Al Lubab fi Ulum Al Kitab — غافر 40:32 – غافر 40:83
المحتويات
- غافر 40:32
- غافر 40:33
- غافر 40:34
- غافر 40:35
- غافر 40:36
- غافر 40:37
- غافر 40:38
- غافر 40:39
- غافر 40:40
- غافر 40:41
- غافر 40:42
- غافر 40:43
- غافر 40:44
- غافر 40:45
- غافر 40:46
- غافر 40:47
- غافر 40:48
- غافر 40:49
- غافر 40:50
- غافر 40:51
- غافر 40:52
- غافر 40:53
- غافر 40:54
- غافر 40:55
- غافر 40:56
- غافر 40:57
- غافر 40:58
- غافر 40:59
- غافر 40:60
- غافر 40:61
- غافر 40:62
- غافر 40:63
- غافر 40:64
- غافر 40:65
- غافر 40:66
- غافر 40:67
- غافر 40:68
- غافر 40:69
- غافر 40:70
- غافر 40:71
- غافر 40:72
- غافر 40:73
- غافر 40:74
- غافر 40:75
- غافر 40:76
- غافر 40:77
- غافر 40:78
- غافر 40:79
- غافر 40:80
- غافر 40:81
- غافر 40:82
- غافر 40:83
غافر 40:32
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَا ... ﴾ الآيات. لما سلى رسوله بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء قبله وبمشاهدة آثارهم سلاه أيضاً بذكر قصة موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وأنه مع قوته ومعجزته بعثه إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارونَ فكذبوه، وقالوا: ساحر كذاب، فلما جاءهم بالحق من عندنا أي بتلك الآيات الباهرة والسلطان المبين وهو المعجزات القاهرة قالوا يعني فرعون وقومه اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، قال قتادة: هذا غير القتل الأول؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الوِلْدَانِ فلما بعث موسى دعا بالقتل عليهم لئلا ينشأوا على دين موسى فيقوَى بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات فلهذا أمر بقتل الأبناء واسْتَحْيُوا نِساءهم ليصدوهم بذلك عن متابعة موسى ومظاهرته ثم قال: ﴿وَمَا كَيْدُ الكافرين﴾ أي وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم إلا في ضلال.
قوله ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذروني أَقْتُلْ موسى﴾ أي وقال فرعون لِمَلئِهِ ﴿ذروني أَقْتُلْ موسى﴾ فتح ابن كثير ياء «ذروني» وسكنها الباقون. وإنما قال فرعون ذلك؛ لأنه كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتل موسى وفي منعهم من قتله احتمالان:
الأول: أنهم منعوه من قتله لوجوه:
الأول: لعله كان فيه من يعتقد بقلبه كون موسى صادقاً فيتحيل في منع فرعون من قتله.
وثانيهما: قال الحسن: إن أصحابه قالوا له: لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكن أن يغلب سَحَرَتَنَا وإن قَتَلْتَهُ أدخلتَ الشبهةَ على الناس ويقولوا: إنه كان محقاً وعجزا عن جوابه فقتلوه.
وثالثها: أنهم كانوا يحتالون في منعه من قتله لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب أولئك الأقوام؛ لأن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكِهِم بخصمٍ خارجي حتى يصيروا آمنين من قلب ذلك الملك.
الاحتمال الثاني: أن أحداً ما منع فرع من قتل موسى وأنه كان يريد قتله، إلا إنه كان خائفاً من أنه لو حاول قتله لظهرت معجزات قاهرات تمنعه من قتله فيفتضح إلا أنه ق ذروني أقتل موسى وغرضه منه إخفاء خوفه.
قوله: «ولْيَدْعُ رَبَّهُ» أي وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله فيمنعه منا؛ ذكر ذلك استهزاءًا.
قوله ﴿إني أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرض الفساد﴾ قرأ الكوفيون ويعقوبُ (أو أن) بأو التي للإبهام ومعناه أنه لابد من وقوع أحد الأمرين والباقون بواو النسق على تسلط الخوف من التبديل وظهور الفاسد معاً. وفتح نافع وابن كثير وابو عمرو الياء من «إِنِّي أخاف» ؛ وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص «يُظْهر» بضم الياء وكسر الهاء من أظهر، وفاعله ضمير موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «الفَسَادَ» نصباً على المفعول به والباقون بفتح الياء والهاء من ظَهَرَ الفسادُ، «الفَسَادُ» رفعاً، وزيد بن علي يُظْهَرُ مبنياً للمفعول الفَسَاد مرفوع لقيامه مقام الفاعل ومجاهد «يَظَّهَّر» بتشديد الظاء والهاء، وأصلها يَتَظَهَّر من تَظَهَّر بتشديد الهاء فأدغم التاء في الظاء، «الفسادُ» رفع على الفاعلية.
فصل
ذكر فرعونُ النسبَ الموجبَ لقتل موسى وهو أن المُوجِبَ لقتله إما فساد الدين أو فساد الدنيا، أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو دينهم الذي كانوا عليه، فلما كان موسى ساعياً في إفساده اعتقدوا أنه ساع في إفساد الدين الحق، وأما فساد الدنيا فهو أنه لا بد وأن يجتمع عليه قوم ويصير ذلك سبباً لوقوع الخصومات وإثارة الفتن، ولما كان حب الناس لأديانهم فوق حبّهم لأمالهم لا جَرَمَ بدأ فرعونُ بذكر الدين فقال: {إني أخاف أن يبدل دينكم} ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال أو أن يظهر في الأرض الفاسد.
قوله: ﴿وَقَالَ موسى إِنِّي عُذْتُ﴾ قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة واكسائي عُدتّ بإدغام الذال، والباقون بالإظهار. وقوله «لاَ يُؤْمِنُ» صفة «لِمُتَكَبِّرٍ» .
فصل
لما توعد فرعونُ موسى بالقتل لم يأت في دفع شره إلا بأن استعاذ بالله واعتمد على فضل الله فلا جَرَمَ صانه الله وحفظه منه. واعلم أن الموجب للإقدام على أيذاء الناء أمران:
أحدهما: كون الإنسان متكبراً قاسِيَ القلب.
والثاني: كونه منكراً للعبث والقيامة.
لأن المتكبر القاسي القلب قد يحمله طبعه على إيذاء الناس إلا أنه إذا كان مقرّاً بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعاً له من الجري على موجب تكبّره فإذا لم يحصل له الإيمان بالبعث والقيامة كان طبعه داعياً له إلى الإيذاء، لأن المانع وهو الخوف من السؤال والحساب زائلٌ فلا جَرَمَ تعظيم القَسْوةُ والإيذاء.
وقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ اختلفوا في هذا المؤمن، قال مقاتل والسدي: كان قبطياً. (وقيل) ابن فرعون، وهو الذي حكى الله عنه ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى﴾ [القصص: 20] وقيل: كان إسرائيلياً، روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: الصديقون حبيب النجار مؤمن آل ياسين ومؤمن آل فرعون الذي قال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم، وعن جعفر بن محمد أنه قال: كان أبو بكر خيرا من مؤمن آل فرعون، لأنه كان يكتم إيمانه، وقال أبو بكر جهاراً أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وكان ذلك سراً، وهذا جهراً. روى عروةُ بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنعهُ المشركون برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «بَيْنَا رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عبقةُ بن أبي مُعَيْط فأخذ يمنكب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً وأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟» .
قال بان عباس وأكثر العلماء كان اسم الجرل خزييل. وقال ابن إسحاق جبريل، وقيل حبيب.
قوله: «رَجُلٌ مُؤْمِنٌ» الأكثرون قرأُوا بضم الجيم، وقرىء رَجِلَ بكسر الجيم كما يقال: عَضِدٌ في عَضُدٍ. وقرأ الأعمش وعبد الوارث بتسكينها وهي لغة تميمٍ ونجد والأولى هي الفصحى.
قوله «من آل» يحتمل أن يكون متعلقاً «بيكْتُمُ» بعده أي يكتم إيمانه من آل فرعون.
قيل: هذا الاحتمال غير جائز؛ لأنه لا يقال: كتمتُ من فلانٍ كذا، إنما يقال: كتمته كذا، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: 42] بل الظاهر تعلقه بمحذوف صفةً لرجل.
قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون متعلقاً بقوله: «مؤمن» وإن كان ذلك المؤمن شخصاً من آل فرعون.
قال شهاب الدين: وجاء هنا على أحسن ترتيب حيث قدم المفرد ثم ما يقرب منه وهو حرف الجر ثم الجملة وقد تقدم أيضاً هذه المسألة في المائدة وغيرها ويترتب على الوجهين هل كان هذا الرجل من قرابة فرعون فعلى الأولى لا دليل فيه، وقد رد بعضهم الأول بما تقدم، وأنه لا يقال: ك تمت من فلان كذا إنما يقال: كتمت فلاناً كذا فيتعدى لاثنين بنفسه، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: 42] وقال الشاعر:
4332 - كَتَمْتُكَ هَمًّا بالجَمُومَيْنِ سَاهِراً ... وَهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنّاً وَظَاهِرَا
أَحَادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي مَا يَرِيبُها ... وَوِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصَادِرَا
أي كتمتك أحاديث نفس وهمين، فقدم المعطوف على المعطوف عليه ومحلّه الشعر.
قوله ﴿أَن يَقُولَ رَبِّيَ﴾ أي كراهة أن يقول، أو لأن يقول. قال الزمخشري: ولك أن تقدر مضافاً محذوفاً أي وقت أن يقول والمعنى أتقتلونه ساعة سمتعم منه هذا القول من غير روية ولا فكر (في أمره) وهذا الذي أجازه رده أبو حيان بأن تقدير هذا الوقت لا يجوز إلا مع المصدر المصرّح به، تقول: صِيَاحَ الدِّيكِ أي وقت صياحه، ولو قلت: أجيئك أَنْ صَاحَ الديك أو أَنْ يَصِيحَ لم يصح نص عليه النحويون
قوله: «وقد جاءكم» جملة حالية، يجوز أن تكون من المفعول.
فإن قيل: هو نكرة.
فالجواب: أنه في حيِّز الاستفهام وكل ما سوغ الابتداء بالنكرة سوغ انتصاب الحال عنها، ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل.
فصل
لما حكى الله تعالى عن موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أنه ما زاد في دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله بين أنه تعالى قَيَّضَ له إنساناً أجنبياً حتى ذب عنه بأحسن الوجوه وبالغ في تسكين تلك الفتنة فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله﴾ وهذا استفهام على سبيل الإنكار، وذكر في هذا الكلام ما يدل على حسن ذلك الإنكار، وذلك لأنه ما زاد على أن قال: ربي الله وجاء بالبينات، وذلك لا يوجب القتل البتةَ فقوله: ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ﴾ يحتمل وجهين:
الأول: أن قوله «ربي الله» إشارة إلى تعزيز النبوة بإظهار المعجزة.
الثاني: أن قوله «رَبِّي اللهُ» إشار إلى التوحيد.
وقوله: ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ﴾ إشارة إلى الدلائل الدالة على التوحيد، ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية على أن الإقدام على قتلِهِ غير جائز، وهي حجة مذكورة على طريق التقسيم فقال: إن كان هذا الرجل كاذباً كان وبال كذبه عائداً عليه فاتركوه وإن كان صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم فعلى كلا التقديرين الأولى إبقاؤه حيًّا.
فإن قيل: الإشكال على هذا الدليل من وجهين: الأول: أن قوله ﴿يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ معناه أن (ضرر) كذبه مقصور عليه ولا يتعداه، وهذا كلام فاسد لوجوه:
أولها: أنا لا نسلم أن بتقدير كونه كاذباً يكون ضرر كذبه مقصوراً عليه لأنه يدعو الناس إلى ذلك الدين الباطل ويغتر به جماعة ويقعون في المذهب الباطل والاعتقاد السيّىء ثم يقع بينهم وبين غيرهم الخصوماتُ الكثيرة فثبت أن بتقدير كونه كاذباً لم يكن ضرر كذبه مقصوراً عليه بل يكون متعدياً إلى الكل، ولهذا أجمع العلماء علىأن الزِّنْدِيقَ الذي يدعو الناس إلى زَنْدَقَتِهِ يجب قتله.
وثانيها: أنه إن كان هذا الكلام حجة فلا كذاب إلا ويمكنه أن يتمسك بهذه الطريقة فيمكن جميع الزنادقة والمُبْطِلَة من أديانهم الباطلة.
وثالثها: أن الكفار الذين انكروا موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ يجب أن لا يجوز الإنكار عليهم لأنه يقال إن كان ذلك المنكر كاذباً في ذلك الإنكار فعليه كذبه وإن يك صادقاً فما انتفعتم بصدقه، فثبت أن هذه الطريق صَوَّبَتْ صدقه وما أفضى ثُبُوتُه إلى عدم صدقه كان فاسداً.
الوجه الثاني: كان من الواجب أن يقال: وإنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ كُلُّ الَّذِي يَعِدُكُمْ؛ لأن الذي يصيب من بعض الذي يَعِدُ دون البعض هو الكفار والمنجمون. أما الرسول الصادق الذي لا يتكلم إلا بالوحي فإنه يجب أن يكون صادقاً في كل ما يقول فكان قوله: ﴿يصيبكم بعض الذي يعدكم﴾ غير لائق بهذا المقام.
والجواب عن الأسئلة الثلاثة بأن تقدير الكلام (أنه) لا حاجة لكم في دفع شره إلى قتله بل يكفيكم أن تمنعوه من إظهار هذه المقالة ثم تتركوا قتله فإن كان كاذباً فحينئذ لا يعود ضرره إلا إليه وإن كان صادقاً فما انتفعتم به.
والمقصود من ذلك التقسيم أنه لا حاجة بكم إلى قتله بل يكفيكم أن تُعْرِضُوا عنه وأن تمنعوه من إظهار دينه. وأما الجواب عن الوجه الثاني: وهو قوله كان الأولى أن يقال: «يصيبكم كل الذي يعدكم» فهو من وجوه:
الأول: أن مدار هذا الاستدلال على إظهار الإنصاف وترك اللَّجَاجِ؛ لأَنَّ المقصود منه وإن كان كاذباً كان ضرر كذبه مقصوراً عليه وِإن كان صادقاً فلا أقلَّ من أن يصيبكُم بعض ما يعدكم وإن كان المقصود من الكلام هذا صح، ونظيره قوله ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبا: 24] .
والثاني: أنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان يتوعّدهم بهم بعذاب الدنيا وبعذاب الآخرة، فإذا وصل إليهم في الدنيا عذاب الدنيا فقد أصبهم بعض الذي وعدهم به.
الثالث: قال الزمخشري: «بعض» على بابها وإنما قال ذلك ليهضم موسى بعضَ حَقِّهِ في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافياً فضلاً عن أن يتعصب له. وهذا أحسن من قول أبي عبيدة وغيره أن بعض بمعنى كل، وأَنْشَدَ قَوْلَ لَبيدٍ:
4333 - تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إذَا لَمْ أَرْضَهَا ... أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمَامُها
وأنشد أيضاً قول عمرو بن شُيَيْمٍ:
4334 - قَدْ يُدْرِكُ المُتأنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ... وَقَدْ يَكُونُ مع المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وقول الآخر:
4335 - إنَّ الأُمُورَ إذَا الأَحْدَاثُ دَبَّرهَا ... دُونَ الشُّيُوخِ تَرَى فِي بَعْضِهَا خَلَلاَ
قال شهاب الدين: ولا أدري كيف فهموا «الكل» من البيتين الأخيرين، وأما الأول ففيه بعض دليل لأن الموت يأتي على الكل. قال ابن الخطيب: والجمهور على أن هذا القول خطأ قالوا: وأراد لبيدٌ ببعض النفوس نفسه، ومعنى البيت أنه وصف نفسه أنه نَزَّالُ أمكنةٍ أي كثيرُ المنزول في أماكن لا يرضاها إلا أن يربط نفسه الحِمام وهو الموت، وقال اللَّيْثُ: بعض ههنا صلة يُريد يصبكم الذي يعدكم. لما حكى الزمخشري قول أبي عبيدة أن «بعض» بمعنى «الكل» وأنشد عنه بيت لبيد قال: إن صحت الرواية عنه فقد حق فيه قولُ المَازِنِيِّ في مسألة العَلْقَى: كان أجْفَى من أن يفقه ما أقول له. قال شهاب الدين: ومسألة المازني معه: هي أن أبا عبيدة قال للمازني: ما أكذب النحويين يقولون هاء التأنيث لا تدخل على ألف التأنيث، فإن الألف في عَلْقَى ملحقة، قال: فقلت له وما أنكرت من ذلك؟ فقال: سمعت رؤبة يُنْشِدُ:
4336 - يَنْحَطُّ فِي عَلْقَى ... ... ... ... . ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
فمل ينونهنا، فقلت: ما واحد علقى؟ قال: عَلْقَاة، قال المازني: فأَسِفْتُ ولم أفسر له لأنه كان أغلظمن أن يفهم مثل هذا. قال شهاب الدين: وإنما استغلظه المازني؛ لأن الألف التي للإلحاق قد تدخل عليها تاء التأنيث (دالة على الوحدة فيقال: أَرْطَى، وأَرْطَامة، وإنما الممتنع دخولها على ألف التأنيث) نحو: دَعْوَى، وصَرْعَى.
وأما عدم تنوين «علقى» فلأنه سمَّى بها شيئاً بعينه، وألف الإلحاق المقصورة حال العلمية تجري مجرى تاء التأنيث فيمتنع الاسم الذي هو فيه كما يمتنع فاطمةُ وينصرفُ قَائِمة.
قوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ وفيه احتمالان:
الأول: أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ والمعنى أن الله تعالى هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة، ومن هداه إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفاً كذَّاباً فدل على أن موسى لي من الكذابينَ.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد أن فرعون مسرفٌ في عزمه على قتل موسى كذابٌ في ادعائه الإلَهيَّة وةالله لا يهدي من هذا شأنه وصفته بل يُبْطِلُهُ ويَهْدِمُ ِأمره.
قوله: ﴿يا قوم لَكُمُ الملك اليوم﴾ اعلم أن مؤمن آل فرعون لما استدل على أنه لا يجوز قتل موسى خوف فرعون وقومه ذلك العقاب الذي توعّدهم به فيوقوله ﴿يصبكم بعض الذي يعدكم﴾ فقال: يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض. أي أرض مصر يعني قد علوتم الناس وقَهَرْتُمُوهُمْ فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب الله إن حلَّ بكم، وإنما قال «يَنْصُرُنَا وَجَاءَنَا» ؛ لأنه كان يظهر أنه منهم وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه.
قوله «ظَاهِرينَ» حال من الضمير «لكم» والعامل فيها وفي اليوم ما تعلق به «لكم» .
ولما قال المؤمن هذا الكلام قال فرعون: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرى﴾ هي من رؤية الاعتقاد فيتعدى لمفعولين ثانيهما: «إلاَّ مَا أرَى» أي إلا ما أرى لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم. قوله ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾ العامة على تخفيف الشين، مصدر رَشَدَ يَرْشُدُ. وقرِأ معاذ بن جبل بتشديدها، وخرجها أبو الفتح وغيره على أنها صفة مبالغة، نحو ضَرَبَ فهو ضَرَّاب، وقال النحاس: هو لحن، وتوهمه من الرباعي يعني أرشد، ورد على النحاس قوله: بأنه يحتمل أن يكون من «رشد» الثلاثي، وهو الظاهر، وقد جاء فعال أيضاً من أفعل وإن كان لا ينقاس، قالوا: أدْرَكَ فَهُوَ دَرَّاك وأجْبَرَ فهو جَبَّار، وأَقْصَرَ فهو قَصَّار، وأَسْأرَ فهو سَئَّار. ويدل على أنه صفة مبالغة أن معاذاً كان يفسرها بسبيل الله.
قال ابن عطية: ويبعد عندي على معاذ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وهل كان فرعون يدعي إلا الإلَهيَّةَ؟ ويعلق بناء اللفظ على هذا التركيب. قال شهاب الدين يعني ابن عطية أنهن كيف يقول فرعون ذلك فيقر بأنَّ ثمَّ من يهدي إلى الرشاد غيره مع أنه يدعي أنه إله.
وهذا الذي عزاه ابن عطية والزمخشري وابن جبارة صاحب الكامل إلى معاذ بن جبل من القراءة المذكورة ليس هو في «الرَّشَادِ» الذي هو في كلام فرعون كما توهموا، وإنما هو في «الرَّشَادِ» الثاني الذي هو من قول المؤمن بعد ذلك. ويدل على ذلك ما روى أبو الفضل الرازي في كتاب اللوامح: وقرأ معاذ بن جبل سبيل الرشاد الحرف الثاني بالتشديد وكذلك الحسن وهو سبيل الله تعالى أوضحه لعباده كذلك فسره معاذ (بن جبل) وهو منقول من مُرْشِد كدَرَّاك من مدرك، وجبار من مجبر، وقصَّار من مقصِر عن الأمر، ولها نظائر معدودة فأما قصّار الثوب فهو من قصرت الثوب قِصَارَةً. مفعلى هخذا يزول إشكال ابن عطية المتقدم ويتضح القراءة والتفسير. وقال أبو البقاء وهو الذي يكثر منه الإرشاد أو الرشد يعني أنه يحتمل أن يكون من «أَرْشَدَ» الرباعي، أو «رَشَدَ» الثلاثي، والأولى أن يكون من الثلاثي لما عرفت أنه ينقاس دون دو الأول.
قوله: ﴿ياقوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ الأحزاب﴾ اعلم أنه تعالى (لما) حكى عن ذلك المؤمن أنه (كان) يكتم إيمانه والذي يكتم إيمانه كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون فلهذا السبب حصل ههنا قولان:
الأول: أن فرعون لما قال ذروني أقْتُلْ موسى لم يصرِّح ذلك المؤمن بأنه على دين موسى بل أوهم أنه على دين فرعنون إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي إبقاء موسى؛ لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى الله والإتيان بالمعجزات القاهرة، وهذا لا يوجب القتل، فالإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بقبح الكلمات بل الأولى تأخير قتله ومنعه من إظهار دينه لأنه إن كان كاذباً فَوَبَالُ كَذِبِهِ عليه، وإن كان صادقاً حصل الانتفاع به من بعض الوجوه. ثم أكد ذلك بقوله ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ يعنى أنه إن صدق فيما يدعيه من إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب، فأوهم بقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ أنه يريد موسى، وإنما كان يقصد به فرعون؛ لأن المسرف الكذاب هو فرعون.
والقول الثاني: أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه أولاً فلما قال فرعون ذروني أقتل موسى أزال الكتمان وأظهر أنه على دين موسى وشَاقَّ فرعون بالحق وقال: يا قوم إنِّي أخاف عليكم مثلَ يوم الأحزاب أي مثل أيام الأحزاب إلا أنه لما أضاف اليومَ إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود، وكان لكل حزب يوم في العذاب اقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس.
قوله: «مِثْلَ دأبِ» يجوز أن يكون «مثل» بدلاً، وأن يكون عطف بيان والمعنى مثل دأبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي دائماً لا يفترون عنه.
ولا بدّ من حذف مضاف يريد م ثل جزاء دأبهم. والحاصل أنه خوفهم الهلاك في الدنيا ثم خوفهم هلاك الآخرة ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ﴾ أي لا يُهْلِكُهُمْ قبل إقامة الحجة عليهم، والمقصود التنبيه على عذاب الآخرة يعنى أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلاً بأنهم استوجبوه بتكذيبهم الأنبياء، وتلك العلة قائمة هنا فوجب حصول الحكم هنا.
