادِّينَ» أي: الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويُحْصُونها عليهم، وهذا قول عكرمة. وقيل الملائكة الذين يعدّون أيام الدنيا. وقيل: المعنى سَلْ من يعرف عدد ذلك فإنّا نسيناه. وقُرئ «العَادِينَ» بالتخفيف، وهي قراءة الحسن والكسائي في رواية جمع (عَادِي) اسم فاعل من (عَدَا) أي: الظلمة فإنّهم يقولون مثل ما قلنا. وقيل: العَادين: القدماء المعمرين، فإنّهم سيقصرونها. قال أبو البقاء: كقولك: هذا بئر عَاديَة، أي؛ سل من تقدّمنا، وحذف إحدى ياءي النسب كما قَالُوا: الأشعرون، وحُذفت الأخرى لالتقاء الساكنين. قال شهاب الدين: المحذوف أَوّلاً الياء الثانية؛ لأنّها المتحركة وبحذفها يلتقي ساكنان. ويؤيد ما ذكره أبو البقاء ما نقله الزمخشري قال: وقُرئ (العَادِيين أي: القدماء المعمرين، فإنهم يستقصرُونَها، فكيف بِمَن دُونهم؟ قال ابن خالويه: ولغة أخرى العَادِيّين يعني: بياء مشددة جمع عَادِيّة بمعنى القدماء) . فصل احتجّ من أنكر عذاب القبر بهذه الآية فقال: قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض﴾ يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض، وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض، فلو كانُوا معذبين في القبر لعلموا أنَّ مدة مكثهم في الأرض طويلة، فلم يقولوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ . والجواب من وجهين: الأول: أنّ الجواب لا بُدّ وأن يكون بحسب السؤال، وإنّما سألوا عن موتٍ لا حياةَ بعده إلاّ في الآخرة، وذلك لا يكون إلاّ بعد عذاب القبر. والثاني: يحتمل أن يكونُوا سألوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه، فلا مدخل في تقدّم موت بعضهم على بعض فيصح أن يكون جوابهم ﴿لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عند أنفسنا. قوله: «إِنْ لَبِثْتُم» أي: ما لبثتم «إِلاَّ قَلِيلاً» ، وكأنه قيل لهم: صدقتم ما لبثتم فيها إِلاّ قليلاً، لأنها في مقابلة أيام الآخرة. قوله: «لَوْ أَنَّكُمْ» جوابها محذوف تقديره: لو كنتم تعلمون مقدار لبثكم من الطول لمَا أجبتم بهذه المدة. وانتصب «قليلاً» (على النعت) لزمن محذوف (أو لمصدر محذوف) أي: إلاّ زمناً قليلاً، أو إِلاّ لُبْثاً قليلاً. قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ الآية في نصب (عَبَثاً) وجهان: أحدهما: أنّه مصدر واقع موقع الحال أي: عابثين. والثاني: أنه مفعول من أجله أي: لأجل العبث. والعَبَث: اللعب، وما لا فائدة فيه، أي: لتعبثوا وتلعبوا، كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وكل ما ليس له غرض صحيح. يقال: عَبَثَ يَعْبِثُ عَبثاً إذا خلط عليه بلعب، وأصله من قولهم عبثت الأَقِط، أي: خلطته، والعَبِيث: طعام مخلوط بشيء، ومنه العَوْبَثَانِي لتمر وسُوَيْق وسمن مختلط. قوله: «وَأَنَّكُمْ» يجوز أن يكون معطوفاً على (أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ) لكون الحسبان منسحباً عليه وأن يكون معطوفاً على (عَبَثاً) إذا كان مفعولاً من أجله. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون معطوفاً على (عَبَثاً) أي: للعبث ولترككم غير مرجوعين وقُدّم «إِلَيْنَا» على (تُرْجَعُونَ) لأجل الفواصل. قوله: «لاَ تُرْجَعُونَ» هو خبر «أَنَّكُمْ» ، وقرأ الأخوان «تَرْجِعُونَ» مبنياً للفاعل، والباقون مبنياً للمفعول. وقد تقدّم أن (رجع) يكون لازماً ومتعدياً. وقيل: لا يكون إلا متعدّياً، والمفعول محذوف. فصل لما شرح صفات القيامة استدل على وجودها بأنّه لولا القيامة لما تميّز المُطيع عن العاصي، والصديق عن الزنديق، وحينئذ يكون هذا العالم عَبَثاً، وهو كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36] . والمعنى: أَنَّما خلقتم للعبادة وإقامة أوامر الله عزَّ وجلَّ. «رُوي أن رجلاً مُصاباً مُرَّ به على ابن مسعود فَرَقَاهُ في أذنيه ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ حتى ختمها، فَبَرأ، (فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بماذا رقيته في أذنه فأخبره) فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» والذي نفسي بيده لو أنّ رجلاً موقناً قرأها على جبل لَزَال «ثم نَزّه نفسه عما يصفه به المشركون فقال: ﴿فَتَعَالَى الله الملك الحق﴾ ، والمَلِكُ: هو المالك للأشياء الذي لا يزول ملكه وقدرته، والحَقّ: هو الذي يحق له الملك، لأنّ كل شيء منه وإليه، والثابت الذي لا يزول ملكه. ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش الكريم﴾ قرأ العامة» الكريم «مجروراً نعتاً للعرش، وُصف بذلك لتنزُّل الخيرات منه والبركات والرحمة. أو لِنسْبته إلى أكرم الأكرمين، كما يُقال: بَيْتٌ كَريم إذا كان ساكنوه كراماً. وقرأ أبو جعفر وابن محيصن وإسماعيل عن ابن كثير وأبان بن تغلب بالرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنّه نعت للعرش أيضاً، ولكنه قطع عن إعرابه لأجل المدح على خبر مبتدأ مضمر. وهذا جيّد لتوافق القراءتين في المعنى. والثاني: أنه نعت ل (رَبّ) . فصل قال المفسرون: العرش السرير الحسن. وقيل: المرتفع. وقال أبو مسلم: العرش هنا السموات بما فيها من العرش الذي تطوف به الملائكة، ويجوز أن يُراد به الملك العظيم. والأكثرون: على أنّه العرش حقيقة. قوله: «وَمَنْ يَدْعُ» شرط، وفي جوابه وجهان: أحدهما: أنه قوله: «فَإِنَّما حِسَابُهُ» وعلى هذا ففي الجملة المنفية وهي قوله: ﴿لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ وجهان: أحدهما: أنها صفة، ل «إِلهاً» وهي صفة لازمة، أي: لا يكون الإله المَدْعو من دون الله إلاّ كذا، فليس لها مفهوم لفساد المعنى. ومثله ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: 38] لا يفهم أنّ ثمَّ إِلهاً آخر مَدْعُوًّا من دون الله له برهان، وأن ثمَّ طَائِراً يطيرُ بغير جناحيه. والثاني: أنها جملة اعتراض بين الشرط وجوابه، وإلى الوجهين أشار الزمخشري بقوله وهي صفة لازمة كقوله: «يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ» جِيءَ بها للتوكيد لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان، ويجوز أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء كقولك: مَنْ أَحْسَن إلى زيدٍ لا أحد أَحقُّ بالإحسان منه فاللَّهُ مثيبه. والثاني من الوجهين الأَولين: أن جواب الشرط قوله: ﴿لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ كأنه فرَّ من مفهوم الصفة لِمَا يلزم من فساده، فوقع في شيء لا يجوز إِلاّ في ضرورة شعر، وهو حذف فاء الجزاء من الجملة الاسمية كقوله: 3814 - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرهَا ... والشَّرُّ بِالشَّر عِنْدَ اللَّهِ سِيَّانِ وقد تقدّم تخريج كون ﴿لاَ بُرْهَانَ لَهُ﴾ على الصفة، ولا إشكال، لأنها صفة لازمة، أو على أنها جملة اعتراض. فصل لمّا بيَّن أنَّه ﴿الملك الحق لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ﴾ أتبعهُ بأن من ادّعى إلهاً آخر فقد ادّعى باطلاً، لأنه ﴿لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ لا حجّة ولا بيّنة، لأنه لا حجّة في دعوى الشرك، وهذا يدل على صحة النظر وفساد التقليد. ثم قال: «فَإِنَّما حِسَابُهُ» أي: جزاؤه عند ربه يجازيه بعمله كما قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 26] كأنّه قال: إن عقابه بلغ إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلاّ الله. قوله: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ فشتّان ما بين فاتحة السورة وخاتمتها. قرأ الجمهور بكسر همزة (إنّه) على الاستئناف المفيد للعلة. وقرأ الحسن وقتادة «أَنَّه» بالفتح، وخرّجه الزمخشري على أن يكون خبر «حِسَابُه» قال: ومعناه حسابه عدم الفلاح، والأصل حساب أنّه لا يفلح هو، فوضع الكافرون في موضع الضمير، لأن «مَنْ يَدْعُ» في موضع الجمع، وكذلك حسابه أنّه لا يفلح في معنى حسابهم أنهم لا يفلحون. انتهى. ويجوز أن يكون ذلك على حذف حرف العلة أي: لأنّه لا يفلح. وقرأ الحسن: «لاَ يَفْلحُ» مضارع (فَلح) بمعنى (أَفْلَح) (فَعَل) و (أَفْعَل) فيه بمعنى، والله أعلم. فصل المعنى لا يسعد من جحَد وكذّب، وأمر الرسول بأن يقول: ﴿رَّبِّ اغفر وارحم﴾ ويثني عليه بأن «خَيْرُ الرَّاحِمِينَ» ، وقد تقدّم بيان كون «أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» . فإن قيل: كيف اتصال هذه الخاتمة بما قبلها؟ فالجواب: أنّه سبحانه لما شرح أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة أمر بالانقطاع إلى الله والالتجاء إلى غفرانه ورحمته، فإنهما العاصمان عن كل الآفات والمخافات. رُوي أنَّ أَوَّل سورة (قد أفلح) وآخرها من كنوز العرش من عَمِل بثلاثِ آياتٍ من أولها، واتعظ بأربع من آخرها فقد نَجَا وأفلح. وروَى الثعلبي في تفسيره عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «من قرأ سورة المؤمنون بشرته الملائكة بالرَّوْحِ والرَّيْحَانِ، وما تقرّ بِهِ عَيْنُه عند نزول ملك الموت» . سورة النور

المؤمنون 23:113

قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ قرأ الأخوان: ﴿قُلْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ ﴿قُلْ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ بالأمر في الموضعين وابن كثير كالأخوين في الأوَّل فقط. والباقون: «قَالَ» في الموضعَين على الإخبار عن الله أو الملك. والفعلان مرسومان بغير ألف في مصاحف الكوفة، وبألف في مصاحف مكة والمدينة والشام والبصرة. فحمزة والكسائي وَافَقَا مصاحف الكوفة، وخالفها عاصم أو وافقها على تقدير حذف الألف من الرسم وإرادتها. وابن كثير وافق في الثاني مصاحف مكة، وفي الأَوّل غيرها، أو إيّاها على تقدير حذف الألف وإرادتها. وأمّا الباقون فوافقُوا مصاحفهم في الأوّل والثاني. فَعَلَى الأمر معنى الآية: قُولُوا أَيُّها الكَافِرُونَ، فأخرج الكلام مخرج الواحد، والمراد منه الجماعة إذ كان معناه مفهوماً. ويجوز أن يكون الخطاب لكل واحد منهم، أي: قل أيها الكافرون. وأمّا على الخبر أي قال الله - عزَّ وجلَّ - للكفار يوم البعث ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض﴾ أي: في الدنيا أو في القبور. و (كَمْ) في موضع نصب على ظرف الزمان، أي: كم سنة، و «عَدَد» بدل من «كَمْ» قاله أبو البقاء، وقال غيره: «عَدَدَ سَنِينَ» تمييز ل «كَمْ» وهذا هو الصحيح. وقرأ الأعمش والمفضّل عن عاصم: «عَدَداً» منوناً، وفيه أوجه: أحدها: أن يكون عدداً مصدراً أقيم مقام الاسم فهو نعت مقدّم على المنعوت قاله صاحب اللوامح. يعني: أنَّ الأصل سنين عدداً. أي: معدودة، لكنّه يلزم تقديم النعت على المنعوت، فصوابُه أن يقول فانتُصب حالاً هذا مذهب البصريين. والثاني: أن «لَبِثْتُم» بمعنى: عددتم، فيكون نصب «عَدَداً» على المصدر و «سَنِينَ» بدل منه. قاله صاحب