Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الأحزاب 33:1 – الأحزاب 33:28
المحتويات
- الأحزاب 33:1
- الأحزاب 33:2
- الأحزاب 33:3
- الأحزاب 33:4
- الأحزاب 33:5
- الأحزاب 33:6
- الأحزاب 33:7
- الأحزاب 33:8
- الأحزاب 33:9
- الأحزاب 33:10
- الأحزاب 33:11
- الأحزاب 33:12
- الأحزاب 33:13
- الأحزاب 33:14
- الأحزاب 33:15
- الأحزاب 33:16
- الأحزاب 33:17
- الأحزاب 33:18
- الأحزاب 33:19
- الأحزاب 33:20
- الأحزاب 33:21
- الأحزاب 33:22
- الأحزاب 33:23
- الأحزاب 33:24
- الأحزاب 33:25
- الأحزاب 33:26
- الأحزاب 33:27
- الأحزاب 33:28
الأحزاب 33:1
مكية نزلت بعد آل عمران، وهي ثلاث وسبعون آية ومائتان وثمانون كلمة وخمسة آلاف وسبعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ اعلم أن الفرق ين نداء المنادى بقوله: «يَا رَجُلُ» ويايُّهَا الرَّجُل، أن قوله: «يَا رَجُل» يدل على النداء، وقوله: «يا أيها الرجل» يدل على ذلك ويُنْبِىءُ عن خطر المادى له أو غفلة المنادى فقوله: «يأيها» لا يجوز حمله على غفلة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأن قوله: «النبي» ينافي الغفلة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خبيرٌ، فلا يكون غافلاً، فيجب حمله على خَطَر الخَطْب.
فإن قيل: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمورية إذْ لا يصلح أن (يكون) يقال للجالس: اجلس وللساكت اسْكُتْ والنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان متقياً فما الوجه في قوله «اتق الله» ؟ .
فالجواب: أنه أمر (بالمدينة) بالمداومة فإنه يصح أن يقال للجالس: اجلس ههنا إلى أن يأتيك ويقال للساكت قد أصبت فاسكت تسلم أي دُمْ على ما أنت عليه، وأيضاً من جهة العقل أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه بعضهم يخاف من عقابه وبعضهم يخاف من قطع ثوابه وثالث يخاف من احتجابه فالنبي - عليه (الصلاة و) السلام لم يؤمر بالتقوى بالأول ولا بالثاني، وأما الثالث: فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا فكيف والأمور البدنية شاغلة فالآدَميُّ في الدنيا تارة مع الله والأخرى مقبل على ما لا بد منه وإن كان معه الله وإلى هذا أشار بقوله: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110] يعني برفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم فأُمِرَ بتقوى توجب استدامة الحضور، وقال المفسرون: نزلت في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن أبي (رأس المنافقين) بعد قتال أحد وقد أعطاهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قولهم الأمان على أن يكلموه فقام (معهم) عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وطُعْمَةُ بن أُبَيْرِق فقالوا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وعنده عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ارفض ذكر آلهتنا اللاتَ والعُزَّى ومَنَاةَ وقل إن لها شفاعةً لمن عبدها وندعك وربَّك فشق على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قولهم فقال عمر: يا رسول اللَّهِ ائذنْ لي في قتلهم. فقال: إني قد أعطيتهم الأمان. فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه وأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عمر أن يُخْرِجَهُمْ من المدينة فأنزل الله: ﴿ياا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ أي دُم على التقوى كما يقول ارجل لغيره وهو قائم: «قُمْ قائماً» أي اثبتْ قائماً، وقيل: الخطاب مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمراد الأمة، وقال الضحاك معناه: اتق الله ولا تَنْقُضِ العهد الذي بينك وبينهم.
قوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ أي من أهل مكة يعني أبا سفيان، وعكرمة وأبا الأعور، والمنافقين من أهل المدينة عبد الله بن أبي، وطعمة ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً (حَكِيماً﴾ بخلقه قبل أن يخلقهم حكيماً فيما دبره لهم
فإن قيل: لم خص الكافر والمنافق بالذكر مع أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ينبغي أن لا يطع أحداً غير الله؟
فالجواب من وجهين: الأول: أن ذكر الغير لا حاجة إليه لأن غيرهما لا يطلب من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الأتِّباع ولا يتوقع أن يصير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مطيعاً له بل يقصد اتباعه ولا يكون عنده إلا مطاعاً.
الثاني: أنه (تعالى) لما قال: ﴿﴾ منعه (من) طاعة الكل لأن كل من طلب من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - طاعته فهو كافر أو منافق لأن من يأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يأمر إيجاب معتقداً أنه لو لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافراً.
قوله: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ وهذا يقدر ما ذكره أولاً من أنه عليم حكيم فاتباعه واجب.
قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ وبعده ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ قرأهما أبو عمرو بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب أما الغيبة (في الأولى) فلقوله «الكافرين والمنافقين» وأما الخطاب فلقوله: «يأيها النبي» لأن المراد هو وأمته وخوطب بالجمع تعظيماً (له) كقوله:
4068 - فَإِنْ شئْتَ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وجوز أبو حيان أن يكون التفاتاً يعني (عن) الغائبين (و) الكافرين والمنافقين (وهو بعيد) وأما (الغيبة) في الثاني فلقوله ﴿إذ جاءتكم جنود﴾ وأما الخطاب فلقوله ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ . قوله: ﴿وتوكل على الله﴾ أي ثق بالله يعني إن توهمت من أحد فتوكل على الله فإنه كافيك ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ حافظاً لك، وقيل: كفيلاً برزْقكَ. قوله {مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ «نزلت في أبي يَعْمُرَ (و) جميل بن مَعْمَرٍ الفِهْرِي وكان رجلاً لبيباً حافظاً لما يسمعه فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان وكان يقول: لي قلبان أعقِلُ بكُلِّ واحد منهما أَفْضَلُ من عقل محمد فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو مَعْمَرُ فَلَقِيَهُ أبو سفيان وإحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا قال فما لك إحدى نعليك (في يدك) والأخرى في رجلك. قال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نَعْلَهُ في يده.
وقال الزُّهْرِيُّ ومقتل: هذا مَثَلٌ ضربه الله للمظاهر من امرأته والمتبنيّ ولد غيره يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان فذلك لا يكون امرأة المظاهر أمه حتى يكون لها ابناً ولا يكون ولداً واحداً من رَجُلَيْنِ. (قال الزَّمخشري) : قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي ما جعل الله لرجل قلبين كما لم يجعل لرجلين أمين ولا لابن أَبَوَيْنِ، (وقوله: {وما جعل أزواجكم اللائي» ) قرأ الكوفيونَ وابن عامر اللائي ههنا وفي سورة الطلاق بياء ساكنة بعد همزة مكسورة وهذا هو الأصل في هذا اللفظ لأنه جميع» التي «معنى وأبو عمرو والبَزِّيُّ اللائي بيان ساكنة وصلاً بعد ألف محضة في أحد وجيهيها، ولهما وجه آخر سيأتي، ووجه هذه القراءة أنهما حذفا الياء بعد الهمزة تخفيفاً ثم ابدلاً الهمزة ياء وسكناها ليصيرورتها ياء مكسوراً ما قبلها (إلاَّ أنَّ هذا ليس بقياس وإِنما القياس جعل الهمزة بين بين) .
(قال أبو علي: لا يُقْدَمُ على مثل هذا البدل إلا أن يُسْمَعَ) . قال شهاب الدين: قال أبو عمرو بن العلاء إنها لغة قُريش التي أمر الناس أن يقرءوا بها. وقال بعضهم: لم يبدلوا وإنما كتبوا فعبر عنهم القرآن بالإبدال. وليس بشيء. وقال أبو علي: «أو غير بإظهار أبي عمرو اللاَّئي يَئِسْنَ يدل على أنه يشهد ولم يبدل» وهذا غير لازم لأن البدل عارض فلذلك لم يدغم وقرأها ورش بهمزةٍ مُسَهَلَةٍ بَيْنَ بَيْنَ، وهذا الذي زعم بعضهم أنه لم يصح عنهم غيره وهو تخفيف قياس، وإذا وقفاو سكنوا الهمزة ومتى سكنوها استحال تسهيلها بين بين لزوال حركتها فتقلب ياءً لوقوعها ساكنةٌ بعد كسرة وليس (هذا) من مذهبهم تخفيفها فتقر همزة، وقرأ قُنْبُل وورش بهمزة مكسورة دون ياء حذف الياء واجتزأ عنها بالكسرة وها الخلاف بعينه جارٍ في المجادلة أيضاً والطلاق.
قوله: «تَظَاهَرُونَ» قرأ عاصمٌ تُظَاهِرُونَ بضم التاء وكسر الهاء بعد ألف، مضارع» ظَاهَرَ «وابن عامر» تَظَّاهَرون «بفتح التاء والهاء وتشديد الظاء مضارع» تَظَاهَرَ «والأصل» تَتَظَاهَرُونَ «بتاءين فأدغم. والأخوان كذلك إلا أنهما خففا الظاء والأصل أيضاً بتاءين (إلا أنهما) حذفا إحداهما، وهما طريقان في تخفيف هذا النحو إما الإدغام وإما الحذف وقد تقدم تحقيقه في نحو تَذّكر وتَذَّكَّرون مخففاً ومثقلاً وتقدم نحوه في البقرة أيضاً. والباقون» تَظَّهرُونَ «بفتح التاء والحاء (وتشديد الظاء) والهاء دون ألف، والأصل» تَتَظَهَّرُونَ «بتاءين فأدغم نحو» تذكرون «وقرأ الجميع في المجادلة كقراءتهم في قوله: ﴿والذين يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ [المجادلة: 2، 3] إلا الأخوين، فإنهما خالفا أصلهما هنا فقرءا في المجادلة بتشديد الظاء كقراءة ابن عامر.
والظهار مشتق من الظَّهْر، وأصله أن يقول الرجل لامرأته: «أنْتَ عَلَيَّ كظَهْرِ أُمِّي» وإنما لم يقرأ الأخوان بالتخفيف في المجادلة لعدم المسوِّغ له وهو الحذف؛ لأن الحذف إنما كَان لاجتماع مثلين وهما التاءان وفي المجادلة ياء من تحت وتاء مِن فوق فلم يجتمع مثلان فلا حذف فاضطر إلا الإدغام، وهذا ما قرىء به متواتراً، وقرأ ابن وثاب «تَظهَّرُونَ» بفتح التاء والظاهء مخففة وتشديد الهاء والأصل: تَتَظَهَّرُونَ مضارع «تَظَهَّر» مشدداً، فحذف إحدى التاءين، وقرأ الحسن «تُظَهِّرُونُ» بضم التاء وفتح الظاء مخففة وتشديد الهاء مكسورة مضارع «ظَهَّرَ» مشدداً وعن أبي عمرو «تَظْهَرُونَ» بفتح التاء والهاء وسكون الظاء مضارع «ظَهَرَ» مخففاً وقرأ أُبَيٌّ - وهي في مصحفه كذلك - تَتَظَهَّرُونَ - بتاءين فهذه تسع قراءات، أربعٌ متواترة، وخمسٌ شاذة، وأخذ هذه الأفعال من لفظ «الظَّهْرِ» كأخذ «لَبَّى» من التَّلْبِيَةِ، و «أفف» من أُفّ. وإنما عدي «بمن» لأنه ضمن معنى التباعد كأنه قيل: يَتَبَاعَدُونَ من نسائهم بسبب الظهار كما تقدم في البقرة في تعدية الإيلاء (بِمِنْ) .
فصل
الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أَنْتِ عَلَيَّ كظهرِ أمي، فقال الله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ نِسَاءَكُمْ اللاتي تقولون لهم هذا في التحريم كأمهاتكم ولكنه منكر وزور. وفيه كفارة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في سورة المُجَادَلَة.
قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾ (يعني) ما جعل من تبنّيتموهم أبناءكم، (نسخ) التبني، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالابن يدعوه الناس إليه ويرث ميراثه، «وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعتق زيد بن حارثة بن شراحبيل الكلبي وتبناه قبل الوحي وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب» فلما تزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - زينتب بنت جحش وكانت تحت زيدِ بن حارثة قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك فأنزل الله هذه الآية، ونسخ التبني. واعلم أن الظهار كان في الجاهلية طلاقاً حتى كان للزوج ان يتزوج بها من جديدٍ.
قوله: «ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ» مبتدأ وخبر أيْ دعاؤكم الأدعياء أبناء مجدر قول لسان من غير حقيقة، والأَدْعِيَاءُ جمع دَعِيٍّ بمعنى مَدْعُوٍّ فعيل بمعنى مفعول وأصله دَعِيوٌ فأدغم ولكن جمعه على أَدْعِيَاء غير مقيس؛ لأن «أفعلاء» إنما يكون جمعاً لفَعِيل المعتل اللام إذا كان بمعنى فاعل نحو: تَقِيّ وأَتْقِيَاء، وغَنِيّ وأَغنياء، وهذا وإن كان فعيلاً معتل اللام إلا أنه بمعنى مفعول فكان قياس جمعه على فَعْلَى كقَتِيل وقَتْلَى، وجَرِيح، وَجَرْحَى، ونظير هذه (الآية في) الشذوذ، قولهم: أَسِيرٌ وأُسَرَاء، والقياس: أَسْرَى، وقد سمع فيه الأصل.
واعلم أن الله تعالى قال ههنا ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهَكُمْ﴾ وقال في قوله: ﴿وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: 30] يعني نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له ولا يخرج من قلب ولا يدخل أيضاً في قلب، فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم.
قوله: ﴿والله يَقُولُ الحق﴾ أي قوله الحق ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أي يرشد إلى سبيل الحق وهذا إشارة إلى أنه ينبغي للعاقل أن يكون قوله إما من عقل أو شرع فإذا قال: فلانٌ بنُ فلان ينبغي أن يكون عن حقيقة أو شرع بأن يكون ابنه شرعاً وإن لم تعلم الحقيقة كمن تزوج بامرأةٍ فولدت لِستةِ أشْهُرٍ ولداً وكانت الزوجة من قبل زوجة شخص آخر يحتمل أن يكون الولد منه فإنا نلحقه بالزوج الثاني لقيام الفراش ونقول: إنه ابنه شرعاً، وفي الدَّعِيِّ لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به لأنه لا يقول إلا الحق وهذا خلاف الحق، لأن أباه مشهور ظاهر وأشار فيه من وجه آخر إلى أن قولهم هذه زوجة الابن فتحرم فقال الله هي لك حلال فقولهم لا اعتبار له لأنه بأفواههم كأصوات البهائم وقوله الحقّ فيجب اتباعه وهو يهدي السبيل فيجب اتباعه لكونه حقاً ولكونه هادياً.
قوله: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ﴾ (أي الذين ولدوهم ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ أي أعدل قال عبد الله بن عِمران زيد بن حارثة مولى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ادْعُوْهُمْ لآبائهم هو أقسط عند) الله. واعلم أن قوله: هو أقسط أي دعاؤهم لآبائهم فهو مصدر قَاصِرٌ لدلالة فعله عليه كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8] قال ابن الخطيب وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ترك الإضافة للعموم أي اعدلوا كل كلام كقولك الله أكبر.
الثاني: أن يكون ما تقدم مَنْوِيّاً كأنه (قال) : ذلك أقسط من قولكم هو ابن فلان ثم تمم الإرشاد فقال: ﴿فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين﴾ أي قولوا لهم إخواننا فإن كانوا مُجَرَّدِينَ فقولوا موالي فلان ثم قال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي قبل النهي فنسبتموه إلى غيره.
قوله: ﴿ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يجوز في «ما» وجهان:
أحدهما: أن تكون مجرورة المحل عطف على ( «ما» ) المجرورة قبلها بفي، والتقدير: ولكن الجناح فيما تعمدته.
الثاني: أنها مرفوعة المحل بالابتدءا والخبر محذوف، تقديره تؤاخذون به أو عليكم في الجُنَاح ونحوه.
قوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ المغفرة هي أن يستر القادر قَبِيحَ مَنْ تَحْتِ قدرته حتى أنَّ العبد إذا ستر عيب سيده مخافةَ عقابه لا يقال غفر له والرحمة هي أن يميل بالإحسان إلى المرحوم لعجز المرحوم لا لعوض فإن من مال إلى إنسان قادر كالسلطان لا يقال رحمه وكذلك من أحسن إلى غيره رجاءً في خيره أو عوضاً عما صدر منه آنفاً من الإحسان لا يقال: رحمه إذا علم هذه فالمغفرة إذا ذكرت قبل الرحمة يكون معناها أنه ستر عيبه ثم رآه مفلِساً عاجزاً فرحمه وأعطاه، وإذا ذكرت المغفرة بعد الرحمة وهو قليل يكون معناها أنه مال إليه لعجزه فترك عقابه (ولم) يقتصر عليه بل ستر ذنوبه.
الأحزاب 33:2
مكية نزلت بعد آل عمران، وهي ثلاث وسبعون آية ومائتان وثمانون كلمة وخمسة آلاف وسبعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ اعلم أن الفرق ين نداء المنادى بقوله: «يَا رَجُلُ» ويايُّهَا الرَّجُل، أن قوله: «يَا رَجُل» يدل على النداء، وقوله: «يا أيها الرجل» يدل على ذلك ويُنْبِىءُ عن خطر المادى له أو غفلة المنادى فقوله: «يأيها» لا يجوز حمله على غفلة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأن قوله: «النبي» ينافي الغفلة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خبيرٌ، فلا يكون غافلاً، فيجب حمله على خَطَر الخَطْب.
فإن قيل: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمورية إذْ لا يصلح أن (يكون) يقال للجالس: اجلس وللساكت اسْكُتْ والنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان متقياً فما الوجه في قوله «اتق الله» ؟ .
فالجواب: أنه أمر (بالمدينة) بالمداومة فإنه يصح أن يقال للجالس: اجلس ههنا إلى أن يأتيك ويقال للساكت قد أصبت فاسكت تسلم أي دُمْ على ما أنت عليه، وأيضاً من جهة العقل أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه بعضهم يخاف من عقابه وبعضهم يخاف من قطع ثوابه وثالث يخاف من احتجابه فالنبي - عليه (الصلاة و) السلام لم يؤمر بالتقوى بالأول ولا بالثاني، وأما الثالث: فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا فكيف والأمور البدنية شاغلة فالآدَميُّ في الدنيا تارة مع الله والأخرى مقبل على ما لا بد منه وإن كان معه الله وإلى هذا أشار بقوله: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110] يعني برفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم فأُمِرَ بتقوى توجب استدامة الحضور، وقال المفسرون: نزلت في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن أبي (رأس المنافقين) بعد قتال أحد وقد أعطاهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قولهم الأمان على أن يكلموه فقام (معهم) عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وطُعْمَةُ بن أُبَيْرِق فقالوا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وعنده عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ارفض ذكر آلهتنا اللاتَ والعُزَّى ومَنَاةَ وقل إن لها شفاعةً لمن عبدها وندعك وربَّك فشق على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قولهم فقال عمر: يا رسول اللَّهِ ائذنْ لي في قتلهم. فقال: إني قد أعطيتهم الأمان. فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه وأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عمر أن يُخْرِجَهُمْ من المدينة فأنزل الله: ﴿ياا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ أي دُم على التقوى كما يقول ارجل لغيره وهو قائم: «قُمْ قائماً» أي اثبتْ قائماً، وقيل: الخطاب مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمراد الأمة، وقال الضحاك معناه: اتق الله ولا تَنْقُضِ العهد الذي بينك وبينهم.
قوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ أي من أهل مكة يعني أبا سفيان، وعكرمة وأبا الأعور، والمنافقين من أهل المدينة عبد الله بن أبي، وطعمة ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً (حَكِيماً﴾ بخلقه قبل أن يخلقهم حكيماً فيما دبره لهم
فإن قيل: لم خص الكافر والمنافق بالذكر مع أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ينبغي أن لا يطع أحداً غير الله؟
فالجواب من وجهين: الأول: أن ذكر الغير لا حاجة إليه لأن غيرهما لا يطلب من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الأتِّباع ولا يتوقع أن يصير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مطيعاً له بل يقصد اتباعه ولا يكون عنده إلا مطاعاً.
الثاني: أنه (تعالى) لما قال: ﴿﴾ منعه (من) طاعة الكل لأن كل من طلب من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - طاعته فهو كافر أو منافق لأن من يأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يأمر إيجاب معتقداً أنه لو لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافراً.
قوله: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ وهذا يقدر ما ذكره أولاً من أنه عليم حكيم فاتباعه واجب.
قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ وبعده ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ قرأهما أبو عمرو بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب أما الغيبة (في الأولى) فلقوله «الكافرين والمنافقين» وأما الخطاب فلقوله: «يأيها النبي» لأن المراد هو وأمته وخوطب بالجمع تعظيماً (له) كقوله:
4068 - فَإِنْ شئْتَ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وجوز أبو حيان أن يكون التفاتاً يعني (عن) الغائبين (و) الكافرين والمنافقين (وهو بعيد) وأما (الغيبة) في الثاني فلقوله ﴿إذ جاءتكم جنود﴾ وأما الخطاب فلقوله ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ . قوله: ﴿وتوكل على الله﴾ أي ثق بالله يعني إن توهمت من أحد فتوكل على الله فإنه كافيك ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ حافظاً لك، وقيل: كفيلاً برزْقكَ. قوله {مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ «نزلت في أبي يَعْمُرَ (و) جميل بن مَعْمَرٍ الفِهْرِي وكان رجلاً لبيباً حافظاً لما يسمعه فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان وكان يقول: لي قلبان أعقِلُ بكُلِّ واحد منهما أَفْضَلُ من عقل محمد فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو مَعْمَرُ فَلَقِيَهُ أبو سفيان وإحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا قال فما لك إحدى نعليك (في يدك) والأخرى في رجلك. قال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نَعْلَهُ في يده.
وقال الزُّهْرِيُّ ومقتل: هذا مَثَلٌ ضربه الله للمظاهر من امرأته والمتبنيّ ولد غيره يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان فذلك لا يكون امرأة المظاهر أمه حتى يكون لها ابناً ولا يكون ولداً واحداً من رَجُلَيْنِ. (قال الزَّمخشري) : قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي ما جعل الله لرجل قلبين كما لم يجعل لرجلين أمين ولا لابن أَبَوَيْنِ، (وقوله: {وما جعل أزواجكم اللائي» ) قرأ الكوفيونَ وابن عامر اللائي ههنا وفي سورة الطلاق بياء ساكنة بعد همزة مكسورة وهذا هو الأصل في هذا اللفظ لأنه جميع» التي «معنى وأبو عمرو والبَزِّيُّ اللائي بيان ساكنة وصلاً بعد ألف محضة في أحد وجيهيها، ولهما وجه آخر سيأتي، ووجه هذه القراءة أنهما حذفا الياء بعد الهمزة تخفيفاً ثم ابدلاً الهمزة ياء وسكناها ليصيرورتها ياء مكسوراً ما قبلها (إلاَّ أنَّ هذا ليس بقياس وإِنما القياس جعل الهمزة بين بين) .
(قال أبو علي: لا يُقْدَمُ على مثل هذا البدل إلا أن يُسْمَعَ) . قال شهاب الدين: قال أبو عمرو بن العلاء إنها لغة قُريش التي أمر الناس أن يقرءوا بها. وقال بعضهم: لم يبدلوا وإنما كتبوا فعبر عنهم القرآن بالإبدال. وليس بشيء. وقال أبو علي: «أو غير بإظهار أبي عمرو اللاَّئي يَئِسْنَ يدل على أنه يشهد ولم يبدل» وهذا غير لازم لأن البدل عارض فلذلك لم يدغم وقرأها ورش بهمزةٍ مُسَهَلَةٍ بَيْنَ بَيْنَ، وهذا الذي زعم بعضهم أنه لم يصح عنهم غيره وهو تخفيف قياس، وإذا وقفاو سكنوا الهمزة ومتى سكنوها استحال تسهيلها بين بين لزوال حركتها فتقلب ياءً لوقوعها ساكنةٌ بعد كسرة وليس (هذا) من مذهبهم تخفيفها فتقر همزة، وقرأ قُنْبُل وورش بهمزة مكسورة دون ياء حذف الياء واجتزأ عنها بالكسرة وها الخلاف بعينه جارٍ في المجادلة أيضاً والطلاق.
قوله: «تَظَاهَرُونَ» قرأ عاصمٌ تُظَاهِرُونَ بضم التاء وكسر الهاء بعد ألف، مضارع» ظَاهَرَ «وابن عامر» تَظَّاهَرون «بفتح التاء والهاء وتشديد الظاء مضارع» تَظَاهَرَ «والأصل» تَتَظَاهَرُونَ «بتاءين فأدغم. والأخوان كذلك إلا أنهما خففا الظاء والأصل أيضاً بتاءين (إلا أنهما) حذفا إحداهما، وهما طريقان في تخفيف هذا النحو إما الإدغام وإما الحذف وقد تقدم تحقيقه في نحو تَذّكر وتَذَّكَّرون مخففاً ومثقلاً وتقدم نحوه في البقرة أيضاً. والباقون» تَظَّهرُونَ «بفتح التاء والحاء (وتشديد الظاء) والهاء دون ألف، والأصل» تَتَظَهَّرُونَ «بتاءين فأدغم نحو» تذكرون «وقرأ الجميع في المجادلة كقراءتهم في قوله: ﴿والذين يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ [المجادلة: 2، 3] إلا الأخوين، فإنهما خالفا أصلهما هنا فقرءا في المجادلة بتشديد الظاء كقراءة ابن عامر.
والظهار مشتق من الظَّهْر، وأصله أن يقول الرجل لامرأته: «أنْتَ عَلَيَّ كظَهْرِ أُمِّي» وإنما لم يقرأ الأخوان بالتخفيف في المجادلة لعدم المسوِّغ له وهو الحذف؛ لأن الحذف إنما كَان لاجتماع مثلين وهما التاءان وفي المجادلة ياء من تحت وتاء مِن فوق فلم يجتمع مثلان فلا حذف فاضطر إلا الإدغام، وهذا ما قرىء به متواتراً، وقرأ ابن وثاب «تَظهَّرُونَ» بفتح التاء والظاهء مخففة وتشديد الهاء والأصل: تَتَظَهَّرُونَ مضارع «تَظَهَّر» مشدداً، فحذف إحدى التاءين، وقرأ الحسن «تُظَهِّرُونُ» بضم التاء وفتح الظاء مخففة وتشديد الهاء مكسورة مضارع «ظَهَّرَ» مشدداً وعن أبي عمرو «تَظْهَرُونَ» بفتح التاء والهاء وسكون الظاء مضارع «ظَهَرَ» مخففاً وقرأ أُبَيٌّ - وهي في مصحفه كذلك - تَتَظَهَّرُونَ - بتاءين فهذه تسع قراءات، أربعٌ متواترة، وخمسٌ شاذة، وأخذ هذه الأفعال من لفظ «الظَّهْرِ» كأخذ «لَبَّى» من التَّلْبِيَةِ، و «أفف» من أُفّ. وإنما عدي «بمن» لأنه ضمن معنى التباعد كأنه قيل: يَتَبَاعَدُونَ من نسائهم بسبب الظهار كما تقدم في البقرة في تعدية الإيلاء (بِمِنْ) .
فصل
الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أَنْتِ عَلَيَّ كظهرِ أمي، فقال الله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ نِسَاءَكُمْ اللاتي تقولون لهم هذا في التحريم كأمهاتكم ولكنه منكر وزور. وفيه كفارة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في سورة المُجَادَلَة.
قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾ (يعني) ما جعل من تبنّيتموهم أبناءكم، (نسخ) التبني، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالابن يدعوه الناس إليه ويرث ميراثه، «وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعتق زيد بن حارثة بن شراحبيل الكلبي وتبناه قبل الوحي وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب» فلما تزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - زينتب بنت جحش وكانت تحت زيدِ بن حارثة قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك فأنزل الله هذه الآية، ونسخ التبني. واعلم أن الظهار كان في الجاهلية طلاقاً حتى كان للزوج ان يتزوج بها من جديدٍ.
قوله: «ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ» مبتدأ وخبر أيْ دعاؤكم الأدعياء أبناء مجدر قول لسان من غير حقيقة، والأَدْعِيَاءُ جمع دَعِيٍّ بمعنى مَدْعُوٍّ فعيل بمعنى مفعول وأصله دَعِيوٌ فأدغم ولكن جمعه على أَدْعِيَاء غير مقيس؛ لأن «أفعلاء» إنما يكون جمعاً لفَعِيل المعتل اللام إذا كان بمعنى فاعل نحو: تَقِيّ وأَتْقِيَاء، وغَنِيّ وأَغنياء، وهذا وإن كان فعيلاً معتل اللام إلا أنه بمعنى مفعول فكان قياس جمعه على فَعْلَى كقَتِيل وقَتْلَى، وجَرِيح، وَجَرْحَى، ونظير هذه (الآية في) الشذوذ، قولهم: أَسِيرٌ وأُسَرَاء، والقياس: أَسْرَى، وقد سمع فيه الأصل.
واعلم أن الله تعالى قال ههنا ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهَكُمْ﴾ وقال في قوله: ﴿وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: 30] يعني نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له ولا يخرج من قلب ولا يدخل أيضاً في قلب، فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم.
قوله: ﴿والله يَقُولُ الحق﴾ أي قوله الحق ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أي يرشد إلى سبيل الحق وهذا إشارة إلى أنه ينبغي للعاقل أن يكون قوله إما من عقل أو شرع فإذا قال: فلانٌ بنُ فلان ينبغي أن يكون عن حقيقة أو شرع بأن يكون ابنه شرعاً وإن لم تعلم الحقيقة كمن تزوج بامرأةٍ فولدت لِستةِ أشْهُرٍ ولداً وكانت الزوجة من قبل زوجة شخص آخر يحتمل أن يكون الولد منه فإنا نلحقه بالزوج الثاني لقيام الفراش ونقول: إنه ابنه شرعاً، وفي الدَّعِيِّ لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به لأنه لا يقول إلا الحق وهذا خلاف الحق، لأن أباه مشهور ظاهر وأشار فيه من وجه آخر إلى أن قولهم هذه زوجة الابن فتحرم فقال الله هي لك حلال فقولهم لا اعتبار له لأنه بأفواههم كأصوات البهائم وقوله الحقّ فيجب اتباعه وهو يهدي السبيل فيجب اتباعه لكونه حقاً ولكونه هادياً.
قوله: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ﴾ (أي الذين ولدوهم ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ أي أعدل قال عبد الله بن عِمران زيد بن حارثة مولى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ادْعُوْهُمْ لآبائهم هو أقسط عند) الله. واعلم أن قوله: هو أقسط أي دعاؤهم لآبائهم فهو مصدر قَاصِرٌ لدلالة فعله عليه كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8] قال ابن الخطيب وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ترك الإضافة للعموم أي اعدلوا كل كلام كقولك الله أكبر.
الثاني: أن يكون ما تقدم مَنْوِيّاً كأنه (قال) : ذلك أقسط من قولكم هو ابن فلان ثم تمم الإرشاد فقال: ﴿فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين﴾ أي قولوا لهم إخواننا فإن كانوا مُجَرَّدِينَ فقولوا موالي فلان ثم قال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي قبل النهي فنسبتموه إلى غيره.
قوله: ﴿ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يجوز في «ما» وجهان:
أحدهما: أن تكون مجرورة المحل عطف على ( «ما» ) المجرورة قبلها بفي، والتقدير: ولكن الجناح فيما تعمدته.
الثاني: أنها مرفوعة المحل بالابتدءا والخبر محذوف، تقديره تؤاخذون به أو عليكم في الجُنَاح ونحوه.
قوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ المغفرة هي أن يستر القادر قَبِيحَ مَنْ تَحْتِ قدرته حتى أنَّ العبد إذا ستر عيب سيده مخافةَ عقابه لا يقال غفر له والرحمة هي أن يميل بالإحسان إلى المرحوم لعجز المرحوم لا لعوض فإن من مال إلى إنسان قادر كالسلطان لا يقال رحمه وكذلك من أحسن إلى غيره رجاءً في خيره أو عوضاً عما صدر منه آنفاً من الإحسان لا يقال: رحمه إذا علم هذه فالمغفرة إذا ذكرت قبل الرحمة يكون معناها أنه ستر عيبه ثم رآه مفلِساً عاجزاً فرحمه وأعطاه، وإذا ذكرت المغفرة بعد الرحمة وهو قليل يكون معناها أنه مال إليه لعجزه فترك عقابه (ولم) يقتصر عليه بل ستر ذنوبه.
الأحزاب 33:3
مكية نزلت بعد آل عمران، وهي ثلاث وسبعون آية ومائتان وثمانون كلمة وخمسة آلاف وسبعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ اعلم أن الفرق ين نداء المنادى بقوله: «يَا رَجُلُ» ويايُّهَا الرَّجُل، أن قوله: «يَا رَجُل» يدل على النداء، وقوله: «يا أيها الرجل» يدل على ذلك ويُنْبِىءُ عن خطر المادى له أو غفلة المنادى فقوله: «يأيها» لا يجوز حمله على غفلة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأن قوله: «النبي» ينافي الغفلة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خبيرٌ، فلا يكون غافلاً، فيجب حمله على خَطَر الخَطْب.
فإن قيل: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمورية إذْ لا يصلح أن (يكون) يقال للجالس: اجلس وللساكت اسْكُتْ والنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان متقياً فما الوجه في قوله «اتق الله» ؟ .
فالجواب: أنه أمر (بالمدينة) بالمداومة فإنه يصح أن يقال للجالس: اجلس ههنا إلى أن يأتيك ويقال للساكت قد أصبت فاسكت تسلم أي دُمْ على ما أنت عليه، وأيضاً من جهة العقل أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه بعضهم يخاف من عقابه وبعضهم يخاف من قطع ثوابه وثالث يخاف من احتجابه فالنبي - عليه (الصلاة و) السلام لم يؤمر بالتقوى بالأول ولا بالثاني، وأما الثالث: فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا فكيف والأمور البدنية شاغلة فالآدَميُّ في الدنيا تارة مع الله والأخرى مقبل على ما لا بد منه وإن كان معه الله وإلى هذا أشار بقوله: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110] يعني برفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم فأُمِرَ بتقوى توجب استدامة الحضور، وقال المفسرون: نزلت في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن أبي (رأس المنافقين) بعد قتال أحد وقد أعطاهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قولهم الأمان على أن يكلموه فقام (معهم) عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وطُعْمَةُ بن أُبَيْرِق فقالوا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وعنده عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ارفض ذكر آلهتنا اللاتَ والعُزَّى ومَنَاةَ وقل إن لها شفاعةً لمن عبدها وندعك وربَّك فشق على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قولهم فقال عمر: يا رسول اللَّهِ ائذنْ لي في قتلهم. فقال: إني قد أعطيتهم الأمان. فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه وأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عمر أن يُخْرِجَهُمْ من المدينة فأنزل الله: ﴿ياا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ أي دُم على التقوى كما يقول ارجل لغيره وهو قائم: «قُمْ قائماً» أي اثبتْ قائماً، وقيل: الخطاب مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمراد الأمة، وقال الضحاك معناه: اتق الله ولا تَنْقُضِ العهد الذي بينك وبينهم.
قوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ أي من أهل مكة يعني أبا سفيان، وعكرمة وأبا الأعور، والمنافقين من أهل المدينة عبد الله بن أبي، وطعمة ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً (حَكِيماً﴾ بخلقه قبل أن يخلقهم حكيماً فيما دبره لهم
فإن قيل: لم خص الكافر والمنافق بالذكر مع أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ينبغي أن لا يطع أحداً غير الله؟
فالجواب من وجهين: الأول: أن ذكر الغير لا حاجة إليه لأن غيرهما لا يطلب من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الأتِّباع ولا يتوقع أن يصير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مطيعاً له بل يقصد اتباعه ولا يكون عنده إلا مطاعاً.
الثاني: أنه (تعالى) لما قال: ﴿﴾ منعه (من) طاعة الكل لأن كل من طلب من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - طاعته فهو كافر أو منافق لأن من يأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يأمر إيجاب معتقداً أنه لو لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافراً.
قوله: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ وهذا يقدر ما ذكره أولاً من أنه عليم حكيم فاتباعه واجب.
قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ وبعده ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ قرأهما أبو عمرو بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب أما الغيبة (في الأولى) فلقوله «الكافرين والمنافقين» وأما الخطاب فلقوله: «يأيها النبي» لأن المراد هو وأمته وخوطب بالجمع تعظيماً (له) كقوله:
4068 - فَإِنْ شئْتَ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وجوز أبو حيان أن يكون التفاتاً يعني (عن) الغائبين (و) الكافرين والمنافقين (وهو بعيد) وأما (الغيبة) في الثاني فلقوله ﴿إذ جاءتكم جنود﴾ وأما الخطاب فلقوله ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ . قوله: ﴿وتوكل على الله﴾ أي ثق بالله يعني إن توهمت من أحد فتوكل على الله فإنه كافيك ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ حافظاً لك، وقيل: كفيلاً برزْقكَ. قوله {مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ «نزلت في أبي يَعْمُرَ (و) جميل بن مَعْمَرٍ الفِهْرِي وكان رجلاً لبيباً حافظاً لما يسمعه فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان وكان يقول: لي قلبان أعقِلُ بكُلِّ واحد منهما أَفْضَلُ من عقل محمد فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو مَعْمَرُ فَلَقِيَهُ أبو سفيان وإحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا قال فما لك إحدى نعليك (في يدك) والأخرى في رجلك. قال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نَعْلَهُ في يده.
وقال الزُّهْرِيُّ ومقتل: هذا مَثَلٌ ضربه الله للمظاهر من امرأته والمتبنيّ ولد غيره يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان فذلك لا يكون امرأة المظاهر أمه حتى يكون لها ابناً ولا يكون ولداً واحداً من رَجُلَيْنِ. (قال الزَّمخشري) : قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي ما جعل الله لرجل قلبين كما لم يجعل لرجلين أمين ولا لابن أَبَوَيْنِ، (وقوله: {وما جعل أزواجكم اللائي» ) قرأ الكوفيونَ وابن عامر اللائي ههنا وفي سورة الطلاق بياء ساكنة بعد همزة مكسورة وهذا هو الأصل في هذا اللفظ لأنه جميع» التي «معنى وأبو عمرو والبَزِّيُّ اللائي بيان ساكنة وصلاً بعد ألف محضة في أحد وجيهيها، ولهما وجه آخر سيأتي، ووجه هذه القراءة أنهما حذفا الياء بعد الهمزة تخفيفاً ثم ابدلاً الهمزة ياء وسكناها ليصيرورتها ياء مكسوراً ما قبلها (إلاَّ أنَّ هذا ليس بقياس وإِنما القياس جعل الهمزة بين بين) .
(قال أبو علي: لا يُقْدَمُ على مثل هذا البدل إلا أن يُسْمَعَ) . قال شهاب الدين: قال أبو عمرو بن العلاء إنها لغة قُريش التي أمر الناس أن يقرءوا بها. وقال بعضهم: لم يبدلوا وإنما كتبوا فعبر عنهم القرآن بالإبدال. وليس بشيء. وقال أبو علي: «أو غير بإظهار أبي عمرو اللاَّئي يَئِسْنَ يدل على أنه يشهد ولم يبدل» وهذا غير لازم لأن البدل عارض فلذلك لم يدغم وقرأها ورش بهمزةٍ مُسَهَلَةٍ بَيْنَ بَيْنَ، وهذا الذي زعم بعضهم أنه لم يصح عنهم غيره وهو تخفيف قياس، وإذا وقفاو سكنوا الهمزة ومتى سكنوها استحال تسهيلها بين بين لزوال حركتها فتقلب ياءً لوقوعها ساكنةٌ بعد كسرة وليس (هذا) من مذهبهم تخفيفها فتقر همزة، وقرأ قُنْبُل وورش بهمزة مكسورة دون ياء حذف الياء واجتزأ عنها بالكسرة وها الخلاف بعينه جارٍ في المجادلة أيضاً والطلاق.
قوله: «تَظَاهَرُونَ» قرأ عاصمٌ تُظَاهِرُونَ بضم التاء وكسر الهاء بعد ألف، مضارع» ظَاهَرَ «وابن عامر» تَظَّاهَرون «بفتح التاء والهاء وتشديد الظاء مضارع» تَظَاهَرَ «والأصل» تَتَظَاهَرُونَ «بتاءين فأدغم. والأخوان كذلك إلا أنهما خففا الظاء والأصل أيضاً بتاءين (إلا أنهما) حذفا إحداهما، وهما طريقان في تخفيف هذا النحو إما الإدغام وإما الحذف وقد تقدم تحقيقه في نحو تَذّكر وتَذَّكَّرون مخففاً ومثقلاً وتقدم نحوه في البقرة أيضاً. والباقون» تَظَّهرُونَ «بفتح التاء والحاء (وتشديد الظاء) والهاء دون ألف، والأصل» تَتَظَهَّرُونَ «بتاءين فأدغم نحو» تذكرون «وقرأ الجميع في المجادلة كقراءتهم في قوله: ﴿والذين يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ [المجادلة: 2، 3] إلا الأخوين، فإنهما خالفا أصلهما هنا فقرءا في المجادلة بتشديد الظاء كقراءة ابن عامر.
والظهار مشتق من الظَّهْر، وأصله أن يقول الرجل لامرأته: «أنْتَ عَلَيَّ كظَهْرِ أُمِّي» وإنما لم يقرأ الأخوان بالتخفيف في المجادلة لعدم المسوِّغ له وهو الحذف؛ لأن الحذف إنما كَان لاجتماع مثلين وهما التاءان وفي المجادلة ياء من تحت وتاء مِن فوق فلم يجتمع مثلان فلا حذف فاضطر إلا الإدغام، وهذا ما قرىء به متواتراً، وقرأ ابن وثاب «تَظهَّرُونَ» بفتح التاء والظاهء مخففة وتشديد الهاء والأصل: تَتَظَهَّرُونَ مضارع «تَظَهَّر» مشدداً، فحذف إحدى التاءين، وقرأ الحسن «تُظَهِّرُونُ» بضم التاء وفتح الظاء مخففة وتشديد الهاء مكسورة مضارع «ظَهَّرَ» مشدداً وعن أبي عمرو «تَظْهَرُونَ» بفتح التاء والهاء وسكون الظاء مضارع «ظَهَرَ» مخففاً وقرأ أُبَيٌّ - وهي في مصحفه كذلك - تَتَظَهَّرُونَ - بتاءين فهذه تسع قراءات، أربعٌ متواترة، وخمسٌ شاذة، وأخذ هذه الأفعال من لفظ «الظَّهْرِ» كأخذ «لَبَّى» من التَّلْبِيَةِ، و «أفف» من أُفّ. وإنما عدي «بمن» لأنه ضمن معنى التباعد كأنه قيل: يَتَبَاعَدُونَ من نسائهم بسبب الظهار كما تقدم في البقرة في تعدية الإيلاء (بِمِنْ) .
فصل
الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أَنْتِ عَلَيَّ كظهرِ أمي، فقال الله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ نِسَاءَكُمْ اللاتي تقولون لهم هذا في التحريم كأمهاتكم ولكنه منكر وزور. وفيه كفارة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في سورة المُجَادَلَة.
قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾ (يعني) ما جعل من تبنّيتموهم أبناءكم، (نسخ) التبني، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالابن يدعوه الناس إليه ويرث ميراثه، «وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعتق زيد بن حارثة بن شراحبيل الكلبي وتبناه قبل الوحي وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب» فلما تزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - زينتب بنت جحش وكانت تحت زيدِ بن حارثة قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك فأنزل الله هذه الآية، ونسخ التبني. واعلم أن الظهار كان في الجاهلية طلاقاً حتى كان للزوج ان يتزوج بها من جديدٍ.
قوله: «ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ» مبتدأ وخبر أيْ دعاؤكم الأدعياء أبناء مجدر قول لسان من غير حقيقة، والأَدْعِيَاءُ جمع دَعِيٍّ بمعنى مَدْعُوٍّ فعيل بمعنى مفعول وأصله دَعِيوٌ فأدغم ولكن جمعه على أَدْعِيَاء غير مقيس؛ لأن «أفعلاء» إنما يكون جمعاً لفَعِيل المعتل اللام إذا كان بمعنى فاعل نحو: تَقِيّ وأَتْقِيَاء، وغَنِيّ وأَغنياء، وهذا وإن كان فعيلاً معتل اللام إلا أنه بمعنى مفعول فكان قياس جمعه على فَعْلَى كقَتِيل وقَتْلَى، وجَرِيح، وَجَرْحَى، ونظير هذه (الآية في) الشذوذ، قولهم: أَسِيرٌ وأُسَرَاء، والقياس: أَسْرَى، وقد سمع فيه الأصل.
واعلم أن الله تعالى قال ههنا ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهَكُمْ﴾ وقال في قوله: ﴿وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: 30] يعني نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له ولا يخرج من قلب ولا يدخل أيضاً في قلب، فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم.
قوله: ﴿والله يَقُولُ الحق﴾ أي قوله الحق ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أي يرشد إلى سبيل الحق وهذا إشارة إلى أنه ينبغي للعاقل أن يكون قوله إما من عقل أو شرع فإذا قال: فلانٌ بنُ فلان ينبغي أن يكون عن حقيقة أو شرع بأن يكون ابنه شرعاً وإن لم تعلم الحقيقة كمن تزوج بامرأةٍ فولدت لِستةِ أشْهُرٍ ولداً وكانت الزوجة من قبل زوجة شخص آخر يحتمل أن يكون الولد منه فإنا نلحقه بالزوج الثاني لقيام الفراش ونقول: إنه ابنه شرعاً، وفي الدَّعِيِّ لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به لأنه لا يقول إلا الحق وهذا خلاف الحق، لأن أباه مشهور ظاهر وأشار فيه من وجه آخر إلى أن قولهم هذه زوجة الابن فتحرم فقال الله هي لك حلال فقولهم لا اعتبار له لأنه بأفواههم كأصوات البهائم وقوله الحقّ فيجب اتباعه وهو يهدي السبيل فيجب اتباعه لكونه حقاً ولكونه هادياً.
قوله: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ﴾ (أي الذين ولدوهم ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ أي أعدل قال عبد الله بن عِمران زيد بن حارثة مولى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ادْعُوْهُمْ لآبائهم هو أقسط عند) الله. واعلم أن قوله: هو أقسط أي دعاؤهم لآبائهم فهو مصدر قَاصِرٌ لدلالة فعله عليه كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8] قال ابن الخطيب وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ترك الإضافة للعموم أي اعدلوا كل كلام كقولك الله أكبر.
الثاني: أن يكون ما تقدم مَنْوِيّاً كأنه (قال) : ذلك أقسط من قولكم هو ابن فلان ثم تمم الإرشاد فقال: ﴿فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين﴾ أي قولوا لهم إخواننا فإن كانوا مُجَرَّدِينَ فقولوا موالي فلان ثم قال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي قبل النهي فنسبتموه إلى غيره.
قوله: ﴿ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يجوز في «ما» وجهان:
أحدهما: أن تكون مجرورة المحل عطف على ( «ما» ) المجرورة قبلها بفي، والتقدير: ولكن الجناح فيما تعمدته.
الثاني: أنها مرفوعة المحل بالابتدءا والخبر محذوف، تقديره تؤاخذون به أو عليكم في الجُنَاح ونحوه.
قوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ المغفرة هي أن يستر القادر قَبِيحَ مَنْ تَحْتِ قدرته حتى أنَّ العبد إذا ستر عيب سيده مخافةَ عقابه لا يقال غفر له والرحمة هي أن يميل بالإحسان إلى المرحوم لعجز المرحوم لا لعوض فإن من مال إلى إنسان قادر كالسلطان لا يقال رحمه وكذلك من أحسن إلى غيره رجاءً في خيره أو عوضاً عما صدر منه آنفاً من الإحسان لا يقال: رحمه إذا علم هذه فالمغفرة إذا ذكرت قبل الرحمة يكون معناها أنه ستر عيبه ثم رآه مفلِساً عاجزاً فرحمه وأعطاه، وإذا ذكرت المغفرة بعد الرحمة وهو قليل يكون معناها أنه مال إليه لعجزه فترك عقابه (ولم) يقتصر عليه بل ستر ذنوبه.
الأحزاب 33:4
مكية نزلت بعد آل عمران، وهي ثلاث وسبعون آية ومائتان وثمانون كلمة وخمسة آلاف وسبعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ اعلم أن الفرق ين نداء المنادى بقوله: «يَا رَجُلُ» ويايُّهَا الرَّجُل، أن قوله: «يَا رَجُل» يدل على النداء، وقوله: «يا أيها الرجل» يدل على ذلك ويُنْبِىءُ عن خطر المادى له أو غفلة المنادى فقوله: «يأيها» لا يجوز حمله على غفلة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأن قوله: «النبي» ينافي الغفلة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خبيرٌ، فلا يكون غافلاً، فيجب حمله على خَطَر الخَطْب.
فإن قيل: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمورية إذْ لا يصلح أن (يكون) يقال للجالس: اجلس وللساكت اسْكُتْ والنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان متقياً فما الوجه في قوله «اتق الله» ؟ .
فالجواب: أنه أمر (بالمدينة) بالمداومة فإنه يصح أن يقال للجالس: اجلس ههنا إلى أن يأتيك ويقال للساكت قد أصبت فاسكت تسلم أي دُمْ على ما أنت عليه، وأيضاً من جهة العقل أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه بعضهم يخاف من عقابه وبعضهم يخاف من قطع ثوابه وثالث يخاف من احتجابه فالنبي - عليه (الصلاة و) السلام لم يؤمر بالتقوى بالأول ولا بالثاني، وأما الثالث: فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا فكيف والأمور البدنية شاغلة فالآدَميُّ في الدنيا تارة مع الله والأخرى مقبل على ما لا بد منه وإن كان معه الله وإلى هذا أشار بقوله: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110] يعني برفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم فأُمِرَ بتقوى توجب استدامة الحضور، وقال المفسرون: نزلت في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن أبي (رأس المنافقين) بعد قتال أحد وقد أعطاهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قولهم الأمان على أن يكلموه فقام (معهم) عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وطُعْمَةُ بن أُبَيْرِق فقالوا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وعنده عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ارفض ذكر آلهتنا اللاتَ والعُزَّى ومَنَاةَ وقل إن لها شفاعةً لمن عبدها وندعك وربَّك فشق على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قولهم فقال عمر: يا رسول اللَّهِ ائذنْ لي في قتلهم. فقال: إني قد أعطيتهم الأمان. فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه وأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عمر أن يُخْرِجَهُمْ من المدينة فأنزل الله: ﴿ياا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ أي دُم على التقوى كما يقول ارجل لغيره وهو قائم: «قُمْ قائماً» أي اثبتْ قائماً، وقيل: الخطاب مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمراد الأمة، وقال الضحاك معناه: اتق الله ولا تَنْقُضِ العهد الذي بينك وبينهم.
قوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ أي من أهل مكة يعني أبا سفيان، وعكرمة وأبا الأعور، والمنافقين من أهل المدينة عبد الله بن أبي، وطعمة ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً (حَكِيماً﴾ بخلقه قبل أن يخلقهم حكيماً فيما دبره لهم
فإن قيل: لم خص الكافر والمنافق بالذكر مع أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ينبغي أن لا يطع أحداً غير الله؟
فالجواب من وجهين: الأول: أن ذكر الغير لا حاجة إليه لأن غيرهما لا يطلب من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الأتِّباع ولا يتوقع أن يصير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مطيعاً له بل يقصد اتباعه ولا يكون عنده إلا مطاعاً.
الثاني: أنه (تعالى) لما قال: ﴿﴾ منعه (من) طاعة الكل لأن كل من طلب من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - طاعته فهو كافر أو منافق لأن من يأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يأمر إيجاب معتقداً أنه لو لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافراً.
قوله: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ وهذا يقدر ما ذكره أولاً من أنه عليم حكيم فاتباعه واجب.
قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ وبعده ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ قرأهما أبو عمرو بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب أما الغيبة (في الأولى) فلقوله «الكافرين والمنافقين» وأما الخطاب فلقوله: «يأيها النبي» لأن المراد هو وأمته وخوطب بالجمع تعظيماً (له) كقوله:
4068 - فَإِنْ شئْتَ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وجوز أبو حيان أن يكون التفاتاً يعني (عن) الغائبين (و) الكافرين والمنافقين (وهو بعيد) وأما (الغيبة) في الثاني فلقوله ﴿إذ جاءتكم جنود﴾ وأما الخطاب فلقوله ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ . قوله: ﴿وتوكل على الله﴾ أي ثق بالله يعني إن توهمت من أحد فتوكل على الله فإنه كافيك ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ حافظاً لك، وقيل: كفيلاً برزْقكَ. قوله {مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ «نزلت في أبي يَعْمُرَ (و) جميل بن مَعْمَرٍ الفِهْرِي وكان رجلاً لبيباً حافظاً لما يسمعه فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان وكان يقول: لي قلبان أعقِلُ بكُلِّ واحد منهما أَفْضَلُ من عقل محمد فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو مَعْمَرُ فَلَقِيَهُ أبو سفيان وإحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا قال فما لك إحدى نعليك (في يدك) والأخرى في رجلك. قال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نَعْلَهُ في يده.
وقال الزُّهْرِيُّ ومقتل: هذا مَثَلٌ ضربه الله للمظاهر من امرأته والمتبنيّ ولد غيره يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان فذلك لا يكون امرأة المظاهر أمه حتى يكون لها ابناً ولا يكون ولداً واحداً من رَجُلَيْنِ. (قال الزَّمخشري) : قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي ما جعل الله لرجل قلبين كما لم يجعل لرجلين أمين ولا لابن أَبَوَيْنِ، (وقوله: {وما جعل أزواجكم اللائي» ) قرأ الكوفيونَ وابن عامر اللائي ههنا وفي سورة الطلاق بياء ساكنة بعد همزة مكسورة وهذا هو الأصل في هذا اللفظ لأنه جميع» التي «معنى وأبو عمرو والبَزِّيُّ اللائي بيان ساكنة وصلاً بعد ألف محضة في أحد وجيهيها، ولهما وجه آخر سيأتي، ووجه هذه القراءة أنهما حذفا الياء بعد الهمزة تخفيفاً ثم ابدلاً الهمزة ياء وسكناها ليصيرورتها ياء مكسوراً ما قبلها (إلاَّ أنَّ هذا ليس بقياس وإِنما القياس جعل الهمزة بين بين) .
(قال أبو علي: لا يُقْدَمُ على مثل هذا البدل إلا أن يُسْمَعَ) . قال شهاب الدين: قال أبو عمرو بن العلاء إنها لغة قُريش التي أمر الناس أن يقرءوا بها. وقال بعضهم: لم يبدلوا وإنما كتبوا فعبر عنهم القرآن بالإبدال. وليس بشيء. وقال أبو علي: «أو غير بإظهار أبي عمرو اللاَّئي يَئِسْنَ يدل على أنه يشهد ولم يبدل» وهذا غير لازم لأن البدل عارض فلذلك لم يدغم وقرأها ورش بهمزةٍ مُسَهَلَةٍ بَيْنَ بَيْنَ، وهذا الذي زعم بعضهم أنه لم يصح عنهم غيره وهو تخفيف قياس، وإذا وقفاو سكنوا الهمزة ومتى سكنوها استحال تسهيلها بين بين لزوال حركتها فتقلب ياءً لوقوعها ساكنةٌ بعد كسرة وليس (هذا) من مذهبهم تخفيفها فتقر همزة، وقرأ قُنْبُل وورش بهمزة مكسورة دون ياء حذف الياء واجتزأ عنها بالكسرة وها الخلاف بعينه جارٍ في المجادلة أيضاً والطلاق.
قوله: «تَظَاهَرُونَ» قرأ عاصمٌ تُظَاهِرُونَ بضم التاء وكسر الهاء بعد ألف، مضارع» ظَاهَرَ «وابن عامر» تَظَّاهَرون «بفتح التاء والهاء وتشديد الظاء مضارع» تَظَاهَرَ «والأصل» تَتَظَاهَرُونَ «بتاءين فأدغم. والأخوان كذلك إلا أنهما خففا الظاء والأصل أيضاً بتاءين (إلا أنهما) حذفا إحداهما، وهما طريقان في تخفيف هذا النحو إما الإدغام وإما الحذف وقد تقدم تحقيقه في نحو تَذّكر وتَذَّكَّرون مخففاً ومثقلاً وتقدم نحوه في البقرة أيضاً. والباقون» تَظَّهرُونَ «بفتح التاء والحاء (وتشديد الظاء) والهاء دون ألف، والأصل» تَتَظَهَّرُونَ «بتاءين فأدغم نحو» تذكرون «وقرأ الجميع في المجادلة كقراءتهم في قوله: ﴿والذين يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ [المجادلة: 2، 3] إلا الأخوين، فإنهما خالفا أصلهما هنا فقرءا في المجادلة بتشديد الظاء كقراءة ابن عامر.
والظهار مشتق من الظَّهْر، وأصله أن يقول الرجل لامرأته: «أنْتَ عَلَيَّ كظَهْرِ أُمِّي» وإنما لم يقرأ الأخوان بالتخفيف في المجادلة لعدم المسوِّغ له وهو الحذف؛ لأن الحذف إنما كَان لاجتماع مثلين وهما التاءان وفي المجادلة ياء من تحت وتاء مِن فوق فلم يجتمع مثلان فلا حذف فاضطر إلا الإدغام، وهذا ما قرىء به متواتراً، وقرأ ابن وثاب «تَظهَّرُونَ» بفتح التاء والظاهء مخففة وتشديد الهاء والأصل: تَتَظَهَّرُونَ مضارع «تَظَهَّر» مشدداً، فحذف إحدى التاءين، وقرأ الحسن «تُظَهِّرُونُ» بضم التاء وفتح الظاء مخففة وتشديد الهاء مكسورة مضارع «ظَهَّرَ» مشدداً وعن أبي عمرو «تَظْهَرُونَ» بفتح التاء والهاء وسكون الظاء مضارع «ظَهَرَ» مخففاً وقرأ أُبَيٌّ - وهي في مصحفه كذلك - تَتَظَهَّرُونَ - بتاءين فهذه تسع قراءات، أربعٌ متواترة، وخمسٌ شاذة، وأخذ هذه الأفعال من لفظ «الظَّهْرِ» كأخذ «لَبَّى» من التَّلْبِيَةِ، و «أفف» من أُفّ. وإنما عدي «بمن» لأنه ضمن معنى التباعد كأنه قيل: يَتَبَاعَدُونَ من نسائهم بسبب الظهار كما تقدم في البقرة في تعدية الإيلاء (بِمِنْ) .
فصل
الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أَنْتِ عَلَيَّ كظهرِ أمي، فقال الله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ نِسَاءَكُمْ اللاتي تقولون لهم هذا في التحريم كأمهاتكم ولكنه منكر وزور. وفيه كفارة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في سورة المُجَادَلَة.
قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾ (يعني) ما جعل من تبنّيتموهم أبناءكم، (نسخ) التبني، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالابن يدعوه الناس إليه ويرث ميراثه، «وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعتق زيد بن حارثة بن شراحبيل الكلبي وتبناه قبل الوحي وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب» فلما تزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - زينتب بنت جحش وكانت تحت زيدِ بن حارثة قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك فأنزل الله هذه الآية، ونسخ التبني. واعلم أن الظهار كان في الجاهلية طلاقاً حتى كان للزوج ان يتزوج بها من جديدٍ.
قوله: «ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ» مبتدأ وخبر أيْ دعاؤكم الأدعياء أبناء مجدر قول لسان من غير حقيقة، والأَدْعِيَاءُ جمع دَعِيٍّ بمعنى مَدْعُوٍّ فعيل بمعنى مفعول وأصله دَعِيوٌ فأدغم ولكن جمعه على أَدْعِيَاء غير مقيس؛ لأن «أفعلاء» إنما يكون جمعاً لفَعِيل المعتل اللام إذا كان بمعنى فاعل نحو: تَقِيّ وأَتْقِيَاء، وغَنِيّ وأَغنياء، وهذا وإن كان فعيلاً معتل اللام إلا أنه بمعنى مفعول فكان قياس جمعه على فَعْلَى كقَتِيل وقَتْلَى، وجَرِيح، وَجَرْحَى، ونظير هذه (الآية في) الشذوذ، قولهم: أَسِيرٌ وأُسَرَاء، والقياس: أَسْرَى، وقد سمع فيه الأصل.
واعلم أن الله تعالى قال ههنا ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهَكُمْ﴾ وقال في قوله: ﴿وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: 30] يعني نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له ولا يخرج من قلب ولا يدخل أيضاً في قلب، فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم.
قوله: ﴿والله يَقُولُ الحق﴾ أي قوله الحق ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أي يرشد إلى سبيل الحق وهذا إشارة إلى أنه ينبغي للعاقل أن يكون قوله إما من عقل أو شرع فإذا قال: فلانٌ بنُ فلان ينبغي أن يكون عن حقيقة أو شرع بأن يكون ابنه شرعاً وإن لم تعلم الحقيقة كمن تزوج بامرأةٍ فولدت لِستةِ أشْهُرٍ ولداً وكانت الزوجة من قبل زوجة شخص آخر يحتمل أن يكون الولد منه فإنا نلحقه بالزوج الثاني لقيام الفراش ونقول: إنه ابنه شرعاً، وفي الدَّعِيِّ لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به لأنه لا يقول إلا الحق وهذا خلاف الحق، لأن أباه مشهور ظاهر وأشار فيه من وجه آخر إلى أن قولهم هذه زوجة الابن فتحرم فقال الله هي لك حلال فقولهم لا اعتبار له لأنه بأفواههم كأصوات البهائم وقوله الحقّ فيجب اتباعه وهو يهدي السبيل فيجب اتباعه لكونه حقاً ولكونه هادياً.
قوله: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ﴾ (أي الذين ولدوهم ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ أي أعدل قال عبد الله بن عِمران زيد بن حارثة مولى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ادْعُوْهُمْ لآبائهم هو أقسط عند) الله. واعلم أن قوله: هو أقسط أي دعاؤهم لآبائهم فهو مصدر قَاصِرٌ لدلالة فعله عليه كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8] قال ابن الخطيب وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ترك الإضافة للعموم أي اعدلوا كل كلام كقولك الله أكبر.
الثاني: أن يكون ما تقدم مَنْوِيّاً كأنه (قال) : ذلك أقسط من قولكم هو ابن فلان ثم تمم الإرشاد فقال: ﴿فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين﴾ أي قولوا لهم إخواننا فإن كانوا مُجَرَّدِينَ فقولوا موالي فلان ثم قال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي قبل النهي فنسبتموه إلى غيره.
قوله: ﴿ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يجوز في «ما» وجهان:
أحدهما: أن تكون مجرورة المحل عطف على ( «ما» ) المجرورة قبلها بفي، والتقدير: ولكن الجناح فيما تعمدته.
الثاني: أنها مرفوعة المحل بالابتدءا والخبر محذوف، تقديره تؤاخذون به أو عليكم في الجُنَاح ونحوه.
قوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ المغفرة هي أن يستر القادر قَبِيحَ مَنْ تَحْتِ قدرته حتى أنَّ العبد إذا ستر عيب سيده مخافةَ عقابه لا يقال غفر له والرحمة هي أن يميل بالإحسان إلى المرحوم لعجز المرحوم لا لعوض فإن من مال إلى إنسان قادر كالسلطان لا يقال رحمه وكذلك من أحسن إلى غيره رجاءً في خيره أو عوضاً عما صدر منه آنفاً من الإحسان لا يقال: رحمه إذا علم هذه فالمغفرة إذا ذكرت قبل الرحمة يكون معناها أنه ستر عيبه ثم رآه مفلِساً عاجزاً فرحمه وأعطاه، وإذا ذكرت المغفرة بعد الرحمة وهو قليل يكون معناها أنه مال إليه لعجزه فترك عقابه (ولم) يقتصر عليه بل ستر ذنوبه.
الأحزاب 33:5
مكية نزلت بعد آل عمران، وهي ثلاث وسبعون آية ومائتان وثمانون كلمة وخمسة آلاف وسبعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ اعلم أن الفرق ين نداء المنادى بقوله: «يَا رَجُلُ» ويايُّهَا الرَّجُل، أن قوله: «يَا رَجُل» يدل على النداء، وقوله: «يا أيها الرجل» يدل على ذلك ويُنْبِىءُ عن خطر المادى له أو غفلة المنادى فقوله: «يأيها» لا يجوز حمله على غفلة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأن قوله: «النبي» ينافي الغفلة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خبيرٌ، فلا يكون غافلاً، فيجب حمله على خَطَر الخَطْب.
فإن قيل: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمورية إذْ لا يصلح أن (يكون) يقال للجالس: اجلس وللساكت اسْكُتْ والنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان متقياً فما الوجه في قوله «اتق الله» ؟ .
فالجواب: أنه أمر (بالمدينة) بالمداومة فإنه يصح أن يقال للجالس: اجلس ههنا إلى أن يأتيك ويقال للساكت قد أصبت فاسكت تسلم أي دُمْ على ما أنت عليه، وأيضاً من جهة العقل أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه بعضهم يخاف من عقابه وبعضهم يخاف من قطع ثوابه وثالث يخاف من احتجابه فالنبي - عليه (الصلاة و) السلام لم يؤمر بالتقوى بالأول ولا بالثاني، وأما الثالث: فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا فكيف والأمور البدنية شاغلة فالآدَميُّ في الدنيا تارة مع الله والأخرى مقبل على ما لا بد منه وإن كان معه الله وإلى هذا أشار بقوله: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110] يعني برفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم فأُمِرَ بتقوى توجب استدامة الحضور، وقال المفسرون: نزلت في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن أبي (رأس المنافقين) بعد قتال أحد وقد أعطاهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قولهم الأمان على أن يكلموه فقام (معهم) عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وطُعْمَةُ بن أُبَيْرِق فقالوا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وعنده عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ارفض ذكر آلهتنا اللاتَ والعُزَّى ومَنَاةَ وقل إن لها شفاعةً لمن عبدها وندعك وربَّك فشق على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قولهم فقال عمر: يا رسول اللَّهِ ائذنْ لي في قتلهم. فقال: إني قد أعطيتهم الأمان. فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه وأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عمر أن يُخْرِجَهُمْ من المدينة فأنزل الله: ﴿ياا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ أي دُم على التقوى كما يقول ارجل لغيره وهو قائم: «قُمْ قائماً» أي اثبتْ قائماً، وقيل: الخطاب مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمراد الأمة، وقال الضحاك معناه: اتق الله ولا تَنْقُضِ العهد الذي بينك وبينهم.
قوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ أي من أهل مكة يعني أبا سفيان، وعكرمة وأبا الأعور، والمنافقين من أهل المدينة عبد الله بن أبي، وطعمة ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً (حَكِيماً﴾ بخلقه قبل أن يخلقهم حكيماً فيما دبره لهم
فإن قيل: لم خص الكافر والمنافق بالذكر مع أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ينبغي أن لا يطع أحداً غير الله؟
فالجواب من وجهين: الأول: أن ذكر الغير لا حاجة إليه لأن غيرهما لا يطلب من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الأتِّباع ولا يتوقع أن يصير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مطيعاً له بل يقصد اتباعه ولا يكون عنده إلا مطاعاً.
الثاني: أنه (تعالى) لما قال: ﴿﴾ منعه (من) طاعة الكل لأن كل من طلب من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - طاعته فهو كافر أو منافق لأن من يأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يأمر إيجاب معتقداً أنه لو لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافراً.
قوله: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ وهذا يقدر ما ذكره أولاً من أنه عليم حكيم فاتباعه واجب.
قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ وبعده ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ قرأهما أبو عمرو بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب أما الغيبة (في الأولى) فلقوله «الكافرين والمنافقين» وأما الخطاب فلقوله: «يأيها النبي» لأن المراد هو وأمته وخوطب بالجمع تعظيماً (له) كقوله:
4068 - فَإِنْ شئْتَ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وجوز أبو حيان أن يكون التفاتاً يعني (عن) الغائبين (و) الكافرين والمنافقين (وهو بعيد) وأما (الغيبة) في الثاني فلقوله ﴿إذ جاءتكم جنود﴾ وأما الخطاب فلقوله ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ . قوله: ﴿وتوكل على الله﴾ أي ثق بالله يعني إن توهمت من أحد فتوكل على الله فإنه كافيك ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ حافظاً لك، وقيل: كفيلاً برزْقكَ. قوله {مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ «نزلت في أبي يَعْمُرَ (و) جميل بن مَعْمَرٍ الفِهْرِي وكان رجلاً لبيباً حافظاً لما يسمعه فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان وكان يقول: لي قلبان أعقِلُ بكُلِّ واحد منهما أَفْضَلُ من عقل محمد فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو مَعْمَرُ فَلَقِيَهُ أبو سفيان وإحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا قال فما لك إحدى نعليك (في يدك) والأخرى في رجلك. قال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نَعْلَهُ في يده.
وقال الزُّهْرِيُّ ومقتل: هذا مَثَلٌ ضربه الله للمظاهر من امرأته والمتبنيّ ولد غيره يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان فذلك لا يكون امرأة المظاهر أمه حتى يكون لها ابناً ولا يكون ولداً واحداً من رَجُلَيْنِ. (قال الزَّمخشري) : قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي ما جعل الله لرجل قلبين كما لم يجعل لرجلين أمين ولا لابن أَبَوَيْنِ، (وقوله: {وما جعل أزواجكم اللائي» ) قرأ الكوفيونَ وابن عامر اللائي ههنا وفي سورة الطلاق بياء ساكنة بعد همزة مكسورة وهذا هو الأصل في هذا اللفظ لأنه جميع» التي «معنى وأبو عمرو والبَزِّيُّ اللائي بيان ساكنة وصلاً بعد ألف محضة في أحد وجيهيها، ولهما وجه آخر سيأتي، ووجه هذه القراءة أنهما حذفا الياء بعد الهمزة تخفيفاً ثم ابدلاً الهمزة ياء وسكناها ليصيرورتها ياء مكسوراً ما قبلها (إلاَّ أنَّ هذا ليس بقياس وإِنما القياس جعل الهمزة بين بين) .
(قال أبو علي: لا يُقْدَمُ على مثل هذا البدل إلا أن يُسْمَعَ) . قال شهاب الدين: قال أبو عمرو بن العلاء إنها لغة قُريش التي أمر الناس أن يقرءوا بها. وقال بعضهم: لم يبدلوا وإنما كتبوا فعبر عنهم القرآن بالإبدال. وليس بشيء. وقال أبو علي: «أو غير بإظهار أبي عمرو اللاَّئي يَئِسْنَ يدل على أنه يشهد ولم يبدل» وهذا غير لازم لأن البدل عارض فلذلك لم يدغم وقرأها ورش بهمزةٍ مُسَهَلَةٍ بَيْنَ بَيْنَ، وهذا الذي زعم بعضهم أنه لم يصح عنهم غيره وهو تخفيف قياس، وإذا وقفاو سكنوا الهمزة ومتى سكنوها استحال تسهيلها بين بين لزوال حركتها فتقلب ياءً لوقوعها ساكنةٌ بعد كسرة وليس (هذا) من مذهبهم تخفيفها فتقر همزة، وقرأ قُنْبُل وورش بهمزة مكسورة دون ياء حذف الياء واجتزأ عنها بالكسرة وها الخلاف بعينه جارٍ في المجادلة أيضاً والطلاق.
قوله: «تَظَاهَرُونَ» قرأ عاصمٌ تُظَاهِرُونَ بضم التاء وكسر الهاء بعد ألف، مضارع» ظَاهَرَ «وابن عامر» تَظَّاهَرون «بفتح التاء والهاء وتشديد الظاء مضارع» تَظَاهَرَ «والأصل» تَتَظَاهَرُونَ «بتاءين فأدغم. والأخوان كذلك إلا أنهما خففا الظاء والأصل أيضاً بتاءين (إلا أنهما) حذفا إحداهما، وهما طريقان في تخفيف هذا النحو إما الإدغام وإما الحذف وقد تقدم تحقيقه في نحو تَذّكر وتَذَّكَّرون مخففاً ومثقلاً وتقدم نحوه في البقرة أيضاً. والباقون» تَظَّهرُونَ «بفتح التاء والحاء (وتشديد الظاء) والهاء دون ألف، والأصل» تَتَظَهَّرُونَ «بتاءين فأدغم نحو» تذكرون «وقرأ الجميع في المجادلة كقراءتهم في قوله: ﴿والذين يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ [المجادلة: 2، 3] إلا الأخوين، فإنهما خالفا أصلهما هنا فقرءا في المجادلة بتشديد الظاء كقراءة ابن عامر.
والظهار مشتق من الظَّهْر، وأصله أن يقول الرجل لامرأته: «أنْتَ عَلَيَّ كظَهْرِ أُمِّي» وإنما لم يقرأ الأخوان بالتخفيف في المجادلة لعدم المسوِّغ له وهو الحذف؛ لأن الحذف إنما كَان لاجتماع مثلين وهما التاءان وفي المجادلة ياء من تحت وتاء مِن فوق فلم يجتمع مثلان فلا حذف فاضطر إلا الإدغام، وهذا ما قرىء به متواتراً، وقرأ ابن وثاب «تَظهَّرُونَ» بفتح التاء والظاهء مخففة وتشديد الهاء والأصل: تَتَظَهَّرُونَ مضارع «تَظَهَّر» مشدداً، فحذف إحدى التاءين، وقرأ الحسن «تُظَهِّرُونُ» بضم التاء وفتح الظاء مخففة وتشديد الهاء مكسورة مضارع «ظَهَّرَ» مشدداً وعن أبي عمرو «تَظْهَرُونَ» بفتح التاء والهاء وسكون الظاء مضارع «ظَهَرَ» مخففاً وقرأ أُبَيٌّ - وهي في مصحفه كذلك - تَتَظَهَّرُونَ - بتاءين فهذه تسع قراءات، أربعٌ متواترة، وخمسٌ شاذة، وأخذ هذه الأفعال من لفظ «الظَّهْرِ» كأخذ «لَبَّى» من التَّلْبِيَةِ، و «أفف» من أُفّ. وإنما عدي «بمن» لأنه ضمن معنى التباعد كأنه قيل: يَتَبَاعَدُونَ من نسائهم بسبب الظهار كما تقدم في البقرة في تعدية الإيلاء (بِمِنْ) .
فصل
الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أَنْتِ عَلَيَّ كظهرِ أمي، فقال الله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ نِسَاءَكُمْ اللاتي تقولون لهم هذا في التحريم كأمهاتكم ولكنه منكر وزور. وفيه كفارة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في سورة المُجَادَلَة.
قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾ (يعني) ما جعل من تبنّيتموهم أبناءكم، (نسخ) التبني، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالابن يدعوه الناس إليه ويرث ميراثه، «وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعتق زيد بن حارثة بن شراحبيل الكلبي وتبناه قبل الوحي وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب» فلما تزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - زينتب بنت جحش وكانت تحت زيدِ بن حارثة قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك فأنزل الله هذه الآية، ونسخ التبني. واعلم أن الظهار كان في الجاهلية طلاقاً حتى كان للزوج ان يتزوج بها من جديدٍ.
قوله: «ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ» مبتدأ وخبر أيْ دعاؤكم الأدعياء أبناء مجدر قول لسان من غير حقيقة، والأَدْعِيَاءُ جمع دَعِيٍّ بمعنى مَدْعُوٍّ فعيل بمعنى مفعول وأصله دَعِيوٌ فأدغم ولكن جمعه على أَدْعِيَاء غير مقيس؛ لأن «أفعلاء» إنما يكون جمعاً لفَعِيل المعتل اللام إذا كان بمعنى فاعل نحو: تَقِيّ وأَتْقِيَاء، وغَنِيّ وأَغنياء، وهذا وإن كان فعيلاً معتل اللام إلا أنه بمعنى مفعول فكان قياس جمعه على فَعْلَى كقَتِيل وقَتْلَى، وجَرِيح، وَجَرْحَى، ونظير هذه (الآية في) الشذوذ، قولهم: أَسِيرٌ وأُسَرَاء، والقياس: أَسْرَى، وقد سمع فيه الأصل.
واعلم أن الله تعالى قال ههنا ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهَكُمْ﴾ وقال في قوله: ﴿وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: 30] يعني نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له ولا يخرج من قلب ولا يدخل أيضاً في قلب، فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم.
قوله: ﴿والله يَقُولُ الحق﴾ أي قوله الحق ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أي يرشد إلى سبيل الحق وهذا إشارة إلى أنه ينبغي للعاقل أن يكون قوله إما من عقل أو شرع فإذا قال: فلانٌ بنُ فلان ينبغي أن يكون عن حقيقة أو شرع بأن يكون ابنه شرعاً وإن لم تعلم الحقيقة كمن تزوج بامرأةٍ فولدت لِستةِ أشْهُرٍ ولداً وكانت الزوجة من قبل زوجة شخص آخر يحتمل أن يكون الولد منه فإنا نلحقه بالزوج الثاني لقيام الفراش ونقول: إنه ابنه شرعاً، وفي الدَّعِيِّ لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به لأنه لا يقول إلا الحق وهذا خلاف الحق، لأن أباه مشهور ظاهر وأشار فيه من وجه آخر إلى أن قولهم هذه زوجة الابن فتحرم فقال الله هي لك حلال فقولهم لا اعتبار له لأنه بأفواههم كأصوات البهائم وقوله الحقّ فيجب اتباعه وهو يهدي السبيل فيجب اتباعه لكونه حقاً ولكونه هادياً.
قوله: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ﴾ (أي الذين ولدوهم ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ أي أعدل قال عبد الله بن عِمران زيد بن حارثة مولى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ادْعُوْهُمْ لآبائهم هو أقسط عند) الله. واعلم أن قوله: هو أقسط أي دعاؤهم لآبائهم فهو مصدر قَاصِرٌ لدلالة فعله عليه كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8] قال ابن الخطيب وهو يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون ترك الإضافة للعموم أي اعدلوا كل كلام كقولك الله أكبر.
الثاني: أن يكون ما تقدم مَنْوِيّاً كأنه (قال) : ذلك أقسط من قولكم هو ابن فلان ثم تمم الإرشاد فقال: ﴿فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين﴾ أي قولوا لهم إخواننا فإن كانوا مُجَرَّدِينَ فقولوا موالي فلان ثم قال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي قبل النهي فنسبتموه إلى غيره.
قوله: ﴿ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يجوز في «ما» وجهان:
أحدهما: أن تكون مجرورة المحل عطف على ( «ما» ) المجرورة قبلها بفي، والتقدير: ولكن الجناح فيما تعمدته.
الثاني: أنها مرفوعة المحل بالابتدءا والخبر محذوف، تقديره تؤاخذون به أو عليكم في الجُنَاح ونحوه.
قوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ المغفرة هي أن يستر القادر قَبِيحَ مَنْ تَحْتِ قدرته حتى أنَّ العبد إذا ستر عيب سيده مخافةَ عقابه لا يقال غفر له والرحمة هي أن يميل بالإحسان إلى المرحوم لعجز المرحوم لا لعوض فإن من مال إلى إنسان قادر كالسلطان لا يقال رحمه وكذلك من أحسن إلى غيره رجاءً في خيره أو عوضاً عما صدر منه آنفاً من الإحسان لا يقال: رحمه إذا علم هذه فالمغفرة إذا ذكرت قبل الرحمة يكون معناها أنه ستر عيبه ثم رآه مفلِساً عاجزاً فرحمه وأعطاه، وإذا ذكرت المغفرة بعد الرحمة وهو قليل يكون معناها أنه مال إليه لعجزه فترك عقابه (ولم) يقتصر عليه بل ستر ذنوبه.
الأحزاب 33:6
قوله: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه ووجوب طاعته عليهم وقال ابن عباس (وقتادة) وعطاء يعني إذا دعاهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أولى بهم من طاعة أنفسهم. وقال ابن زيد. النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما قضى بينهم كما كنت أولى بعبدك فيما قضيت عليه، وقيل: أولى بهم في الحمل على الجهاد وبَذْلِ النفس دونه، وقيل: كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يخرج إلى الجهاد فيقول قومٌ: نذهب فنَسْتَأْذِنُ من آبائنا وأمهاتنا. فنزلت (الآية) ، وروى أبو هريرة «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال:» مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ أَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ اقرْءَوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ فَأَيُّمَا مؤمِن مَاتَ وتَرَكَ مالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا وَمَنْ تَرَكَ دُنْيا أو ضياعاً فَلْيأْتني فَأَنَا مَوْلاَهُ» قوله: «وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ» أي مثل أمهاتهم وهو أب لهم وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأبيد لا في النظر إليهن، والخلوة بهن فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 33] ولا يقال لبناتهن هن أخوات للمؤمنين ولا لإخوانهن وأخواتهن أخوال المؤمنين وخالاتهم وقال الشافعي: تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وهي أخت أم المؤمنين، واختلفوا في أنهن هل كن أمهات النساء المؤمنات، قيل: كن أمهات المؤمنين جميعاً وقيل: كن أمهات المؤمنين دون النساء.
روى الشعبِيُّ عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة يا أمه فقالت: لست لك بأم إنما أنا أمُّ رِجَالِكُمْ فدل هذا على أن معنى هذه الأمومة تحريم نكاحهن.
فصل
قال ابن الخطيب: هذا تقرير آخر، وذلك لأن زوجة النبي - عليه السلام - ما جعلها الله في حكم الأم إلا لقطع نظر الأمة عما تعلق به غرض النبي - عليه السلام - فإذا تعلق خاطره بامرأة شاركت زوجاته في التعلق فحرمت مثل ما حرمت أزواجه على غيره. فإن قيل: كيف قال: وأزواجه أمهاتهم وقال من قبل: ﴿ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم﴾ فأشار إلى أن غير من ولدت لا تصير أمّاً بوجه، ولذلك قال في موضع آخر ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: 2] ؟ .
فالجواب: أن قوله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾ جواب عن هذا والمعنى أن الشرع مثل الحقيقة ولهذا يرجع العاقل عند تعذر اعتبار الحقيقة إلى الشريعة كما أن امرأتين (إذا) ادَّعَتْ كل واحدة ولداً (بعينه (ولم يكن لهما بينة وحلفت إحداهما دون الأخرى حكم لها بالولد فعلم أن عند عدم الوصول إلى الحقيقة يرجع إلى الشرع بل في بعض المواضع (على المندوب) تغلبُ الشريعة على الحقيقة فإن الزاني لا يجعل أباً لولدِ الزنا وإن كان ولده في الحقيقة وإذا كان كذلك فالشارع له الحكم فقول القائل: هذه أمي قول (يفهم) لا عن حقيقة ولا يترتب عليه حقيقة وأما قول الشارع فهو حق فله أن يتصرف في الحقائق كم يشاء، ألا ترى أن الأم ما صارت أمَّا إلا بخلق الله الولد في رحمها ولو خلقه في جوف غيرها لكانت الأم غيرها فإذا كان الذي يجعل الم الحقيقة أمَّا فله أن يسمى أي امرأة أمَّا ويعطيها حكم الأمومة.
على الابن لأن الزوجية تحصل الغيرة فإن تزوج بمن كان تحت الأب يُفْضي إلى قطع الرحم والعقوق ولكن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يربي في الدنيا والأخرة فوجب أن يكون زجاته مثل زوجات الآباء.
فإن قيل: فَلِمَ لم يقل إن النبي أبوكم ويحصل هذا المعنى أو لم يقل أزواج أبيكم.
فالجواب: ان الحكمة فيه هو النبي (عليه السلام) (مما بينا) أنه إذا أراد زوجة واحدٍ من الأمة وجب عليه تركها ليتزوج بها النبي - عليه (الصلاة و) السلام - فلو قال: أنت أبوهم لحرم عليه زوجات المؤمنين على التأبيد، ولأنه لام جعل أولى بهم من أنفسهم والنفس مقدمة على الأب لقوله (- عليه السلام -) : «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» ولذلك فإن المحتاج (إلى القوت) لا يجب عليه صرفه إلى (الأب ويجب عليه صرفه إلى) النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثم إن أزواجه لهم حكم أزواج الأب حتى لا تحرم أولادهن على المؤمنين ولا أخواتهن ولا أمهاتهن وإن كان الكل يحرمن في الأم الحقيقة والرضاعة.
قوله: ﴿وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ يعني في الميراث قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة قال الكلبي: إخاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بين الناس كان يُؤاخِي بين رجلين فإِذا مات أحَدُهُما وَرِثَهُ الأخَرُ دون عصبته حتى نزلت هذه الآية: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ في حكم الله من المؤمنين الذين آخى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بينهم والمهاجرين يعني ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرثوا بالإيمان والهجرة فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة فصارت بالقَرَابة وبعضهم يجوز فيه وجهين:
أحدهما: أن يكون بدلا من أولو.
والثاني: أنه مبتدأ، وما بعده خبر، والجملة خبر الأول.
قوله: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ يجوز أن يتعلق «بأُولِي» إلا أن أفعل التفضيل يعمل في الظرف، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في أولو والعمل فيها أولو لأنها شبيهة بالظرف ولا جائز أن يكون حالاً (من أولو) للفصل بالخَبَرِ ولأنه لا عامل فيها.
قوله: «مِنَ المُؤْمِنِينَ» يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أنها «من» الجارة المفضول كهي في «زَيْدٌ أَفْضَلُ مِنْ عَمْروٍ» والمعنى وأولو الأرحام أولى بالإرث من المؤمنين والمهاجرين الأجانب.
والثاني: أنها للبيان جيء بها بياناً لأولى الأرحام فيعتلق بمحذوف أي (أَعْنِي) والمعنى وأولو الأرحام من المؤمنين أولى بالإرْثِ من الأَجانب.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن تفعلوا﴾ هذا استثناء من غير الجنس وهو مستثنى من معنى الكلام وفحواه إذا التقدير وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في الإرث وغيره لكن إذا فعلتم مع غيرهم من أوليائكم خيراً كان لكم ذلك وعدى تفعلوا (بإلى) لتضمنه معنى تدخلوا، وأراد بالمعروف الوصية للذين تولونه من المُعاقِدِينَ يعني إن أوْصَيْتُم فغير الوارثين أولى وإذا لم تُوصُوا فالوارثون أولى بميراثكم وذلك أن الله لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة وأباح أن يوصي (لمن يتولاه) بما أحب ثُلُثَ ماله. قال مجاهد: أراد بالمعروف المعرفة وحفظ الحُرْمَة بحق الإيمان والهجرة يعني وأولو الأرحام من المُؤِمِنِينَ والمهاجرين أولى ببعض أي لا توارث بين المسلم والكَافِرِ ولا بين المهاجر وغير المهاجر ﴿إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً﴾ أي إلا أن تَعْرِضُوا لذوي قُرَابَاتِكُمْ بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة وهذا قول عطاءٍ وقتادةَ وعكرمة.
فإن قيل: أي تعلق للميراث والوصية بما تقدم.
فالجواب: قال ابن الخطيب وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن غير النبي في حال حياته لا يصير إليه مال الغير وبعد وفاته لا يصير ماله لغير ورثته والنبي - عليه السلام - في حال حياته كان يصير له مال الغير إذا أرادوه ولا يصير ماله لوَرثَتِهِ بعد وفاته فكأن الله تعالى عوض النبي عن قطع ميراثه بقدرته بأن له تملك مال الغير وعوض المؤمنين بأن ما تركه النبي يرجع إليهم حتى لا يكون حرج على المؤمنين في أن النبي (عليه السلام) إذا أراد شيئاً يصير له ثم يموت ويبقى لورثته فيفوت عليهم، ولا يرجع إليهم فقال الله تعالى: ﴿وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ يعني التوارث بينكم فيصير مال أحدكم لغيره بالإرث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فينبغي أن يكون له بدل هذا وهو أنه أولى في حياته بما في أيديكم.
الثاني: أن الله تعالى ذكر دليلاً على أن النبي عليه السلام أولى فيصير أولى من قريبه فكأنه بالواقع قطع الإرث وقال هذا مالي لا ينتقل عني إلا لمن أريده فكذلك جعل الله تعالى لنبيه من الدنيا ما أراده ثم ما يفضل منه يكون لغيره ثم قال: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الكتاب مَسْطُوراً﴾ مكتوباً.
قال القرطبي: أراد بالكتاب القرآن وهو آية المواريث والوصية وقيل: اللوح المحفوظ.
قوله: ﴿وإذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين ميثاقهم﴾ الآية وجه تعلق هذه الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما أمر النبي عليه السلام بالاتقاء وقال: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ وأكده بالحكاية التي خشي (فيها) منهم، خفّف عنه لكي لا يخشى أَحداً غيره وبين أنه لم يرتكب أمراً يوجب الخشية بقوله: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ وأكده بوجه آخر فقال: «وإذْ أَخَذْنَا» كأنه قال: اتق الله ولا تخف أاحداً واذكر أن الله (أخذ ميثاق) النبيين في أنهم بلغون رسالات الله ولا يمنعهم من ذلك خوف ولا طمع والمراد من الميثاق العهد الذي بينه في إرسالهم وأمرهم بالتبليغ وأن يصدق بعضهم بعضاً قال مقاتل: أخذنا ميثاقهم على أن يدعوا الناس إلى عبادته، ويصدق بعضهم بعضاً وينصحوا لقومهم. قوله: «وإذْ» يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون منصوباً «باذكر» أي اذْكُرْ إِذْ أَخَذْنَا» .
والثاني: أن يكون معطوفاً على مَحَلِّ: «في الكتاب» فيعمل فيه» مَسْطُوراً «أي كان مسطوراً في الكتاب (و) وقت أَخِذِنا. قوله: ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ خص هؤلاء الخمسةَ بالذكر لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولو العزم من الرُّسُلِ، وقدم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنه أولهم في كتاب الله،» كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: كُنْتُ أَوَّلَ النبيّين في الخَلْقِ، وآخِرَهم في البَعْثِ «قال قتادة وذلك قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ فبدأ به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال ابن الخطيب: وخص بالذكر أربعة من الأنبياء وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، لأن موسى وعيسى كان لهما في زمان نبينا قوم وأمه فذكرهما احتجاجاً على قومهما، وإبراهيم (عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ) يقولون بفضله (وكانوا يتبعونه في الشعائر، ونوحاً لأنه كان أصلاً ثانياً للناس حيث وجد الخلق منه بعد الطوفان) ، وعلى هذا لو قال قائل: فآدم كان أولى بالذكر من نوح فنقول: خلق آدم كان للعمارة ونبوته كانت مثل الأبوّة للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب، وأما نوحٌ فكان مخلوقاً للنبوة وأرسل للإنزال ولما كذّبوه أهلك قومه وأغرقوا، وأما ذكرعيسى بقوله: عيسى ابن مريم والمسيح ابن مريم؛ فهو إشارة إلى أنه لا أب له، إذ لو كان لوقع التعريفُ به.
قوله:» مِيثَاقاً غَلِيظاً» هو الأول، وإنما كرر لزيادة صفته وإيذانا بتوكيده، قال المفسرون: عهداً شديداً على الوفاء بما حملوا. قوله: «ليسألَ» فيها وجهان:
أحدهما: أنها لام كي أي أخذنا ميثاقهم ليسأل المؤمنين عن صدقهم والكافرين عن تكذيبهم فاستغنى عن الثاني بذكر مُسَبِبَّهِ وهو قوله: «وأَعَدَّ» ومفعول صدقهم محذوف أي صِدْقِهِمْ عَهْدَهُمْ، ويجوز أن يكون» صِدْقِهِم «في معنى تصديقهم ومفعوله محذوف أيضاً أي عن تصديقهم الأنْبِيَاءَ.
قوله:» وأَعَدَّ» يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون معطوفاً على ما دل عليه «لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ» ؛ إذ التقدير: فأثاب الصادقين وأعد للكافرين.
الأحزاب 33:7
قوله: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه ووجوب طاعته عليهم وقال ابن عباس (وقتادة) وعطاء يعني إذا دعاهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أولى بهم من طاعة أنفسهم. وقال ابن زيد. النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما قضى بينهم كما كنت أولى بعبدك فيما قضيت عليه، وقيل: أولى بهم في الحمل على الجهاد وبَذْلِ النفس دونه، وقيل: كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يخرج إلى الجهاد فيقول قومٌ: نذهب فنَسْتَأْذِنُ من آبائنا وأمهاتنا. فنزلت (الآية) ، وروى أبو هريرة «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال:» مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ أَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ اقرْءَوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ فَأَيُّمَا مؤمِن مَاتَ وتَرَكَ مالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا وَمَنْ تَرَكَ دُنْيا أو ضياعاً فَلْيأْتني فَأَنَا مَوْلاَهُ» قوله: «وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ» أي مثل أمهاتهم وهو أب لهم وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأبيد لا في النظر إليهن، والخلوة بهن فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 33] ولا يقال لبناتهن هن أخوات للمؤمنين ولا لإخوانهن وأخواتهن أخوال المؤمنين وخالاتهم وقال الشافعي: تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وهي أخت أم المؤمنين، واختلفوا في أنهن هل كن أمهات النساء المؤمنات، قيل: كن أمهات المؤمنين جميعاً وقيل: كن أمهات المؤمنين دون النساء.
روى الشعبِيُّ عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة يا أمه فقالت: لست لك بأم إنما أنا أمُّ رِجَالِكُمْ فدل هذا على أن معنى هذه الأمومة تحريم نكاحهن.
فصل
قال ابن الخطيب: هذا تقرير آخر، وذلك لأن زوجة النبي - عليه السلام - ما جعلها الله في حكم الأم إلا لقطع نظر الأمة عما تعلق به غرض النبي - عليه السلام - فإذا تعلق خاطره بامرأة شاركت زوجاته في التعلق فحرمت مثل ما حرمت أزواجه على غيره. فإن قيل: كيف قال: وأزواجه أمهاتهم وقال من قبل: ﴿ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم﴾ فأشار إلى أن غير من ولدت لا تصير أمّاً بوجه، ولذلك قال في موضع آخر ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: 2] ؟ .
فالجواب: أن قوله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾ جواب عن هذا والمعنى أن الشرع مثل الحقيقة ولهذا يرجع العاقل عند تعذر اعتبار الحقيقة إلى الشريعة كما أن امرأتين (إذا) ادَّعَتْ كل واحدة ولداً (بعينه (ولم يكن لهما بينة وحلفت إحداهما دون الأخرى حكم لها بالولد فعلم أن عند عدم الوصول إلى الحقيقة يرجع إلى الشرع بل في بعض المواضع (على المندوب) تغلبُ الشريعة على الحقيقة فإن الزاني لا يجعل أباً لولدِ الزنا وإن كان ولده في الحقيقة وإذا كان كذلك فالشارع له الحكم فقول القائل: هذه أمي قول (يفهم) لا عن حقيقة ولا يترتب عليه حقيقة وأما قول الشارع فهو حق فله أن يتصرف في الحقائق كم يشاء، ألا ترى أن الأم ما صارت أمَّا إلا بخلق الله الولد في رحمها ولو خلقه في جوف غيرها لكانت الأم غيرها فإذا كان الذي يجعل الم الحقيقة أمَّا فله أن يسمى أي امرأة أمَّا ويعطيها حكم الأمومة.
على الابن لأن الزوجية تحصل الغيرة فإن تزوج بمن كان تحت الأب يُفْضي إلى قطع الرحم والعقوق ولكن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يربي في الدنيا والأخرة فوجب أن يكون زجاته مثل زوجات الآباء.
فإن قيل: فَلِمَ لم يقل إن النبي أبوكم ويحصل هذا المعنى أو لم يقل أزواج أبيكم.
فالجواب: ان الحكمة فيه هو النبي (عليه السلام) (مما بينا) أنه إذا أراد زوجة واحدٍ من الأمة وجب عليه تركها ليتزوج بها النبي - عليه (الصلاة و) السلام - فلو قال: أنت أبوهم لحرم عليه زوجات المؤمنين على التأبيد، ولأنه لام جعل أولى بهم من أنفسهم والنفس مقدمة على الأب لقوله (- عليه السلام -) : «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» ولذلك فإن المحتاج (إلى القوت) لا يجب عليه صرفه إلى (الأب ويجب عليه صرفه إلى) النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثم إن أزواجه لهم حكم أزواج الأب حتى لا تحرم أولادهن على المؤمنين ولا أخواتهن ولا أمهاتهن وإن كان الكل يحرمن في الأم الحقيقة والرضاعة.
قوله: ﴿وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ يعني في الميراث قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة قال الكلبي: إخاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بين الناس كان يُؤاخِي بين رجلين فإِذا مات أحَدُهُما وَرِثَهُ الأخَرُ دون عصبته حتى نزلت هذه الآية: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ في حكم الله من المؤمنين الذين آخى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بينهم والمهاجرين يعني ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرثوا بالإيمان والهجرة فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة فصارت بالقَرَابة وبعضهم يجوز فيه وجهين:
أحدهما: أن يكون بدلا من أولو.
والثاني: أنه مبتدأ، وما بعده خبر، والجملة خبر الأول.
قوله: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ يجوز أن يتعلق «بأُولِي» إلا أن أفعل التفضيل يعمل في الظرف، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في أولو والعمل فيها أولو لأنها شبيهة بالظرف ولا جائز أن يكون حالاً (من أولو) للفصل بالخَبَرِ ولأنه لا عامل فيها.
قوله: «مِنَ المُؤْمِنِينَ» يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أنها «من» الجارة المفضول كهي في «زَيْدٌ أَفْضَلُ مِنْ عَمْروٍ» والمعنى وأولو الأرحام أولى بالإرث من المؤمنين والمهاجرين الأجانب.
والثاني: أنها للبيان جيء بها بياناً لأولى الأرحام فيعتلق بمحذوف أي (أَعْنِي) والمعنى وأولو الأرحام من المؤمنين أولى بالإرْثِ من الأَجانب.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن تفعلوا﴾ هذا استثناء من غير الجنس وهو مستثنى من معنى الكلام وفحواه إذا التقدير وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في الإرث وغيره لكن إذا فعلتم مع غيرهم من أوليائكم خيراً كان لكم ذلك وعدى تفعلوا (بإلى) لتضمنه معنى تدخلوا، وأراد بالمعروف الوصية للذين تولونه من المُعاقِدِينَ يعني إن أوْصَيْتُم فغير الوارثين أولى وإذا لم تُوصُوا فالوارثون أولى بميراثكم وذلك أن الله لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة وأباح أن يوصي (لمن يتولاه) بما أحب ثُلُثَ ماله. قال مجاهد: أراد بالمعروف المعرفة وحفظ الحُرْمَة بحق الإيمان والهجرة يعني وأولو الأرحام من المُؤِمِنِينَ والمهاجرين أولى ببعض أي لا توارث بين المسلم والكَافِرِ ولا بين المهاجر وغير المهاجر ﴿إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً﴾ أي إلا أن تَعْرِضُوا لذوي قُرَابَاتِكُمْ بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة وهذا قول عطاءٍ وقتادةَ وعكرمة.
فإن قيل: أي تعلق للميراث والوصية بما تقدم.
فالجواب: قال ابن الخطيب وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن غير النبي في حال حياته لا يصير إليه مال الغير وبعد وفاته لا يصير ماله لغير ورثته والنبي - عليه السلام - في حال حياته كان يصير له مال الغير إذا أرادوه ولا يصير ماله لوَرثَتِهِ بعد وفاته فكأن الله تعالى عوض النبي عن قطع ميراثه بقدرته بأن له تملك مال الغير وعوض المؤمنين بأن ما تركه النبي يرجع إليهم حتى لا يكون حرج على المؤمنين في أن النبي (عليه السلام) إذا أراد شيئاً يصير له ثم يموت ويبقى لورثته فيفوت عليهم، ولا يرجع إليهم فقال الله تعالى: ﴿وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ يعني التوارث بينكم فيصير مال أحدكم لغيره بالإرث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فينبغي أن يكون له بدل هذا وهو أنه أولى في حياته بما في أيديكم.
الثاني: أن الله تعالى ذكر دليلاً على أن النبي عليه السلام أولى فيصير أولى من قريبه فكأنه بالواقع قطع الإرث وقال هذا مالي لا ينتقل عني إلا لمن أريده فكذلك جعل الله تعالى لنبيه من الدنيا ما أراده ثم ما يفضل منه يكون لغيره ثم قال: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الكتاب مَسْطُوراً﴾ مكتوباً.
قال القرطبي: أراد بالكتاب القرآن وهو آية المواريث والوصية وقيل: اللوح المحفوظ.
قوله: ﴿وإذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين ميثاقهم﴾ الآية وجه تعلق هذه الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما أمر النبي عليه السلام بالاتقاء وقال: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ وأكده بالحكاية التي خشي (فيها) منهم، خفّف عنه لكي لا يخشى أَحداً غيره وبين أنه لم يرتكب أمراً يوجب الخشية بقوله: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ وأكده بوجه آخر فقال: «وإذْ أَخَذْنَا» كأنه قال: اتق الله ولا تخف أاحداً واذكر أن الله (أخذ ميثاق) النبيين في أنهم بلغون رسالات الله ولا يمنعهم من ذلك خوف ولا طمع والمراد من الميثاق العهد الذي بينه في إرسالهم وأمرهم بالتبليغ وأن يصدق بعضهم بعضاً قال مقاتل: أخذنا ميثاقهم على أن يدعوا الناس إلى عبادته، ويصدق بعضهم بعضاً وينصحوا لقومهم. قوله: «وإذْ» يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون منصوباً «باذكر» أي اذْكُرْ إِذْ أَخَذْنَا» .
والثاني: أن يكون معطوفاً على مَحَلِّ: «في الكتاب» فيعمل فيه» مَسْطُوراً «أي كان مسطوراً في الكتاب (و) وقت أَخِذِنا. قوله: ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ خص هؤلاء الخمسةَ بالذكر لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولو العزم من الرُّسُلِ، وقدم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنه أولهم في كتاب الله،» كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: كُنْتُ أَوَّلَ النبيّين في الخَلْقِ، وآخِرَهم في البَعْثِ «قال قتادة وذلك قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ فبدأ به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال ابن الخطيب: وخص بالذكر أربعة من الأنبياء وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، لأن موسى وعيسى كان لهما في زمان نبينا قوم وأمه فذكرهما احتجاجاً على قومهما، وإبراهيم (عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ) يقولون بفضله (وكانوا يتبعونه في الشعائر، ونوحاً لأنه كان أصلاً ثانياً للناس حيث وجد الخلق منه بعد الطوفان) ، وعلى هذا لو قال قائل: فآدم كان أولى بالذكر من نوح فنقول: خلق آدم كان للعمارة ونبوته كانت مثل الأبوّة للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب، وأما نوحٌ فكان مخلوقاً للنبوة وأرسل للإنزال ولما كذّبوه أهلك قومه وأغرقوا، وأما ذكرعيسى بقوله: عيسى ابن مريم والمسيح ابن مريم؛ فهو إشارة إلى أنه لا أب له، إذ لو كان لوقع التعريفُ به.
قوله:» مِيثَاقاً غَلِيظاً» هو الأول، وإنما كرر لزيادة صفته وإيذانا بتوكيده، قال المفسرون: عهداً شديداً على الوفاء بما حملوا. قوله: «ليسألَ» فيها وجهان:
أحدهما: أنها لام كي أي أخذنا ميثاقهم ليسأل المؤمنين عن صدقهم والكافرين عن تكذيبهم فاستغنى عن الثاني بذكر مُسَبِبَّهِ وهو قوله: «وأَعَدَّ» ومفعول صدقهم محذوف أي صِدْقِهِمْ عَهْدَهُمْ، ويجوز أن يكون» صِدْقِهِم «في معنى تصديقهم ومفعوله محذوف أيضاً أي عن تصديقهم الأنْبِيَاءَ.
قوله:» وأَعَدَّ» يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون معطوفاً على ما دل عليه «لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ» ؛ إذ التقدير: فأثاب الصادقين وأعد للكافرين.
الأحزاب 33:8
قوله: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه ووجوب طاعته عليهم وقال ابن عباس (وقتادة) وعطاء يعني إذا دعاهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أولى بهم من طاعة أنفسهم. وقال ابن زيد. النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما قضى بينهم كما كنت أولى بعبدك فيما قضيت عليه، وقيل: أولى بهم في الحمل على الجهاد وبَذْلِ النفس دونه، وقيل: كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يخرج إلى الجهاد فيقول قومٌ: نذهب فنَسْتَأْذِنُ من آبائنا وأمهاتنا. فنزلت (الآية) ، وروى أبو هريرة «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال:» مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ أَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ اقرْءَوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ فَأَيُّمَا مؤمِن مَاتَ وتَرَكَ مالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا وَمَنْ تَرَكَ دُنْيا أو ضياعاً فَلْيأْتني فَأَنَا مَوْلاَهُ» قوله: «وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ» أي مثل أمهاتهم وهو أب لهم وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأبيد لا في النظر إليهن، والخلوة بهن فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: 33] ولا يقال لبناتهن هن أخوات للمؤمنين ولا لإخوانهن وأخواتهن أخوال المؤمنين وخالاتهم وقال الشافعي: تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وهي أخت أم المؤمنين، واختلفوا في أنهن هل كن أمهات النساء المؤمنات، قيل: كن أمهات المؤمنين جميعاً وقيل: كن أمهات المؤمنين دون النساء.
روى الشعبِيُّ عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة يا أمه فقالت: لست لك بأم إنما أنا أمُّ رِجَالِكُمْ فدل هذا على أن معنى هذه الأمومة تحريم نكاحهن.
فصل
قال ابن الخطيب: هذا تقرير آخر، وذلك لأن زوجة النبي - عليه السلام - ما جعلها الله في حكم الأم إلا لقطع نظر الأمة عما تعلق به غرض النبي - عليه السلام - فإذا تعلق خاطره بامرأة شاركت زوجاته في التعلق فحرمت مثل ما حرمت أزواجه على غيره. فإن قيل: كيف قال: وأزواجه أمهاتهم وقال من قبل: ﴿ما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم﴾ فأشار إلى أن غير من ولدت لا تصير أمّاً بوجه، ولذلك قال في موضع آخر ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: 2] ؟ .
فالجواب: أن قوله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾ جواب عن هذا والمعنى أن الشرع مثل الحقيقة ولهذا يرجع العاقل عند تعذر اعتبار الحقيقة إلى الشريعة كما أن امرأتين (إذا) ادَّعَتْ كل واحدة ولداً (بعينه (ولم يكن لهما بينة وحلفت إحداهما دون الأخرى حكم لها بالولد فعلم أن عند عدم الوصول إلى الحقيقة يرجع إلى الشرع بل في بعض المواضع (على المندوب) تغلبُ الشريعة على الحقيقة فإن الزاني لا يجعل أباً لولدِ الزنا وإن كان ولده في الحقيقة وإذا كان كذلك فالشارع له الحكم فقول القائل: هذه أمي قول (يفهم) لا عن حقيقة ولا يترتب عليه حقيقة وأما قول الشارع فهو حق فله أن يتصرف في الحقائق كم يشاء، ألا ترى أن الأم ما صارت أمَّا إلا بخلق الله الولد في رحمها ولو خلقه في جوف غيرها لكانت الأم غيرها فإذا كان الذي يجعل الم الحقيقة أمَّا فله أن يسمى أي امرأة أمَّا ويعطيها حكم الأمومة.
على الابن لأن الزوجية تحصل الغيرة فإن تزوج بمن كان تحت الأب يُفْضي إلى قطع الرحم والعقوق ولكن النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يربي في الدنيا والأخرة فوجب أن يكون زجاته مثل زوجات الآباء.
فإن قيل: فَلِمَ لم يقل إن النبي أبوكم ويحصل هذا المعنى أو لم يقل أزواج أبيكم.
فالجواب: ان الحكمة فيه هو النبي (عليه السلام) (مما بينا) أنه إذا أراد زوجة واحدٍ من الأمة وجب عليه تركها ليتزوج بها النبي - عليه (الصلاة و) السلام - فلو قال: أنت أبوهم لحرم عليه زوجات المؤمنين على التأبيد، ولأنه لام جعل أولى بهم من أنفسهم والنفس مقدمة على الأب لقوله (- عليه السلام -) : «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» ولذلك فإن المحتاج (إلى القوت) لا يجب عليه صرفه إلى (الأب ويجب عليه صرفه إلى) النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثم إن أزواجه لهم حكم أزواج الأب حتى لا تحرم أولادهن على المؤمنين ولا أخواتهن ولا أمهاتهن وإن كان الكل يحرمن في الأم الحقيقة والرضاعة.
قوله: ﴿وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ يعني في الميراث قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة قال الكلبي: إخاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بين الناس كان يُؤاخِي بين رجلين فإِذا مات أحَدُهُما وَرِثَهُ الأخَرُ دون عصبته حتى نزلت هذه الآية: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ في حكم الله من المؤمنين الذين آخى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بينهم والمهاجرين يعني ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرثوا بالإيمان والهجرة فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة فصارت بالقَرَابة وبعضهم يجوز فيه وجهين:
أحدهما: أن يكون بدلا من أولو.
والثاني: أنه مبتدأ، وما بعده خبر، والجملة خبر الأول.
قوله: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ يجوز أن يتعلق «بأُولِي» إلا أن أفعل التفضيل يعمل في الظرف، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من الضمير في أولو والعمل فيها أولو لأنها شبيهة بالظرف ولا جائز أن يكون حالاً (من أولو) للفصل بالخَبَرِ ولأنه لا عامل فيها.
قوله: «مِنَ المُؤْمِنِينَ» يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أنها «من» الجارة المفضول كهي في «زَيْدٌ أَفْضَلُ مِنْ عَمْروٍ» والمعنى وأولو الأرحام أولى بالإرث من المؤمنين والمهاجرين الأجانب.
والثاني: أنها للبيان جيء بها بياناً لأولى الأرحام فيعتلق بمحذوف أي (أَعْنِي) والمعنى وأولو الأرحام من المؤمنين أولى بالإرْثِ من الأَجانب.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن تفعلوا﴾ هذا استثناء من غير الجنس وهو مستثنى من معنى الكلام وفحواه إذا التقدير وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في الإرث وغيره لكن إذا فعلتم مع غيرهم من أوليائكم خيراً كان لكم ذلك وعدى تفعلوا (بإلى) لتضمنه معنى تدخلوا، وأراد بالمعروف الوصية للذين تولونه من المُعاقِدِينَ يعني إن أوْصَيْتُم فغير الوارثين أولى وإذا لم تُوصُوا فالوارثون أولى بميراثكم وذلك أن الله لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة وأباح أن يوصي (لمن يتولاه) بما أحب ثُلُثَ ماله. قال مجاهد: أراد بالمعروف المعرفة وحفظ الحُرْمَة بحق الإيمان والهجرة يعني وأولو الأرحام من المُؤِمِنِينَ والمهاجرين أولى ببعض أي لا توارث بين المسلم والكَافِرِ ولا بين المهاجر وغير المهاجر ﴿إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً﴾ أي إلا أن تَعْرِضُوا لذوي قُرَابَاتِكُمْ بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة وهذا قول عطاءٍ وقتادةَ وعكرمة.
فإن قيل: أي تعلق للميراث والوصية بما تقدم.
فالجواب: قال ابن الخطيب وجوابه من وجهين:
أحدهما: أن غير النبي في حال حياته لا يصير إليه مال الغير وبعد وفاته لا يصير ماله لغير ورثته والنبي - عليه السلام - في حال حياته كان يصير له مال الغير إذا أرادوه ولا يصير ماله لوَرثَتِهِ بعد وفاته فكأن الله تعالى عوض النبي عن قطع ميراثه بقدرته بأن له تملك مال الغير وعوض المؤمنين بأن ما تركه النبي يرجع إليهم حتى لا يكون حرج على المؤمنين في أن النبي (عليه السلام) إذا أراد شيئاً يصير له ثم يموت ويبقى لورثته فيفوت عليهم، ولا يرجع إليهم فقال الله تعالى: ﴿وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ﴾ يعني التوارث بينكم فيصير مال أحدكم لغيره بالإرث والنبي لا توارث بينه وبين أقاربه فينبغي أن يكون له بدل هذا وهو أنه أولى في حياته بما في أيديكم.
الثاني: أن الله تعالى ذكر دليلاً على أن النبي عليه السلام أولى فيصير أولى من قريبه فكأنه بالواقع قطع الإرث وقال هذا مالي لا ينتقل عني إلا لمن أريده فكذلك جعل الله تعالى لنبيه من الدنيا ما أراده ثم ما يفضل منه يكون لغيره ثم قال: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الكتاب مَسْطُوراً﴾ مكتوباً.
قال القرطبي: أراد بالكتاب القرآن وهو آية المواريث والوصية وقيل: اللوح المحفوظ.
قوله: ﴿وإذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين ميثاقهم﴾ الآية وجه تعلق هذه الآية بما قبلها هو أن الله تعالى لما أمر النبي عليه السلام بالاتقاء وقال: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ وأكده بالحكاية التي خشي (فيها) منهم، خفّف عنه لكي لا يخشى أَحداً غيره وبين أنه لم يرتكب أمراً يوجب الخشية بقوله: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ وأكده بوجه آخر فقال: «وإذْ أَخَذْنَا» كأنه قال: اتق الله ولا تخف أاحداً واذكر أن الله (أخذ ميثاق) النبيين في أنهم بلغون رسالات الله ولا يمنعهم من ذلك خوف ولا طمع والمراد من الميثاق العهد الذي بينه في إرسالهم وأمرهم بالتبليغ وأن يصدق بعضهم بعضاً قال مقاتل: أخذنا ميثاقهم على أن يدعوا الناس إلى عبادته، ويصدق بعضهم بعضاً وينصحوا لقومهم. قوله: «وإذْ» يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون منصوباً «باذكر» أي اذْكُرْ إِذْ أَخَذْنَا» .
والثاني: أن يكون معطوفاً على مَحَلِّ: «في الكتاب» فيعمل فيه» مَسْطُوراً «أي كان مسطوراً في الكتاب (و) وقت أَخِذِنا. قوله: ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ خص هؤلاء الخمسةَ بالذكر لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولو العزم من الرُّسُلِ، وقدم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنه أولهم في كتاب الله،» كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: كُنْتُ أَوَّلَ النبيّين في الخَلْقِ، وآخِرَهم في البَعْثِ «قال قتادة وذلك قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ فبدأ به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال ابن الخطيب: وخص بالذكر أربعة من الأنبياء وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، لأن موسى وعيسى كان لهما في زمان نبينا قوم وأمه فذكرهما احتجاجاً على قومهما، وإبراهيم (عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ) يقولون بفضله (وكانوا يتبعونه في الشعائر، ونوحاً لأنه كان أصلاً ثانياً للناس حيث وجد الخلق منه بعد الطوفان) ، وعلى هذا لو قال قائل: فآدم كان أولى بالذكر من نوح فنقول: خلق آدم كان للعمارة ونبوته كانت مثل الأبوّة للأولاد ولهذا لم يكن في زمانه إهلاك قوم ولا تعذيب، وأما نوحٌ فكان مخلوقاً للنبوة وأرسل للإنزال ولما كذّبوه أهلك قومه وأغرقوا، وأما ذكرعيسى بقوله: عيسى ابن مريم والمسيح ابن مريم؛ فهو إشارة إلى أنه لا أب له، إذ لو كان لوقع التعريفُ به.
قوله:» مِيثَاقاً غَلِيظاً» هو الأول، وإنما كرر لزيادة صفته وإيذانا بتوكيده، قال المفسرون: عهداً شديداً على الوفاء بما حملوا. قوله: «ليسألَ» فيها وجهان:
أحدهما: أنها لام كي أي أخذنا ميثاقهم ليسأل المؤمنين عن صدقهم والكافرين عن تكذيبهم فاستغنى عن الثاني بذكر مُسَبِبَّهِ وهو قوله: «وأَعَدَّ» ومفعول صدقهم محذوف أي صِدْقِهِمْ عَهْدَهُمْ، ويجوز أن يكون» صِدْقِهِم «في معنى تصديقهم ومفعوله محذوف أيضاً أي عن تصديقهم الأنْبِيَاءَ.
قوله:» وأَعَدَّ» يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون معطوفاً على ما دل عليه «لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ» ؛ إذ التقدير: فأثاب الصادقين وأعد للكافرين.
الأحزاب 33:9
والثاني: أنه معطوف على «أَخَذْنَا» ح لأن المعنى أن الله أكد على النبياء الدعوة إلى دينه لإثابة المؤمنين وأعد للكافرين، وقيل: إنه حذف من الثاني ما أثبت مُقَابِلُهُ في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابلهُ في الثاني والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ويسأل الكافرين عما أجابوا رُسُلَهُمْ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ .
فصل
قال المفسرون: المعنى أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الصادقين عن صدقهم يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة والحكمة في سؤالهم مع علمه أنهم صادقون بتبكيت من أرسلوا إليهم. وقيل: ليسأل الصادقين عن علمهم بالله عَزَّ وَجَلَّ، وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ... ﴾ الآية وهذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك حين حُوصِرَ المسلمون مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أيام الخَنْدَق، واجتمع الأحزاب واشتد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم، ونزلوا على المدينة وعمل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الخَنْدَق وكان الأمر في غاية الشدة والخوف بالغاً إلى الغاية والله دفع القوم عنهم من غير قتال وآمَنَهُمْ من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبدُ غَيْرَ ربه فإنه القادر على كل الممكنات فكان قادراً على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم ضعفاء كما قهر الكافين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم.
قوله: «إذْ جَاءَتْكُمْ» يجوز أن يكون منصوباً «بنعمة» أي النعمة الواقعة في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون منصوباً باذْكُرُوا على أن يكون بدلاً من «نعمة» بدل اشتمال، والمراد بالجنون الأحزاب وهم قريش وغَطفَان، ويهود قُرَيْظَةَ والنَّضِير ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً﴾ وهي الصَّبَا، قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلق بنصر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالت الشمالُ إن الحرَّّة لا تَسْرِي بالليل فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا وروى مجاهد عن ابن عباس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «قال:» نُصِرتُ بالصَّبَا وأهلكَتْ عَادٌ بالدَّبورِ»
قوله: ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ قرأ الحسن بفتح الجيم، والعامة بضمها، و «جُنَوداً» عطفاً على» ريحاً «و» لَمْ تروها «صفة لهم، وروي عن أبي عمرو، وأبي بكر» لم يَرَوْهَا «بياء الغيبة، وهم الملائكة ولم تقاتل الملائكة يومئذ فبعث الله عليهم تلك اليلة ريحاً باردة فقلعت الأوتاد وقطعت أطنا الفَسَاطِيطِ وأطفأت النيرانَ وأَكْفَأت القُدُورَ، وجالت الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُمَّ إليَّ فإذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَا النَّجَا أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال. ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ وهذا إشارة إلى أنه الله علم التجاءكم إليه وجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداد والقصة مشهورة.
قوله:» إِذْ جَاؤُوكُمْ» بدل من «إذْ» الأولى، والحناجر جمع» حَنْجَرَةٍ «وهي رأس الغَلْصَمَةِ والغَلْصَمَة منتهى الحُلْقُومِ، والحلقوم مجرى الطعام والشراب، وقيل: الحلقوم مَجْرَى النفس والمريء الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم وقال الرَّاغِبُ: رَأْسُ الغَْصَمَةِ من خارج.
قوله: «الظُّنُونا» قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بإثبات ألف بعد نون» الظُّنُون «ولام الرسول في قوله:
﴿وَأَطَعْنَا الرسولا﴾ [الأحزاب: 66] ولام السبيل في قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ [الأحزاب: 67] وصلاً وَوَقْفاً موافقة للرسم؛ لأنهن رسمن في المصحف كذلك وأيضاً فإن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت تثبت وَقْفاً للحاجة إليها وقد ثبتت وصلاً إجراءً للوصل مُجْرَى الوقف كما تقدم في البقرة والأنعام فكذلك هذه الألف، وقرأ أبو عمرو وحمزةُ بحذفها في الحالين؛ لأنها لا أصل لها وقولهم: أجريت الفواصل مُجْرَى القوافي غير معتدٍّ به لأن القوافيَ يلتزم الوقف عليها غاباً، والفواصل لا يلزم ذلك فيها فلا تُشَبَّهُ بها، والباقون بإثباتها وقفاً وحذفها وصلاً إجراء للفواصل مُجْرَى القوافي في ثبوت ألف الإطلاق كقوله:
4069 - اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفَاءِ وَبِالعَدْلِ ... وَوَلَّى المَلاَمَةَ الرَّجُلاَ
وقوله:
4070 - أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَا ... وَقُولِي إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَابَا
ولأنها كهاء السكت وهي تثبت وقفاً وتحذف وصلاً، قال شهاب الدين:» كذلك يقولون تشبيهاً للفواصل بالقوافي وأنا لا أحب هذه العبارة فإِنها منكرة لفظاً» . ولا خلاف في قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أنه بغير ألف في الحالين.
فصل
المعنى إذْ جَاؤُوكُمْ من فوقكم أي من فوق الوادي من قبل المَشْرِق وهم «أَسَدٌ» ، وغَطَفَان عليهم مالكُ بن عَوْف النَّضرِيّ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْن الفزَاريّ في ألفٍ من غَطَفَانَ ومنهم طلحةُ بن خُوَيْلد الأسَدِيّ في بني أسد، وحُيَيّ بن أَخْطَبَ في يهودِ بني قُرَيْظَةِ ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي من بطن الوادي من قِبَلِ المَغْرب وهم قُرَيْشٌ وكِنَانَةُ عليهم أبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ ومن معه وأبو الأعور بن سُفْيَانَ السُّلَمِي من قبل الخندق، وكان الذي جر غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَنِي النَّضِير من ديارهم ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار﴾ مالت وشَخِصَتْ من الرعب، وقيل: مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها ﴿وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر﴾ فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحُلُوق من الفَزَع، وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف. قال الفراء معناه أنهم جَبنُوا، سبيل الجَبَان إذا اشتد خوفه أن تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب إلى الحنجرة ولهذا يقال للجبال: انتفخ سحره؛ لأن القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يَسُدَّ مخرج النفس فلا يقدر المرء (أن) يتنفس ويموت من الخوف. ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ وهو اختلاف الظنون، فظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم.
فإن قيل: المَصْدَرُ لا يُجْمَعُ فما الفائدة من جمع الظنون؟
فالجواب: لا شك أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدراً كما يقال: «ضَرَبْتُهُ سِيَاطاً» و «أَدَّبْتُهُ مِرَاراً» فكأنه قال: ظَنَنْتُمْ ظَنّاً جاز أن يكون مصيبين فإذا قال: ظُنُوناً بين أن فيهم من كان ظنه كاذباً لأن الظنون قد تكذب كلها، وقد تكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد كما إذا رأى جمع جسماً من بعيد فظنه بعضهم أنه زيدٌ، وآخرونَ أنه عمرو، وآخرون أنه بكرٌ، ثم ظهر لهم الحق قد يكونون كلهم مخطئين والمرئي شجر أو حجر، وقد يكون أحدهم مصيباً ولا يمكن أن يكونوا كلهم مُصِيبِين في ظنونهم، فقوله: «الظُّنون» فادنا ان فيهم من أخطأ الظن، ولو قال: ﴿تظنون بالله ظناً﴾ ما كان يفيد هذا، والألف واللام في «الظنون» يمكن أن تكون للاستغراق مبالغة بمعنى تظنون كل ظن، ولأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئاً، ويمكن أن تكون الألف واللام للعهد أي ظنونهم المعهودة؛ لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قاله عليه (الصلاة و) السلام:
«ظُنُّوا باللَّهِ خَيْراً» ومن الكافر الظن السوء كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [ص: 27] وقوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ [الأنعام: 148] .
قوله: «هُنَالِكَ» منصوب «بابْتُلِيَ» . وقيل: «بتَظُنُّونَ» واستضعفه ابن عطية وفيه وجهان:
أحدهما: أنه ظرف مكان بعيد أي في ذلك المكان الدحْضِ وهو الخَنْدق.
والثاني: أنه ظرف زمان، وأنشد بعضهم على ذلك:
4071 - وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمَتْ وَتَشَاكَلَتْ ... فَهُنَاكَ يَعْتَرِفُونَ أَيْنَ المَفْزَعُ
«وَزُلْزِلُوا» قرأ العامة بضم الزاي الأولى، (وكسر الثانية على اصل ما لم يسم فاعله، وروى غير واحد عن «أبي عمرو» كسر الأولى) ، وروى الزمخشري عنه إشمامها كسراُ، ووجه هذه القراءة أن يكون أتبع الزاي الأولى للثانية في الكسر ولم يعتد بالساكن لكونه غير حصين كقولهم: مِبين - بكسر الميم - والأصل ضمها.
قوله: «زِلْزَالاً» مصدر مُبَيِّن للنوع بالوصف والعامة على كسر الزاي، وعيسى، والجَحْدَرِيّ فتحاها وهما لغتان في مصدر الفعل المضعف إذا جاء على «فعلال» نحو: «زَلْزَال، وقَلقالَ وصَلْصَال، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو: صَلْصَال بمعنى مُصَلْصِلٌ بمعنى» مُزَلْزِل» .
فصل
قال المفسرون: معنى ابتلي المؤمنون اختبر المؤمنون بالحَصْرِ والقتال ليبين المخلص من المنافق، والابتلاء من الله ليس لإبانة الأمر له بل لحكمة أخرى وهي أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد أظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة عزم على معاقبته على مخالفته، وعنده غير من العبيد أو غيرهم فيأمره بأمر عالماً بأنه مخالف لكي يتبين الأمر عند الغير فيقع المعاقبة على أحسن الوجوه حيث لا يقع لأحد أنه يظلم، وقوله: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي أزعجوا وحركوا حركة شديدة فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ذكر الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ معتب بن قُشَيْر، وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه ﴿والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شك وضعف اعتقاد ﴿مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ وهذا تفسير الظنون وبيان لها، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زوراً ووعدهما كان غروراً حيث ظنوا بأن الغلبة واقعة لهم يَعِدُنَا محمدٌ فَتْحَ قُصُرِ الشام وفارسَ وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله هذا والله الغرور.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي من المنافقين «وهم أوس بن قيظي وأصحابه» ﴿ياأهل يَثْرِبَ﴾ يعني المدينة، قال أبو عبيد (ة) : يَثْرِبُ: اسم أرض ومدينة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في ناحية منها، وفي بعض الأخبار: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى أن تمسى المدينةُ يَثْرِبَ، وقال: هي طابة» كأنه كره هذه اللفظة، وقال أهل اللغة: يثرب اسم المدينة، وقيل: اسم البقعة التي فيها المدينة، وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو للعلمية والتأنيث، وأما يَتْرَب - بالتاء المثناة وفتح الراء فموضع ضع آخر باليمن، قال الشاعر:
4072 - وَعَدْتَ وَكَانَ الخُلْفُ مِنْكَ سَجِيَّةً ... مَواعِيدَ عُزْقُوب أَخَاء بِيَتْرَبِ
وقال:
4073 - وَقَدْ وَعَدْتُكَ مَوْعِداً لوقت ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب
﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ قرأ حفصٌ، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ بضم الميم، ونافعٌ وابنُ عامر بضم ميمة أيضاً في الدخان في قوله: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ﴾ [الدخان: 51] ولم يختلف في الأولى أنه بالفتح وهو «مقام كريم» والباقون بفتح الميم في الموضعين، والضم والفتح مفهومان من سورة مريم عند قوله: ﴿خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم: 73] فمعنى الفتح لا مكان لكم تنزلون به وتقيمون فيه. ومعنى الضم لا إقامة لكم فارجعوا إلى منازلكم عن اتباع محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وقيل: عن القتال إلى منازلكم. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي﴾ هم بنو حارثة وبنو سلمة ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي خالية ضائعة، وهي مما يلي العدو ويخشى عليها السُّراق.
قوله: «عَورةٌ» أي ذاتُ عورة، وقيل: منكشفة أي قصيرة الجُدْرَان للسارق وقال الشاعر:
4074 - لَهُ الشِّدَّةُ الأُولَى إِذَا القَرْنُ أَعْوَرَا ...
وقرأ ابن عباس وابنَ يَعْمُرَ وقتادةُ وأبو رجاء وأبو حَيْوَة وآخرون: عَورة بكسر الواو وكذلك ﴿وَمَا هِيَ بِعَورَةٍ﴾ ، وهما اسم فاعل، يقال: عَوِرَ المنزلُ: يَعْوِرُ عَوَراً وعَوِرَة فهو عَوِرٌ، وبيوتٌ عَوِرَةٌ، قال ابن جني: تصحيح الواو شاذ، يعني حيث تحركت وانفتح ما قبلها ولم تقلب ألفاً، وفيه نظر لأن شرط ذاك في الاسم الجاري على الفعل أن يعتل فعله نحومَقَامٍ ومَقَالٍ، وأما هذا ففعله صحيح نحو عَوِرَ، وإنما صح الفعل وإن كان فيه مقتضى الإعلال لِمَدْرَكٍ آخر وهو أنه في معنى ما لا يعلم وهو «أعور» ولذلك لم نتعجب من «عور» وبابه، وأعْوَرَّ المَنْزِلُ: بدت عَوْرَتُهُ، واعورَّ الفارس بدا منه خلله للضَّرْبِ قال الشاعر:
4075 - مَتَى تَلْقَهُمْ لَمْ تَلْقَ فِي البَيْتِ مُعْوَراً ... وَلاَ الصَّيْفَ مَسْجُوراً ولاَ الجَارَ مُرْسَلاً
ثم كذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ .
قوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ ولو دخل عليهم المدينة أو البيوت يعني هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحواب «مِنْ أقْطَارِهَا» جوانبها. وفيه لغة وتروى: أَفْتَار - بالتاء -. والقُطْرُ: الجانب أيضاً ومنه قَطَرْتُهُ أي أَلْقَيْتُهُ على قطره فَتَقَطَّرَ أي وقع عليه قال:
4076 - قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَاراتُها ... مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إِلاَّ أَنَا
وفي المثل: «الانفِضَاضُ يُقَطِّرُ الجَلَب» تفسيره أن القوم إذا انفضوا أي فني زادهم احتاجوا إلى جَلْب الإِبل، وسمي القَطْرُ قطراً لسقوطه.
قوله: «ثُمَّ سُئِلُوا» قرأ مجاهد «سُويِلُوا» بواو ساكنة ثم ياء مكسورة «كقُوتِلُوا» . حتى أبو زيد: هما يَتَسَاوَلاَن بالواو، والحسن: سُولُوا بواو ساكنة فقط فاحتملت وجهين:
أحدهما: أن يكون أصلها: سيلوا كالعامة، ثم خففت الكسرة فسكنت كقولهم في ضَرب - بالكسر - ضرب بالسكون فسكنت الهمزة بعد ضمة فقلبت واواً نحو: بُوسٍ في بُؤْسٍ.
والثاني: أن يكون من لغة الواو، ونقل عن أبي عمرو أنه قرأ سِيلُوا بياء ساكنة بعد كسرة نحو: قِيلوا.
قوله: «لأتَوْهَا» قرأ نافعٌ وابنُ كثير بالقصرب بمعنى لَجَاؤُوهَا وغَشوهَا، والباقون بالمد بمعنى لأعطوها ومفعوله الثاني محذوف تقديره: لآتوها السائلين. والمعنى ولو دخلت البيوت أو المدينة من دميع نواحيها ثم سئل أهلها الفتنة لم يمتنعوا من إعطائها، وقراءة المد يستلزم قراءة القصر من غير عكس بهذا المعنى الخاص.
قوله: «إِلاَّ يَسيراً» أي إلا تَلَبُّثاً أو إلا زماناً يسيراً. وكذلك قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: 16 - 18] أي إلا تَمَتُّعاً أو إلا زمانا قليلاً.
فصل
دلت الآية على أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله فقال تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضاً فليس رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة وهي الشرك، ﴿مّوَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي ام تلبثوا بالمدينة أو البيوت «إلاَّ يَسِيراً» وأن المؤمنين يُخْرِجُونَهُمْ قاله الحسن، وقيل: ما تلبثوا أي ما احْتَبَسُوا عن الفتنة - وهي الشرك - إلا يسيراً ولأسرعوا للإجابة إلى الشرك طيّبةً به أنفُسُهم وهذا قول أكثر المفسِّرين.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل غزوة الخندق ﴿لاَ يُوَلُّونَ الأدبار﴾ عدوهم أي لا ينهزمون قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة هموا يوم الخندق أن يَقْتَتِلُوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن واقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة وقالوا لئن أَشْهَدَنَا اللَّهُ قتالاً لَنُقَاتِلَنَّ فساق الله إليهم ذلك وقال مقالت والكلبي:
«هم سبعون رجلاً جاءوا بايعوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة العقبة وقالوا اشترط لنفسك ولربك ما شئتَ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم قالوا: وإذا فعلنا ذلك (فما لنا يا رسول الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قالوا: قد فعلنا فذلك) عهدهم» ، وهذا القول ليس بمَرْضِيٍّ؛ لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين لم يكن فيهم شَاكٌّ ولا مَنْ يقول مثل هذا القول وإنما الآية في قوم عاهدوا الله أن يقاتلوا ولا يَفِرُّوا فَنَقَضُوا العهد. وهذا بيان لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذراً ونَدَماً ثم هددهم بقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ أي مَسْؤُولاً عنه.
