Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الصافات 37:180 – ص 38:25

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. الصافات 37:180
  2. الصافات 37:181
  3. الصافات 37:182
  4. ص 38:1
  5. ص 38:2
  6. ص 38:3
  7. ص 38:4
  8. ص 38:5
  9. ص 38:6
  10. ص 38:7
  11. ص 38:8
  12. ص 38:9
  13. ص 38:10
  14. ص 38:11
  15. ص 38:12
  16. ص 38:13
  17. ص 38:14
  18. ص 38:15
  19. ص 38:16
  20. ص 38:17
  21. ص 38:18
  22. ص 38:19
  23. ص 38:20
  24. ص 38:21
  25. ص 38:22
  26. ص 38:23
  27. ص 38:24
  28. ص 38:25

الصافات 37:180

قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين﴾ وهي قوله: ﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ [المجادلة: 21] لما هدد الكفار بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 3] أردفه بما يقوي قلب الرسول فقال ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ والنُّصْرَةُ والغلبة قد تكون بالحُجَّة وقد تكون بالدولة والاستيلاء وقد تكون بالدوام والثبات فالمؤمن وإن صار مغلوباً في بعض الأوقات بسبب ضَعْفِ أحوال الدنيا فهو الغالب ولا يلزم على هذه الآية أن يقال قد قتل الأنبياء وهزم كثيرةٌ من المؤمنين. قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون﴾ تفسير للكلمة فيجوز أن لايكون هلا محلٌّ من الإعراب، ويجوز أن تكون خبر مبتداً مضمر ومنصوبة بإضمار فعل أي هي أنهم لهم المنصورون أو أعني بالكلمة هذا اللفظ ويكون ذلك على سبيل الحكاية لأنك لو صحرت بالفعل قبلها حاكياً للجملة بعده كان صحيحاً كأنك قلت: عنيت هذا اللفظ كما تقول: كَتَبْتُ زَيدٌ قَائِمٌ، وإنَّ زَيْداً لَقَائِمٌ وقرأ الضحاك: «كَلِمَاتُنَا» جمعاً. قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي أعرضْ عنهم «حَتًّى حِين» قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يوم بدر، وقال السدي: حتى يأمرك الله بالقتال، وقيل: إلى أن يأتيهم عذابُ الله، وقيل: إلَى فتحِ مكة. قال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال «وَأَبْصِرْهُمْ» إذا نزل بهم العذاب عن القتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة «فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ» ذلك من النصرة والتأييد في الدناي والثواب العظيم في الآخرة فقالوا: متى هذا العذاب؟ فقال تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي إن ذلك الاستجعال جهل لأن لكُلّ شيء من أفعال الله تعالى وقتاً معيَّناً لا يتقدم ولا يتأخر. قوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ العامة على نَزَل مبنياً للفاعل، وعبدُ اللَّهِ مبنياً للمفعول، والجارّ قائم مَقَام فاعله. والساحة الفناء الخالِي من الأبنية وجمعها سُوحق فألفها عن واوٍ فيُصغَّر على سُوَيْحَةٍ قال الشاعر: 4231 - فَكَانَ سِيَّانِ أَنْ لاَ يَسْرَحُوا نَعَماً ... أَوْ يَسْرَحُوهُ بِهَا وَاغْبَرَّتِ السُّوحُ وبهذا يتبين ضعف قول الراغب: إنها من ذَواتِ اليَاء حيث عدها في مادة سيح، ثم قال: الساحة المكان الواسع ومنه: ساحة الدر. والسائح الماء الجري في الساحة، وسَاحَ فلانٌ في الأرْض مَرَّ مَرَّ السائح. ورجل سَائِحٌ وَسيَّاح انتهى. ويحتمل أنْ يَكثون لها مادَّتَانِ لكن كان ينبغي أن يذكر ما هي الأشهر أو يذكرهما معاً. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ يعني العذاب بساحَتِهِمْ، قال مقاتل: بحَضْرَتِهِمْ وقيل: بعِتابهم. قال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ المنذرين﴾ فبئس صَبَاح الكَافرين الذين أُنْذِرُوا بالعذاب. لما خرج - عليه (الصَّلاَةُ و) السلام - إلى خَبيْبَرَ أتاها ليلاً، وكان إذا جَاء قوماً بلَيْلٍ لم يَغْزُ حتى يُصْبحَ فلما أصبح خرجت يهودُ (خَيْبَرَ) بمَسَاحِيها ومَكَاتِلِهَا، فلما رأوه قالوا: مُحَمَّد واللَّهِ مُحَمَّد والخميس فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اللَّهُ أكبرُ خَرِبَتُ خَيْبَر إنَّا إذا نَزَلْنَا بسَاحَةِ قوْمِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ» . قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قيل: المراد من هذه الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا وفي هذه الكلمة أحوال القيامة وعلى التقديرين فالتكرير زائل، وقيل: المراد من التكرير المبالغة في التَّهديد والتَّهْويلِ. فإن قيل: ما الحكمة في قوله أولاً: «وَأَبْصِرهُمْ» وههنا قال: «وَأَبْصِرْ» بغير ضمير؟ فالجواب أنه حذف مفعول «أبصر» الثاني إمَّا اختصراً لدلالة الأولى عليه وما اقتصار تقنُّناً في البلاغة ثمَّ إنَّهُ تعالى ختم السورة بتنزيه نفسه عن كل ما لا يليق بصفات الإلهيّة فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة﴾ أي الغلبة والقوة، أضاف الربَّ إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل: ذُو العِزَّة، كما تقول: صاحب صدق لاختصاصه به. وقيل: المراد بالعزة المخلوقة الكائنة بيْن خلقه. ويترتب على القولين مسألة اليمين. فصل قوله: ﴿رَبِّكَ رَبِّ العزة﴾ الربوبية إشارة إلى كمال الحكمة والرحكمة والعزة إشارة إلى كمال القدرة، فقوله: «رب العزة» يدل على أنه القادر على جميع الحوادث، لأن الألف واللام في قوله: «العزة» يفيد الاستغراق وإذا كان الكل ملكاً له لم يبق لغيره شيء فثبت أن قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ﴾ كلمة محتوية على أقصى الدرجات وأكمل النهايات «وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ» ، الذين بلغوا عن الله التوحيد بالشرائع «وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبَّ العَالَمِينَ» على هلك الأعداد ونصر الأنبياء - عليه (الصلاة و) السلام -. رُوي عن عليِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال «مَنْ أَحَبَّ أنْ يَكْتَالَ بِالمِكْيَالِ الأَوْفَى مِنَ الأَجْرِ فَلْيَكُنْ آخِرَ كَلاَمِهِ مِنْ مَجْلِسِهِ: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وسَلامٌ على المُرْسَلينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ورَوَى أبو أمامة عن أبيِّ بن كعب قال:» قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من قرأ سورة» والصافات «أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ جنِّيِّ وَشَيْطَانِ وَتَبَاعَدَتْ مِنْهُ مَرَدَةُ الشياطين وَبِرئَ مِنَ الشِّرْكِ وشَهِدَ لَهُ حَافِظَاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أنَّه كَانَ مُؤْمِناً» . والله سبحانه وتعالى أعلم. سورة ص

الصافات 37:181

قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين﴾ وهي قوله: ﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ [المجادلة: 21] لما هدد الكفار بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 3] أردفه بما يقوي قلب الرسول فقال ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ والنُّصْرَةُ والغلبة قد تكون بالحُجَّة وقد تكون بالدولة والاستيلاء وقد تكون بالدوام والثبات فالمؤمن وإن صار مغلوباً في بعض الأوقات بسبب ضَعْفِ أحوال الدنيا فهو الغالب ولا يلزم على هذه الآية أن يقال قد قتل الأنبياء وهزم كثيرةٌ من المؤمنين. قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون﴾ تفسير للكلمة فيجوز أن لايكون هلا محلٌّ من الإعراب، ويجوز أن تكون خبر مبتداً مضمر ومنصوبة بإضمار فعل أي هي أنهم لهم المنصورون أو أعني بالكلمة هذا اللفظ ويكون ذلك على سبيل الحكاية لأنك لو صحرت بالفعل قبلها حاكياً للجملة بعده كان صحيحاً كأنك قلت: عنيت هذا اللفظ كما تقول: كَتَبْتُ زَيدٌ قَائِمٌ، وإنَّ زَيْداً لَقَائِمٌ وقرأ الضحاك: «كَلِمَاتُنَا» جمعاً. قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي أعرضْ عنهم «حَتًّى حِين» قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يوم بدر، وقال السدي: حتى يأمرك الله بالقتال، وقيل: إلى أن يأتيهم عذابُ الله، وقيل: إلَى فتحِ مكة. قال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال «وَأَبْصِرْهُمْ» إذا نزل بهم العذاب عن القتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة «فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ» ذلك من النصرة والتأييد في الدناي والثواب العظيم في الآخرة فقالوا: متى هذا العذاب؟ فقال تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي إن ذلك الاستجعال جهل لأن لكُلّ شيء من أفعال الله تعالى وقتاً معيَّناً لا يتقدم ولا يتأخر. قوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ العامة على نَزَل مبنياً للفاعل، وعبدُ اللَّهِ مبنياً للمفعول، والجارّ قائم مَقَام فاعله. والساحة الفناء الخالِي من الأبنية وجمعها سُوحق فألفها عن واوٍ فيُصغَّر على سُوَيْحَةٍ قال الشاعر: 4231 - فَكَانَ سِيَّانِ أَنْ لاَ يَسْرَحُوا نَعَماً ... أَوْ يَسْرَحُوهُ بِهَا وَاغْبَرَّتِ السُّوحُ وبهذا يتبين ضعف قول الراغب: إنها من ذَواتِ اليَاء حيث عدها في مادة سيح، ثم قال: الساحة المكان الواسع ومنه: ساحة الدر. والسائح الماء الجري في الساحة، وسَاحَ فلانٌ في الأرْض مَرَّ مَرَّ السائح. ورجل سَائِحٌ وَسيَّاح انتهى. ويحتمل أنْ يَكثون لها مادَّتَانِ لكن كان ينبغي أن يذكر ما هي الأشهر أو يذكرهما معاً. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ يعني العذاب بساحَتِهِمْ، قال مقاتل: بحَضْرَتِهِمْ وقيل: بعِتابهم. قال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ المنذرين﴾ فبئس صَبَاح الكَافرين الذين أُنْذِرُوا بالعذاب. لما خرج - عليه (الصَّلاَةُ و) السلام - إلى خَبيْبَرَ أتاها ليلاً، وكان إذا جَاء قوماً بلَيْلٍ لم يَغْزُ حتى يُصْبحَ فلما أصبح خرجت يهودُ (خَيْبَرَ) بمَسَاحِيها ومَكَاتِلِهَا، فلما رأوه قالوا: مُحَمَّد واللَّهِ مُحَمَّد والخميس فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اللَّهُ أكبرُ خَرِبَتُ خَيْبَر إنَّا إذا نَزَلْنَا بسَاحَةِ قوْمِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ» . قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قيل: المراد من هذه الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا وفي هذه الكلمة أحوال القيامة وعلى التقديرين فالتكرير زائل، وقيل: المراد من التكرير المبالغة في التَّهديد والتَّهْويلِ. فإن قيل: ما الحكمة في قوله أولاً: «وَأَبْصِرهُمْ» وههنا قال: «وَأَبْصِرْ» بغير ضمير؟ فالجواب أنه حذف مفعول «أبصر» الثاني إمَّا اختصراً لدلالة الأولى عليه وما اقتصار تقنُّناً في البلاغة ثمَّ إنَّهُ تعالى ختم السورة بتنزيه نفسه عن كل ما لا يليق بصفات الإلهيّة فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة﴾ أي الغلبة والقوة، أضاف الربَّ إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل: ذُو العِزَّة، كما تقول: صاحب صدق لاختصاصه به. وقيل: المراد بالعزة المخلوقة الكائنة بيْن خلقه. ويترتب على القولين مسألة اليمين. فصل قوله: ﴿رَبِّكَ رَبِّ العزة﴾ الربوبية إشارة إلى كمال الحكمة والرحكمة والعزة إشارة إلى كمال القدرة، فقوله: «رب العزة» يدل على أنه القادر على جميع الحوادث، لأن الألف واللام في قوله: «العزة» يفيد الاستغراق وإذا كان الكل ملكاً له لم يبق لغيره شيء فثبت أن قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ﴾ كلمة محتوية على أقصى الدرجات وأكمل النهايات «وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ» ، الذين بلغوا عن الله التوحيد بالشرائع «وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبَّ العَالَمِينَ» على هلك الأعداد ونصر الأنبياء - عليه (الصلاة و) السلام -. رُوي عن عليِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال «مَنْ أَحَبَّ أنْ يَكْتَالَ بِالمِكْيَالِ الأَوْفَى مِنَ الأَجْرِ فَلْيَكُنْ آخِرَ كَلاَمِهِ مِنْ مَجْلِسِهِ: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وسَلامٌ على المُرْسَلينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ورَوَى أبو أمامة عن أبيِّ بن كعب قال:» قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من قرأ سورة» والصافات «أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ جنِّيِّ وَشَيْطَانِ وَتَبَاعَدَتْ مِنْهُ مَرَدَةُ الشياطين وَبِرئَ مِنَ الشِّرْكِ وشَهِدَ لَهُ حَافِظَاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أنَّه كَانَ مُؤْمِناً» . والله سبحانه وتعالى أعلم. سورة ص

الصافات 37:182

قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين﴾ وهي قوله: ﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ [المجادلة: 21] لما هدد الكفار بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 3] أردفه بما يقوي قلب الرسول فقال ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ والنُّصْرَةُ والغلبة قد تكون بالحُجَّة وقد تكون بالدولة والاستيلاء وقد تكون بالدوام والثبات فالمؤمن وإن صار مغلوباً في بعض الأوقات بسبب ضَعْفِ أحوال الدنيا فهو الغالب ولا يلزم على هذه الآية أن يقال قد قتل الأنبياء وهزم كثيرةٌ من المؤمنين. قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون﴾ تفسير للكلمة فيجوز أن لايكون هلا محلٌّ من الإعراب، ويجوز أن تكون خبر مبتداً مضمر ومنصوبة بإضمار فعل أي هي أنهم لهم المنصورون أو أعني بالكلمة هذا اللفظ ويكون ذلك على سبيل الحكاية لأنك لو صحرت بالفعل قبلها حاكياً للجملة بعده كان صحيحاً كأنك قلت: عنيت هذا اللفظ كما تقول: كَتَبْتُ زَيدٌ قَائِمٌ، وإنَّ زَيْداً لَقَائِمٌ وقرأ الضحاك: «كَلِمَاتُنَا» جمعاً. قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي أعرضْ عنهم «حَتًّى حِين» قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يوم بدر، وقال السدي: حتى يأمرك الله بالقتال، وقيل: إلى أن يأتيهم عذابُ الله، وقيل: إلَى فتحِ مكة. قال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال «وَأَبْصِرْهُمْ» إذا نزل بهم العذاب عن القتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة «فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ» ذلك من النصرة والتأييد في الدناي والثواب العظيم في الآخرة فقالوا: متى هذا العذاب؟ فقال تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي إن ذلك الاستجعال جهل لأن لكُلّ شيء من أفعال الله تعالى وقتاً معيَّناً لا يتقدم ولا يتأخر. قوله: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ العامة على نَزَل مبنياً للفاعل، وعبدُ اللَّهِ مبنياً للمفعول، والجارّ قائم مَقَام فاعله. والساحة الفناء الخالِي من الأبنية وجمعها سُوحق فألفها عن واوٍ فيُصغَّر على سُوَيْحَةٍ قال الشاعر: 4231 - فَكَانَ سِيَّانِ أَنْ لاَ يَسْرَحُوا نَعَماً ... أَوْ يَسْرَحُوهُ بِهَا وَاغْبَرَّتِ السُّوحُ وبهذا يتبين ضعف قول الراغب: إنها من ذَواتِ اليَاء حيث عدها في مادة سيح، ثم قال: الساحة المكان الواسع ومنه: ساحة الدر. والسائح الماء الجري في الساحة، وسَاحَ فلانٌ في الأرْض مَرَّ مَرَّ السائح. ورجل سَائِحٌ وَسيَّاح انتهى. ويحتمل أنْ يَكثون لها مادَّتَانِ لكن كان ينبغي أن يذكر ما هي الأشهر أو يذكرهما معاً. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ يعني العذاب بساحَتِهِمْ، قال مقاتل: بحَضْرَتِهِمْ وقيل: بعِتابهم. قال الفراء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ المنذرين﴾ فبئس صَبَاح الكَافرين الذين أُنْذِرُوا بالعذاب. لما خرج - عليه (الصَّلاَةُ و) السلام - إلى خَبيْبَرَ أتاها ليلاً، وكان إذا جَاء قوماً بلَيْلٍ لم يَغْزُ حتى يُصْبحَ فلما أصبح خرجت يهودُ (خَيْبَرَ) بمَسَاحِيها ومَكَاتِلِهَا، فلما رأوه قالوا: مُحَمَّد واللَّهِ مُحَمَّد والخميس فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اللَّهُ أكبرُ خَرِبَتُ خَيْبَر إنَّا إذا نَزَلْنَا بسَاحَةِ قوْمِ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ» . قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ قيل: المراد من هذه الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا وفي هذه الكلمة أحوال القيامة وعلى التقديرين فالتكرير زائل، وقيل: المراد من التكرير المبالغة في التَّهديد والتَّهْويلِ. فإن قيل: ما الحكمة في قوله أولاً: «وَأَبْصِرهُمْ» وههنا قال: «وَأَبْصِرْ» بغير ضمير؟ فالجواب أنه حذف مفعول «أبصر» الثاني إمَّا اختصراً لدلالة الأولى عليه وما اقتصار تقنُّناً في البلاغة ثمَّ إنَّهُ تعالى ختم السورة بتنزيه نفسه عن كل ما لا يليق بصفات الإلهيّة فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة﴾ أي الغلبة والقوة، أضاف الربَّ إلى العزة لاختصاصه بها كأنه قيل: ذُو العِزَّة، كما تقول: صاحب صدق لاختصاصه به. وقيل: المراد بالعزة المخلوقة الكائنة بيْن خلقه. ويترتب على القولين مسألة اليمين. فصل قوله: ﴿رَبِّكَ رَبِّ العزة﴾ الربوبية إشارة إلى كمال الحكمة والرحكمة والعزة إشارة إلى كمال القدرة، فقوله: «رب العزة» يدل على أنه القادر على جميع الحوادث، لأن الألف واللام في قوله: «العزة» يفيد الاستغراق وإذا كان الكل ملكاً له لم يبق لغيره شيء فثبت أن قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ﴾ كلمة محتوية على أقصى الدرجات وأكمل النهايات «وَسَلاَمٌ عَلَى المُرْسَلِينَ» ، الذين بلغوا عن الله التوحيد بالشرائع «وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبَّ العَالَمِينَ» على هلك الأعداد ونصر الأنبياء - عليه (الصلاة و) السلام -. رُوي عن عليِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال «مَنْ أَحَبَّ أنْ يَكْتَالَ بِالمِكْيَالِ الأَوْفَى مِنَ الأَجْرِ فَلْيَكُنْ آخِرَ كَلاَمِهِ مِنْ مَجْلِسِهِ: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وسَلامٌ على المُرْسَلينَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ورَوَى أبو أمامة عن أبيِّ بن كعب قال:» قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - من قرأ سورة» والصافات «أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ جنِّيِّ وَشَيْطَانِ وَتَبَاعَدَتْ مِنْهُ مَرَدَةُ الشياطين وَبِرئَ مِنَ الشِّرْكِ وشَهِدَ لَهُ حَافِظَاهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أنَّه كَانَ مُؤْمِناً» . والله سبحانه وتعالى أعلم. سورة ص

ص 38:1

مكية وهي خمس وثمانون آية وسبعمائة واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ص﴾ قرأ العامة بسكون الدال كسائر حروف التهجي في أوائل السور وقد مر ما فيه. وقرأ أبيٌّ والحسنُ وابن أبي إسحاق وابن أبي عَبْلَة وأبو السّمَال بكسر الدال من غير تنوين وفيه وجهان: أحدهما: أنه كسر لالتقاء الساكنين وهذا أقرب. والثاني: أنه (أمر) من المصاداة وهي المعارضة ومنه صوت الصَّدَى لمعارضته لصوتك، وذلك في الأماكن الصُّلبة الخالية. والمعنى عارض القرآن بعملك فاعل بأوامره (وانته عن نواهيه قاله الحسن. وعنه أيضاً أنه من صَادَيْتُ أي حَادَثْتُ) والمعنى حَادِث النَّاسَ بالقرآن، وقرأ ابنُ أبي إسْحَاقَ كذلك إلاَّ أنه نونه وذلك على أنه مجرور بحرف قسم مقدر حذف وبقي عمله كقولهم: اللَّهِ لاَفْعَلَنَّ بالجر إلا أن الجر يقل في غير الجلالة، وإنما صرفه ذهاباً به إلى معنى الكتاب أو التنزيل وعن الحسن أيضاً وابن السميقع وهَارونَ الأَعْورض صادُ ومنع من الصرف للعملية والتأنيث وكذلك قرأ ابن السَّمَيْقَع وهارُون قافُ ونونُ بالضم على ما تقدم وقرأ عيسى وأبو عمرو - في رواية محبوب - صَادَ بالفتح من غير تنوين وهي تحتمل ثلاثة أوجه: البناء على الفتح تخفيفاً كأينَ وكَيْفَ، والجر بحرف القسم المقدر وإنما منع من الصرف للعملية والتأنيث كما تقدم. والنصب بإضمار فعل أو على حذف حرف القسم نحو قوله: 4232 - فَذَالكَ أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ ... وامتنعت من الصرف لما تقدم. وكذلك قرأ قاف ونون بالفتح فيهما وهما كما تقدم ولم يحفظ التنوين مع الفتح والضم. فصل قيل: هذا قسم، وقيل: اسم للسورة كما ذكر في الحروف المقطعة في أوئل السور قال محمد بن كعب القُرَظِيّ: (ص) اسم الصّمد وصادق الوعد وقال الضحاك: معناه صدق الله وروي عن ابن عباس صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها وسلتم قادرين على معارضته. فإن قيل: قوله ﴿والقرآن ذِي الذكر﴾ قسم فأين المقسم عليه؟ . فالجواب من وجوه: أحدهما: قال الزجاج والكوفيون غير الفراء: هو قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: 64] قال الفراء: لا نجده مستقيماً لتأخيره جداً عن قوله ﴿والقرآن﴾ وقال ثعلب والفراء هو قوله: «كَمْ أَهْلَكْنَا» والأصل: «لكم أهلكنا» فحذف اللام كما حذفها في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9] بعد قوله: ﴿وَالشَّمْسِ﴾ ، لما طال الكلام. الثالث: قال الأخفش هو قوله: «إنْ كُلُّ لَمَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ» كقوله: ﴿تالله إِن كُنَّا﴾ [الشعراء: 97] وقوله: ﴿والسمآء والطارق﴾ ﴿إِن كُلُّ﴾ [الطارق: 1و 4] الرابع: قوله: ﴿إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا﴾ [ص: 54] . الخامس: هو قوله: « (ص) » لأن المعنى والقرآن لقد صدق محمد قاله الفراء وثعلب أيضاً؛ وهذا بناء منهما على جواز تقديم جواب القسم وأن هذه الحرف مقتطع من جملة دالّ هو عليها وكلاهما ضعيف. السادس: أنه محذوف واختلفوا في تقديره فقال الحَوْفيُّ تقديره: «لَقَدْ جَاءَكُم الحَقُّ» ونحوه وقدره ابن عطية: ما الأمر كما تزعمون. ودل على هذا المحذوف قوله: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ﴾ والزمخشري: أنه لمعجز، وأبو حيان: إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ. قال: لأنه نظير: ﴿يس والقرآن الحكيم إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ [يس: 1 - 3] . وللزمخشري هنا عبارة بشعة جداً قال: فإن قلت: قوله: «ص. والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق» كلام ظاهر متناف غير منتظم فما وجه انتظامه؟ . قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحديث والتنبيه على الإعجاز كما مر في أول الكتاب ثم أتبعه القسم محذوف الجواب بدلالة التَّحدِّي عليه كأنه قال: والقرآن ذِي الذِّكْر إنه لكلام معجز. والثاني: أن يكون (صاد) خبر مبتدأ محذوف على أنها اسم للسورة كأنه قال: هذه «ص» يعني هذه السورة التي أعجزت العرب وَالقُرآنِ ذي الذكر كما تقول: «هذا حَاتمٌ واللَّهِ» تريد هو المشهور بالسخاء واللَّهِ وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال: أقسمتُ بصاد والقرآنِ ذي الذكر إنه لمعجز. ثم قال: بلِ الذَّينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف (بالحق) وشِقَانِ لله ورسوله (و) جعلتها مقسماً بها وعطفت عليها «والقرآن ذي الذكر» جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كله، وأن تريد السورة بعينها ومعناه: أُقْسِمُ بالسُّورةِ الشًّرِيفة والقرآنِ ذِي الذِّكر كما تقول: مَرَرْتُ بالرَّجُلِ الكَرِيم وبالنِّسْبَة المُبَارَكَةِ، ولا تريد بالنّسبة غيرَ الرجل. وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره بل الذين كفروا في عِزَّةٍ وشقاق والقرآنِ ذي الذكر. (والمراد بكون القرآن ذي الذكر) أي ذي الشرف، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] وقال: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] كما تقول: «لِفُلاَنٍ ذٍكْرٌ فِي النَّاسِ» ويحتمل أن يكون معناه ذو النبأ أي فيه أخبرا الأولين والآخرين وبيان العلوم الأصلية والفرعية. قوله: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ﴾ إضراب انتقال من قصةٍ إلى أخرى. وقرأ الكسائي - في رواية سَوْرَةَ - وحماد بن الزِّبرقَان وأبو جعفر وَالجَحْدَريّ: في غَرَّة بالغين المعجمة والراء وقد نقل أن حَمَّاداً الراوية قرأها كذلك تصحيفاً فلما رُدّت عليه قال: ما ظننت أن الكافرين في عِزّةٍ. وهو وَهَمٌ منه، لأن العزة المشار إليها حمية الجاهلية. والتنكير في (عزة وشقاق) دلالة على شدّتهما وتفاقمهما. فصل قالت المعتزلة دل قوله: (ذِي الذّكْر) على أنه مُحْدَث، ويؤيده قوله: ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: 50] ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: 69] والجواب: أنا نصرف دليلكم إلى ما نقرأه نحن به. فصل قال القُتَيْبيُّ: بل لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم بصاد والقرآن ذي الذكر أن الذين كفروا من أهل مكة في عزة وحَمِيَّة جاهلية وتَكَبُّر عن الحق وشِقَاق خلاف وعداوة لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال مجاهد: في عزة وتغابن. قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ (كم) مفعول «أَهْلَكْنَا» و «مِنْ قَرْنٍ» تَمْييزٌ، و «مِنْ قَبْلِهِمْ» لابتداء الغاية والمعنى كم أهلكنا من قبلهم من قرن يعني من الأمم الخالية فنادوا استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النِّقْمَة. وقيل: نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب. قوله: ﴿وَّلاَتَ حِينَ﴾ هذه الجملة في محل نصب على الحل من فاعل «نَادَوْا» أي استغاثوا والحال أنه مَهْرَبَ ولا مَنْجِى. وقرأ العامة «لاَتَ» بفتح التاء وحينَ منصوبة وفيها أوجه: أحدها وهو مذهب سيبويه: أن لا نافية بمعنى ليس والتاء مزيدة فيها كزيادتها في رُبَّ وثُمّ، كقولهم: رُبَّت وثُمَّت وأصلها «ها» وُصِلَتْ بلا فقالوا «لاَه» كما قالوا ثُمّهْ «ولا يعمل إلا في الزمان خاصة نحو: لات حين، ولات أوان كقوله: 4233 - طَلَبُوا صُلْحَنَا ولاَتَ أَوَانٍ ... فَأجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاء وقوله الآخر: 4234 - نَدِمَ البُغَاةُ لاَتَ سَاعَةَ مَنْدَم ... والبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيهِ وَخِيمُ والأكثر حينئذ حذف مرفوعها تقديره: وَلاَتَ الحِينُ حِينَ مَنَاصٍ. وقد يحذف المنصوب ويبقى المرفوع وقد قرأ هنا بذلك بعضهم لقوله: 4235 - مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا ... فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لاَ بَرَاحُ أي لا براح لي. ولا تعمل في غير الأحيان على المشهور، وقد تمسك بإعمالها في غير الأحيان في قوله: 4236 - حَنًّتْ نَوَارُ وَلاَتَ هَنَّا حَنَّت ... وَبدَا الَّذِي كَانَتْ نَوَارُ أَجَنَّتِ فإن» هنّا «من ظروف الأمكنة، وفيه شذوذ من ثلاثة أوجه: أحدهما: عملها في اسم الإشارة وهو معرفة ولا تعمل إلا في النكرات. والثاني: كونه لا ينصرف. الثالث: كونه غير زمان. وقد رد بعضهم هذا بأن» هنا «قد خرجت عن المكانية واستعملت في الزمان كقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون﴾ [الأحزاب: 11] وقوله: 4237 - (وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمتْ وَتَشَاكَلَتْ) فَهُنضاك يَعْتَرِفُون أَيْنَ المَفْزَعُ كما تقدم في سورة الأحزاب. إلا أن الشذوذين الأخيرين باقيان. وتأول بعضهم البيت أيضاً بتأويل آخر وهو أن» لات «هنا مُجْمَلَةٌ لا عمل لها، و» هنا» ظرف خبر مقدم و «حنت» مبتدأ بتأويل حذف» أن «المصدرية تقديره» أَنْ حَنَّت «نحو:» تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّي خَيْرٌ مِنْ أنْ ترَاهُ «وفي هذا تكلف وبعد ألى أن فيه الاستراحة من الشذوذات المذكورة أو الشذوذين وفي الوقف عليها مذهبان: أشهرهما عند [علماء] العربية وجماهير القراء السبعة بالتاء المجبورة اتباعاً لمرسوم الخط، والكسائي وحْدَهُ من السبعة بالهاء. والأول: مذهب الخليل وسِيبوَيْهِ والزَّجَّاج والفراءِ وابْنِ كَيْسَانَ. والثاني: مذهب المبرد. وَأَغْرَبَ أبو عبيدة فقال: الوقف على» لا «والتاء متصلة بحين فيقولون: قمت تحين قمت وتحين كان كذا فعل كذا، وقال: رأيتها في الإمام كذا» وَلاَ تَحِينَ «متصلةً، وأنشد على هذا أيضاً قول أبي وَجْزَة السَّعديِّ: 4238 - العَاطِفونَ تَحِينَ مَا مِنْ عَاطِفٍ ... وَالمُطْعِمونَ زَمَانَ لاَ مِنْ مُطْعِمِ ومنه حديث ابن عمر وسأله رجل من عثمان فذرك مناقبهُ ثم قال: «اذْهَبْ تَلاَنَ إلَى أَصْحَابِكَ» يريد «الآن» والمصاحف إنما هي لات حين. وحمل العامة ما رآه على أنه مما شذ عن قياس الخط كنَظَائِرَ له مرت. فأما البيت فقيل فيه: إنه شاذ لا يلتفت إليه وقيل: إنه إذا حذف الحين المضاف إلى الجملة التي فيها «لات حين» جاز أن يحذف (لا) وحدها ويستغنَى عنها بالتاء، والأصل: العاطفُونَ حِينَ لاَتَ حِينَ لاَ من عاطف، فحذف الأول ولا وحدها كما أنه قد صرح بإضافة حين إليها في قوله الآخر: _ _ 4239 - وَذَلِكَ حِينَ لاَتَ أَوَانِ حِلْمٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ذكر هذا الوجه ابن مالك؛ وهو متعسف جداً وقد يقدر إضافة «حين» إليها من غير حذف لها كقوله: 4240 - تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لاَتَ حِينَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . أي حين لات حين. وأيضاً فكيف يصنع أبو عبيدة بقوله: «وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ، ولات أوانِ» فإِنه قد وجدت التاء من «لا» دُونَ حِينَ؟! الوجه الثاني من الأوجه السابقة: أنها عالمة عمل «أن» يعني أها نافية للجِنْس فيكون «حِينَ مَنَاصٍ» اسمها، وخبرها مقدر تقديره ولات حِينَ مَنَاصٍ لَهُمْ، كقولك: لاَ غُلاَمَ سَفَرٍ لَكَ. واسمُها معربٌ لكونه مضافاً. الثالث: أنّ بعدها فعلاً مقدّراً ناصباً حلين مناص بعدها أي لات أرى حينَ مناص لهم بمعنى لَسْتُ أرى ذلك، ومثله: «لاَ مَرْحَباً بِهِمْ ولا أهْلاً ولا سَهْلاً» أي لا أتوا مرحباً ولا وَطِئُوا سهلاً ولا لَقُوا أهلاً. وهذا الوجهان ذهب إليهما الأخفش وهما ضعيفان وليس إضمار الفعل هنا نظير إضماره في قوله: 4241 - ألاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً..... ... ... ... ... ... ... ... ... . . لضرورة أن اسمها المفرد النكرة مبني على الفتح فلما رأينا هنا معرباً قدرنا له فعلاً خلافاً للزجَّاج فإنه يجوز تنوينه في الضرورة ويدعي أن فتحته للإِعراب، وإنما حذف التنوين لتخفيف ويَسْتَدِلُّ بالبيت المذكور وقد تقدم تحقيق هذا. الرابع: أن لات هذه ليست هي ليس فأبدلت السين تاء، وقد أبدل تمنها في مواضع قالواك النَّاتُ يريدون الناسَ ومنه سُتٌّ وأصله سُدْسٌ، وقال: 4242 - يَا قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي السَّعْلاَتِ ... عَمْرٌو بْنُ يَرْبُوع شِرار النَّاتِ لَيْسُوا بأخْيَارٍ وَلاَ أَليَاتِ ... وقرئ شاذاً: «قل أعوذُ بربِّ النّاتِ» إلى آخرها [الناس: 1 - 6] يريد شِرار الناسِ ولا أكياس فأبدل، ولما أبدل السين تاءً خاف من التباسها بحرف التمني فقلب الياء ألفاً فبقيت تاء «لات» وهو من الاكتفاء بحرف العلة، لأن حرف العلة لا يبدل ألفاً إلاّ بشرطٍ منها أن يتحركَ، وأن ينفتحَ ما قبله فيكون «حين مناص» خبرها والاسم محذوف على ما تقدم والعملُ هنا بحقِّ الأصالةِ لا الفرعيَّةِ. وقرأ عيسى بن عمر: ولاتِ حينِ مناص بكسر التاء وجر حين. وهي قارءة مشكلةٌ جداً، زعم الفراء أن لات يجر بها وأنشد: 4243 - وَلَتَنْدمُنَّ وَلاَتَ سَاعَةِ مَنْدَمِ ... وأنشد غيره: 4244 - طَلَبُوا صُلحَنَا وَلاَتَ أوان ... وقال الزمخشري: ومثله قول أبي زَبيد الطَّائِي: 4245 - طَلَبُوا صُلْحَنَا ... ... ... ... . ... البيت قال: فإن قلت: ما وجه الجر في أوانٍ» ؟ . قلت: شُبّه بإذْ في قَولِهِ: 4246 - وَأَنْتَ إِذْ صَحِيح ... في أنه زمان قطع عنه المضاف إليه وعوض منه التنوين لأن الأصل: وَلاَت أوانَ صلح. فإن قلت: فما تقول في «حِينَ مَنَاص» والمضاف إليه قائم؟ قلت: نزل قطع المضاف إليه من «مناص» لأن أصله حين مناصهم منزلة قطعه من «حين» لاتّحاد المضاف والمضاف إليه وجعل تنوينه عوضاً عن المضاف المحذوف، ثم بين الجهة لكونه مضافاً إلى غير متمكن انتهى. وخرجها أبو حيان على إضمار» من «والأصل ولات مِنْ حين ماص فحذفت» مِنْ «وبقي عملها نحو قولهم:» عَلَى كَمْ جذع بنيتَ بَيْتكَ «أي مِنْ جذعٍ في أصحِّ القولين وفيه قول آخر: بالإضافة مثل قوله: 4247 - ألاَ رَجُلٍ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً ... أنشده بجرّ رجلٍ أي ألا مِن رجلٍ. 4248 - ... ... ... ... ... ... ... ... وقال أَلاَ لاَ مِنْ سَبِيل إلى هِنْدِ قال: ويكون موضع (من حين مناص) رفعاً على أنه اسم لات بمعنى ليس، كما تقول: لَيْسَ مِنْ رَجُلِ قائماً والخبر محذوف، وهذا على قول سيبويه، (و) على أنه مبتدأ والخبر محذوف على قول الأخفش» ولات أوان «على حذف مضاف يعني أن (هـ) حذف المضاف وبقي المضاف إليه مجرواً على ما كان والأصل ولات حين أوان. وقدر هذا الوجه مكي بأنه كان ينبغي أن يقوم المضاف إليه مُقَامه في الإِعراب فيرفع. قال شهاب الدين: قد جاء بقاءُ المضاف إليه على جرِّه وهو قسمان قليلٌ وكثيرٌ: فالكثير أن يكون في اللفظ مثل المضاف نحو قوله: 4249 - أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا أي وكل نار، والقليل أن لا يكون كقراءة من قرأ: «وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ» بجر الآخرة فليكن هذا منه. على أن المبرد رواه بالرفع على إقامته مُقَام المضاف، وقال الزجاج: الأصل ولات أواننا، فحذف المضاف إليه فوجب أن لا يعرف وكَسَرَهُ لالتقاء الساكني. وقال أبو حيان: وهذا هو الوجه الذي قرره الزمخشري أخذه من أبي إسحاق يعني الوجه الأول وهو قوله ولات أوان صلح. هذا ما يتعلق بجر» حين «وأما كسرة لاَتِ فعلى أصل التقاء الساكينن كحِين إلا أنه لا يعرف تاء تأنيث إلاّ مفتوحةً وقرأ عيس أيضاً بكسر التاء فقط ونصب حين كالعامة. وقرأ ايضاً ولات حينُ بالرفع. مناص بالفتح وهذه قراءة مشكلة جداً لا تبعد عن الغلط من راويها عن عيسى فإنه بمكان من العِلم المانع له من مثل هذه القراءة. وقد خرجها أبو الضل الرازي في لوامحه على التقديم والتأخير وأن» حين» أُجْرِيَ مُجْرَى «قَبْلُ وبَعْدُ» في بنائه على الضم عند قطعه عن الإضافة بجامع ما بينه وبينها من الظرفية الزمانية و «مناص» اسمها مبين على الفتح فصل بينه وبينها بحين المقطوع عن الإضافة والأصل: ولات مَنَاصَ حينُ كذا، ثم حذفت المضاف إليه حين وبني على الضم وقدم فاصلاً بين لات واسمها قال: وقد يجوز أن يكون لذلك معنى لا أعرفه وقد ريو في تار لات الفَتْحُ والكسرُ والضمُّ. (قوله) : ﴿فَنَادَواْ﴾ لا مفعول له لأن الأصل فَعَلُوا النداء من غير قصد منادًى وقال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا فاضطربوا نادى بعضهم لبعض مناص أي عليكم بالفراء فلما أتاهم العذاب قالوا مناص فقال الله لهم: وَلاَت حِينَ مناص قال القشيري فعلى هذا يكون التقدير نفادوا فحذف لدلالة ما بعده (عليه) . قال شهاب الدين: فيكون قد حذف المنادى وهو بعضاً وما ينادون به وهو «مناص» أي نادوا بعضهم بهذا اللفظ وقال الجُرْجَانيّ: أي فنادوا حين لا مناص أي ساعة لا مَنْجَى ولا فَوْتَ، فلما قدم «لا» وأخر «حين» اقتضى ذلك الواو كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداءً وخبراً مثل ما تقول: جَاءَ زَيْدٌ راكباً، ثم نقول: جاء وهُوَ رَاكبٌ، «فحين» طفرف لقوله: ﴿فَنَادَواْ﴾ (وقال أبو حيان: وكون أصْل هذه الجملة فنادوا حين لا مناص وأن حين ظرف لقوله) : فنادوا دعوى أعجمية في نظم القرآن والمعنى على نظمه في غاية الوضوح قال شهاب الدين: الجُرْجَانيّ لا يعني أن «حين» ظرف «لِنَادَوْا» في التركيب الذي عليه القرآن الآن إنما يعني بذلك في أصل المعنى والتركيب كما شبه ذلك بقوله: «جَاءَ زَيْدٌ راكباً، ثم جَاءَ زَيْدٌ وَهُو راكبٌ» «فراكباً» في التركيب الأول حال وفي الثاني خبراً مبتدأ حين كان (في الأصل) ظرف للنداء، ثم صار خبر «لات» أو اسمها على حَسبِ الخلاف المتقدم. و «المَنَاص» مَفْعَلٌ من نَاصَ يَنُوصُ أي هرَبَ فهو مصدر يقال نَاصَهُ يَنُوصُهُ إذا فَاَهُ فهو متعدٍّ، ونَاصَ يَنُوصُ أي تأخر، ومنه نَاصَ عن قِرْنِهِ أي تأخر عنه جبناً. قاله الفراء وأنشد قَوْلَ امْرئِ القيسل: [من الطويل] 4250 - أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى إِنْ نأَتْكَ تَنُوصُ ... فَتَقْصُرَ عَنْهَا حِقْبَةً وتَنُوصُ قال أبو جعفر النحاس: نَاصَ يَنُوصُ إذا تقدم فيكون من الأضْدَاد، واسْتَنَاص طلب المَنَاصَ، قال حارثة بن بدر: 4251 - غَمْرُ الجِرَاءِ إِذَا قَصَرْتُ عِنَانَهُ ... بِيدي اسْتَنَاصَ وَرَامَ جَرْيَ المِسْحَلِ ويقال: نَاصَ إلى كَذَا يَنُوصُ نَوْصاً إذَا التَجأ إليه. قال بعضهم المناص المَنْجَى والغَوْثُ، يقال نَاصَهُ ينُوصُهُ إذا أغاثه قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطربوا في الحب قال بعضهم لبعض مناص أي اهربوا وخُذُوا حذْرَكم، فلما نزل بهم العذاب ببدر، وقالوا مناص فانزل الله تعالى: ولات حين مناص أي ليس حين هذا القول.

ص 38:2

مكية وهي خمس وثمانون آية وسبعمائة واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ص﴾ قرأ العامة بسكون الدال كسائر حروف التهجي في أوائل السور وقد مر ما فيه. وقرأ أبيٌّ والحسنُ وابن أبي إسحاق وابن أبي عَبْلَة وأبو السّمَال بكسر الدال من غير تنوين وفيه وجهان: أحدهما: أنه كسر لالتقاء الساكنين وهذا أقرب. والثاني: أنه (أمر) من المصاداة وهي المعارضة ومنه صوت الصَّدَى لمعارضته لصوتك، وذلك في الأماكن الصُّلبة الخالية. والمعنى عارض القرآن بعملك فاعل بأوامره (وانته عن نواهيه قاله الحسن. وعنه أيضاً أنه من صَادَيْتُ أي حَادَثْتُ) والمعنى حَادِث النَّاسَ بالقرآن، وقرأ ابنُ أبي إسْحَاقَ كذلك إلاَّ أنه نونه وذلك على أنه مجرور بحرف قسم مقدر حذف وبقي عمله كقولهم: اللَّهِ لاَفْعَلَنَّ بالجر إلا أن الجر يقل في غير الجلالة، وإنما صرفه ذهاباً به إلى معنى الكتاب أو التنزيل وعن الحسن أيضاً وابن السميقع وهَارونَ الأَعْورض صادُ ومنع من الصرف للعملية والتأنيث وكذلك قرأ ابن السَّمَيْقَع وهارُون قافُ ونونُ بالضم على ما تقدم وقرأ عيسى وأبو عمرو - في رواية محبوب - صَادَ بالفتح من غير تنوين وهي تحتمل ثلاثة أوجه: البناء على الفتح تخفيفاً كأينَ وكَيْفَ، والجر بحرف القسم المقدر وإنما منع من الصرف للعملية والتأنيث كما تقدم. والنصب بإضمار فعل أو على حذف حرف القسم نحو قوله: 4232 - فَذَالكَ أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ ... وامتنعت من الصرف لما تقدم. وكذلك قرأ قاف ونون بالفتح فيهما وهما كما تقدم ولم يحفظ التنوين مع الفتح والضم. فصل قيل: هذا قسم، وقيل: اسم للسورة كما ذكر في الحروف المقطعة في أوئل السور قال محمد بن كعب القُرَظِيّ: (ص) اسم الصّمد وصادق الوعد وقال الضحاك: معناه صدق الله وروي عن ابن عباس صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها وسلتم قادرين على معارضته. فإن قيل: قوله ﴿والقرآن ذِي الذكر﴾ قسم فأين المقسم عليه؟ . فالجواب من وجوه: أحدهما: قال الزجاج والكوفيون غير الفراء: هو قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: 64] قال الفراء: لا نجده مستقيماً لتأخيره جداً عن قوله ﴿والقرآن﴾ وقال ثعلب والفراء هو قوله: «كَمْ أَهْلَكْنَا» والأصل: «لكم أهلكنا» فحذف اللام كما حذفها في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9] بعد قوله: ﴿وَالشَّمْسِ﴾ ، لما طال الكلام. الثالث: قال الأخفش هو قوله: «إنْ كُلُّ لَمَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ» كقوله: ﴿تالله إِن كُنَّا﴾ [الشعراء: 97] وقوله: ﴿والسمآء والطارق﴾ ﴿إِن كُلُّ﴾ [الطارق: 1و 4] الرابع: قوله: ﴿إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا﴾ [ص: 54] . الخامس: هو قوله: « (ص) » لأن المعنى والقرآن لقد صدق محمد قاله الفراء وثعلب أيضاً؛ وهذا بناء منهما على جواز تقديم جواب القسم وأن هذه الحرف مقتطع من جملة دالّ هو عليها وكلاهما ضعيف. السادس: أنه محذوف واختلفوا في تقديره فقال الحَوْفيُّ تقديره: «لَقَدْ جَاءَكُم الحَقُّ» ونحوه وقدره ابن عطية: ما الأمر كما تزعمون. ودل على هذا المحذوف قوله: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ﴾ والزمخشري: أنه لمعجز، وأبو حيان: إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ. قال: لأنه نظير: ﴿يس والقرآن الحكيم إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ [يس: 1 - 3] . وللزمخشري هنا عبارة بشعة جداً قال: فإن قلت: قوله: «ص. والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق» كلام ظاهر متناف غير منتظم فما وجه انتظامه؟ . قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحديث والتنبيه على الإعجاز كما مر في أول الكتاب ثم أتبعه القسم محذوف الجواب بدلالة التَّحدِّي عليه كأنه قال: والقرآن ذِي الذِّكْر إنه لكلام معجز. والثاني: أن يكون (صاد) خبر مبتدأ محذوف على أنها اسم للسورة كأنه قال: هذه «ص» يعني هذه السورة التي أعجزت العرب وَالقُرآنِ ذي الذكر كما تقول: «هذا حَاتمٌ واللَّهِ» تريد هو المشهور بالسخاء واللَّهِ وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال: أقسمتُ بصاد والقرآنِ ذي الذكر إنه لمعجز. ثم قال: بلِ الذَّينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف (بالحق) وشِقَانِ لله ورسوله (و) جعلتها مقسماً بها وعطفت عليها «والقرآن ذي الذكر» جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كله، وأن تريد السورة بعينها ومعناه: أُقْسِمُ بالسُّورةِ الشًّرِيفة والقرآنِ ذِي الذِّكر كما تقول: مَرَرْتُ بالرَّجُلِ الكَرِيم وبالنِّسْبَة المُبَارَكَةِ، ولا تريد بالنّسبة غيرَ الرجل. وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره بل الذين كفروا في عِزَّةٍ وشقاق والقرآنِ ذي الذكر. (والمراد بكون القرآن ذي الذكر) أي ذي الشرف، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] وقال: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] كما تقول: «لِفُلاَنٍ ذٍكْرٌ فِي النَّاسِ» ويحتمل أن يكون معناه ذو النبأ أي فيه أخبرا الأولين والآخرين وبيان العلوم الأصلية والفرعية. قوله: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ﴾ إضراب انتقال من قصةٍ إلى أخرى. وقرأ الكسائي - في رواية سَوْرَةَ - وحماد بن الزِّبرقَان وأبو جعفر وَالجَحْدَريّ: في غَرَّة بالغين المعجمة والراء وقد نقل أن حَمَّاداً الراوية قرأها كذلك تصحيفاً فلما رُدّت عليه قال: ما ظننت أن الكافرين في عِزّةٍ. وهو وَهَمٌ منه، لأن العزة المشار إليها حمية الجاهلية. والتنكير في (عزة وشقاق) دلالة على شدّتهما وتفاقمهما. فصل قالت المعتزلة دل قوله: (ذِي الذّكْر) على أنه مُحْدَث، ويؤيده قوله: ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: 50] ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: 69] والجواب: أنا نصرف دليلكم إلى ما نقرأه نحن به. فصل قال القُتَيْبيُّ: بل لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم بصاد والقرآن ذي الذكر أن الذين كفروا من أهل مكة في عزة وحَمِيَّة جاهلية وتَكَبُّر عن الحق وشِقَاق خلاف وعداوة لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال مجاهد: في عزة وتغابن. قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ (كم) مفعول «أَهْلَكْنَا» و «مِنْ قَرْنٍ» تَمْييزٌ، و «مِنْ قَبْلِهِمْ» لابتداء الغاية والمعنى كم أهلكنا من قبلهم من قرن يعني من الأمم الخالية فنادوا استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النِّقْمَة. وقيل: نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب. قوله: ﴿وَّلاَتَ حِينَ﴾ هذه الجملة في محل نصب على الحل من فاعل «نَادَوْا» أي استغاثوا والحال أنه مَهْرَبَ ولا مَنْجِى. وقرأ العامة «لاَتَ» بفتح التاء وحينَ منصوبة وفيها أوجه: أحدها وهو مذهب سيبويه: أن لا نافية بمعنى ليس والتاء مزيدة فيها كزيادتها في رُبَّ وثُمّ، كقولهم: رُبَّت وثُمَّت وأصلها «ها» وُصِلَتْ بلا فقالوا «لاَه» كما قالوا ثُمّهْ «ولا يعمل إلا في الزمان خاصة نحو: لات حين، ولات أوان كقوله: 4233 - طَلَبُوا صُلْحَنَا ولاَتَ أَوَانٍ ... فَأجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاء وقوله الآخر: 4234 - نَدِمَ البُغَاةُ لاَتَ سَاعَةَ مَنْدَم ... والبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيهِ وَخِيمُ والأكثر حينئذ حذف مرفوعها تقديره: وَلاَتَ الحِينُ حِينَ مَنَاصٍ. وقد يحذف المنصوب ويبقى المرفوع وقد قرأ هنا بذلك بعضهم لقوله: 4235 - مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا ... فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لاَ بَرَاحُ أي لا براح لي. ولا تعمل في غير الأحيان على المشهور، وقد تمسك بإعمالها في غير الأحيان في قوله: 4236 - حَنًّتْ نَوَارُ وَلاَتَ هَنَّا حَنَّت ... وَبدَا الَّذِي كَانَتْ نَوَارُ أَجَنَّتِ فإن» هنّا «من ظروف الأمكنة، وفيه شذوذ من ثلاثة أوجه: أحدهما: عملها في اسم الإشارة وهو معرفة ولا تعمل إلا في النكرات. والثاني: كونه لا ينصرف. الثالث: كونه غير زمان. وقد رد بعضهم هذا بأن» هنا «قد خرجت عن المكانية واستعملت في الزمان كقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون﴾ [الأحزاب: 11] وقوله: 4237 - (وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمتْ وَتَشَاكَلَتْ) فَهُنضاك يَعْتَرِفُون أَيْنَ المَفْزَعُ كما تقدم في سورة الأحزاب. إلا أن الشذوذين الأخيرين باقيان. وتأول بعضهم البيت أيضاً بتأويل آخر وهو أن» لات «هنا مُجْمَلَةٌ لا عمل لها، و» هنا» ظرف خبر مقدم و «حنت» مبتدأ بتأويل حذف» أن «المصدرية تقديره» أَنْ حَنَّت «نحو:» تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّي خَيْرٌ مِنْ أنْ ترَاهُ «وفي هذا تكلف وبعد ألى أن فيه الاستراحة من الشذوذات المذكورة أو الشذوذين وفي الوقف عليها مذهبان: أشهرهما عند [علماء] العربية وجماهير القراء السبعة بالتاء المجبورة اتباعاً لمرسوم الخط، والكسائي وحْدَهُ من السبعة بالهاء. والأول: مذهب الخليل وسِيبوَيْهِ والزَّجَّاج والفراءِ وابْنِ كَيْسَانَ. والثاني: مذهب المبرد. وَأَغْرَبَ أبو عبيدة فقال: الوقف على» لا «والتاء متصلة بحين فيقولون: قمت تحين قمت وتحين كان كذا فعل كذا، وقال: رأيتها في الإمام كذا» وَلاَ تَحِينَ «متصلةً، وأنشد على هذا أيضاً قول أبي وَجْزَة السَّعديِّ: 4238 - العَاطِفونَ تَحِينَ مَا مِنْ عَاطِفٍ ... وَالمُطْعِمونَ زَمَانَ لاَ مِنْ مُطْعِمِ ومنه حديث ابن عمر وسأله رجل من عثمان فذرك مناقبهُ ثم قال: «اذْهَبْ تَلاَنَ إلَى أَصْحَابِكَ» يريد «الآن» والمصاحف إنما هي لات حين. وحمل العامة ما رآه على أنه مما شذ عن قياس الخط كنَظَائِرَ له مرت. فأما البيت فقيل فيه: إنه شاذ لا يلتفت إليه وقيل: إنه إذا حذف الحين المضاف إلى الجملة التي فيها «لات حين» جاز أن يحذف (لا) وحدها ويستغنَى عنها بالتاء، والأصل: العاطفُونَ حِينَ لاَتَ حِينَ لاَ من عاطف، فحذف الأول ولا وحدها كما أنه قد صرح بإضافة حين إليها في قوله الآخر: _ _ 4239 - وَذَلِكَ حِينَ لاَتَ أَوَانِ حِلْمٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ذكر هذا الوجه ابن مالك؛ وهو متعسف جداً وقد يقدر إضافة «حين» إليها من غير حذف لها كقوله: 4240 - تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لاَتَ حِينَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . أي حين لات حين. وأيضاً فكيف يصنع أبو عبيدة بقوله: «وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ، ولات أوانِ» فإِنه قد وجدت التاء من «لا» دُونَ حِينَ؟! الوجه الثاني من الأوجه السابقة: أنها عالمة عمل «أن» يعني أها نافية للجِنْس فيكون «حِينَ مَنَاصٍ» اسمها، وخبرها مقدر تقديره ولات حِينَ مَنَاصٍ لَهُمْ، كقولك: لاَ غُلاَمَ سَفَرٍ لَكَ. واسمُها معربٌ لكونه مضافاً. الثالث: أنّ بعدها فعلاً مقدّراً ناصباً حلين مناص بعدها أي لات أرى حينَ مناص لهم بمعنى لَسْتُ أرى ذلك، ومثله: «لاَ مَرْحَباً بِهِمْ ولا أهْلاً ولا سَهْلاً» أي لا أتوا مرحباً ولا وَطِئُوا سهلاً ولا لَقُوا أهلاً. وهذا الوجهان ذهب إليهما الأخفش وهما ضعيفان وليس إضمار الفعل هنا نظير إضماره في قوله: 4241 - ألاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً..... ... ... ... ... ... ... ... ... . . لضرورة أن اسمها المفرد النكرة مبني على الفتح فلما رأينا هنا معرباً قدرنا له فعلاً خلافاً للزجَّاج فإنه يجوز تنوينه في الضرورة ويدعي أن فتحته للإِعراب، وإنما حذف التنوين لتخفيف ويَسْتَدِلُّ بالبيت المذكور وقد تقدم تحقيق هذا. الرابع: أن لات هذه ليست هي ليس فأبدلت السين تاء، وقد أبدل تمنها في مواضع قالواك النَّاتُ يريدون الناسَ ومنه سُتٌّ وأصله سُدْسٌ، وقال: 4242 - يَا قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي السَّعْلاَتِ ... عَمْرٌو بْنُ يَرْبُوع شِرار النَّاتِ لَيْسُوا بأخْيَارٍ وَلاَ أَليَاتِ ... وقرئ شاذاً: «قل أعوذُ بربِّ النّاتِ» إلى آخرها [الناس: 1 - 6] يريد شِرار الناسِ ولا أكياس فأبدل، ولما أبدل السين تاءً خاف من التباسها بحرف التمني فقلب الياء ألفاً فبقيت تاء «لات» وهو من الاكتفاء بحرف العلة، لأن حرف العلة لا يبدل ألفاً إلاّ بشرطٍ منها أن يتحركَ، وأن ينفتحَ ما قبله فيكون «حين مناص» خبرها والاسم محذوف على ما تقدم والعملُ هنا بحقِّ الأصالةِ لا الفرعيَّةِ. وقرأ عيسى بن عمر: ولاتِ حينِ مناص بكسر التاء وجر حين. وهي قارءة مشكلةٌ جداً، زعم الفراء أن لات يجر بها وأنشد: 4243 - وَلَتَنْدمُنَّ وَلاَتَ سَاعَةِ مَنْدَمِ ... وأنشد غيره: 4244 - طَلَبُوا صُلحَنَا وَلاَتَ أوان ... وقال الزمخشري: ومثله قول أبي زَبيد الطَّائِي: 4245 - طَلَبُوا صُلْحَنَا ... ... ... ... . ... البيت قال: فإن قلت: ما وجه الجر في أوانٍ» ؟ . قلت: شُبّه بإذْ في قَولِهِ: 4246 - وَأَنْتَ إِذْ صَحِيح ... في أنه زمان قطع عنه المضاف إليه وعوض منه التنوين لأن الأصل: وَلاَت أوانَ صلح. فإن قلت: فما تقول في «حِينَ مَنَاص» والمضاف إليه قائم؟ قلت: نزل قطع المضاف إليه من «مناص» لأن أصله حين مناصهم منزلة قطعه من «حين» لاتّحاد المضاف والمضاف إليه وجعل تنوينه عوضاً عن المضاف المحذوف، ثم بين الجهة لكونه مضافاً إلى غير متمكن انتهى. وخرجها أبو حيان على إضمار» من «والأصل ولات مِنْ حين ماص فحذفت» مِنْ «وبقي عملها نحو قولهم:» عَلَى كَمْ جذع بنيتَ بَيْتكَ «أي مِنْ جذعٍ في أصحِّ القولين وفيه قول آخر: بالإضافة مثل قوله: 4247 - ألاَ رَجُلٍ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً ... أنشده بجرّ رجلٍ أي ألا مِن رجلٍ. 4248 - ... ... ... ... ... ... ... ... وقال أَلاَ لاَ مِنْ سَبِيل إلى هِنْدِ قال: ويكون موضع (من حين مناص) رفعاً على أنه اسم لات بمعنى ليس، كما تقول: لَيْسَ مِنْ رَجُلِ قائماً والخبر محذوف، وهذا على قول سيبويه، (و) على أنه مبتدأ والخبر محذوف على قول الأخفش» ولات أوان «على حذف مضاف يعني أن (هـ) حذف المضاف وبقي المضاف إليه مجرواً على ما كان والأصل ولات حين أوان. وقدر هذا الوجه مكي بأنه كان ينبغي أن يقوم المضاف إليه مُقَامه في الإِعراب فيرفع. قال شهاب الدين: قد جاء بقاءُ المضاف إليه على جرِّه وهو قسمان قليلٌ وكثيرٌ: فالكثير أن يكون في اللفظ مثل المضاف نحو قوله: 4249 - أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا أي وكل نار، والقليل أن لا يكون كقراءة من قرأ: «وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ» بجر الآخرة فليكن هذا منه. على أن المبرد رواه بالرفع على إقامته مُقَام المضاف، وقال الزجاج: الأصل ولات أواننا، فحذف المضاف إليه فوجب أن لا يعرف وكَسَرَهُ لالتقاء الساكني. وقال أبو حيان: وهذا هو الوجه الذي قرره الزمخشري أخذه من أبي إسحاق يعني الوجه الأول وهو قوله ولات أوان صلح. هذا ما يتعلق بجر» حين «وأما كسرة لاَتِ فعلى أصل التقاء الساكينن كحِين إلا أنه لا يعرف تاء تأنيث إلاّ مفتوحةً وقرأ عيس أيضاً بكسر التاء فقط ونصب حين كالعامة. وقرأ ايضاً ولات حينُ بالرفع. مناص بالفتح وهذه قراءة مشكلة جداً لا تبعد عن الغلط من راويها عن عيسى فإنه بمكان من العِلم المانع له من مثل هذه القراءة. وقد خرجها أبو الضل الرازي في لوامحه على التقديم والتأخير وأن» حين» أُجْرِيَ مُجْرَى «قَبْلُ وبَعْدُ» في بنائه على الضم عند قطعه عن الإضافة بجامع ما بينه وبينها من الظرفية الزمانية و «مناص» اسمها مبين على الفتح فصل بينه وبينها بحين المقطوع عن الإضافة والأصل: ولات مَنَاصَ حينُ كذا، ثم حذفت المضاف إليه حين وبني على الضم وقدم فاصلاً بين لات واسمها قال: وقد يجوز أن يكون لذلك معنى لا أعرفه وقد ريو في تار لات الفَتْحُ والكسرُ والضمُّ. (قوله) : ﴿فَنَادَواْ﴾ لا مفعول له لأن الأصل فَعَلُوا النداء من غير قصد منادًى وقال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا فاضطربوا نادى بعضهم لبعض مناص أي عليكم بالفراء فلما أتاهم العذاب قالوا مناص فقال الله لهم: وَلاَت حِينَ مناص قال القشيري فعلى هذا يكون التقدير نفادوا فحذف لدلالة ما بعده (عليه) . قال شهاب الدين: فيكون قد حذف المنادى وهو بعضاً وما ينادون به وهو «مناص» أي نادوا بعضهم بهذا اللفظ وقال الجُرْجَانيّ: أي فنادوا حين لا مناص أي ساعة لا مَنْجَى ولا فَوْتَ، فلما قدم «لا» وأخر «حين» اقتضى ذلك الواو كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداءً وخبراً مثل ما تقول: جَاءَ زَيْدٌ راكباً، ثم نقول: جاء وهُوَ رَاكبٌ، «فحين» طفرف لقوله: ﴿فَنَادَواْ﴾ (وقال أبو حيان: وكون أصْل هذه الجملة فنادوا حين لا مناص وأن حين ظرف لقوله) : فنادوا دعوى أعجمية في نظم القرآن والمعنى على نظمه في غاية الوضوح قال شهاب الدين: الجُرْجَانيّ لا يعني أن «حين» ظرف «لِنَادَوْا» في التركيب الذي عليه القرآن الآن إنما يعني بذلك في أصل المعنى والتركيب كما شبه ذلك بقوله: «جَاءَ زَيْدٌ راكباً، ثم جَاءَ زَيْدٌ وَهُو راكبٌ» «فراكباً» في التركيب الأول حال وفي الثاني خبراً مبتدأ حين كان (في الأصل) ظرف للنداء، ثم صار خبر «لات» أو اسمها على حَسبِ الخلاف المتقدم. و «المَنَاص» مَفْعَلٌ من نَاصَ يَنُوصُ أي هرَبَ فهو مصدر يقال نَاصَهُ يَنُوصُهُ إذا فَاَهُ فهو متعدٍّ، ونَاصَ يَنُوصُ أي تأخر، ومنه نَاصَ عن قِرْنِهِ أي تأخر عنه جبناً. قاله الفراء وأنشد قَوْلَ امْرئِ القيسل: [من الطويل] 4250 - أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى إِنْ نأَتْكَ تَنُوصُ ... فَتَقْصُرَ عَنْهَا حِقْبَةً وتَنُوصُ قال أبو جعفر النحاس: نَاصَ يَنُوصُ إذا تقدم فيكون من الأضْدَاد، واسْتَنَاص طلب المَنَاصَ، قال حارثة بن بدر: 4251 - غَمْرُ الجِرَاءِ إِذَا قَصَرْتُ عِنَانَهُ ... بِيدي اسْتَنَاصَ وَرَامَ جَرْيَ المِسْحَلِ ويقال: نَاصَ إلى كَذَا يَنُوصُ نَوْصاً إذَا التَجأ إليه. قال بعضهم المناص المَنْجَى والغَوْثُ، يقال نَاصَهُ ينُوصُهُ إذا أغاثه قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطربوا في الحب قال بعضهم لبعض مناص أي اهربوا وخُذُوا حذْرَكم، فلما نزل بهم العذاب ببدر، وقالوا مناص فانزل الله تعالى: ولات حين مناص أي ليس حين هذا القول.

