Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الفرقان 25:33 – الشعراء 26:56
المحتويات
- الفرقان 25:33
- الفرقان 25:34
- الفرقان 25:35
- الفرقان 25:36
- الفرقان 25:37
- الفرقان 25:38
- الفرقان 25:39
- الفرقان 25:40
- الفرقان 25:41
- الفرقان 25:42
- الفرقان 25:43
- الفرقان 25:44
- الفرقان 25:45
- الفرقان 25:46
- الفرقان 25:47
- الفرقان 25:48
- الفرقان 25:49
- الفرقان 25:50
- الفرقان 25:51
- الفرقان 25:52
- الفرقان 25:53
- الفرقان 25:54
- الفرقان 25:55
- الفرقان 25:56
- الفرقان 25:57
- الفرقان 25:58
- الفرقان 25:59
- الفرقان 25:60
- الفرقان 25:61
- الفرقان 25:62
- الفرقان 25:63
- الفرقان 25:64
- الفرقان 25:65
- الفرقان 25:66
- الفرقان 25:67
- الفرقان 25:68
- الفرقان 25:69
- الفرقان 25:70
- الفرقان 25:71
- الفرقان 25:72
- الفرقان 25:73
- الفرقان 25:74
- الفرقان 25:75
- الفرقان 25:76
- الفرقان 25:77
- الشعراء 26:1
- الشعراء 26:2
- الشعراء 26:3
- الشعراء 26:4
- الشعراء 26:5
- الشعراء 26:6
- الشعراء 26:7
- الشعراء 26:8
- الشعراء 26:9
- الشعراء 26:10
- الشعراء 26:11
- الشعراء 26:12
- الشعراء 26:13
- الشعراء 26:14
- الشعراء 26:15
- الشعراء 26:16
- الشعراء 26:17
- الشعراء 26:18
- الشعراء 26:19
- الشعراء 26:20
- الشعراء 26:21
- الشعراء 26:22
- الشعراء 26:23
- الشعراء 26:24
- الشعراء 26:25
- الشعراء 26:26
- الشعراء 26:27
- الشعراء 26:28
- الشعراء 26:29
- الشعراء 26:30
- الشعراء 26:31
- الشعراء 26:32
- الشعراء 26:33
- الشعراء 26:34
- الشعراء 26:35
- الشعراء 26:36
- الشعراء 26:37
- الشعراء 26:38
- الشعراء 26:39
- الشعراء 26:40
- الشعراء 26:41
- الشعراء 26:42
- الشعراء 26:43
- الشعراء 26:44
- الشعراء 26:45
- الشعراء 26:46
- الشعراء 26:47
- الشعراء 26:48
- الشعراء 26:49
- الشعراء 26:50
- الشعراء 26:51
- الشعراء 26:52
- الشعراء 26:53
- الشعراء 26:54
- الشعراء 26:55
- الشعراء 26:56
الفرقان 25:33
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن﴾ الآية.
هذه شبهة خامسة لمنكري النبوة؛ فإن أهل مكة قالوا: تزعم أنك رسول من عند الله، فهلا تأتينا بالقرآن جملة (واحدة) ، كما أتي موسى بالتوراة جملة، وكما أتي عيسى بالإنجيل جملة، وداود بالزبور. قال ابن جريج: من أوله إلى آخره في ثنتين أو ثلاث وعشرين سنة. و «جملة» حال من «القرآن» ؛ إذ هي في معنى مجتمعاً.
قوله: «كذلك» الكاف إما مرفوعة المحل، أي: الأمر كذلك، و «لِنُثَبِّتَ» علة لمحذوف، أي: لنثبت فعلنا ذلك. وإما منصوبته على الحال، أي: أنزل مثل ذلك، أو على النعت لمصدر محذوف، و «لنثبت» متعلقة بذلك الفعل المحذوف وقال أبو حاتم: هي جواب قسم. وهذا قول مرجوح نحا إليه الأخفش، وجعل منه «ولتصغى» ، وقد تقدم في الأنعام. وقرأ عبد الله «ليثبت» بالياء أي الله تعالى.
فصل
هذا جواب عن شبهتهم، وبيانه من وجوه:
أحدها: أنه - عليه السلام - لم يكن من أهل الكتابة والقراءة، فلو نزل ذلك عليه جملة واحدة كان لا يضبطه وجاز عليه فيه الخطأ والغلط.
وثانيها: أن من كان الكتاب عنده، فربما اعتمد على الكتاب وتساهل في الحفظ، فالله تعالى ما أعطاه الكتاب جملة واحدة بل كان ينزل عليه وظيفة، ليكون حفظه له أكمل، فيكون أبعد عن المساهمة وقلة التحصيل.
وثالثها: أنه تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة لنزلت الشرائع بأسرها دفعة على الخلق، فكان يثقل عليهم ذلك فلما نزل مفرقاً منجماً نزلت التكاليف قليلاً قليلاً، فكان تحملها أسهل.
ورابعها: أنه إذا شاهد جبريل حالاً بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته على أداء ما حمل، وعلى الصبر على عوارض النبوة، وعلى احتمال الأذى وعلى التكاليف الشاقة.
وخامسها: أنه لما تم شرط الإعجاز فيه مع كونه منجماً ثبت كونه معجزاً؛ فإنه لو كان ذلك مقدوراً للبشر لوجب أن يأتوا بمثله منجماً مفرقاً، ولما عجزوا عن معارضة نجومه المفرقة، فعن معارضة الكل أولى.
وسادسها: كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم ووقائعهم، فكانوا يزدادون بصيرة، وكان ينضم إلى الفصاحة الإخبار عن الغيوب.
وسابعها: أن السفارة بين الله وبين أنبيائه، وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم، فيحتمل أن يقال: إنه تعالى لو أنزل القرآن على محمد دفعة واحدة لبطل المنصب على جبريل - عليه السلام - فلما أنزله مفرقاً منجماً بقي ذلك المنصب العالي عليه، فلذلك جعلة الله تعالى منجماً.
فصل
قوله: «كذلك» يحتمل أن يكون من تمام كلام المشركين، أي: جملة واحدة كذلك أي كالتوراة والإنجيل.
ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ذكره جواباً لهم، أي: كذلك أنزلناه، مفرقاً. فإن قيل: «كذلك» إشارة إلى شيء تقدمه، والذي تقدمه هو إنزالة جملة، (فكيف فسره ب «كَذلِكَ أَنْزَلْنَاهُ» ) مفرقاً؟
فالجواب: أن الإشارة (إلى الإنزال مفرقاً لا إلى جملة. قوله: «ورتلناه ترتيلاً» الترتيل: التفريق ومجيء الكلمة بعد الأخرى بسكوت) يسير دون قطع النفس، ومنه ثغر رَتِلٌ ومُرتل، أي: مفلج الأسنان بين أسنانه فرج يسيرة. قال الزمخشري: ونزل هنا بمعنى أنزل لا غير كخبر بمعنى أخبر وإلا تدافعا. يعني أن نزل بالتشديد يقتضي بالأصالة التنجيم والتفريق، فلو لم يجعل بمعنى أنزل الذي لا يقتضي ذلك، لتدافع مع قوله «جُمْلَةً» لأن الجملة تنافي التفريق، وهذا بناء منه على معتقده، وهو أن التضعيف يدل على التفريق، وقد نص على كذلك في مواضع من الكشاف في سورة البقرة، وأول آل عمران، وآخر الإسراء، وحكى هناك عن ابن عباس ما يقوي ظاهره صحة قوله.
فصل
«وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً» قال ابن عباس: بيناه بياناً. والترتيل التبيين في ترسل وتثبيت. وقال السديّ: فصلناه تفصيلا. وقال مجاهد: بعضه في أثر بعض. وقال النخعي والحسن وقتادة: فرقناه تفريقاً آية بعد آية. قوله: «ولا يَأْتُونَك» يعني المشركين «بمثل» يَضربونه في إبطال أمرك ﴿إلا جئناك بالحق﴾ الذي يدفع ما جاءوا به من المثل ويبطله كقوله ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18] في ما يريدون من الشبه (مثلاً، وسمى ما يدفع به الشُّبَه) حقاً.
قوله: ﴿إِلاَّ جِئْنَاكَ بالحق﴾ هذا الاستثناء مفرغ، والجملة في محل نصب على الحال، أي: لا يأتونك بمثل إلا في حال إيتائنا إياك كذا، والمعنى: ولا يأتونك بسؤال عجيب إلا جئناك بالأمر الحق، «وأحْسَنَ تَفْسِيراً» أي: بياناً وتفضيلاً، و «تفسيراً» تمييز. والمفضّل عليه محذوف: تفسيراً من مثلهم.
والتفسير: تفعيل من الفَسْرِ، وهو كشف ما قد غطي.
ثم ذكر مآل المشركين فقال: ﴿الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ﴾ بساقون ويجرُّون إلى جهنم، روي أنهم يمشون في الآخرة مقلوبين وجوههم على القفا، وأرجلهم إلى فوق، وقال عليه السلام: «إنّ الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» والأولى أولى، لأنه ورد أيضاً.
قوله: «الّذِينَ يُحْشَرُونَ» يجوز رفعه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين ويجوز نصبه على الذم، ويجوز أن يرتفع بالابتداء وخبره الجملة من قوله {أولئك شَرٌّ مَّكَاناً} ، ويجوز أن يكون «أُولَئِكَ» بدلاً أو بياناً للموصول، و «شَرٌّ مَكَاناً» خبر الموصول.
قوله: ﴿أولئك شَرٌّ مَّكَاناً﴾ منزلاً ومصيراً من أهل الجنة «وأضل سبيلاً» وأخطأ طريقاً وههنا سؤال كما تقدم في قوله: ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ [الفرقان: 24] .
ولما تكلم في التوحيد، ونفي الأنداد وإثبات النبوة وأحوال القيامة شرع في ذكر القصص على الطريقة المعلومة.
الفرقان 25:34
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن﴾ الآية.
هذه شبهة خامسة لمنكري النبوة؛ فإن أهل مكة قالوا: تزعم أنك رسول من عند الله، فهلا تأتينا بالقرآن جملة (واحدة) ، كما أتي موسى بالتوراة جملة، وكما أتي عيسى بالإنجيل جملة، وداود بالزبور. قال ابن جريج: من أوله إلى آخره في ثنتين أو ثلاث وعشرين سنة. و «جملة» حال من «القرآن» ؛ إذ هي في معنى مجتمعاً.
قوله: «كذلك» الكاف إما مرفوعة المحل، أي: الأمر كذلك، و «لِنُثَبِّتَ» علة لمحذوف، أي: لنثبت فعلنا ذلك. وإما منصوبته على الحال، أي: أنزل مثل ذلك، أو على النعت لمصدر محذوف، و «لنثبت» متعلقة بذلك الفعل المحذوف وقال أبو حاتم: هي جواب قسم. وهذا قول مرجوح نحا إليه الأخفش، وجعل منه «ولتصغى» ، وقد تقدم في الأنعام. وقرأ عبد الله «ليثبت» بالياء أي الله تعالى.
فصل
هذا جواب عن شبهتهم، وبيانه من وجوه:
أحدها: أنه - عليه السلام - لم يكن من أهل الكتابة والقراءة، فلو نزل ذلك عليه جملة واحدة كان لا يضبطه وجاز عليه فيه الخطأ والغلط.
وثانيها: أن من كان الكتاب عنده، فربما اعتمد على الكتاب وتساهل في الحفظ، فالله تعالى ما أعطاه الكتاب جملة واحدة بل كان ينزل عليه وظيفة، ليكون حفظه له أكمل، فيكون أبعد عن المساهمة وقلة التحصيل.
وثالثها: أنه تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة لنزلت الشرائع بأسرها دفعة على الخلق، فكان يثقل عليهم ذلك فلما نزل مفرقاً منجماً نزلت التكاليف قليلاً قليلاً، فكان تحملها أسهل.
ورابعها: أنه إذا شاهد جبريل حالاً بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته على أداء ما حمل، وعلى الصبر على عوارض النبوة، وعلى احتمال الأذى وعلى التكاليف الشاقة.
وخامسها: أنه لما تم شرط الإعجاز فيه مع كونه منجماً ثبت كونه معجزاً؛ فإنه لو كان ذلك مقدوراً للبشر لوجب أن يأتوا بمثله منجماً مفرقاً، ولما عجزوا عن معارضة نجومه المفرقة، فعن معارضة الكل أولى.
وسادسها: كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم ووقائعهم، فكانوا يزدادون بصيرة، وكان ينضم إلى الفصاحة الإخبار عن الغيوب.
وسابعها: أن السفارة بين الله وبين أنبيائه، وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم، فيحتمل أن يقال: إنه تعالى لو أنزل القرآن على محمد دفعة واحدة لبطل المنصب على جبريل - عليه السلام - فلما أنزله مفرقاً منجماً بقي ذلك المنصب العالي عليه، فلذلك جعلة الله تعالى منجماً.
فصل
قوله: «كذلك» يحتمل أن يكون من تمام كلام المشركين، أي: جملة واحدة كذلك أي كالتوراة والإنجيل.
ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى ذكره جواباً لهم، أي: كذلك أنزلناه، مفرقاً. فإن قيل: «كذلك» إشارة إلى شيء تقدمه، والذي تقدمه هو إنزالة جملة، (فكيف فسره ب «كَذلِكَ أَنْزَلْنَاهُ» ) مفرقاً؟
فالجواب: أن الإشارة (إلى الإنزال مفرقاً لا إلى جملة. قوله: «ورتلناه ترتيلاً» الترتيل: التفريق ومجيء الكلمة بعد الأخرى بسكوت) يسير دون قطع النفس، ومنه ثغر رَتِلٌ ومُرتل، أي: مفلج الأسنان بين أسنانه فرج يسيرة. قال الزمخشري: ونزل هنا بمعنى أنزل لا غير كخبر بمعنى أخبر وإلا تدافعا. يعني أن نزل بالتشديد يقتضي بالأصالة التنجيم والتفريق، فلو لم يجعل بمعنى أنزل الذي لا يقتضي ذلك، لتدافع مع قوله «جُمْلَةً» لأن الجملة تنافي التفريق، وهذا بناء منه على معتقده، وهو أن التضعيف يدل على التفريق، وقد نص على كذلك في مواضع من الكشاف في سورة البقرة، وأول آل عمران، وآخر الإسراء، وحكى هناك عن ابن عباس ما يقوي ظاهره صحة قوله.
فصل
«وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً» قال ابن عباس: بيناه بياناً. والترتيل التبيين في ترسل وتثبيت. وقال السديّ: فصلناه تفصيلا. وقال مجاهد: بعضه في أثر بعض. وقال النخعي والحسن وقتادة: فرقناه تفريقاً آية بعد آية. قوله: «ولا يَأْتُونَك» يعني المشركين «بمثل» يَضربونه في إبطال أمرك ﴿إلا جئناك بالحق﴾ الذي يدفع ما جاءوا به من المثل ويبطله كقوله ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18] في ما يريدون من الشبه (مثلاً، وسمى ما يدفع به الشُّبَه) حقاً.
قوله: ﴿إِلاَّ جِئْنَاكَ بالحق﴾ هذا الاستثناء مفرغ، والجملة في محل نصب على الحال، أي: لا يأتونك بمثل إلا في حال إيتائنا إياك كذا، والمعنى: ولا يأتونك بسؤال عجيب إلا جئناك بالأمر الحق، «وأحْسَنَ تَفْسِيراً» أي: بياناً وتفضيلاً، و «تفسيراً» تمييز. والمفضّل عليه محذوف: تفسيراً من مثلهم.
والتفسير: تفعيل من الفَسْرِ، وهو كشف ما قد غطي.
ثم ذكر مآل المشركين فقال: ﴿الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ﴾ بساقون ويجرُّون إلى جهنم، روي أنهم يمشون في الآخرة مقلوبين وجوههم على القفا، وأرجلهم إلى فوق، وقال عليه السلام: «إنّ الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم» والأولى أولى، لأنه ورد أيضاً.
قوله: «الّذِينَ يُحْشَرُونَ» يجوز رفعه خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين ويجوز نصبه على الذم، ويجوز أن يرتفع بالابتداء وخبره الجملة من قوله {أولئك شَرٌّ مَّكَاناً} ، ويجوز أن يكون «أُولَئِكَ» بدلاً أو بياناً للموصول، و «شَرٌّ مَكَاناً» خبر الموصول.
قوله: ﴿أولئك شَرٌّ مَّكَاناً﴾ منزلاً ومصيراً من أهل الجنة «وأضل سبيلاً» وأخطأ طريقاً وههنا سؤال كما تقدم في قوله: ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ [الفرقان: 24] .
ولما تكلم في التوحيد، ونفي الأنداد وإثبات النبوة وأحوال القيامة شرع في ذكر القصص على الطريقة المعلومة.
الفرقان 25:35
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب﴾ الآية. لما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين﴾ [الفرقان: 31] وذكر ذلك في معرض التسلية له، ذكر جماعة من الأنبياء، وعرفه تكذيب أممهم، والمعنى: لست يا محمد بأول من أرسلنا فكذب (وآتيناه الآيات فرُدّ) : فقد آتينا موسى الكتاب، وقوينا عضده بأخيه هارون (ومع ذلك فقد رُدّ) . فإن قيل: كون هارون وزيراً كالمنافي لكونه شريكاً، بل يجب أن يقال: إنه لما صار (شريكاً) خرج عن كونه وزيراً. فالجواب: لا منافاة بين الصنفين، لأنه لا يمنع أن يشركه في النبوة ويكون وزيراً، وظهيراً، ومعيناً له. ولا وجه لقول من قال في قوله: «فَقُلْنَا اذْهَبا» إنه خطاب لموسى عليه السلام وحده بل يجري مجرى قوله: ﴿اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ [طه: 43] .
قوله: «هَارونَ» بدل، أو بيان، أو منصوب على القطع و «وَزِيراً» مفعول ثان، وقيل: حال، والمفعول الثاني قوله «معه» . قال الزجاج: الوزير في اللغة الذي يرجع إليه ويعمل برأيه، والوزر ما يعتصم به، ومنه: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ [القيامة: 11] أي: لا منجى ولا ملجأ. قال القاضي: ولذلك لا يوصف تعالى بأن له وزيراً.
قوله: ﴿فَقُلْنَا اذهبآ إِلَى القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ يعني القبط.
قوله: «فَدمَّرْنَاهُمْ» . العامة على «فَدَمَّرْنَا» فعلاً ماضياً معطوفاً على محذوف، أي: فذهب فكذبوهما «فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْميراً» أهلكناهم إهلاكاً. وقرأ عليّ - كرم الله وجهه - «فدمِّراهم» أمر لموسى وهارون، وعنه أيضاً: «فَدَمِّرَانِّهِمْ» كذلك أيضاً، ولكنه مؤكد بالنون الشديدة، وعنه أيضاً: «فدمِّرا بِهِم» بزيادة باء الجر بعد فعل الأمر، وهي تشبه القراءة قبلها في الخط، ونقل عنه الزمخشري «فَدَمَّرْتُهم» بتاء المتكلم. فإن قيل: الفاء للتعقيب، والإهلاك لم يحصل عقيب بعث موسى وهارون إليهم بل بعد مدة مديدة.
فالجواب: فاء التعقيب محمولة هنا على الحكم بالإهلاك لا على الوقوع. وقيل: إنه تعالى أراد اختصار القصة فذكر المقصود منها أولها وآخرها، والمراد إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. واعلم أن قوله: «كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا» إن حملنا تكذيب الآيات على تكذيب الآيات الإلهية فلا إشكال، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة، فاللفظ وإن كان للماضي فالمراد به المستقبل.
الفرقان 25:36
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب﴾ الآية. لما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين﴾ [الفرقان: 31] وذكر ذلك في معرض التسلية له، ذكر جماعة من الأنبياء، وعرفه تكذيب أممهم، والمعنى: لست يا محمد بأول من أرسلنا فكذب (وآتيناه الآيات فرُدّ) : فقد آتينا موسى الكتاب، وقوينا عضده بأخيه هارون (ومع ذلك فقد رُدّ) . فإن قيل: كون هارون وزيراً كالمنافي لكونه شريكاً، بل يجب أن يقال: إنه لما صار (شريكاً) خرج عن كونه وزيراً. فالجواب: لا منافاة بين الصنفين، لأنه لا يمنع أن يشركه في النبوة ويكون وزيراً، وظهيراً، ومعيناً له. ولا وجه لقول من قال في قوله: «فَقُلْنَا اذْهَبا» إنه خطاب لموسى عليه السلام وحده بل يجري مجرى قوله: ﴿اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ [طه: 43] .
قوله: «هَارونَ» بدل، أو بيان، أو منصوب على القطع و «وَزِيراً» مفعول ثان، وقيل: حال، والمفعول الثاني قوله «معه» . قال الزجاج: الوزير في اللغة الذي يرجع إليه ويعمل برأيه، والوزر ما يعتصم به، ومنه: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ [القيامة: 11] أي: لا منجى ولا ملجأ. قال القاضي: ولذلك لا يوصف تعالى بأن له وزيراً.
قوله: ﴿فَقُلْنَا اذهبآ إِلَى القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ يعني القبط.
قوله: «فَدمَّرْنَاهُمْ» . العامة على «فَدَمَّرْنَا» فعلاً ماضياً معطوفاً على محذوف، أي: فذهب فكذبوهما «فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْميراً» أهلكناهم إهلاكاً. وقرأ عليّ - كرم الله وجهه - «فدمِّراهم» أمر لموسى وهارون، وعنه أيضاً: «فَدَمِّرَانِّهِمْ» كذلك أيضاً، ولكنه مؤكد بالنون الشديدة، وعنه أيضاً: «فدمِّرا بِهِم» بزيادة باء الجر بعد فعل الأمر، وهي تشبه القراءة قبلها في الخط، ونقل عنه الزمخشري «فَدَمَّرْتُهم» بتاء المتكلم. فإن قيل: الفاء للتعقيب، والإهلاك لم يحصل عقيب بعث موسى وهارون إليهم بل بعد مدة مديدة.
فالجواب: فاء التعقيب محمولة هنا على الحكم بالإهلاك لا على الوقوع. وقيل: إنه تعالى أراد اختصار القصة فذكر المقصود منها أولها وآخرها، والمراد إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم. واعلم أن قوله: «كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا» إن حملنا تكذيب الآيات على تكذيب الآيات الإلهية فلا إشكال، وإن حملناه على تكذيب آيات النبوة، فاللفظ وإن كان للماضي فالمراد به المستقبل.
الفرقان 25:37
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ الآية. يجوز أن يكون «قَوْمَ» منصوباً عطفاً على مفعول « دَمَّرْنَاهم» ، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر قوله: «أَغْرَقْنَاهُمْ» وترجح هذا بتقديم جملة فعلية قبله. هذا إذا قلنا: إن «لما» ظرف زمان، وأما إذا قلنا إنها حرف وجوب لوجوب فلا يتأتى ذلك، لأن «أَغْرَقْنَاهُمْ» حينئذ جواب «لما» ، وجوابها لا يفسر، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مقدر لا على سبيل الاشتغال، أي: اذكر قوم نوح.
فصل
إنما قال: «كذبوا الرسل» إما لأنهم كانوا من البراهمة المنكرين لكل الرسل، أو لأن تكذيبهم لواحد تكذيب للجميع، لأن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع الرسل.
وقوله «أَغْرَقْنَاهُمْ» . قال الكلبي: أمطرنا عليهم السماء أربعين يوماً، وأخرج ماء الأرض أيضاً في تلك الأربعين، فصارت الأرض بحراً واحداً. «وَجَعَلْنَاهُمْ» أي: جعلنا إغراقهم وقصتهم «للناس آية» للظالمين أي: لكل من سلك سبيلهم، «وأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمينَ» في الآخرة «عَذَاباً أَلِيماً» .
قوله تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرس﴾ الآية، «وعَادَاً» فيه ثلاثة أوجه:
أن يكون معطوفاً على «قَوْمِ نُوح» ، وأن يكون معطوفاً على مفعول «جَعَلْنَاهُمْ» وأن يكون معطوفاً على محل «لِلظَّالِمِينَ» لأنه في قوة وعدنا الظالمين بعذاب. قوله: «وأَصْحَابَ الرَّسِّ» فيه وجهان: أحدهما: (أنه) من عطف المغاير، وهو الظاهر.
والثاني: أنه من عطف بعض الصفات على بعض.
والمراد ب «أَصْحَابَ الرَّسِّ» ثمود، لأن الرّسّ البئر التي لم تطو عن أبي عبيدة، وثمود أصحاب آبار. وقيل: «الرَّسُّ» نهر بالمشرق (وكانت قرى أصحاب الرس على شاطئ فبعث الله إليهم نبياً من أولاد يهودا بن يعقوب فكذبوه، فلبثت فيهم زماناً يشتكي إلى الله منهم، فحفروا بئراً ورسوه فيها، وقالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكانوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم وهو يقول: إلهي ترى ضيق مكاني، وشدة كربي، وضعف قلبي، وقلة صلتي فجعل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله ريحاً عاصفة شديدة الحر، وصارت الأرض من تحتهم كبريتاً متوقداً، وأظلتهم سحابة سوداء، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص) ويقال: إنهم أناس عبدة أصنام قتلوا نبيهم ورسوه في بئر أي؛ دسوه فيها وقال قتادة والكلبي: الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم وهو حنظلة بن صفوان وقيل: هم بقية ثمود قوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: 45] . وقال كعب ومقاتل والسدي: الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النجار، ورسوه في بئر، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة يس.
وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس هو الأخدود الذي حفروه.
وقال عكرمة: هم قوم رسوا نبيهم في بئر. وقيل: الرس المعدن، وجمعه رساس وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنهم قوم كانوا يعبدون شجرة الصَّنَوْبَر وسموا أصحاب الرس؛ لأنهم رسوا نبيهم في الأرض. وروى ابن جرير عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «أن الله بعث نبياً إلى أهل قرية، فلم يؤمن به من أهل القرية أحد إلا عبد أسود، ثم إنهم حفروا للرسول بئراً وألقوه فيها، ثم طبقوا عليها حجراً ضخماً، وكان ذلك الرجل الأسود يحتطب ويشتري له طعاماً وشراباً، ويرفع الصخرة ويدليه إليه، فكان ذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً، فلما أراد أن يحملها وجد نوماً، فاضطجع، وضرب الله على أذنه تسع سنين، ثم هَبّ واحتمل حزمته واشترى طعاماً وشراباً، وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه قد استخرجوه فآمنوا به، وصدقوه، وكان ذلك النبي يسألهم عن الأسود، ويقول لهم إنه أول من يدخل الجنة» .
قوله: ( «وقُروناً» ) أي: وأهلكنا قروناً كثيرة بين عاد وأصحاب الرس والقرون: جمع قرن، قال عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: القرن أربعون سنة، وهو قول النخعي. وقيل: مائة وعشرون سنة. وقيل غير ذلك. وتقدم الكلام عليه في سورة سبحان عند قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 17] .
قوله: «بَيْنَ ذَلك» «ذلك» إشارة إلى من تقدم ذكره، وهم جماعات، فلذلك حسن دخول «بَيْنَ» عليه. وقد يذكر الذاكر بحوثاً ثم يشير إليها بذلك، ويحسب الحاسب أعداداً متكاثرة، ثم يقول: فذلك كيت وكيت، أي ذلك المحسوب أو المعدود.
قوله: «وكُلاً» يجوز نصبه بفعل يفسره ما بعده، أي: وحذرنا أو ذكرنا، لأنها في معنى ضربنا له الأمثال.
ويجوز أن يكون معطوفاً على ما تقدم، و «ضَرَبْنَا» بيان لسبب إهلاكهم. وأما «كُلاًّ» الثانية فمفعول مقدم.
قوله: ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال﴾ أي: الأشباه في إقامة الحجة عليهم فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار. وقيل: بيَّنَّا لهم وأزحنا عللهم فلما كذبوا «تَبَّرْنَاهُمْ تَتْبِيرا» أي: أهلكناهم إهلاكاً. وقال الأخفش: كسرنا تكسيرا.
قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتَّتَّه فقد تَبَّرته.
الفرقان 25:38
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ الآية. يجوز أن يكون «قَوْمَ» منصوباً عطفاً على مفعول « دَمَّرْنَاهم» ، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر قوله: «أَغْرَقْنَاهُمْ» وترجح هذا بتقديم جملة فعلية قبله. هذا إذا قلنا: إن «لما» ظرف زمان، وأما إذا قلنا إنها حرف وجوب لوجوب فلا يتأتى ذلك، لأن «أَغْرَقْنَاهُمْ» حينئذ جواب «لما» ، وجوابها لا يفسر، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مقدر لا على سبيل الاشتغال، أي: اذكر قوم نوح.
فصل
إنما قال: «كذبوا الرسل» إما لأنهم كانوا من البراهمة المنكرين لكل الرسل، أو لأن تكذيبهم لواحد تكذيب للجميع، لأن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع الرسل.
وقوله «أَغْرَقْنَاهُمْ» . قال الكلبي: أمطرنا عليهم السماء أربعين يوماً، وأخرج ماء الأرض أيضاً في تلك الأربعين، فصارت الأرض بحراً واحداً. «وَجَعَلْنَاهُمْ» أي: جعلنا إغراقهم وقصتهم «للناس آية» للظالمين أي: لكل من سلك سبيلهم، «وأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمينَ» في الآخرة «عَذَاباً أَلِيماً» .
قوله تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرس﴾ الآية، «وعَادَاً» فيه ثلاثة أوجه:
أن يكون معطوفاً على «قَوْمِ نُوح» ، وأن يكون معطوفاً على مفعول «جَعَلْنَاهُمْ» وأن يكون معطوفاً على محل «لِلظَّالِمِينَ» لأنه في قوة وعدنا الظالمين بعذاب. قوله: «وأَصْحَابَ الرَّسِّ» فيه وجهان: أحدهما: (أنه) من عطف المغاير، وهو الظاهر.
والثاني: أنه من عطف بعض الصفات على بعض.
والمراد ب «أَصْحَابَ الرَّسِّ» ثمود، لأن الرّسّ البئر التي لم تطو عن أبي عبيدة، وثمود أصحاب آبار. وقيل: «الرَّسُّ» نهر بالمشرق (وكانت قرى أصحاب الرس على شاطئ فبعث الله إليهم نبياً من أولاد يهودا بن يعقوب فكذبوه، فلبثت فيهم زماناً يشتكي إلى الله منهم، فحفروا بئراً ورسوه فيها، وقالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكانوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم وهو يقول: إلهي ترى ضيق مكاني، وشدة كربي، وضعف قلبي، وقلة صلتي فجعل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله ريحاً عاصفة شديدة الحر، وصارت الأرض من تحتهم كبريتاً متوقداً، وأظلتهم سحابة سوداء، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص) ويقال: إنهم أناس عبدة أصنام قتلوا نبيهم ورسوه في بئر أي؛ دسوه فيها وقال قتادة والكلبي: الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم وهو حنظلة بن صفوان وقيل: هم بقية ثمود قوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: 45] . وقال كعب ومقاتل والسدي: الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النجار، ورسوه في بئر، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة يس.
وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس هو الأخدود الذي حفروه.
وقال عكرمة: هم قوم رسوا نبيهم في بئر. وقيل: الرس المعدن، وجمعه رساس وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنهم قوم كانوا يعبدون شجرة الصَّنَوْبَر وسموا أصحاب الرس؛ لأنهم رسوا نبيهم في الأرض. وروى ابن جرير عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «أن الله بعث نبياً إلى أهل قرية، فلم يؤمن به من أهل القرية أحد إلا عبد أسود، ثم إنهم حفروا للرسول بئراً وألقوه فيها، ثم طبقوا عليها حجراً ضخماً، وكان ذلك الرجل الأسود يحتطب ويشتري له طعاماً وشراباً، ويرفع الصخرة ويدليه إليه، فكان ذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً، فلما أراد أن يحملها وجد نوماً، فاضطجع، وضرب الله على أذنه تسع سنين، ثم هَبّ واحتمل حزمته واشترى طعاماً وشراباً، وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه قد استخرجوه فآمنوا به، وصدقوه، وكان ذلك النبي يسألهم عن الأسود، ويقول لهم إنه أول من يدخل الجنة» .
قوله: ( «وقُروناً» ) أي: وأهلكنا قروناً كثيرة بين عاد وأصحاب الرس والقرون: جمع قرن، قال عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: القرن أربعون سنة، وهو قول النخعي. وقيل: مائة وعشرون سنة. وقيل غير ذلك. وتقدم الكلام عليه في سورة سبحان عند قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 17] .
قوله: «بَيْنَ ذَلك» «ذلك» إشارة إلى من تقدم ذكره، وهم جماعات، فلذلك حسن دخول «بَيْنَ» عليه. وقد يذكر الذاكر بحوثاً ثم يشير إليها بذلك، ويحسب الحاسب أعداداً متكاثرة، ثم يقول: فذلك كيت وكيت، أي ذلك المحسوب أو المعدود.
قوله: «وكُلاً» يجوز نصبه بفعل يفسره ما بعده، أي: وحذرنا أو ذكرنا، لأنها في معنى ضربنا له الأمثال.
ويجوز أن يكون معطوفاً على ما تقدم، و «ضَرَبْنَا» بيان لسبب إهلاكهم. وأما «كُلاًّ» الثانية فمفعول مقدم.
قوله: ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال﴾ أي: الأشباه في إقامة الحجة عليهم فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار. وقيل: بيَّنَّا لهم وأزحنا عللهم فلما كذبوا «تَبَّرْنَاهُمْ تَتْبِيرا» أي: أهلكناهم إهلاكاً. وقال الأخفش: كسرنا تكسيرا.
قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتَّتَّه فقد تَبَّرته.
الفرقان 25:39
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ الآية. يجوز أن يكون «قَوْمَ» منصوباً عطفاً على مفعول « دَمَّرْنَاهم» ، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر قوله: «أَغْرَقْنَاهُمْ» وترجح هذا بتقديم جملة فعلية قبله. هذا إذا قلنا: إن «لما» ظرف زمان، وأما إذا قلنا إنها حرف وجوب لوجوب فلا يتأتى ذلك، لأن «أَغْرَقْنَاهُمْ» حينئذ جواب «لما» ، وجوابها لا يفسر، ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مقدر لا على سبيل الاشتغال، أي: اذكر قوم نوح.
فصل
إنما قال: «كذبوا الرسل» إما لأنهم كانوا من البراهمة المنكرين لكل الرسل، أو لأن تكذيبهم لواحد تكذيب للجميع، لأن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب جميع الرسل.
وقوله «أَغْرَقْنَاهُمْ» . قال الكلبي: أمطرنا عليهم السماء أربعين يوماً، وأخرج ماء الأرض أيضاً في تلك الأربعين، فصارت الأرض بحراً واحداً. «وَجَعَلْنَاهُمْ» أي: جعلنا إغراقهم وقصتهم «للناس آية» للظالمين أي: لكل من سلك سبيلهم، «وأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمينَ» في الآخرة «عَذَاباً أَلِيماً» .
قوله تعالى: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرس﴾ الآية، «وعَادَاً» فيه ثلاثة أوجه:
أن يكون معطوفاً على «قَوْمِ نُوح» ، وأن يكون معطوفاً على مفعول «جَعَلْنَاهُمْ» وأن يكون معطوفاً على محل «لِلظَّالِمِينَ» لأنه في قوة وعدنا الظالمين بعذاب. قوله: «وأَصْحَابَ الرَّسِّ» فيه وجهان: أحدهما: (أنه) من عطف المغاير، وهو الظاهر.
والثاني: أنه من عطف بعض الصفات على بعض.
والمراد ب «أَصْحَابَ الرَّسِّ» ثمود، لأن الرّسّ البئر التي لم تطو عن أبي عبيدة، وثمود أصحاب آبار. وقيل: «الرَّسُّ» نهر بالمشرق (وكانت قرى أصحاب الرس على شاطئ فبعث الله إليهم نبياً من أولاد يهودا بن يعقوب فكذبوه، فلبثت فيهم زماناً يشتكي إلى الله منهم، فحفروا بئراً ورسوه فيها، وقالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكانوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم وهو يقول: إلهي ترى ضيق مكاني، وشدة كربي، وضعف قلبي، وقلة صلتي فجعل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله ريحاً عاصفة شديدة الحر، وصارت الأرض من تحتهم كبريتاً متوقداً، وأظلتهم سحابة سوداء، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص) ويقال: إنهم أناس عبدة أصنام قتلوا نبيهم ورسوه في بئر أي؛ دسوه فيها وقال قتادة والكلبي: الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم وهو حنظلة بن صفوان وقيل: هم بقية ثمود قوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكر الله تعالى في قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: 45] . وقال كعب ومقاتل والسدي: الرس بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النجار، ورسوه في بئر، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة يس.
وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس هو الأخدود الذي حفروه.
وقال عكرمة: هم قوم رسوا نبيهم في بئر. وقيل: الرس المعدن، وجمعه رساس وروي عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنهم قوم كانوا يعبدون شجرة الصَّنَوْبَر وسموا أصحاب الرس؛ لأنهم رسوا نبيهم في الأرض. وروى ابن جرير عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «أن الله بعث نبياً إلى أهل قرية، فلم يؤمن به من أهل القرية أحد إلا عبد أسود، ثم إنهم حفروا للرسول بئراً وألقوه فيها، ثم طبقوا عليها حجراً ضخماً، وكان ذلك الرجل الأسود يحتطب ويشتري له طعاماً وشراباً، ويرفع الصخرة ويدليه إليه، فكان ذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً، فلما أراد أن يحملها وجد نوماً، فاضطجع، وضرب الله على أذنه تسع سنين، ثم هَبّ واحتمل حزمته واشترى طعاماً وشراباً، وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه قد استخرجوه فآمنوا به، وصدقوه، وكان ذلك النبي يسألهم عن الأسود، ويقول لهم إنه أول من يدخل الجنة» .
قوله: ( «وقُروناً» ) أي: وأهلكنا قروناً كثيرة بين عاد وأصحاب الرس والقرون: جمع قرن، قال عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: القرن أربعون سنة، وهو قول النخعي. وقيل: مائة وعشرون سنة. وقيل غير ذلك. وتقدم الكلام عليه في سورة سبحان عند قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: 17] .
قوله: «بَيْنَ ذَلك» «ذلك» إشارة إلى من تقدم ذكره، وهم جماعات، فلذلك حسن دخول «بَيْنَ» عليه. وقد يذكر الذاكر بحوثاً ثم يشير إليها بذلك، ويحسب الحاسب أعداداً متكاثرة، ثم يقول: فذلك كيت وكيت، أي ذلك المحسوب أو المعدود.
قوله: «وكُلاً» يجوز نصبه بفعل يفسره ما بعده، أي: وحذرنا أو ذكرنا، لأنها في معنى ضربنا له الأمثال.
ويجوز أن يكون معطوفاً على ما تقدم، و «ضَرَبْنَا» بيان لسبب إهلاكهم. وأما «كُلاًّ» الثانية فمفعول مقدم.
قوله: ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال﴾ أي: الأشباه في إقامة الحجة عليهم فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار. وقيل: بيَّنَّا لهم وأزحنا عللهم فلما كذبوا «تَبَّرْنَاهُمْ تَتْبِيرا» أي: أهلكناهم إهلاكاً. وقال الأخفش: كسرنا تكسيرا.
قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتَّتَّه فقد تَبَّرته.
الفرقان 25:40
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية التي أُمْطِرَتْ (مَطَرَ السوء) ﴾ الآية. أراد بالقرية قريات لوط، وكانت خمس قرى، فأهلك الله منها أربعاً ونجت واحدة، وهي (صقر) كان أهلها لا يعملون العمل الخبيث. يعني أن قريشاً مَرُّوا مُرُوراً كثيراً إلى الشام على تلك القرى، ﴿التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء﴾ أي: أهلكت بالحجارة من السماء، ﴿أفلم يكونوا يرونها﴾ في مرورهم وينظروا إلى آثار عذاب الله ونكاله فيعتبروا ويتذكروا.
قوله: «مَطَرَ السَّوْءِ» فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مصدر على حذف الزوائد أي: أمطار السوء.
الثاني: أنه مفعول ثان؛ إذ المعنى: أعطيتها وأوليتها مطر السوء.
الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، أي: أمطاراً مثل مطر السوء وقرأ زيد بن عليّ «مُطِرَتْ» ثلاثياً مبنياً (للمفعول) ، ومطر متعد قال:
3875 - كَمَنْ بِوَادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورُ ...
وقرأ أبو السمال «مطر السُّوء» بضم السين، وتقدم الكلام على السوء والسوء في براءة. وقوله: ﴿أَتَوْا عَلَى القرية﴾ إنما عُدِّي (أتى) ب (على) ، لأنه ضُمِّن معنى مرَّ.
قوله: ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ في هذا الرجاء ثلاثة أوجه:
أقواها ما قاله القاضي: وهو أنه محمول على حقيقة الرجاء؛ لأن الإنسان لا يحتمل متاعب التكليف إلا رجاء ثواب الآخرة، فإذا لم يؤمن بالآخرة لم يَرْجُ ثوابها فلا يتحمل تلك المشاق.
وثانيها: معناه لا يتوقعون نشورا، فوضع الرجاء موضع التوقُّع؛ لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن.
وثالثها: معناه: (لا يخافون) على اللغة التهامية. وهو ضعيف.
قوله: «وإذَا رَأَوْكَ» الآية. لما بين مبالغة المشركين في إنكار نبوته بإيراد الشبهات بين بعد ذلك أنهم إذا رأوا الرسول اتخذوه هزواً، ولم يقتصروا على ترك الإيمان به بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار، ويقول بعضهم لبعض: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ .
قوله: «إِنْ يَتَّخِذُونَكَ» «إنْ» الأولى نافية، والثانية مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينهما، و «هُزُوًّا مفعول ثان، ويحتمل أن يكون التقدير: موضع هُزْءٍ وأن يكون مهزوءاً بك. وهذه الجملة المنفية تحتمل وجهين:
أحدهما: أنها جواب (إذا) الشرطية، واختصت (إذا) بأن جوابها متى كان منفياً ب (ما) أو (إن) أو (لا) لا تحتاج إلى الفاء بخلاف غيرها من أدوات الشرط فعلى هذا يكون قوله:» أَهَذَا الَّذي» في محل نصب بالقول المضمر، وذلك القول المضمر في محل نصب على الحال، أي: إن يتخذونك قائلين ذلك.
والثاني: أنها جملة معترضة بين (إذا) وجوابها. وجوابُها هو ذلك القول المضمر المحكي به» أهذا الذي «والتقدير: وإذا رأوك قالوا أهذا الذي بعث، فاعترض بجملة النفي، ومفعول» بعث «محذوف هو عائد الموصول، أي: بعثه.
و» رسولاً» على بابه من كونه صفة فينتصب على الحال، وقيل: هو مصدر بمعنى رسالة، فيكون على حذف مضاف، أي ذا رسول بمعنى رسالة، أو يجعل نفس المصدر مبالغة، أو بمعنى: مرسل. وهو تكلف.
قوله: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ تقدم نظيره في سبحان.
قوله: ﴿لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا﴾ جوابها محذوف، أي: لضللنا عن آلهتنا. قال الزمخشري: و «لولا» في مثل هذا الكلام جار من حيث المعنى لا من حيث الصيغة مجرى التقيد للحكم (المطلق) .
فصل
قال المفسرون: إن أبا جهل كان إذا مر بأصحابه على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال مستهزءاً: «أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً» «إنْ كَادَ» قد كاد «لَيُضِلُّنَا» أي: قد قارب أن يضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها أي: (أي لو لم نصبر عليها) انصرافا عنها، ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ من أخطأ طريقاً. (واعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أتوا بنوعين من الأفعال. أحدهما: الاستهزاء، فيقولون: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ وذلك جهل عظيم، لأن الاستهزاء إما أن يكون بصورته أو بصفته والأول باطل، لأنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان أحسن منها صورة وخلقة) ، وبتقدير أنه لم يكن كذلك، لكنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما كان يدعي التميز عنهم بالصورة بل بالحجة. والثاني باطل، لأنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ادَّعى التميز عليهم بظهور المعجز عليه دونهم، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية، واستهزءوا بالرسول، وذلك يدل على (أنه ليس للمبطل في كل الأوقات) إلا السفاهة والوقاحة.
والنوع الثاني: قولهم: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾ فَسَمُّوا ذلك ضلالاً، وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم، ويدل على جده واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان فلهذا قالوا: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾ ، وذلك يدل على أنهم كانوا مقهورين بالحجة، ولم يكن في أيديهم إلا مجرد (الوقاحة) .
قوله: «من أضل» جملة استفهامية معلقة ب «يَعْلَمُون» فهي سادَّةٌ مسدّ مفعوليها إن كان على بابها، ومسدّ واحد إن كانت بمعنى (عرف) . ويجوز في «من» أن تكون موصولة، و «أَضَلَّ» خبر مبتدأ مضمر هو العائد على «من» تقديره: من هو أضل، وإنما حذف للاستطالة بالتمييز، كقولهم: ما أنا بالذي قائل لك سوءاً. وهذا ظاهر إن كانت متعدية لواحد، وإن كانت متعدية لاثنين فيحتاج إلى تقدير ثان ولا حاجة إليه.
فصل
لما وصفوه بالإضلال في قولهم: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ بين تعالى أنه سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه، فقال: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ، وهذا وعيد شديد على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر.
الفرقان 25:41
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية التي أُمْطِرَتْ (مَطَرَ السوء) ﴾ الآية. أراد بالقرية قريات لوط، وكانت خمس قرى، فأهلك الله منها أربعاً ونجت واحدة، وهي (صقر) كان أهلها لا يعملون العمل الخبيث. يعني أن قريشاً مَرُّوا مُرُوراً كثيراً إلى الشام على تلك القرى، ﴿التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء﴾ أي: أهلكت بالحجارة من السماء، ﴿أفلم يكونوا يرونها﴾ في مرورهم وينظروا إلى آثار عذاب الله ونكاله فيعتبروا ويتذكروا.
قوله: «مَطَرَ السَّوْءِ» فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مصدر على حذف الزوائد أي: أمطار السوء.
الثاني: أنه مفعول ثان؛ إذ المعنى: أعطيتها وأوليتها مطر السوء.
الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، أي: أمطاراً مثل مطر السوء وقرأ زيد بن عليّ «مُطِرَتْ» ثلاثياً مبنياً (للمفعول) ، ومطر متعد قال:
3875 - كَمَنْ بِوَادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورُ ...
وقرأ أبو السمال «مطر السُّوء» بضم السين، وتقدم الكلام على السوء والسوء في براءة. وقوله: ﴿أَتَوْا عَلَى القرية﴾ إنما عُدِّي (أتى) ب (على) ، لأنه ضُمِّن معنى مرَّ.
قوله: ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ في هذا الرجاء ثلاثة أوجه:
أقواها ما قاله القاضي: وهو أنه محمول على حقيقة الرجاء؛ لأن الإنسان لا يحتمل متاعب التكليف إلا رجاء ثواب الآخرة، فإذا لم يؤمن بالآخرة لم يَرْجُ ثوابها فلا يتحمل تلك المشاق.
وثانيها: معناه لا يتوقعون نشورا، فوضع الرجاء موضع التوقُّع؛ لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن.
وثالثها: معناه: (لا يخافون) على اللغة التهامية. وهو ضعيف.
قوله: «وإذَا رَأَوْكَ» الآية. لما بين مبالغة المشركين في إنكار نبوته بإيراد الشبهات بين بعد ذلك أنهم إذا رأوا الرسول اتخذوه هزواً، ولم يقتصروا على ترك الإيمان به بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار، ويقول بعضهم لبعض: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ .
قوله: «إِنْ يَتَّخِذُونَكَ» «إنْ» الأولى نافية، والثانية مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينهما، و «هُزُوًّا مفعول ثان، ويحتمل أن يكون التقدير: موضع هُزْءٍ وأن يكون مهزوءاً بك. وهذه الجملة المنفية تحتمل وجهين:
أحدهما: أنها جواب (إذا) الشرطية، واختصت (إذا) بأن جوابها متى كان منفياً ب (ما) أو (إن) أو (لا) لا تحتاج إلى الفاء بخلاف غيرها من أدوات الشرط فعلى هذا يكون قوله:» أَهَذَا الَّذي» في محل نصب بالقول المضمر، وذلك القول المضمر في محل نصب على الحال، أي: إن يتخذونك قائلين ذلك.
والثاني: أنها جملة معترضة بين (إذا) وجوابها. وجوابُها هو ذلك القول المضمر المحكي به» أهذا الذي «والتقدير: وإذا رأوك قالوا أهذا الذي بعث، فاعترض بجملة النفي، ومفعول» بعث «محذوف هو عائد الموصول، أي: بعثه.
و» رسولاً» على بابه من كونه صفة فينتصب على الحال، وقيل: هو مصدر بمعنى رسالة، فيكون على حذف مضاف، أي ذا رسول بمعنى رسالة، أو يجعل نفس المصدر مبالغة، أو بمعنى: مرسل. وهو تكلف.
قوله: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ تقدم نظيره في سبحان.
قوله: ﴿لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا﴾ جوابها محذوف، أي: لضللنا عن آلهتنا. قال الزمخشري: و «لولا» في مثل هذا الكلام جار من حيث المعنى لا من حيث الصيغة مجرى التقيد للحكم (المطلق) .
فصل
قال المفسرون: إن أبا جهل كان إذا مر بأصحابه على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال مستهزءاً: «أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً» «إنْ كَادَ» قد كاد «لَيُضِلُّنَا» أي: قد قارب أن يضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها أي: (أي لو لم نصبر عليها) انصرافا عنها، ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ من أخطأ طريقاً. (واعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أتوا بنوعين من الأفعال. أحدهما: الاستهزاء، فيقولون: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ وذلك جهل عظيم، لأن الاستهزاء إما أن يكون بصورته أو بصفته والأول باطل، لأنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان أحسن منها صورة وخلقة) ، وبتقدير أنه لم يكن كذلك، لكنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما كان يدعي التميز عنهم بالصورة بل بالحجة. والثاني باطل، لأنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ادَّعى التميز عليهم بظهور المعجز عليه دونهم، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية، واستهزءوا بالرسول، وذلك يدل على (أنه ليس للمبطل في كل الأوقات) إلا السفاهة والوقاحة.
والنوع الثاني: قولهم: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾ فَسَمُّوا ذلك ضلالاً، وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم، ويدل على جده واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان فلهذا قالوا: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾ ، وذلك يدل على أنهم كانوا مقهورين بالحجة، ولم يكن في أيديهم إلا مجرد (الوقاحة) .
قوله: «من أضل» جملة استفهامية معلقة ب «يَعْلَمُون» فهي سادَّةٌ مسدّ مفعوليها إن كان على بابها، ومسدّ واحد إن كانت بمعنى (عرف) . ويجوز في «من» أن تكون موصولة، و «أَضَلَّ» خبر مبتدأ مضمر هو العائد على «من» تقديره: من هو أضل، وإنما حذف للاستطالة بالتمييز، كقولهم: ما أنا بالذي قائل لك سوءاً. وهذا ظاهر إن كانت متعدية لواحد، وإن كانت متعدية لاثنين فيحتاج إلى تقدير ثان ولا حاجة إليه.
فصل
لما وصفوه بالإضلال في قولهم: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ بين تعالى أنه سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه، فقال: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ، وهذا وعيد شديد على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر.
الفرقان 25:42
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية التي أُمْطِرَتْ (مَطَرَ السوء) ﴾ الآية. أراد بالقرية قريات لوط، وكانت خمس قرى، فأهلك الله منها أربعاً ونجت واحدة، وهي (صقر) كان أهلها لا يعملون العمل الخبيث. يعني أن قريشاً مَرُّوا مُرُوراً كثيراً إلى الشام على تلك القرى، ﴿التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء﴾ أي: أهلكت بالحجارة من السماء، ﴿أفلم يكونوا يرونها﴾ في مرورهم وينظروا إلى آثار عذاب الله ونكاله فيعتبروا ويتذكروا.
قوله: «مَطَرَ السَّوْءِ» فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مصدر على حذف الزوائد أي: أمطار السوء.
الثاني: أنه مفعول ثان؛ إذ المعنى: أعطيتها وأوليتها مطر السوء.
الثالث: أنه نعت مصدر محذوف، أي: أمطاراً مثل مطر السوء وقرأ زيد بن عليّ «مُطِرَتْ» ثلاثياً مبنياً (للمفعول) ، ومطر متعد قال:
3875 - كَمَنْ بِوَادِيهِ بَعْدَ المَحْلِ مَمْطُورُ ...
وقرأ أبو السمال «مطر السُّوء» بضم السين، وتقدم الكلام على السوء والسوء في براءة. وقوله: ﴿أَتَوْا عَلَى القرية﴾ إنما عُدِّي (أتى) ب (على) ، لأنه ضُمِّن معنى مرَّ.
قوله: ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾ في هذا الرجاء ثلاثة أوجه:
أقواها ما قاله القاضي: وهو أنه محمول على حقيقة الرجاء؛ لأن الإنسان لا يحتمل متاعب التكليف إلا رجاء ثواب الآخرة، فإذا لم يؤمن بالآخرة لم يَرْجُ ثوابها فلا يتحمل تلك المشاق.
وثانيها: معناه لا يتوقعون نشورا، فوضع الرجاء موضع التوقُّع؛ لأنه إنما يتوقع العاقبة من يؤمن.
وثالثها: معناه: (لا يخافون) على اللغة التهامية. وهو ضعيف.
قوله: «وإذَا رَأَوْكَ» الآية. لما بين مبالغة المشركين في إنكار نبوته بإيراد الشبهات بين بعد ذلك أنهم إذا رأوا الرسول اتخذوه هزواً، ولم يقتصروا على ترك الإيمان به بل زادوا عليه بالاستهزاء والاستحقار، ويقول بعضهم لبعض: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ .
قوله: «إِنْ يَتَّخِذُونَكَ» «إنْ» الأولى نافية، والثانية مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينهما، و «هُزُوًّا مفعول ثان، ويحتمل أن يكون التقدير: موضع هُزْءٍ وأن يكون مهزوءاً بك. وهذه الجملة المنفية تحتمل وجهين:
أحدهما: أنها جواب (إذا) الشرطية، واختصت (إذا) بأن جوابها متى كان منفياً ب (ما) أو (إن) أو (لا) لا تحتاج إلى الفاء بخلاف غيرها من أدوات الشرط فعلى هذا يكون قوله:» أَهَذَا الَّذي» في محل نصب بالقول المضمر، وذلك القول المضمر في محل نصب على الحال، أي: إن يتخذونك قائلين ذلك.
والثاني: أنها جملة معترضة بين (إذا) وجوابها. وجوابُها هو ذلك القول المضمر المحكي به» أهذا الذي «والتقدير: وإذا رأوك قالوا أهذا الذي بعث، فاعترض بجملة النفي، ومفعول» بعث «محذوف هو عائد الموصول، أي: بعثه.
و» رسولاً» على بابه من كونه صفة فينتصب على الحال، وقيل: هو مصدر بمعنى رسالة، فيكون على حذف مضاف، أي ذا رسول بمعنى رسالة، أو يجعل نفس المصدر مبالغة، أو بمعنى: مرسل. وهو تكلف.
قوله: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ تقدم نظيره في سبحان.
قوله: ﴿لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا﴾ جوابها محذوف، أي: لضللنا عن آلهتنا. قال الزمخشري: و «لولا» في مثل هذا الكلام جار من حيث المعنى لا من حيث الصيغة مجرى التقيد للحكم (المطلق) .
فصل
قال المفسرون: إن أبا جهل كان إذا مر بأصحابه على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال مستهزءاً: «أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً» «إنْ كَادَ» قد كاد «لَيُضِلُّنَا» أي: قد قارب أن يضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها أي: (أي لو لم نصبر عليها) انصرافا عنها، ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ من أخطأ طريقاً. (واعلم أن الله تعالى أخبر عن المشركين أنهم متى رأوا الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أتوا بنوعين من الأفعال. أحدهما: الاستهزاء، فيقولون: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾ وذلك جهل عظيم، لأن الاستهزاء إما أن يكون بصورته أو بصفته والأول باطل، لأنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان أحسن منها صورة وخلقة) ، وبتقدير أنه لم يكن كذلك، لكنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ما كان يدعي التميز عنهم بالصورة بل بالحجة. والثاني باطل، لأنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ادَّعى التميز عليهم بظهور المعجز عليه دونهم، وأنهم ما قدروا على القدح في حجته، ففي الحقيقة هم الذين يستحقون أن يهزأ بهم، ثم إنهم لوقاحتهم قلبوا القضية، واستهزءوا بالرسول، وذلك يدل على (أنه ليس للمبطل في كل الأوقات) إلا السفاهة والوقاحة.
والنوع الثاني: قولهم: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾ فَسَمُّوا ذلك ضلالاً، وذلك يدل على أنهم كانوا مبالغين في تعظيم آلهتهم، ويدل على جده واجتهاده في صرفهم عن عبادة الأوثان فلهذا قالوا: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾ ، وذلك يدل على أنهم كانوا مقهورين بالحجة، ولم يكن في أيديهم إلا مجرد (الوقاحة) .
قوله: «من أضل» جملة استفهامية معلقة ب «يَعْلَمُون» فهي سادَّةٌ مسدّ مفعوليها إن كان على بابها، ومسدّ واحد إن كانت بمعنى (عرف) . ويجوز في «من» أن تكون موصولة، و «أَضَلَّ» خبر مبتدأ مضمر هو العائد على «من» تقديره: من هو أضل، وإنما حذف للاستطالة بالتمييز، كقولهم: ما أنا بالذي قائل لك سوءاً. وهذا ظاهر إن كانت متعدية لواحد، وإن كانت متعدية لاثنين فيحتاج إلى تقدير ثان ولا حاجة إليه.
فصل
لما وصفوه بالإضلال في قولهم: ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ بين تعالى أنه سيظهر لهم من المضل ومن الضال عند مشاهدة العذاب الذي لا مخلص لهم منه، فقال: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ ، وهذا وعيد شديد على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر.
الفرقان 25:43
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ الآية. «أَرَأَيْتَ» كلمة تصلح للإعلان والسؤال، وههنا تعجب ممن هذا وصفه ونعته.
وقوله: ﴿مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ مفعولا الاتخاذ من غير تقديم ولا تأخير، لاستوائهما في التعريف. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم أخر «هَوَاهُ» والأصل قولك: اتخذ الهوى إلهاً. قلت: ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على الأول للعناية (به) كما تقول: علمت منطلقاً زيداً لفضل عنايتك بالمنطلق.
قال أبو حيان: وادعاء القلب، يعني: أن التقديم ليس بجيد، لأنه من ضرائر الأشعار. قال شهاب الدين: قد تقدم فيه ثلاثة مذاهب، على أن هذا ليس من القلب المذكور في شيء إنما هو تقديم وتأخير فقط.
وقرأ ابنُ هُرمز «إِلاَهَةً هَوَاهُ» على وزن فعالة، والإِلهة بمعنى المَأْلُوه، والهاء للمبالغة ك «عَلاَّمَة وَنسَّابة) . و» إِلاَهَةً «مفعول ثاني قدم لكونه نكرة ولذلك صرف. وقيل: إلاهة هي الشمس، ورد هذا بأنه كان ينبغي أن يمتنع من الصرف للعلمية والتأنيث. وأجيب بأنها يدخل عليها (أل) كثيراً فلما نزعت منها صارت نكرة جارية مجرى الأوصاف. ويقال: أُلاهة بضم الهمزة للشمس وقرأ بعض المَدَنيِّين» آلِهَةً هَوَاهُ «جمعُ إله، وهو أيضاً مفعول مقدم وجمع باعتبار الأنواع، فقد كان الرجل يعبد آلهة شتى. ومفعول» أَرَأَيْتَ «الأول» مَنْ «والثاني الجملة الاستفهامية.
فصل
قال ابن عباس: الهوى إله يعبد. وقال سعيد بن جبير: كان الرجل من المشركين يعبد الحجر، فإذا رأى حجراً أحسن منه طرح الأول وأخذ الآخر وعبده. ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ أي: حافظاً تحفظه من اتباع هواه، أي لست كذلك، ونظيره: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22] ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: 45] ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين﴾ [البقرة: 256] ، قال الكلبي: نسختها آية القتال. ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون﴾ يسمعون ما تقول سماع طالب الإفهام، أو يعقلون ما يعاينون من الحجج والأعلام. و» أم» هنا منقطعة بعنى: بل. ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ في عدم انتفاعهم بالكلام، وعدم تدبرهم، وتفكرهم، بل هم أضل سبيلاً لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها، وتَنْقَاد لأربابها التي تتعهدها، (وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وقلوب الأنعام خالية عن العلم، وعن الاعتقاد الفاسد، وهؤلاء قلوبهم خالية عن العلم ومليئة من الاعتقاد والباطل، وعدم علم الأنعام لا يضر بأحد، وجهل هؤلاء منشأ للضرر العظيم، لأنهم يصدون الناس عن سبيل الله، والبهائم لا تستحق عقاباً على عدم العلم، وهؤلاء يستحقون على عدم العلم أعظم العقاب) ، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، ولأن الأنعام تسجد وتسبح الله، وهؤلاء الكفار لا يفعلون فإن قيل: لم قال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ فحكم بذلك على الأكثر دون الكل؟ فالجواب: لأنه كان فيهم من يعرف الله ويعقل الحق إلا أنه ترك الإسلام لحبّ الرياسة لا للجهل. فإن قيل: إنه تعالى لما نفى عنهم السمع والعقل فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين، وكيف بعث الرسول إليهم، فإن من شرط التكليف العقل؟ فالجواب: ليس المراد أنهم لا يعقلون بل المراد أنهم لم ينتفعوا بذلك العقل، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم: إنما أنت أعمى وأصم.
الفرقان 25:44
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ الآية. «أَرَأَيْتَ» كلمة تصلح للإعلان والسؤال، وههنا تعجب ممن هذا وصفه ونعته.
وقوله: ﴿مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ مفعولا الاتخاذ من غير تقديم ولا تأخير، لاستوائهما في التعريف. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم أخر «هَوَاهُ» والأصل قولك: اتخذ الهوى إلهاً. قلت: ما هو إلا تقديم المفعول الثاني على الأول للعناية (به) كما تقول: علمت منطلقاً زيداً لفضل عنايتك بالمنطلق.
قال أبو حيان: وادعاء القلب، يعني: أن التقديم ليس بجيد، لأنه من ضرائر الأشعار. قال شهاب الدين: قد تقدم فيه ثلاثة مذاهب، على أن هذا ليس من القلب المذكور في شيء إنما هو تقديم وتأخير فقط.
وقرأ ابنُ هُرمز «إِلاَهَةً هَوَاهُ» على وزن فعالة، والإِلهة بمعنى المَأْلُوه، والهاء للمبالغة ك «عَلاَّمَة وَنسَّابة) . و» إِلاَهَةً «مفعول ثاني قدم لكونه نكرة ولذلك صرف. وقيل: إلاهة هي الشمس، ورد هذا بأنه كان ينبغي أن يمتنع من الصرف للعلمية والتأنيث. وأجيب بأنها يدخل عليها (أل) كثيراً فلما نزعت منها صارت نكرة جارية مجرى الأوصاف. ويقال: أُلاهة بضم الهمزة للشمس وقرأ بعض المَدَنيِّين» آلِهَةً هَوَاهُ «جمعُ إله، وهو أيضاً مفعول مقدم وجمع باعتبار الأنواع، فقد كان الرجل يعبد آلهة شتى. ومفعول» أَرَأَيْتَ «الأول» مَنْ «والثاني الجملة الاستفهامية.
فصل
قال ابن عباس: الهوى إله يعبد. وقال سعيد بن جبير: كان الرجل من المشركين يعبد الحجر، فإذا رأى حجراً أحسن منه طرح الأول وأخذ الآخر وعبده. ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ أي: حافظاً تحفظه من اتباع هواه، أي لست كذلك، ونظيره: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22] ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: 45] ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين﴾ [البقرة: 256] ، قال الكلبي: نسختها آية القتال. ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون﴾ يسمعون ما تقول سماع طالب الإفهام، أو يعقلون ما يعاينون من الحجج والأعلام. و» أم» هنا منقطعة بعنى: بل. ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾ في عدم انتفاعهم بالكلام، وعدم تدبرهم، وتفكرهم، بل هم أضل سبيلاً لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها، وتَنْقَاد لأربابها التي تتعهدها، (وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وقلوب الأنعام خالية عن العلم، وعن الاعتقاد الفاسد، وهؤلاء قلوبهم خالية عن العلم ومليئة من الاعتقاد والباطل، وعدم علم الأنعام لا يضر بأحد، وجهل هؤلاء منشأ للضرر العظيم، لأنهم يصدون الناس عن سبيل الله، والبهائم لا تستحق عقاباً على عدم العلم، وهؤلاء يستحقون على عدم العلم أعظم العقاب) ، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، ولأن الأنعام تسجد وتسبح الله، وهؤلاء الكفار لا يفعلون فإن قيل: لم قال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ فحكم بذلك على الأكثر دون الكل؟ فالجواب: لأنه كان فيهم من يعرف الله ويعقل الحق إلا أنه ترك الإسلام لحبّ الرياسة لا للجهل. فإن قيل: إنه تعالى لما نفى عنهم السمع والعقل فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين، وكيف بعث الرسول إليهم، فإن من شرط التكليف العقل؟ فالجواب: ليس المراد أنهم لا يعقلون بل المراد أنهم لم ينتفعوا بذلك العقل، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم: إنما أنت أعمى وأصم.
الفرقان 25:45
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ الآية. لما بين جهل المعرضين عن دلائل التوحيد، وبين فساد طريقهم ذكر أنواعاً من الدلائل الدالة على وجود الصانع، فأولها الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه، وتغير أحواله قوله: «ألم تر» فيه وجهان:
أحدهما: أنه من رؤية العين.
والثاني: أنه من رؤية القلب، يعني: العلم، فإن حملناه على رؤية العين، فالمعنى: أَلَمْ تَرَ إلى الظل كيف مده ربُّك، وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج، فالمعنى: ألم تعلم، وهذا أولى، لأن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه معلوم من حيث أن كل مبصر فله مؤثر، فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه. وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للرسول فهو عام في المعنى، لأن المقصود بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم لهذه النعمة و «كَيْفَ» منصوبة ب «مَدَّ» ، وهي معلقة ل «تَرَ» فهي في موضع نصب، وقد تقدم القول في «أَلَمْ تَرَ» .
فصل
الظل عبارة عن عدم الضوء مما شأنه أن يضيء، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، جعله ممدوداً، لأنه ظل لا شمس معه، كما قال في ظل الجنة ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 30] إذ لم يكن معه شمس، ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾ دائماً ثابتاً لا يزول ولا تذهبه الشمس.
وقال أبو عبيدة: الظل ما نسخته الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس. سمي فيئاً، لأنه فاء من جانب المغرب إلى جانب المشرق، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ ، أي: على الظل دليلاً، ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرفت الظل، ولولا النور ما عرف الظلمة، والأشياء تُعْرَفُ بأضدادها.
قال الزمخشري: فإن قُلتَ: «ثم» في هذين الموضعين كيف موقعها قلت موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاث، كأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم منهما تشبيهاً لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بينهما في الوقت.
قوله: «ثُمَّ قَبَضْنَاهُ» يعني: الظل ﴿إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾ بالشمس التي تأتي عليه، والقبض جمع المنبسط من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزءاً فجزءاً «قَبْضاً يَسِيراً» أي: خفياً، وقيل: المراد من قبضها يسيراً قبضها عند قيام الساعة، وذلك قبض أسبابها، وهي الأجرام التي تلقي الظلال. وقوله: «يَسِيراً» كقوله: ﴿حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: 44] قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِبَاساً﴾ الآية. هذا هو النوع الثاني شبه الليل من حيث يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن، ونبه على (ما لنا فيه) من النفع بقوله: «والنَّوْمَ سُباتاً» والسبات: هو الراحة، أي: راحة لأبدانكم، وقطعاً لعملكم، وأصل السبت: القطع، والنائم مسبوت، لأنه انقطع عمله وحركته.
قال أبو مسلم: السبات: الراحة، ومنه يوم السبت، لما جرت به العادة من الاستراحة فيه، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت.
وقال الزمخشري: السبات: الموت، والمسبوت الميت، لأنه مقطوع الحياة، قال: وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل﴾ [الأنعام: 60] . وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة، لأن النشور في مقابلته. ﴿وَجَعَلَ النهار نُشُوراً﴾ قال أبو مسلم: هو بمعنى الانتشار والحركة، كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة فقال: ﴿يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42] كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَا﴾ الآية. هذا هو النوع الثالث، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في الأعراف. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني: المطر، ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة ذلك كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد عليه الوحش. قلت: لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصف بالطهارة إكراماً لهم، وتتميماً للمنّة عليهم.
وطهور: يجوز أن يكون صفة مبالغة منقولاً من ظاهر، كقوله تعالى: «شَرَاباً طَهُوراً» ، وقال:
3876 - إلى رُجَّحِ الأَكْفَالِ غِيدٌ مِنَ الصِّبَا ... عِذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ
وأن يكون اسم ما يتطهر به كالسحور لما يتسحَّر به، والفطور لما يتفطَّر به، قال عليه السلام في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» أراد به المطهر، فالماء مطهر، لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة، كما قال في آية أخرى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] فثبت أن التطهير مختص بالماء.
(وذهب أصحاب الرأي إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد، والمرق، ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز رفع الحدث بها. وقال عليه السلام: «التّراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج» ولو كان معنى الطهور هو الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم، وحينئذ لا ينتظم الكلام، وكذا قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه أن يغسل سبعاً» ولو كان الطهور هو الطاهر لكان معناه: طاهر إناء أحدكم، وحينئذ لا ينتظم الكلام) .
ويجوز أن يكون مصدراً ك (القبول والولوع) .
وقوله: «لِنُحْيِيَ بِهِ» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه متعلق بالإنزال. والثاني: وهو صعب أنه متعلق ب (طهور) .
ووصف «بَلْدَةً» ب «مَيِّت» وهي صفة للمذكر، لأنها بمعنى البلد.
قوله: «وَنُسْقِيَهُ» العامة على ضمّ النون، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما وأبو حيوة وابن أبي عبلة بفتحها، وقد تقدم أنه قرئ بذلك في النحل والمؤمنون وتقدم الكلام (على ذلك) .
قوله: «مِمَّا خَلَقْنَا» يجوز أن يتعلق «مِنْ» ب «نُسْقِيَهُ» ، وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال من «أَنْعَاماً» ، ونكرت الأنعام والأناسي، (قال الزمخشري) : لأن علية الناس وجلهم مجتمعون بالأودية والأنهار، فيهم غنية عن سقي الماء وأعقابهم وهم كثير منهم لا يعيشهم إلا ما ينزل الله من رحمته وسقيا (سمائه) .
قوله: «وَأَنَاسِيَّ» فيه وجهان:
أحدهما: وهو مذهب سيبويه أنه جمع إنسان، والأصل إنسان، وأناسين، فأبدلت النون ياء، وأدغمت فيها الياء قبلها نحو ظربان وظرابي.
