Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — يس 36:38 – يس 36:83

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. يس 36:38
  2. يس 36:39
  3. يس 36:40
  4. يس 36:41
  5. يس 36:42
  6. يس 36:43
  7. يس 36:44
  8. يس 36:45
  9. يس 36:46
  10. يس 36:47
  11. يس 36:48
  12. يس 36:49
  13. يس 36:50
  14. يس 36:51
  15. يس 36:52
  16. يس 36:53
  17. يس 36:54
  18. يس 36:55
  19. يس 36:56
  20. يس 36:57
  21. يس 36:58
  22. يس 36:59
  23. يس 36:60
  24. يس 36:61
  25. يس 36:62
  26. يس 36:63
  27. يس 36:64
  28. يس 36:65
  29. يس 36:66
  30. يس 36:67
  31. يس 36:68
  32. يس 36:69
  33. يس 36:70
  34. يس 36:71
  35. يس 36:72
  36. يس 36:73
  37. يس 36:74
  38. يس 36:75
  39. يس 36:76
  40. يس 36:77
  41. يس 36:78
  42. يس 36:79
  43. يس 36:80
  44. يس 36:81
  45. يس 36:82
  46. يس 36:83

يس 36:38

قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل﴾ كقوله: ﴿نَسْلَخُ﴾ و «نَسْلَخُ» استعارة بديعة شبه انكشاف ظُلْمَةِ الليل بكَشْطِ الجِلْد عن الشَّاة لم استدل تعالى بأحوال الأرض وهو المكان الكلِّيُّ استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكُلِّيُّ؛ فإن دلالة الزمان والمكان متناسبة؛ لأن المكانَ لا يستغني عنه الجواهر والزمان لا يستغني عنه الأعراض لأن كل عرض فهو في زمان. فإن قيل: إذا كان المراد منه الاستدلال بالزمان فَلِمَ خَصَّ الدليل؟! . فالجواب: أنه لما استدل بالمكان المظلم وهو الأرض استدل بالزَّمَان المُظْلِم وهو الليل ووجه آخر وهو أن اللَّيْلَ فيه سكون (الناس) وهدوء الأصوات وفيه النَّوْم وهو الموت الأصغر فيكون بعد طلوع الفَجْرِ كالنفخ في الصور فيتحرك الناس فذكر الموت كما قال في الأرض: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة﴾ [يس: 33] وذكر من الزمان أشبههما بالموت كما ذكر في المكان أشْبَهَهُمَا بالموت. فإن قيل: الليل بنفسه آية فأيُّ حاجة إلى قوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ . فالجواب: أن الشيء تتبين بضده منافعه ومحاسنه ولهذا لم يجعل الله الليل وحده آية في موضع من المواضع إلا وذكر آية النهار معها. قوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ أي داخلون في الظلام كقوله: «مُصْبِحِينَ» و «إذَا» للمفاجأة؛ أي ليس لهم بعد ذلك أمرٌ لا بد لهم من الدخول فيه. قوله: ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ يحتمل أن تكون الواو للعطف على «اللَّيْل» تقديره: «وآيَةٌ لَهُم اللَّيلُ نسلخ والشمسُ تَجْري والقمر قدرناه» فيه كلها آية ووقوله «والشمس تجري» إشارة إلى سبب سلخ النهار فإنها تجري لمستقر لها بأم الله فمغرِب الشمس سالخ النّهار فذكر السبب بين صحة الدعوة ويحتمل أن يقال بأن قوله: «والشمس تجري لمستقر لها» إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه تعالى لما قال: «وآية لهم الليل نسلخ منه النهار» ذك أن الشمس تجري فتطلع عن انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه. قال المفسرون: إن الأصل هي الظلمة والنهار داخل عليها فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل فتظهر الظلمة. قوله: «لمستقر» قيل: في الكلام حذف مضاف تقديره تَجْري لِمَجْرى مُسْتَقَرٍّ لها وعلى هذا فاللام للعلة أي لأجل جري مستقر لها. والصحيح أنه لا حذف وأن اللام بمعنى «إلى» ويدل على ذلك قراءة بعضهم «إلَى مُسْتَقَرٍّ» وقرأ عبد الله وابن عباس وعكرمة وزيْن العابدين وابنُه الباقر والصَّادِق ابن الباقر: لاَ مُسْتَقَّر بلا النافية للجنس وبناء «مُسْتَقَر» على الفتح و «لها» الخبر وابن عبلة لا مُسْتَقَرٌّ بلا العاملة عمل ليس «فمستقر» اسمها و «لها» في محل نصب خبرها، كقوله: 4182 - تَعَزَّ فَلاَ شَيْءٌ عَلَى الأَرْضِ بَاقِيا ... وَلاَ وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللَّهُ وَاقِيَا والمراد (بذلك) أنها لا تستقر في الدنيا بل هي دائمة الجَرَيان وذلك إشارة إلى جريها المذكور. فصل قيل: المراد بالمستقر يوم القيامة فعندها تستقر ولا يقى لها حركة وقيل: تَسِيرُ حتَّى تَنْتَهِيَ إلى أبعد مغاربها فلا تتجاوزه ثم ترجع وقيل: الليل وقيل: نهاية ارتفاعها في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء «وروى أبو ذَرّ قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأبي ذر حين غربَتِ الشمس:» تدري أين تذهب» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حت تسجُدَ تحت العرش فتستأذنَ فيؤذَنَ لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل (منها) وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها: ارْجِعِي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله: «والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم» وروى عَمْرُو بن دِينَار عن ابن عباس والشمس (تجري) لا مستقرّ لها أي لا قرار لها ولا وقوف وهي جارية أبداً. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى جَرْي الشَّمْس أي ذلك الجري تقدير الله، ويحتمل أن يكون إشارة إلى المستقر أي ذلك المستقر تقدير الله العزيز الغالب والعليم الكامل العلم أي قادر على إجرائها على الوجه الأنفع وذلك من وجوه: الأول: أن الشمس لو مرّت كل يوم على مُسَامَتَةٍ واحدة لاحترقت (الأرض) التي تُسَامِتُها بمرورها عليها لك يوم وبقي الجمود مستولياً على الأماكن الأُخَر فقدر الله لها بُعْداً لتجمع الرطوبات في باطن الأرض والإسخان في زمان الشتاء ثم قدر قربها بتدريج ليخرج النبات والثمار من الأرض والشجر ويَنْضُجَ ويَجفَّ. الثاني: قدر لها في كل يوم طُلُوعاً وفي كل ليلة غروباً، لئلا تَكِلَّ القوى والأبصار بالسهر والتعب ولئلا يَخْرُبَ العالم بترك العِمَارة بسبب الظلمة الدائمة. الثالث: جعل سيرها أبطأ من سير القمر وأسرع من سير زُحَلَ لأنها كاملة النور فلو كانت بطيئةً السير لدامتْ زماناً كثيراً في مُسَامَتَةِ شيء واحد فتحرقه ولو كانت سريعة السير لما حصل لها لبث بقَدْر ما ينضج من الثمار في بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ. قوله: ﴿والقمر قَدَّرْنَاهُ﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمور برفع» القمر «والباقون بنصبه فالرفع على الابتداء والنصب بإضمار فعل على الاشتغال والوجهان مستويان لتقدم جملةٍ ذاتِ وجهين وهي قوله: ﴿والشَّمْسُ تجري﴾ فإن راعيت صدرها رفعت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عَجُزَهَا نصبت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عَجْزَهَا نصبت لتعطف فعلية على مثلها وبهذه الآية يبطل (قول) الأخفش: إنه لا يجوز النصب في الاسم إلا إذا كان في جملة الاشتغال ضمير يعود على الاسم الذي تضمنته جملةٌ ذات وجهين: قال: لأن المعطوف على الخبر خبر فلا بد من ضمير يعود على المبتدأ فيجوز: «أَزْيْدٌ قَامَ وعمراً أكْرَمْتُه فِي دَارِهِ» ولو لم يقل» في داره «لم يجز ووجه الردّ من هذه الآية أن أربعة من السبعة نصَبُوا وليس في جملة الاشتغال ضمير يعود على الشمس وقد أجمع على النصب في قوله تعالى: ﴿والسمآء رَفَعَهَا﴾ [الرحمن: 7] بعد قوله: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6] . قوله: ﴿مَنَازِلَ﴾ فيه أَوْجُهٌ: أحدها: أنه مفعول ثان لأن» قَدَّرْنَا» بمعنى صَيَّرْنَا. الثاني: أنَّه حال ولا بد من حذف مضاف قبل منازل تقديره: ذَا مَنَازِلَ قال الزمخشري: لا بُدَّ من تقدير لفظ يتم به معنى الكلام، لأن القمر لم يجعل نفسه مَنَازلَ. الثالث: أنه ظرف أي قدرنا مَسِيرَهُ فِي مَنَازِلَ وتقدم نحوه أول يونس. قوله: ﴿حتى عَادَ كالعرجون﴾ العامة على ضم العين والجيم. وفي وزنه وجهان: أحدهما: أنه فُعْلُولٌ. فنونه أصلية وهذا هو المرجح. والثاني: وَهُو قول الزجاج: أن نونه مزيدة ووزنه فُعْلُونٌ مشتقاً من الانْعِرَاج وهو الانعطاف وقرأ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بكسر العين وفتح الجيم وهما لغتان كالبُزيون والبِزْيُون والعرجون عُود العِذْق ما بين الشماريخ إلى مَنْبِتِهِ من النخلة وهو تشبيه بديع شبه به القمر في ثلاثة أشياء دقَّتِهِ واستقواسه واصْفِرَارِهِ لأن العِذق الذي عليه الشماريخ إذا قَدِمَ وعَتِقَ دَقَّ وتَقَوَّسَ واصْفَرَّ والقديم ما تَقَادَمُ عَهْدُهُ بحكم العادة ولا يشترط في جواز إطلاق لفظ القديم عليه مدةً بعينها بل إنما يعتبر العادة حتى لا يقال لمدينة بنيت من سنةٍ أو سنتين لبنائها قديم أو هي مدينة قديمةٌ ويقال لبعض الأشياء: إنّه قديم وإن لم يكن له سنةٌ (واحدة) ولهذا جاز أن يقال: بَيْتٌ قديمٌ ولم يجز (أن يقال) في العالم: إنه قديم؛ لأن القِدَم في البيت والبناء يثبت بحكم تقادم العهد ومرور السنين عليه وإطلاق القديم على العالم بِتَمَادِي الأزمنة عند من (لا) يعتقد أنه لا أول له ولا سابق عليه. قوله: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر﴾ أي لا يدخل على الليل قبل انقضائه ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه وهو معنى قوله: ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ النهار﴾ أي يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته. وقيل: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر لا تطلع الشمس بالليل ولا (يطلع) القمر بالنهار وله ضوء فإذا اجتمعا وأدرك كلّ (واحد) منهما صحبه قامت القيامة. وقيل: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر﴾ لا تجتمع معه في فَلَك واحد ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ النهار﴾ أي لا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما نهار فاصل. فإن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر﴾ بصيغة الفعل وقوله: ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ﴾ بصيغة اسم الفاعل ولم يقل ولا الليل «سَبَقَ» ولا قال: لاَ الشَّمْسُ مُدْرِكَةٌ لِلْقَمر؟ . فالجواب: أن حركة الشمس التي لا تدرك بها القمر مختصة بالشمس فجعلها كالصادرة منها فذكر بصيغة الفعل لأن صيغة الفعل لا تطلق على من لا يصدر منه الفعل فلا يقال: يَخِيط ولا يكون تصدر منه الخِيَاطَةُ وأما حركة القمر فليست مختصةً بكوكب من الكواكب بل الكل فيها مشترك بسبب حركة فَلَكٍ لا يختص بكوكب فالحركة ليس كالصادرة منه فأطلق على اسم الفاعل لأنه لا يستلزم صدور الفعل يقال: فُلاَنٌ خَيَّاطٌ وإن لك يكن يَخِيط. فإن قيل: قوله: ﴿يُغْشِي الليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ [الأعراف: 54] يدل على أن الليل سابق. فالجواب: أن المراد من الليل ها هنا سلطان الليل وهو القمر ولا يسبق الشمس بالحركة اليَوْمِيَّةِ السريعة والمراد من الليل هاك نفس الليل وكل واحد لما كان في عقب الآخر فكأنه طَالبُهُ. فإن قيل: قد ذكر ههنا سابق (النهار) وقال هناك يطلبه ولم يقل طالبه. فالجواب: لما بينا (من) أن المراد في هذه السورة من الليل كواكب الليل وحركتها بحركة الفَلَكِ فكأنها لا حَرَكَةَ لها فلا سبق ولا من شأنها أنها سابقة والمراد هناك نفس الليل والنهار وهما زَمَانَانِ لا قرارَ لهما فهو يطلب حثياً لصدور المنقضي منه. فإن قيل: ما الحكمة في إطلاق الليل وإرادة سلطانه وهو القمر وماذا يكون لو قال: ولا القمرُ سابق الشَّمس. فالجواب: لو قال ولا القمر سابق الشمس ما كان يفهم أن الإشارة إلى الحركة اليومية فكان يتوهم المناقض بأن الشمس إذا كانت لا تدرك القمر فالقمر أسرع ظاهراً وإذا قال: ولا القمر سابق يظن أن القمر لا يسبق فليس بأسرع فقال اللَّيْل والنهار ليعمل أن الإشارة إلى الحركة التي بها تتم الدورة في يوم وليلة مرة وأن جميع الكواكب لها طلوع وغروب في اللّيل والنهار. قوله: ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ النهار﴾ قرأ عمارة بنصب «النَّهَار» حذف التنوين لالتقاء الساكنين. قال المبرد: سمعته يقرؤها فقلت: ما هذا؟ فقال: أردت سَابِقٌ - يعني بالتنوين - فخففت. قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي يَجْرُون. وهذا يحقق أن لكلِّ طلوع في يوم وليلة ولا يسبق بعضُها بالنسبة إلى هذه الحركة والتنوين في قوله: «كُلُّ» عوض عن الإضافة والمعنى كل واحدٍ. وإسقاط التنوين للإضافة حتى لا يجتمع التعريف والتنكيرُ في شيءٍ واحد فلما أسقط المضاف إليه لفظاً رد التنوين عليه لفظاً وفي المعنى معرف الإضَافَةِ. فإن قيل: فهل يختلف الأمر عند الإضافة لفظاً وتركها؟ . فالجواب: نعم، لأن قول القائل: كل واحد من الناس كذا لا يذهب الفهم إلى غيرهم فيفيد اقتصار الفهم عليه، فإذا قال: كُلّ كذا يدخل في الفهم عمومٌ أكثر من العموم عند الإضافة وهذا كما في: «قَبْل وبَعْد» إذا قلت: أفعلُ قَبْلَ كذا فإذا حذفت المضاف وقلت أفعل قبل أفاد الفعل قبل كُلِّ شَيْءٍ. فإِنْ قِيلَ: فهل بين قولنا: «كُلٌّ منْهُمْ» وبين: «كُلّهم» وبين «كُلِّ» فرق؟ . فالجواب: نعم فقولك: كلهم يثبت الأمر للاقتصار عليهم، وقولك: كُلّ منهم يثبت الأمر أولاً للعموم ثم استدركه بالتخصيص فقال: منْهم وقولك: كلّ يثبت الأمر على العموم وتركت عليه فإن قيل: إذا كان «كُلّ» معناه كل واحد منهم والمذكور الشمس والقمر فكيْفَ قال: يَسْبَحُونَ؟ . فالجواب: أن قوله «كل» للعموم فكأنه أخبر عن كل كوكب في السماء سيَّاراً. وأيضاً فلفظ «كل» يجوز أن يوحَّد نظراً إلى كون لفظه مُوحِّداً غير مثنى ولا مجموع ويجوز أن يجمع لكونه معناه جمعاً، وأما التثنيه فلا يدل عليه اللفظ ولا المعنى وعلى هذا يحسن أن يقال: «زَيْدٌ وعمرٌو كُلُّ جَاءَ» ولا يقال: (كل) جَاءَا بالتثنية. وجواب آخراً قوله: ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ﴾ فالمراد من الليل الكواكب فقال: «يَسْبَحُونَ» . فصل الفلك هو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة لأن أهل اللغة اتفقوا على أن فكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها وفلك الخيمة هي الخشبة المسطحة المستديرة التي توضع على رأس العمود، لئِلا يمزق العمود الخيمة وهي صفحة مستديرة. فإن قيل: فعلى هذا تكون السماء مستديرةً وقد اتفق أكثر المفسرين (على) أنَّ السماءَ مبسوطةٌ لها أطراف على جبال وهي كالسَّقْقِ المُسْتَوِي ويدل عليه قوله تعالى: ﴿والسقف المرفوع﴾ [الطور: 5] قال ابن الخطيب: ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء مبسوطة غير مستديرة بل دل الدليل الحِسِّيُّ على كونها مستديرةً فوجب المصير إليه والسقف والمقَبَّب لا يخرج عن كونه سقفاً وكذلك كونه على جبال. وأما الدليل الحسي فوجوه: الأول: أن من أمْعَنَ في النظر في جانب الجنوب تظهر له كواكب مثل سُهَيْل وغيره ظهوراً أبدياً ولو كان السماء سطحاً مستوياً لبان الكُلُّ للكلِّ بخلاف ما إذا كان مستديراً فإن بضعه حينئذ يستتر بأطراف الأرض فلا يُرَى. الثاني: أن الشمس إذا كانت مقارنة للحَمَل مثلاً فإذا غربت ظهر لك كواكبُ في منطقة البروج من الحَمل إلى المِيزان ثم في كل قليل يستتر الكوكب الذي يكون طلوعه بعدَ طلوع الشمس وبالعكس وهذا دليل ظاهر وإن بحث فيه يصير (قَطْعيًّا) . الثالث: أن الشمس قبل طلوعها وبعد غروبها يظهر ضوؤها ويستنير نورُها وإلا لما كان كذا بل كان (عن) إعادتها إلى السماء يظهر لك أحد جِرْمُها ونورُها معاً لكون السماء مستوية (حنيئذ مكشوفة كلها لكل أحد. الرابع: لو كانت السماء مستويةً) لكان القمرُ عندما يكون فوق رُؤُوسِنَا على المُسَامَتَةِ أقرب ما يكون إلينا وعندما يكون على الأفق أبعد منا لأن العمودأصغرُ من القُطْرِ والوتر وكذلك في الشمس والكواكب وكان يجب أن يرى أكبر لأن القريب يرى أكبر وليس كذلِكَ. الخامس: لو كانت السماءُ مستويةً لكان ارتفاعها أَولَ النهار ووَسَطَهُ وآخِرَهُ مستوياً وليس كذلك. والوجوه كثيرة وفي هذا كفايةٌ. فصل قال المُنَجِّمُونَ قوله تعالى: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يدل على أنها أحياء لأن ذلك لا يطلق إلا على العاقل قال ابن الخطيب إن أرادوا القَدْرَ الذي يكون منها التسبيح فنقول به لأن كل شيء يسبح بحمده وإن أرادوا شيئاً آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كا في قوله تعالى في حق الأصنام: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ [الصفات: 92] وقوله: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: 91] .

يس 36:39

قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل﴾ كقوله: ﴿نَسْلَخُ﴾ و «نَسْلَخُ» استعارة بديعة شبه انكشاف ظُلْمَةِ الليل بكَشْطِ الجِلْد عن الشَّاة لم استدل تعالى بأحوال الأرض وهو المكان الكلِّيُّ استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكُلِّيُّ؛ فإن دلالة الزمان والمكان متناسبة؛ لأن المكانَ لا يستغني عنه الجواهر والزمان لا يستغني عنه الأعراض لأن كل عرض فهو في زمان. فإن قيل: إذا كان المراد منه الاستدلال بالزمان فَلِمَ خَصَّ الدليل؟! . فالجواب: أنه لما استدل بالمكان المظلم وهو الأرض استدل بالزَّمَان المُظْلِم وهو الليل ووجه آخر وهو أن اللَّيْلَ فيه سكون (الناس) وهدوء الأصوات وفيه النَّوْم وهو الموت الأصغر فيكون بعد طلوع الفَجْرِ كالنفخ في الصور فيتحرك الناس فذكر الموت كما قال في الأرض: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة﴾ [يس: 33] وذكر من الزمان أشبههما بالموت كما ذكر في المكان أشْبَهَهُمَا بالموت. فإن قيل: الليل بنفسه آية فأيُّ حاجة إلى قوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ . فالجواب: أن الشيء تتبين بضده منافعه ومحاسنه ولهذا لم يجعل الله الليل وحده آية في موضع من المواضع إلا وذكر آية النهار معها. قوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ أي داخلون في الظلام كقوله: «مُصْبِحِينَ» و «إذَا» للمفاجأة؛ أي ليس لهم بعد ذلك أمرٌ لا بد لهم من الدخول فيه. قوله: ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ يحتمل أن تكون الواو للعطف على «اللَّيْل» تقديره: «وآيَةٌ لَهُم اللَّيلُ نسلخ والشمسُ تَجْري والقمر قدرناه» فيه كلها آية ووقوله «والشمس تجري» إشارة إلى سبب سلخ النهار فإنها تجري لمستقر لها بأم الله فمغرِب الشمس سالخ النّهار فذكر السبب بين صحة الدعوة ويحتمل أن يقال بأن قوله: «والشمس تجري لمستقر لها» إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه تعالى لما قال: «وآية لهم الليل نسلخ منه النهار» ذك أن الشمس تجري فتطلع عن انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه. قال المفسرون: إن الأصل هي الظلمة والنهار داخل عليها فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل فتظهر الظلمة. قوله: «لمستقر» قيل: في الكلام حذف مضاف تقديره تَجْري لِمَجْرى مُسْتَقَرٍّ لها وعلى هذا فاللام للعلة أي لأجل جري مستقر لها. والصحيح أنه لا حذف وأن اللام بمعنى «إلى» ويدل على ذلك قراءة بعضهم «إلَى مُسْتَقَرٍّ» وقرأ عبد الله وابن عباس وعكرمة وزيْن العابدين وابنُه الباقر والصَّادِق ابن الباقر: لاَ مُسْتَقَّر بلا النافية للجنس وبناء «مُسْتَقَر» على الفتح و «لها» الخبر وابن عبلة لا مُسْتَقَرٌّ بلا العاملة عمل ليس «فمستقر» اسمها و «لها» في محل نصب خبرها، كقوله: 4182 - تَعَزَّ فَلاَ شَيْءٌ عَلَى الأَرْضِ بَاقِيا ... وَلاَ وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللَّهُ وَاقِيَا والمراد (بذلك) أنها لا تستقر في الدنيا بل هي دائمة الجَرَيان وذلك إشارة إلى جريها المذكور. فصل قيل: المراد بالمستقر يوم القيامة فعندها تستقر ولا يقى لها حركة وقيل: تَسِيرُ حتَّى تَنْتَهِيَ إلى أبعد مغاربها فلا تتجاوزه ثم ترجع وقيل: الليل وقيل: نهاية ارتفاعها في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء «وروى أبو ذَرّ قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأبي ذر حين غربَتِ الشمس:» تدري أين تذهب» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حت تسجُدَ تحت العرش فتستأذنَ فيؤذَنَ لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل (منها) وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها: ارْجِعِي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله: «والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم» وروى عَمْرُو بن دِينَار عن ابن عباس والشمس (تجري) لا مستقرّ لها أي لا قرار لها ولا وقوف وهي جارية أبداً. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى جَرْي الشَّمْس أي ذلك الجري تقدير الله، ويحتمل أن يكون إشارة إلى المستقر أي ذلك المستقر تقدير الله العزيز الغالب والعليم الكامل العلم أي قادر على إجرائها على الوجه الأنفع وذلك من وجوه: الأول: أن الشمس لو مرّت كل يوم على مُسَامَتَةٍ واحدة لاحترقت (الأرض) التي تُسَامِتُها بمرورها عليها لك يوم وبقي الجمود مستولياً على الأماكن الأُخَر فقدر الله لها بُعْداً لتجمع الرطوبات في باطن الأرض والإسخان في زمان الشتاء ثم قدر قربها بتدريج ليخرج النبات والثمار من الأرض والشجر ويَنْضُجَ ويَجفَّ. الثاني: قدر لها في كل يوم طُلُوعاً وفي كل ليلة غروباً، لئلا تَكِلَّ القوى والأبصار بالسهر والتعب ولئلا يَخْرُبَ العالم بترك العِمَارة بسبب الظلمة الدائمة. الثالث: جعل سيرها أبطأ من سير القمر وأسرع من سير زُحَلَ لأنها كاملة النور فلو كانت بطيئةً السير لدامتْ زماناً كثيراً في مُسَامَتَةِ شيء واحد فتحرقه ولو كانت سريعة السير لما حصل لها لبث بقَدْر ما ينضج من الثمار في بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ. قوله: ﴿والقمر قَدَّرْنَاهُ﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمور برفع» القمر «والباقون بنصبه فالرفع على الابتداء والنصب بإضمار فعل على الاشتغال والوجهان مستويان لتقدم جملةٍ ذاتِ وجهين وهي قوله: ﴿والشَّمْسُ تجري﴾ فإن راعيت صدرها رفعت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عَجُزَهَا نصبت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عَجْزَهَا نصبت لتعطف فعلية على مثلها وبهذه الآية يبطل (قول) الأخفش: إنه لا يجوز النصب في الاسم إلا إذا كان في جملة الاشتغال ضمير يعود على الاسم الذي تضمنته جملةٌ ذات وجهين: قال: لأن المعطوف على الخبر خبر فلا بد من ضمير يعود على المبتدأ فيجوز: «أَزْيْدٌ قَامَ وعمراً أكْرَمْتُه فِي دَارِهِ» ولو لم يقل» في داره «لم يجز ووجه الردّ من هذه الآية أن أربعة من السبعة نصَبُوا وليس في جملة الاشتغال ضمير يعود على الشمس وقد أجمع على النصب في قوله تعالى: ﴿والسمآء رَفَعَهَا﴾ [الرحمن: 7] بعد قوله: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6] . قوله: ﴿مَنَازِلَ﴾ فيه أَوْجُهٌ: أحدها: أنه مفعول ثان لأن» قَدَّرْنَا» بمعنى صَيَّرْنَا. الثاني: أنَّه حال ولا بد من حذف مضاف قبل منازل تقديره: ذَا مَنَازِلَ قال الزمخشري: لا بُدَّ من تقدير لفظ يتم به معنى الكلام، لأن القمر لم يجعل نفسه مَنَازلَ. الثالث: أنه ظرف أي قدرنا مَسِيرَهُ فِي مَنَازِلَ وتقدم نحوه أول يونس. قوله: ﴿حتى عَادَ كالعرجون﴾ العامة على ضم العين والجيم. وفي وزنه وجهان: أحدهما: أنه فُعْلُولٌ. فنونه أصلية وهذا هو المرجح. والثاني: وَهُو قول الزجاج: أن نونه مزيدة ووزنه فُعْلُونٌ مشتقاً من الانْعِرَاج وهو الانعطاف وقرأ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بكسر العين وفتح الجيم وهما لغتان كالبُزيون والبِزْيُون والعرجون عُود العِذْق ما بين الشماريخ إلى مَنْبِتِهِ من النخلة وهو تشبيه بديع شبه به القمر في ثلاثة أشياء دقَّتِهِ واستقواسه واصْفِرَارِهِ لأن العِذق الذي عليه الشماريخ إذا قَدِمَ وعَتِقَ دَقَّ وتَقَوَّسَ واصْفَرَّ والقديم ما تَقَادَمُ عَهْدُهُ بحكم العادة ولا يشترط في جواز إطلاق لفظ القديم عليه مدةً بعينها بل إنما يعتبر العادة حتى لا يقال لمدينة بنيت من سنةٍ أو سنتين لبنائها قديم أو هي مدينة قديمةٌ ويقال لبعض الأشياء: إنّه قديم وإن لم يكن له سنةٌ (واحدة) ولهذا جاز أن يقال: بَيْتٌ قديمٌ ولم يجز (أن يقال) في العالم: إنه قديم؛ لأن القِدَم في البيت والبناء يثبت بحكم تقادم العهد ومرور السنين عليه وإطلاق القديم على العالم بِتَمَادِي الأزمنة عند من (لا) يعتقد أنه لا أول له ولا سابق عليه. قوله: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر﴾ أي لا يدخل على الليل قبل انقضائه ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه وهو معنى قوله: ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ النهار﴾ أي يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته. وقيل: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر لا تطلع الشمس بالليل ولا (يطلع) القمر بالنهار وله ضوء فإذا اجتمعا وأدرك كلّ (واحد) منهما صحبه قامت القيامة. وقيل: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر﴾ لا تجتمع معه في فَلَك واحد ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ النهار﴾ أي لا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما نهار فاصل. فإن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر﴾ بصيغة الفعل وقوله: ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ﴾ بصيغة اسم الفاعل ولم يقل ولا الليل «سَبَقَ» ولا قال: لاَ الشَّمْسُ مُدْرِكَةٌ لِلْقَمر؟ . فالجواب: أن حركة الشمس التي لا تدرك بها القمر مختصة بالشمس فجعلها كالصادرة منها فذكر بصيغة الفعل لأن صيغة الفعل لا تطلق على من لا يصدر منه الفعل فلا يقال: يَخِيط ولا يكون تصدر منه الخِيَاطَةُ وأما حركة القمر فليست مختصةً بكوكب من الكواكب بل الكل فيها مشترك بسبب حركة فَلَكٍ لا يختص بكوكب فالحركة ليس كالصادرة منه فأطلق على اسم الفاعل لأنه لا يستلزم صدور الفعل يقال: فُلاَنٌ خَيَّاطٌ وإن لك يكن يَخِيط. فإن قيل: قوله: ﴿يُغْشِي الليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ [الأعراف: 54] يدل على أن الليل سابق. فالجواب: أن المراد من الليل ها هنا سلطان الليل وهو القمر ولا يسبق الشمس بالحركة اليَوْمِيَّةِ السريعة والمراد من الليل هاك نفس الليل وكل واحد لما كان في عقب الآخر فكأنه طَالبُهُ. فإن قيل: قد ذكر ههنا سابق (النهار) وقال هناك يطلبه ولم يقل طالبه. فالجواب: لما بينا (من) أن المراد في هذه السورة من الليل كواكب الليل وحركتها بحركة الفَلَكِ فكأنها لا حَرَكَةَ لها فلا سبق ولا من شأنها أنها سابقة والمراد هناك نفس الليل والنهار وهما زَمَانَانِ لا قرارَ لهما فهو يطلب حثياً لصدور المنقضي منه. فإن قيل: ما الحكمة في إطلاق الليل وإرادة سلطانه وهو القمر وماذا يكون لو قال: ولا القمرُ سابق الشَّمس. فالجواب: لو قال ولا القمر سابق الشمس ما كان يفهم أن الإشارة إلى الحركة اليومية فكان يتوهم المناقض بأن الشمس إذا كانت لا تدرك القمر فالقمر أسرع ظاهراً وإذا قال: ولا القمر سابق يظن أن القمر لا يسبق فليس بأسرع فقال اللَّيْل والنهار ليعمل أن الإشارة إلى الحركة التي بها تتم الدورة في يوم وليلة مرة وأن جميع الكواكب لها طلوع وغروب في اللّيل والنهار. قوله: ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ النهار﴾ قرأ عمارة بنصب «النَّهَار» حذف التنوين لالتقاء الساكنين. قال المبرد: سمعته يقرؤها فقلت: ما هذا؟ فقال: أردت سَابِقٌ - يعني بالتنوين - فخففت. قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي يَجْرُون. وهذا يحقق أن لكلِّ طلوع في يوم وليلة ولا يسبق بعضُها بالنسبة إلى هذه الحركة والتنوين في قوله: «كُلُّ» عوض عن الإضافة والمعنى كل واحدٍ. وإسقاط التنوين للإضافة حتى لا يجتمع التعريف والتنكيرُ في شيءٍ واحد فلما أسقط المضاف إليه لفظاً رد التنوين عليه لفظاً وفي المعنى معرف الإضَافَةِ. فإن قيل: فهل يختلف الأمر عند الإضافة لفظاً وتركها؟ . فالجواب: نعم، لأن قول القائل: كل واحد من الناس كذا لا يذهب الفهم إلى غيرهم فيفيد اقتصار الفهم عليه، فإذا قال: كُلّ كذا يدخل في الفهم عمومٌ أكثر من العموم عند الإضافة وهذا كما في: «قَبْل وبَعْد» إذا قلت: أفعلُ قَبْلَ كذا فإذا حذفت المضاف وقلت أفعل قبل أفاد الفعل قبل كُلِّ شَيْءٍ. فإِنْ قِيلَ: فهل بين قولنا: «كُلٌّ منْهُمْ» وبين: «كُلّهم» وبين «كُلِّ» فرق؟ . فالجواب: نعم فقولك: كلهم يثبت الأمر للاقتصار عليهم، وقولك: كُلّ منهم يثبت الأمر أولاً للعموم ثم استدركه بالتخصيص فقال: منْهم وقولك: كلّ يثبت الأمر على العموم وتركت عليه فإن قيل: إذا كان «كُلّ» معناه كل واحد منهم والمذكور الشمس والقمر فكيْفَ قال: يَسْبَحُونَ؟ . فالجواب: أن قوله «كل» للعموم فكأنه أخبر عن كل كوكب في السماء سيَّاراً. وأيضاً فلفظ «كل» يجوز أن يوحَّد نظراً إلى كون لفظه مُوحِّداً غير مثنى ولا مجموع ويجوز أن يجمع لكونه معناه جمعاً، وأما التثنيه فلا يدل عليه اللفظ ولا المعنى وعلى هذا يحسن أن يقال: «زَيْدٌ وعمرٌو كُلُّ جَاءَ» ولا يقال: (كل) جَاءَا بالتثنية. وجواب آخراً قوله: ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ﴾ فالمراد من الليل الكواكب فقال: «يَسْبَحُونَ» . فصل الفلك هو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة لأن أهل اللغة اتفقوا على أن فكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها وفلك الخيمة هي الخشبة المسطحة المستديرة التي توضع على رأس العمود، لئِلا يمزق العمود الخيمة وهي صفحة مستديرة. فإن قيل: فعلى هذا تكون السماء مستديرةً وقد اتفق أكثر المفسرين (على) أنَّ السماءَ مبسوطةٌ لها أطراف على جبال وهي كالسَّقْقِ المُسْتَوِي ويدل عليه قوله تعالى: ﴿والسقف المرفوع﴾ [الطور: 5] قال ابن الخطيب: ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء مبسوطة غير مستديرة بل دل الدليل الحِسِّيُّ على كونها مستديرةً فوجب المصير إليه والسقف والمقَبَّب لا يخرج عن كونه سقفاً وكذلك كونه على جبال. وأما الدليل الحسي فوجوه: الأول: أن من أمْعَنَ في النظر في جانب الجنوب تظهر له كواكب مثل سُهَيْل وغيره ظهوراً أبدياً ولو كان السماء سطحاً مستوياً لبان الكُلُّ للكلِّ بخلاف ما إذا كان مستديراً فإن بضعه حينئذ يستتر بأطراف الأرض فلا يُرَى. الثاني: أن الشمس إذا كانت مقارنة للحَمَل مثلاً فإذا غربت ظهر لك كواكبُ في منطقة البروج من الحَمل إلى المِيزان ثم في كل قليل يستتر الكوكب الذي يكون طلوعه بعدَ طلوع الشمس وبالعكس وهذا دليل ظاهر وإن بحث فيه يصير (قَطْعيًّا) . الثالث: أن الشمس قبل طلوعها وبعد غروبها يظهر ضوؤها ويستنير نورُها وإلا لما كان كذا بل كان (عن) إعادتها إلى السماء يظهر لك أحد جِرْمُها ونورُها معاً لكون السماء مستوية (حنيئذ مكشوفة كلها لكل أحد. الرابع: لو كانت السماء مستويةً) لكان القمرُ عندما يكون فوق رُؤُوسِنَا على المُسَامَتَةِ أقرب ما يكون إلينا وعندما يكون على الأفق أبعد منا لأن العمودأصغرُ من القُطْرِ والوتر وكذلك في الشمس والكواكب وكان يجب أن يرى أكبر لأن القريب يرى أكبر وليس كذلِكَ. الخامس: لو كانت السماءُ مستويةً لكان ارتفاعها أَولَ النهار ووَسَطَهُ وآخِرَهُ مستوياً وليس كذلك. والوجوه كثيرة وفي هذا كفايةٌ. فصل قال المُنَجِّمُونَ قوله تعالى: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يدل على أنها أحياء لأن ذلك لا يطلق إلا على العاقل قال ابن الخطيب إن أرادوا القَدْرَ الذي يكون منها التسبيح فنقول به لأن كل شيء يسبح بحمده وإن أرادوا شيئاً آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كا في قوله تعالى في حق الأصنام: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ [الصفات: 92] وقوله: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: 91] .

يس 36:40

قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل﴾ كقوله: ﴿نَسْلَخُ﴾ و «نَسْلَخُ» استعارة بديعة شبه انكشاف ظُلْمَةِ الليل بكَشْطِ الجِلْد عن الشَّاة لم استدل تعالى بأحوال الأرض وهو المكان الكلِّيُّ استدل بالليل والنهار وهو الزمان الكُلِّيُّ؛ فإن دلالة الزمان والمكان متناسبة؛ لأن المكانَ لا يستغني عنه الجواهر والزمان لا يستغني عنه الأعراض لأن كل عرض فهو في زمان. فإن قيل: إذا كان المراد منه الاستدلال بالزمان فَلِمَ خَصَّ الدليل؟! . فالجواب: أنه لما استدل بالمكان المظلم وهو الأرض استدل بالزَّمَان المُظْلِم وهو الليل ووجه آخر وهو أن اللَّيْلَ فيه سكون (الناس) وهدوء الأصوات وفيه النَّوْم وهو الموت الأصغر فيكون بعد طلوع الفَجْرِ كالنفخ في الصور فيتحرك الناس فذكر الموت كما قال في الأرض: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة﴾ [يس: 33] وذكر من الزمان أشبههما بالموت كما ذكر في المكان أشْبَهَهُمَا بالموت. فإن قيل: الليل بنفسه آية فأيُّ حاجة إلى قوله: ﴿نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ . فالجواب: أن الشيء تتبين بضده منافعه ومحاسنه ولهذا لم يجعل الله الليل وحده آية في موضع من المواضع إلا وذكر آية النهار معها. قوله: ﴿فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ﴾ أي داخلون في الظلام كقوله: «مُصْبِحِينَ» و «إذَا» للمفاجأة؛ أي ليس لهم بعد ذلك أمرٌ لا بد لهم من الدخول فيه. قوله: ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ يحتمل أن تكون الواو للعطف على «اللَّيْل» تقديره: «وآيَةٌ لَهُم اللَّيلُ نسلخ والشمسُ تَجْري والقمر قدرناه» فيه كلها آية ووقوله «والشمس تجري» إشارة إلى سبب سلخ النهار فإنها تجري لمستقر لها بأم الله فمغرِب الشمس سالخ النّهار فذكر السبب بين صحة الدعوة ويحتمل أن يقال بأن قوله: «والشمس تجري لمستقر لها» إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه تعالى لما قال: «وآية لهم الليل نسلخ منه النهار» ذك أن الشمس تجري فتطلع عن انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه. قال المفسرون: إن الأصل هي الظلمة والنهار داخل عليها فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل فتظهر الظلمة. قوله: «لمستقر» قيل: في الكلام حذف مضاف تقديره تَجْري لِمَجْرى مُسْتَقَرٍّ لها وعلى هذا فاللام للعلة أي لأجل جري مستقر لها. والصحيح أنه لا حذف وأن اللام بمعنى «إلى» ويدل على ذلك قراءة بعضهم «إلَى مُسْتَقَرٍّ» وقرأ عبد الله وابن عباس وعكرمة وزيْن العابدين وابنُه الباقر والصَّادِق ابن الباقر: لاَ مُسْتَقَّر بلا النافية للجنس وبناء «مُسْتَقَر» على الفتح و «لها» الخبر وابن عبلة لا مُسْتَقَرٌّ بلا العاملة عمل ليس «فمستقر» اسمها و «لها» في محل نصب خبرها، كقوله: 4182 - تَعَزَّ فَلاَ شَيْءٌ عَلَى الأَرْضِ بَاقِيا ... وَلاَ وَزَرٌ مِمَّا قَضَى اللَّهُ وَاقِيَا والمراد (بذلك) أنها لا تستقر في الدنيا بل هي دائمة الجَرَيان وذلك إشارة إلى جريها المذكور. فصل قيل: المراد بالمستقر يوم القيامة فعندها تستقر ولا يقى لها حركة وقيل: تَسِيرُ حتَّى تَنْتَهِيَ إلى أبعد مغاربها فلا تتجاوزه ثم ترجع وقيل: الليل وقيل: نهاية ارتفاعها في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء «وروى أبو ذَرّ قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأبي ذر حين غربَتِ الشمس:» تدري أين تذهب» ؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإنها تذهب حت تسجُدَ تحت العرش فتستأذنَ فيؤذَنَ لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل (منها) وتستأذن فلا يؤذن لها يقال لها: ارْجِعِي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله: «والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم» وروى عَمْرُو بن دِينَار عن ابن عباس والشمس (تجري) لا مستقرّ لها أي لا قرار لها ولا وقوف وهي جارية أبداً. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى جَرْي الشَّمْس أي ذلك الجري تقدير الله، ويحتمل أن يكون إشارة إلى المستقر أي ذلك المستقر تقدير الله العزيز الغالب والعليم الكامل العلم أي قادر على إجرائها على الوجه الأنفع وذلك من وجوه: الأول: أن الشمس لو مرّت كل يوم على مُسَامَتَةٍ واحدة لاحترقت (الأرض) التي تُسَامِتُها بمرورها عليها لك يوم وبقي الجمود مستولياً على الأماكن الأُخَر فقدر الله لها بُعْداً لتجمع الرطوبات في باطن الأرض والإسخان في زمان الشتاء ثم قدر قربها بتدريج ليخرج النبات والثمار من الأرض والشجر ويَنْضُجَ ويَجفَّ. الثاني: قدر لها في كل يوم طُلُوعاً وفي كل ليلة غروباً، لئلا تَكِلَّ القوى والأبصار بالسهر والتعب ولئلا يَخْرُبَ العالم بترك العِمَارة بسبب الظلمة الدائمة. الثالث: جعل سيرها أبطأ من سير القمر وأسرع من سير زُحَلَ لأنها كاملة النور فلو كانت بطيئةً السير لدامتْ زماناً كثيراً في مُسَامَتَةِ شيء واحد فتحرقه ولو كانت سريعة السير لما حصل لها لبث بقَدْر ما ينضج من الثمار في بُقْعَةٍ وَاحِدَةٍ. قوله: ﴿والقمر قَدَّرْنَاهُ﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمور برفع» القمر «والباقون بنصبه فالرفع على الابتداء والنصب بإضمار فعل على الاشتغال والوجهان مستويان لتقدم جملةٍ ذاتِ وجهين وهي قوله: ﴿والشَّمْسُ تجري﴾ فإن راعيت صدرها رفعت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عَجُزَهَا نصبت لتعطف جملة اسمية على مثلها وإن راعيت عَجْزَهَا نصبت لتعطف فعلية على مثلها وبهذه الآية يبطل (قول) الأخفش: إنه لا يجوز النصب في الاسم إلا إذا كان في جملة الاشتغال ضمير يعود على الاسم الذي تضمنته جملةٌ ذات وجهين: قال: لأن المعطوف على الخبر خبر فلا بد من ضمير يعود على المبتدأ فيجوز: «أَزْيْدٌ قَامَ وعمراً أكْرَمْتُه فِي دَارِهِ» ولو لم يقل» في داره «لم يجز ووجه الردّ من هذه الآية أن أربعة من السبعة نصَبُوا وليس في جملة الاشتغال ضمير يعود على الشمس وقد أجمع على النصب في قوله تعالى: ﴿والسمآء رَفَعَهَا﴾ [الرحمن: 7] بعد قوله: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6] . قوله: ﴿مَنَازِلَ﴾ فيه أَوْجُهٌ: أحدها: أنه مفعول ثان لأن» قَدَّرْنَا» بمعنى صَيَّرْنَا. الثاني: أنَّه حال ولا بد من حذف مضاف قبل منازل تقديره: ذَا مَنَازِلَ قال الزمخشري: لا بُدَّ من تقدير لفظ يتم به معنى الكلام، لأن القمر لم يجعل نفسه مَنَازلَ. الثالث: أنه ظرف أي قدرنا مَسِيرَهُ فِي مَنَازِلَ وتقدم نحوه أول يونس. قوله: ﴿حتى عَادَ كالعرجون﴾ العامة على ضم العين والجيم. وفي وزنه وجهان: أحدهما: أنه فُعْلُولٌ. فنونه أصلية وهذا هو المرجح. والثاني: وَهُو قول الزجاج: أن نونه مزيدة ووزنه فُعْلُونٌ مشتقاً من الانْعِرَاج وهو الانعطاف وقرأ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بكسر العين وفتح الجيم وهما لغتان كالبُزيون والبِزْيُون والعرجون عُود العِذْق ما بين الشماريخ إلى مَنْبِتِهِ من النخلة وهو تشبيه بديع شبه به القمر في ثلاثة أشياء دقَّتِهِ واستقواسه واصْفِرَارِهِ لأن العِذق الذي عليه الشماريخ إذا قَدِمَ وعَتِقَ دَقَّ وتَقَوَّسَ واصْفَرَّ والقديم ما تَقَادَمُ عَهْدُهُ بحكم العادة ولا يشترط في جواز إطلاق لفظ القديم عليه مدةً بعينها بل إنما يعتبر العادة حتى لا يقال لمدينة بنيت من سنةٍ أو سنتين لبنائها قديم أو هي مدينة قديمةٌ ويقال لبعض الأشياء: إنّه قديم وإن لم يكن له سنةٌ (واحدة) ولهذا جاز أن يقال: بَيْتٌ قديمٌ ولم يجز (أن يقال) في العالم: إنه قديم؛ لأن القِدَم في البيت والبناء يثبت بحكم تقادم العهد ومرور السنين عليه وإطلاق القديم على العالم بِتَمَادِي الأزمنة عند من (لا) يعتقد أنه لا أول له ولا سابق عليه. قوله: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر﴾ أي لا يدخل على الليل قبل انقضائه ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه وهو معنى قوله: ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ النهار﴾ أي يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته. وقيل: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر لا تطلع الشمس بالليل ولا (يطلع) القمر بالنهار وله ضوء فإذا اجتمعا وأدرك كلّ (واحد) منهما صحبه قامت القيامة. وقيل: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر﴾ لا تجتمع معه في فَلَك واحد ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ النهار﴾ أي لا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما نهار فاصل. فإن قيل: ما الفائدة في قوله تعالى: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر﴾ بصيغة الفعل وقوله: ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ﴾ بصيغة اسم الفاعل ولم يقل ولا الليل «سَبَقَ» ولا قال: لاَ الشَّمْسُ مُدْرِكَةٌ لِلْقَمر؟ . فالجواب: أن حركة الشمس التي لا تدرك بها القمر مختصة بالشمس فجعلها كالصادرة منها فذكر بصيغة الفعل لأن صيغة الفعل لا تطلق على من لا يصدر منه الفعل فلا يقال: يَخِيط ولا يكون تصدر منه الخِيَاطَةُ وأما حركة القمر فليست مختصةً بكوكب من الكواكب بل الكل فيها مشترك بسبب حركة فَلَكٍ لا يختص بكوكب فالحركة ليس كالصادرة منه فأطلق على اسم الفاعل لأنه لا يستلزم صدور الفعل يقال: فُلاَنٌ خَيَّاطٌ وإن لك يكن يَخِيط. فإن قيل: قوله: ﴿يُغْشِي الليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ [الأعراف: 54] يدل على أن الليل سابق. فالجواب: أن المراد من الليل ها هنا سلطان الليل وهو القمر ولا يسبق الشمس بالحركة اليَوْمِيَّةِ السريعة والمراد من الليل هاك نفس الليل وكل واحد لما كان في عقب الآخر فكأنه طَالبُهُ. فإن قيل: قد ذكر ههنا سابق (النهار) وقال هناك يطلبه ولم يقل طالبه. فالجواب: لما بينا (من) أن المراد في هذه السورة من الليل كواكب الليل وحركتها بحركة الفَلَكِ فكأنها لا حَرَكَةَ لها فلا سبق ولا من شأنها أنها سابقة والمراد هناك نفس الليل والنهار وهما زَمَانَانِ لا قرارَ لهما فهو يطلب حثياً لصدور المنقضي منه. فإن قيل: ما الحكمة في إطلاق الليل وإرادة سلطانه وهو القمر وماذا يكون لو قال: ولا القمرُ سابق الشَّمس. فالجواب: لو قال ولا القمر سابق الشمس ما كان يفهم أن الإشارة إلى الحركة اليومية فكان يتوهم المناقض بأن الشمس إذا كانت لا تدرك القمر فالقمر أسرع ظاهراً وإذا قال: ولا القمر سابق يظن أن القمر لا يسبق فليس بأسرع فقال اللَّيْل والنهار ليعمل أن الإشارة إلى الحركة التي بها تتم الدورة في يوم وليلة مرة وأن جميع الكواكب لها طلوع وغروب في اللّيل والنهار. قوله: ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ النهار﴾ قرأ عمارة بنصب «النَّهَار» حذف التنوين لالتقاء الساكنين. قال المبرد: سمعته يقرؤها فقلت: ما هذا؟ فقال: أردت سَابِقٌ - يعني بالتنوين - فخففت. قوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي يَجْرُون. وهذا يحقق أن لكلِّ طلوع في يوم وليلة ولا يسبق بعضُها بالنسبة إلى هذه الحركة والتنوين في قوله: «كُلُّ» عوض عن الإضافة والمعنى كل واحدٍ. وإسقاط التنوين للإضافة حتى لا يجتمع التعريف والتنكيرُ في شيءٍ واحد فلما أسقط المضاف إليه لفظاً رد التنوين عليه لفظاً وفي المعنى معرف الإضَافَةِ. فإن قيل: فهل يختلف الأمر عند الإضافة لفظاً وتركها؟ . فالجواب: نعم، لأن قول القائل: كل واحد من الناس كذا لا يذهب الفهم إلى غيرهم فيفيد اقتصار الفهم عليه، فإذا قال: كُلّ كذا يدخل في الفهم عمومٌ أكثر من العموم عند الإضافة وهذا كما في: «قَبْل وبَعْد» إذا قلت: أفعلُ قَبْلَ كذا فإذا حذفت المضاف وقلت أفعل قبل أفاد الفعل قبل كُلِّ شَيْءٍ. فإِنْ قِيلَ: فهل بين قولنا: «كُلٌّ منْهُمْ» وبين: «كُلّهم» وبين «كُلِّ» فرق؟ . فالجواب: نعم فقولك: كلهم يثبت الأمر للاقتصار عليهم، وقولك: كُلّ منهم يثبت الأمر أولاً للعموم ثم استدركه بالتخصيص فقال: منْهم وقولك: كلّ يثبت الأمر على العموم وتركت عليه فإن قيل: إذا كان «كُلّ» معناه كل واحد منهم والمذكور الشمس والقمر فكيْفَ قال: يَسْبَحُونَ؟ . فالجواب: أن قوله «كل» للعموم فكأنه أخبر عن كل كوكب في السماء سيَّاراً. وأيضاً فلفظ «كل» يجوز أن يوحَّد نظراً إلى كون لفظه مُوحِّداً غير مثنى ولا مجموع ويجوز أن يجمع لكونه معناه جمعاً، وأما التثنيه فلا يدل عليه اللفظ ولا المعنى وعلى هذا يحسن أن يقال: «زَيْدٌ وعمرٌو كُلُّ جَاءَ» ولا يقال: (كل) جَاءَا بالتثنية. وجواب آخراً قوله: ﴿وَلاَ الليل سَابِقُ﴾ فالمراد من الليل الكواكب فقال: «يَسْبَحُونَ» . فصل الفلك هو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة لأن أهل اللغة اتفقوا على أن فكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها وفلك الخيمة هي الخشبة المسطحة المستديرة التي توضع على رأس العمود، لئِلا يمزق العمود الخيمة وهي صفحة مستديرة. فإن قيل: فعلى هذا تكون السماء مستديرةً وقد اتفق أكثر المفسرين (على) أنَّ السماءَ مبسوطةٌ لها أطراف على جبال وهي كالسَّقْقِ المُسْتَوِي ويدل عليه قوله تعالى: ﴿والسقف المرفوع﴾ [الطور: 5] قال ابن الخطيب: ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء مبسوطة غير مستديرة بل دل الدليل الحِسِّيُّ على كونها مستديرةً فوجب المصير إليه والسقف والمقَبَّب لا يخرج عن كونه سقفاً وكذلك كونه على جبال. وأما الدليل الحسي فوجوه: الأول: أن من أمْعَنَ في النظر في جانب الجنوب تظهر له كواكب مثل سُهَيْل وغيره ظهوراً أبدياً ولو كان السماء سطحاً مستوياً لبان الكُلُّ للكلِّ بخلاف ما إذا كان مستديراً فإن بضعه حينئذ يستتر بأطراف الأرض فلا يُرَى. الثاني: أن الشمس إذا كانت مقارنة للحَمَل مثلاً فإذا غربت ظهر لك كواكبُ في منطقة البروج من الحَمل إلى المِيزان ثم في كل قليل يستتر الكوكب الذي يكون طلوعه بعدَ طلوع الشمس وبالعكس وهذا دليل ظاهر وإن بحث فيه يصير (قَطْعيًّا) . الثالث: أن الشمس قبل طلوعها وبعد غروبها يظهر ضوؤها ويستنير نورُها وإلا لما كان كذا بل كان (عن) إعادتها إلى السماء يظهر لك أحد جِرْمُها ونورُها معاً لكون السماء مستوية (حنيئذ مكشوفة كلها لكل أحد. الرابع: لو كانت السماء مستويةً) لكان القمرُ عندما يكون فوق رُؤُوسِنَا على المُسَامَتَةِ أقرب ما يكون إلينا وعندما يكون على الأفق أبعد منا لأن العمودأصغرُ من القُطْرِ والوتر وكذلك في الشمس والكواكب وكان يجب أن يرى أكبر لأن القريب يرى أكبر وليس كذلِكَ. الخامس: لو كانت السماءُ مستويةً لكان ارتفاعها أَولَ النهار ووَسَطَهُ وآخِرَهُ مستوياً وليس كذلك. والوجوه كثيرة وفي هذا كفايةٌ. فصل قال المُنَجِّمُونَ قوله تعالى: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ يدل على أنها أحياء لأن ذلك لا يطلق إلا على العاقل قال ابن الخطيب إن أرادوا القَدْرَ الذي يكون منها التسبيح فنقول به لأن كل شيء يسبح بحمده وإن أرادوا شيئاً آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كا في قوله تعالى في حق الأصنام: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾ [الصفات: 92] وقوله: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات: 91] .

يس 36:41

قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لما مَنَّ بإحياء الأرض وهي مكان الحيوانات بين أنه لم يقتصر عليه بل بين للإنسان طريقاً يتخذ من البحر ويسير فيها كما يسير في البر وهو كقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر﴾ [الإسراء: 70] ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ إذا فسرناه بأن المراد منه الإبل فإنها سفُن البرِّ. ووجه آخر وهو أن الله تعالى لما بين سِبَاحَةَ الكواكب في الأفلاك ذكر ما هو مثله وهو سباحة الفُلْكِ في البحار ووجه آخر وهو أن الأمور التي أنعم الله (تعالى) بها على عباده منها ضرورة ومنها نافعة فالأول للحاجة والثاني للزينة فخلق الله الأرض وإحياؤها من القبيل الأول فإنها المكان الذي لولاه لما وجد الإنسان ولولا إحياؤها لما عاش الإنسان، والليل والنهار في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل﴾ [يس: 37] أيضاً من القبيل الأول لأنه الزمان الذي لولاه لما حدث الإنسان والشمسُ والقمرُ وحركتُهُما لو لم تكن لما عاش الإنسان، ثم إنه تعالى لما ذكر من القبيل الأول وآيتين ذكر من القبيل الثاني وهو الزينة آيتين: إحداهما: الفُلْك التي تجري في البحر فتستخرج من البحر ما يُتَزَيَّنُ به كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي البحران هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] . وثانيهما: الدَّوَابُّ التي هي البرّ كالفُلْك في البحر في قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ فإن الدوابَّ زينة كما قال تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] . قوله: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا﴾ مبتدأ «وآية» خبر مقدم، وجوز أبو البقاء أن يكون: «أَنَّا حَمَلْنَا» خبر مبتدأ محذوف بناء منه على أن «آية لهم» مبتدأ وخبر كلام مستقل بنفسه كما تقدم في نظيره والظاهر أن الضميرين في «لَهُمْ» و «ذُرِّيَّتهم» لشيء واحد ويراد بالذرية آباؤهم المحمولين في سفينة نوح - عليه (الصلاة و) السلام - أو يكون الضميران مختلفين أي ذرية القرون الماضية ووجه الامتنان عليهم أنهم في ذلك مِثْلُ الذرية من حيث إنهم ينتفعون بها كانتفاع أولئلك. وقوله «مَا يَرْكَبُونَ» هذا يحتمل أن يكون من جنس الفُلْك إِن أريد بالفلك سفينة نوح - عليه (الصلاة و) السلام - خاصة وأن يكون من جنس آخر كالإبل ونحوه ولهذا سمتها العربُ سُفُنّ البرِّ فقوله: «مِنْ مِثْلِهِ» أي من مثل الفلك أو من مثل ما ذكر من خلق الأزواج، (في قوله «وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ» ) والضمير في «لهم» يحتمل أن يكون عائداً إلى الذرية أي حملنا ذريتهم وخَلَقْنَا للمحمولين ما يركبون، ويحتمل أن يعود إلى العباد الذين عاد إليْهِمْ قَوْلُهُ: «وَآيَةٌ لَهُمْ» وهو الظاهر لعود الضمائر إلى شيء واحد و «مِنْ» يحتمل أن تكون صلة أي خلقنا لهم مِثْلَهُ وأن تكون لِلْبَيَانِ لأن المخلوق كان أشياء. وقال مِنْ مِثْل الفلك للبيان وتقدم اشتقاق الذُّرِّيَّةِ في البقرة، واختلاف القراء فيها في الأعراف. فصل قال المفسرون: المراد بالذُّرَّيَةِ الآباء والأجداد واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد أي حَمَلْنَا آبَاءَكُمْ في الفلك، والألف للتعريف أي فُلْكِ نُوِحِ وهو مذكور في قوله: ﴿واصنع الفلك﴾ [هود: 37] وهو معلوم عند العرب. وقال الأكثرون: الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فالمراد إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح وإما أن يكون المراد الجنس كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: 12] وقوله: ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك﴾ [العنكبوت: 65] إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس فإن كان المراد سفينةَ وح ففيه وجوه: الأول: أن المراد: حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولولا ذلك لما بقي للأب نسلٌ ولا عَقِب وعلى هذا فقوله: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُم﴾ إشارة إلى كمال النعمة أي لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة وهذا قول الزمخشري ويحتمل أن يقال: إنه تعالى إنما خص الذريات بالذكر لأن الموجودين كانوا كفاراً لا فائدة في وجودهم فقال: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُم﴾ أي لم يكن الحَمْلُ حَمْلاً لهم وإنَّما كان حملاً لما في أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صُنْدُوقاً لا قيمة له وفيه جَوَاهِرُ (ف) قيل: إنه لم يحمل الصندوق إنما حمل ما فيه. الثاني: أنّ المُرَادَ بالذُّرِّيَّة الجنس أي حملنا أجناسهم لأن ذلك الحيوانَ من جسنه ونوعه، والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النِّساء كنهي النبي - عليه (الصلاة و) السلام) عن قَتْلِ الذَّرَارِي أي النساء لأنَّ المرأة وإن كانت صِنْفاً غير صِنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال: ذَرَاينا أي أمثالنا. الثالث: أن الضمير في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ﴾ عائد على العَبِاد، حيث قال: ﴿ياحسرة عَلَى العباد﴾ [يس: 30] وقال بعد ذلك: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (وإذا عُلِمَ هذا فكأنه تعالى قال: «وآيةٌ للعبادِ أنا حملنا ذريات العباد» . ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصاً مُعَيَّنينَ كقوله: ﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: 65] وكذلك إذا تقاتل قومٌ ومات الكُلّ في القتال يقال: هؤلاء القوم هم قتلوا أنفسهم. «فهم» في الموضعين يكون عائداً إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصاً مُعَيَّنِينَ بل المراد أن بعضَهم قتل بعضَهم فكذلك قوله تعالى: «آيةٌ لهم» أي آية لكل بعض منهم أ، احلمنا ذرية كُلِّ (بَعْض) منهم، أو ذرية بعض منهم. وإن قلنا: المراد جنس الفلك فآية ظاهرة لكل أحد وقوله تعالى في سفينة نوح: ﴿وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 15] أي بوجود جنسها ومثلها. ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: 31] وإن قيل: المراد سفينة نوح فوجه المناسبة أنه ذكرهم بحال نوح وأن المكذبين هلكوا والمؤمنين فازوا فكذلك هم إن آمنوا يفوزوا وإن كذبوا يَهْلَكُوا. والأول أظهر وهو أن المراد بالفلك الموجودة في زمانهم ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ . فإن قيل: لم قال ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيّيتهُمْ﴾ ولم يقل: «حملناهم» ليكون أعم كما قال: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 33] ولم يقل: تَأْكُلُ ذُرِّيِّتهُم؟ . فالجواب: قوله تعالى: «حملنا ذريتهم» أي ذريات العباد ولم يقل حملناهم لأن سكون الأرض عام (ل) كلّ أحد يسكنها فقال: ﴿وآيَةٌ لَهُم الأرض الميتة﴾ إلى أن قال: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ لأن الأكل عام وأما الحمل في السفنية فمن الناس من لا يركبها في عمره ولا يُحْمَلُ فيها ولكن ذرية العباد لا بد لهم من ذلك فإنَّ فيهم من يحتاج إليها فيُحْمَلُ فيها. فإن قيل: ما الحكمة في كونه جمع الفلك في قوله: ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] وأفرده في قوله: ﴿فِي الفلك المشحون﴾ . فالجواب: أن فيه تدقيقاً مليحاً في علم اللغة وهو أن الفلك تكون حركتها مثلَ حركة تلك الكلمة في الصورة، والحركتان مختلفنان في المعنى مثاله قولك: سَجَد يَسْجُدُ سُجُوداً للمصدر وهم قوم سُجُودٌ في جمع «سَاجِدٍ» يظن أنها كلمة واحدة لمعنيين وليس كذلك بل السجود عند كونه مصدراً حركته أصلية إذا قلنا: إن الفعل مشتق من المصدر وحركة السجود عند كونه للجمع حركة معتبرة من حيثُ إن الجمع مشتق مِنَ الواحد وينبغي أن يلحق الشمتق تغيير في حرف أو حركة أو في مجموعهما، فساجد لما أردنا أن يشْتَقَّ منه لفظُ جمع غيّرناه وجئنا بلفظ السُّجُود فإذن السجود للمصدر والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التي وضعت بحركة واحدة لمعنيين. وإذا عرف هذا فنقول «الفُلْك» عند كونه واحداً مثل: «قُفْل وبُرْد» وعند كونها جمعاً مثل خُشْبٍ أو بُرْدٍ أو غَيْرِهِما. فإن قيل: فإذا جعلتَهُ جمعاً ما يكون واحدها؟ . فالجواب: نقول جاز أن يكون واحدها فَلْكَة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد النِّساء لم يستعمل وكذا القول في: «إمام مبين» إمَام كَزِمام وكتاب عند قوله تعالى: ﴿كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71] أي بِأَئِمَّتِهِمْ إمَامٌ كَسِهام وحِفَانٍ، وهذا من دقيق التَّصْرِيف. وأما من جهة المعنى ففيه سؤالات: السؤال الأول: قال ههنا: «حَمَلْنا ذُرّيَّتّهُم» مَنَّ عليهم بحَمْلِ ذرّياتهم وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ [الحاقة: 11] منَّ عليهم هناك بحمل أنفسهم. فالجواب: أن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير ومن يدفع الضر عن المتعلّق بالغير لا يكون قد دفع الضر عن ذلك الغير بل يكون قد نفعه كمن أحسن إلى ولد إنسان وفرَّحَةُ فَرِحَ بفَرَحِهِ أبوه وإذا دفع الألم عن ولد إنسان يكون قد فَرَّح أباه ولا يكون في الحقيقة أزال الألم عن أبيه فعنْد طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال: دفعت وههنا عنكم الضّرر ولو قلا: دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بين دفع الضرر عنهم وههنا أراد بيان المنافع فقال: «حملنا ذرياتهم» لأنَّ النفع حاصل بنفع الذرية، ويدل على هذا قوله: «فِي الفُلْكِ المشحون» فإن امتلأ الفلك من الأموال يحصل (بذكره) بيان المنفعة وإذا دفع المضرة فلا لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص بها أبطأ وهنالك السلامة فاختار هناك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشّحْن. فإن قيل: قال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر﴾ [الإسراء: 70] ولم يقل: وحملنا ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النِّقْمة نقول: لما قال في البرّ والبحر عَمّ الخلق لأن ما من أحدٍ إلا وحمل في البر والبحر وأما الحمل في البحر فلم يَعُمّ فقال إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء. فصل وفي قوله: «المشحون» فائدة أخرى وهي أن الآدمِيِّ يرسُب في الماء ويَغْرقُ فحمله في الفلك واقع بقدرته لكن من الطَّبِيعيِّنَ من يقول: الخفيف لا يرسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله. فإن قيل: ما الحكمةُ في قوله: «وآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ (و) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ» ؟ ولم يقل: وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم؟ . فالجواب: أن حملهم في الفلك هو العجيب. أما نفس الفلك فليس بعجيب لأنه كَبيْتٍ مَبْنِيِّ من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل عجيب لا قدرة لأحد عليهما إلا الله. قوله: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ قرأ الحسن بتشديد الراء وهذه الآية تدل على أن المراد بقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ الفلك الموجود في زمانهم وليس المراد الإبل كما قاله بعض المفسرين بأن المراد الإبلُ لأنها سفنُ البرِّ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ فاصلاً بين متصلين. ويحتمل أن يقال: الضمي في مثله يعود إلى معلوم غير مذكور. وتقريره أن يقال: وخَلَقْنَا لهم من مثل ما ذكر من المخلوقات كما في قوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ﴾ [يس: 35] أن الهاء عائدة إلى ما ذكرنا أي من ثمرنا. فصل في قوله: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ فائدتان: إحداهما: أن في حال النعمة ينبغي أن لا يُؤْمَنَ عذابُ الله. والثانية: أن ذلك جواب عن سؤال مقدر وهو أن الطَّبيعيِّ يقول: السفينة تَحْمِلُ بمُقْتَضَى الطَّبِيعَة والمجوَّف لا يرسب، فقال: ليس كذلك بل لو شاء الله إغراقهم لأغرقهم وليس كذلك بمُقْتَضى الطبيعة ولو صح كلامه الفاسد لكان لقائل أن يقول: ألست توافق أن من السفن ما ينقلب ونيكسر ومنها ما يثقبه ثاقب فيرسب وكل ذلك بمشيئة الله فإن شاء أغرقهم من غير شيء من هذه الأسباب كما هو مذهب أهل السنة أو شيء من تلك الأسباب التي سلمتها أنت. قوله: ﴿فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ﴾ فَعِيلٌ بمعنى فاعل لا مغيث لهم وقيل: فلا مُسْتَغيث وقال الزمخشري: فلا إغاثة جعله مصدراً من «أصْرَخَ» قال أبو حيان «ويحتاج إلى نقل أن» صَرِيحاً يكون مصدراً بمعنى إصراخ «والعامة على فتح» صَرِيخَ «وحكى أبو البقاء أنه قرئ بالرفع والتنوين قال: ووجهة على ما في قوله: ﴿خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 38] . فصل معناه: لا مُغيثَ لهم يمنع عنهم الغَرَقَ» وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ «إذا أدركهم الغرق لأن الخلاص من العذاب إما أن يكون برفع العذاب من أصله أو برفعه بعد وقوعه فقال:» لاَ صَرِيْخ لَهُمْ» يدفع ولا هم يُنْقَذُونَ بعد الوقوع فيه وهو كقوله تعالى: ﴿لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ﴾ [يس: 23] وفيه فائدة أخرى غير الحصر وهي أنه تعالى قال: لا صَرِيخ لهم ولم يقل: ولا منقذ لهم؛ لأ (نَّ) مَنْ لا يكون مِن شأنه أن ينصر لا يشرع في النصر مخافة أن يْغلَبَ ويذهبَ ماءُ وَجْهِهِ وإنما يَنْصُرُ ويغيث من كان من شأنه أن يُغِيثَ فقال: «لاَ صِرِيخَ لَهُمْ» وأما من لا يكون من شأنه أن ينقذ إذا راى من يعين عليه في نصره يشرع في الإنقاذ وإن لم يثِقْ من نفسه في الإنقاذ ولا يغلب على ظنه وإنما يبذل المجهود فقال: «ولا هم ينقذون» ولم يقل: ولا منقذ لهم، ثم استثنى وقال: «إلا رَحْمَةَ مِنَّا وَمَتَاعاً إلى حِينٍ» وهو يفيد أمرين: أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمَتَاع أي فمن عَلِمَ أنه يؤمن فينقذه الله رحمة وفيمن علم أنه لا يؤمن فليمتنع زماناً ويزداد إثمه. وثاينهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام بل الزّوال في الدنيا لا بدَّ منه، فينقذه رحمة ويمتعه إلى حين ثم يميته فإذن الزوال لازم أن يقع. قال ابن عباس المراد» بالحِينِ «انقضاء آجالهم يعني (إلاَّ) أن يرحمهم ويمتعهم إلى حين آجالهم. قوله:» إلاَّ رَحْمَةً» منصوب على المفعول له وهو استثناء مفرغ، وقيل: استثناء منقعطع وقيل: على المصدر بفعل مقدَّر، أو على إسقاط الخافض أي إلا برحمةٍ والفاء في قوله: «فَلاَ صَرِيخَ» رابطةٌ لهذه الجملة بما قبلها؛ فالضمير في «لَهُمْ» عائد على المُغْرَقينَ» وجوز ابن عطية هذا ووجهاً آخَر وجعله أحْسَنَ منه وهو أن يكون استئناف إخبار عن المُسَافِرينَ في البحر ناجينَ كانوا مُغْرَقِينَ هم بهذه الحالة لا نجاة لهم إلاَّ برَحْمَةِ الله وليس قوله: ﴿فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ﴾ مربوطاً بالمغرقين انتهى. وليس جعله هذا الأحسن بالحسن لئلا تخرج الفاء عن مَوْضُوعِهَا والكلام عن التئامِهِ.