قالت المعتزلة: وما الله يريد ظلماً للعباد يدل على أنه لا يريد أن يظلم العباد، ولا يريد الظلم من أحد العباد التبة، ولو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالماً، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم ألبتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد، لأنه لو خلقها لأرادها، وثبت أيضاً أنه قادر على الظلم إذ لو لم يقدر عليه لما حصل التمدح بترك الظلم، وهذا الاستدلا ل قد تقدم مراراً مع الجواب.
قوله (تعالى) : ﴿وياقوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد﴾ التناد تفاعل من النداء يقال: تنادى القوم أي نادى بعضهم بعضاً، والأصل: الياء، وقد تقدم الخلاف في يائه كيف تحذف والأصل تَنَادُياً بضم الدال ولكنهم كسروها؛ لِتَصحذَ الياءُ. وقرأت طائفة بسكون الدال إجراء للوصل مجرى الوقف، وتنادى القوم أي نادى بعضهُم بَعْضاً، قال (الشَّاعِرُ رَحِمَهُ الله) : 4337 - تَنَادَوْا فَقَالُوا أَرْدَتِ الخَيْلُ فَارِساً ... فَقُلْنَا عُبَيْدَ اللهِ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وقال آخر:
4338 - تَنَادَوْا بَالرَّحِيلِ غَداً ... وَفِي تَرْحَالِهِمْ نَفْسِ
وقرأ ابن عباس والضحاك والكلبي وأبو صالح وابن مقسم والزعفراني في آخرين بتشديدها مصدر تَنَادَّ من: نَدَّ البَعِيرُ إذَا هَرَبَ ونَفَرَ، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: 34] الآيات ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى بعد ذلك: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ . قال أبو علي: التَّنادي مخففاً من التناد من قولهم نَدَّ فلانٌ إذا هرب. وفي الحديث: «جَوْلَةً يَنِدُّونَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ مَهْرَباً» وقال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ:
4339 - وَبَثَّ الخَلْقَ فِيهَا إذْ دَحَاهَا ... فَهُمْ سُكَّانُهَا حَتَّى التَّنَادِي
قوله: «يَوْمَ تُوَلُّونَ» يجوز أن يكون بدلاً من «يوم التناد» وأن يكون منصوباً بإضمار «أعني» . ولا يجوز أن يكون عطف بيان، لأنه نكرة وما قبله معرفة، وقد تقدم في قوله ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: 97] أن الزمخشري جعله بياناً مع تخالفهما تعريفاً وتنكيراً وهو عكس هذا، فإن الذي نحن فيه الثاني نكرة، والأول معرفة.
قوله ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ يجوز في «من عاصم» أن يكون فاعلا بالجار، لاعتماده على النفي، وأن يكون مبتدأ أو من مزيدة على كلا التقديرين، ومن الله متعلق بعَاصِمٍ.
فصل
أجمع المفسرون على أن يوم التنادي (هو) يوم القيامة وفي تسميته بهذا الاسم وجوه:
قيل: لأن أهل النار ينادون أصحابَ الجنة، وأصحاب الجنة ينادون أصحابَ النار كما حكى الله عنهم.
وقال الزجاج: هو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71] .
وقيل: ينادي بعضُ الظالمينَ بعضاً بالويْل والثُّبُور، فيقولون: يَا وَيْلَنَا. وقيل: يُنَادَوْنَ إلى المحشر وقيل ينادي المؤمن: هَاؤُم اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ، والكافر: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وقيل: ينادى باللَّعَنةِ على الظالمين، وقيل: يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، وقيل: ينادى بالسعادة والشقاوة ألا إنَّ فلان بان فلان سِعِدَ سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وفلان بان فلان شقي شقاوة فلا يسعد بعدها أبداً.
وقوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ . قال الضحاك: إذا سمعوا زفيرَ النار نَدُّوا هرباً فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفاً فيرجعون إلى مكانهم فذلك قوله: ﴿والملك على أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: 17] وقوله: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] . قال مجاهد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: فارِّينَ عن النار غير معجزين، ثم أكد التهديد فقال: ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ يعصمكم من عذابه، ثم نبه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم فقال ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
قَوْلُهُ (تَعَالَى) : ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات﴾ يعني يوسف بن يعقوب من قبل موسى بالبينات، ونقل الزمخشري أنه قبل يوسف بن إبراهيمخ بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نيفاً وعشرين سنة وقيل: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بَقِيَ حيًّا إلى زمانه، وقيل: هو فرعون آخر. والمقصود من الكل شيء واحد هو أن يوسف حاء قومه بالبينات هي قوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار﴾ [يوسف: 39] والأولى أن يُراد بها المعجزات.
واعلم أن مؤمن آل فرعنونه لما قال لهم: ومن يضلل الله فما له من هاد ذكر هذا المثال وهو أن يوسف جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على التكذيب ولم ينتفعوا بتلك الدلائل، وهذا يدل على (أن) من أضله الله فما له من هاد، ثم قال: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُمْ بِهِ﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) : من عبادة الله وحده لا شريك له، فلم ينتفعوا ألبتة بتلك البينات.
قوله «حَتَّى إذَا» غاية لقوله ﴿فما زلتم في شك﴾ ، فَلَمَا هَلَك ﴿قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً﴾ أي أقمتم على كفركم، وظننتم أن الله تعالى لا يجدد عليكم الحجة، وقرىء ألن يبعث الله بإدخال همزة التقرير يقرّر بعضهم بعضاً.
قوله: «كَذَلِكَ» أي الأمر كذلك، أو مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف كذاب في عصيانه مرتاب في دينه، فقوله «يضل الله» مستأنف، أو نعت مصدر أي مثل إضلال الله إياكم حين لم تقبلوا من يوسف يضل الله من هو مسرف.
ثم بين تعالى ما لأجله بقُوا في ذلك الشك والإسراف فقال: ﴿الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي بغير حجة إما بناء على التقليد، وأما بناء على شبهات خسيسة.
قوله: «الَّذِينَ يُجَادِلُونَ» يجوز فيه عشرة أوجه:
أحدها: أنه بدل من قوله «من هو مسرف» وإنما جمع اعتباراً بمعنى «من» .
الثاني: أن يكون بياناً له.
الثالث: أن يكون صفة له وإنما جمع على معنى «من» أيضاً.
الرابع: أن ينتصب بإضمار أعني.
الخامس: أن يرتفع خبر مبتدأ مضمر أي هم الذين.
السادس: أن يرتفع مبتدأ خبره «يَطْبَعُ اللهُ» ، و «كذلك» خبر مبتدأ مضمر أيضاً أي الأمر كذلك، والعائد من الجملة وهي يطبع على المبتدأ محذوف أي على كل متكبر منهم.
السابع: أن يكون مبتدأ، والخبر «كَبُرَ مَقْتاً» ولكن لا بُدّ من حذف مضاف ليعود الضمير من «كبر» عليه والتقدير: قال الذين يجادلون كَبُرَ مقتاً، ويكون «مَقْتاً» تمييزاً، وهو منقول من الفاعلية؛ إذ التقدير كبر مَقْتُ حالهم أي جادل المجادلين.
الثامن: أن يكون «الَّذِينَ» مبتدأ أيضاً، ولكن لا يقدر حذف مضاف، ويكون فاعل كبر ضميراً عائداً على ما تقدم أي كبر مقت جدالهم.
التاسع: أن يكون «الذين» مبتدأ أيضاً، والخبر ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ قاله الزمخشري. ورده أبو حيان بأن فيه تفكيك الكلام بضعه من بعض؛ لأن الظاهر تعلق «بغَيْرِ سُلْطَانٍ» «بِيُجَادِلُونَ» ولا يتعلق جعله خبراً «للذين» لأنه جار ومجرور فيصير التقدير: الذي يجادلون كائنونَ أو مستقرونَ بغير سلطان أي في غير سلطان؛ لأن الباء إذْ ذَاكَ ظرفية خبرٌ عن الجثث.
العاشر: أنه مبتدأ وخبره محذوف أي معاندون ونحوه قاله ِأبو البقاء.
قوله: «كَبُرَ مَقْتاً» يحتمل أن يراد به التعجب والاستفهام، وأن يراد به الذم «كبئس» وذلك أنه يجوز أن يبنى (فَعُلَ) بضم العين مما يجوز فيه التعجب منه، ويَجْرِي مَجْرَى نِعْمَ وَبِئْسَ في جميع الأحكام، وفي فاعله ستة أوجه: الأول: أنه ضمير عائد على حال المضاف إلى الذين، كما تقدم تقريره.
الثاني: أنه ضمير يعود على جدالهم المفهوم من «يُجَادِلُونَ» كما تقدم تقريره أيضاً.
الثالث: أنه الكاف في «كَذَلِكَ» . قال الزمخشري: وفاعل «كَبُرَ» قوله: كذلك، أي كَبُرَ مقْتاً مِثْل ذَلِكَ الجِدال، و «يَطْبَعُ اللهُ» كلام مستأنف.
ورده أبو حيان: بأ، فيه تفكيكاً للكلام وارتكابَ مذهب ليس بصحيح، أما التفكيك فلأن ما جاء في القرآن من «كَذَلِكَ يطبع أو تطبع» إنما جاء مربوطاً بعضه ببعض، وكذلك هذا وأما ارتكاب مذهب غير صحيح فِإنه جعل الكاف اسماً، ولا يكون اسماً إلا في ضرورة خلافاً للأخفش.
الرابع: أن الفاعل محذوف نقله الزمخشري، قال: ومن قال كبر مقتاً عند الله جِدَالهُم فقد حذف الفاعل والفاعل لا يصح حذفه. قال شهاب الدين: القائل بذلك هو الحَوْفِيُّ لكنه لا يريد بذلك تفسير الإعراب إنما يريد به تفسير المعنى، وهو معنى ما تقدم من أنّ الفاعل ضمير يعود على جدالهم المفهوم من فعله، فصرح به الحوفي بالأصل، وهو الاسم الظاهر، ومراده ضمير يعود عليه.
الخامس: أن الفاعل ضمير يعود على ما بعده، وهو التمييز، نحو: نعم رجلاً زيد، وبئس غلاماً عَمْرو.
السادس: أنه ضمير يعود على من في قوله: «من هو مسرف» وأعاد الضمير من كبر مقتاً اعتباراً بلفظها وحينئذ يكون قد راعى لفظ من أولاً في قوله كبر مقتاً.
وهذا كله إذا أعربت «الذين» تابعاً ل ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ نعتاً أو بياناً، أو بدلا. وقد تقدم أن الجملة من قوله «كبر مقتاً» فيها وجهان:
أحدهما: الرفع، إذا جعلناها خبر المبتدأ.
والثاني: أنها لا محل لها، إذا لم نجعلها خبراً، بل هي جملة استئنافية.
وقوله: «عِنْدَ الله» متعلق «بكَبُرَ» ، فكذلك قد تقدم أنه يجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفاً وأن يكون فاعلاً وهم ضعيفان.
والثالث وهو الصحيح: أنه معمول ل «يَطْبَعُ» أي مثل ذلك الطبع يطبع الله، و «يطبع الله» فيه وجهان: أظهرهها: أنه مستأنف.
والثاني: أنه خبر للموصول كما تقدم.
قوله: «قَلْبِ متكبّر» قرأ أبو عمرو، وابن ذَكْوَانَ بتنوين «قَلْبٍ» ، وصف القلب بالتكبر والجبروت لأنهما ناشئان منه، وإن كان المراد الجملة، كما وصف بالإثم في قوله: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] وفي قوله: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ﴾ [غافر: 56] قال بان الخطيب: «وأيضاً قال قوم: الإنسان الحقيقي هو القلب» والباقون بإضافة «قلب» إلى ما بعده، أي كُلِّ قَلْبِ شخصٍ متكبرٍ. قال أبو عبيد: الاختيار الإضافة، لوجوه:
الأول: أن عبد الله قرأ: «على قلب كمل متكبر» وهو شاهد لهذه القراءة.
الثاني: أن وصف الإنسان بالتكبر والجبروت أولى من وصف القلب بهما. وقد قدر الزمخشري مضافاً في القراءة الأولى، أي على كُلّ ذِي قلبٍ متكبر، فجعل الصفة لصاحبِ القلب. قال أبو حيان: «ولا ضرورة تدعو إلى اعتقاد الحذف» . قال شهاب الدين: بل ثَمَّ ضرورة إلى ذلك، وهو توافقُ القراءتين واحداً وهو صاحب القلب بخلاف عدم التقدير، فإنه يصير الموصوف في إحداهما القلب وفي الأخرى صاحبه.
فصل
قال الزَّجَّاجُ: قوله: «الذين» تفسير ل «المسرف المرتاب» ، يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي في إبطالها بالتكذيب «بغير سلطان» حجة، «أتاهم» ، «كبر مقتاً» أي كبر ذلك الجدال مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا. ودلت الآية على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد مقت بعض عباده، إلا أنها صفة التأويل في حق الله، كالغضب، والحياء، والعجب.
ثم بين أن هذا المقت كما حصل عند الله فكذلك حصل عند الذين آمنوا، قال القاضي: مقت الله إياهم يدل على أن كل فعل ليس بخلق لا أنّ كونه فاعلاً للفعل، وما قاله محال.
فصل
قد تقدم الكلام في الطبع، والرَّيْنِ، والقَسوة، قال أهل السنة: قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله﴾ يدل على أن الكل مِنْ عند الله. وقالت المعتزلة: الآية تدل على أن هذا الطبع إنما حصل، لأنه كان في نفسه متكبراً جباراً. قال ابن الخطيب: وعند هذا تصيِرُ الآية حجة لكل واحد من الفريقين من وجه، وعليه من وجه آخر، والقول الثاني يخرج عليه رُجْحَانُ مذهبنا، وهو أنه تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب فتصير تلك الدواعي مانعة من حصول ما يدعو إلى الطاعة، والانقياد لأمر الله، فيكون القول بالقضاء والقدر حقاً، فيكون تعليل القلب بكونه متكبراً متجبراً باقياً، فثبت أن القول بالقضاء والقدر هو ما ينطبق عليه لفظ القرآن من أوله لي آخره.
فصل
قال مقاتل: الفرق بين المتكبر، والجبار، أن المتكبر عن قبول التوحيد، والجبار في غير حق. قال ابن الخطيب: كما السعادة في أمرين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله فعلى قول مقاتل المتكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله، والجبروت كالمضاد للشفقة على خلق الله.
غافر 40:33
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَا ... ﴾ الآيات. لما سلى رسوله بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء قبله وبمشاهدة آثارهم سلاه أيضاً بذكر قصة موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وأنه مع قوته ومعجزته بعثه إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارونَ فكذبوه، وقالوا: ساحر كذاب، فلما جاءهم بالحق من عندنا أي بتلك الآيات الباهرة والسلطان المبين وهو المعجزات القاهرة قالوا يعني فرعون وقومه اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، قال قتادة: هذا غير القتل الأول؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الوِلْدَانِ فلما بعث موسى دعا بالقتل عليهم لئلا ينشأوا على دين موسى فيقوَى بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات فلهذا أمر بقتل الأبناء واسْتَحْيُوا نِساءهم ليصدوهم بذلك عن متابعة موسى ومظاهرته ثم قال: ﴿وَمَا كَيْدُ الكافرين﴾ أي وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم إلا في ضلال.
قوله ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذروني أَقْتُلْ موسى﴾ أي وقال فرعون لِمَلئِهِ ﴿ذروني أَقْتُلْ موسى﴾ فتح ابن كثير ياء «ذروني» وسكنها الباقون. وإنما قال فرعون ذلك؛ لأنه كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتل موسى وفي منعهم من قتله احتمالان:
الأول: أنهم منعوه من قتله لوجوه:
الأول: لعله كان فيه من يعتقد بقلبه كون موسى صادقاً فيتحيل في منع فرعون من قتله.
وثانيهما: قال الحسن: إن أصحابه قالوا له: لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكن أن يغلب سَحَرَتَنَا وإن قَتَلْتَهُ أدخلتَ الشبهةَ على الناس ويقولوا: إنه كان محقاً وعجزا عن جوابه فقتلوه.
وثالثها: أنهم كانوا يحتالون في منعه من قتله لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب أولئك الأقوام؛ لأن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكِهِم بخصمٍ خارجي حتى يصيروا آمنين من قلب ذلك الملك.
الاحتمال الثاني: أن أحداً ما منع فرع من قتل موسى وأنه كان يريد قتله، إلا إنه كان خائفاً من أنه لو حاول قتله لظهرت معجزات قاهرات تمنعه من قتله فيفتضح إلا أنه ق ذروني أقتل موسى وغرضه منه إخفاء خوفه.
قوله: «ولْيَدْعُ رَبَّهُ» أي وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله فيمنعه منا؛ ذكر ذلك استهزاءًا.
قوله ﴿إني أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرض الفساد﴾ قرأ الكوفيون ويعقوبُ (أو أن) بأو التي للإبهام ومعناه أنه لابد من وقوع أحد الأمرين والباقون بواو النسق على تسلط الخوف من التبديل وظهور الفاسد معاً. وفتح نافع وابن كثير وابو عمرو الياء من «إِنِّي أخاف» ؛ وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص «يُظْهر» بضم الياء وكسر الهاء من أظهر، وفاعله ضمير موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «الفَسَادَ» نصباً على المفعول به والباقون بفتح الياء والهاء من ظَهَرَ الفسادُ، «الفَسَادُ» رفعاً، وزيد بن علي يُظْهَرُ مبنياً للمفعول الفَسَاد مرفوع لقيامه مقام الفاعل ومجاهد «يَظَّهَّر» بتشديد الظاء والهاء، وأصلها يَتَظَهَّر من تَظَهَّر بتشديد الهاء فأدغم التاء في الظاء، «الفسادُ» رفع على الفاعلية.
فصل
ذكر فرعونُ النسبَ الموجبَ لقتل موسى وهو أن المُوجِبَ لقتله إما فساد الدين أو فساد الدنيا، أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو دينهم الذي كانوا عليه، فلما كان موسى ساعياً في إفساده اعتقدوا أنه ساع في إفساد الدين الحق، وأما فساد الدنيا فهو أنه لا بد وأن يجتمع عليه قوم ويصير ذلك سبباً لوقوع الخصومات وإثارة الفتن، ولما كان حب الناس لأديانهم فوق حبّهم لأمالهم لا جَرَمَ بدأ فرعونُ بذكر الدين فقال: {إني أخاف أن يبدل دينكم} ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال أو أن يظهر في الأرض الفاسد.
قوله: ﴿وَقَالَ موسى إِنِّي عُذْتُ﴾ قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة واكسائي عُدتّ بإدغام الذال، والباقون بالإظهار. وقوله «لاَ يُؤْمِنُ» صفة «لِمُتَكَبِّرٍ» .
فصل
لما توعد فرعونُ موسى بالقتل لم يأت في دفع شره إلا بأن استعاذ بالله واعتمد على فضل الله فلا جَرَمَ صانه الله وحفظه منه. واعلم أن الموجب للإقدام على أيذاء الناء أمران:
أحدهما: كون الإنسان متكبراً قاسِيَ القلب.
والثاني: كونه منكراً للعبث والقيامة.
لأن المتكبر القاسي القلب قد يحمله طبعه على إيذاء الناس إلا أنه إذا كان مقرّاً بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعاً له من الجري على موجب تكبّره فإذا لم يحصل له الإيمان بالبعث والقيامة كان طبعه داعياً له إلى الإيذاء، لأن المانع وهو الخوف من السؤال والحساب زائلٌ فلا جَرَمَ تعظيم القَسْوةُ والإيذاء.
وقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ اختلفوا في هذا المؤمن، قال مقاتل والسدي: كان قبطياً. (وقيل) ابن فرعون، وهو الذي حكى الله عنه ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى﴾ [القصص: 20] وقيل: كان إسرائيلياً، روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: الصديقون حبيب النجار مؤمن آل ياسين ومؤمن آل فرعون الذي قال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم، وعن جعفر بن محمد أنه قال: كان أبو بكر خيرا من مؤمن آل فرعون، لأنه كان يكتم إيمانه، وقال أبو بكر جهاراً أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وكان ذلك سراً، وهذا جهراً. روى عروةُ بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنعهُ المشركون برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «بَيْنَا رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عبقةُ بن أبي مُعَيْط فأخذ يمنكب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً وأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟» .
قال بان عباس وأكثر العلماء كان اسم الجرل خزييل. وقال ابن إسحاق جبريل، وقيل حبيب.
قوله: «رَجُلٌ مُؤْمِنٌ» الأكثرون قرأُوا بضم الجيم، وقرىء رَجِلَ بكسر الجيم كما يقال: عَضِدٌ في عَضُدٍ. وقرأ الأعمش وعبد الوارث بتسكينها وهي لغة تميمٍ ونجد والأولى هي الفصحى.
قوله «من آل» يحتمل أن يكون متعلقاً «بيكْتُمُ» بعده أي يكتم إيمانه من آل فرعون.
قيل: هذا الاحتمال غير جائز؛ لأنه لا يقال: كتمتُ من فلانٍ كذا، إنما يقال: كتمته كذا، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: 42] بل الظاهر تعلقه بمحذوف صفةً لرجل.
قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون متعلقاً بقوله: «مؤمن» وإن كان ذلك المؤمن شخصاً من آل فرعون.
قال شهاب الدين: وجاء هنا على أحسن ترتيب حيث قدم المفرد ثم ما يقرب منه وهو حرف الجر ثم الجملة وقد تقدم أيضاً هذه المسألة في المائدة وغيرها ويترتب على الوجهين هل كان هذا الرجل من قرابة فرعون فعلى الأولى لا دليل فيه، وقد رد بعضهم الأول بما تقدم، وأنه لا يقال: ك تمت من فلان كذا إنما يقال: كتمت فلاناً كذا فيتعدى لاثنين بنفسه، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: 42] وقال الشاعر:
4332 - كَتَمْتُكَ هَمًّا بالجَمُومَيْنِ سَاهِراً ... وَهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنّاً وَظَاهِرَا
أَحَادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي مَا يَرِيبُها ... وَوِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصَادِرَا
أي كتمتك أحاديث نفس وهمين، فقدم المعطوف على المعطوف عليه ومحلّه الشعر.
قوله ﴿أَن يَقُولَ رَبِّيَ﴾ أي كراهة أن يقول، أو لأن يقول. قال الزمخشري: ولك أن تقدر مضافاً محذوفاً أي وقت أن يقول والمعنى أتقتلونه ساعة سمتعم منه هذا القول من غير روية ولا فكر (في أمره) وهذا الذي أجازه رده أبو حيان بأن تقدير هذا الوقت لا يجوز إلا مع المصدر المصرّح به، تقول: صِيَاحَ الدِّيكِ أي وقت صياحه، ولو قلت: أجيئك أَنْ صَاحَ الديك أو أَنْ يَصِيحَ لم يصح نص عليه النحويون
قوله: «وقد جاءكم» جملة حالية، يجوز أن تكون من المفعول.
فإن قيل: هو نكرة.
فالجواب: أنه في حيِّز الاستفهام وكل ما سوغ الابتداء بالنكرة سوغ انتصاب الحال عنها، ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل.
فصل
لما حكى الله تعالى عن موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أنه ما زاد في دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله بين أنه تعالى قَيَّضَ له إنساناً أجنبياً حتى ذب عنه بأحسن الوجوه وبالغ في تسكين تلك الفتنة فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله﴾ وهذا استفهام على سبيل الإنكار، وذكر في هذا الكلام ما يدل على حسن ذلك الإنكار، وذلك لأنه ما زاد على أن قال: ربي الله وجاء بالبينات، وذلك لا يوجب القتل البتةَ فقوله: ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ﴾ يحتمل وجهين:
الأول: أن قوله «ربي الله» إشارة إلى تعزيز النبوة بإظهار المعجزة.