قوله: «لاَ يُوَلُّونَ» جواب لقوله: «عَاهَدُوا» لأنه في معنى: «أقسموا» وجاء على حكاية اللفظ فجاء بلفظ الغيبة ولو جاء على حكاية المعنى لقيل: لا يُولِّي، والمفعول الأول محذوف أي يولون العدو الأدبار. وقال أبو البقاء: ويقرأ بالتشديد تشديد النون وحذف الواو على تأكيد جواب القسم. قال شهاب الدين: ولا اظن هذا إلا غلظاً منه وذلك أنه إما أن يُقْرأ مع ذلك بلا النافية أو بلام التأكيد، والأول لا يجوز لأن المضارع المنفي بلا لا يؤكد بالنون إلا ما نَدَرَ مما لا يقاس عليه والثاني فاسد المعنى.
قوله: «إنْ فَرَرْتُمْ» جوابه محذوف لدلالة النفي قبله عليه أو متقدم عند من يرى ذلك.
قوله: ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ إذَنْ جواب وجزاء، ولما وقعت بعد عاطف جاءت على الأكثر وهو عدم إعمالها ولم يشذّ هنا ما شَذَّ في الإسراء، فلم يقرأ بالنصب، والعامة بالخطاب في «تُمَتَّعُونَ» . وقرىء بالغيبة.
فصل
المعنى: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَو القَتْلِ} الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أوقتل ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي لا تمتعون بعد الفِرار إلا مدة آجالكم وهي قليل. وهذا إشارة إلى ان الأمور مقدرة لا يمكن الفرار مما قدره الله لأنه كائن لا محالة فلو فررتم لما دمتم بل لا تمتعون إلا قليلاً وهو ما بقي من آجالكم فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه شيئاً كثيراً.
قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ تقدم في البقرة، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجْرِيَ مُجْرَى قوله:
مُتَقَلِّداً سيفاً وَرُمْحاً ...
أو حمل الثاني على الأول لما في العِصْمَةِ من معنى المنع قال أبو حيان: أما الوجه الأول فيه حذف جملة لا ضرورة تدعو إلى حذفها، والثاني هو الوجه لا سيما إذا قدر مضاف محذوف أي يمنعكم من مُرَادِ الله، قال شهاب الدين: وأين الثاني من الأول ولو كان معه حذف جُمَلٍ.
فصل
المعنى من ذا الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً هزيمة أو أراد بكم رحمة نُصْرَةً، وهذا بيان لما تقدم من قوله: ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار﴾ وقوله: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ تقرير لقوله: ﴿مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ الله﴾ أي ليس لكم شفيع أي قريب ينفعكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم السوء إذا أتاكم.
الأحزاب 33:10
والثاني: أنه معطوف على «أَخَذْنَا» ح لأن المعنى أن الله أكد على النبياء الدعوة إلى دينه لإثابة المؤمنين وأعد للكافرين، وقيل: إنه حذف من الثاني ما أثبت مُقَابِلُهُ في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابلهُ في الثاني والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ويسأل الكافرين عما أجابوا رُسُلَهُمْ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ .
فصل
قال المفسرون: المعنى أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الصادقين عن صدقهم يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة والحكمة في سؤالهم مع علمه أنهم صادقون بتبكيت من أرسلوا إليهم. وقيل: ليسأل الصادقين عن علمهم بالله عَزَّ وَجَلَّ، وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ... ﴾ الآية وهذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك حين حُوصِرَ المسلمون مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أيام الخَنْدَق، واجتمع الأحزاب واشتد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم، ونزلوا على المدينة وعمل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الخَنْدَق وكان الأمر في غاية الشدة والخوف بالغاً إلى الغاية والله دفع القوم عنهم من غير قتال وآمَنَهُمْ من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبدُ غَيْرَ ربه فإنه القادر على كل الممكنات فكان قادراً على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم ضعفاء كما قهر الكافين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم.
قوله: «إذْ جَاءَتْكُمْ» يجوز أن يكون منصوباً «بنعمة» أي النعمة الواقعة في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون منصوباً باذْكُرُوا على أن يكون بدلاً من «نعمة» بدل اشتمال، والمراد بالجنون الأحزاب وهم قريش وغَطفَان، ويهود قُرَيْظَةَ والنَّضِير ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً﴾ وهي الصَّبَا، قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلق بنصر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالت الشمالُ إن الحرَّّة لا تَسْرِي بالليل فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا وروى مجاهد عن ابن عباس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «قال:» نُصِرتُ بالصَّبَا وأهلكَتْ عَادٌ بالدَّبورِ»
قوله: ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ قرأ الحسن بفتح الجيم، والعامة بضمها، و «جُنَوداً» عطفاً على» ريحاً «و» لَمْ تروها «صفة لهم، وروي عن أبي عمرو، وأبي بكر» لم يَرَوْهَا «بياء الغيبة، وهم الملائكة ولم تقاتل الملائكة يومئذ فبعث الله عليهم تلك اليلة ريحاً باردة فقلعت الأوتاد وقطعت أطنا الفَسَاطِيطِ وأطفأت النيرانَ وأَكْفَأت القُدُورَ، وجالت الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُمَّ إليَّ فإذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَا النَّجَا أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال. ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ وهذا إشارة إلى أنه الله علم التجاءكم إليه وجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداد والقصة مشهورة.
قوله:» إِذْ جَاؤُوكُمْ» بدل من «إذْ» الأولى، والحناجر جمع» حَنْجَرَةٍ «وهي رأس الغَلْصَمَةِ والغَلْصَمَة منتهى الحُلْقُومِ، والحلقوم مجرى الطعام والشراب، وقيل: الحلقوم مَجْرَى النفس والمريء الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم وقال الرَّاغِبُ: رَأْسُ الغَْصَمَةِ من خارج.
قوله: «الظُّنُونا» قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بإثبات ألف بعد نون» الظُّنُون «ولام الرسول في قوله:
﴿وَأَطَعْنَا الرسولا﴾ [الأحزاب: 66] ولام السبيل في قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ [الأحزاب: 67] وصلاً وَوَقْفاً موافقة للرسم؛ لأنهن رسمن في المصحف كذلك وأيضاً فإن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت تثبت وَقْفاً للحاجة إليها وقد ثبتت وصلاً إجراءً للوصل مُجْرَى الوقف كما تقدم في البقرة والأنعام فكذلك هذه الألف، وقرأ أبو عمرو وحمزةُ بحذفها في الحالين؛ لأنها لا أصل لها وقولهم: أجريت الفواصل مُجْرَى القوافي غير معتدٍّ به لأن القوافيَ يلتزم الوقف عليها غاباً، والفواصل لا يلزم ذلك فيها فلا تُشَبَّهُ بها، والباقون بإثباتها وقفاً وحذفها وصلاً إجراء للفواصل مُجْرَى القوافي في ثبوت ألف الإطلاق كقوله:
4069 - اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفَاءِ وَبِالعَدْلِ ... وَوَلَّى المَلاَمَةَ الرَّجُلاَ
وقوله:
4070 - أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَا ... وَقُولِي إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَابَا
ولأنها كهاء السكت وهي تثبت وقفاً وتحذف وصلاً، قال شهاب الدين:» كذلك يقولون تشبيهاً للفواصل بالقوافي وأنا لا أحب هذه العبارة فإِنها منكرة لفظاً» . ولا خلاف في قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أنه بغير ألف في الحالين.
فصل
المعنى إذْ جَاؤُوكُمْ من فوقكم أي من فوق الوادي من قبل المَشْرِق وهم «أَسَدٌ» ، وغَطَفَان عليهم مالكُ بن عَوْف النَّضرِيّ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْن الفزَاريّ في ألفٍ من غَطَفَانَ ومنهم طلحةُ بن خُوَيْلد الأسَدِيّ في بني أسد، وحُيَيّ بن أَخْطَبَ في يهودِ بني قُرَيْظَةِ ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي من بطن الوادي من قِبَلِ المَغْرب وهم قُرَيْشٌ وكِنَانَةُ عليهم أبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ ومن معه وأبو الأعور بن سُفْيَانَ السُّلَمِي من قبل الخندق، وكان الذي جر غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَنِي النَّضِير من ديارهم ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار﴾ مالت وشَخِصَتْ من الرعب، وقيل: مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها ﴿وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر﴾ فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحُلُوق من الفَزَع، وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف. قال الفراء معناه أنهم جَبنُوا، سبيل الجَبَان إذا اشتد خوفه أن تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب إلى الحنجرة ولهذا يقال للجبال: انتفخ سحره؛ لأن القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يَسُدَّ مخرج النفس فلا يقدر المرء (أن) يتنفس ويموت من الخوف. ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ وهو اختلاف الظنون، فظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم.
فإن قيل: المَصْدَرُ لا يُجْمَعُ فما الفائدة من جمع الظنون؟
فالجواب: لا شك أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدراً كما يقال: «ضَرَبْتُهُ سِيَاطاً» و «أَدَّبْتُهُ مِرَاراً» فكأنه قال: ظَنَنْتُمْ ظَنّاً جاز أن يكون مصيبين فإذا قال: ظُنُوناً بين أن فيهم من كان ظنه كاذباً لأن الظنون قد تكذب كلها، وقد تكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد كما إذا رأى جمع جسماً من بعيد فظنه بعضهم أنه زيدٌ، وآخرونَ أنه عمرو، وآخرون أنه بكرٌ، ثم ظهر لهم الحق قد يكونون كلهم مخطئين والمرئي شجر أو حجر، وقد يكون أحدهم مصيباً ولا يمكن أن يكونوا كلهم مُصِيبِين في ظنونهم، فقوله: «الظُّنون» فادنا ان فيهم من أخطأ الظن، ولو قال: ﴿تظنون بالله ظناً﴾ ما كان يفيد هذا، والألف واللام في «الظنون» يمكن أن تكون للاستغراق مبالغة بمعنى تظنون كل ظن، ولأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئاً، ويمكن أن تكون الألف واللام للعهد أي ظنونهم المعهودة؛ لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قاله عليه (الصلاة و) السلام:
«ظُنُّوا باللَّهِ خَيْراً» ومن الكافر الظن السوء كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [ص: 27] وقوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ [الأنعام: 148] .
قوله: «هُنَالِكَ» منصوب «بابْتُلِيَ» . وقيل: «بتَظُنُّونَ» واستضعفه ابن عطية وفيه وجهان:
أحدهما: أنه ظرف مكان بعيد أي في ذلك المكان الدحْضِ وهو الخَنْدق.
والثاني: أنه ظرف زمان، وأنشد بعضهم على ذلك:
4071 - وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمَتْ وَتَشَاكَلَتْ ... فَهُنَاكَ يَعْتَرِفُونَ أَيْنَ المَفْزَعُ
«وَزُلْزِلُوا» قرأ العامة بضم الزاي الأولى، (وكسر الثانية على اصل ما لم يسم فاعله، وروى غير واحد عن «أبي عمرو» كسر الأولى) ، وروى الزمخشري عنه إشمامها كسراُ، ووجه هذه القراءة أن يكون أتبع الزاي الأولى للثانية في الكسر ولم يعتد بالساكن لكونه غير حصين كقولهم: مِبين - بكسر الميم - والأصل ضمها.
قوله: «زِلْزَالاً» مصدر مُبَيِّن للنوع بالوصف والعامة على كسر الزاي، وعيسى، والجَحْدَرِيّ فتحاها وهما لغتان في مصدر الفعل المضعف إذا جاء على «فعلال» نحو: «زَلْزَال، وقَلقالَ وصَلْصَال، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو: صَلْصَال بمعنى مُصَلْصِلٌ بمعنى» مُزَلْزِل» .
فصل
قال المفسرون: معنى ابتلي المؤمنون اختبر المؤمنون بالحَصْرِ والقتال ليبين المخلص من المنافق، والابتلاء من الله ليس لإبانة الأمر له بل لحكمة أخرى وهي أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد أظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة عزم على معاقبته على مخالفته، وعنده غير من العبيد أو غيرهم فيأمره بأمر عالماً بأنه مخالف لكي يتبين الأمر عند الغير فيقع المعاقبة على أحسن الوجوه حيث لا يقع لأحد أنه يظلم، وقوله: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي أزعجوا وحركوا حركة شديدة فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ذكر الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ معتب بن قُشَيْر، وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه ﴿والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شك وضعف اعتقاد ﴿مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ وهذا تفسير الظنون وبيان لها، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زوراً ووعدهما كان غروراً حيث ظنوا بأن الغلبة واقعة لهم يَعِدُنَا محمدٌ فَتْحَ قُصُرِ الشام وفارسَ وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله هذا والله الغرور.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي من المنافقين «وهم أوس بن قيظي وأصحابه» ﴿ياأهل يَثْرِبَ﴾ يعني المدينة، قال أبو عبيد (ة) : يَثْرِبُ: اسم أرض ومدينة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في ناحية منها، وفي بعض الأخبار: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى أن تمسى المدينةُ يَثْرِبَ، وقال: هي طابة» كأنه كره هذه اللفظة، وقال أهل اللغة: يثرب اسم المدينة، وقيل: اسم البقعة التي فيها المدينة، وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو للعلمية والتأنيث، وأما يَتْرَب - بالتاء المثناة وفتح الراء فموضع ضع آخر باليمن، قال الشاعر:
4072 - وَعَدْتَ وَكَانَ الخُلْفُ مِنْكَ سَجِيَّةً ... مَواعِيدَ عُزْقُوب أَخَاء بِيَتْرَبِ
وقال:
4073 - وَقَدْ وَعَدْتُكَ مَوْعِداً لوقت ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب
﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ قرأ حفصٌ، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ بضم الميم، ونافعٌ وابنُ عامر بضم ميمة أيضاً في الدخان في قوله: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ﴾ [الدخان: 51] ولم يختلف في الأولى أنه بالفتح وهو «مقام كريم» والباقون بفتح الميم في الموضعين، والضم والفتح مفهومان من سورة مريم عند قوله: ﴿خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم: 73] فمعنى الفتح لا مكان لكم تنزلون به وتقيمون فيه. ومعنى الضم لا إقامة لكم فارجعوا إلى منازلكم عن اتباع محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وقيل: عن القتال إلى منازلكم. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي﴾ هم بنو حارثة وبنو سلمة ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي خالية ضائعة، وهي مما يلي العدو ويخشى عليها السُّراق.
قوله: «عَورةٌ» أي ذاتُ عورة، وقيل: منكشفة أي قصيرة الجُدْرَان للسارق وقال الشاعر:
4074 - لَهُ الشِّدَّةُ الأُولَى إِذَا القَرْنُ أَعْوَرَا ...
وقرأ ابن عباس وابنَ يَعْمُرَ وقتادةُ وأبو رجاء وأبو حَيْوَة وآخرون: عَورة بكسر الواو وكذلك ﴿وَمَا هِيَ بِعَورَةٍ﴾ ، وهما اسم فاعل، يقال: عَوِرَ المنزلُ: يَعْوِرُ عَوَراً وعَوِرَة فهو عَوِرٌ، وبيوتٌ عَوِرَةٌ، قال ابن جني: تصحيح الواو شاذ، يعني حيث تحركت وانفتح ما قبلها ولم تقلب ألفاً، وفيه نظر لأن شرط ذاك في الاسم الجاري على الفعل أن يعتل فعله نحومَقَامٍ ومَقَالٍ، وأما هذا ففعله صحيح نحو عَوِرَ، وإنما صح الفعل وإن كان فيه مقتضى الإعلال لِمَدْرَكٍ آخر وهو أنه في معنى ما لا يعلم وهو «أعور» ولذلك لم نتعجب من «عور» وبابه، وأعْوَرَّ المَنْزِلُ: بدت عَوْرَتُهُ، واعورَّ الفارس بدا منه خلله للضَّرْبِ قال الشاعر:
4075 - مَتَى تَلْقَهُمْ لَمْ تَلْقَ فِي البَيْتِ مُعْوَراً ... وَلاَ الصَّيْفَ مَسْجُوراً ولاَ الجَارَ مُرْسَلاً
ثم كذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ .
قوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ ولو دخل عليهم المدينة أو البيوت يعني هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحواب «مِنْ أقْطَارِهَا» جوانبها. وفيه لغة وتروى: أَفْتَار - بالتاء -. والقُطْرُ: الجانب أيضاً ومنه قَطَرْتُهُ أي أَلْقَيْتُهُ على قطره فَتَقَطَّرَ أي وقع عليه قال:
4076 - قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَاراتُها ... مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إِلاَّ أَنَا
وفي المثل: «الانفِضَاضُ يُقَطِّرُ الجَلَب» تفسيره أن القوم إذا انفضوا أي فني زادهم احتاجوا إلى جَلْب الإِبل، وسمي القَطْرُ قطراً لسقوطه.
قوله: «ثُمَّ سُئِلُوا» قرأ مجاهد «سُويِلُوا» بواو ساكنة ثم ياء مكسورة «كقُوتِلُوا» . حتى أبو زيد: هما يَتَسَاوَلاَن بالواو، والحسن: سُولُوا بواو ساكنة فقط فاحتملت وجهين:
أحدهما: أن يكون أصلها: سيلوا كالعامة، ثم خففت الكسرة فسكنت كقولهم في ضَرب - بالكسر - ضرب بالسكون فسكنت الهمزة بعد ضمة فقلبت واواً نحو: بُوسٍ في بُؤْسٍ.
والثاني: أن يكون من لغة الواو، ونقل عن أبي عمرو أنه قرأ سِيلُوا بياء ساكنة بعد كسرة نحو: قِيلوا.
قوله: «لأتَوْهَا» قرأ نافعٌ وابنُ كثير بالقصرب بمعنى لَجَاؤُوهَا وغَشوهَا، والباقون بالمد بمعنى لأعطوها ومفعوله الثاني محذوف تقديره: لآتوها السائلين. والمعنى ولو دخلت البيوت أو المدينة من دميع نواحيها ثم سئل أهلها الفتنة لم يمتنعوا من إعطائها، وقراءة المد يستلزم قراءة القصر من غير عكس بهذا المعنى الخاص.
قوله: «إِلاَّ يَسيراً» أي إلا تَلَبُّثاً أو إلا زماناً يسيراً. وكذلك قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: 16 - 18] أي إلا تَمَتُّعاً أو إلا زمانا قليلاً.
فصل
دلت الآية على أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله فقال تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضاً فليس رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة وهي الشرك، ﴿مّوَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي ام تلبثوا بالمدينة أو البيوت «إلاَّ يَسِيراً» وأن المؤمنين يُخْرِجُونَهُمْ قاله الحسن، وقيل: ما تلبثوا أي ما احْتَبَسُوا عن الفتنة - وهي الشرك - إلا يسيراً ولأسرعوا للإجابة إلى الشرك طيّبةً به أنفُسُهم وهذا قول أكثر المفسِّرين.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل غزوة الخندق ﴿لاَ يُوَلُّونَ الأدبار﴾ عدوهم أي لا ينهزمون قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة هموا يوم الخندق أن يَقْتَتِلُوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن واقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة وقالوا لئن أَشْهَدَنَا اللَّهُ قتالاً لَنُقَاتِلَنَّ فساق الله إليهم ذلك وقال مقالت والكلبي:
«هم سبعون رجلاً جاءوا بايعوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة العقبة وقالوا اشترط لنفسك ولربك ما شئتَ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم قالوا: وإذا فعلنا ذلك (فما لنا يا رسول الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قالوا: قد فعلنا فذلك) عهدهم» ، وهذا القول ليس بمَرْضِيٍّ؛ لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين لم يكن فيهم شَاكٌّ ولا مَنْ يقول مثل هذا القول وإنما الآية في قوم عاهدوا الله أن يقاتلوا ولا يَفِرُّوا فَنَقَضُوا العهد. وهذا بيان لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذراً ونَدَماً ثم هددهم بقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ أي مَسْؤُولاً عنه.
قوله: «لاَ يُوَلُّونَ» جواب لقوله: «عَاهَدُوا» لأنه في معنى: «أقسموا» وجاء على حكاية اللفظ فجاء بلفظ الغيبة ولو جاء على حكاية المعنى لقيل: لا يُولِّي، والمفعول الأول محذوف أي يولون العدو الأدبار. وقال أبو البقاء: ويقرأ بالتشديد تشديد النون وحذف الواو على تأكيد جواب القسم. قال شهاب الدين: ولا اظن هذا إلا غلظاً منه وذلك أنه إما أن يُقْرأ مع ذلك بلا النافية أو بلام التأكيد، والأول لا يجوز لأن المضارع المنفي بلا لا يؤكد بالنون إلا ما نَدَرَ مما لا يقاس عليه والثاني فاسد المعنى.
قوله: «إنْ فَرَرْتُمْ» جوابه محذوف لدلالة النفي قبله عليه أو متقدم عند من يرى ذلك.
قوله: ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ إذَنْ جواب وجزاء، ولما وقعت بعد عاطف جاءت على الأكثر وهو عدم إعمالها ولم يشذّ هنا ما شَذَّ في الإسراء، فلم يقرأ بالنصب، والعامة بالخطاب في «تُمَتَّعُونَ» . وقرىء بالغيبة.
فصل
المعنى: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَو القَتْلِ} الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أوقتل ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي لا تمتعون بعد الفِرار إلا مدة آجالكم وهي قليل. وهذا إشارة إلى ان الأمور مقدرة لا يمكن الفرار مما قدره الله لأنه كائن لا محالة فلو فررتم لما دمتم بل لا تمتعون إلا قليلاً وهو ما بقي من آجالكم فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه شيئاً كثيراً.
قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ تقدم في البقرة، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجْرِيَ مُجْرَى قوله:
مُتَقَلِّداً سيفاً وَرُمْحاً ...
أو حمل الثاني على الأول لما في العِصْمَةِ من معنى المنع قال أبو حيان: أما الوجه الأول فيه حذف جملة لا ضرورة تدعو إلى حذفها، والثاني هو الوجه لا سيما إذا قدر مضاف محذوف أي يمنعكم من مُرَادِ الله، قال شهاب الدين: وأين الثاني من الأول ولو كان معه حذف جُمَلٍ.
فصل
المعنى من ذا الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً هزيمة أو أراد بكم رحمة نُصْرَةً، وهذا بيان لما تقدم من قوله: ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار﴾ وقوله: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ تقرير لقوله: ﴿مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ الله﴾ أي ليس لكم شفيع أي قريب ينفعكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم السوء إذا أتاكم.
الأحزاب 33:11
والثاني: أنه معطوف على «أَخَذْنَا» ح لأن المعنى أن الله أكد على النبياء الدعوة إلى دينه لإثابة المؤمنين وأعد للكافرين، وقيل: إنه حذف من الثاني ما أثبت مُقَابِلُهُ في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابلهُ في الثاني والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ويسأل الكافرين عما أجابوا رُسُلَهُمْ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ .
فصل
قال المفسرون: المعنى أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الصادقين عن صدقهم يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة والحكمة في سؤالهم مع علمه أنهم صادقون بتبكيت من أرسلوا إليهم. وقيل: ليسأل الصادقين عن علمهم بالله عَزَّ وَجَلَّ، وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ... ﴾ الآية وهذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك حين حُوصِرَ المسلمون مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أيام الخَنْدَق، واجتمع الأحزاب واشتد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم، ونزلوا على المدينة وعمل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الخَنْدَق وكان الأمر في غاية الشدة والخوف بالغاً إلى الغاية والله دفع القوم عنهم من غير قتال وآمَنَهُمْ من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبدُ غَيْرَ ربه فإنه القادر على كل الممكنات فكان قادراً على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم ضعفاء كما قهر الكافين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم.
قوله: «إذْ جَاءَتْكُمْ» يجوز أن يكون منصوباً «بنعمة» أي النعمة الواقعة في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون منصوباً باذْكُرُوا على أن يكون بدلاً من «نعمة» بدل اشتمال، والمراد بالجنون الأحزاب وهم قريش وغَطفَان، ويهود قُرَيْظَةَ والنَّضِير ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً﴾ وهي الصَّبَا، قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلق بنصر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالت الشمالُ إن الحرَّّة لا تَسْرِي بالليل فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا وروى مجاهد عن ابن عباس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «قال:» نُصِرتُ بالصَّبَا وأهلكَتْ عَادٌ بالدَّبورِ»
قوله: ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ قرأ الحسن بفتح الجيم، والعامة بضمها، و «جُنَوداً» عطفاً على» ريحاً «و» لَمْ تروها «صفة لهم، وروي عن أبي عمرو، وأبي بكر» لم يَرَوْهَا «بياء الغيبة، وهم الملائكة ولم تقاتل الملائكة يومئذ فبعث الله عليهم تلك اليلة ريحاً باردة فقلعت الأوتاد وقطعت أطنا الفَسَاطِيطِ وأطفأت النيرانَ وأَكْفَأت القُدُورَ، وجالت الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُمَّ إليَّ فإذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَا النَّجَا أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال. ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ وهذا إشارة إلى أنه الله علم التجاءكم إليه وجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداد والقصة مشهورة.
قوله:» إِذْ جَاؤُوكُمْ» بدل من «إذْ» الأولى، والحناجر جمع» حَنْجَرَةٍ «وهي رأس الغَلْصَمَةِ والغَلْصَمَة منتهى الحُلْقُومِ، والحلقوم مجرى الطعام والشراب، وقيل: الحلقوم مَجْرَى النفس والمريء الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم وقال الرَّاغِبُ: رَأْسُ الغَْصَمَةِ من خارج.
قوله: «الظُّنُونا» قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بإثبات ألف بعد نون» الظُّنُون «ولام الرسول في قوله:
﴿وَأَطَعْنَا الرسولا﴾ [الأحزاب: 66] ولام السبيل في قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ [الأحزاب: 67] وصلاً وَوَقْفاً موافقة للرسم؛ لأنهن رسمن في المصحف كذلك وأيضاً فإن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت تثبت وَقْفاً للحاجة إليها وقد ثبتت وصلاً إجراءً للوصل مُجْرَى الوقف كما تقدم في البقرة والأنعام فكذلك هذه الألف، وقرأ أبو عمرو وحمزةُ بحذفها في الحالين؛ لأنها لا أصل لها وقولهم: أجريت الفواصل مُجْرَى القوافي غير معتدٍّ به لأن القوافيَ يلتزم الوقف عليها غاباً، والفواصل لا يلزم ذلك فيها فلا تُشَبَّهُ بها، والباقون بإثباتها وقفاً وحذفها وصلاً إجراء للفواصل مُجْرَى القوافي في ثبوت ألف الإطلاق كقوله:
4069 - اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفَاءِ وَبِالعَدْلِ ... وَوَلَّى المَلاَمَةَ الرَّجُلاَ
وقوله:
4070 - أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَا ... وَقُولِي إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَابَا
ولأنها كهاء السكت وهي تثبت وقفاً وتحذف وصلاً، قال شهاب الدين:» كذلك يقولون تشبيهاً للفواصل بالقوافي وأنا لا أحب هذه العبارة فإِنها منكرة لفظاً» . ولا خلاف في قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أنه بغير ألف في الحالين.
فصل
المعنى إذْ جَاؤُوكُمْ من فوقكم أي من فوق الوادي من قبل المَشْرِق وهم «أَسَدٌ» ، وغَطَفَان عليهم مالكُ بن عَوْف النَّضرِيّ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْن الفزَاريّ في ألفٍ من غَطَفَانَ ومنهم طلحةُ بن خُوَيْلد الأسَدِيّ في بني أسد، وحُيَيّ بن أَخْطَبَ في يهودِ بني قُرَيْظَةِ ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي من بطن الوادي من قِبَلِ المَغْرب وهم قُرَيْشٌ وكِنَانَةُ عليهم أبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ ومن معه وأبو الأعور بن سُفْيَانَ السُّلَمِي من قبل الخندق، وكان الذي جر غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَنِي النَّضِير من ديارهم ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار﴾ مالت وشَخِصَتْ من الرعب، وقيل: مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها ﴿وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر﴾ فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحُلُوق من الفَزَع، وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف. قال الفراء معناه أنهم جَبنُوا، سبيل الجَبَان إذا اشتد خوفه أن تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب إلى الحنجرة ولهذا يقال للجبال: انتفخ سحره؛ لأن القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يَسُدَّ مخرج النفس فلا يقدر المرء (أن) يتنفس ويموت من الخوف. ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ وهو اختلاف الظنون، فظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم.
فإن قيل: المَصْدَرُ لا يُجْمَعُ فما الفائدة من جمع الظنون؟
فالجواب: لا شك أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدراً كما يقال: «ضَرَبْتُهُ سِيَاطاً» و «أَدَّبْتُهُ مِرَاراً» فكأنه قال: ظَنَنْتُمْ ظَنّاً جاز أن يكون مصيبين فإذا قال: ظُنُوناً بين أن فيهم من كان ظنه كاذباً لأن الظنون قد تكذب كلها، وقد تكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد كما إذا رأى جمع جسماً من بعيد فظنه بعضهم أنه زيدٌ، وآخرونَ أنه عمرو، وآخرون أنه بكرٌ، ثم ظهر لهم الحق قد يكونون كلهم مخطئين والمرئي شجر أو حجر، وقد يكون أحدهم مصيباً ولا يمكن أن يكونوا كلهم مُصِيبِين في ظنونهم، فقوله: «الظُّنون» فادنا ان فيهم من أخطأ الظن، ولو قال: ﴿تظنون بالله ظناً﴾ ما كان يفيد هذا، والألف واللام في «الظنون» يمكن أن تكون للاستغراق مبالغة بمعنى تظنون كل ظن، ولأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئاً، ويمكن أن تكون الألف واللام للعهد أي ظنونهم المعهودة؛ لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قاله عليه (الصلاة و) السلام:
«ظُنُّوا باللَّهِ خَيْراً» ومن الكافر الظن السوء كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [ص: 27] وقوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ [الأنعام: 148] .
قوله: «هُنَالِكَ» منصوب «بابْتُلِيَ» . وقيل: «بتَظُنُّونَ» واستضعفه ابن عطية وفيه وجهان:
أحدهما: أنه ظرف مكان بعيد أي في ذلك المكان الدحْضِ وهو الخَنْدق.
والثاني: أنه ظرف زمان، وأنشد بعضهم على ذلك:
4071 - وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمَتْ وَتَشَاكَلَتْ ... فَهُنَاكَ يَعْتَرِفُونَ أَيْنَ المَفْزَعُ
«وَزُلْزِلُوا» قرأ العامة بضم الزاي الأولى، (وكسر الثانية على اصل ما لم يسم فاعله، وروى غير واحد عن «أبي عمرو» كسر الأولى) ، وروى الزمخشري عنه إشمامها كسراُ، ووجه هذه القراءة أن يكون أتبع الزاي الأولى للثانية في الكسر ولم يعتد بالساكن لكونه غير حصين كقولهم: مِبين - بكسر الميم - والأصل ضمها.
قوله: «زِلْزَالاً» مصدر مُبَيِّن للنوع بالوصف والعامة على كسر الزاي، وعيسى، والجَحْدَرِيّ فتحاها وهما لغتان في مصدر الفعل المضعف إذا جاء على «فعلال» نحو: «زَلْزَال، وقَلقالَ وصَلْصَال، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو: صَلْصَال بمعنى مُصَلْصِلٌ بمعنى» مُزَلْزِل» .
فصل
قال المفسرون: معنى ابتلي المؤمنون اختبر المؤمنون بالحَصْرِ والقتال ليبين المخلص من المنافق، والابتلاء من الله ليس لإبانة الأمر له بل لحكمة أخرى وهي أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد أظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة عزم على معاقبته على مخالفته، وعنده غير من العبيد أو غيرهم فيأمره بأمر عالماً بأنه مخالف لكي يتبين الأمر عند الغير فيقع المعاقبة على أحسن الوجوه حيث لا يقع لأحد أنه يظلم، وقوله: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي أزعجوا وحركوا حركة شديدة فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ذكر الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ معتب بن قُشَيْر، وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه ﴿والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شك وضعف اعتقاد ﴿مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ وهذا تفسير الظنون وبيان لها، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زوراً ووعدهما كان غروراً حيث ظنوا بأن الغلبة واقعة لهم يَعِدُنَا محمدٌ فَتْحَ قُصُرِ الشام وفارسَ وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله هذا والله الغرور.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي من المنافقين «وهم أوس بن قيظي وأصحابه» ﴿ياأهل يَثْرِبَ﴾ يعني المدينة، قال أبو عبيد (ة) : يَثْرِبُ: اسم أرض ومدينة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في ناحية منها، وفي بعض الأخبار: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى أن تمسى المدينةُ يَثْرِبَ، وقال: هي طابة» كأنه كره هذه اللفظة، وقال أهل اللغة: يثرب اسم المدينة، وقيل: اسم البقعة التي فيها المدينة، وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو للعلمية والتأنيث، وأما يَتْرَب - بالتاء المثناة وفتح الراء فموضع ضع آخر باليمن، قال الشاعر:
4072 - وَعَدْتَ وَكَانَ الخُلْفُ مِنْكَ سَجِيَّةً ... مَواعِيدَ عُزْقُوب أَخَاء بِيَتْرَبِ
وقال:
4073 - وَقَدْ وَعَدْتُكَ مَوْعِداً لوقت ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب
﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ قرأ حفصٌ، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ بضم الميم، ونافعٌ وابنُ عامر بضم ميمة أيضاً في الدخان في قوله: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ﴾ [الدخان: 51] ولم يختلف في الأولى أنه بالفتح وهو «مقام كريم» والباقون بفتح الميم في الموضعين، والضم والفتح مفهومان من سورة مريم عند قوله: ﴿خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم: 73] فمعنى الفتح لا مكان لكم تنزلون به وتقيمون فيه. ومعنى الضم لا إقامة لكم فارجعوا إلى منازلكم عن اتباع محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وقيل: عن القتال إلى منازلكم. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي﴾ هم بنو حارثة وبنو سلمة ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي خالية ضائعة، وهي مما يلي العدو ويخشى عليها السُّراق.
قوله: «عَورةٌ» أي ذاتُ عورة، وقيل: منكشفة أي قصيرة الجُدْرَان للسارق وقال الشاعر:
4074 - لَهُ الشِّدَّةُ الأُولَى إِذَا القَرْنُ أَعْوَرَا ...
وقرأ ابن عباس وابنَ يَعْمُرَ وقتادةُ وأبو رجاء وأبو حَيْوَة وآخرون: عَورة بكسر الواو وكذلك ﴿وَمَا هِيَ بِعَورَةٍ﴾ ، وهما اسم فاعل، يقال: عَوِرَ المنزلُ: يَعْوِرُ عَوَراً وعَوِرَة فهو عَوِرٌ، وبيوتٌ عَوِرَةٌ، قال ابن جني: تصحيح الواو شاذ، يعني حيث تحركت وانفتح ما قبلها ولم تقلب ألفاً، وفيه نظر لأن شرط ذاك في الاسم الجاري على الفعل أن يعتل فعله نحومَقَامٍ ومَقَالٍ، وأما هذا ففعله صحيح نحو عَوِرَ، وإنما صح الفعل وإن كان فيه مقتضى الإعلال لِمَدْرَكٍ آخر وهو أنه في معنى ما لا يعلم وهو «أعور» ولذلك لم نتعجب من «عور» وبابه، وأعْوَرَّ المَنْزِلُ: بدت عَوْرَتُهُ، واعورَّ الفارس بدا منه خلله للضَّرْبِ قال الشاعر:
4075 - مَتَى تَلْقَهُمْ لَمْ تَلْقَ فِي البَيْتِ مُعْوَراً ... وَلاَ الصَّيْفَ مَسْجُوراً ولاَ الجَارَ مُرْسَلاً
ثم كذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ .
قوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ ولو دخل عليهم المدينة أو البيوت يعني هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحواب «مِنْ أقْطَارِهَا» جوانبها. وفيه لغة وتروى: أَفْتَار - بالتاء -. والقُطْرُ: الجانب أيضاً ومنه قَطَرْتُهُ أي أَلْقَيْتُهُ على قطره فَتَقَطَّرَ أي وقع عليه قال:
4076 - قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَاراتُها ... مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إِلاَّ أَنَا
وفي المثل: «الانفِضَاضُ يُقَطِّرُ الجَلَب» تفسيره أن القوم إذا انفضوا أي فني زادهم احتاجوا إلى جَلْب الإِبل، وسمي القَطْرُ قطراً لسقوطه.
قوله: «ثُمَّ سُئِلُوا» قرأ مجاهد «سُويِلُوا» بواو ساكنة ثم ياء مكسورة «كقُوتِلُوا» . حتى أبو زيد: هما يَتَسَاوَلاَن بالواو، والحسن: سُولُوا بواو ساكنة فقط فاحتملت وجهين:
أحدهما: أن يكون أصلها: سيلوا كالعامة، ثم خففت الكسرة فسكنت كقولهم في ضَرب - بالكسر - ضرب بالسكون فسكنت الهمزة بعد ضمة فقلبت واواً نحو: بُوسٍ في بُؤْسٍ.
والثاني: أن يكون من لغة الواو، ونقل عن أبي عمرو أنه قرأ سِيلُوا بياء ساكنة بعد كسرة نحو: قِيلوا.
قوله: «لأتَوْهَا» قرأ نافعٌ وابنُ كثير بالقصرب بمعنى لَجَاؤُوهَا وغَشوهَا، والباقون بالمد بمعنى لأعطوها ومفعوله الثاني محذوف تقديره: لآتوها السائلين. والمعنى ولو دخلت البيوت أو المدينة من دميع نواحيها ثم سئل أهلها الفتنة لم يمتنعوا من إعطائها، وقراءة المد يستلزم قراءة القصر من غير عكس بهذا المعنى الخاص.
قوله: «إِلاَّ يَسيراً» أي إلا تَلَبُّثاً أو إلا زماناً يسيراً. وكذلك قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: 16 - 18] أي إلا تَمَتُّعاً أو إلا زمانا قليلاً.
فصل
دلت الآية على أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله فقال تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضاً فليس رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة وهي الشرك، ﴿مّوَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي ام تلبثوا بالمدينة أو البيوت «إلاَّ يَسِيراً» وأن المؤمنين يُخْرِجُونَهُمْ قاله الحسن، وقيل: ما تلبثوا أي ما احْتَبَسُوا عن الفتنة - وهي الشرك - إلا يسيراً ولأسرعوا للإجابة إلى الشرك طيّبةً به أنفُسُهم وهذا قول أكثر المفسِّرين.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل غزوة الخندق ﴿لاَ يُوَلُّونَ الأدبار﴾ عدوهم أي لا ينهزمون قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة هموا يوم الخندق أن يَقْتَتِلُوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن واقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة وقالوا لئن أَشْهَدَنَا اللَّهُ قتالاً لَنُقَاتِلَنَّ فساق الله إليهم ذلك وقال مقالت والكلبي:
«هم سبعون رجلاً جاءوا بايعوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة العقبة وقالوا اشترط لنفسك ولربك ما شئتَ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم قالوا: وإذا فعلنا ذلك (فما لنا يا رسول الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قالوا: قد فعلنا فذلك) عهدهم» ، وهذا القول ليس بمَرْضِيٍّ؛ لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين لم يكن فيهم شَاكٌّ ولا مَنْ يقول مثل هذا القول وإنما الآية في قوم عاهدوا الله أن يقاتلوا ولا يَفِرُّوا فَنَقَضُوا العهد. وهذا بيان لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذراً ونَدَماً ثم هددهم بقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ أي مَسْؤُولاً عنه.
قوله: «لاَ يُوَلُّونَ» جواب لقوله: «عَاهَدُوا» لأنه في معنى: «أقسموا» وجاء على حكاية اللفظ فجاء بلفظ الغيبة ولو جاء على حكاية المعنى لقيل: لا يُولِّي، والمفعول الأول محذوف أي يولون العدو الأدبار. وقال أبو البقاء: ويقرأ بالتشديد تشديد النون وحذف الواو على تأكيد جواب القسم. قال شهاب الدين: ولا اظن هذا إلا غلظاً منه وذلك أنه إما أن يُقْرأ مع ذلك بلا النافية أو بلام التأكيد، والأول لا يجوز لأن المضارع المنفي بلا لا يؤكد بالنون إلا ما نَدَرَ مما لا يقاس عليه والثاني فاسد المعنى.
قوله: «إنْ فَرَرْتُمْ» جوابه محذوف لدلالة النفي قبله عليه أو متقدم عند من يرى ذلك.
قوله: ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ إذَنْ جواب وجزاء، ولما وقعت بعد عاطف جاءت على الأكثر وهو عدم إعمالها ولم يشذّ هنا ما شَذَّ في الإسراء، فلم يقرأ بالنصب، والعامة بالخطاب في «تُمَتَّعُونَ» . وقرىء بالغيبة.
فصل
المعنى: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَو القَتْلِ} الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أوقتل ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي لا تمتعون بعد الفِرار إلا مدة آجالكم وهي قليل. وهذا إشارة إلى ان الأمور مقدرة لا يمكن الفرار مما قدره الله لأنه كائن لا محالة فلو فررتم لما دمتم بل لا تمتعون إلا قليلاً وهو ما بقي من آجالكم فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه شيئاً كثيراً.
قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ تقدم في البقرة، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجْرِيَ مُجْرَى قوله:
مُتَقَلِّداً سيفاً وَرُمْحاً ...
أو حمل الثاني على الأول لما في العِصْمَةِ من معنى المنع قال أبو حيان: أما الوجه الأول فيه حذف جملة لا ضرورة تدعو إلى حذفها، والثاني هو الوجه لا سيما إذا قدر مضاف محذوف أي يمنعكم من مُرَادِ الله، قال شهاب الدين: وأين الثاني من الأول ولو كان معه حذف جُمَلٍ.
فصل
المعنى من ذا الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً هزيمة أو أراد بكم رحمة نُصْرَةً، وهذا بيان لما تقدم من قوله: ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار﴾ وقوله: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ تقرير لقوله: ﴿مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ الله﴾ أي ليس لكم شفيع أي قريب ينفعكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم السوء إذا أتاكم.
الأحزاب 33:12
والثاني: أنه معطوف على «أَخَذْنَا» ح لأن المعنى أن الله أكد على النبياء الدعوة إلى دينه لإثابة المؤمنين وأعد للكافرين، وقيل: إنه حذف من الثاني ما أثبت مُقَابِلُهُ في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابلهُ في الثاني والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ويسأل الكافرين عما أجابوا رُسُلَهُمْ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ .
فصل
قال المفسرون: المعنى أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الصادقين عن صدقهم يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة والحكمة في سؤالهم مع علمه أنهم صادقون بتبكيت من أرسلوا إليهم. وقيل: ليسأل الصادقين عن علمهم بالله عَزَّ وَجَلَّ، وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ... ﴾ الآية وهذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك حين حُوصِرَ المسلمون مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أيام الخَنْدَق، واجتمع الأحزاب واشتد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم، ونزلوا على المدينة وعمل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الخَنْدَق وكان الأمر في غاية الشدة والخوف بالغاً إلى الغاية والله دفع القوم عنهم من غير قتال وآمَنَهُمْ من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبدُ غَيْرَ ربه فإنه القادر على كل الممكنات فكان قادراً على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم ضعفاء كما قهر الكافين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم.
قوله: «إذْ جَاءَتْكُمْ» يجوز أن يكون منصوباً «بنعمة» أي النعمة الواقعة في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون منصوباً باذْكُرُوا على أن يكون بدلاً من «نعمة» بدل اشتمال، والمراد بالجنون الأحزاب وهم قريش وغَطفَان، ويهود قُرَيْظَةَ والنَّضِير ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً﴾ وهي الصَّبَا، قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلق بنصر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالت الشمالُ إن الحرَّّة لا تَسْرِي بالليل فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا وروى مجاهد عن ابن عباس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «قال:» نُصِرتُ بالصَّبَا وأهلكَتْ عَادٌ بالدَّبورِ»
قوله: ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ قرأ الحسن بفتح الجيم، والعامة بضمها، و «جُنَوداً» عطفاً على» ريحاً «و» لَمْ تروها «صفة لهم، وروي عن أبي عمرو، وأبي بكر» لم يَرَوْهَا «بياء الغيبة، وهم الملائكة ولم تقاتل الملائكة يومئذ فبعث الله عليهم تلك اليلة ريحاً باردة فقلعت الأوتاد وقطعت أطنا الفَسَاطِيطِ وأطفأت النيرانَ وأَكْفَأت القُدُورَ، وجالت الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُمَّ إليَّ فإذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَا النَّجَا أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال. ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ وهذا إشارة إلى أنه الله علم التجاءكم إليه وجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداد والقصة مشهورة.
قوله:» إِذْ جَاؤُوكُمْ» بدل من «إذْ» الأولى، والحناجر جمع» حَنْجَرَةٍ «وهي رأس الغَلْصَمَةِ والغَلْصَمَة منتهى الحُلْقُومِ، والحلقوم مجرى الطعام والشراب، وقيل: الحلقوم مَجْرَى النفس والمريء الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم وقال الرَّاغِبُ: رَأْسُ الغَْصَمَةِ من خارج.
قوله: «الظُّنُونا» قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بإثبات ألف بعد نون» الظُّنُون «ولام الرسول في قوله:
﴿وَأَطَعْنَا الرسولا﴾ [الأحزاب: 66] ولام السبيل في قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ [الأحزاب: 67] وصلاً وَوَقْفاً موافقة للرسم؛ لأنهن رسمن في المصحف كذلك وأيضاً فإن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت تثبت وَقْفاً للحاجة إليها وقد ثبتت وصلاً إجراءً للوصل مُجْرَى الوقف كما تقدم في البقرة والأنعام فكذلك هذه الألف، وقرأ أبو عمرو وحمزةُ بحذفها في الحالين؛ لأنها لا أصل لها وقولهم: أجريت الفواصل مُجْرَى القوافي غير معتدٍّ به لأن القوافيَ يلتزم الوقف عليها غاباً، والفواصل لا يلزم ذلك فيها فلا تُشَبَّهُ بها، والباقون بإثباتها وقفاً وحذفها وصلاً إجراء للفواصل مُجْرَى القوافي في ثبوت ألف الإطلاق كقوله:
4069 - اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفَاءِ وَبِالعَدْلِ ... وَوَلَّى المَلاَمَةَ الرَّجُلاَ
وقوله:
4070 - أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَا ... وَقُولِي إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَابَا
ولأنها كهاء السكت وهي تثبت وقفاً وتحذف وصلاً، قال شهاب الدين:» كذلك يقولون تشبيهاً للفواصل بالقوافي وأنا لا أحب هذه العبارة فإِنها منكرة لفظاً» . ولا خلاف في قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أنه بغير ألف في الحالين.
فصل
المعنى إذْ جَاؤُوكُمْ من فوقكم أي من فوق الوادي من قبل المَشْرِق وهم «أَسَدٌ» ، وغَطَفَان عليهم مالكُ بن عَوْف النَّضرِيّ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْن الفزَاريّ في ألفٍ من غَطَفَانَ ومنهم طلحةُ بن خُوَيْلد الأسَدِيّ في بني أسد، وحُيَيّ بن أَخْطَبَ في يهودِ بني قُرَيْظَةِ ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي من بطن الوادي من قِبَلِ المَغْرب وهم قُرَيْشٌ وكِنَانَةُ عليهم أبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ ومن معه وأبو الأعور بن سُفْيَانَ السُّلَمِي من قبل الخندق، وكان الذي جر غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَنِي النَّضِير من ديارهم ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار﴾ مالت وشَخِصَتْ من الرعب، وقيل: مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها ﴿وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر﴾ فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحُلُوق من الفَزَع، وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف. قال الفراء معناه أنهم جَبنُوا، سبيل الجَبَان إذا اشتد خوفه أن تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب إلى الحنجرة ولهذا يقال للجبال: انتفخ سحره؛ لأن القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يَسُدَّ مخرج النفس فلا يقدر المرء (أن) يتنفس ويموت من الخوف. ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ وهو اختلاف الظنون، فظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم.
فإن قيل: المَصْدَرُ لا يُجْمَعُ فما الفائدة من جمع الظنون؟
فالجواب: لا شك أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدراً كما يقال: «ضَرَبْتُهُ سِيَاطاً» و «أَدَّبْتُهُ مِرَاراً» فكأنه قال: ظَنَنْتُمْ ظَنّاً جاز أن يكون مصيبين فإذا قال: ظُنُوناً بين أن فيهم من كان ظنه كاذباً لأن الظنون قد تكذب كلها، وقد تكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد كما إذا رأى جمع جسماً من بعيد فظنه بعضهم أنه زيدٌ، وآخرونَ أنه عمرو، وآخرون أنه بكرٌ، ثم ظهر لهم الحق قد يكونون كلهم مخطئين والمرئي شجر أو حجر، وقد يكون أحدهم مصيباً ولا يمكن أن يكونوا كلهم مُصِيبِين في ظنونهم، فقوله: «الظُّنون» فادنا ان فيهم من أخطأ الظن، ولو قال: ﴿تظنون بالله ظناً﴾ ما كان يفيد هذا، والألف واللام في «الظنون» يمكن أن تكون للاستغراق مبالغة بمعنى تظنون كل ظن، ولأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئاً، ويمكن أن تكون الألف واللام للعهد أي ظنونهم المعهودة؛ لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قاله عليه (الصلاة و) السلام:
«ظُنُّوا باللَّهِ خَيْراً» ومن الكافر الظن السوء كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [ص: 27] وقوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ [الأنعام: 148] .
قوله: «هُنَالِكَ» منصوب «بابْتُلِيَ» . وقيل: «بتَظُنُّونَ» واستضعفه ابن عطية وفيه وجهان:
أحدهما: أنه ظرف مكان بعيد أي في ذلك المكان الدحْضِ وهو الخَنْدق.
والثاني: أنه ظرف زمان، وأنشد بعضهم على ذلك:
4071 - وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمَتْ وَتَشَاكَلَتْ ... فَهُنَاكَ يَعْتَرِفُونَ أَيْنَ المَفْزَعُ
«وَزُلْزِلُوا» قرأ العامة بضم الزاي الأولى، (وكسر الثانية على اصل ما لم يسم فاعله، وروى غير واحد عن «أبي عمرو» كسر الأولى) ، وروى الزمخشري عنه إشمامها كسراُ، ووجه هذه القراءة أن يكون أتبع الزاي الأولى للثانية في الكسر ولم يعتد بالساكن لكونه غير حصين كقولهم: مِبين - بكسر الميم - والأصل ضمها.
قوله: «زِلْزَالاً» مصدر مُبَيِّن للنوع بالوصف والعامة على كسر الزاي، وعيسى، والجَحْدَرِيّ فتحاها وهما لغتان في مصدر الفعل المضعف إذا جاء على «فعلال» نحو: «زَلْزَال، وقَلقالَ وصَلْصَال، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو: صَلْصَال بمعنى مُصَلْصِلٌ بمعنى» مُزَلْزِل» .
فصل
قال المفسرون: معنى ابتلي المؤمنون اختبر المؤمنون بالحَصْرِ والقتال ليبين المخلص من المنافق، والابتلاء من الله ليس لإبانة الأمر له بل لحكمة أخرى وهي أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد أظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة عزم على معاقبته على مخالفته، وعنده غير من العبيد أو غيرهم فيأمره بأمر عالماً بأنه مخالف لكي يتبين الأمر عند الغير فيقع المعاقبة على أحسن الوجوه حيث لا يقع لأحد أنه يظلم، وقوله: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي أزعجوا وحركوا حركة شديدة فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ذكر الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ معتب بن قُشَيْر، وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه ﴿والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شك وضعف اعتقاد ﴿مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ وهذا تفسير الظنون وبيان لها، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زوراً ووعدهما كان غروراً حيث ظنوا بأن الغلبة واقعة لهم يَعِدُنَا محمدٌ فَتْحَ قُصُرِ الشام وفارسَ وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله هذا والله الغرور.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي من المنافقين «وهم أوس بن قيظي وأصحابه» ﴿ياأهل يَثْرِبَ﴾ يعني المدينة، قال أبو عبيد (ة) : يَثْرِبُ: اسم أرض ومدينة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في ناحية منها، وفي بعض الأخبار: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى أن تمسى المدينةُ يَثْرِبَ، وقال: هي طابة» كأنه كره هذه اللفظة، وقال أهل اللغة: يثرب اسم المدينة، وقيل: اسم البقعة التي فيها المدينة، وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو للعلمية والتأنيث، وأما يَتْرَب - بالتاء المثناة وفتح الراء فموضع ضع آخر باليمن، قال الشاعر:
4072 - وَعَدْتَ وَكَانَ الخُلْفُ مِنْكَ سَجِيَّةً ... مَواعِيدَ عُزْقُوب أَخَاء بِيَتْرَبِ
وقال:
4073 - وَقَدْ وَعَدْتُكَ مَوْعِداً لوقت ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب
﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ قرأ حفصٌ، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ بضم الميم، ونافعٌ وابنُ عامر بضم ميمة أيضاً في الدخان في قوله: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ﴾ [الدخان: 51] ولم يختلف في الأولى أنه بالفتح وهو «مقام كريم» والباقون بفتح الميم في الموضعين، والضم والفتح مفهومان من سورة مريم عند قوله: ﴿خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم: 73] فمعنى الفتح لا مكان لكم تنزلون به وتقيمون فيه. ومعنى الضم لا إقامة لكم فارجعوا إلى منازلكم عن اتباع محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وقيل: عن القتال إلى منازلكم. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي﴾ هم بنو حارثة وبنو سلمة ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي خالية ضائعة، وهي مما يلي العدو ويخشى عليها السُّراق.
قوله: «عَورةٌ» أي ذاتُ عورة، وقيل: منكشفة أي قصيرة الجُدْرَان للسارق وقال الشاعر:
4074 - لَهُ الشِّدَّةُ الأُولَى إِذَا القَرْنُ أَعْوَرَا ...
وقرأ ابن عباس وابنَ يَعْمُرَ وقتادةُ وأبو رجاء وأبو حَيْوَة وآخرون: عَورة بكسر الواو وكذلك ﴿وَمَا هِيَ بِعَورَةٍ﴾ ، وهما اسم فاعل، يقال: عَوِرَ المنزلُ: يَعْوِرُ عَوَراً وعَوِرَة فهو عَوِرٌ، وبيوتٌ عَوِرَةٌ، قال ابن جني: تصحيح الواو شاذ، يعني حيث تحركت وانفتح ما قبلها ولم تقلب ألفاً، وفيه نظر لأن شرط ذاك في الاسم الجاري على الفعل أن يعتل فعله نحومَقَامٍ ومَقَالٍ، وأما هذا ففعله صحيح نحو عَوِرَ، وإنما صح الفعل وإن كان فيه مقتضى الإعلال لِمَدْرَكٍ آخر وهو أنه في معنى ما لا يعلم وهو «أعور» ولذلك لم نتعجب من «عور» وبابه، وأعْوَرَّ المَنْزِلُ: بدت عَوْرَتُهُ، واعورَّ الفارس بدا منه خلله للضَّرْبِ قال الشاعر:
4075 - مَتَى تَلْقَهُمْ لَمْ تَلْقَ فِي البَيْتِ مُعْوَراً ... وَلاَ الصَّيْفَ مَسْجُوراً ولاَ الجَارَ مُرْسَلاً
ثم كذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ .
قوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ ولو دخل عليهم المدينة أو البيوت يعني هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحواب «مِنْ أقْطَارِهَا» جوانبها. وفيه لغة وتروى: أَفْتَار - بالتاء -. والقُطْرُ: الجانب أيضاً ومنه قَطَرْتُهُ أي أَلْقَيْتُهُ على قطره فَتَقَطَّرَ أي وقع عليه قال:
4076 - قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَاراتُها ... مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إِلاَّ أَنَا
وفي المثل: «الانفِضَاضُ يُقَطِّرُ الجَلَب» تفسيره أن القوم إذا انفضوا أي فني زادهم احتاجوا إلى جَلْب الإِبل، وسمي القَطْرُ قطراً لسقوطه.
قوله: «ثُمَّ سُئِلُوا» قرأ مجاهد «سُويِلُوا» بواو ساكنة ثم ياء مكسورة «كقُوتِلُوا» . حتى أبو زيد: هما يَتَسَاوَلاَن بالواو، والحسن: سُولُوا بواو ساكنة فقط فاحتملت وجهين:
أحدهما: أن يكون أصلها: سيلوا كالعامة، ثم خففت الكسرة فسكنت كقولهم في ضَرب - بالكسر - ضرب بالسكون فسكنت الهمزة بعد ضمة فقلبت واواً نحو: بُوسٍ في بُؤْسٍ.
والثاني: أن يكون من لغة الواو، ونقل عن أبي عمرو أنه قرأ سِيلُوا بياء ساكنة بعد كسرة نحو: قِيلوا.
قوله: «لأتَوْهَا» قرأ نافعٌ وابنُ كثير بالقصرب بمعنى لَجَاؤُوهَا وغَشوهَا، والباقون بالمد بمعنى لأعطوها ومفعوله الثاني محذوف تقديره: لآتوها السائلين. والمعنى ولو دخلت البيوت أو المدينة من دميع نواحيها ثم سئل أهلها الفتنة لم يمتنعوا من إعطائها، وقراءة المد يستلزم قراءة القصر من غير عكس بهذا المعنى الخاص.
قوله: «إِلاَّ يَسيراً» أي إلا تَلَبُّثاً أو إلا زماناً يسيراً. وكذلك قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: 16 - 18] أي إلا تَمَتُّعاً أو إلا زمانا قليلاً.
فصل
دلت الآية على أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله فقال تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضاً فليس رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة وهي الشرك، ﴿مّوَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي ام تلبثوا بالمدينة أو البيوت «إلاَّ يَسِيراً» وأن المؤمنين يُخْرِجُونَهُمْ قاله الحسن، وقيل: ما تلبثوا أي ما احْتَبَسُوا عن الفتنة - وهي الشرك - إلا يسيراً ولأسرعوا للإجابة إلى الشرك طيّبةً به أنفُسُهم وهذا قول أكثر المفسِّرين.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل غزوة الخندق ﴿لاَ يُوَلُّونَ الأدبار﴾ عدوهم أي لا ينهزمون قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة هموا يوم الخندق أن يَقْتَتِلُوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن واقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة وقالوا لئن أَشْهَدَنَا اللَّهُ قتالاً لَنُقَاتِلَنَّ فساق الله إليهم ذلك وقال مقالت والكلبي:
«هم سبعون رجلاً جاءوا بايعوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة العقبة وقالوا اشترط لنفسك ولربك ما شئتَ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم قالوا: وإذا فعلنا ذلك (فما لنا يا رسول الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قالوا: قد فعلنا فذلك) عهدهم» ، وهذا القول ليس بمَرْضِيٍّ؛ لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين لم يكن فيهم شَاكٌّ ولا مَنْ يقول مثل هذا القول وإنما الآية في قوم عاهدوا الله أن يقاتلوا ولا يَفِرُّوا فَنَقَضُوا العهد. وهذا بيان لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذراً ونَدَماً ثم هددهم بقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ أي مَسْؤُولاً عنه.
قوله: «لاَ يُوَلُّونَ» جواب لقوله: «عَاهَدُوا» لأنه في معنى: «أقسموا» وجاء على حكاية اللفظ فجاء بلفظ الغيبة ولو جاء على حكاية المعنى لقيل: لا يُولِّي، والمفعول الأول محذوف أي يولون العدو الأدبار. وقال أبو البقاء: ويقرأ بالتشديد تشديد النون وحذف الواو على تأكيد جواب القسم. قال شهاب الدين: ولا اظن هذا إلا غلظاً منه وذلك أنه إما أن يُقْرأ مع ذلك بلا النافية أو بلام التأكيد، والأول لا يجوز لأن المضارع المنفي بلا لا يؤكد بالنون إلا ما نَدَرَ مما لا يقاس عليه والثاني فاسد المعنى.
قوله: «إنْ فَرَرْتُمْ» جوابه محذوف لدلالة النفي قبله عليه أو متقدم عند من يرى ذلك.
قوله: ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ إذَنْ جواب وجزاء، ولما وقعت بعد عاطف جاءت على الأكثر وهو عدم إعمالها ولم يشذّ هنا ما شَذَّ في الإسراء، فلم يقرأ بالنصب، والعامة بالخطاب في «تُمَتَّعُونَ» . وقرىء بالغيبة.
فصل
المعنى: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَو القَتْلِ} الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أوقتل ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي لا تمتعون بعد الفِرار إلا مدة آجالكم وهي قليل. وهذا إشارة إلى ان الأمور مقدرة لا يمكن الفرار مما قدره الله لأنه كائن لا محالة فلو فررتم لما دمتم بل لا تمتعون إلا قليلاً وهو ما بقي من آجالكم فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه شيئاً كثيراً.
قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ تقدم في البقرة، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجْرِيَ مُجْرَى قوله:
مُتَقَلِّداً سيفاً وَرُمْحاً ...
أو حمل الثاني على الأول لما في العِصْمَةِ من معنى المنع قال أبو حيان: أما الوجه الأول فيه حذف جملة لا ضرورة تدعو إلى حذفها، والثاني هو الوجه لا سيما إذا قدر مضاف محذوف أي يمنعكم من مُرَادِ الله، قال شهاب الدين: وأين الثاني من الأول ولو كان معه حذف جُمَلٍ.
فصل
المعنى من ذا الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً هزيمة أو أراد بكم رحمة نُصْرَةً، وهذا بيان لما تقدم من قوله: ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار﴾ وقوله: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ تقرير لقوله: ﴿مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ الله﴾ أي ليس لكم شفيع أي قريب ينفعكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم السوء إذا أتاكم.
الأحزاب 33:13
والثاني: أنه معطوف على «أَخَذْنَا» ح لأن المعنى أن الله أكد على النبياء الدعوة إلى دينه لإثابة المؤمنين وأعد للكافرين، وقيل: إنه حذف من الثاني ما أثبت مُقَابِلُهُ في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابلهُ في الثاني والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ويسأل الكافرين عما أجابوا رُسُلَهُمْ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ .
فصل
قال المفسرون: المعنى أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الصادقين عن صدقهم يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة والحكمة في سؤالهم مع علمه أنهم صادقون بتبكيت من أرسلوا إليهم. وقيل: ليسأل الصادقين عن علمهم بالله عَزَّ وَجَلَّ، وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ... ﴾ الآية وهذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك حين حُوصِرَ المسلمون مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أيام الخَنْدَق، واجتمع الأحزاب واشتد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم، ونزلوا على المدينة وعمل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الخَنْدَق وكان الأمر في غاية الشدة والخوف بالغاً إلى الغاية والله دفع القوم عنهم من غير قتال وآمَنَهُمْ من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبدُ غَيْرَ ربه فإنه القادر على كل الممكنات فكان قادراً على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم ضعفاء كما قهر الكافين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم.
قوله: «إذْ جَاءَتْكُمْ» يجوز أن يكون منصوباً «بنعمة» أي النعمة الواقعة في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون منصوباً باذْكُرُوا على أن يكون بدلاً من «نعمة» بدل اشتمال، والمراد بالجنون الأحزاب وهم قريش وغَطفَان، ويهود قُرَيْظَةَ والنَّضِير ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً﴾ وهي الصَّبَا، قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلق بنصر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالت الشمالُ إن الحرَّّة لا تَسْرِي بالليل فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا وروى مجاهد عن ابن عباس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «قال:» نُصِرتُ بالصَّبَا وأهلكَتْ عَادٌ بالدَّبورِ»
قوله: ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ قرأ الحسن بفتح الجيم، والعامة بضمها، و «جُنَوداً» عطفاً على» ريحاً «و» لَمْ تروها «صفة لهم، وروي عن أبي عمرو، وأبي بكر» لم يَرَوْهَا «بياء الغيبة، وهم الملائكة ولم تقاتل الملائكة يومئذ فبعث الله عليهم تلك اليلة ريحاً باردة فقلعت الأوتاد وقطعت أطنا الفَسَاطِيطِ وأطفأت النيرانَ وأَكْفَأت القُدُورَ، وجالت الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُمَّ إليَّ فإذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَا النَّجَا أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال. ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ وهذا إشارة إلى أنه الله علم التجاءكم إليه وجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداد والقصة مشهورة.
قوله:» إِذْ جَاؤُوكُمْ» بدل من «إذْ» الأولى، والحناجر جمع» حَنْجَرَةٍ «وهي رأس الغَلْصَمَةِ والغَلْصَمَة منتهى الحُلْقُومِ، والحلقوم مجرى الطعام والشراب، وقيل: الحلقوم مَجْرَى النفس والمريء الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم وقال الرَّاغِبُ: رَأْسُ الغَْصَمَةِ من خارج.
قوله: «الظُّنُونا» قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بإثبات ألف بعد نون» الظُّنُون «ولام الرسول في قوله:
﴿وَأَطَعْنَا الرسولا﴾ [الأحزاب: 66] ولام السبيل في قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ [الأحزاب: 67] وصلاً وَوَقْفاً موافقة للرسم؛ لأنهن رسمن في المصحف كذلك وأيضاً فإن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت تثبت وَقْفاً للحاجة إليها وقد ثبتت وصلاً إجراءً للوصل مُجْرَى الوقف كما تقدم في البقرة والأنعام فكذلك هذه الألف، وقرأ أبو عمرو وحمزةُ بحذفها في الحالين؛ لأنها لا أصل لها وقولهم: أجريت الفواصل مُجْرَى القوافي غير معتدٍّ به لأن القوافيَ يلتزم الوقف عليها غاباً، والفواصل لا يلزم ذلك فيها فلا تُشَبَّهُ بها، والباقون بإثباتها وقفاً وحذفها وصلاً إجراء للفواصل مُجْرَى القوافي في ثبوت ألف الإطلاق كقوله:
4069 - اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفَاءِ وَبِالعَدْلِ ... وَوَلَّى المَلاَمَةَ الرَّجُلاَ
وقوله:
4070 - أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَا ... وَقُولِي إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَابَا
ولأنها كهاء السكت وهي تثبت وقفاً وتحذف وصلاً، قال شهاب الدين:» كذلك يقولون تشبيهاً للفواصل بالقوافي وأنا لا أحب هذه العبارة فإِنها منكرة لفظاً» . ولا خلاف في قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أنه بغير ألف في الحالين.