يس 36:42

قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لما مَنَّ بإحياء الأرض وهي مكان الحيوانات بين أنه لم يقتصر عليه بل بين للإنسان طريقاً يتخذ من البحر ويسير فيها كما يسير في البر وهو كقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر﴾ [الإسراء: 70] ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ إذا فسرناه بأن المراد منه الإبل فإنها سفُن البرِّ. ووجه آخر وهو أن الله تعالى لما بين سِبَاحَةَ الكواكب في الأفلاك ذكر ما هو مثله وهو سباحة الفُلْكِ في البحار ووجه آخر وهو أن الأمور التي أنعم الله (تعالى) بها على عباده منها ضرورة ومنها نافعة فالأول للحاجة والثاني للزينة فخلق الله الأرض وإحياؤها من القبيل الأول فإنها المكان الذي لولاه لما وجد الإنسان ولولا إحياؤها لما عاش الإنسان، والليل والنهار في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل﴾ [يس: 37] أيضاً من القبيل الأول لأنه الزمان الذي لولاه لما حدث الإنسان والشمسُ والقمرُ وحركتُهُما لو لم تكن لما عاش الإنسان، ثم إنه تعالى لما ذكر من القبيل الأول وآيتين ذكر من القبيل الثاني وهو الزينة آيتين: إحداهما: الفُلْك التي تجري في البحر فتستخرج من البحر ما يُتَزَيَّنُ به كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي البحران هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] . وثانيهما: الدَّوَابُّ التي هي البرّ كالفُلْك في البحر في قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ فإن الدوابَّ زينة كما قال تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] . قوله: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا﴾ مبتدأ «وآية» خبر مقدم، وجوز أبو البقاء أن يكون: «أَنَّا حَمَلْنَا» خبر مبتدأ محذوف بناء منه على أن «آية لهم» مبتدأ وخبر كلام مستقل بنفسه كما تقدم في نظيره والظاهر أن الضميرين في «لَهُمْ» و «ذُرِّيَّتهم» لشيء واحد ويراد بالذرية آباؤهم المحمولين في سفينة نوح - عليه (الصلاة و) السلام - أو يكون الضميران مختلفين أي ذرية القرون الماضية ووجه الامتنان عليهم أنهم في ذلك مِثْلُ الذرية من حيث إنهم ينتفعون بها كانتفاع أولئلك. وقوله «مَا يَرْكَبُونَ» هذا يحتمل أن يكون من جنس الفُلْك إِن أريد بالفلك سفينة نوح - عليه (الصلاة و) السلام - خاصة وأن يكون من جنس آخر كالإبل ونحوه ولهذا سمتها العربُ سُفُنّ البرِّ فقوله: «مِنْ مِثْلِهِ» أي من مثل الفلك أو من مثل ما ذكر من خلق الأزواج، (في قوله «وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ» ) والضمير في «لهم» يحتمل أن يكون عائداً إلى الذرية أي حملنا ذريتهم وخَلَقْنَا للمحمولين ما يركبون، ويحتمل أن يعود إلى العباد الذين عاد إليْهِمْ قَوْلُهُ: «وَآيَةٌ لَهُمْ» وهو الظاهر لعود الضمائر إلى شيء واحد و «مِنْ» يحتمل أن تكون صلة أي خلقنا لهم مِثْلَهُ وأن تكون لِلْبَيَانِ لأن المخلوق كان أشياء. وقال مِنْ مِثْل الفلك للبيان وتقدم اشتقاق الذُّرِّيَّةِ في البقرة، واختلاف القراء فيها في الأعراف. فصل قال المفسرون: المراد بالذُّرَّيَةِ الآباء والأجداد واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد أي حَمَلْنَا آبَاءَكُمْ في الفلك، والألف للتعريف أي فُلْكِ نُوِحِ وهو مذكور في قوله: ﴿واصنع الفلك﴾ [هود: 37] وهو معلوم عند العرب. وقال الأكثرون: الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فالمراد إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح وإما أن يكون المراد الجنس كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: 12] وقوله: ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك﴾ [العنكبوت: 65] إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس فإن كان المراد سفينةَ وح ففيه وجوه: الأول: أن المراد: حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولولا ذلك لما بقي للأب نسلٌ ولا عَقِب وعلى هذا فقوله: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُم﴾ إشارة إلى كمال النعمة أي لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة وهذا قول الزمخشري ويحتمل أن يقال: إنه تعالى إنما خص الذريات بالذكر لأن الموجودين كانوا كفاراً لا فائدة في وجودهم فقال: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُم﴾ أي لم يكن الحَمْلُ حَمْلاً لهم وإنَّما كان حملاً لما في أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صُنْدُوقاً لا قيمة له وفيه جَوَاهِرُ (ف) قيل: إنه لم يحمل الصندوق إنما حمل ما فيه. الثاني: أنّ المُرَادَ بالذُّرِّيَّة الجنس أي حملنا أجناسهم لأن ذلك الحيوانَ من جسنه ونوعه، والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النِّساء كنهي النبي - عليه (الصلاة و) السلام) عن قَتْلِ الذَّرَارِي أي النساء لأنَّ المرأة وإن كانت صِنْفاً غير صِنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال: ذَرَاينا أي أمثالنا. الثالث: أن الضمير في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ﴾ عائد على العَبِاد، حيث قال: ﴿ياحسرة عَلَى العباد﴾ [يس: 30] وقال بعد ذلك: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (وإذا عُلِمَ هذا فكأنه تعالى قال: «وآيةٌ للعبادِ أنا حملنا ذريات العباد» . ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصاً مُعَيَّنينَ كقوله: ﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: 65] وكذلك إذا تقاتل قومٌ ومات الكُلّ في القتال يقال: هؤلاء القوم هم قتلوا أنفسهم. «فهم» في الموضعين يكون عائداً إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصاً مُعَيَّنِينَ بل المراد أن بعضَهم قتل بعضَهم فكذلك قوله تعالى: «آيةٌ لهم» أي آية لكل بعض منهم أ، احلمنا ذرية كُلِّ (بَعْض) منهم، أو ذرية بعض منهم. وإن قلنا: المراد جنس الفلك فآية ظاهرة لكل أحد وقوله تعالى في سفينة نوح: ﴿وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 15] أي بوجود جنسها ومثلها. ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: 31] وإن قيل: المراد سفينة نوح فوجه المناسبة أنه ذكرهم بحال نوح وأن المكذبين هلكوا والمؤمنين فازوا فكذلك هم إن آمنوا يفوزوا وإن كذبوا يَهْلَكُوا. والأول أظهر وهو أن المراد بالفلك الموجودة في زمانهم ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ . فإن قيل: لم قال ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيّيتهُمْ﴾ ولم يقل: «حملناهم» ليكون أعم كما قال: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 33] ولم يقل: تَأْكُلُ ذُرِّيِّتهُم؟ . فالجواب: قوله تعالى: «حملنا ذريتهم» أي ذريات العباد ولم يقل حملناهم لأن سكون الأرض عام (ل) كلّ أحد يسكنها فقال: ﴿وآيَةٌ لَهُم الأرض الميتة﴾ إلى أن قال: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ لأن الأكل عام وأما الحمل في السفنية فمن الناس من لا يركبها في عمره ولا يُحْمَلُ فيها ولكن ذرية العباد لا بد لهم من ذلك فإنَّ فيهم من يحتاج إليها فيُحْمَلُ فيها. فإن قيل: ما الحكمة في كونه جمع الفلك في قوله: ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] وأفرده في قوله: ﴿فِي الفلك المشحون﴾ . فالجواب: أن فيه تدقيقاً مليحاً في علم اللغة وهو أن الفلك تكون حركتها مثلَ حركة تلك الكلمة في الصورة، والحركتان مختلفنان في المعنى مثاله قولك: سَجَد يَسْجُدُ سُجُوداً للمصدر وهم قوم سُجُودٌ في جمع «سَاجِدٍ» يظن أنها كلمة واحدة لمعنيين وليس كذلك بل السجود عند كونه مصدراً حركته أصلية إذا قلنا: إن الفعل مشتق من المصدر وحركة السجود عند كونه للجمع حركة معتبرة من حيثُ إن الجمع مشتق مِنَ الواحد وينبغي أن يلحق الشمتق تغيير في حرف أو حركة أو في مجموعهما، فساجد لما أردنا أن يشْتَقَّ منه لفظُ جمع غيّرناه وجئنا بلفظ السُّجُود فإذن السجود للمصدر والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التي وضعت بحركة واحدة لمعنيين. وإذا عرف هذا فنقول «الفُلْك» عند كونه واحداً مثل: «قُفْل وبُرْد» وعند كونها جمعاً مثل خُشْبٍ أو بُرْدٍ أو غَيْرِهِما. فإن قيل: فإذا جعلتَهُ جمعاً ما يكون واحدها؟ . فالجواب: نقول جاز أن يكون واحدها فَلْكَة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد النِّساء لم يستعمل وكذا القول في: «إمام مبين» إمَام كَزِمام وكتاب عند قوله تعالى: ﴿كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71] أي بِأَئِمَّتِهِمْ إمَامٌ كَسِهام وحِفَانٍ، وهذا من دقيق التَّصْرِيف. وأما من جهة المعنى ففيه سؤالات: السؤال الأول: قال ههنا: «حَمَلْنا ذُرّيَّتّهُم» مَنَّ عليهم بحَمْلِ ذرّياتهم وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ [الحاقة: 11] منَّ عليهم هناك بحمل أنفسهم. فالجواب: أن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير ومن يدفع الضر عن المتعلّق بالغير لا يكون قد دفع الضر عن ذلك الغير بل يكون قد نفعه كمن أحسن إلى ولد إنسان وفرَّحَةُ فَرِحَ بفَرَحِهِ أبوه وإذا دفع الألم عن ولد إنسان يكون قد فَرَّح أباه ولا يكون في الحقيقة أزال الألم عن أبيه فعنْد طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال: دفعت وههنا عنكم الضّرر ولو قلا: دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بين دفع الضرر عنهم وههنا أراد بيان المنافع فقال: «حملنا ذرياتهم» لأنَّ النفع حاصل بنفع الذرية، ويدل على هذا قوله: «فِي الفُلْكِ المشحون» فإن امتلأ الفلك من الأموال يحصل (بذكره) بيان المنفعة وإذا دفع المضرة فلا لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص بها أبطأ وهنالك السلامة فاختار هناك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشّحْن. فإن قيل: قال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر﴾ [الإسراء: 70] ولم يقل: وحملنا ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النِّقْمة نقول: لما قال في البرّ والبحر عَمّ الخلق لأن ما من أحدٍ إلا وحمل في البر والبحر وأما الحمل في البحر فلم يَعُمّ فقال إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء. فصل وفي قوله: «المشحون» فائدة أخرى وهي أن الآدمِيِّ يرسُب في الماء ويَغْرقُ فحمله في الفلك واقع بقدرته لكن من الطَّبِيعيِّنَ من يقول: الخفيف لا يرسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله. فإن قيل: ما الحكمةُ في قوله: «وآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ (و) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ» ؟ ولم يقل: وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم؟ . فالجواب: أن حملهم في الفلك هو العجيب. أما نفس الفلك فليس بعجيب لأنه كَبيْتٍ مَبْنِيِّ من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل عجيب لا قدرة لأحد عليهما إلا الله. قوله: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ قرأ الحسن بتشديد الراء وهذه الآية تدل على أن المراد بقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ الفلك الموجود في زمانهم وليس المراد الإبل كما قاله بعض المفسرين بأن المراد الإبلُ لأنها سفنُ البرِّ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ فاصلاً بين متصلين. ويحتمل أن يقال: الضمي في مثله يعود إلى معلوم غير مذكور. وتقريره أن يقال: وخَلَقْنَا لهم من مثل ما ذكر من المخلوقات كما في قوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ﴾ [يس: 35] أن الهاء عائدة إلى ما ذكرنا أي من ثمرنا. فصل في قوله: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ فائدتان: إحداهما: أن في حال النعمة ينبغي أن لا يُؤْمَنَ عذابُ الله. والثانية: أن ذلك جواب عن سؤال مقدر وهو أن الطَّبيعيِّ يقول: السفينة تَحْمِلُ بمُقْتَضَى الطَّبِيعَة والمجوَّف لا يرسب، فقال: ليس كذلك بل لو شاء الله إغراقهم لأغرقهم وليس كذلك بمُقْتَضى الطبيعة ولو صح كلامه الفاسد لكان لقائل أن يقول: ألست توافق أن من السفن ما ينقلب ونيكسر ومنها ما يثقبه ثاقب فيرسب وكل ذلك بمشيئة الله فإن شاء أغرقهم من غير شيء من هذه الأسباب كما هو مذهب أهل السنة أو شيء من تلك الأسباب التي سلمتها أنت. قوله: ﴿فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ﴾ فَعِيلٌ بمعنى فاعل لا مغيث لهم وقيل: فلا مُسْتَغيث وقال الزمخشري: فلا إغاثة جعله مصدراً من «أصْرَخَ» قال أبو حيان «ويحتاج إلى نقل أن» صَرِيحاً يكون مصدراً بمعنى إصراخ «والعامة على فتح» صَرِيخَ «وحكى أبو البقاء أنه قرئ بالرفع والتنوين قال: ووجهة على ما في قوله: ﴿خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 38] . فصل معناه: لا مُغيثَ لهم يمنع عنهم الغَرَقَ» وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ «إذا أدركهم الغرق لأن الخلاص من العذاب إما أن يكون برفع العذاب من أصله أو برفعه بعد وقوعه فقال:» لاَ صَرِيْخ لَهُمْ» يدفع ولا هم يُنْقَذُونَ بعد الوقوع فيه وهو كقوله تعالى: ﴿لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ﴾ [يس: 23] وفيه فائدة أخرى غير الحصر وهي أنه تعالى قال: لا صَرِيخ لهم ولم يقل: ولا منقذ لهم؛ لأ (نَّ) مَنْ لا يكون مِن شأنه أن ينصر لا يشرع في النصر مخافة أن يْغلَبَ ويذهبَ ماءُ وَجْهِهِ وإنما يَنْصُرُ ويغيث من كان من شأنه أن يُغِيثَ فقال: «لاَ صِرِيخَ لَهُمْ» وأما من لا يكون من شأنه أن ينقذ إذا راى من يعين عليه في نصره يشرع في الإنقاذ وإن لم يثِقْ من نفسه في الإنقاذ ولا يغلب على ظنه وإنما يبذل المجهود فقال: «ولا هم ينقذون» ولم يقل: ولا منقذ لهم، ثم استثنى وقال: «إلا رَحْمَةَ مِنَّا وَمَتَاعاً إلى حِينٍ» وهو يفيد أمرين: أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمَتَاع أي فمن عَلِمَ أنه يؤمن فينقذه الله رحمة وفيمن علم أنه لا يؤمن فليمتنع زماناً ويزداد إثمه. وثاينهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام بل الزّوال في الدنيا لا بدَّ منه، فينقذه رحمة ويمتعه إلى حين ثم يميته فإذن الزوال لازم أن يقع. قال ابن عباس المراد» بالحِينِ «انقضاء آجالهم يعني (إلاَّ) أن يرحمهم ويمتعهم إلى حين آجالهم. قوله:» إلاَّ رَحْمَةً» منصوب على المفعول له وهو استثناء مفرغ، وقيل: استثناء منقعطع وقيل: على المصدر بفعل مقدَّر، أو على إسقاط الخافض أي إلا برحمةٍ والفاء في قوله: «فَلاَ صَرِيخَ» رابطةٌ لهذه الجملة بما قبلها؛ فالضمير في «لَهُمْ» عائد على المُغْرَقينَ» وجوز ابن عطية هذا ووجهاً آخَر وجعله أحْسَنَ منه وهو أن يكون استئناف إخبار عن المُسَافِرينَ في البحر ناجينَ كانوا مُغْرَقِينَ هم بهذه الحالة لا نجاة لهم إلاَّ برَحْمَةِ الله وليس قوله: ﴿فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ﴾ مربوطاً بالمغرقين انتهى. وليس جعله هذا الأحسن بالحسن لئلا تخرج الفاء عن مَوْضُوعِهَا والكلام عن التئامِهِ.

يس 36:43

قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لما مَنَّ بإحياء الأرض وهي مكان الحيوانات بين أنه لم يقتصر عليه بل بين للإنسان طريقاً يتخذ من البحر ويسير فيها كما يسير في البر وهو كقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر﴾ [الإسراء: 70] ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ إذا فسرناه بأن المراد منه الإبل فإنها سفُن البرِّ. ووجه آخر وهو أن الله تعالى لما بين سِبَاحَةَ الكواكب في الأفلاك ذكر ما هو مثله وهو سباحة الفُلْكِ في البحار ووجه آخر وهو أن الأمور التي أنعم الله (تعالى) بها على عباده منها ضرورة ومنها نافعة فالأول للحاجة والثاني للزينة فخلق الله الأرض وإحياؤها من القبيل الأول فإنها المكان الذي لولاه لما وجد الإنسان ولولا إحياؤها لما عاش الإنسان، والليل والنهار في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل﴾ [يس: 37] أيضاً من القبيل الأول لأنه الزمان الذي لولاه لما حدث الإنسان والشمسُ والقمرُ وحركتُهُما لو لم تكن لما عاش الإنسان، ثم إنه تعالى لما ذكر من القبيل الأول وآيتين ذكر من القبيل الثاني وهو الزينة آيتين: إحداهما: الفُلْك التي تجري في البحر فتستخرج من البحر ما يُتَزَيَّنُ به كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي البحران هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] . وثانيهما: الدَّوَابُّ التي هي البرّ كالفُلْك في البحر في قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ فإن الدوابَّ زينة كما قال تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] . قوله: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا﴾ مبتدأ «وآية» خبر مقدم، وجوز أبو البقاء أن يكون: «أَنَّا حَمَلْنَا» خبر مبتدأ محذوف بناء منه على أن «آية لهم» مبتدأ وخبر كلام مستقل بنفسه كما تقدم في نظيره والظاهر أن الضميرين في «لَهُمْ» و «ذُرِّيَّتهم» لشيء واحد ويراد بالذرية آباؤهم المحمولين في سفينة نوح - عليه (الصلاة و) السلام - أو يكون الضميران مختلفين أي ذرية القرون الماضية ووجه الامتنان عليهم أنهم في ذلك مِثْلُ الذرية من حيث إنهم ينتفعون بها كانتفاع أولئلك. وقوله «مَا يَرْكَبُونَ» هذا يحتمل أن يكون من جنس الفُلْك إِن أريد بالفلك سفينة نوح - عليه (الصلاة و) السلام - خاصة وأن يكون من جنس آخر كالإبل ونحوه ولهذا سمتها العربُ سُفُنّ البرِّ فقوله: «مِنْ مِثْلِهِ» أي من مثل الفلك أو من مثل ما ذكر من خلق الأزواج، (في قوله «وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ» ) والضمير في «لهم» يحتمل أن يكون عائداً إلى الذرية أي حملنا ذريتهم وخَلَقْنَا للمحمولين ما يركبون، ويحتمل أن يعود إلى العباد الذين عاد إليْهِمْ قَوْلُهُ: «وَآيَةٌ لَهُمْ» وهو الظاهر لعود الضمائر إلى شيء واحد و «مِنْ» يحتمل أن تكون صلة أي خلقنا لهم مِثْلَهُ وأن تكون لِلْبَيَانِ لأن المخلوق كان أشياء. وقال مِنْ مِثْل الفلك للبيان وتقدم اشتقاق الذُّرِّيَّةِ في البقرة، واختلاف القراء فيها في الأعراف. فصل قال المفسرون: المراد بالذُّرَّيَةِ الآباء والأجداد واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد أي حَمَلْنَا آبَاءَكُمْ في الفلك، والألف للتعريف أي فُلْكِ نُوِحِ وهو مذكور في قوله: ﴿واصنع الفلك﴾ [هود: 37] وهو معلوم عند العرب. وقال الأكثرون: الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فالمراد إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح وإما أن يكون المراد الجنس كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: 12] وقوله: ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك﴾ [العنكبوت: 65] إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس فإن كان المراد سفينةَ وح ففيه وجوه: الأول: أن المراد: حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولولا ذلك لما بقي للأب نسلٌ ولا عَقِب وعلى هذا فقوله: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُم﴾ إشارة إلى كمال النعمة أي لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة وهذا قول الزمخشري ويحتمل أن يقال: إنه تعالى إنما خص الذريات بالذكر لأن الموجودين كانوا كفاراً لا فائدة في وجودهم فقال: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُم﴾ أي لم يكن الحَمْلُ حَمْلاً لهم وإنَّما كان حملاً لما في أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صُنْدُوقاً لا قيمة له وفيه جَوَاهِرُ (ف) قيل: إنه لم يحمل الصندوق إنما حمل ما فيه. الثاني: أنّ المُرَادَ بالذُّرِّيَّة الجنس أي حملنا أجناسهم لأن ذلك الحيوانَ من جسنه ونوعه، والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النِّساء كنهي النبي - عليه (الصلاة و) السلام) عن قَتْلِ الذَّرَارِي أي النساء لأنَّ المرأة وإن كانت صِنْفاً غير صِنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال: ذَرَاينا أي أمثالنا. الثالث: أن الضمير في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ﴾ عائد على العَبِاد، حيث قال: ﴿ياحسرة عَلَى العباد﴾ [يس: 30] وقال بعد ذلك: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (وإذا عُلِمَ هذا فكأنه تعالى قال: «وآيةٌ للعبادِ أنا حملنا ذريات العباد» . ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصاً مُعَيَّنينَ كقوله: ﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: 65] وكذلك إذا تقاتل قومٌ ومات الكُلّ في القتال يقال: هؤلاء القوم هم قتلوا أنفسهم. «فهم» في الموضعين يكون عائداً إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصاً مُعَيَّنِينَ بل المراد أن بعضَهم قتل بعضَهم فكذلك قوله تعالى: «آيةٌ لهم» أي آية لكل بعض منهم أ، احلمنا ذرية كُلِّ (بَعْض) منهم، أو ذرية بعض منهم. وإن قلنا: المراد جنس الفلك فآية ظاهرة لكل أحد وقوله تعالى في سفينة نوح: ﴿وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 15] أي بوجود جنسها ومثلها. ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: 31] وإن قيل: المراد سفينة نوح فوجه المناسبة أنه ذكرهم بحال نوح وأن المكذبين هلكوا والمؤمنين فازوا فكذلك هم إن آمنوا يفوزوا وإن كذبوا يَهْلَكُوا. والأول أظهر وهو أن المراد بالفلك الموجودة في زمانهم ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ . فإن قيل: لم قال ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيّيتهُمْ﴾ ولم يقل: «حملناهم» ليكون أعم كما قال: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 33] ولم يقل: تَأْكُلُ ذُرِّيِّتهُم؟ . فالجواب: قوله تعالى: «حملنا ذريتهم» أي ذريات العباد ولم يقل حملناهم لأن سكون الأرض عام (ل) كلّ أحد يسكنها فقال: ﴿وآيَةٌ لَهُم الأرض الميتة﴾ إلى أن قال: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ لأن الأكل عام وأما الحمل في السفنية فمن الناس من لا يركبها في عمره ولا يُحْمَلُ فيها ولكن ذرية العباد لا بد لهم من ذلك فإنَّ فيهم من يحتاج إليها فيُحْمَلُ فيها. فإن قيل: ما الحكمة في كونه جمع الفلك في قوله: ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] وأفرده في قوله: ﴿فِي الفلك المشحون﴾ . فالجواب: أن فيه تدقيقاً مليحاً في علم اللغة وهو أن الفلك تكون حركتها مثلَ حركة تلك الكلمة في الصورة، والحركتان مختلفنان في المعنى مثاله قولك: سَجَد يَسْجُدُ سُجُوداً للمصدر وهم قوم سُجُودٌ في جمع «سَاجِدٍ» يظن أنها كلمة واحدة لمعنيين وليس كذلك بل السجود عند كونه مصدراً حركته أصلية إذا قلنا: إن الفعل مشتق من المصدر وحركة السجود عند كونه للجمع حركة معتبرة من حيثُ إن الجمع مشتق مِنَ الواحد وينبغي أن يلحق الشمتق تغيير في حرف أو حركة أو في مجموعهما، فساجد لما أردنا أن يشْتَقَّ منه لفظُ جمع غيّرناه وجئنا بلفظ السُّجُود فإذن السجود للمصدر والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التي وضعت بحركة واحدة لمعنيين. وإذا عرف هذا فنقول «الفُلْك» عند كونه واحداً مثل: «قُفْل وبُرْد» وعند كونها جمعاً مثل خُشْبٍ أو بُرْدٍ أو غَيْرِهِما. فإن قيل: فإذا جعلتَهُ جمعاً ما يكون واحدها؟ . فالجواب: نقول جاز أن يكون واحدها فَلْكَة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد النِّساء لم يستعمل وكذا القول في: «إمام مبين» إمَام كَزِمام وكتاب عند قوله تعالى: ﴿كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71] أي بِأَئِمَّتِهِمْ إمَامٌ كَسِهام وحِفَانٍ، وهذا من دقيق التَّصْرِيف. وأما من جهة المعنى ففيه سؤالات: السؤال الأول: قال ههنا: «حَمَلْنا ذُرّيَّتّهُم» مَنَّ عليهم بحَمْلِ ذرّياتهم وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ [الحاقة: 11] منَّ عليهم هناك بحمل أنفسهم. فالجواب: أن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير ومن يدفع الضر عن المتعلّق بالغير لا يكون قد دفع الضر عن ذلك الغير بل يكون قد نفعه كمن أحسن إلى ولد إنسان وفرَّحَةُ فَرِحَ بفَرَحِهِ أبوه وإذا دفع الألم عن ولد إنسان يكون قد فَرَّح أباه ولا يكون في الحقيقة أزال الألم عن أبيه فعنْد طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال: دفعت وههنا عنكم الضّرر ولو قلا: دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بين دفع الضرر عنهم وههنا أراد بيان المنافع فقال: «حملنا ذرياتهم» لأنَّ النفع حاصل بنفع الذرية، ويدل على هذا قوله: «فِي الفُلْكِ المشحون» فإن امتلأ الفلك من الأموال يحصل (بذكره) بيان المنفعة وإذا دفع المضرة فلا لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص بها أبطأ وهنالك السلامة فاختار هناك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشّحْن. فإن قيل: قال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر﴾ [الإسراء: 70] ولم يقل: وحملنا ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النِّقْمة نقول: لما قال في البرّ والبحر عَمّ الخلق لأن ما من أحدٍ إلا وحمل في البر والبحر وأما الحمل في البحر فلم يَعُمّ فقال إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء. فصل وفي قوله: «المشحون» فائدة أخرى وهي أن الآدمِيِّ يرسُب في الماء ويَغْرقُ فحمله في الفلك واقع بقدرته لكن من الطَّبِيعيِّنَ من يقول: الخفيف لا يرسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله. فإن قيل: ما الحكمةُ في قوله: «وآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ (و) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ» ؟ ولم يقل: وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم؟ . فالجواب: أن حملهم في الفلك هو العجيب. أما نفس الفلك فليس بعجيب لأنه كَبيْتٍ مَبْنِيِّ من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل عجيب لا قدرة لأحد عليهما إلا الله. قوله: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ قرأ الحسن بتشديد الراء وهذه الآية تدل على أن المراد بقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ الفلك الموجود في زمانهم وليس المراد الإبل كما قاله بعض المفسرين بأن المراد الإبلُ لأنها سفنُ البرِّ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ فاصلاً بين متصلين. ويحتمل أن يقال: الضمي في مثله يعود إلى معلوم غير مذكور. وتقريره أن يقال: وخَلَقْنَا لهم من مثل ما ذكر من المخلوقات كما في قوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ﴾ [يس: 35] أن الهاء عائدة إلى ما ذكرنا أي من ثمرنا. فصل في قوله: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ فائدتان: إحداهما: أن في حال النعمة ينبغي أن لا يُؤْمَنَ عذابُ الله. والثانية: أن ذلك جواب عن سؤال مقدر وهو أن الطَّبيعيِّ يقول: السفينة تَحْمِلُ بمُقْتَضَى الطَّبِيعَة والمجوَّف لا يرسب، فقال: ليس كذلك بل لو شاء الله إغراقهم لأغرقهم وليس كذلك بمُقْتَضى الطبيعة ولو صح كلامه الفاسد لكان لقائل أن يقول: ألست توافق أن من السفن ما ينقلب ونيكسر ومنها ما يثقبه ثاقب فيرسب وكل ذلك بمشيئة الله فإن شاء أغرقهم من غير شيء من هذه الأسباب كما هو مذهب أهل السنة أو شيء من تلك الأسباب التي سلمتها أنت. قوله: ﴿فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ﴾ فَعِيلٌ بمعنى فاعل لا مغيث لهم وقيل: فلا مُسْتَغيث وقال الزمخشري: فلا إغاثة جعله مصدراً من «أصْرَخَ» قال أبو حيان «ويحتاج إلى نقل أن» صَرِيحاً يكون مصدراً بمعنى إصراخ «والعامة على فتح» صَرِيخَ «وحكى أبو البقاء أنه قرئ بالرفع والتنوين قال: ووجهة على ما في قوله: ﴿خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 38] . فصل معناه: لا مُغيثَ لهم يمنع عنهم الغَرَقَ» وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ «إذا أدركهم الغرق لأن الخلاص من العذاب إما أن يكون برفع العذاب من أصله أو برفعه بعد وقوعه فقال:» لاَ صَرِيْخ لَهُمْ» يدفع ولا هم يُنْقَذُونَ بعد الوقوع فيه وهو كقوله تعالى: ﴿لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ﴾ [يس: 23] وفيه فائدة أخرى غير الحصر وهي أنه تعالى قال: لا صَرِيخ لهم ولم يقل: ولا منقذ لهم؛ لأ (نَّ) مَنْ لا يكون مِن شأنه أن ينصر لا يشرع في النصر مخافة أن يْغلَبَ ويذهبَ ماءُ وَجْهِهِ وإنما يَنْصُرُ ويغيث من كان من شأنه أن يُغِيثَ فقال: «لاَ صِرِيخَ لَهُمْ» وأما من لا يكون من شأنه أن ينقذ إذا راى من يعين عليه في نصره يشرع في الإنقاذ وإن لم يثِقْ من نفسه في الإنقاذ ولا يغلب على ظنه وإنما يبذل المجهود فقال: «ولا هم ينقذون» ولم يقل: ولا منقذ لهم، ثم استثنى وقال: «إلا رَحْمَةَ مِنَّا وَمَتَاعاً إلى حِينٍ» وهو يفيد أمرين: أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمَتَاع أي فمن عَلِمَ أنه يؤمن فينقذه الله رحمة وفيمن علم أنه لا يؤمن فليمتنع زماناً ويزداد إثمه. وثاينهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام بل الزّوال في الدنيا لا بدَّ منه، فينقذه رحمة ويمتعه إلى حين ثم يميته فإذن الزوال لازم أن يقع. قال ابن عباس المراد» بالحِينِ «انقضاء آجالهم يعني (إلاَّ) أن يرحمهم ويمتعهم إلى حين آجالهم. قوله:» إلاَّ رَحْمَةً» منصوب على المفعول له وهو استثناء مفرغ، وقيل: استثناء منقعطع وقيل: على المصدر بفعل مقدَّر، أو على إسقاط الخافض أي إلا برحمةٍ والفاء في قوله: «فَلاَ صَرِيخَ» رابطةٌ لهذه الجملة بما قبلها؛ فالضمير في «لَهُمْ» عائد على المُغْرَقينَ» وجوز ابن عطية هذا ووجهاً آخَر وجعله أحْسَنَ منه وهو أن يكون استئناف إخبار عن المُسَافِرينَ في البحر ناجينَ كانوا مُغْرَقِينَ هم بهذه الحالة لا نجاة لهم إلاَّ برَحْمَةِ الله وليس قوله: ﴿فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ﴾ مربوطاً بالمغرقين انتهى. وليس جعله هذا الأحسن بالحسن لئلا تخرج الفاء عن مَوْضُوعِهَا والكلام عن التئامِهِ.

يس 36:44

قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ لما مَنَّ بإحياء الأرض وهي مكان الحيوانات بين أنه لم يقتصر عليه بل بين للإنسان طريقاً يتخذ من البحر ويسير فيها كما يسير في البر وهو كقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر﴾ [الإسراء: 70] ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ إذا فسرناه بأن المراد منه الإبل فإنها سفُن البرِّ. ووجه آخر وهو أن الله تعالى لما بين سِبَاحَةَ الكواكب في الأفلاك ذكر ما هو مثله وهو سباحة الفُلْكِ في البحار ووجه آخر وهو أن الأمور التي أنعم الله (تعالى) بها على عباده منها ضرورة ومنها نافعة فالأول للحاجة والثاني للزينة فخلق الله الأرض وإحياؤها من القبيل الأول فإنها المكان الذي لولاه لما وجد الإنسان ولولا إحياؤها لما عاش الإنسان، والليل والنهار في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل﴾ [يس: 37] أيضاً من القبيل الأول لأنه الزمان الذي لولاه لما حدث الإنسان والشمسُ والقمرُ وحركتُهُما لو لم تكن لما عاش الإنسان، ثم إنه تعالى لما ذكر من القبيل الأول وآيتين ذكر من القبيل الثاني وهو الزينة آيتين: إحداهما: الفُلْك التي تجري في البحر فتستخرج من البحر ما يُتَزَيَّنُ به كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي البحران هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] . وثانيهما: الدَّوَابُّ التي هي البرّ كالفُلْك في البحر في قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ فإن الدوابَّ زينة كما قال تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] . قوله: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا﴾ مبتدأ «وآية» خبر مقدم، وجوز أبو البقاء أن يكون: «أَنَّا حَمَلْنَا» خبر مبتدأ محذوف بناء منه على أن «آية لهم» مبتدأ وخبر كلام مستقل بنفسه كما تقدم في نظيره والظاهر أن الضميرين في «لَهُمْ» و «ذُرِّيَّتهم» لشيء واحد ويراد بالذرية آباؤهم المحمولين في سفينة نوح - عليه (الصلاة و) السلام - أو يكون الضميران مختلفين أي ذرية القرون الماضية ووجه الامتنان عليهم أنهم في ذلك مِثْلُ الذرية من حيث إنهم ينتفعون بها كانتفاع أولئلك. وقوله «مَا يَرْكَبُونَ» هذا يحتمل أن يكون من جنس الفُلْك إِن أريد بالفلك سفينة نوح - عليه (الصلاة و) السلام - خاصة وأن يكون من جنس آخر كالإبل ونحوه ولهذا سمتها العربُ سُفُنّ البرِّ فقوله: «مِنْ مِثْلِهِ» أي من مثل الفلك أو من مثل ما ذكر من خلق الأزواج، (في قوله «وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ» ) والضمير في «لهم» يحتمل أن يكون عائداً إلى الذرية أي حملنا ذريتهم وخَلَقْنَا للمحمولين ما يركبون، ويحتمل أن يعود إلى العباد الذين عاد إليْهِمْ قَوْلُهُ: «وَآيَةٌ لَهُمْ» وهو الظاهر لعود الضمائر إلى شيء واحد و «مِنْ» يحتمل أن تكون صلة أي خلقنا لهم مِثْلَهُ وأن تكون لِلْبَيَانِ لأن المخلوق كان أشياء. وقال مِنْ مِثْل الفلك للبيان وتقدم اشتقاق الذُّرِّيَّةِ في البقرة، واختلاف القراء فيها في الأعراف. فصل قال المفسرون: المراد بالذُّرَّيَةِ الآباء والأجداد واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد أي حَمَلْنَا آبَاءَكُمْ في الفلك، والألف للتعريف أي فُلْكِ نُوِحِ وهو مذكور في قوله: ﴿واصنع الفلك﴾ [هود: 37] وهو معلوم عند العرب. وقال الأكثرون: الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فالمراد إما أن يكون الفلك المعين الذي كان لنوح وإما أن يكون المراد الجنس كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف: 12] وقوله: ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك﴾ [العنكبوت: 65] إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس فإن كان المراد سفينةَ وح ففيه وجوه: الأول: أن المراد: حملنا أولادهم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك ولولا ذلك لما بقي للأب نسلٌ ولا عَقِب وعلى هذا فقوله: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُم﴾ إشارة إلى كمال النعمة أي لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة وهذا قول الزمخشري ويحتمل أن يقال: إنه تعالى إنما خص الذريات بالذكر لأن الموجودين كانوا كفاراً لا فائدة في وجودهم فقال: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُم﴾ أي لم يكن الحَمْلُ حَمْلاً لهم وإنَّما كان حملاً لما في أصلابهم من المؤمنين كمن حمل صُنْدُوقاً لا قيمة له وفيه جَوَاهِرُ (ف) قيل: إنه لم يحمل الصندوق إنما حمل ما فيه. الثاني: أنّ المُرَادَ بالذُّرِّيَّة الجنس أي حملنا أجناسهم لأن ذلك الحيوانَ من جسنه ونوعه، والذرية تطلق على الجنس ولذلك تطلق على النِّساء كنهي النبي - عليه (الصلاة و) السلام) عن قَتْلِ الذَّرَارِي أي النساء لأنَّ المرأة وإن كانت صِنْفاً غير صِنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال: ذَرَاينا أي أمثالنا. الثالث: أن الضمير في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ﴾ عائد على العَبِاد، حيث قال: ﴿ياحسرة عَلَى العباد﴾ [يس: 30] وقال بعد ذلك: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (وإذا عُلِمَ هذا فكأنه تعالى قال: «وآيةٌ للعبادِ أنا حملنا ذريات العباد» . ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصاً مُعَيَّنينَ كقوله: ﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: 65] وكذلك إذا تقاتل قومٌ ومات الكُلّ في القتال يقال: هؤلاء القوم هم قتلوا أنفسهم. «فهم» في الموضعين يكون عائداً إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصاً مُعَيَّنِينَ بل المراد أن بعضَهم قتل بعضَهم فكذلك قوله تعالى: «آيةٌ لهم» أي آية لكل بعض منهم أ، احلمنا ذرية كُلِّ (بَعْض) منهم، أو ذرية بعض منهم. وإن قلنا: المراد جنس الفلك فآية ظاهرة لكل أحد وقوله تعالى في سفينة نوح: ﴿وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: 15] أي بوجود جنسها ومثلها. ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: 31] وإن قيل: المراد سفينة نوح فوجه المناسبة أنه ذكرهم بحال نوح وأن المكذبين هلكوا والمؤمنين فازوا فكذلك هم إن آمنوا يفوزوا وإن كذبوا يَهْلَكُوا. والأول أظهر وهو أن المراد بالفلك الموجودة في زمانهم ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ . فإن قيل: لم قال ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيّيتهُمْ﴾ ولم يقل: «حملناهم» ليكون أعم كما قال: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 33] ولم يقل: تَأْكُلُ ذُرِّيِّتهُم؟ . فالجواب: قوله تعالى: «حملنا ذريتهم» أي ذريات العباد ولم يقل حملناهم لأن سكون الأرض عام (ل) كلّ أحد يسكنها فقال: ﴿وآيَةٌ لَهُم الأرض الميتة﴾ إلى أن قال: ﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ لأن الأكل عام وأما الحمل في السفنية فمن الناس من لا يركبها في عمره ولا يُحْمَلُ فيها ولكن ذرية العباد لا بد لهم من ذلك فإنَّ فيهم من يحتاج إليها فيُحْمَلُ فيها. فإن قيل: ما الحكمة في كونه جمع الفلك في قوله: ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر: 12] وأفرده في قوله: ﴿فِي الفلك المشحون﴾ . فالجواب: أن فيه تدقيقاً مليحاً في علم اللغة وهو أن الفلك تكون حركتها مثلَ حركة تلك الكلمة في الصورة، والحركتان مختلفنان في المعنى مثاله قولك: سَجَد يَسْجُدُ سُجُوداً للمصدر وهم قوم سُجُودٌ في جمع «سَاجِدٍ» يظن أنها كلمة واحدة لمعنيين وليس كذلك بل السجود عند كونه مصدراً حركته أصلية إذا قلنا: إن الفعل مشتق من المصدر وحركة السجود عند كونه للجمع حركة معتبرة من حيثُ إن الجمع مشتق مِنَ الواحد وينبغي أن يلحق الشمتق تغيير في حرف أو حركة أو في مجموعهما، فساجد لما أردنا أن يشْتَقَّ منه لفظُ جمع غيّرناه وجئنا بلفظ السُّجُود فإذن السجود للمصدر والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التي وضعت بحركة واحدة لمعنيين. وإذا عرف هذا فنقول «الفُلْك» عند كونه واحداً مثل: «قُفْل وبُرْد» وعند كونها جمعاً مثل خُشْبٍ أو بُرْدٍ أو غَيْرِهِما. فإن قيل: فإذا جعلتَهُ جمعاً ما يكون واحدها؟ . فالجواب: نقول جاز أن يكون واحدها فَلْكَة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد النِّساء لم يستعمل وكذا القول في: «إمام مبين» إمَام كَزِمام وكتاب عند قوله تعالى: ﴿كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71] أي بِأَئِمَّتِهِمْ إمَامٌ كَسِهام وحِفَانٍ، وهذا من دقيق التَّصْرِيف. وأما من جهة المعنى ففيه سؤالات: السؤال الأول: قال ههنا: «حَمَلْنا ذُرّيَّتّهُم» مَنَّ عليهم بحَمْلِ ذرّياتهم وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ [الحاقة: 11] منَّ عليهم هناك بحمل أنفسهم. فالجواب: أن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير ومن يدفع الضر عن المتعلّق بالغير لا يكون قد دفع الضر عن ذلك الغير بل يكون قد نفعه كمن أحسن إلى ولد إنسان وفرَّحَةُ فَرِحَ بفَرَحِهِ أبوه وإذا دفع الألم عن ولد إنسان يكون قد فَرَّح أباه ولا يكون في الحقيقة أزال الألم عن أبيه فعنْد طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال: دفعت وههنا عنكم الضّرر ولو قلا: دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بين دفع الضرر عنهم وههنا أراد بيان المنافع فقال: «حملنا ذرياتهم» لأنَّ النفع حاصل بنفع الذرية، ويدل على هذا قوله: «فِي الفُلْكِ المشحون» فإن امتلأ الفلك من الأموال يحصل (بذكره) بيان المنفعة وإذا دفع المضرة فلا لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص بها أبطأ وهنالك السلامة فاختار هناك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشّحْن. فإن قيل: قال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر﴾ [الإسراء: 70] ولم يقل: وحملنا ذريتكم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة لا دفع النِّقْمة نقول: لما قال في البرّ والبحر عَمّ الخلق لأن ما من أحدٍ إلا وحمل في البر والبحر وأما الحمل في البحر فلم يَعُمّ فقال إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء. فصل وفي قوله: «المشحون» فائدة أخرى وهي أن الآدمِيِّ يرسُب في الماء ويَغْرقُ فحمله في الفلك واقع بقدرته لكن من الطَّبِيعيِّنَ من يقول: الخفيف لا يرسب ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله. فإن قيل: ما الحكمةُ في قوله: «وآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ (و) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ» ؟ ولم يقل: وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم؟ . فالجواب: أن حملهم في الفلك هو العجيب. أما نفس الفلك فليس بعجيب لأنه كَبيْتٍ مَبْنِيِّ من خشب وأما نفس الأرض فعجيب ونفس الليل عجيب لا قدرة لأحد عليهما إلا الله. قوله: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ قرأ الحسن بتشديد الراء وهذه الآية تدل على أن المراد بقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ الفلك الموجود في زمانهم وليس المراد الإبل كما قاله بعض المفسرين بأن المراد الإبلُ لأنها سفنُ البرِّ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ فاصلاً بين متصلين. ويحتمل أن يقال: الضمي في مثله يعود إلى معلوم غير مذكور. وتقريره أن يقال: وخَلَقْنَا لهم من مثل ما ذكر من المخلوقات كما في قوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ﴾ [يس: 35] أن الهاء عائدة إلى ما ذكرنا أي من ثمرنا. فصل في قوله: ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ فائدتان: إحداهما: أن في حال النعمة ينبغي أن لا يُؤْمَنَ عذابُ الله. والثانية: أن ذلك جواب عن سؤال مقدر وهو أن الطَّبيعيِّ يقول: السفينة تَحْمِلُ بمُقْتَضَى الطَّبِيعَة والمجوَّف لا يرسب، فقال: ليس كذلك بل لو شاء الله إغراقهم لأغرقهم وليس كذلك بمُقْتَضى الطبيعة ولو صح كلامه الفاسد لكان لقائل أن يقول: ألست توافق أن من السفن ما ينقلب ونيكسر ومنها ما يثقبه ثاقب فيرسب وكل ذلك بمشيئة الله فإن شاء أغرقهم من غير شيء من هذه الأسباب كما هو مذهب أهل السنة أو شيء من تلك الأسباب التي سلمتها أنت. قوله: ﴿فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ﴾ فَعِيلٌ بمعنى فاعل لا مغيث لهم وقيل: فلا مُسْتَغيث وقال الزمخشري: فلا إغاثة جعله مصدراً من «أصْرَخَ» قال أبو حيان «ويحتاج إلى نقل أن» صَرِيحاً يكون مصدراً بمعنى إصراخ «والعامة على فتح» صَرِيخَ «وحكى أبو البقاء أنه قرئ بالرفع والتنوين قال: ووجهة على ما في قوله: ﴿خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 38] . فصل معناه: لا مُغيثَ لهم يمنع عنهم الغَرَقَ» وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ «إذا أدركهم الغرق لأن الخلاص من العذاب إما أن يكون برفع العذاب من أصله أو برفعه بعد وقوعه فقال:» لاَ صَرِيْخ لَهُمْ» يدفع ولا هم يُنْقَذُونَ بعد الوقوع فيه وهو كقوله تعالى: ﴿لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونَ﴾ [يس: 23] وفيه فائدة أخرى غير الحصر وهي أنه تعالى قال: لا صَرِيخ لهم ولم يقل: ولا منقذ لهم؛ لأ (نَّ) مَنْ لا يكون مِن شأنه أن ينصر لا يشرع في النصر مخافة أن يْغلَبَ ويذهبَ ماءُ وَجْهِهِ وإنما يَنْصُرُ ويغيث من كان من شأنه أن يُغِيثَ فقال: «لاَ صِرِيخَ لَهُمْ» وأما من لا يكون من شأنه أن ينقذ إذا راى من يعين عليه في نصره يشرع في الإنقاذ وإن لم يثِقْ من نفسه في الإنقاذ ولا يغلب على ظنه وإنما يبذل المجهود فقال: «ولا هم ينقذون» ولم يقل: ولا منقذ لهم، ثم استثنى وقال: «إلا رَحْمَةَ مِنَّا وَمَتَاعاً إلى حِينٍ» وهو يفيد أمرين: أحدهما: انقسام الإنقاذ إلى قسمين: الرحمة والمَتَاع أي فمن عَلِمَ أنه يؤمن فينقذه الله رحمة وفيمن علم أنه لا يؤمن فليمتنع زماناً ويزداد إثمه. وثاينهما: أنه بيان لكون الإنقاذ غير مفيد للدوام بل الزّوال في الدنيا لا بدَّ منه، فينقذه رحمة ويمتعه إلى حين ثم يميته فإذن الزوال لازم أن يقع. قال ابن عباس المراد» بالحِينِ «انقضاء آجالهم يعني (إلاَّ) أن يرحمهم ويمتعهم إلى حين آجالهم. قوله:» إلاَّ رَحْمَةً» منصوب على المفعول له وهو استثناء مفرغ، وقيل: استثناء منقعطع وقيل: على المصدر بفعل مقدَّر، أو على إسقاط الخافض أي إلا برحمةٍ والفاء في قوله: «فَلاَ صَرِيخَ» رابطةٌ لهذه الجملة بما قبلها؛ فالضمير في «لَهُمْ» عائد على المُغْرَقينَ» وجوز ابن عطية هذا ووجهاً آخَر وجعله أحْسَنَ منه وهو أن يكون استئناف إخبار عن المُسَافِرينَ في البحر ناجينَ كانوا مُغْرَقِينَ هم بهذه الحالة لا نجاة لهم إلاَّ برَحْمَةِ الله وليس قوله: ﴿فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ﴾ مربوطاً بالمغرقين انتهى. وليس جعله هذا الأحسن بالحسن لئلا تخرج الفاء عن مَوْضُوعِهَا والكلام عن التئامِهِ.

يس 36:45

قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ جوابها محذوف أي أعرضوا يدل عليه بعده: «إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضينَ» وعلى هذا فلفظ «كانوا» زائدٌ، قال ابن عباس: ما بين أيديكم يعني الآخرة فاعملوا لها، وما خلفكم يعني الدنيا فاحْذَرُوها ولا تغترّوا بها وقيل: ما بين أيدكم وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم وما خلفكم عذاب الآخرة قاله قتادة ومقاتل، «لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» . قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي دلالة على صدق محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إلا كانوا عنها معرضين وهذا الاستئناف في محل (نصب) حال كما تقدم في نظائره، وهذه الآية متعلقة بقوله تعالى: ﴿ياحسرة عَلَى العباد مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: 30] أي إذا جاءتهم الرسل كذبوا وإذا أتوا بالآيات أعْرَضُوا. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ لما عدد الآيات بقوله: ( «وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ» ) (و) «آيةٌ لَهُمُ اللِّيْلُ» (و) (آيةٌ لَهُمْ أنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ «وكانت الآيات تفيد اليقين والقطع ولم تفدهم اليَقينَ قال فلا أقلَّ من أن يَحْترزوا وقوع العذاب، فإن من أخبر بوقوع العذاب يتقيه وإن مل يقطع بصدق المخبر احْتِيَاكاً فقال تعالى: إذا ذكرتم الدليل القاطع لا يعترفون به فإذا قيل لهم اتقوا لا يتقون فهم في غاية الجهل ونهاية الغفلة لا مثل العلماء الذين يبنون الأمر على الأحوط ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بحرف التمنِّي أي أن يخفى عليه البرهان لا يترك الاحتراز والاحْتِيَاطَ. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ الله﴾ أي أعطاكم الله. وهذا إشاءة إلى أنهم بخلوا بجميع التكاليف لأن المكلف يجب عليه التعظيم لجانب الله والشفقة على خلق الله وهم تركوا التعظيم حيث قيل لهم: اتَّقُوا (فلم يَتَّقُوا (وتركوا الشفة على خلق الله حيث قيل لهم: أَنْقِقُوا ولم ينفقوا فما الحكمة في حذف الجواب في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ﴾ وههنا أجاب وأتى بأكثر من الجواب ولو قال: «وإذا قيل لهم أنققوا قالوا أنْطْعِمُ مَنْ لو يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ» لكان كافياً فما الفائدة في قوله تعالى: ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ فالجواب: أن الكفار كانوا يقولون بأنَّ الإطعام من الصِّفات الحميدة وكانوا يفتخرون بطُعمةِ الأضياف فأوردوا في ذلك على المؤمنين معتقدين بأن أفعالنا مَنًّا ولولا إطعامنا مَنَّا لما اندفعت حاجة الضيف وأنتم تقولون: إنّ إلهكم يرزق من يشاء فَلِمَ تقولون لنا: أنفقوا؟ فلما كان غرضهم الرد على المؤمنين، لا الامتناع من الإطعام قال تعالى عنهم: ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ إشارة إلى الرد. وأما قوله: اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ «فلم يكن لهم رد على المؤمنين فأعرضوا فأعرض (الله) عن ذكر إعراضهم لحصول العِلْمِ به. فصل قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أَنْفِقُوا على المساكين مما زعمتم أنه لله من أموالكم وهو ما جعلوا لله من حُرُوثهم وأَنْعَامهم» قَالوا أَنْطْعِمُ «أنرزق» مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللُّهُ «رزقه ثم لم يرزقه مع قدرته عليه فنحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله. وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون: لا نعطي من حرمه الله. وهذا الذي يزعمون باطل؛ لأن الله تعالى بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلو الغنيّ بالفقير فيما فرض له في مال الغني ولا اعتراض لأحد على مشيئة الله وحكمه في خلقه. فإن قيل: ما الفائدة من تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا: أننفق من لو يشاء الله رزقه وذلك أنهم أمروا بالإنفاق في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ﴾ فكان جوابهم أن يقولوا: أننفقُ؛ فَلِمَ قالوا: أنطعم؟ . فالجواب: أن في هذا بيانَ غاية مخالفتهم لأنهم إذا أمروا بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره فمل يأتوا بالإنفاق ولا بأقلَّ منه وهو الإطعام. وهذا كقول القائل لغيره:» أَعْطِ زَيْداً دِينَاراً» فيقول: لاَ أُعْطِيهِ دِرْهماً مع أن المطابق هو أن يقول لا أعطيه ديناراً ولكن المبالغة في هذا الوجه أتمّ. فكذلك ههنا. فإن قيل: قولهم: ﴿لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ﴾ كلام حق فلماذا ذكر في معرض الذَّمِّ؟ . فالجواب: لأن مرادهم كان الإنكارَ لقدرة الله أو لعدم جواز الأمر بالإنفاق مع قدرة الله وكلاهما فاسدٌ فبيّن الله ذلك بقوله: ﴿مِمَّا رِزَقَكُمُ الله﴾ فإنه يدل على قدرته ويصحِّح أمره بالإعطاء لأن من كان له في يد الغير مال وله في خزانته مال فهو مخير إن أراد أعطى مما في خزانته وإن أراد أمر من عنده المال بالإعطاء، ولا يجوز أن يقول من في يده مال: في خزانتك أكثير مما في يدي أعطه منه. قوله: ﴿مَن لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ﴾ مفعول» أَنُطْعِمُ «و» أَطْعَمَهُ «جواب» لو «وجاء على أحد الجَائِزين (و) هو تجرده من اللام. والأفصح أن يكون بلام، نحو: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ [الواقعة: 65] قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ يقول الكفار للمؤمنين: ما أنت إلا في خطأ بيِّن في اتِّباعكم محمداً وترك ما نحن عليه وهذا إشارة إلى أنهم قطعوا المؤمنين بهذا الكلام وأن أمرهم بالإنفاق مع قولهم بقدرة الله ظاهر الفساد واعتقادهم هو الفاسد. فصل اعمل أنَّ» إنْ «وردت للنفي بمعنى» ما «وكان الأصل في» إن» أنْ تكون للشرط والأصل في «مَا» أن تكون للنفي لكنهما اشتركا من بعض الوجوه فتعارضا واستعمل» ما «في الشرط، واستعمل» إن «في النفي. أما وجه اشتراكهما فهو أن كل واحدة منها حرف مركب من حرفين متقاربين فإن الهمزة تقرب من الأنف والميم من النون ولا بد أن يكون المعنى الذي يدخل عليه» ما» و «إنْ» لا يكون ثابتاً أما في «ما» فظاهر وأما في «إنْ» فلأنك إذا قلت: «إنْ جَاءَ زَيْدٌ أَكْرِمْه» ينبغي أن لا يكون منه في الحال (مجيء) فاستعمل إنْ مكان «ما» وقيل: «إنْ زَيْدٌ قَائِمٌ» أي ما زيد بقائم. واستعمل ما في الشرط تقول: مَا تَصْنَعْ أَصْنَعْ والذي يدل على ما ذكرنا أن «ما» النافية تستعمل بحيث لا تستعمل إن (وذلك) لأنك تقول: «مَا إنْ جَلَسَ زَيْدٌ» فتجعل إنْ «صلة» ولا تقول: «إنْ جَلَسَ زَيْدٌ» ، بمعنى النفي وبمعنى الشرط تقول: إِمَّا ترين فتجعل «إنْ» أصلاً و «ما» صلة فدلنا هذا على أَنَّ «إنْ» في الشرط أصل و «ما» دخيل فيه و «ما» في النفي بالعَكْسِ. فصل قوله: ﴿إنْ أَنْتُمْ﴾ يفيد ما لا يفيد قوله: ﴿أَنْتُمْ فِي ضَلاَلٍ﴾ لأنه يوجب الحصر وأنه ليسُوا في غير الضَّلالِ، ووصف الضلال بالمُبِين أي أنه لظِهوره تبين نفسه أنه ضلال أي في ضلالٍ لا يخفى على أحد أنه في ضَلالَ. وقوله: «في ضلال» يفيد كونهم مَغْمُورينَ فيه غائصين، فأما قوله في موضع آخر: «عَلَى بَيِّنَةٍ» و «عَلَى هُدى» فهو إشارة إلى كونهم راكبينَ متن الطريق المستقيم قَادِرينَ عليه. فصل إنما وصفوا المؤمنين بأنهم في ضَلالَ مبين لظنهم أن كلام المؤمنين متاقض ومن يتناقض كلامهُ يكون في غاية الضلال قال ابن الخطيب: ووجه ذلك أنهم قالوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه وهذا إشارة إلى أن الله إن شاء أن يطعمهم فهو يطعمهم فكان الأمر بإطعامهم أمراً بتحصيل الحاصل وإن لم يشأ إطعامهم لا يقدر أحدٌ على إطعامهم لامتناع وقوع ما لم يشأ فلا قدرة لنا على الإطعام فكيف تأمروننا بالإطعام؟! ووجه آخر وهو أنهم قالوا إن أراد الله تجويعهم فلو أطْعَمْنَاهُم يكون ذلك سعياً في إبطال فعل الله وأنه لا يجوز وأنتم تقولولن أطعموهم فهو ضلال. واعلم أنه لم يكن في الضلال إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر وذلك لأن العبد إذا أمره السِّيدُ بأمر لا ينبغي الإطِّلاَعُ على المقصود الذي لأجهل الذي أمره به مثاله إذا أراد الملك الركوب للهجوم على عَدُوَّه بحيث لا يَطَّلع عليه أحد وقال للعبد: أَحْضِر المركوبَ فلو تطلع واستكشف المقصود الذي لأجله الركوب لنسب إلى أنه يريد أن يطلع عوه على الحَذَرِ منه وكشف سره فالأدب في الطاعة هو اتباع الأمر لا تتبع المراد فاللَّه تعالى إذ (ا) قال: أنفقوا مما رزقكم الله لا يجوز أن يقال: لِمَ لَمْ يطعمهم (الله) مما في خزائنه؟ .