الثاني: أن قوله «رَبِّي اللهُ» إشار إلى التوحيد.
وقوله: ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ﴾ إشارة إلى الدلائل الدالة على التوحيد، ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية على أن الإقدام على قتلِهِ غير جائز، وهي حجة مذكورة على طريق التقسيم فقال: إن كان هذا الرجل كاذباً كان وبال كذبه عائداً عليه فاتركوه وإن كان صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم فعلى كلا التقديرين الأولى إبقاؤه حيًّا.
فإن قيل: الإشكال على هذا الدليل من وجهين: الأول: أن قوله ﴿يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ معناه أن (ضرر) كذبه مقصور عليه ولا يتعداه، وهذا كلام فاسد لوجوه:
أولها: أنا لا نسلم أن بتقدير كونه كاذباً يكون ضرر كذبه مقصوراً عليه لأنه يدعو الناس إلى ذلك الدين الباطل ويغتر به جماعة ويقعون في المذهب الباطل والاعتقاد السيّىء ثم يقع بينهم وبين غيرهم الخصوماتُ الكثيرة فثبت أن بتقدير كونه كاذباً لم يكن ضرر كذبه مقصوراً عليه بل يكون متعدياً إلى الكل، ولهذا أجمع العلماء علىأن الزِّنْدِيقَ الذي يدعو الناس إلى زَنْدَقَتِهِ يجب قتله.
وثانيها: أنه إن كان هذا الكلام حجة فلا كذاب إلا ويمكنه أن يتمسك بهذه الطريقة فيمكن جميع الزنادقة والمُبْطِلَة من أديانهم الباطلة.
وثالثها: أن الكفار الذين انكروا موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ يجب أن لا يجوز الإنكار عليهم لأنه يقال إن كان ذلك المنكر كاذباً في ذلك الإنكار فعليه كذبه وإن يك صادقاً فما انتفعتم بصدقه، فثبت أن هذه الطريق صَوَّبَتْ صدقه وما أفضى ثُبُوتُه إلى عدم صدقه كان فاسداً.
الوجه الثاني: كان من الواجب أن يقال: وإنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ كُلُّ الَّذِي يَعِدُكُمْ؛ لأن الذي يصيب من بعض الذي يَعِدُ دون البعض هو الكفار والمنجمون. أما الرسول الصادق الذي لا يتكلم إلا بالوحي فإنه يجب أن يكون صادقاً في كل ما يقول فكان قوله: ﴿يصيبكم بعض الذي يعدكم﴾ غير لائق بهذا المقام.
والجواب عن الأسئلة الثلاثة بأن تقدير الكلام (أنه) لا حاجة لكم في دفع شره إلى قتله بل يكفيكم أن تمنعوه من إظهار هذه المقالة ثم تتركوا قتله فإن كان كاذباً فحينئذ لا يعود ضرره إلا إليه وإن كان صادقاً فما انتفعتم به.
والمقصود من ذلك التقسيم أنه لا حاجة بكم إلى قتله بل يكفيكم أن تُعْرِضُوا عنه وأن تمنعوه من إظهار دينه. وأما الجواب عن الوجه الثاني: وهو قوله كان الأولى أن يقال: «يصيبكم كل الذي يعدكم» فهو من وجوه:
الأول: أن مدار هذا الاستدلال على إظهار الإنصاف وترك اللَّجَاجِ؛ لأَنَّ المقصود منه وإن كان كاذباً كان ضرر كذبه مقصوراً عليه وِإن كان صادقاً فلا أقلَّ من أن يصيبكُم بعض ما يعدكم وإن كان المقصود من الكلام هذا صح، ونظيره قوله ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبا: 24] .
والثاني: أنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان يتوعّدهم بهم بعذاب الدنيا وبعذاب الآخرة، فإذا وصل إليهم في الدنيا عذاب الدنيا فقد أصبهم بعض الذي وعدهم به.
الثالث: قال الزمخشري: «بعض» على بابها وإنما قال ذلك ليهضم موسى بعضَ حَقِّهِ في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافياً فضلاً عن أن يتعصب له. وهذا أحسن من قول أبي عبيدة وغيره أن بعض بمعنى كل، وأَنْشَدَ قَوْلَ لَبيدٍ:
4333 - تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إذَا لَمْ أَرْضَهَا ... أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمَامُها
وأنشد أيضاً قول عمرو بن شُيَيْمٍ:
4334 - قَدْ يُدْرِكُ المُتأنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ... وَقَدْ يَكُونُ مع المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وقول الآخر:
4335 - إنَّ الأُمُورَ إذَا الأَحْدَاثُ دَبَّرهَا ... دُونَ الشُّيُوخِ تَرَى فِي بَعْضِهَا خَلَلاَ
قال شهاب الدين: ولا أدري كيف فهموا «الكل» من البيتين الأخيرين، وأما الأول ففيه بعض دليل لأن الموت يأتي على الكل. قال ابن الخطيب: والجمهور على أن هذا القول خطأ قالوا: وأراد لبيدٌ ببعض النفوس نفسه، ومعنى البيت أنه وصف نفسه أنه نَزَّالُ أمكنةٍ أي كثيرُ المنزول في أماكن لا يرضاها إلا أن يربط نفسه الحِمام وهو الموت، وقال اللَّيْثُ: بعض ههنا صلة يُريد يصبكم الذي يعدكم. لما حكى الزمخشري قول أبي عبيدة أن «بعض» بمعنى «الكل» وأنشد عنه بيت لبيد قال: إن صحت الرواية عنه فقد حق فيه قولُ المَازِنِيِّ في مسألة العَلْقَى: كان أجْفَى من أن يفقه ما أقول له. قال شهاب الدين: ومسألة المازني معه: هي أن أبا عبيدة قال للمازني: ما أكذب النحويين يقولون هاء التأنيث لا تدخل على ألف التأنيث، فإن الألف في عَلْقَى ملحقة، قال: فقلت له وما أنكرت من ذلك؟ فقال: سمعت رؤبة يُنْشِدُ:
4336 - يَنْحَطُّ فِي عَلْقَى ... ... ... ... . ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
فمل ينونهنا، فقلت: ما واحد علقى؟ قال: عَلْقَاة، قال المازني: فأَسِفْتُ ولم أفسر له لأنه كان أغلظمن أن يفهم مثل هذا. قال شهاب الدين: وإنما استغلظه المازني؛ لأن الألف التي للإلحاق قد تدخل عليها تاء التأنيث (دالة على الوحدة فيقال: أَرْطَى، وأَرْطَامة، وإنما الممتنع دخولها على ألف التأنيث) نحو: دَعْوَى، وصَرْعَى.
وأما عدم تنوين «علقى» فلأنه سمَّى بها شيئاً بعينه، وألف الإلحاق المقصورة حال العلمية تجري مجرى تاء التأنيث فيمتنع الاسم الذي هو فيه كما يمتنع فاطمةُ وينصرفُ قَائِمة.
قوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ وفيه احتمالان:
الأول: أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ والمعنى أن الله تعالى هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة، ومن هداه إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفاً كذَّاباً فدل على أن موسى لي من الكذابينَ.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد أن فرعون مسرفٌ في عزمه على قتل موسى كذابٌ في ادعائه الإلَهيَّة وةالله لا يهدي من هذا شأنه وصفته بل يُبْطِلُهُ ويَهْدِمُ ِأمره.
قوله: ﴿يا قوم لَكُمُ الملك اليوم﴾ اعلم أن مؤمن آل فرعون لما استدل على أنه لا يجوز قتل موسى خوف فرعون وقومه ذلك العقاب الذي توعّدهم به فيوقوله ﴿يصبكم بعض الذي يعدكم﴾ فقال: يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض. أي أرض مصر يعني قد علوتم الناس وقَهَرْتُمُوهُمْ فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب الله إن حلَّ بكم، وإنما قال «يَنْصُرُنَا وَجَاءَنَا» ؛ لأنه كان يظهر أنه منهم وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه.
قوله «ظَاهِرينَ» حال من الضمير «لكم» والعامل فيها وفي اليوم ما تعلق به «لكم» .
ولما قال المؤمن هذا الكلام قال فرعون: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرى﴾ هي من رؤية الاعتقاد فيتعدى لمفعولين ثانيهما: «إلاَّ مَا أرَى» أي إلا ما أرى لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم. قوله ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾ العامة على تخفيف الشين، مصدر رَشَدَ يَرْشُدُ. وقرِأ معاذ بن جبل بتشديدها، وخرجها أبو الفتح وغيره على أنها صفة مبالغة، نحو ضَرَبَ فهو ضَرَّاب، وقال النحاس: هو لحن، وتوهمه من الرباعي يعني أرشد، ورد على النحاس قوله: بأنه يحتمل أن يكون من «رشد» الثلاثي، وهو الظاهر، وقد جاء فعال أيضاً من أفعل وإن كان لا ينقاس، قالوا: أدْرَكَ فَهُوَ دَرَّاك وأجْبَرَ فهو جَبَّار، وأَقْصَرَ فهو قَصَّار، وأَسْأرَ فهو سَئَّار. ويدل على أنه صفة مبالغة أن معاذاً كان يفسرها بسبيل الله.
قال ابن عطية: ويبعد عندي على معاذ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وهل كان فرعون يدعي إلا الإلَهيَّةَ؟ ويعلق بناء اللفظ على هذا التركيب. قال شهاب الدين يعني ابن عطية أنهن كيف يقول فرعون ذلك فيقر بأنَّ ثمَّ من يهدي إلى الرشاد غيره مع أنه يدعي أنه إله.
وهذا الذي عزاه ابن عطية والزمخشري وابن جبارة صاحب الكامل إلى معاذ بن جبل من القراءة المذكورة ليس هو في «الرَّشَادِ» الذي هو في كلام فرعون كما توهموا، وإنما هو في «الرَّشَادِ» الثاني الذي هو من قول المؤمن بعد ذلك. ويدل على ذلك ما روى أبو الفضل الرازي في كتاب اللوامح: وقرأ معاذ بن جبل سبيل الرشاد الحرف الثاني بالتشديد وكذلك الحسن وهو سبيل الله تعالى أوضحه لعباده كذلك فسره معاذ (بن جبل) وهو منقول من مُرْشِد كدَرَّاك من مدرك، وجبار من مجبر، وقصَّار من مقصِر عن الأمر، ولها نظائر معدودة فأما قصّار الثوب فهو من قصرت الثوب قِصَارَةً. مفعلى هخذا يزول إشكال ابن عطية المتقدم ويتضح القراءة والتفسير. وقال أبو البقاء وهو الذي يكثر منه الإرشاد أو الرشد يعني أنه يحتمل أن يكون من «أَرْشَدَ» الرباعي، أو «رَشَدَ» الثلاثي، والأولى أن يكون من الثلاثي لما عرفت أنه ينقاس دون دو الأول.
قوله: ﴿ياقوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ الأحزاب﴾ اعلم أنه تعالى (لما) حكى عن ذلك المؤمن أنه (كان) يكتم إيمانه والذي يكتم إيمانه كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون فلهذا السبب حصل ههنا قولان:
الأول: أن فرعون لما قال ذروني أقْتُلْ موسى لم يصرِّح ذلك المؤمن بأنه على دين موسى بل أوهم أنه على دين فرعنون إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي إبقاء موسى؛ لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى الله والإتيان بالمعجزات القاهرة، وهذا لا يوجب القتل، فالإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بقبح الكلمات بل الأولى تأخير قتله ومنعه من إظهار دينه لأنه إن كان كاذباً فَوَبَالُ كَذِبِهِ عليه، وإن كان صادقاً حصل الانتفاع به من بعض الوجوه. ثم أكد ذلك بقوله ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ يعنى أنه إن صدق فيما يدعيه من إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب، فأوهم بقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ أنه يريد موسى، وإنما كان يقصد به فرعون؛ لأن المسرف الكذاب هو فرعون.
والقول الثاني: أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه أولاً فلما قال فرعون ذروني أقتل موسى أزال الكتمان وأظهر أنه على دين موسى وشَاقَّ فرعون بالحق وقال: يا قوم إنِّي أخاف عليكم مثلَ يوم الأحزاب أي مثل أيام الأحزاب إلا أنه لما أضاف اليومَ إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود، وكان لكل حزب يوم في العذاب اقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس.
قوله: «مِثْلَ دأبِ» يجوز أن يكون «مثل» بدلاً، وأن يكون عطف بيان والمعنى مثل دأبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي دائماً لا يفترون عنه.
ولا بدّ من حذف مضاف يريد م ثل جزاء دأبهم. والحاصل أنه خوفهم الهلاك في الدنيا ثم خوفهم هلاك الآخرة ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ﴾ أي لا يُهْلِكُهُمْ قبل إقامة الحجة عليهم، والمقصود التنبيه على عذاب الآخرة يعنى أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلاً بأنهم استوجبوه بتكذيبهم الأنبياء، وتلك العلة قائمة هنا فوجب حصول الحكم هنا.
قالت المعتزلة: وما الله يريد ظلماً للعباد يدل على أنه لا يريد أن يظلم العباد، ولا يريد الظلم من أحد العباد التبة، ولو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالماً، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم ألبتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد، لأنه لو خلقها لأرادها، وثبت أيضاً أنه قادر على الظلم إذ لو لم يقدر عليه لما حصل التمدح بترك الظلم، وهذا الاستدلا ل قد تقدم مراراً مع الجواب.
قوله (تعالى) : ﴿وياقوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد﴾ التناد تفاعل من النداء يقال: تنادى القوم أي نادى بعضهم بعضاً، والأصل: الياء، وقد تقدم الخلاف في يائه كيف تحذف والأصل تَنَادُياً بضم الدال ولكنهم كسروها؛ لِتَصحذَ الياءُ. وقرأت طائفة بسكون الدال إجراء للوصل مجرى الوقف، وتنادى القوم أي نادى بعضهُم بَعْضاً، قال (الشَّاعِرُ رَحِمَهُ الله) : 4337 - تَنَادَوْا فَقَالُوا أَرْدَتِ الخَيْلُ فَارِساً ... فَقُلْنَا عُبَيْدَ اللهِ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وقال آخر:
4338 - تَنَادَوْا بَالرَّحِيلِ غَداً ... وَفِي تَرْحَالِهِمْ نَفْسِ
وقرأ ابن عباس والضحاك والكلبي وأبو صالح وابن مقسم والزعفراني في آخرين بتشديدها مصدر تَنَادَّ من: نَدَّ البَعِيرُ إذَا هَرَبَ ونَفَرَ، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: 34] الآيات ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى بعد ذلك: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ . قال أبو علي: التَّنادي مخففاً من التناد من قولهم نَدَّ فلانٌ إذا هرب. وفي الحديث: «جَوْلَةً يَنِدُّونَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ مَهْرَباً» وقال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ:
4339 - وَبَثَّ الخَلْقَ فِيهَا إذْ دَحَاهَا ... فَهُمْ سُكَّانُهَا حَتَّى التَّنَادِي
قوله: «يَوْمَ تُوَلُّونَ» يجوز أن يكون بدلاً من «يوم التناد» وأن يكون منصوباً بإضمار «أعني» . ولا يجوز أن يكون عطف بيان، لأنه نكرة وما قبله معرفة، وقد تقدم في قوله ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: 97] أن الزمخشري جعله بياناً مع تخالفهما تعريفاً وتنكيراً وهو عكس هذا، فإن الذي نحن فيه الثاني نكرة، والأول معرفة.
قوله ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ يجوز في «من عاصم» أن يكون فاعلا بالجار، لاعتماده على النفي، وأن يكون مبتدأ أو من مزيدة على كلا التقديرين، ومن الله متعلق بعَاصِمٍ.
فصل
أجمع المفسرون على أن يوم التنادي (هو) يوم القيامة وفي تسميته بهذا الاسم وجوه:
قيل: لأن أهل النار ينادون أصحابَ الجنة، وأصحاب الجنة ينادون أصحابَ النار كما حكى الله عنهم.
وقال الزجاج: هو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71] .
وقيل: ينادي بعضُ الظالمينَ بعضاً بالويْل والثُّبُور، فيقولون: يَا وَيْلَنَا. وقيل: يُنَادَوْنَ إلى المحشر وقيل ينادي المؤمن: هَاؤُم اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ، والكافر: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وقيل: ينادى باللَّعَنةِ على الظالمين، وقيل: يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، وقيل: ينادى بالسعادة والشقاوة ألا إنَّ فلان بان فلان سِعِدَ سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وفلان بان فلان شقي شقاوة فلا يسعد بعدها أبداً.
وقوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ . قال الضحاك: إذا سمعوا زفيرَ النار نَدُّوا هرباً فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفاً فيرجعون إلى مكانهم فذلك قوله: ﴿والملك على أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: 17] وقوله: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] . قال مجاهد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: فارِّينَ عن النار غير معجزين، ثم أكد التهديد فقال: ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ يعصمكم من عذابه، ثم نبه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم فقال ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
قَوْلُهُ (تَعَالَى) : ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات﴾ يعني يوسف بن يعقوب من قبل موسى بالبينات، ونقل الزمخشري أنه قبل يوسف بن إبراهيمخ بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نيفاً وعشرين سنة وقيل: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بَقِيَ حيًّا إلى زمانه، وقيل: هو فرعون آخر. والمقصود من الكل شيء واحد هو أن يوسف حاء قومه بالبينات هي قوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار﴾ [يوسف: 39] والأولى أن يُراد بها المعجزات.
واعلم أن مؤمن آل فرعنونه لما قال لهم: ومن يضلل الله فما له من هاد ذكر هذا المثال وهو أن يوسف جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على التكذيب ولم ينتفعوا بتلك الدلائل، وهذا يدل على (أن) من أضله الله فما له من هاد، ثم قال: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُمْ بِهِ﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) : من عبادة الله وحده لا شريك له، فلم ينتفعوا ألبتة بتلك البينات.
قوله «حَتَّى إذَا» غاية لقوله ﴿فما زلتم في شك﴾ ، فَلَمَا هَلَك ﴿قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً﴾ أي أقمتم على كفركم، وظننتم أن الله تعالى لا يجدد عليكم الحجة، وقرىء ألن يبعث الله بإدخال همزة التقرير يقرّر بعضهم بعضاً.
قوله: «كَذَلِكَ» أي الأمر كذلك، أو مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف كذاب في عصيانه مرتاب في دينه، فقوله «يضل الله» مستأنف، أو نعت مصدر أي مثل إضلال الله إياكم حين لم تقبلوا من يوسف يضل الله من هو مسرف.
ثم بين تعالى ما لأجله بقُوا في ذلك الشك والإسراف فقال: ﴿الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي بغير حجة إما بناء على التقليد، وأما بناء على شبهات خسيسة.
قوله: «الَّذِينَ يُجَادِلُونَ» يجوز فيه عشرة أوجه:
أحدها: أنه بدل من قوله «من هو مسرف» وإنما جمع اعتباراً بمعنى «من» .
الثاني: أن يكون بياناً له.
الثالث: أن يكون صفة له وإنما جمع على معنى «من» أيضاً.
الرابع: أن ينتصب بإضمار أعني.
الخامس: أن يرتفع خبر مبتدأ مضمر أي هم الذين.
السادس: أن يرتفع مبتدأ خبره «يَطْبَعُ اللهُ» ، و «كذلك» خبر مبتدأ مضمر أيضاً أي الأمر كذلك، والعائد من الجملة وهي يطبع على المبتدأ محذوف أي على كل متكبر منهم.
السابع: أن يكون مبتدأ، والخبر «كَبُرَ مَقْتاً» ولكن لا بُدّ من حذف مضاف ليعود الضمير من «كبر» عليه والتقدير: قال الذين يجادلون كَبُرَ مقتاً، ويكون «مَقْتاً» تمييزاً، وهو منقول من الفاعلية؛ إذ التقدير كبر مَقْتُ حالهم أي جادل المجادلين.
الثامن: أن يكون «الَّذِينَ» مبتدأ أيضاً، ولكن لا يقدر حذف مضاف، ويكون فاعل كبر ضميراً عائداً على ما تقدم أي كبر مقت جدالهم.
التاسع: أن يكون «الذين» مبتدأ أيضاً، والخبر ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ قاله الزمخشري. ورده أبو حيان بأن فيه تفكيك الكلام بضعه من بعض؛ لأن الظاهر تعلق «بغَيْرِ سُلْطَانٍ» «بِيُجَادِلُونَ» ولا يتعلق جعله خبراً «للذين» لأنه جار ومجرور فيصير التقدير: الذي يجادلون كائنونَ أو مستقرونَ بغير سلطان أي في غير سلطان؛ لأن الباء إذْ ذَاكَ ظرفية خبرٌ عن الجثث.
العاشر: أنه مبتدأ وخبره محذوف أي معاندون ونحوه قاله ِأبو البقاء.
قوله: «كَبُرَ مَقْتاً» يحتمل أن يراد به التعجب والاستفهام، وأن يراد به الذم «كبئس» وذلك أنه يجوز أن يبنى (فَعُلَ) بضم العين مما يجوز فيه التعجب منه، ويَجْرِي مَجْرَى نِعْمَ وَبِئْسَ في جميع الأحكام، وفي فاعله ستة أوجه: الأول: أنه ضمير عائد على حال المضاف إلى الذين، كما تقدم تقريره.
الثاني: أنه ضمير يعود على جدالهم المفهوم من «يُجَادِلُونَ» كما تقدم تقريره أيضاً.
الثالث: أنه الكاف في «كَذَلِكَ» . قال الزمخشري: وفاعل «كَبُرَ» قوله: كذلك، أي كَبُرَ مقْتاً مِثْل ذَلِكَ الجِدال، و «يَطْبَعُ اللهُ» كلام مستأنف.
ورده أبو حيان: بأ، فيه تفكيكاً للكلام وارتكابَ مذهب ليس بصحيح، أما التفكيك فلأن ما جاء في القرآن من «كَذَلِكَ يطبع أو تطبع» إنما جاء مربوطاً بعضه ببعض، وكذلك هذا وأما ارتكاب مذهب غير صحيح فِإنه جعل الكاف اسماً، ولا يكون اسماً إلا في ضرورة خلافاً للأخفش.
الرابع: أن الفاعل محذوف نقله الزمخشري، قال: ومن قال كبر مقتاً عند الله جِدَالهُم فقد حذف الفاعل والفاعل لا يصح حذفه. قال شهاب الدين: القائل بذلك هو الحَوْفِيُّ لكنه لا يريد بذلك تفسير الإعراب إنما يريد به تفسير المعنى، وهو معنى ما تقدم من أنّ الفاعل ضمير يعود على جدالهم المفهوم من فعله، فصرح به الحوفي بالأصل، وهو الاسم الظاهر، ومراده ضمير يعود عليه.
الخامس: أن الفاعل ضمير يعود على ما بعده، وهو التمييز، نحو: نعم رجلاً زيد، وبئس غلاماً عَمْرو.
السادس: أنه ضمير يعود على من في قوله: «من هو مسرف» وأعاد الضمير من كبر مقتاً اعتباراً بلفظها وحينئذ يكون قد راعى لفظ من أولاً في قوله كبر مقتاً.
وهذا كله إذا أعربت «الذين» تابعاً ل ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ نعتاً أو بياناً، أو بدلا. وقد تقدم أن الجملة من قوله «كبر مقتاً» فيها وجهان:
أحدهما: الرفع، إذا جعلناها خبر المبتدأ.
