Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الزمر 39:53 – الزمر 39:75

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. الزمر 39:53
  2. الزمر 39:54
  3. الزمر 39:55
  4. الزمر 39:56
  5. الزمر 39:57
  6. الزمر 39:58
  7. الزمر 39:59
  8. الزمر 39:60
  9. الزمر 39:61
  10. الزمر 39:62
  11. الزمر 39:63
  12. الزمر 39:64
  13. الزمر 39:65
  14. الزمر 39:66
  15. الزمر 39:67
  16. الزمر 39:68
  17. الزمر 39:69
  18. الزمر 39:70
  19. الزمر 39:71
  20. الزمر 39:72
  21. الزمر 39:73
  22. الزمر 39:74
  23. الزمر 39:75

الزمر 39:53

قوله (تعالى) : ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ... .﴾ الآية لما ذكرالوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله، قيل: في هذه الآية أنواع من المعاني والبينات حسنة منها إقباله عليهم ونداؤهم ومنها إضافتهم إلى الله إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى الخطاب، في قوله: ﴿مِن رَّحْمَةِ الله﴾ ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله: «إنَّ الله، ومنها: إبراز الجملة من قوله» إنَّه هُو الغَفُور الرحيم «مؤدكة ب» إنّ» ، وبالفصل، وبإعادة الصِّفَيَتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة. فصل روى سعيدُ بْنُ جُبَيْر عن ابن عباس أن ناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا فأتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقالوا: إن الذين تدعو إليه لحسن إنْ كان لما عَمِلْنَا كفارة فنزلت هذه الآية، وروى عطاء بن رباح عن ابن عباس أنها نزلت في وَحْشِيّ قاتِل حمزة حين بعث إليه النبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى يدنك وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زَنَا ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة﴾ [الفرقان: 68، 69] وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل الله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان: 70] وَحْشيّ: هذا شرط شديد لَعَلِّي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 116] فقال وحشي: أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ قال وحشي: نعَمْ هذا فجاء وأسلم فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة» قال: بل للمسلمين عامة. وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي رَبيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافْتَتَنُو وكمنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عَدْلاً أبداً (قوم) قد أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيه ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عبياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فصل دلت هذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر لأن عرف القرآن جارٍ بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ [الفرقان: 63] وقال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] وإذا كان لفظ العبد مذكوراً في معرض التعظيم وجب أن لا يقع إلا على المؤمنين وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: ﴿ياعبادي﴾ مختص بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله وأما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد الللات وعبد العُزى (وعبد المسيح) وإذا ثبت ذلك فقوله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ عام في جميع المسرفين، ثم قال: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ وهذا يقتضي كونه غافراً لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين وهو المَطْلُوبُ. فإن قيل: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها وإلا لَزِمَ القطع بكون الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به فسقط الاستدلال، وأيضاً فإنه تعالى قل عقيب هذه الآية ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب﴾ الآية، ولو كان المراد من الآية أنه تعالى يغفر الذنوب قطعاً لما أم عقيبه بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون وأيضاً قال: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ الآية؛ وأيضاً لو كان المراد منا دل عليه ظاهر الآية لكان ذلك إغراءً بالمعاصي وإطلاقاً في الإقدام عليها وذلك لا يليق بحكمة الله تعالى. وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن (العاصي) أن لا مخلصَ له من العذاب البتة فإن اعتقد ذلك فهو قانطٌ جميعاً أي بالتوبة والإنابة. فالجواب: (قوله) إن الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به قلنا: بَلَى نحن نقول به لأن صيغة «يَغْفر» للمضارع وهي الاستقبال وعنْدَنا أن الله يُخْرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى هذا التقدير فصاحب الكبير مغفورة له قطعاً إما قبل دخول النار وإما بعد دخولها فثبت أن دلالة ظاهر الآية عينُ مذهبنا وأما قوله: لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة. فالجواب: أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم فإذن لا يُقْطَع بإزالة العقاب بالكلية بل نقول لعله يعفو مطلقاً ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك وبهذا يخرج لاجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم. وروى مقاتل بن حيَّان عن نافع عن ابْن عُمَر قال: كنا معْشَر أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نرى أن نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تبطلوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 10] فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش وكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها (قلنا: قد هلك فأنزل الله هذه الآية فَكَفْفنَا عن القول في ذلك، فكنما إذا رأينا أحداً أَصاب) منها شيئاً خِفْنا عليه وإن لم يُصب منها شيئاً رجوْنا له، وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر (وروي) عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاصٌّ (يقُصُّ) وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال: يا مُذكِّرُ لِمَ تُقَنِّطُ النا؟ ثُمَّ قرأ: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُو مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» وعن أَسْمَاءَ بنتِ يزيد قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «يَا عِبَادِي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (إنا الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي) » وروى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «قَال رَجُلٌ لم يعمل خيراً قط لأهله: إذا مات فَحَرِّقُوه ثم ذَرُّوا نِصْفَهُ في البَرّ ونصفَه في البحر فواللِّه لئن قَدَرَ الله عليه ليعدبَنَّه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم فَأَمَرَ الله البحرَ فجمع ما فيه وأمر البَرَّ فجمع ما فيه، ثم قال له: لِمَ فَعَلْتَ هذا قال: مِنَ خشيتك يا رب وأنتَ أعلمُ فَغَفَر لَهُ» . وعن ضَمْضَم بن حَوْشَ (ب) قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال: يا يمانيّ تَعضالَ وما أعرفه فقال: لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة قال فقلت إن هذه الكملة يقولها أحدُنا لبعض أهله إذا غضب أو زوجه أو لخادمه قال: فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «إنَّ رَجُلَيْن كَانَا فِي بني إسرائيل مُتَحَابِّيْنِ أحدهما مجتهدٌ في العبادة والآخرة كأنه يقول: مذنب فجعل يقول أقصر عما أنت فيه قال: فيقول خلّني وربي قال: حتى وجده يوماً على ذنب استعظمه فقال أقصر فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيباً فقال: والله لا يغفر لك الله أبداً ولا يدخلك الجنة أبداً قال: فبعث الله إليهما ملكاً فقبض أرواحها فاجتمعا عنده فقال للمذنب ادخل الجنة برحمتي وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب فقال: اذهبوا به إلى النار» قال أبو هريرة: والَّذِي نفسي بيده ل (قد) تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ . قوله: ﴿ياعبادي﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم يا عبادي بفتح الياء، والباقون وعاصم - في بعض الروايات - بغير فتح، وكلهم يقفون عليها بإثبات الياء؛ لأنها ثابتة في المصحف إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء. قوله: ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ قرأ أبو عمرو والكِسائي بكسرالنون، والباقون بفتحها، وهما لُغَتَان، قال الزمخشري: وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود «يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمنْ يَشَاءُ» . قوله: ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ﴾ قال الزمخشري أي تُوبُوا إليه «وأسْلِمُوا لَهُ» أي وأخلصوا له العمل مِن قَبْلِ أن يأتيكم العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. ﴿واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قال الحسن: الزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن (في) القرآن ذكرَ القبيح ليجتنبه وذكر الأدْوَن لئلا نرغب فيه، وذكر الأحسن لنُؤْثِره، وقيل: الأحسن الناسخ دون المنسوخ، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106] . ثم قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ وهذا تهديد وتخويف والمعنى يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه. واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين أنهم بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون؟ فحكم تعالى عليهم بثلاثة أنواع من الكلام: فالأول: (قوله: أَنْ تَقُولَ «) مفعول من أجله فقدره الزمخشري: كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولَ، (وابن عطية: أنيبوا من أجل أن تقول، وأبو البقاء والحَوْفيّ أَنْذَرْنَاكُمْ مَخَافَةَ أن تقول) ولا حاجة إلى إضمار هذا العامل مع وجود» أَنِيبُوا «وإنما نَكَّر نفساً لأنه أراد التكثير كقول الأعشى: 4304 - وَرُوبَّ بَقيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَّانِي كَرِيمٌ يَنْغضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا يريد أتاني (كرام كثيرون لا كريم فَذٌّ لمنافاته المعنى المقصود، ويجوز أن يريد نفساً متميزة عن الأنفس) باللجاج الشديد في الكفر والعذاب العظيم. قوله: ﴿ياحسرتا﴾ العامة على الألف بدلاً من ياء الإضافة، وعن ابن كثير: يَا حَسْرَتَاه بهاء السكت وَقْفاً وأبو جعفر يَا حَسْرَتي على الأصل وعنه أيضاً: يَا حَسْرَايَ بالألف والياء وفيها وجهان: أحدهما: لاجمع بين العِوَض والمُعَوَّضِ مِنْهُ. والثاني: أنه تثنية» حَسْرَة «مضافة لياء المتكلم، واعترض على هذا بأنه كان ينبغي أن يقال: يَا حَسْرَتَيَّ - بإدغام ياء النصب في ياء الإضافة - وأُجِيبَ: بأنه يجوز أن يكون راعى لغة الحَرْثِ بن كَعْب وغيرهم نحو: رَأَيْتُ الزَّيْدَانِ، وقيل: الألف بدل من الياء والياء (بعدها) مزيدة. وقيل: الألف مزيدة بين المتضايفين وكلاهما ضعيف. قوله:» عَلَى مَا فَرَّطت» ما مصدرية أي على تَفْريطي، وثمَّ مضاف أي في جنب طاعة الله، وقيل: في جنب الله المراد به الأمر والجِهَةُ يقال: هُوَ في جَنْبِ فُلاَنٍ وَجانِبِهِ أي جِهَتِهِ ونَاحِيَتِهِ قال: 4305 - النَّاسُ جَنْبٌ وَالأَمِيرُ جَنْبُ ... وقال آخر: 4306 - أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلاَمةً ... سُلَيْمَى لَقَدْ كَانَتْ مَلاَمَتُهَا ثِنَى ثم اتسع فيه فقيل: فَرّط في جَنْبِهِ أي في حَقِّه، قَالَ: 4307 - أَمَا تَتَّقِينَ اللًَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبْدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطّعُ (فصل) المعنى: أن تقول نفس يا حسرتي يعني لأن تقول: نفس كقوله: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] و [لقمان: 10] أي لئَلاَّ تَمِيدَ بكم، قال المبرد: أي بَادِرُوا وَاحذَرُوا أنْ تَقُولَ نفس، قال الزجاج: خوفَ أن تصيروا إلى حال تقولون يا حسرتنا يا ندامتا والتحسر الاغْتمَام على ما فات، وأراد: يا حَسرتي على الإضافة لكن العرب تحول ياء الكناية ألفاً في الاستغاثة فتقول: ياَ وَيْلَتَا، ويَا نَدَامَتَا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألق ليدل على الإضافة كقراءة أبي جعفر المتقدمة، وقيل: معنى قوله: ﴿ياحسرتا﴾ أي يا أيَّتُهَا الحَسْرَةُ هذا وَقْتُكِ قال الحسن: قَصَّرْتُ في طاعة الله، وقال مجاهد: في أمر الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، وقيل: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله، والعرب تمي الجنب جانباً؟ ز ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين﴾ المستهزئون بدين الله، قال قتادة ولم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل السخر بأهل طاعته، ومحل» وَإنْ كُنْتُ «النصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخْرَتِي. النوع الثاني من الكلمات لاتي حكاها الله تعالى (عنهم) بعد نزول العذاب عليهم قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المتقين﴾ . النوع الثالث: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب﴾ عياناً ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ رجعه إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ المحسنين﴾ الموحدين. فتحسروا أولاً: على التفريط في طاعة الله، وثانياً: عللوا بفقد الهداية، وثالثاً: تَمَنوا الرَّجْعَة. قوله: ﴿فَأَكُونَ﴾ في نصبه وجهان: أحدهما: عطفه على «كَرَّةً» فإنها مصدر، فعطف مصدراً مؤولاً على مصدر مصرَّح به كقولها: 4308 - لَلْبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عيننِي ... أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْس الشُّفُوف وقول الآخر: 4309 - فما لك منها غير ذكرى وحسرة ... وتسال عن ركبانها أين يمموا والثاني: أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ والفرق بين الوجهين أن الأول يكون فيه الكون مُتَمنَّى ويجوز أن تضمر «أن» وأن تُظْهرَ والثاني يكون فيه الكون مترتباً على حصول المتمني لا متمنِّي ويجب أن تضمر «أن» . قوله: ﴿بَلَى﴾ حرف جواب وفيما وقعت جواباً له وجهان: أحدهما: هو نفي مقدر، قال ابن عطية: وحق «بلى» أن تجيء بعد نفي عليه تقرير، كأن النفس قال: لم يتسع لي النظر أو لم يبين لي الأمر قال أبو حيان: ليس حقها النفي المقدر بل حقها النفي ثم حمل التقرير عليه ولذلك أجاب بعض العرب النفي المقدر بنعم دون بلى، وكذا وقع في عبارة سيبويه نفسه. والثاني: أن التمني المذكور وجوابه متضَمِّنان لنفي الهداية كأنه قال: لم أهتدِ فرد الله عليه ذلك. قال الزجاج: «بلى» جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل فيه معنى النفي لأنه قوله: «لو أن الله هداني» أنه ما هداني فلا جرم حسن ذكر «بلى» بعده. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قرن الجواب بينهما بما هو جواب له وهو قوله: لو أن اله هداني ولم يفصل بينهما قلت: لأنه لا يخلوا إمّا أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن، وإما أن يؤخر القرينة الوسطى فلم يحسن الأول لما فيه من تغير النظم بالجمع بين القراءتين، وأما الثاني فلِما فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريق في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ثم تمنِّي الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. قوله: ﴿جَآءَتْكَ﴾ قرأ العامة بفتح الكاف «فَكَذَّبْتَ وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ» بفتح التاء خطاباً للكافرين دون النفس. وقرأ الجَحْدَريُّ وأبو حَيْوَة وابنُ يَعْمُرَ والشافعيُّ عن ابن كثير وروتها أم سملة عنه - عليه (الصلاة و) السلام - بها قرأ أبُو بكر وابنتُه عائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بكسر الكاف والتاء؛ خطاباً للنفس والحَسَنُ والأعرجُ والأعمشُ «جَأتْكَ» بوزن «جَعَتْكَ» بهمزة دون ألف؛ فيحتمل أن يكون قصراً كقراءة قُنْبُل ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 7] وأن يكون في الكلمة قلبٌ بأن قُدّمتِ اللام على العين فالتقى ساكنان، فحذفت الألف لالتقائهما نحو: رُمْتُ وغُزْت، ومعنى الآية يقال لهذا القائل: بَلَى قَدْ جَاءتُكَ آيَاتِي يعني القرآن «فكذبت» وقلت ليست من الله واستكبرت أي تكبرت عن الإيمان بها وكنت من الكافرين. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ العامة على رفع ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ وهي جملة من مبتدأ وخبر، وفي محلها وجهان: أحدهما: النصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية، وكذا أعربها الزمخشري ومنْ مذهبه أنه لا يجوز إسقاط الواو من مثلها إلا شاذاً تابعاً في ذلك الفراء، فهذا رجوع منع عن ذلك. والثاني: أنها في محل نصب مفعولاً ثانياً، لأن الرؤية قلبية وهي بعيد لأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما، وقرئ: «وُجُوهَُمْ مُسْوَدَّةً» بنصبهما على أن «وجوهم» بدل بعض من «كل» ، و «مسودة» على ما تقدم من النصب على الحال أو على المفعول الثاني. وقال أبو البقاء: ولو قرئ وجوهم بالنصب لكان على بدل الاشتمال، قال شهاب الدين: قد قرئ به والحمد لله ولكن ليس كما قال: على بدل الاشتمال بل على بدل البعض، وكأنه سبقُ لسانٍ أو طُغْيَانُ قَلَم. وقرأ أبيّ أُجُوهُهُمْ بقلب الواو همزةً وهو فصيح نحو: ﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: 11] وبابه، وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان. قوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قرأ الأَخوان وأبو بكر بمَفازَتهم جمعاً لمَّا اختفت أنواع المصدر جُمْعَ كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ [الأحزاب: 10] ، ولأن لكل متق نوعاً آخر من المفازة، والباقون بالإفراد على الأصل. وقيل: ثم مضاف محذوف أي بدَوَاعِي مفازتهم أو بأسبابها. والمفازَةُ المنجاة، وقيل: لا حاجة إلى ذلك، وإذ المراد بالمفازة الفلاح. قال البغوي: لأن المفَازَةَ بمعنى الفَوْز أي يُنَجِّيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. وقال المبرد: المَفَازَةُ مَفْعَلَةٌ من الفَوْز والجمع حَسَنٌ كالسَّعَادَة والسَّعَادَاتِ. قوله: ﴿لاَ يَمَسُّهُمُ السواء﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: «لا يمسهم السوء» فلا محل لهان ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من «الَّذِينَ اتَّقوا» . ومعنى الكلام لا يصيبهم مكروهٌ ولا هم يحزنون.

الزمر 39:54

قوله (تعالى) : ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ... .﴾ الآية لما ذكرالوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله، قيل: في هذه الآية أنواع من المعاني والبينات حسنة منها إقباله عليهم ونداؤهم ومنها إضافتهم إلى الله إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى الخطاب، في قوله: ﴿مِن رَّحْمَةِ الله﴾ ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله: «إنَّ الله، ومنها: إبراز الجملة من قوله» إنَّه هُو الغَفُور الرحيم «مؤدكة ب» إنّ» ، وبالفصل، وبإعادة الصِّفَيَتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة. فصل روى سعيدُ بْنُ جُبَيْر عن ابن عباس أن ناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا فأتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقالوا: إن الذين تدعو إليه لحسن إنْ كان لما عَمِلْنَا كفارة فنزلت هذه الآية، وروى عطاء بن رباح عن ابن عباس أنها نزلت في وَحْشِيّ قاتِل حمزة حين بعث إليه النبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى يدنك وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زَنَا ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة﴾ [الفرقان: 68، 69] وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل الله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان: 70] وَحْشيّ: هذا شرط شديد لَعَلِّي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 116] فقال وحشي: أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ قال وحشي: نعَمْ هذا فجاء وأسلم فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة» قال: بل للمسلمين عامة. وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي رَبيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافْتَتَنُو وكمنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عَدْلاً أبداً (قوم) قد أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيه ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عبياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فصل دلت هذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر لأن عرف القرآن جارٍ بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ [الفرقان: 63] وقال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] وإذا كان لفظ العبد مذكوراً في معرض التعظيم وجب أن لا يقع إلا على المؤمنين وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: ﴿ياعبادي﴾ مختص بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله وأما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد الللات وعبد العُزى (وعبد المسيح) وإذا ثبت ذلك فقوله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ عام في جميع المسرفين، ثم قال: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ وهذا يقتضي كونه غافراً لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين وهو المَطْلُوبُ. فإن قيل: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها وإلا لَزِمَ القطع بكون الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به فسقط الاستدلال، وأيضاً فإنه تعالى قل عقيب هذه الآية ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب﴾ الآية، ولو كان المراد من الآية أنه تعالى يغفر الذنوب قطعاً لما أم عقيبه بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون وأيضاً قال: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ الآية؛ وأيضاً لو كان المراد منا دل عليه ظاهر الآية لكان ذلك إغراءً بالمعاصي وإطلاقاً في الإقدام عليها وذلك لا يليق بحكمة الله تعالى. وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن (العاصي) أن لا مخلصَ له من العذاب البتة فإن اعتقد ذلك فهو قانطٌ جميعاً أي بالتوبة والإنابة. فالجواب: (قوله) إن الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به قلنا: بَلَى نحن نقول به لأن صيغة «يَغْفر» للمضارع وهي الاستقبال وعنْدَنا أن الله يُخْرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى هذا التقدير فصاحب الكبير مغفورة له قطعاً إما قبل دخول النار وإما بعد دخولها فثبت أن دلالة ظاهر الآية عينُ مذهبنا وأما قوله: لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة. فالجواب: أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم فإذن لا يُقْطَع بإزالة العقاب بالكلية بل نقول لعله يعفو مطلقاً ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك وبهذا يخرج لاجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم. وروى مقاتل بن حيَّان عن نافع عن ابْن عُمَر قال: كنا معْشَر أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نرى أن نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تبطلوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 10] فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش وكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها (قلنا: قد هلك فأنزل الله هذه الآية فَكَفْفنَا عن القول في ذلك، فكنما إذا رأينا أحداً أَصاب) منها شيئاً خِفْنا عليه وإن لم يُصب منها شيئاً رجوْنا له، وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر (وروي) عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاصٌّ (يقُصُّ) وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال: يا مُذكِّرُ لِمَ تُقَنِّطُ النا؟ ثُمَّ قرأ: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُو مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» وعن أَسْمَاءَ بنتِ يزيد قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «يَا عِبَادِي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (إنا الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي) » وروى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «قَال رَجُلٌ لم يعمل خيراً قط لأهله: إذا مات فَحَرِّقُوه ثم ذَرُّوا نِصْفَهُ في البَرّ ونصفَه في البحر فواللِّه لئن قَدَرَ الله عليه ليعدبَنَّه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم فَأَمَرَ الله البحرَ فجمع ما فيه وأمر البَرَّ فجمع ما فيه، ثم قال له: لِمَ فَعَلْتَ هذا قال: مِنَ خشيتك يا رب وأنتَ أعلمُ فَغَفَر لَهُ» . وعن ضَمْضَم بن حَوْشَ (ب) قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال: يا يمانيّ تَعضالَ وما أعرفه فقال: لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة قال فقلت إن هذه الكملة يقولها أحدُنا لبعض أهله إذا غضب أو زوجه أو لخادمه قال: فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «إنَّ رَجُلَيْن كَانَا فِي بني إسرائيل مُتَحَابِّيْنِ أحدهما مجتهدٌ في العبادة والآخرة كأنه يقول: مذنب فجعل يقول أقصر عما أنت فيه قال: فيقول خلّني وربي قال: حتى وجده يوماً على ذنب استعظمه فقال أقصر فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيباً فقال: والله لا يغفر لك الله أبداً ولا يدخلك الجنة أبداً قال: فبعث الله إليهما ملكاً فقبض أرواحها فاجتمعا عنده فقال للمذنب ادخل الجنة برحمتي وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب فقال: اذهبوا به إلى النار» قال أبو هريرة: والَّذِي نفسي بيده ل (قد) تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ . قوله: ﴿ياعبادي﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم يا عبادي بفتح الياء، والباقون وعاصم - في بعض الروايات - بغير فتح، وكلهم يقفون عليها بإثبات الياء؛ لأنها ثابتة في المصحف إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء. قوله: ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ قرأ أبو عمرو والكِسائي بكسرالنون، والباقون بفتحها، وهما لُغَتَان، قال الزمخشري: وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود «يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمنْ يَشَاءُ» . قوله: ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ﴾ قال الزمخشري أي تُوبُوا إليه «وأسْلِمُوا لَهُ» أي وأخلصوا له العمل مِن قَبْلِ أن يأتيكم العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. ﴿واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قال الحسن: الزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن (في) القرآن ذكرَ القبيح ليجتنبه وذكر الأدْوَن لئلا نرغب فيه، وذكر الأحسن لنُؤْثِره، وقيل: الأحسن الناسخ دون المنسوخ، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106] . ثم قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ وهذا تهديد وتخويف والمعنى يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه. واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين أنهم بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون؟ فحكم تعالى عليهم بثلاثة أنواع من الكلام: فالأول: (قوله: أَنْ تَقُولَ «) مفعول من أجله فقدره الزمخشري: كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولَ، (وابن عطية: أنيبوا من أجل أن تقول، وأبو البقاء والحَوْفيّ أَنْذَرْنَاكُمْ مَخَافَةَ أن تقول) ولا حاجة إلى إضمار هذا العامل مع وجود» أَنِيبُوا «وإنما نَكَّر نفساً لأنه أراد التكثير كقول الأعشى: 4304 - وَرُوبَّ بَقيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَّانِي كَرِيمٌ يَنْغضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا يريد أتاني (كرام كثيرون لا كريم فَذٌّ لمنافاته المعنى المقصود، ويجوز أن يريد نفساً متميزة عن الأنفس) باللجاج الشديد في الكفر والعذاب العظيم. قوله: ﴿ياحسرتا﴾ العامة على الألف بدلاً من ياء الإضافة، وعن ابن كثير: يَا حَسْرَتَاه بهاء السكت وَقْفاً وأبو جعفر يَا حَسْرَتي على الأصل وعنه أيضاً: يَا حَسْرَايَ بالألف والياء وفيها وجهان: أحدهما: لاجمع بين العِوَض والمُعَوَّضِ مِنْهُ. والثاني: أنه تثنية» حَسْرَة «مضافة لياء المتكلم، واعترض على هذا بأنه كان ينبغي أن يقال: يَا حَسْرَتَيَّ - بإدغام ياء النصب في ياء الإضافة - وأُجِيبَ: بأنه يجوز أن يكون راعى لغة الحَرْثِ بن كَعْب وغيرهم نحو: رَأَيْتُ الزَّيْدَانِ، وقيل: الألف بدل من الياء والياء (بعدها) مزيدة. وقيل: الألف مزيدة بين المتضايفين وكلاهما ضعيف. قوله:» عَلَى مَا فَرَّطت» ما مصدرية أي على تَفْريطي، وثمَّ مضاف أي في جنب طاعة الله، وقيل: في جنب الله المراد به الأمر والجِهَةُ يقال: هُوَ في جَنْبِ فُلاَنٍ وَجانِبِهِ أي جِهَتِهِ ونَاحِيَتِهِ قال: 4305 - النَّاسُ جَنْبٌ وَالأَمِيرُ جَنْبُ ... وقال آخر: 4306 - أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلاَمةً ... سُلَيْمَى لَقَدْ كَانَتْ مَلاَمَتُهَا ثِنَى ثم اتسع فيه فقيل: فَرّط في جَنْبِهِ أي في حَقِّه، قَالَ: 4307 - أَمَا تَتَّقِينَ اللًَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبْدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطّعُ (فصل) المعنى: أن تقول نفس يا حسرتي يعني لأن تقول: نفس كقوله: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] و [لقمان: 10] أي لئَلاَّ تَمِيدَ بكم، قال المبرد: أي بَادِرُوا وَاحذَرُوا أنْ تَقُولَ نفس، قال الزجاج: خوفَ أن تصيروا إلى حال تقولون يا حسرتنا يا ندامتا والتحسر الاغْتمَام على ما فات، وأراد: يا حَسرتي على الإضافة لكن العرب تحول ياء الكناية ألفاً في الاستغاثة فتقول: ياَ وَيْلَتَا، ويَا نَدَامَتَا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألق ليدل على الإضافة كقراءة أبي جعفر المتقدمة، وقيل: معنى قوله: ﴿ياحسرتا﴾ أي يا أيَّتُهَا الحَسْرَةُ هذا وَقْتُكِ قال الحسن: قَصَّرْتُ في طاعة الله، وقال مجاهد: في أمر الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، وقيل: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله، والعرب تمي الجنب جانباً؟ ز ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين﴾ المستهزئون بدين الله، قال قتادة ولم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل السخر بأهل طاعته، ومحل» وَإنْ كُنْتُ «النصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخْرَتِي. النوع الثاني من الكلمات لاتي حكاها الله تعالى (عنهم) بعد نزول العذاب عليهم قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المتقين﴾ . النوع الثالث: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب﴾ عياناً ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ رجعه إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ المحسنين﴾ الموحدين. فتحسروا أولاً: على التفريط في طاعة الله، وثانياً: عللوا بفقد الهداية، وثالثاً: تَمَنوا الرَّجْعَة. قوله: ﴿فَأَكُونَ﴾ في نصبه وجهان: أحدهما: عطفه على «كَرَّةً» فإنها مصدر، فعطف مصدراً مؤولاً على مصدر مصرَّح به كقولها: 4308 - لَلْبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عيننِي ... أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْس الشُّفُوف وقول الآخر: 4309 - فما لك منها غير ذكرى وحسرة ... وتسال عن ركبانها أين يمموا والثاني: أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ والفرق بين الوجهين أن الأول يكون فيه الكون مُتَمنَّى ويجوز أن تضمر «أن» وأن تُظْهرَ والثاني يكون فيه الكون مترتباً على حصول المتمني لا متمنِّي ويجب أن تضمر «أن» . قوله: ﴿بَلَى﴾ حرف جواب وفيما وقعت جواباً له وجهان: أحدهما: هو نفي مقدر، قال ابن عطية: وحق «بلى» أن تجيء بعد نفي عليه تقرير، كأن النفس قال: لم يتسع لي النظر أو لم يبين لي الأمر قال أبو حيان: ليس حقها النفي المقدر بل حقها النفي ثم حمل التقرير عليه ولذلك أجاب بعض العرب النفي المقدر بنعم دون بلى، وكذا وقع في عبارة سيبويه نفسه. والثاني: أن التمني المذكور وجوابه متضَمِّنان لنفي الهداية كأنه قال: لم أهتدِ فرد الله عليه ذلك. قال الزجاج: «بلى» جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل فيه معنى النفي لأنه قوله: «لو أن الله هداني» أنه ما هداني فلا جرم حسن ذكر «بلى» بعده. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قرن الجواب بينهما بما هو جواب له وهو قوله: لو أن اله هداني ولم يفصل بينهما قلت: لأنه لا يخلوا إمّا أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن، وإما أن يؤخر القرينة الوسطى فلم يحسن الأول لما فيه من تغير النظم بالجمع بين القراءتين، وأما الثاني فلِما فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريق في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ثم تمنِّي الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. قوله: ﴿جَآءَتْكَ﴾ قرأ العامة بفتح الكاف «فَكَذَّبْتَ وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ» بفتح التاء خطاباً للكافرين دون النفس. وقرأ الجَحْدَريُّ وأبو حَيْوَة وابنُ يَعْمُرَ والشافعيُّ عن ابن كثير وروتها أم سملة عنه - عليه (الصلاة و) السلام - بها قرأ أبُو بكر وابنتُه عائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بكسر الكاف والتاء؛ خطاباً للنفس والحَسَنُ والأعرجُ والأعمشُ «جَأتْكَ» بوزن «جَعَتْكَ» بهمزة دون ألف؛ فيحتمل أن يكون قصراً كقراءة قُنْبُل ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 7] وأن يكون في الكلمة قلبٌ بأن قُدّمتِ اللام على العين فالتقى ساكنان، فحذفت الألف لالتقائهما نحو: رُمْتُ وغُزْت، ومعنى الآية يقال لهذا القائل: بَلَى قَدْ جَاءتُكَ آيَاتِي يعني القرآن «فكذبت» وقلت ليست من الله واستكبرت أي تكبرت عن الإيمان بها وكنت من الكافرين. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ العامة على رفع ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ وهي جملة من مبتدأ وخبر، وفي محلها وجهان: أحدهما: النصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية، وكذا أعربها الزمخشري ومنْ مذهبه أنه لا يجوز إسقاط الواو من مثلها إلا شاذاً تابعاً في ذلك الفراء، فهذا رجوع منع عن ذلك. والثاني: أنها في محل نصب مفعولاً ثانياً، لأن الرؤية قلبية وهي بعيد لأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما، وقرئ: «وُجُوهَُمْ مُسْوَدَّةً» بنصبهما على أن «وجوهم» بدل بعض من «كل» ، و «مسودة» على ما تقدم من النصب على الحال أو على المفعول الثاني. وقال أبو البقاء: ولو قرئ وجوهم بالنصب لكان على بدل الاشتمال، قال شهاب الدين: قد قرئ به والحمد لله ولكن ليس كما قال: على بدل الاشتمال بل على بدل البعض، وكأنه سبقُ لسانٍ أو طُغْيَانُ قَلَم. وقرأ أبيّ أُجُوهُهُمْ بقلب الواو همزةً وهو فصيح نحو: ﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: 11] وبابه، وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان. قوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قرأ الأَخوان وأبو بكر بمَفازَتهم جمعاً لمَّا اختفت أنواع المصدر جُمْعَ كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ [الأحزاب: 10] ، ولأن لكل متق نوعاً آخر من المفازة، والباقون بالإفراد على الأصل. وقيل: ثم مضاف محذوف أي بدَوَاعِي مفازتهم أو بأسبابها. والمفازَةُ المنجاة، وقيل: لا حاجة إلى ذلك، وإذ المراد بالمفازة الفلاح. قال البغوي: لأن المفَازَةَ بمعنى الفَوْز أي يُنَجِّيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. وقال المبرد: المَفَازَةُ مَفْعَلَةٌ من الفَوْز والجمع حَسَنٌ كالسَّعَادَة والسَّعَادَاتِ. قوله: ﴿لاَ يَمَسُّهُمُ السواء﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: «لا يمسهم السوء» فلا محل لهان ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من «الَّذِينَ اتَّقوا» . ومعنى الكلام لا يصيبهم مكروهٌ ولا هم يحزنون.

الزمر 39:55

قوله (تعالى) : ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ... .﴾ الآية لما ذكرالوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله، قيل: في هذه الآية أنواع من المعاني والبينات حسنة منها إقباله عليهم ونداؤهم ومنها إضافتهم إلى الله إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى الخطاب، في قوله: ﴿مِن رَّحْمَةِ الله﴾ ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله: «إنَّ الله، ومنها: إبراز الجملة من قوله» إنَّه هُو الغَفُور الرحيم «مؤدكة ب» إنّ» ، وبالفصل، وبإعادة الصِّفَيَتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة. فصل روى سعيدُ بْنُ جُبَيْر عن ابن عباس أن ناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا فأتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقالوا: إن الذين تدعو إليه لحسن إنْ كان لما عَمِلْنَا كفارة فنزلت هذه الآية، وروى عطاء بن رباح عن ابن عباس أنها نزلت في وَحْشِيّ قاتِل حمزة حين بعث إليه النبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى يدنك وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زَنَا ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة﴾ [الفرقان: 68، 69] وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل الله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان: 70] وَحْشيّ: هذا شرط شديد لَعَلِّي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 116] فقال وحشي: أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ قال وحشي: نعَمْ هذا فجاء وأسلم فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة» قال: بل للمسلمين عامة. وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي رَبيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافْتَتَنُو وكمنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عَدْلاً أبداً (قوم) قد أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيه ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عبياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فصل دلت هذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر لأن عرف القرآن جارٍ بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ [الفرقان: 63] وقال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] وإذا كان لفظ العبد مذكوراً في معرض التعظيم وجب أن لا يقع إلا على المؤمنين وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: ﴿ياعبادي﴾ مختص بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله وأما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد الللات وعبد العُزى (وعبد المسيح) وإذا ثبت ذلك فقوله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ عام في جميع المسرفين، ثم قال: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ وهذا يقتضي كونه غافراً لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين وهو المَطْلُوبُ. فإن قيل: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها وإلا لَزِمَ القطع بكون الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به فسقط الاستدلال، وأيضاً فإنه تعالى قل عقيب هذه الآية ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب﴾ الآية، ولو كان المراد من الآية أنه تعالى يغفر الذنوب قطعاً لما أم عقيبه بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون وأيضاً قال: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ الآية؛ وأيضاً لو كان المراد منا دل عليه ظاهر الآية لكان ذلك إغراءً بالمعاصي وإطلاقاً في الإقدام عليها وذلك لا يليق بحكمة الله تعالى. وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن (العاصي) أن لا مخلصَ له من العذاب البتة فإن اعتقد ذلك فهو قانطٌ جميعاً أي بالتوبة والإنابة. فالجواب: (قوله) إن الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به قلنا: بَلَى نحن نقول به لأن صيغة «يَغْفر» للمضارع وهي الاستقبال وعنْدَنا أن الله يُخْرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى هذا التقدير فصاحب الكبير مغفورة له قطعاً إما قبل دخول النار وإما بعد دخولها فثبت أن دلالة ظاهر الآية عينُ مذهبنا وأما قوله: لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة. فالجواب: أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم فإذن لا يُقْطَع بإزالة العقاب بالكلية بل نقول لعله يعفو مطلقاً ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك وبهذا يخرج لاجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم. وروى مقاتل بن حيَّان عن نافع عن ابْن عُمَر قال: كنا معْشَر أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نرى أن نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تبطلوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 10] فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش وكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها (قلنا: قد هلك فأنزل الله هذه الآية فَكَفْفنَا عن القول في ذلك، فكنما إذا رأينا أحداً أَصاب) منها شيئاً خِفْنا عليه وإن لم يُصب منها شيئاً رجوْنا له، وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر (وروي) عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاصٌّ (يقُصُّ) وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال: يا مُذكِّرُ لِمَ تُقَنِّطُ النا؟ ثُمَّ قرأ: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُو مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» وعن أَسْمَاءَ بنتِ يزيد قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «يَا عِبَادِي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (إنا الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي) » وروى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «قَال رَجُلٌ لم يعمل خيراً قط لأهله: إذا مات فَحَرِّقُوه ثم ذَرُّوا نِصْفَهُ في البَرّ ونصفَه في البحر فواللِّه لئن قَدَرَ الله عليه ليعدبَنَّه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم فَأَمَرَ الله البحرَ فجمع ما فيه وأمر البَرَّ فجمع ما فيه، ثم قال له: لِمَ فَعَلْتَ هذا قال: مِنَ خشيتك يا رب وأنتَ أعلمُ فَغَفَر لَهُ» . وعن ضَمْضَم بن حَوْشَ (ب) قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال: يا يمانيّ تَعضالَ وما أعرفه فقال: لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة قال فقلت إن هذه الكملة يقولها أحدُنا لبعض أهله إذا غضب أو زوجه أو لخادمه قال: فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «إنَّ رَجُلَيْن كَانَا فِي بني إسرائيل مُتَحَابِّيْنِ أحدهما مجتهدٌ في العبادة والآخرة كأنه يقول: مذنب فجعل يقول أقصر عما أنت فيه قال: فيقول خلّني وربي قال: حتى وجده يوماً على ذنب استعظمه فقال أقصر فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيباً فقال: والله لا يغفر لك الله أبداً ولا يدخلك الجنة أبداً قال: فبعث الله إليهما ملكاً فقبض أرواحها فاجتمعا عنده فقال للمذنب ادخل الجنة برحمتي وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب فقال: اذهبوا به إلى النار» قال أبو هريرة: والَّذِي نفسي بيده ل (قد) تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ . قوله: ﴿ياعبادي﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم يا عبادي بفتح الياء، والباقون وعاصم - في بعض الروايات - بغير فتح، وكلهم يقفون عليها بإثبات الياء؛ لأنها ثابتة في المصحف إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء. قوله: ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ قرأ أبو عمرو والكِسائي بكسرالنون، والباقون بفتحها، وهما لُغَتَان، قال الزمخشري: وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود «يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمنْ يَشَاءُ» . قوله: ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ﴾ قال الزمخشري أي تُوبُوا إليه «وأسْلِمُوا لَهُ» أي وأخلصوا له العمل مِن قَبْلِ أن يأتيكم العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. ﴿واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قال الحسن: الزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن (في) القرآن ذكرَ القبيح ليجتنبه وذكر الأدْوَن لئلا نرغب فيه، وذكر الأحسن لنُؤْثِره، وقيل: الأحسن الناسخ دون المنسوخ، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106] . ثم قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ وهذا تهديد وتخويف والمعنى يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه. واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين أنهم بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون؟ فحكم تعالى عليهم بثلاثة أنواع من الكلام: فالأول: (قوله: أَنْ تَقُولَ «) مفعول من أجله فقدره الزمخشري: كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولَ، (وابن عطية: أنيبوا من أجل أن تقول، وأبو البقاء والحَوْفيّ أَنْذَرْنَاكُمْ مَخَافَةَ أن تقول) ولا حاجة إلى إضمار هذا العامل مع وجود» أَنِيبُوا «وإنما نَكَّر نفساً لأنه أراد التكثير كقول الأعشى: 4304 - وَرُوبَّ بَقيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَّانِي كَرِيمٌ يَنْغضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا يريد أتاني (كرام كثيرون لا كريم فَذٌّ لمنافاته المعنى المقصود، ويجوز أن يريد نفساً متميزة عن الأنفس) باللجاج الشديد في الكفر والعذاب العظيم. قوله: ﴿ياحسرتا﴾ العامة على الألف بدلاً من ياء الإضافة، وعن ابن كثير: يَا حَسْرَتَاه بهاء السكت وَقْفاً وأبو جعفر يَا حَسْرَتي على الأصل وعنه أيضاً: يَا حَسْرَايَ بالألف والياء وفيها وجهان: أحدهما: لاجمع بين العِوَض والمُعَوَّضِ مِنْهُ. والثاني: أنه تثنية» حَسْرَة «مضافة لياء المتكلم، واعترض على هذا بأنه كان ينبغي أن يقال: يَا حَسْرَتَيَّ - بإدغام ياء النصب في ياء الإضافة - وأُجِيبَ: بأنه يجوز أن يكون راعى لغة الحَرْثِ بن كَعْب وغيرهم نحو: رَأَيْتُ الزَّيْدَانِ، وقيل: الألف بدل من الياء والياء (بعدها) مزيدة. وقيل: الألف مزيدة بين المتضايفين وكلاهما ضعيف. قوله:» عَلَى مَا فَرَّطت» ما مصدرية أي على تَفْريطي، وثمَّ مضاف أي في جنب طاعة الله، وقيل: في جنب الله المراد به الأمر والجِهَةُ يقال: هُوَ في جَنْبِ فُلاَنٍ وَجانِبِهِ أي جِهَتِهِ ونَاحِيَتِهِ قال: 4305 - النَّاسُ جَنْبٌ وَالأَمِيرُ جَنْبُ ... وقال آخر: 4306 - أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلاَمةً ... سُلَيْمَى لَقَدْ كَانَتْ مَلاَمَتُهَا ثِنَى ثم اتسع فيه فقيل: فَرّط في جَنْبِهِ أي في حَقِّه، قَالَ: 4307 - أَمَا تَتَّقِينَ اللًَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبْدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطّعُ (فصل) المعنى: أن تقول نفس يا حسرتي يعني لأن تقول: نفس كقوله: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] و [لقمان: 10] أي لئَلاَّ تَمِيدَ بكم، قال المبرد: أي بَادِرُوا وَاحذَرُوا أنْ تَقُولَ نفس، قال الزجاج: خوفَ أن تصيروا إلى حال تقولون يا حسرتنا يا ندامتا والتحسر الاغْتمَام على ما فات، وأراد: يا حَسرتي على الإضافة لكن العرب تحول ياء الكناية ألفاً في الاستغاثة فتقول: ياَ وَيْلَتَا، ويَا نَدَامَتَا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألق ليدل على الإضافة كقراءة أبي جعفر المتقدمة، وقيل: معنى قوله: ﴿ياحسرتا﴾ أي يا أيَّتُهَا الحَسْرَةُ هذا وَقْتُكِ قال الحسن: قَصَّرْتُ في طاعة الله، وقال مجاهد: في أمر الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، وقيل: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله، والعرب تمي الجنب جانباً؟ ز ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين﴾ المستهزئون بدين الله، قال قتادة ولم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل السخر بأهل طاعته، ومحل» وَإنْ كُنْتُ «النصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخْرَتِي. النوع الثاني من الكلمات لاتي حكاها الله تعالى (عنهم) بعد نزول العذاب عليهم قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المتقين﴾ . النوع الثالث: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب﴾ عياناً ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ رجعه إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ المحسنين﴾ الموحدين. فتحسروا أولاً: على التفريط في طاعة الله، وثانياً: عللوا بفقد الهداية، وثالثاً: تَمَنوا الرَّجْعَة. قوله: ﴿فَأَكُونَ﴾ في نصبه وجهان: أحدهما: عطفه على «كَرَّةً» فإنها مصدر، فعطف مصدراً مؤولاً على مصدر مصرَّح به كقولها: 4308 - لَلْبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عيننِي ... أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْس الشُّفُوف وقول الآخر: 4309 - فما لك منها غير ذكرى وحسرة ... وتسال عن ركبانها أين يمموا والثاني: أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ والفرق بين الوجهين أن الأول يكون فيه الكون مُتَمنَّى ويجوز أن تضمر «أن» وأن تُظْهرَ والثاني يكون فيه الكون مترتباً على حصول المتمني لا متمنِّي ويجب أن تضمر «أن» . قوله: ﴿بَلَى﴾ حرف جواب وفيما وقعت جواباً له وجهان: أحدهما: هو نفي مقدر، قال ابن عطية: وحق «بلى» أن تجيء بعد نفي عليه تقرير، كأن النفس قال: لم يتسع لي النظر أو لم يبين لي الأمر قال أبو حيان: ليس حقها النفي المقدر بل حقها النفي ثم حمل التقرير عليه ولذلك أجاب بعض العرب النفي المقدر بنعم دون بلى، وكذا وقع في عبارة سيبويه نفسه. والثاني: أن التمني المذكور وجوابه متضَمِّنان لنفي الهداية كأنه قال: لم أهتدِ فرد الله عليه ذلك. قال الزجاج: «بلى» جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل فيه معنى النفي لأنه قوله: «لو أن الله هداني» أنه ما هداني فلا جرم حسن ذكر «بلى» بعده. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قرن الجواب بينهما بما هو جواب له وهو قوله: لو أن اله هداني ولم يفصل بينهما قلت: لأنه لا يخلوا إمّا أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن، وإما أن يؤخر القرينة الوسطى فلم يحسن الأول لما فيه من تغير النظم بالجمع بين القراءتين، وأما الثاني فلِما فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريق في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ثم تمنِّي الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. قوله: ﴿جَآءَتْكَ﴾ قرأ العامة بفتح الكاف «فَكَذَّبْتَ وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ» بفتح التاء خطاباً للكافرين دون النفس. وقرأ الجَحْدَريُّ وأبو حَيْوَة وابنُ يَعْمُرَ والشافعيُّ عن ابن كثير وروتها أم سملة عنه - عليه (الصلاة و) السلام - بها قرأ أبُو بكر وابنتُه عائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بكسر الكاف والتاء؛ خطاباً للنفس والحَسَنُ والأعرجُ والأعمشُ «جَأتْكَ» بوزن «جَعَتْكَ» بهمزة دون ألف؛ فيحتمل أن يكون قصراً كقراءة قُنْبُل ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 7] وأن يكون في الكلمة قلبٌ بأن قُدّمتِ اللام على العين فالتقى ساكنان، فحذفت الألف لالتقائهما نحو: رُمْتُ وغُزْت، ومعنى الآية يقال لهذا القائل: بَلَى قَدْ جَاءتُكَ آيَاتِي يعني القرآن «فكذبت» وقلت ليست من الله واستكبرت أي تكبرت عن الإيمان بها وكنت من الكافرين. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ العامة على رفع ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ وهي جملة من مبتدأ وخبر، وفي محلها وجهان: أحدهما: النصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية، وكذا أعربها الزمخشري ومنْ مذهبه أنه لا يجوز إسقاط الواو من مثلها إلا شاذاً تابعاً في ذلك الفراء، فهذا رجوع منع عن ذلك. والثاني: أنها في محل نصب مفعولاً ثانياً، لأن الرؤية قلبية وهي بعيد لأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما، وقرئ: «وُجُوهَُمْ مُسْوَدَّةً» بنصبهما على أن «وجوهم» بدل بعض من «كل» ، و «مسودة» على ما تقدم من النصب على الحال أو على المفعول الثاني. وقال أبو البقاء: ولو قرئ وجوهم بالنصب لكان على بدل الاشتمال، قال شهاب الدين: قد قرئ به والحمد لله ولكن ليس كما قال: على بدل الاشتمال بل على بدل البعض، وكأنه سبقُ لسانٍ أو طُغْيَانُ قَلَم. وقرأ أبيّ أُجُوهُهُمْ بقلب الواو همزةً وهو فصيح نحو: ﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: 11] وبابه، وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان. قوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قرأ الأَخوان وأبو بكر بمَفازَتهم جمعاً لمَّا اختفت أنواع المصدر جُمْعَ كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ [الأحزاب: 10] ، ولأن لكل متق نوعاً آخر من المفازة، والباقون بالإفراد على الأصل. وقيل: ثم مضاف محذوف أي بدَوَاعِي مفازتهم أو بأسبابها. والمفازَةُ المنجاة، وقيل: لا حاجة إلى ذلك، وإذ المراد بالمفازة الفلاح. قال البغوي: لأن المفَازَةَ بمعنى الفَوْز أي يُنَجِّيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. وقال المبرد: المَفَازَةُ مَفْعَلَةٌ من الفَوْز والجمع حَسَنٌ كالسَّعَادَة والسَّعَادَاتِ. قوله: ﴿لاَ يَمَسُّهُمُ السواء﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: «لا يمسهم السوء» فلا محل لهان ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من «الَّذِينَ اتَّقوا» . ومعنى الكلام لا يصيبهم مكروهٌ ولا هم يحزنون.