والثاني: وهو قول الفراء والمبرد والزجاج أنه جمع إنسي. وفيه نظر، لأن فعالي إنما يكون جمعاً لما فيه ياء مشددة لا تدل على نسب نحو كرسي وكراسي، فلو أريد ب (كرسي) النسب لم يجز جمعه على كراسي، ويبعد أن يقال: إن الياء في إنْسِيّ ليست للنسب، وكان حقه أن يجمع على (أناسية) نحو مهالبة في المهلبي، وأزارقة في الأزرقي. وقرأ يحيى بن الحارث الذماري والكسائي في رواية «وأناسِيَ» بتخفيف الياء. قال الزمخشري: بحذف ياء أفاعيل، كقولك (أناعم في أناعيم) . قال الزمخشري: فإن قلت: لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي. قلت: لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم، ولأنهم إذا ظفروا بسقيا أرضهم، وسقي أنعامهم لم يعدموا سقياهم فإن قيل: لم خص الإنسان والأنعام هاهنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء؟ فالجواب: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، لأن حوائج الأناسي ومنافعهم متعلقة بها فكان الإنعام عليهم (بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم) بسقيهم. وقال: «أَنَاسِيَّ كَثيراً» ولم يقل: كثيرين، لأنه قد جاء فعيل مفرداً ويراد به الكثرة كقوله: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾ [الفرقان: 38] ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: 69] .
الفرقان 25:46
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ الآية. لما بين جهل المعرضين عن دلائل التوحيد، وبين فساد طريقهم ذكر أنواعاً من الدلائل الدالة على وجود الصانع، فأولها الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه، وتغير أحواله قوله: «ألم تر» فيه وجهان:
أحدهما: أنه من رؤية العين.
والثاني: أنه من رؤية القلب، يعني: العلم، فإن حملناه على رؤية العين، فالمعنى: أَلَمْ تَرَ إلى الظل كيف مده ربُّك، وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج، فالمعنى: ألم تعلم، وهذا أولى، لأن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه معلوم من حيث أن كل مبصر فله مؤثر، فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه. وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للرسول فهو عام في المعنى، لأن المقصود بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم لهذه النعمة و «كَيْفَ» منصوبة ب «مَدَّ» ، وهي معلقة ل «تَرَ» فهي في موضع نصب، وقد تقدم القول في «أَلَمْ تَرَ» .
فصل
الظل عبارة عن عدم الضوء مما شأنه أن يضيء، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، جعله ممدوداً، لأنه ظل لا شمس معه، كما قال في ظل الجنة ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 30] إذ لم يكن معه شمس، ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾ دائماً ثابتاً لا يزول ولا تذهبه الشمس.
وقال أبو عبيدة: الظل ما نسخته الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس. سمي فيئاً، لأنه فاء من جانب المغرب إلى جانب المشرق، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ ، أي: على الظل دليلاً، ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرفت الظل، ولولا النور ما عرف الظلمة، والأشياء تُعْرَفُ بأضدادها.
قال الزمخشري: فإن قُلتَ: «ثم» في هذين الموضعين كيف موقعها قلت موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاث، كأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم منهما تشبيهاً لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بينهما في الوقت.
قوله: «ثُمَّ قَبَضْنَاهُ» يعني: الظل ﴿إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾ بالشمس التي تأتي عليه، والقبض جمع المنبسط من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزءاً فجزءاً «قَبْضاً يَسِيراً» أي: خفياً، وقيل: المراد من قبضها يسيراً قبضها عند قيام الساعة، وذلك قبض أسبابها، وهي الأجرام التي تلقي الظلال. وقوله: «يَسِيراً» كقوله: ﴿حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: 44] قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِبَاساً﴾ الآية. هذا هو النوع الثاني شبه الليل من حيث يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن، ونبه على (ما لنا فيه) من النفع بقوله: «والنَّوْمَ سُباتاً» والسبات: هو الراحة، أي: راحة لأبدانكم، وقطعاً لعملكم، وأصل السبت: القطع، والنائم مسبوت، لأنه انقطع عمله وحركته.
قال أبو مسلم: السبات: الراحة، ومنه يوم السبت، لما جرت به العادة من الاستراحة فيه، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت.
وقال الزمخشري: السبات: الموت، والمسبوت الميت، لأنه مقطوع الحياة، قال: وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل﴾ [الأنعام: 60] . وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة، لأن النشور في مقابلته. ﴿وَجَعَلَ النهار نُشُوراً﴾ قال أبو مسلم: هو بمعنى الانتشار والحركة، كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة فقال: ﴿يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42] كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَا﴾ الآية. هذا هو النوع الثالث، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في الأعراف. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني: المطر، ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة ذلك كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد عليه الوحش. قلت: لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصف بالطهارة إكراماً لهم، وتتميماً للمنّة عليهم.
وطهور: يجوز أن يكون صفة مبالغة منقولاً من ظاهر، كقوله تعالى: «شَرَاباً طَهُوراً» ، وقال:
3876 - إلى رُجَّحِ الأَكْفَالِ غِيدٌ مِنَ الصِّبَا ... عِذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ
وأن يكون اسم ما يتطهر به كالسحور لما يتسحَّر به، والفطور لما يتفطَّر به، قال عليه السلام في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» أراد به المطهر، فالماء مطهر، لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة، كما قال في آية أخرى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] فثبت أن التطهير مختص بالماء.
(وذهب أصحاب الرأي إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد، والمرق، ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز رفع الحدث بها. وقال عليه السلام: «التّراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج» ولو كان معنى الطهور هو الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم، وحينئذ لا ينتظم الكلام، وكذا قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه أن يغسل سبعاً» ولو كان الطهور هو الطاهر لكان معناه: طاهر إناء أحدكم، وحينئذ لا ينتظم الكلام) .
ويجوز أن يكون مصدراً ك (القبول والولوع) .
وقوله: «لِنُحْيِيَ بِهِ» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه متعلق بالإنزال. والثاني: وهو صعب أنه متعلق ب (طهور) .
ووصف «بَلْدَةً» ب «مَيِّت» وهي صفة للمذكر، لأنها بمعنى البلد.
قوله: «وَنُسْقِيَهُ» العامة على ضمّ النون، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما وأبو حيوة وابن أبي عبلة بفتحها، وقد تقدم أنه قرئ بذلك في النحل والمؤمنون وتقدم الكلام (على ذلك) .
قوله: «مِمَّا خَلَقْنَا» يجوز أن يتعلق «مِنْ» ب «نُسْقِيَهُ» ، وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال من «أَنْعَاماً» ، ونكرت الأنعام والأناسي، (قال الزمخشري) : لأن علية الناس وجلهم مجتمعون بالأودية والأنهار، فيهم غنية عن سقي الماء وأعقابهم وهم كثير منهم لا يعيشهم إلا ما ينزل الله من رحمته وسقيا (سمائه) .
قوله: «وَأَنَاسِيَّ» فيه وجهان:
أحدهما: وهو مذهب سيبويه أنه جمع إنسان، والأصل إنسان، وأناسين، فأبدلت النون ياء، وأدغمت فيها الياء قبلها نحو ظربان وظرابي.
والثاني: وهو قول الفراء والمبرد والزجاج أنه جمع إنسي. وفيه نظر، لأن فعالي إنما يكون جمعاً لما فيه ياء مشددة لا تدل على نسب نحو كرسي وكراسي، فلو أريد ب (كرسي) النسب لم يجز جمعه على كراسي، ويبعد أن يقال: إن الياء في إنْسِيّ ليست للنسب، وكان حقه أن يجمع على (أناسية) نحو مهالبة في المهلبي، وأزارقة في الأزرقي. وقرأ يحيى بن الحارث الذماري والكسائي في رواية «وأناسِيَ» بتخفيف الياء. قال الزمخشري: بحذف ياء أفاعيل، كقولك (أناعم في أناعيم) . قال الزمخشري: فإن قلت: لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي. قلت: لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم، ولأنهم إذا ظفروا بسقيا أرضهم، وسقي أنعامهم لم يعدموا سقياهم فإن قيل: لم خص الإنسان والأنعام هاهنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء؟ فالجواب: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، لأن حوائج الأناسي ومنافعهم متعلقة بها فكان الإنعام عليهم (بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم) بسقيهم. وقال: «أَنَاسِيَّ كَثيراً» ولم يقل: كثيرين، لأنه قد جاء فعيل مفرداً ويراد به الكثرة كقوله: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾ [الفرقان: 38] ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: 69] .
الفرقان 25:47
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ الآية. لما بين جهل المعرضين عن دلائل التوحيد، وبين فساد طريقهم ذكر أنواعاً من الدلائل الدالة على وجود الصانع، فأولها الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه، وتغير أحواله قوله: «ألم تر» فيه وجهان:
أحدهما: أنه من رؤية العين.
والثاني: أنه من رؤية القلب، يعني: العلم، فإن حملناه على رؤية العين، فالمعنى: أَلَمْ تَرَ إلى الظل كيف مده ربُّك، وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج، فالمعنى: ألم تعلم، وهذا أولى، لأن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه معلوم من حيث أن كل مبصر فله مؤثر، فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه. وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للرسول فهو عام في المعنى، لأن المقصود بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم لهذه النعمة و «كَيْفَ» منصوبة ب «مَدَّ» ، وهي معلقة ل «تَرَ» فهي في موضع نصب، وقد تقدم القول في «أَلَمْ تَرَ» .
فصل
الظل عبارة عن عدم الضوء مما شأنه أن يضيء، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، جعله ممدوداً، لأنه ظل لا شمس معه، كما قال في ظل الجنة ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 30] إذ لم يكن معه شمس، ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾ دائماً ثابتاً لا يزول ولا تذهبه الشمس.
وقال أبو عبيدة: الظل ما نسخته الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس. سمي فيئاً، لأنه فاء من جانب المغرب إلى جانب المشرق، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ ، أي: على الظل دليلاً، ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرفت الظل، ولولا النور ما عرف الظلمة، والأشياء تُعْرَفُ بأضدادها.
قال الزمخشري: فإن قُلتَ: «ثم» في هذين الموضعين كيف موقعها قلت موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاث، كأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم منهما تشبيهاً لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بينهما في الوقت.
قوله: «ثُمَّ قَبَضْنَاهُ» يعني: الظل ﴿إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾ بالشمس التي تأتي عليه، والقبض جمع المنبسط من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزءاً فجزءاً «قَبْضاً يَسِيراً» أي: خفياً، وقيل: المراد من قبضها يسيراً قبضها عند قيام الساعة، وذلك قبض أسبابها، وهي الأجرام التي تلقي الظلال. وقوله: «يَسِيراً» كقوله: ﴿حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: 44] قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِبَاساً﴾ الآية. هذا هو النوع الثاني شبه الليل من حيث يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن، ونبه على (ما لنا فيه) من النفع بقوله: «والنَّوْمَ سُباتاً» والسبات: هو الراحة، أي: راحة لأبدانكم، وقطعاً لعملكم، وأصل السبت: القطع، والنائم مسبوت، لأنه انقطع عمله وحركته.
قال أبو مسلم: السبات: الراحة، ومنه يوم السبت، لما جرت به العادة من الاستراحة فيه، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت.
وقال الزمخشري: السبات: الموت، والمسبوت الميت، لأنه مقطوع الحياة، قال: وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل﴾ [الأنعام: 60] . وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة، لأن النشور في مقابلته. ﴿وَجَعَلَ النهار نُشُوراً﴾ قال أبو مسلم: هو بمعنى الانتشار والحركة، كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة فقال: ﴿يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42] كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَا﴾ الآية. هذا هو النوع الثالث، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في الأعراف. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني: المطر، ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة ذلك كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد عليه الوحش. قلت: لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصف بالطهارة إكراماً لهم، وتتميماً للمنّة عليهم.
وطهور: يجوز أن يكون صفة مبالغة منقولاً من ظاهر، كقوله تعالى: «شَرَاباً طَهُوراً» ، وقال:
3876 - إلى رُجَّحِ الأَكْفَالِ غِيدٌ مِنَ الصِّبَا ... عِذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ
وأن يكون اسم ما يتطهر به كالسحور لما يتسحَّر به، والفطور لما يتفطَّر به، قال عليه السلام في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» أراد به المطهر، فالماء مطهر، لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة، كما قال في آية أخرى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] فثبت أن التطهير مختص بالماء.
(وذهب أصحاب الرأي إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد، والمرق، ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز رفع الحدث بها. وقال عليه السلام: «التّراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج» ولو كان معنى الطهور هو الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم، وحينئذ لا ينتظم الكلام، وكذا قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه أن يغسل سبعاً» ولو كان الطهور هو الطاهر لكان معناه: طاهر إناء أحدكم، وحينئذ لا ينتظم الكلام) .
ويجوز أن يكون مصدراً ك (القبول والولوع) .
وقوله: «لِنُحْيِيَ بِهِ» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه متعلق بالإنزال. والثاني: وهو صعب أنه متعلق ب (طهور) .
ووصف «بَلْدَةً» ب «مَيِّت» وهي صفة للمذكر، لأنها بمعنى البلد.
قوله: «وَنُسْقِيَهُ» العامة على ضمّ النون، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما وأبو حيوة وابن أبي عبلة بفتحها، وقد تقدم أنه قرئ بذلك في النحل والمؤمنون وتقدم الكلام (على ذلك) .
قوله: «مِمَّا خَلَقْنَا» يجوز أن يتعلق «مِنْ» ب «نُسْقِيَهُ» ، وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال من «أَنْعَاماً» ، ونكرت الأنعام والأناسي، (قال الزمخشري) : لأن علية الناس وجلهم مجتمعون بالأودية والأنهار، فيهم غنية عن سقي الماء وأعقابهم وهم كثير منهم لا يعيشهم إلا ما ينزل الله من رحمته وسقيا (سمائه) .
قوله: «وَأَنَاسِيَّ» فيه وجهان:
أحدهما: وهو مذهب سيبويه أنه جمع إنسان، والأصل إنسان، وأناسين، فأبدلت النون ياء، وأدغمت فيها الياء قبلها نحو ظربان وظرابي.
والثاني: وهو قول الفراء والمبرد والزجاج أنه جمع إنسي. وفيه نظر، لأن فعالي إنما يكون جمعاً لما فيه ياء مشددة لا تدل على نسب نحو كرسي وكراسي، فلو أريد ب (كرسي) النسب لم يجز جمعه على كراسي، ويبعد أن يقال: إن الياء في إنْسِيّ ليست للنسب، وكان حقه أن يجمع على (أناسية) نحو مهالبة في المهلبي، وأزارقة في الأزرقي. وقرأ يحيى بن الحارث الذماري والكسائي في رواية «وأناسِيَ» بتخفيف الياء. قال الزمخشري: بحذف ياء أفاعيل، كقولك (أناعم في أناعيم) . قال الزمخشري: فإن قلت: لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي. قلت: لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم، ولأنهم إذا ظفروا بسقيا أرضهم، وسقي أنعامهم لم يعدموا سقياهم فإن قيل: لم خص الإنسان والأنعام هاهنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء؟ فالجواب: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، لأن حوائج الأناسي ومنافعهم متعلقة بها فكان الإنعام عليهم (بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم) بسقيهم. وقال: «أَنَاسِيَّ كَثيراً» ولم يقل: كثيرين، لأنه قد جاء فعيل مفرداً ويراد به الكثرة كقوله: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾ [الفرقان: 38] ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: 69] .
الفرقان 25:48
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ الآية. لما بين جهل المعرضين عن دلائل التوحيد، وبين فساد طريقهم ذكر أنواعاً من الدلائل الدالة على وجود الصانع، فأولها الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه، وتغير أحواله قوله: «ألم تر» فيه وجهان:
أحدهما: أنه من رؤية العين.
والثاني: أنه من رؤية القلب، يعني: العلم، فإن حملناه على رؤية العين، فالمعنى: أَلَمْ تَرَ إلى الظل كيف مده ربُّك، وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج، فالمعنى: ألم تعلم، وهذا أولى، لأن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه معلوم من حيث أن كل مبصر فله مؤثر، فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه. وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للرسول فهو عام في المعنى، لأن المقصود بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم لهذه النعمة و «كَيْفَ» منصوبة ب «مَدَّ» ، وهي معلقة ل «تَرَ» فهي في موضع نصب، وقد تقدم القول في «أَلَمْ تَرَ» .
فصل
الظل عبارة عن عدم الضوء مما شأنه أن يضيء، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، جعله ممدوداً، لأنه ظل لا شمس معه، كما قال في ظل الجنة ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 30] إذ لم يكن معه شمس، ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾ دائماً ثابتاً لا يزول ولا تذهبه الشمس.
وقال أبو عبيدة: الظل ما نسخته الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس. سمي فيئاً، لأنه فاء من جانب المغرب إلى جانب المشرق، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ ، أي: على الظل دليلاً، ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرفت الظل، ولولا النور ما عرف الظلمة، والأشياء تُعْرَفُ بأضدادها.
قال الزمخشري: فإن قُلتَ: «ثم» في هذين الموضعين كيف موقعها قلت موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاث، كأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم منهما تشبيهاً لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بينهما في الوقت.
قوله: «ثُمَّ قَبَضْنَاهُ» يعني: الظل ﴿إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾ بالشمس التي تأتي عليه، والقبض جمع المنبسط من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزءاً فجزءاً «قَبْضاً يَسِيراً» أي: خفياً، وقيل: المراد من قبضها يسيراً قبضها عند قيام الساعة، وذلك قبض أسبابها، وهي الأجرام التي تلقي الظلال. وقوله: «يَسِيراً» كقوله: ﴿حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: 44] قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِبَاساً﴾ الآية. هذا هو النوع الثاني شبه الليل من حيث يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن، ونبه على (ما لنا فيه) من النفع بقوله: «والنَّوْمَ سُباتاً» والسبات: هو الراحة، أي: راحة لأبدانكم، وقطعاً لعملكم، وأصل السبت: القطع، والنائم مسبوت، لأنه انقطع عمله وحركته.
قال أبو مسلم: السبات: الراحة، ومنه يوم السبت، لما جرت به العادة من الاستراحة فيه، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت.
وقال الزمخشري: السبات: الموت، والمسبوت الميت، لأنه مقطوع الحياة، قال: وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل﴾ [الأنعام: 60] . وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة، لأن النشور في مقابلته. ﴿وَجَعَلَ النهار نُشُوراً﴾ قال أبو مسلم: هو بمعنى الانتشار والحركة، كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة فقال: ﴿يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42] كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَا﴾ الآية. هذا هو النوع الثالث، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في الأعراف. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني: المطر، ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة ذلك كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد عليه الوحش. قلت: لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصف بالطهارة إكراماً لهم، وتتميماً للمنّة عليهم.
وطهور: يجوز أن يكون صفة مبالغة منقولاً من ظاهر، كقوله تعالى: «شَرَاباً طَهُوراً» ، وقال:
3876 - إلى رُجَّحِ الأَكْفَالِ غِيدٌ مِنَ الصِّبَا ... عِذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ
وأن يكون اسم ما يتطهر به كالسحور لما يتسحَّر به، والفطور لما يتفطَّر به، قال عليه السلام في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» أراد به المطهر، فالماء مطهر، لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة، كما قال في آية أخرى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] فثبت أن التطهير مختص بالماء.
(وذهب أصحاب الرأي إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد، والمرق، ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز رفع الحدث بها. وقال عليه السلام: «التّراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج» ولو كان معنى الطهور هو الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم، وحينئذ لا ينتظم الكلام، وكذا قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه أن يغسل سبعاً» ولو كان الطهور هو الطاهر لكان معناه: طاهر إناء أحدكم، وحينئذ لا ينتظم الكلام) .
ويجوز أن يكون مصدراً ك (القبول والولوع) .
وقوله: «لِنُحْيِيَ بِهِ» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه متعلق بالإنزال. والثاني: وهو صعب أنه متعلق ب (طهور) .
ووصف «بَلْدَةً» ب «مَيِّت» وهي صفة للمذكر، لأنها بمعنى البلد.
قوله: «وَنُسْقِيَهُ» العامة على ضمّ النون، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما وأبو حيوة وابن أبي عبلة بفتحها، وقد تقدم أنه قرئ بذلك في النحل والمؤمنون وتقدم الكلام (على ذلك) .
قوله: «مِمَّا خَلَقْنَا» يجوز أن يتعلق «مِنْ» ب «نُسْقِيَهُ» ، وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال من «أَنْعَاماً» ، ونكرت الأنعام والأناسي، (قال الزمخشري) : لأن علية الناس وجلهم مجتمعون بالأودية والأنهار، فيهم غنية عن سقي الماء وأعقابهم وهم كثير منهم لا يعيشهم إلا ما ينزل الله من رحمته وسقيا (سمائه) .
قوله: «وَأَنَاسِيَّ» فيه وجهان:
أحدهما: وهو مذهب سيبويه أنه جمع إنسان، والأصل إنسان، وأناسين، فأبدلت النون ياء، وأدغمت فيها الياء قبلها نحو ظربان وظرابي.
والثاني: وهو قول الفراء والمبرد والزجاج أنه جمع إنسي. وفيه نظر، لأن فعالي إنما يكون جمعاً لما فيه ياء مشددة لا تدل على نسب نحو كرسي وكراسي، فلو أريد ب (كرسي) النسب لم يجز جمعه على كراسي، ويبعد أن يقال: إن الياء في إنْسِيّ ليست للنسب، وكان حقه أن يجمع على (أناسية) نحو مهالبة في المهلبي، وأزارقة في الأزرقي. وقرأ يحيى بن الحارث الذماري والكسائي في رواية «وأناسِيَ» بتخفيف الياء. قال الزمخشري: بحذف ياء أفاعيل، كقولك (أناعم في أناعيم) . قال الزمخشري: فإن قلت: لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي. قلت: لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم، ولأنهم إذا ظفروا بسقيا أرضهم، وسقي أنعامهم لم يعدموا سقياهم فإن قيل: لم خص الإنسان والأنعام هاهنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء؟ فالجواب: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، لأن حوائج الأناسي ومنافعهم متعلقة بها فكان الإنعام عليهم (بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم) بسقيهم. وقال: «أَنَاسِيَّ كَثيراً» ولم يقل: كثيرين، لأنه قد جاء فعيل مفرداً ويراد به الكثرة كقوله: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾ [الفرقان: 38] ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: 69] .
الفرقان 25:49
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ الآية. لما بين جهل المعرضين عن دلائل التوحيد، وبين فساد طريقهم ذكر أنواعاً من الدلائل الدالة على وجود الصانع، فأولها الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه، وتغير أحواله قوله: «ألم تر» فيه وجهان:
أحدهما: أنه من رؤية العين.
والثاني: أنه من رؤية القلب، يعني: العلم، فإن حملناه على رؤية العين، فالمعنى: أَلَمْ تَرَ إلى الظل كيف مده ربُّك، وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج، فالمعنى: ألم تعلم، وهذا أولى، لأن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه معلوم من حيث أن كل مبصر فله مؤثر، فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه. وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للرسول فهو عام في المعنى، لأن المقصود بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم لهذه النعمة و «كَيْفَ» منصوبة ب «مَدَّ» ، وهي معلقة ل «تَرَ» فهي في موضع نصب، وقد تقدم القول في «أَلَمْ تَرَ» .
فصل
الظل عبارة عن عدم الضوء مما شأنه أن يضيء، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، جعله ممدوداً، لأنه ظل لا شمس معه، كما قال في ظل الجنة ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 30] إذ لم يكن معه شمس، ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾ دائماً ثابتاً لا يزول ولا تذهبه الشمس.
وقال أبو عبيدة: الظل ما نسخته الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس. سمي فيئاً، لأنه فاء من جانب المغرب إلى جانب المشرق، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ ، أي: على الظل دليلاً، ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرفت الظل، ولولا النور ما عرف الظلمة، والأشياء تُعْرَفُ بأضدادها.
قال الزمخشري: فإن قُلتَ: «ثم» في هذين الموضعين كيف موقعها قلت موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاث، كأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم منهما تشبيهاً لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بينهما في الوقت.
قوله: «ثُمَّ قَبَضْنَاهُ» يعني: الظل ﴿إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾ بالشمس التي تأتي عليه، والقبض جمع المنبسط من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزءاً فجزءاً «قَبْضاً يَسِيراً» أي: خفياً، وقيل: المراد من قبضها يسيراً قبضها عند قيام الساعة، وذلك قبض أسبابها، وهي الأجرام التي تلقي الظلال. وقوله: «يَسِيراً» كقوله: ﴿حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: 44] قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِبَاساً﴾ الآية. هذا هو النوع الثاني شبه الليل من حيث يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن، ونبه على (ما لنا فيه) من النفع بقوله: «والنَّوْمَ سُباتاً» والسبات: هو الراحة، أي: راحة لأبدانكم، وقطعاً لعملكم، وأصل السبت: القطع، والنائم مسبوت، لأنه انقطع عمله وحركته.
قال أبو مسلم: السبات: الراحة، ومنه يوم السبت، لما جرت به العادة من الاستراحة فيه، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت.
وقال الزمخشري: السبات: الموت، والمسبوت الميت، لأنه مقطوع الحياة، قال: وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل﴾ [الأنعام: 60] . وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة، لأن النشور في مقابلته. ﴿وَجَعَلَ النهار نُشُوراً﴾ قال أبو مسلم: هو بمعنى الانتشار والحركة، كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة فقال: ﴿يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42] كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَا﴾ الآية. هذا هو النوع الثالث، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في الأعراف. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني: المطر، ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة ذلك كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد عليه الوحش. قلت: لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصف بالطهارة إكراماً لهم، وتتميماً للمنّة عليهم.
وطهور: يجوز أن يكون صفة مبالغة منقولاً من ظاهر، كقوله تعالى: «شَرَاباً طَهُوراً» ، وقال:
3876 - إلى رُجَّحِ الأَكْفَالِ غِيدٌ مِنَ الصِّبَا ... عِذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ
وأن يكون اسم ما يتطهر به كالسحور لما يتسحَّر به، والفطور لما يتفطَّر به، قال عليه السلام في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» أراد به المطهر، فالماء مطهر، لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة، كما قال في آية أخرى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] فثبت أن التطهير مختص بالماء.
(وذهب أصحاب الرأي إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد، والمرق، ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز رفع الحدث بها. وقال عليه السلام: «التّراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج» ولو كان معنى الطهور هو الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم، وحينئذ لا ينتظم الكلام، وكذا قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه أن يغسل سبعاً» ولو كان الطهور هو الطاهر لكان معناه: طاهر إناء أحدكم، وحينئذ لا ينتظم الكلام) .
ويجوز أن يكون مصدراً ك (القبول والولوع) .
وقوله: «لِنُحْيِيَ بِهِ» فيه وجهان:
أظهرهما: أنه متعلق بالإنزال. والثاني: وهو صعب أنه متعلق ب (طهور) .
ووصف «بَلْدَةً» ب «مَيِّت» وهي صفة للمذكر، لأنها بمعنى البلد.
قوله: «وَنُسْقِيَهُ» العامة على ضمّ النون، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما وأبو حيوة وابن أبي عبلة بفتحها، وقد تقدم أنه قرئ بذلك في النحل والمؤمنون وتقدم الكلام (على ذلك) .
قوله: «مِمَّا خَلَقْنَا» يجوز أن يتعلق «مِنْ» ب «نُسْقِيَهُ» ، وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال من «أَنْعَاماً» ، ونكرت الأنعام والأناسي، (قال الزمخشري) : لأن علية الناس وجلهم مجتمعون بالأودية والأنهار، فيهم غنية عن سقي الماء وأعقابهم وهم كثير منهم لا يعيشهم إلا ما ينزل الله من رحمته وسقيا (سمائه) .
قوله: «وَأَنَاسِيَّ» فيه وجهان:
أحدهما: وهو مذهب سيبويه أنه جمع إنسان، والأصل إنسان، وأناسين، فأبدلت النون ياء، وأدغمت فيها الياء قبلها نحو ظربان وظرابي.
والثاني: وهو قول الفراء والمبرد والزجاج أنه جمع إنسي. وفيه نظر، لأن فعالي إنما يكون جمعاً لما فيه ياء مشددة لا تدل على نسب نحو كرسي وكراسي، فلو أريد ب (كرسي) النسب لم يجز جمعه على كراسي، ويبعد أن يقال: إن الياء في إنْسِيّ ليست للنسب، وكان حقه أن يجمع على (أناسية) نحو مهالبة في المهلبي، وأزارقة في الأزرقي. وقرأ يحيى بن الحارث الذماري والكسائي في رواية «وأناسِيَ» بتخفيف الياء. قال الزمخشري: بحذف ياء أفاعيل، كقولك (أناعم في أناعيم) . قال الزمخشري: فإن قلت: لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي. قلت: لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم، ولأنهم إذا ظفروا بسقيا أرضهم، وسقي أنعامهم لم يعدموا سقياهم فإن قيل: لم خص الإنسان والأنعام هاهنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء؟ فالجواب: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، لأن حوائج الأناسي ومنافعهم متعلقة بها فكان الإنعام عليهم (بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم) بسقيهم. وقال: «أَنَاسِيَّ كَثيراً» ولم يقل: كثيرين، لأنه قد جاء فعيل مفرداً ويراد به الكثرة كقوله: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾ [الفرقان: 38] ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: 69] .
الفرقان 25:50
قوله تعالى: «وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ» في هذه الهاء ثلاثة أوجه:
أحدها: قال الجمهور: إنها ترجع إلى المطر، ثم هؤلاء قال بعضهم: (المعنى صرفنا نزول الماء من وابل، وطل وجود وطشّ، ورذاذ، وغير ذلك.
وقال بعضهم) : «صَرَّفْنَاهُ» أي: أجريناه في الأنهار حتى انتفعوا بالشرب وبالزراعات وأنواع المعاش به. وقال آخرون: معناه: أنه تعالى ينزله في مكان (دون مكان) في عام ثم في العام الثاني يقع بخلاف ما وقع في العام الأول، قال ابن عباس: ما عام بأكثر من عام، ولكن الله يصرفه في الأرض. ثم قرأ هذه الآية.
وروى ابن مسعود عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «ما من عام بأمطر من عام ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي» .
الثاني: قال أبو مسلم: الضمير راجع إلى المطر والسحاب والإظلال وسائر ما ذكره الله من الأدلة.
الثالث: أي هذا القول صرفناه بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل، وهو ذكر إنشاء السحاب، وإنزال المطر ليتفكروا ويستدلوا به على الصانع.
وقرأ عكرمة: «صَرَفْنَاهُ» بتخفيف الراء. وقيل: التصريف راجع إلى الريح.
«ليذكروا» ويتفكروا في قدرة الله تعالى ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ جحوداً، وكفرانهم هو أنهم إذا أمطروا قالوا: أُمْطرنا بنوء كذا، روى زيد بن خالد الجهني قال: «صلى لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال:» هل تدرون ما قال ربكم» قالوا: الله ورسوله أعلم «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال: مُطِرْنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب» .
فصل
قال الجبائي: قوله: «لِيَذَّكَّرُوا» يدل على أنه تعالى يريد من الكل أن يذكروا ويشكرو، ولو أراد أن يكفروا أو يعرضوا لما صح ذلك، وذلك يبطل قول من قال: إن الله مريد لكفر من يكفر قال: ودلَّ قوله: ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ على قدرتهم على فعل هذا التذكر؛ إذ لو لم يقدروا لما جاز أن يقال: أبوا أن يفعلوه، كما لا يقال في الزمن أبى أن يسعى.
وقال الكعبي: قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾ (حجة على من زعم أن القرآن وبال على الكافرين، وأنه لم يرد بإنزاله أن يؤمنوا، لأن قوله: «ليذَّكَّروا» ) عامّ في الكل، وقوله تعالى: ﴿أَكْثَرُ الناس﴾ يقتضي أن يكون هذا الأكثر داخلاً في ذلك العام، لأنه لا يجوز أن يقال أنزلناه على قريش ليؤمنوا فأبى أكثر بني تميم إلا كفوراً.
والجواب قد تقدم مراراً.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ رسولاً ينذرهم، والمراد من ذلك تعظيم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من وجوه:
أحدها: أنه تعالى بين أنه مع القدرة على بعثه نذيراً ورسولاً في كل قرية خصه بالرسالة وفضّله بها على الكل، ولذلك أتبعه بقوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ أي: لا توافقهم.
وثانيها: المراد: ولو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة إلى كل العالمين و ﴿لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ ولكنا قصرنا الأمر عليك وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل، فقابل هذا الإجلال بالتشدُّد في الدين.
وثالثها: أن الآية تقتضي مزج اللطف بالعنف، لأنها تدل على القدرة على أن يبعث في كل قرية نذيراً مثل محمد، وأنه لا حاجة بالحضرة الإلهية إلى محمد البتة.
وقوله: «ولَوْ شِئْنَا» يدل على أنه تعالى لا يفعل ذلك. والمعنى: ولكن بعثناك إلى القُرَى كلها وحمَّلناك ثقل نذارة جميعها لتستوجب بصبرك عليه ما أعتدنا لك من الكرامة والدرجة الرفيعة. ﴿فَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ فيما يدعونك إليه من موافقتهم وهذا يدل على أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي عنه مشتغلاً به.
قوله: «وَجَاهِدْهُمْ بِهِ» أي: بالقرآن، أو بترك الطاعة المدلول عليه بقوله: «فَلاَ تُطِع» ، أو بما دل عليه ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ من كونه نذير كافة القرى، أو بالسيف.
والأقرب الأول؛ لأن السورة مكية، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان، فالمراد بذل الجهد في الدعاء جهاداً كبيراً شديداً.
الفرقان 25:51
قوله تعالى: «وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ» في هذه الهاء ثلاثة أوجه:
أحدها: قال الجمهور: إنها ترجع إلى المطر، ثم هؤلاء قال بعضهم: (المعنى صرفنا نزول الماء من وابل، وطل وجود وطشّ، ورذاذ، وغير ذلك.
وقال بعضهم) : «صَرَّفْنَاهُ» أي: أجريناه في الأنهار حتى انتفعوا بالشرب وبالزراعات وأنواع المعاش به. وقال آخرون: معناه: أنه تعالى ينزله في مكان (دون مكان) في عام ثم في العام الثاني يقع بخلاف ما وقع في العام الأول، قال ابن عباس: ما عام بأكثر من عام، ولكن الله يصرفه في الأرض. ثم قرأ هذه الآية.
وروى ابن مسعود عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «ما من عام بأمطر من عام ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي» .
الثاني: قال أبو مسلم: الضمير راجع إلى المطر والسحاب والإظلال وسائر ما ذكره الله من الأدلة.
الثالث: أي هذا القول صرفناه بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل، وهو ذكر إنشاء السحاب، وإنزال المطر ليتفكروا ويستدلوا به على الصانع.
وقرأ عكرمة: «صَرَفْنَاهُ» بتخفيف الراء. وقيل: التصريف راجع إلى الريح.
«ليذكروا» ويتفكروا في قدرة الله تعالى ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ جحوداً، وكفرانهم هو أنهم إذا أمطروا قالوا: أُمْطرنا بنوء كذا، روى زيد بن خالد الجهني قال: «صلى لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال:» هل تدرون ما قال ربكم» قالوا: الله ورسوله أعلم «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال: مُطِرْنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب» .
فصل
قال الجبائي: قوله: «لِيَذَّكَّرُوا» يدل على أنه تعالى يريد من الكل أن يذكروا ويشكرو، ولو أراد أن يكفروا أو يعرضوا لما صح ذلك، وذلك يبطل قول من قال: إن الله مريد لكفر من يكفر قال: ودلَّ قوله: ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ على قدرتهم على فعل هذا التذكر؛ إذ لو لم يقدروا لما جاز أن يقال: أبوا أن يفعلوه، كما لا يقال في الزمن أبى أن يسعى.
وقال الكعبي: قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾ (حجة على من زعم أن القرآن وبال على الكافرين، وأنه لم يرد بإنزاله أن يؤمنوا، لأن قوله: «ليذَّكَّروا» ) عامّ في الكل، وقوله تعالى: ﴿أَكْثَرُ الناس﴾ يقتضي أن يكون هذا الأكثر داخلاً في ذلك العام، لأنه لا يجوز أن يقال أنزلناه على قريش ليؤمنوا فأبى أكثر بني تميم إلا كفوراً.
والجواب قد تقدم مراراً.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ رسولاً ينذرهم، والمراد من ذلك تعظيم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من وجوه:
أحدها: أنه تعالى بين أنه مع القدرة على بعثه نذيراً ورسولاً في كل قرية خصه بالرسالة وفضّله بها على الكل، ولذلك أتبعه بقوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ أي: لا توافقهم.
وثانيها: المراد: ولو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة إلى كل العالمين و ﴿لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ ولكنا قصرنا الأمر عليك وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل، فقابل هذا الإجلال بالتشدُّد في الدين.
وثالثها: أن الآية تقتضي مزج اللطف بالعنف، لأنها تدل على القدرة على أن يبعث في كل قرية نذيراً مثل محمد، وأنه لا حاجة بالحضرة الإلهية إلى محمد البتة.
وقوله: «ولَوْ شِئْنَا» يدل على أنه تعالى لا يفعل ذلك. والمعنى: ولكن بعثناك إلى القُرَى كلها وحمَّلناك ثقل نذارة جميعها لتستوجب بصبرك عليه ما أعتدنا لك من الكرامة والدرجة الرفيعة. ﴿فَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ فيما يدعونك إليه من موافقتهم وهذا يدل على أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي عنه مشتغلاً به.
قوله: «وَجَاهِدْهُمْ بِهِ» أي: بالقرآن، أو بترك الطاعة المدلول عليه بقوله: «فَلاَ تُطِع» ، أو بما دل عليه ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ من كونه نذير كافة القرى، أو بالسيف.
والأقرب الأول؛ لأن السورة مكية، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان، فالمراد بذل الجهد في الدعاء جهاداً كبيراً شديداً.
الفرقان 25:52
قوله تعالى: «وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ» في هذه الهاء ثلاثة أوجه:
أحدها: قال الجمهور: إنها ترجع إلى المطر، ثم هؤلاء قال بعضهم: (المعنى صرفنا نزول الماء من وابل، وطل وجود وطشّ، ورذاذ، وغير ذلك.
وقال بعضهم) : «صَرَّفْنَاهُ» أي: أجريناه في الأنهار حتى انتفعوا بالشرب وبالزراعات وأنواع المعاش به. وقال آخرون: معناه: أنه تعالى ينزله في مكان (دون مكان) في عام ثم في العام الثاني يقع بخلاف ما وقع في العام الأول، قال ابن عباس: ما عام بأكثر من عام، ولكن الله يصرفه في الأرض. ثم قرأ هذه الآية.
وروى ابن مسعود عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «ما من عام بأمطر من عام ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك إلى الفيافي» .
الثاني: قال أبو مسلم: الضمير راجع إلى المطر والسحاب والإظلال وسائر ما ذكره الله من الأدلة.
الثالث: أي هذا القول صرفناه بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل، وهو ذكر إنشاء السحاب، وإنزال المطر ليتفكروا ويستدلوا به على الصانع.
وقرأ عكرمة: «صَرَفْنَاهُ» بتخفيف الراء. وقيل: التصريف راجع إلى الريح.
«ليذكروا» ويتفكروا في قدرة الله تعالى ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ جحوداً، وكفرانهم هو أنهم إذا أمطروا قالوا: أُمْطرنا بنوء كذا، روى زيد بن خالد الجهني قال: «صلى لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صلاة الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال:» هل تدرون ما قال ربكم» قالوا: الله ورسوله أعلم «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال: مُطِرْنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب» .
فصل
قال الجبائي: قوله: «لِيَذَّكَّرُوا» يدل على أنه تعالى يريد من الكل أن يذكروا ويشكرو، ولو أراد أن يكفروا أو يعرضوا لما صح ذلك، وذلك يبطل قول من قال: إن الله مريد لكفر من يكفر قال: ودلَّ قوله: ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾ على قدرتهم على فعل هذا التذكر؛ إذ لو لم يقدروا لما جاز أن يقال: أبوا أن يفعلوه، كما لا يقال في الزمن أبى أن يسعى.
وقال الكعبي: قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾ (حجة على من زعم أن القرآن وبال على الكافرين، وأنه لم يرد بإنزاله أن يؤمنوا، لأن قوله: «ليذَّكَّروا» ) عامّ في الكل، وقوله تعالى: ﴿أَكْثَرُ الناس﴾ يقتضي أن يكون هذا الأكثر داخلاً في ذلك العام، لأنه لا يجوز أن يقال أنزلناه على قريش ليؤمنوا فأبى أكثر بني تميم إلا كفوراً.
والجواب قد تقدم مراراً.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ رسولاً ينذرهم، والمراد من ذلك تعظيم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من وجوه:
أحدها: أنه تعالى بين أنه مع القدرة على بعثه نذيراً ورسولاً في كل قرية خصه بالرسالة وفضّله بها على الكل، ولذلك أتبعه بقوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ أي: لا توافقهم.
وثانيها: المراد: ولو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة إلى كل العالمين و ﴿لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ ولكنا قصرنا الأمر عليك وأجللناك وفضلناك على سائر الرسل، فقابل هذا الإجلال بالتشدُّد في الدين.
وثالثها: أن الآية تقتضي مزج اللطف بالعنف، لأنها تدل على القدرة على أن يبعث في كل قرية نذيراً مثل محمد، وأنه لا حاجة بالحضرة الإلهية إلى محمد البتة.
وقوله: «ولَوْ شِئْنَا» يدل على أنه تعالى لا يفعل ذلك. والمعنى: ولكن بعثناك إلى القُرَى كلها وحمَّلناك ثقل نذارة جميعها لتستوجب بصبرك عليه ما أعتدنا لك من الكرامة والدرجة الرفيعة. ﴿فَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ فيما يدعونك إليه من موافقتهم وهذا يدل على أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي عنه مشتغلاً به.
قوله: «وَجَاهِدْهُمْ بِهِ» أي: بالقرآن، أو بترك الطاعة المدلول عليه بقوله: «فَلاَ تُطِع» ، أو بما دل عليه ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾ من كونه نذير كافة القرى، أو بالسيف.
والأقرب الأول؛ لأن السورة مكية، والأمر بالقتال ورد بعد الهجرة بزمان، فالمراد بذل الجهد في الدعاء جهاداً كبيراً شديداً.
الفرقان 25:53
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين﴾ الآية. هذا النوع الرابع. في «مَرَجَ» قولان:
أحدهما: بمعنى خلط ومرج، ومنه مرج الأمر أي: اختلط قاله ابن عرفة.
وقيل: «مرج» أجرى، وأمرج لغة فيه.
(و) قيل: مرج لغة الحجاز، وأمْرَجَ لغة نجد، وفي كلام بعض الفصحاء: بحران أحدهما بالآخر مَمْرُوج، وماء العذب منهما بالأجاج ممزوج. وقيل: أرسلهما في مجاريهما وخلاَّهما كما ترسل الخيل في المرج قاله ابن عباس.
وأصل المرج الخلط والإرسال يقال: مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء.
قوله ﴿هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ هذه الجملة لا محل لها، لأنها مستأنفة جواب لسؤال مقدر كأن قائلاً قال: كيف مرجهما؟ قيل: هذا عذب وهذا ملح.
ويجوز على ضعف أن تكون حالية. والفرات: المبالغ في الحلاوة، والتاء فيه أصلية لام الكلمة، ووزنه فعال. وبعض العرب يقف عليها هاء، وهذا كما تقدم في التابوت. ويقال: سمي الماء الحلو فراتاً، لأنه يفرت العطش أي: يشقه ويقطعه والأُجاج: المبالغ في الملوحة، وقيل: في الحرارة، وقيل في المرارة. وهذا من أحسن المقابلة، حيث قال تعالى: ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ وأنشد بعضهم: 3877 - فَلاَ واللَّهِ لاَ أَنْفَكُّ أَبكي
(إلى أَنْ نَلْتَقِي شُعْثاً عُراتَا)
أَأُلْحَى إنْ نَزَحْتُ أُجَاجَ عَيْنِي ... عَلَى جَدَثٍ حَوَى العَذْبَ الفُرَاتَا
ما أحسن ما كنى عن دمعه بالأجاج، وعن المبكي عليه بالعذب الفرات وكان سبب إنشاد هذين البيتين أن بعضهم لحن قائلهما في قوله: عراتا. كيف يقف على تاء التأنيث المنونة بالألف؟ فقيل له: إنها لغة مستفيضة يجعلون التاء كغيرها فيبدلون تنوينها بعد الفتح ألفاً، حكي عن العرب أكلت تمرتاً نحو أكلت زيتاً. وقرأ طلحة وقتيبة عن الكسائي «مَلِح» بفتح الميم وكسر اللام، وكذا في سورة فاطر، وهو مقصور من (مالح) كقولهم: برد في بارد، قال:
3878 - وَصِلْيانا بَرِدا ... وماء مالح لغة شاذة. وقال أبو حاتم: هذه قراءة منكرة.
قوله: «بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً» يجوز أن يكون الظرف متعلقاً بالجعل، وأن يتعلق بمحذوف على أنه حال من «بَرْزَخاً» .
والأول أظهر. ومعنى «بَرْزَخاً» أي: حاجزاً بقدرته لئلا يختلط أحدهما بالآخر.
قوله: «وَحِجْراً مَحْجُوراً» الظاهر عطفه على «برزخاً» .
وقال الزمخشري: (فإن قلت: «حِجْراً مَحْجُوراً» ) ما معناه؟ قلت هي الكلمة التي يقولها المتعوّذ، وقد فسرناها، وهي هنا واقعة على سبيل المجاز، كأن واحداً من البحرين يقول لصاحبه: حجراً محجوراً كأنه يتعوذ من صاحبه ويقول له: حجراً محجوراً. كما قال: «لا يبغيان» . وهي من أحسن الاستعارات.
فعلى ما قاله يكون منصوباً بقول مضمر.
فإن قيل: لا وجود للبحر العذب، فكيف ذكره الله تعالى هنا؟ لا يقال: هذا مدفوع من وجهين:
أحدهما: أن المراد منه الأودية العظام كالنيل وجيحون.
الثاني: لعله حصل في البحار موضع يكون أحد جانبيه عذباً والآخر ملحاً، لأنا نقول: أما الأول فضعيف، لأن هذه الأودية ليس فيها ماء ملح، والبحار ليس فيها ماء عذب، فلم يحصل البتة موضع التعجب وأما الثاني فضعيف؛ لأن موضع الاستدلال لا بد وأن يكون معلوماً، وأما بمحض التجويز فلا يحسن الاستدلال.
فالجواب: أنا نقول: المراد من البحر العذب هذه الأودية ومن البحر الأجاج البحار الكبار. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾ أي: حائلاً من الأرض، ووجه الاستدلال هاهنا أن العذوبة والملوحة إن كانت بسبب طبيعة الأرض والماء، فلا بد من الاستواء، وإن لم يكن كذلك فلا بد من قادر حكيم يخص كل واحد من الأجسام بصفة خاصة. ويمكن الجواب بطريق آخر، وهو أنا رأينا نيل مصر داخلاً في بحر ملح أبيض لونه مغاير للون بحر الملح، ولا يختلط به ويؤخذ منه ويشرب.
الفرقان 25:54
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ مِنَ المآء بَشَراً﴾ الآية.
هذا نوع خامس، وفي هذا الماء قولان:
أحدهما: أنه النطفة، والثاني: أنه الماء الذي تسقى به الأرض فيتولد منه الأغذية، ويتولد من الأغذية النطفة، كما تقدم في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30] .
قوله: «مِنَ المَاءِ» يجوز أن يكون متعلقاً ب «خَلَقَ» وأن يتعلق بمحذوف حالاً من ماء، و «مِنْ» لابتداء الغاية، أو للتبعيض.
قوله: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾ أي: جعله ذا نسب وصهر قال الخليل: لا يقال لأهل بيت المرأة إلا الأصهار، ولا لأهل بيت الرجل إلا أختان. قال: ومن العرب من يطلق الأصهار على الجميع. وهذا هو الغالب.
وقيل: النسب ما لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل نكاحه، والنسب ما يوجب الحرمة، والصهر ما لا يوجبها. والصحيح أن النسب من القرابة والصهر الخلطة التي تشبه القرابة وهو النسب المحرم للنكاح، وقد تقدم أن الله تعالى حرم بالنسب سبعاً وبالسبب سبعاً في قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ حيث خلق من النطفة نوعين من البشر الذكر والأنثى.
الفرقان 25:55
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ الآية. لما ذكر دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم فقال «وَيَعْبُدُونَ» أي: هؤلاء المشركون ﴿مَا لاَ يَنفَعُهُمْ﴾ إن عبدوه «وَلاَ يَضرُّهُمْ» إن تركوه، ﴿وَكَانَ الكافر على رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ أي: معيناً للشيطان على ربه بالمعاصي. قال الزجاج: يعاون الشيطان على معصية الله، لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان. فإن قيل كيف يصح في الكافر أن يكون معاوناً للشيطان على ربه بالعداوة. فالجواب أنه تعالى ذكر نفسه وأراد رسوله فقال: ﴿إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله﴾ [الأحزاب: 57] . وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيناً ذليلاً، كما يقول الرجل لمن يستهين به: جعلني بظهر، أي: جعلني هيناً، ويقال: ظهرت به: إذا جعلته خلف ظهرك، كقوله: ﴿واتخذتموه وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً﴾ [هود: 92] .
قال أبو مسلم: وقياس العربية أن يقال: مظهوراً، أي: مستخف به متروك وراء الظهر، فقيل فيه: ظهير بمعنى مظهور، ومعناه: هين على الله أن يكفر الكافر، وهو تعالى مستهين بكفره.
والمراد بالكافر قيل: أبو جهل، لأن الآية نزلت فيه. والأولى حمله على العموم لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ. قيل: ويجوز أن يريد بالظهير الجماعة كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4] كالصديق والخليط، فعلى هذا يكون المراد بالكافر الجنس، وأن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور الله قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي﴾ [الأعراف: 202] .
قوله: «عَلَى رَبِّهِ» يجوز أن يتعلق ب «ظَهِيراً» ، وهو الظاهر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه خبر «كان» و «ظهيراً» حال، والظهير المعاون.
قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ أي: منذراً، ووجه تعلقه بما تقدم أن الكفار يطلبون العون على الله ورسوله والله تعالى بعث رسوله لنفعهم، لأنه بعثه ليبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية، فيستحقوا الثواب، ويحترزوا عن العقاب فلا جهل أعظم من جهل من استفرغ جهده في إيذاء شخص استفرع جهده في إصلاح مهماته ديناً ودنياً، ولا يسألهم على ذلك ألبتة أجراً.
قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: وهو منقطع، أي: لكن من يشاء ﴿أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ فليفعل.
والثاني: أنه متصل على حذف مضاف، يعني: إلا أجر من، أي: الأجر الحاصل على دعائه إلى الإيمان وقبوله، لأنه تعالى يأجرني على ذلك. حكاه أبو حيان وفيه نظر، لأنه لم يسند السؤال المنفي في الظاهر إلى الله تعالى إنما أسنده إلى المخاطبين فكيف يصح هذا التقدير.
فصل
المعنى: ما أسألكم على تبليغ الوحي من أجر، فتقولوا إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه.
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ استثناء منقطع معناه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً بإنفاق ماله في سبيله فعل ذلك.
والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجراً، ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله واتخاذ السبيل إلى جنته.
قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ﴾ الآية. لما تبين أن الكفار يتظاهرون على إيذائه، وأمره أن لا يطلب منهم أجراً، أمره بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار، وفي جلب جميع المنافع، وإنما قال: ﴿عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ﴾ ، لأن من توكل على الحي الذي يموت فإذا مات المتوكَّل عليه صار المتوكِّل ضائعاً، وأما الله تعالى فهو حي لا يموت فلا يضيع المتوكِّل عليه.
«وَسَبِّحْ بَحَمْدِهِ» قيل: المراد بالتسبيح الصلاة. وقيل: قل سبحان الله والحمد لله. ﴿وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾ عالماً، وهذه كلها يراد بها المبالغة، يقال كفى بالعلم جمالاً، وكفى بالأدب مالاً وهو بمعنى حسبك، أي لا يحتاج معه إلى غيره، لأنه خبير بأحوالهم قادرٌ على مكافأتهم وهذا وعيد شديد.
الفرقان 25:56
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ الآية. لما ذكر دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم فقال «وَيَعْبُدُونَ» أي: هؤلاء المشركون ﴿مَا لاَ يَنفَعُهُمْ﴾ إن عبدوه «وَلاَ يَضرُّهُمْ» إن تركوه، ﴿وَكَانَ الكافر على رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ أي: معيناً للشيطان على ربه بالمعاصي. قال الزجاج: يعاون الشيطان على معصية الله، لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان. فإن قيل كيف يصح في الكافر أن يكون معاوناً للشيطان على ربه بالعداوة. فالجواب أنه تعالى ذكر نفسه وأراد رسوله فقال: ﴿إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله﴾ [الأحزاب: 57] . وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيناً ذليلاً، كما يقول الرجل لمن يستهين به: جعلني بظهر، أي: جعلني هيناً، ويقال: ظهرت به: إذا جعلته خلف ظهرك، كقوله: ﴿واتخذتموه وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً﴾ [هود: 92] .
قال أبو مسلم: وقياس العربية أن يقال: مظهوراً، أي: مستخف به متروك وراء الظهر، فقيل فيه: ظهير بمعنى مظهور، ومعناه: هين على الله أن يكفر الكافر، وهو تعالى مستهين بكفره.
والمراد بالكافر قيل: أبو جهل، لأن الآية نزلت فيه. والأولى حمله على العموم لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ. قيل: ويجوز أن يريد بالظهير الجماعة كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4] كالصديق والخليط، فعلى هذا يكون المراد بالكافر الجنس، وأن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور الله قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي﴾ [الأعراف: 202] .
قوله: «عَلَى رَبِّهِ» يجوز أن يتعلق ب «ظَهِيراً» ، وهو الظاهر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه خبر «كان» و «ظهيراً» حال، والظهير المعاون.
قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ أي: منذراً، ووجه تعلقه بما تقدم أن الكفار يطلبون العون على الله ورسوله والله تعالى بعث رسوله لنفعهم، لأنه بعثه ليبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية، فيستحقوا الثواب، ويحترزوا عن العقاب فلا جهل أعظم من جهل من استفرغ جهده في إيذاء شخص استفرع جهده في إصلاح مهماته ديناً ودنياً، ولا يسألهم على ذلك ألبتة أجراً.
قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: وهو منقطع، أي: لكن من يشاء ﴿أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ فليفعل.
والثاني: أنه متصل على حذف مضاف، يعني: إلا أجر من، أي: الأجر الحاصل على دعائه إلى الإيمان وقبوله، لأنه تعالى يأجرني على ذلك. حكاه أبو حيان وفيه نظر، لأنه لم يسند السؤال المنفي في الظاهر إلى الله تعالى إنما أسنده إلى المخاطبين فكيف يصح هذا التقدير.
فصل
المعنى: ما أسألكم على تبليغ الوحي من أجر، فتقولوا إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه.
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ استثناء منقطع معناه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً بإنفاق ماله في سبيله فعل ذلك.
والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجراً، ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله واتخاذ السبيل إلى جنته.
قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ﴾ الآية. لما تبين أن الكفار يتظاهرون على إيذائه، وأمره أن لا يطلب منهم أجراً، أمره بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار، وفي جلب جميع المنافع، وإنما قال: ﴿عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ﴾ ، لأن من توكل على الحي الذي يموت فإذا مات المتوكَّل عليه صار المتوكِّل ضائعاً، وأما الله تعالى فهو حي لا يموت فلا يضيع المتوكِّل عليه.
«وَسَبِّحْ بَحَمْدِهِ» قيل: المراد بالتسبيح الصلاة. وقيل: قل سبحان الله والحمد لله. ﴿وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾ عالماً، وهذه كلها يراد بها المبالغة، يقال كفى بالعلم جمالاً، وكفى بالأدب مالاً وهو بمعنى حسبك، أي لا يحتاج معه إلى غيره، لأنه خبير بأحوالهم قادرٌ على مكافأتهم وهذا وعيد شديد.
الفرقان 25:57
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ الآية. لما ذكر دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم فقال «وَيَعْبُدُونَ» أي: هؤلاء المشركون ﴿مَا لاَ يَنفَعُهُمْ﴾ إن عبدوه «وَلاَ يَضرُّهُمْ» إن تركوه، ﴿وَكَانَ الكافر على رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ أي: معيناً للشيطان على ربه بالمعاصي. قال الزجاج: يعاون الشيطان على معصية الله، لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان. فإن قيل كيف يصح في الكافر أن يكون معاوناً للشيطان على ربه بالعداوة. فالجواب أنه تعالى ذكر نفسه وأراد رسوله فقال: ﴿إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله﴾ [الأحزاب: 57] . وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيناً ذليلاً، كما يقول الرجل لمن يستهين به: جعلني بظهر، أي: جعلني هيناً، ويقال: ظهرت به: إذا جعلته خلف ظهرك، كقوله: ﴿واتخذتموه وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً﴾ [هود: 92] .
قال أبو مسلم: وقياس العربية أن يقال: مظهوراً، أي: مستخف به متروك وراء الظهر، فقيل فيه: ظهير بمعنى مظهور، ومعناه: هين على الله أن يكفر الكافر، وهو تعالى مستهين بكفره.
والمراد بالكافر قيل: أبو جهل، لأن الآية نزلت فيه. والأولى حمله على العموم لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ. قيل: ويجوز أن يريد بالظهير الجماعة كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4] كالصديق والخليط، فعلى هذا يكون المراد بالكافر الجنس، وأن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور الله قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي﴾ [الأعراف: 202] .
قوله: «عَلَى رَبِّهِ» يجوز أن يتعلق ب «ظَهِيراً» ، وهو الظاهر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه خبر «كان» و «ظهيراً» حال، والظهير المعاون.
قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ أي: منذراً، ووجه تعلقه بما تقدم أن الكفار يطلبون العون على الله ورسوله والله تعالى بعث رسوله لنفعهم، لأنه بعثه ليبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية، فيستحقوا الثواب، ويحترزوا عن العقاب فلا جهل أعظم من جهل من استفرغ جهده في إيذاء شخص استفرع جهده في إصلاح مهماته ديناً ودنياً، ولا يسألهم على ذلك ألبتة أجراً.
قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: وهو منقطع، أي: لكن من يشاء ﴿أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ فليفعل.
والثاني: أنه متصل على حذف مضاف، يعني: إلا أجر من، أي: الأجر الحاصل على دعائه إلى الإيمان وقبوله، لأنه تعالى يأجرني على ذلك. حكاه أبو حيان وفيه نظر، لأنه لم يسند السؤال المنفي في الظاهر إلى الله تعالى إنما أسنده إلى المخاطبين فكيف يصح هذا التقدير.
فصل
المعنى: ما أسألكم على تبليغ الوحي من أجر، فتقولوا إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه.
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ استثناء منقطع معناه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً بإنفاق ماله في سبيله فعل ذلك.
والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجراً، ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله واتخاذ السبيل إلى جنته.
قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ﴾ الآية. لما تبين أن الكفار يتظاهرون على إيذائه، وأمره أن لا يطلب منهم أجراً، أمره بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار، وفي جلب جميع المنافع، وإنما قال: ﴿عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ﴾ ، لأن من توكل على الحي الذي يموت فإذا مات المتوكَّل عليه صار المتوكِّل ضائعاً، وأما الله تعالى فهو حي لا يموت فلا يضيع المتوكِّل عليه.
«وَسَبِّحْ بَحَمْدِهِ» قيل: المراد بالتسبيح الصلاة. وقيل: قل سبحان الله والحمد لله. ﴿وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾ عالماً، وهذه كلها يراد بها المبالغة، يقال كفى بالعلم جمالاً، وكفى بالأدب مالاً وهو بمعنى حسبك، أي لا يحتاج معه إلى غيره، لأنه خبير بأحوالهم قادرٌ على مكافأتهم وهذا وعيد شديد.
الفرقان 25:58
قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ الآية. لما ذكر دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم فقال «وَيَعْبُدُونَ» أي: هؤلاء المشركون ﴿مَا لاَ يَنفَعُهُمْ﴾ إن عبدوه «وَلاَ يَضرُّهُمْ» إن تركوه، ﴿وَكَانَ الكافر على رَبِّهِ ظَهِيراً﴾ أي: معيناً للشيطان على ربه بالمعاصي. قال الزجاج: يعاون الشيطان على معصية الله، لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان. فإن قيل كيف يصح في الكافر أن يكون معاوناً للشيطان على ربه بالعداوة. فالجواب أنه تعالى ذكر نفسه وأراد رسوله فقال: ﴿إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله﴾ [الأحزاب: 57] . وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيناً ذليلاً، كما يقول الرجل لمن يستهين به: جعلني بظهر، أي: جعلني هيناً، ويقال: ظهرت به: إذا جعلته خلف ظهرك، كقوله: ﴿واتخذتموه وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً﴾ [هود: 92] .
قال أبو مسلم: وقياس العربية أن يقال: مظهوراً، أي: مستخف به متروك وراء الظهر، فقيل فيه: ظهير بمعنى مظهور، ومعناه: هين على الله أن يكفر الكافر، وهو تعالى مستهين بكفره.
والمراد بالكافر قيل: أبو جهل، لأن الآية نزلت فيه. والأولى حمله على العموم لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ. قيل: ويجوز أن يريد بالظهير الجماعة كقوله: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4] كالصديق والخليط، فعلى هذا يكون المراد بالكافر الجنس، وأن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء نور الله قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي﴾ [الأعراف: 202] .
قوله: «عَلَى رَبِّهِ» يجوز أن يتعلق ب «ظَهِيراً» ، وهو الظاهر، وأن يتعلق بمحذوف على أنه خبر «كان» و «ظهيراً» حال، والظهير المعاون.
قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ أي: منذراً، ووجه تعلقه بما تقدم أن الكفار يطلبون العون على الله ورسوله والله تعالى بعث رسوله لنفعهم، لأنه بعثه ليبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية، فيستحقوا الثواب، ويحترزوا عن العقاب فلا جهل أعظم من جهل من استفرغ جهده في إيذاء شخص استفرع جهده في إصلاح مهماته ديناً ودنياً، ولا يسألهم على ذلك ألبتة أجراً.
قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: وهو منقطع، أي: لكن من يشاء ﴿أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ فليفعل.
والثاني: أنه متصل على حذف مضاف، يعني: إلا أجر من، أي: الأجر الحاصل على دعائه إلى الإيمان وقبوله، لأنه تعالى يأجرني على ذلك. حكاه أبو حيان وفيه نظر، لأنه لم يسند السؤال المنفي في الظاهر إلى الله تعالى إنما أسنده إلى المخاطبين فكيف يصح هذا التقدير.
فصل
المعنى: ما أسألكم على تبليغ الوحي من أجر، فتقولوا إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه.
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ استثناء منقطع معناه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً بإنفاق ماله في سبيله فعل ذلك.
والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجراً، ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله واتخاذ السبيل إلى جنته.
قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ﴾ الآية. لما تبين أن الكفار يتظاهرون على إيذائه، وأمره أن لا يطلب منهم أجراً، أمره بأن يتوكل عليه في دفع جميع المضار، وفي جلب جميع المنافع، وإنما قال: ﴿عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ﴾ ، لأن من توكل على الحي الذي يموت فإذا مات المتوكَّل عليه صار المتوكِّل ضائعاً، وأما الله تعالى فهو حي لا يموت فلا يضيع المتوكِّل عليه.
«وَسَبِّحْ بَحَمْدِهِ» قيل: المراد بالتسبيح الصلاة. وقيل: قل سبحان الله والحمد لله. ﴿وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾ عالماً، وهذه كلها يراد بها المبالغة، يقال كفى بالعلم جمالاً، وكفى بالأدب مالاً وهو بمعنى حسبك، أي لا يحتاج معه إلى غيره، لأنه خبير بأحوالهم قادرٌ على مكافأتهم وهذا وعيد شديد.
الفرقان 25:59
قوله تعالى: ﴿الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ الآية. لما أمر الرسول بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور منها: أنه حي لا يموت، وأنه عالم بجميع المعلومات بقوله ﴿وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: 58] ومنها أنه قادر على كل الممكنات، وهو قوله: ﴿الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ وهذا متصل بقوله: ﴿الحي الذي لاَ يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58] لأنه سبحانه لما كان خالقاً للسموات والأرض ولكل ما بينهما ثبت أنه القادر على جميع المنافع ودفع المضار، وأن النعم كلها من جهته فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه. و «الَّذِي خَلَقَ» يجوز أن يكون مبتدأ، و «الرَّحْمَنُ» خبره، وأن يكون خبر مبتدأ مقدر، أي: هو الذي خلق، وأن يكون منصوباً بفعل مضمر، وأن يكون صفة للحي الذي لا يموت، أو بدلاً، أو بياناً هذا على قراءة «الرَّحْمَنُ» بالرفع ومن قرأه بالجر فيتعين أن يكون «الَّذِي خَلَقَ» صفة للحي فقط.
قوله: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ فيه سؤال، وهو أن الأيام عبارة عن حركة الشمس في السموات فقيل السموات لاً أيام، فكيف قال: خلقها في ستة أيام؟
والجواب: في مدة مقدارها (هذه المدة) ، لا يقال: الشيء الذي يتقدر بمقدار محدود ويقبل الزيادة والنقصان والتجزئة لا يكون عدماً محضاً بل لا بد وأن يكون موجوداً فيلزم من وجوده وجود مدة قبل وجود العالم وذلك يقتضي قدم الزمان، لأنا نقول: هذا معارض بنفس الزمان، لأن المدة المتوهمة المحتملة لعشرة أيام لا تحتمل بخمسة أيام والمدة المتوهمة المحتملة لخمسة أيام لا تحتمل عشرة أيام فيلزم أن يكون للمدة مدة أخرى، فلما لم يلزم من هذا قدم الزمان لم يلزم ما قلتموه، وعلى هذا نقول لعل الله سبحانه خلق المدة أولاً ثم خلق السموات والأرض فيها بمقدار ستة أيام. وقيل: في ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم مقداره ألف سنة. وهو بعيد، لأن التعريف لا بد وأن يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول. فإن قيل: لم قدر الخلق والإيجاد بهذا المقدار؟
فالجواب على قول أهل السنة المشيئة والقدرة كافية للتخصيص، وقالت المعتزلة: لا بد وأن يكون من حكمة وهو أن التخصيص بهذا المقدار أصلح، وهذا بعيد لوجهين:
الأول: أن حصول تلك الحكمة إما أن يكون واجباً لذاته أو جائزاً، فإن كان واجباً وجب أن لا يتغير فيكون حاصلاً في كل الأزمنة فلا يصلح أن يكون سبباً لزمان معين، وإن كان جائزاً افتقر حصول تلك الحكمة في ذلك الوقت إلى مخصص آخر، ولزم التسلسل.
والثاني: أن التفاوت بين كل واحد مما لا يصل إليه خاطر المكلف وعقله فحصول ذلك التفاوت لما لم يكن مشعوراً به كيف يقدح في حصول المصالح.
واعلم أنه يجب على المكلف سواء كان على قولنا أو على قول المعتزلة أن يقطع الطمع عن أمثال هذه الأسئلة، فإنه بحر لا ساحل له، كتقدير ملائكة النار بتسعة عشر، وحملة العرش بثمانية، والسموات بالسبع، وعدد الصلوات، ومقادير النصب في الزكوات، وكذا في الحدود، والكفارات، فالإقرار بكل ما قال الله حق هو الدين، والواجب ترك البحث عن هذه الأشياء، وقد نص الله على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب وَيَزْدَادَ الذين آمنوا إِيمَاناً وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾ [المدثر: 31] ثم قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: 31] ، وهو الجواب أيضاً في أنه لِمَ لَمْ يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك. وعن سعيد بن جبير: إنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر أن يخلقها في لحظة تعليماً لخلقه الرفق والتثبت. وقيل: ثم خلقها في يوم الجمعة فجعله الله عيداً للمسلمين.
قوله: ﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ لا يجوز حمله على الاستيلاء والقدرة؛ لأن أوصاف الله لم تزل، فلا يصح دخول «ثُمَّ» فيه. ولا على الاستقرار، لأنه يقتضي التغيير الذي هو دليل الحدوث، ويقتضي التركيب، وكل ذلك على الله محال، بل المراد أنه خلق العرش ورفعه.
فإن قيل: يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السموات وليس كذلك لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء﴾ [هود: 7] .
فالجواب: كلمة «ثُمَّ» ما دخلت على خلق العرش بل على رفعه على السموات.
قوله: «الرَّحْمَنُ» قرأ العامة بالرفع، وفيه أوجه:
أحدها: أنه خبر «الَّذِي» ، أو خبر مبتدأ مضمر، أي: الرحمن، ولهذا أجاز الزجاج وغيره الوقف على العرش ثم يبدأ الرحمن، أي: هو الرحمن الذي لا ينبغي السجود والتعظيم إلا له، أو يكون بدلاً من الضمير في «استوى» أو يكون مبتدأ وخبره الجملة من قوله «فَاسْأَلْ» على رأي الأخفش كقوله:
3879 - وَقَائِلَةٍ خوْلاَنُ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ ... أو يكون صفة الذي خلق، إذا قلنا: إنه مرفوع.
وقرأ زيد بن علي «الرَّحْمَنِ» بالجر فيتعين أن يكون نعتاً للذي خلق و «الَّذِي خَلَقَ» صفة للحي فقط، لئلا يفصل بين النعت ومنعوته بأجنبي.
قوله: «فَاسْأَلْ بِهِ» في الباء قولان: أحدهما: هي على بابها، وهي متعلقة بالسؤال، والمراد ب «الخَبِير» الله تعالى، ويكون من التجريد، كقولك: لقيت به أسداً والمعنى فاسأل الله الخبير بالأشياء.
قال الزمخشري: أو فاسأل بسؤاله خبيراً كقولك: رأيت به أسداً، أي برؤيته انتهى. قال الكلبي: فاسأل خبيراً به، فقوله: «به» يعود إلى ما ذكر من خلق السموات والاستواء على العرش، والباء من صلة الخبير، وذلك الخبير هو الله تعالى؛ لأنه لا دليل في العقل على كيفية خلق السموات والأرض، ولا يعلمها أحد إلا الله تعالى، ف «خَبِيراً» مفعول «اسْأَل» على هذا، أو منصوب على الحال المؤكدة، واستضعفه أبو البقاء.
قال: ويضعف أن يكون «خَبِيراً» حالاً من فاعل «اسْأَلْ» ؛ لأن «الخبير» لا يسأل إلا على جهة التوكيد كقوله: ﴿وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً﴾ [البقرة: 91] . ثم قال: ويجوز أن يكون حالاً من «الرَّحْمَنُ» إذا رفعته ب «اسْتَوَى» . والثاني: أن تكون الباء بمعنى «عن» إما مطلقاً وإما مع السؤال خاصة كهذه الآية الكريمة، وكقول علقمة بن عبدة: 3880 - فإنْ تَسَْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإنَّنِي ... خَبِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
والضمير في «به» لله تعالى، و «خَبِيراً» من صفات الملك وهو جبريل قال ابن عباس: إن ذلك الخبير هو جبريل - عليه السلام - وإنما قدم لرؤوس الآي وحسن النظم وهو قول الزجاج والأخفش. ويجوز على هذا أي: كون «خَبِيراً» من صفات جبريل، أن تكون الباء على بابها، وهي متعلقة ب «خبير» كما تقدم، أي: فاسأل الخبراء به.