ص 38:3

مكية وهي خمس وثمانون آية وسبعمائة واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ص﴾ قرأ العامة بسكون الدال كسائر حروف التهجي في أوائل السور وقد مر ما فيه. وقرأ أبيٌّ والحسنُ وابن أبي إسحاق وابن أبي عَبْلَة وأبو السّمَال بكسر الدال من غير تنوين وفيه وجهان: أحدهما: أنه كسر لالتقاء الساكنين وهذا أقرب. والثاني: أنه (أمر) من المصاداة وهي المعارضة ومنه صوت الصَّدَى لمعارضته لصوتك، وذلك في الأماكن الصُّلبة الخالية. والمعنى عارض القرآن بعملك فاعل بأوامره (وانته عن نواهيه قاله الحسن. وعنه أيضاً أنه من صَادَيْتُ أي حَادَثْتُ) والمعنى حَادِث النَّاسَ بالقرآن، وقرأ ابنُ أبي إسْحَاقَ كذلك إلاَّ أنه نونه وذلك على أنه مجرور بحرف قسم مقدر حذف وبقي عمله كقولهم: اللَّهِ لاَفْعَلَنَّ بالجر إلا أن الجر يقل في غير الجلالة، وإنما صرفه ذهاباً به إلى معنى الكتاب أو التنزيل وعن الحسن أيضاً وابن السميقع وهَارونَ الأَعْورض صادُ ومنع من الصرف للعملية والتأنيث وكذلك قرأ ابن السَّمَيْقَع وهارُون قافُ ونونُ بالضم على ما تقدم وقرأ عيسى وأبو عمرو - في رواية محبوب - صَادَ بالفتح من غير تنوين وهي تحتمل ثلاثة أوجه: البناء على الفتح تخفيفاً كأينَ وكَيْفَ، والجر بحرف القسم المقدر وإنما منع من الصرف للعملية والتأنيث كما تقدم. والنصب بإضمار فعل أو على حذف حرف القسم نحو قوله: 4232 - فَذَالكَ أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ ... وامتنعت من الصرف لما تقدم. وكذلك قرأ قاف ونون بالفتح فيهما وهما كما تقدم ولم يحفظ التنوين مع الفتح والضم. فصل قيل: هذا قسم، وقيل: اسم للسورة كما ذكر في الحروف المقطعة في أوئل السور قال محمد بن كعب القُرَظِيّ: (ص) اسم الصّمد وصادق الوعد وقال الضحاك: معناه صدق الله وروي عن ابن عباس صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها وسلتم قادرين على معارضته. فإن قيل: قوله ﴿والقرآن ذِي الذكر﴾ قسم فأين المقسم عليه؟ . فالجواب من وجوه: أحدهما: قال الزجاج والكوفيون غير الفراء: هو قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: 64] قال الفراء: لا نجده مستقيماً لتأخيره جداً عن قوله ﴿والقرآن﴾ وقال ثعلب والفراء هو قوله: «كَمْ أَهْلَكْنَا» والأصل: «لكم أهلكنا» فحذف اللام كما حذفها في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9] بعد قوله: ﴿وَالشَّمْسِ﴾ ، لما طال الكلام. الثالث: قال الأخفش هو قوله: «إنْ كُلُّ لَمَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ» كقوله: ﴿تالله إِن كُنَّا﴾ [الشعراء: 97] وقوله: ﴿والسمآء والطارق﴾ ﴿إِن كُلُّ﴾ [الطارق: 1و 4] الرابع: قوله: ﴿إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا﴾ [ص: 54] . الخامس: هو قوله: « (ص) » لأن المعنى والقرآن لقد صدق محمد قاله الفراء وثعلب أيضاً؛ وهذا بناء منهما على جواز تقديم جواب القسم وأن هذه الحرف مقتطع من جملة دالّ هو عليها وكلاهما ضعيف. السادس: أنه محذوف واختلفوا في تقديره فقال الحَوْفيُّ تقديره: «لَقَدْ جَاءَكُم الحَقُّ» ونحوه وقدره ابن عطية: ما الأمر كما تزعمون. ودل على هذا المحذوف قوله: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ﴾ والزمخشري: أنه لمعجز، وأبو حيان: إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ. قال: لأنه نظير: ﴿يس والقرآن الحكيم إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ [يس: 1 - 3] . وللزمخشري هنا عبارة بشعة جداً قال: فإن قلت: قوله: «ص. والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق» كلام ظاهر متناف غير منتظم فما وجه انتظامه؟ . قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحديث والتنبيه على الإعجاز كما مر في أول الكتاب ثم أتبعه القسم محذوف الجواب بدلالة التَّحدِّي عليه كأنه قال: والقرآن ذِي الذِّكْر إنه لكلام معجز. والثاني: أن يكون (صاد) خبر مبتدأ محذوف على أنها اسم للسورة كأنه قال: هذه «ص» يعني هذه السورة التي أعجزت العرب وَالقُرآنِ ذي الذكر كما تقول: «هذا حَاتمٌ واللَّهِ» تريد هو المشهور بالسخاء واللَّهِ وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال: أقسمتُ بصاد والقرآنِ ذي الذكر إنه لمعجز. ثم قال: بلِ الذَّينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف (بالحق) وشِقَانِ لله ورسوله (و) جعلتها مقسماً بها وعطفت عليها «والقرآن ذي الذكر» جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كله، وأن تريد السورة بعينها ومعناه: أُقْسِمُ بالسُّورةِ الشًّرِيفة والقرآنِ ذِي الذِّكر كما تقول: مَرَرْتُ بالرَّجُلِ الكَرِيم وبالنِّسْبَة المُبَارَكَةِ، ولا تريد بالنّسبة غيرَ الرجل. وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره بل الذين كفروا في عِزَّةٍ وشقاق والقرآنِ ذي الذكر. (والمراد بكون القرآن ذي الذكر) أي ذي الشرف، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] وقال: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] كما تقول: «لِفُلاَنٍ ذٍكْرٌ فِي النَّاسِ» ويحتمل أن يكون معناه ذو النبأ أي فيه أخبرا الأولين والآخرين وبيان العلوم الأصلية والفرعية. قوله: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ﴾ إضراب انتقال من قصةٍ إلى أخرى. وقرأ الكسائي - في رواية سَوْرَةَ - وحماد بن الزِّبرقَان وأبو جعفر وَالجَحْدَريّ: في غَرَّة بالغين المعجمة والراء وقد نقل أن حَمَّاداً الراوية قرأها كذلك تصحيفاً فلما رُدّت عليه قال: ما ظننت أن الكافرين في عِزّةٍ. وهو وَهَمٌ منه، لأن العزة المشار إليها حمية الجاهلية. والتنكير في (عزة وشقاق) دلالة على شدّتهما وتفاقمهما. فصل قالت المعتزلة دل قوله: (ذِي الذّكْر) على أنه مُحْدَث، ويؤيده قوله: ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: 50] ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: 69] والجواب: أنا نصرف دليلكم إلى ما نقرأه نحن به. فصل قال القُتَيْبيُّ: بل لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم بصاد والقرآن ذي الذكر أن الذين كفروا من أهل مكة في عزة وحَمِيَّة جاهلية وتَكَبُّر عن الحق وشِقَاق خلاف وعداوة لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال مجاهد: في عزة وتغابن. قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ (كم) مفعول «أَهْلَكْنَا» و «مِنْ قَرْنٍ» تَمْييزٌ، و «مِنْ قَبْلِهِمْ» لابتداء الغاية والمعنى كم أهلكنا من قبلهم من قرن يعني من الأمم الخالية فنادوا استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النِّقْمَة. وقيل: نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب. قوله: ﴿وَّلاَتَ حِينَ﴾ هذه الجملة في محل نصب على الحل من فاعل «نَادَوْا» أي استغاثوا والحال أنه مَهْرَبَ ولا مَنْجِى. وقرأ العامة «لاَتَ» بفتح التاء وحينَ منصوبة وفيها أوجه: أحدها وهو مذهب سيبويه: أن لا نافية بمعنى ليس والتاء مزيدة فيها كزيادتها في رُبَّ وثُمّ، كقولهم: رُبَّت وثُمَّت وأصلها «ها» وُصِلَتْ بلا فقالوا «لاَه» كما قالوا ثُمّهْ «ولا يعمل إلا في الزمان خاصة نحو: لات حين، ولات أوان كقوله: 4233 - طَلَبُوا صُلْحَنَا ولاَتَ أَوَانٍ ... فَأجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاء وقوله الآخر: 4234 - نَدِمَ البُغَاةُ لاَتَ سَاعَةَ مَنْدَم ... والبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيهِ وَخِيمُ والأكثر حينئذ حذف مرفوعها تقديره: وَلاَتَ الحِينُ حِينَ مَنَاصٍ. وقد يحذف المنصوب ويبقى المرفوع وقد قرأ هنا بذلك بعضهم لقوله: 4235 - مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا ... فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لاَ بَرَاحُ أي لا براح لي. ولا تعمل في غير الأحيان على المشهور، وقد تمسك بإعمالها في غير الأحيان في قوله: 4236 - حَنًّتْ نَوَارُ وَلاَتَ هَنَّا حَنَّت ... وَبدَا الَّذِي كَانَتْ نَوَارُ أَجَنَّتِ فإن» هنّا «من ظروف الأمكنة، وفيه شذوذ من ثلاثة أوجه: أحدهما: عملها في اسم الإشارة وهو معرفة ولا تعمل إلا في النكرات. والثاني: كونه لا ينصرف. الثالث: كونه غير زمان. وقد رد بعضهم هذا بأن» هنا «قد خرجت عن المكانية واستعملت في الزمان كقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون﴾ [الأحزاب: 11] وقوله: 4237 - (وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمتْ وَتَشَاكَلَتْ) فَهُنضاك يَعْتَرِفُون أَيْنَ المَفْزَعُ كما تقدم في سورة الأحزاب. إلا أن الشذوذين الأخيرين باقيان. وتأول بعضهم البيت أيضاً بتأويل آخر وهو أن» لات «هنا مُجْمَلَةٌ لا عمل لها، و» هنا» ظرف خبر مقدم و «حنت» مبتدأ بتأويل حذف» أن «المصدرية تقديره» أَنْ حَنَّت «نحو:» تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّي خَيْرٌ مِنْ أنْ ترَاهُ «وفي هذا تكلف وبعد ألى أن فيه الاستراحة من الشذوذات المذكورة أو الشذوذين وفي الوقف عليها مذهبان: أشهرهما عند [علماء] العربية وجماهير القراء السبعة بالتاء المجبورة اتباعاً لمرسوم الخط، والكسائي وحْدَهُ من السبعة بالهاء. والأول: مذهب الخليل وسِيبوَيْهِ والزَّجَّاج والفراءِ وابْنِ كَيْسَانَ. والثاني: مذهب المبرد. وَأَغْرَبَ أبو عبيدة فقال: الوقف على» لا «والتاء متصلة بحين فيقولون: قمت تحين قمت وتحين كان كذا فعل كذا، وقال: رأيتها في الإمام كذا» وَلاَ تَحِينَ «متصلةً، وأنشد على هذا أيضاً قول أبي وَجْزَة السَّعديِّ: 4238 - العَاطِفونَ تَحِينَ مَا مِنْ عَاطِفٍ ... وَالمُطْعِمونَ زَمَانَ لاَ مِنْ مُطْعِمِ ومنه حديث ابن عمر وسأله رجل من عثمان فذرك مناقبهُ ثم قال: «اذْهَبْ تَلاَنَ إلَى أَصْحَابِكَ» يريد «الآن» والمصاحف إنما هي لات حين. وحمل العامة ما رآه على أنه مما شذ عن قياس الخط كنَظَائِرَ له مرت. فأما البيت فقيل فيه: إنه شاذ لا يلتفت إليه وقيل: إنه إذا حذف الحين المضاف إلى الجملة التي فيها «لات حين» جاز أن يحذف (لا) وحدها ويستغنَى عنها بالتاء، والأصل: العاطفُونَ حِينَ لاَتَ حِينَ لاَ من عاطف، فحذف الأول ولا وحدها كما أنه قد صرح بإضافة حين إليها في قوله الآخر: _ _ 4239 - وَذَلِكَ حِينَ لاَتَ أَوَانِ حِلْمٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ذكر هذا الوجه ابن مالك؛ وهو متعسف جداً وقد يقدر إضافة «حين» إليها من غير حذف لها كقوله: 4240 - تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لاَتَ حِينَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . أي حين لات حين. وأيضاً فكيف يصنع أبو عبيدة بقوله: «وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ، ولات أوانِ» فإِنه قد وجدت التاء من «لا» دُونَ حِينَ؟! الوجه الثاني من الأوجه السابقة: أنها عالمة عمل «أن» يعني أها نافية للجِنْس فيكون «حِينَ مَنَاصٍ» اسمها، وخبرها مقدر تقديره ولات حِينَ مَنَاصٍ لَهُمْ، كقولك: لاَ غُلاَمَ سَفَرٍ لَكَ. واسمُها معربٌ لكونه مضافاً. الثالث: أنّ بعدها فعلاً مقدّراً ناصباً حلين مناص بعدها أي لات أرى حينَ مناص لهم بمعنى لَسْتُ أرى ذلك، ومثله: «لاَ مَرْحَباً بِهِمْ ولا أهْلاً ولا سَهْلاً» أي لا أتوا مرحباً ولا وَطِئُوا سهلاً ولا لَقُوا أهلاً. وهذا الوجهان ذهب إليهما الأخفش وهما ضعيفان وليس إضمار الفعل هنا نظير إضماره في قوله: 4241 - ألاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً..... ... ... ... ... ... ... ... ... . . لضرورة أن اسمها المفرد النكرة مبني على الفتح فلما رأينا هنا معرباً قدرنا له فعلاً خلافاً للزجَّاج فإنه يجوز تنوينه في الضرورة ويدعي أن فتحته للإِعراب، وإنما حذف التنوين لتخفيف ويَسْتَدِلُّ بالبيت المذكور وقد تقدم تحقيق هذا. الرابع: أن لات هذه ليست هي ليس فأبدلت السين تاء، وقد أبدل تمنها في مواضع قالواك النَّاتُ يريدون الناسَ ومنه سُتٌّ وأصله سُدْسٌ، وقال: 4242 - يَا قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي السَّعْلاَتِ ... عَمْرٌو بْنُ يَرْبُوع شِرار النَّاتِ لَيْسُوا بأخْيَارٍ وَلاَ أَليَاتِ ... وقرئ شاذاً: «قل أعوذُ بربِّ النّاتِ» إلى آخرها [الناس: 1 - 6] يريد شِرار الناسِ ولا أكياس فأبدل، ولما أبدل السين تاءً خاف من التباسها بحرف التمني فقلب الياء ألفاً فبقيت تاء «لات» وهو من الاكتفاء بحرف العلة، لأن حرف العلة لا يبدل ألفاً إلاّ بشرطٍ منها أن يتحركَ، وأن ينفتحَ ما قبله فيكون «حين مناص» خبرها والاسم محذوف على ما تقدم والعملُ هنا بحقِّ الأصالةِ لا الفرعيَّةِ. وقرأ عيسى بن عمر: ولاتِ حينِ مناص بكسر التاء وجر حين. وهي قارءة مشكلةٌ جداً، زعم الفراء أن لات يجر بها وأنشد: 4243 - وَلَتَنْدمُنَّ وَلاَتَ سَاعَةِ مَنْدَمِ ... وأنشد غيره: 4244 - طَلَبُوا صُلحَنَا وَلاَتَ أوان ... وقال الزمخشري: ومثله قول أبي زَبيد الطَّائِي: 4245 - طَلَبُوا صُلْحَنَا ... ... ... ... . ... البيت قال: فإن قلت: ما وجه الجر في أوانٍ» ؟ . قلت: شُبّه بإذْ في قَولِهِ: 4246 - وَأَنْتَ إِذْ صَحِيح ... في أنه زمان قطع عنه المضاف إليه وعوض منه التنوين لأن الأصل: وَلاَت أوانَ صلح. فإن قلت: فما تقول في «حِينَ مَنَاص» والمضاف إليه قائم؟ قلت: نزل قطع المضاف إليه من «مناص» لأن أصله حين مناصهم منزلة قطعه من «حين» لاتّحاد المضاف والمضاف إليه وجعل تنوينه عوضاً عن المضاف المحذوف، ثم بين الجهة لكونه مضافاً إلى غير متمكن انتهى. وخرجها أبو حيان على إضمار» من «والأصل ولات مِنْ حين ماص فحذفت» مِنْ «وبقي عملها نحو قولهم:» عَلَى كَمْ جذع بنيتَ بَيْتكَ «أي مِنْ جذعٍ في أصحِّ القولين وفيه قول آخر: بالإضافة مثل قوله: 4247 - ألاَ رَجُلٍ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً ... أنشده بجرّ رجلٍ أي ألا مِن رجلٍ. 4248 - ... ... ... ... ... ... ... ... وقال أَلاَ لاَ مِنْ سَبِيل إلى هِنْدِ قال: ويكون موضع (من حين مناص) رفعاً على أنه اسم لات بمعنى ليس، كما تقول: لَيْسَ مِنْ رَجُلِ قائماً والخبر محذوف، وهذا على قول سيبويه، (و) على أنه مبتدأ والخبر محذوف على قول الأخفش» ولات أوان «على حذف مضاف يعني أن (هـ) حذف المضاف وبقي المضاف إليه مجرواً على ما كان والأصل ولات حين أوان. وقدر هذا الوجه مكي بأنه كان ينبغي أن يقوم المضاف إليه مُقَامه في الإِعراب فيرفع. قال شهاب الدين: قد جاء بقاءُ المضاف إليه على جرِّه وهو قسمان قليلٌ وكثيرٌ: فالكثير أن يكون في اللفظ مثل المضاف نحو قوله: 4249 - أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا أي وكل نار، والقليل أن لا يكون كقراءة من قرأ: «وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ» بجر الآخرة فليكن هذا منه. على أن المبرد رواه بالرفع على إقامته مُقَام المضاف، وقال الزجاج: الأصل ولات أواننا، فحذف المضاف إليه فوجب أن لا يعرف وكَسَرَهُ لالتقاء الساكني. وقال أبو حيان: وهذا هو الوجه الذي قرره الزمخشري أخذه من أبي إسحاق يعني الوجه الأول وهو قوله ولات أوان صلح. هذا ما يتعلق بجر» حين «وأما كسرة لاَتِ فعلى أصل التقاء الساكينن كحِين إلا أنه لا يعرف تاء تأنيث إلاّ مفتوحةً وقرأ عيس أيضاً بكسر التاء فقط ونصب حين كالعامة. وقرأ ايضاً ولات حينُ بالرفع. مناص بالفتح وهذه قراءة مشكلة جداً لا تبعد عن الغلط من راويها عن عيسى فإنه بمكان من العِلم المانع له من مثل هذه القراءة. وقد خرجها أبو الضل الرازي في لوامحه على التقديم والتأخير وأن» حين» أُجْرِيَ مُجْرَى «قَبْلُ وبَعْدُ» في بنائه على الضم عند قطعه عن الإضافة بجامع ما بينه وبينها من الظرفية الزمانية و «مناص» اسمها مبين على الفتح فصل بينه وبينها بحين المقطوع عن الإضافة والأصل: ولات مَنَاصَ حينُ كذا، ثم حذفت المضاف إليه حين وبني على الضم وقدم فاصلاً بين لات واسمها قال: وقد يجوز أن يكون لذلك معنى لا أعرفه وقد ريو في تار لات الفَتْحُ والكسرُ والضمُّ. (قوله) : ﴿فَنَادَواْ﴾ لا مفعول له لأن الأصل فَعَلُوا النداء من غير قصد منادًى وقال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا فاضطربوا نادى بعضهم لبعض مناص أي عليكم بالفراء فلما أتاهم العذاب قالوا مناص فقال الله لهم: وَلاَت حِينَ مناص قال القشيري فعلى هذا يكون التقدير نفادوا فحذف لدلالة ما بعده (عليه) . قال شهاب الدين: فيكون قد حذف المنادى وهو بعضاً وما ينادون به وهو «مناص» أي نادوا بعضهم بهذا اللفظ وقال الجُرْجَانيّ: أي فنادوا حين لا مناص أي ساعة لا مَنْجَى ولا فَوْتَ، فلما قدم «لا» وأخر «حين» اقتضى ذلك الواو كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداءً وخبراً مثل ما تقول: جَاءَ زَيْدٌ راكباً، ثم نقول: جاء وهُوَ رَاكبٌ، «فحين» طفرف لقوله: ﴿فَنَادَواْ﴾ (وقال أبو حيان: وكون أصْل هذه الجملة فنادوا حين لا مناص وأن حين ظرف لقوله) : فنادوا دعوى أعجمية في نظم القرآن والمعنى على نظمه في غاية الوضوح قال شهاب الدين: الجُرْجَانيّ لا يعني أن «حين» ظرف «لِنَادَوْا» في التركيب الذي عليه القرآن الآن إنما يعني بذلك في أصل المعنى والتركيب كما شبه ذلك بقوله: «جَاءَ زَيْدٌ راكباً، ثم جَاءَ زَيْدٌ وَهُو راكبٌ» «فراكباً» في التركيب الأول حال وفي الثاني خبراً مبتدأ حين كان (في الأصل) ظرف للنداء، ثم صار خبر «لات» أو اسمها على حَسبِ الخلاف المتقدم. و «المَنَاص» مَفْعَلٌ من نَاصَ يَنُوصُ أي هرَبَ فهو مصدر يقال نَاصَهُ يَنُوصُهُ إذا فَاَهُ فهو متعدٍّ، ونَاصَ يَنُوصُ أي تأخر، ومنه نَاصَ عن قِرْنِهِ أي تأخر عنه جبناً. قاله الفراء وأنشد قَوْلَ امْرئِ القيسل: [من الطويل] 4250 - أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى إِنْ نأَتْكَ تَنُوصُ ... فَتَقْصُرَ عَنْهَا حِقْبَةً وتَنُوصُ قال أبو جعفر النحاس: نَاصَ يَنُوصُ إذا تقدم فيكون من الأضْدَاد، واسْتَنَاص طلب المَنَاصَ، قال حارثة بن بدر: 4251 - غَمْرُ الجِرَاءِ إِذَا قَصَرْتُ عِنَانَهُ ... بِيدي اسْتَنَاصَ وَرَامَ جَرْيَ المِسْحَلِ ويقال: نَاصَ إلى كَذَا يَنُوصُ نَوْصاً إذَا التَجأ إليه. قال بعضهم المناص المَنْجَى والغَوْثُ، يقال نَاصَهُ ينُوصُهُ إذا أغاثه قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطربوا في الحب قال بعضهم لبعض مناص أي اهربوا وخُذُوا حذْرَكم، فلما نزل بهم العذاب ببدر، وقالوا مناص فانزل الله تعالى: ولات حين مناص أي ليس حين هذا القول.

ص 38:4

قوله: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم﴾ أي مِنْ أَنْ، ففيها الخلاف المشهور. «وقَالَ الكَافِرُونَ» من باب وضع الظاهر موضع المضر شهادةً عليهم بهذا الوصف القبيح. فصل لما حكى عن الكفار في كونهم في غزّة وشقاقٍ أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ وفي قوله: «منهم» وجهان: الأول: أنهم قالوا: إن محمداً مساوٍ لنا في الخِلْقَة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يُخْتَصَّ من بيننا بهذا المنصب العالي؟ ﴿. والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم (لأنهم جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا ثم إن هذا الرجل) من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً عن الكذب والتهمة وكان ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون له من قوله. ونظيره قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69] ﴿وَقَالَ الكافرون هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ مبالغة في «عجب» كقولهم: رَجُلٌ طُوَال وأمْر سُرَاعٌ، هما أبلغ من طَوِيل وسَرِيع، وقرأ عليٌّ والسُّلَمي وعيسى وابن مِقْسم: عُجَّاب بتشديد الجيم. وهي أبلغ مما قبلها فهي مثل رجل كريم وكُرَّام. قال مقاتل: وعجاب - يعني بالتخفيف - لغة أَزْدِ شَنُوءَةَ، وهذه القراءة أعني بالتشديد كقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾ [نوح: 22] وهو أبلغ من كُبَارٍ وكُبَارٌ أبلغ من كَبِير، وقوله: «أَجَعَلَ» أي أصَيَّرها إلَهاً واحداً في قوله وزعمه. قوله: ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ﴾ الملأ: هم القوم الذين إذا حضروا امتلأت العيونُ والقلوبُ من مهابتهم، وقوله «مِنْهُمْ» أي من قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب بعد ما بكَّتهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالجواب العنيد قائلين بعضهم لبعض: «أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا على آلِهَتِكُمْ» ، وذلك «أن عُمَرَ بْنَ الخطاب أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسةً وعشرينَ رجلاً أكبرهم سنًّا الوليد بن المغيرة قال لهم: امشوا إلى أبي طالب فأتَوْا أبا طالب وقالوا له: انت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد أتينَاك لتقضيَ بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فدعا به فقال يا ابن أخي: هؤلاء قومك يسألونَك السَّوَاءَ فلا تَمِلْ كُلَّ الميل على قلومك، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» مَاذَا تسألون؟ «فقالوا: ارْفُضْ ذكرَ آلهتنا ونَدَعُكَ وآلهتَك فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أعطوني كلمةً واحدة تملكون بها العرب وتدين لكمن بها العجز فقال أبو جهل لله أبوك لنُعْطِيكَها وعشراً أمثالها فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: قولوا لا إله إلا الله فنفروا من ذلك وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟} ﴿هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي عجيب» . قوله: ﴿أَنِ امشوا﴾ يجوز أن تكون «أن» مصدرية أي انطلقوا بقولهم أَنِ امْشُوا، وأن تكون مفسِّرَة إما «لانْطَلَقَ» لأنه ضمن معنى القول، قول الزمخشري: لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم أن يتكلموا ويتعارضوا فيما جرى لهم انتهى. وقيل: بل هي مفسرة لجملة محذوفة في محل حال تقديره وانْطَلَقُوا يتحاورون أَن امْشوا. ويجوز أن تكون مصدرية معمولة لهذا المقدر وقيل: الانطلاق هنا الاندفاع في القول والقول والكلام نحو: انْطَلَقَ لسانُه فان مفسرة له من غير تضمين ولا حذف. والمشيُ الظاهرُ أنَّه هو المتعارف. وقيل: (بل) هو دعاء بكثرة الماشية. وهذا فاسد لفظاً بالألف؛ أي صار ذا ماشية فكان ينبغي على أن يقرأ أَمْشُوا بقطع الهمزة مفتوحة. وأما المعنى فليس مراداً البتة وأي معنى على ذلك، إلا أن الزمخشري ذكر وجهاً صحيحاً من حيث الصناعة وأقرب معنًى ممَّا تقدم (فقال) : ويجوز أنهم قالوا امشوا أي اكثروا واجتمعوا من: مَشَت المرأة إذا كثرتْ ولاَدَتُها، ومنه: الماشية للتفاؤل انتهى وإذا وقف على «أن» وابتدئ بما بعدها فليبتدأ بكسر الهمزة لا بضمِّها، لأن الثالث مكسرو تقديراً إذ الأصل: امْشِيُوا، ثم أُعِلّ بالحذف، وهذا كما يبتدأ بضم الهمزة في قولك: أُغْزِي يا امرأة، وإن كانت الزاي مكسورة لأنها مضمومة، إذا الأصل اعْزُوِي كاخْرُجِي فأعلّ بالحذف. فصل لما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة لمكانه قال المشركون: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لشيء يراد بنا، وقيل: يراد بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد (أن) يملك علينا، وقيل: إن دينكم لشيءٌ يُرَادُ أي يطلب ليؤخذ عنكم. قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة﴾ أي ما سمعنا بهذا الذي يقول (هـ) محمد من التوحيد في الملة الآخرة، قال ابن عباس والكلبي ومقاتل: يعنون في النصرانية لأنها آخر المِلَلِ وهُمْ لا يوحدون بل يقولون: ثالثُ ثلاثةٍ، وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملَّة قريشٍ دينهم الذي هم عليه. قوله: ﴿فِى الملة﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق «بسَمِعْنَا» أي (لم نسمع في الملة الآخرة بهذا الذي جئت به. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من هذا أي ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة) أي لم نسمع من الكُهَّان ولا من أهل الكتب أنه يحدث توحيد الله في الملة الآخرة. وهذا من فَرْطِ كَذِبِهم. قوله: ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق﴾ أي افتعال وكذب. (قوله) : أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ (مِنْ بَيْنِنَا) ، قد تقدم حكم هاتين الهمزتين في أوائل آل عمران، وأن الوارد منه في القرآن ثلاثى أماكن، والإضرابات في هذه الآية واضحة و «أم» منقطعة. فصل المعنى أأنزل عليه الذكر أي القرآن من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، وهذا استفهام على سبيل الإنكار فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾ (أي وحيي وما أنزلتُ) ، (قويل: بل هم في شك من ذكري) أي من الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم «بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ» ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول، وقيل: معنى «بل هم في شك من ذكري» هو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر. ثم إنهم أصروا على الكفر ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه و ﴿قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال: 32] (مِنَ السَّمَاءِ) . قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ يعني مفاتيح نعمة ربك وهي النبوة يعطونها من شاءوا، ونظيره: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32] أي نبوة ربك العزيز في ملكه الكامل القدر الوهاب أي وهاب النبوة لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قوله: ﴿أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيَنَهُمَا﴾ لما قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ فخزائن الله تعالى غير متناهية كما قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: 21] ومن جملة تلك الخزائن السموات والأرض، فلما ذكر الخزائن أولاً على العموم أردفها بذكر السموات والرض وما بينهما يعني أن هذه الأشياء أحد أنواع خزائن الله فإذا كانوا عاجزين عن هذا القسم فبأن يكونوا عاجزين عن كل خزائن الله أولى. قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ﴾ قال أبو البقاء: هذا كلام محمول على المعنى أي إِن زعموا ذلك فليرتقوا، فجعَلَهَا جواباً لشرط مقدر. وكثيراً ما يفعل الزمخشري ذلك، ومعنى الكلام إن ادَّعَوْا شيئاً من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون. قال مجاهد: أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز واستدل حكماء الإسلام بقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب﴾ على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسباباً، وذلك يدل على ما ذكَرْنَا. قوله: ﴿جُندٌ﴾ يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم جند و «ما» فيها وجهان: أحدهما: أنها مزيدة. والثاني: أنها صفة لجند على سبيل التعظيم للهزء بهم أو للتحقير ومثله قوله امرئ القيس: 4252 - ... ... ... ... ... ... ... . ... وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ وقد تقدم هذا في أوائل البقرة و «هنالك» يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون خبر الجند و «ما» مزيدة، ومهزوم نعت لجند. ذكره مكي. الثاني: أن يكون صفة لجند. الثالث: أن يكون منصوباً «بمهزوم» ومهزوم يجوز فيه أيضاً وجهان: أحدهما: أنه خبر ثانٍ لذلك المبتدأ المقدر. والثاني: أنه صفة لجند إلا أن الأحسن على هذا الوجه أن لا يجعل «هنالك» صفة بل متعلقاً به لئلا يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الصرح. و «هنالك» مشار به إلى موضع التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة وهو مكة أي سيهزمون بمكة، وهو إخبار بالغيب. وقيل: مشار به نُصْرَة الأصنام، وقيل: إلى حَفْر الخَنْدق يعني إلى مكان ذلك. الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون «جند» مبتدأ و «ما» مزيدة، و «هنالك» نعت ومهزوم خبره، قاله أبو البقاء قال أبو حيان: وفيه بعد لتفلته عن الكلام الذي قبله قال شهاب الدين وهذا الوجه المنقول عن أبي البقاء يبقه إليه مكي. قوله: ﴿مِّن الأحزاب﴾ يجوز أن يكون لجند وأن يكون صفة «لمهزوم» وجوز أبو البقاء أن يكون متعلقاً به وفيه بعد لأن المراد بالأحزاب هم المهزومون. فصل المعنى أن الذين يقولون هذا القول جند هنالِك و «ما» صلة مهزومة مغلوب من الأحزاب أي من جملة الأجناد، عين قريشاً، قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهو بمكة أنه سيزم جندَ المشركين فقال: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: 45] فجاء تأويلها يوم بدر، وهنالك إشارة إلى (يوم) بدر ومصارعهم، وقيل: يوم الخندق. وقال ابن الخطيب: والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح. وقوله: «من الأحزاب» أي من جملة الأحزاب أي هم من القرون الماضية الذين تَحَزَّبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا.

ص 38:5

قوله: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم﴾ أي مِنْ أَنْ، ففيها الخلاف المشهور. «وقَالَ الكَافِرُونَ» من باب وضع الظاهر موضع المضر شهادةً عليهم بهذا الوصف القبيح. فصل لما حكى عن الكفار في كونهم في غزّة وشقاقٍ أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ وفي قوله: «منهم» وجهان: الأول: أنهم قالوا: إن محمداً مساوٍ لنا في الخِلْقَة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يُخْتَصَّ من بيننا بهذا المنصب العالي؟ ﴿. والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم (لأنهم جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا ثم إن هذا الرجل) من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً عن الكذب والتهمة وكان ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون له من قوله. ونظيره قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69] ﴿وَقَالَ الكافرون هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ مبالغة في «عجب» كقولهم: رَجُلٌ طُوَال وأمْر سُرَاعٌ، هما أبلغ من طَوِيل وسَرِيع، وقرأ عليٌّ والسُّلَمي وعيسى وابن مِقْسم: عُجَّاب بتشديد الجيم. وهي أبلغ مما قبلها فهي مثل رجل كريم وكُرَّام. قال مقاتل: وعجاب - يعني بالتخفيف - لغة أَزْدِ شَنُوءَةَ، وهذه القراءة أعني بالتشديد كقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾ [نوح: 22] وهو أبلغ من كُبَارٍ وكُبَارٌ أبلغ من كَبِير، وقوله: «أَجَعَلَ» أي أصَيَّرها إلَهاً واحداً في قوله وزعمه. قوله: ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ﴾ الملأ: هم القوم الذين إذا حضروا امتلأت العيونُ والقلوبُ من مهابتهم، وقوله «مِنْهُمْ» أي من قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب بعد ما بكَّتهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالجواب العنيد قائلين بعضهم لبعض: «أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا على آلِهَتِكُمْ» ، وذلك «أن عُمَرَ بْنَ الخطاب أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسةً وعشرينَ رجلاً أكبرهم سنًّا الوليد بن المغيرة قال لهم: امشوا إلى أبي طالب فأتَوْا أبا طالب وقالوا له: انت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد أتينَاك لتقضيَ بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فدعا به فقال يا ابن أخي: هؤلاء قومك يسألونَك السَّوَاءَ فلا تَمِلْ كُلَّ الميل على قلومك، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» مَاذَا تسألون؟ «فقالوا: ارْفُضْ ذكرَ آلهتنا ونَدَعُكَ وآلهتَك فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أعطوني كلمةً واحدة تملكون بها العرب وتدين لكمن بها العجز فقال أبو جهل لله أبوك لنُعْطِيكَها وعشراً أمثالها فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: قولوا لا إله إلا الله فنفروا من ذلك وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟} ﴿هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي عجيب» . قوله: ﴿أَنِ امشوا﴾ يجوز أن تكون «أن» مصدرية أي انطلقوا بقولهم أَنِ امْشُوا، وأن تكون مفسِّرَة إما «لانْطَلَقَ» لأنه ضمن معنى القول، قول الزمخشري: لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم أن يتكلموا ويتعارضوا فيما جرى لهم انتهى. وقيل: بل هي مفسرة لجملة محذوفة في محل حال تقديره وانْطَلَقُوا يتحاورون أَن امْشوا. ويجوز أن تكون مصدرية معمولة لهذا المقدر وقيل: الانطلاق هنا الاندفاع في القول والقول والكلام نحو: انْطَلَقَ لسانُه فان مفسرة له من غير تضمين ولا حذف. والمشيُ الظاهرُ أنَّه هو المتعارف. وقيل: (بل) هو دعاء بكثرة الماشية. وهذا فاسد لفظاً بالألف؛ أي صار ذا ماشية فكان ينبغي على أن يقرأ أَمْشُوا بقطع الهمزة مفتوحة. وأما المعنى فليس مراداً البتة وأي معنى على ذلك، إلا أن الزمخشري ذكر وجهاً صحيحاً من حيث الصناعة وأقرب معنًى ممَّا تقدم (فقال) : ويجوز أنهم قالوا امشوا أي اكثروا واجتمعوا من: مَشَت المرأة إذا كثرتْ ولاَدَتُها، ومنه: الماشية للتفاؤل انتهى وإذا وقف على «أن» وابتدئ بما بعدها فليبتدأ بكسر الهمزة لا بضمِّها، لأن الثالث مكسرو تقديراً إذ الأصل: امْشِيُوا، ثم أُعِلّ بالحذف، وهذا كما يبتدأ بضم الهمزة في قولك: أُغْزِي يا امرأة، وإن كانت الزاي مكسورة لأنها مضمومة، إذا الأصل اعْزُوِي كاخْرُجِي فأعلّ بالحذف. فصل لما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة لمكانه قال المشركون: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لشيء يراد بنا، وقيل: يراد بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد (أن) يملك علينا، وقيل: إن دينكم لشيءٌ يُرَادُ أي يطلب ليؤخذ عنكم. قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة﴾ أي ما سمعنا بهذا الذي يقول (هـ) محمد من التوحيد في الملة الآخرة، قال ابن عباس والكلبي ومقاتل: يعنون في النصرانية لأنها آخر المِلَلِ وهُمْ لا يوحدون بل يقولون: ثالثُ ثلاثةٍ، وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملَّة قريشٍ دينهم الذي هم عليه. قوله: ﴿فِى الملة﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق «بسَمِعْنَا» أي (لم نسمع في الملة الآخرة بهذا الذي جئت به. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من هذا أي ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة) أي لم نسمع من الكُهَّان ولا من أهل الكتب أنه يحدث توحيد الله في الملة الآخرة. وهذا من فَرْطِ كَذِبِهم. قوله: ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق﴾ أي افتعال وكذب. (قوله) : أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ (مِنْ بَيْنِنَا) ، قد تقدم حكم هاتين الهمزتين في أوائل آل عمران، وأن الوارد منه في القرآن ثلاثى أماكن، والإضرابات في هذه الآية واضحة و «أم» منقطعة. فصل المعنى أأنزل عليه الذكر أي القرآن من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، وهذا استفهام على سبيل الإنكار فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾ (أي وحيي وما أنزلتُ) ، (قويل: بل هم في شك من ذكري) أي من الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم «بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ» ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول، وقيل: معنى «بل هم في شك من ذكري» هو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر. ثم إنهم أصروا على الكفر ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه و ﴿قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال: 32] (مِنَ السَّمَاءِ) . قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ يعني مفاتيح نعمة ربك وهي النبوة يعطونها من شاءوا، ونظيره: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32] أي نبوة ربك العزيز في ملكه الكامل القدر الوهاب أي وهاب النبوة لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قوله: ﴿أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيَنَهُمَا﴾ لما قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ فخزائن الله تعالى غير متناهية كما قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: 21] ومن جملة تلك الخزائن السموات والأرض، فلما ذكر الخزائن أولاً على العموم أردفها بذكر السموات والرض وما بينهما يعني أن هذه الأشياء أحد أنواع خزائن الله فإذا كانوا عاجزين عن هذا القسم فبأن يكونوا عاجزين عن كل خزائن الله أولى. قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ﴾ قال أبو البقاء: هذا كلام محمول على المعنى أي إِن زعموا ذلك فليرتقوا، فجعَلَهَا جواباً لشرط مقدر. وكثيراً ما يفعل الزمخشري ذلك، ومعنى الكلام إن ادَّعَوْا شيئاً من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون. قال مجاهد: أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز واستدل حكماء الإسلام بقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب﴾ على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسباباً، وذلك يدل على ما ذكَرْنَا. قوله: ﴿جُندٌ﴾ يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم جند و «ما» فيها وجهان: أحدهما: أنها مزيدة. والثاني: أنها صفة لجند على سبيل التعظيم للهزء بهم أو للتحقير ومثله قوله امرئ القيس: 4252 - ... ... ... ... ... ... ... . ... وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ وقد تقدم هذا في أوائل البقرة و «هنالك» يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون خبر الجند و «ما» مزيدة، ومهزوم نعت لجند. ذكره مكي. الثاني: أن يكون صفة لجند. الثالث: أن يكون منصوباً «بمهزوم» ومهزوم يجوز فيه أيضاً وجهان: أحدهما: أنه خبر ثانٍ لذلك المبتدأ المقدر. والثاني: أنه صفة لجند إلا أن الأحسن على هذا الوجه أن لا يجعل «هنالك» صفة بل متعلقاً به لئلا يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الصرح. و «هنالك» مشار به إلى موضع التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة وهو مكة أي سيهزمون بمكة، وهو إخبار بالغيب. وقيل: مشار به نُصْرَة الأصنام، وقيل: إلى حَفْر الخَنْدق يعني إلى مكان ذلك. الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون «جند» مبتدأ و «ما» مزيدة، و «هنالك» نعت ومهزوم خبره، قاله أبو البقاء قال أبو حيان: وفيه بعد لتفلته عن الكلام الذي قبله قال شهاب الدين وهذا الوجه المنقول عن أبي البقاء يبقه إليه مكي. قوله: ﴿مِّن الأحزاب﴾ يجوز أن يكون لجند وأن يكون صفة «لمهزوم» وجوز أبو البقاء أن يكون متعلقاً به وفيه بعد لأن المراد بالأحزاب هم المهزومون. فصل المعنى أن الذين يقولون هذا القول جند هنالِك و «ما» صلة مهزومة مغلوب من الأحزاب أي من جملة الأجناد، عين قريشاً، قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهو بمكة أنه سيزم جندَ المشركين فقال: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: 45] فجاء تأويلها يوم بدر، وهنالك إشارة إلى (يوم) بدر ومصارعهم، وقيل: يوم الخندق. وقال ابن الخطيب: والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح. وقوله: «من الأحزاب» أي من جملة الأحزاب أي هم من القرون الماضية الذين تَحَزَّبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا.

ص 38:6

قوله: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم﴾ أي مِنْ أَنْ، ففيها الخلاف المشهور. «وقَالَ الكَافِرُونَ» من باب وضع الظاهر موضع المضر شهادةً عليهم بهذا الوصف القبيح. فصل لما حكى عن الكفار في كونهم في غزّة وشقاقٍ أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ وفي قوله: «منهم» وجهان: الأول: أنهم قالوا: إن محمداً مساوٍ لنا في الخِلْقَة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يُخْتَصَّ من بيننا بهذا المنصب العالي؟ ﴿. والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم (لأنهم جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا ثم إن هذا الرجل) من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً عن الكذب والتهمة وكان ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون له من قوله. ونظيره قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69] ﴿وَقَالَ الكافرون هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ مبالغة في «عجب» كقولهم: رَجُلٌ طُوَال وأمْر سُرَاعٌ، هما أبلغ من طَوِيل وسَرِيع، وقرأ عليٌّ والسُّلَمي وعيسى وابن مِقْسم: عُجَّاب بتشديد الجيم. وهي أبلغ مما قبلها فهي مثل رجل كريم وكُرَّام. قال مقاتل: وعجاب - يعني بالتخفيف - لغة أَزْدِ شَنُوءَةَ، وهذه القراءة أعني بالتشديد كقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾ [نوح: 22] وهو أبلغ من كُبَارٍ وكُبَارٌ أبلغ من كَبِير، وقوله: «أَجَعَلَ» أي أصَيَّرها إلَهاً واحداً في قوله وزعمه. قوله: ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ﴾ الملأ: هم القوم الذين إذا حضروا امتلأت العيونُ والقلوبُ من مهابتهم، وقوله «مِنْهُمْ» أي من قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب بعد ما بكَّتهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالجواب العنيد قائلين بعضهم لبعض: «أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا على آلِهَتِكُمْ» ، وذلك «أن عُمَرَ بْنَ الخطاب أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسةً وعشرينَ رجلاً أكبرهم سنًّا الوليد بن المغيرة قال لهم: امشوا إلى أبي طالب فأتَوْا أبا طالب وقالوا له: انت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد أتينَاك لتقضيَ بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فدعا به فقال يا ابن أخي: هؤلاء قومك يسألونَك السَّوَاءَ فلا تَمِلْ كُلَّ الميل على قلومك، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» مَاذَا تسألون؟ «فقالوا: ارْفُضْ ذكرَ آلهتنا ونَدَعُكَ وآلهتَك فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أعطوني كلمةً واحدة تملكون بها العرب وتدين لكمن بها العجز فقال أبو جهل لله أبوك لنُعْطِيكَها وعشراً أمثالها فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: قولوا لا إله إلا الله فنفروا من ذلك وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟} ﴿هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي عجيب» . قوله: ﴿أَنِ امشوا﴾ يجوز أن تكون «أن» مصدرية أي انطلقوا بقولهم أَنِ امْشُوا، وأن تكون مفسِّرَة إما «لانْطَلَقَ» لأنه ضمن معنى القول، قول الزمخشري: لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم أن يتكلموا ويتعارضوا فيما جرى لهم انتهى. وقيل: بل هي مفسرة لجملة محذوفة في محل حال تقديره وانْطَلَقُوا يتحاورون أَن امْشوا. ويجوز أن تكون مصدرية معمولة لهذا المقدر وقيل: الانطلاق هنا الاندفاع في القول والقول والكلام نحو: انْطَلَقَ لسانُه فان مفسرة له من غير تضمين ولا حذف. والمشيُ الظاهرُ أنَّه هو المتعارف. وقيل: (بل) هو دعاء بكثرة الماشية. وهذا فاسد لفظاً بالألف؛ أي صار ذا ماشية فكان ينبغي على أن يقرأ أَمْشُوا بقطع الهمزة مفتوحة. وأما المعنى فليس مراداً البتة وأي معنى على ذلك، إلا أن الزمخشري ذكر وجهاً صحيحاً من حيث الصناعة وأقرب معنًى ممَّا تقدم (فقال) : ويجوز أنهم قالوا امشوا أي اكثروا واجتمعوا من: مَشَت المرأة إذا كثرتْ ولاَدَتُها، ومنه: الماشية للتفاؤل انتهى وإذا وقف على «أن» وابتدئ بما بعدها فليبتدأ بكسر الهمزة لا بضمِّها، لأن الثالث مكسرو تقديراً إذ الأصل: امْشِيُوا، ثم أُعِلّ بالحذف، وهذا كما يبتدأ بضم الهمزة في قولك: أُغْزِي يا امرأة، وإن كانت الزاي مكسورة لأنها مضمومة، إذا الأصل اعْزُوِي كاخْرُجِي فأعلّ بالحذف. فصل لما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة لمكانه قال المشركون: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لشيء يراد بنا، وقيل: يراد بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد (أن) يملك علينا، وقيل: إن دينكم لشيءٌ يُرَادُ أي يطلب ليؤخذ عنكم. قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة﴾ أي ما سمعنا بهذا الذي يقول (هـ) محمد من التوحيد في الملة الآخرة، قال ابن عباس والكلبي ومقاتل: يعنون في النصرانية لأنها آخر المِلَلِ وهُمْ لا يوحدون بل يقولون: ثالثُ ثلاثةٍ، وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملَّة قريشٍ دينهم الذي هم عليه. قوله: ﴿فِى الملة﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق «بسَمِعْنَا» أي (لم نسمع في الملة الآخرة بهذا الذي جئت به. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من هذا أي ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة) أي لم نسمع من الكُهَّان ولا من أهل الكتب أنه يحدث توحيد الله في الملة الآخرة. وهذا من فَرْطِ كَذِبِهم. قوله: ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق﴾ أي افتعال وكذب. (قوله) : أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ (مِنْ بَيْنِنَا) ، قد تقدم حكم هاتين الهمزتين في أوائل آل عمران، وأن الوارد منه في القرآن ثلاثى أماكن، والإضرابات في هذه الآية واضحة و «أم» منقطعة. فصل المعنى أأنزل عليه الذكر أي القرآن من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، وهذا استفهام على سبيل الإنكار فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾ (أي وحيي وما أنزلتُ) ، (قويل: بل هم في شك من ذكري) أي من الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم «بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ» ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول، وقيل: معنى «بل هم في شك من ذكري» هو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر. ثم إنهم أصروا على الكفر ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه و ﴿قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال: 32] (مِنَ السَّمَاءِ) . قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ يعني مفاتيح نعمة ربك وهي النبوة يعطونها من شاءوا، ونظيره: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32] أي نبوة ربك العزيز في ملكه الكامل القدر الوهاب أي وهاب النبوة لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قوله: ﴿أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيَنَهُمَا﴾ لما قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ فخزائن الله تعالى غير متناهية كما قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: 21] ومن جملة تلك الخزائن السموات والأرض، فلما ذكر الخزائن أولاً على العموم أردفها بذكر السموات والرض وما بينهما يعني أن هذه الأشياء أحد أنواع خزائن الله فإذا كانوا عاجزين عن هذا القسم فبأن يكونوا عاجزين عن كل خزائن الله أولى. قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ﴾ قال أبو البقاء: هذا كلام محمول على المعنى أي إِن زعموا ذلك فليرتقوا، فجعَلَهَا جواباً لشرط مقدر. وكثيراً ما يفعل الزمخشري ذلك، ومعنى الكلام إن ادَّعَوْا شيئاً من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون. قال مجاهد: أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز واستدل حكماء الإسلام بقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب﴾ على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسباباً، وذلك يدل على ما ذكَرْنَا. قوله: ﴿جُندٌ﴾ يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم جند و «ما» فيها وجهان: أحدهما: أنها مزيدة. والثاني: أنها صفة لجند على سبيل التعظيم للهزء بهم أو للتحقير ومثله قوله امرئ القيس: 4252 - ... ... ... ... ... ... ... . ... وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ وقد تقدم هذا في أوائل البقرة و «هنالك» يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون خبر الجند و «ما» مزيدة، ومهزوم نعت لجند. ذكره مكي. الثاني: أن يكون صفة لجند. الثالث: أن يكون منصوباً «بمهزوم» ومهزوم يجوز فيه أيضاً وجهان: أحدهما: أنه خبر ثانٍ لذلك المبتدأ المقدر. والثاني: أنه صفة لجند إلا أن الأحسن على هذا الوجه أن لا يجعل «هنالك» صفة بل متعلقاً به لئلا يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الصرح. و «هنالك» مشار به إلى موضع التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة وهو مكة أي سيهزمون بمكة، وهو إخبار بالغيب. وقيل: مشار به نُصْرَة الأصنام، وقيل: إلى حَفْر الخَنْدق يعني إلى مكان ذلك. الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون «جند» مبتدأ و «ما» مزيدة، و «هنالك» نعت ومهزوم خبره، قاله أبو البقاء قال أبو حيان: وفيه بعد لتفلته عن الكلام الذي قبله قال شهاب الدين وهذا الوجه المنقول عن أبي البقاء يبقه إليه مكي. قوله: ﴿مِّن الأحزاب﴾ يجوز أن يكون لجند وأن يكون صفة «لمهزوم» وجوز أبو البقاء أن يكون متعلقاً به وفيه بعد لأن المراد بالأحزاب هم المهزومون. فصل المعنى أن الذين يقولون هذا القول جند هنالِك و «ما» صلة مهزومة مغلوب من الأحزاب أي من جملة الأجناد، عين قريشاً، قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهو بمكة أنه سيزم جندَ المشركين فقال: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: 45] فجاء تأويلها يوم بدر، وهنالك إشارة إلى (يوم) بدر ومصارعهم، وقيل: يوم الخندق. وقال ابن الخطيب: والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح. وقوله: «من الأحزاب» أي من جملة الأحزاب أي هم من القرون الماضية الذين تَحَزَّبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا.

ص 38:7

قوله: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم﴾ أي مِنْ أَنْ، ففيها الخلاف المشهور. «وقَالَ الكَافِرُونَ» من باب وضع الظاهر موضع المضر شهادةً عليهم بهذا الوصف القبيح. فصل لما حكى عن الكفار في كونهم في غزّة وشقاقٍ أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ وفي قوله: «منهم» وجهان: الأول: أنهم قالوا: إن محمداً مساوٍ لنا في الخِلْقَة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يُخْتَصَّ من بيننا بهذا المنصب العالي؟ ﴿. والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم (لأنهم جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا ثم إن هذا الرجل) من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً عن الكذب والتهمة وكان ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون له من قوله. ونظيره قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69] ﴿وَقَالَ الكافرون هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ مبالغة في «عجب» كقولهم: رَجُلٌ طُوَال وأمْر سُرَاعٌ، هما أبلغ من طَوِيل وسَرِيع، وقرأ عليٌّ والسُّلَمي وعيسى وابن مِقْسم: عُجَّاب بتشديد الجيم. وهي أبلغ مما قبلها فهي مثل رجل كريم وكُرَّام. قال مقاتل: وعجاب - يعني بالتخفيف - لغة أَزْدِ شَنُوءَةَ، وهذه القراءة أعني بالتشديد كقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾ [نوح: 22] وهو أبلغ من كُبَارٍ وكُبَارٌ أبلغ من كَبِير، وقوله: «أَجَعَلَ» أي أصَيَّرها إلَهاً واحداً في قوله وزعمه. قوله: ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ﴾ الملأ: هم القوم الذين إذا حضروا امتلأت العيونُ والقلوبُ من مهابتهم، وقوله «مِنْهُمْ» أي من قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب بعد ما بكَّتهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالجواب العنيد قائلين بعضهم لبعض: «أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا على آلِهَتِكُمْ» ، وذلك «أن عُمَرَ بْنَ الخطاب أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسةً وعشرينَ رجلاً أكبرهم سنًّا الوليد بن المغيرة قال لهم: امشوا إلى أبي طالب فأتَوْا أبا طالب وقالوا له: انت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد أتينَاك لتقضيَ بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فدعا به فقال يا ابن أخي: هؤلاء قومك يسألونَك السَّوَاءَ فلا تَمِلْ كُلَّ الميل على قلومك، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» مَاذَا تسألون؟ «فقالوا: ارْفُضْ ذكرَ آلهتنا ونَدَعُكَ وآلهتَك فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أعطوني كلمةً واحدة تملكون بها العرب وتدين لكمن بها العجز فقال أبو جهل لله أبوك لنُعْطِيكَها وعشراً أمثالها فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: قولوا لا إله إلا الله فنفروا من ذلك وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟} ﴿هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي عجيب» . قوله: ﴿أَنِ امشوا﴾ يجوز أن تكون «أن» مصدرية أي انطلقوا بقولهم أَنِ امْشُوا، وأن تكون مفسِّرَة إما «لانْطَلَقَ» لأنه ضمن معنى القول، قول الزمخشري: لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم أن يتكلموا ويتعارضوا فيما جرى لهم انتهى. وقيل: بل هي مفسرة لجملة محذوفة في محل حال تقديره وانْطَلَقُوا يتحاورون أَن امْشوا. ويجوز أن تكون مصدرية معمولة لهذا المقدر وقيل: الانطلاق هنا الاندفاع في القول والقول والكلام نحو: انْطَلَقَ لسانُه فان مفسرة له من غير تضمين ولا حذف. والمشيُ الظاهرُ أنَّه هو المتعارف. وقيل: (بل) هو دعاء بكثرة الماشية. وهذا فاسد لفظاً بالألف؛ أي صار ذا ماشية فكان ينبغي على أن يقرأ أَمْشُوا بقطع الهمزة مفتوحة. وأما المعنى فليس مراداً البتة وأي معنى على ذلك، إلا أن الزمخشري ذكر وجهاً صحيحاً من حيث الصناعة وأقرب معنًى ممَّا تقدم (فقال) : ويجوز أنهم قالوا امشوا أي اكثروا واجتمعوا من: مَشَت المرأة إذا كثرتْ ولاَدَتُها، ومنه: الماشية للتفاؤل انتهى وإذا وقف على «أن» وابتدئ بما بعدها فليبتدأ بكسر الهمزة لا بضمِّها، لأن الثالث مكسرو تقديراً إذ الأصل: امْشِيُوا، ثم أُعِلّ بالحذف، وهذا كما يبتدأ بضم الهمزة في قولك: أُغْزِي يا امرأة، وإن كانت الزاي مكسورة لأنها مضمومة، إذا الأصل اعْزُوِي كاخْرُجِي فأعلّ بالحذف. فصل لما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة لمكانه قال المشركون: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لشيء يراد بنا، وقيل: يراد بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد (أن) يملك علينا، وقيل: إن دينكم لشيءٌ يُرَادُ أي يطلب ليؤخذ عنكم. قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة﴾ أي ما سمعنا بهذا الذي يقول (هـ) محمد من التوحيد في الملة الآخرة، قال ابن عباس والكلبي ومقاتل: يعنون في النصرانية لأنها آخر المِلَلِ وهُمْ لا يوحدون بل يقولون: ثالثُ ثلاثةٍ، وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملَّة قريشٍ دينهم الذي هم عليه. قوله: ﴿فِى الملة﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق «بسَمِعْنَا» أي (لم نسمع في الملة الآخرة بهذا الذي جئت به. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من هذا أي ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة) أي لم نسمع من الكُهَّان ولا من أهل الكتب أنه يحدث توحيد الله في الملة الآخرة. وهذا من فَرْطِ كَذِبِهم. قوله: ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق﴾ أي افتعال وكذب. (قوله) : أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ (مِنْ بَيْنِنَا) ، قد تقدم حكم هاتين الهمزتين في أوائل آل عمران، وأن الوارد منه في القرآن ثلاثى أماكن، والإضرابات في هذه الآية واضحة و «أم» منقطعة. فصل المعنى أأنزل عليه الذكر أي القرآن من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، وهذا استفهام على سبيل الإنكار فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾ (أي وحيي وما أنزلتُ) ، (قويل: بل هم في شك من ذكري) أي من الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم «بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ» ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول، وقيل: معنى «بل هم في شك من ذكري» هو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر. ثم إنهم أصروا على الكفر ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه و ﴿قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال: 32] (مِنَ السَّمَاءِ) . قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ يعني مفاتيح نعمة ربك وهي النبوة يعطونها من شاءوا، ونظيره: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32] أي نبوة ربك العزيز في ملكه الكامل القدر الوهاب أي وهاب النبوة لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قوله: ﴿أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيَنَهُمَا﴾ لما قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ فخزائن الله تعالى غير متناهية كما قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: 21] ومن جملة تلك الخزائن السموات والأرض، فلما ذكر الخزائن أولاً على العموم أردفها بذكر السموات والرض وما بينهما يعني أن هذه الأشياء أحد أنواع خزائن الله فإذا كانوا عاجزين عن هذا القسم فبأن يكونوا عاجزين عن كل خزائن الله أولى. قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ﴾ قال أبو البقاء: هذا كلام محمول على المعنى أي إِن زعموا ذلك فليرتقوا، فجعَلَهَا جواباً لشرط مقدر. وكثيراً ما يفعل الزمخشري ذلك، ومعنى الكلام إن ادَّعَوْا شيئاً من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون. قال مجاهد: أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز واستدل حكماء الإسلام بقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب﴾ على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسباباً، وذلك يدل على ما ذكَرْنَا. قوله: ﴿جُندٌ﴾ يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم جند و «ما» فيها وجهان: أحدهما: أنها مزيدة. والثاني: أنها صفة لجند على سبيل التعظيم للهزء بهم أو للتحقير ومثله قوله امرئ القيس: 4252 - ... ... ... ... ... ... ... . ... وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ وقد تقدم هذا في أوائل البقرة و «هنالك» يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون خبر الجند و «ما» مزيدة، ومهزوم نعت لجند. ذكره مكي. الثاني: أن يكون صفة لجند. الثالث: أن يكون منصوباً «بمهزوم» ومهزوم يجوز فيه أيضاً وجهان: أحدهما: أنه خبر ثانٍ لذلك المبتدأ المقدر. والثاني: أنه صفة لجند إلا أن الأحسن على هذا الوجه أن لا يجعل «هنالك» صفة بل متعلقاً به لئلا يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الصرح. و «هنالك» مشار به إلى موضع التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة وهو مكة أي سيهزمون بمكة، وهو إخبار بالغيب. وقيل: مشار به نُصْرَة الأصنام، وقيل: إلى حَفْر الخَنْدق يعني إلى مكان ذلك. الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون «جند» مبتدأ و «ما» مزيدة، و «هنالك» نعت ومهزوم خبره، قاله أبو البقاء قال أبو حيان: وفيه بعد لتفلته عن الكلام الذي قبله قال شهاب الدين وهذا الوجه المنقول عن أبي البقاء يبقه إليه مكي. قوله: ﴿مِّن الأحزاب﴾ يجوز أن يكون لجند وأن يكون صفة «لمهزوم» وجوز أبو البقاء أن يكون متعلقاً به وفيه بعد لأن المراد بالأحزاب هم المهزومون. فصل المعنى أن الذين يقولون هذا القول جند هنالِك و «ما» صلة مهزومة مغلوب من الأحزاب أي من جملة الأجناد، عين قريشاً، قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهو بمكة أنه سيزم جندَ المشركين فقال: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: 45] فجاء تأويلها يوم بدر، وهنالك إشارة إلى (يوم) بدر ومصارعهم، وقيل: يوم الخندق. وقال ابن الخطيب: والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح. وقوله: «من الأحزاب» أي من جملة الأحزاب أي هم من القرون الماضية الذين تَحَزَّبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا.

ص 38:8

قوله: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم﴾ أي مِنْ أَنْ، ففيها الخلاف المشهور. «وقَالَ الكَافِرُونَ» من باب وضع الظاهر موضع المضر شهادةً عليهم بهذا الوصف القبيح. فصل لما حكى عن الكفار في كونهم في غزّة وشقاقٍ أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ وفي قوله: «منهم» وجهان: الأول: أنهم قالوا: إن محمداً مساوٍ لنا في الخِلْقَة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يُخْتَصَّ من بيننا بهذا المنصب العالي؟ ﴿. والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم (لأنهم جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا ثم إن هذا الرجل) من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً عن الكذب والتهمة وكان ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون له من قوله. ونظيره قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69] ﴿وَقَالَ الكافرون هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ مبالغة في «عجب» كقولهم: رَجُلٌ طُوَال وأمْر سُرَاعٌ، هما أبلغ من طَوِيل وسَرِيع، وقرأ عليٌّ والسُّلَمي وعيسى وابن مِقْسم: عُجَّاب بتشديد الجيم. وهي أبلغ مما قبلها فهي مثل رجل كريم وكُرَّام. قال مقاتل: وعجاب - يعني بالتخفيف - لغة أَزْدِ شَنُوءَةَ، وهذه القراءة أعني بالتشديد كقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾ [نوح: 22] وهو أبلغ من كُبَارٍ وكُبَارٌ أبلغ من كَبِير، وقوله: «أَجَعَلَ» أي أصَيَّرها إلَهاً واحداً في قوله وزعمه. قوله: ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ﴾ الملأ: هم القوم الذين إذا حضروا امتلأت العيونُ والقلوبُ من مهابتهم، وقوله «مِنْهُمْ» أي من قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب بعد ما بكَّتهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالجواب العنيد قائلين بعضهم لبعض: «أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا على آلِهَتِكُمْ» ، وذلك «أن عُمَرَ بْنَ الخطاب أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسةً وعشرينَ رجلاً أكبرهم سنًّا الوليد بن المغيرة قال لهم: امشوا إلى أبي طالب فأتَوْا أبا طالب وقالوا له: انت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد أتينَاك لتقضيَ بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فدعا به فقال يا ابن أخي: هؤلاء قومك يسألونَك السَّوَاءَ فلا تَمِلْ كُلَّ الميل على قلومك، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» مَاذَا تسألون؟ «فقالوا: ارْفُضْ ذكرَ آلهتنا ونَدَعُكَ وآلهتَك فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أعطوني كلمةً واحدة تملكون بها العرب وتدين لكمن بها العجز فقال أبو جهل لله أبوك لنُعْطِيكَها وعشراً أمثالها فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: قولوا لا إله إلا الله فنفروا من ذلك وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟} ﴿هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي عجيب» . قوله: ﴿أَنِ امشوا﴾ يجوز أن تكون «أن» مصدرية أي انطلقوا بقولهم أَنِ امْشُوا، وأن تكون مفسِّرَة إما «لانْطَلَقَ» لأنه ضمن معنى القول، قول الزمخشري: لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم أن يتكلموا ويتعارضوا فيما جرى لهم انتهى. وقيل: بل هي مفسرة لجملة محذوفة في محل حال تقديره وانْطَلَقُوا يتحاورون أَن امْشوا. ويجوز أن تكون مصدرية معمولة لهذا المقدر وقيل: الانطلاق هنا الاندفاع في القول والقول والكلام نحو: انْطَلَقَ لسانُه فان مفسرة له من غير تضمين ولا حذف. والمشيُ الظاهرُ أنَّه هو المتعارف. وقيل: (بل) هو دعاء بكثرة الماشية. وهذا فاسد لفظاً بالألف؛ أي صار ذا ماشية فكان ينبغي على أن يقرأ أَمْشُوا بقطع الهمزة مفتوحة. وأما المعنى فليس مراداً البتة وأي معنى على ذلك، إلا أن الزمخشري ذكر وجهاً صحيحاً من حيث الصناعة وأقرب معنًى ممَّا تقدم (فقال) : ويجوز أنهم قالوا امشوا أي اكثروا واجتمعوا من: مَشَت المرأة إذا كثرتْ ولاَدَتُها، ومنه: الماشية للتفاؤل انتهى وإذا وقف على «أن» وابتدئ بما بعدها فليبتدأ بكسر الهمزة لا بضمِّها، لأن الثالث مكسرو تقديراً إذ الأصل: امْشِيُوا، ثم أُعِلّ بالحذف، وهذا كما يبتدأ بضم الهمزة في قولك: أُغْزِي يا امرأة، وإن كانت الزاي مكسورة لأنها مضمومة، إذا الأصل اعْزُوِي كاخْرُجِي فأعلّ بالحذف. فصل لما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة لمكانه قال المشركون: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لشيء يراد بنا، وقيل: يراد بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد (أن) يملك علينا، وقيل: إن دينكم لشيءٌ يُرَادُ أي يطلب ليؤخذ عنكم. قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة﴾ أي ما سمعنا بهذا الذي يقول (هـ) محمد من التوحيد في الملة الآخرة، قال ابن عباس والكلبي ومقاتل: يعنون في النصرانية لأنها آخر المِلَلِ وهُمْ لا يوحدون بل يقولون: ثالثُ ثلاثةٍ، وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملَّة قريشٍ دينهم الذي هم عليه. قوله: ﴿فِى الملة﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق «بسَمِعْنَا» أي (لم نسمع في الملة الآخرة بهذا الذي جئت به. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من هذا أي ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة) أي لم نسمع من الكُهَّان ولا من أهل الكتب أنه يحدث توحيد الله في الملة الآخرة. وهذا من فَرْطِ كَذِبِهم. قوله: ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق﴾ أي افتعال وكذب. (قوله) : أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ (مِنْ بَيْنِنَا) ، قد تقدم حكم هاتين الهمزتين في أوائل آل عمران، وأن الوارد منه في القرآن ثلاثى أماكن، والإضرابات في هذه الآية واضحة و «أم» منقطعة. فصل المعنى أأنزل عليه الذكر أي القرآن من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، وهذا استفهام على سبيل الإنكار فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾ (أي وحيي وما أنزلتُ) ، (قويل: بل هم في شك من ذكري) أي من الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم «بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ» ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول، وقيل: معنى «بل هم في شك من ذكري» هو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر. ثم إنهم أصروا على الكفر ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه و ﴿قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال: 32] (مِنَ السَّمَاءِ) . قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ يعني مفاتيح نعمة ربك وهي النبوة يعطونها من شاءوا، ونظيره: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32] أي نبوة ربك العزيز في ملكه الكامل القدر الوهاب أي وهاب النبوة لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قوله: ﴿أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيَنَهُمَا﴾ لما قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ فخزائن الله تعالى غير متناهية كما قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: 21] ومن جملة تلك الخزائن السموات والأرض، فلما ذكر الخزائن أولاً على العموم أردفها بذكر السموات والرض وما بينهما يعني أن هذه الأشياء أحد أنواع خزائن الله فإذا كانوا عاجزين عن هذا القسم فبأن يكونوا عاجزين عن كل خزائن الله أولى. قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ﴾ قال أبو البقاء: هذا كلام محمول على المعنى أي إِن زعموا ذلك فليرتقوا، فجعَلَهَا جواباً لشرط مقدر. وكثيراً ما يفعل الزمخشري ذلك، ومعنى الكلام إن ادَّعَوْا شيئاً من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون. قال مجاهد: أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز واستدل حكماء الإسلام بقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب﴾ على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسباباً، وذلك يدل على ما ذكَرْنَا. قوله: ﴿جُندٌ﴾ يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم جند و «ما» فيها وجهان: أحدهما: أنها مزيدة. والثاني: أنها صفة لجند على سبيل التعظيم للهزء بهم أو للتحقير ومثله قوله امرئ القيس: 4252 - ... ... ... ... ... ... ... . ... وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ وقد تقدم هذا في أوائل البقرة و «هنالك» يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون خبر الجند و «ما» مزيدة، ومهزوم نعت لجند. ذكره مكي. الثاني: أن يكون صفة لجند. الثالث: أن يكون منصوباً «بمهزوم» ومهزوم يجوز فيه أيضاً وجهان: أحدهما: أنه خبر ثانٍ لذلك المبتدأ المقدر. والثاني: أنه صفة لجند إلا أن الأحسن على هذا الوجه أن لا يجعل «هنالك» صفة بل متعلقاً به لئلا يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الصرح. و «هنالك» مشار به إلى موضع التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة وهو مكة أي سيهزمون بمكة، وهو إخبار بالغيب. وقيل: مشار به نُصْرَة الأصنام، وقيل: إلى حَفْر الخَنْدق يعني إلى مكان ذلك. الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون «جند» مبتدأ و «ما» مزيدة، و «هنالك» نعت ومهزوم خبره، قاله أبو البقاء قال أبو حيان: وفيه بعد لتفلته عن الكلام الذي قبله قال شهاب الدين وهذا الوجه المنقول عن أبي البقاء يبقه إليه مكي. قوله: ﴿مِّن الأحزاب﴾ يجوز أن يكون لجند وأن يكون صفة «لمهزوم» وجوز أبو البقاء أن يكون متعلقاً به وفيه بعد لأن المراد بالأحزاب هم المهزومون. فصل المعنى أن الذين يقولون هذا القول جند هنالِك و «ما» صلة مهزومة مغلوب من الأحزاب أي من جملة الأجناد، عين قريشاً، قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهو بمكة أنه سيزم جندَ المشركين فقال: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: 45] فجاء تأويلها يوم بدر، وهنالك إشارة إلى (يوم) بدر ومصارعهم، وقيل: يوم الخندق. وقال ابن الخطيب: والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح. وقوله: «من الأحزاب» أي من جملة الأحزاب أي هم من القرون الماضية الذين تَحَزَّبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا.