يس 36:46

قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ جوابها محذوف أي أعرضوا يدل عليه بعده: «إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضينَ» وعلى هذا فلفظ «كانوا» زائدٌ، قال ابن عباس: ما بين أيديكم يعني الآخرة فاعملوا لها، وما خلفكم يعني الدنيا فاحْذَرُوها ولا تغترّوا بها وقيل: ما بين أيدكم وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم وما خلفكم عذاب الآخرة قاله قتادة ومقاتل، «لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» . قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي دلالة على صدق محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إلا كانوا عنها معرضين وهذا الاستئناف في محل (نصب) حال كما تقدم في نظائره، وهذه الآية متعلقة بقوله تعالى: ﴿ياحسرة عَلَى العباد مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: 30] أي إذا جاءتهم الرسل كذبوا وإذا أتوا بالآيات أعْرَضُوا. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ لما عدد الآيات بقوله: ( «وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ» ) (و) «آيةٌ لَهُمُ اللِّيْلُ» (و) (آيةٌ لَهُمْ أنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ «وكانت الآيات تفيد اليقين والقطع ولم تفدهم اليَقينَ قال فلا أقلَّ من أن يَحْترزوا وقوع العذاب، فإن من أخبر بوقوع العذاب يتقيه وإن مل يقطع بصدق المخبر احْتِيَاكاً فقال تعالى: إذا ذكرتم الدليل القاطع لا يعترفون به فإذا قيل لهم اتقوا لا يتقون فهم في غاية الجهل ونهاية الغفلة لا مثل العلماء الذين يبنون الأمر على الأحوط ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بحرف التمنِّي أي أن يخفى عليه البرهان لا يترك الاحتراز والاحْتِيَاطَ. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ الله﴾ أي أعطاكم الله. وهذا إشاءة إلى أنهم بخلوا بجميع التكاليف لأن المكلف يجب عليه التعظيم لجانب الله والشفقة على خلق الله وهم تركوا التعظيم حيث قيل لهم: اتَّقُوا (فلم يَتَّقُوا (وتركوا الشفة على خلق الله حيث قيل لهم: أَنْقِقُوا ولم ينفقوا فما الحكمة في حذف الجواب في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ﴾ وههنا أجاب وأتى بأكثر من الجواب ولو قال: «وإذا قيل لهم أنققوا قالوا أنْطْعِمُ مَنْ لو يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ» لكان كافياً فما الفائدة في قوله تعالى: ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ فالجواب: أن الكفار كانوا يقولون بأنَّ الإطعام من الصِّفات الحميدة وكانوا يفتخرون بطُعمةِ الأضياف فأوردوا في ذلك على المؤمنين معتقدين بأن أفعالنا مَنًّا ولولا إطعامنا مَنَّا لما اندفعت حاجة الضيف وأنتم تقولون: إنّ إلهكم يرزق من يشاء فَلِمَ تقولون لنا: أنفقوا؟ فلما كان غرضهم الرد على المؤمنين، لا الامتناع من الإطعام قال تعالى عنهم: ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ إشارة إلى الرد. وأما قوله: اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ «فلم يكن لهم رد على المؤمنين فأعرضوا فأعرض (الله) عن ذكر إعراضهم لحصول العِلْمِ به. فصل قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أَنْفِقُوا على المساكين مما زعمتم أنه لله من أموالكم وهو ما جعلوا لله من حُرُوثهم وأَنْعَامهم» قَالوا أَنْطْعِمُ «أنرزق» مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللُّهُ «رزقه ثم لم يرزقه مع قدرته عليه فنحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله. وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون: لا نعطي من حرمه الله. وهذا الذي يزعمون باطل؛ لأن الله تعالى بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلو الغنيّ بالفقير فيما فرض له في مال الغني ولا اعتراض لأحد على مشيئة الله وحكمه في خلقه. فإن قيل: ما الفائدة من تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا: أننفق من لو يشاء الله رزقه وذلك أنهم أمروا بالإنفاق في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ﴾ فكان جوابهم أن يقولوا: أننفقُ؛ فَلِمَ قالوا: أنطعم؟ . فالجواب: أن في هذا بيانَ غاية مخالفتهم لأنهم إذا أمروا بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره فمل يأتوا بالإنفاق ولا بأقلَّ منه وهو الإطعام. وهذا كقول القائل لغيره:» أَعْطِ زَيْداً دِينَاراً» فيقول: لاَ أُعْطِيهِ دِرْهماً مع أن المطابق هو أن يقول لا أعطيه ديناراً ولكن المبالغة في هذا الوجه أتمّ. فكذلك ههنا. فإن قيل: قولهم: ﴿لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ﴾ كلام حق فلماذا ذكر في معرض الذَّمِّ؟ . فالجواب: لأن مرادهم كان الإنكارَ لقدرة الله أو لعدم جواز الأمر بالإنفاق مع قدرة الله وكلاهما فاسدٌ فبيّن الله ذلك بقوله: ﴿مِمَّا رِزَقَكُمُ الله﴾ فإنه يدل على قدرته ويصحِّح أمره بالإعطاء لأن من كان له في يد الغير مال وله في خزانته مال فهو مخير إن أراد أعطى مما في خزانته وإن أراد أمر من عنده المال بالإعطاء، ولا يجوز أن يقول من في يده مال: في خزانتك أكثير مما في يدي أعطه منه. قوله: ﴿مَن لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ﴾ مفعول» أَنُطْعِمُ «و» أَطْعَمَهُ «جواب» لو «وجاء على أحد الجَائِزين (و) هو تجرده من اللام. والأفصح أن يكون بلام، نحو: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ [الواقعة: 65] قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ يقول الكفار للمؤمنين: ما أنت إلا في خطأ بيِّن في اتِّباعكم محمداً وترك ما نحن عليه وهذا إشارة إلى أنهم قطعوا المؤمنين بهذا الكلام وأن أمرهم بالإنفاق مع قولهم بقدرة الله ظاهر الفساد واعتقادهم هو الفاسد. فصل اعمل أنَّ» إنْ «وردت للنفي بمعنى» ما «وكان الأصل في» إن» أنْ تكون للشرط والأصل في «مَا» أن تكون للنفي لكنهما اشتركا من بعض الوجوه فتعارضا واستعمل» ما «في الشرط، واستعمل» إن «في النفي. أما وجه اشتراكهما فهو أن كل واحدة منها حرف مركب من حرفين متقاربين فإن الهمزة تقرب من الأنف والميم من النون ولا بد أن يكون المعنى الذي يدخل عليه» ما» و «إنْ» لا يكون ثابتاً أما في «ما» فظاهر وأما في «إنْ» فلأنك إذا قلت: «إنْ جَاءَ زَيْدٌ أَكْرِمْه» ينبغي أن لا يكون منه في الحال (مجيء) فاستعمل إنْ مكان «ما» وقيل: «إنْ زَيْدٌ قَائِمٌ» أي ما زيد بقائم. واستعمل ما في الشرط تقول: مَا تَصْنَعْ أَصْنَعْ والذي يدل على ما ذكرنا أن «ما» النافية تستعمل بحيث لا تستعمل إن (وذلك) لأنك تقول: «مَا إنْ جَلَسَ زَيْدٌ» فتجعل إنْ «صلة» ولا تقول: «إنْ جَلَسَ زَيْدٌ» ، بمعنى النفي وبمعنى الشرط تقول: إِمَّا ترين فتجعل «إنْ» أصلاً و «ما» صلة فدلنا هذا على أَنَّ «إنْ» في الشرط أصل و «ما» دخيل فيه و «ما» في النفي بالعَكْسِ. فصل قوله: ﴿إنْ أَنْتُمْ﴾ يفيد ما لا يفيد قوله: ﴿أَنْتُمْ فِي ضَلاَلٍ﴾ لأنه يوجب الحصر وأنه ليسُوا في غير الضَّلالِ، ووصف الضلال بالمُبِين أي أنه لظِهوره تبين نفسه أنه ضلال أي في ضلالٍ لا يخفى على أحد أنه في ضَلالَ. وقوله: «في ضلال» يفيد كونهم مَغْمُورينَ فيه غائصين، فأما قوله في موضع آخر: «عَلَى بَيِّنَةٍ» و «عَلَى هُدى» فهو إشارة إلى كونهم راكبينَ متن الطريق المستقيم قَادِرينَ عليه. فصل إنما وصفوا المؤمنين بأنهم في ضَلالَ مبين لظنهم أن كلام المؤمنين متاقض ومن يتناقض كلامهُ يكون في غاية الضلال قال ابن الخطيب: ووجه ذلك أنهم قالوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه وهذا إشارة إلى أن الله إن شاء أن يطعمهم فهو يطعمهم فكان الأمر بإطعامهم أمراً بتحصيل الحاصل وإن لم يشأ إطعامهم لا يقدر أحدٌ على إطعامهم لامتناع وقوع ما لم يشأ فلا قدرة لنا على الإطعام فكيف تأمروننا بالإطعام؟! ووجه آخر وهو أنهم قالوا إن أراد الله تجويعهم فلو أطْعَمْنَاهُم يكون ذلك سعياً في إبطال فعل الله وأنه لا يجوز وأنتم تقولولن أطعموهم فهو ضلال. واعلم أنه لم يكن في الضلال إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر وذلك لأن العبد إذا أمره السِّيدُ بأمر لا ينبغي الإطِّلاَعُ على المقصود الذي لأجهل الذي أمره به مثاله إذا أراد الملك الركوب للهجوم على عَدُوَّه بحيث لا يَطَّلع عليه أحد وقال للعبد: أَحْضِر المركوبَ فلو تطلع واستكشف المقصود الذي لأجله الركوب لنسب إلى أنه يريد أن يطلع عوه على الحَذَرِ منه وكشف سره فالأدب في الطاعة هو اتباع الأمر لا تتبع المراد فاللَّه تعالى إذ (ا) قال: أنفقوا مما رزقكم الله لا يجوز أن يقال: لِمَ لَمْ يطعمهم (الله) مما في خزائنه؟ .

يس 36:47

قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ جوابها محذوف أي أعرضوا يدل عليه بعده: «إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضينَ» وعلى هذا فلفظ «كانوا» زائدٌ، قال ابن عباس: ما بين أيديكم يعني الآخرة فاعملوا لها، وما خلفكم يعني الدنيا فاحْذَرُوها ولا تغترّوا بها وقيل: ما بين أيدكم وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم وما خلفكم عذاب الآخرة قاله قتادة ومقاتل، «لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» . قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي دلالة على صدق محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إلا كانوا عنها معرضين وهذا الاستئناف في محل (نصب) حال كما تقدم في نظائره، وهذه الآية متعلقة بقوله تعالى: ﴿ياحسرة عَلَى العباد مَا يَأْتِيهِمْ مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: 30] أي إذا جاءتهم الرسل كذبوا وإذا أتوا بالآيات أعْرَضُوا. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ لما عدد الآيات بقوله: ( «وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ» ) (و) «آيةٌ لَهُمُ اللِّيْلُ» (و) (آيةٌ لَهُمْ أنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ «وكانت الآيات تفيد اليقين والقطع ولم تفدهم اليَقينَ قال فلا أقلَّ من أن يَحْترزوا وقوع العذاب، فإن من أخبر بوقوع العذاب يتقيه وإن مل يقطع بصدق المخبر احْتِيَاكاً فقال تعالى: إذا ذكرتم الدليل القاطع لا يعترفون به فإذا قيل لهم اتقوا لا يتقون فهم في غاية الجهل ونهاية الغفلة لا مثل العلماء الذين يبنون الأمر على الأحوط ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بحرف التمنِّي أي أن يخفى عليه البرهان لا يترك الاحتراز والاحْتِيَاطَ. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ الله﴾ أي أعطاكم الله. وهذا إشاءة إلى أنهم بخلوا بجميع التكاليف لأن المكلف يجب عليه التعظيم لجانب الله والشفقة على خلق الله وهم تركوا التعظيم حيث قيل لهم: اتَّقُوا (فلم يَتَّقُوا (وتركوا الشفة على خلق الله حيث قيل لهم: أَنْقِقُوا ولم ينفقوا فما الحكمة في حذف الجواب في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ﴾ وههنا أجاب وأتى بأكثر من الجواب ولو قال: «وإذا قيل لهم أنققوا قالوا أنْطْعِمُ مَنْ لو يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ» لكان كافياً فما الفائدة في قوله تعالى: ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ فالجواب: أن الكفار كانوا يقولون بأنَّ الإطعام من الصِّفات الحميدة وكانوا يفتخرون بطُعمةِ الأضياف فأوردوا في ذلك على المؤمنين معتقدين بأن أفعالنا مَنًّا ولولا إطعامنا مَنَّا لما اندفعت حاجة الضيف وأنتم تقولون: إنّ إلهكم يرزق من يشاء فَلِمَ تقولون لنا: أنفقوا؟ فلما كان غرضهم الرد على المؤمنين، لا الامتناع من الإطعام قال تعالى عنهم: ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا﴾ إشارة إلى الرد. وأما قوله: اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ «فلم يكن لهم رد على المؤمنين فأعرضوا فأعرض (الله) عن ذكر إعراضهم لحصول العِلْمِ به. فصل قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أَنْفِقُوا على المساكين مما زعمتم أنه لله من أموالكم وهو ما جعلوا لله من حُرُوثهم وأَنْعَامهم» قَالوا أَنْطْعِمُ «أنرزق» مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللُّهُ «رزقه ثم لم يرزقه مع قدرته عليه فنحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله. وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون: لا نعطي من حرمه الله. وهذا الذي يزعمون باطل؛ لأن الله تعالى بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلو الغنيّ بالفقير فيما فرض له في مال الغني ولا اعتراض لأحد على مشيئة الله وحكمه في خلقه. فإن قيل: ما الفائدة من تغيير اللفظ في جوابهم حيث لم يقولوا: أننفق من لو يشاء الله رزقه وذلك أنهم أمروا بالإنفاق في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ﴾ فكان جوابهم أن يقولوا: أننفقُ؛ فَلِمَ قالوا: أنطعم؟ . فالجواب: أن في هذا بيانَ غاية مخالفتهم لأنهم إذا أمروا بالإنفاق والإنفاق يدخل فيه الإطعام وغيره فمل يأتوا بالإنفاق ولا بأقلَّ منه وهو الإطعام. وهذا كقول القائل لغيره:» أَعْطِ زَيْداً دِينَاراً» فيقول: لاَ أُعْطِيهِ دِرْهماً مع أن المطابق هو أن يقول لا أعطيه ديناراً ولكن المبالغة في هذا الوجه أتمّ. فكذلك ههنا. فإن قيل: قولهم: ﴿لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ﴾ كلام حق فلماذا ذكر في معرض الذَّمِّ؟ . فالجواب: لأن مرادهم كان الإنكارَ لقدرة الله أو لعدم جواز الأمر بالإنفاق مع قدرة الله وكلاهما فاسدٌ فبيّن الله ذلك بقوله: ﴿مِمَّا رِزَقَكُمُ الله﴾ فإنه يدل على قدرته ويصحِّح أمره بالإعطاء لأن من كان له في يد الغير مال وله في خزانته مال فهو مخير إن أراد أعطى مما في خزانته وإن أراد أمر من عنده المال بالإعطاء، ولا يجوز أن يقول من في يده مال: في خزانتك أكثير مما في يدي أعطه منه. قوله: ﴿مَن لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ﴾ مفعول» أَنُطْعِمُ «و» أَطْعَمَهُ «جواب» لو «وجاء على أحد الجَائِزين (و) هو تجرده من اللام. والأفصح أن يكون بلام، نحو: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ [الواقعة: 65] قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ يقول الكفار للمؤمنين: ما أنت إلا في خطأ بيِّن في اتِّباعكم محمداً وترك ما نحن عليه وهذا إشارة إلى أنهم قطعوا المؤمنين بهذا الكلام وأن أمرهم بالإنفاق مع قولهم بقدرة الله ظاهر الفساد واعتقادهم هو الفاسد. فصل اعمل أنَّ» إنْ «وردت للنفي بمعنى» ما «وكان الأصل في» إن» أنْ تكون للشرط والأصل في «مَا» أن تكون للنفي لكنهما اشتركا من بعض الوجوه فتعارضا واستعمل» ما «في الشرط، واستعمل» إن «في النفي. أما وجه اشتراكهما فهو أن كل واحدة منها حرف مركب من حرفين متقاربين فإن الهمزة تقرب من الأنف والميم من النون ولا بد أن يكون المعنى الذي يدخل عليه» ما» و «إنْ» لا يكون ثابتاً أما في «ما» فظاهر وأما في «إنْ» فلأنك إذا قلت: «إنْ جَاءَ زَيْدٌ أَكْرِمْه» ينبغي أن لا يكون منه في الحال (مجيء) فاستعمل إنْ مكان «ما» وقيل: «إنْ زَيْدٌ قَائِمٌ» أي ما زيد بقائم. واستعمل ما في الشرط تقول: مَا تَصْنَعْ أَصْنَعْ والذي يدل على ما ذكرنا أن «ما» النافية تستعمل بحيث لا تستعمل إن (وذلك) لأنك تقول: «مَا إنْ جَلَسَ زَيْدٌ» فتجعل إنْ «صلة» ولا تقول: «إنْ جَلَسَ زَيْدٌ» ، بمعنى النفي وبمعنى الشرط تقول: إِمَّا ترين فتجعل «إنْ» أصلاً و «ما» صلة فدلنا هذا على أَنَّ «إنْ» في الشرط أصل و «ما» دخيل فيه و «ما» في النفي بالعَكْسِ. فصل قوله: ﴿إنْ أَنْتُمْ﴾ يفيد ما لا يفيد قوله: ﴿أَنْتُمْ فِي ضَلاَلٍ﴾ لأنه يوجب الحصر وأنه ليسُوا في غير الضَّلالِ، ووصف الضلال بالمُبِين أي أنه لظِهوره تبين نفسه أنه ضلال أي في ضلالٍ لا يخفى على أحد أنه في ضَلالَ. وقوله: «في ضلال» يفيد كونهم مَغْمُورينَ فيه غائصين، فأما قوله في موضع آخر: «عَلَى بَيِّنَةٍ» و «عَلَى هُدى» فهو إشارة إلى كونهم راكبينَ متن الطريق المستقيم قَادِرينَ عليه. فصل إنما وصفوا المؤمنين بأنهم في ضَلالَ مبين لظنهم أن كلام المؤمنين متاقض ومن يتناقض كلامهُ يكون في غاية الضلال قال ابن الخطيب: ووجه ذلك أنهم قالوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه وهذا إشارة إلى أن الله إن شاء أن يطعمهم فهو يطعمهم فكان الأمر بإطعامهم أمراً بتحصيل الحاصل وإن لم يشأ إطعامهم لا يقدر أحدٌ على إطعامهم لامتناع وقوع ما لم يشأ فلا قدرة لنا على الإطعام فكيف تأمروننا بالإطعام؟! ووجه آخر وهو أنهم قالوا إن أراد الله تجويعهم فلو أطْعَمْنَاهُم يكون ذلك سعياً في إبطال فعل الله وأنه لا يجوز وأنتم تقولولن أطعموهم فهو ضلال. واعلم أنه لم يكن في الضلال إلا هم حيث نظروا إلى المراد ولم ينظروا إلى الطلب والأمر وذلك لأن العبد إذا أمره السِّيدُ بأمر لا ينبغي الإطِّلاَعُ على المقصود الذي لأجهل الذي أمره به مثاله إذا أراد الملك الركوب للهجوم على عَدُوَّه بحيث لا يَطَّلع عليه أحد وقال للعبد: أَحْضِر المركوبَ فلو تطلع واستكشف المقصود الذي لأجله الركوب لنسب إلى أنه يريد أن يطلع عوه على الحَذَرِ منه وكشف سره فالأدب في الطاعة هو اتباع الأمر لا تتبع المراد فاللَّه تعالى إذ (ا) قال: أنفقوا مما رزقكم الله لا يجوز أن يقال: لِمَ لَمْ يطعمهم (الله) مما في خزائنه؟ .

يس 36:48

قوله: ﴿وَيَقُولُونَ متى هَذَا الوعد﴾ أي القيامة والبعث «إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» وهذا إشارة إلى ما اعتقدوا أن التقوى المأمور بها في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: 45] والإنفاق المذكور في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: 45] لا فائدة فيه لأن لا حقيقة له وقولهم: «مَتَى هَذَا الوَعْدُ» أي متى يقع المَوْعُودُ به. فصل «إنْ» للشرط وهي تستدعي جزاء و «متى» استفهام لا تصلح جواباً فيه فما الجواب؟ . قيل: هو في صورة الآستفهام وهو في المعنى إنكار كأنهم قالوا: إن كنتم صادقين في قوع الحشر فَقُلُوا متى يكون. فصل الظاهر أن هذا الخطاب مع الأنبياء لما أنكروا الرسالة قالوا إن كنتم أيها المُدَّعونَ للرسالة صادقين فأخبرونا متى يكون ما تَعِدُونَنَا به. فإن قيل: ليس في هذا الموضع وعد فالإشارة بقوله: «هَذَا الوَعْد» إلى أي وعد؟ فالجواب: هو ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: 45] من قيام الساعة، أو نقول: هو معلوم وإن لم يكن مذكوراً لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب. قوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس: ما ينتظرون إلاّ الصيحة المعلومة يريد النفخة الأولى والتنكير للتكثير. فإن قيل: هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون بعدمها. فالجواب: المراد بالانتظار فعلهم لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله الهوان وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وعلمه بأنهم لا يفوتونه أو يقال: لما لم يكن قولهم «متى» استفهاماً حقيقياً قال ينتظرون انتظاراً غير حقيقي لأن القائل متى يفهم منه الانتظار نظر لقوله. فصل ذكر في الصيحة أموراً تدل على عظمتها: أحدها: التنكير وثانيها: قوله «واحدة» أي لا يحتاج معها إلى ثانية. ثالثها: «تأخذهم» أي تَعْمُّهم بالأَخْذِ وتصلُ إلى مَنْ في الأرض مشارقِهَا ومَغَارِبها. قوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خَصَم يَخْصِمُ. والمعنى بخصم بعضهم بعضاً فالمفعول محذوف، وأبو عمرو وقالوا بإخفاء فتحة الخاء، وتشديد الصاد. ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا أنه بإخلاص فتحة الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد والأصل في القراءات الثلالث يَخطْتَصُمُونَ فأدغمت التاء في الصاد. فنافع وابن كثير وهشام نقولا فتحتها إلى الساكن قبلها نقلاً كاملاً، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتها تنْبِيهاً على أن الخاء أصلها السكون والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان كذلك فكسر (وا) أولهما. فهذه أربع قراءات قرئ بها في المشهور، وروي عن أبي عمرو وقالون سكون الخاء وتشديد الصاد فالنحاة يستشكلونها للجمع بين ساكنين على غير حَدِّيْهمَا. وقرأ جماعة «يخِصِّمُونَ» بكسر الياء والخاء وتشديد الصاد وكسروا الياء إتباعاً وقرأ أبيّ يَخْتَصِمُونَ على الأصل، وقال أبو حيان وروي عنهما - أي عن أبي عمرو وقالون - سكون الخاء، وتخفيف الصاد من خَصَم قال شهاب الدين: هذه هي قراءة حَمْزَةَ ولم يحكِها هو عنه، وهذا يشبه قوله: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: 20] في البقرة و «لاَ يَهْدِّي» في يُونُس وقرأ ابن مُحَيْصِن «يرجعون» مبنيٍّا للمفعول. فصل قال عليه (الصلاة و) السلام: «لَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلاَ يِبِيعانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ الرَّجُلُ أَكْلَتَهُ إلَى فِيهِ فَلاَ يَطْعَمُها» . قوله: ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي لا يقدرون على الإيصاء قال مقاتل: أي أعجلوا عن الوصية فماتوا «وَلاَ إلَى أَهْلِهِمْ يرْجِعُونَ» يَنْقَلِبُونَ. أي أنَّ الساعة لا تُمْهِلْهُم لشيء. واعلم أن قول القائل: فلان في هذه الحالة لا يوصي دون قوله لايستطيع التوصية لأن ما من لايوصي قد يستطيعها والتوصية بالقول، والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل فقال: لا يتسطيعون كلمة، فكيف الذي يحتاج إلى زمن طويل من أداء الواجبات ورد المظالم؟! واعتبار الوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى الوصية أمسّ. والتنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية (ما) ولو كانت بِكَلِمةٍ يسيرة، ولأن الوصية قد تحصل بالإشارة، فالعاجز عنها عاجز عن غيرها. قوله: ﴿إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ بيان لشدة الحاجة إلى التوصية، ثم بين ما بعد الصيحة الأولى فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ أي نفخ فيه أخرى كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وقرأ الأعرج ونفخ في الصور بتفح لاواو وهي القبور واحدها جَدَث، وقرئ من الأجدافِ بالفاء، وهو لغة في الأجداث يقال: جَدَث، وجَدَف كثمَّ وفُمَّ، وثُوم، وفُوم. فإن فيل: أين يكون ذلك الوقت وقد زلزت الصيحة الجبال؟ . فالجواب: أن الله يجمع أجزاء كل ميت في الموضع الذي أقْرِرَ فيه من ذلك الموضع وهو جدثه. قوله: ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ أي يخرجون من القبور أحياء. وقرأ ابنُ أبي إسحاق وأبو عمرو في رواية: يَنْسُلُونَ بضم السين، يقال: نَسَلَ الثعلبُ يَنْسِلُ وَنْسُلُ إذا أسرع في عَدْوِهِ، ومنه قيل للولد: نَسَل لخروجه من ظهر أبيه وبطن أمه. فإن قيل: المسيء إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رِجْلاً ويؤخر أخرى والنَّسلاَن سرعة الشيء فكيف يوجد بينهم ذلك؟ فالجواب: ينسلون من غير اختيارهم والمعنى أنه أراد أن يبين كمال قدرته ونفوذ إرادته حيث نفخ في الصور فيكون في وقته جمع وإحياء وقيام وعدو في زمان واحد، فقوله: «إذَا هُمْ يَنْسِلُونَ» أي في زمان واحد ينتهون إلى هذه الدرجة وهي النسلان الذي لا يكون إلا بعد مراتب. فإن قيل: قال في آية ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وقال ههنا: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ والقيام غير النسلان فقوله في الموضعين: «إذا هم» يقتضي أن يكونا معاً. فالجواب من وجهين: الأول: أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر. الثاني: أن لسرعة الأمور كأن الكل في زمان واحد كقول القائل: 4183 - مِكَرِّ مِفَرِّ مُقْبِل مُدْبِرٍ مَعاً..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . واعمل أن النفختين تورثان تزلزلاً وانقلاباً للأجرام فعند اجتماع الأجرامِ يُفَرِّقها وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو النفخة الثانية. قوله: ﴿ياويلنا﴾ العامة على الإضافة إلى ضمير المتكلمين دون تأنيث وهو «ويل» مضاف لما بعده. ونقل أبو البقاء أن «وَيْ» كلمة براسها عن الكوفيين و «لنا» جار ومجرور انتهى قال شهاب الدين: ولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد وهو أن يكون يا غَجَب لنا، لأن «وَيْ» تفسير بمعنى أعجب منا وابنُ أَبِي لَيْلَى يا ويلتنا بتاء التأنيث وعنه أيضاً يَا وَيْلَتِي بإبدال التاء ألفاً وتلأأويل هذه أن كل واحد منهم يقول يا ويلتي. قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا﴾ العامة على فتح ميم «من» و «بعثنا» فعلاً ماضياً خبراً «لمنْ» الاستفهامية قبله، وابن عباس والضحاك وأبو نُهَيْك بكسر الميم على أنها حرف جر، و «بعثنا» مصدر مجرور «بمن» ف «من» الأولى تتعلق بالويل والثانية تتعلق بالبعث. والمَرْقَدُ يجوز أن يكون مصدراً أي من رُقَادِنَا وأن يكون مكاناً وهو مفرد أقيم مُقَام الجمع والأول أحسن؛ إذ المصدر يفرد مطقاً. فصل قال ابن عباس وأبيّ بن كعب وقتادة: إنما يقولون هذا لأن الله يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة، دعوا بالويل. وقال (أهل) المعاني: الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم فقالوا: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا. فإن قيل: لو قيل: فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا كان أليق قال ابن الخطيب: نقول: معاذ الله وذلك لأن قوله إذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون إشارة إلى أنهم تعالى باسرع زمان يجمع أجزاءهم وؤلفها ويحييها ويحركها بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ مع أن ذلك لا بدّ له من الجمع والتأليف فلو قال يقولون لكان ذلك مثل الحال لنيسلون أي نسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك فإن قولهم: يا ويلنا قبل أن ينسلوا وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفائدة. فإن قيل: ما وجه تعلق «مَنْ بعَثنَا مِنْ مَرْقَدِنَا» بقولهم «يَا وَيْلَنَا» ؟ فالجواب: لما بعثوا تذكروا ما كانوا يمسعون من الرسل فقالوا: يَاوَيْلَنَا أبَعَث الله البَعْثَ الموعود به أم كنا نِيَاماً هنا كما إذا كان إنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لايطيقه ثم يَرَى رَجُلاً هائلاً يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول أهذا ذاك أم لا؟ . ويدل على هذا قولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ حيث جعلوا القبور موضع الرُّقَاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نيَاماً فنبهوا أو كانوا موتى فبعثوا وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من بعثنا إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به وقالوا من مرقدنما إشارة إلى توهمهم احتمال الانْتِبَاه. قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن﴾ في «هذا» وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ وما بعده خبره ويكون الوقوف تامًّا على قوله: ﴿مِن مَّرْقَدِنَا﴾ وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى، أو من قول الملائكة، أو من قول المؤمنين للكفار. الثاني: أنها من كلام الكفار فيكون في محلّ نصب بالقَول. والثاني من الوجهين الأولي: (أن) «هذا» صفة «لمرقدنا» و «مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ» منقطع عما قبله ثم في «ما» وجهان: أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون حق عليكم وإليه ذهب الزجاج والزمخشري. والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هذا وعد الرحمن، وقد تقدم في ألو الكهف أن حَفْصاً يقف على «مرقدنا» وقفلةً لطيفة دون قطع نفس لئلا يتوهم أن اسم الإشارة تباع ل «مَرْقَدِنَا» وهذا الوَجْهَانِ يقويان ذلك المعنى المذكور الذي تعمد الوقف لأجله، و «ما» يصحّ أن تكون موصولة اسمية أو حرفية كما تقدم ومفعولاً الوعد والصدق محذفوفان أي وَعَدَنَاهُ الرَّحْمَنُ وصَدَقَنَاهُ المرسلون والأصل «صدقنا فيه» ويجوز حذف الخاضف وقد تقدم ذلك نحو: صَدَقَنِي سنَّ بكْرِ (هِ) أي في سنه. قوله: ﴿ِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ تقدمت قراءتا: ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 53] نصباً ورفعاً أي ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة، ويدل على النفخة قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ ويحتمل أن يقال: إنها كانت الواقعة وقرئت الصيحة مرفوعة على أن «كان» هي التامة بمعنى «ما وقعتْ إلاَّ صَيْحَةٌ» قال الزمخشري: لو كان كذلك لكان الأحسن أن يقال: إن كان؛ لأن المعنى حينئذ ما وقع شيء إلى صيحة لكن التأنيث جائز إحالته على الظاهر ويمكن أن يقول الذي قرأ بالرفع إن قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة﴾ [الواقعة: 1] تأنيث تهويل ومبالغة بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: 2] فإنها للمبالغة فكذلك ههنا قالك «إنْ كانت إلا موتتنا الأولى» تأنيث تهويل، ولهذا جاءت أسماء يوم الحشر كلها مؤنثة كالقيامة والقارعة والحَاقَة والصَّاخَّة إلى غيرها. والزمخشري يقول: كاذبة بمعنى ليس لوقعتها نفس كاذبة وتأنيث أسماء الحشر لكون الحشر مسمى بالقيامة. وقوله «محضرون» دليل على أنّ كونهم نسلون إجباريّ لا اختياريّ ثم بين ما يكون في ذلك اليوم فقال: ﴿فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ فاليوم منصوب «بلاَ تُظْلَمُ» و «شيئاً» إما مفعول ثانٍ وإماغ مصدر. فقوله: ﴿لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ (و) ﴿وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ليَيْأسَ المجرمُ والكافر. فإن قيل: ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى أمان المؤمن؟ فالجواب: أن قوله: ﴿لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ يفيد العموم وهو كذلك فإنه لا يظلم أحداً وأما «لا تجزون» فيختص بالكافر لأن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن لله فضلاً مختصاً بالمؤمن وعدلاً عاماً فيه. وفيه بشارة.

يس 36:49

قوله: ﴿وَيَقُولُونَ متى هَذَا الوعد﴾ أي القيامة والبعث «إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» وهذا إشارة إلى ما اعتقدوا أن التقوى المأمور بها في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: 45] والإنفاق المذكور في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: 45] لا فائدة فيه لأن لا حقيقة له وقولهم: «مَتَى هَذَا الوَعْدُ» أي متى يقع المَوْعُودُ به. فصل «إنْ» للشرط وهي تستدعي جزاء و «متى» استفهام لا تصلح جواباً فيه فما الجواب؟ . قيل: هو في صورة الآستفهام وهو في المعنى إنكار كأنهم قالوا: إن كنتم صادقين في قوع الحشر فَقُلُوا متى يكون. فصل الظاهر أن هذا الخطاب مع الأنبياء لما أنكروا الرسالة قالوا إن كنتم أيها المُدَّعونَ للرسالة صادقين فأخبرونا متى يكون ما تَعِدُونَنَا به. فإن قيل: ليس في هذا الموضع وعد فالإشارة بقوله: «هَذَا الوَعْد» إلى أي وعد؟ فالجواب: هو ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: 45] من قيام الساعة، أو نقول: هو معلوم وإن لم يكن مذكوراً لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب. قوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس: ما ينتظرون إلاّ الصيحة المعلومة يريد النفخة الأولى والتنكير للتكثير. فإن قيل: هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون بعدمها. فالجواب: المراد بالانتظار فعلهم لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله الهوان وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وعلمه بأنهم لا يفوتونه أو يقال: لما لم يكن قولهم «متى» استفهاماً حقيقياً قال ينتظرون انتظاراً غير حقيقي لأن القائل متى يفهم منه الانتظار نظر لقوله. فصل ذكر في الصيحة أموراً تدل على عظمتها: أحدها: التنكير وثانيها: قوله «واحدة» أي لا يحتاج معها إلى ثانية. ثالثها: «تأخذهم» أي تَعْمُّهم بالأَخْذِ وتصلُ إلى مَنْ في الأرض مشارقِهَا ومَغَارِبها. قوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خَصَم يَخْصِمُ. والمعنى بخصم بعضهم بعضاً فالمفعول محذوف، وأبو عمرو وقالوا بإخفاء فتحة الخاء، وتشديد الصاد. ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا أنه بإخلاص فتحة الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد والأصل في القراءات الثلالث يَخطْتَصُمُونَ فأدغمت التاء في الصاد. فنافع وابن كثير وهشام نقولا فتحتها إلى الساكن قبلها نقلاً كاملاً، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتها تنْبِيهاً على أن الخاء أصلها السكون والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان كذلك فكسر (وا) أولهما. فهذه أربع قراءات قرئ بها في المشهور، وروي عن أبي عمرو وقالون سكون الخاء وتشديد الصاد فالنحاة يستشكلونها للجمع بين ساكنين على غير حَدِّيْهمَا. وقرأ جماعة «يخِصِّمُونَ» بكسر الياء والخاء وتشديد الصاد وكسروا الياء إتباعاً وقرأ أبيّ يَخْتَصِمُونَ على الأصل، وقال أبو حيان وروي عنهما - أي عن أبي عمرو وقالون - سكون الخاء، وتخفيف الصاد من خَصَم قال شهاب الدين: هذه هي قراءة حَمْزَةَ ولم يحكِها هو عنه، وهذا يشبه قوله: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: 20] في البقرة و «لاَ يَهْدِّي» في يُونُس وقرأ ابن مُحَيْصِن «يرجعون» مبنيٍّا للمفعول. فصل قال عليه (الصلاة و) السلام: «لَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلاَ يِبِيعانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ الرَّجُلُ أَكْلَتَهُ إلَى فِيهِ فَلاَ يَطْعَمُها» . قوله: ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي لا يقدرون على الإيصاء قال مقاتل: أي أعجلوا عن الوصية فماتوا «وَلاَ إلَى أَهْلِهِمْ يرْجِعُونَ» يَنْقَلِبُونَ. أي أنَّ الساعة لا تُمْهِلْهُم لشيء. واعلم أن قول القائل: فلان في هذه الحالة لا يوصي دون قوله لايستطيع التوصية لأن ما من لايوصي قد يستطيعها والتوصية بالقول، والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل فقال: لا يتسطيعون كلمة، فكيف الذي يحتاج إلى زمن طويل من أداء الواجبات ورد المظالم؟! واعتبار الوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى الوصية أمسّ. والتنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية (ما) ولو كانت بِكَلِمةٍ يسيرة، ولأن الوصية قد تحصل بالإشارة، فالعاجز عنها عاجز عن غيرها. قوله: ﴿إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ بيان لشدة الحاجة إلى التوصية، ثم بين ما بعد الصيحة الأولى فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ أي نفخ فيه أخرى كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وقرأ الأعرج ونفخ في الصور بتفح لاواو وهي القبور واحدها جَدَث، وقرئ من الأجدافِ بالفاء، وهو لغة في الأجداث يقال: جَدَث، وجَدَف كثمَّ وفُمَّ، وثُوم، وفُوم. فإن فيل: أين يكون ذلك الوقت وقد زلزت الصيحة الجبال؟ . فالجواب: أن الله يجمع أجزاء كل ميت في الموضع الذي أقْرِرَ فيه من ذلك الموضع وهو جدثه. قوله: ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ أي يخرجون من القبور أحياء. وقرأ ابنُ أبي إسحاق وأبو عمرو في رواية: يَنْسُلُونَ بضم السين، يقال: نَسَلَ الثعلبُ يَنْسِلُ وَنْسُلُ إذا أسرع في عَدْوِهِ، ومنه قيل للولد: نَسَل لخروجه من ظهر أبيه وبطن أمه. فإن قيل: المسيء إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رِجْلاً ويؤخر أخرى والنَّسلاَن سرعة الشيء فكيف يوجد بينهم ذلك؟ فالجواب: ينسلون من غير اختيارهم والمعنى أنه أراد أن يبين كمال قدرته ونفوذ إرادته حيث نفخ في الصور فيكون في وقته جمع وإحياء وقيام وعدو في زمان واحد، فقوله: «إذَا هُمْ يَنْسِلُونَ» أي في زمان واحد ينتهون إلى هذه الدرجة وهي النسلان الذي لا يكون إلا بعد مراتب. فإن قيل: قال في آية ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وقال ههنا: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ والقيام غير النسلان فقوله في الموضعين: «إذا هم» يقتضي أن يكونا معاً. فالجواب من وجهين: الأول: أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر. الثاني: أن لسرعة الأمور كأن الكل في زمان واحد كقول القائل: 4183 - مِكَرِّ مِفَرِّ مُقْبِل مُدْبِرٍ مَعاً..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . واعمل أن النفختين تورثان تزلزلاً وانقلاباً للأجرام فعند اجتماع الأجرامِ يُفَرِّقها وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو النفخة الثانية. قوله: ﴿ياويلنا﴾ العامة على الإضافة إلى ضمير المتكلمين دون تأنيث وهو «ويل» مضاف لما بعده. ونقل أبو البقاء أن «وَيْ» كلمة براسها عن الكوفيين و «لنا» جار ومجرور انتهى قال شهاب الدين: ولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد وهو أن يكون يا غَجَب لنا، لأن «وَيْ» تفسير بمعنى أعجب منا وابنُ أَبِي لَيْلَى يا ويلتنا بتاء التأنيث وعنه أيضاً يَا وَيْلَتِي بإبدال التاء ألفاً وتلأأويل هذه أن كل واحد منهم يقول يا ويلتي. قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا﴾ العامة على فتح ميم «من» و «بعثنا» فعلاً ماضياً خبراً «لمنْ» الاستفهامية قبله، وابن عباس والضحاك وأبو نُهَيْك بكسر الميم على أنها حرف جر، و «بعثنا» مصدر مجرور «بمن» ف «من» الأولى تتعلق بالويل والثانية تتعلق بالبعث. والمَرْقَدُ يجوز أن يكون مصدراً أي من رُقَادِنَا وأن يكون مكاناً وهو مفرد أقيم مُقَام الجمع والأول أحسن؛ إذ المصدر يفرد مطقاً. فصل قال ابن عباس وأبيّ بن كعب وقتادة: إنما يقولون هذا لأن الله يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة، دعوا بالويل. وقال (أهل) المعاني: الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم فقالوا: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا. فإن قيل: لو قيل: فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا كان أليق قال ابن الخطيب: نقول: معاذ الله وذلك لأن قوله إذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون إشارة إلى أنهم تعالى باسرع زمان يجمع أجزاءهم وؤلفها ويحييها ويحركها بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ مع أن ذلك لا بدّ له من الجمع والتأليف فلو قال يقولون لكان ذلك مثل الحال لنيسلون أي نسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك فإن قولهم: يا ويلنا قبل أن ينسلوا وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفائدة. فإن قيل: ما وجه تعلق «مَنْ بعَثنَا مِنْ مَرْقَدِنَا» بقولهم «يَا وَيْلَنَا» ؟ فالجواب: لما بعثوا تذكروا ما كانوا يمسعون من الرسل فقالوا: يَاوَيْلَنَا أبَعَث الله البَعْثَ الموعود به أم كنا نِيَاماً هنا كما إذا كان إنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لايطيقه ثم يَرَى رَجُلاً هائلاً يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول أهذا ذاك أم لا؟ . ويدل على هذا قولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ حيث جعلوا القبور موضع الرُّقَاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نيَاماً فنبهوا أو كانوا موتى فبعثوا وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من بعثنا إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به وقالوا من مرقدنما إشارة إلى توهمهم احتمال الانْتِبَاه. قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن﴾ في «هذا» وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ وما بعده خبره ويكون الوقوف تامًّا على قوله: ﴿مِن مَّرْقَدِنَا﴾ وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى، أو من قول الملائكة، أو من قول المؤمنين للكفار. الثاني: أنها من كلام الكفار فيكون في محلّ نصب بالقَول. والثاني من الوجهين الأولي: (أن) «هذا» صفة «لمرقدنا» و «مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ» منقطع عما قبله ثم في «ما» وجهان: أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون حق عليكم وإليه ذهب الزجاج والزمخشري. والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هذا وعد الرحمن، وقد تقدم في ألو الكهف أن حَفْصاً يقف على «مرقدنا» وقفلةً لطيفة دون قطع نفس لئلا يتوهم أن اسم الإشارة تباع ل «مَرْقَدِنَا» وهذا الوَجْهَانِ يقويان ذلك المعنى المذكور الذي تعمد الوقف لأجله، و «ما» يصحّ أن تكون موصولة اسمية أو حرفية كما تقدم ومفعولاً الوعد والصدق محذفوفان أي وَعَدَنَاهُ الرَّحْمَنُ وصَدَقَنَاهُ المرسلون والأصل «صدقنا فيه» ويجوز حذف الخاضف وقد تقدم ذلك نحو: صَدَقَنِي سنَّ بكْرِ (هِ) أي في سنه. قوله: ﴿ِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ تقدمت قراءتا: ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 53] نصباً ورفعاً أي ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة، ويدل على النفخة قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ ويحتمل أن يقال: إنها كانت الواقعة وقرئت الصيحة مرفوعة على أن «كان» هي التامة بمعنى «ما وقعتْ إلاَّ صَيْحَةٌ» قال الزمخشري: لو كان كذلك لكان الأحسن أن يقال: إن كان؛ لأن المعنى حينئذ ما وقع شيء إلى صيحة لكن التأنيث جائز إحالته على الظاهر ويمكن أن يقول الذي قرأ بالرفع إن قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة﴾ [الواقعة: 1] تأنيث تهويل ومبالغة بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: 2] فإنها للمبالغة فكذلك ههنا قالك «إنْ كانت إلا موتتنا الأولى» تأنيث تهويل، ولهذا جاءت أسماء يوم الحشر كلها مؤنثة كالقيامة والقارعة والحَاقَة والصَّاخَّة إلى غيرها. والزمخشري يقول: كاذبة بمعنى ليس لوقعتها نفس كاذبة وتأنيث أسماء الحشر لكون الحشر مسمى بالقيامة. وقوله «محضرون» دليل على أنّ كونهم نسلون إجباريّ لا اختياريّ ثم بين ما يكون في ذلك اليوم فقال: ﴿فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ فاليوم منصوب «بلاَ تُظْلَمُ» و «شيئاً» إما مفعول ثانٍ وإماغ مصدر. فقوله: ﴿لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ (و) ﴿وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ليَيْأسَ المجرمُ والكافر. فإن قيل: ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى أمان المؤمن؟ فالجواب: أن قوله: ﴿لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ يفيد العموم وهو كذلك فإنه لا يظلم أحداً وأما «لا تجزون» فيختص بالكافر لأن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن لله فضلاً مختصاً بالمؤمن وعدلاً عاماً فيه. وفيه بشارة.

يس 36:50

قوله: ﴿وَيَقُولُونَ متى هَذَا الوعد﴾ أي القيامة والبعث «إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» وهذا إشارة إلى ما اعتقدوا أن التقوى المأمور بها في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: 45] والإنفاق المذكور في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: 45] لا فائدة فيه لأن لا حقيقة له وقولهم: «مَتَى هَذَا الوَعْدُ» أي متى يقع المَوْعُودُ به. فصل «إنْ» للشرط وهي تستدعي جزاء و «متى» استفهام لا تصلح جواباً فيه فما الجواب؟ . قيل: هو في صورة الآستفهام وهو في المعنى إنكار كأنهم قالوا: إن كنتم صادقين في قوع الحشر فَقُلُوا متى يكون. فصل الظاهر أن هذا الخطاب مع الأنبياء لما أنكروا الرسالة قالوا إن كنتم أيها المُدَّعونَ للرسالة صادقين فأخبرونا متى يكون ما تَعِدُونَنَا به. فإن قيل: ليس في هذا الموضع وعد فالإشارة بقوله: «هَذَا الوَعْد» إلى أي وعد؟ فالجواب: هو ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: 45] من قيام الساعة، أو نقول: هو معلوم وإن لم يكن مذكوراً لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب. قوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس: ما ينتظرون إلاّ الصيحة المعلومة يريد النفخة الأولى والتنكير للتكثير. فإن قيل: هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون بعدمها. فالجواب: المراد بالانتظار فعلهم لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله الهوان وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وعلمه بأنهم لا يفوتونه أو يقال: لما لم يكن قولهم «متى» استفهاماً حقيقياً قال ينتظرون انتظاراً غير حقيقي لأن القائل متى يفهم منه الانتظار نظر لقوله. فصل ذكر في الصيحة أموراً تدل على عظمتها: أحدها: التنكير وثانيها: قوله «واحدة» أي لا يحتاج معها إلى ثانية. ثالثها: «تأخذهم» أي تَعْمُّهم بالأَخْذِ وتصلُ إلى مَنْ في الأرض مشارقِهَا ومَغَارِبها. قوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خَصَم يَخْصِمُ. والمعنى بخصم بعضهم بعضاً فالمفعول محذوف، وأبو عمرو وقالوا بإخفاء فتحة الخاء، وتشديد الصاد. ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا أنه بإخلاص فتحة الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد والأصل في القراءات الثلالث يَخطْتَصُمُونَ فأدغمت التاء في الصاد. فنافع وابن كثير وهشام نقولا فتحتها إلى الساكن قبلها نقلاً كاملاً، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتها تنْبِيهاً على أن الخاء أصلها السكون والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان كذلك فكسر (وا) أولهما. فهذه أربع قراءات قرئ بها في المشهور، وروي عن أبي عمرو وقالون سكون الخاء وتشديد الصاد فالنحاة يستشكلونها للجمع بين ساكنين على غير حَدِّيْهمَا. وقرأ جماعة «يخِصِّمُونَ» بكسر الياء والخاء وتشديد الصاد وكسروا الياء إتباعاً وقرأ أبيّ يَخْتَصِمُونَ على الأصل، وقال أبو حيان وروي عنهما - أي عن أبي عمرو وقالون - سكون الخاء، وتخفيف الصاد من خَصَم قال شهاب الدين: هذه هي قراءة حَمْزَةَ ولم يحكِها هو عنه، وهذا يشبه قوله: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: 20] في البقرة و «لاَ يَهْدِّي» في يُونُس وقرأ ابن مُحَيْصِن «يرجعون» مبنيٍّا للمفعول. فصل قال عليه (الصلاة و) السلام: «لَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلاَ يِبِيعانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ الرَّجُلُ أَكْلَتَهُ إلَى فِيهِ فَلاَ يَطْعَمُها» . قوله: ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي لا يقدرون على الإيصاء قال مقاتل: أي أعجلوا عن الوصية فماتوا «وَلاَ إلَى أَهْلِهِمْ يرْجِعُونَ» يَنْقَلِبُونَ. أي أنَّ الساعة لا تُمْهِلْهُم لشيء. واعلم أن قول القائل: فلان في هذه الحالة لا يوصي دون قوله لايستطيع التوصية لأن ما من لايوصي قد يستطيعها والتوصية بالقول، والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل فقال: لا يتسطيعون كلمة، فكيف الذي يحتاج إلى زمن طويل من أداء الواجبات ورد المظالم؟! واعتبار الوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى الوصية أمسّ. والتنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية (ما) ولو كانت بِكَلِمةٍ يسيرة، ولأن الوصية قد تحصل بالإشارة، فالعاجز عنها عاجز عن غيرها. قوله: ﴿إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ بيان لشدة الحاجة إلى التوصية، ثم بين ما بعد الصيحة الأولى فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ أي نفخ فيه أخرى كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وقرأ الأعرج ونفخ في الصور بتفح لاواو وهي القبور واحدها جَدَث، وقرئ من الأجدافِ بالفاء، وهو لغة في الأجداث يقال: جَدَث، وجَدَف كثمَّ وفُمَّ، وثُوم، وفُوم. فإن فيل: أين يكون ذلك الوقت وقد زلزت الصيحة الجبال؟ . فالجواب: أن الله يجمع أجزاء كل ميت في الموضع الذي أقْرِرَ فيه من ذلك الموضع وهو جدثه. قوله: ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ أي يخرجون من القبور أحياء. وقرأ ابنُ أبي إسحاق وأبو عمرو في رواية: يَنْسُلُونَ بضم السين، يقال: نَسَلَ الثعلبُ يَنْسِلُ وَنْسُلُ إذا أسرع في عَدْوِهِ، ومنه قيل للولد: نَسَل لخروجه من ظهر أبيه وبطن أمه. فإن قيل: المسيء إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رِجْلاً ويؤخر أخرى والنَّسلاَن سرعة الشيء فكيف يوجد بينهم ذلك؟ فالجواب: ينسلون من غير اختيارهم والمعنى أنه أراد أن يبين كمال قدرته ونفوذ إرادته حيث نفخ في الصور فيكون في وقته جمع وإحياء وقيام وعدو في زمان واحد، فقوله: «إذَا هُمْ يَنْسِلُونَ» أي في زمان واحد ينتهون إلى هذه الدرجة وهي النسلان الذي لا يكون إلا بعد مراتب. فإن قيل: قال في آية ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وقال ههنا: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ والقيام غير النسلان فقوله في الموضعين: «إذا هم» يقتضي أن يكونا معاً. فالجواب من وجهين: الأول: أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر. الثاني: أن لسرعة الأمور كأن الكل في زمان واحد كقول القائل: 4183 - مِكَرِّ مِفَرِّ مُقْبِل مُدْبِرٍ مَعاً..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . واعمل أن النفختين تورثان تزلزلاً وانقلاباً للأجرام فعند اجتماع الأجرامِ يُفَرِّقها وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو النفخة الثانية. قوله: ﴿ياويلنا﴾ العامة على الإضافة إلى ضمير المتكلمين دون تأنيث وهو «ويل» مضاف لما بعده. ونقل أبو البقاء أن «وَيْ» كلمة براسها عن الكوفيين و «لنا» جار ومجرور انتهى قال شهاب الدين: ولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد وهو أن يكون يا غَجَب لنا، لأن «وَيْ» تفسير بمعنى أعجب منا وابنُ أَبِي لَيْلَى يا ويلتنا بتاء التأنيث وعنه أيضاً يَا وَيْلَتِي بإبدال التاء ألفاً وتلأأويل هذه أن كل واحد منهم يقول يا ويلتي. قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا﴾ العامة على فتح ميم «من» و «بعثنا» فعلاً ماضياً خبراً «لمنْ» الاستفهامية قبله، وابن عباس والضحاك وأبو نُهَيْك بكسر الميم على أنها حرف جر، و «بعثنا» مصدر مجرور «بمن» ف «من» الأولى تتعلق بالويل والثانية تتعلق بالبعث. والمَرْقَدُ يجوز أن يكون مصدراً أي من رُقَادِنَا وأن يكون مكاناً وهو مفرد أقيم مُقَام الجمع والأول أحسن؛ إذ المصدر يفرد مطقاً. فصل قال ابن عباس وأبيّ بن كعب وقتادة: إنما يقولون هذا لأن الله يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة، دعوا بالويل. وقال (أهل) المعاني: الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم فقالوا: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا. فإن قيل: لو قيل: فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا كان أليق قال ابن الخطيب: نقول: معاذ الله وذلك لأن قوله إذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون إشارة إلى أنهم تعالى باسرع زمان يجمع أجزاءهم وؤلفها ويحييها ويحركها بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ مع أن ذلك لا بدّ له من الجمع والتأليف فلو قال يقولون لكان ذلك مثل الحال لنيسلون أي نسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك فإن قولهم: يا ويلنا قبل أن ينسلوا وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفائدة. فإن قيل: ما وجه تعلق «مَنْ بعَثنَا مِنْ مَرْقَدِنَا» بقولهم «يَا وَيْلَنَا» ؟ فالجواب: لما بعثوا تذكروا ما كانوا يمسعون من الرسل فقالوا: يَاوَيْلَنَا أبَعَث الله البَعْثَ الموعود به أم كنا نِيَاماً هنا كما إذا كان إنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لايطيقه ثم يَرَى رَجُلاً هائلاً يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول أهذا ذاك أم لا؟ . ويدل على هذا قولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ حيث جعلوا القبور موضع الرُّقَاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نيَاماً فنبهوا أو كانوا موتى فبعثوا وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من بعثنا إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به وقالوا من مرقدنما إشارة إلى توهمهم احتمال الانْتِبَاه. قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن﴾ في «هذا» وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ وما بعده خبره ويكون الوقوف تامًّا على قوله: ﴿مِن مَّرْقَدِنَا﴾ وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى، أو من قول الملائكة، أو من قول المؤمنين للكفار. الثاني: أنها من كلام الكفار فيكون في محلّ نصب بالقَول. والثاني من الوجهين الأولي: (أن) «هذا» صفة «لمرقدنا» و «مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ» منقطع عما قبله ثم في «ما» وجهان: أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون حق عليكم وإليه ذهب الزجاج والزمخشري. والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هذا وعد الرحمن، وقد تقدم في ألو الكهف أن حَفْصاً يقف على «مرقدنا» وقفلةً لطيفة دون قطع نفس لئلا يتوهم أن اسم الإشارة تباع ل «مَرْقَدِنَا» وهذا الوَجْهَانِ يقويان ذلك المعنى المذكور الذي تعمد الوقف لأجله، و «ما» يصحّ أن تكون موصولة اسمية أو حرفية كما تقدم ومفعولاً الوعد والصدق محذفوفان أي وَعَدَنَاهُ الرَّحْمَنُ وصَدَقَنَاهُ المرسلون والأصل «صدقنا فيه» ويجوز حذف الخاضف وقد تقدم ذلك نحو: صَدَقَنِي سنَّ بكْرِ (هِ) أي في سنه. قوله: ﴿ِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ تقدمت قراءتا: ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 53] نصباً ورفعاً أي ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة، ويدل على النفخة قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ ويحتمل أن يقال: إنها كانت الواقعة وقرئت الصيحة مرفوعة على أن «كان» هي التامة بمعنى «ما وقعتْ إلاَّ صَيْحَةٌ» قال الزمخشري: لو كان كذلك لكان الأحسن أن يقال: إن كان؛ لأن المعنى حينئذ ما وقع شيء إلى صيحة لكن التأنيث جائز إحالته على الظاهر ويمكن أن يقول الذي قرأ بالرفع إن قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة﴾ [الواقعة: 1] تأنيث تهويل ومبالغة بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: 2] فإنها للمبالغة فكذلك ههنا قالك «إنْ كانت إلا موتتنا الأولى» تأنيث تهويل، ولهذا جاءت أسماء يوم الحشر كلها مؤنثة كالقيامة والقارعة والحَاقَة والصَّاخَّة إلى غيرها. والزمخشري يقول: كاذبة بمعنى ليس لوقعتها نفس كاذبة وتأنيث أسماء الحشر لكون الحشر مسمى بالقيامة. وقوله «محضرون» دليل على أنّ كونهم نسلون إجباريّ لا اختياريّ ثم بين ما يكون في ذلك اليوم فقال: ﴿فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ فاليوم منصوب «بلاَ تُظْلَمُ» و «شيئاً» إما مفعول ثانٍ وإماغ مصدر. فقوله: ﴿لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ (و) ﴿وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ليَيْأسَ المجرمُ والكافر. فإن قيل: ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى أمان المؤمن؟ فالجواب: أن قوله: ﴿لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ يفيد العموم وهو كذلك فإنه لا يظلم أحداً وأما «لا تجزون» فيختص بالكافر لأن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن لله فضلاً مختصاً بالمؤمن وعدلاً عاماً فيه. وفيه بشارة.

يس 36:51

قوله: ﴿وَيَقُولُونَ متى هَذَا الوعد﴾ أي القيامة والبعث «إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» وهذا إشارة إلى ما اعتقدوا أن التقوى المأمور بها في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: 45] والإنفاق المذكور في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: 45] لا فائدة فيه لأن لا حقيقة له وقولهم: «مَتَى هَذَا الوَعْدُ» أي متى يقع المَوْعُودُ به. فصل «إنْ» للشرط وهي تستدعي جزاء و «متى» استفهام لا تصلح جواباً فيه فما الجواب؟ . قيل: هو في صورة الآستفهام وهو في المعنى إنكار كأنهم قالوا: إن كنتم صادقين في قوع الحشر فَقُلُوا متى يكون. فصل الظاهر أن هذا الخطاب مع الأنبياء لما أنكروا الرسالة قالوا إن كنتم أيها المُدَّعونَ للرسالة صادقين فأخبرونا متى يكون ما تَعِدُونَنَا به. فإن قيل: ليس في هذا الموضع وعد فالإشارة بقوله: «هَذَا الوَعْد» إلى أي وعد؟ فالجواب: هو ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: 45] من قيام الساعة، أو نقول: هو معلوم وإن لم يكن مذكوراً لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب. قوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس: ما ينتظرون إلاّ الصيحة المعلومة يريد النفخة الأولى والتنكير للتكثير. فإن قيل: هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون بعدمها. فالجواب: المراد بالانتظار فعلهم لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله الهوان وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وعلمه بأنهم لا يفوتونه أو يقال: لما لم يكن قولهم «متى» استفهاماً حقيقياً قال ينتظرون انتظاراً غير حقيقي لأن القائل متى يفهم منه الانتظار نظر لقوله. فصل ذكر في الصيحة أموراً تدل على عظمتها: أحدها: التنكير وثانيها: قوله «واحدة» أي لا يحتاج معها إلى ثانية. ثالثها: «تأخذهم» أي تَعْمُّهم بالأَخْذِ وتصلُ إلى مَنْ في الأرض مشارقِهَا ومَغَارِبها. قوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خَصَم يَخْصِمُ. والمعنى بخصم بعضهم بعضاً فالمفعول محذوف، وأبو عمرو وقالوا بإخفاء فتحة الخاء، وتشديد الصاد. ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا أنه بإخلاص فتحة الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد والأصل في القراءات الثلالث يَخطْتَصُمُونَ فأدغمت التاء في الصاد. فنافع وابن كثير وهشام نقولا فتحتها إلى الساكن قبلها نقلاً كاملاً، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتها تنْبِيهاً على أن الخاء أصلها السكون والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان كذلك فكسر (وا) أولهما. فهذه أربع قراءات قرئ بها في المشهور، وروي عن أبي عمرو وقالون سكون الخاء وتشديد الصاد فالنحاة يستشكلونها للجمع بين ساكنين على غير حَدِّيْهمَا. وقرأ جماعة «يخِصِّمُونَ» بكسر الياء والخاء وتشديد الصاد وكسروا الياء إتباعاً وقرأ أبيّ يَخْتَصِمُونَ على الأصل، وقال أبو حيان وروي عنهما - أي عن أبي عمرو وقالون - سكون الخاء، وتخفيف الصاد من خَصَم قال شهاب الدين: هذه هي قراءة حَمْزَةَ ولم يحكِها هو عنه، وهذا يشبه قوله: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: 20] في البقرة و «لاَ يَهْدِّي» في يُونُس وقرأ ابن مُحَيْصِن «يرجعون» مبنيٍّا للمفعول. فصل قال عليه (الصلاة و) السلام: «لَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلاَ يِبِيعانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ الرَّجُلُ أَكْلَتَهُ إلَى فِيهِ فَلاَ يَطْعَمُها» . قوله: ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي لا يقدرون على الإيصاء قال مقاتل: أي أعجلوا عن الوصية فماتوا «وَلاَ إلَى أَهْلِهِمْ يرْجِعُونَ» يَنْقَلِبُونَ. أي أنَّ الساعة لا تُمْهِلْهُم لشيء. واعلم أن قول القائل: فلان في هذه الحالة لا يوصي دون قوله لايستطيع التوصية لأن ما من لايوصي قد يستطيعها والتوصية بالقول، والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل فقال: لا يتسطيعون كلمة، فكيف الذي يحتاج إلى زمن طويل من أداء الواجبات ورد المظالم؟! واعتبار الوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى الوصية أمسّ. والتنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية (ما) ولو كانت بِكَلِمةٍ يسيرة، ولأن الوصية قد تحصل بالإشارة، فالعاجز عنها عاجز عن غيرها. قوله: ﴿إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ بيان لشدة الحاجة إلى التوصية، ثم بين ما بعد الصيحة الأولى فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ أي نفخ فيه أخرى كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وقرأ الأعرج ونفخ في الصور بتفح لاواو وهي القبور واحدها جَدَث، وقرئ من الأجدافِ بالفاء، وهو لغة في الأجداث يقال: جَدَث، وجَدَف كثمَّ وفُمَّ، وثُوم، وفُوم. فإن فيل: أين يكون ذلك الوقت وقد زلزت الصيحة الجبال؟ . فالجواب: أن الله يجمع أجزاء كل ميت في الموضع الذي أقْرِرَ فيه من ذلك الموضع وهو جدثه. قوله: ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ أي يخرجون من القبور أحياء. وقرأ ابنُ أبي إسحاق وأبو عمرو في رواية: يَنْسُلُونَ بضم السين، يقال: نَسَلَ الثعلبُ يَنْسِلُ وَنْسُلُ إذا أسرع في عَدْوِهِ، ومنه قيل للولد: نَسَل لخروجه من ظهر أبيه وبطن أمه. فإن قيل: المسيء إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رِجْلاً ويؤخر أخرى والنَّسلاَن سرعة الشيء فكيف يوجد بينهم ذلك؟ فالجواب: ينسلون من غير اختيارهم والمعنى أنه أراد أن يبين كمال قدرته ونفوذ إرادته حيث نفخ في الصور فيكون في وقته جمع وإحياء وقيام وعدو في زمان واحد، فقوله: «إذَا هُمْ يَنْسِلُونَ» أي في زمان واحد ينتهون إلى هذه الدرجة وهي النسلان الذي لا يكون إلا بعد مراتب. فإن قيل: قال في آية ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وقال ههنا: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ والقيام غير النسلان فقوله في الموضعين: «إذا هم» يقتضي أن يكونا معاً. فالجواب من وجهين: الأول: أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر. الثاني: أن لسرعة الأمور كأن الكل في زمان واحد كقول القائل: 4183 - مِكَرِّ مِفَرِّ مُقْبِل مُدْبِرٍ مَعاً..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . واعمل أن النفختين تورثان تزلزلاً وانقلاباً للأجرام فعند اجتماع الأجرامِ يُفَرِّقها وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو النفخة الثانية. قوله: ﴿ياويلنا﴾ العامة على الإضافة إلى ضمير المتكلمين دون تأنيث وهو «ويل» مضاف لما بعده. ونقل أبو البقاء أن «وَيْ» كلمة براسها عن الكوفيين و «لنا» جار ومجرور انتهى قال شهاب الدين: ولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد وهو أن يكون يا غَجَب لنا، لأن «وَيْ» تفسير بمعنى أعجب منا وابنُ أَبِي لَيْلَى يا ويلتنا بتاء التأنيث وعنه أيضاً يَا وَيْلَتِي بإبدال التاء ألفاً وتلأأويل هذه أن كل واحد منهم يقول يا ويلتي. قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا﴾ العامة على فتح ميم «من» و «بعثنا» فعلاً ماضياً خبراً «لمنْ» الاستفهامية قبله، وابن عباس والضحاك وأبو نُهَيْك بكسر الميم على أنها حرف جر، و «بعثنا» مصدر مجرور «بمن» ف «من» الأولى تتعلق بالويل والثانية تتعلق بالبعث. والمَرْقَدُ يجوز أن يكون مصدراً أي من رُقَادِنَا وأن يكون مكاناً وهو مفرد أقيم مُقَام الجمع والأول أحسن؛ إذ المصدر يفرد مطقاً. فصل قال ابن عباس وأبيّ بن كعب وقتادة: إنما يقولون هذا لأن الله يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة، دعوا بالويل. وقال (أهل) المعاني: الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم فقالوا: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا. فإن قيل: لو قيل: فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا كان أليق قال ابن الخطيب: نقول: معاذ الله وذلك لأن قوله إذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون إشارة إلى أنهم تعالى باسرع زمان يجمع أجزاءهم وؤلفها ويحييها ويحركها بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ مع أن ذلك لا بدّ له من الجمع والتأليف فلو قال يقولون لكان ذلك مثل الحال لنيسلون أي نسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك فإن قولهم: يا ويلنا قبل أن ينسلوا وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفائدة. فإن قيل: ما وجه تعلق «مَنْ بعَثنَا مِنْ مَرْقَدِنَا» بقولهم «يَا وَيْلَنَا» ؟ فالجواب: لما بعثوا تذكروا ما كانوا يمسعون من الرسل فقالوا: يَاوَيْلَنَا أبَعَث الله البَعْثَ الموعود به أم كنا نِيَاماً هنا كما إذا كان إنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لايطيقه ثم يَرَى رَجُلاً هائلاً يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول أهذا ذاك أم لا؟ . ويدل على هذا قولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ حيث جعلوا القبور موضع الرُّقَاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نيَاماً فنبهوا أو كانوا موتى فبعثوا وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من بعثنا إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به وقالوا من مرقدنما إشارة إلى توهمهم احتمال الانْتِبَاه. قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن﴾ في «هذا» وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ وما بعده خبره ويكون الوقوف تامًّا على قوله: ﴿مِن مَّرْقَدِنَا﴾ وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى، أو من قول الملائكة، أو من قول المؤمنين للكفار. الثاني: أنها من كلام الكفار فيكون في محلّ نصب بالقَول. والثاني من الوجهين الأولي: (أن) «هذا» صفة «لمرقدنا» و «مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ» منقطع عما قبله ثم في «ما» وجهان: أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون حق عليكم وإليه ذهب الزجاج والزمخشري. والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هذا وعد الرحمن، وقد تقدم في ألو الكهف أن حَفْصاً يقف على «مرقدنا» وقفلةً لطيفة دون قطع نفس لئلا يتوهم أن اسم الإشارة تباع ل «مَرْقَدِنَا» وهذا الوَجْهَانِ يقويان ذلك المعنى المذكور الذي تعمد الوقف لأجله، و «ما» يصحّ أن تكون موصولة اسمية أو حرفية كما تقدم ومفعولاً الوعد والصدق محذفوفان أي وَعَدَنَاهُ الرَّحْمَنُ وصَدَقَنَاهُ المرسلون والأصل «صدقنا فيه» ويجوز حذف الخاضف وقد تقدم ذلك نحو: صَدَقَنِي سنَّ بكْرِ (هِ) أي في سنه. قوله: ﴿ِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ تقدمت قراءتا: ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 53] نصباً ورفعاً أي ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة، ويدل على النفخة قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ ويحتمل أن يقال: إنها كانت الواقعة وقرئت الصيحة مرفوعة على أن «كان» هي التامة بمعنى «ما وقعتْ إلاَّ صَيْحَةٌ» قال الزمخشري: لو كان كذلك لكان الأحسن أن يقال: إن كان؛ لأن المعنى حينئذ ما وقع شيء إلى صيحة لكن التأنيث جائز إحالته على الظاهر ويمكن أن يقول الذي قرأ بالرفع إن قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة﴾ [الواقعة: 1] تأنيث تهويل ومبالغة بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: 2] فإنها للمبالغة فكذلك ههنا قالك «إنْ كانت إلا موتتنا الأولى» تأنيث تهويل، ولهذا جاءت أسماء يوم الحشر كلها مؤنثة كالقيامة والقارعة والحَاقَة والصَّاخَّة إلى غيرها. والزمخشري يقول: كاذبة بمعنى ليس لوقعتها نفس كاذبة وتأنيث أسماء الحشر لكون الحشر مسمى بالقيامة. وقوله «محضرون» دليل على أنّ كونهم نسلون إجباريّ لا اختياريّ ثم بين ما يكون في ذلك اليوم فقال: ﴿فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ فاليوم منصوب «بلاَ تُظْلَمُ» و «شيئاً» إما مفعول ثانٍ وإماغ مصدر. فقوله: ﴿لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ (و) ﴿وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ليَيْأسَ المجرمُ والكافر. فإن قيل: ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى أمان المؤمن؟ فالجواب: أن قوله: ﴿لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ يفيد العموم وهو كذلك فإنه لا يظلم أحداً وأما «لا تجزون» فيختص بالكافر لأن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن لله فضلاً مختصاً بالمؤمن وعدلاً عاماً فيه. وفيه بشارة.