وقال ابن جرير: الباء في «بِهِ» صلة، والمعنى: فاسأله خبيراً و «خَبِيراً» نصب على الحال. وقيل: قوله: «بِهِ» يجري مجرى القسم كقوله: ﴿واتقوا الله الذي تَسَآءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: 1] .
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن﴾ الآية. قال أكثر المفسرين: الرحمن اسم من أسماء الله مكتوب في الكتب المتقدمة والعرب ما عرفوه.
قال مقاتل: «إن أبا جهل قال: إن الذي يقول محمد شعر، فقال عليه السلام:» الشعر غير هذا إن هذا إلا كلام الرحمن» ، فقال أبو جهل: بخ بخ لعمري والله إنه لكلام الرحمن الذي باليمامة هو يعلمك، فقال عليه السلام: «الرحمن الذي في السماء ومن عنده يأتيني الوحي» ، فقال: يا أبا غالب من يعذرني من محمد يزعم أن الله واحد وهو يقول: الله يعلمني والرحمن، ألستم تعلمون أنهما إلهان» قال القاضي: والأقرب أن مرادهم إنكار الله لا الاسم، لأن هذه اللفظة عربية وهم كانوا يعلمون أنها تفيد المبالغة في الإنعام، ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين (لله كان قولهم) : «وَمَا الرَّحْمَن» سؤال عن الحقيقة كقول فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ [الشعراء: 23] ، وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين بالله لكنهم جهلوا كونه تعالى مسمى بهذا الاسم كان قولهم «وَمَا الرَّحْمَن» سؤال عن هذا الاسم.
قوله: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ قرأ الأخوان بياء الغيبة، يعنون محمداً كأن بعضهم قال لبعض: أنسجد لما يأمرنا محمدٌ أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو.
والباقون بالخطاب، يعني لما تأمرنا أنت يا محمد.
و «ما» يجوز أن يكون بمعنى (الذي) ، والعائد محذوف لأنه متصل؛ لأن (أمر) يتعدى إلى الثاني بإسقاط الحرف، ولا حاجة إلى التدرج الذي ذكره أبو البقاء وهو أن الأصل: لما تأمرنا بالسجود له، ثم بسجوده، ثم تأمرناه، ثم تأمرنا، كذا قدره، ثم قال: هذا على مذهب أبي الحسن وأما على مذهب سيبويه فحذف ذلك من غير تدريج. قال شهاب الدين: وهذا ليس مذهب سيبويه. ويجوز أن تكون موصوفة، والكلام في شهاب الدين: وهذا ليس مذهب سيبويه. ويجوز أن تكون موصوفة، والكلام في عائدها موصوفة كهي موصولة ويجوز أن تكون مصدرية، وتكون اللام للعلة، أي: أنسجد من أجل أمرك وعلى هذا يكون المسجود له محذوفاً، أي: أنسجد للرحمن لما تأمرنا، وعلى هذا لا تكون «ما» واقعة على العالم، وفي الوجهين الأوليين يحتمل ذلك وهو المتبادر للفهم.
قوله: «وَزَادَهُمْ نُفُوراً» قول القائل لهم اسجدوا للرحمن. نفوراً عن الدين والإيمان. ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول، قال الضحاك: سجد الرسول وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعثمان بن مظعون وعمرو بن عنبسة، ولما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين من هذا، وهو المراد من قوله «وَزَادَهُمْ نُفُوراً» أي: فزادهم سجودهم نفوراً.
الفرقان 25:60
قوله تعالى: ﴿الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ الآية. لما أمر الرسول بأن يتوكل عليه وصف نفسه بأمور منها: أنه حي لا يموت، وأنه عالم بجميع المعلومات بقوله ﴿وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: 58] ومنها أنه قادر على كل الممكنات، وهو قوله: ﴿الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ وهذا متصل بقوله: ﴿الحي الذي لاَ يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58] لأنه سبحانه لما كان خالقاً للسموات والأرض ولكل ما بينهما ثبت أنه القادر على جميع المنافع ودفع المضار، وأن النعم كلها من جهته فحينئذ لا يجوز التوكل إلا عليه. و «الَّذِي خَلَقَ» يجوز أن يكون مبتدأ، و «الرَّحْمَنُ» خبره، وأن يكون خبر مبتدأ مقدر، أي: هو الذي خلق، وأن يكون منصوباً بفعل مضمر، وأن يكون صفة للحي الذي لا يموت، أو بدلاً، أو بياناً هذا على قراءة «الرَّحْمَنُ» بالرفع ومن قرأه بالجر فيتعين أن يكون «الَّذِي خَلَقَ» صفة للحي فقط.
قوله: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ فيه سؤال، وهو أن الأيام عبارة عن حركة الشمس في السموات فقيل السموات لاً أيام، فكيف قال: خلقها في ستة أيام؟
والجواب: في مدة مقدارها (هذه المدة) ، لا يقال: الشيء الذي يتقدر بمقدار محدود ويقبل الزيادة والنقصان والتجزئة لا يكون عدماً محضاً بل لا بد وأن يكون موجوداً فيلزم من وجوده وجود مدة قبل وجود العالم وذلك يقتضي قدم الزمان، لأنا نقول: هذا معارض بنفس الزمان، لأن المدة المتوهمة المحتملة لعشرة أيام لا تحتمل بخمسة أيام والمدة المتوهمة المحتملة لخمسة أيام لا تحتمل عشرة أيام فيلزم أن يكون للمدة مدة أخرى، فلما لم يلزم من هذا قدم الزمان لم يلزم ما قلتموه، وعلى هذا نقول لعل الله سبحانه خلق المدة أولاً ثم خلق السموات والأرض فيها بمقدار ستة أيام. وقيل: في ستة أيام من أيام الآخرة كل يوم مقداره ألف سنة. وهو بعيد، لأن التعريف لا بد وأن يكون بأمر معلوم لا بأمر مجهول. فإن قيل: لم قدر الخلق والإيجاد بهذا المقدار؟
فالجواب على قول أهل السنة المشيئة والقدرة كافية للتخصيص، وقالت المعتزلة: لا بد وأن يكون من حكمة وهو أن التخصيص بهذا المقدار أصلح، وهذا بعيد لوجهين:
الأول: أن حصول تلك الحكمة إما أن يكون واجباً لذاته أو جائزاً، فإن كان واجباً وجب أن لا يتغير فيكون حاصلاً في كل الأزمنة فلا يصلح أن يكون سبباً لزمان معين، وإن كان جائزاً افتقر حصول تلك الحكمة في ذلك الوقت إلى مخصص آخر، ولزم التسلسل.
والثاني: أن التفاوت بين كل واحد مما لا يصل إليه خاطر المكلف وعقله فحصول ذلك التفاوت لما لم يكن مشعوراً به كيف يقدح في حصول المصالح.
واعلم أنه يجب على المكلف سواء كان على قولنا أو على قول المعتزلة أن يقطع الطمع عن أمثال هذه الأسئلة، فإنه بحر لا ساحل له، كتقدير ملائكة النار بتسعة عشر، وحملة العرش بثمانية، والسموات بالسبع، وعدد الصلوات، ومقادير النصب في الزكوات، وكذا في الحدود، والكفارات، فالإقرار بكل ما قال الله حق هو الدين، والواجب ترك البحث عن هذه الأشياء، وقد نص الله على ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب وَيَزْدَادَ الذين آمنوا إِيمَاناً وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ والكافرون مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾ [المدثر: 31] ثم قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: 31] ، وهو الجواب أيضاً في أنه لِمَ لَمْ يخلقها في لحظة وهو قادر على ذلك. وعن سعيد بن جبير: إنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر أن يخلقها في لحظة تعليماً لخلقه الرفق والتثبت. وقيل: ثم خلقها في يوم الجمعة فجعله الله عيداً للمسلمين.
قوله: ﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ لا يجوز حمله على الاستيلاء والقدرة؛ لأن أوصاف الله لم تزل، فلا يصح دخول «ثُمَّ» فيه. ولا على الاستقرار، لأنه يقتضي التغيير الذي هو دليل الحدوث، ويقتضي التركيب، وكل ذلك على الله محال، بل المراد أنه خلق العرش ورفعه.
فإن قيل: يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السموات وليس كذلك لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المآء﴾ [هود: 7] .
فالجواب: كلمة «ثُمَّ» ما دخلت على خلق العرش بل على رفعه على السموات.
قوله: «الرَّحْمَنُ» قرأ العامة بالرفع، وفيه أوجه:
أحدها: أنه خبر «الَّذِي» ، أو خبر مبتدأ مضمر، أي: الرحمن، ولهذا أجاز الزجاج وغيره الوقف على العرش ثم يبدأ الرحمن، أي: هو الرحمن الذي لا ينبغي السجود والتعظيم إلا له، أو يكون بدلاً من الضمير في «استوى» أو يكون مبتدأ وخبره الجملة من قوله «فَاسْأَلْ» على رأي الأخفش كقوله:
3879 - وَقَائِلَةٍ خوْلاَنُ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ ... أو يكون صفة الذي خلق، إذا قلنا: إنه مرفوع.
وقرأ زيد بن علي «الرَّحْمَنِ» بالجر فيتعين أن يكون نعتاً للذي خلق و «الَّذِي خَلَقَ» صفة للحي فقط، لئلا يفصل بين النعت ومنعوته بأجنبي.
قوله: «فَاسْأَلْ بِهِ» في الباء قولان: أحدهما: هي على بابها، وهي متعلقة بالسؤال، والمراد ب «الخَبِير» الله تعالى، ويكون من التجريد، كقولك: لقيت به أسداً والمعنى فاسأل الله الخبير بالأشياء.
قال الزمخشري: أو فاسأل بسؤاله خبيراً كقولك: رأيت به أسداً، أي برؤيته انتهى. قال الكلبي: فاسأل خبيراً به، فقوله: «به» يعود إلى ما ذكر من خلق السموات والاستواء على العرش، والباء من صلة الخبير، وذلك الخبير هو الله تعالى؛ لأنه لا دليل في العقل على كيفية خلق السموات والأرض، ولا يعلمها أحد إلا الله تعالى، ف «خَبِيراً» مفعول «اسْأَل» على هذا، أو منصوب على الحال المؤكدة، واستضعفه أبو البقاء.
قال: ويضعف أن يكون «خَبِيراً» حالاً من فاعل «اسْأَلْ» ؛ لأن «الخبير» لا يسأل إلا على جهة التوكيد كقوله: ﴿وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً﴾ [البقرة: 91] . ثم قال: ويجوز أن يكون حالاً من «الرَّحْمَنُ» إذا رفعته ب «اسْتَوَى» . والثاني: أن تكون الباء بمعنى «عن» إما مطلقاً وإما مع السؤال خاصة كهذه الآية الكريمة، وكقول علقمة بن عبدة: 3880 - فإنْ تَسَْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإنَّنِي ... خَبِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
والضمير في «به» لله تعالى، و «خَبِيراً» من صفات الملك وهو جبريل قال ابن عباس: إن ذلك الخبير هو جبريل - عليه السلام - وإنما قدم لرؤوس الآي وحسن النظم وهو قول الزجاج والأخفش. ويجوز على هذا أي: كون «خَبِيراً» من صفات جبريل، أن تكون الباء على بابها، وهي متعلقة ب «خبير» كما تقدم، أي: فاسأل الخبراء به.
وقال ابن جرير: الباء في «بِهِ» صلة، والمعنى: فاسأله خبيراً و «خَبِيراً» نصب على الحال. وقيل: قوله: «بِهِ» يجري مجرى القسم كقوله: ﴿واتقوا الله الذي تَسَآءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: 1] .
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن﴾ الآية. قال أكثر المفسرين: الرحمن اسم من أسماء الله مكتوب في الكتب المتقدمة والعرب ما عرفوه.
قال مقاتل: «إن أبا جهل قال: إن الذي يقول محمد شعر، فقال عليه السلام:» الشعر غير هذا إن هذا إلا كلام الرحمن» ، فقال أبو جهل: بخ بخ لعمري والله إنه لكلام الرحمن الذي باليمامة هو يعلمك، فقال عليه السلام: «الرحمن الذي في السماء ومن عنده يأتيني الوحي» ، فقال: يا أبا غالب من يعذرني من محمد يزعم أن الله واحد وهو يقول: الله يعلمني والرحمن، ألستم تعلمون أنهما إلهان» قال القاضي: والأقرب أن مرادهم إنكار الله لا الاسم، لأن هذه اللفظة عربية وهم كانوا يعلمون أنها تفيد المبالغة في الإنعام، ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين (لله كان قولهم) : «وَمَا الرَّحْمَن» سؤال عن الحقيقة كقول فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ [الشعراء: 23] ، وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين بالله لكنهم جهلوا كونه تعالى مسمى بهذا الاسم كان قولهم «وَمَا الرَّحْمَن» سؤال عن هذا الاسم.
قوله: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ قرأ الأخوان بياء الغيبة، يعنون محمداً كأن بعضهم قال لبعض: أنسجد لما يأمرنا محمدٌ أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو.
والباقون بالخطاب، يعني لما تأمرنا أنت يا محمد.
و «ما» يجوز أن يكون بمعنى (الذي) ، والعائد محذوف لأنه متصل؛ لأن (أمر) يتعدى إلى الثاني بإسقاط الحرف، ولا حاجة إلى التدرج الذي ذكره أبو البقاء وهو أن الأصل: لما تأمرنا بالسجود له، ثم بسجوده، ثم تأمرناه، ثم تأمرنا، كذا قدره، ثم قال: هذا على مذهب أبي الحسن وأما على مذهب سيبويه فحذف ذلك من غير تدريج. قال شهاب الدين: وهذا ليس مذهب سيبويه. ويجوز أن تكون موصوفة، والكلام في شهاب الدين: وهذا ليس مذهب سيبويه. ويجوز أن تكون موصوفة، والكلام في عائدها موصوفة كهي موصولة ويجوز أن تكون مصدرية، وتكون اللام للعلة، أي: أنسجد من أجل أمرك وعلى هذا يكون المسجود له محذوفاً، أي: أنسجد للرحمن لما تأمرنا، وعلى هذا لا تكون «ما» واقعة على العالم، وفي الوجهين الأوليين يحتمل ذلك وهو المتبادر للفهم.
قوله: «وَزَادَهُمْ نُفُوراً» قول القائل لهم اسجدوا للرحمن. نفوراً عن الدين والإيمان. ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول، قال الضحاك: سجد الرسول وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعثمان بن مظعون وعمرو بن عنبسة، ولما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين من هذا، وهو المراد من قوله «وَزَادَهُمْ نُفُوراً» أي: فزادهم سجودهم نفوراً.
الفرقان 25:61
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً﴾ الآية.
لما حكى مزيد نفور الكفار عن السجود، وذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة للرحمن فقال: ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً﴾ تقدم القول في « تَبَارَكَ» ، قال الحسن ومجاهد وقتادة ورواية عن ابن عباس البروج هي النجوم الكبار سميت بروجاً لظهورها، لأن اشتقاق البرج من التبرج وهو الظهور.
وقال عطية العوفي: البروج هي القصور العالية، لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها، وهذا أولى لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ أي: في البروج فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون قوله «فيها» راجعاً إلى السماء دون البروج؟
فالجواب: لأن البروج أقرب، فعود الضمير إليها أولى.
وروى عطاء عن ابن عباس: هي البروج الاثنا عشر.
قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً﴾ . قرأ الجمهور بالإفراد، والمراد به الشمس لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً﴾ [نوح: 16] ، ويؤيده أيضاً ذكر القمر بعده. والأخوان «سُرُجاً» بضمتين جمعاً نحو حُمُر في حِمَار، وجمع باعتبار الكواكب النيرات، وإنما ذكر القمر تشريفاً له كقوله: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] بعد انتظامهما في الملائكة. وقرأ الأعمش والنخعي وعاصم في رواية عصمة «وقُمْراً» بضمة وسكون وهو جمع قَمْراء كحُمْر في حَمْرَاء، والمعنى: وذا ليال قمر منيراً، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم التفت إلى المضاف بعد حذفه فوصفه تمييزاً، ولو لم يعتبره لقال: منيرة، ونظير مراعاته بعد حذفه قول حسان:
3881 - يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمْ ... بَرَدَى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ الأصل: ماء بردى، فحذفه ثم راعاه في قوله: (يصفق) بالياء من تحت ولو لم يكن ذلك لقال: تصفق بالتاء من فوق على أن بيت حسان يحتمل أن يكون كقوله:
3882 - وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقَالَها ... مع أن ابن كيسان يجيزه سعة.
وقال بعضهم: لا يبعد أن يكون القُمْر بمعنى القَمَر كالرُّشد والرَّشد.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً﴾ الآية.
في «خِلْفَةً» وجهان: أحدهما: أنه مفعول ثان. والثاني: أنه حال بحسب القولين في «جعل» . و «خلفة» يجوز أن تكون مصدراً من خلفه يخلفه إذا جاء مكانه، وأن يكون اسم هيئة منه كالرّكبة، وأن يكون من الاختلاف.
كقوله:
3883 - وَلَهَا بِالمَاطِرُونِ إذَا ... أَكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعَا
خِلْفَةً حَتَّى إذَا ارْتَبَعتْ ... سَكَنَتْ مِنْ جِلَّقٍ بِيَعَا
في بُيُوتٍ وَسْطَ دَسْكرةٍ ... حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا
ومثله قوله زهير:
3884 - بِهَا العِيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ... وأفرد «خِلْفَةً» قال أبو البقاء: لأن المعنى يخلف أحدهما الآخر، فلا يتحقق هذا إلا منهما.
قال ابن عباس: جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه، فمن فرط في عمل في أحدهما قضاه في الآخر، جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال فاتتني الصلاة الليلة فقال: أدرك ما فاتتك من ليلتك في نهارك فإن الله عَزَّ وَجَلَّ جعل الليل والنهار خلفة.
وقال مجاهد وقتادة والكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خلفان، فقوله: «خلفة» أي مختلفين، هذا أسود، وهذا أبيض، وهذا طويل، وهذا قصير. والأول أقرب.
﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ﴾ قراءة العامة بالتشديد، وقرأ حمزة بالتخفيف، وعن أبيّ بن كعب «يتذكر» . والمعنى: لينظر الناظر في اختلافهما، فيعلم أنه لا بد في انتقالهما من حال إلى حال، من ناقل ومغير فيتعظ.
﴿أو أراد شكوراً﴾ قال مجاهد: أي شكر نعمة ربه عليه فيها. والشُّكُور بالضم مصدر شَكَرَ شُكُوراً بمعنى الشُّكر، وبالفتح صيغة مبالغة.
الفرقان 25:62
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً﴾ الآية.
لما حكى مزيد نفور الكفار عن السجود، وذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود والعبادة للرحمن فقال: ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً﴾ تقدم القول في « تَبَارَكَ» ، قال الحسن ومجاهد وقتادة ورواية عن ابن عباس البروج هي النجوم الكبار سميت بروجاً لظهورها، لأن اشتقاق البرج من التبرج وهو الظهور.
وقال عطية العوفي: البروج هي القصور العالية، لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها، وهذا أولى لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ أي: في البروج فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون قوله «فيها» راجعاً إلى السماء دون البروج؟
فالجواب: لأن البروج أقرب، فعود الضمير إليها أولى.
وروى عطاء عن ابن عباس: هي البروج الاثنا عشر.
قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً﴾ . قرأ الجمهور بالإفراد، والمراد به الشمس لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً﴾ [نوح: 16] ، ويؤيده أيضاً ذكر القمر بعده. والأخوان «سُرُجاً» بضمتين جمعاً نحو حُمُر في حِمَار، وجمع باعتبار الكواكب النيرات، وإنما ذكر القمر تشريفاً له كقوله: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] بعد انتظامهما في الملائكة. وقرأ الأعمش والنخعي وعاصم في رواية عصمة «وقُمْراً» بضمة وسكون وهو جمع قَمْراء كحُمْر في حَمْرَاء، والمعنى: وذا ليال قمر منيراً، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم التفت إلى المضاف بعد حذفه فوصفه تمييزاً، ولو لم يعتبره لقال: منيرة، ونظير مراعاته بعد حذفه قول حسان:
3881 - يَسْقُونَ مَنْ وَرَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمْ ... بَرَدَى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ الأصل: ماء بردى، فحذفه ثم راعاه في قوله: (يصفق) بالياء من تحت ولو لم يكن ذلك لقال: تصفق بالتاء من فوق على أن بيت حسان يحتمل أن يكون كقوله:
3882 - وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقَالَها ... مع أن ابن كيسان يجيزه سعة.
وقال بعضهم: لا يبعد أن يكون القُمْر بمعنى القَمَر كالرُّشد والرَّشد.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً﴾ الآية.
في «خِلْفَةً» وجهان: أحدهما: أنه مفعول ثان. والثاني: أنه حال بحسب القولين في «جعل» . و «خلفة» يجوز أن تكون مصدراً من خلفه يخلفه إذا جاء مكانه، وأن يكون اسم هيئة منه كالرّكبة، وأن يكون من الاختلاف.
كقوله:
3883 - وَلَهَا بِالمَاطِرُونِ إذَا ... أَكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعَا
خِلْفَةً حَتَّى إذَا ارْتَبَعتْ ... سَكَنَتْ مِنْ جِلَّقٍ بِيَعَا
في بُيُوتٍ وَسْطَ دَسْكرةٍ ... حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا
ومثله قوله زهير:
3884 - بِهَا العِيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ... وأفرد «خِلْفَةً» قال أبو البقاء: لأن المعنى يخلف أحدهما الآخر، فلا يتحقق هذا إلا منهما.
قال ابن عباس: جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه، فمن فرط في عمل في أحدهما قضاه في الآخر، جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال فاتتني الصلاة الليلة فقال: أدرك ما فاتتك من ليلتك في نهارك فإن الله عَزَّ وَجَلَّ جعل الليل والنهار خلفة.
وقال مجاهد وقتادة والكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خلفان، فقوله: «خلفة» أي مختلفين، هذا أسود، وهذا أبيض، وهذا طويل، وهذا قصير. والأول أقرب.
﴿لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ﴾ قراءة العامة بالتشديد، وقرأ حمزة بالتخفيف، وعن أبيّ بن كعب «يتذكر» . والمعنى: لينظر الناظر في اختلافهما، فيعلم أنه لا بد في انتقالهما من حال إلى حال، من ناقل ومغير فيتعظ.
﴿أو أراد شكوراً﴾ قال مجاهد: أي شكر نعمة ربه عليه فيها. والشُّكُور بالضم مصدر شَكَرَ شُكُوراً بمعنى الشُّكر، وبالفتح صيغة مبالغة.
الفرقان 25:63
قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ﴾ ﴿عِبَادُ الرحمن﴾ رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان:
أحدهما: الجملة الأخيرة في آخر السورة «أُولَئِكَ يُجْزَونَ» ، وبه بدأ الزمخشري و «الَّذِينَ يَمْشُونَ» وما بعده صفات للمبتدأ.
والثاني: أن الخبر «يَمْشُونَ» . والعامة على «عِبَادِ» ، [واليمانيّ بضم العين وتشديد الباء جمع عابد، والحسن «عُبُد» بضمتين.
والعامة «يَمْشُون» بالتخفيف مبنياً للفاعل] ، واليماني والسلمي بالتشديد مبنياً للمفعول.
فصل
هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل وإلا فالخلق كلهم عباد الله.
قوله: «هَوْناً» إما نعت مصدر، أي: مشياً هوناً، وأما حال أي: هَيِّنينَ، والهون: اللين والرفق، أي يمشون بالسكينة والوقار متواضعين، ولا يضربون بأقدامهم أشراً وبطراً ولا يتبخترون خيلاء. وقال الحسن: علماء حكماء.
وقال محمد ابن الحنفية: أصحاب وقار وعفّة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون﴾ يعني السفهاء بما يكرهونه «قَالُوا سَلاَماً» . قال مقاتل: قولاً يسلمون فيه من الإثم. وقيل: المعنى: لا نجاهلكم. وقيل: المراد حلمهم في مقابلة الجهل. وقال الأصم: «قَالُوا سَلاَماً» أي: سلام توديع لا محبة، كقول إبراهيم - عليه السلام - لأبيه: «سَلاَمٌ عَلَيْكَ» .
قال الكلبي وأبو العالية: نسختها آية القتال.
قوله: «سَلاَماً» يجوز أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر أي: نسلم سلاماً أو نسلم تسليماً منكم لا نجاهلكم فأقيم السلام مقام التسليم، ويجوز أن ينتصب على المفعول به، أي: قالوا هذا اللفظ، قال الزمخشري: أي قالوا سداداً من القول يسلمون فيه من الأذى، والمراد سلامتهم من السفه، كقوله:
3885 - أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا
ورجح سيبويه أن المراد بالسلام السلامة لا التسليم، لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالتسليم على الكفرة، وإنما أمروا بالمسالمة، ثم نسخ ذلك، ولم يذكر سيبويه نسخاً إلا في هذه الآية.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ . لما ذكر وصفهم بالنهار من وجهين:
أحدهما: ترك الإيذاء بقوله: ﴿يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ .
والثاني: تحمل الإيذاء بقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ شرح صفتهم في الليل. قال الزجاج: كل من أدركه الليل قيل: بات وإن لم ينم كما يقال: بات فلان قلقاً. والمعنى يبيتون لربهم سجداً على وجوههم، وقياماً على أقدامهم قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء ركعتين فقد بات ساجداً وقائماً. وروى عثمان بن عفان قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة» .
قوله: «سُجَّداً» خبر «يَبِيتُون» ، ويضعف أن تكون تامة.
أي: دخلوا في البيات، و «سُجَّداً» حال و «لِرَبِّهِمْ» متعلق ب «سُجَّداً» . وقدم السجود على القيام وإن كان بعده في الفعل، لاتفاق الفواصل. و «سُجَّداً» جمع ساجد كضُرَّاب في ضارب.
وقرأ أبو البرهسيم «سُجُوداً» بزنة قعود، ويبيت هي اللغة الفاشية، وأزد السَّراة وبجيلة يقولون: يبات، وهي لغة العوام اليوم.
قوله: ﴿والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا اصرف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ . قال ابن عباس: يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول.
قوله: «غَرَاماً» أي: لازماً دائماً، وعن الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلاّ غريم جهنم. وأنشد بشر بن أبي خازم: 3886 - وَيَومَ النِّسَار وَيَوْمَ الجِفَا ... رِ كَانَا عَذَاباً وَكَانَ غرَاما
وقول الأعشى:
3887 - إن يُعَاقِبْ يَكُنْ غَرَاماً وإن يُعْ ... طِ جَزِيلاً فإنَّهُ لاَ يُبَالِي
ف (غَرَاماً) بمعنى شر لازم، وقيل: خسراناً ملحّاً لازماً، ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، ويقال: فلان مغرم بالنساء، إذا كان مولعاً بهن، وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الوجع.
قوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ . يجوز أن تكون «ساءت» بمعنى أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة المفعول، وهو هنا محذوف، أي: أنها يعني جهنم أحزنت صحابها و «مُسْتَقرًّا» يجوز أن تكون تمييزاً وأن تكون حالاً.
ويجوز أن تكون «سَاءَتْ» بمعنى بئست، فتعطي حكمها، ويكون المخصوص بالذم محذوفاً، وفي «ساءت» ضمير مبهم يفسره مستقر و «مستقراً» يتعين أن يكون تمييزاً، أي: سَاءَتْ هي، فهي مخصوص وهو الرابط بين هذه الجملة وبين مَا وَقَعَتْ خبراً عنه، وهو «إنَّها كذا قدَّره أبو حيان، وقال أبو البقاء:» مُسْتَقَرًّا» تمييز، و «سَاءَتْ» بمعنى بئْسَ. فإن قيل: يلزم من هذا إشكال، وذلك أنه يلزم تأنيث فعل الفاعل المذكَّر من غير مسوِّغ لذلك، فإنَّ الفاعل في «سَاءَتْ» على هذا يكون ضميراً عائداً على ما بعده، وهو «مُسْتَقَرًّا وَمُقَاماً» ، وهما مذكران، فن أين جاء التأنيث؟
والجواب: أن المستقرَّ عبارة عن جهنَّم فلذلك جاز تأنيث فعله، ومثله قوله: 3888 - أَوْ حُرَّةٌ عَيْطَلٌ ثَيْجَاءَ مُجْفَرَةٍ ... دَعَائِمَ الزَّوْرِ نِعْمَتْ زَوْرَقُ البَلَدِ
و «مُسْتَقرًّا وَمُقَاماً» قيل: مترادفان، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف لفظيهما. وقيل: بل هما مختلفا المعنى، فالمستقرُّ للعصاة، فإنهم يخرجون، والمقام للكُفَّار فإنهم مخلدون. فإن قيل: إنهم سألوا الله أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين: إحداهما: أن عذابها كان غراماً. والثانية: أنها ساءت مستقراً ومقاماً فما الفرق بين الوجهين؟
فالجواب: قال المتكلمون: عقاب الكافر يجب أن يكون مضرّة خالصة عن شوائب النفع (دائمة، فقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ إشارة إلى كونه مضرّة خالصة عن شوائب النفع) وقوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ إشارة إلى كونه دائماً، فحصلت المغايرة.
وقرأت فرقة «مَقَاماً» بفتح الميم، أي: مكان قيام.
وقراءة العامة هي المطابقة للمعنى، أي: مكان إقامة وثُوِيٍّ.
وقوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً﴾ يحتمل أن يكون من كلامهم، فتكون منصوبة المحل بالقول، وأن يكون من كلام الله تعالى.
قوله: ﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ .
قرأ الكوفيون بفتح الياء وضم التاء من يَقْتُرُوا، وابن كثير وأبو عمرو بالفتح والكسر، ونافع وابن عامر بالضم والكسر من أقتر، وعليه ﴿وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وأنكر أبو حاتم أقْتَرَ، وقال: لا يناسب هنا، فإن أَقْتَرَ بمعنى افتقر، ومنه ﴿وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وردَّ عليه بأن الأصمعي وغيره حكوا أَقْتَرَ بمعنى ضَيَّقَ. وقرأ العلاء بن سيابة واليزيدي بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء مشددة من قَتَّر بمعنى ضيَّق، وكلها لغات، والقَتْر والإقْتَار والتَّقْتير (التضييق الذي هو نقيض) الإسراف، والإسراف مجاوزة الحد في النفقة.
فصل
المراد من الآية القصد بين الغلو والتقصير، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ [الإسراء: 29] . وسأل ابن الورد بعض العلماء ما البناء الذي لا سَرَف فيه؟ قال: ما سترك عن الشمس، وأكنَّك من المطر. وقال له ما الطعام الذي لا سرف فيه؟ فقال: ما سد الجوعة، وقال له في اللباس: ما ستر عورتك وأدفأك من البرد.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: الإسراف في النفقة في معصية الله تعالى، والإقتار: منع حق الله تعالى.
قال مجاهد: لو أنفق الرجل مثل (أبي) قبيس ذهباً في طاعة الله لم يكن مسرفاً. وأنشدوا:
3889 - ذِهَابَ المَالِ في حَمْدٍ وَأَجْرٍ ... ذِهَابٌ لاَ يُقَالُ لَهُ ذِهَابُ
وقيل: السرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع وإن كان من حلال، لأنه يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ في اسم «كان» وجهان:
أشهرهما: أنه ضمير يعود على الإنفاق المفهوم من قوله «أَنْفَقُوا» . أي: وكان إِنْفَاقهم مستوياً قصداً لا إسرافاً ولا تقتيراً، وفي خبرها وجهان:
أحدهما: هو «قَوَاماً» و «بَيْنَ ذَلِكَ» إما معمول له، وإما ل «كان» عند من يرى إعمالها في الظرف، وإما المحذوف على أنه حال من «قَوَاماً» ، ويجوز أن يكون ﴿بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ ، خبرين ل «كان» عند من يرى ذلك، وهم الجمهور خلافاً لابن درستويه.
والثاني: أن الخبر «بَيْنَ ذَلِكَ» و «قَوَاماً» حال مؤكدة.
والثاني من الوجهين الأولين: أن يكون اسمها «بَيْنَ ذَلِكَ» وبُنِيَ لإضافته إلى غير متمكنٍ، و «قَوَاماً» خبرها قاله الفراء. قال الزمخشري: وهو من جهة الإعراب لا بأس به (ولكنه من جهة المعنى) ليس بقوي؛ لأن ما بين الإسراف والتقتير قَوامٌ لا محالة فليس في الخبر الذي هو مُعْتَمَدُ الفائدة فائدةٌ.
قال شهاب الدين: وهو يشبه قولك: كان سيِّد الجارية مالكها. قال ثعلب: القوام - بالفتح - (العدل والاستقامة، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر.
وقال الزمخشري: القوام) العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، وبالكسر ما يقام به الشيء لا يفضل عنه ولا ينقص. وقرأ حسان بن عبد الرحمن «قِوَاماً» يكسر القاف، فقيل: هما بمعنى، وقيل: بالكسر اسم ما يقام به الشيء وقيل: بمعنى سداداً وملاكاً.
الفرقان 25:64
قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ﴾ ﴿عِبَادُ الرحمن﴾ رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان:
أحدهما: الجملة الأخيرة في آخر السورة «أُولَئِكَ يُجْزَونَ» ، وبه بدأ الزمخشري و «الَّذِينَ يَمْشُونَ» وما بعده صفات للمبتدأ.
والثاني: أن الخبر «يَمْشُونَ» . والعامة على «عِبَادِ» ، [واليمانيّ بضم العين وتشديد الباء جمع عابد، والحسن «عُبُد» بضمتين.
والعامة «يَمْشُون» بالتخفيف مبنياً للفاعل] ، واليماني والسلمي بالتشديد مبنياً للمفعول.
فصل
هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل وإلا فالخلق كلهم عباد الله.
قوله: «هَوْناً» إما نعت مصدر، أي: مشياً هوناً، وأما حال أي: هَيِّنينَ، والهون: اللين والرفق، أي يمشون بالسكينة والوقار متواضعين، ولا يضربون بأقدامهم أشراً وبطراً ولا يتبخترون خيلاء. وقال الحسن: علماء حكماء.
وقال محمد ابن الحنفية: أصحاب وقار وعفّة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون﴾ يعني السفهاء بما يكرهونه «قَالُوا سَلاَماً» . قال مقاتل: قولاً يسلمون فيه من الإثم. وقيل: المعنى: لا نجاهلكم. وقيل: المراد حلمهم في مقابلة الجهل. وقال الأصم: «قَالُوا سَلاَماً» أي: سلام توديع لا محبة، كقول إبراهيم - عليه السلام - لأبيه: «سَلاَمٌ عَلَيْكَ» .
قال الكلبي وأبو العالية: نسختها آية القتال.
قوله: «سَلاَماً» يجوز أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر أي: نسلم سلاماً أو نسلم تسليماً منكم لا نجاهلكم فأقيم السلام مقام التسليم، ويجوز أن ينتصب على المفعول به، أي: قالوا هذا اللفظ، قال الزمخشري: أي قالوا سداداً من القول يسلمون فيه من الأذى، والمراد سلامتهم من السفه، كقوله:
3885 - أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا
ورجح سيبويه أن المراد بالسلام السلامة لا التسليم، لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالتسليم على الكفرة، وإنما أمروا بالمسالمة، ثم نسخ ذلك، ولم يذكر سيبويه نسخاً إلا في هذه الآية.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ . لما ذكر وصفهم بالنهار من وجهين:
أحدهما: ترك الإيذاء بقوله: ﴿يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ .
والثاني: تحمل الإيذاء بقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ شرح صفتهم في الليل. قال الزجاج: كل من أدركه الليل قيل: بات وإن لم ينم كما يقال: بات فلان قلقاً. والمعنى يبيتون لربهم سجداً على وجوههم، وقياماً على أقدامهم قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء ركعتين فقد بات ساجداً وقائماً. وروى عثمان بن عفان قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة» .
قوله: «سُجَّداً» خبر «يَبِيتُون» ، ويضعف أن تكون تامة.
أي: دخلوا في البيات، و «سُجَّداً» حال و «لِرَبِّهِمْ» متعلق ب «سُجَّداً» . وقدم السجود على القيام وإن كان بعده في الفعل، لاتفاق الفواصل. و «سُجَّداً» جمع ساجد كضُرَّاب في ضارب.
وقرأ أبو البرهسيم «سُجُوداً» بزنة قعود، ويبيت هي اللغة الفاشية، وأزد السَّراة وبجيلة يقولون: يبات، وهي لغة العوام اليوم.
قوله: ﴿والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا اصرف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ . قال ابن عباس: يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول.
قوله: «غَرَاماً» أي: لازماً دائماً، وعن الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلاّ غريم جهنم. وأنشد بشر بن أبي خازم: 3886 - وَيَومَ النِّسَار وَيَوْمَ الجِفَا ... رِ كَانَا عَذَاباً وَكَانَ غرَاما
وقول الأعشى:
3887 - إن يُعَاقِبْ يَكُنْ غَرَاماً وإن يُعْ ... طِ جَزِيلاً فإنَّهُ لاَ يُبَالِي
ف (غَرَاماً) بمعنى شر لازم، وقيل: خسراناً ملحّاً لازماً، ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، ويقال: فلان مغرم بالنساء، إذا كان مولعاً بهن، وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الوجع.
قوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ . يجوز أن تكون «ساءت» بمعنى أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة المفعول، وهو هنا محذوف، أي: أنها يعني جهنم أحزنت صحابها و «مُسْتَقرًّا» يجوز أن تكون تمييزاً وأن تكون حالاً.
ويجوز أن تكون «سَاءَتْ» بمعنى بئست، فتعطي حكمها، ويكون المخصوص بالذم محذوفاً، وفي «ساءت» ضمير مبهم يفسره مستقر و «مستقراً» يتعين أن يكون تمييزاً، أي: سَاءَتْ هي، فهي مخصوص وهو الرابط بين هذه الجملة وبين مَا وَقَعَتْ خبراً عنه، وهو «إنَّها كذا قدَّره أبو حيان، وقال أبو البقاء:» مُسْتَقَرًّا» تمييز، و «سَاءَتْ» بمعنى بئْسَ. فإن قيل: يلزم من هذا إشكال، وذلك أنه يلزم تأنيث فعل الفاعل المذكَّر من غير مسوِّغ لذلك، فإنَّ الفاعل في «سَاءَتْ» على هذا يكون ضميراً عائداً على ما بعده، وهو «مُسْتَقَرًّا وَمُقَاماً» ، وهما مذكران، فن أين جاء التأنيث؟
والجواب: أن المستقرَّ عبارة عن جهنَّم فلذلك جاز تأنيث فعله، ومثله قوله: 3888 - أَوْ حُرَّةٌ عَيْطَلٌ ثَيْجَاءَ مُجْفَرَةٍ ... دَعَائِمَ الزَّوْرِ نِعْمَتْ زَوْرَقُ البَلَدِ
و «مُسْتَقرًّا وَمُقَاماً» قيل: مترادفان، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف لفظيهما. وقيل: بل هما مختلفا المعنى، فالمستقرُّ للعصاة، فإنهم يخرجون، والمقام للكُفَّار فإنهم مخلدون. فإن قيل: إنهم سألوا الله أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين: إحداهما: أن عذابها كان غراماً. والثانية: أنها ساءت مستقراً ومقاماً فما الفرق بين الوجهين؟
فالجواب: قال المتكلمون: عقاب الكافر يجب أن يكون مضرّة خالصة عن شوائب النفع (دائمة، فقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ إشارة إلى كونه مضرّة خالصة عن شوائب النفع) وقوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ إشارة إلى كونه دائماً، فحصلت المغايرة.
وقرأت فرقة «مَقَاماً» بفتح الميم، أي: مكان قيام.
وقراءة العامة هي المطابقة للمعنى، أي: مكان إقامة وثُوِيٍّ.
وقوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً﴾ يحتمل أن يكون من كلامهم، فتكون منصوبة المحل بالقول، وأن يكون من كلام الله تعالى.
قوله: ﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ .
قرأ الكوفيون بفتح الياء وضم التاء من يَقْتُرُوا، وابن كثير وأبو عمرو بالفتح والكسر، ونافع وابن عامر بالضم والكسر من أقتر، وعليه ﴿وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وأنكر أبو حاتم أقْتَرَ، وقال: لا يناسب هنا، فإن أَقْتَرَ بمعنى افتقر، ومنه ﴿وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وردَّ عليه بأن الأصمعي وغيره حكوا أَقْتَرَ بمعنى ضَيَّقَ. وقرأ العلاء بن سيابة واليزيدي بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء مشددة من قَتَّر بمعنى ضيَّق، وكلها لغات، والقَتْر والإقْتَار والتَّقْتير (التضييق الذي هو نقيض) الإسراف، والإسراف مجاوزة الحد في النفقة.
فصل
المراد من الآية القصد بين الغلو والتقصير، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ [الإسراء: 29] . وسأل ابن الورد بعض العلماء ما البناء الذي لا سَرَف فيه؟ قال: ما سترك عن الشمس، وأكنَّك من المطر. وقال له ما الطعام الذي لا سرف فيه؟ فقال: ما سد الجوعة، وقال له في اللباس: ما ستر عورتك وأدفأك من البرد.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: الإسراف في النفقة في معصية الله تعالى، والإقتار: منع حق الله تعالى.
قال مجاهد: لو أنفق الرجل مثل (أبي) قبيس ذهباً في طاعة الله لم يكن مسرفاً. وأنشدوا:
3889 - ذِهَابَ المَالِ في حَمْدٍ وَأَجْرٍ ... ذِهَابٌ لاَ يُقَالُ لَهُ ذِهَابُ
وقيل: السرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع وإن كان من حلال، لأنه يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ في اسم «كان» وجهان:
أشهرهما: أنه ضمير يعود على الإنفاق المفهوم من قوله «أَنْفَقُوا» . أي: وكان إِنْفَاقهم مستوياً قصداً لا إسرافاً ولا تقتيراً، وفي خبرها وجهان:
أحدهما: هو «قَوَاماً» و «بَيْنَ ذَلِكَ» إما معمول له، وإما ل «كان» عند من يرى إعمالها في الظرف، وإما المحذوف على أنه حال من «قَوَاماً» ، ويجوز أن يكون ﴿بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ ، خبرين ل «كان» عند من يرى ذلك، وهم الجمهور خلافاً لابن درستويه.
والثاني: أن الخبر «بَيْنَ ذَلِكَ» و «قَوَاماً» حال مؤكدة.
والثاني من الوجهين الأولين: أن يكون اسمها «بَيْنَ ذَلِكَ» وبُنِيَ لإضافته إلى غير متمكنٍ، و «قَوَاماً» خبرها قاله الفراء. قال الزمخشري: وهو من جهة الإعراب لا بأس به (ولكنه من جهة المعنى) ليس بقوي؛ لأن ما بين الإسراف والتقتير قَوامٌ لا محالة فليس في الخبر الذي هو مُعْتَمَدُ الفائدة فائدةٌ.
قال شهاب الدين: وهو يشبه قولك: كان سيِّد الجارية مالكها. قال ثعلب: القوام - بالفتح - (العدل والاستقامة، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر.
وقال الزمخشري: القوام) العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، وبالكسر ما يقام به الشيء لا يفضل عنه ولا ينقص. وقرأ حسان بن عبد الرحمن «قِوَاماً» يكسر القاف، فقيل: هما بمعنى، وقيل: بالكسر اسم ما يقام به الشيء وقيل: بمعنى سداداً وملاكاً.
الفرقان 25:65
قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ﴾ ﴿عِبَادُ الرحمن﴾ رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان:
أحدهما: الجملة الأخيرة في آخر السورة «أُولَئِكَ يُجْزَونَ» ، وبه بدأ الزمخشري و «الَّذِينَ يَمْشُونَ» وما بعده صفات للمبتدأ.
والثاني: أن الخبر «يَمْشُونَ» . والعامة على «عِبَادِ» ، [واليمانيّ بضم العين وتشديد الباء جمع عابد، والحسن «عُبُد» بضمتين.
والعامة «يَمْشُون» بالتخفيف مبنياً للفاعل] ، واليماني والسلمي بالتشديد مبنياً للمفعول.
فصل
هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل وإلا فالخلق كلهم عباد الله.
قوله: «هَوْناً» إما نعت مصدر، أي: مشياً هوناً، وأما حال أي: هَيِّنينَ، والهون: اللين والرفق، أي يمشون بالسكينة والوقار متواضعين، ولا يضربون بأقدامهم أشراً وبطراً ولا يتبخترون خيلاء. وقال الحسن: علماء حكماء.
وقال محمد ابن الحنفية: أصحاب وقار وعفّة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون﴾ يعني السفهاء بما يكرهونه «قَالُوا سَلاَماً» . قال مقاتل: قولاً يسلمون فيه من الإثم. وقيل: المعنى: لا نجاهلكم. وقيل: المراد حلمهم في مقابلة الجهل. وقال الأصم: «قَالُوا سَلاَماً» أي: سلام توديع لا محبة، كقول إبراهيم - عليه السلام - لأبيه: «سَلاَمٌ عَلَيْكَ» .
قال الكلبي وأبو العالية: نسختها آية القتال.
قوله: «سَلاَماً» يجوز أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر أي: نسلم سلاماً أو نسلم تسليماً منكم لا نجاهلكم فأقيم السلام مقام التسليم، ويجوز أن ينتصب على المفعول به، أي: قالوا هذا اللفظ، قال الزمخشري: أي قالوا سداداً من القول يسلمون فيه من الأذى، والمراد سلامتهم من السفه، كقوله:
3885 - أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا
ورجح سيبويه أن المراد بالسلام السلامة لا التسليم، لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالتسليم على الكفرة، وإنما أمروا بالمسالمة، ثم نسخ ذلك، ولم يذكر سيبويه نسخاً إلا في هذه الآية.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ . لما ذكر وصفهم بالنهار من وجهين:
أحدهما: ترك الإيذاء بقوله: ﴿يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ .
والثاني: تحمل الإيذاء بقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ شرح صفتهم في الليل. قال الزجاج: كل من أدركه الليل قيل: بات وإن لم ينم كما يقال: بات فلان قلقاً. والمعنى يبيتون لربهم سجداً على وجوههم، وقياماً على أقدامهم قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء ركعتين فقد بات ساجداً وقائماً. وروى عثمان بن عفان قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة» .
قوله: «سُجَّداً» خبر «يَبِيتُون» ، ويضعف أن تكون تامة.
أي: دخلوا في البيات، و «سُجَّداً» حال و «لِرَبِّهِمْ» متعلق ب «سُجَّداً» . وقدم السجود على القيام وإن كان بعده في الفعل، لاتفاق الفواصل. و «سُجَّداً» جمع ساجد كضُرَّاب في ضارب.
وقرأ أبو البرهسيم «سُجُوداً» بزنة قعود، ويبيت هي اللغة الفاشية، وأزد السَّراة وبجيلة يقولون: يبات، وهي لغة العوام اليوم.
قوله: ﴿والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا اصرف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ . قال ابن عباس: يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول.
قوله: «غَرَاماً» أي: لازماً دائماً، وعن الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلاّ غريم جهنم. وأنشد بشر بن أبي خازم: 3886 - وَيَومَ النِّسَار وَيَوْمَ الجِفَا ... رِ كَانَا عَذَاباً وَكَانَ غرَاما
وقول الأعشى:
3887 - إن يُعَاقِبْ يَكُنْ غَرَاماً وإن يُعْ ... طِ جَزِيلاً فإنَّهُ لاَ يُبَالِي
ف (غَرَاماً) بمعنى شر لازم، وقيل: خسراناً ملحّاً لازماً، ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، ويقال: فلان مغرم بالنساء، إذا كان مولعاً بهن، وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الوجع.
قوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ . يجوز أن تكون «ساءت» بمعنى أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة المفعول، وهو هنا محذوف، أي: أنها يعني جهنم أحزنت صحابها و «مُسْتَقرًّا» يجوز أن تكون تمييزاً وأن تكون حالاً.
ويجوز أن تكون «سَاءَتْ» بمعنى بئست، فتعطي حكمها، ويكون المخصوص بالذم محذوفاً، وفي «ساءت» ضمير مبهم يفسره مستقر و «مستقراً» يتعين أن يكون تمييزاً، أي: سَاءَتْ هي، فهي مخصوص وهو الرابط بين هذه الجملة وبين مَا وَقَعَتْ خبراً عنه، وهو «إنَّها كذا قدَّره أبو حيان، وقال أبو البقاء:» مُسْتَقَرًّا» تمييز، و «سَاءَتْ» بمعنى بئْسَ. فإن قيل: يلزم من هذا إشكال، وذلك أنه يلزم تأنيث فعل الفاعل المذكَّر من غير مسوِّغ لذلك، فإنَّ الفاعل في «سَاءَتْ» على هذا يكون ضميراً عائداً على ما بعده، وهو «مُسْتَقَرًّا وَمُقَاماً» ، وهما مذكران، فن أين جاء التأنيث؟
والجواب: أن المستقرَّ عبارة عن جهنَّم فلذلك جاز تأنيث فعله، ومثله قوله: 3888 - أَوْ حُرَّةٌ عَيْطَلٌ ثَيْجَاءَ مُجْفَرَةٍ ... دَعَائِمَ الزَّوْرِ نِعْمَتْ زَوْرَقُ البَلَدِ
و «مُسْتَقرًّا وَمُقَاماً» قيل: مترادفان، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف لفظيهما. وقيل: بل هما مختلفا المعنى، فالمستقرُّ للعصاة، فإنهم يخرجون، والمقام للكُفَّار فإنهم مخلدون. فإن قيل: إنهم سألوا الله أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين: إحداهما: أن عذابها كان غراماً. والثانية: أنها ساءت مستقراً ومقاماً فما الفرق بين الوجهين؟
فالجواب: قال المتكلمون: عقاب الكافر يجب أن يكون مضرّة خالصة عن شوائب النفع (دائمة، فقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ إشارة إلى كونه مضرّة خالصة عن شوائب النفع) وقوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ إشارة إلى كونه دائماً، فحصلت المغايرة.
وقرأت فرقة «مَقَاماً» بفتح الميم، أي: مكان قيام.
وقراءة العامة هي المطابقة للمعنى، أي: مكان إقامة وثُوِيٍّ.
وقوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً﴾ يحتمل أن يكون من كلامهم، فتكون منصوبة المحل بالقول، وأن يكون من كلام الله تعالى.
قوله: ﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ .
قرأ الكوفيون بفتح الياء وضم التاء من يَقْتُرُوا، وابن كثير وأبو عمرو بالفتح والكسر، ونافع وابن عامر بالضم والكسر من أقتر، وعليه ﴿وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وأنكر أبو حاتم أقْتَرَ، وقال: لا يناسب هنا، فإن أَقْتَرَ بمعنى افتقر، ومنه ﴿وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وردَّ عليه بأن الأصمعي وغيره حكوا أَقْتَرَ بمعنى ضَيَّقَ. وقرأ العلاء بن سيابة واليزيدي بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء مشددة من قَتَّر بمعنى ضيَّق، وكلها لغات، والقَتْر والإقْتَار والتَّقْتير (التضييق الذي هو نقيض) الإسراف، والإسراف مجاوزة الحد في النفقة.
فصل
المراد من الآية القصد بين الغلو والتقصير، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ [الإسراء: 29] . وسأل ابن الورد بعض العلماء ما البناء الذي لا سَرَف فيه؟ قال: ما سترك عن الشمس، وأكنَّك من المطر. وقال له ما الطعام الذي لا سرف فيه؟ فقال: ما سد الجوعة، وقال له في اللباس: ما ستر عورتك وأدفأك من البرد.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: الإسراف في النفقة في معصية الله تعالى، والإقتار: منع حق الله تعالى.
قال مجاهد: لو أنفق الرجل مثل (أبي) قبيس ذهباً في طاعة الله لم يكن مسرفاً. وأنشدوا:
3889 - ذِهَابَ المَالِ في حَمْدٍ وَأَجْرٍ ... ذِهَابٌ لاَ يُقَالُ لَهُ ذِهَابُ
وقيل: السرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع وإن كان من حلال، لأنه يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ في اسم «كان» وجهان:
أشهرهما: أنه ضمير يعود على الإنفاق المفهوم من قوله «أَنْفَقُوا» . أي: وكان إِنْفَاقهم مستوياً قصداً لا إسرافاً ولا تقتيراً، وفي خبرها وجهان:
أحدهما: هو «قَوَاماً» و «بَيْنَ ذَلِكَ» إما معمول له، وإما ل «كان» عند من يرى إعمالها في الظرف، وإما المحذوف على أنه حال من «قَوَاماً» ، ويجوز أن يكون ﴿بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ ، خبرين ل «كان» عند من يرى ذلك، وهم الجمهور خلافاً لابن درستويه.
والثاني: أن الخبر «بَيْنَ ذَلِكَ» و «قَوَاماً» حال مؤكدة.
والثاني من الوجهين الأولين: أن يكون اسمها «بَيْنَ ذَلِكَ» وبُنِيَ لإضافته إلى غير متمكنٍ، و «قَوَاماً» خبرها قاله الفراء. قال الزمخشري: وهو من جهة الإعراب لا بأس به (ولكنه من جهة المعنى) ليس بقوي؛ لأن ما بين الإسراف والتقتير قَوامٌ لا محالة فليس في الخبر الذي هو مُعْتَمَدُ الفائدة فائدةٌ.
قال شهاب الدين: وهو يشبه قولك: كان سيِّد الجارية مالكها. قال ثعلب: القوام - بالفتح - (العدل والاستقامة، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر.
وقال الزمخشري: القوام) العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، وبالكسر ما يقام به الشيء لا يفضل عنه ولا ينقص. وقرأ حسان بن عبد الرحمن «قِوَاماً» يكسر القاف، فقيل: هما بمعنى، وقيل: بالكسر اسم ما يقام به الشيء وقيل: بمعنى سداداً وملاكاً.
الفرقان 25:66
قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ﴾ ﴿عِبَادُ الرحمن﴾ رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان:
أحدهما: الجملة الأخيرة في آخر السورة «أُولَئِكَ يُجْزَونَ» ، وبه بدأ الزمخشري و «الَّذِينَ يَمْشُونَ» وما بعده صفات للمبتدأ.
والثاني: أن الخبر «يَمْشُونَ» . والعامة على «عِبَادِ» ، [واليمانيّ بضم العين وتشديد الباء جمع عابد، والحسن «عُبُد» بضمتين.
والعامة «يَمْشُون» بالتخفيف مبنياً للفاعل] ، واليماني والسلمي بالتشديد مبنياً للمفعول.
فصل
هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل وإلا فالخلق كلهم عباد الله.
قوله: «هَوْناً» إما نعت مصدر، أي: مشياً هوناً، وأما حال أي: هَيِّنينَ، والهون: اللين والرفق، أي يمشون بالسكينة والوقار متواضعين، ولا يضربون بأقدامهم أشراً وبطراً ولا يتبخترون خيلاء. وقال الحسن: علماء حكماء.
وقال محمد ابن الحنفية: أصحاب وقار وعفّة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون﴾ يعني السفهاء بما يكرهونه «قَالُوا سَلاَماً» . قال مقاتل: قولاً يسلمون فيه من الإثم. وقيل: المعنى: لا نجاهلكم. وقيل: المراد حلمهم في مقابلة الجهل. وقال الأصم: «قَالُوا سَلاَماً» أي: سلام توديع لا محبة، كقول إبراهيم - عليه السلام - لأبيه: «سَلاَمٌ عَلَيْكَ» .
قال الكلبي وأبو العالية: نسختها آية القتال.
قوله: «سَلاَماً» يجوز أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر أي: نسلم سلاماً أو نسلم تسليماً منكم لا نجاهلكم فأقيم السلام مقام التسليم، ويجوز أن ينتصب على المفعول به، أي: قالوا هذا اللفظ، قال الزمخشري: أي قالوا سداداً من القول يسلمون فيه من الأذى، والمراد سلامتهم من السفه، كقوله:
3885 - أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا
ورجح سيبويه أن المراد بالسلام السلامة لا التسليم، لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالتسليم على الكفرة، وإنما أمروا بالمسالمة، ثم نسخ ذلك، ولم يذكر سيبويه نسخاً إلا في هذه الآية.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ . لما ذكر وصفهم بالنهار من وجهين:
أحدهما: ترك الإيذاء بقوله: ﴿يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ .
والثاني: تحمل الإيذاء بقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ شرح صفتهم في الليل. قال الزجاج: كل من أدركه الليل قيل: بات وإن لم ينم كما يقال: بات فلان قلقاً. والمعنى يبيتون لربهم سجداً على وجوههم، وقياماً على أقدامهم قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء ركعتين فقد بات ساجداً وقائماً. وروى عثمان بن عفان قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة» .
قوله: «سُجَّداً» خبر «يَبِيتُون» ، ويضعف أن تكون تامة.
أي: دخلوا في البيات، و «سُجَّداً» حال و «لِرَبِّهِمْ» متعلق ب «سُجَّداً» . وقدم السجود على القيام وإن كان بعده في الفعل، لاتفاق الفواصل. و «سُجَّداً» جمع ساجد كضُرَّاب في ضارب.
وقرأ أبو البرهسيم «سُجُوداً» بزنة قعود، ويبيت هي اللغة الفاشية، وأزد السَّراة وبجيلة يقولون: يبات، وهي لغة العوام اليوم.
قوله: ﴿والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا اصرف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ . قال ابن عباس: يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول.
قوله: «غَرَاماً» أي: لازماً دائماً، وعن الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلاّ غريم جهنم. وأنشد بشر بن أبي خازم: 3886 - وَيَومَ النِّسَار وَيَوْمَ الجِفَا ... رِ كَانَا عَذَاباً وَكَانَ غرَاما
وقول الأعشى:
3887 - إن يُعَاقِبْ يَكُنْ غَرَاماً وإن يُعْ ... طِ جَزِيلاً فإنَّهُ لاَ يُبَالِي
ف (غَرَاماً) بمعنى شر لازم، وقيل: خسراناً ملحّاً لازماً، ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، ويقال: فلان مغرم بالنساء، إذا كان مولعاً بهن، وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الوجع.
قوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ . يجوز أن تكون «ساءت» بمعنى أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة المفعول، وهو هنا محذوف، أي: أنها يعني جهنم أحزنت صحابها و «مُسْتَقرًّا» يجوز أن تكون تمييزاً وأن تكون حالاً.
ويجوز أن تكون «سَاءَتْ» بمعنى بئست، فتعطي حكمها، ويكون المخصوص بالذم محذوفاً، وفي «ساءت» ضمير مبهم يفسره مستقر و «مستقراً» يتعين أن يكون تمييزاً، أي: سَاءَتْ هي، فهي مخصوص وهو الرابط بين هذه الجملة وبين مَا وَقَعَتْ خبراً عنه، وهو «إنَّها كذا قدَّره أبو حيان، وقال أبو البقاء:» مُسْتَقَرًّا» تمييز، و «سَاءَتْ» بمعنى بئْسَ. فإن قيل: يلزم من هذا إشكال، وذلك أنه يلزم تأنيث فعل الفاعل المذكَّر من غير مسوِّغ لذلك، فإنَّ الفاعل في «سَاءَتْ» على هذا يكون ضميراً عائداً على ما بعده، وهو «مُسْتَقَرًّا وَمُقَاماً» ، وهما مذكران، فن أين جاء التأنيث؟
والجواب: أن المستقرَّ عبارة عن جهنَّم فلذلك جاز تأنيث فعله، ومثله قوله: 3888 - أَوْ حُرَّةٌ عَيْطَلٌ ثَيْجَاءَ مُجْفَرَةٍ ... دَعَائِمَ الزَّوْرِ نِعْمَتْ زَوْرَقُ البَلَدِ
و «مُسْتَقرًّا وَمُقَاماً» قيل: مترادفان، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف لفظيهما. وقيل: بل هما مختلفا المعنى، فالمستقرُّ للعصاة، فإنهم يخرجون، والمقام للكُفَّار فإنهم مخلدون. فإن قيل: إنهم سألوا الله أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين: إحداهما: أن عذابها كان غراماً. والثانية: أنها ساءت مستقراً ومقاماً فما الفرق بين الوجهين؟
فالجواب: قال المتكلمون: عقاب الكافر يجب أن يكون مضرّة خالصة عن شوائب النفع (دائمة، فقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ إشارة إلى كونه مضرّة خالصة عن شوائب النفع) وقوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ إشارة إلى كونه دائماً، فحصلت المغايرة.
وقرأت فرقة «مَقَاماً» بفتح الميم، أي: مكان قيام.
وقراءة العامة هي المطابقة للمعنى، أي: مكان إقامة وثُوِيٍّ.
وقوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً﴾ يحتمل أن يكون من كلامهم، فتكون منصوبة المحل بالقول، وأن يكون من كلام الله تعالى.
قوله: ﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ .
قرأ الكوفيون بفتح الياء وضم التاء من يَقْتُرُوا، وابن كثير وأبو عمرو بالفتح والكسر، ونافع وابن عامر بالضم والكسر من أقتر، وعليه ﴿وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وأنكر أبو حاتم أقْتَرَ، وقال: لا يناسب هنا، فإن أَقْتَرَ بمعنى افتقر، ومنه ﴿وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وردَّ عليه بأن الأصمعي وغيره حكوا أَقْتَرَ بمعنى ضَيَّقَ. وقرأ العلاء بن سيابة واليزيدي بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء مشددة من قَتَّر بمعنى ضيَّق، وكلها لغات، والقَتْر والإقْتَار والتَّقْتير (التضييق الذي هو نقيض) الإسراف، والإسراف مجاوزة الحد في النفقة.
فصل
المراد من الآية القصد بين الغلو والتقصير، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ [الإسراء: 29] . وسأل ابن الورد بعض العلماء ما البناء الذي لا سَرَف فيه؟ قال: ما سترك عن الشمس، وأكنَّك من المطر. وقال له ما الطعام الذي لا سرف فيه؟ فقال: ما سد الجوعة، وقال له في اللباس: ما ستر عورتك وأدفأك من البرد.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: الإسراف في النفقة في معصية الله تعالى، والإقتار: منع حق الله تعالى.
قال مجاهد: لو أنفق الرجل مثل (أبي) قبيس ذهباً في طاعة الله لم يكن مسرفاً. وأنشدوا:
3889 - ذِهَابَ المَالِ في حَمْدٍ وَأَجْرٍ ... ذِهَابٌ لاَ يُقَالُ لَهُ ذِهَابُ
وقيل: السرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع وإن كان من حلال، لأنه يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ في اسم «كان» وجهان:
أشهرهما: أنه ضمير يعود على الإنفاق المفهوم من قوله «أَنْفَقُوا» . أي: وكان إِنْفَاقهم مستوياً قصداً لا إسرافاً ولا تقتيراً، وفي خبرها وجهان:
أحدهما: هو «قَوَاماً» و «بَيْنَ ذَلِكَ» إما معمول له، وإما ل «كان» عند من يرى إعمالها في الظرف، وإما المحذوف على أنه حال من «قَوَاماً» ، ويجوز أن يكون ﴿بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ ، خبرين ل «كان» عند من يرى ذلك، وهم الجمهور خلافاً لابن درستويه.
والثاني: أن الخبر «بَيْنَ ذَلِكَ» و «قَوَاماً» حال مؤكدة.
والثاني من الوجهين الأولين: أن يكون اسمها «بَيْنَ ذَلِكَ» وبُنِيَ لإضافته إلى غير متمكنٍ، و «قَوَاماً» خبرها قاله الفراء. قال الزمخشري: وهو من جهة الإعراب لا بأس به (ولكنه من جهة المعنى) ليس بقوي؛ لأن ما بين الإسراف والتقتير قَوامٌ لا محالة فليس في الخبر الذي هو مُعْتَمَدُ الفائدة فائدةٌ.
قال شهاب الدين: وهو يشبه قولك: كان سيِّد الجارية مالكها. قال ثعلب: القوام - بالفتح - (العدل والاستقامة، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر.
وقال الزمخشري: القوام) العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، وبالكسر ما يقام به الشيء لا يفضل عنه ولا ينقص. وقرأ حسان بن عبد الرحمن «قِوَاماً» يكسر القاف، فقيل: هما بمعنى، وقيل: بالكسر اسم ما يقام به الشيء وقيل: بمعنى سداداً وملاكاً.
الفرقان 25:67
قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ﴾ ﴿عِبَادُ الرحمن﴾ رفع بالابتداء، وفي خبره وجهان:
أحدهما: الجملة الأخيرة في آخر السورة «أُولَئِكَ يُجْزَونَ» ، وبه بدأ الزمخشري و «الَّذِينَ يَمْشُونَ» وما بعده صفات للمبتدأ.
والثاني: أن الخبر «يَمْشُونَ» . والعامة على «عِبَادِ» ، [واليمانيّ بضم العين وتشديد الباء جمع عابد، والحسن «عُبُد» بضمتين.
والعامة «يَمْشُون» بالتخفيف مبنياً للفاعل] ، واليماني والسلمي بالتشديد مبنياً للمفعول.
فصل
هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل وإلا فالخلق كلهم عباد الله.
قوله: «هَوْناً» إما نعت مصدر، أي: مشياً هوناً، وأما حال أي: هَيِّنينَ، والهون: اللين والرفق، أي يمشون بالسكينة والوقار متواضعين، ولا يضربون بأقدامهم أشراً وبطراً ولا يتبخترون خيلاء. وقال الحسن: علماء حكماء.
وقال محمد ابن الحنفية: أصحاب وقار وعفّة لا يسفهون وإن سفه عليهم حلموا ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون﴾ يعني السفهاء بما يكرهونه «قَالُوا سَلاَماً» . قال مقاتل: قولاً يسلمون فيه من الإثم. وقيل: المعنى: لا نجاهلكم. وقيل: المراد حلمهم في مقابلة الجهل. وقال الأصم: «قَالُوا سَلاَماً» أي: سلام توديع لا محبة، كقول إبراهيم - عليه السلام - لأبيه: «سَلاَمٌ عَلَيْكَ» .
قال الكلبي وأبو العالية: نسختها آية القتال.
قوله: «سَلاَماً» يجوز أن ينتصب على المصدر بفعل مقدر أي: نسلم سلاماً أو نسلم تسليماً منكم لا نجاهلكم فأقيم السلام مقام التسليم، ويجوز أن ينتصب على المفعول به، أي: قالوا هذا اللفظ، قال الزمخشري: أي قالوا سداداً من القول يسلمون فيه من الأذى، والمراد سلامتهم من السفه، كقوله:
3885 - أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا
ورجح سيبويه أن المراد بالسلام السلامة لا التسليم، لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالتسليم على الكفرة، وإنما أمروا بالمسالمة، ثم نسخ ذلك، ولم يذكر سيبويه نسخاً إلا في هذه الآية.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ . لما ذكر وصفهم بالنهار من وجهين:
أحدهما: ترك الإيذاء بقوله: ﴿يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ .
والثاني: تحمل الإيذاء بقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ شرح صفتهم في الليل. قال الزجاج: كل من أدركه الليل قيل: بات وإن لم ينم كما يقال: بات فلان قلقاً. والمعنى يبيتون لربهم سجداً على وجوههم، وقياماً على أقدامهم قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء ركعتين فقد بات ساجداً وقائماً. وروى عثمان بن عفان قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة» .
قوله: «سُجَّداً» خبر «يَبِيتُون» ، ويضعف أن تكون تامة.
أي: دخلوا في البيات، و «سُجَّداً» حال و «لِرَبِّهِمْ» متعلق ب «سُجَّداً» . وقدم السجود على القيام وإن كان بعده في الفعل، لاتفاق الفواصل. و «سُجَّداً» جمع ساجد كضُرَّاب في ضارب.
وقرأ أبو البرهسيم «سُجُوداً» بزنة قعود، ويبيت هي اللغة الفاشية، وأزد السَّراة وبجيلة يقولون: يبات، وهي لغة العوام اليوم.
قوله: ﴿والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا اصرف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ . قال ابن عباس: يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول.
قوله: «غَرَاماً» أي: لازماً دائماً، وعن الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلاّ غريم جهنم. وأنشد بشر بن أبي خازم: 3886 - وَيَومَ النِّسَار وَيَوْمَ الجِفَا ... رِ كَانَا عَذَاباً وَكَانَ غرَاما
وقول الأعشى:
3887 - إن يُعَاقِبْ يَكُنْ غَرَاماً وإن يُعْ ... طِ جَزِيلاً فإنَّهُ لاَ يُبَالِي
ف (غَرَاماً) بمعنى شر لازم، وقيل: خسراناً ملحّاً لازماً، ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، ويقال: فلان مغرم بالنساء، إذا كان مولعاً بهن، وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الوجع.
قوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ . يجوز أن تكون «ساءت» بمعنى أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة المفعول، وهو هنا محذوف، أي: أنها يعني جهنم أحزنت صحابها و «مُسْتَقرًّا» يجوز أن تكون تمييزاً وأن تكون حالاً.
ويجوز أن تكون «سَاءَتْ» بمعنى بئست، فتعطي حكمها، ويكون المخصوص بالذم محذوفاً، وفي «ساءت» ضمير مبهم يفسره مستقر و «مستقراً» يتعين أن يكون تمييزاً، أي: سَاءَتْ هي، فهي مخصوص وهو الرابط بين هذه الجملة وبين مَا وَقَعَتْ خبراً عنه، وهو «إنَّها كذا قدَّره أبو حيان، وقال أبو البقاء:» مُسْتَقَرًّا» تمييز، و «سَاءَتْ» بمعنى بئْسَ. فإن قيل: يلزم من هذا إشكال، وذلك أنه يلزم تأنيث فعل الفاعل المذكَّر من غير مسوِّغ لذلك، فإنَّ الفاعل في «سَاءَتْ» على هذا يكون ضميراً عائداً على ما بعده، وهو «مُسْتَقَرًّا وَمُقَاماً» ، وهما مذكران، فن أين جاء التأنيث؟
والجواب: أن المستقرَّ عبارة عن جهنَّم فلذلك جاز تأنيث فعله، ومثله قوله: 3888 - أَوْ حُرَّةٌ عَيْطَلٌ ثَيْجَاءَ مُجْفَرَةٍ ... دَعَائِمَ الزَّوْرِ نِعْمَتْ زَوْرَقُ البَلَدِ
و «مُسْتَقرًّا وَمُقَاماً» قيل: مترادفان، وعطف أحدهما على الآخر لاختلاف لفظيهما. وقيل: بل هما مختلفا المعنى، فالمستقرُّ للعصاة، فإنهم يخرجون، والمقام للكُفَّار فإنهم مخلدون. فإن قيل: إنهم سألوا الله أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين: إحداهما: أن عذابها كان غراماً. والثانية: أنها ساءت مستقراً ومقاماً فما الفرق بين الوجهين؟
فالجواب: قال المتكلمون: عقاب الكافر يجب أن يكون مضرّة خالصة عن شوائب النفع (دائمة، فقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾ إشارة إلى كونه مضرّة خالصة عن شوائب النفع) وقوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ إشارة إلى كونه دائماً، فحصلت المغايرة.