فصل
المعنى إذْ جَاؤُوكُمْ من فوقكم أي من فوق الوادي من قبل المَشْرِق وهم «أَسَدٌ» ، وغَطَفَان عليهم مالكُ بن عَوْف النَّضرِيّ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْن الفزَاريّ في ألفٍ من غَطَفَانَ ومنهم طلحةُ بن خُوَيْلد الأسَدِيّ في بني أسد، وحُيَيّ بن أَخْطَبَ في يهودِ بني قُرَيْظَةِ ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي من بطن الوادي من قِبَلِ المَغْرب وهم قُرَيْشٌ وكِنَانَةُ عليهم أبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ ومن معه وأبو الأعور بن سُفْيَانَ السُّلَمِي من قبل الخندق، وكان الذي جر غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَنِي النَّضِير من ديارهم ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار﴾ مالت وشَخِصَتْ من الرعب، وقيل: مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها ﴿وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر﴾ فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحُلُوق من الفَزَع، وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف. قال الفراء معناه أنهم جَبنُوا، سبيل الجَبَان إذا اشتد خوفه أن تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب إلى الحنجرة ولهذا يقال للجبال: انتفخ سحره؛ لأن القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يَسُدَّ مخرج النفس فلا يقدر المرء (أن) يتنفس ويموت من الخوف. ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ وهو اختلاف الظنون، فظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم.
فإن قيل: المَصْدَرُ لا يُجْمَعُ فما الفائدة من جمع الظنون؟
فالجواب: لا شك أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدراً كما يقال: «ضَرَبْتُهُ سِيَاطاً» و «أَدَّبْتُهُ مِرَاراً» فكأنه قال: ظَنَنْتُمْ ظَنّاً جاز أن يكون مصيبين فإذا قال: ظُنُوناً بين أن فيهم من كان ظنه كاذباً لأن الظنون قد تكذب كلها، وقد تكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد كما إذا رأى جمع جسماً من بعيد فظنه بعضهم أنه زيدٌ، وآخرونَ أنه عمرو، وآخرون أنه بكرٌ، ثم ظهر لهم الحق قد يكونون كلهم مخطئين والمرئي شجر أو حجر، وقد يكون أحدهم مصيباً ولا يمكن أن يكونوا كلهم مُصِيبِين في ظنونهم، فقوله: «الظُّنون» فادنا ان فيهم من أخطأ الظن، ولو قال: ﴿تظنون بالله ظناً﴾ ما كان يفيد هذا، والألف واللام في «الظنون» يمكن أن تكون للاستغراق مبالغة بمعنى تظنون كل ظن، ولأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئاً، ويمكن أن تكون الألف واللام للعهد أي ظنونهم المعهودة؛ لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قاله عليه (الصلاة و) السلام:
«ظُنُّوا باللَّهِ خَيْراً» ومن الكافر الظن السوء كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [ص: 27] وقوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ [الأنعام: 148] .
قوله: «هُنَالِكَ» منصوب «بابْتُلِيَ» . وقيل: «بتَظُنُّونَ» واستضعفه ابن عطية وفيه وجهان:
أحدهما: أنه ظرف مكان بعيد أي في ذلك المكان الدحْضِ وهو الخَنْدق.
والثاني: أنه ظرف زمان، وأنشد بعضهم على ذلك:
4071 - وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمَتْ وَتَشَاكَلَتْ ... فَهُنَاكَ يَعْتَرِفُونَ أَيْنَ المَفْزَعُ
«وَزُلْزِلُوا» قرأ العامة بضم الزاي الأولى، (وكسر الثانية على اصل ما لم يسم فاعله، وروى غير واحد عن «أبي عمرو» كسر الأولى) ، وروى الزمخشري عنه إشمامها كسراُ، ووجه هذه القراءة أن يكون أتبع الزاي الأولى للثانية في الكسر ولم يعتد بالساكن لكونه غير حصين كقولهم: مِبين - بكسر الميم - والأصل ضمها.
قوله: «زِلْزَالاً» مصدر مُبَيِّن للنوع بالوصف والعامة على كسر الزاي، وعيسى، والجَحْدَرِيّ فتحاها وهما لغتان في مصدر الفعل المضعف إذا جاء على «فعلال» نحو: «زَلْزَال، وقَلقالَ وصَلْصَال، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو: صَلْصَال بمعنى مُصَلْصِلٌ بمعنى» مُزَلْزِل» .
فصل
قال المفسرون: معنى ابتلي المؤمنون اختبر المؤمنون بالحَصْرِ والقتال ليبين المخلص من المنافق، والابتلاء من الله ليس لإبانة الأمر له بل لحكمة أخرى وهي أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد أظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة عزم على معاقبته على مخالفته، وعنده غير من العبيد أو غيرهم فيأمره بأمر عالماً بأنه مخالف لكي يتبين الأمر عند الغير فيقع المعاقبة على أحسن الوجوه حيث لا يقع لأحد أنه يظلم، وقوله: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي أزعجوا وحركوا حركة شديدة فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ذكر الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ معتب بن قُشَيْر، وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه ﴿والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شك وضعف اعتقاد ﴿مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ وهذا تفسير الظنون وبيان لها، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زوراً ووعدهما كان غروراً حيث ظنوا بأن الغلبة واقعة لهم يَعِدُنَا محمدٌ فَتْحَ قُصُرِ الشام وفارسَ وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله هذا والله الغرور.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي من المنافقين «وهم أوس بن قيظي وأصحابه» ﴿ياأهل يَثْرِبَ﴾ يعني المدينة، قال أبو عبيد (ة) : يَثْرِبُ: اسم أرض ومدينة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في ناحية منها، وفي بعض الأخبار: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى أن تمسى المدينةُ يَثْرِبَ، وقال: هي طابة» كأنه كره هذه اللفظة، وقال أهل اللغة: يثرب اسم المدينة، وقيل: اسم البقعة التي فيها المدينة، وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو للعلمية والتأنيث، وأما يَتْرَب - بالتاء المثناة وفتح الراء فموضع ضع آخر باليمن، قال الشاعر:
4072 - وَعَدْتَ وَكَانَ الخُلْفُ مِنْكَ سَجِيَّةً ... مَواعِيدَ عُزْقُوب أَخَاء بِيَتْرَبِ
وقال:
4073 - وَقَدْ وَعَدْتُكَ مَوْعِداً لوقت ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب
﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ قرأ حفصٌ، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ بضم الميم، ونافعٌ وابنُ عامر بضم ميمة أيضاً في الدخان في قوله: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ﴾ [الدخان: 51] ولم يختلف في الأولى أنه بالفتح وهو «مقام كريم» والباقون بفتح الميم في الموضعين، والضم والفتح مفهومان من سورة مريم عند قوله: ﴿خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم: 73] فمعنى الفتح لا مكان لكم تنزلون به وتقيمون فيه. ومعنى الضم لا إقامة لكم فارجعوا إلى منازلكم عن اتباع محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وقيل: عن القتال إلى منازلكم. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي﴾ هم بنو حارثة وبنو سلمة ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي خالية ضائعة، وهي مما يلي العدو ويخشى عليها السُّراق.
قوله: «عَورةٌ» أي ذاتُ عورة، وقيل: منكشفة أي قصيرة الجُدْرَان للسارق وقال الشاعر:
4074 - لَهُ الشِّدَّةُ الأُولَى إِذَا القَرْنُ أَعْوَرَا ...
وقرأ ابن عباس وابنَ يَعْمُرَ وقتادةُ وأبو رجاء وأبو حَيْوَة وآخرون: عَورة بكسر الواو وكذلك ﴿وَمَا هِيَ بِعَورَةٍ﴾ ، وهما اسم فاعل، يقال: عَوِرَ المنزلُ: يَعْوِرُ عَوَراً وعَوِرَة فهو عَوِرٌ، وبيوتٌ عَوِرَةٌ، قال ابن جني: تصحيح الواو شاذ، يعني حيث تحركت وانفتح ما قبلها ولم تقلب ألفاً، وفيه نظر لأن شرط ذاك في الاسم الجاري على الفعل أن يعتل فعله نحومَقَامٍ ومَقَالٍ، وأما هذا ففعله صحيح نحو عَوِرَ، وإنما صح الفعل وإن كان فيه مقتضى الإعلال لِمَدْرَكٍ آخر وهو أنه في معنى ما لا يعلم وهو «أعور» ولذلك لم نتعجب من «عور» وبابه، وأعْوَرَّ المَنْزِلُ: بدت عَوْرَتُهُ، واعورَّ الفارس بدا منه خلله للضَّرْبِ قال الشاعر:
4075 - مَتَى تَلْقَهُمْ لَمْ تَلْقَ فِي البَيْتِ مُعْوَراً ... وَلاَ الصَّيْفَ مَسْجُوراً ولاَ الجَارَ مُرْسَلاً
ثم كذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ .
قوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ ولو دخل عليهم المدينة أو البيوت يعني هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحواب «مِنْ أقْطَارِهَا» جوانبها. وفيه لغة وتروى: أَفْتَار - بالتاء -. والقُطْرُ: الجانب أيضاً ومنه قَطَرْتُهُ أي أَلْقَيْتُهُ على قطره فَتَقَطَّرَ أي وقع عليه قال:
4076 - قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَاراتُها ... مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إِلاَّ أَنَا
وفي المثل: «الانفِضَاضُ يُقَطِّرُ الجَلَب» تفسيره أن القوم إذا انفضوا أي فني زادهم احتاجوا إلى جَلْب الإِبل، وسمي القَطْرُ قطراً لسقوطه.
قوله: «ثُمَّ سُئِلُوا» قرأ مجاهد «سُويِلُوا» بواو ساكنة ثم ياء مكسورة «كقُوتِلُوا» . حتى أبو زيد: هما يَتَسَاوَلاَن بالواو، والحسن: سُولُوا بواو ساكنة فقط فاحتملت وجهين:
أحدهما: أن يكون أصلها: سيلوا كالعامة، ثم خففت الكسرة فسكنت كقولهم في ضَرب - بالكسر - ضرب بالسكون فسكنت الهمزة بعد ضمة فقلبت واواً نحو: بُوسٍ في بُؤْسٍ.
والثاني: أن يكون من لغة الواو، ونقل عن أبي عمرو أنه قرأ سِيلُوا بياء ساكنة بعد كسرة نحو: قِيلوا.
قوله: «لأتَوْهَا» قرأ نافعٌ وابنُ كثير بالقصرب بمعنى لَجَاؤُوهَا وغَشوهَا، والباقون بالمد بمعنى لأعطوها ومفعوله الثاني محذوف تقديره: لآتوها السائلين. والمعنى ولو دخلت البيوت أو المدينة من دميع نواحيها ثم سئل أهلها الفتنة لم يمتنعوا من إعطائها، وقراءة المد يستلزم قراءة القصر من غير عكس بهذا المعنى الخاص.
قوله: «إِلاَّ يَسيراً» أي إلا تَلَبُّثاً أو إلا زماناً يسيراً. وكذلك قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: 16 - 18] أي إلا تَمَتُّعاً أو إلا زمانا قليلاً.
فصل
دلت الآية على أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله فقال تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضاً فليس رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة وهي الشرك، ﴿مّوَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي ام تلبثوا بالمدينة أو البيوت «إلاَّ يَسِيراً» وأن المؤمنين يُخْرِجُونَهُمْ قاله الحسن، وقيل: ما تلبثوا أي ما احْتَبَسُوا عن الفتنة - وهي الشرك - إلا يسيراً ولأسرعوا للإجابة إلى الشرك طيّبةً به أنفُسُهم وهذا قول أكثر المفسِّرين.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل غزوة الخندق ﴿لاَ يُوَلُّونَ الأدبار﴾ عدوهم أي لا ينهزمون قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة هموا يوم الخندق أن يَقْتَتِلُوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن واقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة وقالوا لئن أَشْهَدَنَا اللَّهُ قتالاً لَنُقَاتِلَنَّ فساق الله إليهم ذلك وقال مقالت والكلبي:
«هم سبعون رجلاً جاءوا بايعوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة العقبة وقالوا اشترط لنفسك ولربك ما شئتَ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم قالوا: وإذا فعلنا ذلك (فما لنا يا رسول الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قالوا: قد فعلنا فذلك) عهدهم» ، وهذا القول ليس بمَرْضِيٍّ؛ لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين لم يكن فيهم شَاكٌّ ولا مَنْ يقول مثل هذا القول وإنما الآية في قوم عاهدوا الله أن يقاتلوا ولا يَفِرُّوا فَنَقَضُوا العهد. وهذا بيان لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذراً ونَدَماً ثم هددهم بقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ أي مَسْؤُولاً عنه.
قوله: «لاَ يُوَلُّونَ» جواب لقوله: «عَاهَدُوا» لأنه في معنى: «أقسموا» وجاء على حكاية اللفظ فجاء بلفظ الغيبة ولو جاء على حكاية المعنى لقيل: لا يُولِّي، والمفعول الأول محذوف أي يولون العدو الأدبار. وقال أبو البقاء: ويقرأ بالتشديد تشديد النون وحذف الواو على تأكيد جواب القسم. قال شهاب الدين: ولا اظن هذا إلا غلظاً منه وذلك أنه إما أن يُقْرأ مع ذلك بلا النافية أو بلام التأكيد، والأول لا يجوز لأن المضارع المنفي بلا لا يؤكد بالنون إلا ما نَدَرَ مما لا يقاس عليه والثاني فاسد المعنى.
قوله: «إنْ فَرَرْتُمْ» جوابه محذوف لدلالة النفي قبله عليه أو متقدم عند من يرى ذلك.
قوله: ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ إذَنْ جواب وجزاء، ولما وقعت بعد عاطف جاءت على الأكثر وهو عدم إعمالها ولم يشذّ هنا ما شَذَّ في الإسراء، فلم يقرأ بالنصب، والعامة بالخطاب في «تُمَتَّعُونَ» . وقرىء بالغيبة.
فصل
المعنى: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَو القَتْلِ} الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أوقتل ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي لا تمتعون بعد الفِرار إلا مدة آجالكم وهي قليل. وهذا إشارة إلى ان الأمور مقدرة لا يمكن الفرار مما قدره الله لأنه كائن لا محالة فلو فررتم لما دمتم بل لا تمتعون إلا قليلاً وهو ما بقي من آجالكم فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه شيئاً كثيراً.
قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ تقدم في البقرة، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجْرِيَ مُجْرَى قوله:
مُتَقَلِّداً سيفاً وَرُمْحاً ...
أو حمل الثاني على الأول لما في العِصْمَةِ من معنى المنع قال أبو حيان: أما الوجه الأول فيه حذف جملة لا ضرورة تدعو إلى حذفها، والثاني هو الوجه لا سيما إذا قدر مضاف محذوف أي يمنعكم من مُرَادِ الله، قال شهاب الدين: وأين الثاني من الأول ولو كان معه حذف جُمَلٍ.
فصل
المعنى من ذا الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً هزيمة أو أراد بكم رحمة نُصْرَةً، وهذا بيان لما تقدم من قوله: ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار﴾ وقوله: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ تقرير لقوله: ﴿مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ الله﴾ أي ليس لكم شفيع أي قريب ينفعكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم السوء إذا أتاكم.
الأحزاب 33:14
والثاني: أنه معطوف على «أَخَذْنَا» ح لأن المعنى أن الله أكد على النبياء الدعوة إلى دينه لإثابة المؤمنين وأعد للكافرين، وقيل: إنه حذف من الثاني ما أثبت مُقَابِلُهُ في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابلهُ في الثاني والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ويسأل الكافرين عما أجابوا رُسُلَهُمْ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ .
فصل
قال المفسرون: المعنى أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الصادقين عن صدقهم يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة والحكمة في سؤالهم مع علمه أنهم صادقون بتبكيت من أرسلوا إليهم. وقيل: ليسأل الصادقين عن علمهم بالله عَزَّ وَجَلَّ، وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ... ﴾ الآية وهذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك حين حُوصِرَ المسلمون مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أيام الخَنْدَق، واجتمع الأحزاب واشتد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم، ونزلوا على المدينة وعمل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الخَنْدَق وكان الأمر في غاية الشدة والخوف بالغاً إلى الغاية والله دفع القوم عنهم من غير قتال وآمَنَهُمْ من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبدُ غَيْرَ ربه فإنه القادر على كل الممكنات فكان قادراً على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم ضعفاء كما قهر الكافين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم.
قوله: «إذْ جَاءَتْكُمْ» يجوز أن يكون منصوباً «بنعمة» أي النعمة الواقعة في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون منصوباً باذْكُرُوا على أن يكون بدلاً من «نعمة» بدل اشتمال، والمراد بالجنون الأحزاب وهم قريش وغَطفَان، ويهود قُرَيْظَةَ والنَّضِير ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً﴾ وهي الصَّبَا، قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلق بنصر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالت الشمالُ إن الحرَّّة لا تَسْرِي بالليل فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا وروى مجاهد عن ابن عباس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «قال:» نُصِرتُ بالصَّبَا وأهلكَتْ عَادٌ بالدَّبورِ»
قوله: ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ قرأ الحسن بفتح الجيم، والعامة بضمها، و «جُنَوداً» عطفاً على» ريحاً «و» لَمْ تروها «صفة لهم، وروي عن أبي عمرو، وأبي بكر» لم يَرَوْهَا «بياء الغيبة، وهم الملائكة ولم تقاتل الملائكة يومئذ فبعث الله عليهم تلك اليلة ريحاً باردة فقلعت الأوتاد وقطعت أطنا الفَسَاطِيطِ وأطفأت النيرانَ وأَكْفَأت القُدُورَ، وجالت الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُمَّ إليَّ فإذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَا النَّجَا أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال. ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ وهذا إشارة إلى أنه الله علم التجاءكم إليه وجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداد والقصة مشهورة.
قوله:» إِذْ جَاؤُوكُمْ» بدل من «إذْ» الأولى، والحناجر جمع» حَنْجَرَةٍ «وهي رأس الغَلْصَمَةِ والغَلْصَمَة منتهى الحُلْقُومِ، والحلقوم مجرى الطعام والشراب، وقيل: الحلقوم مَجْرَى النفس والمريء الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم وقال الرَّاغِبُ: رَأْسُ الغَْصَمَةِ من خارج.
قوله: «الظُّنُونا» قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بإثبات ألف بعد نون» الظُّنُون «ولام الرسول في قوله:
﴿وَأَطَعْنَا الرسولا﴾ [الأحزاب: 66] ولام السبيل في قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ [الأحزاب: 67] وصلاً وَوَقْفاً موافقة للرسم؛ لأنهن رسمن في المصحف كذلك وأيضاً فإن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت تثبت وَقْفاً للحاجة إليها وقد ثبتت وصلاً إجراءً للوصل مُجْرَى الوقف كما تقدم في البقرة والأنعام فكذلك هذه الألف، وقرأ أبو عمرو وحمزةُ بحذفها في الحالين؛ لأنها لا أصل لها وقولهم: أجريت الفواصل مُجْرَى القوافي غير معتدٍّ به لأن القوافيَ يلتزم الوقف عليها غاباً، والفواصل لا يلزم ذلك فيها فلا تُشَبَّهُ بها، والباقون بإثباتها وقفاً وحذفها وصلاً إجراء للفواصل مُجْرَى القوافي في ثبوت ألف الإطلاق كقوله:
4069 - اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفَاءِ وَبِالعَدْلِ ... وَوَلَّى المَلاَمَةَ الرَّجُلاَ
وقوله:
4070 - أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَا ... وَقُولِي إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَابَا
ولأنها كهاء السكت وهي تثبت وقفاً وتحذف وصلاً، قال شهاب الدين:» كذلك يقولون تشبيهاً للفواصل بالقوافي وأنا لا أحب هذه العبارة فإِنها منكرة لفظاً» . ولا خلاف في قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أنه بغير ألف في الحالين.
فصل
المعنى إذْ جَاؤُوكُمْ من فوقكم أي من فوق الوادي من قبل المَشْرِق وهم «أَسَدٌ» ، وغَطَفَان عليهم مالكُ بن عَوْف النَّضرِيّ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْن الفزَاريّ في ألفٍ من غَطَفَانَ ومنهم طلحةُ بن خُوَيْلد الأسَدِيّ في بني أسد، وحُيَيّ بن أَخْطَبَ في يهودِ بني قُرَيْظَةِ ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي من بطن الوادي من قِبَلِ المَغْرب وهم قُرَيْشٌ وكِنَانَةُ عليهم أبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ ومن معه وأبو الأعور بن سُفْيَانَ السُّلَمِي من قبل الخندق، وكان الذي جر غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَنِي النَّضِير من ديارهم ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار﴾ مالت وشَخِصَتْ من الرعب، وقيل: مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها ﴿وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر﴾ فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحُلُوق من الفَزَع، وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف. قال الفراء معناه أنهم جَبنُوا، سبيل الجَبَان إذا اشتد خوفه أن تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب إلى الحنجرة ولهذا يقال للجبال: انتفخ سحره؛ لأن القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يَسُدَّ مخرج النفس فلا يقدر المرء (أن) يتنفس ويموت من الخوف. ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ وهو اختلاف الظنون، فظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم.
فإن قيل: المَصْدَرُ لا يُجْمَعُ فما الفائدة من جمع الظنون؟
فالجواب: لا شك أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدراً كما يقال: «ضَرَبْتُهُ سِيَاطاً» و «أَدَّبْتُهُ مِرَاراً» فكأنه قال: ظَنَنْتُمْ ظَنّاً جاز أن يكون مصيبين فإذا قال: ظُنُوناً بين أن فيهم من كان ظنه كاذباً لأن الظنون قد تكذب كلها، وقد تكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد كما إذا رأى جمع جسماً من بعيد فظنه بعضهم أنه زيدٌ، وآخرونَ أنه عمرو، وآخرون أنه بكرٌ، ثم ظهر لهم الحق قد يكونون كلهم مخطئين والمرئي شجر أو حجر، وقد يكون أحدهم مصيباً ولا يمكن أن يكونوا كلهم مُصِيبِين في ظنونهم، فقوله: «الظُّنون» فادنا ان فيهم من أخطأ الظن، ولو قال: ﴿تظنون بالله ظناً﴾ ما كان يفيد هذا، والألف واللام في «الظنون» يمكن أن تكون للاستغراق مبالغة بمعنى تظنون كل ظن، ولأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئاً، ويمكن أن تكون الألف واللام للعهد أي ظنونهم المعهودة؛ لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قاله عليه (الصلاة و) السلام:
«ظُنُّوا باللَّهِ خَيْراً» ومن الكافر الظن السوء كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [ص: 27] وقوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ [الأنعام: 148] .
قوله: «هُنَالِكَ» منصوب «بابْتُلِيَ» . وقيل: «بتَظُنُّونَ» واستضعفه ابن عطية وفيه وجهان:
أحدهما: أنه ظرف مكان بعيد أي في ذلك المكان الدحْضِ وهو الخَنْدق.
والثاني: أنه ظرف زمان، وأنشد بعضهم على ذلك:
4071 - وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمَتْ وَتَشَاكَلَتْ ... فَهُنَاكَ يَعْتَرِفُونَ أَيْنَ المَفْزَعُ
«وَزُلْزِلُوا» قرأ العامة بضم الزاي الأولى، (وكسر الثانية على اصل ما لم يسم فاعله، وروى غير واحد عن «أبي عمرو» كسر الأولى) ، وروى الزمخشري عنه إشمامها كسراُ، ووجه هذه القراءة أن يكون أتبع الزاي الأولى للثانية في الكسر ولم يعتد بالساكن لكونه غير حصين كقولهم: مِبين - بكسر الميم - والأصل ضمها.
قوله: «زِلْزَالاً» مصدر مُبَيِّن للنوع بالوصف والعامة على كسر الزاي، وعيسى، والجَحْدَرِيّ فتحاها وهما لغتان في مصدر الفعل المضعف إذا جاء على «فعلال» نحو: «زَلْزَال، وقَلقالَ وصَلْصَال، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو: صَلْصَال بمعنى مُصَلْصِلٌ بمعنى» مُزَلْزِل» .
فصل
قال المفسرون: معنى ابتلي المؤمنون اختبر المؤمنون بالحَصْرِ والقتال ليبين المخلص من المنافق، والابتلاء من الله ليس لإبانة الأمر له بل لحكمة أخرى وهي أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد أظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة عزم على معاقبته على مخالفته، وعنده غير من العبيد أو غيرهم فيأمره بأمر عالماً بأنه مخالف لكي يتبين الأمر عند الغير فيقع المعاقبة على أحسن الوجوه حيث لا يقع لأحد أنه يظلم، وقوله: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي أزعجوا وحركوا حركة شديدة فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ذكر الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ معتب بن قُشَيْر، وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه ﴿والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شك وضعف اعتقاد ﴿مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ وهذا تفسير الظنون وبيان لها، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زوراً ووعدهما كان غروراً حيث ظنوا بأن الغلبة واقعة لهم يَعِدُنَا محمدٌ فَتْحَ قُصُرِ الشام وفارسَ وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله هذا والله الغرور.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي من المنافقين «وهم أوس بن قيظي وأصحابه» ﴿ياأهل يَثْرِبَ﴾ يعني المدينة، قال أبو عبيد (ة) : يَثْرِبُ: اسم أرض ومدينة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في ناحية منها، وفي بعض الأخبار: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى أن تمسى المدينةُ يَثْرِبَ، وقال: هي طابة» كأنه كره هذه اللفظة، وقال أهل اللغة: يثرب اسم المدينة، وقيل: اسم البقعة التي فيها المدينة، وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو للعلمية والتأنيث، وأما يَتْرَب - بالتاء المثناة وفتح الراء فموضع ضع آخر باليمن، قال الشاعر:
4072 - وَعَدْتَ وَكَانَ الخُلْفُ مِنْكَ سَجِيَّةً ... مَواعِيدَ عُزْقُوب أَخَاء بِيَتْرَبِ
وقال:
4073 - وَقَدْ وَعَدْتُكَ مَوْعِداً لوقت ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب
﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ قرأ حفصٌ، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ بضم الميم، ونافعٌ وابنُ عامر بضم ميمة أيضاً في الدخان في قوله: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ﴾ [الدخان: 51] ولم يختلف في الأولى أنه بالفتح وهو «مقام كريم» والباقون بفتح الميم في الموضعين، والضم والفتح مفهومان من سورة مريم عند قوله: ﴿خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم: 73] فمعنى الفتح لا مكان لكم تنزلون به وتقيمون فيه. ومعنى الضم لا إقامة لكم فارجعوا إلى منازلكم عن اتباع محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وقيل: عن القتال إلى منازلكم. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي﴾ هم بنو حارثة وبنو سلمة ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي خالية ضائعة، وهي مما يلي العدو ويخشى عليها السُّراق.
قوله: «عَورةٌ» أي ذاتُ عورة، وقيل: منكشفة أي قصيرة الجُدْرَان للسارق وقال الشاعر:
4074 - لَهُ الشِّدَّةُ الأُولَى إِذَا القَرْنُ أَعْوَرَا ...
وقرأ ابن عباس وابنَ يَعْمُرَ وقتادةُ وأبو رجاء وأبو حَيْوَة وآخرون: عَورة بكسر الواو وكذلك ﴿وَمَا هِيَ بِعَورَةٍ﴾ ، وهما اسم فاعل، يقال: عَوِرَ المنزلُ: يَعْوِرُ عَوَراً وعَوِرَة فهو عَوِرٌ، وبيوتٌ عَوِرَةٌ، قال ابن جني: تصحيح الواو شاذ، يعني حيث تحركت وانفتح ما قبلها ولم تقلب ألفاً، وفيه نظر لأن شرط ذاك في الاسم الجاري على الفعل أن يعتل فعله نحومَقَامٍ ومَقَالٍ، وأما هذا ففعله صحيح نحو عَوِرَ، وإنما صح الفعل وإن كان فيه مقتضى الإعلال لِمَدْرَكٍ آخر وهو أنه في معنى ما لا يعلم وهو «أعور» ولذلك لم نتعجب من «عور» وبابه، وأعْوَرَّ المَنْزِلُ: بدت عَوْرَتُهُ، واعورَّ الفارس بدا منه خلله للضَّرْبِ قال الشاعر:
4075 - مَتَى تَلْقَهُمْ لَمْ تَلْقَ فِي البَيْتِ مُعْوَراً ... وَلاَ الصَّيْفَ مَسْجُوراً ولاَ الجَارَ مُرْسَلاً
ثم كذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ .
قوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ ولو دخل عليهم المدينة أو البيوت يعني هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحواب «مِنْ أقْطَارِهَا» جوانبها. وفيه لغة وتروى: أَفْتَار - بالتاء -. والقُطْرُ: الجانب أيضاً ومنه قَطَرْتُهُ أي أَلْقَيْتُهُ على قطره فَتَقَطَّرَ أي وقع عليه قال:
4076 - قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَاراتُها ... مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إِلاَّ أَنَا
وفي المثل: «الانفِضَاضُ يُقَطِّرُ الجَلَب» تفسيره أن القوم إذا انفضوا أي فني زادهم احتاجوا إلى جَلْب الإِبل، وسمي القَطْرُ قطراً لسقوطه.
قوله: «ثُمَّ سُئِلُوا» قرأ مجاهد «سُويِلُوا» بواو ساكنة ثم ياء مكسورة «كقُوتِلُوا» . حتى أبو زيد: هما يَتَسَاوَلاَن بالواو، والحسن: سُولُوا بواو ساكنة فقط فاحتملت وجهين:
أحدهما: أن يكون أصلها: سيلوا كالعامة، ثم خففت الكسرة فسكنت كقولهم في ضَرب - بالكسر - ضرب بالسكون فسكنت الهمزة بعد ضمة فقلبت واواً نحو: بُوسٍ في بُؤْسٍ.
والثاني: أن يكون من لغة الواو، ونقل عن أبي عمرو أنه قرأ سِيلُوا بياء ساكنة بعد كسرة نحو: قِيلوا.
قوله: «لأتَوْهَا» قرأ نافعٌ وابنُ كثير بالقصرب بمعنى لَجَاؤُوهَا وغَشوهَا، والباقون بالمد بمعنى لأعطوها ومفعوله الثاني محذوف تقديره: لآتوها السائلين. والمعنى ولو دخلت البيوت أو المدينة من دميع نواحيها ثم سئل أهلها الفتنة لم يمتنعوا من إعطائها، وقراءة المد يستلزم قراءة القصر من غير عكس بهذا المعنى الخاص.
قوله: «إِلاَّ يَسيراً» أي إلا تَلَبُّثاً أو إلا زماناً يسيراً. وكذلك قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: 16 - 18] أي إلا تَمَتُّعاً أو إلا زمانا قليلاً.
فصل
دلت الآية على أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله فقال تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضاً فليس رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة وهي الشرك، ﴿مّوَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي ام تلبثوا بالمدينة أو البيوت «إلاَّ يَسِيراً» وأن المؤمنين يُخْرِجُونَهُمْ قاله الحسن، وقيل: ما تلبثوا أي ما احْتَبَسُوا عن الفتنة - وهي الشرك - إلا يسيراً ولأسرعوا للإجابة إلى الشرك طيّبةً به أنفُسُهم وهذا قول أكثر المفسِّرين.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل غزوة الخندق ﴿لاَ يُوَلُّونَ الأدبار﴾ عدوهم أي لا ينهزمون قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة هموا يوم الخندق أن يَقْتَتِلُوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن واقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة وقالوا لئن أَشْهَدَنَا اللَّهُ قتالاً لَنُقَاتِلَنَّ فساق الله إليهم ذلك وقال مقالت والكلبي:
«هم سبعون رجلاً جاءوا بايعوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة العقبة وقالوا اشترط لنفسك ولربك ما شئتَ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم قالوا: وإذا فعلنا ذلك (فما لنا يا رسول الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قالوا: قد فعلنا فذلك) عهدهم» ، وهذا القول ليس بمَرْضِيٍّ؛ لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين لم يكن فيهم شَاكٌّ ولا مَنْ يقول مثل هذا القول وإنما الآية في قوم عاهدوا الله أن يقاتلوا ولا يَفِرُّوا فَنَقَضُوا العهد. وهذا بيان لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذراً ونَدَماً ثم هددهم بقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ أي مَسْؤُولاً عنه.
قوله: «لاَ يُوَلُّونَ» جواب لقوله: «عَاهَدُوا» لأنه في معنى: «أقسموا» وجاء على حكاية اللفظ فجاء بلفظ الغيبة ولو جاء على حكاية المعنى لقيل: لا يُولِّي، والمفعول الأول محذوف أي يولون العدو الأدبار. وقال أبو البقاء: ويقرأ بالتشديد تشديد النون وحذف الواو على تأكيد جواب القسم. قال شهاب الدين: ولا اظن هذا إلا غلظاً منه وذلك أنه إما أن يُقْرأ مع ذلك بلا النافية أو بلام التأكيد، والأول لا يجوز لأن المضارع المنفي بلا لا يؤكد بالنون إلا ما نَدَرَ مما لا يقاس عليه والثاني فاسد المعنى.
قوله: «إنْ فَرَرْتُمْ» جوابه محذوف لدلالة النفي قبله عليه أو متقدم عند من يرى ذلك.
قوله: ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ إذَنْ جواب وجزاء، ولما وقعت بعد عاطف جاءت على الأكثر وهو عدم إعمالها ولم يشذّ هنا ما شَذَّ في الإسراء، فلم يقرأ بالنصب، والعامة بالخطاب في «تُمَتَّعُونَ» . وقرىء بالغيبة.
فصل
المعنى: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَو القَتْلِ} الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أوقتل ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي لا تمتعون بعد الفِرار إلا مدة آجالكم وهي قليل. وهذا إشارة إلى ان الأمور مقدرة لا يمكن الفرار مما قدره الله لأنه كائن لا محالة فلو فررتم لما دمتم بل لا تمتعون إلا قليلاً وهو ما بقي من آجالكم فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه شيئاً كثيراً.
قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ تقدم في البقرة، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجْرِيَ مُجْرَى قوله:
مُتَقَلِّداً سيفاً وَرُمْحاً ...
أو حمل الثاني على الأول لما في العِصْمَةِ من معنى المنع قال أبو حيان: أما الوجه الأول فيه حذف جملة لا ضرورة تدعو إلى حذفها، والثاني هو الوجه لا سيما إذا قدر مضاف محذوف أي يمنعكم من مُرَادِ الله، قال شهاب الدين: وأين الثاني من الأول ولو كان معه حذف جُمَلٍ.
فصل
المعنى من ذا الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً هزيمة أو أراد بكم رحمة نُصْرَةً، وهذا بيان لما تقدم من قوله: ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار﴾ وقوله: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ تقرير لقوله: ﴿مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ الله﴾ أي ليس لكم شفيع أي قريب ينفعكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم السوء إذا أتاكم.
الأحزاب 33:15
والثاني: أنه معطوف على «أَخَذْنَا» ح لأن المعنى أن الله أكد على النبياء الدعوة إلى دينه لإثابة المؤمنين وأعد للكافرين، وقيل: إنه حذف من الثاني ما أثبت مُقَابِلُهُ في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابلهُ في الثاني والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ويسأل الكافرين عما أجابوا رُسُلَهُمْ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ .
فصل
قال المفسرون: المعنى أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الصادقين عن صدقهم يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة والحكمة في سؤالهم مع علمه أنهم صادقون بتبكيت من أرسلوا إليهم. وقيل: ليسأل الصادقين عن علمهم بالله عَزَّ وَجَلَّ، وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ... ﴾ الآية وهذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك حين حُوصِرَ المسلمون مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أيام الخَنْدَق، واجتمع الأحزاب واشتد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم، ونزلوا على المدينة وعمل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الخَنْدَق وكان الأمر في غاية الشدة والخوف بالغاً إلى الغاية والله دفع القوم عنهم من غير قتال وآمَنَهُمْ من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبدُ غَيْرَ ربه فإنه القادر على كل الممكنات فكان قادراً على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم ضعفاء كما قهر الكافين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم.
قوله: «إذْ جَاءَتْكُمْ» يجوز أن يكون منصوباً «بنعمة» أي النعمة الواقعة في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون منصوباً باذْكُرُوا على أن يكون بدلاً من «نعمة» بدل اشتمال، والمراد بالجنون الأحزاب وهم قريش وغَطفَان، ويهود قُرَيْظَةَ والنَّضِير ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً﴾ وهي الصَّبَا، قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلق بنصر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالت الشمالُ إن الحرَّّة لا تَسْرِي بالليل فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا وروى مجاهد عن ابن عباس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «قال:» نُصِرتُ بالصَّبَا وأهلكَتْ عَادٌ بالدَّبورِ»
قوله: ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ قرأ الحسن بفتح الجيم، والعامة بضمها، و «جُنَوداً» عطفاً على» ريحاً «و» لَمْ تروها «صفة لهم، وروي عن أبي عمرو، وأبي بكر» لم يَرَوْهَا «بياء الغيبة، وهم الملائكة ولم تقاتل الملائكة يومئذ فبعث الله عليهم تلك اليلة ريحاً باردة فقلعت الأوتاد وقطعت أطنا الفَسَاطِيطِ وأطفأت النيرانَ وأَكْفَأت القُدُورَ، وجالت الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُمَّ إليَّ فإذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَا النَّجَا أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال. ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ وهذا إشارة إلى أنه الله علم التجاءكم إليه وجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداد والقصة مشهورة.
قوله:» إِذْ جَاؤُوكُمْ» بدل من «إذْ» الأولى، والحناجر جمع» حَنْجَرَةٍ «وهي رأس الغَلْصَمَةِ والغَلْصَمَة منتهى الحُلْقُومِ، والحلقوم مجرى الطعام والشراب، وقيل: الحلقوم مَجْرَى النفس والمريء الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم وقال الرَّاغِبُ: رَأْسُ الغَْصَمَةِ من خارج.
قوله: «الظُّنُونا» قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بإثبات ألف بعد نون» الظُّنُون «ولام الرسول في قوله:
﴿وَأَطَعْنَا الرسولا﴾ [الأحزاب: 66] ولام السبيل في قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ [الأحزاب: 67] وصلاً وَوَقْفاً موافقة للرسم؛ لأنهن رسمن في المصحف كذلك وأيضاً فإن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت تثبت وَقْفاً للحاجة إليها وقد ثبتت وصلاً إجراءً للوصل مُجْرَى الوقف كما تقدم في البقرة والأنعام فكذلك هذه الألف، وقرأ أبو عمرو وحمزةُ بحذفها في الحالين؛ لأنها لا أصل لها وقولهم: أجريت الفواصل مُجْرَى القوافي غير معتدٍّ به لأن القوافيَ يلتزم الوقف عليها غاباً، والفواصل لا يلزم ذلك فيها فلا تُشَبَّهُ بها، والباقون بإثباتها وقفاً وحذفها وصلاً إجراء للفواصل مُجْرَى القوافي في ثبوت ألف الإطلاق كقوله:
4069 - اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفَاءِ وَبِالعَدْلِ ... وَوَلَّى المَلاَمَةَ الرَّجُلاَ
وقوله:
4070 - أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَا ... وَقُولِي إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَابَا
ولأنها كهاء السكت وهي تثبت وقفاً وتحذف وصلاً، قال شهاب الدين:» كذلك يقولون تشبيهاً للفواصل بالقوافي وأنا لا أحب هذه العبارة فإِنها منكرة لفظاً» . ولا خلاف في قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أنه بغير ألف في الحالين.
فصل
المعنى إذْ جَاؤُوكُمْ من فوقكم أي من فوق الوادي من قبل المَشْرِق وهم «أَسَدٌ» ، وغَطَفَان عليهم مالكُ بن عَوْف النَّضرِيّ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْن الفزَاريّ في ألفٍ من غَطَفَانَ ومنهم طلحةُ بن خُوَيْلد الأسَدِيّ في بني أسد، وحُيَيّ بن أَخْطَبَ في يهودِ بني قُرَيْظَةِ ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي من بطن الوادي من قِبَلِ المَغْرب وهم قُرَيْشٌ وكِنَانَةُ عليهم أبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ ومن معه وأبو الأعور بن سُفْيَانَ السُّلَمِي من قبل الخندق، وكان الذي جر غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَنِي النَّضِير من ديارهم ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار﴾ مالت وشَخِصَتْ من الرعب، وقيل: مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها ﴿وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر﴾ فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحُلُوق من الفَزَع، وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف. قال الفراء معناه أنهم جَبنُوا، سبيل الجَبَان إذا اشتد خوفه أن تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب إلى الحنجرة ولهذا يقال للجبال: انتفخ سحره؛ لأن القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يَسُدَّ مخرج النفس فلا يقدر المرء (أن) يتنفس ويموت من الخوف. ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ وهو اختلاف الظنون، فظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم.
فإن قيل: المَصْدَرُ لا يُجْمَعُ فما الفائدة من جمع الظنون؟
فالجواب: لا شك أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدراً كما يقال: «ضَرَبْتُهُ سِيَاطاً» و «أَدَّبْتُهُ مِرَاراً» فكأنه قال: ظَنَنْتُمْ ظَنّاً جاز أن يكون مصيبين فإذا قال: ظُنُوناً بين أن فيهم من كان ظنه كاذباً لأن الظنون قد تكذب كلها، وقد تكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد كما إذا رأى جمع جسماً من بعيد فظنه بعضهم أنه زيدٌ، وآخرونَ أنه عمرو، وآخرون أنه بكرٌ، ثم ظهر لهم الحق قد يكونون كلهم مخطئين والمرئي شجر أو حجر، وقد يكون أحدهم مصيباً ولا يمكن أن يكونوا كلهم مُصِيبِين في ظنونهم، فقوله: «الظُّنون» فادنا ان فيهم من أخطأ الظن، ولو قال: ﴿تظنون بالله ظناً﴾ ما كان يفيد هذا، والألف واللام في «الظنون» يمكن أن تكون للاستغراق مبالغة بمعنى تظنون كل ظن، ولأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئاً، ويمكن أن تكون الألف واللام للعهد أي ظنونهم المعهودة؛ لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قاله عليه (الصلاة و) السلام:
«ظُنُّوا باللَّهِ خَيْراً» ومن الكافر الظن السوء كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [ص: 27] وقوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ [الأنعام: 148] .
قوله: «هُنَالِكَ» منصوب «بابْتُلِيَ» . وقيل: «بتَظُنُّونَ» واستضعفه ابن عطية وفيه وجهان:
أحدهما: أنه ظرف مكان بعيد أي في ذلك المكان الدحْضِ وهو الخَنْدق.
والثاني: أنه ظرف زمان، وأنشد بعضهم على ذلك:
4071 - وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمَتْ وَتَشَاكَلَتْ ... فَهُنَاكَ يَعْتَرِفُونَ أَيْنَ المَفْزَعُ
«وَزُلْزِلُوا» قرأ العامة بضم الزاي الأولى، (وكسر الثانية على اصل ما لم يسم فاعله، وروى غير واحد عن «أبي عمرو» كسر الأولى) ، وروى الزمخشري عنه إشمامها كسراُ، ووجه هذه القراءة أن يكون أتبع الزاي الأولى للثانية في الكسر ولم يعتد بالساكن لكونه غير حصين كقولهم: مِبين - بكسر الميم - والأصل ضمها.
قوله: «زِلْزَالاً» مصدر مُبَيِّن للنوع بالوصف والعامة على كسر الزاي، وعيسى، والجَحْدَرِيّ فتحاها وهما لغتان في مصدر الفعل المضعف إذا جاء على «فعلال» نحو: «زَلْزَال، وقَلقالَ وصَلْصَال، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو: صَلْصَال بمعنى مُصَلْصِلٌ بمعنى» مُزَلْزِل» .
فصل
قال المفسرون: معنى ابتلي المؤمنون اختبر المؤمنون بالحَصْرِ والقتال ليبين المخلص من المنافق، والابتلاء من الله ليس لإبانة الأمر له بل لحكمة أخرى وهي أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد أظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة عزم على معاقبته على مخالفته، وعنده غير من العبيد أو غيرهم فيأمره بأمر عالماً بأنه مخالف لكي يتبين الأمر عند الغير فيقع المعاقبة على أحسن الوجوه حيث لا يقع لأحد أنه يظلم، وقوله: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي أزعجوا وحركوا حركة شديدة فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ذكر الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ معتب بن قُشَيْر، وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه ﴿والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شك وضعف اعتقاد ﴿مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ وهذا تفسير الظنون وبيان لها، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زوراً ووعدهما كان غروراً حيث ظنوا بأن الغلبة واقعة لهم يَعِدُنَا محمدٌ فَتْحَ قُصُرِ الشام وفارسَ وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله هذا والله الغرور.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي من المنافقين «وهم أوس بن قيظي وأصحابه» ﴿ياأهل يَثْرِبَ﴾ يعني المدينة، قال أبو عبيد (ة) : يَثْرِبُ: اسم أرض ومدينة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في ناحية منها، وفي بعض الأخبار: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى أن تمسى المدينةُ يَثْرِبَ، وقال: هي طابة» كأنه كره هذه اللفظة، وقال أهل اللغة: يثرب اسم المدينة، وقيل: اسم البقعة التي فيها المدينة، وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو للعلمية والتأنيث، وأما يَتْرَب - بالتاء المثناة وفتح الراء فموضع ضع آخر باليمن، قال الشاعر:
4072 - وَعَدْتَ وَكَانَ الخُلْفُ مِنْكَ سَجِيَّةً ... مَواعِيدَ عُزْقُوب أَخَاء بِيَتْرَبِ
وقال:
4073 - وَقَدْ وَعَدْتُكَ مَوْعِداً لوقت ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب
﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ قرأ حفصٌ، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ بضم الميم، ونافعٌ وابنُ عامر بضم ميمة أيضاً في الدخان في قوله: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ﴾ [الدخان: 51] ولم يختلف في الأولى أنه بالفتح وهو «مقام كريم» والباقون بفتح الميم في الموضعين، والضم والفتح مفهومان من سورة مريم عند قوله: ﴿خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم: 73] فمعنى الفتح لا مكان لكم تنزلون به وتقيمون فيه. ومعنى الضم لا إقامة لكم فارجعوا إلى منازلكم عن اتباع محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وقيل: عن القتال إلى منازلكم. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي﴾ هم بنو حارثة وبنو سلمة ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي خالية ضائعة، وهي مما يلي العدو ويخشى عليها السُّراق.
قوله: «عَورةٌ» أي ذاتُ عورة، وقيل: منكشفة أي قصيرة الجُدْرَان للسارق وقال الشاعر:
4074 - لَهُ الشِّدَّةُ الأُولَى إِذَا القَرْنُ أَعْوَرَا ...
وقرأ ابن عباس وابنَ يَعْمُرَ وقتادةُ وأبو رجاء وأبو حَيْوَة وآخرون: عَورة بكسر الواو وكذلك ﴿وَمَا هِيَ بِعَورَةٍ﴾ ، وهما اسم فاعل، يقال: عَوِرَ المنزلُ: يَعْوِرُ عَوَراً وعَوِرَة فهو عَوِرٌ، وبيوتٌ عَوِرَةٌ، قال ابن جني: تصحيح الواو شاذ، يعني حيث تحركت وانفتح ما قبلها ولم تقلب ألفاً، وفيه نظر لأن شرط ذاك في الاسم الجاري على الفعل أن يعتل فعله نحومَقَامٍ ومَقَالٍ، وأما هذا ففعله صحيح نحو عَوِرَ، وإنما صح الفعل وإن كان فيه مقتضى الإعلال لِمَدْرَكٍ آخر وهو أنه في معنى ما لا يعلم وهو «أعور» ولذلك لم نتعجب من «عور» وبابه، وأعْوَرَّ المَنْزِلُ: بدت عَوْرَتُهُ، واعورَّ الفارس بدا منه خلله للضَّرْبِ قال الشاعر:
4075 - مَتَى تَلْقَهُمْ لَمْ تَلْقَ فِي البَيْتِ مُعْوَراً ... وَلاَ الصَّيْفَ مَسْجُوراً ولاَ الجَارَ مُرْسَلاً
ثم كذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ .
قوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ ولو دخل عليهم المدينة أو البيوت يعني هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحواب «مِنْ أقْطَارِهَا» جوانبها. وفيه لغة وتروى: أَفْتَار - بالتاء -. والقُطْرُ: الجانب أيضاً ومنه قَطَرْتُهُ أي أَلْقَيْتُهُ على قطره فَتَقَطَّرَ أي وقع عليه قال:
4076 - قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَاراتُها ... مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إِلاَّ أَنَا
وفي المثل: «الانفِضَاضُ يُقَطِّرُ الجَلَب» تفسيره أن القوم إذا انفضوا أي فني زادهم احتاجوا إلى جَلْب الإِبل، وسمي القَطْرُ قطراً لسقوطه.
قوله: «ثُمَّ سُئِلُوا» قرأ مجاهد «سُويِلُوا» بواو ساكنة ثم ياء مكسورة «كقُوتِلُوا» . حتى أبو زيد: هما يَتَسَاوَلاَن بالواو، والحسن: سُولُوا بواو ساكنة فقط فاحتملت وجهين:
أحدهما: أن يكون أصلها: سيلوا كالعامة، ثم خففت الكسرة فسكنت كقولهم في ضَرب - بالكسر - ضرب بالسكون فسكنت الهمزة بعد ضمة فقلبت واواً نحو: بُوسٍ في بُؤْسٍ.
والثاني: أن يكون من لغة الواو، ونقل عن أبي عمرو أنه قرأ سِيلُوا بياء ساكنة بعد كسرة نحو: قِيلوا.
قوله: «لأتَوْهَا» قرأ نافعٌ وابنُ كثير بالقصرب بمعنى لَجَاؤُوهَا وغَشوهَا، والباقون بالمد بمعنى لأعطوها ومفعوله الثاني محذوف تقديره: لآتوها السائلين. والمعنى ولو دخلت البيوت أو المدينة من دميع نواحيها ثم سئل أهلها الفتنة لم يمتنعوا من إعطائها، وقراءة المد يستلزم قراءة القصر من غير عكس بهذا المعنى الخاص.
قوله: «إِلاَّ يَسيراً» أي إلا تَلَبُّثاً أو إلا زماناً يسيراً. وكذلك قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: 16 - 18] أي إلا تَمَتُّعاً أو إلا زمانا قليلاً.
فصل
دلت الآية على أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله فقال تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضاً فليس رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة وهي الشرك، ﴿مّوَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي ام تلبثوا بالمدينة أو البيوت «إلاَّ يَسِيراً» وأن المؤمنين يُخْرِجُونَهُمْ قاله الحسن، وقيل: ما تلبثوا أي ما احْتَبَسُوا عن الفتنة - وهي الشرك - إلا يسيراً ولأسرعوا للإجابة إلى الشرك طيّبةً به أنفُسُهم وهذا قول أكثر المفسِّرين.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل غزوة الخندق ﴿لاَ يُوَلُّونَ الأدبار﴾ عدوهم أي لا ينهزمون قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة هموا يوم الخندق أن يَقْتَتِلُوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن واقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة وقالوا لئن أَشْهَدَنَا اللَّهُ قتالاً لَنُقَاتِلَنَّ فساق الله إليهم ذلك وقال مقالت والكلبي:
«هم سبعون رجلاً جاءوا بايعوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة العقبة وقالوا اشترط لنفسك ولربك ما شئتَ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم قالوا: وإذا فعلنا ذلك (فما لنا يا رسول الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قالوا: قد فعلنا فذلك) عهدهم» ، وهذا القول ليس بمَرْضِيٍّ؛ لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين لم يكن فيهم شَاكٌّ ولا مَنْ يقول مثل هذا القول وإنما الآية في قوم عاهدوا الله أن يقاتلوا ولا يَفِرُّوا فَنَقَضُوا العهد. وهذا بيان لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذراً ونَدَماً ثم هددهم بقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ أي مَسْؤُولاً عنه.
قوله: «لاَ يُوَلُّونَ» جواب لقوله: «عَاهَدُوا» لأنه في معنى: «أقسموا» وجاء على حكاية اللفظ فجاء بلفظ الغيبة ولو جاء على حكاية المعنى لقيل: لا يُولِّي، والمفعول الأول محذوف أي يولون العدو الأدبار. وقال أبو البقاء: ويقرأ بالتشديد تشديد النون وحذف الواو على تأكيد جواب القسم. قال شهاب الدين: ولا اظن هذا إلا غلظاً منه وذلك أنه إما أن يُقْرأ مع ذلك بلا النافية أو بلام التأكيد، والأول لا يجوز لأن المضارع المنفي بلا لا يؤكد بالنون إلا ما نَدَرَ مما لا يقاس عليه والثاني فاسد المعنى.
قوله: «إنْ فَرَرْتُمْ» جوابه محذوف لدلالة النفي قبله عليه أو متقدم عند من يرى ذلك.
قوله: ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ إذَنْ جواب وجزاء، ولما وقعت بعد عاطف جاءت على الأكثر وهو عدم إعمالها ولم يشذّ هنا ما شَذَّ في الإسراء، فلم يقرأ بالنصب، والعامة بالخطاب في «تُمَتَّعُونَ» . وقرىء بالغيبة.
فصل
المعنى: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَو القَتْلِ} الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أوقتل ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي لا تمتعون بعد الفِرار إلا مدة آجالكم وهي قليل. وهذا إشارة إلى ان الأمور مقدرة لا يمكن الفرار مما قدره الله لأنه كائن لا محالة فلو فررتم لما دمتم بل لا تمتعون إلا قليلاً وهو ما بقي من آجالكم فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه شيئاً كثيراً.
قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ تقدم في البقرة، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجْرِيَ مُجْرَى قوله:
مُتَقَلِّداً سيفاً وَرُمْحاً ...
أو حمل الثاني على الأول لما في العِصْمَةِ من معنى المنع قال أبو حيان: أما الوجه الأول فيه حذف جملة لا ضرورة تدعو إلى حذفها، والثاني هو الوجه لا سيما إذا قدر مضاف محذوف أي يمنعكم من مُرَادِ الله، قال شهاب الدين: وأين الثاني من الأول ولو كان معه حذف جُمَلٍ.
فصل
المعنى من ذا الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً هزيمة أو أراد بكم رحمة نُصْرَةً، وهذا بيان لما تقدم من قوله: ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار﴾ وقوله: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ تقرير لقوله: ﴿مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ الله﴾ أي ليس لكم شفيع أي قريب ينفعكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم السوء إذا أتاكم.
الأحزاب 33:16
والثاني: أنه معطوف على «أَخَذْنَا» ح لأن المعنى أن الله أكد على النبياء الدعوة إلى دينه لإثابة المؤمنين وأعد للكافرين، وقيل: إنه حذف من الثاني ما أثبت مُقَابِلُهُ في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابلهُ في الثاني والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ويسأل الكافرين عما أجابوا رُسُلَهُمْ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ .
فصل
قال المفسرون: المعنى أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الصادقين عن صدقهم يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة والحكمة في سؤالهم مع علمه أنهم صادقون بتبكيت من أرسلوا إليهم. وقيل: ليسأل الصادقين عن علمهم بالله عَزَّ وَجَلَّ، وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ... ﴾ الآية وهذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك حين حُوصِرَ المسلمون مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أيام الخَنْدَق، واجتمع الأحزاب واشتد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم، ونزلوا على المدينة وعمل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الخَنْدَق وكان الأمر في غاية الشدة والخوف بالغاً إلى الغاية والله دفع القوم عنهم من غير قتال وآمَنَهُمْ من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبدُ غَيْرَ ربه فإنه القادر على كل الممكنات فكان قادراً على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم ضعفاء كما قهر الكافين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم.
قوله: «إذْ جَاءَتْكُمْ» يجوز أن يكون منصوباً «بنعمة» أي النعمة الواقعة في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون منصوباً باذْكُرُوا على أن يكون بدلاً من «نعمة» بدل اشتمال، والمراد بالجنون الأحزاب وهم قريش وغَطفَان، ويهود قُرَيْظَةَ والنَّضِير ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً﴾ وهي الصَّبَا، قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلق بنصر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالت الشمالُ إن الحرَّّة لا تَسْرِي بالليل فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا وروى مجاهد عن ابن عباس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «قال:» نُصِرتُ بالصَّبَا وأهلكَتْ عَادٌ بالدَّبورِ»
قوله: ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ قرأ الحسن بفتح الجيم، والعامة بضمها، و «جُنَوداً» عطفاً على» ريحاً «و» لَمْ تروها «صفة لهم، وروي عن أبي عمرو، وأبي بكر» لم يَرَوْهَا «بياء الغيبة، وهم الملائكة ولم تقاتل الملائكة يومئذ فبعث الله عليهم تلك اليلة ريحاً باردة فقلعت الأوتاد وقطعت أطنا الفَسَاطِيطِ وأطفأت النيرانَ وأَكْفَأت القُدُورَ، وجالت الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُمَّ إليَّ فإذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَا النَّجَا أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال. ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ وهذا إشارة إلى أنه الله علم التجاءكم إليه وجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداد والقصة مشهورة.
قوله:» إِذْ جَاؤُوكُمْ» بدل من «إذْ» الأولى، والحناجر جمع» حَنْجَرَةٍ «وهي رأس الغَلْصَمَةِ والغَلْصَمَة منتهى الحُلْقُومِ، والحلقوم مجرى الطعام والشراب، وقيل: الحلقوم مَجْرَى النفس والمريء الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم وقال الرَّاغِبُ: رَأْسُ الغَْصَمَةِ من خارج.
قوله: «الظُّنُونا» قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بإثبات ألف بعد نون» الظُّنُون «ولام الرسول في قوله:
﴿وَأَطَعْنَا الرسولا﴾ [الأحزاب: 66] ولام السبيل في قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ [الأحزاب: 67] وصلاً وَوَقْفاً موافقة للرسم؛ لأنهن رسمن في المصحف كذلك وأيضاً فإن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت تثبت وَقْفاً للحاجة إليها وقد ثبتت وصلاً إجراءً للوصل مُجْرَى الوقف كما تقدم في البقرة والأنعام فكذلك هذه الألف، وقرأ أبو عمرو وحمزةُ بحذفها في الحالين؛ لأنها لا أصل لها وقولهم: أجريت الفواصل مُجْرَى القوافي غير معتدٍّ به لأن القوافيَ يلتزم الوقف عليها غاباً، والفواصل لا يلزم ذلك فيها فلا تُشَبَّهُ بها، والباقون بإثباتها وقفاً وحذفها وصلاً إجراء للفواصل مُجْرَى القوافي في ثبوت ألف الإطلاق كقوله:
4069 - اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفَاءِ وَبِالعَدْلِ ... وَوَلَّى المَلاَمَةَ الرَّجُلاَ
وقوله:
4070 - أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَا ... وَقُولِي إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَابَا
ولأنها كهاء السكت وهي تثبت وقفاً وتحذف وصلاً، قال شهاب الدين:» كذلك يقولون تشبيهاً للفواصل بالقوافي وأنا لا أحب هذه العبارة فإِنها منكرة لفظاً» . ولا خلاف في قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أنه بغير ألف في الحالين.
فصل
المعنى إذْ جَاؤُوكُمْ من فوقكم أي من فوق الوادي من قبل المَشْرِق وهم «أَسَدٌ» ، وغَطَفَان عليهم مالكُ بن عَوْف النَّضرِيّ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْن الفزَاريّ في ألفٍ من غَطَفَانَ ومنهم طلحةُ بن خُوَيْلد الأسَدِيّ في بني أسد، وحُيَيّ بن أَخْطَبَ في يهودِ بني قُرَيْظَةِ ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي من بطن الوادي من قِبَلِ المَغْرب وهم قُرَيْشٌ وكِنَانَةُ عليهم أبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ ومن معه وأبو الأعور بن سُفْيَانَ السُّلَمِي من قبل الخندق، وكان الذي جر غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَنِي النَّضِير من ديارهم ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار﴾ مالت وشَخِصَتْ من الرعب، وقيل: مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها ﴿وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر﴾ فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحُلُوق من الفَزَع، وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف. قال الفراء معناه أنهم جَبنُوا، سبيل الجَبَان إذا اشتد خوفه أن تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب إلى الحنجرة ولهذا يقال للجبال: انتفخ سحره؛ لأن القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يَسُدَّ مخرج النفس فلا يقدر المرء (أن) يتنفس ويموت من الخوف. ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ وهو اختلاف الظنون، فظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم.
فإن قيل: المَصْدَرُ لا يُجْمَعُ فما الفائدة من جمع الظنون؟
فالجواب: لا شك أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدراً كما يقال: «ضَرَبْتُهُ سِيَاطاً» و «أَدَّبْتُهُ مِرَاراً» فكأنه قال: ظَنَنْتُمْ ظَنّاً جاز أن يكون مصيبين فإذا قال: ظُنُوناً بين أن فيهم من كان ظنه كاذباً لأن الظنون قد تكذب كلها، وقد تكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد كما إذا رأى جمع جسماً من بعيد فظنه بعضهم أنه زيدٌ، وآخرونَ أنه عمرو، وآخرون أنه بكرٌ، ثم ظهر لهم الحق قد يكونون كلهم مخطئين والمرئي شجر أو حجر، وقد يكون أحدهم مصيباً ولا يمكن أن يكونوا كلهم مُصِيبِين في ظنونهم، فقوله: «الظُّنون» فادنا ان فيهم من أخطأ الظن، ولو قال: ﴿تظنون بالله ظناً﴾ ما كان يفيد هذا، والألف واللام في «الظنون» يمكن أن تكون للاستغراق مبالغة بمعنى تظنون كل ظن، ولأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئاً، ويمكن أن تكون الألف واللام للعهد أي ظنونهم المعهودة؛ لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قاله عليه (الصلاة و) السلام:
«ظُنُّوا باللَّهِ خَيْراً» ومن الكافر الظن السوء كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [ص: 27] وقوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ [الأنعام: 148] .
قوله: «هُنَالِكَ» منصوب «بابْتُلِيَ» . وقيل: «بتَظُنُّونَ» واستضعفه ابن عطية وفيه وجهان:
أحدهما: أنه ظرف مكان بعيد أي في ذلك المكان الدحْضِ وهو الخَنْدق.
والثاني: أنه ظرف زمان، وأنشد بعضهم على ذلك:
4071 - وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمَتْ وَتَشَاكَلَتْ ... فَهُنَاكَ يَعْتَرِفُونَ أَيْنَ المَفْزَعُ
«وَزُلْزِلُوا» قرأ العامة بضم الزاي الأولى، (وكسر الثانية على اصل ما لم يسم فاعله، وروى غير واحد عن «أبي عمرو» كسر الأولى) ، وروى الزمخشري عنه إشمامها كسراُ، ووجه هذه القراءة أن يكون أتبع الزاي الأولى للثانية في الكسر ولم يعتد بالساكن لكونه غير حصين كقولهم: مِبين - بكسر الميم - والأصل ضمها.
قوله: «زِلْزَالاً» مصدر مُبَيِّن للنوع بالوصف والعامة على كسر الزاي، وعيسى، والجَحْدَرِيّ فتحاها وهما لغتان في مصدر الفعل المضعف إذا جاء على «فعلال» نحو: «زَلْزَال، وقَلقالَ وصَلْصَال، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو: صَلْصَال بمعنى مُصَلْصِلٌ بمعنى» مُزَلْزِل» .
فصل
قال المفسرون: معنى ابتلي المؤمنون اختبر المؤمنون بالحَصْرِ والقتال ليبين المخلص من المنافق، والابتلاء من الله ليس لإبانة الأمر له بل لحكمة أخرى وهي أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد أظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة عزم على معاقبته على مخالفته، وعنده غير من العبيد أو غيرهم فيأمره بأمر عالماً بأنه مخالف لكي يتبين الأمر عند الغير فيقع المعاقبة على أحسن الوجوه حيث لا يقع لأحد أنه يظلم، وقوله: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي أزعجوا وحركوا حركة شديدة فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ذكر الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ معتب بن قُشَيْر، وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه ﴿والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شك وضعف اعتقاد ﴿مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ وهذا تفسير الظنون وبيان لها، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زوراً ووعدهما كان غروراً حيث ظنوا بأن الغلبة واقعة لهم يَعِدُنَا محمدٌ فَتْحَ قُصُرِ الشام وفارسَ وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله هذا والله الغرور.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي من المنافقين «وهم أوس بن قيظي وأصحابه» ﴿ياأهل يَثْرِبَ﴾ يعني المدينة، قال أبو عبيد (ة) : يَثْرِبُ: اسم أرض ومدينة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في ناحية منها، وفي بعض الأخبار: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى أن تمسى المدينةُ يَثْرِبَ، وقال: هي طابة» كأنه كره هذه اللفظة، وقال أهل اللغة: يثرب اسم المدينة، وقيل: اسم البقعة التي فيها المدينة، وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو للعلمية والتأنيث، وأما يَتْرَب - بالتاء المثناة وفتح الراء فموضع ضع آخر باليمن، قال الشاعر:
4072 - وَعَدْتَ وَكَانَ الخُلْفُ مِنْكَ سَجِيَّةً ... مَواعِيدَ عُزْقُوب أَخَاء بِيَتْرَبِ
وقال:
4073 - وَقَدْ وَعَدْتُكَ مَوْعِداً لوقت ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب
﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ قرأ حفصٌ، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ بضم الميم، ونافعٌ وابنُ عامر بضم ميمة أيضاً في الدخان في قوله: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ﴾ [الدخان: 51] ولم يختلف في الأولى أنه بالفتح وهو «مقام كريم» والباقون بفتح الميم في الموضعين، والضم والفتح مفهومان من سورة مريم عند قوله: ﴿خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم: 73] فمعنى الفتح لا مكان لكم تنزلون به وتقيمون فيه. ومعنى الضم لا إقامة لكم فارجعوا إلى منازلكم عن اتباع محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وقيل: عن القتال إلى منازلكم. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي﴾ هم بنو حارثة وبنو سلمة ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي خالية ضائعة، وهي مما يلي العدو ويخشى عليها السُّراق.
قوله: «عَورةٌ» أي ذاتُ عورة، وقيل: منكشفة أي قصيرة الجُدْرَان للسارق وقال الشاعر:
4074 - لَهُ الشِّدَّةُ الأُولَى إِذَا القَرْنُ أَعْوَرَا ...