والثاني: أنها لا محل لها، إذا لم نجعلها خبراً، بل هي جملة استئنافية.
وقوله: «عِنْدَ الله» متعلق «بكَبُرَ» ، فكذلك قد تقدم أنه يجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفاً وأن يكون فاعلاً وهم ضعيفان.
والثالث وهو الصحيح: أنه معمول ل «يَطْبَعُ» أي مثل ذلك الطبع يطبع الله، و «يطبع الله» فيه وجهان: أظهرهها: أنه مستأنف.
والثاني: أنه خبر للموصول كما تقدم.
قوله: «قَلْبِ متكبّر» قرأ أبو عمرو، وابن ذَكْوَانَ بتنوين «قَلْبٍ» ، وصف القلب بالتكبر والجبروت لأنهما ناشئان منه، وإن كان المراد الجملة، كما وصف بالإثم في قوله: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] وفي قوله: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ﴾ [غافر: 56] قال بان الخطيب: «وأيضاً قال قوم: الإنسان الحقيقي هو القلب» والباقون بإضافة «قلب» إلى ما بعده، أي كُلِّ قَلْبِ شخصٍ متكبرٍ. قال أبو عبيد: الاختيار الإضافة، لوجوه:
الأول: أن عبد الله قرأ: «على قلب كمل متكبر» وهو شاهد لهذه القراءة.
الثاني: أن وصف الإنسان بالتكبر والجبروت أولى من وصف القلب بهما. وقد قدر الزمخشري مضافاً في القراءة الأولى، أي على كُلّ ذِي قلبٍ متكبر، فجعل الصفة لصاحبِ القلب. قال أبو حيان: «ولا ضرورة تدعو إلى اعتقاد الحذف» . قال شهاب الدين: بل ثَمَّ ضرورة إلى ذلك، وهو توافقُ القراءتين واحداً وهو صاحب القلب بخلاف عدم التقدير، فإنه يصير الموصوف في إحداهما القلب وفي الأخرى صاحبه.
فصل
قال الزَّجَّاجُ: قوله: «الذين» تفسير ل «المسرف المرتاب» ، يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي في إبطالها بالتكذيب «بغير سلطان» حجة، «أتاهم» ، «كبر مقتاً» أي كبر ذلك الجدال مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا. ودلت الآية على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد مقت بعض عباده، إلا أنها صفة التأويل في حق الله، كالغضب، والحياء، والعجب.
ثم بين أن هذا المقت كما حصل عند الله فكذلك حصل عند الذين آمنوا، قال القاضي: مقت الله إياهم يدل على أن كل فعل ليس بخلق لا أنّ كونه فاعلاً للفعل، وما قاله محال.
فصل
قد تقدم الكلام في الطبع، والرَّيْنِ، والقَسوة، قال أهل السنة: قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله﴾ يدل على أن الكل مِنْ عند الله. وقالت المعتزلة: الآية تدل على أن هذا الطبع إنما حصل، لأنه كان في نفسه متكبراً جباراً. قال ابن الخطيب: وعند هذا تصيِرُ الآية حجة لكل واحد من الفريقين من وجه، وعليه من وجه آخر، والقول الثاني يخرج عليه رُجْحَانُ مذهبنا، وهو أنه تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب فتصير تلك الدواعي مانعة من حصول ما يدعو إلى الطاعة، والانقياد لأمر الله، فيكون القول بالقضاء والقدر حقاً، فيكون تعليل القلب بكونه متكبراً متجبراً باقياً، فثبت أن القول بالقضاء والقدر هو ما ينطبق عليه لفظ القرآن من أوله لي آخره.
فصل
قال مقاتل: الفرق بين المتكبر، والجبار، أن المتكبر عن قبول التوحيد، والجبار في غير حق. قال ابن الخطيب: كما السعادة في أمرين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله فعلى قول مقاتل المتكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله، والجبروت كالمضاد للشفقة على خلق الله.
غافر 40:34
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَا ... ﴾ الآيات. لما سلى رسوله بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء قبله وبمشاهدة آثارهم سلاه أيضاً بذكر قصة موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وأنه مع قوته ومعجزته بعثه إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارونَ فكذبوه، وقالوا: ساحر كذاب، فلما جاءهم بالحق من عندنا أي بتلك الآيات الباهرة والسلطان المبين وهو المعجزات القاهرة قالوا يعني فرعون وقومه اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، قال قتادة: هذا غير القتل الأول؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الوِلْدَانِ فلما بعث موسى دعا بالقتل عليهم لئلا ينشأوا على دين موسى فيقوَى بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات فلهذا أمر بقتل الأبناء واسْتَحْيُوا نِساءهم ليصدوهم بذلك عن متابعة موسى ومظاهرته ثم قال: ﴿وَمَا كَيْدُ الكافرين﴾ أي وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم إلا في ضلال.
قوله ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذروني أَقْتُلْ موسى﴾ أي وقال فرعون لِمَلئِهِ ﴿ذروني أَقْتُلْ موسى﴾ فتح ابن كثير ياء «ذروني» وسكنها الباقون. وإنما قال فرعون ذلك؛ لأنه كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتل موسى وفي منعهم من قتله احتمالان:
الأول: أنهم منعوه من قتله لوجوه:
الأول: لعله كان فيه من يعتقد بقلبه كون موسى صادقاً فيتحيل في منع فرعون من قتله.
وثانيهما: قال الحسن: إن أصحابه قالوا له: لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكن أن يغلب سَحَرَتَنَا وإن قَتَلْتَهُ أدخلتَ الشبهةَ على الناس ويقولوا: إنه كان محقاً وعجزا عن جوابه فقتلوه.
وثالثها: أنهم كانوا يحتالون في منعه من قتله لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب أولئك الأقوام؛ لأن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكِهِم بخصمٍ خارجي حتى يصيروا آمنين من قلب ذلك الملك.
الاحتمال الثاني: أن أحداً ما منع فرع من قتل موسى وأنه كان يريد قتله، إلا إنه كان خائفاً من أنه لو حاول قتله لظهرت معجزات قاهرات تمنعه من قتله فيفتضح إلا أنه ق ذروني أقتل موسى وغرضه منه إخفاء خوفه.
قوله: «ولْيَدْعُ رَبَّهُ» أي وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله فيمنعه منا؛ ذكر ذلك استهزاءًا.
قوله ﴿إني أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرض الفساد﴾ قرأ الكوفيون ويعقوبُ (أو أن) بأو التي للإبهام ومعناه أنه لابد من وقوع أحد الأمرين والباقون بواو النسق على تسلط الخوف من التبديل وظهور الفاسد معاً. وفتح نافع وابن كثير وابو عمرو الياء من «إِنِّي أخاف» ؛ وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص «يُظْهر» بضم الياء وكسر الهاء من أظهر، وفاعله ضمير موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «الفَسَادَ» نصباً على المفعول به والباقون بفتح الياء والهاء من ظَهَرَ الفسادُ، «الفَسَادُ» رفعاً، وزيد بن علي يُظْهَرُ مبنياً للمفعول الفَسَاد مرفوع لقيامه مقام الفاعل ومجاهد «يَظَّهَّر» بتشديد الظاء والهاء، وأصلها يَتَظَهَّر من تَظَهَّر بتشديد الهاء فأدغم التاء في الظاء، «الفسادُ» رفع على الفاعلية.
فصل
ذكر فرعونُ النسبَ الموجبَ لقتل موسى وهو أن المُوجِبَ لقتله إما فساد الدين أو فساد الدنيا، أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو دينهم الذي كانوا عليه، فلما كان موسى ساعياً في إفساده اعتقدوا أنه ساع في إفساد الدين الحق، وأما فساد الدنيا فهو أنه لا بد وأن يجتمع عليه قوم ويصير ذلك سبباً لوقوع الخصومات وإثارة الفتن، ولما كان حب الناس لأديانهم فوق حبّهم لأمالهم لا جَرَمَ بدأ فرعونُ بذكر الدين فقال: {إني أخاف أن يبدل دينكم} ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال أو أن يظهر في الأرض الفاسد.
قوله: ﴿وَقَالَ موسى إِنِّي عُذْتُ﴾ قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة واكسائي عُدتّ بإدغام الذال، والباقون بالإظهار. وقوله «لاَ يُؤْمِنُ» صفة «لِمُتَكَبِّرٍ» .
فصل
لما توعد فرعونُ موسى بالقتل لم يأت في دفع شره إلا بأن استعاذ بالله واعتمد على فضل الله فلا جَرَمَ صانه الله وحفظه منه. واعلم أن الموجب للإقدام على أيذاء الناء أمران:
أحدهما: كون الإنسان متكبراً قاسِيَ القلب.
والثاني: كونه منكراً للعبث والقيامة.
لأن المتكبر القاسي القلب قد يحمله طبعه على إيذاء الناس إلا أنه إذا كان مقرّاً بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعاً له من الجري على موجب تكبّره فإذا لم يحصل له الإيمان بالبعث والقيامة كان طبعه داعياً له إلى الإيذاء، لأن المانع وهو الخوف من السؤال والحساب زائلٌ فلا جَرَمَ تعظيم القَسْوةُ والإيذاء.
وقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ اختلفوا في هذا المؤمن، قال مقاتل والسدي: كان قبطياً. (وقيل) ابن فرعون، وهو الذي حكى الله عنه ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى﴾ [القصص: 20] وقيل: كان إسرائيلياً، روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: الصديقون حبيب النجار مؤمن آل ياسين ومؤمن آل فرعون الذي قال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم، وعن جعفر بن محمد أنه قال: كان أبو بكر خيرا من مؤمن آل فرعون، لأنه كان يكتم إيمانه، وقال أبو بكر جهاراً أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وكان ذلك سراً، وهذا جهراً. روى عروةُ بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنعهُ المشركون برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «بَيْنَا رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عبقةُ بن أبي مُعَيْط فأخذ يمنكب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً وأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟» .
قال بان عباس وأكثر العلماء كان اسم الجرل خزييل. وقال ابن إسحاق جبريل، وقيل حبيب.
قوله: «رَجُلٌ مُؤْمِنٌ» الأكثرون قرأُوا بضم الجيم، وقرىء رَجِلَ بكسر الجيم كما يقال: عَضِدٌ في عَضُدٍ. وقرأ الأعمش وعبد الوارث بتسكينها وهي لغة تميمٍ ونجد والأولى هي الفصحى.
قوله «من آل» يحتمل أن يكون متعلقاً «بيكْتُمُ» بعده أي يكتم إيمانه من آل فرعون.
قيل: هذا الاحتمال غير جائز؛ لأنه لا يقال: كتمتُ من فلانٍ كذا، إنما يقال: كتمته كذا، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: 42] بل الظاهر تعلقه بمحذوف صفةً لرجل.
قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون متعلقاً بقوله: «مؤمن» وإن كان ذلك المؤمن شخصاً من آل فرعون.
قال شهاب الدين: وجاء هنا على أحسن ترتيب حيث قدم المفرد ثم ما يقرب منه وهو حرف الجر ثم الجملة وقد تقدم أيضاً هذه المسألة في المائدة وغيرها ويترتب على الوجهين هل كان هذا الرجل من قرابة فرعون فعلى الأولى لا دليل فيه، وقد رد بعضهم الأول بما تقدم، وأنه لا يقال: ك تمت من فلان كذا إنما يقال: كتمت فلاناً كذا فيتعدى لاثنين بنفسه، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: 42] وقال الشاعر:
4332 - كَتَمْتُكَ هَمًّا بالجَمُومَيْنِ سَاهِراً ... وَهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنّاً وَظَاهِرَا
أَحَادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي مَا يَرِيبُها ... وَوِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصَادِرَا
أي كتمتك أحاديث نفس وهمين، فقدم المعطوف على المعطوف عليه ومحلّه الشعر.
قوله ﴿أَن يَقُولَ رَبِّيَ﴾ أي كراهة أن يقول، أو لأن يقول. قال الزمخشري: ولك أن تقدر مضافاً محذوفاً أي وقت أن يقول والمعنى أتقتلونه ساعة سمتعم منه هذا القول من غير روية ولا فكر (في أمره) وهذا الذي أجازه رده أبو حيان بأن تقدير هذا الوقت لا يجوز إلا مع المصدر المصرّح به، تقول: صِيَاحَ الدِّيكِ أي وقت صياحه، ولو قلت: أجيئك أَنْ صَاحَ الديك أو أَنْ يَصِيحَ لم يصح نص عليه النحويون
قوله: «وقد جاءكم» جملة حالية، يجوز أن تكون من المفعول.
فإن قيل: هو نكرة.
فالجواب: أنه في حيِّز الاستفهام وكل ما سوغ الابتداء بالنكرة سوغ انتصاب الحال عنها، ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل.
فصل
لما حكى الله تعالى عن موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أنه ما زاد في دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله بين أنه تعالى قَيَّضَ له إنساناً أجنبياً حتى ذب عنه بأحسن الوجوه وبالغ في تسكين تلك الفتنة فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله﴾ وهذا استفهام على سبيل الإنكار، وذكر في هذا الكلام ما يدل على حسن ذلك الإنكار، وذلك لأنه ما زاد على أن قال: ربي الله وجاء بالبينات، وذلك لا يوجب القتل البتةَ فقوله: ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ﴾ يحتمل وجهين:
الأول: أن قوله «ربي الله» إشارة إلى تعزيز النبوة بإظهار المعجزة.
الثاني: أن قوله «رَبِّي اللهُ» إشار إلى التوحيد.
وقوله: ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ﴾ إشارة إلى الدلائل الدالة على التوحيد، ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية على أن الإقدام على قتلِهِ غير جائز، وهي حجة مذكورة على طريق التقسيم فقال: إن كان هذا الرجل كاذباً كان وبال كذبه عائداً عليه فاتركوه وإن كان صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم فعلى كلا التقديرين الأولى إبقاؤه حيًّا.
فإن قيل: الإشكال على هذا الدليل من وجهين: الأول: أن قوله ﴿يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ معناه أن (ضرر) كذبه مقصور عليه ولا يتعداه، وهذا كلام فاسد لوجوه:
أولها: أنا لا نسلم أن بتقدير كونه كاذباً يكون ضرر كذبه مقصوراً عليه لأنه يدعو الناس إلى ذلك الدين الباطل ويغتر به جماعة ويقعون في المذهب الباطل والاعتقاد السيّىء ثم يقع بينهم وبين غيرهم الخصوماتُ الكثيرة فثبت أن بتقدير كونه كاذباً لم يكن ضرر كذبه مقصوراً عليه بل يكون متعدياً إلى الكل، ولهذا أجمع العلماء علىأن الزِّنْدِيقَ الذي يدعو الناس إلى زَنْدَقَتِهِ يجب قتله.
وثانيها: أنه إن كان هذا الكلام حجة فلا كذاب إلا ويمكنه أن يتمسك بهذه الطريقة فيمكن جميع الزنادقة والمُبْطِلَة من أديانهم الباطلة.
وثالثها: أن الكفار الذين انكروا موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ يجب أن لا يجوز الإنكار عليهم لأنه يقال إن كان ذلك المنكر كاذباً في ذلك الإنكار فعليه كذبه وإن يك صادقاً فما انتفعتم بصدقه، فثبت أن هذه الطريق صَوَّبَتْ صدقه وما أفضى ثُبُوتُه إلى عدم صدقه كان فاسداً.
الوجه الثاني: كان من الواجب أن يقال: وإنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ كُلُّ الَّذِي يَعِدُكُمْ؛ لأن الذي يصيب من بعض الذي يَعِدُ دون البعض هو الكفار والمنجمون. أما الرسول الصادق الذي لا يتكلم إلا بالوحي فإنه يجب أن يكون صادقاً في كل ما يقول فكان قوله: ﴿يصيبكم بعض الذي يعدكم﴾ غير لائق بهذا المقام.
والجواب عن الأسئلة الثلاثة بأن تقدير الكلام (أنه) لا حاجة لكم في دفع شره إلى قتله بل يكفيكم أن تمنعوه من إظهار هذه المقالة ثم تتركوا قتله فإن كان كاذباً فحينئذ لا يعود ضرره إلا إليه وإن كان صادقاً فما انتفعتم به.
والمقصود من ذلك التقسيم أنه لا حاجة بكم إلى قتله بل يكفيكم أن تُعْرِضُوا عنه وأن تمنعوه من إظهار دينه. وأما الجواب عن الوجه الثاني: وهو قوله كان الأولى أن يقال: «يصيبكم كل الذي يعدكم» فهو من وجوه:
الأول: أن مدار هذا الاستدلال على إظهار الإنصاف وترك اللَّجَاجِ؛ لأَنَّ المقصود منه وإن كان كاذباً كان ضرر كذبه مقصوراً عليه وِإن كان صادقاً فلا أقلَّ من أن يصيبكُم بعض ما يعدكم وإن كان المقصود من الكلام هذا صح، ونظيره قوله ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبا: 24] .
والثاني: أنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان يتوعّدهم بهم بعذاب الدنيا وبعذاب الآخرة، فإذا وصل إليهم في الدنيا عذاب الدنيا فقد أصبهم بعض الذي وعدهم به.
الثالث: قال الزمخشري: «بعض» على بابها وإنما قال ذلك ليهضم موسى بعضَ حَقِّهِ في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافياً فضلاً عن أن يتعصب له. وهذا أحسن من قول أبي عبيدة وغيره أن بعض بمعنى كل، وأَنْشَدَ قَوْلَ لَبيدٍ:
4333 - تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إذَا لَمْ أَرْضَهَا ... أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمَامُها
وأنشد أيضاً قول عمرو بن شُيَيْمٍ:
4334 - قَدْ يُدْرِكُ المُتأنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ... وَقَدْ يَكُونُ مع المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وقول الآخر:
4335 - إنَّ الأُمُورَ إذَا الأَحْدَاثُ دَبَّرهَا ... دُونَ الشُّيُوخِ تَرَى فِي بَعْضِهَا خَلَلاَ
قال شهاب الدين: ولا أدري كيف فهموا «الكل» من البيتين الأخيرين، وأما الأول ففيه بعض دليل لأن الموت يأتي على الكل. قال ابن الخطيب: والجمهور على أن هذا القول خطأ قالوا: وأراد لبيدٌ ببعض النفوس نفسه، ومعنى البيت أنه وصف نفسه أنه نَزَّالُ أمكنةٍ أي كثيرُ المنزول في أماكن لا يرضاها إلا أن يربط نفسه الحِمام وهو الموت، وقال اللَّيْثُ: بعض ههنا صلة يُريد يصبكم الذي يعدكم. لما حكى الزمخشري قول أبي عبيدة أن «بعض» بمعنى «الكل» وأنشد عنه بيت لبيد قال: إن صحت الرواية عنه فقد حق فيه قولُ المَازِنِيِّ في مسألة العَلْقَى: كان أجْفَى من أن يفقه ما أقول له. قال شهاب الدين: ومسألة المازني معه: هي أن أبا عبيدة قال للمازني: ما أكذب النحويين يقولون هاء التأنيث لا تدخل على ألف التأنيث، فإن الألف في عَلْقَى ملحقة، قال: فقلت له وما أنكرت من ذلك؟ فقال: سمعت رؤبة يُنْشِدُ:
4336 - يَنْحَطُّ فِي عَلْقَى ... ... ... ... . ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
فمل ينونهنا، فقلت: ما واحد علقى؟ قال: عَلْقَاة، قال المازني: فأَسِفْتُ ولم أفسر له لأنه كان أغلظمن أن يفهم مثل هذا. قال شهاب الدين: وإنما استغلظه المازني؛ لأن الألف التي للإلحاق قد تدخل عليها تاء التأنيث (دالة على الوحدة فيقال: أَرْطَى، وأَرْطَامة، وإنما الممتنع دخولها على ألف التأنيث) نحو: دَعْوَى، وصَرْعَى.
وأما عدم تنوين «علقى» فلأنه سمَّى بها شيئاً بعينه، وألف الإلحاق المقصورة حال العلمية تجري مجرى تاء التأنيث فيمتنع الاسم الذي هو فيه كما يمتنع فاطمةُ وينصرفُ قَائِمة.
قوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ وفيه احتمالان:
الأول: أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ والمعنى أن الله تعالى هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة، ومن هداه إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفاً كذَّاباً فدل على أن موسى لي من الكذابينَ.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد أن فرعون مسرفٌ في عزمه على قتل موسى كذابٌ في ادعائه الإلَهيَّة وةالله لا يهدي من هذا شأنه وصفته بل يُبْطِلُهُ ويَهْدِمُ ِأمره.
قوله: ﴿يا قوم لَكُمُ الملك اليوم﴾ اعلم أن مؤمن آل فرعون لما استدل على أنه لا يجوز قتل موسى خوف فرعون وقومه ذلك العقاب الذي توعّدهم به فيوقوله ﴿يصبكم بعض الذي يعدكم﴾ فقال: يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض. أي أرض مصر يعني قد علوتم الناس وقَهَرْتُمُوهُمْ فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب الله إن حلَّ بكم، وإنما قال «يَنْصُرُنَا وَجَاءَنَا» ؛ لأنه كان يظهر أنه منهم وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه.
قوله «ظَاهِرينَ» حال من الضمير «لكم» والعامل فيها وفي اليوم ما تعلق به «لكم» .
ولما قال المؤمن هذا الكلام قال فرعون: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرى﴾ هي من رؤية الاعتقاد فيتعدى لمفعولين ثانيهما: «إلاَّ مَا أرَى» أي إلا ما أرى لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم. قوله ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾ العامة على تخفيف الشين، مصدر رَشَدَ يَرْشُدُ. وقرِأ معاذ بن جبل بتشديدها، وخرجها أبو الفتح وغيره على أنها صفة مبالغة، نحو ضَرَبَ فهو ضَرَّاب، وقال النحاس: هو لحن، وتوهمه من الرباعي يعني أرشد، ورد على النحاس قوله: بأنه يحتمل أن يكون من «رشد» الثلاثي، وهو الظاهر، وقد جاء فعال أيضاً من أفعل وإن كان لا ينقاس، قالوا: أدْرَكَ فَهُوَ دَرَّاك وأجْبَرَ فهو جَبَّار، وأَقْصَرَ فهو قَصَّار، وأَسْأرَ فهو سَئَّار. ويدل على أنه صفة مبالغة أن معاذاً كان يفسرها بسبيل الله.
قال ابن عطية: ويبعد عندي على معاذ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وهل كان فرعون يدعي إلا الإلَهيَّةَ؟ ويعلق بناء اللفظ على هذا التركيب. قال شهاب الدين يعني ابن عطية أنهن كيف يقول فرعون ذلك فيقر بأنَّ ثمَّ من يهدي إلى الرشاد غيره مع أنه يدعي أنه إله.
وهذا الذي عزاه ابن عطية والزمخشري وابن جبارة صاحب الكامل إلى معاذ بن جبل من القراءة المذكورة ليس هو في «الرَّشَادِ» الذي هو في كلام فرعون كما توهموا، وإنما هو في «الرَّشَادِ» الثاني الذي هو من قول المؤمن بعد ذلك. ويدل على ذلك ما روى أبو الفضل الرازي في كتاب اللوامح: وقرأ معاذ بن جبل سبيل الرشاد الحرف الثاني بالتشديد وكذلك الحسن وهو سبيل الله تعالى أوضحه لعباده كذلك فسره معاذ (بن جبل) وهو منقول من مُرْشِد كدَرَّاك من مدرك، وجبار من مجبر، وقصَّار من مقصِر عن الأمر، ولها نظائر معدودة فأما قصّار الثوب فهو من قصرت الثوب قِصَارَةً. مفعلى هخذا يزول إشكال ابن عطية المتقدم ويتضح القراءة والتفسير. وقال أبو البقاء وهو الذي يكثر منه الإرشاد أو الرشد يعني أنه يحتمل أن يكون من «أَرْشَدَ» الرباعي، أو «رَشَدَ» الثلاثي، والأولى أن يكون من الثلاثي لما عرفت أنه ينقاس دون دو الأول.