وقرأت فرقة «مَقَاماً» بفتح الميم، أي: مكان قيام.
وقراءة العامة هي المطابقة للمعنى، أي: مكان إقامة وثُوِيٍّ.
وقوله: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً﴾ يحتمل أن يكون من كلامهم، فتكون منصوبة المحل بالقول، وأن يكون من كلام الله تعالى.
قوله: ﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ .
قرأ الكوفيون بفتح الياء وضم التاء من يَقْتُرُوا، وابن كثير وأبو عمرو بالفتح والكسر، ونافع وابن عامر بالضم والكسر من أقتر، وعليه ﴿وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وأنكر أبو حاتم أقْتَرَ، وقال: لا يناسب هنا، فإن أَقْتَرَ بمعنى افتقر، ومنه ﴿وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وردَّ عليه بأن الأصمعي وغيره حكوا أَقْتَرَ بمعنى ضَيَّقَ. وقرأ العلاء بن سيابة واليزيدي بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء مشددة من قَتَّر بمعنى ضيَّق، وكلها لغات، والقَتْر والإقْتَار والتَّقْتير (التضييق الذي هو نقيض) الإسراف، والإسراف مجاوزة الحد في النفقة.
فصل
المراد من الآية القصد بين الغلو والتقصير، كقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ [الإسراء: 29] . وسأل ابن الورد بعض العلماء ما البناء الذي لا سَرَف فيه؟ قال: ما سترك عن الشمس، وأكنَّك من المطر. وقال له ما الطعام الذي لا سرف فيه؟ فقال: ما سد الجوعة، وقال له في اللباس: ما ستر عورتك وأدفأك من البرد.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: الإسراف في النفقة في معصية الله تعالى، والإقتار: منع حق الله تعالى.
قال مجاهد: لو أنفق الرجل مثل (أبي) قبيس ذهباً في طاعة الله لم يكن مسرفاً. وأنشدوا:
3889 - ذِهَابَ المَالِ في حَمْدٍ وَأَجْرٍ ... ذِهَابٌ لاَ يُقَالُ لَهُ ذِهَابُ
وقيل: السرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع وإن كان من حلال، لأنه يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ في اسم «كان» وجهان:
أشهرهما: أنه ضمير يعود على الإنفاق المفهوم من قوله «أَنْفَقُوا» . أي: وكان إِنْفَاقهم مستوياً قصداً لا إسرافاً ولا تقتيراً، وفي خبرها وجهان:
أحدهما: هو «قَوَاماً» و «بَيْنَ ذَلِكَ» إما معمول له، وإما ل «كان» عند من يرى إعمالها في الظرف، وإما المحذوف على أنه حال من «قَوَاماً» ، ويجوز أن يكون ﴿بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ ، خبرين ل «كان» عند من يرى ذلك، وهم الجمهور خلافاً لابن درستويه.
والثاني: أن الخبر «بَيْنَ ذَلِكَ» و «قَوَاماً» حال مؤكدة.
والثاني من الوجهين الأولين: أن يكون اسمها «بَيْنَ ذَلِكَ» وبُنِيَ لإضافته إلى غير متمكنٍ، و «قَوَاماً» خبرها قاله الفراء. قال الزمخشري: وهو من جهة الإعراب لا بأس به (ولكنه من جهة المعنى) ليس بقوي؛ لأن ما بين الإسراف والتقتير قَوامٌ لا محالة فليس في الخبر الذي هو مُعْتَمَدُ الفائدة فائدةٌ.
قال شهاب الدين: وهو يشبه قولك: كان سيِّد الجارية مالكها. قال ثعلب: القوام - بالفتح - (العدل والاستقامة، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر.
وقال الزمخشري: القوام) العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، وبالكسر ما يقام به الشيء لا يفضل عنه ولا ينقص. وقرأ حسان بن عبد الرحمن «قِوَاماً» يكسر القاف، فقيل: هما بمعنى، وقيل: بالكسر اسم ما يقام به الشيء وقيل: بمعنى سداداً وملاكاً.
الفرقان 25:68
قوله: ﴿والذين لاَ يَدْعُونَ﴾ الآية. قال ابن عباس: إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت هذه الآية، ونزل «يَا عِبَادِيَ» ﴿الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ [الزمر: 53] وروي «أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال:» أن تدعو لله نداً وهو خلقك» قال: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» قال: ثم أي؟ قال: «أن تُزَاني حليلة جارك» فأنزل الله تصديقها هذه الآية.
فإن قيل: إن الله تعالى ذكر أن من صفات عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك والقتل والزنا، فلو كان الترتيب بالعكس كان أولى؟ فالجواب: أن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون متمكناً بالشرك تديناً، ويقتل المولود تديناً، ويزني تديناً، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن حتى يتجنب هذه الكبائر. وأجاب الحسن فقال: المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار كأنه قال: وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، وأنتم تدعون،» وَلاَ يَقْتُلُونَ «وأنتم تقتلون الموءودة،» وَلاَ يَزْنُونَ «وأنتم تزنون.
قوله:» إلاَّ بالحَقِّ «يجوز أن تتعلق الباء بنفس» يَقْتلُون «أي: لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، وأن تتعلق بمحذوف على أنها صفة للمصدر، أي: قَتْلاً مُلْتَبِساً بالحق، أو على أنها حال أي: إلاَّ مُلْتَبِسِينَ بالحق.
فإن قيل: من حلَّ قتله لا يدخل في النفس المحرمة، فكيف يصحّ هذا الاستثناء فالجواب: أن المقتضي لحرمة القتل قائم أبداً، وجواز القتل إنما ثبت بمعارض، فقوله: «حَرَّمَ اللَّهُ» إشارة إلى المقتضي، وقوله: «إلاَّ بالحَقِّ» إشارة إلى المعارض والسبب المبيح للقتل هو الردة، والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس المحرمة.
قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ هذه إشارة إلى جميع ما تقدم، لأنه بمعنى ما ذكر (فلذلك وحِّدَ) .
قوله: «يَلْقَ» قراءة العامة مجزوماً على جزاء الشرط بحذف الألف، وقرأ عبد الله وأبو رجاء» يَلْقَى «بإثباتها كقوله:» فلا تَنْسَى «على أحد القولين، وكقراءة ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى﴾ [طه: 77] في أحد القولين أيضاً، وذلك بأن نقدر علامة الجزم حذف الضمة المقدرة. وقرأ بعضهم» يُلَقَّ «بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقاه كذا. والأثام مفعول على قراءة الجمهور، ومفعول ثان على قراءة هؤلاء والأثام العقوبة، قال:
3890 - جَزَى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أَمْسَى ... عُقُوقاً وَالعُقُوقُ لَهُ أَثَامُ
أي عقوبةٌ.
وقيل: هو الإثم نفسه، أي: يَلْقَ جَزَاءَ إثْمٍ. قال أبو مسلم: والأثام والإثم واحد، والمراد هاهنا جزاء الأثام، فأطلق اسم الشيء على جزائه.
وقال الحسن: الأثام اسم من أسماء جهنم، وقال مجاهد: اسم وادٍ في جهنم وقيل: بئر فيها. وقرأ ابن مسعود: «أَيَّاماً» جمع يومٍ، يعني شدائد، والعرب تعبر عن ذلك بالأيَّام، يقال: يوم ذو أيام لليوم الصعب.
قوله: «يُضَاعَفْ» قرأ ابن عامر وأبو بكر برفع «يُضَاعَف» و «يَخْلُدُ» على أحد وجهين: إمَّا الحال، وإمَّا على الاستئناف. والباقون بالجزم فيهما بدلاً من «يَلْقَ» بدل اشتمال، ومثله قوله:
3891 - مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا في دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تأَجَّجَا
فأبدل من الشرط كما أبدل هنا من الجزاء. وابن كثير وابن عامر على ما تقدم لهما في البقرة من القصر والتضعيف في العين. ولم يذكر أبو حيان ابن عامر مع ابن كثير وذكره مع الجماعة في قُرَّائهم. وقرأ أبو جعفر وشيبة «نُضَعِّف» بالنون مضمومة وتشديد العين، «العذَابَ» نصباً على المفعول به. وطلحة «يضاعف» مبنياً للفاعل، أي: الله «العذاب» نصباً، وطلحة بن سليمان «وتَخْلُد» بتاء الخطاب على الالتفات، وأبو حيوة «وَيُخَلَّد» مشدداً مبنياً للمفعول. وروي عن أبي عمرو كذلك إلا أنه بالتخفيف.
و «مُهَاناً» حال، وهو اسم مفعول من أَهَانَهُ يُهِينُه، أي: أَذَلَّه وأَذَاقَهُ الهَوَانَ.
فصل
قال القاضي: بَيّن الله تعالى (أن) المضاعفة والزيادة يكون حالها في الزيادة كحال الأصل، فقوله: «وَيَخْلُد فِيهِ» أي: ويخلد في ذلك التضعيف، وذلك إنما حصل بسبب العقاب على المعاصي، فوجب أن يكون عقاب هذه المعاصي في حق الكافر دائماً، وإذا كان كذلك وجب أن يكون في حق المؤمن كذلك؛ لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء فعل مع غيره، أو منفرداً.
والجواب: لم لا يجوز أن يكون للإتيان بالشيء مع غيره أثر في مزيد القبح، ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما في نفسه حسناً وإن كان الجميع قبيحاً، وقد يكون كل واحد منهما قبيحاً، ويكون الجمع بينهما أقبح. وسبب تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك فيعذب على الشرك وعلى المعاصي، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام.
قوله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الذي لم يعرف الناس غيره: أنه استثناء متصل؛ لأنه من الجنس.
والثاني: أنه منقطع. قال أبو حيان: ولا يظهر، يعني الاتصال؛ لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب (فيصير التقدير: إلاَّ مَنْ تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَلاَ يُضَاعَفُ لَهُ العَذَابُ) ، ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المُضَعَّف، فالأولى عندي أن يكون استثناءً منقطعاً، أي: لكن مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيّآتِهِمْ حَسَنَاتٍ وإذا كان كذلك فلا يلقى عذاباً ألبتة.
قال شهاب الدين: والظاهر قول الجمهور، وأمَّا ما قاله فلا يلزم إذ المقصود الإخبار بأنَّ من فعل كذا فإنه يحلُّ به ما ذكر إلا أن يتوب، وأمَّا إصابة أصل العذاب وعدمها فلا تعرُّض في الآية له. واعلم أن البحث الذي ذكره أبو حيان ذكره أيضاً ابن الخطيب فقال: دلت الآية على أن التوبة مقبولة، والاستثناء لا يدل على ذلك، لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ضعفين، فيكفي لصحة الاستثناء أن لا يضاعف للتائب ضعفين، وإنما يدلّ عليه قوله: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ .
فصل
نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة القاتل لا تقبل، وزعم أن هذه الآية منسوخة (بقوله تعالى) : ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: 93] ، وقالوا: نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة، وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين، وتقدم في سورة النساء.
فإن قيل: العمل الصالح يدخل في التوبة والإيمان فذكرهما قبل العمل الصالح حَشْوٌ؟ فالجواب: أفردهما بالذكر لعلوّ شأنهما ولما كان لا بدَّ معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح.
قوله: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ .
قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والسدي ومجاهد وقتادة: التبديل إنما يكون في الدنيا، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا إحصاناً وعفة. وقيل: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات.
قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنةً، فالتأويل: أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يُحْبِطُ اللَّه عَمَلَهُ ويثبت عليه السَّيِّئَات.
قوله: «سَيِّئَاتِهِمْ» هو المفعول الثاني للتبديل، وهو المقيد بحرف الجر، وإنما حذف، لفهم المعنى، و «حسنات» هو الأول المسرح، وهو المأخوذ، والمجرور بالباء هو المتروك، وقد صرح بهذا في قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] وقال:
3892 - تَضْحَكُ مِنِّي أُخْتُ ذَاتِ النِّحْييْنِ ... أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِلَوْنِ لَوْنَيْنِ ...
سَوَادَ وَجْهٍ وَبَيَاضَ عَيْنَيْنِ ... وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله﴾ [البقرة: 211] .
قوله: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ الآية. قال بعض العلماء: هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا، أي: تاب من الشرك وأدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله﴾ يعود إليه بعد الموت «مَتَاباً» حسناً يفضل على غيره ممن قتل وزنا. فالتوبة الأولى وهي قوله: «وَمَنْ تَابَ» رجوعٌ عن الشرك، والثاني رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة.
وقيل: هذه التوبة أيضاً عن جميع السيئات، ومعناه من أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله، فقوله: ﴿يَتُوبُ إِلَى الله﴾ خبر بمعنى الأمر، أي: ليتب إلى الله، وقيل: معناه وليعلم أن توبته ومصيره إلى الله.
قوله
الفرقان 25:69
قوله: ﴿والذين لاَ يَدْعُونَ﴾ الآية. قال ابن عباس: إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت هذه الآية، ونزل «يَا عِبَادِيَ» ﴿الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ [الزمر: 53] وروي «أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال:» أن تدعو لله نداً وهو خلقك» قال: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» قال: ثم أي؟ قال: «أن تُزَاني حليلة جارك» فأنزل الله تصديقها هذه الآية.
فإن قيل: إن الله تعالى ذكر أن من صفات عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك والقتل والزنا، فلو كان الترتيب بالعكس كان أولى؟ فالجواب: أن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون متمكناً بالشرك تديناً، ويقتل المولود تديناً، ويزني تديناً، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن حتى يتجنب هذه الكبائر. وأجاب الحسن فقال: المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار كأنه قال: وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، وأنتم تدعون،» وَلاَ يَقْتُلُونَ «وأنتم تقتلون الموءودة،» وَلاَ يَزْنُونَ «وأنتم تزنون.
قوله:» إلاَّ بالحَقِّ «يجوز أن تتعلق الباء بنفس» يَقْتلُون «أي: لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، وأن تتعلق بمحذوف على أنها صفة للمصدر، أي: قَتْلاً مُلْتَبِساً بالحق، أو على أنها حال أي: إلاَّ مُلْتَبِسِينَ بالحق.
فإن قيل: من حلَّ قتله لا يدخل في النفس المحرمة، فكيف يصحّ هذا الاستثناء فالجواب: أن المقتضي لحرمة القتل قائم أبداً، وجواز القتل إنما ثبت بمعارض، فقوله: «حَرَّمَ اللَّهُ» إشارة إلى المقتضي، وقوله: «إلاَّ بالحَقِّ» إشارة إلى المعارض والسبب المبيح للقتل هو الردة، والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس المحرمة.
قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ هذه إشارة إلى جميع ما تقدم، لأنه بمعنى ما ذكر (فلذلك وحِّدَ) .
قوله: «يَلْقَ» قراءة العامة مجزوماً على جزاء الشرط بحذف الألف، وقرأ عبد الله وأبو رجاء» يَلْقَى «بإثباتها كقوله:» فلا تَنْسَى «على أحد القولين، وكقراءة ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى﴾ [طه: 77] في أحد القولين أيضاً، وذلك بأن نقدر علامة الجزم حذف الضمة المقدرة. وقرأ بعضهم» يُلَقَّ «بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقاه كذا. والأثام مفعول على قراءة الجمهور، ومفعول ثان على قراءة هؤلاء والأثام العقوبة، قال:
3890 - جَزَى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أَمْسَى ... عُقُوقاً وَالعُقُوقُ لَهُ أَثَامُ
أي عقوبةٌ.
وقيل: هو الإثم نفسه، أي: يَلْقَ جَزَاءَ إثْمٍ. قال أبو مسلم: والأثام والإثم واحد، والمراد هاهنا جزاء الأثام، فأطلق اسم الشيء على جزائه.
وقال الحسن: الأثام اسم من أسماء جهنم، وقال مجاهد: اسم وادٍ في جهنم وقيل: بئر فيها. وقرأ ابن مسعود: «أَيَّاماً» جمع يومٍ، يعني شدائد، والعرب تعبر عن ذلك بالأيَّام، يقال: يوم ذو أيام لليوم الصعب.
قوله: «يُضَاعَفْ» قرأ ابن عامر وأبو بكر برفع «يُضَاعَف» و «يَخْلُدُ» على أحد وجهين: إمَّا الحال، وإمَّا على الاستئناف. والباقون بالجزم فيهما بدلاً من «يَلْقَ» بدل اشتمال، ومثله قوله:
3891 - مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا في دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تأَجَّجَا
فأبدل من الشرط كما أبدل هنا من الجزاء. وابن كثير وابن عامر على ما تقدم لهما في البقرة من القصر والتضعيف في العين. ولم يذكر أبو حيان ابن عامر مع ابن كثير وذكره مع الجماعة في قُرَّائهم. وقرأ أبو جعفر وشيبة «نُضَعِّف» بالنون مضمومة وتشديد العين، «العذَابَ» نصباً على المفعول به. وطلحة «يضاعف» مبنياً للفاعل، أي: الله «العذاب» نصباً، وطلحة بن سليمان «وتَخْلُد» بتاء الخطاب على الالتفات، وأبو حيوة «وَيُخَلَّد» مشدداً مبنياً للمفعول. وروي عن أبي عمرو كذلك إلا أنه بالتخفيف.
و «مُهَاناً» حال، وهو اسم مفعول من أَهَانَهُ يُهِينُه، أي: أَذَلَّه وأَذَاقَهُ الهَوَانَ.
فصل
قال القاضي: بَيّن الله تعالى (أن) المضاعفة والزيادة يكون حالها في الزيادة كحال الأصل، فقوله: «وَيَخْلُد فِيهِ» أي: ويخلد في ذلك التضعيف، وذلك إنما حصل بسبب العقاب على المعاصي، فوجب أن يكون عقاب هذه المعاصي في حق الكافر دائماً، وإذا كان كذلك وجب أن يكون في حق المؤمن كذلك؛ لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء فعل مع غيره، أو منفرداً.
والجواب: لم لا يجوز أن يكون للإتيان بالشيء مع غيره أثر في مزيد القبح، ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما في نفسه حسناً وإن كان الجميع قبيحاً، وقد يكون كل واحد منهما قبيحاً، ويكون الجمع بينهما أقبح. وسبب تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك فيعذب على الشرك وعلى المعاصي، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام.
قوله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الذي لم يعرف الناس غيره: أنه استثناء متصل؛ لأنه من الجنس.
والثاني: أنه منقطع. قال أبو حيان: ولا يظهر، يعني الاتصال؛ لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب (فيصير التقدير: إلاَّ مَنْ تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَلاَ يُضَاعَفُ لَهُ العَذَابُ) ، ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المُضَعَّف، فالأولى عندي أن يكون استثناءً منقطعاً، أي: لكن مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيّآتِهِمْ حَسَنَاتٍ وإذا كان كذلك فلا يلقى عذاباً ألبتة.
قال شهاب الدين: والظاهر قول الجمهور، وأمَّا ما قاله فلا يلزم إذ المقصود الإخبار بأنَّ من فعل كذا فإنه يحلُّ به ما ذكر إلا أن يتوب، وأمَّا إصابة أصل العذاب وعدمها فلا تعرُّض في الآية له. واعلم أن البحث الذي ذكره أبو حيان ذكره أيضاً ابن الخطيب فقال: دلت الآية على أن التوبة مقبولة، والاستثناء لا يدل على ذلك، لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ضعفين، فيكفي لصحة الاستثناء أن لا يضاعف للتائب ضعفين، وإنما يدلّ عليه قوله: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ .
فصل
نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة القاتل لا تقبل، وزعم أن هذه الآية منسوخة (بقوله تعالى) : ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: 93] ، وقالوا: نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة، وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين، وتقدم في سورة النساء.
فإن قيل: العمل الصالح يدخل في التوبة والإيمان فذكرهما قبل العمل الصالح حَشْوٌ؟ فالجواب: أفردهما بالذكر لعلوّ شأنهما ولما كان لا بدَّ معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح.
قوله: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ .
قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والسدي ومجاهد وقتادة: التبديل إنما يكون في الدنيا، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا إحصاناً وعفة. وقيل: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات.
قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنةً، فالتأويل: أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يُحْبِطُ اللَّه عَمَلَهُ ويثبت عليه السَّيِّئَات.
قوله: «سَيِّئَاتِهِمْ» هو المفعول الثاني للتبديل، وهو المقيد بحرف الجر، وإنما حذف، لفهم المعنى، و «حسنات» هو الأول المسرح، وهو المأخوذ، والمجرور بالباء هو المتروك، وقد صرح بهذا في قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] وقال:
3892 - تَضْحَكُ مِنِّي أُخْتُ ذَاتِ النِّحْييْنِ ... أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِلَوْنِ لَوْنَيْنِ ...
سَوَادَ وَجْهٍ وَبَيَاضَ عَيْنَيْنِ ... وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله﴾ [البقرة: 211] .
قوله: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ الآية. قال بعض العلماء: هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا، أي: تاب من الشرك وأدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله﴾ يعود إليه بعد الموت «مَتَاباً» حسناً يفضل على غيره ممن قتل وزنا. فالتوبة الأولى وهي قوله: «وَمَنْ تَابَ» رجوعٌ عن الشرك، والثاني رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة.
وقيل: هذه التوبة أيضاً عن جميع السيئات، ومعناه من أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله، فقوله: ﴿يَتُوبُ إِلَى الله﴾ خبر بمعنى الأمر، أي: ليتب إلى الله، وقيل: معناه وليعلم أن توبته ومصيره إلى الله.
قوله
الفرقان 25:70
قوله: ﴿والذين لاَ يَدْعُونَ﴾ الآية. قال ابن عباس: إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت هذه الآية، ونزل «يَا عِبَادِيَ» ﴿الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ [الزمر: 53] وروي «أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال:» أن تدعو لله نداً وهو خلقك» قال: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» قال: ثم أي؟ قال: «أن تُزَاني حليلة جارك» فأنزل الله تصديقها هذه الآية.
فإن قيل: إن الله تعالى ذكر أن من صفات عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك والقتل والزنا، فلو كان الترتيب بالعكس كان أولى؟ فالجواب: أن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون متمكناً بالشرك تديناً، ويقتل المولود تديناً، ويزني تديناً، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن حتى يتجنب هذه الكبائر. وأجاب الحسن فقال: المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار كأنه قال: وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، وأنتم تدعون،» وَلاَ يَقْتُلُونَ «وأنتم تقتلون الموءودة،» وَلاَ يَزْنُونَ «وأنتم تزنون.
قوله:» إلاَّ بالحَقِّ «يجوز أن تتعلق الباء بنفس» يَقْتلُون «أي: لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، وأن تتعلق بمحذوف على أنها صفة للمصدر، أي: قَتْلاً مُلْتَبِساً بالحق، أو على أنها حال أي: إلاَّ مُلْتَبِسِينَ بالحق.
فإن قيل: من حلَّ قتله لا يدخل في النفس المحرمة، فكيف يصحّ هذا الاستثناء فالجواب: أن المقتضي لحرمة القتل قائم أبداً، وجواز القتل إنما ثبت بمعارض، فقوله: «حَرَّمَ اللَّهُ» إشارة إلى المقتضي، وقوله: «إلاَّ بالحَقِّ» إشارة إلى المعارض والسبب المبيح للقتل هو الردة، والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس المحرمة.
قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ هذه إشارة إلى جميع ما تقدم، لأنه بمعنى ما ذكر (فلذلك وحِّدَ) .
قوله: «يَلْقَ» قراءة العامة مجزوماً على جزاء الشرط بحذف الألف، وقرأ عبد الله وأبو رجاء» يَلْقَى «بإثباتها كقوله:» فلا تَنْسَى «على أحد القولين، وكقراءة ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى﴾ [طه: 77] في أحد القولين أيضاً، وذلك بأن نقدر علامة الجزم حذف الضمة المقدرة. وقرأ بعضهم» يُلَقَّ «بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقاه كذا. والأثام مفعول على قراءة الجمهور، ومفعول ثان على قراءة هؤلاء والأثام العقوبة، قال:
3890 - جَزَى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أَمْسَى ... عُقُوقاً وَالعُقُوقُ لَهُ أَثَامُ
أي عقوبةٌ.
وقيل: هو الإثم نفسه، أي: يَلْقَ جَزَاءَ إثْمٍ. قال أبو مسلم: والأثام والإثم واحد، والمراد هاهنا جزاء الأثام، فأطلق اسم الشيء على جزائه.
وقال الحسن: الأثام اسم من أسماء جهنم، وقال مجاهد: اسم وادٍ في جهنم وقيل: بئر فيها. وقرأ ابن مسعود: «أَيَّاماً» جمع يومٍ، يعني شدائد، والعرب تعبر عن ذلك بالأيَّام، يقال: يوم ذو أيام لليوم الصعب.
قوله: «يُضَاعَفْ» قرأ ابن عامر وأبو بكر برفع «يُضَاعَف» و «يَخْلُدُ» على أحد وجهين: إمَّا الحال، وإمَّا على الاستئناف. والباقون بالجزم فيهما بدلاً من «يَلْقَ» بدل اشتمال، ومثله قوله:
3891 - مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا في دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تأَجَّجَا
فأبدل من الشرط كما أبدل هنا من الجزاء. وابن كثير وابن عامر على ما تقدم لهما في البقرة من القصر والتضعيف في العين. ولم يذكر أبو حيان ابن عامر مع ابن كثير وذكره مع الجماعة في قُرَّائهم. وقرأ أبو جعفر وشيبة «نُضَعِّف» بالنون مضمومة وتشديد العين، «العذَابَ» نصباً على المفعول به. وطلحة «يضاعف» مبنياً للفاعل، أي: الله «العذاب» نصباً، وطلحة بن سليمان «وتَخْلُد» بتاء الخطاب على الالتفات، وأبو حيوة «وَيُخَلَّد» مشدداً مبنياً للمفعول. وروي عن أبي عمرو كذلك إلا أنه بالتخفيف.
و «مُهَاناً» حال، وهو اسم مفعول من أَهَانَهُ يُهِينُه، أي: أَذَلَّه وأَذَاقَهُ الهَوَانَ.
فصل
قال القاضي: بَيّن الله تعالى (أن) المضاعفة والزيادة يكون حالها في الزيادة كحال الأصل، فقوله: «وَيَخْلُد فِيهِ» أي: ويخلد في ذلك التضعيف، وذلك إنما حصل بسبب العقاب على المعاصي، فوجب أن يكون عقاب هذه المعاصي في حق الكافر دائماً، وإذا كان كذلك وجب أن يكون في حق المؤمن كذلك؛ لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء فعل مع غيره، أو منفرداً.
والجواب: لم لا يجوز أن يكون للإتيان بالشيء مع غيره أثر في مزيد القبح، ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما في نفسه حسناً وإن كان الجميع قبيحاً، وقد يكون كل واحد منهما قبيحاً، ويكون الجمع بينهما أقبح. وسبب تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك فيعذب على الشرك وعلى المعاصي، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام.
قوله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الذي لم يعرف الناس غيره: أنه استثناء متصل؛ لأنه من الجنس.
والثاني: أنه منقطع. قال أبو حيان: ولا يظهر، يعني الاتصال؛ لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب (فيصير التقدير: إلاَّ مَنْ تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَلاَ يُضَاعَفُ لَهُ العَذَابُ) ، ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المُضَعَّف، فالأولى عندي أن يكون استثناءً منقطعاً، أي: لكن مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيّآتِهِمْ حَسَنَاتٍ وإذا كان كذلك فلا يلقى عذاباً ألبتة.
قال شهاب الدين: والظاهر قول الجمهور، وأمَّا ما قاله فلا يلزم إذ المقصود الإخبار بأنَّ من فعل كذا فإنه يحلُّ به ما ذكر إلا أن يتوب، وأمَّا إصابة أصل العذاب وعدمها فلا تعرُّض في الآية له. واعلم أن البحث الذي ذكره أبو حيان ذكره أيضاً ابن الخطيب فقال: دلت الآية على أن التوبة مقبولة، والاستثناء لا يدل على ذلك، لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ضعفين، فيكفي لصحة الاستثناء أن لا يضاعف للتائب ضعفين، وإنما يدلّ عليه قوله: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ .
فصل
نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة القاتل لا تقبل، وزعم أن هذه الآية منسوخة (بقوله تعالى) : ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: 93] ، وقالوا: نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة، وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين، وتقدم في سورة النساء.
فإن قيل: العمل الصالح يدخل في التوبة والإيمان فذكرهما قبل العمل الصالح حَشْوٌ؟ فالجواب: أفردهما بالذكر لعلوّ شأنهما ولما كان لا بدَّ معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح.
قوله: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ .
قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والسدي ومجاهد وقتادة: التبديل إنما يكون في الدنيا، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا إحصاناً وعفة. وقيل: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات.
قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنةً، فالتأويل: أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يُحْبِطُ اللَّه عَمَلَهُ ويثبت عليه السَّيِّئَات.
قوله: «سَيِّئَاتِهِمْ» هو المفعول الثاني للتبديل، وهو المقيد بحرف الجر، وإنما حذف، لفهم المعنى، و «حسنات» هو الأول المسرح، وهو المأخوذ، والمجرور بالباء هو المتروك، وقد صرح بهذا في قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] وقال:
3892 - تَضْحَكُ مِنِّي أُخْتُ ذَاتِ النِّحْييْنِ ... أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِلَوْنِ لَوْنَيْنِ ...
سَوَادَ وَجْهٍ وَبَيَاضَ عَيْنَيْنِ ... وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله﴾ [البقرة: 211] .
قوله: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ الآية. قال بعض العلماء: هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا، أي: تاب من الشرك وأدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله﴾ يعود إليه بعد الموت «مَتَاباً» حسناً يفضل على غيره ممن قتل وزنا. فالتوبة الأولى وهي قوله: «وَمَنْ تَابَ» رجوعٌ عن الشرك، والثاني رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة.
وقيل: هذه التوبة أيضاً عن جميع السيئات، ومعناه من أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله، فقوله: ﴿يَتُوبُ إِلَى الله﴾ خبر بمعنى الأمر، أي: ليتب إلى الله، وقيل: معناه وليعلم أن توبته ومصيره إلى الله.
قوله
الفرقان 25:71
قوله: ﴿والذين لاَ يَدْعُونَ﴾ الآية. قال ابن عباس: إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزلت هذه الآية، ونزل «يَا عِبَادِيَ» ﴿الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ [الزمر: 53] وروي «أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال:» أن تدعو لله نداً وهو خلقك» قال: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» قال: ثم أي؟ قال: «أن تُزَاني حليلة جارك» فأنزل الله تصديقها هذه الآية.
فإن قيل: إن الله تعالى ذكر أن من صفات عباد الرحمن الاحتراز عن الشرك والقتل والزنا، فلو كان الترتيب بالعكس كان أولى؟ فالجواب: أن الموصوف بتلك الصفات السالفة قد يكون متمكناً بالشرك تديناً، ويقتل المولود تديناً، ويزني تديناً، فبين تعالى أن المرء لا يصير بتلك الخصال وحدها من عباد الرحمن حتى يتجنب هذه الكبائر. وأجاب الحسن فقال: المقصود من ذلك التنبيه على الفرق بين سيرة المسلمين وسيرة الكفار كأنه قال: وعباد الرحمن هم الذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر، وأنتم تدعون،» وَلاَ يَقْتُلُونَ «وأنتم تقتلون الموءودة،» وَلاَ يَزْنُونَ «وأنتم تزنون.
قوله:» إلاَّ بالحَقِّ «يجوز أن تتعلق الباء بنفس» يَقْتلُون «أي: لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، وأن تتعلق بمحذوف على أنها صفة للمصدر، أي: قَتْلاً مُلْتَبِساً بالحق، أو على أنها حال أي: إلاَّ مُلْتَبِسِينَ بالحق.
فإن قيل: من حلَّ قتله لا يدخل في النفس المحرمة، فكيف يصحّ هذا الاستثناء فالجواب: أن المقتضي لحرمة القتل قائم أبداً، وجواز القتل إنما ثبت بمعارض، فقوله: «حَرَّمَ اللَّهُ» إشارة إلى المقتضي، وقوله: «إلاَّ بالحَقِّ» إشارة إلى المعارض والسبب المبيح للقتل هو الردة، والزنا بعد الإحصان، وقتل النفس المحرمة.
قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك﴾ هذه إشارة إلى جميع ما تقدم، لأنه بمعنى ما ذكر (فلذلك وحِّدَ) .
قوله: «يَلْقَ» قراءة العامة مجزوماً على جزاء الشرط بحذف الألف، وقرأ عبد الله وأبو رجاء» يَلْقَى «بإثباتها كقوله:» فلا تَنْسَى «على أحد القولين، وكقراءة ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى﴾ [طه: 77] في أحد القولين أيضاً، وذلك بأن نقدر علامة الجزم حذف الضمة المقدرة. وقرأ بعضهم» يُلَقَّ «بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من لقاه كذا. والأثام مفعول على قراءة الجمهور، ومفعول ثان على قراءة هؤلاء والأثام العقوبة، قال:
3890 - جَزَى اللَّهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أَمْسَى ... عُقُوقاً وَالعُقُوقُ لَهُ أَثَامُ
أي عقوبةٌ.
وقيل: هو الإثم نفسه، أي: يَلْقَ جَزَاءَ إثْمٍ. قال أبو مسلم: والأثام والإثم واحد، والمراد هاهنا جزاء الأثام، فأطلق اسم الشيء على جزائه.
وقال الحسن: الأثام اسم من أسماء جهنم، وقال مجاهد: اسم وادٍ في جهنم وقيل: بئر فيها. وقرأ ابن مسعود: «أَيَّاماً» جمع يومٍ، يعني شدائد، والعرب تعبر عن ذلك بالأيَّام، يقال: يوم ذو أيام لليوم الصعب.
قوله: «يُضَاعَفْ» قرأ ابن عامر وأبو بكر برفع «يُضَاعَف» و «يَخْلُدُ» على أحد وجهين: إمَّا الحال، وإمَّا على الاستئناف. والباقون بالجزم فيهما بدلاً من «يَلْقَ» بدل اشتمال، ومثله قوله:
3891 - مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا في دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تأَجَّجَا
فأبدل من الشرط كما أبدل هنا من الجزاء. وابن كثير وابن عامر على ما تقدم لهما في البقرة من القصر والتضعيف في العين. ولم يذكر أبو حيان ابن عامر مع ابن كثير وذكره مع الجماعة في قُرَّائهم. وقرأ أبو جعفر وشيبة «نُضَعِّف» بالنون مضمومة وتشديد العين، «العذَابَ» نصباً على المفعول به. وطلحة «يضاعف» مبنياً للفاعل، أي: الله «العذاب» نصباً، وطلحة بن سليمان «وتَخْلُد» بتاء الخطاب على الالتفات، وأبو حيوة «وَيُخَلَّد» مشدداً مبنياً للمفعول. وروي عن أبي عمرو كذلك إلا أنه بالتخفيف.
و «مُهَاناً» حال، وهو اسم مفعول من أَهَانَهُ يُهِينُه، أي: أَذَلَّه وأَذَاقَهُ الهَوَانَ.
فصل
قال القاضي: بَيّن الله تعالى (أن) المضاعفة والزيادة يكون حالها في الزيادة كحال الأصل، فقوله: «وَيَخْلُد فِيهِ» أي: ويخلد في ذلك التضعيف، وذلك إنما حصل بسبب العقاب على المعاصي، فوجب أن يكون عقاب هذه المعاصي في حق الكافر دائماً، وإذا كان كذلك وجب أن يكون في حق المؤمن كذلك؛ لأن حاله فيما يستحق به لا يتغير سواء فعل مع غيره، أو منفرداً.
والجواب: لم لا يجوز أن يكون للإتيان بالشيء مع غيره أثر في مزيد القبح، ألا ترى أن الشيئين قد يكون كل واحد منهما في نفسه حسناً وإن كان الجميع قبيحاً، وقد يكون كل واحد منهما قبيحاً، ويكون الجمع بينهما أقبح. وسبب تضعيف العذاب أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك فيعذب على الشرك وعلى المعاصي، فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه، وهذا يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام.
قوله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الذي لم يعرف الناس غيره: أنه استثناء متصل؛ لأنه من الجنس.
والثاني: أنه منقطع. قال أبو حيان: ولا يظهر، يعني الاتصال؛ لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب (فيصير التقدير: إلاَّ مَنْ تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَلاَ يُضَاعَفُ لَهُ العَذَابُ) ، ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المُضَعَّف، فالأولى عندي أن يكون استثناءً منقطعاً، أي: لكن مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيّآتِهِمْ حَسَنَاتٍ وإذا كان كذلك فلا يلقى عذاباً ألبتة.
قال شهاب الدين: والظاهر قول الجمهور، وأمَّا ما قاله فلا يلزم إذ المقصود الإخبار بأنَّ من فعل كذا فإنه يحلُّ به ما ذكر إلا أن يتوب، وأمَّا إصابة أصل العذاب وعدمها فلا تعرُّض في الآية له. واعلم أن البحث الذي ذكره أبو حيان ذكره أيضاً ابن الخطيب فقال: دلت الآية على أن التوبة مقبولة، والاستثناء لا يدل على ذلك، لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ضعفين، فيكفي لصحة الاستثناء أن لا يضاعف للتائب ضعفين، وإنما يدلّ عليه قوله: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ .
فصل
نقل عن ابن عباس أنه قال: توبة القاتل لا تقبل، وزعم أن هذه الآية منسوخة (بقوله تعالى) : ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: 93] ، وقالوا: نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة، وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين، وتقدم في سورة النساء.
فإن قيل: العمل الصالح يدخل في التوبة والإيمان فذكرهما قبل العمل الصالح حَشْوٌ؟ فالجواب: أفردهما بالذكر لعلوّ شأنهما ولما كان لا بدَّ معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح.
قوله: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ .
قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والسدي ومجاهد وقتادة: التبديل إنما يكون في الدنيا، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا إحصاناً وعفة. وقيل: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات.
قال الزجاج: السيئة بعينها لا تصير حسنةً، فالتأويل: أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يُحْبِطُ اللَّه عَمَلَهُ ويثبت عليه السَّيِّئَات.
قوله: «سَيِّئَاتِهِمْ» هو المفعول الثاني للتبديل، وهو المقيد بحرف الجر، وإنما حذف، لفهم المعنى، و «حسنات» هو الأول المسرح، وهو المأخوذ، والمجرور بالباء هو المتروك، وقد صرح بهذا في قوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: 16] وقال:
3892 - تَضْحَكُ مِنِّي أُخْتُ ذَاتِ النِّحْييْنِ ... أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِلَوْنِ لَوْنَيْنِ ...
سَوَادَ وَجْهٍ وَبَيَاضَ عَيْنَيْنِ ... وتقدم تحقيق هذا في البقرة عند قوله: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله﴾ [البقرة: 211] .
قوله: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ الآية. قال بعض العلماء: هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا، أي: تاب من الشرك وأدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يزن ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله﴾ يعود إليه بعد الموت «مَتَاباً» حسناً يفضل على غيره ممن قتل وزنا. فالتوبة الأولى وهي قوله: «وَمَنْ تَابَ» رجوعٌ عن الشرك، والثاني رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة.
وقيل: هذه التوبة أيضاً عن جميع السيئات، ومعناه من أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله، فقوله: ﴿يَتُوبُ إِلَى الله﴾ خبر بمعنى الأمر، أي: ليتب إلى الله، وقيل: معناه وليعلم أن توبته ومصيره إلى الله.
قوله
الفرقان 25:72
: ﴿والذين لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ وجهان:
أحدهما: أنه مفعول به، أي: لا يحضرون الزُّور، وفسر بالصَّنم واللهو. وقال أكثر المفسرين: يعني: الشرك.
والثاني: أنه مصدر، والمراد شهادة الزُّور، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. قاله علي بن أبي طالب.
وقال ابن جريج: الكذب. وقال مجاهد: أعياد المشركين. وقيل: النوح. وقال قتادة: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم. وكل هذه الوجوه محتملة.
وأصل «الزُّور» : تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق.
قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ﴾ أي: بأهله. قال مقاتل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا كقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ [القصص: 55] .
وقال الحسن والكلبي: اللغو: المعاصي كلها مما يجب أن يلغى ويتر.
«مَرُّوا كِرَاماً» مسرعين معرضين، يقال: تكرّم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عنه.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾ النفي متسلط على القيد، وهو الصمم والعمى، أي: إنَّهم يخرُّون عليها لكن لا على هاتين الصفتين.
قال الزمخشري: فقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا﴾ ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له ونفي للصمم والعمى، كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً. هو نفي للسلام لا للقاء، والمعنى: أنهم إذا ذكروا بها أكبّوا عليها حرصاً على استماعها، وأقبلوا على المذكر بها وهم في إكبابهم عليها سامعون بآذان واعية ويبصرون بعيون واعية، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها مظهرين الحرص الشديد على استماعها، وهم كالصُّمِّ والعميان حيث لا يفهمونها، ولا يبصرون ما فيها، وفيه تعريض بالمنافقين.
قوله
الفرقان 25:73
: ﴿والذين لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ وجهان:
أحدهما: أنه مفعول به، أي: لا يحضرون الزُّور، وفسر بالصَّنم واللهو. وقال أكثر المفسرين: يعني: الشرك.
والثاني: أنه مصدر، والمراد شهادة الزُّور، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. قاله علي بن أبي طالب.
وقال ابن جريج: الكذب. وقال مجاهد: أعياد المشركين. وقيل: النوح. وقال قتادة: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم. وكل هذه الوجوه محتملة.
وأصل «الزُّور» : تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق.
قوله: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ﴾ أي: بأهله. قال مقاتل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا كقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ [القصص: 55] .
وقال الحسن والكلبي: اللغو: المعاصي كلها مما يجب أن يلغى ويتر.
«مَرُّوا كِرَاماً» مسرعين معرضين، يقال: تكرّم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عنه.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾ النفي متسلط على القيد، وهو الصمم والعمى، أي: إنَّهم يخرُّون عليها لكن لا على هاتين الصفتين.
قال الزمخشري: فقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا﴾ ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له ونفي للصمم والعمى، كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً. هو نفي للسلام لا للقاء، والمعنى: أنهم إذا ذكروا بها أكبّوا عليها حرصاً على استماعها، وأقبلوا على المذكر بها وهم في إكبابهم عليها سامعون بآذان واعية ويبصرون بعيون واعية، لا كالذين يذكرون بها فتراهم مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها مظهرين الحرص الشديد على استماعها، وهم كالصُّمِّ والعميان حيث لا يفهمونها، ولا يبصرون ما فيها، وفيه تعريض بالمنافقين.
قوله
الفرقان 25:74
: ﴿والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ .
يجوز أن تكون «من» لابتداء الغاية، أي: هب لنا من جهتهم ما تقرّ به عيوننا من طاعة وصلاح، وأن تكون للبيان، قاله الزمخشري وجعله من التَّجريد، أي: هب لنا قُرَّة أعْيُنٍ من أزواجنا كقولك رأيتُ مِنْكَ أسَداً.
وقرأ أبو عمرو والأخوان وأبو بكر «ذُرِّيَّتِنَا» بالتوحيد، والباقون بالجمع سلامة وقرأ أبو هريرة وأبو الدرداء وابن مسعود «قُرَّاتِ» بالجمع، وقال الزمخشري: أتى هنا ب «أَعْيُنٍ» صيغة القلة دون (عُيُونٍ) صيغة الكثرة، إيذاناً بأنَّ عيون المتقين قليلة بالنسبة إلى عيون غيرهم. وردَّه أبو حيان بأن أعيُناً يطلق على العشرة فما دونها، وعيون المتقين كثيرة فوق العشرة. وهذا تحمُّلٌ عليه، لأنَّه إنما أراد القلة بالنسبة إلى كثرة غيرهم، ولم يُرِدْ قَدْراً مخصوصاً.
فصل
أراد قرة أعين لهم في الدين لا في الدنيا من المال والجمال، قال الزجاج: يقال: أقرَّ الله عينك، أي: صادف فؤادك ما يحبه وقال المفضل: في قرة العين ثلاثة أقوال:
أحدها: برد دمعتها، وهي التي تكون مع السرور، ودمعة الحزن حارة.
الثاني: فرحها، لأنه يكون مع ذهاب الحزن والوجع.
الثالث: قال الأزهري: حصول الرضا.
قوله: ﴿واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ في «إمَاماً» وجهان:
أحدهما: أنه مفرد، وجاء به مفرداً إرادة للجنس، وجنسه كونه رأس فاصلة. (أو المراد: اجعل كل واحد منا إماماً. كما قال ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [الحج: 5] .
قال الفراء: قال «إِمَاماً» ولم يقل: أئمة. كما قال للاثنين ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: 16] . وقيل: أراد أئمة كقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي﴾ [الشعراء: 77] ، وإمَّا لاتحادهم واتفاق كلمتهم، وإمَّا لأنَّه مصدرٌ في الأصل كصيام وقيام.
الثاني: أنه جمع آمٍّ كحالٍّ وحلال، أو جمع إمامة كقلادة وقلاد.
قال القفال: وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه قيل: اجعلنا
الفرقان 25:75
حجة للمتقين، ومثله البينة يقال: هؤلاء بينة فلان.
فصل
قال الحسن: نقتدي بالمتقين ويقتدي بنا المتقون. وقال ابن عباس: اجعلنا أئمة هداة كما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ [الأنبياء: 73] ولا تجعلنا أئمة ضلالة، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار﴾ [القصص: 41] . وقيل هذا من المقلوب، أي: واجعل المتقين لنا إماماً واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم قاله مجاهد.
فصل
قيل: نزلت الآية في العشرة المبشرين بالجنة.
قال بعضهم: هذه الآية تدل على وجوب طلب الرياسة في الدين والرغبة فيها، قال إبراهيم - عليه السلام - ﴿واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين﴾ [الشعراء: 84] واحتج أهل السنة بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، لأن الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل، والعلم والعمل إنما يكون بجعل الله وخلقه.
قال القاضي: المراد من هذا السؤال الألطاف التي إذا كثرت صاروا مختارين لهذه الأشياء فيصيرون أئمة.
والجواب: أن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.
واعلم أنه تعالى لما بيَّن صفات المتقين المخلصين بيَّن بعده إحسانه إليهم.
قوله
: ﴿أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة﴾ أي: يثابون الغرفة، وهي الدرجة العالية. و «الغُرْفَة» مفعول ثان ل «يُجْزَونَ» ، والغُرْفَةُ كُلُّ بِنَاء مرتفع، والجمع غُرَفٌ.
قوله: «بِمَا صَبَرُوا» أي بِصَبْرِهم، أي: بِسَببه أو بسبب الذي صبروه، والأصل: صبروا عليه، ثم حذف بالتدريج. والباء للسببية كما تقدم، وقيل: للبدل، كقوله:
3893 - فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْماً ... ... ولا حاجة إلى ذلك. وذكر الصبر ولم يذكر المصبور عنه، ليعمّ جميع أنواع المشاقّ، ولا وجه لقول من يقول: المراد الصبر على الفقر خاصة.
قوله: «وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا» قرأ الأخوان وأبو بكر بفتح الياء وسكون اللام من لَقِيَ يَلْقَى، والباقون بضمها، وفتح اللام وتشديد القاف على بنائه للمفعول، كقوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان: 11] . والتحيّة الدعاء بالتعمير، أي: بقاء دائماً، وقيل: الملك. والسلام الدعاء بالسلامة، أو يسلم بعضهم على بعض. وهذه التحيّة والسلام يمكن أن يكون من الله كقوله ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] . ويمكن أن يكون من الملائكة لقوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ﴾ [الرعد: 23 - 24] . ويمكن أن يكون بعضهم على بعض.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ . وصف ذلك بالدوام بقوله: «خالدين فيها» ، وقوله: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ أي: موضع قرار وإقامة، وهذا في مقابلة قوله: ﴿سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان: 66] أي: ما أسوأ ذاك وأحسن هذا.
قوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ . قال مجاهد وابن زيد: أي: ما يصنع وما يفعل بكم. قال أبو عبيدة: يقال: ما عَبَأْت به شيئاً، أي: لم أُبَالِهِ، فوجوده وعدمه سواء. وقال الزجاج: معناه لا وزن لكم عندي والعبء في اللغة الثقل. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما يبالي ربكم، ويقال: ما عبأت بك، أي: ما اهتممت ولا اكترثت، ويقال: عبأت الجيش وعبأته، أي: هيأته وأعددته. قوله: «لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ» جوابها محذوف لدلالة ما تقدم، أي: لولا دعاؤكم ما أعبأ بكم ولا أكترث، و «ما» يجوز أن تكون نافية، وهو الظاهر، وقيل: استفهام، بمعنى النفي، ولا حاجة إلى التجوز في شيء يصح أن يكون حقيقته بنفسه. و «دُعَاؤُكُمْ» يجوز أن يكون مضافاً للفاعل، أي: لولا تضرّعكم إليه، ويجوز أن يكون مضافاً للمفعول، أي: لولا دعاؤكم إيّاهُ إلى الهدى.
فصل
ومعنى هذا الدعاء وجوه:
الأول: لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ [العنكبوت: 65] .
الثاني: لولا شكركم له على إحسانه، لقوله: ﴿مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ﴾ [النساء: 147] .
الثالث: لولا عبادتكم.
الرابع: لولا إيمانكم.
وقيل المعنى: ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم.
وقيل: المعنى: قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه، يعني أنه خلقكم لعبادته كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] . قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: معناه ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما يفعل الله بعذابكم لولا شرككم كما قال: ﴿مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: 147] .
قوله: «فَقَدْ كَذَّبْتُمْ» أيها الكافرون يخاطب أهل مكة، يعني أن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه. وقرئ «فقد كذب الكافرون» قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ أي: فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم، وهذا عقاب الآخرة، ونظيره أن يقول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك بسبب عصيانك.
قوله: «لِزَاماً» قرئ بالفتح يعني اللزوم كالثبات والثبوت.
قال ابن عباس: موتاً. وقال أبو عبيدة: هلاكاً. وقال ابن زيد: قتالاً والمعنى: يكون التكذيب لازماً لمن كذب فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله. وقال ابن جريج: عذاباً دائماً لازماً وهلاكاً مُفْنِياً يلحق بعضكم ببعض. قال ابن مسعود وأبيّ بن كعب ومجاهد ومقاتل: هو يوم بدر واتصل بهم عذاب الآخرة لازماً لهم. وقال عبد الله بن مسعود: خمس قد مضين الدخان والقمر واليوم والبطشة واللزام: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ . روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ سورة الفرقان بعثه الله يوم القيامة وهو يؤمن أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، ودخل الجنة بغير حساب» .
سورة الشعراء
الفرقان 25:76
حجة للمتقين، ومثله البينة يقال: هؤلاء بينة فلان.
فصل
قال الحسن: نقتدي بالمتقين ويقتدي بنا المتقون. وقال ابن عباس: اجعلنا أئمة هداة كما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ [الأنبياء: 73] ولا تجعلنا أئمة ضلالة، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار﴾ [القصص: 41] . وقيل هذا من المقلوب، أي: واجعل المتقين لنا إماماً واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم قاله مجاهد.
فصل
قيل: نزلت الآية في العشرة المبشرين بالجنة.
قال بعضهم: هذه الآية تدل على وجوب طلب الرياسة في الدين والرغبة فيها، قال إبراهيم - عليه السلام - ﴿واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين﴾ [الشعراء: 84] واحتج أهل السنة بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، لأن الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل، والعلم والعمل إنما يكون بجعل الله وخلقه.
قال القاضي: المراد من هذا السؤال الألطاف التي إذا كثرت صاروا مختارين لهذه الأشياء فيصيرون أئمة.
والجواب: أن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.
واعلم أنه تعالى لما بيَّن صفات المتقين المخلصين بيَّن بعده إحسانه إليهم.
قوله
: ﴿أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة﴾ أي: يثابون الغرفة، وهي الدرجة العالية. و «الغُرْفَة» مفعول ثان ل «يُجْزَونَ» ، والغُرْفَةُ كُلُّ بِنَاء مرتفع، والجمع غُرَفٌ.
قوله: «بِمَا صَبَرُوا» أي بِصَبْرِهم، أي: بِسَببه أو بسبب الذي صبروه، والأصل: صبروا عليه، ثم حذف بالتدريج. والباء للسببية كما تقدم، وقيل: للبدل، كقوله:
3893 - فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْماً ... ... ولا حاجة إلى ذلك. وذكر الصبر ولم يذكر المصبور عنه، ليعمّ جميع أنواع المشاقّ، ولا وجه لقول من يقول: المراد الصبر على الفقر خاصة.
قوله: «وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا» قرأ الأخوان وأبو بكر بفتح الياء وسكون اللام من لَقِيَ يَلْقَى، والباقون بضمها، وفتح اللام وتشديد القاف على بنائه للمفعول، كقوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان: 11] . والتحيّة الدعاء بالتعمير، أي: بقاء دائماً، وقيل: الملك. والسلام الدعاء بالسلامة، أو يسلم بعضهم على بعض. وهذه التحيّة والسلام يمكن أن يكون من الله كقوله ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] . ويمكن أن يكون من الملائكة لقوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ﴾ [الرعد: 23 - 24] . ويمكن أن يكون بعضهم على بعض.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ . وصف ذلك بالدوام بقوله: «خالدين فيها» ، وقوله: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ أي: موضع قرار وإقامة، وهذا في مقابلة قوله: ﴿سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان: 66] أي: ما أسوأ ذاك وأحسن هذا.
قوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ . قال مجاهد وابن زيد: أي: ما يصنع وما يفعل بكم. قال أبو عبيدة: يقال: ما عَبَأْت به شيئاً، أي: لم أُبَالِهِ، فوجوده وعدمه سواء. وقال الزجاج: معناه لا وزن لكم عندي والعبء في اللغة الثقل. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما يبالي ربكم، ويقال: ما عبأت بك، أي: ما اهتممت ولا اكترثت، ويقال: عبأت الجيش وعبأته، أي: هيأته وأعددته. قوله: «لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ» جوابها محذوف لدلالة ما تقدم، أي: لولا دعاؤكم ما أعبأ بكم ولا أكترث، و «ما» يجوز أن تكون نافية، وهو الظاهر، وقيل: استفهام، بمعنى النفي، ولا حاجة إلى التجوز في شيء يصح أن يكون حقيقته بنفسه. و «دُعَاؤُكُمْ» يجوز أن يكون مضافاً للفاعل، أي: لولا تضرّعكم إليه، ويجوز أن يكون مضافاً للمفعول، أي: لولا دعاؤكم إيّاهُ إلى الهدى.
فصل
ومعنى هذا الدعاء وجوه:
الأول: لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ [العنكبوت: 65] .
الثاني: لولا شكركم له على إحسانه، لقوله: ﴿مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ﴾ [النساء: 147] .
الثالث: لولا عبادتكم.
الرابع: لولا إيمانكم.
وقيل المعنى: ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم.
وقيل: المعنى: قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه، يعني أنه خلقكم لعبادته كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] . قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: معناه ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما يفعل الله بعذابكم لولا شرككم كما قال: ﴿مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: 147] .
قوله: «فَقَدْ كَذَّبْتُمْ» أيها الكافرون يخاطب أهل مكة، يعني أن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه. وقرئ «فقد كذب الكافرون» قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ أي: فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم، وهذا عقاب الآخرة، ونظيره أن يقول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك بسبب عصيانك.
قوله: «لِزَاماً» قرئ بالفتح يعني اللزوم كالثبات والثبوت.
قال ابن عباس: موتاً. وقال أبو عبيدة: هلاكاً. وقال ابن زيد: قتالاً والمعنى: يكون التكذيب لازماً لمن كذب فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله. وقال ابن جريج: عذاباً دائماً لازماً وهلاكاً مُفْنِياً يلحق بعضكم ببعض. قال ابن مسعود وأبيّ بن كعب ومجاهد ومقاتل: هو يوم بدر واتصل بهم عذاب الآخرة لازماً لهم. وقال عبد الله بن مسعود: خمس قد مضين الدخان والقمر واليوم والبطشة واللزام: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ . روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ سورة الفرقان بعثه الله يوم القيامة وهو يؤمن أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، ودخل الجنة بغير حساب» .
سورة الشعراء
الفرقان 25:77
حجة للمتقين، ومثله البينة يقال: هؤلاء بينة فلان.
فصل
قال الحسن: نقتدي بالمتقين ويقتدي بنا المتقون. وقال ابن عباس: اجعلنا أئمة هداة كما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ [الأنبياء: 73] ولا تجعلنا أئمة ضلالة، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار﴾ [القصص: 41] . وقيل هذا من المقلوب، أي: واجعل المتقين لنا إماماً واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم قاله مجاهد.
فصل
قيل: نزلت الآية في العشرة المبشرين بالجنة.
قال بعضهم: هذه الآية تدل على وجوب طلب الرياسة في الدين والرغبة فيها، قال إبراهيم - عليه السلام - ﴿واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين﴾ [الشعراء: 84] واحتج أهل السنة بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، لأن الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل، والعلم والعمل إنما يكون بجعل الله وخلقه.
قال القاضي: المراد من هذا السؤال الألطاف التي إذا كثرت صاروا مختارين لهذه الأشياء فيصيرون أئمة.
والجواب: أن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.
واعلم أنه تعالى لما بيَّن صفات المتقين المخلصين بيَّن بعده إحسانه إليهم.
قوله
: ﴿أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة﴾ أي: يثابون الغرفة، وهي الدرجة العالية. و «الغُرْفَة» مفعول ثان ل «يُجْزَونَ» ، والغُرْفَةُ كُلُّ بِنَاء مرتفع، والجمع غُرَفٌ.
قوله: «بِمَا صَبَرُوا» أي بِصَبْرِهم، أي: بِسَببه أو بسبب الذي صبروه، والأصل: صبروا عليه، ثم حذف بالتدريج. والباء للسببية كما تقدم، وقيل: للبدل، كقوله:
3893 - فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْماً ... ... ولا حاجة إلى ذلك. وذكر الصبر ولم يذكر المصبور عنه، ليعمّ جميع أنواع المشاقّ، ولا وجه لقول من يقول: المراد الصبر على الفقر خاصة.
قوله: «وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا» قرأ الأخوان وأبو بكر بفتح الياء وسكون اللام من لَقِيَ يَلْقَى، والباقون بضمها، وفتح اللام وتشديد القاف على بنائه للمفعول، كقوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً﴾ [الإنسان: 11] . والتحيّة الدعاء بالتعمير، أي: بقاء دائماً، وقيل: الملك. والسلام الدعاء بالسلامة، أو يسلم بعضهم على بعض. وهذه التحيّة والسلام يمكن أن يكون من الله كقوله ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] . ويمكن أن يكون من الملائكة لقوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ﴾ [الرعد: 23 - 24] . ويمكن أن يكون بعضهم على بعض.
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ . وصف ذلك بالدوام بقوله: «خالدين فيها» ، وقوله: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ أي: موضع قرار وإقامة، وهذا في مقابلة قوله: ﴿سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان: 66] أي: ما أسوأ ذاك وأحسن هذا.
قوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ . قال مجاهد وابن زيد: أي: ما يصنع وما يفعل بكم. قال أبو عبيدة: يقال: ما عَبَأْت به شيئاً، أي: لم أُبَالِهِ، فوجوده وعدمه سواء. وقال الزجاج: معناه لا وزن لكم عندي والعبء في اللغة الثقل. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما يبالي ربكم، ويقال: ما عبأت بك، أي: ما اهتممت ولا اكترثت، ويقال: عبأت الجيش وعبأته، أي: هيأته وأعددته. قوله: «لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ» جوابها محذوف لدلالة ما تقدم، أي: لولا دعاؤكم ما أعبأ بكم ولا أكترث، و «ما» يجوز أن تكون نافية، وهو الظاهر، وقيل: استفهام، بمعنى النفي، ولا حاجة إلى التجوز في شيء يصح أن يكون حقيقته بنفسه. و «دُعَاؤُكُمْ» يجوز أن يكون مضافاً للفاعل، أي: لولا تضرّعكم إليه، ويجوز أن يكون مضافاً للمفعول، أي: لولا دعاؤكم إيّاهُ إلى الهدى.
فصل
ومعنى هذا الدعاء وجوه:
الأول: لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ [العنكبوت: 65] .
الثاني: لولا شكركم له على إحسانه، لقوله: ﴿مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ﴾ [النساء: 147] .
الثالث: لولا عبادتكم.
الرابع: لولا إيمانكم.
وقيل المعنى: ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم.
وقيل: المعنى: قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه، يعني أنه خلقكم لعبادته كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] . قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل: معناه ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما يفعل الله بعذابكم لولا شرككم كما قال: ﴿مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: 147] .
قوله: «فَقَدْ كَذَّبْتُمْ» أيها الكافرون يخاطب أهل مكة، يعني أن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه. وقرئ «فقد كذب الكافرون» قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ أي: فسوف يلزمكم أثر تكذيبكم، وهذا عقاب الآخرة، ونظيره أن يقول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى ما أحل بك بسبب عصيانك.
قوله: «لِزَاماً» قرئ بالفتح يعني اللزوم كالثبات والثبوت.
قال ابن عباس: موتاً. وقال أبو عبيدة: هلاكاً. وقال ابن زيد: قتالاً والمعنى: يكون التكذيب لازماً لمن كذب فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله. وقال ابن جريج: عذاباً دائماً لازماً وهلاكاً مُفْنِياً يلحق بعضكم ببعض. قال ابن مسعود وأبيّ بن كعب ومجاهد ومقاتل: هو يوم بدر واتصل بهم عذاب الآخرة لازماً لهم. وقال عبد الله بن مسعود: خمس قد مضين الدخان والقمر واليوم والبطشة واللزام: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾ . روى الثعلبي عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ سورة الفرقان بعثه الله يوم القيامة وهو يؤمن أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، ودخل الجنة بغير حساب» .
سورة الشعراء
الشعراء 26:1
مكية إلا قوله: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ [الشعراء: 224 - 227] إلى آخرها فإنها مدنية وهي مائتان وسبع وعشرون آية، وألف ومائتان وسبع وتسعون كلمة، وخمسة آلاف وخمسمائة واثنان وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين﴾ .
أظهر حمزة نُونَ «سِين» قبل الميم، كأنا ناوٍ الوقف، وإلاّ فإدغام مثله واجب والباقون يدغمون. وتقدم إعراب الحروف المقطعة. وفي مصحف عبد الله: «ط س م» مقطوعة من بعضها. قيل: وهي قراءة أبي جعفر، يعنون أنه يقف على كل حرف وقفة يميز بها كل حرف، وإلا لم يتصور أن يلفظ بها على صورتها في هذا الرسم وقرأ عيسى - وتروى عن نافع - بكسر الميم هنا وفي القصص على البناء. وأمال الطاءَ الأخوان وأبو بكر، وقد تقدم. روى عكرمة عن ابن عباس قال: (طسم) عجزت العلماء عن علم تفسيرها. وروى عليّ بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أنه قسم، وهو من أسماء الله تعالى. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم للسورة. وقال محمد بن كعب القرظي: قسمٌ بطوله وسناه وملكه. «تِلْكَ آيَاتُ» أي: هذه الآيات آيات «الكِتَابِ المُبِينِ» قوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} . قرأ قتادة: «بَاخِعٌ نَفْسِكَ» على الإضافة. والمعنى قاتل نفسك ﴿أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن لم يؤمنوا، وذلك حين كذبه أهل مكة فشق عليه ذلك، وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية، وهذا تسليَة للرسول، أي: لا تبالغ في الحزن والأسف، فصبّره وعزَّاه وعرّفه أن غمه وحزنه لا ينفع، كما أن وجود الكتاب ووضحوه لا ينفع.
قوله: ﴿إِنْ نَّشَأْ نُنَزِّلْ﴾ . العامة على نون العظمة فيهما. وروي عن أبي عمرو بالياء فيهما، أي: إِنْ يَشَأ الله يُنزِّل. و «إن» أصلها أن تدخل على المشكوك فيه أو المحقق المبهم زمانه، والآية من هذا الثاني.
قوله: «فَظَلَّتْ» عطف على «نُنَزِّلْ» فهو في محل جزم. ويجوز أن يكون مستأنفاً غير معطوف على الجزاء. ويؤيد الأول قراءة طلحة: «فَتَظْلَل» بالمضارع مفكوكاً. قوله: «خَاضِعِينَ» . فيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر عن «أَعْنَاقُهُمْ» . واستُشكِل جمعه جمع سلامة؛ لأنه مختص بالعقلاء. وأجيب عنه بأوجه:
أحدها: أن المراد بالأعناقِ: الرؤساء كما قيل: لهم وجوه وصدور، قال:
3894 - فِي مَحْفِلٍ من نواصِي الخَيْلِ مَشْهُودِ ... الثاني: أنه على حذف مضاف، أي: فظل أصحاب الأعناق، ثم حذف وبقي الخبر على ما كان عليه قبل حذف المُخْبَرِ عنه مراعاة للمحذوف، وتقدم ذلك قريباً عند قراءة: ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: 61] .
الثالث: أنه لما أضيف إلى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم، كما يكتسب التأنيث بالإضافة لمؤنث في قوله: 3895 - كَمَا شَرَقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ ... الرابع: أن «الأعناق» جمع «عُنُقٍ» من الناس، وهم الجماعة، فليس المراد الجارحة البتة، ومنه قوله:
3896 - أَنَّ العِرَاقَ وأَهْلَهُ ... عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتَا
وهذا قريب من معنى الأول، إلا أن هذا القائل يطلق «الأعناق» على جماعة الناس مطلقاً، رؤساء كانوا أو غيرهم.
الخامس: قال الزمخشري: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فأقحمت «الأعناق» لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله كقولهم: ذهَبَتْ أهل [اليمامة، كأن الأهل غير مذكور. قال شهاب الدين: وفي التنظير بقوله: ذهبت أهل اليمامة] نظر، لأن (أهل) ليس مقحماً البتة، لأنه المقصود بالحكم، وأما التأنيث فلاكتسابه التأنيث (بالإضافة) .
السادس: أنها عوملت معاملة العقلاء لمَّا أُسْنِدَ إليهم ما يكون فِعْل العقلاء، كقوله: «سَاجِدِينَ» و «طَائِعِين» في يوسف وفصلت.
وقيل: إنما قال: «خاضِعِينَ» لموافقة رؤوس الآي.
والثاني: أنه منصوب على الحال من الضمير في «أَعْنَاقُهُم» قال الكسائي وضعفه أبو البقاء، قال: لأن «خاضِعِين» يكون جارياً على غير فاعل «ظَلَّتْ» فيفتقر إلى إبراز ضمير الفاعل، فكان يجب أن يكون: خاضعين هم.
قال شهاب الدين: ولم يجر «خاضِعِين» في اللفظ والمعنى إلا على من هُوَ له، وهو الضمير في «أَعْنَاقُهُمْ» ، والمسألة التي قالها: هي أن يجري الوصف على غير من هو له في اللفظ دون المعنى، فكيف يلزم ما ألزمه به، على أنه لو كان كذلك لم يلزم ما قاله، لأن الكسائي والكوفيين لا يوجبون إبراز الضمير في هذه المسألة إذا أمن اللبسن فهو (لا) يلتزم ما ألزمه به، ولو ضعف بمجيء الحال من المضاف إليه لكان أقرب، على أنه لا يضعف؛ لأن المضاف جزء من المضاف إليه كقوله: ﴿مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً﴾ [الحجر: 47] .
الشعراء 26:2
مكية إلا قوله: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ [الشعراء: 224 - 227] إلى آخرها فإنها مدنية وهي مائتان وسبع وعشرون آية، وألف ومائتان وسبع وتسعون كلمة، وخمسة آلاف وخمسمائة واثنان وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين﴾ .
أظهر حمزة نُونَ «سِين» قبل الميم، كأنا ناوٍ الوقف، وإلاّ فإدغام مثله واجب والباقون يدغمون. وتقدم إعراب الحروف المقطعة. وفي مصحف عبد الله: «ط س م» مقطوعة من بعضها. قيل: وهي قراءة أبي جعفر، يعنون أنه يقف على كل حرف وقفة يميز بها كل حرف، وإلا لم يتصور أن يلفظ بها على صورتها في هذا الرسم وقرأ عيسى - وتروى عن نافع - بكسر الميم هنا وفي القصص على البناء. وأمال الطاءَ الأخوان وأبو بكر، وقد تقدم. روى عكرمة عن ابن عباس قال: (طسم) عجزت العلماء عن علم تفسيرها. وروى عليّ بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أنه قسم، وهو من أسماء الله تعالى. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم للسورة. وقال محمد بن كعب القرظي: قسمٌ بطوله وسناه وملكه. «تِلْكَ آيَاتُ» أي: هذه الآيات آيات «الكِتَابِ المُبِينِ» قوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} . قرأ قتادة: «بَاخِعٌ نَفْسِكَ» على الإضافة. والمعنى قاتل نفسك ﴿أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن لم يؤمنوا، وذلك حين كذبه أهل مكة فشق عليه ذلك، وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية، وهذا تسليَة للرسول، أي: لا تبالغ في الحزن والأسف، فصبّره وعزَّاه وعرّفه أن غمه وحزنه لا ينفع، كما أن وجود الكتاب ووضحوه لا ينفع.
قوله: ﴿إِنْ نَّشَأْ نُنَزِّلْ﴾ . العامة على نون العظمة فيهما. وروي عن أبي عمرو بالياء فيهما، أي: إِنْ يَشَأ الله يُنزِّل. و «إن» أصلها أن تدخل على المشكوك فيه أو المحقق المبهم زمانه، والآية من هذا الثاني.
قوله: «فَظَلَّتْ» عطف على «نُنَزِّلْ» فهو في محل جزم. ويجوز أن يكون مستأنفاً غير معطوف على الجزاء. ويؤيد الأول قراءة طلحة: «فَتَظْلَل» بالمضارع مفكوكاً. قوله: «خَاضِعِينَ» . فيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر عن «أَعْنَاقُهُمْ» . واستُشكِل جمعه جمع سلامة؛ لأنه مختص بالعقلاء. وأجيب عنه بأوجه:
أحدها: أن المراد بالأعناقِ: الرؤساء كما قيل: لهم وجوه وصدور، قال:
3894 - فِي مَحْفِلٍ من نواصِي الخَيْلِ مَشْهُودِ ... الثاني: أنه على حذف مضاف، أي: فظل أصحاب الأعناق، ثم حذف وبقي الخبر على ما كان عليه قبل حذف المُخْبَرِ عنه مراعاة للمحذوف، وتقدم ذلك قريباً عند قراءة: ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: 61] .
الثالث: أنه لما أضيف إلى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم، كما يكتسب التأنيث بالإضافة لمؤنث في قوله: 3895 - كَمَا شَرَقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ ... الرابع: أن «الأعناق» جمع «عُنُقٍ» من الناس، وهم الجماعة، فليس المراد الجارحة البتة، ومنه قوله:
3896 - أَنَّ العِرَاقَ وأَهْلَهُ ... عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتَا
وهذا قريب من معنى الأول، إلا أن هذا القائل يطلق «الأعناق» على جماعة الناس مطلقاً، رؤساء كانوا أو غيرهم.