وقرأ ابن عباس وابنَ يَعْمُرَ وقتادةُ وأبو رجاء وأبو حَيْوَة وآخرون: عَورة بكسر الواو وكذلك ﴿وَمَا هِيَ بِعَورَةٍ﴾ ، وهما اسم فاعل، يقال: عَوِرَ المنزلُ: يَعْوِرُ عَوَراً وعَوِرَة فهو عَوِرٌ، وبيوتٌ عَوِرَةٌ، قال ابن جني: تصحيح الواو شاذ، يعني حيث تحركت وانفتح ما قبلها ولم تقلب ألفاً، وفيه نظر لأن شرط ذاك في الاسم الجاري على الفعل أن يعتل فعله نحومَقَامٍ ومَقَالٍ، وأما هذا ففعله صحيح نحو عَوِرَ، وإنما صح الفعل وإن كان فيه مقتضى الإعلال لِمَدْرَكٍ آخر وهو أنه في معنى ما لا يعلم وهو «أعور» ولذلك لم نتعجب من «عور» وبابه، وأعْوَرَّ المَنْزِلُ: بدت عَوْرَتُهُ، واعورَّ الفارس بدا منه خلله للضَّرْبِ قال الشاعر:
4075 - مَتَى تَلْقَهُمْ لَمْ تَلْقَ فِي البَيْتِ مُعْوَراً ... وَلاَ الصَّيْفَ مَسْجُوراً ولاَ الجَارَ مُرْسَلاً
ثم كذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ .
قوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ ولو دخل عليهم المدينة أو البيوت يعني هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحواب «مِنْ أقْطَارِهَا» جوانبها. وفيه لغة وتروى: أَفْتَار - بالتاء -. والقُطْرُ: الجانب أيضاً ومنه قَطَرْتُهُ أي أَلْقَيْتُهُ على قطره فَتَقَطَّرَ أي وقع عليه قال:
4076 - قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَاراتُها ... مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إِلاَّ أَنَا
وفي المثل: «الانفِضَاضُ يُقَطِّرُ الجَلَب» تفسيره أن القوم إذا انفضوا أي فني زادهم احتاجوا إلى جَلْب الإِبل، وسمي القَطْرُ قطراً لسقوطه.
قوله: «ثُمَّ سُئِلُوا» قرأ مجاهد «سُويِلُوا» بواو ساكنة ثم ياء مكسورة «كقُوتِلُوا» . حتى أبو زيد: هما يَتَسَاوَلاَن بالواو، والحسن: سُولُوا بواو ساكنة فقط فاحتملت وجهين:
أحدهما: أن يكون أصلها: سيلوا كالعامة، ثم خففت الكسرة فسكنت كقولهم في ضَرب - بالكسر - ضرب بالسكون فسكنت الهمزة بعد ضمة فقلبت واواً نحو: بُوسٍ في بُؤْسٍ.
والثاني: أن يكون من لغة الواو، ونقل عن أبي عمرو أنه قرأ سِيلُوا بياء ساكنة بعد كسرة نحو: قِيلوا.
قوله: «لأتَوْهَا» قرأ نافعٌ وابنُ كثير بالقصرب بمعنى لَجَاؤُوهَا وغَشوهَا، والباقون بالمد بمعنى لأعطوها ومفعوله الثاني محذوف تقديره: لآتوها السائلين. والمعنى ولو دخلت البيوت أو المدينة من دميع نواحيها ثم سئل أهلها الفتنة لم يمتنعوا من إعطائها، وقراءة المد يستلزم قراءة القصر من غير عكس بهذا المعنى الخاص.
قوله: «إِلاَّ يَسيراً» أي إلا تَلَبُّثاً أو إلا زماناً يسيراً. وكذلك قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: 16 - 18] أي إلا تَمَتُّعاً أو إلا زمانا قليلاً.
فصل
دلت الآية على أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله فقال تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضاً فليس رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة وهي الشرك، ﴿مّوَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي ام تلبثوا بالمدينة أو البيوت «إلاَّ يَسِيراً» وأن المؤمنين يُخْرِجُونَهُمْ قاله الحسن، وقيل: ما تلبثوا أي ما احْتَبَسُوا عن الفتنة - وهي الشرك - إلا يسيراً ولأسرعوا للإجابة إلى الشرك طيّبةً به أنفُسُهم وهذا قول أكثر المفسِّرين.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل غزوة الخندق ﴿لاَ يُوَلُّونَ الأدبار﴾ عدوهم أي لا ينهزمون قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة هموا يوم الخندق أن يَقْتَتِلُوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن واقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة وقالوا لئن أَشْهَدَنَا اللَّهُ قتالاً لَنُقَاتِلَنَّ فساق الله إليهم ذلك وقال مقالت والكلبي:
«هم سبعون رجلاً جاءوا بايعوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة العقبة وقالوا اشترط لنفسك ولربك ما شئتَ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم قالوا: وإذا فعلنا ذلك (فما لنا يا رسول الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قالوا: قد فعلنا فذلك) عهدهم» ، وهذا القول ليس بمَرْضِيٍّ؛ لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين لم يكن فيهم شَاكٌّ ولا مَنْ يقول مثل هذا القول وإنما الآية في قوم عاهدوا الله أن يقاتلوا ولا يَفِرُّوا فَنَقَضُوا العهد. وهذا بيان لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذراً ونَدَماً ثم هددهم بقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ أي مَسْؤُولاً عنه.
قوله: «لاَ يُوَلُّونَ» جواب لقوله: «عَاهَدُوا» لأنه في معنى: «أقسموا» وجاء على حكاية اللفظ فجاء بلفظ الغيبة ولو جاء على حكاية المعنى لقيل: لا يُولِّي، والمفعول الأول محذوف أي يولون العدو الأدبار. وقال أبو البقاء: ويقرأ بالتشديد تشديد النون وحذف الواو على تأكيد جواب القسم. قال شهاب الدين: ولا اظن هذا إلا غلظاً منه وذلك أنه إما أن يُقْرأ مع ذلك بلا النافية أو بلام التأكيد، والأول لا يجوز لأن المضارع المنفي بلا لا يؤكد بالنون إلا ما نَدَرَ مما لا يقاس عليه والثاني فاسد المعنى.
قوله: «إنْ فَرَرْتُمْ» جوابه محذوف لدلالة النفي قبله عليه أو متقدم عند من يرى ذلك.
قوله: ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ إذَنْ جواب وجزاء، ولما وقعت بعد عاطف جاءت على الأكثر وهو عدم إعمالها ولم يشذّ هنا ما شَذَّ في الإسراء، فلم يقرأ بالنصب، والعامة بالخطاب في «تُمَتَّعُونَ» . وقرىء بالغيبة.
فصل
المعنى: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَو القَتْلِ} الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أوقتل ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي لا تمتعون بعد الفِرار إلا مدة آجالكم وهي قليل. وهذا إشارة إلى ان الأمور مقدرة لا يمكن الفرار مما قدره الله لأنه كائن لا محالة فلو فررتم لما دمتم بل لا تمتعون إلا قليلاً وهو ما بقي من آجالكم فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه شيئاً كثيراً.
قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ تقدم في البقرة، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجْرِيَ مُجْرَى قوله:
مُتَقَلِّداً سيفاً وَرُمْحاً ...
أو حمل الثاني على الأول لما في العِصْمَةِ من معنى المنع قال أبو حيان: أما الوجه الأول فيه حذف جملة لا ضرورة تدعو إلى حذفها، والثاني هو الوجه لا سيما إذا قدر مضاف محذوف أي يمنعكم من مُرَادِ الله، قال شهاب الدين: وأين الثاني من الأول ولو كان معه حذف جُمَلٍ.
فصل
المعنى من ذا الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً هزيمة أو أراد بكم رحمة نُصْرَةً، وهذا بيان لما تقدم من قوله: ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار﴾ وقوله: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ تقرير لقوله: ﴿مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ الله﴾ أي ليس لكم شفيع أي قريب ينفعكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم السوء إذا أتاكم.
الأحزاب 33:17
والثاني: أنه معطوف على «أَخَذْنَا» ح لأن المعنى أن الله أكد على النبياء الدعوة إلى دينه لإثابة المؤمنين وأعد للكافرين، وقيل: إنه حذف من الثاني ما أثبت مُقَابِلُهُ في الأول، ومن الأول ما أثبت مقابلهُ في الثاني والتقدير: ليسأل الصادقين عن صدقهم فأثابهم ويسأل الكافرين عما أجابوا رُسُلَهُمْ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾ .
فصل
قال المفسرون: المعنى أخذنا ميثاقهم لكي يسأل الصادقين عن صدقهم يعني النبيين عن تبليغهم الرسالة والحكمة في سؤالهم مع علمه أنهم صادقون بتبكيت من أرسلوا إليهم. وقيل: ليسأل الصادقين عن علمهم بالله عَزَّ وَجَلَّ، وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم بقلوبهم.
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ... ﴾ الآية وهذا تحقيق لما سبق من الأمر بتقوى الله بحث لا يبقى معه خوف من أحد وذلك حين حُوصِرَ المسلمون مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أيام الخَنْدَق، واجتمع الأحزاب واشتد الأمر على الأصحاب حيث اجتمع المشركون بأسرهم واليهود بأجمعهم، ونزلوا على المدينة وعمل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الخَنْدَق وكان الأمر في غاية الشدة والخوف بالغاً إلى الغاية والله دفع القوم عنهم من غير قتال وآمَنَهُمْ من الخوف فينبغي أن لا يخاف العبدُ غَيْرَ ربه فإنه القادر على كل الممكنات فكان قادراً على أن يقهر المسلمين بالكفار مع أنهم ضعفاء كما قهر الكافين بالمؤمنين مع قوتهم وشوكتهم.
قوله: «إذْ جَاءَتْكُمْ» يجوز أن يكون منصوباً «بنعمة» أي النعمة الواقعة في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون منصوباً باذْكُرُوا على أن يكون بدلاً من «نعمة» بدل اشتمال، والمراد بالجنون الأحزاب وهم قريش وغَطفَان، ويهود قُرَيْظَةَ والنَّضِير ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً﴾ وهي الصَّبَا، قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلق بنصر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالت الشمالُ إن الحرَّّة لا تَسْرِي بالليل فكانت الريح التي أرسلت عليهم الصبا وروى مجاهد عن ابن عباس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «قال:» نُصِرتُ بالصَّبَا وأهلكَتْ عَادٌ بالدَّبورِ»
قوله: ﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ قرأ الحسن بفتح الجيم، والعامة بضمها، و «جُنَوداً» عطفاً على» ريحاً «و» لَمْ تروها «صفة لهم، وروي عن أبي عمرو، وأبي بكر» لم يَرَوْهَا «بياء الغيبة، وهم الملائكة ولم تقاتل الملائكة يومئذ فبعث الله عليهم تلك اليلة ريحاً باردة فقلعت الأوتاد وقطعت أطنا الفَسَاطِيطِ وأطفأت النيرانَ وأَكْفَأت القُدُورَ، وجالت الخيل بعضها في بعض وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هَلُمَّ إليَّ فإذا اجتمعوا عنده قال: النَّجَا النَّجَا أتيتم لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال. ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ وهذا إشارة إلى أنه الله علم التجاءكم إليه وجاءكم فضله فنصركم على الأعداء عند الاستعداد والقصة مشهورة.
قوله:» إِذْ جَاؤُوكُمْ» بدل من «إذْ» الأولى، والحناجر جمع» حَنْجَرَةٍ «وهي رأس الغَلْصَمَةِ والغَلْصَمَة منتهى الحُلْقُومِ، والحلقوم مجرى الطعام والشراب، وقيل: الحلقوم مَجْرَى النفس والمريء الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم وقال الرَّاغِبُ: رَأْسُ الغَْصَمَةِ من خارج.
قوله: «الظُّنُونا» قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر بإثبات ألف بعد نون» الظُّنُون «ولام الرسول في قوله:
﴿وَأَطَعْنَا الرسولا﴾ [الأحزاب: 66] ولام السبيل في قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ [الأحزاب: 67] وصلاً وَوَقْفاً موافقة للرسم؛ لأنهن رسمن في المصحف كذلك وأيضاً فإن هذه الألف تشبه هاء السكت لبيان الحركة، وهاء السكت تثبت وَقْفاً للحاجة إليها وقد ثبتت وصلاً إجراءً للوصل مُجْرَى الوقف كما تقدم في البقرة والأنعام فكذلك هذه الألف، وقرأ أبو عمرو وحمزةُ بحذفها في الحالين؛ لأنها لا أصل لها وقولهم: أجريت الفواصل مُجْرَى القوافي غير معتدٍّ به لأن القوافيَ يلتزم الوقف عليها غاباً، والفواصل لا يلزم ذلك فيها فلا تُشَبَّهُ بها، والباقون بإثباتها وقفاً وحذفها وصلاً إجراء للفواصل مُجْرَى القوافي في ثبوت ألف الإطلاق كقوله:
4069 - اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفَاءِ وَبِالعَدْلِ ... وَوَلَّى المَلاَمَةَ الرَّجُلاَ
وقوله:
4070 - أَقِلِّي اللَّوْمَ عَاذِلَ وَالعِتَابَا ... وَقُولِي إِنْ أَصَبْتُ لَقَدْ أَصَابَا
ولأنها كهاء السكت وهي تثبت وقفاً وتحذف وصلاً، قال شهاب الدين:» كذلك يقولون تشبيهاً للفواصل بالقوافي وأنا لا أحب هذه العبارة فإِنها منكرة لفظاً» . ولا خلاف في قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أنه بغير ألف في الحالين.
فصل
المعنى إذْ جَاؤُوكُمْ من فوقكم أي من فوق الوادي من قبل المَشْرِق وهم «أَسَدٌ» ، وغَطَفَان عليهم مالكُ بن عَوْف النَّضرِيّ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْن الفزَاريّ في ألفٍ من غَطَفَانَ ومنهم طلحةُ بن خُوَيْلد الأسَدِيّ في بني أسد، وحُيَيّ بن أَخْطَبَ في يهودِ بني قُرَيْظَةِ ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي من بطن الوادي من قِبَلِ المَغْرب وهم قُرَيْشٌ وكِنَانَةُ عليهم أبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ ومن معه وأبو الأعور بن سُفْيَانَ السُّلَمِي من قبل الخندق، وكان الذي جر غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَنِي النَّضِير من ديارهم ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار﴾ مالت وشَخِصَتْ من الرعب، وقيل: مالت عن كل شيء فلم تنظر إلا إلى عدوها ﴿وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر﴾ فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحُلُوق من الفَزَع، وهذا على التمثيل عبر به عن شدة الخوف. قال الفراء معناه أنهم جَبنُوا، سبيل الجَبَان إذا اشتد خوفه أن تَنْتَفِخَ رِئَتُهُ فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب إلى الحنجرة ولهذا يقال للجبال: انتفخ سحره؛ لأن القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يَسُدَّ مخرج النفس فلا يقدر المرء (أن) يتنفس ويموت من الخوف. ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ وهو اختلاف الظنون، فظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه وظن المؤمنون النصر والظفر لهم.
فإن قيل: المَصْدَرُ لا يُجْمَعُ فما الفائدة من جمع الظنون؟
فالجواب: لا شك أنه منصوب على المصدر ولكن الاسم قد يجعل مصدراً كما يقال: «ضَرَبْتُهُ سِيَاطاً» و «أَدَّبْتُهُ مِرَاراً» فكأنه قال: ظَنَنْتُمْ ظَنّاً جاز أن يكون مصيبين فإذا قال: ظُنُوناً بين أن فيهم من كان ظنه كاذباً لأن الظنون قد تكذب كلها، وقد تكذب بعضها إذا كانت في أمر واحد كما إذا رأى جمع جسماً من بعيد فظنه بعضهم أنه زيدٌ، وآخرونَ أنه عمرو، وآخرون أنه بكرٌ، ثم ظهر لهم الحق قد يكونون كلهم مخطئين والمرئي شجر أو حجر، وقد يكون أحدهم مصيباً ولا يمكن أن يكونوا كلهم مُصِيبِين في ظنونهم، فقوله: «الظُّنون» فادنا ان فيهم من أخطأ الظن، ولو قال: ﴿تظنون بالله ظناً﴾ ما كان يفيد هذا، والألف واللام في «الظنون» يمكن أن تكون للاستغراق مبالغة بمعنى تظنون كل ظن، ولأن عند الأمر العظيم كل أحد يظن شيئاً، ويمكن أن تكون الألف واللام للعهد أي ظنونهم المعهودة؛ لأن المعهود من المؤمن ظن الخير بالله كما قاله عليه (الصلاة و) السلام:
«ظُنُّوا باللَّهِ خَيْراً» ومن الكافر الظن السوء كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الذين كَفَرُواْ﴾ [ص: 27] وقوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ [الأنعام: 148] .
قوله: «هُنَالِكَ» منصوب «بابْتُلِيَ» . وقيل: «بتَظُنُّونَ» واستضعفه ابن عطية وفيه وجهان:
أحدهما: أنه ظرف مكان بعيد أي في ذلك المكان الدحْضِ وهو الخَنْدق.
والثاني: أنه ظرف زمان، وأنشد بعضهم على ذلك:
4071 - وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمَتْ وَتَشَاكَلَتْ ... فَهُنَاكَ يَعْتَرِفُونَ أَيْنَ المَفْزَعُ
«وَزُلْزِلُوا» قرأ العامة بضم الزاي الأولى، (وكسر الثانية على اصل ما لم يسم فاعله، وروى غير واحد عن «أبي عمرو» كسر الأولى) ، وروى الزمخشري عنه إشمامها كسراُ، ووجه هذه القراءة أن يكون أتبع الزاي الأولى للثانية في الكسر ولم يعتد بالساكن لكونه غير حصين كقولهم: مِبين - بكسر الميم - والأصل ضمها.
قوله: «زِلْزَالاً» مصدر مُبَيِّن للنوع بالوصف والعامة على كسر الزاي، وعيسى، والجَحْدَرِيّ فتحاها وهما لغتان في مصدر الفعل المضعف إذا جاء على «فعلال» نحو: «زَلْزَال، وقَلقالَ وصَلْصَال، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو: صَلْصَال بمعنى مُصَلْصِلٌ بمعنى» مُزَلْزِل» .
فصل
قال المفسرون: معنى ابتلي المؤمنون اختبر المؤمنون بالحَصْرِ والقتال ليبين المخلص من المنافق، والابتلاء من الله ليس لإبانة الأمر له بل لحكمة أخرى وهي أن الله تعالى عالم بما هم عليه لكنه أراد أظهار الأمر لغيره من الملائكة والأنبياء كما أن السيد إذا علم من عبده المخالفة عزم على معاقبته على مخالفته، وعنده غير من العبيد أو غيرهم فيأمره بأمر عالماً بأنه مخالف لكي يتبين الأمر عند الغير فيقع المعاقبة على أحسن الوجوه حيث لا يقع لأحد أنه يظلم، وقوله: ﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ أي أزعجوا وحركوا حركة شديدة فمن ثبت منهم كان من الذين إذا ذكر الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.
ثم قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المنافقون﴾ معتب بن قُشَيْر، وقيل: عبد الله بن أبي وأصحابه ﴿والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شك وضعف اعتقاد ﴿مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ وهذا تفسير الظنون وبيان لها، فظن المنافقون أن ما قال الله ورسوله كان زوراً ووعدهما كان غروراً حيث ظنوا بأن الغلبة واقعة لهم يَعِدُنَا محمدٌ فَتْحَ قُصُرِ الشام وفارسَ وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله هذا والله الغرور.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي من المنافقين «وهم أوس بن قيظي وأصحابه» ﴿ياأهل يَثْرِبَ﴾ يعني المدينة، قال أبو عبيد (ة) : يَثْرِبُ: اسم أرض ومدينة الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في ناحية منها، وفي بعض الأخبار: «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نهى أن تمسى المدينةُ يَثْرِبَ، وقال: هي طابة» كأنه كره هذه اللفظة، وقال أهل اللغة: يثرب اسم المدينة، وقيل: اسم البقعة التي فيها المدينة، وامتناع صرفها إما للعلمية والوزن أو للعلمية والتأنيث، وأما يَتْرَب - بالتاء المثناة وفتح الراء فموضع ضع آخر باليمن، قال الشاعر:
4072 - وَعَدْتَ وَكَانَ الخُلْفُ مِنْكَ سَجِيَّةً ... مَواعِيدَ عُزْقُوب أَخَاء بِيَتْرَبِ
وقال:
4073 - وَقَدْ وَعَدْتُكَ مَوْعِداً لوقت ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب
﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ قرأ حفصٌ، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ بضم الميم، ونافعٌ وابنُ عامر بضم ميمة أيضاً في الدخان في قوله: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ﴾ [الدخان: 51] ولم يختلف في الأولى أنه بالفتح وهو «مقام كريم» والباقون بفتح الميم في الموضعين، والضم والفتح مفهومان من سورة مريم عند قوله: ﴿خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم: 73] فمعنى الفتح لا مكان لكم تنزلون به وتقيمون فيه. ومعنى الضم لا إقامة لكم فارجعوا إلى منازلكم عن اتباع محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وقيل: عن القتال إلى منازلكم. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي﴾ هم بنو حارثة وبنو سلمة ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي خالية ضائعة، وهي مما يلي العدو ويخشى عليها السُّراق.
قوله: «عَورةٌ» أي ذاتُ عورة، وقيل: منكشفة أي قصيرة الجُدْرَان للسارق وقال الشاعر:
4074 - لَهُ الشِّدَّةُ الأُولَى إِذَا القَرْنُ أَعْوَرَا ...
وقرأ ابن عباس وابنَ يَعْمُرَ وقتادةُ وأبو رجاء وأبو حَيْوَة وآخرون: عَورة بكسر الواو وكذلك ﴿وَمَا هِيَ بِعَورَةٍ﴾ ، وهما اسم فاعل، يقال: عَوِرَ المنزلُ: يَعْوِرُ عَوَراً وعَوِرَة فهو عَوِرٌ، وبيوتٌ عَوِرَةٌ، قال ابن جني: تصحيح الواو شاذ، يعني حيث تحركت وانفتح ما قبلها ولم تقلب ألفاً، وفيه نظر لأن شرط ذاك في الاسم الجاري على الفعل أن يعتل فعله نحومَقَامٍ ومَقَالٍ، وأما هذا ففعله صحيح نحو عَوِرَ، وإنما صح الفعل وإن كان فيه مقتضى الإعلال لِمَدْرَكٍ آخر وهو أنه في معنى ما لا يعلم وهو «أعور» ولذلك لم نتعجب من «عور» وبابه، وأعْوَرَّ المَنْزِلُ: بدت عَوْرَتُهُ، واعورَّ الفارس بدا منه خلله للضَّرْبِ قال الشاعر:
4075 - مَتَى تَلْقَهُمْ لَمْ تَلْقَ فِي البَيْتِ مُعْوَراً ... وَلاَ الصَّيْفَ مَسْجُوراً ولاَ الجَارَ مُرْسَلاً
ثم كذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ .
قوله: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ ولو دخل عليهم المدينة أو البيوت يعني هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم وهم الأحواب «مِنْ أقْطَارِهَا» جوانبها. وفيه لغة وتروى: أَفْتَار - بالتاء -. والقُطْرُ: الجانب أيضاً ومنه قَطَرْتُهُ أي أَلْقَيْتُهُ على قطره فَتَقَطَّرَ أي وقع عليه قال:
4076 - قَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَجَاراتُها ... مَا قَطَّرَ الفَارِسَ إِلاَّ أَنَا
وفي المثل: «الانفِضَاضُ يُقَطِّرُ الجَلَب» تفسيره أن القوم إذا انفضوا أي فني زادهم احتاجوا إلى جَلْب الإِبل، وسمي القَطْرُ قطراً لسقوطه.
قوله: «ثُمَّ سُئِلُوا» قرأ مجاهد «سُويِلُوا» بواو ساكنة ثم ياء مكسورة «كقُوتِلُوا» . حتى أبو زيد: هما يَتَسَاوَلاَن بالواو، والحسن: سُولُوا بواو ساكنة فقط فاحتملت وجهين:
أحدهما: أن يكون أصلها: سيلوا كالعامة، ثم خففت الكسرة فسكنت كقولهم في ضَرب - بالكسر - ضرب بالسكون فسكنت الهمزة بعد ضمة فقلبت واواً نحو: بُوسٍ في بُؤْسٍ.
والثاني: أن يكون من لغة الواو، ونقل عن أبي عمرو أنه قرأ سِيلُوا بياء ساكنة بعد كسرة نحو: قِيلوا.
قوله: «لأتَوْهَا» قرأ نافعٌ وابنُ كثير بالقصرب بمعنى لَجَاؤُوهَا وغَشوهَا، والباقون بالمد بمعنى لأعطوها ومفعوله الثاني محذوف تقديره: لآتوها السائلين. والمعنى ولو دخلت البيوت أو المدينة من دميع نواحيها ثم سئل أهلها الفتنة لم يمتنعوا من إعطائها، وقراءة المد يستلزم قراءة القصر من غير عكس بهذا المعنى الخاص.
قوله: «إِلاَّ يَسيراً» أي إلا تَلَبُّثاً أو إلا زماناً يسيراً. وكذلك قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: 16 - 18] أي إلا تَمَتُّعاً أو إلا زمانا قليلاً.
فصل
دلت الآية على أن ذلك الفرار والرجوع ليس لحفظ البيوت لأن من يفعل فعلاً لغرض فإذا فاته الغرض لا يفعله فقال تعالى هم قالوا بأن رجوعنا عنك لحفظ بيوتنا ولو دخلها الأحزاب وأخذوها منهم لرجعوا أيضاً فليس رجوعهم عنك إلا بسبب كفرهم وحبهم الفتنة وهي الشرك، ﴿مّوَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ﴾ أي ام تلبثوا بالمدينة أو البيوت «إلاَّ يَسِيراً» وأن المؤمنين يُخْرِجُونَهُمْ قاله الحسن، وقيل: ما تلبثوا أي ما احْتَبَسُوا عن الفتنة - وهي الشرك - إلا يسيراً ولأسرعوا للإجابة إلى الشرك طيّبةً به أنفُسُهم وهذا قول أكثر المفسِّرين.
قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ الله مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل غزوة الخندق ﴿لاَ يُوَلُّونَ الأدبار﴾ عدوهم أي لا ينهزمون قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة هموا يوم الخندق أن يَقْتَتِلُوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها، وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن واقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة وقالوا لئن أَشْهَدَنَا اللَّهُ قتالاً لَنُقَاتِلَنَّ فساق الله إليهم ذلك وقال مقالت والكلبي:
«هم سبعون رجلاً جاءوا بايعوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة العقبة وقالوا اشترط لنفسك ولربك ما شئتَ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم قالوا: وإذا فعلنا ذلك (فما لنا يا رسول الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قالوا: قد فعلنا فذلك) عهدهم» ، وهذا القول ليس بمَرْضِيٍّ؛ لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين لم يكن فيهم شَاكٌّ ولا مَنْ يقول مثل هذا القول وإنما الآية في قوم عاهدوا الله أن يقاتلوا ولا يَفِرُّوا فَنَقَضُوا العهد. وهذا بيان لفساد سريرتهم وقبح سيرتهم لنقضهم العهود فإنهم قبل ذلك تخلفوا وأظهروا عذراً ونَدَماً ثم هددهم بقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً﴾ أي مَسْؤُولاً عنه.
قوله: «لاَ يُوَلُّونَ» جواب لقوله: «عَاهَدُوا» لأنه في معنى: «أقسموا» وجاء على حكاية اللفظ فجاء بلفظ الغيبة ولو جاء على حكاية المعنى لقيل: لا يُولِّي، والمفعول الأول محذوف أي يولون العدو الأدبار. وقال أبو البقاء: ويقرأ بالتشديد تشديد النون وحذف الواو على تأكيد جواب القسم. قال شهاب الدين: ولا اظن هذا إلا غلظاً منه وذلك أنه إما أن يُقْرأ مع ذلك بلا النافية أو بلام التأكيد، والأول لا يجوز لأن المضارع المنفي بلا لا يؤكد بالنون إلا ما نَدَرَ مما لا يقاس عليه والثاني فاسد المعنى.
قوله: «إنْ فَرَرْتُمْ» جوابه محذوف لدلالة النفي قبله عليه أو متقدم عند من يرى ذلك.
قوله: ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ إذَنْ جواب وجزاء، ولما وقعت بعد عاطف جاءت على الأكثر وهو عدم إعمالها ولم يشذّ هنا ما شَذَّ في الإسراء، فلم يقرأ بالنصب، والعامة بالخطاب في «تُمَتَّعُونَ» . وقرىء بالغيبة.
فصل
المعنى: «قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَو القَتْلِ} الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أوقتل ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي لا تمتعون بعد الفِرار إلا مدة آجالكم وهي قليل. وهذا إشارة إلى ان الأمور مقدرة لا يمكن الفرار مما قدره الله لأنه كائن لا محالة فلو فررتم لما دمتم بل لا تمتعون إلا قليلاً وهو ما بقي من آجالكم فالعاقل لا يرغب في شيء قليل يفوت عليه شيئاً كثيراً.
قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ تقدم في البقرة، قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة ولا عصمة إلا من السوء؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختصر الكلام وأجْرِيَ مُجْرَى قوله:
مُتَقَلِّداً سيفاً وَرُمْحاً ...
أو حمل الثاني على الأول لما في العِصْمَةِ من معنى المنع قال أبو حيان: أما الوجه الأول فيه حذف جملة لا ضرورة تدعو إلى حذفها، والثاني هو الوجه لا سيما إذا قدر مضاف محذوف أي يمنعكم من مُرَادِ الله، قال شهاب الدين: وأين الثاني من الأول ولو كان معه حذف جُمَلٍ.
فصل
المعنى من ذا الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءاً هزيمة أو أراد بكم رحمة نُصْرَةً، وهذا بيان لما تقدم من قوله: ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار﴾ وقوله: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ تقرير لقوله: ﴿مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ الله﴾ أي ليس لكم شفيع أي قريب ينفعكم ولا نصير ينصركم ويدفع عنكم السوء إذا أتاكم.
الأحزاب 33:18
قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ﴾ المثَبِّطين الناس عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ﴿والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ارجعوا إلينا ودعوا محمداً فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قال قتادة: هم ناس من المنافقين كانوا يُثَبِّطُونَ أنصار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقولون لإخوانهم: إن محمداً وأصحابه لو كانوا (لحماً لالْتَهَمُهمْ) أبو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين فإنّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين قالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سُفْيَانَ ومَنْ مَعَهُ فإنهم إن قَدِرُوا عليكم في هذه المرة لم يَسْتَبْقُوا منكم أحداً وإنّا نشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا هَلُمَّ إلينا فأقبل عبد الله بن أبيٍّ وأصحابُه على المؤمنين يُعَوِّقُونَهُمْ ويُخَوِّفُونَهُمْ بأبي سفيان وبمن معه قالوا: لئن قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحداً ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ههُنَا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيماناً واحتساباً.
قوله: «هَلُمَّ» (تقدّم) الكلام فيه آخر الأنعام. وهو هنا لازم، وهناك مُتَعَدٍّ لنصبه مفعوله وهو «شُهَدَاءَكُمْ» بمعنى أَحْضِرُوهُمْ، وههنا بمعنى «احْضَرُوا» وتَعَالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضاً وحُذِفَ مفعوله، فإنه قال: «وهَلُمُّوا إِلَيْنَا» أي قربوا أنفسكم إلينا (قال) : «وهي صوت سمي به فعل متعد مثل: احضَر وقَرْبْ» ، وفي تسميته إياه صوتً نظر إذا أسماء الأصوات محصورة ليس هذا منها. ولا يجمع في لغة الحجاز ويجمع في غيرها فيقال للجماعة: هَلُمُّوا وللنساء هَلْمُمْنَ.
قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ البأس﴾ الحرب «إِلاَّ قَلِيلاً» رياء وسمعة أي لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ولو كان ذلك القليل لكان كثيراً.
قوله: «أَشِحَّةً» العامة على نصبه وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الشَّتْمِ.
والثاني: على الحال وفي العامل فيه أوجه:
أحدها: «وَلاَ يَأْتُونَ» قاله الزجاج.
الثاني: «هَلُمَّ إِلَيْنَا» . قاله الطبري.
الثالث: «يعوقون» مضمراً، قاله الفراء.
الرابع: «المُعَوِّقِينَ» .
الخامس: «القَائِلِينَ» ورد هذان الوجهان الأخيران بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وفي الرد نظر لأن الفصل بين أبعاض الصلة من متعلقاتها، وإنما يظهر الرد على الوجه الرابع لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته فتأمله فإنه حسن وأما «وَلاَ يَأْتُونَ» فمُعْتَرِضٌ والمُعْتَرِضُ لا يمنع من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة أَشِحَّةٌ بالرفع على خبر ابتداء مضمر أي هم أشحة وأشحة جمع «شَحِيحٍ» وهو جمع لا ينقاس؛ إذ قياس «فَعِيل» الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو خَلِيلٍ وأَخِلاَّء وَظنِينٍ وأَظِنَّاء، وضَنين وأَضِنَّاء، وقد سمع أشِحَّاء وهو القياس.
والشُّحُّ البخل، وقد تقدم في آل عمران.
فصل
المعنى أشحة عليكم بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال قتادة بخلاء عند الغنيمة وصفهم الله بالبخل والجبن فقال: ﴿فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في الرؤوس من الخوف والجبن ﴿كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ أي كَدَوَرَانِ عين الذين يغشى عليه من الموت وذلك أن من قَرُبَ من الموت وغَشِيَتْهُ أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرِفُ، واعلم أن البخل شبيه الجبن فلما ذكر البخيل بين سببه وهو الجبن لأن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك.
قوله: «يَنْظُرُونَ» في محل (نصب) حال من مفعول «رَأَيْتَهُمْ» لأن الرؤية بصرية.
قوله: «تدور» إما حال تانية وإما حال من «يَنْظُرُونَ» «كالَّذِي يُغْشَى» يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون حالاً من: «أَعْنهم» أي تدور أعينهم حال كونها مشبهة عين الذي يغشى عليه من الموت.
الثاني: أنه نعت مصدر مقدر لقوله «ينظرون» تقديره: ينظرون إليك نظراً مثلَ نظرِ الذي يغشى عليه من الموت ويؤيده الآية الأخرى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [محمد: 20] المعنى يحسبون أي هؤلاء المانفِقُونَ يحسبون الأحزاب يعني قريشاً وغَطَفَانَ واليهود «لَمْ يذهبُوا» لم ينصرفوا عن قتالهم من غاية الجبنِ عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ﴿وَإِن يَأْتِ الأحزاب﴾ أي يرجعون إليهم للقتال بعد الذهاب ﴿يودوا لو أَنهم بادون في الأعراب﴾ من الخوف والجبن.
(قوله) : «بَادُونَ» هذه قراءة العامة جمع «باد» وهو المُقيم بالبادية يقال: بَدَا يَبْدُوا بداوةً إذا خرج إلى البَادِيةٍ، وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس وطلحةُ وابنُ يَعْمُرَ بُدَّى - بضم الباء وفتح الدال مشدّدة - مقصوراً كَغَازٍ وغُزّىً، وسَارٍ وسُرّىً. وليس بقياس، وإنما قياسه في بادٍ وبُداةٍ، كقَاضٍ وقُضَاةٍ، ولكن حمل على الصحيح كقولهم: «ضُرَّب» . وروي عن ابن عباس قراءة ثانية بزنة «عُدّىً» وثالثة: «بَدَوا» فعلاً ماضياً.
(قوله) : «يَسْأَلُونَ» يجوز أن يكون مستأنفاً، وإن يكون حالاً من فاعل «يَحْسَبُونَ» والعامة على سكون السين بعدها «همزة» ، ونقل ابن عطية عن أبي عمرو وعاصم بنقل حركة الهمزة إلى السين كقوله:
﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ [البقرة: 211] وهذه ليست بالمشهورة عنهما، ولعلها نقلت عنهام ذاشة، وإنا هي معروفة بالحسن والأمش، وقرأ زيدُ بنُ عَلِيٍّ والجَحْدَرِيُّ وقتادةُ والحَسَنُ «يَسَّاءلُونَ» بتشديد السين والأصل «يَتَسَاءَلُونَ» فأدغم، أي يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
فصل
﴿يسألون عن أبنائكم﴾ أخباركم، وما آل إليه أمركم «وَلَوْ كَانُوا» يعني هؤلاء المنافقين ﴿فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلا﴾ . أي يقاتلون قليلاً يقيمون به عذرهم فيقولون: قد قَاتَلْنَا، قال الكَلْبَيُّ: «إِلاَّ قَلِيلاً» أي رمياً بالحجارة. وقال مقاتل: إلاَّ رياءً وسُمْعَةٌ من غير احتساب.
(قوله) تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قرأ عاصم: «أُسْوَةٌ» بضم الهمزة حيث وَقَعَتْ هذه اللفظة والباقون بكسرها. وهما لغتان كالغُدْوَةِ والغِدْوَةِ والقُدْوَةِ والقِدْوةِ والأُسْوة بمعنى الاقتداء أي قدوة صالحة، وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو «الايتساء» فالأسوة من الايتساء كالقُدْوَة من الاقْتِدَاء، وائْتَسَى فُلانٌ بِفُلاَنٍ أي اقْتَدَى به، وأسوة اسم «كان» وفي الخبر وجهان: أحدهما: هو «لكم» فيجوز في الجار الآخر وجوه: التعلق بما يتعلق به الخبر، أي بمحذوف على أنه حال من «أُسْوَةٍ» ؛ إذ لو تأخر لكان صفةً أو «بكان» على مذهب من يَرَاهُ.
الثاني: أن الخبر هو: «فِي رَسُولِ اللَّهِ» و «لَكُمْ» على ما تقدم في «رسول الله» أو يتعلق بمحذوف على التبيين أَعْنِي لَكُمْ.
قوله: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من الكاف في «لَكُمْ» قاله الزمخشري، ومنعه أبو البقاء، وتابعه أبو حيان، قال أبو البقاء: وقيل: هو بدل من ضمير المُخَاطَبِ بإعادة الجارِّ، ومنع منه الأكثرون؛ لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه. وقال أبو حيان: قال الزمخشري بدل من «لكم» كقوله: ﴿استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: 75] . قال: ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وأنشد:
4077 - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... وأَمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلّيلاً
قال شهاب الدين: لا نسلم أن هذا بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، بل بدل بعض من كل باعتبار الواقع لأن الخطاب في قوله: «لكُم» أعمّ مِن: «مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وغَيْره» ثم خصص ذلك العموم لأن المتأَسِّيَ به عليه (الصلاة و) السلام في الواقع إنما هو المؤمنون ويدل عليه ما قلته ظاهر تشبيه الزمخشري هذه الآية بآية الأعراف، وآية الأعراف البدل فيها بدل كل من كل ومجابٌ بأنه إنما قصد التشبيه في مجرد إعادة العامل.
والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة «لحَسَنَةٍ» .
والثالثك أن يتعلق بنفس «حسنة» قالهما أبو البقاء، ومنع أن يتعلق بأسوة قال: لأنها قد وصفت و «كَثِيراً» أي ذِكْراً كَثِيراً.
فصل
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أن تنصروا دين الله وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذا كسرت رُبَاعِيَّتُهُ، وجرح وَجْهُهُ وقتل عمه، وأوذي بَضُروبٍ من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضاً، واستنوا بسنته ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر﴾ قال ابن عباس لمن كان يرجو ثواب الله. وقال مقاتل: يخشى الله واليوم الآخر أي يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وذكر الله كثيراً في جميع المواطن على السراء والضراء، ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب﴾ لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب وهو أنهم لما رأوا الأحزاب قالوا تسليماً لأمر الله وتصديقاً بوعده وهو قولهم: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ ، وقولهم ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ ليس بإشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هو إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله﴾ وقد وقع صدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (عند وجوده ووعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [الآية: 214] إلى قوله: ﴿إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214] فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء فلما) (رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) أي تصديقاً لله وتسليماً له.
قوله: ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ من تكرير الظاهر تعظيماً لقوله: 4078 - لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولأنه لو أعادهما مضمرين لجمع بين اسم الباري تعالى واسم رسوله في لفظة واحدة فكان يقال: «وصدقا» ، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد كره ذلك ورد على من قال حيث قال: مَنْ يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فقال له بئس خطيبُ القوم أنتَ قل: ومن يعص الله ورسوله قصداً إلى تعظيم الله. وقيل إنما رد عليه لأنه وقف على «يَعْصِهِمَا» وعلى الأولى استشكل بعضهم قوله: «حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما» فقد جمع بينهما في ضمير واحد وأجيب: بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعرف بقدر الله منا فليس لنا أن نقول كما يقال.
قوله: «وَمَا زَادهم» فاعل «زادهم» ضمير الوعد أي وما زادهم وعد الله أو الصدق.
وقال مكي ضمير النظر لأن قوله «لما رأى» بمعنى لما نظر. وقال أيضاً: وقيل ضمير الرؤية، وإنما ذكر لان تأنيثها غير حقيقي ولم يذكر غيرهما، وهذا عجيب منه حيث حجَّروا واسعاً مع الغنية عنه. وقرأ ابن أبي عبلة «وما زادوهم» بضمير الجمع، ويعود للأحزاب لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أخبرهم أن الأحزاب يأتيهم بعد عشر أو تسع.
قوله: ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ ووفوا به.
قوله: «صدقوا» صدق يتعدى لاثتين لثانيهما بحرف الجر، ويجوز حذفه ومنه المثل: «صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرة» أي في سن. والآية يجوز أن تكون من هذا، والأول محذوف أي صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ويجوز أن يتعدى لواحد كقولك «صَدَقِنِي زَيْدٌ، وكَذَبَنِي عَمْرٌوا» أي قال لي الصدق وقال الكذب، ويكون المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً كأنهم قالوا للشيء المعاهد عليه لنوفين بك وقد فعلوا و «ما» بمعنى الذي، ولذلك عاد عليها الضمير في «عليه» ، وقال مكي «ما» في موضع نصب «بصدقوا» وهي والفعل مصدر تقديره «صَدَقُوا» العهد أي وفوا به. وهذا يرده عود المضير إلا أن الأخفس وابن السراج يذهبان إلى اسمية «ما» المصدرية.
(قوله) : «قَضَى نَحْبَهُ» النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به قال:
4079 - عَشِيَّةَ فَرَّ الحَارِثيُّونَ بَعْدَمَا ... قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقال:
4080 - بِطَخْفَةَ جَالَدْنَا المُلُوكَ وَخَيْلُنَا ... عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
أي على أمر عظيم، ولهذا يقال: نحب فلان أي نذر نذراً التزمه ويعبر به عن الموت كقولهم «قَضَى أجله» لما كان الموت لا بد منه جعل كالشي الملتزم والنجيب البكاء معه صوت.
فصل
قال المفسرون معنى ﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ أي وفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله «فَمِنْهُمْ نَحْبَهُ» أي فرغ من نذره ووفاه بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحيب النذر قال القُرطبي: مَنْ قَضَى نحبه أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل: قضى نحبه أي بذل جهده في سبيل الوفاء بالعهد من قول العرب «نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع» إذ مد فلم ينزل ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ الشهادة يعني من بقي من المؤمنين ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ بخلاف المنافقين فإنهم قالوا: لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم.
قوله: «لِيَجْزِيَ اللَّهُ» فيه وجهان:
أحدهما: أنها لام العلة.
والثاني: أنها لام الصيرورة، وفيما يتعلق به أوجه إما «بصَدَقَوا» وإام «بزَادَهُمْ» وإما بمَا بَدَّلُوا وعلى هذا قال الزمخشري: جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوقٌ إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلها، والمعنى ليجزي الله الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وهو الوفاء بالعهد.
﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ﴾ أي الذين كذبوا وأخلفوا، وقوله: «إنْ شَاءَ» ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ( «واو» ) وجواب إن شاء مقدر وكذلك مفعول «شاء» أي إن شاء تعذيبَهم عَذَّبهم، فإن قيل: عذبهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وهو قد شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق؟! . فأجاب ابن عطية بأن تعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والعقوبة موازية لتلك الإقامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إقامة على نفاق، أو توبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب أو رحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدةً من هاتين وواحدة (من هاتين) ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدل على أن معنى قوله: «ليُعَذِّب» ليديم على النفاق، قَوْلُهُ: «إنْ شَاءَ» ومعادلته بالتوبة وحرف «أو» . قال أبو حيان وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير: ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبَّب وهو التعذيب، وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران، وقال ابن الخطيب إنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل ما بين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس ﴿وكان الله غفوراً﴾ حيث ستر ذنبهم و «رحيماً» حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده. أو نقول «ويعذب المنافقين» مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنوبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جزاهم الله على صدقهم فقال: ﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ وهم قريش وغطفان ردّهم بغيظهم لم تُشْفَ صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيراً «ظفراً» وَكَفَى اللَّهُ المؤمنين القِتَال بالملائكة والريح أي لم يحوجهم إلى القتال ﴿وكان الله قوياً﴾ في ملكه غير محتاج إلى قتالهم «عزيزاً» في انتقامه قادراً على استئصال الكفار.
قوله: «بغَيْظِهِمْ» يجوز أن تكون الباء سببية وهو الذي عبر عنه أبو البقاء بالمفعول أي أنها مُعَدِّية.
والثاني: أن تكون للمصاحبة فتكون حالاً أي مَغِيظِينَ.
قوله: ﴿لم ينالوا خيراً﴾ حال ثانية أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة، ويجوز أن تكون حالً من الضمير المجرور بالإضافة.
وجوز الزمخشري فبها أن تكون بياناً للحال الأولى أي مستأنفة، ولا يظهر البيان إلا على البدل والاستئناف بعيد.
قوله: «وَأَنْزَلَ الذينَ» أي أنزل الله الذين «ظَاهَرُوهُمْ» أي عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمين وهم بنو قريظة.
قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، (ويجوز أن يكون حالاً) «من صَياصِيهِمْ» متعلق «بأنزل» و «من» لابتداء الغاية، والصياصي جمع صِيصِيَةٍ وهي الحصون والقلاع والمعاقل ويقال لكل ما يمتنع به ويتحصن» صِيصِيَةٌ» ومنه قيل لقَرْن الثَّوْرِ ولشوكة الديك: صِيصِيَة، والصّيَاصِي أيضاً شوك الحكة، ويتخذ من حديد قال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ:
4081 - ... ... ... ... ... ... ... . ... كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
قوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي.
قوله: «فريقاً تقتلون» منصوب بما بعده وكذلك «فريقاً» منصوب بما قبله، والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم والعامة على الخطاب في الفعلين، وابن ذكوان - في رواية - بالغيبة فيهما، واليماني بالغيبة في الأول فقط، وأبو حيوة «تَأْسُرُونَ» بضم السين.
فإن قيل: ما فائدة التقديم المفعول في الأول حيث قال: تقتلون وتأخيره حيث قال «وتأسرون فريقاً؟! .
فالجواب: قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب والرجال كانوا مشهورين وكان القتل وارداً عليهم والأسراء كانوا هم النساء والذَّرَارِي ولم يكونوا مشهورين ولاسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلَّين ما هو أشهر على الفعل القائم به ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله» فريقاً تقتلون «فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل أما أنها جملة فعلية فلأنها لوكانت اسمية لكان الواجب في» فريق» الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم (فلما نصب كان ذلك بفعل مضمير يفسره الظاهر تقديره: «تقتلون فريقاً تقتلون» ) والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال: تقتلون أوهم أن يسمع السامع مفعول «تقتلون» " يكون زمان وقد يمنعه مانع فيفوته ولا يعلم أيهم هم المقتولون فأما إذا قال: " فريقا " سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل (فعدم) تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفاً إليهم فلو قال بعد ذلك: «وَفَريقاً تأسرون» فمن سمع» فريقاً «ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى وكذا الكلام في قوله: ﴿وَأَنزَلَ الذين (ظَاهَرُوهُم) ﴾ (ظَاهَرُوهُمْ) وقوله:» قذف» ، فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبيل الإنزال ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر قدم الإنزال على قذف الرعب والله أعلم.
فصل
فريقاً تقتلون هم الرجال قيل: كانوا ستمائة، و «تأسرون فريقاً» وهم النساء والذراري، قيل: كانوا سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ بعد؛ قال ابن زيد ومقاتل يعني خيبر وقال قتادة. كنا نحدث أنها مكية، وقال الحسن: فارس والروم وقيل: القلاع وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
قوله: «لم تَطَئُوها» الجملة صفة «لأرضاً» والعامة على همزة مضومة ثم واو ساكنة، وزيد بن علي «تَطَوْهَا» بواو بعد طاء مفتوحة ووجهها أنها كبدلِ الهمزة ألفاًعلى الإسناد كقوله: 4082 - إنَّ الأُسُودَ لَتُهْدَى في مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
فلما أسنده للواء التقى ساكنان محذوف أولهما نحو «لم تَرَوْهَا» وهذا أحسن من أن تقول ثم أجرى الألف المبدلة من الهمزة مجرى الألف المتأصلة فحذفها جزماً لأن الأحسن هناك أن لا يحذف اعتداداً بأصلها، واستشهد بعضهم على الحذف بقول زهير:
4083 - جَرِيء مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقَبْ بظُلْمِهِ ... سَرِيعاً وإِلا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِم
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ هذا يؤكد قول من قال: إن المراد من قوله ﴿وأرضاً لم تطؤوها﴾ ما يؤخذ بعد من بني قريظة لأن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاء ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها، روى أبو هريرة - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يقول:» لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحدَه، فلا شيء بعده.»
الأحزاب 33:19
قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ﴾ المثَبِّطين الناس عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ﴿والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ارجعوا إلينا ودعوا محمداً فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قال قتادة: هم ناس من المنافقين كانوا يُثَبِّطُونَ أنصار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقولون لإخوانهم: إن محمداً وأصحابه لو كانوا (لحماً لالْتَهَمُهمْ) أبو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين فإنّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين قالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سُفْيَانَ ومَنْ مَعَهُ فإنهم إن قَدِرُوا عليكم في هذه المرة لم يَسْتَبْقُوا منكم أحداً وإنّا نشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا هَلُمَّ إلينا فأقبل عبد الله بن أبيٍّ وأصحابُه على المؤمنين يُعَوِّقُونَهُمْ ويُخَوِّفُونَهُمْ بأبي سفيان وبمن معه قالوا: لئن قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحداً ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ههُنَا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيماناً واحتساباً.
قوله: «هَلُمَّ» (تقدّم) الكلام فيه آخر الأنعام. وهو هنا لازم، وهناك مُتَعَدٍّ لنصبه مفعوله وهو «شُهَدَاءَكُمْ» بمعنى أَحْضِرُوهُمْ، وههنا بمعنى «احْضَرُوا» وتَعَالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضاً وحُذِفَ مفعوله، فإنه قال: «وهَلُمُّوا إِلَيْنَا» أي قربوا أنفسكم إلينا (قال) : «وهي صوت سمي به فعل متعد مثل: احضَر وقَرْبْ» ، وفي تسميته إياه صوتً نظر إذا أسماء الأصوات محصورة ليس هذا منها. ولا يجمع في لغة الحجاز ويجمع في غيرها فيقال للجماعة: هَلُمُّوا وللنساء هَلْمُمْنَ.
قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ البأس﴾ الحرب «إِلاَّ قَلِيلاً» رياء وسمعة أي لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ولو كان ذلك القليل لكان كثيراً.
قوله: «أَشِحَّةً» العامة على نصبه وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الشَّتْمِ.
والثاني: على الحال وفي العامل فيه أوجه:
أحدها: «وَلاَ يَأْتُونَ» قاله الزجاج.
الثاني: «هَلُمَّ إِلَيْنَا» . قاله الطبري.
الثالث: «يعوقون» مضمراً، قاله الفراء.
الرابع: «المُعَوِّقِينَ» .
الخامس: «القَائِلِينَ» ورد هذان الوجهان الأخيران بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وفي الرد نظر لأن الفصل بين أبعاض الصلة من متعلقاتها، وإنما يظهر الرد على الوجه الرابع لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته فتأمله فإنه حسن وأما «وَلاَ يَأْتُونَ» فمُعْتَرِضٌ والمُعْتَرِضُ لا يمنع من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة أَشِحَّةٌ بالرفع على خبر ابتداء مضمر أي هم أشحة وأشحة جمع «شَحِيحٍ» وهو جمع لا ينقاس؛ إذ قياس «فَعِيل» الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو خَلِيلٍ وأَخِلاَّء وَظنِينٍ وأَظِنَّاء، وضَنين وأَضِنَّاء، وقد سمع أشِحَّاء وهو القياس.
والشُّحُّ البخل، وقد تقدم في آل عمران.
فصل
المعنى أشحة عليكم بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال قتادة بخلاء عند الغنيمة وصفهم الله بالبخل والجبن فقال: ﴿فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في الرؤوس من الخوف والجبن ﴿كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ أي كَدَوَرَانِ عين الذين يغشى عليه من الموت وذلك أن من قَرُبَ من الموت وغَشِيَتْهُ أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرِفُ، واعلم أن البخل شبيه الجبن فلما ذكر البخيل بين سببه وهو الجبن لأن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك.
قوله: «يَنْظُرُونَ» في محل (نصب) حال من مفعول «رَأَيْتَهُمْ» لأن الرؤية بصرية.
قوله: «تدور» إما حال تانية وإما حال من «يَنْظُرُونَ» «كالَّذِي يُغْشَى» يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون حالاً من: «أَعْنهم» أي تدور أعينهم حال كونها مشبهة عين الذي يغشى عليه من الموت.
الثاني: أنه نعت مصدر مقدر لقوله «ينظرون» تقديره: ينظرون إليك نظراً مثلَ نظرِ الذي يغشى عليه من الموت ويؤيده الآية الأخرى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [محمد: 20] المعنى يحسبون أي هؤلاء المانفِقُونَ يحسبون الأحزاب يعني قريشاً وغَطَفَانَ واليهود «لَمْ يذهبُوا» لم ينصرفوا عن قتالهم من غاية الجبنِ عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ﴿وَإِن يَأْتِ الأحزاب﴾ أي يرجعون إليهم للقتال بعد الذهاب ﴿يودوا لو أَنهم بادون في الأعراب﴾ من الخوف والجبن.
(قوله) : «بَادُونَ» هذه قراءة العامة جمع «باد» وهو المُقيم بالبادية يقال: بَدَا يَبْدُوا بداوةً إذا خرج إلى البَادِيةٍ، وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس وطلحةُ وابنُ يَعْمُرَ بُدَّى - بضم الباء وفتح الدال مشدّدة - مقصوراً كَغَازٍ وغُزّىً، وسَارٍ وسُرّىً. وليس بقياس، وإنما قياسه في بادٍ وبُداةٍ، كقَاضٍ وقُضَاةٍ، ولكن حمل على الصحيح كقولهم: «ضُرَّب» . وروي عن ابن عباس قراءة ثانية بزنة «عُدّىً» وثالثة: «بَدَوا» فعلاً ماضياً.
(قوله) : «يَسْأَلُونَ» يجوز أن يكون مستأنفاً، وإن يكون حالاً من فاعل «يَحْسَبُونَ» والعامة على سكون السين بعدها «همزة» ، ونقل ابن عطية عن أبي عمرو وعاصم بنقل حركة الهمزة إلى السين كقوله:
﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ [البقرة: 211] وهذه ليست بالمشهورة عنهما، ولعلها نقلت عنهام ذاشة، وإنا هي معروفة بالحسن والأمش، وقرأ زيدُ بنُ عَلِيٍّ والجَحْدَرِيُّ وقتادةُ والحَسَنُ «يَسَّاءلُونَ» بتشديد السين والأصل «يَتَسَاءَلُونَ» فأدغم، أي يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
فصل
﴿يسألون عن أبنائكم﴾ أخباركم، وما آل إليه أمركم «وَلَوْ كَانُوا» يعني هؤلاء المنافقين ﴿فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلا﴾ . أي يقاتلون قليلاً يقيمون به عذرهم فيقولون: قد قَاتَلْنَا، قال الكَلْبَيُّ: «إِلاَّ قَلِيلاً» أي رمياً بالحجارة. وقال مقاتل: إلاَّ رياءً وسُمْعَةٌ من غير احتساب.
(قوله) تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قرأ عاصم: «أُسْوَةٌ» بضم الهمزة حيث وَقَعَتْ هذه اللفظة والباقون بكسرها. وهما لغتان كالغُدْوَةِ والغِدْوَةِ والقُدْوَةِ والقِدْوةِ والأُسْوة بمعنى الاقتداء أي قدوة صالحة، وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو «الايتساء» فالأسوة من الايتساء كالقُدْوَة من الاقْتِدَاء، وائْتَسَى فُلانٌ بِفُلاَنٍ أي اقْتَدَى به، وأسوة اسم «كان» وفي الخبر وجهان: أحدهما: هو «لكم» فيجوز في الجار الآخر وجوه: التعلق بما يتعلق به الخبر، أي بمحذوف على أنه حال من «أُسْوَةٍ» ؛ إذ لو تأخر لكان صفةً أو «بكان» على مذهب من يَرَاهُ.
الثاني: أن الخبر هو: «فِي رَسُولِ اللَّهِ» و «لَكُمْ» على ما تقدم في «رسول الله» أو يتعلق بمحذوف على التبيين أَعْنِي لَكُمْ.
قوله: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من الكاف في «لَكُمْ» قاله الزمخشري، ومنعه أبو البقاء، وتابعه أبو حيان، قال أبو البقاء: وقيل: هو بدل من ضمير المُخَاطَبِ بإعادة الجارِّ، ومنع منه الأكثرون؛ لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه. وقال أبو حيان: قال الزمخشري بدل من «لكم» كقوله: ﴿استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: 75] . قال: ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وأنشد:
4077 - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... وأَمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلّيلاً
قال شهاب الدين: لا نسلم أن هذا بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، بل بدل بعض من كل باعتبار الواقع لأن الخطاب في قوله: «لكُم» أعمّ مِن: «مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وغَيْره» ثم خصص ذلك العموم لأن المتأَسِّيَ به عليه (الصلاة و) السلام في الواقع إنما هو المؤمنون ويدل عليه ما قلته ظاهر تشبيه الزمخشري هذه الآية بآية الأعراف، وآية الأعراف البدل فيها بدل كل من كل ومجابٌ بأنه إنما قصد التشبيه في مجرد إعادة العامل.
والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة «لحَسَنَةٍ» .
والثالثك أن يتعلق بنفس «حسنة» قالهما أبو البقاء، ومنع أن يتعلق بأسوة قال: لأنها قد وصفت و «كَثِيراً» أي ذِكْراً كَثِيراً.
فصل
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أن تنصروا دين الله وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذا كسرت رُبَاعِيَّتُهُ، وجرح وَجْهُهُ وقتل عمه، وأوذي بَضُروبٍ من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضاً، واستنوا بسنته ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر﴾ قال ابن عباس لمن كان يرجو ثواب الله. وقال مقاتل: يخشى الله واليوم الآخر أي يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وذكر الله كثيراً في جميع المواطن على السراء والضراء، ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب﴾ لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب وهو أنهم لما رأوا الأحزاب قالوا تسليماً لأمر الله وتصديقاً بوعده وهو قولهم: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ ، وقولهم ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ ليس بإشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هو إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله﴾ وقد وقع صدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (عند وجوده ووعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [الآية: 214] إلى قوله: ﴿إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214] فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء فلما) (رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) أي تصديقاً لله وتسليماً له.
قوله: ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ من تكرير الظاهر تعظيماً لقوله: 4078 - لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولأنه لو أعادهما مضمرين لجمع بين اسم الباري تعالى واسم رسوله في لفظة واحدة فكان يقال: «وصدقا» ، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد كره ذلك ورد على من قال حيث قال: مَنْ يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فقال له بئس خطيبُ القوم أنتَ قل: ومن يعص الله ورسوله قصداً إلى تعظيم الله. وقيل إنما رد عليه لأنه وقف على «يَعْصِهِمَا» وعلى الأولى استشكل بعضهم قوله: «حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما» فقد جمع بينهما في ضمير واحد وأجيب: بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعرف بقدر الله منا فليس لنا أن نقول كما يقال.
قوله: «وَمَا زَادهم» فاعل «زادهم» ضمير الوعد أي وما زادهم وعد الله أو الصدق.
وقال مكي ضمير النظر لأن قوله «لما رأى» بمعنى لما نظر. وقال أيضاً: وقيل ضمير الرؤية، وإنما ذكر لان تأنيثها غير حقيقي ولم يذكر غيرهما، وهذا عجيب منه حيث حجَّروا واسعاً مع الغنية عنه. وقرأ ابن أبي عبلة «وما زادوهم» بضمير الجمع، ويعود للأحزاب لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أخبرهم أن الأحزاب يأتيهم بعد عشر أو تسع.
قوله: ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ ووفوا به.
قوله: «صدقوا» صدق يتعدى لاثتين لثانيهما بحرف الجر، ويجوز حذفه ومنه المثل: «صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرة» أي في سن. والآية يجوز أن تكون من هذا، والأول محذوف أي صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ويجوز أن يتعدى لواحد كقولك «صَدَقِنِي زَيْدٌ، وكَذَبَنِي عَمْرٌوا» أي قال لي الصدق وقال الكذب، ويكون المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً كأنهم قالوا للشيء المعاهد عليه لنوفين بك وقد فعلوا و «ما» بمعنى الذي، ولذلك عاد عليها الضمير في «عليه» ، وقال مكي «ما» في موضع نصب «بصدقوا» وهي والفعل مصدر تقديره «صَدَقُوا» العهد أي وفوا به. وهذا يرده عود المضير إلا أن الأخفس وابن السراج يذهبان إلى اسمية «ما» المصدرية.
(قوله) : «قَضَى نَحْبَهُ» النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به قال:
4079 - عَشِيَّةَ فَرَّ الحَارِثيُّونَ بَعْدَمَا ... قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقال:
4080 - بِطَخْفَةَ جَالَدْنَا المُلُوكَ وَخَيْلُنَا ... عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
أي على أمر عظيم، ولهذا يقال: نحب فلان أي نذر نذراً التزمه ويعبر به عن الموت كقولهم «قَضَى أجله» لما كان الموت لا بد منه جعل كالشي الملتزم والنجيب البكاء معه صوت.
فصل
قال المفسرون معنى ﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ أي وفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله «فَمِنْهُمْ نَحْبَهُ» أي فرغ من نذره ووفاه بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحيب النذر قال القُرطبي: مَنْ قَضَى نحبه أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل: قضى نحبه أي بذل جهده في سبيل الوفاء بالعهد من قول العرب «نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع» إذ مد فلم ينزل ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ الشهادة يعني من بقي من المؤمنين ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ بخلاف المنافقين فإنهم قالوا: لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم.
قوله: «لِيَجْزِيَ اللَّهُ» فيه وجهان:
أحدهما: أنها لام العلة.
والثاني: أنها لام الصيرورة، وفيما يتعلق به أوجه إما «بصَدَقَوا» وإام «بزَادَهُمْ» وإما بمَا بَدَّلُوا وعلى هذا قال الزمخشري: جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوقٌ إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلها، والمعنى ليجزي الله الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وهو الوفاء بالعهد.
﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ﴾ أي الذين كذبوا وأخلفوا، وقوله: «إنْ شَاءَ» ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ( «واو» ) وجواب إن شاء مقدر وكذلك مفعول «شاء» أي إن شاء تعذيبَهم عَذَّبهم، فإن قيل: عذبهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وهو قد شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق؟! . فأجاب ابن عطية بأن تعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والعقوبة موازية لتلك الإقامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إقامة على نفاق، أو توبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب أو رحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدةً من هاتين وواحدة (من هاتين) ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدل على أن معنى قوله: «ليُعَذِّب» ليديم على النفاق، قَوْلُهُ: «إنْ شَاءَ» ومعادلته بالتوبة وحرف «أو» . قال أبو حيان وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير: ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبَّب وهو التعذيب، وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران، وقال ابن الخطيب إنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل ما بين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس ﴿وكان الله غفوراً﴾ حيث ستر ذنبهم و «رحيماً» حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده. أو نقول «ويعذب المنافقين» مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنوبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جزاهم الله على صدقهم فقال: ﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ وهم قريش وغطفان ردّهم بغيظهم لم تُشْفَ صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيراً «ظفراً» وَكَفَى اللَّهُ المؤمنين القِتَال بالملائكة والريح أي لم يحوجهم إلى القتال ﴿وكان الله قوياً﴾ في ملكه غير محتاج إلى قتالهم «عزيزاً» في انتقامه قادراً على استئصال الكفار.
قوله: «بغَيْظِهِمْ» يجوز أن تكون الباء سببية وهو الذي عبر عنه أبو البقاء بالمفعول أي أنها مُعَدِّية.
والثاني: أن تكون للمصاحبة فتكون حالاً أي مَغِيظِينَ.
قوله: ﴿لم ينالوا خيراً﴾ حال ثانية أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة، ويجوز أن تكون حالً من الضمير المجرور بالإضافة.
وجوز الزمخشري فبها أن تكون بياناً للحال الأولى أي مستأنفة، ولا يظهر البيان إلا على البدل والاستئناف بعيد.
قوله: «وَأَنْزَلَ الذينَ» أي أنزل الله الذين «ظَاهَرُوهُمْ» أي عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمين وهم بنو قريظة.
قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، (ويجوز أن يكون حالاً) «من صَياصِيهِمْ» متعلق «بأنزل» و «من» لابتداء الغاية، والصياصي جمع صِيصِيَةٍ وهي الحصون والقلاع والمعاقل ويقال لكل ما يمتنع به ويتحصن» صِيصِيَةٌ» ومنه قيل لقَرْن الثَّوْرِ ولشوكة الديك: صِيصِيَة، والصّيَاصِي أيضاً شوك الحكة، ويتخذ من حديد قال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ:
4081 - ... ... ... ... ... ... ... . ... كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
قوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي.
قوله: «فريقاً تقتلون» منصوب بما بعده وكذلك «فريقاً» منصوب بما قبله، والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم والعامة على الخطاب في الفعلين، وابن ذكوان - في رواية - بالغيبة فيهما، واليماني بالغيبة في الأول فقط، وأبو حيوة «تَأْسُرُونَ» بضم السين.
فإن قيل: ما فائدة التقديم المفعول في الأول حيث قال: تقتلون وتأخيره حيث قال «وتأسرون فريقاً؟! .