الزمر 39:56

قوله (تعالى) : ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ... .﴾ الآية لما ذكرالوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله، قيل: في هذه الآية أنواع من المعاني والبينات حسنة منها إقباله عليهم ونداؤهم ومنها إضافتهم إلى الله إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى الخطاب، في قوله: ﴿مِن رَّحْمَةِ الله﴾ ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله: «إنَّ الله، ومنها: إبراز الجملة من قوله» إنَّه هُو الغَفُور الرحيم «مؤدكة ب» إنّ» ، وبالفصل، وبإعادة الصِّفَيَتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة. فصل روى سعيدُ بْنُ جُبَيْر عن ابن عباس أن ناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا فأتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقالوا: إن الذين تدعو إليه لحسن إنْ كان لما عَمِلْنَا كفارة فنزلت هذه الآية، وروى عطاء بن رباح عن ابن عباس أنها نزلت في وَحْشِيّ قاتِل حمزة حين بعث إليه النبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى يدنك وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زَنَا ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة﴾ [الفرقان: 68، 69] وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل الله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان: 70] وَحْشيّ: هذا شرط شديد لَعَلِّي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 116] فقال وحشي: أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ قال وحشي: نعَمْ هذا فجاء وأسلم فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة» قال: بل للمسلمين عامة. وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي رَبيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافْتَتَنُو وكمنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عَدْلاً أبداً (قوم) قد أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيه ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عبياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فصل دلت هذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر لأن عرف القرآن جارٍ بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ [الفرقان: 63] وقال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] وإذا كان لفظ العبد مذكوراً في معرض التعظيم وجب أن لا يقع إلا على المؤمنين وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: ﴿ياعبادي﴾ مختص بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله وأما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد الللات وعبد العُزى (وعبد المسيح) وإذا ثبت ذلك فقوله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ عام في جميع المسرفين، ثم قال: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ وهذا يقتضي كونه غافراً لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين وهو المَطْلُوبُ. فإن قيل: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها وإلا لَزِمَ القطع بكون الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به فسقط الاستدلال، وأيضاً فإنه تعالى قل عقيب هذه الآية ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب﴾ الآية، ولو كان المراد من الآية أنه تعالى يغفر الذنوب قطعاً لما أم عقيبه بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون وأيضاً قال: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ الآية؛ وأيضاً لو كان المراد منا دل عليه ظاهر الآية لكان ذلك إغراءً بالمعاصي وإطلاقاً في الإقدام عليها وذلك لا يليق بحكمة الله تعالى. وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن (العاصي) أن لا مخلصَ له من العذاب البتة فإن اعتقد ذلك فهو قانطٌ جميعاً أي بالتوبة والإنابة. فالجواب: (قوله) إن الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به قلنا: بَلَى نحن نقول به لأن صيغة «يَغْفر» للمضارع وهي الاستقبال وعنْدَنا أن الله يُخْرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى هذا التقدير فصاحب الكبير مغفورة له قطعاً إما قبل دخول النار وإما بعد دخولها فثبت أن دلالة ظاهر الآية عينُ مذهبنا وأما قوله: لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة. فالجواب: أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم فإذن لا يُقْطَع بإزالة العقاب بالكلية بل نقول لعله يعفو مطلقاً ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك وبهذا يخرج لاجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم. وروى مقاتل بن حيَّان عن نافع عن ابْن عُمَر قال: كنا معْشَر أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نرى أن نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تبطلوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 10] فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش وكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها (قلنا: قد هلك فأنزل الله هذه الآية فَكَفْفنَا عن القول في ذلك، فكنما إذا رأينا أحداً أَصاب) منها شيئاً خِفْنا عليه وإن لم يُصب منها شيئاً رجوْنا له، وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر (وروي) عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاصٌّ (يقُصُّ) وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال: يا مُذكِّرُ لِمَ تُقَنِّطُ النا؟ ثُمَّ قرأ: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُو مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» وعن أَسْمَاءَ بنتِ يزيد قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «يَا عِبَادِي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (إنا الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي) » وروى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «قَال رَجُلٌ لم يعمل خيراً قط لأهله: إذا مات فَحَرِّقُوه ثم ذَرُّوا نِصْفَهُ في البَرّ ونصفَه في البحر فواللِّه لئن قَدَرَ الله عليه ليعدبَنَّه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم فَأَمَرَ الله البحرَ فجمع ما فيه وأمر البَرَّ فجمع ما فيه، ثم قال له: لِمَ فَعَلْتَ هذا قال: مِنَ خشيتك يا رب وأنتَ أعلمُ فَغَفَر لَهُ» . وعن ضَمْضَم بن حَوْشَ (ب) قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال: يا يمانيّ تَعضالَ وما أعرفه فقال: لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة قال فقلت إن هذه الكملة يقولها أحدُنا لبعض أهله إذا غضب أو زوجه أو لخادمه قال: فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «إنَّ رَجُلَيْن كَانَا فِي بني إسرائيل مُتَحَابِّيْنِ أحدهما مجتهدٌ في العبادة والآخرة كأنه يقول: مذنب فجعل يقول أقصر عما أنت فيه قال: فيقول خلّني وربي قال: حتى وجده يوماً على ذنب استعظمه فقال أقصر فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيباً فقال: والله لا يغفر لك الله أبداً ولا يدخلك الجنة أبداً قال: فبعث الله إليهما ملكاً فقبض أرواحها فاجتمعا عنده فقال للمذنب ادخل الجنة برحمتي وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب فقال: اذهبوا به إلى النار» قال أبو هريرة: والَّذِي نفسي بيده ل (قد) تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ . قوله: ﴿ياعبادي﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم يا عبادي بفتح الياء، والباقون وعاصم - في بعض الروايات - بغير فتح، وكلهم يقفون عليها بإثبات الياء؛ لأنها ثابتة في المصحف إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء. قوله: ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ قرأ أبو عمرو والكِسائي بكسرالنون، والباقون بفتحها، وهما لُغَتَان، قال الزمخشري: وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود «يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمنْ يَشَاءُ» . قوله: ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ﴾ قال الزمخشري أي تُوبُوا إليه «وأسْلِمُوا لَهُ» أي وأخلصوا له العمل مِن قَبْلِ أن يأتيكم العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. ﴿واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قال الحسن: الزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن (في) القرآن ذكرَ القبيح ليجتنبه وذكر الأدْوَن لئلا نرغب فيه، وذكر الأحسن لنُؤْثِره، وقيل: الأحسن الناسخ دون المنسوخ، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106] . ثم قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ وهذا تهديد وتخويف والمعنى يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه. واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين أنهم بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون؟ فحكم تعالى عليهم بثلاثة أنواع من الكلام: فالأول: (قوله: أَنْ تَقُولَ «) مفعول من أجله فقدره الزمخشري: كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولَ، (وابن عطية: أنيبوا من أجل أن تقول، وأبو البقاء والحَوْفيّ أَنْذَرْنَاكُمْ مَخَافَةَ أن تقول) ولا حاجة إلى إضمار هذا العامل مع وجود» أَنِيبُوا «وإنما نَكَّر نفساً لأنه أراد التكثير كقول الأعشى: 4304 - وَرُوبَّ بَقيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَّانِي كَرِيمٌ يَنْغضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا يريد أتاني (كرام كثيرون لا كريم فَذٌّ لمنافاته المعنى المقصود، ويجوز أن يريد نفساً متميزة عن الأنفس) باللجاج الشديد في الكفر والعذاب العظيم. قوله: ﴿ياحسرتا﴾ العامة على الألف بدلاً من ياء الإضافة، وعن ابن كثير: يَا حَسْرَتَاه بهاء السكت وَقْفاً وأبو جعفر يَا حَسْرَتي على الأصل وعنه أيضاً: يَا حَسْرَايَ بالألف والياء وفيها وجهان: أحدهما: لاجمع بين العِوَض والمُعَوَّضِ مِنْهُ. والثاني: أنه تثنية» حَسْرَة «مضافة لياء المتكلم، واعترض على هذا بأنه كان ينبغي أن يقال: يَا حَسْرَتَيَّ - بإدغام ياء النصب في ياء الإضافة - وأُجِيبَ: بأنه يجوز أن يكون راعى لغة الحَرْثِ بن كَعْب وغيرهم نحو: رَأَيْتُ الزَّيْدَانِ، وقيل: الألف بدل من الياء والياء (بعدها) مزيدة. وقيل: الألف مزيدة بين المتضايفين وكلاهما ضعيف. قوله:» عَلَى مَا فَرَّطت» ما مصدرية أي على تَفْريطي، وثمَّ مضاف أي في جنب طاعة الله، وقيل: في جنب الله المراد به الأمر والجِهَةُ يقال: هُوَ في جَنْبِ فُلاَنٍ وَجانِبِهِ أي جِهَتِهِ ونَاحِيَتِهِ قال: 4305 - النَّاسُ جَنْبٌ وَالأَمِيرُ جَنْبُ ... وقال آخر: 4306 - أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلاَمةً ... سُلَيْمَى لَقَدْ كَانَتْ مَلاَمَتُهَا ثِنَى ثم اتسع فيه فقيل: فَرّط في جَنْبِهِ أي في حَقِّه، قَالَ: 4307 - أَمَا تَتَّقِينَ اللًَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبْدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطّعُ (فصل) المعنى: أن تقول نفس يا حسرتي يعني لأن تقول: نفس كقوله: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] و [لقمان: 10] أي لئَلاَّ تَمِيدَ بكم، قال المبرد: أي بَادِرُوا وَاحذَرُوا أنْ تَقُولَ نفس، قال الزجاج: خوفَ أن تصيروا إلى حال تقولون يا حسرتنا يا ندامتا والتحسر الاغْتمَام على ما فات، وأراد: يا حَسرتي على الإضافة لكن العرب تحول ياء الكناية ألفاً في الاستغاثة فتقول: ياَ وَيْلَتَا، ويَا نَدَامَتَا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألق ليدل على الإضافة كقراءة أبي جعفر المتقدمة، وقيل: معنى قوله: ﴿ياحسرتا﴾ أي يا أيَّتُهَا الحَسْرَةُ هذا وَقْتُكِ قال الحسن: قَصَّرْتُ في طاعة الله، وقال مجاهد: في أمر الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، وقيل: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله، والعرب تمي الجنب جانباً؟ ز ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين﴾ المستهزئون بدين الله، قال قتادة ولم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل السخر بأهل طاعته، ومحل» وَإنْ كُنْتُ «النصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخْرَتِي. النوع الثاني من الكلمات لاتي حكاها الله تعالى (عنهم) بعد نزول العذاب عليهم قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المتقين﴾ . النوع الثالث: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب﴾ عياناً ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ رجعه إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ المحسنين﴾ الموحدين. فتحسروا أولاً: على التفريط في طاعة الله، وثانياً: عللوا بفقد الهداية، وثالثاً: تَمَنوا الرَّجْعَة. قوله: ﴿فَأَكُونَ﴾ في نصبه وجهان: أحدهما: عطفه على «كَرَّةً» فإنها مصدر، فعطف مصدراً مؤولاً على مصدر مصرَّح به كقولها: 4308 - لَلْبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عيننِي ... أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْس الشُّفُوف وقول الآخر: 4309 - فما لك منها غير ذكرى وحسرة ... وتسال عن ركبانها أين يمموا والثاني: أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ والفرق بين الوجهين أن الأول يكون فيه الكون مُتَمنَّى ويجوز أن تضمر «أن» وأن تُظْهرَ والثاني يكون فيه الكون مترتباً على حصول المتمني لا متمنِّي ويجب أن تضمر «أن» . قوله: ﴿بَلَى﴾ حرف جواب وفيما وقعت جواباً له وجهان: أحدهما: هو نفي مقدر، قال ابن عطية: وحق «بلى» أن تجيء بعد نفي عليه تقرير، كأن النفس قال: لم يتسع لي النظر أو لم يبين لي الأمر قال أبو حيان: ليس حقها النفي المقدر بل حقها النفي ثم حمل التقرير عليه ولذلك أجاب بعض العرب النفي المقدر بنعم دون بلى، وكذا وقع في عبارة سيبويه نفسه. والثاني: أن التمني المذكور وجوابه متضَمِّنان لنفي الهداية كأنه قال: لم أهتدِ فرد الله عليه ذلك. قال الزجاج: «بلى» جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل فيه معنى النفي لأنه قوله: «لو أن الله هداني» أنه ما هداني فلا جرم حسن ذكر «بلى» بعده. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قرن الجواب بينهما بما هو جواب له وهو قوله: لو أن اله هداني ولم يفصل بينهما قلت: لأنه لا يخلوا إمّا أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن، وإما أن يؤخر القرينة الوسطى فلم يحسن الأول لما فيه من تغير النظم بالجمع بين القراءتين، وأما الثاني فلِما فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريق في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ثم تمنِّي الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. قوله: ﴿جَآءَتْكَ﴾ قرأ العامة بفتح الكاف «فَكَذَّبْتَ وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ» بفتح التاء خطاباً للكافرين دون النفس. وقرأ الجَحْدَريُّ وأبو حَيْوَة وابنُ يَعْمُرَ والشافعيُّ عن ابن كثير وروتها أم سملة عنه - عليه (الصلاة و) السلام - بها قرأ أبُو بكر وابنتُه عائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بكسر الكاف والتاء؛ خطاباً للنفس والحَسَنُ والأعرجُ والأعمشُ «جَأتْكَ» بوزن «جَعَتْكَ» بهمزة دون ألف؛ فيحتمل أن يكون قصراً كقراءة قُنْبُل ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 7] وأن يكون في الكلمة قلبٌ بأن قُدّمتِ اللام على العين فالتقى ساكنان، فحذفت الألف لالتقائهما نحو: رُمْتُ وغُزْت، ومعنى الآية يقال لهذا القائل: بَلَى قَدْ جَاءتُكَ آيَاتِي يعني القرآن «فكذبت» وقلت ليست من الله واستكبرت أي تكبرت عن الإيمان بها وكنت من الكافرين. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ العامة على رفع ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ وهي جملة من مبتدأ وخبر، وفي محلها وجهان: أحدهما: النصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية، وكذا أعربها الزمخشري ومنْ مذهبه أنه لا يجوز إسقاط الواو من مثلها إلا شاذاً تابعاً في ذلك الفراء، فهذا رجوع منع عن ذلك. والثاني: أنها في محل نصب مفعولاً ثانياً، لأن الرؤية قلبية وهي بعيد لأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما، وقرئ: «وُجُوهَُمْ مُسْوَدَّةً» بنصبهما على أن «وجوهم» بدل بعض من «كل» ، و «مسودة» على ما تقدم من النصب على الحال أو على المفعول الثاني. وقال أبو البقاء: ولو قرئ وجوهم بالنصب لكان على بدل الاشتمال، قال شهاب الدين: قد قرئ به والحمد لله ولكن ليس كما قال: على بدل الاشتمال بل على بدل البعض، وكأنه سبقُ لسانٍ أو طُغْيَانُ قَلَم. وقرأ أبيّ أُجُوهُهُمْ بقلب الواو همزةً وهو فصيح نحو: ﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: 11] وبابه، وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان. قوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قرأ الأَخوان وأبو بكر بمَفازَتهم جمعاً لمَّا اختفت أنواع المصدر جُمْعَ كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ [الأحزاب: 10] ، ولأن لكل متق نوعاً آخر من المفازة، والباقون بالإفراد على الأصل. وقيل: ثم مضاف محذوف أي بدَوَاعِي مفازتهم أو بأسبابها. والمفازَةُ المنجاة، وقيل: لا حاجة إلى ذلك، وإذ المراد بالمفازة الفلاح. قال البغوي: لأن المفَازَةَ بمعنى الفَوْز أي يُنَجِّيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. وقال المبرد: المَفَازَةُ مَفْعَلَةٌ من الفَوْز والجمع حَسَنٌ كالسَّعَادَة والسَّعَادَاتِ. قوله: ﴿لاَ يَمَسُّهُمُ السواء﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: «لا يمسهم السوء» فلا محل لهان ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من «الَّذِينَ اتَّقوا» . ومعنى الكلام لا يصيبهم مكروهٌ ولا هم يحزنون.

الزمر 39:57

قوله (تعالى) : ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ... .﴾ الآية لما ذكرالوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله، قيل: في هذه الآية أنواع من المعاني والبينات حسنة منها إقباله عليهم ونداؤهم ومنها إضافتهم إلى الله إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى الخطاب، في قوله: ﴿مِن رَّحْمَةِ الله﴾ ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله: «إنَّ الله، ومنها: إبراز الجملة من قوله» إنَّه هُو الغَفُور الرحيم «مؤدكة ب» إنّ» ، وبالفصل، وبإعادة الصِّفَيَتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة. فصل روى سعيدُ بْنُ جُبَيْر عن ابن عباس أن ناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا فأتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقالوا: إن الذين تدعو إليه لحسن إنْ كان لما عَمِلْنَا كفارة فنزلت هذه الآية، وروى عطاء بن رباح عن ابن عباس أنها نزلت في وَحْشِيّ قاتِل حمزة حين بعث إليه النبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى يدنك وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زَنَا ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة﴾ [الفرقان: 68، 69] وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل الله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان: 70] وَحْشيّ: هذا شرط شديد لَعَلِّي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 116] فقال وحشي: أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ قال وحشي: نعَمْ هذا فجاء وأسلم فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة» قال: بل للمسلمين عامة. وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي رَبيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافْتَتَنُو وكمنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عَدْلاً أبداً (قوم) قد أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيه ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عبياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فصل دلت هذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر لأن عرف القرآن جارٍ بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ [الفرقان: 63] وقال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] وإذا كان لفظ العبد مذكوراً في معرض التعظيم وجب أن لا يقع إلا على المؤمنين وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: ﴿ياعبادي﴾ مختص بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله وأما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد الللات وعبد العُزى (وعبد المسيح) وإذا ثبت ذلك فقوله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ عام في جميع المسرفين، ثم قال: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ وهذا يقتضي كونه غافراً لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين وهو المَطْلُوبُ. فإن قيل: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها وإلا لَزِمَ القطع بكون الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به فسقط الاستدلال، وأيضاً فإنه تعالى قل عقيب هذه الآية ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب﴾ الآية، ولو كان المراد من الآية أنه تعالى يغفر الذنوب قطعاً لما أم عقيبه بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون وأيضاً قال: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ الآية؛ وأيضاً لو كان المراد منا دل عليه ظاهر الآية لكان ذلك إغراءً بالمعاصي وإطلاقاً في الإقدام عليها وذلك لا يليق بحكمة الله تعالى. وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن (العاصي) أن لا مخلصَ له من العذاب البتة فإن اعتقد ذلك فهو قانطٌ جميعاً أي بالتوبة والإنابة. فالجواب: (قوله) إن الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به قلنا: بَلَى نحن نقول به لأن صيغة «يَغْفر» للمضارع وهي الاستقبال وعنْدَنا أن الله يُخْرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى هذا التقدير فصاحب الكبير مغفورة له قطعاً إما قبل دخول النار وإما بعد دخولها فثبت أن دلالة ظاهر الآية عينُ مذهبنا وأما قوله: لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة. فالجواب: أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم فإذن لا يُقْطَع بإزالة العقاب بالكلية بل نقول لعله يعفو مطلقاً ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك وبهذا يخرج لاجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم. وروى مقاتل بن حيَّان عن نافع عن ابْن عُمَر قال: كنا معْشَر أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نرى أن نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تبطلوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 10] فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش وكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها (قلنا: قد هلك فأنزل الله هذه الآية فَكَفْفنَا عن القول في ذلك، فكنما إذا رأينا أحداً أَصاب) منها شيئاً خِفْنا عليه وإن لم يُصب منها شيئاً رجوْنا له، وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر (وروي) عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاصٌّ (يقُصُّ) وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال: يا مُذكِّرُ لِمَ تُقَنِّطُ النا؟ ثُمَّ قرأ: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُو مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» وعن أَسْمَاءَ بنتِ يزيد قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «يَا عِبَادِي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (إنا الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي) » وروى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «قَال رَجُلٌ لم يعمل خيراً قط لأهله: إذا مات فَحَرِّقُوه ثم ذَرُّوا نِصْفَهُ في البَرّ ونصفَه في البحر فواللِّه لئن قَدَرَ الله عليه ليعدبَنَّه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم فَأَمَرَ الله البحرَ فجمع ما فيه وأمر البَرَّ فجمع ما فيه، ثم قال له: لِمَ فَعَلْتَ هذا قال: مِنَ خشيتك يا رب وأنتَ أعلمُ فَغَفَر لَهُ» . وعن ضَمْضَم بن حَوْشَ (ب) قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال: يا يمانيّ تَعضالَ وما أعرفه فقال: لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة قال فقلت إن هذه الكملة يقولها أحدُنا لبعض أهله إذا غضب أو زوجه أو لخادمه قال: فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «إنَّ رَجُلَيْن كَانَا فِي بني إسرائيل مُتَحَابِّيْنِ أحدهما مجتهدٌ في العبادة والآخرة كأنه يقول: مذنب فجعل يقول أقصر عما أنت فيه قال: فيقول خلّني وربي قال: حتى وجده يوماً على ذنب استعظمه فقال أقصر فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيباً فقال: والله لا يغفر لك الله أبداً ولا يدخلك الجنة أبداً قال: فبعث الله إليهما ملكاً فقبض أرواحها فاجتمعا عنده فقال للمذنب ادخل الجنة برحمتي وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب فقال: اذهبوا به إلى النار» قال أبو هريرة: والَّذِي نفسي بيده ل (قد) تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ . قوله: ﴿ياعبادي﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم يا عبادي بفتح الياء، والباقون وعاصم - في بعض الروايات - بغير فتح، وكلهم يقفون عليها بإثبات الياء؛ لأنها ثابتة في المصحف إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء. قوله: ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ قرأ أبو عمرو والكِسائي بكسرالنون، والباقون بفتحها، وهما لُغَتَان، قال الزمخشري: وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود «يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمنْ يَشَاءُ» . قوله: ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ﴾ قال الزمخشري أي تُوبُوا إليه «وأسْلِمُوا لَهُ» أي وأخلصوا له العمل مِن قَبْلِ أن يأتيكم العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. ﴿واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قال الحسن: الزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن (في) القرآن ذكرَ القبيح ليجتنبه وذكر الأدْوَن لئلا نرغب فيه، وذكر الأحسن لنُؤْثِره، وقيل: الأحسن الناسخ دون المنسوخ، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106] . ثم قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ وهذا تهديد وتخويف والمعنى يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه. واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين أنهم بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون؟ فحكم تعالى عليهم بثلاثة أنواع من الكلام: فالأول: (قوله: أَنْ تَقُولَ «) مفعول من أجله فقدره الزمخشري: كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولَ، (وابن عطية: أنيبوا من أجل أن تقول، وأبو البقاء والحَوْفيّ أَنْذَرْنَاكُمْ مَخَافَةَ أن تقول) ولا حاجة إلى إضمار هذا العامل مع وجود» أَنِيبُوا «وإنما نَكَّر نفساً لأنه أراد التكثير كقول الأعشى: 4304 - وَرُوبَّ بَقيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَّانِي كَرِيمٌ يَنْغضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا يريد أتاني (كرام كثيرون لا كريم فَذٌّ لمنافاته المعنى المقصود، ويجوز أن يريد نفساً متميزة عن الأنفس) باللجاج الشديد في الكفر والعذاب العظيم. قوله: ﴿ياحسرتا﴾ العامة على الألف بدلاً من ياء الإضافة، وعن ابن كثير: يَا حَسْرَتَاه بهاء السكت وَقْفاً وأبو جعفر يَا حَسْرَتي على الأصل وعنه أيضاً: يَا حَسْرَايَ بالألف والياء وفيها وجهان: أحدهما: لاجمع بين العِوَض والمُعَوَّضِ مِنْهُ. والثاني: أنه تثنية» حَسْرَة «مضافة لياء المتكلم، واعترض على هذا بأنه كان ينبغي أن يقال: يَا حَسْرَتَيَّ - بإدغام ياء النصب في ياء الإضافة - وأُجِيبَ: بأنه يجوز أن يكون راعى لغة الحَرْثِ بن كَعْب وغيرهم نحو: رَأَيْتُ الزَّيْدَانِ، وقيل: الألف بدل من الياء والياء (بعدها) مزيدة. وقيل: الألف مزيدة بين المتضايفين وكلاهما ضعيف. قوله:» عَلَى مَا فَرَّطت» ما مصدرية أي على تَفْريطي، وثمَّ مضاف أي في جنب طاعة الله، وقيل: في جنب الله المراد به الأمر والجِهَةُ يقال: هُوَ في جَنْبِ فُلاَنٍ وَجانِبِهِ أي جِهَتِهِ ونَاحِيَتِهِ قال: 4305 - النَّاسُ جَنْبٌ وَالأَمِيرُ جَنْبُ ... وقال آخر: 4306 - أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلاَمةً ... سُلَيْمَى لَقَدْ كَانَتْ مَلاَمَتُهَا ثِنَى ثم اتسع فيه فقيل: فَرّط في جَنْبِهِ أي في حَقِّه، قَالَ: 4307 - أَمَا تَتَّقِينَ اللًَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبْدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطّعُ (فصل) المعنى: أن تقول نفس يا حسرتي يعني لأن تقول: نفس كقوله: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] و [لقمان: 10] أي لئَلاَّ تَمِيدَ بكم، قال المبرد: أي بَادِرُوا وَاحذَرُوا أنْ تَقُولَ نفس، قال الزجاج: خوفَ أن تصيروا إلى حال تقولون يا حسرتنا يا ندامتا والتحسر الاغْتمَام على ما فات، وأراد: يا حَسرتي على الإضافة لكن العرب تحول ياء الكناية ألفاً في الاستغاثة فتقول: ياَ وَيْلَتَا، ويَا نَدَامَتَا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألق ليدل على الإضافة كقراءة أبي جعفر المتقدمة، وقيل: معنى قوله: ﴿ياحسرتا﴾ أي يا أيَّتُهَا الحَسْرَةُ هذا وَقْتُكِ قال الحسن: قَصَّرْتُ في طاعة الله، وقال مجاهد: في أمر الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، وقيل: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله، والعرب تمي الجنب جانباً؟ ز ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين﴾ المستهزئون بدين الله، قال قتادة ولم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل السخر بأهل طاعته، ومحل» وَإنْ كُنْتُ «النصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخْرَتِي. النوع الثاني من الكلمات لاتي حكاها الله تعالى (عنهم) بعد نزول العذاب عليهم قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المتقين﴾ . النوع الثالث: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب﴾ عياناً ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ رجعه إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ المحسنين﴾ الموحدين. فتحسروا أولاً: على التفريط في طاعة الله، وثانياً: عللوا بفقد الهداية، وثالثاً: تَمَنوا الرَّجْعَة. قوله: ﴿فَأَكُونَ﴾ في نصبه وجهان: أحدهما: عطفه على «كَرَّةً» فإنها مصدر، فعطف مصدراً مؤولاً على مصدر مصرَّح به كقولها: 4308 - لَلْبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عيننِي ... أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْس الشُّفُوف وقول الآخر: 4309 - فما لك منها غير ذكرى وحسرة ... وتسال عن ركبانها أين يمموا والثاني: أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ والفرق بين الوجهين أن الأول يكون فيه الكون مُتَمنَّى ويجوز أن تضمر «أن» وأن تُظْهرَ والثاني يكون فيه الكون مترتباً على حصول المتمني لا متمنِّي ويجب أن تضمر «أن» . قوله: ﴿بَلَى﴾ حرف جواب وفيما وقعت جواباً له وجهان: أحدهما: هو نفي مقدر، قال ابن عطية: وحق «بلى» أن تجيء بعد نفي عليه تقرير، كأن النفس قال: لم يتسع لي النظر أو لم يبين لي الأمر قال أبو حيان: ليس حقها النفي المقدر بل حقها النفي ثم حمل التقرير عليه ولذلك أجاب بعض العرب النفي المقدر بنعم دون بلى، وكذا وقع في عبارة سيبويه نفسه. والثاني: أن التمني المذكور وجوابه متضَمِّنان لنفي الهداية كأنه قال: لم أهتدِ فرد الله عليه ذلك. قال الزجاج: «بلى» جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل فيه معنى النفي لأنه قوله: «لو أن الله هداني» أنه ما هداني فلا جرم حسن ذكر «بلى» بعده. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قرن الجواب بينهما بما هو جواب له وهو قوله: لو أن اله هداني ولم يفصل بينهما قلت: لأنه لا يخلوا إمّا أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن، وإما أن يؤخر القرينة الوسطى فلم يحسن الأول لما فيه من تغير النظم بالجمع بين القراءتين، وأما الثاني فلِما فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريق في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ثم تمنِّي الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. قوله: ﴿جَآءَتْكَ﴾ قرأ العامة بفتح الكاف «فَكَذَّبْتَ وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ» بفتح التاء خطاباً للكافرين دون النفس. وقرأ الجَحْدَريُّ وأبو حَيْوَة وابنُ يَعْمُرَ والشافعيُّ عن ابن كثير وروتها أم سملة عنه - عليه (الصلاة و) السلام - بها قرأ أبُو بكر وابنتُه عائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بكسر الكاف والتاء؛ خطاباً للنفس والحَسَنُ والأعرجُ والأعمشُ «جَأتْكَ» بوزن «جَعَتْكَ» بهمزة دون ألف؛ فيحتمل أن يكون قصراً كقراءة قُنْبُل ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 7] وأن يكون في الكلمة قلبٌ بأن قُدّمتِ اللام على العين فالتقى ساكنان، فحذفت الألف لالتقائهما نحو: رُمْتُ وغُزْت، ومعنى الآية يقال لهذا القائل: بَلَى قَدْ جَاءتُكَ آيَاتِي يعني القرآن «فكذبت» وقلت ليست من الله واستكبرت أي تكبرت عن الإيمان بها وكنت من الكافرين. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ العامة على رفع ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ وهي جملة من مبتدأ وخبر، وفي محلها وجهان: أحدهما: النصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية، وكذا أعربها الزمخشري ومنْ مذهبه أنه لا يجوز إسقاط الواو من مثلها إلا شاذاً تابعاً في ذلك الفراء، فهذا رجوع منع عن ذلك. والثاني: أنها في محل نصب مفعولاً ثانياً، لأن الرؤية قلبية وهي بعيد لأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما، وقرئ: «وُجُوهَُمْ مُسْوَدَّةً» بنصبهما على أن «وجوهم» بدل بعض من «كل» ، و «مسودة» على ما تقدم من النصب على الحال أو على المفعول الثاني. وقال أبو البقاء: ولو قرئ وجوهم بالنصب لكان على بدل الاشتمال، قال شهاب الدين: قد قرئ به والحمد لله ولكن ليس كما قال: على بدل الاشتمال بل على بدل البعض، وكأنه سبقُ لسانٍ أو طُغْيَانُ قَلَم. وقرأ أبيّ أُجُوهُهُمْ بقلب الواو همزةً وهو فصيح نحو: ﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: 11] وبابه، وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان. قوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قرأ الأَخوان وأبو بكر بمَفازَتهم جمعاً لمَّا اختفت أنواع المصدر جُمْعَ كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ [الأحزاب: 10] ، ولأن لكل متق نوعاً آخر من المفازة، والباقون بالإفراد على الأصل. وقيل: ثم مضاف محذوف أي بدَوَاعِي مفازتهم أو بأسبابها. والمفازَةُ المنجاة، وقيل: لا حاجة إلى ذلك، وإذ المراد بالمفازة الفلاح. قال البغوي: لأن المفَازَةَ بمعنى الفَوْز أي يُنَجِّيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. وقال المبرد: المَفَازَةُ مَفْعَلَةٌ من الفَوْز والجمع حَسَنٌ كالسَّعَادَة والسَّعَادَاتِ. قوله: ﴿لاَ يَمَسُّهُمُ السواء﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: «لا يمسهم السوء» فلا محل لهان ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من «الَّذِينَ اتَّقوا» . ومعنى الكلام لا يصيبهم مكروهٌ ولا هم يحزنون.

الزمر 39:58

قوله (تعالى) : ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ... .﴾ الآية لما ذكرالوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله، قيل: في هذه الآية أنواع من المعاني والبينات حسنة منها إقباله عليهم ونداؤهم ومنها إضافتهم إلى الله إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى الخطاب، في قوله: ﴿مِن رَّحْمَةِ الله﴾ ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله: «إنَّ الله، ومنها: إبراز الجملة من قوله» إنَّه هُو الغَفُور الرحيم «مؤدكة ب» إنّ» ، وبالفصل، وبإعادة الصِّفَيَتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة. فصل روى سعيدُ بْنُ جُبَيْر عن ابن عباس أن ناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا فأتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقالوا: إن الذين تدعو إليه لحسن إنْ كان لما عَمِلْنَا كفارة فنزلت هذه الآية، وروى عطاء بن رباح عن ابن عباس أنها نزلت في وَحْشِيّ قاتِل حمزة حين بعث إليه النبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى يدنك وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زَنَا ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة﴾ [الفرقان: 68، 69] وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل الله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان: 70] وَحْشيّ: هذا شرط شديد لَعَلِّي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 116] فقال وحشي: أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ قال وحشي: نعَمْ هذا فجاء وأسلم فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة» قال: بل للمسلمين عامة. وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي رَبيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافْتَتَنُو وكمنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عَدْلاً أبداً (قوم) قد أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيه ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عبياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فصل دلت هذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر لأن عرف القرآن جارٍ بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ [الفرقان: 63] وقال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] وإذا كان لفظ العبد مذكوراً في معرض التعظيم وجب أن لا يقع إلا على المؤمنين وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: ﴿ياعبادي﴾ مختص بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله وأما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد الللات وعبد العُزى (وعبد المسيح) وإذا ثبت ذلك فقوله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ عام في جميع المسرفين، ثم قال: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ وهذا يقتضي كونه غافراً لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين وهو المَطْلُوبُ. فإن قيل: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها وإلا لَزِمَ القطع بكون الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به فسقط الاستدلال، وأيضاً فإنه تعالى قل عقيب هذه الآية ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب﴾ الآية، ولو كان المراد من الآية أنه تعالى يغفر الذنوب قطعاً لما أم عقيبه بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون وأيضاً قال: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ الآية؛ وأيضاً لو كان المراد منا دل عليه ظاهر الآية لكان ذلك إغراءً بالمعاصي وإطلاقاً في الإقدام عليها وذلك لا يليق بحكمة الله تعالى. وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن (العاصي) أن لا مخلصَ له من العذاب البتة فإن اعتقد ذلك فهو قانطٌ جميعاً أي بالتوبة والإنابة. فالجواب: (قوله) إن الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به قلنا: بَلَى نحن نقول به لأن صيغة «يَغْفر» للمضارع وهي الاستقبال وعنْدَنا أن الله يُخْرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى هذا التقدير فصاحب الكبير مغفورة له قطعاً إما قبل دخول النار وإما بعد دخولها فثبت أن دلالة ظاهر الآية عينُ مذهبنا وأما قوله: لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة. فالجواب: أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم فإذن لا يُقْطَع بإزالة العقاب بالكلية بل نقول لعله يعفو مطلقاً ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك وبهذا يخرج لاجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم. وروى مقاتل بن حيَّان عن نافع عن ابْن عُمَر قال: كنا معْشَر أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نرى أن نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تبطلوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 10] فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش وكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها (قلنا: قد هلك فأنزل الله هذه الآية فَكَفْفنَا عن القول في ذلك، فكنما إذا رأينا أحداً أَصاب) منها شيئاً خِفْنا عليه وإن لم يُصب منها شيئاً رجوْنا له، وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر (وروي) عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاصٌّ (يقُصُّ) وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال: يا مُذكِّرُ لِمَ تُقَنِّطُ النا؟ ثُمَّ قرأ: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُو مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» وعن أَسْمَاءَ بنتِ يزيد قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «يَا عِبَادِي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (إنا الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي) » وروى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «قَال رَجُلٌ لم يعمل خيراً قط لأهله: إذا مات فَحَرِّقُوه ثم ذَرُّوا نِصْفَهُ في البَرّ ونصفَه في البحر فواللِّه لئن قَدَرَ الله عليه ليعدبَنَّه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم فَأَمَرَ الله البحرَ فجمع ما فيه وأمر البَرَّ فجمع ما فيه، ثم قال له: لِمَ فَعَلْتَ هذا قال: مِنَ خشيتك يا رب وأنتَ أعلمُ فَغَفَر لَهُ» . وعن ضَمْضَم بن حَوْشَ (ب) قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال: يا يمانيّ تَعضالَ وما أعرفه فقال: لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة قال فقلت إن هذه الكملة يقولها أحدُنا لبعض أهله إذا غضب أو زوجه أو لخادمه قال: فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «إنَّ رَجُلَيْن كَانَا فِي بني إسرائيل مُتَحَابِّيْنِ أحدهما مجتهدٌ في العبادة والآخرة كأنه يقول: مذنب فجعل يقول أقصر عما أنت فيه قال: فيقول خلّني وربي قال: حتى وجده يوماً على ذنب استعظمه فقال أقصر فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيباً فقال: والله لا يغفر لك الله أبداً ولا يدخلك الجنة أبداً قال: فبعث الله إليهما ملكاً فقبض أرواحها فاجتمعا عنده فقال للمذنب ادخل الجنة برحمتي وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب فقال: اذهبوا به إلى النار» قال أبو هريرة: والَّذِي نفسي بيده ل (قد) تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ . قوله: ﴿ياعبادي﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم يا عبادي بفتح الياء، والباقون وعاصم - في بعض الروايات - بغير فتح، وكلهم يقفون عليها بإثبات الياء؛ لأنها ثابتة في المصحف إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء. قوله: ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ قرأ أبو عمرو والكِسائي بكسرالنون، والباقون بفتحها، وهما لُغَتَان، قال الزمخشري: وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود «يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمنْ يَشَاءُ» . قوله: ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ﴾ قال الزمخشري أي تُوبُوا إليه «وأسْلِمُوا لَهُ» أي وأخلصوا له العمل مِن قَبْلِ أن يأتيكم العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. ﴿واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قال الحسن: الزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن (في) القرآن ذكرَ القبيح ليجتنبه وذكر الأدْوَن لئلا نرغب فيه، وذكر الأحسن لنُؤْثِره، وقيل: الأحسن الناسخ دون المنسوخ، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106] . ثم قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ وهذا تهديد وتخويف والمعنى يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه. واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين أنهم بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون؟ فحكم تعالى عليهم بثلاثة أنواع من الكلام: فالأول: (قوله: أَنْ تَقُولَ «) مفعول من أجله فقدره الزمخشري: كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولَ، (وابن عطية: أنيبوا من أجل أن تقول، وأبو البقاء والحَوْفيّ أَنْذَرْنَاكُمْ مَخَافَةَ أن تقول) ولا حاجة إلى إضمار هذا العامل مع وجود» أَنِيبُوا «وإنما نَكَّر نفساً لأنه أراد التكثير كقول الأعشى: 4304 - وَرُوبَّ بَقيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَّانِي كَرِيمٌ يَنْغضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا يريد أتاني (كرام كثيرون لا كريم فَذٌّ لمنافاته المعنى المقصود، ويجوز أن يريد نفساً متميزة عن الأنفس) باللجاج الشديد في الكفر والعذاب العظيم. قوله: ﴿ياحسرتا﴾ العامة على الألف بدلاً من ياء الإضافة، وعن ابن كثير: يَا حَسْرَتَاه بهاء السكت وَقْفاً وأبو جعفر يَا حَسْرَتي على الأصل وعنه أيضاً: يَا حَسْرَايَ بالألف والياء وفيها وجهان: أحدهما: لاجمع بين العِوَض والمُعَوَّضِ مِنْهُ. والثاني: أنه تثنية» حَسْرَة «مضافة لياء المتكلم، واعترض على هذا بأنه كان ينبغي أن يقال: يَا حَسْرَتَيَّ - بإدغام ياء النصب في ياء الإضافة - وأُجِيبَ: بأنه يجوز أن يكون راعى لغة الحَرْثِ بن كَعْب وغيرهم نحو: رَأَيْتُ الزَّيْدَانِ، وقيل: الألف بدل من الياء والياء (بعدها) مزيدة. وقيل: الألف مزيدة بين المتضايفين وكلاهما ضعيف. قوله:» عَلَى مَا فَرَّطت» ما مصدرية أي على تَفْريطي، وثمَّ مضاف أي في جنب طاعة الله، وقيل: في جنب الله المراد به الأمر والجِهَةُ يقال: هُوَ في جَنْبِ فُلاَنٍ وَجانِبِهِ أي جِهَتِهِ ونَاحِيَتِهِ قال: 4305 - النَّاسُ جَنْبٌ وَالأَمِيرُ جَنْبُ ... وقال آخر: 4306 - أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلاَمةً ... سُلَيْمَى لَقَدْ كَانَتْ مَلاَمَتُهَا ثِنَى ثم اتسع فيه فقيل: فَرّط في جَنْبِهِ أي في حَقِّه، قَالَ: 4307 - أَمَا تَتَّقِينَ اللًَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبْدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطّعُ (فصل) المعنى: أن تقول نفس يا حسرتي يعني لأن تقول: نفس كقوله: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] و [لقمان: 10] أي لئَلاَّ تَمِيدَ بكم، قال المبرد: أي بَادِرُوا وَاحذَرُوا أنْ تَقُولَ نفس، قال الزجاج: خوفَ أن تصيروا إلى حال تقولون يا حسرتنا يا ندامتا والتحسر الاغْتمَام على ما فات، وأراد: يا حَسرتي على الإضافة لكن العرب تحول ياء الكناية ألفاً في الاستغاثة فتقول: ياَ وَيْلَتَا، ويَا نَدَامَتَا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألق ليدل على الإضافة كقراءة أبي جعفر المتقدمة، وقيل: معنى قوله: ﴿ياحسرتا﴾ أي يا أيَّتُهَا الحَسْرَةُ هذا وَقْتُكِ قال الحسن: قَصَّرْتُ في طاعة الله، وقال مجاهد: في أمر الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، وقيل: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله، والعرب تمي الجنب جانباً؟ ز ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين﴾ المستهزئون بدين الله، قال قتادة ولم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل السخر بأهل طاعته، ومحل» وَإنْ كُنْتُ «النصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخْرَتِي. النوع الثاني من الكلمات لاتي حكاها الله تعالى (عنهم) بعد نزول العذاب عليهم قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المتقين﴾ . النوع الثالث: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب﴾ عياناً ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ رجعه إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ المحسنين﴾ الموحدين. فتحسروا أولاً: على التفريط في طاعة الله، وثانياً: عللوا بفقد الهداية، وثالثاً: تَمَنوا الرَّجْعَة. قوله: ﴿فَأَكُونَ﴾ في نصبه وجهان: أحدهما: عطفه على «كَرَّةً» فإنها مصدر، فعطف مصدراً مؤولاً على مصدر مصرَّح به كقولها: 4308 - لَلْبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عيننِي ... أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْس الشُّفُوف وقول الآخر: 4309 - فما لك منها غير ذكرى وحسرة ... وتسال عن ركبانها أين يمموا والثاني: أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ والفرق بين الوجهين أن الأول يكون فيه الكون مُتَمنَّى ويجوز أن تضمر «أن» وأن تُظْهرَ والثاني يكون فيه الكون مترتباً على حصول المتمني لا متمنِّي ويجب أن تضمر «أن» . قوله: ﴿بَلَى﴾ حرف جواب وفيما وقعت جواباً له وجهان: أحدهما: هو نفي مقدر، قال ابن عطية: وحق «بلى» أن تجيء بعد نفي عليه تقرير، كأن النفس قال: لم يتسع لي النظر أو لم يبين لي الأمر قال أبو حيان: ليس حقها النفي المقدر بل حقها النفي ثم حمل التقرير عليه ولذلك أجاب بعض العرب النفي المقدر بنعم دون بلى، وكذا وقع في عبارة سيبويه نفسه. والثاني: أن التمني المذكور وجوابه متضَمِّنان لنفي الهداية كأنه قال: لم أهتدِ فرد الله عليه ذلك. قال الزجاج: «بلى» جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل فيه معنى النفي لأنه قوله: «لو أن الله هداني» أنه ما هداني فلا جرم حسن ذكر «بلى» بعده. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قرن الجواب بينهما بما هو جواب له وهو قوله: لو أن اله هداني ولم يفصل بينهما قلت: لأنه لا يخلوا إمّا أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن، وإما أن يؤخر القرينة الوسطى فلم يحسن الأول لما فيه من تغير النظم بالجمع بين القراءتين، وأما الثاني فلِما فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريق في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ثم تمنِّي الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. قوله: ﴿جَآءَتْكَ﴾ قرأ العامة بفتح الكاف «فَكَذَّبْتَ وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ» بفتح التاء خطاباً للكافرين دون النفس. وقرأ الجَحْدَريُّ وأبو حَيْوَة وابنُ يَعْمُرَ والشافعيُّ عن ابن كثير وروتها أم سملة عنه - عليه (الصلاة و) السلام - بها قرأ أبُو بكر وابنتُه عائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بكسر الكاف والتاء؛ خطاباً للنفس والحَسَنُ والأعرجُ والأعمشُ «جَأتْكَ» بوزن «جَعَتْكَ» بهمزة دون ألف؛ فيحتمل أن يكون قصراً كقراءة قُنْبُل ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 7] وأن يكون في الكلمة قلبٌ بأن قُدّمتِ اللام على العين فالتقى ساكنان، فحذفت الألف لالتقائهما نحو: رُمْتُ وغُزْت، ومعنى الآية يقال لهذا القائل: بَلَى قَدْ جَاءتُكَ آيَاتِي يعني القرآن «فكذبت» وقلت ليست من الله واستكبرت أي تكبرت عن الإيمان بها وكنت من الكافرين. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ العامة على رفع ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ وهي جملة من مبتدأ وخبر، وفي محلها وجهان: أحدهما: النصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية، وكذا أعربها الزمخشري ومنْ مذهبه أنه لا يجوز إسقاط الواو من مثلها إلا شاذاً تابعاً في ذلك الفراء، فهذا رجوع منع عن ذلك. والثاني: أنها في محل نصب مفعولاً ثانياً، لأن الرؤية قلبية وهي بعيد لأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما، وقرئ: «وُجُوهَُمْ مُسْوَدَّةً» بنصبهما على أن «وجوهم» بدل بعض من «كل» ، و «مسودة» على ما تقدم من النصب على الحال أو على المفعول الثاني. وقال أبو البقاء: ولو قرئ وجوهم بالنصب لكان على بدل الاشتمال، قال شهاب الدين: قد قرئ به والحمد لله ولكن ليس كما قال: على بدل الاشتمال بل على بدل البعض، وكأنه سبقُ لسانٍ أو طُغْيَانُ قَلَم. وقرأ أبيّ أُجُوهُهُمْ بقلب الواو همزةً وهو فصيح نحو: ﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: 11] وبابه، وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان. قوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قرأ الأَخوان وأبو بكر بمَفازَتهم جمعاً لمَّا اختفت أنواع المصدر جُمْعَ كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ [الأحزاب: 10] ، ولأن لكل متق نوعاً آخر من المفازة، والباقون بالإفراد على الأصل. وقيل: ثم مضاف محذوف أي بدَوَاعِي مفازتهم أو بأسبابها. والمفازَةُ المنجاة، وقيل: لا حاجة إلى ذلك، وإذ المراد بالمفازة الفلاح. قال البغوي: لأن المفَازَةَ بمعنى الفَوْز أي يُنَجِّيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. وقال المبرد: المَفَازَةُ مَفْعَلَةٌ من الفَوْز والجمع حَسَنٌ كالسَّعَادَة والسَّعَادَاتِ. قوله: ﴿لاَ يَمَسُّهُمُ السواء﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: «لا يمسهم السوء» فلا محل لهان ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من «الَّذِينَ اتَّقوا» . ومعنى الكلام لا يصيبهم مكروهٌ ولا هم يحزنون.