اللوامح أيضاً. وفيه بُعْد لعدم دلالة اللبث على العدد. والثالث: أنَّ «عَدَداً» تمييز ل «كَمْ» و «سِنِينَ» بدل منه. فصل الغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ، لأنّهم كانُوا ينكرون لبثاً في الآخرة أصلاً، ولا يُعدون اللبث إلاّ في دار الدنيا، ويظنون أنَّ بعد الموت يدوم الفناء ولا إعادة. فلمّا حصلوا في النار، وأيقنوا دوامها، وخلودهم فيها سألهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض﴾ مُنبِّهاً لهم على ما ظَنُّوه دائماً طويلاً، وهو يسير بالإضافة إلى ما أنكروه، فحينئذٍ تحصل لهم الحسرة على ما كانوا يعتقدونه في الدنيا، حيث تيقّنوا خلافه، وهذا هو الغرض من السؤال فإنْ قيل: فكيف يصح أن يقولوا في جوابهم: ﴿لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ولا يقع الكذب من أهل النار؟ فالجواب: لعلّهم نسوا لكثرة ما هم فيه من الأهوال، وقد اعترفوا بهذا النسيان وقالوا: «فَاسْأَلِ العَادِّينَ» . قال ابن عباس: أنساهم ما كانُوا فيه من العذاب بين النفختين. وقيل: مرادهم بقولهم: ﴿لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ تصغير لبثهم وتحقيره بالإضافة إلى ما وقعوا فيه من العذاب. وقيل: أرادوا أن لبثهم في الدنيا يوماً أو بعض يوم من أيام الآخرة، لأن يوم القيامة مقداره خمسين ألف سنة. فصل اختلفوا في أنّ السؤال عن أيّ لبث؟ فقيل عن لبثهم أحياء في الدنيا، فأجابوا بأَنّ قدر لبثهم كان يسيراً بناء على أنّ الله أعلمهم أنَّ الدنيا متاع قليل وأن الآخرة هي دار القرار. وقيل: المراد اللبث في حال الموت، لأنَّ قوله: «فِي الأَرْضِ» يفيد الكَوْن في الأَرض أي: في القبر، والحيّ إِنّما يقال فيه أنّه على الأرض. وهذا ضعيف لقوله: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض﴾ [الأعراف: 56] ، واستدلوا أيضاً بقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: 55] ثم قالوا: «فَاسْأَلِ العَادِّينَ» أي: الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويُحْصُونها عليهم، وهذا قول عكرمة. وقيل الملائكة الذين يعدّون أيام الدنيا. وقيل: المعنى سَلْ من يعرف عدد ذلك فإنّا نسيناه. وقُرئ «العَادِينَ» بالتخفيف، وهي قراءة الحسن والكسائي في رواية جمع (عَادِي) اسم فاعل من (عَدَا) أي: الظلمة فإنّهم يقولون مثل ما قلنا. وقيل: العَادين: القدماء المعمرين، فإنّهم سيقصرونها. قال أبو البقاء: كقولك: هذا بئر عَاديَة، أي؛ سل من تقدّمنا، وحذف إحدى ياءي النسب كما قَالُوا: الأشعرون، وحُذفت الأخرى لالتقاء الساكنين. قال شهاب الدين: المحذوف أَوّلاً الياء الثانية؛ لأنّها المتحركة وبحذفها يلتقي ساكنان. ويؤيد ما ذكره أبو البقاء ما نقله الزمخشري قال: وقُرئ (العَادِيين أي: القدماء المعمرين، فإنهم يستقصرُونَها، فكيف بِمَن دُونهم؟ قال ابن خالويه: ولغة أخرى العَادِيّين يعني: بياء مشددة جمع عَادِيّة بمعنى القدماء) . فصل احتجّ من أنكر عذاب القبر بهذه الآية فقال: قوله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض﴾ يتناول زمان كونهم أحياء فوق الأرض، وزمان كونهم أمواتاً في بطن الأرض، فلو كانُوا معذبين في القبر لعلموا أنَّ مدة مكثهم في الأرض طويلة، فلم يقولوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ . والجواب من وجهين: الأول: أنّ الجواب لا بُدّ وأن يكون بحسب السؤال، وإنّما سألوا عن موتٍ لا حياةَ بعده إلاّ في الآخرة، وذلك لا يكون إلاّ بعد عذاب القبر. والثاني: يحتمل أن يكونُوا سألوا عن قدر اللبث الذي اجتمعوا فيه، فلا مدخل في تقدّم موت بعضهم