قوله: ﴿ياقوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ الأحزاب﴾ اعلم أنه تعالى (لما) حكى عن ذلك المؤمن أنه (كان) يكتم إيمانه والذي يكتم إيمانه كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون فلهذا السبب حصل ههنا قولان:
الأول: أن فرعون لما قال ذروني أقْتُلْ موسى لم يصرِّح ذلك المؤمن بأنه على دين موسى بل أوهم أنه على دين فرعنون إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي إبقاء موسى؛ لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى الله والإتيان بالمعجزات القاهرة، وهذا لا يوجب القتل، فالإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بقبح الكلمات بل الأولى تأخير قتله ومنعه من إظهار دينه لأنه إن كان كاذباً فَوَبَالُ كَذِبِهِ عليه، وإن كان صادقاً حصل الانتفاع به من بعض الوجوه. ثم أكد ذلك بقوله ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ يعنى أنه إن صدق فيما يدعيه من إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب، فأوهم بقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ أنه يريد موسى، وإنما كان يقصد به فرعون؛ لأن المسرف الكذاب هو فرعون.
والقول الثاني: أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه أولاً فلما قال فرعون ذروني أقتل موسى أزال الكتمان وأظهر أنه على دين موسى وشَاقَّ فرعون بالحق وقال: يا قوم إنِّي أخاف عليكم مثلَ يوم الأحزاب أي مثل أيام الأحزاب إلا أنه لما أضاف اليومَ إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود، وكان لكل حزب يوم في العذاب اقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس.
قوله: «مِثْلَ دأبِ» يجوز أن يكون «مثل» بدلاً، وأن يكون عطف بيان والمعنى مثل دأبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي دائماً لا يفترون عنه.
ولا بدّ من حذف مضاف يريد م ثل جزاء دأبهم. والحاصل أنه خوفهم الهلاك في الدنيا ثم خوفهم هلاك الآخرة ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ﴾ أي لا يُهْلِكُهُمْ قبل إقامة الحجة عليهم، والمقصود التنبيه على عذاب الآخرة يعنى أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلاً بأنهم استوجبوه بتكذيبهم الأنبياء، وتلك العلة قائمة هنا فوجب حصول الحكم هنا.
قالت المعتزلة: وما الله يريد ظلماً للعباد يدل على أنه لا يريد أن يظلم العباد، ولا يريد الظلم من أحد العباد التبة، ولو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالماً، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم ألبتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد، لأنه لو خلقها لأرادها، وثبت أيضاً أنه قادر على الظلم إذ لو لم يقدر عليه لما حصل التمدح بترك الظلم، وهذا الاستدلا ل قد تقدم مراراً مع الجواب.
قوله (تعالى) : ﴿وياقوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد﴾ التناد تفاعل من النداء يقال: تنادى القوم أي نادى بعضهم بعضاً، والأصل: الياء، وقد تقدم الخلاف في يائه كيف تحذف والأصل تَنَادُياً بضم الدال ولكنهم كسروها؛ لِتَصحذَ الياءُ. وقرأت طائفة بسكون الدال إجراء للوصل مجرى الوقف، وتنادى القوم أي نادى بعضهُم بَعْضاً، قال (الشَّاعِرُ رَحِمَهُ الله) : 4337 - تَنَادَوْا فَقَالُوا أَرْدَتِ الخَيْلُ فَارِساً ... فَقُلْنَا عُبَيْدَ اللهِ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وقال آخر:
4338 - تَنَادَوْا بَالرَّحِيلِ غَداً ... وَفِي تَرْحَالِهِمْ نَفْسِ
وقرأ ابن عباس والضحاك والكلبي وأبو صالح وابن مقسم والزعفراني في آخرين بتشديدها مصدر تَنَادَّ من: نَدَّ البَعِيرُ إذَا هَرَبَ ونَفَرَ، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: 34] الآيات ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى بعد ذلك: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ . قال أبو علي: التَّنادي مخففاً من التناد من قولهم نَدَّ فلانٌ إذا هرب. وفي الحديث: «جَوْلَةً يَنِدُّونَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ مَهْرَباً» وقال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ:
4339 - وَبَثَّ الخَلْقَ فِيهَا إذْ دَحَاهَا ... فَهُمْ سُكَّانُهَا حَتَّى التَّنَادِي
قوله: «يَوْمَ تُوَلُّونَ» يجوز أن يكون بدلاً من «يوم التناد» وأن يكون منصوباً بإضمار «أعني» . ولا يجوز أن يكون عطف بيان، لأنه نكرة وما قبله معرفة، وقد تقدم في قوله ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: 97] أن الزمخشري جعله بياناً مع تخالفهما تعريفاً وتنكيراً وهو عكس هذا، فإن الذي نحن فيه الثاني نكرة، والأول معرفة.
قوله ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ يجوز في «من عاصم» أن يكون فاعلا بالجار، لاعتماده على النفي، وأن يكون مبتدأ أو من مزيدة على كلا التقديرين، ومن الله متعلق بعَاصِمٍ.
فصل
أجمع المفسرون على أن يوم التنادي (هو) يوم القيامة وفي تسميته بهذا الاسم وجوه:
قيل: لأن أهل النار ينادون أصحابَ الجنة، وأصحاب الجنة ينادون أصحابَ النار كما حكى الله عنهم.
وقال الزجاج: هو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71] .
وقيل: ينادي بعضُ الظالمينَ بعضاً بالويْل والثُّبُور، فيقولون: يَا وَيْلَنَا. وقيل: يُنَادَوْنَ إلى المحشر وقيل ينادي المؤمن: هَاؤُم اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ، والكافر: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وقيل: ينادى باللَّعَنةِ على الظالمين، وقيل: يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، وقيل: ينادى بالسعادة والشقاوة ألا إنَّ فلان بان فلان سِعِدَ سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وفلان بان فلان شقي شقاوة فلا يسعد بعدها أبداً.
وقوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ . قال الضحاك: إذا سمعوا زفيرَ النار نَدُّوا هرباً فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفاً فيرجعون إلى مكانهم فذلك قوله: ﴿والملك على أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: 17] وقوله: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] . قال مجاهد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: فارِّينَ عن النار غير معجزين، ثم أكد التهديد فقال: ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ يعصمكم من عذابه، ثم نبه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم فقال ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
قَوْلُهُ (تَعَالَى) : ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات﴾ يعني يوسف بن يعقوب من قبل موسى بالبينات، ونقل الزمخشري أنه قبل يوسف بن إبراهيمخ بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نيفاً وعشرين سنة وقيل: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بَقِيَ حيًّا إلى زمانه، وقيل: هو فرعون آخر. والمقصود من الكل شيء واحد هو أن يوسف حاء قومه بالبينات هي قوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار﴾ [يوسف: 39] والأولى أن يُراد بها المعجزات.
واعلم أن مؤمن آل فرعنونه لما قال لهم: ومن يضلل الله فما له من هاد ذكر هذا المثال وهو أن يوسف جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على التكذيب ولم ينتفعوا بتلك الدلائل، وهذا يدل على (أن) من أضله الله فما له من هاد، ثم قال: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُمْ بِهِ﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) : من عبادة الله وحده لا شريك له، فلم ينتفعوا ألبتة بتلك البينات.
قوله «حَتَّى إذَا» غاية لقوله ﴿فما زلتم في شك﴾ ، فَلَمَا هَلَك ﴿قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً﴾ أي أقمتم على كفركم، وظننتم أن الله تعالى لا يجدد عليكم الحجة، وقرىء ألن يبعث الله بإدخال همزة التقرير يقرّر بعضهم بعضاً.
قوله: «كَذَلِكَ» أي الأمر كذلك، أو مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف كذاب في عصيانه مرتاب في دينه، فقوله «يضل الله» مستأنف، أو نعت مصدر أي مثل إضلال الله إياكم حين لم تقبلوا من يوسف يضل الله من هو مسرف.
ثم بين تعالى ما لأجله بقُوا في ذلك الشك والإسراف فقال: ﴿الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي بغير حجة إما بناء على التقليد، وأما بناء على شبهات خسيسة.
قوله: «الَّذِينَ يُجَادِلُونَ» يجوز فيه عشرة أوجه:
أحدها: أنه بدل من قوله «من هو مسرف» وإنما جمع اعتباراً بمعنى «من» .
الثاني: أن يكون بياناً له.
الثالث: أن يكون صفة له وإنما جمع على معنى «من» أيضاً.
الرابع: أن ينتصب بإضمار أعني.
الخامس: أن يرتفع خبر مبتدأ مضمر أي هم الذين.
السادس: أن يرتفع مبتدأ خبره «يَطْبَعُ اللهُ» ، و «كذلك» خبر مبتدأ مضمر أيضاً أي الأمر كذلك، والعائد من الجملة وهي يطبع على المبتدأ محذوف أي على كل متكبر منهم.
السابع: أن يكون مبتدأ، والخبر «كَبُرَ مَقْتاً» ولكن لا بُدّ من حذف مضاف ليعود الضمير من «كبر» عليه والتقدير: قال الذين يجادلون كَبُرَ مقتاً، ويكون «مَقْتاً» تمييزاً، وهو منقول من الفاعلية؛ إذ التقدير كبر مَقْتُ حالهم أي جادل المجادلين.
الثامن: أن يكون «الَّذِينَ» مبتدأ أيضاً، ولكن لا يقدر حذف مضاف، ويكون فاعل كبر ضميراً عائداً على ما تقدم أي كبر مقت جدالهم.
التاسع: أن يكون «الذين» مبتدأ أيضاً، والخبر ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ قاله الزمخشري. ورده أبو حيان بأن فيه تفكيك الكلام بضعه من بعض؛ لأن الظاهر تعلق «بغَيْرِ سُلْطَانٍ» «بِيُجَادِلُونَ» ولا يتعلق جعله خبراً «للذين» لأنه جار ومجرور فيصير التقدير: الذي يجادلون كائنونَ أو مستقرونَ بغير سلطان أي في غير سلطان؛ لأن الباء إذْ ذَاكَ ظرفية خبرٌ عن الجثث.
العاشر: أنه مبتدأ وخبره محذوف أي معاندون ونحوه قاله ِأبو البقاء.
قوله: «كَبُرَ مَقْتاً» يحتمل أن يراد به التعجب والاستفهام، وأن يراد به الذم «كبئس» وذلك أنه يجوز أن يبنى (فَعُلَ) بضم العين مما يجوز فيه التعجب منه، ويَجْرِي مَجْرَى نِعْمَ وَبِئْسَ في جميع الأحكام، وفي فاعله ستة أوجه: الأول: أنه ضمير عائد على حال المضاف إلى الذين، كما تقدم تقريره.
الثاني: أنه ضمير يعود على جدالهم المفهوم من «يُجَادِلُونَ» كما تقدم تقريره أيضاً.
الثالث: أنه الكاف في «كَذَلِكَ» . قال الزمخشري: وفاعل «كَبُرَ» قوله: كذلك، أي كَبُرَ مقْتاً مِثْل ذَلِكَ الجِدال، و «يَطْبَعُ اللهُ» كلام مستأنف.
ورده أبو حيان: بأ، فيه تفكيكاً للكلام وارتكابَ مذهب ليس بصحيح، أما التفكيك فلأن ما جاء في القرآن من «كَذَلِكَ يطبع أو تطبع» إنما جاء مربوطاً بعضه ببعض، وكذلك هذا وأما ارتكاب مذهب غير صحيح فِإنه جعل الكاف اسماً، ولا يكون اسماً إلا في ضرورة خلافاً للأخفش.
الرابع: أن الفاعل محذوف نقله الزمخشري، قال: ومن قال كبر مقتاً عند الله جِدَالهُم فقد حذف الفاعل والفاعل لا يصح حذفه. قال شهاب الدين: القائل بذلك هو الحَوْفِيُّ لكنه لا يريد بذلك تفسير الإعراب إنما يريد به تفسير المعنى، وهو معنى ما تقدم من أنّ الفاعل ضمير يعود على جدالهم المفهوم من فعله، فصرح به الحوفي بالأصل، وهو الاسم الظاهر، ومراده ضمير يعود عليه.
الخامس: أن الفاعل ضمير يعود على ما بعده، وهو التمييز، نحو: نعم رجلاً زيد، وبئس غلاماً عَمْرو.
السادس: أنه ضمير يعود على من في قوله: «من هو مسرف» وأعاد الضمير من كبر مقتاً اعتباراً بلفظها وحينئذ يكون قد راعى لفظ من أولاً في قوله كبر مقتاً.
وهذا كله إذا أعربت «الذين» تابعاً ل ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ نعتاً أو بياناً، أو بدلا. وقد تقدم أن الجملة من قوله «كبر مقتاً» فيها وجهان:
أحدهما: الرفع، إذا جعلناها خبر المبتدأ.
والثاني: أنها لا محل لها، إذا لم نجعلها خبراً، بل هي جملة استئنافية.
وقوله: «عِنْدَ الله» متعلق «بكَبُرَ» ، فكذلك قد تقدم أنه يجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفاً وأن يكون فاعلاً وهم ضعيفان.
والثالث وهو الصحيح: أنه معمول ل «يَطْبَعُ» أي مثل ذلك الطبع يطبع الله، و «يطبع الله» فيه وجهان: أظهرهها: أنه مستأنف.
والثاني: أنه خبر للموصول كما تقدم.
قوله: «قَلْبِ متكبّر» قرأ أبو عمرو، وابن ذَكْوَانَ بتنوين «قَلْبٍ» ، وصف القلب بالتكبر والجبروت لأنهما ناشئان منه، وإن كان المراد الجملة، كما وصف بالإثم في قوله: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] وفي قوله: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ﴾ [غافر: 56] قال بان الخطيب: «وأيضاً قال قوم: الإنسان الحقيقي هو القلب» والباقون بإضافة «قلب» إلى ما بعده، أي كُلِّ قَلْبِ شخصٍ متكبرٍ. قال أبو عبيد: الاختيار الإضافة، لوجوه:
الأول: أن عبد الله قرأ: «على قلب كمل متكبر» وهو شاهد لهذه القراءة.
الثاني: أن وصف الإنسان بالتكبر والجبروت أولى من وصف القلب بهما. وقد قدر الزمخشري مضافاً في القراءة الأولى، أي على كُلّ ذِي قلبٍ متكبر، فجعل الصفة لصاحبِ القلب. قال أبو حيان: «ولا ضرورة تدعو إلى اعتقاد الحذف» . قال شهاب الدين: بل ثَمَّ ضرورة إلى ذلك، وهو توافقُ القراءتين واحداً وهو صاحب القلب بخلاف عدم التقدير، فإنه يصير الموصوف في إحداهما القلب وفي الأخرى صاحبه.
فصل
قال الزَّجَّاجُ: قوله: «الذين» تفسير ل «المسرف المرتاب» ، يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي في إبطالها بالتكذيب «بغير سلطان» حجة، «أتاهم» ، «كبر مقتاً» أي كبر ذلك الجدال مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا. ودلت الآية على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد مقت بعض عباده، إلا أنها صفة التأويل في حق الله، كالغضب، والحياء، والعجب.
ثم بين أن هذا المقت كما حصل عند الله فكذلك حصل عند الذين آمنوا، قال القاضي: مقت الله إياهم يدل على أن كل فعل ليس بخلق لا أنّ كونه فاعلاً للفعل، وما قاله محال.
فصل
قد تقدم الكلام في الطبع، والرَّيْنِ، والقَسوة، قال أهل السنة: قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله﴾ يدل على أن الكل مِنْ عند الله. وقالت المعتزلة: الآية تدل على أن هذا الطبع إنما حصل، لأنه كان في نفسه متكبراً جباراً. قال ابن الخطيب: وعند هذا تصيِرُ الآية حجة لكل واحد من الفريقين من وجه، وعليه من وجه آخر، والقول الثاني يخرج عليه رُجْحَانُ مذهبنا، وهو أنه تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب فتصير تلك الدواعي مانعة من حصول ما يدعو إلى الطاعة، والانقياد لأمر الله، فيكون القول بالقضاء والقدر حقاً، فيكون تعليل القلب بكونه متكبراً متجبراً باقياً، فثبت أن القول بالقضاء والقدر هو ما ينطبق عليه لفظ القرآن من أوله لي آخره.
فصل
قال مقاتل: الفرق بين المتكبر، والجبار، أن المتكبر عن قبول التوحيد، والجبار في غير حق. قال ابن الخطيب: كما السعادة في أمرين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله فعلى قول مقاتل المتكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله، والجبروت كالمضاد للشفقة على خلق الله.
غافر 40:35
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَا ... ﴾ الآيات. لما سلى رسوله بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء قبله وبمشاهدة آثارهم سلاه أيضاً بذكر قصة موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ وأنه مع قوته ومعجزته بعثه إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارونَ فكذبوه، وقالوا: ساحر كذاب، فلما جاءهم بالحق من عندنا أي بتلك الآيات الباهرة والسلطان المبين وهو المعجزات القاهرة قالوا يعني فرعون وقومه اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه، قال قتادة: هذا غير القتل الأول؛ لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الوِلْدَانِ فلما بعث موسى دعا بالقتل عليهم لئلا ينشأوا على دين موسى فيقوَى بهم، وهذه العلة مختصة بالبنين دون البنات فلهذا أمر بقتل الأبناء واسْتَحْيُوا نِساءهم ليصدوهم بذلك عن متابعة موسى ومظاهرته ثم قال: ﴿وَمَا كَيْدُ الكافرين﴾ أي وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم إلا في ضلال.
قوله ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذروني أَقْتُلْ موسى﴾ أي وقال فرعون لِمَلئِهِ ﴿ذروني أَقْتُلْ موسى﴾ فتح ابن كثير ياء «ذروني» وسكنها الباقون. وإنما قال فرعون ذلك؛ لأنه كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتل موسى وفي منعهم من قتله احتمالان:
الأول: أنهم منعوه من قتله لوجوه:
الأول: لعله كان فيه من يعتقد بقلبه كون موسى صادقاً فيتحيل في منع فرعون من قتله.
وثانيهما: قال الحسن: إن أصحابه قالوا له: لا تقتله فإنما هو ساحر ضعيف ولا يمكن أن يغلب سَحَرَتَنَا وإن قَتَلْتَهُ أدخلتَ الشبهةَ على الناس ويقولوا: إنه كان محقاً وعجزا عن جوابه فقتلوه.
وثالثها: أنهم كانوا يحتالون في منعه من قتله لأجل أن يبقى فرعون مشغول القلب بموسى فلا يتفرغ لتأديب أولئك الأقوام؛ لأن من شأن الأمراء أن يشغلوا قلب ملكِهِم بخصمٍ خارجي حتى يصيروا آمنين من قلب ذلك الملك.
الاحتمال الثاني: أن أحداً ما منع فرع من قتل موسى وأنه كان يريد قتله، إلا إنه كان خائفاً من أنه لو حاول قتله لظهرت معجزات قاهرات تمنعه من قتله فيفتضح إلا أنه ق ذروني أقتل موسى وغرضه منه إخفاء خوفه.
قوله: «ولْيَدْعُ رَبَّهُ» أي وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله فيمنعه منا؛ ذكر ذلك استهزاءًا.
قوله ﴿إني أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرض الفساد﴾ قرأ الكوفيون ويعقوبُ (أو أن) بأو التي للإبهام ومعناه أنه لابد من وقوع أحد الأمرين والباقون بواو النسق على تسلط الخوف من التبديل وظهور الفاسد معاً. وفتح نافع وابن كثير وابو عمرو الياء من «إِنِّي أخاف» ؛ وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص «يُظْهر» بضم الياء وكسر الهاء من أظهر، وفاعله ضمير موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ «الفَسَادَ» نصباً على المفعول به والباقون بفتح الياء والهاء من ظَهَرَ الفسادُ، «الفَسَادُ» رفعاً، وزيد بن علي يُظْهَرُ مبنياً للمفعول الفَسَاد مرفوع لقيامه مقام الفاعل ومجاهد «يَظَّهَّر» بتشديد الظاء والهاء، وأصلها يَتَظَهَّر من تَظَهَّر بتشديد الهاء فأدغم التاء في الظاء، «الفسادُ» رفع على الفاعلية.
فصل
ذكر فرعونُ النسبَ الموجبَ لقتل موسى وهو أن المُوجِبَ لقتله إما فساد الدين أو فساد الدنيا، أما فساد الدين فلأن القوم اعتقدوا أن الدين الصحيح هو دينهم الذي كانوا عليه، فلما كان موسى ساعياً في إفساده اعتقدوا أنه ساع في إفساد الدين الحق، وأما فساد الدنيا فهو أنه لا بد وأن يجتمع عليه قوم ويصير ذلك سبباً لوقوع الخصومات وإثارة الفتن، ولما كان حب الناس لأديانهم فوق حبّهم لأمالهم لا جَرَمَ بدأ فرعونُ بذكر الدين فقال: {إني أخاف أن يبدل دينكم} ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال أو أن يظهر في الأرض الفاسد.
قوله: ﴿وَقَالَ موسى إِنِّي عُذْتُ﴾ قرأ نافع وأبو عمرو وحمزة واكسائي عُدتّ بإدغام الذال، والباقون بالإظهار. وقوله «لاَ يُؤْمِنُ» صفة «لِمُتَكَبِّرٍ» .
فصل
لما توعد فرعونُ موسى بالقتل لم يأت في دفع شره إلا بأن استعاذ بالله واعتمد على فضل الله فلا جَرَمَ صانه الله وحفظه منه. واعلم أن الموجب للإقدام على أيذاء الناء أمران:
أحدهما: كون الإنسان متكبراً قاسِيَ القلب.
والثاني: كونه منكراً للعبث والقيامة.
لأن المتكبر القاسي القلب قد يحمله طبعه على إيذاء الناس إلا أنه إذا كان مقرّاً بالبعث والحساب صار خوفه من الحساب مانعاً له من الجري على موجب تكبّره فإذا لم يحصل له الإيمان بالبعث والقيامة كان طبعه داعياً له إلى الإيذاء، لأن المانع وهو الخوف من السؤال والحساب زائلٌ فلا جَرَمَ تعظيم القَسْوةُ والإيذاء.
وقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ اختلفوا في هذا المؤمن، قال مقاتل والسدي: كان قبطياً. (وقيل) ابن فرعون، وهو الذي حكى الله عنه ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى﴾ [القصص: 20] وقيل: كان إسرائيلياً، روي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: الصديقون حبيب النجار مؤمن آل ياسين ومؤمن آل فرعون الذي قال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله، والثالث أبو بكر الصديق وهو أفضلهم، وعن جعفر بن محمد أنه قال: كان أبو بكر خيرا من مؤمن آل فرعون، لأنه كان يكتم إيمانه، وقال أبو بكر جهاراً أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وكان ذلك سراً، وهذا جهراً. روى عروةُ بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنعهُ المشركون برسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «بَيْنَا رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عبقةُ بن أبي مُعَيْط فأخذ يمنكب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فلوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً وأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟» .
قال بان عباس وأكثر العلماء كان اسم الجرل خزييل. وقال ابن إسحاق جبريل، وقيل حبيب.