يس 36:52

قوله: ﴿وَيَقُولُونَ متى هَذَا الوعد﴾ أي القيامة والبعث «إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» وهذا إشارة إلى ما اعتقدوا أن التقوى المأمور بها في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: 45] والإنفاق المذكور في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: 45] لا فائدة فيه لأن لا حقيقة له وقولهم: «مَتَى هَذَا الوَعْدُ» أي متى يقع المَوْعُودُ به. فصل «إنْ» للشرط وهي تستدعي جزاء و «متى» استفهام لا تصلح جواباً فيه فما الجواب؟ . قيل: هو في صورة الآستفهام وهو في المعنى إنكار كأنهم قالوا: إن كنتم صادقين في قوع الحشر فَقُلُوا متى يكون. فصل الظاهر أن هذا الخطاب مع الأنبياء لما أنكروا الرسالة قالوا إن كنتم أيها المُدَّعونَ للرسالة صادقين فأخبرونا متى يكون ما تَعِدُونَنَا به. فإن قيل: ليس في هذا الموضع وعد فالإشارة بقوله: «هَذَا الوَعْد» إلى أي وعد؟ فالجواب: هو ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: 45] من قيام الساعة، أو نقول: هو معلوم وإن لم يكن مذكوراً لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب. قوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس: ما ينتظرون إلاّ الصيحة المعلومة يريد النفخة الأولى والتنكير للتكثير. فإن قيل: هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون بعدمها. فالجواب: المراد بالانتظار فعلهم لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله الهوان وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وعلمه بأنهم لا يفوتونه أو يقال: لما لم يكن قولهم «متى» استفهاماً حقيقياً قال ينتظرون انتظاراً غير حقيقي لأن القائل متى يفهم منه الانتظار نظر لقوله. فصل ذكر في الصيحة أموراً تدل على عظمتها: أحدها: التنكير وثانيها: قوله «واحدة» أي لا يحتاج معها إلى ثانية. ثالثها: «تأخذهم» أي تَعْمُّهم بالأَخْذِ وتصلُ إلى مَنْ في الأرض مشارقِهَا ومَغَارِبها. قوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خَصَم يَخْصِمُ. والمعنى بخصم بعضهم بعضاً فالمفعول محذوف، وأبو عمرو وقالوا بإخفاء فتحة الخاء، وتشديد الصاد. ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا أنه بإخلاص فتحة الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد والأصل في القراءات الثلالث يَخطْتَصُمُونَ فأدغمت التاء في الصاد. فنافع وابن كثير وهشام نقولا فتحتها إلى الساكن قبلها نقلاً كاملاً، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتها تنْبِيهاً على أن الخاء أصلها السكون والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان كذلك فكسر (وا) أولهما. فهذه أربع قراءات قرئ بها في المشهور، وروي عن أبي عمرو وقالون سكون الخاء وتشديد الصاد فالنحاة يستشكلونها للجمع بين ساكنين على غير حَدِّيْهمَا. وقرأ جماعة «يخِصِّمُونَ» بكسر الياء والخاء وتشديد الصاد وكسروا الياء إتباعاً وقرأ أبيّ يَخْتَصِمُونَ على الأصل، وقال أبو حيان وروي عنهما - أي عن أبي عمرو وقالون - سكون الخاء، وتخفيف الصاد من خَصَم قال شهاب الدين: هذه هي قراءة حَمْزَةَ ولم يحكِها هو عنه، وهذا يشبه قوله: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: 20] في البقرة و «لاَ يَهْدِّي» في يُونُس وقرأ ابن مُحَيْصِن «يرجعون» مبنيٍّا للمفعول. فصل قال عليه (الصلاة و) السلام: «لَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلاَ يِبِيعانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ الرَّجُلُ أَكْلَتَهُ إلَى فِيهِ فَلاَ يَطْعَمُها» . قوله: ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي لا يقدرون على الإيصاء قال مقاتل: أي أعجلوا عن الوصية فماتوا «وَلاَ إلَى أَهْلِهِمْ يرْجِعُونَ» يَنْقَلِبُونَ. أي أنَّ الساعة لا تُمْهِلْهُم لشيء. واعلم أن قول القائل: فلان في هذه الحالة لا يوصي دون قوله لايستطيع التوصية لأن ما من لايوصي قد يستطيعها والتوصية بالقول، والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل فقال: لا يتسطيعون كلمة، فكيف الذي يحتاج إلى زمن طويل من أداء الواجبات ورد المظالم؟! واعتبار الوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى الوصية أمسّ. والتنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية (ما) ولو كانت بِكَلِمةٍ يسيرة، ولأن الوصية قد تحصل بالإشارة، فالعاجز عنها عاجز عن غيرها. قوله: ﴿إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ بيان لشدة الحاجة إلى التوصية، ثم بين ما بعد الصيحة الأولى فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ أي نفخ فيه أخرى كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وقرأ الأعرج ونفخ في الصور بتفح لاواو وهي القبور واحدها جَدَث، وقرئ من الأجدافِ بالفاء، وهو لغة في الأجداث يقال: جَدَث، وجَدَف كثمَّ وفُمَّ، وثُوم، وفُوم. فإن فيل: أين يكون ذلك الوقت وقد زلزت الصيحة الجبال؟ . فالجواب: أن الله يجمع أجزاء كل ميت في الموضع الذي أقْرِرَ فيه من ذلك الموضع وهو جدثه. قوله: ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ أي يخرجون من القبور أحياء. وقرأ ابنُ أبي إسحاق وأبو عمرو في رواية: يَنْسُلُونَ بضم السين، يقال: نَسَلَ الثعلبُ يَنْسِلُ وَنْسُلُ إذا أسرع في عَدْوِهِ، ومنه قيل للولد: نَسَل لخروجه من ظهر أبيه وبطن أمه. فإن قيل: المسيء إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رِجْلاً ويؤخر أخرى والنَّسلاَن سرعة الشيء فكيف يوجد بينهم ذلك؟ فالجواب: ينسلون من غير اختيارهم والمعنى أنه أراد أن يبين كمال قدرته ونفوذ إرادته حيث نفخ في الصور فيكون في وقته جمع وإحياء وقيام وعدو في زمان واحد، فقوله: «إذَا هُمْ يَنْسِلُونَ» أي في زمان واحد ينتهون إلى هذه الدرجة وهي النسلان الذي لا يكون إلا بعد مراتب. فإن قيل: قال في آية ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وقال ههنا: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ والقيام غير النسلان فقوله في الموضعين: «إذا هم» يقتضي أن يكونا معاً. فالجواب من وجهين: الأول: أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر. الثاني: أن لسرعة الأمور كأن الكل في زمان واحد كقول القائل: 4183 - مِكَرِّ مِفَرِّ مُقْبِل مُدْبِرٍ مَعاً..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . واعمل أن النفختين تورثان تزلزلاً وانقلاباً للأجرام فعند اجتماع الأجرامِ يُفَرِّقها وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو النفخة الثانية. قوله: ﴿ياويلنا﴾ العامة على الإضافة إلى ضمير المتكلمين دون تأنيث وهو «ويل» مضاف لما بعده. ونقل أبو البقاء أن «وَيْ» كلمة براسها عن الكوفيين و «لنا» جار ومجرور انتهى قال شهاب الدين: ولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد وهو أن يكون يا غَجَب لنا، لأن «وَيْ» تفسير بمعنى أعجب منا وابنُ أَبِي لَيْلَى يا ويلتنا بتاء التأنيث وعنه أيضاً يَا وَيْلَتِي بإبدال التاء ألفاً وتلأأويل هذه أن كل واحد منهم يقول يا ويلتي. قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا﴾ العامة على فتح ميم «من» و «بعثنا» فعلاً ماضياً خبراً «لمنْ» الاستفهامية قبله، وابن عباس والضحاك وأبو نُهَيْك بكسر الميم على أنها حرف جر، و «بعثنا» مصدر مجرور «بمن» ف «من» الأولى تتعلق بالويل والثانية تتعلق بالبعث. والمَرْقَدُ يجوز أن يكون مصدراً أي من رُقَادِنَا وأن يكون مكاناً وهو مفرد أقيم مُقَام الجمع والأول أحسن؛ إذ المصدر يفرد مطقاً. فصل قال ابن عباس وأبيّ بن كعب وقتادة: إنما يقولون هذا لأن الله يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة، دعوا بالويل. وقال (أهل) المعاني: الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم فقالوا: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا. فإن قيل: لو قيل: فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا كان أليق قال ابن الخطيب: نقول: معاذ الله وذلك لأن قوله إذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون إشارة إلى أنهم تعالى باسرع زمان يجمع أجزاءهم وؤلفها ويحييها ويحركها بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ مع أن ذلك لا بدّ له من الجمع والتأليف فلو قال يقولون لكان ذلك مثل الحال لنيسلون أي نسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك فإن قولهم: يا ويلنا قبل أن ينسلوا وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفائدة. فإن قيل: ما وجه تعلق «مَنْ بعَثنَا مِنْ مَرْقَدِنَا» بقولهم «يَا وَيْلَنَا» ؟ فالجواب: لما بعثوا تذكروا ما كانوا يمسعون من الرسل فقالوا: يَاوَيْلَنَا أبَعَث الله البَعْثَ الموعود به أم كنا نِيَاماً هنا كما إذا كان إنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لايطيقه ثم يَرَى رَجُلاً هائلاً يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول أهذا ذاك أم لا؟ . ويدل على هذا قولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ حيث جعلوا القبور موضع الرُّقَاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نيَاماً فنبهوا أو كانوا موتى فبعثوا وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من بعثنا إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به وقالوا من مرقدنما إشارة إلى توهمهم احتمال الانْتِبَاه. قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن﴾ في «هذا» وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ وما بعده خبره ويكون الوقوف تامًّا على قوله: ﴿مِن مَّرْقَدِنَا﴾ وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى، أو من قول الملائكة، أو من قول المؤمنين للكفار. الثاني: أنها من كلام الكفار فيكون في محلّ نصب بالقَول. والثاني من الوجهين الأولي: (أن) «هذا» صفة «لمرقدنا» و «مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ» منقطع عما قبله ثم في «ما» وجهان: أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون حق عليكم وإليه ذهب الزجاج والزمخشري. والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هذا وعد الرحمن، وقد تقدم في ألو الكهف أن حَفْصاً يقف على «مرقدنا» وقفلةً لطيفة دون قطع نفس لئلا يتوهم أن اسم الإشارة تباع ل «مَرْقَدِنَا» وهذا الوَجْهَانِ يقويان ذلك المعنى المذكور الذي تعمد الوقف لأجله، و «ما» يصحّ أن تكون موصولة اسمية أو حرفية كما تقدم ومفعولاً الوعد والصدق محذفوفان أي وَعَدَنَاهُ الرَّحْمَنُ وصَدَقَنَاهُ المرسلون والأصل «صدقنا فيه» ويجوز حذف الخاضف وقد تقدم ذلك نحو: صَدَقَنِي سنَّ بكْرِ (هِ) أي في سنه. قوله: ﴿ِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ تقدمت قراءتا: ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 53] نصباً ورفعاً أي ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة، ويدل على النفخة قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ ويحتمل أن يقال: إنها كانت الواقعة وقرئت الصيحة مرفوعة على أن «كان» هي التامة بمعنى «ما وقعتْ إلاَّ صَيْحَةٌ» قال الزمخشري: لو كان كذلك لكان الأحسن أن يقال: إن كان؛ لأن المعنى حينئذ ما وقع شيء إلى صيحة لكن التأنيث جائز إحالته على الظاهر ويمكن أن يقول الذي قرأ بالرفع إن قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة﴾ [الواقعة: 1] تأنيث تهويل ومبالغة بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: 2] فإنها للمبالغة فكذلك ههنا قالك «إنْ كانت إلا موتتنا الأولى» تأنيث تهويل، ولهذا جاءت أسماء يوم الحشر كلها مؤنثة كالقيامة والقارعة والحَاقَة والصَّاخَّة إلى غيرها. والزمخشري يقول: كاذبة بمعنى ليس لوقعتها نفس كاذبة وتأنيث أسماء الحشر لكون الحشر مسمى بالقيامة. وقوله «محضرون» دليل على أنّ كونهم نسلون إجباريّ لا اختياريّ ثم بين ما يكون في ذلك اليوم فقال: ﴿فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ فاليوم منصوب «بلاَ تُظْلَمُ» و «شيئاً» إما مفعول ثانٍ وإماغ مصدر. فقوله: ﴿لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ (و) ﴿وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ليَيْأسَ المجرمُ والكافر. فإن قيل: ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى أمان المؤمن؟ فالجواب: أن قوله: ﴿لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ يفيد العموم وهو كذلك فإنه لا يظلم أحداً وأما «لا تجزون» فيختص بالكافر لأن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن لله فضلاً مختصاً بالمؤمن وعدلاً عاماً فيه. وفيه بشارة.

يس 36:53

قوله: ﴿وَيَقُولُونَ متى هَذَا الوعد﴾ أي القيامة والبعث «إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» وهذا إشارة إلى ما اعتقدوا أن التقوى المأمور بها في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: 45] والإنفاق المذكور في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: 45] لا فائدة فيه لأن لا حقيقة له وقولهم: «مَتَى هَذَا الوَعْدُ» أي متى يقع المَوْعُودُ به. فصل «إنْ» للشرط وهي تستدعي جزاء و «متى» استفهام لا تصلح جواباً فيه فما الجواب؟ . قيل: هو في صورة الآستفهام وهو في المعنى إنكار كأنهم قالوا: إن كنتم صادقين في قوع الحشر فَقُلُوا متى يكون. فصل الظاهر أن هذا الخطاب مع الأنبياء لما أنكروا الرسالة قالوا إن كنتم أيها المُدَّعونَ للرسالة صادقين فأخبرونا متى يكون ما تَعِدُونَنَا به. فإن قيل: ليس في هذا الموضع وعد فالإشارة بقوله: «هَذَا الوَعْد» إلى أي وعد؟ فالجواب: هو ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: 45] من قيام الساعة، أو نقول: هو معلوم وإن لم يكن مذكوراً لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب. قوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس: ما ينتظرون إلاّ الصيحة المعلومة يريد النفخة الأولى والتنكير للتكثير. فإن قيل: هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون بعدمها. فالجواب: المراد بالانتظار فعلهم لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله الهوان وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وعلمه بأنهم لا يفوتونه أو يقال: لما لم يكن قولهم «متى» استفهاماً حقيقياً قال ينتظرون انتظاراً غير حقيقي لأن القائل متى يفهم منه الانتظار نظر لقوله. فصل ذكر في الصيحة أموراً تدل على عظمتها: أحدها: التنكير وثانيها: قوله «واحدة» أي لا يحتاج معها إلى ثانية. ثالثها: «تأخذهم» أي تَعْمُّهم بالأَخْذِ وتصلُ إلى مَنْ في الأرض مشارقِهَا ومَغَارِبها. قوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خَصَم يَخْصِمُ. والمعنى بخصم بعضهم بعضاً فالمفعول محذوف، وأبو عمرو وقالوا بإخفاء فتحة الخاء، وتشديد الصاد. ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا أنه بإخلاص فتحة الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد والأصل في القراءات الثلالث يَخطْتَصُمُونَ فأدغمت التاء في الصاد. فنافع وابن كثير وهشام نقولا فتحتها إلى الساكن قبلها نقلاً كاملاً، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتها تنْبِيهاً على أن الخاء أصلها السكون والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان كذلك فكسر (وا) أولهما. فهذه أربع قراءات قرئ بها في المشهور، وروي عن أبي عمرو وقالون سكون الخاء وتشديد الصاد فالنحاة يستشكلونها للجمع بين ساكنين على غير حَدِّيْهمَا. وقرأ جماعة «يخِصِّمُونَ» بكسر الياء والخاء وتشديد الصاد وكسروا الياء إتباعاً وقرأ أبيّ يَخْتَصِمُونَ على الأصل، وقال أبو حيان وروي عنهما - أي عن أبي عمرو وقالون - سكون الخاء، وتخفيف الصاد من خَصَم قال شهاب الدين: هذه هي قراءة حَمْزَةَ ولم يحكِها هو عنه، وهذا يشبه قوله: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: 20] في البقرة و «لاَ يَهْدِّي» في يُونُس وقرأ ابن مُحَيْصِن «يرجعون» مبنيٍّا للمفعول. فصل قال عليه (الصلاة و) السلام: «لَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلاَ يِبِيعانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ الرَّجُلُ أَكْلَتَهُ إلَى فِيهِ فَلاَ يَطْعَمُها» . قوله: ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي لا يقدرون على الإيصاء قال مقاتل: أي أعجلوا عن الوصية فماتوا «وَلاَ إلَى أَهْلِهِمْ يرْجِعُونَ» يَنْقَلِبُونَ. أي أنَّ الساعة لا تُمْهِلْهُم لشيء. واعلم أن قول القائل: فلان في هذه الحالة لا يوصي دون قوله لايستطيع التوصية لأن ما من لايوصي قد يستطيعها والتوصية بالقول، والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل فقال: لا يتسطيعون كلمة، فكيف الذي يحتاج إلى زمن طويل من أداء الواجبات ورد المظالم؟! واعتبار الوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى الوصية أمسّ. والتنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية (ما) ولو كانت بِكَلِمةٍ يسيرة، ولأن الوصية قد تحصل بالإشارة، فالعاجز عنها عاجز عن غيرها. قوله: ﴿إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ بيان لشدة الحاجة إلى التوصية، ثم بين ما بعد الصيحة الأولى فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ أي نفخ فيه أخرى كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وقرأ الأعرج ونفخ في الصور بتفح لاواو وهي القبور واحدها جَدَث، وقرئ من الأجدافِ بالفاء، وهو لغة في الأجداث يقال: جَدَث، وجَدَف كثمَّ وفُمَّ، وثُوم، وفُوم. فإن فيل: أين يكون ذلك الوقت وقد زلزت الصيحة الجبال؟ . فالجواب: أن الله يجمع أجزاء كل ميت في الموضع الذي أقْرِرَ فيه من ذلك الموضع وهو جدثه. قوله: ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ أي يخرجون من القبور أحياء. وقرأ ابنُ أبي إسحاق وأبو عمرو في رواية: يَنْسُلُونَ بضم السين، يقال: نَسَلَ الثعلبُ يَنْسِلُ وَنْسُلُ إذا أسرع في عَدْوِهِ، ومنه قيل للولد: نَسَل لخروجه من ظهر أبيه وبطن أمه. فإن قيل: المسيء إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رِجْلاً ويؤخر أخرى والنَّسلاَن سرعة الشيء فكيف يوجد بينهم ذلك؟ فالجواب: ينسلون من غير اختيارهم والمعنى أنه أراد أن يبين كمال قدرته ونفوذ إرادته حيث نفخ في الصور فيكون في وقته جمع وإحياء وقيام وعدو في زمان واحد، فقوله: «إذَا هُمْ يَنْسِلُونَ» أي في زمان واحد ينتهون إلى هذه الدرجة وهي النسلان الذي لا يكون إلا بعد مراتب. فإن قيل: قال في آية ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وقال ههنا: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ والقيام غير النسلان فقوله في الموضعين: «إذا هم» يقتضي أن يكونا معاً. فالجواب من وجهين: الأول: أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر. الثاني: أن لسرعة الأمور كأن الكل في زمان واحد كقول القائل: 4183 - مِكَرِّ مِفَرِّ مُقْبِل مُدْبِرٍ مَعاً..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . واعمل أن النفختين تورثان تزلزلاً وانقلاباً للأجرام فعند اجتماع الأجرامِ يُفَرِّقها وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو النفخة الثانية. قوله: ﴿ياويلنا﴾ العامة على الإضافة إلى ضمير المتكلمين دون تأنيث وهو «ويل» مضاف لما بعده. ونقل أبو البقاء أن «وَيْ» كلمة براسها عن الكوفيين و «لنا» جار ومجرور انتهى قال شهاب الدين: ولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد وهو أن يكون يا غَجَب لنا، لأن «وَيْ» تفسير بمعنى أعجب منا وابنُ أَبِي لَيْلَى يا ويلتنا بتاء التأنيث وعنه أيضاً يَا وَيْلَتِي بإبدال التاء ألفاً وتلأأويل هذه أن كل واحد منهم يقول يا ويلتي. قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا﴾ العامة على فتح ميم «من» و «بعثنا» فعلاً ماضياً خبراً «لمنْ» الاستفهامية قبله، وابن عباس والضحاك وأبو نُهَيْك بكسر الميم على أنها حرف جر، و «بعثنا» مصدر مجرور «بمن» ف «من» الأولى تتعلق بالويل والثانية تتعلق بالبعث. والمَرْقَدُ يجوز أن يكون مصدراً أي من رُقَادِنَا وأن يكون مكاناً وهو مفرد أقيم مُقَام الجمع والأول أحسن؛ إذ المصدر يفرد مطقاً. فصل قال ابن عباس وأبيّ بن كعب وقتادة: إنما يقولون هذا لأن الله يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة، دعوا بالويل. وقال (أهل) المعاني: الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم فقالوا: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا. فإن قيل: لو قيل: فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا كان أليق قال ابن الخطيب: نقول: معاذ الله وذلك لأن قوله إذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون إشارة إلى أنهم تعالى باسرع زمان يجمع أجزاءهم وؤلفها ويحييها ويحركها بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ مع أن ذلك لا بدّ له من الجمع والتأليف فلو قال يقولون لكان ذلك مثل الحال لنيسلون أي نسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك فإن قولهم: يا ويلنا قبل أن ينسلوا وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفائدة. فإن قيل: ما وجه تعلق «مَنْ بعَثنَا مِنْ مَرْقَدِنَا» بقولهم «يَا وَيْلَنَا» ؟ فالجواب: لما بعثوا تذكروا ما كانوا يمسعون من الرسل فقالوا: يَاوَيْلَنَا أبَعَث الله البَعْثَ الموعود به أم كنا نِيَاماً هنا كما إذا كان إنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لايطيقه ثم يَرَى رَجُلاً هائلاً يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول أهذا ذاك أم لا؟ . ويدل على هذا قولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ حيث جعلوا القبور موضع الرُّقَاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نيَاماً فنبهوا أو كانوا موتى فبعثوا وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من بعثنا إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به وقالوا من مرقدنما إشارة إلى توهمهم احتمال الانْتِبَاه. قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن﴾ في «هذا» وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ وما بعده خبره ويكون الوقوف تامًّا على قوله: ﴿مِن مَّرْقَدِنَا﴾ وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى، أو من قول الملائكة، أو من قول المؤمنين للكفار. الثاني: أنها من كلام الكفار فيكون في محلّ نصب بالقَول. والثاني من الوجهين الأولي: (أن) «هذا» صفة «لمرقدنا» و «مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ» منقطع عما قبله ثم في «ما» وجهان: أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون حق عليكم وإليه ذهب الزجاج والزمخشري. والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هذا وعد الرحمن، وقد تقدم في ألو الكهف أن حَفْصاً يقف على «مرقدنا» وقفلةً لطيفة دون قطع نفس لئلا يتوهم أن اسم الإشارة تباع ل «مَرْقَدِنَا» وهذا الوَجْهَانِ يقويان ذلك المعنى المذكور الذي تعمد الوقف لأجله، و «ما» يصحّ أن تكون موصولة اسمية أو حرفية كما تقدم ومفعولاً الوعد والصدق محذفوفان أي وَعَدَنَاهُ الرَّحْمَنُ وصَدَقَنَاهُ المرسلون والأصل «صدقنا فيه» ويجوز حذف الخاضف وقد تقدم ذلك نحو: صَدَقَنِي سنَّ بكْرِ (هِ) أي في سنه. قوله: ﴿ِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ تقدمت قراءتا: ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 53] نصباً ورفعاً أي ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة، ويدل على النفخة قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ ويحتمل أن يقال: إنها كانت الواقعة وقرئت الصيحة مرفوعة على أن «كان» هي التامة بمعنى «ما وقعتْ إلاَّ صَيْحَةٌ» قال الزمخشري: لو كان كذلك لكان الأحسن أن يقال: إن كان؛ لأن المعنى حينئذ ما وقع شيء إلى صيحة لكن التأنيث جائز إحالته على الظاهر ويمكن أن يقول الذي قرأ بالرفع إن قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة﴾ [الواقعة: 1] تأنيث تهويل ومبالغة بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: 2] فإنها للمبالغة فكذلك ههنا قالك «إنْ كانت إلا موتتنا الأولى» تأنيث تهويل، ولهذا جاءت أسماء يوم الحشر كلها مؤنثة كالقيامة والقارعة والحَاقَة والصَّاخَّة إلى غيرها. والزمخشري يقول: كاذبة بمعنى ليس لوقعتها نفس كاذبة وتأنيث أسماء الحشر لكون الحشر مسمى بالقيامة. وقوله «محضرون» دليل على أنّ كونهم نسلون إجباريّ لا اختياريّ ثم بين ما يكون في ذلك اليوم فقال: ﴿فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ فاليوم منصوب «بلاَ تُظْلَمُ» و «شيئاً» إما مفعول ثانٍ وإماغ مصدر. فقوله: ﴿لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ (و) ﴿وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ليَيْأسَ المجرمُ والكافر. فإن قيل: ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى أمان المؤمن؟ فالجواب: أن قوله: ﴿لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ يفيد العموم وهو كذلك فإنه لا يظلم أحداً وأما «لا تجزون» فيختص بالكافر لأن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن لله فضلاً مختصاً بالمؤمن وعدلاً عاماً فيه. وفيه بشارة.

يس 36:54

قوله: ﴿وَيَقُولُونَ متى هَذَا الوعد﴾ أي القيامة والبعث «إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» وهذا إشارة إلى ما اعتقدوا أن التقوى المأمور بها في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: 45] والإنفاق المذكور في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا﴾ [يس: 45] لا فائدة فيه لأن لا حقيقة له وقولهم: «مَتَى هَذَا الوَعْدُ» أي متى يقع المَوْعُودُ به. فصل «إنْ» للشرط وهي تستدعي جزاء و «متى» استفهام لا تصلح جواباً فيه فما الجواب؟ . قيل: هو في صورة الآستفهام وهو في المعنى إنكار كأنهم قالوا: إن كنتم صادقين في قوع الحشر فَقُلُوا متى يكون. فصل الظاهر أن هذا الخطاب مع الأنبياء لما أنكروا الرسالة قالوا إن كنتم أيها المُدَّعونَ للرسالة صادقين فأخبرونا متى يكون ما تَعِدُونَنَا به. فإن قيل: ليس في هذا الموضع وعد فالإشارة بقوله: «هَذَا الوَعْد» إلى أي وعد؟ فالجواب: هو ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ [يس: 45] من قيام الساعة، أو نقول: هو معلوم وإن لم يكن مذكوراً لكون الأنبياء مقيمين على تذكيرهم بالساعة والحساب والثواب والعقاب. قوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس: ما ينتظرون إلاّ الصيحة المعلومة يريد النفخة الأولى والتنكير للتكثير. فإن قيل: هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون بعدمها. فالجواب: المراد بالانتظار فعلهم لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله الهوان وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وعلمه بأنهم لا يفوتونه أو يقال: لما لم يكن قولهم «متى» استفهاماً حقيقياً قال ينتظرون انتظاراً غير حقيقي لأن القائل متى يفهم منه الانتظار نظر لقوله. فصل ذكر في الصيحة أموراً تدل على عظمتها: أحدها: التنكير وثانيها: قوله «واحدة» أي لا يحتاج معها إلى ثانية. ثالثها: «تأخذهم» أي تَعْمُّهم بالأَخْذِ وتصلُ إلى مَنْ في الأرض مشارقِهَا ومَغَارِبها. قوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قرأ حمزة بسكون الخاء وتخفيف الصاد من خَصَم يَخْصِمُ. والمعنى بخصم بعضهم بعضاً فالمفعول محذوف، وأبو عمرو وقالوا بإخفاء فتحة الخاء، وتشديد الصاد. ونافع وابن كثير وهشام كذلك إلا أنه بإخلاص فتحة الخاء، والباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد والأصل في القراءات الثلالث يَخطْتَصُمُونَ فأدغمت التاء في الصاد. فنافع وابن كثير وهشام نقولا فتحتها إلى الساكن قبلها نقلاً كاملاً، وأبو عمرو وقالون اختلسا حركتها تنْبِيهاً على أن الخاء أصلها السكون والباقون حذفوا حركتها فالتقى ساكنان كذلك فكسر (وا) أولهما. فهذه أربع قراءات قرئ بها في المشهور، وروي عن أبي عمرو وقالون سكون الخاء وتشديد الصاد فالنحاة يستشكلونها للجمع بين ساكنين على غير حَدِّيْهمَا. وقرأ جماعة «يخِصِّمُونَ» بكسر الياء والخاء وتشديد الصاد وكسروا الياء إتباعاً وقرأ أبيّ يَخْتَصِمُونَ على الأصل، وقال أبو حيان وروي عنهما - أي عن أبي عمرو وقالون - سكون الخاء، وتخفيف الصاد من خَصَم قال شهاب الدين: هذه هي قراءة حَمْزَةَ ولم يحكِها هو عنه، وهذا يشبه قوله: ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: 20] في البقرة و «لاَ يَهْدِّي» في يُونُس وقرأ ابن مُحَيْصِن «يرجعون» مبنيٍّا للمفعول. فصل قال عليه (الصلاة و) السلام: «لَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلاَ يِبِيعانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ الرَّجُلُ أَكْلَتَهُ إلَى فِيهِ فَلاَ يَطْعَمُها» . قوله: ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ أي لا يقدرون على الإيصاء قال مقاتل: أي أعجلوا عن الوصية فماتوا «وَلاَ إلَى أَهْلِهِمْ يرْجِعُونَ» يَنْقَلِبُونَ. أي أنَّ الساعة لا تُمْهِلْهُم لشيء. واعلم أن قول القائل: فلان في هذه الحالة لا يوصي دون قوله لايستطيع التوصية لأن ما من لايوصي قد يستطيعها والتوصية بالقول، والقول يوجد أسرع مما يوجد الفعل فقال: لا يتسطيعون كلمة، فكيف الذي يحتاج إلى زمن طويل من أداء الواجبات ورد المظالم؟! واعتبار الوصية من بين سائر الكلمات يدل على أنه لا قدرة له على أهم الكلمات فإن وقت الموت الحاجة إلى الوصية أمسّ. والتنكير في التوصية للتعميم أي لا يقدر على توصية (ما) ولو كانت بِكَلِمةٍ يسيرة، ولأن الوصية قد تحصل بالإشارة، فالعاجز عنها عاجز عن غيرها. قوله: ﴿إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ بيان لشدة الحاجة إلى التوصية، ثم بين ما بعد الصيحة الأولى فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ أي نفخ فيه أخرى كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وقرأ الأعرج ونفخ في الصور بتفح لاواو وهي القبور واحدها جَدَث، وقرئ من الأجدافِ بالفاء، وهو لغة في الأجداث يقال: جَدَث، وجَدَف كثمَّ وفُمَّ، وثُوم، وفُوم. فإن فيل: أين يكون ذلك الوقت وقد زلزت الصيحة الجبال؟ . فالجواب: أن الله يجمع أجزاء كل ميت في الموضع الذي أقْرِرَ فيه من ذلك الموضع وهو جدثه. قوله: ﴿إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ أي يخرجون من القبور أحياء. وقرأ ابنُ أبي إسحاق وأبو عمرو في رواية: يَنْسُلُونَ بضم السين، يقال: نَسَلَ الثعلبُ يَنْسِلُ وَنْسُلُ إذا أسرع في عَدْوِهِ، ومنه قيل للولد: نَسَل لخروجه من ظهر أبيه وبطن أمه. فإن قيل: المسيء إذا توجه إلى من أحسن إليه يقدم رِجْلاً ويؤخر أخرى والنَّسلاَن سرعة الشيء فكيف يوجد بينهم ذلك؟ فالجواب: ينسلون من غير اختيارهم والمعنى أنه أراد أن يبين كمال قدرته ونفوذ إرادته حيث نفخ في الصور فيكون في وقته جمع وإحياء وقيام وعدو في زمان واحد، فقوله: «إذَا هُمْ يَنْسِلُونَ» أي في زمان واحد ينتهون إلى هذه الدرجة وهي النسلان الذي لا يكون إلا بعد مراتب. فإن قيل: قال في آية ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: 68] وقال ههنا: ﴿فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ والقيام غير النسلان فقوله في الموضعين: «إذا هم» يقتضي أن يكونا معاً. فالجواب من وجهين: الأول: أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر. الثاني: أن لسرعة الأمور كأن الكل في زمان واحد كقول القائل: 4183 - مِكَرِّ مِفَرِّ مُقْبِل مُدْبِرٍ مَعاً..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . واعمل أن النفختين تورثان تزلزلاً وانقلاباً للأجرام فعند اجتماع الأجرامِ يُفَرِّقها وهو المراد بالنفخة الأولى وعند تفرق الأجرام يجمعها وهو النفخة الثانية. قوله: ﴿ياويلنا﴾ العامة على الإضافة إلى ضمير المتكلمين دون تأنيث وهو «ويل» مضاف لما بعده. ونقل أبو البقاء أن «وَيْ» كلمة براسها عن الكوفيين و «لنا» جار ومجرور انتهى قال شهاب الدين: ولا معنى لهذا إلا بتأويل بعيد وهو أن يكون يا غَجَب لنا، لأن «وَيْ» تفسير بمعنى أعجب منا وابنُ أَبِي لَيْلَى يا ويلتنا بتاء التأنيث وعنه أيضاً يَا وَيْلَتِي بإبدال التاء ألفاً وتلأأويل هذه أن كل واحد منهم يقول يا ويلتي. قوله: ﴿مَنْ بَعَثَنَا﴾ العامة على فتح ميم «من» و «بعثنا» فعلاً ماضياً خبراً «لمنْ» الاستفهامية قبله، وابن عباس والضحاك وأبو نُهَيْك بكسر الميم على أنها حرف جر، و «بعثنا» مصدر مجرور «بمن» ف «من» الأولى تتعلق بالويل والثانية تتعلق بالبعث. والمَرْقَدُ يجوز أن يكون مصدراً أي من رُقَادِنَا وأن يكون مكاناً وهو مفرد أقيم مُقَام الجمع والأول أحسن؛ إذ المصدر يفرد مطقاً. فصل قال ابن عباس وأبيّ بن كعب وقتادة: إنما يقولون هذا لأن الله يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة، دعوا بالويل. وقال (أهل) المعاني: الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم فقالوا: مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا. فإن قيل: لو قيل: فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون يا ويلنا كان أليق قال ابن الخطيب: نقول: معاذ الله وذلك لأن قوله إذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون إشارة إلى أنهم تعالى باسرع زمان يجمع أجزاءهم وؤلفها ويحييها ويحركها بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ مع أن ذلك لا بدّ له من الجمع والتأليف فلو قال يقولون لكان ذلك مثل الحال لنيسلون أي نسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك فإن قولهم: يا ويلنا قبل أن ينسلوا وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفائدة. فإن قيل: ما وجه تعلق «مَنْ بعَثنَا مِنْ مَرْقَدِنَا» بقولهم «يَا وَيْلَنَا» ؟ فالجواب: لما بعثوا تذكروا ما كانوا يمسعون من الرسل فقالوا: يَاوَيْلَنَا أبَعَث الله البَعْثَ الموعود به أم كنا نِيَاماً هنا كما إذا كان إنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لايطيقه ثم يَرَى رَجُلاً هائلاً يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول أهذا ذاك أم لا؟ . ويدل على هذا قولهم: ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ حيث جعلوا القبور موضع الرُّقَاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نيَاماً فنبهوا أو كانوا موتى فبعثوا وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين وقالوا من بعثنا إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به وقالوا من مرقدنما إشارة إلى توهمهم احتمال الانْتِبَاه. قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن﴾ في «هذا» وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ وما بعده خبره ويكون الوقوف تامًّا على قوله: ﴿مِن مَّرْقَدِنَا﴾ وهذه الجملة حينئذ فيها وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة إما من قول الله تعالى، أو من قول الملائكة، أو من قول المؤمنين للكفار. الثاني: أنها من كلام الكفار فيكون في محلّ نصب بالقَول. والثاني من الوجهين الأولي: (أن) «هذا» صفة «لمرقدنا» و «مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ» منقطع عما قبله ثم في «ما» وجهان: أحدهما: أنها في محل رفع بالابتداء والخبر مقدر أي الذي وعده الرحمن وصدق فيه المرسلون حق عليكم وإليه ذهب الزجاج والزمخشري. والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هذا وعد الرحمن، وقد تقدم في ألو الكهف أن حَفْصاً يقف على «مرقدنا» وقفلةً لطيفة دون قطع نفس لئلا يتوهم أن اسم الإشارة تباع ل «مَرْقَدِنَا» وهذا الوَجْهَانِ يقويان ذلك المعنى المذكور الذي تعمد الوقف لأجله، و «ما» يصحّ أن تكون موصولة اسمية أو حرفية كما تقدم ومفعولاً الوعد والصدق محذفوفان أي وَعَدَنَاهُ الرَّحْمَنُ وصَدَقَنَاهُ المرسلون والأصل «صدقنا فيه» ويجوز حذف الخاضف وقد تقدم ذلك نحو: صَدَقَنِي سنَّ بكْرِ (هِ) أي في سنه. قوله: ﴿ِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ تقدمت قراءتا: ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 53] نصباً ورفعاً أي ما كانت النفخة إلا صيحة واحدة، ويدل على النفخة قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ ويحتمل أن يقال: إنها كانت الواقعة وقرئت الصيحة مرفوعة على أن «كان» هي التامة بمعنى «ما وقعتْ إلاَّ صَيْحَةٌ» قال الزمخشري: لو كان كذلك لكان الأحسن أن يقال: إن كان؛ لأن المعنى حينئذ ما وقع شيء إلى صيحة لكن التأنيث جائز إحالته على الظاهر ويمكن أن يقول الذي قرأ بالرفع إن قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة﴾ [الواقعة: 1] تأنيث تهويل ومبالغة بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: 2] فإنها للمبالغة فكذلك ههنا قالك «إنْ كانت إلا موتتنا الأولى» تأنيث تهويل، ولهذا جاءت أسماء يوم الحشر كلها مؤنثة كالقيامة والقارعة والحَاقَة والصَّاخَّة إلى غيرها. والزمخشري يقول: كاذبة بمعنى ليس لوقعتها نفس كاذبة وتأنيث أسماء الحشر لكون الحشر مسمى بالقيامة. وقوله «محضرون» دليل على أنّ كونهم نسلون إجباريّ لا اختياريّ ثم بين ما يكون في ذلك اليوم فقال: ﴿فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ فاليوم منصوب «بلاَ تُظْلَمُ» و «شيئاً» إما مفعول ثانٍ وإماغ مصدر. فقوله: ﴿لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ (و) ﴿وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ليَيْأسَ المجرمُ والكافر. فإن قيل: ما الفائدة في الخطاب عند الإشارة إلى أمان المؤمن؟ فالجواب: أن قوله: ﴿لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ يفيد العموم وهو كذلك فإنه لا يظلم أحداً وأما «لا تجزون» فيختص بالكافر لأن الله يجزي المؤمن وإن لم يفعل فإن لله فضلاً مختصاً بالمؤمن وعدلاً عاماً فيه. وفيه بشارة.

يس 36:55

ثم بيّن حال المحسن فقال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ فقوله: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يجوز أن يكون خبراً ل «إنّ» و «فَاكِهُونَ» خبر ثانٍ وأن يكون «فاكهون» هو الخبر و «فِي شُغُلٍ» يتعلق به وأن يكون حالاً، وقرأ الكوفيون وابنُ عامر «شُغُل» بضمتين الباقون بضم سكون وما لغتان للحاجزيين قاله الفراء، ومجاهدٌ وأبو السَّمَّال بفتحتين ويزيد النحويّ وابنُ هُبَيْرَة بفتح وسكون وهما (لغتان) أيضاً والعامة على رفع «فاكهون» على ما تقدم والأعمشُ وطلحةُ «فاكهينَ» نصباً على الحال والجار الخبر. والعامة أيضاً وأبو حَيْوَة وأبو رجاء وشيبة وقتادة ومجاهد «فكهون» بغير ألف بمعنى طربون فرحون من الفُكَاهِةِ بالضم. وقيل: الفاكِهُ والفكه بمعنى المتلذذ والمتنعم لأن كلاًّ من الفاكهة والفكاهة مما يُتَلَذَّذُ بِهِ ويتنعم كحاذر وحذر وقرئ «فَكِهِينَ» بالقصر والياء على ما تقدم وفَكهُونَ بالقصر وضم الكاف، يقال: رجل فَكِه وفكُه كرجل ندِس وندُس وحَذِر وحذُر. فصل اختفوا في الشغل فقال ابن عباس: في افتضاض الأبكار، وقال وكيع بن الجراح: في السماع وقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم. وقال ابن كيسان في زيارة بعضهم بعضاً. وقيل: في ضيافةِ الله فاكوهون. وقيل: في شغل عن هَوْلِ اليوم بأخذ ما آتاهم الله من الثواب فما عندهم خير من عذاب ولا حساب وقوله «فَاكِهُونَ» متمّمٌ لبيان سلامتهم فإنه لو قال: في شُغُل جاز أن هم في شغل أعظم من التذكر في اليوم وأهواله فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره أو يخبر بخُسْران وقع في ماله يقول أنا مشغول عن هذا بأهمَّ منه فقال: فاكهونَ أي شغلوا عنه باللّذة والسُّرُور لا بالوَيْلِ والثُّبُور. وقال ابن عباس: فاكهون فَرِحُونَ. قوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ يجوز في «هم» أن يكون تأكيداً للضمير المستكنِّ في: «فَاكِهُونَ» و «أَزْوَاجُهُمْ» عطف على المستكن، ويجوز أن يكون تأكيداً للضمير المستكنِّ في «شُغُل» إذا جعلناه خبراً و «أزواجهم» عطف عليه (مستكن ويجوز أن أيضاً) كذا ذكره أبو حيان وفيه نظر من حيثُ الفصلُ بين المؤكد والمؤكد بخير «أن» ، ونظيره في قولك: «في الدار» ، وعلى هذين الوجهين يكون قوله: «مُتَّكِئُونَ» خبراً آخر ل «إنّ» و «فِي ظِلاَلِ» متعلق به أو حال، و «عَلَى الأَرَائِكِ» متعلق به، ويجوز أن يكون «هم» مبتدأ ومتكئون خبره والجاران على ما تقدم وجوز أبو البقاء أن يكون «فِي ظِلاَلٍ» هو الخبر قال «وعلى الأرائك» مستأنف وهي عبارة موهمة غير الصواب ويرد بذلك أن «مُتَّكِئُونَ» خبر مبتدأ مضمر و «على الأرائك» متعلق به، فهذا وجه استئنافه لا أنه خبر مقدم و «متكئون» مبتدأ مؤخر إذا لا معنى له وقرأ عبد الله «مُتَّكِئِينَ» نصباً على الحال وقرأ الأخوان «في ظُلَلٍ» بضم الظاء والقصر وهو جمع ظُلَّة نحو غُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وحُلَّةٍ وحُلَلِ. وهي عبارة عن الفرش والستور والباقون بكسر الظاء والألف جمع ظُلَّةٍ أيضاً كحلَّةٍ وحِلاَل وبُرْمة وَبِرام أو جمع «فِعْلَةٍ» بالكسر إذ يقال: ظُلَّةٌ وظِلَّةٌ بالضمر والكسر، كلُقْحَةٍ ولِقَاحِ إلاَّ أن فِعَالاً لا ينقاس فيها أو جمع «فِعْل» نحو: ذِئْب وذِئَاب ورِيح ورِيَاحٍ. فصل الأَرَائِكُ هي السرر في الحِجال واحدها أًريكة. قال ثعلب: لا تكون أريكة (جمع) حتى يكون عَلَيْها حجْلة. «متكئون» ذَوْ (و) اتّكَاء وهو إشارةإلى الفراغ. وقوله «هُمْ وأَزْوَاجُهُمْ» إشارة إلى عدم الوحشة ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ إشارة إلى أن لا جوع هناك لأن التفكه لا يكون لدفع ألم الجوع. قوله: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ في «ما» هذه ثلاثة أوجه: موصولة اسمية (أو) نكرة موصوفة والعائد على هذين محذوف (أو) مصدرية و «يَدَّعُونَ» مضارع ادَّعى افْتَعَلَ من دَعَا يَدْعُو؛ وأُشْربَ التمني قال أبو عبيدة: العرب تقول: «ادَّع عليَّ ما شِئْتَ» أي تَمَنَّ، و «فُلاَنٌ في خَيْر مَا يَدَّعِي» أي ما يتمنى وقال الزجاج: هو من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم من: دَعوتُ غلاميَ. فيكون الافتعال بمعنى الفعل كالاحتمال لمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحل. وقيل: افتعل بمعنى تفاعل أي ما يتداعونه كقولهم: ارْتَمَوْا وَتَرَاموا، و «ما» مبتدأ وفي خبرها وجهان: أظهرهما: أنه الجار قبلها. والثاني: أنه «سَلاَم» أي مسلم خالص أو ذو سَلاَمةٍ. قوله: «سَلاَمٌ» العامة على رفعه وفيه أوجه: أحدها: ما تقدم من كونه خبر «مَا يَدَّعُونَ» الثاني: أنه بدل منها قاله الزمخشري قال أبو حيان: وإذا كان بدلاً كان «مَا يَدَّعُونَ» خصوصاً والظاهر أنه عموم في كل ما يدعونه وإذا كان عموماً لم يكن بدلاً منه. الثالث: أنه صفةٍ «لِمَا» وهذا إذا جعلتها نكرة موصوفة. أما إذا جعلتها بمعنى الذي أو مصدرية تعذر ذلك لتخلفهما تعريفاً وتنكيراً. الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمير أي هو سلام. الخامس: أنه مبتدأ خبره الناصب لِ (قوله) «قَوْلاً» أي سَلامَ يُقَالُ لَهُمْ قَوْلاً. وقيل: تقديره سَلاَمٌ عليكم. السادس: أنه مبتدأ وخبره «مِنْ ربّ» و «قَوْلاً» مصدر مؤكد لمضمون الجملة وهو مع عامله معترض بين المبتدأ والخبر وقرأ أبيّ وعبدُ الله وعيسى سَلاَماً بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: أنه حال، قال الزمخشري: أي لهم مرادهم خالصاً. والثاني: أنه مصدر (أي) يُسَلمُونَ سَلاَماً إما من التحية وإما من السلامة. و «قَوْلاً» إما مصدر مؤكد وإما منصوب على الاختصاص قال الزمخشري: وهو الأوجه و «منْ رَبِّ» إما صفة ل «قَوْلاً» وإما خبر «سلام» كما تقدم. وقرأ القُرَظِيُّ «سِلْمٌ» بالكسر السكون، وتقدم الفرق بينهما في البقرة. فصل إذا قيل: بأن سلام بدل مِنْ «مَا يَدَّعُونَ» فكأنه تعالى قال لهم ما يدعون نبَّه ببدله فقال: لهم سلام فيكون مبتدأ وخبره الجار والمجررو كا يقال: «فِي الدَّارِ رَجُلٌ ولِزَيْدٍ مَالٌ» وإن كان في النحو ليس كذلك بل هو بدل وبدل النكرة م المعرفة جائز، فتكون «ما» بمعنى الذي معرفة، وسلام نكرة. ويحتمل على هذا أن يقال: «ما» في قوله تعالى: ﴿مَّا يَدَّعُونَ﴾ لا موصوفة ولا موصولة بل هي نكرة تقديره لهم شَيْءٌ يَدَّعُونَ، ثم بين بذكر البدل فقال: «سَلاَم» والأول أصحّ. وإن قيل: سلام خبر «ما» و «لهم» لبيان الجهة فتقديره ما يدعون سلام لهم أي خالص لهم. والسَّلاَمُ بمعنى السالم والسليم، يقال: عَبْدٌ سَلاَم أي سليمٌ من العيوب كما يقال: لِزَيْدٍ الشَّرَفُ متوفر فالجَارّ والمجرور يكون لبيان من له ذلك، «والشرف» هو المبتدأ «ومتوفر» خبره، وإن قيل: «سلام» منقطع عما قبله وهو مبتدأ وخبره محذوف فتقديره: سَلاَمٌ عَلَيْهِمْ ويكون ذلك إخباراً من الله تعالى في يومنا هذا كأنه تعالى حكى لنا وقال: إنَّ أصحاب الجنة في شغل، ثُمَّ لمَّا بين كمال حالهم قال: سلام عليهم كقوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ على نُوحٍ﴾ [الصافات: 79] و ﴿وَسَلاَمٌ على المرسلين﴾ [الصافات: 81] فيكون الله تعالى أحسن إلى عباده المؤمنين كما أحسن إلى عباده المرسلين. أو يقال تقديره: سلام عليكم ويكون التفاتاً حيث قال لهم كذا وكذا، ثم قال: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] فصل إذا قيلَ: إنَّ «قَوْلاً» منصوب على المصدر فتقديره على قولنا إن المراد لهم سلام هو أن يقال لهم سَلاَم يَقُولُهُ اللَّهُ قَوْلاً. أو تقول الملائكة قَوْلاً، وعلى قولنا ما يدعون سلام لهم فتقديره قال الله ذلك قولاً ووعدهم أن لهم ما يدعون سلامٌ وعداً، وعلى قولنا: سلام عليهم فتقديره أقُولُهُ قَوْلاً، وقوله ﴿مِنْ رَبِّ رَحِيم﴾ يكون لبيان (أن) السلام منه أي سلام عليهم من رب رحيم أقوله قولاً، ويحتمل أن يقال على هذا بأنه تمييز؛ لأن السلام قد يكون قولاً وقد يكون فِعلاً فإن من يدخل على الملك يطأطئُ رأسه يقال: سلمت على الملك فهو حينئذ كقول القائل: موجودة حُكْماً لا حِسًّا. فصل روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «بَيْنَا أَهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهمْ إذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا رُؤوسَهُمْ فَإذَا الرَّبُّ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوقهِمْ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلاَ يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ من النَّعِيم مَا دَامُوا يَنْظُرُون إليْهِ حَتَّى يَحْتَجب عَنْهُمْ فَيَبْقَى نُورُهُ وبَرَكَتَهُ عَلَيْهِمْ في دِيارهمْ» وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم كقوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 23 - 24] أي يقولون سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم، وقيل: يعطيهم السلامة. قوله: ﴿وامتازوا﴾ عى إضار قول مقابل لما قيل للمؤمنين أي ويقال للمجرمين امتازوا أي انعزلوا من مَازَهُ يَمِيزُهُ. قال المفسرون: إن المجرم يرى منزلة المؤمن ورفعته (ويرى ذَلَة نفسه) فيتحسر فيقال: امتازوا اليوم. وقيل: المعنى ادخلوا مساكنكم من النار، وقال أبو العالية تميزوا، وقال السدي: كونوا على حِدَة وقال الزجاج: انفردوا عن المؤمنين والمجرم هو الذي يأتي بالجريمة. وقيل إن قوله وامتازوا أمر تكوين فحين يقول فيميزون بسيماهم ويظهر على جباههم أو في وجوههم سواد كما قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] .

يس 36:56

ثم بيّن حال المحسن فقال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ فقوله: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يجوز أن يكون خبراً ل «إنّ» و «فَاكِهُونَ» خبر ثانٍ وأن يكون «فاكهون» هو الخبر و «فِي شُغُلٍ» يتعلق به وأن يكون حالاً، وقرأ الكوفيون وابنُ عامر «شُغُل» بضمتين الباقون بضم سكون وما لغتان للحاجزيين قاله الفراء، ومجاهدٌ وأبو السَّمَّال بفتحتين ويزيد النحويّ وابنُ هُبَيْرَة بفتح وسكون وهما (لغتان) أيضاً والعامة على رفع «فاكهون» على ما تقدم والأعمشُ وطلحةُ «فاكهينَ» نصباً على الحال والجار الخبر. والعامة أيضاً وأبو حَيْوَة وأبو رجاء وشيبة وقتادة ومجاهد «فكهون» بغير ألف بمعنى طربون فرحون من الفُكَاهِةِ بالضم. وقيل: الفاكِهُ والفكه بمعنى المتلذذ والمتنعم لأن كلاًّ من الفاكهة والفكاهة مما يُتَلَذَّذُ بِهِ ويتنعم كحاذر وحذر وقرئ «فَكِهِينَ» بالقصر والياء على ما تقدم وفَكهُونَ بالقصر وضم الكاف، يقال: رجل فَكِه وفكُه كرجل ندِس وندُس وحَذِر وحذُر. فصل اختفوا في الشغل فقال ابن عباس: في افتضاض الأبكار، وقال وكيع بن الجراح: في السماع وقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم. وقال ابن كيسان في زيارة بعضهم بعضاً. وقيل: في ضيافةِ الله فاكوهون. وقيل: في شغل عن هَوْلِ اليوم بأخذ ما آتاهم الله من الثواب فما عندهم خير من عذاب ولا حساب وقوله «فَاكِهُونَ» متمّمٌ لبيان سلامتهم فإنه لو قال: في شُغُل جاز أن هم في شغل أعظم من التذكر في اليوم وأهواله فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره أو يخبر بخُسْران وقع في ماله يقول أنا مشغول عن هذا بأهمَّ منه فقال: فاكهونَ أي شغلوا عنه باللّذة والسُّرُور لا بالوَيْلِ والثُّبُور. وقال ابن عباس: فاكهون فَرِحُونَ. قوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ يجوز في «هم» أن يكون تأكيداً للضمير المستكنِّ في: «فَاكِهُونَ» و «أَزْوَاجُهُمْ» عطف على المستكن، ويجوز أن يكون تأكيداً للضمير المستكنِّ في «شُغُل» إذا جعلناه خبراً و «أزواجهم» عطف عليه (مستكن ويجوز أن أيضاً) كذا ذكره أبو حيان وفيه نظر من حيثُ الفصلُ بين المؤكد والمؤكد بخير «أن» ، ونظيره في قولك: «في الدار» ، وعلى هذين الوجهين يكون قوله: «مُتَّكِئُونَ» خبراً آخر ل «إنّ» و «فِي ظِلاَلِ» متعلق به أو حال، و «عَلَى الأَرَائِكِ» متعلق به، ويجوز أن يكون «هم» مبتدأ ومتكئون خبره والجاران على ما تقدم وجوز أبو البقاء أن يكون «فِي ظِلاَلٍ» هو الخبر قال «وعلى الأرائك» مستأنف وهي عبارة موهمة غير الصواب ويرد بذلك أن «مُتَّكِئُونَ» خبر مبتدأ مضمر و «على الأرائك» متعلق به، فهذا وجه استئنافه لا أنه خبر مقدم و «متكئون» مبتدأ مؤخر إذا لا معنى له وقرأ عبد الله «مُتَّكِئِينَ» نصباً على الحال وقرأ الأخوان «في ظُلَلٍ» بضم الظاء والقصر وهو جمع ظُلَّة نحو غُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وحُلَّةٍ وحُلَلِ. وهي عبارة عن الفرش والستور والباقون بكسر الظاء والألف جمع ظُلَّةٍ أيضاً كحلَّةٍ وحِلاَل وبُرْمة وَبِرام أو جمع «فِعْلَةٍ» بالكسر إذ يقال: ظُلَّةٌ وظِلَّةٌ بالضمر والكسر، كلُقْحَةٍ ولِقَاحِ إلاَّ أن فِعَالاً لا ينقاس فيها أو جمع «فِعْل» نحو: ذِئْب وذِئَاب ورِيح ورِيَاحٍ. فصل الأَرَائِكُ هي السرر في الحِجال واحدها أًريكة. قال ثعلب: لا تكون أريكة (جمع) حتى يكون عَلَيْها حجْلة. «متكئون» ذَوْ (و) اتّكَاء وهو إشارةإلى الفراغ. وقوله «هُمْ وأَزْوَاجُهُمْ» إشارة إلى عدم الوحشة ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ إشارة إلى أن لا جوع هناك لأن التفكه لا يكون لدفع ألم الجوع. قوله: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ في «ما» هذه ثلاثة أوجه: موصولة اسمية (أو) نكرة موصوفة والعائد على هذين محذوف (أو) مصدرية و «يَدَّعُونَ» مضارع ادَّعى افْتَعَلَ من دَعَا يَدْعُو؛ وأُشْربَ التمني قال أبو عبيدة: العرب تقول: «ادَّع عليَّ ما شِئْتَ» أي تَمَنَّ، و «فُلاَنٌ في خَيْر مَا يَدَّعِي» أي ما يتمنى وقال الزجاج: هو من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم من: دَعوتُ غلاميَ. فيكون الافتعال بمعنى الفعل كالاحتمال لمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحل. وقيل: افتعل بمعنى تفاعل أي ما يتداعونه كقولهم: ارْتَمَوْا وَتَرَاموا، و «ما» مبتدأ وفي خبرها وجهان: أظهرهما: أنه الجار قبلها. والثاني: أنه «سَلاَم» أي مسلم خالص أو ذو سَلاَمةٍ. قوله: «سَلاَمٌ» العامة على رفعه وفيه أوجه: أحدها: ما تقدم من كونه خبر «مَا يَدَّعُونَ» الثاني: أنه بدل منها قاله الزمخشري قال أبو حيان: وإذا كان بدلاً كان «مَا يَدَّعُونَ» خصوصاً والظاهر أنه عموم في كل ما يدعونه وإذا كان عموماً لم يكن بدلاً منه. الثالث: أنه صفةٍ «لِمَا» وهذا إذا جعلتها نكرة موصوفة. أما إذا جعلتها بمعنى الذي أو مصدرية تعذر ذلك لتخلفهما تعريفاً وتنكيراً. الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمير أي هو سلام. الخامس: أنه مبتدأ خبره الناصب لِ (قوله) «قَوْلاً» أي سَلامَ يُقَالُ لَهُمْ قَوْلاً. وقيل: تقديره سَلاَمٌ عليكم. السادس: أنه مبتدأ وخبره «مِنْ ربّ» و «قَوْلاً» مصدر مؤكد لمضمون الجملة وهو مع عامله معترض بين المبتدأ والخبر وقرأ أبيّ وعبدُ الله وعيسى سَلاَماً بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: أنه حال، قال الزمخشري: أي لهم مرادهم خالصاً. والثاني: أنه مصدر (أي) يُسَلمُونَ سَلاَماً إما من التحية وإما من السلامة. و «قَوْلاً» إما مصدر مؤكد وإما منصوب على الاختصاص قال الزمخشري: وهو الأوجه و «منْ رَبِّ» إما صفة ل «قَوْلاً» وإما خبر «سلام» كما تقدم. وقرأ القُرَظِيُّ «سِلْمٌ» بالكسر السكون، وتقدم الفرق بينهما في البقرة. فصل إذا قيل: بأن سلام بدل مِنْ «مَا يَدَّعُونَ» فكأنه تعالى قال لهم ما يدعون نبَّه ببدله فقال: لهم سلام فيكون مبتدأ وخبره الجار والمجررو كا يقال: «فِي الدَّارِ رَجُلٌ ولِزَيْدٍ مَالٌ» وإن كان في النحو ليس كذلك بل هو بدل وبدل النكرة م المعرفة جائز، فتكون «ما» بمعنى الذي معرفة، وسلام نكرة. ويحتمل على هذا أن يقال: «ما» في قوله تعالى: ﴿مَّا يَدَّعُونَ﴾ لا موصوفة ولا موصولة بل هي نكرة تقديره لهم شَيْءٌ يَدَّعُونَ، ثم بين بذكر البدل فقال: «سَلاَم» والأول أصحّ. وإن قيل: سلام خبر «ما» و «لهم» لبيان الجهة فتقديره ما يدعون سلام لهم أي خالص لهم. والسَّلاَمُ بمعنى السالم والسليم، يقال: عَبْدٌ سَلاَم أي سليمٌ من العيوب كما يقال: لِزَيْدٍ الشَّرَفُ متوفر فالجَارّ والمجرور يكون لبيان من له ذلك، «والشرف» هو المبتدأ «ومتوفر» خبره، وإن قيل: «سلام» منقطع عما قبله وهو مبتدأ وخبره محذوف فتقديره: سَلاَمٌ عَلَيْهِمْ ويكون ذلك إخباراً من الله تعالى في يومنا هذا كأنه تعالى حكى لنا وقال: إنَّ أصحاب الجنة في شغل، ثُمَّ لمَّا بين كمال حالهم قال: سلام عليهم كقوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ على نُوحٍ﴾ [الصافات: 79] و ﴿وَسَلاَمٌ على المرسلين﴾ [الصافات: 81] فيكون الله تعالى أحسن إلى عباده المؤمنين كما أحسن إلى عباده المرسلين. أو يقال تقديره: سلام عليكم ويكون التفاتاً حيث قال لهم كذا وكذا، ثم قال: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] فصل إذا قيلَ: إنَّ «قَوْلاً» منصوب على المصدر فتقديره على قولنا إن المراد لهم سلام هو أن يقال لهم سَلاَم يَقُولُهُ اللَّهُ قَوْلاً. أو تقول الملائكة قَوْلاً، وعلى قولنا ما يدعون سلام لهم فتقديره قال الله ذلك قولاً ووعدهم أن لهم ما يدعون سلامٌ وعداً، وعلى قولنا: سلام عليهم فتقديره أقُولُهُ قَوْلاً، وقوله ﴿مِنْ رَبِّ رَحِيم﴾ يكون لبيان (أن) السلام منه أي سلام عليهم من رب رحيم أقوله قولاً، ويحتمل أن يقال على هذا بأنه تمييز؛ لأن السلام قد يكون قولاً وقد يكون فِعلاً فإن من يدخل على الملك يطأطئُ رأسه يقال: سلمت على الملك فهو حينئذ كقول القائل: موجودة حُكْماً لا حِسًّا. فصل روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «بَيْنَا أَهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهمْ إذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا رُؤوسَهُمْ فَإذَا الرَّبُّ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوقهِمْ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلاَ يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ من النَّعِيم مَا دَامُوا يَنْظُرُون إليْهِ حَتَّى يَحْتَجب عَنْهُمْ فَيَبْقَى نُورُهُ وبَرَكَتَهُ عَلَيْهِمْ في دِيارهمْ» وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم كقوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 23 - 24] أي يقولون سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم، وقيل: يعطيهم السلامة. قوله: ﴿وامتازوا﴾ عى إضار قول مقابل لما قيل للمؤمنين أي ويقال للمجرمين امتازوا أي انعزلوا من مَازَهُ يَمِيزُهُ. قال المفسرون: إن المجرم يرى منزلة المؤمن ورفعته (ويرى ذَلَة نفسه) فيتحسر فيقال: امتازوا اليوم. وقيل: المعنى ادخلوا مساكنكم من النار، وقال أبو العالية تميزوا، وقال السدي: كونوا على حِدَة وقال الزجاج: انفردوا عن المؤمنين والمجرم هو الذي يأتي بالجريمة. وقيل إن قوله وامتازوا أمر تكوين فحين يقول فيميزون بسيماهم ويظهر على جباههم أو في وجوههم سواد كما قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] .