الزمر 39:59

قوله (تعالى) : ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ... .﴾ الآية لما ذكرالوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله، قيل: في هذه الآية أنواع من المعاني والبينات حسنة منها إقباله عليهم ونداؤهم ومنها إضافتهم إلى الله إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى الخطاب، في قوله: ﴿مِن رَّحْمَةِ الله﴾ ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله: «إنَّ الله، ومنها: إبراز الجملة من قوله» إنَّه هُو الغَفُور الرحيم «مؤدكة ب» إنّ» ، وبالفصل، وبإعادة الصِّفَيَتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة. فصل روى سعيدُ بْنُ جُبَيْر عن ابن عباس أن ناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا فأتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقالوا: إن الذين تدعو إليه لحسن إنْ كان لما عَمِلْنَا كفارة فنزلت هذه الآية، وروى عطاء بن رباح عن ابن عباس أنها نزلت في وَحْشِيّ قاتِل حمزة حين بعث إليه النبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى يدنك وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زَنَا ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة﴾ [الفرقان: 68، 69] وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل الله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان: 70] وَحْشيّ: هذا شرط شديد لَعَلِّي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 116] فقال وحشي: أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ قال وحشي: نعَمْ هذا فجاء وأسلم فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة» قال: بل للمسلمين عامة. وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي رَبيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافْتَتَنُو وكمنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عَدْلاً أبداً (قوم) قد أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيه ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عبياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فصل دلت هذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر لأن عرف القرآن جارٍ بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ [الفرقان: 63] وقال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] وإذا كان لفظ العبد مذكوراً في معرض التعظيم وجب أن لا يقع إلا على المؤمنين وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: ﴿ياعبادي﴾ مختص بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله وأما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد الللات وعبد العُزى (وعبد المسيح) وإذا ثبت ذلك فقوله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ عام في جميع المسرفين، ثم قال: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ وهذا يقتضي كونه غافراً لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين وهو المَطْلُوبُ. فإن قيل: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها وإلا لَزِمَ القطع بكون الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به فسقط الاستدلال، وأيضاً فإنه تعالى قل عقيب هذه الآية ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب﴾ الآية، ولو كان المراد من الآية أنه تعالى يغفر الذنوب قطعاً لما أم عقيبه بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون وأيضاً قال: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ الآية؛ وأيضاً لو كان المراد منا دل عليه ظاهر الآية لكان ذلك إغراءً بالمعاصي وإطلاقاً في الإقدام عليها وذلك لا يليق بحكمة الله تعالى. وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن (العاصي) أن لا مخلصَ له من العذاب البتة فإن اعتقد ذلك فهو قانطٌ جميعاً أي بالتوبة والإنابة. فالجواب: (قوله) إن الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به قلنا: بَلَى نحن نقول به لأن صيغة «يَغْفر» للمضارع وهي الاستقبال وعنْدَنا أن الله يُخْرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى هذا التقدير فصاحب الكبير مغفورة له قطعاً إما قبل دخول النار وإما بعد دخولها فثبت أن دلالة ظاهر الآية عينُ مذهبنا وأما قوله: لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة. فالجواب: أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم فإذن لا يُقْطَع بإزالة العقاب بالكلية بل نقول لعله يعفو مطلقاً ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك وبهذا يخرج لاجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم. وروى مقاتل بن حيَّان عن نافع عن ابْن عُمَر قال: كنا معْشَر أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نرى أن نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تبطلوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 10] فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش وكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها (قلنا: قد هلك فأنزل الله هذه الآية فَكَفْفنَا عن القول في ذلك، فكنما إذا رأينا أحداً أَصاب) منها شيئاً خِفْنا عليه وإن لم يُصب منها شيئاً رجوْنا له، وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر (وروي) عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاصٌّ (يقُصُّ) وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال: يا مُذكِّرُ لِمَ تُقَنِّطُ النا؟ ثُمَّ قرأ: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُو مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» وعن أَسْمَاءَ بنتِ يزيد قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «يَا عِبَادِي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (إنا الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي) » وروى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «قَال رَجُلٌ لم يعمل خيراً قط لأهله: إذا مات فَحَرِّقُوه ثم ذَرُّوا نِصْفَهُ في البَرّ ونصفَه في البحر فواللِّه لئن قَدَرَ الله عليه ليعدبَنَّه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم فَأَمَرَ الله البحرَ فجمع ما فيه وأمر البَرَّ فجمع ما فيه، ثم قال له: لِمَ فَعَلْتَ هذا قال: مِنَ خشيتك يا رب وأنتَ أعلمُ فَغَفَر لَهُ» . وعن ضَمْضَم بن حَوْشَ (ب) قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال: يا يمانيّ تَعضالَ وما أعرفه فقال: لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة قال فقلت إن هذه الكملة يقولها أحدُنا لبعض أهله إذا غضب أو زوجه أو لخادمه قال: فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «إنَّ رَجُلَيْن كَانَا فِي بني إسرائيل مُتَحَابِّيْنِ أحدهما مجتهدٌ في العبادة والآخرة كأنه يقول: مذنب فجعل يقول أقصر عما أنت فيه قال: فيقول خلّني وربي قال: حتى وجده يوماً على ذنب استعظمه فقال أقصر فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيباً فقال: والله لا يغفر لك الله أبداً ولا يدخلك الجنة أبداً قال: فبعث الله إليهما ملكاً فقبض أرواحها فاجتمعا عنده فقال للمذنب ادخل الجنة برحمتي وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب فقال: اذهبوا به إلى النار» قال أبو هريرة: والَّذِي نفسي بيده ل (قد) تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ . قوله: ﴿ياعبادي﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم يا عبادي بفتح الياء، والباقون وعاصم - في بعض الروايات - بغير فتح، وكلهم يقفون عليها بإثبات الياء؛ لأنها ثابتة في المصحف إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء. قوله: ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ قرأ أبو عمرو والكِسائي بكسرالنون، والباقون بفتحها، وهما لُغَتَان، قال الزمخشري: وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود «يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمنْ يَشَاءُ» . قوله: ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ﴾ قال الزمخشري أي تُوبُوا إليه «وأسْلِمُوا لَهُ» أي وأخلصوا له العمل مِن قَبْلِ أن يأتيكم العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. ﴿واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قال الحسن: الزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن (في) القرآن ذكرَ القبيح ليجتنبه وذكر الأدْوَن لئلا نرغب فيه، وذكر الأحسن لنُؤْثِره، وقيل: الأحسن الناسخ دون المنسوخ، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106] . ثم قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ وهذا تهديد وتخويف والمعنى يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه. واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين أنهم بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون؟ فحكم تعالى عليهم بثلاثة أنواع من الكلام: فالأول: (قوله: أَنْ تَقُولَ «) مفعول من أجله فقدره الزمخشري: كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولَ، (وابن عطية: أنيبوا من أجل أن تقول، وأبو البقاء والحَوْفيّ أَنْذَرْنَاكُمْ مَخَافَةَ أن تقول) ولا حاجة إلى إضمار هذا العامل مع وجود» أَنِيبُوا «وإنما نَكَّر نفساً لأنه أراد التكثير كقول الأعشى: 4304 - وَرُوبَّ بَقيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَّانِي كَرِيمٌ يَنْغضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا يريد أتاني (كرام كثيرون لا كريم فَذٌّ لمنافاته المعنى المقصود، ويجوز أن يريد نفساً متميزة عن الأنفس) باللجاج الشديد في الكفر والعذاب العظيم. قوله: ﴿ياحسرتا﴾ العامة على الألف بدلاً من ياء الإضافة، وعن ابن كثير: يَا حَسْرَتَاه بهاء السكت وَقْفاً وأبو جعفر يَا حَسْرَتي على الأصل وعنه أيضاً: يَا حَسْرَايَ بالألف والياء وفيها وجهان: أحدهما: لاجمع بين العِوَض والمُعَوَّضِ مِنْهُ. والثاني: أنه تثنية» حَسْرَة «مضافة لياء المتكلم، واعترض على هذا بأنه كان ينبغي أن يقال: يَا حَسْرَتَيَّ - بإدغام ياء النصب في ياء الإضافة - وأُجِيبَ: بأنه يجوز أن يكون راعى لغة الحَرْثِ بن كَعْب وغيرهم نحو: رَأَيْتُ الزَّيْدَانِ، وقيل: الألف بدل من الياء والياء (بعدها) مزيدة. وقيل: الألف مزيدة بين المتضايفين وكلاهما ضعيف. قوله:» عَلَى مَا فَرَّطت» ما مصدرية أي على تَفْريطي، وثمَّ مضاف أي في جنب طاعة الله، وقيل: في جنب الله المراد به الأمر والجِهَةُ يقال: هُوَ في جَنْبِ فُلاَنٍ وَجانِبِهِ أي جِهَتِهِ ونَاحِيَتِهِ قال: 4305 - النَّاسُ جَنْبٌ وَالأَمِيرُ جَنْبُ ... وقال آخر: 4306 - أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلاَمةً ... سُلَيْمَى لَقَدْ كَانَتْ مَلاَمَتُهَا ثِنَى ثم اتسع فيه فقيل: فَرّط في جَنْبِهِ أي في حَقِّه، قَالَ: 4307 - أَمَا تَتَّقِينَ اللًَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبْدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطّعُ (فصل) المعنى: أن تقول نفس يا حسرتي يعني لأن تقول: نفس كقوله: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] و [لقمان: 10] أي لئَلاَّ تَمِيدَ بكم، قال المبرد: أي بَادِرُوا وَاحذَرُوا أنْ تَقُولَ نفس، قال الزجاج: خوفَ أن تصيروا إلى حال تقولون يا حسرتنا يا ندامتا والتحسر الاغْتمَام على ما فات، وأراد: يا حَسرتي على الإضافة لكن العرب تحول ياء الكناية ألفاً في الاستغاثة فتقول: ياَ وَيْلَتَا، ويَا نَدَامَتَا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألق ليدل على الإضافة كقراءة أبي جعفر المتقدمة، وقيل: معنى قوله: ﴿ياحسرتا﴾ أي يا أيَّتُهَا الحَسْرَةُ هذا وَقْتُكِ قال الحسن: قَصَّرْتُ في طاعة الله، وقال مجاهد: في أمر الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، وقيل: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله، والعرب تمي الجنب جانباً؟ ز ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين﴾ المستهزئون بدين الله، قال قتادة ولم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل السخر بأهل طاعته، ومحل» وَإنْ كُنْتُ «النصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخْرَتِي. النوع الثاني من الكلمات لاتي حكاها الله تعالى (عنهم) بعد نزول العذاب عليهم قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المتقين﴾ . النوع الثالث: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب﴾ عياناً ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ رجعه إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ المحسنين﴾ الموحدين. فتحسروا أولاً: على التفريط في طاعة الله، وثانياً: عللوا بفقد الهداية، وثالثاً: تَمَنوا الرَّجْعَة. قوله: ﴿فَأَكُونَ﴾ في نصبه وجهان: أحدهما: عطفه على «كَرَّةً» فإنها مصدر، فعطف مصدراً مؤولاً على مصدر مصرَّح به كقولها: 4308 - لَلْبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عيننِي ... أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْس الشُّفُوف وقول الآخر: 4309 - فما لك منها غير ذكرى وحسرة ... وتسال عن ركبانها أين يمموا والثاني: أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ والفرق بين الوجهين أن الأول يكون فيه الكون مُتَمنَّى ويجوز أن تضمر «أن» وأن تُظْهرَ والثاني يكون فيه الكون مترتباً على حصول المتمني لا متمنِّي ويجب أن تضمر «أن» . قوله: ﴿بَلَى﴾ حرف جواب وفيما وقعت جواباً له وجهان: أحدهما: هو نفي مقدر، قال ابن عطية: وحق «بلى» أن تجيء بعد نفي عليه تقرير، كأن النفس قال: لم يتسع لي النظر أو لم يبين لي الأمر قال أبو حيان: ليس حقها النفي المقدر بل حقها النفي ثم حمل التقرير عليه ولذلك أجاب بعض العرب النفي المقدر بنعم دون بلى، وكذا وقع في عبارة سيبويه نفسه. والثاني: أن التمني المذكور وجوابه متضَمِّنان لنفي الهداية كأنه قال: لم أهتدِ فرد الله عليه ذلك. قال الزجاج: «بلى» جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل فيه معنى النفي لأنه قوله: «لو أن الله هداني» أنه ما هداني فلا جرم حسن ذكر «بلى» بعده. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قرن الجواب بينهما بما هو جواب له وهو قوله: لو أن اله هداني ولم يفصل بينهما قلت: لأنه لا يخلوا إمّا أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن، وإما أن يؤخر القرينة الوسطى فلم يحسن الأول لما فيه من تغير النظم بالجمع بين القراءتين، وأما الثاني فلِما فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريق في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ثم تمنِّي الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. قوله: ﴿جَآءَتْكَ﴾ قرأ العامة بفتح الكاف «فَكَذَّبْتَ وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ» بفتح التاء خطاباً للكافرين دون النفس. وقرأ الجَحْدَريُّ وأبو حَيْوَة وابنُ يَعْمُرَ والشافعيُّ عن ابن كثير وروتها أم سملة عنه - عليه (الصلاة و) السلام - بها قرأ أبُو بكر وابنتُه عائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بكسر الكاف والتاء؛ خطاباً للنفس والحَسَنُ والأعرجُ والأعمشُ «جَأتْكَ» بوزن «جَعَتْكَ» بهمزة دون ألف؛ فيحتمل أن يكون قصراً كقراءة قُنْبُل ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 7] وأن يكون في الكلمة قلبٌ بأن قُدّمتِ اللام على العين فالتقى ساكنان، فحذفت الألف لالتقائهما نحو: رُمْتُ وغُزْت، ومعنى الآية يقال لهذا القائل: بَلَى قَدْ جَاءتُكَ آيَاتِي يعني القرآن «فكذبت» وقلت ليست من الله واستكبرت أي تكبرت عن الإيمان بها وكنت من الكافرين. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ العامة على رفع ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ وهي جملة من مبتدأ وخبر، وفي محلها وجهان: أحدهما: النصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية، وكذا أعربها الزمخشري ومنْ مذهبه أنه لا يجوز إسقاط الواو من مثلها إلا شاذاً تابعاً في ذلك الفراء، فهذا رجوع منع عن ذلك. والثاني: أنها في محل نصب مفعولاً ثانياً، لأن الرؤية قلبية وهي بعيد لأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما، وقرئ: «وُجُوهَُمْ مُسْوَدَّةً» بنصبهما على أن «وجوهم» بدل بعض من «كل» ، و «مسودة» على ما تقدم من النصب على الحال أو على المفعول الثاني. وقال أبو البقاء: ولو قرئ وجوهم بالنصب لكان على بدل الاشتمال، قال شهاب الدين: قد قرئ به والحمد لله ولكن ليس كما قال: على بدل الاشتمال بل على بدل البعض، وكأنه سبقُ لسانٍ أو طُغْيَانُ قَلَم. وقرأ أبيّ أُجُوهُهُمْ بقلب الواو همزةً وهو فصيح نحو: ﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: 11] وبابه، وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان. قوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قرأ الأَخوان وأبو بكر بمَفازَتهم جمعاً لمَّا اختفت أنواع المصدر جُمْعَ كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ [الأحزاب: 10] ، ولأن لكل متق نوعاً آخر من المفازة، والباقون بالإفراد على الأصل. وقيل: ثم مضاف محذوف أي بدَوَاعِي مفازتهم أو بأسبابها. والمفازَةُ المنجاة، وقيل: لا حاجة إلى ذلك، وإذ المراد بالمفازة الفلاح. قال البغوي: لأن المفَازَةَ بمعنى الفَوْز أي يُنَجِّيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. وقال المبرد: المَفَازَةُ مَفْعَلَةٌ من الفَوْز والجمع حَسَنٌ كالسَّعَادَة والسَّعَادَاتِ. قوله: ﴿لاَ يَمَسُّهُمُ السواء﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: «لا يمسهم السوء» فلا محل لهان ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من «الَّذِينَ اتَّقوا» . ومعنى الكلام لا يصيبهم مكروهٌ ولا هم يحزنون.

الزمر 39:60

قوله (تعالى) : ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ... .﴾ الآية لما ذكرالوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله، قيل: في هذه الآية أنواع من المعاني والبينات حسنة منها إقباله عليهم ونداؤهم ومنها إضافتهم إلى الله إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى الخطاب، في قوله: ﴿مِن رَّحْمَةِ الله﴾ ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله: «إنَّ الله، ومنها: إبراز الجملة من قوله» إنَّه هُو الغَفُور الرحيم «مؤدكة ب» إنّ» ، وبالفصل، وبإعادة الصِّفَيَتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة. فصل روى سعيدُ بْنُ جُبَيْر عن ابن عباس أن ناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا فأتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقالوا: إن الذين تدعو إليه لحسن إنْ كان لما عَمِلْنَا كفارة فنزلت هذه الآية، وروى عطاء بن رباح عن ابن عباس أنها نزلت في وَحْشِيّ قاتِل حمزة حين بعث إليه النبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى يدنك وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زَنَا ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة﴾ [الفرقان: 68، 69] وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل الله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان: 70] وَحْشيّ: هذا شرط شديد لَعَلِّي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 116] فقال وحشي: أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ قال وحشي: نعَمْ هذا فجاء وأسلم فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة» قال: بل للمسلمين عامة. وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي رَبيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافْتَتَنُو وكمنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عَدْلاً أبداً (قوم) قد أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيه ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عبياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فصل دلت هذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر لأن عرف القرآن جارٍ بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ [الفرقان: 63] وقال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] وإذا كان لفظ العبد مذكوراً في معرض التعظيم وجب أن لا يقع إلا على المؤمنين وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: ﴿ياعبادي﴾ مختص بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله وأما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد الللات وعبد العُزى (وعبد المسيح) وإذا ثبت ذلك فقوله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ عام في جميع المسرفين، ثم قال: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ وهذا يقتضي كونه غافراً لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين وهو المَطْلُوبُ. فإن قيل: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها وإلا لَزِمَ القطع بكون الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به فسقط الاستدلال، وأيضاً فإنه تعالى قل عقيب هذه الآية ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب﴾ الآية، ولو كان المراد من الآية أنه تعالى يغفر الذنوب قطعاً لما أم عقيبه بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون وأيضاً قال: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ الآية؛ وأيضاً لو كان المراد منا دل عليه ظاهر الآية لكان ذلك إغراءً بالمعاصي وإطلاقاً في الإقدام عليها وذلك لا يليق بحكمة الله تعالى. وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن (العاصي) أن لا مخلصَ له من العذاب البتة فإن اعتقد ذلك فهو قانطٌ جميعاً أي بالتوبة والإنابة. فالجواب: (قوله) إن الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به قلنا: بَلَى نحن نقول به لأن صيغة «يَغْفر» للمضارع وهي الاستقبال وعنْدَنا أن الله يُخْرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى هذا التقدير فصاحب الكبير مغفورة له قطعاً إما قبل دخول النار وإما بعد دخولها فثبت أن دلالة ظاهر الآية عينُ مذهبنا وأما قوله: لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة. فالجواب: أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم فإذن لا يُقْطَع بإزالة العقاب بالكلية بل نقول لعله يعفو مطلقاً ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك وبهذا يخرج لاجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم. وروى مقاتل بن حيَّان عن نافع عن ابْن عُمَر قال: كنا معْشَر أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نرى أن نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تبطلوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 10] فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش وكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها (قلنا: قد هلك فأنزل الله هذه الآية فَكَفْفنَا عن القول في ذلك، فكنما إذا رأينا أحداً أَصاب) منها شيئاً خِفْنا عليه وإن لم يُصب منها شيئاً رجوْنا له، وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر (وروي) عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاصٌّ (يقُصُّ) وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال: يا مُذكِّرُ لِمَ تُقَنِّطُ النا؟ ثُمَّ قرأ: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُو مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» وعن أَسْمَاءَ بنتِ يزيد قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «يَا عِبَادِي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (إنا الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي) » وروى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «قَال رَجُلٌ لم يعمل خيراً قط لأهله: إذا مات فَحَرِّقُوه ثم ذَرُّوا نِصْفَهُ في البَرّ ونصفَه في البحر فواللِّه لئن قَدَرَ الله عليه ليعدبَنَّه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم فَأَمَرَ الله البحرَ فجمع ما فيه وأمر البَرَّ فجمع ما فيه، ثم قال له: لِمَ فَعَلْتَ هذا قال: مِنَ خشيتك يا رب وأنتَ أعلمُ فَغَفَر لَهُ» . وعن ضَمْضَم بن حَوْشَ (ب) قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال: يا يمانيّ تَعضالَ وما أعرفه فقال: لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة قال فقلت إن هذه الكملة يقولها أحدُنا لبعض أهله إذا غضب أو زوجه أو لخادمه قال: فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «إنَّ رَجُلَيْن كَانَا فِي بني إسرائيل مُتَحَابِّيْنِ أحدهما مجتهدٌ في العبادة والآخرة كأنه يقول: مذنب فجعل يقول أقصر عما أنت فيه قال: فيقول خلّني وربي قال: حتى وجده يوماً على ذنب استعظمه فقال أقصر فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيباً فقال: والله لا يغفر لك الله أبداً ولا يدخلك الجنة أبداً قال: فبعث الله إليهما ملكاً فقبض أرواحها فاجتمعا عنده فقال للمذنب ادخل الجنة برحمتي وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب فقال: اذهبوا به إلى النار» قال أبو هريرة: والَّذِي نفسي بيده ل (قد) تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ . قوله: ﴿ياعبادي﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم يا عبادي بفتح الياء، والباقون وعاصم - في بعض الروايات - بغير فتح، وكلهم يقفون عليها بإثبات الياء؛ لأنها ثابتة في المصحف إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء. قوله: ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ قرأ أبو عمرو والكِسائي بكسرالنون، والباقون بفتحها، وهما لُغَتَان، قال الزمخشري: وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود «يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمنْ يَشَاءُ» . قوله: ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ﴾ قال الزمخشري أي تُوبُوا إليه «وأسْلِمُوا لَهُ» أي وأخلصوا له العمل مِن قَبْلِ أن يأتيكم العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. ﴿واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قال الحسن: الزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن (في) القرآن ذكرَ القبيح ليجتنبه وذكر الأدْوَن لئلا نرغب فيه، وذكر الأحسن لنُؤْثِره، وقيل: الأحسن الناسخ دون المنسوخ، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106] . ثم قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ وهذا تهديد وتخويف والمعنى يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه. واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين أنهم بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون؟ فحكم تعالى عليهم بثلاثة أنواع من الكلام: فالأول: (قوله: أَنْ تَقُولَ «) مفعول من أجله فقدره الزمخشري: كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولَ، (وابن عطية: أنيبوا من أجل أن تقول، وأبو البقاء والحَوْفيّ أَنْذَرْنَاكُمْ مَخَافَةَ أن تقول) ولا حاجة إلى إضمار هذا العامل مع وجود» أَنِيبُوا «وإنما نَكَّر نفساً لأنه أراد التكثير كقول الأعشى: 4304 - وَرُوبَّ بَقيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَّانِي كَرِيمٌ يَنْغضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا يريد أتاني (كرام كثيرون لا كريم فَذٌّ لمنافاته المعنى المقصود، ويجوز أن يريد نفساً متميزة عن الأنفس) باللجاج الشديد في الكفر والعذاب العظيم. قوله: ﴿ياحسرتا﴾ العامة على الألف بدلاً من ياء الإضافة، وعن ابن كثير: يَا حَسْرَتَاه بهاء السكت وَقْفاً وأبو جعفر يَا حَسْرَتي على الأصل وعنه أيضاً: يَا حَسْرَايَ بالألف والياء وفيها وجهان: أحدهما: لاجمع بين العِوَض والمُعَوَّضِ مِنْهُ. والثاني: أنه تثنية» حَسْرَة «مضافة لياء المتكلم، واعترض على هذا بأنه كان ينبغي أن يقال: يَا حَسْرَتَيَّ - بإدغام ياء النصب في ياء الإضافة - وأُجِيبَ: بأنه يجوز أن يكون راعى لغة الحَرْثِ بن كَعْب وغيرهم نحو: رَأَيْتُ الزَّيْدَانِ، وقيل: الألف بدل من الياء والياء (بعدها) مزيدة. وقيل: الألف مزيدة بين المتضايفين وكلاهما ضعيف. قوله:» عَلَى مَا فَرَّطت» ما مصدرية أي على تَفْريطي، وثمَّ مضاف أي في جنب طاعة الله، وقيل: في جنب الله المراد به الأمر والجِهَةُ يقال: هُوَ في جَنْبِ فُلاَنٍ وَجانِبِهِ أي جِهَتِهِ ونَاحِيَتِهِ قال: 4305 - النَّاسُ جَنْبٌ وَالأَمِيرُ جَنْبُ ... وقال آخر: 4306 - أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلاَمةً ... سُلَيْمَى لَقَدْ كَانَتْ مَلاَمَتُهَا ثِنَى ثم اتسع فيه فقيل: فَرّط في جَنْبِهِ أي في حَقِّه، قَالَ: 4307 - أَمَا تَتَّقِينَ اللًَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبْدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطّعُ (فصل) المعنى: أن تقول نفس يا حسرتي يعني لأن تقول: نفس كقوله: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] و [لقمان: 10] أي لئَلاَّ تَمِيدَ بكم، قال المبرد: أي بَادِرُوا وَاحذَرُوا أنْ تَقُولَ نفس، قال الزجاج: خوفَ أن تصيروا إلى حال تقولون يا حسرتنا يا ندامتا والتحسر الاغْتمَام على ما فات، وأراد: يا حَسرتي على الإضافة لكن العرب تحول ياء الكناية ألفاً في الاستغاثة فتقول: ياَ وَيْلَتَا، ويَا نَدَامَتَا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألق ليدل على الإضافة كقراءة أبي جعفر المتقدمة، وقيل: معنى قوله: ﴿ياحسرتا﴾ أي يا أيَّتُهَا الحَسْرَةُ هذا وَقْتُكِ قال الحسن: قَصَّرْتُ في طاعة الله، وقال مجاهد: في أمر الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، وقيل: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله، والعرب تمي الجنب جانباً؟ ز ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين﴾ المستهزئون بدين الله، قال قتادة ولم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل السخر بأهل طاعته، ومحل» وَإنْ كُنْتُ «النصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخْرَتِي. النوع الثاني من الكلمات لاتي حكاها الله تعالى (عنهم) بعد نزول العذاب عليهم قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المتقين﴾ . النوع الثالث: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب﴾ عياناً ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ رجعه إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ المحسنين﴾ الموحدين. فتحسروا أولاً: على التفريط في طاعة الله، وثانياً: عللوا بفقد الهداية، وثالثاً: تَمَنوا الرَّجْعَة. قوله: ﴿فَأَكُونَ﴾ في نصبه وجهان: أحدهما: عطفه على «كَرَّةً» فإنها مصدر، فعطف مصدراً مؤولاً على مصدر مصرَّح به كقولها: 4308 - لَلْبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عيننِي ... أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْس الشُّفُوف وقول الآخر: 4309 - فما لك منها غير ذكرى وحسرة ... وتسال عن ركبانها أين يمموا والثاني: أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ والفرق بين الوجهين أن الأول يكون فيه الكون مُتَمنَّى ويجوز أن تضمر «أن» وأن تُظْهرَ والثاني يكون فيه الكون مترتباً على حصول المتمني لا متمنِّي ويجب أن تضمر «أن» . قوله: ﴿بَلَى﴾ حرف جواب وفيما وقعت جواباً له وجهان: أحدهما: هو نفي مقدر، قال ابن عطية: وحق «بلى» أن تجيء بعد نفي عليه تقرير، كأن النفس قال: لم يتسع لي النظر أو لم يبين لي الأمر قال أبو حيان: ليس حقها النفي المقدر بل حقها النفي ثم حمل التقرير عليه ولذلك أجاب بعض العرب النفي المقدر بنعم دون بلى، وكذا وقع في عبارة سيبويه نفسه. والثاني: أن التمني المذكور وجوابه متضَمِّنان لنفي الهداية كأنه قال: لم أهتدِ فرد الله عليه ذلك. قال الزجاج: «بلى» جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل فيه معنى النفي لأنه قوله: «لو أن الله هداني» أنه ما هداني فلا جرم حسن ذكر «بلى» بعده. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قرن الجواب بينهما بما هو جواب له وهو قوله: لو أن اله هداني ولم يفصل بينهما قلت: لأنه لا يخلوا إمّا أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن، وإما أن يؤخر القرينة الوسطى فلم يحسن الأول لما فيه من تغير النظم بالجمع بين القراءتين، وأما الثاني فلِما فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريق في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ثم تمنِّي الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. قوله: ﴿جَآءَتْكَ﴾ قرأ العامة بفتح الكاف «فَكَذَّبْتَ وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ» بفتح التاء خطاباً للكافرين دون النفس. وقرأ الجَحْدَريُّ وأبو حَيْوَة وابنُ يَعْمُرَ والشافعيُّ عن ابن كثير وروتها أم سملة عنه - عليه (الصلاة و) السلام - بها قرأ أبُو بكر وابنتُه عائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بكسر الكاف والتاء؛ خطاباً للنفس والحَسَنُ والأعرجُ والأعمشُ «جَأتْكَ» بوزن «جَعَتْكَ» بهمزة دون ألف؛ فيحتمل أن يكون قصراً كقراءة قُنْبُل ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 7] وأن يكون في الكلمة قلبٌ بأن قُدّمتِ اللام على العين فالتقى ساكنان، فحذفت الألف لالتقائهما نحو: رُمْتُ وغُزْت، ومعنى الآية يقال لهذا القائل: بَلَى قَدْ جَاءتُكَ آيَاتِي يعني القرآن «فكذبت» وقلت ليست من الله واستكبرت أي تكبرت عن الإيمان بها وكنت من الكافرين. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ العامة على رفع ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ وهي جملة من مبتدأ وخبر، وفي محلها وجهان: أحدهما: النصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية، وكذا أعربها الزمخشري ومنْ مذهبه أنه لا يجوز إسقاط الواو من مثلها إلا شاذاً تابعاً في ذلك الفراء، فهذا رجوع منع عن ذلك. والثاني: أنها في محل نصب مفعولاً ثانياً، لأن الرؤية قلبية وهي بعيد لأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما، وقرئ: «وُجُوهَُمْ مُسْوَدَّةً» بنصبهما على أن «وجوهم» بدل بعض من «كل» ، و «مسودة» على ما تقدم من النصب على الحال أو على المفعول الثاني. وقال أبو البقاء: ولو قرئ وجوهم بالنصب لكان على بدل الاشتمال، قال شهاب الدين: قد قرئ به والحمد لله ولكن ليس كما قال: على بدل الاشتمال بل على بدل البعض، وكأنه سبقُ لسانٍ أو طُغْيَانُ قَلَم. وقرأ أبيّ أُجُوهُهُمْ بقلب الواو همزةً وهو فصيح نحو: ﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: 11] وبابه، وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان. قوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قرأ الأَخوان وأبو بكر بمَفازَتهم جمعاً لمَّا اختفت أنواع المصدر جُمْعَ كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ [الأحزاب: 10] ، ولأن لكل متق نوعاً آخر من المفازة، والباقون بالإفراد على الأصل. وقيل: ثم مضاف محذوف أي بدَوَاعِي مفازتهم أو بأسبابها. والمفازَةُ المنجاة، وقيل: لا حاجة إلى ذلك، وإذ المراد بالمفازة الفلاح. قال البغوي: لأن المفَازَةَ بمعنى الفَوْز أي يُنَجِّيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. وقال المبرد: المَفَازَةُ مَفْعَلَةٌ من الفَوْز والجمع حَسَنٌ كالسَّعَادَة والسَّعَادَاتِ. قوله: ﴿لاَ يَمَسُّهُمُ السواء﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: «لا يمسهم السوء» فلا محل لهان ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من «الَّذِينَ اتَّقوا» . ومعنى الكلام لا يصيبهم مكروهٌ ولا هم يحزنون.

الزمر 39:61

قوله (تعالى) : ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ... .﴾ الآية لما ذكرالوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله، قيل: في هذه الآية أنواع من المعاني والبينات حسنة منها إقباله عليهم ونداؤهم ومنها إضافتهم إلى الله إضافة تشريف ومنها الالتفات من التكلم إلى الخطاب، في قوله: ﴿مِن رَّحْمَةِ الله﴾ ومنها إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها إعادة الظاهر بلفظه في قوله: «إنَّ الله، ومنها: إبراز الجملة من قوله» إنَّه هُو الغَفُور الرحيم «مؤدكة ب» إنّ» ، وبالفصل، وبإعادة الصِّفَيَتين اللتين تضمنتهما الآية السابقة. فصل روى سعيدُ بْنُ جُبَيْر عن ابن عباس أن ناساً من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا فأتوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقالوا: إن الذين تدعو إليه لحسن إنْ كان لما عَمِلْنَا كفارة فنزلت هذه الآية، وروى عطاء بن رباح عن ابن عباس أنها نزلت في وَحْشِيّ قاتِل حمزة حين بعث إليه النبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يدعوه إلى الإسلام فأرسل إليه كيف تدعوني إلى يدنك وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زَنَا ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة﴾ [الفرقان: 68، 69] وأنا قد فعلت ذلك كله فأنزل الله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان: 70] وَحْشيّ: هذا شرط شديد لَعَلِّي لا أقدر عليه فهل غير ذلك فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 116] فقال وحشي: أراني بعد في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله﴾ قال وحشي: نعَمْ هذا فجاء وأسلم فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة» قال: بل للمسلمين عامة. وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي رَبيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافْتَتَنُو وكمنا نقول لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عَدْلاً أبداً (قوم) قد أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيه ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله هذه الآيات فكتبها عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عبياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا. واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فصل دلت هذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر لأن عرف القرآن جارٍ بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ [الفرقان: 63] وقال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] وإذا كان لفظ العبد مذكوراً في معرض التعظيم وجب أن لا يقع إلا على المؤمنين وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: ﴿ياعبادي﴾ مختص بالمؤمنين، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله وأما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد الللات وعبد العُزى (وعبد المسيح) وإذا ثبت ذلك فقوله تعالى: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ عام في جميع المسرفين، ثم قال: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ وهذا يقتضي كونه غافراً لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين وهو المَطْلُوبُ. فإن قيل: هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها وإلا لَزِمَ القطع بكون الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به فسقط الاستدلال، وأيضاً فإنه تعالى قل عقيب هذه الآية ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب﴾ الآية، ولو كان المراد من الآية أنه تعالى يغفر الذنوب قطعاً لما أم عقيبه بالتوبة، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون وأيضاً قال: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ الآية؛ وأيضاً لو كان المراد منا دل عليه ظاهر الآية لكان ذلك إغراءً بالمعاصي وإطلاقاً في الإقدام عليها وذلك لا يليق بحكمة الله تعالى. وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن (العاصي) أن لا مخلصَ له من العذاب البتة فإن اعتقد ذلك فهو قانطٌ جميعاً أي بالتوبة والإنابة. فالجواب: (قوله) إن الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعاً وأنتم لا تقولون به قلنا: بَلَى نحن نقول به لأن صيغة «يَغْفر» للمضارع وهي الاستقبال وعنْدَنا أن الله يُخْرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وعلى هذا التقدير فصاحب الكبير مغفورة له قطعاً إما قبل دخول النار وإما بعد دخولها فثبت أن دلالة ظاهر الآية عينُ مذهبنا وأما قوله: لو صارت الذنوب بأسرها مغفورة لما أمر بالتوبة. فالجواب: أن عندنا التوبة واجبة وخوف العقاب قائم فإذن لا يُقْطَع بإزالة العقاب بالكلية بل نقول لعله يعفو مطلقاً ولعله يعذب بالنار مدة ثم يعفو بعد ذلك وبهذا يخرج لاجواب عن بقية الأسئلة والله أعلم. وروى مقاتل بن حيَّان عن نافع عن ابْن عُمَر قال: كنا معْشَر أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نرى أن نقول ليس شيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تبطلوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 10] فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش وكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها (قلنا: قد هلك فأنزل الله هذه الآية فَكَفْفنَا عن القول في ذلك، فكنما إذا رأينا أحداً أَصاب) منها شيئاً خِفْنا عليه وإن لم يُصب منها شيئاً رجوْنا له، وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر (وروي) عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاصٌّ (يقُصُّ) وهو يذكر النار والأغلال فقام على رأسه فقال: يا مُذكِّرُ لِمَ تُقَنِّطُ النا؟ ثُمَّ قرأ: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُو مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» وعن أَسْمَاءَ بنتِ يزيد قالت: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «يَا عِبَادِي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (إنا الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي) » وروى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «قَال رَجُلٌ لم يعمل خيراً قط لأهله: إذا مات فَحَرِّقُوه ثم ذَرُّوا نِصْفَهُ في البَرّ ونصفَه في البحر فواللِّه لئن قَدَرَ الله عليه ليعدبَنَّه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم فَأَمَرَ الله البحرَ فجمع ما فيه وأمر البَرَّ فجمع ما فيه، ثم قال له: لِمَ فَعَلْتَ هذا قال: مِنَ خشيتك يا رب وأنتَ أعلمُ فَغَفَر لَهُ» . وعن ضَمْضَم بن حَوْشَ (ب) قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ فقال: يا يمانيّ تَعضالَ وما أعرفه فقال: لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الجنة قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة قال فقلت إن هذه الكملة يقولها أحدُنا لبعض أهله إذا غضب أو زوجه أو لخادمه قال: فإني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول: «إنَّ رَجُلَيْن كَانَا فِي بني إسرائيل مُتَحَابِّيْنِ أحدهما مجتهدٌ في العبادة والآخرة كأنه يقول: مذنب فجعل يقول أقصر عما أنت فيه قال: فيقول خلّني وربي قال: حتى وجده يوماً على ذنب استعظمه فقال أقصر فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيباً فقال: والله لا يغفر لك الله أبداً ولا يدخلك الجنة أبداً قال: فبعث الله إليهما ملكاً فقبض أرواحها فاجتمعا عنده فقال للمذنب ادخل الجنة برحمتي وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب فقال: اذهبوا به إلى النار» قال أبو هريرة: والَّذِي نفسي بيده ل (قد) تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ . قوله: ﴿ياعبادي﴾ قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم يا عبادي بفتح الياء، والباقون وعاصم - في بعض الروايات - بغير فتح، وكلهم يقفون عليها بإثبات الياء؛ لأنها ثابتة في المصحف إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم أنه يقف بغير ياء. قوله: ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ قرأ أبو عمرو والكِسائي بكسرالنون، والباقون بفتحها، وهما لُغَتَان، قال الزمخشري: وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود «يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لمنْ يَشَاءُ» . قوله: ﴿وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ﴾ قال الزمخشري أي تُوبُوا إليه «وأسْلِمُوا لَهُ» أي وأخلصوا له العمل مِن قَبْلِ أن يأتيكم العَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ. ﴿واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قال الحسن: الزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن (في) القرآن ذكرَ القبيح ليجتنبه وذكر الأدْوَن لئلا نرغب فيه، وذكر الأحسن لنُؤْثِره، وقيل: الأحسن الناسخ دون المنسوخ، لقوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106] . ثم قال: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ﴾ وهذا تهديد وتخويف والمعنى يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه. واعلم أنه تعالى لما خوفهم بالعذاب بين أنهم بتقدير نزول العذاب عليهم ماذا يقولون؟ فحكم تعالى عليهم بثلاثة أنواع من الكلام: فالأول: (قوله: أَنْ تَقُولَ «) مفعول من أجله فقدره الزمخشري: كَرَاهَةَ أَنْ تَقُولَ، (وابن عطية: أنيبوا من أجل أن تقول، وأبو البقاء والحَوْفيّ أَنْذَرْنَاكُمْ مَخَافَةَ أن تقول) ولا حاجة إلى إضمار هذا العامل مع وجود» أَنِيبُوا «وإنما نَكَّر نفساً لأنه أراد التكثير كقول الأعشى: 4304 - وَرُوبَّ بَقيعٍ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّهِ ... أَتَّانِي كَرِيمٌ يَنْغضُ الرَّأْسَ مُغْضَبَا يريد أتاني (كرام كثيرون لا كريم فَذٌّ لمنافاته المعنى المقصود، ويجوز أن يريد نفساً متميزة عن الأنفس) باللجاج الشديد في الكفر والعذاب العظيم. قوله: ﴿ياحسرتا﴾ العامة على الألف بدلاً من ياء الإضافة، وعن ابن كثير: يَا حَسْرَتَاه بهاء السكت وَقْفاً وأبو جعفر يَا حَسْرَتي على الأصل وعنه أيضاً: يَا حَسْرَايَ بالألف والياء وفيها وجهان: أحدهما: لاجمع بين العِوَض والمُعَوَّضِ مِنْهُ. والثاني: أنه تثنية» حَسْرَة «مضافة لياء المتكلم، واعترض على هذا بأنه كان ينبغي أن يقال: يَا حَسْرَتَيَّ - بإدغام ياء النصب في ياء الإضافة - وأُجِيبَ: بأنه يجوز أن يكون راعى لغة الحَرْثِ بن كَعْب وغيرهم نحو: رَأَيْتُ الزَّيْدَانِ، وقيل: الألف بدل من الياء والياء (بعدها) مزيدة. وقيل: الألف مزيدة بين المتضايفين وكلاهما ضعيف. قوله:» عَلَى مَا فَرَّطت» ما مصدرية أي على تَفْريطي، وثمَّ مضاف أي في جنب طاعة الله، وقيل: في جنب الله المراد به الأمر والجِهَةُ يقال: هُوَ في جَنْبِ فُلاَنٍ وَجانِبِهِ أي جِهَتِهِ ونَاحِيَتِهِ قال: 4305 - النَّاسُ جَنْبٌ وَالأَمِيرُ جَنْبُ ... وقال آخر: 4306 - أفِي جَنْبِ بَكْرٍ قَطَّعَتْنِي مَلاَمةً ... سُلَيْمَى لَقَدْ كَانَتْ مَلاَمَتُهَا ثِنَى ثم اتسع فيه فقيل: فَرّط في جَنْبِهِ أي في حَقِّه، قَالَ: 4307 - أَمَا تَتَّقِينَ اللًَّهَ فِي جَنْبِ عَاشِقٍ ... لَهُ كَبْدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطّعُ (فصل) المعنى: أن تقول نفس يا حسرتي يعني لأن تقول: نفس كقوله: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: 15] و [لقمان: 10] أي لئَلاَّ تَمِيدَ بكم، قال المبرد: أي بَادِرُوا وَاحذَرُوا أنْ تَقُولَ نفس، قال الزجاج: خوفَ أن تصيروا إلى حال تقولون يا حسرتنا يا ندامتا والتحسر الاغْتمَام على ما فات، وأراد: يا حَسرتي على الإضافة لكن العرب تحول ياء الكناية ألفاً في الاستغاثة فتقول: ياَ وَيْلَتَا، ويَا نَدَامَتَا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألق ليدل على الإضافة كقراءة أبي جعفر المتقدمة، وقيل: معنى قوله: ﴿ياحسرتا﴾ أي يا أيَّتُهَا الحَسْرَةُ هذا وَقْتُكِ قال الحسن: قَصَّرْتُ في طاعة الله، وقال مجاهد: في أمر الله، وقال سعيد بن جبير في حق الله، وقيل: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله، والعرب تمي الجنب جانباً؟ ز ثم قال: ﴿وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين﴾ المستهزئون بدين الله، قال قتادة ولم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل السخر بأهل طاعته، ومحل» وَإنْ كُنْتُ «النصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخْرَتِي. النوع الثاني من الكلمات لاتي حكاها الله تعالى (عنهم) بعد نزول العذاب عليهم قوله: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المتقين﴾ . النوع الثالث: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب﴾ عياناً ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ رجعه إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ المحسنين﴾ الموحدين. فتحسروا أولاً: على التفريط في طاعة الله، وثانياً: عللوا بفقد الهداية، وثالثاً: تَمَنوا الرَّجْعَة. قوله: ﴿فَأَكُونَ﴾ في نصبه وجهان: أحدهما: عطفه على «كَرَّةً» فإنها مصدر، فعطف مصدراً مؤولاً على مصدر مصرَّح به كقولها: 4308 - لَلْبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عيننِي ... أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لُبْس الشُّفُوف وقول الآخر: 4309 - فما لك منها غير ذكرى وحسرة ... وتسال عن ركبانها أين يمموا والثاني: أنه منصوب على جواب التمني المفهوم من قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ والفرق بين الوجهين أن الأول يكون فيه الكون مُتَمنَّى ويجوز أن تضمر «أن» وأن تُظْهرَ والثاني يكون فيه الكون مترتباً على حصول المتمني لا متمنِّي ويجب أن تضمر «أن» . قوله: ﴿بَلَى﴾ حرف جواب وفيما وقعت جواباً له وجهان: أحدهما: هو نفي مقدر، قال ابن عطية: وحق «بلى» أن تجيء بعد نفي عليه تقرير، كأن النفس قال: لم يتسع لي النظر أو لم يبين لي الأمر قال أبو حيان: ليس حقها النفي المقدر بل حقها النفي ثم حمل التقرير عليه ولذلك أجاب بعض العرب النفي المقدر بنعم دون بلى، وكذا وقع في عبارة سيبويه نفسه. والثاني: أن التمني المذكور وجوابه متضَمِّنان لنفي الهداية كأنه قال: لم أهتدِ فرد الله عليه ذلك. قال الزجاج: «بلى» جواب النفي وليس في الكلام لفظ النفي إلا أنه حصل فيه معنى النفي لأنه قوله: «لو أن الله هداني» أنه ما هداني فلا جرم حسن ذكر «بلى» بعده. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قرن الجواب بينهما بما هو جواب له وهو قوله: لو أن اله هداني ولم يفصل بينهما قلت: لأنه لا يخلوا إمّا أن يقدم على أخرى القرائن الثلاث فيفرق بينهن، وإما أن يؤخر القرينة الوسطى فلم يحسن الأول لما فيه من تغير النظم بالجمع بين القراءتين، وأما الثاني فلِما فيه من نقض الترتيب وهو التحسر على التفريق في الطاعة ثم التعلل بفقد الهداية ثم تمنِّي الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو أنه حكى أقوال النفس على ترتيبها ونظمها، ثم أجاب من بينها عما اقتضى الجواب. قوله: ﴿جَآءَتْكَ﴾ قرأ العامة بفتح الكاف «فَكَذَّبْتَ وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ» بفتح التاء خطاباً للكافرين دون النفس. وقرأ الجَحْدَريُّ وأبو حَيْوَة وابنُ يَعْمُرَ والشافعيُّ عن ابن كثير وروتها أم سملة عنه - عليه (الصلاة و) السلام - بها قرأ أبُو بكر وابنتُه عائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - بكسر الكاف والتاء؛ خطاباً للنفس والحَسَنُ والأعرجُ والأعمشُ «جَأتْكَ» بوزن «جَعَتْكَ» بهمزة دون ألف؛ فيحتمل أن يكون قصراً كقراءة قُنْبُل ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 7] وأن يكون في الكلمة قلبٌ بأن قُدّمتِ اللام على العين فالتقى ساكنان، فحذفت الألف لالتقائهما نحو: رُمْتُ وغُزْت، ومعنى الآية يقال لهذا القائل: بَلَى قَدْ جَاءتُكَ آيَاتِي يعني القرآن «فكذبت» وقلت ليست من الله واستكبرت أي تكبرت عن الإيمان بها وكنت من الكافرين. قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ العامة على رفع ﴿وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ وهي جملة من مبتدأ وخبر، وفي محلها وجهان: أحدهما: النصب على الحال من الموصول لأن الرؤية بصرية، وكذا أعربها الزمخشري ومنْ مذهبه أنه لا يجوز إسقاط الواو من مثلها إلا شاذاً تابعاً في ذلك الفراء، فهذا رجوع منع عن ذلك. والثاني: أنها في محل نصب مفعولاً ثانياً، لأن الرؤية قلبية وهي بعيد لأن تعلق الرؤية البصرية بالأجسام وألوانها أظهر من تعلق القلبية بهما، وقرئ: «وُجُوهَُمْ مُسْوَدَّةً» بنصبهما على أن «وجوهم» بدل بعض من «كل» ، و «مسودة» على ما تقدم من النصب على الحال أو على المفعول الثاني. وقال أبو البقاء: ولو قرئ وجوهم بالنصب لكان على بدل الاشتمال، قال شهاب الدين: قد قرئ به والحمد لله ولكن ليس كما قال: على بدل الاشتمال بل على بدل البعض، وكأنه سبقُ لسانٍ أو طُغْيَانُ قَلَم. وقرأ أبيّ أُجُوهُهُمْ بقلب الواو همزةً وهو فصيح نحو: ﴿أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: 11] وبابه، وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان. قوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قرأ الأَخوان وأبو بكر بمَفازَتهم جمعاً لمَّا اختفت أنواع المصدر جُمْعَ كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ [الأحزاب: 10] ، ولأن لكل متق نوعاً آخر من المفازة، والباقون بالإفراد على الأصل. وقيل: ثم مضاف محذوف أي بدَوَاعِي مفازتهم أو بأسبابها. والمفازَةُ المنجاة، وقيل: لا حاجة إلى ذلك، وإذ المراد بالمفازة الفلاح. قال البغوي: لأن المفَازَةَ بمعنى الفَوْز أي يُنَجِّيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. وقال المبرد: المَفَازَةُ مَفْعَلَةٌ من الفَوْز والجمع حَسَنٌ كالسَّعَادَة والسَّعَادَاتِ. قوله: ﴿لاَ يَمَسُّهُمُ السواء﴾ يجوز أن تكون هذه الجملة مفسرة لمفازتهم كأنه قيل: وما مفازتهم؟ فقيل: «لا يمسهم السوء» فلا محل لهان ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من «الَّذِينَ اتَّقوا» . ومعنى الكلام لا يصيبهم مكروهٌ ولا هم يحزنون.