قوله: «رَجُلٌ مُؤْمِنٌ» الأكثرون قرأُوا بضم الجيم، وقرىء رَجِلَ بكسر الجيم كما يقال: عَضِدٌ في عَضُدٍ. وقرأ الأعمش وعبد الوارث بتسكينها وهي لغة تميمٍ ونجد والأولى هي الفصحى.
قوله «من آل» يحتمل أن يكون متعلقاً «بيكْتُمُ» بعده أي يكتم إيمانه من آل فرعون.
قيل: هذا الاحتمال غير جائز؛ لأنه لا يقال: كتمتُ من فلانٍ كذا، إنما يقال: كتمته كذا، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: 42] بل الظاهر تعلقه بمحذوف صفةً لرجل.
قال ابن الخطيب: يجوز أن يكون متعلقاً بقوله: «مؤمن» وإن كان ذلك المؤمن شخصاً من آل فرعون.
قال شهاب الدين: وجاء هنا على أحسن ترتيب حيث قدم المفرد ثم ما يقرب منه وهو حرف الجر ثم الجملة وقد تقدم أيضاً هذه المسألة في المائدة وغيرها ويترتب على الوجهين هل كان هذا الرجل من قرابة فرعون فعلى الأولى لا دليل فيه، وقد رد بعضهم الأول بما تقدم، وأنه لا يقال: ك تمت من فلان كذا إنما يقال: كتمت فلاناً كذا فيتعدى لاثنين بنفسه، قال تعالى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: 42] وقال الشاعر:
4332 - كَتَمْتُكَ هَمًّا بالجَمُومَيْنِ سَاهِراً ... وَهَمَّيْنِ هَمًّا مُسْتَكِنّاً وَظَاهِرَا
أَحَادِيثَ نَفْسٍ تَشْتَكِي مَا يَرِيبُها ... وَوِرْدَ هُمُومٍ لَنْ يَجِدْنَ مَصَادِرَا
أي كتمتك أحاديث نفس وهمين، فقدم المعطوف على المعطوف عليه ومحلّه الشعر.
قوله ﴿أَن يَقُولَ رَبِّيَ﴾ أي كراهة أن يقول، أو لأن يقول. قال الزمخشري: ولك أن تقدر مضافاً محذوفاً أي وقت أن يقول والمعنى أتقتلونه ساعة سمتعم منه هذا القول من غير روية ولا فكر (في أمره) وهذا الذي أجازه رده أبو حيان بأن تقدير هذا الوقت لا يجوز إلا مع المصدر المصرّح به، تقول: صِيَاحَ الدِّيكِ أي وقت صياحه، ولو قلت: أجيئك أَنْ صَاحَ الديك أو أَنْ يَصِيحَ لم يصح نص عليه النحويون
قوله: «وقد جاءكم» جملة حالية، يجوز أن تكون من المفعول.
فإن قيل: هو نكرة.
فالجواب: أنه في حيِّز الاستفهام وكل ما سوغ الابتداء بالنكرة سوغ انتصاب الحال عنها، ويجوز أن تكون حالاً من الفاعل.
فصل
لما حكى الله تعالى عن موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أنه ما زاد في دفع مكر فرعون وشره على الاستعاذة بالله بين أنه تعالى قَيَّضَ له إنساناً أجنبياً حتى ذب عنه بأحسن الوجوه وبالغ في تسكين تلك الفتنة فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله﴾ وهذا استفهام على سبيل الإنكار، وذكر في هذا الكلام ما يدل على حسن ذلك الإنكار، وذلك لأنه ما زاد على أن قال: ربي الله وجاء بالبينات، وذلك لا يوجب القتل البتةَ فقوله: ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ﴾ يحتمل وجهين:
الأول: أن قوله «ربي الله» إشارة إلى تعزيز النبوة بإظهار المعجزة.
الثاني: أن قوله «رَبِّي اللهُ» إشار إلى التوحيد.
وقوله: ﴿وَقَدْ جَآءَكُمْ بالبينات مِن رَّبِّكُمْ﴾ إشارة إلى الدلائل الدالة على التوحيد، ثم ذكر ذلك المؤمن حجة ثانية على أن الإقدام على قتلِهِ غير جائز، وهي حجة مذكورة على طريق التقسيم فقال: إن كان هذا الرجل كاذباً كان وبال كذبه عائداً عليه فاتركوه وإن كان صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم فعلى كلا التقديرين الأولى إبقاؤه حيًّا.
فإن قيل: الإشكال على هذا الدليل من وجهين: الأول: أن قوله ﴿يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ معناه أن (ضرر) كذبه مقصور عليه ولا يتعداه، وهذا كلام فاسد لوجوه:
أولها: أنا لا نسلم أن بتقدير كونه كاذباً يكون ضرر كذبه مقصوراً عليه لأنه يدعو الناس إلى ذلك الدين الباطل ويغتر به جماعة ويقعون في المذهب الباطل والاعتقاد السيّىء ثم يقع بينهم وبين غيرهم الخصوماتُ الكثيرة فثبت أن بتقدير كونه كاذباً لم يكن ضرر كذبه مقصوراً عليه بل يكون متعدياً إلى الكل، ولهذا أجمع العلماء علىأن الزِّنْدِيقَ الذي يدعو الناس إلى زَنْدَقَتِهِ يجب قتله.
وثانيها: أنه إن كان هذا الكلام حجة فلا كذاب إلا ويمكنه أن يتمسك بهذه الطريقة فيمكن جميع الزنادقة والمُبْطِلَة من أديانهم الباطلة.
وثالثها: أن الكفار الذين انكروا موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ يجب أن لا يجوز الإنكار عليهم لأنه يقال إن كان ذلك المنكر كاذباً في ذلك الإنكار فعليه كذبه وإن يك صادقاً فما انتفعتم بصدقه، فثبت أن هذه الطريق صَوَّبَتْ صدقه وما أفضى ثُبُوتُه إلى عدم صدقه كان فاسداً.
الوجه الثاني: كان من الواجب أن يقال: وإنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ كُلُّ الَّذِي يَعِدُكُمْ؛ لأن الذي يصيب من بعض الذي يَعِدُ دون البعض هو الكفار والمنجمون. أما الرسول الصادق الذي لا يتكلم إلا بالوحي فإنه يجب أن يكون صادقاً في كل ما يقول فكان قوله: ﴿يصيبكم بعض الذي يعدكم﴾ غير لائق بهذا المقام.
والجواب عن الأسئلة الثلاثة بأن تقدير الكلام (أنه) لا حاجة لكم في دفع شره إلى قتله بل يكفيكم أن تمنعوه من إظهار هذه المقالة ثم تتركوا قتله فإن كان كاذباً فحينئذ لا يعود ضرره إلا إليه وإن كان صادقاً فما انتفعتم به.
والمقصود من ذلك التقسيم أنه لا حاجة بكم إلى قتله بل يكفيكم أن تُعْرِضُوا عنه وأن تمنعوه من إظهار دينه. وأما الجواب عن الوجه الثاني: وهو قوله كان الأولى أن يقال: «يصيبكم كل الذي يعدكم» فهو من وجوه:
الأول: أن مدار هذا الاستدلال على إظهار الإنصاف وترك اللَّجَاجِ؛ لأَنَّ المقصود منه وإن كان كاذباً كان ضرر كذبه مقصوراً عليه وِإن كان صادقاً فلا أقلَّ من أن يصيبكُم بعض ما يعدكم وإن كان المقصود من الكلام هذا صح، ونظيره قوله ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبا: 24] .
والثاني: أنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان يتوعّدهم بهم بعذاب الدنيا وبعذاب الآخرة، فإذا وصل إليهم في الدنيا عذاب الدنيا فقد أصبهم بعض الذي وعدهم به.
الثالث: قال الزمخشري: «بعض» على بابها وإنما قال ذلك ليهضم موسى بعضَ حَقِّهِ في ظاهر الكلام فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافياً فضلاً عن أن يتعصب له. وهذا أحسن من قول أبي عبيدة وغيره أن بعض بمعنى كل، وأَنْشَدَ قَوْلَ لَبيدٍ:
4333 - تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إذَا لَمْ أَرْضَهَا ... أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمَامُها
وأنشد أيضاً قول عمرو بن شُيَيْمٍ:
4334 - قَدْ يُدْرِكُ المُتأنِّي بَعْضَ حَاجَتِهِ ... وَقَدْ يَكُونُ مع المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
وقول الآخر:
4335 - إنَّ الأُمُورَ إذَا الأَحْدَاثُ دَبَّرهَا ... دُونَ الشُّيُوخِ تَرَى فِي بَعْضِهَا خَلَلاَ
قال شهاب الدين: ولا أدري كيف فهموا «الكل» من البيتين الأخيرين، وأما الأول ففيه بعض دليل لأن الموت يأتي على الكل. قال ابن الخطيب: والجمهور على أن هذا القول خطأ قالوا: وأراد لبيدٌ ببعض النفوس نفسه، ومعنى البيت أنه وصف نفسه أنه نَزَّالُ أمكنةٍ أي كثيرُ المنزول في أماكن لا يرضاها إلا أن يربط نفسه الحِمام وهو الموت، وقال اللَّيْثُ: بعض ههنا صلة يُريد يصبكم الذي يعدكم. لما حكى الزمخشري قول أبي عبيدة أن «بعض» بمعنى «الكل» وأنشد عنه بيت لبيد قال: إن صحت الرواية عنه فقد حق فيه قولُ المَازِنِيِّ في مسألة العَلْقَى: كان أجْفَى من أن يفقه ما أقول له. قال شهاب الدين: ومسألة المازني معه: هي أن أبا عبيدة قال للمازني: ما أكذب النحويين يقولون هاء التأنيث لا تدخل على ألف التأنيث، فإن الألف في عَلْقَى ملحقة، قال: فقلت له وما أنكرت من ذلك؟ فقال: سمعت رؤبة يُنْشِدُ:
4336 - يَنْحَطُّ فِي عَلْقَى ... ... ... ... . ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
فمل ينونهنا، فقلت: ما واحد علقى؟ قال: عَلْقَاة، قال المازني: فأَسِفْتُ ولم أفسر له لأنه كان أغلظمن أن يفهم مثل هذا. قال شهاب الدين: وإنما استغلظه المازني؛ لأن الألف التي للإلحاق قد تدخل عليها تاء التأنيث (دالة على الوحدة فيقال: أَرْطَى، وأَرْطَامة، وإنما الممتنع دخولها على ألف التأنيث) نحو: دَعْوَى، وصَرْعَى.
وأما عدم تنوين «علقى» فلأنه سمَّى بها شيئاً بعينه، وألف الإلحاق المقصورة حال العلمية تجري مجرى تاء التأنيث فيمتنع الاسم الذي هو فيه كما يمتنع فاطمةُ وينصرفُ قَائِمة.
قوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ وفيه احتمالان:
الأول: أن هذا إشارة إلى الرمز والتعريض بعلو شأن موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ والمعنى أن الله تعالى هدى موسى إلى الإتيان بالمعجزات الباهرة، ومن هداه إلى الإتيان بالمعجزات لا يكون مسرفاً كذَّاباً فدل على أن موسى لي من الكذابينَ.
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد أن فرعون مسرفٌ في عزمه على قتل موسى كذابٌ في ادعائه الإلَهيَّة وةالله لا يهدي من هذا شأنه وصفته بل يُبْطِلُهُ ويَهْدِمُ ِأمره.
قوله: ﴿يا قوم لَكُمُ الملك اليوم﴾ اعلم أن مؤمن آل فرعون لما استدل على أنه لا يجوز قتل موسى خوف فرعون وقومه ذلك العقاب الذي توعّدهم به فيوقوله ﴿يصبكم بعض الذي يعدكم﴾ فقال: يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض. أي أرض مصر يعني قد علوتم الناس وقَهَرْتُمُوهُمْ فلا تفسدوا أمركم على أنفسكم ولا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب الله إن حلَّ بكم، وإنما قال «يَنْصُرُنَا وَجَاءَنَا» ؛ لأنه كان يظهر أنه منهم وأن الذي ينصحهم به هو مشارك لهم فيه.
قوله «ظَاهِرينَ» حال من الضمير «لكم» والعامل فيها وفي اليوم ما تعلق به «لكم» .
ولما قال المؤمن هذا الكلام قال فرعون: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرى﴾ هي من رؤية الاعتقاد فيتعدى لمفعولين ثانيهما: «إلاَّ مَا أرَى» أي إلا ما أرى لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم. قوله ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾ العامة على تخفيف الشين، مصدر رَشَدَ يَرْشُدُ. وقرِأ معاذ بن جبل بتشديدها، وخرجها أبو الفتح وغيره على أنها صفة مبالغة، نحو ضَرَبَ فهو ضَرَّاب، وقال النحاس: هو لحن، وتوهمه من الرباعي يعني أرشد، ورد على النحاس قوله: بأنه يحتمل أن يكون من «رشد» الثلاثي، وهو الظاهر، وقد جاء فعال أيضاً من أفعل وإن كان لا ينقاس، قالوا: أدْرَكَ فَهُوَ دَرَّاك وأجْبَرَ فهو جَبَّار، وأَقْصَرَ فهو قَصَّار، وأَسْأرَ فهو سَئَّار. ويدل على أنه صفة مبالغة أن معاذاً كان يفسرها بسبيل الله.
قال ابن عطية: ويبعد عندي على معاذ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وهل كان فرعون يدعي إلا الإلَهيَّةَ؟ ويعلق بناء اللفظ على هذا التركيب. قال شهاب الدين يعني ابن عطية أنهن كيف يقول فرعون ذلك فيقر بأنَّ ثمَّ من يهدي إلى الرشاد غيره مع أنه يدعي أنه إله.
وهذا الذي عزاه ابن عطية والزمخشري وابن جبارة صاحب الكامل إلى معاذ بن جبل من القراءة المذكورة ليس هو في «الرَّشَادِ» الذي هو في كلام فرعون كما توهموا، وإنما هو في «الرَّشَادِ» الثاني الذي هو من قول المؤمن بعد ذلك. ويدل على ذلك ما روى أبو الفضل الرازي في كتاب اللوامح: وقرأ معاذ بن جبل سبيل الرشاد الحرف الثاني بالتشديد وكذلك الحسن وهو سبيل الله تعالى أوضحه لعباده كذلك فسره معاذ (بن جبل) وهو منقول من مُرْشِد كدَرَّاك من مدرك، وجبار من مجبر، وقصَّار من مقصِر عن الأمر، ولها نظائر معدودة فأما قصّار الثوب فهو من قصرت الثوب قِصَارَةً. مفعلى هخذا يزول إشكال ابن عطية المتقدم ويتضح القراءة والتفسير. وقال أبو البقاء وهو الذي يكثر منه الإرشاد أو الرشد يعني أنه يحتمل أن يكون من «أَرْشَدَ» الرباعي، أو «رَشَدَ» الثلاثي، والأولى أن يكون من الثلاثي لما عرفت أنه ينقاس دون دو الأول.
قوله: ﴿ياقوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ الأحزاب﴾ اعلم أنه تعالى (لما) حكى عن ذلك المؤمن أنه (كان) يكتم إيمانه والذي يكتم إيمانه كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون فلهذا السبب حصل ههنا قولان:
الأول: أن فرعون لما قال ذروني أقْتُلْ موسى لم يصرِّح ذلك المؤمن بأنه على دين موسى بل أوهم أنه على دين فرعنون إلا أنه زعم أن المصلحة تقتضي إبقاء موسى؛ لأنه لم يصدر عنه إلا الدعوة إلى الله والإتيان بالمعجزات القاهرة، وهذا لا يوجب القتل، فالإقدام على قتله يوجب الوقوع في ألسنة الناس بقبح الكلمات بل الأولى تأخير قتله ومنعه من إظهار دينه لأنه إن كان كاذباً فَوَبَالُ كَذِبِهِ عليه، وإن كان صادقاً حصل الانتفاع به من بعض الوجوه. ثم أكد ذلك بقوله ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ يعنى أنه إن صدق فيما يدعيه من إثبات الإله القادر الحكيم فهو لا يهدي المسرف الكذاب، فأوهم بقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ أنه يريد موسى، وإنما كان يقصد به فرعون؛ لأن المسرف الكذاب هو فرعون.
والقول الثاني: أن مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه أولاً فلما قال فرعون ذروني أقتل موسى أزال الكتمان وأظهر أنه على دين موسى وشَاقَّ فرعون بالحق وقال: يا قوم إنِّي أخاف عليكم مثلَ يوم الأحزاب أي مثل أيام الأحزاب إلا أنه لما أضاف اليومَ إلى الأحزاب وفسرهم بقوم نوح وعاد وثمود، وكان لكل حزب يوم في العذاب اقتصر من الجمع على ذكر الواحد لعدم الالتباس.
قوله: «مِثْلَ دأبِ» يجوز أن يكون «مثل» بدلاً، وأن يكون عطف بيان والمعنى مثل دأبهم في عملهم من الكفر والتكذيب وسائر المعاصي دائماً لا يفترون عنه.
ولا بدّ من حذف مضاف يريد م ثل جزاء دأبهم. والحاصل أنه خوفهم الهلاك في الدنيا ثم خوفهم هلاك الآخرة ﴿وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ﴾ أي لا يُهْلِكُهُمْ قبل إقامة الحجة عليهم، والمقصود التنبيه على عذاب الآخرة يعنى أن تدمير أولئك الأحزاب كان عدلاً بأنهم استوجبوه بتكذيبهم الأنبياء، وتلك العلة قائمة هنا فوجب حصول الحكم هنا.
قالت المعتزلة: وما الله يريد ظلماً للعباد يدل على أنه لا يريد أن يظلم العباد، ولا يريد الظلم من أحد العباد التبة، ولو خلق الكفر فيهم ثم عذبهم على ذلك الكفر لكان ظالماً، وإذا ثبت أنه لا يريد الظلم ألبتة ثبت أنه غير خالق لأفعال العباد، لأنه لو خلقها لأرادها، وثبت أيضاً أنه قادر على الظلم إذ لو لم يقدر عليه لما حصل التمدح بترك الظلم، وهذا الاستدلا ل قد تقدم مراراً مع الجواب.
قوله (تعالى) : ﴿وياقوم إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد﴾ التناد تفاعل من النداء يقال: تنادى القوم أي نادى بعضهم بعضاً، والأصل: الياء، وقد تقدم الخلاف في يائه كيف تحذف والأصل تَنَادُياً بضم الدال ولكنهم كسروها؛ لِتَصحذَ الياءُ. وقرأت طائفة بسكون الدال إجراء للوصل مجرى الوقف، وتنادى القوم أي نادى بعضهُم بَعْضاً، قال (الشَّاعِرُ رَحِمَهُ الله) : 4337 - تَنَادَوْا فَقَالُوا أَرْدَتِ الخَيْلُ فَارِساً ... فَقُلْنَا عُبَيْدَ اللهِ ذَلِكُمُ الرَّدِي
وقال آخر:
4338 - تَنَادَوْا بَالرَّحِيلِ غَداً ... وَفِي تَرْحَالِهِمْ نَفْسِ
وقرأ ابن عباس والضحاك والكلبي وأبو صالح وابن مقسم والزعفراني في آخرين بتشديدها مصدر تَنَادَّ من: نَدَّ البَعِيرُ إذَا هَرَبَ ونَفَرَ، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: 34] الآيات ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى بعد ذلك: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ . قال أبو علي: التَّنادي مخففاً من التناد من قولهم نَدَّ فلانٌ إذا هرب. وفي الحديث: «جَوْلَةً يَنِدُّونَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ مَهْرَباً» وقال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ:
4339 - وَبَثَّ الخَلْقَ فِيهَا إذْ دَحَاهَا ... فَهُمْ سُكَّانُهَا حَتَّى التَّنَادِي
قوله: «يَوْمَ تُوَلُّونَ» يجوز أن يكون بدلاً من «يوم التناد» وأن يكون منصوباً بإضمار «أعني» . ولا يجوز أن يكون عطف بيان، لأنه نكرة وما قبله معرفة، وقد تقدم في قوله ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: 97] أن الزمخشري جعله بياناً مع تخالفهما تعريفاً وتنكيراً وهو عكس هذا، فإن الذي نحن فيه الثاني نكرة، والأول معرفة.
قوله ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ يجوز في «من عاصم» أن يكون فاعلا بالجار، لاعتماده على النفي، وأن يكون مبتدأ أو من مزيدة على كلا التقديرين، ومن الله متعلق بعَاصِمٍ.
فصل
أجمع المفسرون على أن يوم التنادي (هو) يوم القيامة وفي تسميته بهذا الاسم وجوه:
قيل: لأن أهل النار ينادون أصحابَ الجنة، وأصحاب الجنة ينادون أصحابَ النار كما حكى الله عنهم.
وقال الزجاج: هو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71] .
وقيل: ينادي بعضُ الظالمينَ بعضاً بالويْل والثُّبُور، فيقولون: يَا وَيْلَنَا. وقيل: يُنَادَوْنَ إلى المحشر وقيل ينادي المؤمن: هَاؤُم اقْرَأُوا كِتَابِيَهْ، والكافر: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وقيل: ينادى باللَّعَنةِ على الظالمين، وقيل: يجاء بالموت على صورة كبش أملح ثم يذبح بين الجنة والنار، ثم ينادى يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، وقيل: ينادى بالسعادة والشقاوة ألا إنَّ فلان بان فلان سِعِدَ سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وفلان بان فلان شقي شقاوة فلا يسعد بعدها أبداً.
وقوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ . قال الضحاك: إذا سمعوا زفيرَ النار نَدُّوا هرباً فلا يأتون قطراً من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفاً فيرجعون إلى مكانهم فذلك قوله: ﴿والملك على أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: 17] وقوله: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] . قال مجاهد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: فارِّينَ عن النار غير معجزين، ثم أكد التهديد فقال: ﴿مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ يعصمكم من عذابه، ثم نبه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم فقال ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
قَوْلُهُ (تَعَالَى) : ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات﴾ يعني يوسف بن يعقوب من قبل موسى بالبينات، ونقل الزمخشري أنه قبل يوسف بن إبراهيمخ بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نيفاً وعشرين سنة وقيل: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بَقِيَ حيًّا إلى زمانه، وقيل: هو فرعون آخر. والمقصود من الكل شيء واحد هو أن يوسف حاء قومه بالبينات هي قوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار﴾ [يوسف: 39] والأولى أن يُراد بها المعجزات.
واعلم أن مؤمن آل فرعنونه لما قال لهم: ومن يضلل الله فما له من هاد ذكر هذا المثال وهو أن يوسف جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على التكذيب ولم ينتفعوا بتلك الدلائل، وهذا يدل على (أن) من أضله الله فما له من هاد، ثم قال: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُمْ بِهِ﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) : من عبادة الله وحده لا شريك له، فلم ينتفعوا ألبتة بتلك البينات.
قوله «حَتَّى إذَا» غاية لقوله ﴿فما زلتم في شك﴾ ، فَلَمَا هَلَك ﴿قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً﴾ أي أقمتم على كفركم، وظننتم أن الله تعالى لا يجدد عليكم الحجة، وقرىء ألن يبعث الله بإدخال همزة التقرير يقرّر بعضهم بعضاً.
قوله: «كَذَلِكَ» أي الأمر كذلك، أو مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف كذاب في عصيانه مرتاب في دينه، فقوله «يضل الله» مستأنف، أو نعت مصدر أي مثل إضلال الله إياكم حين لم تقبلوا من يوسف يضل الله من هو مسرف.
ثم بين تعالى ما لأجله بقُوا في ذلك الشك والإسراف فقال: ﴿الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي بغير حجة إما بناء على التقليد، وأما بناء على شبهات خسيسة.