يس 36:57

ثم بيّن حال المحسن فقال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ فقوله: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يجوز أن يكون خبراً ل «إنّ» و «فَاكِهُونَ» خبر ثانٍ وأن يكون «فاكهون» هو الخبر و «فِي شُغُلٍ» يتعلق به وأن يكون حالاً، وقرأ الكوفيون وابنُ عامر «شُغُل» بضمتين الباقون بضم سكون وما لغتان للحاجزيين قاله الفراء، ومجاهدٌ وأبو السَّمَّال بفتحتين ويزيد النحويّ وابنُ هُبَيْرَة بفتح وسكون وهما (لغتان) أيضاً والعامة على رفع «فاكهون» على ما تقدم والأعمشُ وطلحةُ «فاكهينَ» نصباً على الحال والجار الخبر. والعامة أيضاً وأبو حَيْوَة وأبو رجاء وشيبة وقتادة ومجاهد «فكهون» بغير ألف بمعنى طربون فرحون من الفُكَاهِةِ بالضم. وقيل: الفاكِهُ والفكه بمعنى المتلذذ والمتنعم لأن كلاًّ من الفاكهة والفكاهة مما يُتَلَذَّذُ بِهِ ويتنعم كحاذر وحذر وقرئ «فَكِهِينَ» بالقصر والياء على ما تقدم وفَكهُونَ بالقصر وضم الكاف، يقال: رجل فَكِه وفكُه كرجل ندِس وندُس وحَذِر وحذُر. فصل اختفوا في الشغل فقال ابن عباس: في افتضاض الأبكار، وقال وكيع بن الجراح: في السماع وقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم. وقال ابن كيسان في زيارة بعضهم بعضاً. وقيل: في ضيافةِ الله فاكوهون. وقيل: في شغل عن هَوْلِ اليوم بأخذ ما آتاهم الله من الثواب فما عندهم خير من عذاب ولا حساب وقوله «فَاكِهُونَ» متمّمٌ لبيان سلامتهم فإنه لو قال: في شُغُل جاز أن هم في شغل أعظم من التذكر في اليوم وأهواله فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره أو يخبر بخُسْران وقع في ماله يقول أنا مشغول عن هذا بأهمَّ منه فقال: فاكهونَ أي شغلوا عنه باللّذة والسُّرُور لا بالوَيْلِ والثُّبُور. وقال ابن عباس: فاكهون فَرِحُونَ. قوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ يجوز في «هم» أن يكون تأكيداً للضمير المستكنِّ في: «فَاكِهُونَ» و «أَزْوَاجُهُمْ» عطف على المستكن، ويجوز أن يكون تأكيداً للضمير المستكنِّ في «شُغُل» إذا جعلناه خبراً و «أزواجهم» عطف عليه (مستكن ويجوز أن أيضاً) كذا ذكره أبو حيان وفيه نظر من حيثُ الفصلُ بين المؤكد والمؤكد بخير «أن» ، ونظيره في قولك: «في الدار» ، وعلى هذين الوجهين يكون قوله: «مُتَّكِئُونَ» خبراً آخر ل «إنّ» و «فِي ظِلاَلِ» متعلق به أو حال، و «عَلَى الأَرَائِكِ» متعلق به، ويجوز أن يكون «هم» مبتدأ ومتكئون خبره والجاران على ما تقدم وجوز أبو البقاء أن يكون «فِي ظِلاَلٍ» هو الخبر قال «وعلى الأرائك» مستأنف وهي عبارة موهمة غير الصواب ويرد بذلك أن «مُتَّكِئُونَ» خبر مبتدأ مضمر و «على الأرائك» متعلق به، فهذا وجه استئنافه لا أنه خبر مقدم و «متكئون» مبتدأ مؤخر إذا لا معنى له وقرأ عبد الله «مُتَّكِئِينَ» نصباً على الحال وقرأ الأخوان «في ظُلَلٍ» بضم الظاء والقصر وهو جمع ظُلَّة نحو غُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وحُلَّةٍ وحُلَلِ. وهي عبارة عن الفرش والستور والباقون بكسر الظاء والألف جمع ظُلَّةٍ أيضاً كحلَّةٍ وحِلاَل وبُرْمة وَبِرام أو جمع «فِعْلَةٍ» بالكسر إذ يقال: ظُلَّةٌ وظِلَّةٌ بالضمر والكسر، كلُقْحَةٍ ولِقَاحِ إلاَّ أن فِعَالاً لا ينقاس فيها أو جمع «فِعْل» نحو: ذِئْب وذِئَاب ورِيح ورِيَاحٍ. فصل الأَرَائِكُ هي السرر في الحِجال واحدها أًريكة. قال ثعلب: لا تكون أريكة (جمع) حتى يكون عَلَيْها حجْلة. «متكئون» ذَوْ (و) اتّكَاء وهو إشارةإلى الفراغ. وقوله «هُمْ وأَزْوَاجُهُمْ» إشارة إلى عدم الوحشة ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ إشارة إلى أن لا جوع هناك لأن التفكه لا يكون لدفع ألم الجوع. قوله: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ في «ما» هذه ثلاثة أوجه: موصولة اسمية (أو) نكرة موصوفة والعائد على هذين محذوف (أو) مصدرية و «يَدَّعُونَ» مضارع ادَّعى افْتَعَلَ من دَعَا يَدْعُو؛ وأُشْربَ التمني قال أبو عبيدة: العرب تقول: «ادَّع عليَّ ما شِئْتَ» أي تَمَنَّ، و «فُلاَنٌ في خَيْر مَا يَدَّعِي» أي ما يتمنى وقال الزجاج: هو من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم من: دَعوتُ غلاميَ. فيكون الافتعال بمعنى الفعل كالاحتمال لمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحل. وقيل: افتعل بمعنى تفاعل أي ما يتداعونه كقولهم: ارْتَمَوْا وَتَرَاموا، و «ما» مبتدأ وفي خبرها وجهان: أظهرهما: أنه الجار قبلها. والثاني: أنه «سَلاَم» أي مسلم خالص أو ذو سَلاَمةٍ. قوله: «سَلاَمٌ» العامة على رفعه وفيه أوجه: أحدها: ما تقدم من كونه خبر «مَا يَدَّعُونَ» الثاني: أنه بدل منها قاله الزمخشري قال أبو حيان: وإذا كان بدلاً كان «مَا يَدَّعُونَ» خصوصاً والظاهر أنه عموم في كل ما يدعونه وإذا كان عموماً لم يكن بدلاً منه. الثالث: أنه صفةٍ «لِمَا» وهذا إذا جعلتها نكرة موصوفة. أما إذا جعلتها بمعنى الذي أو مصدرية تعذر ذلك لتخلفهما تعريفاً وتنكيراً. الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمير أي هو سلام. الخامس: أنه مبتدأ خبره الناصب لِ (قوله) «قَوْلاً» أي سَلامَ يُقَالُ لَهُمْ قَوْلاً. وقيل: تقديره سَلاَمٌ عليكم. السادس: أنه مبتدأ وخبره «مِنْ ربّ» و «قَوْلاً» مصدر مؤكد لمضمون الجملة وهو مع عامله معترض بين المبتدأ والخبر وقرأ أبيّ وعبدُ الله وعيسى سَلاَماً بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: أنه حال، قال الزمخشري: أي لهم مرادهم خالصاً. والثاني: أنه مصدر (أي) يُسَلمُونَ سَلاَماً إما من التحية وإما من السلامة. و «قَوْلاً» إما مصدر مؤكد وإما منصوب على الاختصاص قال الزمخشري: وهو الأوجه و «منْ رَبِّ» إما صفة ل «قَوْلاً» وإما خبر «سلام» كما تقدم. وقرأ القُرَظِيُّ «سِلْمٌ» بالكسر السكون، وتقدم الفرق بينهما في البقرة. فصل إذا قيل: بأن سلام بدل مِنْ «مَا يَدَّعُونَ» فكأنه تعالى قال لهم ما يدعون نبَّه ببدله فقال: لهم سلام فيكون مبتدأ وخبره الجار والمجررو كا يقال: «فِي الدَّارِ رَجُلٌ ولِزَيْدٍ مَالٌ» وإن كان في النحو ليس كذلك بل هو بدل وبدل النكرة م المعرفة جائز، فتكون «ما» بمعنى الذي معرفة، وسلام نكرة. ويحتمل على هذا أن يقال: «ما» في قوله تعالى: ﴿مَّا يَدَّعُونَ﴾ لا موصوفة ولا موصولة بل هي نكرة تقديره لهم شَيْءٌ يَدَّعُونَ، ثم بين بذكر البدل فقال: «سَلاَم» والأول أصحّ. وإن قيل: سلام خبر «ما» و «لهم» لبيان الجهة فتقديره ما يدعون سلام لهم أي خالص لهم. والسَّلاَمُ بمعنى السالم والسليم، يقال: عَبْدٌ سَلاَم أي سليمٌ من العيوب كما يقال: لِزَيْدٍ الشَّرَفُ متوفر فالجَارّ والمجرور يكون لبيان من له ذلك، «والشرف» هو المبتدأ «ومتوفر» خبره، وإن قيل: «سلام» منقطع عما قبله وهو مبتدأ وخبره محذوف فتقديره: سَلاَمٌ عَلَيْهِمْ ويكون ذلك إخباراً من الله تعالى في يومنا هذا كأنه تعالى حكى لنا وقال: إنَّ أصحاب الجنة في شغل، ثُمَّ لمَّا بين كمال حالهم قال: سلام عليهم كقوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ على نُوحٍ﴾ [الصافات: 79] و ﴿وَسَلاَمٌ على المرسلين﴾ [الصافات: 81] فيكون الله تعالى أحسن إلى عباده المؤمنين كما أحسن إلى عباده المرسلين. أو يقال تقديره: سلام عليكم ويكون التفاتاً حيث قال لهم كذا وكذا، ثم قال: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] فصل إذا قيلَ: إنَّ «قَوْلاً» منصوب على المصدر فتقديره على قولنا إن المراد لهم سلام هو أن يقال لهم سَلاَم يَقُولُهُ اللَّهُ قَوْلاً. أو تقول الملائكة قَوْلاً، وعلى قولنا ما يدعون سلام لهم فتقديره قال الله ذلك قولاً ووعدهم أن لهم ما يدعون سلامٌ وعداً، وعلى قولنا: سلام عليهم فتقديره أقُولُهُ قَوْلاً، وقوله ﴿مِنْ رَبِّ رَحِيم﴾ يكون لبيان (أن) السلام منه أي سلام عليهم من رب رحيم أقوله قولاً، ويحتمل أن يقال على هذا بأنه تمييز؛ لأن السلام قد يكون قولاً وقد يكون فِعلاً فإن من يدخل على الملك يطأطئُ رأسه يقال: سلمت على الملك فهو حينئذ كقول القائل: موجودة حُكْماً لا حِسًّا. فصل روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «بَيْنَا أَهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهمْ إذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا رُؤوسَهُمْ فَإذَا الرَّبُّ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوقهِمْ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلاَ يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ من النَّعِيم مَا دَامُوا يَنْظُرُون إليْهِ حَتَّى يَحْتَجب عَنْهُمْ فَيَبْقَى نُورُهُ وبَرَكَتَهُ عَلَيْهِمْ في دِيارهمْ» وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم كقوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 23 - 24] أي يقولون سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم، وقيل: يعطيهم السلامة. قوله: ﴿وامتازوا﴾ عى إضار قول مقابل لما قيل للمؤمنين أي ويقال للمجرمين امتازوا أي انعزلوا من مَازَهُ يَمِيزُهُ. قال المفسرون: إن المجرم يرى منزلة المؤمن ورفعته (ويرى ذَلَة نفسه) فيتحسر فيقال: امتازوا اليوم. وقيل: المعنى ادخلوا مساكنكم من النار، وقال أبو العالية تميزوا، وقال السدي: كونوا على حِدَة وقال الزجاج: انفردوا عن المؤمنين والمجرم هو الذي يأتي بالجريمة. وقيل إن قوله وامتازوا أمر تكوين فحين يقول فيميزون بسيماهم ويظهر على جباههم أو في وجوههم سواد كما قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] .

يس 36:58

ثم بيّن حال المحسن فقال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ فقوله: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يجوز أن يكون خبراً ل «إنّ» و «فَاكِهُونَ» خبر ثانٍ وأن يكون «فاكهون» هو الخبر و «فِي شُغُلٍ» يتعلق به وأن يكون حالاً، وقرأ الكوفيون وابنُ عامر «شُغُل» بضمتين الباقون بضم سكون وما لغتان للحاجزيين قاله الفراء، ومجاهدٌ وأبو السَّمَّال بفتحتين ويزيد النحويّ وابنُ هُبَيْرَة بفتح وسكون وهما (لغتان) أيضاً والعامة على رفع «فاكهون» على ما تقدم والأعمشُ وطلحةُ «فاكهينَ» نصباً على الحال والجار الخبر. والعامة أيضاً وأبو حَيْوَة وأبو رجاء وشيبة وقتادة ومجاهد «فكهون» بغير ألف بمعنى طربون فرحون من الفُكَاهِةِ بالضم. وقيل: الفاكِهُ والفكه بمعنى المتلذذ والمتنعم لأن كلاًّ من الفاكهة والفكاهة مما يُتَلَذَّذُ بِهِ ويتنعم كحاذر وحذر وقرئ «فَكِهِينَ» بالقصر والياء على ما تقدم وفَكهُونَ بالقصر وضم الكاف، يقال: رجل فَكِه وفكُه كرجل ندِس وندُس وحَذِر وحذُر. فصل اختفوا في الشغل فقال ابن عباس: في افتضاض الأبكار، وقال وكيع بن الجراح: في السماع وقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم. وقال ابن كيسان في زيارة بعضهم بعضاً. وقيل: في ضيافةِ الله فاكوهون. وقيل: في شغل عن هَوْلِ اليوم بأخذ ما آتاهم الله من الثواب فما عندهم خير من عذاب ولا حساب وقوله «فَاكِهُونَ» متمّمٌ لبيان سلامتهم فإنه لو قال: في شُغُل جاز أن هم في شغل أعظم من التذكر في اليوم وأهواله فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره أو يخبر بخُسْران وقع في ماله يقول أنا مشغول عن هذا بأهمَّ منه فقال: فاكهونَ أي شغلوا عنه باللّذة والسُّرُور لا بالوَيْلِ والثُّبُور. وقال ابن عباس: فاكهون فَرِحُونَ. قوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ يجوز في «هم» أن يكون تأكيداً للضمير المستكنِّ في: «فَاكِهُونَ» و «أَزْوَاجُهُمْ» عطف على المستكن، ويجوز أن يكون تأكيداً للضمير المستكنِّ في «شُغُل» إذا جعلناه خبراً و «أزواجهم» عطف عليه (مستكن ويجوز أن أيضاً) كذا ذكره أبو حيان وفيه نظر من حيثُ الفصلُ بين المؤكد والمؤكد بخير «أن» ، ونظيره في قولك: «في الدار» ، وعلى هذين الوجهين يكون قوله: «مُتَّكِئُونَ» خبراً آخر ل «إنّ» و «فِي ظِلاَلِ» متعلق به أو حال، و «عَلَى الأَرَائِكِ» متعلق به، ويجوز أن يكون «هم» مبتدأ ومتكئون خبره والجاران على ما تقدم وجوز أبو البقاء أن يكون «فِي ظِلاَلٍ» هو الخبر قال «وعلى الأرائك» مستأنف وهي عبارة موهمة غير الصواب ويرد بذلك أن «مُتَّكِئُونَ» خبر مبتدأ مضمر و «على الأرائك» متعلق به، فهذا وجه استئنافه لا أنه خبر مقدم و «متكئون» مبتدأ مؤخر إذا لا معنى له وقرأ عبد الله «مُتَّكِئِينَ» نصباً على الحال وقرأ الأخوان «في ظُلَلٍ» بضم الظاء والقصر وهو جمع ظُلَّة نحو غُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وحُلَّةٍ وحُلَلِ. وهي عبارة عن الفرش والستور والباقون بكسر الظاء والألف جمع ظُلَّةٍ أيضاً كحلَّةٍ وحِلاَل وبُرْمة وَبِرام أو جمع «فِعْلَةٍ» بالكسر إذ يقال: ظُلَّةٌ وظِلَّةٌ بالضمر والكسر، كلُقْحَةٍ ولِقَاحِ إلاَّ أن فِعَالاً لا ينقاس فيها أو جمع «فِعْل» نحو: ذِئْب وذِئَاب ورِيح ورِيَاحٍ. فصل الأَرَائِكُ هي السرر في الحِجال واحدها أًريكة. قال ثعلب: لا تكون أريكة (جمع) حتى يكون عَلَيْها حجْلة. «متكئون» ذَوْ (و) اتّكَاء وهو إشارةإلى الفراغ. وقوله «هُمْ وأَزْوَاجُهُمْ» إشارة إلى عدم الوحشة ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ إشارة إلى أن لا جوع هناك لأن التفكه لا يكون لدفع ألم الجوع. قوله: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ في «ما» هذه ثلاثة أوجه: موصولة اسمية (أو) نكرة موصوفة والعائد على هذين محذوف (أو) مصدرية و «يَدَّعُونَ» مضارع ادَّعى افْتَعَلَ من دَعَا يَدْعُو؛ وأُشْربَ التمني قال أبو عبيدة: العرب تقول: «ادَّع عليَّ ما شِئْتَ» أي تَمَنَّ، و «فُلاَنٌ في خَيْر مَا يَدَّعِي» أي ما يتمنى وقال الزجاج: هو من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم من: دَعوتُ غلاميَ. فيكون الافتعال بمعنى الفعل كالاحتمال لمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحل. وقيل: افتعل بمعنى تفاعل أي ما يتداعونه كقولهم: ارْتَمَوْا وَتَرَاموا، و «ما» مبتدأ وفي خبرها وجهان: أظهرهما: أنه الجار قبلها. والثاني: أنه «سَلاَم» أي مسلم خالص أو ذو سَلاَمةٍ. قوله: «سَلاَمٌ» العامة على رفعه وفيه أوجه: أحدها: ما تقدم من كونه خبر «مَا يَدَّعُونَ» الثاني: أنه بدل منها قاله الزمخشري قال أبو حيان: وإذا كان بدلاً كان «مَا يَدَّعُونَ» خصوصاً والظاهر أنه عموم في كل ما يدعونه وإذا كان عموماً لم يكن بدلاً منه. الثالث: أنه صفةٍ «لِمَا» وهذا إذا جعلتها نكرة موصوفة. أما إذا جعلتها بمعنى الذي أو مصدرية تعذر ذلك لتخلفهما تعريفاً وتنكيراً. الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمير أي هو سلام. الخامس: أنه مبتدأ خبره الناصب لِ (قوله) «قَوْلاً» أي سَلامَ يُقَالُ لَهُمْ قَوْلاً. وقيل: تقديره سَلاَمٌ عليكم. السادس: أنه مبتدأ وخبره «مِنْ ربّ» و «قَوْلاً» مصدر مؤكد لمضمون الجملة وهو مع عامله معترض بين المبتدأ والخبر وقرأ أبيّ وعبدُ الله وعيسى سَلاَماً بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: أنه حال، قال الزمخشري: أي لهم مرادهم خالصاً. والثاني: أنه مصدر (أي) يُسَلمُونَ سَلاَماً إما من التحية وإما من السلامة. و «قَوْلاً» إما مصدر مؤكد وإما منصوب على الاختصاص قال الزمخشري: وهو الأوجه و «منْ رَبِّ» إما صفة ل «قَوْلاً» وإما خبر «سلام» كما تقدم. وقرأ القُرَظِيُّ «سِلْمٌ» بالكسر السكون، وتقدم الفرق بينهما في البقرة. فصل إذا قيل: بأن سلام بدل مِنْ «مَا يَدَّعُونَ» فكأنه تعالى قال لهم ما يدعون نبَّه ببدله فقال: لهم سلام فيكون مبتدأ وخبره الجار والمجررو كا يقال: «فِي الدَّارِ رَجُلٌ ولِزَيْدٍ مَالٌ» وإن كان في النحو ليس كذلك بل هو بدل وبدل النكرة م المعرفة جائز، فتكون «ما» بمعنى الذي معرفة، وسلام نكرة. ويحتمل على هذا أن يقال: «ما» في قوله تعالى: ﴿مَّا يَدَّعُونَ﴾ لا موصوفة ولا موصولة بل هي نكرة تقديره لهم شَيْءٌ يَدَّعُونَ، ثم بين بذكر البدل فقال: «سَلاَم» والأول أصحّ. وإن قيل: سلام خبر «ما» و «لهم» لبيان الجهة فتقديره ما يدعون سلام لهم أي خالص لهم. والسَّلاَمُ بمعنى السالم والسليم، يقال: عَبْدٌ سَلاَم أي سليمٌ من العيوب كما يقال: لِزَيْدٍ الشَّرَفُ متوفر فالجَارّ والمجرور يكون لبيان من له ذلك، «والشرف» هو المبتدأ «ومتوفر» خبره، وإن قيل: «سلام» منقطع عما قبله وهو مبتدأ وخبره محذوف فتقديره: سَلاَمٌ عَلَيْهِمْ ويكون ذلك إخباراً من الله تعالى في يومنا هذا كأنه تعالى حكى لنا وقال: إنَّ أصحاب الجنة في شغل، ثُمَّ لمَّا بين كمال حالهم قال: سلام عليهم كقوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ على نُوحٍ﴾ [الصافات: 79] و ﴿وَسَلاَمٌ على المرسلين﴾ [الصافات: 81] فيكون الله تعالى أحسن إلى عباده المؤمنين كما أحسن إلى عباده المرسلين. أو يقال تقديره: سلام عليكم ويكون التفاتاً حيث قال لهم كذا وكذا، ثم قال: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] فصل إذا قيلَ: إنَّ «قَوْلاً» منصوب على المصدر فتقديره على قولنا إن المراد لهم سلام هو أن يقال لهم سَلاَم يَقُولُهُ اللَّهُ قَوْلاً. أو تقول الملائكة قَوْلاً، وعلى قولنا ما يدعون سلام لهم فتقديره قال الله ذلك قولاً ووعدهم أن لهم ما يدعون سلامٌ وعداً، وعلى قولنا: سلام عليهم فتقديره أقُولُهُ قَوْلاً، وقوله ﴿مِنْ رَبِّ رَحِيم﴾ يكون لبيان (أن) السلام منه أي سلام عليهم من رب رحيم أقوله قولاً، ويحتمل أن يقال على هذا بأنه تمييز؛ لأن السلام قد يكون قولاً وقد يكون فِعلاً فإن من يدخل على الملك يطأطئُ رأسه يقال: سلمت على الملك فهو حينئذ كقول القائل: موجودة حُكْماً لا حِسًّا. فصل روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «بَيْنَا أَهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهمْ إذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا رُؤوسَهُمْ فَإذَا الرَّبُّ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوقهِمْ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلاَ يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ من النَّعِيم مَا دَامُوا يَنْظُرُون إليْهِ حَتَّى يَحْتَجب عَنْهُمْ فَيَبْقَى نُورُهُ وبَرَكَتَهُ عَلَيْهِمْ في دِيارهمْ» وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم كقوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 23 - 24] أي يقولون سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم، وقيل: يعطيهم السلامة. قوله: ﴿وامتازوا﴾ عى إضار قول مقابل لما قيل للمؤمنين أي ويقال للمجرمين امتازوا أي انعزلوا من مَازَهُ يَمِيزُهُ. قال المفسرون: إن المجرم يرى منزلة المؤمن ورفعته (ويرى ذَلَة نفسه) فيتحسر فيقال: امتازوا اليوم. وقيل: المعنى ادخلوا مساكنكم من النار، وقال أبو العالية تميزوا، وقال السدي: كونوا على حِدَة وقال الزجاج: انفردوا عن المؤمنين والمجرم هو الذي يأتي بالجريمة. وقيل إن قوله وامتازوا أمر تكوين فحين يقول فيميزون بسيماهم ويظهر على جباههم أو في وجوههم سواد كما قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] .

يس 36:59

ثم بيّن حال المحسن فقال: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ فقوله: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ يجوز أن يكون خبراً ل «إنّ» و «فَاكِهُونَ» خبر ثانٍ وأن يكون «فاكهون» هو الخبر و «فِي شُغُلٍ» يتعلق به وأن يكون حالاً، وقرأ الكوفيون وابنُ عامر «شُغُل» بضمتين الباقون بضم سكون وما لغتان للحاجزيين قاله الفراء، ومجاهدٌ وأبو السَّمَّال بفتحتين ويزيد النحويّ وابنُ هُبَيْرَة بفتح وسكون وهما (لغتان) أيضاً والعامة على رفع «فاكهون» على ما تقدم والأعمشُ وطلحةُ «فاكهينَ» نصباً على الحال والجار الخبر. والعامة أيضاً وأبو حَيْوَة وأبو رجاء وشيبة وقتادة ومجاهد «فكهون» بغير ألف بمعنى طربون فرحون من الفُكَاهِةِ بالضم. وقيل: الفاكِهُ والفكه بمعنى المتلذذ والمتنعم لأن كلاًّ من الفاكهة والفكاهة مما يُتَلَذَّذُ بِهِ ويتنعم كحاذر وحذر وقرئ «فَكِهِينَ» بالقصر والياء على ما تقدم وفَكهُونَ بالقصر وضم الكاف، يقال: رجل فَكِه وفكُه كرجل ندِس وندُس وحَذِر وحذُر. فصل اختفوا في الشغل فقال ابن عباس: في افتضاض الأبكار، وقال وكيع بن الجراح: في السماع وقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم. وقال ابن كيسان في زيارة بعضهم بعضاً. وقيل: في ضيافةِ الله فاكوهون. وقيل: في شغل عن هَوْلِ اليوم بأخذ ما آتاهم الله من الثواب فما عندهم خير من عذاب ولا حساب وقوله «فَاكِهُونَ» متمّمٌ لبيان سلامتهم فإنه لو قال: في شُغُل جاز أن هم في شغل أعظم من التذكر في اليوم وأهواله فإن من يصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره أو يخبر بخُسْران وقع في ماله يقول أنا مشغول عن هذا بأهمَّ منه فقال: فاكهونَ أي شغلوا عنه باللّذة والسُّرُور لا بالوَيْلِ والثُّبُور. وقال ابن عباس: فاكهون فَرِحُونَ. قوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ يجوز في «هم» أن يكون تأكيداً للضمير المستكنِّ في: «فَاكِهُونَ» و «أَزْوَاجُهُمْ» عطف على المستكن، ويجوز أن يكون تأكيداً للضمير المستكنِّ في «شُغُل» إذا جعلناه خبراً و «أزواجهم» عطف عليه (مستكن ويجوز أن أيضاً) كذا ذكره أبو حيان وفيه نظر من حيثُ الفصلُ بين المؤكد والمؤكد بخير «أن» ، ونظيره في قولك: «في الدار» ، وعلى هذين الوجهين يكون قوله: «مُتَّكِئُونَ» خبراً آخر ل «إنّ» و «فِي ظِلاَلِ» متعلق به أو حال، و «عَلَى الأَرَائِكِ» متعلق به، ويجوز أن يكون «هم» مبتدأ ومتكئون خبره والجاران على ما تقدم وجوز أبو البقاء أن يكون «فِي ظِلاَلٍ» هو الخبر قال «وعلى الأرائك» مستأنف وهي عبارة موهمة غير الصواب ويرد بذلك أن «مُتَّكِئُونَ» خبر مبتدأ مضمر و «على الأرائك» متعلق به، فهذا وجه استئنافه لا أنه خبر مقدم و «متكئون» مبتدأ مؤخر إذا لا معنى له وقرأ عبد الله «مُتَّكِئِينَ» نصباً على الحال وقرأ الأخوان «في ظُلَلٍ» بضم الظاء والقصر وهو جمع ظُلَّة نحو غُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وحُلَّةٍ وحُلَلِ. وهي عبارة عن الفرش والستور والباقون بكسر الظاء والألف جمع ظُلَّةٍ أيضاً كحلَّةٍ وحِلاَل وبُرْمة وَبِرام أو جمع «فِعْلَةٍ» بالكسر إذ يقال: ظُلَّةٌ وظِلَّةٌ بالضمر والكسر، كلُقْحَةٍ ولِقَاحِ إلاَّ أن فِعَالاً لا ينقاس فيها أو جمع «فِعْل» نحو: ذِئْب وذِئَاب ورِيح ورِيَاحٍ. فصل الأَرَائِكُ هي السرر في الحِجال واحدها أًريكة. قال ثعلب: لا تكون أريكة (جمع) حتى يكون عَلَيْها حجْلة. «متكئون» ذَوْ (و) اتّكَاء وهو إشارةإلى الفراغ. وقوله «هُمْ وأَزْوَاجُهُمْ» إشارة إلى عدم الوحشة ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ إشارة إلى دفع جميع حوائجهم وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ إشارة إلى أن لا جوع هناك لأن التفكه لا يكون لدفع ألم الجوع. قوله: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ﴾ في «ما» هذه ثلاثة أوجه: موصولة اسمية (أو) نكرة موصوفة والعائد على هذين محذوف (أو) مصدرية و «يَدَّعُونَ» مضارع ادَّعى افْتَعَلَ من دَعَا يَدْعُو؛ وأُشْربَ التمني قال أبو عبيدة: العرب تقول: «ادَّع عليَّ ما شِئْتَ» أي تَمَنَّ، و «فُلاَنٌ في خَيْر مَا يَدَّعِي» أي ما يتمنى وقال الزجاج: هو من الدعاء أي ما يدعونه أهل الجنة يأتيهم من: دَعوتُ غلاميَ. فيكون الافتعال بمعنى الفعل كالاحتمال لمعنى الحمل والارتحال بمعنى الرحل. وقيل: افتعل بمعنى تفاعل أي ما يتداعونه كقولهم: ارْتَمَوْا وَتَرَاموا، و «ما» مبتدأ وفي خبرها وجهان: أظهرهما: أنه الجار قبلها. والثاني: أنه «سَلاَم» أي مسلم خالص أو ذو سَلاَمةٍ. قوله: «سَلاَمٌ» العامة على رفعه وفيه أوجه: أحدها: ما تقدم من كونه خبر «مَا يَدَّعُونَ» الثاني: أنه بدل منها قاله الزمخشري قال أبو حيان: وإذا كان بدلاً كان «مَا يَدَّعُونَ» خصوصاً والظاهر أنه عموم في كل ما يدعونه وإذا كان عموماً لم يكن بدلاً منه. الثالث: أنه صفةٍ «لِمَا» وهذا إذا جعلتها نكرة موصوفة. أما إذا جعلتها بمعنى الذي أو مصدرية تعذر ذلك لتخلفهما تعريفاً وتنكيراً. الرابع: أنه خبر مبتدأ مضمير أي هو سلام. الخامس: أنه مبتدأ خبره الناصب لِ (قوله) «قَوْلاً» أي سَلامَ يُقَالُ لَهُمْ قَوْلاً. وقيل: تقديره سَلاَمٌ عليكم. السادس: أنه مبتدأ وخبره «مِنْ ربّ» و «قَوْلاً» مصدر مؤكد لمضمون الجملة وهو مع عامله معترض بين المبتدأ والخبر وقرأ أبيّ وعبدُ الله وعيسى سَلاَماً بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: أنه حال، قال الزمخشري: أي لهم مرادهم خالصاً. والثاني: أنه مصدر (أي) يُسَلمُونَ سَلاَماً إما من التحية وإما من السلامة. و «قَوْلاً» إما مصدر مؤكد وإما منصوب على الاختصاص قال الزمخشري: وهو الأوجه و «منْ رَبِّ» إما صفة ل «قَوْلاً» وإما خبر «سلام» كما تقدم. وقرأ القُرَظِيُّ «سِلْمٌ» بالكسر السكون، وتقدم الفرق بينهما في البقرة. فصل إذا قيل: بأن سلام بدل مِنْ «مَا يَدَّعُونَ» فكأنه تعالى قال لهم ما يدعون نبَّه ببدله فقال: لهم سلام فيكون مبتدأ وخبره الجار والمجررو كا يقال: «فِي الدَّارِ رَجُلٌ ولِزَيْدٍ مَالٌ» وإن كان في النحو ليس كذلك بل هو بدل وبدل النكرة م المعرفة جائز، فتكون «ما» بمعنى الذي معرفة، وسلام نكرة. ويحتمل على هذا أن يقال: «ما» في قوله تعالى: ﴿مَّا يَدَّعُونَ﴾ لا موصوفة ولا موصولة بل هي نكرة تقديره لهم شَيْءٌ يَدَّعُونَ، ثم بين بذكر البدل فقال: «سَلاَم» والأول أصحّ. وإن قيل: سلام خبر «ما» و «لهم» لبيان الجهة فتقديره ما يدعون سلام لهم أي خالص لهم. والسَّلاَمُ بمعنى السالم والسليم، يقال: عَبْدٌ سَلاَم أي سليمٌ من العيوب كما يقال: لِزَيْدٍ الشَّرَفُ متوفر فالجَارّ والمجرور يكون لبيان من له ذلك، «والشرف» هو المبتدأ «ومتوفر» خبره، وإن قيل: «سلام» منقطع عما قبله وهو مبتدأ وخبره محذوف فتقديره: سَلاَمٌ عَلَيْهِمْ ويكون ذلك إخباراً من الله تعالى في يومنا هذا كأنه تعالى حكى لنا وقال: إنَّ أصحاب الجنة في شغل، ثُمَّ لمَّا بين كمال حالهم قال: سلام عليهم كقوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ على نُوحٍ﴾ [الصافات: 79] و ﴿وَسَلاَمٌ على المرسلين﴾ [الصافات: 81] فيكون الله تعالى أحسن إلى عباده المؤمنين كما أحسن إلى عباده المرسلين. أو يقال تقديره: سلام عليكم ويكون التفاتاً حيث قال لهم كذا وكذا، ثم قال: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] فصل إذا قيلَ: إنَّ «قَوْلاً» منصوب على المصدر فتقديره على قولنا إن المراد لهم سلام هو أن يقال لهم سَلاَم يَقُولُهُ اللَّهُ قَوْلاً. أو تقول الملائكة قَوْلاً، وعلى قولنا ما يدعون سلام لهم فتقديره قال الله ذلك قولاً ووعدهم أن لهم ما يدعون سلامٌ وعداً، وعلى قولنا: سلام عليهم فتقديره أقُولُهُ قَوْلاً، وقوله ﴿مِنْ رَبِّ رَحِيم﴾ يكون لبيان (أن) السلام منه أي سلام عليهم من رب رحيم أقوله قولاً، ويحتمل أن يقال على هذا بأنه تمييز؛ لأن السلام قد يكون قولاً وقد يكون فِعلاً فإن من يدخل على الملك يطأطئُ رأسه يقال: سلمت على الملك فهو حينئذ كقول القائل: موجودة حُكْماً لا حِسًّا. فصل روى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «بَيْنَا أَهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهمْ إذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ فَرَفَعُوا رُؤوسَهُمْ فَإذَا الرَّبُّ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوقهِمْ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الجَنَّةِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ فَلاَ يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ من النَّعِيم مَا دَامُوا يَنْظُرُون إليْهِ حَتَّى يَحْتَجب عَنْهُمْ فَيَبْقَى نُورُهُ وبَرَكَتَهُ عَلَيْهِمْ في دِيارهمْ» وقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم كقوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 23 - 24] أي يقولون سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم، وقيل: يعطيهم السلامة. قوله: ﴿وامتازوا﴾ عى إضار قول مقابل لما قيل للمؤمنين أي ويقال للمجرمين امتازوا أي انعزلوا من مَازَهُ يَمِيزُهُ. قال المفسرون: إن المجرم يرى منزلة المؤمن ورفعته (ويرى ذَلَة نفسه) فيتحسر فيقال: امتازوا اليوم. وقيل: المعنى ادخلوا مساكنكم من النار، وقال أبو العالية تميزوا، وقال السدي: كونوا على حِدَة وقال الزجاج: انفردوا عن المؤمنين والمجرم هو الذي يأتي بالجريمة. وقيل إن قوله وامتازوا أمر تكوين فحين يقول فيميزون بسيماهم ويظهر على جباههم أو في وجوههم سواد كما قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41] .

يس 36:60

قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ العامة على فتح الهمزة على الأصل في حرف المضارعة، وطلحة والهُذَيْل بن شرحيبي الكوفي بكسرها وتقدم أن ذلك لغة في حروف المضارعة بشروط ذُكِرَتْ في الفاتحة، وقرأ ابن وثاب «أَحَّدْ» بحَاءٍ مشدَّدة قال الزمخشري: وهي لغة تميم ومنه: «دَحَّا مَحَّا» أي دَعْهَا مَعَهَا فقلبت الهاء حاء ثم العين حَاءً حين أريدَ الإدغام، والأحسن أن يقال: إن العين أبدلت حاء وهي لغة هذيل فلما أدغم قلب الثاني للأول وهو عكس باب الإدغام. وقد مضى تحقيقه آخر آل عمران، وقال ابن خالويه وابن وثاب والهذيل: «ألم اعْهَدْ» بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي على لغة من كسر أول المضارع سوى الياء وروي عن ابن وثاب «أَعْهِدْ» بكسر الهاء يقال: عَهِدَ وَعَهَدَ، انتهى يعني بكسر الميم والهمزة أن الأصل في هذه القراءة أن يكون كسر حرف المضارعة ثم نقل حركته إلى الميم فكسرت لا أن الكسر موجود في الميم وفي الهمزة لفظاً إذ يلزم من ذلك قطع همزة الوصل وتحريك الميم من غير سبب، وأما كسر الهاء فلما ذكر من أنه سمع في الماضي «عَهَدَ» فتحها قوله: «سوى الياء» - وكذا قال الزمخشري - هو المشهور، وقد نقل عن بَعْضِ كَلْبٍ أنهم يكسرون الياء فيقولون: يعْلَمُ وقال الزمخشري فيه: وقد جوز الزجاج أن يكون من باب: نَعِمَ يَنْعَمُ وضَرَبَ يَضْرِبُ يعني أن تخريجه على أحد وجهين إما بالشذوذ فيما اتّحد فيه فَعِلَ يَفْعِلُ بالكسر فيهما كَنِعَم يَنْعِمُ وحَسِبَ يَحْسبُ، ويَئِسَ يَيْئسُ. وهي ألفاظ معدودة في البقرة وإما (أنه) سمع في ماضيه الفتح كضرب كما حكاه ابن خالويه وحكى الزمخشري أنه قرئ «أَحْهَدْ» بإبدَال العين حاء. وقد تقدم أنها لغة هذيل. وهذه تقوي أن أصل أحد أحهد فأدغم كما تقدم. قوله: ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ﴾ و ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ يجوز في «أن» أن تكون مفسرة فسرت العهد بنهي وأمر وأن تكون مصدرية (أي) ألم أعْهَدْ إليكم في عدم عبادة الشيطان وفي عبادتي. فصل في معنى هذا العهد وجوه: أقواها ألم أوصِ إليكم، واختلفوا في هذا العهد فقيل: هو العهد الذي كان مع آدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلىءَادَمَ﴾ [طه: 115] وقيل: هو الذي كان مع ذرية آدم حين أخرجهم وقال: ألَسْتُ بربِّكُمْ قَالُوا بَلَى، وقيل: مع كل قوم على لسان رسولهم. وهو الأظهر، وقوله ﴿لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان﴾ أي لا تطيعوا الشيطان والطاعة قد تطلق على العبادة ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي ظاهر العداوة ووجه عادوته أنه لما أكرم الله آدم - عليه (الصلاة و) السلام - عاداه إبليس. فإن قيل: إذا كان الشيطان عدواً للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزِّنا والشّرب ويكره ما يسخطُه من المجاهدة والعبادة؟ فالجواب: استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله فيستعين بشهوته التي خلقها الله فيه لمصلاح بقائه وبقاء نوعه ويعلها سبباً لفساد حاله ويدعوه بها إلى مالك المهالك وكذلك يستعين بغضبه الذي خلقه الله فيه لدفع المفاسد عنه ويجعلها سبباً لوباله وفساد أحواله وميل الإنسان إلى المعاصي كميْل المريض إلى (المصادر) ، وذلك حيث ينحرف المِزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد من مرضه ومن معدته فاسدة لا يهضم القليل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه. قوله: ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ أطيعوني ووحِّدوني ﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ما منع من عبادة الشيطان بقوله ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ أي خَلْقاً كثيراً. قوله: «جبلاًّ» قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو عمرو وابن عامر بضمة وسكون والباقون بضمتين واللام مخففة في كِلْتَيْهِمَا وابنُ أبي إسْحَاقَ والزّهريّ وابنُ هُرْمُز بضمتين وتشديد اللام والأعمش بكسرتين وتخفيف اللام والأشهب العُقَيْلي واليمانيّ وحماد بن سلمة بكسرة وسكون وهذه لغات في هذه اللفظة وتقدم معناها آخر الشعراء وقرئ جِبَلاً بكسر الجيم وفتح الباء جمع جِبْلَةٍ، كفِطَرٍ جمع فِطرَة وقرأ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب بالياء من أسفل (ثنتان) وهي واضحة. قال ابن الخطيب: الجيم والباء لا تخلو عن معنى الاجتماع (و) الجبل فيه اجتماع الأجسام الكثيرة وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب، وشاة لجباء إذا كانت مجتمعةَ اللبن الكثير، ولا يقال: البلجة نقض على ما ذكرتم فإنها تنبيئ عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنَّا نقول: هي لاجتماع الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات فإن البلجة بمعنى. والبَلَدُ سمي بَلَداً للاجتماع، لا لتفرق الجمع (العظيم) حتى قيل: ن دون العشر آلاف لا يكون بلداً وإن لم يكن صحيحاً قوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ﴾ قرأ العامة بالخطاب لبني آدم. وطلحةُ وعيسى بياء الغيبة والضمير للجبل، ومن حقهما أن يقرءا: التي كانوا يوعدون لولا أن يَعْتَذِرُوا بالالْتِفَاتِ. فصل في كيفية هذا الإضلال وجهان: الأول: تولّية عن المقصد وخديعته فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو تولية فإن لم يقدر يحيد بأمر غير ذلك من رياسة وجاه وغيرهما وهو يفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية. ثم قال: «أفلم تكونوا تعقلون» ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس. ويقال لهم لما دَنَوْا من النار: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا «اصْلَوْهَا الْيَوْم» أي ادخلوها اليوم «بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿اصلوها اليوم﴾ أمر تنكيل وإهانة كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: 49] . الثاني: قوله: «اليوم» يعني العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وبقي اليوم العذاب. الثالث: قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فَإن الكفر والكفاران ينبئ عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشدّ الآلام كما قيل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ لِذَي همَّة حَيَاء المُسِيءِ مِنَ الْمُحْسِنِ. قوله: ﴿اليوم نَخْتِمُ﴾ اليوم ظرف لما بعده وفرئ يُخْتِمُ مبنياً للمفعول. والجار بعده قائم مَقَام فاعله وقرئ: «وَتتكَلَّم» بتاءين من فوق. وقرئ ولتَتَكَلَّمْ ولتشهدْ بلام الأمر. وقرأ طلحة ولِتُكَلِّمَنَا ولتَشْهَدَ بلام كي ناصبة للفعل ومتعلقها محذوف أي للتكلم وللشهادة خَتَمْنَا «وبِمَا كَانُوا» أي بالذي كانوا أو بكونهم كاسبين. فصل في الترتيب وجهان: الأول: أنهم حين يسمعون قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُونَ﴾ يريدون ينكرون كفرهم كا قال عنه: «مَا أَشْرَكْنَا» «وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ» فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار ويُنْطِقُ الله جوارحهم غير لسانهم فيعترفون بذنوبهم. الثاني: لما أن قال الله تعالى لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا تكلمت أعضاؤهم غير اللسان. وفي الختم على الأفواه وجوه أقواها: أن اللهتعالى يسكت ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهدون عليهم وأه في قدرة الله يسير (و) أما الإسكانُ فلا خفاء فيه وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة كما جاز تحرك غيره بمثلها والله قادر على كل الممكنات. والوجه الآخر: أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرُّؤُوس لا يجدون عُذْراً فيَعْتَذِرُونَ ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهرو الأمور بحيث لا يمع مع الإنكار كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن والصحيح الأول لما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً قال: فيمختم على فيه، فيقلا لأركانه انطقي قال: فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أول ما يسأل من أحدكم فخذه ولفه» . فإن قيل: ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال «نختم» وأسند الكلام والشهادة إلى الأرجل والأيدي؟ فالجواب: أنه لو قال: نختم على أفواههم وتنطق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبراً منه وقهراً والإقرار والإجبار غير مقبول فقال: تكلمنا أيديهم وتشده أرجلهم أي باختيارها يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم. فإن قيل: ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي وجعل الشهادة للأرجل؟ فالجواب: لأن الأفعال تنسد إلى الأيدي قال تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: 35] أيما عملوه وقال ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: 195] أي لا تلقوا بأنفسكم، فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل نبيغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهم. فإن قيل: إن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو غير مقبولة وإن كان عدلاً وغير الصدِّيقين من لكفار والفساق لا تقبل شهادتهم والأيدي والأرجل صدرت الذنوب (منها) فهي فاسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها. فالجواب: أن الأيْدي والأرجلَ ليسوا من أهل التكليف ولا ينسب إلهيا عدالة ولا فسقٌ، إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقالك إن العين تزني إن الفَرْج يزني وأيضاً فإنا نقلو: في در شهادتها (قبول شهادتها) لأنها إن كَذَبَتْ في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لا بدّ أن يكون مذنباً في الدينا وإن صَدَقَتْ في مثل ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا وهذا كن قال لِفَاسِق: «إن كذبت في نهار هذا اليوم فعَبْدي حُرٌّ» فقال الفاسق: كَذَبْتُ في نهار هذا اليوم عُتِقَ العَبْدُ؛ لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار ذلك اليوم فوجد االشرط أيضاً بخلاف ما لو قال في لايوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي علقت عتْق عبدك على كذا فيه. قوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شِقٌّ وهو معنى الطَّمْس، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 20] يقول: إذا أعمينا قلوبهم لو شئنا أغمينا أبصارهم الظاهرة. قوله: ﴿فاستبقوا﴾ عطف على «لَطَمَسْنَا» وهذا على سبيل الفَرْض والتقدير وقرأ عيسى فَاسْتَبِقُوا أمراً وهو على إضمار القول أي فيُقَالُ لَهُمْ اسْتَبقُوا والصِّراط ظرف مكان مختص عند الجمهور فلذلك تأولوا وصول الفعل إليه إما بأنه مفعول (به) مجازاً جعله مستبقاً لا مُسْتَبَقاً إليه ويضمن استبقوا معنى بادروا وإما على حذف الجار أي إلى الصراط وقال الزمخشري: منصوب على الظرف وهو ماش على قول ابن الطرواوة فإن الصراطَ والطريق ونحوهما ليست عنده مختصة إلا أن سيبويه على أن قوله: 4184 - لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ضرورة لنصبه الطريق. وقرأ أبو بكر مَكَانَاتِهِمْ جمعاً، وتقدم في الأنعام. والعامة على «مُضِيًّا» بضم الميم وهو مصدر على فُعُولٍ أصله مُضُويٌ فأدغم وكُسِرَ ما قبل الياء ليصبح نحو «لُقِيًّا» وقرأ أبو حيوة ورُويَتْ عن الكِسائيِّ مِضِيًّا (أي) بكسر الميم إتباعاً لحركة العين نحو ﴿عِتِيّاً﴾ و ﴿صِلِيّاً﴾ [مريم: 69 - 70] وقرئ بفتحها وهو من المصارد التي وردت على فعِيلٍ كالرِّسيم والزَّمِيلِ. فصل المعنى كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة فاستبقوا الصراط فتبادروا إلى الطريق «فَأَنَّى يُبْصِرُونَ» كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم يعني لو نشاء لأضللناهم عن الهُدَى وتركناهم عُمْياً يترددون فكيف يبصرون الطريق حنيئذ؟ هذا قول الحسن، وقتادة، والسدي. وقال ابن عباس ومقاتل وعطاء وقتادة: معناه لو نشاء لَفَقَأنَا أعين ضلالتهم فأعميناهم من غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى بصرون ولم أفعل لك بهم «ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم» أي مكانهم أي لو نشاء جعلناهم قِرَدَةً وخنازيرَ في منازلهم لا أزواد لهم «فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ» إلى ما كانوا عليه وقيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رُجُوع. قوله: ﴿وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق﴾ قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة من نَكَّسَهُ مبالغة والباقون بفتح الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف خفيفة من نَكَسَهُ. وهي محتملة للمبالغة وعدمها وقَدْ تقدم في الأنعام أن نافعاً وابْنَ ذكوان قرءا «تعقلون» زالباقون بالغَيْبَة. فصل معنى ننكسه نَرُدُّ إلى أرْذَلِ العمر شبْهَ الصَّبِيِّ في ألو الخلق، وقلي: ننكسه في الخلق أي ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بد زيادتها «أفلا يعقلون» فيعتبرون ويعلمون أن الذي قَدرَ على تَصْريف أحوال الإنسان يقدر على البعث بعد الموت.

يس 36:61

قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ العامة على فتح الهمزة على الأصل في حرف المضارعة، وطلحة والهُذَيْل بن شرحيبي الكوفي بكسرها وتقدم أن ذلك لغة في حروف المضارعة بشروط ذُكِرَتْ في الفاتحة، وقرأ ابن وثاب «أَحَّدْ» بحَاءٍ مشدَّدة قال الزمخشري: وهي لغة تميم ومنه: «دَحَّا مَحَّا» أي دَعْهَا مَعَهَا فقلبت الهاء حاء ثم العين حَاءً حين أريدَ الإدغام، والأحسن أن يقال: إن العين أبدلت حاء وهي لغة هذيل فلما أدغم قلب الثاني للأول وهو عكس باب الإدغام. وقد مضى تحقيقه آخر آل عمران، وقال ابن خالويه وابن وثاب والهذيل: «ألم اعْهَدْ» بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي على لغة من كسر أول المضارع سوى الياء وروي عن ابن وثاب «أَعْهِدْ» بكسر الهاء يقال: عَهِدَ وَعَهَدَ، انتهى يعني بكسر الميم والهمزة أن الأصل في هذه القراءة أن يكون كسر حرف المضارعة ثم نقل حركته إلى الميم فكسرت لا أن الكسر موجود في الميم وفي الهمزة لفظاً إذ يلزم من ذلك قطع همزة الوصل وتحريك الميم من غير سبب، وأما كسر الهاء فلما ذكر من أنه سمع في الماضي «عَهَدَ» فتحها قوله: «سوى الياء» - وكذا قال الزمخشري - هو المشهور، وقد نقل عن بَعْضِ كَلْبٍ أنهم يكسرون الياء فيقولون: يعْلَمُ وقال الزمخشري فيه: وقد جوز الزجاج أن يكون من باب: نَعِمَ يَنْعَمُ وضَرَبَ يَضْرِبُ يعني أن تخريجه على أحد وجهين إما بالشذوذ فيما اتّحد فيه فَعِلَ يَفْعِلُ بالكسر فيهما كَنِعَم يَنْعِمُ وحَسِبَ يَحْسبُ، ويَئِسَ يَيْئسُ. وهي ألفاظ معدودة في البقرة وإما (أنه) سمع في ماضيه الفتح كضرب كما حكاه ابن خالويه وحكى الزمخشري أنه قرئ «أَحْهَدْ» بإبدَال العين حاء. وقد تقدم أنها لغة هذيل. وهذه تقوي أن أصل أحد أحهد فأدغم كما تقدم. قوله: ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ﴾ و ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ يجوز في «أن» أن تكون مفسرة فسرت العهد بنهي وأمر وأن تكون مصدرية (أي) ألم أعْهَدْ إليكم في عدم عبادة الشيطان وفي عبادتي. فصل في معنى هذا العهد وجوه: أقواها ألم أوصِ إليكم، واختلفوا في هذا العهد فقيل: هو العهد الذي كان مع آدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلىءَادَمَ﴾ [طه: 115] وقيل: هو الذي كان مع ذرية آدم حين أخرجهم وقال: ألَسْتُ بربِّكُمْ قَالُوا بَلَى، وقيل: مع كل قوم على لسان رسولهم. وهو الأظهر، وقوله ﴿لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان﴾ أي لا تطيعوا الشيطان والطاعة قد تطلق على العبادة ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي ظاهر العداوة ووجه عادوته أنه لما أكرم الله آدم - عليه (الصلاة و) السلام - عاداه إبليس. فإن قيل: إذا كان الشيطان عدواً للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزِّنا والشّرب ويكره ما يسخطُه من المجاهدة والعبادة؟ فالجواب: استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله فيستعين بشهوته التي خلقها الله فيه لمصلاح بقائه وبقاء نوعه ويعلها سبباً لفساد حاله ويدعوه بها إلى مالك المهالك وكذلك يستعين بغضبه الذي خلقه الله فيه لدفع المفاسد عنه ويجعلها سبباً لوباله وفساد أحواله وميل الإنسان إلى المعاصي كميْل المريض إلى (المصادر) ، وذلك حيث ينحرف المِزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد من مرضه ومن معدته فاسدة لا يهضم القليل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه. قوله: ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ أطيعوني ووحِّدوني ﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ما منع من عبادة الشيطان بقوله ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ أي خَلْقاً كثيراً. قوله: «جبلاًّ» قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو عمرو وابن عامر بضمة وسكون والباقون بضمتين واللام مخففة في كِلْتَيْهِمَا وابنُ أبي إسْحَاقَ والزّهريّ وابنُ هُرْمُز بضمتين وتشديد اللام والأعمش بكسرتين وتخفيف اللام والأشهب العُقَيْلي واليمانيّ وحماد بن سلمة بكسرة وسكون وهذه لغات في هذه اللفظة وتقدم معناها آخر الشعراء وقرئ جِبَلاً بكسر الجيم وفتح الباء جمع جِبْلَةٍ، كفِطَرٍ جمع فِطرَة وقرأ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب بالياء من أسفل (ثنتان) وهي واضحة. قال ابن الخطيب: الجيم والباء لا تخلو عن معنى الاجتماع (و) الجبل فيه اجتماع الأجسام الكثيرة وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب، وشاة لجباء إذا كانت مجتمعةَ اللبن الكثير، ولا يقال: البلجة نقض على ما ذكرتم فإنها تنبيئ عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنَّا نقول: هي لاجتماع الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات فإن البلجة بمعنى. والبَلَدُ سمي بَلَداً للاجتماع، لا لتفرق الجمع (العظيم) حتى قيل: ن دون العشر آلاف لا يكون بلداً وإن لم يكن صحيحاً قوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ﴾ قرأ العامة بالخطاب لبني آدم. وطلحةُ وعيسى بياء الغيبة والضمير للجبل، ومن حقهما أن يقرءا: التي كانوا يوعدون لولا أن يَعْتَذِرُوا بالالْتِفَاتِ. فصل في كيفية هذا الإضلال وجهان: الأول: تولّية عن المقصد وخديعته فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو تولية فإن لم يقدر يحيد بأمر غير ذلك من رياسة وجاه وغيرهما وهو يفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية. ثم قال: «أفلم تكونوا تعقلون» ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس. ويقال لهم لما دَنَوْا من النار: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا «اصْلَوْهَا الْيَوْم» أي ادخلوها اليوم «بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿اصلوها اليوم﴾ أمر تنكيل وإهانة كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: 49] . الثاني: قوله: «اليوم» يعني العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وبقي اليوم العذاب. الثالث: قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فَإن الكفر والكفاران ينبئ عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشدّ الآلام كما قيل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ لِذَي همَّة حَيَاء المُسِيءِ مِنَ الْمُحْسِنِ. قوله: ﴿اليوم نَخْتِمُ﴾ اليوم ظرف لما بعده وفرئ يُخْتِمُ مبنياً للمفعول. والجار بعده قائم مَقَام فاعله وقرئ: «وَتتكَلَّم» بتاءين من فوق. وقرئ ولتَتَكَلَّمْ ولتشهدْ بلام الأمر. وقرأ طلحة ولِتُكَلِّمَنَا ولتَشْهَدَ بلام كي ناصبة للفعل ومتعلقها محذوف أي للتكلم وللشهادة خَتَمْنَا «وبِمَا كَانُوا» أي بالذي كانوا أو بكونهم كاسبين. فصل في الترتيب وجهان: الأول: أنهم حين يسمعون قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُونَ﴾ يريدون ينكرون كفرهم كا قال عنه: «مَا أَشْرَكْنَا» «وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ» فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار ويُنْطِقُ الله جوارحهم غير لسانهم فيعترفون بذنوبهم. الثاني: لما أن قال الله تعالى لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا تكلمت أعضاؤهم غير اللسان. وفي الختم على الأفواه وجوه أقواها: أن اللهتعالى يسكت ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهدون عليهم وأه في قدرة الله يسير (و) أما الإسكانُ فلا خفاء فيه وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة كما جاز تحرك غيره بمثلها والله قادر على كل الممكنات. والوجه الآخر: أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرُّؤُوس لا يجدون عُذْراً فيَعْتَذِرُونَ ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهرو الأمور بحيث لا يمع مع الإنكار كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن والصحيح الأول لما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً قال: فيمختم على فيه، فيقلا لأركانه انطقي قال: فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أول ما يسأل من أحدكم فخذه ولفه» . فإن قيل: ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال «نختم» وأسند الكلام والشهادة إلى الأرجل والأيدي؟ فالجواب: أنه لو قال: نختم على أفواههم وتنطق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبراً منه وقهراً والإقرار والإجبار غير مقبول فقال: تكلمنا أيديهم وتشده أرجلهم أي باختيارها يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم. فإن قيل: ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي وجعل الشهادة للأرجل؟ فالجواب: لأن الأفعال تنسد إلى الأيدي قال تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: 35] أيما عملوه وقال ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: 195] أي لا تلقوا بأنفسكم، فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل نبيغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهم. فإن قيل: إن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو غير مقبولة وإن كان عدلاً وغير الصدِّيقين من لكفار والفساق لا تقبل شهادتهم والأيدي والأرجل صدرت الذنوب (منها) فهي فاسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها. فالجواب: أن الأيْدي والأرجلَ ليسوا من أهل التكليف ولا ينسب إلهيا عدالة ولا فسقٌ، إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقالك إن العين تزني إن الفَرْج يزني وأيضاً فإنا نقلو: في در شهادتها (قبول شهادتها) لأنها إن كَذَبَتْ في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لا بدّ أن يكون مذنباً في الدينا وإن صَدَقَتْ في مثل ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا وهذا كن قال لِفَاسِق: «إن كذبت في نهار هذا اليوم فعَبْدي حُرٌّ» فقال الفاسق: كَذَبْتُ في نهار هذا اليوم عُتِقَ العَبْدُ؛ لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار ذلك اليوم فوجد االشرط أيضاً بخلاف ما لو قال في لايوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي علقت عتْق عبدك على كذا فيه. قوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شِقٌّ وهو معنى الطَّمْس، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 20] يقول: إذا أعمينا قلوبهم لو شئنا أغمينا أبصارهم الظاهرة. قوله: ﴿فاستبقوا﴾ عطف على «لَطَمَسْنَا» وهذا على سبيل الفَرْض والتقدير وقرأ عيسى فَاسْتَبِقُوا أمراً وهو على إضمار القول أي فيُقَالُ لَهُمْ اسْتَبقُوا والصِّراط ظرف مكان مختص عند الجمهور فلذلك تأولوا وصول الفعل إليه إما بأنه مفعول (به) مجازاً جعله مستبقاً لا مُسْتَبَقاً إليه ويضمن استبقوا معنى بادروا وإما على حذف الجار أي إلى الصراط وقال الزمخشري: منصوب على الظرف وهو ماش على قول ابن الطرواوة فإن الصراطَ والطريق ونحوهما ليست عنده مختصة إلا أن سيبويه على أن قوله: 4184 - لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ضرورة لنصبه الطريق. وقرأ أبو بكر مَكَانَاتِهِمْ جمعاً، وتقدم في الأنعام. والعامة على «مُضِيًّا» بضم الميم وهو مصدر على فُعُولٍ أصله مُضُويٌ فأدغم وكُسِرَ ما قبل الياء ليصبح نحو «لُقِيًّا» وقرأ أبو حيوة ورُويَتْ عن الكِسائيِّ مِضِيًّا (أي) بكسر الميم إتباعاً لحركة العين نحو ﴿عِتِيّاً﴾ و ﴿صِلِيّاً﴾ [مريم: 69 - 70] وقرئ بفتحها وهو من المصارد التي وردت على فعِيلٍ كالرِّسيم والزَّمِيلِ. فصل المعنى كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة فاستبقوا الصراط فتبادروا إلى الطريق «فَأَنَّى يُبْصِرُونَ» كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم يعني لو نشاء لأضللناهم عن الهُدَى وتركناهم عُمْياً يترددون فكيف يبصرون الطريق حنيئذ؟ هذا قول الحسن، وقتادة، والسدي. وقال ابن عباس ومقاتل وعطاء وقتادة: معناه لو نشاء لَفَقَأنَا أعين ضلالتهم فأعميناهم من غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى بصرون ولم أفعل لك بهم «ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم» أي مكانهم أي لو نشاء جعلناهم قِرَدَةً وخنازيرَ في منازلهم لا أزواد لهم «فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ» إلى ما كانوا عليه وقيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رُجُوع. قوله: ﴿وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق﴾ قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة من نَكَّسَهُ مبالغة والباقون بفتح الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف خفيفة من نَكَسَهُ. وهي محتملة للمبالغة وعدمها وقَدْ تقدم في الأنعام أن نافعاً وابْنَ ذكوان قرءا «تعقلون» زالباقون بالغَيْبَة. فصل معنى ننكسه نَرُدُّ إلى أرْذَلِ العمر شبْهَ الصَّبِيِّ في ألو الخلق، وقلي: ننكسه في الخلق أي ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بد زيادتها «أفلا يعقلون» فيعتبرون ويعلمون أن الذي قَدرَ على تَصْريف أحوال الإنسان يقدر على البعث بعد الموت.