الزمر 39:62

قوله تعالى: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية تقدم الكلام على هذه الآية في الأنعام وأنها تدل على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، وقال الكعبي هنا: إن الله تعالى مدح نفسه بقوله: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح احتجاج المخالف به، وأيضاً فلفظة «كل» قد لا توجب العمم لقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23] يريد كل شيء يحتاج الملك إليه أيضاً لو كانت أعمال العباد من خلق اله لما أضافها إليهم بقوله: ﴿كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: 109] ولما صح قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ [آل عمران: 78] وقال الجبائي الله خالق كل شيء سوى أفعال خلقه لله لما جاز ذلك فيها الأمر والنهي، واستحقوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقاً التي صح فيها الأمر والنهي، واستحقوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقاً لله لما جاز ذلك فيها كما لا يجوز في ألوانهم وصورهم، وقال أبو مسلم: الخلق هو التقدير لا الإيجاد، فإذا أخبر الله أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل فصح أن يقال: إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجود له، والجواب عن هذه الوجوه تقدم في سورة الأنعام، وأما قوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير مشارك، وهذا أيضاً يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن فعل العبد لو وقع بخلق العبد لكان الفعل غير موكول إلى الله تعالى فلم يكن الله وكيلاً عليه ينافي عموم الآية. قوله: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض﴾ «له مقاليد» جملة مستأنفة، والمقاليد جمع مِقْلاَد أو مقْليد، ولا واحد له من لفظه كأساطير وإخوته، ويقال أيضاً إقليد وهي المفاتيح، والكلمة فارسية معربة. وفي هذا الكلام استعارة بديعة نحو قولك: بيد فلان مفتاح هذا الأمر، وليس ثم مفتاح، وإنما هو عبارة عن شدة تمكنه من ذلك الشيء. قال الزمخشري: قيل سأل عثمانُ رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن تفسير قوله: «له مقاليد السموات والأرض» فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك تفسيرها لا إله إلا الله، والله أكبر وسبحان الله وبحمده (و) أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحي ويميت وهو على كل شيء قدير. وقال قتادة ومقاتل: مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة، وقال الكلبي خزائن المطر والنبات. قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله أولئك هُمُ الخاسرون﴾ وهذا يقتضي أنه لا خاسر إلا الكافر وأن من لم يكن كافراً فإنه لا بد وأن يحصل له حظ من رحمة الله قال الزمخشري: فإن قلت: بِمَ اتصل قوله «والذين كفروا بآيات الله» بقوله «له مقاليد السموات والأرض» ؟ قلت: إنه اتصل بقوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا﴾ [الزمر: 16] أي ينجي الله المتقين بمفازتهم، والذين كفروا هم الخَاسِرون واعترض ما بينهما أنه خالق الأشياء كلها وأنه له مقاليد السموات والأرض. قال ابن الخطيب: وهذا عندي ضعيف من وجهين: الأول: أن قوع الفصل الكثير بين المعطوف عليه بعيد. الثاني: أن قوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا﴾ [الزمر: 61] وقوله: {والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون} جملة اسمية وعطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية لا يجوز. قال شهاب الدين: وهذا الاعتراض معترض إذ لا مانع من ذلك. ثم قال ابن الخطيب: بل الأقرب عند أن يقال: إنه لما وصف الله تعالى بصفات الإليهة والجلالة وهو كونه مالكاً لمقاليد السموات والأرض بأسرها قال بعده: «والذين كفروا بآيات الله» الظاهرة الباهرة هم الخاسرون. قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أن «غير» منصوب «بأعبد» و «أعبد» معمول «لتأمروني» على إضمار «أنْ» المصدرية، فلما حذفت بطل عملها وهو أحد الوجهين والأصل أفَتَأمُرُونِي بأن أعْبُدَ غير الله ثم قدم مفعول «أعبد» على «تأمروني» العامل في عامله، وقد ضعف بعضهم هذا بأنه يلزم منه تقديم معمول الصلة على الموصول، وذلك أن «غير» منصوب «بأعبد» و «أعبد» صلة «لأن» وهذا لايجوز. وهذا الرد ليس بشيء لأن الموصول لما حذف لم يراع حكمه فيما ذكر بل إنما يراعى معناه لتصحيح الكلام. قال أبو البقاء: لو حكمناه بذلك لأفضى إلى حذف الموصول وإبقاء صلته وذلك لا يجوز إلاَّ في ضروة شعر. وهذا الذي ذكر فيه نَظَرٌ من حيث إنَّ هذا مختصٌّ «بأَنْ» دون سائر الموصولات وهو أنها تحذف ويبقى صلتها وهو منقاس عند البصريين في مواضع تحذف ويبقى علمها وفي غيرها إذا حذفت لا يبقى علمها إلى في ضرورة أو قليل، وينشد بالوجهين (قوله) : 4310 - أَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِري أَحْضُرُ الوَعَى ... وأَنْ أَشْهَدَ اللذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي ويدل على إرادة «أن» في الأصل قراءة بعضهم: «أَعْبُدَ» بنصب الفعل اعتداداً بأن. الثاني: أن «غَيْر» منصوب «بتَأْمُرُونيِّ» و «أَعْبُد» بدل منه بدل اشتمال، و «أَنْ» مضمرة معه أيضاً. والتقدير: أفغَيْر اللَّه تأمرونِّي في عبادته، والمعنى: أفتأمرون بعبادة غير الله. الثالث: أنها منصوبة بفعل مقدر (تقديره) فتُلْزِمُوني غير الله أي عبادة غير الله، وقدره الزمخشري تعبدون (ي) وتقولون لي أعبده، والأصل: تأمُرُونَيي أن أعبد (فحذفت) أن، ورفع الفعل، ألا ترى أنك تقول: أفغير الله تَقُولُون لي أعْبُدُهُ، وأفغير الله تقولون لي أعبد، فكذلك، أفغير الله تقولون لي أن أعبُدَهُ، وأفغير الله تَأمُرُونِّي أَنْ أَعْبُدَ. والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ «أَعْبُدَ» بالنصب، وأما «أعبد» ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه مع «أن» المضمرة في محصل نصب على البدل من «إير، وقد تقدم. الثاني: أنه في محل نصب على الحال. الثالث: أنه لا محل له ألتة. قوله: ﴿تأمرونيا﴾ قرأ الجمهور» تَأمُرونِّي «بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وفتح الياءَ ابن كثير، وأرسلها الباقون، وقرأ نافع» تأمُرُونِيَ «بنون خفيفة وفتح الياء وابنُ عامر تأمرونَنِي بالفك وسكون الياء، وقد تقدم في سورة الأنعام، والحِجْر، وغيرهما أنه متى اجتمع نون الرفع مع نون الوقاية جاز ذلك أوجه وتقدم تحقيق الخلاف في أيتهما المحذوفة. قال مقاتل: وذلك حين قاله له المشركون: دَعْ دينك واتبع دين آبائك ونؤمن بإلَهك، ونظير هذه الآية: ﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ [الأنعام: 14] وتقدم في تلك الآية وجه الحكمة في تقدم المفعول ووصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقاً للأشياء كلها وبكونه له مقاليد السموات والأرض وكون هذه الأصنام جمادات لا تَضُرُّ ولا تنفع فمن أعْرَض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات المقدسة الشريقة واشتغل بعبادة الأصنام الخَسيسَة فقد بلغ في الجهل مبلغاً لا مزيدة عليه، فلهذا قال: ﴿أَيُّهَا الجاهلون﴾ . قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الذي عملت قبل الشرك، واعلم أن الظاهر (أن) قوله» لَئِنْ أَشْرَكْتَ «هذه الجملة هي القائمة مقام الفاعل لأنها هي الموحاة وأصول البصريين تأبى ذلك، ويقدرون أن القائم مقامه ضمير المصدرلأن الجملة لا تكون فاعلاً عندهم والقائم هنا مقام الفاعل الجار والمجرور وهو» إليكَ «وقرئ ليُحْبِطنَّ - بضم الياء وكسر الباء - أي الله ولنُحْبطَنًَّ بنون العظمة (وليُحْبَطَنّ) على البناء للمفعول و» عملك» مفعول به على القراءتين الأوليين ومرفوع على الثالثة لقيامه مقام الفاعل. قال ابن الخطيب: واللام الأولى موطئة للقسم المحذوف والثانية لام الجواب. فإن قيل: كيف أوحي إليه وإلى من قبله حال شركه على التعيين؟ . فالجواب: تقرير الآية أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من قبلك مثله أي أوحي (إليك) وإلى كل أحد منهم لئن أشركت كما تقول: كَسَانَا حُلّة: أي كل واحد منا. فإن قيل: كيف صَحَّ هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا يحبط أعمالهم. فالجواب: أن قوله: «لَئن أشركت ليحبطن عملك» قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم (من) صدقها صدق جزئيها ألا ترى قولك: لَوْ كَانت الخَمْسة زوجاً لكانت منقسمة بمتساويين قضية صادقة مع أن كل واحد مِنْ جزئيتها غير صادق. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] . ولم ييلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وأنهما قد فسدتا، قال المفسرون: هذا خطاب مع الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمراد منه غيره، وقيل: هذا أدب من الله لنبيه وتهديده لغيره، لأن الله تعالى - عَزَّ وَجَلَّ - عصمه من الشركن وقوله: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ قال ابن الخطيب: كما أن طاعات الأنبياء والرسل أفضل من طاعات غيرهم فكذلك القبائح التي تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى: ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات﴾ [الإسراء: 75] فكان المعنى أن الشرك الحاصل منه بتقدير حصوله منه يكون تأثيره في غضب الله تعالى أقوى وأعظم. قوله: ﴿بَلِ الله فاعبد﴾ الجلالة منصوبة ب «اعْبُدْ» وتقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة، وجعله الزمخشري جواب شرط مقدر أي إن كنت عاقلاً فاعْبُدٍ اللَّهِ، فحذف الشرط، وجعل تقديم المفعول عوضاً لجمع بين العِوَض والمُعَوَّض عنه وقرأ عيسى بَل اللَّهُ - رفعاً - على الابتداء، والعائد محذوف أي فَاعْبُدْهُ. فصل لما قال الله تعالى: «قل أفغير الله تأمروني أعبد» يفيد أنهم أمروه بعبادة غيرالله فقال الله تعالى له لا تعبد إلا الله، فإن قوله «بَل اللَّهَ فَاعْبُدْ) يفيد الحصر» وَكُنْ مِن الشَّاكِرِينَ «لإنعامه عليك بالهِدَايَةِ.

الزمر 39:63

قوله تعالى: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية تقدم الكلام على هذه الآية في الأنعام وأنها تدل على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، وقال الكعبي هنا: إن الله تعالى مدح نفسه بقوله: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح احتجاج المخالف به، وأيضاً فلفظة «كل» قد لا توجب العمم لقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23] يريد كل شيء يحتاج الملك إليه أيضاً لو كانت أعمال العباد من خلق اله لما أضافها إليهم بقوله: ﴿كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: 109] ولما صح قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ [آل عمران: 78] وقال الجبائي الله خالق كل شيء سوى أفعال خلقه لله لما جاز ذلك فيها الأمر والنهي، واستحقوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقاً التي صح فيها الأمر والنهي، واستحقوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقاً لله لما جاز ذلك فيها كما لا يجوز في ألوانهم وصورهم، وقال أبو مسلم: الخلق هو التقدير لا الإيجاد، فإذا أخبر الله أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل فصح أن يقال: إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجود له، والجواب عن هذه الوجوه تقدم في سورة الأنعام، وأما قوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير مشارك، وهذا أيضاً يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن فعل العبد لو وقع بخلق العبد لكان الفعل غير موكول إلى الله تعالى فلم يكن الله وكيلاً عليه ينافي عموم الآية. قوله: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض﴾ «له مقاليد» جملة مستأنفة، والمقاليد جمع مِقْلاَد أو مقْليد، ولا واحد له من لفظه كأساطير وإخوته، ويقال أيضاً إقليد وهي المفاتيح، والكلمة فارسية معربة. وفي هذا الكلام استعارة بديعة نحو قولك: بيد فلان مفتاح هذا الأمر، وليس ثم مفتاح، وإنما هو عبارة عن شدة تمكنه من ذلك الشيء. قال الزمخشري: قيل سأل عثمانُ رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن تفسير قوله: «له مقاليد السموات والأرض» فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك تفسيرها لا إله إلا الله، والله أكبر وسبحان الله وبحمده (و) أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحي ويميت وهو على كل شيء قدير. وقال قتادة ومقاتل: مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة، وقال الكلبي خزائن المطر والنبات. قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله أولئك هُمُ الخاسرون﴾ وهذا يقتضي أنه لا خاسر إلا الكافر وأن من لم يكن كافراً فإنه لا بد وأن يحصل له حظ من رحمة الله قال الزمخشري: فإن قلت: بِمَ اتصل قوله «والذين كفروا بآيات الله» بقوله «له مقاليد السموات والأرض» ؟ قلت: إنه اتصل بقوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا﴾ [الزمر: 16] أي ينجي الله المتقين بمفازتهم، والذين كفروا هم الخَاسِرون واعترض ما بينهما أنه خالق الأشياء كلها وأنه له مقاليد السموات والأرض. قال ابن الخطيب: وهذا عندي ضعيف من وجهين: الأول: أن قوع الفصل الكثير بين المعطوف عليه بعيد. الثاني: أن قوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا﴾ [الزمر: 61] وقوله: {والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون} جملة اسمية وعطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية لا يجوز. قال شهاب الدين: وهذا الاعتراض معترض إذ لا مانع من ذلك. ثم قال ابن الخطيب: بل الأقرب عند أن يقال: إنه لما وصف الله تعالى بصفات الإليهة والجلالة وهو كونه مالكاً لمقاليد السموات والأرض بأسرها قال بعده: «والذين كفروا بآيات الله» الظاهرة الباهرة هم الخاسرون. قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أن «غير» منصوب «بأعبد» و «أعبد» معمول «لتأمروني» على إضمار «أنْ» المصدرية، فلما حذفت بطل عملها وهو أحد الوجهين والأصل أفَتَأمُرُونِي بأن أعْبُدَ غير الله ثم قدم مفعول «أعبد» على «تأمروني» العامل في عامله، وقد ضعف بعضهم هذا بأنه يلزم منه تقديم معمول الصلة على الموصول، وذلك أن «غير» منصوب «بأعبد» و «أعبد» صلة «لأن» وهذا لايجوز. وهذا الرد ليس بشيء لأن الموصول لما حذف لم يراع حكمه فيما ذكر بل إنما يراعى معناه لتصحيح الكلام. قال أبو البقاء: لو حكمناه بذلك لأفضى إلى حذف الموصول وإبقاء صلته وذلك لا يجوز إلاَّ في ضروة شعر. وهذا الذي ذكر فيه نَظَرٌ من حيث إنَّ هذا مختصٌّ «بأَنْ» دون سائر الموصولات وهو أنها تحذف ويبقى صلتها وهو منقاس عند البصريين في مواضع تحذف ويبقى علمها وفي غيرها إذا حذفت لا يبقى علمها إلى في ضرورة أو قليل، وينشد بالوجهين (قوله) : 4310 - أَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِري أَحْضُرُ الوَعَى ... وأَنْ أَشْهَدَ اللذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي ويدل على إرادة «أن» في الأصل قراءة بعضهم: «أَعْبُدَ» بنصب الفعل اعتداداً بأن. الثاني: أن «غَيْر» منصوب «بتَأْمُرُونيِّ» و «أَعْبُد» بدل منه بدل اشتمال، و «أَنْ» مضمرة معه أيضاً. والتقدير: أفغَيْر اللَّه تأمرونِّي في عبادته، والمعنى: أفتأمرون بعبادة غير الله. الثالث: أنها منصوبة بفعل مقدر (تقديره) فتُلْزِمُوني غير الله أي عبادة غير الله، وقدره الزمخشري تعبدون (ي) وتقولون لي أعبده، والأصل: تأمُرُونَيي أن أعبد (فحذفت) أن، ورفع الفعل، ألا ترى أنك تقول: أفغير الله تَقُولُون لي أعْبُدُهُ، وأفغير الله تقولون لي أعبد، فكذلك، أفغير الله تقولون لي أن أعبُدَهُ، وأفغير الله تَأمُرُونِّي أَنْ أَعْبُدَ. والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ «أَعْبُدَ» بالنصب، وأما «أعبد» ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه مع «أن» المضمرة في محصل نصب على البدل من «إير، وقد تقدم. الثاني: أنه في محل نصب على الحال. الثالث: أنه لا محل له ألتة. قوله: ﴿تأمرونيا﴾ قرأ الجمهور» تَأمُرونِّي «بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وفتح الياءَ ابن كثير، وأرسلها الباقون، وقرأ نافع» تأمُرُونِيَ «بنون خفيفة وفتح الياء وابنُ عامر تأمرونَنِي بالفك وسكون الياء، وقد تقدم في سورة الأنعام، والحِجْر، وغيرهما أنه متى اجتمع نون الرفع مع نون الوقاية جاز ذلك أوجه وتقدم تحقيق الخلاف في أيتهما المحذوفة. قال مقاتل: وذلك حين قاله له المشركون: دَعْ دينك واتبع دين آبائك ونؤمن بإلَهك، ونظير هذه الآية: ﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ [الأنعام: 14] وتقدم في تلك الآية وجه الحكمة في تقدم المفعول ووصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقاً للأشياء كلها وبكونه له مقاليد السموات والأرض وكون هذه الأصنام جمادات لا تَضُرُّ ولا تنفع فمن أعْرَض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات المقدسة الشريقة واشتغل بعبادة الأصنام الخَسيسَة فقد بلغ في الجهل مبلغاً لا مزيدة عليه، فلهذا قال: ﴿أَيُّهَا الجاهلون﴾ . قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الذي عملت قبل الشرك، واعلم أن الظاهر (أن) قوله» لَئِنْ أَشْرَكْتَ «هذه الجملة هي القائمة مقام الفاعل لأنها هي الموحاة وأصول البصريين تأبى ذلك، ويقدرون أن القائم مقامه ضمير المصدرلأن الجملة لا تكون فاعلاً عندهم والقائم هنا مقام الفاعل الجار والمجرور وهو» إليكَ «وقرئ ليُحْبِطنَّ - بضم الياء وكسر الباء - أي الله ولنُحْبطَنًَّ بنون العظمة (وليُحْبَطَنّ) على البناء للمفعول و» عملك» مفعول به على القراءتين الأوليين ومرفوع على الثالثة لقيامه مقام الفاعل. قال ابن الخطيب: واللام الأولى موطئة للقسم المحذوف والثانية لام الجواب. فإن قيل: كيف أوحي إليه وإلى من قبله حال شركه على التعيين؟ . فالجواب: تقرير الآية أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من قبلك مثله أي أوحي (إليك) وإلى كل أحد منهم لئن أشركت كما تقول: كَسَانَا حُلّة: أي كل واحد منا. فإن قيل: كيف صَحَّ هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا يحبط أعمالهم. فالجواب: أن قوله: «لَئن أشركت ليحبطن عملك» قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم (من) صدقها صدق جزئيها ألا ترى قولك: لَوْ كَانت الخَمْسة زوجاً لكانت منقسمة بمتساويين قضية صادقة مع أن كل واحد مِنْ جزئيتها غير صادق. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] . ولم ييلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وأنهما قد فسدتا، قال المفسرون: هذا خطاب مع الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمراد منه غيره، وقيل: هذا أدب من الله لنبيه وتهديده لغيره، لأن الله تعالى - عَزَّ وَجَلَّ - عصمه من الشركن وقوله: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ قال ابن الخطيب: كما أن طاعات الأنبياء والرسل أفضل من طاعات غيرهم فكذلك القبائح التي تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى: ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات﴾ [الإسراء: 75] فكان المعنى أن الشرك الحاصل منه بتقدير حصوله منه يكون تأثيره في غضب الله تعالى أقوى وأعظم. قوله: ﴿بَلِ الله فاعبد﴾ الجلالة منصوبة ب «اعْبُدْ» وتقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة، وجعله الزمخشري جواب شرط مقدر أي إن كنت عاقلاً فاعْبُدٍ اللَّهِ، فحذف الشرط، وجعل تقديم المفعول عوضاً لجمع بين العِوَض والمُعَوَّض عنه وقرأ عيسى بَل اللَّهُ - رفعاً - على الابتداء، والعائد محذوف أي فَاعْبُدْهُ. فصل لما قال الله تعالى: «قل أفغير الله تأمروني أعبد» يفيد أنهم أمروه بعبادة غيرالله فقال الله تعالى له لا تعبد إلا الله، فإن قوله «بَل اللَّهَ فَاعْبُدْ) يفيد الحصر» وَكُنْ مِن الشَّاكِرِينَ «لإنعامه عليك بالهِدَايَةِ.

الزمر 39:64

قوله تعالى: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية تقدم الكلام على هذه الآية في الأنعام وأنها تدل على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، وقال الكعبي هنا: إن الله تعالى مدح نفسه بقوله: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح احتجاج المخالف به، وأيضاً فلفظة «كل» قد لا توجب العمم لقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23] يريد كل شيء يحتاج الملك إليه أيضاً لو كانت أعمال العباد من خلق اله لما أضافها إليهم بقوله: ﴿كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: 109] ولما صح قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ [آل عمران: 78] وقال الجبائي الله خالق كل شيء سوى أفعال خلقه لله لما جاز ذلك فيها الأمر والنهي، واستحقوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقاً التي صح فيها الأمر والنهي، واستحقوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقاً لله لما جاز ذلك فيها كما لا يجوز في ألوانهم وصورهم، وقال أبو مسلم: الخلق هو التقدير لا الإيجاد، فإذا أخبر الله أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل فصح أن يقال: إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجود له، والجواب عن هذه الوجوه تقدم في سورة الأنعام، وأما قوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير مشارك، وهذا أيضاً يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن فعل العبد لو وقع بخلق العبد لكان الفعل غير موكول إلى الله تعالى فلم يكن الله وكيلاً عليه ينافي عموم الآية. قوله: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض﴾ «له مقاليد» جملة مستأنفة، والمقاليد جمع مِقْلاَد أو مقْليد، ولا واحد له من لفظه كأساطير وإخوته، ويقال أيضاً إقليد وهي المفاتيح، والكلمة فارسية معربة. وفي هذا الكلام استعارة بديعة نحو قولك: بيد فلان مفتاح هذا الأمر، وليس ثم مفتاح، وإنما هو عبارة عن شدة تمكنه من ذلك الشيء. قال الزمخشري: قيل سأل عثمانُ رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن تفسير قوله: «له مقاليد السموات والأرض» فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك تفسيرها لا إله إلا الله، والله أكبر وسبحان الله وبحمده (و) أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحي ويميت وهو على كل شيء قدير. وقال قتادة ومقاتل: مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة، وقال الكلبي خزائن المطر والنبات. قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله أولئك هُمُ الخاسرون﴾ وهذا يقتضي أنه لا خاسر إلا الكافر وأن من لم يكن كافراً فإنه لا بد وأن يحصل له حظ من رحمة الله قال الزمخشري: فإن قلت: بِمَ اتصل قوله «والذين كفروا بآيات الله» بقوله «له مقاليد السموات والأرض» ؟ قلت: إنه اتصل بقوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا﴾ [الزمر: 16] أي ينجي الله المتقين بمفازتهم، والذين كفروا هم الخَاسِرون واعترض ما بينهما أنه خالق الأشياء كلها وأنه له مقاليد السموات والأرض. قال ابن الخطيب: وهذا عندي ضعيف من وجهين: الأول: أن قوع الفصل الكثير بين المعطوف عليه بعيد. الثاني: أن قوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا﴾ [الزمر: 61] وقوله: {والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون} جملة اسمية وعطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية لا يجوز. قال شهاب الدين: وهذا الاعتراض معترض إذ لا مانع من ذلك. ثم قال ابن الخطيب: بل الأقرب عند أن يقال: إنه لما وصف الله تعالى بصفات الإليهة والجلالة وهو كونه مالكاً لمقاليد السموات والأرض بأسرها قال بعده: «والذين كفروا بآيات الله» الظاهرة الباهرة هم الخاسرون. قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أن «غير» منصوب «بأعبد» و «أعبد» معمول «لتأمروني» على إضمار «أنْ» المصدرية، فلما حذفت بطل عملها وهو أحد الوجهين والأصل أفَتَأمُرُونِي بأن أعْبُدَ غير الله ثم قدم مفعول «أعبد» على «تأمروني» العامل في عامله، وقد ضعف بعضهم هذا بأنه يلزم منه تقديم معمول الصلة على الموصول، وذلك أن «غير» منصوب «بأعبد» و «أعبد» صلة «لأن» وهذا لايجوز. وهذا الرد ليس بشيء لأن الموصول لما حذف لم يراع حكمه فيما ذكر بل إنما يراعى معناه لتصحيح الكلام. قال أبو البقاء: لو حكمناه بذلك لأفضى إلى حذف الموصول وإبقاء صلته وذلك لا يجوز إلاَّ في ضروة شعر. وهذا الذي ذكر فيه نَظَرٌ من حيث إنَّ هذا مختصٌّ «بأَنْ» دون سائر الموصولات وهو أنها تحذف ويبقى صلتها وهو منقاس عند البصريين في مواضع تحذف ويبقى علمها وفي غيرها إذا حذفت لا يبقى علمها إلى في ضرورة أو قليل، وينشد بالوجهين (قوله) : 4310 - أَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِري أَحْضُرُ الوَعَى ... وأَنْ أَشْهَدَ اللذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي ويدل على إرادة «أن» في الأصل قراءة بعضهم: «أَعْبُدَ» بنصب الفعل اعتداداً بأن. الثاني: أن «غَيْر» منصوب «بتَأْمُرُونيِّ» و «أَعْبُد» بدل منه بدل اشتمال، و «أَنْ» مضمرة معه أيضاً. والتقدير: أفغَيْر اللَّه تأمرونِّي في عبادته، والمعنى: أفتأمرون بعبادة غير الله. الثالث: أنها منصوبة بفعل مقدر (تقديره) فتُلْزِمُوني غير الله أي عبادة غير الله، وقدره الزمخشري تعبدون (ي) وتقولون لي أعبده، والأصل: تأمُرُونَيي أن أعبد (فحذفت) أن، ورفع الفعل، ألا ترى أنك تقول: أفغير الله تَقُولُون لي أعْبُدُهُ، وأفغير الله تقولون لي أعبد، فكذلك، أفغير الله تقولون لي أن أعبُدَهُ، وأفغير الله تَأمُرُونِّي أَنْ أَعْبُدَ. والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ «أَعْبُدَ» بالنصب، وأما «أعبد» ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه مع «أن» المضمرة في محصل نصب على البدل من «إير، وقد تقدم. الثاني: أنه في محل نصب على الحال. الثالث: أنه لا محل له ألتة. قوله: ﴿تأمرونيا﴾ قرأ الجمهور» تَأمُرونِّي «بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وفتح الياءَ ابن كثير، وأرسلها الباقون، وقرأ نافع» تأمُرُونِيَ «بنون خفيفة وفتح الياء وابنُ عامر تأمرونَنِي بالفك وسكون الياء، وقد تقدم في سورة الأنعام، والحِجْر، وغيرهما أنه متى اجتمع نون الرفع مع نون الوقاية جاز ذلك أوجه وتقدم تحقيق الخلاف في أيتهما المحذوفة. قال مقاتل: وذلك حين قاله له المشركون: دَعْ دينك واتبع دين آبائك ونؤمن بإلَهك، ونظير هذه الآية: ﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ [الأنعام: 14] وتقدم في تلك الآية وجه الحكمة في تقدم المفعول ووصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقاً للأشياء كلها وبكونه له مقاليد السموات والأرض وكون هذه الأصنام جمادات لا تَضُرُّ ولا تنفع فمن أعْرَض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات المقدسة الشريقة واشتغل بعبادة الأصنام الخَسيسَة فقد بلغ في الجهل مبلغاً لا مزيدة عليه، فلهذا قال: ﴿أَيُّهَا الجاهلون﴾ . قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الذي عملت قبل الشرك، واعلم أن الظاهر (أن) قوله» لَئِنْ أَشْرَكْتَ «هذه الجملة هي القائمة مقام الفاعل لأنها هي الموحاة وأصول البصريين تأبى ذلك، ويقدرون أن القائم مقامه ضمير المصدرلأن الجملة لا تكون فاعلاً عندهم والقائم هنا مقام الفاعل الجار والمجرور وهو» إليكَ «وقرئ ليُحْبِطنَّ - بضم الياء وكسر الباء - أي الله ولنُحْبطَنًَّ بنون العظمة (وليُحْبَطَنّ) على البناء للمفعول و» عملك» مفعول به على القراءتين الأوليين ومرفوع على الثالثة لقيامه مقام الفاعل. قال ابن الخطيب: واللام الأولى موطئة للقسم المحذوف والثانية لام الجواب. فإن قيل: كيف أوحي إليه وإلى من قبله حال شركه على التعيين؟ . فالجواب: تقرير الآية أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من قبلك مثله أي أوحي (إليك) وإلى كل أحد منهم لئن أشركت كما تقول: كَسَانَا حُلّة: أي كل واحد منا. فإن قيل: كيف صَحَّ هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا يحبط أعمالهم. فالجواب: أن قوله: «لَئن أشركت ليحبطن عملك» قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم (من) صدقها صدق جزئيها ألا ترى قولك: لَوْ كَانت الخَمْسة زوجاً لكانت منقسمة بمتساويين قضية صادقة مع أن كل واحد مِنْ جزئيتها غير صادق. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] . ولم ييلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وأنهما قد فسدتا، قال المفسرون: هذا خطاب مع الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمراد منه غيره، وقيل: هذا أدب من الله لنبيه وتهديده لغيره، لأن الله تعالى - عَزَّ وَجَلَّ - عصمه من الشركن وقوله: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ قال ابن الخطيب: كما أن طاعات الأنبياء والرسل أفضل من طاعات غيرهم فكذلك القبائح التي تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى: ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات﴾ [الإسراء: 75] فكان المعنى أن الشرك الحاصل منه بتقدير حصوله منه يكون تأثيره في غضب الله تعالى أقوى وأعظم. قوله: ﴿بَلِ الله فاعبد﴾ الجلالة منصوبة ب «اعْبُدْ» وتقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة، وجعله الزمخشري جواب شرط مقدر أي إن كنت عاقلاً فاعْبُدٍ اللَّهِ، فحذف الشرط، وجعل تقديم المفعول عوضاً لجمع بين العِوَض والمُعَوَّض عنه وقرأ عيسى بَل اللَّهُ - رفعاً - على الابتداء، والعائد محذوف أي فَاعْبُدْهُ. فصل لما قال الله تعالى: «قل أفغير الله تأمروني أعبد» يفيد أنهم أمروه بعبادة غيرالله فقال الله تعالى له لا تعبد إلا الله، فإن قوله «بَل اللَّهَ فَاعْبُدْ) يفيد الحصر» وَكُنْ مِن الشَّاكِرِينَ «لإنعامه عليك بالهِدَايَةِ.

الزمر 39:65

قوله تعالى: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية تقدم الكلام على هذه الآية في الأنعام وأنها تدل على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، وقال الكعبي هنا: إن الله تعالى مدح نفسه بقوله: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح احتجاج المخالف به، وأيضاً فلفظة «كل» قد لا توجب العمم لقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23] يريد كل شيء يحتاج الملك إليه أيضاً لو كانت أعمال العباد من خلق اله لما أضافها إليهم بقوله: ﴿كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: 109] ولما صح قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ [آل عمران: 78] وقال الجبائي الله خالق كل شيء سوى أفعال خلقه لله لما جاز ذلك فيها الأمر والنهي، واستحقوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقاً التي صح فيها الأمر والنهي، واستحقوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقاً لله لما جاز ذلك فيها كما لا يجوز في ألوانهم وصورهم، وقال أبو مسلم: الخلق هو التقدير لا الإيجاد، فإذا أخبر الله أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل فصح أن يقال: إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجود له، والجواب عن هذه الوجوه تقدم في سورة الأنعام، وأما قوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير مشارك، وهذا أيضاً يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن فعل العبد لو وقع بخلق العبد لكان الفعل غير موكول إلى الله تعالى فلم يكن الله وكيلاً عليه ينافي عموم الآية. قوله: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض﴾ «له مقاليد» جملة مستأنفة، والمقاليد جمع مِقْلاَد أو مقْليد، ولا واحد له من لفظه كأساطير وإخوته، ويقال أيضاً إقليد وهي المفاتيح، والكلمة فارسية معربة. وفي هذا الكلام استعارة بديعة نحو قولك: بيد فلان مفتاح هذا الأمر، وليس ثم مفتاح، وإنما هو عبارة عن شدة تمكنه من ذلك الشيء. قال الزمخشري: قيل سأل عثمانُ رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن تفسير قوله: «له مقاليد السموات والأرض» فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك تفسيرها لا إله إلا الله، والله أكبر وسبحان الله وبحمده (و) أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحي ويميت وهو على كل شيء قدير. وقال قتادة ومقاتل: مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة، وقال الكلبي خزائن المطر والنبات. قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله أولئك هُمُ الخاسرون﴾ وهذا يقتضي أنه لا خاسر إلا الكافر وأن من لم يكن كافراً فإنه لا بد وأن يحصل له حظ من رحمة الله قال الزمخشري: فإن قلت: بِمَ اتصل قوله «والذين كفروا بآيات الله» بقوله «له مقاليد السموات والأرض» ؟ قلت: إنه اتصل بقوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا﴾ [الزمر: 16] أي ينجي الله المتقين بمفازتهم، والذين كفروا هم الخَاسِرون واعترض ما بينهما أنه خالق الأشياء كلها وأنه له مقاليد السموات والأرض. قال ابن الخطيب: وهذا عندي ضعيف من وجهين: الأول: أن قوع الفصل الكثير بين المعطوف عليه بعيد. الثاني: أن قوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا﴾ [الزمر: 61] وقوله: {والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون} جملة اسمية وعطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية لا يجوز. قال شهاب الدين: وهذا الاعتراض معترض إذ لا مانع من ذلك. ثم قال ابن الخطيب: بل الأقرب عند أن يقال: إنه لما وصف الله تعالى بصفات الإليهة والجلالة وهو كونه مالكاً لمقاليد السموات والأرض بأسرها قال بعده: «والذين كفروا بآيات الله» الظاهرة الباهرة هم الخاسرون. قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أن «غير» منصوب «بأعبد» و «أعبد» معمول «لتأمروني» على إضمار «أنْ» المصدرية، فلما حذفت بطل عملها وهو أحد الوجهين والأصل أفَتَأمُرُونِي بأن أعْبُدَ غير الله ثم قدم مفعول «أعبد» على «تأمروني» العامل في عامله، وقد ضعف بعضهم هذا بأنه يلزم منه تقديم معمول الصلة على الموصول، وذلك أن «غير» منصوب «بأعبد» و «أعبد» صلة «لأن» وهذا لايجوز. وهذا الرد ليس بشيء لأن الموصول لما حذف لم يراع حكمه فيما ذكر بل إنما يراعى معناه لتصحيح الكلام. قال أبو البقاء: لو حكمناه بذلك لأفضى إلى حذف الموصول وإبقاء صلته وذلك لا يجوز إلاَّ في ضروة شعر. وهذا الذي ذكر فيه نَظَرٌ من حيث إنَّ هذا مختصٌّ «بأَنْ» دون سائر الموصولات وهو أنها تحذف ويبقى صلتها وهو منقاس عند البصريين في مواضع تحذف ويبقى علمها وفي غيرها إذا حذفت لا يبقى علمها إلى في ضرورة أو قليل، وينشد بالوجهين (قوله) : 4310 - أَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِري أَحْضُرُ الوَعَى ... وأَنْ أَشْهَدَ اللذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي ويدل على إرادة «أن» في الأصل قراءة بعضهم: «أَعْبُدَ» بنصب الفعل اعتداداً بأن. الثاني: أن «غَيْر» منصوب «بتَأْمُرُونيِّ» و «أَعْبُد» بدل منه بدل اشتمال، و «أَنْ» مضمرة معه أيضاً. والتقدير: أفغَيْر اللَّه تأمرونِّي في عبادته، والمعنى: أفتأمرون بعبادة غير الله. الثالث: أنها منصوبة بفعل مقدر (تقديره) فتُلْزِمُوني غير الله أي عبادة غير الله، وقدره الزمخشري تعبدون (ي) وتقولون لي أعبده، والأصل: تأمُرُونَيي أن أعبد (فحذفت) أن، ورفع الفعل، ألا ترى أنك تقول: أفغير الله تَقُولُون لي أعْبُدُهُ، وأفغير الله تقولون لي أعبد، فكذلك، أفغير الله تقولون لي أن أعبُدَهُ، وأفغير الله تَأمُرُونِّي أَنْ أَعْبُدَ. والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ «أَعْبُدَ» بالنصب، وأما «أعبد» ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه مع «أن» المضمرة في محصل نصب على البدل من «إير، وقد تقدم. الثاني: أنه في محل نصب على الحال. الثالث: أنه لا محل له ألتة. قوله: ﴿تأمرونيا﴾ قرأ الجمهور» تَأمُرونِّي «بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وفتح الياءَ ابن كثير، وأرسلها الباقون، وقرأ نافع» تأمُرُونِيَ «بنون خفيفة وفتح الياء وابنُ عامر تأمرونَنِي بالفك وسكون الياء، وقد تقدم في سورة الأنعام، والحِجْر، وغيرهما أنه متى اجتمع نون الرفع مع نون الوقاية جاز ذلك أوجه وتقدم تحقيق الخلاف في أيتهما المحذوفة. قال مقاتل: وذلك حين قاله له المشركون: دَعْ دينك واتبع دين آبائك ونؤمن بإلَهك، ونظير هذه الآية: ﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ [الأنعام: 14] وتقدم في تلك الآية وجه الحكمة في تقدم المفعول ووصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقاً للأشياء كلها وبكونه له مقاليد السموات والأرض وكون هذه الأصنام جمادات لا تَضُرُّ ولا تنفع فمن أعْرَض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات المقدسة الشريقة واشتغل بعبادة الأصنام الخَسيسَة فقد بلغ في الجهل مبلغاً لا مزيدة عليه، فلهذا قال: ﴿أَيُّهَا الجاهلون﴾ . قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الذي عملت قبل الشرك، واعلم أن الظاهر (أن) قوله» لَئِنْ أَشْرَكْتَ «هذه الجملة هي القائمة مقام الفاعل لأنها هي الموحاة وأصول البصريين تأبى ذلك، ويقدرون أن القائم مقامه ضمير المصدرلأن الجملة لا تكون فاعلاً عندهم والقائم هنا مقام الفاعل الجار والمجرور وهو» إليكَ «وقرئ ليُحْبِطنَّ - بضم الياء وكسر الباء - أي الله ولنُحْبطَنًَّ بنون العظمة (وليُحْبَطَنّ) على البناء للمفعول و» عملك» مفعول به على القراءتين الأوليين ومرفوع على الثالثة لقيامه مقام الفاعل. قال ابن الخطيب: واللام الأولى موطئة للقسم المحذوف والثانية لام الجواب. فإن قيل: كيف أوحي إليه وإلى من قبله حال شركه على التعيين؟ . فالجواب: تقرير الآية أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من قبلك مثله أي أوحي (إليك) وإلى كل أحد منهم لئن أشركت كما تقول: كَسَانَا حُلّة: أي كل واحد منا. فإن قيل: كيف صَحَّ هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا يحبط أعمالهم. فالجواب: أن قوله: «لَئن أشركت ليحبطن عملك» قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم (من) صدقها صدق جزئيها ألا ترى قولك: لَوْ كَانت الخَمْسة زوجاً لكانت منقسمة بمتساويين قضية صادقة مع أن كل واحد مِنْ جزئيتها غير صادق. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] . ولم ييلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وأنهما قد فسدتا، قال المفسرون: هذا خطاب مع الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمراد منه غيره، وقيل: هذا أدب من الله لنبيه وتهديده لغيره، لأن الله تعالى - عَزَّ وَجَلَّ - عصمه من الشركن وقوله: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ قال ابن الخطيب: كما أن طاعات الأنبياء والرسل أفضل من طاعات غيرهم فكذلك القبائح التي تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى: ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات﴾ [الإسراء: 75] فكان المعنى أن الشرك الحاصل منه بتقدير حصوله منه يكون تأثيره في غضب الله تعالى أقوى وأعظم. قوله: ﴿بَلِ الله فاعبد﴾ الجلالة منصوبة ب «اعْبُدْ» وتقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة، وجعله الزمخشري جواب شرط مقدر أي إن كنت عاقلاً فاعْبُدٍ اللَّهِ، فحذف الشرط، وجعل تقديم المفعول عوضاً لجمع بين العِوَض والمُعَوَّض عنه وقرأ عيسى بَل اللَّهُ - رفعاً - على الابتداء، والعائد محذوف أي فَاعْبُدْهُ. فصل لما قال الله تعالى: «قل أفغير الله تأمروني أعبد» يفيد أنهم أمروه بعبادة غيرالله فقال الله تعالى له لا تعبد إلا الله، فإن قوله «بَل اللَّهَ فَاعْبُدْ) يفيد الحصر» وَكُنْ مِن الشَّاكِرِينَ «لإنعامه عليك بالهِدَايَةِ.

الزمر 39:66

قوله تعالى: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية تقدم الكلام على هذه الآية في الأنعام وأنها تدل على أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى، وقال الكعبي هنا: إن الله تعالى مدح نفسه بقوله: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح احتجاج المخالف به، وأيضاً فلفظة «كل» قد لا توجب العمم لقوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23] يريد كل شيء يحتاج الملك إليه أيضاً لو كانت أعمال العباد من خلق اله لما أضافها إليهم بقوله: ﴿كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: 109] ولما صح قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ [آل عمران: 78] وقال الجبائي الله خالق كل شيء سوى أفعال خلقه لله لما جاز ذلك فيها الأمر والنهي، واستحقوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقاً التي صح فيها الأمر والنهي، واستحقوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقاً لله لما جاز ذلك فيها كما لا يجوز في ألوانهم وصورهم، وقال أبو مسلم: الخلق هو التقدير لا الإيجاد، فإذا أخبر الله أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل فصح أن يقال: إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجود له، والجواب عن هذه الوجوه تقدم في سورة الأنعام، وأما قوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير مشارك، وهذا أيضاً يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن فعل العبد لو وقع بخلق العبد لكان الفعل غير موكول إلى الله تعالى فلم يكن الله وكيلاً عليه ينافي عموم الآية. قوله: ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض﴾ «له مقاليد» جملة مستأنفة، والمقاليد جمع مِقْلاَد أو مقْليد، ولا واحد له من لفظه كأساطير وإخوته، ويقال أيضاً إقليد وهي المفاتيح، والكلمة فارسية معربة. وفي هذا الكلام استعارة بديعة نحو قولك: بيد فلان مفتاح هذا الأمر، وليس ثم مفتاح، وإنما هو عبارة عن شدة تمكنه من ذلك الشيء. قال الزمخشري: قيل سأل عثمانُ رسولَ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن تفسير قوله: «له مقاليد السموات والأرض» فقال: يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك تفسيرها لا إله إلا الله، والله أكبر وسبحان الله وبحمده (و) أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وهو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحي ويميت وهو على كل شيء قدير. وقال قتادة ومقاتل: مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة، وقال الكلبي خزائن المطر والنبات. قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله أولئك هُمُ الخاسرون﴾ وهذا يقتضي أنه لا خاسر إلا الكافر وأن من لم يكن كافراً فإنه لا بد وأن يحصل له حظ من رحمة الله قال الزمخشري: فإن قلت: بِمَ اتصل قوله «والذين كفروا بآيات الله» بقوله «له مقاليد السموات والأرض» ؟ قلت: إنه اتصل بقوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا﴾ [الزمر: 16] أي ينجي الله المتقين بمفازتهم، والذين كفروا هم الخَاسِرون واعترض ما بينهما أنه خالق الأشياء كلها وأنه له مقاليد السموات والأرض. قال ابن الخطيب: وهذا عندي ضعيف من وجهين: الأول: أن قوع الفصل الكثير بين المعطوف عليه بعيد. الثاني: أن قوله: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا﴾ [الزمر: 61] وقوله: {والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون} جملة اسمية وعطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية لا يجوز. قال شهاب الدين: وهذا الاعتراض معترض إذ لا مانع من ذلك. ثم قال ابن الخطيب: بل الأقرب عند أن يقال: إنه لما وصف الله تعالى بصفات الإليهة والجلالة وهو كونه مالكاً لمقاليد السموات والأرض بأسرها قال بعده: «والذين كفروا بآيات الله» الظاهرة الباهرة هم الخاسرون. قوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: أن «غير» منصوب «بأعبد» و «أعبد» معمول «لتأمروني» على إضمار «أنْ» المصدرية، فلما حذفت بطل عملها وهو أحد الوجهين والأصل أفَتَأمُرُونِي بأن أعْبُدَ غير الله ثم قدم مفعول «أعبد» على «تأمروني» العامل في عامله، وقد ضعف بعضهم هذا بأنه يلزم منه تقديم معمول الصلة على الموصول، وذلك أن «غير» منصوب «بأعبد» و «أعبد» صلة «لأن» وهذا لايجوز. وهذا الرد ليس بشيء لأن الموصول لما حذف لم يراع حكمه فيما ذكر بل إنما يراعى معناه لتصحيح الكلام. قال أبو البقاء: لو حكمناه بذلك لأفضى إلى حذف الموصول وإبقاء صلته وذلك لا يجوز إلاَّ في ضروة شعر. وهذا الذي ذكر فيه نَظَرٌ من حيث إنَّ هذا مختصٌّ «بأَنْ» دون سائر الموصولات وهو أنها تحذف ويبقى صلتها وهو منقاس عند البصريين في مواضع تحذف ويبقى علمها وفي غيرها إذا حذفت لا يبقى علمها إلى في ضرورة أو قليل، وينشد بالوجهين (قوله) : 4310 - أَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِري أَحْضُرُ الوَعَى ... وأَنْ أَشْهَدَ اللذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي ويدل على إرادة «أن» في الأصل قراءة بعضهم: «أَعْبُدَ» بنصب الفعل اعتداداً بأن. الثاني: أن «غَيْر» منصوب «بتَأْمُرُونيِّ» و «أَعْبُد» بدل منه بدل اشتمال، و «أَنْ» مضمرة معه أيضاً. والتقدير: أفغَيْر اللَّه تأمرونِّي في عبادته، والمعنى: أفتأمرون بعبادة غير الله. الثالث: أنها منصوبة بفعل مقدر (تقديره) فتُلْزِمُوني غير الله أي عبادة غير الله، وقدره الزمخشري تعبدون (ي) وتقولون لي أعبده، والأصل: تأمُرُونَيي أن أعبد (فحذفت) أن، ورفع الفعل، ألا ترى أنك تقول: أفغير الله تَقُولُون لي أعْبُدُهُ، وأفغير الله تقولون لي أعبد، فكذلك، أفغير الله تقولون لي أن أعبُدَهُ، وأفغير الله تَأمُرُونِّي أَنْ أَعْبُدَ. والدليل على صحة هذا الوجه قراءة من قرأ «أَعْبُدَ» بالنصب، وأما «أعبد» ففيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه مع «أن» المضمرة في محصل نصب على البدل من «إير، وقد تقدم. الثاني: أنه في محل نصب على الحال. الثالث: أنه لا محل له ألتة. قوله: ﴿تأمرونيا﴾ قرأ الجمهور» تَأمُرونِّي «بإدغام نون الرفع في نون الوقاية، وفتح الياءَ ابن كثير، وأرسلها الباقون، وقرأ نافع» تأمُرُونِيَ «بنون خفيفة وفتح الياء وابنُ عامر تأمرونَنِي بالفك وسكون الياء، وقد تقدم في سورة الأنعام، والحِجْر، وغيرهما أنه متى اجتمع نون الرفع مع نون الوقاية جاز ذلك أوجه وتقدم تحقيق الخلاف في أيتهما المحذوفة. قال مقاتل: وذلك حين قاله له المشركون: دَعْ دينك واتبع دين آبائك ونؤمن بإلَهك، ونظير هذه الآية: ﴿قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ [الأنعام: 14] وتقدم في تلك الآية وجه الحكمة في تقدم المفعول ووصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقاً للأشياء كلها وبكونه له مقاليد السموات والأرض وكون هذه الأصنام جمادات لا تَضُرُّ ولا تنفع فمن أعْرَض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات المقدسة الشريقة واشتغل بعبادة الأصنام الخَسيسَة فقد بلغ في الجهل مبلغاً لا مزيدة عليه، فلهذا قال: ﴿أَيُّهَا الجاهلون﴾ . قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الذي عملت قبل الشرك، واعلم أن الظاهر (أن) قوله» لَئِنْ أَشْرَكْتَ «هذه الجملة هي القائمة مقام الفاعل لأنها هي الموحاة وأصول البصريين تأبى ذلك، ويقدرون أن القائم مقامه ضمير المصدرلأن الجملة لا تكون فاعلاً عندهم والقائم هنا مقام الفاعل الجار والمجرور وهو» إليكَ «وقرئ ليُحْبِطنَّ - بضم الياء وكسر الباء - أي الله ولنُحْبطَنًَّ بنون العظمة (وليُحْبَطَنّ) على البناء للمفعول و» عملك» مفعول به على القراءتين الأوليين ومرفوع على الثالثة لقيامه مقام الفاعل. قال ابن الخطيب: واللام الأولى موطئة للقسم المحذوف والثانية لام الجواب. فإن قيل: كيف أوحي إليه وإلى من قبله حال شركه على التعيين؟ . فالجواب: تقرير الآية أوحي إليك لئن أشركت ليحبطن عملك وإلى الذين من قبلك مثله أي أوحي (إليك) وإلى كل أحد منهم لئن أشركت كما تقول: كَسَانَا حُلّة: أي كل واحد منا. فإن قيل: كيف صَحَّ هذا الكلام مع علم الله تعالى أن رسله لا يشركون ولا يحبط أعمالهم. فالجواب: أن قوله: «لَئن أشركت ليحبطن عملك» قضية شرطية والقضية الشرطية لا يلزم (من) صدقها صدق جزئيها ألا ترى قولك: لَوْ كَانت الخَمْسة زوجاً لكانت منقسمة بمتساويين قضية صادقة مع أن كل واحد مِنْ جزئيتها غير صادق. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] . ولم ييلزم من هذا صدق القول بأن فيهما آلهة وأنهما قد فسدتا، قال المفسرون: هذا خطاب مع الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمراد منه غيره، وقيل: هذا أدب من الله لنبيه وتهديده لغيره، لأن الله تعالى - عَزَّ وَجَلَّ - عصمه من الشركن وقوله: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾ قال ابن الخطيب: كما أن طاعات الأنبياء والرسل أفضل من طاعات غيرهم فكذلك القبائح التي تصدر عنهم فإنها بتقدير الصدور تكون أقبح لقوله تعالى: ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات﴾ [الإسراء: 75] فكان المعنى أن الشرك الحاصل منه بتقدير حصوله منه يكون تأثيره في غضب الله تعالى أقوى وأعظم. قوله: ﴿بَلِ الله فاعبد﴾ الجلالة منصوبة ب «اعْبُدْ» وتقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة، وجعله الزمخشري جواب شرط مقدر أي إن كنت عاقلاً فاعْبُدٍ اللَّهِ، فحذف الشرط، وجعل تقديم المفعول عوضاً لجمع بين العِوَض والمُعَوَّض عنه وقرأ عيسى بَل اللَّهُ - رفعاً - على الابتداء، والعائد محذوف أي فَاعْبُدْهُ. فصل لما قال الله تعالى: «قل أفغير الله تأمروني أعبد» يفيد أنهم أمروه بعبادة غيرالله فقال الله تعالى له لا تعبد إلا الله، فإن قوله «بَل اللَّهَ فَاعْبُدْ) يفيد الحصر» وَكُنْ مِن الشَّاكِرِينَ «لإنعامه عليك بالهِدَايَةِ.