الخامس: قال الزمخشري: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فأقحمت «الأعناق» لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله كقولهم: ذهَبَتْ أهل [اليمامة، كأن الأهل غير مذكور. قال شهاب الدين: وفي التنظير بقوله: ذهبت أهل اليمامة] نظر، لأن (أهل) ليس مقحماً البتة، لأنه المقصود بالحكم، وأما التأنيث فلاكتسابه التأنيث (بالإضافة) .
السادس: أنها عوملت معاملة العقلاء لمَّا أُسْنِدَ إليهم ما يكون فِعْل العقلاء، كقوله: «سَاجِدِينَ» و «طَائِعِين» في يوسف وفصلت.
وقيل: إنما قال: «خاضِعِينَ» لموافقة رؤوس الآي.
والثاني: أنه منصوب على الحال من الضمير في «أَعْنَاقُهُم» قال الكسائي وضعفه أبو البقاء، قال: لأن «خاضِعِين» يكون جارياً على غير فاعل «ظَلَّتْ» فيفتقر إلى إبراز ضمير الفاعل، فكان يجب أن يكون: خاضعين هم.
قال شهاب الدين: ولم يجر «خاضِعِين» في اللفظ والمعنى إلا على من هُوَ له، وهو الضمير في «أَعْنَاقُهُمْ» ، والمسألة التي قالها: هي أن يجري الوصف على غير من هو له في اللفظ دون المعنى، فكيف يلزم ما ألزمه به، على أنه لو كان كذلك لم يلزم ما قاله، لأن الكسائي والكوفيين لا يوجبون إبراز الضمير في هذه المسألة إذا أمن اللبسن فهو (لا) يلتزم ما ألزمه به، ولو ضعف بمجيء الحال من المضاف إليه لكان أقرب، على أنه لا يضعف؛ لأن المضاف جزء من المضاف إليه كقوله: ﴿مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً﴾ [الحجر: 47] .
الشعراء 26:3
مكية إلا قوله: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ [الشعراء: 224 - 227] إلى آخرها فإنها مدنية وهي مائتان وسبع وعشرون آية، وألف ومائتان وسبع وتسعون كلمة، وخمسة آلاف وخمسمائة واثنان وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين﴾ .
أظهر حمزة نُونَ «سِين» قبل الميم، كأنا ناوٍ الوقف، وإلاّ فإدغام مثله واجب والباقون يدغمون. وتقدم إعراب الحروف المقطعة. وفي مصحف عبد الله: «ط س م» مقطوعة من بعضها. قيل: وهي قراءة أبي جعفر، يعنون أنه يقف على كل حرف وقفة يميز بها كل حرف، وإلا لم يتصور أن يلفظ بها على صورتها في هذا الرسم وقرأ عيسى - وتروى عن نافع - بكسر الميم هنا وفي القصص على البناء. وأمال الطاءَ الأخوان وأبو بكر، وقد تقدم. روى عكرمة عن ابن عباس قال: (طسم) عجزت العلماء عن علم تفسيرها. وروى عليّ بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أنه قسم، وهو من أسماء الله تعالى. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم للسورة. وقال محمد بن كعب القرظي: قسمٌ بطوله وسناه وملكه. «تِلْكَ آيَاتُ» أي: هذه الآيات آيات «الكِتَابِ المُبِينِ» قوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} . قرأ قتادة: «بَاخِعٌ نَفْسِكَ» على الإضافة. والمعنى قاتل نفسك ﴿أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن لم يؤمنوا، وذلك حين كذبه أهل مكة فشق عليه ذلك، وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية، وهذا تسليَة للرسول، أي: لا تبالغ في الحزن والأسف، فصبّره وعزَّاه وعرّفه أن غمه وحزنه لا ينفع، كما أن وجود الكتاب ووضحوه لا ينفع.
قوله: ﴿إِنْ نَّشَأْ نُنَزِّلْ﴾ . العامة على نون العظمة فيهما. وروي عن أبي عمرو بالياء فيهما، أي: إِنْ يَشَأ الله يُنزِّل. و «إن» أصلها أن تدخل على المشكوك فيه أو المحقق المبهم زمانه، والآية من هذا الثاني.
قوله: «فَظَلَّتْ» عطف على «نُنَزِّلْ» فهو في محل جزم. ويجوز أن يكون مستأنفاً غير معطوف على الجزاء. ويؤيد الأول قراءة طلحة: «فَتَظْلَل» بالمضارع مفكوكاً. قوله: «خَاضِعِينَ» . فيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر عن «أَعْنَاقُهُمْ» . واستُشكِل جمعه جمع سلامة؛ لأنه مختص بالعقلاء. وأجيب عنه بأوجه:
أحدها: أن المراد بالأعناقِ: الرؤساء كما قيل: لهم وجوه وصدور، قال:
3894 - فِي مَحْفِلٍ من نواصِي الخَيْلِ مَشْهُودِ ... الثاني: أنه على حذف مضاف، أي: فظل أصحاب الأعناق، ثم حذف وبقي الخبر على ما كان عليه قبل حذف المُخْبَرِ عنه مراعاة للمحذوف، وتقدم ذلك قريباً عند قراءة: ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: 61] .
الثالث: أنه لما أضيف إلى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم، كما يكتسب التأنيث بالإضافة لمؤنث في قوله: 3895 - كَمَا شَرَقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ ... الرابع: أن «الأعناق» جمع «عُنُقٍ» من الناس، وهم الجماعة، فليس المراد الجارحة البتة، ومنه قوله:
3896 - أَنَّ العِرَاقَ وأَهْلَهُ ... عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتَا
وهذا قريب من معنى الأول، إلا أن هذا القائل يطلق «الأعناق» على جماعة الناس مطلقاً، رؤساء كانوا أو غيرهم.
الخامس: قال الزمخشري: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فأقحمت «الأعناق» لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله كقولهم: ذهَبَتْ أهل [اليمامة، كأن الأهل غير مذكور. قال شهاب الدين: وفي التنظير بقوله: ذهبت أهل اليمامة] نظر، لأن (أهل) ليس مقحماً البتة، لأنه المقصود بالحكم، وأما التأنيث فلاكتسابه التأنيث (بالإضافة) .
السادس: أنها عوملت معاملة العقلاء لمَّا أُسْنِدَ إليهم ما يكون فِعْل العقلاء، كقوله: «سَاجِدِينَ» و «طَائِعِين» في يوسف وفصلت.
وقيل: إنما قال: «خاضِعِينَ» لموافقة رؤوس الآي.
والثاني: أنه منصوب على الحال من الضمير في «أَعْنَاقُهُم» قال الكسائي وضعفه أبو البقاء، قال: لأن «خاضِعِين» يكون جارياً على غير فاعل «ظَلَّتْ» فيفتقر إلى إبراز ضمير الفاعل، فكان يجب أن يكون: خاضعين هم.
قال شهاب الدين: ولم يجر «خاضِعِين» في اللفظ والمعنى إلا على من هُوَ له، وهو الضمير في «أَعْنَاقُهُمْ» ، والمسألة التي قالها: هي أن يجري الوصف على غير من هو له في اللفظ دون المعنى، فكيف يلزم ما ألزمه به، على أنه لو كان كذلك لم يلزم ما قاله، لأن الكسائي والكوفيين لا يوجبون إبراز الضمير في هذه المسألة إذا أمن اللبسن فهو (لا) يلتزم ما ألزمه به، ولو ضعف بمجيء الحال من المضاف إليه لكان أقرب، على أنه لا يضعف؛ لأن المضاف جزء من المضاف إليه كقوله: ﴿مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً﴾ [الحجر: 47] .
الشعراء 26:4
مكية إلا قوله: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ [الشعراء: 224 - 227] إلى آخرها فإنها مدنية وهي مائتان وسبع وعشرون آية، وألف ومائتان وسبع وتسعون كلمة، وخمسة آلاف وخمسمائة واثنان وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين﴾ .
أظهر حمزة نُونَ «سِين» قبل الميم، كأنا ناوٍ الوقف، وإلاّ فإدغام مثله واجب والباقون يدغمون. وتقدم إعراب الحروف المقطعة. وفي مصحف عبد الله: «ط س م» مقطوعة من بعضها. قيل: وهي قراءة أبي جعفر، يعنون أنه يقف على كل حرف وقفة يميز بها كل حرف، وإلا لم يتصور أن يلفظ بها على صورتها في هذا الرسم وقرأ عيسى - وتروى عن نافع - بكسر الميم هنا وفي القصص على البناء. وأمال الطاءَ الأخوان وأبو بكر، وقد تقدم. روى عكرمة عن ابن عباس قال: (طسم) عجزت العلماء عن علم تفسيرها. وروى عليّ بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس أنه قسم، وهو من أسماء الله تعالى. وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم للسورة. وقال محمد بن كعب القرظي: قسمٌ بطوله وسناه وملكه. «تِلْكَ آيَاتُ» أي: هذه الآيات آيات «الكِتَابِ المُبِينِ» قوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} . قرأ قتادة: «بَاخِعٌ نَفْسِكَ» على الإضافة. والمعنى قاتل نفسك ﴿أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن لم يؤمنوا، وذلك حين كذبه أهل مكة فشق عليه ذلك، وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية، وهذا تسليَة للرسول، أي: لا تبالغ في الحزن والأسف، فصبّره وعزَّاه وعرّفه أن غمه وحزنه لا ينفع، كما أن وجود الكتاب ووضحوه لا ينفع.
قوله: ﴿إِنْ نَّشَأْ نُنَزِّلْ﴾ . العامة على نون العظمة فيهما. وروي عن أبي عمرو بالياء فيهما، أي: إِنْ يَشَأ الله يُنزِّل. و «إن» أصلها أن تدخل على المشكوك فيه أو المحقق المبهم زمانه، والآية من هذا الثاني.
قوله: «فَظَلَّتْ» عطف على «نُنَزِّلْ» فهو في محل جزم. ويجوز أن يكون مستأنفاً غير معطوف على الجزاء. ويؤيد الأول قراءة طلحة: «فَتَظْلَل» بالمضارع مفكوكاً. قوله: «خَاضِعِينَ» . فيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر عن «أَعْنَاقُهُمْ» . واستُشكِل جمعه جمع سلامة؛ لأنه مختص بالعقلاء. وأجيب عنه بأوجه:
أحدها: أن المراد بالأعناقِ: الرؤساء كما قيل: لهم وجوه وصدور، قال:
3894 - فِي مَحْفِلٍ من نواصِي الخَيْلِ مَشْهُودِ ... الثاني: أنه على حذف مضاف، أي: فظل أصحاب الأعناق، ثم حذف وبقي الخبر على ما كان عليه قبل حذف المُخْبَرِ عنه مراعاة للمحذوف، وتقدم ذلك قريباً عند قراءة: ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: 61] .
الثالث: أنه لما أضيف إلى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم، كما يكتسب التأنيث بالإضافة لمؤنث في قوله: 3895 - كَمَا شَرَقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ ... الرابع: أن «الأعناق» جمع «عُنُقٍ» من الناس، وهم الجماعة، فليس المراد الجارحة البتة، ومنه قوله:
3896 - أَنَّ العِرَاقَ وأَهْلَهُ ... عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتَا
وهذا قريب من معنى الأول، إلا أن هذا القائل يطلق «الأعناق» على جماعة الناس مطلقاً، رؤساء كانوا أو غيرهم.
الخامس: قال الزمخشري: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين، فأقحمت «الأعناق» لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله كقولهم: ذهَبَتْ أهل [اليمامة، كأن الأهل غير مذكور. قال شهاب الدين: وفي التنظير بقوله: ذهبت أهل اليمامة] نظر، لأن (أهل) ليس مقحماً البتة، لأنه المقصود بالحكم، وأما التأنيث فلاكتسابه التأنيث (بالإضافة) .
السادس: أنها عوملت معاملة العقلاء لمَّا أُسْنِدَ إليهم ما يكون فِعْل العقلاء، كقوله: «سَاجِدِينَ» و «طَائِعِين» في يوسف وفصلت.
وقيل: إنما قال: «خاضِعِينَ» لموافقة رؤوس الآي.
والثاني: أنه منصوب على الحال من الضمير في «أَعْنَاقُهُم» قال الكسائي وضعفه أبو البقاء، قال: لأن «خاضِعِين» يكون جارياً على غير فاعل «ظَلَّتْ» فيفتقر إلى إبراز ضمير الفاعل، فكان يجب أن يكون: خاضعين هم.
قال شهاب الدين: ولم يجر «خاضِعِين» في اللفظ والمعنى إلا على من هُوَ له، وهو الضمير في «أَعْنَاقُهُمْ» ، والمسألة التي قالها: هي أن يجري الوصف على غير من هو له في اللفظ دون المعنى، فكيف يلزم ما ألزمه به، على أنه لو كان كذلك لم يلزم ما قاله، لأن الكسائي والكوفيين لا يوجبون إبراز الضمير في هذه المسألة إذا أمن اللبسن فهو (لا) يلتزم ما ألزمه به، ولو ضعف بمجيء الحال من المضاف إليه لكان أقرب، على أنه لا يضعف؛ لأن المضاف جزء من المضاف إليه كقوله: ﴿مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً﴾ [الحجر: 47] .
الشعراء 26:5
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ﴾ وعظ وتذكر ﴿مِّنَ الرحمن مُحْدَثٍ﴾ أي: محدث إنزاله فهو محدث في التنزيل. قال الكلبي: «كلما نزل من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول» .
وقوله: «إلاَّ كَانُوا» جملة حالية، وتقدم تحقيق هذا وما قبله في أول الأنبياء. ومعنى «مُعْرِضِينَ» أي: عن الإيمان به.
قوله: «فَقَدْ كَذَّبُوا» أي: بلغوا النهاية في ردّ آيات الله، «فَسَيَأْتِيهِمْ» أي: فسوف يأيتهم «أَنْبَاءُ» : أخبار وعواقب ﴿مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وذلك إما عند نزول العذاب عليهم في الدنيا، أو عند المعاينة في الآخرة كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ﴾ [ص: 88] . قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: صنف، والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه، يقال: «وجه كريم» إذا كان مرضياً في حسنه وجماله. و «كتاب كريم» : إذا كان مرضياً في فوائده ومعانيه. و «النبات الكريم» : هو المرضيّ في منافعه مما يأكل الناس والأنعام يقال: نخلة كريمة: [إذا طاب حملها، وناقة كريمة] : إذا كثر لبنها. قال الشعبي: الناس مثل نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.
قوله: «كَمْ أَنْبَتْنَا» . «كَمْ» للتكثير، فهي خبرية، وهي منصوبة بما بعدها على المفعول به، أي: كثيراً من الأزواج أنبتنا، و ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ تمييز.
وجوَّز أبو البقاء أن تكون حالاً. ولا معنى له. قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى الجمع بين «كَمْ» و «كُلِّ» ولو قيل: أنبتنا فيه من زوج كريم. قلت: قد دل «كُلّ» على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و «كَمْ» على أن هذا المحيط مُتَكَاثِرٌ مُفْرِطٌ في الكثرة.
قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت «لآيَةً» دلالة على لوجودي وتوحيدي وكمال قدرتي وقوله: «لِلْمؤْمِنِينَ» كقوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] لأنهم المنتفعون بذلك ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ : مصدقين، أي: سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون.
وقال سيبويه: (كان) هنا صلة، مجازه: وما أكثرهم مؤمنين. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ وإنما قدم ذكر «العزيز» على ذكر «الرَّحِيم» لأنه لو لم يقدِّمه لكان ربما قيل: إنه رحيم لعجزه عن عقوبتهم، فأزال هذا الوهم بذكر «العزيز» وهو لاغالب القاهر ومع ذلك فإنه رحيم بعباده، فإن الرحمة إذا كانت عن القدرة الكاملة كانت أعظم وقعاً. فإن قيل: حين ذكر الأزواج دلَّ عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة، وكان لا يحصيها إلا عالم الغيب، فكيف قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ ؟ وهلا قال: لآيات؟ . فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك مشاراً به إلى مصدر «أنبتنا» فكأنه قال: إن في ذلك الإنبات لآية.
والثاني: أن يراد: إن في كل واحد من تلك الأزواج لآية.
الشعراء 26:6
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ﴾ وعظ وتذكر ﴿مِّنَ الرحمن مُحْدَثٍ﴾ أي: محدث إنزاله فهو محدث في التنزيل. قال الكلبي: «كلما نزل من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول» .
وقوله: «إلاَّ كَانُوا» جملة حالية، وتقدم تحقيق هذا وما قبله في أول الأنبياء. ومعنى «مُعْرِضِينَ» أي: عن الإيمان به.
قوله: «فَقَدْ كَذَّبُوا» أي: بلغوا النهاية في ردّ آيات الله، «فَسَيَأْتِيهِمْ» أي: فسوف يأيتهم «أَنْبَاءُ» : أخبار وعواقب ﴿مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وذلك إما عند نزول العذاب عليهم في الدنيا، أو عند المعاينة في الآخرة كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ﴾ [ص: 88] . قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: صنف، والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه، يقال: «وجه كريم» إذا كان مرضياً في حسنه وجماله. و «كتاب كريم» : إذا كان مرضياً في فوائده ومعانيه. و «النبات الكريم» : هو المرضيّ في منافعه مما يأكل الناس والأنعام يقال: نخلة كريمة: [إذا طاب حملها، وناقة كريمة] : إذا كثر لبنها. قال الشعبي: الناس مثل نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.
قوله: «كَمْ أَنْبَتْنَا» . «كَمْ» للتكثير، فهي خبرية، وهي منصوبة بما بعدها على المفعول به، أي: كثيراً من الأزواج أنبتنا، و ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ تمييز.
وجوَّز أبو البقاء أن تكون حالاً. ولا معنى له. قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى الجمع بين «كَمْ» و «كُلِّ» ولو قيل: أنبتنا فيه من زوج كريم. قلت: قد دل «كُلّ» على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و «كَمْ» على أن هذا المحيط مُتَكَاثِرٌ مُفْرِطٌ في الكثرة.
قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت «لآيَةً» دلالة على لوجودي وتوحيدي وكمال قدرتي وقوله: «لِلْمؤْمِنِينَ» كقوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] لأنهم المنتفعون بذلك ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ : مصدقين، أي: سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون.
وقال سيبويه: (كان) هنا صلة، مجازه: وما أكثرهم مؤمنين. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ وإنما قدم ذكر «العزيز» على ذكر «الرَّحِيم» لأنه لو لم يقدِّمه لكان ربما قيل: إنه رحيم لعجزه عن عقوبتهم، فأزال هذا الوهم بذكر «العزيز» وهو لاغالب القاهر ومع ذلك فإنه رحيم بعباده، فإن الرحمة إذا كانت عن القدرة الكاملة كانت أعظم وقعاً. فإن قيل: حين ذكر الأزواج دلَّ عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة، وكان لا يحصيها إلا عالم الغيب، فكيف قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ ؟ وهلا قال: لآيات؟ . فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك مشاراً به إلى مصدر «أنبتنا» فكأنه قال: إن في ذلك الإنبات لآية.
والثاني: أن يراد: إن في كل واحد من تلك الأزواج لآية.
الشعراء 26:7
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ﴾ وعظ وتذكر ﴿مِّنَ الرحمن مُحْدَثٍ﴾ أي: محدث إنزاله فهو محدث في التنزيل. قال الكلبي: «كلما نزل من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول» .
وقوله: «إلاَّ كَانُوا» جملة حالية، وتقدم تحقيق هذا وما قبله في أول الأنبياء. ومعنى «مُعْرِضِينَ» أي: عن الإيمان به.
قوله: «فَقَدْ كَذَّبُوا» أي: بلغوا النهاية في ردّ آيات الله، «فَسَيَأْتِيهِمْ» أي: فسوف يأيتهم «أَنْبَاءُ» : أخبار وعواقب ﴿مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وذلك إما عند نزول العذاب عليهم في الدنيا، أو عند المعاينة في الآخرة كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ﴾ [ص: 88] . قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: صنف، والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه، يقال: «وجه كريم» إذا كان مرضياً في حسنه وجماله. و «كتاب كريم» : إذا كان مرضياً في فوائده ومعانيه. و «النبات الكريم» : هو المرضيّ في منافعه مما يأكل الناس والأنعام يقال: نخلة كريمة: [إذا طاب حملها، وناقة كريمة] : إذا كثر لبنها. قال الشعبي: الناس مثل نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.
قوله: «كَمْ أَنْبَتْنَا» . «كَمْ» للتكثير، فهي خبرية، وهي منصوبة بما بعدها على المفعول به، أي: كثيراً من الأزواج أنبتنا، و ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ تمييز.
وجوَّز أبو البقاء أن تكون حالاً. ولا معنى له. قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى الجمع بين «كَمْ» و «كُلِّ» ولو قيل: أنبتنا فيه من زوج كريم. قلت: قد دل «كُلّ» على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و «كَمْ» على أن هذا المحيط مُتَكَاثِرٌ مُفْرِطٌ في الكثرة.
قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت «لآيَةً» دلالة على لوجودي وتوحيدي وكمال قدرتي وقوله: «لِلْمؤْمِنِينَ» كقوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] لأنهم المنتفعون بذلك ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ : مصدقين، أي: سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون.
وقال سيبويه: (كان) هنا صلة، مجازه: وما أكثرهم مؤمنين. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ وإنما قدم ذكر «العزيز» على ذكر «الرَّحِيم» لأنه لو لم يقدِّمه لكان ربما قيل: إنه رحيم لعجزه عن عقوبتهم، فأزال هذا الوهم بذكر «العزيز» وهو لاغالب القاهر ومع ذلك فإنه رحيم بعباده، فإن الرحمة إذا كانت عن القدرة الكاملة كانت أعظم وقعاً. فإن قيل: حين ذكر الأزواج دلَّ عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة، وكان لا يحصيها إلا عالم الغيب، فكيف قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ ؟ وهلا قال: لآيات؟ . فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك مشاراً به إلى مصدر «أنبتنا» فكأنه قال: إن في ذلك الإنبات لآية.
والثاني: أن يراد: إن في كل واحد من تلك الأزواج لآية.
الشعراء 26:8
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ﴾ وعظ وتذكر ﴿مِّنَ الرحمن مُحْدَثٍ﴾ أي: محدث إنزاله فهو محدث في التنزيل. قال الكلبي: «كلما نزل من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول» .
وقوله: «إلاَّ كَانُوا» جملة حالية، وتقدم تحقيق هذا وما قبله في أول الأنبياء. ومعنى «مُعْرِضِينَ» أي: عن الإيمان به.
قوله: «فَقَدْ كَذَّبُوا» أي: بلغوا النهاية في ردّ آيات الله، «فَسَيَأْتِيهِمْ» أي: فسوف يأيتهم «أَنْبَاءُ» : أخبار وعواقب ﴿مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وذلك إما عند نزول العذاب عليهم في الدنيا، أو عند المعاينة في الآخرة كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ﴾ [ص: 88] . قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: صنف، والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه، يقال: «وجه كريم» إذا كان مرضياً في حسنه وجماله. و «كتاب كريم» : إذا كان مرضياً في فوائده ومعانيه. و «النبات الكريم» : هو المرضيّ في منافعه مما يأكل الناس والأنعام يقال: نخلة كريمة: [إذا طاب حملها، وناقة كريمة] : إذا كثر لبنها. قال الشعبي: الناس مثل نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.
قوله: «كَمْ أَنْبَتْنَا» . «كَمْ» للتكثير، فهي خبرية، وهي منصوبة بما بعدها على المفعول به، أي: كثيراً من الأزواج أنبتنا، و ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ تمييز.
وجوَّز أبو البقاء أن تكون حالاً. ولا معنى له. قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى الجمع بين «كَمْ» و «كُلِّ» ولو قيل: أنبتنا فيه من زوج كريم. قلت: قد دل «كُلّ» على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و «كَمْ» على أن هذا المحيط مُتَكَاثِرٌ مُفْرِطٌ في الكثرة.
قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت «لآيَةً» دلالة على لوجودي وتوحيدي وكمال قدرتي وقوله: «لِلْمؤْمِنِينَ» كقوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] لأنهم المنتفعون بذلك ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ : مصدقين، أي: سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون.
وقال سيبويه: (كان) هنا صلة، مجازه: وما أكثرهم مؤمنين. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ وإنما قدم ذكر «العزيز» على ذكر «الرَّحِيم» لأنه لو لم يقدِّمه لكان ربما قيل: إنه رحيم لعجزه عن عقوبتهم، فأزال هذا الوهم بذكر «العزيز» وهو لاغالب القاهر ومع ذلك فإنه رحيم بعباده، فإن الرحمة إذا كانت عن القدرة الكاملة كانت أعظم وقعاً. فإن قيل: حين ذكر الأزواج دلَّ عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة، وكان لا يحصيها إلا عالم الغيب، فكيف قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ ؟ وهلا قال: لآيات؟ . فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك مشاراً به إلى مصدر «أنبتنا» فكأنه قال: إن في ذلك الإنبات لآية.
والثاني: أن يراد: إن في كل واحد من تلك الأزواج لآية.
الشعراء 26:9
قوله تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ﴾ وعظ وتذكر ﴿مِّنَ الرحمن مُحْدَثٍ﴾ أي: محدث إنزاله فهو محدث في التنزيل. قال الكلبي: «كلما نزل من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول» .
وقوله: «إلاَّ كَانُوا» جملة حالية، وتقدم تحقيق هذا وما قبله في أول الأنبياء. ومعنى «مُعْرِضِينَ» أي: عن الإيمان به.
قوله: «فَقَدْ كَذَّبُوا» أي: بلغوا النهاية في ردّ آيات الله، «فَسَيَأْتِيهِمْ» أي: فسوف يأيتهم «أَنْبَاءُ» : أخبار وعواقب ﴿مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وذلك إما عند نزول العذاب عليهم في الدنيا، أو عند المعاينة في الآخرة كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ﴾ [ص: 88] . قوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: صنف، والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه، يقال: «وجه كريم» إذا كان مرضياً في حسنه وجماله. و «كتاب كريم» : إذا كان مرضياً في فوائده ومعانيه. و «النبات الكريم» : هو المرضيّ في منافعه مما يأكل الناس والأنعام يقال: نخلة كريمة: [إذا طاب حملها، وناقة كريمة] : إذا كثر لبنها. قال الشعبي: الناس مثل نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.
قوله: «كَمْ أَنْبَتْنَا» . «كَمْ» للتكثير، فهي خبرية، وهي منصوبة بما بعدها على المفعول به، أي: كثيراً من الأزواج أنبتنا، و ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ تمييز.
وجوَّز أبو البقاء أن تكون حالاً. ولا معنى له. قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى الجمع بين «كَمْ» و «كُلِّ» ولو قيل: أنبتنا فيه من زوج كريم. قلت: قد دل «كُلّ» على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل، و «كَمْ» على أن هذا المحيط مُتَكَاثِرٌ مُفْرِطٌ في الكثرة.
قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت «لآيَةً» دلالة على لوجودي وتوحيدي وكمال قدرتي وقوله: «لِلْمؤْمِنِينَ» كقوله: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] لأنهم المنتفعون بذلك ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ : مصدقين، أي: سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون.
وقال سيبويه: (كان) هنا صلة، مجازه: وما أكثرهم مؤمنين. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم﴾ وإنما قدم ذكر «العزيز» على ذكر «الرَّحِيم» لأنه لو لم يقدِّمه لكان ربما قيل: إنه رحيم لعجزه عن عقوبتهم، فأزال هذا الوهم بذكر «العزيز» وهو لاغالب القاهر ومع ذلك فإنه رحيم بعباده، فإن الرحمة إذا كانت عن القدرة الكاملة كانت أعظم وقعاً. فإن قيل: حين ذكر الأزواج دلَّ عليها بكلمتي الكثرة والإحاطة، وكان لا يحصيها إلا عالم الغيب، فكيف قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ ؟ وهلا قال: لآيات؟ . فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك مشاراً به إلى مصدر «أنبتنا» فكأنه قال: إن في ذلك الإنبات لآية.
والثاني: أن يراد: إن في كل واحد من تلك الأزواج لآية.
الشعراء 26:10
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ موسى﴾ الآية. العامل في «إذْ نَادَى» مضمر، فقدره الزجاج: اتْلُ. وقدره غيره: اذكر. واختلف في النداء الذي سمعه موسى - عليه السلام - من الله تعالى، فقيل: هو الكلام القديم، فكما أن ذاته تعالى لا تشبه سائر الذوات مع أن الدليل دل على أنها معلومة ومرتبة، فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحرف والصوت مع أنه مسموع وقيل: كان نداء من جنس الحروف والأصوات.
وقالت المعتزلة: كان ذلك النداء حروفاً وأصواتاً علم به موسى من قبل الله تعالى فصار معجزاً، علم به موسى أن الله تعالى مخاطب له فلم يحتج مع ذلك إلى واسطة.
قوله: ﴿أَنِ ائت القوم الظالمين﴾ . يجوز أن تكون «أَنْ» مفسِّرة، وأن تكون مصدرية، أي: بأن. قوله: «قَوْمَ فِرْعَوْنَ» . بدل أو عطف بيان ل «القَوْمَ الظَّلِمِينَ» . وقال أبو البقاء: إنه مفعول (تَتَّقُونَ) على قراءة من (تَتَّقُونَ) بالخطاب وفتح النون، كما سيأتي. ويجوز على هذه القراءة أن يكون ماندى. قوله: «أَلاَ يَتَّقُونَ» . العامة على الياء في «يَتَّقُونَ» وفتح النون، والمراد قوم فرعون، والمفعول محذوف، أي: يتقون عقابي، [وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار، وحماد، وشقيق بن سلمة بالتاء من فوق على الالتفات، خاطبهم بذلك توبيخاً] والتقدير: يا قوم فرعون.
وقرأ بعضهم: «يَتَّقُونِ» بالياء من تحت، وكسر النون، وفيها تخريجان:
أحدهما: أن «يَتَّقُونِ» مضارع، ومفعوله ياء المتكلم اجتزئ عنها بالكسرة.
والثاني: جوَّزه الزمخشري، أن تكون «يا» للنداء، و «اتَّقُونِ» فعل أمر، كقوله: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ﴾ [النمل: 25] أي: يا قوم اتقون، أو يا ناس اتقون. وسيأتي تحقيق مثل هذا في السورة تحتها. وهذا تخريج بعيد.
وفي هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
وجوّز الزمخشري أَن تكون حالاً من الضمير في «الظَّالمِينَ» أي: يظلمون غير متَّقين اللَّهَ وعقابَه، فأُدخلت همزةُ الإنكار على الحال. وخطأه أبو حيان من وجهين:
أحدهما: أنه يلزم عنه الفصل بين الحال وعاملها بأجنبي منهما، فإن أعرب «قَوْمَ فِرْعَوْنَ» عطف بيان ل «القَوْمَ الظَّالمينَ» .
والثاني: أنه على تقدير تسليم ذلك لا يجوز أيضاً؛ لأن ما بعد الهمزة لا يعمل فيما قبلها، قال: وقولك: (جئتُ أمسرعاً) ، إن جعلت (مسرعاً) معمولاً ل (جئت) لم يجز، فإن أضمرت عاملاً جاز. والظاهر أن «أَلاَ» للعرض.
وقال الزمخشري: إنها (لا) النافية، دخلت عليها همزة الإنكار. وقيل: هي للتنبيه.
فصل
قوله: ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ موسى﴾ حين رأى الشجرة والنار ﴿أَنِ ائت القوم الظالمين﴾ أي: الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، فحكم عليهم بالظلم من وجهين:
الأول: ظلموا أنفسهم بكفرهم.
والثاني: ظلمهم بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب. «قَوْمَ فِرْعَوْنَ» عطف «قَوْمَ فِرْعَوْنَ» على «القَوْمَ الظَّالِمينَ» فهما يدلان لفظاً على معنى واحد. «أَلاَ يَتَّقُونَ» أي: يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته. ومن قرأ «تَتَّقُونَ» بالخطاب فعلى الالتفات إليهم وصرف وجوههم بالإنكار والغضب عليهم، كمن يشكو من جناية والجاني حاضر، فإذا اندفع في الشكاية، وحمي غضبه قطع بأنه يخاطب صاحبه، وأقبل على الجاني يوبخه ويعنفه ويقول له: ألم تتق الله؟ ألم تستحي من الناس؟ فإن قيل: فما الفائدة في هذا الالتفات والخطاب مع موسى - عليه السلام - في وقت المناجاة، والملتفت إليهم غائبون لا يشعرون؟ . قلنا: أجري ذلك في تكليم المرسل إليهم معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم، لأنه مبلغهم، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى، وكم من آية نزلت في الكافرين وفيها أوفر نصيب للمؤمنين تدبراً بها، واعتباراً بمواردها.
الشعراء 26:11
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ موسى﴾ الآية. العامل في «إذْ نَادَى» مضمر، فقدره الزجاج: اتْلُ. وقدره غيره: اذكر. واختلف في النداء الذي سمعه موسى - عليه السلام - من الله تعالى، فقيل: هو الكلام القديم، فكما أن ذاته تعالى لا تشبه سائر الذوات مع أن الدليل دل على أنها معلومة ومرتبة، فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحرف والصوت مع أنه مسموع وقيل: كان نداء من جنس الحروف والأصوات.
وقالت المعتزلة: كان ذلك النداء حروفاً وأصواتاً علم به موسى من قبل الله تعالى فصار معجزاً، علم به موسى أن الله تعالى مخاطب له فلم يحتج مع ذلك إلى واسطة.
قوله: ﴿أَنِ ائت القوم الظالمين﴾ . يجوز أن تكون «أَنْ» مفسِّرة، وأن تكون مصدرية، أي: بأن. قوله: «قَوْمَ فِرْعَوْنَ» . بدل أو عطف بيان ل «القَوْمَ الظَّلِمِينَ» . وقال أبو البقاء: إنه مفعول (تَتَّقُونَ) على قراءة من (تَتَّقُونَ) بالخطاب وفتح النون، كما سيأتي. ويجوز على هذه القراءة أن يكون ماندى. قوله: «أَلاَ يَتَّقُونَ» . العامة على الياء في «يَتَّقُونَ» وفتح النون، والمراد قوم فرعون، والمفعول محذوف، أي: يتقون عقابي، [وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار، وحماد، وشقيق بن سلمة بالتاء من فوق على الالتفات، خاطبهم بذلك توبيخاً] والتقدير: يا قوم فرعون.
وقرأ بعضهم: «يَتَّقُونِ» بالياء من تحت، وكسر النون، وفيها تخريجان:
أحدهما: أن «يَتَّقُونِ» مضارع، ومفعوله ياء المتكلم اجتزئ عنها بالكسرة.
والثاني: جوَّزه الزمخشري، أن تكون «يا» للنداء، و «اتَّقُونِ» فعل أمر، كقوله: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ﴾ [النمل: 25] أي: يا قوم اتقون، أو يا ناس اتقون. وسيأتي تحقيق مثل هذا في السورة تحتها. وهذا تخريج بعيد.
وفي هذه الجملة وجهان:
أحدهما: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
وجوّز الزمخشري أَن تكون حالاً من الضمير في «الظَّالمِينَ» أي: يظلمون غير متَّقين اللَّهَ وعقابَه، فأُدخلت همزةُ الإنكار على الحال. وخطأه أبو حيان من وجهين:
أحدهما: أنه يلزم عنه الفصل بين الحال وعاملها بأجنبي منهما، فإن أعرب «قَوْمَ فِرْعَوْنَ» عطف بيان ل «القَوْمَ الظَّالمينَ» .
والثاني: أنه على تقدير تسليم ذلك لا يجوز أيضاً؛ لأن ما بعد الهمزة لا يعمل فيما قبلها، قال: وقولك: (جئتُ أمسرعاً) ، إن جعلت (مسرعاً) معمولاً ل (جئت) لم يجز، فإن أضمرت عاملاً جاز. والظاهر أن «أَلاَ» للعرض.
وقال الزمخشري: إنها (لا) النافية، دخلت عليها همزة الإنكار. وقيل: هي للتنبيه.
فصل
قوله: ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ موسى﴾ حين رأى الشجرة والنار ﴿أَنِ ائت القوم الظالمين﴾ أي: الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، فحكم عليهم بالظلم من وجهين:
الأول: ظلموا أنفسهم بكفرهم.
والثاني: ظلمهم بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب. «قَوْمَ فِرْعَوْنَ» عطف «قَوْمَ فِرْعَوْنَ» على «القَوْمَ الظَّالِمينَ» فهما يدلان لفظاً على معنى واحد. «أَلاَ يَتَّقُونَ» أي: يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته. ومن قرأ «تَتَّقُونَ» بالخطاب فعلى الالتفات إليهم وصرف وجوههم بالإنكار والغضب عليهم، كمن يشكو من جناية والجاني حاضر، فإذا اندفع في الشكاية، وحمي غضبه قطع بأنه يخاطب صاحبه، وأقبل على الجاني يوبخه ويعنفه ويقول له: ألم تتق الله؟ ألم تستحي من الناس؟ فإن قيل: فما الفائدة في هذا الالتفات والخطاب مع موسى - عليه السلام - في وقت المناجاة، والملتفت إليهم غائبون لا يشعرون؟ . قلنا: أجري ذلك في تكليم المرسل إليهم معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم، لأنه مبلغهم، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى، وكم من آية نزلت في الكافرين وفيها أوفر نصيب للمؤمنين تدبراً بها، واعتباراً بمواردها.
الشعراء 26:12
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ لما أمر موسى - عليه السلام - بالذهاب إلى قوم فرعون طلب موسى - عليه السلام - أن يبعث معه هارون - عليه السلام - ثم ذكر الأمور الداعية إلى ذلك السؤال. فقوله: «أَنْ يُكَذِّبُونِ» مفعول «أَخَافُ» أي: أخاف تكذيبهم إياي.
قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ﴾ الجمهور على الرفع، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف، أخبر بذلك.
والثاني: أنه معطوف على خبر «إِنَّ» وقرأ زيدُ بن عليّ، وطلحة، وعيسى، والأعمش بالنصب فيهما. والأعرج بنصب الأول ورفع الثاني. فالنصب عطف على صلة «أَنْ» فتكون الأفعال الثلاثة: «يُكَذَّبُونِ» وَ «يَضِيقُ» ، وَ «لاَ يَنْطَلِقُ» في حيَّز الخوف.
قال الزمخشري: «والفرق بينهما، أي: الرفع والنصب، أَنَّ الرفع يفيد أن فيه ثلاث عللٍ: خوفُ التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، والنصبُ على أنَّ خوفه متلق بهذه الثلاثة. فإن قلت: في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة، وفي جُمْلَتِهَا نَفْيُ انطلاق اللسان، وحقيقه الخوف إِنَّما يلحق الإنسان لأمر سيقع، وذلك كان واقعاً، فكيف جاز تعليق الخوف به؟ قلت: قد عَلَّقَ الخوف بتكذيبهم، وبما يحصل له من ضيق الصدر، والحُبْسَة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحُبْسَة له من ضيق الصدر، والحُبْسَة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحُبْسَة التي كانت به زالت بدعوته. وقيل: بقيتْ منها بقيَّة يسيرة. فإن قلت: اعتذارك هذا يردّه الرفع، لأنّ المعنى: إِنِّي خائفٌ ضيِّقُ الصدرِ غيرُ مُنْطَلِق اللسان؟ قلت: يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة واستجابتها ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي بقي» .
قوله: «فَأَرْسِلْ» أي: فأرسل جبريلَ أو الملكَ، فحذف المعفول به، أي: ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة. قيل: إن الله تعالى أرسل موسى.
قال السُّدِّيّ: إن موسى - عليه السلام - سار بأهله إلى مصر، والتقى بهارون وهو لا يعرفه، فقال: أنا موسى، فتعارفا، وأمره أن ينطلق معه إلى فرعون لأداء الرسالة. وقيل: أرسل جبريل إليه كما يرسل إلى الأنبياء - عليه السلام - فلما كان متعيناً لهذا الأمر حذف ذكر المرسل لكونه معلوماً.
قوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ . أي: دعوى ذنب، وهو قتله للقبطي، أي: لهم عليَّ ذنب في زعمهم ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلونني، فقال الله تعالى: «كَلاَّ» أي: لن يقتلوك.
قوله: «فَاذْهَبَا» عطف على ما دل عليه حرف الردع من الفعل، كأنه قيل: ارتدع عما تظن فاذهب أنت وأخوك ﴿بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ سامعون ما تقولون قال: «مَعكُمْ» بلفظ الجمع، وهما اثنان، أجراهما مجرى الجماعة.
وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون، ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ إنما أفرد «رَسُول» إمَّا لأنه مصدر بمعنى: رسالة والمصدر يُوَحَّدُ، ومن مجيء «رَسُول» بمعنى رسالة قوله:
3897 - لَقَدْ كَذَبَ الوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمْ ... بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ
أي برسالة. وإما لأنهما ذَوَا شريعة واحدة فنُزِّلا منزلة رسول.
وإما لأن المعنى: كل واحد منا رسول. وإما لأنه من وضع الواحد موضع التثنية لتلازمهما، فصارا كالشيئين المتلازمين، كالعينين واليدين. وحيث لم يقصد هذه المعاني طابق في قوله: ﴿أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [طه: 47] . وقال أبو عبيد: يجوز أن يكون «الرسول» بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، [وهذان رسولي ووكيلي] ، وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: 50] . قوله: «أَنْ أَرْسِلْ» . يجوز أن تكون مفسِّرة ل «رَسولُ» إذا قيل: بأنه بمعنى الرسالة، شرحا الرسالة بهذا وبيَّناها به. ويجوز أن تكون المصدرية، أي: رسول بكذا، والمراد من هذا الإرسال: التخلية والإرسال: كقولك: أرسل البازي.
الشعراء 26:13
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ لما أمر موسى - عليه السلام - بالذهاب إلى قوم فرعون طلب موسى - عليه السلام - أن يبعث معه هارون - عليه السلام - ثم ذكر الأمور الداعية إلى ذلك السؤال. فقوله: «أَنْ يُكَذِّبُونِ» مفعول «أَخَافُ» أي: أخاف تكذيبهم إياي.
قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ﴾ الجمهور على الرفع، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف، أخبر بذلك.
والثاني: أنه معطوف على خبر «إِنَّ» وقرأ زيدُ بن عليّ، وطلحة، وعيسى، والأعمش بالنصب فيهما. والأعرج بنصب الأول ورفع الثاني. فالنصب عطف على صلة «أَنْ» فتكون الأفعال الثلاثة: «يُكَذَّبُونِ» وَ «يَضِيقُ» ، وَ «لاَ يَنْطَلِقُ» في حيَّز الخوف.
قال الزمخشري: «والفرق بينهما، أي: الرفع والنصب، أَنَّ الرفع يفيد أن فيه ثلاث عللٍ: خوفُ التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، والنصبُ على أنَّ خوفه متلق بهذه الثلاثة. فإن قلت: في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة، وفي جُمْلَتِهَا نَفْيُ انطلاق اللسان، وحقيقه الخوف إِنَّما يلحق الإنسان لأمر سيقع، وذلك كان واقعاً، فكيف جاز تعليق الخوف به؟ قلت: قد عَلَّقَ الخوف بتكذيبهم، وبما يحصل له من ضيق الصدر، والحُبْسَة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحُبْسَة له من ضيق الصدر، والحُبْسَة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحُبْسَة التي كانت به زالت بدعوته. وقيل: بقيتْ منها بقيَّة يسيرة. فإن قلت: اعتذارك هذا يردّه الرفع، لأنّ المعنى: إِنِّي خائفٌ ضيِّقُ الصدرِ غيرُ مُنْطَلِق اللسان؟ قلت: يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة واستجابتها ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي بقي» .
قوله: «فَأَرْسِلْ» أي: فأرسل جبريلَ أو الملكَ، فحذف المعفول به، أي: ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة. قيل: إن الله تعالى أرسل موسى.
قال السُّدِّيّ: إن موسى - عليه السلام - سار بأهله إلى مصر، والتقى بهارون وهو لا يعرفه، فقال: أنا موسى، فتعارفا، وأمره أن ينطلق معه إلى فرعون لأداء الرسالة. وقيل: أرسل جبريل إليه كما يرسل إلى الأنبياء - عليه السلام - فلما كان متعيناً لهذا الأمر حذف ذكر المرسل لكونه معلوماً.
قوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ . أي: دعوى ذنب، وهو قتله للقبطي، أي: لهم عليَّ ذنب في زعمهم ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلونني، فقال الله تعالى: «كَلاَّ» أي: لن يقتلوك.
قوله: «فَاذْهَبَا» عطف على ما دل عليه حرف الردع من الفعل، كأنه قيل: ارتدع عما تظن فاذهب أنت وأخوك ﴿بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ سامعون ما تقولون قال: «مَعكُمْ» بلفظ الجمع، وهما اثنان، أجراهما مجرى الجماعة.
وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون، ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ إنما أفرد «رَسُول» إمَّا لأنه مصدر بمعنى: رسالة والمصدر يُوَحَّدُ، ومن مجيء «رَسُول» بمعنى رسالة قوله:
3897 - لَقَدْ كَذَبَ الوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمْ ... بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ
أي برسالة. وإما لأنهما ذَوَا شريعة واحدة فنُزِّلا منزلة رسول.
وإما لأن المعنى: كل واحد منا رسول. وإما لأنه من وضع الواحد موضع التثنية لتلازمهما، فصارا كالشيئين المتلازمين، كالعينين واليدين. وحيث لم يقصد هذه المعاني طابق في قوله: ﴿أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [طه: 47] . وقال أبو عبيد: يجوز أن يكون «الرسول» بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، [وهذان رسولي ووكيلي] ، وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: 50] . قوله: «أَنْ أَرْسِلْ» . يجوز أن تكون مفسِّرة ل «رَسولُ» إذا قيل: بأنه بمعنى الرسالة، شرحا الرسالة بهذا وبيَّناها به. ويجوز أن تكون المصدرية، أي: رسول بكذا، والمراد من هذا الإرسال: التخلية والإرسال: كقولك: أرسل البازي.
الشعراء 26:14
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ لما أمر موسى - عليه السلام - بالذهاب إلى قوم فرعون طلب موسى - عليه السلام - أن يبعث معه هارون - عليه السلام - ثم ذكر الأمور الداعية إلى ذلك السؤال. فقوله: «أَنْ يُكَذِّبُونِ» مفعول «أَخَافُ» أي: أخاف تكذيبهم إياي.
قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ﴾ الجمهور على الرفع، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف، أخبر بذلك.
والثاني: أنه معطوف على خبر «إِنَّ» وقرأ زيدُ بن عليّ، وطلحة، وعيسى، والأعمش بالنصب فيهما. والأعرج بنصب الأول ورفع الثاني. فالنصب عطف على صلة «أَنْ» فتكون الأفعال الثلاثة: «يُكَذَّبُونِ» وَ «يَضِيقُ» ، وَ «لاَ يَنْطَلِقُ» في حيَّز الخوف.
قال الزمخشري: «والفرق بينهما، أي: الرفع والنصب، أَنَّ الرفع يفيد أن فيه ثلاث عللٍ: خوفُ التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، والنصبُ على أنَّ خوفه متلق بهذه الثلاثة. فإن قلت: في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة، وفي جُمْلَتِهَا نَفْيُ انطلاق اللسان، وحقيقه الخوف إِنَّما يلحق الإنسان لأمر سيقع، وذلك كان واقعاً، فكيف جاز تعليق الخوف به؟ قلت: قد عَلَّقَ الخوف بتكذيبهم، وبما يحصل له من ضيق الصدر، والحُبْسَة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحُبْسَة له من ضيق الصدر، والحُبْسَة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحُبْسَة التي كانت به زالت بدعوته. وقيل: بقيتْ منها بقيَّة يسيرة. فإن قلت: اعتذارك هذا يردّه الرفع، لأنّ المعنى: إِنِّي خائفٌ ضيِّقُ الصدرِ غيرُ مُنْطَلِق اللسان؟ قلت: يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة واستجابتها ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي بقي» .
قوله: «فَأَرْسِلْ» أي: فأرسل جبريلَ أو الملكَ، فحذف المعفول به، أي: ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة. قيل: إن الله تعالى أرسل موسى.
قال السُّدِّيّ: إن موسى - عليه السلام - سار بأهله إلى مصر، والتقى بهارون وهو لا يعرفه، فقال: أنا موسى، فتعارفا، وأمره أن ينطلق معه إلى فرعون لأداء الرسالة. وقيل: أرسل جبريل إليه كما يرسل إلى الأنبياء - عليه السلام - فلما كان متعيناً لهذا الأمر حذف ذكر المرسل لكونه معلوماً.
قوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ . أي: دعوى ذنب، وهو قتله للقبطي، أي: لهم عليَّ ذنب في زعمهم ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلونني، فقال الله تعالى: «كَلاَّ» أي: لن يقتلوك.
قوله: «فَاذْهَبَا» عطف على ما دل عليه حرف الردع من الفعل، كأنه قيل: ارتدع عما تظن فاذهب أنت وأخوك ﴿بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ سامعون ما تقولون قال: «مَعكُمْ» بلفظ الجمع، وهما اثنان، أجراهما مجرى الجماعة.
وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون، ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ إنما أفرد «رَسُول» إمَّا لأنه مصدر بمعنى: رسالة والمصدر يُوَحَّدُ، ومن مجيء «رَسُول» بمعنى رسالة قوله:
3897 - لَقَدْ كَذَبَ الوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمْ ... بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ
أي برسالة. وإما لأنهما ذَوَا شريعة واحدة فنُزِّلا منزلة رسول.
وإما لأن المعنى: كل واحد منا رسول. وإما لأنه من وضع الواحد موضع التثنية لتلازمهما، فصارا كالشيئين المتلازمين، كالعينين واليدين. وحيث لم يقصد هذه المعاني طابق في قوله: ﴿أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [طه: 47] . وقال أبو عبيد: يجوز أن يكون «الرسول» بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، [وهذان رسولي ووكيلي] ، وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: 50] . قوله: «أَنْ أَرْسِلْ» . يجوز أن تكون مفسِّرة ل «رَسولُ» إذا قيل: بأنه بمعنى الرسالة، شرحا الرسالة بهذا وبيَّناها به. ويجوز أن تكون المصدرية، أي: رسول بكذا، والمراد من هذا الإرسال: التخلية والإرسال: كقولك: أرسل البازي.
الشعراء 26:15
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ لما أمر موسى - عليه السلام - بالذهاب إلى قوم فرعون طلب موسى - عليه السلام - أن يبعث معه هارون - عليه السلام - ثم ذكر الأمور الداعية إلى ذلك السؤال. فقوله: «أَنْ يُكَذِّبُونِ» مفعول «أَخَافُ» أي: أخاف تكذيبهم إياي.
قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ﴾ الجمهور على الرفع، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف، أخبر بذلك.
والثاني: أنه معطوف على خبر «إِنَّ» وقرأ زيدُ بن عليّ، وطلحة، وعيسى، والأعمش بالنصب فيهما. والأعرج بنصب الأول ورفع الثاني. فالنصب عطف على صلة «أَنْ» فتكون الأفعال الثلاثة: «يُكَذَّبُونِ» وَ «يَضِيقُ» ، وَ «لاَ يَنْطَلِقُ» في حيَّز الخوف.
قال الزمخشري: «والفرق بينهما، أي: الرفع والنصب، أَنَّ الرفع يفيد أن فيه ثلاث عللٍ: خوفُ التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، والنصبُ على أنَّ خوفه متلق بهذه الثلاثة. فإن قلت: في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة، وفي جُمْلَتِهَا نَفْيُ انطلاق اللسان، وحقيقه الخوف إِنَّما يلحق الإنسان لأمر سيقع، وذلك كان واقعاً، فكيف جاز تعليق الخوف به؟ قلت: قد عَلَّقَ الخوف بتكذيبهم، وبما يحصل له من ضيق الصدر، والحُبْسَة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحُبْسَة له من ضيق الصدر، والحُبْسَة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحُبْسَة التي كانت به زالت بدعوته. وقيل: بقيتْ منها بقيَّة يسيرة. فإن قلت: اعتذارك هذا يردّه الرفع، لأنّ المعنى: إِنِّي خائفٌ ضيِّقُ الصدرِ غيرُ مُنْطَلِق اللسان؟ قلت: يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة واستجابتها ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي بقي» .
قوله: «فَأَرْسِلْ» أي: فأرسل جبريلَ أو الملكَ، فحذف المعفول به، أي: ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة. قيل: إن الله تعالى أرسل موسى.
قال السُّدِّيّ: إن موسى - عليه السلام - سار بأهله إلى مصر، والتقى بهارون وهو لا يعرفه، فقال: أنا موسى، فتعارفا، وأمره أن ينطلق معه إلى فرعون لأداء الرسالة. وقيل: أرسل جبريل إليه كما يرسل إلى الأنبياء - عليه السلام - فلما كان متعيناً لهذا الأمر حذف ذكر المرسل لكونه معلوماً.
قوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ . أي: دعوى ذنب، وهو قتله للقبطي، أي: لهم عليَّ ذنب في زعمهم ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلونني، فقال الله تعالى: «كَلاَّ» أي: لن يقتلوك.
قوله: «فَاذْهَبَا» عطف على ما دل عليه حرف الردع من الفعل، كأنه قيل: ارتدع عما تظن فاذهب أنت وأخوك ﴿بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ سامعون ما تقولون قال: «مَعكُمْ» بلفظ الجمع، وهما اثنان، أجراهما مجرى الجماعة.
وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون، ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ إنما أفرد «رَسُول» إمَّا لأنه مصدر بمعنى: رسالة والمصدر يُوَحَّدُ، ومن مجيء «رَسُول» بمعنى رسالة قوله:
3897 - لَقَدْ كَذَبَ الوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمْ ... بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ
أي برسالة. وإما لأنهما ذَوَا شريعة واحدة فنُزِّلا منزلة رسول.
وإما لأن المعنى: كل واحد منا رسول. وإما لأنه من وضع الواحد موضع التثنية لتلازمهما، فصارا كالشيئين المتلازمين، كالعينين واليدين. وحيث لم يقصد هذه المعاني طابق في قوله: ﴿أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [طه: 47] . وقال أبو عبيد: يجوز أن يكون «الرسول» بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، [وهذان رسولي ووكيلي] ، وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: 50] . قوله: «أَنْ أَرْسِلْ» . يجوز أن تكون مفسِّرة ل «رَسولُ» إذا قيل: بأنه بمعنى الرسالة، شرحا الرسالة بهذا وبيَّناها به. ويجوز أن تكون المصدرية، أي: رسول بكذا، والمراد من هذا الإرسال: التخلية والإرسال: كقولك: أرسل البازي.
الشعراء 26:16
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ لما أمر موسى - عليه السلام - بالذهاب إلى قوم فرعون طلب موسى - عليه السلام - أن يبعث معه هارون - عليه السلام - ثم ذكر الأمور الداعية إلى ذلك السؤال. فقوله: «أَنْ يُكَذِّبُونِ» مفعول «أَخَافُ» أي: أخاف تكذيبهم إياي.
قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ﴾ الجمهور على الرفع، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف، أخبر بذلك.
والثاني: أنه معطوف على خبر «إِنَّ» وقرأ زيدُ بن عليّ، وطلحة، وعيسى، والأعمش بالنصب فيهما. والأعرج بنصب الأول ورفع الثاني. فالنصب عطف على صلة «أَنْ» فتكون الأفعال الثلاثة: «يُكَذَّبُونِ» وَ «يَضِيقُ» ، وَ «لاَ يَنْطَلِقُ» في حيَّز الخوف.
قال الزمخشري: «والفرق بينهما، أي: الرفع والنصب، أَنَّ الرفع يفيد أن فيه ثلاث عللٍ: خوفُ التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، والنصبُ على أنَّ خوفه متلق بهذه الثلاثة. فإن قلت: في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة، وفي جُمْلَتِهَا نَفْيُ انطلاق اللسان، وحقيقه الخوف إِنَّما يلحق الإنسان لأمر سيقع، وذلك كان واقعاً، فكيف جاز تعليق الخوف به؟ قلت: قد عَلَّقَ الخوف بتكذيبهم، وبما يحصل له من ضيق الصدر، والحُبْسَة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحُبْسَة له من ضيق الصدر، والحُبْسَة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحُبْسَة التي كانت به زالت بدعوته. وقيل: بقيتْ منها بقيَّة يسيرة. فإن قلت: اعتذارك هذا يردّه الرفع، لأنّ المعنى: إِنِّي خائفٌ ضيِّقُ الصدرِ غيرُ مُنْطَلِق اللسان؟ قلت: يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة واستجابتها ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي بقي» .
قوله: «فَأَرْسِلْ» أي: فأرسل جبريلَ أو الملكَ، فحذف المعفول به، أي: ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة. قيل: إن الله تعالى أرسل موسى.
قال السُّدِّيّ: إن موسى - عليه السلام - سار بأهله إلى مصر، والتقى بهارون وهو لا يعرفه، فقال: أنا موسى، فتعارفا، وأمره أن ينطلق معه إلى فرعون لأداء الرسالة. وقيل: أرسل جبريل إليه كما يرسل إلى الأنبياء - عليه السلام - فلما كان متعيناً لهذا الأمر حذف ذكر المرسل لكونه معلوماً.
قوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ . أي: دعوى ذنب، وهو قتله للقبطي، أي: لهم عليَّ ذنب في زعمهم ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلونني، فقال الله تعالى: «كَلاَّ» أي: لن يقتلوك.
قوله: «فَاذْهَبَا» عطف على ما دل عليه حرف الردع من الفعل، كأنه قيل: ارتدع عما تظن فاذهب أنت وأخوك ﴿بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ سامعون ما تقولون قال: «مَعكُمْ» بلفظ الجمع، وهما اثنان، أجراهما مجرى الجماعة.
وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون، ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ إنما أفرد «رَسُول» إمَّا لأنه مصدر بمعنى: رسالة والمصدر يُوَحَّدُ، ومن مجيء «رَسُول» بمعنى رسالة قوله:
3897 - لَقَدْ كَذَبَ الوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمْ ... بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ
أي برسالة. وإما لأنهما ذَوَا شريعة واحدة فنُزِّلا منزلة رسول.
وإما لأن المعنى: كل واحد منا رسول. وإما لأنه من وضع الواحد موضع التثنية لتلازمهما، فصارا كالشيئين المتلازمين، كالعينين واليدين. وحيث لم يقصد هذه المعاني طابق في قوله: ﴿أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [طه: 47] . وقال أبو عبيد: يجوز أن يكون «الرسول» بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، [وهذان رسولي ووكيلي] ، وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: 50] . قوله: «أَنْ أَرْسِلْ» . يجوز أن تكون مفسِّرة ل «رَسولُ» إذا قيل: بأنه بمعنى الرسالة، شرحا الرسالة بهذا وبيَّناها به. ويجوز أن تكون المصدرية، أي: رسول بكذا، والمراد من هذا الإرسال: التخلية والإرسال: كقولك: أرسل البازي.
الشعراء 26:17
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ لما أمر موسى - عليه السلام - بالذهاب إلى قوم فرعون طلب موسى - عليه السلام - أن يبعث معه هارون - عليه السلام - ثم ذكر الأمور الداعية إلى ذلك السؤال. فقوله: «أَنْ يُكَذِّبُونِ» مفعول «أَخَافُ» أي: أخاف تكذيبهم إياي.
قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ﴾ الجمهور على الرفع، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف، أخبر بذلك.
والثاني: أنه معطوف على خبر «إِنَّ» وقرأ زيدُ بن عليّ، وطلحة، وعيسى، والأعمش بالنصب فيهما. والأعرج بنصب الأول ورفع الثاني. فالنصب عطف على صلة «أَنْ» فتكون الأفعال الثلاثة: «يُكَذَّبُونِ» وَ «يَضِيقُ» ، وَ «لاَ يَنْطَلِقُ» في حيَّز الخوف.
قال الزمخشري: «والفرق بينهما، أي: الرفع والنصب، أَنَّ الرفع يفيد أن فيه ثلاث عللٍ: خوفُ التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، والنصبُ على أنَّ خوفه متلق بهذه الثلاثة. فإن قلت: في النصب تعليق الخوف بالأمور الثلاثة، وفي جُمْلَتِهَا نَفْيُ انطلاق اللسان، وحقيقه الخوف إِنَّما يلحق الإنسان لأمر سيقع، وذلك كان واقعاً، فكيف جاز تعليق الخوف به؟ قلت: قد عَلَّقَ الخوف بتكذيبهم، وبما يحصل له من ضيق الصدر، والحُبْسَة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحُبْسَة له من ضيق الصدر، والحُبْسَة في اللسان زائدة على ما كان به، على أن تلك الحُبْسَة التي كانت به زالت بدعوته. وقيل: بقيتْ منها بقيَّة يسيرة. فإن قلت: اعتذارك هذا يردّه الرفع، لأنّ المعنى: إِنِّي خائفٌ ضيِّقُ الصدرِ غيرُ مُنْطَلِق اللسان؟ قلت: يجوز أن يكون هذا قبل الدعوة واستجابتها ويجوز أن يريد القدر اليسير الذي بقي» .
قوله: «فَأَرْسِلْ» أي: فأرسل جبريلَ أو الملكَ، فحذف المعفول به، أي: ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة. قيل: إن الله تعالى أرسل موسى.
قال السُّدِّيّ: إن موسى - عليه السلام - سار بأهله إلى مصر، والتقى بهارون وهو لا يعرفه، فقال: أنا موسى، فتعارفا، وأمره أن ينطلق معه إلى فرعون لأداء الرسالة. وقيل: أرسل جبريل إليه كما يرسل إلى الأنبياء - عليه السلام - فلما كان متعيناً لهذا الأمر حذف ذكر المرسل لكونه معلوماً.
قوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ . أي: دعوى ذنب، وهو قتله للقبطي، أي: لهم عليَّ ذنب في زعمهم ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾ أي: يقتلونني، فقال الله تعالى: «كَلاَّ» أي: لن يقتلوك.
قوله: «فَاذْهَبَا» عطف على ما دل عليه حرف الردع من الفعل، كأنه قيل: ارتدع عما تظن فاذهب أنت وأخوك ﴿بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ سامعون ما تقولون قال: «مَعكُمْ» بلفظ الجمع، وهما اثنان، أجراهما مجرى الجماعة.
وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون، ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ إنما أفرد «رَسُول» إمَّا لأنه مصدر بمعنى: رسالة والمصدر يُوَحَّدُ، ومن مجيء «رَسُول» بمعنى رسالة قوله:
3897 - لَقَدْ كَذَبَ الوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمْ ... بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ
أي برسالة. وإما لأنهما ذَوَا شريعة واحدة فنُزِّلا منزلة رسول.
وإما لأن المعنى: كل واحد منا رسول. وإما لأنه من وضع الواحد موضع التثنية لتلازمهما، فصارا كالشيئين المتلازمين، كالعينين واليدين. وحيث لم يقصد هذه المعاني طابق في قوله: ﴿أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [طه: 47] . وقال أبو عبيد: يجوز أن يكون «الرسول» بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، [وهذان رسولي ووكيلي] ، وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: 50] . قوله: «أَنْ أَرْسِلْ» . يجوز أن تكون مفسِّرة ل «رَسولُ» إذا قيل: بأنه بمعنى الرسالة، شرحا الرسالة بهذا وبيَّناها به. ويجوز أن تكون المصدرية، أي: رسول بكذا، والمراد من هذا الإرسال: التخلية والإرسال: كقولك: أرسل البازي.
الشعراء 26:18
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ . العم أن في الكلام حذفاً، وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به، فعند ذلك قال فرعون ما قال. روي أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن هنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين. فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه، فأديا إليه الرسالة، فعرف موسى، فعدد عليه نعمه أولاً ثم إساءة موسى إليه. أما النعم فهي قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ والوليد: الصبي، لقرب عهده من الولادة. وقيل: الغلام، تسيمة له بما كان عليه. و «وَلِيداً» حال من مفعول [نُرَبِّك] ، وهو فعيل بمعنى مفعول. قوله ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قرا أبو عمرو في رواية بسكون الميم «عُمْرِكَ تخفيفاً ل» فُعُل» ، و «مِنْ عُمْرِكَ» حال من «سِنِينَ» .
قيل: لبث عندهم ثلاثين سنة، وقيل: وكَز القبطي، وهو ابن اثنتي عشرة سنة قوله «وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ» . قرا الشعبي: «فِعْلَتَكَ» بالكسر على الهيئة، لأنها نوع من القتل، وهي الوَكْزَةُ ﴿وَأَنتَ مِنَ الكافرين﴾ . يجوز أن يكون حالاً. قال عباس: أي: وأنت من الكافرين لنعمتي أي: وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة، وقد افترى عليه أو جهل أمره؛ لأنه كان يعاشرهم بالتَّقيَّة، فإن الكفر غير جائز على الأنبياء قبل النبوة. ويجوز أن يكون مستأنفاً، ومعناه وأنت ممن عادته كفران النعم، ومن كانت هذه حاله لم يستبعد منه قتل خواص ولي نعمه. وقيل: «مِنَ الكَافِرينَ» بفرعون وإلاهيَّته، أو من الذين يكفرون في دينهم، فقد كانت لهم آلهة يعبدونها بدليل قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] قوله: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ .» إذاً «هنا حرف جواب فقط. قال الزمخشري: إنها جوابٌ وجزاءٌ معاً قال: فإِنْ قُلْتَ: (إذاً) حرف جواب وجزاءً معاً، والكلام وقع جواباً لفرعون، فكيف وقع جزاء؟ قلت: قول فرعون:» وفَعَلْتَ فَعْلتكَ» فيه معنى أنك جازيت نعمتي بما فعلت، فقال له موسى: نعم فعلتها مجازياً لك تسليماً لقوله، كأن نعمته كانت عنده جديرة بأن تُجَازَى بنحو ذلك الجزاء.
قال أبو حيان: وهذا مذهب سيبويه، يعني: أنها للجزاء والجواب معاً، قال: ولكن شراح الكتاب فهموا أنها قد تتخلف عن الجزاء، والجواب معنى لازم لها.
فصل
واعلم أن فرعون عدد عليه نعمه من تربيته وبليغه مبلغ الرجال، ووبخه بما جرى على يده من قتل أجناده، وعظم ذلك بقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ﴾ .
ولما ذكر فرعون التربية ذكر القتل، وكانت تربيته معلومة ما أنكرها موسى - عليه السلام - وقد تقرر في العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معه معجزة وحجة لم يتغير حاله بأن يكون المرسل إليه أنعم عليه أو لم ينعم، صار قول فرعون غير مؤثر فالإعراض عنه أولى، ولكن أجاب عن القتل بما لا شيء أبلغ منه في الجواب، فقال: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ أي: من الجاهلين، أي: لم يأتني من عند الله شيء، أو من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله، لأأنه وكزه تأديباً، ومثل ذلك ربما حَسُن.
وقيل: من المخطئين، فبين أنه فعله على وجه لا تجوز المؤاخذة به، فيعد كافراً لنعمه.
قوله: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ . العامة على تشديد ميم «لَمَّا» وهي «لَمَّا» التي هي حرف وجوب عند سيبويه. أو بمعنى «حِينَ» عند الفارسي. روي عن حمزة بكسر اللام وتخفيف الميم، أي: لِتَخَوُّفِي مِنْكُمْ، و «ما» مصدرية. وهذه القراءة تشبه قراءته في «آل عمران» : ﴿لَمَآ آتَيْتُكُم﴾ [آل عمران: 81] . وقد تقدمت مستوفاة.
(قال الزمخشري: إنما جمع الضمير في «مِنْكُمْ» و «خِفْتُكُمْ» مع إفراده في «تَمُنُّهَا» و «عَبَّدْتَ» ، لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله لقوله: ﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: 20] ، وأما الامتنان والتعبد فمنه وحده) .
فصل
والمعنى: إني فعلت ذلك الفعل وأنا ذاهل عن كونه مهلكاً، وكان مني في حكم السهو، فلم أستحق التخويف الذي يوجب الفرار، ومع ذلك فررت منكم لما خفتكم عن قولكم: ﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: 20] فبين بذلك ألاّ نعمة له عليه في الفلة، بل بأن يكون مسيئاً فيه أقرب.
فصل
وقد ورد لفظ «الفرار» على أربعة:
الأول: بمعنى الهرب، كهذه الآية، ومثله ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت﴾ [الأحزاب: 16] .
الثاني: بمعنى الكراهية، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الموت الذي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ [الجمعة: 8] أي: تكرهونه.
الثالث: بمعنى اشتغال المرء بنفسه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: 34 - 35] أي: لا يلتفت إليهم، لاشتغاله بنفسه.
الرابع: بمعنى التباعد، قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: 6] أي: تباعداً. ثم بين نعم الله عليه بعد الفرار، فكأنه قال: أسأتم وأحسن الله إليَّ بأن وهب لي حكماً. قرأ عيسى: «حُكُماً» بضم الكاف إتباعاً. والمراد بالحكم: العلم والفهم، قاله مقاتل: وقيل: النبوة. والأول أقرب، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، والنبوة مفهومة من قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ المرسلين﴾ .
قوله: «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ» فيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر على سبيل التهكم، أي: إنْ كَانَ ثمَّ نعمة فليست إلاَّ أنك جعلت قومي عبيداً لك. وقيل: «ثَمَّ» حرف استفهام محذوف لفهم المعنى، أي: «أَوَ تِلْكَ» ، وهذا مذهب الخفش، وجعل من ذلك:
3898 - أَفْرَحُ انْ أُرْزَأَ الكِرَامَ ... وقد تقدم هذا مشبعاً في النساء عند قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79] وفي غيره.
قوله: «أَنْ عَبَّدْتَ» فيه أوجه:
أحدها: أنه في محل رفع عطف بيان ل «تِلْكَ» كقوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ﴾ [الحجر: 66] .
الثاني: أنها في محل نصب مفعولاً من أجله.
الثالث: أنها بدل من «نِعْمَة» .
الرابع: أنها بدل من هاء «تَمُنُّهَا» .
الخامس: أنها مجرورة بباء مقدرة، أي: بأَنْ عَبَّدْتَ.
السادس: أنها خبر مبتدأ مضمر، أي: هي أن عَبَّدْتَ.
السابع: أنها منصوبة بإضمار «أعني» والجملة من «تَمُنُّهَا» صفة ل «نِعْمَة» و «تَمُنُّ» يتعدى بالباء، فقيل: هي محذوفة، أي: تَمُنُّ بها.
وقيل: ضُمِّنَ «تَمُنُّ» معنى «تَذْكُرُ» . ويقال: عبّدت الرجل وأعبدته وتعبدته واستعبدته: [إذا اتخذته عبداً] .
فصل
اختلفوا في تأويل «أَنْ عَبَّدْتَ» : فحملها بعضهم على الإقرار، وبعضهم على الإنكار. وعلى كلا القولين فهو جواب لقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ [الشعراء: 18] .