فالجواب: قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب والرجال كانوا مشهورين وكان القتل وارداً عليهم والأسراء كانوا هم النساء والذَّرَارِي ولم يكونوا مشهورين ولاسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلَّين ما هو أشهر على الفعل القائم به ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله» فريقاً تقتلون «فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل أما أنها جملة فعلية فلأنها لوكانت اسمية لكان الواجب في» فريق» الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم (فلما نصب كان ذلك بفعل مضمير يفسره الظاهر تقديره: «تقتلون فريقاً تقتلون» ) والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال: تقتلون أوهم أن يسمع السامع مفعول «تقتلون» " يكون زمان وقد يمنعه مانع فيفوته ولا يعلم أيهم هم المقتولون فأما إذا قال: " فريقا " سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل (فعدم) تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفاً إليهم فلو قال بعد ذلك: «وَفَريقاً تأسرون» فمن سمع» فريقاً «ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى وكذا الكلام في قوله: ﴿وَأَنزَلَ الذين (ظَاهَرُوهُم) ﴾ (ظَاهَرُوهُمْ) وقوله:» قذف» ، فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبيل الإنزال ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر قدم الإنزال على قذف الرعب والله أعلم.
فصل
فريقاً تقتلون هم الرجال قيل: كانوا ستمائة، و «تأسرون فريقاً» وهم النساء والذراري، قيل: كانوا سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ بعد؛ قال ابن زيد ومقاتل يعني خيبر وقال قتادة. كنا نحدث أنها مكية، وقال الحسن: فارس والروم وقيل: القلاع وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
قوله: «لم تَطَئُوها» الجملة صفة «لأرضاً» والعامة على همزة مضومة ثم واو ساكنة، وزيد بن علي «تَطَوْهَا» بواو بعد طاء مفتوحة ووجهها أنها كبدلِ الهمزة ألفاًعلى الإسناد كقوله: 4082 - إنَّ الأُسُودَ لَتُهْدَى في مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
فلما أسنده للواء التقى ساكنان محذوف أولهما نحو «لم تَرَوْهَا» وهذا أحسن من أن تقول ثم أجرى الألف المبدلة من الهمزة مجرى الألف المتأصلة فحذفها جزماً لأن الأحسن هناك أن لا يحذف اعتداداً بأصلها، واستشهد بعضهم على الحذف بقول زهير:
4083 - جَرِيء مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقَبْ بظُلْمِهِ ... سَرِيعاً وإِلا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِم
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ هذا يؤكد قول من قال: إن المراد من قوله ﴿وأرضاً لم تطؤوها﴾ ما يؤخذ بعد من بني قريظة لأن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاء ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها، روى أبو هريرة - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يقول:» لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحدَه، فلا شيء بعده.»
الأحزاب 33:20
قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ﴾ المثَبِّطين الناس عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ﴿والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ارجعوا إلينا ودعوا محمداً فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قال قتادة: هم ناس من المنافقين كانوا يُثَبِّطُونَ أنصار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقولون لإخوانهم: إن محمداً وأصحابه لو كانوا (لحماً لالْتَهَمُهمْ) أبو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين فإنّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين قالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سُفْيَانَ ومَنْ مَعَهُ فإنهم إن قَدِرُوا عليكم في هذه المرة لم يَسْتَبْقُوا منكم أحداً وإنّا نشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا هَلُمَّ إلينا فأقبل عبد الله بن أبيٍّ وأصحابُه على المؤمنين يُعَوِّقُونَهُمْ ويُخَوِّفُونَهُمْ بأبي سفيان وبمن معه قالوا: لئن قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحداً ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ههُنَا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيماناً واحتساباً.
قوله: «هَلُمَّ» (تقدّم) الكلام فيه آخر الأنعام. وهو هنا لازم، وهناك مُتَعَدٍّ لنصبه مفعوله وهو «شُهَدَاءَكُمْ» بمعنى أَحْضِرُوهُمْ، وههنا بمعنى «احْضَرُوا» وتَعَالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضاً وحُذِفَ مفعوله، فإنه قال: «وهَلُمُّوا إِلَيْنَا» أي قربوا أنفسكم إلينا (قال) : «وهي صوت سمي به فعل متعد مثل: احضَر وقَرْبْ» ، وفي تسميته إياه صوتً نظر إذا أسماء الأصوات محصورة ليس هذا منها. ولا يجمع في لغة الحجاز ويجمع في غيرها فيقال للجماعة: هَلُمُّوا وللنساء هَلْمُمْنَ.
قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ البأس﴾ الحرب «إِلاَّ قَلِيلاً» رياء وسمعة أي لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ولو كان ذلك القليل لكان كثيراً.
قوله: «أَشِحَّةً» العامة على نصبه وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الشَّتْمِ.
والثاني: على الحال وفي العامل فيه أوجه:
أحدها: «وَلاَ يَأْتُونَ» قاله الزجاج.
الثاني: «هَلُمَّ إِلَيْنَا» . قاله الطبري.
الثالث: «يعوقون» مضمراً، قاله الفراء.
الرابع: «المُعَوِّقِينَ» .
الخامس: «القَائِلِينَ» ورد هذان الوجهان الأخيران بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وفي الرد نظر لأن الفصل بين أبعاض الصلة من متعلقاتها، وإنما يظهر الرد على الوجه الرابع لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته فتأمله فإنه حسن وأما «وَلاَ يَأْتُونَ» فمُعْتَرِضٌ والمُعْتَرِضُ لا يمنع من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة أَشِحَّةٌ بالرفع على خبر ابتداء مضمر أي هم أشحة وأشحة جمع «شَحِيحٍ» وهو جمع لا ينقاس؛ إذ قياس «فَعِيل» الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو خَلِيلٍ وأَخِلاَّء وَظنِينٍ وأَظِنَّاء، وضَنين وأَضِنَّاء، وقد سمع أشِحَّاء وهو القياس.
والشُّحُّ البخل، وقد تقدم في آل عمران.
فصل
المعنى أشحة عليكم بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال قتادة بخلاء عند الغنيمة وصفهم الله بالبخل والجبن فقال: ﴿فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في الرؤوس من الخوف والجبن ﴿كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ أي كَدَوَرَانِ عين الذين يغشى عليه من الموت وذلك أن من قَرُبَ من الموت وغَشِيَتْهُ أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرِفُ، واعلم أن البخل شبيه الجبن فلما ذكر البخيل بين سببه وهو الجبن لأن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك.
قوله: «يَنْظُرُونَ» في محل (نصب) حال من مفعول «رَأَيْتَهُمْ» لأن الرؤية بصرية.
قوله: «تدور» إما حال تانية وإما حال من «يَنْظُرُونَ» «كالَّذِي يُغْشَى» يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون حالاً من: «أَعْنهم» أي تدور أعينهم حال كونها مشبهة عين الذي يغشى عليه من الموت.
الثاني: أنه نعت مصدر مقدر لقوله «ينظرون» تقديره: ينظرون إليك نظراً مثلَ نظرِ الذي يغشى عليه من الموت ويؤيده الآية الأخرى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [محمد: 20] المعنى يحسبون أي هؤلاء المانفِقُونَ يحسبون الأحزاب يعني قريشاً وغَطَفَانَ واليهود «لَمْ يذهبُوا» لم ينصرفوا عن قتالهم من غاية الجبنِ عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ﴿وَإِن يَأْتِ الأحزاب﴾ أي يرجعون إليهم للقتال بعد الذهاب ﴿يودوا لو أَنهم بادون في الأعراب﴾ من الخوف والجبن.
(قوله) : «بَادُونَ» هذه قراءة العامة جمع «باد» وهو المُقيم بالبادية يقال: بَدَا يَبْدُوا بداوةً إذا خرج إلى البَادِيةٍ، وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس وطلحةُ وابنُ يَعْمُرَ بُدَّى - بضم الباء وفتح الدال مشدّدة - مقصوراً كَغَازٍ وغُزّىً، وسَارٍ وسُرّىً. وليس بقياس، وإنما قياسه في بادٍ وبُداةٍ، كقَاضٍ وقُضَاةٍ، ولكن حمل على الصحيح كقولهم: «ضُرَّب» . وروي عن ابن عباس قراءة ثانية بزنة «عُدّىً» وثالثة: «بَدَوا» فعلاً ماضياً.
(قوله) : «يَسْأَلُونَ» يجوز أن يكون مستأنفاً، وإن يكون حالاً من فاعل «يَحْسَبُونَ» والعامة على سكون السين بعدها «همزة» ، ونقل ابن عطية عن أبي عمرو وعاصم بنقل حركة الهمزة إلى السين كقوله:
﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ [البقرة: 211] وهذه ليست بالمشهورة عنهما، ولعلها نقلت عنهام ذاشة، وإنا هي معروفة بالحسن والأمش، وقرأ زيدُ بنُ عَلِيٍّ والجَحْدَرِيُّ وقتادةُ والحَسَنُ «يَسَّاءلُونَ» بتشديد السين والأصل «يَتَسَاءَلُونَ» فأدغم، أي يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
فصل
﴿يسألون عن أبنائكم﴾ أخباركم، وما آل إليه أمركم «وَلَوْ كَانُوا» يعني هؤلاء المنافقين ﴿فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلا﴾ . أي يقاتلون قليلاً يقيمون به عذرهم فيقولون: قد قَاتَلْنَا، قال الكَلْبَيُّ: «إِلاَّ قَلِيلاً» أي رمياً بالحجارة. وقال مقاتل: إلاَّ رياءً وسُمْعَةٌ من غير احتساب.
(قوله) تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قرأ عاصم: «أُسْوَةٌ» بضم الهمزة حيث وَقَعَتْ هذه اللفظة والباقون بكسرها. وهما لغتان كالغُدْوَةِ والغِدْوَةِ والقُدْوَةِ والقِدْوةِ والأُسْوة بمعنى الاقتداء أي قدوة صالحة، وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو «الايتساء» فالأسوة من الايتساء كالقُدْوَة من الاقْتِدَاء، وائْتَسَى فُلانٌ بِفُلاَنٍ أي اقْتَدَى به، وأسوة اسم «كان» وفي الخبر وجهان: أحدهما: هو «لكم» فيجوز في الجار الآخر وجوه: التعلق بما يتعلق به الخبر، أي بمحذوف على أنه حال من «أُسْوَةٍ» ؛ إذ لو تأخر لكان صفةً أو «بكان» على مذهب من يَرَاهُ.
الثاني: أن الخبر هو: «فِي رَسُولِ اللَّهِ» و «لَكُمْ» على ما تقدم في «رسول الله» أو يتعلق بمحذوف على التبيين أَعْنِي لَكُمْ.
قوله: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من الكاف في «لَكُمْ» قاله الزمخشري، ومنعه أبو البقاء، وتابعه أبو حيان، قال أبو البقاء: وقيل: هو بدل من ضمير المُخَاطَبِ بإعادة الجارِّ، ومنع منه الأكثرون؛ لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه. وقال أبو حيان: قال الزمخشري بدل من «لكم» كقوله: ﴿استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: 75] . قال: ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وأنشد:
4077 - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... وأَمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلّيلاً
قال شهاب الدين: لا نسلم أن هذا بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، بل بدل بعض من كل باعتبار الواقع لأن الخطاب في قوله: «لكُم» أعمّ مِن: «مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وغَيْره» ثم خصص ذلك العموم لأن المتأَسِّيَ به عليه (الصلاة و) السلام في الواقع إنما هو المؤمنون ويدل عليه ما قلته ظاهر تشبيه الزمخشري هذه الآية بآية الأعراف، وآية الأعراف البدل فيها بدل كل من كل ومجابٌ بأنه إنما قصد التشبيه في مجرد إعادة العامل.
والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة «لحَسَنَةٍ» .
والثالثك أن يتعلق بنفس «حسنة» قالهما أبو البقاء، ومنع أن يتعلق بأسوة قال: لأنها قد وصفت و «كَثِيراً» أي ذِكْراً كَثِيراً.
فصل
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أن تنصروا دين الله وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذا كسرت رُبَاعِيَّتُهُ، وجرح وَجْهُهُ وقتل عمه، وأوذي بَضُروبٍ من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضاً، واستنوا بسنته ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر﴾ قال ابن عباس لمن كان يرجو ثواب الله. وقال مقاتل: يخشى الله واليوم الآخر أي يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وذكر الله كثيراً في جميع المواطن على السراء والضراء، ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب﴾ لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب وهو أنهم لما رأوا الأحزاب قالوا تسليماً لأمر الله وتصديقاً بوعده وهو قولهم: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ ، وقولهم ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ ليس بإشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هو إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله﴾ وقد وقع صدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (عند وجوده ووعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [الآية: 214] إلى قوله: ﴿إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214] فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء فلما) (رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) أي تصديقاً لله وتسليماً له.
قوله: ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ من تكرير الظاهر تعظيماً لقوله: 4078 - لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولأنه لو أعادهما مضمرين لجمع بين اسم الباري تعالى واسم رسوله في لفظة واحدة فكان يقال: «وصدقا» ، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد كره ذلك ورد على من قال حيث قال: مَنْ يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فقال له بئس خطيبُ القوم أنتَ قل: ومن يعص الله ورسوله قصداً إلى تعظيم الله. وقيل إنما رد عليه لأنه وقف على «يَعْصِهِمَا» وعلى الأولى استشكل بعضهم قوله: «حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما» فقد جمع بينهما في ضمير واحد وأجيب: بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعرف بقدر الله منا فليس لنا أن نقول كما يقال.
قوله: «وَمَا زَادهم» فاعل «زادهم» ضمير الوعد أي وما زادهم وعد الله أو الصدق.
وقال مكي ضمير النظر لأن قوله «لما رأى» بمعنى لما نظر. وقال أيضاً: وقيل ضمير الرؤية، وإنما ذكر لان تأنيثها غير حقيقي ولم يذكر غيرهما، وهذا عجيب منه حيث حجَّروا واسعاً مع الغنية عنه. وقرأ ابن أبي عبلة «وما زادوهم» بضمير الجمع، ويعود للأحزاب لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أخبرهم أن الأحزاب يأتيهم بعد عشر أو تسع.
قوله: ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ ووفوا به.
قوله: «صدقوا» صدق يتعدى لاثتين لثانيهما بحرف الجر، ويجوز حذفه ومنه المثل: «صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرة» أي في سن. والآية يجوز أن تكون من هذا، والأول محذوف أي صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ويجوز أن يتعدى لواحد كقولك «صَدَقِنِي زَيْدٌ، وكَذَبَنِي عَمْرٌوا» أي قال لي الصدق وقال الكذب، ويكون المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً كأنهم قالوا للشيء المعاهد عليه لنوفين بك وقد فعلوا و «ما» بمعنى الذي، ولذلك عاد عليها الضمير في «عليه» ، وقال مكي «ما» في موضع نصب «بصدقوا» وهي والفعل مصدر تقديره «صَدَقُوا» العهد أي وفوا به. وهذا يرده عود المضير إلا أن الأخفس وابن السراج يذهبان إلى اسمية «ما» المصدرية.
(قوله) : «قَضَى نَحْبَهُ» النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به قال:
4079 - عَشِيَّةَ فَرَّ الحَارِثيُّونَ بَعْدَمَا ... قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقال:
4080 - بِطَخْفَةَ جَالَدْنَا المُلُوكَ وَخَيْلُنَا ... عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
أي على أمر عظيم، ولهذا يقال: نحب فلان أي نذر نذراً التزمه ويعبر به عن الموت كقولهم «قَضَى أجله» لما كان الموت لا بد منه جعل كالشي الملتزم والنجيب البكاء معه صوت.
فصل
قال المفسرون معنى ﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ أي وفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله «فَمِنْهُمْ نَحْبَهُ» أي فرغ من نذره ووفاه بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحيب النذر قال القُرطبي: مَنْ قَضَى نحبه أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل: قضى نحبه أي بذل جهده في سبيل الوفاء بالعهد من قول العرب «نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع» إذ مد فلم ينزل ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ الشهادة يعني من بقي من المؤمنين ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ بخلاف المنافقين فإنهم قالوا: لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم.
قوله: «لِيَجْزِيَ اللَّهُ» فيه وجهان:
أحدهما: أنها لام العلة.
والثاني: أنها لام الصيرورة، وفيما يتعلق به أوجه إما «بصَدَقَوا» وإام «بزَادَهُمْ» وإما بمَا بَدَّلُوا وعلى هذا قال الزمخشري: جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوقٌ إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلها، والمعنى ليجزي الله الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وهو الوفاء بالعهد.
﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ﴾ أي الذين كذبوا وأخلفوا، وقوله: «إنْ شَاءَ» ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ( «واو» ) وجواب إن شاء مقدر وكذلك مفعول «شاء» أي إن شاء تعذيبَهم عَذَّبهم، فإن قيل: عذبهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وهو قد شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق؟! . فأجاب ابن عطية بأن تعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والعقوبة موازية لتلك الإقامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إقامة على نفاق، أو توبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب أو رحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدةً من هاتين وواحدة (من هاتين) ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدل على أن معنى قوله: «ليُعَذِّب» ليديم على النفاق، قَوْلُهُ: «إنْ شَاءَ» ومعادلته بالتوبة وحرف «أو» . قال أبو حيان وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير: ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبَّب وهو التعذيب، وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران، وقال ابن الخطيب إنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل ما بين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس ﴿وكان الله غفوراً﴾ حيث ستر ذنبهم و «رحيماً» حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده. أو نقول «ويعذب المنافقين» مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنوبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جزاهم الله على صدقهم فقال: ﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ وهم قريش وغطفان ردّهم بغيظهم لم تُشْفَ صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيراً «ظفراً» وَكَفَى اللَّهُ المؤمنين القِتَال بالملائكة والريح أي لم يحوجهم إلى القتال ﴿وكان الله قوياً﴾ في ملكه غير محتاج إلى قتالهم «عزيزاً» في انتقامه قادراً على استئصال الكفار.
قوله: «بغَيْظِهِمْ» يجوز أن تكون الباء سببية وهو الذي عبر عنه أبو البقاء بالمفعول أي أنها مُعَدِّية.
والثاني: أن تكون للمصاحبة فتكون حالاً أي مَغِيظِينَ.
قوله: ﴿لم ينالوا خيراً﴾ حال ثانية أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة، ويجوز أن تكون حالً من الضمير المجرور بالإضافة.
وجوز الزمخشري فبها أن تكون بياناً للحال الأولى أي مستأنفة، ولا يظهر البيان إلا على البدل والاستئناف بعيد.
قوله: «وَأَنْزَلَ الذينَ» أي أنزل الله الذين «ظَاهَرُوهُمْ» أي عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمين وهم بنو قريظة.
قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، (ويجوز أن يكون حالاً) «من صَياصِيهِمْ» متعلق «بأنزل» و «من» لابتداء الغاية، والصياصي جمع صِيصِيَةٍ وهي الحصون والقلاع والمعاقل ويقال لكل ما يمتنع به ويتحصن» صِيصِيَةٌ» ومنه قيل لقَرْن الثَّوْرِ ولشوكة الديك: صِيصِيَة، والصّيَاصِي أيضاً شوك الحكة، ويتخذ من حديد قال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ:
4081 - ... ... ... ... ... ... ... . ... كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
قوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي.
قوله: «فريقاً تقتلون» منصوب بما بعده وكذلك «فريقاً» منصوب بما قبله، والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم والعامة على الخطاب في الفعلين، وابن ذكوان - في رواية - بالغيبة فيهما، واليماني بالغيبة في الأول فقط، وأبو حيوة «تَأْسُرُونَ» بضم السين.
فإن قيل: ما فائدة التقديم المفعول في الأول حيث قال: تقتلون وتأخيره حيث قال «وتأسرون فريقاً؟! .
فالجواب: قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب والرجال كانوا مشهورين وكان القتل وارداً عليهم والأسراء كانوا هم النساء والذَّرَارِي ولم يكونوا مشهورين ولاسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلَّين ما هو أشهر على الفعل القائم به ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله» فريقاً تقتلون «فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل أما أنها جملة فعلية فلأنها لوكانت اسمية لكان الواجب في» فريق» الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم (فلما نصب كان ذلك بفعل مضمير يفسره الظاهر تقديره: «تقتلون فريقاً تقتلون» ) والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال: تقتلون أوهم أن يسمع السامع مفعول «تقتلون» " يكون زمان وقد يمنعه مانع فيفوته ولا يعلم أيهم هم المقتولون فأما إذا قال: " فريقا " سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل (فعدم) تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفاً إليهم فلو قال بعد ذلك: «وَفَريقاً تأسرون» فمن سمع» فريقاً «ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى وكذا الكلام في قوله: ﴿وَأَنزَلَ الذين (ظَاهَرُوهُم) ﴾ (ظَاهَرُوهُمْ) وقوله:» قذف» ، فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبيل الإنزال ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر قدم الإنزال على قذف الرعب والله أعلم.
فصل
فريقاً تقتلون هم الرجال قيل: كانوا ستمائة، و «تأسرون فريقاً» وهم النساء والذراري، قيل: كانوا سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ بعد؛ قال ابن زيد ومقاتل يعني خيبر وقال قتادة. كنا نحدث أنها مكية، وقال الحسن: فارس والروم وقيل: القلاع وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
قوله: «لم تَطَئُوها» الجملة صفة «لأرضاً» والعامة على همزة مضومة ثم واو ساكنة، وزيد بن علي «تَطَوْهَا» بواو بعد طاء مفتوحة ووجهها أنها كبدلِ الهمزة ألفاًعلى الإسناد كقوله: 4082 - إنَّ الأُسُودَ لَتُهْدَى في مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
فلما أسنده للواء التقى ساكنان محذوف أولهما نحو «لم تَرَوْهَا» وهذا أحسن من أن تقول ثم أجرى الألف المبدلة من الهمزة مجرى الألف المتأصلة فحذفها جزماً لأن الأحسن هناك أن لا يحذف اعتداداً بأصلها، واستشهد بعضهم على الحذف بقول زهير:
4083 - جَرِيء مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقَبْ بظُلْمِهِ ... سَرِيعاً وإِلا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِم
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ هذا يؤكد قول من قال: إن المراد من قوله ﴿وأرضاً لم تطؤوها﴾ ما يؤخذ بعد من بني قريظة لأن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاء ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها، روى أبو هريرة - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يقول:» لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحدَه، فلا شيء بعده.»
الأحزاب 33:21
قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ﴾ المثَبِّطين الناس عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ﴿والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ارجعوا إلينا ودعوا محمداً فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قال قتادة: هم ناس من المنافقين كانوا يُثَبِّطُونَ أنصار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقولون لإخوانهم: إن محمداً وأصحابه لو كانوا (لحماً لالْتَهَمُهمْ) أبو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين فإنّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين قالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سُفْيَانَ ومَنْ مَعَهُ فإنهم إن قَدِرُوا عليكم في هذه المرة لم يَسْتَبْقُوا منكم أحداً وإنّا نشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا هَلُمَّ إلينا فأقبل عبد الله بن أبيٍّ وأصحابُه على المؤمنين يُعَوِّقُونَهُمْ ويُخَوِّفُونَهُمْ بأبي سفيان وبمن معه قالوا: لئن قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحداً ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ههُنَا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيماناً واحتساباً.
قوله: «هَلُمَّ» (تقدّم) الكلام فيه آخر الأنعام. وهو هنا لازم، وهناك مُتَعَدٍّ لنصبه مفعوله وهو «شُهَدَاءَكُمْ» بمعنى أَحْضِرُوهُمْ، وههنا بمعنى «احْضَرُوا» وتَعَالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضاً وحُذِفَ مفعوله، فإنه قال: «وهَلُمُّوا إِلَيْنَا» أي قربوا أنفسكم إلينا (قال) : «وهي صوت سمي به فعل متعد مثل: احضَر وقَرْبْ» ، وفي تسميته إياه صوتً نظر إذا أسماء الأصوات محصورة ليس هذا منها. ولا يجمع في لغة الحجاز ويجمع في غيرها فيقال للجماعة: هَلُمُّوا وللنساء هَلْمُمْنَ.
قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ البأس﴾ الحرب «إِلاَّ قَلِيلاً» رياء وسمعة أي لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ولو كان ذلك القليل لكان كثيراً.
قوله: «أَشِحَّةً» العامة على نصبه وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الشَّتْمِ.
والثاني: على الحال وفي العامل فيه أوجه:
أحدها: «وَلاَ يَأْتُونَ» قاله الزجاج.
الثاني: «هَلُمَّ إِلَيْنَا» . قاله الطبري.
الثالث: «يعوقون» مضمراً، قاله الفراء.
الرابع: «المُعَوِّقِينَ» .
الخامس: «القَائِلِينَ» ورد هذان الوجهان الأخيران بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وفي الرد نظر لأن الفصل بين أبعاض الصلة من متعلقاتها، وإنما يظهر الرد على الوجه الرابع لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته فتأمله فإنه حسن وأما «وَلاَ يَأْتُونَ» فمُعْتَرِضٌ والمُعْتَرِضُ لا يمنع من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة أَشِحَّةٌ بالرفع على خبر ابتداء مضمر أي هم أشحة وأشحة جمع «شَحِيحٍ» وهو جمع لا ينقاس؛ إذ قياس «فَعِيل» الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو خَلِيلٍ وأَخِلاَّء وَظنِينٍ وأَظِنَّاء، وضَنين وأَضِنَّاء، وقد سمع أشِحَّاء وهو القياس.
والشُّحُّ البخل، وقد تقدم في آل عمران.
فصل
المعنى أشحة عليكم بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال قتادة بخلاء عند الغنيمة وصفهم الله بالبخل والجبن فقال: ﴿فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في الرؤوس من الخوف والجبن ﴿كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ أي كَدَوَرَانِ عين الذين يغشى عليه من الموت وذلك أن من قَرُبَ من الموت وغَشِيَتْهُ أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرِفُ، واعلم أن البخل شبيه الجبن فلما ذكر البخيل بين سببه وهو الجبن لأن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك.
قوله: «يَنْظُرُونَ» في محل (نصب) حال من مفعول «رَأَيْتَهُمْ» لأن الرؤية بصرية.
قوله: «تدور» إما حال تانية وإما حال من «يَنْظُرُونَ» «كالَّذِي يُغْشَى» يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون حالاً من: «أَعْنهم» أي تدور أعينهم حال كونها مشبهة عين الذي يغشى عليه من الموت.
الثاني: أنه نعت مصدر مقدر لقوله «ينظرون» تقديره: ينظرون إليك نظراً مثلَ نظرِ الذي يغشى عليه من الموت ويؤيده الآية الأخرى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [محمد: 20] المعنى يحسبون أي هؤلاء المانفِقُونَ يحسبون الأحزاب يعني قريشاً وغَطَفَانَ واليهود «لَمْ يذهبُوا» لم ينصرفوا عن قتالهم من غاية الجبنِ عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ﴿وَإِن يَأْتِ الأحزاب﴾ أي يرجعون إليهم للقتال بعد الذهاب ﴿يودوا لو أَنهم بادون في الأعراب﴾ من الخوف والجبن.
(قوله) : «بَادُونَ» هذه قراءة العامة جمع «باد» وهو المُقيم بالبادية يقال: بَدَا يَبْدُوا بداوةً إذا خرج إلى البَادِيةٍ، وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس وطلحةُ وابنُ يَعْمُرَ بُدَّى - بضم الباء وفتح الدال مشدّدة - مقصوراً كَغَازٍ وغُزّىً، وسَارٍ وسُرّىً. وليس بقياس، وإنما قياسه في بادٍ وبُداةٍ، كقَاضٍ وقُضَاةٍ، ولكن حمل على الصحيح كقولهم: «ضُرَّب» . وروي عن ابن عباس قراءة ثانية بزنة «عُدّىً» وثالثة: «بَدَوا» فعلاً ماضياً.
(قوله) : «يَسْأَلُونَ» يجوز أن يكون مستأنفاً، وإن يكون حالاً من فاعل «يَحْسَبُونَ» والعامة على سكون السين بعدها «همزة» ، ونقل ابن عطية عن أبي عمرو وعاصم بنقل حركة الهمزة إلى السين كقوله:
﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ [البقرة: 211] وهذه ليست بالمشهورة عنهما، ولعلها نقلت عنهام ذاشة، وإنا هي معروفة بالحسن والأمش، وقرأ زيدُ بنُ عَلِيٍّ والجَحْدَرِيُّ وقتادةُ والحَسَنُ «يَسَّاءلُونَ» بتشديد السين والأصل «يَتَسَاءَلُونَ» فأدغم، أي يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
فصل
﴿يسألون عن أبنائكم﴾ أخباركم، وما آل إليه أمركم «وَلَوْ كَانُوا» يعني هؤلاء المنافقين ﴿فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلا﴾ . أي يقاتلون قليلاً يقيمون به عذرهم فيقولون: قد قَاتَلْنَا، قال الكَلْبَيُّ: «إِلاَّ قَلِيلاً» أي رمياً بالحجارة. وقال مقاتل: إلاَّ رياءً وسُمْعَةٌ من غير احتساب.
(قوله) تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قرأ عاصم: «أُسْوَةٌ» بضم الهمزة حيث وَقَعَتْ هذه اللفظة والباقون بكسرها. وهما لغتان كالغُدْوَةِ والغِدْوَةِ والقُدْوَةِ والقِدْوةِ والأُسْوة بمعنى الاقتداء أي قدوة صالحة، وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو «الايتساء» فالأسوة من الايتساء كالقُدْوَة من الاقْتِدَاء، وائْتَسَى فُلانٌ بِفُلاَنٍ أي اقْتَدَى به، وأسوة اسم «كان» وفي الخبر وجهان: أحدهما: هو «لكم» فيجوز في الجار الآخر وجوه: التعلق بما يتعلق به الخبر، أي بمحذوف على أنه حال من «أُسْوَةٍ» ؛ إذ لو تأخر لكان صفةً أو «بكان» على مذهب من يَرَاهُ.
الثاني: أن الخبر هو: «فِي رَسُولِ اللَّهِ» و «لَكُمْ» على ما تقدم في «رسول الله» أو يتعلق بمحذوف على التبيين أَعْنِي لَكُمْ.
قوله: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من الكاف في «لَكُمْ» قاله الزمخشري، ومنعه أبو البقاء، وتابعه أبو حيان، قال أبو البقاء: وقيل: هو بدل من ضمير المُخَاطَبِ بإعادة الجارِّ، ومنع منه الأكثرون؛ لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه. وقال أبو حيان: قال الزمخشري بدل من «لكم» كقوله: ﴿استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: 75] . قال: ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وأنشد:
4077 - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... وأَمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلّيلاً
قال شهاب الدين: لا نسلم أن هذا بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، بل بدل بعض من كل باعتبار الواقع لأن الخطاب في قوله: «لكُم» أعمّ مِن: «مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وغَيْره» ثم خصص ذلك العموم لأن المتأَسِّيَ به عليه (الصلاة و) السلام في الواقع إنما هو المؤمنون ويدل عليه ما قلته ظاهر تشبيه الزمخشري هذه الآية بآية الأعراف، وآية الأعراف البدل فيها بدل كل من كل ومجابٌ بأنه إنما قصد التشبيه في مجرد إعادة العامل.
والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة «لحَسَنَةٍ» .
والثالثك أن يتعلق بنفس «حسنة» قالهما أبو البقاء، ومنع أن يتعلق بأسوة قال: لأنها قد وصفت و «كَثِيراً» أي ذِكْراً كَثِيراً.
فصل
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أن تنصروا دين الله وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذا كسرت رُبَاعِيَّتُهُ، وجرح وَجْهُهُ وقتل عمه، وأوذي بَضُروبٍ من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضاً، واستنوا بسنته ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر﴾ قال ابن عباس لمن كان يرجو ثواب الله. وقال مقاتل: يخشى الله واليوم الآخر أي يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وذكر الله كثيراً في جميع المواطن على السراء والضراء، ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب﴾ لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب وهو أنهم لما رأوا الأحزاب قالوا تسليماً لأمر الله وتصديقاً بوعده وهو قولهم: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ ، وقولهم ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ ليس بإشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هو إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله﴾ وقد وقع صدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (عند وجوده ووعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [الآية: 214] إلى قوله: ﴿إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214] فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء فلما) (رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) أي تصديقاً لله وتسليماً له.
قوله: ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ من تكرير الظاهر تعظيماً لقوله: 4078 - لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولأنه لو أعادهما مضمرين لجمع بين اسم الباري تعالى واسم رسوله في لفظة واحدة فكان يقال: «وصدقا» ، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد كره ذلك ورد على من قال حيث قال: مَنْ يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فقال له بئس خطيبُ القوم أنتَ قل: ومن يعص الله ورسوله قصداً إلى تعظيم الله. وقيل إنما رد عليه لأنه وقف على «يَعْصِهِمَا» وعلى الأولى استشكل بعضهم قوله: «حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما» فقد جمع بينهما في ضمير واحد وأجيب: بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعرف بقدر الله منا فليس لنا أن نقول كما يقال.
قوله: «وَمَا زَادهم» فاعل «زادهم» ضمير الوعد أي وما زادهم وعد الله أو الصدق.
وقال مكي ضمير النظر لأن قوله «لما رأى» بمعنى لما نظر. وقال أيضاً: وقيل ضمير الرؤية، وإنما ذكر لان تأنيثها غير حقيقي ولم يذكر غيرهما، وهذا عجيب منه حيث حجَّروا واسعاً مع الغنية عنه. وقرأ ابن أبي عبلة «وما زادوهم» بضمير الجمع، ويعود للأحزاب لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أخبرهم أن الأحزاب يأتيهم بعد عشر أو تسع.
قوله: ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ ووفوا به.
قوله: «صدقوا» صدق يتعدى لاثتين لثانيهما بحرف الجر، ويجوز حذفه ومنه المثل: «صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرة» أي في سن. والآية يجوز أن تكون من هذا، والأول محذوف أي صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ويجوز أن يتعدى لواحد كقولك «صَدَقِنِي زَيْدٌ، وكَذَبَنِي عَمْرٌوا» أي قال لي الصدق وقال الكذب، ويكون المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً كأنهم قالوا للشيء المعاهد عليه لنوفين بك وقد فعلوا و «ما» بمعنى الذي، ولذلك عاد عليها الضمير في «عليه» ، وقال مكي «ما» في موضع نصب «بصدقوا» وهي والفعل مصدر تقديره «صَدَقُوا» العهد أي وفوا به. وهذا يرده عود المضير إلا أن الأخفس وابن السراج يذهبان إلى اسمية «ما» المصدرية.
(قوله) : «قَضَى نَحْبَهُ» النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به قال:
4079 - عَشِيَّةَ فَرَّ الحَارِثيُّونَ بَعْدَمَا ... قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقال:
4080 - بِطَخْفَةَ جَالَدْنَا المُلُوكَ وَخَيْلُنَا ... عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
أي على أمر عظيم، ولهذا يقال: نحب فلان أي نذر نذراً التزمه ويعبر به عن الموت كقولهم «قَضَى أجله» لما كان الموت لا بد منه جعل كالشي الملتزم والنجيب البكاء معه صوت.
فصل
قال المفسرون معنى ﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ أي وفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله «فَمِنْهُمْ نَحْبَهُ» أي فرغ من نذره ووفاه بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحيب النذر قال القُرطبي: مَنْ قَضَى نحبه أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل: قضى نحبه أي بذل جهده في سبيل الوفاء بالعهد من قول العرب «نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع» إذ مد فلم ينزل ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ الشهادة يعني من بقي من المؤمنين ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ بخلاف المنافقين فإنهم قالوا: لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم.
قوله: «لِيَجْزِيَ اللَّهُ» فيه وجهان:
أحدهما: أنها لام العلة.
والثاني: أنها لام الصيرورة، وفيما يتعلق به أوجه إما «بصَدَقَوا» وإام «بزَادَهُمْ» وإما بمَا بَدَّلُوا وعلى هذا قال الزمخشري: جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوقٌ إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلها، والمعنى ليجزي الله الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وهو الوفاء بالعهد.
﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ﴾ أي الذين كذبوا وأخلفوا، وقوله: «إنْ شَاءَ» ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ( «واو» ) وجواب إن شاء مقدر وكذلك مفعول «شاء» أي إن شاء تعذيبَهم عَذَّبهم، فإن قيل: عذبهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وهو قد شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق؟! . فأجاب ابن عطية بأن تعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والعقوبة موازية لتلك الإقامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إقامة على نفاق، أو توبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب أو رحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدةً من هاتين وواحدة (من هاتين) ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدل على أن معنى قوله: «ليُعَذِّب» ليديم على النفاق، قَوْلُهُ: «إنْ شَاءَ» ومعادلته بالتوبة وحرف «أو» . قال أبو حيان وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير: ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبَّب وهو التعذيب، وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران، وقال ابن الخطيب إنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل ما بين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس ﴿وكان الله غفوراً﴾ حيث ستر ذنبهم و «رحيماً» حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده. أو نقول «ويعذب المنافقين» مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنوبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جزاهم الله على صدقهم فقال: ﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ وهم قريش وغطفان ردّهم بغيظهم لم تُشْفَ صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيراً «ظفراً» وَكَفَى اللَّهُ المؤمنين القِتَال بالملائكة والريح أي لم يحوجهم إلى القتال ﴿وكان الله قوياً﴾ في ملكه غير محتاج إلى قتالهم «عزيزاً» في انتقامه قادراً على استئصال الكفار.
قوله: «بغَيْظِهِمْ» يجوز أن تكون الباء سببية وهو الذي عبر عنه أبو البقاء بالمفعول أي أنها مُعَدِّية.
والثاني: أن تكون للمصاحبة فتكون حالاً أي مَغِيظِينَ.
قوله: ﴿لم ينالوا خيراً﴾ حال ثانية أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة، ويجوز أن تكون حالً من الضمير المجرور بالإضافة.
وجوز الزمخشري فبها أن تكون بياناً للحال الأولى أي مستأنفة، ولا يظهر البيان إلا على البدل والاستئناف بعيد.
قوله: «وَأَنْزَلَ الذينَ» أي أنزل الله الذين «ظَاهَرُوهُمْ» أي عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمين وهم بنو قريظة.
قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، (ويجوز أن يكون حالاً) «من صَياصِيهِمْ» متعلق «بأنزل» و «من» لابتداء الغاية، والصياصي جمع صِيصِيَةٍ وهي الحصون والقلاع والمعاقل ويقال لكل ما يمتنع به ويتحصن» صِيصِيَةٌ» ومنه قيل لقَرْن الثَّوْرِ ولشوكة الديك: صِيصِيَة، والصّيَاصِي أيضاً شوك الحكة، ويتخذ من حديد قال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ:
4081 - ... ... ... ... ... ... ... . ... كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
قوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي.
قوله: «فريقاً تقتلون» منصوب بما بعده وكذلك «فريقاً» منصوب بما قبله، والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم والعامة على الخطاب في الفعلين، وابن ذكوان - في رواية - بالغيبة فيهما، واليماني بالغيبة في الأول فقط، وأبو حيوة «تَأْسُرُونَ» بضم السين.
فإن قيل: ما فائدة التقديم المفعول في الأول حيث قال: تقتلون وتأخيره حيث قال «وتأسرون فريقاً؟! .
فالجواب: قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب والرجال كانوا مشهورين وكان القتل وارداً عليهم والأسراء كانوا هم النساء والذَّرَارِي ولم يكونوا مشهورين ولاسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلَّين ما هو أشهر على الفعل القائم به ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله» فريقاً تقتلون «فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل أما أنها جملة فعلية فلأنها لوكانت اسمية لكان الواجب في» فريق» الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم (فلما نصب كان ذلك بفعل مضمير يفسره الظاهر تقديره: «تقتلون فريقاً تقتلون» ) والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال: تقتلون أوهم أن يسمع السامع مفعول «تقتلون» " يكون زمان وقد يمنعه مانع فيفوته ولا يعلم أيهم هم المقتولون فأما إذا قال: " فريقا " سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل (فعدم) تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفاً إليهم فلو قال بعد ذلك: «وَفَريقاً تأسرون» فمن سمع» فريقاً «ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى وكذا الكلام في قوله: ﴿وَأَنزَلَ الذين (ظَاهَرُوهُم) ﴾ (ظَاهَرُوهُمْ) وقوله:» قذف» ، فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبيل الإنزال ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر قدم الإنزال على قذف الرعب والله أعلم.
فصل
فريقاً تقتلون هم الرجال قيل: كانوا ستمائة، و «تأسرون فريقاً» وهم النساء والذراري، قيل: كانوا سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ بعد؛ قال ابن زيد ومقاتل يعني خيبر وقال قتادة. كنا نحدث أنها مكية، وقال الحسن: فارس والروم وقيل: القلاع وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
قوله: «لم تَطَئُوها» الجملة صفة «لأرضاً» والعامة على همزة مضومة ثم واو ساكنة، وزيد بن علي «تَطَوْهَا» بواو بعد طاء مفتوحة ووجهها أنها كبدلِ الهمزة ألفاًعلى الإسناد كقوله: 4082 - إنَّ الأُسُودَ لَتُهْدَى في مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
فلما أسنده للواء التقى ساكنان محذوف أولهما نحو «لم تَرَوْهَا» وهذا أحسن من أن تقول ثم أجرى الألف المبدلة من الهمزة مجرى الألف المتأصلة فحذفها جزماً لأن الأحسن هناك أن لا يحذف اعتداداً بأصلها، واستشهد بعضهم على الحذف بقول زهير:
4083 - جَرِيء مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقَبْ بظُلْمِهِ ... سَرِيعاً وإِلا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِم
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ هذا يؤكد قول من قال: إن المراد من قوله ﴿وأرضاً لم تطؤوها﴾ ما يؤخذ بعد من بني قريظة لأن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاء ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها، روى أبو هريرة - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يقول:» لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحدَه، فلا شيء بعده.»
الأحزاب 33:22
قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ﴾ المثَبِّطين الناس عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ﴿والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ارجعوا إلينا ودعوا محمداً فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قال قتادة: هم ناس من المنافقين كانوا يُثَبِّطُونَ أنصار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقولون لإخوانهم: إن محمداً وأصحابه لو كانوا (لحماً لالْتَهَمُهمْ) أبو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين فإنّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين قالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سُفْيَانَ ومَنْ مَعَهُ فإنهم إن قَدِرُوا عليكم في هذه المرة لم يَسْتَبْقُوا منكم أحداً وإنّا نشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا هَلُمَّ إلينا فأقبل عبد الله بن أبيٍّ وأصحابُه على المؤمنين يُعَوِّقُونَهُمْ ويُخَوِّفُونَهُمْ بأبي سفيان وبمن معه قالوا: لئن قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحداً ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ههُنَا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيماناً واحتساباً.
قوله: «هَلُمَّ» (تقدّم) الكلام فيه آخر الأنعام. وهو هنا لازم، وهناك مُتَعَدٍّ لنصبه مفعوله وهو «شُهَدَاءَكُمْ» بمعنى أَحْضِرُوهُمْ، وههنا بمعنى «احْضَرُوا» وتَعَالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضاً وحُذِفَ مفعوله، فإنه قال: «وهَلُمُّوا إِلَيْنَا» أي قربوا أنفسكم إلينا (قال) : «وهي صوت سمي به فعل متعد مثل: احضَر وقَرْبْ» ، وفي تسميته إياه صوتً نظر إذا أسماء الأصوات محصورة ليس هذا منها. ولا يجمع في لغة الحجاز ويجمع في غيرها فيقال للجماعة: هَلُمُّوا وللنساء هَلْمُمْنَ.
قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ البأس﴾ الحرب «إِلاَّ قَلِيلاً» رياء وسمعة أي لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ولو كان ذلك القليل لكان كثيراً.
قوله: «أَشِحَّةً» العامة على نصبه وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الشَّتْمِ.
والثاني: على الحال وفي العامل فيه أوجه:
أحدها: «وَلاَ يَأْتُونَ» قاله الزجاج.
الثاني: «هَلُمَّ إِلَيْنَا» . قاله الطبري.
الثالث: «يعوقون» مضمراً، قاله الفراء.
الرابع: «المُعَوِّقِينَ» .
الخامس: «القَائِلِينَ» ورد هذان الوجهان الأخيران بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وفي الرد نظر لأن الفصل بين أبعاض الصلة من متعلقاتها، وإنما يظهر الرد على الوجه الرابع لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته فتأمله فإنه حسن وأما «وَلاَ يَأْتُونَ» فمُعْتَرِضٌ والمُعْتَرِضُ لا يمنع من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة أَشِحَّةٌ بالرفع على خبر ابتداء مضمر أي هم أشحة وأشحة جمع «شَحِيحٍ» وهو جمع لا ينقاس؛ إذ قياس «فَعِيل» الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو خَلِيلٍ وأَخِلاَّء وَظنِينٍ وأَظِنَّاء، وضَنين وأَضِنَّاء، وقد سمع أشِحَّاء وهو القياس.
والشُّحُّ البخل، وقد تقدم في آل عمران.
فصل
المعنى أشحة عليكم بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال قتادة بخلاء عند الغنيمة وصفهم الله بالبخل والجبن فقال: ﴿فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في الرؤوس من الخوف والجبن ﴿كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ أي كَدَوَرَانِ عين الذين يغشى عليه من الموت وذلك أن من قَرُبَ من الموت وغَشِيَتْهُ أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرِفُ، واعلم أن البخل شبيه الجبن فلما ذكر البخيل بين سببه وهو الجبن لأن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك.
قوله: «يَنْظُرُونَ» في محل (نصب) حال من مفعول «رَأَيْتَهُمْ» لأن الرؤية بصرية.
قوله: «تدور» إما حال تانية وإما حال من «يَنْظُرُونَ» «كالَّذِي يُغْشَى» يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون حالاً من: «أَعْنهم» أي تدور أعينهم حال كونها مشبهة عين الذي يغشى عليه من الموت.
الثاني: أنه نعت مصدر مقدر لقوله «ينظرون» تقديره: ينظرون إليك نظراً مثلَ نظرِ الذي يغشى عليه من الموت ويؤيده الآية الأخرى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [محمد: 20] المعنى يحسبون أي هؤلاء المانفِقُونَ يحسبون الأحزاب يعني قريشاً وغَطَفَانَ واليهود «لَمْ يذهبُوا» لم ينصرفوا عن قتالهم من غاية الجبنِ عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ﴿وَإِن يَأْتِ الأحزاب﴾ أي يرجعون إليهم للقتال بعد الذهاب ﴿يودوا لو أَنهم بادون في الأعراب﴾ من الخوف والجبن.
(قوله) : «بَادُونَ» هذه قراءة العامة جمع «باد» وهو المُقيم بالبادية يقال: بَدَا يَبْدُوا بداوةً إذا خرج إلى البَادِيةٍ، وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس وطلحةُ وابنُ يَعْمُرَ بُدَّى - بضم الباء وفتح الدال مشدّدة - مقصوراً كَغَازٍ وغُزّىً، وسَارٍ وسُرّىً. وليس بقياس، وإنما قياسه في بادٍ وبُداةٍ، كقَاضٍ وقُضَاةٍ، ولكن حمل على الصحيح كقولهم: «ضُرَّب» . وروي عن ابن عباس قراءة ثانية بزنة «عُدّىً» وثالثة: «بَدَوا» فعلاً ماضياً.
(قوله) : «يَسْأَلُونَ» يجوز أن يكون مستأنفاً، وإن يكون حالاً من فاعل «يَحْسَبُونَ» والعامة على سكون السين بعدها «همزة» ، ونقل ابن عطية عن أبي عمرو وعاصم بنقل حركة الهمزة إلى السين كقوله:
﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ [البقرة: 211] وهذه ليست بالمشهورة عنهما، ولعلها نقلت عنهام ذاشة، وإنا هي معروفة بالحسن والأمش، وقرأ زيدُ بنُ عَلِيٍّ والجَحْدَرِيُّ وقتادةُ والحَسَنُ «يَسَّاءلُونَ» بتشديد السين والأصل «يَتَسَاءَلُونَ» فأدغم، أي يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
فصل
﴿يسألون عن أبنائكم﴾ أخباركم، وما آل إليه أمركم «وَلَوْ كَانُوا» يعني هؤلاء المنافقين ﴿فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلا﴾ . أي يقاتلون قليلاً يقيمون به عذرهم فيقولون: قد قَاتَلْنَا، قال الكَلْبَيُّ: «إِلاَّ قَلِيلاً» أي رمياً بالحجارة. وقال مقاتل: إلاَّ رياءً وسُمْعَةٌ من غير احتساب.
(قوله) تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قرأ عاصم: «أُسْوَةٌ» بضم الهمزة حيث وَقَعَتْ هذه اللفظة والباقون بكسرها. وهما لغتان كالغُدْوَةِ والغِدْوَةِ والقُدْوَةِ والقِدْوةِ والأُسْوة بمعنى الاقتداء أي قدوة صالحة، وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو «الايتساء» فالأسوة من الايتساء كالقُدْوَة من الاقْتِدَاء، وائْتَسَى فُلانٌ بِفُلاَنٍ أي اقْتَدَى به، وأسوة اسم «كان» وفي الخبر وجهان: أحدهما: هو «لكم» فيجوز في الجار الآخر وجوه: التعلق بما يتعلق به الخبر، أي بمحذوف على أنه حال من «أُسْوَةٍ» ؛ إذ لو تأخر لكان صفةً أو «بكان» على مذهب من يَرَاهُ.
الثاني: أن الخبر هو: «فِي رَسُولِ اللَّهِ» و «لَكُمْ» على ما تقدم في «رسول الله» أو يتعلق بمحذوف على التبيين أَعْنِي لَكُمْ.
قوله: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من الكاف في «لَكُمْ» قاله الزمخشري، ومنعه أبو البقاء، وتابعه أبو حيان، قال أبو البقاء: وقيل: هو بدل من ضمير المُخَاطَبِ بإعادة الجارِّ، ومنع منه الأكثرون؛ لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه. وقال أبو حيان: قال الزمخشري بدل من «لكم» كقوله: ﴿استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: 75] . قال: ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وأنشد:
4077 - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... وأَمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلّيلاً
قال شهاب الدين: لا نسلم أن هذا بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، بل بدل بعض من كل باعتبار الواقع لأن الخطاب في قوله: «لكُم» أعمّ مِن: «مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وغَيْره» ثم خصص ذلك العموم لأن المتأَسِّيَ به عليه (الصلاة و) السلام في الواقع إنما هو المؤمنون ويدل عليه ما قلته ظاهر تشبيه الزمخشري هذه الآية بآية الأعراف، وآية الأعراف البدل فيها بدل كل من كل ومجابٌ بأنه إنما قصد التشبيه في مجرد إعادة العامل.
والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة «لحَسَنَةٍ» .
والثالثك أن يتعلق بنفس «حسنة» قالهما أبو البقاء، ومنع أن يتعلق بأسوة قال: لأنها قد وصفت و «كَثِيراً» أي ذِكْراً كَثِيراً.
فصل
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أن تنصروا دين الله وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذا كسرت رُبَاعِيَّتُهُ، وجرح وَجْهُهُ وقتل عمه، وأوذي بَضُروبٍ من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضاً، واستنوا بسنته ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر﴾ قال ابن عباس لمن كان يرجو ثواب الله. وقال مقاتل: يخشى الله واليوم الآخر أي يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وذكر الله كثيراً في جميع المواطن على السراء والضراء، ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب﴾ لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب وهو أنهم لما رأوا الأحزاب قالوا تسليماً لأمر الله وتصديقاً بوعده وهو قولهم: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ ، وقولهم ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ ليس بإشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هو إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله﴾ وقد وقع صدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (عند وجوده ووعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [الآية: 214] إلى قوله: ﴿إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214] فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء فلما) (رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) أي تصديقاً لله وتسليماً له.
قوله: ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ من تكرير الظاهر تعظيماً لقوله: 4078 - لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولأنه لو أعادهما مضمرين لجمع بين اسم الباري تعالى واسم رسوله في لفظة واحدة فكان يقال: «وصدقا» ، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد كره ذلك ورد على من قال حيث قال: مَنْ يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فقال له بئس خطيبُ القوم أنتَ قل: ومن يعص الله ورسوله قصداً إلى تعظيم الله. وقيل إنما رد عليه لأنه وقف على «يَعْصِهِمَا» وعلى الأولى استشكل بعضهم قوله: «حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما» فقد جمع بينهما في ضمير واحد وأجيب: بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعرف بقدر الله منا فليس لنا أن نقول كما يقال.
قوله: «وَمَا زَادهم» فاعل «زادهم» ضمير الوعد أي وما زادهم وعد الله أو الصدق.
وقال مكي ضمير النظر لأن قوله «لما رأى» بمعنى لما نظر. وقال أيضاً: وقيل ضمير الرؤية، وإنما ذكر لان تأنيثها غير حقيقي ولم يذكر غيرهما، وهذا عجيب منه حيث حجَّروا واسعاً مع الغنية عنه. وقرأ ابن أبي عبلة «وما زادوهم» بضمير الجمع، ويعود للأحزاب لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أخبرهم أن الأحزاب يأتيهم بعد عشر أو تسع.
قوله: ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ ووفوا به.
قوله: «صدقوا» صدق يتعدى لاثتين لثانيهما بحرف الجر، ويجوز حذفه ومنه المثل: «صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرة» أي في سن. والآية يجوز أن تكون من هذا، والأول محذوف أي صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ويجوز أن يتعدى لواحد كقولك «صَدَقِنِي زَيْدٌ، وكَذَبَنِي عَمْرٌوا» أي قال لي الصدق وقال الكذب، ويكون المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً كأنهم قالوا للشيء المعاهد عليه لنوفين بك وقد فعلوا و «ما» بمعنى الذي، ولذلك عاد عليها الضمير في «عليه» ، وقال مكي «ما» في موضع نصب «بصدقوا» وهي والفعل مصدر تقديره «صَدَقُوا» العهد أي وفوا به. وهذا يرده عود المضير إلا أن الأخفس وابن السراج يذهبان إلى اسمية «ما» المصدرية.
(قوله) : «قَضَى نَحْبَهُ» النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به قال:
4079 - عَشِيَّةَ فَرَّ الحَارِثيُّونَ بَعْدَمَا ... قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقال:
4080 - بِطَخْفَةَ جَالَدْنَا المُلُوكَ وَخَيْلُنَا ... عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
أي على أمر عظيم، ولهذا يقال: نحب فلان أي نذر نذراً التزمه ويعبر به عن الموت كقولهم «قَضَى أجله» لما كان الموت لا بد منه جعل كالشي الملتزم والنجيب البكاء معه صوت.
فصل
قال المفسرون معنى ﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ أي وفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله «فَمِنْهُمْ نَحْبَهُ» أي فرغ من نذره ووفاه بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحيب النذر قال القُرطبي: مَنْ قَضَى نحبه أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل: قضى نحبه أي بذل جهده في سبيل الوفاء بالعهد من قول العرب «نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع» إذ مد فلم ينزل ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ الشهادة يعني من بقي من المؤمنين ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ بخلاف المنافقين فإنهم قالوا: لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم.
قوله: «لِيَجْزِيَ اللَّهُ» فيه وجهان:
أحدهما: أنها لام العلة.
والثاني: أنها لام الصيرورة، وفيما يتعلق به أوجه إما «بصَدَقَوا» وإام «بزَادَهُمْ» وإما بمَا بَدَّلُوا وعلى هذا قال الزمخشري: جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوقٌ إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلها، والمعنى ليجزي الله الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وهو الوفاء بالعهد.
﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ﴾ أي الذين كذبوا وأخلفوا، وقوله: «إنْ شَاءَ» ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ( «واو» ) وجواب إن شاء مقدر وكذلك مفعول «شاء» أي إن شاء تعذيبَهم عَذَّبهم، فإن قيل: عذبهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وهو قد شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق؟! . فأجاب ابن عطية بأن تعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والعقوبة موازية لتلك الإقامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إقامة على نفاق، أو توبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب أو رحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدةً من هاتين وواحدة (من هاتين) ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدل على أن معنى قوله: «ليُعَذِّب» ليديم على النفاق، قَوْلُهُ: «إنْ شَاءَ» ومعادلته بالتوبة وحرف «أو» . قال أبو حيان وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير: ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبَّب وهو التعذيب، وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران، وقال ابن الخطيب إنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل ما بين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس ﴿وكان الله غفوراً﴾ حيث ستر ذنبهم و «رحيماً» حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده. أو نقول «ويعذب المنافقين» مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنوبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جزاهم الله على صدقهم فقال: ﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ وهم قريش وغطفان ردّهم بغيظهم لم تُشْفَ صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيراً «ظفراً» وَكَفَى اللَّهُ المؤمنين القِتَال بالملائكة والريح أي لم يحوجهم إلى القتال ﴿وكان الله قوياً﴾ في ملكه غير محتاج إلى قتالهم «عزيزاً» في انتقامه قادراً على استئصال الكفار.
قوله: «بغَيْظِهِمْ» يجوز أن تكون الباء سببية وهو الذي عبر عنه أبو البقاء بالمفعول أي أنها مُعَدِّية.
والثاني: أن تكون للمصاحبة فتكون حالاً أي مَغِيظِينَ.
قوله: ﴿لم ينالوا خيراً﴾ حال ثانية أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة، ويجوز أن تكون حالً من الضمير المجرور بالإضافة.
وجوز الزمخشري فبها أن تكون بياناً للحال الأولى أي مستأنفة، ولا يظهر البيان إلا على البدل والاستئناف بعيد.
قوله: «وَأَنْزَلَ الذينَ» أي أنزل الله الذين «ظَاهَرُوهُمْ» أي عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمين وهم بنو قريظة.
قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، (ويجوز أن يكون حالاً) «من صَياصِيهِمْ» متعلق «بأنزل» و «من» لابتداء الغاية، والصياصي جمع صِيصِيَةٍ وهي الحصون والقلاع والمعاقل ويقال لكل ما يمتنع به ويتحصن» صِيصِيَةٌ» ومنه قيل لقَرْن الثَّوْرِ ولشوكة الديك: صِيصِيَة، والصّيَاصِي أيضاً شوك الحكة، ويتخذ من حديد قال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ:
4081 - ... ... ... ... ... ... ... . ... كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
قوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي.
قوله: «فريقاً تقتلون» منصوب بما بعده وكذلك «فريقاً» منصوب بما قبله، والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم والعامة على الخطاب في الفعلين، وابن ذكوان - في رواية - بالغيبة فيهما، واليماني بالغيبة في الأول فقط، وأبو حيوة «تَأْسُرُونَ» بضم السين.
فإن قيل: ما فائدة التقديم المفعول في الأول حيث قال: تقتلون وتأخيره حيث قال «وتأسرون فريقاً؟! .
فالجواب: قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب والرجال كانوا مشهورين وكان القتل وارداً عليهم والأسراء كانوا هم النساء والذَّرَارِي ولم يكونوا مشهورين ولاسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلَّين ما هو أشهر على الفعل القائم به ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله» فريقاً تقتلون «فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل أما أنها جملة فعلية فلأنها لوكانت اسمية لكان الواجب في» فريق» الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم (فلما نصب كان ذلك بفعل مضمير يفسره الظاهر تقديره: «تقتلون فريقاً تقتلون» ) والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال: تقتلون أوهم أن يسمع السامع مفعول «تقتلون» " يكون زمان وقد يمنعه مانع فيفوته ولا يعلم أيهم هم المقتولون فأما إذا قال: " فريقا " سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل (فعدم) تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفاً إليهم فلو قال بعد ذلك: «وَفَريقاً تأسرون» فمن سمع» فريقاً «ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى وكذا الكلام في قوله: ﴿وَأَنزَلَ الذين (ظَاهَرُوهُم) ﴾ (ظَاهَرُوهُمْ) وقوله:» قذف» ، فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبيل الإنزال ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر قدم الإنزال على قذف الرعب والله أعلم.
فصل
فريقاً تقتلون هم الرجال قيل: كانوا ستمائة، و «تأسرون فريقاً» وهم النساء والذراري، قيل: كانوا سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ بعد؛ قال ابن زيد ومقاتل يعني خيبر وقال قتادة. كنا نحدث أنها مكية، وقال الحسن: فارس والروم وقيل: القلاع وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
قوله: «لم تَطَئُوها» الجملة صفة «لأرضاً» والعامة على همزة مضومة ثم واو ساكنة، وزيد بن علي «تَطَوْهَا» بواو بعد طاء مفتوحة ووجهها أنها كبدلِ الهمزة ألفاًعلى الإسناد كقوله: 4082 - إنَّ الأُسُودَ لَتُهْدَى في مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
فلما أسنده للواء التقى ساكنان محذوف أولهما نحو «لم تَرَوْهَا» وهذا أحسن من أن تقول ثم أجرى الألف المبدلة من الهمزة مجرى الألف المتأصلة فحذفها جزماً لأن الأحسن هناك أن لا يحذف اعتداداً بأصلها، واستشهد بعضهم على الحذف بقول زهير:
4083 - جَرِيء مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقَبْ بظُلْمِهِ ... سَرِيعاً وإِلا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِم
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ هذا يؤكد قول من قال: إن المراد من قوله ﴿وأرضاً لم تطؤوها﴾ ما يؤخذ بعد من بني قريظة لأن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاء ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها، روى أبو هريرة - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يقول:» لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحدَه، فلا شيء بعده.»
الأحزاب 33:23
قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ﴾ المثَبِّطين الناس عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ﴿والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ارجعوا إلينا ودعوا محمداً فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قال قتادة: هم ناس من المنافقين كانوا يُثَبِّطُونَ أنصار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقولون لإخوانهم: إن محمداً وأصحابه لو كانوا (لحماً لالْتَهَمُهمْ) أبو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين فإنّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين قالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سُفْيَانَ ومَنْ مَعَهُ فإنهم إن قَدِرُوا عليكم في هذه المرة لم يَسْتَبْقُوا منكم أحداً وإنّا نشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا هَلُمَّ إلينا فأقبل عبد الله بن أبيٍّ وأصحابُه على المؤمنين يُعَوِّقُونَهُمْ ويُخَوِّفُونَهُمْ بأبي سفيان وبمن معه قالوا: لئن قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحداً ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ههُنَا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيماناً واحتساباً.
قوله: «هَلُمَّ» (تقدّم) الكلام فيه آخر الأنعام. وهو هنا لازم، وهناك مُتَعَدٍّ لنصبه مفعوله وهو «شُهَدَاءَكُمْ» بمعنى أَحْضِرُوهُمْ، وههنا بمعنى «احْضَرُوا» وتَعَالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضاً وحُذِفَ مفعوله، فإنه قال: «وهَلُمُّوا إِلَيْنَا» أي قربوا أنفسكم إلينا (قال) : «وهي صوت سمي به فعل متعد مثل: احضَر وقَرْبْ» ، وفي تسميته إياه صوتً نظر إذا أسماء الأصوات محصورة ليس هذا منها. ولا يجمع في لغة الحجاز ويجمع في غيرها فيقال للجماعة: هَلُمُّوا وللنساء هَلْمُمْنَ.
قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ البأس﴾ الحرب «إِلاَّ قَلِيلاً» رياء وسمعة أي لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ولو كان ذلك القليل لكان كثيراً.
قوله: «أَشِحَّةً» العامة على نصبه وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الشَّتْمِ.
والثاني: على الحال وفي العامل فيه أوجه:
أحدها: «وَلاَ يَأْتُونَ» قاله الزجاج.
الثاني: «هَلُمَّ إِلَيْنَا» . قاله الطبري.
الثالث: «يعوقون» مضمراً، قاله الفراء.
الرابع: «المُعَوِّقِينَ» .
الخامس: «القَائِلِينَ» ورد هذان الوجهان الأخيران بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وفي الرد نظر لأن الفصل بين أبعاض الصلة من متعلقاتها، وإنما يظهر الرد على الوجه الرابع لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته فتأمله فإنه حسن وأما «وَلاَ يَأْتُونَ» فمُعْتَرِضٌ والمُعْتَرِضُ لا يمنع من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة أَشِحَّةٌ بالرفع على خبر ابتداء مضمر أي هم أشحة وأشحة جمع «شَحِيحٍ» وهو جمع لا ينقاس؛ إذ قياس «فَعِيل» الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو خَلِيلٍ وأَخِلاَّء وَظنِينٍ وأَظِنَّاء، وضَنين وأَضِنَّاء، وقد سمع أشِحَّاء وهو القياس.
والشُّحُّ البخل، وقد تقدم في آل عمران.
فصل
المعنى أشحة عليكم بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال قتادة بخلاء عند الغنيمة وصفهم الله بالبخل والجبن فقال: ﴿فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في الرؤوس من الخوف والجبن ﴿كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ أي كَدَوَرَانِ عين الذين يغشى عليه من الموت وذلك أن من قَرُبَ من الموت وغَشِيَتْهُ أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرِفُ، واعلم أن البخل شبيه الجبن فلما ذكر البخيل بين سببه وهو الجبن لأن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك.
قوله: «يَنْظُرُونَ» في محل (نصب) حال من مفعول «رَأَيْتَهُمْ» لأن الرؤية بصرية.
قوله: «تدور» إما حال تانية وإما حال من «يَنْظُرُونَ» «كالَّذِي يُغْشَى» يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون حالاً من: «أَعْنهم» أي تدور أعينهم حال كونها مشبهة عين الذي يغشى عليه من الموت.
الثاني: أنه نعت مصدر مقدر لقوله «ينظرون» تقديره: ينظرون إليك نظراً مثلَ نظرِ الذي يغشى عليه من الموت ويؤيده الآية الأخرى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [محمد: 20] المعنى يحسبون أي هؤلاء المانفِقُونَ يحسبون الأحزاب يعني قريشاً وغَطَفَانَ واليهود «لَمْ يذهبُوا» لم ينصرفوا عن قتالهم من غاية الجبنِ عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ﴿وَإِن يَأْتِ الأحزاب﴾ أي يرجعون إليهم للقتال بعد الذهاب ﴿يودوا لو أَنهم بادون في الأعراب﴾ من الخوف والجبن.
(قوله) : «بَادُونَ» هذه قراءة العامة جمع «باد» وهو المُقيم بالبادية يقال: بَدَا يَبْدُوا بداوةً إذا خرج إلى البَادِيةٍ، وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس وطلحةُ وابنُ يَعْمُرَ بُدَّى - بضم الباء وفتح الدال مشدّدة - مقصوراً كَغَازٍ وغُزّىً، وسَارٍ وسُرّىً. وليس بقياس، وإنما قياسه في بادٍ وبُداةٍ، كقَاضٍ وقُضَاةٍ، ولكن حمل على الصحيح كقولهم: «ضُرَّب» . وروي عن ابن عباس قراءة ثانية بزنة «عُدّىً» وثالثة: «بَدَوا» فعلاً ماضياً.