يس 36:62

قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ العامة على فتح الهمزة على الأصل في حرف المضارعة، وطلحة والهُذَيْل بن شرحيبي الكوفي بكسرها وتقدم أن ذلك لغة في حروف المضارعة بشروط ذُكِرَتْ في الفاتحة، وقرأ ابن وثاب «أَحَّدْ» بحَاءٍ مشدَّدة قال الزمخشري: وهي لغة تميم ومنه: «دَحَّا مَحَّا» أي دَعْهَا مَعَهَا فقلبت الهاء حاء ثم العين حَاءً حين أريدَ الإدغام، والأحسن أن يقال: إن العين أبدلت حاء وهي لغة هذيل فلما أدغم قلب الثاني للأول وهو عكس باب الإدغام. وقد مضى تحقيقه آخر آل عمران، وقال ابن خالويه وابن وثاب والهذيل: «ألم اعْهَدْ» بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي على لغة من كسر أول المضارع سوى الياء وروي عن ابن وثاب «أَعْهِدْ» بكسر الهاء يقال: عَهِدَ وَعَهَدَ، انتهى يعني بكسر الميم والهمزة أن الأصل في هذه القراءة أن يكون كسر حرف المضارعة ثم نقل حركته إلى الميم فكسرت لا أن الكسر موجود في الميم وفي الهمزة لفظاً إذ يلزم من ذلك قطع همزة الوصل وتحريك الميم من غير سبب، وأما كسر الهاء فلما ذكر من أنه سمع في الماضي «عَهَدَ» فتحها قوله: «سوى الياء» - وكذا قال الزمخشري - هو المشهور، وقد نقل عن بَعْضِ كَلْبٍ أنهم يكسرون الياء فيقولون: يعْلَمُ وقال الزمخشري فيه: وقد جوز الزجاج أن يكون من باب: نَعِمَ يَنْعَمُ وضَرَبَ يَضْرِبُ يعني أن تخريجه على أحد وجهين إما بالشذوذ فيما اتّحد فيه فَعِلَ يَفْعِلُ بالكسر فيهما كَنِعَم يَنْعِمُ وحَسِبَ يَحْسبُ، ويَئِسَ يَيْئسُ. وهي ألفاظ معدودة في البقرة وإما (أنه) سمع في ماضيه الفتح كضرب كما حكاه ابن خالويه وحكى الزمخشري أنه قرئ «أَحْهَدْ» بإبدَال العين حاء. وقد تقدم أنها لغة هذيل. وهذه تقوي أن أصل أحد أحهد فأدغم كما تقدم. قوله: ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ﴾ و ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ يجوز في «أن» أن تكون مفسرة فسرت العهد بنهي وأمر وأن تكون مصدرية (أي) ألم أعْهَدْ إليكم في عدم عبادة الشيطان وفي عبادتي. فصل في معنى هذا العهد وجوه: أقواها ألم أوصِ إليكم، واختلفوا في هذا العهد فقيل: هو العهد الذي كان مع آدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلىءَادَمَ﴾ [طه: 115] وقيل: هو الذي كان مع ذرية آدم حين أخرجهم وقال: ألَسْتُ بربِّكُمْ قَالُوا بَلَى، وقيل: مع كل قوم على لسان رسولهم. وهو الأظهر، وقوله ﴿لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان﴾ أي لا تطيعوا الشيطان والطاعة قد تطلق على العبادة ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي ظاهر العداوة ووجه عادوته أنه لما أكرم الله آدم - عليه (الصلاة و) السلام - عاداه إبليس. فإن قيل: إذا كان الشيطان عدواً للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزِّنا والشّرب ويكره ما يسخطُه من المجاهدة والعبادة؟ فالجواب: استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله فيستعين بشهوته التي خلقها الله فيه لمصلاح بقائه وبقاء نوعه ويعلها سبباً لفساد حاله ويدعوه بها إلى مالك المهالك وكذلك يستعين بغضبه الذي خلقه الله فيه لدفع المفاسد عنه ويجعلها سبباً لوباله وفساد أحواله وميل الإنسان إلى المعاصي كميْل المريض إلى (المصادر) ، وذلك حيث ينحرف المِزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد من مرضه ومن معدته فاسدة لا يهضم القليل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه. قوله: ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ أطيعوني ووحِّدوني ﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ما منع من عبادة الشيطان بقوله ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ أي خَلْقاً كثيراً. قوله: «جبلاًّ» قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو عمرو وابن عامر بضمة وسكون والباقون بضمتين واللام مخففة في كِلْتَيْهِمَا وابنُ أبي إسْحَاقَ والزّهريّ وابنُ هُرْمُز بضمتين وتشديد اللام والأعمش بكسرتين وتخفيف اللام والأشهب العُقَيْلي واليمانيّ وحماد بن سلمة بكسرة وسكون وهذه لغات في هذه اللفظة وتقدم معناها آخر الشعراء وقرئ جِبَلاً بكسر الجيم وفتح الباء جمع جِبْلَةٍ، كفِطَرٍ جمع فِطرَة وقرأ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب بالياء من أسفل (ثنتان) وهي واضحة. قال ابن الخطيب: الجيم والباء لا تخلو عن معنى الاجتماع (و) الجبل فيه اجتماع الأجسام الكثيرة وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب، وشاة لجباء إذا كانت مجتمعةَ اللبن الكثير، ولا يقال: البلجة نقض على ما ذكرتم فإنها تنبيئ عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنَّا نقول: هي لاجتماع الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات فإن البلجة بمعنى. والبَلَدُ سمي بَلَداً للاجتماع، لا لتفرق الجمع (العظيم) حتى قيل: ن دون العشر آلاف لا يكون بلداً وإن لم يكن صحيحاً قوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ﴾ قرأ العامة بالخطاب لبني آدم. وطلحةُ وعيسى بياء الغيبة والضمير للجبل، ومن حقهما أن يقرءا: التي كانوا يوعدون لولا أن يَعْتَذِرُوا بالالْتِفَاتِ. فصل في كيفية هذا الإضلال وجهان: الأول: تولّية عن المقصد وخديعته فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو تولية فإن لم يقدر يحيد بأمر غير ذلك من رياسة وجاه وغيرهما وهو يفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية. ثم قال: «أفلم تكونوا تعقلون» ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس. ويقال لهم لما دَنَوْا من النار: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا «اصْلَوْهَا الْيَوْم» أي ادخلوها اليوم «بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿اصلوها اليوم﴾ أمر تنكيل وإهانة كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: 49] . الثاني: قوله: «اليوم» يعني العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وبقي اليوم العذاب. الثالث: قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فَإن الكفر والكفاران ينبئ عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشدّ الآلام كما قيل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ لِذَي همَّة حَيَاء المُسِيءِ مِنَ الْمُحْسِنِ. قوله: ﴿اليوم نَخْتِمُ﴾ اليوم ظرف لما بعده وفرئ يُخْتِمُ مبنياً للمفعول. والجار بعده قائم مَقَام فاعله وقرئ: «وَتتكَلَّم» بتاءين من فوق. وقرئ ولتَتَكَلَّمْ ولتشهدْ بلام الأمر. وقرأ طلحة ولِتُكَلِّمَنَا ولتَشْهَدَ بلام كي ناصبة للفعل ومتعلقها محذوف أي للتكلم وللشهادة خَتَمْنَا «وبِمَا كَانُوا» أي بالذي كانوا أو بكونهم كاسبين. فصل في الترتيب وجهان: الأول: أنهم حين يسمعون قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُونَ﴾ يريدون ينكرون كفرهم كا قال عنه: «مَا أَشْرَكْنَا» «وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ» فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار ويُنْطِقُ الله جوارحهم غير لسانهم فيعترفون بذنوبهم. الثاني: لما أن قال الله تعالى لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا تكلمت أعضاؤهم غير اللسان. وفي الختم على الأفواه وجوه أقواها: أن اللهتعالى يسكت ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهدون عليهم وأه في قدرة الله يسير (و) أما الإسكانُ فلا خفاء فيه وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة كما جاز تحرك غيره بمثلها والله قادر على كل الممكنات. والوجه الآخر: أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرُّؤُوس لا يجدون عُذْراً فيَعْتَذِرُونَ ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهرو الأمور بحيث لا يمع مع الإنكار كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن والصحيح الأول لما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً قال: فيمختم على فيه، فيقلا لأركانه انطقي قال: فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أول ما يسأل من أحدكم فخذه ولفه» . فإن قيل: ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال «نختم» وأسند الكلام والشهادة إلى الأرجل والأيدي؟ فالجواب: أنه لو قال: نختم على أفواههم وتنطق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبراً منه وقهراً والإقرار والإجبار غير مقبول فقال: تكلمنا أيديهم وتشده أرجلهم أي باختيارها يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم. فإن قيل: ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي وجعل الشهادة للأرجل؟ فالجواب: لأن الأفعال تنسد إلى الأيدي قال تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: 35] أيما عملوه وقال ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: 195] أي لا تلقوا بأنفسكم، فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل نبيغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهم. فإن قيل: إن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو غير مقبولة وإن كان عدلاً وغير الصدِّيقين من لكفار والفساق لا تقبل شهادتهم والأيدي والأرجل صدرت الذنوب (منها) فهي فاسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها. فالجواب: أن الأيْدي والأرجلَ ليسوا من أهل التكليف ولا ينسب إلهيا عدالة ولا فسقٌ، إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقالك إن العين تزني إن الفَرْج يزني وأيضاً فإنا نقلو: في در شهادتها (قبول شهادتها) لأنها إن كَذَبَتْ في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لا بدّ أن يكون مذنباً في الدينا وإن صَدَقَتْ في مثل ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا وهذا كن قال لِفَاسِق: «إن كذبت في نهار هذا اليوم فعَبْدي حُرٌّ» فقال الفاسق: كَذَبْتُ في نهار هذا اليوم عُتِقَ العَبْدُ؛ لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار ذلك اليوم فوجد االشرط أيضاً بخلاف ما لو قال في لايوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي علقت عتْق عبدك على كذا فيه. قوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شِقٌّ وهو معنى الطَّمْس، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 20] يقول: إذا أعمينا قلوبهم لو شئنا أغمينا أبصارهم الظاهرة. قوله: ﴿فاستبقوا﴾ عطف على «لَطَمَسْنَا» وهذا على سبيل الفَرْض والتقدير وقرأ عيسى فَاسْتَبِقُوا أمراً وهو على إضمار القول أي فيُقَالُ لَهُمْ اسْتَبقُوا والصِّراط ظرف مكان مختص عند الجمهور فلذلك تأولوا وصول الفعل إليه إما بأنه مفعول (به) مجازاً جعله مستبقاً لا مُسْتَبَقاً إليه ويضمن استبقوا معنى بادروا وإما على حذف الجار أي إلى الصراط وقال الزمخشري: منصوب على الظرف وهو ماش على قول ابن الطرواوة فإن الصراطَ والطريق ونحوهما ليست عنده مختصة إلا أن سيبويه على أن قوله: 4184 - لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ضرورة لنصبه الطريق. وقرأ أبو بكر مَكَانَاتِهِمْ جمعاً، وتقدم في الأنعام. والعامة على «مُضِيًّا» بضم الميم وهو مصدر على فُعُولٍ أصله مُضُويٌ فأدغم وكُسِرَ ما قبل الياء ليصبح نحو «لُقِيًّا» وقرأ أبو حيوة ورُويَتْ عن الكِسائيِّ مِضِيًّا (أي) بكسر الميم إتباعاً لحركة العين نحو ﴿عِتِيّاً﴾ و ﴿صِلِيّاً﴾ [مريم: 69 - 70] وقرئ بفتحها وهو من المصارد التي وردت على فعِيلٍ كالرِّسيم والزَّمِيلِ. فصل المعنى كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة فاستبقوا الصراط فتبادروا إلى الطريق «فَأَنَّى يُبْصِرُونَ» كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم يعني لو نشاء لأضللناهم عن الهُدَى وتركناهم عُمْياً يترددون فكيف يبصرون الطريق حنيئذ؟ هذا قول الحسن، وقتادة، والسدي. وقال ابن عباس ومقاتل وعطاء وقتادة: معناه لو نشاء لَفَقَأنَا أعين ضلالتهم فأعميناهم من غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى بصرون ولم أفعل لك بهم «ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم» أي مكانهم أي لو نشاء جعلناهم قِرَدَةً وخنازيرَ في منازلهم لا أزواد لهم «فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ» إلى ما كانوا عليه وقيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رُجُوع. قوله: ﴿وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق﴾ قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة من نَكَّسَهُ مبالغة والباقون بفتح الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف خفيفة من نَكَسَهُ. وهي محتملة للمبالغة وعدمها وقَدْ تقدم في الأنعام أن نافعاً وابْنَ ذكوان قرءا «تعقلون» زالباقون بالغَيْبَة. فصل معنى ننكسه نَرُدُّ إلى أرْذَلِ العمر شبْهَ الصَّبِيِّ في ألو الخلق، وقلي: ننكسه في الخلق أي ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بد زيادتها «أفلا يعقلون» فيعتبرون ويعلمون أن الذي قَدرَ على تَصْريف أحوال الإنسان يقدر على البعث بعد الموت.

يس 36:63

قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ العامة على فتح الهمزة على الأصل في حرف المضارعة، وطلحة والهُذَيْل بن شرحيبي الكوفي بكسرها وتقدم أن ذلك لغة في حروف المضارعة بشروط ذُكِرَتْ في الفاتحة، وقرأ ابن وثاب «أَحَّدْ» بحَاءٍ مشدَّدة قال الزمخشري: وهي لغة تميم ومنه: «دَحَّا مَحَّا» أي دَعْهَا مَعَهَا فقلبت الهاء حاء ثم العين حَاءً حين أريدَ الإدغام، والأحسن أن يقال: إن العين أبدلت حاء وهي لغة هذيل فلما أدغم قلب الثاني للأول وهو عكس باب الإدغام. وقد مضى تحقيقه آخر آل عمران، وقال ابن خالويه وابن وثاب والهذيل: «ألم اعْهَدْ» بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي على لغة من كسر أول المضارع سوى الياء وروي عن ابن وثاب «أَعْهِدْ» بكسر الهاء يقال: عَهِدَ وَعَهَدَ، انتهى يعني بكسر الميم والهمزة أن الأصل في هذه القراءة أن يكون كسر حرف المضارعة ثم نقل حركته إلى الميم فكسرت لا أن الكسر موجود في الميم وفي الهمزة لفظاً إذ يلزم من ذلك قطع همزة الوصل وتحريك الميم من غير سبب، وأما كسر الهاء فلما ذكر من أنه سمع في الماضي «عَهَدَ» فتحها قوله: «سوى الياء» - وكذا قال الزمخشري - هو المشهور، وقد نقل عن بَعْضِ كَلْبٍ أنهم يكسرون الياء فيقولون: يعْلَمُ وقال الزمخشري فيه: وقد جوز الزجاج أن يكون من باب: نَعِمَ يَنْعَمُ وضَرَبَ يَضْرِبُ يعني أن تخريجه على أحد وجهين إما بالشذوذ فيما اتّحد فيه فَعِلَ يَفْعِلُ بالكسر فيهما كَنِعَم يَنْعِمُ وحَسِبَ يَحْسبُ، ويَئِسَ يَيْئسُ. وهي ألفاظ معدودة في البقرة وإما (أنه) سمع في ماضيه الفتح كضرب كما حكاه ابن خالويه وحكى الزمخشري أنه قرئ «أَحْهَدْ» بإبدَال العين حاء. وقد تقدم أنها لغة هذيل. وهذه تقوي أن أصل أحد أحهد فأدغم كما تقدم. قوله: ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ﴾ و ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ يجوز في «أن» أن تكون مفسرة فسرت العهد بنهي وأمر وأن تكون مصدرية (أي) ألم أعْهَدْ إليكم في عدم عبادة الشيطان وفي عبادتي. فصل في معنى هذا العهد وجوه: أقواها ألم أوصِ إليكم، واختلفوا في هذا العهد فقيل: هو العهد الذي كان مع آدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلىءَادَمَ﴾ [طه: 115] وقيل: هو الذي كان مع ذرية آدم حين أخرجهم وقال: ألَسْتُ بربِّكُمْ قَالُوا بَلَى، وقيل: مع كل قوم على لسان رسولهم. وهو الأظهر، وقوله ﴿لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان﴾ أي لا تطيعوا الشيطان والطاعة قد تطلق على العبادة ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي ظاهر العداوة ووجه عادوته أنه لما أكرم الله آدم - عليه (الصلاة و) السلام - عاداه إبليس. فإن قيل: إذا كان الشيطان عدواً للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزِّنا والشّرب ويكره ما يسخطُه من المجاهدة والعبادة؟ فالجواب: استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله فيستعين بشهوته التي خلقها الله فيه لمصلاح بقائه وبقاء نوعه ويعلها سبباً لفساد حاله ويدعوه بها إلى مالك المهالك وكذلك يستعين بغضبه الذي خلقه الله فيه لدفع المفاسد عنه ويجعلها سبباً لوباله وفساد أحواله وميل الإنسان إلى المعاصي كميْل المريض إلى (المصادر) ، وذلك حيث ينحرف المِزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد من مرضه ومن معدته فاسدة لا يهضم القليل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه. قوله: ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ أطيعوني ووحِّدوني ﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ما منع من عبادة الشيطان بقوله ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ أي خَلْقاً كثيراً. قوله: «جبلاًّ» قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو عمرو وابن عامر بضمة وسكون والباقون بضمتين واللام مخففة في كِلْتَيْهِمَا وابنُ أبي إسْحَاقَ والزّهريّ وابنُ هُرْمُز بضمتين وتشديد اللام والأعمش بكسرتين وتخفيف اللام والأشهب العُقَيْلي واليمانيّ وحماد بن سلمة بكسرة وسكون وهذه لغات في هذه اللفظة وتقدم معناها آخر الشعراء وقرئ جِبَلاً بكسر الجيم وفتح الباء جمع جِبْلَةٍ، كفِطَرٍ جمع فِطرَة وقرأ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب بالياء من أسفل (ثنتان) وهي واضحة. قال ابن الخطيب: الجيم والباء لا تخلو عن معنى الاجتماع (و) الجبل فيه اجتماع الأجسام الكثيرة وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب، وشاة لجباء إذا كانت مجتمعةَ اللبن الكثير، ولا يقال: البلجة نقض على ما ذكرتم فإنها تنبيئ عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنَّا نقول: هي لاجتماع الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات فإن البلجة بمعنى. والبَلَدُ سمي بَلَداً للاجتماع، لا لتفرق الجمع (العظيم) حتى قيل: ن دون العشر آلاف لا يكون بلداً وإن لم يكن صحيحاً قوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ﴾ قرأ العامة بالخطاب لبني آدم. وطلحةُ وعيسى بياء الغيبة والضمير للجبل، ومن حقهما أن يقرءا: التي كانوا يوعدون لولا أن يَعْتَذِرُوا بالالْتِفَاتِ. فصل في كيفية هذا الإضلال وجهان: الأول: تولّية عن المقصد وخديعته فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو تولية فإن لم يقدر يحيد بأمر غير ذلك من رياسة وجاه وغيرهما وهو يفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية. ثم قال: «أفلم تكونوا تعقلون» ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس. ويقال لهم لما دَنَوْا من النار: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا «اصْلَوْهَا الْيَوْم» أي ادخلوها اليوم «بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿اصلوها اليوم﴾ أمر تنكيل وإهانة كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: 49] . الثاني: قوله: «اليوم» يعني العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وبقي اليوم العذاب. الثالث: قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فَإن الكفر والكفاران ينبئ عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشدّ الآلام كما قيل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ لِذَي همَّة حَيَاء المُسِيءِ مِنَ الْمُحْسِنِ. قوله: ﴿اليوم نَخْتِمُ﴾ اليوم ظرف لما بعده وفرئ يُخْتِمُ مبنياً للمفعول. والجار بعده قائم مَقَام فاعله وقرئ: «وَتتكَلَّم» بتاءين من فوق. وقرئ ولتَتَكَلَّمْ ولتشهدْ بلام الأمر. وقرأ طلحة ولِتُكَلِّمَنَا ولتَشْهَدَ بلام كي ناصبة للفعل ومتعلقها محذوف أي للتكلم وللشهادة خَتَمْنَا «وبِمَا كَانُوا» أي بالذي كانوا أو بكونهم كاسبين. فصل في الترتيب وجهان: الأول: أنهم حين يسمعون قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُونَ﴾ يريدون ينكرون كفرهم كا قال عنه: «مَا أَشْرَكْنَا» «وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ» فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار ويُنْطِقُ الله جوارحهم غير لسانهم فيعترفون بذنوبهم. الثاني: لما أن قال الله تعالى لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا تكلمت أعضاؤهم غير اللسان. وفي الختم على الأفواه وجوه أقواها: أن اللهتعالى يسكت ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهدون عليهم وأه في قدرة الله يسير (و) أما الإسكانُ فلا خفاء فيه وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة كما جاز تحرك غيره بمثلها والله قادر على كل الممكنات. والوجه الآخر: أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرُّؤُوس لا يجدون عُذْراً فيَعْتَذِرُونَ ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهرو الأمور بحيث لا يمع مع الإنكار كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن والصحيح الأول لما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً قال: فيمختم على فيه، فيقلا لأركانه انطقي قال: فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أول ما يسأل من أحدكم فخذه ولفه» . فإن قيل: ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال «نختم» وأسند الكلام والشهادة إلى الأرجل والأيدي؟ فالجواب: أنه لو قال: نختم على أفواههم وتنطق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبراً منه وقهراً والإقرار والإجبار غير مقبول فقال: تكلمنا أيديهم وتشده أرجلهم أي باختيارها يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم. فإن قيل: ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي وجعل الشهادة للأرجل؟ فالجواب: لأن الأفعال تنسد إلى الأيدي قال تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: 35] أيما عملوه وقال ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: 195] أي لا تلقوا بأنفسكم، فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل نبيغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهم. فإن قيل: إن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو غير مقبولة وإن كان عدلاً وغير الصدِّيقين من لكفار والفساق لا تقبل شهادتهم والأيدي والأرجل صدرت الذنوب (منها) فهي فاسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها. فالجواب: أن الأيْدي والأرجلَ ليسوا من أهل التكليف ولا ينسب إلهيا عدالة ولا فسقٌ، إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقالك إن العين تزني إن الفَرْج يزني وأيضاً فإنا نقلو: في در شهادتها (قبول شهادتها) لأنها إن كَذَبَتْ في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لا بدّ أن يكون مذنباً في الدينا وإن صَدَقَتْ في مثل ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا وهذا كن قال لِفَاسِق: «إن كذبت في نهار هذا اليوم فعَبْدي حُرٌّ» فقال الفاسق: كَذَبْتُ في نهار هذا اليوم عُتِقَ العَبْدُ؛ لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار ذلك اليوم فوجد االشرط أيضاً بخلاف ما لو قال في لايوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي علقت عتْق عبدك على كذا فيه. قوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شِقٌّ وهو معنى الطَّمْس، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 20] يقول: إذا أعمينا قلوبهم لو شئنا أغمينا أبصارهم الظاهرة. قوله: ﴿فاستبقوا﴾ عطف على «لَطَمَسْنَا» وهذا على سبيل الفَرْض والتقدير وقرأ عيسى فَاسْتَبِقُوا أمراً وهو على إضمار القول أي فيُقَالُ لَهُمْ اسْتَبقُوا والصِّراط ظرف مكان مختص عند الجمهور فلذلك تأولوا وصول الفعل إليه إما بأنه مفعول (به) مجازاً جعله مستبقاً لا مُسْتَبَقاً إليه ويضمن استبقوا معنى بادروا وإما على حذف الجار أي إلى الصراط وقال الزمخشري: منصوب على الظرف وهو ماش على قول ابن الطرواوة فإن الصراطَ والطريق ونحوهما ليست عنده مختصة إلا أن سيبويه على أن قوله: 4184 - لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ضرورة لنصبه الطريق. وقرأ أبو بكر مَكَانَاتِهِمْ جمعاً، وتقدم في الأنعام. والعامة على «مُضِيًّا» بضم الميم وهو مصدر على فُعُولٍ أصله مُضُويٌ فأدغم وكُسِرَ ما قبل الياء ليصبح نحو «لُقِيًّا» وقرأ أبو حيوة ورُويَتْ عن الكِسائيِّ مِضِيًّا (أي) بكسر الميم إتباعاً لحركة العين نحو ﴿عِتِيّاً﴾ و ﴿صِلِيّاً﴾ [مريم: 69 - 70] وقرئ بفتحها وهو من المصارد التي وردت على فعِيلٍ كالرِّسيم والزَّمِيلِ. فصل المعنى كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة فاستبقوا الصراط فتبادروا إلى الطريق «فَأَنَّى يُبْصِرُونَ» كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم يعني لو نشاء لأضللناهم عن الهُدَى وتركناهم عُمْياً يترددون فكيف يبصرون الطريق حنيئذ؟ هذا قول الحسن، وقتادة، والسدي. وقال ابن عباس ومقاتل وعطاء وقتادة: معناه لو نشاء لَفَقَأنَا أعين ضلالتهم فأعميناهم من غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى بصرون ولم أفعل لك بهم «ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم» أي مكانهم أي لو نشاء جعلناهم قِرَدَةً وخنازيرَ في منازلهم لا أزواد لهم «فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ» إلى ما كانوا عليه وقيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رُجُوع. قوله: ﴿وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق﴾ قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة من نَكَّسَهُ مبالغة والباقون بفتح الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف خفيفة من نَكَسَهُ. وهي محتملة للمبالغة وعدمها وقَدْ تقدم في الأنعام أن نافعاً وابْنَ ذكوان قرءا «تعقلون» زالباقون بالغَيْبَة. فصل معنى ننكسه نَرُدُّ إلى أرْذَلِ العمر شبْهَ الصَّبِيِّ في ألو الخلق، وقلي: ننكسه في الخلق أي ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بد زيادتها «أفلا يعقلون» فيعتبرون ويعلمون أن الذي قَدرَ على تَصْريف أحوال الإنسان يقدر على البعث بعد الموت.

يس 36:64

قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ العامة على فتح الهمزة على الأصل في حرف المضارعة، وطلحة والهُذَيْل بن شرحيبي الكوفي بكسرها وتقدم أن ذلك لغة في حروف المضارعة بشروط ذُكِرَتْ في الفاتحة، وقرأ ابن وثاب «أَحَّدْ» بحَاءٍ مشدَّدة قال الزمخشري: وهي لغة تميم ومنه: «دَحَّا مَحَّا» أي دَعْهَا مَعَهَا فقلبت الهاء حاء ثم العين حَاءً حين أريدَ الإدغام، والأحسن أن يقال: إن العين أبدلت حاء وهي لغة هذيل فلما أدغم قلب الثاني للأول وهو عكس باب الإدغام. وقد مضى تحقيقه آخر آل عمران، وقال ابن خالويه وابن وثاب والهذيل: «ألم اعْهَدْ» بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي على لغة من كسر أول المضارع سوى الياء وروي عن ابن وثاب «أَعْهِدْ» بكسر الهاء يقال: عَهِدَ وَعَهَدَ، انتهى يعني بكسر الميم والهمزة أن الأصل في هذه القراءة أن يكون كسر حرف المضارعة ثم نقل حركته إلى الميم فكسرت لا أن الكسر موجود في الميم وفي الهمزة لفظاً إذ يلزم من ذلك قطع همزة الوصل وتحريك الميم من غير سبب، وأما كسر الهاء فلما ذكر من أنه سمع في الماضي «عَهَدَ» فتحها قوله: «سوى الياء» - وكذا قال الزمخشري - هو المشهور، وقد نقل عن بَعْضِ كَلْبٍ أنهم يكسرون الياء فيقولون: يعْلَمُ وقال الزمخشري فيه: وقد جوز الزجاج أن يكون من باب: نَعِمَ يَنْعَمُ وضَرَبَ يَضْرِبُ يعني أن تخريجه على أحد وجهين إما بالشذوذ فيما اتّحد فيه فَعِلَ يَفْعِلُ بالكسر فيهما كَنِعَم يَنْعِمُ وحَسِبَ يَحْسبُ، ويَئِسَ يَيْئسُ. وهي ألفاظ معدودة في البقرة وإما (أنه) سمع في ماضيه الفتح كضرب كما حكاه ابن خالويه وحكى الزمخشري أنه قرئ «أَحْهَدْ» بإبدَال العين حاء. وقد تقدم أنها لغة هذيل. وهذه تقوي أن أصل أحد أحهد فأدغم كما تقدم. قوله: ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ﴾ و ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ يجوز في «أن» أن تكون مفسرة فسرت العهد بنهي وأمر وأن تكون مصدرية (أي) ألم أعْهَدْ إليكم في عدم عبادة الشيطان وفي عبادتي. فصل في معنى هذا العهد وجوه: أقواها ألم أوصِ إليكم، واختلفوا في هذا العهد فقيل: هو العهد الذي كان مع آدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلىءَادَمَ﴾ [طه: 115] وقيل: هو الذي كان مع ذرية آدم حين أخرجهم وقال: ألَسْتُ بربِّكُمْ قَالُوا بَلَى، وقيل: مع كل قوم على لسان رسولهم. وهو الأظهر، وقوله ﴿لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان﴾ أي لا تطيعوا الشيطان والطاعة قد تطلق على العبادة ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي ظاهر العداوة ووجه عادوته أنه لما أكرم الله آدم - عليه (الصلاة و) السلام - عاداه إبليس. فإن قيل: إذا كان الشيطان عدواً للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزِّنا والشّرب ويكره ما يسخطُه من المجاهدة والعبادة؟ فالجواب: استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله فيستعين بشهوته التي خلقها الله فيه لمصلاح بقائه وبقاء نوعه ويعلها سبباً لفساد حاله ويدعوه بها إلى مالك المهالك وكذلك يستعين بغضبه الذي خلقه الله فيه لدفع المفاسد عنه ويجعلها سبباً لوباله وفساد أحواله وميل الإنسان إلى المعاصي كميْل المريض إلى (المصادر) ، وذلك حيث ينحرف المِزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد من مرضه ومن معدته فاسدة لا يهضم القليل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه. قوله: ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ أطيعوني ووحِّدوني ﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ما منع من عبادة الشيطان بقوله ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ أي خَلْقاً كثيراً. قوله: «جبلاًّ» قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو عمرو وابن عامر بضمة وسكون والباقون بضمتين واللام مخففة في كِلْتَيْهِمَا وابنُ أبي إسْحَاقَ والزّهريّ وابنُ هُرْمُز بضمتين وتشديد اللام والأعمش بكسرتين وتخفيف اللام والأشهب العُقَيْلي واليمانيّ وحماد بن سلمة بكسرة وسكون وهذه لغات في هذه اللفظة وتقدم معناها آخر الشعراء وقرئ جِبَلاً بكسر الجيم وفتح الباء جمع جِبْلَةٍ، كفِطَرٍ جمع فِطرَة وقرأ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب بالياء من أسفل (ثنتان) وهي واضحة. قال ابن الخطيب: الجيم والباء لا تخلو عن معنى الاجتماع (و) الجبل فيه اجتماع الأجسام الكثيرة وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب، وشاة لجباء إذا كانت مجتمعةَ اللبن الكثير، ولا يقال: البلجة نقض على ما ذكرتم فإنها تنبيئ عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنَّا نقول: هي لاجتماع الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات فإن البلجة بمعنى. والبَلَدُ سمي بَلَداً للاجتماع، لا لتفرق الجمع (العظيم) حتى قيل: ن دون العشر آلاف لا يكون بلداً وإن لم يكن صحيحاً قوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ﴾ قرأ العامة بالخطاب لبني آدم. وطلحةُ وعيسى بياء الغيبة والضمير للجبل، ومن حقهما أن يقرءا: التي كانوا يوعدون لولا أن يَعْتَذِرُوا بالالْتِفَاتِ. فصل في كيفية هذا الإضلال وجهان: الأول: تولّية عن المقصد وخديعته فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو تولية فإن لم يقدر يحيد بأمر غير ذلك من رياسة وجاه وغيرهما وهو يفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية. ثم قال: «أفلم تكونوا تعقلون» ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس. ويقال لهم لما دَنَوْا من النار: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا «اصْلَوْهَا الْيَوْم» أي ادخلوها اليوم «بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿اصلوها اليوم﴾ أمر تنكيل وإهانة كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: 49] . الثاني: قوله: «اليوم» يعني العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وبقي اليوم العذاب. الثالث: قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فَإن الكفر والكفاران ينبئ عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشدّ الآلام كما قيل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ لِذَي همَّة حَيَاء المُسِيءِ مِنَ الْمُحْسِنِ. قوله: ﴿اليوم نَخْتِمُ﴾ اليوم ظرف لما بعده وفرئ يُخْتِمُ مبنياً للمفعول. والجار بعده قائم مَقَام فاعله وقرئ: «وَتتكَلَّم» بتاءين من فوق. وقرئ ولتَتَكَلَّمْ ولتشهدْ بلام الأمر. وقرأ طلحة ولِتُكَلِّمَنَا ولتَشْهَدَ بلام كي ناصبة للفعل ومتعلقها محذوف أي للتكلم وللشهادة خَتَمْنَا «وبِمَا كَانُوا» أي بالذي كانوا أو بكونهم كاسبين. فصل في الترتيب وجهان: الأول: أنهم حين يسمعون قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُونَ﴾ يريدون ينكرون كفرهم كا قال عنه: «مَا أَشْرَكْنَا» «وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ» فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار ويُنْطِقُ الله جوارحهم غير لسانهم فيعترفون بذنوبهم. الثاني: لما أن قال الله تعالى لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا تكلمت أعضاؤهم غير اللسان. وفي الختم على الأفواه وجوه أقواها: أن اللهتعالى يسكت ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهدون عليهم وأه في قدرة الله يسير (و) أما الإسكانُ فلا خفاء فيه وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة كما جاز تحرك غيره بمثلها والله قادر على كل الممكنات. والوجه الآخر: أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرُّؤُوس لا يجدون عُذْراً فيَعْتَذِرُونَ ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهرو الأمور بحيث لا يمع مع الإنكار كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن والصحيح الأول لما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً قال: فيمختم على فيه، فيقلا لأركانه انطقي قال: فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أول ما يسأل من أحدكم فخذه ولفه» . فإن قيل: ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال «نختم» وأسند الكلام والشهادة إلى الأرجل والأيدي؟ فالجواب: أنه لو قال: نختم على أفواههم وتنطق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبراً منه وقهراً والإقرار والإجبار غير مقبول فقال: تكلمنا أيديهم وتشده أرجلهم أي باختيارها يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم. فإن قيل: ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي وجعل الشهادة للأرجل؟ فالجواب: لأن الأفعال تنسد إلى الأيدي قال تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: 35] أيما عملوه وقال ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: 195] أي لا تلقوا بأنفسكم، فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل نبيغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهم. فإن قيل: إن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو غير مقبولة وإن كان عدلاً وغير الصدِّيقين من لكفار والفساق لا تقبل شهادتهم والأيدي والأرجل صدرت الذنوب (منها) فهي فاسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها. فالجواب: أن الأيْدي والأرجلَ ليسوا من أهل التكليف ولا ينسب إلهيا عدالة ولا فسقٌ، إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقالك إن العين تزني إن الفَرْج يزني وأيضاً فإنا نقلو: في در شهادتها (قبول شهادتها) لأنها إن كَذَبَتْ في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لا بدّ أن يكون مذنباً في الدينا وإن صَدَقَتْ في مثل ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا وهذا كن قال لِفَاسِق: «إن كذبت في نهار هذا اليوم فعَبْدي حُرٌّ» فقال الفاسق: كَذَبْتُ في نهار هذا اليوم عُتِقَ العَبْدُ؛ لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار ذلك اليوم فوجد االشرط أيضاً بخلاف ما لو قال في لايوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي علقت عتْق عبدك على كذا فيه. قوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شِقٌّ وهو معنى الطَّمْس، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 20] يقول: إذا أعمينا قلوبهم لو شئنا أغمينا أبصارهم الظاهرة. قوله: ﴿فاستبقوا﴾ عطف على «لَطَمَسْنَا» وهذا على سبيل الفَرْض والتقدير وقرأ عيسى فَاسْتَبِقُوا أمراً وهو على إضمار القول أي فيُقَالُ لَهُمْ اسْتَبقُوا والصِّراط ظرف مكان مختص عند الجمهور فلذلك تأولوا وصول الفعل إليه إما بأنه مفعول (به) مجازاً جعله مستبقاً لا مُسْتَبَقاً إليه ويضمن استبقوا معنى بادروا وإما على حذف الجار أي إلى الصراط وقال الزمخشري: منصوب على الظرف وهو ماش على قول ابن الطرواوة فإن الصراطَ والطريق ونحوهما ليست عنده مختصة إلا أن سيبويه على أن قوله: 4184 - لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ضرورة لنصبه الطريق. وقرأ أبو بكر مَكَانَاتِهِمْ جمعاً، وتقدم في الأنعام. والعامة على «مُضِيًّا» بضم الميم وهو مصدر على فُعُولٍ أصله مُضُويٌ فأدغم وكُسِرَ ما قبل الياء ليصبح نحو «لُقِيًّا» وقرأ أبو حيوة ورُويَتْ عن الكِسائيِّ مِضِيًّا (أي) بكسر الميم إتباعاً لحركة العين نحو ﴿عِتِيّاً﴾ و ﴿صِلِيّاً﴾ [مريم: 69 - 70] وقرئ بفتحها وهو من المصارد التي وردت على فعِيلٍ كالرِّسيم والزَّمِيلِ. فصل المعنى كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة فاستبقوا الصراط فتبادروا إلى الطريق «فَأَنَّى يُبْصِرُونَ» كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم يعني لو نشاء لأضللناهم عن الهُدَى وتركناهم عُمْياً يترددون فكيف يبصرون الطريق حنيئذ؟ هذا قول الحسن، وقتادة، والسدي. وقال ابن عباس ومقاتل وعطاء وقتادة: معناه لو نشاء لَفَقَأنَا أعين ضلالتهم فأعميناهم من غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى بصرون ولم أفعل لك بهم «ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم» أي مكانهم أي لو نشاء جعلناهم قِرَدَةً وخنازيرَ في منازلهم لا أزواد لهم «فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ» إلى ما كانوا عليه وقيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رُجُوع. قوله: ﴿وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق﴾ قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة من نَكَّسَهُ مبالغة والباقون بفتح الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف خفيفة من نَكَسَهُ. وهي محتملة للمبالغة وعدمها وقَدْ تقدم في الأنعام أن نافعاً وابْنَ ذكوان قرءا «تعقلون» زالباقون بالغَيْبَة. فصل معنى ننكسه نَرُدُّ إلى أرْذَلِ العمر شبْهَ الصَّبِيِّ في ألو الخلق، وقلي: ننكسه في الخلق أي ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بد زيادتها «أفلا يعقلون» فيعتبرون ويعلمون أن الذي قَدرَ على تَصْريف أحوال الإنسان يقدر على البعث بعد الموت.

يس 36:65

قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ العامة على فتح الهمزة على الأصل في حرف المضارعة، وطلحة والهُذَيْل بن شرحيبي الكوفي بكسرها وتقدم أن ذلك لغة في حروف المضارعة بشروط ذُكِرَتْ في الفاتحة، وقرأ ابن وثاب «أَحَّدْ» بحَاءٍ مشدَّدة قال الزمخشري: وهي لغة تميم ومنه: «دَحَّا مَحَّا» أي دَعْهَا مَعَهَا فقلبت الهاء حاء ثم العين حَاءً حين أريدَ الإدغام، والأحسن أن يقال: إن العين أبدلت حاء وهي لغة هذيل فلما أدغم قلب الثاني للأول وهو عكس باب الإدغام. وقد مضى تحقيقه آخر آل عمران، وقال ابن خالويه وابن وثاب والهذيل: «ألم اعْهَدْ» بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي على لغة من كسر أول المضارع سوى الياء وروي عن ابن وثاب «أَعْهِدْ» بكسر الهاء يقال: عَهِدَ وَعَهَدَ، انتهى يعني بكسر الميم والهمزة أن الأصل في هذه القراءة أن يكون كسر حرف المضارعة ثم نقل حركته إلى الميم فكسرت لا أن الكسر موجود في الميم وفي الهمزة لفظاً إذ يلزم من ذلك قطع همزة الوصل وتحريك الميم من غير سبب، وأما كسر الهاء فلما ذكر من أنه سمع في الماضي «عَهَدَ» فتحها قوله: «سوى الياء» - وكذا قال الزمخشري - هو المشهور، وقد نقل عن بَعْضِ كَلْبٍ أنهم يكسرون الياء فيقولون: يعْلَمُ وقال الزمخشري فيه: وقد جوز الزجاج أن يكون من باب: نَعِمَ يَنْعَمُ وضَرَبَ يَضْرِبُ يعني أن تخريجه على أحد وجهين إما بالشذوذ فيما اتّحد فيه فَعِلَ يَفْعِلُ بالكسر فيهما كَنِعَم يَنْعِمُ وحَسِبَ يَحْسبُ، ويَئِسَ يَيْئسُ. وهي ألفاظ معدودة في البقرة وإما (أنه) سمع في ماضيه الفتح كضرب كما حكاه ابن خالويه وحكى الزمخشري أنه قرئ «أَحْهَدْ» بإبدَال العين حاء. وقد تقدم أنها لغة هذيل. وهذه تقوي أن أصل أحد أحهد فأدغم كما تقدم. قوله: ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ﴾ و ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ يجوز في «أن» أن تكون مفسرة فسرت العهد بنهي وأمر وأن تكون مصدرية (أي) ألم أعْهَدْ إليكم في عدم عبادة الشيطان وفي عبادتي. فصل في معنى هذا العهد وجوه: أقواها ألم أوصِ إليكم، واختلفوا في هذا العهد فقيل: هو العهد الذي كان مع آدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلىءَادَمَ﴾ [طه: 115] وقيل: هو الذي كان مع ذرية آدم حين أخرجهم وقال: ألَسْتُ بربِّكُمْ قَالُوا بَلَى، وقيل: مع كل قوم على لسان رسولهم. وهو الأظهر، وقوله ﴿لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان﴾ أي لا تطيعوا الشيطان والطاعة قد تطلق على العبادة ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي ظاهر العداوة ووجه عادوته أنه لما أكرم الله آدم - عليه (الصلاة و) السلام - عاداه إبليس. فإن قيل: إذا كان الشيطان عدواً للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزِّنا والشّرب ويكره ما يسخطُه من المجاهدة والعبادة؟ فالجواب: استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله فيستعين بشهوته التي خلقها الله فيه لمصلاح بقائه وبقاء نوعه ويعلها سبباً لفساد حاله ويدعوه بها إلى مالك المهالك وكذلك يستعين بغضبه الذي خلقه الله فيه لدفع المفاسد عنه ويجعلها سبباً لوباله وفساد أحواله وميل الإنسان إلى المعاصي كميْل المريض إلى (المصادر) ، وذلك حيث ينحرف المِزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد من مرضه ومن معدته فاسدة لا يهضم القليل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه. قوله: ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ أطيعوني ووحِّدوني ﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ما منع من عبادة الشيطان بقوله ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ أي خَلْقاً كثيراً. قوله: «جبلاًّ» قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو عمرو وابن عامر بضمة وسكون والباقون بضمتين واللام مخففة في كِلْتَيْهِمَا وابنُ أبي إسْحَاقَ والزّهريّ وابنُ هُرْمُز بضمتين وتشديد اللام والأعمش بكسرتين وتخفيف اللام والأشهب العُقَيْلي واليمانيّ وحماد بن سلمة بكسرة وسكون وهذه لغات في هذه اللفظة وتقدم معناها آخر الشعراء وقرئ جِبَلاً بكسر الجيم وفتح الباء جمع جِبْلَةٍ، كفِطَرٍ جمع فِطرَة وقرأ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب بالياء من أسفل (ثنتان) وهي واضحة. قال ابن الخطيب: الجيم والباء لا تخلو عن معنى الاجتماع (و) الجبل فيه اجتماع الأجسام الكثيرة وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب، وشاة لجباء إذا كانت مجتمعةَ اللبن الكثير، ولا يقال: البلجة نقض على ما ذكرتم فإنها تنبيئ عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنَّا نقول: هي لاجتماع الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات فإن البلجة بمعنى. والبَلَدُ سمي بَلَداً للاجتماع، لا لتفرق الجمع (العظيم) حتى قيل: ن دون العشر آلاف لا يكون بلداً وإن لم يكن صحيحاً قوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ﴾ قرأ العامة بالخطاب لبني آدم. وطلحةُ وعيسى بياء الغيبة والضمير للجبل، ومن حقهما أن يقرءا: التي كانوا يوعدون لولا أن يَعْتَذِرُوا بالالْتِفَاتِ. فصل في كيفية هذا الإضلال وجهان: الأول: تولّية عن المقصد وخديعته فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو تولية فإن لم يقدر يحيد بأمر غير ذلك من رياسة وجاه وغيرهما وهو يفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية. ثم قال: «أفلم تكونوا تعقلون» ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس. ويقال لهم لما دَنَوْا من النار: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا «اصْلَوْهَا الْيَوْم» أي ادخلوها اليوم «بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿اصلوها اليوم﴾ أمر تنكيل وإهانة كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: 49] . الثاني: قوله: «اليوم» يعني العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وبقي اليوم العذاب. الثالث: قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فَإن الكفر والكفاران ينبئ عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشدّ الآلام كما قيل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ لِذَي همَّة حَيَاء المُسِيءِ مِنَ الْمُحْسِنِ. قوله: ﴿اليوم نَخْتِمُ﴾ اليوم ظرف لما بعده وفرئ يُخْتِمُ مبنياً للمفعول. والجار بعده قائم مَقَام فاعله وقرئ: «وَتتكَلَّم» بتاءين من فوق. وقرئ ولتَتَكَلَّمْ ولتشهدْ بلام الأمر. وقرأ طلحة ولِتُكَلِّمَنَا ولتَشْهَدَ بلام كي ناصبة للفعل ومتعلقها محذوف أي للتكلم وللشهادة خَتَمْنَا «وبِمَا كَانُوا» أي بالذي كانوا أو بكونهم كاسبين. فصل في الترتيب وجهان: الأول: أنهم حين يسمعون قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُونَ﴾ يريدون ينكرون كفرهم كا قال عنه: «مَا أَشْرَكْنَا» «وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ» فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار ويُنْطِقُ الله جوارحهم غير لسانهم فيعترفون بذنوبهم. الثاني: لما أن قال الله تعالى لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا تكلمت أعضاؤهم غير اللسان. وفي الختم على الأفواه وجوه أقواها: أن اللهتعالى يسكت ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهدون عليهم وأه في قدرة الله يسير (و) أما الإسكانُ فلا خفاء فيه وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة كما جاز تحرك غيره بمثلها والله قادر على كل الممكنات. والوجه الآخر: أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرُّؤُوس لا يجدون عُذْراً فيَعْتَذِرُونَ ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهرو الأمور بحيث لا يمع مع الإنكار كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن والصحيح الأول لما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً قال: فيمختم على فيه، فيقلا لأركانه انطقي قال: فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أول ما يسأل من أحدكم فخذه ولفه» . فإن قيل: ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال «نختم» وأسند الكلام والشهادة إلى الأرجل والأيدي؟ فالجواب: أنه لو قال: نختم على أفواههم وتنطق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبراً منه وقهراً والإقرار والإجبار غير مقبول فقال: تكلمنا أيديهم وتشده أرجلهم أي باختيارها يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم. فإن قيل: ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي وجعل الشهادة للأرجل؟ فالجواب: لأن الأفعال تنسد إلى الأيدي قال تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: 35] أيما عملوه وقال ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: 195] أي لا تلقوا بأنفسكم، فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل نبيغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهم. فإن قيل: إن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو غير مقبولة وإن كان عدلاً وغير الصدِّيقين من لكفار والفساق لا تقبل شهادتهم والأيدي والأرجل صدرت الذنوب (منها) فهي فاسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها. فالجواب: أن الأيْدي والأرجلَ ليسوا من أهل التكليف ولا ينسب إلهيا عدالة ولا فسقٌ، إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقالك إن العين تزني إن الفَرْج يزني وأيضاً فإنا نقلو: في در شهادتها (قبول شهادتها) لأنها إن كَذَبَتْ في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لا بدّ أن يكون مذنباً في الدينا وإن صَدَقَتْ في مثل ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا وهذا كن قال لِفَاسِق: «إن كذبت في نهار هذا اليوم فعَبْدي حُرٌّ» فقال الفاسق: كَذَبْتُ في نهار هذا اليوم عُتِقَ العَبْدُ؛ لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار ذلك اليوم فوجد االشرط أيضاً بخلاف ما لو قال في لايوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي علقت عتْق عبدك على كذا فيه. قوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شِقٌّ وهو معنى الطَّمْس، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 20] يقول: إذا أعمينا قلوبهم لو شئنا أغمينا أبصارهم الظاهرة. قوله: ﴿فاستبقوا﴾ عطف على «لَطَمَسْنَا» وهذا على سبيل الفَرْض والتقدير وقرأ عيسى فَاسْتَبِقُوا أمراً وهو على إضمار القول أي فيُقَالُ لَهُمْ اسْتَبقُوا والصِّراط ظرف مكان مختص عند الجمهور فلذلك تأولوا وصول الفعل إليه إما بأنه مفعول (به) مجازاً جعله مستبقاً لا مُسْتَبَقاً إليه ويضمن استبقوا معنى بادروا وإما على حذف الجار أي إلى الصراط وقال الزمخشري: منصوب على الظرف وهو ماش على قول ابن الطرواوة فإن الصراطَ والطريق ونحوهما ليست عنده مختصة إلا أن سيبويه على أن قوله: 4184 - لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ضرورة لنصبه الطريق. وقرأ أبو بكر مَكَانَاتِهِمْ جمعاً، وتقدم في الأنعام. والعامة على «مُضِيًّا» بضم الميم وهو مصدر على فُعُولٍ أصله مُضُويٌ فأدغم وكُسِرَ ما قبل الياء ليصبح نحو «لُقِيًّا» وقرأ أبو حيوة ورُويَتْ عن الكِسائيِّ مِضِيًّا (أي) بكسر الميم إتباعاً لحركة العين نحو ﴿عِتِيّاً﴾ و ﴿صِلِيّاً﴾ [مريم: 69 - 70] وقرئ بفتحها وهو من المصارد التي وردت على فعِيلٍ كالرِّسيم والزَّمِيلِ. فصل المعنى كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة فاستبقوا الصراط فتبادروا إلى الطريق «فَأَنَّى يُبْصِرُونَ» كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم يعني لو نشاء لأضللناهم عن الهُدَى وتركناهم عُمْياً يترددون فكيف يبصرون الطريق حنيئذ؟ هذا قول الحسن، وقتادة، والسدي. وقال ابن عباس ومقاتل وعطاء وقتادة: معناه لو نشاء لَفَقَأنَا أعين ضلالتهم فأعميناهم من غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى بصرون ولم أفعل لك بهم «ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم» أي مكانهم أي لو نشاء جعلناهم قِرَدَةً وخنازيرَ في منازلهم لا أزواد لهم «فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ» إلى ما كانوا عليه وقيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رُجُوع. قوله: ﴿وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق﴾ قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة من نَكَّسَهُ مبالغة والباقون بفتح الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف خفيفة من نَكَسَهُ. وهي محتملة للمبالغة وعدمها وقَدْ تقدم في الأنعام أن نافعاً وابْنَ ذكوان قرءا «تعقلون» زالباقون بالغَيْبَة. فصل معنى ننكسه نَرُدُّ إلى أرْذَلِ العمر شبْهَ الصَّبِيِّ في ألو الخلق، وقلي: ننكسه في الخلق أي ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بد زيادتها «أفلا يعقلون» فيعتبرون ويعلمون أن الذي قَدرَ على تَصْريف أحوال الإنسان يقدر على البعث بعد الموت.

يس 36:66

قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ العامة على فتح الهمزة على الأصل في حرف المضارعة، وطلحة والهُذَيْل بن شرحيبي الكوفي بكسرها وتقدم أن ذلك لغة في حروف المضارعة بشروط ذُكِرَتْ في الفاتحة، وقرأ ابن وثاب «أَحَّدْ» بحَاءٍ مشدَّدة قال الزمخشري: وهي لغة تميم ومنه: «دَحَّا مَحَّا» أي دَعْهَا مَعَهَا فقلبت الهاء حاء ثم العين حَاءً حين أريدَ الإدغام، والأحسن أن يقال: إن العين أبدلت حاء وهي لغة هذيل فلما أدغم قلب الثاني للأول وهو عكس باب الإدغام. وقد مضى تحقيقه آخر آل عمران، وقال ابن خالويه وابن وثاب والهذيل: «ألم اعْهَدْ» بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي على لغة من كسر أول المضارع سوى الياء وروي عن ابن وثاب «أَعْهِدْ» بكسر الهاء يقال: عَهِدَ وَعَهَدَ، انتهى يعني بكسر الميم والهمزة أن الأصل في هذه القراءة أن يكون كسر حرف المضارعة ثم نقل حركته إلى الميم فكسرت لا أن الكسر موجود في الميم وفي الهمزة لفظاً إذ يلزم من ذلك قطع همزة الوصل وتحريك الميم من غير سبب، وأما كسر الهاء فلما ذكر من أنه سمع في الماضي «عَهَدَ» فتحها قوله: «سوى الياء» - وكذا قال الزمخشري - هو المشهور، وقد نقل عن بَعْضِ كَلْبٍ أنهم يكسرون الياء فيقولون: يعْلَمُ وقال الزمخشري فيه: وقد جوز الزجاج أن يكون من باب: نَعِمَ يَنْعَمُ وضَرَبَ يَضْرِبُ يعني أن تخريجه على أحد وجهين إما بالشذوذ فيما اتّحد فيه فَعِلَ يَفْعِلُ بالكسر فيهما كَنِعَم يَنْعِمُ وحَسِبَ يَحْسبُ، ويَئِسَ يَيْئسُ. وهي ألفاظ معدودة في البقرة وإما (أنه) سمع في ماضيه الفتح كضرب كما حكاه ابن خالويه وحكى الزمخشري أنه قرئ «أَحْهَدْ» بإبدَال العين حاء. وقد تقدم أنها لغة هذيل. وهذه تقوي أن أصل أحد أحهد فأدغم كما تقدم. قوله: ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ﴾ و ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ يجوز في «أن» أن تكون مفسرة فسرت العهد بنهي وأمر وأن تكون مصدرية (أي) ألم أعْهَدْ إليكم في عدم عبادة الشيطان وفي عبادتي. فصل في معنى هذا العهد وجوه: أقواها ألم أوصِ إليكم، واختلفوا في هذا العهد فقيل: هو العهد الذي كان مع آدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلىءَادَمَ﴾ [طه: 115] وقيل: هو الذي كان مع ذرية آدم حين أخرجهم وقال: ألَسْتُ بربِّكُمْ قَالُوا بَلَى، وقيل: مع كل قوم على لسان رسولهم. وهو الأظهر، وقوله ﴿لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان﴾ أي لا تطيعوا الشيطان والطاعة قد تطلق على العبادة ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي ظاهر العداوة ووجه عادوته أنه لما أكرم الله آدم - عليه (الصلاة و) السلام - عاداه إبليس. فإن قيل: إذا كان الشيطان عدواً للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزِّنا والشّرب ويكره ما يسخطُه من المجاهدة والعبادة؟ فالجواب: استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله فيستعين بشهوته التي خلقها الله فيه لمصلاح بقائه وبقاء نوعه ويعلها سبباً لفساد حاله ويدعوه بها إلى مالك المهالك وكذلك يستعين بغضبه الذي خلقه الله فيه لدفع المفاسد عنه ويجعلها سبباً لوباله وفساد أحواله وميل الإنسان إلى المعاصي كميْل المريض إلى (المصادر) ، وذلك حيث ينحرف المِزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد من مرضه ومن معدته فاسدة لا يهضم القليل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه. قوله: ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ أطيعوني ووحِّدوني ﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ما منع من عبادة الشيطان بقوله ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ أي خَلْقاً كثيراً. قوله: «جبلاًّ» قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو عمرو وابن عامر بضمة وسكون والباقون بضمتين واللام مخففة في كِلْتَيْهِمَا وابنُ أبي إسْحَاقَ والزّهريّ وابنُ هُرْمُز بضمتين وتشديد اللام والأعمش بكسرتين وتخفيف اللام والأشهب العُقَيْلي واليمانيّ وحماد بن سلمة بكسرة وسكون وهذه لغات في هذه اللفظة وتقدم معناها آخر الشعراء وقرئ جِبَلاً بكسر الجيم وفتح الباء جمع جِبْلَةٍ، كفِطَرٍ جمع فِطرَة وقرأ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب بالياء من أسفل (ثنتان) وهي واضحة. قال ابن الخطيب: الجيم والباء لا تخلو عن معنى الاجتماع (و) الجبل فيه اجتماع الأجسام الكثيرة وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب، وشاة لجباء إذا كانت مجتمعةَ اللبن الكثير، ولا يقال: البلجة نقض على ما ذكرتم فإنها تنبيئ عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنَّا نقول: هي لاجتماع الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات فإن البلجة بمعنى. والبَلَدُ سمي بَلَداً للاجتماع، لا لتفرق الجمع (العظيم) حتى قيل: ن دون العشر آلاف لا يكون بلداً وإن لم يكن صحيحاً قوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ﴾ قرأ العامة بالخطاب لبني آدم. وطلحةُ وعيسى بياء الغيبة والضمير للجبل، ومن حقهما أن يقرءا: التي كانوا يوعدون لولا أن يَعْتَذِرُوا بالالْتِفَاتِ. فصل في كيفية هذا الإضلال وجهان: الأول: تولّية عن المقصد وخديعته فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو تولية فإن لم يقدر يحيد بأمر غير ذلك من رياسة وجاه وغيرهما وهو يفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية. ثم قال: «أفلم تكونوا تعقلون» ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس. ويقال لهم لما دَنَوْا من النار: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا «اصْلَوْهَا الْيَوْم» أي ادخلوها اليوم «بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿اصلوها اليوم﴾ أمر تنكيل وإهانة كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: 49] . الثاني: قوله: «اليوم» يعني العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وبقي اليوم العذاب. الثالث: قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فَإن الكفر والكفاران ينبئ عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشدّ الآلام كما قيل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ لِذَي همَّة حَيَاء المُسِيءِ مِنَ الْمُحْسِنِ. قوله: ﴿اليوم نَخْتِمُ﴾ اليوم ظرف لما بعده وفرئ يُخْتِمُ مبنياً للمفعول. والجار بعده قائم مَقَام فاعله وقرئ: «وَتتكَلَّم» بتاءين من فوق. وقرئ ولتَتَكَلَّمْ ولتشهدْ بلام الأمر. وقرأ طلحة ولِتُكَلِّمَنَا ولتَشْهَدَ بلام كي ناصبة للفعل ومتعلقها محذوف أي للتكلم وللشهادة خَتَمْنَا «وبِمَا كَانُوا» أي بالذي كانوا أو بكونهم كاسبين. فصل في الترتيب وجهان: الأول: أنهم حين يسمعون قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُونَ﴾ يريدون ينكرون كفرهم كا قال عنه: «مَا أَشْرَكْنَا» «وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ» فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار ويُنْطِقُ الله جوارحهم غير لسانهم فيعترفون بذنوبهم. الثاني: لما أن قال الله تعالى لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا تكلمت أعضاؤهم غير اللسان. وفي الختم على الأفواه وجوه أقواها: أن اللهتعالى يسكت ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهدون عليهم وأه في قدرة الله يسير (و) أما الإسكانُ فلا خفاء فيه وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة كما جاز تحرك غيره بمثلها والله قادر على كل الممكنات. والوجه الآخر: أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرُّؤُوس لا يجدون عُذْراً فيَعْتَذِرُونَ ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهرو الأمور بحيث لا يمع مع الإنكار كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن والصحيح الأول لما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً قال: فيمختم على فيه، فيقلا لأركانه انطقي قال: فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أول ما يسأل من أحدكم فخذه ولفه» . فإن قيل: ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال «نختم» وأسند الكلام والشهادة إلى الأرجل والأيدي؟ فالجواب: أنه لو قال: نختم على أفواههم وتنطق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبراً منه وقهراً والإقرار والإجبار غير مقبول فقال: تكلمنا أيديهم وتشده أرجلهم أي باختيارها يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم. فإن قيل: ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي وجعل الشهادة للأرجل؟ فالجواب: لأن الأفعال تنسد إلى الأيدي قال تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: 35] أيما عملوه وقال ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: 195] أي لا تلقوا بأنفسكم، فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل نبيغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهم. فإن قيل: إن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو غير مقبولة وإن كان عدلاً وغير الصدِّيقين من لكفار والفساق لا تقبل شهادتهم والأيدي والأرجل صدرت الذنوب (منها) فهي فاسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها. فالجواب: أن الأيْدي والأرجلَ ليسوا من أهل التكليف ولا ينسب إلهيا عدالة ولا فسقٌ، إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقالك إن العين تزني إن الفَرْج يزني وأيضاً فإنا نقلو: في در شهادتها (قبول شهادتها) لأنها إن كَذَبَتْ في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لا بدّ أن يكون مذنباً في الدينا وإن صَدَقَتْ في مثل ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا وهذا كن قال لِفَاسِق: «إن كذبت في نهار هذا اليوم فعَبْدي حُرٌّ» فقال الفاسق: كَذَبْتُ في نهار هذا اليوم عُتِقَ العَبْدُ؛ لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار ذلك اليوم فوجد االشرط أيضاً بخلاف ما لو قال في لايوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي علقت عتْق عبدك على كذا فيه. قوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شِقٌّ وهو معنى الطَّمْس، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 20] يقول: إذا أعمينا قلوبهم لو شئنا أغمينا أبصارهم الظاهرة. قوله: ﴿فاستبقوا﴾ عطف على «لَطَمَسْنَا» وهذا على سبيل الفَرْض والتقدير وقرأ عيسى فَاسْتَبِقُوا أمراً وهو على إضمار القول أي فيُقَالُ لَهُمْ اسْتَبقُوا والصِّراط ظرف مكان مختص عند الجمهور فلذلك تأولوا وصول الفعل إليه إما بأنه مفعول (به) مجازاً جعله مستبقاً لا مُسْتَبَقاً إليه ويضمن استبقوا معنى بادروا وإما على حذف الجار أي إلى الصراط وقال الزمخشري: منصوب على الظرف وهو ماش على قول ابن الطرواوة فإن الصراطَ والطريق ونحوهما ليست عنده مختصة إلا أن سيبويه على أن قوله: 4184 - لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ضرورة لنصبه الطريق. وقرأ أبو بكر مَكَانَاتِهِمْ جمعاً، وتقدم في الأنعام. والعامة على «مُضِيًّا» بضم الميم وهو مصدر على فُعُولٍ أصله مُضُويٌ فأدغم وكُسِرَ ما قبل الياء ليصبح نحو «لُقِيًّا» وقرأ أبو حيوة ورُويَتْ عن الكِسائيِّ مِضِيًّا (أي) بكسر الميم إتباعاً لحركة العين نحو ﴿عِتِيّاً﴾ و ﴿صِلِيّاً﴾ [مريم: 69 - 70] وقرئ بفتحها وهو من المصارد التي وردت على فعِيلٍ كالرِّسيم والزَّمِيلِ. فصل المعنى كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة فاستبقوا الصراط فتبادروا إلى الطريق «فَأَنَّى يُبْصِرُونَ» كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم يعني لو نشاء لأضللناهم عن الهُدَى وتركناهم عُمْياً يترددون فكيف يبصرون الطريق حنيئذ؟ هذا قول الحسن، وقتادة، والسدي. وقال ابن عباس ومقاتل وعطاء وقتادة: معناه لو نشاء لَفَقَأنَا أعين ضلالتهم فأعميناهم من غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى بصرون ولم أفعل لك بهم «ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم» أي مكانهم أي لو نشاء جعلناهم قِرَدَةً وخنازيرَ في منازلهم لا أزواد لهم «فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ» إلى ما كانوا عليه وقيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رُجُوع. قوله: ﴿وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق﴾ قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة من نَكَّسَهُ مبالغة والباقون بفتح الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف خفيفة من نَكَسَهُ. وهي محتملة للمبالغة وعدمها وقَدْ تقدم في الأنعام أن نافعاً وابْنَ ذكوان قرءا «تعقلون» زالباقون بالغَيْبَة. فصل معنى ننكسه نَرُدُّ إلى أرْذَلِ العمر شبْهَ الصَّبِيِّ في ألو الخلق، وقلي: ننكسه في الخلق أي ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بد زيادتها «أفلا يعقلون» فيعتبرون ويعلمون أن الذي قَدرَ على تَصْريف أحوال الإنسان يقدر على البعث بعد الموت.