فمن قال: هو إقرار، قال: عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه ولم يقتله كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل، أي: بلى و ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وتركتني فلم تستعبدني. ومن قال: هو إنكار قال: قوله: «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ» هو على طريق الاستفهام، كما تقدم في إعرابها، يعني: أَوَ تِلْكَ نعمة، فحذفت ألف الاستفهام، كقوله: ﴿فَهُمُ الخالدون﴾ [الأنبياء: 34] وقال الشاعر:
3899 - تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ ... وَمَاذَا يَضِيرُكَ لَوْ تَنْتَظِرْ
أي: أتروح من الحي، وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: 3900 - لَمْ أَنْسَ يَوْمَ الرَّحِيلِ وَقْفَتِهَا ... وَطَرْفُهَا فِي دُمُوعِهَا غَرِقُ
وَقَوْلَهَا والرِّكابُ واقِفَةٌ ... تَتْرُكُنِي هكَذَا وَتَنْطَلِقُ
أي: أتتركني. يقول: تمنّ عليَّ أن ربيتني وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملة القبيحة. أو يريد: كيف تَمُنُّ عليَّ بالتربية، وقد استعبدت قومي؟ ومن أُهين قومه ذلّ، فتعبّدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إليّ.
وقال الحسن: إنك استعبدت بني إسرائيل، فأخذت أموالهم وأنفقت منها عليَّ فلا نعمة لك بالتربية. وقيل: إن الذي تولى تربيتي هم الذين استعبدتهم فلا نعمة لك عليَّ، لأن التربية كانت من قبل أمي ومن قومي، ليس لك إلا مجرد الاسم، وهذا ما يعدّ إنعاماً. وقيل: معناه: تَمُنَّ عليَّ بالتربية وأنت لولا استعبادك بني إسرائيل وقتلك أولادهم لما دُفِعْتُ إليك حتى ربيتني وكفلتني، فإنه كان لي من أهلي من يربِّيني ويكفلني، ولم يلقوني في اليمِّ، فأيّ نعمة لك عليَّ. وقيل: معناه أنك تدَّعي أن بين إسرائيل عبيدك، ولا مِنَّة للمولى على العبد في تربيته.
الشعراء 26:19
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ . العم أن في الكلام حذفاً، وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به، فعند ذلك قال فرعون ما قال. روي أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن هنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين. فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه، فأديا إليه الرسالة، فعرف موسى، فعدد عليه نعمه أولاً ثم إساءة موسى إليه. أما النعم فهي قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ والوليد: الصبي، لقرب عهده من الولادة. وقيل: الغلام، تسيمة له بما كان عليه. و «وَلِيداً» حال من مفعول [نُرَبِّك] ، وهو فعيل بمعنى مفعول. قوله ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قرا أبو عمرو في رواية بسكون الميم «عُمْرِكَ تخفيفاً ل» فُعُل» ، و «مِنْ عُمْرِكَ» حال من «سِنِينَ» .
قيل: لبث عندهم ثلاثين سنة، وقيل: وكَز القبطي، وهو ابن اثنتي عشرة سنة قوله «وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ» . قرا الشعبي: «فِعْلَتَكَ» بالكسر على الهيئة، لأنها نوع من القتل، وهي الوَكْزَةُ ﴿وَأَنتَ مِنَ الكافرين﴾ . يجوز أن يكون حالاً. قال عباس: أي: وأنت من الكافرين لنعمتي أي: وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة، وقد افترى عليه أو جهل أمره؛ لأنه كان يعاشرهم بالتَّقيَّة، فإن الكفر غير جائز على الأنبياء قبل النبوة. ويجوز أن يكون مستأنفاً، ومعناه وأنت ممن عادته كفران النعم، ومن كانت هذه حاله لم يستبعد منه قتل خواص ولي نعمه. وقيل: «مِنَ الكَافِرينَ» بفرعون وإلاهيَّته، أو من الذين يكفرون في دينهم، فقد كانت لهم آلهة يعبدونها بدليل قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] قوله: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ .» إذاً «هنا حرف جواب فقط. قال الزمخشري: إنها جوابٌ وجزاءٌ معاً قال: فإِنْ قُلْتَ: (إذاً) حرف جواب وجزاءً معاً، والكلام وقع جواباً لفرعون، فكيف وقع جزاء؟ قلت: قول فرعون:» وفَعَلْتَ فَعْلتكَ» فيه معنى أنك جازيت نعمتي بما فعلت، فقال له موسى: نعم فعلتها مجازياً لك تسليماً لقوله، كأن نعمته كانت عنده جديرة بأن تُجَازَى بنحو ذلك الجزاء.
قال أبو حيان: وهذا مذهب سيبويه، يعني: أنها للجزاء والجواب معاً، قال: ولكن شراح الكتاب فهموا أنها قد تتخلف عن الجزاء، والجواب معنى لازم لها.
فصل
واعلم أن فرعون عدد عليه نعمه من تربيته وبليغه مبلغ الرجال، ووبخه بما جرى على يده من قتل أجناده، وعظم ذلك بقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ﴾ .
ولما ذكر فرعون التربية ذكر القتل، وكانت تربيته معلومة ما أنكرها موسى - عليه السلام - وقد تقرر في العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معه معجزة وحجة لم يتغير حاله بأن يكون المرسل إليه أنعم عليه أو لم ينعم، صار قول فرعون غير مؤثر فالإعراض عنه أولى، ولكن أجاب عن القتل بما لا شيء أبلغ منه في الجواب، فقال: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ أي: من الجاهلين، أي: لم يأتني من عند الله شيء، أو من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله، لأأنه وكزه تأديباً، ومثل ذلك ربما حَسُن.
وقيل: من المخطئين، فبين أنه فعله على وجه لا تجوز المؤاخذة به، فيعد كافراً لنعمه.
قوله: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ . العامة على تشديد ميم «لَمَّا» وهي «لَمَّا» التي هي حرف وجوب عند سيبويه. أو بمعنى «حِينَ» عند الفارسي. روي عن حمزة بكسر اللام وتخفيف الميم، أي: لِتَخَوُّفِي مِنْكُمْ، و «ما» مصدرية. وهذه القراءة تشبه قراءته في «آل عمران» : ﴿لَمَآ آتَيْتُكُم﴾ [آل عمران: 81] . وقد تقدمت مستوفاة.
(قال الزمخشري: إنما جمع الضمير في «مِنْكُمْ» و «خِفْتُكُمْ» مع إفراده في «تَمُنُّهَا» و «عَبَّدْتَ» ، لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله لقوله: ﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: 20] ، وأما الامتنان والتعبد فمنه وحده) .
فصل
والمعنى: إني فعلت ذلك الفعل وأنا ذاهل عن كونه مهلكاً، وكان مني في حكم السهو، فلم أستحق التخويف الذي يوجب الفرار، ومع ذلك فررت منكم لما خفتكم عن قولكم: ﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: 20] فبين بذلك ألاّ نعمة له عليه في الفلة، بل بأن يكون مسيئاً فيه أقرب.
فصل
وقد ورد لفظ «الفرار» على أربعة:
الأول: بمعنى الهرب، كهذه الآية، ومثله ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت﴾ [الأحزاب: 16] .
الثاني: بمعنى الكراهية، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الموت الذي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ [الجمعة: 8] أي: تكرهونه.
الثالث: بمعنى اشتغال المرء بنفسه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: 34 - 35] أي: لا يلتفت إليهم، لاشتغاله بنفسه.
الرابع: بمعنى التباعد، قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: 6] أي: تباعداً. ثم بين نعم الله عليه بعد الفرار، فكأنه قال: أسأتم وأحسن الله إليَّ بأن وهب لي حكماً. قرأ عيسى: «حُكُماً» بضم الكاف إتباعاً. والمراد بالحكم: العلم والفهم، قاله مقاتل: وقيل: النبوة. والأول أقرب، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، والنبوة مفهومة من قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ المرسلين﴾ .
قوله: «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ» فيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر على سبيل التهكم، أي: إنْ كَانَ ثمَّ نعمة فليست إلاَّ أنك جعلت قومي عبيداً لك. وقيل: «ثَمَّ» حرف استفهام محذوف لفهم المعنى، أي: «أَوَ تِلْكَ» ، وهذا مذهب الخفش، وجعل من ذلك:
3898 - أَفْرَحُ انْ أُرْزَأَ الكِرَامَ ... وقد تقدم هذا مشبعاً في النساء عند قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79] وفي غيره.
قوله: «أَنْ عَبَّدْتَ» فيه أوجه:
أحدها: أنه في محل رفع عطف بيان ل «تِلْكَ» كقوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ﴾ [الحجر: 66] .
الثاني: أنها في محل نصب مفعولاً من أجله.
الثالث: أنها بدل من «نِعْمَة» .
الرابع: أنها بدل من هاء «تَمُنُّهَا» .
الخامس: أنها مجرورة بباء مقدرة، أي: بأَنْ عَبَّدْتَ.
السادس: أنها خبر مبتدأ مضمر، أي: هي أن عَبَّدْتَ.
السابع: أنها منصوبة بإضمار «أعني» والجملة من «تَمُنُّهَا» صفة ل «نِعْمَة» و «تَمُنُّ» يتعدى بالباء، فقيل: هي محذوفة، أي: تَمُنُّ بها.
وقيل: ضُمِّنَ «تَمُنُّ» معنى «تَذْكُرُ» . ويقال: عبّدت الرجل وأعبدته وتعبدته واستعبدته: [إذا اتخذته عبداً] .
فصل
اختلفوا في تأويل «أَنْ عَبَّدْتَ» : فحملها بعضهم على الإقرار، وبعضهم على الإنكار. وعلى كلا القولين فهو جواب لقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ [الشعراء: 18] .
فمن قال: هو إقرار، قال: عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه ولم يقتله كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل، أي: بلى و ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وتركتني فلم تستعبدني. ومن قال: هو إنكار قال: قوله: «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ» هو على طريق الاستفهام، كما تقدم في إعرابها، يعني: أَوَ تِلْكَ نعمة، فحذفت ألف الاستفهام، كقوله: ﴿فَهُمُ الخالدون﴾ [الأنبياء: 34] وقال الشاعر:
3899 - تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ ... وَمَاذَا يَضِيرُكَ لَوْ تَنْتَظِرْ
أي: أتروح من الحي، وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: 3900 - لَمْ أَنْسَ يَوْمَ الرَّحِيلِ وَقْفَتِهَا ... وَطَرْفُهَا فِي دُمُوعِهَا غَرِقُ
وَقَوْلَهَا والرِّكابُ واقِفَةٌ ... تَتْرُكُنِي هكَذَا وَتَنْطَلِقُ
أي: أتتركني. يقول: تمنّ عليَّ أن ربيتني وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملة القبيحة. أو يريد: كيف تَمُنُّ عليَّ بالتربية، وقد استعبدت قومي؟ ومن أُهين قومه ذلّ، فتعبّدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إليّ.
وقال الحسن: إنك استعبدت بني إسرائيل، فأخذت أموالهم وأنفقت منها عليَّ فلا نعمة لك بالتربية. وقيل: إن الذي تولى تربيتي هم الذين استعبدتهم فلا نعمة لك عليَّ، لأن التربية كانت من قبل أمي ومن قومي، ليس لك إلا مجرد الاسم، وهذا ما يعدّ إنعاماً. وقيل: معناه: تَمُنَّ عليَّ بالتربية وأنت لولا استعبادك بني إسرائيل وقتلك أولادهم لما دُفِعْتُ إليك حتى ربيتني وكفلتني، فإنه كان لي من أهلي من يربِّيني ويكفلني، ولم يلقوني في اليمِّ، فأيّ نعمة لك عليَّ. وقيل: معناه أنك تدَّعي أن بين إسرائيل عبيدك، ولا مِنَّة للمولى على العبد في تربيته.
الشعراء 26:20
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ . العم أن في الكلام حذفاً، وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به، فعند ذلك قال فرعون ما قال. روي أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن هنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين. فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه، فأديا إليه الرسالة، فعرف موسى، فعدد عليه نعمه أولاً ثم إساءة موسى إليه. أما النعم فهي قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ والوليد: الصبي، لقرب عهده من الولادة. وقيل: الغلام، تسيمة له بما كان عليه. و «وَلِيداً» حال من مفعول [نُرَبِّك] ، وهو فعيل بمعنى مفعول. قوله ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قرا أبو عمرو في رواية بسكون الميم «عُمْرِكَ تخفيفاً ل» فُعُل» ، و «مِنْ عُمْرِكَ» حال من «سِنِينَ» .
قيل: لبث عندهم ثلاثين سنة، وقيل: وكَز القبطي، وهو ابن اثنتي عشرة سنة قوله «وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ» . قرا الشعبي: «فِعْلَتَكَ» بالكسر على الهيئة، لأنها نوع من القتل، وهي الوَكْزَةُ ﴿وَأَنتَ مِنَ الكافرين﴾ . يجوز أن يكون حالاً. قال عباس: أي: وأنت من الكافرين لنعمتي أي: وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة، وقد افترى عليه أو جهل أمره؛ لأنه كان يعاشرهم بالتَّقيَّة، فإن الكفر غير جائز على الأنبياء قبل النبوة. ويجوز أن يكون مستأنفاً، ومعناه وأنت ممن عادته كفران النعم، ومن كانت هذه حاله لم يستبعد منه قتل خواص ولي نعمه. وقيل: «مِنَ الكَافِرينَ» بفرعون وإلاهيَّته، أو من الذين يكفرون في دينهم، فقد كانت لهم آلهة يعبدونها بدليل قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] قوله: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ .» إذاً «هنا حرف جواب فقط. قال الزمخشري: إنها جوابٌ وجزاءٌ معاً قال: فإِنْ قُلْتَ: (إذاً) حرف جواب وجزاءً معاً، والكلام وقع جواباً لفرعون، فكيف وقع جزاء؟ قلت: قول فرعون:» وفَعَلْتَ فَعْلتكَ» فيه معنى أنك جازيت نعمتي بما فعلت، فقال له موسى: نعم فعلتها مجازياً لك تسليماً لقوله، كأن نعمته كانت عنده جديرة بأن تُجَازَى بنحو ذلك الجزاء.
قال أبو حيان: وهذا مذهب سيبويه، يعني: أنها للجزاء والجواب معاً، قال: ولكن شراح الكتاب فهموا أنها قد تتخلف عن الجزاء، والجواب معنى لازم لها.
فصل
واعلم أن فرعون عدد عليه نعمه من تربيته وبليغه مبلغ الرجال، ووبخه بما جرى على يده من قتل أجناده، وعظم ذلك بقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ﴾ .
ولما ذكر فرعون التربية ذكر القتل، وكانت تربيته معلومة ما أنكرها موسى - عليه السلام - وقد تقرر في العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معه معجزة وحجة لم يتغير حاله بأن يكون المرسل إليه أنعم عليه أو لم ينعم، صار قول فرعون غير مؤثر فالإعراض عنه أولى، ولكن أجاب عن القتل بما لا شيء أبلغ منه في الجواب، فقال: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ أي: من الجاهلين، أي: لم يأتني من عند الله شيء، أو من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله، لأأنه وكزه تأديباً، ومثل ذلك ربما حَسُن.
وقيل: من المخطئين، فبين أنه فعله على وجه لا تجوز المؤاخذة به، فيعد كافراً لنعمه.
قوله: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ . العامة على تشديد ميم «لَمَّا» وهي «لَمَّا» التي هي حرف وجوب عند سيبويه. أو بمعنى «حِينَ» عند الفارسي. روي عن حمزة بكسر اللام وتخفيف الميم، أي: لِتَخَوُّفِي مِنْكُمْ، و «ما» مصدرية. وهذه القراءة تشبه قراءته في «آل عمران» : ﴿لَمَآ آتَيْتُكُم﴾ [آل عمران: 81] . وقد تقدمت مستوفاة.
(قال الزمخشري: إنما جمع الضمير في «مِنْكُمْ» و «خِفْتُكُمْ» مع إفراده في «تَمُنُّهَا» و «عَبَّدْتَ» ، لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله لقوله: ﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: 20] ، وأما الامتنان والتعبد فمنه وحده) .
فصل
والمعنى: إني فعلت ذلك الفعل وأنا ذاهل عن كونه مهلكاً، وكان مني في حكم السهو، فلم أستحق التخويف الذي يوجب الفرار، ومع ذلك فررت منكم لما خفتكم عن قولكم: ﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: 20] فبين بذلك ألاّ نعمة له عليه في الفلة، بل بأن يكون مسيئاً فيه أقرب.
فصل
وقد ورد لفظ «الفرار» على أربعة:
الأول: بمعنى الهرب، كهذه الآية، ومثله ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت﴾ [الأحزاب: 16] .
الثاني: بمعنى الكراهية، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الموت الذي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ [الجمعة: 8] أي: تكرهونه.
الثالث: بمعنى اشتغال المرء بنفسه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: 34 - 35] أي: لا يلتفت إليهم، لاشتغاله بنفسه.
الرابع: بمعنى التباعد، قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: 6] أي: تباعداً. ثم بين نعم الله عليه بعد الفرار، فكأنه قال: أسأتم وأحسن الله إليَّ بأن وهب لي حكماً. قرأ عيسى: «حُكُماً» بضم الكاف إتباعاً. والمراد بالحكم: العلم والفهم، قاله مقاتل: وقيل: النبوة. والأول أقرب، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، والنبوة مفهومة من قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ المرسلين﴾ .
قوله: «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ» فيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر على سبيل التهكم، أي: إنْ كَانَ ثمَّ نعمة فليست إلاَّ أنك جعلت قومي عبيداً لك. وقيل: «ثَمَّ» حرف استفهام محذوف لفهم المعنى، أي: «أَوَ تِلْكَ» ، وهذا مذهب الخفش، وجعل من ذلك:
3898 - أَفْرَحُ انْ أُرْزَأَ الكِرَامَ ... وقد تقدم هذا مشبعاً في النساء عند قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79] وفي غيره.
قوله: «أَنْ عَبَّدْتَ» فيه أوجه:
أحدها: أنه في محل رفع عطف بيان ل «تِلْكَ» كقوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ﴾ [الحجر: 66] .
الثاني: أنها في محل نصب مفعولاً من أجله.
الثالث: أنها بدل من «نِعْمَة» .
الرابع: أنها بدل من هاء «تَمُنُّهَا» .
الخامس: أنها مجرورة بباء مقدرة، أي: بأَنْ عَبَّدْتَ.
السادس: أنها خبر مبتدأ مضمر، أي: هي أن عَبَّدْتَ.
السابع: أنها منصوبة بإضمار «أعني» والجملة من «تَمُنُّهَا» صفة ل «نِعْمَة» و «تَمُنُّ» يتعدى بالباء، فقيل: هي محذوفة، أي: تَمُنُّ بها.
وقيل: ضُمِّنَ «تَمُنُّ» معنى «تَذْكُرُ» . ويقال: عبّدت الرجل وأعبدته وتعبدته واستعبدته: [إذا اتخذته عبداً] .
فصل
اختلفوا في تأويل «أَنْ عَبَّدْتَ» : فحملها بعضهم على الإقرار، وبعضهم على الإنكار. وعلى كلا القولين فهو جواب لقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ [الشعراء: 18] .
فمن قال: هو إقرار، قال: عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه ولم يقتله كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل، أي: بلى و ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وتركتني فلم تستعبدني. ومن قال: هو إنكار قال: قوله: «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ» هو على طريق الاستفهام، كما تقدم في إعرابها، يعني: أَوَ تِلْكَ نعمة، فحذفت ألف الاستفهام، كقوله: ﴿فَهُمُ الخالدون﴾ [الأنبياء: 34] وقال الشاعر:
3899 - تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ ... وَمَاذَا يَضِيرُكَ لَوْ تَنْتَظِرْ
أي: أتروح من الحي، وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: 3900 - لَمْ أَنْسَ يَوْمَ الرَّحِيلِ وَقْفَتِهَا ... وَطَرْفُهَا فِي دُمُوعِهَا غَرِقُ
وَقَوْلَهَا والرِّكابُ واقِفَةٌ ... تَتْرُكُنِي هكَذَا وَتَنْطَلِقُ
أي: أتتركني. يقول: تمنّ عليَّ أن ربيتني وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملة القبيحة. أو يريد: كيف تَمُنُّ عليَّ بالتربية، وقد استعبدت قومي؟ ومن أُهين قومه ذلّ، فتعبّدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إليّ.
وقال الحسن: إنك استعبدت بني إسرائيل، فأخذت أموالهم وأنفقت منها عليَّ فلا نعمة لك بالتربية. وقيل: إن الذي تولى تربيتي هم الذين استعبدتهم فلا نعمة لك عليَّ، لأن التربية كانت من قبل أمي ومن قومي، ليس لك إلا مجرد الاسم، وهذا ما يعدّ إنعاماً. وقيل: معناه: تَمُنَّ عليَّ بالتربية وأنت لولا استعبادك بني إسرائيل وقتلك أولادهم لما دُفِعْتُ إليك حتى ربيتني وكفلتني، فإنه كان لي من أهلي من يربِّيني ويكفلني، ولم يلقوني في اليمِّ، فأيّ نعمة لك عليَّ. وقيل: معناه أنك تدَّعي أن بين إسرائيل عبيدك، ولا مِنَّة للمولى على العبد في تربيته.
الشعراء 26:21
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ . العم أن في الكلام حذفاً، وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به، فعند ذلك قال فرعون ما قال. روي أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن هنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين. فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه، فأديا إليه الرسالة، فعرف موسى، فعدد عليه نعمه أولاً ثم إساءة موسى إليه. أما النعم فهي قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ والوليد: الصبي، لقرب عهده من الولادة. وقيل: الغلام، تسيمة له بما كان عليه. و «وَلِيداً» حال من مفعول [نُرَبِّك] ، وهو فعيل بمعنى مفعول. قوله ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قرا أبو عمرو في رواية بسكون الميم «عُمْرِكَ تخفيفاً ل» فُعُل» ، و «مِنْ عُمْرِكَ» حال من «سِنِينَ» .
قيل: لبث عندهم ثلاثين سنة، وقيل: وكَز القبطي، وهو ابن اثنتي عشرة سنة قوله «وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ» . قرا الشعبي: «فِعْلَتَكَ» بالكسر على الهيئة، لأنها نوع من القتل، وهي الوَكْزَةُ ﴿وَأَنتَ مِنَ الكافرين﴾ . يجوز أن يكون حالاً. قال عباس: أي: وأنت من الكافرين لنعمتي أي: وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة، وقد افترى عليه أو جهل أمره؛ لأنه كان يعاشرهم بالتَّقيَّة، فإن الكفر غير جائز على الأنبياء قبل النبوة. ويجوز أن يكون مستأنفاً، ومعناه وأنت ممن عادته كفران النعم، ومن كانت هذه حاله لم يستبعد منه قتل خواص ولي نعمه. وقيل: «مِنَ الكَافِرينَ» بفرعون وإلاهيَّته، أو من الذين يكفرون في دينهم، فقد كانت لهم آلهة يعبدونها بدليل قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] قوله: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ .» إذاً «هنا حرف جواب فقط. قال الزمخشري: إنها جوابٌ وجزاءٌ معاً قال: فإِنْ قُلْتَ: (إذاً) حرف جواب وجزاءً معاً، والكلام وقع جواباً لفرعون، فكيف وقع جزاء؟ قلت: قول فرعون:» وفَعَلْتَ فَعْلتكَ» فيه معنى أنك جازيت نعمتي بما فعلت، فقال له موسى: نعم فعلتها مجازياً لك تسليماً لقوله، كأن نعمته كانت عنده جديرة بأن تُجَازَى بنحو ذلك الجزاء.
قال أبو حيان: وهذا مذهب سيبويه، يعني: أنها للجزاء والجواب معاً، قال: ولكن شراح الكتاب فهموا أنها قد تتخلف عن الجزاء، والجواب معنى لازم لها.
فصل
واعلم أن فرعون عدد عليه نعمه من تربيته وبليغه مبلغ الرجال، ووبخه بما جرى على يده من قتل أجناده، وعظم ذلك بقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ﴾ .
ولما ذكر فرعون التربية ذكر القتل، وكانت تربيته معلومة ما أنكرها موسى - عليه السلام - وقد تقرر في العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معه معجزة وحجة لم يتغير حاله بأن يكون المرسل إليه أنعم عليه أو لم ينعم، صار قول فرعون غير مؤثر فالإعراض عنه أولى، ولكن أجاب عن القتل بما لا شيء أبلغ منه في الجواب، فقال: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ أي: من الجاهلين، أي: لم يأتني من عند الله شيء، أو من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله، لأأنه وكزه تأديباً، ومثل ذلك ربما حَسُن.
وقيل: من المخطئين، فبين أنه فعله على وجه لا تجوز المؤاخذة به، فيعد كافراً لنعمه.
قوله: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ . العامة على تشديد ميم «لَمَّا» وهي «لَمَّا» التي هي حرف وجوب عند سيبويه. أو بمعنى «حِينَ» عند الفارسي. روي عن حمزة بكسر اللام وتخفيف الميم، أي: لِتَخَوُّفِي مِنْكُمْ، و «ما» مصدرية. وهذه القراءة تشبه قراءته في «آل عمران» : ﴿لَمَآ آتَيْتُكُم﴾ [آل عمران: 81] . وقد تقدمت مستوفاة.
(قال الزمخشري: إنما جمع الضمير في «مِنْكُمْ» و «خِفْتُكُمْ» مع إفراده في «تَمُنُّهَا» و «عَبَّدْتَ» ، لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله لقوله: ﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: 20] ، وأما الامتنان والتعبد فمنه وحده) .
فصل
والمعنى: إني فعلت ذلك الفعل وأنا ذاهل عن كونه مهلكاً، وكان مني في حكم السهو، فلم أستحق التخويف الذي يوجب الفرار، ومع ذلك فررت منكم لما خفتكم عن قولكم: ﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: 20] فبين بذلك ألاّ نعمة له عليه في الفلة، بل بأن يكون مسيئاً فيه أقرب.
فصل
وقد ورد لفظ «الفرار» على أربعة:
الأول: بمعنى الهرب، كهذه الآية، ومثله ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت﴾ [الأحزاب: 16] .
الثاني: بمعنى الكراهية، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الموت الذي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ [الجمعة: 8] أي: تكرهونه.
الثالث: بمعنى اشتغال المرء بنفسه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: 34 - 35] أي: لا يلتفت إليهم، لاشتغاله بنفسه.
الرابع: بمعنى التباعد، قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: 6] أي: تباعداً. ثم بين نعم الله عليه بعد الفرار، فكأنه قال: أسأتم وأحسن الله إليَّ بأن وهب لي حكماً. قرأ عيسى: «حُكُماً» بضم الكاف إتباعاً. والمراد بالحكم: العلم والفهم، قاله مقاتل: وقيل: النبوة. والأول أقرب، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، والنبوة مفهومة من قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ المرسلين﴾ .
قوله: «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ» فيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر على سبيل التهكم، أي: إنْ كَانَ ثمَّ نعمة فليست إلاَّ أنك جعلت قومي عبيداً لك. وقيل: «ثَمَّ» حرف استفهام محذوف لفهم المعنى، أي: «أَوَ تِلْكَ» ، وهذا مذهب الخفش، وجعل من ذلك:
3898 - أَفْرَحُ انْ أُرْزَأَ الكِرَامَ ... وقد تقدم هذا مشبعاً في النساء عند قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79] وفي غيره.
قوله: «أَنْ عَبَّدْتَ» فيه أوجه:
أحدها: أنه في محل رفع عطف بيان ل «تِلْكَ» كقوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ﴾ [الحجر: 66] .
الثاني: أنها في محل نصب مفعولاً من أجله.
الثالث: أنها بدل من «نِعْمَة» .
الرابع: أنها بدل من هاء «تَمُنُّهَا» .
الخامس: أنها مجرورة بباء مقدرة، أي: بأَنْ عَبَّدْتَ.
السادس: أنها خبر مبتدأ مضمر، أي: هي أن عَبَّدْتَ.
السابع: أنها منصوبة بإضمار «أعني» والجملة من «تَمُنُّهَا» صفة ل «نِعْمَة» و «تَمُنُّ» يتعدى بالباء، فقيل: هي محذوفة، أي: تَمُنُّ بها.
وقيل: ضُمِّنَ «تَمُنُّ» معنى «تَذْكُرُ» . ويقال: عبّدت الرجل وأعبدته وتعبدته واستعبدته: [إذا اتخذته عبداً] .
فصل
اختلفوا في تأويل «أَنْ عَبَّدْتَ» : فحملها بعضهم على الإقرار، وبعضهم على الإنكار. وعلى كلا القولين فهو جواب لقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ [الشعراء: 18] .
فمن قال: هو إقرار، قال: عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه ولم يقتله كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل، أي: بلى و ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وتركتني فلم تستعبدني. ومن قال: هو إنكار قال: قوله: «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ» هو على طريق الاستفهام، كما تقدم في إعرابها، يعني: أَوَ تِلْكَ نعمة، فحذفت ألف الاستفهام، كقوله: ﴿فَهُمُ الخالدون﴾ [الأنبياء: 34] وقال الشاعر:
3899 - تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ ... وَمَاذَا يَضِيرُكَ لَوْ تَنْتَظِرْ
أي: أتروح من الحي، وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: 3900 - لَمْ أَنْسَ يَوْمَ الرَّحِيلِ وَقْفَتِهَا ... وَطَرْفُهَا فِي دُمُوعِهَا غَرِقُ
وَقَوْلَهَا والرِّكابُ واقِفَةٌ ... تَتْرُكُنِي هكَذَا وَتَنْطَلِقُ
أي: أتتركني. يقول: تمنّ عليَّ أن ربيتني وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملة القبيحة. أو يريد: كيف تَمُنُّ عليَّ بالتربية، وقد استعبدت قومي؟ ومن أُهين قومه ذلّ، فتعبّدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إليّ.
وقال الحسن: إنك استعبدت بني إسرائيل، فأخذت أموالهم وأنفقت منها عليَّ فلا نعمة لك بالتربية. وقيل: إن الذي تولى تربيتي هم الذين استعبدتهم فلا نعمة لك عليَّ، لأن التربية كانت من قبل أمي ومن قومي، ليس لك إلا مجرد الاسم، وهذا ما يعدّ إنعاماً. وقيل: معناه: تَمُنَّ عليَّ بالتربية وأنت لولا استعبادك بني إسرائيل وقتلك أولادهم لما دُفِعْتُ إليك حتى ربيتني وكفلتني، فإنه كان لي من أهلي من يربِّيني ويكفلني، ولم يلقوني في اليمِّ، فأيّ نعمة لك عليَّ. وقيل: معناه أنك تدَّعي أن بين إسرائيل عبيدك، ولا مِنَّة للمولى على العبد في تربيته.
الشعراء 26:22
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ . العم أن في الكلام حذفاً، وهو أنهما أتياه وقالا ما أمر الله به، فعند ذلك قال فرعون ما قال. روي أنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب: إن هنا إنساناً يزعم أنه رسول رب العالمين. فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه، فأديا إليه الرسالة، فعرف موسى، فعدد عليه نعمه أولاً ثم إساءة موسى إليه. أما النعم فهي قوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ والوليد: الصبي، لقرب عهده من الولادة. وقيل: الغلام، تسيمة له بما كان عليه. و «وَلِيداً» حال من مفعول [نُرَبِّك] ، وهو فعيل بمعنى مفعول. قوله ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ قرا أبو عمرو في رواية بسكون الميم «عُمْرِكَ تخفيفاً ل» فُعُل» ، و «مِنْ عُمْرِكَ» حال من «سِنِينَ» .
قيل: لبث عندهم ثلاثين سنة، وقيل: وكَز القبطي، وهو ابن اثنتي عشرة سنة قوله «وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ» . قرا الشعبي: «فِعْلَتَكَ» بالكسر على الهيئة، لأنها نوع من القتل، وهي الوَكْزَةُ ﴿وَأَنتَ مِنَ الكافرين﴾ . يجوز أن يكون حالاً. قال عباس: أي: وأنت من الكافرين لنعمتي أي: وأنت إذ ذاك ممن تكفرهم الساعة، وقد افترى عليه أو جهل أمره؛ لأنه كان يعاشرهم بالتَّقيَّة، فإن الكفر غير جائز على الأنبياء قبل النبوة. ويجوز أن يكون مستأنفاً، ومعناه وأنت ممن عادته كفران النعم، ومن كانت هذه حاله لم يستبعد منه قتل خواص ولي نعمه. وقيل: «مِنَ الكَافِرينَ» بفرعون وإلاهيَّته، أو من الذين يكفرون في دينهم، فقد كانت لهم آلهة يعبدونها بدليل قوله: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: 127] قوله: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ .» إذاً «هنا حرف جواب فقط. قال الزمخشري: إنها جوابٌ وجزاءٌ معاً قال: فإِنْ قُلْتَ: (إذاً) حرف جواب وجزاءً معاً، والكلام وقع جواباً لفرعون، فكيف وقع جزاء؟ قلت: قول فرعون:» وفَعَلْتَ فَعْلتكَ» فيه معنى أنك جازيت نعمتي بما فعلت، فقال له موسى: نعم فعلتها مجازياً لك تسليماً لقوله، كأن نعمته كانت عنده جديرة بأن تُجَازَى بنحو ذلك الجزاء.
قال أبو حيان: وهذا مذهب سيبويه، يعني: أنها للجزاء والجواب معاً، قال: ولكن شراح الكتاب فهموا أنها قد تتخلف عن الجزاء، والجواب معنى لازم لها.
فصل
واعلم أن فرعون عدد عليه نعمه من تربيته وبليغه مبلغ الرجال، ووبخه بما جرى على يده من قتل أجناده، وعظم ذلك بقوله: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ﴾ .
ولما ذكر فرعون التربية ذكر القتل، وكانت تربيته معلومة ما أنكرها موسى - عليه السلام - وقد تقرر في العقول أن الرسول إلى الغير إذا كان معه معجزة وحجة لم يتغير حاله بأن يكون المرسل إليه أنعم عليه أو لم ينعم، صار قول فرعون غير مؤثر فالإعراض عنه أولى، ولكن أجاب عن القتل بما لا شيء أبلغ منه في الجواب، فقال: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾ أي: من الجاهلين، أي: لم يأتني من عند الله شيء، أو من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله، لأأنه وكزه تأديباً، ومثل ذلك ربما حَسُن.
وقيل: من المخطئين، فبين أنه فعله على وجه لا تجوز المؤاخذة به، فيعد كافراً لنعمه.
قوله: ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ . العامة على تشديد ميم «لَمَّا» وهي «لَمَّا» التي هي حرف وجوب عند سيبويه. أو بمعنى «حِينَ» عند الفارسي. روي عن حمزة بكسر اللام وتخفيف الميم، أي: لِتَخَوُّفِي مِنْكُمْ، و «ما» مصدرية. وهذه القراءة تشبه قراءته في «آل عمران» : ﴿لَمَآ آتَيْتُكُم﴾ [آل عمران: 81] . وقد تقدمت مستوفاة.
(قال الزمخشري: إنما جمع الضمير في «مِنْكُمْ» و «خِفْتُكُمْ» مع إفراده في «تَمُنُّهَا» و «عَبَّدْتَ» ، لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده، ولكن منه ومن ملئه المؤتمرين بقتله لقوله: ﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: 20] ، وأما الامتنان والتعبد فمنه وحده) .
فصل
والمعنى: إني فعلت ذلك الفعل وأنا ذاهل عن كونه مهلكاً، وكان مني في حكم السهو، فلم أستحق التخويف الذي يوجب الفرار، ومع ذلك فررت منكم لما خفتكم عن قولكم: ﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: 20] فبين بذلك ألاّ نعمة له عليه في الفلة، بل بأن يكون مسيئاً فيه أقرب.
فصل
وقد ورد لفظ «الفرار» على أربعة:
الأول: بمعنى الهرب، كهذه الآية، ومثله ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت﴾ [الأحزاب: 16] .
الثاني: بمعنى الكراهية، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الموت الذي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ [الجمعة: 8] أي: تكرهونه.
الثالث: بمعنى اشتغال المرء بنفسه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: 34 - 35] أي: لا يلتفت إليهم، لاشتغاله بنفسه.
الرابع: بمعنى التباعد، قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دعآئي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: 6] أي: تباعداً. ثم بين نعم الله عليه بعد الفرار، فكأنه قال: أسأتم وأحسن الله إليَّ بأن وهب لي حكماً. قرأ عيسى: «حُكُماً» بضم الكاف إتباعاً. والمراد بالحكم: العلم والفهم، قاله مقاتل: وقيل: النبوة. والأول أقرب، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، والنبوة مفهومة من قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ المرسلين﴾ .
قوله: «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ» فيه وجهان:
أحدهما: أنه خبر على سبيل التهكم، أي: إنْ كَانَ ثمَّ نعمة فليست إلاَّ أنك جعلت قومي عبيداً لك. وقيل: «ثَمَّ» حرف استفهام محذوف لفهم المعنى، أي: «أَوَ تِلْكَ» ، وهذا مذهب الخفش، وجعل من ذلك:
3898 - أَفْرَحُ انْ أُرْزَأَ الكِرَامَ ... وقد تقدم هذا مشبعاً في النساء عند قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء: 79] وفي غيره.
قوله: «أَنْ عَبَّدْتَ» فيه أوجه:
أحدها: أنه في محل رفع عطف بيان ل «تِلْكَ» كقوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ﴾ [الحجر: 66] .
الثاني: أنها في محل نصب مفعولاً من أجله.
الثالث: أنها بدل من «نِعْمَة» .
الرابع: أنها بدل من هاء «تَمُنُّهَا» .
الخامس: أنها مجرورة بباء مقدرة، أي: بأَنْ عَبَّدْتَ.
السادس: أنها خبر مبتدأ مضمر، أي: هي أن عَبَّدْتَ.
السابع: أنها منصوبة بإضمار «أعني» والجملة من «تَمُنُّهَا» صفة ل «نِعْمَة» و «تَمُنُّ» يتعدى بالباء، فقيل: هي محذوفة، أي: تَمُنُّ بها.
وقيل: ضُمِّنَ «تَمُنُّ» معنى «تَذْكُرُ» . ويقال: عبّدت الرجل وأعبدته وتعبدته واستعبدته: [إذا اتخذته عبداً] .
فصل
اختلفوا في تأويل «أَنْ عَبَّدْتَ» : فحملها بعضهم على الإقرار، وبعضهم على الإنكار. وعلى كلا القولين فهو جواب لقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ [الشعراء: 18] .
فمن قال: هو إقرار، قال: عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه ولم يقتله كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل، أي: بلى و ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وتركتني فلم تستعبدني. ومن قال: هو إنكار قال: قوله: «وَتِلْكَ نِعْمَةٌ» هو على طريق الاستفهام، كما تقدم في إعرابها، يعني: أَوَ تِلْكَ نعمة، فحذفت ألف الاستفهام، كقوله: ﴿فَهُمُ الخالدون﴾ [الأنبياء: 34] وقال الشاعر:
3899 - تَرُوحُ مِنَ الحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ ... وَمَاذَا يَضِيرُكَ لَوْ تَنْتَظِرْ
أي: أتروح من الحي، وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: 3900 - لَمْ أَنْسَ يَوْمَ الرَّحِيلِ وَقْفَتِهَا ... وَطَرْفُهَا فِي دُمُوعِهَا غَرِقُ
وَقَوْلَهَا والرِّكابُ واقِفَةٌ ... تَتْرُكُنِي هكَذَا وَتَنْطَلِقُ
أي: أتتركني. يقول: تمنّ عليَّ أن ربيتني وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملة القبيحة. أو يريد: كيف تَمُنُّ عليَّ بالتربية، وقد استعبدت قومي؟ ومن أُهين قومه ذلّ، فتعبّدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إليّ.
وقال الحسن: إنك استعبدت بني إسرائيل، فأخذت أموالهم وأنفقت منها عليَّ فلا نعمة لك بالتربية. وقيل: إن الذي تولى تربيتي هم الذين استعبدتهم فلا نعمة لك عليَّ، لأن التربية كانت من قبل أمي ومن قومي، ليس لك إلا مجرد الاسم، وهذا ما يعدّ إنعاماً. وقيل: معناه: تَمُنَّ عليَّ بالتربية وأنت لولا استعبادك بني إسرائيل وقتلك أولادهم لما دُفِعْتُ إليك حتى ربيتني وكفلتني، فإنه كان لي من أهلي من يربِّيني ويكفلني، ولم يلقوني في اليمِّ، فأيّ نعمة لك عليَّ. وقيل: معناه أنك تدَّعي أن بين إسرائيل عبيدك، ولا مِنَّة للمولى على العبد في تربيته.
الشعراء 26:23
قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إنما أتبى ب «مَا» دون «مَنْ» لأنها يسأل بها عن طلب الماهية، كقولك: ما العنقاء؟ ولما كان جواب هذا السؤال لا يمكن عدل موسى - عليه السلام - إلى جواب ممكن، فأجاب بصفاته تعالى، وخصَّ تلك الصفات لأنه لا يشاركه فيها أحد، وفيه إبطال لدعواه أنه إله.
وقيل: جهل السؤال فأتى ب «ما» دون «مَنْ» . وليس بشيء.
وليس بشيء، لأن أهل البيان نَصُّوا على أنها يطلب بها الماهيات، وقد جاء ب «من» في قوله: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ [طه: 49] .
فصل
اعلم أن فرعون لم يقل: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: 16] فلا بد من أنهما قالا ذلك قين دخلا عليه، فعند ذلك قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ يقول: أيّ شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إليّ يستوصفه إلاهه الذي أرسل إليه؟ وهو سؤال عن جنس الشيء، والله منزَّه عن الجنسية. فأجابه موسى - عليه السلام - بذكر أفعاله التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، فقال: ﴿رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾ أنه خلقهما.
قال أهل المعاني: كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينوها، فأيثنوا أن إله الخلق هو الله عزَّ وجل.
قوله: «وَمَا بَيْنَهُمَا» عاد ضمير التثنية على جمعين اعتباراً بالجنسين، كما فعل ذلك في قوله:
3901 - بَيْنَ رماحَيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلٍ ...
ولمّا ذكر موسى - عليه السلام - هذا الجواب الحق تحير فرعون في جواب موسى، فقال لمن حوله من أشراف قومه - قال ابن عباس: كانوا خمسمائة -: «ألا تَسْتَمِعُونَ» على سيبل التعجب من جواب موسى، يعني: أنا أطلب منه الماهية وهو يجيبني بالفاعلية. وقيل: استبعد جواب موصى وقال «أَلاَ تَسْتَمِعُونَ» لأنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم موسى بياناً فقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فعدل عن التعريف بخالقية السموات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا، وذلك لأنه يمكن أن يعتقد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها، فهي غنية عن الخلق، ولا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده [كونهم واجبين لذواتهم، لأن المشاهدة دلَّت على أنهم وجدوا] بعد العدم، وعدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته، واستحال وجوده إلا بالمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر، فلهذا عدل موسى - عليه السلام - إليه فقال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ يعني: أن المقصود من سؤالنا طلب الماهية والحقيقة، والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد البتة تلك الخصوصية فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فقال موسى - عليه السلام -: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك أنه أراد ب «المَشْرِق» كلوع الشمس وظهور النهار، وأراد ب «المَغْرِب» : غروب الشمس وزوالها، والامر ظاهر؛ لأن التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم - عليه السلام - مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة، وهو الذي ذكره إبراهيم - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فأجابه نمروذ:
﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] فقال: ﴿﴾ وهو الذي ذكره موسى - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب﴾ .
وأما قوله ﴿إِنْ كَنْتُم تَعْقِلُونَ﴾ فكأنه - عليه السلام - قال: إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته، ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته، ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أُعرِّف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرّفت حقيقته، فمن كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته. واعلم أن حقيقته غير معقولة للبشر، فيستحيل من موسى - عليه السلام - أن يذكر ما تعرف (به تلك) الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة، فلما انقطع فرعون عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق، وعدل إلى التخويف، وقال: ﴿لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ : المحبوسين. قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه شيئاً يهوي به في الأرض.
وقال: ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ ولم يقل: «لأَسْجُنَنَّكَ» وهو أخص منه؛ لأن فيه مبالغة ليست في ذاك، أو معناه: لأجعلنك ممن عرفت حاله في سجوني فعند ذلك ذكر موسى كلاماً مجملاً ليعلق قبله به فيعدل عن وعيده، فقال ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هل يحسن أن يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بدليلين يدلان على وجوه الله، وعلى أنِّي رسوله. فعند ذلك قال: ﴿فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ وإنما قال موسى ذلك لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان فقال فرعون: «فَأْتِ بِهِ» فإنا لن نسجنك حينئذ ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ فإن قيل: كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول، وهو قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: بآيةٍ بيِّنة، والمعجز لا يدل على الله لدلالة سائر ما تقدم؟
فالجواب: بل يدل على ما أراد أن يظهره من انقلاب العَصَا حَيَّةً على الله، وعلى توحيده، وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم. والواو في قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ﴾ واو الحال، دخلت عليها همزة الاستفهام، والمعنى: أتفعل بي ذلك ولو جئتُكَ بشيء مبين؟ أي: جائياً بالمعجزة وقال الحوفي: «هي واو العطف» . وقتدم تحرير هذا عند قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ [170] في البقرة، وغالب الجمل هنا تقدم إعرابها.
الشعراء 26:24
قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إنما أتبى ب «مَا» دون «مَنْ» لأنها يسأل بها عن طلب الماهية، كقولك: ما العنقاء؟ ولما كان جواب هذا السؤال لا يمكن عدل موسى - عليه السلام - إلى جواب ممكن، فأجاب بصفاته تعالى، وخصَّ تلك الصفات لأنه لا يشاركه فيها أحد، وفيه إبطال لدعواه أنه إله.
وقيل: جهل السؤال فأتى ب «ما» دون «مَنْ» . وليس بشيء.
وليس بشيء، لأن أهل البيان نَصُّوا على أنها يطلب بها الماهيات، وقد جاء ب «من» في قوله: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ [طه: 49] .
فصل
اعلم أن فرعون لم يقل: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: 16] فلا بد من أنهما قالا ذلك قين دخلا عليه، فعند ذلك قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ يقول: أيّ شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إليّ يستوصفه إلاهه الذي أرسل إليه؟ وهو سؤال عن جنس الشيء، والله منزَّه عن الجنسية. فأجابه موسى - عليه السلام - بذكر أفعاله التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، فقال: ﴿رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾ أنه خلقهما.
قال أهل المعاني: كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينوها، فأيثنوا أن إله الخلق هو الله عزَّ وجل.
قوله: «وَمَا بَيْنَهُمَا» عاد ضمير التثنية على جمعين اعتباراً بالجنسين، كما فعل ذلك في قوله:
3901 - بَيْنَ رماحَيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلٍ ...
ولمّا ذكر موسى - عليه السلام - هذا الجواب الحق تحير فرعون في جواب موسى، فقال لمن حوله من أشراف قومه - قال ابن عباس: كانوا خمسمائة -: «ألا تَسْتَمِعُونَ» على سيبل التعجب من جواب موسى، يعني: أنا أطلب منه الماهية وهو يجيبني بالفاعلية. وقيل: استبعد جواب موصى وقال «أَلاَ تَسْتَمِعُونَ» لأنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم موسى بياناً فقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فعدل عن التعريف بخالقية السموات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا، وذلك لأنه يمكن أن يعتقد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها، فهي غنية عن الخلق، ولا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده [كونهم واجبين لذواتهم، لأن المشاهدة دلَّت على أنهم وجدوا] بعد العدم، وعدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته، واستحال وجوده إلا بالمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر، فلهذا عدل موسى - عليه السلام - إليه فقال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ يعني: أن المقصود من سؤالنا طلب الماهية والحقيقة، والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد البتة تلك الخصوصية فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فقال موسى - عليه السلام -: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك أنه أراد ب «المَشْرِق» كلوع الشمس وظهور النهار، وأراد ب «المَغْرِب» : غروب الشمس وزوالها، والامر ظاهر؛ لأن التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم - عليه السلام - مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة، وهو الذي ذكره إبراهيم - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فأجابه نمروذ:
﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] فقال: ﴿﴾ وهو الذي ذكره موسى - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب﴾ .
وأما قوله ﴿إِنْ كَنْتُم تَعْقِلُونَ﴾ فكأنه - عليه السلام - قال: إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته، ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته، ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أُعرِّف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرّفت حقيقته، فمن كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته. واعلم أن حقيقته غير معقولة للبشر، فيستحيل من موسى - عليه السلام - أن يذكر ما تعرف (به تلك) الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة، فلما انقطع فرعون عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق، وعدل إلى التخويف، وقال: ﴿لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ : المحبوسين. قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه شيئاً يهوي به في الأرض.
وقال: ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ ولم يقل: «لأَسْجُنَنَّكَ» وهو أخص منه؛ لأن فيه مبالغة ليست في ذاك، أو معناه: لأجعلنك ممن عرفت حاله في سجوني فعند ذلك ذكر موسى كلاماً مجملاً ليعلق قبله به فيعدل عن وعيده، فقال ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هل يحسن أن يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بدليلين يدلان على وجوه الله، وعلى أنِّي رسوله. فعند ذلك قال: ﴿فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ وإنما قال موسى ذلك لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان فقال فرعون: «فَأْتِ بِهِ» فإنا لن نسجنك حينئذ ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ فإن قيل: كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول، وهو قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: بآيةٍ بيِّنة، والمعجز لا يدل على الله لدلالة سائر ما تقدم؟
فالجواب: بل يدل على ما أراد أن يظهره من انقلاب العَصَا حَيَّةً على الله، وعلى توحيده، وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم. والواو في قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ﴾ واو الحال، دخلت عليها همزة الاستفهام، والمعنى: أتفعل بي ذلك ولو جئتُكَ بشيء مبين؟ أي: جائياً بالمعجزة وقال الحوفي: «هي واو العطف» . وقتدم تحرير هذا عند قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ [170] في البقرة، وغالب الجمل هنا تقدم إعرابها.
الشعراء 26:25
قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إنما أتبى ب «مَا» دون «مَنْ» لأنها يسأل بها عن طلب الماهية، كقولك: ما العنقاء؟ ولما كان جواب هذا السؤال لا يمكن عدل موسى - عليه السلام - إلى جواب ممكن، فأجاب بصفاته تعالى، وخصَّ تلك الصفات لأنه لا يشاركه فيها أحد، وفيه إبطال لدعواه أنه إله.
وقيل: جهل السؤال فأتى ب «ما» دون «مَنْ» . وليس بشيء.
وليس بشيء، لأن أهل البيان نَصُّوا على أنها يطلب بها الماهيات، وقد جاء ب «من» في قوله: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ [طه: 49] .
فصل
اعلم أن فرعون لم يقل: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: 16] فلا بد من أنهما قالا ذلك قين دخلا عليه، فعند ذلك قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ يقول: أيّ شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إليّ يستوصفه إلاهه الذي أرسل إليه؟ وهو سؤال عن جنس الشيء، والله منزَّه عن الجنسية. فأجابه موسى - عليه السلام - بذكر أفعاله التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، فقال: ﴿رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾ أنه خلقهما.
قال أهل المعاني: كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينوها، فأيثنوا أن إله الخلق هو الله عزَّ وجل.
قوله: «وَمَا بَيْنَهُمَا» عاد ضمير التثنية على جمعين اعتباراً بالجنسين، كما فعل ذلك في قوله:
3901 - بَيْنَ رماحَيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلٍ ...
ولمّا ذكر موسى - عليه السلام - هذا الجواب الحق تحير فرعون في جواب موسى، فقال لمن حوله من أشراف قومه - قال ابن عباس: كانوا خمسمائة -: «ألا تَسْتَمِعُونَ» على سيبل التعجب من جواب موسى، يعني: أنا أطلب منه الماهية وهو يجيبني بالفاعلية. وقيل: استبعد جواب موصى وقال «أَلاَ تَسْتَمِعُونَ» لأنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم موسى بياناً فقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فعدل عن التعريف بخالقية السموات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا، وذلك لأنه يمكن أن يعتقد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها، فهي غنية عن الخلق، ولا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده [كونهم واجبين لذواتهم، لأن المشاهدة دلَّت على أنهم وجدوا] بعد العدم، وعدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته، واستحال وجوده إلا بالمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر، فلهذا عدل موسى - عليه السلام - إليه فقال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ يعني: أن المقصود من سؤالنا طلب الماهية والحقيقة، والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد البتة تلك الخصوصية فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فقال موسى - عليه السلام -: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك أنه أراد ب «المَشْرِق» كلوع الشمس وظهور النهار، وأراد ب «المَغْرِب» : غروب الشمس وزوالها، والامر ظاهر؛ لأن التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم - عليه السلام - مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة، وهو الذي ذكره إبراهيم - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فأجابه نمروذ:
﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] فقال: ﴿﴾ وهو الذي ذكره موسى - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب﴾ .
وأما قوله ﴿إِنْ كَنْتُم تَعْقِلُونَ﴾ فكأنه - عليه السلام - قال: إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته، ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته، ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أُعرِّف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرّفت حقيقته، فمن كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته. واعلم أن حقيقته غير معقولة للبشر، فيستحيل من موسى - عليه السلام - أن يذكر ما تعرف (به تلك) الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة، فلما انقطع فرعون عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق، وعدل إلى التخويف، وقال: ﴿لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ : المحبوسين. قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه شيئاً يهوي به في الأرض.
وقال: ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ ولم يقل: «لأَسْجُنَنَّكَ» وهو أخص منه؛ لأن فيه مبالغة ليست في ذاك، أو معناه: لأجعلنك ممن عرفت حاله في سجوني فعند ذلك ذكر موسى كلاماً مجملاً ليعلق قبله به فيعدل عن وعيده، فقال ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هل يحسن أن يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بدليلين يدلان على وجوه الله، وعلى أنِّي رسوله. فعند ذلك قال: ﴿فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ وإنما قال موسى ذلك لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان فقال فرعون: «فَأْتِ بِهِ» فإنا لن نسجنك حينئذ ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ فإن قيل: كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول، وهو قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: بآيةٍ بيِّنة، والمعجز لا يدل على الله لدلالة سائر ما تقدم؟
فالجواب: بل يدل على ما أراد أن يظهره من انقلاب العَصَا حَيَّةً على الله، وعلى توحيده، وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم. والواو في قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ﴾ واو الحال، دخلت عليها همزة الاستفهام، والمعنى: أتفعل بي ذلك ولو جئتُكَ بشيء مبين؟ أي: جائياً بالمعجزة وقال الحوفي: «هي واو العطف» . وقتدم تحرير هذا عند قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ [170] في البقرة، وغالب الجمل هنا تقدم إعرابها.
الشعراء 26:26
قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إنما أتبى ب «مَا» دون «مَنْ» لأنها يسأل بها عن طلب الماهية، كقولك: ما العنقاء؟ ولما كان جواب هذا السؤال لا يمكن عدل موسى - عليه السلام - إلى جواب ممكن، فأجاب بصفاته تعالى، وخصَّ تلك الصفات لأنه لا يشاركه فيها أحد، وفيه إبطال لدعواه أنه إله.
وقيل: جهل السؤال فأتى ب «ما» دون «مَنْ» . وليس بشيء.
وليس بشيء، لأن أهل البيان نَصُّوا على أنها يطلب بها الماهيات، وقد جاء ب «من» في قوله: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ [طه: 49] .
فصل
اعلم أن فرعون لم يقل: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: 16] فلا بد من أنهما قالا ذلك قين دخلا عليه، فعند ذلك قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ يقول: أيّ شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إليّ يستوصفه إلاهه الذي أرسل إليه؟ وهو سؤال عن جنس الشيء، والله منزَّه عن الجنسية. فأجابه موسى - عليه السلام - بذكر أفعاله التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، فقال: ﴿رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾ أنه خلقهما.
قال أهل المعاني: كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينوها، فأيثنوا أن إله الخلق هو الله عزَّ وجل.
قوله: «وَمَا بَيْنَهُمَا» عاد ضمير التثنية على جمعين اعتباراً بالجنسين، كما فعل ذلك في قوله:
3901 - بَيْنَ رماحَيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلٍ ...
ولمّا ذكر موسى - عليه السلام - هذا الجواب الحق تحير فرعون في جواب موسى، فقال لمن حوله من أشراف قومه - قال ابن عباس: كانوا خمسمائة -: «ألا تَسْتَمِعُونَ» على سيبل التعجب من جواب موسى، يعني: أنا أطلب منه الماهية وهو يجيبني بالفاعلية. وقيل: استبعد جواب موصى وقال «أَلاَ تَسْتَمِعُونَ» لأنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم موسى بياناً فقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فعدل عن التعريف بخالقية السموات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا، وذلك لأنه يمكن أن يعتقد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها، فهي غنية عن الخلق، ولا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده [كونهم واجبين لذواتهم، لأن المشاهدة دلَّت على أنهم وجدوا] بعد العدم، وعدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته، واستحال وجوده إلا بالمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر، فلهذا عدل موسى - عليه السلام - إليه فقال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ يعني: أن المقصود من سؤالنا طلب الماهية والحقيقة، والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد البتة تلك الخصوصية فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فقال موسى - عليه السلام -: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك أنه أراد ب «المَشْرِق» كلوع الشمس وظهور النهار، وأراد ب «المَغْرِب» : غروب الشمس وزوالها، والامر ظاهر؛ لأن التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم - عليه السلام - مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة، وهو الذي ذكره إبراهيم - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فأجابه نمروذ:
﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] فقال: ﴿﴾ وهو الذي ذكره موسى - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب﴾ .
وأما قوله ﴿إِنْ كَنْتُم تَعْقِلُونَ﴾ فكأنه - عليه السلام - قال: إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته، ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته، ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أُعرِّف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرّفت حقيقته، فمن كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته. واعلم أن حقيقته غير معقولة للبشر، فيستحيل من موسى - عليه السلام - أن يذكر ما تعرف (به تلك) الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة، فلما انقطع فرعون عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق، وعدل إلى التخويف، وقال: ﴿لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ : المحبوسين. قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه شيئاً يهوي به في الأرض.
وقال: ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ ولم يقل: «لأَسْجُنَنَّكَ» وهو أخص منه؛ لأن فيه مبالغة ليست في ذاك، أو معناه: لأجعلنك ممن عرفت حاله في سجوني فعند ذلك ذكر موسى كلاماً مجملاً ليعلق قبله به فيعدل عن وعيده، فقال ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هل يحسن أن يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بدليلين يدلان على وجوه الله، وعلى أنِّي رسوله. فعند ذلك قال: ﴿فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ وإنما قال موسى ذلك لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان فقال فرعون: «فَأْتِ بِهِ» فإنا لن نسجنك حينئذ ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ فإن قيل: كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول، وهو قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: بآيةٍ بيِّنة، والمعجز لا يدل على الله لدلالة سائر ما تقدم؟
فالجواب: بل يدل على ما أراد أن يظهره من انقلاب العَصَا حَيَّةً على الله، وعلى توحيده، وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم. والواو في قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ﴾ واو الحال، دخلت عليها همزة الاستفهام، والمعنى: أتفعل بي ذلك ولو جئتُكَ بشيء مبين؟ أي: جائياً بالمعجزة وقال الحوفي: «هي واو العطف» . وقتدم تحرير هذا عند قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ [170] في البقرة، وغالب الجمل هنا تقدم إعرابها.
الشعراء 26:27
قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إنما أتبى ب «مَا» دون «مَنْ» لأنها يسأل بها عن طلب الماهية، كقولك: ما العنقاء؟ ولما كان جواب هذا السؤال لا يمكن عدل موسى - عليه السلام - إلى جواب ممكن، فأجاب بصفاته تعالى، وخصَّ تلك الصفات لأنه لا يشاركه فيها أحد، وفيه إبطال لدعواه أنه إله.
وقيل: جهل السؤال فأتى ب «ما» دون «مَنْ» . وليس بشيء.
وليس بشيء، لأن أهل البيان نَصُّوا على أنها يطلب بها الماهيات، وقد جاء ب «من» في قوله: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ [طه: 49] .
فصل
اعلم أن فرعون لم يقل: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: 16] فلا بد من أنهما قالا ذلك قين دخلا عليه، فعند ذلك قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ يقول: أيّ شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إليّ يستوصفه إلاهه الذي أرسل إليه؟ وهو سؤال عن جنس الشيء، والله منزَّه عن الجنسية. فأجابه موسى - عليه السلام - بذكر أفعاله التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، فقال: ﴿رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾ أنه خلقهما.
قال أهل المعاني: كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينوها، فأيثنوا أن إله الخلق هو الله عزَّ وجل.
قوله: «وَمَا بَيْنَهُمَا» عاد ضمير التثنية على جمعين اعتباراً بالجنسين، كما فعل ذلك في قوله:
3901 - بَيْنَ رماحَيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلٍ ...
ولمّا ذكر موسى - عليه السلام - هذا الجواب الحق تحير فرعون في جواب موسى، فقال لمن حوله من أشراف قومه - قال ابن عباس: كانوا خمسمائة -: «ألا تَسْتَمِعُونَ» على سيبل التعجب من جواب موسى، يعني: أنا أطلب منه الماهية وهو يجيبني بالفاعلية. وقيل: استبعد جواب موصى وقال «أَلاَ تَسْتَمِعُونَ» لأنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم موسى بياناً فقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فعدل عن التعريف بخالقية السموات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا، وذلك لأنه يمكن أن يعتقد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها، فهي غنية عن الخلق، ولا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده [كونهم واجبين لذواتهم، لأن المشاهدة دلَّت على أنهم وجدوا] بعد العدم، وعدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته، واستحال وجوده إلا بالمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر، فلهذا عدل موسى - عليه السلام - إليه فقال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ يعني: أن المقصود من سؤالنا طلب الماهية والحقيقة، والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد البتة تلك الخصوصية فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فقال موسى - عليه السلام -: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك أنه أراد ب «المَشْرِق» كلوع الشمس وظهور النهار، وأراد ب «المَغْرِب» : غروب الشمس وزوالها، والامر ظاهر؛ لأن التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم - عليه السلام - مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة، وهو الذي ذكره إبراهيم - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فأجابه نمروذ:
﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] فقال: ﴿﴾ وهو الذي ذكره موسى - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب﴾ .
وأما قوله ﴿إِنْ كَنْتُم تَعْقِلُونَ﴾ فكأنه - عليه السلام - قال: إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته، ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته، ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أُعرِّف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرّفت حقيقته، فمن كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته. واعلم أن حقيقته غير معقولة للبشر، فيستحيل من موسى - عليه السلام - أن يذكر ما تعرف (به تلك) الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة، فلما انقطع فرعون عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق، وعدل إلى التخويف، وقال: ﴿لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ : المحبوسين. قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه شيئاً يهوي به في الأرض.
وقال: ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ ولم يقل: «لأَسْجُنَنَّكَ» وهو أخص منه؛ لأن فيه مبالغة ليست في ذاك، أو معناه: لأجعلنك ممن عرفت حاله في سجوني فعند ذلك ذكر موسى كلاماً مجملاً ليعلق قبله به فيعدل عن وعيده، فقال ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هل يحسن أن يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بدليلين يدلان على وجوه الله، وعلى أنِّي رسوله. فعند ذلك قال: ﴿فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ وإنما قال موسى ذلك لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان فقال فرعون: «فَأْتِ بِهِ» فإنا لن نسجنك حينئذ ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ فإن قيل: كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول، وهو قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: بآيةٍ بيِّنة، والمعجز لا يدل على الله لدلالة سائر ما تقدم؟
فالجواب: بل يدل على ما أراد أن يظهره من انقلاب العَصَا حَيَّةً على الله، وعلى توحيده، وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم. والواو في قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ﴾ واو الحال، دخلت عليها همزة الاستفهام، والمعنى: أتفعل بي ذلك ولو جئتُكَ بشيء مبين؟ أي: جائياً بالمعجزة وقال الحوفي: «هي واو العطف» . وقتدم تحرير هذا عند قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ [170] في البقرة، وغالب الجمل هنا تقدم إعرابها.
الشعراء 26:28
قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إنما أتبى ب «مَا» دون «مَنْ» لأنها يسأل بها عن طلب الماهية، كقولك: ما العنقاء؟ ولما كان جواب هذا السؤال لا يمكن عدل موسى - عليه السلام - إلى جواب ممكن، فأجاب بصفاته تعالى، وخصَّ تلك الصفات لأنه لا يشاركه فيها أحد، وفيه إبطال لدعواه أنه إله.
وقيل: جهل السؤال فأتى ب «ما» دون «مَنْ» . وليس بشيء.
وليس بشيء، لأن أهل البيان نَصُّوا على أنها يطلب بها الماهيات، وقد جاء ب «من» في قوله: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ [طه: 49] .
فصل
اعلم أن فرعون لم يقل: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: 16] فلا بد من أنهما قالا ذلك قين دخلا عليه، فعند ذلك قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ يقول: أيّ شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إليّ يستوصفه إلاهه الذي أرسل إليه؟ وهو سؤال عن جنس الشيء، والله منزَّه عن الجنسية. فأجابه موسى - عليه السلام - بذكر أفعاله التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، فقال: ﴿رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾ أنه خلقهما.
قال أهل المعاني: كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينوها، فأيثنوا أن إله الخلق هو الله عزَّ وجل.
قوله: «وَمَا بَيْنَهُمَا» عاد ضمير التثنية على جمعين اعتباراً بالجنسين، كما فعل ذلك في قوله:
3901 - بَيْنَ رماحَيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلٍ ...
ولمّا ذكر موسى - عليه السلام - هذا الجواب الحق تحير فرعون في جواب موسى، فقال لمن حوله من أشراف قومه - قال ابن عباس: كانوا خمسمائة -: «ألا تَسْتَمِعُونَ» على سيبل التعجب من جواب موسى، يعني: أنا أطلب منه الماهية وهو يجيبني بالفاعلية. وقيل: استبعد جواب موصى وقال «أَلاَ تَسْتَمِعُونَ» لأنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم موسى بياناً فقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فعدل عن التعريف بخالقية السموات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا، وذلك لأنه يمكن أن يعتقد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها، فهي غنية عن الخلق، ولا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده [كونهم واجبين لذواتهم، لأن المشاهدة دلَّت على أنهم وجدوا] بعد العدم، وعدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته، واستحال وجوده إلا بالمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر، فلهذا عدل موسى - عليه السلام - إليه فقال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ يعني: أن المقصود من سؤالنا طلب الماهية والحقيقة، والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد البتة تلك الخصوصية فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فقال موسى - عليه السلام -: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك أنه أراد ب «المَشْرِق» كلوع الشمس وظهور النهار، وأراد ب «المَغْرِب» : غروب الشمس وزوالها، والامر ظاهر؛ لأن التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم - عليه السلام - مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة، وهو الذي ذكره إبراهيم - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فأجابه نمروذ:
﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] فقال: ﴿﴾ وهو الذي ذكره موسى - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب﴾ .
وأما قوله ﴿إِنْ كَنْتُم تَعْقِلُونَ﴾ فكأنه - عليه السلام - قال: إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته، ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته، ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أُعرِّف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرّفت حقيقته، فمن كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته. واعلم أن حقيقته غير معقولة للبشر، فيستحيل من موسى - عليه السلام - أن يذكر ما تعرف (به تلك) الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة، فلما انقطع فرعون عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق، وعدل إلى التخويف، وقال: ﴿لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ : المحبوسين. قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه شيئاً يهوي به في الأرض.
وقال: ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ ولم يقل: «لأَسْجُنَنَّكَ» وهو أخص منه؛ لأن فيه مبالغة ليست في ذاك، أو معناه: لأجعلنك ممن عرفت حاله في سجوني فعند ذلك ذكر موسى كلاماً مجملاً ليعلق قبله به فيعدل عن وعيده، فقال ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هل يحسن أن يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بدليلين يدلان على وجوه الله، وعلى أنِّي رسوله. فعند ذلك قال: ﴿فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ وإنما قال موسى ذلك لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان فقال فرعون: «فَأْتِ بِهِ» فإنا لن نسجنك حينئذ ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ فإن قيل: كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول، وهو قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: بآيةٍ بيِّنة، والمعجز لا يدل على الله لدلالة سائر ما تقدم؟
فالجواب: بل يدل على ما أراد أن يظهره من انقلاب العَصَا حَيَّةً على الله، وعلى توحيده، وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم. والواو في قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ﴾ واو الحال، دخلت عليها همزة الاستفهام، والمعنى: أتفعل بي ذلك ولو جئتُكَ بشيء مبين؟ أي: جائياً بالمعجزة وقال الحوفي: «هي واو العطف» . وقتدم تحرير هذا عند قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ [170] في البقرة، وغالب الجمل هنا تقدم إعرابها.
الشعراء 26:29
قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إنما أتبى ب «مَا» دون «مَنْ» لأنها يسأل بها عن طلب الماهية، كقولك: ما العنقاء؟ ولما كان جواب هذا السؤال لا يمكن عدل موسى - عليه السلام - إلى جواب ممكن، فأجاب بصفاته تعالى، وخصَّ تلك الصفات لأنه لا يشاركه فيها أحد، وفيه إبطال لدعواه أنه إله.
وقيل: جهل السؤال فأتى ب «ما» دون «مَنْ» . وليس بشيء.
وليس بشيء، لأن أهل البيان نَصُّوا على أنها يطلب بها الماهيات، وقد جاء ب «من» في قوله: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ [طه: 49] .
فصل
اعلم أن فرعون لم يقل: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: 16] فلا بد من أنهما قالا ذلك قين دخلا عليه، فعند ذلك قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ يقول: أيّ شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إليّ يستوصفه إلاهه الذي أرسل إليه؟ وهو سؤال عن جنس الشيء، والله منزَّه عن الجنسية. فأجابه موسى - عليه السلام - بذكر أفعاله التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، فقال: ﴿رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾ أنه خلقهما.
قال أهل المعاني: كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينوها، فأيثنوا أن إله الخلق هو الله عزَّ وجل.
قوله: «وَمَا بَيْنَهُمَا» عاد ضمير التثنية على جمعين اعتباراً بالجنسين، كما فعل ذلك في قوله:
3901 - بَيْنَ رماحَيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلٍ ...
ولمّا ذكر موسى - عليه السلام - هذا الجواب الحق تحير فرعون في جواب موسى، فقال لمن حوله من أشراف قومه - قال ابن عباس: كانوا خمسمائة -: «ألا تَسْتَمِعُونَ» على سيبل التعجب من جواب موسى، يعني: أنا أطلب منه الماهية وهو يجيبني بالفاعلية. وقيل: استبعد جواب موصى وقال «أَلاَ تَسْتَمِعُونَ» لأنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم موسى بياناً فقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فعدل عن التعريف بخالقية السموات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا، وذلك لأنه يمكن أن يعتقد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها، فهي غنية عن الخلق، ولا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده [كونهم واجبين لذواتهم، لأن المشاهدة دلَّت على أنهم وجدوا] بعد العدم، وعدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته، واستحال وجوده إلا بالمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر، فلهذا عدل موسى - عليه السلام - إليه فقال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ يعني: أن المقصود من سؤالنا طلب الماهية والحقيقة، والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد البتة تلك الخصوصية فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فقال موسى - عليه السلام -: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك أنه أراد ب «المَشْرِق» كلوع الشمس وظهور النهار، وأراد ب «المَغْرِب» : غروب الشمس وزوالها، والامر ظاهر؛ لأن التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم - عليه السلام - مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة، وهو الذي ذكره إبراهيم - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فأجابه نمروذ:
﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] فقال: ﴿﴾ وهو الذي ذكره موسى - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب﴾ .