(قوله) : «يَسْأَلُونَ» يجوز أن يكون مستأنفاً، وإن يكون حالاً من فاعل «يَحْسَبُونَ» والعامة على سكون السين بعدها «همزة» ، ونقل ابن عطية عن أبي عمرو وعاصم بنقل حركة الهمزة إلى السين كقوله:
﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ [البقرة: 211] وهذه ليست بالمشهورة عنهما، ولعلها نقلت عنهام ذاشة، وإنا هي معروفة بالحسن والأمش، وقرأ زيدُ بنُ عَلِيٍّ والجَحْدَرِيُّ وقتادةُ والحَسَنُ «يَسَّاءلُونَ» بتشديد السين والأصل «يَتَسَاءَلُونَ» فأدغم، أي يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
فصل
﴿يسألون عن أبنائكم﴾ أخباركم، وما آل إليه أمركم «وَلَوْ كَانُوا» يعني هؤلاء المنافقين ﴿فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلا﴾ . أي يقاتلون قليلاً يقيمون به عذرهم فيقولون: قد قَاتَلْنَا، قال الكَلْبَيُّ: «إِلاَّ قَلِيلاً» أي رمياً بالحجارة. وقال مقاتل: إلاَّ رياءً وسُمْعَةٌ من غير احتساب.
(قوله) تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قرأ عاصم: «أُسْوَةٌ» بضم الهمزة حيث وَقَعَتْ هذه اللفظة والباقون بكسرها. وهما لغتان كالغُدْوَةِ والغِدْوَةِ والقُدْوَةِ والقِدْوةِ والأُسْوة بمعنى الاقتداء أي قدوة صالحة، وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو «الايتساء» فالأسوة من الايتساء كالقُدْوَة من الاقْتِدَاء، وائْتَسَى فُلانٌ بِفُلاَنٍ أي اقْتَدَى به، وأسوة اسم «كان» وفي الخبر وجهان: أحدهما: هو «لكم» فيجوز في الجار الآخر وجوه: التعلق بما يتعلق به الخبر، أي بمحذوف على أنه حال من «أُسْوَةٍ» ؛ إذ لو تأخر لكان صفةً أو «بكان» على مذهب من يَرَاهُ.
الثاني: أن الخبر هو: «فِي رَسُولِ اللَّهِ» و «لَكُمْ» على ما تقدم في «رسول الله» أو يتعلق بمحذوف على التبيين أَعْنِي لَكُمْ.
قوله: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من الكاف في «لَكُمْ» قاله الزمخشري، ومنعه أبو البقاء، وتابعه أبو حيان، قال أبو البقاء: وقيل: هو بدل من ضمير المُخَاطَبِ بإعادة الجارِّ، ومنع منه الأكثرون؛ لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه. وقال أبو حيان: قال الزمخشري بدل من «لكم» كقوله: ﴿استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: 75] . قال: ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وأنشد:
4077 - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... وأَمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلّيلاً
قال شهاب الدين: لا نسلم أن هذا بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، بل بدل بعض من كل باعتبار الواقع لأن الخطاب في قوله: «لكُم» أعمّ مِن: «مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وغَيْره» ثم خصص ذلك العموم لأن المتأَسِّيَ به عليه (الصلاة و) السلام في الواقع إنما هو المؤمنون ويدل عليه ما قلته ظاهر تشبيه الزمخشري هذه الآية بآية الأعراف، وآية الأعراف البدل فيها بدل كل من كل ومجابٌ بأنه إنما قصد التشبيه في مجرد إعادة العامل.
والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة «لحَسَنَةٍ» .
والثالثك أن يتعلق بنفس «حسنة» قالهما أبو البقاء، ومنع أن يتعلق بأسوة قال: لأنها قد وصفت و «كَثِيراً» أي ذِكْراً كَثِيراً.
فصل
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أن تنصروا دين الله وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذا كسرت رُبَاعِيَّتُهُ، وجرح وَجْهُهُ وقتل عمه، وأوذي بَضُروبٍ من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضاً، واستنوا بسنته ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر﴾ قال ابن عباس لمن كان يرجو ثواب الله. وقال مقاتل: يخشى الله واليوم الآخر أي يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وذكر الله كثيراً في جميع المواطن على السراء والضراء، ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب﴾ لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب وهو أنهم لما رأوا الأحزاب قالوا تسليماً لأمر الله وتصديقاً بوعده وهو قولهم: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ ، وقولهم ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ ليس بإشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هو إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله﴾ وقد وقع صدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (عند وجوده ووعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [الآية: 214] إلى قوله: ﴿إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214] فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء فلما) (رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) أي تصديقاً لله وتسليماً له.
قوله: ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ من تكرير الظاهر تعظيماً لقوله: 4078 - لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولأنه لو أعادهما مضمرين لجمع بين اسم الباري تعالى واسم رسوله في لفظة واحدة فكان يقال: «وصدقا» ، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد كره ذلك ورد على من قال حيث قال: مَنْ يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فقال له بئس خطيبُ القوم أنتَ قل: ومن يعص الله ورسوله قصداً إلى تعظيم الله. وقيل إنما رد عليه لأنه وقف على «يَعْصِهِمَا» وعلى الأولى استشكل بعضهم قوله: «حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما» فقد جمع بينهما في ضمير واحد وأجيب: بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعرف بقدر الله منا فليس لنا أن نقول كما يقال.
قوله: «وَمَا زَادهم» فاعل «زادهم» ضمير الوعد أي وما زادهم وعد الله أو الصدق.
وقال مكي ضمير النظر لأن قوله «لما رأى» بمعنى لما نظر. وقال أيضاً: وقيل ضمير الرؤية، وإنما ذكر لان تأنيثها غير حقيقي ولم يذكر غيرهما، وهذا عجيب منه حيث حجَّروا واسعاً مع الغنية عنه. وقرأ ابن أبي عبلة «وما زادوهم» بضمير الجمع، ويعود للأحزاب لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أخبرهم أن الأحزاب يأتيهم بعد عشر أو تسع.
قوله: ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ ووفوا به.
قوله: «صدقوا» صدق يتعدى لاثتين لثانيهما بحرف الجر، ويجوز حذفه ومنه المثل: «صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرة» أي في سن. والآية يجوز أن تكون من هذا، والأول محذوف أي صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ويجوز أن يتعدى لواحد كقولك «صَدَقِنِي زَيْدٌ، وكَذَبَنِي عَمْرٌوا» أي قال لي الصدق وقال الكذب، ويكون المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً كأنهم قالوا للشيء المعاهد عليه لنوفين بك وقد فعلوا و «ما» بمعنى الذي، ولذلك عاد عليها الضمير في «عليه» ، وقال مكي «ما» في موضع نصب «بصدقوا» وهي والفعل مصدر تقديره «صَدَقُوا» العهد أي وفوا به. وهذا يرده عود المضير إلا أن الأخفس وابن السراج يذهبان إلى اسمية «ما» المصدرية.
(قوله) : «قَضَى نَحْبَهُ» النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به قال:
4079 - عَشِيَّةَ فَرَّ الحَارِثيُّونَ بَعْدَمَا ... قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقال:
4080 - بِطَخْفَةَ جَالَدْنَا المُلُوكَ وَخَيْلُنَا ... عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
أي على أمر عظيم، ولهذا يقال: نحب فلان أي نذر نذراً التزمه ويعبر به عن الموت كقولهم «قَضَى أجله» لما كان الموت لا بد منه جعل كالشي الملتزم والنجيب البكاء معه صوت.
فصل
قال المفسرون معنى ﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ أي وفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله «فَمِنْهُمْ نَحْبَهُ» أي فرغ من نذره ووفاه بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحيب النذر قال القُرطبي: مَنْ قَضَى نحبه أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل: قضى نحبه أي بذل جهده في سبيل الوفاء بالعهد من قول العرب «نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع» إذ مد فلم ينزل ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ الشهادة يعني من بقي من المؤمنين ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ بخلاف المنافقين فإنهم قالوا: لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم.
قوله: «لِيَجْزِيَ اللَّهُ» فيه وجهان:
أحدهما: أنها لام العلة.
والثاني: أنها لام الصيرورة، وفيما يتعلق به أوجه إما «بصَدَقَوا» وإام «بزَادَهُمْ» وإما بمَا بَدَّلُوا وعلى هذا قال الزمخشري: جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوقٌ إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلها، والمعنى ليجزي الله الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وهو الوفاء بالعهد.
﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ﴾ أي الذين كذبوا وأخلفوا، وقوله: «إنْ شَاءَ» ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ( «واو» ) وجواب إن شاء مقدر وكذلك مفعول «شاء» أي إن شاء تعذيبَهم عَذَّبهم، فإن قيل: عذبهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وهو قد شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق؟! . فأجاب ابن عطية بأن تعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والعقوبة موازية لتلك الإقامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إقامة على نفاق، أو توبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب أو رحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدةً من هاتين وواحدة (من هاتين) ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدل على أن معنى قوله: «ليُعَذِّب» ليديم على النفاق، قَوْلُهُ: «إنْ شَاءَ» ومعادلته بالتوبة وحرف «أو» . قال أبو حيان وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير: ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبَّب وهو التعذيب، وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران، وقال ابن الخطيب إنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل ما بين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس ﴿وكان الله غفوراً﴾ حيث ستر ذنبهم و «رحيماً» حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده. أو نقول «ويعذب المنافقين» مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنوبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جزاهم الله على صدقهم فقال: ﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ وهم قريش وغطفان ردّهم بغيظهم لم تُشْفَ صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيراً «ظفراً» وَكَفَى اللَّهُ المؤمنين القِتَال بالملائكة والريح أي لم يحوجهم إلى القتال ﴿وكان الله قوياً﴾ في ملكه غير محتاج إلى قتالهم «عزيزاً» في انتقامه قادراً على استئصال الكفار.
قوله: «بغَيْظِهِمْ» يجوز أن تكون الباء سببية وهو الذي عبر عنه أبو البقاء بالمفعول أي أنها مُعَدِّية.
والثاني: أن تكون للمصاحبة فتكون حالاً أي مَغِيظِينَ.
قوله: ﴿لم ينالوا خيراً﴾ حال ثانية أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة، ويجوز أن تكون حالً من الضمير المجرور بالإضافة.
وجوز الزمخشري فبها أن تكون بياناً للحال الأولى أي مستأنفة، ولا يظهر البيان إلا على البدل والاستئناف بعيد.
قوله: «وَأَنْزَلَ الذينَ» أي أنزل الله الذين «ظَاهَرُوهُمْ» أي عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمين وهم بنو قريظة.
قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، (ويجوز أن يكون حالاً) «من صَياصِيهِمْ» متعلق «بأنزل» و «من» لابتداء الغاية، والصياصي جمع صِيصِيَةٍ وهي الحصون والقلاع والمعاقل ويقال لكل ما يمتنع به ويتحصن» صِيصِيَةٌ» ومنه قيل لقَرْن الثَّوْرِ ولشوكة الديك: صِيصِيَة، والصّيَاصِي أيضاً شوك الحكة، ويتخذ من حديد قال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ:
4081 - ... ... ... ... ... ... ... . ... كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
قوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي.
قوله: «فريقاً تقتلون» منصوب بما بعده وكذلك «فريقاً» منصوب بما قبله، والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم والعامة على الخطاب في الفعلين، وابن ذكوان - في رواية - بالغيبة فيهما، واليماني بالغيبة في الأول فقط، وأبو حيوة «تَأْسُرُونَ» بضم السين.
فإن قيل: ما فائدة التقديم المفعول في الأول حيث قال: تقتلون وتأخيره حيث قال «وتأسرون فريقاً؟! .
فالجواب: قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب والرجال كانوا مشهورين وكان القتل وارداً عليهم والأسراء كانوا هم النساء والذَّرَارِي ولم يكونوا مشهورين ولاسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلَّين ما هو أشهر على الفعل القائم به ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله» فريقاً تقتلون «فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل أما أنها جملة فعلية فلأنها لوكانت اسمية لكان الواجب في» فريق» الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم (فلما نصب كان ذلك بفعل مضمير يفسره الظاهر تقديره: «تقتلون فريقاً تقتلون» ) والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال: تقتلون أوهم أن يسمع السامع مفعول «تقتلون» " يكون زمان وقد يمنعه مانع فيفوته ولا يعلم أيهم هم المقتولون فأما إذا قال: " فريقا " سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل (فعدم) تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفاً إليهم فلو قال بعد ذلك: «وَفَريقاً تأسرون» فمن سمع» فريقاً «ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى وكذا الكلام في قوله: ﴿وَأَنزَلَ الذين (ظَاهَرُوهُم) ﴾ (ظَاهَرُوهُمْ) وقوله:» قذف» ، فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبيل الإنزال ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر قدم الإنزال على قذف الرعب والله أعلم.
فصل
فريقاً تقتلون هم الرجال قيل: كانوا ستمائة، و «تأسرون فريقاً» وهم النساء والذراري، قيل: كانوا سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ بعد؛ قال ابن زيد ومقاتل يعني خيبر وقال قتادة. كنا نحدث أنها مكية، وقال الحسن: فارس والروم وقيل: القلاع وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
قوله: «لم تَطَئُوها» الجملة صفة «لأرضاً» والعامة على همزة مضومة ثم واو ساكنة، وزيد بن علي «تَطَوْهَا» بواو بعد طاء مفتوحة ووجهها أنها كبدلِ الهمزة ألفاًعلى الإسناد كقوله: 4082 - إنَّ الأُسُودَ لَتُهْدَى في مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
فلما أسنده للواء التقى ساكنان محذوف أولهما نحو «لم تَرَوْهَا» وهذا أحسن من أن تقول ثم أجرى الألف المبدلة من الهمزة مجرى الألف المتأصلة فحذفها جزماً لأن الأحسن هناك أن لا يحذف اعتداداً بأصلها، واستشهد بعضهم على الحذف بقول زهير:
4083 - جَرِيء مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقَبْ بظُلْمِهِ ... سَرِيعاً وإِلا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِم
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ هذا يؤكد قول من قال: إن المراد من قوله ﴿وأرضاً لم تطؤوها﴾ ما يؤخذ بعد من بني قريظة لأن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاء ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها، روى أبو هريرة - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يقول:» لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحدَه، فلا شيء بعده.»
الأحزاب 33:24
قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ﴾ المثَبِّطين الناس عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ﴿والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ارجعوا إلينا ودعوا محمداً فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قال قتادة: هم ناس من المنافقين كانوا يُثَبِّطُونَ أنصار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقولون لإخوانهم: إن محمداً وأصحابه لو كانوا (لحماً لالْتَهَمُهمْ) أبو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين فإنّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين قالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سُفْيَانَ ومَنْ مَعَهُ فإنهم إن قَدِرُوا عليكم في هذه المرة لم يَسْتَبْقُوا منكم أحداً وإنّا نشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا هَلُمَّ إلينا فأقبل عبد الله بن أبيٍّ وأصحابُه على المؤمنين يُعَوِّقُونَهُمْ ويُخَوِّفُونَهُمْ بأبي سفيان وبمن معه قالوا: لئن قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحداً ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ههُنَا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيماناً واحتساباً.
قوله: «هَلُمَّ» (تقدّم) الكلام فيه آخر الأنعام. وهو هنا لازم، وهناك مُتَعَدٍّ لنصبه مفعوله وهو «شُهَدَاءَكُمْ» بمعنى أَحْضِرُوهُمْ، وههنا بمعنى «احْضَرُوا» وتَعَالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضاً وحُذِفَ مفعوله، فإنه قال: «وهَلُمُّوا إِلَيْنَا» أي قربوا أنفسكم إلينا (قال) : «وهي صوت سمي به فعل متعد مثل: احضَر وقَرْبْ» ، وفي تسميته إياه صوتً نظر إذا أسماء الأصوات محصورة ليس هذا منها. ولا يجمع في لغة الحجاز ويجمع في غيرها فيقال للجماعة: هَلُمُّوا وللنساء هَلْمُمْنَ.
قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ البأس﴾ الحرب «إِلاَّ قَلِيلاً» رياء وسمعة أي لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ولو كان ذلك القليل لكان كثيراً.
قوله: «أَشِحَّةً» العامة على نصبه وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الشَّتْمِ.
والثاني: على الحال وفي العامل فيه أوجه:
أحدها: «وَلاَ يَأْتُونَ» قاله الزجاج.
الثاني: «هَلُمَّ إِلَيْنَا» . قاله الطبري.
الثالث: «يعوقون» مضمراً، قاله الفراء.
الرابع: «المُعَوِّقِينَ» .
الخامس: «القَائِلِينَ» ورد هذان الوجهان الأخيران بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وفي الرد نظر لأن الفصل بين أبعاض الصلة من متعلقاتها، وإنما يظهر الرد على الوجه الرابع لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته فتأمله فإنه حسن وأما «وَلاَ يَأْتُونَ» فمُعْتَرِضٌ والمُعْتَرِضُ لا يمنع من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة أَشِحَّةٌ بالرفع على خبر ابتداء مضمر أي هم أشحة وأشحة جمع «شَحِيحٍ» وهو جمع لا ينقاس؛ إذ قياس «فَعِيل» الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو خَلِيلٍ وأَخِلاَّء وَظنِينٍ وأَظِنَّاء، وضَنين وأَضِنَّاء، وقد سمع أشِحَّاء وهو القياس.
والشُّحُّ البخل، وقد تقدم في آل عمران.
فصل
المعنى أشحة عليكم بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال قتادة بخلاء عند الغنيمة وصفهم الله بالبخل والجبن فقال: ﴿فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في الرؤوس من الخوف والجبن ﴿كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ أي كَدَوَرَانِ عين الذين يغشى عليه من الموت وذلك أن من قَرُبَ من الموت وغَشِيَتْهُ أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرِفُ، واعلم أن البخل شبيه الجبن فلما ذكر البخيل بين سببه وهو الجبن لأن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك.
قوله: «يَنْظُرُونَ» في محل (نصب) حال من مفعول «رَأَيْتَهُمْ» لأن الرؤية بصرية.
قوله: «تدور» إما حال تانية وإما حال من «يَنْظُرُونَ» «كالَّذِي يُغْشَى» يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون حالاً من: «أَعْنهم» أي تدور أعينهم حال كونها مشبهة عين الذي يغشى عليه من الموت.
الثاني: أنه نعت مصدر مقدر لقوله «ينظرون» تقديره: ينظرون إليك نظراً مثلَ نظرِ الذي يغشى عليه من الموت ويؤيده الآية الأخرى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [محمد: 20] المعنى يحسبون أي هؤلاء المانفِقُونَ يحسبون الأحزاب يعني قريشاً وغَطَفَانَ واليهود «لَمْ يذهبُوا» لم ينصرفوا عن قتالهم من غاية الجبنِ عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ﴿وَإِن يَأْتِ الأحزاب﴾ أي يرجعون إليهم للقتال بعد الذهاب ﴿يودوا لو أَنهم بادون في الأعراب﴾ من الخوف والجبن.
(قوله) : «بَادُونَ» هذه قراءة العامة جمع «باد» وهو المُقيم بالبادية يقال: بَدَا يَبْدُوا بداوةً إذا خرج إلى البَادِيةٍ، وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس وطلحةُ وابنُ يَعْمُرَ بُدَّى - بضم الباء وفتح الدال مشدّدة - مقصوراً كَغَازٍ وغُزّىً، وسَارٍ وسُرّىً. وليس بقياس، وإنما قياسه في بادٍ وبُداةٍ، كقَاضٍ وقُضَاةٍ، ولكن حمل على الصحيح كقولهم: «ضُرَّب» . وروي عن ابن عباس قراءة ثانية بزنة «عُدّىً» وثالثة: «بَدَوا» فعلاً ماضياً.
(قوله) : «يَسْأَلُونَ» يجوز أن يكون مستأنفاً، وإن يكون حالاً من فاعل «يَحْسَبُونَ» والعامة على سكون السين بعدها «همزة» ، ونقل ابن عطية عن أبي عمرو وعاصم بنقل حركة الهمزة إلى السين كقوله:
﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ [البقرة: 211] وهذه ليست بالمشهورة عنهما، ولعلها نقلت عنهام ذاشة، وإنا هي معروفة بالحسن والأمش، وقرأ زيدُ بنُ عَلِيٍّ والجَحْدَرِيُّ وقتادةُ والحَسَنُ «يَسَّاءلُونَ» بتشديد السين والأصل «يَتَسَاءَلُونَ» فأدغم، أي يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
فصل
﴿يسألون عن أبنائكم﴾ أخباركم، وما آل إليه أمركم «وَلَوْ كَانُوا» يعني هؤلاء المنافقين ﴿فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلا﴾ . أي يقاتلون قليلاً يقيمون به عذرهم فيقولون: قد قَاتَلْنَا، قال الكَلْبَيُّ: «إِلاَّ قَلِيلاً» أي رمياً بالحجارة. وقال مقاتل: إلاَّ رياءً وسُمْعَةٌ من غير احتساب.
(قوله) تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قرأ عاصم: «أُسْوَةٌ» بضم الهمزة حيث وَقَعَتْ هذه اللفظة والباقون بكسرها. وهما لغتان كالغُدْوَةِ والغِدْوَةِ والقُدْوَةِ والقِدْوةِ والأُسْوة بمعنى الاقتداء أي قدوة صالحة، وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو «الايتساء» فالأسوة من الايتساء كالقُدْوَة من الاقْتِدَاء، وائْتَسَى فُلانٌ بِفُلاَنٍ أي اقْتَدَى به، وأسوة اسم «كان» وفي الخبر وجهان: أحدهما: هو «لكم» فيجوز في الجار الآخر وجوه: التعلق بما يتعلق به الخبر، أي بمحذوف على أنه حال من «أُسْوَةٍ» ؛ إذ لو تأخر لكان صفةً أو «بكان» على مذهب من يَرَاهُ.
الثاني: أن الخبر هو: «فِي رَسُولِ اللَّهِ» و «لَكُمْ» على ما تقدم في «رسول الله» أو يتعلق بمحذوف على التبيين أَعْنِي لَكُمْ.
قوله: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من الكاف في «لَكُمْ» قاله الزمخشري، ومنعه أبو البقاء، وتابعه أبو حيان، قال أبو البقاء: وقيل: هو بدل من ضمير المُخَاطَبِ بإعادة الجارِّ، ومنع منه الأكثرون؛ لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه. وقال أبو حيان: قال الزمخشري بدل من «لكم» كقوله: ﴿استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: 75] . قال: ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وأنشد:
4077 - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... وأَمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلّيلاً
قال شهاب الدين: لا نسلم أن هذا بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، بل بدل بعض من كل باعتبار الواقع لأن الخطاب في قوله: «لكُم» أعمّ مِن: «مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وغَيْره» ثم خصص ذلك العموم لأن المتأَسِّيَ به عليه (الصلاة و) السلام في الواقع إنما هو المؤمنون ويدل عليه ما قلته ظاهر تشبيه الزمخشري هذه الآية بآية الأعراف، وآية الأعراف البدل فيها بدل كل من كل ومجابٌ بأنه إنما قصد التشبيه في مجرد إعادة العامل.
والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة «لحَسَنَةٍ» .
والثالثك أن يتعلق بنفس «حسنة» قالهما أبو البقاء، ومنع أن يتعلق بأسوة قال: لأنها قد وصفت و «كَثِيراً» أي ذِكْراً كَثِيراً.
فصل
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أن تنصروا دين الله وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذا كسرت رُبَاعِيَّتُهُ، وجرح وَجْهُهُ وقتل عمه، وأوذي بَضُروبٍ من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضاً، واستنوا بسنته ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر﴾ قال ابن عباس لمن كان يرجو ثواب الله. وقال مقاتل: يخشى الله واليوم الآخر أي يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وذكر الله كثيراً في جميع المواطن على السراء والضراء، ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب﴾ لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب وهو أنهم لما رأوا الأحزاب قالوا تسليماً لأمر الله وتصديقاً بوعده وهو قولهم: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ ، وقولهم ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ ليس بإشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هو إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله﴾ وقد وقع صدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (عند وجوده ووعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [الآية: 214] إلى قوله: ﴿إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214] فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء فلما) (رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) أي تصديقاً لله وتسليماً له.
قوله: ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ من تكرير الظاهر تعظيماً لقوله: 4078 - لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولأنه لو أعادهما مضمرين لجمع بين اسم الباري تعالى واسم رسوله في لفظة واحدة فكان يقال: «وصدقا» ، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد كره ذلك ورد على من قال حيث قال: مَنْ يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فقال له بئس خطيبُ القوم أنتَ قل: ومن يعص الله ورسوله قصداً إلى تعظيم الله. وقيل إنما رد عليه لأنه وقف على «يَعْصِهِمَا» وعلى الأولى استشكل بعضهم قوله: «حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما» فقد جمع بينهما في ضمير واحد وأجيب: بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعرف بقدر الله منا فليس لنا أن نقول كما يقال.
قوله: «وَمَا زَادهم» فاعل «زادهم» ضمير الوعد أي وما زادهم وعد الله أو الصدق.
وقال مكي ضمير النظر لأن قوله «لما رأى» بمعنى لما نظر. وقال أيضاً: وقيل ضمير الرؤية، وإنما ذكر لان تأنيثها غير حقيقي ولم يذكر غيرهما، وهذا عجيب منه حيث حجَّروا واسعاً مع الغنية عنه. وقرأ ابن أبي عبلة «وما زادوهم» بضمير الجمع، ويعود للأحزاب لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أخبرهم أن الأحزاب يأتيهم بعد عشر أو تسع.
قوله: ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ ووفوا به.
قوله: «صدقوا» صدق يتعدى لاثتين لثانيهما بحرف الجر، ويجوز حذفه ومنه المثل: «صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرة» أي في سن. والآية يجوز أن تكون من هذا، والأول محذوف أي صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ويجوز أن يتعدى لواحد كقولك «صَدَقِنِي زَيْدٌ، وكَذَبَنِي عَمْرٌوا» أي قال لي الصدق وقال الكذب، ويكون المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً كأنهم قالوا للشيء المعاهد عليه لنوفين بك وقد فعلوا و «ما» بمعنى الذي، ولذلك عاد عليها الضمير في «عليه» ، وقال مكي «ما» في موضع نصب «بصدقوا» وهي والفعل مصدر تقديره «صَدَقُوا» العهد أي وفوا به. وهذا يرده عود المضير إلا أن الأخفس وابن السراج يذهبان إلى اسمية «ما» المصدرية.
(قوله) : «قَضَى نَحْبَهُ» النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به قال:
4079 - عَشِيَّةَ فَرَّ الحَارِثيُّونَ بَعْدَمَا ... قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقال:
4080 - بِطَخْفَةَ جَالَدْنَا المُلُوكَ وَخَيْلُنَا ... عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
أي على أمر عظيم، ولهذا يقال: نحب فلان أي نذر نذراً التزمه ويعبر به عن الموت كقولهم «قَضَى أجله» لما كان الموت لا بد منه جعل كالشي الملتزم والنجيب البكاء معه صوت.
فصل
قال المفسرون معنى ﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ أي وفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله «فَمِنْهُمْ نَحْبَهُ» أي فرغ من نذره ووفاه بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحيب النذر قال القُرطبي: مَنْ قَضَى نحبه أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل: قضى نحبه أي بذل جهده في سبيل الوفاء بالعهد من قول العرب «نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع» إذ مد فلم ينزل ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ الشهادة يعني من بقي من المؤمنين ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ بخلاف المنافقين فإنهم قالوا: لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم.
قوله: «لِيَجْزِيَ اللَّهُ» فيه وجهان:
أحدهما: أنها لام العلة.
والثاني: أنها لام الصيرورة، وفيما يتعلق به أوجه إما «بصَدَقَوا» وإام «بزَادَهُمْ» وإما بمَا بَدَّلُوا وعلى هذا قال الزمخشري: جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوقٌ إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلها، والمعنى ليجزي الله الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وهو الوفاء بالعهد.
﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ﴾ أي الذين كذبوا وأخلفوا، وقوله: «إنْ شَاءَ» ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ( «واو» ) وجواب إن شاء مقدر وكذلك مفعول «شاء» أي إن شاء تعذيبَهم عَذَّبهم، فإن قيل: عذبهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وهو قد شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق؟! . فأجاب ابن عطية بأن تعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والعقوبة موازية لتلك الإقامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إقامة على نفاق، أو توبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب أو رحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدةً من هاتين وواحدة (من هاتين) ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدل على أن معنى قوله: «ليُعَذِّب» ليديم على النفاق، قَوْلُهُ: «إنْ شَاءَ» ومعادلته بالتوبة وحرف «أو» . قال أبو حيان وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير: ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبَّب وهو التعذيب، وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران، وقال ابن الخطيب إنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل ما بين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس ﴿وكان الله غفوراً﴾ حيث ستر ذنبهم و «رحيماً» حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده. أو نقول «ويعذب المنافقين» مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنوبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جزاهم الله على صدقهم فقال: ﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ وهم قريش وغطفان ردّهم بغيظهم لم تُشْفَ صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيراً «ظفراً» وَكَفَى اللَّهُ المؤمنين القِتَال بالملائكة والريح أي لم يحوجهم إلى القتال ﴿وكان الله قوياً﴾ في ملكه غير محتاج إلى قتالهم «عزيزاً» في انتقامه قادراً على استئصال الكفار.
قوله: «بغَيْظِهِمْ» يجوز أن تكون الباء سببية وهو الذي عبر عنه أبو البقاء بالمفعول أي أنها مُعَدِّية.
والثاني: أن تكون للمصاحبة فتكون حالاً أي مَغِيظِينَ.
قوله: ﴿لم ينالوا خيراً﴾ حال ثانية أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة، ويجوز أن تكون حالً من الضمير المجرور بالإضافة.
وجوز الزمخشري فبها أن تكون بياناً للحال الأولى أي مستأنفة، ولا يظهر البيان إلا على البدل والاستئناف بعيد.
قوله: «وَأَنْزَلَ الذينَ» أي أنزل الله الذين «ظَاهَرُوهُمْ» أي عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمين وهم بنو قريظة.
قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، (ويجوز أن يكون حالاً) «من صَياصِيهِمْ» متعلق «بأنزل» و «من» لابتداء الغاية، والصياصي جمع صِيصِيَةٍ وهي الحصون والقلاع والمعاقل ويقال لكل ما يمتنع به ويتحصن» صِيصِيَةٌ» ومنه قيل لقَرْن الثَّوْرِ ولشوكة الديك: صِيصِيَة، والصّيَاصِي أيضاً شوك الحكة، ويتخذ من حديد قال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ:
4081 - ... ... ... ... ... ... ... . ... كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
قوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي.
قوله: «فريقاً تقتلون» منصوب بما بعده وكذلك «فريقاً» منصوب بما قبله، والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم والعامة على الخطاب في الفعلين، وابن ذكوان - في رواية - بالغيبة فيهما، واليماني بالغيبة في الأول فقط، وأبو حيوة «تَأْسُرُونَ» بضم السين.
فإن قيل: ما فائدة التقديم المفعول في الأول حيث قال: تقتلون وتأخيره حيث قال «وتأسرون فريقاً؟! .
فالجواب: قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب والرجال كانوا مشهورين وكان القتل وارداً عليهم والأسراء كانوا هم النساء والذَّرَارِي ولم يكونوا مشهورين ولاسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلَّين ما هو أشهر على الفعل القائم به ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله» فريقاً تقتلون «فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل أما أنها جملة فعلية فلأنها لوكانت اسمية لكان الواجب في» فريق» الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم (فلما نصب كان ذلك بفعل مضمير يفسره الظاهر تقديره: «تقتلون فريقاً تقتلون» ) والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال: تقتلون أوهم أن يسمع السامع مفعول «تقتلون» " يكون زمان وقد يمنعه مانع فيفوته ولا يعلم أيهم هم المقتولون فأما إذا قال: " فريقا " سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل (فعدم) تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفاً إليهم فلو قال بعد ذلك: «وَفَريقاً تأسرون» فمن سمع» فريقاً «ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى وكذا الكلام في قوله: ﴿وَأَنزَلَ الذين (ظَاهَرُوهُم) ﴾ (ظَاهَرُوهُمْ) وقوله:» قذف» ، فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبيل الإنزال ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر قدم الإنزال على قذف الرعب والله أعلم.
فصل
فريقاً تقتلون هم الرجال قيل: كانوا ستمائة، و «تأسرون فريقاً» وهم النساء والذراري، قيل: كانوا سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ بعد؛ قال ابن زيد ومقاتل يعني خيبر وقال قتادة. كنا نحدث أنها مكية، وقال الحسن: فارس والروم وقيل: القلاع وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
قوله: «لم تَطَئُوها» الجملة صفة «لأرضاً» والعامة على همزة مضومة ثم واو ساكنة، وزيد بن علي «تَطَوْهَا» بواو بعد طاء مفتوحة ووجهها أنها كبدلِ الهمزة ألفاًعلى الإسناد كقوله: 4082 - إنَّ الأُسُودَ لَتُهْدَى في مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
فلما أسنده للواء التقى ساكنان محذوف أولهما نحو «لم تَرَوْهَا» وهذا أحسن من أن تقول ثم أجرى الألف المبدلة من الهمزة مجرى الألف المتأصلة فحذفها جزماً لأن الأحسن هناك أن لا يحذف اعتداداً بأصلها، واستشهد بعضهم على الحذف بقول زهير:
4083 - جَرِيء مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقَبْ بظُلْمِهِ ... سَرِيعاً وإِلا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِم
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ هذا يؤكد قول من قال: إن المراد من قوله ﴿وأرضاً لم تطؤوها﴾ ما يؤخذ بعد من بني قريظة لأن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاء ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها، روى أبو هريرة - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يقول:» لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحدَه، فلا شيء بعده.»
الأحزاب 33:25
قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ﴾ المثَبِّطين الناس عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ﴿والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ارجعوا إلينا ودعوا محمداً فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قال قتادة: هم ناس من المنافقين كانوا يُثَبِّطُونَ أنصار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقولون لإخوانهم: إن محمداً وأصحابه لو كانوا (لحماً لالْتَهَمُهمْ) أبو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين فإنّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين قالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سُفْيَانَ ومَنْ مَعَهُ فإنهم إن قَدِرُوا عليكم في هذه المرة لم يَسْتَبْقُوا منكم أحداً وإنّا نشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا هَلُمَّ إلينا فأقبل عبد الله بن أبيٍّ وأصحابُه على المؤمنين يُعَوِّقُونَهُمْ ويُخَوِّفُونَهُمْ بأبي سفيان وبمن معه قالوا: لئن قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحداً ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ههُنَا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيماناً واحتساباً.
قوله: «هَلُمَّ» (تقدّم) الكلام فيه آخر الأنعام. وهو هنا لازم، وهناك مُتَعَدٍّ لنصبه مفعوله وهو «شُهَدَاءَكُمْ» بمعنى أَحْضِرُوهُمْ، وههنا بمعنى «احْضَرُوا» وتَعَالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضاً وحُذِفَ مفعوله، فإنه قال: «وهَلُمُّوا إِلَيْنَا» أي قربوا أنفسكم إلينا (قال) : «وهي صوت سمي به فعل متعد مثل: احضَر وقَرْبْ» ، وفي تسميته إياه صوتً نظر إذا أسماء الأصوات محصورة ليس هذا منها. ولا يجمع في لغة الحجاز ويجمع في غيرها فيقال للجماعة: هَلُمُّوا وللنساء هَلْمُمْنَ.
قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ البأس﴾ الحرب «إِلاَّ قَلِيلاً» رياء وسمعة أي لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ولو كان ذلك القليل لكان كثيراً.
قوله: «أَشِحَّةً» العامة على نصبه وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الشَّتْمِ.
والثاني: على الحال وفي العامل فيه أوجه:
أحدها: «وَلاَ يَأْتُونَ» قاله الزجاج.
الثاني: «هَلُمَّ إِلَيْنَا» . قاله الطبري.
الثالث: «يعوقون» مضمراً، قاله الفراء.
الرابع: «المُعَوِّقِينَ» .
الخامس: «القَائِلِينَ» ورد هذان الوجهان الأخيران بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وفي الرد نظر لأن الفصل بين أبعاض الصلة من متعلقاتها، وإنما يظهر الرد على الوجه الرابع لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته فتأمله فإنه حسن وأما «وَلاَ يَأْتُونَ» فمُعْتَرِضٌ والمُعْتَرِضُ لا يمنع من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة أَشِحَّةٌ بالرفع على خبر ابتداء مضمر أي هم أشحة وأشحة جمع «شَحِيحٍ» وهو جمع لا ينقاس؛ إذ قياس «فَعِيل» الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو خَلِيلٍ وأَخِلاَّء وَظنِينٍ وأَظِنَّاء، وضَنين وأَضِنَّاء، وقد سمع أشِحَّاء وهو القياس.
والشُّحُّ البخل، وقد تقدم في آل عمران.
فصل
المعنى أشحة عليكم بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال قتادة بخلاء عند الغنيمة وصفهم الله بالبخل والجبن فقال: ﴿فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في الرؤوس من الخوف والجبن ﴿كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ أي كَدَوَرَانِ عين الذين يغشى عليه من الموت وذلك أن من قَرُبَ من الموت وغَشِيَتْهُ أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرِفُ، واعلم أن البخل شبيه الجبن فلما ذكر البخيل بين سببه وهو الجبن لأن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك.
قوله: «يَنْظُرُونَ» في محل (نصب) حال من مفعول «رَأَيْتَهُمْ» لأن الرؤية بصرية.
قوله: «تدور» إما حال تانية وإما حال من «يَنْظُرُونَ» «كالَّذِي يُغْشَى» يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون حالاً من: «أَعْنهم» أي تدور أعينهم حال كونها مشبهة عين الذي يغشى عليه من الموت.
الثاني: أنه نعت مصدر مقدر لقوله «ينظرون» تقديره: ينظرون إليك نظراً مثلَ نظرِ الذي يغشى عليه من الموت ويؤيده الآية الأخرى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [محمد: 20] المعنى يحسبون أي هؤلاء المانفِقُونَ يحسبون الأحزاب يعني قريشاً وغَطَفَانَ واليهود «لَمْ يذهبُوا» لم ينصرفوا عن قتالهم من غاية الجبنِ عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ﴿وَإِن يَأْتِ الأحزاب﴾ أي يرجعون إليهم للقتال بعد الذهاب ﴿يودوا لو أَنهم بادون في الأعراب﴾ من الخوف والجبن.
(قوله) : «بَادُونَ» هذه قراءة العامة جمع «باد» وهو المُقيم بالبادية يقال: بَدَا يَبْدُوا بداوةً إذا خرج إلى البَادِيةٍ، وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس وطلحةُ وابنُ يَعْمُرَ بُدَّى - بضم الباء وفتح الدال مشدّدة - مقصوراً كَغَازٍ وغُزّىً، وسَارٍ وسُرّىً. وليس بقياس، وإنما قياسه في بادٍ وبُداةٍ، كقَاضٍ وقُضَاةٍ، ولكن حمل على الصحيح كقولهم: «ضُرَّب» . وروي عن ابن عباس قراءة ثانية بزنة «عُدّىً» وثالثة: «بَدَوا» فعلاً ماضياً.
(قوله) : «يَسْأَلُونَ» يجوز أن يكون مستأنفاً، وإن يكون حالاً من فاعل «يَحْسَبُونَ» والعامة على سكون السين بعدها «همزة» ، ونقل ابن عطية عن أبي عمرو وعاصم بنقل حركة الهمزة إلى السين كقوله:
﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ [البقرة: 211] وهذه ليست بالمشهورة عنهما، ولعلها نقلت عنهام ذاشة، وإنا هي معروفة بالحسن والأمش، وقرأ زيدُ بنُ عَلِيٍّ والجَحْدَرِيُّ وقتادةُ والحَسَنُ «يَسَّاءلُونَ» بتشديد السين والأصل «يَتَسَاءَلُونَ» فأدغم، أي يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
فصل
﴿يسألون عن أبنائكم﴾ أخباركم، وما آل إليه أمركم «وَلَوْ كَانُوا» يعني هؤلاء المنافقين ﴿فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلا﴾ . أي يقاتلون قليلاً يقيمون به عذرهم فيقولون: قد قَاتَلْنَا، قال الكَلْبَيُّ: «إِلاَّ قَلِيلاً» أي رمياً بالحجارة. وقال مقاتل: إلاَّ رياءً وسُمْعَةٌ من غير احتساب.
(قوله) تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قرأ عاصم: «أُسْوَةٌ» بضم الهمزة حيث وَقَعَتْ هذه اللفظة والباقون بكسرها. وهما لغتان كالغُدْوَةِ والغِدْوَةِ والقُدْوَةِ والقِدْوةِ والأُسْوة بمعنى الاقتداء أي قدوة صالحة، وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو «الايتساء» فالأسوة من الايتساء كالقُدْوَة من الاقْتِدَاء، وائْتَسَى فُلانٌ بِفُلاَنٍ أي اقْتَدَى به، وأسوة اسم «كان» وفي الخبر وجهان: أحدهما: هو «لكم» فيجوز في الجار الآخر وجوه: التعلق بما يتعلق به الخبر، أي بمحذوف على أنه حال من «أُسْوَةٍ» ؛ إذ لو تأخر لكان صفةً أو «بكان» على مذهب من يَرَاهُ.
الثاني: أن الخبر هو: «فِي رَسُولِ اللَّهِ» و «لَكُمْ» على ما تقدم في «رسول الله» أو يتعلق بمحذوف على التبيين أَعْنِي لَكُمْ.
قوله: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من الكاف في «لَكُمْ» قاله الزمخشري، ومنعه أبو البقاء، وتابعه أبو حيان، قال أبو البقاء: وقيل: هو بدل من ضمير المُخَاطَبِ بإعادة الجارِّ، ومنع منه الأكثرون؛ لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه. وقال أبو حيان: قال الزمخشري بدل من «لكم» كقوله: ﴿استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: 75] . قال: ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وأنشد:
4077 - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... وأَمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلّيلاً
قال شهاب الدين: لا نسلم أن هذا بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، بل بدل بعض من كل باعتبار الواقع لأن الخطاب في قوله: «لكُم» أعمّ مِن: «مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وغَيْره» ثم خصص ذلك العموم لأن المتأَسِّيَ به عليه (الصلاة و) السلام في الواقع إنما هو المؤمنون ويدل عليه ما قلته ظاهر تشبيه الزمخشري هذه الآية بآية الأعراف، وآية الأعراف البدل فيها بدل كل من كل ومجابٌ بأنه إنما قصد التشبيه في مجرد إعادة العامل.
والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة «لحَسَنَةٍ» .
والثالثك أن يتعلق بنفس «حسنة» قالهما أبو البقاء، ومنع أن يتعلق بأسوة قال: لأنها قد وصفت و «كَثِيراً» أي ذِكْراً كَثِيراً.
فصل
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أن تنصروا دين الله وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذا كسرت رُبَاعِيَّتُهُ، وجرح وَجْهُهُ وقتل عمه، وأوذي بَضُروبٍ من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضاً، واستنوا بسنته ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر﴾ قال ابن عباس لمن كان يرجو ثواب الله. وقال مقاتل: يخشى الله واليوم الآخر أي يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وذكر الله كثيراً في جميع المواطن على السراء والضراء، ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب﴾ لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب وهو أنهم لما رأوا الأحزاب قالوا تسليماً لأمر الله وتصديقاً بوعده وهو قولهم: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ ، وقولهم ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ ليس بإشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هو إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله﴾ وقد وقع صدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (عند وجوده ووعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [الآية: 214] إلى قوله: ﴿إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214] فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء فلما) (رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) أي تصديقاً لله وتسليماً له.
قوله: ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ من تكرير الظاهر تعظيماً لقوله: 4078 - لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولأنه لو أعادهما مضمرين لجمع بين اسم الباري تعالى واسم رسوله في لفظة واحدة فكان يقال: «وصدقا» ، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد كره ذلك ورد على من قال حيث قال: مَنْ يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فقال له بئس خطيبُ القوم أنتَ قل: ومن يعص الله ورسوله قصداً إلى تعظيم الله. وقيل إنما رد عليه لأنه وقف على «يَعْصِهِمَا» وعلى الأولى استشكل بعضهم قوله: «حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما» فقد جمع بينهما في ضمير واحد وأجيب: بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعرف بقدر الله منا فليس لنا أن نقول كما يقال.
قوله: «وَمَا زَادهم» فاعل «زادهم» ضمير الوعد أي وما زادهم وعد الله أو الصدق.
وقال مكي ضمير النظر لأن قوله «لما رأى» بمعنى لما نظر. وقال أيضاً: وقيل ضمير الرؤية، وإنما ذكر لان تأنيثها غير حقيقي ولم يذكر غيرهما، وهذا عجيب منه حيث حجَّروا واسعاً مع الغنية عنه. وقرأ ابن أبي عبلة «وما زادوهم» بضمير الجمع، ويعود للأحزاب لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أخبرهم أن الأحزاب يأتيهم بعد عشر أو تسع.
قوله: ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ ووفوا به.
قوله: «صدقوا» صدق يتعدى لاثتين لثانيهما بحرف الجر، ويجوز حذفه ومنه المثل: «صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرة» أي في سن. والآية يجوز أن تكون من هذا، والأول محذوف أي صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ويجوز أن يتعدى لواحد كقولك «صَدَقِنِي زَيْدٌ، وكَذَبَنِي عَمْرٌوا» أي قال لي الصدق وقال الكذب، ويكون المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً كأنهم قالوا للشيء المعاهد عليه لنوفين بك وقد فعلوا و «ما» بمعنى الذي، ولذلك عاد عليها الضمير في «عليه» ، وقال مكي «ما» في موضع نصب «بصدقوا» وهي والفعل مصدر تقديره «صَدَقُوا» العهد أي وفوا به. وهذا يرده عود المضير إلا أن الأخفس وابن السراج يذهبان إلى اسمية «ما» المصدرية.
(قوله) : «قَضَى نَحْبَهُ» النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به قال:
4079 - عَشِيَّةَ فَرَّ الحَارِثيُّونَ بَعْدَمَا ... قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقال:
4080 - بِطَخْفَةَ جَالَدْنَا المُلُوكَ وَخَيْلُنَا ... عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
أي على أمر عظيم، ولهذا يقال: نحب فلان أي نذر نذراً التزمه ويعبر به عن الموت كقولهم «قَضَى أجله» لما كان الموت لا بد منه جعل كالشي الملتزم والنجيب البكاء معه صوت.
فصل
قال المفسرون معنى ﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ أي وفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله «فَمِنْهُمْ نَحْبَهُ» أي فرغ من نذره ووفاه بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحيب النذر قال القُرطبي: مَنْ قَضَى نحبه أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل: قضى نحبه أي بذل جهده في سبيل الوفاء بالعهد من قول العرب «نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع» إذ مد فلم ينزل ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ الشهادة يعني من بقي من المؤمنين ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ بخلاف المنافقين فإنهم قالوا: لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم.
قوله: «لِيَجْزِيَ اللَّهُ» فيه وجهان:
أحدهما: أنها لام العلة.
والثاني: أنها لام الصيرورة، وفيما يتعلق به أوجه إما «بصَدَقَوا» وإام «بزَادَهُمْ» وإما بمَا بَدَّلُوا وعلى هذا قال الزمخشري: جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوقٌ إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلها، والمعنى ليجزي الله الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وهو الوفاء بالعهد.
﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ﴾ أي الذين كذبوا وأخلفوا، وقوله: «إنْ شَاءَ» ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ( «واو» ) وجواب إن شاء مقدر وكذلك مفعول «شاء» أي إن شاء تعذيبَهم عَذَّبهم، فإن قيل: عذبهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وهو قد شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق؟! . فأجاب ابن عطية بأن تعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والعقوبة موازية لتلك الإقامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إقامة على نفاق، أو توبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب أو رحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدةً من هاتين وواحدة (من هاتين) ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدل على أن معنى قوله: «ليُعَذِّب» ليديم على النفاق، قَوْلُهُ: «إنْ شَاءَ» ومعادلته بالتوبة وحرف «أو» . قال أبو حيان وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير: ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبَّب وهو التعذيب، وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران، وقال ابن الخطيب إنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل ما بين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس ﴿وكان الله غفوراً﴾ حيث ستر ذنبهم و «رحيماً» حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده. أو نقول «ويعذب المنافقين» مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنوبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جزاهم الله على صدقهم فقال: ﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ وهم قريش وغطفان ردّهم بغيظهم لم تُشْفَ صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيراً «ظفراً» وَكَفَى اللَّهُ المؤمنين القِتَال بالملائكة والريح أي لم يحوجهم إلى القتال ﴿وكان الله قوياً﴾ في ملكه غير محتاج إلى قتالهم «عزيزاً» في انتقامه قادراً على استئصال الكفار.
قوله: «بغَيْظِهِمْ» يجوز أن تكون الباء سببية وهو الذي عبر عنه أبو البقاء بالمفعول أي أنها مُعَدِّية.
والثاني: أن تكون للمصاحبة فتكون حالاً أي مَغِيظِينَ.
قوله: ﴿لم ينالوا خيراً﴾ حال ثانية أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة، ويجوز أن تكون حالً من الضمير المجرور بالإضافة.
وجوز الزمخشري فبها أن تكون بياناً للحال الأولى أي مستأنفة، ولا يظهر البيان إلا على البدل والاستئناف بعيد.
قوله: «وَأَنْزَلَ الذينَ» أي أنزل الله الذين «ظَاهَرُوهُمْ» أي عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمين وهم بنو قريظة.
قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، (ويجوز أن يكون حالاً) «من صَياصِيهِمْ» متعلق «بأنزل» و «من» لابتداء الغاية، والصياصي جمع صِيصِيَةٍ وهي الحصون والقلاع والمعاقل ويقال لكل ما يمتنع به ويتحصن» صِيصِيَةٌ» ومنه قيل لقَرْن الثَّوْرِ ولشوكة الديك: صِيصِيَة، والصّيَاصِي أيضاً شوك الحكة، ويتخذ من حديد قال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ:
4081 - ... ... ... ... ... ... ... . ... كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
قوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي.
قوله: «فريقاً تقتلون» منصوب بما بعده وكذلك «فريقاً» منصوب بما قبله، والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم والعامة على الخطاب في الفعلين، وابن ذكوان - في رواية - بالغيبة فيهما، واليماني بالغيبة في الأول فقط، وأبو حيوة «تَأْسُرُونَ» بضم السين.
فإن قيل: ما فائدة التقديم المفعول في الأول حيث قال: تقتلون وتأخيره حيث قال «وتأسرون فريقاً؟! .
فالجواب: قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب والرجال كانوا مشهورين وكان القتل وارداً عليهم والأسراء كانوا هم النساء والذَّرَارِي ولم يكونوا مشهورين ولاسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلَّين ما هو أشهر على الفعل القائم به ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله» فريقاً تقتلون «فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل أما أنها جملة فعلية فلأنها لوكانت اسمية لكان الواجب في» فريق» الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم (فلما نصب كان ذلك بفعل مضمير يفسره الظاهر تقديره: «تقتلون فريقاً تقتلون» ) والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال: تقتلون أوهم أن يسمع السامع مفعول «تقتلون» " يكون زمان وقد يمنعه مانع فيفوته ولا يعلم أيهم هم المقتولون فأما إذا قال: " فريقا " سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل (فعدم) تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفاً إليهم فلو قال بعد ذلك: «وَفَريقاً تأسرون» فمن سمع» فريقاً «ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى وكذا الكلام في قوله: ﴿وَأَنزَلَ الذين (ظَاهَرُوهُم) ﴾ (ظَاهَرُوهُمْ) وقوله:» قذف» ، فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبيل الإنزال ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر قدم الإنزال على قذف الرعب والله أعلم.
فصل
فريقاً تقتلون هم الرجال قيل: كانوا ستمائة، و «تأسرون فريقاً» وهم النساء والذراري، قيل: كانوا سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ بعد؛ قال ابن زيد ومقاتل يعني خيبر وقال قتادة. كنا نحدث أنها مكية، وقال الحسن: فارس والروم وقيل: القلاع وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
قوله: «لم تَطَئُوها» الجملة صفة «لأرضاً» والعامة على همزة مضومة ثم واو ساكنة، وزيد بن علي «تَطَوْهَا» بواو بعد طاء مفتوحة ووجهها أنها كبدلِ الهمزة ألفاًعلى الإسناد كقوله: 4082 - إنَّ الأُسُودَ لَتُهْدَى في مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
فلما أسنده للواء التقى ساكنان محذوف أولهما نحو «لم تَرَوْهَا» وهذا أحسن من أن تقول ثم أجرى الألف المبدلة من الهمزة مجرى الألف المتأصلة فحذفها جزماً لأن الأحسن هناك أن لا يحذف اعتداداً بأصلها، واستشهد بعضهم على الحذف بقول زهير:
4083 - جَرِيء مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقَبْ بظُلْمِهِ ... سَرِيعاً وإِلا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِم
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ هذا يؤكد قول من قال: إن المراد من قوله ﴿وأرضاً لم تطؤوها﴾ ما يؤخذ بعد من بني قريظة لأن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاء ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها، روى أبو هريرة - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يقول:» لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحدَه، فلا شيء بعده.»
الأحزاب 33:26
قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ﴾ المثَبِّطين الناس عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ﴿والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ارجعوا إلينا ودعوا محمداً فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قال قتادة: هم ناس من المنافقين كانوا يُثَبِّطُونَ أنصار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقولون لإخوانهم: إن محمداً وأصحابه لو كانوا (لحماً لالْتَهَمُهمْ) أبو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين فإنّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين قالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سُفْيَانَ ومَنْ مَعَهُ فإنهم إن قَدِرُوا عليكم في هذه المرة لم يَسْتَبْقُوا منكم أحداً وإنّا نشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا هَلُمَّ إلينا فأقبل عبد الله بن أبيٍّ وأصحابُه على المؤمنين يُعَوِّقُونَهُمْ ويُخَوِّفُونَهُمْ بأبي سفيان وبمن معه قالوا: لئن قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحداً ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ههُنَا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيماناً واحتساباً.
قوله: «هَلُمَّ» (تقدّم) الكلام فيه آخر الأنعام. وهو هنا لازم، وهناك مُتَعَدٍّ لنصبه مفعوله وهو «شُهَدَاءَكُمْ» بمعنى أَحْضِرُوهُمْ، وههنا بمعنى «احْضَرُوا» وتَعَالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضاً وحُذِفَ مفعوله، فإنه قال: «وهَلُمُّوا إِلَيْنَا» أي قربوا أنفسكم إلينا (قال) : «وهي صوت سمي به فعل متعد مثل: احضَر وقَرْبْ» ، وفي تسميته إياه صوتً نظر إذا أسماء الأصوات محصورة ليس هذا منها. ولا يجمع في لغة الحجاز ويجمع في غيرها فيقال للجماعة: هَلُمُّوا وللنساء هَلْمُمْنَ.
قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ البأس﴾ الحرب «إِلاَّ قَلِيلاً» رياء وسمعة أي لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ولو كان ذلك القليل لكان كثيراً.
قوله: «أَشِحَّةً» العامة على نصبه وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الشَّتْمِ.
والثاني: على الحال وفي العامل فيه أوجه:
أحدها: «وَلاَ يَأْتُونَ» قاله الزجاج.
الثاني: «هَلُمَّ إِلَيْنَا» . قاله الطبري.
الثالث: «يعوقون» مضمراً، قاله الفراء.
الرابع: «المُعَوِّقِينَ» .
الخامس: «القَائِلِينَ» ورد هذان الوجهان الأخيران بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وفي الرد نظر لأن الفصل بين أبعاض الصلة من متعلقاتها، وإنما يظهر الرد على الوجه الرابع لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته فتأمله فإنه حسن وأما «وَلاَ يَأْتُونَ» فمُعْتَرِضٌ والمُعْتَرِضُ لا يمنع من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة أَشِحَّةٌ بالرفع على خبر ابتداء مضمر أي هم أشحة وأشحة جمع «شَحِيحٍ» وهو جمع لا ينقاس؛ إذ قياس «فَعِيل» الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو خَلِيلٍ وأَخِلاَّء وَظنِينٍ وأَظِنَّاء، وضَنين وأَضِنَّاء، وقد سمع أشِحَّاء وهو القياس.
والشُّحُّ البخل، وقد تقدم في آل عمران.
فصل
المعنى أشحة عليكم بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال قتادة بخلاء عند الغنيمة وصفهم الله بالبخل والجبن فقال: ﴿فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في الرؤوس من الخوف والجبن ﴿كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ أي كَدَوَرَانِ عين الذين يغشى عليه من الموت وذلك أن من قَرُبَ من الموت وغَشِيَتْهُ أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرِفُ، واعلم أن البخل شبيه الجبن فلما ذكر البخيل بين سببه وهو الجبن لأن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك.
قوله: «يَنْظُرُونَ» في محل (نصب) حال من مفعول «رَأَيْتَهُمْ» لأن الرؤية بصرية.
قوله: «تدور» إما حال تانية وإما حال من «يَنْظُرُونَ» «كالَّذِي يُغْشَى» يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون حالاً من: «أَعْنهم» أي تدور أعينهم حال كونها مشبهة عين الذي يغشى عليه من الموت.
الثاني: أنه نعت مصدر مقدر لقوله «ينظرون» تقديره: ينظرون إليك نظراً مثلَ نظرِ الذي يغشى عليه من الموت ويؤيده الآية الأخرى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [محمد: 20] المعنى يحسبون أي هؤلاء المانفِقُونَ يحسبون الأحزاب يعني قريشاً وغَطَفَانَ واليهود «لَمْ يذهبُوا» لم ينصرفوا عن قتالهم من غاية الجبنِ عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ﴿وَإِن يَأْتِ الأحزاب﴾ أي يرجعون إليهم للقتال بعد الذهاب ﴿يودوا لو أَنهم بادون في الأعراب﴾ من الخوف والجبن.
(قوله) : «بَادُونَ» هذه قراءة العامة جمع «باد» وهو المُقيم بالبادية يقال: بَدَا يَبْدُوا بداوةً إذا خرج إلى البَادِيةٍ، وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس وطلحةُ وابنُ يَعْمُرَ بُدَّى - بضم الباء وفتح الدال مشدّدة - مقصوراً كَغَازٍ وغُزّىً، وسَارٍ وسُرّىً. وليس بقياس، وإنما قياسه في بادٍ وبُداةٍ، كقَاضٍ وقُضَاةٍ، ولكن حمل على الصحيح كقولهم: «ضُرَّب» . وروي عن ابن عباس قراءة ثانية بزنة «عُدّىً» وثالثة: «بَدَوا» فعلاً ماضياً.
(قوله) : «يَسْأَلُونَ» يجوز أن يكون مستأنفاً، وإن يكون حالاً من فاعل «يَحْسَبُونَ» والعامة على سكون السين بعدها «همزة» ، ونقل ابن عطية عن أبي عمرو وعاصم بنقل حركة الهمزة إلى السين كقوله:
﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ [البقرة: 211] وهذه ليست بالمشهورة عنهما، ولعلها نقلت عنهام ذاشة، وإنا هي معروفة بالحسن والأمش، وقرأ زيدُ بنُ عَلِيٍّ والجَحْدَرِيُّ وقتادةُ والحَسَنُ «يَسَّاءلُونَ» بتشديد السين والأصل «يَتَسَاءَلُونَ» فأدغم، أي يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
فصل
﴿يسألون عن أبنائكم﴾ أخباركم، وما آل إليه أمركم «وَلَوْ كَانُوا» يعني هؤلاء المنافقين ﴿فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلا﴾ . أي يقاتلون قليلاً يقيمون به عذرهم فيقولون: قد قَاتَلْنَا، قال الكَلْبَيُّ: «إِلاَّ قَلِيلاً» أي رمياً بالحجارة. وقال مقاتل: إلاَّ رياءً وسُمْعَةٌ من غير احتساب.
(قوله) تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قرأ عاصم: «أُسْوَةٌ» بضم الهمزة حيث وَقَعَتْ هذه اللفظة والباقون بكسرها. وهما لغتان كالغُدْوَةِ والغِدْوَةِ والقُدْوَةِ والقِدْوةِ والأُسْوة بمعنى الاقتداء أي قدوة صالحة، وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو «الايتساء» فالأسوة من الايتساء كالقُدْوَة من الاقْتِدَاء، وائْتَسَى فُلانٌ بِفُلاَنٍ أي اقْتَدَى به، وأسوة اسم «كان» وفي الخبر وجهان: أحدهما: هو «لكم» فيجوز في الجار الآخر وجوه: التعلق بما يتعلق به الخبر، أي بمحذوف على أنه حال من «أُسْوَةٍ» ؛ إذ لو تأخر لكان صفةً أو «بكان» على مذهب من يَرَاهُ.
الثاني: أن الخبر هو: «فِي رَسُولِ اللَّهِ» و «لَكُمْ» على ما تقدم في «رسول الله» أو يتعلق بمحذوف على التبيين أَعْنِي لَكُمْ.
قوله: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من الكاف في «لَكُمْ» قاله الزمخشري، ومنعه أبو البقاء، وتابعه أبو حيان، قال أبو البقاء: وقيل: هو بدل من ضمير المُخَاطَبِ بإعادة الجارِّ، ومنع منه الأكثرون؛ لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه. وقال أبو حيان: قال الزمخشري بدل من «لكم» كقوله: ﴿استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: 75] . قال: ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وأنشد:
4077 - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... وأَمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلّيلاً
قال شهاب الدين: لا نسلم أن هذا بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، بل بدل بعض من كل باعتبار الواقع لأن الخطاب في قوله: «لكُم» أعمّ مِن: «مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وغَيْره» ثم خصص ذلك العموم لأن المتأَسِّيَ به عليه (الصلاة و) السلام في الواقع إنما هو المؤمنون ويدل عليه ما قلته ظاهر تشبيه الزمخشري هذه الآية بآية الأعراف، وآية الأعراف البدل فيها بدل كل من كل ومجابٌ بأنه إنما قصد التشبيه في مجرد إعادة العامل.
والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة «لحَسَنَةٍ» .
والثالثك أن يتعلق بنفس «حسنة» قالهما أبو البقاء، ومنع أن يتعلق بأسوة قال: لأنها قد وصفت و «كَثِيراً» أي ذِكْراً كَثِيراً.
فصل
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أن تنصروا دين الله وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذا كسرت رُبَاعِيَّتُهُ، وجرح وَجْهُهُ وقتل عمه، وأوذي بَضُروبٍ من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضاً، واستنوا بسنته ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر﴾ قال ابن عباس لمن كان يرجو ثواب الله. وقال مقاتل: يخشى الله واليوم الآخر أي يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وذكر الله كثيراً في جميع المواطن على السراء والضراء، ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب﴾ لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب وهو أنهم لما رأوا الأحزاب قالوا تسليماً لأمر الله وتصديقاً بوعده وهو قولهم: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ ، وقولهم ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ ليس بإشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هو إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله﴾ وقد وقع صدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (عند وجوده ووعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [الآية: 214] إلى قوله: ﴿إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214] فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء فلما) (رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) أي تصديقاً لله وتسليماً له.
قوله: ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ من تكرير الظاهر تعظيماً لقوله: 4078 - لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولأنه لو أعادهما مضمرين لجمع بين اسم الباري تعالى واسم رسوله في لفظة واحدة فكان يقال: «وصدقا» ، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد كره ذلك ورد على من قال حيث قال: مَنْ يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فقال له بئس خطيبُ القوم أنتَ قل: ومن يعص الله ورسوله قصداً إلى تعظيم الله. وقيل إنما رد عليه لأنه وقف على «يَعْصِهِمَا» وعلى الأولى استشكل بعضهم قوله: «حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما» فقد جمع بينهما في ضمير واحد وأجيب: بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعرف بقدر الله منا فليس لنا أن نقول كما يقال.
قوله: «وَمَا زَادهم» فاعل «زادهم» ضمير الوعد أي وما زادهم وعد الله أو الصدق.
وقال مكي ضمير النظر لأن قوله «لما رأى» بمعنى لما نظر. وقال أيضاً: وقيل ضمير الرؤية، وإنما ذكر لان تأنيثها غير حقيقي ولم يذكر غيرهما، وهذا عجيب منه حيث حجَّروا واسعاً مع الغنية عنه. وقرأ ابن أبي عبلة «وما زادوهم» بضمير الجمع، ويعود للأحزاب لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أخبرهم أن الأحزاب يأتيهم بعد عشر أو تسع.
قوله: ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ ووفوا به.
قوله: «صدقوا» صدق يتعدى لاثتين لثانيهما بحرف الجر، ويجوز حذفه ومنه المثل: «صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرة» أي في سن. والآية يجوز أن تكون من هذا، والأول محذوف أي صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ويجوز أن يتعدى لواحد كقولك «صَدَقِنِي زَيْدٌ، وكَذَبَنِي عَمْرٌوا» أي قال لي الصدق وقال الكذب، ويكون المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً كأنهم قالوا للشيء المعاهد عليه لنوفين بك وقد فعلوا و «ما» بمعنى الذي، ولذلك عاد عليها الضمير في «عليه» ، وقال مكي «ما» في موضع نصب «بصدقوا» وهي والفعل مصدر تقديره «صَدَقُوا» العهد أي وفوا به. وهذا يرده عود المضير إلا أن الأخفس وابن السراج يذهبان إلى اسمية «ما» المصدرية.
(قوله) : «قَضَى نَحْبَهُ» النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به قال:
4079 - عَشِيَّةَ فَرَّ الحَارِثيُّونَ بَعْدَمَا ... قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقال:
4080 - بِطَخْفَةَ جَالَدْنَا المُلُوكَ وَخَيْلُنَا ... عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
أي على أمر عظيم، ولهذا يقال: نحب فلان أي نذر نذراً التزمه ويعبر به عن الموت كقولهم «قَضَى أجله» لما كان الموت لا بد منه جعل كالشي الملتزم والنجيب البكاء معه صوت.
فصل
قال المفسرون معنى ﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ أي وفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله «فَمِنْهُمْ نَحْبَهُ» أي فرغ من نذره ووفاه بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحيب النذر قال القُرطبي: مَنْ قَضَى نحبه أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل: قضى نحبه أي بذل جهده في سبيل الوفاء بالعهد من قول العرب «نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع» إذ مد فلم ينزل ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ الشهادة يعني من بقي من المؤمنين ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ بخلاف المنافقين فإنهم قالوا: لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم.