الزمر 39:67

قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى قَدَّرُوا بتشديد الدال حَقَّ قَدْرِهِ بفتح الدال، وافقهم الأعمش على فتح الدال من «قَدَرِهِ» والمعنى وما عظمه حق عظمته حين أشركوا به غيره. قوله: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال أي ما عظموه حق تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] أي (كيف) تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا و «جميعاً» حال وهي دالة على أن المراد بالأرض الأرضون فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع قال ابن الخطيب: ونظيره قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: 93] وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النور: 31] وقوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] ولأن الموضع موضع تفخيم ولعطف الجمع عليها (والعامل) في هذه الحال ما دل عليه «قَبْضَتُهُ» ، (ولا يجوز أن يعمل فيها «قَبْضَتُهُ» ) سواء جعلته مصدراً؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله أم مراداً به المقدار قال الزمخشري: ومع القصد إلى الجمع «يعني في الأرض» فإنه أريدَ به الجمع وتأكيده بالجميع أتبع الجميع مؤكده قبل مجيء الخبر ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة ولكن عن الأرض كلها. وقال أبو البقاء: و «جَمِيعاً» حال من الأرض، والتقدير: إذا كانت مجتمعةً قَبْضتُهُ أي مقبوضةً، فالعامل في «إذا» المصدر، لأنه بمعنى المفعول، وقال أبو علي في الحدة: التقدير: «ذَاتُ قَبْضَتِهِ» وقد رد عليه ذلك بأن المضاف إلَيْه لا يعْمَلُ فيما قبله، وهذا لا يصحُّ لن الآن غير مضاف إليه، وبعد حذف المضاف لا يبقى حكمه انتهى وهو كلام فيه إشكال؛ إذ لا حاجة إلى تقدير العامل في «إِذ» التي لم يلفظ بها. وقوله: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ إنْ قَدَّرْنَا مضافاً - كما قال الفارسيُّ أي ذاتُ قبضته - لم يكن فيه وقوع المصدر موقع «مفعول» وإن لم يُقَدَّر ذلك احتمل أن يكون المصدر واقعاً موقعه، وحينئذ يقال: كيف أنّث المصدر الواقع موقع مفعول وهو غير جائز؟! لا يقال: حُلّة نَسْجَةُ اليَمَن بل نَسْجُ اليَمن أي مَنْسُوجُه. والجواب: أن الممتنع دخول التاء الدال على التحديد وهذه المجرد التأنيث. كذا أجيب. وليس بذاك فإن المعنى على التحديد لأنه أبلغ في القدرة، واحتمل أن يكون أريد بالمصدر مقدار (ذلك) (التحديد) . والقَبْضَةُ - بالفتح - المَرَّة، وبالضم اسم المقبوض كالغُرْفَة والغَرْفَة، قال تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾ [طه: 96] . والعامة على رفع «قبضته» والحسن ينصبها وخرَّجها ابن خالويه وجماعة على النصب على الظرفية أي « (في) قَبْضَتِهِ» . ورد هذا بأنه ظرف مختص فلا بد من وجود «في» وهذا هو رأي البصريين، وأما الكوفيون فهو جائز عندهم إذ يجيزون: زَيْدٌ دَارَك - بالنصب - أي في دَارك، وقال الزمخشري: جعلها ظرفاً تشبيهاً للمؤقت بالمبهم، فوافق الكوفيِّين. قوله: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ العامة على رفع «مَطْوِيَّات» خبراً، و «بِيَميِنِهِ» فيه أوجه: أحدهما: أنه متعلق «بمطويات» . الثاني: أنه حال من الضمير في «مَطْوِيَّاتٍ» . الثالث: أنه خبر ثان، وعيسى والجحْدري نصباها حالاً واستدل بها الأخفش على جواز تقديم الحال إذا كان العامل فيها حرف جر نحو: زَيْدٌ قائِمٌ في الدار وهذه لا حجة فيها لإمكان تخريجها على وجهين: أظهرهما: أن يكون «السموات» نسقاً على الأرض ويكون قد أخبر عن الأرضين والسموات بأن الجميع قبضته ويكون «مطويات» حالاً من السموات، كما كان جميعاً حالاً من الأرض و «بيمينه» متعلق «بمِطْوِيَاتٍ» . والثاني: أن يكون «مطويات» منصوباً بفعل مقدر و «بِيَمِيِنِهِ» الخبر، و «مَطْوِيَّات» وعالمه جملة معترضة وهو ضعيف. (فصل لما حكمى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد سواه بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له في العبودية فقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظموا الله حقَّ عظمته فقال: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وروى البخاري أن حَبْراً من الأحْبَار أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبح والماء والثرى على أصبح وسائر الخالق على أصبع، ويقول: أنا الملك فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حتى بدت نَوَاجِذُهُ تصديقاً لقوله الحَبْر ثم قرأ: «وَمَا قَدَرُوا اله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» وروى مسلم قال: والجبالُ والشجرُ على إصبح وقال: ثم يهزّهُنَّ فيقول: أنا المَلِكُ أنَا الله وروى شبيةُ عن ابن أبي شَيْبَىَ بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «يَطْوِي الله السَّمَوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى ثم يقال: أَنَا المَلِكُ أيْنَ الجَبَّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُون» ولما بين سبحانه وتعالى عظمته قال: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . فصل قال ابن الخطيب: وههنا سؤالات: الأول: أن العرض أعظم من السموات السبع، والأرضين السبع، ثم إنه تعالى قال في صفة العرش: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 17] فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين للعرش العظيم فيكف يجوز تقرير عظمته الله عَزَّ وَجَلَّ بكونه حاملاً للسموات والأرض؟! السؤال الثاني: قوله تعالى: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ شرح حالاً لا يحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم مقرون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم وإن كان الخطاب مع المكذبين في النبوة فهم ينكرون قوله: «والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟ . السؤال الثالث: حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدر الله تعالى فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ . والجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على حفظ هذه الأجسام العظيمة كما أن حفضَها وإمساكها يوم القيامة عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكون قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. والجواب: عن الثاني: أن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأَرَضِين من وجوه العِمَارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإبقائها يوم القيامة وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضاً على كونه قادراً غنياً على الإطلاق فإنه يدل على أنه حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض صغيرة، وذلك يدل على كمال الاستغناء. والجواب: عن الثالث: أنه إنما خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا والله أعلم. قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ العامة على سكون الواو، وزيد بن علي وقتادة بفتحها جمع «صُورَة» وهذه ترد قول ابن عطية أن الصور هنا يتعين أن يكون القرن، ولا يجوز أن يكون جمع صورة وقرئ: فصعق - مبنياً للمفعول - وهو مأخوذ من قوله: «صَعَقَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، يال: صَعَقَةُ الله فَصُعِقَ. قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ (استثناء) متصل، والمستثنى إما جبريل وميكائيل وإسرافيل: وإما رِضْوَان والحور والزبانية، وإما البارئ تعالى، قاله الحسن وفيه نظر من حيث قوله ﴿مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ فإنه لا يتحيز فعلى هذا يتعين أن يكون منقطعاً. قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى﴾ يجوز أن يكون» أخرى «هي القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخ فيه نفخة أخرى ويؤيده التصريح بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: 13] فصرح بإقامة المصدر ويجوزُ أن يكون القائم مقامه الجارّ، و» أُخْرَى» منصوبة على ما تقدم. قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ العامة على رفع» قيام «خبراً، وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ نصبه حالاً، وفيه حنيئذ أوجه: أحدهما: أن الخبر» ينظرون «وهو العامل في هذه الحال أي فإذا هُمْ يَنْظُرُونَ قِيَاماً. والثاني: أن العامل في الحال ما عمل في» إذا» الفجائية إذا كانت ظرفاً. فإن كانت مكانية - كما قال سيبويه - فالتقدير فبِالحَضْرة هُمْ قياماً، وإن كان زمانية كقول الرّمَّانِي فتقديره: فَفِي ذلكَ الزمان هُمْ قياماً أي وجودهم، وإنما احتيجَ إلى تقدير مضاف في هذا الوجه لأنه لا يخبر بالزمان عن الجُثث. الثالث: أن الخبر محذوف هو العامل في الحال أي فإذا هم مبعوثُون أو مجموعون قياماً، وإذا جعلنا الفجائية حرفاً كقول بعضهم فالعامل في الحال إما «ينظرون» ، وإمّا الخبر المقدر كما تقدم تحقيقهما. فصل لما ذكر كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضاً على كمال عظمته وهو شرح مقدمات يوم القيامة، لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ الآية. اختلفوا في الصعقة فقيل: إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى - عليه (الصلاة و) السلام) -: ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: 143] وهو لم يمت فهذه النفخة تورث الفزغ الشديد وعلى هذا فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد وهو المذكور في سورة النمل في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله} [النمل: 87] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين. وقيل: الصعقة عبارة عن الموت، والقائلون بهذا قالوا: المراد بالفزع أي كادوا يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدري فالنخة الصعق، والثالثة نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة، وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ قال ابن عباس: نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل: وَيبْقَى جبريل وملك الموت، ثم يموت عزرائيل ثم يموت ملك الموت، وقيل: المستثنى هم الشهداء لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] وروى أبو هريرة عن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «هُمُ الشَّهَدَاءُ مُتَقَلِّدُونَ أسْيَافَهُمْ حَوْلَ العَرْشِ» وقال جابر: هو موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنه صُعِقَ، ولا يصعق. وقيل: هم الحور العين وسكان العرش والكرسي، وقال قتادة: الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم. ثم قال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولة لأن لفظة «ثم» للتراخي. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْن أربعون» ، قالوا: أرْبَعون يَوْماً قال: أبَيْتُ قالوا: أربعون شهراً قال: أبيت قالوا أربعون سنةً، قال: أبيت قال: ثم ينزل الله من السماء ماءً فتَنْبتُونَ كما ينبت البَقْلُ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظمٌ واحد وهو عَجبُ الذَّنَب، وفيه يركب الخلق يوم القيامة» . وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ يعني أن قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله: «فإذا هم» يدلّ على التعقيب، وقوله «يَنْظُرون» أي يقبلون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم، وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لأجل استيلاء الحَيْرة والدهشة عليهم. قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرض﴾ العامة على بنائه للفاعل، وابن عباس وأبو الجَوْزاء. وعُبَيدُ بنُ عُمَير، عل بنائه للمفعول وهو منقول بالهمزة من شَرقَتْ إذا طلعت، وليس من أشْرقَتْ بمعنى أضاءت لأن ذلك لازمٌ وجعله ابن عطيّة مثل رَجَعَ ورجَعْتُهُ، وَوَقَفَ وَوَقَفْتُهُ فيكون أشرق لازماً ومتعدياً. فصل هذه الأرض عَرْصة القيامة وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] وقوله: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي خالقها يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، وقال الحسن والسدي: بنور ربها أي بعدل ربها قال عليه (الصلاة و) السلام: «إنَّكُمْ سَتَروْنَ رَبَّكُمْ» وقال: «كما لا تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس في اليَوْم الصَّحْو» وقوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ أي كتاب الأعمال لقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: 13] وقوله: ﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. وقوله: ﴿وَجِيءَ بالنبيين والشهدآء﴾ قال ابن عباس: يعين الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال عطاء ومقاتل: يعني الحَفَظَة لقوله تعالى: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21] وقي: أراد بالشهداء: المستشهدون في سبيل الله. ثم قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ أي بالعدل ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي يُزادون في سيئاتهم ولا يُنْقَصُ من حسناتهم «ووفِّيت كُلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ» أن ثُوَابَ مَا عَمِلْتْ: واعلم أنه تعالى لما بين أنه يوصل إلى كل أحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات: أولها: قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ . وثانيها: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ . واربعها: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ يعني أنه (إن) لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي (إلا) بالحق لأجل عدم العلم أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ عليه، والمقصود من الآية المبالغة في تَقْرير أن كل مؤمن فإنه يصل إلى حقه، قال عطاء يريد أنّي عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا شاهد. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ لما شرح أحوال أهل القيامة على سبل الإجمال وقال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ بين بعده كيفية أحوال العقاب ثم كيفية أحوال الثواب، فأما شرحُ أحوال العقاب فهو هذه الآية وهذا السَّوْق يكون بالعُنُق والدفع بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: 13] أي يدفعون دفعاص، وقوله: ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: 86] . قوله: ﴿زُمَراً﴾ و «زُمَرٌ» جمع «زُمْرة» وهي الجماعات في تفرقة بعضها في إثر بعض، و «تَزَمَّرُوا» تجمعوا قال: 4311 - حَتَّى احْزَأَلَّتْ زمُرٌ بَعْدَ زُمَرْ ... هذا قول أبي عبيد (ة) والأخفش، وقال الراغب: الزُّمْرة الجماعة القليلة، ومنه شاة زمرة أي قليلة الشعر، ورجل زَمِرٌ أي قليل المروءة، وزَمَرَت النَّعَامَةُ تَزْمُر زَمَاراً ومنه اشتق الزّمر. والزَّمَّارة كناية عن الفاجرة. قوله: ﴿حتى إِذَا﴾ تقدم الكلام في «حتى» الداخلة على «إذا» مِرَاراً، وجواب «إذا» قوله: فتحت. وتقدم خلاف القراء في التشديد والتخفيف في سورة الأنعام. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ قرأ ابن هُرْمز أَلَمْ تَأْتِكُمْ بتاء التأنيث لتأنيث الجمع، و «مِنْكُمْ» صفة «الرسل» أو متعلق بالإتْيان و «يَتْلُونَ» صفة أُخْرى، و «خَالِدينَ» في الموضعين حال مقدرة. فصل بين تعالى أنهم يُسَاقُون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابُها، وهذا يدل على أن أبواب جهنم تكون مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنةُ جهنم: ألم يأتكم رسل منكم أي من جنسكم يتلون عليكم آياتِ ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا. فإن قيل: لِمَ أضيفَ اليوم إليهم؟ . فالجواب: أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة واستعمال لفظ اليوم (إليهم) والأيام في أقوات الشدة مستفيض فعند هذا تقول الكفار «بَلَى» أتونا وتَلَوْا علينا «وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرينَ» أي وجبت كلمة العذاب على الكافرين وهي قوله عزو وجل: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13] وهذا صريح في أن السعيد (لا ينقلب) شقياً والشقي لا ينقلب سعيداً، ودلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا أنهم ما بقي لهم عُذرٌ ولا علة بعد مجيء الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -، (ولو) لم يكن مجيء الأنبياء شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدةٌ. ثم إنَّ إذا سَمِعُوا منهم هذا الكلام قالوا: لهم ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبرينَ. (قال المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنهم حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ فائدة، وأجيبوا بأن (هذا) الكلام إنما يبقى مفيداً إذا قلنا: إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ولم يلتفتوا إلى دلائلهم، وذلك يدل على صحة قولنا. والله أعلمْ. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً﴾ . فإن قِيلَ: السَّوْقُ في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يُسَاقُوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأيُّ حادة فيه إلى السَّوْق؟! . فالجواب: من وجوه: الأول: أن لامحبة ولاصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: 67] فإذا قيل لواحد منهم: اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها إلا مع أحبَّائِي وأصدقائي فيتأخرونَ لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السَّوق إلى الجنة. والثاني: أن المتقين قد عبدوا الله لا للجنة ولا للنار فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال مانِعاً لهم من الرغبة في الجنة فلا جَرَمَ يحتاجون إلى أن يُسَاقُوا إلى الجنة. والثالث: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «أكثر أهل الجنة البُلْهُ» فلهذا السبب يساقون إلى الجنة. الرابع: أن أهل النار وأهلا لجنة يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهَوَان والشدّة كما يفعل بالأسير الذي يساق إلى الحبس والقتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يُذْهب بهم إلا رَاكِبينَ، والمراد بذلك لاسوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرّضوان كما يفعل بمن يكرم من الوافدين إلى الملوك فشتان ما بين السَّوْقَتْينِ. قوله: «حتى إذا جاءوها وَفُتِحَتْ» في جواب «إذا» ثلاثة أوجه: أحدهما: قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش وإنّما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجن تكون مغلقةً إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فيفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتحت انتظاراً لمن يدخلها فعلى ذلك أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على دخولهم إليها كما قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب﴾ [ص: 50] فلذلك جيء بالواو فكأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقود فتحت أبوابها. والثاني: أن الجواب قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ على زيادة الواو أيضاً أي حتى إذا جاءوها قال لهم خزنتها. والثالث: أن الجواب محذوف قال الزمخشري: وحقه أن يقدر بعدك «خَالِدين» انتهى يعين لأنه يجيء بعد متعلقات الشرط وما عطف عليه، والتقدير: اطْمَأَنُوا وقدره المبرد: سُعِدُوا، وعلى هذين الوجهين فتكون الجملة من قوله: «وَفُتِحَتْ» في محل نصب على الحال. وق البغوي: قال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف تقديره: حَتَّى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادْخُلُوها خالدين «دخلوها» . فحذف «دَخَلُوهَا» لدلالة لاكلام عليه، وسمى بعضهم الواو في قوله «وفتحت» واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] وقيل: تقديره: حتى إذا جاءوها (جاءوها) فوتحت أبوابها يعني أن الجواب بلفظ الشرط، ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صَحَّ. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها﴾ يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليم ويقولون: طبتم قال ابن عباس: طاب لكم المقام. وقال قتادة: إنهم إذا قطعوا النار حُبسُوا على قَنْطَرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعد حتى إذا هذبوا وطيبوا أُدْخِلُوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه: سَلاَمٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروي عن علي قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرةً يخرج من تحت ساقها عَيْنَانِ فيغتسل المؤمن من إِحْدَايْهِما فيطهر ظاهره ويشرب منه الأخرى فيطهر باطنه وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ» فعند ذلك يقول المتقون: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض أي أرض الجنة وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾ [الأنبياء: 105] . قوله: «نَتَبَوَّأُ» جملة حالية و «حَيْثُ» مفعلو به، ويجوز أن تكون ظرفاً على بابها، وهو الظاهر، قال ابن الخطيب: إنما عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجوه: الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم - عليه (الصلاة و) السلام - لأنه تعالى قال: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سبباً للإرث. الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا الذي أورث كذا وهذا العمل أورث كذا. فلما كانت طاعاتهم قد أفادتهم الجنة لا جَرَمَ قالوا: وأورثنا الأرض، والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أَوْبَثتِ الجَنَّةَ. الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كيف يشاء من غير منازع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة حين شاءوا وأرادوا. فإن قيل: هل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ . فالجواب: يكون الكل واحد منهم جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره. ثم قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي ثواب المطيعين، قال مقاتل: هذا ليس من كلام أهل الجنة بل الله تعالى لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ . قوله: ﴿وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ حَافّين جمع حَافِّ: وهو المحدق بالشيء من حَفَتْتُ بالشيء إذا أحَطْتَ به، قال: 4312 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نيقٍ وَيُتْبِعُهُ ... مِثْلَ الزّجَاجَةِ لَمْ تَكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ وهو مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب قال: 4313 - لَهُ لَحَظَاتٌ عَنْ جَفَافَيْ سَرِيرِهِ ... إِذَا كَرَّهَا فِيهَا عِقَابٌ وَنَائِلُ وقال الفراء - وبتعه الزمخشري - ولا واحِدَ لحافّين وكأنهما رأيا أن الواحد لا يكون «حَافًّا» إذ الحفوف هوا لإحداق بالشيء والإحاطة به وهذا لا يتحقق إلا في جمع. فصل لما ذكر صفة (الثواب) البشر ذكر عقيبه ثواب الملائكة فكما دارُ ثواب المتقين هو الجنة فكذلك دارُ ثواب الملائكة جوانب العرش فقال: ﴿حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ أي محدقين محيطين بالعرش بحافيه أي جوانبه، قال الليث حَفَّ القَوْمُ بسَيِّدِهِمْ يَحُفُّونَ حَفًّا إِذَا طافوا به. قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ﴾ في «من» وجهان: أحدهما: وهو قول الأخفش: أنها مزيدة. والثاني: أنها للابتداء. وقوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ «يسبحون» حال من الضمير في «حافين» ، قيل هذا تسبيح لتذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وهذا يشعر بأن ثوابهم هو عَين ذلك التسبيح. قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق﴾ هذا الضمير إما للملائكة، وإما للعباد (ة) وَقِيلَ: قضى بين أهل الجنة والنار بالعدل ﴿وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ وقيل: إن الملائكة لما قضى بينهم (بالحق) قالوا: الحمد لله رب العالمين على قضائه بيننا بالحق. روى أبو أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وشرف كرم وبجل ومجد وعظم) : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّمَر لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ رَجَاءَهُ وَأعْطَاهُ ثَوَابَ الخَائِفينَ» وعن عاشئة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالت: «كان رسول اله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقْرَأُ كُلَّ ليلة بني إِسْرَائِيلَ والزُّمَر» . رواهما الثعلبي في تفسيره. والله (تعالى) أعلم. (رب يسر برحمتك يا كريم وأغن يا رحيم) بسم الله الرحمن الرحيم سورة غافر

الزمر 39:68

قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى قَدَّرُوا بتشديد الدال حَقَّ قَدْرِهِ بفتح الدال، وافقهم الأعمش على فتح الدال من «قَدَرِهِ» والمعنى وما عظمه حق عظمته حين أشركوا به غيره. قوله: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال أي ما عظموه حق تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] أي (كيف) تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا و «جميعاً» حال وهي دالة على أن المراد بالأرض الأرضون فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع قال ابن الخطيب: ونظيره قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: 93] وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النور: 31] وقوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] ولأن الموضع موضع تفخيم ولعطف الجمع عليها (والعامل) في هذه الحال ما دل عليه «قَبْضَتُهُ» ، (ولا يجوز أن يعمل فيها «قَبْضَتُهُ» ) سواء جعلته مصدراً؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله أم مراداً به المقدار قال الزمخشري: ومع القصد إلى الجمع «يعني في الأرض» فإنه أريدَ به الجمع وتأكيده بالجميع أتبع الجميع مؤكده قبل مجيء الخبر ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة ولكن عن الأرض كلها. وقال أبو البقاء: و «جَمِيعاً» حال من الأرض، والتقدير: إذا كانت مجتمعةً قَبْضتُهُ أي مقبوضةً، فالعامل في «إذا» المصدر، لأنه بمعنى المفعول، وقال أبو علي في الحدة: التقدير: «ذَاتُ قَبْضَتِهِ» وقد رد عليه ذلك بأن المضاف إلَيْه لا يعْمَلُ فيما قبله، وهذا لا يصحُّ لن الآن غير مضاف إليه، وبعد حذف المضاف لا يبقى حكمه انتهى وهو كلام فيه إشكال؛ إذ لا حاجة إلى تقدير العامل في «إِذ» التي لم يلفظ بها. وقوله: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ إنْ قَدَّرْنَا مضافاً - كما قال الفارسيُّ أي ذاتُ قبضته - لم يكن فيه وقوع المصدر موقع «مفعول» وإن لم يُقَدَّر ذلك احتمل أن يكون المصدر واقعاً موقعه، وحينئذ يقال: كيف أنّث المصدر الواقع موقع مفعول وهو غير جائز؟! لا يقال: حُلّة نَسْجَةُ اليَمَن بل نَسْجُ اليَمن أي مَنْسُوجُه. والجواب: أن الممتنع دخول التاء الدال على التحديد وهذه المجرد التأنيث. كذا أجيب. وليس بذاك فإن المعنى على التحديد لأنه أبلغ في القدرة، واحتمل أن يكون أريد بالمصدر مقدار (ذلك) (التحديد) . والقَبْضَةُ - بالفتح - المَرَّة، وبالضم اسم المقبوض كالغُرْفَة والغَرْفَة، قال تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾ [طه: 96] . والعامة على رفع «قبضته» والحسن ينصبها وخرَّجها ابن خالويه وجماعة على النصب على الظرفية أي « (في) قَبْضَتِهِ» . ورد هذا بأنه ظرف مختص فلا بد من وجود «في» وهذا هو رأي البصريين، وأما الكوفيون فهو جائز عندهم إذ يجيزون: زَيْدٌ دَارَك - بالنصب - أي في دَارك، وقال الزمخشري: جعلها ظرفاً تشبيهاً للمؤقت بالمبهم، فوافق الكوفيِّين. قوله: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ العامة على رفع «مَطْوِيَّات» خبراً، و «بِيَميِنِهِ» فيه أوجه: أحدهما: أنه متعلق «بمطويات» . الثاني: أنه حال من الضمير في «مَطْوِيَّاتٍ» . الثالث: أنه خبر ثان، وعيسى والجحْدري نصباها حالاً واستدل بها الأخفش على جواز تقديم الحال إذا كان العامل فيها حرف جر نحو: زَيْدٌ قائِمٌ في الدار وهذه لا حجة فيها لإمكان تخريجها على وجهين: أظهرهما: أن يكون «السموات» نسقاً على الأرض ويكون قد أخبر عن الأرضين والسموات بأن الجميع قبضته ويكون «مطويات» حالاً من السموات، كما كان جميعاً حالاً من الأرض و «بيمينه» متعلق «بمِطْوِيَاتٍ» . والثاني: أن يكون «مطويات» منصوباً بفعل مقدر و «بِيَمِيِنِهِ» الخبر، و «مَطْوِيَّات» وعالمه جملة معترضة وهو ضعيف. (فصل لما حكمى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد سواه بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له في العبودية فقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظموا الله حقَّ عظمته فقال: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وروى البخاري أن حَبْراً من الأحْبَار أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبح والماء والثرى على أصبح وسائر الخالق على أصبع، ويقول: أنا الملك فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حتى بدت نَوَاجِذُهُ تصديقاً لقوله الحَبْر ثم قرأ: «وَمَا قَدَرُوا اله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» وروى مسلم قال: والجبالُ والشجرُ على إصبح وقال: ثم يهزّهُنَّ فيقول: أنا المَلِكُ أنَا الله وروى شبيةُ عن ابن أبي شَيْبَىَ بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «يَطْوِي الله السَّمَوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى ثم يقال: أَنَا المَلِكُ أيْنَ الجَبَّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُون» ولما بين سبحانه وتعالى عظمته قال: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . فصل قال ابن الخطيب: وههنا سؤالات: الأول: أن العرض أعظم من السموات السبع، والأرضين السبع، ثم إنه تعالى قال في صفة العرش: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 17] فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين للعرش العظيم فيكف يجوز تقرير عظمته الله عَزَّ وَجَلَّ بكونه حاملاً للسموات والأرض؟! السؤال الثاني: قوله تعالى: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ شرح حالاً لا يحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم مقرون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم وإن كان الخطاب مع المكذبين في النبوة فهم ينكرون قوله: «والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟ . السؤال الثالث: حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدر الله تعالى فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ . والجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على حفظ هذه الأجسام العظيمة كما أن حفضَها وإمساكها يوم القيامة عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكون قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. والجواب: عن الثاني: أن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأَرَضِين من وجوه العِمَارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإبقائها يوم القيامة وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضاً على كونه قادراً غنياً على الإطلاق فإنه يدل على أنه حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض صغيرة، وذلك يدل على كمال الاستغناء. والجواب: عن الثالث: أنه إنما خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا والله أعلم. قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ العامة على سكون الواو، وزيد بن علي وقتادة بفتحها جمع «صُورَة» وهذه ترد قول ابن عطية أن الصور هنا يتعين أن يكون القرن، ولا يجوز أن يكون جمع صورة وقرئ: فصعق - مبنياً للمفعول - وهو مأخوذ من قوله: «صَعَقَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، يال: صَعَقَةُ الله فَصُعِقَ. قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ (استثناء) متصل، والمستثنى إما جبريل وميكائيل وإسرافيل: وإما رِضْوَان والحور والزبانية، وإما البارئ تعالى، قاله الحسن وفيه نظر من حيث قوله ﴿مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ فإنه لا يتحيز فعلى هذا يتعين أن يكون منقطعاً. قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى﴾ يجوز أن يكون» أخرى «هي القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخ فيه نفخة أخرى ويؤيده التصريح بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: 13] فصرح بإقامة المصدر ويجوزُ أن يكون القائم مقامه الجارّ، و» أُخْرَى» منصوبة على ما تقدم. قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ العامة على رفع» قيام «خبراً، وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ نصبه حالاً، وفيه حنيئذ أوجه: أحدهما: أن الخبر» ينظرون «وهو العامل في هذه الحال أي فإذا هُمْ يَنْظُرُونَ قِيَاماً. والثاني: أن العامل في الحال ما عمل في» إذا» الفجائية إذا كانت ظرفاً. فإن كانت مكانية - كما قال سيبويه - فالتقدير فبِالحَضْرة هُمْ قياماً، وإن كان زمانية كقول الرّمَّانِي فتقديره: فَفِي ذلكَ الزمان هُمْ قياماً أي وجودهم، وإنما احتيجَ إلى تقدير مضاف في هذا الوجه لأنه لا يخبر بالزمان عن الجُثث. الثالث: أن الخبر محذوف هو العامل في الحال أي فإذا هم مبعوثُون أو مجموعون قياماً، وإذا جعلنا الفجائية حرفاً كقول بعضهم فالعامل في الحال إما «ينظرون» ، وإمّا الخبر المقدر كما تقدم تحقيقهما. فصل لما ذكر كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضاً على كمال عظمته وهو شرح مقدمات يوم القيامة، لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ الآية. اختلفوا في الصعقة فقيل: إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى - عليه (الصلاة و) السلام) -: ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: 143] وهو لم يمت فهذه النفخة تورث الفزغ الشديد وعلى هذا فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد وهو المذكور في سورة النمل في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله} [النمل: 87] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين. وقيل: الصعقة عبارة عن الموت، والقائلون بهذا قالوا: المراد بالفزع أي كادوا يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدري فالنخة الصعق، والثالثة نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة، وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ قال ابن عباس: نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل: وَيبْقَى جبريل وملك الموت، ثم يموت عزرائيل ثم يموت ملك الموت، وقيل: المستثنى هم الشهداء لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] وروى أبو هريرة عن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «هُمُ الشَّهَدَاءُ مُتَقَلِّدُونَ أسْيَافَهُمْ حَوْلَ العَرْشِ» وقال جابر: هو موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنه صُعِقَ، ولا يصعق. وقيل: هم الحور العين وسكان العرش والكرسي، وقال قتادة: الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم. ثم قال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولة لأن لفظة «ثم» للتراخي. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْن أربعون» ، قالوا: أرْبَعون يَوْماً قال: أبَيْتُ قالوا: أربعون شهراً قال: أبيت قالوا أربعون سنةً، قال: أبيت قال: ثم ينزل الله من السماء ماءً فتَنْبتُونَ كما ينبت البَقْلُ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظمٌ واحد وهو عَجبُ الذَّنَب، وفيه يركب الخلق يوم القيامة» . وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ يعني أن قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله: «فإذا هم» يدلّ على التعقيب، وقوله «يَنْظُرون» أي يقبلون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم، وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لأجل استيلاء الحَيْرة والدهشة عليهم. قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرض﴾ العامة على بنائه للفاعل، وابن عباس وأبو الجَوْزاء. وعُبَيدُ بنُ عُمَير، عل بنائه للمفعول وهو منقول بالهمزة من شَرقَتْ إذا طلعت، وليس من أشْرقَتْ بمعنى أضاءت لأن ذلك لازمٌ وجعله ابن عطيّة مثل رَجَعَ ورجَعْتُهُ، وَوَقَفَ وَوَقَفْتُهُ فيكون أشرق لازماً ومتعدياً. فصل هذه الأرض عَرْصة القيامة وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] وقوله: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي خالقها يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، وقال الحسن والسدي: بنور ربها أي بعدل ربها قال عليه (الصلاة و) السلام: «إنَّكُمْ سَتَروْنَ رَبَّكُمْ» وقال: «كما لا تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس في اليَوْم الصَّحْو» وقوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ أي كتاب الأعمال لقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: 13] وقوله: ﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. وقوله: ﴿وَجِيءَ بالنبيين والشهدآء﴾ قال ابن عباس: يعين الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال عطاء ومقاتل: يعني الحَفَظَة لقوله تعالى: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21] وقي: أراد بالشهداء: المستشهدون في سبيل الله. ثم قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ أي بالعدل ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي يُزادون في سيئاتهم ولا يُنْقَصُ من حسناتهم «ووفِّيت كُلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ» أن ثُوَابَ مَا عَمِلْتْ: واعلم أنه تعالى لما بين أنه يوصل إلى كل أحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات: أولها: قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ . وثانيها: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ . واربعها: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ يعني أنه (إن) لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي (إلا) بالحق لأجل عدم العلم أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ عليه، والمقصود من الآية المبالغة في تَقْرير أن كل مؤمن فإنه يصل إلى حقه، قال عطاء يريد أنّي عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا شاهد. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ لما شرح أحوال أهل القيامة على سبل الإجمال وقال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ بين بعده كيفية أحوال العقاب ثم كيفية أحوال الثواب، فأما شرحُ أحوال العقاب فهو هذه الآية وهذا السَّوْق يكون بالعُنُق والدفع بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: 13] أي يدفعون دفعاص، وقوله: ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: 86] . قوله: ﴿زُمَراً﴾ و «زُمَرٌ» جمع «زُمْرة» وهي الجماعات في تفرقة بعضها في إثر بعض، و «تَزَمَّرُوا» تجمعوا قال: 4311 - حَتَّى احْزَأَلَّتْ زمُرٌ بَعْدَ زُمَرْ ... هذا قول أبي عبيد (ة) والأخفش، وقال الراغب: الزُّمْرة الجماعة القليلة، ومنه شاة زمرة أي قليلة الشعر، ورجل زَمِرٌ أي قليل المروءة، وزَمَرَت النَّعَامَةُ تَزْمُر زَمَاراً ومنه اشتق الزّمر. والزَّمَّارة كناية عن الفاجرة. قوله: ﴿حتى إِذَا﴾ تقدم الكلام في «حتى» الداخلة على «إذا» مِرَاراً، وجواب «إذا» قوله: فتحت. وتقدم خلاف القراء في التشديد والتخفيف في سورة الأنعام. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ قرأ ابن هُرْمز أَلَمْ تَأْتِكُمْ بتاء التأنيث لتأنيث الجمع، و «مِنْكُمْ» صفة «الرسل» أو متعلق بالإتْيان و «يَتْلُونَ» صفة أُخْرى، و «خَالِدينَ» في الموضعين حال مقدرة. فصل بين تعالى أنهم يُسَاقُون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابُها، وهذا يدل على أن أبواب جهنم تكون مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنةُ جهنم: ألم يأتكم رسل منكم أي من جنسكم يتلون عليكم آياتِ ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا. فإن قيل: لِمَ أضيفَ اليوم إليهم؟ . فالجواب: أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة واستعمال لفظ اليوم (إليهم) والأيام في أقوات الشدة مستفيض فعند هذا تقول الكفار «بَلَى» أتونا وتَلَوْا علينا «وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرينَ» أي وجبت كلمة العذاب على الكافرين وهي قوله عزو وجل: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13] وهذا صريح في أن السعيد (لا ينقلب) شقياً والشقي لا ينقلب سعيداً، ودلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا أنهم ما بقي لهم عُذرٌ ولا علة بعد مجيء الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -، (ولو) لم يكن مجيء الأنبياء شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدةٌ. ثم إنَّ إذا سَمِعُوا منهم هذا الكلام قالوا: لهم ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبرينَ. (قال المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنهم حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ فائدة، وأجيبوا بأن (هذا) الكلام إنما يبقى مفيداً إذا قلنا: إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ولم يلتفتوا إلى دلائلهم، وذلك يدل على صحة قولنا. والله أعلمْ. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً﴾ . فإن قِيلَ: السَّوْقُ في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يُسَاقُوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأيُّ حادة فيه إلى السَّوْق؟! . فالجواب: من وجوه: الأول: أن لامحبة ولاصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: 67] فإذا قيل لواحد منهم: اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها إلا مع أحبَّائِي وأصدقائي فيتأخرونَ لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السَّوق إلى الجنة. والثاني: أن المتقين قد عبدوا الله لا للجنة ولا للنار فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال مانِعاً لهم من الرغبة في الجنة فلا جَرَمَ يحتاجون إلى أن يُسَاقُوا إلى الجنة. والثالث: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «أكثر أهل الجنة البُلْهُ» فلهذا السبب يساقون إلى الجنة. الرابع: أن أهل النار وأهلا لجنة يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهَوَان والشدّة كما يفعل بالأسير الذي يساق إلى الحبس والقتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يُذْهب بهم إلا رَاكِبينَ، والمراد بذلك لاسوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرّضوان كما يفعل بمن يكرم من الوافدين إلى الملوك فشتان ما بين السَّوْقَتْينِ. قوله: «حتى إذا جاءوها وَفُتِحَتْ» في جواب «إذا» ثلاثة أوجه: أحدهما: قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش وإنّما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجن تكون مغلقةً إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فيفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتحت انتظاراً لمن يدخلها فعلى ذلك أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على دخولهم إليها كما قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب﴾ [ص: 50] فلذلك جيء بالواو فكأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقود فتحت أبوابها. والثاني: أن الجواب قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ على زيادة الواو أيضاً أي حتى إذا جاءوها قال لهم خزنتها. والثالث: أن الجواب محذوف قال الزمخشري: وحقه أن يقدر بعدك «خَالِدين» انتهى يعين لأنه يجيء بعد متعلقات الشرط وما عطف عليه، والتقدير: اطْمَأَنُوا وقدره المبرد: سُعِدُوا، وعلى هذين الوجهين فتكون الجملة من قوله: «وَفُتِحَتْ» في محل نصب على الحال. وق البغوي: قال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف تقديره: حَتَّى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادْخُلُوها خالدين «دخلوها» . فحذف «دَخَلُوهَا» لدلالة لاكلام عليه، وسمى بعضهم الواو في قوله «وفتحت» واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] وقيل: تقديره: حتى إذا جاءوها (جاءوها) فوتحت أبوابها يعني أن الجواب بلفظ الشرط، ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صَحَّ. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها﴾ يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليم ويقولون: طبتم قال ابن عباس: طاب لكم المقام. وقال قتادة: إنهم إذا قطعوا النار حُبسُوا على قَنْطَرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعد حتى إذا هذبوا وطيبوا أُدْخِلُوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه: سَلاَمٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروي عن علي قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرةً يخرج من تحت ساقها عَيْنَانِ فيغتسل المؤمن من إِحْدَايْهِما فيطهر ظاهره ويشرب منه الأخرى فيطهر باطنه وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ» فعند ذلك يقول المتقون: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض أي أرض الجنة وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾ [الأنبياء: 105] . قوله: «نَتَبَوَّأُ» جملة حالية و «حَيْثُ» مفعلو به، ويجوز أن تكون ظرفاً على بابها، وهو الظاهر، قال ابن الخطيب: إنما عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجوه: الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم - عليه (الصلاة و) السلام - لأنه تعالى قال: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سبباً للإرث. الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا الذي أورث كذا وهذا العمل أورث كذا. فلما كانت طاعاتهم قد أفادتهم الجنة لا جَرَمَ قالوا: وأورثنا الأرض، والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أَوْبَثتِ الجَنَّةَ. الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كيف يشاء من غير منازع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة حين شاءوا وأرادوا. فإن قيل: هل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ . فالجواب: يكون الكل واحد منهم جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره. ثم قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي ثواب المطيعين، قال مقاتل: هذا ليس من كلام أهل الجنة بل الله تعالى لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ . قوله: ﴿وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ حَافّين جمع حَافِّ: وهو المحدق بالشيء من حَفَتْتُ بالشيء إذا أحَطْتَ به، قال: 4312 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نيقٍ وَيُتْبِعُهُ ... مِثْلَ الزّجَاجَةِ لَمْ تَكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ وهو مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب قال: 4313 - لَهُ لَحَظَاتٌ عَنْ جَفَافَيْ سَرِيرِهِ ... إِذَا كَرَّهَا فِيهَا عِقَابٌ وَنَائِلُ وقال الفراء - وبتعه الزمخشري - ولا واحِدَ لحافّين وكأنهما رأيا أن الواحد لا يكون «حَافًّا» إذ الحفوف هوا لإحداق بالشيء والإحاطة به وهذا لا يتحقق إلا في جمع. فصل لما ذكر صفة (الثواب) البشر ذكر عقيبه ثواب الملائكة فكما دارُ ثواب المتقين هو الجنة فكذلك دارُ ثواب الملائكة جوانب العرش فقال: ﴿حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ أي محدقين محيطين بالعرش بحافيه أي جوانبه، قال الليث حَفَّ القَوْمُ بسَيِّدِهِمْ يَحُفُّونَ حَفًّا إِذَا طافوا به. قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ﴾ في «من» وجهان: أحدهما: وهو قول الأخفش: أنها مزيدة. والثاني: أنها للابتداء. وقوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ «يسبحون» حال من الضمير في «حافين» ، قيل هذا تسبيح لتذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وهذا يشعر بأن ثوابهم هو عَين ذلك التسبيح. قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق﴾ هذا الضمير إما للملائكة، وإما للعباد (ة) وَقِيلَ: قضى بين أهل الجنة والنار بالعدل ﴿وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ وقيل: إن الملائكة لما قضى بينهم (بالحق) قالوا: الحمد لله رب العالمين على قضائه بيننا بالحق. روى أبو أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وشرف كرم وبجل ومجد وعظم) : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّمَر لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ رَجَاءَهُ وَأعْطَاهُ ثَوَابَ الخَائِفينَ» وعن عاشئة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالت: «كان رسول اله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقْرَأُ كُلَّ ليلة بني إِسْرَائِيلَ والزُّمَر» . رواهما الثعلبي في تفسيره. والله (تعالى) أعلم. (رب يسر برحمتك يا كريم وأغن يا رحيم) بسم الله الرحمن الرحيم سورة غافر