وأما قوله ﴿إِنْ كَنْتُم تَعْقِلُونَ﴾ فكأنه - عليه السلام - قال: إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته، ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته، ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أُعرِّف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرّفت حقيقته، فمن كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته. واعلم أن حقيقته غير معقولة للبشر، فيستحيل من موسى - عليه السلام - أن يذكر ما تعرف (به تلك) الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة، فلما انقطع فرعون عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق، وعدل إلى التخويف، وقال: ﴿لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ : المحبوسين. قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه شيئاً يهوي به في الأرض.
وقال: ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ ولم يقل: «لأَسْجُنَنَّكَ» وهو أخص منه؛ لأن فيه مبالغة ليست في ذاك، أو معناه: لأجعلنك ممن عرفت حاله في سجوني فعند ذلك ذكر موسى كلاماً مجملاً ليعلق قبله به فيعدل عن وعيده، فقال ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هل يحسن أن يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بدليلين يدلان على وجوه الله، وعلى أنِّي رسوله. فعند ذلك قال: ﴿فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ وإنما قال موسى ذلك لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان فقال فرعون: «فَأْتِ بِهِ» فإنا لن نسجنك حينئذ ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ فإن قيل: كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول، وهو قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: بآيةٍ بيِّنة، والمعجز لا يدل على الله لدلالة سائر ما تقدم؟
فالجواب: بل يدل على ما أراد أن يظهره من انقلاب العَصَا حَيَّةً على الله، وعلى توحيده، وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم. والواو في قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ﴾ واو الحال، دخلت عليها همزة الاستفهام، والمعنى: أتفعل بي ذلك ولو جئتُكَ بشيء مبين؟ أي: جائياً بالمعجزة وقال الحوفي: «هي واو العطف» . وقتدم تحرير هذا عند قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ [170] في البقرة، وغالب الجمل هنا تقدم إعرابها.
الشعراء 26:30
قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إنما أتبى ب «مَا» دون «مَنْ» لأنها يسأل بها عن طلب الماهية، كقولك: ما العنقاء؟ ولما كان جواب هذا السؤال لا يمكن عدل موسى - عليه السلام - إلى جواب ممكن، فأجاب بصفاته تعالى، وخصَّ تلك الصفات لأنه لا يشاركه فيها أحد، وفيه إبطال لدعواه أنه إله.
وقيل: جهل السؤال فأتى ب «ما» دون «مَنْ» . وليس بشيء.
وليس بشيء، لأن أهل البيان نَصُّوا على أنها يطلب بها الماهيات، وقد جاء ب «من» في قوله: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ [طه: 49] .
فصل
اعلم أن فرعون لم يقل: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: 16] فلا بد من أنهما قالا ذلك قين دخلا عليه، فعند ذلك قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ يقول: أيّ شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إليّ يستوصفه إلاهه الذي أرسل إليه؟ وهو سؤال عن جنس الشيء، والله منزَّه عن الجنسية. فأجابه موسى - عليه السلام - بذكر أفعاله التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، فقال: ﴿رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾ أنه خلقهما.
قال أهل المعاني: كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينوها، فأيثنوا أن إله الخلق هو الله عزَّ وجل.
قوله: «وَمَا بَيْنَهُمَا» عاد ضمير التثنية على جمعين اعتباراً بالجنسين، كما فعل ذلك في قوله:
3901 - بَيْنَ رماحَيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلٍ ...
ولمّا ذكر موسى - عليه السلام - هذا الجواب الحق تحير فرعون في جواب موسى، فقال لمن حوله من أشراف قومه - قال ابن عباس: كانوا خمسمائة -: «ألا تَسْتَمِعُونَ» على سيبل التعجب من جواب موسى، يعني: أنا أطلب منه الماهية وهو يجيبني بالفاعلية. وقيل: استبعد جواب موصى وقال «أَلاَ تَسْتَمِعُونَ» لأنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم موسى بياناً فقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فعدل عن التعريف بخالقية السموات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا، وذلك لأنه يمكن أن يعتقد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها، فهي غنية عن الخلق، ولا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده [كونهم واجبين لذواتهم، لأن المشاهدة دلَّت على أنهم وجدوا] بعد العدم، وعدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته، واستحال وجوده إلا بالمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر، فلهذا عدل موسى - عليه السلام - إليه فقال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ يعني: أن المقصود من سؤالنا طلب الماهية والحقيقة، والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد البتة تلك الخصوصية فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فقال موسى - عليه السلام -: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك أنه أراد ب «المَشْرِق» كلوع الشمس وظهور النهار، وأراد ب «المَغْرِب» : غروب الشمس وزوالها، والامر ظاهر؛ لأن التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم - عليه السلام - مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة، وهو الذي ذكره إبراهيم - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فأجابه نمروذ:
﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] فقال: ﴿﴾ وهو الذي ذكره موسى - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب﴾ .
وأما قوله ﴿إِنْ كَنْتُم تَعْقِلُونَ﴾ فكأنه - عليه السلام - قال: إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته، ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته، ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أُعرِّف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرّفت حقيقته، فمن كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته. واعلم أن حقيقته غير معقولة للبشر، فيستحيل من موسى - عليه السلام - أن يذكر ما تعرف (به تلك) الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة، فلما انقطع فرعون عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق، وعدل إلى التخويف، وقال: ﴿لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ : المحبوسين. قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه شيئاً يهوي به في الأرض.
وقال: ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ ولم يقل: «لأَسْجُنَنَّكَ» وهو أخص منه؛ لأن فيه مبالغة ليست في ذاك، أو معناه: لأجعلنك ممن عرفت حاله في سجوني فعند ذلك ذكر موسى كلاماً مجملاً ليعلق قبله به فيعدل عن وعيده، فقال ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هل يحسن أن يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بدليلين يدلان على وجوه الله، وعلى أنِّي رسوله. فعند ذلك قال: ﴿فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ وإنما قال موسى ذلك لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان فقال فرعون: «فَأْتِ بِهِ» فإنا لن نسجنك حينئذ ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ فإن قيل: كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول، وهو قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: بآيةٍ بيِّنة، والمعجز لا يدل على الله لدلالة سائر ما تقدم؟
فالجواب: بل يدل على ما أراد أن يظهره من انقلاب العَصَا حَيَّةً على الله، وعلى توحيده، وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم. والواو في قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ﴾ واو الحال، دخلت عليها همزة الاستفهام، والمعنى: أتفعل بي ذلك ولو جئتُكَ بشيء مبين؟ أي: جائياً بالمعجزة وقال الحوفي: «هي واو العطف» . وقتدم تحرير هذا عند قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ [170] في البقرة، وغالب الجمل هنا تقدم إعرابها.
الشعراء 26:31
قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إنما أتبى ب «مَا» دون «مَنْ» لأنها يسأل بها عن طلب الماهية، كقولك: ما العنقاء؟ ولما كان جواب هذا السؤال لا يمكن عدل موسى - عليه السلام - إلى جواب ممكن، فأجاب بصفاته تعالى، وخصَّ تلك الصفات لأنه لا يشاركه فيها أحد، وفيه إبطال لدعواه أنه إله.
وقيل: جهل السؤال فأتى ب «ما» دون «مَنْ» . وليس بشيء.
وليس بشيء، لأن أهل البيان نَصُّوا على أنها يطلب بها الماهيات، وقد جاء ب «من» في قوله: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ [طه: 49] .
فصل
اعلم أن فرعون لم يقل: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولاا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: 16] فلا بد من أنهما قالا ذلك قين دخلا عليه، فعند ذلك قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾ يقول: أيّ شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إليّ يستوصفه إلاهه الذي أرسل إليه؟ وهو سؤال عن جنس الشيء، والله منزَّه عن الجنسية. فأجابه موسى - عليه السلام - بذكر أفعاله التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، فقال: ﴿رَبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾ أنه خلقهما.
قال أهل المعاني: كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينوها، فأيثنوا أن إله الخلق هو الله عزَّ وجل.
قوله: «وَمَا بَيْنَهُمَا» عاد ضمير التثنية على جمعين اعتباراً بالجنسين، كما فعل ذلك في قوله:
3901 - بَيْنَ رماحَيْ مَالِكٍ وَنَهْشَلٍ ...
ولمّا ذكر موسى - عليه السلام - هذا الجواب الحق تحير فرعون في جواب موسى، فقال لمن حوله من أشراف قومه - قال ابن عباس: كانوا خمسمائة -: «ألا تَسْتَمِعُونَ» على سيبل التعجب من جواب موسى، يعني: أنا أطلب منه الماهية وهو يجيبني بالفاعلية. وقيل: استبعد جواب موصى وقال «أَلاَ تَسْتَمِعُونَ» لأنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم موسى بياناً فقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فعدل عن التعريف بخالقية السموات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا، وذلك لأنه يمكن أن يعتقد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها، فهي غنية عن الخلق، ولا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده [كونهم واجبين لذواتهم، لأن المشاهدة دلَّت على أنهم وجدوا] بعد العدم، وعدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته، واستحال وجوده إلا بالمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر، فلهذا عدل موسى - عليه السلام - إليه فقال فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ يعني: أن المقصود من سؤالنا طلب الماهية والحقيقة، والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد البتة تلك الخصوصية فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فقال موسى - عليه السلام -: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك أنه أراد ب «المَشْرِق» كلوع الشمس وظهور النهار، وأراد ب «المَغْرِب» : غروب الشمس وزوالها، والامر ظاهر؛ لأن التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم - عليه السلام - مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة، وهو الذي ذكره إبراهيم - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ فأجابه نمروذ:
﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258] فقال: ﴿﴾ وهو الذي ذكره موسى - عليه السلام - بقوله: ﴿رَبُّ المشرق والمغرب﴾ .
وأما قوله ﴿إِنْ كَنْتُم تَعْقِلُونَ﴾ فكأنه - عليه السلام - قال: إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته، ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته، ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أُعرِّف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرّفت حقيقته، فمن كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته. واعلم أن حقيقته غير معقولة للبشر، فيستحيل من موسى - عليه السلام - أن يذكر ما تعرف (به تلك) الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة، فلما انقطع فرعون عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق، وعدل إلى التخويف، وقال: ﴿لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ : المحبوسين. قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه شيئاً يهوي به في الأرض.
وقال: ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين﴾ ولم يقل: «لأَسْجُنَنَّكَ» وهو أخص منه؛ لأن فيه مبالغة ليست في ذاك، أو معناه: لأجعلنك ممن عرفت حاله في سجوني فعند ذلك ذكر موسى كلاماً مجملاً ليعلق قبله به فيعدل عن وعيده، فقال ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هل يحسن أن يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بدليلين يدلان على وجوه الله، وعلى أنِّي رسوله. فعند ذلك قال: ﴿فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ وإنما قال موسى ذلك لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان فقال فرعون: «فَأْتِ بِهِ» فإنا لن نسجنك حينئذ ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ فإن قيل: كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول، وهو قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ أي: بآيةٍ بيِّنة، والمعجز لا يدل على الله لدلالة سائر ما تقدم؟
فالجواب: بل يدل على ما أراد أن يظهره من انقلاب العَصَا حَيَّةً على الله، وعلى توحيده، وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم. والواو في قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ﴾ واو الحال، دخلت عليها همزة الاستفهام، والمعنى: أتفعل بي ذلك ولو جئتُكَ بشيء مبين؟ أي: جائياً بالمعجزة وقال الحوفي: «هي واو العطف» . وقتدم تحرير هذا عند قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ [170] في البقرة، وغالب الجمل هنا تقدم إعرابها.
الشعراء 26:32
قوله تعالى: ﴿فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ . وعلم أن قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ الشعراء: 30] دل على أن الله تعالى عرفه قبل إلقاء العصا بأنها تصير ثعباناً، فلذلك قال ما قال، فلما ألقى موسى عصاه وصارت ثعباناً، روي أنها لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة إلى فرعون تقول: يا موسى، مرني بما شئت، ويقول فرعون: (يا موسى) أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها، فأخذها فعادت عصا. فإن قيل: كيف قال: «ثُعْبَانٌ مُبِينٌ» وفي آية أخرى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى﴾ [طه: 20] وفي آية ثالثة: ﴿كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ [القصص: 31] والجانّ مائل إلى الصغر، والثعبان إلى الكبر؟
فالجواب: أن الحية اسم الجنس، ثم لكبرها صارت ثعباناً، وشببها بالجانّ لخفتها، وسرعتها، فصح الكلامان. ويحتمل أنه شببها بالشيطان لقوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم﴾ [الحجر: 27] . ويحتمل أنها كانت صغيرة كالجانّ ثم عظمت فصارت ثعباناً ثم إن موسى - عليه السلام - لما أراه آية العصا قال فرعون: «هل غيرها» ؟ قال: نعم، فأراه يده، ثم أدخلها جيبه، ثم أخرجها ﴿فَإِذَاْ هِيَ بَيْضَاءُ﴾ تضيء الوادي من شدة بياضها من غير برص، لها شعاع كشعاع الشمس. فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر أموراً:
أحدها: قال لهم: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وكان زمانهم زمان السحرة، فأوهمهم أن هذا كبير من السحرة.
وثانيها: قال: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ وهذا موجب للتنفير عنه لئا يقبلوا قوله، والمعنى: يفرق جمعكم بما يلقيه من العداوة بينكم، ومفارقة الوطن أصعب الأمور، وهذا نهاية ما يفعله المضل المنفر عن المحق.
وثالثها: قوله: «فَمَاذَا تَأْمُرُونَ» أي: ما رأيكم فيه، فأظهر لهم من نفسه أني متبع لرأيكم، ومثل هذا يوجب جذب القلوب، وانصرافها عن العدو قوله: «حَوْلَهُ» حال من « المَلأ» ، ومفعول القول قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وقيلك صلة «لِلْملأ» ، فإنه بمعنى «الَّذِي» . وقيل: الموصول محذوف. وهما قولان للكوفيين. قال الزمخشري: «فإِننْ قٌلْتَ: قوله تعالى: (للْمَلأ حَوْلَهُ) فما العامل في (حَوْلَه) ؟ . قلت: هو منصوب نصبين: نصب في اللفظ، ونصب في المحل. فالعامل في النصب اللفظي ما تقدم في الظرف، ش والعامل في النصب المحلي هو النصب على الحال» .
قوله: «أَرْجِهْ وَأَخَاهُ» . لما قال لهم فرعون تلك الكلمات اتفقوا على جواب واحد، وهو قولهم: «أَرْجِهْ» قرىء: «أَرْجِهْ وَأَرْجِئْهُ وأَرْجِهِ» (بالهمز والتخفيف، وهما لغتان، يقال: أرجأته وأرجيته) إذا أخرته. والمعنى: أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة. وقيل: «احبسه» ﴿وابعث فِي المدآئن حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون السحرة، ظنّاً منهم بأنهم إذا كثروا غلبوه وكشفوا حاله.
وعارضوا قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بقولهم: ﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ فجاءوا بكلمة الإحاطة، وبصيغة المبالغة ليطيِّبوا قبله.
الشعراء 26:33
قوله تعالى: ﴿فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ . وعلم أن قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ الشعراء: 30] دل على أن الله تعالى عرفه قبل إلقاء العصا بأنها تصير ثعباناً، فلذلك قال ما قال، فلما ألقى موسى عصاه وصارت ثعباناً، روي أنها لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة إلى فرعون تقول: يا موسى، مرني بما شئت، ويقول فرعون: (يا موسى) أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها، فأخذها فعادت عصا. فإن قيل: كيف قال: «ثُعْبَانٌ مُبِينٌ» وفي آية أخرى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى﴾ [طه: 20] وفي آية ثالثة: ﴿كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ [القصص: 31] والجانّ مائل إلى الصغر، والثعبان إلى الكبر؟
فالجواب: أن الحية اسم الجنس، ثم لكبرها صارت ثعباناً، وشببها بالجانّ لخفتها، وسرعتها، فصح الكلامان. ويحتمل أنه شببها بالشيطان لقوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم﴾ [الحجر: 27] . ويحتمل أنها كانت صغيرة كالجانّ ثم عظمت فصارت ثعباناً ثم إن موسى - عليه السلام - لما أراه آية العصا قال فرعون: «هل غيرها» ؟ قال: نعم، فأراه يده، ثم أدخلها جيبه، ثم أخرجها ﴿فَإِذَاْ هِيَ بَيْضَاءُ﴾ تضيء الوادي من شدة بياضها من غير برص، لها شعاع كشعاع الشمس. فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر أموراً:
أحدها: قال لهم: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وكان زمانهم زمان السحرة، فأوهمهم أن هذا كبير من السحرة.
وثانيها: قال: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ وهذا موجب للتنفير عنه لئا يقبلوا قوله، والمعنى: يفرق جمعكم بما يلقيه من العداوة بينكم، ومفارقة الوطن أصعب الأمور، وهذا نهاية ما يفعله المضل المنفر عن المحق.
وثالثها: قوله: «فَمَاذَا تَأْمُرُونَ» أي: ما رأيكم فيه، فأظهر لهم من نفسه أني متبع لرأيكم، ومثل هذا يوجب جذب القلوب، وانصرافها عن العدو قوله: «حَوْلَهُ» حال من « المَلأ» ، ومفعول القول قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وقيلك صلة «لِلْملأ» ، فإنه بمعنى «الَّذِي» . وقيل: الموصول محذوف. وهما قولان للكوفيين. قال الزمخشري: «فإِننْ قٌلْتَ: قوله تعالى: (للْمَلأ حَوْلَهُ) فما العامل في (حَوْلَه) ؟ . قلت: هو منصوب نصبين: نصب في اللفظ، ونصب في المحل. فالعامل في النصب اللفظي ما تقدم في الظرف، ش والعامل في النصب المحلي هو النصب على الحال» .
قوله: «أَرْجِهْ وَأَخَاهُ» . لما قال لهم فرعون تلك الكلمات اتفقوا على جواب واحد، وهو قولهم: «أَرْجِهْ» قرىء: «أَرْجِهْ وَأَرْجِئْهُ وأَرْجِهِ» (بالهمز والتخفيف، وهما لغتان، يقال: أرجأته وأرجيته) إذا أخرته. والمعنى: أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة. وقيل: «احبسه» ﴿وابعث فِي المدآئن حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون السحرة، ظنّاً منهم بأنهم إذا كثروا غلبوه وكشفوا حاله.
وعارضوا قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بقولهم: ﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ فجاءوا بكلمة الإحاطة، وبصيغة المبالغة ليطيِّبوا قبله.
الشعراء 26:34
قوله تعالى: ﴿فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ . وعلم أن قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ الشعراء: 30] دل على أن الله تعالى عرفه قبل إلقاء العصا بأنها تصير ثعباناً، فلذلك قال ما قال، فلما ألقى موسى عصاه وصارت ثعباناً، روي أنها لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة إلى فرعون تقول: يا موسى، مرني بما شئت، ويقول فرعون: (يا موسى) أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها، فأخذها فعادت عصا. فإن قيل: كيف قال: «ثُعْبَانٌ مُبِينٌ» وفي آية أخرى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى﴾ [طه: 20] وفي آية ثالثة: ﴿كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ [القصص: 31] والجانّ مائل إلى الصغر، والثعبان إلى الكبر؟
فالجواب: أن الحية اسم الجنس، ثم لكبرها صارت ثعباناً، وشببها بالجانّ لخفتها، وسرعتها، فصح الكلامان. ويحتمل أنه شببها بالشيطان لقوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم﴾ [الحجر: 27] . ويحتمل أنها كانت صغيرة كالجانّ ثم عظمت فصارت ثعباناً ثم إن موسى - عليه السلام - لما أراه آية العصا قال فرعون: «هل غيرها» ؟ قال: نعم، فأراه يده، ثم أدخلها جيبه، ثم أخرجها ﴿فَإِذَاْ هِيَ بَيْضَاءُ﴾ تضيء الوادي من شدة بياضها من غير برص، لها شعاع كشعاع الشمس. فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر أموراً:
أحدها: قال لهم: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وكان زمانهم زمان السحرة، فأوهمهم أن هذا كبير من السحرة.
وثانيها: قال: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ وهذا موجب للتنفير عنه لئا يقبلوا قوله، والمعنى: يفرق جمعكم بما يلقيه من العداوة بينكم، ومفارقة الوطن أصعب الأمور، وهذا نهاية ما يفعله المضل المنفر عن المحق.
وثالثها: قوله: «فَمَاذَا تَأْمُرُونَ» أي: ما رأيكم فيه، فأظهر لهم من نفسه أني متبع لرأيكم، ومثل هذا يوجب جذب القلوب، وانصرافها عن العدو قوله: «حَوْلَهُ» حال من « المَلأ» ، ومفعول القول قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وقيلك صلة «لِلْملأ» ، فإنه بمعنى «الَّذِي» . وقيل: الموصول محذوف. وهما قولان للكوفيين. قال الزمخشري: «فإِننْ قٌلْتَ: قوله تعالى: (للْمَلأ حَوْلَهُ) فما العامل في (حَوْلَه) ؟ . قلت: هو منصوب نصبين: نصب في اللفظ، ونصب في المحل. فالعامل في النصب اللفظي ما تقدم في الظرف، ش والعامل في النصب المحلي هو النصب على الحال» .
قوله: «أَرْجِهْ وَأَخَاهُ» . لما قال لهم فرعون تلك الكلمات اتفقوا على جواب واحد، وهو قولهم: «أَرْجِهْ» قرىء: «أَرْجِهْ وَأَرْجِئْهُ وأَرْجِهِ» (بالهمز والتخفيف، وهما لغتان، يقال: أرجأته وأرجيته) إذا أخرته. والمعنى: أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة. وقيل: «احبسه» ﴿وابعث فِي المدآئن حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون السحرة، ظنّاً منهم بأنهم إذا كثروا غلبوه وكشفوا حاله.
وعارضوا قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بقولهم: ﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ فجاءوا بكلمة الإحاطة، وبصيغة المبالغة ليطيِّبوا قبله.
الشعراء 26:35
قوله تعالى: ﴿فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ . وعلم أن قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ الشعراء: 30] دل على أن الله تعالى عرفه قبل إلقاء العصا بأنها تصير ثعباناً، فلذلك قال ما قال، فلما ألقى موسى عصاه وصارت ثعباناً، روي أنها لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة إلى فرعون تقول: يا موسى، مرني بما شئت، ويقول فرعون: (يا موسى) أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها، فأخذها فعادت عصا. فإن قيل: كيف قال: «ثُعْبَانٌ مُبِينٌ» وفي آية أخرى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى﴾ [طه: 20] وفي آية ثالثة: ﴿كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ [القصص: 31] والجانّ مائل إلى الصغر، والثعبان إلى الكبر؟
فالجواب: أن الحية اسم الجنس، ثم لكبرها صارت ثعباناً، وشببها بالجانّ لخفتها، وسرعتها، فصح الكلامان. ويحتمل أنه شببها بالشيطان لقوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم﴾ [الحجر: 27] . ويحتمل أنها كانت صغيرة كالجانّ ثم عظمت فصارت ثعباناً ثم إن موسى - عليه السلام - لما أراه آية العصا قال فرعون: «هل غيرها» ؟ قال: نعم، فأراه يده، ثم أدخلها جيبه، ثم أخرجها ﴿فَإِذَاْ هِيَ بَيْضَاءُ﴾ تضيء الوادي من شدة بياضها من غير برص، لها شعاع كشعاع الشمس. فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر أموراً:
أحدها: قال لهم: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وكان زمانهم زمان السحرة، فأوهمهم أن هذا كبير من السحرة.
وثانيها: قال: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ وهذا موجب للتنفير عنه لئا يقبلوا قوله، والمعنى: يفرق جمعكم بما يلقيه من العداوة بينكم، ومفارقة الوطن أصعب الأمور، وهذا نهاية ما يفعله المضل المنفر عن المحق.
وثالثها: قوله: «فَمَاذَا تَأْمُرُونَ» أي: ما رأيكم فيه، فأظهر لهم من نفسه أني متبع لرأيكم، ومثل هذا يوجب جذب القلوب، وانصرافها عن العدو قوله: «حَوْلَهُ» حال من « المَلأ» ، ومفعول القول قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وقيلك صلة «لِلْملأ» ، فإنه بمعنى «الَّذِي» . وقيل: الموصول محذوف. وهما قولان للكوفيين. قال الزمخشري: «فإِننْ قٌلْتَ: قوله تعالى: (للْمَلأ حَوْلَهُ) فما العامل في (حَوْلَه) ؟ . قلت: هو منصوب نصبين: نصب في اللفظ، ونصب في المحل. فالعامل في النصب اللفظي ما تقدم في الظرف، ش والعامل في النصب المحلي هو النصب على الحال» .
قوله: «أَرْجِهْ وَأَخَاهُ» . لما قال لهم فرعون تلك الكلمات اتفقوا على جواب واحد، وهو قولهم: «أَرْجِهْ» قرىء: «أَرْجِهْ وَأَرْجِئْهُ وأَرْجِهِ» (بالهمز والتخفيف، وهما لغتان، يقال: أرجأته وأرجيته) إذا أخرته. والمعنى: أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة. وقيل: «احبسه» ﴿وابعث فِي المدآئن حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون السحرة، ظنّاً منهم بأنهم إذا كثروا غلبوه وكشفوا حاله.
وعارضوا قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بقولهم: ﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ فجاءوا بكلمة الإحاطة، وبصيغة المبالغة ليطيِّبوا قبله.
الشعراء 26:36
قوله تعالى: ﴿فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ . وعلم أن قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ الشعراء: 30] دل على أن الله تعالى عرفه قبل إلقاء العصا بأنها تصير ثعباناً، فلذلك قال ما قال، فلما ألقى موسى عصاه وصارت ثعباناً، روي أنها لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة إلى فرعون تقول: يا موسى، مرني بما شئت، ويقول فرعون: (يا موسى) أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها، فأخذها فعادت عصا. فإن قيل: كيف قال: «ثُعْبَانٌ مُبِينٌ» وفي آية أخرى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى﴾ [طه: 20] وفي آية ثالثة: ﴿كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ [القصص: 31] والجانّ مائل إلى الصغر، والثعبان إلى الكبر؟
فالجواب: أن الحية اسم الجنس، ثم لكبرها صارت ثعباناً، وشببها بالجانّ لخفتها، وسرعتها، فصح الكلامان. ويحتمل أنه شببها بالشيطان لقوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم﴾ [الحجر: 27] . ويحتمل أنها كانت صغيرة كالجانّ ثم عظمت فصارت ثعباناً ثم إن موسى - عليه السلام - لما أراه آية العصا قال فرعون: «هل غيرها» ؟ قال: نعم، فأراه يده، ثم أدخلها جيبه، ثم أخرجها ﴿فَإِذَاْ هِيَ بَيْضَاءُ﴾ تضيء الوادي من شدة بياضها من غير برص، لها شعاع كشعاع الشمس. فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر أموراً:
أحدها: قال لهم: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وكان زمانهم زمان السحرة، فأوهمهم أن هذا كبير من السحرة.
وثانيها: قال: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ وهذا موجب للتنفير عنه لئا يقبلوا قوله، والمعنى: يفرق جمعكم بما يلقيه من العداوة بينكم، ومفارقة الوطن أصعب الأمور، وهذا نهاية ما يفعله المضل المنفر عن المحق.
وثالثها: قوله: «فَمَاذَا تَأْمُرُونَ» أي: ما رأيكم فيه، فأظهر لهم من نفسه أني متبع لرأيكم، ومثل هذا يوجب جذب القلوب، وانصرافها عن العدو قوله: «حَوْلَهُ» حال من « المَلأ» ، ومفعول القول قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وقيلك صلة «لِلْملأ» ، فإنه بمعنى «الَّذِي» . وقيل: الموصول محذوف. وهما قولان للكوفيين. قال الزمخشري: «فإِننْ قٌلْتَ: قوله تعالى: (للْمَلأ حَوْلَهُ) فما العامل في (حَوْلَه) ؟ . قلت: هو منصوب نصبين: نصب في اللفظ، ونصب في المحل. فالعامل في النصب اللفظي ما تقدم في الظرف، ش والعامل في النصب المحلي هو النصب على الحال» .
قوله: «أَرْجِهْ وَأَخَاهُ» . لما قال لهم فرعون تلك الكلمات اتفقوا على جواب واحد، وهو قولهم: «أَرْجِهْ» قرىء: «أَرْجِهْ وَأَرْجِئْهُ وأَرْجِهِ» (بالهمز والتخفيف، وهما لغتان، يقال: أرجأته وأرجيته) إذا أخرته. والمعنى: أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة. وقيل: «احبسه» ﴿وابعث فِي المدآئن حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون السحرة، ظنّاً منهم بأنهم إذا كثروا غلبوه وكشفوا حاله.
وعارضوا قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بقولهم: ﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ فجاءوا بكلمة الإحاطة، وبصيغة المبالغة ليطيِّبوا قبله.
الشعراء 26:37
قوله تعالى: ﴿فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ . وعلم أن قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾ الشعراء: 30] دل على أن الله تعالى عرفه قبل إلقاء العصا بأنها تصير ثعباناً، فلذلك قال ما قال، فلما ألقى موسى عصاه وصارت ثعباناً، روي أنها لما انقلبت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة إلى فرعون تقول: يا موسى، مرني بما شئت، ويقول فرعون: (يا موسى) أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها، فأخذها فعادت عصا. فإن قيل: كيف قال: «ثُعْبَانٌ مُبِينٌ» وفي آية أخرى: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى﴾ [طه: 20] وفي آية ثالثة: ﴿كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ [القصص: 31] والجانّ مائل إلى الصغر، والثعبان إلى الكبر؟
فالجواب: أن الحية اسم الجنس، ثم لكبرها صارت ثعباناً، وشببها بالجانّ لخفتها، وسرعتها، فصح الكلامان. ويحتمل أنه شببها بالشيطان لقوله: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم﴾ [الحجر: 27] . ويحتمل أنها كانت صغيرة كالجانّ ثم عظمت فصارت ثعباناً ثم إن موسى - عليه السلام - لما أراه آية العصا قال فرعون: «هل غيرها» ؟ قال: نعم، فأراه يده، ثم أدخلها جيبه، ثم أخرجها ﴿فَإِذَاْ هِيَ بَيْضَاءُ﴾ تضيء الوادي من شدة بياضها من غير برص، لها شعاع كشعاع الشمس. فعند هذا أراد فرعون تعمية هذه الحجة على قومه فذكر أموراً:
أحدها: قال لهم: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وكان زمانهم زمان السحرة، فأوهمهم أن هذا كبير من السحرة.
وثانيها: قال: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ وهذا موجب للتنفير عنه لئا يقبلوا قوله، والمعنى: يفرق جمعكم بما يلقيه من العداوة بينكم، ومفارقة الوطن أصعب الأمور، وهذا نهاية ما يفعله المضل المنفر عن المحق.
وثالثها: قوله: «فَمَاذَا تَأْمُرُونَ» أي: ما رأيكم فيه، فأظهر لهم من نفسه أني متبع لرأيكم، ومثل هذا يوجب جذب القلوب، وانصرافها عن العدو قوله: «حَوْلَهُ» حال من « المَلأ» ، ومفعول القول قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ وقيلك صلة «لِلْملأ» ، فإنه بمعنى «الَّذِي» . وقيل: الموصول محذوف. وهما قولان للكوفيين. قال الزمخشري: «فإِننْ قٌلْتَ: قوله تعالى: (للْمَلأ حَوْلَهُ) فما العامل في (حَوْلَه) ؟ . قلت: هو منصوب نصبين: نصب في اللفظ، ونصب في المحل. فالعامل في النصب اللفظي ما تقدم في الظرف، ش والعامل في النصب المحلي هو النصب على الحال» .
قوله: «أَرْجِهْ وَأَخَاهُ» . لما قال لهم فرعون تلك الكلمات اتفقوا على جواب واحد، وهو قولهم: «أَرْجِهْ» قرىء: «أَرْجِهْ وَأَرْجِئْهُ وأَرْجِهِ» (بالهمز والتخفيف، وهما لغتان، يقال: أرجأته وأرجيته) إذا أخرته. والمعنى: أخره ومناظرته لوقت اجتماع السحرة. وقيل: «احبسه» ﴿وابعث فِي المدآئن حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ أشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون السحرة، ظنّاً منهم بأنهم إذا كثروا غلبوه وكشفوا حاله.
وعارضوا قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بقولهم: ﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ فجاءوا بكلمة الإحاطة، وبصيغة المبالغة ليطيِّبوا قبله.
الشعراء 26:38
قوله تعالى: ﴿فَجُمِعَ السحرة لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ . اليوم المعلوم: يوم الزينة.
قال ابن عباس: وافق ذلك يوم السبت في أول يوم من السنة، وهو يوم النيروز وميقاته: وقت الضحى، لأنه الوقت الذي وقَّت لهم موسى - عليه السلام - من يوم الزينة في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ [طه: 59] .
قوله: ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾ . والمعنى: أنهم بعثوا على الحضور ليشاهدوا ما يكون من الجانبين ولمن تكون الغلبة، وكان موسى - عليه السلام - يطلب ذلك ليظهر حجته عليهم عند الخلق العظيم.
قوله: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السحرة﴾ . أي نرجو أن تكون الغلبة لهم ﴿إِن كَانُواْ هُمُ الغالبين﴾ لموسى. وقيل: إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء. وأرادوا ب «السَّحَرَة» : موسى وهارون وقومهما. ﴿فَلَمَّا جَآءَ السحرة قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين﴾ . [فابتدءُوا بطلب الجزاء، وهو إما المال وإما الجاه، فبذلك لهم ذلك وأكّده بقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين﴾ ] لأنَّ نهاية مطلوبهم البذل ورفع المنزلة.
الشعراء 26:39
قوله تعالى: ﴿فَجُمِعَ السحرة لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ . اليوم المعلوم: يوم الزينة.
قال ابن عباس: وافق ذلك يوم السبت في أول يوم من السنة، وهو يوم النيروز وميقاته: وقت الضحى، لأنه الوقت الذي وقَّت لهم موسى - عليه السلام - من يوم الزينة في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ [طه: 59] .
قوله: ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾ . والمعنى: أنهم بعثوا على الحضور ليشاهدوا ما يكون من الجانبين ولمن تكون الغلبة، وكان موسى - عليه السلام - يطلب ذلك ليظهر حجته عليهم عند الخلق العظيم.
قوله: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السحرة﴾ . أي نرجو أن تكون الغلبة لهم ﴿إِن كَانُواْ هُمُ الغالبين﴾ لموسى. وقيل: إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء. وأرادوا ب «السَّحَرَة» : موسى وهارون وقومهما. ﴿فَلَمَّا جَآءَ السحرة قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين﴾ . [فابتدءُوا بطلب الجزاء، وهو إما المال وإما الجاه، فبذلك لهم ذلك وأكّده بقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين﴾ ] لأنَّ نهاية مطلوبهم البذل ورفع المنزلة.
الشعراء 26:40
قوله تعالى: ﴿فَجُمِعَ السحرة لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ . اليوم المعلوم: يوم الزينة.
قال ابن عباس: وافق ذلك يوم السبت في أول يوم من السنة، وهو يوم النيروز وميقاته: وقت الضحى، لأنه الوقت الذي وقَّت لهم موسى - عليه السلام - من يوم الزينة في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ [طه: 59] .
قوله: ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾ . والمعنى: أنهم بعثوا على الحضور ليشاهدوا ما يكون من الجانبين ولمن تكون الغلبة، وكان موسى - عليه السلام - يطلب ذلك ليظهر حجته عليهم عند الخلق العظيم.
قوله: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السحرة﴾ . أي نرجو أن تكون الغلبة لهم ﴿إِن كَانُواْ هُمُ الغالبين﴾ لموسى. وقيل: إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء. وأرادوا ب «السَّحَرَة» : موسى وهارون وقومهما. ﴿فَلَمَّا جَآءَ السحرة قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين﴾ . [فابتدءُوا بطلب الجزاء، وهو إما المال وإما الجاه، فبذلك لهم ذلك وأكّده بقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين﴾ ] لأنَّ نهاية مطلوبهم البذل ورفع المنزلة.
الشعراء 26:41
قوله تعالى: ﴿فَجُمِعَ السحرة لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ . اليوم المعلوم: يوم الزينة.
قال ابن عباس: وافق ذلك يوم السبت في أول يوم من السنة، وهو يوم النيروز وميقاته: وقت الضحى، لأنه الوقت الذي وقَّت لهم موسى - عليه السلام - من يوم الزينة في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ [طه: 59] .
قوله: ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾ . والمعنى: أنهم بعثوا على الحضور ليشاهدوا ما يكون من الجانبين ولمن تكون الغلبة، وكان موسى - عليه السلام - يطلب ذلك ليظهر حجته عليهم عند الخلق العظيم.
قوله: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السحرة﴾ . أي نرجو أن تكون الغلبة لهم ﴿إِن كَانُواْ هُمُ الغالبين﴾ لموسى. وقيل: إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء. وأرادوا ب «السَّحَرَة» : موسى وهارون وقومهما. ﴿فَلَمَّا جَآءَ السحرة قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين﴾ . [فابتدءُوا بطلب الجزاء، وهو إما المال وإما الجاه، فبذلك لهم ذلك وأكّده بقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين﴾ ] لأنَّ نهاية مطلوبهم البذل ورفع المنزلة.
الشعراء 26:42
قوله تعالى: ﴿فَجُمِعَ السحرة لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ . اليوم المعلوم: يوم الزينة.
قال ابن عباس: وافق ذلك يوم السبت في أول يوم من السنة، وهو يوم النيروز وميقاته: وقت الضحى، لأنه الوقت الذي وقَّت لهم موسى - عليه السلام - من يوم الزينة في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ [طه: 59] .
قوله: ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾ . والمعنى: أنهم بعثوا على الحضور ليشاهدوا ما يكون من الجانبين ولمن تكون الغلبة، وكان موسى - عليه السلام - يطلب ذلك ليظهر حجته عليهم عند الخلق العظيم.
قوله: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السحرة﴾ . أي نرجو أن تكون الغلبة لهم ﴿إِن كَانُواْ هُمُ الغالبين﴾ لموسى. وقيل: إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء. وأرادوا ب «السَّحَرَة» : موسى وهارون وقومهما. ﴿فَلَمَّا جَآءَ السحرة قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين﴾ . [فابتدءُوا بطلب الجزاء، وهو إما المال وإما الجاه، فبذلك لهم ذلك وأكّده بقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين﴾ ] لأنَّ نهاية مطلوبهم البذل ورفع المنزلة.
الشعراء 26:43
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ . اعلم أنهم لما اجتمعوا كان لا بد من ابتداء موسى أو ابتدائهم، ثم إنهم تواضعوا فقدّموه على أنفسهم، وقالوا له: ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين﴾ [الأعراف: 115] فلما تواضعوا له تواضع هو أيضاً لهم فقدمهم على نفسه، وقال: ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مَّلْقُونَ﴾ . فإن قيل: كيف جاز لموسى - عليه السلام - أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصيّ، وذلك سحر وتلبيس وكفر، والأمر بمثله لا يجوز؟ فالجواب: ليس ذلك بأمر، لأن مراد موسى - عليه السلام - منهم أن يؤمنوا به، ولا يقدموا على ما يجري مجرى المقاتلة، وإذا ثبت ذلك وجب تأويل صيغة الأمر، وفيه وجوه:
أحدها: أن ذلك الأمر كان مشورطاً، والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، كقوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] أي: إن كنتم قادرين.
وثانيها: لما تعين ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار جائزاً.
وثالثها: أَنَّ هذا ليس بأمر، بل هو تهديد، أي: إن فعلتم ذلك أتينا بما يبطله، كقول القائل: «لئن رميتني لأفعلن ولأصنعن» ثم يفوق له السهم فيقول له: «ارم» فيكون ذلك منه تهديداً.
ورابعها: أنهم لما تواضعوا (له) وقدموه على أنفسهم فقدمهم على نفسه رجاء أن يصير تواضعه سبباً لقبول الحق، ولقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك المطلوب.
قوله: ﴿فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ . روي عن ابن عباس قال: كانت مطلية بالزئبق، والعصي مجوفة مملوءة من الزئبق، فلما حيمت اشتدت حركتها، فصارت كأنها حيات تدب من كل جانب من الأرض.
قوله: «بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ» . يجوز أن يكون قَسَماً، وجوابه: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون﴾ ويجوز أن يتعلق ب «الغَالِبُونَ» لأن ما في حيز «إِنَّ» لا يتقدم عليها.
قوله: ﴿فألقى موسى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ تقدم خلاف القراء في «تَلْقَفُ» وقال ابن عطية هنا: وقرأ البَزِّيُّ وابنُ فُلَيح بشدِّ التَّاء وفتح اللام وشدِّ القاف ويلزم على هذه القراءة إذا ابتدأ أن يَجْلِبَ همزة الوصل، وهمزة الوصل لا تدخل على الأفعال المضارعة، كما لا تدخل على أسماء الفاعلين. قال أبو حيان كأنه يُخَيَّلُ إليه أنه لا يمكن الابتداء بالكلمة إلا باجتلاب همزة الوصل، [وهذا ليس بلازم (و) كثيراً ما يكون الوصل] مخالفاً للوقف، والوقف مخالفاً للوصل، ومن له تَمَرُّن في القراءات عرف ذلك. قال شهاب الدين: يريد قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ﴾ فإن البَزِّيّ يشدد التاء، إذ الأصل: «تَتَلَقَّفُ» بتاءين، فأدغم، فإذا وقف على «هِيَ» وابتدأ «تَتَلَقَّفُ» فحقه أن يَفُكَّ ولا يدغم لئلا يُبْتَدأ بساكن وهو غر ممكن، وقول ابن عطية: «ويلزم على هذه القراءة ...
إلى خره» تضعيف للقراءة لما ذكره هو من أن همزة الوصل لا تدخل على الفعل المضارع، ولا يمكن الابتداء بساكن، فمن ثَمَّ ضُعِّفَتْ.
وجواب الشيخ بمنع الملازمة حسن إلا أنه كان ينبغي أن يبدل لفظة الوقف بالابتداء لأنه هو الذي وقع الكلام فيه، أعني: الابتداء بكلمة [ «تَلَقَّفُ» ] .
قوله: «فَأُلْقِيَ» قال الزمخشري: «فإن قلت: فاعل الإلقاء ما هو لو صرِّح به؟ قلت هو الله - عَزَّ وَجَلَّ -، ثم قال: ولك ألاَّ تقدِّر فاعلاً، لأن» أَلْقَوْا «بمعنى: خَرُّوا وسقطوا» . قال أبو حيان: وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا يبنى الفعل للمفعول إلاّ وله فاعل ينوب المفعول به عنه، أما أنه لا يقدر له فاعل فقول ذاهبٌ عن الصواب.
فصل
تقدم الكلام على نظير هذه الآية، واعلم أن السحرة لما شاهدوا أمراً خارجاً عن حدّ السحر لما يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين و ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ العالمين﴾ .
قوله: ﴿رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ . عطف بيان ل» رَبِّ العَالَمِينَ «لأن فرعون كان يدعي الربوبية فأرادوا عزله. ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام: أنه الذي دعا موسى وهارون - عليهما السلام - إليه.
الشعراء 26:44
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ . اعلم أنهم لما اجتمعوا كان لا بد من ابتداء موسى أو ابتدائهم، ثم إنهم تواضعوا فقدّموه على أنفسهم، وقالوا له: ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين﴾ [الأعراف: 115] فلما تواضعوا له تواضع هو أيضاً لهم فقدمهم على نفسه، وقال: ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مَّلْقُونَ﴾ . فإن قيل: كيف جاز لموسى - عليه السلام - أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصيّ، وذلك سحر وتلبيس وكفر، والأمر بمثله لا يجوز؟ فالجواب: ليس ذلك بأمر، لأن مراد موسى - عليه السلام - منهم أن يؤمنوا به، ولا يقدموا على ما يجري مجرى المقاتلة، وإذا ثبت ذلك وجب تأويل صيغة الأمر، وفيه وجوه:
أحدها: أن ذلك الأمر كان مشورطاً، والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، كقوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] أي: إن كنتم قادرين.
وثانيها: لما تعين ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار جائزاً.
وثالثها: أَنَّ هذا ليس بأمر، بل هو تهديد، أي: إن فعلتم ذلك أتينا بما يبطله، كقول القائل: «لئن رميتني لأفعلن ولأصنعن» ثم يفوق له السهم فيقول له: «ارم» فيكون ذلك منه تهديداً.
ورابعها: أنهم لما تواضعوا (له) وقدموه على أنفسهم فقدمهم على نفسه رجاء أن يصير تواضعه سبباً لقبول الحق، ولقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك المطلوب.
قوله: ﴿فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ . روي عن ابن عباس قال: كانت مطلية بالزئبق، والعصي مجوفة مملوءة من الزئبق، فلما حيمت اشتدت حركتها، فصارت كأنها حيات تدب من كل جانب من الأرض.
قوله: «بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ» . يجوز أن يكون قَسَماً، وجوابه: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون﴾ ويجوز أن يتعلق ب «الغَالِبُونَ» لأن ما في حيز «إِنَّ» لا يتقدم عليها.
قوله: ﴿فألقى موسى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ تقدم خلاف القراء في «تَلْقَفُ» وقال ابن عطية هنا: وقرأ البَزِّيُّ وابنُ فُلَيح بشدِّ التَّاء وفتح اللام وشدِّ القاف ويلزم على هذه القراءة إذا ابتدأ أن يَجْلِبَ همزة الوصل، وهمزة الوصل لا تدخل على الأفعال المضارعة، كما لا تدخل على أسماء الفاعلين. قال أبو حيان كأنه يُخَيَّلُ إليه أنه لا يمكن الابتداء بالكلمة إلا باجتلاب همزة الوصل، [وهذا ليس بلازم (و) كثيراً ما يكون الوصل] مخالفاً للوقف، والوقف مخالفاً للوصل، ومن له تَمَرُّن في القراءات عرف ذلك. قال شهاب الدين: يريد قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ﴾ فإن البَزِّيّ يشدد التاء، إذ الأصل: «تَتَلَقَّفُ» بتاءين، فأدغم، فإذا وقف على «هِيَ» وابتدأ «تَتَلَقَّفُ» فحقه أن يَفُكَّ ولا يدغم لئلا يُبْتَدأ بساكن وهو غر ممكن، وقول ابن عطية: «ويلزم على هذه القراءة ...
إلى خره» تضعيف للقراءة لما ذكره هو من أن همزة الوصل لا تدخل على الفعل المضارع، ولا يمكن الابتداء بساكن، فمن ثَمَّ ضُعِّفَتْ.
وجواب الشيخ بمنع الملازمة حسن إلا أنه كان ينبغي أن يبدل لفظة الوقف بالابتداء لأنه هو الذي وقع الكلام فيه، أعني: الابتداء بكلمة [ «تَلَقَّفُ» ] .
قوله: «فَأُلْقِيَ» قال الزمخشري: «فإن قلت: فاعل الإلقاء ما هو لو صرِّح به؟ قلت هو الله - عَزَّ وَجَلَّ -، ثم قال: ولك ألاَّ تقدِّر فاعلاً، لأن» أَلْقَوْا «بمعنى: خَرُّوا وسقطوا» . قال أبو حيان: وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا يبنى الفعل للمفعول إلاّ وله فاعل ينوب المفعول به عنه، أما أنه لا يقدر له فاعل فقول ذاهبٌ عن الصواب.
فصل
تقدم الكلام على نظير هذه الآية، واعلم أن السحرة لما شاهدوا أمراً خارجاً عن حدّ السحر لما يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين و ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ العالمين﴾ .
قوله: ﴿رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ . عطف بيان ل» رَبِّ العَالَمِينَ «لأن فرعون كان يدعي الربوبية فأرادوا عزله. ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام: أنه الذي دعا موسى وهارون - عليهما السلام - إليه.
الشعراء 26:45
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ . اعلم أنهم لما اجتمعوا كان لا بد من ابتداء موسى أو ابتدائهم، ثم إنهم تواضعوا فقدّموه على أنفسهم، وقالوا له: ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين﴾ [الأعراف: 115] فلما تواضعوا له تواضع هو أيضاً لهم فقدمهم على نفسه، وقال: ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مَّلْقُونَ﴾ . فإن قيل: كيف جاز لموسى - عليه السلام - أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصيّ، وذلك سحر وتلبيس وكفر، والأمر بمثله لا يجوز؟ فالجواب: ليس ذلك بأمر، لأن مراد موسى - عليه السلام - منهم أن يؤمنوا به، ولا يقدموا على ما يجري مجرى المقاتلة، وإذا ثبت ذلك وجب تأويل صيغة الأمر، وفيه وجوه:
أحدها: أن ذلك الأمر كان مشورطاً، والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، كقوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] أي: إن كنتم قادرين.
وثانيها: لما تعين ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار جائزاً.
وثالثها: أَنَّ هذا ليس بأمر، بل هو تهديد، أي: إن فعلتم ذلك أتينا بما يبطله، كقول القائل: «لئن رميتني لأفعلن ولأصنعن» ثم يفوق له السهم فيقول له: «ارم» فيكون ذلك منه تهديداً.
ورابعها: أنهم لما تواضعوا (له) وقدموه على أنفسهم فقدمهم على نفسه رجاء أن يصير تواضعه سبباً لقبول الحق، ولقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك المطلوب.
قوله: ﴿فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ . روي عن ابن عباس قال: كانت مطلية بالزئبق، والعصي مجوفة مملوءة من الزئبق، فلما حيمت اشتدت حركتها، فصارت كأنها حيات تدب من كل جانب من الأرض.
قوله: «بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ» . يجوز أن يكون قَسَماً، وجوابه: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون﴾ ويجوز أن يتعلق ب «الغَالِبُونَ» لأن ما في حيز «إِنَّ» لا يتقدم عليها.
قوله: ﴿فألقى موسى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ تقدم خلاف القراء في «تَلْقَفُ» وقال ابن عطية هنا: وقرأ البَزِّيُّ وابنُ فُلَيح بشدِّ التَّاء وفتح اللام وشدِّ القاف ويلزم على هذه القراءة إذا ابتدأ أن يَجْلِبَ همزة الوصل، وهمزة الوصل لا تدخل على الأفعال المضارعة، كما لا تدخل على أسماء الفاعلين. قال أبو حيان كأنه يُخَيَّلُ إليه أنه لا يمكن الابتداء بالكلمة إلا باجتلاب همزة الوصل، [وهذا ليس بلازم (و) كثيراً ما يكون الوصل] مخالفاً للوقف، والوقف مخالفاً للوصل، ومن له تَمَرُّن في القراءات عرف ذلك. قال شهاب الدين: يريد قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ﴾ فإن البَزِّيّ يشدد التاء، إذ الأصل: «تَتَلَقَّفُ» بتاءين، فأدغم، فإذا وقف على «هِيَ» وابتدأ «تَتَلَقَّفُ» فحقه أن يَفُكَّ ولا يدغم لئلا يُبْتَدأ بساكن وهو غر ممكن، وقول ابن عطية: «ويلزم على هذه القراءة ...
إلى خره» تضعيف للقراءة لما ذكره هو من أن همزة الوصل لا تدخل على الفعل المضارع، ولا يمكن الابتداء بساكن، فمن ثَمَّ ضُعِّفَتْ.
وجواب الشيخ بمنع الملازمة حسن إلا أنه كان ينبغي أن يبدل لفظة الوقف بالابتداء لأنه هو الذي وقع الكلام فيه، أعني: الابتداء بكلمة [ «تَلَقَّفُ» ] .
قوله: «فَأُلْقِيَ» قال الزمخشري: «فإن قلت: فاعل الإلقاء ما هو لو صرِّح به؟ قلت هو الله - عَزَّ وَجَلَّ -، ثم قال: ولك ألاَّ تقدِّر فاعلاً، لأن» أَلْقَوْا «بمعنى: خَرُّوا وسقطوا» . قال أبو حيان: وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا يبنى الفعل للمفعول إلاّ وله فاعل ينوب المفعول به عنه، أما أنه لا يقدر له فاعل فقول ذاهبٌ عن الصواب.
فصل
تقدم الكلام على نظير هذه الآية، واعلم أن السحرة لما شاهدوا أمراً خارجاً عن حدّ السحر لما يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين و ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ العالمين﴾ .
قوله: ﴿رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ . عطف بيان ل» رَبِّ العَالَمِينَ «لأن فرعون كان يدعي الربوبية فأرادوا عزله. ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام: أنه الذي دعا موسى وهارون - عليهما السلام - إليه.
الشعراء 26:46
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ . اعلم أنهم لما اجتمعوا كان لا بد من ابتداء موسى أو ابتدائهم، ثم إنهم تواضعوا فقدّموه على أنفسهم، وقالوا له: ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين﴾ [الأعراف: 115] فلما تواضعوا له تواضع هو أيضاً لهم فقدمهم على نفسه، وقال: ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مَّلْقُونَ﴾ . فإن قيل: كيف جاز لموسى - عليه السلام - أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصيّ، وذلك سحر وتلبيس وكفر، والأمر بمثله لا يجوز؟ فالجواب: ليس ذلك بأمر، لأن مراد موسى - عليه السلام - منهم أن يؤمنوا به، ولا يقدموا على ما يجري مجرى المقاتلة، وإذا ثبت ذلك وجب تأويل صيغة الأمر، وفيه وجوه:
أحدها: أن ذلك الأمر كان مشورطاً، والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، كقوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] أي: إن كنتم قادرين.
وثانيها: لما تعين ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار جائزاً.
وثالثها: أَنَّ هذا ليس بأمر، بل هو تهديد، أي: إن فعلتم ذلك أتينا بما يبطله، كقول القائل: «لئن رميتني لأفعلن ولأصنعن» ثم يفوق له السهم فيقول له: «ارم» فيكون ذلك منه تهديداً.
ورابعها: أنهم لما تواضعوا (له) وقدموه على أنفسهم فقدمهم على نفسه رجاء أن يصير تواضعه سبباً لقبول الحق، ولقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك المطلوب.
قوله: ﴿فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ . روي عن ابن عباس قال: كانت مطلية بالزئبق، والعصي مجوفة مملوءة من الزئبق، فلما حيمت اشتدت حركتها، فصارت كأنها حيات تدب من كل جانب من الأرض.
قوله: «بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ» . يجوز أن يكون قَسَماً، وجوابه: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون﴾ ويجوز أن يتعلق ب «الغَالِبُونَ» لأن ما في حيز «إِنَّ» لا يتقدم عليها.
قوله: ﴿فألقى موسى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ تقدم خلاف القراء في «تَلْقَفُ» وقال ابن عطية هنا: وقرأ البَزِّيُّ وابنُ فُلَيح بشدِّ التَّاء وفتح اللام وشدِّ القاف ويلزم على هذه القراءة إذا ابتدأ أن يَجْلِبَ همزة الوصل، وهمزة الوصل لا تدخل على الأفعال المضارعة، كما لا تدخل على أسماء الفاعلين. قال أبو حيان كأنه يُخَيَّلُ إليه أنه لا يمكن الابتداء بالكلمة إلا باجتلاب همزة الوصل، [وهذا ليس بلازم (و) كثيراً ما يكون الوصل] مخالفاً للوقف، والوقف مخالفاً للوصل، ومن له تَمَرُّن في القراءات عرف ذلك. قال شهاب الدين: يريد قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ﴾ فإن البَزِّيّ يشدد التاء، إذ الأصل: «تَتَلَقَّفُ» بتاءين، فأدغم، فإذا وقف على «هِيَ» وابتدأ «تَتَلَقَّفُ» فحقه أن يَفُكَّ ولا يدغم لئلا يُبْتَدأ بساكن وهو غر ممكن، وقول ابن عطية: «ويلزم على هذه القراءة ...
إلى خره» تضعيف للقراءة لما ذكره هو من أن همزة الوصل لا تدخل على الفعل المضارع، ولا يمكن الابتداء بساكن، فمن ثَمَّ ضُعِّفَتْ.
وجواب الشيخ بمنع الملازمة حسن إلا أنه كان ينبغي أن يبدل لفظة الوقف بالابتداء لأنه هو الذي وقع الكلام فيه، أعني: الابتداء بكلمة [ «تَلَقَّفُ» ] .
قوله: «فَأُلْقِيَ» قال الزمخشري: «فإن قلت: فاعل الإلقاء ما هو لو صرِّح به؟ قلت هو الله - عَزَّ وَجَلَّ -، ثم قال: ولك ألاَّ تقدِّر فاعلاً، لأن» أَلْقَوْا «بمعنى: خَرُّوا وسقطوا» . قال أبو حيان: وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا يبنى الفعل للمفعول إلاّ وله فاعل ينوب المفعول به عنه، أما أنه لا يقدر له فاعل فقول ذاهبٌ عن الصواب.
فصل
تقدم الكلام على نظير هذه الآية، واعلم أن السحرة لما شاهدوا أمراً خارجاً عن حدّ السحر لما يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين و ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ العالمين﴾ .
قوله: ﴿رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ . عطف بيان ل» رَبِّ العَالَمِينَ «لأن فرعون كان يدعي الربوبية فأرادوا عزله. ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام: أنه الذي دعا موسى وهارون - عليهما السلام - إليه.
الشعراء 26:47
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ . اعلم أنهم لما اجتمعوا كان لا بد من ابتداء موسى أو ابتدائهم، ثم إنهم تواضعوا فقدّموه على أنفسهم، وقالوا له: ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين﴾ [الأعراف: 115] فلما تواضعوا له تواضع هو أيضاً لهم فقدمهم على نفسه، وقال: ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مَّلْقُونَ﴾ . فإن قيل: كيف جاز لموسى - عليه السلام - أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصيّ، وذلك سحر وتلبيس وكفر، والأمر بمثله لا يجوز؟ فالجواب: ليس ذلك بأمر، لأن مراد موسى - عليه السلام - منهم أن يؤمنوا به، ولا يقدموا على ما يجري مجرى المقاتلة، وإذا ثبت ذلك وجب تأويل صيغة الأمر، وفيه وجوه:
أحدها: أن ذلك الأمر كان مشورطاً، والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، كقوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] أي: إن كنتم قادرين.
وثانيها: لما تعين ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار جائزاً.
وثالثها: أَنَّ هذا ليس بأمر، بل هو تهديد، أي: إن فعلتم ذلك أتينا بما يبطله، كقول القائل: «لئن رميتني لأفعلن ولأصنعن» ثم يفوق له السهم فيقول له: «ارم» فيكون ذلك منه تهديداً.
ورابعها: أنهم لما تواضعوا (له) وقدموه على أنفسهم فقدمهم على نفسه رجاء أن يصير تواضعه سبباً لقبول الحق، ولقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك المطلوب.
قوله: ﴿فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ . روي عن ابن عباس قال: كانت مطلية بالزئبق، والعصي مجوفة مملوءة من الزئبق، فلما حيمت اشتدت حركتها، فصارت كأنها حيات تدب من كل جانب من الأرض.
قوله: «بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ» . يجوز أن يكون قَسَماً، وجوابه: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون﴾ ويجوز أن يتعلق ب «الغَالِبُونَ» لأن ما في حيز «إِنَّ» لا يتقدم عليها.
قوله: ﴿فألقى موسى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ تقدم خلاف القراء في «تَلْقَفُ» وقال ابن عطية هنا: وقرأ البَزِّيُّ وابنُ فُلَيح بشدِّ التَّاء وفتح اللام وشدِّ القاف ويلزم على هذه القراءة إذا ابتدأ أن يَجْلِبَ همزة الوصل، وهمزة الوصل لا تدخل على الأفعال المضارعة، كما لا تدخل على أسماء الفاعلين. قال أبو حيان كأنه يُخَيَّلُ إليه أنه لا يمكن الابتداء بالكلمة إلا باجتلاب همزة الوصل، [وهذا ليس بلازم (و) كثيراً ما يكون الوصل] مخالفاً للوقف، والوقف مخالفاً للوصل، ومن له تَمَرُّن في القراءات عرف ذلك. قال شهاب الدين: يريد قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ﴾ فإن البَزِّيّ يشدد التاء، إذ الأصل: «تَتَلَقَّفُ» بتاءين، فأدغم، فإذا وقف على «هِيَ» وابتدأ «تَتَلَقَّفُ» فحقه أن يَفُكَّ ولا يدغم لئلا يُبْتَدأ بساكن وهو غر ممكن، وقول ابن عطية: «ويلزم على هذه القراءة ...
إلى خره» تضعيف للقراءة لما ذكره هو من أن همزة الوصل لا تدخل على الفعل المضارع، ولا يمكن الابتداء بساكن، فمن ثَمَّ ضُعِّفَتْ.
وجواب الشيخ بمنع الملازمة حسن إلا أنه كان ينبغي أن يبدل لفظة الوقف بالابتداء لأنه هو الذي وقع الكلام فيه، أعني: الابتداء بكلمة [ «تَلَقَّفُ» ] .
قوله: «فَأُلْقِيَ» قال الزمخشري: «فإن قلت: فاعل الإلقاء ما هو لو صرِّح به؟ قلت هو الله - عَزَّ وَجَلَّ -، ثم قال: ولك ألاَّ تقدِّر فاعلاً، لأن» أَلْقَوْا «بمعنى: خَرُّوا وسقطوا» . قال أبو حيان: وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا يبنى الفعل للمفعول إلاّ وله فاعل ينوب المفعول به عنه، أما أنه لا يقدر له فاعل فقول ذاهبٌ عن الصواب.
فصل
تقدم الكلام على نظير هذه الآية، واعلم أن السحرة لما شاهدوا أمراً خارجاً عن حدّ السحر لما يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين و ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ العالمين﴾ .
قوله: ﴿رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ . عطف بيان ل» رَبِّ العَالَمِينَ «لأن فرعون كان يدعي الربوبية فأرادوا عزله. ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام: أنه الذي دعا موسى وهارون - عليهما السلام - إليه.
الشعراء 26:48
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ . اعلم أنهم لما اجتمعوا كان لا بد من ابتداء موسى أو ابتدائهم، ثم إنهم تواضعوا فقدّموه على أنفسهم، وقالوا له: ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين﴾ [الأعراف: 115] فلما تواضعوا له تواضع هو أيضاً لهم فقدمهم على نفسه، وقال: ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مَّلْقُونَ﴾ . فإن قيل: كيف جاز لموسى - عليه السلام - أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصيّ، وذلك سحر وتلبيس وكفر، والأمر بمثله لا يجوز؟ فالجواب: ليس ذلك بأمر، لأن مراد موسى - عليه السلام - منهم أن يؤمنوا به، ولا يقدموا على ما يجري مجرى المقاتلة، وإذا ثبت ذلك وجب تأويل صيغة الأمر، وفيه وجوه:
أحدها: أن ذلك الأمر كان مشورطاً، والتقدير: ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين، كقوله: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] أي: إن كنتم قادرين.
وثانيها: لما تعين ذلك طريقاً إلى كشف الشبهة صار جائزاً.
وثالثها: أَنَّ هذا ليس بأمر، بل هو تهديد، أي: إن فعلتم ذلك أتينا بما يبطله، كقول القائل: «لئن رميتني لأفعلن ولأصنعن» ثم يفوق له السهم فيقول له: «ارم» فيكون ذلك منه تهديداً.
ورابعها: أنهم لما تواضعوا (له) وقدموه على أنفسهم فقدمهم على نفسه رجاء أن يصير تواضعه سبباً لقبول الحق، ولقد حصل ببركة ذلك التواضع ذلك المطلوب.
قوله: ﴿فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ . روي عن ابن عباس قال: كانت مطلية بالزئبق، والعصي مجوفة مملوءة من الزئبق، فلما حيمت اشتدت حركتها، فصارت كأنها حيات تدب من كل جانب من الأرض.
قوله: «بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ» . يجوز أن يكون قَسَماً، وجوابه: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون﴾ ويجوز أن يتعلق ب «الغَالِبُونَ» لأن ما في حيز «إِنَّ» لا يتقدم عليها.
قوله: ﴿فألقى موسى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ تقدم خلاف القراء في «تَلْقَفُ» وقال ابن عطية هنا: وقرأ البَزِّيُّ وابنُ فُلَيح بشدِّ التَّاء وفتح اللام وشدِّ القاف ويلزم على هذه القراءة إذا ابتدأ أن يَجْلِبَ همزة الوصل، وهمزة الوصل لا تدخل على الأفعال المضارعة، كما لا تدخل على أسماء الفاعلين. قال أبو حيان كأنه يُخَيَّلُ إليه أنه لا يمكن الابتداء بالكلمة إلا باجتلاب همزة الوصل، [وهذا ليس بلازم (و) كثيراً ما يكون الوصل] مخالفاً للوقف، والوقف مخالفاً للوصل، ومن له تَمَرُّن في القراءات عرف ذلك. قال شهاب الدين: يريد قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلَقَّفُ﴾ فإن البَزِّيّ يشدد التاء، إذ الأصل: «تَتَلَقَّفُ» بتاءين، فأدغم، فإذا وقف على «هِيَ» وابتدأ «تَتَلَقَّفُ» فحقه أن يَفُكَّ ولا يدغم لئلا يُبْتَدأ بساكن وهو غر ممكن، وقول ابن عطية: «ويلزم على هذه القراءة ...
إلى خره» تضعيف للقراءة لما ذكره هو من أن همزة الوصل لا تدخل على الفعل المضارع، ولا يمكن الابتداء بساكن، فمن ثَمَّ ضُعِّفَتْ.
وجواب الشيخ بمنع الملازمة حسن إلا أنه كان ينبغي أن يبدل لفظة الوقف بالابتداء لأنه هو الذي وقع الكلام فيه، أعني: الابتداء بكلمة [ «تَلَقَّفُ» ] .
قوله: «فَأُلْقِيَ» قال الزمخشري: «فإن قلت: فاعل الإلقاء ما هو لو صرِّح به؟ قلت هو الله - عَزَّ وَجَلَّ -، ثم قال: ولك ألاَّ تقدِّر فاعلاً، لأن» أَلْقَوْا «بمعنى: خَرُّوا وسقطوا» . قال أبو حيان: وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا يبنى الفعل للمفعول إلاّ وله فاعل ينوب المفعول به عنه، أما أنه لا يقدر له فاعل فقول ذاهبٌ عن الصواب.
فصل
تقدم الكلام على نظير هذه الآية، واعلم أن السحرة لما شاهدوا أمراً خارجاً عن حدّ السحر لما يتمالكوا أن رموا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين و ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ العالمين﴾ .
قوله: ﴿رَبِّ موسى وَهَارُونَ﴾ . عطف بيان ل» رَبِّ العَالَمِينَ «لأن فرعون كان يدعي الربوبية فأرادوا عزله. ومعنى إضافته إليهما في ذلك المقام: أنه الذي دعا موسى وهارون - عليهما السلام - إليه.
الشعراء 26:49
قوله: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ الآيات. لما آمنوا بأجمعهم لم يأمن فرعون أن يقول قومه: إن هؤلاء السحرة على كثرتهم وبصيرتهم لم يؤمنوا إلا عن معرفة بصحة أمر موسى - عليه السلام - فيسلكون طريقهم، فلبَّس على القوم وبالغ في التنفير عن موسى من وجوه:
أحدها: قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ . والمعنى: إن مسارعتكم إلى الإيمان به دالة على ميلكم إليه فتطرَّق التهمة إليهم فلعلهم قصروا في السحر حياله.
وثانيها: قوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ هذا تصريح بما رمز به أولاً، وتعريض منه بأنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى، وقصروا في السحر ليظهروا أمر موسى، وإلا ففي قوة السحر أن يفعلوا مثل ما فعل، وهذا شبهة قوية في تنفير من قَبِلَ.
وثالثها: قوله: «فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» وهو وعيد وتهديد شديد.
ورابعها: قوله: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِين﴾ وهذا الوعيد المفصل، وليس في الإهلاك أقوى منه، ثم إنهم أجابوا عن هذه الكلمات من وجهين:
الأول: قوله: ﴿لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ والضير والمضرّة واحد، وليس المراد أن ذلك وقع، وإنما عنوا بالإضافة إلى ما عفروه من دار الجزاء.
والجواب الثاني: قوله: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَآ﴾ وهو إشارة منهم إلى الكفر والسحر وغيرهما. والطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين، كقول إبراهيم - عليه السلام -: «وَالَّذِي أَطْمَعُ» . ويحتمل الظن، لأن المرء لا يعلم ما سيختاره من بعد. قوله: «أَنْ كُنَّا» . قرأ العامة بفتح «أَنْ» أي: لأن كُنَّا بينوا القول بالإيمان وقرأ أبان بن تغلب وأبو معاذ بكسر الهمزة، وفيه وجهان:
أحدهما: أنها شرطية، والجواب محذوف لفهم المعنى، أو متقدم عند من يجيزه.
نظيره قول القائل: «إنْ كُنْتُ عملتُ فوفِّنِي حَقِّي» مقولة لمن يؤخر جعله.
والثاني: أنها المخففة من الثقيلة، واستغني عن اللام الفارقة لإرشاد المعنى إلى الثبوت دون النص كقوله: 3902 - وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامٌ المَعَادِنِ ... وفي الحديث: «إن كان رسول (الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) - يحبُّ العسل» أي: ليحبُّه.
والمعنى على الأول: لأن كنا أول المؤمنين، من الجماعة الذين حضروا ذلك الموقف، أو يكون المراد: من السحرة خاصة، أو من رعية فرعون، أو من أهل زمانهم.
الشعراء 26:50
قوله: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ الآيات. لما آمنوا بأجمعهم لم يأمن فرعون أن يقول قومه: إن هؤلاء السحرة على كثرتهم وبصيرتهم لم يؤمنوا إلا عن معرفة بصحة أمر موسى - عليه السلام - فيسلكون طريقهم، فلبَّس على القوم وبالغ في التنفير عن موسى من وجوه:
أحدها: قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ . والمعنى: إن مسارعتكم إلى الإيمان به دالة على ميلكم إليه فتطرَّق التهمة إليهم فلعلهم قصروا في السحر حياله.
وثانيها: قوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ هذا تصريح بما رمز به أولاً، وتعريض منه بأنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى، وقصروا في السحر ليظهروا أمر موسى، وإلا ففي قوة السحر أن يفعلوا مثل ما فعل، وهذا شبهة قوية في تنفير من قَبِلَ.
وثالثها: قوله: «فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» وهو وعيد وتهديد شديد.
ورابعها: قوله: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِين﴾ وهذا الوعيد المفصل، وليس في الإهلاك أقوى منه، ثم إنهم أجابوا عن هذه الكلمات من وجهين:
الأول: قوله: ﴿لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ والضير والمضرّة واحد، وليس المراد أن ذلك وقع، وإنما عنوا بالإضافة إلى ما عفروه من دار الجزاء.