يس 36:67

قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ العامة على فتح الهمزة على الأصل في حرف المضارعة، وطلحة والهُذَيْل بن شرحيبي الكوفي بكسرها وتقدم أن ذلك لغة في حروف المضارعة بشروط ذُكِرَتْ في الفاتحة، وقرأ ابن وثاب «أَحَّدْ» بحَاءٍ مشدَّدة قال الزمخشري: وهي لغة تميم ومنه: «دَحَّا مَحَّا» أي دَعْهَا مَعَهَا فقلبت الهاء حاء ثم العين حَاءً حين أريدَ الإدغام، والأحسن أن يقال: إن العين أبدلت حاء وهي لغة هذيل فلما أدغم قلب الثاني للأول وهو عكس باب الإدغام. وقد مضى تحقيقه آخر آل عمران، وقال ابن خالويه وابن وثاب والهذيل: «ألم اعْهَدْ» بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي على لغة من كسر أول المضارع سوى الياء وروي عن ابن وثاب «أَعْهِدْ» بكسر الهاء يقال: عَهِدَ وَعَهَدَ، انتهى يعني بكسر الميم والهمزة أن الأصل في هذه القراءة أن يكون كسر حرف المضارعة ثم نقل حركته إلى الميم فكسرت لا أن الكسر موجود في الميم وفي الهمزة لفظاً إذ يلزم من ذلك قطع همزة الوصل وتحريك الميم من غير سبب، وأما كسر الهاء فلما ذكر من أنه سمع في الماضي «عَهَدَ» فتحها قوله: «سوى الياء» - وكذا قال الزمخشري - هو المشهور، وقد نقل عن بَعْضِ كَلْبٍ أنهم يكسرون الياء فيقولون: يعْلَمُ وقال الزمخشري فيه: وقد جوز الزجاج أن يكون من باب: نَعِمَ يَنْعَمُ وضَرَبَ يَضْرِبُ يعني أن تخريجه على أحد وجهين إما بالشذوذ فيما اتّحد فيه فَعِلَ يَفْعِلُ بالكسر فيهما كَنِعَم يَنْعِمُ وحَسِبَ يَحْسبُ، ويَئِسَ يَيْئسُ. وهي ألفاظ معدودة في البقرة وإما (أنه) سمع في ماضيه الفتح كضرب كما حكاه ابن خالويه وحكى الزمخشري أنه قرئ «أَحْهَدْ» بإبدَال العين حاء. وقد تقدم أنها لغة هذيل. وهذه تقوي أن أصل أحد أحهد فأدغم كما تقدم. قوله: ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ﴾ و ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ يجوز في «أن» أن تكون مفسرة فسرت العهد بنهي وأمر وأن تكون مصدرية (أي) ألم أعْهَدْ إليكم في عدم عبادة الشيطان وفي عبادتي. فصل في معنى هذا العهد وجوه: أقواها ألم أوصِ إليكم، واختلفوا في هذا العهد فقيل: هو العهد الذي كان مع آدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلىءَادَمَ﴾ [طه: 115] وقيل: هو الذي كان مع ذرية آدم حين أخرجهم وقال: ألَسْتُ بربِّكُمْ قَالُوا بَلَى، وقيل: مع كل قوم على لسان رسولهم. وهو الأظهر، وقوله ﴿لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان﴾ أي لا تطيعوا الشيطان والطاعة قد تطلق على العبادة ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي ظاهر العداوة ووجه عادوته أنه لما أكرم الله آدم - عليه (الصلاة و) السلام - عاداه إبليس. فإن قيل: إذا كان الشيطان عدواً للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزِّنا والشّرب ويكره ما يسخطُه من المجاهدة والعبادة؟ فالجواب: استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله فيستعين بشهوته التي خلقها الله فيه لمصلاح بقائه وبقاء نوعه ويعلها سبباً لفساد حاله ويدعوه بها إلى مالك المهالك وكذلك يستعين بغضبه الذي خلقه الله فيه لدفع المفاسد عنه ويجعلها سبباً لوباله وفساد أحواله وميل الإنسان إلى المعاصي كميْل المريض إلى (المصادر) ، وذلك حيث ينحرف المِزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد من مرضه ومن معدته فاسدة لا يهضم القليل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه. قوله: ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ أطيعوني ووحِّدوني ﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ما منع من عبادة الشيطان بقوله ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ أي خَلْقاً كثيراً. قوله: «جبلاًّ» قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو عمرو وابن عامر بضمة وسكون والباقون بضمتين واللام مخففة في كِلْتَيْهِمَا وابنُ أبي إسْحَاقَ والزّهريّ وابنُ هُرْمُز بضمتين وتشديد اللام والأعمش بكسرتين وتخفيف اللام والأشهب العُقَيْلي واليمانيّ وحماد بن سلمة بكسرة وسكون وهذه لغات في هذه اللفظة وتقدم معناها آخر الشعراء وقرئ جِبَلاً بكسر الجيم وفتح الباء جمع جِبْلَةٍ، كفِطَرٍ جمع فِطرَة وقرأ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب بالياء من أسفل (ثنتان) وهي واضحة. قال ابن الخطيب: الجيم والباء لا تخلو عن معنى الاجتماع (و) الجبل فيه اجتماع الأجسام الكثيرة وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب، وشاة لجباء إذا كانت مجتمعةَ اللبن الكثير، ولا يقال: البلجة نقض على ما ذكرتم فإنها تنبيئ عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنَّا نقول: هي لاجتماع الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات فإن البلجة بمعنى. والبَلَدُ سمي بَلَداً للاجتماع، لا لتفرق الجمع (العظيم) حتى قيل: ن دون العشر آلاف لا يكون بلداً وإن لم يكن صحيحاً قوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ﴾ قرأ العامة بالخطاب لبني آدم. وطلحةُ وعيسى بياء الغيبة والضمير للجبل، ومن حقهما أن يقرءا: التي كانوا يوعدون لولا أن يَعْتَذِرُوا بالالْتِفَاتِ. فصل في كيفية هذا الإضلال وجهان: الأول: تولّية عن المقصد وخديعته فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو تولية فإن لم يقدر يحيد بأمر غير ذلك من رياسة وجاه وغيرهما وهو يفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية. ثم قال: «أفلم تكونوا تعقلون» ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس. ويقال لهم لما دَنَوْا من النار: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا «اصْلَوْهَا الْيَوْم» أي ادخلوها اليوم «بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿اصلوها اليوم﴾ أمر تنكيل وإهانة كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: 49] . الثاني: قوله: «اليوم» يعني العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وبقي اليوم العذاب. الثالث: قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فَإن الكفر والكفاران ينبئ عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشدّ الآلام كما قيل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ لِذَي همَّة حَيَاء المُسِيءِ مِنَ الْمُحْسِنِ. قوله: ﴿اليوم نَخْتِمُ﴾ اليوم ظرف لما بعده وفرئ يُخْتِمُ مبنياً للمفعول. والجار بعده قائم مَقَام فاعله وقرئ: «وَتتكَلَّم» بتاءين من فوق. وقرئ ولتَتَكَلَّمْ ولتشهدْ بلام الأمر. وقرأ طلحة ولِتُكَلِّمَنَا ولتَشْهَدَ بلام كي ناصبة للفعل ومتعلقها محذوف أي للتكلم وللشهادة خَتَمْنَا «وبِمَا كَانُوا» أي بالذي كانوا أو بكونهم كاسبين. فصل في الترتيب وجهان: الأول: أنهم حين يسمعون قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُونَ﴾ يريدون ينكرون كفرهم كا قال عنه: «مَا أَشْرَكْنَا» «وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ» فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار ويُنْطِقُ الله جوارحهم غير لسانهم فيعترفون بذنوبهم. الثاني: لما أن قال الله تعالى لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا تكلمت أعضاؤهم غير اللسان. وفي الختم على الأفواه وجوه أقواها: أن اللهتعالى يسكت ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهدون عليهم وأه في قدرة الله يسير (و) أما الإسكانُ فلا خفاء فيه وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة كما جاز تحرك غيره بمثلها والله قادر على كل الممكنات. والوجه الآخر: أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرُّؤُوس لا يجدون عُذْراً فيَعْتَذِرُونَ ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهرو الأمور بحيث لا يمع مع الإنكار كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن والصحيح الأول لما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً قال: فيمختم على فيه، فيقلا لأركانه انطقي قال: فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أول ما يسأل من أحدكم فخذه ولفه» . فإن قيل: ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال «نختم» وأسند الكلام والشهادة إلى الأرجل والأيدي؟ فالجواب: أنه لو قال: نختم على أفواههم وتنطق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبراً منه وقهراً والإقرار والإجبار غير مقبول فقال: تكلمنا أيديهم وتشده أرجلهم أي باختيارها يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم. فإن قيل: ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي وجعل الشهادة للأرجل؟ فالجواب: لأن الأفعال تنسد إلى الأيدي قال تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: 35] أيما عملوه وقال ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: 195] أي لا تلقوا بأنفسكم، فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل نبيغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهم. فإن قيل: إن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو غير مقبولة وإن كان عدلاً وغير الصدِّيقين من لكفار والفساق لا تقبل شهادتهم والأيدي والأرجل صدرت الذنوب (منها) فهي فاسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها. فالجواب: أن الأيْدي والأرجلَ ليسوا من أهل التكليف ولا ينسب إلهيا عدالة ولا فسقٌ، إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقالك إن العين تزني إن الفَرْج يزني وأيضاً فإنا نقلو: في در شهادتها (قبول شهادتها) لأنها إن كَذَبَتْ في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لا بدّ أن يكون مذنباً في الدينا وإن صَدَقَتْ في مثل ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا وهذا كن قال لِفَاسِق: «إن كذبت في نهار هذا اليوم فعَبْدي حُرٌّ» فقال الفاسق: كَذَبْتُ في نهار هذا اليوم عُتِقَ العَبْدُ؛ لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار ذلك اليوم فوجد االشرط أيضاً بخلاف ما لو قال في لايوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي علقت عتْق عبدك على كذا فيه. قوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شِقٌّ وهو معنى الطَّمْس، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 20] يقول: إذا أعمينا قلوبهم لو شئنا أغمينا أبصارهم الظاهرة. قوله: ﴿فاستبقوا﴾ عطف على «لَطَمَسْنَا» وهذا على سبيل الفَرْض والتقدير وقرأ عيسى فَاسْتَبِقُوا أمراً وهو على إضمار القول أي فيُقَالُ لَهُمْ اسْتَبقُوا والصِّراط ظرف مكان مختص عند الجمهور فلذلك تأولوا وصول الفعل إليه إما بأنه مفعول (به) مجازاً جعله مستبقاً لا مُسْتَبَقاً إليه ويضمن استبقوا معنى بادروا وإما على حذف الجار أي إلى الصراط وقال الزمخشري: منصوب على الظرف وهو ماش على قول ابن الطرواوة فإن الصراطَ والطريق ونحوهما ليست عنده مختصة إلا أن سيبويه على أن قوله: 4184 - لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ضرورة لنصبه الطريق. وقرأ أبو بكر مَكَانَاتِهِمْ جمعاً، وتقدم في الأنعام. والعامة على «مُضِيًّا» بضم الميم وهو مصدر على فُعُولٍ أصله مُضُويٌ فأدغم وكُسِرَ ما قبل الياء ليصبح نحو «لُقِيًّا» وقرأ أبو حيوة ورُويَتْ عن الكِسائيِّ مِضِيًّا (أي) بكسر الميم إتباعاً لحركة العين نحو ﴿عِتِيّاً﴾ و ﴿صِلِيّاً﴾ [مريم: 69 - 70] وقرئ بفتحها وهو من المصارد التي وردت على فعِيلٍ كالرِّسيم والزَّمِيلِ. فصل المعنى كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة فاستبقوا الصراط فتبادروا إلى الطريق «فَأَنَّى يُبْصِرُونَ» كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم يعني لو نشاء لأضللناهم عن الهُدَى وتركناهم عُمْياً يترددون فكيف يبصرون الطريق حنيئذ؟ هذا قول الحسن، وقتادة، والسدي. وقال ابن عباس ومقاتل وعطاء وقتادة: معناه لو نشاء لَفَقَأنَا أعين ضلالتهم فأعميناهم من غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى بصرون ولم أفعل لك بهم «ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم» أي مكانهم أي لو نشاء جعلناهم قِرَدَةً وخنازيرَ في منازلهم لا أزواد لهم «فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ» إلى ما كانوا عليه وقيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رُجُوع. قوله: ﴿وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق﴾ قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة من نَكَّسَهُ مبالغة والباقون بفتح الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف خفيفة من نَكَسَهُ. وهي محتملة للمبالغة وعدمها وقَدْ تقدم في الأنعام أن نافعاً وابْنَ ذكوان قرءا «تعقلون» زالباقون بالغَيْبَة. فصل معنى ننكسه نَرُدُّ إلى أرْذَلِ العمر شبْهَ الصَّبِيِّ في ألو الخلق، وقلي: ننكسه في الخلق أي ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بد زيادتها «أفلا يعقلون» فيعتبرون ويعلمون أن الذي قَدرَ على تَصْريف أحوال الإنسان يقدر على البعث بعد الموت.

يس 36:68

قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ العامة على فتح الهمزة على الأصل في حرف المضارعة، وطلحة والهُذَيْل بن شرحيبي الكوفي بكسرها وتقدم أن ذلك لغة في حروف المضارعة بشروط ذُكِرَتْ في الفاتحة، وقرأ ابن وثاب «أَحَّدْ» بحَاءٍ مشدَّدة قال الزمخشري: وهي لغة تميم ومنه: «دَحَّا مَحَّا» أي دَعْهَا مَعَهَا فقلبت الهاء حاء ثم العين حَاءً حين أريدَ الإدغام، والأحسن أن يقال: إن العين أبدلت حاء وهي لغة هذيل فلما أدغم قلب الثاني للأول وهو عكس باب الإدغام. وقد مضى تحقيقه آخر آل عمران، وقال ابن خالويه وابن وثاب والهذيل: «ألم اعْهَدْ» بكسر الميم والهمزة وفتح الهاء وهي على لغة من كسر أول المضارع سوى الياء وروي عن ابن وثاب «أَعْهِدْ» بكسر الهاء يقال: عَهِدَ وَعَهَدَ، انتهى يعني بكسر الميم والهمزة أن الأصل في هذه القراءة أن يكون كسر حرف المضارعة ثم نقل حركته إلى الميم فكسرت لا أن الكسر موجود في الميم وفي الهمزة لفظاً إذ يلزم من ذلك قطع همزة الوصل وتحريك الميم من غير سبب، وأما كسر الهاء فلما ذكر من أنه سمع في الماضي «عَهَدَ» فتحها قوله: «سوى الياء» - وكذا قال الزمخشري - هو المشهور، وقد نقل عن بَعْضِ كَلْبٍ أنهم يكسرون الياء فيقولون: يعْلَمُ وقال الزمخشري فيه: وقد جوز الزجاج أن يكون من باب: نَعِمَ يَنْعَمُ وضَرَبَ يَضْرِبُ يعني أن تخريجه على أحد وجهين إما بالشذوذ فيما اتّحد فيه فَعِلَ يَفْعِلُ بالكسر فيهما كَنِعَم يَنْعِمُ وحَسِبَ يَحْسبُ، ويَئِسَ يَيْئسُ. وهي ألفاظ معدودة في البقرة وإما (أنه) سمع في ماضيه الفتح كضرب كما حكاه ابن خالويه وحكى الزمخشري أنه قرئ «أَحْهَدْ» بإبدَال العين حاء. وقد تقدم أنها لغة هذيل. وهذه تقوي أن أصل أحد أحهد فأدغم كما تقدم. قوله: ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ﴾ و ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ يجوز في «أن» أن تكون مفسرة فسرت العهد بنهي وأمر وأن تكون مصدرية (أي) ألم أعْهَدْ إليكم في عدم عبادة الشيطان وفي عبادتي. فصل في معنى هذا العهد وجوه: أقواها ألم أوصِ إليكم، واختلفوا في هذا العهد فقيل: هو العهد الذي كان مع آدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إلىءَادَمَ﴾ [طه: 115] وقيل: هو الذي كان مع ذرية آدم حين أخرجهم وقال: ألَسْتُ بربِّكُمْ قَالُوا بَلَى، وقيل: مع كل قوم على لسان رسولهم. وهو الأظهر، وقوله ﴿لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان﴾ أي لا تطيعوا الشيطان والطاعة قد تطلق على العبادة ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي ظاهر العداوة ووجه عادوته أنه لما أكرم الله آدم - عليه (الصلاة و) السلام - عاداه إبليس. فإن قيل: إذا كان الشيطان عدواً للإنسان فما بال الإنسان يقبل على ما يرضيه من الزِّنا والشّرب ويكره ما يسخطُه من المجاهدة والعبادة؟ فالجواب: استعانة الشيطان بأعوان من عند الإنسان وترك استعانة الإنسان بالله فيستعين بشهوته التي خلقها الله فيه لمصلاح بقائه وبقاء نوعه ويعلها سبباً لفساد حاله ويدعوه بها إلى مالك المهالك وكذلك يستعين بغضبه الذي خلقه الله فيه لدفع المفاسد عنه ويجعلها سبباً لوباله وفساد أحواله وميل الإنسان إلى المعاصي كميْل المريض إلى (المصادر) ، وذلك حيث ينحرف المِزاج عن الاعتدال فترى المحموم يريد الماء البارد وهو يزيد من مرضه ومن معدته فاسدة لا يهضم القليل من الغذاء يميل إلى الأكل الكثير ولا يشبع بشيء وهو يزيد فساد معدته وصحيح المزاج لا يشتهي إلا ما ينفعه. قوله: ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ أطيعوني ووحِّدوني ﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ما منع من عبادة الشيطان بقوله ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ أي خَلْقاً كثيراً. قوله: «جبلاًّ» قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو عمرو وابن عامر بضمة وسكون والباقون بضمتين واللام مخففة في كِلْتَيْهِمَا وابنُ أبي إسْحَاقَ والزّهريّ وابنُ هُرْمُز بضمتين وتشديد اللام والأعمش بكسرتين وتخفيف اللام والأشهب العُقَيْلي واليمانيّ وحماد بن سلمة بكسرة وسكون وهذه لغات في هذه اللفظة وتقدم معناها آخر الشعراء وقرئ جِبَلاً بكسر الجيم وفتح الباء جمع جِبْلَةٍ، كفِطَرٍ جمع فِطرَة وقرأ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب بالياء من أسفل (ثنتان) وهي واضحة. قال ابن الخطيب: الجيم والباء لا تخلو عن معنى الاجتماع (و) الجبل فيه اجتماع الأجسام الكثيرة وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب، وشاة لجباء إذا كانت مجتمعةَ اللبن الكثير، ولا يقال: البلجة نقض على ما ذكرتم فإنها تنبيئ عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنَّا نقول: هي لاجتماع الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات فإن البلجة بمعنى. والبَلَدُ سمي بَلَداً للاجتماع، لا لتفرق الجمع (العظيم) حتى قيل: ن دون العشر آلاف لا يكون بلداً وإن لم يكن صحيحاً قوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ﴾ قرأ العامة بالخطاب لبني آدم. وطلحةُ وعيسى بياء الغيبة والضمير للجبل، ومن حقهما أن يقرءا: التي كانوا يوعدون لولا أن يَعْتَذِرُوا بالالْتِفَاتِ. فصل في كيفية هذا الإضلال وجهان: الأول: تولّية عن المقصد وخديعته فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو تولية فإن لم يقدر يحيد بأمر غير ذلك من رياسة وجاه وغيرهما وهو يفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية. ثم قال: «أفلم تكونوا تعقلون» ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس. ويقال لهم لما دَنَوْا من النار: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها في الدنيا «اصْلَوْهَا الْيَوْم» أي ادخلوها اليوم «بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» وفي هذا الكلام ما يوجب شدة ندامتهم وحزنهم من ثلاثة أوجه: أحدها: قوله تعالى: ﴿اصلوها اليوم﴾ أمر تنكيل وإهانة كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: 49] . الثاني: قوله: «اليوم» يعني العذاب حاضر ولذاتك قد مضت وبقي اليوم العذاب. الثالث: قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فَإن الكفر والكفاران ينبئ عن نعمة كانت فكفر بها وحياء الكفور من المنعم من أشدّ الآلام كما قيل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ لِذَي همَّة حَيَاء المُسِيءِ مِنَ الْمُحْسِنِ. قوله: ﴿اليوم نَخْتِمُ﴾ اليوم ظرف لما بعده وفرئ يُخْتِمُ مبنياً للمفعول. والجار بعده قائم مَقَام فاعله وقرئ: «وَتتكَلَّم» بتاءين من فوق. وقرئ ولتَتَكَلَّمْ ولتشهدْ بلام الأمر. وقرأ طلحة ولِتُكَلِّمَنَا ولتَشْهَدَ بلام كي ناصبة للفعل ومتعلقها محذوف أي للتكلم وللشهادة خَتَمْنَا «وبِمَا كَانُوا» أي بالذي كانوا أو بكونهم كاسبين. فصل في الترتيب وجهان: الأول: أنهم حين يسمعون قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُم تَكْفُرُونَ﴾ يريدون ينكرون كفرهم كا قال عنه: «مَا أَشْرَكْنَا» «وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ» فيختم الله على أفواههم فلا يقدرون على الإنكار ويُنْطِقُ الله جوارحهم غير لسانهم فيعترفون بذنوبهم. الثاني: لما أن قال الله تعالى لهم: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ لم يكن لهم جواب فسكتوا وخرسوا تكلمت أعضاؤهم غير اللسان. وفي الختم على الأفواه وجوه أقواها: أن اللهتعالى يسكت ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهدون عليهم وأه في قدرة الله يسير (و) أما الإسكانُ فلا خفاء فيه وأما الإنطاق فلأن اللسان عضو متحرك بحركة مخصوصة كما جاز تحرك غيره بمثلها والله قادر على كل الممكنات. والوجه الآخر: أنهم لا يتكلمون بشيء لانقطاع أعذارهم وانتهاك أستارهم فيقفون ناكسي الرُّؤُوس لا يجدون عُذْراً فيَعْتَذِرُونَ ولا مجال توبة فيستغفرون وتكلم الأيدي هو ظهرو الأمور بحيث لا يمع مع الإنكار كقول القائل: الحيطان تبكي على صاحب الدار إشارة إلى ظهور الحزن والصحيح الأول لما ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول للعبد كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً قال: فيمختم على فيه، فيقلا لأركانه انطقي قال: فتنطق بأعماله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أول ما يسأل من أحدكم فخذه ولفه» . فإن قيل: ما الحكمة في إسناده الختم إلى نفسه وقال «نختم» وأسند الكلام والشهادة إلى الأرجل والأيدي؟ فالجواب: أنه لو قال: نختم على أفواههم وتنطق أيديهم لاحتمل أن يكون ذلك جبراً منه وقهراً والإقرار والإجبار غير مقبول فقال: تكلمنا أيديهم وتشده أرجلهم أي باختيارها يقدرها الله تعالى على الكلام ليكون أدل على صدور الذنب منهم. فإن قيل: ما الحكمة في جعل الكلام للأيدي وجعل الشهادة للأرجل؟ فالجواب: لأن الأفعال تنسد إلى الأيدي قال تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس: 35] أيما عملوه وقال ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة﴾ [البقرة: 195] أي لا تلقوا بأنفسكم، فإذن الأيدي كالعاملة والشاهد على العامل نبيغي أن يكون غيره فجعل الأرجل والجلود من الشهود لبعد إضافة الأفعال إليهم. فإن قيل: إن يوم القيامة من تقبل شهادته من المقربين والصديقين كلهم أعداء للمجرمين وشهادة العدو غير مقبولة وإن كان عدلاً وغير الصدِّيقين من لكفار والفساق لا تقبل شهادتهم والأيدي والأرجل صدرت الذنوب (منها) فهي فاسقة فينبغي أن لا تقبل شهادتها. فالجواب: أن الأيْدي والأرجلَ ليسوا من أهل التكليف ولا ينسب إلهيا عدالة ولا فسقٌ، إنما المنسوب من ذلك إلى العبد المكلف لا إلى أعضائه، ولا يقالك إن العين تزني إن الفَرْج يزني وأيضاً فإنا نقلو: في در شهادتها (قبول شهادتها) لأنها إن كَذَبَتْ في مثل ذلك اليوم مع ظهور الأمور لا بدّ أن يكون مذنباً في الدينا وإن صَدَقَتْ في مثل ذلك اليوم فقد صدر منها الذنب في الدنيا وهذا كن قال لِفَاسِق: «إن كذبت في نهار هذا اليوم فعَبْدي حُرٌّ» فقال الفاسق: كَذَبْتُ في نهار هذا اليوم عُتِقَ العَبْدُ؛ لأنه إن صدق في قوله كذبت في نهار ذلك اليوم فوجد االشرط أيضاً بخلاف ما لو قال في لايوم الثاني كذبت في نهار اليوم الذي علقت عتْق عبدك على كذا فيه. قوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شِقٌّ وهو معنى الطَّمْس، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 20] يقول: إذا أعمينا قلوبهم لو شئنا أغمينا أبصارهم الظاهرة. قوله: ﴿فاستبقوا﴾ عطف على «لَطَمَسْنَا» وهذا على سبيل الفَرْض والتقدير وقرأ عيسى فَاسْتَبِقُوا أمراً وهو على إضمار القول أي فيُقَالُ لَهُمْ اسْتَبقُوا والصِّراط ظرف مكان مختص عند الجمهور فلذلك تأولوا وصول الفعل إليه إما بأنه مفعول (به) مجازاً جعله مستبقاً لا مُسْتَبَقاً إليه ويضمن استبقوا معنى بادروا وإما على حذف الجار أي إلى الصراط وقال الزمخشري: منصوب على الظرف وهو ماش على قول ابن الطرواوة فإن الصراطَ والطريق ونحوهما ليست عنده مختصة إلا أن سيبويه على أن قوله: 4184 - لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ ضرورة لنصبه الطريق. وقرأ أبو بكر مَكَانَاتِهِمْ جمعاً، وتقدم في الأنعام. والعامة على «مُضِيًّا» بضم الميم وهو مصدر على فُعُولٍ أصله مُضُويٌ فأدغم وكُسِرَ ما قبل الياء ليصبح نحو «لُقِيًّا» وقرأ أبو حيوة ورُويَتْ عن الكِسائيِّ مِضِيًّا (أي) بكسر الميم إتباعاً لحركة العين نحو ﴿عِتِيّاً﴾ و ﴿صِلِيّاً﴾ [مريم: 69 - 70] وقرئ بفتحها وهو من المصارد التي وردت على فعِيلٍ كالرِّسيم والزَّمِيلِ. فصل المعنى كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة فاستبقوا الصراط فتبادروا إلى الطريق «فَأَنَّى يُبْصِرُونَ» كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم يعني لو نشاء لأضللناهم عن الهُدَى وتركناهم عُمْياً يترددون فكيف يبصرون الطريق حنيئذ؟ هذا قول الحسن، وقتادة، والسدي. وقال ابن عباس ومقاتل وعطاء وقتادة: معناه لو نشاء لَفَقَأنَا أعين ضلالتهم فأعميناهم من غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى بصرون ولم أفعل لك بهم «ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم» أي مكانهم أي لو نشاء جعلناهم قِرَدَةً وخنازيرَ في منازلهم لا أزواد لهم «فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلاَ يَرْجِعُونَ» إلى ما كانوا عليه وقيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رُجُوع. قوله: ﴿وَمَن نّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق﴾ قرأ عاصم وحمزة بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددة من نَكَّسَهُ مبالغة والباقون بفتح الأولى وتسكين الثانية وضم الكاف خفيفة من نَكَسَهُ. وهي محتملة للمبالغة وعدمها وقَدْ تقدم في الأنعام أن نافعاً وابْنَ ذكوان قرءا «تعقلون» زالباقون بالغَيْبَة. فصل معنى ننكسه نَرُدُّ إلى أرْذَلِ العمر شبْهَ الصَّبِيِّ في ألو الخلق، وقلي: ننكسه في الخلق أي ضعف جوارحه بعد قوتها ونقصانها بد زيادتها «أفلا يعقلون» فيعتبرون ويعلمون أن الذي قَدرَ على تَصْريف أحوال الإنسان يقدر على البعث بعد الموت.

يس 36:69

قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ قال الكلبي: إن كفار مكة قالوا: إن محمداً شاعر، وما يقوله شِعر فأنزل الله تكذيباً لهم وما علمناه الشعر وما ينبغي له أي ما يتسهل له ذلك وما كان يتّزن له بيتُ شِعْرٍ حتى إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسراً. روى الحسن أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يتمثل بهذا البيت: كَفَى بالإسْلاَمِ وَالشَّيْبُ لِلْمَرْسِ نَاهِياً ... فقال أبو بكر: يا نبي الله إنما قال الشاعر: كَفَى الشَّيْبُ وَالإسْلاَمُ للْمَرْءِ ناهياً. فقال عمر: اشهد أنك رسول بقول الله - عزّ وجلّ -: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ وعن أبي شريح قال: قلت لعائشةَ: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يتمثل من الشعر قالت: كان يتمثل من شعر عبد الله بن رواحة قالت: وربما قال: 4185 - وَيَأتِيْكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَود ... وفي رواية (قالت) : كان الشعر أبغضَ الحديث إليه، قالت: ولم يتمثل بشيء من الشعر إلى ببيت أخي بني قيس طرفة: 4186 - سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً ... وَيَأِيكَ بالأَخْبَار مِنْ لَمْ تُزَوّدِ فجعل يقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار. فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله فقال: إني لست بشاعر ولا ينبغي لي وقيل: معناه ما كان يتأتى له قال ابن الخطيب وفيه وجه أحسن من ذلك وهو أن يحمل ما ينبغي له على مفهومه الظاهر وهو أن الشعر ما كان يليق به ولا يصلح له لأن الشعر يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن والشارع يكون اللفظ منه تبعاً للمعنى والشاعر يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن والشارع يكون اللفظ منه تبعاً للمعنى والشاعر يكون المعنى منه تبعاً للفظ لأنه يقصد لفظاً به يصح وزن الشعر (أ) وقافيته فيحتاج إلى التخيل لمعنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ. وعلى هذا فنقول: الشعر هُو الكلام الموزون الذي قصد إلى وزنه قصداً أولياً وأما من يقصد المعنى فيصدر موزوناً لا يكون شاعراً ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] ليس بشعر والشاعر إذا صدر منه هذا الكلام فيه متحركات وساكنات بعدد ما في الآية تقطعيه بفعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن يكون شعراً لأنه قصد الإتيان بألفاظٍ حروفها متحركة وساكنة كذلك. والمعنى تبعه والحكيم قصد المعنى فجاء على تلك الألفاظ وعلى هذا يحصل الجواب عن قول من يقول: إنَّ ذكر بيتَ شعرٍ وهو قوله: 4187 - أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِب ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِب أو بيتين لأنا نقول: ذلك ليس بشعر لعدم قصده إلى الوزن والقافية وعلى هذا لو صدر من النبي - عليه (الصلاة و) السلام - كلام كثيرٌ موزونٌ مُقَفًّى لا يكون شعراً لعدم قصده اللفظ قصداً أوليّاً، ويؤيد ما ذكرنا أنك إذا تتبعت كلام الناس في الأسواق تجد فيه ما يكون موزوناً واقعاً في بحر من بحور الشعر ولا يسمى المتكلم به شاعراً ولا الكلام شعراً لفقد القصد إلى اللفظ أولاً. فصل وجه الترتيب ما تقدم من أنه تعالى في كل موضع ذكر أصلين من الأصول الثلاثة وهي الوحدانية والرسالة والحشر ذكر الأصل الثالث منها وههنا ذكر أصلين الوحدانية والحشر. أما الوحدانية ففي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان﴾ [يس: 60] وفي قوله: ﴿وَأَنِ اعبدوني هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس: 61] وأما الحشر ففي قوله تعالى: ﴿اصلوها اليوم﴾ [يس: 64] وبقوله: «الْيَوْمَ نَخْتِمُ (عَلَى أَفْوَاهِهِمْ) » إلى غير ذلك فلما ذكرهما وبينهما ذكر الأصل الثالث وهو الرسالة فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ . فقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر﴾ إشارة إلى أنه معلم من عند الله فعلمه ما أراد ولم يُعَلِّمْه ما لم يُرِدْ. فإن قيل: لم خص الشعر بنفي التعليم مع أن الكفار كانوا نيسبون إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أشياء من جملتها السحر، والكهانة ولم يقل: وما علمناه السِّحْرَ وما علمناه الكَهَانَةَ؟ فالجواب: أما الكهانة فكانوا ينسبون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إليها عندما كان خبر عن الغيوب ويكون كما يقول. وأما السحر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغَيْر كشقِّ القَمَر، وتكلم الحَجَر، والجِذْع وغير ذلك، وأما الشعر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلُون القرآن عليهم لكنه - عليه (الصلاة و) السلام - ما كان يُتَحَدَّى إلى بالقرآن كما قال تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] إلى غير ذلك ولم يقل: إن كنتم في شك من رسالتي فاقطعوا الجذوع أو أَشْبِعُوا الخلق العظيم أو أخبروا الغيوب فلما كان تحديه عليه (الصلاة و) السلام بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفس التعليم. قوله: ﴿إنْ هُوَ﴾ أي (إن) القرآن، دل عليه السياق أو إن المُعَلّم «إلاَّ ذِكْرٌ» يدل عليه: «وَمَا عَلَّمْنَاهُ» والضمير في قوله «له» للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقيل: للقرآن. قوله: ﴿إِلاَّ ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ فيه الفرائض والحدود والأحكام. قوله: ﴿لِّيُنذِرَ﴾ قرأ نافع وابن عامر هنا وفي الأحقاف ﴿لُتْنِذرَ﴾ خطاباً والباقون بالغيبة بخلاف عن البّزِّي في الأحقاف، والغيبة يحتمل أن يكون الضمير فيما للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأن يكون للقرآن وقرأ الجَحْدَرِيُّ واليَمَانِيُّ «لتُنْذَرَ» مبنياً للمفعول وأبو السَّمَّال واليمانيّ أيضاً - ليَنْذَرَ - بفتح الياء والذّال من نَذِرَ بكسر الذال أي علم فتكون «مَنْ فَاعِلاً. فصل المعنى لتنذِرَ القرآنَ مَنْ كَانَ حياً يعني مؤمناً حي القلب لأن الكافر كالميتِ في أنه لا يتدبر ولا يتفكر قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناس﴾ [الأنعام: 122] وقيل: من كان حياً أي عاقلاً وذكر الزمخشري في» رَبِيع الأَبْرَارِ «» وَيحِقَّ الْقَوْلُ «ويجب العذاب على الكافر.

يس 36:70

قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ قال الكلبي: إن كفار مكة قالوا: إن محمداً شاعر، وما يقوله شِعر فأنزل الله تكذيباً لهم وما علمناه الشعر وما ينبغي له أي ما يتسهل له ذلك وما كان يتّزن له بيتُ شِعْرٍ حتى إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسراً. روى الحسن أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يتمثل بهذا البيت: كَفَى بالإسْلاَمِ وَالشَّيْبُ لِلْمَرْسِ نَاهِياً ... فقال أبو بكر: يا نبي الله إنما قال الشاعر: كَفَى الشَّيْبُ وَالإسْلاَمُ للْمَرْءِ ناهياً. فقال عمر: اشهد أنك رسول بقول الله - عزّ وجلّ -: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ وعن أبي شريح قال: قلت لعائشةَ: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يتمثل من الشعر قالت: كان يتمثل من شعر عبد الله بن رواحة قالت: وربما قال: 4185 - وَيَأتِيْكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَود ... وفي رواية (قالت) : كان الشعر أبغضَ الحديث إليه، قالت: ولم يتمثل بشيء من الشعر إلى ببيت أخي بني قيس طرفة: 4186 - سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً ... وَيَأِيكَ بالأَخْبَار مِنْ لَمْ تُزَوّدِ فجعل يقول: ويأتيك من لم تزود بالأخبار. فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله فقال: إني لست بشاعر ولا ينبغي لي وقيل: معناه ما كان يتأتى له قال ابن الخطيب وفيه وجه أحسن من ذلك وهو أن يحمل ما ينبغي له على مفهومه الظاهر وهو أن الشعر ما كان يليق به ولا يصلح له لأن الشعر يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن والشارع يكون اللفظ منه تبعاً للمعنى والشاعر يدعو إلى تغيير المعنى لمراعاة اللفظ والوزن والشارع يكون اللفظ منه تبعاً للمعنى والشاعر يكون المعنى منه تبعاً للفظ لأنه يقصد لفظاً به يصح وزن الشعر (أ) وقافيته فيحتاج إلى التخيل لمعنى يأتي به لأجل ذلك اللفظ. وعلى هذا فنقول: الشعر هُو الكلام الموزون الذي قصد إلى وزنه قصداً أولياً وأما من يقصد المعنى فيصدر موزوناً لا يكون شاعراً ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] ليس بشعر والشاعر إذا صدر منه هذا الكلام فيه متحركات وساكنات بعدد ما في الآية تقطعيه بفعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن يكون شعراً لأنه قصد الإتيان بألفاظٍ حروفها متحركة وساكنة كذلك. والمعنى تبعه والحكيم قصد المعنى فجاء على تلك الألفاظ وعلى هذا يحصل الجواب عن قول من يقول: إنَّ ذكر بيتَ شعرٍ وهو قوله: 4187 - أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِب ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِب أو بيتين لأنا نقول: ذلك ليس بشعر لعدم قصده إلى الوزن والقافية وعلى هذا لو صدر من النبي - عليه (الصلاة و) السلام - كلام كثيرٌ موزونٌ مُقَفًّى لا يكون شعراً لعدم قصده اللفظ قصداً أوليّاً، ويؤيد ما ذكرنا أنك إذا تتبعت كلام الناس في الأسواق تجد فيه ما يكون موزوناً واقعاً في بحر من بحور الشعر ولا يسمى المتكلم به شاعراً ولا الكلام شعراً لفقد القصد إلى اللفظ أولاً. فصل وجه الترتيب ما تقدم من أنه تعالى في كل موضع ذكر أصلين من الأصول الثلاثة وهي الوحدانية والرسالة والحشر ذكر الأصل الثالث منها وههنا ذكر أصلين الوحدانية والحشر. أما الوحدانية ففي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان﴾ [يس: 60] وفي قوله: ﴿وَأَنِ اعبدوني هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس: 61] وأما الحشر ففي قوله تعالى: ﴿اصلوها اليوم﴾ [يس: 64] وبقوله: «الْيَوْمَ نَخْتِمُ (عَلَى أَفْوَاهِهِمْ) » إلى غير ذلك فلما ذكرهما وبينهما ذكر الأصل الثالث وهو الرسالة فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ . فقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر﴾ إشارة إلى أنه معلم من عند الله فعلمه ما أراد ولم يُعَلِّمْه ما لم يُرِدْ. فإن قيل: لم خص الشعر بنفي التعليم مع أن الكفار كانوا نيسبون إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أشياء من جملتها السحر، والكهانة ولم يقل: وما علمناه السِّحْرَ وما علمناه الكَهَانَةَ؟ فالجواب: أما الكهانة فكانوا ينسبون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إليها عندما كان خبر عن الغيوب ويكون كما يقول. وأما السحر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغَيْر كشقِّ القَمَر، وتكلم الحَجَر، والجِذْع وغير ذلك، وأما الشعر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلُون القرآن عليهم لكنه - عليه (الصلاة و) السلام - ما كان يُتَحَدَّى إلى بالقرآن كما قال تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23] إلى غير ذلك ولم يقل: إن كنتم في شك من رسالتي فاقطعوا الجذوع أو أَشْبِعُوا الخلق العظيم أو أخبروا الغيوب فلما كان تحديه عليه (الصلاة و) السلام بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفس التعليم. قوله: ﴿إنْ هُوَ﴾ أي (إن) القرآن، دل عليه السياق أو إن المُعَلّم «إلاَّ ذِكْرٌ» يدل عليه: «وَمَا عَلَّمْنَاهُ» والضمير في قوله «له» للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقيل: للقرآن. قوله: ﴿إِلاَّ ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ فيه الفرائض والحدود والأحكام. قوله: ﴿لِّيُنذِرَ﴾ قرأ نافع وابن عامر هنا وفي الأحقاف ﴿لُتْنِذرَ﴾ خطاباً والباقون بالغيبة بخلاف عن البّزِّي في الأحقاف، والغيبة يحتمل أن يكون الضمير فيما للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وأن يكون للقرآن وقرأ الجَحْدَرِيُّ واليَمَانِيُّ «لتُنْذَرَ» مبنياً للمفعول وأبو السَّمَّال واليمانيّ أيضاً - ليَنْذَرَ - بفتح الياء والذّال من نَذِرَ بكسر الذال أي علم فتكون «مَنْ فَاعِلاً. فصل المعنى لتنذِرَ القرآنَ مَنْ كَانَ حياً يعني مؤمناً حي القلب لأن الكافر كالميتِ في أنه لا يتدبر ولا يتفكر قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناس﴾ [الأنعام: 122] وقيل: من كان حياً أي عاقلاً وذكر الزمخشري في» رَبِيع الأَبْرَارِ «» وَيحِقَّ الْقَوْلُ «ويجب العذاب على الكافر.

يس 36:71

ثم إنه تعالى أعاد الوحدانية والدلائل عليها فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ﴾ أي من جملة ما عملت أيدينا أي ما عملناهُ من غير معين ولا ظهير بل عملناه نقدرتنا وإرادتنا ﴿أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ضابطون قاهرون أي لم يخلق الأنعام وحشيةً نافرةً من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل هي مسخرة لهم كقوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ «سَخَّرْنَاها لهم» . «فمِنْهَا رَكُوبُهُمْ» أي ما يركبون وهي الإبل «وَمِنْهَا يَأكُلُونَ» من لحمانِها. قوله: ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ أي مركوبهم كالحَلُوب والحَصُور بمعنى المفعول وهو لا ينقاس وقرأ أبيّ وعائشةٌ «رَكُوبَتُهمْ» بالتاء وقد عد بعضهم دخول التاء على هذه الزِّنة شاذاً وجعلها الزمخشري في قول بعضهم جمعاً يعني اسم جمع وإلا فلمْ يرد في أبنية التكسير هذه الزنة. وقد عد ابن مالك أيضاً أبنية أسماء الجموع فلم يذكر فيها فَعُولَةً، وقرأ الحسنُ وأبو البَرَهسم والأعمش رُكُوبهم بضم الراء ولا بدّ من حذف مضاف إما من الأول أي فمن منافعها ركوبهم وإما من الثاني أي ذو ركوبهم. قال ابن خالويه العرب تقول: نَاقَةٌ حَلُوبٌ رَكُوبٌ وَركُوبةٌ حَلُوبَةٌ ورَكْبَاةٌ وَرَكَبُوتٌ حلَبُوتٌ وَرَكَبَى حَلَبَى وَرَكَبُوتَا (حَلَبوتَا) وَركبَانَةٌ حَلْبَانَةٌ وأنشد: 4188 - رَكْبَانَةٌ حَلْبَانَةٌ زَفُوفْ ... تَخْلِطُ بَيْنَ وَبَرٍ وَصًوفْ فصل لما بين الركوب والأكل ذكر غير ذلك فقال: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ﴾ فالمراد بالمافع أصوافها وأوبارها وأشعراها ونسلها وبالمشارب ألبانها، والمَشَارِب جمع مَشْرب بالفتح مصدراً ومكاناً ثم قال: ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ ربِّ هذه النعم ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾ إشارة إلى باين زياة ضلالهم لأنه كان الواجب عليهم عبادة الله شكراً لأنْعُمِهِ فتركوها، وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع ﴿لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي لمنعهم من عذاب الله ولا يكون ذلك والضمير في قوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ إما للآلهة وإما لعابديها وكذلك الضمائر بعده قال ابن عباس: لا تَقْدر الأصنام على نصرهم ومَنْعِهم من العذاب ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ﴾ أي الكفار جند للأصنام فيغضبون لها وحضرونها في الدنيا وهي لاس تسوق لهم خيراً ولا تستطيع لهم نصراً، وقيل: هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله ومعه أبتاعه الذين عبدوه كأنه جند (هـ) يحضرون في النار. وهذا إشارة إلى الحَشْر بعد تقرير التوحيد. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] وقوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ [الصافات: 22 - 23] . قوله: ﴿فَلاَ يَحْزُنكَ﴾ قد تقدم قراءة «يَحْزُن» و «يُحْزِن» «قَوْلُهُمْ» يعني قول الكفار في تكذيبك وهذا إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما يسرون في ضمائرهم وما يعلنون من عبادة الأصنام أو ما يعلنون بألسنتهم من الأذى.

يس 36:72

ثم إنه تعالى أعاد الوحدانية والدلائل عليها فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ﴾ أي من جملة ما عملت أيدينا أي ما عملناهُ من غير معين ولا ظهير بل عملناه نقدرتنا وإرادتنا ﴿أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ضابطون قاهرون أي لم يخلق الأنعام وحشيةً نافرةً من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل هي مسخرة لهم كقوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ «سَخَّرْنَاها لهم» . «فمِنْهَا رَكُوبُهُمْ» أي ما يركبون وهي الإبل «وَمِنْهَا يَأكُلُونَ» من لحمانِها. قوله: ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ أي مركوبهم كالحَلُوب والحَصُور بمعنى المفعول وهو لا ينقاس وقرأ أبيّ وعائشةٌ «رَكُوبَتُهمْ» بالتاء وقد عد بعضهم دخول التاء على هذه الزِّنة شاذاً وجعلها الزمخشري في قول بعضهم جمعاً يعني اسم جمع وإلا فلمْ يرد في أبنية التكسير هذه الزنة. وقد عد ابن مالك أيضاً أبنية أسماء الجموع فلم يذكر فيها فَعُولَةً، وقرأ الحسنُ وأبو البَرَهسم والأعمش رُكُوبهم بضم الراء ولا بدّ من حذف مضاف إما من الأول أي فمن منافعها ركوبهم وإما من الثاني أي ذو ركوبهم. قال ابن خالويه العرب تقول: نَاقَةٌ حَلُوبٌ رَكُوبٌ وَركُوبةٌ حَلُوبَةٌ ورَكْبَاةٌ وَرَكَبُوتٌ حلَبُوتٌ وَرَكَبَى حَلَبَى وَرَكَبُوتَا (حَلَبوتَا) وَركبَانَةٌ حَلْبَانَةٌ وأنشد: 4188 - رَكْبَانَةٌ حَلْبَانَةٌ زَفُوفْ ... تَخْلِطُ بَيْنَ وَبَرٍ وَصًوفْ فصل لما بين الركوب والأكل ذكر غير ذلك فقال: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ﴾ فالمراد بالمافع أصوافها وأوبارها وأشعراها ونسلها وبالمشارب ألبانها، والمَشَارِب جمع مَشْرب بالفتح مصدراً ومكاناً ثم قال: ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ ربِّ هذه النعم ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾ إشارة إلى باين زياة ضلالهم لأنه كان الواجب عليهم عبادة الله شكراً لأنْعُمِهِ فتركوها، وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع ﴿لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي لمنعهم من عذاب الله ولا يكون ذلك والضمير في قوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ إما للآلهة وإما لعابديها وكذلك الضمائر بعده قال ابن عباس: لا تَقْدر الأصنام على نصرهم ومَنْعِهم من العذاب ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ﴾ أي الكفار جند للأصنام فيغضبون لها وحضرونها في الدنيا وهي لاس تسوق لهم خيراً ولا تستطيع لهم نصراً، وقيل: هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله ومعه أبتاعه الذين عبدوه كأنه جند (هـ) يحضرون في النار. وهذا إشارة إلى الحَشْر بعد تقرير التوحيد. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] وقوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ [الصافات: 22 - 23] . قوله: ﴿فَلاَ يَحْزُنكَ﴾ قد تقدم قراءة «يَحْزُن» و «يُحْزِن» «قَوْلُهُمْ» يعني قول الكفار في تكذيبك وهذا إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما يسرون في ضمائرهم وما يعلنون من عبادة الأصنام أو ما يعلنون بألسنتهم من الأذى.

يس 36:73

ثم إنه تعالى أعاد الوحدانية والدلائل عليها فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ﴾ أي من جملة ما عملت أيدينا أي ما عملناهُ من غير معين ولا ظهير بل عملناه نقدرتنا وإرادتنا ﴿أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ضابطون قاهرون أي لم يخلق الأنعام وحشيةً نافرةً من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل هي مسخرة لهم كقوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ «سَخَّرْنَاها لهم» . «فمِنْهَا رَكُوبُهُمْ» أي ما يركبون وهي الإبل «وَمِنْهَا يَأكُلُونَ» من لحمانِها. قوله: ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ أي مركوبهم كالحَلُوب والحَصُور بمعنى المفعول وهو لا ينقاس وقرأ أبيّ وعائشةٌ «رَكُوبَتُهمْ» بالتاء وقد عد بعضهم دخول التاء على هذه الزِّنة شاذاً وجعلها الزمخشري في قول بعضهم جمعاً يعني اسم جمع وإلا فلمْ يرد في أبنية التكسير هذه الزنة. وقد عد ابن مالك أيضاً أبنية أسماء الجموع فلم يذكر فيها فَعُولَةً، وقرأ الحسنُ وأبو البَرَهسم والأعمش رُكُوبهم بضم الراء ولا بدّ من حذف مضاف إما من الأول أي فمن منافعها ركوبهم وإما من الثاني أي ذو ركوبهم. قال ابن خالويه العرب تقول: نَاقَةٌ حَلُوبٌ رَكُوبٌ وَركُوبةٌ حَلُوبَةٌ ورَكْبَاةٌ وَرَكَبُوتٌ حلَبُوتٌ وَرَكَبَى حَلَبَى وَرَكَبُوتَا (حَلَبوتَا) وَركبَانَةٌ حَلْبَانَةٌ وأنشد: 4188 - رَكْبَانَةٌ حَلْبَانَةٌ زَفُوفْ ... تَخْلِطُ بَيْنَ وَبَرٍ وَصًوفْ فصل لما بين الركوب والأكل ذكر غير ذلك فقال: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ﴾ فالمراد بالمافع أصوافها وأوبارها وأشعراها ونسلها وبالمشارب ألبانها، والمَشَارِب جمع مَشْرب بالفتح مصدراً ومكاناً ثم قال: ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ ربِّ هذه النعم ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾ إشارة إلى باين زياة ضلالهم لأنه كان الواجب عليهم عبادة الله شكراً لأنْعُمِهِ فتركوها، وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع ﴿لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي لمنعهم من عذاب الله ولا يكون ذلك والضمير في قوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ إما للآلهة وإما لعابديها وكذلك الضمائر بعده قال ابن عباس: لا تَقْدر الأصنام على نصرهم ومَنْعِهم من العذاب ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ﴾ أي الكفار جند للأصنام فيغضبون لها وحضرونها في الدنيا وهي لاس تسوق لهم خيراً ولا تستطيع لهم نصراً، وقيل: هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله ومعه أبتاعه الذين عبدوه كأنه جند (هـ) يحضرون في النار. وهذا إشارة إلى الحَشْر بعد تقرير التوحيد. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] وقوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ [الصافات: 22 - 23] . قوله: ﴿فَلاَ يَحْزُنكَ﴾ قد تقدم قراءة «يَحْزُن» و «يُحْزِن» «قَوْلُهُمْ» يعني قول الكفار في تكذيبك وهذا إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما يسرون في ضمائرهم وما يعلنون من عبادة الأصنام أو ما يعلنون بألسنتهم من الأذى.

يس 36:74

ثم إنه تعالى أعاد الوحدانية والدلائل عليها فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ﴾ أي من جملة ما عملت أيدينا أي ما عملناهُ من غير معين ولا ظهير بل عملناه نقدرتنا وإرادتنا ﴿أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ضابطون قاهرون أي لم يخلق الأنعام وحشيةً نافرةً من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل هي مسخرة لهم كقوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ «سَخَّرْنَاها لهم» . «فمِنْهَا رَكُوبُهُمْ» أي ما يركبون وهي الإبل «وَمِنْهَا يَأكُلُونَ» من لحمانِها. قوله: ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ أي مركوبهم كالحَلُوب والحَصُور بمعنى المفعول وهو لا ينقاس وقرأ أبيّ وعائشةٌ «رَكُوبَتُهمْ» بالتاء وقد عد بعضهم دخول التاء على هذه الزِّنة شاذاً وجعلها الزمخشري في قول بعضهم جمعاً يعني اسم جمع وإلا فلمْ يرد في أبنية التكسير هذه الزنة. وقد عد ابن مالك أيضاً أبنية أسماء الجموع فلم يذكر فيها فَعُولَةً، وقرأ الحسنُ وأبو البَرَهسم والأعمش رُكُوبهم بضم الراء ولا بدّ من حذف مضاف إما من الأول أي فمن منافعها ركوبهم وإما من الثاني أي ذو ركوبهم. قال ابن خالويه العرب تقول: نَاقَةٌ حَلُوبٌ رَكُوبٌ وَركُوبةٌ حَلُوبَةٌ ورَكْبَاةٌ وَرَكَبُوتٌ حلَبُوتٌ وَرَكَبَى حَلَبَى وَرَكَبُوتَا (حَلَبوتَا) وَركبَانَةٌ حَلْبَانَةٌ وأنشد: 4188 - رَكْبَانَةٌ حَلْبَانَةٌ زَفُوفْ ... تَخْلِطُ بَيْنَ وَبَرٍ وَصًوفْ فصل لما بين الركوب والأكل ذكر غير ذلك فقال: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ﴾ فالمراد بالمافع أصوافها وأوبارها وأشعراها ونسلها وبالمشارب ألبانها، والمَشَارِب جمع مَشْرب بالفتح مصدراً ومكاناً ثم قال: ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ ربِّ هذه النعم ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾ إشارة إلى باين زياة ضلالهم لأنه كان الواجب عليهم عبادة الله شكراً لأنْعُمِهِ فتركوها، وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع ﴿لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي لمنعهم من عذاب الله ولا يكون ذلك والضمير في قوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ إما للآلهة وإما لعابديها وكذلك الضمائر بعده قال ابن عباس: لا تَقْدر الأصنام على نصرهم ومَنْعِهم من العذاب ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ﴾ أي الكفار جند للأصنام فيغضبون لها وحضرونها في الدنيا وهي لاس تسوق لهم خيراً ولا تستطيع لهم نصراً، وقيل: هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله ومعه أبتاعه الذين عبدوه كأنه جند (هـ) يحضرون في النار. وهذا إشارة إلى الحَشْر بعد تقرير التوحيد. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] وقوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ [الصافات: 22 - 23] . قوله: ﴿فَلاَ يَحْزُنكَ﴾ قد تقدم قراءة «يَحْزُن» و «يُحْزِن» «قَوْلُهُمْ» يعني قول الكفار في تكذيبك وهذا إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما يسرون في ضمائرهم وما يعلنون من عبادة الأصنام أو ما يعلنون بألسنتهم من الأذى.

يس 36:75

ثم إنه تعالى أعاد الوحدانية والدلائل عليها فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ﴾ أي من جملة ما عملت أيدينا أي ما عملناهُ من غير معين ولا ظهير بل عملناه نقدرتنا وإرادتنا ﴿أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ضابطون قاهرون أي لم يخلق الأنعام وحشيةً نافرةً من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل هي مسخرة لهم كقوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ «سَخَّرْنَاها لهم» . «فمِنْهَا رَكُوبُهُمْ» أي ما يركبون وهي الإبل «وَمِنْهَا يَأكُلُونَ» من لحمانِها. قوله: ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ أي مركوبهم كالحَلُوب والحَصُور بمعنى المفعول وهو لا ينقاس وقرأ أبيّ وعائشةٌ «رَكُوبَتُهمْ» بالتاء وقد عد بعضهم دخول التاء على هذه الزِّنة شاذاً وجعلها الزمخشري في قول بعضهم جمعاً يعني اسم جمع وإلا فلمْ يرد في أبنية التكسير هذه الزنة. وقد عد ابن مالك أيضاً أبنية أسماء الجموع فلم يذكر فيها فَعُولَةً، وقرأ الحسنُ وأبو البَرَهسم والأعمش رُكُوبهم بضم الراء ولا بدّ من حذف مضاف إما من الأول أي فمن منافعها ركوبهم وإما من الثاني أي ذو ركوبهم. قال ابن خالويه العرب تقول: نَاقَةٌ حَلُوبٌ رَكُوبٌ وَركُوبةٌ حَلُوبَةٌ ورَكْبَاةٌ وَرَكَبُوتٌ حلَبُوتٌ وَرَكَبَى حَلَبَى وَرَكَبُوتَا (حَلَبوتَا) وَركبَانَةٌ حَلْبَانَةٌ وأنشد: 4188 - رَكْبَانَةٌ حَلْبَانَةٌ زَفُوفْ ... تَخْلِطُ بَيْنَ وَبَرٍ وَصًوفْ فصل لما بين الركوب والأكل ذكر غير ذلك فقال: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ﴾ فالمراد بالمافع أصوافها وأوبارها وأشعراها ونسلها وبالمشارب ألبانها، والمَشَارِب جمع مَشْرب بالفتح مصدراً ومكاناً ثم قال: ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ ربِّ هذه النعم ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾ إشارة إلى باين زياة ضلالهم لأنه كان الواجب عليهم عبادة الله شكراً لأنْعُمِهِ فتركوها، وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع ﴿لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي لمنعهم من عذاب الله ولا يكون ذلك والضمير في قوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ إما للآلهة وإما لعابديها وكذلك الضمائر بعده قال ابن عباس: لا تَقْدر الأصنام على نصرهم ومَنْعِهم من العذاب ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ﴾ أي الكفار جند للأصنام فيغضبون لها وحضرونها في الدنيا وهي لاس تسوق لهم خيراً ولا تستطيع لهم نصراً، وقيل: هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله ومعه أبتاعه الذين عبدوه كأنه جند (هـ) يحضرون في النار. وهذا إشارة إلى الحَشْر بعد تقرير التوحيد. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] وقوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ [الصافات: 22 - 23] . قوله: ﴿فَلاَ يَحْزُنكَ﴾ قد تقدم قراءة «يَحْزُن» و «يُحْزِن» «قَوْلُهُمْ» يعني قول الكفار في تكذيبك وهذا إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما يسرون في ضمائرهم وما يعلنون من عبادة الأصنام أو ما يعلنون بألسنتهم من الأذى.

يس 36:76

ثم إنه تعالى أعاد الوحدانية والدلائل عليها فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ﴾ أي من جملة ما عملت أيدينا أي ما عملناهُ من غير معين ولا ظهير بل عملناه نقدرتنا وإرادتنا ﴿أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ ضابطون قاهرون أي لم يخلق الأنعام وحشيةً نافرةً من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل هي مسخرة لهم كقوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ «سَخَّرْنَاها لهم» . «فمِنْهَا رَكُوبُهُمْ» أي ما يركبون وهي الإبل «وَمِنْهَا يَأكُلُونَ» من لحمانِها. قوله: ﴿رَكُوبُهُمْ﴾ أي مركوبهم كالحَلُوب والحَصُور بمعنى المفعول وهو لا ينقاس وقرأ أبيّ وعائشةٌ «رَكُوبَتُهمْ» بالتاء وقد عد بعضهم دخول التاء على هذه الزِّنة شاذاً وجعلها الزمخشري في قول بعضهم جمعاً يعني اسم جمع وإلا فلمْ يرد في أبنية التكسير هذه الزنة. وقد عد ابن مالك أيضاً أبنية أسماء الجموع فلم يذكر فيها فَعُولَةً، وقرأ الحسنُ وأبو البَرَهسم والأعمش رُكُوبهم بضم الراء ولا بدّ من حذف مضاف إما من الأول أي فمن منافعها ركوبهم وإما من الثاني أي ذو ركوبهم. قال ابن خالويه العرب تقول: نَاقَةٌ حَلُوبٌ رَكُوبٌ وَركُوبةٌ حَلُوبَةٌ ورَكْبَاةٌ وَرَكَبُوتٌ حلَبُوتٌ وَرَكَبَى حَلَبَى وَرَكَبُوتَا (حَلَبوتَا) وَركبَانَةٌ حَلْبَانَةٌ وأنشد: 4188 - رَكْبَانَةٌ حَلْبَانَةٌ زَفُوفْ ... تَخْلِطُ بَيْنَ وَبَرٍ وَصًوفْ فصل لما بين الركوب والأكل ذكر غير ذلك فقال: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ﴾ فالمراد بالمافع أصوافها وأوبارها وأشعراها ونسلها وبالمشارب ألبانها، والمَشَارِب جمع مَشْرب بالفتح مصدراً ومكاناً ثم قال: ﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ ربِّ هذه النعم ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾ إشارة إلى باين زياة ضلالهم لأنه كان الواجب عليهم عبادة الله شكراً لأنْعُمِهِ فتركوها، وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع ﴿لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي لمنعهم من عذاب الله ولا يكون ذلك والضمير في قوله: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾ إما للآلهة وإما لعابديها وكذلك الضمائر بعده قال ابن عباس: لا تَقْدر الأصنام على نصرهم ومَنْعِهم من العذاب ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مٌّحْضَرُونَ﴾ أي الكفار جند للأصنام فيغضبون لها وحضرونها في الدنيا وهي لاس تسوق لهم خيراً ولا تستطيع لهم نصراً، وقيل: هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله ومعه أبتاعه الذين عبدوه كأنه جند (هـ) يحضرون في النار. وهذا إشارة إلى الحَشْر بعد تقرير التوحيد. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98] وقوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ [الصافات: 22 - 23] . قوله: ﴿فَلاَ يَحْزُنكَ﴾ قد تقدم قراءة «يَحْزُن» و «يُحْزِن» «قَوْلُهُمْ» يعني قول الكفار في تكذيبك وهذا إشارة إلى الرسالة لأن الخطاب معه بما يوجب تسلية قلبه ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ما يسرون في ضمائرهم وما يعلنون من عبادة الأصنام أو ما يعلنون بألسنتهم من الأذى.