ص 38:9

قوله: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم﴾ أي مِنْ أَنْ، ففيها الخلاف المشهور. «وقَالَ الكَافِرُونَ» من باب وضع الظاهر موضع المضر شهادةً عليهم بهذا الوصف القبيح. فصل لما حكى عن الكفار في كونهم في غزّة وشقاقٍ أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ وفي قوله: «منهم» وجهان: الأول: أنهم قالوا: إن محمداً مساوٍ لنا في الخِلْقَة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يُخْتَصَّ من بيننا بهذا المنصب العالي؟ ﴿. والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم (لأنهم جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا ثم إن هذا الرجل) من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً عن الكذب والتهمة وكان ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون له من قوله. ونظيره قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69] ﴿وَقَالَ الكافرون هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ مبالغة في «عجب» كقولهم: رَجُلٌ طُوَال وأمْر سُرَاعٌ، هما أبلغ من طَوِيل وسَرِيع، وقرأ عليٌّ والسُّلَمي وعيسى وابن مِقْسم: عُجَّاب بتشديد الجيم. وهي أبلغ مما قبلها فهي مثل رجل كريم وكُرَّام. قال مقاتل: وعجاب - يعني بالتخفيف - لغة أَزْدِ شَنُوءَةَ، وهذه القراءة أعني بالتشديد كقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾ [نوح: 22] وهو أبلغ من كُبَارٍ وكُبَارٌ أبلغ من كَبِير، وقوله: «أَجَعَلَ» أي أصَيَّرها إلَهاً واحداً في قوله وزعمه. قوله: ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ﴾ الملأ: هم القوم الذين إذا حضروا امتلأت العيونُ والقلوبُ من مهابتهم، وقوله «مِنْهُمْ» أي من قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب بعد ما بكَّتهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالجواب العنيد قائلين بعضهم لبعض: «أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا على آلِهَتِكُمْ» ، وذلك «أن عُمَرَ بْنَ الخطاب أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسةً وعشرينَ رجلاً أكبرهم سنًّا الوليد بن المغيرة قال لهم: امشوا إلى أبي طالب فأتَوْا أبا طالب وقالوا له: انت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد أتينَاك لتقضيَ بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فدعا به فقال يا ابن أخي: هؤلاء قومك يسألونَك السَّوَاءَ فلا تَمِلْ كُلَّ الميل على قلومك، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» مَاذَا تسألون؟ «فقالوا: ارْفُضْ ذكرَ آلهتنا ونَدَعُكَ وآلهتَك فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أعطوني كلمةً واحدة تملكون بها العرب وتدين لكمن بها العجز فقال أبو جهل لله أبوك لنُعْطِيكَها وعشراً أمثالها فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: قولوا لا إله إلا الله فنفروا من ذلك وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟} ﴿هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي عجيب» . قوله: ﴿أَنِ امشوا﴾ يجوز أن تكون «أن» مصدرية أي انطلقوا بقولهم أَنِ امْشُوا، وأن تكون مفسِّرَة إما «لانْطَلَقَ» لأنه ضمن معنى القول، قول الزمخشري: لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم أن يتكلموا ويتعارضوا فيما جرى لهم انتهى. وقيل: بل هي مفسرة لجملة محذوفة في محل حال تقديره وانْطَلَقُوا يتحاورون أَن امْشوا. ويجوز أن تكون مصدرية معمولة لهذا المقدر وقيل: الانطلاق هنا الاندفاع في القول والقول والكلام نحو: انْطَلَقَ لسانُه فان مفسرة له من غير تضمين ولا حذف. والمشيُ الظاهرُ أنَّه هو المتعارف. وقيل: (بل) هو دعاء بكثرة الماشية. وهذا فاسد لفظاً بالألف؛ أي صار ذا ماشية فكان ينبغي على أن يقرأ أَمْشُوا بقطع الهمزة مفتوحة. وأما المعنى فليس مراداً البتة وأي معنى على ذلك، إلا أن الزمخشري ذكر وجهاً صحيحاً من حيث الصناعة وأقرب معنًى ممَّا تقدم (فقال) : ويجوز أنهم قالوا امشوا أي اكثروا واجتمعوا من: مَشَت المرأة إذا كثرتْ ولاَدَتُها، ومنه: الماشية للتفاؤل انتهى وإذا وقف على «أن» وابتدئ بما بعدها فليبتدأ بكسر الهمزة لا بضمِّها، لأن الثالث مكسرو تقديراً إذ الأصل: امْشِيُوا، ثم أُعِلّ بالحذف، وهذا كما يبتدأ بضم الهمزة في قولك: أُغْزِي يا امرأة، وإن كانت الزاي مكسورة لأنها مضمومة، إذا الأصل اعْزُوِي كاخْرُجِي فأعلّ بالحذف. فصل لما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة لمكانه قال المشركون: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لشيء يراد بنا، وقيل: يراد بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد (أن) يملك علينا، وقيل: إن دينكم لشيءٌ يُرَادُ أي يطلب ليؤخذ عنكم. قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة﴾ أي ما سمعنا بهذا الذي يقول (هـ) محمد من التوحيد في الملة الآخرة، قال ابن عباس والكلبي ومقاتل: يعنون في النصرانية لأنها آخر المِلَلِ وهُمْ لا يوحدون بل يقولون: ثالثُ ثلاثةٍ، وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملَّة قريشٍ دينهم الذي هم عليه. قوله: ﴿فِى الملة﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق «بسَمِعْنَا» أي (لم نسمع في الملة الآخرة بهذا الذي جئت به. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من هذا أي ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة) أي لم نسمع من الكُهَّان ولا من أهل الكتب أنه يحدث توحيد الله في الملة الآخرة. وهذا من فَرْطِ كَذِبِهم. قوله: ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق﴾ أي افتعال وكذب. (قوله) : أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ (مِنْ بَيْنِنَا) ، قد تقدم حكم هاتين الهمزتين في أوائل آل عمران، وأن الوارد منه في القرآن ثلاثى أماكن، والإضرابات في هذه الآية واضحة و «أم» منقطعة. فصل المعنى أأنزل عليه الذكر أي القرآن من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، وهذا استفهام على سبيل الإنكار فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾ (أي وحيي وما أنزلتُ) ، (قويل: بل هم في شك من ذكري) أي من الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم «بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ» ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول، وقيل: معنى «بل هم في شك من ذكري» هو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر. ثم إنهم أصروا على الكفر ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه و ﴿قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال: 32] (مِنَ السَّمَاءِ) . قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ يعني مفاتيح نعمة ربك وهي النبوة يعطونها من شاءوا، ونظيره: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32] أي نبوة ربك العزيز في ملكه الكامل القدر الوهاب أي وهاب النبوة لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قوله: ﴿أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيَنَهُمَا﴾ لما قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ فخزائن الله تعالى غير متناهية كما قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: 21] ومن جملة تلك الخزائن السموات والأرض، فلما ذكر الخزائن أولاً على العموم أردفها بذكر السموات والرض وما بينهما يعني أن هذه الأشياء أحد أنواع خزائن الله فإذا كانوا عاجزين عن هذا القسم فبأن يكونوا عاجزين عن كل خزائن الله أولى. قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ﴾ قال أبو البقاء: هذا كلام محمول على المعنى أي إِن زعموا ذلك فليرتقوا، فجعَلَهَا جواباً لشرط مقدر. وكثيراً ما يفعل الزمخشري ذلك، ومعنى الكلام إن ادَّعَوْا شيئاً من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون. قال مجاهد: أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز واستدل حكماء الإسلام بقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب﴾ على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسباباً، وذلك يدل على ما ذكَرْنَا. قوله: ﴿جُندٌ﴾ يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم جند و «ما» فيها وجهان: أحدهما: أنها مزيدة. والثاني: أنها صفة لجند على سبيل التعظيم للهزء بهم أو للتحقير ومثله قوله امرئ القيس: 4252 - ... ... ... ... ... ... ... . ... وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ وقد تقدم هذا في أوائل البقرة و «هنالك» يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون خبر الجند و «ما» مزيدة، ومهزوم نعت لجند. ذكره مكي. الثاني: أن يكون صفة لجند. الثالث: أن يكون منصوباً «بمهزوم» ومهزوم يجوز فيه أيضاً وجهان: أحدهما: أنه خبر ثانٍ لذلك المبتدأ المقدر. والثاني: أنه صفة لجند إلا أن الأحسن على هذا الوجه أن لا يجعل «هنالك» صفة بل متعلقاً به لئلا يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الصرح. و «هنالك» مشار به إلى موضع التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة وهو مكة أي سيهزمون بمكة، وهو إخبار بالغيب. وقيل: مشار به نُصْرَة الأصنام، وقيل: إلى حَفْر الخَنْدق يعني إلى مكان ذلك. الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون «جند» مبتدأ و «ما» مزيدة، و «هنالك» نعت ومهزوم خبره، قاله أبو البقاء قال أبو حيان: وفيه بعد لتفلته عن الكلام الذي قبله قال شهاب الدين وهذا الوجه المنقول عن أبي البقاء يبقه إليه مكي. قوله: ﴿مِّن الأحزاب﴾ يجوز أن يكون لجند وأن يكون صفة «لمهزوم» وجوز أبو البقاء أن يكون متعلقاً به وفيه بعد لأن المراد بالأحزاب هم المهزومون. فصل المعنى أن الذين يقولون هذا القول جند هنالِك و «ما» صلة مهزومة مغلوب من الأحزاب أي من جملة الأجناد، عين قريشاً، قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهو بمكة أنه سيزم جندَ المشركين فقال: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: 45] فجاء تأويلها يوم بدر، وهنالك إشارة إلى (يوم) بدر ومصارعهم، وقيل: يوم الخندق. وقال ابن الخطيب: والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح. وقوله: «من الأحزاب» أي من جملة الأحزاب أي هم من القرون الماضية الذين تَحَزَّبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا.

ص 38:10

قوله: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم﴾ أي مِنْ أَنْ، ففيها الخلاف المشهور. «وقَالَ الكَافِرُونَ» من باب وضع الظاهر موضع المضر شهادةً عليهم بهذا الوصف القبيح. فصل لما حكى عن الكفار في كونهم في غزّة وشقاقٍ أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ وفي قوله: «منهم» وجهان: الأول: أنهم قالوا: إن محمداً مساوٍ لنا في الخِلْقَة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يُخْتَصَّ من بيننا بهذا المنصب العالي؟ ﴿. والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم (لأنهم جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا ثم إن هذا الرجل) من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً عن الكذب والتهمة وكان ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون له من قوله. ونظيره قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69] ﴿وَقَالَ الكافرون هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ مبالغة في «عجب» كقولهم: رَجُلٌ طُوَال وأمْر سُرَاعٌ، هما أبلغ من طَوِيل وسَرِيع، وقرأ عليٌّ والسُّلَمي وعيسى وابن مِقْسم: عُجَّاب بتشديد الجيم. وهي أبلغ مما قبلها فهي مثل رجل كريم وكُرَّام. قال مقاتل: وعجاب - يعني بالتخفيف - لغة أَزْدِ شَنُوءَةَ، وهذه القراءة أعني بالتشديد كقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾ [نوح: 22] وهو أبلغ من كُبَارٍ وكُبَارٌ أبلغ من كَبِير، وقوله: «أَجَعَلَ» أي أصَيَّرها إلَهاً واحداً في قوله وزعمه. قوله: ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ﴾ الملأ: هم القوم الذين إذا حضروا امتلأت العيونُ والقلوبُ من مهابتهم، وقوله «مِنْهُمْ» أي من قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب بعد ما بكَّتهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالجواب العنيد قائلين بعضهم لبعض: «أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا على آلِهَتِكُمْ» ، وذلك «أن عُمَرَ بْنَ الخطاب أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسةً وعشرينَ رجلاً أكبرهم سنًّا الوليد بن المغيرة قال لهم: امشوا إلى أبي طالب فأتَوْا أبا طالب وقالوا له: انت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد أتينَاك لتقضيَ بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فدعا به فقال يا ابن أخي: هؤلاء قومك يسألونَك السَّوَاءَ فلا تَمِلْ كُلَّ الميل على قلومك، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» مَاذَا تسألون؟ «فقالوا: ارْفُضْ ذكرَ آلهتنا ونَدَعُكَ وآلهتَك فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أعطوني كلمةً واحدة تملكون بها العرب وتدين لكمن بها العجز فقال أبو جهل لله أبوك لنُعْطِيكَها وعشراً أمثالها فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: قولوا لا إله إلا الله فنفروا من ذلك وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟} ﴿هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي عجيب» . قوله: ﴿أَنِ امشوا﴾ يجوز أن تكون «أن» مصدرية أي انطلقوا بقولهم أَنِ امْشُوا، وأن تكون مفسِّرَة إما «لانْطَلَقَ» لأنه ضمن معنى القول، قول الزمخشري: لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم أن يتكلموا ويتعارضوا فيما جرى لهم انتهى. وقيل: بل هي مفسرة لجملة محذوفة في محل حال تقديره وانْطَلَقُوا يتحاورون أَن امْشوا. ويجوز أن تكون مصدرية معمولة لهذا المقدر وقيل: الانطلاق هنا الاندفاع في القول والقول والكلام نحو: انْطَلَقَ لسانُه فان مفسرة له من غير تضمين ولا حذف. والمشيُ الظاهرُ أنَّه هو المتعارف. وقيل: (بل) هو دعاء بكثرة الماشية. وهذا فاسد لفظاً بالألف؛ أي صار ذا ماشية فكان ينبغي على أن يقرأ أَمْشُوا بقطع الهمزة مفتوحة. وأما المعنى فليس مراداً البتة وأي معنى على ذلك، إلا أن الزمخشري ذكر وجهاً صحيحاً من حيث الصناعة وأقرب معنًى ممَّا تقدم (فقال) : ويجوز أنهم قالوا امشوا أي اكثروا واجتمعوا من: مَشَت المرأة إذا كثرتْ ولاَدَتُها، ومنه: الماشية للتفاؤل انتهى وإذا وقف على «أن» وابتدئ بما بعدها فليبتدأ بكسر الهمزة لا بضمِّها، لأن الثالث مكسرو تقديراً إذ الأصل: امْشِيُوا، ثم أُعِلّ بالحذف، وهذا كما يبتدأ بضم الهمزة في قولك: أُغْزِي يا امرأة، وإن كانت الزاي مكسورة لأنها مضمومة، إذا الأصل اعْزُوِي كاخْرُجِي فأعلّ بالحذف. فصل لما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة لمكانه قال المشركون: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لشيء يراد بنا، وقيل: يراد بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد (أن) يملك علينا، وقيل: إن دينكم لشيءٌ يُرَادُ أي يطلب ليؤخذ عنكم. قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة﴾ أي ما سمعنا بهذا الذي يقول (هـ) محمد من التوحيد في الملة الآخرة، قال ابن عباس والكلبي ومقاتل: يعنون في النصرانية لأنها آخر المِلَلِ وهُمْ لا يوحدون بل يقولون: ثالثُ ثلاثةٍ، وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملَّة قريشٍ دينهم الذي هم عليه. قوله: ﴿فِى الملة﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق «بسَمِعْنَا» أي (لم نسمع في الملة الآخرة بهذا الذي جئت به. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من هذا أي ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة) أي لم نسمع من الكُهَّان ولا من أهل الكتب أنه يحدث توحيد الله في الملة الآخرة. وهذا من فَرْطِ كَذِبِهم. قوله: ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق﴾ أي افتعال وكذب. (قوله) : أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ (مِنْ بَيْنِنَا) ، قد تقدم حكم هاتين الهمزتين في أوائل آل عمران، وأن الوارد منه في القرآن ثلاثى أماكن، والإضرابات في هذه الآية واضحة و «أم» منقطعة. فصل المعنى أأنزل عليه الذكر أي القرآن من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، وهذا استفهام على سبيل الإنكار فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾ (أي وحيي وما أنزلتُ) ، (قويل: بل هم في شك من ذكري) أي من الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم «بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ» ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول، وقيل: معنى «بل هم في شك من ذكري» هو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر. ثم إنهم أصروا على الكفر ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه و ﴿قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال: 32] (مِنَ السَّمَاءِ) . قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ يعني مفاتيح نعمة ربك وهي النبوة يعطونها من شاءوا، ونظيره: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32] أي نبوة ربك العزيز في ملكه الكامل القدر الوهاب أي وهاب النبوة لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قوله: ﴿أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيَنَهُمَا﴾ لما قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ فخزائن الله تعالى غير متناهية كما قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: 21] ومن جملة تلك الخزائن السموات والأرض، فلما ذكر الخزائن أولاً على العموم أردفها بذكر السموات والرض وما بينهما يعني أن هذه الأشياء أحد أنواع خزائن الله فإذا كانوا عاجزين عن هذا القسم فبأن يكونوا عاجزين عن كل خزائن الله أولى. قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ﴾ قال أبو البقاء: هذا كلام محمول على المعنى أي إِن زعموا ذلك فليرتقوا، فجعَلَهَا جواباً لشرط مقدر. وكثيراً ما يفعل الزمخشري ذلك، ومعنى الكلام إن ادَّعَوْا شيئاً من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون. قال مجاهد: أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز واستدل حكماء الإسلام بقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب﴾ على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسباباً، وذلك يدل على ما ذكَرْنَا. قوله: ﴿جُندٌ﴾ يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم جند و «ما» فيها وجهان: أحدهما: أنها مزيدة. والثاني: أنها صفة لجند على سبيل التعظيم للهزء بهم أو للتحقير ومثله قوله امرئ القيس: 4252 - ... ... ... ... ... ... ... . ... وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ وقد تقدم هذا في أوائل البقرة و «هنالك» يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون خبر الجند و «ما» مزيدة، ومهزوم نعت لجند. ذكره مكي. الثاني: أن يكون صفة لجند. الثالث: أن يكون منصوباً «بمهزوم» ومهزوم يجوز فيه أيضاً وجهان: أحدهما: أنه خبر ثانٍ لذلك المبتدأ المقدر. والثاني: أنه صفة لجند إلا أن الأحسن على هذا الوجه أن لا يجعل «هنالك» صفة بل متعلقاً به لئلا يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الصرح. و «هنالك» مشار به إلى موضع التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة وهو مكة أي سيهزمون بمكة، وهو إخبار بالغيب. وقيل: مشار به نُصْرَة الأصنام، وقيل: إلى حَفْر الخَنْدق يعني إلى مكان ذلك. الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون «جند» مبتدأ و «ما» مزيدة، و «هنالك» نعت ومهزوم خبره، قاله أبو البقاء قال أبو حيان: وفيه بعد لتفلته عن الكلام الذي قبله قال شهاب الدين وهذا الوجه المنقول عن أبي البقاء يبقه إليه مكي. قوله: ﴿مِّن الأحزاب﴾ يجوز أن يكون لجند وأن يكون صفة «لمهزوم» وجوز أبو البقاء أن يكون متعلقاً به وفيه بعد لأن المراد بالأحزاب هم المهزومون. فصل المعنى أن الذين يقولون هذا القول جند هنالِك و «ما» صلة مهزومة مغلوب من الأحزاب أي من جملة الأجناد، عين قريشاً، قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهو بمكة أنه سيزم جندَ المشركين فقال: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: 45] فجاء تأويلها يوم بدر، وهنالك إشارة إلى (يوم) بدر ومصارعهم، وقيل: يوم الخندق. وقال ابن الخطيب: والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح. وقوله: «من الأحزاب» أي من جملة الأحزاب أي هم من القرون الماضية الذين تَحَزَّبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا.

ص 38:11

قوله: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم﴾ أي مِنْ أَنْ، ففيها الخلاف المشهور. «وقَالَ الكَافِرُونَ» من باب وضع الظاهر موضع المضر شهادةً عليهم بهذا الوصف القبيح. فصل لما حكى عن الكفار في كونهم في غزّة وشقاقٍ أتبعه بشرح كلماتهم الفاسدة فقال: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ وفي قوله: «منهم» وجهان: الأول: أنهم قالوا: إن محمداً مساوٍ لنا في الخِلْقَة الظاهرة والأخلاق الباطنة والنسب والشكل والصورة فكيف يعقل أن يُخْتَصَّ من بيننا بهذا المنصب العالي؟ ﴿. والثاني: أن الغرض من هذه الكلمة التنبيه على كمال جهلهم (لأنهم جاءهم رجل يدعوهم إلى التوحيد وتعظيم الملائكة والترغيب في الآخرة والتنفير عن الدنيا ثم إن هذا الرجل) من أقاربهم يعلمون أنه كان بعيداً عن الكذب والتهمة وكان ذلك مما يوجب الاعتراف بتصديقه ثم إنهم لحماقتهم يتعجبون له من قوله. ونظيره قوله: {أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69] ﴿وَقَالَ الكافرون هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ مبالغة في «عجب» كقولهم: رَجُلٌ طُوَال وأمْر سُرَاعٌ، هما أبلغ من طَوِيل وسَرِيع، وقرأ عليٌّ والسُّلَمي وعيسى وابن مِقْسم: عُجَّاب بتشديد الجيم. وهي أبلغ مما قبلها فهي مثل رجل كريم وكُرَّام. قال مقاتل: وعجاب - يعني بالتخفيف - لغة أَزْدِ شَنُوءَةَ، وهذه القراءة أعني بالتشديد كقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾ [نوح: 22] وهو أبلغ من كُبَارٍ وكُبَارٌ أبلغ من كَبِير، وقوله: «أَجَعَلَ» أي أصَيَّرها إلَهاً واحداً في قوله وزعمه. قوله: ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ﴾ الملأ: هم القوم الذين إذا حضروا امتلأت العيونُ والقلوبُ من مهابتهم، وقوله «مِنْهُمْ» أي من قريش انطلقوا عن مجلس أبي طالب بعد ما بكَّتهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالجواب العنيد قائلين بعضهم لبعض: «أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا على آلِهَتِكُمْ» ، وذلك «أن عُمَرَ بْنَ الخطاب أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسةً وعشرينَ رجلاً أكبرهم سنًّا الوليد بن المغيرة قال لهم: امشوا إلى أبي طالب فأتَوْا أبا طالب وقالوا له: انت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد أتينَاك لتقضيَ بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فدعا به فقال يا ابن أخي: هؤلاء قومك يسألونَك السَّوَاءَ فلا تَمِلْ كُلَّ الميل على قلومك، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -:» مَاذَا تسألون؟ «فقالوا: ارْفُضْ ذكرَ آلهتنا ونَدَعُكَ وآلهتَك فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أعطوني كلمةً واحدة تملكون بها العرب وتدين لكمن بها العجز فقال أبو جهل لله أبوك لنُعْطِيكَها وعشراً أمثالها فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: قولوا لا إله إلا الله فنفروا من ذلك وقالوا: أجعل الآلهة إلهاً واحداً كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟} ﴿هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي عجيب» . قوله: ﴿أَنِ امشوا﴾ يجوز أن تكون «أن» مصدرية أي انطلقوا بقولهم أَنِ امْشُوا، وأن تكون مفسِّرَة إما «لانْطَلَقَ» لأنه ضمن معنى القول، قول الزمخشري: لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم أن يتكلموا ويتعارضوا فيما جرى لهم انتهى. وقيل: بل هي مفسرة لجملة محذوفة في محل حال تقديره وانْطَلَقُوا يتحاورون أَن امْشوا. ويجوز أن تكون مصدرية معمولة لهذا المقدر وقيل: الانطلاق هنا الاندفاع في القول والقول والكلام نحو: انْطَلَقَ لسانُه فان مفسرة له من غير تضمين ولا حذف. والمشيُ الظاهرُ أنَّه هو المتعارف. وقيل: (بل) هو دعاء بكثرة الماشية. وهذا فاسد لفظاً بالألف؛ أي صار ذا ماشية فكان ينبغي على أن يقرأ أَمْشُوا بقطع الهمزة مفتوحة. وأما المعنى فليس مراداً البتة وأي معنى على ذلك، إلا أن الزمخشري ذكر وجهاً صحيحاً من حيث الصناعة وأقرب معنًى ممَّا تقدم (فقال) : ويجوز أنهم قالوا امشوا أي اكثروا واجتمعوا من: مَشَت المرأة إذا كثرتْ ولاَدَتُها، ومنه: الماشية للتفاؤل انتهى وإذا وقف على «أن» وابتدئ بما بعدها فليبتدأ بكسر الهمزة لا بضمِّها، لأن الثالث مكسرو تقديراً إذ الأصل: امْشِيُوا، ثم أُعِلّ بالحذف، وهذا كما يبتدأ بضم الهمزة في قولك: أُغْزِي يا امرأة، وإن كانت الزاي مكسورة لأنها مضمومة، إذا الأصل اعْزُوِي كاخْرُجِي فأعلّ بالحذف. فصل لما أسلم عمر وحصل للمسلمين قوة لمكانه قال المشركون: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لشيء يراد بنا، وقيل: يراد بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد (أن) يملك علينا، وقيل: إن دينكم لشيءٌ يُرَادُ أي يطلب ليؤخذ عنكم. قوله: ﴿مَا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة﴾ أي ما سمعنا بهذا الذي يقول (هـ) محمد من التوحيد في الملة الآخرة، قال ابن عباس والكلبي ومقاتل: يعنون في النصرانية لأنها آخر المِلَلِ وهُمْ لا يوحدون بل يقولون: ثالثُ ثلاثةٍ، وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملَّة قريشٍ دينهم الذي هم عليه. قوله: ﴿فِى الملة﴾ وفيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق «بسَمِعْنَا» أي (لم نسمع في الملة الآخرة بهذا الذي جئت به. والثاني: أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من هذا أي ما سمعنا بهذا كائناً في الملة الآخرة) أي لم نسمع من الكُهَّان ولا من أهل الكتب أنه يحدث توحيد الله في الملة الآخرة. وهذا من فَرْطِ كَذِبِهم. قوله: ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق﴾ أي افتعال وكذب. (قوله) : أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ (مِنْ بَيْنِنَا) ، قد تقدم حكم هاتين الهمزتين في أوائل آل عمران، وأن الوارد منه في القرآن ثلاثى أماكن، والإضرابات في هذه الآية واضحة و «أم» منقطعة. فصل المعنى أأنزل عليه الذكر أي القرآن من بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، وهذا استفهام على سبيل الإنكار فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿بْل هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾ (أي وحيي وما أنزلتُ) ، (قويل: بل هم في شك من ذكري) أي من الدلائل التي لو نظروا فيها لزال هذا الشك عنهم «بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ» ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول، وقيل: معنى «بل هم في شك من ذكري» هو أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يخوفهم من عذاب الله لو أصروا على الكفر. ثم إنهم أصروا على الكفر ولم ينزل عليهم العذاب فصار ذلك سبباً لشكهم في صدقه و ﴿قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال: 32] (مِنَ السَّمَاءِ) . قوله: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ يعني مفاتيح نعمة ربك وهي النبوة يعطونها من شاءوا، ونظيره: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32] أي نبوة ربك العزيز في ملكه الكامل القدر الوهاب أي وهاب النبوة لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قوله: ﴿أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيَنَهُمَا﴾ لما قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ فخزائن الله تعالى غير متناهية كما قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر: 21] ومن جملة تلك الخزائن السموات والأرض، فلما ذكر الخزائن أولاً على العموم أردفها بذكر السموات والرض وما بينهما يعني أن هذه الأشياء أحد أنواع خزائن الله فإذا كانوا عاجزين عن هذا القسم فبأن يكونوا عاجزين عن كل خزائن الله أولى. قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ﴾ قال أبو البقاء: هذا كلام محمول على المعنى أي إِن زعموا ذلك فليرتقوا، فجعَلَهَا جواباً لشرط مقدر. وكثيراً ما يفعل الزمخشري ذلك، ومعنى الكلام إن ادَّعَوْا شيئاً من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون. قال مجاهد: أراد بالأسباب أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز واستدل حكماء الإسلام بقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب﴾ على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسباباً، وذلك يدل على ما ذكَرْنَا. قوله: ﴿جُندٌ﴾ يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هم جند و «ما» فيها وجهان: أحدهما: أنها مزيدة. والثاني: أنها صفة لجند على سبيل التعظيم للهزء بهم أو للتحقير ومثله قوله امرئ القيس: 4252 - ... ... ... ... ... ... ... . ... وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ وقد تقدم هذا في أوائل البقرة و «هنالك» يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أن يكون خبر الجند و «ما» مزيدة، ومهزوم نعت لجند. ذكره مكي. الثاني: أن يكون صفة لجند. الثالث: أن يكون منصوباً «بمهزوم» ومهزوم يجوز فيه أيضاً وجهان: أحدهما: أنه خبر ثانٍ لذلك المبتدأ المقدر. والثاني: أنه صفة لجند إلا أن الأحسن على هذا الوجه أن لا يجعل «هنالك» صفة بل متعلقاً به لئلا يلزم تقدم الوصف غير الصريح على الصرح. و «هنالك» مشار به إلى موضع التقاول والمحاورة بالكلمات السابقة وهو مكة أي سيهزمون بمكة، وهو إخبار بالغيب. وقيل: مشار به نُصْرَة الأصنام، وقيل: إلى حَفْر الخَنْدق يعني إلى مكان ذلك. الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون «جند» مبتدأ و «ما» مزيدة، و «هنالك» نعت ومهزوم خبره، قاله أبو البقاء قال أبو حيان: وفيه بعد لتفلته عن الكلام الذي قبله قال شهاب الدين وهذا الوجه المنقول عن أبي البقاء يبقه إليه مكي. قوله: ﴿مِّن الأحزاب﴾ يجوز أن يكون لجند وأن يكون صفة «لمهزوم» وجوز أبو البقاء أن يكون متعلقاً به وفيه بعد لأن المراد بالأحزاب هم المهزومون. فصل المعنى أن الذين يقولون هذا القول جند هنالِك و «ما» صلة مهزومة مغلوب من الأحزاب أي من جملة الأجناد، عين قريشاً، قال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهو بمكة أنه سيزم جندَ المشركين فقال: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: 45] فجاء تأويلها يوم بدر، وهنالك إشارة إلى (يوم) بدر ومصارعهم، وقيل: يوم الخندق. وقال ابن الخطيب: والأصح عندي حمله على يوم فتح مكة لأن المعنى أنهم جند سيصيرون منهزمين في الموضع الذي ذكروا فيه الكلمات وذلك الموضع هو مكة فوجب أن يكون المراد أنهم سيصيرون منهزمين في مكة وما ذاك إلا يوم الفتح. وقوله: «من الأحزاب» أي من جملة الأحزاب أي هم من القرون الماضية الذين تَحَزَّبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب فقهروا وأهلكوا.

ص 38:12

ثم قال لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - معزياً له: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتاد﴾ قال ابن عباس ومحمد بن كعب: ذو البِناء المحكم، وقيل: أراد ذو الملك الشديد الثابت، وقال القتيبيّ: تقول العرب: هم في عِزٍّ ثابت الأوتاد بريدون أنه دائم شديد، وقال الضحاك: ذو القوة البطش، وقال عطية: ذو الجنود والجموع الكثيرة، وسميت الأجناد أوتاداً لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في أسفارهم وهي رواية عطية العوفي عن ابن عباس يعني أنهم كانوا يقوون أمره ويشدون ملكه كما يثبت إلا بالأوتاد والأطْنَاب كما قال الأفوه الأودي: 4253 - والْبَيْتُ لاَ يُبْتَنَى إلاَّ عَلَى عُمُدٍ ... وَلاَ عِمَادَ إذَا لَمْ تُرْسَ أَوْتَادُ فاستعير لثبات العز والملك واستقرار الأمر كقول الأسود بن يعفر: 4254 - وَلَقَدْ غَنُوا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشةٍ ... فِي ظِلّ مُلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ والأوتاد جمع وتد فيه لغات: وَتِدٌ بفتح الواو وكسر التاء وهي الفصحى، ووتَدَ بفتحتين، وَوَدٌّ بإدغام التاء في الدال قال: 4255 - تُخْرِجُ الْوَدَّ إذَا ما أَشْجذَتْ ... وَتُوَارِيه إذَا تَشْتَكِرْ ووت بإبدال (الدال) تاء، ثم إدغام التاء فيها، وهذا شاذ؛ لأن الأصل إبدال الأول للثاني لا العكس، وقد تقدم نحوٌ من هذا في آل عمران عند قوله: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة﴾ [آل عمران: 185] . ويقال: وَتِدٌ (وَاتِد) أي قويّ ثابتٌ وهو مثلُ مجازِ قولهم: شُغل شاغِل. أنشد الأصمعي: 4256 - لاَقَتْ (عَلَى) الْمَاءِ جُذَيْلاَ واتدا ... وَلَمْ يَكُنْ يُخْلِفُهَا الْمَوَاعِدَا وقيل: الأوتاد هنا حقيقة لا استعارة، (و) قال الكبي ومقاتل: الأوتاد جمع الوَتدِ وكان له أوتاد يعذب الناس عليها فكان إذا غضب على أَحَد مده مستلقياً بين أربعة أوتاد تشدّ كل يد ولك رجل منه إلى سارية ويتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت. وقال مجاهد ومقاتل بن حيَّان كان يمد الرجل مستلقياً على الأرض ثم يسد يديه ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقاربَ والحيَّاتِ. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب عليها بين يديه، ثم قال: ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ﴾ تقدم الخلاف في الأيكة في سورة الشعراء. قوله: ﴿أولئك الأحزاب﴾ يجوز أن تكون مستأنفةً لا محل لها (من الإعراب) وأن تكون خبراً، والمبتدأ قال أبو البقاء (من) قوله: «وعاد» وأن يكون من «ثمود» وأن يكون من قوله «وقوم لوط» . قال شهاب الدين: الظاهر عطف (عاد) وما بعدها على «قوم نوح» واستئناف الجملة بعده، وكان يسوغ على ما قاله أبو البقاء أن يكون المبتدأ وحده ﴿وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ﴾ . فصل المعنى أن هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمم هم الذين تحزبوا على أنبيائهم فأهلكناهم وكذلك قومك هم من جنس الأحزاب المتقدمين. وقيل: المعنى أولئك الأحزاب مع كمال قوّتهم لما كان عاقبتهم هي الهلاك والبوار فكيف حال هؤلاء الضعفاء (المساكين) ؟ قوله: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل﴾ إن نافية ولا عمل لها هنا البتة ولو على لغة من قال: 4257 - إنْ هُوَ مُسْتوْلِياً عَلَى أَحَدٍ..... ... ... ... ... ... ... . وعلى قراءة: ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ﴾ [الأعراف: 194] لانتقاض النفي ب «إلاّ» فإن انتقاضه مع الأصل وهي «ما» مبطل فكيف بفرغها؟ وقد تقدم أنه يجوز أن تكون جواباً للقسم. فصل المعنى كل هذه الطوائف لما كذبوا أنبياءهم في الترغيب والترهيب لا جرم نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين، والمقصود منه زجر السامعين. ثم بين تعالى أن هؤلاء المذكبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم ﴿وَمَا يَنظُرُ هؤلاءآء﴾ أي وما نتظر هؤلاء يعني كفار مكة ﴿إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وهي نفخة الصور الأولى كقوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: 49 - 50] والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا ينتظر الشيء فهو ماد الطَّرْف إليه يقطع كل ساعة في حضوره. وقيل: المراد بالصيحة عذاب يفجأهُمْ ويجيئهم دَفْعةً واحدة كما يقال: صَاحَ الزمانُ بهم إذَا هَلَكُوا (قال) : 4658 - صَاحَ الزَّمَانُ بآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ... خَرُّوا لِشدَّتِهَا عَلَى الأّذْقَانِ ونطيره قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانتظروا إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين﴾ [يونس: 102] . قوله: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ يجوز أن يكون «لها» رافعاً «لِمنْ فَوَاقٍ» بالفاعلية؛ لاعتماده على النفي، وأن يكون جملة من مبتدأ وخبر وعلى التقديرين فالجملة المنفية في محل نصب صفة «لصَيْحَة» و «من» مزيدة وقرأ الأخوان: «فُوَاق» بضم الفاء، والباقون بفَتْحها، قال الكسائيُّ والفراءُ وأبو عبيدة: هما لغتان وهما الزمان الذي بين حَلْبَتَي الحَالِبِ، ورَضْعَتَي الرَّاضع، والمعنى ما لها من توقف قدر فواق ناقة. وفي الحديث: «العِيادَةُ قَدْر فَوَاق نَاقَةٍ» وهذا في المعنى كقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ [الأعراف: 34] . وقال ابن عباس: ما لها من رُجُوع من أفاقَ المريضُ إذا رجع إلى صحته وإفاقة الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يقال: أَفَاقَتِ النَّاقَةُ تُفِيقُ إفاقة رجَعَت الفِيقَةُ في ضَرعها، والفِيقةُ اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، ويجمع على أفواق وأما أفاويق فجمع الجمع، ويقال: ناقة مُفِيقٌ ومُفِيقَةٌ. وقال الفراء وأبو عُبَيْدَة ومؤرّج السّدوسيّ: الفواق بالفتح الإفاقة والاسْتِراحة كالجواب من الإجابة وهو قول ابن زيدٍ والسُّدِّيِّ. وأما المضموم فاسم لا مصدر أي اسم لما بين الحَلْبَتَيْن، والمشهور أنهما بمعنى واحد كقَصَاصٍ الشّعر وقُصاصِهِ وجَمَام المَكُور وجُمَامِهِ، فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم قال الواحدي: الفَوَاق والفُواق اسمان من الإفاقة والإفاقة معناها الرجوع والسكون كما في إفاقة المريض إلا أن الفَوَاق بالفتح يجوز أن يُقَام المصدر، والفُواق بالضم اسم لذلك الزمان، الذي يعوج فيه اللبن، وروي الواحدي في البسيط عن أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال في هذه الآية: يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ نفخة الفزع قال: فَيمدّها ويطولها وهي التي يقول ما لها من فواق، ثم قال الواحدي: وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: ما لها من سكون. الثاني: ما لها من رجوع والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون ويقال لكل من بقي على حالة واحدة بأنه لايُفيقُ منه ولاَ يَسْتَفيقُ. قوله: ﴿قِطَّنَا﴾ أن نَصِيبَنَا وحَظَّنَا، وأصله من قَطَّ الشيءَ أي قَطَعَهُ، ومنه قَطّ القلم والمعنى قطعه مما وعدتنا به ولهذا يطلق على الصحيفة والصك قِطّ، لأنهما قطعتان يقطعان، ويقال للجائزة أيضاً قِطّ لأنها قطعة من العطية، قال الأعشى: 4259 - وَلاَ الْمَلِكُ النُّعْمَان يَوْمَ لَفِيتُهُ ... بِغِبْطِتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ وَيَأفِقُ وأكثري استعماله في الكتاب، قال أمية بن أبي الصّلت: 4260 - قَوْمٌ لَهُمْ سَاحَةُ أَرْضِ العِرَاقِ وَمَا ... يَجْبِى إَليْهِمْ بِهَا وَالقِطُّ وَالْقَلَم ويجمع على قُطُوط كما تقدم، وعلى قِطَطَةٍ نحو: قِرْد وقِرَدَةٍ وقُرُود، وفي القلة على أَقِطَّةٍ وأَقْطَاطٍ كقِدْح وأَقْدِحَةٍ وأَقْدَاحٍ، إلا أن أفْعِلَةً في فِعْلٍ شاذ. فصل قال سعيد بن جبير عن ابن عباس عين كتابنا. والقِطّ: الصحيفة أحصت كل شيء، قال الكلبي: لما نزل قوله في الحاقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: 19 - 25] قالوا استهزاء: عجل لنا كتابنا في الدنيا قل يوم الحساب، وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: عين عقوبتنا ونصيبنا من العذاب قال عطاء: قاله النَّضْر بن الحَرث وهو قوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: 32] وعن مجاهد قطنا: حسابنا يقال للكتاب قط. قال أبو عبيدة والكسائي: القط الكتابة بالجوائز واعلم أن القوم تعجبوا من أمور ثلاثة، أولها: من أمر النبوات وإثباتها فقال: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ «. وثانيها: تعجبهم من الإليهات فقالوا: أَجَعَلَ الآلهةَ إلهاً وَاحِداً. وثالثها: تعجبهم من المعاد والحشر والنشر فقالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب﴾ قالوا ذلك استهزاء فأمره الله تعالى بالصبر على سسفاهتهم فقال: ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ . فإن قيل: أي تعلق بين قوله: ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ وبين قوله ﴿واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ ؟ فالجواب: هذا التعلق من وجوه: الأول: كأنه قيل: إن كنت شاهدت من هؤلاء الجُهّال جَرَاءتَهم على الله وإنكارَهم الحَشْرَ والنشرَ فاذكر قصة داود حتى تعرف شدة خوفه من الله تعالى ومن يوم الحشر فإن بقَدْرِ ما يَزْدَادُ أحدُ الضِّدين شرفاً يزاد (الضّدّ) الآخ نقصاناً. الثاني: كأنه قيل لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لا) تضيق صدرك بسبب إنكارهم لقولك ودينك فإنهم وإن خالفوك فالأكابر من الأنبياء وافقوك. الثالث: أن للناس في قصة داود قولان: منهم من قال: إنها تدل على دِينه، ومنهم من قال إنها لا تدل عليه فمن قال بالأول كان وجه المناسبة فيه كأنه قيل لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إنّ حزنك ليس إلا لأن الكفار كذبوك، وأما حزن داود فكان بسبب وقوع ذلك الذنب، ولا شك أن حزنه أشد فتأمل في قصة داود وما كان فيه من الحزن. ومن قال بالثاني قال الخَصْمَان اللذان دخلا على دَاوُدَ كَانَا من البشي وإنما دخلا عليه لقصد قتله، فخاف منهما داودُ ومع ذلك فلم يتعرض لإيذائهما ولا دعا عليهما بسُوء بل اسْتَغْفَر لم على (ما سيجيء تقرير هذه الطريقة) ، فلا جَرَمَ أمر الله تعالى محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بأن يقتدي به في حسن الخلق. الرابع: أن قريشاً إنما كذبوا محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - واستخفوا به لقولهم: إنه يتيم فقير، ثم إنه تعالى قصَّ على محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما كان في مَمْلَكَةِ داود، ثم بين بعد ذلك أنه ما سلم من الأحكان والغموم ليَعْلم أن الخَلاص من الحزن لاسبيل إليه في الدنيا. الخامس: قوله تعالى ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ ولم يقتصر على قصة داود بل ذكر عقيبَ قصة داود قصص أنبياء كثيرة فكأنه تعالى قال: فاصبر على ما يقولون واعتبر بحال سائر الأنبياء ليُعْلِمَهُ أن كل واحد منهم كان مشغولاً بهَمٍّ خاص وحزن خاص فيعلم حنيئذ أن لا انفكاك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجة العالية عند الله لا تحصل إلى بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا. قال ابن الخطيب: وههنا وجه آخر قويٌّ وأحسن من كل هذه الوجوه وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى عند الانتهاء إلى تفسير قوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ الآية [ص: 29] . قوله: ﴿دَاوُودَ﴾ بدل أو عطف بيان، أو منصوب بإضمار أعْنِي و «ذَا الأَيْدِ» نعت له والأيد القوة، قال ابن عباس: أي القوة في العبادة، وقيل: القوة في المِلك، واعلم أن قوله: ﴿عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ فوصفه بكونه عبداً له وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم وذلك يدل على غاية التشريف ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يشرف محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة المعراج، قال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] وأيضاً فإن وصف الأنبياء بالعبودية مُشْعِرٌ بأنهم قد حصلوا معنى العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة والمراد بالأيد القوة في الطاعة والاحتراز عن المعاصي لأن مدحه بالقوة يوجب أن تكون تلك القوة موجبة للمدح العظيم وليست إلا القوة على فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، والأيد المذكورة ههنا كالقوة المذكروة في قوله: ﴿يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12] وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: 145] أي باجتهاد وتشدد في القيام بالدعوة وترك إظهار الوهن والضعف، والأيد (و) القوة سواء ومنه قوله: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] وقوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ [البقرة: 87] (وقوله) : ﴿والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أحَبُّ الصِّيَام إلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ (الصَّلاَة و) السَّلام وأَحَبُّ الصَّلاَة إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَلاَةُ دَاوُدَ كَان يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» . قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي رجاع إلى الله عزّ وجلّ بالتوبة عل كل ما يكره، والأَوَّابُ فعَّالٌ من آبَ يَؤُوبُ إذا رَجَعَ قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 25] وهذا بناء مبالغة كما يقال: قَتّال وضَرَّاب وهو أبلغ من قَاتِل وضارب، وقال ابن عباس: مطيع، وقال سعيد من جبير: مسبِّح بلغة الحبشة.

ص 38:13

ثم قال لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - معزياً له: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتاد﴾ قال ابن عباس ومحمد بن كعب: ذو البِناء المحكم، وقيل: أراد ذو الملك الشديد الثابت، وقال القتيبيّ: تقول العرب: هم في عِزٍّ ثابت الأوتاد بريدون أنه دائم شديد، وقال الضحاك: ذو القوة البطش، وقال عطية: ذو الجنود والجموع الكثيرة، وسميت الأجناد أوتاداً لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في أسفارهم وهي رواية عطية العوفي عن ابن عباس يعني أنهم كانوا يقوون أمره ويشدون ملكه كما يثبت إلا بالأوتاد والأطْنَاب كما قال الأفوه الأودي: 4253 - والْبَيْتُ لاَ يُبْتَنَى إلاَّ عَلَى عُمُدٍ ... وَلاَ عِمَادَ إذَا لَمْ تُرْسَ أَوْتَادُ فاستعير لثبات العز والملك واستقرار الأمر كقول الأسود بن يعفر: 4254 - وَلَقَدْ غَنُوا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشةٍ ... فِي ظِلّ مُلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ والأوتاد جمع وتد فيه لغات: وَتِدٌ بفتح الواو وكسر التاء وهي الفصحى، ووتَدَ بفتحتين، وَوَدٌّ بإدغام التاء في الدال قال: 4255 - تُخْرِجُ الْوَدَّ إذَا ما أَشْجذَتْ ... وَتُوَارِيه إذَا تَشْتَكِرْ ووت بإبدال (الدال) تاء، ثم إدغام التاء فيها، وهذا شاذ؛ لأن الأصل إبدال الأول للثاني لا العكس، وقد تقدم نحوٌ من هذا في آل عمران عند قوله: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة﴾ [آل عمران: 185] . ويقال: وَتِدٌ (وَاتِد) أي قويّ ثابتٌ وهو مثلُ مجازِ قولهم: شُغل شاغِل. أنشد الأصمعي: 4256 - لاَقَتْ (عَلَى) الْمَاءِ جُذَيْلاَ واتدا ... وَلَمْ يَكُنْ يُخْلِفُهَا الْمَوَاعِدَا وقيل: الأوتاد هنا حقيقة لا استعارة، (و) قال الكبي ومقاتل: الأوتاد جمع الوَتدِ وكان له أوتاد يعذب الناس عليها فكان إذا غضب على أَحَد مده مستلقياً بين أربعة أوتاد تشدّ كل يد ولك رجل منه إلى سارية ويتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت. وقال مجاهد ومقاتل بن حيَّان كان يمد الرجل مستلقياً على الأرض ثم يسد يديه ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقاربَ والحيَّاتِ. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب عليها بين يديه، ثم قال: ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ﴾ تقدم الخلاف في الأيكة في سورة الشعراء. قوله: ﴿أولئك الأحزاب﴾ يجوز أن تكون مستأنفةً لا محل لها (من الإعراب) وأن تكون خبراً، والمبتدأ قال أبو البقاء (من) قوله: «وعاد» وأن يكون من «ثمود» وأن يكون من قوله «وقوم لوط» . قال شهاب الدين: الظاهر عطف (عاد) وما بعدها على «قوم نوح» واستئناف الجملة بعده، وكان يسوغ على ما قاله أبو البقاء أن يكون المبتدأ وحده ﴿وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ﴾ . فصل المعنى أن هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمم هم الذين تحزبوا على أنبيائهم فأهلكناهم وكذلك قومك هم من جنس الأحزاب المتقدمين. وقيل: المعنى أولئك الأحزاب مع كمال قوّتهم لما كان عاقبتهم هي الهلاك والبوار فكيف حال هؤلاء الضعفاء (المساكين) ؟ قوله: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل﴾ إن نافية ولا عمل لها هنا البتة ولو على لغة من قال: 4257 - إنْ هُوَ مُسْتوْلِياً عَلَى أَحَدٍ..... ... ... ... ... ... ... . وعلى قراءة: ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ﴾ [الأعراف: 194] لانتقاض النفي ب «إلاّ» فإن انتقاضه مع الأصل وهي «ما» مبطل فكيف بفرغها؟ وقد تقدم أنه يجوز أن تكون جواباً للقسم. فصل المعنى كل هذه الطوائف لما كذبوا أنبياءهم في الترغيب والترهيب لا جرم نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين، والمقصود منه زجر السامعين. ثم بين تعالى أن هؤلاء المذكبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم ﴿وَمَا يَنظُرُ هؤلاءآء﴾ أي وما نتظر هؤلاء يعني كفار مكة ﴿إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وهي نفخة الصور الأولى كقوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: 49 - 50] والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا ينتظر الشيء فهو ماد الطَّرْف إليه يقطع كل ساعة في حضوره. وقيل: المراد بالصيحة عذاب يفجأهُمْ ويجيئهم دَفْعةً واحدة كما يقال: صَاحَ الزمانُ بهم إذَا هَلَكُوا (قال) : 4658 - صَاحَ الزَّمَانُ بآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ... خَرُّوا لِشدَّتِهَا عَلَى الأّذْقَانِ ونطيره قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانتظروا إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين﴾ [يونس: 102] . قوله: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ يجوز أن يكون «لها» رافعاً «لِمنْ فَوَاقٍ» بالفاعلية؛ لاعتماده على النفي، وأن يكون جملة من مبتدأ وخبر وعلى التقديرين فالجملة المنفية في محل نصب صفة «لصَيْحَة» و «من» مزيدة وقرأ الأخوان: «فُوَاق» بضم الفاء، والباقون بفَتْحها، قال الكسائيُّ والفراءُ وأبو عبيدة: هما لغتان وهما الزمان الذي بين حَلْبَتَي الحَالِبِ، ورَضْعَتَي الرَّاضع، والمعنى ما لها من توقف قدر فواق ناقة. وفي الحديث: «العِيادَةُ قَدْر فَوَاق نَاقَةٍ» وهذا في المعنى كقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ [الأعراف: 34] . وقال ابن عباس: ما لها من رُجُوع من أفاقَ المريضُ إذا رجع إلى صحته وإفاقة الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يقال: أَفَاقَتِ النَّاقَةُ تُفِيقُ إفاقة رجَعَت الفِيقَةُ في ضَرعها، والفِيقةُ اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، ويجمع على أفواق وأما أفاويق فجمع الجمع، ويقال: ناقة مُفِيقٌ ومُفِيقَةٌ. وقال الفراء وأبو عُبَيْدَة ومؤرّج السّدوسيّ: الفواق بالفتح الإفاقة والاسْتِراحة كالجواب من الإجابة وهو قول ابن زيدٍ والسُّدِّيِّ. وأما المضموم فاسم لا مصدر أي اسم لما بين الحَلْبَتَيْن، والمشهور أنهما بمعنى واحد كقَصَاصٍ الشّعر وقُصاصِهِ وجَمَام المَكُور وجُمَامِهِ، فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم قال الواحدي: الفَوَاق والفُواق اسمان من الإفاقة والإفاقة معناها الرجوع والسكون كما في إفاقة المريض إلا أن الفَوَاق بالفتح يجوز أن يُقَام المصدر، والفُواق بالضم اسم لذلك الزمان، الذي يعوج فيه اللبن، وروي الواحدي في البسيط عن أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال في هذه الآية: يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ نفخة الفزع قال: فَيمدّها ويطولها وهي التي يقول ما لها من فواق، ثم قال الواحدي: وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: ما لها من سكون. الثاني: ما لها من رجوع والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون ويقال لكل من بقي على حالة واحدة بأنه لايُفيقُ منه ولاَ يَسْتَفيقُ. قوله: ﴿قِطَّنَا﴾ أن نَصِيبَنَا وحَظَّنَا، وأصله من قَطَّ الشيءَ أي قَطَعَهُ، ومنه قَطّ القلم والمعنى قطعه مما وعدتنا به ولهذا يطلق على الصحيفة والصك قِطّ، لأنهما قطعتان يقطعان، ويقال للجائزة أيضاً قِطّ لأنها قطعة من العطية، قال الأعشى: 4259 - وَلاَ الْمَلِكُ النُّعْمَان يَوْمَ لَفِيتُهُ ... بِغِبْطِتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ وَيَأفِقُ وأكثري استعماله في الكتاب، قال أمية بن أبي الصّلت: 4260 - قَوْمٌ لَهُمْ سَاحَةُ أَرْضِ العِرَاقِ وَمَا ... يَجْبِى إَليْهِمْ بِهَا وَالقِطُّ وَالْقَلَم ويجمع على قُطُوط كما تقدم، وعلى قِطَطَةٍ نحو: قِرْد وقِرَدَةٍ وقُرُود، وفي القلة على أَقِطَّةٍ وأَقْطَاطٍ كقِدْح وأَقْدِحَةٍ وأَقْدَاحٍ، إلا أن أفْعِلَةً في فِعْلٍ شاذ. فصل قال سعيد بن جبير عن ابن عباس عين كتابنا. والقِطّ: الصحيفة أحصت كل شيء، قال الكلبي: لما نزل قوله في الحاقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: 19 - 25] قالوا استهزاء: عجل لنا كتابنا في الدنيا قل يوم الحساب، وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: عين عقوبتنا ونصيبنا من العذاب قال عطاء: قاله النَّضْر بن الحَرث وهو قوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: 32] وعن مجاهد قطنا: حسابنا يقال للكتاب قط. قال أبو عبيدة والكسائي: القط الكتابة بالجوائز واعلم أن القوم تعجبوا من أمور ثلاثة، أولها: من أمر النبوات وإثباتها فقال: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ «. وثانيها: تعجبهم من الإليهات فقالوا: أَجَعَلَ الآلهةَ إلهاً وَاحِداً. وثالثها: تعجبهم من المعاد والحشر والنشر فقالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب﴾ قالوا ذلك استهزاء فأمره الله تعالى بالصبر على سسفاهتهم فقال: ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ . فإن قيل: أي تعلق بين قوله: ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ وبين قوله ﴿واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ ؟ فالجواب: هذا التعلق من وجوه: الأول: كأنه قيل: إن كنت شاهدت من هؤلاء الجُهّال جَرَاءتَهم على الله وإنكارَهم الحَشْرَ والنشرَ فاذكر قصة داود حتى تعرف شدة خوفه من الله تعالى ومن يوم الحشر فإن بقَدْرِ ما يَزْدَادُ أحدُ الضِّدين شرفاً يزاد (الضّدّ) الآخ نقصاناً. الثاني: كأنه قيل لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لا) تضيق صدرك بسبب إنكارهم لقولك ودينك فإنهم وإن خالفوك فالأكابر من الأنبياء وافقوك. الثالث: أن للناس في قصة داود قولان: منهم من قال: إنها تدل على دِينه، ومنهم من قال إنها لا تدل عليه فمن قال بالأول كان وجه المناسبة فيه كأنه قيل لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إنّ حزنك ليس إلا لأن الكفار كذبوك، وأما حزن داود فكان بسبب وقوع ذلك الذنب، ولا شك أن حزنه أشد فتأمل في قصة داود وما كان فيه من الحزن. ومن قال بالثاني قال الخَصْمَان اللذان دخلا على دَاوُدَ كَانَا من البشي وإنما دخلا عليه لقصد قتله، فخاف منهما داودُ ومع ذلك فلم يتعرض لإيذائهما ولا دعا عليهما بسُوء بل اسْتَغْفَر لم على (ما سيجيء تقرير هذه الطريقة) ، فلا جَرَمَ أمر الله تعالى محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بأن يقتدي به في حسن الخلق. الرابع: أن قريشاً إنما كذبوا محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - واستخفوا به لقولهم: إنه يتيم فقير، ثم إنه تعالى قصَّ على محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما كان في مَمْلَكَةِ داود، ثم بين بعد ذلك أنه ما سلم من الأحكان والغموم ليَعْلم أن الخَلاص من الحزن لاسبيل إليه في الدنيا. الخامس: قوله تعالى ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ ولم يقتصر على قصة داود بل ذكر عقيبَ قصة داود قصص أنبياء كثيرة فكأنه تعالى قال: فاصبر على ما يقولون واعتبر بحال سائر الأنبياء ليُعْلِمَهُ أن كل واحد منهم كان مشغولاً بهَمٍّ خاص وحزن خاص فيعلم حنيئذ أن لا انفكاك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجة العالية عند الله لا تحصل إلى بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا. قال ابن الخطيب: وههنا وجه آخر قويٌّ وأحسن من كل هذه الوجوه وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى عند الانتهاء إلى تفسير قوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ الآية [ص: 29] . قوله: ﴿دَاوُودَ﴾ بدل أو عطف بيان، أو منصوب بإضمار أعْنِي و «ذَا الأَيْدِ» نعت له والأيد القوة، قال ابن عباس: أي القوة في العبادة، وقيل: القوة في المِلك، واعلم أن قوله: ﴿عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ فوصفه بكونه عبداً له وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم وذلك يدل على غاية التشريف ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يشرف محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة المعراج، قال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] وأيضاً فإن وصف الأنبياء بالعبودية مُشْعِرٌ بأنهم قد حصلوا معنى العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة والمراد بالأيد القوة في الطاعة والاحتراز عن المعاصي لأن مدحه بالقوة يوجب أن تكون تلك القوة موجبة للمدح العظيم وليست إلا القوة على فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، والأيد المذكورة ههنا كالقوة المذكروة في قوله: ﴿يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12] وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: 145] أي باجتهاد وتشدد في القيام بالدعوة وترك إظهار الوهن والضعف، والأيد (و) القوة سواء ومنه قوله: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] وقوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ [البقرة: 87] (وقوله) : ﴿والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أحَبُّ الصِّيَام إلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ (الصَّلاَة و) السَّلام وأَحَبُّ الصَّلاَة إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَلاَةُ دَاوُدَ كَان يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» . قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي رجاع إلى الله عزّ وجلّ بالتوبة عل كل ما يكره، والأَوَّابُ فعَّالٌ من آبَ يَؤُوبُ إذا رَجَعَ قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 25] وهذا بناء مبالغة كما يقال: قَتّال وضَرَّاب وهو أبلغ من قَاتِل وضارب، وقال ابن عباس: مطيع، وقال سعيد من جبير: مسبِّح بلغة الحبشة.