قوله: «لِيَجْزِيَ اللَّهُ» فيه وجهان:
أحدهما: أنها لام العلة.
والثاني: أنها لام الصيرورة، وفيما يتعلق به أوجه إما «بصَدَقَوا» وإام «بزَادَهُمْ» وإما بمَا بَدَّلُوا وعلى هذا قال الزمخشري: جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوقٌ إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلها، والمعنى ليجزي الله الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وهو الوفاء بالعهد.
﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ﴾ أي الذين كذبوا وأخلفوا، وقوله: «إنْ شَاءَ» ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ( «واو» ) وجواب إن شاء مقدر وكذلك مفعول «شاء» أي إن شاء تعذيبَهم عَذَّبهم، فإن قيل: عذبهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وهو قد شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق؟! . فأجاب ابن عطية بأن تعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والعقوبة موازية لتلك الإقامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إقامة على نفاق، أو توبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب أو رحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدةً من هاتين وواحدة (من هاتين) ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدل على أن معنى قوله: «ليُعَذِّب» ليديم على النفاق، قَوْلُهُ: «إنْ شَاءَ» ومعادلته بالتوبة وحرف «أو» . قال أبو حيان وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير: ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبَّب وهو التعذيب، وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران، وقال ابن الخطيب إنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل ما بين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس ﴿وكان الله غفوراً﴾ حيث ستر ذنبهم و «رحيماً» حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده. أو نقول «ويعذب المنافقين» مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنوبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جزاهم الله على صدقهم فقال: ﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ وهم قريش وغطفان ردّهم بغيظهم لم تُشْفَ صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيراً «ظفراً» وَكَفَى اللَّهُ المؤمنين القِتَال بالملائكة والريح أي لم يحوجهم إلى القتال ﴿وكان الله قوياً﴾ في ملكه غير محتاج إلى قتالهم «عزيزاً» في انتقامه قادراً على استئصال الكفار.
قوله: «بغَيْظِهِمْ» يجوز أن تكون الباء سببية وهو الذي عبر عنه أبو البقاء بالمفعول أي أنها مُعَدِّية.
والثاني: أن تكون للمصاحبة فتكون حالاً أي مَغِيظِينَ.
قوله: ﴿لم ينالوا خيراً﴾ حال ثانية أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة، ويجوز أن تكون حالً من الضمير المجرور بالإضافة.
وجوز الزمخشري فبها أن تكون بياناً للحال الأولى أي مستأنفة، ولا يظهر البيان إلا على البدل والاستئناف بعيد.
قوله: «وَأَنْزَلَ الذينَ» أي أنزل الله الذين «ظَاهَرُوهُمْ» أي عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمين وهم بنو قريظة.
قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، (ويجوز أن يكون حالاً) «من صَياصِيهِمْ» متعلق «بأنزل» و «من» لابتداء الغاية، والصياصي جمع صِيصِيَةٍ وهي الحصون والقلاع والمعاقل ويقال لكل ما يمتنع به ويتحصن» صِيصِيَةٌ» ومنه قيل لقَرْن الثَّوْرِ ولشوكة الديك: صِيصِيَة، والصّيَاصِي أيضاً شوك الحكة، ويتخذ من حديد قال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ:
4081 - ... ... ... ... ... ... ... . ... كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
قوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي.
قوله: «فريقاً تقتلون» منصوب بما بعده وكذلك «فريقاً» منصوب بما قبله، والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم والعامة على الخطاب في الفعلين، وابن ذكوان - في رواية - بالغيبة فيهما، واليماني بالغيبة في الأول فقط، وأبو حيوة «تَأْسُرُونَ» بضم السين.
فإن قيل: ما فائدة التقديم المفعول في الأول حيث قال: تقتلون وتأخيره حيث قال «وتأسرون فريقاً؟! .
فالجواب: قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب والرجال كانوا مشهورين وكان القتل وارداً عليهم والأسراء كانوا هم النساء والذَّرَارِي ولم يكونوا مشهورين ولاسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلَّين ما هو أشهر على الفعل القائم به ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله» فريقاً تقتلون «فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل أما أنها جملة فعلية فلأنها لوكانت اسمية لكان الواجب في» فريق» الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم (فلما نصب كان ذلك بفعل مضمير يفسره الظاهر تقديره: «تقتلون فريقاً تقتلون» ) والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال: تقتلون أوهم أن يسمع السامع مفعول «تقتلون» " يكون زمان وقد يمنعه مانع فيفوته ولا يعلم أيهم هم المقتولون فأما إذا قال: " فريقا " سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل (فعدم) تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفاً إليهم فلو قال بعد ذلك: «وَفَريقاً تأسرون» فمن سمع» فريقاً «ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى وكذا الكلام في قوله: ﴿وَأَنزَلَ الذين (ظَاهَرُوهُم) ﴾ (ظَاهَرُوهُمْ) وقوله:» قذف» ، فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبيل الإنزال ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر قدم الإنزال على قذف الرعب والله أعلم.
فصل
فريقاً تقتلون هم الرجال قيل: كانوا ستمائة، و «تأسرون فريقاً» وهم النساء والذراري، قيل: كانوا سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ بعد؛ قال ابن زيد ومقاتل يعني خيبر وقال قتادة. كنا نحدث أنها مكية، وقال الحسن: فارس والروم وقيل: القلاع وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
قوله: «لم تَطَئُوها» الجملة صفة «لأرضاً» والعامة على همزة مضومة ثم واو ساكنة، وزيد بن علي «تَطَوْهَا» بواو بعد طاء مفتوحة ووجهها أنها كبدلِ الهمزة ألفاًعلى الإسناد كقوله: 4082 - إنَّ الأُسُودَ لَتُهْدَى في مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
فلما أسنده للواء التقى ساكنان محذوف أولهما نحو «لم تَرَوْهَا» وهذا أحسن من أن تقول ثم أجرى الألف المبدلة من الهمزة مجرى الألف المتأصلة فحذفها جزماً لأن الأحسن هناك أن لا يحذف اعتداداً بأصلها، واستشهد بعضهم على الحذف بقول زهير:
4083 - جَرِيء مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقَبْ بظُلْمِهِ ... سَرِيعاً وإِلا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِم
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ هذا يؤكد قول من قال: إن المراد من قوله ﴿وأرضاً لم تطؤوها﴾ ما يؤخذ بعد من بني قريظة لأن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاء ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها، روى أبو هريرة - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يقول:» لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحدَه، فلا شيء بعده.»
الأحزاب 33:27
قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ﴾ المثَبِّطين الناس عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ﴿والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ارجعوا إلينا ودعوا محمداً فلا تشهدوا معه الحرب فإنا نخاف عليكم الهلاك، قال قتادة: هم ناس من المنافقين كانوا يُثَبِّطُونَ أنصار النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقولون لإخوانهم: إن محمداً وأصحابه لو كانوا (لحماً لالْتَهَمُهمْ) أبو سفيان وأصحابه دعوا الرجل فإنه هالك. وقال مقاتل: نزلت في المنافقين فإنّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين قالوا ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سُفْيَانَ ومَنْ مَعَهُ فإنهم إن قَدِرُوا عليكم في هذه المرة لم يَسْتَبْقُوا منكم أحداً وإنّا نشفق عليكم أنتم إخواننا وجيراننا هَلُمَّ إلينا فأقبل عبد الله بن أبيٍّ وأصحابُه على المؤمنين يُعَوِّقُونَهُمْ ويُخَوِّفُونَهُمْ بأبي سفيان وبمن معه قالوا: لئن قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحداً ما ترجون من محمد، ما عنده خير ما هو إلا أن يقتلنا ههُنَا انطلقوا بنا إلى إخواننا يعني اليهود فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيماناً واحتساباً.
قوله: «هَلُمَّ» (تقدّم) الكلام فيه آخر الأنعام. وهو هنا لازم، وهناك مُتَعَدٍّ لنصبه مفعوله وهو «شُهَدَاءَكُمْ» بمعنى أَحْضِرُوهُمْ، وههنا بمعنى «احْضَرُوا» وتَعَالوا، وكلام الزمخشري هنا مؤذن بأنه متعد أيضاً وحُذِفَ مفعوله، فإنه قال: «وهَلُمُّوا إِلَيْنَا» أي قربوا أنفسكم إلينا (قال) : «وهي صوت سمي به فعل متعد مثل: احضَر وقَرْبْ» ، وفي تسميته إياه صوتً نظر إذا أسماء الأصوات محصورة ليس هذا منها. ولا يجمع في لغة الحجاز ويجمع في غيرها فيقال للجماعة: هَلُمُّوا وللنساء هَلْمُمْنَ.
قوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ البأس﴾ الحرب «إِلاَّ قَلِيلاً» رياء وسمعة أي لا يقاتلون معكم ويتعللون عن الاشتغال بالقتال وقت الحضور معكم ولو كان ذلك القليل لكان كثيراً.
قوله: «أَشِحَّةً» العامة على نصبه وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على الشَّتْمِ.
والثاني: على الحال وفي العامل فيه أوجه:
أحدها: «وَلاَ يَأْتُونَ» قاله الزجاج.
الثاني: «هَلُمَّ إِلَيْنَا» . قاله الطبري.
الثالث: «يعوقون» مضمراً، قاله الفراء.
الرابع: «المُعَوِّقِينَ» .
الخامس: «القَائِلِينَ» ورد هذان الوجهان الأخيران بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة بأجنبي، وفي الرد نظر لأن الفصل بين أبعاض الصلة من متعلقاتها، وإنما يظهر الرد على الوجه الرابع لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته فتأمله فإنه حسن وأما «وَلاَ يَأْتُونَ» فمُعْتَرِضٌ والمُعْتَرِضُ لا يمنع من ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة أَشِحَّةٌ بالرفع على خبر ابتداء مضمر أي هم أشحة وأشحة جمع «شَحِيحٍ» وهو جمع لا ينقاس؛ إذ قياس «فَعِيل» الوصف الذي عينه ولامه من واد واحد أن يجمع على أفعلاء نحو خَلِيلٍ وأَخِلاَّء وَظنِينٍ وأَظِنَّاء، وضَنين وأَضِنَّاء، وقد سمع أشِحَّاء وهو القياس.
والشُّحُّ البخل، وقد تقدم في آل عمران.
فصل
المعنى أشحة عليكم بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال قتادة بخلاء عند الغنيمة وصفهم الله بالبخل والجبن فقال: ﴿فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في الرؤوس من الخوف والجبن ﴿كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ أي كَدَوَرَانِ عين الذين يغشى عليه من الموت وذلك أن من قَرُبَ من الموت وغَشِيَتْهُ أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرِفُ، واعلم أن البخل شبيه الجبن فلما ذكر البخيل بين سببه وهو الجبن لأن الجبان يبخل بماله ولا ينفقه في سبيل الله لأنه لا يتوقع الظفر فلا يرجو الغنيمة فيقول هذا إنفاق لا بدل له فيتوقف فيه، وأما الشجاع فيتيقن الظفر والاغتنام فيهون عليه إخراج المال في القتال طمعاً فيما هو أضعاف ذلك.
قوله: «يَنْظُرُونَ» في محل (نصب) حال من مفعول «رَأَيْتَهُمْ» لأن الرؤية بصرية.
قوله: «تدور» إما حال تانية وإما حال من «يَنْظُرُونَ» «كالَّذِي يُغْشَى» يجوز فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون حالاً من: «أَعْنهم» أي تدور أعينهم حال كونها مشبهة عين الذي يغشى عليه من الموت.
الثاني: أنه نعت مصدر مقدر لقوله «ينظرون» تقديره: ينظرون إليك نظراً مثلَ نظرِ الذي يغشى عليه من الموت ويؤيده الآية الأخرى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشي عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ [محمد: 20] المعنى يحسبون أي هؤلاء المانفِقُونَ يحسبون الأحزاب يعني قريشاً وغَطَفَانَ واليهود «لَمْ يذهبُوا» لم ينصرفوا عن قتالهم من غاية الجبنِ عند ذهابهم كأنهم غائبون حيث لا يقاتلون كقوله: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ﴿وَإِن يَأْتِ الأحزاب﴾ أي يرجعون إليهم للقتال بعد الذهاب ﴿يودوا لو أَنهم بادون في الأعراب﴾ من الخوف والجبن.
(قوله) : «بَادُونَ» هذه قراءة العامة جمع «باد» وهو المُقيم بالبادية يقال: بَدَا يَبْدُوا بداوةً إذا خرج إلى البَادِيةٍ، وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس وطلحةُ وابنُ يَعْمُرَ بُدَّى - بضم الباء وفتح الدال مشدّدة - مقصوراً كَغَازٍ وغُزّىً، وسَارٍ وسُرّىً. وليس بقياس، وإنما قياسه في بادٍ وبُداةٍ، كقَاضٍ وقُضَاةٍ، ولكن حمل على الصحيح كقولهم: «ضُرَّب» . وروي عن ابن عباس قراءة ثانية بزنة «عُدّىً» وثالثة: «بَدَوا» فعلاً ماضياً.
(قوله) : «يَسْأَلُونَ» يجوز أن يكون مستأنفاً، وإن يكون حالاً من فاعل «يَحْسَبُونَ» والعامة على سكون السين بعدها «همزة» ، ونقل ابن عطية عن أبي عمرو وعاصم بنقل حركة الهمزة إلى السين كقوله:
﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ [البقرة: 211] وهذه ليست بالمشهورة عنهما، ولعلها نقلت عنهام ذاشة، وإنا هي معروفة بالحسن والأمش، وقرأ زيدُ بنُ عَلِيٍّ والجَحْدَرِيُّ وقتادةُ والحَسَنُ «يَسَّاءلُونَ» بتشديد السين والأصل «يَتَسَاءَلُونَ» فأدغم، أي يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.
فصل
﴿يسألون عن أبنائكم﴾ أخباركم، وما آل إليه أمركم «وَلَوْ كَانُوا» يعني هؤلاء المنافقين ﴿فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلا﴾ . أي يقاتلون قليلاً يقيمون به عذرهم فيقولون: قد قَاتَلْنَا، قال الكَلْبَيُّ: «إِلاَّ قَلِيلاً» أي رمياً بالحجارة. وقال مقاتل: إلاَّ رياءً وسُمْعَةٌ من غير احتساب.
(قوله) تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قرأ عاصم: «أُسْوَةٌ» بضم الهمزة حيث وَقَعَتْ هذه اللفظة والباقون بكسرها. وهما لغتان كالغُدْوَةِ والغِدْوَةِ والقُدْوَةِ والقِدْوةِ والأُسْوة بمعنى الاقتداء أي قدوة صالحة، وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ وهو «الايتساء» فالأسوة من الايتساء كالقُدْوَة من الاقْتِدَاء، وائْتَسَى فُلانٌ بِفُلاَنٍ أي اقْتَدَى به، وأسوة اسم «كان» وفي الخبر وجهان: أحدهما: هو «لكم» فيجوز في الجار الآخر وجوه: التعلق بما يتعلق به الخبر، أي بمحذوف على أنه حال من «أُسْوَةٍ» ؛ إذ لو تأخر لكان صفةً أو «بكان» على مذهب من يَرَاهُ.
الثاني: أن الخبر هو: «فِي رَسُولِ اللَّهِ» و «لَكُمْ» على ما تقدم في «رسول الله» أو يتعلق بمحذوف على التبيين أَعْنِي لَكُمْ.
قوله: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو﴾ فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من الكاف في «لَكُمْ» قاله الزمخشري، ومنعه أبو البقاء، وتابعه أبو حيان، قال أبو البقاء: وقيل: هو بدل من ضمير المُخَاطَبِ بإعادة الجارِّ، ومنع منه الأكثرون؛ لأن ضمير المخاطب لا يبدل منه. وقال أبو حيان: قال الزمخشري بدل من «لكم» كقوله: ﴿استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: 75] . قال: ولا يجوز على مذهب جمهور البصريين أن يبدل من ضمير المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وأنشد:
4077 - بِكُمْ قُرَيْشٍ كُفِينَا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... وأَمَّ نَهْجَ الهُدَى مَنْ كَانَ ضِلّيلاً
قال شهاب الدين: لا نسلم أن هذا بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، بل بدل بعض من كل باعتبار الواقع لأن الخطاب في قوله: «لكُم» أعمّ مِن: «مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وغَيْره» ثم خصص ذلك العموم لأن المتأَسِّيَ به عليه (الصلاة و) السلام في الواقع إنما هو المؤمنون ويدل عليه ما قلته ظاهر تشبيه الزمخشري هذه الآية بآية الأعراف، وآية الأعراف البدل فيها بدل كل من كل ومجابٌ بأنه إنما قصد التشبيه في مجرد إعادة العامل.
والثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة «لحَسَنَةٍ» .
والثالثك أن يتعلق بنفس «حسنة» قالهما أبو البقاء، ومنع أن يتعلق بأسوة قال: لأنها قد وصفت و «كَثِيراً» أي ذِكْراً كَثِيراً.
فصل
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أي قدوة صالحة أن تنصروا دين الله وتؤازروا الرسول ولا تتخلفوا عنه وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذا كسرت رُبَاعِيَّتُهُ، وجرح وَجْهُهُ وقتل عمه، وأوذي بَضُروبٍ من الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه فافعلوا أنتم كذلك أيضاً، واستنوا بسنته ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر﴾ قال ابن عباس لمن كان يرجو ثواب الله. وقال مقاتل: يخشى الله واليوم الآخر أي يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال وذكر الله كثيراً في جميع المواطن على السراء والضراء، ثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب﴾ لما بين حال المنافقين ذكر حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب وهو أنهم لما رأوا الأحزاب قالوا تسليماً لأمر الله وتصديقاً بوعده وهو قولهم: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ ، وقولهم ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ ليس بإشارة إلى ما وقع فإنهم كانوا يعرفون صدق الله قبل الوقوع وإنما هو إشارة إلى بشارة وهو أنهم قالوا: ﴿هذا مَا وَعَدَنَا الله﴾ وقد وقع صدق الله في جميع ما وعد فيقع الكل مثل فتح مكة وفتح الروم وفارس ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ (عند وجوده ووعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة﴾ [الآية: 214] إلى قوله: ﴿إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214] فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء فلما) (رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) أي تصديقاً لله وتسليماً له.
قوله: ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ من تكرير الظاهر تعظيماً لقوله: 4078 - لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيءٌ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
ولأنه لو أعادهما مضمرين لجمع بين اسم الباري تعالى واسم رسوله في لفظة واحدة فكان يقال: «وصدقا» ، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قد كره ذلك ورد على من قال حيث قال: مَنْ يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فقال له بئس خطيبُ القوم أنتَ قل: ومن يعص الله ورسوله قصداً إلى تعظيم الله. وقيل إنما رد عليه لأنه وقف على «يَعْصِهِمَا» وعلى الأولى استشكل بعضهم قوله: «حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما» فقد جمع بينهما في ضمير واحد وأجيب: بأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعرف بقدر الله منا فليس لنا أن نقول كما يقال.
قوله: «وَمَا زَادهم» فاعل «زادهم» ضمير الوعد أي وما زادهم وعد الله أو الصدق.
وقال مكي ضمير النظر لأن قوله «لما رأى» بمعنى لما نظر. وقال أيضاً: وقيل ضمير الرؤية، وإنما ذكر لان تأنيثها غير حقيقي ولم يذكر غيرهما، وهذا عجيب منه حيث حجَّروا واسعاً مع الغنية عنه. وقرأ ابن أبي عبلة «وما زادوهم» بضمير الجمع، ويعود للأحزاب لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أخبرهم أن الأحزاب يأتيهم بعد عشر أو تسع.
قوله: ﴿مِّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ ووفوا به.
قوله: «صدقوا» صدق يتعدى لاثتين لثانيهما بحرف الجر، ويجوز حذفه ومنه المثل: «صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرة» أي في سن. والآية يجوز أن تكون من هذا، والأول محذوف أي صدقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ويجوز أن يتعدى لواحد كقولك «صَدَقِنِي زَيْدٌ، وكَذَبَنِي عَمْرٌوا» أي قال لي الصدق وقال الكذب، ويكون المعاهد عليه مصدوقاً مجازاً كأنهم قالوا للشيء المعاهد عليه لنوفين بك وقد فعلوا و «ما» بمعنى الذي، ولذلك عاد عليها الضمير في «عليه» ، وقال مكي «ما» في موضع نصب «بصدقوا» وهي والفعل مصدر تقديره «صَدَقُوا» العهد أي وفوا به. وهذا يرده عود المضير إلا أن الأخفس وابن السراج يذهبان إلى اسمية «ما» المصدرية.
(قوله) : «قَضَى نَحْبَهُ» النحب ما التزمه الإنسان واعتقد الوفاء به قال:
4079 - عَشِيَّةَ فَرَّ الحَارِثيُّونَ بَعْدَمَا ... قَضَى نَحْبَهُ فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ
وقال:
4080 - بِطَخْفَةَ جَالَدْنَا المُلُوكَ وَخَيْلُنَا ... عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ عَلَى نَحْبِ
أي على أمر عظيم، ولهذا يقال: نحب فلان أي نذر نذراً التزمه ويعبر به عن الموت كقولهم «قَضَى أجله» لما كان الموت لا بد منه جعل كالشي الملتزم والنجيب البكاء معه صوت.
فصل
قال المفسرون معنى ﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ﴾ أي وفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله «فَمِنْهُمْ نَحْبَهُ» أي فرغ من نذره ووفاه بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحيب النذر قال القُرطبي: مَنْ قَضَى نحبه أجله فقتل على الوفاء يعني حمزة وأصحابه، وقيل: قضى نحبه أي بذل جهده في سبيل الوفاء بالعهد من قول العرب «نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع» إذ مد فلم ينزل ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ الشهادة يعني من بقي من المؤمنين ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ بخلاف المنافقين فإنهم قالوا: لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم.
قوله: «لِيَجْزِيَ اللَّهُ» فيه وجهان:
أحدهما: أنها لام العلة.
والثاني: أنها لام الصيرورة، وفيما يتعلق به أوجه إما «بصَدَقَوا» وإام «بزَادَهُمْ» وإما بمَا بَدَّلُوا وعلى هذا قال الزمخشري: جعل المنافقون كأنهم قصدوا عاقبة السوء وأرادوها بتبديلهم كما قصد الصادقون عاقبة الصدق بوفائهم لأن كلا الفريقين مسوقٌ إلى عاقبته من الثواب والعقاب فكأنهما استويا في طلبهما والسعي لتحصيلها، والمعنى ليجزي الله الصادقين بصدقهم أي جزاء صدقهم وهو الوفاء بالعهد.
﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ﴾ أي الذين كذبوا وأخلفوا، وقوله: «إنْ شَاءَ» ذلك فيمنعهم من الإيمان أو يتوب عليهم إن أراد ( «واو» ) وجواب إن شاء مقدر وكذلك مفعول «شاء» أي إن شاء تعذيبَهم عَذَّبهم، فإن قيل: عذبهم متحتم فكيف يصح تعليقه على المشيئة وهو قد شاء تعذيبهم إذا ماتوا على النفاق؟! . فأجاب ابن عطية بأن تعذيب المنافقين ثمرة إدامتهم الإقامة على النفاق إلى موتهم، والعقوبة موازية لتلك الإقامة وثمرة التوبة تركهم دون عذاب فهما درجتان إقامة على نفاق، أو توبة منه وعنهما ثمرتان تعذيب أو رحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدةً من هاتين وواحدة (من هاتين) ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدل على أن معنى قوله: «ليُعَذِّب» ليديم على النفاق، قَوْلُهُ: «إنْ شَاءَ» ومعادلته بالتوبة وحرف «أو» . قال أبو حيان وكان ما ذكر يؤول إلى أن التقدير: ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبَّب وهو التعذيب، وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران، وقال ابن الخطيب إنما قال ذلك حيث لم يكن قد حصل ما بين النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن إيمانهم وآمن بعد ذلك ناس ﴿وكان الله غفوراً﴾ حيث ستر ذنبهم و «رحيماً» حيث رحمهم ورزقهم الإيمان فيكون هذا فيمن آمن بعده. أو نقول «ويعذب المنافقين» مع أنه كان غفوراً رحيماً لكثرة ذنوبهم وقوة جرمهم ولو كان دون ذلك لغفر لهم ثم بين بعض ما جزاهم الله على صدقهم فقال: ﴿وَرَدَّ الله الذين كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ وهم قريش وغطفان ردّهم بغيظهم لم تُشْفَ صدورهم بنيل ما أرادوا لم ينالوا خيراً «ظفراً» وَكَفَى اللَّهُ المؤمنين القِتَال بالملائكة والريح أي لم يحوجهم إلى القتال ﴿وكان الله قوياً﴾ في ملكه غير محتاج إلى قتالهم «عزيزاً» في انتقامه قادراً على استئصال الكفار.
قوله: «بغَيْظِهِمْ» يجوز أن تكون الباء سببية وهو الذي عبر عنه أبو البقاء بالمفعول أي أنها مُعَدِّية.
والثاني: أن تكون للمصاحبة فتكون حالاً أي مَغِيظِينَ.
قوله: ﴿لم ينالوا خيراً﴾ حال ثانية أو حال من الحال الأولى فهي متداخلة، ويجوز أن تكون حالً من الضمير المجرور بالإضافة.
وجوز الزمخشري فبها أن تكون بياناً للحال الأولى أي مستأنفة، ولا يظهر البيان إلا على البدل والاستئناف بعيد.
قوله: «وَأَنْزَلَ الذينَ» أي أنزل الله الذين «ظَاهَرُوهُمْ» أي عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمسلمين وهم بنو قريظة.
قوله: ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ بيان للموصول فيتعلق بمحذوف، (ويجوز أن يكون حالاً) «من صَياصِيهِمْ» متعلق «بأنزل» و «من» لابتداء الغاية، والصياصي جمع صِيصِيَةٍ وهي الحصون والقلاع والمعاقل ويقال لكل ما يمتنع به ويتحصن» صِيصِيَةٌ» ومنه قيل لقَرْن الثَّوْرِ ولشوكة الديك: صِيصِيَة، والصّيَاصِي أيضاً شوك الحكة، ويتخذ من حديد قال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّةِ:
4081 - ... ... ... ... ... ... ... . ... كَوَقْعِ الصَّيَاصِي في النَّسِيجِ المُمَدَّدِ
قوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ حتى سلموا أنفسهم للقتل وأولادهم ونساءهم للسبي.
قوله: «فريقاً تقتلون» منصوب بما بعده وكذلك «فريقاً» منصوب بما قبله، والجملة مبينة ومقررة لقذف الرعب في قلوبهم والعامة على الخطاب في الفعلين، وابن ذكوان - في رواية - بالغيبة فيهما، واليماني بالغيبة في الأول فقط، وأبو حيوة «تَأْسُرُونَ» بضم السين.
فإن قيل: ما فائدة التقديم المفعول في الأول حيث قال: تقتلون وتأخيره حيث قال «وتأسرون فريقاً؟! .
فالجواب: قال ابن الخطيب إن القائل يبدأ بالأهم فالأهم والأقرب فالأقرب والرجال كانوا مشهورين وكان القتل وارداً عليهم والأسراء كانوا هم النساء والذَّرَارِي ولم يكونوا مشهورين ولاسبي والأسر أظهر من القتل لأنه يبقى فيظهر لكل أحد أنه أسير فقدم من المحلَّين ما هو أشهر على الفعل القائم به ومن الفعلين ما هو أشهر قدمه على المحل الخفي ووجه آخر وهو أن قوله» فريقاً تقتلون «فعل ومفعول والأصل في الجمل الفعلية تقديم الفعل على المفعول والفاعل أما أنها جملة فعلية فلأنها لوكانت اسمية لكان الواجب في» فريق» الرفع، كأنه يقول فريق منهم تقتلونهم (فلما نصب كان ذلك بفعل مضمير يفسره الظاهر تقديره: «تقتلون فريقاً تقتلون» ) والحامل على مثل هذا الكلام شدة الاهتمام ببيان المفعول، وههنا كذلك لأنه تعالى لما ذكر حال الذين ظاهروهم وأنه قد قذف في قلوبهم الرعب فلو قال: تقتلون أوهم أن يسمع السامع مفعول «تقتلون» " يكون زمان وقد يمنعه مانع فيفوته ولا يعلم أيهم هم المقتولون فأما إذا قال: " فريقا " سبق في قلوبهم الرعب إلى سمعهم فيستمع إلى تمام الكلام، وإذا كان الأول فعلاً ومفعولاً قدم المفعول لفائدة عطف الجملة الثانية عليها على الأصل (فعدم) تقديم الفعل لزوال موجب التقديم إذ عرف حالهم وما يجيء بعده يكون مصروفاً إليهم فلو قال بعد ذلك: «وَفَريقاً تأسرون» فمن سمع» فريقاً «ربما يظن أنه يقال فيهم يطلقون أو لا يقدرون عليهم فكان تقديم الفعل ههنا أولى وكذا الكلام في قوله: ﴿وَأَنزَلَ الذين (ظَاهَرُوهُم) ﴾ (ظَاهَرُوهُمْ) وقوله:» قذف» ، فإن قذف الرعب قبل الإنزال لأن الرعب صار سبيل الإنزال ولكن لما كان الفرح في إنزالهم أكثر قدم الإنزال على قذف الرعب والله أعلم.
فصل
فريقاً تقتلون هم الرجال قيل: كانوا ستمائة، و «تأسرون فريقاً» وهم النساء والذراري، قيل: كانوا سبعمائة وخمسين، وقيل تسعمائة ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا﴾ بعد؛ قال ابن زيد ومقاتل يعني خيبر وقال قتادة. كنا نحدث أنها مكية، وقال الحسن: فارس والروم وقيل: القلاع وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة.
قوله: «لم تَطَئُوها» الجملة صفة «لأرضاً» والعامة على همزة مضومة ثم واو ساكنة، وزيد بن علي «تَطَوْهَا» بواو بعد طاء مفتوحة ووجهها أنها كبدلِ الهمزة ألفاًعلى الإسناد كقوله: 4082 - إنَّ الأُسُودَ لَتُهْدَى في مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
فلما أسنده للواء التقى ساكنان محذوف أولهما نحو «لم تَرَوْهَا» وهذا أحسن من أن تقول ثم أجرى الألف المبدلة من الهمزة مجرى الألف المتأصلة فحذفها جزماً لأن الأحسن هناك أن لا يحذف اعتداداً بأصلها، واستشهد بعضهم على الحذف بقول زهير:
4083 - جَرِيء مَتَى يُظْلَمُ يُعَاقَبْ بظُلْمِهِ ... سَرِيعاً وإِلا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِم
قوله: ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ هذا يؤكد قول من قال: إن المراد من قوله ﴿وأرضاً لم تطؤوها﴾ ما يؤخذ بعد من بني قريظة لأن الله تعالى لما ملكهم تلك البلاء ووعدهم بغيرها دفع استبعاد من لا يكون قوي الاتكال على الله تعالى وقال أليس الله ملككم هذه فهو على كل شيء قدير يملككم غيرها، روى أبو هريرة - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يقول:» لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحدَه، فلا شيء بعده.»
الأحزاب 33:28
قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا﴾ الآية وجه التعلق (هو) أن مكارم الأخلاق منحصرة في شيئين التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله وإلى هذا أشار عليه (الصلاة و) السلام بقوله: «الصَّلاَةَ وَمَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ» ، فاللَّه (تعالى لما) أرشد نبيه إلى ما يتعلق بجانب التعظيم لله بقوله: ﴿يأيها النبي اتق الله﴾ [الأحزاب: 1] ذكره ما يتعلق بجانب الشفقة وبدأ بالزوجات فإنهن أولى الناس بالشفقة ولهذا قَدَّمَهُنَّ في النفقة.
فصل
قال المفسرون: سبب نزلو هذه الآية نساء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (سَأَلْنَهُ) عن عرض الدنيا (شيئاً) وطلبن منه زيادة في النفقة وآذينه بغيرة بعضهن على بعض فهجرهن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وآلى أن لا يقربهن شهراً ولا يخرج إلى أصحابه فقالوا ما شأنه وكانوا يقولون طلق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نساءه فقال عمر: لأعلَمنَّ لكم شأنه قال: فدخلت على رسوله الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقلت يا رسول الله: أطلقتهن قال: لا، فقلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون يقولون طلق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نساءه أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن قال: نعم إنْ شِئْتَ فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نساءه ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأمن أَوِ الخوف أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83] فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر وأنزل الله آية التخيير وكانت تحت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يومئذ تسعُ نسوة خمسٌ من قريش عائشةُ بنت أبي بكرن وحفصةُ بنت عمر، وأمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيانَ وأمّ سلمةَ بنت أمية، وسودةُ بنت زَمْعة وغير القرشيات زينب بنتُ جحش الأسدية، وميمونةُ بنت الحارث الهلالية وصفية بنت حُيَيّ بن أخطب الخَيْبريَّة وجُوَيْرِيةُ بنت الحارث المُصْطَلِقيَّة، فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعائشة وكانت أحبهن إليه فخيرها فقرأ عليها (القرآن) فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة. ورُؤي الفرح في وجه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وتابعنها على ذلك، قال قتادة فلما اخْتَرْن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقال: ﴿لاَ تَحِلُّ لَكَ النِّسَاْءُ مِنْ بَعْدُ﴾ . وعن جابر بن عبد الله قال: «دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لواحد منهم قال: فأذن لأبي بكر فدخل ثم اقبل عمر فاستأذن فأذن له فوجد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جالساً حوله نساؤه واجماً ساكناً قال: فقال: لأقولَنَّ شيئاً أُضْحِكُ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فَوَجأْتُ عنقها فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة فقام أبو بكر إلى عائشة يَجَأُ عُنُقَها وقام عمر إلى حفصة يَجَأُ عنقها كلاهما يقول: تسألن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شيئاً أبداً ليس عنده ثم اعتزلهن شهراً أو تسعاً وعشرين يوماً ثم نزلت هذه الآية: ﴿يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ قال: فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة إني أعرض عليك أمراً لا أحب أن تعجلي حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول الله فتلا عليها الآية فقالت: أفيك يا رسول الله أستشير أَبَويَّ بل اختار الله ورسوله والدار الآخرة وسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أنّ الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً ولكن بعثني معلماً مبشراً»
، ورى
الزهري « أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهراً» قال الزهري: فأخبرني عروة «عن عائشة قالت: فلما مضت تسعٌ وعشرونَ أعُدُّهن دخل عليّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقلت: بدأ بي فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن فقال: إن الشهر تسع وعشرون»
فصل
اختلف العلماء في هذا الخيار هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن حتى يقع بنفس الاختيار أم لا؟ فذهب الحَسَنُ وَقَتَادة وأكثر أهل العلم إلى أنه لم يكن تفويض للطلاق، وإنما خيرهن على أنهن إذا اخترن الدنيا فارقهن لقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ ويدل عليه أنه لم يكن جوابهن على الفور فإنه قال لعائشة: «لا تعجلي حتى تَسْتَشَيري أبوَيْك» وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور. وذهب آخرون إلى أنه كان تفويضَ طلاق ولو اخترن أنفسهن كان طلاقاً، واختلف العلماء في حكم التخيير فقال عمر وابن مسعود وابن عباس إذا خير رجلٌ امرأته فاختارت زوجها لا يقع شيء، ولو اختارت نفسها وقع طلقة واحدة وهو قول عمر بن عبد العزيز وابنُ أبي ليلى وسفيان والشافعي وأصحاب الرأي إلا ان عند أصحاب الرأي تقع طلقةٌ بائنةً إذا اختارت نفسها، وعند الآخرين رجعيةٌ، وقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج يقع طلقة واحدةً وإذا اختارت نفسها فثلاثٌ وهو قول الحسن، وروايةً عن مالك.
وروي عن علي أيضاً أنها إذا اختارت زوجها يقع طلقة واحدة وإذا اختارت نفسها فطلقة ثانية، وأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء لما روت عائشة قالت: «خيرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك شيئاً»
قوله: «أُمَتَّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ» العامة على جزمهما، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه مجزوم على جواب الشرط، وما بين الشرط وجوابه معترض، ولا يضر دخول الفاء على جملة الاعتراض ومثله في دخول الفاء قوله:
4084 - وَاعْلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعهُ ... أَنْ سَوْفَ يَأْتِي كُلُّ مَا قُدِرَا
يريد: واعلم أن سوف يأتي.
والثاني: أن الجواب قوله «فتعالين» و «أمتعكن» جواب لهذا الأمر، وقرأ زيد بن علي «أُمْتِعْكُنَّ» ، بتخفيف التاء من «أمته» وقرأ حُمَيْد الحَزَّاز «أُمَتِّعُكُنَّ وَأُسَرِّحُكُنَّ» بالرفع فيهما على الاستئناف و «سَرَاحاً» قائم مقام التَّسريح.
فصل
قال ابن الخطيب: وههنا مسائل منها هل كان هذا التخيير واجباً على النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) أم لا والجواب أن التخيير كان قولاً واجباً من غير شك لأنه إبلاغ للرسالة لأن الله تعالى لما قال (له) : «قل لهم» صار من الرسالة، وأما التخيير معنى فمبني على أن الأمر للوجوب أم لا، والظاهر أنه للوجوب ومنه أن واحدة منهم لو اختارت الفراق هل كان يصير اختيارها فراقاً. والظاهر أنه لا يصير فراقاً وإنما تبيين المختارة نفسها فإنه من جهة النبي عليه السلام لقوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ ومنها أن واحدة منهن لو اختارت نفسها وقلنا إنها لا تبين إلا بإبانة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فهل كان يجب على النبي عليه (الصلاة و) السلام الطلاق أم لا؟ الظاهر نظراً إلى منصبه عليه (الصلاة و) السلام أنه كان طلاقاً لأن الخُلْفَ في الوعد من النبي غير جائز بخلاص أحدنا فإنه لا يلزمه شرعاً الوفاء بما يعد، ومنها أن المطلقة بعد البينونة هل كانت تحرم على غيره أم لا؟ والظاهر أنها لا تحرم وإلا لم يكن التخيير ممكناً لها من التمتع بزينة الدنية ومنها أن من اختارت الله ورسوله هل كان يحرم على النبي عليه (الصلاة و) السلام طلاقها أم لا؟ الظاهر الحرمة نظراً إلى منصب الرسول عليه السلام على معنى أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يمتنع منه أصلاً لا بمعنى أنه لو أتى به لعُوقِب أو لعُوتِبَ.
قوله: ﴿أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ﴾ أي من عمل صالحاً منكن كقوله تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: 22] والأجر العظيم: الكثير الزائد في الطول وفي العرض وفي العمق حتى لو كان زائداً في الطول يقال له طويل ولو كان زائداً في العرض يقال له: عريض وكذلك العميق فإذا وجدت (منه) الأمور الثلاثة قيل عظيم، فيقال: جبل عظيم إذا كان عالياً ممتداً في الجهات، وإن كان مرتفعاً حيث يقال: جبل عال.
إذا عُرف هذا فأجر الدنيا في ذاته قليل وفي صفاته غير خال عن وجهة قبح لما في مأكوله ومشروبه من الضرر وغيره، وأيضاً فهو غير دائم، وأجر الآخرة كثير خالٍ عن جهات القبح دائم فهو عظيم.
قوله تعالى: ﴿يانسآء النبي مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ ... ﴾ الآية العامة على «يأت» بالياء من تحت حملاً على لفظ «مَنْ» لأن «مَنْ» أداة تقوم مقام الاسم يعبر به عن الواحد والجمع (و) المذكر والمؤنث، وزيدُ بن علي، والجَحْدَريُّ، ويعقوب بالتاء من فوق حملاً على معناها لأنه يرشح بقوله: «منْكُنَّ» حال من فاعل «يأْتِ» وتقدم القراءة في «مبينة» بالنسبة لكسر الياء وفتحها، في النساء.
قوله: «يضاعف» قرأ عمرو «يَضَعَّف» - بالياء من تحت وتشديد العين مفتوحة على البناء للمفعول - العذابُ بالرفع لقيامة مقام الفاعل، وقرأ ابن كثير وابن عامر «يُضَعِّف» - بنون العظمة وتشديد العين مكسورة على البناء للفاعل - العَذَابَ بالنصب على المفعول به وقرأ الباقون «يُضَاعَف» من المفاعلة مبنياً للمفعول العذابُ بالرفع لقيامه مقام الفاعل (وقد) تقدم توجيه التضعيف والمضاعفة في سورة البقرة.
فصل
قال ابن عباس المراد هنا بالفاحشة النشوز وسوء الخلق، وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] . واعلم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما خير نساءه واخترن الله ورسوله أدبهن الله وهددهن بالتوقي عما يسوء النبي ويقبح بهن من الفاشحة التي هي أصعب على الزوج من كل ما يأتي به زوجته وأوعدهن بتضعيف العذاب وفيه حكمتان.
إحدهما: أن زوجة الغير تعذب على الزنا بسبب ما في الزنا من المفاسد وزوجة النبي تعذب إن أتت به لذلك ليذاء قلبه والإزراء بمَنْصِبِه وعلى هذا بنات النبي عليه السلام كذلك ولأن امرأة لو كانت تحت النبي عليه السلام وأتت بفاحشة تكون قد اختارت غير النبي على النبي ويكون ذلك الغير خيراً عندها من النبي وأولى والنبي أولى من النفس التي هي أولى من الغير فقد نزلت منصب النبي مرتبتين فتعذب من العذاب ضعفين.
وثانيهما: أن هذا إشارة إلى شرفهن، لأن الحرة عذبها ضعف عذاب الأمة إظهاراً لشرفها ونسبة النبي إلى غيره من الرجال نسبة السادات إلى العبيد لكونه أولى بهم من أنفسهم فكذلك زوجاته اللائي هن أمهات المؤمنين، وأم الشخص امرأة حاكمة عليه واجبة الطاعة وزوجته مأمورة محكومة له وتحت طاعته فصارت زوجة الغير بالنسبة إلى زوجة النبي عليه السلام كالأَمَةِ بالسنبة إلى الحرة، واعلم أن قول القائل من يفعل ذلك في قوة قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ من حيث إن ذلك ممكن الوقوع في أول النظر ولا يقع في بعض الصور جزماً وفي بعض (يقعُ) جزماً، وفي البعض يتردد السامع في الأمرين، فقوله تعالى: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ من القبيل الأولى فإن الأنبياء صار الله زوجاتهم عن الفاحشة ثم قال: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً﴾ أي ليس كونكن تحت النبي عليه السلام وكونكنّ شريفات جليلات مما يدفع العذاب عنكن فليس أمر الله كأمر الخلق حيث يتعذر عليهم تعذيب الأعزة بسبب كثرة أوليائهم وأعوانهم وشفعائهم وإخوانهم.
قوله: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ أي يطع الله ورسوله وهذا بيان لزيادة ثوابهن كما بين زيادة عقابهن ﴿نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ في مقابلة قوله: ﴿يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ وفيه لطيفة وهي أن عند إيتاء الأجر ذكر الموفي وهو الله وعند العذاب لم يصرح بالعذاب فقال: «يضاعف» وهذا إشارة إلى كمال الرحمة والكرم. قوله: ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَآ﴾ قرأ الأخوان «ويَعْمَلْ ويُؤْتِ» - بالياء من تحت فيهما، والباقون «وتعمل» بالتاء من فوق و «نُؤْتها» بالنون، فأما الياء في «ويعمل» فلأجل الحمل على لفظ «من» وهو الأصل والتاء من فوق على معناها إذا المراد بها مؤنث ويرشح هذا قتدم لفظ المؤنث وهو «منكنّ» ومثله قوله:
4085 - وإِنَّ مِنَ النِّسْوَانِ مَنْ هِيَ رَوْضَةٌ..... ... ... ... ... ... ... ... .
لما تقدم قوله «من النِّسْوان» يرجع المعنى فحمل عليه، وأما «يؤتها» بالياء من تحت فالضمير لله تعالى لقتدمه في «لله ورسوله» وبالنون فهي نون العظمة، وفيه انتقال من الغيبة إلى التكلم، وقرأ الجَحْدَريُّ ويعقوبُ وابن عامر - في رواية - وأبو جعفر وشيبة: «تَقْنُتْ» بالتاء من فوق حملاً على المعنى وكذلك «وَتَعْمَلْ» . وقال ابو البقاء: إن بعضهم قرأ «وَمَنْ تَقْنُتُ» بالتأنيث حملاً على المعنى وَيَعْمَلْ بالتذكير حملاً على اللفظ قال: فقال بعض النحويين: هذا ضعيف لأن التذكير أصل فلا يجعل تبعاً للتأنيث وما عللوه به قد جاء مثله في القرآن قال تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: 139] .
فصل
معنى أجْرَهَا مَرَّتَيْن أي مثل أجر غيرها، قال مقاتل: مكان كل حسنةٍ عشرون حسنةً ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ يعني الجنة، ووصف رزق الآخرة بكونه كريماً مع أن الكرم لا يكون وصفاً إلا للرزاق، وذلك إشارة إلى أن الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس، التاجر يسترزق من السوقة، والعاملين والصناع من المتعلمين والملوك من الرعية منهم، فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه وإنما هو مستمر للغير يمسكه ويرسله إلى الأغيار، وأما في الآخرة فلا يكون له ممسك ومرسل في الظاهر فهو الذي يأتي بنفسه فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرازق وفي الآخر يوصف بالكريم نفس الرزق.
قوله
: ﴿يانسآء النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء﴾ قال الزمخشري: «أحد» في الأصل يعني وَحَد وهو الواحد، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث، والواحد وما وراءه والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعة النساء (أي) إذا تَقَصَّيْتُ جماعات النساء واحدةً واحداةً لم يوجد منهن جماعة واحدة تساويكن في الفضل والسابقة. ومنه قوله عَزَّ وَجَلَّ ﴿والذين آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 152] يريد بين جماعة واحدة منهم تسوية بين جميعهم في أنهم على الحق البين. قال أبو حيان أما قوله: «أحَد» في الأصل بمعنى «وحد» وهو الواحد فصحيح، وأما قوله: وضع إلى قوله وما وراءه. فليس بصحيح، لأن الذي يستعمل في النفي العام مدلوله غير مدلول واحد لأن «واحد» ينطلق على شيء اتصف بالوحدة «وأَحَداً» المستعمل في النفي العام مختص بمن يعقل، وذكر النحويون أن مادَّته همزةٌ وحاءٌ ودالٌ ومادة «أحد» بمعنى واحد واو وحاء ودال فقد اختلفا مادة ومدلولاً، وأما قوله: «لَسْتُنَّ كجماعة واحدة» فقد قلنا إن معناه ليست كل واحدة منكن فهو حكم على كل واحدة لا على المجموع من حيث هو مجموع، وأما ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ فيحتمل أن يكون الذي يستعلم في النفي العام ولذلك جاء في سياق النفي فعم وصلحت التثنية للعموم، ويحتمل أن يكون «أحدٌ» بمعنى «واحد» وحذفَ معطوفٌ، أي بين أحدٍ وأحدٍ (كما قال:)
4086 - فَمَا كَانَ بَيْنَ الخَيْر لَوْ جَاءَ سَالِماً ... أبُو حَجَرٍ إِلا لَيَالٍ قَلاَئِلُ
أي بين الخير وبيني انتهى، قال شهاب الدين «أما قوله فإنهما مختلفان مدلولاً ومادة فمسَلَّم، ولكن الزمخشري لم يجعل أحداً الذي أصله واحد - بمعنى أحد المختص بالنفي، ولا يمنع أن» أحداً «الذي أصله» واحد «أن يقع في سياق النفي، وإنما الفارق بينهما أن الذي همزته أصل لا يستعمل إلا في النفي كأخواته في غريب، وكَيْتَع ودَابِر، وتامر والذي أصله واحد يجوز أن يستعمل إثباتاً ونفياً وأيضاً المختص بالنفي مختص بالعقلاء، وهذا لا يختص، وأما معنى النفي فإنه ظاهر على ما قاله الزمخشري من الحكم على المجموع ولكن المعنى على ما قاله أبو حيان أوضح وإن كان خلاف الظاهر» .
قوله: «إن اتَّقَيْتُنَّ» في جوابه وجهان:
أحدهما: أنه محذوف لدلالة ما تقدم عليه أي إِن اتَّقَيْتُنَّ اللَّهُ فَلَسْتُنَّ كَأَحدٍ، فالشرط قيد في نفي أن يشبَّهْنَ بأحد من النساء.
والثاني: أن جوابه قوله «فَلاَ تَخْضَعْنَ» والتقوى على بابها، وجوز أبو حيان على هذا أن يكون «اتَّقَى» بمعنى اسْتَقْبَلَ أي استقبلتن أحداً فلا تُلِنَّ له القول، واتَّقَى بمعنى استقبل معروف في اللغة، وأنشد: 4087 - سَقَطَ النَّصِيفُ ولم تُرِد إِسْقَاطَهُ ... فَتَنَاوَلَتْهُ واتَّقَتُنَا بِاليَدِ
أي واستقبلتنا باليد قال: «ويكون على هذا المعنى أبلغ من مدحهن؛ إذ لم يعلق فضيلتهن على التقوى ولا على نهيه عن الخضوع بها إذْ هنّ متقيات لله في أنفسهن، والتعليق يقتضي ظاهره أنهن لسن متحليات بالتقوى، قال شهاب الدين: هذا خروج عن الظاهر من غير ضرورة وأما البيت فالاتِّقاءُ أيضاًعلى بابه أي صانت وجهها بيدها عنا.
قوله:» فَيَطْمَعَ» العامة على نصبه جواباً للنهي، والأعرج بالجزم فيكسر العين لالتقاء الساكنين وروي عنه وعن أبي السَّمَّال وعيسى بن عمر وابن مُحَيْصِن بفتح الياء وكسر الميم، وهذا شاذ حيث توافق الماضي والمضارع في حركة. وروى عن الأعرض أيضاً أنه قرأ بضم الياء وكسر الميم من «أَطْمَع» وهي تحتمل وجهين:
أحدهما» أن يكون الفاعل ضميراً مستتراً عائداً ععلى الخضوع المفهوم من الفعل و «الذي» مفعوله أي لا تخضعن فيطمع الخضُوع المريضَ القلبِ، ويحتمل أن يكون «الذي» فاعلاً، ومفعوله محذوف أي فيطمع المريض نفسه.
فصل
قال ابن عباس: معنى لسْتُنَّ كأحد من السناء يريد ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من النساء الصالحات أنتن أكرم عليّ، وثوابكن أعظم لَدَيَّ، ولم يقل كواحد لأن الأحد عام يصلح للواحد، والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، قال تعالى: ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285} وقال: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 47] وقوله: «إِنْ اتَّقَيْتُنَّ» الله فأطعتنّه ولما منعهن من الفعل القبيح منعهن من مقدماته وفي المحادثة مع الرجال فقال: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول﴾ أي تُلِنَّ القولَ للرجال، ولا ترفضن الكلام ﴿فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي فسق وفجور وشهوة، وقيل: نِفاق أي لا تقولن قولاً يجدُ منافقٌ أو فاجرٌ به سبيلاً إلى المطامع فيكُنَّ والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ أي ذكر الله وما تحتجن إليه من الكلام مما يوجب الدين والإسلام بتصريح أو بيان من غير خضوع.
قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ قرأ نافعٌ وعاصمٌ بفتح القاف والباقون بكسرها، فأما الفتح فمن وجهين:
أحدهما: أنه أمر من قَرِرْتُ - بكسر الراء الأولى - في المكان أَقَرُّ به - بالفتح - فاجتمع راءان في: «اقرَرْنَ» فحذفت الثانية تخفيفاً، ونقلت حركة الراء الأولى إلى القاف فحذفت همزة الوصل استغناء عنها فصار «قَرْنَ» على وزن «فَعْنَ» فإن المحذوف هو اللام لأنه حصل أخرى ساكنة فحذفت الأولى لالتقاء الساكنين، ووزنه على هذا «فَلْنَ» فإن المحذوف هو العين، وقال أبو علي: أبدلتِ الراءُ الأولى ياءً ونقلت حركتها إلى القاف، فالتقى ساكنان فحذفت الياء لالتقائهما، فهذه ثلاثة أوجه في توجيه أنها أمر من «قَررتُ بالمكانِ» .
والوجه الثاني: أنها أمر من «قَارَ - يَقَارُ -» كخَافَ يَخَافُ إذا اجتمع، ومنه «القَارَةُ» لاجتماعها، فحذفت العين لالتقاء الساكنين، فقيل: «قِرْنَ» «كخِفْنَ» ووزنه على على هذا أيضاً: فلْنَ، إلا أن بعضهم تكلم في هذه القراءة من وجهين: أحدهما: قال أبو حاتم يقال: قَرَرْتُ بالمَكانِ - بالتفح - أَقِرُّ به - بالكسر - وقِرَّت عَيْنُهُ - بالكسر - تَقَرُّ - بالفتح - فكيف تقرأ وقرن بالفتح؟! والجواب عن هذا أنه قد سمع في كل منهما الفتح والسكر، حكاه أبو عبيد، وتقدم ذلك في سورة مَرْيَمَ.
الثاني: سلمنا أنه يقال قَرِرْتُ بالمكان - بالكسر - أَقَرُّ به - بالفتح - وأن الأمر اقْرَرْنَ إلا أنه لا مسوغ للحذف، لأن الفتحة خفيفة، ولا يجوز قياسه على قولهم «ظلت» في «ظللت» قال تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: 65] و ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾ [طه: 97] وبابه، لأن هناك شيئين ثقيلين التضعيف والكسرة (فحسن الحذف وأما هنا فالتضعيف فقط) ، والجواب أن المقتضي للحذف إنما هو التكرار ويؤيد هذا أنهم لم يحذفوا مع التكرار ووجود الضمة وإن كان أثقل نحو «اغضضن أبْصَارَكُنَّ» وكان أولى بالحذف فيقال: غَضْنَ لكن السماع خلافه قال تعالى: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: 31] على أن ابن مالك قال: إنه يحذف في هذا بطريق الأولى. أو نقول: إن هذه القراءة إنما هي من «قَارَ - يَقَارُ» بمعنى اجتمع وهو وجه حسن بريء من التكلف فيندفع اعتراض أبي حاتم وغيره لولا أن المعنى على الأمر بالاستقرار لا بالاجتماع. وأما الكسر فمن وجهين أيضاً:
أحدهما: أنه أمر من قَرَّ في المكان - بالفتح - في الماضي والكسر في المضارع، وهي اللغة الفصيحة، ويجيء فهيا التوجيهات الثلاث المذكورة أولاً، أما حذف الراء الثانية أو الأولى أو إبدالُها ياءً وحذفها كما قاله الفارسيّ، ولا اعتراض على هذه القراءة لمجيئها على مشهور اللغة، فيندفع اعتراض أبي حاتم، ولأن الكسر ثقيل فيندفع الاعتراض الثاني ومعناها مطابق لما يراد بها من الثبوت والاستقرار.
الوجه الثانيك أنها أمر من «وَقَرَ» أي ثبت واستقر ومنه «الوَقَار» وأصله اوْقِرْنَ فحذفت الفاء - وهو الواو - واستغني عن همزة الوصل فبقي «قِرْنَ» ، وهذا كالأمر من وعد سواء، ووزنه على هذا «عِلْنَ» ، قال البغوي: الأصح أنه أمر من «الوقار» قولك من الوعد «عِدْنَا» ، ومن الوصل «صِلْنَا» .
وهذه الأوجه المذكورة إنما يهتدي إليها من مَرِنَ في علم التصريف وإلا ضاق به ذَرْعاً.
قوله: «تَبَرُّجَ الجَاهِلِيةِ» مصدر تشبيهيّ أي مثل تبرج والتبرج الظهور من البُرْجِ لظهوره، وقد تقدم، وقرأ البزِّيُّ: «ولا تبرجن» بإدغام التاء في التاء، والباقون بحذف إحداهما وتقدم تحقيقه في البقرة في: «وَلاَ تَيَمَّمُوا» .
فصل
قال المفسرون وقرن أي الزمْنَ بيوتكنّ من قولهم: قررت بالمكان أقر قراراً يقال: قررت: أقر وقررت: أقر، وهما لغتان، لإن كان من الوقار أي كن أهل وقار وسكون من قولهم: وَقَر فُلان يَقِر وُقُوراً إذا سكن واطمأن، و «لا تبرجن» قال مجاهد وقتادة التبرج هو التكسر والتغنج، وقال ابن أبي نُجَيح: وهو التبختر، وقيل: هو إظهار الزينة، وإبراز المحاسن لرجال «تَبَرُّجَ الجَاهِلية الأولى» قال الشعبي: هي ما بين عيسى ومحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال أبو العالية: هي بين داود وسليمان - عليهما السلام -، وكانت المرأة تلبس قميصاً من الدر غير مخيط الجانبين فيرى حلقها فيه، وقال الكلبي: كان ذلك في زمن نمروذ، وكانت المرأة تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه، وتمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره، وتعرض نفسها على الرجال، وروى عِكْرَمةُ عن ابن عباس أنه قال: الجاهلية الأولى أي فيما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل وكان رجال الجبل صباحاً وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحاً وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أتى رجلاً من أهل السهل وأجر نفسه منه فكان يخدمه واتخذ شيئاً مثل الذي يزمر به الرعاء فجاء بصوت لم يسمع مثله فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يسمعون إليه واتخذه عيداً يجتمعون إليه في السنة فتتبرج النساء للرجال وتتزين الرجال لهن، وإن رجلاً من أهل الخيل هجم عليهم في عيدهم فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فنزلوا معهم فظهرت الفاحشة فذلك قوله: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى﴾ ، وقيل: الجاهلية الأولى ما ذكرنا والجاهلية الأخرى قوم يفعلون مثل فعلهم في آخر الزمان، وقيل: قد تذكر الأولى وإن لم يكن لها أخرى كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأولى﴾ [النجم: 50] ولم يكن لها أخرى.
قوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصلاة وَآتِينَ الزكاة وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ﴾ يعني ليس التكليف في النهي وحده حتى يحصل بقوله: ﴿وَلاَ تَخْضَعْنَ. وَلاَ تَبَرَّجْنَ﴾ بل في النهي وفي الأوامر فأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله فيما أمر به، ونهى عنه ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس﴾ قال مقاتل: الرجس: الإثم الذي نهى الله النساء عنه، وقال ابن عباس يعني عمل الشياطين وما ليس لله فيه رضا.
وقال قتادةُ يعني السوء، وقال مجاهد: الرِّجْس: الشَّكُّ.
قوله: «أَهْلَ البَيْتِ» فيه أوجه: النداء والاختصاص، إلا أنه في المخاطب أقل منه في المتكلم وسمع «بِكَ اللَّهَ نَرْجُو الفَضْلَ» ، والأكثر إنما هو في التكلم كقولها:
4088 - نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ ... نَمْشِي عَلَى النَّمارِقْ (وقوله:)
4089 - نَحْنُ - بَنِي ضَبَّة - أَصْحَابُ الجَمَلْ ... المَوْتُ أَحْلَى عِنْدَنَا مِنَ العَسَلْ
(و) «نَحْنُ العَرَبَ أَقْرَى النَّاسِ لِلضَّيْفِ» (و) : «نَحْنَ مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورثُ» أو على المدح أي أمدحُ أهلَ البيت، واختلف في أهل البيت، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنهم نساء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنهن في بيته، وتلا قوله: ﴿واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله﴾ وهو قول عكرمة ومقاتل. وذهب أبو سعيد الخدري وجماعة من التابعين منهم مجاهد وقتادة غيرهم إلى أنهم عليّ، وفاطمة، والحسن والحسين، لما روت عائشة قالت: «خرج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ذات غَداةٍ وعليه مرط مرجَّل من شعر أسود فجلست فأتت فاطمة فأدخلها فيه ثم جاء علي فأدخله فيه ثم جاء حسين فأدخله فيه، ثم قال:» إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتَ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً «
وروت أم سلمة قالت:» في بيت أنزل: إنَّما يريدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ قال: فأرسل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إلى فاطمة وعلي والحسين والحسن فقال: هؤلاء أهل بيتي. فقلت: يا رسول الله أما أنا من أهل البيت قال: بلى إن شاء الله، وقال زيد بن أرقم: أهل بيته من حرم الصدقة بعده، آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس، قال ابن الخطيب: والأولى أن يقال: هم أولاده وأزواجه والحسن والحسين، وعليّ منهم لأنه كان من أهل بيته لمعاشرته بنت النبي عليه (الصلاة و) السلام وملازمته له «
قوله: ﴿واذكرن مَا يتلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله﴾ يعني القرآن والحكمة، قال قتادة يعني السنة، وقال مقاتل: أحكام القرآن ومواعظه، و ﴿من آيات الله﴾ بيان للموصول فيتعلق» بأعني «ويجوز أن يكون حالاً إما من الموصول، وإما من عائده المقدر فيتعلق بمحذوف أيضاً ﴿إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً﴾ بأوليائه» خَبِيراً «بجميع خلقه.
قوله: ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات﴾ قال مقاتل: قالت أم سلمة بنت أبي أمية، ونسية بنت كعب الأنصارية للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه نَخْشَى أن لا يكون فيهن خير فنزلت فيهن هذه الآية، ويروى أن أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قلن: يا رسول الله ذكر الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر إنا نخاف أن لا تقبل منا طاعة، فأنزل الله هذه الآية، ورُوِيَ
«أن أسماء بنت عميسٍ رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فدخلت على نساء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن قلن: لا فأتت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقالت: يا رسول الله إن السناء لفي خيبة وخسارة، قال وممَّ ذلك؟ قالت: لأنهن لا يذكرن بخير كما تذكر الرجال» فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين﴾ المطيعين «والقَانِتَاتِ والصَّادِقينَ» في إيمانهم، وفيما سرهم وساءهم {والصَّادِقَاتِ والصَّابِرِينَ «على أمر الله» والصَّابِرَاتِ والخَاشِعِينَ « المتواضعين «والخَاشِعَاتِ» . وقيل: أراد به الخشوع في الصلاة ومن الخشوع أن لا يلتفت» والمُتَصَدِّقينَ «مما رزقهم الله ﴿والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فُرُوجَهُمْ﴾ عما لا يحِل» والحَافِظَاتِ «. وحذف مفعول الحافظات لتقدم ما يدل عليه والتقدير: والحَافِظَاتِها وكذلك: والذاكرات، وحسن الحذف رُؤُوس الفواصل ﴿والذاكرين لله كثيراً والذاكرات﴾ ، قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيراً حتى يذكر الله قائماً وقاعداً ومضطجعاً. وروي» أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال سبق المفردون، قالوا: وما المفردُونَ؟
قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات «قال عطاء بن أبي رباح من فوض أمره إلى الله عَزَّ وَجَلَّ فهو داخل في قوله: ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات﴾ ومن أقر بأن الله ربه، ومحمداً رسوله، ولم يخالف قلبُه لسانه فهو داخل في قوله:» والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ» ومن أطاع الله في الفرض، والرسول في السنة فهو داخل في قوله: «والقَانِتِينَ والقَانِتَاتِ» ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل في قوله: «والصَّادِقِينَ والصَّادِقَاتِ» ومن صَبَرَ على الطاعة وعن المعصية وعلى الرزية فهو داخل في قوله: «والصابرين والصابرات» ومن صلى ولم يعرف من يمينه عن يساره فهو داخل في قوله: «والخَاشِعِينَ والخَاشِعَاتِ» ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله: «والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقَاتِ» ، ومن صام في كل شهر أيام البيض الثالثَ عَشَر، والخَامِسَ عَشَر فهو داخل في قوله: «والصَّائِمِينَ والصَّائِمَاتِ» ز ومن حفظ فرجه فهو داخل في قوله» والحَافِظِينَ فُرُوجهُمُ والحَافِظَاتِ «ومن صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله: ﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ وغلب المذكرعلى المؤنث في» لهم» ولم يقل: «لهن» (لشرفهم) .
قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ﴾ نزلت الآية في زينبَ بنت جحش الأسدية، وأخيها عبد الله بن جحش وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اشترى زيداً في الجاهلية بعُكَاظَ، فأعتقه وتبناه، فلما خطب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اشترى زيدا في الجاهلية بعكاظ، فأعتقه وتبناه، فلما خطب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زينب رضيت وظنت أنه يخاطبها لنفسه فلام علمت أنه يخطبها لزيد أبت وقال: أنا ابن عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي وكانت بيضاءَ جميلةً فيها حدة وكذلك كره أخوها ذلك فانزل الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة﴾ يعني عبد الله بن جحش وأخته زينت ﴿إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً﴾ وهو نكاح زيدٍ لزينبَ ﴿أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ . والخيرة الاختيار أي يريد غير ما أراد الله ويمتنع مما أمرالله ورسوله.
قوله: ﴿أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة﴾ أن يكون «هو اسم كان، والخبر الجار متقدم وقوله: ﴿إِذَا قَضَى الله﴾ يجوز أن يكون محْض ظرف معموله الاستقرار الذي تعلق به الخبر، أي وما كان مستقراً لمؤمن ولا مؤمنةٍ وقت قضاء الله كَوْنُ خيرة وأن تكون شرطية ويكون جوابها مقدراً مدلولاً عليه بالنفي المتقدم. وقرأ الكوفيون وهِشَامٌ» يكون «- بالياء من أسفل؛ لأن» الخِيرَةَ «مجازيُّ التأنيث، وللفصل أيضاً، والباقون بالتاء من فوق مراعاةً للفظها، وقد تقدم أن» الخِيَرَةَ «مصدر» تَخَيَّرَ «» كالطَّيرِةِ «من» تَطَيَّرَ» ، ونقل عيسى بن سُلَيْمَانَ أنه قرىء الخِيرَة - بسكون الياء - و «مِنْ أَمْرِهِمْ» حال من الخيرة، وقيل: «من» بمعنى» في «وجمع الضمير في» أمرهم» وما بعده لأن المراد بالمؤمن والمؤمنة الجنس. وغلب المذكر على المؤنث، وقال الزمخشري: «كان من حق الضمير أن يُوَحَّدَ كما تقول: مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ وَلا امْرَأَةٍ إلاَّ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ كَذَا» قال أبو حيان: «وليس بصحيح؛ لأن العطف بالواو، فلا يجوز ذلك إلا بتأويل الحذف» .
قوله: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً﴾ أخْطَأَ خَطَأً ظَاهِراً. فلما سمعا ذلك رضيا بذلك وسلما وجعلت أمرها بيد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إليها عَشْرَةَ دَنَانِيرٍ وستِّينَ دِرْهَماً وخِماراً ودِرْعاً وَإِزَاراً وملْحَفَةً وخَمْسِينَ مُدّاً مِن الطَّعَامِ وثلاثينَ صاعاً من تَمْرٍ.