يس 36:77

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ لما ذكر دليلاً من الآفاق على وجوب عبادته بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً﴾ [يس: 71] ذكر دليلاً من الأنفس فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ قيل: المراد بالإنسان أبيّ بن خلف الجُمَحِيّ «خَاصَمَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في إنكار البعث وأتاه بعظم قد بلي ففتته بيده وقال: أترى يُحْيِي اللُّهُ هذا العظمَ بعدما رَمَّ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: نعم ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُك النار» . فأنزل الله هذه الآيات قال ابن الخطيب: وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ألا ترى قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1] نزلت في واحدة وأراد الحكم في الكل فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر هذه الآية ردّ عليه وقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ﴾ أي جَدِلٌ بالباطل «مبين» بيّن الخصومة. وفي (هذه) الآية لطيفة وهي أن اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء النطفة آية ظاهرة ومع ذلك فهناك ما هو أظهر، وهو نُطْقُهُ وفَهْمُهُ لأن لانطفة جسم فهبْ أن جاهلاً يقول إنه استحال جسماً آخر لكن القوة الناطقة، والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو (إلى) إدراك القوة والاختيار منه أقرب فقوله: «خَصِيمٌ» أي ناطق، وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق لأنه أعلى أحوال الناطق فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصماً لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه. قوله (تعالى) : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ قرأ زيد بن علي: «ونَسِيَ خَالِقَهُ» بزنة اسم الفاعل. فصل المعنى: «ونَسِيَ خلقه» أي بَدْءَ أمره ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ قيل: فَعِيلٌ بمعنى فاعلٍ، وقيل: مفعول فعلى الأول عدم التاء غير مقس وقال الزمخشري: الرَّميم اسم لما بَلِيَ من العظام غير صفة كالرّمَة والرفات فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبراً لمؤنث ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول وقال البغوي ولم يقل: رميمة لأنه معدول من فاعله فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن يقل: رميمة لأنه معدول من فاعلة فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن إعرابه كقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم: 28] أسقط الهاء لأنها مصروفة عن «باغية» . فصل هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر، واعلم أن المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلاً ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثر كقولهم: ﴿وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: 10] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنين: 82] ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ على طريق الاستعباد، فأبطل استبعادهم بقوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة (الأجزاء) ثم جعلنا لهم من النَّواصِيَ إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصّورة، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل اللذي (ن) بهما استحوقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن مَحَلاًّ للحياة أصلاً ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه. واخْتَارُوا العَظْم بالذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البِلَى والتّفَتّت. والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ أي جعل قدرتنا كقدرتهم «ونسيَ خَلْقَهُ» العجيب وبدأه الغري. ومنهم من ذكر شبهة وإن في آخرها يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين: الأول: أنه بعد العدم لن يبقى شيء فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود؟! فأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله تعالى: ﴿الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكرواً كذلك يعيده وإن لم يبق شيئياً مذكوراً. الثاني: أن من تَفَرَّقت أجزاؤه في مشارق الأرض ومغاربها وصار بعضه في أبْدانِ السِّباع، وبعضه في حواصل الطيوب وبعض في جُدْرَان الرباع كيف يجمتع؟ وأبعد من هذا: لو أكل الإنسان إنساناً وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل (فإن أعيدت أجزاء الآكل) فلا يبقى للمأكول أجزاء تتخلق منها أعضاء وإما أن تُعَاد إلى بدن المأكول فلا يبقى للآكل أجزاء. فأبطل الله تعالى هذه الشبهة بقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ووجهه: أن في الأكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك فإذا أكل إنسانً إنساناً صار الأصلي من أجزاء المأكول فضلياً من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان قبل الأكل فاللَّه بكل خلق عليم يعلم الأصل من الفضل فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيه روحاً وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في البِقَاع المتبددة بحكمته وقدرته. ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال نكارهم فقال: ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً﴾ هذه قراءة العامة، وقرئ الخَضْرَا اعتباراً بالمعنى، وقد تقدم أنه يجوز تذكر اسم الجنس وتأنيثه قال تعالى: ﴿نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20] ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] وتقدم أن بني تميم ونَجْد يذكِّرونه، والحجاز يؤنثونه إلا ألفاظاً اسْتُثْنِيَتْ. فصل قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما المرخ وللأخرى العفار فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خَصْراوان يقطران الماء فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى. وتقول العرب: فِي كُلّ شَجَرٍ نَارٌ واستمجد المَرْخُ العَفَار. وقالت الحكماء: في كل شجرنا إلا العنّاب. قوله: ﴿فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ أي تَقْدحُون وتُوقدون النار من ذلك الشجر، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال ﴿أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ هذه قراءة العامة ودخلت الباء زائدة على اسم الفاعل، والجَحْدَرِيّ وابن أبي إسحاق والأعرج «يَقْدر» فعلاً مضارعاً والضمير لتضمنهم مَنْ يعقل ثم قال: «بلى» (أي قل بلى) هو قادر على ذلك ﴿وَهُوَ الخلاق العليم﴾ (يخلق خلقاً بعد خلق) العليم بجميع ما خلق و «بَلَى» جواب «للَيْسَ» وإن دخل عليها الاستفهام لتصيرها إيجاباً والعامة على «الخَلاَّقُ» صيغة مبالغة، والجَحْدَريّ والحَسَن ومالكُ بن دينَارٍ «الخَالِقُ» اسم فاعل. قوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ تقدم الخلاف في «فيكون» نصباً ورفعاً وتوجيه ذلك في البقرة. قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قرأ طلحةُ والأعمش مَلَكَةُ بزنة شَجَرَةٍ. وقرئ مَمْلَكَة بزنة مَفْعَلَةٍ وقرئ مُلْكُ والملكوت أبلغ الجميع، والعامة على «تُرْجَعُونَ» مبنياً للمفعول، وزيدُ بن عليِّ مبنيًّا للفاعل وتقدم الكلام على قوله «سُبْحَانَ» والتسبيحُ التنزيه، والمكوتُ مبالغة في المُلْك كالرَّحَمُوت والرَّهَبُوت، وهو فَعَلُول أو فَعلَلُوت فيه كلام، قال - عليه (الصلاة و) السلام -: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» وقال عليه (الصلاة و) السلام: «لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبٌ، وإنَّ قَلْبَ القُرآنِ سُورَةُ يس وَمنْ قَرَأ يس كَتَب اللَّهُ لَهُ بقراءَتِهَا قِرَاءَةَ القُرْآنِ عَشْرَ مَرَّات» وعن عائشة قالت: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: إنَّ فِي القرآن سُورَةً تَشْفَعُ لقَارِئها ويُغْفَر لمُسْتَمِعِها أَلاَ وِهِيَ سُورَة يس» وعن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يس تُدْعَى المُعِمَّة قيل: يا رسول الله: وما المُعمَّة؟ قال: تَعُمّ صاحبها خَيْرَ الدُّنْيَا والآخِرَة وتُدْعَى الدافِعَة القَاضِيَة تَدْفَعُ عَنه كُلَّ سُوءٍ وتَقْضِي له كُلَّ حَاجَةٍ، وَمَنْ قَرَأهَا عَدَلَتْ لَهُ عِشْرينَ حَجّةً ومَنْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَلْفُ دِينَارٍ في سَبِيل اللَّهُ وَمَنْ كَتَبَهَا وَشَربَهَا أدْخَلَتْ جَوْفَه ألفَ دَواء وألْفَ يَقين وألفَ رَأْفَةٍ ونُزعَ منه كُلُّ دَاءٍ وغِلّ، وعن أبي أُمامَةَ عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ قَرَأ يس يُريدُ بها وَجْهَ - عَزَّ وَجَلَ - غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وأعْطِيَ منَ الأَجْر كَأَنَّما قَرَأ القُرْآنَ اثْنَتَي عَشْرَةَ مَرَّةً، وأَيُّمَا مَرِيض قُرئَ عنءدَه سورةُ يٍ نَزَلَ عَلَيْهِ بِقَدْر كُلِّ حَرْف عَشْرَة أمْلاك، يَقُومُون بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفاً فيصَلُّون عَلَيْهِ ويَسْتَغْفِرون علَيه ويَشْهَدونَ قَبْضَهُ وغُسْلَهُ وَيتّبِعُونَ جَنَازَتُه ويُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَشْهَدُون دَفْنَهُ وأَيُّما مَريض قَرَأ سُورَةَ يس وَهُو فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ لَمْ يَقْبضْ مَلَكُ الموتِ رُوحَه حَتَّى يَجِيئَهُ رَضْوَانُ خَازنُ الجِنَانِ بشَرْبةٍ مِن الجَنَّة فَيَشْرَبُها وهُوَ عَلَى فِرَاشِه فَيموتُ وَهُو رَيَّانُ ويُبْعَثُ وَهُوَ رَيَّانُ، وَيُحَاسَبُ وَهُو رَيَّانُ وَلاَ يَحْتَاج إلَى حَوْضٍ مِنْ حياض الأنْبِيَاء، حَتَّة يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَهُوَ رَيَّان» وعن أبي هريرة قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ دَخَلَ المَقَابِرَ فَقَرأ سُورة يس خَفَّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ وعن يحيى بن أبي كثير قال: بَلَغَنا» مَنْ قَرَآَ يس حِين يُصْبحُ لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحٍ حَتَّى يُمْسِي وَمَنْ قَرَأها حِينَ يُمْسِي لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحِ حَتَّى يُصْبح» .

يس 36:78

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ لما ذكر دليلاً من الآفاق على وجوب عبادته بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً﴾ [يس: 71] ذكر دليلاً من الأنفس فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ قيل: المراد بالإنسان أبيّ بن خلف الجُمَحِيّ «خَاصَمَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في إنكار البعث وأتاه بعظم قد بلي ففتته بيده وقال: أترى يُحْيِي اللُّهُ هذا العظمَ بعدما رَمَّ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: نعم ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُك النار» . فأنزل الله هذه الآيات قال ابن الخطيب: وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ألا ترى قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1] نزلت في واحدة وأراد الحكم في الكل فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر هذه الآية ردّ عليه وقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ﴾ أي جَدِلٌ بالباطل «مبين» بيّن الخصومة. وفي (هذه) الآية لطيفة وهي أن اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء النطفة آية ظاهرة ومع ذلك فهناك ما هو أظهر، وهو نُطْقُهُ وفَهْمُهُ لأن لانطفة جسم فهبْ أن جاهلاً يقول إنه استحال جسماً آخر لكن القوة الناطقة، والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو (إلى) إدراك القوة والاختيار منه أقرب فقوله: «خَصِيمٌ» أي ناطق، وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق لأنه أعلى أحوال الناطق فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصماً لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه. قوله (تعالى) : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ قرأ زيد بن علي: «ونَسِيَ خَالِقَهُ» بزنة اسم الفاعل. فصل المعنى: «ونَسِيَ خلقه» أي بَدْءَ أمره ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ قيل: فَعِيلٌ بمعنى فاعلٍ، وقيل: مفعول فعلى الأول عدم التاء غير مقس وقال الزمخشري: الرَّميم اسم لما بَلِيَ من العظام غير صفة كالرّمَة والرفات فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبراً لمؤنث ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول وقال البغوي ولم يقل: رميمة لأنه معدول من فاعله فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن يقل: رميمة لأنه معدول من فاعلة فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن إعرابه كقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم: 28] أسقط الهاء لأنها مصروفة عن «باغية» . فصل هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر، واعلم أن المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلاً ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثر كقولهم: ﴿وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: 10] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنين: 82] ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ على طريق الاستعباد، فأبطل استبعادهم بقوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة (الأجزاء) ثم جعلنا لهم من النَّواصِيَ إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصّورة، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل اللذي (ن) بهما استحوقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن مَحَلاًّ للحياة أصلاً ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه. واخْتَارُوا العَظْم بالذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البِلَى والتّفَتّت. والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ أي جعل قدرتنا كقدرتهم «ونسيَ خَلْقَهُ» العجيب وبدأه الغري. ومنهم من ذكر شبهة وإن في آخرها يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين: الأول: أنه بعد العدم لن يبقى شيء فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود؟! فأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله تعالى: ﴿الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكرواً كذلك يعيده وإن لم يبق شيئياً مذكوراً. الثاني: أن من تَفَرَّقت أجزاؤه في مشارق الأرض ومغاربها وصار بعضه في أبْدانِ السِّباع، وبعضه في حواصل الطيوب وبعض في جُدْرَان الرباع كيف يجمتع؟ وأبعد من هذا: لو أكل الإنسان إنساناً وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل (فإن أعيدت أجزاء الآكل) فلا يبقى للمأكول أجزاء تتخلق منها أعضاء وإما أن تُعَاد إلى بدن المأكول فلا يبقى للآكل أجزاء. فأبطل الله تعالى هذه الشبهة بقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ووجهه: أن في الأكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك فإذا أكل إنسانً إنساناً صار الأصلي من أجزاء المأكول فضلياً من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان قبل الأكل فاللَّه بكل خلق عليم يعلم الأصل من الفضل فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيه روحاً وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في البِقَاع المتبددة بحكمته وقدرته. ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال نكارهم فقال: ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً﴾ هذه قراءة العامة، وقرئ الخَضْرَا اعتباراً بالمعنى، وقد تقدم أنه يجوز تذكر اسم الجنس وتأنيثه قال تعالى: ﴿نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20] ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] وتقدم أن بني تميم ونَجْد يذكِّرونه، والحجاز يؤنثونه إلا ألفاظاً اسْتُثْنِيَتْ. فصل قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما المرخ وللأخرى العفار فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خَصْراوان يقطران الماء فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى. وتقول العرب: فِي كُلّ شَجَرٍ نَارٌ واستمجد المَرْخُ العَفَار. وقالت الحكماء: في كل شجرنا إلا العنّاب. قوله: ﴿فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ أي تَقْدحُون وتُوقدون النار من ذلك الشجر، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال ﴿أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ هذه قراءة العامة ودخلت الباء زائدة على اسم الفاعل، والجَحْدَرِيّ وابن أبي إسحاق والأعرج «يَقْدر» فعلاً مضارعاً والضمير لتضمنهم مَنْ يعقل ثم قال: «بلى» (أي قل بلى) هو قادر على ذلك ﴿وَهُوَ الخلاق العليم﴾ (يخلق خلقاً بعد خلق) العليم بجميع ما خلق و «بَلَى» جواب «للَيْسَ» وإن دخل عليها الاستفهام لتصيرها إيجاباً والعامة على «الخَلاَّقُ» صيغة مبالغة، والجَحْدَريّ والحَسَن ومالكُ بن دينَارٍ «الخَالِقُ» اسم فاعل. قوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ تقدم الخلاف في «فيكون» نصباً ورفعاً وتوجيه ذلك في البقرة. قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قرأ طلحةُ والأعمش مَلَكَةُ بزنة شَجَرَةٍ. وقرئ مَمْلَكَة بزنة مَفْعَلَةٍ وقرئ مُلْكُ والملكوت أبلغ الجميع، والعامة على «تُرْجَعُونَ» مبنياً للمفعول، وزيدُ بن عليِّ مبنيًّا للفاعل وتقدم الكلام على قوله «سُبْحَانَ» والتسبيحُ التنزيه، والمكوتُ مبالغة في المُلْك كالرَّحَمُوت والرَّهَبُوت، وهو فَعَلُول أو فَعلَلُوت فيه كلام، قال - عليه (الصلاة و) السلام -: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» وقال عليه (الصلاة و) السلام: «لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبٌ، وإنَّ قَلْبَ القُرآنِ سُورَةُ يس وَمنْ قَرَأ يس كَتَب اللَّهُ لَهُ بقراءَتِهَا قِرَاءَةَ القُرْآنِ عَشْرَ مَرَّات» وعن عائشة قالت: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: إنَّ فِي القرآن سُورَةً تَشْفَعُ لقَارِئها ويُغْفَر لمُسْتَمِعِها أَلاَ وِهِيَ سُورَة يس» وعن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يس تُدْعَى المُعِمَّة قيل: يا رسول الله: وما المُعمَّة؟ قال: تَعُمّ صاحبها خَيْرَ الدُّنْيَا والآخِرَة وتُدْعَى الدافِعَة القَاضِيَة تَدْفَعُ عَنه كُلَّ سُوءٍ وتَقْضِي له كُلَّ حَاجَةٍ، وَمَنْ قَرَأهَا عَدَلَتْ لَهُ عِشْرينَ حَجّةً ومَنْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَلْفُ دِينَارٍ في سَبِيل اللَّهُ وَمَنْ كَتَبَهَا وَشَربَهَا أدْخَلَتْ جَوْفَه ألفَ دَواء وألْفَ يَقين وألفَ رَأْفَةٍ ونُزعَ منه كُلُّ دَاءٍ وغِلّ، وعن أبي أُمامَةَ عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ قَرَأ يس يُريدُ بها وَجْهَ - عَزَّ وَجَلَ - غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وأعْطِيَ منَ الأَجْر كَأَنَّما قَرَأ القُرْآنَ اثْنَتَي عَشْرَةَ مَرَّةً، وأَيُّمَا مَرِيض قُرئَ عنءدَه سورةُ يٍ نَزَلَ عَلَيْهِ بِقَدْر كُلِّ حَرْف عَشْرَة أمْلاك، يَقُومُون بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفاً فيصَلُّون عَلَيْهِ ويَسْتَغْفِرون علَيه ويَشْهَدونَ قَبْضَهُ وغُسْلَهُ وَيتّبِعُونَ جَنَازَتُه ويُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَشْهَدُون دَفْنَهُ وأَيُّما مَريض قَرَأ سُورَةَ يس وَهُو فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ لَمْ يَقْبضْ مَلَكُ الموتِ رُوحَه حَتَّى يَجِيئَهُ رَضْوَانُ خَازنُ الجِنَانِ بشَرْبةٍ مِن الجَنَّة فَيَشْرَبُها وهُوَ عَلَى فِرَاشِه فَيموتُ وَهُو رَيَّانُ ويُبْعَثُ وَهُوَ رَيَّانُ، وَيُحَاسَبُ وَهُو رَيَّانُ وَلاَ يَحْتَاج إلَى حَوْضٍ مِنْ حياض الأنْبِيَاء، حَتَّة يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَهُوَ رَيَّان» وعن أبي هريرة قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ دَخَلَ المَقَابِرَ فَقَرأ سُورة يس خَفَّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ وعن يحيى بن أبي كثير قال: بَلَغَنا» مَنْ قَرَآَ يس حِين يُصْبحُ لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحٍ حَتَّى يُمْسِي وَمَنْ قَرَأها حِينَ يُمْسِي لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحِ حَتَّى يُصْبح» .

يس 36:79

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ لما ذكر دليلاً من الآفاق على وجوب عبادته بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً﴾ [يس: 71] ذكر دليلاً من الأنفس فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ قيل: المراد بالإنسان أبيّ بن خلف الجُمَحِيّ «خَاصَمَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في إنكار البعث وأتاه بعظم قد بلي ففتته بيده وقال: أترى يُحْيِي اللُّهُ هذا العظمَ بعدما رَمَّ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: نعم ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُك النار» . فأنزل الله هذه الآيات قال ابن الخطيب: وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ألا ترى قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1] نزلت في واحدة وأراد الحكم في الكل فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر هذه الآية ردّ عليه وقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ﴾ أي جَدِلٌ بالباطل «مبين» بيّن الخصومة. وفي (هذه) الآية لطيفة وهي أن اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء النطفة آية ظاهرة ومع ذلك فهناك ما هو أظهر، وهو نُطْقُهُ وفَهْمُهُ لأن لانطفة جسم فهبْ أن جاهلاً يقول إنه استحال جسماً آخر لكن القوة الناطقة، والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو (إلى) إدراك القوة والاختيار منه أقرب فقوله: «خَصِيمٌ» أي ناطق، وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق لأنه أعلى أحوال الناطق فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصماً لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه. قوله (تعالى) : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ قرأ زيد بن علي: «ونَسِيَ خَالِقَهُ» بزنة اسم الفاعل. فصل المعنى: «ونَسِيَ خلقه» أي بَدْءَ أمره ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ قيل: فَعِيلٌ بمعنى فاعلٍ، وقيل: مفعول فعلى الأول عدم التاء غير مقس وقال الزمخشري: الرَّميم اسم لما بَلِيَ من العظام غير صفة كالرّمَة والرفات فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبراً لمؤنث ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول وقال البغوي ولم يقل: رميمة لأنه معدول من فاعله فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن يقل: رميمة لأنه معدول من فاعلة فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن إعرابه كقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم: 28] أسقط الهاء لأنها مصروفة عن «باغية» . فصل هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر، واعلم أن المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلاً ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثر كقولهم: ﴿وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: 10] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنين: 82] ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ على طريق الاستعباد، فأبطل استبعادهم بقوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة (الأجزاء) ثم جعلنا لهم من النَّواصِيَ إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصّورة، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل اللذي (ن) بهما استحوقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن مَحَلاًّ للحياة أصلاً ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه. واخْتَارُوا العَظْم بالذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البِلَى والتّفَتّت. والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ أي جعل قدرتنا كقدرتهم «ونسيَ خَلْقَهُ» العجيب وبدأه الغري. ومنهم من ذكر شبهة وإن في آخرها يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين: الأول: أنه بعد العدم لن يبقى شيء فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود؟! فأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله تعالى: ﴿الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكرواً كذلك يعيده وإن لم يبق شيئياً مذكوراً. الثاني: أن من تَفَرَّقت أجزاؤه في مشارق الأرض ومغاربها وصار بعضه في أبْدانِ السِّباع، وبعضه في حواصل الطيوب وبعض في جُدْرَان الرباع كيف يجمتع؟ وأبعد من هذا: لو أكل الإنسان إنساناً وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل (فإن أعيدت أجزاء الآكل) فلا يبقى للمأكول أجزاء تتخلق منها أعضاء وإما أن تُعَاد إلى بدن المأكول فلا يبقى للآكل أجزاء. فأبطل الله تعالى هذه الشبهة بقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ووجهه: أن في الأكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك فإذا أكل إنسانً إنساناً صار الأصلي من أجزاء المأكول فضلياً من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان قبل الأكل فاللَّه بكل خلق عليم يعلم الأصل من الفضل فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيه روحاً وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في البِقَاع المتبددة بحكمته وقدرته. ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال نكارهم فقال: ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً﴾ هذه قراءة العامة، وقرئ الخَضْرَا اعتباراً بالمعنى، وقد تقدم أنه يجوز تذكر اسم الجنس وتأنيثه قال تعالى: ﴿نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20] ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] وتقدم أن بني تميم ونَجْد يذكِّرونه، والحجاز يؤنثونه إلا ألفاظاً اسْتُثْنِيَتْ. فصل قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما المرخ وللأخرى العفار فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خَصْراوان يقطران الماء فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى. وتقول العرب: فِي كُلّ شَجَرٍ نَارٌ واستمجد المَرْخُ العَفَار. وقالت الحكماء: في كل شجرنا إلا العنّاب. قوله: ﴿فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ أي تَقْدحُون وتُوقدون النار من ذلك الشجر، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال ﴿أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ هذه قراءة العامة ودخلت الباء زائدة على اسم الفاعل، والجَحْدَرِيّ وابن أبي إسحاق والأعرج «يَقْدر» فعلاً مضارعاً والضمير لتضمنهم مَنْ يعقل ثم قال: «بلى» (أي قل بلى) هو قادر على ذلك ﴿وَهُوَ الخلاق العليم﴾ (يخلق خلقاً بعد خلق) العليم بجميع ما خلق و «بَلَى» جواب «للَيْسَ» وإن دخل عليها الاستفهام لتصيرها إيجاباً والعامة على «الخَلاَّقُ» صيغة مبالغة، والجَحْدَريّ والحَسَن ومالكُ بن دينَارٍ «الخَالِقُ» اسم فاعل. قوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ تقدم الخلاف في «فيكون» نصباً ورفعاً وتوجيه ذلك في البقرة. قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قرأ طلحةُ والأعمش مَلَكَةُ بزنة شَجَرَةٍ. وقرئ مَمْلَكَة بزنة مَفْعَلَةٍ وقرئ مُلْكُ والملكوت أبلغ الجميع، والعامة على «تُرْجَعُونَ» مبنياً للمفعول، وزيدُ بن عليِّ مبنيًّا للفاعل وتقدم الكلام على قوله «سُبْحَانَ» والتسبيحُ التنزيه، والمكوتُ مبالغة في المُلْك كالرَّحَمُوت والرَّهَبُوت، وهو فَعَلُول أو فَعلَلُوت فيه كلام، قال - عليه (الصلاة و) السلام -: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» وقال عليه (الصلاة و) السلام: «لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبٌ، وإنَّ قَلْبَ القُرآنِ سُورَةُ يس وَمنْ قَرَأ يس كَتَب اللَّهُ لَهُ بقراءَتِهَا قِرَاءَةَ القُرْآنِ عَشْرَ مَرَّات» وعن عائشة قالت: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: إنَّ فِي القرآن سُورَةً تَشْفَعُ لقَارِئها ويُغْفَر لمُسْتَمِعِها أَلاَ وِهِيَ سُورَة يس» وعن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يس تُدْعَى المُعِمَّة قيل: يا رسول الله: وما المُعمَّة؟ قال: تَعُمّ صاحبها خَيْرَ الدُّنْيَا والآخِرَة وتُدْعَى الدافِعَة القَاضِيَة تَدْفَعُ عَنه كُلَّ سُوءٍ وتَقْضِي له كُلَّ حَاجَةٍ، وَمَنْ قَرَأهَا عَدَلَتْ لَهُ عِشْرينَ حَجّةً ومَنْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَلْفُ دِينَارٍ في سَبِيل اللَّهُ وَمَنْ كَتَبَهَا وَشَربَهَا أدْخَلَتْ جَوْفَه ألفَ دَواء وألْفَ يَقين وألفَ رَأْفَةٍ ونُزعَ منه كُلُّ دَاءٍ وغِلّ، وعن أبي أُمامَةَ عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ قَرَأ يس يُريدُ بها وَجْهَ - عَزَّ وَجَلَ - غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وأعْطِيَ منَ الأَجْر كَأَنَّما قَرَأ القُرْآنَ اثْنَتَي عَشْرَةَ مَرَّةً، وأَيُّمَا مَرِيض قُرئَ عنءدَه سورةُ يٍ نَزَلَ عَلَيْهِ بِقَدْر كُلِّ حَرْف عَشْرَة أمْلاك، يَقُومُون بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفاً فيصَلُّون عَلَيْهِ ويَسْتَغْفِرون علَيه ويَشْهَدونَ قَبْضَهُ وغُسْلَهُ وَيتّبِعُونَ جَنَازَتُه ويُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَشْهَدُون دَفْنَهُ وأَيُّما مَريض قَرَأ سُورَةَ يس وَهُو فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ لَمْ يَقْبضْ مَلَكُ الموتِ رُوحَه حَتَّى يَجِيئَهُ رَضْوَانُ خَازنُ الجِنَانِ بشَرْبةٍ مِن الجَنَّة فَيَشْرَبُها وهُوَ عَلَى فِرَاشِه فَيموتُ وَهُو رَيَّانُ ويُبْعَثُ وَهُوَ رَيَّانُ، وَيُحَاسَبُ وَهُو رَيَّانُ وَلاَ يَحْتَاج إلَى حَوْضٍ مِنْ حياض الأنْبِيَاء، حَتَّة يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَهُوَ رَيَّان» وعن أبي هريرة قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ دَخَلَ المَقَابِرَ فَقَرأ سُورة يس خَفَّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ وعن يحيى بن أبي كثير قال: بَلَغَنا» مَنْ قَرَآَ يس حِين يُصْبحُ لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحٍ حَتَّى يُمْسِي وَمَنْ قَرَأها حِينَ يُمْسِي لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحِ حَتَّى يُصْبح» .

يس 36:80

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ لما ذكر دليلاً من الآفاق على وجوب عبادته بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً﴾ [يس: 71] ذكر دليلاً من الأنفس فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ قيل: المراد بالإنسان أبيّ بن خلف الجُمَحِيّ «خَاصَمَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في إنكار البعث وأتاه بعظم قد بلي ففتته بيده وقال: أترى يُحْيِي اللُّهُ هذا العظمَ بعدما رَمَّ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: نعم ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُك النار» . فأنزل الله هذه الآيات قال ابن الخطيب: وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ألا ترى قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1] نزلت في واحدة وأراد الحكم في الكل فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر هذه الآية ردّ عليه وقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ﴾ أي جَدِلٌ بالباطل «مبين» بيّن الخصومة. وفي (هذه) الآية لطيفة وهي أن اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء النطفة آية ظاهرة ومع ذلك فهناك ما هو أظهر، وهو نُطْقُهُ وفَهْمُهُ لأن لانطفة جسم فهبْ أن جاهلاً يقول إنه استحال جسماً آخر لكن القوة الناطقة، والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو (إلى) إدراك القوة والاختيار منه أقرب فقوله: «خَصِيمٌ» أي ناطق، وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق لأنه أعلى أحوال الناطق فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصماً لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه. قوله (تعالى) : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ قرأ زيد بن علي: «ونَسِيَ خَالِقَهُ» بزنة اسم الفاعل. فصل المعنى: «ونَسِيَ خلقه» أي بَدْءَ أمره ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ قيل: فَعِيلٌ بمعنى فاعلٍ، وقيل: مفعول فعلى الأول عدم التاء غير مقس وقال الزمخشري: الرَّميم اسم لما بَلِيَ من العظام غير صفة كالرّمَة والرفات فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبراً لمؤنث ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول وقال البغوي ولم يقل: رميمة لأنه معدول من فاعله فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن يقل: رميمة لأنه معدول من فاعلة فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن إعرابه كقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم: 28] أسقط الهاء لأنها مصروفة عن «باغية» . فصل هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر، واعلم أن المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلاً ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثر كقولهم: ﴿وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: 10] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنين: 82] ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ على طريق الاستعباد، فأبطل استبعادهم بقوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة (الأجزاء) ثم جعلنا لهم من النَّواصِيَ إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصّورة، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل اللذي (ن) بهما استحوقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن مَحَلاًّ للحياة أصلاً ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه. واخْتَارُوا العَظْم بالذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البِلَى والتّفَتّت. والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ أي جعل قدرتنا كقدرتهم «ونسيَ خَلْقَهُ» العجيب وبدأه الغري. ومنهم من ذكر شبهة وإن في آخرها يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين: الأول: أنه بعد العدم لن يبقى شيء فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود؟! فأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله تعالى: ﴿الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكرواً كذلك يعيده وإن لم يبق شيئياً مذكوراً. الثاني: أن من تَفَرَّقت أجزاؤه في مشارق الأرض ومغاربها وصار بعضه في أبْدانِ السِّباع، وبعضه في حواصل الطيوب وبعض في جُدْرَان الرباع كيف يجمتع؟ وأبعد من هذا: لو أكل الإنسان إنساناً وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل (فإن أعيدت أجزاء الآكل) فلا يبقى للمأكول أجزاء تتخلق منها أعضاء وإما أن تُعَاد إلى بدن المأكول فلا يبقى للآكل أجزاء. فأبطل الله تعالى هذه الشبهة بقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ووجهه: أن في الأكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك فإذا أكل إنسانً إنساناً صار الأصلي من أجزاء المأكول فضلياً من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان قبل الأكل فاللَّه بكل خلق عليم يعلم الأصل من الفضل فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيه روحاً وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في البِقَاع المتبددة بحكمته وقدرته. ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال نكارهم فقال: ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً﴾ هذه قراءة العامة، وقرئ الخَضْرَا اعتباراً بالمعنى، وقد تقدم أنه يجوز تذكر اسم الجنس وتأنيثه قال تعالى: ﴿نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20] ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] وتقدم أن بني تميم ونَجْد يذكِّرونه، والحجاز يؤنثونه إلا ألفاظاً اسْتُثْنِيَتْ. فصل قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما المرخ وللأخرى العفار فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خَصْراوان يقطران الماء فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى. وتقول العرب: فِي كُلّ شَجَرٍ نَارٌ واستمجد المَرْخُ العَفَار. وقالت الحكماء: في كل شجرنا إلا العنّاب. قوله: ﴿فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ أي تَقْدحُون وتُوقدون النار من ذلك الشجر، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال ﴿أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ هذه قراءة العامة ودخلت الباء زائدة على اسم الفاعل، والجَحْدَرِيّ وابن أبي إسحاق والأعرج «يَقْدر» فعلاً مضارعاً والضمير لتضمنهم مَنْ يعقل ثم قال: «بلى» (أي قل بلى) هو قادر على ذلك ﴿وَهُوَ الخلاق العليم﴾ (يخلق خلقاً بعد خلق) العليم بجميع ما خلق و «بَلَى» جواب «للَيْسَ» وإن دخل عليها الاستفهام لتصيرها إيجاباً والعامة على «الخَلاَّقُ» صيغة مبالغة، والجَحْدَريّ والحَسَن ومالكُ بن دينَارٍ «الخَالِقُ» اسم فاعل. قوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ تقدم الخلاف في «فيكون» نصباً ورفعاً وتوجيه ذلك في البقرة. قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قرأ طلحةُ والأعمش مَلَكَةُ بزنة شَجَرَةٍ. وقرئ مَمْلَكَة بزنة مَفْعَلَةٍ وقرئ مُلْكُ والملكوت أبلغ الجميع، والعامة على «تُرْجَعُونَ» مبنياً للمفعول، وزيدُ بن عليِّ مبنيًّا للفاعل وتقدم الكلام على قوله «سُبْحَانَ» والتسبيحُ التنزيه، والمكوتُ مبالغة في المُلْك كالرَّحَمُوت والرَّهَبُوت، وهو فَعَلُول أو فَعلَلُوت فيه كلام، قال - عليه (الصلاة و) السلام -: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» وقال عليه (الصلاة و) السلام: «لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبٌ، وإنَّ قَلْبَ القُرآنِ سُورَةُ يس وَمنْ قَرَأ يس كَتَب اللَّهُ لَهُ بقراءَتِهَا قِرَاءَةَ القُرْآنِ عَشْرَ مَرَّات» وعن عائشة قالت: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: إنَّ فِي القرآن سُورَةً تَشْفَعُ لقَارِئها ويُغْفَر لمُسْتَمِعِها أَلاَ وِهِيَ سُورَة يس» وعن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يس تُدْعَى المُعِمَّة قيل: يا رسول الله: وما المُعمَّة؟ قال: تَعُمّ صاحبها خَيْرَ الدُّنْيَا والآخِرَة وتُدْعَى الدافِعَة القَاضِيَة تَدْفَعُ عَنه كُلَّ سُوءٍ وتَقْضِي له كُلَّ حَاجَةٍ، وَمَنْ قَرَأهَا عَدَلَتْ لَهُ عِشْرينَ حَجّةً ومَنْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَلْفُ دِينَارٍ في سَبِيل اللَّهُ وَمَنْ كَتَبَهَا وَشَربَهَا أدْخَلَتْ جَوْفَه ألفَ دَواء وألْفَ يَقين وألفَ رَأْفَةٍ ونُزعَ منه كُلُّ دَاءٍ وغِلّ، وعن أبي أُمامَةَ عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ قَرَأ يس يُريدُ بها وَجْهَ - عَزَّ وَجَلَ - غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وأعْطِيَ منَ الأَجْر كَأَنَّما قَرَأ القُرْآنَ اثْنَتَي عَشْرَةَ مَرَّةً، وأَيُّمَا مَرِيض قُرئَ عنءدَه سورةُ يٍ نَزَلَ عَلَيْهِ بِقَدْر كُلِّ حَرْف عَشْرَة أمْلاك، يَقُومُون بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفاً فيصَلُّون عَلَيْهِ ويَسْتَغْفِرون علَيه ويَشْهَدونَ قَبْضَهُ وغُسْلَهُ وَيتّبِعُونَ جَنَازَتُه ويُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَشْهَدُون دَفْنَهُ وأَيُّما مَريض قَرَأ سُورَةَ يس وَهُو فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ لَمْ يَقْبضْ مَلَكُ الموتِ رُوحَه حَتَّى يَجِيئَهُ رَضْوَانُ خَازنُ الجِنَانِ بشَرْبةٍ مِن الجَنَّة فَيَشْرَبُها وهُوَ عَلَى فِرَاشِه فَيموتُ وَهُو رَيَّانُ ويُبْعَثُ وَهُوَ رَيَّانُ، وَيُحَاسَبُ وَهُو رَيَّانُ وَلاَ يَحْتَاج إلَى حَوْضٍ مِنْ حياض الأنْبِيَاء، حَتَّة يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَهُوَ رَيَّان» وعن أبي هريرة قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ دَخَلَ المَقَابِرَ فَقَرأ سُورة يس خَفَّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ وعن يحيى بن أبي كثير قال: بَلَغَنا» مَنْ قَرَآَ يس حِين يُصْبحُ لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحٍ حَتَّى يُمْسِي وَمَنْ قَرَأها حِينَ يُمْسِي لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحِ حَتَّى يُصْبح» .

يس 36:81

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ لما ذكر دليلاً من الآفاق على وجوب عبادته بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً﴾ [يس: 71] ذكر دليلاً من الأنفس فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ قيل: المراد بالإنسان أبيّ بن خلف الجُمَحِيّ «خَاصَمَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في إنكار البعث وأتاه بعظم قد بلي ففتته بيده وقال: أترى يُحْيِي اللُّهُ هذا العظمَ بعدما رَمَّ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: نعم ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُك النار» . فأنزل الله هذه الآيات قال ابن الخطيب: وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ألا ترى قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1] نزلت في واحدة وأراد الحكم في الكل فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر هذه الآية ردّ عليه وقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ﴾ أي جَدِلٌ بالباطل «مبين» بيّن الخصومة. وفي (هذه) الآية لطيفة وهي أن اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء النطفة آية ظاهرة ومع ذلك فهناك ما هو أظهر، وهو نُطْقُهُ وفَهْمُهُ لأن لانطفة جسم فهبْ أن جاهلاً يقول إنه استحال جسماً آخر لكن القوة الناطقة، والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو (إلى) إدراك القوة والاختيار منه أقرب فقوله: «خَصِيمٌ» أي ناطق، وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق لأنه أعلى أحوال الناطق فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصماً لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه. قوله (تعالى) : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ قرأ زيد بن علي: «ونَسِيَ خَالِقَهُ» بزنة اسم الفاعل. فصل المعنى: «ونَسِيَ خلقه» أي بَدْءَ أمره ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ قيل: فَعِيلٌ بمعنى فاعلٍ، وقيل: مفعول فعلى الأول عدم التاء غير مقس وقال الزمخشري: الرَّميم اسم لما بَلِيَ من العظام غير صفة كالرّمَة والرفات فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبراً لمؤنث ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول وقال البغوي ولم يقل: رميمة لأنه معدول من فاعله فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن يقل: رميمة لأنه معدول من فاعلة فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن إعرابه كقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم: 28] أسقط الهاء لأنها مصروفة عن «باغية» . فصل هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر، واعلم أن المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلاً ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثر كقولهم: ﴿وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: 10] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنين: 82] ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ على طريق الاستعباد، فأبطل استبعادهم بقوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة (الأجزاء) ثم جعلنا لهم من النَّواصِيَ إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصّورة، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل اللذي (ن) بهما استحوقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن مَحَلاًّ للحياة أصلاً ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه. واخْتَارُوا العَظْم بالذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البِلَى والتّفَتّت. والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ أي جعل قدرتنا كقدرتهم «ونسيَ خَلْقَهُ» العجيب وبدأه الغري. ومنهم من ذكر شبهة وإن في آخرها يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين: الأول: أنه بعد العدم لن يبقى شيء فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود؟! فأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله تعالى: ﴿الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكرواً كذلك يعيده وإن لم يبق شيئياً مذكوراً. الثاني: أن من تَفَرَّقت أجزاؤه في مشارق الأرض ومغاربها وصار بعضه في أبْدانِ السِّباع، وبعضه في حواصل الطيوب وبعض في جُدْرَان الرباع كيف يجمتع؟ وأبعد من هذا: لو أكل الإنسان إنساناً وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل (فإن أعيدت أجزاء الآكل) فلا يبقى للمأكول أجزاء تتخلق منها أعضاء وإما أن تُعَاد إلى بدن المأكول فلا يبقى للآكل أجزاء. فأبطل الله تعالى هذه الشبهة بقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ووجهه: أن في الأكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك فإذا أكل إنسانً إنساناً صار الأصلي من أجزاء المأكول فضلياً من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان قبل الأكل فاللَّه بكل خلق عليم يعلم الأصل من الفضل فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيه روحاً وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في البِقَاع المتبددة بحكمته وقدرته. ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال نكارهم فقال: ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً﴾ هذه قراءة العامة، وقرئ الخَضْرَا اعتباراً بالمعنى، وقد تقدم أنه يجوز تذكر اسم الجنس وتأنيثه قال تعالى: ﴿نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20] ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] وتقدم أن بني تميم ونَجْد يذكِّرونه، والحجاز يؤنثونه إلا ألفاظاً اسْتُثْنِيَتْ. فصل قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما المرخ وللأخرى العفار فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خَصْراوان يقطران الماء فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى. وتقول العرب: فِي كُلّ شَجَرٍ نَارٌ واستمجد المَرْخُ العَفَار. وقالت الحكماء: في كل شجرنا إلا العنّاب. قوله: ﴿فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ أي تَقْدحُون وتُوقدون النار من ذلك الشجر، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال ﴿أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ هذه قراءة العامة ودخلت الباء زائدة على اسم الفاعل، والجَحْدَرِيّ وابن أبي إسحاق والأعرج «يَقْدر» فعلاً مضارعاً والضمير لتضمنهم مَنْ يعقل ثم قال: «بلى» (أي قل بلى) هو قادر على ذلك ﴿وَهُوَ الخلاق العليم﴾ (يخلق خلقاً بعد خلق) العليم بجميع ما خلق و «بَلَى» جواب «للَيْسَ» وإن دخل عليها الاستفهام لتصيرها إيجاباً والعامة على «الخَلاَّقُ» صيغة مبالغة، والجَحْدَريّ والحَسَن ومالكُ بن دينَارٍ «الخَالِقُ» اسم فاعل. قوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ تقدم الخلاف في «فيكون» نصباً ورفعاً وتوجيه ذلك في البقرة. قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قرأ طلحةُ والأعمش مَلَكَةُ بزنة شَجَرَةٍ. وقرئ مَمْلَكَة بزنة مَفْعَلَةٍ وقرئ مُلْكُ والملكوت أبلغ الجميع، والعامة على «تُرْجَعُونَ» مبنياً للمفعول، وزيدُ بن عليِّ مبنيًّا للفاعل وتقدم الكلام على قوله «سُبْحَانَ» والتسبيحُ التنزيه، والمكوتُ مبالغة في المُلْك كالرَّحَمُوت والرَّهَبُوت، وهو فَعَلُول أو فَعلَلُوت فيه كلام، قال - عليه (الصلاة و) السلام -: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» وقال عليه (الصلاة و) السلام: «لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبٌ، وإنَّ قَلْبَ القُرآنِ سُورَةُ يس وَمنْ قَرَأ يس كَتَب اللَّهُ لَهُ بقراءَتِهَا قِرَاءَةَ القُرْآنِ عَشْرَ مَرَّات» وعن عائشة قالت: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: إنَّ فِي القرآن سُورَةً تَشْفَعُ لقَارِئها ويُغْفَر لمُسْتَمِعِها أَلاَ وِهِيَ سُورَة يس» وعن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يس تُدْعَى المُعِمَّة قيل: يا رسول الله: وما المُعمَّة؟ قال: تَعُمّ صاحبها خَيْرَ الدُّنْيَا والآخِرَة وتُدْعَى الدافِعَة القَاضِيَة تَدْفَعُ عَنه كُلَّ سُوءٍ وتَقْضِي له كُلَّ حَاجَةٍ، وَمَنْ قَرَأهَا عَدَلَتْ لَهُ عِشْرينَ حَجّةً ومَنْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَلْفُ دِينَارٍ في سَبِيل اللَّهُ وَمَنْ كَتَبَهَا وَشَربَهَا أدْخَلَتْ جَوْفَه ألفَ دَواء وألْفَ يَقين وألفَ رَأْفَةٍ ونُزعَ منه كُلُّ دَاءٍ وغِلّ، وعن أبي أُمامَةَ عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ قَرَأ يس يُريدُ بها وَجْهَ - عَزَّ وَجَلَ - غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وأعْطِيَ منَ الأَجْر كَأَنَّما قَرَأ القُرْآنَ اثْنَتَي عَشْرَةَ مَرَّةً، وأَيُّمَا مَرِيض قُرئَ عنءدَه سورةُ يٍ نَزَلَ عَلَيْهِ بِقَدْر كُلِّ حَرْف عَشْرَة أمْلاك، يَقُومُون بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفاً فيصَلُّون عَلَيْهِ ويَسْتَغْفِرون علَيه ويَشْهَدونَ قَبْضَهُ وغُسْلَهُ وَيتّبِعُونَ جَنَازَتُه ويُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَشْهَدُون دَفْنَهُ وأَيُّما مَريض قَرَأ سُورَةَ يس وَهُو فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ لَمْ يَقْبضْ مَلَكُ الموتِ رُوحَه حَتَّى يَجِيئَهُ رَضْوَانُ خَازنُ الجِنَانِ بشَرْبةٍ مِن الجَنَّة فَيَشْرَبُها وهُوَ عَلَى فِرَاشِه فَيموتُ وَهُو رَيَّانُ ويُبْعَثُ وَهُوَ رَيَّانُ، وَيُحَاسَبُ وَهُو رَيَّانُ وَلاَ يَحْتَاج إلَى حَوْضٍ مِنْ حياض الأنْبِيَاء، حَتَّة يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَهُوَ رَيَّان» وعن أبي هريرة قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ دَخَلَ المَقَابِرَ فَقَرأ سُورة يس خَفَّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ وعن يحيى بن أبي كثير قال: بَلَغَنا» مَنْ قَرَآَ يس حِين يُصْبحُ لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحٍ حَتَّى يُمْسِي وَمَنْ قَرَأها حِينَ يُمْسِي لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحِ حَتَّى يُصْبح» .

يس 36:82

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ لما ذكر دليلاً من الآفاق على وجوب عبادته بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً﴾ [يس: 71] ذكر دليلاً من الأنفس فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ قيل: المراد بالإنسان أبيّ بن خلف الجُمَحِيّ «خَاصَمَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في إنكار البعث وأتاه بعظم قد بلي ففتته بيده وقال: أترى يُحْيِي اللُّهُ هذا العظمَ بعدما رَمَّ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: نعم ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُك النار» . فأنزل الله هذه الآيات قال ابن الخطيب: وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ألا ترى قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1] نزلت في واحدة وأراد الحكم في الكل فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر هذه الآية ردّ عليه وقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ﴾ أي جَدِلٌ بالباطل «مبين» بيّن الخصومة. وفي (هذه) الآية لطيفة وهي أن اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء النطفة آية ظاهرة ومع ذلك فهناك ما هو أظهر، وهو نُطْقُهُ وفَهْمُهُ لأن لانطفة جسم فهبْ أن جاهلاً يقول إنه استحال جسماً آخر لكن القوة الناطقة، والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو (إلى) إدراك القوة والاختيار منه أقرب فقوله: «خَصِيمٌ» أي ناطق، وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق لأنه أعلى أحوال الناطق فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصماً لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه. قوله (تعالى) : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ قرأ زيد بن علي: «ونَسِيَ خَالِقَهُ» بزنة اسم الفاعل. فصل المعنى: «ونَسِيَ خلقه» أي بَدْءَ أمره ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ قيل: فَعِيلٌ بمعنى فاعلٍ، وقيل: مفعول فعلى الأول عدم التاء غير مقس وقال الزمخشري: الرَّميم اسم لما بَلِيَ من العظام غير صفة كالرّمَة والرفات فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبراً لمؤنث ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول وقال البغوي ولم يقل: رميمة لأنه معدول من فاعله فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن يقل: رميمة لأنه معدول من فاعلة فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن إعرابه كقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم: 28] أسقط الهاء لأنها مصروفة عن «باغية» . فصل هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر، واعلم أن المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلاً ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثر كقولهم: ﴿وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: 10] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنين: 82] ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ على طريق الاستعباد، فأبطل استبعادهم بقوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة (الأجزاء) ثم جعلنا لهم من النَّواصِيَ إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصّورة، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل اللذي (ن) بهما استحوقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن مَحَلاًّ للحياة أصلاً ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه. واخْتَارُوا العَظْم بالذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البِلَى والتّفَتّت. والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ أي جعل قدرتنا كقدرتهم «ونسيَ خَلْقَهُ» العجيب وبدأه الغري. ومنهم من ذكر شبهة وإن في آخرها يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين: الأول: أنه بعد العدم لن يبقى شيء فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود؟! فأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله تعالى: ﴿الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكرواً كذلك يعيده وإن لم يبق شيئياً مذكوراً. الثاني: أن من تَفَرَّقت أجزاؤه في مشارق الأرض ومغاربها وصار بعضه في أبْدانِ السِّباع، وبعضه في حواصل الطيوب وبعض في جُدْرَان الرباع كيف يجمتع؟ وأبعد من هذا: لو أكل الإنسان إنساناً وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل (فإن أعيدت أجزاء الآكل) فلا يبقى للمأكول أجزاء تتخلق منها أعضاء وإما أن تُعَاد إلى بدن المأكول فلا يبقى للآكل أجزاء. فأبطل الله تعالى هذه الشبهة بقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ووجهه: أن في الأكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك فإذا أكل إنسانً إنساناً صار الأصلي من أجزاء المأكول فضلياً من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان قبل الأكل فاللَّه بكل خلق عليم يعلم الأصل من الفضل فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيه روحاً وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في البِقَاع المتبددة بحكمته وقدرته. ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال نكارهم فقال: ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً﴾ هذه قراءة العامة، وقرئ الخَضْرَا اعتباراً بالمعنى، وقد تقدم أنه يجوز تذكر اسم الجنس وتأنيثه قال تعالى: ﴿نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20] ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] وتقدم أن بني تميم ونَجْد يذكِّرونه، والحجاز يؤنثونه إلا ألفاظاً اسْتُثْنِيَتْ. فصل قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما المرخ وللأخرى العفار فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خَصْراوان يقطران الماء فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى. وتقول العرب: فِي كُلّ شَجَرٍ نَارٌ واستمجد المَرْخُ العَفَار. وقالت الحكماء: في كل شجرنا إلا العنّاب. قوله: ﴿فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ أي تَقْدحُون وتُوقدون النار من ذلك الشجر، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال ﴿أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ هذه قراءة العامة ودخلت الباء زائدة على اسم الفاعل، والجَحْدَرِيّ وابن أبي إسحاق والأعرج «يَقْدر» فعلاً مضارعاً والضمير لتضمنهم مَنْ يعقل ثم قال: «بلى» (أي قل بلى) هو قادر على ذلك ﴿وَهُوَ الخلاق العليم﴾ (يخلق خلقاً بعد خلق) العليم بجميع ما خلق و «بَلَى» جواب «للَيْسَ» وإن دخل عليها الاستفهام لتصيرها إيجاباً والعامة على «الخَلاَّقُ» صيغة مبالغة، والجَحْدَريّ والحَسَن ومالكُ بن دينَارٍ «الخَالِقُ» اسم فاعل. قوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ تقدم الخلاف في «فيكون» نصباً ورفعاً وتوجيه ذلك في البقرة. قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قرأ طلحةُ والأعمش مَلَكَةُ بزنة شَجَرَةٍ. وقرئ مَمْلَكَة بزنة مَفْعَلَةٍ وقرئ مُلْكُ والملكوت أبلغ الجميع، والعامة على «تُرْجَعُونَ» مبنياً للمفعول، وزيدُ بن عليِّ مبنيًّا للفاعل وتقدم الكلام على قوله «سُبْحَانَ» والتسبيحُ التنزيه، والمكوتُ مبالغة في المُلْك كالرَّحَمُوت والرَّهَبُوت، وهو فَعَلُول أو فَعلَلُوت فيه كلام، قال - عليه (الصلاة و) السلام -: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» وقال عليه (الصلاة و) السلام: «لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبٌ، وإنَّ قَلْبَ القُرآنِ سُورَةُ يس وَمنْ قَرَأ يس كَتَب اللَّهُ لَهُ بقراءَتِهَا قِرَاءَةَ القُرْآنِ عَشْرَ مَرَّات» وعن عائشة قالت: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: إنَّ فِي القرآن سُورَةً تَشْفَعُ لقَارِئها ويُغْفَر لمُسْتَمِعِها أَلاَ وِهِيَ سُورَة يس» وعن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يس تُدْعَى المُعِمَّة قيل: يا رسول الله: وما المُعمَّة؟ قال: تَعُمّ صاحبها خَيْرَ الدُّنْيَا والآخِرَة وتُدْعَى الدافِعَة القَاضِيَة تَدْفَعُ عَنه كُلَّ سُوءٍ وتَقْضِي له كُلَّ حَاجَةٍ، وَمَنْ قَرَأهَا عَدَلَتْ لَهُ عِشْرينَ حَجّةً ومَنْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَلْفُ دِينَارٍ في سَبِيل اللَّهُ وَمَنْ كَتَبَهَا وَشَربَهَا أدْخَلَتْ جَوْفَه ألفَ دَواء وألْفَ يَقين وألفَ رَأْفَةٍ ونُزعَ منه كُلُّ دَاءٍ وغِلّ، وعن أبي أُمامَةَ عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ قَرَأ يس يُريدُ بها وَجْهَ - عَزَّ وَجَلَ - غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وأعْطِيَ منَ الأَجْر كَأَنَّما قَرَأ القُرْآنَ اثْنَتَي عَشْرَةَ مَرَّةً، وأَيُّمَا مَرِيض قُرئَ عنءدَه سورةُ يٍ نَزَلَ عَلَيْهِ بِقَدْر كُلِّ حَرْف عَشْرَة أمْلاك، يَقُومُون بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفاً فيصَلُّون عَلَيْهِ ويَسْتَغْفِرون علَيه ويَشْهَدونَ قَبْضَهُ وغُسْلَهُ وَيتّبِعُونَ جَنَازَتُه ويُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَشْهَدُون دَفْنَهُ وأَيُّما مَريض قَرَأ سُورَةَ يس وَهُو فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ لَمْ يَقْبضْ مَلَكُ الموتِ رُوحَه حَتَّى يَجِيئَهُ رَضْوَانُ خَازنُ الجِنَانِ بشَرْبةٍ مِن الجَنَّة فَيَشْرَبُها وهُوَ عَلَى فِرَاشِه فَيموتُ وَهُو رَيَّانُ ويُبْعَثُ وَهُوَ رَيَّانُ، وَيُحَاسَبُ وَهُو رَيَّانُ وَلاَ يَحْتَاج إلَى حَوْضٍ مِنْ حياض الأنْبِيَاء، حَتَّة يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَهُوَ رَيَّان» وعن أبي هريرة قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ دَخَلَ المَقَابِرَ فَقَرأ سُورة يس خَفَّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ وعن يحيى بن أبي كثير قال: بَلَغَنا» مَنْ قَرَآَ يس حِين يُصْبحُ لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحٍ حَتَّى يُمْسِي وَمَنْ قَرَأها حِينَ يُمْسِي لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحِ حَتَّى يُصْبح» .

يس 36:83

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ لما ذكر دليلاً من الآفاق على وجوب عبادته بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً﴾ [يس: 71] ذكر دليلاً من الأنفس فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ قيل: المراد بالإنسان أبيّ بن خلف الجُمَحِيّ «خَاصَمَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في إنكار البعث وأتاه بعظم قد بلي ففتته بيده وقال: أترى يُحْيِي اللُّهُ هذا العظمَ بعدما رَمَّ فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: نعم ويَبْعَثُكَ ويُدْخِلُك النار» . فأنزل الله هذه الآيات قال ابن الخطيب: وقد ثبت في أصول الفقه أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ألا ترى قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1] نزلت في واحدة وأراد الحكم في الكل فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر هذه الآية ردّ عليه وقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ﴾ أي جَدِلٌ بالباطل «مبين» بيّن الخصومة. وفي (هذه) الآية لطيفة وهي أن اختلاف صور أعضائه مع تشابه أجزاء النطفة آية ظاهرة ومع ذلك فهناك ما هو أظهر، وهو نُطْقُهُ وفَهْمُهُ لأن لانطفة جسم فهبْ أن جاهلاً يقول إنه استحال جسماً آخر لكن القوة الناطقة، والقوة الفاهمة من أين تقتضيهما النطفة فإبداع النطق والفهم أعجب وأغرب من إبداع الخلق والجسم وهو (إلى) إدراك القوة والاختيار منه أقرب فقوله: «خَصِيمٌ» أي ناطق، وإنما ذكر الخصيم مكان الناطق لأنه أعلى أحوال الناطق فإن الناطق مع نفسه لا يبين كلامه مثل ما يبينه وهو يتكلم مع غيره والمتكلم مع غيره إذا لم يكن خصماً لا يبين ولا يجتهد مثل ما يجتهد إذا كان كلامه مع خصمه. قوله (تعالى) : ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ قرأ زيد بن علي: «ونَسِيَ خَالِقَهُ» بزنة اسم الفاعل. فصل المعنى: «ونَسِيَ خلقه» أي بَدْءَ أمره ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ قيل: فَعِيلٌ بمعنى فاعلٍ، وقيل: مفعول فعلى الأول عدم التاء غير مقس وقال الزمخشري: الرَّميم اسم لما بَلِيَ من العظام غير صفة كالرّمَة والرفات فلا يقال: لم لم يؤنث وقد وقع خبراً لمؤنث ولا هو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول وقال البغوي ولم يقل: رميمة لأنه معدول من فاعله فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن يقل: رميمة لأنه معدول من فاعلة فكل ما كان معدولاً عن وجهه ووزنه كان مصروفاً عن إعرابه كقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ [مريم: 28] أسقط الهاء لأنها مصروفة عن «باغية» . فصل هذه الآية وما بعدها إشارة إلى بيان الحشر، واعلم أن المنكرين للحشر منهم من لم يذكر فيه دليلاً ولا شبهة بل اكتفى بمجرد الاستبعاد وهم الأكثر كقولهم: ﴿وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: 10] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنين: 82] ﴿قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ على طريق الاستعباد، فأبطل استبعادهم بقوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ أي نسي أنا خلقناه من تراب ومن نطفة متشابهة (الأجزاء) ثم جعلنا لهم من النَّواصِيَ إلى الأقدام أعضاء مختلفة الصّورة، وما اكتفينا بذلك حتى أودعناهم ما ليس من قبيل هذه الأجرام وهو النطق والعقل اللذي (ن) بهما استحوقوا الإكرام فإن كانوا يقنعون بمجرد الاستبعاد فهلا يستبعدون خلق الناطق العاقل من نطفة قذرة لم تكن مَحَلاًّ للحياة أصلاً ويستبعدون إعادة النطق والعقل إلى محل كانا فيه. واخْتَارُوا العَظْم بالذكر لأنه أبعد عن الحياة لعدم الإحساس فيه ووصفوه بما يقوي جانب الاستبعاد من البِلَى والتّفَتّت. والله تعالى دفع استبعادهم من جهة ما في العبد من القدرة والعلم فقال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً﴾ أي جعل قدرتنا كقدرتهم «ونسيَ خَلْقَهُ» العجيب وبدأه الغري. ومنهم من ذكر شبهة وإن في آخرها يعود إلى مجرد الاستبعاد وهي على وجهين: الأول: أنه بعد العدم لن يبقى شيء فكيف يصح على العدم الحكم بالوجود؟! فأجاب الله عن هذه الشبهة بقوله تعالى: ﴿الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني كما خلق الإنسان ولم يكن شيئاً مذكرواً كذلك يعيده وإن لم يبق شيئياً مذكوراً. الثاني: أن من تَفَرَّقت أجزاؤه في مشارق الأرض ومغاربها وصار بعضه في أبْدانِ السِّباع، وبعضه في حواصل الطيوب وبعض في جُدْرَان الرباع كيف يجمتع؟ وأبعد من هذا: لو أكل الإنسان إنساناً وصار أجزاء المأكول في أجزاء الآكل (فإن أعيدت أجزاء الآكل) فلا يبقى للمأكول أجزاء تتخلق منها أعضاء وإما أن تُعَاد إلى بدن المأكول فلا يبقى للآكل أجزاء. فأبطل الله تعالى هذه الشبهة بقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ووجهه: أن في الأكل أجزاء أصلية وأجزاء فضلية وفي المأكول كذلك فإذا أكل إنسانً إنساناً صار الأصلي من أجزاء المأكول فضلياً من أجزاء الآكل والأجزاء الأصلية للآكل هي ما كان قبل الأكل فاللَّه بكل خلق عليم يعلم الأصل من الفضل فيجمع الأجزاء الأصلية للآكل ويجمع الأجزاء الأصلية للمأكول وينفخ فيه روحاً وكذلك يجمع أجزاءه المتفرقة في البِقَاع المتبددة بحكمته وقدرته. ثم إنه تعالى عاد إلى تقرير ما تقدم من دفع استبعادهم وإبطال نكارهم فقال: ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً﴾ هذه قراءة العامة، وقرئ الخَضْرَا اعتباراً بالمعنى، وقد تقدم أنه يجوز تذكر اسم الجنس وتأنيثه قال تعالى: ﴿نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20] ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: 7] وتقدم أن بني تميم ونَجْد يذكِّرونه، والحجاز يؤنثونه إلا ألفاظاً اسْتُثْنِيَتْ. فصل قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما المرخ وللأخرى العفار فمن أراد منهما النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خَصْراوان يقطران الماء فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله تعالى. وتقول العرب: فِي كُلّ شَجَرٍ نَارٌ واستمجد المَرْخُ العَفَار. وقالت الحكماء: في كل شجرنا إلا العنّاب. قوله: ﴿فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ﴾ أي تَقْدحُون وتُوقدون النار من ذلك الشجر، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال ﴿أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾ هذه قراءة العامة ودخلت الباء زائدة على اسم الفاعل، والجَحْدَرِيّ وابن أبي إسحاق والأعرج «يَقْدر» فعلاً مضارعاً والضمير لتضمنهم مَنْ يعقل ثم قال: «بلى» (أي قل بلى) هو قادر على ذلك ﴿وَهُوَ الخلاق العليم﴾ (يخلق خلقاً بعد خلق) العليم بجميع ما خلق و «بَلَى» جواب «للَيْسَ» وإن دخل عليها الاستفهام لتصيرها إيجاباً والعامة على «الخَلاَّقُ» صيغة مبالغة، والجَحْدَريّ والحَسَن ومالكُ بن دينَارٍ «الخَالِقُ» اسم فاعل. قوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ تقدم الخلاف في «فيكون» نصباً ورفعاً وتوجيه ذلك في البقرة. قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قرأ طلحةُ والأعمش مَلَكَةُ بزنة شَجَرَةٍ. وقرئ مَمْلَكَة بزنة مَفْعَلَةٍ وقرئ مُلْكُ والملكوت أبلغ الجميع، والعامة على «تُرْجَعُونَ» مبنياً للمفعول، وزيدُ بن عليِّ مبنيًّا للفاعل وتقدم الكلام على قوله «سُبْحَانَ» والتسبيحُ التنزيه، والمكوتُ مبالغة في المُلْك كالرَّحَمُوت والرَّهَبُوت، وهو فَعَلُول أو فَعلَلُوت فيه كلام، قال - عليه (الصلاة و) السلام -: «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس» وقال عليه (الصلاة و) السلام: «لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبٌ، وإنَّ قَلْبَ القُرآنِ سُورَةُ يس وَمنْ قَرَأ يس كَتَب اللَّهُ لَهُ بقراءَتِهَا قِرَاءَةَ القُرْآنِ عَشْرَ مَرَّات» وعن عائشة قالت: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: إنَّ فِي القرآن سُورَةً تَشْفَعُ لقَارِئها ويُغْفَر لمُسْتَمِعِها أَلاَ وِهِيَ سُورَة يس» وعن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يس تُدْعَى المُعِمَّة قيل: يا رسول الله: وما المُعمَّة؟ قال: تَعُمّ صاحبها خَيْرَ الدُّنْيَا والآخِرَة وتُدْعَى الدافِعَة القَاضِيَة تَدْفَعُ عَنه كُلَّ سُوءٍ وتَقْضِي له كُلَّ حَاجَةٍ، وَمَنْ قَرَأهَا عَدَلَتْ لَهُ عِشْرينَ حَجّةً ومَنْ سَمِعَهَا كَانَ لَهُ أَلْفُ دِينَارٍ في سَبِيل اللَّهُ وَمَنْ كَتَبَهَا وَشَربَهَا أدْخَلَتْ جَوْفَه ألفَ دَواء وألْفَ يَقين وألفَ رَأْفَةٍ ونُزعَ منه كُلُّ دَاءٍ وغِلّ، وعن أبي أُمامَةَ عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ قَرَأ يس يُريدُ بها وَجْهَ - عَزَّ وَجَلَ - غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وأعْطِيَ منَ الأَجْر كَأَنَّما قَرَأ القُرْآنَ اثْنَتَي عَشْرَةَ مَرَّةً، وأَيُّمَا مَرِيض قُرئَ عنءدَه سورةُ يٍ نَزَلَ عَلَيْهِ بِقَدْر كُلِّ حَرْف عَشْرَة أمْلاك، يَقُومُون بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفاً فيصَلُّون عَلَيْهِ ويَسْتَغْفِرون علَيه ويَشْهَدونَ قَبْضَهُ وغُسْلَهُ وَيتّبِعُونَ جَنَازَتُه ويُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَشْهَدُون دَفْنَهُ وأَيُّما مَريض قَرَأ سُورَةَ يس وَهُو فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ لَمْ يَقْبضْ مَلَكُ الموتِ رُوحَه حَتَّى يَجِيئَهُ رَضْوَانُ خَازنُ الجِنَانِ بشَرْبةٍ مِن الجَنَّة فَيَشْرَبُها وهُوَ عَلَى فِرَاشِه فَيموتُ وَهُو رَيَّانُ ويُبْعَثُ وَهُوَ رَيَّانُ، وَيُحَاسَبُ وَهُو رَيَّانُ وَلاَ يَحْتَاج إلَى حَوْضٍ مِنْ حياض الأنْبِيَاء، حَتَّة يَدْخُلَ الجَنَّةَ وَهُوَ رَيَّان» وعن أبي هريرة قال: «قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَنْ دَخَلَ المَقَابِرَ فَقَرأ سُورة يس خَفَّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ وعن يحيى بن أبي كثير قال: بَلَغَنا» مَنْ قَرَآَ يس حِين يُصْبحُ لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحٍ حَتَّى يُمْسِي وَمَنْ قَرَأها حِينَ يُمْسِي لَمْ يَزَلْ فِي فَرَحِ حَتَّى يُصْبح» .