ص 38:14

ثم قال لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - معزياً له: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتاد﴾ قال ابن عباس ومحمد بن كعب: ذو البِناء المحكم، وقيل: أراد ذو الملك الشديد الثابت، وقال القتيبيّ: تقول العرب: هم في عِزٍّ ثابت الأوتاد بريدون أنه دائم شديد، وقال الضحاك: ذو القوة البطش، وقال عطية: ذو الجنود والجموع الكثيرة، وسميت الأجناد أوتاداً لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في أسفارهم وهي رواية عطية العوفي عن ابن عباس يعني أنهم كانوا يقوون أمره ويشدون ملكه كما يثبت إلا بالأوتاد والأطْنَاب كما قال الأفوه الأودي: 4253 - والْبَيْتُ لاَ يُبْتَنَى إلاَّ عَلَى عُمُدٍ ... وَلاَ عِمَادَ إذَا لَمْ تُرْسَ أَوْتَادُ فاستعير لثبات العز والملك واستقرار الأمر كقول الأسود بن يعفر: 4254 - وَلَقَدْ غَنُوا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشةٍ ... فِي ظِلّ مُلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ والأوتاد جمع وتد فيه لغات: وَتِدٌ بفتح الواو وكسر التاء وهي الفصحى، ووتَدَ بفتحتين، وَوَدٌّ بإدغام التاء في الدال قال: 4255 - تُخْرِجُ الْوَدَّ إذَا ما أَشْجذَتْ ... وَتُوَارِيه إذَا تَشْتَكِرْ ووت بإبدال (الدال) تاء، ثم إدغام التاء فيها، وهذا شاذ؛ لأن الأصل إبدال الأول للثاني لا العكس، وقد تقدم نحوٌ من هذا في آل عمران عند قوله: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة﴾ [آل عمران: 185] . ويقال: وَتِدٌ (وَاتِد) أي قويّ ثابتٌ وهو مثلُ مجازِ قولهم: شُغل شاغِل. أنشد الأصمعي: 4256 - لاَقَتْ (عَلَى) الْمَاءِ جُذَيْلاَ واتدا ... وَلَمْ يَكُنْ يُخْلِفُهَا الْمَوَاعِدَا وقيل: الأوتاد هنا حقيقة لا استعارة، (و) قال الكبي ومقاتل: الأوتاد جمع الوَتدِ وكان له أوتاد يعذب الناس عليها فكان إذا غضب على أَحَد مده مستلقياً بين أربعة أوتاد تشدّ كل يد ولك رجل منه إلى سارية ويتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت. وقال مجاهد ومقاتل بن حيَّان كان يمد الرجل مستلقياً على الأرض ثم يسد يديه ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقاربَ والحيَّاتِ. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب عليها بين يديه، ثم قال: ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ﴾ تقدم الخلاف في الأيكة في سورة الشعراء. قوله: ﴿أولئك الأحزاب﴾ يجوز أن تكون مستأنفةً لا محل لها (من الإعراب) وأن تكون خبراً، والمبتدأ قال أبو البقاء (من) قوله: «وعاد» وأن يكون من «ثمود» وأن يكون من قوله «وقوم لوط» . قال شهاب الدين: الظاهر عطف (عاد) وما بعدها على «قوم نوح» واستئناف الجملة بعده، وكان يسوغ على ما قاله أبو البقاء أن يكون المبتدأ وحده ﴿وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ﴾ . فصل المعنى أن هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمم هم الذين تحزبوا على أنبيائهم فأهلكناهم وكذلك قومك هم من جنس الأحزاب المتقدمين. وقيل: المعنى أولئك الأحزاب مع كمال قوّتهم لما كان عاقبتهم هي الهلاك والبوار فكيف حال هؤلاء الضعفاء (المساكين) ؟ قوله: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل﴾ إن نافية ولا عمل لها هنا البتة ولو على لغة من قال: 4257 - إنْ هُوَ مُسْتوْلِياً عَلَى أَحَدٍ..... ... ... ... ... ... ... . وعلى قراءة: ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ﴾ [الأعراف: 194] لانتقاض النفي ب «إلاّ» فإن انتقاضه مع الأصل وهي «ما» مبطل فكيف بفرغها؟ وقد تقدم أنه يجوز أن تكون جواباً للقسم. فصل المعنى كل هذه الطوائف لما كذبوا أنبياءهم في الترغيب والترهيب لا جرم نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين، والمقصود منه زجر السامعين. ثم بين تعالى أن هؤلاء المذكبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم ﴿وَمَا يَنظُرُ هؤلاءآء﴾ أي وما نتظر هؤلاء يعني كفار مكة ﴿إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وهي نفخة الصور الأولى كقوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: 49 - 50] والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا ينتظر الشيء فهو ماد الطَّرْف إليه يقطع كل ساعة في حضوره. وقيل: المراد بالصيحة عذاب يفجأهُمْ ويجيئهم دَفْعةً واحدة كما يقال: صَاحَ الزمانُ بهم إذَا هَلَكُوا (قال) : 4658 - صَاحَ الزَّمَانُ بآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ... خَرُّوا لِشدَّتِهَا عَلَى الأّذْقَانِ ونطيره قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانتظروا إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين﴾ [يونس: 102] . قوله: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ يجوز أن يكون «لها» رافعاً «لِمنْ فَوَاقٍ» بالفاعلية؛ لاعتماده على النفي، وأن يكون جملة من مبتدأ وخبر وعلى التقديرين فالجملة المنفية في محل نصب صفة «لصَيْحَة» و «من» مزيدة وقرأ الأخوان: «فُوَاق» بضم الفاء، والباقون بفَتْحها، قال الكسائيُّ والفراءُ وأبو عبيدة: هما لغتان وهما الزمان الذي بين حَلْبَتَي الحَالِبِ، ورَضْعَتَي الرَّاضع، والمعنى ما لها من توقف قدر فواق ناقة. وفي الحديث: «العِيادَةُ قَدْر فَوَاق نَاقَةٍ» وهذا في المعنى كقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ [الأعراف: 34] . وقال ابن عباس: ما لها من رُجُوع من أفاقَ المريضُ إذا رجع إلى صحته وإفاقة الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يقال: أَفَاقَتِ النَّاقَةُ تُفِيقُ إفاقة رجَعَت الفِيقَةُ في ضَرعها، والفِيقةُ اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، ويجمع على أفواق وأما أفاويق فجمع الجمع، ويقال: ناقة مُفِيقٌ ومُفِيقَةٌ. وقال الفراء وأبو عُبَيْدَة ومؤرّج السّدوسيّ: الفواق بالفتح الإفاقة والاسْتِراحة كالجواب من الإجابة وهو قول ابن زيدٍ والسُّدِّيِّ. وأما المضموم فاسم لا مصدر أي اسم لما بين الحَلْبَتَيْن، والمشهور أنهما بمعنى واحد كقَصَاصٍ الشّعر وقُصاصِهِ وجَمَام المَكُور وجُمَامِهِ، فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم قال الواحدي: الفَوَاق والفُواق اسمان من الإفاقة والإفاقة معناها الرجوع والسكون كما في إفاقة المريض إلا أن الفَوَاق بالفتح يجوز أن يُقَام المصدر، والفُواق بالضم اسم لذلك الزمان، الذي يعوج فيه اللبن، وروي الواحدي في البسيط عن أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال في هذه الآية: يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ نفخة الفزع قال: فَيمدّها ويطولها وهي التي يقول ما لها من فواق، ثم قال الواحدي: وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: ما لها من سكون. الثاني: ما لها من رجوع والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون ويقال لكل من بقي على حالة واحدة بأنه لايُفيقُ منه ولاَ يَسْتَفيقُ. قوله: ﴿قِطَّنَا﴾ أن نَصِيبَنَا وحَظَّنَا، وأصله من قَطَّ الشيءَ أي قَطَعَهُ، ومنه قَطّ القلم والمعنى قطعه مما وعدتنا به ولهذا يطلق على الصحيفة والصك قِطّ، لأنهما قطعتان يقطعان، ويقال للجائزة أيضاً قِطّ لأنها قطعة من العطية، قال الأعشى: 4259 - وَلاَ الْمَلِكُ النُّعْمَان يَوْمَ لَفِيتُهُ ... بِغِبْطِتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ وَيَأفِقُ وأكثري استعماله في الكتاب، قال أمية بن أبي الصّلت: 4260 - قَوْمٌ لَهُمْ سَاحَةُ أَرْضِ العِرَاقِ وَمَا ... يَجْبِى إَليْهِمْ بِهَا وَالقِطُّ وَالْقَلَم ويجمع على قُطُوط كما تقدم، وعلى قِطَطَةٍ نحو: قِرْد وقِرَدَةٍ وقُرُود، وفي القلة على أَقِطَّةٍ وأَقْطَاطٍ كقِدْح وأَقْدِحَةٍ وأَقْدَاحٍ، إلا أن أفْعِلَةً في فِعْلٍ شاذ. فصل قال سعيد بن جبير عن ابن عباس عين كتابنا. والقِطّ: الصحيفة أحصت كل شيء، قال الكلبي: لما نزل قوله في الحاقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: 19 - 25] قالوا استهزاء: عجل لنا كتابنا في الدنيا قل يوم الحساب، وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: عين عقوبتنا ونصيبنا من العذاب قال عطاء: قاله النَّضْر بن الحَرث وهو قوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: 32] وعن مجاهد قطنا: حسابنا يقال للكتاب قط. قال أبو عبيدة والكسائي: القط الكتابة بالجوائز واعلم أن القوم تعجبوا من أمور ثلاثة، أولها: من أمر النبوات وإثباتها فقال: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ «. وثانيها: تعجبهم من الإليهات فقالوا: أَجَعَلَ الآلهةَ إلهاً وَاحِداً. وثالثها: تعجبهم من المعاد والحشر والنشر فقالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب﴾ قالوا ذلك استهزاء فأمره الله تعالى بالصبر على سسفاهتهم فقال: ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ . فإن قيل: أي تعلق بين قوله: ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ وبين قوله ﴿واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ ؟ فالجواب: هذا التعلق من وجوه: الأول: كأنه قيل: إن كنت شاهدت من هؤلاء الجُهّال جَرَاءتَهم على الله وإنكارَهم الحَشْرَ والنشرَ فاذكر قصة داود حتى تعرف شدة خوفه من الله تعالى ومن يوم الحشر فإن بقَدْرِ ما يَزْدَادُ أحدُ الضِّدين شرفاً يزاد (الضّدّ) الآخ نقصاناً. الثاني: كأنه قيل لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لا) تضيق صدرك بسبب إنكارهم لقولك ودينك فإنهم وإن خالفوك فالأكابر من الأنبياء وافقوك. الثالث: أن للناس في قصة داود قولان: منهم من قال: إنها تدل على دِينه، ومنهم من قال إنها لا تدل عليه فمن قال بالأول كان وجه المناسبة فيه كأنه قيل لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إنّ حزنك ليس إلا لأن الكفار كذبوك، وأما حزن داود فكان بسبب وقوع ذلك الذنب، ولا شك أن حزنه أشد فتأمل في قصة داود وما كان فيه من الحزن. ومن قال بالثاني قال الخَصْمَان اللذان دخلا على دَاوُدَ كَانَا من البشي وإنما دخلا عليه لقصد قتله، فخاف منهما داودُ ومع ذلك فلم يتعرض لإيذائهما ولا دعا عليهما بسُوء بل اسْتَغْفَر لم على (ما سيجيء تقرير هذه الطريقة) ، فلا جَرَمَ أمر الله تعالى محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بأن يقتدي به في حسن الخلق. الرابع: أن قريشاً إنما كذبوا محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - واستخفوا به لقولهم: إنه يتيم فقير، ثم إنه تعالى قصَّ على محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما كان في مَمْلَكَةِ داود، ثم بين بعد ذلك أنه ما سلم من الأحكان والغموم ليَعْلم أن الخَلاص من الحزن لاسبيل إليه في الدنيا. الخامس: قوله تعالى ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ ولم يقتصر على قصة داود بل ذكر عقيبَ قصة داود قصص أنبياء كثيرة فكأنه تعالى قال: فاصبر على ما يقولون واعتبر بحال سائر الأنبياء ليُعْلِمَهُ أن كل واحد منهم كان مشغولاً بهَمٍّ خاص وحزن خاص فيعلم حنيئذ أن لا انفكاك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجة العالية عند الله لا تحصل إلى بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا. قال ابن الخطيب: وههنا وجه آخر قويٌّ وأحسن من كل هذه الوجوه وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى عند الانتهاء إلى تفسير قوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ الآية [ص: 29] . قوله: ﴿دَاوُودَ﴾ بدل أو عطف بيان، أو منصوب بإضمار أعْنِي و «ذَا الأَيْدِ» نعت له والأيد القوة، قال ابن عباس: أي القوة في العبادة، وقيل: القوة في المِلك، واعلم أن قوله: ﴿عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ فوصفه بكونه عبداً له وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم وذلك يدل على غاية التشريف ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يشرف محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة المعراج، قال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] وأيضاً فإن وصف الأنبياء بالعبودية مُشْعِرٌ بأنهم قد حصلوا معنى العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة والمراد بالأيد القوة في الطاعة والاحتراز عن المعاصي لأن مدحه بالقوة يوجب أن تكون تلك القوة موجبة للمدح العظيم وليست إلا القوة على فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، والأيد المذكورة ههنا كالقوة المذكروة في قوله: ﴿يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12] وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: 145] أي باجتهاد وتشدد في القيام بالدعوة وترك إظهار الوهن والضعف، والأيد (و) القوة سواء ومنه قوله: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] وقوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ [البقرة: 87] (وقوله) : ﴿والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أحَبُّ الصِّيَام إلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ (الصَّلاَة و) السَّلام وأَحَبُّ الصَّلاَة إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَلاَةُ دَاوُدَ كَان يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» . قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي رجاع إلى الله عزّ وجلّ بالتوبة عل كل ما يكره، والأَوَّابُ فعَّالٌ من آبَ يَؤُوبُ إذا رَجَعَ قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 25] وهذا بناء مبالغة كما يقال: قَتّال وضَرَّاب وهو أبلغ من قَاتِل وضارب، وقال ابن عباس: مطيع، وقال سعيد من جبير: مسبِّح بلغة الحبشة.

ص 38:15

ثم قال لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - معزياً له: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتاد﴾ قال ابن عباس ومحمد بن كعب: ذو البِناء المحكم، وقيل: أراد ذو الملك الشديد الثابت، وقال القتيبيّ: تقول العرب: هم في عِزٍّ ثابت الأوتاد بريدون أنه دائم شديد، وقال الضحاك: ذو القوة البطش، وقال عطية: ذو الجنود والجموع الكثيرة، وسميت الأجناد أوتاداً لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في أسفارهم وهي رواية عطية العوفي عن ابن عباس يعني أنهم كانوا يقوون أمره ويشدون ملكه كما يثبت إلا بالأوتاد والأطْنَاب كما قال الأفوه الأودي: 4253 - والْبَيْتُ لاَ يُبْتَنَى إلاَّ عَلَى عُمُدٍ ... وَلاَ عِمَادَ إذَا لَمْ تُرْسَ أَوْتَادُ فاستعير لثبات العز والملك واستقرار الأمر كقول الأسود بن يعفر: 4254 - وَلَقَدْ غَنُوا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشةٍ ... فِي ظِلّ مُلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ والأوتاد جمع وتد فيه لغات: وَتِدٌ بفتح الواو وكسر التاء وهي الفصحى، ووتَدَ بفتحتين، وَوَدٌّ بإدغام التاء في الدال قال: 4255 - تُخْرِجُ الْوَدَّ إذَا ما أَشْجذَتْ ... وَتُوَارِيه إذَا تَشْتَكِرْ ووت بإبدال (الدال) تاء، ثم إدغام التاء فيها، وهذا شاذ؛ لأن الأصل إبدال الأول للثاني لا العكس، وقد تقدم نحوٌ من هذا في آل عمران عند قوله: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة﴾ [آل عمران: 185] . ويقال: وَتِدٌ (وَاتِد) أي قويّ ثابتٌ وهو مثلُ مجازِ قولهم: شُغل شاغِل. أنشد الأصمعي: 4256 - لاَقَتْ (عَلَى) الْمَاءِ جُذَيْلاَ واتدا ... وَلَمْ يَكُنْ يُخْلِفُهَا الْمَوَاعِدَا وقيل: الأوتاد هنا حقيقة لا استعارة، (و) قال الكبي ومقاتل: الأوتاد جمع الوَتدِ وكان له أوتاد يعذب الناس عليها فكان إذا غضب على أَحَد مده مستلقياً بين أربعة أوتاد تشدّ كل يد ولك رجل منه إلى سارية ويتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت. وقال مجاهد ومقاتل بن حيَّان كان يمد الرجل مستلقياً على الأرض ثم يسد يديه ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقاربَ والحيَّاتِ. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب عليها بين يديه، ثم قال: ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ﴾ تقدم الخلاف في الأيكة في سورة الشعراء. قوله: ﴿أولئك الأحزاب﴾ يجوز أن تكون مستأنفةً لا محل لها (من الإعراب) وأن تكون خبراً، والمبتدأ قال أبو البقاء (من) قوله: «وعاد» وأن يكون من «ثمود» وأن يكون من قوله «وقوم لوط» . قال شهاب الدين: الظاهر عطف (عاد) وما بعدها على «قوم نوح» واستئناف الجملة بعده، وكان يسوغ على ما قاله أبو البقاء أن يكون المبتدأ وحده ﴿وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ﴾ . فصل المعنى أن هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمم هم الذين تحزبوا على أنبيائهم فأهلكناهم وكذلك قومك هم من جنس الأحزاب المتقدمين. وقيل: المعنى أولئك الأحزاب مع كمال قوّتهم لما كان عاقبتهم هي الهلاك والبوار فكيف حال هؤلاء الضعفاء (المساكين) ؟ قوله: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل﴾ إن نافية ولا عمل لها هنا البتة ولو على لغة من قال: 4257 - إنْ هُوَ مُسْتوْلِياً عَلَى أَحَدٍ..... ... ... ... ... ... ... . وعلى قراءة: ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ﴾ [الأعراف: 194] لانتقاض النفي ب «إلاّ» فإن انتقاضه مع الأصل وهي «ما» مبطل فكيف بفرغها؟ وقد تقدم أنه يجوز أن تكون جواباً للقسم. فصل المعنى كل هذه الطوائف لما كذبوا أنبياءهم في الترغيب والترهيب لا جرم نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين، والمقصود منه زجر السامعين. ثم بين تعالى أن هؤلاء المذكبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم ﴿وَمَا يَنظُرُ هؤلاءآء﴾ أي وما نتظر هؤلاء يعني كفار مكة ﴿إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وهي نفخة الصور الأولى كقوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: 49 - 50] والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا ينتظر الشيء فهو ماد الطَّرْف إليه يقطع كل ساعة في حضوره. وقيل: المراد بالصيحة عذاب يفجأهُمْ ويجيئهم دَفْعةً واحدة كما يقال: صَاحَ الزمانُ بهم إذَا هَلَكُوا (قال) : 4658 - صَاحَ الزَّمَانُ بآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ... خَرُّوا لِشدَّتِهَا عَلَى الأّذْقَانِ ونطيره قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانتظروا إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين﴾ [يونس: 102] . قوله: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ يجوز أن يكون «لها» رافعاً «لِمنْ فَوَاقٍ» بالفاعلية؛ لاعتماده على النفي، وأن يكون جملة من مبتدأ وخبر وعلى التقديرين فالجملة المنفية في محل نصب صفة «لصَيْحَة» و «من» مزيدة وقرأ الأخوان: «فُوَاق» بضم الفاء، والباقون بفَتْحها، قال الكسائيُّ والفراءُ وأبو عبيدة: هما لغتان وهما الزمان الذي بين حَلْبَتَي الحَالِبِ، ورَضْعَتَي الرَّاضع، والمعنى ما لها من توقف قدر فواق ناقة. وفي الحديث: «العِيادَةُ قَدْر فَوَاق نَاقَةٍ» وهذا في المعنى كقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ [الأعراف: 34] . وقال ابن عباس: ما لها من رُجُوع من أفاقَ المريضُ إذا رجع إلى صحته وإفاقة الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يقال: أَفَاقَتِ النَّاقَةُ تُفِيقُ إفاقة رجَعَت الفِيقَةُ في ضَرعها، والفِيقةُ اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، ويجمع على أفواق وأما أفاويق فجمع الجمع، ويقال: ناقة مُفِيقٌ ومُفِيقَةٌ. وقال الفراء وأبو عُبَيْدَة ومؤرّج السّدوسيّ: الفواق بالفتح الإفاقة والاسْتِراحة كالجواب من الإجابة وهو قول ابن زيدٍ والسُّدِّيِّ. وأما المضموم فاسم لا مصدر أي اسم لما بين الحَلْبَتَيْن، والمشهور أنهما بمعنى واحد كقَصَاصٍ الشّعر وقُصاصِهِ وجَمَام المَكُور وجُمَامِهِ، فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم قال الواحدي: الفَوَاق والفُواق اسمان من الإفاقة والإفاقة معناها الرجوع والسكون كما في إفاقة المريض إلا أن الفَوَاق بالفتح يجوز أن يُقَام المصدر، والفُواق بالضم اسم لذلك الزمان، الذي يعوج فيه اللبن، وروي الواحدي في البسيط عن أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال في هذه الآية: يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ نفخة الفزع قال: فَيمدّها ويطولها وهي التي يقول ما لها من فواق، ثم قال الواحدي: وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: ما لها من سكون. الثاني: ما لها من رجوع والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون ويقال لكل من بقي على حالة واحدة بأنه لايُفيقُ منه ولاَ يَسْتَفيقُ. قوله: ﴿قِطَّنَا﴾ أن نَصِيبَنَا وحَظَّنَا، وأصله من قَطَّ الشيءَ أي قَطَعَهُ، ومنه قَطّ القلم والمعنى قطعه مما وعدتنا به ولهذا يطلق على الصحيفة والصك قِطّ، لأنهما قطعتان يقطعان، ويقال للجائزة أيضاً قِطّ لأنها قطعة من العطية، قال الأعشى: 4259 - وَلاَ الْمَلِكُ النُّعْمَان يَوْمَ لَفِيتُهُ ... بِغِبْطِتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ وَيَأفِقُ وأكثري استعماله في الكتاب، قال أمية بن أبي الصّلت: 4260 - قَوْمٌ لَهُمْ سَاحَةُ أَرْضِ العِرَاقِ وَمَا ... يَجْبِى إَليْهِمْ بِهَا وَالقِطُّ وَالْقَلَم ويجمع على قُطُوط كما تقدم، وعلى قِطَطَةٍ نحو: قِرْد وقِرَدَةٍ وقُرُود، وفي القلة على أَقِطَّةٍ وأَقْطَاطٍ كقِدْح وأَقْدِحَةٍ وأَقْدَاحٍ، إلا أن أفْعِلَةً في فِعْلٍ شاذ. فصل قال سعيد بن جبير عن ابن عباس عين كتابنا. والقِطّ: الصحيفة أحصت كل شيء، قال الكلبي: لما نزل قوله في الحاقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: 19 - 25] قالوا استهزاء: عجل لنا كتابنا في الدنيا قل يوم الحساب، وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: عين عقوبتنا ونصيبنا من العذاب قال عطاء: قاله النَّضْر بن الحَرث وهو قوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: 32] وعن مجاهد قطنا: حسابنا يقال للكتاب قط. قال أبو عبيدة والكسائي: القط الكتابة بالجوائز واعلم أن القوم تعجبوا من أمور ثلاثة، أولها: من أمر النبوات وإثباتها فقال: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ «. وثانيها: تعجبهم من الإليهات فقالوا: أَجَعَلَ الآلهةَ إلهاً وَاحِداً. وثالثها: تعجبهم من المعاد والحشر والنشر فقالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب﴾ قالوا ذلك استهزاء فأمره الله تعالى بالصبر على سسفاهتهم فقال: ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ . فإن قيل: أي تعلق بين قوله: ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ وبين قوله ﴿واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ ؟ فالجواب: هذا التعلق من وجوه: الأول: كأنه قيل: إن كنت شاهدت من هؤلاء الجُهّال جَرَاءتَهم على الله وإنكارَهم الحَشْرَ والنشرَ فاذكر قصة داود حتى تعرف شدة خوفه من الله تعالى ومن يوم الحشر فإن بقَدْرِ ما يَزْدَادُ أحدُ الضِّدين شرفاً يزاد (الضّدّ) الآخ نقصاناً. الثاني: كأنه قيل لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لا) تضيق صدرك بسبب إنكارهم لقولك ودينك فإنهم وإن خالفوك فالأكابر من الأنبياء وافقوك. الثالث: أن للناس في قصة داود قولان: منهم من قال: إنها تدل على دِينه، ومنهم من قال إنها لا تدل عليه فمن قال بالأول كان وجه المناسبة فيه كأنه قيل لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إنّ حزنك ليس إلا لأن الكفار كذبوك، وأما حزن داود فكان بسبب وقوع ذلك الذنب، ولا شك أن حزنه أشد فتأمل في قصة داود وما كان فيه من الحزن. ومن قال بالثاني قال الخَصْمَان اللذان دخلا على دَاوُدَ كَانَا من البشي وإنما دخلا عليه لقصد قتله، فخاف منهما داودُ ومع ذلك فلم يتعرض لإيذائهما ولا دعا عليهما بسُوء بل اسْتَغْفَر لم على (ما سيجيء تقرير هذه الطريقة) ، فلا جَرَمَ أمر الله تعالى محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بأن يقتدي به في حسن الخلق. الرابع: أن قريشاً إنما كذبوا محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - واستخفوا به لقولهم: إنه يتيم فقير، ثم إنه تعالى قصَّ على محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما كان في مَمْلَكَةِ داود، ثم بين بعد ذلك أنه ما سلم من الأحكان والغموم ليَعْلم أن الخَلاص من الحزن لاسبيل إليه في الدنيا. الخامس: قوله تعالى ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ ولم يقتصر على قصة داود بل ذكر عقيبَ قصة داود قصص أنبياء كثيرة فكأنه تعالى قال: فاصبر على ما يقولون واعتبر بحال سائر الأنبياء ليُعْلِمَهُ أن كل واحد منهم كان مشغولاً بهَمٍّ خاص وحزن خاص فيعلم حنيئذ أن لا انفكاك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجة العالية عند الله لا تحصل إلى بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا. قال ابن الخطيب: وههنا وجه آخر قويٌّ وأحسن من كل هذه الوجوه وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى عند الانتهاء إلى تفسير قوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ الآية [ص: 29] . قوله: ﴿دَاوُودَ﴾ بدل أو عطف بيان، أو منصوب بإضمار أعْنِي و «ذَا الأَيْدِ» نعت له والأيد القوة، قال ابن عباس: أي القوة في العبادة، وقيل: القوة في المِلك، واعلم أن قوله: ﴿عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ فوصفه بكونه عبداً له وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم وذلك يدل على غاية التشريف ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يشرف محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة المعراج، قال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] وأيضاً فإن وصف الأنبياء بالعبودية مُشْعِرٌ بأنهم قد حصلوا معنى العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة والمراد بالأيد القوة في الطاعة والاحتراز عن المعاصي لأن مدحه بالقوة يوجب أن تكون تلك القوة موجبة للمدح العظيم وليست إلا القوة على فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، والأيد المذكورة ههنا كالقوة المذكروة في قوله: ﴿يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12] وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: 145] أي باجتهاد وتشدد في القيام بالدعوة وترك إظهار الوهن والضعف، والأيد (و) القوة سواء ومنه قوله: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] وقوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ [البقرة: 87] (وقوله) : ﴿والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أحَبُّ الصِّيَام إلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ (الصَّلاَة و) السَّلام وأَحَبُّ الصَّلاَة إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَلاَةُ دَاوُدَ كَان يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» . قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي رجاع إلى الله عزّ وجلّ بالتوبة عل كل ما يكره، والأَوَّابُ فعَّالٌ من آبَ يَؤُوبُ إذا رَجَعَ قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 25] وهذا بناء مبالغة كما يقال: قَتّال وضَرَّاب وهو أبلغ من قَاتِل وضارب، وقال ابن عباس: مطيع، وقال سعيد من جبير: مسبِّح بلغة الحبشة.

ص 38:16

ثم قال لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - معزياً له: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتاد﴾ قال ابن عباس ومحمد بن كعب: ذو البِناء المحكم، وقيل: أراد ذو الملك الشديد الثابت، وقال القتيبيّ: تقول العرب: هم في عِزٍّ ثابت الأوتاد بريدون أنه دائم شديد، وقال الضحاك: ذو القوة البطش، وقال عطية: ذو الجنود والجموع الكثيرة، وسميت الأجناد أوتاداً لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في أسفارهم وهي رواية عطية العوفي عن ابن عباس يعني أنهم كانوا يقوون أمره ويشدون ملكه كما يثبت إلا بالأوتاد والأطْنَاب كما قال الأفوه الأودي: 4253 - والْبَيْتُ لاَ يُبْتَنَى إلاَّ عَلَى عُمُدٍ ... وَلاَ عِمَادَ إذَا لَمْ تُرْسَ أَوْتَادُ فاستعير لثبات العز والملك واستقرار الأمر كقول الأسود بن يعفر: 4254 - وَلَقَدْ غَنُوا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشةٍ ... فِي ظِلّ مُلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ والأوتاد جمع وتد فيه لغات: وَتِدٌ بفتح الواو وكسر التاء وهي الفصحى، ووتَدَ بفتحتين، وَوَدٌّ بإدغام التاء في الدال قال: 4255 - تُخْرِجُ الْوَدَّ إذَا ما أَشْجذَتْ ... وَتُوَارِيه إذَا تَشْتَكِرْ ووت بإبدال (الدال) تاء، ثم إدغام التاء فيها، وهذا شاذ؛ لأن الأصل إبدال الأول للثاني لا العكس، وقد تقدم نحوٌ من هذا في آل عمران عند قوله: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة﴾ [آل عمران: 185] . ويقال: وَتِدٌ (وَاتِد) أي قويّ ثابتٌ وهو مثلُ مجازِ قولهم: شُغل شاغِل. أنشد الأصمعي: 4256 - لاَقَتْ (عَلَى) الْمَاءِ جُذَيْلاَ واتدا ... وَلَمْ يَكُنْ يُخْلِفُهَا الْمَوَاعِدَا وقيل: الأوتاد هنا حقيقة لا استعارة، (و) قال الكبي ومقاتل: الأوتاد جمع الوَتدِ وكان له أوتاد يعذب الناس عليها فكان إذا غضب على أَحَد مده مستلقياً بين أربعة أوتاد تشدّ كل يد ولك رجل منه إلى سارية ويتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت. وقال مجاهد ومقاتل بن حيَّان كان يمد الرجل مستلقياً على الأرض ثم يسد يديه ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقاربَ والحيَّاتِ. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب عليها بين يديه، ثم قال: ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ﴾ تقدم الخلاف في الأيكة في سورة الشعراء. قوله: ﴿أولئك الأحزاب﴾ يجوز أن تكون مستأنفةً لا محل لها (من الإعراب) وأن تكون خبراً، والمبتدأ قال أبو البقاء (من) قوله: «وعاد» وأن يكون من «ثمود» وأن يكون من قوله «وقوم لوط» . قال شهاب الدين: الظاهر عطف (عاد) وما بعدها على «قوم نوح» واستئناف الجملة بعده، وكان يسوغ على ما قاله أبو البقاء أن يكون المبتدأ وحده ﴿وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ﴾ . فصل المعنى أن هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمم هم الذين تحزبوا على أنبيائهم فأهلكناهم وكذلك قومك هم من جنس الأحزاب المتقدمين. وقيل: المعنى أولئك الأحزاب مع كمال قوّتهم لما كان عاقبتهم هي الهلاك والبوار فكيف حال هؤلاء الضعفاء (المساكين) ؟ قوله: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل﴾ إن نافية ولا عمل لها هنا البتة ولو على لغة من قال: 4257 - إنْ هُوَ مُسْتوْلِياً عَلَى أَحَدٍ..... ... ... ... ... ... ... . وعلى قراءة: ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ﴾ [الأعراف: 194] لانتقاض النفي ب «إلاّ» فإن انتقاضه مع الأصل وهي «ما» مبطل فكيف بفرغها؟ وقد تقدم أنه يجوز أن تكون جواباً للقسم. فصل المعنى كل هذه الطوائف لما كذبوا أنبياءهم في الترغيب والترهيب لا جرم نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين، والمقصود منه زجر السامعين. ثم بين تعالى أن هؤلاء المذكبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم ﴿وَمَا يَنظُرُ هؤلاءآء﴾ أي وما نتظر هؤلاء يعني كفار مكة ﴿إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وهي نفخة الصور الأولى كقوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: 49 - 50] والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا ينتظر الشيء فهو ماد الطَّرْف إليه يقطع كل ساعة في حضوره. وقيل: المراد بالصيحة عذاب يفجأهُمْ ويجيئهم دَفْعةً واحدة كما يقال: صَاحَ الزمانُ بهم إذَا هَلَكُوا (قال) : 4658 - صَاحَ الزَّمَانُ بآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ... خَرُّوا لِشدَّتِهَا عَلَى الأّذْقَانِ ونطيره قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانتظروا إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين﴾ [يونس: 102] . قوله: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ يجوز أن يكون «لها» رافعاً «لِمنْ فَوَاقٍ» بالفاعلية؛ لاعتماده على النفي، وأن يكون جملة من مبتدأ وخبر وعلى التقديرين فالجملة المنفية في محل نصب صفة «لصَيْحَة» و «من» مزيدة وقرأ الأخوان: «فُوَاق» بضم الفاء، والباقون بفَتْحها، قال الكسائيُّ والفراءُ وأبو عبيدة: هما لغتان وهما الزمان الذي بين حَلْبَتَي الحَالِبِ، ورَضْعَتَي الرَّاضع، والمعنى ما لها من توقف قدر فواق ناقة. وفي الحديث: «العِيادَةُ قَدْر فَوَاق نَاقَةٍ» وهذا في المعنى كقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ [الأعراف: 34] . وقال ابن عباس: ما لها من رُجُوع من أفاقَ المريضُ إذا رجع إلى صحته وإفاقة الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يقال: أَفَاقَتِ النَّاقَةُ تُفِيقُ إفاقة رجَعَت الفِيقَةُ في ضَرعها، والفِيقةُ اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، ويجمع على أفواق وأما أفاويق فجمع الجمع، ويقال: ناقة مُفِيقٌ ومُفِيقَةٌ. وقال الفراء وأبو عُبَيْدَة ومؤرّج السّدوسيّ: الفواق بالفتح الإفاقة والاسْتِراحة كالجواب من الإجابة وهو قول ابن زيدٍ والسُّدِّيِّ. وأما المضموم فاسم لا مصدر أي اسم لما بين الحَلْبَتَيْن، والمشهور أنهما بمعنى واحد كقَصَاصٍ الشّعر وقُصاصِهِ وجَمَام المَكُور وجُمَامِهِ، فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم قال الواحدي: الفَوَاق والفُواق اسمان من الإفاقة والإفاقة معناها الرجوع والسكون كما في إفاقة المريض إلا أن الفَوَاق بالفتح يجوز أن يُقَام المصدر، والفُواق بالضم اسم لذلك الزمان، الذي يعوج فيه اللبن، وروي الواحدي في البسيط عن أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال في هذه الآية: يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ نفخة الفزع قال: فَيمدّها ويطولها وهي التي يقول ما لها من فواق، ثم قال الواحدي: وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: ما لها من سكون. الثاني: ما لها من رجوع والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون ويقال لكل من بقي على حالة واحدة بأنه لايُفيقُ منه ولاَ يَسْتَفيقُ. قوله: ﴿قِطَّنَا﴾ أن نَصِيبَنَا وحَظَّنَا، وأصله من قَطَّ الشيءَ أي قَطَعَهُ، ومنه قَطّ القلم والمعنى قطعه مما وعدتنا به ولهذا يطلق على الصحيفة والصك قِطّ، لأنهما قطعتان يقطعان، ويقال للجائزة أيضاً قِطّ لأنها قطعة من العطية، قال الأعشى: 4259 - وَلاَ الْمَلِكُ النُّعْمَان يَوْمَ لَفِيتُهُ ... بِغِبْطِتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ وَيَأفِقُ وأكثري استعماله في الكتاب، قال أمية بن أبي الصّلت: 4260 - قَوْمٌ لَهُمْ سَاحَةُ أَرْضِ العِرَاقِ وَمَا ... يَجْبِى إَليْهِمْ بِهَا وَالقِطُّ وَالْقَلَم ويجمع على قُطُوط كما تقدم، وعلى قِطَطَةٍ نحو: قِرْد وقِرَدَةٍ وقُرُود، وفي القلة على أَقِطَّةٍ وأَقْطَاطٍ كقِدْح وأَقْدِحَةٍ وأَقْدَاحٍ، إلا أن أفْعِلَةً في فِعْلٍ شاذ. فصل قال سعيد بن جبير عن ابن عباس عين كتابنا. والقِطّ: الصحيفة أحصت كل شيء، قال الكلبي: لما نزل قوله في الحاقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: 19 - 25] قالوا استهزاء: عجل لنا كتابنا في الدنيا قل يوم الحساب، وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: عين عقوبتنا ونصيبنا من العذاب قال عطاء: قاله النَّضْر بن الحَرث وهو قوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: 32] وعن مجاهد قطنا: حسابنا يقال للكتاب قط. قال أبو عبيدة والكسائي: القط الكتابة بالجوائز واعلم أن القوم تعجبوا من أمور ثلاثة، أولها: من أمر النبوات وإثباتها فقال: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ «. وثانيها: تعجبهم من الإليهات فقالوا: أَجَعَلَ الآلهةَ إلهاً وَاحِداً. وثالثها: تعجبهم من المعاد والحشر والنشر فقالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب﴾ قالوا ذلك استهزاء فأمره الله تعالى بالصبر على سسفاهتهم فقال: ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ . فإن قيل: أي تعلق بين قوله: ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ وبين قوله ﴿واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ ؟ فالجواب: هذا التعلق من وجوه: الأول: كأنه قيل: إن كنت شاهدت من هؤلاء الجُهّال جَرَاءتَهم على الله وإنكارَهم الحَشْرَ والنشرَ فاذكر قصة داود حتى تعرف شدة خوفه من الله تعالى ومن يوم الحشر فإن بقَدْرِ ما يَزْدَادُ أحدُ الضِّدين شرفاً يزاد (الضّدّ) الآخ نقصاناً. الثاني: كأنه قيل لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لا) تضيق صدرك بسبب إنكارهم لقولك ودينك فإنهم وإن خالفوك فالأكابر من الأنبياء وافقوك. الثالث: أن للناس في قصة داود قولان: منهم من قال: إنها تدل على دِينه، ومنهم من قال إنها لا تدل عليه فمن قال بالأول كان وجه المناسبة فيه كأنه قيل لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إنّ حزنك ليس إلا لأن الكفار كذبوك، وأما حزن داود فكان بسبب وقوع ذلك الذنب، ولا شك أن حزنه أشد فتأمل في قصة داود وما كان فيه من الحزن. ومن قال بالثاني قال الخَصْمَان اللذان دخلا على دَاوُدَ كَانَا من البشي وإنما دخلا عليه لقصد قتله، فخاف منهما داودُ ومع ذلك فلم يتعرض لإيذائهما ولا دعا عليهما بسُوء بل اسْتَغْفَر لم على (ما سيجيء تقرير هذه الطريقة) ، فلا جَرَمَ أمر الله تعالى محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بأن يقتدي به في حسن الخلق. الرابع: أن قريشاً إنما كذبوا محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - واستخفوا به لقولهم: إنه يتيم فقير، ثم إنه تعالى قصَّ على محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما كان في مَمْلَكَةِ داود، ثم بين بعد ذلك أنه ما سلم من الأحكان والغموم ليَعْلم أن الخَلاص من الحزن لاسبيل إليه في الدنيا. الخامس: قوله تعالى ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ ولم يقتصر على قصة داود بل ذكر عقيبَ قصة داود قصص أنبياء كثيرة فكأنه تعالى قال: فاصبر على ما يقولون واعتبر بحال سائر الأنبياء ليُعْلِمَهُ أن كل واحد منهم كان مشغولاً بهَمٍّ خاص وحزن خاص فيعلم حنيئذ أن لا انفكاك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجة العالية عند الله لا تحصل إلى بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا. قال ابن الخطيب: وههنا وجه آخر قويٌّ وأحسن من كل هذه الوجوه وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى عند الانتهاء إلى تفسير قوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ الآية [ص: 29] . قوله: ﴿دَاوُودَ﴾ بدل أو عطف بيان، أو منصوب بإضمار أعْنِي و «ذَا الأَيْدِ» نعت له والأيد القوة، قال ابن عباس: أي القوة في العبادة، وقيل: القوة في المِلك، واعلم أن قوله: ﴿عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ فوصفه بكونه عبداً له وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم وذلك يدل على غاية التشريف ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يشرف محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة المعراج، قال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] وأيضاً فإن وصف الأنبياء بالعبودية مُشْعِرٌ بأنهم قد حصلوا معنى العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة والمراد بالأيد القوة في الطاعة والاحتراز عن المعاصي لأن مدحه بالقوة يوجب أن تكون تلك القوة موجبة للمدح العظيم وليست إلا القوة على فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، والأيد المذكورة ههنا كالقوة المذكروة في قوله: ﴿يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12] وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: 145] أي باجتهاد وتشدد في القيام بالدعوة وترك إظهار الوهن والضعف، والأيد (و) القوة سواء ومنه قوله: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] وقوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ [البقرة: 87] (وقوله) : ﴿والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أحَبُّ الصِّيَام إلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ (الصَّلاَة و) السَّلام وأَحَبُّ الصَّلاَة إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَلاَةُ دَاوُدَ كَان يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» . قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي رجاع إلى الله عزّ وجلّ بالتوبة عل كل ما يكره، والأَوَّابُ فعَّالٌ من آبَ يَؤُوبُ إذا رَجَعَ قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 25] وهذا بناء مبالغة كما يقال: قَتّال وضَرَّاب وهو أبلغ من قَاتِل وضارب، وقال ابن عباس: مطيع، وقال سعيد من جبير: مسبِّح بلغة الحبشة.

ص 38:17

ثم قال لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - معزياً له: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتاد﴾ قال ابن عباس ومحمد بن كعب: ذو البِناء المحكم، وقيل: أراد ذو الملك الشديد الثابت، وقال القتيبيّ: تقول العرب: هم في عِزٍّ ثابت الأوتاد بريدون أنه دائم شديد، وقال الضحاك: ذو القوة البطش، وقال عطية: ذو الجنود والجموع الكثيرة، وسميت الأجناد أوتاداً لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في أسفارهم وهي رواية عطية العوفي عن ابن عباس يعني أنهم كانوا يقوون أمره ويشدون ملكه كما يثبت إلا بالأوتاد والأطْنَاب كما قال الأفوه الأودي: 4253 - والْبَيْتُ لاَ يُبْتَنَى إلاَّ عَلَى عُمُدٍ ... وَلاَ عِمَادَ إذَا لَمْ تُرْسَ أَوْتَادُ فاستعير لثبات العز والملك واستقرار الأمر كقول الأسود بن يعفر: 4254 - وَلَقَدْ غَنُوا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشةٍ ... فِي ظِلّ مُلْكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ والأوتاد جمع وتد فيه لغات: وَتِدٌ بفتح الواو وكسر التاء وهي الفصحى، ووتَدَ بفتحتين، وَوَدٌّ بإدغام التاء في الدال قال: 4255 - تُخْرِجُ الْوَدَّ إذَا ما أَشْجذَتْ ... وَتُوَارِيه إذَا تَشْتَكِرْ ووت بإبدال (الدال) تاء، ثم إدغام التاء فيها، وهذا شاذ؛ لأن الأصل إبدال الأول للثاني لا العكس، وقد تقدم نحوٌ من هذا في آل عمران عند قوله: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة﴾ [آل عمران: 185] . ويقال: وَتِدٌ (وَاتِد) أي قويّ ثابتٌ وهو مثلُ مجازِ قولهم: شُغل شاغِل. أنشد الأصمعي: 4256 - لاَقَتْ (عَلَى) الْمَاءِ جُذَيْلاَ واتدا ... وَلَمْ يَكُنْ يُخْلِفُهَا الْمَوَاعِدَا وقيل: الأوتاد هنا حقيقة لا استعارة، (و) قال الكبي ومقاتل: الأوتاد جمع الوَتدِ وكان له أوتاد يعذب الناس عليها فكان إذا غضب على أَحَد مده مستلقياً بين أربعة أوتاد تشدّ كل يد ولك رجل منه إلى سارية ويتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت. وقال مجاهد ومقاتل بن حيَّان كان يمد الرجل مستلقياً على الأرض ثم يسد يديه ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد. وقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقاربَ والحيَّاتِ. وقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب عليها بين يديه، ثم قال: ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ﴾ تقدم الخلاف في الأيكة في سورة الشعراء. قوله: ﴿أولئك الأحزاب﴾ يجوز أن تكون مستأنفةً لا محل لها (من الإعراب) وأن تكون خبراً، والمبتدأ قال أبو البقاء (من) قوله: «وعاد» وأن يكون من «ثمود» وأن يكون من قوله «وقوم لوط» . قال شهاب الدين: الظاهر عطف (عاد) وما بعدها على «قوم نوح» واستئناف الجملة بعده، وكان يسوغ على ما قاله أبو البقاء أن يكون المبتدأ وحده ﴿وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ﴾ . فصل المعنى أن هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمم هم الذين تحزبوا على أنبيائهم فأهلكناهم وكذلك قومك هم من جنس الأحزاب المتقدمين. وقيل: المعنى أولئك الأحزاب مع كمال قوّتهم لما كان عاقبتهم هي الهلاك والبوار فكيف حال هؤلاء الضعفاء (المساكين) ؟ قوله: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل﴾ إن نافية ولا عمل لها هنا البتة ولو على لغة من قال: 4257 - إنْ هُوَ مُسْتوْلِياً عَلَى أَحَدٍ..... ... ... ... ... ... ... . وعلى قراءة: ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله عِبَادٌ﴾ [الأعراف: 194] لانتقاض النفي ب «إلاّ» فإن انتقاضه مع الأصل وهي «ما» مبطل فكيف بفرغها؟ وقد تقدم أنه يجوز أن تكون جواباً للقسم. فصل المعنى كل هذه الطوائف لما كذبوا أنبياءهم في الترغيب والترهيب لا جرم نزل العقاب عليهم وإن كان ذلك بعد حين، والمقصود منه زجر السامعين. ثم بين تعالى أن هؤلاء المذكبين وإن تأخر هلاكهم فكأنه واقع بهم ﴿وَمَا يَنظُرُ هؤلاءآء﴾ أي وما نتظر هؤلاء يعني كفار مكة ﴿إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وهي نفخة الصور الأولى كقوله: ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: 49 - 50] والمعنى أنهم وإن لم يذوقوا عذابي في الدنيا ينتظر الشيء فهو ماد الطَّرْف إليه يقطع كل ساعة في حضوره. وقيل: المراد بالصيحة عذاب يفجأهُمْ ويجيئهم دَفْعةً واحدة كما يقال: صَاحَ الزمانُ بهم إذَا هَلَكُوا (قال) : 4658 - صَاحَ الزَّمَانُ بآلِ بَرْمَكَ صَيْحَةً ... خَرُّوا لِشدَّتِهَا عَلَى الأّذْقَانِ ونطيره قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فانتظروا إِنَّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين﴾ [يونس: 102] . قوله: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ يجوز أن يكون «لها» رافعاً «لِمنْ فَوَاقٍ» بالفاعلية؛ لاعتماده على النفي، وأن يكون جملة من مبتدأ وخبر وعلى التقديرين فالجملة المنفية في محل نصب صفة «لصَيْحَة» و «من» مزيدة وقرأ الأخوان: «فُوَاق» بضم الفاء، والباقون بفَتْحها، قال الكسائيُّ والفراءُ وأبو عبيدة: هما لغتان وهما الزمان الذي بين حَلْبَتَي الحَالِبِ، ورَضْعَتَي الرَّاضع، والمعنى ما لها من توقف قدر فواق ناقة. وفي الحديث: «العِيادَةُ قَدْر فَوَاق نَاقَةٍ» وهذا في المعنى كقوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ [الأعراف: 34] . وقال ابن عباس: ما لها من رُجُوع من أفاقَ المريضُ إذا رجع إلى صحته وإفاقة الناقة ساعة يرجع اللبن إلى ضرعها يقال: أَفَاقَتِ النَّاقَةُ تُفِيقُ إفاقة رجَعَت الفِيقَةُ في ضَرعها، والفِيقةُ اللبن الذي يجتمع بين الحلبتين، ويجمع على أفواق وأما أفاويق فجمع الجمع، ويقال: ناقة مُفِيقٌ ومُفِيقَةٌ. وقال الفراء وأبو عُبَيْدَة ومؤرّج السّدوسيّ: الفواق بالفتح الإفاقة والاسْتِراحة كالجواب من الإجابة وهو قول ابن زيدٍ والسُّدِّيِّ. وأما المضموم فاسم لا مصدر أي اسم لما بين الحَلْبَتَيْن، والمشهور أنهما بمعنى واحد كقَصَاصٍ الشّعر وقُصاصِهِ وجَمَام المَكُور وجُمَامِهِ، فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم قال الواحدي: الفَوَاق والفُواق اسمان من الإفاقة والإفاقة معناها الرجوع والسكون كما في إفاقة المريض إلا أن الفَوَاق بالفتح يجوز أن يُقَام المصدر، والفُواق بالضم اسم لذلك الزمان، الذي يعوج فيه اللبن، وروي الواحدي في البسيط عن أبي هريرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال في هذه الآية: يأمر الله تعالى إسرافيل فينفخ نفخة الفزع قال: فَيمدّها ويطولها وهي التي يقول ما لها من فواق، ثم قال الواحدي: وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: ما لها من سكون. الثاني: ما لها من رجوع والمعنى ما تسكن تلك الصيحة ولا ترجع إلى السكون ويقال لكل من بقي على حالة واحدة بأنه لايُفيقُ منه ولاَ يَسْتَفيقُ. قوله: ﴿قِطَّنَا﴾ أن نَصِيبَنَا وحَظَّنَا، وأصله من قَطَّ الشيءَ أي قَطَعَهُ، ومنه قَطّ القلم والمعنى قطعه مما وعدتنا به ولهذا يطلق على الصحيفة والصك قِطّ، لأنهما قطعتان يقطعان، ويقال للجائزة أيضاً قِطّ لأنها قطعة من العطية، قال الأعشى: 4259 - وَلاَ الْمَلِكُ النُّعْمَان يَوْمَ لَفِيتُهُ ... بِغِبْطِتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ وَيَأفِقُ وأكثري استعماله في الكتاب، قال أمية بن أبي الصّلت: 4260 - قَوْمٌ لَهُمْ سَاحَةُ أَرْضِ العِرَاقِ وَمَا ... يَجْبِى إَليْهِمْ بِهَا وَالقِطُّ وَالْقَلَم ويجمع على قُطُوط كما تقدم، وعلى قِطَطَةٍ نحو: قِرْد وقِرَدَةٍ وقُرُود، وفي القلة على أَقِطَّةٍ وأَقْطَاطٍ كقِدْح وأَقْدِحَةٍ وأَقْدَاحٍ، إلا أن أفْعِلَةً في فِعْلٍ شاذ. فصل قال سعيد بن جبير عن ابن عباس عين كتابنا. والقِطّ: الصحيفة أحصت كل شيء، قال الكلبي: لما نزل قوله في الحاقة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة: 19 - 25] قالوا استهزاء: عجل لنا كتابنا في الدنيا قل يوم الحساب، وقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول. وقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: عين عقوبتنا ونصيبنا من العذاب قال عطاء: قاله النَّضْر بن الحَرث وهو قوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: 32] وعن مجاهد قطنا: حسابنا يقال للكتاب قط. قال أبو عبيدة والكسائي: القط الكتابة بالجوائز واعلم أن القوم تعجبوا من أمور ثلاثة، أولها: من أمر النبوات وإثباتها فقال: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ «. وثانيها: تعجبهم من الإليهات فقالوا: أَجَعَلَ الآلهةَ إلهاً وَاحِداً. وثالثها: تعجبهم من المعاد والحشر والنشر فقالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب﴾ قالوا ذلك استهزاء فأمره الله تعالى بالصبر على سسفاهتهم فقال: ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ . فإن قيل: أي تعلق بين قوله: ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ وبين قوله ﴿واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ ؟ فالجواب: هذا التعلق من وجوه: الأول: كأنه قيل: إن كنت شاهدت من هؤلاء الجُهّال جَرَاءتَهم على الله وإنكارَهم الحَشْرَ والنشرَ فاذكر قصة داود حتى تعرف شدة خوفه من الله تعالى ومن يوم الحشر فإن بقَدْرِ ما يَزْدَادُ أحدُ الضِّدين شرفاً يزاد (الضّدّ) الآخ نقصاناً. الثاني: كأنه قيل لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (لا) تضيق صدرك بسبب إنكارهم لقولك ودينك فإنهم وإن خالفوك فالأكابر من الأنبياء وافقوك. الثالث: أن للناس في قصة داود قولان: منهم من قال: إنها تدل على دِينه، ومنهم من قال إنها لا تدل عليه فمن قال بالأول كان وجه المناسبة فيه كأنه قيل لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إنّ حزنك ليس إلا لأن الكفار كذبوك، وأما حزن داود فكان بسبب وقوع ذلك الذنب، ولا شك أن حزنه أشد فتأمل في قصة داود وما كان فيه من الحزن. ومن قال بالثاني قال الخَصْمَان اللذان دخلا على دَاوُدَ كَانَا من البشي وإنما دخلا عليه لقصد قتله، فخاف منهما داودُ ومع ذلك فلم يتعرض لإيذائهما ولا دعا عليهما بسُوء بل اسْتَغْفَر لم على (ما سيجيء تقرير هذه الطريقة) ، فلا جَرَمَ أمر الله تعالى محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بأن يقتدي به في حسن الخلق. الرابع: أن قريشاً إنما كذبوا محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - واستخفوا به لقولهم: إنه يتيم فقير، ثم إنه تعالى قصَّ على محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما كان في مَمْلَكَةِ داود، ثم بين بعد ذلك أنه ما سلم من الأحكان والغموم ليَعْلم أن الخَلاص من الحزن لاسبيل إليه في الدنيا. الخامس: قوله تعالى ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ ولم يقتصر على قصة داود بل ذكر عقيبَ قصة داود قصص أنبياء كثيرة فكأنه تعالى قال: فاصبر على ما يقولون واعتبر بحال سائر الأنبياء ليُعْلِمَهُ أن كل واحد منهم كان مشغولاً بهَمٍّ خاص وحزن خاص فيعلم حنيئذ أن لا انفكاك عن الهموم والأحزان وأن استحقاق الدرجة العالية عند الله لا تحصل إلى بتحمل المشاق والمتاعب في الدنيا. قال ابن الخطيب: وههنا وجه آخر قويٌّ وأحسن من كل هذه الوجوه وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى عند الانتهاء إلى تفسير قوله: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ الآية [ص: 29] . قوله: ﴿دَاوُودَ﴾ بدل أو عطف بيان، أو منصوب بإضمار أعْنِي و «ذَا الأَيْدِ» نعت له والأيد القوة، قال ابن عباس: أي القوة في العبادة، وقيل: القوة في المِلك، واعلم أن قوله: ﴿عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ فوصفه بكونه عبداً له وعبر عن نفسه بصيغة الجمع الدالة على نهاية التعظيم وذلك يدل على غاية التشريف ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يشرف محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلة المعراج، قال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] وأيضاً فإن وصف الأنبياء بالعبودية مُشْعِرٌ بأنهم قد حصلوا معنى العبودية بسبب الاجتهاد في الطاعة والمراد بالأيد القوة في الطاعة والاحتراز عن المعاصي لأن مدحه بالقوة يوجب أن تكون تلك القوة موجبة للمدح العظيم وليست إلا القوة على فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، والأيد المذكورة ههنا كالقوة المذكروة في قوله: ﴿يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12] وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألواح مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: 145] أي باجتهاد وتشدد في القيام بالدعوة وترك إظهار الوهن والضعف، والأيد (و) القوة سواء ومنه قوله: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] وقوله: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ [البقرة: 87] (وقوله) : ﴿والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] وقال عليه (الصلاة و) السلام: «أحَبُّ الصِّيَام إلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ عَلَيْهِ (الصَّلاَة و) السَّلام وأَحَبُّ الصَّلاَة إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صَلاَةُ دَاوُدَ كَان يَصُومُ يَوْماً وَيُفْطِرُ يَوْماً وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» . قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي رجاع إلى الله عزّ وجلّ بالتوبة عل كل ما يكره، والأَوَّابُ فعَّالٌ من آبَ يَؤُوبُ إذا رَجَعَ قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: 25] وهذا بناء مبالغة كما يقال: قَتّال وضَرَّاب وهو أبلغ من قَاتِل وضارب، وقال ابن عباس: مطيع، وقال سعيد من جبير: مسبِّح بلغة الحبشة.