والجواب الثاني: قوله: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَآ﴾ وهو إشارة منهم إلى الكفر والسحر وغيرهما. والطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين، كقول إبراهيم - عليه السلام -: «وَالَّذِي أَطْمَعُ» . ويحتمل الظن، لأن المرء لا يعلم ما سيختاره من بعد. قوله: «أَنْ كُنَّا» . قرأ العامة بفتح «أَنْ» أي: لأن كُنَّا بينوا القول بالإيمان وقرأ أبان بن تغلب وأبو معاذ بكسر الهمزة، وفيه وجهان:
أحدهما: أنها شرطية، والجواب محذوف لفهم المعنى، أو متقدم عند من يجيزه.
نظيره قول القائل: «إنْ كُنْتُ عملتُ فوفِّنِي حَقِّي» مقولة لمن يؤخر جعله.
والثاني: أنها المخففة من الثقيلة، واستغني عن اللام الفارقة لإرشاد المعنى إلى الثبوت دون النص كقوله: 3902 - وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامٌ المَعَادِنِ ... وفي الحديث: «إن كان رسول (الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) - يحبُّ العسل» أي: ليحبُّه.
والمعنى على الأول: لأن كنا أول المؤمنين، من الجماعة الذين حضروا ذلك الموقف، أو يكون المراد: من السحرة خاصة، أو من رعية فرعون، أو من أهل زمانهم.
الشعراء 26:51
قوله: ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ الآيات. لما آمنوا بأجمعهم لم يأمن فرعون أن يقول قومه: إن هؤلاء السحرة على كثرتهم وبصيرتهم لم يؤمنوا إلا عن معرفة بصحة أمر موسى - عليه السلام - فيسلكون طريقهم، فلبَّس على القوم وبالغ في التنفير عن موسى من وجوه:
أحدها: قوله: ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ . والمعنى: إن مسارعتكم إلى الإيمان به دالة على ميلكم إليه فتطرَّق التهمة إليهم فلعلهم قصروا في السحر حياله.
وثانيها: قوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ هذا تصريح بما رمز به أولاً، وتعريض منه بأنهم فعلوا ذلك عن مواطأة بينهم وبين موسى، وقصروا في السحر ليظهروا أمر موسى، وإلا ففي قوة السحر أن يفعلوا مثل ما فعل، وهذا شبهة قوية في تنفير من قَبِلَ.
وثالثها: قوله: «فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» وهو وعيد وتهديد شديد.
ورابعها: قوله: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِين﴾ وهذا الوعيد المفصل، وليس في الإهلاك أقوى منه، ثم إنهم أجابوا عن هذه الكلمات من وجهين:
الأول: قوله: ﴿لاَ ضَيْرَ إِنَّآ إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ والضير والمضرّة واحد، وليس المراد أن ذلك وقع، وإنما عنوا بالإضافة إلى ما عفروه من دار الجزاء.
والجواب الثاني: قوله: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَآ﴾ وهو إشارة منهم إلى الكفر والسحر وغيرهما. والطمع في هذا الموضع يحتمل اليقين، كقول إبراهيم - عليه السلام -: «وَالَّذِي أَطْمَعُ» . ويحتمل الظن، لأن المرء لا يعلم ما سيختاره من بعد. قوله: «أَنْ كُنَّا» . قرأ العامة بفتح «أَنْ» أي: لأن كُنَّا بينوا القول بالإيمان وقرأ أبان بن تغلب وأبو معاذ بكسر الهمزة، وفيه وجهان:
أحدهما: أنها شرطية، والجواب محذوف لفهم المعنى، أو متقدم عند من يجيزه.
نظيره قول القائل: «إنْ كُنْتُ عملتُ فوفِّنِي حَقِّي» مقولة لمن يؤخر جعله.
والثاني: أنها المخففة من الثقيلة، واستغني عن اللام الفارقة لإرشاد المعنى إلى الثبوت دون النص كقوله: 3902 - وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامٌ المَعَادِنِ ... وفي الحديث: «إن كان رسول (الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) - يحبُّ العسل» أي: ليحبُّه.
والمعنى على الأول: لأن كنا أول المؤمنين، من الجماعة الذين حضروا ذلك الموقف، أو يكون المراد: من السحرة خاصة، أو من رعية فرعون، أو من أهل زمانهم.
الشعراء 26:52
قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بعبادي﴾ . قرىء «أَسْرِ» بقطع الهمزة ووصلها.
لما ظهر من أمر موسى - عليه السلام - ما شاهدوه أمره الله أن يخرج ببني إسرائيل، لما كان في المعلوم من تدبير الله وتخليصه من القوم وتمليكه بلادهم وأموالهم، ولم يأمن. وقد جرت تلك الغلبة الظاهرة أن يقع في فرعون ببني إسرائيل ما يؤدي إلى الاستئصال، فلذلك أمره الله تعالى أن يسري ببني إسرائيل، وهم الذين آمنوا، وكانوا من قوم موسى - عليه السلام -. واعلم أن في الكلام حذفاً، وهو أنه أسرى بهم كما امره الله تعالى، ثم إن قوم موسى قالوا لقوم فرعون: «إن لنا في هذه الليلة عيدا» ، ثم استعاروا منهم حليهم بهذا السبب، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر، فلما سمع فرعون ذلك أرسل في المدائن حاشرين يحشرون الناس، يعني الشُّرط ليجمعوا السحرة. وقيل: ليجمعوا له الجيش روي أنه كان له ألف مدينة واثنا عشر ألف قرية. و «حَاشِرِينَ» مفعول «أَرْسَلَ» ثم إنه قوى نفسه ونفس قومه بأن وصف قوم موسى بالذم، ووصف قوم نفسه بالمدح، أما وصفه قوم موسى - عليه السلام - بالذم، فقال: ﴿إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ﴾ [معمول لقوم مضمر] أي: قال: إنَّ هؤلاء، وهذا القول يجوز أن يكون حالاً، أي: أرسلهم قائلاً ذلك، ويجوز أن يكون مفسراً ل «أَرْسَلَ» . والشِّرْذِمَةُ: الطائفة من الناس وقيل: كل بقية من شيء خسيس يقال لها: شرذمة. ويقال: ثوب شراذم، أي: أخلاق، قال:
3903 - جَاءَ الشِّتَاءُ وَقَمِيصِي أَخْلاقْ ... شَرَاذِمُ تَضْحَكُ مِنْهُ الخُلاقْ
وأنشد أبو عبيدة:
3904 - في شراذم النعال ... وجمع الشرذمة: شراذم، فذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلاً بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلاً، واختار جمع السلامة الذي هو جمع القلة.
ويجوز أن يريد بالقلة: الذلة، لا قلة العدو، أي: إنهم لقلتهم لا يبالى بهم.
قال ابن عباس: كان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف مقاتل لا شاب فيهم دون عشرين سنة، ولا شيخ يوفي على الستين سوى الحشم، وفرعون يقللهم لكثرة من معه. وهذا الوصف قد استعمل في الكثير عند الإضافة إلى ما هو أكثر منه، فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حسان وفي عسكره على لون فرسه ثمانمائة ألف.
قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ﴾ . يقال: غَاظَهُ وَأَغَظَهُ وَغَيَّظَهُ: غذا أغضبه. والغيظ، الغضب. والمعنى: أنهم يفعلون أفعالاً تغيظنا. واختلفوا في تلك الأفعال. فقل: أخذهم الحليّ وغيره. وقيل: خروجهم عن عبوديته. وقيل: خروجهم بغير إذنه، وقيل: مخالفتهم له في الدين.
وقيل: لأنهم لم يتخذوا فرعون إلهاً.
وأما وصفه قومه فهو قوله: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ . قرأ الكوفيون وابن ذكوان: «حاذرون» بألف. والباقون: «حذرون» بدونها. فقال أبو عبيدة والزجاج: هما بمعنى واحد، يقال: رجل حذر وحاذر بمعنى.
وقيل: بل بينهما فرق، فالحذر: المتيقظ. والحاذر: الخائف. وقيل: الحذر: المخلوق مجبولاً على الحذر. والحاذر: ما عرض له ذلك.
وقيل: الحذر: المتسلح الذي له شوكة سلاح، وأنشد سيبويه في إعمال «حَذِر» على أنه مثال مبالغة محول من حاذر قوله:
3905 - حَذِرٌ أُمُوراً لاَ تَضِيرُ وَآمِنٌ ... مَا لَيْسَ مُنْجِيهِ مِنَ الأَقْدَارِ وزعم بعضهم أن سيبويه لمَّا سأله: هل يحفظ شيئاً في إعمال «فَعِل» ؟ صنع له هذا البيت، فعيب على سيبويه: كيف يأخذ الشواهد الموضوعة؟
وهذا غلط، فإن هذا الشخص قد أقر على نفسه بالكذب، فلا يقدح قوله في سيبويه. والذي ادعى انه صنع البيت هو الأخفش. و «حَذِر» يتعدى بنفسه، قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الآخرة﴾ [الزمر: 9] ، وقال العباس بن مرداس:
3906 - ... - وَإِنِّي حَاذِرٌ أَنْمِي سِلاَحِي
إلَى أَوْصَالش ذَيَّالٍ مَنِيع ... وقرأ ابن السميفع وابن أبي عمار: «حَادِرُونَ» بالدال المهملة من قولهم عين حدرة، أي: عظيمة، كقولهم:
3907 - وَعَيْنٌ لَهَا حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... والمعنى: عظيماً. وقيل: الحادر: القوي الممتلىء، وحكي: رجل حادر، أي: ممتلىء غيظاً، ورجل حادر، أي: أحمق، كأنه ممتلىء من الحمق قال:
3908 - أُحِبُّ الغُلاَمَ السُّوءَ مِنْ أَجْلِ أُمِّه ... وَأَبْغَضُهُ مِنْ بَغْضِهَا وَهْوَ حَادِرُ
ويقال أيضاً رجل [حَدُرٌ بزنة يقط مبالغة في (حادر) من هذا المعنى، فصار يقال] حَذِر وحَذُر وحَاذِرِ بالذال المعجمة والمهملة والمعنى مختلف.
واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهو اسم الفاعل واسم المفعول كالضارب والمضروب أفادت الحديث. وإذا لم تكن كذلك وهي المشبهة [أفادت الثبوت. فمن قرأ «حَذِرُونَ» ] ذهب إلى معنى أنا قوم من عادتنا الحذر واستعمال الحزم ومن قرأ: «حَاذِرُون» ذهب إلى معنى: إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصرنا هذا. ومن قرأ: «حَادِرُون» بالدال المهملة، فكأنه ذهب إلى نفي أصلاً، لأن الحادر هو السمين، فأراد: إنا قوم أقوياء أشداء، أو أراد: إنا شاكون في السلاح. والغرض من هذه التقادير ألا يتوهم أهل المدائن أنه منكسر من قوم موسى، أو خائف منهم.
قوله: «فَأَخْرَجْنَاهُمْ» . أي: خلقنا في قلوبهم داعية الخروج، فاستلزمت الداعية الفعل، فكان الفعل مضافاً إلى الله تعالى لا محالة.
وقوله: ﴿مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ﴾ أي: أخرجناهم من بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة. قال مجاهد: سماها كنوزاً، لأنه لم يعط حق الله منها، وما لم يعط الله منه فهو كنز وإن كان ظاهراً.
قوله: «وَمَقَامٍ» .
قرأ العامة بفتح الميم، وهو مكان القيام. وقتادة والأعرج بضمها وهو مكان الإقامة. والمراد ب «الكَرِيم» : الحسن.
قال المفسرون: هي مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع.
وقيل: المواضع التي كانوا [يتنعمون فيها] .
قوله: «كَذَلِكَ» . فيه ثلاثة أوجه: قال الزمخشري: يحتمل ثلاثة أوجه: النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه والجر على أنه وصف ل «مَقَام» أي: ومقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك. قال أبو حيان: فالوجه الأول لا يسوغ، لأنه يؤول إلى تشبيه الشيء بنفسه، وكذلك الوجه الثاني؛ لأن المقام الذي كان لهم هو المقام الكريم، فلا يشبه الشيء بنفسه. قال شهاب الدين: وليس في ذلك تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن المراد في اأول: أخرجناهم إخراجاً مثل الإخراج المعروف المشهور، وكذلك الثاني.
قوله: «وَأَوْرَثْنَاها» عطف على «فَأَخْرَجْنَاهُمْ» أي: وأورثناها بهلاكهم بني إسرائيل وذلك أن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصل بعدما أغرق فرعون وقومه وأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن.
قوله: «فَأَتْبَعُوهُمْ» . قرأ لعامة بقطع الهمزة من «أَتْبعه» أي: ألحقه نفسه، فحذف الثاني. وقيل: يقال: أَتْبعه بمعنى «اتبعه» بوصل الهمزة، أي: لحقه.
وقرأ الحسن والحارث الذَّمَّارِيّ بوصلها وتشديد التاء، وهي بمعنى اللحاق.
وقوله: «مُشْرِقِينَ» أي: داخلين في وقت الشروق من: شَرَقت الشمس شروقاً: إذا طلعت ك «أصبح، وأمسى» : إذا دخل في هذين الوقتين. وقيل: داخلين نحو المشرق ك «أَنْجَد، وأَتْهَم» . و «مُشْرِقِين» منصوب على الحال، والظاهر أنه من الفاعل. وقيل: «مُشْرِقِين» بمعنى: مضيئين. وفي التفسير: أنّ بني إسرائيل كانوا في نور، والقبط في ظلمة، فعلى هذا يكون «مُشْرِقِين» حالاً من المفعول. قال شهاب الدين: وعندي أنه يجوز أن يكون حالاً من الفاعل والمفعول إذا جعلنا «مُشْرِقِين» : داخلين في وقت الشروق، أو في مكان المشرق، لأن كلاً من القبيلين كان داخلاً في ذلك الزمان، أو في ذلك المكان.
قوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان﴾ أي: تقابلا ورأى بعضهما بعضاً. قرأ العامة: «تَرَاءَى» بتحقيق الهمزة. وابن وثاب والأعمش من غير همزة، بأن تكون الهمزة مخففة بين بين، لا بالإبدال المحض، لئلا يجتمع ثلاث ألفات، الأولى الزائدة بعد الراء، والثانية المبدلة من الهمزة، والثالثة لام الكلمة، لكن الثالثة لا تثبت وصلاً لحذفها لالتقاء الساكين، ثم اختلف القراء في إمالة هذا الحرف فنقول: هذا الحرف إما أن يوقف عليه أو لا، فإن وقف عليه فحمزة يميل ألفه الأخيرة؛ لأنها طرف منقبلة عن ياء.
ومن ضرورة إمالتها إمالة فتحة الهمزة المسهلة، لأنه إذا وقف على مثل هذه سهلها على مقتضى مذهب، وأمال الألف الأولى إتباعاً لإمالة فتحة الهمزة. ومن شرورة إمالتها إمالة فتحة الراء قبلها، وهذا هو الإمالة لإمالة. وغيره من القراء لا يميل شيئاً من ذلك. وقياس مذهب الكسائي أن يميل الألف الأخيرة، وفتحة الهمزة قبلها، وكذا نقله ابن الباذش عنه وعن حمزة.
وإن وصل فإن الألف الأخيرة تذهب لالتقاء الساكنين، ولذهابها تذهب إمالة فتحة الهمزة، وتبقى إمالة الألف الزائدة، وإمالة فتحة الراء قبلها عنده اعتداداً بالألف المحذوفة، وعند ذلك يقال: حذف السبب وبقي المسبب؛ لأن إمالة الألف الأولى إنما كان لإمالة الألف الأخيرة [كما تقدم تقريره، وقد ذهبت الأخيرة] فكان ينبغي ألا تمال الأولى لذهاب المقتضي لذلك، ولكنه راعى المحذوف وجعله في قوة المنطوق؛ ولذا تجرأ عليه أبو حاتم فقالك وقراءة هذا الحرف بالإمالة محال. وقد تقدم في الأنعام عند «رَأَى القَمَرَ» و «رَأَى الشَّمْسَ» ما يشبه هذا العمل.
قوله: «لَمَدْرَكُونَ» . العامة على سكون الدال، اسم مفعول من «أَدْركَ» أي: لملحقون. وقرأ الأعرج وبيد بن عمرو بفتح الدال مشددة وكسر الراء.
قال الزمخشري: المعنى: متتابعون في الهلاك على أيديهم، ومنه بيت الحماسة:
3909 - أَبَعْدَ بَنِي أُمِّي الَّذِينَ تَتَابَعُوا ... أُرَجِّي الحَيَاةَ أَمْ مِنَ المَوْتِ أَجْزَعُ
يعني: أن «ادَّرَك» على «افتعل» لازم بمعنى فني واضمحلّ، يقال: ادَّرَكَ الشيء يدَّرك فهو مدَّرَك، أي: فني متتابعا، ولذلك كسرت الراء. وممن نص على كسرها أبو الفضل الرازي، قال: «وقد يكون» ادَّرَك «على» افتعل «بمعنى» أفعل «متعدياً، ولو كانت القراءة من هذا لوجب فتح الراء ولم يبلغني عنهما - يعني: عن الأعرج وعبيد - إلا الكسر» .
فصل
المعنى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان﴾ ، أي: رأى كل فريق صاحبه.
وقرىء ﴿فَلَمَّا تَرَاءْتِ الفِئَتَانِ﴾ قال أصحاب موسى: «إنَّا [لَمُدْرَكُونَ» أي] لَمُلْحَقُون، وقالوا: يا موسى ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾ [الأعراف: 129] كانوا يذبحون أبناءنا، ﴿وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: 129] يدركوننا في هذه الساعة فيقتلوننا، ولا طاقة لنا بهم، فعند ذلك قال موسى ثقة بوعد الله إياه «كَلاَ» وذلك كالمنع مما توهموه، أي: لن يدركونا ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يدلني على طريق النجاة.
الشعراء 26:53
قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بعبادي﴾ . قرىء «أَسْرِ» بقطع الهمزة ووصلها.
لما ظهر من أمر موسى - عليه السلام - ما شاهدوه أمره الله أن يخرج ببني إسرائيل، لما كان في المعلوم من تدبير الله وتخليصه من القوم وتمليكه بلادهم وأموالهم، ولم يأمن. وقد جرت تلك الغلبة الظاهرة أن يقع في فرعون ببني إسرائيل ما يؤدي إلى الاستئصال، فلذلك أمره الله تعالى أن يسري ببني إسرائيل، وهم الذين آمنوا، وكانوا من قوم موسى - عليه السلام -. واعلم أن في الكلام حذفاً، وهو أنه أسرى بهم كما امره الله تعالى، ثم إن قوم موسى قالوا لقوم فرعون: «إن لنا في هذه الليلة عيدا» ، ثم استعاروا منهم حليهم بهذا السبب، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر، فلما سمع فرعون ذلك أرسل في المدائن حاشرين يحشرون الناس، يعني الشُّرط ليجمعوا السحرة. وقيل: ليجمعوا له الجيش روي أنه كان له ألف مدينة واثنا عشر ألف قرية. و «حَاشِرِينَ» مفعول «أَرْسَلَ» ثم إنه قوى نفسه ونفس قومه بأن وصف قوم موسى بالذم، ووصف قوم نفسه بالمدح، أما وصفه قوم موسى - عليه السلام - بالذم، فقال: ﴿إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ﴾ [معمول لقوم مضمر] أي: قال: إنَّ هؤلاء، وهذا القول يجوز أن يكون حالاً، أي: أرسلهم قائلاً ذلك، ويجوز أن يكون مفسراً ل «أَرْسَلَ» . والشِّرْذِمَةُ: الطائفة من الناس وقيل: كل بقية من شيء خسيس يقال لها: شرذمة. ويقال: ثوب شراذم، أي: أخلاق، قال:
3903 - جَاءَ الشِّتَاءُ وَقَمِيصِي أَخْلاقْ ... شَرَاذِمُ تَضْحَكُ مِنْهُ الخُلاقْ
وأنشد أبو عبيدة:
3904 - في شراذم النعال ... وجمع الشرذمة: شراذم، فذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلاً بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلاً، واختار جمع السلامة الذي هو جمع القلة.
ويجوز أن يريد بالقلة: الذلة، لا قلة العدو، أي: إنهم لقلتهم لا يبالى بهم.
قال ابن عباس: كان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف مقاتل لا شاب فيهم دون عشرين سنة، ولا شيخ يوفي على الستين سوى الحشم، وفرعون يقللهم لكثرة من معه. وهذا الوصف قد استعمل في الكثير عند الإضافة إلى ما هو أكثر منه، فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حسان وفي عسكره على لون فرسه ثمانمائة ألف.
قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ﴾ . يقال: غَاظَهُ وَأَغَظَهُ وَغَيَّظَهُ: غذا أغضبه. والغيظ، الغضب. والمعنى: أنهم يفعلون أفعالاً تغيظنا. واختلفوا في تلك الأفعال. فقل: أخذهم الحليّ وغيره. وقيل: خروجهم عن عبوديته. وقيل: خروجهم بغير إذنه، وقيل: مخالفتهم له في الدين.
وقيل: لأنهم لم يتخذوا فرعون إلهاً.
وأما وصفه قومه فهو قوله: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ . قرأ الكوفيون وابن ذكوان: «حاذرون» بألف. والباقون: «حذرون» بدونها. فقال أبو عبيدة والزجاج: هما بمعنى واحد، يقال: رجل حذر وحاذر بمعنى.
وقيل: بل بينهما فرق، فالحذر: المتيقظ. والحاذر: الخائف. وقيل: الحذر: المخلوق مجبولاً على الحذر. والحاذر: ما عرض له ذلك.
وقيل: الحذر: المتسلح الذي له شوكة سلاح، وأنشد سيبويه في إعمال «حَذِر» على أنه مثال مبالغة محول من حاذر قوله:
3905 - حَذِرٌ أُمُوراً لاَ تَضِيرُ وَآمِنٌ ... مَا لَيْسَ مُنْجِيهِ مِنَ الأَقْدَارِ وزعم بعضهم أن سيبويه لمَّا سأله: هل يحفظ شيئاً في إعمال «فَعِل» ؟ صنع له هذا البيت، فعيب على سيبويه: كيف يأخذ الشواهد الموضوعة؟
وهذا غلط، فإن هذا الشخص قد أقر على نفسه بالكذب، فلا يقدح قوله في سيبويه. والذي ادعى انه صنع البيت هو الأخفش. و «حَذِر» يتعدى بنفسه، قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الآخرة﴾ [الزمر: 9] ، وقال العباس بن مرداس:
3906 - ... - وَإِنِّي حَاذِرٌ أَنْمِي سِلاَحِي
إلَى أَوْصَالش ذَيَّالٍ مَنِيع ... وقرأ ابن السميفع وابن أبي عمار: «حَادِرُونَ» بالدال المهملة من قولهم عين حدرة، أي: عظيمة، كقولهم:
3907 - وَعَيْنٌ لَهَا حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... والمعنى: عظيماً. وقيل: الحادر: القوي الممتلىء، وحكي: رجل حادر، أي: ممتلىء غيظاً، ورجل حادر، أي: أحمق، كأنه ممتلىء من الحمق قال:
3908 - أُحِبُّ الغُلاَمَ السُّوءَ مِنْ أَجْلِ أُمِّه ... وَأَبْغَضُهُ مِنْ بَغْضِهَا وَهْوَ حَادِرُ
ويقال أيضاً رجل [حَدُرٌ بزنة يقط مبالغة في (حادر) من هذا المعنى، فصار يقال] حَذِر وحَذُر وحَاذِرِ بالذال المعجمة والمهملة والمعنى مختلف.
واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهو اسم الفاعل واسم المفعول كالضارب والمضروب أفادت الحديث. وإذا لم تكن كذلك وهي المشبهة [أفادت الثبوت. فمن قرأ «حَذِرُونَ» ] ذهب إلى معنى أنا قوم من عادتنا الحذر واستعمال الحزم ومن قرأ: «حَاذِرُون» ذهب إلى معنى: إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصرنا هذا. ومن قرأ: «حَادِرُون» بالدال المهملة، فكأنه ذهب إلى نفي أصلاً، لأن الحادر هو السمين، فأراد: إنا قوم أقوياء أشداء، أو أراد: إنا شاكون في السلاح. والغرض من هذه التقادير ألا يتوهم أهل المدائن أنه منكسر من قوم موسى، أو خائف منهم.
قوله: «فَأَخْرَجْنَاهُمْ» . أي: خلقنا في قلوبهم داعية الخروج، فاستلزمت الداعية الفعل، فكان الفعل مضافاً إلى الله تعالى لا محالة.
وقوله: ﴿مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ﴾ أي: أخرجناهم من بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة. قال مجاهد: سماها كنوزاً، لأنه لم يعط حق الله منها، وما لم يعط الله منه فهو كنز وإن كان ظاهراً.
قوله: «وَمَقَامٍ» .
قرأ العامة بفتح الميم، وهو مكان القيام. وقتادة والأعرج بضمها وهو مكان الإقامة. والمراد ب «الكَرِيم» : الحسن.
قال المفسرون: هي مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع.
وقيل: المواضع التي كانوا [يتنعمون فيها] .
قوله: «كَذَلِكَ» . فيه ثلاثة أوجه: قال الزمخشري: يحتمل ثلاثة أوجه: النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه والجر على أنه وصف ل «مَقَام» أي: ومقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك. قال أبو حيان: فالوجه الأول لا يسوغ، لأنه يؤول إلى تشبيه الشيء بنفسه، وكذلك الوجه الثاني؛ لأن المقام الذي كان لهم هو المقام الكريم، فلا يشبه الشيء بنفسه. قال شهاب الدين: وليس في ذلك تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن المراد في اأول: أخرجناهم إخراجاً مثل الإخراج المعروف المشهور، وكذلك الثاني.
قوله: «وَأَوْرَثْنَاها» عطف على «فَأَخْرَجْنَاهُمْ» أي: وأورثناها بهلاكهم بني إسرائيل وذلك أن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصل بعدما أغرق فرعون وقومه وأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن.
قوله: «فَأَتْبَعُوهُمْ» . قرأ لعامة بقطع الهمزة من «أَتْبعه» أي: ألحقه نفسه، فحذف الثاني. وقيل: يقال: أَتْبعه بمعنى «اتبعه» بوصل الهمزة، أي: لحقه.
وقرأ الحسن والحارث الذَّمَّارِيّ بوصلها وتشديد التاء، وهي بمعنى اللحاق.
وقوله: «مُشْرِقِينَ» أي: داخلين في وقت الشروق من: شَرَقت الشمس شروقاً: إذا طلعت ك «أصبح، وأمسى» : إذا دخل في هذين الوقتين. وقيل: داخلين نحو المشرق ك «أَنْجَد، وأَتْهَم» . و «مُشْرِقِين» منصوب على الحال، والظاهر أنه من الفاعل. وقيل: «مُشْرِقِين» بمعنى: مضيئين. وفي التفسير: أنّ بني إسرائيل كانوا في نور، والقبط في ظلمة، فعلى هذا يكون «مُشْرِقِين» حالاً من المفعول. قال شهاب الدين: وعندي أنه يجوز أن يكون حالاً من الفاعل والمفعول إذا جعلنا «مُشْرِقِين» : داخلين في وقت الشروق، أو في مكان المشرق، لأن كلاً من القبيلين كان داخلاً في ذلك الزمان، أو في ذلك المكان.
قوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان﴾ أي: تقابلا ورأى بعضهما بعضاً. قرأ العامة: «تَرَاءَى» بتحقيق الهمزة. وابن وثاب والأعمش من غير همزة، بأن تكون الهمزة مخففة بين بين، لا بالإبدال المحض، لئلا يجتمع ثلاث ألفات، الأولى الزائدة بعد الراء، والثانية المبدلة من الهمزة، والثالثة لام الكلمة، لكن الثالثة لا تثبت وصلاً لحذفها لالتقاء الساكين، ثم اختلف القراء في إمالة هذا الحرف فنقول: هذا الحرف إما أن يوقف عليه أو لا، فإن وقف عليه فحمزة يميل ألفه الأخيرة؛ لأنها طرف منقبلة عن ياء.
ومن ضرورة إمالتها إمالة فتحة الهمزة المسهلة، لأنه إذا وقف على مثل هذه سهلها على مقتضى مذهب، وأمال الألف الأولى إتباعاً لإمالة فتحة الهمزة. ومن شرورة إمالتها إمالة فتحة الراء قبلها، وهذا هو الإمالة لإمالة. وغيره من القراء لا يميل شيئاً من ذلك. وقياس مذهب الكسائي أن يميل الألف الأخيرة، وفتحة الهمزة قبلها، وكذا نقله ابن الباذش عنه وعن حمزة.
وإن وصل فإن الألف الأخيرة تذهب لالتقاء الساكنين، ولذهابها تذهب إمالة فتحة الهمزة، وتبقى إمالة الألف الزائدة، وإمالة فتحة الراء قبلها عنده اعتداداً بالألف المحذوفة، وعند ذلك يقال: حذف السبب وبقي المسبب؛ لأن إمالة الألف الأولى إنما كان لإمالة الألف الأخيرة [كما تقدم تقريره، وقد ذهبت الأخيرة] فكان ينبغي ألا تمال الأولى لذهاب المقتضي لذلك، ولكنه راعى المحذوف وجعله في قوة المنطوق؛ ولذا تجرأ عليه أبو حاتم فقالك وقراءة هذا الحرف بالإمالة محال. وقد تقدم في الأنعام عند «رَأَى القَمَرَ» و «رَأَى الشَّمْسَ» ما يشبه هذا العمل.
قوله: «لَمَدْرَكُونَ» . العامة على سكون الدال، اسم مفعول من «أَدْركَ» أي: لملحقون. وقرأ الأعرج وبيد بن عمرو بفتح الدال مشددة وكسر الراء.
قال الزمخشري: المعنى: متتابعون في الهلاك على أيديهم، ومنه بيت الحماسة:
3909 - أَبَعْدَ بَنِي أُمِّي الَّذِينَ تَتَابَعُوا ... أُرَجِّي الحَيَاةَ أَمْ مِنَ المَوْتِ أَجْزَعُ
يعني: أن «ادَّرَك» على «افتعل» لازم بمعنى فني واضمحلّ، يقال: ادَّرَكَ الشيء يدَّرك فهو مدَّرَك، أي: فني متتابعا، ولذلك كسرت الراء. وممن نص على كسرها أبو الفضل الرازي، قال: «وقد يكون» ادَّرَك «على» افتعل «بمعنى» أفعل «متعدياً، ولو كانت القراءة من هذا لوجب فتح الراء ولم يبلغني عنهما - يعني: عن الأعرج وعبيد - إلا الكسر» .
فصل
المعنى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان﴾ ، أي: رأى كل فريق صاحبه.
وقرىء ﴿فَلَمَّا تَرَاءْتِ الفِئَتَانِ﴾ قال أصحاب موسى: «إنَّا [لَمُدْرَكُونَ» أي] لَمُلْحَقُون، وقالوا: يا موسى ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾ [الأعراف: 129] كانوا يذبحون أبناءنا، ﴿وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: 129] يدركوننا في هذه الساعة فيقتلوننا، ولا طاقة لنا بهم، فعند ذلك قال موسى ثقة بوعد الله إياه «كَلاَ» وذلك كالمنع مما توهموه، أي: لن يدركونا ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يدلني على طريق النجاة.
الشعراء 26:54
قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بعبادي﴾ . قرىء «أَسْرِ» بقطع الهمزة ووصلها.
لما ظهر من أمر موسى - عليه السلام - ما شاهدوه أمره الله أن يخرج ببني إسرائيل، لما كان في المعلوم من تدبير الله وتخليصه من القوم وتمليكه بلادهم وأموالهم، ولم يأمن. وقد جرت تلك الغلبة الظاهرة أن يقع في فرعون ببني إسرائيل ما يؤدي إلى الاستئصال، فلذلك أمره الله تعالى أن يسري ببني إسرائيل، وهم الذين آمنوا، وكانوا من قوم موسى - عليه السلام -. واعلم أن في الكلام حذفاً، وهو أنه أسرى بهم كما امره الله تعالى، ثم إن قوم موسى قالوا لقوم فرعون: «إن لنا في هذه الليلة عيدا» ، ثم استعاروا منهم حليهم بهذا السبب، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر، فلما سمع فرعون ذلك أرسل في المدائن حاشرين يحشرون الناس، يعني الشُّرط ليجمعوا السحرة. وقيل: ليجمعوا له الجيش روي أنه كان له ألف مدينة واثنا عشر ألف قرية. و «حَاشِرِينَ» مفعول «أَرْسَلَ» ثم إنه قوى نفسه ونفس قومه بأن وصف قوم موسى بالذم، ووصف قوم نفسه بالمدح، أما وصفه قوم موسى - عليه السلام - بالذم، فقال: ﴿إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ﴾ [معمول لقوم مضمر] أي: قال: إنَّ هؤلاء، وهذا القول يجوز أن يكون حالاً، أي: أرسلهم قائلاً ذلك، ويجوز أن يكون مفسراً ل «أَرْسَلَ» . والشِّرْذِمَةُ: الطائفة من الناس وقيل: كل بقية من شيء خسيس يقال لها: شرذمة. ويقال: ثوب شراذم، أي: أخلاق، قال:
3903 - جَاءَ الشِّتَاءُ وَقَمِيصِي أَخْلاقْ ... شَرَاذِمُ تَضْحَكُ مِنْهُ الخُلاقْ
وأنشد أبو عبيدة:
3904 - في شراذم النعال ... وجمع الشرذمة: شراذم، فذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلاً بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلاً، واختار جمع السلامة الذي هو جمع القلة.
ويجوز أن يريد بالقلة: الذلة، لا قلة العدو، أي: إنهم لقلتهم لا يبالى بهم.
قال ابن عباس: كان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف مقاتل لا شاب فيهم دون عشرين سنة، ولا شيخ يوفي على الستين سوى الحشم، وفرعون يقللهم لكثرة من معه. وهذا الوصف قد استعمل في الكثير عند الإضافة إلى ما هو أكثر منه، فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حسان وفي عسكره على لون فرسه ثمانمائة ألف.
قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ﴾ . يقال: غَاظَهُ وَأَغَظَهُ وَغَيَّظَهُ: غذا أغضبه. والغيظ، الغضب. والمعنى: أنهم يفعلون أفعالاً تغيظنا. واختلفوا في تلك الأفعال. فقل: أخذهم الحليّ وغيره. وقيل: خروجهم عن عبوديته. وقيل: خروجهم بغير إذنه، وقيل: مخالفتهم له في الدين.
وقيل: لأنهم لم يتخذوا فرعون إلهاً.
وأما وصفه قومه فهو قوله: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ . قرأ الكوفيون وابن ذكوان: «حاذرون» بألف. والباقون: «حذرون» بدونها. فقال أبو عبيدة والزجاج: هما بمعنى واحد، يقال: رجل حذر وحاذر بمعنى.
وقيل: بل بينهما فرق، فالحذر: المتيقظ. والحاذر: الخائف. وقيل: الحذر: المخلوق مجبولاً على الحذر. والحاذر: ما عرض له ذلك.
وقيل: الحذر: المتسلح الذي له شوكة سلاح، وأنشد سيبويه في إعمال «حَذِر» على أنه مثال مبالغة محول من حاذر قوله:
3905 - حَذِرٌ أُمُوراً لاَ تَضِيرُ وَآمِنٌ ... مَا لَيْسَ مُنْجِيهِ مِنَ الأَقْدَارِ وزعم بعضهم أن سيبويه لمَّا سأله: هل يحفظ شيئاً في إعمال «فَعِل» ؟ صنع له هذا البيت، فعيب على سيبويه: كيف يأخذ الشواهد الموضوعة؟
وهذا غلط، فإن هذا الشخص قد أقر على نفسه بالكذب، فلا يقدح قوله في سيبويه. والذي ادعى انه صنع البيت هو الأخفش. و «حَذِر» يتعدى بنفسه، قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الآخرة﴾ [الزمر: 9] ، وقال العباس بن مرداس:
3906 - ... - وَإِنِّي حَاذِرٌ أَنْمِي سِلاَحِي
إلَى أَوْصَالش ذَيَّالٍ مَنِيع ... وقرأ ابن السميفع وابن أبي عمار: «حَادِرُونَ» بالدال المهملة من قولهم عين حدرة، أي: عظيمة، كقولهم:
3907 - وَعَيْنٌ لَهَا حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... والمعنى: عظيماً. وقيل: الحادر: القوي الممتلىء، وحكي: رجل حادر، أي: ممتلىء غيظاً، ورجل حادر، أي: أحمق، كأنه ممتلىء من الحمق قال:
3908 - أُحِبُّ الغُلاَمَ السُّوءَ مِنْ أَجْلِ أُمِّه ... وَأَبْغَضُهُ مِنْ بَغْضِهَا وَهْوَ حَادِرُ
ويقال أيضاً رجل [حَدُرٌ بزنة يقط مبالغة في (حادر) من هذا المعنى، فصار يقال] حَذِر وحَذُر وحَاذِرِ بالذال المعجمة والمهملة والمعنى مختلف.
واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهو اسم الفاعل واسم المفعول كالضارب والمضروب أفادت الحديث. وإذا لم تكن كذلك وهي المشبهة [أفادت الثبوت. فمن قرأ «حَذِرُونَ» ] ذهب إلى معنى أنا قوم من عادتنا الحذر واستعمال الحزم ومن قرأ: «حَاذِرُون» ذهب إلى معنى: إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصرنا هذا. ومن قرأ: «حَادِرُون» بالدال المهملة، فكأنه ذهب إلى نفي أصلاً، لأن الحادر هو السمين، فأراد: إنا قوم أقوياء أشداء، أو أراد: إنا شاكون في السلاح. والغرض من هذه التقادير ألا يتوهم أهل المدائن أنه منكسر من قوم موسى، أو خائف منهم.
قوله: «فَأَخْرَجْنَاهُمْ» . أي: خلقنا في قلوبهم داعية الخروج، فاستلزمت الداعية الفعل، فكان الفعل مضافاً إلى الله تعالى لا محالة.
وقوله: ﴿مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ﴾ أي: أخرجناهم من بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة. قال مجاهد: سماها كنوزاً، لأنه لم يعط حق الله منها، وما لم يعط الله منه فهو كنز وإن كان ظاهراً.
قوله: «وَمَقَامٍ» .
قرأ العامة بفتح الميم، وهو مكان القيام. وقتادة والأعرج بضمها وهو مكان الإقامة. والمراد ب «الكَرِيم» : الحسن.
قال المفسرون: هي مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع.
وقيل: المواضع التي كانوا [يتنعمون فيها] .
قوله: «كَذَلِكَ» . فيه ثلاثة أوجه: قال الزمخشري: يحتمل ثلاثة أوجه: النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه والجر على أنه وصف ل «مَقَام» أي: ومقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك. قال أبو حيان: فالوجه الأول لا يسوغ، لأنه يؤول إلى تشبيه الشيء بنفسه، وكذلك الوجه الثاني؛ لأن المقام الذي كان لهم هو المقام الكريم، فلا يشبه الشيء بنفسه. قال شهاب الدين: وليس في ذلك تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن المراد في اأول: أخرجناهم إخراجاً مثل الإخراج المعروف المشهور، وكذلك الثاني.
قوله: «وَأَوْرَثْنَاها» عطف على «فَأَخْرَجْنَاهُمْ» أي: وأورثناها بهلاكهم بني إسرائيل وذلك أن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصل بعدما أغرق فرعون وقومه وأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن.
قوله: «فَأَتْبَعُوهُمْ» . قرأ لعامة بقطع الهمزة من «أَتْبعه» أي: ألحقه نفسه، فحذف الثاني. وقيل: يقال: أَتْبعه بمعنى «اتبعه» بوصل الهمزة، أي: لحقه.
وقرأ الحسن والحارث الذَّمَّارِيّ بوصلها وتشديد التاء، وهي بمعنى اللحاق.
وقوله: «مُشْرِقِينَ» أي: داخلين في وقت الشروق من: شَرَقت الشمس شروقاً: إذا طلعت ك «أصبح، وأمسى» : إذا دخل في هذين الوقتين. وقيل: داخلين نحو المشرق ك «أَنْجَد، وأَتْهَم» . و «مُشْرِقِين» منصوب على الحال، والظاهر أنه من الفاعل. وقيل: «مُشْرِقِين» بمعنى: مضيئين. وفي التفسير: أنّ بني إسرائيل كانوا في نور، والقبط في ظلمة، فعلى هذا يكون «مُشْرِقِين» حالاً من المفعول. قال شهاب الدين: وعندي أنه يجوز أن يكون حالاً من الفاعل والمفعول إذا جعلنا «مُشْرِقِين» : داخلين في وقت الشروق، أو في مكان المشرق، لأن كلاً من القبيلين كان داخلاً في ذلك الزمان، أو في ذلك المكان.
قوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان﴾ أي: تقابلا ورأى بعضهما بعضاً. قرأ العامة: «تَرَاءَى» بتحقيق الهمزة. وابن وثاب والأعمش من غير همزة، بأن تكون الهمزة مخففة بين بين، لا بالإبدال المحض، لئلا يجتمع ثلاث ألفات، الأولى الزائدة بعد الراء، والثانية المبدلة من الهمزة، والثالثة لام الكلمة، لكن الثالثة لا تثبت وصلاً لحذفها لالتقاء الساكين، ثم اختلف القراء في إمالة هذا الحرف فنقول: هذا الحرف إما أن يوقف عليه أو لا، فإن وقف عليه فحمزة يميل ألفه الأخيرة؛ لأنها طرف منقبلة عن ياء.
ومن ضرورة إمالتها إمالة فتحة الهمزة المسهلة، لأنه إذا وقف على مثل هذه سهلها على مقتضى مذهب، وأمال الألف الأولى إتباعاً لإمالة فتحة الهمزة. ومن شرورة إمالتها إمالة فتحة الراء قبلها، وهذا هو الإمالة لإمالة. وغيره من القراء لا يميل شيئاً من ذلك. وقياس مذهب الكسائي أن يميل الألف الأخيرة، وفتحة الهمزة قبلها، وكذا نقله ابن الباذش عنه وعن حمزة.
وإن وصل فإن الألف الأخيرة تذهب لالتقاء الساكنين، ولذهابها تذهب إمالة فتحة الهمزة، وتبقى إمالة الألف الزائدة، وإمالة فتحة الراء قبلها عنده اعتداداً بالألف المحذوفة، وعند ذلك يقال: حذف السبب وبقي المسبب؛ لأن إمالة الألف الأولى إنما كان لإمالة الألف الأخيرة [كما تقدم تقريره، وقد ذهبت الأخيرة] فكان ينبغي ألا تمال الأولى لذهاب المقتضي لذلك، ولكنه راعى المحذوف وجعله في قوة المنطوق؛ ولذا تجرأ عليه أبو حاتم فقالك وقراءة هذا الحرف بالإمالة محال. وقد تقدم في الأنعام عند «رَأَى القَمَرَ» و «رَأَى الشَّمْسَ» ما يشبه هذا العمل.
قوله: «لَمَدْرَكُونَ» . العامة على سكون الدال، اسم مفعول من «أَدْركَ» أي: لملحقون. وقرأ الأعرج وبيد بن عمرو بفتح الدال مشددة وكسر الراء.
قال الزمخشري: المعنى: متتابعون في الهلاك على أيديهم، ومنه بيت الحماسة:
3909 - أَبَعْدَ بَنِي أُمِّي الَّذِينَ تَتَابَعُوا ... أُرَجِّي الحَيَاةَ أَمْ مِنَ المَوْتِ أَجْزَعُ
يعني: أن «ادَّرَك» على «افتعل» لازم بمعنى فني واضمحلّ، يقال: ادَّرَكَ الشيء يدَّرك فهو مدَّرَك، أي: فني متتابعا، ولذلك كسرت الراء. وممن نص على كسرها أبو الفضل الرازي، قال: «وقد يكون» ادَّرَك «على» افتعل «بمعنى» أفعل «متعدياً، ولو كانت القراءة من هذا لوجب فتح الراء ولم يبلغني عنهما - يعني: عن الأعرج وعبيد - إلا الكسر» .
فصل
المعنى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان﴾ ، أي: رأى كل فريق صاحبه.
وقرىء ﴿فَلَمَّا تَرَاءْتِ الفِئَتَانِ﴾ قال أصحاب موسى: «إنَّا [لَمُدْرَكُونَ» أي] لَمُلْحَقُون، وقالوا: يا موسى ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾ [الأعراف: 129] كانوا يذبحون أبناءنا، ﴿وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: 129] يدركوننا في هذه الساعة فيقتلوننا، ولا طاقة لنا بهم، فعند ذلك قال موسى ثقة بوعد الله إياه «كَلاَ» وذلك كالمنع مما توهموه، أي: لن يدركونا ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يدلني على طريق النجاة.
الشعراء 26:55
قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بعبادي﴾ . قرىء «أَسْرِ» بقطع الهمزة ووصلها.
لما ظهر من أمر موسى - عليه السلام - ما شاهدوه أمره الله أن يخرج ببني إسرائيل، لما كان في المعلوم من تدبير الله وتخليصه من القوم وتمليكه بلادهم وأموالهم، ولم يأمن. وقد جرت تلك الغلبة الظاهرة أن يقع في فرعون ببني إسرائيل ما يؤدي إلى الاستئصال، فلذلك أمره الله تعالى أن يسري ببني إسرائيل، وهم الذين آمنوا، وكانوا من قوم موسى - عليه السلام -. واعلم أن في الكلام حذفاً، وهو أنه أسرى بهم كما امره الله تعالى، ثم إن قوم موسى قالوا لقوم فرعون: «إن لنا في هذه الليلة عيدا» ، ثم استعاروا منهم حليهم بهذا السبب، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر، فلما سمع فرعون ذلك أرسل في المدائن حاشرين يحشرون الناس، يعني الشُّرط ليجمعوا السحرة. وقيل: ليجمعوا له الجيش روي أنه كان له ألف مدينة واثنا عشر ألف قرية. و «حَاشِرِينَ» مفعول «أَرْسَلَ» ثم إنه قوى نفسه ونفس قومه بأن وصف قوم موسى بالذم، ووصف قوم نفسه بالمدح، أما وصفه قوم موسى - عليه السلام - بالذم، فقال: ﴿إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ﴾ [معمول لقوم مضمر] أي: قال: إنَّ هؤلاء، وهذا القول يجوز أن يكون حالاً، أي: أرسلهم قائلاً ذلك، ويجوز أن يكون مفسراً ل «أَرْسَلَ» . والشِّرْذِمَةُ: الطائفة من الناس وقيل: كل بقية من شيء خسيس يقال لها: شرذمة. ويقال: ثوب شراذم، أي: أخلاق، قال:
3903 - جَاءَ الشِّتَاءُ وَقَمِيصِي أَخْلاقْ ... شَرَاذِمُ تَضْحَكُ مِنْهُ الخُلاقْ
وأنشد أبو عبيدة:
3904 - في شراذم النعال ... وجمع الشرذمة: شراذم، فذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلاً بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلاً، واختار جمع السلامة الذي هو جمع القلة.
ويجوز أن يريد بالقلة: الذلة، لا قلة العدو، أي: إنهم لقلتهم لا يبالى بهم.
قال ابن عباس: كان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف مقاتل لا شاب فيهم دون عشرين سنة، ولا شيخ يوفي على الستين سوى الحشم، وفرعون يقللهم لكثرة من معه. وهذا الوصف قد استعمل في الكثير عند الإضافة إلى ما هو أكثر منه، فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حسان وفي عسكره على لون فرسه ثمانمائة ألف.
قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ﴾ . يقال: غَاظَهُ وَأَغَظَهُ وَغَيَّظَهُ: غذا أغضبه. والغيظ، الغضب. والمعنى: أنهم يفعلون أفعالاً تغيظنا. واختلفوا في تلك الأفعال. فقل: أخذهم الحليّ وغيره. وقيل: خروجهم عن عبوديته. وقيل: خروجهم بغير إذنه، وقيل: مخالفتهم له في الدين.
وقيل: لأنهم لم يتخذوا فرعون إلهاً.
وأما وصفه قومه فهو قوله: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ . قرأ الكوفيون وابن ذكوان: «حاذرون» بألف. والباقون: «حذرون» بدونها. فقال أبو عبيدة والزجاج: هما بمعنى واحد، يقال: رجل حذر وحاذر بمعنى.
وقيل: بل بينهما فرق، فالحذر: المتيقظ. والحاذر: الخائف. وقيل: الحذر: المخلوق مجبولاً على الحذر. والحاذر: ما عرض له ذلك.
وقيل: الحذر: المتسلح الذي له شوكة سلاح، وأنشد سيبويه في إعمال «حَذِر» على أنه مثال مبالغة محول من حاذر قوله:
3905 - حَذِرٌ أُمُوراً لاَ تَضِيرُ وَآمِنٌ ... مَا لَيْسَ مُنْجِيهِ مِنَ الأَقْدَارِ وزعم بعضهم أن سيبويه لمَّا سأله: هل يحفظ شيئاً في إعمال «فَعِل» ؟ صنع له هذا البيت، فعيب على سيبويه: كيف يأخذ الشواهد الموضوعة؟
وهذا غلط، فإن هذا الشخص قد أقر على نفسه بالكذب، فلا يقدح قوله في سيبويه. والذي ادعى انه صنع البيت هو الأخفش. و «حَذِر» يتعدى بنفسه، قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الآخرة﴾ [الزمر: 9] ، وقال العباس بن مرداس:
3906 - ... - وَإِنِّي حَاذِرٌ أَنْمِي سِلاَحِي
إلَى أَوْصَالش ذَيَّالٍ مَنِيع ... وقرأ ابن السميفع وابن أبي عمار: «حَادِرُونَ» بالدال المهملة من قولهم عين حدرة، أي: عظيمة، كقولهم:
3907 - وَعَيْنٌ لَهَا حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... والمعنى: عظيماً. وقيل: الحادر: القوي الممتلىء، وحكي: رجل حادر، أي: ممتلىء غيظاً، ورجل حادر، أي: أحمق، كأنه ممتلىء من الحمق قال:
3908 - أُحِبُّ الغُلاَمَ السُّوءَ مِنْ أَجْلِ أُمِّه ... وَأَبْغَضُهُ مِنْ بَغْضِهَا وَهْوَ حَادِرُ
ويقال أيضاً رجل [حَدُرٌ بزنة يقط مبالغة في (حادر) من هذا المعنى، فصار يقال] حَذِر وحَذُر وحَاذِرِ بالذال المعجمة والمهملة والمعنى مختلف.
واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهو اسم الفاعل واسم المفعول كالضارب والمضروب أفادت الحديث. وإذا لم تكن كذلك وهي المشبهة [أفادت الثبوت. فمن قرأ «حَذِرُونَ» ] ذهب إلى معنى أنا قوم من عادتنا الحذر واستعمال الحزم ومن قرأ: «حَاذِرُون» ذهب إلى معنى: إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصرنا هذا. ومن قرأ: «حَادِرُون» بالدال المهملة، فكأنه ذهب إلى نفي أصلاً، لأن الحادر هو السمين، فأراد: إنا قوم أقوياء أشداء، أو أراد: إنا شاكون في السلاح. والغرض من هذه التقادير ألا يتوهم أهل المدائن أنه منكسر من قوم موسى، أو خائف منهم.
قوله: «فَأَخْرَجْنَاهُمْ» . أي: خلقنا في قلوبهم داعية الخروج، فاستلزمت الداعية الفعل، فكان الفعل مضافاً إلى الله تعالى لا محالة.
وقوله: ﴿مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ﴾ أي: أخرجناهم من بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة. قال مجاهد: سماها كنوزاً، لأنه لم يعط حق الله منها، وما لم يعط الله منه فهو كنز وإن كان ظاهراً.
قوله: «وَمَقَامٍ» .
قرأ العامة بفتح الميم، وهو مكان القيام. وقتادة والأعرج بضمها وهو مكان الإقامة. والمراد ب «الكَرِيم» : الحسن.
قال المفسرون: هي مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع.
وقيل: المواضع التي كانوا [يتنعمون فيها] .
قوله: «كَذَلِكَ» . فيه ثلاثة أوجه: قال الزمخشري: يحتمل ثلاثة أوجه: النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه والجر على أنه وصف ل «مَقَام» أي: ومقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك. قال أبو حيان: فالوجه الأول لا يسوغ، لأنه يؤول إلى تشبيه الشيء بنفسه، وكذلك الوجه الثاني؛ لأن المقام الذي كان لهم هو المقام الكريم، فلا يشبه الشيء بنفسه. قال شهاب الدين: وليس في ذلك تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن المراد في اأول: أخرجناهم إخراجاً مثل الإخراج المعروف المشهور، وكذلك الثاني.
قوله: «وَأَوْرَثْنَاها» عطف على «فَأَخْرَجْنَاهُمْ» أي: وأورثناها بهلاكهم بني إسرائيل وذلك أن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصل بعدما أغرق فرعون وقومه وأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن.
قوله: «فَأَتْبَعُوهُمْ» . قرأ لعامة بقطع الهمزة من «أَتْبعه» أي: ألحقه نفسه، فحذف الثاني. وقيل: يقال: أَتْبعه بمعنى «اتبعه» بوصل الهمزة، أي: لحقه.
وقرأ الحسن والحارث الذَّمَّارِيّ بوصلها وتشديد التاء، وهي بمعنى اللحاق.
وقوله: «مُشْرِقِينَ» أي: داخلين في وقت الشروق من: شَرَقت الشمس شروقاً: إذا طلعت ك «أصبح، وأمسى» : إذا دخل في هذين الوقتين. وقيل: داخلين نحو المشرق ك «أَنْجَد، وأَتْهَم» . و «مُشْرِقِين» منصوب على الحال، والظاهر أنه من الفاعل. وقيل: «مُشْرِقِين» بمعنى: مضيئين. وفي التفسير: أنّ بني إسرائيل كانوا في نور، والقبط في ظلمة، فعلى هذا يكون «مُشْرِقِين» حالاً من المفعول. قال شهاب الدين: وعندي أنه يجوز أن يكون حالاً من الفاعل والمفعول إذا جعلنا «مُشْرِقِين» : داخلين في وقت الشروق، أو في مكان المشرق، لأن كلاً من القبيلين كان داخلاً في ذلك الزمان، أو في ذلك المكان.
قوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان﴾ أي: تقابلا ورأى بعضهما بعضاً. قرأ العامة: «تَرَاءَى» بتحقيق الهمزة. وابن وثاب والأعمش من غير همزة، بأن تكون الهمزة مخففة بين بين، لا بالإبدال المحض، لئلا يجتمع ثلاث ألفات، الأولى الزائدة بعد الراء، والثانية المبدلة من الهمزة، والثالثة لام الكلمة، لكن الثالثة لا تثبت وصلاً لحذفها لالتقاء الساكين، ثم اختلف القراء في إمالة هذا الحرف فنقول: هذا الحرف إما أن يوقف عليه أو لا، فإن وقف عليه فحمزة يميل ألفه الأخيرة؛ لأنها طرف منقبلة عن ياء.
ومن ضرورة إمالتها إمالة فتحة الهمزة المسهلة، لأنه إذا وقف على مثل هذه سهلها على مقتضى مذهب، وأمال الألف الأولى إتباعاً لإمالة فتحة الهمزة. ومن شرورة إمالتها إمالة فتحة الراء قبلها، وهذا هو الإمالة لإمالة. وغيره من القراء لا يميل شيئاً من ذلك. وقياس مذهب الكسائي أن يميل الألف الأخيرة، وفتحة الهمزة قبلها، وكذا نقله ابن الباذش عنه وعن حمزة.
وإن وصل فإن الألف الأخيرة تذهب لالتقاء الساكنين، ولذهابها تذهب إمالة فتحة الهمزة، وتبقى إمالة الألف الزائدة، وإمالة فتحة الراء قبلها عنده اعتداداً بالألف المحذوفة، وعند ذلك يقال: حذف السبب وبقي المسبب؛ لأن إمالة الألف الأولى إنما كان لإمالة الألف الأخيرة [كما تقدم تقريره، وقد ذهبت الأخيرة] فكان ينبغي ألا تمال الأولى لذهاب المقتضي لذلك، ولكنه راعى المحذوف وجعله في قوة المنطوق؛ ولذا تجرأ عليه أبو حاتم فقالك وقراءة هذا الحرف بالإمالة محال. وقد تقدم في الأنعام عند «رَأَى القَمَرَ» و «رَأَى الشَّمْسَ» ما يشبه هذا العمل.
قوله: «لَمَدْرَكُونَ» . العامة على سكون الدال، اسم مفعول من «أَدْركَ» أي: لملحقون. وقرأ الأعرج وبيد بن عمرو بفتح الدال مشددة وكسر الراء.
قال الزمخشري: المعنى: متتابعون في الهلاك على أيديهم، ومنه بيت الحماسة:
3909 - أَبَعْدَ بَنِي أُمِّي الَّذِينَ تَتَابَعُوا ... أُرَجِّي الحَيَاةَ أَمْ مِنَ المَوْتِ أَجْزَعُ
يعني: أن «ادَّرَك» على «افتعل» لازم بمعنى فني واضمحلّ، يقال: ادَّرَكَ الشيء يدَّرك فهو مدَّرَك، أي: فني متتابعا، ولذلك كسرت الراء. وممن نص على كسرها أبو الفضل الرازي، قال: «وقد يكون» ادَّرَك «على» افتعل «بمعنى» أفعل «متعدياً، ولو كانت القراءة من هذا لوجب فتح الراء ولم يبلغني عنهما - يعني: عن الأعرج وعبيد - إلا الكسر» .
فصل
المعنى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان﴾ ، أي: رأى كل فريق صاحبه.
وقرىء ﴿فَلَمَّا تَرَاءْتِ الفِئَتَانِ﴾ قال أصحاب موسى: «إنَّا [لَمُدْرَكُونَ» أي] لَمُلْحَقُون، وقالوا: يا موسى ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾ [الأعراف: 129] كانوا يذبحون أبناءنا، ﴿وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: 129] يدركوننا في هذه الساعة فيقتلوننا، ولا طاقة لنا بهم، فعند ذلك قال موسى ثقة بوعد الله إياه «كَلاَ» وذلك كالمنع مما توهموه، أي: لن يدركونا ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يدلني على طريق النجاة.
الشعراء 26:56
قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بعبادي﴾ . قرىء «أَسْرِ» بقطع الهمزة ووصلها.
لما ظهر من أمر موسى - عليه السلام - ما شاهدوه أمره الله أن يخرج ببني إسرائيل، لما كان في المعلوم من تدبير الله وتخليصه من القوم وتمليكه بلادهم وأموالهم، ولم يأمن. وقد جرت تلك الغلبة الظاهرة أن يقع في فرعون ببني إسرائيل ما يؤدي إلى الاستئصال، فلذلك أمره الله تعالى أن يسري ببني إسرائيل، وهم الذين آمنوا، وكانوا من قوم موسى - عليه السلام -. واعلم أن في الكلام حذفاً، وهو أنه أسرى بهم كما امره الله تعالى، ثم إن قوم موسى قالوا لقوم فرعون: «إن لنا في هذه الليلة عيدا» ، ثم استعاروا منهم حليهم بهذا السبب، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر، فلما سمع فرعون ذلك أرسل في المدائن حاشرين يحشرون الناس، يعني الشُّرط ليجمعوا السحرة. وقيل: ليجمعوا له الجيش روي أنه كان له ألف مدينة واثنا عشر ألف قرية. و «حَاشِرِينَ» مفعول «أَرْسَلَ» ثم إنه قوى نفسه ونفس قومه بأن وصف قوم موسى بالذم، ووصف قوم نفسه بالمدح، أما وصفه قوم موسى - عليه السلام - بالذم، فقال: ﴿إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ﴾ [معمول لقوم مضمر] أي: قال: إنَّ هؤلاء، وهذا القول يجوز أن يكون حالاً، أي: أرسلهم قائلاً ذلك، ويجوز أن يكون مفسراً ل «أَرْسَلَ» . والشِّرْذِمَةُ: الطائفة من الناس وقيل: كل بقية من شيء خسيس يقال لها: شرذمة. ويقال: ثوب شراذم، أي: أخلاق، قال:
3903 - جَاءَ الشِّتَاءُ وَقَمِيصِي أَخْلاقْ ... شَرَاذِمُ تَضْحَكُ مِنْهُ الخُلاقْ
وأنشد أبو عبيدة:
3904 - في شراذم النعال ... وجمع الشرذمة: شراذم، فذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلاً بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلاً، واختار جمع السلامة الذي هو جمع القلة.
ويجوز أن يريد بالقلة: الذلة، لا قلة العدو، أي: إنهم لقلتهم لا يبالى بهم.
قال ابن عباس: كان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف مقاتل لا شاب فيهم دون عشرين سنة، ولا شيخ يوفي على الستين سوى الحشم، وفرعون يقللهم لكثرة من معه. وهذا الوصف قد استعمل في الكثير عند الإضافة إلى ما هو أكثر منه، فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حسان وفي عسكره على لون فرسه ثمانمائة ألف.
قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ﴾ . يقال: غَاظَهُ وَأَغَظَهُ وَغَيَّظَهُ: غذا أغضبه. والغيظ، الغضب. والمعنى: أنهم يفعلون أفعالاً تغيظنا. واختلفوا في تلك الأفعال. فقل: أخذهم الحليّ وغيره. وقيل: خروجهم عن عبوديته. وقيل: خروجهم بغير إذنه، وقيل: مخالفتهم له في الدين.
وقيل: لأنهم لم يتخذوا فرعون إلهاً.
وأما وصفه قومه فهو قوله: ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ . قرأ الكوفيون وابن ذكوان: «حاذرون» بألف. والباقون: «حذرون» بدونها. فقال أبو عبيدة والزجاج: هما بمعنى واحد، يقال: رجل حذر وحاذر بمعنى.
وقيل: بل بينهما فرق، فالحذر: المتيقظ. والحاذر: الخائف. وقيل: الحذر: المخلوق مجبولاً على الحذر. والحاذر: ما عرض له ذلك.
وقيل: الحذر: المتسلح الذي له شوكة سلاح، وأنشد سيبويه في إعمال «حَذِر» على أنه مثال مبالغة محول من حاذر قوله:
3905 - حَذِرٌ أُمُوراً لاَ تَضِيرُ وَآمِنٌ ... مَا لَيْسَ مُنْجِيهِ مِنَ الأَقْدَارِ وزعم بعضهم أن سيبويه لمَّا سأله: هل يحفظ شيئاً في إعمال «فَعِل» ؟ صنع له هذا البيت، فعيب على سيبويه: كيف يأخذ الشواهد الموضوعة؟
وهذا غلط، فإن هذا الشخص قد أقر على نفسه بالكذب، فلا يقدح قوله في سيبويه. والذي ادعى انه صنع البيت هو الأخفش. و «حَذِر» يتعدى بنفسه، قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الآخرة﴾ [الزمر: 9] ، وقال العباس بن مرداس:
3906 - ... - وَإِنِّي حَاذِرٌ أَنْمِي سِلاَحِي
إلَى أَوْصَالش ذَيَّالٍ مَنِيع ... وقرأ ابن السميفع وابن أبي عمار: «حَادِرُونَ» بالدال المهملة من قولهم عين حدرة، أي: عظيمة، كقولهم:
3907 - وَعَيْنٌ لَهَا حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... والمعنى: عظيماً. وقيل: الحادر: القوي الممتلىء، وحكي: رجل حادر، أي: ممتلىء غيظاً، ورجل حادر، أي: أحمق، كأنه ممتلىء من الحمق قال:
3908 - أُحِبُّ الغُلاَمَ السُّوءَ مِنْ أَجْلِ أُمِّه ... وَأَبْغَضُهُ مِنْ بَغْضِهَا وَهْوَ حَادِرُ
ويقال أيضاً رجل [حَدُرٌ بزنة يقط مبالغة في (حادر) من هذا المعنى، فصار يقال] حَذِر وحَذُر وحَاذِرِ بالذال المعجمة والمهملة والمعنى مختلف.
واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهو اسم الفاعل واسم المفعول كالضارب والمضروب أفادت الحديث. وإذا لم تكن كذلك وهي المشبهة [أفادت الثبوت. فمن قرأ «حَذِرُونَ» ] ذهب إلى معنى أنا قوم من عادتنا الحذر واستعمال الحزم ومن قرأ: «حَاذِرُون» ذهب إلى معنى: إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصرنا هذا. ومن قرأ: «حَادِرُون» بالدال المهملة، فكأنه ذهب إلى نفي أصلاً، لأن الحادر هو السمين، فأراد: إنا قوم أقوياء أشداء، أو أراد: إنا شاكون في السلاح. والغرض من هذه التقادير ألا يتوهم أهل المدائن أنه منكسر من قوم موسى، أو خائف منهم.
قوله: «فَأَخْرَجْنَاهُمْ» . أي: خلقنا في قلوبهم داعية الخروج، فاستلزمت الداعية الفعل، فكان الفعل مضافاً إلى الله تعالى لا محالة.
وقوله: ﴿مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ﴾ أي: أخرجناهم من بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة. قال مجاهد: سماها كنوزاً، لأنه لم يعط حق الله منها، وما لم يعط الله منه فهو كنز وإن كان ظاهراً.
قوله: «وَمَقَامٍ» .
قرأ العامة بفتح الميم، وهو مكان القيام. وقتادة والأعرج بضمها وهو مكان الإقامة. والمراد ب «الكَرِيم» : الحسن.
قال المفسرون: هي مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع.
وقيل: المواضع التي كانوا [يتنعمون فيها] .
قوله: «كَذَلِكَ» . فيه ثلاثة أوجه: قال الزمخشري: يحتمل ثلاثة أوجه: النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه والجر على أنه وصف ل «مَقَام» أي: ومقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك. قال أبو حيان: فالوجه الأول لا يسوغ، لأنه يؤول إلى تشبيه الشيء بنفسه، وكذلك الوجه الثاني؛ لأن المقام الذي كان لهم هو المقام الكريم، فلا يشبه الشيء بنفسه. قال شهاب الدين: وليس في ذلك تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن المراد في اأول: أخرجناهم إخراجاً مثل الإخراج المعروف المشهور، وكذلك الثاني.
قوله: «وَأَوْرَثْنَاها» عطف على «فَأَخْرَجْنَاهُمْ» أي: وأورثناها بهلاكهم بني إسرائيل وذلك أن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصل بعدما أغرق فرعون وقومه وأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن.
قوله: «فَأَتْبَعُوهُمْ» . قرأ لعامة بقطع الهمزة من «أَتْبعه» أي: ألحقه نفسه، فحذف الثاني. وقيل: يقال: أَتْبعه بمعنى «اتبعه» بوصل الهمزة، أي: لحقه.
وقرأ الحسن والحارث الذَّمَّارِيّ بوصلها وتشديد التاء، وهي بمعنى اللحاق.
وقوله: «مُشْرِقِينَ» أي: داخلين في وقت الشروق من: شَرَقت الشمس شروقاً: إذا طلعت ك «أصبح، وأمسى» : إذا دخل في هذين الوقتين. وقيل: داخلين نحو المشرق ك «أَنْجَد، وأَتْهَم» . و «مُشْرِقِين» منصوب على الحال، والظاهر أنه من الفاعل. وقيل: «مُشْرِقِين» بمعنى: مضيئين. وفي التفسير: أنّ بني إسرائيل كانوا في نور، والقبط في ظلمة، فعلى هذا يكون «مُشْرِقِين» حالاً من المفعول. قال شهاب الدين: وعندي أنه يجوز أن يكون حالاً من الفاعل والمفعول إذا جعلنا «مُشْرِقِين» : داخلين في وقت الشروق، أو في مكان المشرق، لأن كلاً من القبيلين كان داخلاً في ذلك الزمان، أو في ذلك المكان.
قوله: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان﴾ أي: تقابلا ورأى بعضهما بعضاً. قرأ العامة: «تَرَاءَى» بتحقيق الهمزة. وابن وثاب والأعمش من غير همزة، بأن تكون الهمزة مخففة بين بين، لا بالإبدال المحض، لئلا يجتمع ثلاث ألفات، الأولى الزائدة بعد الراء، والثانية المبدلة من الهمزة، والثالثة لام الكلمة، لكن الثالثة لا تثبت وصلاً لحذفها لالتقاء الساكين، ثم اختلف القراء في إمالة هذا الحرف فنقول: هذا الحرف إما أن يوقف عليه أو لا، فإن وقف عليه فحمزة يميل ألفه الأخيرة؛ لأنها طرف منقبلة عن ياء.
ومن ضرورة إمالتها إمالة فتحة الهمزة المسهلة، لأنه إذا وقف على مثل هذه سهلها على مقتضى مذهب، وأمال الألف الأولى إتباعاً لإمالة فتحة الهمزة. ومن شرورة إمالتها إمالة فتحة الراء قبلها، وهذا هو الإمالة لإمالة. وغيره من القراء لا يميل شيئاً من ذلك. وقياس مذهب الكسائي أن يميل الألف الأخيرة، وفتحة الهمزة قبلها، وكذا نقله ابن الباذش عنه وعن حمزة.
وإن وصل فإن الألف الأخيرة تذهب لالتقاء الساكنين، ولذهابها تذهب إمالة فتحة الهمزة، وتبقى إمالة الألف الزائدة، وإمالة فتحة الراء قبلها عنده اعتداداً بالألف المحذوفة، وعند ذلك يقال: حذف السبب وبقي المسبب؛ لأن إمالة الألف الأولى إنما كان لإمالة الألف الأخيرة [كما تقدم تقريره، وقد ذهبت الأخيرة] فكان ينبغي ألا تمال الأولى لذهاب المقتضي لذلك، ولكنه راعى المحذوف وجعله في قوة المنطوق؛ ولذا تجرأ عليه أبو حاتم فقالك وقراءة هذا الحرف بالإمالة محال. وقد تقدم في الأنعام عند «رَأَى القَمَرَ» و «رَأَى الشَّمْسَ» ما يشبه هذا العمل.
قوله: «لَمَدْرَكُونَ» . العامة على سكون الدال، اسم مفعول من «أَدْركَ» أي: لملحقون. وقرأ الأعرج وبيد بن عمرو بفتح الدال مشددة وكسر الراء.
قال الزمخشري: المعنى: متتابعون في الهلاك على أيديهم، ومنه بيت الحماسة:
3909 - أَبَعْدَ بَنِي أُمِّي الَّذِينَ تَتَابَعُوا ... أُرَجِّي الحَيَاةَ أَمْ مِنَ المَوْتِ أَجْزَعُ
يعني: أن «ادَّرَك» على «افتعل» لازم بمعنى فني واضمحلّ، يقال: ادَّرَكَ الشيء يدَّرك فهو مدَّرَك، أي: فني متتابعا، ولذلك كسرت الراء. وممن نص على كسرها أبو الفضل الرازي، قال: «وقد يكون» ادَّرَك «على» افتعل «بمعنى» أفعل «متعدياً، ولو كانت القراءة من هذا لوجب فتح الراء ولم يبلغني عنهما - يعني: عن الأعرج وعبيد - إلا الكسر» .
فصل
المعنى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان﴾ ، أي: رأى كل فريق صاحبه.
وقرىء ﴿فَلَمَّا تَرَاءْتِ الفِئَتَانِ﴾ قال أصحاب موسى: «إنَّا [لَمُدْرَكُونَ» أي] لَمُلْحَقُون، وقالوا: يا موسى ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا﴾ [الأعراف: 129] كانوا يذبحون أبناءنا، ﴿وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: 129] يدركوننا في هذه الساعة فيقتلوننا، ولا طاقة لنا بهم، فعند ذلك قال موسى ثقة بوعد الله إياه «كَلاَ» وذلك كالمنع مما توهموه، أي: لن يدركونا ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يدلني على طريق النجاة.