على بعض فيصح أن يكون جوابهم ﴿لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ عند أنفسنا. قوله: «إِنْ لَبِثْتُم» أي: ما لبثتم «إِلاَّ قَلِيلاً» ، وكأنه قيل لهم: صدقتم ما لبثتم فيها إِلاّ قليلاً، لأنها في مقابلة أيام الآخرة. قوله: «لَوْ أَنَّكُمْ» جوابها محذوف تقديره: لو كنتم تعلمون مقدار لبثكم من الطول لمَا أجبتم بهذه المدة. وانتصب «قليلاً» (على النعت) لزمن محذوف (أو لمصدر محذوف) أي: إلاّ زمناً قليلاً، أو إِلاّ لُبْثاً قليلاً. قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾ الآية في نصب (عَبَثاً) وجهان: أحدهما: أنّه مصدر واقع موقع الحال أي: عابثين. والثاني: أنه مفعول من أجله أي: لأجل العبث. والعَبَث: اللعب، وما لا فائدة فيه، أي: لتعبثوا وتلعبوا، كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وكل ما ليس له غرض صحيح. يقال: عَبَثَ يَعْبِثُ عَبثاً إذا خلط عليه بلعب، وأصله من قولهم عبثت الأَقِط، أي: خلطته، والعَبِيث: طعام مخلوط بشيء، ومنه العَوْبَثَانِي لتمر وسُوَيْق وسمن مختلط. قوله: «وَأَنَّكُمْ» يجوز أن يكون معطوفاً على (أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ) لكون الحسبان منسحباً عليه وأن يكون معطوفاً على (عَبَثاً) إذا كان مفعولاً من أجله. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون معطوفاً على (عَبَثاً) أي: للعبث ولترككم غير مرجوعين وقُدّم «إِلَيْنَا» على (تُرْجَعُونَ) لأجل الفواصل. قوله: «لاَ تُرْجَعُونَ» هو خبر «أَنَّكُمْ» ، وقرأ الأخوان «تَرْجِعُونَ» مبنياً للفاعل، والباقون مبنياً للمفعول. وقد تقدّم أن (رجع) يكون لازماً ومتعدياً. وقيل: لا يكون إلا متعدّياً، والمفعول محذوف. فصل لما شرح صفات القيامة استدل على وجودها بأنّه لولا القيامة لما تميّز المُطيع عن العاصي، والصديق عن الزنديق، وحينئذ يكون هذا العالم عَبَثاً، وهو كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36] . والمعنى: أَنَّما خلقتم للعبادة وإقامة أوامر الله عزَّ وجلَّ. «رُوي أن رجلاً مُصاباً مُرَّ به على ابن مسعود فَرَقَاهُ في أذنيه ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ حتى ختمها، فَبَرأ، (فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بماذا رقيته في أذنه فأخبره) فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» والذي نفسي بيده لو أنّ رجلاً موقناً قرأها على جبل لَزَال «ثم نَزّه نفسه عما يصفه به المشركون فقال: ﴿فَتَعَالَى الله الملك الحق﴾ ، والمَلِكُ: هو المالك للأشياء الذي لا يزول ملكه وقدرته، والحَقّ: هو الذي يحق له الملك، لأنّ كل شيء منه وإليه، والثابت الذي لا يزول ملكه. ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش الكريم﴾ قرأ العامة» الكريم «مجروراً نعتاً للعرش، وُصف بذلك لتنزُّل الخيرات منه والبركات والرحمة. أو لِنسْبته إلى أكرم الأكرمين، كما يُقال: بَيْتٌ كَريم إذا كان ساكنوه كراماً. وقرأ أبو جعفر وابن محيصن وإسماعيل عن ابن كثير وأبان بن تغلب بالرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنّه نعت للعرش أيضاً، ولكنه قطع عن إعرابه لأجل المدح على خبر مبتدأ مضمر. وهذا جيّد لتوافق القراءتين في المعنى. والثاني: أنه نعت ل (رَبّ) . فصل قال المفسرون: العرش السرير الحسن. وقيل: المرتفع. وقال أبو مسلم: العرش هنا السموات بما فيها من العرش الذي تطوف به الملائكة، ويجوز أن يُراد به الملك العظيم. والأكثرون: على أنّه العرش حقيقة. قوله: «وَمَنْ يَدْعُ» شرط، وفي جوابه وجهان: أحدهما: أنه قوله: «فَإِنَّما حِسَابُهُ» وعلى هذا ففي الجملة المنفية وهي قوله: ﴿لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ وجهان: أحدهما: أنها صفة، ل «إِلهاً» وهي صفة لازمة، أي: لا يكون الإله المَدْعو من دون الله إلاّ كذا، فليس لها مفهوم لفساد المعنى. ومثله ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: 38] لا يفهم أنّ ثمَّ إِلهاً آخر مَدْعُوًّا من دون الله له برهان، وأن ثمَّ طَائِراً يطيرُ بغير جناحيه. والثاني: أنها جملة اعتراض بين الشرط وجوابه، وإلى الوجهين أشار الزمخشري بقوله وهي صفة لازمة كقوله: «يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ» جِيءَ بها للتوكيد لا أن يكون في الآلهة ما يجوز أن يقوم عليه برهان، ويجوز أن يكون اعتراضاً بين الشرط والجزاء كقولك: مَنْ أَحْسَن إلى زيدٍ لا أحد أَحقُّ بالإحسان منه فاللَّهُ مثيبه. والثاني من الوجهين الأَولين: أن جواب الشرط قوله: ﴿لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ كأنه فرَّ من مفهوم الصفة لِمَا يلزم من فساده، فوقع في شيء لا يجوز إِلاّ في ضرورة شعر، وهو حذف فاء الجزاء من الجملة الاسمية كقوله: 3814 - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرهَا ... والشَّرُّ بِالشَّر عِنْدَ اللَّهِ سِيَّانِ وقد تقدّم تخريج كون ﴿لاَ بُرْهَانَ لَهُ﴾ على الصفة، ولا إشكال، لأنها صفة لازمة، أو على أنها جملة اعتراض. فصل لمّا بيَّن أنَّه ﴿الملك الحق لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ﴾ أتبعهُ بأن من ادّعى إلهاً آخر فقد ادّعى باطلاً، لأنه ﴿لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ لا حجّة ولا بيّنة، لأنه لا حجّة في دعوى الشرك، وهذا يدل على صحة النظر وفساد التقليد. ثم قال: «فَإِنَّما حِسَابُهُ» أي: جزاؤه عند ربه يجازيه بعمله كما قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 26] كأنّه قال: إن عقابه بلغ إلى حيث لا يقدر أحد على حسابه إلاّ الله. قوله: ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ فشتّان ما بين فاتحة السورة وخاتمتها. قرأ الجمهور بكسر همزة (إنّه) على الاستئناف المفيد للعلة. وقرأ الحسن وقتادة «أَنَّه» بالفتح، وخرّجه الزمخشري على أن يكون خبر «حِسَابُه» قال: ومعناه حسابه عدم الفلاح، والأصل حساب أنّه لا يفلح هو، فوضع الكافرون في موضع الضمير، لأن «مَنْ يَدْعُ» في موضع الجمع، وكذلك حسابه أنّه لا يفلح في معنى حسابهم أنهم لا يفلحون. انتهى. ويجوز أن يكون ذلك على حذف حرف العلة أي: لأنّه لا يفلح. وقرأ الحسن: «لاَ يَفْلحُ» مضارع (فَلح) بمعنى (أَفْلَح) (فَعَل) و (أَفْعَل) فيه بمعنى، والله أعلم. فصل المعنى لا يسعد من جحَد وكذّب، وأمر الرسول بأن يقول: ﴿رَّبِّ اغفر وارحم﴾ ويثني عليه بأن «خَيْرُ الرَّاحِمِينَ» ، وقد تقدّم بيان كون «أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» . فإن قيل: كيف اتصال هذه الخاتمة بما قبلها؟ فالجواب: أنّه سبحانه لما شرح أحوال الكفار في جهلهم في الدنيا وعذابهم في الآخرة أمر بالانقطاع إلى الله والالتجاء إلى غفرانه ورحمته، فإنهما العاصمان عن كل الآفات والمخافات. رُوي أنَّ أَوَّل سورة (قد أفلح) وآخرها من كنوز العرش من عَمِل بثلاثِ آياتٍ من أولها، واتعظ بأربع من آخرها فقد نَجَا وأفلح. وروَى الثعلبي في تفسيره عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «من قرأ سورة المؤمنون بشرته الملائكة بالرَّوْحِ والرَّيْحَانِ، وما تقرّ بِهِ عَيْنُه عند نزول ملك الموت» . سورة النور