ص 38:18

قوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ فقوله: «يسبحن» جملة حالية من «الجبال» وأتى بها هنا فعلاً مضارعاً دون اسم الفاعل فلم يقل مسبِّحات، دلالة على التجدد والحدوث شيئاً بعد شيء كقول الأعشى: 4261 - لَعَمْرِي لَقَدْ لاَحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ ... إلَى ضَوْءٍ نَارٍ فِي بِقَاعِ تَحَرَّقُ أي تحرق شيئاً فشيئاً، ولو قال: مُحْرِقة لم يدل على هذا المعنى. فصل المعنى يسبحن بتسبيحه (و) في كيفية تسبيح الجبال وجوه: الأول: أن الله تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلاٌ وقُدرة ونُطقاً، فحينئذ يصير الجبل مسبحاً لله تعالى. الثاني: قال القفال: إن داود - عليه (الصلاة و) السلام - أوتي من شدة الصوت وحسنة ما كان له في الجبال دويٌّ حسن وما يصغي الطير (إليه) لحسنه فيكون دويّ الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحاً، وروى محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود حتى إنه كان إذا قرأ الزبور دنَتْ منه الوحوش حتى تؤخَذَ بأعْنَاقِهَا. الثالث: أن الله تعالى سخر الجبال حتى إنّها كانت تسير إلى حيث يريده داود فجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه يدل على كمال قدة الله وحكمته. قوله: ﴿بالعشي والإشراق﴾ قال الكلبي غَدْوةً وعَشِيًّا والإشراق هو أن تشرق الشمسُ ويتناهى ضوؤها قال الزجاج: يقال شَرقَت الشمس (إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وقيل: هما بمعنًى. والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس) والماء يُشرق، وفسره ابن عباس بصلاة الضحى «قال ابن عباس كنت أمر به الآية لا أدري ما هي حتى حدثَتْنِي أمّ هانِئ بنت أبي طالب أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دخل عليها فدعا بوَضُوء فتوضأ ثمّ صلّى وقال يا أم هانئ: هذه صلاة الإشراق» وروى طاوس عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكرَ صلاةِ الضحى في القرآن؟ قالوا: لا؛ فقرأ: «إنا سَخَّرْنَا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق» قال: وكانت صلاة يصليها داود علي السلام وقال لم يزل في نفس شيء من صلاة الضحى حتى طلبتها فوجدتها في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق﴾ . قوله: ﴿والطير مَحْشُورَةً﴾ العامة على نصبها عَطَفَ مفعولاً على مفعول، وحالاً على حال كقولك: ضربت زيداً مكتوفاً وعمراً مطلقاً وأتى بالحال اسماً لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئاً فشيئاً لأن حشرها دفعة واحدة وأدلُّ على القدرة والحاشر الله تعالى. وقرأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَحْدري برفعهما جعلاها مستقلة من مبتدأ وخبر. والمعنى وسخرنا الطير محشورةً، قال ابن عباس: كان داود إذا سبح جاءته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله تعالى. فإن قيل: كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها؟ فالجواب: أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولاً حتى تعرف الله فتسبحه حنيئذ ويكون ذلك معجزة لداودَ قال الزمخشري قوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مقابلة: «يسبحن» إلا أنه ليس في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئاً بعد شيء فلا جَرَمَ أتى به اسماً لا فعلاً، وذلك أنه لو قيل: وسخرنا الطير (محشورة) (يحشرن) على تقدير أن الحشر يوجد من حاشرها شيئاً بعد شيء والحاشر هو الله عزّ وجلّ خلفاً لأنه تعالى حشرهم جملةً واحدة. قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي كل من الجبال والطير لداود أي لأجل تسبيحه، فوضع أواب موضع مسبَح. وقيل: (إنَّ) الضمير في: «لَهُ» للباري تعالى والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى. قوله: ﴿وَشَدَدْنَا﴾ العامة على تخفيف شددنا أي قَوَّيْنَا كقوله: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35] وابنُ أبي عَبْلَةَ والحسن «شَدَّدْنَا» بالتشديد وهي مبالغة كقراءة العامة، ومعنى الكلام قويناه بالحرس والجنود. قال ابن عباس: كان اشد ملوك الأرض سُلطاناً كان يحرس محرابه كل ليلة ستةٌ وثلاثون ألفَ رجلٍ. قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ فهي النبوة، وقيل: العلم والخير؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] وأما فصل الخطاب فقال بعض المفسرين: إن داود أول من قال في كلامه: أما بعد وقيل: المراد منه: معرفة الأمور التي بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البينة واليمين. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادراً على التعبير على كل ما يخطر بالبال ويحضُر في الخيال بحيث لا يخلِط شيئاً بشي وبحيث يفصل كُلّ مقام عن ما يخالفه. هذا معنى عامّ يتناول فصل الخصومات ويتناول الدعوة إلى الدين الحق ويتناول جميع الأقسام والله أعلم. وروى ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجلٍ من عظمائهم عند داود أن هذا غَصَبني بقراً فسَألَهُ (داود) فجَحَد فقال للآخر البينة فلم يكن له بينة فقال لهما داود: قوما حتى ينظر في أمركما فأوحى الله إلى داود من منامه أن يقتل الذي استعدى عليه فقال هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت فأوحى الله إليه ثانيةً فلم يفعل فأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال إن الله أوحى إليَّ أن أقتلك؛ فقال: تقتلني بغير بينة، فقال داود نعم والله لأنفذنَّ أمر الله فيك فلما عرف الرجل أنه قاتله قال لا تعجل حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكن اغتلت والد هذا فقتلته ولذلك أخذت فأمر به داود فقتل فاشتد هيبة داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل، واشتد به مُلْكه فذلك قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة﴾ يعني النبوة والإصابة في الأمور و «فَضْلَ الْخِطَابِ» قال ابن عباس: بيان الكلام وقال ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل: على الحكم بالقضاء، وقال علي بن أبي طالب: هو أن البينة على المدَّعِي واليمين على ما أنكر؛ لأن كلام الخصوم ينقطع وينقصل به، ويروى ذلك عن أبي بن كعب قال: فصل الخطاب الشهود والأيْمَان. وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن الشعبي: فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر. قوله (تعالى) : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم﴾ قد تقدم أن الخصم في الأصل مصدر فلذلك يصلح للمفرد والمذكر وضِدَّيْهِما، وقد يطاَبق، ومنه ﴿لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: 22] والمراد بالخصم هنا جمعٌ بدليل قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ وقوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ﴾ قال الزمخشري: وهو يقع للواحد والجمع كالضَّيْفِ، قال تعالى: ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين﴾ [الذاريات: 24] لأنه مصدر في أصله، يقال خَصَمَهُ يَخْصِمَهُ كما تقول: ضَافَهُ ضَيْفاً. فإن قلت: هذا جمع وقوله: خَصْمَان تثنية فكيف استقام ذلك؟ قلت: معنى خصمان فريقان خصمان، والدلي قراءة من قرأ: «بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» ونحوه قوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: 19] فإن قلت: فما تَصْنَعُ بقوله: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ وهو دليل على الاثنين؟ قلت: معناه أنّ التحاكم بين ملكين ولا يمنع أن يصحبهاما آخرون، فإن قلت: كيف سماهم جميعاً خَصْماً في قوله: «نَبَأُ الخَصْمِ وخَصْمَان» ؟ قلت: لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخسم صحت التسمية به. قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ في العامل في «إذْ» أَوْجُهٌ: أحدهما: أنه معمول للنبأ إذا لم يرد به القصة. وإليه ذهب ابنُ عطية وأبو البقاء ومكِّيٌّ أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تَسَوُّرهم المحراب، وقد ردّ بعضهم هذا بأن النبأ الواقع في ذلك الوقت لا يصح إتيانه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإن أريد بالنبأ القصة لم يكن ناصباً. قاله أبو حَيَّانَ. الثاني: أن العامل فيه «أَتَاكَ» وُردَّ بما رُدَّ به الأول وقد صرح الزَّمَخْشَريُّ بالرد على هذين الوجهين: فقال: «فإن قلت: بم انتصب إذ؟ قلت: لا يخلوا إما أن ينتصب» بأتَاكَ «أو» بالنَّبَأ «أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأَتَاك لأن إتيان النبأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا يقع إلا في عهده لا في عهد داودَ فلا يصح إتيانه رسولَ الله - صلى اله عليه وسلم - وإن أرادت بالنبأ القصة في نفسها لم يكن نصاباً، فبقي أن يكون منصوباً بمحذوف تقديره: وهَلْ أَيَاكَ نَبَأُ تَحَاكُمِ الخَصْمِ إذْ» فاختار أن يكون معمولاً لمحذوف. الرابع: أن ينتصب بالخصم؛ لما فيه من معنى الفِعْل. قوله: «إذْ دَخَلُوا» فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من «إذ» الأُولَى. الثاني: أنه منصوب بتَسَوَّرُوا. ومعنى تسوروا عَلَوْ أَعْلَى السّور، وهو الحائط غير مهموز كقولك: تَسَنَّم البَغِيرَ أي بَلَغَ سَنَامَهُ. والضمير في «تَسَوَّرُوا» و «دَخَلُوا» راجع على الخصم، أنه جمع في المعنى على ما تقدم، (أو على أنه مثنًّى والمثنى جمع في المعنى وتقدم) تحقيقه. قوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ خبر مبتدأ مضمر أي نَحْنُ خَصْمَانِ ولذلك جاء بقوله: ﴿بَعْضُنَا﴾ ، ومن قرأ «بعضهم» بالغيبة يجوز أن يقدره كذلك ويكون قد راعى لقظ: خَصْمَان، ويجوز أن يقدرهم خَصْمَان ليتطابق وروي عن الكسائي خِصْمَانِ بكسر الخَاء وقد تقدم أنه قرأها كذلك في الحَجِّ. قوله: ﴿بغى بَعْضُنَا﴾ جملة يجوز أن تكون مفسِّرة لحالهم، وأن تكون خبراً ثانياً. فإن قيل: كيف قالا: بغى بعضنا على بعض وهما مَلَكَان - على قول بعضهم - والملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه أرأيت خَصْمَيْن بَغَى أحَدُهُما على الآخر، وهذا من مَعَارِيضِ الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ﴾ العامة على ضم التاء وسكون الشين، وضم الطاء الأولى من (أ) شْطَطَ يُشْطِطُ إشْطَطاً إذا تجاوز الحق قال أبو عبيدة: شَطَطْتُ في الحكم وأَشْطَطْتُ إذا جُرْت؛ فهو مما اتفق فيه فَعَلَ وأَفْعَلَ، وإنما فكَّهُ على أحد الجائزين كقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 217] وقد تقدم تحقيقه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن أبي عبلة تَشطُطْ بفتح التاء وضم الطاء من «شَطّ» بمعنى «أَشَطَّ» كما تقدم. وقرأ قتادة: تُشِطّ من «أَشَطَّ رباعياً إلا أنه أدغم وهو أحد الجائزين كقراءة من قرأ» مَنْ يَرْتَدَّ منْكُمْ «وعنه أيضاً تُشَطِّطْ» بفتح الشين وكسر الطاء مشددة من شَطَّط يشطِّطُ. شَطَّتِ الدَّارُ وأَطَّتْ إذا بَعُدَتْ وَاهْدِنَا إلَى سَوَاء الصِّرَاطِ «أَرْشِدْنَا إلى طريق الصواب فقال لهما داود: تَكَلَّمَا فقال أحدهما:» إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً «يعني امرأة» وَلِيَ نعْجَةٌ وَاحِدَةٌ «أي امرأة واحدة. قوله: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ﴾ العامة على كسر التاء وهي اللغة الفاشية، وزيد بن عليّ والحسنُ بفتحها وهي لُغَيَّةٌ لبعض تميم، وكثر في كلامهم الكناية بها عن المرأة قال ابن عَوْن: 4262 - أَنَا أَبُوهُنَّ ثَلاَثٌ هُنَّةْ رَابِعَةٌ فِي الْبَيْتِ صُغْرَاهُنَّهْ ... وَنَعْجَتِي خَمْساً تُوَفِّيهُنَّهْ وقال آخر: 4263 - هُمَا نَعْجَتَانِ مِنْ نِعَاجِ تِبَالَةَ ... لَدَى جُؤْذُرَيْنِ أَوْ كَبَعْضِ دُمَة هَكِرْ قال الحسين: بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي كقولهم: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً، أو اشْتَرَى بَكْرٌ دَاراً. ولا ضَرْب هناك ولا شِرَاء. قال الزمخشري: «أخِي» بدل من «هذا» وقر عبد الله: «تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَة أُنْثَى» وهذا تأكيد كقوله: ﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ [النحل: 51] وقال الليث: النَّعْجَةُ الأنثى من الضأن والبقر الوحشي والشاة والجمع النِّعَاجُ. قوله: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ قال ابن عباس أعْطِنِيها، وقال مجاهد: انزل لي عنها. وحقيقة ضُمَّها إلَيَّ واجْعَلْنِي كافلا، وهو الذي يعولُها ويُنْفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوج إياها. قوله: ﴿وَعَزَّنِي﴾ أي غَلَبَنِي، قال: 4264 - قَطَاةٌ عَزَّهَا شَرَاكٌ فَبَاتَتْ ... تُجَاذِبُهُ وَقَدْ عَلِقَ الْجَنَاحُ يقال: عَزَّهُ يَعُزُّهُ بضم العين. وتقدم تحقيقه في يس عند قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14] . وقرأ طلحةُ وأبو حيوةَ: «وَعَزَنِي» بالتخفيف قال ابن جنِّي: حذف الزاي الواحد تخفيفاً كما قال الشاعر: 4265 - ... ... ... ... ... ..... أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ يريد أحْسَسْنَ فحذف. وتروى هذه قراءةً عن عاصم. وقرأ عبد الله والحسن وأبو وائل ومسروق والضحاك وَعَازَّنِي بألف مع تشديد الزاي أي غَالَبَنِي. قوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ مصدر مضاف لمفعوله. والفاعل محذوف أي بأَنْ سَأَلَكَ نَعْجَتَكَ، وضمّن السؤال معنى الإضافة والانضمام أي بإضافة نعجتك على سبل السؤال ولذلك عدي (بإلى) . فصل قال ابن الخطيب: للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذه القصة دلت على صدور الكبيرة عنه. وثانيها: دلالتها على الصغيرة. وثالثها: لا تدل على كبيرة ولا على صغيرة، فأما القول الأول فقالوا: إن داودَ أحبًَّ امرأة «أُوريَا» فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله (تعالى) ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته (وعرضا تلك الواقعة عليه) فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً ثم تنبيه لذك فاشتغل بالتوبة. وقال ابن الخطب: والذي أدين به وأذهبُ إليه أنّ ذلك باطلٌ لوجوهٍ: الأول: أن هذه الحكاية لا تناسب داودَ لأنها لو نُسبت إلى أفْسَقِ النَّاس وأشدهم فجوراً لانتفى منها، والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل العمل لبالغ في تنزيه نفسه وروعاً ولعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إليه؟ ﴿. الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي وقتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول فأمر منكر؛ قال - عليه (الصلاة و) السلام: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بشَرِّ كَلمَةٍ جَاءَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أيسٌ مِن رَحمةِ اللَّهِ» وأما الثاني فمنكر عظيم، قال - عليه (صلاة و) السلام -: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» وإن «أوريا» لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه. الثالث: أن الله تعالى وصل داودَ بصفات تنافي كونه - عليه (الصلاة و) السلام - موصوفاً بهذا الفعل المنكر فالصفة الأول أنه تعالى أمر محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (في) أن يقتدي بداود في المصابرة مع المكاره فلو قيل إنَّ داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحد الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله؟﴾ . وأما الصفة الثانية فإنه وصفه بكونه عبداً له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصف كاملاً في وصف العبودية أما في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحضورات، فلو قلنا: إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملاً إلاَّ في طعة الهوى والشهوة. وأما الصفة الثالثة وهي قوله: ﴿ذَا الأيد﴾ [ص: 17] أي ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحضورات، وأي قولة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟ ﴿الصفة الرابعة: كونه أوَّاباً كثيرَ الرجوع إلى الله تعالى فكيف يليق هذا بمن قلبه مشغوفٌ بالقتل والفجور؟﴾ الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذوا سبيله إلى القتل والفجور؟ ﴿الصفة السادسة: قوله تعالى: {والطير مَحْشُورَةً﴾ قيل: إنه كان محرَّماً عليه صيد شيءْ من الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على زوجته ومنكوحه الصفة السابعة: قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ومحال أن يكون المراد أنه تعالى: شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد بأنا ملكناه تقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة، أو المراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لايملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟} الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ (والحكمة اسم جامع لك ما ينبغي علماً وعملاً فكيف يجوز أن يقال: إِنَّا آتَيْنَاهُ) الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف عنه الشيطان من مُزاَحَمَة أخصِّ أصحابه في الروح والمنكوح؟! فهذه الصات التي وصف بها قبل شحر القصَّة. وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فأولها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة (على قوته في طاعة الله أما لو كانت القصة المتقدمة) دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لائقاً. وثانيها: قوله تعالى: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه: الأول: أن الملك الكبير إذا حُكِي عن عبده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فعند فراغه من شرح قصته على الناس يقبح منه أن يقول عقيبة أيها العبد إنّي فوضت إليك خلافتي ونبوتي لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر فأما جعله نائباً وخليفة لنفسه فذلك مما (لا) يليق البتة. الثاني: أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذل الوصف فلما حكمى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة، ثم قال بعده: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أشعر هذا (الوصف) بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعل المنكرة. ومعلوم أن هذا فاسد أما لوك ذكرنا أن تلك القصة كانت على وجه يدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدّة مصابرته في طاعة الله تعالى فحينئذ يناسب أن يذكر عقيبه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ فثبت أن الذي نختاره أولى. الثالث: أنه لما كان مقدمة الآية دالة على محد داود - عليه (الصلاة و) السلام - وتعظيمه ومؤخرتها أيضاً دالة على ذلك فلو كانت الواسطة دالة على المقابح والمعايب لجرى مَجْرى أن يقال: فلان عظيم الدردة عالي المرتبة في طاعة الله تعالى يقتل ويزني ويسرق وقد جعله اللخ خليفة له في أرضه وصوب أحكامه فكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب. ورابعها: أن بعض القائلين ذكر في هذه الآية أن داود - عليه (الصلاة و) السلام - تمنى أن يحصل له في الدين كلا حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثلَ ما حصل للخيل من الإلقاء في النار، وحل للذبيح من الذبح وحصل ليعقوبَ من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه (الصلاة و) السلام الابتلاء فأوحى الله إليه إنك مبتلي في يوم كذا فبالغ في الاحتراز، ثم وَقَعَت الواقعة فنقول: إن حكايتهم تدلّ على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه، فالسعي في قتل النفس (بغير الحق) والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة بحيث إن الحكاية التي ذكروها يناقص أولُها آخرَها. وخامسها: أن داود عليه (الصلاة و) السلام (تمنَّى أن يحصل له في الدين كما بحل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية) قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ استثنى الذين آمنوا من البغي. فلو قلنا: إنه كان موصوفاً بالبغي لزم أن يقال: إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل. وسادسها: حضرت في مجلس وفيه بعض أكابر المسلمين وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك فقلت له: لا شك أن داود عليه (الصلاة و) السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل وقال الله: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] ومن مدحه الله (تعالى بمثل) هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في المطعن فيه وأيضاً فتبقدير أنه ما كان من الأنبياء فلا شك أنه كان مسلماً؛ وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «لاَ تَذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ إِلاَّ بِخَيْر» ثم على تقدير أنَّا لا نلتفت إلى شيء من هده الدلائل إلاَّ أَنَّا نقول: إنَّ من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها في حقه صحيحةً فإن روياتها وذكرها لا يوجب شيئاً مِنَ الثواب، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من ألاَّ توجب الثواب. وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة فإن ذكرها مستحق به أعظم العقاب، والواقعة التي هذا شأنها وصفتها فإنَّ صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور، فلما سمع ذلك الملك الشديد هذا الكلام سكت ولم يذكر شيئاً. السابع: أن ذكر هذه القصة وذكر قصة يوسف - عليه (الصلاة و) السلام - يقتضي إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. الثامن: لو سعى داودُ في قتل ذلك الرجل دخل تحت قوله: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ المرىءٍ مُسْلِم وَلَوْ بِشَكْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» . وأيضاً لو فعل ذلك لكان ظالماً وكان يدخل تحت قوله: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: 18] . التاسع: عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب قال: مَنْ حَدَّثَكُمْ بحَدِيث دَاودَ عَلَى مَاتَرْويه القُصَّاصُ فاجلدوه مائةً وسينَ (جَلْدةً) وهو حّد الفِرية على الأنبياء، وما يقوي هذا انَّهُمْ لما قالوا: إن المغيرة بنَ شعبة زنى وشهد ثلاثةٌ من عدول الصحابة وأما الرابع فإنه لم يقل: إني رأيت ذلك بعيني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك فكيف الحال مع داود عليه (الصلاة و) السلام؟ {مع أنه كان من كابر الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -. العاشر: رُوي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله، ثم قال: فما بنبغي أن يزاد عليها وإن كنت الواقعة على ما ذكرت ثم إنه تعالى لم يذكرها لسَتْر تلك الواقعة على داود عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ستر ستره الله ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر: سماعي هذا الكلام أحب إلي ما طلعت عليه الشمسُ. فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها باطلة فاسدة فإن قال قائل: إن كثيراً من أكابر المحدثين المفسرين ذكروا هذه القصة فكيف الحال فيها؟} فالجواب الحقيقي: أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر (كل) واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى. وأيضاً فالأصل براءة الذمة، وأيضاً فلما تعارض ذكر التَّحرُّم والتحليل كان جانب التحريم أولى، وأيضاً طريقة الاحتياط توجب ترجيحَ قولِنَا، وأيضاً فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير (وقوع) هذا الواقعة لا يقول لنا الله يوم القيامة لِمَ لَمْ تَسعَوْا في تشهير هذه الواقعة أما بتقدير كونها باطلة فإنه يوجب أن لا تجوزَ الشهادة بها، وأيضاً كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول، بل الأكثرون والمحققون يردونه ويحكمون عليه بالكذب، وإذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدِّثين تساقطت وبَقِيَ الرجوع فيه إلا الدلائل التي ذكرناها. الاحتمال الثاني أن نحمل هذه القصة على حُصُول الصغيرة لا على حصول الكبيرة وذلك من وجوه: الأول: أن هذه المرأة خطبها «أوريا» فأجابوه، ثم خطبها داود فآثره أهلها فكان ذنبه أن خَطبَ على خطبته أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. الثاني: قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب ألْبَتَّةَ، أما وقوع بصره عليها من غير قصد بذنب، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضاً ذنباً، لأن الميل ليس في وسعه فلا يكون مكلفاً به بل لما اتفق أنه قتل زوجها لأجل أنه طمع في أن يتزوج بتلك المرأة فَحَصَلت بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل. والثالث: أنه كان أهل زمان داود عليه (الصلاة و) السلام يسأل بعضهم بعضاَ أن يطلق زوجته حتى تزوجها وكانت عادتها مألوفة مفهومة في هذا المعنى فاتفق أن عين داود (عليه السلام) وقعت على تلك المرأة فأحبها فسألوه النزول فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزاً في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإنَّ حسناتِ الأبرار سيئات المقربين. فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حَقِّ داود عليه (الصلاة و) السلام إلا ترك الأفضل، والأولى. الاحتمال الثالث: أن تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ولا صغيرة لداود عليه (الصلاة و) السلام بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أنه نقول: روي أنَّ جماعة من الأعداء طمعواأن يقتلوا داود - عليه (الصلاة و) السلام - وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوَّرُوا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً يمنعهم منه فخافوا ووضعوا كذباً يحتج به في إلحاق الذنب بداود عليه (الصلاة و) السلام إلا ألفاظ أربعة: أحدهما: قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ وثانيها: قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ . وثالثها: ﴿وَأَنَابَ﴾ . ورابعها: قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ ثم نقول: هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكروه من وجه: الأول: أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذه الطريق وعلم داود عليه السلام دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم أي أنه مال إلى الصَّفْح والتجاوز عنهم طلباً لمرضاة الله تعالى فكانت هي الفتنة لأنها جاريةٌ مَجْرَى الابتلاء والامتحان ثم إنَّه استغفر به مما هَمَّ به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهمِّ وَأَنَابَ فغفر له ذلك القدر من الهمِّ والعزم. الثاني: أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه إلا أنه ندم على ذلك الظن وقال: لَمَّا لَمْ تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك فَلَبِئْسَ ما عَمِلْتُ حيث ظننت فيهم هذا الظن الرديء فكان هذا هو المراد من قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ثم إنه استغفر ربه وأناب منه فغفر الله له ذلك. الثالث: دخولهم عليه كان فتنة لداود - عليه (الصلاة و) السلام - إلا أنه عليه (الصلاة و) السلام استغفر لذلك العازم على قتلهم كقوله في حق محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [محمد: 19] فداود (عليه السلام) استغفر لهم، وأناب أي رجع إلى الله تعالى في طلب المغفرة لذلك الرجل الداخل القاصد القتل، وقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي فَغَفَرْنَا ذلك الذنب لأجل احترام داود وتعظيمه كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] إن معناه: إن الله يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذَنْب أمّتك. الرابع: أنه عاتب داود عليه السلام عن زلَّة صدرت منه لكن لا نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة ولِم لا يجوز أن يقال: إن تلك الزلة إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الخصم الثاني لأنه لما قال: «لقد ظلمت بسؤال نعجتك» حكم عليه بكونه ظالماً بمجرد دعوة الخصم بلا بينة فيكون هذا الحكم مخالفاً للصواب. فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة إلا أن هذا من باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إِذَا حَمَلْنَا هذه الآيات على هذا الوجه فإنه لا يلزم إسناد شيءٍ من الذنوب إلى دَاودَ - عليه (الصلاة و) السلام - بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطَّاعَاتِ إليه. ثم نقول: وحمل الآية عليه أولى لوجوه: الأول: أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل. الثاني: أنه أحوط. الثالث: أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) : «اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ» فإن قوم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما أظهروا السفاهة حيث قالوا: إنه ساحرٌ كذاب، واستهزأوا به حيث قالوا: ربَّنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب، فقال تعالى في أول الآية: اصبر على ما يقولون يا محمد وعلى سفاهتهم وتحمل ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على أذاهم وتحمل سفاهتهم وحَلِمَ ولم يظهر الطيش والغضب وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه. أما إذا حملنا الآية على ما ذكروه صار الكلام متناقضاً. الرابع: أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا: إن الخَصْمَيْن كانا ملكين وإذا كانا ملكين ولم يكن بينهما مخاصمة ولم يبغ أحدُهما على الآخر كان قولهما: «خَصْمَان بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» كذب فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين. أحدهما: إسناد الكذب إلى الملائكة. والثاني: إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء، فكان قولنا أولى. فصل قال المفسرون قوله: وَعَزَّني (في الخِطَاب) اي قهرني وغلبني «في الخطاب» أي في القول. قال الضحاك يقول: إن تكلم كان أفصحَ مني، وإن حارب كان أبطشَ مني وحقيقة المعنى أن الغلبة كانت له فضعفي في يده وإن كان الحق معي فقال داود: «لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ» أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه. فإن قيل: كيف قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك ولم يكن سمع قوله صاحبه؟! . فالجواب: قيل: إن معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، قال ابن إسحاق: لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال: «لَئِنْ صَدَقَ لَقَدْ ظَلَمَهُ» . وقال ابن الأنباري: لما ادعى أحد الخَصْمَيْن) اعترف الثاني فحكم داود عليه ولم يذكر الله ذلك الاعتراف لدلالة الكلام عليه وقيل التقدير: إن الخَصْمَ الذي هذا شأنه قد ظلمك ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ . قال الليث: خَلِيطُ الرَّجُلِ مُخَالِطُهُ، وقال الزجاج: الخلطاء: الشركاء. فإن قيل: لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء يفعلون ذلك؟ فالجواب: أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة لأنها إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفسية إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيُفْضِي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة فلهذا خص داود - عليه (الصلاو ة) السلام الخلطاء بزيادة البغير والعُدْوَان ثم استثنى عن هذا الحكم الذين آمنوا وعملوا الصلحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون لأجل الدين. وهذا استثناء متصل من قوله: ﴿بَعْضهم﴾ . قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ خبر مقدم و «ما» مزيدة للتعظيم و «هم» مبتدأ. قال الزمخشري: و «ما» في قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ للإبهام وفيه تعجب من قتلهم قال: فإن أرادت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس: 4266 - وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ ... وانظر هل بقي لها معنى قط؟ «وَظَنَّ داوُد أَنَّمَا فَتَنَّاهُ» أي امتحناه، قرأ العامة فتَنَّاهُ بالتخفيف وإسناده إلى الضمير المتكلم المعظِّم نفسه، وعمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء فَتَّنَاه بتشديد التاء. وهي مبالغة وقرأ الضحاك: أَفْتَنَّاهُ يقال: فَتَنَهُ وأَفْتَنَهُ أي حَمَلَهُ على الفِتْنَةِ ومنه: 4267 - لَئِنْ فَتَنَتْنِي لَهيَ بِالأَمْسِ أَفْتَنَتْ..... ... ... ... ... ... ... ... وقرأ قتادة وأبو عمرو - في رواية فَتَنَّاهُ بالتخفيف وَفتَّنَّاه بالتشديد، والألف ضمير الخصمين، و «راكعاً» حال مقدرة، قال أبو البقاء، وفيه نظر لظهور المُقَارنةِ. فصل قال المفسرون: إن الظن ههنا بمعنى العلم؛ لأن داودَ عليه (الصلاة و) السلام لما قضى بينهما نظر أحَدُهُمَا إلى صاحبه فضحك، ثم صَعَد إلى السماء قبل وجهه فعل داود أنَّ الله ابْتَلاَهُ بذلك فثبت أن داود علم بذلك. وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم، لأن العلم الاستدلاليّ يشبه الظنّ مشابهةً عظيمةم والمشهابهة علة لجواز المجاز قال ابن الخطيب: هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين إما إذا لم يُقَلْ ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العمل بل لقائل أن يقول: إنه لمَّا غَلَب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة. قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ﴾ أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا: إنه صدرت منه زَلَّة حمل هذا الاستغفار عليها وإن لم يُقَلء به قلنا فيه وجوه: الأول: أن القوم لما دخولا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديدَ القهر عظيمَ القوة مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع محصول الفزغ في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئاً قَرُب الأمر من أن يدخل قبله شي من العُجْب فاستغر ربَّه من تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله فغفر له وتجاوز عنه بسبب طَرَيَانِ ذلك الخاطر. الثاني: لعله هَمَّ بإيذاء القوم، ثم قال: إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر من ذلك الهم. الثالث: لعل القوم تابوا إلى الله تعالى وطَلَبُوا منه أن يستغفر الله (لهم) ولأجل أن يَقْبَلَ توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله فغفر له توبتهم بسبب شفاعته ودعائه. وهه كلها وجوهٌ محتلمة ظاهرةٌ، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه، وإذا كان الفظ محتملاً لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام ما ذكروه من المنكرات فما الذي دل عليه التزامه والقول به؟ ويؤد ما ذكرنا أنه تعالى ختم هذه القصة بقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومثل هذه الخاتمة إنما يحصل في حقّ من صدر عن امتثال الأوامر في الخدمة والطاعة وتحمل أنواعاً من الشدائد في الموافقة والانقياد. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ الظاهر أنه مفعول «غَفَرْنا» وجوز أبو البقاء فيه أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي الأمرُ ذلِك ولا حاجة إلى هذا والمشهور أَنَّ الاستغفار إنما كان بسبب قصة النَّعْجَة، والنِّعاج، وقيل: بسبب أنه حَكَمَ لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الثاني، وذلك غير جائز. قوله: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أي تدبر أمور العباد بأمرنا، واعلم أنه لما تمم الكلام في شرح الفقصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داودَ خلافةَ الأرض وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في القصة لأن من البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دماء المسلمين رغبة ف انتزاع أزواجهم منهم، ثم يذكر عقيبه أن الله فوَّضَ خلافة الأرض إليه. ثم في تفسير كونه خليفة وجهان: الأول: جلعناك تَخْلُفُ من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفُه وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة، وذلك على الله محال. الثاني: إنا جعلناك ممكناً في الناس نافذ الحكم فيهم. فبهذا التأويل يسمى خليفة، ومنه يقال خليفة الله في الرض وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذَ الحكم في رَعيته، وحيقية الخلافة ممتنعة في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة (مفيدةً) للزوم نفاذ لك الحكم في تلك الحقيقة. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ أي بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقةً للشريعة الحقيقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات، وإذا كانت الأحكام على وَفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أقضى إلى تخريب العالم ووقوع الهَرَج والمَرَج في الخلق وذلك يُفْضي إلى هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال: ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ ، لأن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب. قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب في جواب النهي. الثاني: أنه عطف على «لاَ تَتَّبعْ» فهو مجزومٌ وإنما فتحت اللام لالتقاء الساكنين. وهو ونهي عن كل واحدة على حدته والأول فيه النهي عن الجمع بينهما وقد يترجح الثاني لهذا المعنى، وقد تقدم تقرير ذلك في البقرة في قوله ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: 42] . وفاعل «فيضلك» يجوز أن يكون الهَوَى، ويجوز أن يكون ضميرَ المصدر المفهوم من الفعل أي فيضلك إتِّبَاعُ الهوى. قوله: ﴿إِنَّ الذين يَضِلُّونَ﴾ قرأ العامة بتفح ياء يضلون. وقرأ ابن عباس والحَسَنُ وأبو حيوةَ بضمها أي يُضِلونَ الناس وهي مستلزمة للقراءة الأولى فإنه لا يُضل غيره إلا ضَالٌّ بخلاف العكس. قوله: ﴿بِمَا نَسُواْ﴾ ما مصدرية والجار يتعلق بالاستقرار الذي تضمنه «لهم» و «لَهُمْ عَذَابٌ» يجوز أن يكون جملة خبراً ل «إنَّ» ويجوز أن يكون الخبر وحده الجار، و «عَذَابٌ» فاعل به وهو الأحس لقربه من المفرد. فصل قيل: معناه بما تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقال الزجاج: بتركهم العمل ذلك اليوم، وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب شديد يَوْم الحساب بما نسوا أي تركوا القضاء بالعدل.

ص 38:19

قوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ فقوله: «يسبحن» جملة حالية من «الجبال» وأتى بها هنا فعلاً مضارعاً دون اسم الفاعل فلم يقل مسبِّحات، دلالة على التجدد والحدوث شيئاً بعد شيء كقول الأعشى: 4261 - لَعَمْرِي لَقَدْ لاَحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ ... إلَى ضَوْءٍ نَارٍ فِي بِقَاعِ تَحَرَّقُ أي تحرق شيئاً فشيئاً، ولو قال: مُحْرِقة لم يدل على هذا المعنى. فصل المعنى يسبحن بتسبيحه (و) في كيفية تسبيح الجبال وجوه: الأول: أن الله تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلاٌ وقُدرة ونُطقاً، فحينئذ يصير الجبل مسبحاً لله تعالى. الثاني: قال القفال: إن داود - عليه (الصلاة و) السلام - أوتي من شدة الصوت وحسنة ما كان له في الجبال دويٌّ حسن وما يصغي الطير (إليه) لحسنه فيكون دويّ الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحاً، وروى محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود حتى إنه كان إذا قرأ الزبور دنَتْ منه الوحوش حتى تؤخَذَ بأعْنَاقِهَا. الثالث: أن الله تعالى سخر الجبال حتى إنّها كانت تسير إلى حيث يريده داود فجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه يدل على كمال قدة الله وحكمته. قوله: ﴿بالعشي والإشراق﴾ قال الكلبي غَدْوةً وعَشِيًّا والإشراق هو أن تشرق الشمسُ ويتناهى ضوؤها قال الزجاج: يقال شَرقَت الشمس (إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وقيل: هما بمعنًى. والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس) والماء يُشرق، وفسره ابن عباس بصلاة الضحى «قال ابن عباس كنت أمر به الآية لا أدري ما هي حتى حدثَتْنِي أمّ هانِئ بنت أبي طالب أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دخل عليها فدعا بوَضُوء فتوضأ ثمّ صلّى وقال يا أم هانئ: هذه صلاة الإشراق» وروى طاوس عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكرَ صلاةِ الضحى في القرآن؟ قالوا: لا؛ فقرأ: «إنا سَخَّرْنَا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق» قال: وكانت صلاة يصليها داود علي السلام وقال لم يزل في نفس شيء من صلاة الضحى حتى طلبتها فوجدتها في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق﴾ . قوله: ﴿والطير مَحْشُورَةً﴾ العامة على نصبها عَطَفَ مفعولاً على مفعول، وحالاً على حال كقولك: ضربت زيداً مكتوفاً وعمراً مطلقاً وأتى بالحال اسماً لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئاً فشيئاً لأن حشرها دفعة واحدة وأدلُّ على القدرة والحاشر الله تعالى. وقرأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَحْدري برفعهما جعلاها مستقلة من مبتدأ وخبر. والمعنى وسخرنا الطير محشورةً، قال ابن عباس: كان داود إذا سبح جاءته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله تعالى. فإن قيل: كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها؟ فالجواب: أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولاً حتى تعرف الله فتسبحه حنيئذ ويكون ذلك معجزة لداودَ قال الزمخشري قوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مقابلة: «يسبحن» إلا أنه ليس في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئاً بعد شيء فلا جَرَمَ أتى به اسماً لا فعلاً، وذلك أنه لو قيل: وسخرنا الطير (محشورة) (يحشرن) على تقدير أن الحشر يوجد من حاشرها شيئاً بعد شيء والحاشر هو الله عزّ وجلّ خلفاً لأنه تعالى حشرهم جملةً واحدة. قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي كل من الجبال والطير لداود أي لأجل تسبيحه، فوضع أواب موضع مسبَح. وقيل: (إنَّ) الضمير في: «لَهُ» للباري تعالى والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى. قوله: ﴿وَشَدَدْنَا﴾ العامة على تخفيف شددنا أي قَوَّيْنَا كقوله: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35] وابنُ أبي عَبْلَةَ والحسن «شَدَّدْنَا» بالتشديد وهي مبالغة كقراءة العامة، ومعنى الكلام قويناه بالحرس والجنود. قال ابن عباس: كان اشد ملوك الأرض سُلطاناً كان يحرس محرابه كل ليلة ستةٌ وثلاثون ألفَ رجلٍ. قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ فهي النبوة، وقيل: العلم والخير؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] وأما فصل الخطاب فقال بعض المفسرين: إن داود أول من قال في كلامه: أما بعد وقيل: المراد منه: معرفة الأمور التي بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البينة واليمين. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادراً على التعبير على كل ما يخطر بالبال ويحضُر في الخيال بحيث لا يخلِط شيئاً بشي وبحيث يفصل كُلّ مقام عن ما يخالفه. هذا معنى عامّ يتناول فصل الخصومات ويتناول الدعوة إلى الدين الحق ويتناول جميع الأقسام والله أعلم. وروى ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجلٍ من عظمائهم عند داود أن هذا غَصَبني بقراً فسَألَهُ (داود) فجَحَد فقال للآخر البينة فلم يكن له بينة فقال لهما داود: قوما حتى ينظر في أمركما فأوحى الله إلى داود من منامه أن يقتل الذي استعدى عليه فقال هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت فأوحى الله إليه ثانيةً فلم يفعل فأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال إن الله أوحى إليَّ أن أقتلك؛ فقال: تقتلني بغير بينة، فقال داود نعم والله لأنفذنَّ أمر الله فيك فلما عرف الرجل أنه قاتله قال لا تعجل حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكن اغتلت والد هذا فقتلته ولذلك أخذت فأمر به داود فقتل فاشتد هيبة داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل، واشتد به مُلْكه فذلك قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة﴾ يعني النبوة والإصابة في الأمور و «فَضْلَ الْخِطَابِ» قال ابن عباس: بيان الكلام وقال ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل: على الحكم بالقضاء، وقال علي بن أبي طالب: هو أن البينة على المدَّعِي واليمين على ما أنكر؛ لأن كلام الخصوم ينقطع وينقصل به، ويروى ذلك عن أبي بن كعب قال: فصل الخطاب الشهود والأيْمَان. وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن الشعبي: فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر. قوله (تعالى) : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم﴾ قد تقدم أن الخصم في الأصل مصدر فلذلك يصلح للمفرد والمذكر وضِدَّيْهِما، وقد يطاَبق، ومنه ﴿لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: 22] والمراد بالخصم هنا جمعٌ بدليل قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ وقوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ﴾ قال الزمخشري: وهو يقع للواحد والجمع كالضَّيْفِ، قال تعالى: ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين﴾ [الذاريات: 24] لأنه مصدر في أصله، يقال خَصَمَهُ يَخْصِمَهُ كما تقول: ضَافَهُ ضَيْفاً. فإن قلت: هذا جمع وقوله: خَصْمَان تثنية فكيف استقام ذلك؟ قلت: معنى خصمان فريقان خصمان، والدلي قراءة من قرأ: «بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» ونحوه قوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: 19] فإن قلت: فما تَصْنَعُ بقوله: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ وهو دليل على الاثنين؟ قلت: معناه أنّ التحاكم بين ملكين ولا يمنع أن يصحبهاما آخرون، فإن قلت: كيف سماهم جميعاً خَصْماً في قوله: «نَبَأُ الخَصْمِ وخَصْمَان» ؟ قلت: لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخسم صحت التسمية به. قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ في العامل في «إذْ» أَوْجُهٌ: أحدهما: أنه معمول للنبأ إذا لم يرد به القصة. وإليه ذهب ابنُ عطية وأبو البقاء ومكِّيٌّ أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تَسَوُّرهم المحراب، وقد ردّ بعضهم هذا بأن النبأ الواقع في ذلك الوقت لا يصح إتيانه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإن أريد بالنبأ القصة لم يكن ناصباً. قاله أبو حَيَّانَ. الثاني: أن العامل فيه «أَتَاكَ» وُردَّ بما رُدَّ به الأول وقد صرح الزَّمَخْشَريُّ بالرد على هذين الوجهين: فقال: «فإن قلت: بم انتصب إذ؟ قلت: لا يخلوا إما أن ينتصب» بأتَاكَ «أو» بالنَّبَأ «أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأَتَاك لأن إتيان النبأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا يقع إلا في عهده لا في عهد داودَ فلا يصح إتيانه رسولَ الله - صلى اله عليه وسلم - وإن أرادت بالنبأ القصة في نفسها لم يكن نصاباً، فبقي أن يكون منصوباً بمحذوف تقديره: وهَلْ أَيَاكَ نَبَأُ تَحَاكُمِ الخَصْمِ إذْ» فاختار أن يكون معمولاً لمحذوف. الرابع: أن ينتصب بالخصم؛ لما فيه من معنى الفِعْل. قوله: «إذْ دَخَلُوا» فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من «إذ» الأُولَى. الثاني: أنه منصوب بتَسَوَّرُوا. ومعنى تسوروا عَلَوْ أَعْلَى السّور، وهو الحائط غير مهموز كقولك: تَسَنَّم البَغِيرَ أي بَلَغَ سَنَامَهُ. والضمير في «تَسَوَّرُوا» و «دَخَلُوا» راجع على الخصم، أنه جمع في المعنى على ما تقدم، (أو على أنه مثنًّى والمثنى جمع في المعنى وتقدم) تحقيقه. قوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ خبر مبتدأ مضمر أي نَحْنُ خَصْمَانِ ولذلك جاء بقوله: ﴿بَعْضُنَا﴾ ، ومن قرأ «بعضهم» بالغيبة يجوز أن يقدره كذلك ويكون قد راعى لقظ: خَصْمَان، ويجوز أن يقدرهم خَصْمَان ليتطابق وروي عن الكسائي خِصْمَانِ بكسر الخَاء وقد تقدم أنه قرأها كذلك في الحَجِّ. قوله: ﴿بغى بَعْضُنَا﴾ جملة يجوز أن تكون مفسِّرة لحالهم، وأن تكون خبراً ثانياً. فإن قيل: كيف قالا: بغى بعضنا على بعض وهما مَلَكَان - على قول بعضهم - والملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه أرأيت خَصْمَيْن بَغَى أحَدُهُما على الآخر، وهذا من مَعَارِيضِ الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ﴾ العامة على ضم التاء وسكون الشين، وضم الطاء الأولى من (أ) شْطَطَ يُشْطِطُ إشْطَطاً إذا تجاوز الحق قال أبو عبيدة: شَطَطْتُ في الحكم وأَشْطَطْتُ إذا جُرْت؛ فهو مما اتفق فيه فَعَلَ وأَفْعَلَ، وإنما فكَّهُ على أحد الجائزين كقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 217] وقد تقدم تحقيقه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن أبي عبلة تَشطُطْ بفتح التاء وضم الطاء من «شَطّ» بمعنى «أَشَطَّ» كما تقدم. وقرأ قتادة: تُشِطّ من «أَشَطَّ رباعياً إلا أنه أدغم وهو أحد الجائزين كقراءة من قرأ» مَنْ يَرْتَدَّ منْكُمْ «وعنه أيضاً تُشَطِّطْ» بفتح الشين وكسر الطاء مشددة من شَطَّط يشطِّطُ. شَطَّتِ الدَّارُ وأَطَّتْ إذا بَعُدَتْ وَاهْدِنَا إلَى سَوَاء الصِّرَاطِ «أَرْشِدْنَا إلى طريق الصواب فقال لهما داود: تَكَلَّمَا فقال أحدهما:» إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً «يعني امرأة» وَلِيَ نعْجَةٌ وَاحِدَةٌ «أي امرأة واحدة. قوله: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ﴾ العامة على كسر التاء وهي اللغة الفاشية، وزيد بن عليّ والحسنُ بفتحها وهي لُغَيَّةٌ لبعض تميم، وكثر في كلامهم الكناية بها عن المرأة قال ابن عَوْن: 4262 - أَنَا أَبُوهُنَّ ثَلاَثٌ هُنَّةْ رَابِعَةٌ فِي الْبَيْتِ صُغْرَاهُنَّهْ ... وَنَعْجَتِي خَمْساً تُوَفِّيهُنَّهْ وقال آخر: 4263 - هُمَا نَعْجَتَانِ مِنْ نِعَاجِ تِبَالَةَ ... لَدَى جُؤْذُرَيْنِ أَوْ كَبَعْضِ دُمَة هَكِرْ قال الحسين: بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي كقولهم: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً، أو اشْتَرَى بَكْرٌ دَاراً. ولا ضَرْب هناك ولا شِرَاء. قال الزمخشري: «أخِي» بدل من «هذا» وقر عبد الله: «تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَة أُنْثَى» وهذا تأكيد كقوله: ﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ [النحل: 51] وقال الليث: النَّعْجَةُ الأنثى من الضأن والبقر الوحشي والشاة والجمع النِّعَاجُ. قوله: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ قال ابن عباس أعْطِنِيها، وقال مجاهد: انزل لي عنها. وحقيقة ضُمَّها إلَيَّ واجْعَلْنِي كافلا، وهو الذي يعولُها ويُنْفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوج إياها. قوله: ﴿وَعَزَّنِي﴾ أي غَلَبَنِي، قال: 4264 - قَطَاةٌ عَزَّهَا شَرَاكٌ فَبَاتَتْ ... تُجَاذِبُهُ وَقَدْ عَلِقَ الْجَنَاحُ يقال: عَزَّهُ يَعُزُّهُ بضم العين. وتقدم تحقيقه في يس عند قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14] . وقرأ طلحةُ وأبو حيوةَ: «وَعَزَنِي» بالتخفيف قال ابن جنِّي: حذف الزاي الواحد تخفيفاً كما قال الشاعر: 4265 - ... ... ... ... ... ..... أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ يريد أحْسَسْنَ فحذف. وتروى هذه قراءةً عن عاصم. وقرأ عبد الله والحسن وأبو وائل ومسروق والضحاك وَعَازَّنِي بألف مع تشديد الزاي أي غَالَبَنِي. قوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ مصدر مضاف لمفعوله. والفاعل محذوف أي بأَنْ سَأَلَكَ نَعْجَتَكَ، وضمّن السؤال معنى الإضافة والانضمام أي بإضافة نعجتك على سبل السؤال ولذلك عدي (بإلى) . فصل قال ابن الخطيب: للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذه القصة دلت على صدور الكبيرة عنه. وثانيها: دلالتها على الصغيرة. وثالثها: لا تدل على كبيرة ولا على صغيرة، فأما القول الأول فقالوا: إن داودَ أحبًَّ امرأة «أُوريَا» فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله (تعالى) ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته (وعرضا تلك الواقعة عليه) فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً ثم تنبيه لذك فاشتغل بالتوبة. وقال ابن الخطب: والذي أدين به وأذهبُ إليه أنّ ذلك باطلٌ لوجوهٍ: الأول: أن هذه الحكاية لا تناسب داودَ لأنها لو نُسبت إلى أفْسَقِ النَّاس وأشدهم فجوراً لانتفى منها، والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل العمل لبالغ في تنزيه نفسه وروعاً ولعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إليه؟ ﴿. الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي وقتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول فأمر منكر؛ قال - عليه (الصلاة و) السلام: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بشَرِّ كَلمَةٍ جَاءَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أيسٌ مِن رَحمةِ اللَّهِ» وأما الثاني فمنكر عظيم، قال - عليه (صلاة و) السلام -: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» وإن «أوريا» لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه. الثالث: أن الله تعالى وصل داودَ بصفات تنافي كونه - عليه (الصلاة و) السلام - موصوفاً بهذا الفعل المنكر فالصفة الأول أنه تعالى أمر محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (في) أن يقتدي بداود في المصابرة مع المكاره فلو قيل إنَّ داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحد الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله؟﴾ . وأما الصفة الثانية فإنه وصفه بكونه عبداً له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصف كاملاً في وصف العبودية أما في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحضورات، فلو قلنا: إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملاً إلاَّ في طعة الهوى والشهوة. وأما الصفة الثالثة وهي قوله: ﴿ذَا الأيد﴾ [ص: 17] أي ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحضورات، وأي قولة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟ ﴿الصفة الرابعة: كونه أوَّاباً كثيرَ الرجوع إلى الله تعالى فكيف يليق هذا بمن قلبه مشغوفٌ بالقتل والفجور؟﴾ الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذوا سبيله إلى القتل والفجور؟ ﴿الصفة السادسة: قوله تعالى: {والطير مَحْشُورَةً﴾ قيل: إنه كان محرَّماً عليه صيد شيءْ من الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على زوجته ومنكوحه الصفة السابعة: قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ومحال أن يكون المراد أنه تعالى: شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد بأنا ملكناه تقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة، أو المراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لايملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟} الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ (والحكمة اسم جامع لك ما ينبغي علماً وعملاً فكيف يجوز أن يقال: إِنَّا آتَيْنَاهُ) الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف عنه الشيطان من مُزاَحَمَة أخصِّ أصحابه في الروح والمنكوح؟! فهذه الصات التي وصف بها قبل شحر القصَّة. وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فأولها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة (على قوته في طاعة الله أما لو كانت القصة المتقدمة) دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لائقاً. وثانيها: قوله تعالى: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه: الأول: أن الملك الكبير إذا حُكِي عن عبده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فعند فراغه من شرح قصته على الناس يقبح منه أن يقول عقيبة أيها العبد إنّي فوضت إليك خلافتي ونبوتي لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر فأما جعله نائباً وخليفة لنفسه فذلك مما (لا) يليق البتة. الثاني: أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذل الوصف فلما حكمى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة، ثم قال بعده: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أشعر هذا (الوصف) بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعل المنكرة. ومعلوم أن هذا فاسد أما لوك ذكرنا أن تلك القصة كانت على وجه يدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدّة مصابرته في طاعة الله تعالى فحينئذ يناسب أن يذكر عقيبه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ فثبت أن الذي نختاره أولى. الثالث: أنه لما كان مقدمة الآية دالة على محد داود - عليه (الصلاة و) السلام - وتعظيمه ومؤخرتها أيضاً دالة على ذلك فلو كانت الواسطة دالة على المقابح والمعايب لجرى مَجْرى أن يقال: فلان عظيم الدردة عالي المرتبة في طاعة الله تعالى يقتل ويزني ويسرق وقد جعله اللخ خليفة له في أرضه وصوب أحكامه فكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب. ورابعها: أن بعض القائلين ذكر في هذه الآية أن داود - عليه (الصلاة و) السلام - تمنى أن يحصل له في الدين كلا حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثلَ ما حصل للخيل من الإلقاء في النار، وحل للذبيح من الذبح وحصل ليعقوبَ من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه (الصلاة و) السلام الابتلاء فأوحى الله إليه إنك مبتلي في يوم كذا فبالغ في الاحتراز، ثم وَقَعَت الواقعة فنقول: إن حكايتهم تدلّ على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه، فالسعي في قتل النفس (بغير الحق) والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة بحيث إن الحكاية التي ذكروها يناقص أولُها آخرَها. وخامسها: أن داود عليه (الصلاة و) السلام (تمنَّى أن يحصل له في الدين كما بحل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية) قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ استثنى الذين آمنوا من البغي. فلو قلنا: إنه كان موصوفاً بالبغي لزم أن يقال: إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل. وسادسها: حضرت في مجلس وفيه بعض أكابر المسلمين وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك فقلت له: لا شك أن داود عليه (الصلاة و) السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل وقال الله: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] ومن مدحه الله (تعالى بمثل) هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في المطعن فيه وأيضاً فتبقدير أنه ما كان من الأنبياء فلا شك أنه كان مسلماً؛ وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «لاَ تَذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ إِلاَّ بِخَيْر» ثم على تقدير أنَّا لا نلتفت إلى شيء من هده الدلائل إلاَّ أَنَّا نقول: إنَّ من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها في حقه صحيحةً فإن روياتها وذكرها لا يوجب شيئاً مِنَ الثواب، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من ألاَّ توجب الثواب. وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة فإن ذكرها مستحق به أعظم العقاب، والواقعة التي هذا شأنها وصفتها فإنَّ صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور، فلما سمع ذلك الملك الشديد هذا الكلام سكت ولم يذكر شيئاً. السابع: أن ذكر هذه القصة وذكر قصة يوسف - عليه (الصلاة و) السلام - يقتضي إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. الثامن: لو سعى داودُ في قتل ذلك الرجل دخل تحت قوله: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ المرىءٍ مُسْلِم وَلَوْ بِشَكْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» . وأيضاً لو فعل ذلك لكان ظالماً وكان يدخل تحت قوله: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: 18] . التاسع: عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب قال: مَنْ حَدَّثَكُمْ بحَدِيث دَاودَ عَلَى مَاتَرْويه القُصَّاصُ فاجلدوه مائةً وسينَ (جَلْدةً) وهو حّد الفِرية على الأنبياء، وما يقوي هذا انَّهُمْ لما قالوا: إن المغيرة بنَ شعبة زنى وشهد ثلاثةٌ من عدول الصحابة وأما الرابع فإنه لم يقل: إني رأيت ذلك بعيني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك فكيف الحال مع داود عليه (الصلاة و) السلام؟ {مع أنه كان من كابر الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -. العاشر: رُوي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله، ثم قال: فما بنبغي أن يزاد عليها وإن كنت الواقعة على ما ذكرت ثم إنه تعالى لم يذكرها لسَتْر تلك الواقعة على داود عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ستر ستره الله ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر: سماعي هذا الكلام أحب إلي ما طلعت عليه الشمسُ. فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها باطلة فاسدة فإن قال قائل: إن كثيراً من أكابر المحدثين المفسرين ذكروا هذه القصة فكيف الحال فيها؟} فالجواب الحقيقي: أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر (كل) واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى. وأيضاً فالأصل براءة الذمة، وأيضاً فلما تعارض ذكر التَّحرُّم والتحليل كان جانب التحريم أولى، وأيضاً طريقة الاحتياط توجب ترجيحَ قولِنَا، وأيضاً فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير (وقوع) هذا الواقعة لا يقول لنا الله يوم القيامة لِمَ لَمْ تَسعَوْا في تشهير هذه الواقعة أما بتقدير كونها باطلة فإنه يوجب أن لا تجوزَ الشهادة بها، وأيضاً كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول، بل الأكثرون والمحققون يردونه ويحكمون عليه بالكذب، وإذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدِّثين تساقطت وبَقِيَ الرجوع فيه إلا الدلائل التي ذكرناها. الاحتمال الثاني أن نحمل هذه القصة على حُصُول الصغيرة لا على حصول الكبيرة وذلك من وجوه: الأول: أن هذه المرأة خطبها «أوريا» فأجابوه، ثم خطبها داود فآثره أهلها فكان ذنبه أن خَطبَ على خطبته أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. الثاني: قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب ألْبَتَّةَ، أما وقوع بصره عليها من غير قصد بذنب، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضاً ذنباً، لأن الميل ليس في وسعه فلا يكون مكلفاً به بل لما اتفق أنه قتل زوجها لأجل أنه طمع في أن يتزوج بتلك المرأة فَحَصَلت بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل. والثالث: أنه كان أهل زمان داود عليه (الصلاة و) السلام يسأل بعضهم بعضاَ أن يطلق زوجته حتى تزوجها وكانت عادتها مألوفة مفهومة في هذا المعنى فاتفق أن عين داود (عليه السلام) وقعت على تلك المرأة فأحبها فسألوه النزول فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزاً في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإنَّ حسناتِ الأبرار سيئات المقربين. فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حَقِّ داود عليه (الصلاة و) السلام إلا ترك الأفضل، والأولى. الاحتمال الثالث: أن تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ولا صغيرة لداود عليه (الصلاة و) السلام بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أنه نقول: روي أنَّ جماعة من الأعداء طمعواأن يقتلوا داود - عليه (الصلاة و) السلام - وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوَّرُوا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً يمنعهم منه فخافوا ووضعوا كذباً يحتج به في إلحاق الذنب بداود عليه (الصلاة و) السلام إلا ألفاظ أربعة: أحدهما: قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ وثانيها: قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ . وثالثها: ﴿وَأَنَابَ﴾ . ورابعها: قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ ثم نقول: هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكروه من وجه: الأول: أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذه الطريق وعلم داود عليه السلام دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم أي أنه مال إلى الصَّفْح والتجاوز عنهم طلباً لمرضاة الله تعالى فكانت هي الفتنة لأنها جاريةٌ مَجْرَى الابتلاء والامتحان ثم إنَّه استغفر به مما هَمَّ به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهمِّ وَأَنَابَ فغفر له ذلك القدر من الهمِّ والعزم. الثاني: أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه إلا أنه ندم على ذلك الظن وقال: لَمَّا لَمْ تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك فَلَبِئْسَ ما عَمِلْتُ حيث ظننت فيهم هذا الظن الرديء فكان هذا هو المراد من قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ثم إنه استغفر ربه وأناب منه فغفر الله له ذلك. الثالث: دخولهم عليه كان فتنة لداود - عليه (الصلاة و) السلام - إلا أنه عليه (الصلاة و) السلام استغفر لذلك العازم على قتلهم كقوله في حق محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [محمد: 19] فداود (عليه السلام) استغفر لهم، وأناب أي رجع إلى الله تعالى في طلب المغفرة لذلك الرجل الداخل القاصد القتل، وقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي فَغَفَرْنَا ذلك الذنب لأجل احترام داود وتعظيمه كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] إن معناه: إن الله يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذَنْب أمّتك. الرابع: أنه عاتب داود عليه السلام عن زلَّة صدرت منه لكن لا نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة ولِم لا يجوز أن يقال: إن تلك الزلة إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الخصم الثاني لأنه لما قال: «لقد ظلمت بسؤال نعجتك» حكم عليه بكونه ظالماً بمجرد دعوة الخصم بلا بينة فيكون هذا الحكم مخالفاً للصواب. فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة إلا أن هذا من باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إِذَا حَمَلْنَا هذه الآيات على هذا الوجه فإنه لا يلزم إسناد شيءٍ من الذنوب إلى دَاودَ - عليه (الصلاة و) السلام - بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطَّاعَاتِ إليه. ثم نقول: وحمل الآية عليه أولى لوجوه: الأول: أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل. الثاني: أنه أحوط. الثالث: أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) : «اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ» فإن قوم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما أظهروا السفاهة حيث قالوا: إنه ساحرٌ كذاب، واستهزأوا به حيث قالوا: ربَّنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب، فقال تعالى في أول الآية: اصبر على ما يقولون يا محمد وعلى سفاهتهم وتحمل ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على أذاهم وتحمل سفاهتهم وحَلِمَ ولم يظهر الطيش والغضب وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه. أما إذا حملنا الآية على ما ذكروه صار الكلام متناقضاً. الرابع: أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا: إن الخَصْمَيْن كانا ملكين وإذا كانا ملكين ولم يكن بينهما مخاصمة ولم يبغ أحدُهما على الآخر كان قولهما: «خَصْمَان بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» كذب فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين. أحدهما: إسناد الكذب إلى الملائكة. والثاني: إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء، فكان قولنا أولى. فصل قال المفسرون قوله: وَعَزَّني (في الخِطَاب) اي قهرني وغلبني «في الخطاب» أي في القول. قال الضحاك يقول: إن تكلم كان أفصحَ مني، وإن حارب كان أبطشَ مني وحقيقة المعنى أن الغلبة كانت له فضعفي في يده وإن كان الحق معي فقال داود: «لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ» أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه. فإن قيل: كيف قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك ولم يكن سمع قوله صاحبه؟! . فالجواب: قيل: إن معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، قال ابن إسحاق: لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال: «لَئِنْ صَدَقَ لَقَدْ ظَلَمَهُ» . وقال ابن الأنباري: لما ادعى أحد الخَصْمَيْن) اعترف الثاني فحكم داود عليه ولم يذكر الله ذلك الاعتراف لدلالة الكلام عليه وقيل التقدير: إن الخَصْمَ الذي هذا شأنه قد ظلمك ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ . قال الليث: خَلِيطُ الرَّجُلِ مُخَالِطُهُ، وقال الزجاج: الخلطاء: الشركاء. فإن قيل: لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء يفعلون ذلك؟ فالجواب: أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة لأنها إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفسية إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيُفْضِي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة فلهذا خص داود - عليه (الصلاو ة) السلام الخلطاء بزيادة البغير والعُدْوَان ثم استثنى عن هذا الحكم الذين آمنوا وعملوا الصلحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون لأجل الدين. وهذا استثناء متصل من قوله: ﴿بَعْضهم﴾ . قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ خبر مقدم و «ما» مزيدة للتعظيم و «هم» مبتدأ. قال الزمخشري: و «ما» في قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ للإبهام وفيه تعجب من قتلهم قال: فإن أرادت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس: 4266 - وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ ... وانظر هل بقي لها معنى قط؟ «وَظَنَّ داوُد أَنَّمَا فَتَنَّاهُ» أي امتحناه، قرأ العامة فتَنَّاهُ بالتخفيف وإسناده إلى الضمير المتكلم المعظِّم نفسه، وعمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء فَتَّنَاه بتشديد التاء. وهي مبالغة وقرأ الضحاك: أَفْتَنَّاهُ يقال: فَتَنَهُ وأَفْتَنَهُ أي حَمَلَهُ على الفِتْنَةِ ومنه: 4267 - لَئِنْ فَتَنَتْنِي لَهيَ بِالأَمْسِ أَفْتَنَتْ..... ... ... ... ... ... ... ... وقرأ قتادة وأبو عمرو - في رواية فَتَنَّاهُ بالتخفيف وَفتَّنَّاه بالتشديد، والألف ضمير الخصمين، و «راكعاً» حال مقدرة، قال أبو البقاء، وفيه نظر لظهور المُقَارنةِ. فصل قال المفسرون: إن الظن ههنا بمعنى العلم؛ لأن داودَ عليه (الصلاة و) السلام لما قضى بينهما نظر أحَدُهُمَا إلى صاحبه فضحك، ثم صَعَد إلى السماء قبل وجهه فعل داود أنَّ الله ابْتَلاَهُ بذلك فثبت أن داود علم بذلك. وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم، لأن العلم الاستدلاليّ يشبه الظنّ مشابهةً عظيمةم والمشهابهة علة لجواز المجاز قال ابن الخطيب: هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين إما إذا لم يُقَلْ ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العمل بل لقائل أن يقول: إنه لمَّا غَلَب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة. قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ﴾ أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا: إنه صدرت منه زَلَّة حمل هذا الاستغفار عليها وإن لم يُقَلء به قلنا فيه وجوه: الأول: أن القوم لما دخولا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديدَ القهر عظيمَ القوة مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع محصول الفزغ في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئاً قَرُب الأمر من أن يدخل قبله شي من العُجْب فاستغر ربَّه من تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله فغفر له وتجاوز عنه بسبب طَرَيَانِ ذلك الخاطر. الثاني: لعله هَمَّ بإيذاء القوم، ثم قال: إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر من ذلك الهم. الثالث: لعل القوم تابوا إلى الله تعالى وطَلَبُوا منه أن يستغفر الله (لهم) ولأجل أن يَقْبَلَ توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله فغفر له توبتهم بسبب شفاعته ودعائه. وهه كلها وجوهٌ محتلمة ظاهرةٌ، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه، وإذا كان الفظ محتملاً لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام ما ذكروه من المنكرات فما الذي دل عليه التزامه والقول به؟ ويؤد ما ذكرنا أنه تعالى ختم هذه القصة بقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومثل هذه الخاتمة إنما يحصل في حقّ من صدر عن امتثال الأوامر في الخدمة والطاعة وتحمل أنواعاً من الشدائد في الموافقة والانقياد. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ الظاهر أنه مفعول «غَفَرْنا» وجوز أبو البقاء فيه أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي الأمرُ ذلِك ولا حاجة إلى هذا والمشهور أَنَّ الاستغفار إنما كان بسبب قصة النَّعْجَة، والنِّعاج، وقيل: بسبب أنه حَكَمَ لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الثاني، وذلك غير جائز. قوله: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أي تدبر أمور العباد بأمرنا، واعلم أنه لما تمم الكلام في شرح الفقصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داودَ خلافةَ الأرض وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في القصة لأن من البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دماء المسلمين رغبة ف انتزاع أزواجهم منهم، ثم يذكر عقيبه أن الله فوَّضَ خلافة الأرض إليه. ثم في تفسير كونه خليفة وجهان: الأول: جلعناك تَخْلُفُ من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفُه وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة، وذلك على الله محال. الثاني: إنا جعلناك ممكناً في الناس نافذ الحكم فيهم. فبهذا التأويل يسمى خليفة، ومنه يقال خليفة الله في الرض وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذَ الحكم في رَعيته، وحيقية الخلافة ممتنعة في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة (مفيدةً) للزوم نفاذ لك الحكم في تلك الحقيقة. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ أي بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقةً للشريعة الحقيقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات، وإذا كانت الأحكام على وَفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أقضى إلى تخريب العالم ووقوع الهَرَج والمَرَج في الخلق وذلك يُفْضي إلى هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال: ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ ، لأن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب. قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب في جواب النهي. الثاني: أنه عطف على «لاَ تَتَّبعْ» فهو مجزومٌ وإنما فتحت اللام لالتقاء الساكنين. وهو ونهي عن كل واحدة على حدته والأول فيه النهي عن الجمع بينهما وقد يترجح الثاني لهذا المعنى، وقد تقدم تقرير ذلك في البقرة في قوله ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: 42] . وفاعل «فيضلك» يجوز أن يكون الهَوَى، ويجوز أن يكون ضميرَ المصدر المفهوم من الفعل أي فيضلك إتِّبَاعُ الهوى. قوله: ﴿إِنَّ الذين يَضِلُّونَ﴾ قرأ العامة بتفح ياء يضلون. وقرأ ابن عباس والحَسَنُ وأبو حيوةَ بضمها أي يُضِلونَ الناس وهي مستلزمة للقراءة الأولى فإنه لا يُضل غيره إلا ضَالٌّ بخلاف العكس. قوله: ﴿بِمَا نَسُواْ﴾ ما مصدرية والجار يتعلق بالاستقرار الذي تضمنه «لهم» و «لَهُمْ عَذَابٌ» يجوز أن يكون جملة خبراً ل «إنَّ» ويجوز أن يكون الخبر وحده الجار، و «عَذَابٌ» فاعل به وهو الأحس لقربه من المفرد. فصل قيل: معناه بما تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقال الزجاج: بتركهم العمل ذلك اليوم، وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب شديد يَوْم الحساب بما نسوا أي تركوا القضاء بالعدل.