قوله: «الَّذِينَ يُجَادِلُونَ» يجوز فيه عشرة أوجه:
أحدها: أنه بدل من قوله «من هو مسرف» وإنما جمع اعتباراً بمعنى «من» .
الثاني: أن يكون بياناً له.
الثالث: أن يكون صفة له وإنما جمع على معنى «من» أيضاً.
الرابع: أن ينتصب بإضمار أعني.
الخامس: أن يرتفع خبر مبتدأ مضمر أي هم الذين.
السادس: أن يرتفع مبتدأ خبره «يَطْبَعُ اللهُ» ، و «كذلك» خبر مبتدأ مضمر أيضاً أي الأمر كذلك، والعائد من الجملة وهي يطبع على المبتدأ محذوف أي على كل متكبر منهم.
السابع: أن يكون مبتدأ، والخبر «كَبُرَ مَقْتاً» ولكن لا بُدّ من حذف مضاف ليعود الضمير من «كبر» عليه والتقدير: قال الذين يجادلون كَبُرَ مقتاً، ويكون «مَقْتاً» تمييزاً، وهو منقول من الفاعلية؛ إذ التقدير كبر مَقْتُ حالهم أي جادل المجادلين.
الثامن: أن يكون «الَّذِينَ» مبتدأ أيضاً، ولكن لا يقدر حذف مضاف، ويكون فاعل كبر ضميراً عائداً على ما تقدم أي كبر مقت جدالهم.
التاسع: أن يكون «الذين» مبتدأ أيضاً، والخبر ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ قاله الزمخشري. ورده أبو حيان بأن فيه تفكيك الكلام بضعه من بعض؛ لأن الظاهر تعلق «بغَيْرِ سُلْطَانٍ» «بِيُجَادِلُونَ» ولا يتعلق جعله خبراً «للذين» لأنه جار ومجرور فيصير التقدير: الذي يجادلون كائنونَ أو مستقرونَ بغير سلطان أي في غير سلطان؛ لأن الباء إذْ ذَاكَ ظرفية خبرٌ عن الجثث.
العاشر: أنه مبتدأ وخبره محذوف أي معاندون ونحوه قاله ِأبو البقاء.
قوله: «كَبُرَ مَقْتاً» يحتمل أن يراد به التعجب والاستفهام، وأن يراد به الذم «كبئس» وذلك أنه يجوز أن يبنى (فَعُلَ) بضم العين مما يجوز فيه التعجب منه، ويَجْرِي مَجْرَى نِعْمَ وَبِئْسَ في جميع الأحكام، وفي فاعله ستة أوجه: الأول: أنه ضمير عائد على حال المضاف إلى الذين، كما تقدم تقريره.
الثاني: أنه ضمير يعود على جدالهم المفهوم من «يُجَادِلُونَ» كما تقدم تقريره أيضاً.
الثالث: أنه الكاف في «كَذَلِكَ» . قال الزمخشري: وفاعل «كَبُرَ» قوله: كذلك، أي كَبُرَ مقْتاً مِثْل ذَلِكَ الجِدال، و «يَطْبَعُ اللهُ» كلام مستأنف.
ورده أبو حيان: بأ، فيه تفكيكاً للكلام وارتكابَ مذهب ليس بصحيح، أما التفكيك فلأن ما جاء في القرآن من «كَذَلِكَ يطبع أو تطبع» إنما جاء مربوطاً بعضه ببعض، وكذلك هذا وأما ارتكاب مذهب غير صحيح فِإنه جعل الكاف اسماً، ولا يكون اسماً إلا في ضرورة خلافاً للأخفش.
الرابع: أن الفاعل محذوف نقله الزمخشري، قال: ومن قال كبر مقتاً عند الله جِدَالهُم فقد حذف الفاعل والفاعل لا يصح حذفه. قال شهاب الدين: القائل بذلك هو الحَوْفِيُّ لكنه لا يريد بذلك تفسير الإعراب إنما يريد به تفسير المعنى، وهو معنى ما تقدم من أنّ الفاعل ضمير يعود على جدالهم المفهوم من فعله، فصرح به الحوفي بالأصل، وهو الاسم الظاهر، ومراده ضمير يعود عليه.
الخامس: أن الفاعل ضمير يعود على ما بعده، وهو التمييز، نحو: نعم رجلاً زيد، وبئس غلاماً عَمْرو.
السادس: أنه ضمير يعود على من في قوله: «من هو مسرف» وأعاد الضمير من كبر مقتاً اعتباراً بلفظها وحينئذ يكون قد راعى لفظ من أولاً في قوله كبر مقتاً.
وهذا كله إذا أعربت «الذين» تابعاً ل ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ نعتاً أو بياناً، أو بدلا. وقد تقدم أن الجملة من قوله «كبر مقتاً» فيها وجهان:
أحدهما: الرفع، إذا جعلناها خبر المبتدأ.
والثاني: أنها لا محل لها، إذا لم نجعلها خبراً، بل هي جملة استئنافية.
وقوله: «عِنْدَ الله» متعلق «بكَبُرَ» ، فكذلك قد تقدم أنه يجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوفاً وأن يكون فاعلاً وهم ضعيفان.
والثالث وهو الصحيح: أنه معمول ل «يَطْبَعُ» أي مثل ذلك الطبع يطبع الله، و «يطبع الله» فيه وجهان: أظهرهها: أنه مستأنف.
والثاني: أنه خبر للموصول كما تقدم.
قوله: «قَلْبِ متكبّر» قرأ أبو عمرو، وابن ذَكْوَانَ بتنوين «قَلْبٍ» ، وصف القلب بالتكبر والجبروت لأنهما ناشئان منه، وإن كان المراد الجملة، كما وصف بالإثم في قوله: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] وفي قوله: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ﴾ [غافر: 56] قال بان الخطيب: «وأيضاً قال قوم: الإنسان الحقيقي هو القلب» والباقون بإضافة «قلب» إلى ما بعده، أي كُلِّ قَلْبِ شخصٍ متكبرٍ. قال أبو عبيد: الاختيار الإضافة، لوجوه:
الأول: أن عبد الله قرأ: «على قلب كمل متكبر» وهو شاهد لهذه القراءة.
الثاني: أن وصف الإنسان بالتكبر والجبروت أولى من وصف القلب بهما. وقد قدر الزمخشري مضافاً في القراءة الأولى، أي على كُلّ ذِي قلبٍ متكبر، فجعل الصفة لصاحبِ القلب. قال أبو حيان: «ولا ضرورة تدعو إلى اعتقاد الحذف» . قال شهاب الدين: بل ثَمَّ ضرورة إلى ذلك، وهو توافقُ القراءتين واحداً وهو صاحب القلب بخلاف عدم التقدير، فإنه يصير الموصوف في إحداهما القلب وفي الأخرى صاحبه.
فصل
قال الزَّجَّاجُ: قوله: «الذين» تفسير ل «المسرف المرتاب» ، يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي في إبطالها بالتكذيب «بغير سلطان» حجة، «أتاهم» ، «كبر مقتاً» أي كبر ذلك الجدال مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا. ودلت الآية على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد مقت بعض عباده، إلا أنها صفة التأويل في حق الله، كالغضب، والحياء، والعجب.
ثم بين أن هذا المقت كما حصل عند الله فكذلك حصل عند الذين آمنوا، قال القاضي: مقت الله إياهم يدل على أن كل فعل ليس بخلق لا أنّ كونه فاعلاً للفعل، وما قاله محال.
فصل
قد تقدم الكلام في الطبع، والرَّيْنِ، والقَسوة، قال أهل السنة: قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله﴾ يدل على أن الكل مِنْ عند الله. وقالت المعتزلة: الآية تدل على أن هذا الطبع إنما حصل، لأنه كان في نفسه متكبراً جباراً. قال ابن الخطيب: وعند هذا تصيِرُ الآية حجة لكل واحد من الفريقين من وجه، وعليه من وجه آخر، والقول الثاني يخرج عليه رُجْحَانُ مذهبنا، وهو أنه تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب فتصير تلك الدواعي مانعة من حصول ما يدعو إلى الطاعة، والانقياد لأمر الله، فيكون القول بالقضاء والقدر حقاً، فيكون تعليل القلب بكونه متكبراً متجبراً باقياً، فثبت أن القول بالقضاء والقدر هو ما ينطبق عليه لفظ القرآن من أوله لي آخره.
فصل
قال مقاتل: الفرق بين المتكبر، والجبار، أن المتكبر عن قبول التوحيد، والجبار في غير حق. قال ابن الخطيب: كما السعادة في أمرين: التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله فعلى قول مقاتل المتكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله، والجبروت كالمضاد للشفقة على خلق الله.
غافر 40:36
قوله: ﴿وَقَالَ فَرْعَوْنُ ياهامان ابن لِي صَرْحاً﴾ ... الآية. قال المفسرون: إن فرعون قال لوزيره هامان: ابْنِ لي صرحاً، والصرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر، وإن بعُدَ. وأصله من التَّصريح، وهو الإظهار ﴿لعلي أَبْلُغُ الأسباب أَسْبَابَ السماوات﴾ طُرُقها.
فإن قيل: ما فائدة هذا التكرير؟ ولو قيل: لَعَلِّي أبلغ أسباب السموات كان كافياً؟
فاجاب الزمخشري عنه فقال: «إنه إذا أبهم الشيء، ثم أوضح كان تفخيماً لشأنه، فلما أراد تفخيم السموات أبهمها ثم أوضْحَهَا» .
فصل
اختلف الناس في أن فرعون هل قصد بناء الصرح ليصعد منه إلى السموات أم لا؟
قال ابن الخطيب: أما الظَّاهِرِيُّونَ من المفسرين فقد قطعوا بذلك، وذكروا حكاية طويلة في كيفية بناء الصرح. والذي عندي أن هذا بعيدٌ، والدليل عليه أن فرعون لا يخلو إما أن يقال: إنه كان مجنوناً أو عاقلاً، فإن كان مجنوناً لم يجز من الله عزّ وجلّ أن يذكر حكاية كلامه في القرآن، وإن كان عاقلاً فنقول: إن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالِي ويعلم أيضاَ ببديهة عقله أنه لا يتفاوت في البصر من حال السماء بين أن ينظر إليها من أسفل الجبال وبين أن ينظر إليها من أعلى الجبال، وإذا كان هذان العلمان بديهيَّان امتنع أن يقصد العاقل وضع بناء يصعد منه إلى السماء، وإذا كان فاسداً معلوماً بالضرورة امتنع إسْنَادُهُ إلَى فِرْعَوْنَ. والذي عندي في تفسير هذه الآية، أنَّ فِرْعَونَ كان من الدهرية، وغرضه من هذا الكلام إيراد شبهة في نفي الصانع وتقريره أنه قال: إنّا لا نرى شيئاً نحكم عليه أنه إله العالم، فإنه لو كان موجوداً لكان في السماء، ونحن لا سبيلَ لنا إلى صعود السموات فكيف يمكننا أن نراه، ثم إنه لأجل المبالغة لبيان أنه لا يمكن الصعود إلى السماء قال: ﴿ياهامان ابن لِي صَرْحاً لعلي أَبْلُغُ الأسباب﴾ والمقصود أنه لما عرف كل أحد أن هذا الطريق ممتنع كان الوصول إلى معرفة وجود الله بطريق الحِسِّ ممتنعاً. ونظيره قوله تعالى: ﴿فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأرض أَوْ سُلَّماً فِي السمآء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: 35] وليس المراد منه أن محمداً عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ طلبَ نفقاً في الأرض، أو وضع سُلَّماً إلى السماء بل المعنى أنه لما عرف أن هذا المعنى ممتنع فقد عرف أنه لا سبيلَ لك إلى تحصيل ذلك المقصود، كذا ههنا غرض فرعون من قوله: ﴿يا هامان ابن لي صرحاً﴾ يعني أن الاطلاع إلى إله موسى لما كان لا سبيل إليه إلا بهذا الطريق، وكان هذا الطريق ممتنعاً، فحينئذ يظهر منه أنه لا سبيل إلى معرفة الإله الذي يثبته موسى.
واعلم أن هذه الشبهة فاسدةٌ؛ لأن طرق العلم ثلاثة: الحِسّ، والخَبَر، النَّظَر، ولا يلزم من انتفاء طريق واحد وهو الحِسَّ انتفاء المطلوب؛ وذلك لأن موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان قد بين لفرعون أن الطريقَ في معرفة الله تعالى إنما هو الحُجَّة، والدليل كما قال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ [الشعراء: 26] ﴿رَبُّ المشرق والمغرب﴾ [ المزمل: 9] إلا أن فرعونَ بِخُبْثِهِ ومَكْرهِ تغافل عن ذلك الدليل، وألقى إلى الجُهّال أنه لما كان لا طريق إلى الإحساس بهذه الإله وجب نفيه.
قوله: «أسْبَابَ السَّمَواتِ» ، فيه وجهان:
أحدهما: أنه تابع «للأسباب» قبله، بدلاً أو عطف بيان.
والثاني: أنه منصوب بإضمار أعني. والأول أولى؛ إذ الأصْلُ عدمُ الإضمار.
قوله: «فَأَطَّلِعَ» العامة عنلى رفعه عطفاً على أبلغ فهو داخل في حيز الترجي؛ وقرأ حفص في آخرين بنصبه وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه جواب الأمر في قوله «ابن لي» فنصب بأن مضمرة بعد الفاء في جوابه على قاعدة البصريين كقوله:
4340 - يا نَاقُ سِيرِي عَنَقاً فَسِيحا ... إلَى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيحَا
وهو أوفق لمذهب البصريين
الثاني: أنه منصوب، قال أبو حيان: عطفاً على التوهم؛ لأن خبر «لعل» جاء مقروناً «بأن» كثيراً في النظم، وقليلاً في النثر، فمن نصب توهم أن الفعل المضارع الواقع خبراً منصوب «بأن» والعطف على التوهم كثير وإن كان لا ينقاس.
الثالث: أن ينتصب على جواب الترجي في لعل، وهو مذهب كوفي استهشد أصحابه بهذه القراءة وبقراءة نافع ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذكرى﴾ [عبس: 34] بنصب «فتنفعه» جواباً ل «لعله» . وإلى هذا نحا الزمخشري، قال: «تشبيهاً للترجي بالتمني» . والبصريون يأبون ذلك ويخرجون القراءتين على ما تقدم.
وفي سورة عبس يجوز أن يكون جواباً للاستفهام في قوله: «وَمَا يُدْرِيكَ» فإنه مترتبٌ عليه معنًى. وقال ابن عطية وابن جبارة الهذلي على جواب التمني، وفيه نظر؛ إذ ليس في اللفظ تمن، إنما فيه ترجٍّ، وقد فرق الناس بين التَّمنِّي والتَّرجِّي، بأن الترجي لا يكون إلا في الممكن عكس التمني فإنه يكون فيه وفي المستحيل كقوله:
4341 - لَيْتَ الشَّبابَ هُوَ الرَّجِيعُ عَلَى الفَتَى ... والشَّيْبُ كَانَ هَوَ البَدِيءَ الأَوَّلُ
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ﴾ ، قرىء: «زَيَّنَ» مبنياً للفاعل، وهو الشيطان، وتقدم الخلاف في «صد عن السبيل» في الرعد، فمن بناه للفاعل حذف المفعول أي صد قومه عن السبيل، (وهو الإيمان) . قالوا: ومِنْ صَدِّه قوله: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ﴾ [طه: 71] ، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾
[محمد: 1] وقوله: ﴿هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام﴾ [الفتنح: 25] وابن وثاب: «وصِدَّ» بكسر الصاد، كأنه نقل حركة الدال الأولى إلى فاء الكلمة بنعد توهم سلب حركتها، وقد تقدم ذلك في نحو: ردَّ، وأنه يجوز فيه ثلاث لغات الجائزة في قِيلَ وبِيعَ، وابن إسحاق وعبد الرحمن بن أبي بكرة: وَصَدٌّ بفتح الصاد، ورفع الدال منونة جعله مصدراً منسوقاً على «سُوءُ عَمَلِهِ» ، أي زين له الشيطان سُوءَ العَمَلِ والصَّدَّ، ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ﴾ أي وما كيده في إبطال ما جاء به موسى إلا في خسارة وَلاَكٍ. والتَّبَابُ الخِسَارة، وعقد تقدم في قَوْلِهِ «غَيْرَ تَتْبِيبٍ» .
غافر 40:37
قوله: ﴿وَقَالَ فَرْعَوْنُ ياهامان ابن لِي صَرْحاً﴾ ... الآية. قال المفسرون: إن فرعون قال لوزيره هامان: ابْنِ لي صرحاً، والصرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر، وإن بعُدَ. وأصله من التَّصريح، وهو الإظهار ﴿لعلي أَبْلُغُ الأسباب أَسْبَابَ السماوات﴾ طُرُقها.
فإن قيل: ما فائدة هذا التكرير؟ ولو قيل: لَعَلِّي أبلغ أسباب السموات كان كافياً؟
فاجاب الزمخشري عنه فقال: «إنه إذا أبهم الشيء، ثم أوضح كان تفخيماً لشأنه، فلما أراد تفخيم السموات أبهمها ثم أوضْحَهَا» .
فصل
اختلف الناس في أن فرعون هل قصد بناء الصرح ليصعد منه إلى السموات أم لا؟
قال ابن الخطيب: أما الظَّاهِرِيُّونَ من المفسرين فقد قطعوا بذلك، وذكروا حكاية طويلة في كيفية بناء الصرح. والذي عندي أن هذا بعيدٌ، والدليل عليه أن فرعون لا يخلو إما أن يقال: إنه كان مجنوناً أو عاقلاً، فإن كان مجنوناً لم يجز من الله عزّ وجلّ أن يذكر حكاية كلامه في القرآن، وإن كان عاقلاً فنقول: إن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالِي ويعلم أيضاَ ببديهة عقله أنه لا يتفاوت في البصر من حال السماء بين أن ينظر إليها من أسفل الجبال وبين أن ينظر إليها من أعلى الجبال، وإذا كان هذان العلمان بديهيَّان امتنع أن يقصد العاقل وضع بناء يصعد منه إلى السماء، وإذا كان فاسداً معلوماً بالضرورة امتنع إسْنَادُهُ إلَى فِرْعَوْنَ. والذي عندي في تفسير هذه الآية، أنَّ فِرْعَونَ كان من الدهرية، وغرضه من هذا الكلام إيراد شبهة في نفي الصانع وتقريره أنه قال: إنّا لا نرى شيئاً نحكم عليه أنه إله العالم، فإنه لو كان موجوداً لكان في السماء، ونحن لا سبيلَ لنا إلى صعود السموات فكيف يمكننا أن نراه، ثم إنه لأجل المبالغة لبيان أنه لا يمكن الصعود إلى السماء قال: ﴿ياهامان ابن لِي صَرْحاً لعلي أَبْلُغُ الأسباب﴾ والمقصود أنه لما عرف كل أحد أن هذا الطريق ممتنع كان الوصول إلى معرفة وجود الله بطريق الحِسِّ ممتنعاً. ونظيره قوله تعالى: ﴿فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأرض أَوْ سُلَّماً فِي السمآء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الأنعام: 35] وليس المراد منه أن محمداً عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ طلبَ نفقاً في الأرض، أو وضع سُلَّماً إلى السماء بل المعنى أنه لما عرف أن هذا المعنى ممتنع فقد عرف أنه لا سبيلَ لك إلى تحصيل ذلك المقصود، كذا ههنا غرض فرعون من قوله: ﴿يا هامان ابن لي صرحاً﴾ يعني أن الاطلاع إلى إله موسى لما كان لا سبيل إليه إلا بهذا الطريق، وكان هذا الطريق ممتنعاً، فحينئذ يظهر منه أنه لا سبيل إلى معرفة الإله الذي يثبته موسى.
واعلم أن هذه الشبهة فاسدةٌ؛ لأن طرق العلم ثلاثة: الحِسّ، والخَبَر، النَّظَر، ولا يلزم من انتفاء طريق واحد وهو الحِسَّ انتفاء المطلوب؛ وذلك لأن موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان قد بين لفرعون أن الطريقَ في معرفة الله تعالى إنما هو الحُجَّة، والدليل كما قال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾ [الشعراء: 26] ﴿رَبُّ المشرق والمغرب﴾ [ المزمل: 9] إلا أن فرعونَ بِخُبْثِهِ ومَكْرهِ تغافل عن ذلك الدليل، وألقى إلى الجُهّال أنه لما كان لا طريق إلى الإحساس بهذه الإله وجب نفيه.
قوله: «أسْبَابَ السَّمَواتِ» ، فيه وجهان:
أحدهما: أنه تابع «للأسباب» قبله، بدلاً أو عطف بيان.
والثاني: أنه منصوب بإضمار أعني. والأول أولى؛ إذ الأصْلُ عدمُ الإضمار.
قوله: «فَأَطَّلِعَ» العامة عنلى رفعه عطفاً على أبلغ فهو داخل في حيز الترجي؛ وقرأ حفص في آخرين بنصبه وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه جواب الأمر في قوله «ابن لي» فنصب بأن مضمرة بعد الفاء في جوابه على قاعدة البصريين كقوله:
4340 - يا نَاقُ سِيرِي عَنَقاً فَسِيحا ... إلَى سُلَيْمَانَ فَنَسْتَرِيحَا
وهو أوفق لمذهب البصريين
الثاني: أنه منصوب، قال أبو حيان: عطفاً على التوهم؛ لأن خبر «لعل» جاء مقروناً «بأن» كثيراً في النظم، وقليلاً في النثر، فمن نصب توهم أن الفعل المضارع الواقع خبراً منصوب «بأن» والعطف على التوهم كثير وإن كان لا ينقاس.
الثالث: أن ينتصب على جواب الترجي في لعل، وهو مذهب كوفي استهشد أصحابه بهذه القراءة وبقراءة نافع ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذكرى﴾ [عبس: 34] بنصب «فتنفعه» جواباً ل «لعله» . وإلى هذا نحا الزمخشري، قال: «تشبيهاً للترجي بالتمني» . والبصريون يأبون ذلك ويخرجون القراءتين على ما تقدم.
وفي سورة عبس يجوز أن يكون جواباً للاستفهام في قوله: «وَمَا يُدْرِيكَ» فإنه مترتبٌ عليه معنًى. وقال ابن عطية وابن جبارة الهذلي على جواب التمني، وفيه نظر؛ إذ ليس في اللفظ تمن، إنما فيه ترجٍّ، وقد فرق الناس بين التَّمنِّي والتَّرجِّي، بأن الترجي لا يكون إلا في الممكن عكس التمني فإنه يكون فيه وفي المستحيل كقوله:
4341 - لَيْتَ الشَّبابَ هُوَ الرَّجِيعُ عَلَى الفَتَى ... والشَّيْبُ كَانَ هَوَ البَدِيءَ الأَوَّلُ
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ﴾ ، قرىء: «زَيَّنَ» مبنياً للفاعل، وهو الشيطان، وتقدم الخلاف في «صد عن السبيل» في الرعد، فمن بناه للفاعل حذف المفعول أي صد قومه عن السبيل، (وهو الإيمان) . قالوا: ومِنْ صَدِّه قوله: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ﴾ [طه: 71] ، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾
[محمد: 1] وقوله: ﴿هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام﴾ [الفتنح: 25] وابن وثاب: «وصِدَّ» بكسر الصاد، كأنه نقل حركة الدال الأولى إلى فاء الكلمة بنعد توهم سلب حركتها، وقد تقدم ذلك في نحو: ردَّ، وأنه يجوز فيه ثلاث لغات الجائزة في قِيلَ وبِيعَ، وابن إسحاق وعبد الرحمن بن أبي بكرة: وَصَدٌّ بفتح الصاد، ورفع الدال منونة جعله مصدراً منسوقاً على «سُوءُ عَمَلِهِ» ، أي زين له الشيطان سُوءَ العَمَلِ والصَّدَّ، ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ﴾ أي وما كيده في إبطال ما جاء به موسى إلا في خسارة وَلاَكٍ. والتَّبَابُ الخِسَارة، وعقد تقدم في قَوْلِهِ «غَيْرَ تَتْبِيبٍ» .