الزمر 39:69

قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى قَدَّرُوا بتشديد الدال حَقَّ قَدْرِهِ بفتح الدال، وافقهم الأعمش على فتح الدال من «قَدَرِهِ» والمعنى وما عظمه حق عظمته حين أشركوا به غيره. قوله: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال أي ما عظموه حق تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] أي (كيف) تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا و «جميعاً» حال وهي دالة على أن المراد بالأرض الأرضون فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع قال ابن الخطيب: ونظيره قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: 93] وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النور: 31] وقوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] ولأن الموضع موضع تفخيم ولعطف الجمع عليها (والعامل) في هذه الحال ما دل عليه «قَبْضَتُهُ» ، (ولا يجوز أن يعمل فيها «قَبْضَتُهُ» ) سواء جعلته مصدراً؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله أم مراداً به المقدار قال الزمخشري: ومع القصد إلى الجمع «يعني في الأرض» فإنه أريدَ به الجمع وتأكيده بالجميع أتبع الجميع مؤكده قبل مجيء الخبر ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة ولكن عن الأرض كلها. وقال أبو البقاء: و «جَمِيعاً» حال من الأرض، والتقدير: إذا كانت مجتمعةً قَبْضتُهُ أي مقبوضةً، فالعامل في «إذا» المصدر، لأنه بمعنى المفعول، وقال أبو علي في الحدة: التقدير: «ذَاتُ قَبْضَتِهِ» وقد رد عليه ذلك بأن المضاف إلَيْه لا يعْمَلُ فيما قبله، وهذا لا يصحُّ لن الآن غير مضاف إليه، وبعد حذف المضاف لا يبقى حكمه انتهى وهو كلام فيه إشكال؛ إذ لا حاجة إلى تقدير العامل في «إِذ» التي لم يلفظ بها. وقوله: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ إنْ قَدَّرْنَا مضافاً - كما قال الفارسيُّ أي ذاتُ قبضته - لم يكن فيه وقوع المصدر موقع «مفعول» وإن لم يُقَدَّر ذلك احتمل أن يكون المصدر واقعاً موقعه، وحينئذ يقال: كيف أنّث المصدر الواقع موقع مفعول وهو غير جائز؟! لا يقال: حُلّة نَسْجَةُ اليَمَن بل نَسْجُ اليَمن أي مَنْسُوجُه. والجواب: أن الممتنع دخول التاء الدال على التحديد وهذه المجرد التأنيث. كذا أجيب. وليس بذاك فإن المعنى على التحديد لأنه أبلغ في القدرة، واحتمل أن يكون أريد بالمصدر مقدار (ذلك) (التحديد) . والقَبْضَةُ - بالفتح - المَرَّة، وبالضم اسم المقبوض كالغُرْفَة والغَرْفَة، قال تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾ [طه: 96] . والعامة على رفع «قبضته» والحسن ينصبها وخرَّجها ابن خالويه وجماعة على النصب على الظرفية أي « (في) قَبْضَتِهِ» . ورد هذا بأنه ظرف مختص فلا بد من وجود «في» وهذا هو رأي البصريين، وأما الكوفيون فهو جائز عندهم إذ يجيزون: زَيْدٌ دَارَك - بالنصب - أي في دَارك، وقال الزمخشري: جعلها ظرفاً تشبيهاً للمؤقت بالمبهم، فوافق الكوفيِّين. قوله: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ العامة على رفع «مَطْوِيَّات» خبراً، و «بِيَميِنِهِ» فيه أوجه: أحدهما: أنه متعلق «بمطويات» . الثاني: أنه حال من الضمير في «مَطْوِيَّاتٍ» . الثالث: أنه خبر ثان، وعيسى والجحْدري نصباها حالاً واستدل بها الأخفش على جواز تقديم الحال إذا كان العامل فيها حرف جر نحو: زَيْدٌ قائِمٌ في الدار وهذه لا حجة فيها لإمكان تخريجها على وجهين: أظهرهما: أن يكون «السموات» نسقاً على الأرض ويكون قد أخبر عن الأرضين والسموات بأن الجميع قبضته ويكون «مطويات» حالاً من السموات، كما كان جميعاً حالاً من الأرض و «بيمينه» متعلق «بمِطْوِيَاتٍ» . والثاني: أن يكون «مطويات» منصوباً بفعل مقدر و «بِيَمِيِنِهِ» الخبر، و «مَطْوِيَّات» وعالمه جملة معترضة وهو ضعيف. (فصل لما حكمى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد سواه بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له في العبودية فقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظموا الله حقَّ عظمته فقال: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وروى البخاري أن حَبْراً من الأحْبَار أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبح والماء والثرى على أصبح وسائر الخالق على أصبع، ويقول: أنا الملك فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حتى بدت نَوَاجِذُهُ تصديقاً لقوله الحَبْر ثم قرأ: «وَمَا قَدَرُوا اله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» وروى مسلم قال: والجبالُ والشجرُ على إصبح وقال: ثم يهزّهُنَّ فيقول: أنا المَلِكُ أنَا الله وروى شبيةُ عن ابن أبي شَيْبَىَ بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «يَطْوِي الله السَّمَوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى ثم يقال: أَنَا المَلِكُ أيْنَ الجَبَّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُون» ولما بين سبحانه وتعالى عظمته قال: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . فصل قال ابن الخطيب: وههنا سؤالات: الأول: أن العرض أعظم من السموات السبع، والأرضين السبع، ثم إنه تعالى قال في صفة العرش: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 17] فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين للعرش العظيم فيكف يجوز تقرير عظمته الله عَزَّ وَجَلَّ بكونه حاملاً للسموات والأرض؟! السؤال الثاني: قوله تعالى: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ شرح حالاً لا يحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم مقرون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم وإن كان الخطاب مع المكذبين في النبوة فهم ينكرون قوله: «والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟ . السؤال الثالث: حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدر الله تعالى فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ . والجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على حفظ هذه الأجسام العظيمة كما أن حفضَها وإمساكها يوم القيامة عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكون قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. والجواب: عن الثاني: أن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأَرَضِين من وجوه العِمَارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإبقائها يوم القيامة وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضاً على كونه قادراً غنياً على الإطلاق فإنه يدل على أنه حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض صغيرة، وذلك يدل على كمال الاستغناء. والجواب: عن الثالث: أنه إنما خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا والله أعلم. قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ العامة على سكون الواو، وزيد بن علي وقتادة بفتحها جمع «صُورَة» وهذه ترد قول ابن عطية أن الصور هنا يتعين أن يكون القرن، ولا يجوز أن يكون جمع صورة وقرئ: فصعق - مبنياً للمفعول - وهو مأخوذ من قوله: «صَعَقَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، يال: صَعَقَةُ الله فَصُعِقَ. قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ (استثناء) متصل، والمستثنى إما جبريل وميكائيل وإسرافيل: وإما رِضْوَان والحور والزبانية، وإما البارئ تعالى، قاله الحسن وفيه نظر من حيث قوله ﴿مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ فإنه لا يتحيز فعلى هذا يتعين أن يكون منقطعاً. قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى﴾ يجوز أن يكون» أخرى «هي القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخ فيه نفخة أخرى ويؤيده التصريح بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: 13] فصرح بإقامة المصدر ويجوزُ أن يكون القائم مقامه الجارّ، و» أُخْرَى» منصوبة على ما تقدم. قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ العامة على رفع» قيام «خبراً، وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ نصبه حالاً، وفيه حنيئذ أوجه: أحدهما: أن الخبر» ينظرون «وهو العامل في هذه الحال أي فإذا هُمْ يَنْظُرُونَ قِيَاماً. والثاني: أن العامل في الحال ما عمل في» إذا» الفجائية إذا كانت ظرفاً. فإن كانت مكانية - كما قال سيبويه - فالتقدير فبِالحَضْرة هُمْ قياماً، وإن كان زمانية كقول الرّمَّانِي فتقديره: فَفِي ذلكَ الزمان هُمْ قياماً أي وجودهم، وإنما احتيجَ إلى تقدير مضاف في هذا الوجه لأنه لا يخبر بالزمان عن الجُثث. الثالث: أن الخبر محذوف هو العامل في الحال أي فإذا هم مبعوثُون أو مجموعون قياماً، وإذا جعلنا الفجائية حرفاً كقول بعضهم فالعامل في الحال إما «ينظرون» ، وإمّا الخبر المقدر كما تقدم تحقيقهما. فصل لما ذكر كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضاً على كمال عظمته وهو شرح مقدمات يوم القيامة، لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ الآية. اختلفوا في الصعقة فقيل: إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى - عليه (الصلاة و) السلام) -: ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: 143] وهو لم يمت فهذه النفخة تورث الفزغ الشديد وعلى هذا فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد وهو المذكور في سورة النمل في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله} [النمل: 87] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين. وقيل: الصعقة عبارة عن الموت، والقائلون بهذا قالوا: المراد بالفزع أي كادوا يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدري فالنخة الصعق، والثالثة نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة، وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ قال ابن عباس: نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل: وَيبْقَى جبريل وملك الموت، ثم يموت عزرائيل ثم يموت ملك الموت، وقيل: المستثنى هم الشهداء لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] وروى أبو هريرة عن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «هُمُ الشَّهَدَاءُ مُتَقَلِّدُونَ أسْيَافَهُمْ حَوْلَ العَرْشِ» وقال جابر: هو موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنه صُعِقَ، ولا يصعق. وقيل: هم الحور العين وسكان العرش والكرسي، وقال قتادة: الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم. ثم قال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولة لأن لفظة «ثم» للتراخي. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْن أربعون» ، قالوا: أرْبَعون يَوْماً قال: أبَيْتُ قالوا: أربعون شهراً قال: أبيت قالوا أربعون سنةً، قال: أبيت قال: ثم ينزل الله من السماء ماءً فتَنْبتُونَ كما ينبت البَقْلُ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظمٌ واحد وهو عَجبُ الذَّنَب، وفيه يركب الخلق يوم القيامة» . وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ يعني أن قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله: «فإذا هم» يدلّ على التعقيب، وقوله «يَنْظُرون» أي يقبلون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم، وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لأجل استيلاء الحَيْرة والدهشة عليهم. قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرض﴾ العامة على بنائه للفاعل، وابن عباس وأبو الجَوْزاء. وعُبَيدُ بنُ عُمَير، عل بنائه للمفعول وهو منقول بالهمزة من شَرقَتْ إذا طلعت، وليس من أشْرقَتْ بمعنى أضاءت لأن ذلك لازمٌ وجعله ابن عطيّة مثل رَجَعَ ورجَعْتُهُ، وَوَقَفَ وَوَقَفْتُهُ فيكون أشرق لازماً ومتعدياً. فصل هذه الأرض عَرْصة القيامة وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] وقوله: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي خالقها يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، وقال الحسن والسدي: بنور ربها أي بعدل ربها قال عليه (الصلاة و) السلام: «إنَّكُمْ سَتَروْنَ رَبَّكُمْ» وقال: «كما لا تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس في اليَوْم الصَّحْو» وقوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ أي كتاب الأعمال لقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: 13] وقوله: ﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. وقوله: ﴿وَجِيءَ بالنبيين والشهدآء﴾ قال ابن عباس: يعين الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال عطاء ومقاتل: يعني الحَفَظَة لقوله تعالى: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21] وقي: أراد بالشهداء: المستشهدون في سبيل الله. ثم قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ أي بالعدل ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي يُزادون في سيئاتهم ولا يُنْقَصُ من حسناتهم «ووفِّيت كُلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ» أن ثُوَابَ مَا عَمِلْتْ: واعلم أنه تعالى لما بين أنه يوصل إلى كل أحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات: أولها: قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ . وثانيها: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ . واربعها: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ يعني أنه (إن) لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي (إلا) بالحق لأجل عدم العلم أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ عليه، والمقصود من الآية المبالغة في تَقْرير أن كل مؤمن فإنه يصل إلى حقه، قال عطاء يريد أنّي عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا شاهد. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ لما شرح أحوال أهل القيامة على سبل الإجمال وقال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ بين بعده كيفية أحوال العقاب ثم كيفية أحوال الثواب، فأما شرحُ أحوال العقاب فهو هذه الآية وهذا السَّوْق يكون بالعُنُق والدفع بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: 13] أي يدفعون دفعاص، وقوله: ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: 86] . قوله: ﴿زُمَراً﴾ و «زُمَرٌ» جمع «زُمْرة» وهي الجماعات في تفرقة بعضها في إثر بعض، و «تَزَمَّرُوا» تجمعوا قال: 4311 - حَتَّى احْزَأَلَّتْ زمُرٌ بَعْدَ زُمَرْ ... هذا قول أبي عبيد (ة) والأخفش، وقال الراغب: الزُّمْرة الجماعة القليلة، ومنه شاة زمرة أي قليلة الشعر، ورجل زَمِرٌ أي قليل المروءة، وزَمَرَت النَّعَامَةُ تَزْمُر زَمَاراً ومنه اشتق الزّمر. والزَّمَّارة كناية عن الفاجرة. قوله: ﴿حتى إِذَا﴾ تقدم الكلام في «حتى» الداخلة على «إذا» مِرَاراً، وجواب «إذا» قوله: فتحت. وتقدم خلاف القراء في التشديد والتخفيف في سورة الأنعام. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ قرأ ابن هُرْمز أَلَمْ تَأْتِكُمْ بتاء التأنيث لتأنيث الجمع، و «مِنْكُمْ» صفة «الرسل» أو متعلق بالإتْيان و «يَتْلُونَ» صفة أُخْرى، و «خَالِدينَ» في الموضعين حال مقدرة. فصل بين تعالى أنهم يُسَاقُون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابُها، وهذا يدل على أن أبواب جهنم تكون مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنةُ جهنم: ألم يأتكم رسل منكم أي من جنسكم يتلون عليكم آياتِ ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا. فإن قيل: لِمَ أضيفَ اليوم إليهم؟ . فالجواب: أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة واستعمال لفظ اليوم (إليهم) والأيام في أقوات الشدة مستفيض فعند هذا تقول الكفار «بَلَى» أتونا وتَلَوْا علينا «وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرينَ» أي وجبت كلمة العذاب على الكافرين وهي قوله عزو وجل: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13] وهذا صريح في أن السعيد (لا ينقلب) شقياً والشقي لا ينقلب سعيداً، ودلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا أنهم ما بقي لهم عُذرٌ ولا علة بعد مجيء الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -، (ولو) لم يكن مجيء الأنبياء شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدةٌ. ثم إنَّ إذا سَمِعُوا منهم هذا الكلام قالوا: لهم ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبرينَ. (قال المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنهم حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ فائدة، وأجيبوا بأن (هذا) الكلام إنما يبقى مفيداً إذا قلنا: إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ولم يلتفتوا إلى دلائلهم، وذلك يدل على صحة قولنا. والله أعلمْ. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً﴾ . فإن قِيلَ: السَّوْقُ في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يُسَاقُوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأيُّ حادة فيه إلى السَّوْق؟! . فالجواب: من وجوه: الأول: أن لامحبة ولاصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: 67] فإذا قيل لواحد منهم: اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها إلا مع أحبَّائِي وأصدقائي فيتأخرونَ لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السَّوق إلى الجنة. والثاني: أن المتقين قد عبدوا الله لا للجنة ولا للنار فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال مانِعاً لهم من الرغبة في الجنة فلا جَرَمَ يحتاجون إلى أن يُسَاقُوا إلى الجنة. والثالث: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «أكثر أهل الجنة البُلْهُ» فلهذا السبب يساقون إلى الجنة. الرابع: أن أهل النار وأهلا لجنة يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهَوَان والشدّة كما يفعل بالأسير الذي يساق إلى الحبس والقتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يُذْهب بهم إلا رَاكِبينَ، والمراد بذلك لاسوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرّضوان كما يفعل بمن يكرم من الوافدين إلى الملوك فشتان ما بين السَّوْقَتْينِ. قوله: «حتى إذا جاءوها وَفُتِحَتْ» في جواب «إذا» ثلاثة أوجه: أحدهما: قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش وإنّما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجن تكون مغلقةً إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فيفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتحت انتظاراً لمن يدخلها فعلى ذلك أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على دخولهم إليها كما قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب﴾ [ص: 50] فلذلك جيء بالواو فكأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقود فتحت أبوابها. والثاني: أن الجواب قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ على زيادة الواو أيضاً أي حتى إذا جاءوها قال لهم خزنتها. والثالث: أن الجواب محذوف قال الزمخشري: وحقه أن يقدر بعدك «خَالِدين» انتهى يعين لأنه يجيء بعد متعلقات الشرط وما عطف عليه، والتقدير: اطْمَأَنُوا وقدره المبرد: سُعِدُوا، وعلى هذين الوجهين فتكون الجملة من قوله: «وَفُتِحَتْ» في محل نصب على الحال. وق البغوي: قال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف تقديره: حَتَّى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادْخُلُوها خالدين «دخلوها» . فحذف «دَخَلُوهَا» لدلالة لاكلام عليه، وسمى بعضهم الواو في قوله «وفتحت» واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] وقيل: تقديره: حتى إذا جاءوها (جاءوها) فوتحت أبوابها يعني أن الجواب بلفظ الشرط، ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صَحَّ. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها﴾ يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليم ويقولون: طبتم قال ابن عباس: طاب لكم المقام. وقال قتادة: إنهم إذا قطعوا النار حُبسُوا على قَنْطَرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعد حتى إذا هذبوا وطيبوا أُدْخِلُوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه: سَلاَمٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروي عن علي قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرةً يخرج من تحت ساقها عَيْنَانِ فيغتسل المؤمن من إِحْدَايْهِما فيطهر ظاهره ويشرب منه الأخرى فيطهر باطنه وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ» فعند ذلك يقول المتقون: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض أي أرض الجنة وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾ [الأنبياء: 105] . قوله: «نَتَبَوَّأُ» جملة حالية و «حَيْثُ» مفعلو به، ويجوز أن تكون ظرفاً على بابها، وهو الظاهر، قال ابن الخطيب: إنما عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجوه: الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم - عليه (الصلاة و) السلام - لأنه تعالى قال: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سبباً للإرث. الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا الذي أورث كذا وهذا العمل أورث كذا. فلما كانت طاعاتهم قد أفادتهم الجنة لا جَرَمَ قالوا: وأورثنا الأرض، والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أَوْبَثتِ الجَنَّةَ. الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كيف يشاء من غير منازع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة حين شاءوا وأرادوا. فإن قيل: هل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ . فالجواب: يكون الكل واحد منهم جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره. ثم قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي ثواب المطيعين، قال مقاتل: هذا ليس من كلام أهل الجنة بل الله تعالى لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ . قوله: ﴿وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ حَافّين جمع حَافِّ: وهو المحدق بالشيء من حَفَتْتُ بالشيء إذا أحَطْتَ به، قال: 4312 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نيقٍ وَيُتْبِعُهُ ... مِثْلَ الزّجَاجَةِ لَمْ تَكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ وهو مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب قال: 4313 - لَهُ لَحَظَاتٌ عَنْ جَفَافَيْ سَرِيرِهِ ... إِذَا كَرَّهَا فِيهَا عِقَابٌ وَنَائِلُ وقال الفراء - وبتعه الزمخشري - ولا واحِدَ لحافّين وكأنهما رأيا أن الواحد لا يكون «حَافًّا» إذ الحفوف هوا لإحداق بالشيء والإحاطة به وهذا لا يتحقق إلا في جمع. فصل لما ذكر صفة (الثواب) البشر ذكر عقيبه ثواب الملائكة فكما دارُ ثواب المتقين هو الجنة فكذلك دارُ ثواب الملائكة جوانب العرش فقال: ﴿حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ أي محدقين محيطين بالعرش بحافيه أي جوانبه، قال الليث حَفَّ القَوْمُ بسَيِّدِهِمْ يَحُفُّونَ حَفًّا إِذَا طافوا به. قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ﴾ في «من» وجهان: أحدهما: وهو قول الأخفش: أنها مزيدة. والثاني: أنها للابتداء. وقوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ «يسبحون» حال من الضمير في «حافين» ، قيل هذا تسبيح لتذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وهذا يشعر بأن ثوابهم هو عَين ذلك التسبيح. قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق﴾ هذا الضمير إما للملائكة، وإما للعباد (ة) وَقِيلَ: قضى بين أهل الجنة والنار بالعدل ﴿وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ وقيل: إن الملائكة لما قضى بينهم (بالحق) قالوا: الحمد لله رب العالمين على قضائه بيننا بالحق. روى أبو أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وشرف كرم وبجل ومجد وعظم) : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّمَر لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ رَجَاءَهُ وَأعْطَاهُ ثَوَابَ الخَائِفينَ» وعن عاشئة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالت: «كان رسول اله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقْرَأُ كُلَّ ليلة بني إِسْرَائِيلَ والزُّمَر» . رواهما الثعلبي في تفسيره. والله (تعالى) أعلم. (رب يسر برحمتك يا كريم وأغن يا رحيم) بسم الله الرحمن الرحيم سورة غافر

الزمر 39:70

قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى قَدَّرُوا بتشديد الدال حَقَّ قَدْرِهِ بفتح الدال، وافقهم الأعمش على فتح الدال من «قَدَرِهِ» والمعنى وما عظمه حق عظمته حين أشركوا به غيره. قوله: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال أي ما عظموه حق تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] أي (كيف) تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا و «جميعاً» حال وهي دالة على أن المراد بالأرض الأرضون فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع قال ابن الخطيب: ونظيره قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: 93] وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النور: 31] وقوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] ولأن الموضع موضع تفخيم ولعطف الجمع عليها (والعامل) في هذه الحال ما دل عليه «قَبْضَتُهُ» ، (ولا يجوز أن يعمل فيها «قَبْضَتُهُ» ) سواء جعلته مصدراً؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله أم مراداً به المقدار قال الزمخشري: ومع القصد إلى الجمع «يعني في الأرض» فإنه أريدَ به الجمع وتأكيده بالجميع أتبع الجميع مؤكده قبل مجيء الخبر ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة ولكن عن الأرض كلها. وقال أبو البقاء: و «جَمِيعاً» حال من الأرض، والتقدير: إذا كانت مجتمعةً قَبْضتُهُ أي مقبوضةً، فالعامل في «إذا» المصدر، لأنه بمعنى المفعول، وقال أبو علي في الحدة: التقدير: «ذَاتُ قَبْضَتِهِ» وقد رد عليه ذلك بأن المضاف إلَيْه لا يعْمَلُ فيما قبله، وهذا لا يصحُّ لن الآن غير مضاف إليه، وبعد حذف المضاف لا يبقى حكمه انتهى وهو كلام فيه إشكال؛ إذ لا حاجة إلى تقدير العامل في «إِذ» التي لم يلفظ بها. وقوله: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ إنْ قَدَّرْنَا مضافاً - كما قال الفارسيُّ أي ذاتُ قبضته - لم يكن فيه وقوع المصدر موقع «مفعول» وإن لم يُقَدَّر ذلك احتمل أن يكون المصدر واقعاً موقعه، وحينئذ يقال: كيف أنّث المصدر الواقع موقع مفعول وهو غير جائز؟! لا يقال: حُلّة نَسْجَةُ اليَمَن بل نَسْجُ اليَمن أي مَنْسُوجُه. والجواب: أن الممتنع دخول التاء الدال على التحديد وهذه المجرد التأنيث. كذا أجيب. وليس بذاك فإن المعنى على التحديد لأنه أبلغ في القدرة، واحتمل أن يكون أريد بالمصدر مقدار (ذلك) (التحديد) . والقَبْضَةُ - بالفتح - المَرَّة، وبالضم اسم المقبوض كالغُرْفَة والغَرْفَة، قال تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾ [طه: 96] . والعامة على رفع «قبضته» والحسن ينصبها وخرَّجها ابن خالويه وجماعة على النصب على الظرفية أي « (في) قَبْضَتِهِ» . ورد هذا بأنه ظرف مختص فلا بد من وجود «في» وهذا هو رأي البصريين، وأما الكوفيون فهو جائز عندهم إذ يجيزون: زَيْدٌ دَارَك - بالنصب - أي في دَارك، وقال الزمخشري: جعلها ظرفاً تشبيهاً للمؤقت بالمبهم، فوافق الكوفيِّين. قوله: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ العامة على رفع «مَطْوِيَّات» خبراً، و «بِيَميِنِهِ» فيه أوجه: أحدهما: أنه متعلق «بمطويات» . الثاني: أنه حال من الضمير في «مَطْوِيَّاتٍ» . الثالث: أنه خبر ثان، وعيسى والجحْدري نصباها حالاً واستدل بها الأخفش على جواز تقديم الحال إذا كان العامل فيها حرف جر نحو: زَيْدٌ قائِمٌ في الدار وهذه لا حجة فيها لإمكان تخريجها على وجهين: أظهرهما: أن يكون «السموات» نسقاً على الأرض ويكون قد أخبر عن الأرضين والسموات بأن الجميع قبضته ويكون «مطويات» حالاً من السموات، كما كان جميعاً حالاً من الأرض و «بيمينه» متعلق «بمِطْوِيَاتٍ» . والثاني: أن يكون «مطويات» منصوباً بفعل مقدر و «بِيَمِيِنِهِ» الخبر، و «مَطْوِيَّات» وعالمه جملة معترضة وهو ضعيف. (فصل لما حكمى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد سواه بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له في العبودية فقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظموا الله حقَّ عظمته فقال: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وروى البخاري أن حَبْراً من الأحْبَار أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبح والماء والثرى على أصبح وسائر الخالق على أصبع، ويقول: أنا الملك فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حتى بدت نَوَاجِذُهُ تصديقاً لقوله الحَبْر ثم قرأ: «وَمَا قَدَرُوا اله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» وروى مسلم قال: والجبالُ والشجرُ على إصبح وقال: ثم يهزّهُنَّ فيقول: أنا المَلِكُ أنَا الله وروى شبيةُ عن ابن أبي شَيْبَىَ بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «يَطْوِي الله السَّمَوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى ثم يقال: أَنَا المَلِكُ أيْنَ الجَبَّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُون» ولما بين سبحانه وتعالى عظمته قال: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . فصل قال ابن الخطيب: وههنا سؤالات: الأول: أن العرض أعظم من السموات السبع، والأرضين السبع، ثم إنه تعالى قال في صفة العرش: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 17] فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين للعرش العظيم فيكف يجوز تقرير عظمته الله عَزَّ وَجَلَّ بكونه حاملاً للسموات والأرض؟! السؤال الثاني: قوله تعالى: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ شرح حالاً لا يحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم مقرون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم وإن كان الخطاب مع المكذبين في النبوة فهم ينكرون قوله: «والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟ . السؤال الثالث: حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدر الله تعالى فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ . والجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على حفظ هذه الأجسام العظيمة كما أن حفضَها وإمساكها يوم القيامة عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكون قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. والجواب: عن الثاني: أن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأَرَضِين من وجوه العِمَارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإبقائها يوم القيامة وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضاً على كونه قادراً غنياً على الإطلاق فإنه يدل على أنه حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض صغيرة، وذلك يدل على كمال الاستغناء. والجواب: عن الثالث: أنه إنما خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا والله أعلم. قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ العامة على سكون الواو، وزيد بن علي وقتادة بفتحها جمع «صُورَة» وهذه ترد قول ابن عطية أن الصور هنا يتعين أن يكون القرن، ولا يجوز أن يكون جمع صورة وقرئ: فصعق - مبنياً للمفعول - وهو مأخوذ من قوله: «صَعَقَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، يال: صَعَقَةُ الله فَصُعِقَ. قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ (استثناء) متصل، والمستثنى إما جبريل وميكائيل وإسرافيل: وإما رِضْوَان والحور والزبانية، وإما البارئ تعالى، قاله الحسن وفيه نظر من حيث قوله ﴿مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ فإنه لا يتحيز فعلى هذا يتعين أن يكون منقطعاً. قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى﴾ يجوز أن يكون» أخرى «هي القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخ فيه نفخة أخرى ويؤيده التصريح بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: 13] فصرح بإقامة المصدر ويجوزُ أن يكون القائم مقامه الجارّ، و» أُخْرَى» منصوبة على ما تقدم. قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ العامة على رفع» قيام «خبراً، وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ نصبه حالاً، وفيه حنيئذ أوجه: أحدهما: أن الخبر» ينظرون «وهو العامل في هذه الحال أي فإذا هُمْ يَنْظُرُونَ قِيَاماً. والثاني: أن العامل في الحال ما عمل في» إذا» الفجائية إذا كانت ظرفاً. فإن كانت مكانية - كما قال سيبويه - فالتقدير فبِالحَضْرة هُمْ قياماً، وإن كان زمانية كقول الرّمَّانِي فتقديره: فَفِي ذلكَ الزمان هُمْ قياماً أي وجودهم، وإنما احتيجَ إلى تقدير مضاف في هذا الوجه لأنه لا يخبر بالزمان عن الجُثث. الثالث: أن الخبر محذوف هو العامل في الحال أي فإذا هم مبعوثُون أو مجموعون قياماً، وإذا جعلنا الفجائية حرفاً كقول بعضهم فالعامل في الحال إما «ينظرون» ، وإمّا الخبر المقدر كما تقدم تحقيقهما. فصل لما ذكر كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضاً على كمال عظمته وهو شرح مقدمات يوم القيامة، لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ الآية. اختلفوا في الصعقة فقيل: إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى - عليه (الصلاة و) السلام) -: ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: 143] وهو لم يمت فهذه النفخة تورث الفزغ الشديد وعلى هذا فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد وهو المذكور في سورة النمل في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله} [النمل: 87] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين. وقيل: الصعقة عبارة عن الموت، والقائلون بهذا قالوا: المراد بالفزع أي كادوا يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدري فالنخة الصعق، والثالثة نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة، وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ قال ابن عباس: نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل: وَيبْقَى جبريل وملك الموت، ثم يموت عزرائيل ثم يموت ملك الموت، وقيل: المستثنى هم الشهداء لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] وروى أبو هريرة عن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «هُمُ الشَّهَدَاءُ مُتَقَلِّدُونَ أسْيَافَهُمْ حَوْلَ العَرْشِ» وقال جابر: هو موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنه صُعِقَ، ولا يصعق. وقيل: هم الحور العين وسكان العرش والكرسي، وقال قتادة: الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم. ثم قال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولة لأن لفظة «ثم» للتراخي. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْن أربعون» ، قالوا: أرْبَعون يَوْماً قال: أبَيْتُ قالوا: أربعون شهراً قال: أبيت قالوا أربعون سنةً، قال: أبيت قال: ثم ينزل الله من السماء ماءً فتَنْبتُونَ كما ينبت البَقْلُ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظمٌ واحد وهو عَجبُ الذَّنَب، وفيه يركب الخلق يوم القيامة» . وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ يعني أن قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله: «فإذا هم» يدلّ على التعقيب، وقوله «يَنْظُرون» أي يقبلون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم، وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لأجل استيلاء الحَيْرة والدهشة عليهم. قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرض﴾ العامة على بنائه للفاعل، وابن عباس وأبو الجَوْزاء. وعُبَيدُ بنُ عُمَير، عل بنائه للمفعول وهو منقول بالهمزة من شَرقَتْ إذا طلعت، وليس من أشْرقَتْ بمعنى أضاءت لأن ذلك لازمٌ وجعله ابن عطيّة مثل رَجَعَ ورجَعْتُهُ، وَوَقَفَ وَوَقَفْتُهُ فيكون أشرق لازماً ومتعدياً. فصل هذه الأرض عَرْصة القيامة وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] وقوله: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي خالقها يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، وقال الحسن والسدي: بنور ربها أي بعدل ربها قال عليه (الصلاة و) السلام: «إنَّكُمْ سَتَروْنَ رَبَّكُمْ» وقال: «كما لا تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس في اليَوْم الصَّحْو» وقوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ أي كتاب الأعمال لقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: 13] وقوله: ﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. وقوله: ﴿وَجِيءَ بالنبيين والشهدآء﴾ قال ابن عباس: يعين الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال عطاء ومقاتل: يعني الحَفَظَة لقوله تعالى: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21] وقي: أراد بالشهداء: المستشهدون في سبيل الله. ثم قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ أي بالعدل ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي يُزادون في سيئاتهم ولا يُنْقَصُ من حسناتهم «ووفِّيت كُلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ» أن ثُوَابَ مَا عَمِلْتْ: واعلم أنه تعالى لما بين أنه يوصل إلى كل أحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات: أولها: قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ . وثانيها: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ . واربعها: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ يعني أنه (إن) لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي (إلا) بالحق لأجل عدم العلم أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ عليه، والمقصود من الآية المبالغة في تَقْرير أن كل مؤمن فإنه يصل إلى حقه، قال عطاء يريد أنّي عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا شاهد. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ لما شرح أحوال أهل القيامة على سبل الإجمال وقال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ بين بعده كيفية أحوال العقاب ثم كيفية أحوال الثواب، فأما شرحُ أحوال العقاب فهو هذه الآية وهذا السَّوْق يكون بالعُنُق والدفع بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: 13] أي يدفعون دفعاص، وقوله: ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: 86] . قوله: ﴿زُمَراً﴾ و «زُمَرٌ» جمع «زُمْرة» وهي الجماعات في تفرقة بعضها في إثر بعض، و «تَزَمَّرُوا» تجمعوا قال: 4311 - حَتَّى احْزَأَلَّتْ زمُرٌ بَعْدَ زُمَرْ ... هذا قول أبي عبيد (ة) والأخفش، وقال الراغب: الزُّمْرة الجماعة القليلة، ومنه شاة زمرة أي قليلة الشعر، ورجل زَمِرٌ أي قليل المروءة، وزَمَرَت النَّعَامَةُ تَزْمُر زَمَاراً ومنه اشتق الزّمر. والزَّمَّارة كناية عن الفاجرة. قوله: ﴿حتى إِذَا﴾ تقدم الكلام في «حتى» الداخلة على «إذا» مِرَاراً، وجواب «إذا» قوله: فتحت. وتقدم خلاف القراء في التشديد والتخفيف في سورة الأنعام. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ قرأ ابن هُرْمز أَلَمْ تَأْتِكُمْ بتاء التأنيث لتأنيث الجمع، و «مِنْكُمْ» صفة «الرسل» أو متعلق بالإتْيان و «يَتْلُونَ» صفة أُخْرى، و «خَالِدينَ» في الموضعين حال مقدرة. فصل بين تعالى أنهم يُسَاقُون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابُها، وهذا يدل على أن أبواب جهنم تكون مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنةُ جهنم: ألم يأتكم رسل منكم أي من جنسكم يتلون عليكم آياتِ ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا. فإن قيل: لِمَ أضيفَ اليوم إليهم؟ . فالجواب: أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة واستعمال لفظ اليوم (إليهم) والأيام في أقوات الشدة مستفيض فعند هذا تقول الكفار «بَلَى» أتونا وتَلَوْا علينا «وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرينَ» أي وجبت كلمة العذاب على الكافرين وهي قوله عزو وجل: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13] وهذا صريح في أن السعيد (لا ينقلب) شقياً والشقي لا ينقلب سعيداً، ودلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا أنهم ما بقي لهم عُذرٌ ولا علة بعد مجيء الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -، (ولو) لم يكن مجيء الأنبياء شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدةٌ. ثم إنَّ إذا سَمِعُوا منهم هذا الكلام قالوا: لهم ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبرينَ. (قال المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنهم حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ فائدة، وأجيبوا بأن (هذا) الكلام إنما يبقى مفيداً إذا قلنا: إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ولم يلتفتوا إلى دلائلهم، وذلك يدل على صحة قولنا. والله أعلمْ. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً﴾ . فإن قِيلَ: السَّوْقُ في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يُسَاقُوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأيُّ حادة فيه إلى السَّوْق؟! . فالجواب: من وجوه: الأول: أن لامحبة ولاصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: 67] فإذا قيل لواحد منهم: اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها إلا مع أحبَّائِي وأصدقائي فيتأخرونَ لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السَّوق إلى الجنة. والثاني: أن المتقين قد عبدوا الله لا للجنة ولا للنار فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال مانِعاً لهم من الرغبة في الجنة فلا جَرَمَ يحتاجون إلى أن يُسَاقُوا إلى الجنة. والثالث: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «أكثر أهل الجنة البُلْهُ» فلهذا السبب يساقون إلى الجنة. الرابع: أن أهل النار وأهلا لجنة يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهَوَان والشدّة كما يفعل بالأسير الذي يساق إلى الحبس والقتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يُذْهب بهم إلا رَاكِبينَ، والمراد بذلك لاسوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرّضوان كما يفعل بمن يكرم من الوافدين إلى الملوك فشتان ما بين السَّوْقَتْينِ. قوله: «حتى إذا جاءوها وَفُتِحَتْ» في جواب «إذا» ثلاثة أوجه: أحدهما: قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش وإنّما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجن تكون مغلقةً إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فيفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتحت انتظاراً لمن يدخلها فعلى ذلك أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على دخولهم إليها كما قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب﴾ [ص: 50] فلذلك جيء بالواو فكأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقود فتحت أبوابها. والثاني: أن الجواب قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ على زيادة الواو أيضاً أي حتى إذا جاءوها قال لهم خزنتها. والثالث: أن الجواب محذوف قال الزمخشري: وحقه أن يقدر بعدك «خَالِدين» انتهى يعين لأنه يجيء بعد متعلقات الشرط وما عطف عليه، والتقدير: اطْمَأَنُوا وقدره المبرد: سُعِدُوا، وعلى هذين الوجهين فتكون الجملة من قوله: «وَفُتِحَتْ» في محل نصب على الحال. وق البغوي: قال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف تقديره: حَتَّى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادْخُلُوها خالدين «دخلوها» . فحذف «دَخَلُوهَا» لدلالة لاكلام عليه، وسمى بعضهم الواو في قوله «وفتحت» واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] وقيل: تقديره: حتى إذا جاءوها (جاءوها) فوتحت أبوابها يعني أن الجواب بلفظ الشرط، ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صَحَّ. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها﴾ يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليم ويقولون: طبتم قال ابن عباس: طاب لكم المقام. وقال قتادة: إنهم إذا قطعوا النار حُبسُوا على قَنْطَرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعد حتى إذا هذبوا وطيبوا أُدْخِلُوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه: سَلاَمٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروي عن علي قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرةً يخرج من تحت ساقها عَيْنَانِ فيغتسل المؤمن من إِحْدَايْهِما فيطهر ظاهره ويشرب منه الأخرى فيطهر باطنه وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ» فعند ذلك يقول المتقون: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض أي أرض الجنة وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾ [الأنبياء: 105] . قوله: «نَتَبَوَّأُ» جملة حالية و «حَيْثُ» مفعلو به، ويجوز أن تكون ظرفاً على بابها، وهو الظاهر، قال ابن الخطيب: إنما عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجوه: الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم - عليه (الصلاة و) السلام - لأنه تعالى قال: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سبباً للإرث. الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا الذي أورث كذا وهذا العمل أورث كذا. فلما كانت طاعاتهم قد أفادتهم الجنة لا جَرَمَ قالوا: وأورثنا الأرض، والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أَوْبَثتِ الجَنَّةَ. الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كيف يشاء من غير منازع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة حين شاءوا وأرادوا. فإن قيل: هل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ . فالجواب: يكون الكل واحد منهم جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره. ثم قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي ثواب المطيعين، قال مقاتل: هذا ليس من كلام أهل الجنة بل الله تعالى لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ . قوله: ﴿وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ حَافّين جمع حَافِّ: وهو المحدق بالشيء من حَفَتْتُ بالشيء إذا أحَطْتَ به، قال: 4312 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نيقٍ وَيُتْبِعُهُ ... مِثْلَ الزّجَاجَةِ لَمْ تَكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ وهو مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب قال: 4313 - لَهُ لَحَظَاتٌ عَنْ جَفَافَيْ سَرِيرِهِ ... إِذَا كَرَّهَا فِيهَا عِقَابٌ وَنَائِلُ وقال الفراء - وبتعه الزمخشري - ولا واحِدَ لحافّين وكأنهما رأيا أن الواحد لا يكون «حَافًّا» إذ الحفوف هوا لإحداق بالشيء والإحاطة به وهذا لا يتحقق إلا في جمع. فصل لما ذكر صفة (الثواب) البشر ذكر عقيبه ثواب الملائكة فكما دارُ ثواب المتقين هو الجنة فكذلك دارُ ثواب الملائكة جوانب العرش فقال: ﴿حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ أي محدقين محيطين بالعرش بحافيه أي جوانبه، قال الليث حَفَّ القَوْمُ بسَيِّدِهِمْ يَحُفُّونَ حَفًّا إِذَا طافوا به. قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ﴾ في «من» وجهان: أحدهما: وهو قول الأخفش: أنها مزيدة. والثاني: أنها للابتداء. وقوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ «يسبحون» حال من الضمير في «حافين» ، قيل هذا تسبيح لتذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وهذا يشعر بأن ثوابهم هو عَين ذلك التسبيح. قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق﴾ هذا الضمير إما للملائكة، وإما للعباد (ة) وَقِيلَ: قضى بين أهل الجنة والنار بالعدل ﴿وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ وقيل: إن الملائكة لما قضى بينهم (بالحق) قالوا: الحمد لله رب العالمين على قضائه بيننا بالحق. روى أبو أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وشرف كرم وبجل ومجد وعظم) : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّمَر لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ رَجَاءَهُ وَأعْطَاهُ ثَوَابَ الخَائِفينَ» وعن عاشئة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالت: «كان رسول اله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقْرَأُ كُلَّ ليلة بني إِسْرَائِيلَ والزُّمَر» . رواهما الثعلبي في تفسيره. والله (تعالى) أعلم. (رب يسر برحمتك يا كريم وأغن يا رحيم) بسم الله الرحمن الرحيم سورة غافر

الزمر 39:71

قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى قَدَّرُوا بتشديد الدال حَقَّ قَدْرِهِ بفتح الدال، وافقهم الأعمش على فتح الدال من «قَدَرِهِ» والمعنى وما عظمه حق عظمته حين أشركوا به غيره. قوله: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال أي ما عظموه حق تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] أي (كيف) تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا و «جميعاً» حال وهي دالة على أن المراد بالأرض الأرضون فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع قال ابن الخطيب: ونظيره قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: 93] وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النور: 31] وقوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] ولأن الموضع موضع تفخيم ولعطف الجمع عليها (والعامل) في هذه الحال ما دل عليه «قَبْضَتُهُ» ، (ولا يجوز أن يعمل فيها «قَبْضَتُهُ» ) سواء جعلته مصدراً؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله أم مراداً به المقدار قال الزمخشري: ومع القصد إلى الجمع «يعني في الأرض» فإنه أريدَ به الجمع وتأكيده بالجميع أتبع الجميع مؤكده قبل مجيء الخبر ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة ولكن عن الأرض كلها. وقال أبو البقاء: و «جَمِيعاً» حال من الأرض، والتقدير: إذا كانت مجتمعةً قَبْضتُهُ أي مقبوضةً، فالعامل في «إذا» المصدر، لأنه بمعنى المفعول، وقال أبو علي في الحدة: التقدير: «ذَاتُ قَبْضَتِهِ» وقد رد عليه ذلك بأن المضاف إلَيْه لا يعْمَلُ فيما قبله، وهذا لا يصحُّ لن الآن غير مضاف إليه، وبعد حذف المضاف لا يبقى حكمه انتهى وهو كلام فيه إشكال؛ إذ لا حاجة إلى تقدير العامل في «إِذ» التي لم يلفظ بها. وقوله: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ إنْ قَدَّرْنَا مضافاً - كما قال الفارسيُّ أي ذاتُ قبضته - لم يكن فيه وقوع المصدر موقع «مفعول» وإن لم يُقَدَّر ذلك احتمل أن يكون المصدر واقعاً موقعه، وحينئذ يقال: كيف أنّث المصدر الواقع موقع مفعول وهو غير جائز؟! لا يقال: حُلّة نَسْجَةُ اليَمَن بل نَسْجُ اليَمن أي مَنْسُوجُه. والجواب: أن الممتنع دخول التاء الدال على التحديد وهذه المجرد التأنيث. كذا أجيب. وليس بذاك فإن المعنى على التحديد لأنه أبلغ في القدرة، واحتمل أن يكون أريد بالمصدر مقدار (ذلك) (التحديد) . والقَبْضَةُ - بالفتح - المَرَّة، وبالضم اسم المقبوض كالغُرْفَة والغَرْفَة، قال تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾ [طه: 96] . والعامة على رفع «قبضته» والحسن ينصبها وخرَّجها ابن خالويه وجماعة على النصب على الظرفية أي « (في) قَبْضَتِهِ» . ورد هذا بأنه ظرف مختص فلا بد من وجود «في» وهذا هو رأي البصريين، وأما الكوفيون فهو جائز عندهم إذ يجيزون: زَيْدٌ دَارَك - بالنصب - أي في دَارك، وقال الزمخشري: جعلها ظرفاً تشبيهاً للمؤقت بالمبهم، فوافق الكوفيِّين. قوله: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ العامة على رفع «مَطْوِيَّات» خبراً، و «بِيَميِنِهِ» فيه أوجه: أحدهما: أنه متعلق «بمطويات» . الثاني: أنه حال من الضمير في «مَطْوِيَّاتٍ» . الثالث: أنه خبر ثان، وعيسى والجحْدري نصباها حالاً واستدل بها الأخفش على جواز تقديم الحال إذا كان العامل فيها حرف جر نحو: زَيْدٌ قائِمٌ في الدار وهذه لا حجة فيها لإمكان تخريجها على وجهين: أظهرهما: أن يكون «السموات» نسقاً على الأرض ويكون قد أخبر عن الأرضين والسموات بأن الجميع قبضته ويكون «مطويات» حالاً من السموات، كما كان جميعاً حالاً من الأرض و «بيمينه» متعلق «بمِطْوِيَاتٍ» . والثاني: أن يكون «مطويات» منصوباً بفعل مقدر و «بِيَمِيِنِهِ» الخبر، و «مَطْوِيَّات» وعالمه جملة معترضة وهو ضعيف. (فصل لما حكمى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد سواه بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له في العبودية فقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظموا الله حقَّ عظمته فقال: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وروى البخاري أن حَبْراً من الأحْبَار أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبح والماء والثرى على أصبح وسائر الخالق على أصبع، ويقول: أنا الملك فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حتى بدت نَوَاجِذُهُ تصديقاً لقوله الحَبْر ثم قرأ: «وَمَا قَدَرُوا اله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» وروى مسلم قال: والجبالُ والشجرُ على إصبح وقال: ثم يهزّهُنَّ فيقول: أنا المَلِكُ أنَا الله وروى شبيةُ عن ابن أبي شَيْبَىَ بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «يَطْوِي الله السَّمَوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى ثم يقال: أَنَا المَلِكُ أيْنَ الجَبَّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُون» ولما بين سبحانه وتعالى عظمته قال: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . فصل قال ابن الخطيب: وههنا سؤالات: الأول: أن العرض أعظم من السموات السبع، والأرضين السبع، ثم إنه تعالى قال في صفة العرش: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 17] فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين للعرش العظيم فيكف يجوز تقرير عظمته الله عَزَّ وَجَلَّ بكونه حاملاً للسموات والأرض؟! السؤال الثاني: قوله تعالى: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ شرح حالاً لا يحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم مقرون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم وإن كان الخطاب مع المكذبين في النبوة فهم ينكرون قوله: «والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟ . السؤال الثالث: حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدر الله تعالى فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ . والجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على حفظ هذه الأجسام العظيمة كما أن حفضَها وإمساكها يوم القيامة عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكون قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. والجواب: عن الثاني: أن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأَرَضِين من وجوه العِمَارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإبقائها يوم القيامة وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضاً على كونه قادراً غنياً على الإطلاق فإنه يدل على أنه حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض صغيرة، وذلك يدل على كمال الاستغناء. والجواب: عن الثالث: أنه إنما خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا والله أعلم. قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ العامة على سكون الواو، وزيد بن علي وقتادة بفتحها جمع «صُورَة» وهذه ترد قول ابن عطية أن الصور هنا يتعين أن يكون القرن، ولا يجوز أن يكون جمع صورة وقرئ: فصعق - مبنياً للمفعول - وهو مأخوذ من قوله: «صَعَقَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، يال: صَعَقَةُ الله فَصُعِقَ. قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ (استثناء) متصل، والمستثنى إما جبريل وميكائيل وإسرافيل: وإما رِضْوَان والحور والزبانية، وإما البارئ تعالى، قاله الحسن وفيه نظر من حيث قوله ﴿مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ فإنه لا يتحيز فعلى هذا يتعين أن يكون منقطعاً. قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى﴾ يجوز أن يكون» أخرى «هي القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخ فيه نفخة أخرى ويؤيده التصريح بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: 13] فصرح بإقامة المصدر ويجوزُ أن يكون القائم مقامه الجارّ، و» أُخْرَى» منصوبة على ما تقدم. قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ العامة على رفع» قيام «خبراً، وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ نصبه حالاً، وفيه حنيئذ أوجه: أحدهما: أن الخبر» ينظرون «وهو العامل في هذه الحال أي فإذا هُمْ يَنْظُرُونَ قِيَاماً. والثاني: أن العامل في الحال ما عمل في» إذا» الفجائية إذا كانت ظرفاً. فإن كانت مكانية - كما قال سيبويه - فالتقدير فبِالحَضْرة هُمْ قياماً، وإن كان زمانية كقول الرّمَّانِي فتقديره: فَفِي ذلكَ الزمان هُمْ قياماً أي وجودهم، وإنما احتيجَ إلى تقدير مضاف في هذا الوجه لأنه لا يخبر بالزمان عن الجُثث. الثالث: أن الخبر محذوف هو العامل في الحال أي فإذا هم مبعوثُون أو مجموعون قياماً، وإذا جعلنا الفجائية حرفاً كقول بعضهم فالعامل في الحال إما «ينظرون» ، وإمّا الخبر المقدر كما تقدم تحقيقهما. فصل لما ذكر كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضاً على كمال عظمته وهو شرح مقدمات يوم القيامة، لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ الآية. اختلفوا في الصعقة فقيل: إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى - عليه (الصلاة و) السلام) -: ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: 143] وهو لم يمت فهذه النفخة تورث الفزغ الشديد وعلى هذا فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد وهو المذكور في سورة النمل في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله} [النمل: 87] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين. وقيل: الصعقة عبارة عن الموت، والقائلون بهذا قالوا: المراد بالفزع أي كادوا يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدري فالنخة الصعق، والثالثة نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة، وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ قال ابن عباس: نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل: وَيبْقَى جبريل وملك الموت، ثم يموت عزرائيل ثم يموت ملك الموت، وقيل: المستثنى هم الشهداء لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] وروى أبو هريرة عن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «هُمُ الشَّهَدَاءُ مُتَقَلِّدُونَ أسْيَافَهُمْ حَوْلَ العَرْشِ» وقال جابر: هو موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنه صُعِقَ، ولا يصعق. وقيل: هم الحور العين وسكان العرش والكرسي، وقال قتادة: الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم. ثم قال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولة لأن لفظة «ثم» للتراخي. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْن أربعون» ، قالوا: أرْبَعون يَوْماً قال: أبَيْتُ قالوا: أربعون شهراً قال: أبيت قالوا أربعون سنةً، قال: أبيت قال: ثم ينزل الله من السماء ماءً فتَنْبتُونَ كما ينبت البَقْلُ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظمٌ واحد وهو عَجبُ الذَّنَب، وفيه يركب الخلق يوم القيامة» . وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ يعني أن قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله: «فإذا هم» يدلّ على التعقيب، وقوله «يَنْظُرون» أي يقبلون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم، وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لأجل استيلاء الحَيْرة والدهشة عليهم. قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرض﴾ العامة على بنائه للفاعل، وابن عباس وأبو الجَوْزاء. وعُبَيدُ بنُ عُمَير، عل بنائه للمفعول وهو منقول بالهمزة من شَرقَتْ إذا طلعت، وليس من أشْرقَتْ بمعنى أضاءت لأن ذلك لازمٌ وجعله ابن عطيّة مثل رَجَعَ ورجَعْتُهُ، وَوَقَفَ وَوَقَفْتُهُ فيكون أشرق لازماً ومتعدياً. فصل هذه الأرض عَرْصة القيامة وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] وقوله: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي خالقها يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، وقال الحسن والسدي: بنور ربها أي بعدل ربها قال عليه (الصلاة و) السلام: «إنَّكُمْ سَتَروْنَ رَبَّكُمْ» وقال: «كما لا تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس في اليَوْم الصَّحْو» وقوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ أي كتاب الأعمال لقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: 13] وقوله: ﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. وقوله: ﴿وَجِيءَ بالنبيين والشهدآء﴾ قال ابن عباس: يعين الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال عطاء ومقاتل: يعني الحَفَظَة لقوله تعالى: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21] وقي: أراد بالشهداء: المستشهدون في سبيل الله. ثم قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ أي بالعدل ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي يُزادون في سيئاتهم ولا يُنْقَصُ من حسناتهم «ووفِّيت كُلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ» أن ثُوَابَ مَا عَمِلْتْ: واعلم أنه تعالى لما بين أنه يوصل إلى كل أحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات: أولها: قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ . وثانيها: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ . واربعها: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ يعني أنه (إن) لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي (إلا) بالحق لأجل عدم العلم أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ عليه، والمقصود من الآية المبالغة في تَقْرير أن كل مؤمن فإنه يصل إلى حقه، قال عطاء يريد أنّي عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا شاهد. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ لما شرح أحوال أهل القيامة على سبل الإجمال وقال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ بين بعده كيفية أحوال العقاب ثم كيفية أحوال الثواب، فأما شرحُ أحوال العقاب فهو هذه الآية وهذا السَّوْق يكون بالعُنُق والدفع بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: 13] أي يدفعون دفعاص، وقوله: ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: 86] . قوله: ﴿زُمَراً﴾ و «زُمَرٌ» جمع «زُمْرة» وهي الجماعات في تفرقة بعضها في إثر بعض، و «تَزَمَّرُوا» تجمعوا قال: 4311 - حَتَّى احْزَأَلَّتْ زمُرٌ بَعْدَ زُمَرْ ... هذا قول أبي عبيد (ة) والأخفش، وقال الراغب: الزُّمْرة الجماعة القليلة، ومنه شاة زمرة أي قليلة الشعر، ورجل زَمِرٌ أي قليل المروءة، وزَمَرَت النَّعَامَةُ تَزْمُر زَمَاراً ومنه اشتق الزّمر. والزَّمَّارة كناية عن الفاجرة. قوله: ﴿حتى إِذَا﴾ تقدم الكلام في «حتى» الداخلة على «إذا» مِرَاراً، وجواب «إذا» قوله: فتحت. وتقدم خلاف القراء في التشديد والتخفيف في سورة الأنعام. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ قرأ ابن هُرْمز أَلَمْ تَأْتِكُمْ بتاء التأنيث لتأنيث الجمع، و «مِنْكُمْ» صفة «الرسل» أو متعلق بالإتْيان و «يَتْلُونَ» صفة أُخْرى، و «خَالِدينَ» في الموضعين حال مقدرة. فصل بين تعالى أنهم يُسَاقُون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابُها، وهذا يدل على أن أبواب جهنم تكون مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنةُ جهنم: ألم يأتكم رسل منكم أي من جنسكم يتلون عليكم آياتِ ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا. فإن قيل: لِمَ أضيفَ اليوم إليهم؟ . فالجواب: أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة واستعمال لفظ اليوم (إليهم) والأيام في أقوات الشدة مستفيض فعند هذا تقول الكفار «بَلَى» أتونا وتَلَوْا علينا «وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرينَ» أي وجبت كلمة العذاب على الكافرين وهي قوله عزو وجل: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13] وهذا صريح في أن السعيد (لا ينقلب) شقياً والشقي لا ينقلب سعيداً، ودلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا أنهم ما بقي لهم عُذرٌ ولا علة بعد مجيء الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -، (ولو) لم يكن مجيء الأنبياء شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدةٌ. ثم إنَّ إذا سَمِعُوا منهم هذا الكلام قالوا: لهم ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبرينَ. (قال المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنهم حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ فائدة، وأجيبوا بأن (هذا) الكلام إنما يبقى مفيداً إذا قلنا: إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ولم يلتفتوا إلى دلائلهم، وذلك يدل على صحة قولنا. والله أعلمْ. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً﴾ . فإن قِيلَ: السَّوْقُ في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يُسَاقُوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأيُّ حادة فيه إلى السَّوْق؟! . فالجواب: من وجوه: الأول: أن لامحبة ولاصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: 67] فإذا قيل لواحد منهم: اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها إلا مع أحبَّائِي وأصدقائي فيتأخرونَ لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السَّوق إلى الجنة. والثاني: أن المتقين قد عبدوا الله لا للجنة ولا للنار فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال مانِعاً لهم من الرغبة في الجنة فلا جَرَمَ يحتاجون إلى أن يُسَاقُوا إلى الجنة. والثالث: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «أكثر أهل الجنة البُلْهُ» فلهذا السبب يساقون إلى الجنة. الرابع: أن أهل النار وأهلا لجنة يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهَوَان والشدّة كما يفعل بالأسير الذي يساق إلى الحبس والقتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يُذْهب بهم إلا رَاكِبينَ، والمراد بذلك لاسوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرّضوان كما يفعل بمن يكرم من الوافدين إلى الملوك فشتان ما بين السَّوْقَتْينِ. قوله: «حتى إذا جاءوها وَفُتِحَتْ» في جواب «إذا» ثلاثة أوجه: أحدهما: قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش وإنّما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجن تكون مغلقةً إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فيفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتحت انتظاراً لمن يدخلها فعلى ذلك أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على دخولهم إليها كما قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب﴾ [ص: 50] فلذلك جيء بالواو فكأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقود فتحت أبوابها. والثاني: أن الجواب قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ على زيادة الواو أيضاً أي حتى إذا جاءوها قال لهم خزنتها. والثالث: أن الجواب محذوف قال الزمخشري: وحقه أن يقدر بعدك «خَالِدين» انتهى يعين لأنه يجيء بعد متعلقات الشرط وما عطف عليه، والتقدير: اطْمَأَنُوا وقدره المبرد: سُعِدُوا، وعلى هذين الوجهين فتكون الجملة من قوله: «وَفُتِحَتْ» في محل نصب على الحال. وق البغوي: قال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف تقديره: حَتَّى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادْخُلُوها خالدين «دخلوها» . فحذف «دَخَلُوهَا» لدلالة لاكلام عليه، وسمى بعضهم الواو في قوله «وفتحت» واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] وقيل: تقديره: حتى إذا جاءوها (جاءوها) فوتحت أبوابها يعني أن الجواب بلفظ الشرط، ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صَحَّ. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها﴾ يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليم ويقولون: طبتم قال ابن عباس: طاب لكم المقام. وقال قتادة: إنهم إذا قطعوا النار حُبسُوا على قَنْطَرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعد حتى إذا هذبوا وطيبوا أُدْخِلُوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه: سَلاَمٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروي عن علي قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرةً يخرج من تحت ساقها عَيْنَانِ فيغتسل المؤمن من إِحْدَايْهِما فيطهر ظاهره ويشرب منه الأخرى فيطهر باطنه وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ» فعند ذلك يقول المتقون: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض أي أرض الجنة وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾ [الأنبياء: 105] . قوله: «نَتَبَوَّأُ» جملة حالية و «حَيْثُ» مفعلو به، ويجوز أن تكون ظرفاً على بابها، وهو الظاهر، قال ابن الخطيب: إنما عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجوه: الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم - عليه (الصلاة و) السلام - لأنه تعالى قال: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سبباً للإرث. الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا الذي أورث كذا وهذا العمل أورث كذا. فلما كانت طاعاتهم قد أفادتهم الجنة لا جَرَمَ قالوا: وأورثنا الأرض، والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أَوْبَثتِ الجَنَّةَ. الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كيف يشاء من غير منازع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة حين شاءوا وأرادوا. فإن قيل: هل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ . فالجواب: يكون الكل واحد منهم جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره. ثم قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي ثواب المطيعين، قال مقاتل: هذا ليس من كلام أهل الجنة بل الله تعالى لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ . قوله: ﴿وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ حَافّين جمع حَافِّ: وهو المحدق بالشيء من حَفَتْتُ بالشيء إذا أحَطْتَ به، قال: 4312 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نيقٍ وَيُتْبِعُهُ ... مِثْلَ الزّجَاجَةِ لَمْ تَكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ وهو مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب قال: 4313 - لَهُ لَحَظَاتٌ عَنْ جَفَافَيْ سَرِيرِهِ ... إِذَا كَرَّهَا فِيهَا عِقَابٌ وَنَائِلُ وقال الفراء - وبتعه الزمخشري - ولا واحِدَ لحافّين وكأنهما رأيا أن الواحد لا يكون «حَافًّا» إذ الحفوف هوا لإحداق بالشيء والإحاطة به وهذا لا يتحقق إلا في جمع. فصل لما ذكر صفة (الثواب) البشر ذكر عقيبه ثواب الملائكة فكما دارُ ثواب المتقين هو الجنة فكذلك دارُ ثواب الملائكة جوانب العرش فقال: ﴿حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ أي محدقين محيطين بالعرش بحافيه أي جوانبه، قال الليث حَفَّ القَوْمُ بسَيِّدِهِمْ يَحُفُّونَ حَفًّا إِذَا طافوا به. قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ﴾ في «من» وجهان: أحدهما: وهو قول الأخفش: أنها مزيدة. والثاني: أنها للابتداء. وقوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ «يسبحون» حال من الضمير في «حافين» ، قيل هذا تسبيح لتذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وهذا يشعر بأن ثوابهم هو عَين ذلك التسبيح. قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق﴾ هذا الضمير إما للملائكة، وإما للعباد (ة) وَقِيلَ: قضى بين أهل الجنة والنار بالعدل ﴿وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ وقيل: إن الملائكة لما قضى بينهم (بالحق) قالوا: الحمد لله رب العالمين على قضائه بيننا بالحق. روى أبو أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وشرف كرم وبجل ومجد وعظم) : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّمَر لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ رَجَاءَهُ وَأعْطَاهُ ثَوَابَ الخَائِفينَ» وعن عاشئة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالت: «كان رسول اله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقْرَأُ كُلَّ ليلة بني إِسْرَائِيلَ والزُّمَر» . رواهما الثعلبي في تفسيره. والله (تعالى) أعلم. (رب يسر برحمتك يا كريم وأغن يا رحيم) بسم الله الرحمن الرحيم سورة غافر