ص 38:20

قوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ فقوله: «يسبحن» جملة حالية من «الجبال» وأتى بها هنا فعلاً مضارعاً دون اسم الفاعل فلم يقل مسبِّحات، دلالة على التجدد والحدوث شيئاً بعد شيء كقول الأعشى: 4261 - لَعَمْرِي لَقَدْ لاَحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ ... إلَى ضَوْءٍ نَارٍ فِي بِقَاعِ تَحَرَّقُ أي تحرق شيئاً فشيئاً، ولو قال: مُحْرِقة لم يدل على هذا المعنى. فصل المعنى يسبحن بتسبيحه (و) في كيفية تسبيح الجبال وجوه: الأول: أن الله تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلاٌ وقُدرة ونُطقاً، فحينئذ يصير الجبل مسبحاً لله تعالى. الثاني: قال القفال: إن داود - عليه (الصلاة و) السلام - أوتي من شدة الصوت وحسنة ما كان له في الجبال دويٌّ حسن وما يصغي الطير (إليه) لحسنه فيكون دويّ الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحاً، وروى محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود حتى إنه كان إذا قرأ الزبور دنَتْ منه الوحوش حتى تؤخَذَ بأعْنَاقِهَا. الثالث: أن الله تعالى سخر الجبال حتى إنّها كانت تسير إلى حيث يريده داود فجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه يدل على كمال قدة الله وحكمته. قوله: ﴿بالعشي والإشراق﴾ قال الكلبي غَدْوةً وعَشِيًّا والإشراق هو أن تشرق الشمسُ ويتناهى ضوؤها قال الزجاج: يقال شَرقَت الشمس (إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وقيل: هما بمعنًى. والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس) والماء يُشرق، وفسره ابن عباس بصلاة الضحى «قال ابن عباس كنت أمر به الآية لا أدري ما هي حتى حدثَتْنِي أمّ هانِئ بنت أبي طالب أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دخل عليها فدعا بوَضُوء فتوضأ ثمّ صلّى وقال يا أم هانئ: هذه صلاة الإشراق» وروى طاوس عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكرَ صلاةِ الضحى في القرآن؟ قالوا: لا؛ فقرأ: «إنا سَخَّرْنَا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق» قال: وكانت صلاة يصليها داود علي السلام وقال لم يزل في نفس شيء من صلاة الضحى حتى طلبتها فوجدتها في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق﴾ . قوله: ﴿والطير مَحْشُورَةً﴾ العامة على نصبها عَطَفَ مفعولاً على مفعول، وحالاً على حال كقولك: ضربت زيداً مكتوفاً وعمراً مطلقاً وأتى بالحال اسماً لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئاً فشيئاً لأن حشرها دفعة واحدة وأدلُّ على القدرة والحاشر الله تعالى. وقرأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَحْدري برفعهما جعلاها مستقلة من مبتدأ وخبر. والمعنى وسخرنا الطير محشورةً، قال ابن عباس: كان داود إذا سبح جاءته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله تعالى. فإن قيل: كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها؟ فالجواب: أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولاً حتى تعرف الله فتسبحه حنيئذ ويكون ذلك معجزة لداودَ قال الزمخشري قوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مقابلة: «يسبحن» إلا أنه ليس في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئاً بعد شيء فلا جَرَمَ أتى به اسماً لا فعلاً، وذلك أنه لو قيل: وسخرنا الطير (محشورة) (يحشرن) على تقدير أن الحشر يوجد من حاشرها شيئاً بعد شيء والحاشر هو الله عزّ وجلّ خلفاً لأنه تعالى حشرهم جملةً واحدة. قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي كل من الجبال والطير لداود أي لأجل تسبيحه، فوضع أواب موضع مسبَح. وقيل: (إنَّ) الضمير في: «لَهُ» للباري تعالى والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى. قوله: ﴿وَشَدَدْنَا﴾ العامة على تخفيف شددنا أي قَوَّيْنَا كقوله: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35] وابنُ أبي عَبْلَةَ والحسن «شَدَّدْنَا» بالتشديد وهي مبالغة كقراءة العامة، ومعنى الكلام قويناه بالحرس والجنود. قال ابن عباس: كان اشد ملوك الأرض سُلطاناً كان يحرس محرابه كل ليلة ستةٌ وثلاثون ألفَ رجلٍ. قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ فهي النبوة، وقيل: العلم والخير؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] وأما فصل الخطاب فقال بعض المفسرين: إن داود أول من قال في كلامه: أما بعد وقيل: المراد منه: معرفة الأمور التي بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البينة واليمين. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادراً على التعبير على كل ما يخطر بالبال ويحضُر في الخيال بحيث لا يخلِط شيئاً بشي وبحيث يفصل كُلّ مقام عن ما يخالفه. هذا معنى عامّ يتناول فصل الخصومات ويتناول الدعوة إلى الدين الحق ويتناول جميع الأقسام والله أعلم. وروى ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجلٍ من عظمائهم عند داود أن هذا غَصَبني بقراً فسَألَهُ (داود) فجَحَد فقال للآخر البينة فلم يكن له بينة فقال لهما داود: قوما حتى ينظر في أمركما فأوحى الله إلى داود من منامه أن يقتل الذي استعدى عليه فقال هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت فأوحى الله إليه ثانيةً فلم يفعل فأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال إن الله أوحى إليَّ أن أقتلك؛ فقال: تقتلني بغير بينة، فقال داود نعم والله لأنفذنَّ أمر الله فيك فلما عرف الرجل أنه قاتله قال لا تعجل حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكن اغتلت والد هذا فقتلته ولذلك أخذت فأمر به داود فقتل فاشتد هيبة داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل، واشتد به مُلْكه فذلك قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة﴾ يعني النبوة والإصابة في الأمور و «فَضْلَ الْخِطَابِ» قال ابن عباس: بيان الكلام وقال ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل: على الحكم بالقضاء، وقال علي بن أبي طالب: هو أن البينة على المدَّعِي واليمين على ما أنكر؛ لأن كلام الخصوم ينقطع وينقصل به، ويروى ذلك عن أبي بن كعب قال: فصل الخطاب الشهود والأيْمَان. وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن الشعبي: فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر. قوله (تعالى) : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم﴾ قد تقدم أن الخصم في الأصل مصدر فلذلك يصلح للمفرد والمذكر وضِدَّيْهِما، وقد يطاَبق، ومنه ﴿لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: 22] والمراد بالخصم هنا جمعٌ بدليل قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ وقوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ﴾ قال الزمخشري: وهو يقع للواحد والجمع كالضَّيْفِ، قال تعالى: ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين﴾ [الذاريات: 24] لأنه مصدر في أصله، يقال خَصَمَهُ يَخْصِمَهُ كما تقول: ضَافَهُ ضَيْفاً. فإن قلت: هذا جمع وقوله: خَصْمَان تثنية فكيف استقام ذلك؟ قلت: معنى خصمان فريقان خصمان، والدلي قراءة من قرأ: «بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» ونحوه قوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: 19] فإن قلت: فما تَصْنَعُ بقوله: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ وهو دليل على الاثنين؟ قلت: معناه أنّ التحاكم بين ملكين ولا يمنع أن يصحبهاما آخرون، فإن قلت: كيف سماهم جميعاً خَصْماً في قوله: «نَبَأُ الخَصْمِ وخَصْمَان» ؟ قلت: لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخسم صحت التسمية به. قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ في العامل في «إذْ» أَوْجُهٌ: أحدهما: أنه معمول للنبأ إذا لم يرد به القصة. وإليه ذهب ابنُ عطية وأبو البقاء ومكِّيٌّ أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تَسَوُّرهم المحراب، وقد ردّ بعضهم هذا بأن النبأ الواقع في ذلك الوقت لا يصح إتيانه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإن أريد بالنبأ القصة لم يكن ناصباً. قاله أبو حَيَّانَ. الثاني: أن العامل فيه «أَتَاكَ» وُردَّ بما رُدَّ به الأول وقد صرح الزَّمَخْشَريُّ بالرد على هذين الوجهين: فقال: «فإن قلت: بم انتصب إذ؟ قلت: لا يخلوا إما أن ينتصب» بأتَاكَ «أو» بالنَّبَأ «أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأَتَاك لأن إتيان النبأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا يقع إلا في عهده لا في عهد داودَ فلا يصح إتيانه رسولَ الله - صلى اله عليه وسلم - وإن أرادت بالنبأ القصة في نفسها لم يكن نصاباً، فبقي أن يكون منصوباً بمحذوف تقديره: وهَلْ أَيَاكَ نَبَأُ تَحَاكُمِ الخَصْمِ إذْ» فاختار أن يكون معمولاً لمحذوف. الرابع: أن ينتصب بالخصم؛ لما فيه من معنى الفِعْل. قوله: «إذْ دَخَلُوا» فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من «إذ» الأُولَى. الثاني: أنه منصوب بتَسَوَّرُوا. ومعنى تسوروا عَلَوْ أَعْلَى السّور، وهو الحائط غير مهموز كقولك: تَسَنَّم البَغِيرَ أي بَلَغَ سَنَامَهُ. والضمير في «تَسَوَّرُوا» و «دَخَلُوا» راجع على الخصم، أنه جمع في المعنى على ما تقدم، (أو على أنه مثنًّى والمثنى جمع في المعنى وتقدم) تحقيقه. قوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ خبر مبتدأ مضمر أي نَحْنُ خَصْمَانِ ولذلك جاء بقوله: ﴿بَعْضُنَا﴾ ، ومن قرأ «بعضهم» بالغيبة يجوز أن يقدره كذلك ويكون قد راعى لقظ: خَصْمَان، ويجوز أن يقدرهم خَصْمَان ليتطابق وروي عن الكسائي خِصْمَانِ بكسر الخَاء وقد تقدم أنه قرأها كذلك في الحَجِّ. قوله: ﴿بغى بَعْضُنَا﴾ جملة يجوز أن تكون مفسِّرة لحالهم، وأن تكون خبراً ثانياً. فإن قيل: كيف قالا: بغى بعضنا على بعض وهما مَلَكَان - على قول بعضهم - والملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه أرأيت خَصْمَيْن بَغَى أحَدُهُما على الآخر، وهذا من مَعَارِيضِ الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ﴾ العامة على ضم التاء وسكون الشين، وضم الطاء الأولى من (أ) شْطَطَ يُشْطِطُ إشْطَطاً إذا تجاوز الحق قال أبو عبيدة: شَطَطْتُ في الحكم وأَشْطَطْتُ إذا جُرْت؛ فهو مما اتفق فيه فَعَلَ وأَفْعَلَ، وإنما فكَّهُ على أحد الجائزين كقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 217] وقد تقدم تحقيقه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن أبي عبلة تَشطُطْ بفتح التاء وضم الطاء من «شَطّ» بمعنى «أَشَطَّ» كما تقدم. وقرأ قتادة: تُشِطّ من «أَشَطَّ رباعياً إلا أنه أدغم وهو أحد الجائزين كقراءة من قرأ» مَنْ يَرْتَدَّ منْكُمْ «وعنه أيضاً تُشَطِّطْ» بفتح الشين وكسر الطاء مشددة من شَطَّط يشطِّطُ. شَطَّتِ الدَّارُ وأَطَّتْ إذا بَعُدَتْ وَاهْدِنَا إلَى سَوَاء الصِّرَاطِ «أَرْشِدْنَا إلى طريق الصواب فقال لهما داود: تَكَلَّمَا فقال أحدهما:» إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً «يعني امرأة» وَلِيَ نعْجَةٌ وَاحِدَةٌ «أي امرأة واحدة. قوله: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ﴾ العامة على كسر التاء وهي اللغة الفاشية، وزيد بن عليّ والحسنُ بفتحها وهي لُغَيَّةٌ لبعض تميم، وكثر في كلامهم الكناية بها عن المرأة قال ابن عَوْن: 4262 - أَنَا أَبُوهُنَّ ثَلاَثٌ هُنَّةْ رَابِعَةٌ فِي الْبَيْتِ صُغْرَاهُنَّهْ ... وَنَعْجَتِي خَمْساً تُوَفِّيهُنَّهْ وقال آخر: 4263 - هُمَا نَعْجَتَانِ مِنْ نِعَاجِ تِبَالَةَ ... لَدَى جُؤْذُرَيْنِ أَوْ كَبَعْضِ دُمَة هَكِرْ قال الحسين: بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي كقولهم: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً، أو اشْتَرَى بَكْرٌ دَاراً. ولا ضَرْب هناك ولا شِرَاء. قال الزمخشري: «أخِي» بدل من «هذا» وقر عبد الله: «تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَة أُنْثَى» وهذا تأكيد كقوله: ﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ [النحل: 51] وقال الليث: النَّعْجَةُ الأنثى من الضأن والبقر الوحشي والشاة والجمع النِّعَاجُ. قوله: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ قال ابن عباس أعْطِنِيها، وقال مجاهد: انزل لي عنها. وحقيقة ضُمَّها إلَيَّ واجْعَلْنِي كافلا، وهو الذي يعولُها ويُنْفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوج إياها. قوله: ﴿وَعَزَّنِي﴾ أي غَلَبَنِي، قال: 4264 - قَطَاةٌ عَزَّهَا شَرَاكٌ فَبَاتَتْ ... تُجَاذِبُهُ وَقَدْ عَلِقَ الْجَنَاحُ يقال: عَزَّهُ يَعُزُّهُ بضم العين. وتقدم تحقيقه في يس عند قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14] . وقرأ طلحةُ وأبو حيوةَ: «وَعَزَنِي» بالتخفيف قال ابن جنِّي: حذف الزاي الواحد تخفيفاً كما قال الشاعر: 4265 - ... ... ... ... ... ..... أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ يريد أحْسَسْنَ فحذف. وتروى هذه قراءةً عن عاصم. وقرأ عبد الله والحسن وأبو وائل ومسروق والضحاك وَعَازَّنِي بألف مع تشديد الزاي أي غَالَبَنِي. قوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ مصدر مضاف لمفعوله. والفاعل محذوف أي بأَنْ سَأَلَكَ نَعْجَتَكَ، وضمّن السؤال معنى الإضافة والانضمام أي بإضافة نعجتك على سبل السؤال ولذلك عدي (بإلى) . فصل قال ابن الخطيب: للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذه القصة دلت على صدور الكبيرة عنه. وثانيها: دلالتها على الصغيرة. وثالثها: لا تدل على كبيرة ولا على صغيرة، فأما القول الأول فقالوا: إن داودَ أحبًَّ امرأة «أُوريَا» فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله (تعالى) ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته (وعرضا تلك الواقعة عليه) فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً ثم تنبيه لذك فاشتغل بالتوبة. وقال ابن الخطب: والذي أدين به وأذهبُ إليه أنّ ذلك باطلٌ لوجوهٍ: الأول: أن هذه الحكاية لا تناسب داودَ لأنها لو نُسبت إلى أفْسَقِ النَّاس وأشدهم فجوراً لانتفى منها، والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل العمل لبالغ في تنزيه نفسه وروعاً ولعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إليه؟ ﴿. الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي وقتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول فأمر منكر؛ قال - عليه (الصلاة و) السلام: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بشَرِّ كَلمَةٍ جَاءَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أيسٌ مِن رَحمةِ اللَّهِ» وأما الثاني فمنكر عظيم، قال - عليه (صلاة و) السلام -: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» وإن «أوريا» لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه. الثالث: أن الله تعالى وصل داودَ بصفات تنافي كونه - عليه (الصلاة و) السلام - موصوفاً بهذا الفعل المنكر فالصفة الأول أنه تعالى أمر محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (في) أن يقتدي بداود في المصابرة مع المكاره فلو قيل إنَّ داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحد الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله؟﴾ . وأما الصفة الثانية فإنه وصفه بكونه عبداً له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصف كاملاً في وصف العبودية أما في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحضورات، فلو قلنا: إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملاً إلاَّ في طعة الهوى والشهوة. وأما الصفة الثالثة وهي قوله: ﴿ذَا الأيد﴾ [ص: 17] أي ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحضورات، وأي قولة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟ ﴿الصفة الرابعة: كونه أوَّاباً كثيرَ الرجوع إلى الله تعالى فكيف يليق هذا بمن قلبه مشغوفٌ بالقتل والفجور؟﴾ الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذوا سبيله إلى القتل والفجور؟ ﴿الصفة السادسة: قوله تعالى: {والطير مَحْشُورَةً﴾ قيل: إنه كان محرَّماً عليه صيد شيءْ من الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على زوجته ومنكوحه الصفة السابعة: قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ومحال أن يكون المراد أنه تعالى: شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد بأنا ملكناه تقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة، أو المراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لايملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟} الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ (والحكمة اسم جامع لك ما ينبغي علماً وعملاً فكيف يجوز أن يقال: إِنَّا آتَيْنَاهُ) الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف عنه الشيطان من مُزاَحَمَة أخصِّ أصحابه في الروح والمنكوح؟! فهذه الصات التي وصف بها قبل شحر القصَّة. وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فأولها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة (على قوته في طاعة الله أما لو كانت القصة المتقدمة) دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لائقاً. وثانيها: قوله تعالى: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه: الأول: أن الملك الكبير إذا حُكِي عن عبده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فعند فراغه من شرح قصته على الناس يقبح منه أن يقول عقيبة أيها العبد إنّي فوضت إليك خلافتي ونبوتي لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر فأما جعله نائباً وخليفة لنفسه فذلك مما (لا) يليق البتة. الثاني: أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذل الوصف فلما حكمى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة، ثم قال بعده: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أشعر هذا (الوصف) بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعل المنكرة. ومعلوم أن هذا فاسد أما لوك ذكرنا أن تلك القصة كانت على وجه يدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدّة مصابرته في طاعة الله تعالى فحينئذ يناسب أن يذكر عقيبه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ فثبت أن الذي نختاره أولى. الثالث: أنه لما كان مقدمة الآية دالة على محد داود - عليه (الصلاة و) السلام - وتعظيمه ومؤخرتها أيضاً دالة على ذلك فلو كانت الواسطة دالة على المقابح والمعايب لجرى مَجْرى أن يقال: فلان عظيم الدردة عالي المرتبة في طاعة الله تعالى يقتل ويزني ويسرق وقد جعله اللخ خليفة له في أرضه وصوب أحكامه فكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب. ورابعها: أن بعض القائلين ذكر في هذه الآية أن داود - عليه (الصلاة و) السلام - تمنى أن يحصل له في الدين كلا حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثلَ ما حصل للخيل من الإلقاء في النار، وحل للذبيح من الذبح وحصل ليعقوبَ من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه (الصلاة و) السلام الابتلاء فأوحى الله إليه إنك مبتلي في يوم كذا فبالغ في الاحتراز، ثم وَقَعَت الواقعة فنقول: إن حكايتهم تدلّ على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه، فالسعي في قتل النفس (بغير الحق) والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة بحيث إن الحكاية التي ذكروها يناقص أولُها آخرَها. وخامسها: أن داود عليه (الصلاة و) السلام (تمنَّى أن يحصل له في الدين كما بحل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية) قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ استثنى الذين آمنوا من البغي. فلو قلنا: إنه كان موصوفاً بالبغي لزم أن يقال: إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل. وسادسها: حضرت في مجلس وفيه بعض أكابر المسلمين وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك فقلت له: لا شك أن داود عليه (الصلاة و) السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل وقال الله: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] ومن مدحه الله (تعالى بمثل) هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في المطعن فيه وأيضاً فتبقدير أنه ما كان من الأنبياء فلا شك أنه كان مسلماً؛ وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «لاَ تَذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ إِلاَّ بِخَيْر» ثم على تقدير أنَّا لا نلتفت إلى شيء من هده الدلائل إلاَّ أَنَّا نقول: إنَّ من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها في حقه صحيحةً فإن روياتها وذكرها لا يوجب شيئاً مِنَ الثواب، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من ألاَّ توجب الثواب. وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة فإن ذكرها مستحق به أعظم العقاب، والواقعة التي هذا شأنها وصفتها فإنَّ صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور، فلما سمع ذلك الملك الشديد هذا الكلام سكت ولم يذكر شيئاً. السابع: أن ذكر هذه القصة وذكر قصة يوسف - عليه (الصلاة و) السلام - يقتضي إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. الثامن: لو سعى داودُ في قتل ذلك الرجل دخل تحت قوله: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ المرىءٍ مُسْلِم وَلَوْ بِشَكْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» . وأيضاً لو فعل ذلك لكان ظالماً وكان يدخل تحت قوله: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: 18] . التاسع: عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب قال: مَنْ حَدَّثَكُمْ بحَدِيث دَاودَ عَلَى مَاتَرْويه القُصَّاصُ فاجلدوه مائةً وسينَ (جَلْدةً) وهو حّد الفِرية على الأنبياء، وما يقوي هذا انَّهُمْ لما قالوا: إن المغيرة بنَ شعبة زنى وشهد ثلاثةٌ من عدول الصحابة وأما الرابع فإنه لم يقل: إني رأيت ذلك بعيني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك فكيف الحال مع داود عليه (الصلاة و) السلام؟ {مع أنه كان من كابر الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -. العاشر: رُوي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله، ثم قال: فما بنبغي أن يزاد عليها وإن كنت الواقعة على ما ذكرت ثم إنه تعالى لم يذكرها لسَتْر تلك الواقعة على داود عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ستر ستره الله ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر: سماعي هذا الكلام أحب إلي ما طلعت عليه الشمسُ. فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها باطلة فاسدة فإن قال قائل: إن كثيراً من أكابر المحدثين المفسرين ذكروا هذه القصة فكيف الحال فيها؟} فالجواب الحقيقي: أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر (كل) واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى. وأيضاً فالأصل براءة الذمة، وأيضاً فلما تعارض ذكر التَّحرُّم والتحليل كان جانب التحريم أولى، وأيضاً طريقة الاحتياط توجب ترجيحَ قولِنَا، وأيضاً فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير (وقوع) هذا الواقعة لا يقول لنا الله يوم القيامة لِمَ لَمْ تَسعَوْا في تشهير هذه الواقعة أما بتقدير كونها باطلة فإنه يوجب أن لا تجوزَ الشهادة بها، وأيضاً كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول، بل الأكثرون والمحققون يردونه ويحكمون عليه بالكذب، وإذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدِّثين تساقطت وبَقِيَ الرجوع فيه إلا الدلائل التي ذكرناها. الاحتمال الثاني أن نحمل هذه القصة على حُصُول الصغيرة لا على حصول الكبيرة وذلك من وجوه: الأول: أن هذه المرأة خطبها «أوريا» فأجابوه، ثم خطبها داود فآثره أهلها فكان ذنبه أن خَطبَ على خطبته أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. الثاني: قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب ألْبَتَّةَ، أما وقوع بصره عليها من غير قصد بذنب، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضاً ذنباً، لأن الميل ليس في وسعه فلا يكون مكلفاً به بل لما اتفق أنه قتل زوجها لأجل أنه طمع في أن يتزوج بتلك المرأة فَحَصَلت بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل. والثالث: أنه كان أهل زمان داود عليه (الصلاة و) السلام يسأل بعضهم بعضاَ أن يطلق زوجته حتى تزوجها وكانت عادتها مألوفة مفهومة في هذا المعنى فاتفق أن عين داود (عليه السلام) وقعت على تلك المرأة فأحبها فسألوه النزول فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزاً في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإنَّ حسناتِ الأبرار سيئات المقربين. فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حَقِّ داود عليه (الصلاة و) السلام إلا ترك الأفضل، والأولى. الاحتمال الثالث: أن تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ولا صغيرة لداود عليه (الصلاة و) السلام بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أنه نقول: روي أنَّ جماعة من الأعداء طمعواأن يقتلوا داود - عليه (الصلاة و) السلام - وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوَّرُوا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً يمنعهم منه فخافوا ووضعوا كذباً يحتج به في إلحاق الذنب بداود عليه (الصلاة و) السلام إلا ألفاظ أربعة: أحدهما: قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ وثانيها: قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ . وثالثها: ﴿وَأَنَابَ﴾ . ورابعها: قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ ثم نقول: هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكروه من وجه: الأول: أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذه الطريق وعلم داود عليه السلام دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم أي أنه مال إلى الصَّفْح والتجاوز عنهم طلباً لمرضاة الله تعالى فكانت هي الفتنة لأنها جاريةٌ مَجْرَى الابتلاء والامتحان ثم إنَّه استغفر به مما هَمَّ به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهمِّ وَأَنَابَ فغفر له ذلك القدر من الهمِّ والعزم. الثاني: أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه إلا أنه ندم على ذلك الظن وقال: لَمَّا لَمْ تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك فَلَبِئْسَ ما عَمِلْتُ حيث ظننت فيهم هذا الظن الرديء فكان هذا هو المراد من قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ثم إنه استغفر ربه وأناب منه فغفر الله له ذلك. الثالث: دخولهم عليه كان فتنة لداود - عليه (الصلاة و) السلام - إلا أنه عليه (الصلاة و) السلام استغفر لذلك العازم على قتلهم كقوله في حق محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [محمد: 19] فداود (عليه السلام) استغفر لهم، وأناب أي رجع إلى الله تعالى في طلب المغفرة لذلك الرجل الداخل القاصد القتل، وقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي فَغَفَرْنَا ذلك الذنب لأجل احترام داود وتعظيمه كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] إن معناه: إن الله يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذَنْب أمّتك. الرابع: أنه عاتب داود عليه السلام عن زلَّة صدرت منه لكن لا نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة ولِم لا يجوز أن يقال: إن تلك الزلة إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الخصم الثاني لأنه لما قال: «لقد ظلمت بسؤال نعجتك» حكم عليه بكونه ظالماً بمجرد دعوة الخصم بلا بينة فيكون هذا الحكم مخالفاً للصواب. فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة إلا أن هذا من باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إِذَا حَمَلْنَا هذه الآيات على هذا الوجه فإنه لا يلزم إسناد شيءٍ من الذنوب إلى دَاودَ - عليه (الصلاة و) السلام - بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطَّاعَاتِ إليه. ثم نقول: وحمل الآية عليه أولى لوجوه: الأول: أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل. الثاني: أنه أحوط. الثالث: أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) : «اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ» فإن قوم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما أظهروا السفاهة حيث قالوا: إنه ساحرٌ كذاب، واستهزأوا به حيث قالوا: ربَّنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب، فقال تعالى في أول الآية: اصبر على ما يقولون يا محمد وعلى سفاهتهم وتحمل ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على أذاهم وتحمل سفاهتهم وحَلِمَ ولم يظهر الطيش والغضب وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه. أما إذا حملنا الآية على ما ذكروه صار الكلام متناقضاً. الرابع: أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا: إن الخَصْمَيْن كانا ملكين وإذا كانا ملكين ولم يكن بينهما مخاصمة ولم يبغ أحدُهما على الآخر كان قولهما: «خَصْمَان بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» كذب فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين. أحدهما: إسناد الكذب إلى الملائكة. والثاني: إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء، فكان قولنا أولى. فصل قال المفسرون قوله: وَعَزَّني (في الخِطَاب) اي قهرني وغلبني «في الخطاب» أي في القول. قال الضحاك يقول: إن تكلم كان أفصحَ مني، وإن حارب كان أبطشَ مني وحقيقة المعنى أن الغلبة كانت له فضعفي في يده وإن كان الحق معي فقال داود: «لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ» أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه. فإن قيل: كيف قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك ولم يكن سمع قوله صاحبه؟! . فالجواب: قيل: إن معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، قال ابن إسحاق: لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال: «لَئِنْ صَدَقَ لَقَدْ ظَلَمَهُ» . وقال ابن الأنباري: لما ادعى أحد الخَصْمَيْن) اعترف الثاني فحكم داود عليه ولم يذكر الله ذلك الاعتراف لدلالة الكلام عليه وقيل التقدير: إن الخَصْمَ الذي هذا شأنه قد ظلمك ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ . قال الليث: خَلِيطُ الرَّجُلِ مُخَالِطُهُ، وقال الزجاج: الخلطاء: الشركاء. فإن قيل: لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء يفعلون ذلك؟ فالجواب: أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة لأنها إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفسية إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيُفْضِي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة فلهذا خص داود - عليه (الصلاو ة) السلام الخلطاء بزيادة البغير والعُدْوَان ثم استثنى عن هذا الحكم الذين آمنوا وعملوا الصلحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون لأجل الدين. وهذا استثناء متصل من قوله: ﴿بَعْضهم﴾ . قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ خبر مقدم و «ما» مزيدة للتعظيم و «هم» مبتدأ. قال الزمخشري: و «ما» في قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ للإبهام وفيه تعجب من قتلهم قال: فإن أرادت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس: 4266 - وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ ... وانظر هل بقي لها معنى قط؟ «وَظَنَّ داوُد أَنَّمَا فَتَنَّاهُ» أي امتحناه، قرأ العامة فتَنَّاهُ بالتخفيف وإسناده إلى الضمير المتكلم المعظِّم نفسه، وعمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء فَتَّنَاه بتشديد التاء. وهي مبالغة وقرأ الضحاك: أَفْتَنَّاهُ يقال: فَتَنَهُ وأَفْتَنَهُ أي حَمَلَهُ على الفِتْنَةِ ومنه: 4267 - لَئِنْ فَتَنَتْنِي لَهيَ بِالأَمْسِ أَفْتَنَتْ..... ... ... ... ... ... ... ... وقرأ قتادة وأبو عمرو - في رواية فَتَنَّاهُ بالتخفيف وَفتَّنَّاه بالتشديد، والألف ضمير الخصمين، و «راكعاً» حال مقدرة، قال أبو البقاء، وفيه نظر لظهور المُقَارنةِ. فصل قال المفسرون: إن الظن ههنا بمعنى العلم؛ لأن داودَ عليه (الصلاة و) السلام لما قضى بينهما نظر أحَدُهُمَا إلى صاحبه فضحك، ثم صَعَد إلى السماء قبل وجهه فعل داود أنَّ الله ابْتَلاَهُ بذلك فثبت أن داود علم بذلك. وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم، لأن العلم الاستدلاليّ يشبه الظنّ مشابهةً عظيمةم والمشهابهة علة لجواز المجاز قال ابن الخطيب: هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين إما إذا لم يُقَلْ ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العمل بل لقائل أن يقول: إنه لمَّا غَلَب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة. قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ﴾ أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا: إنه صدرت منه زَلَّة حمل هذا الاستغفار عليها وإن لم يُقَلء به قلنا فيه وجوه: الأول: أن القوم لما دخولا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديدَ القهر عظيمَ القوة مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع محصول الفزغ في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئاً قَرُب الأمر من أن يدخل قبله شي من العُجْب فاستغر ربَّه من تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله فغفر له وتجاوز عنه بسبب طَرَيَانِ ذلك الخاطر. الثاني: لعله هَمَّ بإيذاء القوم، ثم قال: إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر من ذلك الهم. الثالث: لعل القوم تابوا إلى الله تعالى وطَلَبُوا منه أن يستغفر الله (لهم) ولأجل أن يَقْبَلَ توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله فغفر له توبتهم بسبب شفاعته ودعائه. وهه كلها وجوهٌ محتلمة ظاهرةٌ، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه، وإذا كان الفظ محتملاً لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام ما ذكروه من المنكرات فما الذي دل عليه التزامه والقول به؟ ويؤد ما ذكرنا أنه تعالى ختم هذه القصة بقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومثل هذه الخاتمة إنما يحصل في حقّ من صدر عن امتثال الأوامر في الخدمة والطاعة وتحمل أنواعاً من الشدائد في الموافقة والانقياد. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ الظاهر أنه مفعول «غَفَرْنا» وجوز أبو البقاء فيه أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي الأمرُ ذلِك ولا حاجة إلى هذا والمشهور أَنَّ الاستغفار إنما كان بسبب قصة النَّعْجَة، والنِّعاج، وقيل: بسبب أنه حَكَمَ لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الثاني، وذلك غير جائز. قوله: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أي تدبر أمور العباد بأمرنا، واعلم أنه لما تمم الكلام في شرح الفقصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داودَ خلافةَ الأرض وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في القصة لأن من البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دماء المسلمين رغبة ف انتزاع أزواجهم منهم، ثم يذكر عقيبه أن الله فوَّضَ خلافة الأرض إليه. ثم في تفسير كونه خليفة وجهان: الأول: جلعناك تَخْلُفُ من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفُه وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة، وذلك على الله محال. الثاني: إنا جعلناك ممكناً في الناس نافذ الحكم فيهم. فبهذا التأويل يسمى خليفة، ومنه يقال خليفة الله في الرض وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذَ الحكم في رَعيته، وحيقية الخلافة ممتنعة في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة (مفيدةً) للزوم نفاذ لك الحكم في تلك الحقيقة. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ أي بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقةً للشريعة الحقيقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات، وإذا كانت الأحكام على وَفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أقضى إلى تخريب العالم ووقوع الهَرَج والمَرَج في الخلق وذلك يُفْضي إلى هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال: ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ ، لأن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب. قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب في جواب النهي. الثاني: أنه عطف على «لاَ تَتَّبعْ» فهو مجزومٌ وإنما فتحت اللام لالتقاء الساكنين. وهو ونهي عن كل واحدة على حدته والأول فيه النهي عن الجمع بينهما وقد يترجح الثاني لهذا المعنى، وقد تقدم تقرير ذلك في البقرة في قوله ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: 42] . وفاعل «فيضلك» يجوز أن يكون الهَوَى، ويجوز أن يكون ضميرَ المصدر المفهوم من الفعل أي فيضلك إتِّبَاعُ الهوى. قوله: ﴿إِنَّ الذين يَضِلُّونَ﴾ قرأ العامة بتفح ياء يضلون. وقرأ ابن عباس والحَسَنُ وأبو حيوةَ بضمها أي يُضِلونَ الناس وهي مستلزمة للقراءة الأولى فإنه لا يُضل غيره إلا ضَالٌّ بخلاف العكس. قوله: ﴿بِمَا نَسُواْ﴾ ما مصدرية والجار يتعلق بالاستقرار الذي تضمنه «لهم» و «لَهُمْ عَذَابٌ» يجوز أن يكون جملة خبراً ل «إنَّ» ويجوز أن يكون الخبر وحده الجار، و «عَذَابٌ» فاعل به وهو الأحس لقربه من المفرد. فصل قيل: معناه بما تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقال الزجاج: بتركهم العمل ذلك اليوم، وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب شديد يَوْم الحساب بما نسوا أي تركوا القضاء بالعدل.

ص 38:21

قوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ فقوله: «يسبحن» جملة حالية من «الجبال» وأتى بها هنا فعلاً مضارعاً دون اسم الفاعل فلم يقل مسبِّحات، دلالة على التجدد والحدوث شيئاً بعد شيء كقول الأعشى: 4261 - لَعَمْرِي لَقَدْ لاَحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ ... إلَى ضَوْءٍ نَارٍ فِي بِقَاعِ تَحَرَّقُ أي تحرق شيئاً فشيئاً، ولو قال: مُحْرِقة لم يدل على هذا المعنى. فصل المعنى يسبحن بتسبيحه (و) في كيفية تسبيح الجبال وجوه: الأول: أن الله تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلاٌ وقُدرة ونُطقاً، فحينئذ يصير الجبل مسبحاً لله تعالى. الثاني: قال القفال: إن داود - عليه (الصلاة و) السلام - أوتي من شدة الصوت وحسنة ما كان له في الجبال دويٌّ حسن وما يصغي الطير (إليه) لحسنه فيكون دويّ الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحاً، وروى محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود حتى إنه كان إذا قرأ الزبور دنَتْ منه الوحوش حتى تؤخَذَ بأعْنَاقِهَا. الثالث: أن الله تعالى سخر الجبال حتى إنّها كانت تسير إلى حيث يريده داود فجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه يدل على كمال قدة الله وحكمته. قوله: ﴿بالعشي والإشراق﴾ قال الكلبي غَدْوةً وعَشِيًّا والإشراق هو أن تشرق الشمسُ ويتناهى ضوؤها قال الزجاج: يقال شَرقَت الشمس (إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وقيل: هما بمعنًى. والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس) والماء يُشرق، وفسره ابن عباس بصلاة الضحى «قال ابن عباس كنت أمر به الآية لا أدري ما هي حتى حدثَتْنِي أمّ هانِئ بنت أبي طالب أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دخل عليها فدعا بوَضُوء فتوضأ ثمّ صلّى وقال يا أم هانئ: هذه صلاة الإشراق» وروى طاوس عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكرَ صلاةِ الضحى في القرآن؟ قالوا: لا؛ فقرأ: «إنا سَخَّرْنَا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق» قال: وكانت صلاة يصليها داود علي السلام وقال لم يزل في نفس شيء من صلاة الضحى حتى طلبتها فوجدتها في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق﴾ . قوله: ﴿والطير مَحْشُورَةً﴾ العامة على نصبها عَطَفَ مفعولاً على مفعول، وحالاً على حال كقولك: ضربت زيداً مكتوفاً وعمراً مطلقاً وأتى بالحال اسماً لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئاً فشيئاً لأن حشرها دفعة واحدة وأدلُّ على القدرة والحاشر الله تعالى. وقرأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَحْدري برفعهما جعلاها مستقلة من مبتدأ وخبر. والمعنى وسخرنا الطير محشورةً، قال ابن عباس: كان داود إذا سبح جاءته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله تعالى. فإن قيل: كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها؟ فالجواب: أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولاً حتى تعرف الله فتسبحه حنيئذ ويكون ذلك معجزة لداودَ قال الزمخشري قوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مقابلة: «يسبحن» إلا أنه ليس في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئاً بعد شيء فلا جَرَمَ أتى به اسماً لا فعلاً، وذلك أنه لو قيل: وسخرنا الطير (محشورة) (يحشرن) على تقدير أن الحشر يوجد من حاشرها شيئاً بعد شيء والحاشر هو الله عزّ وجلّ خلفاً لأنه تعالى حشرهم جملةً واحدة. قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي كل من الجبال والطير لداود أي لأجل تسبيحه، فوضع أواب موضع مسبَح. وقيل: (إنَّ) الضمير في: «لَهُ» للباري تعالى والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى. قوله: ﴿وَشَدَدْنَا﴾ العامة على تخفيف شددنا أي قَوَّيْنَا كقوله: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35] وابنُ أبي عَبْلَةَ والحسن «شَدَّدْنَا» بالتشديد وهي مبالغة كقراءة العامة، ومعنى الكلام قويناه بالحرس والجنود. قال ابن عباس: كان اشد ملوك الأرض سُلطاناً كان يحرس محرابه كل ليلة ستةٌ وثلاثون ألفَ رجلٍ. قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ فهي النبوة، وقيل: العلم والخير؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] وأما فصل الخطاب فقال بعض المفسرين: إن داود أول من قال في كلامه: أما بعد وقيل: المراد منه: معرفة الأمور التي بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البينة واليمين. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادراً على التعبير على كل ما يخطر بالبال ويحضُر في الخيال بحيث لا يخلِط شيئاً بشي وبحيث يفصل كُلّ مقام عن ما يخالفه. هذا معنى عامّ يتناول فصل الخصومات ويتناول الدعوة إلى الدين الحق ويتناول جميع الأقسام والله أعلم. وروى ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجلٍ من عظمائهم عند داود أن هذا غَصَبني بقراً فسَألَهُ (داود) فجَحَد فقال للآخر البينة فلم يكن له بينة فقال لهما داود: قوما حتى ينظر في أمركما فأوحى الله إلى داود من منامه أن يقتل الذي استعدى عليه فقال هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت فأوحى الله إليه ثانيةً فلم يفعل فأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال إن الله أوحى إليَّ أن أقتلك؛ فقال: تقتلني بغير بينة، فقال داود نعم والله لأنفذنَّ أمر الله فيك فلما عرف الرجل أنه قاتله قال لا تعجل حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكن اغتلت والد هذا فقتلته ولذلك أخذت فأمر به داود فقتل فاشتد هيبة داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل، واشتد به مُلْكه فذلك قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة﴾ يعني النبوة والإصابة في الأمور و «فَضْلَ الْخِطَابِ» قال ابن عباس: بيان الكلام وقال ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل: على الحكم بالقضاء، وقال علي بن أبي طالب: هو أن البينة على المدَّعِي واليمين على ما أنكر؛ لأن كلام الخصوم ينقطع وينقصل به، ويروى ذلك عن أبي بن كعب قال: فصل الخطاب الشهود والأيْمَان. وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن الشعبي: فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر. قوله (تعالى) : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم﴾ قد تقدم أن الخصم في الأصل مصدر فلذلك يصلح للمفرد والمذكر وضِدَّيْهِما، وقد يطاَبق، ومنه ﴿لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: 22] والمراد بالخصم هنا جمعٌ بدليل قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ وقوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ﴾ قال الزمخشري: وهو يقع للواحد والجمع كالضَّيْفِ، قال تعالى: ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين﴾ [الذاريات: 24] لأنه مصدر في أصله، يقال خَصَمَهُ يَخْصِمَهُ كما تقول: ضَافَهُ ضَيْفاً. فإن قلت: هذا جمع وقوله: خَصْمَان تثنية فكيف استقام ذلك؟ قلت: معنى خصمان فريقان خصمان، والدلي قراءة من قرأ: «بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» ونحوه قوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: 19] فإن قلت: فما تَصْنَعُ بقوله: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ وهو دليل على الاثنين؟ قلت: معناه أنّ التحاكم بين ملكين ولا يمنع أن يصحبهاما آخرون، فإن قلت: كيف سماهم جميعاً خَصْماً في قوله: «نَبَأُ الخَصْمِ وخَصْمَان» ؟ قلت: لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخسم صحت التسمية به. قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ في العامل في «إذْ» أَوْجُهٌ: أحدهما: أنه معمول للنبأ إذا لم يرد به القصة. وإليه ذهب ابنُ عطية وأبو البقاء ومكِّيٌّ أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تَسَوُّرهم المحراب، وقد ردّ بعضهم هذا بأن النبأ الواقع في ذلك الوقت لا يصح إتيانه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإن أريد بالنبأ القصة لم يكن ناصباً. قاله أبو حَيَّانَ. الثاني: أن العامل فيه «أَتَاكَ» وُردَّ بما رُدَّ به الأول وقد صرح الزَّمَخْشَريُّ بالرد على هذين الوجهين: فقال: «فإن قلت: بم انتصب إذ؟ قلت: لا يخلوا إما أن ينتصب» بأتَاكَ «أو» بالنَّبَأ «أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأَتَاك لأن إتيان النبأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا يقع إلا في عهده لا في عهد داودَ فلا يصح إتيانه رسولَ الله - صلى اله عليه وسلم - وإن أرادت بالنبأ القصة في نفسها لم يكن نصاباً، فبقي أن يكون منصوباً بمحذوف تقديره: وهَلْ أَيَاكَ نَبَأُ تَحَاكُمِ الخَصْمِ إذْ» فاختار أن يكون معمولاً لمحذوف. الرابع: أن ينتصب بالخصم؛ لما فيه من معنى الفِعْل. قوله: «إذْ دَخَلُوا» فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من «إذ» الأُولَى. الثاني: أنه منصوب بتَسَوَّرُوا. ومعنى تسوروا عَلَوْ أَعْلَى السّور، وهو الحائط غير مهموز كقولك: تَسَنَّم البَغِيرَ أي بَلَغَ سَنَامَهُ. والضمير في «تَسَوَّرُوا» و «دَخَلُوا» راجع على الخصم، أنه جمع في المعنى على ما تقدم، (أو على أنه مثنًّى والمثنى جمع في المعنى وتقدم) تحقيقه. قوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ خبر مبتدأ مضمر أي نَحْنُ خَصْمَانِ ولذلك جاء بقوله: ﴿بَعْضُنَا﴾ ، ومن قرأ «بعضهم» بالغيبة يجوز أن يقدره كذلك ويكون قد راعى لقظ: خَصْمَان، ويجوز أن يقدرهم خَصْمَان ليتطابق وروي عن الكسائي خِصْمَانِ بكسر الخَاء وقد تقدم أنه قرأها كذلك في الحَجِّ. قوله: ﴿بغى بَعْضُنَا﴾ جملة يجوز أن تكون مفسِّرة لحالهم، وأن تكون خبراً ثانياً. فإن قيل: كيف قالا: بغى بعضنا على بعض وهما مَلَكَان - على قول بعضهم - والملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه أرأيت خَصْمَيْن بَغَى أحَدُهُما على الآخر، وهذا من مَعَارِيضِ الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ﴾ العامة على ضم التاء وسكون الشين، وضم الطاء الأولى من (أ) شْطَطَ يُشْطِطُ إشْطَطاً إذا تجاوز الحق قال أبو عبيدة: شَطَطْتُ في الحكم وأَشْطَطْتُ إذا جُرْت؛ فهو مما اتفق فيه فَعَلَ وأَفْعَلَ، وإنما فكَّهُ على أحد الجائزين كقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 217] وقد تقدم تحقيقه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن أبي عبلة تَشطُطْ بفتح التاء وضم الطاء من «شَطّ» بمعنى «أَشَطَّ» كما تقدم. وقرأ قتادة: تُشِطّ من «أَشَطَّ رباعياً إلا أنه أدغم وهو أحد الجائزين كقراءة من قرأ» مَنْ يَرْتَدَّ منْكُمْ «وعنه أيضاً تُشَطِّطْ» بفتح الشين وكسر الطاء مشددة من شَطَّط يشطِّطُ. شَطَّتِ الدَّارُ وأَطَّتْ إذا بَعُدَتْ وَاهْدِنَا إلَى سَوَاء الصِّرَاطِ «أَرْشِدْنَا إلى طريق الصواب فقال لهما داود: تَكَلَّمَا فقال أحدهما:» إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً «يعني امرأة» وَلِيَ نعْجَةٌ وَاحِدَةٌ «أي امرأة واحدة. قوله: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ﴾ العامة على كسر التاء وهي اللغة الفاشية، وزيد بن عليّ والحسنُ بفتحها وهي لُغَيَّةٌ لبعض تميم، وكثر في كلامهم الكناية بها عن المرأة قال ابن عَوْن: 4262 - أَنَا أَبُوهُنَّ ثَلاَثٌ هُنَّةْ رَابِعَةٌ فِي الْبَيْتِ صُغْرَاهُنَّهْ ... وَنَعْجَتِي خَمْساً تُوَفِّيهُنَّهْ وقال آخر: 4263 - هُمَا نَعْجَتَانِ مِنْ نِعَاجِ تِبَالَةَ ... لَدَى جُؤْذُرَيْنِ أَوْ كَبَعْضِ دُمَة هَكِرْ قال الحسين: بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي كقولهم: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً، أو اشْتَرَى بَكْرٌ دَاراً. ولا ضَرْب هناك ولا شِرَاء. قال الزمخشري: «أخِي» بدل من «هذا» وقر عبد الله: «تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَة أُنْثَى» وهذا تأكيد كقوله: ﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ [النحل: 51] وقال الليث: النَّعْجَةُ الأنثى من الضأن والبقر الوحشي والشاة والجمع النِّعَاجُ. قوله: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ قال ابن عباس أعْطِنِيها، وقال مجاهد: انزل لي عنها. وحقيقة ضُمَّها إلَيَّ واجْعَلْنِي كافلا، وهو الذي يعولُها ويُنْفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوج إياها. قوله: ﴿وَعَزَّنِي﴾ أي غَلَبَنِي، قال: 4264 - قَطَاةٌ عَزَّهَا شَرَاكٌ فَبَاتَتْ ... تُجَاذِبُهُ وَقَدْ عَلِقَ الْجَنَاحُ يقال: عَزَّهُ يَعُزُّهُ بضم العين. وتقدم تحقيقه في يس عند قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14] . وقرأ طلحةُ وأبو حيوةَ: «وَعَزَنِي» بالتخفيف قال ابن جنِّي: حذف الزاي الواحد تخفيفاً كما قال الشاعر: 4265 - ... ... ... ... ... ..... أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ يريد أحْسَسْنَ فحذف. وتروى هذه قراءةً عن عاصم. وقرأ عبد الله والحسن وأبو وائل ومسروق والضحاك وَعَازَّنِي بألف مع تشديد الزاي أي غَالَبَنِي. قوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ مصدر مضاف لمفعوله. والفاعل محذوف أي بأَنْ سَأَلَكَ نَعْجَتَكَ، وضمّن السؤال معنى الإضافة والانضمام أي بإضافة نعجتك على سبل السؤال ولذلك عدي (بإلى) . فصل قال ابن الخطيب: للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذه القصة دلت على صدور الكبيرة عنه. وثانيها: دلالتها على الصغيرة. وثالثها: لا تدل على كبيرة ولا على صغيرة، فأما القول الأول فقالوا: إن داودَ أحبًَّ امرأة «أُوريَا» فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله (تعالى) ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته (وعرضا تلك الواقعة عليه) فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً ثم تنبيه لذك فاشتغل بالتوبة. وقال ابن الخطب: والذي أدين به وأذهبُ إليه أنّ ذلك باطلٌ لوجوهٍ: الأول: أن هذه الحكاية لا تناسب داودَ لأنها لو نُسبت إلى أفْسَقِ النَّاس وأشدهم فجوراً لانتفى منها، والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل العمل لبالغ في تنزيه نفسه وروعاً ولعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إليه؟ ﴿. الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي وقتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول فأمر منكر؛ قال - عليه (الصلاة و) السلام: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بشَرِّ كَلمَةٍ جَاءَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أيسٌ مِن رَحمةِ اللَّهِ» وأما الثاني فمنكر عظيم، قال - عليه (صلاة و) السلام -: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» وإن «أوريا» لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه. الثالث: أن الله تعالى وصل داودَ بصفات تنافي كونه - عليه (الصلاة و) السلام - موصوفاً بهذا الفعل المنكر فالصفة الأول أنه تعالى أمر محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (في) أن يقتدي بداود في المصابرة مع المكاره فلو قيل إنَّ داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحد الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله؟﴾ . وأما الصفة الثانية فإنه وصفه بكونه عبداً له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصف كاملاً في وصف العبودية أما في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحضورات، فلو قلنا: إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملاً إلاَّ في طعة الهوى والشهوة. وأما الصفة الثالثة وهي قوله: ﴿ذَا الأيد﴾ [ص: 17] أي ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحضورات، وأي قولة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟ ﴿الصفة الرابعة: كونه أوَّاباً كثيرَ الرجوع إلى الله تعالى فكيف يليق هذا بمن قلبه مشغوفٌ بالقتل والفجور؟﴾ الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذوا سبيله إلى القتل والفجور؟ ﴿الصفة السادسة: قوله تعالى: {والطير مَحْشُورَةً﴾ قيل: إنه كان محرَّماً عليه صيد شيءْ من الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على زوجته ومنكوحه الصفة السابعة: قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ومحال أن يكون المراد أنه تعالى: شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد بأنا ملكناه تقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة، أو المراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لايملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟} الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ (والحكمة اسم جامع لك ما ينبغي علماً وعملاً فكيف يجوز أن يقال: إِنَّا آتَيْنَاهُ) الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف عنه الشيطان من مُزاَحَمَة أخصِّ أصحابه في الروح والمنكوح؟! فهذه الصات التي وصف بها قبل شحر القصَّة. وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فأولها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة (على قوته في طاعة الله أما لو كانت القصة المتقدمة) دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لائقاً. وثانيها: قوله تعالى: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه: الأول: أن الملك الكبير إذا حُكِي عن عبده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فعند فراغه من شرح قصته على الناس يقبح منه أن يقول عقيبة أيها العبد إنّي فوضت إليك خلافتي ونبوتي لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر فأما جعله نائباً وخليفة لنفسه فذلك مما (لا) يليق البتة. الثاني: أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذل الوصف فلما حكمى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة، ثم قال بعده: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أشعر هذا (الوصف) بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعل المنكرة. ومعلوم أن هذا فاسد أما لوك ذكرنا أن تلك القصة كانت على وجه يدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدّة مصابرته في طاعة الله تعالى فحينئذ يناسب أن يذكر عقيبه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ فثبت أن الذي نختاره أولى. الثالث: أنه لما كان مقدمة الآية دالة على محد داود - عليه (الصلاة و) السلام - وتعظيمه ومؤخرتها أيضاً دالة على ذلك فلو كانت الواسطة دالة على المقابح والمعايب لجرى مَجْرى أن يقال: فلان عظيم الدردة عالي المرتبة في طاعة الله تعالى يقتل ويزني ويسرق وقد جعله اللخ خليفة له في أرضه وصوب أحكامه فكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب. ورابعها: أن بعض القائلين ذكر في هذه الآية أن داود - عليه (الصلاة و) السلام - تمنى أن يحصل له في الدين كلا حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثلَ ما حصل للخيل من الإلقاء في النار، وحل للذبيح من الذبح وحصل ليعقوبَ من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه (الصلاة و) السلام الابتلاء فأوحى الله إليه إنك مبتلي في يوم كذا فبالغ في الاحتراز، ثم وَقَعَت الواقعة فنقول: إن حكايتهم تدلّ على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه، فالسعي في قتل النفس (بغير الحق) والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة بحيث إن الحكاية التي ذكروها يناقص أولُها آخرَها. وخامسها: أن داود عليه (الصلاة و) السلام (تمنَّى أن يحصل له في الدين كما بحل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية) قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ استثنى الذين آمنوا من البغي. فلو قلنا: إنه كان موصوفاً بالبغي لزم أن يقال: إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل. وسادسها: حضرت في مجلس وفيه بعض أكابر المسلمين وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك فقلت له: لا شك أن داود عليه (الصلاة و) السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل وقال الله: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] ومن مدحه الله (تعالى بمثل) هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في المطعن فيه وأيضاً فتبقدير أنه ما كان من الأنبياء فلا شك أنه كان مسلماً؛ وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «لاَ تَذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ إِلاَّ بِخَيْر» ثم على تقدير أنَّا لا نلتفت إلى شيء من هده الدلائل إلاَّ أَنَّا نقول: إنَّ من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها في حقه صحيحةً فإن روياتها وذكرها لا يوجب شيئاً مِنَ الثواب، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من ألاَّ توجب الثواب. وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة فإن ذكرها مستحق به أعظم العقاب، والواقعة التي هذا شأنها وصفتها فإنَّ صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور، فلما سمع ذلك الملك الشديد هذا الكلام سكت ولم يذكر شيئاً. السابع: أن ذكر هذه القصة وذكر قصة يوسف - عليه (الصلاة و) السلام - يقتضي إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. الثامن: لو سعى داودُ في قتل ذلك الرجل دخل تحت قوله: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ المرىءٍ مُسْلِم وَلَوْ بِشَكْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» . وأيضاً لو فعل ذلك لكان ظالماً وكان يدخل تحت قوله: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: 18] . التاسع: عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب قال: مَنْ حَدَّثَكُمْ بحَدِيث دَاودَ عَلَى مَاتَرْويه القُصَّاصُ فاجلدوه مائةً وسينَ (جَلْدةً) وهو حّد الفِرية على الأنبياء، وما يقوي هذا انَّهُمْ لما قالوا: إن المغيرة بنَ شعبة زنى وشهد ثلاثةٌ من عدول الصحابة وأما الرابع فإنه لم يقل: إني رأيت ذلك بعيني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك فكيف الحال مع داود عليه (الصلاة و) السلام؟ {مع أنه كان من كابر الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -. العاشر: رُوي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله، ثم قال: فما بنبغي أن يزاد عليها وإن كنت الواقعة على ما ذكرت ثم إنه تعالى لم يذكرها لسَتْر تلك الواقعة على داود عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ستر ستره الله ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر: سماعي هذا الكلام أحب إلي ما طلعت عليه الشمسُ. فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها باطلة فاسدة فإن قال قائل: إن كثيراً من أكابر المحدثين المفسرين ذكروا هذه القصة فكيف الحال فيها؟} فالجواب الحقيقي: أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر (كل) واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى. وأيضاً فالأصل براءة الذمة، وأيضاً فلما تعارض ذكر التَّحرُّم والتحليل كان جانب التحريم أولى، وأيضاً طريقة الاحتياط توجب ترجيحَ قولِنَا، وأيضاً فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير (وقوع) هذا الواقعة لا يقول لنا الله يوم القيامة لِمَ لَمْ تَسعَوْا في تشهير هذه الواقعة أما بتقدير كونها باطلة فإنه يوجب أن لا تجوزَ الشهادة بها، وأيضاً كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول، بل الأكثرون والمحققون يردونه ويحكمون عليه بالكذب، وإذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدِّثين تساقطت وبَقِيَ الرجوع فيه إلا الدلائل التي ذكرناها. الاحتمال الثاني أن نحمل هذه القصة على حُصُول الصغيرة لا على حصول الكبيرة وذلك من وجوه: الأول: أن هذه المرأة خطبها «أوريا» فأجابوه، ثم خطبها داود فآثره أهلها فكان ذنبه أن خَطبَ على خطبته أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. الثاني: قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب ألْبَتَّةَ، أما وقوع بصره عليها من غير قصد بذنب، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضاً ذنباً، لأن الميل ليس في وسعه فلا يكون مكلفاً به بل لما اتفق أنه قتل زوجها لأجل أنه طمع في أن يتزوج بتلك المرأة فَحَصَلت بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل. والثالث: أنه كان أهل زمان داود عليه (الصلاة و) السلام يسأل بعضهم بعضاَ أن يطلق زوجته حتى تزوجها وكانت عادتها مألوفة مفهومة في هذا المعنى فاتفق أن عين داود (عليه السلام) وقعت على تلك المرأة فأحبها فسألوه النزول فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزاً في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإنَّ حسناتِ الأبرار سيئات المقربين. فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حَقِّ داود عليه (الصلاة و) السلام إلا ترك الأفضل، والأولى. الاحتمال الثالث: أن تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ولا صغيرة لداود عليه (الصلاة و) السلام بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أنه نقول: روي أنَّ جماعة من الأعداء طمعواأن يقتلوا داود - عليه (الصلاة و) السلام - وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوَّرُوا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً يمنعهم منه فخافوا ووضعوا كذباً يحتج به في إلحاق الذنب بداود عليه (الصلاة و) السلام إلا ألفاظ أربعة: أحدهما: قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ وثانيها: قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ . وثالثها: ﴿وَأَنَابَ﴾ . ورابعها: قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ ثم نقول: هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكروه من وجه: الأول: أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذه الطريق وعلم داود عليه السلام دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم أي أنه مال إلى الصَّفْح والتجاوز عنهم طلباً لمرضاة الله تعالى فكانت هي الفتنة لأنها جاريةٌ مَجْرَى الابتلاء والامتحان ثم إنَّه استغفر به مما هَمَّ به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهمِّ وَأَنَابَ فغفر له ذلك القدر من الهمِّ والعزم. الثاني: أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه إلا أنه ندم على ذلك الظن وقال: لَمَّا لَمْ تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك فَلَبِئْسَ ما عَمِلْتُ حيث ظننت فيهم هذا الظن الرديء فكان هذا هو المراد من قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ثم إنه استغفر ربه وأناب منه فغفر الله له ذلك. الثالث: دخولهم عليه كان فتنة لداود - عليه (الصلاة و) السلام - إلا أنه عليه (الصلاة و) السلام استغفر لذلك العازم على قتلهم كقوله في حق محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [محمد: 19] فداود (عليه السلام) استغفر لهم، وأناب أي رجع إلى الله تعالى في طلب المغفرة لذلك الرجل الداخل القاصد القتل، وقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي فَغَفَرْنَا ذلك الذنب لأجل احترام داود وتعظيمه كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] إن معناه: إن الله يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذَنْب أمّتك. الرابع: أنه عاتب داود عليه السلام عن زلَّة صدرت منه لكن لا نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة ولِم لا يجوز أن يقال: إن تلك الزلة إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الخصم الثاني لأنه لما قال: «لقد ظلمت بسؤال نعجتك» حكم عليه بكونه ظالماً بمجرد دعوة الخصم بلا بينة فيكون هذا الحكم مخالفاً للصواب. فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة إلا أن هذا من باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إِذَا حَمَلْنَا هذه الآيات على هذا الوجه فإنه لا يلزم إسناد شيءٍ من الذنوب إلى دَاودَ - عليه (الصلاة و) السلام - بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطَّاعَاتِ إليه. ثم نقول: وحمل الآية عليه أولى لوجوه: الأول: أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل. الثاني: أنه أحوط. الثالث: أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) : «اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ» فإن قوم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما أظهروا السفاهة حيث قالوا: إنه ساحرٌ كذاب، واستهزأوا به حيث قالوا: ربَّنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب، فقال تعالى في أول الآية: اصبر على ما يقولون يا محمد وعلى سفاهتهم وتحمل ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على أذاهم وتحمل سفاهتهم وحَلِمَ ولم يظهر الطيش والغضب وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه. أما إذا حملنا الآية على ما ذكروه صار الكلام متناقضاً. الرابع: أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا: إن الخَصْمَيْن كانا ملكين وإذا كانا ملكين ولم يكن بينهما مخاصمة ولم يبغ أحدُهما على الآخر كان قولهما: «خَصْمَان بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» كذب فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين. أحدهما: إسناد الكذب إلى الملائكة. والثاني: إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء، فكان قولنا أولى. فصل قال المفسرون قوله: وَعَزَّني (في الخِطَاب) اي قهرني وغلبني «في الخطاب» أي في القول. قال الضحاك يقول: إن تكلم كان أفصحَ مني، وإن حارب كان أبطشَ مني وحقيقة المعنى أن الغلبة كانت له فضعفي في يده وإن كان الحق معي فقال داود: «لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ» أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه. فإن قيل: كيف قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك ولم يكن سمع قوله صاحبه؟! . فالجواب: قيل: إن معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، قال ابن إسحاق: لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال: «لَئِنْ صَدَقَ لَقَدْ ظَلَمَهُ» . وقال ابن الأنباري: لما ادعى أحد الخَصْمَيْن) اعترف الثاني فحكم داود عليه ولم يذكر الله ذلك الاعتراف لدلالة الكلام عليه وقيل التقدير: إن الخَصْمَ الذي هذا شأنه قد ظلمك ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ . قال الليث: خَلِيطُ الرَّجُلِ مُخَالِطُهُ، وقال الزجاج: الخلطاء: الشركاء. فإن قيل: لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء يفعلون ذلك؟ فالجواب: أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة لأنها إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفسية إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيُفْضِي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة فلهذا خص داود - عليه (الصلاو ة) السلام الخلطاء بزيادة البغير والعُدْوَان ثم استثنى عن هذا الحكم الذين آمنوا وعملوا الصلحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون لأجل الدين. وهذا استثناء متصل من قوله: ﴿بَعْضهم﴾ . قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ خبر مقدم و «ما» مزيدة للتعظيم و «هم» مبتدأ. قال الزمخشري: و «ما» في قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ للإبهام وفيه تعجب من قتلهم قال: فإن أرادت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس: 4266 - وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ ... وانظر هل بقي لها معنى قط؟ «وَظَنَّ داوُد أَنَّمَا فَتَنَّاهُ» أي امتحناه، قرأ العامة فتَنَّاهُ بالتخفيف وإسناده إلى الضمير المتكلم المعظِّم نفسه، وعمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء فَتَّنَاه بتشديد التاء. وهي مبالغة وقرأ الضحاك: أَفْتَنَّاهُ يقال: فَتَنَهُ وأَفْتَنَهُ أي حَمَلَهُ على الفِتْنَةِ ومنه: 4267 - لَئِنْ فَتَنَتْنِي لَهيَ بِالأَمْسِ أَفْتَنَتْ..... ... ... ... ... ... ... ... وقرأ قتادة وأبو عمرو - في رواية فَتَنَّاهُ بالتخفيف وَفتَّنَّاه بالتشديد، والألف ضمير الخصمين، و «راكعاً» حال مقدرة، قال أبو البقاء، وفيه نظر لظهور المُقَارنةِ. فصل قال المفسرون: إن الظن ههنا بمعنى العلم؛ لأن داودَ عليه (الصلاة و) السلام لما قضى بينهما نظر أحَدُهُمَا إلى صاحبه فضحك، ثم صَعَد إلى السماء قبل وجهه فعل داود أنَّ الله ابْتَلاَهُ بذلك فثبت أن داود علم بذلك. وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم، لأن العلم الاستدلاليّ يشبه الظنّ مشابهةً عظيمةم والمشهابهة علة لجواز المجاز قال ابن الخطيب: هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين إما إذا لم يُقَلْ ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العمل بل لقائل أن يقول: إنه لمَّا غَلَب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة. قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ﴾ أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا: إنه صدرت منه زَلَّة حمل هذا الاستغفار عليها وإن لم يُقَلء به قلنا فيه وجوه: الأول: أن القوم لما دخولا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديدَ القهر عظيمَ القوة مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع محصول الفزغ في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئاً قَرُب الأمر من أن يدخل قبله شي من العُجْب فاستغر ربَّه من تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله فغفر له وتجاوز عنه بسبب طَرَيَانِ ذلك الخاطر. الثاني: لعله هَمَّ بإيذاء القوم، ثم قال: إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر من ذلك الهم. الثالث: لعل القوم تابوا إلى الله تعالى وطَلَبُوا منه أن يستغفر الله (لهم) ولأجل أن يَقْبَلَ توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله فغفر له توبتهم بسبب شفاعته ودعائه. وهه كلها وجوهٌ محتلمة ظاهرةٌ، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه، وإذا كان الفظ محتملاً لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام ما ذكروه من المنكرات فما الذي دل عليه التزامه والقول به؟ ويؤد ما ذكرنا أنه تعالى ختم هذه القصة بقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومثل هذه الخاتمة إنما يحصل في حقّ من صدر عن امتثال الأوامر في الخدمة والطاعة وتحمل أنواعاً من الشدائد في الموافقة والانقياد. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ الظاهر أنه مفعول «غَفَرْنا» وجوز أبو البقاء فيه أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي الأمرُ ذلِك ولا حاجة إلى هذا والمشهور أَنَّ الاستغفار إنما كان بسبب قصة النَّعْجَة، والنِّعاج، وقيل: بسبب أنه حَكَمَ لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الثاني، وذلك غير جائز. قوله: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أي تدبر أمور العباد بأمرنا، واعلم أنه لما تمم الكلام في شرح الفقصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داودَ خلافةَ الأرض وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في القصة لأن من البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دماء المسلمين رغبة ف انتزاع أزواجهم منهم، ثم يذكر عقيبه أن الله فوَّضَ خلافة الأرض إليه. ثم في تفسير كونه خليفة وجهان: الأول: جلعناك تَخْلُفُ من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفُه وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة، وذلك على الله محال. الثاني: إنا جعلناك ممكناً في الناس نافذ الحكم فيهم. فبهذا التأويل يسمى خليفة، ومنه يقال خليفة الله في الرض وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذَ الحكم في رَعيته، وحيقية الخلافة ممتنعة في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة (مفيدةً) للزوم نفاذ لك الحكم في تلك الحقيقة. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ أي بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقةً للشريعة الحقيقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات، وإذا كانت الأحكام على وَفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أقضى إلى تخريب العالم ووقوع الهَرَج والمَرَج في الخلق وذلك يُفْضي إلى هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال: ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ ، لأن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب. قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب في جواب النهي. الثاني: أنه عطف على «لاَ تَتَّبعْ» فهو مجزومٌ وإنما فتحت اللام لالتقاء الساكنين. وهو ونهي عن كل واحدة على حدته والأول فيه النهي عن الجمع بينهما وقد يترجح الثاني لهذا المعنى، وقد تقدم تقرير ذلك في البقرة في قوله ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: 42] . وفاعل «فيضلك» يجوز أن يكون الهَوَى، ويجوز أن يكون ضميرَ المصدر المفهوم من الفعل أي فيضلك إتِّبَاعُ الهوى. قوله: ﴿إِنَّ الذين يَضِلُّونَ﴾ قرأ العامة بتفح ياء يضلون. وقرأ ابن عباس والحَسَنُ وأبو حيوةَ بضمها أي يُضِلونَ الناس وهي مستلزمة للقراءة الأولى فإنه لا يُضل غيره إلا ضَالٌّ بخلاف العكس. قوله: ﴿بِمَا نَسُواْ﴾ ما مصدرية والجار يتعلق بالاستقرار الذي تضمنه «لهم» و «لَهُمْ عَذَابٌ» يجوز أن يكون جملة خبراً ل «إنَّ» ويجوز أن يكون الخبر وحده الجار، و «عَذَابٌ» فاعل به وهو الأحس لقربه من المفرد. فصل قيل: معناه بما تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقال الزجاج: بتركهم العمل ذلك اليوم، وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب شديد يَوْم الحساب بما نسوا أي تركوا القضاء بالعدل.