الزمر 39:72

قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى قَدَّرُوا بتشديد الدال حَقَّ قَدْرِهِ بفتح الدال، وافقهم الأعمش على فتح الدال من «قَدَرِهِ» والمعنى وما عظمه حق عظمته حين أشركوا به غيره. قوله: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال أي ما عظموه حق تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] أي (كيف) تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا و «جميعاً» حال وهي دالة على أن المراد بالأرض الأرضون فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع قال ابن الخطيب: ونظيره قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: 93] وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النور: 31] وقوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] ولأن الموضع موضع تفخيم ولعطف الجمع عليها (والعامل) في هذه الحال ما دل عليه «قَبْضَتُهُ» ، (ولا يجوز أن يعمل فيها «قَبْضَتُهُ» ) سواء جعلته مصدراً؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله أم مراداً به المقدار قال الزمخشري: ومع القصد إلى الجمع «يعني في الأرض» فإنه أريدَ به الجمع وتأكيده بالجميع أتبع الجميع مؤكده قبل مجيء الخبر ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة ولكن عن الأرض كلها. وقال أبو البقاء: و «جَمِيعاً» حال من الأرض، والتقدير: إذا كانت مجتمعةً قَبْضتُهُ أي مقبوضةً، فالعامل في «إذا» المصدر، لأنه بمعنى المفعول، وقال أبو علي في الحدة: التقدير: «ذَاتُ قَبْضَتِهِ» وقد رد عليه ذلك بأن المضاف إلَيْه لا يعْمَلُ فيما قبله، وهذا لا يصحُّ لن الآن غير مضاف إليه، وبعد حذف المضاف لا يبقى حكمه انتهى وهو كلام فيه إشكال؛ إذ لا حاجة إلى تقدير العامل في «إِذ» التي لم يلفظ بها. وقوله: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ إنْ قَدَّرْنَا مضافاً - كما قال الفارسيُّ أي ذاتُ قبضته - لم يكن فيه وقوع المصدر موقع «مفعول» وإن لم يُقَدَّر ذلك احتمل أن يكون المصدر واقعاً موقعه، وحينئذ يقال: كيف أنّث المصدر الواقع موقع مفعول وهو غير جائز؟! لا يقال: حُلّة نَسْجَةُ اليَمَن بل نَسْجُ اليَمن أي مَنْسُوجُه. والجواب: أن الممتنع دخول التاء الدال على التحديد وهذه المجرد التأنيث. كذا أجيب. وليس بذاك فإن المعنى على التحديد لأنه أبلغ في القدرة، واحتمل أن يكون أريد بالمصدر مقدار (ذلك) (التحديد) . والقَبْضَةُ - بالفتح - المَرَّة، وبالضم اسم المقبوض كالغُرْفَة والغَرْفَة، قال تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾ [طه: 96] . والعامة على رفع «قبضته» والحسن ينصبها وخرَّجها ابن خالويه وجماعة على النصب على الظرفية أي « (في) قَبْضَتِهِ» . ورد هذا بأنه ظرف مختص فلا بد من وجود «في» وهذا هو رأي البصريين، وأما الكوفيون فهو جائز عندهم إذ يجيزون: زَيْدٌ دَارَك - بالنصب - أي في دَارك، وقال الزمخشري: جعلها ظرفاً تشبيهاً للمؤقت بالمبهم، فوافق الكوفيِّين. قوله: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ العامة على رفع «مَطْوِيَّات» خبراً، و «بِيَميِنِهِ» فيه أوجه: أحدهما: أنه متعلق «بمطويات» . الثاني: أنه حال من الضمير في «مَطْوِيَّاتٍ» . الثالث: أنه خبر ثان، وعيسى والجحْدري نصباها حالاً واستدل بها الأخفش على جواز تقديم الحال إذا كان العامل فيها حرف جر نحو: زَيْدٌ قائِمٌ في الدار وهذه لا حجة فيها لإمكان تخريجها على وجهين: أظهرهما: أن يكون «السموات» نسقاً على الأرض ويكون قد أخبر عن الأرضين والسموات بأن الجميع قبضته ويكون «مطويات» حالاً من السموات، كما كان جميعاً حالاً من الأرض و «بيمينه» متعلق «بمِطْوِيَاتٍ» . والثاني: أن يكون «مطويات» منصوباً بفعل مقدر و «بِيَمِيِنِهِ» الخبر، و «مَطْوِيَّات» وعالمه جملة معترضة وهو ضعيف. (فصل لما حكمى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد سواه بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له في العبودية فقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظموا الله حقَّ عظمته فقال: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وروى البخاري أن حَبْراً من الأحْبَار أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبح والماء والثرى على أصبح وسائر الخالق على أصبع، ويقول: أنا الملك فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حتى بدت نَوَاجِذُهُ تصديقاً لقوله الحَبْر ثم قرأ: «وَمَا قَدَرُوا اله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» وروى مسلم قال: والجبالُ والشجرُ على إصبح وقال: ثم يهزّهُنَّ فيقول: أنا المَلِكُ أنَا الله وروى شبيةُ عن ابن أبي شَيْبَىَ بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «يَطْوِي الله السَّمَوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى ثم يقال: أَنَا المَلِكُ أيْنَ الجَبَّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُون» ولما بين سبحانه وتعالى عظمته قال: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . فصل قال ابن الخطيب: وههنا سؤالات: الأول: أن العرض أعظم من السموات السبع، والأرضين السبع، ثم إنه تعالى قال في صفة العرش: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 17] فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين للعرش العظيم فيكف يجوز تقرير عظمته الله عَزَّ وَجَلَّ بكونه حاملاً للسموات والأرض؟! السؤال الثاني: قوله تعالى: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ شرح حالاً لا يحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم مقرون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم وإن كان الخطاب مع المكذبين في النبوة فهم ينكرون قوله: «والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟ . السؤال الثالث: حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدر الله تعالى فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ . والجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على حفظ هذه الأجسام العظيمة كما أن حفضَها وإمساكها يوم القيامة عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكون قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. والجواب: عن الثاني: أن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأَرَضِين من وجوه العِمَارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإبقائها يوم القيامة وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضاً على كونه قادراً غنياً على الإطلاق فإنه يدل على أنه حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض صغيرة، وذلك يدل على كمال الاستغناء. والجواب: عن الثالث: أنه إنما خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا والله أعلم. قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ العامة على سكون الواو، وزيد بن علي وقتادة بفتحها جمع «صُورَة» وهذه ترد قول ابن عطية أن الصور هنا يتعين أن يكون القرن، ولا يجوز أن يكون جمع صورة وقرئ: فصعق - مبنياً للمفعول - وهو مأخوذ من قوله: «صَعَقَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، يال: صَعَقَةُ الله فَصُعِقَ. قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ (استثناء) متصل، والمستثنى إما جبريل وميكائيل وإسرافيل: وإما رِضْوَان والحور والزبانية، وإما البارئ تعالى، قاله الحسن وفيه نظر من حيث قوله ﴿مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ فإنه لا يتحيز فعلى هذا يتعين أن يكون منقطعاً. قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى﴾ يجوز أن يكون» أخرى «هي القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخ فيه نفخة أخرى ويؤيده التصريح بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: 13] فصرح بإقامة المصدر ويجوزُ أن يكون القائم مقامه الجارّ، و» أُخْرَى» منصوبة على ما تقدم. قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ العامة على رفع» قيام «خبراً، وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ نصبه حالاً، وفيه حنيئذ أوجه: أحدهما: أن الخبر» ينظرون «وهو العامل في هذه الحال أي فإذا هُمْ يَنْظُرُونَ قِيَاماً. والثاني: أن العامل في الحال ما عمل في» إذا» الفجائية إذا كانت ظرفاً. فإن كانت مكانية - كما قال سيبويه - فالتقدير فبِالحَضْرة هُمْ قياماً، وإن كان زمانية كقول الرّمَّانِي فتقديره: فَفِي ذلكَ الزمان هُمْ قياماً أي وجودهم، وإنما احتيجَ إلى تقدير مضاف في هذا الوجه لأنه لا يخبر بالزمان عن الجُثث. الثالث: أن الخبر محذوف هو العامل في الحال أي فإذا هم مبعوثُون أو مجموعون قياماً، وإذا جعلنا الفجائية حرفاً كقول بعضهم فالعامل في الحال إما «ينظرون» ، وإمّا الخبر المقدر كما تقدم تحقيقهما. فصل لما ذكر كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضاً على كمال عظمته وهو شرح مقدمات يوم القيامة، لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ الآية. اختلفوا في الصعقة فقيل: إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى - عليه (الصلاة و) السلام) -: ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: 143] وهو لم يمت فهذه النفخة تورث الفزغ الشديد وعلى هذا فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد وهو المذكور في سورة النمل في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله} [النمل: 87] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين. وقيل: الصعقة عبارة عن الموت، والقائلون بهذا قالوا: المراد بالفزع أي كادوا يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدري فالنخة الصعق، والثالثة نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة، وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ قال ابن عباس: نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل: وَيبْقَى جبريل وملك الموت، ثم يموت عزرائيل ثم يموت ملك الموت، وقيل: المستثنى هم الشهداء لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] وروى أبو هريرة عن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «هُمُ الشَّهَدَاءُ مُتَقَلِّدُونَ أسْيَافَهُمْ حَوْلَ العَرْشِ» وقال جابر: هو موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنه صُعِقَ، ولا يصعق. وقيل: هم الحور العين وسكان العرش والكرسي، وقال قتادة: الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم. ثم قال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولة لأن لفظة «ثم» للتراخي. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْن أربعون» ، قالوا: أرْبَعون يَوْماً قال: أبَيْتُ قالوا: أربعون شهراً قال: أبيت قالوا أربعون سنةً، قال: أبيت قال: ثم ينزل الله من السماء ماءً فتَنْبتُونَ كما ينبت البَقْلُ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظمٌ واحد وهو عَجبُ الذَّنَب، وفيه يركب الخلق يوم القيامة» . وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ يعني أن قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله: «فإذا هم» يدلّ على التعقيب، وقوله «يَنْظُرون» أي يقبلون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم، وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لأجل استيلاء الحَيْرة والدهشة عليهم. قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرض﴾ العامة على بنائه للفاعل، وابن عباس وأبو الجَوْزاء. وعُبَيدُ بنُ عُمَير، عل بنائه للمفعول وهو منقول بالهمزة من شَرقَتْ إذا طلعت، وليس من أشْرقَتْ بمعنى أضاءت لأن ذلك لازمٌ وجعله ابن عطيّة مثل رَجَعَ ورجَعْتُهُ، وَوَقَفَ وَوَقَفْتُهُ فيكون أشرق لازماً ومتعدياً. فصل هذه الأرض عَرْصة القيامة وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] وقوله: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي خالقها يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، وقال الحسن والسدي: بنور ربها أي بعدل ربها قال عليه (الصلاة و) السلام: «إنَّكُمْ سَتَروْنَ رَبَّكُمْ» وقال: «كما لا تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس في اليَوْم الصَّحْو» وقوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ أي كتاب الأعمال لقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: 13] وقوله: ﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. وقوله: ﴿وَجِيءَ بالنبيين والشهدآء﴾ قال ابن عباس: يعين الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال عطاء ومقاتل: يعني الحَفَظَة لقوله تعالى: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21] وقي: أراد بالشهداء: المستشهدون في سبيل الله. ثم قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ أي بالعدل ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي يُزادون في سيئاتهم ولا يُنْقَصُ من حسناتهم «ووفِّيت كُلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ» أن ثُوَابَ مَا عَمِلْتْ: واعلم أنه تعالى لما بين أنه يوصل إلى كل أحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات: أولها: قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ . وثانيها: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ . واربعها: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ يعني أنه (إن) لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي (إلا) بالحق لأجل عدم العلم أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ عليه، والمقصود من الآية المبالغة في تَقْرير أن كل مؤمن فإنه يصل إلى حقه، قال عطاء يريد أنّي عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا شاهد. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ لما شرح أحوال أهل القيامة على سبل الإجمال وقال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ بين بعده كيفية أحوال العقاب ثم كيفية أحوال الثواب، فأما شرحُ أحوال العقاب فهو هذه الآية وهذا السَّوْق يكون بالعُنُق والدفع بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: 13] أي يدفعون دفعاص، وقوله: ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: 86] . قوله: ﴿زُمَراً﴾ و «زُمَرٌ» جمع «زُمْرة» وهي الجماعات في تفرقة بعضها في إثر بعض، و «تَزَمَّرُوا» تجمعوا قال: 4311 - حَتَّى احْزَأَلَّتْ زمُرٌ بَعْدَ زُمَرْ ... هذا قول أبي عبيد (ة) والأخفش، وقال الراغب: الزُّمْرة الجماعة القليلة، ومنه شاة زمرة أي قليلة الشعر، ورجل زَمِرٌ أي قليل المروءة، وزَمَرَت النَّعَامَةُ تَزْمُر زَمَاراً ومنه اشتق الزّمر. والزَّمَّارة كناية عن الفاجرة. قوله: ﴿حتى إِذَا﴾ تقدم الكلام في «حتى» الداخلة على «إذا» مِرَاراً، وجواب «إذا» قوله: فتحت. وتقدم خلاف القراء في التشديد والتخفيف في سورة الأنعام. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ قرأ ابن هُرْمز أَلَمْ تَأْتِكُمْ بتاء التأنيث لتأنيث الجمع، و «مِنْكُمْ» صفة «الرسل» أو متعلق بالإتْيان و «يَتْلُونَ» صفة أُخْرى، و «خَالِدينَ» في الموضعين حال مقدرة. فصل بين تعالى أنهم يُسَاقُون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابُها، وهذا يدل على أن أبواب جهنم تكون مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنةُ جهنم: ألم يأتكم رسل منكم أي من جنسكم يتلون عليكم آياتِ ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا. فإن قيل: لِمَ أضيفَ اليوم إليهم؟ . فالجواب: أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة واستعمال لفظ اليوم (إليهم) والأيام في أقوات الشدة مستفيض فعند هذا تقول الكفار «بَلَى» أتونا وتَلَوْا علينا «وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرينَ» أي وجبت كلمة العذاب على الكافرين وهي قوله عزو وجل: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13] وهذا صريح في أن السعيد (لا ينقلب) شقياً والشقي لا ينقلب سعيداً، ودلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا أنهم ما بقي لهم عُذرٌ ولا علة بعد مجيء الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -، (ولو) لم يكن مجيء الأنبياء شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدةٌ. ثم إنَّ إذا سَمِعُوا منهم هذا الكلام قالوا: لهم ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبرينَ. (قال المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنهم حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ فائدة، وأجيبوا بأن (هذا) الكلام إنما يبقى مفيداً إذا قلنا: إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ولم يلتفتوا إلى دلائلهم، وذلك يدل على صحة قولنا. والله أعلمْ. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً﴾ . فإن قِيلَ: السَّوْقُ في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يُسَاقُوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأيُّ حادة فيه إلى السَّوْق؟! . فالجواب: من وجوه: الأول: أن لامحبة ولاصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: 67] فإذا قيل لواحد منهم: اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها إلا مع أحبَّائِي وأصدقائي فيتأخرونَ لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السَّوق إلى الجنة. والثاني: أن المتقين قد عبدوا الله لا للجنة ولا للنار فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال مانِعاً لهم من الرغبة في الجنة فلا جَرَمَ يحتاجون إلى أن يُسَاقُوا إلى الجنة. والثالث: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «أكثر أهل الجنة البُلْهُ» فلهذا السبب يساقون إلى الجنة. الرابع: أن أهل النار وأهلا لجنة يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهَوَان والشدّة كما يفعل بالأسير الذي يساق إلى الحبس والقتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يُذْهب بهم إلا رَاكِبينَ، والمراد بذلك لاسوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرّضوان كما يفعل بمن يكرم من الوافدين إلى الملوك فشتان ما بين السَّوْقَتْينِ. قوله: «حتى إذا جاءوها وَفُتِحَتْ» في جواب «إذا» ثلاثة أوجه: أحدهما: قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش وإنّما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجن تكون مغلقةً إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فيفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتحت انتظاراً لمن يدخلها فعلى ذلك أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على دخولهم إليها كما قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب﴾ [ص: 50] فلذلك جيء بالواو فكأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقود فتحت أبوابها. والثاني: أن الجواب قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ على زيادة الواو أيضاً أي حتى إذا جاءوها قال لهم خزنتها. والثالث: أن الجواب محذوف قال الزمخشري: وحقه أن يقدر بعدك «خَالِدين» انتهى يعين لأنه يجيء بعد متعلقات الشرط وما عطف عليه، والتقدير: اطْمَأَنُوا وقدره المبرد: سُعِدُوا، وعلى هذين الوجهين فتكون الجملة من قوله: «وَفُتِحَتْ» في محل نصب على الحال. وق البغوي: قال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف تقديره: حَتَّى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادْخُلُوها خالدين «دخلوها» . فحذف «دَخَلُوهَا» لدلالة لاكلام عليه، وسمى بعضهم الواو في قوله «وفتحت» واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] وقيل: تقديره: حتى إذا جاءوها (جاءوها) فوتحت أبوابها يعني أن الجواب بلفظ الشرط، ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صَحَّ. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها﴾ يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليم ويقولون: طبتم قال ابن عباس: طاب لكم المقام. وقال قتادة: إنهم إذا قطعوا النار حُبسُوا على قَنْطَرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعد حتى إذا هذبوا وطيبوا أُدْخِلُوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه: سَلاَمٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروي عن علي قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرةً يخرج من تحت ساقها عَيْنَانِ فيغتسل المؤمن من إِحْدَايْهِما فيطهر ظاهره ويشرب منه الأخرى فيطهر باطنه وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ» فعند ذلك يقول المتقون: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض أي أرض الجنة وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾ [الأنبياء: 105] . قوله: «نَتَبَوَّأُ» جملة حالية و «حَيْثُ» مفعلو به، ويجوز أن تكون ظرفاً على بابها، وهو الظاهر، قال ابن الخطيب: إنما عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجوه: الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم - عليه (الصلاة و) السلام - لأنه تعالى قال: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سبباً للإرث. الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا الذي أورث كذا وهذا العمل أورث كذا. فلما كانت طاعاتهم قد أفادتهم الجنة لا جَرَمَ قالوا: وأورثنا الأرض، والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أَوْبَثتِ الجَنَّةَ. الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كيف يشاء من غير منازع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة حين شاءوا وأرادوا. فإن قيل: هل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ . فالجواب: يكون الكل واحد منهم جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره. ثم قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي ثواب المطيعين، قال مقاتل: هذا ليس من كلام أهل الجنة بل الله تعالى لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ . قوله: ﴿وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ حَافّين جمع حَافِّ: وهو المحدق بالشيء من حَفَتْتُ بالشيء إذا أحَطْتَ به، قال: 4312 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نيقٍ وَيُتْبِعُهُ ... مِثْلَ الزّجَاجَةِ لَمْ تَكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ وهو مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب قال: 4313 - لَهُ لَحَظَاتٌ عَنْ جَفَافَيْ سَرِيرِهِ ... إِذَا كَرَّهَا فِيهَا عِقَابٌ وَنَائِلُ وقال الفراء - وبتعه الزمخشري - ولا واحِدَ لحافّين وكأنهما رأيا أن الواحد لا يكون «حَافًّا» إذ الحفوف هوا لإحداق بالشيء والإحاطة به وهذا لا يتحقق إلا في جمع. فصل لما ذكر صفة (الثواب) البشر ذكر عقيبه ثواب الملائكة فكما دارُ ثواب المتقين هو الجنة فكذلك دارُ ثواب الملائكة جوانب العرش فقال: ﴿حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ أي محدقين محيطين بالعرش بحافيه أي جوانبه، قال الليث حَفَّ القَوْمُ بسَيِّدِهِمْ يَحُفُّونَ حَفًّا إِذَا طافوا به. قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ﴾ في «من» وجهان: أحدهما: وهو قول الأخفش: أنها مزيدة. والثاني: أنها للابتداء. وقوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ «يسبحون» حال من الضمير في «حافين» ، قيل هذا تسبيح لتذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وهذا يشعر بأن ثوابهم هو عَين ذلك التسبيح. قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق﴾ هذا الضمير إما للملائكة، وإما للعباد (ة) وَقِيلَ: قضى بين أهل الجنة والنار بالعدل ﴿وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ وقيل: إن الملائكة لما قضى بينهم (بالحق) قالوا: الحمد لله رب العالمين على قضائه بيننا بالحق. روى أبو أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وشرف كرم وبجل ومجد وعظم) : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّمَر لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ رَجَاءَهُ وَأعْطَاهُ ثَوَابَ الخَائِفينَ» وعن عاشئة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالت: «كان رسول اله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقْرَأُ كُلَّ ليلة بني إِسْرَائِيلَ والزُّمَر» . رواهما الثعلبي في تفسيره. والله (تعالى) أعلم. (رب يسر برحمتك يا كريم وأغن يا رحيم) بسم الله الرحمن الرحيم سورة غافر

الزمر 39:73

قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى قَدَّرُوا بتشديد الدال حَقَّ قَدْرِهِ بفتح الدال، وافقهم الأعمش على فتح الدال من «قَدَرِهِ» والمعنى وما عظمه حق عظمته حين أشركوا به غيره. قوله: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال أي ما عظموه حق تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] أي (كيف) تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا و «جميعاً» حال وهي دالة على أن المراد بالأرض الأرضون فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع قال ابن الخطيب: ونظيره قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: 93] وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النور: 31] وقوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] ولأن الموضع موضع تفخيم ولعطف الجمع عليها (والعامل) في هذه الحال ما دل عليه «قَبْضَتُهُ» ، (ولا يجوز أن يعمل فيها «قَبْضَتُهُ» ) سواء جعلته مصدراً؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله أم مراداً به المقدار قال الزمخشري: ومع القصد إلى الجمع «يعني في الأرض» فإنه أريدَ به الجمع وتأكيده بالجميع أتبع الجميع مؤكده قبل مجيء الخبر ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة ولكن عن الأرض كلها. وقال أبو البقاء: و «جَمِيعاً» حال من الأرض، والتقدير: إذا كانت مجتمعةً قَبْضتُهُ أي مقبوضةً، فالعامل في «إذا» المصدر، لأنه بمعنى المفعول، وقال أبو علي في الحدة: التقدير: «ذَاتُ قَبْضَتِهِ» وقد رد عليه ذلك بأن المضاف إلَيْه لا يعْمَلُ فيما قبله، وهذا لا يصحُّ لن الآن غير مضاف إليه، وبعد حذف المضاف لا يبقى حكمه انتهى وهو كلام فيه إشكال؛ إذ لا حاجة إلى تقدير العامل في «إِذ» التي لم يلفظ بها. وقوله: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ إنْ قَدَّرْنَا مضافاً - كما قال الفارسيُّ أي ذاتُ قبضته - لم يكن فيه وقوع المصدر موقع «مفعول» وإن لم يُقَدَّر ذلك احتمل أن يكون المصدر واقعاً موقعه، وحينئذ يقال: كيف أنّث المصدر الواقع موقع مفعول وهو غير جائز؟! لا يقال: حُلّة نَسْجَةُ اليَمَن بل نَسْجُ اليَمن أي مَنْسُوجُه. والجواب: أن الممتنع دخول التاء الدال على التحديد وهذه المجرد التأنيث. كذا أجيب. وليس بذاك فإن المعنى على التحديد لأنه أبلغ في القدرة، واحتمل أن يكون أريد بالمصدر مقدار (ذلك) (التحديد) . والقَبْضَةُ - بالفتح - المَرَّة، وبالضم اسم المقبوض كالغُرْفَة والغَرْفَة، قال تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾ [طه: 96] . والعامة على رفع «قبضته» والحسن ينصبها وخرَّجها ابن خالويه وجماعة على النصب على الظرفية أي « (في) قَبْضَتِهِ» . ورد هذا بأنه ظرف مختص فلا بد من وجود «في» وهذا هو رأي البصريين، وأما الكوفيون فهو جائز عندهم إذ يجيزون: زَيْدٌ دَارَك - بالنصب - أي في دَارك، وقال الزمخشري: جعلها ظرفاً تشبيهاً للمؤقت بالمبهم، فوافق الكوفيِّين. قوله: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ العامة على رفع «مَطْوِيَّات» خبراً، و «بِيَميِنِهِ» فيه أوجه: أحدهما: أنه متعلق «بمطويات» . الثاني: أنه حال من الضمير في «مَطْوِيَّاتٍ» . الثالث: أنه خبر ثان، وعيسى والجحْدري نصباها حالاً واستدل بها الأخفش على جواز تقديم الحال إذا كان العامل فيها حرف جر نحو: زَيْدٌ قائِمٌ في الدار وهذه لا حجة فيها لإمكان تخريجها على وجهين: أظهرهما: أن يكون «السموات» نسقاً على الأرض ويكون قد أخبر عن الأرضين والسموات بأن الجميع قبضته ويكون «مطويات» حالاً من السموات، كما كان جميعاً حالاً من الأرض و «بيمينه» متعلق «بمِطْوِيَاتٍ» . والثاني: أن يكون «مطويات» منصوباً بفعل مقدر و «بِيَمِيِنِهِ» الخبر، و «مَطْوِيَّات» وعالمه جملة معترضة وهو ضعيف. (فصل لما حكمى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد سواه بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له في العبودية فقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظموا الله حقَّ عظمته فقال: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وروى البخاري أن حَبْراً من الأحْبَار أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبح والماء والثرى على أصبح وسائر الخالق على أصبع، ويقول: أنا الملك فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حتى بدت نَوَاجِذُهُ تصديقاً لقوله الحَبْر ثم قرأ: «وَمَا قَدَرُوا اله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» وروى مسلم قال: والجبالُ والشجرُ على إصبح وقال: ثم يهزّهُنَّ فيقول: أنا المَلِكُ أنَا الله وروى شبيةُ عن ابن أبي شَيْبَىَ بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «يَطْوِي الله السَّمَوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى ثم يقال: أَنَا المَلِكُ أيْنَ الجَبَّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُون» ولما بين سبحانه وتعالى عظمته قال: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . فصل قال ابن الخطيب: وههنا سؤالات: الأول: أن العرض أعظم من السموات السبع، والأرضين السبع، ثم إنه تعالى قال في صفة العرش: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 17] فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين للعرش العظيم فيكف يجوز تقرير عظمته الله عَزَّ وَجَلَّ بكونه حاملاً للسموات والأرض؟! السؤال الثاني: قوله تعالى: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ شرح حالاً لا يحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم مقرون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم وإن كان الخطاب مع المكذبين في النبوة فهم ينكرون قوله: «والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟ . السؤال الثالث: حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدر الله تعالى فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ . والجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على حفظ هذه الأجسام العظيمة كما أن حفضَها وإمساكها يوم القيامة عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكون قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. والجواب: عن الثاني: أن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأَرَضِين من وجوه العِمَارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإبقائها يوم القيامة وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضاً على كونه قادراً غنياً على الإطلاق فإنه يدل على أنه حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض صغيرة، وذلك يدل على كمال الاستغناء. والجواب: عن الثالث: أنه إنما خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا والله أعلم. قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ العامة على سكون الواو، وزيد بن علي وقتادة بفتحها جمع «صُورَة» وهذه ترد قول ابن عطية أن الصور هنا يتعين أن يكون القرن، ولا يجوز أن يكون جمع صورة وقرئ: فصعق - مبنياً للمفعول - وهو مأخوذ من قوله: «صَعَقَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، يال: صَعَقَةُ الله فَصُعِقَ. قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ (استثناء) متصل، والمستثنى إما جبريل وميكائيل وإسرافيل: وإما رِضْوَان والحور والزبانية، وإما البارئ تعالى، قاله الحسن وفيه نظر من حيث قوله ﴿مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ فإنه لا يتحيز فعلى هذا يتعين أن يكون منقطعاً. قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى﴾ يجوز أن يكون» أخرى «هي القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخ فيه نفخة أخرى ويؤيده التصريح بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: 13] فصرح بإقامة المصدر ويجوزُ أن يكون القائم مقامه الجارّ، و» أُخْرَى» منصوبة على ما تقدم. قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ العامة على رفع» قيام «خبراً، وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ نصبه حالاً، وفيه حنيئذ أوجه: أحدهما: أن الخبر» ينظرون «وهو العامل في هذه الحال أي فإذا هُمْ يَنْظُرُونَ قِيَاماً. والثاني: أن العامل في الحال ما عمل في» إذا» الفجائية إذا كانت ظرفاً. فإن كانت مكانية - كما قال سيبويه - فالتقدير فبِالحَضْرة هُمْ قياماً، وإن كان زمانية كقول الرّمَّانِي فتقديره: فَفِي ذلكَ الزمان هُمْ قياماً أي وجودهم، وإنما احتيجَ إلى تقدير مضاف في هذا الوجه لأنه لا يخبر بالزمان عن الجُثث. الثالث: أن الخبر محذوف هو العامل في الحال أي فإذا هم مبعوثُون أو مجموعون قياماً، وإذا جعلنا الفجائية حرفاً كقول بعضهم فالعامل في الحال إما «ينظرون» ، وإمّا الخبر المقدر كما تقدم تحقيقهما. فصل لما ذكر كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضاً على كمال عظمته وهو شرح مقدمات يوم القيامة، لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ الآية. اختلفوا في الصعقة فقيل: إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى - عليه (الصلاة و) السلام) -: ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: 143] وهو لم يمت فهذه النفخة تورث الفزغ الشديد وعلى هذا فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد وهو المذكور في سورة النمل في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله} [النمل: 87] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين. وقيل: الصعقة عبارة عن الموت، والقائلون بهذا قالوا: المراد بالفزع أي كادوا يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدري فالنخة الصعق، والثالثة نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة، وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ قال ابن عباس: نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل: وَيبْقَى جبريل وملك الموت، ثم يموت عزرائيل ثم يموت ملك الموت، وقيل: المستثنى هم الشهداء لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] وروى أبو هريرة عن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «هُمُ الشَّهَدَاءُ مُتَقَلِّدُونَ أسْيَافَهُمْ حَوْلَ العَرْشِ» وقال جابر: هو موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنه صُعِقَ، ولا يصعق. وقيل: هم الحور العين وسكان العرش والكرسي، وقال قتادة: الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم. ثم قال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولة لأن لفظة «ثم» للتراخي. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْن أربعون» ، قالوا: أرْبَعون يَوْماً قال: أبَيْتُ قالوا: أربعون شهراً قال: أبيت قالوا أربعون سنةً، قال: أبيت قال: ثم ينزل الله من السماء ماءً فتَنْبتُونَ كما ينبت البَقْلُ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظمٌ واحد وهو عَجبُ الذَّنَب، وفيه يركب الخلق يوم القيامة» . وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ يعني أن قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله: «فإذا هم» يدلّ على التعقيب، وقوله «يَنْظُرون» أي يقبلون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم، وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لأجل استيلاء الحَيْرة والدهشة عليهم. قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرض﴾ العامة على بنائه للفاعل، وابن عباس وأبو الجَوْزاء. وعُبَيدُ بنُ عُمَير، عل بنائه للمفعول وهو منقول بالهمزة من شَرقَتْ إذا طلعت، وليس من أشْرقَتْ بمعنى أضاءت لأن ذلك لازمٌ وجعله ابن عطيّة مثل رَجَعَ ورجَعْتُهُ، وَوَقَفَ وَوَقَفْتُهُ فيكون أشرق لازماً ومتعدياً. فصل هذه الأرض عَرْصة القيامة وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] وقوله: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي خالقها يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، وقال الحسن والسدي: بنور ربها أي بعدل ربها قال عليه (الصلاة و) السلام: «إنَّكُمْ سَتَروْنَ رَبَّكُمْ» وقال: «كما لا تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس في اليَوْم الصَّحْو» وقوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ أي كتاب الأعمال لقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: 13] وقوله: ﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. وقوله: ﴿وَجِيءَ بالنبيين والشهدآء﴾ قال ابن عباس: يعين الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال عطاء ومقاتل: يعني الحَفَظَة لقوله تعالى: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21] وقي: أراد بالشهداء: المستشهدون في سبيل الله. ثم قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ أي بالعدل ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي يُزادون في سيئاتهم ولا يُنْقَصُ من حسناتهم «ووفِّيت كُلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ» أن ثُوَابَ مَا عَمِلْتْ: واعلم أنه تعالى لما بين أنه يوصل إلى كل أحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات: أولها: قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ . وثانيها: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ . واربعها: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ يعني أنه (إن) لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي (إلا) بالحق لأجل عدم العلم أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ عليه، والمقصود من الآية المبالغة في تَقْرير أن كل مؤمن فإنه يصل إلى حقه، قال عطاء يريد أنّي عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا شاهد. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ لما شرح أحوال أهل القيامة على سبل الإجمال وقال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ بين بعده كيفية أحوال العقاب ثم كيفية أحوال الثواب، فأما شرحُ أحوال العقاب فهو هذه الآية وهذا السَّوْق يكون بالعُنُق والدفع بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: 13] أي يدفعون دفعاص، وقوله: ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: 86] . قوله: ﴿زُمَراً﴾ و «زُمَرٌ» جمع «زُمْرة» وهي الجماعات في تفرقة بعضها في إثر بعض، و «تَزَمَّرُوا» تجمعوا قال: 4311 - حَتَّى احْزَأَلَّتْ زمُرٌ بَعْدَ زُمَرْ ... هذا قول أبي عبيد (ة) والأخفش، وقال الراغب: الزُّمْرة الجماعة القليلة، ومنه شاة زمرة أي قليلة الشعر، ورجل زَمِرٌ أي قليل المروءة، وزَمَرَت النَّعَامَةُ تَزْمُر زَمَاراً ومنه اشتق الزّمر. والزَّمَّارة كناية عن الفاجرة. قوله: ﴿حتى إِذَا﴾ تقدم الكلام في «حتى» الداخلة على «إذا» مِرَاراً، وجواب «إذا» قوله: فتحت. وتقدم خلاف القراء في التشديد والتخفيف في سورة الأنعام. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ قرأ ابن هُرْمز أَلَمْ تَأْتِكُمْ بتاء التأنيث لتأنيث الجمع، و «مِنْكُمْ» صفة «الرسل» أو متعلق بالإتْيان و «يَتْلُونَ» صفة أُخْرى، و «خَالِدينَ» في الموضعين حال مقدرة. فصل بين تعالى أنهم يُسَاقُون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابُها، وهذا يدل على أن أبواب جهنم تكون مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنةُ جهنم: ألم يأتكم رسل منكم أي من جنسكم يتلون عليكم آياتِ ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا. فإن قيل: لِمَ أضيفَ اليوم إليهم؟ . فالجواب: أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة واستعمال لفظ اليوم (إليهم) والأيام في أقوات الشدة مستفيض فعند هذا تقول الكفار «بَلَى» أتونا وتَلَوْا علينا «وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرينَ» أي وجبت كلمة العذاب على الكافرين وهي قوله عزو وجل: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13] وهذا صريح في أن السعيد (لا ينقلب) شقياً والشقي لا ينقلب سعيداً، ودلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا أنهم ما بقي لهم عُذرٌ ولا علة بعد مجيء الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -، (ولو) لم يكن مجيء الأنبياء شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدةٌ. ثم إنَّ إذا سَمِعُوا منهم هذا الكلام قالوا: لهم ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبرينَ. (قال المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنهم حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ فائدة، وأجيبوا بأن (هذا) الكلام إنما يبقى مفيداً إذا قلنا: إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ولم يلتفتوا إلى دلائلهم، وذلك يدل على صحة قولنا. والله أعلمْ. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً﴾ . فإن قِيلَ: السَّوْقُ في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يُسَاقُوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأيُّ حادة فيه إلى السَّوْق؟! . فالجواب: من وجوه: الأول: أن لامحبة ولاصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: 67] فإذا قيل لواحد منهم: اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها إلا مع أحبَّائِي وأصدقائي فيتأخرونَ لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السَّوق إلى الجنة. والثاني: أن المتقين قد عبدوا الله لا للجنة ولا للنار فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال مانِعاً لهم من الرغبة في الجنة فلا جَرَمَ يحتاجون إلى أن يُسَاقُوا إلى الجنة. والثالث: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «أكثر أهل الجنة البُلْهُ» فلهذا السبب يساقون إلى الجنة. الرابع: أن أهل النار وأهلا لجنة يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهَوَان والشدّة كما يفعل بالأسير الذي يساق إلى الحبس والقتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يُذْهب بهم إلا رَاكِبينَ، والمراد بذلك لاسوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرّضوان كما يفعل بمن يكرم من الوافدين إلى الملوك فشتان ما بين السَّوْقَتْينِ. قوله: «حتى إذا جاءوها وَفُتِحَتْ» في جواب «إذا» ثلاثة أوجه: أحدهما: قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش وإنّما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجن تكون مغلقةً إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فيفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتحت انتظاراً لمن يدخلها فعلى ذلك أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على دخولهم إليها كما قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب﴾ [ص: 50] فلذلك جيء بالواو فكأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقود فتحت أبوابها. والثاني: أن الجواب قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ على زيادة الواو أيضاً أي حتى إذا جاءوها قال لهم خزنتها. والثالث: أن الجواب محذوف قال الزمخشري: وحقه أن يقدر بعدك «خَالِدين» انتهى يعين لأنه يجيء بعد متعلقات الشرط وما عطف عليه، والتقدير: اطْمَأَنُوا وقدره المبرد: سُعِدُوا، وعلى هذين الوجهين فتكون الجملة من قوله: «وَفُتِحَتْ» في محل نصب على الحال. وق البغوي: قال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف تقديره: حَتَّى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادْخُلُوها خالدين «دخلوها» . فحذف «دَخَلُوهَا» لدلالة لاكلام عليه، وسمى بعضهم الواو في قوله «وفتحت» واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] وقيل: تقديره: حتى إذا جاءوها (جاءوها) فوتحت أبوابها يعني أن الجواب بلفظ الشرط، ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صَحَّ. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها﴾ يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليم ويقولون: طبتم قال ابن عباس: طاب لكم المقام. وقال قتادة: إنهم إذا قطعوا النار حُبسُوا على قَنْطَرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعد حتى إذا هذبوا وطيبوا أُدْخِلُوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه: سَلاَمٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروي عن علي قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرةً يخرج من تحت ساقها عَيْنَانِ فيغتسل المؤمن من إِحْدَايْهِما فيطهر ظاهره ويشرب منه الأخرى فيطهر باطنه وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ» فعند ذلك يقول المتقون: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض أي أرض الجنة وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾ [الأنبياء: 105] . قوله: «نَتَبَوَّأُ» جملة حالية و «حَيْثُ» مفعلو به، ويجوز أن تكون ظرفاً على بابها، وهو الظاهر، قال ابن الخطيب: إنما عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجوه: الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم - عليه (الصلاة و) السلام - لأنه تعالى قال: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سبباً للإرث. الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا الذي أورث كذا وهذا العمل أورث كذا. فلما كانت طاعاتهم قد أفادتهم الجنة لا جَرَمَ قالوا: وأورثنا الأرض، والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أَوْبَثتِ الجَنَّةَ. الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كيف يشاء من غير منازع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة حين شاءوا وأرادوا. فإن قيل: هل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ . فالجواب: يكون الكل واحد منهم جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره. ثم قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي ثواب المطيعين، قال مقاتل: هذا ليس من كلام أهل الجنة بل الله تعالى لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ . قوله: ﴿وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ حَافّين جمع حَافِّ: وهو المحدق بالشيء من حَفَتْتُ بالشيء إذا أحَطْتَ به، قال: 4312 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نيقٍ وَيُتْبِعُهُ ... مِثْلَ الزّجَاجَةِ لَمْ تَكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ وهو مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب قال: 4313 - لَهُ لَحَظَاتٌ عَنْ جَفَافَيْ سَرِيرِهِ ... إِذَا كَرَّهَا فِيهَا عِقَابٌ وَنَائِلُ وقال الفراء - وبتعه الزمخشري - ولا واحِدَ لحافّين وكأنهما رأيا أن الواحد لا يكون «حَافًّا» إذ الحفوف هوا لإحداق بالشيء والإحاطة به وهذا لا يتحقق إلا في جمع. فصل لما ذكر صفة (الثواب) البشر ذكر عقيبه ثواب الملائكة فكما دارُ ثواب المتقين هو الجنة فكذلك دارُ ثواب الملائكة جوانب العرش فقال: ﴿حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ أي محدقين محيطين بالعرش بحافيه أي جوانبه، قال الليث حَفَّ القَوْمُ بسَيِّدِهِمْ يَحُفُّونَ حَفًّا إِذَا طافوا به. قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ﴾ في «من» وجهان: أحدهما: وهو قول الأخفش: أنها مزيدة. والثاني: أنها للابتداء. وقوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ «يسبحون» حال من الضمير في «حافين» ، قيل هذا تسبيح لتذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وهذا يشعر بأن ثوابهم هو عَين ذلك التسبيح. قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق﴾ هذا الضمير إما للملائكة، وإما للعباد (ة) وَقِيلَ: قضى بين أهل الجنة والنار بالعدل ﴿وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ وقيل: إن الملائكة لما قضى بينهم (بالحق) قالوا: الحمد لله رب العالمين على قضائه بيننا بالحق. روى أبو أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وشرف كرم وبجل ومجد وعظم) : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّمَر لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ رَجَاءَهُ وَأعْطَاهُ ثَوَابَ الخَائِفينَ» وعن عاشئة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالت: «كان رسول اله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقْرَأُ كُلَّ ليلة بني إِسْرَائِيلَ والزُّمَر» . رواهما الثعلبي في تفسيره. والله (تعالى) أعلم. (رب يسر برحمتك يا كريم وأغن يا رحيم) بسم الله الرحمن الرحيم سورة غافر