ص 38:22

قوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ فقوله: «يسبحن» جملة حالية من «الجبال» وأتى بها هنا فعلاً مضارعاً دون اسم الفاعل فلم يقل مسبِّحات، دلالة على التجدد والحدوث شيئاً بعد شيء كقول الأعشى: 4261 - لَعَمْرِي لَقَدْ لاَحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ ... إلَى ضَوْءٍ نَارٍ فِي بِقَاعِ تَحَرَّقُ أي تحرق شيئاً فشيئاً، ولو قال: مُحْرِقة لم يدل على هذا المعنى. فصل المعنى يسبحن بتسبيحه (و) في كيفية تسبيح الجبال وجوه: الأول: أن الله تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلاٌ وقُدرة ونُطقاً، فحينئذ يصير الجبل مسبحاً لله تعالى. الثاني: قال القفال: إن داود - عليه (الصلاة و) السلام - أوتي من شدة الصوت وحسنة ما كان له في الجبال دويٌّ حسن وما يصغي الطير (إليه) لحسنه فيكون دويّ الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحاً، وروى محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود حتى إنه كان إذا قرأ الزبور دنَتْ منه الوحوش حتى تؤخَذَ بأعْنَاقِهَا. الثالث: أن الله تعالى سخر الجبال حتى إنّها كانت تسير إلى حيث يريده داود فجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه يدل على كمال قدة الله وحكمته. قوله: ﴿بالعشي والإشراق﴾ قال الكلبي غَدْوةً وعَشِيًّا والإشراق هو أن تشرق الشمسُ ويتناهى ضوؤها قال الزجاج: يقال شَرقَت الشمس (إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وقيل: هما بمعنًى. والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس) والماء يُشرق، وفسره ابن عباس بصلاة الضحى «قال ابن عباس كنت أمر به الآية لا أدري ما هي حتى حدثَتْنِي أمّ هانِئ بنت أبي طالب أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دخل عليها فدعا بوَضُوء فتوضأ ثمّ صلّى وقال يا أم هانئ: هذه صلاة الإشراق» وروى طاوس عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكرَ صلاةِ الضحى في القرآن؟ قالوا: لا؛ فقرأ: «إنا سَخَّرْنَا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق» قال: وكانت صلاة يصليها داود علي السلام وقال لم يزل في نفس شيء من صلاة الضحى حتى طلبتها فوجدتها في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق﴾ . قوله: ﴿والطير مَحْشُورَةً﴾ العامة على نصبها عَطَفَ مفعولاً على مفعول، وحالاً على حال كقولك: ضربت زيداً مكتوفاً وعمراً مطلقاً وأتى بالحال اسماً لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئاً فشيئاً لأن حشرها دفعة واحدة وأدلُّ على القدرة والحاشر الله تعالى. وقرأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَحْدري برفعهما جعلاها مستقلة من مبتدأ وخبر. والمعنى وسخرنا الطير محشورةً، قال ابن عباس: كان داود إذا سبح جاءته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله تعالى. فإن قيل: كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها؟ فالجواب: أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولاً حتى تعرف الله فتسبحه حنيئذ ويكون ذلك معجزة لداودَ قال الزمخشري قوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مقابلة: «يسبحن» إلا أنه ليس في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئاً بعد شيء فلا جَرَمَ أتى به اسماً لا فعلاً، وذلك أنه لو قيل: وسخرنا الطير (محشورة) (يحشرن) على تقدير أن الحشر يوجد من حاشرها شيئاً بعد شيء والحاشر هو الله عزّ وجلّ خلفاً لأنه تعالى حشرهم جملةً واحدة. قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي كل من الجبال والطير لداود أي لأجل تسبيحه، فوضع أواب موضع مسبَح. وقيل: (إنَّ) الضمير في: «لَهُ» للباري تعالى والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى. قوله: ﴿وَشَدَدْنَا﴾ العامة على تخفيف شددنا أي قَوَّيْنَا كقوله: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35] وابنُ أبي عَبْلَةَ والحسن «شَدَّدْنَا» بالتشديد وهي مبالغة كقراءة العامة، ومعنى الكلام قويناه بالحرس والجنود. قال ابن عباس: كان اشد ملوك الأرض سُلطاناً كان يحرس محرابه كل ليلة ستةٌ وثلاثون ألفَ رجلٍ. قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ فهي النبوة، وقيل: العلم والخير؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] وأما فصل الخطاب فقال بعض المفسرين: إن داود أول من قال في كلامه: أما بعد وقيل: المراد منه: معرفة الأمور التي بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البينة واليمين. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادراً على التعبير على كل ما يخطر بالبال ويحضُر في الخيال بحيث لا يخلِط شيئاً بشي وبحيث يفصل كُلّ مقام عن ما يخالفه. هذا معنى عامّ يتناول فصل الخصومات ويتناول الدعوة إلى الدين الحق ويتناول جميع الأقسام والله أعلم. وروى ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجلٍ من عظمائهم عند داود أن هذا غَصَبني بقراً فسَألَهُ (داود) فجَحَد فقال للآخر البينة فلم يكن له بينة فقال لهما داود: قوما حتى ينظر في أمركما فأوحى الله إلى داود من منامه أن يقتل الذي استعدى عليه فقال هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت فأوحى الله إليه ثانيةً فلم يفعل فأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال إن الله أوحى إليَّ أن أقتلك؛ فقال: تقتلني بغير بينة، فقال داود نعم والله لأنفذنَّ أمر الله فيك فلما عرف الرجل أنه قاتله قال لا تعجل حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكن اغتلت والد هذا فقتلته ولذلك أخذت فأمر به داود فقتل فاشتد هيبة داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل، واشتد به مُلْكه فذلك قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة﴾ يعني النبوة والإصابة في الأمور و «فَضْلَ الْخِطَابِ» قال ابن عباس: بيان الكلام وقال ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل: على الحكم بالقضاء، وقال علي بن أبي طالب: هو أن البينة على المدَّعِي واليمين على ما أنكر؛ لأن كلام الخصوم ينقطع وينقصل به، ويروى ذلك عن أبي بن كعب قال: فصل الخطاب الشهود والأيْمَان. وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن الشعبي: فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر. قوله (تعالى) : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم﴾ قد تقدم أن الخصم في الأصل مصدر فلذلك يصلح للمفرد والمذكر وضِدَّيْهِما، وقد يطاَبق، ومنه ﴿لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: 22] والمراد بالخصم هنا جمعٌ بدليل قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ وقوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ﴾ قال الزمخشري: وهو يقع للواحد والجمع كالضَّيْفِ، قال تعالى: ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين﴾ [الذاريات: 24] لأنه مصدر في أصله، يقال خَصَمَهُ يَخْصِمَهُ كما تقول: ضَافَهُ ضَيْفاً. فإن قلت: هذا جمع وقوله: خَصْمَان تثنية فكيف استقام ذلك؟ قلت: معنى خصمان فريقان خصمان، والدلي قراءة من قرأ: «بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» ونحوه قوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: 19] فإن قلت: فما تَصْنَعُ بقوله: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ وهو دليل على الاثنين؟ قلت: معناه أنّ التحاكم بين ملكين ولا يمنع أن يصحبهاما آخرون، فإن قلت: كيف سماهم جميعاً خَصْماً في قوله: «نَبَأُ الخَصْمِ وخَصْمَان» ؟ قلت: لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخسم صحت التسمية به. قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ في العامل في «إذْ» أَوْجُهٌ: أحدهما: أنه معمول للنبأ إذا لم يرد به القصة. وإليه ذهب ابنُ عطية وأبو البقاء ومكِّيٌّ أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تَسَوُّرهم المحراب، وقد ردّ بعضهم هذا بأن النبأ الواقع في ذلك الوقت لا يصح إتيانه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإن أريد بالنبأ القصة لم يكن ناصباً. قاله أبو حَيَّانَ. الثاني: أن العامل فيه «أَتَاكَ» وُردَّ بما رُدَّ به الأول وقد صرح الزَّمَخْشَريُّ بالرد على هذين الوجهين: فقال: «فإن قلت: بم انتصب إذ؟ قلت: لا يخلوا إما أن ينتصب» بأتَاكَ «أو» بالنَّبَأ «أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأَتَاك لأن إتيان النبأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا يقع إلا في عهده لا في عهد داودَ فلا يصح إتيانه رسولَ الله - صلى اله عليه وسلم - وإن أرادت بالنبأ القصة في نفسها لم يكن نصاباً، فبقي أن يكون منصوباً بمحذوف تقديره: وهَلْ أَيَاكَ نَبَأُ تَحَاكُمِ الخَصْمِ إذْ» فاختار أن يكون معمولاً لمحذوف. الرابع: أن ينتصب بالخصم؛ لما فيه من معنى الفِعْل. قوله: «إذْ دَخَلُوا» فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من «إذ» الأُولَى. الثاني: أنه منصوب بتَسَوَّرُوا. ومعنى تسوروا عَلَوْ أَعْلَى السّور، وهو الحائط غير مهموز كقولك: تَسَنَّم البَغِيرَ أي بَلَغَ سَنَامَهُ. والضمير في «تَسَوَّرُوا» و «دَخَلُوا» راجع على الخصم، أنه جمع في المعنى على ما تقدم، (أو على أنه مثنًّى والمثنى جمع في المعنى وتقدم) تحقيقه. قوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ خبر مبتدأ مضمر أي نَحْنُ خَصْمَانِ ولذلك جاء بقوله: ﴿بَعْضُنَا﴾ ، ومن قرأ «بعضهم» بالغيبة يجوز أن يقدره كذلك ويكون قد راعى لقظ: خَصْمَان، ويجوز أن يقدرهم خَصْمَان ليتطابق وروي عن الكسائي خِصْمَانِ بكسر الخَاء وقد تقدم أنه قرأها كذلك في الحَجِّ. قوله: ﴿بغى بَعْضُنَا﴾ جملة يجوز أن تكون مفسِّرة لحالهم، وأن تكون خبراً ثانياً. فإن قيل: كيف قالا: بغى بعضنا على بعض وهما مَلَكَان - على قول بعضهم - والملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه أرأيت خَصْمَيْن بَغَى أحَدُهُما على الآخر، وهذا من مَعَارِيضِ الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ﴾ العامة على ضم التاء وسكون الشين، وضم الطاء الأولى من (أ) شْطَطَ يُشْطِطُ إشْطَطاً إذا تجاوز الحق قال أبو عبيدة: شَطَطْتُ في الحكم وأَشْطَطْتُ إذا جُرْت؛ فهو مما اتفق فيه فَعَلَ وأَفْعَلَ، وإنما فكَّهُ على أحد الجائزين كقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 217] وقد تقدم تحقيقه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن أبي عبلة تَشطُطْ بفتح التاء وضم الطاء من «شَطّ» بمعنى «أَشَطَّ» كما تقدم. وقرأ قتادة: تُشِطّ من «أَشَطَّ رباعياً إلا أنه أدغم وهو أحد الجائزين كقراءة من قرأ» مَنْ يَرْتَدَّ منْكُمْ «وعنه أيضاً تُشَطِّطْ» بفتح الشين وكسر الطاء مشددة من شَطَّط يشطِّطُ. شَطَّتِ الدَّارُ وأَطَّتْ إذا بَعُدَتْ وَاهْدِنَا إلَى سَوَاء الصِّرَاطِ «أَرْشِدْنَا إلى طريق الصواب فقال لهما داود: تَكَلَّمَا فقال أحدهما:» إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً «يعني امرأة» وَلِيَ نعْجَةٌ وَاحِدَةٌ «أي امرأة واحدة. قوله: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ﴾ العامة على كسر التاء وهي اللغة الفاشية، وزيد بن عليّ والحسنُ بفتحها وهي لُغَيَّةٌ لبعض تميم، وكثر في كلامهم الكناية بها عن المرأة قال ابن عَوْن: 4262 - أَنَا أَبُوهُنَّ ثَلاَثٌ هُنَّةْ رَابِعَةٌ فِي الْبَيْتِ صُغْرَاهُنَّهْ ... وَنَعْجَتِي خَمْساً تُوَفِّيهُنَّهْ وقال آخر: 4263 - هُمَا نَعْجَتَانِ مِنْ نِعَاجِ تِبَالَةَ ... لَدَى جُؤْذُرَيْنِ أَوْ كَبَعْضِ دُمَة هَكِرْ قال الحسين: بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي كقولهم: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً، أو اشْتَرَى بَكْرٌ دَاراً. ولا ضَرْب هناك ولا شِرَاء. قال الزمخشري: «أخِي» بدل من «هذا» وقر عبد الله: «تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَة أُنْثَى» وهذا تأكيد كقوله: ﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ [النحل: 51] وقال الليث: النَّعْجَةُ الأنثى من الضأن والبقر الوحشي والشاة والجمع النِّعَاجُ. قوله: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ قال ابن عباس أعْطِنِيها، وقال مجاهد: انزل لي عنها. وحقيقة ضُمَّها إلَيَّ واجْعَلْنِي كافلا، وهو الذي يعولُها ويُنْفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوج إياها. قوله: ﴿وَعَزَّنِي﴾ أي غَلَبَنِي، قال: 4264 - قَطَاةٌ عَزَّهَا شَرَاكٌ فَبَاتَتْ ... تُجَاذِبُهُ وَقَدْ عَلِقَ الْجَنَاحُ يقال: عَزَّهُ يَعُزُّهُ بضم العين. وتقدم تحقيقه في يس عند قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14] . وقرأ طلحةُ وأبو حيوةَ: «وَعَزَنِي» بالتخفيف قال ابن جنِّي: حذف الزاي الواحد تخفيفاً كما قال الشاعر: 4265 - ... ... ... ... ... ..... أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ يريد أحْسَسْنَ فحذف. وتروى هذه قراءةً عن عاصم. وقرأ عبد الله والحسن وأبو وائل ومسروق والضحاك وَعَازَّنِي بألف مع تشديد الزاي أي غَالَبَنِي. قوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ مصدر مضاف لمفعوله. والفاعل محذوف أي بأَنْ سَأَلَكَ نَعْجَتَكَ، وضمّن السؤال معنى الإضافة والانضمام أي بإضافة نعجتك على سبل السؤال ولذلك عدي (بإلى) . فصل قال ابن الخطيب: للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذه القصة دلت على صدور الكبيرة عنه. وثانيها: دلالتها على الصغيرة. وثالثها: لا تدل على كبيرة ولا على صغيرة، فأما القول الأول فقالوا: إن داودَ أحبًَّ امرأة «أُوريَا» فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله (تعالى) ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته (وعرضا تلك الواقعة عليه) فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً ثم تنبيه لذك فاشتغل بالتوبة. وقال ابن الخطب: والذي أدين به وأذهبُ إليه أنّ ذلك باطلٌ لوجوهٍ: الأول: أن هذه الحكاية لا تناسب داودَ لأنها لو نُسبت إلى أفْسَقِ النَّاس وأشدهم فجوراً لانتفى منها، والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل العمل لبالغ في تنزيه نفسه وروعاً ولعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إليه؟ ﴿. الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي وقتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول فأمر منكر؛ قال - عليه (الصلاة و) السلام: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بشَرِّ كَلمَةٍ جَاءَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أيسٌ مِن رَحمةِ اللَّهِ» وأما الثاني فمنكر عظيم، قال - عليه (صلاة و) السلام -: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» وإن «أوريا» لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه. الثالث: أن الله تعالى وصل داودَ بصفات تنافي كونه - عليه (الصلاة و) السلام - موصوفاً بهذا الفعل المنكر فالصفة الأول أنه تعالى أمر محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (في) أن يقتدي بداود في المصابرة مع المكاره فلو قيل إنَّ داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحد الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله؟﴾ . وأما الصفة الثانية فإنه وصفه بكونه عبداً له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصف كاملاً في وصف العبودية أما في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحضورات، فلو قلنا: إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملاً إلاَّ في طعة الهوى والشهوة. وأما الصفة الثالثة وهي قوله: ﴿ذَا الأيد﴾ [ص: 17] أي ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحضورات، وأي قولة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟ ﴿الصفة الرابعة: كونه أوَّاباً كثيرَ الرجوع إلى الله تعالى فكيف يليق هذا بمن قلبه مشغوفٌ بالقتل والفجور؟﴾ الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذوا سبيله إلى القتل والفجور؟ ﴿الصفة السادسة: قوله تعالى: {والطير مَحْشُورَةً﴾ قيل: إنه كان محرَّماً عليه صيد شيءْ من الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على زوجته ومنكوحه الصفة السابعة: قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ومحال أن يكون المراد أنه تعالى: شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد بأنا ملكناه تقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة، أو المراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لايملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟} الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ (والحكمة اسم جامع لك ما ينبغي علماً وعملاً فكيف يجوز أن يقال: إِنَّا آتَيْنَاهُ) الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف عنه الشيطان من مُزاَحَمَة أخصِّ أصحابه في الروح والمنكوح؟! فهذه الصات التي وصف بها قبل شحر القصَّة. وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فأولها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة (على قوته في طاعة الله أما لو كانت القصة المتقدمة) دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لائقاً. وثانيها: قوله تعالى: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه: الأول: أن الملك الكبير إذا حُكِي عن عبده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فعند فراغه من شرح قصته على الناس يقبح منه أن يقول عقيبة أيها العبد إنّي فوضت إليك خلافتي ونبوتي لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر فأما جعله نائباً وخليفة لنفسه فذلك مما (لا) يليق البتة. الثاني: أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذل الوصف فلما حكمى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة، ثم قال بعده: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أشعر هذا (الوصف) بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعل المنكرة. ومعلوم أن هذا فاسد أما لوك ذكرنا أن تلك القصة كانت على وجه يدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدّة مصابرته في طاعة الله تعالى فحينئذ يناسب أن يذكر عقيبه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ فثبت أن الذي نختاره أولى. الثالث: أنه لما كان مقدمة الآية دالة على محد داود - عليه (الصلاة و) السلام - وتعظيمه ومؤخرتها أيضاً دالة على ذلك فلو كانت الواسطة دالة على المقابح والمعايب لجرى مَجْرى أن يقال: فلان عظيم الدردة عالي المرتبة في طاعة الله تعالى يقتل ويزني ويسرق وقد جعله اللخ خليفة له في أرضه وصوب أحكامه فكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب. ورابعها: أن بعض القائلين ذكر في هذه الآية أن داود - عليه (الصلاة و) السلام - تمنى أن يحصل له في الدين كلا حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثلَ ما حصل للخيل من الإلقاء في النار، وحل للذبيح من الذبح وحصل ليعقوبَ من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه (الصلاة و) السلام الابتلاء فأوحى الله إليه إنك مبتلي في يوم كذا فبالغ في الاحتراز، ثم وَقَعَت الواقعة فنقول: إن حكايتهم تدلّ على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه، فالسعي في قتل النفس (بغير الحق) والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة بحيث إن الحكاية التي ذكروها يناقص أولُها آخرَها. وخامسها: أن داود عليه (الصلاة و) السلام (تمنَّى أن يحصل له في الدين كما بحل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية) قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ استثنى الذين آمنوا من البغي. فلو قلنا: إنه كان موصوفاً بالبغي لزم أن يقال: إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل. وسادسها: حضرت في مجلس وفيه بعض أكابر المسلمين وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك فقلت له: لا شك أن داود عليه (الصلاة و) السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل وقال الله: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] ومن مدحه الله (تعالى بمثل) هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في المطعن فيه وأيضاً فتبقدير أنه ما كان من الأنبياء فلا شك أنه كان مسلماً؛ وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «لاَ تَذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ إِلاَّ بِخَيْر» ثم على تقدير أنَّا لا نلتفت إلى شيء من هده الدلائل إلاَّ أَنَّا نقول: إنَّ من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها في حقه صحيحةً فإن روياتها وذكرها لا يوجب شيئاً مِنَ الثواب، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من ألاَّ توجب الثواب. وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة فإن ذكرها مستحق به أعظم العقاب، والواقعة التي هذا شأنها وصفتها فإنَّ صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور، فلما سمع ذلك الملك الشديد هذا الكلام سكت ولم يذكر شيئاً. السابع: أن ذكر هذه القصة وذكر قصة يوسف - عليه (الصلاة و) السلام - يقتضي إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. الثامن: لو سعى داودُ في قتل ذلك الرجل دخل تحت قوله: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ المرىءٍ مُسْلِم وَلَوْ بِشَكْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» . وأيضاً لو فعل ذلك لكان ظالماً وكان يدخل تحت قوله: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: 18] . التاسع: عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب قال: مَنْ حَدَّثَكُمْ بحَدِيث دَاودَ عَلَى مَاتَرْويه القُصَّاصُ فاجلدوه مائةً وسينَ (جَلْدةً) وهو حّد الفِرية على الأنبياء، وما يقوي هذا انَّهُمْ لما قالوا: إن المغيرة بنَ شعبة زنى وشهد ثلاثةٌ من عدول الصحابة وأما الرابع فإنه لم يقل: إني رأيت ذلك بعيني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك فكيف الحال مع داود عليه (الصلاة و) السلام؟ {مع أنه كان من كابر الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -. العاشر: رُوي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله، ثم قال: فما بنبغي أن يزاد عليها وإن كنت الواقعة على ما ذكرت ثم إنه تعالى لم يذكرها لسَتْر تلك الواقعة على داود عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ستر ستره الله ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر: سماعي هذا الكلام أحب إلي ما طلعت عليه الشمسُ. فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها باطلة فاسدة فإن قال قائل: إن كثيراً من أكابر المحدثين المفسرين ذكروا هذه القصة فكيف الحال فيها؟} فالجواب الحقيقي: أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر (كل) واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى. وأيضاً فالأصل براءة الذمة، وأيضاً فلما تعارض ذكر التَّحرُّم والتحليل كان جانب التحريم أولى، وأيضاً طريقة الاحتياط توجب ترجيحَ قولِنَا، وأيضاً فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير (وقوع) هذا الواقعة لا يقول لنا الله يوم القيامة لِمَ لَمْ تَسعَوْا في تشهير هذه الواقعة أما بتقدير كونها باطلة فإنه يوجب أن لا تجوزَ الشهادة بها، وأيضاً كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول، بل الأكثرون والمحققون يردونه ويحكمون عليه بالكذب، وإذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدِّثين تساقطت وبَقِيَ الرجوع فيه إلا الدلائل التي ذكرناها. الاحتمال الثاني أن نحمل هذه القصة على حُصُول الصغيرة لا على حصول الكبيرة وذلك من وجوه: الأول: أن هذه المرأة خطبها «أوريا» فأجابوه، ثم خطبها داود فآثره أهلها فكان ذنبه أن خَطبَ على خطبته أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. الثاني: قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب ألْبَتَّةَ، أما وقوع بصره عليها من غير قصد بذنب، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضاً ذنباً، لأن الميل ليس في وسعه فلا يكون مكلفاً به بل لما اتفق أنه قتل زوجها لأجل أنه طمع في أن يتزوج بتلك المرأة فَحَصَلت بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل. والثالث: أنه كان أهل زمان داود عليه (الصلاة و) السلام يسأل بعضهم بعضاَ أن يطلق زوجته حتى تزوجها وكانت عادتها مألوفة مفهومة في هذا المعنى فاتفق أن عين داود (عليه السلام) وقعت على تلك المرأة فأحبها فسألوه النزول فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزاً في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإنَّ حسناتِ الأبرار سيئات المقربين. فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حَقِّ داود عليه (الصلاة و) السلام إلا ترك الأفضل، والأولى. الاحتمال الثالث: أن تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ولا صغيرة لداود عليه (الصلاة و) السلام بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أنه نقول: روي أنَّ جماعة من الأعداء طمعواأن يقتلوا داود - عليه (الصلاة و) السلام - وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوَّرُوا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً يمنعهم منه فخافوا ووضعوا كذباً يحتج به في إلحاق الذنب بداود عليه (الصلاة و) السلام إلا ألفاظ أربعة: أحدهما: قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ وثانيها: قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ . وثالثها: ﴿وَأَنَابَ﴾ . ورابعها: قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ ثم نقول: هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكروه من وجه: الأول: أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذه الطريق وعلم داود عليه السلام دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم أي أنه مال إلى الصَّفْح والتجاوز عنهم طلباً لمرضاة الله تعالى فكانت هي الفتنة لأنها جاريةٌ مَجْرَى الابتلاء والامتحان ثم إنَّه استغفر به مما هَمَّ به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهمِّ وَأَنَابَ فغفر له ذلك القدر من الهمِّ والعزم. الثاني: أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه إلا أنه ندم على ذلك الظن وقال: لَمَّا لَمْ تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك فَلَبِئْسَ ما عَمِلْتُ حيث ظننت فيهم هذا الظن الرديء فكان هذا هو المراد من قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ثم إنه استغفر ربه وأناب منه فغفر الله له ذلك. الثالث: دخولهم عليه كان فتنة لداود - عليه (الصلاة و) السلام - إلا أنه عليه (الصلاة و) السلام استغفر لذلك العازم على قتلهم كقوله في حق محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [محمد: 19] فداود (عليه السلام) استغفر لهم، وأناب أي رجع إلى الله تعالى في طلب المغفرة لذلك الرجل الداخل القاصد القتل، وقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي فَغَفَرْنَا ذلك الذنب لأجل احترام داود وتعظيمه كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] إن معناه: إن الله يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذَنْب أمّتك. الرابع: أنه عاتب داود عليه السلام عن زلَّة صدرت منه لكن لا نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة ولِم لا يجوز أن يقال: إن تلك الزلة إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الخصم الثاني لأنه لما قال: «لقد ظلمت بسؤال نعجتك» حكم عليه بكونه ظالماً بمجرد دعوة الخصم بلا بينة فيكون هذا الحكم مخالفاً للصواب. فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة إلا أن هذا من باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إِذَا حَمَلْنَا هذه الآيات على هذا الوجه فإنه لا يلزم إسناد شيءٍ من الذنوب إلى دَاودَ - عليه (الصلاة و) السلام - بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطَّاعَاتِ إليه. ثم نقول: وحمل الآية عليه أولى لوجوه: الأول: أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل. الثاني: أنه أحوط. الثالث: أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) : «اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ» فإن قوم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما أظهروا السفاهة حيث قالوا: إنه ساحرٌ كذاب، واستهزأوا به حيث قالوا: ربَّنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب، فقال تعالى في أول الآية: اصبر على ما يقولون يا محمد وعلى سفاهتهم وتحمل ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على أذاهم وتحمل سفاهتهم وحَلِمَ ولم يظهر الطيش والغضب وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه. أما إذا حملنا الآية على ما ذكروه صار الكلام متناقضاً. الرابع: أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا: إن الخَصْمَيْن كانا ملكين وإذا كانا ملكين ولم يكن بينهما مخاصمة ولم يبغ أحدُهما على الآخر كان قولهما: «خَصْمَان بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» كذب فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين. أحدهما: إسناد الكذب إلى الملائكة. والثاني: إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء، فكان قولنا أولى. فصل قال المفسرون قوله: وَعَزَّني (في الخِطَاب) اي قهرني وغلبني «في الخطاب» أي في القول. قال الضحاك يقول: إن تكلم كان أفصحَ مني، وإن حارب كان أبطشَ مني وحقيقة المعنى أن الغلبة كانت له فضعفي في يده وإن كان الحق معي فقال داود: «لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ» أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه. فإن قيل: كيف قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك ولم يكن سمع قوله صاحبه؟! . فالجواب: قيل: إن معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، قال ابن إسحاق: لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال: «لَئِنْ صَدَقَ لَقَدْ ظَلَمَهُ» . وقال ابن الأنباري: لما ادعى أحد الخَصْمَيْن) اعترف الثاني فحكم داود عليه ولم يذكر الله ذلك الاعتراف لدلالة الكلام عليه وقيل التقدير: إن الخَصْمَ الذي هذا شأنه قد ظلمك ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ . قال الليث: خَلِيطُ الرَّجُلِ مُخَالِطُهُ، وقال الزجاج: الخلطاء: الشركاء. فإن قيل: لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء يفعلون ذلك؟ فالجواب: أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة لأنها إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفسية إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيُفْضِي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة فلهذا خص داود - عليه (الصلاو ة) السلام الخلطاء بزيادة البغير والعُدْوَان ثم استثنى عن هذا الحكم الذين آمنوا وعملوا الصلحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون لأجل الدين. وهذا استثناء متصل من قوله: ﴿بَعْضهم﴾ . قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ خبر مقدم و «ما» مزيدة للتعظيم و «هم» مبتدأ. قال الزمخشري: و «ما» في قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ للإبهام وفيه تعجب من قتلهم قال: فإن أرادت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس: 4266 - وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ ... وانظر هل بقي لها معنى قط؟ «وَظَنَّ داوُد أَنَّمَا فَتَنَّاهُ» أي امتحناه، قرأ العامة فتَنَّاهُ بالتخفيف وإسناده إلى الضمير المتكلم المعظِّم نفسه، وعمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء فَتَّنَاه بتشديد التاء. وهي مبالغة وقرأ الضحاك: أَفْتَنَّاهُ يقال: فَتَنَهُ وأَفْتَنَهُ أي حَمَلَهُ على الفِتْنَةِ ومنه: 4267 - لَئِنْ فَتَنَتْنِي لَهيَ بِالأَمْسِ أَفْتَنَتْ..... ... ... ... ... ... ... ... وقرأ قتادة وأبو عمرو - في رواية فَتَنَّاهُ بالتخفيف وَفتَّنَّاه بالتشديد، والألف ضمير الخصمين، و «راكعاً» حال مقدرة، قال أبو البقاء، وفيه نظر لظهور المُقَارنةِ. فصل قال المفسرون: إن الظن ههنا بمعنى العلم؛ لأن داودَ عليه (الصلاة و) السلام لما قضى بينهما نظر أحَدُهُمَا إلى صاحبه فضحك، ثم صَعَد إلى السماء قبل وجهه فعل داود أنَّ الله ابْتَلاَهُ بذلك فثبت أن داود علم بذلك. وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم، لأن العلم الاستدلاليّ يشبه الظنّ مشابهةً عظيمةم والمشهابهة علة لجواز المجاز قال ابن الخطيب: هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين إما إذا لم يُقَلْ ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العمل بل لقائل أن يقول: إنه لمَّا غَلَب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة. قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ﴾ أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا: إنه صدرت منه زَلَّة حمل هذا الاستغفار عليها وإن لم يُقَلء به قلنا فيه وجوه: الأول: أن القوم لما دخولا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديدَ القهر عظيمَ القوة مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع محصول الفزغ في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئاً قَرُب الأمر من أن يدخل قبله شي من العُجْب فاستغر ربَّه من تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله فغفر له وتجاوز عنه بسبب طَرَيَانِ ذلك الخاطر. الثاني: لعله هَمَّ بإيذاء القوم، ثم قال: إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر من ذلك الهم. الثالث: لعل القوم تابوا إلى الله تعالى وطَلَبُوا منه أن يستغفر الله (لهم) ولأجل أن يَقْبَلَ توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله فغفر له توبتهم بسبب شفاعته ودعائه. وهه كلها وجوهٌ محتلمة ظاهرةٌ، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه، وإذا كان الفظ محتملاً لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام ما ذكروه من المنكرات فما الذي دل عليه التزامه والقول به؟ ويؤد ما ذكرنا أنه تعالى ختم هذه القصة بقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومثل هذه الخاتمة إنما يحصل في حقّ من صدر عن امتثال الأوامر في الخدمة والطاعة وتحمل أنواعاً من الشدائد في الموافقة والانقياد. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ الظاهر أنه مفعول «غَفَرْنا» وجوز أبو البقاء فيه أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي الأمرُ ذلِك ولا حاجة إلى هذا والمشهور أَنَّ الاستغفار إنما كان بسبب قصة النَّعْجَة، والنِّعاج، وقيل: بسبب أنه حَكَمَ لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الثاني، وذلك غير جائز. قوله: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أي تدبر أمور العباد بأمرنا، واعلم أنه لما تمم الكلام في شرح الفقصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داودَ خلافةَ الأرض وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في القصة لأن من البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دماء المسلمين رغبة ف انتزاع أزواجهم منهم، ثم يذكر عقيبه أن الله فوَّضَ خلافة الأرض إليه. ثم في تفسير كونه خليفة وجهان: الأول: جلعناك تَخْلُفُ من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفُه وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة، وذلك على الله محال. الثاني: إنا جعلناك ممكناً في الناس نافذ الحكم فيهم. فبهذا التأويل يسمى خليفة، ومنه يقال خليفة الله في الرض وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذَ الحكم في رَعيته، وحيقية الخلافة ممتنعة في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة (مفيدةً) للزوم نفاذ لك الحكم في تلك الحقيقة. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ أي بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقةً للشريعة الحقيقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات، وإذا كانت الأحكام على وَفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أقضى إلى تخريب العالم ووقوع الهَرَج والمَرَج في الخلق وذلك يُفْضي إلى هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال: ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ ، لأن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب. قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب في جواب النهي. الثاني: أنه عطف على «لاَ تَتَّبعْ» فهو مجزومٌ وإنما فتحت اللام لالتقاء الساكنين. وهو ونهي عن كل واحدة على حدته والأول فيه النهي عن الجمع بينهما وقد يترجح الثاني لهذا المعنى، وقد تقدم تقرير ذلك في البقرة في قوله ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: 42] . وفاعل «فيضلك» يجوز أن يكون الهَوَى، ويجوز أن يكون ضميرَ المصدر المفهوم من الفعل أي فيضلك إتِّبَاعُ الهوى. قوله: ﴿إِنَّ الذين يَضِلُّونَ﴾ قرأ العامة بتفح ياء يضلون. وقرأ ابن عباس والحَسَنُ وأبو حيوةَ بضمها أي يُضِلونَ الناس وهي مستلزمة للقراءة الأولى فإنه لا يُضل غيره إلا ضَالٌّ بخلاف العكس. قوله: ﴿بِمَا نَسُواْ﴾ ما مصدرية والجار يتعلق بالاستقرار الذي تضمنه «لهم» و «لَهُمْ عَذَابٌ» يجوز أن يكون جملة خبراً ل «إنَّ» ويجوز أن يكون الخبر وحده الجار، و «عَذَابٌ» فاعل به وهو الأحس لقربه من المفرد. فصل قيل: معناه بما تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقال الزجاج: بتركهم العمل ذلك اليوم، وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب شديد يَوْم الحساب بما نسوا أي تركوا القضاء بالعدل.

ص 38:23

قوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ فقوله: «يسبحن» جملة حالية من «الجبال» وأتى بها هنا فعلاً مضارعاً دون اسم الفاعل فلم يقل مسبِّحات، دلالة على التجدد والحدوث شيئاً بعد شيء كقول الأعشى: 4261 - لَعَمْرِي لَقَدْ لاَحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ ... إلَى ضَوْءٍ نَارٍ فِي بِقَاعِ تَحَرَّقُ أي تحرق شيئاً فشيئاً، ولو قال: مُحْرِقة لم يدل على هذا المعنى. فصل المعنى يسبحن بتسبيحه (و) في كيفية تسبيح الجبال وجوه: الأول: أن الله تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلاٌ وقُدرة ونُطقاً، فحينئذ يصير الجبل مسبحاً لله تعالى. الثاني: قال القفال: إن داود - عليه (الصلاة و) السلام - أوتي من شدة الصوت وحسنة ما كان له في الجبال دويٌّ حسن وما يصغي الطير (إليه) لحسنه فيكون دويّ الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحاً، وروى محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود حتى إنه كان إذا قرأ الزبور دنَتْ منه الوحوش حتى تؤخَذَ بأعْنَاقِهَا. الثالث: أن الله تعالى سخر الجبال حتى إنّها كانت تسير إلى حيث يريده داود فجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه يدل على كمال قدة الله وحكمته. قوله: ﴿بالعشي والإشراق﴾ قال الكلبي غَدْوةً وعَشِيًّا والإشراق هو أن تشرق الشمسُ ويتناهى ضوؤها قال الزجاج: يقال شَرقَت الشمس (إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وقيل: هما بمعنًى. والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس) والماء يُشرق، وفسره ابن عباس بصلاة الضحى «قال ابن عباس كنت أمر به الآية لا أدري ما هي حتى حدثَتْنِي أمّ هانِئ بنت أبي طالب أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دخل عليها فدعا بوَضُوء فتوضأ ثمّ صلّى وقال يا أم هانئ: هذه صلاة الإشراق» وروى طاوس عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكرَ صلاةِ الضحى في القرآن؟ قالوا: لا؛ فقرأ: «إنا سَخَّرْنَا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق» قال: وكانت صلاة يصليها داود علي السلام وقال لم يزل في نفس شيء من صلاة الضحى حتى طلبتها فوجدتها في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق﴾ . قوله: ﴿والطير مَحْشُورَةً﴾ العامة على نصبها عَطَفَ مفعولاً على مفعول، وحالاً على حال كقولك: ضربت زيداً مكتوفاً وعمراً مطلقاً وأتى بالحال اسماً لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئاً فشيئاً لأن حشرها دفعة واحدة وأدلُّ على القدرة والحاشر الله تعالى. وقرأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَحْدري برفعهما جعلاها مستقلة من مبتدأ وخبر. والمعنى وسخرنا الطير محشورةً، قال ابن عباس: كان داود إذا سبح جاءته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله تعالى. فإن قيل: كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها؟ فالجواب: أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولاً حتى تعرف الله فتسبحه حنيئذ ويكون ذلك معجزة لداودَ قال الزمخشري قوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مقابلة: «يسبحن» إلا أنه ليس في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئاً بعد شيء فلا جَرَمَ أتى به اسماً لا فعلاً، وذلك أنه لو قيل: وسخرنا الطير (محشورة) (يحشرن) على تقدير أن الحشر يوجد من حاشرها شيئاً بعد شيء والحاشر هو الله عزّ وجلّ خلفاً لأنه تعالى حشرهم جملةً واحدة. قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي كل من الجبال والطير لداود أي لأجل تسبيحه، فوضع أواب موضع مسبَح. وقيل: (إنَّ) الضمير في: «لَهُ» للباري تعالى والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى. قوله: ﴿وَشَدَدْنَا﴾ العامة على تخفيف شددنا أي قَوَّيْنَا كقوله: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35] وابنُ أبي عَبْلَةَ والحسن «شَدَّدْنَا» بالتشديد وهي مبالغة كقراءة العامة، ومعنى الكلام قويناه بالحرس والجنود. قال ابن عباس: كان اشد ملوك الأرض سُلطاناً كان يحرس محرابه كل ليلة ستةٌ وثلاثون ألفَ رجلٍ. قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ فهي النبوة، وقيل: العلم والخير؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] وأما فصل الخطاب فقال بعض المفسرين: إن داود أول من قال في كلامه: أما بعد وقيل: المراد منه: معرفة الأمور التي بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البينة واليمين. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادراً على التعبير على كل ما يخطر بالبال ويحضُر في الخيال بحيث لا يخلِط شيئاً بشي وبحيث يفصل كُلّ مقام عن ما يخالفه. هذا معنى عامّ يتناول فصل الخصومات ويتناول الدعوة إلى الدين الحق ويتناول جميع الأقسام والله أعلم. وروى ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجلٍ من عظمائهم عند داود أن هذا غَصَبني بقراً فسَألَهُ (داود) فجَحَد فقال للآخر البينة فلم يكن له بينة فقال لهما داود: قوما حتى ينظر في أمركما فأوحى الله إلى داود من منامه أن يقتل الذي استعدى عليه فقال هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت فأوحى الله إليه ثانيةً فلم يفعل فأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال إن الله أوحى إليَّ أن أقتلك؛ فقال: تقتلني بغير بينة، فقال داود نعم والله لأنفذنَّ أمر الله فيك فلما عرف الرجل أنه قاتله قال لا تعجل حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكن اغتلت والد هذا فقتلته ولذلك أخذت فأمر به داود فقتل فاشتد هيبة داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل، واشتد به مُلْكه فذلك قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة﴾ يعني النبوة والإصابة في الأمور و «فَضْلَ الْخِطَابِ» قال ابن عباس: بيان الكلام وقال ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل: على الحكم بالقضاء، وقال علي بن أبي طالب: هو أن البينة على المدَّعِي واليمين على ما أنكر؛ لأن كلام الخصوم ينقطع وينقصل به، ويروى ذلك عن أبي بن كعب قال: فصل الخطاب الشهود والأيْمَان. وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن الشعبي: فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر. قوله (تعالى) : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم﴾ قد تقدم أن الخصم في الأصل مصدر فلذلك يصلح للمفرد والمذكر وضِدَّيْهِما، وقد يطاَبق، ومنه ﴿لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: 22] والمراد بالخصم هنا جمعٌ بدليل قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ وقوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ﴾ قال الزمخشري: وهو يقع للواحد والجمع كالضَّيْفِ، قال تعالى: ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين﴾ [الذاريات: 24] لأنه مصدر في أصله، يقال خَصَمَهُ يَخْصِمَهُ كما تقول: ضَافَهُ ضَيْفاً. فإن قلت: هذا جمع وقوله: خَصْمَان تثنية فكيف استقام ذلك؟ قلت: معنى خصمان فريقان خصمان، والدلي قراءة من قرأ: «بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» ونحوه قوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: 19] فإن قلت: فما تَصْنَعُ بقوله: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ وهو دليل على الاثنين؟ قلت: معناه أنّ التحاكم بين ملكين ولا يمنع أن يصحبهاما آخرون، فإن قلت: كيف سماهم جميعاً خَصْماً في قوله: «نَبَأُ الخَصْمِ وخَصْمَان» ؟ قلت: لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخسم صحت التسمية به. قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ في العامل في «إذْ» أَوْجُهٌ: أحدهما: أنه معمول للنبأ إذا لم يرد به القصة. وإليه ذهب ابنُ عطية وأبو البقاء ومكِّيٌّ أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تَسَوُّرهم المحراب، وقد ردّ بعضهم هذا بأن النبأ الواقع في ذلك الوقت لا يصح إتيانه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإن أريد بالنبأ القصة لم يكن ناصباً. قاله أبو حَيَّانَ. الثاني: أن العامل فيه «أَتَاكَ» وُردَّ بما رُدَّ به الأول وقد صرح الزَّمَخْشَريُّ بالرد على هذين الوجهين: فقال: «فإن قلت: بم انتصب إذ؟ قلت: لا يخلوا إما أن ينتصب» بأتَاكَ «أو» بالنَّبَأ «أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأَتَاك لأن إتيان النبأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا يقع إلا في عهده لا في عهد داودَ فلا يصح إتيانه رسولَ الله - صلى اله عليه وسلم - وإن أرادت بالنبأ القصة في نفسها لم يكن نصاباً، فبقي أن يكون منصوباً بمحذوف تقديره: وهَلْ أَيَاكَ نَبَأُ تَحَاكُمِ الخَصْمِ إذْ» فاختار أن يكون معمولاً لمحذوف. الرابع: أن ينتصب بالخصم؛ لما فيه من معنى الفِعْل. قوله: «إذْ دَخَلُوا» فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من «إذ» الأُولَى. الثاني: أنه منصوب بتَسَوَّرُوا. ومعنى تسوروا عَلَوْ أَعْلَى السّور، وهو الحائط غير مهموز كقولك: تَسَنَّم البَغِيرَ أي بَلَغَ سَنَامَهُ. والضمير في «تَسَوَّرُوا» و «دَخَلُوا» راجع على الخصم، أنه جمع في المعنى على ما تقدم، (أو على أنه مثنًّى والمثنى جمع في المعنى وتقدم) تحقيقه. قوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ خبر مبتدأ مضمر أي نَحْنُ خَصْمَانِ ولذلك جاء بقوله: ﴿بَعْضُنَا﴾ ، ومن قرأ «بعضهم» بالغيبة يجوز أن يقدره كذلك ويكون قد راعى لقظ: خَصْمَان، ويجوز أن يقدرهم خَصْمَان ليتطابق وروي عن الكسائي خِصْمَانِ بكسر الخَاء وقد تقدم أنه قرأها كذلك في الحَجِّ. قوله: ﴿بغى بَعْضُنَا﴾ جملة يجوز أن تكون مفسِّرة لحالهم، وأن تكون خبراً ثانياً. فإن قيل: كيف قالا: بغى بعضنا على بعض وهما مَلَكَان - على قول بعضهم - والملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه أرأيت خَصْمَيْن بَغَى أحَدُهُما على الآخر، وهذا من مَعَارِيضِ الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ﴾ العامة على ضم التاء وسكون الشين، وضم الطاء الأولى من (أ) شْطَطَ يُشْطِطُ إشْطَطاً إذا تجاوز الحق قال أبو عبيدة: شَطَطْتُ في الحكم وأَشْطَطْتُ إذا جُرْت؛ فهو مما اتفق فيه فَعَلَ وأَفْعَلَ، وإنما فكَّهُ على أحد الجائزين كقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 217] وقد تقدم تحقيقه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن أبي عبلة تَشطُطْ بفتح التاء وضم الطاء من «شَطّ» بمعنى «أَشَطَّ» كما تقدم. وقرأ قتادة: تُشِطّ من «أَشَطَّ رباعياً إلا أنه أدغم وهو أحد الجائزين كقراءة من قرأ» مَنْ يَرْتَدَّ منْكُمْ «وعنه أيضاً تُشَطِّطْ» بفتح الشين وكسر الطاء مشددة من شَطَّط يشطِّطُ. شَطَّتِ الدَّارُ وأَطَّتْ إذا بَعُدَتْ وَاهْدِنَا إلَى سَوَاء الصِّرَاطِ «أَرْشِدْنَا إلى طريق الصواب فقال لهما داود: تَكَلَّمَا فقال أحدهما:» إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً «يعني امرأة» وَلِيَ نعْجَةٌ وَاحِدَةٌ «أي امرأة واحدة. قوله: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ﴾ العامة على كسر التاء وهي اللغة الفاشية، وزيد بن عليّ والحسنُ بفتحها وهي لُغَيَّةٌ لبعض تميم، وكثر في كلامهم الكناية بها عن المرأة قال ابن عَوْن: 4262 - أَنَا أَبُوهُنَّ ثَلاَثٌ هُنَّةْ رَابِعَةٌ فِي الْبَيْتِ صُغْرَاهُنَّهْ ... وَنَعْجَتِي خَمْساً تُوَفِّيهُنَّهْ وقال آخر: 4263 - هُمَا نَعْجَتَانِ مِنْ نِعَاجِ تِبَالَةَ ... لَدَى جُؤْذُرَيْنِ أَوْ كَبَعْضِ دُمَة هَكِرْ قال الحسين: بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي كقولهم: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً، أو اشْتَرَى بَكْرٌ دَاراً. ولا ضَرْب هناك ولا شِرَاء. قال الزمخشري: «أخِي» بدل من «هذا» وقر عبد الله: «تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَة أُنْثَى» وهذا تأكيد كقوله: ﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ [النحل: 51] وقال الليث: النَّعْجَةُ الأنثى من الضأن والبقر الوحشي والشاة والجمع النِّعَاجُ. قوله: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ قال ابن عباس أعْطِنِيها، وقال مجاهد: انزل لي عنها. وحقيقة ضُمَّها إلَيَّ واجْعَلْنِي كافلا، وهو الذي يعولُها ويُنْفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوج إياها. قوله: ﴿وَعَزَّنِي﴾ أي غَلَبَنِي، قال: 4264 - قَطَاةٌ عَزَّهَا شَرَاكٌ فَبَاتَتْ ... تُجَاذِبُهُ وَقَدْ عَلِقَ الْجَنَاحُ يقال: عَزَّهُ يَعُزُّهُ بضم العين. وتقدم تحقيقه في يس عند قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14] . وقرأ طلحةُ وأبو حيوةَ: «وَعَزَنِي» بالتخفيف قال ابن جنِّي: حذف الزاي الواحد تخفيفاً كما قال الشاعر: 4265 - ... ... ... ... ... ..... أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ يريد أحْسَسْنَ فحذف. وتروى هذه قراءةً عن عاصم. وقرأ عبد الله والحسن وأبو وائل ومسروق والضحاك وَعَازَّنِي بألف مع تشديد الزاي أي غَالَبَنِي. قوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ مصدر مضاف لمفعوله. والفاعل محذوف أي بأَنْ سَأَلَكَ نَعْجَتَكَ، وضمّن السؤال معنى الإضافة والانضمام أي بإضافة نعجتك على سبل السؤال ولذلك عدي (بإلى) . فصل قال ابن الخطيب: للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذه القصة دلت على صدور الكبيرة عنه. وثانيها: دلالتها على الصغيرة. وثالثها: لا تدل على كبيرة ولا على صغيرة، فأما القول الأول فقالوا: إن داودَ أحبًَّ امرأة «أُوريَا» فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله (تعالى) ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته (وعرضا تلك الواقعة عليه) فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً ثم تنبيه لذك فاشتغل بالتوبة. وقال ابن الخطب: والذي أدين به وأذهبُ إليه أنّ ذلك باطلٌ لوجوهٍ: الأول: أن هذه الحكاية لا تناسب داودَ لأنها لو نُسبت إلى أفْسَقِ النَّاس وأشدهم فجوراً لانتفى منها، والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل العمل لبالغ في تنزيه نفسه وروعاً ولعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إليه؟ ﴿. الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي وقتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول فأمر منكر؛ قال - عليه (الصلاة و) السلام: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بشَرِّ كَلمَةٍ جَاءَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أيسٌ مِن رَحمةِ اللَّهِ» وأما الثاني فمنكر عظيم، قال - عليه (صلاة و) السلام -: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» وإن «أوريا» لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه. الثالث: أن الله تعالى وصل داودَ بصفات تنافي كونه - عليه (الصلاة و) السلام - موصوفاً بهذا الفعل المنكر فالصفة الأول أنه تعالى أمر محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (في) أن يقتدي بداود في المصابرة مع المكاره فلو قيل إنَّ داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحد الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله؟﴾ . وأما الصفة الثانية فإنه وصفه بكونه عبداً له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصف كاملاً في وصف العبودية أما في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحضورات، فلو قلنا: إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملاً إلاَّ في طعة الهوى والشهوة. وأما الصفة الثالثة وهي قوله: ﴿ذَا الأيد﴾ [ص: 17] أي ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحضورات، وأي قولة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟ ﴿الصفة الرابعة: كونه أوَّاباً كثيرَ الرجوع إلى الله تعالى فكيف يليق هذا بمن قلبه مشغوفٌ بالقتل والفجور؟﴾ الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذوا سبيله إلى القتل والفجور؟ ﴿الصفة السادسة: قوله تعالى: {والطير مَحْشُورَةً﴾ قيل: إنه كان محرَّماً عليه صيد شيءْ من الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على زوجته ومنكوحه الصفة السابعة: قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ومحال أن يكون المراد أنه تعالى: شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد بأنا ملكناه تقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة، أو المراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لايملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟} الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ (والحكمة اسم جامع لك ما ينبغي علماً وعملاً فكيف يجوز أن يقال: إِنَّا آتَيْنَاهُ) الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف عنه الشيطان من مُزاَحَمَة أخصِّ أصحابه في الروح والمنكوح؟! فهذه الصات التي وصف بها قبل شحر القصَّة. وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فأولها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة (على قوته في طاعة الله أما لو كانت القصة المتقدمة) دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لائقاً. وثانيها: قوله تعالى: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه: الأول: أن الملك الكبير إذا حُكِي عن عبده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فعند فراغه من شرح قصته على الناس يقبح منه أن يقول عقيبة أيها العبد إنّي فوضت إليك خلافتي ونبوتي لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر فأما جعله نائباً وخليفة لنفسه فذلك مما (لا) يليق البتة. الثاني: أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذل الوصف فلما حكمى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة، ثم قال بعده: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أشعر هذا (الوصف) بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعل المنكرة. ومعلوم أن هذا فاسد أما لوك ذكرنا أن تلك القصة كانت على وجه يدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدّة مصابرته في طاعة الله تعالى فحينئذ يناسب أن يذكر عقيبه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ فثبت أن الذي نختاره أولى. الثالث: أنه لما كان مقدمة الآية دالة على محد داود - عليه (الصلاة و) السلام - وتعظيمه ومؤخرتها أيضاً دالة على ذلك فلو كانت الواسطة دالة على المقابح والمعايب لجرى مَجْرى أن يقال: فلان عظيم الدردة عالي المرتبة في طاعة الله تعالى يقتل ويزني ويسرق وقد جعله اللخ خليفة له في أرضه وصوب أحكامه فكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب. ورابعها: أن بعض القائلين ذكر في هذه الآية أن داود - عليه (الصلاة و) السلام - تمنى أن يحصل له في الدين كلا حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثلَ ما حصل للخيل من الإلقاء في النار، وحل للذبيح من الذبح وحصل ليعقوبَ من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه (الصلاة و) السلام الابتلاء فأوحى الله إليه إنك مبتلي في يوم كذا فبالغ في الاحتراز، ثم وَقَعَت الواقعة فنقول: إن حكايتهم تدلّ على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه، فالسعي في قتل النفس (بغير الحق) والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة بحيث إن الحكاية التي ذكروها يناقص أولُها آخرَها. وخامسها: أن داود عليه (الصلاة و) السلام (تمنَّى أن يحصل له في الدين كما بحل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية) قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ استثنى الذين آمنوا من البغي. فلو قلنا: إنه كان موصوفاً بالبغي لزم أن يقال: إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل. وسادسها: حضرت في مجلس وفيه بعض أكابر المسلمين وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك فقلت له: لا شك أن داود عليه (الصلاة و) السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل وقال الله: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] ومن مدحه الله (تعالى بمثل) هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في المطعن فيه وأيضاً فتبقدير أنه ما كان من الأنبياء فلا شك أنه كان مسلماً؛ وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «لاَ تَذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ إِلاَّ بِخَيْر» ثم على تقدير أنَّا لا نلتفت إلى شيء من هده الدلائل إلاَّ أَنَّا نقول: إنَّ من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها في حقه صحيحةً فإن روياتها وذكرها لا يوجب شيئاً مِنَ الثواب، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من ألاَّ توجب الثواب. وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة فإن ذكرها مستحق به أعظم العقاب، والواقعة التي هذا شأنها وصفتها فإنَّ صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور، فلما سمع ذلك الملك الشديد هذا الكلام سكت ولم يذكر شيئاً. السابع: أن ذكر هذه القصة وذكر قصة يوسف - عليه (الصلاة و) السلام - يقتضي إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. الثامن: لو سعى داودُ في قتل ذلك الرجل دخل تحت قوله: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ المرىءٍ مُسْلِم وَلَوْ بِشَكْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» . وأيضاً لو فعل ذلك لكان ظالماً وكان يدخل تحت قوله: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: 18] . التاسع: عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب قال: مَنْ حَدَّثَكُمْ بحَدِيث دَاودَ عَلَى مَاتَرْويه القُصَّاصُ فاجلدوه مائةً وسينَ (جَلْدةً) وهو حّد الفِرية على الأنبياء، وما يقوي هذا انَّهُمْ لما قالوا: إن المغيرة بنَ شعبة زنى وشهد ثلاثةٌ من عدول الصحابة وأما الرابع فإنه لم يقل: إني رأيت ذلك بعيني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك فكيف الحال مع داود عليه (الصلاة و) السلام؟ {مع أنه كان من كابر الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -. العاشر: رُوي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله، ثم قال: فما بنبغي أن يزاد عليها وإن كنت الواقعة على ما ذكرت ثم إنه تعالى لم يذكرها لسَتْر تلك الواقعة على داود عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ستر ستره الله ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر: سماعي هذا الكلام أحب إلي ما طلعت عليه الشمسُ. فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها باطلة فاسدة فإن قال قائل: إن كثيراً من أكابر المحدثين المفسرين ذكروا هذه القصة فكيف الحال فيها؟} فالجواب الحقيقي: أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر (كل) واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى. وأيضاً فالأصل براءة الذمة، وأيضاً فلما تعارض ذكر التَّحرُّم والتحليل كان جانب التحريم أولى، وأيضاً طريقة الاحتياط توجب ترجيحَ قولِنَا، وأيضاً فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير (وقوع) هذا الواقعة لا يقول لنا الله يوم القيامة لِمَ لَمْ تَسعَوْا في تشهير هذه الواقعة أما بتقدير كونها باطلة فإنه يوجب أن لا تجوزَ الشهادة بها، وأيضاً كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول، بل الأكثرون والمحققون يردونه ويحكمون عليه بالكذب، وإذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدِّثين تساقطت وبَقِيَ الرجوع فيه إلا الدلائل التي ذكرناها. الاحتمال الثاني أن نحمل هذه القصة على حُصُول الصغيرة لا على حصول الكبيرة وذلك من وجوه: الأول: أن هذه المرأة خطبها «أوريا» فأجابوه، ثم خطبها داود فآثره أهلها فكان ذنبه أن خَطبَ على خطبته أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. الثاني: قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب ألْبَتَّةَ، أما وقوع بصره عليها من غير قصد بذنب، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضاً ذنباً، لأن الميل ليس في وسعه فلا يكون مكلفاً به بل لما اتفق أنه قتل زوجها لأجل أنه طمع في أن يتزوج بتلك المرأة فَحَصَلت بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل. والثالث: أنه كان أهل زمان داود عليه (الصلاة و) السلام يسأل بعضهم بعضاَ أن يطلق زوجته حتى تزوجها وكانت عادتها مألوفة مفهومة في هذا المعنى فاتفق أن عين داود (عليه السلام) وقعت على تلك المرأة فأحبها فسألوه النزول فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزاً في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإنَّ حسناتِ الأبرار سيئات المقربين. فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حَقِّ داود عليه (الصلاة و) السلام إلا ترك الأفضل، والأولى. الاحتمال الثالث: أن تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ولا صغيرة لداود عليه (الصلاة و) السلام بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أنه نقول: روي أنَّ جماعة من الأعداء طمعواأن يقتلوا داود - عليه (الصلاة و) السلام - وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوَّرُوا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً يمنعهم منه فخافوا ووضعوا كذباً يحتج به في إلحاق الذنب بداود عليه (الصلاة و) السلام إلا ألفاظ أربعة: أحدهما: قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ وثانيها: قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ . وثالثها: ﴿وَأَنَابَ﴾ . ورابعها: قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ ثم نقول: هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكروه من وجه: الأول: أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذه الطريق وعلم داود عليه السلام دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم أي أنه مال إلى الصَّفْح والتجاوز عنهم طلباً لمرضاة الله تعالى فكانت هي الفتنة لأنها جاريةٌ مَجْرَى الابتلاء والامتحان ثم إنَّه استغفر به مما هَمَّ به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهمِّ وَأَنَابَ فغفر له ذلك القدر من الهمِّ والعزم. الثاني: أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه إلا أنه ندم على ذلك الظن وقال: لَمَّا لَمْ تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك فَلَبِئْسَ ما عَمِلْتُ حيث ظننت فيهم هذا الظن الرديء فكان هذا هو المراد من قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ثم إنه استغفر ربه وأناب منه فغفر الله له ذلك. الثالث: دخولهم عليه كان فتنة لداود - عليه (الصلاة و) السلام - إلا أنه عليه (الصلاة و) السلام استغفر لذلك العازم على قتلهم كقوله في حق محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [محمد: 19] فداود (عليه السلام) استغفر لهم، وأناب أي رجع إلى الله تعالى في طلب المغفرة لذلك الرجل الداخل القاصد القتل، وقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي فَغَفَرْنَا ذلك الذنب لأجل احترام داود وتعظيمه كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] إن معناه: إن الله يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذَنْب أمّتك. الرابع: أنه عاتب داود عليه السلام عن زلَّة صدرت منه لكن لا نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة ولِم لا يجوز أن يقال: إن تلك الزلة إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الخصم الثاني لأنه لما قال: «لقد ظلمت بسؤال نعجتك» حكم عليه بكونه ظالماً بمجرد دعوة الخصم بلا بينة فيكون هذا الحكم مخالفاً للصواب. فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة إلا أن هذا من باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إِذَا حَمَلْنَا هذه الآيات على هذا الوجه فإنه لا يلزم إسناد شيءٍ من الذنوب إلى دَاودَ - عليه (الصلاة و) السلام - بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطَّاعَاتِ إليه. ثم نقول: وحمل الآية عليه أولى لوجوه: الأول: أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل. الثاني: أنه أحوط. الثالث: أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) : «اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ» فإن قوم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما أظهروا السفاهة حيث قالوا: إنه ساحرٌ كذاب، واستهزأوا به حيث قالوا: ربَّنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب، فقال تعالى في أول الآية: اصبر على ما يقولون يا محمد وعلى سفاهتهم وتحمل ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على أذاهم وتحمل سفاهتهم وحَلِمَ ولم يظهر الطيش والغضب وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه. أما إذا حملنا الآية على ما ذكروه صار الكلام متناقضاً. الرابع: أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا: إن الخَصْمَيْن كانا ملكين وإذا كانا ملكين ولم يكن بينهما مخاصمة ولم يبغ أحدُهما على الآخر كان قولهما: «خَصْمَان بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» كذب فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين. أحدهما: إسناد الكذب إلى الملائكة. والثاني: إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء، فكان قولنا أولى. فصل قال المفسرون قوله: وَعَزَّني (في الخِطَاب) اي قهرني وغلبني «في الخطاب» أي في القول. قال الضحاك يقول: إن تكلم كان أفصحَ مني، وإن حارب كان أبطشَ مني وحقيقة المعنى أن الغلبة كانت له فضعفي في يده وإن كان الحق معي فقال داود: «لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ» أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه. فإن قيل: كيف قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك ولم يكن سمع قوله صاحبه؟! . فالجواب: قيل: إن معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، قال ابن إسحاق: لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال: «لَئِنْ صَدَقَ لَقَدْ ظَلَمَهُ» . وقال ابن الأنباري: لما ادعى أحد الخَصْمَيْن) اعترف الثاني فحكم داود عليه ولم يذكر الله ذلك الاعتراف لدلالة الكلام عليه وقيل التقدير: إن الخَصْمَ الذي هذا شأنه قد ظلمك ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ . قال الليث: خَلِيطُ الرَّجُلِ مُخَالِطُهُ، وقال الزجاج: الخلطاء: الشركاء. فإن قيل: لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء يفعلون ذلك؟ فالجواب: أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة لأنها إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفسية إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيُفْضِي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة فلهذا خص داود - عليه (الصلاو ة) السلام الخلطاء بزيادة البغير والعُدْوَان ثم استثنى عن هذا الحكم الذين آمنوا وعملوا الصلحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون لأجل الدين. وهذا استثناء متصل من قوله: ﴿بَعْضهم﴾ . قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ خبر مقدم و «ما» مزيدة للتعظيم و «هم» مبتدأ. قال الزمخشري: و «ما» في قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ للإبهام وفيه تعجب من قتلهم قال: فإن أرادت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس: 4266 - وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ ... وانظر هل بقي لها معنى قط؟ «وَظَنَّ داوُد أَنَّمَا فَتَنَّاهُ» أي امتحناه، قرأ العامة فتَنَّاهُ بالتخفيف وإسناده إلى الضمير المتكلم المعظِّم نفسه، وعمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء فَتَّنَاه بتشديد التاء. وهي مبالغة وقرأ الضحاك: أَفْتَنَّاهُ يقال: فَتَنَهُ وأَفْتَنَهُ أي حَمَلَهُ على الفِتْنَةِ ومنه: 4267 - لَئِنْ فَتَنَتْنِي لَهيَ بِالأَمْسِ أَفْتَنَتْ..... ... ... ... ... ... ... ... وقرأ قتادة وأبو عمرو - في رواية فَتَنَّاهُ بالتخفيف وَفتَّنَّاه بالتشديد، والألف ضمير الخصمين، و «راكعاً» حال مقدرة، قال أبو البقاء، وفيه نظر لظهور المُقَارنةِ. فصل قال المفسرون: إن الظن ههنا بمعنى العلم؛ لأن داودَ عليه (الصلاة و) السلام لما قضى بينهما نظر أحَدُهُمَا إلى صاحبه فضحك، ثم صَعَد إلى السماء قبل وجهه فعل داود أنَّ الله ابْتَلاَهُ بذلك فثبت أن داود علم بذلك. وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم، لأن العلم الاستدلاليّ يشبه الظنّ مشابهةً عظيمةم والمشهابهة علة لجواز المجاز قال ابن الخطيب: هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين إما إذا لم يُقَلْ ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العمل بل لقائل أن يقول: إنه لمَّا غَلَب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة. قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ﴾ أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا: إنه صدرت منه زَلَّة حمل هذا الاستغفار عليها وإن لم يُقَلء به قلنا فيه وجوه: الأول: أن القوم لما دخولا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديدَ القهر عظيمَ القوة مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع محصول الفزغ في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئاً قَرُب الأمر من أن يدخل قبله شي من العُجْب فاستغر ربَّه من تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله فغفر له وتجاوز عنه بسبب طَرَيَانِ ذلك الخاطر. الثاني: لعله هَمَّ بإيذاء القوم، ثم قال: إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر من ذلك الهم. الثالث: لعل القوم تابوا إلى الله تعالى وطَلَبُوا منه أن يستغفر الله (لهم) ولأجل أن يَقْبَلَ توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله فغفر له توبتهم بسبب شفاعته ودعائه. وهه كلها وجوهٌ محتلمة ظاهرةٌ، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه، وإذا كان الفظ محتملاً لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام ما ذكروه من المنكرات فما الذي دل عليه التزامه والقول به؟ ويؤد ما ذكرنا أنه تعالى ختم هذه القصة بقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومثل هذه الخاتمة إنما يحصل في حقّ من صدر عن امتثال الأوامر في الخدمة والطاعة وتحمل أنواعاً من الشدائد في الموافقة والانقياد. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ الظاهر أنه مفعول «غَفَرْنا» وجوز أبو البقاء فيه أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي الأمرُ ذلِك ولا حاجة إلى هذا والمشهور أَنَّ الاستغفار إنما كان بسبب قصة النَّعْجَة، والنِّعاج، وقيل: بسبب أنه حَكَمَ لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الثاني، وذلك غير جائز. قوله: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أي تدبر أمور العباد بأمرنا، واعلم أنه لما تمم الكلام في شرح الفقصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داودَ خلافةَ الأرض وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في القصة لأن من البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دماء المسلمين رغبة ف انتزاع أزواجهم منهم، ثم يذكر عقيبه أن الله فوَّضَ خلافة الأرض إليه. ثم في تفسير كونه خليفة وجهان: الأول: جلعناك تَخْلُفُ من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفُه وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة، وذلك على الله محال. الثاني: إنا جعلناك ممكناً في الناس نافذ الحكم فيهم. فبهذا التأويل يسمى خليفة، ومنه يقال خليفة الله في الرض وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذَ الحكم في رَعيته، وحيقية الخلافة ممتنعة في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة (مفيدةً) للزوم نفاذ لك الحكم في تلك الحقيقة. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ أي بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقةً للشريعة الحقيقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات، وإذا كانت الأحكام على وَفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أقضى إلى تخريب العالم ووقوع الهَرَج والمَرَج في الخلق وذلك يُفْضي إلى هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال: ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ ، لأن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب. قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب في جواب النهي. الثاني: أنه عطف على «لاَ تَتَّبعْ» فهو مجزومٌ وإنما فتحت اللام لالتقاء الساكنين. وهو ونهي عن كل واحدة على حدته والأول فيه النهي عن الجمع بينهما وقد يترجح الثاني لهذا المعنى، وقد تقدم تقرير ذلك في البقرة في قوله ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: 42] . وفاعل «فيضلك» يجوز أن يكون الهَوَى، ويجوز أن يكون ضميرَ المصدر المفهوم من الفعل أي فيضلك إتِّبَاعُ الهوى. قوله: ﴿إِنَّ الذين يَضِلُّونَ﴾ قرأ العامة بتفح ياء يضلون. وقرأ ابن عباس والحَسَنُ وأبو حيوةَ بضمها أي يُضِلونَ الناس وهي مستلزمة للقراءة الأولى فإنه لا يُضل غيره إلا ضَالٌّ بخلاف العكس. قوله: ﴿بِمَا نَسُواْ﴾ ما مصدرية والجار يتعلق بالاستقرار الذي تضمنه «لهم» و «لَهُمْ عَذَابٌ» يجوز أن يكون جملة خبراً ل «إنَّ» ويجوز أن يكون الخبر وحده الجار، و «عَذَابٌ» فاعل به وهو الأحس لقربه من المفرد. فصل قيل: معناه بما تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقال الزجاج: بتركهم العمل ذلك اليوم، وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب شديد يَوْم الحساب بما نسوا أي تركوا القضاء بالعدل.