الزمر 39:74

قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى قَدَّرُوا بتشديد الدال حَقَّ قَدْرِهِ بفتح الدال، وافقهم الأعمش على فتح الدال من «قَدَرِهِ» والمعنى وما عظمه حق عظمته حين أشركوا به غيره. قوله: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال أي ما عظموه حق تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] أي (كيف) تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا و «جميعاً» حال وهي دالة على أن المراد بالأرض الأرضون فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع قال ابن الخطيب: ونظيره قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: 93] وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النور: 31] وقوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] ولأن الموضع موضع تفخيم ولعطف الجمع عليها (والعامل) في هذه الحال ما دل عليه «قَبْضَتُهُ» ، (ولا يجوز أن يعمل فيها «قَبْضَتُهُ» ) سواء جعلته مصدراً؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله أم مراداً به المقدار قال الزمخشري: ومع القصد إلى الجمع «يعني في الأرض» فإنه أريدَ به الجمع وتأكيده بالجميع أتبع الجميع مؤكده قبل مجيء الخبر ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة ولكن عن الأرض كلها. وقال أبو البقاء: و «جَمِيعاً» حال من الأرض، والتقدير: إذا كانت مجتمعةً قَبْضتُهُ أي مقبوضةً، فالعامل في «إذا» المصدر، لأنه بمعنى المفعول، وقال أبو علي في الحدة: التقدير: «ذَاتُ قَبْضَتِهِ» وقد رد عليه ذلك بأن المضاف إلَيْه لا يعْمَلُ فيما قبله، وهذا لا يصحُّ لن الآن غير مضاف إليه، وبعد حذف المضاف لا يبقى حكمه انتهى وهو كلام فيه إشكال؛ إذ لا حاجة إلى تقدير العامل في «إِذ» التي لم يلفظ بها. وقوله: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ إنْ قَدَّرْنَا مضافاً - كما قال الفارسيُّ أي ذاتُ قبضته - لم يكن فيه وقوع المصدر موقع «مفعول» وإن لم يُقَدَّر ذلك احتمل أن يكون المصدر واقعاً موقعه، وحينئذ يقال: كيف أنّث المصدر الواقع موقع مفعول وهو غير جائز؟! لا يقال: حُلّة نَسْجَةُ اليَمَن بل نَسْجُ اليَمن أي مَنْسُوجُه. والجواب: أن الممتنع دخول التاء الدال على التحديد وهذه المجرد التأنيث. كذا أجيب. وليس بذاك فإن المعنى على التحديد لأنه أبلغ في القدرة، واحتمل أن يكون أريد بالمصدر مقدار (ذلك) (التحديد) . والقَبْضَةُ - بالفتح - المَرَّة، وبالضم اسم المقبوض كالغُرْفَة والغَرْفَة، قال تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾ [طه: 96] . والعامة على رفع «قبضته» والحسن ينصبها وخرَّجها ابن خالويه وجماعة على النصب على الظرفية أي « (في) قَبْضَتِهِ» . ورد هذا بأنه ظرف مختص فلا بد من وجود «في» وهذا هو رأي البصريين، وأما الكوفيون فهو جائز عندهم إذ يجيزون: زَيْدٌ دَارَك - بالنصب - أي في دَارك، وقال الزمخشري: جعلها ظرفاً تشبيهاً للمؤقت بالمبهم، فوافق الكوفيِّين. قوله: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ العامة على رفع «مَطْوِيَّات» خبراً، و «بِيَميِنِهِ» فيه أوجه: أحدهما: أنه متعلق «بمطويات» . الثاني: أنه حال من الضمير في «مَطْوِيَّاتٍ» . الثالث: أنه خبر ثان، وعيسى والجحْدري نصباها حالاً واستدل بها الأخفش على جواز تقديم الحال إذا كان العامل فيها حرف جر نحو: زَيْدٌ قائِمٌ في الدار وهذه لا حجة فيها لإمكان تخريجها على وجهين: أظهرهما: أن يكون «السموات» نسقاً على الأرض ويكون قد أخبر عن الأرضين والسموات بأن الجميع قبضته ويكون «مطويات» حالاً من السموات، كما كان جميعاً حالاً من الأرض و «بيمينه» متعلق «بمِطْوِيَاتٍ» . والثاني: أن يكون «مطويات» منصوباً بفعل مقدر و «بِيَمِيِنِهِ» الخبر، و «مَطْوِيَّات» وعالمه جملة معترضة وهو ضعيف. (فصل لما حكمى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد سواه بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له في العبودية فقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظموا الله حقَّ عظمته فقال: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وروى البخاري أن حَبْراً من الأحْبَار أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبح والماء والثرى على أصبح وسائر الخالق على أصبع، ويقول: أنا الملك فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حتى بدت نَوَاجِذُهُ تصديقاً لقوله الحَبْر ثم قرأ: «وَمَا قَدَرُوا اله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» وروى مسلم قال: والجبالُ والشجرُ على إصبح وقال: ثم يهزّهُنَّ فيقول: أنا المَلِكُ أنَا الله وروى شبيةُ عن ابن أبي شَيْبَىَ بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «يَطْوِي الله السَّمَوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى ثم يقال: أَنَا المَلِكُ أيْنَ الجَبَّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُون» ولما بين سبحانه وتعالى عظمته قال: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . فصل قال ابن الخطيب: وههنا سؤالات: الأول: أن العرض أعظم من السموات السبع، والأرضين السبع، ثم إنه تعالى قال في صفة العرش: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 17] فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين للعرش العظيم فيكف يجوز تقرير عظمته الله عَزَّ وَجَلَّ بكونه حاملاً للسموات والأرض؟! السؤال الثاني: قوله تعالى: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ شرح حالاً لا يحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم مقرون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم وإن كان الخطاب مع المكذبين في النبوة فهم ينكرون قوله: «والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟ . السؤال الثالث: حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدر الله تعالى فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ . والجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على حفظ هذه الأجسام العظيمة كما أن حفضَها وإمساكها يوم القيامة عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكون قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. والجواب: عن الثاني: أن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأَرَضِين من وجوه العِمَارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإبقائها يوم القيامة وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضاً على كونه قادراً غنياً على الإطلاق فإنه يدل على أنه حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض صغيرة، وذلك يدل على كمال الاستغناء. والجواب: عن الثالث: أنه إنما خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا والله أعلم. قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ العامة على سكون الواو، وزيد بن علي وقتادة بفتحها جمع «صُورَة» وهذه ترد قول ابن عطية أن الصور هنا يتعين أن يكون القرن، ولا يجوز أن يكون جمع صورة وقرئ: فصعق - مبنياً للمفعول - وهو مأخوذ من قوله: «صَعَقَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، يال: صَعَقَةُ الله فَصُعِقَ. قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ (استثناء) متصل، والمستثنى إما جبريل وميكائيل وإسرافيل: وإما رِضْوَان والحور والزبانية، وإما البارئ تعالى، قاله الحسن وفيه نظر من حيث قوله ﴿مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ فإنه لا يتحيز فعلى هذا يتعين أن يكون منقطعاً. قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى﴾ يجوز أن يكون» أخرى «هي القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخ فيه نفخة أخرى ويؤيده التصريح بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: 13] فصرح بإقامة المصدر ويجوزُ أن يكون القائم مقامه الجارّ، و» أُخْرَى» منصوبة على ما تقدم. قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ العامة على رفع» قيام «خبراً، وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ نصبه حالاً، وفيه حنيئذ أوجه: أحدهما: أن الخبر» ينظرون «وهو العامل في هذه الحال أي فإذا هُمْ يَنْظُرُونَ قِيَاماً. والثاني: أن العامل في الحال ما عمل في» إذا» الفجائية إذا كانت ظرفاً. فإن كانت مكانية - كما قال سيبويه - فالتقدير فبِالحَضْرة هُمْ قياماً، وإن كان زمانية كقول الرّمَّانِي فتقديره: فَفِي ذلكَ الزمان هُمْ قياماً أي وجودهم، وإنما احتيجَ إلى تقدير مضاف في هذا الوجه لأنه لا يخبر بالزمان عن الجُثث. الثالث: أن الخبر محذوف هو العامل في الحال أي فإذا هم مبعوثُون أو مجموعون قياماً، وإذا جعلنا الفجائية حرفاً كقول بعضهم فالعامل في الحال إما «ينظرون» ، وإمّا الخبر المقدر كما تقدم تحقيقهما. فصل لما ذكر كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضاً على كمال عظمته وهو شرح مقدمات يوم القيامة، لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ الآية. اختلفوا في الصعقة فقيل: إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى - عليه (الصلاة و) السلام) -: ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: 143] وهو لم يمت فهذه النفخة تورث الفزغ الشديد وعلى هذا فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد وهو المذكور في سورة النمل في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله} [النمل: 87] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين. وقيل: الصعقة عبارة عن الموت، والقائلون بهذا قالوا: المراد بالفزع أي كادوا يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدري فالنخة الصعق، والثالثة نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة، وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ قال ابن عباس: نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل: وَيبْقَى جبريل وملك الموت، ثم يموت عزرائيل ثم يموت ملك الموت، وقيل: المستثنى هم الشهداء لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] وروى أبو هريرة عن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «هُمُ الشَّهَدَاءُ مُتَقَلِّدُونَ أسْيَافَهُمْ حَوْلَ العَرْشِ» وقال جابر: هو موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنه صُعِقَ، ولا يصعق. وقيل: هم الحور العين وسكان العرش والكرسي، وقال قتادة: الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم. ثم قال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولة لأن لفظة «ثم» للتراخي. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْن أربعون» ، قالوا: أرْبَعون يَوْماً قال: أبَيْتُ قالوا: أربعون شهراً قال: أبيت قالوا أربعون سنةً، قال: أبيت قال: ثم ينزل الله من السماء ماءً فتَنْبتُونَ كما ينبت البَقْلُ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظمٌ واحد وهو عَجبُ الذَّنَب، وفيه يركب الخلق يوم القيامة» . وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ يعني أن قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله: «فإذا هم» يدلّ على التعقيب، وقوله «يَنْظُرون» أي يقبلون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم، وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لأجل استيلاء الحَيْرة والدهشة عليهم. قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرض﴾ العامة على بنائه للفاعل، وابن عباس وأبو الجَوْزاء. وعُبَيدُ بنُ عُمَير، عل بنائه للمفعول وهو منقول بالهمزة من شَرقَتْ إذا طلعت، وليس من أشْرقَتْ بمعنى أضاءت لأن ذلك لازمٌ وجعله ابن عطيّة مثل رَجَعَ ورجَعْتُهُ، وَوَقَفَ وَوَقَفْتُهُ فيكون أشرق لازماً ومتعدياً. فصل هذه الأرض عَرْصة القيامة وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] وقوله: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي خالقها يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، وقال الحسن والسدي: بنور ربها أي بعدل ربها قال عليه (الصلاة و) السلام: «إنَّكُمْ سَتَروْنَ رَبَّكُمْ» وقال: «كما لا تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس في اليَوْم الصَّحْو» وقوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ أي كتاب الأعمال لقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: 13] وقوله: ﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. وقوله: ﴿وَجِيءَ بالنبيين والشهدآء﴾ قال ابن عباس: يعين الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال عطاء ومقاتل: يعني الحَفَظَة لقوله تعالى: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21] وقي: أراد بالشهداء: المستشهدون في سبيل الله. ثم قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ أي بالعدل ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي يُزادون في سيئاتهم ولا يُنْقَصُ من حسناتهم «ووفِّيت كُلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ» أن ثُوَابَ مَا عَمِلْتْ: واعلم أنه تعالى لما بين أنه يوصل إلى كل أحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات: أولها: قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ . وثانيها: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ . واربعها: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ يعني أنه (إن) لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي (إلا) بالحق لأجل عدم العلم أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ عليه، والمقصود من الآية المبالغة في تَقْرير أن كل مؤمن فإنه يصل إلى حقه، قال عطاء يريد أنّي عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا شاهد. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ لما شرح أحوال أهل القيامة على سبل الإجمال وقال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ بين بعده كيفية أحوال العقاب ثم كيفية أحوال الثواب، فأما شرحُ أحوال العقاب فهو هذه الآية وهذا السَّوْق يكون بالعُنُق والدفع بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: 13] أي يدفعون دفعاص، وقوله: ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: 86] . قوله: ﴿زُمَراً﴾ و «زُمَرٌ» جمع «زُمْرة» وهي الجماعات في تفرقة بعضها في إثر بعض، و «تَزَمَّرُوا» تجمعوا قال: 4311 - حَتَّى احْزَأَلَّتْ زمُرٌ بَعْدَ زُمَرْ ... هذا قول أبي عبيد (ة) والأخفش، وقال الراغب: الزُّمْرة الجماعة القليلة، ومنه شاة زمرة أي قليلة الشعر، ورجل زَمِرٌ أي قليل المروءة، وزَمَرَت النَّعَامَةُ تَزْمُر زَمَاراً ومنه اشتق الزّمر. والزَّمَّارة كناية عن الفاجرة. قوله: ﴿حتى إِذَا﴾ تقدم الكلام في «حتى» الداخلة على «إذا» مِرَاراً، وجواب «إذا» قوله: فتحت. وتقدم خلاف القراء في التشديد والتخفيف في سورة الأنعام. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ قرأ ابن هُرْمز أَلَمْ تَأْتِكُمْ بتاء التأنيث لتأنيث الجمع، و «مِنْكُمْ» صفة «الرسل» أو متعلق بالإتْيان و «يَتْلُونَ» صفة أُخْرى، و «خَالِدينَ» في الموضعين حال مقدرة. فصل بين تعالى أنهم يُسَاقُون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابُها، وهذا يدل على أن أبواب جهنم تكون مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنةُ جهنم: ألم يأتكم رسل منكم أي من جنسكم يتلون عليكم آياتِ ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا. فإن قيل: لِمَ أضيفَ اليوم إليهم؟ . فالجواب: أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة واستعمال لفظ اليوم (إليهم) والأيام في أقوات الشدة مستفيض فعند هذا تقول الكفار «بَلَى» أتونا وتَلَوْا علينا «وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرينَ» أي وجبت كلمة العذاب على الكافرين وهي قوله عزو وجل: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13] وهذا صريح في أن السعيد (لا ينقلب) شقياً والشقي لا ينقلب سعيداً، ودلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا أنهم ما بقي لهم عُذرٌ ولا علة بعد مجيء الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -، (ولو) لم يكن مجيء الأنبياء شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدةٌ. ثم إنَّ إذا سَمِعُوا منهم هذا الكلام قالوا: لهم ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبرينَ. (قال المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنهم حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ فائدة، وأجيبوا بأن (هذا) الكلام إنما يبقى مفيداً إذا قلنا: إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ولم يلتفتوا إلى دلائلهم، وذلك يدل على صحة قولنا. والله أعلمْ. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً﴾ . فإن قِيلَ: السَّوْقُ في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يُسَاقُوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأيُّ حادة فيه إلى السَّوْق؟! . فالجواب: من وجوه: الأول: أن لامحبة ولاصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: 67] فإذا قيل لواحد منهم: اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها إلا مع أحبَّائِي وأصدقائي فيتأخرونَ لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السَّوق إلى الجنة. والثاني: أن المتقين قد عبدوا الله لا للجنة ولا للنار فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال مانِعاً لهم من الرغبة في الجنة فلا جَرَمَ يحتاجون إلى أن يُسَاقُوا إلى الجنة. والثالث: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «أكثر أهل الجنة البُلْهُ» فلهذا السبب يساقون إلى الجنة. الرابع: أن أهل النار وأهلا لجنة يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهَوَان والشدّة كما يفعل بالأسير الذي يساق إلى الحبس والقتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يُذْهب بهم إلا رَاكِبينَ، والمراد بذلك لاسوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرّضوان كما يفعل بمن يكرم من الوافدين إلى الملوك فشتان ما بين السَّوْقَتْينِ. قوله: «حتى إذا جاءوها وَفُتِحَتْ» في جواب «إذا» ثلاثة أوجه: أحدهما: قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش وإنّما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجن تكون مغلقةً إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فيفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتحت انتظاراً لمن يدخلها فعلى ذلك أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على دخولهم إليها كما قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب﴾ [ص: 50] فلذلك جيء بالواو فكأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقود فتحت أبوابها. والثاني: أن الجواب قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ على زيادة الواو أيضاً أي حتى إذا جاءوها قال لهم خزنتها. والثالث: أن الجواب محذوف قال الزمخشري: وحقه أن يقدر بعدك «خَالِدين» انتهى يعين لأنه يجيء بعد متعلقات الشرط وما عطف عليه، والتقدير: اطْمَأَنُوا وقدره المبرد: سُعِدُوا، وعلى هذين الوجهين فتكون الجملة من قوله: «وَفُتِحَتْ» في محل نصب على الحال. وق البغوي: قال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف تقديره: حَتَّى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادْخُلُوها خالدين «دخلوها» . فحذف «دَخَلُوهَا» لدلالة لاكلام عليه، وسمى بعضهم الواو في قوله «وفتحت» واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] وقيل: تقديره: حتى إذا جاءوها (جاءوها) فوتحت أبوابها يعني أن الجواب بلفظ الشرط، ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صَحَّ. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها﴾ يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليم ويقولون: طبتم قال ابن عباس: طاب لكم المقام. وقال قتادة: إنهم إذا قطعوا النار حُبسُوا على قَنْطَرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعد حتى إذا هذبوا وطيبوا أُدْخِلُوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه: سَلاَمٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروي عن علي قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرةً يخرج من تحت ساقها عَيْنَانِ فيغتسل المؤمن من إِحْدَايْهِما فيطهر ظاهره ويشرب منه الأخرى فيطهر باطنه وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ» فعند ذلك يقول المتقون: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض أي أرض الجنة وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾ [الأنبياء: 105] . قوله: «نَتَبَوَّأُ» جملة حالية و «حَيْثُ» مفعلو به، ويجوز أن تكون ظرفاً على بابها، وهو الظاهر، قال ابن الخطيب: إنما عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجوه: الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم - عليه (الصلاة و) السلام - لأنه تعالى قال: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سبباً للإرث. الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا الذي أورث كذا وهذا العمل أورث كذا. فلما كانت طاعاتهم قد أفادتهم الجنة لا جَرَمَ قالوا: وأورثنا الأرض، والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أَوْبَثتِ الجَنَّةَ. الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كيف يشاء من غير منازع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة حين شاءوا وأرادوا. فإن قيل: هل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ . فالجواب: يكون الكل واحد منهم جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره. ثم قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي ثواب المطيعين، قال مقاتل: هذا ليس من كلام أهل الجنة بل الله تعالى لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ . قوله: ﴿وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ حَافّين جمع حَافِّ: وهو المحدق بالشيء من حَفَتْتُ بالشيء إذا أحَطْتَ به، قال: 4312 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نيقٍ وَيُتْبِعُهُ ... مِثْلَ الزّجَاجَةِ لَمْ تَكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ وهو مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب قال: 4313 - لَهُ لَحَظَاتٌ عَنْ جَفَافَيْ سَرِيرِهِ ... إِذَا كَرَّهَا فِيهَا عِقَابٌ وَنَائِلُ وقال الفراء - وبتعه الزمخشري - ولا واحِدَ لحافّين وكأنهما رأيا أن الواحد لا يكون «حَافًّا» إذ الحفوف هوا لإحداق بالشيء والإحاطة به وهذا لا يتحقق إلا في جمع. فصل لما ذكر صفة (الثواب) البشر ذكر عقيبه ثواب الملائكة فكما دارُ ثواب المتقين هو الجنة فكذلك دارُ ثواب الملائكة جوانب العرش فقال: ﴿حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ أي محدقين محيطين بالعرش بحافيه أي جوانبه، قال الليث حَفَّ القَوْمُ بسَيِّدِهِمْ يَحُفُّونَ حَفًّا إِذَا طافوا به. قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ﴾ في «من» وجهان: أحدهما: وهو قول الأخفش: أنها مزيدة. والثاني: أنها للابتداء. وقوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ «يسبحون» حال من الضمير في «حافين» ، قيل هذا تسبيح لتذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وهذا يشعر بأن ثوابهم هو عَين ذلك التسبيح. قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق﴾ هذا الضمير إما للملائكة، وإما للعباد (ة) وَقِيلَ: قضى بين أهل الجنة والنار بالعدل ﴿وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ وقيل: إن الملائكة لما قضى بينهم (بالحق) قالوا: الحمد لله رب العالمين على قضائه بيننا بالحق. روى أبو أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وشرف كرم وبجل ومجد وعظم) : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّمَر لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ رَجَاءَهُ وَأعْطَاهُ ثَوَابَ الخَائِفينَ» وعن عاشئة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالت: «كان رسول اله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقْرَأُ كُلَّ ليلة بني إِسْرَائِيلَ والزُّمَر» . رواهما الثعلبي في تفسيره. والله (تعالى) أعلم. (رب يسر برحمتك يا كريم وأغن يا رحيم) بسم الله الرحمن الرحيم سورة غافر

الزمر 39:75

قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ قرأ الحسن وأبو حيوة وعيسى قَدَّرُوا بتشديد الدال حَقَّ قَدْرِهِ بفتح الدال، وافقهم الأعمش على فتح الدال من «قَدَرِهِ» والمعنى وما عظمه حق عظمته حين أشركوا به غيره. قوله: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ﴾ مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال أي ما عظموه حق تعظيمه والحال أنه موصوف بهذه القدرة الباهرة، كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] أي (كيف) تكفرون بمن هذا وصفه وحال ملكه كذا و «جميعاً» حال وهي دالة على أن المراد بالأرض الأرضون فإن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع قال ابن الخطيب: ونظيره قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لبني إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: 93] وقوله: ﴿أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ﴾ [النور: 31] وقوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] ولأن الموضع موضع تفخيم ولعطف الجمع عليها (والعامل) في هذه الحال ما دل عليه «قَبْضَتُهُ» ، (ولا يجوز أن يعمل فيها «قَبْضَتُهُ» ) سواء جعلته مصدراً؛ لأن المصدر لا يتقدم عليه معموله أم مراداً به المقدار قال الزمخشري: ومع القصد إلى الجمع «يعني في الأرض» فإنه أريدَ به الجمع وتأكيده بالجميع أتبع الجميع مؤكده قبل مجيء الخبر ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة ولكن عن الأرض كلها. وقال أبو البقاء: و «جَمِيعاً» حال من الأرض، والتقدير: إذا كانت مجتمعةً قَبْضتُهُ أي مقبوضةً، فالعامل في «إذا» المصدر، لأنه بمعنى المفعول، وقال أبو علي في الحدة: التقدير: «ذَاتُ قَبْضَتِهِ» وقد رد عليه ذلك بأن المضاف إلَيْه لا يعْمَلُ فيما قبله، وهذا لا يصحُّ لن الآن غير مضاف إليه، وبعد حذف المضاف لا يبقى حكمه انتهى وهو كلام فيه إشكال؛ إذ لا حاجة إلى تقدير العامل في «إِذ» التي لم يلفظ بها. وقوله: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ إنْ قَدَّرْنَا مضافاً - كما قال الفارسيُّ أي ذاتُ قبضته - لم يكن فيه وقوع المصدر موقع «مفعول» وإن لم يُقَدَّر ذلك احتمل أن يكون المصدر واقعاً موقعه، وحينئذ يقال: كيف أنّث المصدر الواقع موقع مفعول وهو غير جائز؟! لا يقال: حُلّة نَسْجَةُ اليَمَن بل نَسْجُ اليَمن أي مَنْسُوجُه. والجواب: أن الممتنع دخول التاء الدال على التحديد وهذه المجرد التأنيث. كذا أجيب. وليس بذاك فإن المعنى على التحديد لأنه أبلغ في القدرة، واحتمل أن يكون أريد بالمصدر مقدار (ذلك) (التحديد) . والقَبْضَةُ - بالفتح - المَرَّة، وبالضم اسم المقبوض كالغُرْفَة والغَرْفَة، قال تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾ [طه: 96] . والعامة على رفع «قبضته» والحسن ينصبها وخرَّجها ابن خالويه وجماعة على النصب على الظرفية أي « (في) قَبْضَتِهِ» . ورد هذا بأنه ظرف مختص فلا بد من وجود «في» وهذا هو رأي البصريين، وأما الكوفيون فهو جائز عندهم إذ يجيزون: زَيْدٌ دَارَك - بالنصب - أي في دَارك، وقال الزمخشري: جعلها ظرفاً تشبيهاً للمؤقت بالمبهم، فوافق الكوفيِّين. قوله: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ العامة على رفع «مَطْوِيَّات» خبراً، و «بِيَميِنِهِ» فيه أوجه: أحدهما: أنه متعلق «بمطويات» . الثاني: أنه حال من الضمير في «مَطْوِيَّاتٍ» . الثالث: أنه خبر ثان، وعيسى والجحْدري نصباها حالاً واستدل بها الأخفش على جواز تقديم الحال إذا كان العامل فيها حرف جر نحو: زَيْدٌ قائِمٌ في الدار وهذه لا حجة فيها لإمكان تخريجها على وجهين: أظهرهما: أن يكون «السموات» نسقاً على الأرض ويكون قد أخبر عن الأرضين والسموات بأن الجميع قبضته ويكون «مطويات» حالاً من السموات، كما كان جميعاً حالاً من الأرض و «بيمينه» متعلق «بمِطْوِيَاتٍ» . والثاني: أن يكون «مطويات» منصوباً بفعل مقدر و «بِيَمِيِنِهِ» الخبر، و «مَطْوِيَّات» وعالمه جملة معترضة وهو ضعيف. (فصل لما حكمى عن المشركين أنهم أمروا الرسول بعبادة الأصنام ثم إنه تعالى أقام الدلائل على فساد وأمر الرسول بأن يعبد الله ولا يعبد سواه بين أنهم لو عرفوا الله حق معرفته لما جعلوا هذه الأشياء الخسيسة مشاركة له في العبودية فقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي ما عظموا الله حقَّ عظمته فقال: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وروى البخاري أن حَبْراً من الأحْبَار أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على أصبع والأرضين على أصبح والماء والثرى على أصبح وسائر الخالق على أصبع، ويقول: أنا الملك فضحك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حتى بدت نَوَاجِذُهُ تصديقاً لقوله الحَبْر ثم قرأ: «وَمَا قَدَرُوا اله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» وروى مسلم قال: والجبالُ والشجرُ على إصبح وقال: ثم يهزّهُنَّ فيقول: أنا المَلِكُ أنَا الله وروى شبيةُ عن ابن أبي شَيْبَىَ بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «يَطْوِي الله السَّمَوَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ يَأخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنَى ثم يقال: أَنَا المَلِكُ أيْنَ الجَبَّارُونَ أيْنَ المُتَكَبِّرُون» ولما بين سبحانه وتعالى عظمته قال: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ . فصل قال ابن الخطيب: وههنا سؤالات: الأول: أن العرض أعظم من السموات السبع، والأرضين السبع، ثم إنه تعالى قال في صفة العرش: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: 17] فإذا وصف الملائكة بكونهم حاملين للعرش العظيم فيكف يجوز تقرير عظمته الله عَزَّ وَجَلَّ بكونه حاملاً للسموات والأرض؟! السؤال الثاني: قوله تعالى: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ شرح حالاً لا يحصل إلا في القيامة والقوم ما شاهدوا ذلك فإن كان هذا الخطاب مع المصدقين للأنبياء فهم مقرون بأنه لا يجوز القول بجعل الأصنام شركاء لله فلا فائدة في إيراد هذه الحجة عليهم وإن كان الخطاب مع المكذبين في النبوة فهم ينكرون قوله: «والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة» فكيف يمكن الاستدلال به على إبطال القول بالشرك؟ . السؤال الثالث: حاصل القول بالقبضة واليمين هو القدرة الكاملة الوافية بحفظ هذه الأجسام العظيمة فكما أن حفظها وإمساكها يوم القيامة ليس إلا بقدر الله تعالى فكذلك الآن فما الفائدة في تخصيص هذه الأحوال بيوم القيامة؟ . والجواب عن الأول: أن مراتب التعظيم كثيرة فأولها تقرير عظمة الله بكونه قادراً على حفظ هذه الأجسام العظيمة كما أن حفضَها وإمساكها يوم القيامة عظيم، ثم بعده تقرير عظمته بكون قادراً على إمساك أولئك الملائكة الذين يحملون العرش. والجواب: عن الثاني: أن المقصود منه أن المتولي لإبقاء السموات والأَرَضِين من وجوه العِمَارة في هذا الوقت هو المتولي لتخريبها وإبقائها يوم القيامة وذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ويدل أيضاً على كونه قادراً غنياً على الإطلاق فإنه يدل على أنه حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض صغيرة، وذلك يدل على كمال الاستغناء. والجواب: عن الثالث: أنه إنما خصص تلك الحالة بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا يظهر كمال قدرته في الإعدام عند خراب الدنيا والله أعلم. قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ العامة على سكون الواو، وزيد بن علي وقتادة بفتحها جمع «صُورَة» وهذه ترد قول ابن عطية أن الصور هنا يتعين أن يكون القرن، ولا يجوز أن يكون جمع صورة وقرئ: فصعق - مبنياً للمفعول - وهو مأخوذ من قوله: «صَعَقَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ، يال: صَعَقَةُ الله فَصُعِقَ. قوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ (استثناء) متصل، والمستثنى إما جبريل وميكائيل وإسرافيل: وإما رِضْوَان والحور والزبانية، وإما البارئ تعالى، قاله الحسن وفيه نظر من حيث قوله ﴿مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض﴾ فإنه لا يتحيز فعلى هذا يتعين أن يكون منقطعاً. قوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى﴾ يجوز أن يكون» أخرى «هي القائمة مقام الفاعل وهي في الأصل صفة لمصدر محذوف أي نفخ فيه نفخة أخرى ويؤيده التصريح بذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: 13] فصرح بإقامة المصدر ويجوزُ أن يكون القائم مقامه الجارّ، و» أُخْرَى» منصوبة على ما تقدم. قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ العامة على رفع» قيام «خبراً، وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ نصبه حالاً، وفيه حنيئذ أوجه: أحدهما: أن الخبر» ينظرون «وهو العامل في هذه الحال أي فإذا هُمْ يَنْظُرُونَ قِيَاماً. والثاني: أن العامل في الحال ما عمل في» إذا» الفجائية إذا كانت ظرفاً. فإن كانت مكانية - كما قال سيبويه - فالتقدير فبِالحَضْرة هُمْ قياماً، وإن كان زمانية كقول الرّمَّانِي فتقديره: فَفِي ذلكَ الزمان هُمْ قياماً أي وجودهم، وإنما احتيجَ إلى تقدير مضاف في هذا الوجه لأنه لا يخبر بالزمان عن الجُثث. الثالث: أن الخبر محذوف هو العامل في الحال أي فإذا هم مبعوثُون أو مجموعون قياماً، وإذا جعلنا الفجائية حرفاً كقول بعضهم فالعامل في الحال إما «ينظرون» ، وإمّا الخبر المقدر كما تقدم تحقيقهما. فصل لما ذكر كمال قدرته وعظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريق آخر يدل أيضاً على كمال عظمته وهو شرح مقدمات يوم القيامة، لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم، فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور﴾ الآية. اختلفوا في الصعقة فقيل: إنها غير الموت لقوله تعالى في موسى - عليه (الصلاة و) السلام) -: ﴿وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: 143] وهو لم يمت فهذه النفخة تورث الفزغ الشديد وعلى هذا فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد وهو المذكور في سورة النمل في قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله} [النمل: 87] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين. وقيل: الصعقة عبارة عن الموت، والقائلون بهذا قالوا: المراد بالفزع أي كادوا يموتون من الفزع وشدة الصوت، وعلى هذا التقدري فالنخة الصعق، والثالثة نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة، وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ قال ابن عباس: نفخة الصعق يموت من في السموات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل: وَيبْقَى جبريل وملك الموت، ثم يموت عزرائيل ثم يموت ملك الموت، وقيل: المستثنى هم الشهداء لقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] وروى أبو هريرة عن - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «هُمُ الشَّهَدَاءُ مُتَقَلِّدُونَ أسْيَافَهُمْ حَوْلَ العَرْشِ» وقال جابر: هو موسى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنه صُعِقَ، ولا يصعق. وقيل: هم الحور العين وسكان العرش والكرسي، وقال قتادة: الله أعلم بهم وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم. ثم قال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ وهذا يدل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولة لأن لفظة «ثم» للتراخي. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْن أربعون» ، قالوا: أرْبَعون يَوْماً قال: أبَيْتُ قالوا: أربعون شهراً قال: أبيت قالوا أربعون سنةً، قال: أبيت قال: ثم ينزل الله من السماء ماءً فتَنْبتُونَ كما ينبت البَقْلُ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلاّ عظمٌ واحد وهو عَجبُ الذَّنَب، وفيه يركب الخلق يوم القيامة» . وقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ يعني أن قيامهم من القبور يحصل عقيب هذه النفخة الأخيرة في الحال من غير تراخ لأن الفاء في قوله: «فإذا هم» يدلّ على التعقيب، وقوله «يَنْظُرون» أي يقبلون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم، وقيل: ينظرون ماذا يفعل بهم، ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لأجل استيلاء الحَيْرة والدهشة عليهم. قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرض﴾ العامة على بنائه للفاعل، وابن عباس وأبو الجَوْزاء. وعُبَيدُ بنُ عُمَير، عل بنائه للمفعول وهو منقول بالهمزة من شَرقَتْ إذا طلعت، وليس من أشْرقَتْ بمعنى أضاءت لأن ذلك لازمٌ وجعله ابن عطيّة مثل رَجَعَ ورجَعْتُهُ، وَوَقَفَ وَوَقَفْتُهُ فيكون أشرق لازماً ومتعدياً. فصل هذه الأرض عَرْصة القيامة وليست بأرضنا الآن لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ [إبراهيم: 48] وقوله: ﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي خالقها يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، وقال الحسن والسدي: بنور ربها أي بعدل ربها قال عليه (الصلاة و) السلام: «إنَّكُمْ سَتَروْنَ رَبَّكُمْ» وقال: «كما لا تُضَارُّونَ فِي الشَّمْس في اليَوْم الصَّحْو» وقوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ أي كتاب الأعمال لقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء: 13] وقوله: ﴿مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49] وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. وقوله: ﴿وَجِيءَ بالنبيين والشهدآء﴾ قال ابن عباس: يعين الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال عطاء ومقاتل: يعني الحَفَظَة لقوله تعالى: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: 21] وقي: أراد بالشهداء: المستشهدون في سبيل الله. ثم قال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ أي بالعدل ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي يُزادون في سيئاتهم ولا يُنْقَصُ من حسناتهم «ووفِّيت كُلّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ» أن ثُوَابَ مَا عَمِلْتْ: واعلم أنه تعالى لما بين أنه يوصل إلى كل أحد حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات: أولها: قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق﴾ . وثانيها: قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ . وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ . واربعها: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ يعني أنه (إن) لم يكن عالماً بكيفيات أحوالهم فلعله لا يقضي (إلا) بالحق لأجل عدم العلم أما إذا كان عالماً بمقادير أفعالهم وبكيفياتها امتنع دخول الخطأ عليه، والمقصود من الآية المبالغة في تَقْرير أن كل مؤمن فإنه يصل إلى حقه، قال عطاء يريد أنّي عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا شاهد. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ لما شرح أحوال أهل القيامة على سبل الإجمال وقال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ﴾ بين بعده كيفية أحوال العقاب ثم كيفية أحوال الثواب، فأما شرحُ أحوال العقاب فهو هذه الآية وهذا السَّوْق يكون بالعُنُق والدفع بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: 13] أي يدفعون دفعاص، وقوله: ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: 86] . قوله: ﴿زُمَراً﴾ و «زُمَرٌ» جمع «زُمْرة» وهي الجماعات في تفرقة بعضها في إثر بعض، و «تَزَمَّرُوا» تجمعوا قال: 4311 - حَتَّى احْزَأَلَّتْ زمُرٌ بَعْدَ زُمَرْ ... هذا قول أبي عبيد (ة) والأخفش، وقال الراغب: الزُّمْرة الجماعة القليلة، ومنه شاة زمرة أي قليلة الشعر، ورجل زَمِرٌ أي قليل المروءة، وزَمَرَت النَّعَامَةُ تَزْمُر زَمَاراً ومنه اشتق الزّمر. والزَّمَّارة كناية عن الفاجرة. قوله: ﴿حتى إِذَا﴾ تقدم الكلام في «حتى» الداخلة على «إذا» مِرَاراً، وجواب «إذا» قوله: فتحت. وتقدم خلاف القراء في التشديد والتخفيف في سورة الأنعام. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ قرأ ابن هُرْمز أَلَمْ تَأْتِكُمْ بتاء التأنيث لتأنيث الجمع، و «مِنْكُمْ» صفة «الرسل» أو متعلق بالإتْيان و «يَتْلُونَ» صفة أُخْرى، و «خَالِدينَ» في الموضعين حال مقدرة. فصل بين تعالى أنهم يُسَاقُون إلى جهنم فإذا جاءوها فتحت أبوابُها، وهذا يدل على أن أبواب جهنم تكون مغلقة قبل ذلك وإنما تفتح عند وصول الكفار إليها فإذا دخلوا جهنم قال لهم خزنةُ جهنم: ألم يأتكم رسل منكم أي من جنسكم يتلون عليكم آياتِ ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا. فإن قيل: لِمَ أضيفَ اليوم إليهم؟ . فالجواب: أراد لقاء وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة واستعمال لفظ اليوم (إليهم) والأيام في أقوات الشدة مستفيض فعند هذا تقول الكفار «بَلَى» أتونا وتَلَوْا علينا «وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرينَ» أي وجبت كلمة العذاب على الكافرين وهي قوله عزو وجل: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: 13] وهذا صريح في أن السعيد (لا ينقلب) شقياً والشقي لا ينقلب سعيداً، ودلت الآية على أنه لا وجوب قبل مجيء الشرع لأن الملائكة بينوا أنهم ما بقي لهم عُذرٌ ولا علة بعد مجيء الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -، (ولو) لم يكن مجيء الأنبياء شرطاً في استحقاق العذاب لما بقي في هذا الكلام فائدةٌ. ثم إنَّ إذا سَمِعُوا منهم هذا الكلام قالوا: لهم ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّم خَالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبرينَ. (قال المعتزلة: لو كان دخولهم النار لأجل أنهم حقت عليهم كلمة العذاب لم يبق لقول الملائكة: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ فائدة، وأجيبوا بأن (هذا) الكلام إنما يبقى مفيداً إذا قلنا: إنهم إنما دخلوا النار لأنهم تكبروا على الأنبياء ولم يقبلوا قولهم ولم يلتفتوا إلى دلائلهم، وذلك يدل على صحة قولنا. والله أعلمْ. قوله: ﴿وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً﴾ . فإن قِيلَ: السَّوْقُ في أهل النار معقول لأنهم لما أمروا بالذهاب إلى موضع العذاب لا بد وأن يُسَاقُوا إليه، وأما أهل الثواب فإذا أمروا بالذهاب إلى موضع السعادة والراحة فأيُّ حادة فيه إلى السَّوْق؟! . فالجواب: من وجوه: الأول: أن لامحبة ولاصداقة باقية بين المتقين يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: 67] فإذا قيل لواحد منهم: اذهب إلى الجنة فيقول: لا أدخلها إلا مع أحبَّائِي وأصدقائي فيتأخرونَ لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السَّوق إلى الجنة. والثاني: أن المتقين قد عبدوا الله لا للجنة ولا للنار فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال مانِعاً لهم من الرغبة في الجنة فلا جَرَمَ يحتاجون إلى أن يُسَاقُوا إلى الجنة. والثالث: أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «أكثر أهل الجنة البُلْهُ» فلهذا السبب يساقون إلى الجنة. الرابع: أن أهل النار وأهلا لجنة يساقون إلا أن المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهَوَان والشدّة كما يفعل بالأسير الذي يساق إلى الحبس والقتل، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم لأنه لا يُذْهب بهم إلا رَاكِبينَ، والمراد بذلك لاسوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرّضوان كما يفعل بمن يكرم من الوافدين إلى الملوك فشتان ما بين السَّوْقَتْينِ. قوله: «حتى إذا جاءوها وَفُتِحَتْ» في جواب «إذا» ثلاثة أوجه: أحدهما: قوله: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ والواو زائدة وهو رأي الكوفيين والأخفش وإنّما جيء هنا بالواو دون التي قبلها لأن أبواب السجن تكون مغلقةً إلى أن يجيئها صاحب الجريمة فيفتح له ثم تغلق عليه فناسب ذلك عدم الواو فيها بخلاف أبواب السرور والفرح فإنها تفتحت انتظاراً لمن يدخلها فعلى ذلك أبواب جهنم تكون مغلقة لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على دخولهم إليها كما قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب﴾ [ص: 50] فلذلك جيء بالواو فكأنه قيل: حتى إذا جاؤوها وقود فتحت أبوابها. والثاني: أن الجواب قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ على زيادة الواو أيضاً أي حتى إذا جاءوها قال لهم خزنتها. والثالث: أن الجواب محذوف قال الزمخشري: وحقه أن يقدر بعدك «خَالِدين» انتهى يعين لأنه يجيء بعد متعلقات الشرط وما عطف عليه، والتقدير: اطْمَأَنُوا وقدره المبرد: سُعِدُوا، وعلى هذين الوجهين فتكون الجملة من قوله: «وَفُتِحَتْ» في محل نصب على الحال. وق البغوي: قال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف تقديره: حَتَّى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادْخُلُوها خالدين «دخلوها» . فحذف «دَخَلُوهَا» لدلالة لاكلام عليه، وسمى بعضهم الواو في قوله «وفتحت» واو الثمانية قال: لأن أبواب الجنة ثمانية وكذا قالوا في قوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22] وقيل: تقديره: حتى إذا جاءوها (جاءوها) فوتحت أبوابها يعني أن الجواب بلفظ الشرط، ولكنه بزيادة تقييده بالحال فلذلك صَحَّ. قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها﴾ يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليم ويقولون: طبتم قال ابن عباس: طاب لكم المقام. وقال قتادة: إنهم إذا قطعوا النار حُبسُوا على قَنْطَرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعد حتى إذا هذبوا وطيبوا أُدْخِلُوا الجنة فيقول لهم رضوان وأصحابه: سَلاَمٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وروي عن علي قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرةً يخرج من تحت ساقها عَيْنَانِ فيغتسل المؤمن من إِحْدَايْهِما فيطهر ظاهره ويشرب منه الأخرى فيطهر باطنه وتتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون: «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ» فعند ذلك يقول المتقون: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض أي أرض الجنة وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾ [الأنبياء: 105] . قوله: «نَتَبَوَّأُ» جملة حالية و «حَيْثُ» مفعلو به، ويجوز أن تكون ظرفاً على بابها، وهو الظاهر، قال ابن الخطيب: إنما عبر عن أرض الجنة بالأرض لوجوه: الأول: أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم - عليه (الصلاة و) السلام - لأنه تعالى قال: ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سبباً للإرث. الثاني: أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل: هذا الذي أورث كذا وهذا العمل أورث كذا. فلما كانت طاعاتهم قد أفادتهم الجنة لا جَرَمَ قالوا: وأورثنا الأرض، والمعنى أن الله تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أَوْبَثتِ الجَنَّةَ. الثالث: أن الوارث يتصرف فيما يرثه كيف يشاء من غير منازع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة حين شاءوا وأرادوا. فإن قيل: هل يتبوأ أحدهم مكان غيره؟ . فالجواب: يكون الكل واحد منهم جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره. ثم قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ أي ثواب المطيعين، قال مقاتل: هذا ليس من كلام أهل الجنة بل الله تعالى لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين﴾ . قوله: ﴿وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ حَافّين جمع حَافِّ: وهو المحدق بالشيء من حَفَتْتُ بالشيء إذا أحَطْتَ به، قال: 4312 - يَحُفُّهُ جَانِبَا نيقٍ وَيُتْبِعُهُ ... مِثْلَ الزّجَاجَةِ لَمْ تَكْحَلْ مِنَ الرَّمَدِ وهو مأخوذ من الحِفَاف وهو الجانب قال: 4313 - لَهُ لَحَظَاتٌ عَنْ جَفَافَيْ سَرِيرِهِ ... إِذَا كَرَّهَا فِيهَا عِقَابٌ وَنَائِلُ وقال الفراء - وبتعه الزمخشري - ولا واحِدَ لحافّين وكأنهما رأيا أن الواحد لا يكون «حَافًّا» إذ الحفوف هوا لإحداق بالشيء والإحاطة به وهذا لا يتحقق إلا في جمع. فصل لما ذكر صفة (الثواب) البشر ذكر عقيبه ثواب الملائكة فكما دارُ ثواب المتقين هو الجنة فكذلك دارُ ثواب الملائكة جوانب العرش فقال: ﴿حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش﴾ أي محدقين محيطين بالعرش بحافيه أي جوانبه، قال الليث حَفَّ القَوْمُ بسَيِّدِهِمْ يَحُفُّونَ حَفًّا إِذَا طافوا به. قوله: ﴿مِنْ حَوْلِ﴾ في «من» وجهان: أحدهما: وهو قول الأخفش: أنها مزيدة. والثاني: أنها للابتداء. وقوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ «يسبحون» حال من الضمير في «حافين» ، قيل هذا تسبيح لتذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وهذا يشعر بأن ثوابهم هو عَين ذلك التسبيح. قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق﴾ هذا الضمير إما للملائكة، وإما للعباد (ة) وَقِيلَ: قضى بين أهل الجنة والنار بالعدل ﴿وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ وقيل: إن الملائكة لما قضى بينهم (بالحق) قالوا: الحمد لله رب العالمين على قضائه بيننا بالحق. روى أبو أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (وشرف كرم وبجل ومجد وعظم) : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الزُّمَر لَمْ يَقْطَعِ اللَّهُ رَجَاءَهُ وَأعْطَاهُ ثَوَابَ الخَائِفينَ» وعن عاشئة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالت: «كان رسول اله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقْرَأُ كُلَّ ليلة بني إِسْرَائِيلَ والزُّمَر» . رواهما الثعلبي في تفسيره. والله (تعالى) أعلم. (رب يسر برحمتك يا كريم وأغن يا رحيم) بسم الله الرحمن الرحيم سورة غافر