ص 38:24

قوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ فقوله: «يسبحن» جملة حالية من «الجبال» وأتى بها هنا فعلاً مضارعاً دون اسم الفاعل فلم يقل مسبِّحات، دلالة على التجدد والحدوث شيئاً بعد شيء كقول الأعشى: 4261 - لَعَمْرِي لَقَدْ لاَحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ ... إلَى ضَوْءٍ نَارٍ فِي بِقَاعِ تَحَرَّقُ أي تحرق شيئاً فشيئاً، ولو قال: مُحْرِقة لم يدل على هذا المعنى. فصل المعنى يسبحن بتسبيحه (و) في كيفية تسبيح الجبال وجوه: الأول: أن الله تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلاٌ وقُدرة ونُطقاً، فحينئذ يصير الجبل مسبحاً لله تعالى. الثاني: قال القفال: إن داود - عليه (الصلاة و) السلام - أوتي من شدة الصوت وحسنة ما كان له في الجبال دويٌّ حسن وما يصغي الطير (إليه) لحسنه فيكون دويّ الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحاً، وروى محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود حتى إنه كان إذا قرأ الزبور دنَتْ منه الوحوش حتى تؤخَذَ بأعْنَاقِهَا. الثالث: أن الله تعالى سخر الجبال حتى إنّها كانت تسير إلى حيث يريده داود فجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه يدل على كمال قدة الله وحكمته. قوله: ﴿بالعشي والإشراق﴾ قال الكلبي غَدْوةً وعَشِيًّا والإشراق هو أن تشرق الشمسُ ويتناهى ضوؤها قال الزجاج: يقال شَرقَت الشمس (إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وقيل: هما بمعنًى. والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس) والماء يُشرق، وفسره ابن عباس بصلاة الضحى «قال ابن عباس كنت أمر به الآية لا أدري ما هي حتى حدثَتْنِي أمّ هانِئ بنت أبي طالب أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دخل عليها فدعا بوَضُوء فتوضأ ثمّ صلّى وقال يا أم هانئ: هذه صلاة الإشراق» وروى طاوس عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكرَ صلاةِ الضحى في القرآن؟ قالوا: لا؛ فقرأ: «إنا سَخَّرْنَا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق» قال: وكانت صلاة يصليها داود علي السلام وقال لم يزل في نفس شيء من صلاة الضحى حتى طلبتها فوجدتها في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق﴾ . قوله: ﴿والطير مَحْشُورَةً﴾ العامة على نصبها عَطَفَ مفعولاً على مفعول، وحالاً على حال كقولك: ضربت زيداً مكتوفاً وعمراً مطلقاً وأتى بالحال اسماً لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئاً فشيئاً لأن حشرها دفعة واحدة وأدلُّ على القدرة والحاشر الله تعالى. وقرأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَحْدري برفعهما جعلاها مستقلة من مبتدأ وخبر. والمعنى وسخرنا الطير محشورةً، قال ابن عباس: كان داود إذا سبح جاءته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله تعالى. فإن قيل: كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها؟ فالجواب: أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولاً حتى تعرف الله فتسبحه حنيئذ ويكون ذلك معجزة لداودَ قال الزمخشري قوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مقابلة: «يسبحن» إلا أنه ليس في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئاً بعد شيء فلا جَرَمَ أتى به اسماً لا فعلاً، وذلك أنه لو قيل: وسخرنا الطير (محشورة) (يحشرن) على تقدير أن الحشر يوجد من حاشرها شيئاً بعد شيء والحاشر هو الله عزّ وجلّ خلفاً لأنه تعالى حشرهم جملةً واحدة. قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي كل من الجبال والطير لداود أي لأجل تسبيحه، فوضع أواب موضع مسبَح. وقيل: (إنَّ) الضمير في: «لَهُ» للباري تعالى والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى. قوله: ﴿وَشَدَدْنَا﴾ العامة على تخفيف شددنا أي قَوَّيْنَا كقوله: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35] وابنُ أبي عَبْلَةَ والحسن «شَدَّدْنَا» بالتشديد وهي مبالغة كقراءة العامة، ومعنى الكلام قويناه بالحرس والجنود. قال ابن عباس: كان اشد ملوك الأرض سُلطاناً كان يحرس محرابه كل ليلة ستةٌ وثلاثون ألفَ رجلٍ. قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ فهي النبوة، وقيل: العلم والخير؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] وأما فصل الخطاب فقال بعض المفسرين: إن داود أول من قال في كلامه: أما بعد وقيل: المراد منه: معرفة الأمور التي بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البينة واليمين. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادراً على التعبير على كل ما يخطر بالبال ويحضُر في الخيال بحيث لا يخلِط شيئاً بشي وبحيث يفصل كُلّ مقام عن ما يخالفه. هذا معنى عامّ يتناول فصل الخصومات ويتناول الدعوة إلى الدين الحق ويتناول جميع الأقسام والله أعلم. وروى ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجلٍ من عظمائهم عند داود أن هذا غَصَبني بقراً فسَألَهُ (داود) فجَحَد فقال للآخر البينة فلم يكن له بينة فقال لهما داود: قوما حتى ينظر في أمركما فأوحى الله إلى داود من منامه أن يقتل الذي استعدى عليه فقال هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت فأوحى الله إليه ثانيةً فلم يفعل فأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال إن الله أوحى إليَّ أن أقتلك؛ فقال: تقتلني بغير بينة، فقال داود نعم والله لأنفذنَّ أمر الله فيك فلما عرف الرجل أنه قاتله قال لا تعجل حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكن اغتلت والد هذا فقتلته ولذلك أخذت فأمر به داود فقتل فاشتد هيبة داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل، واشتد به مُلْكه فذلك قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة﴾ يعني النبوة والإصابة في الأمور و «فَضْلَ الْخِطَابِ» قال ابن عباس: بيان الكلام وقال ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل: على الحكم بالقضاء، وقال علي بن أبي طالب: هو أن البينة على المدَّعِي واليمين على ما أنكر؛ لأن كلام الخصوم ينقطع وينقصل به، ويروى ذلك عن أبي بن كعب قال: فصل الخطاب الشهود والأيْمَان. وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن الشعبي: فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر. قوله (تعالى) : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم﴾ قد تقدم أن الخصم في الأصل مصدر فلذلك يصلح للمفرد والمذكر وضِدَّيْهِما، وقد يطاَبق، ومنه ﴿لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: 22] والمراد بالخصم هنا جمعٌ بدليل قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ وقوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ﴾ قال الزمخشري: وهو يقع للواحد والجمع كالضَّيْفِ، قال تعالى: ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين﴾ [الذاريات: 24] لأنه مصدر في أصله، يقال خَصَمَهُ يَخْصِمَهُ كما تقول: ضَافَهُ ضَيْفاً. فإن قلت: هذا جمع وقوله: خَصْمَان تثنية فكيف استقام ذلك؟ قلت: معنى خصمان فريقان خصمان، والدلي قراءة من قرأ: «بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» ونحوه قوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: 19] فإن قلت: فما تَصْنَعُ بقوله: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ وهو دليل على الاثنين؟ قلت: معناه أنّ التحاكم بين ملكين ولا يمنع أن يصحبهاما آخرون، فإن قلت: كيف سماهم جميعاً خَصْماً في قوله: «نَبَأُ الخَصْمِ وخَصْمَان» ؟ قلت: لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخسم صحت التسمية به. قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ في العامل في «إذْ» أَوْجُهٌ: أحدهما: أنه معمول للنبأ إذا لم يرد به القصة. وإليه ذهب ابنُ عطية وأبو البقاء ومكِّيٌّ أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تَسَوُّرهم المحراب، وقد ردّ بعضهم هذا بأن النبأ الواقع في ذلك الوقت لا يصح إتيانه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإن أريد بالنبأ القصة لم يكن ناصباً. قاله أبو حَيَّانَ. الثاني: أن العامل فيه «أَتَاكَ» وُردَّ بما رُدَّ به الأول وقد صرح الزَّمَخْشَريُّ بالرد على هذين الوجهين: فقال: «فإن قلت: بم انتصب إذ؟ قلت: لا يخلوا إما أن ينتصب» بأتَاكَ «أو» بالنَّبَأ «أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأَتَاك لأن إتيان النبأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا يقع إلا في عهده لا في عهد داودَ فلا يصح إتيانه رسولَ الله - صلى اله عليه وسلم - وإن أرادت بالنبأ القصة في نفسها لم يكن نصاباً، فبقي أن يكون منصوباً بمحذوف تقديره: وهَلْ أَيَاكَ نَبَأُ تَحَاكُمِ الخَصْمِ إذْ» فاختار أن يكون معمولاً لمحذوف. الرابع: أن ينتصب بالخصم؛ لما فيه من معنى الفِعْل. قوله: «إذْ دَخَلُوا» فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من «إذ» الأُولَى. الثاني: أنه منصوب بتَسَوَّرُوا. ومعنى تسوروا عَلَوْ أَعْلَى السّور، وهو الحائط غير مهموز كقولك: تَسَنَّم البَغِيرَ أي بَلَغَ سَنَامَهُ. والضمير في «تَسَوَّرُوا» و «دَخَلُوا» راجع على الخصم، أنه جمع في المعنى على ما تقدم، (أو على أنه مثنًّى والمثنى جمع في المعنى وتقدم) تحقيقه. قوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ خبر مبتدأ مضمر أي نَحْنُ خَصْمَانِ ولذلك جاء بقوله: ﴿بَعْضُنَا﴾ ، ومن قرأ «بعضهم» بالغيبة يجوز أن يقدره كذلك ويكون قد راعى لقظ: خَصْمَان، ويجوز أن يقدرهم خَصْمَان ليتطابق وروي عن الكسائي خِصْمَانِ بكسر الخَاء وقد تقدم أنه قرأها كذلك في الحَجِّ. قوله: ﴿بغى بَعْضُنَا﴾ جملة يجوز أن تكون مفسِّرة لحالهم، وأن تكون خبراً ثانياً. فإن قيل: كيف قالا: بغى بعضنا على بعض وهما مَلَكَان - على قول بعضهم - والملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه أرأيت خَصْمَيْن بَغَى أحَدُهُما على الآخر، وهذا من مَعَارِيضِ الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ﴾ العامة على ضم التاء وسكون الشين، وضم الطاء الأولى من (أ) شْطَطَ يُشْطِطُ إشْطَطاً إذا تجاوز الحق قال أبو عبيدة: شَطَطْتُ في الحكم وأَشْطَطْتُ إذا جُرْت؛ فهو مما اتفق فيه فَعَلَ وأَفْعَلَ، وإنما فكَّهُ على أحد الجائزين كقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 217] وقد تقدم تحقيقه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن أبي عبلة تَشطُطْ بفتح التاء وضم الطاء من «شَطّ» بمعنى «أَشَطَّ» كما تقدم. وقرأ قتادة: تُشِطّ من «أَشَطَّ رباعياً إلا أنه أدغم وهو أحد الجائزين كقراءة من قرأ» مَنْ يَرْتَدَّ منْكُمْ «وعنه أيضاً تُشَطِّطْ» بفتح الشين وكسر الطاء مشددة من شَطَّط يشطِّطُ. شَطَّتِ الدَّارُ وأَطَّتْ إذا بَعُدَتْ وَاهْدِنَا إلَى سَوَاء الصِّرَاطِ «أَرْشِدْنَا إلى طريق الصواب فقال لهما داود: تَكَلَّمَا فقال أحدهما:» إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً «يعني امرأة» وَلِيَ نعْجَةٌ وَاحِدَةٌ «أي امرأة واحدة. قوله: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ﴾ العامة على كسر التاء وهي اللغة الفاشية، وزيد بن عليّ والحسنُ بفتحها وهي لُغَيَّةٌ لبعض تميم، وكثر في كلامهم الكناية بها عن المرأة قال ابن عَوْن: 4262 - أَنَا أَبُوهُنَّ ثَلاَثٌ هُنَّةْ رَابِعَةٌ فِي الْبَيْتِ صُغْرَاهُنَّهْ ... وَنَعْجَتِي خَمْساً تُوَفِّيهُنَّهْ وقال آخر: 4263 - هُمَا نَعْجَتَانِ مِنْ نِعَاجِ تِبَالَةَ ... لَدَى جُؤْذُرَيْنِ أَوْ كَبَعْضِ دُمَة هَكِرْ قال الحسين: بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي كقولهم: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً، أو اشْتَرَى بَكْرٌ دَاراً. ولا ضَرْب هناك ولا شِرَاء. قال الزمخشري: «أخِي» بدل من «هذا» وقر عبد الله: «تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَة أُنْثَى» وهذا تأكيد كقوله: ﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ [النحل: 51] وقال الليث: النَّعْجَةُ الأنثى من الضأن والبقر الوحشي والشاة والجمع النِّعَاجُ. قوله: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ قال ابن عباس أعْطِنِيها، وقال مجاهد: انزل لي عنها. وحقيقة ضُمَّها إلَيَّ واجْعَلْنِي كافلا، وهو الذي يعولُها ويُنْفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوج إياها. قوله: ﴿وَعَزَّنِي﴾ أي غَلَبَنِي، قال: 4264 - قَطَاةٌ عَزَّهَا شَرَاكٌ فَبَاتَتْ ... تُجَاذِبُهُ وَقَدْ عَلِقَ الْجَنَاحُ يقال: عَزَّهُ يَعُزُّهُ بضم العين. وتقدم تحقيقه في يس عند قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14] . وقرأ طلحةُ وأبو حيوةَ: «وَعَزَنِي» بالتخفيف قال ابن جنِّي: حذف الزاي الواحد تخفيفاً كما قال الشاعر: 4265 - ... ... ... ... ... ..... أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ يريد أحْسَسْنَ فحذف. وتروى هذه قراءةً عن عاصم. وقرأ عبد الله والحسن وأبو وائل ومسروق والضحاك وَعَازَّنِي بألف مع تشديد الزاي أي غَالَبَنِي. قوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ مصدر مضاف لمفعوله. والفاعل محذوف أي بأَنْ سَأَلَكَ نَعْجَتَكَ، وضمّن السؤال معنى الإضافة والانضمام أي بإضافة نعجتك على سبل السؤال ولذلك عدي (بإلى) . فصل قال ابن الخطيب: للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذه القصة دلت على صدور الكبيرة عنه. وثانيها: دلالتها على الصغيرة. وثالثها: لا تدل على كبيرة ولا على صغيرة، فأما القول الأول فقالوا: إن داودَ أحبًَّ امرأة «أُوريَا» فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله (تعالى) ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته (وعرضا تلك الواقعة عليه) فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً ثم تنبيه لذك فاشتغل بالتوبة. وقال ابن الخطب: والذي أدين به وأذهبُ إليه أنّ ذلك باطلٌ لوجوهٍ: الأول: أن هذه الحكاية لا تناسب داودَ لأنها لو نُسبت إلى أفْسَقِ النَّاس وأشدهم فجوراً لانتفى منها، والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل العمل لبالغ في تنزيه نفسه وروعاً ولعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إليه؟ ﴿. الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي وقتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول فأمر منكر؛ قال - عليه (الصلاة و) السلام: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بشَرِّ كَلمَةٍ جَاءَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أيسٌ مِن رَحمةِ اللَّهِ» وأما الثاني فمنكر عظيم، قال - عليه (صلاة و) السلام -: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» وإن «أوريا» لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه. الثالث: أن الله تعالى وصل داودَ بصفات تنافي كونه - عليه (الصلاة و) السلام - موصوفاً بهذا الفعل المنكر فالصفة الأول أنه تعالى أمر محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (في) أن يقتدي بداود في المصابرة مع المكاره فلو قيل إنَّ داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحد الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله؟﴾ . وأما الصفة الثانية فإنه وصفه بكونه عبداً له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصف كاملاً في وصف العبودية أما في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحضورات، فلو قلنا: إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملاً إلاَّ في طعة الهوى والشهوة. وأما الصفة الثالثة وهي قوله: ﴿ذَا الأيد﴾ [ص: 17] أي ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحضورات، وأي قولة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟ ﴿الصفة الرابعة: كونه أوَّاباً كثيرَ الرجوع إلى الله تعالى فكيف يليق هذا بمن قلبه مشغوفٌ بالقتل والفجور؟﴾ الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذوا سبيله إلى القتل والفجور؟ ﴿الصفة السادسة: قوله تعالى: {والطير مَحْشُورَةً﴾ قيل: إنه كان محرَّماً عليه صيد شيءْ من الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على زوجته ومنكوحه الصفة السابعة: قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ومحال أن يكون المراد أنه تعالى: شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد بأنا ملكناه تقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة، أو المراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لايملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟} الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ (والحكمة اسم جامع لك ما ينبغي علماً وعملاً فكيف يجوز أن يقال: إِنَّا آتَيْنَاهُ) الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف عنه الشيطان من مُزاَحَمَة أخصِّ أصحابه في الروح والمنكوح؟! فهذه الصات التي وصف بها قبل شحر القصَّة. وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فأولها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة (على قوته في طاعة الله أما لو كانت القصة المتقدمة) دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لائقاً. وثانيها: قوله تعالى: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه: الأول: أن الملك الكبير إذا حُكِي عن عبده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فعند فراغه من شرح قصته على الناس يقبح منه أن يقول عقيبة أيها العبد إنّي فوضت إليك خلافتي ونبوتي لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر فأما جعله نائباً وخليفة لنفسه فذلك مما (لا) يليق البتة. الثاني: أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذل الوصف فلما حكمى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة، ثم قال بعده: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أشعر هذا (الوصف) بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعل المنكرة. ومعلوم أن هذا فاسد أما لوك ذكرنا أن تلك القصة كانت على وجه يدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدّة مصابرته في طاعة الله تعالى فحينئذ يناسب أن يذكر عقيبه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ فثبت أن الذي نختاره أولى. الثالث: أنه لما كان مقدمة الآية دالة على محد داود - عليه (الصلاة و) السلام - وتعظيمه ومؤخرتها أيضاً دالة على ذلك فلو كانت الواسطة دالة على المقابح والمعايب لجرى مَجْرى أن يقال: فلان عظيم الدردة عالي المرتبة في طاعة الله تعالى يقتل ويزني ويسرق وقد جعله اللخ خليفة له في أرضه وصوب أحكامه فكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب. ورابعها: أن بعض القائلين ذكر في هذه الآية أن داود - عليه (الصلاة و) السلام - تمنى أن يحصل له في الدين كلا حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثلَ ما حصل للخيل من الإلقاء في النار، وحل للذبيح من الذبح وحصل ليعقوبَ من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه (الصلاة و) السلام الابتلاء فأوحى الله إليه إنك مبتلي في يوم كذا فبالغ في الاحتراز، ثم وَقَعَت الواقعة فنقول: إن حكايتهم تدلّ على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه، فالسعي في قتل النفس (بغير الحق) والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة بحيث إن الحكاية التي ذكروها يناقص أولُها آخرَها. وخامسها: أن داود عليه (الصلاة و) السلام (تمنَّى أن يحصل له في الدين كما بحل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية) قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ استثنى الذين آمنوا من البغي. فلو قلنا: إنه كان موصوفاً بالبغي لزم أن يقال: إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل. وسادسها: حضرت في مجلس وفيه بعض أكابر المسلمين وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك فقلت له: لا شك أن داود عليه (الصلاة و) السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل وقال الله: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] ومن مدحه الله (تعالى بمثل) هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في المطعن فيه وأيضاً فتبقدير أنه ما كان من الأنبياء فلا شك أنه كان مسلماً؛ وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «لاَ تَذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ إِلاَّ بِخَيْر» ثم على تقدير أنَّا لا نلتفت إلى شيء من هده الدلائل إلاَّ أَنَّا نقول: إنَّ من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها في حقه صحيحةً فإن روياتها وذكرها لا يوجب شيئاً مِنَ الثواب، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من ألاَّ توجب الثواب. وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة فإن ذكرها مستحق به أعظم العقاب، والواقعة التي هذا شأنها وصفتها فإنَّ صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور، فلما سمع ذلك الملك الشديد هذا الكلام سكت ولم يذكر شيئاً. السابع: أن ذكر هذه القصة وذكر قصة يوسف - عليه (الصلاة و) السلام - يقتضي إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. الثامن: لو سعى داودُ في قتل ذلك الرجل دخل تحت قوله: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ المرىءٍ مُسْلِم وَلَوْ بِشَكْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» . وأيضاً لو فعل ذلك لكان ظالماً وكان يدخل تحت قوله: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: 18] . التاسع: عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب قال: مَنْ حَدَّثَكُمْ بحَدِيث دَاودَ عَلَى مَاتَرْويه القُصَّاصُ فاجلدوه مائةً وسينَ (جَلْدةً) وهو حّد الفِرية على الأنبياء، وما يقوي هذا انَّهُمْ لما قالوا: إن المغيرة بنَ شعبة زنى وشهد ثلاثةٌ من عدول الصحابة وأما الرابع فإنه لم يقل: إني رأيت ذلك بعيني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك فكيف الحال مع داود عليه (الصلاة و) السلام؟ {مع أنه كان من كابر الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -. العاشر: رُوي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله، ثم قال: فما بنبغي أن يزاد عليها وإن كنت الواقعة على ما ذكرت ثم إنه تعالى لم يذكرها لسَتْر تلك الواقعة على داود عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ستر ستره الله ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر: سماعي هذا الكلام أحب إلي ما طلعت عليه الشمسُ. فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها باطلة فاسدة فإن قال قائل: إن كثيراً من أكابر المحدثين المفسرين ذكروا هذه القصة فكيف الحال فيها؟} فالجواب الحقيقي: أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر (كل) واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى. وأيضاً فالأصل براءة الذمة، وأيضاً فلما تعارض ذكر التَّحرُّم والتحليل كان جانب التحريم أولى، وأيضاً طريقة الاحتياط توجب ترجيحَ قولِنَا، وأيضاً فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير (وقوع) هذا الواقعة لا يقول لنا الله يوم القيامة لِمَ لَمْ تَسعَوْا في تشهير هذه الواقعة أما بتقدير كونها باطلة فإنه يوجب أن لا تجوزَ الشهادة بها، وأيضاً كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول، بل الأكثرون والمحققون يردونه ويحكمون عليه بالكذب، وإذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدِّثين تساقطت وبَقِيَ الرجوع فيه إلا الدلائل التي ذكرناها. الاحتمال الثاني أن نحمل هذه القصة على حُصُول الصغيرة لا على حصول الكبيرة وذلك من وجوه: الأول: أن هذه المرأة خطبها «أوريا» فأجابوه، ثم خطبها داود فآثره أهلها فكان ذنبه أن خَطبَ على خطبته أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. الثاني: قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب ألْبَتَّةَ، أما وقوع بصره عليها من غير قصد بذنب، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضاً ذنباً، لأن الميل ليس في وسعه فلا يكون مكلفاً به بل لما اتفق أنه قتل زوجها لأجل أنه طمع في أن يتزوج بتلك المرأة فَحَصَلت بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل. والثالث: أنه كان أهل زمان داود عليه (الصلاة و) السلام يسأل بعضهم بعضاَ أن يطلق زوجته حتى تزوجها وكانت عادتها مألوفة مفهومة في هذا المعنى فاتفق أن عين داود (عليه السلام) وقعت على تلك المرأة فأحبها فسألوه النزول فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزاً في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإنَّ حسناتِ الأبرار سيئات المقربين. فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حَقِّ داود عليه (الصلاة و) السلام إلا ترك الأفضل، والأولى. الاحتمال الثالث: أن تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ولا صغيرة لداود عليه (الصلاة و) السلام بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أنه نقول: روي أنَّ جماعة من الأعداء طمعواأن يقتلوا داود - عليه (الصلاة و) السلام - وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوَّرُوا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً يمنعهم منه فخافوا ووضعوا كذباً يحتج به في إلحاق الذنب بداود عليه (الصلاة و) السلام إلا ألفاظ أربعة: أحدهما: قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ وثانيها: قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ . وثالثها: ﴿وَأَنَابَ﴾ . ورابعها: قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ ثم نقول: هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكروه من وجه: الأول: أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذه الطريق وعلم داود عليه السلام دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم أي أنه مال إلى الصَّفْح والتجاوز عنهم طلباً لمرضاة الله تعالى فكانت هي الفتنة لأنها جاريةٌ مَجْرَى الابتلاء والامتحان ثم إنَّه استغفر به مما هَمَّ به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهمِّ وَأَنَابَ فغفر له ذلك القدر من الهمِّ والعزم. الثاني: أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه إلا أنه ندم على ذلك الظن وقال: لَمَّا لَمْ تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك فَلَبِئْسَ ما عَمِلْتُ حيث ظننت فيهم هذا الظن الرديء فكان هذا هو المراد من قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ثم إنه استغفر ربه وأناب منه فغفر الله له ذلك. الثالث: دخولهم عليه كان فتنة لداود - عليه (الصلاة و) السلام - إلا أنه عليه (الصلاة و) السلام استغفر لذلك العازم على قتلهم كقوله في حق محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [محمد: 19] فداود (عليه السلام) استغفر لهم، وأناب أي رجع إلى الله تعالى في طلب المغفرة لذلك الرجل الداخل القاصد القتل، وقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي فَغَفَرْنَا ذلك الذنب لأجل احترام داود وتعظيمه كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] إن معناه: إن الله يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذَنْب أمّتك. الرابع: أنه عاتب داود عليه السلام عن زلَّة صدرت منه لكن لا نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة ولِم لا يجوز أن يقال: إن تلك الزلة إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الخصم الثاني لأنه لما قال: «لقد ظلمت بسؤال نعجتك» حكم عليه بكونه ظالماً بمجرد دعوة الخصم بلا بينة فيكون هذا الحكم مخالفاً للصواب. فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة إلا أن هذا من باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إِذَا حَمَلْنَا هذه الآيات على هذا الوجه فإنه لا يلزم إسناد شيءٍ من الذنوب إلى دَاودَ - عليه (الصلاة و) السلام - بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطَّاعَاتِ إليه. ثم نقول: وحمل الآية عليه أولى لوجوه: الأول: أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل. الثاني: أنه أحوط. الثالث: أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) : «اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ» فإن قوم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما أظهروا السفاهة حيث قالوا: إنه ساحرٌ كذاب، واستهزأوا به حيث قالوا: ربَّنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب، فقال تعالى في أول الآية: اصبر على ما يقولون يا محمد وعلى سفاهتهم وتحمل ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على أذاهم وتحمل سفاهتهم وحَلِمَ ولم يظهر الطيش والغضب وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه. أما إذا حملنا الآية على ما ذكروه صار الكلام متناقضاً. الرابع: أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا: إن الخَصْمَيْن كانا ملكين وإذا كانا ملكين ولم يكن بينهما مخاصمة ولم يبغ أحدُهما على الآخر كان قولهما: «خَصْمَان بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» كذب فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين. أحدهما: إسناد الكذب إلى الملائكة. والثاني: إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء، فكان قولنا أولى. فصل قال المفسرون قوله: وَعَزَّني (في الخِطَاب) اي قهرني وغلبني «في الخطاب» أي في القول. قال الضحاك يقول: إن تكلم كان أفصحَ مني، وإن حارب كان أبطشَ مني وحقيقة المعنى أن الغلبة كانت له فضعفي في يده وإن كان الحق معي فقال داود: «لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ» أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه. فإن قيل: كيف قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك ولم يكن سمع قوله صاحبه؟! . فالجواب: قيل: إن معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، قال ابن إسحاق: لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال: «لَئِنْ صَدَقَ لَقَدْ ظَلَمَهُ» . وقال ابن الأنباري: لما ادعى أحد الخَصْمَيْن) اعترف الثاني فحكم داود عليه ولم يذكر الله ذلك الاعتراف لدلالة الكلام عليه وقيل التقدير: إن الخَصْمَ الذي هذا شأنه قد ظلمك ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ . قال الليث: خَلِيطُ الرَّجُلِ مُخَالِطُهُ، وقال الزجاج: الخلطاء: الشركاء. فإن قيل: لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء يفعلون ذلك؟ فالجواب: أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة لأنها إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفسية إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيُفْضِي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة فلهذا خص داود - عليه (الصلاو ة) السلام الخلطاء بزيادة البغير والعُدْوَان ثم استثنى عن هذا الحكم الذين آمنوا وعملوا الصلحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون لأجل الدين. وهذا استثناء متصل من قوله: ﴿بَعْضهم﴾ . قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ خبر مقدم و «ما» مزيدة للتعظيم و «هم» مبتدأ. قال الزمخشري: و «ما» في قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ للإبهام وفيه تعجب من قتلهم قال: فإن أرادت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس: 4266 - وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ ... وانظر هل بقي لها معنى قط؟ «وَظَنَّ داوُد أَنَّمَا فَتَنَّاهُ» أي امتحناه، قرأ العامة فتَنَّاهُ بالتخفيف وإسناده إلى الضمير المتكلم المعظِّم نفسه، وعمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء فَتَّنَاه بتشديد التاء. وهي مبالغة وقرأ الضحاك: أَفْتَنَّاهُ يقال: فَتَنَهُ وأَفْتَنَهُ أي حَمَلَهُ على الفِتْنَةِ ومنه: 4267 - لَئِنْ فَتَنَتْنِي لَهيَ بِالأَمْسِ أَفْتَنَتْ..... ... ... ... ... ... ... ... وقرأ قتادة وأبو عمرو - في رواية فَتَنَّاهُ بالتخفيف وَفتَّنَّاه بالتشديد، والألف ضمير الخصمين، و «راكعاً» حال مقدرة، قال أبو البقاء، وفيه نظر لظهور المُقَارنةِ. فصل قال المفسرون: إن الظن ههنا بمعنى العلم؛ لأن داودَ عليه (الصلاة و) السلام لما قضى بينهما نظر أحَدُهُمَا إلى صاحبه فضحك، ثم صَعَد إلى السماء قبل وجهه فعل داود أنَّ الله ابْتَلاَهُ بذلك فثبت أن داود علم بذلك. وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم، لأن العلم الاستدلاليّ يشبه الظنّ مشابهةً عظيمةم والمشهابهة علة لجواز المجاز قال ابن الخطيب: هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين إما إذا لم يُقَلْ ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العمل بل لقائل أن يقول: إنه لمَّا غَلَب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة. قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ﴾ أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا: إنه صدرت منه زَلَّة حمل هذا الاستغفار عليها وإن لم يُقَلء به قلنا فيه وجوه: الأول: أن القوم لما دخولا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديدَ القهر عظيمَ القوة مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع محصول الفزغ في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئاً قَرُب الأمر من أن يدخل قبله شي من العُجْب فاستغر ربَّه من تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله فغفر له وتجاوز عنه بسبب طَرَيَانِ ذلك الخاطر. الثاني: لعله هَمَّ بإيذاء القوم، ثم قال: إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر من ذلك الهم. الثالث: لعل القوم تابوا إلى الله تعالى وطَلَبُوا منه أن يستغفر الله (لهم) ولأجل أن يَقْبَلَ توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله فغفر له توبتهم بسبب شفاعته ودعائه. وهه كلها وجوهٌ محتلمة ظاهرةٌ، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه، وإذا كان الفظ محتملاً لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام ما ذكروه من المنكرات فما الذي دل عليه التزامه والقول به؟ ويؤد ما ذكرنا أنه تعالى ختم هذه القصة بقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومثل هذه الخاتمة إنما يحصل في حقّ من صدر عن امتثال الأوامر في الخدمة والطاعة وتحمل أنواعاً من الشدائد في الموافقة والانقياد. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ الظاهر أنه مفعول «غَفَرْنا» وجوز أبو البقاء فيه أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي الأمرُ ذلِك ولا حاجة إلى هذا والمشهور أَنَّ الاستغفار إنما كان بسبب قصة النَّعْجَة، والنِّعاج، وقيل: بسبب أنه حَكَمَ لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الثاني، وذلك غير جائز. قوله: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أي تدبر أمور العباد بأمرنا، واعلم أنه لما تمم الكلام في شرح الفقصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داودَ خلافةَ الأرض وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في القصة لأن من البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دماء المسلمين رغبة ف انتزاع أزواجهم منهم، ثم يذكر عقيبه أن الله فوَّضَ خلافة الأرض إليه. ثم في تفسير كونه خليفة وجهان: الأول: جلعناك تَخْلُفُ من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفُه وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة، وذلك على الله محال. الثاني: إنا جعلناك ممكناً في الناس نافذ الحكم فيهم. فبهذا التأويل يسمى خليفة، ومنه يقال خليفة الله في الرض وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذَ الحكم في رَعيته، وحيقية الخلافة ممتنعة في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة (مفيدةً) للزوم نفاذ لك الحكم في تلك الحقيقة. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ أي بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقةً للشريعة الحقيقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات، وإذا كانت الأحكام على وَفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أقضى إلى تخريب العالم ووقوع الهَرَج والمَرَج في الخلق وذلك يُفْضي إلى هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال: ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ ، لأن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب. قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب في جواب النهي. الثاني: أنه عطف على «لاَ تَتَّبعْ» فهو مجزومٌ وإنما فتحت اللام لالتقاء الساكنين. وهو ونهي عن كل واحدة على حدته والأول فيه النهي عن الجمع بينهما وقد يترجح الثاني لهذا المعنى، وقد تقدم تقرير ذلك في البقرة في قوله ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: 42] . وفاعل «فيضلك» يجوز أن يكون الهَوَى، ويجوز أن يكون ضميرَ المصدر المفهوم من الفعل أي فيضلك إتِّبَاعُ الهوى. قوله: ﴿إِنَّ الذين يَضِلُّونَ﴾ قرأ العامة بتفح ياء يضلون. وقرأ ابن عباس والحَسَنُ وأبو حيوةَ بضمها أي يُضِلونَ الناس وهي مستلزمة للقراءة الأولى فإنه لا يُضل غيره إلا ضَالٌّ بخلاف العكس. قوله: ﴿بِمَا نَسُواْ﴾ ما مصدرية والجار يتعلق بالاستقرار الذي تضمنه «لهم» و «لَهُمْ عَذَابٌ» يجوز أن يكون جملة خبراً ل «إنَّ» ويجوز أن يكون الخبر وحده الجار، و «عَذَابٌ» فاعل به وهو الأحس لقربه من المفرد. فصل قيل: معناه بما تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقال الزجاج: بتركهم العمل ذلك اليوم، وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب شديد يَوْم الحساب بما نسوا أي تركوا القضاء بالعدل.

ص 38:25

قوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ فقوله: «يسبحن» جملة حالية من «الجبال» وأتى بها هنا فعلاً مضارعاً دون اسم الفاعل فلم يقل مسبِّحات، دلالة على التجدد والحدوث شيئاً بعد شيء كقول الأعشى: 4261 - لَعَمْرِي لَقَدْ لاَحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ ... إلَى ضَوْءٍ نَارٍ فِي بِقَاعِ تَحَرَّقُ أي تحرق شيئاً فشيئاً، ولو قال: مُحْرِقة لم يدل على هذا المعنى. فصل المعنى يسبحن بتسبيحه (و) في كيفية تسبيح الجبال وجوه: الأول: أن الله تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلاٌ وقُدرة ونُطقاً، فحينئذ يصير الجبل مسبحاً لله تعالى. الثاني: قال القفال: إن داود - عليه (الصلاة و) السلام - أوتي من شدة الصوت وحسنة ما كان له في الجبال دويٌّ حسن وما يصغي الطير (إليه) لحسنه فيكون دويّ الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحاً، وروى محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود حتى إنه كان إذا قرأ الزبور دنَتْ منه الوحوش حتى تؤخَذَ بأعْنَاقِهَا. الثالث: أن الله تعالى سخر الجبال حتى إنّها كانت تسير إلى حيث يريده داود فجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه يدل على كمال قدة الله وحكمته. قوله: ﴿بالعشي والإشراق﴾ قال الكلبي غَدْوةً وعَشِيًّا والإشراق هو أن تشرق الشمسُ ويتناهى ضوؤها قال الزجاج: يقال شَرقَت الشمس (إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وقيل: هما بمعنًى. والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس) والماء يُشرق، وفسره ابن عباس بصلاة الضحى «قال ابن عباس كنت أمر به الآية لا أدري ما هي حتى حدثَتْنِي أمّ هانِئ بنت أبي طالب أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دخل عليها فدعا بوَضُوء فتوضأ ثمّ صلّى وقال يا أم هانئ: هذه صلاة الإشراق» وروى طاوس عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكرَ صلاةِ الضحى في القرآن؟ قالوا: لا؛ فقرأ: «إنا سَخَّرْنَا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق» قال: وكانت صلاة يصليها داود علي السلام وقال لم يزل في نفس شيء من صلاة الضحى حتى طلبتها فوجدتها في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق﴾ . قوله: ﴿والطير مَحْشُورَةً﴾ العامة على نصبها عَطَفَ مفعولاً على مفعول، وحالاً على حال كقولك: ضربت زيداً مكتوفاً وعمراً مطلقاً وأتى بالحال اسماً لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئاً فشيئاً لأن حشرها دفعة واحدة وأدلُّ على القدرة والحاشر الله تعالى. وقرأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَحْدري برفعهما جعلاها مستقلة من مبتدأ وخبر. والمعنى وسخرنا الطير محشورةً، قال ابن عباس: كان داود إذا سبح جاءته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله تعالى. فإن قيل: كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها؟ فالجواب: أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولاً حتى تعرف الله فتسبحه حنيئذ ويكون ذلك معجزة لداودَ قال الزمخشري قوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مقابلة: «يسبحن» إلا أنه ليس في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئاً بعد شيء فلا جَرَمَ أتى به اسماً لا فعلاً، وذلك أنه لو قيل: وسخرنا الطير (محشورة) (يحشرن) على تقدير أن الحشر يوجد من حاشرها شيئاً بعد شيء والحاشر هو الله عزّ وجلّ خلفاً لأنه تعالى حشرهم جملةً واحدة. قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي كل من الجبال والطير لداود أي لأجل تسبيحه، فوضع أواب موضع مسبَح. وقيل: (إنَّ) الضمير في: «لَهُ» للباري تعالى والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى. قوله: ﴿وَشَدَدْنَا﴾ العامة على تخفيف شددنا أي قَوَّيْنَا كقوله: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35] وابنُ أبي عَبْلَةَ والحسن «شَدَّدْنَا» بالتشديد وهي مبالغة كقراءة العامة، ومعنى الكلام قويناه بالحرس والجنود. قال ابن عباس: كان اشد ملوك الأرض سُلطاناً كان يحرس محرابه كل ليلة ستةٌ وثلاثون ألفَ رجلٍ. قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ فهي النبوة، وقيل: العلم والخير؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] وأما فصل الخطاب فقال بعض المفسرين: إن داود أول من قال في كلامه: أما بعد وقيل: المراد منه: معرفة الأمور التي بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البينة واليمين. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادراً على التعبير على كل ما يخطر بالبال ويحضُر في الخيال بحيث لا يخلِط شيئاً بشي وبحيث يفصل كُلّ مقام عن ما يخالفه. هذا معنى عامّ يتناول فصل الخصومات ويتناول الدعوة إلى الدين الحق ويتناول جميع الأقسام والله أعلم. وروى ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجلٍ من عظمائهم عند داود أن هذا غَصَبني بقراً فسَألَهُ (داود) فجَحَد فقال للآخر البينة فلم يكن له بينة فقال لهما داود: قوما حتى ينظر في أمركما فأوحى الله إلى داود من منامه أن يقتل الذي استعدى عليه فقال هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت فأوحى الله إليه ثانيةً فلم يفعل فأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال إن الله أوحى إليَّ أن أقتلك؛ فقال: تقتلني بغير بينة، فقال داود نعم والله لأنفذنَّ أمر الله فيك فلما عرف الرجل أنه قاتله قال لا تعجل حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكن اغتلت والد هذا فقتلته ولذلك أخذت فأمر به داود فقتل فاشتد هيبة داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل، واشتد به مُلْكه فذلك قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة﴾ يعني النبوة والإصابة في الأمور و «فَضْلَ الْخِطَابِ» قال ابن عباس: بيان الكلام وقال ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل: على الحكم بالقضاء، وقال علي بن أبي طالب: هو أن البينة على المدَّعِي واليمين على ما أنكر؛ لأن كلام الخصوم ينقطع وينقصل به، ويروى ذلك عن أبي بن كعب قال: فصل الخطاب الشهود والأيْمَان. وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن الشعبي: فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر. قوله (تعالى) : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم﴾ قد تقدم أن الخصم في الأصل مصدر فلذلك يصلح للمفرد والمذكر وضِدَّيْهِما، وقد يطاَبق، ومنه ﴿لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: 22] والمراد بالخصم هنا جمعٌ بدليل قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ وقوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ﴾ قال الزمخشري: وهو يقع للواحد والجمع كالضَّيْفِ، قال تعالى: ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين﴾ [الذاريات: 24] لأنه مصدر في أصله، يقال خَصَمَهُ يَخْصِمَهُ كما تقول: ضَافَهُ ضَيْفاً. فإن قلت: هذا جمع وقوله: خَصْمَان تثنية فكيف استقام ذلك؟ قلت: معنى خصمان فريقان خصمان، والدلي قراءة من قرأ: «بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» ونحوه قوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: 19] فإن قلت: فما تَصْنَعُ بقوله: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ وهو دليل على الاثنين؟ قلت: معناه أنّ التحاكم بين ملكين ولا يمنع أن يصحبهاما آخرون، فإن قلت: كيف سماهم جميعاً خَصْماً في قوله: «نَبَأُ الخَصْمِ وخَصْمَان» ؟ قلت: لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخسم صحت التسمية به. قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ في العامل في «إذْ» أَوْجُهٌ: أحدهما: أنه معمول للنبأ إذا لم يرد به القصة. وإليه ذهب ابنُ عطية وأبو البقاء ومكِّيٌّ أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تَسَوُّرهم المحراب، وقد ردّ بعضهم هذا بأن النبأ الواقع في ذلك الوقت لا يصح إتيانه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإن أريد بالنبأ القصة لم يكن ناصباً. قاله أبو حَيَّانَ. الثاني: أن العامل فيه «أَتَاكَ» وُردَّ بما رُدَّ به الأول وقد صرح الزَّمَخْشَريُّ بالرد على هذين الوجهين: فقال: «فإن قلت: بم انتصب إذ؟ قلت: لا يخلوا إما أن ينتصب» بأتَاكَ «أو» بالنَّبَأ «أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأَتَاك لأن إتيان النبأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا يقع إلا في عهده لا في عهد داودَ فلا يصح إتيانه رسولَ الله - صلى اله عليه وسلم - وإن أرادت بالنبأ القصة في نفسها لم يكن نصاباً، فبقي أن يكون منصوباً بمحذوف تقديره: وهَلْ أَيَاكَ نَبَأُ تَحَاكُمِ الخَصْمِ إذْ» فاختار أن يكون معمولاً لمحذوف. الرابع: أن ينتصب بالخصم؛ لما فيه من معنى الفِعْل. قوله: «إذْ دَخَلُوا» فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من «إذ» الأُولَى. الثاني: أنه منصوب بتَسَوَّرُوا. ومعنى تسوروا عَلَوْ أَعْلَى السّور، وهو الحائط غير مهموز كقولك: تَسَنَّم البَغِيرَ أي بَلَغَ سَنَامَهُ. والضمير في «تَسَوَّرُوا» و «دَخَلُوا» راجع على الخصم، أنه جمع في المعنى على ما تقدم، (أو على أنه مثنًّى والمثنى جمع في المعنى وتقدم) تحقيقه. قوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ خبر مبتدأ مضمر أي نَحْنُ خَصْمَانِ ولذلك جاء بقوله: ﴿بَعْضُنَا﴾ ، ومن قرأ «بعضهم» بالغيبة يجوز أن يقدره كذلك ويكون قد راعى لقظ: خَصْمَان، ويجوز أن يقدرهم خَصْمَان ليتطابق وروي عن الكسائي خِصْمَانِ بكسر الخَاء وقد تقدم أنه قرأها كذلك في الحَجِّ. قوله: ﴿بغى بَعْضُنَا﴾ جملة يجوز أن تكون مفسِّرة لحالهم، وأن تكون خبراً ثانياً. فإن قيل: كيف قالا: بغى بعضنا على بعض وهما مَلَكَان - على قول بعضهم - والملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه أرأيت خَصْمَيْن بَغَى أحَدُهُما على الآخر، وهذا من مَعَارِيضِ الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ﴾ العامة على ضم التاء وسكون الشين، وضم الطاء الأولى من (أ) شْطَطَ يُشْطِطُ إشْطَطاً إذا تجاوز الحق قال أبو عبيدة: شَطَطْتُ في الحكم وأَشْطَطْتُ إذا جُرْت؛ فهو مما اتفق فيه فَعَلَ وأَفْعَلَ، وإنما فكَّهُ على أحد الجائزين كقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 217] وقد تقدم تحقيقه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن أبي عبلة تَشطُطْ بفتح التاء وضم الطاء من «شَطّ» بمعنى «أَشَطَّ» كما تقدم. وقرأ قتادة: تُشِطّ من «أَشَطَّ رباعياً إلا أنه أدغم وهو أحد الجائزين كقراءة من قرأ» مَنْ يَرْتَدَّ منْكُمْ «وعنه أيضاً تُشَطِّطْ» بفتح الشين وكسر الطاء مشددة من شَطَّط يشطِّطُ. شَطَّتِ الدَّارُ وأَطَّتْ إذا بَعُدَتْ وَاهْدِنَا إلَى سَوَاء الصِّرَاطِ «أَرْشِدْنَا إلى طريق الصواب فقال لهما داود: تَكَلَّمَا فقال أحدهما:» إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً «يعني امرأة» وَلِيَ نعْجَةٌ وَاحِدَةٌ «أي امرأة واحدة. قوله: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ﴾ العامة على كسر التاء وهي اللغة الفاشية، وزيد بن عليّ والحسنُ بفتحها وهي لُغَيَّةٌ لبعض تميم، وكثر في كلامهم الكناية بها عن المرأة قال ابن عَوْن: 4262 - أَنَا أَبُوهُنَّ ثَلاَثٌ هُنَّةْ رَابِعَةٌ فِي الْبَيْتِ صُغْرَاهُنَّهْ ... وَنَعْجَتِي خَمْساً تُوَفِّيهُنَّهْ وقال آخر: 4263 - هُمَا نَعْجَتَانِ مِنْ نِعَاجِ تِبَالَةَ ... لَدَى جُؤْذُرَيْنِ أَوْ كَبَعْضِ دُمَة هَكِرْ قال الحسين: بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي كقولهم: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً، أو اشْتَرَى بَكْرٌ دَاراً. ولا ضَرْب هناك ولا شِرَاء. قال الزمخشري: «أخِي» بدل من «هذا» وقر عبد الله: «تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَة أُنْثَى» وهذا تأكيد كقوله: ﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ [النحل: 51] وقال الليث: النَّعْجَةُ الأنثى من الضأن والبقر الوحشي والشاة والجمع النِّعَاجُ. قوله: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ قال ابن عباس أعْطِنِيها، وقال مجاهد: انزل لي عنها. وحقيقة ضُمَّها إلَيَّ واجْعَلْنِي كافلا، وهو الذي يعولُها ويُنْفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوج إياها. قوله: ﴿وَعَزَّنِي﴾ أي غَلَبَنِي، قال: 4264 - قَطَاةٌ عَزَّهَا شَرَاكٌ فَبَاتَتْ ... تُجَاذِبُهُ وَقَدْ عَلِقَ الْجَنَاحُ يقال: عَزَّهُ يَعُزُّهُ بضم العين. وتقدم تحقيقه في يس عند قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14] . وقرأ طلحةُ وأبو حيوةَ: «وَعَزَنِي» بالتخفيف قال ابن جنِّي: حذف الزاي الواحد تخفيفاً كما قال الشاعر: 4265 - ... ... ... ... ... ..... أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ يريد أحْسَسْنَ فحذف. وتروى هذه قراءةً عن عاصم. وقرأ عبد الله والحسن وأبو وائل ومسروق والضحاك وَعَازَّنِي بألف مع تشديد الزاي أي غَالَبَنِي. قوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ مصدر مضاف لمفعوله. والفاعل محذوف أي بأَنْ سَأَلَكَ نَعْجَتَكَ، وضمّن السؤال معنى الإضافة والانضمام أي بإضافة نعجتك على سبل السؤال ولذلك عدي (بإلى) . فصل قال ابن الخطيب: للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذه القصة دلت على صدور الكبيرة عنه. وثانيها: دلالتها على الصغيرة. وثالثها: لا تدل على كبيرة ولا على صغيرة، فأما القول الأول فقالوا: إن داودَ أحبًَّ امرأة «أُوريَا» فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله (تعالى) ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته (وعرضا تلك الواقعة عليه) فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً ثم تنبيه لذك فاشتغل بالتوبة. وقال ابن الخطب: والذي أدين به وأذهبُ إليه أنّ ذلك باطلٌ لوجوهٍ: الأول: أن هذه الحكاية لا تناسب داودَ لأنها لو نُسبت إلى أفْسَقِ النَّاس وأشدهم فجوراً لانتفى منها، والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل العمل لبالغ في تنزيه نفسه وروعاً ولعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إليه؟ ﴿. الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي وقتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول فأمر منكر؛ قال - عليه (الصلاة و) السلام: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بشَرِّ كَلمَةٍ جَاءَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أيسٌ مِن رَحمةِ اللَّهِ» وأما الثاني فمنكر عظيم، قال - عليه (صلاة و) السلام -: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» وإن «أوريا» لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه. الثالث: أن الله تعالى وصل داودَ بصفات تنافي كونه - عليه (الصلاة و) السلام - موصوفاً بهذا الفعل المنكر فالصفة الأول أنه تعالى أمر محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (في) أن يقتدي بداود في المصابرة مع المكاره فلو قيل إنَّ داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحد الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله؟﴾ . وأما الصفة الثانية فإنه وصفه بكونه عبداً له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصف كاملاً في وصف العبودية أما في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحضورات، فلو قلنا: إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملاً إلاَّ في طعة الهوى والشهوة. وأما الصفة الثالثة وهي قوله: ﴿ذَا الأيد﴾ [ص: 17] أي ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحضورات، وأي قولة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟ ﴿الصفة الرابعة: كونه أوَّاباً كثيرَ الرجوع إلى الله تعالى فكيف يليق هذا بمن قلبه مشغوفٌ بالقتل والفجور؟﴾ الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذوا سبيله إلى القتل والفجور؟ ﴿الصفة السادسة: قوله تعالى: {والطير مَحْشُورَةً﴾ قيل: إنه كان محرَّماً عليه صيد شيءْ من الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على زوجته ومنكوحه الصفة السابعة: قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ومحال أن يكون المراد أنه تعالى: شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد بأنا ملكناه تقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة، أو المراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لايملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟} الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ (والحكمة اسم جامع لك ما ينبغي علماً وعملاً فكيف يجوز أن يقال: إِنَّا آتَيْنَاهُ) الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف عنه الشيطان من مُزاَحَمَة أخصِّ أصحابه في الروح والمنكوح؟! فهذه الصات التي وصف بها قبل شحر القصَّة. وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فأولها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة (على قوته في طاعة الله أما لو كانت القصة المتقدمة) دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لائقاً. وثانيها: قوله تعالى: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه: الأول: أن الملك الكبير إذا حُكِي عن عبده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فعند فراغه من شرح قصته على الناس يقبح منه أن يقول عقيبة أيها العبد إنّي فوضت إليك خلافتي ونبوتي لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر فأما جعله نائباً وخليفة لنفسه فذلك مما (لا) يليق البتة. الثاني: أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذل الوصف فلما حكمى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة، ثم قال بعده: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أشعر هذا (الوصف) بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعل المنكرة. ومعلوم أن هذا فاسد أما لوك ذكرنا أن تلك القصة كانت على وجه يدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدّة مصابرته في طاعة الله تعالى فحينئذ يناسب أن يذكر عقيبه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ فثبت أن الذي نختاره أولى. الثالث: أنه لما كان مقدمة الآية دالة على محد داود - عليه (الصلاة و) السلام - وتعظيمه ومؤخرتها أيضاً دالة على ذلك فلو كانت الواسطة دالة على المقابح والمعايب لجرى مَجْرى أن يقال: فلان عظيم الدردة عالي المرتبة في طاعة الله تعالى يقتل ويزني ويسرق وقد جعله اللخ خليفة له في أرضه وصوب أحكامه فكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب. ورابعها: أن بعض القائلين ذكر في هذه الآية أن داود - عليه (الصلاة و) السلام - تمنى أن يحصل له في الدين كلا حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثلَ ما حصل للخيل من الإلقاء في النار، وحل للذبيح من الذبح وحصل ليعقوبَ من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه (الصلاة و) السلام الابتلاء فأوحى الله إليه إنك مبتلي في يوم كذا فبالغ في الاحتراز، ثم وَقَعَت الواقعة فنقول: إن حكايتهم تدلّ على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه، فالسعي في قتل النفس (بغير الحق) والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة بحيث إن الحكاية التي ذكروها يناقص أولُها آخرَها. وخامسها: أن داود عليه (الصلاة و) السلام (تمنَّى أن يحصل له في الدين كما بحل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية) قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ استثنى الذين آمنوا من البغي. فلو قلنا: إنه كان موصوفاً بالبغي لزم أن يقال: إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل. وسادسها: حضرت في مجلس وفيه بعض أكابر المسلمين وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك فقلت له: لا شك أن داود عليه (الصلاة و) السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل وقال الله: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] ومن مدحه الله (تعالى بمثل) هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في المطعن فيه وأيضاً فتبقدير أنه ما كان من الأنبياء فلا شك أنه كان مسلماً؛ وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «لاَ تَذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ إِلاَّ بِخَيْر» ثم على تقدير أنَّا لا نلتفت إلى شيء من هده الدلائل إلاَّ أَنَّا نقول: إنَّ من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها في حقه صحيحةً فإن روياتها وذكرها لا يوجب شيئاً مِنَ الثواب، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من ألاَّ توجب الثواب. وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة فإن ذكرها مستحق به أعظم العقاب، والواقعة التي هذا شأنها وصفتها فإنَّ صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور، فلما سمع ذلك الملك الشديد هذا الكلام سكت ولم يذكر شيئاً. السابع: أن ذكر هذه القصة وذكر قصة يوسف - عليه (الصلاة و) السلام - يقتضي إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. الثامن: لو سعى داودُ في قتل ذلك الرجل دخل تحت قوله: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ المرىءٍ مُسْلِم وَلَوْ بِشَكْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» . وأيضاً لو فعل ذلك لكان ظالماً وكان يدخل تحت قوله: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: 18] . التاسع: عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب قال: مَنْ حَدَّثَكُمْ بحَدِيث دَاودَ عَلَى مَاتَرْويه القُصَّاصُ فاجلدوه مائةً وسينَ (جَلْدةً) وهو حّد الفِرية على الأنبياء، وما يقوي هذا انَّهُمْ لما قالوا: إن المغيرة بنَ شعبة زنى وشهد ثلاثةٌ من عدول الصحابة وأما الرابع فإنه لم يقل: إني رأيت ذلك بعيني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك فكيف الحال مع داود عليه (الصلاة و) السلام؟ {مع أنه كان من كابر الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -. العاشر: رُوي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله، ثم قال: فما بنبغي أن يزاد عليها وإن كنت الواقعة على ما ذكرت ثم إنه تعالى لم يذكرها لسَتْر تلك الواقعة على داود عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ستر ستره الله ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر: سماعي هذا الكلام أحب إلي ما طلعت عليه الشمسُ. فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها باطلة فاسدة فإن قال قائل: إن كثيراً من أكابر المحدثين المفسرين ذكروا هذه القصة فكيف الحال فيها؟} فالجواب الحقيقي: أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر (كل) واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى. وأيضاً فالأصل براءة الذمة، وأيضاً فلما تعارض ذكر التَّحرُّم والتحليل كان جانب التحريم أولى، وأيضاً طريقة الاحتياط توجب ترجيحَ قولِنَا، وأيضاً فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير (وقوع) هذا الواقعة لا يقول لنا الله يوم القيامة لِمَ لَمْ تَسعَوْا في تشهير هذه الواقعة أما بتقدير كونها باطلة فإنه يوجب أن لا تجوزَ الشهادة بها، وأيضاً كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول، بل الأكثرون والمحققون يردونه ويحكمون عليه بالكذب، وإذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدِّثين تساقطت وبَقِيَ الرجوع فيه إلا الدلائل التي ذكرناها. الاحتمال الثاني أن نحمل هذه القصة على حُصُول الصغيرة لا على حصول الكبيرة وذلك من وجوه: الأول: أن هذه المرأة خطبها «أوريا» فأجابوه، ثم خطبها داود فآثره أهلها فكان ذنبه أن خَطبَ على خطبته أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. الثاني: قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب ألْبَتَّةَ، أما وقوع بصره عليها من غير قصد بذنب، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضاً ذنباً، لأن الميل ليس في وسعه فلا يكون مكلفاً به بل لما اتفق أنه قتل زوجها لأجل أنه طمع في أن يتزوج بتلك المرأة فَحَصَلت بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل. والثالث: أنه كان أهل زمان داود عليه (الصلاة و) السلام يسأل بعضهم بعضاَ أن يطلق زوجته حتى تزوجها وكانت عادتها مألوفة مفهومة في هذا المعنى فاتفق أن عين داود (عليه السلام) وقعت على تلك المرأة فأحبها فسألوه النزول فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزاً في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإنَّ حسناتِ الأبرار سيئات المقربين. فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حَقِّ داود عليه (الصلاة و) السلام إلا ترك الأفضل، والأولى. الاحتمال الثالث: أن تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ولا صغيرة لداود عليه (الصلاة و) السلام بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أنه نقول: روي أنَّ جماعة من الأعداء طمعواأن يقتلوا داود - عليه (الصلاة و) السلام - وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوَّرُوا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً يمنعهم منه فخافوا ووضعوا كذباً يحتج به في إلحاق الذنب بداود عليه (الصلاة و) السلام إلا ألفاظ أربعة: أحدهما: قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ وثانيها: قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ . وثالثها: ﴿وَأَنَابَ﴾ . ورابعها: قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ ثم نقول: هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكروه من وجه: الأول: أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذه الطريق وعلم داود عليه السلام دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم أي أنه مال إلى الصَّفْح والتجاوز عنهم طلباً لمرضاة الله تعالى فكانت هي الفتنة لأنها جاريةٌ مَجْرَى الابتلاء والامتحان ثم إنَّه استغفر به مما هَمَّ به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهمِّ وَأَنَابَ فغفر له ذلك القدر من الهمِّ والعزم. الثاني: أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه إلا أنه ندم على ذلك الظن وقال: لَمَّا لَمْ تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك فَلَبِئْسَ ما عَمِلْتُ حيث ظننت فيهم هذا الظن الرديء فكان هذا هو المراد من قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ثم إنه استغفر ربه وأناب منه فغفر الله له ذلك. الثالث: دخولهم عليه كان فتنة لداود - عليه (الصلاة و) السلام - إلا أنه عليه (الصلاة و) السلام استغفر لذلك العازم على قتلهم كقوله في حق محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [محمد: 19] فداود (عليه السلام) استغفر لهم، وأناب أي رجع إلى الله تعالى في طلب المغفرة لذلك الرجل الداخل القاصد القتل، وقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي فَغَفَرْنَا ذلك الذنب لأجل احترام داود وتعظيمه كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] إن معناه: إن الله يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذَنْب أمّتك. الرابع: أنه عاتب داود عليه السلام عن زلَّة صدرت منه لكن لا نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة ولِم لا يجوز أن يقال: إن تلك الزلة إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الخصم الثاني لأنه لما قال: «لقد ظلمت بسؤال نعجتك» حكم عليه بكونه ظالماً بمجرد دعوة الخصم بلا بينة فيكون هذا الحكم مخالفاً للصواب. فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة إلا أن هذا من باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إِذَا حَمَلْنَا هذه الآيات على هذا الوجه فإنه لا يلزم إسناد شيءٍ من الذنوب إلى دَاودَ - عليه (الصلاة و) السلام - بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطَّاعَاتِ إليه. ثم نقول: وحمل الآية عليه أولى لوجوه: الأول: أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل. الثاني: أنه أحوط. الثالث: أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) : «اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ» فإن قوم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما أظهروا السفاهة حيث قالوا: إنه ساحرٌ كذاب، واستهزأوا به حيث قالوا: ربَّنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب، فقال تعالى في أول الآية: اصبر على ما يقولون يا محمد وعلى سفاهتهم وتحمل ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على أذاهم وتحمل سفاهتهم وحَلِمَ ولم يظهر الطيش والغضب وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه. أما إذا حملنا الآية على ما ذكروه صار الكلام متناقضاً. الرابع: أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا: إن الخَصْمَيْن كانا ملكين وإذا كانا ملكين ولم يكن بينهما مخاصمة ولم يبغ أحدُهما على الآخر كان قولهما: «خَصْمَان بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» كذب فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين. أحدهما: إسناد الكذب إلى الملائكة. والثاني: إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء، فكان قولنا أولى. فصل قال المفسرون قوله: وَعَزَّني (في الخِطَاب) اي قهرني وغلبني «في الخطاب» أي في القول. قال الضحاك يقول: إن تكلم كان أفصحَ مني، وإن حارب كان أبطشَ مني وحقيقة المعنى أن الغلبة كانت له فضعفي في يده وإن كان الحق معي فقال داود: «لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ» أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه. فإن قيل: كيف قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك ولم يكن سمع قوله صاحبه؟! . فالجواب: قيل: إن معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، قال ابن إسحاق: لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال: «لَئِنْ صَدَقَ لَقَدْ ظَلَمَهُ» . وقال ابن الأنباري: لما ادعى أحد الخَصْمَيْن) اعترف الثاني فحكم داود عليه ولم يذكر الله ذلك الاعتراف لدلالة الكلام عليه وقيل التقدير: إن الخَصْمَ الذي هذا شأنه قد ظلمك ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ . قال الليث: خَلِيطُ الرَّجُلِ مُخَالِطُهُ، وقال الزجاج: الخلطاء: الشركاء. فإن قيل: لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء يفعلون ذلك؟ فالجواب: أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة لأنها إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفسية إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيُفْضِي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة فلهذا خص داود - عليه (الصلاو ة) السلام الخلطاء بزيادة البغير والعُدْوَان ثم استثنى عن هذا الحكم الذين آمنوا وعملوا الصلحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون لأجل الدين. وهذا استثناء متصل من قوله: ﴿بَعْضهم﴾ . قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ خبر مقدم و «ما» مزيدة للتعظيم و «هم» مبتدأ. قال الزمخشري: و «ما» في قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ للإبهام وفيه تعجب من قتلهم قال: فإن أرادت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس: 4266 - وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ ... وانظر هل بقي لها معنى قط؟ «وَظَنَّ داوُد أَنَّمَا فَتَنَّاهُ» أي امتحناه، قرأ العامة فتَنَّاهُ بالتخفيف وإسناده إلى الضمير المتكلم المعظِّم نفسه، وعمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء فَتَّنَاه بتشديد التاء. وهي مبالغة وقرأ الضحاك: أَفْتَنَّاهُ يقال: فَتَنَهُ وأَفْتَنَهُ أي حَمَلَهُ على الفِتْنَةِ ومنه: 4267 - لَئِنْ فَتَنَتْنِي لَهيَ بِالأَمْسِ أَفْتَنَتْ..... ... ... ... ... ... ... ... وقرأ قتادة وأبو عمرو - في رواية فَتَنَّاهُ بالتخفيف وَفتَّنَّاه بالتشديد، والألف ضمير الخصمين، و «راكعاً» حال مقدرة، قال أبو البقاء، وفيه نظر لظهور المُقَارنةِ. فصل قال المفسرون: إن الظن ههنا بمعنى العلم؛ لأن داودَ عليه (الصلاة و) السلام لما قضى بينهما نظر أحَدُهُمَا إلى صاحبه فضحك، ثم صَعَد إلى السماء قبل وجهه فعل داود أنَّ الله ابْتَلاَهُ بذلك فثبت أن داود علم بذلك. وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم، لأن العلم الاستدلاليّ يشبه الظنّ مشابهةً عظيمةم والمشهابهة علة لجواز المجاز قال ابن الخطيب: هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين إما إذا لم يُقَلْ ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العمل بل لقائل أن يقول: إنه لمَّا غَلَب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة. قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ﴾ أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا: إنه صدرت منه زَلَّة حمل هذا الاستغفار عليها وإن لم يُقَلء به قلنا فيه وجوه: الأول: أن القوم لما دخولا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديدَ القهر عظيمَ القوة مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع محصول الفزغ في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئاً قَرُب الأمر من أن يدخل قبله شي من العُجْب فاستغر ربَّه من تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله فغفر له وتجاوز عنه بسبب طَرَيَانِ ذلك الخاطر. الثاني: لعله هَمَّ بإيذاء القوم، ثم قال: إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر من ذلك الهم. الثالث: لعل القوم تابوا إلى الله تعالى وطَلَبُوا منه أن يستغفر الله (لهم) ولأجل أن يَقْبَلَ توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله فغفر له توبتهم بسبب شفاعته ودعائه. وهه كلها وجوهٌ محتلمة ظاهرةٌ، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه، وإذا كان الفظ محتملاً لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام ما ذكروه من المنكرات فما الذي دل عليه التزامه والقول به؟ ويؤد ما ذكرنا أنه تعالى ختم هذه القصة بقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومثل هذه الخاتمة إنما يحصل في حقّ من صدر عن امتثال الأوامر في الخدمة والطاعة وتحمل أنواعاً من الشدائد في الموافقة والانقياد. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ الظاهر أنه مفعول «غَفَرْنا» وجوز أبو البقاء فيه أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي الأمرُ ذلِك ولا حاجة إلى هذا والمشهور أَنَّ الاستغفار إنما كان بسبب قصة النَّعْجَة، والنِّعاج، وقيل: بسبب أنه حَكَمَ لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الثاني، وذلك غير جائز. قوله: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أي تدبر أمور العباد بأمرنا، واعلم أنه لما تمم الكلام في شرح الفقصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داودَ خلافةَ الأرض وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في القصة لأن من البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دماء المسلمين رغبة ف انتزاع أزواجهم منهم، ثم يذكر عقيبه أن الله فوَّضَ خلافة الأرض إليه. ثم في تفسير كونه خليفة وجهان: الأول: جلعناك تَخْلُفُ من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفُه وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة، وذلك على الله محال. الثاني: إنا جعلناك ممكناً في الناس نافذ الحكم فيهم. فبهذا التأويل يسمى خليفة، ومنه يقال خليفة الله في الرض وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذَ الحكم في رَعيته، وحيقية الخلافة ممتنعة في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة (مفيدةً) للزوم نفاذ لك الحكم في تلك الحقيقة. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ أي بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقةً للشريعة الحقيقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات، وإذا كانت الأحكام على وَفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أقضى إلى تخريب العالم ووقوع الهَرَج والمَرَج في الخلق وذلك يُفْضي إلى هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال: ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ ، لأن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب. قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب في جواب النهي. الثاني: أنه عطف على «لاَ تَتَّبعْ» فهو مجزومٌ وإنما فتحت اللام لالتقاء الساكنين. وهو ونهي عن كل واحدة على حدته والأول فيه النهي عن الجمع بينهما وقد يترجح الثاني لهذا المعنى، وقد تقدم تقرير ذلك في البقرة في قوله ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: 42] . وفاعل «فيضلك» يجوز أن يكون الهَوَى، ويجوز أن يكون ضميرَ المصدر المفهوم من الفعل أي فيضلك إتِّبَاعُ الهوى. قوله: ﴿إِنَّ الذين يَضِلُّونَ﴾ قرأ العامة بتفح ياء يضلون. وقرأ ابن عباس والحَسَنُ وأبو حيوةَ بضمها أي يُضِلونَ الناس وهي مستلزمة للقراءة الأولى فإنه لا يُضل غيره إلا ضَالٌّ بخلاف العكس. قوله: ﴿بِمَا نَسُواْ﴾ ما مصدرية والجار يتعلق بالاستقرار الذي تضمنه «لهم» و «لَهُمْ عَذَابٌ» يجوز أن يكون جملة خبراً ل «إنَّ» ويجوز أن يكون الخبر وحده الجار، و «عَذَابٌ» فاعل به وهو الأحس لقربه من المفرد. فصل قيل: معناه بما تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقال الزجاج: بتركهم العمل ذلك اليوم، وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب شديد يَوْم الحساب بما نسوا أي تركوا القضاء بالعدل.