غافر 40:38
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد﴾ أي طريق الهدى ﴿ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ﴾ أي متعةٌ تنتفعون بهنا مرة ثم تنقطع ﴿وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ القرار﴾ التي لا تزول، ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تقدم الخلاف في قوله: «يدخلون الجنة» في سورة النساء. وقال مقاتل: لا تبعة عليهم فيما يُعْطَوْنَ في الجنة من الخيرات.
واختلفوا في تفسير قوله: «بِغَيْرِ حِسَابٍ» فقيل: لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل: بغير حساب، وقيل: لأنه تعالى معطيهم ثواب آبائِهِمْ، ويضم إلى ذلك الثواب من التفضيل ما يخرج من الحساب واقع في مقابلة: «إلاّ مثلها» يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وغير حساب، وهذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجحٌ على جانب العقاب، فإذا عارضنا عُمُومَاتِ الوَعِيدِ بعُمُومَاتِ الوَعْد وجب أن يكون الترجيحُ لجانبِ عُمُومَاتِ الوعد، وذلك يهدم قواعد المعتزلة.
فصل
احتج أهل السنة بهذه الآية، فقالوا: قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فجَرَى مَجْرَى أن يقال: «من ذكر كلمة أو من خطا خطوة فله كذا» فإنه يدخل فيه أنّ من آمن بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة فكذلك ها هنا وجب أن يقال: كُلُّ من عمل صالحاً واحداً من الصالحات فإنه يدخل الجنة، ويُرْزَقُ فيها بغير حساب، والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتنزيه والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الطاعات، وبأحسن الطاعات، فوجب أن يدخل الجنة، والخصم يقول: إنه يَخْلُدُ في النار أَبَدَ الآباد، وذلك مخالف لهذا النص الصريح. قالت المعتزلة: إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمناً، ومرتكب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن، فلا يدخل في هذا الوعد والجواب ما تقدم في قوله: «يُؤْمِنُون بالغَيْبِ» فإن صاحب الكبيرة مؤمن فَسَقَطَ كلامُهُمْ.
فصل
دلت هذه الآية على اعتبار المماثلة في الشريعة، وأن الزائد على المِثْلِ غير مشروع، وليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرةٌ في أي الأمور، فلو حملناها على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عامةً خاصة. وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال والتخصيص كان الأول أولى، فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا ما خَصّهُ الدليل وإذا ثبت ذلك بني عليه أحكامٌ كثيرة من الجنايات على النفوس والأعظاء والأموال؛ لأنه تعالى بين أنَّ جزاءَ السيئة مقصورٌ على المِثْلِ، وبين أن جزاء الحسنة ليس مقصوراً على المِثْلِ بل هو خارج عن الحساب.
قوله تعالى: ﴿وياقوم مَا لي أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وتدعونني إِلَى النار﴾ . قوله تعالى: ﴿وياقوم﴾ قال الزمخشري: فَإن قُلْتَ: لِمَ جاء بالواو في الناداء الثالث دون الثاني؟
قلت: لأن الثانيَ داخل على كلام هو بيان للمجمل، وتفسير له، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو. وأما الثالث فداخلٌ على كلام ليس بتلك المَثَابَةِ، أي كلام مباين للأول والثاني، فَحَسُنَ إيرادُ الواو العاطفة فيه. وكرر النداء لأن فيه زيادةَ تنبيه له وإيقاضاً من سنة الغفلة، وأظهر أن له بهذا مزيدَ اهتمامٍ، وعلى أُولئك الأقوام فرط شفقة.
قوله: ﴿وتدعونني إِلَى النار﴾ هذه الجلة مستأنفة، أخبر عنهم بذلك بعد استفهام عن دعاء نفسه ويجوز أن يكون التقدير: وما لكم تدعونني إلى النار، وهو الظاهر، ويضعف أن تكون الجملة حالاً، أي مالكم أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلَى النار.
قوله: «تَدْعُونني» هذه الجملة بدل من «تَدْعُونَنِي» الأولى على جهة البيان لها. وأتى في قوله «تَدْعُونَنِي» بجلمة فعلية؛ ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله: «وَأَنَا أَدْعُوكُمْ» بجلمة إسميَّة؛ ليلد على ثُبُوتِ دعوته وتَقْوِيَتِهَا.
فصل
معنى قوله: «مَالَكُمْ» كقولك: ما لي أراك حزنياً، أي مالك، يقول: أخبروني عنك، كيف هَذِهِ الحال؟ أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله، وتدعونني إلى النار بالشرك الذي يُوجِبُ النار، ثم فصر فقال ﴿تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ . والمراد بنفي العلم نفي الإلهة كأنه قال: وَأُشْرك به ما ليس لي بإله، وما ليس إله كيف يُعْقَلُ جَعْلُهُ شريكاً للإله؟
ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بيَّنَ أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغَفَّارِ، «العزيز» في انتقامه ممن كفر، «الغفار» لذنوب أهل التوحيد. فقوله: «العَزِيزِ» إشارة إلى كونه كامل القدرة، وأما فرعون فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلهاً؟ وأما الأصنام فهي حجارة منحوتة فيكف يعقل كونها آلهة؟ قوله: «الغَفَّار» إشارة إلى أنهم يجب أن لا يَيْأَسُوا من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مُدّةً مَدِيدَة فَإنَّ إله العَالَم، وإن كان عَزِيزاً لا يُغْلبُ، قادراً لا يعارض، لكنه غافار يغفر كفر سبيعنَ سنة بإيمان ساعةٍ واحدةٍ.
قوله: «لاَ جَرَمَ» تقدم الخلاف في «لاَ جَرَمَ» في سورة هود في قوله: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ [هود: 22] ، وقال الزمخشري هنا: «ورُوِيَ عن بعض العرب: لا جُرْمَ أنه يفعل كذا بضم الجيم وسكون الراء بمعنى: لا بُدَّ. وَفَعَلٌ وَفُعْلٌ أخوان كَرَشَدٍ، وَرُشْدٍ، وعَدَمٍ، وَعُدْمٍ» .
وشأنه على مذهب البصريين أن يجعل رداً على دعاه إليه قَوْمُهُ.
و «جَرَمَ» فَعَلٌ بمعنى حَق، و «أَنَّ» مع ما في حيّزها فاعله، أي وَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أو بمعنى كَسَبَ من قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ﴾ [المائدة: 2] أي بسبب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته.
ويجوز أن يقال إنّ «لاَ جَرَمَ» نظير «لاَ بُدَّ» فَعَلَ من الجَرْم وهو القطع كما أن «بُدًّا» فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن معنى: لاَ بُدَّ أنكَ تَفْعَلُ كذا بمعنى لاَ بُدَّ لك من فِعْلِهِ، فكذلك ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: 62] أي لاَ قَطْعَ لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون (العقاب) النار لا انقطاع لاسْتِحْقَاقِهِمْ، ولا قطع لبُطْلاَن دعوة الأصنام أي لا تزال باطلةً لا ينقطع ذلك فينقلب حقًّا.
فصل
قال البغوي: «لاَ جَرَمَ» حقاً ﴿أَنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ﴾ أي للدين دعوة في الآخرة قال السدي (رَحِمَهُ اللَّهُ) لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة يعني ليست له استجابة دعوة، فسمى استجابة الدعوة دعوة، إطلاقًاً لاسم أحد المضافين على الآخر، كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها. وقيل: ليستْ له دعوة أي عبادة في الدنيا؛ لأن الأوثانَ لا تَدَّعِي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها.
ثم قال: «وأَنَّ مَرَدَّنَا» أي مرجعنا «إلَى اللهِ» فيجازي كُلاًّ بما يَسْتَحِقُّهُ، «وَأَنَّ المُسْرِفِينَ» المشركين ﴿هُمْ أَصْحَابُ النار﴾ . قاله قتادة. وقال مجاهد: السفاكين الدماء.
ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذا البيان ختم كلامه بخاتِمَةٍ لطيفة فقال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ وهذا كلام مبهم يوجب التخويف، وهذا يحتمل أن يكون المراد منه أن هذا الذكر يحصل في الدنيا أي عند الموت، وأن يكون في القيامة عند مشاهدة العذاب حين لا ينفعكم الذكر.
قوله: «وَأُفَوِّضُ» هذه مستأنفة. وجواز أبو البقاء أن تكون حالاً من فعال «أقولُ» .
وفَتَحَ نافعٌ وأبُوا عَمْروا الياء من: أمري، والباقون بالإسكان.
فصل
لما خوفهم بقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ توعدوه وخوفوه فعول في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على الله بقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله﴾ وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ حين خوّفة فرعون بالقتل فرجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله تعالى فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب﴾ [غافر: 27] . ثم قال: ﴿إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد﴾ . أي عالم بأحوالهم يعلم المحقَّ من المُبطل.
قوله: ﴿فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ . قال مقاتال: لما قال هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه، فلم يهتدوا عليه. وقيل: المراد بقوله: فوقاه الله سيئات ما مكروا أنه قصدوا إدخاله في الكفر، وصرفه عن الإسلام، فوقاه الله من ذلك. والأول أولى، لأن قوله بعد ذلك: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب﴾ لا يليق إلا بالوجْهِ الأول.
وقرأ حمزة وَحِيقَ بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بفالتح.
قال قتادة: نجا مع مُوسَى، وكان قِبْطِيًّا. «وَحَاقَ» نزل «بآل فرعون سواء العذاب» الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة.
قوله: «النَّارُ» الجمهور على رفعها، وفيه ثلاثةُ أوجهُ:
أحدهما: أنه بدل من: «سوء العذاب» قاله الزجاج.
الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي سُوء العذابِ النارُ، لأنه جواب لسؤال مقدر؛ و «يُعْرَضَونَ» على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالاً من «النار» ، ويجوز أن يكون حالاً من «آل فرعون» .
الثالث: أنه مبتدأ، وخره: «يُعْرََضُونَ» .
وقُرِىءَ النَّارَ منصوباً، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر يفسره يعرضون من حيث المعنى أي يصلونَ النارَ يُعْرَضُونَ عليها كقوله: ﴿والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ﴾ [الإنسان: 32] .
الثاني: أن ينتصب على الاختصاص، قال الزمخشري: فعلى الأول لا محل «لِيُعْرَضُونَ» ؛ لكنه مفسراً، وعلى الثاني هو حال كما تقدم.
فصل
دلت هذه الآية على إثبات عذاب القبر؛ لأن الآية تقتضي عرض النار عليهم غُدُوًّا وعَشِيًّا، وليس المراد منه يوم القيامة، لقوله بعده ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب﴾ ، وليس المراد منه أيضاً الدنيا؛ لأن عرض النار عليهم غدوًّا وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت، وقبل القيامة. وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذا ثبت في حقهم ثبت في غيرهم لأنه لا قائل بالفَرْقِ.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض القبائح عليهم في الدنيا لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب، وخوّفهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار. ثم في الآية ما يمنع حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع. وقوله: ﴿عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ يقتضي أن لا يحصُلَ ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر.
الثاني: أن الغدوةَ والعشيةَ إنما يحصلان في الدنيا، أما في القيامة فلا وجود لهما، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر.
والجواب على الأول: أن في الدنيا عرض عليهم الكلمات التي تذكرهم أمر النار، ولم يعرض عليهم نفس الناس، وهذا الظاهر الآية، وارتكاب المجاز، وأما قولهم: الآية تدل على حصول العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز فالجواب لِمَ لا يجوز أن يكتفى في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام يُلْقَى في النار، فيدوم عذاب حينئذٍ، واأيضاً لا يمتنع أن يكون ذكر الغَدْوَةِ والعشية كناية عن الدوام، كقوله تعالى:
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: 62] وأما قولهم: إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية قلنا: لِمَ لا يجوز أن يقال: إن (عند) حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب.
فصل
قال ابنُ مَسعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أرواح آل فرعون في أجْوَاف طيرٍ سُودٍ يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدوا وتروح إلى النار، يقال: يا آل فرعونن هذه منازلكم. وقال قتادة، والسدي والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بُكْرَةً وعَشِيًّا ما دامتْ الدنيا.
وروى ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: إن أحَدَكُم إذَا مَاتَ عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغَدَامةِ والْعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّار؟ ِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فيقال: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامةَ» .
قوله: «وَيَوْمَ تَقُومُ» فيه ثلاثة أوجهٍ:
أظهرها: أنه معمول لقول مضمر، وذلك القوم المضمر محكي به الجملة الأمرية من قوله: «أَدْخِلُوا، والتقدير: يقال لهم يوم تقوم الساعة: أَدْخِلُوا.
الثاني: أنه منصوب» بأدْخِلُوا «أي أدخلوا يوم تقوم، وعلى هذه الوجهين، فَالْوقَفُ تامٌّ على قوله:» وَعَشِيًّا» .
الثالث: أنه معطوف على الظرفين قبله، فيكون معمولاً ليُعْرَضَونَ، والوقف على هذا قوله: «الساعة» . و «ادخلوا» معمول لقول مضمر، أي يقال لهم كذا. وقرأ الكسائيُّ وحمزةٌ ونافعٌ وحفصٌ أدْخِلُوا بقط الهمزة وكسر الخاء، أي يقال للملائكة أدخلوا، أَمْراً من «أَدْخَلَ» » فآل فرعون «مفعولٌ أول، و» أشد العذاب» مفعول ثانٍ، والباقون بهمزة وصل، من دَخَلَ يَدْخُلُ، فآل فِرْعونَ منادَى حذف حرف الناء منه و «أَشَدّ» منصوب به، إما ظرفاً، وإما مفعولاً به. أي ادخلوا يا آل فِرْعَون في أشد العذاب. قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد ألوان العذاب، غير العذاب الذي كانوا يعذبون به منذ غرقوا.
غافر 40:39
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد﴾ أي طريق الهدى ﴿ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ﴾ أي متعةٌ تنتفعون بهنا مرة ثم تنقطع ﴿وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ القرار﴾ التي لا تزول، ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تقدم الخلاف في قوله: «يدخلون الجنة» في سورة النساء. وقال مقاتل: لا تبعة عليهم فيما يُعْطَوْنَ في الجنة من الخيرات.
واختلفوا في تفسير قوله: «بِغَيْرِ حِسَابٍ» فقيل: لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل: بغير حساب، وقيل: لأنه تعالى معطيهم ثواب آبائِهِمْ، ويضم إلى ذلك الثواب من التفضيل ما يخرج من الحساب واقع في مقابلة: «إلاّ مثلها» يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وغير حساب، وهذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجحٌ على جانب العقاب، فإذا عارضنا عُمُومَاتِ الوَعِيدِ بعُمُومَاتِ الوَعْد وجب أن يكون الترجيحُ لجانبِ عُمُومَاتِ الوعد، وذلك يهدم قواعد المعتزلة.
فصل
احتج أهل السنة بهذه الآية، فقالوا: قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فجَرَى مَجْرَى أن يقال: «من ذكر كلمة أو من خطا خطوة فله كذا» فإنه يدخل فيه أنّ من آمن بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة فكذلك ها هنا وجب أن يقال: كُلُّ من عمل صالحاً واحداً من الصالحات فإنه يدخل الجنة، ويُرْزَقُ فيها بغير حساب، والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتنزيه والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الطاعات، وبأحسن الطاعات، فوجب أن يدخل الجنة، والخصم يقول: إنه يَخْلُدُ في النار أَبَدَ الآباد، وذلك مخالف لهذا النص الصريح. قالت المعتزلة: إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمناً، ومرتكب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن، فلا يدخل في هذا الوعد والجواب ما تقدم في قوله: «يُؤْمِنُون بالغَيْبِ» فإن صاحب الكبيرة مؤمن فَسَقَطَ كلامُهُمْ.
فصل
دلت هذه الآية على اعتبار المماثلة في الشريعة، وأن الزائد على المِثْلِ غير مشروع، وليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرةٌ في أي الأمور، فلو حملناها على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عامةً خاصة. وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال والتخصيص كان الأول أولى، فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا ما خَصّهُ الدليل وإذا ثبت ذلك بني عليه أحكامٌ كثيرة من الجنايات على النفوس والأعظاء والأموال؛ لأنه تعالى بين أنَّ جزاءَ السيئة مقصورٌ على المِثْلِ، وبين أن جزاء الحسنة ليس مقصوراً على المِثْلِ بل هو خارج عن الحساب.
قوله تعالى: ﴿وياقوم مَا لي أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وتدعونني إِلَى النار﴾ . قوله تعالى: ﴿وياقوم﴾ قال الزمخشري: فَإن قُلْتَ: لِمَ جاء بالواو في الناداء الثالث دون الثاني؟
قلت: لأن الثانيَ داخل على كلام هو بيان للمجمل، وتفسير له، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو. وأما الثالث فداخلٌ على كلام ليس بتلك المَثَابَةِ، أي كلام مباين للأول والثاني، فَحَسُنَ إيرادُ الواو العاطفة فيه. وكرر النداء لأن فيه زيادةَ تنبيه له وإيقاضاً من سنة الغفلة، وأظهر أن له بهذا مزيدَ اهتمامٍ، وعلى أُولئك الأقوام فرط شفقة.
قوله: ﴿وتدعونني إِلَى النار﴾ هذه الجلة مستأنفة، أخبر عنهم بذلك بعد استفهام عن دعاء نفسه ويجوز أن يكون التقدير: وما لكم تدعونني إلى النار، وهو الظاهر، ويضعف أن تكون الجملة حالاً، أي مالكم أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلَى النار.
قوله: «تَدْعُونني» هذه الجملة بدل من «تَدْعُونَنِي» الأولى على جهة البيان لها. وأتى في قوله «تَدْعُونَنِي» بجلمة فعلية؛ ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله: «وَأَنَا أَدْعُوكُمْ» بجلمة إسميَّة؛ ليلد على ثُبُوتِ دعوته وتَقْوِيَتِهَا.
فصل
معنى قوله: «مَالَكُمْ» كقولك: ما لي أراك حزنياً، أي مالك، يقول: أخبروني عنك، كيف هَذِهِ الحال؟ أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله، وتدعونني إلى النار بالشرك الذي يُوجِبُ النار، ثم فصر فقال ﴿تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ . والمراد بنفي العلم نفي الإلهة كأنه قال: وَأُشْرك به ما ليس لي بإله، وما ليس إله كيف يُعْقَلُ جَعْلُهُ شريكاً للإله؟
ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بيَّنَ أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغَفَّارِ، «العزيز» في انتقامه ممن كفر، «الغفار» لذنوب أهل التوحيد. فقوله: «العَزِيزِ» إشارة إلى كونه كامل القدرة، وأما فرعون فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلهاً؟ وأما الأصنام فهي حجارة منحوتة فيكف يعقل كونها آلهة؟ قوله: «الغَفَّار» إشارة إلى أنهم يجب أن لا يَيْأَسُوا من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مُدّةً مَدِيدَة فَإنَّ إله العَالَم، وإن كان عَزِيزاً لا يُغْلبُ، قادراً لا يعارض، لكنه غافار يغفر كفر سبيعنَ سنة بإيمان ساعةٍ واحدةٍ.
قوله: «لاَ جَرَمَ» تقدم الخلاف في «لاَ جَرَمَ» في سورة هود في قوله: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ [هود: 22] ، وقال الزمخشري هنا: «ورُوِيَ عن بعض العرب: لا جُرْمَ أنه يفعل كذا بضم الجيم وسكون الراء بمعنى: لا بُدَّ. وَفَعَلٌ وَفُعْلٌ أخوان كَرَشَدٍ، وَرُشْدٍ، وعَدَمٍ، وَعُدْمٍ» .
وشأنه على مذهب البصريين أن يجعل رداً على دعاه إليه قَوْمُهُ.
و «جَرَمَ» فَعَلٌ بمعنى حَق، و «أَنَّ» مع ما في حيّزها فاعله، أي وَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أو بمعنى كَسَبَ من قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ﴾ [المائدة: 2] أي بسبب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته.
ويجوز أن يقال إنّ «لاَ جَرَمَ» نظير «لاَ بُدَّ» فَعَلَ من الجَرْم وهو القطع كما أن «بُدًّا» فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن معنى: لاَ بُدَّ أنكَ تَفْعَلُ كذا بمعنى لاَ بُدَّ لك من فِعْلِهِ، فكذلك ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: 62] أي لاَ قَطْعَ لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون (العقاب) النار لا انقطاع لاسْتِحْقَاقِهِمْ، ولا قطع لبُطْلاَن دعوة الأصنام أي لا تزال باطلةً لا ينقطع ذلك فينقلب حقًّا.
فصل
قال البغوي: «لاَ جَرَمَ» حقاً ﴿أَنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ﴾ أي للدين دعوة في الآخرة قال السدي (رَحِمَهُ اللَّهُ) لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة يعني ليست له استجابة دعوة، فسمى استجابة الدعوة دعوة، إطلاقًاً لاسم أحد المضافين على الآخر، كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها. وقيل: ليستْ له دعوة أي عبادة في الدنيا؛ لأن الأوثانَ لا تَدَّعِي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها.
ثم قال: «وأَنَّ مَرَدَّنَا» أي مرجعنا «إلَى اللهِ» فيجازي كُلاًّ بما يَسْتَحِقُّهُ، «وَأَنَّ المُسْرِفِينَ» المشركين ﴿هُمْ أَصْحَابُ النار﴾ . قاله قتادة. وقال مجاهد: السفاكين الدماء.
ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذا البيان ختم كلامه بخاتِمَةٍ لطيفة فقال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ وهذا كلام مبهم يوجب التخويف، وهذا يحتمل أن يكون المراد منه أن هذا الذكر يحصل في الدنيا أي عند الموت، وأن يكون في القيامة عند مشاهدة العذاب حين لا ينفعكم الذكر.
قوله: «وَأُفَوِّضُ» هذه مستأنفة. وجواز أبو البقاء أن تكون حالاً من فعال «أقولُ» .
وفَتَحَ نافعٌ وأبُوا عَمْروا الياء من: أمري، والباقون بالإسكان.
فصل
لما خوفهم بقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ توعدوه وخوفوه فعول في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على الله بقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله﴾ وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ حين خوّفة فرعون بالقتل فرجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله تعالى فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب﴾ [غافر: 27] . ثم قال: ﴿إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد﴾ . أي عالم بأحوالهم يعلم المحقَّ من المُبطل.
قوله: ﴿فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ . قال مقاتال: لما قال هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه، فلم يهتدوا عليه. وقيل: المراد بقوله: فوقاه الله سيئات ما مكروا أنه قصدوا إدخاله في الكفر، وصرفه عن الإسلام، فوقاه الله من ذلك. والأول أولى، لأن قوله بعد ذلك: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب﴾ لا يليق إلا بالوجْهِ الأول.
وقرأ حمزة وَحِيقَ بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بفالتح.
قال قتادة: نجا مع مُوسَى، وكان قِبْطِيًّا. «وَحَاقَ» نزل «بآل فرعون سواء العذاب» الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة.
قوله: «النَّارُ» الجمهور على رفعها، وفيه ثلاثةُ أوجهُ:
أحدهما: أنه بدل من: «سوء العذاب» قاله الزجاج.
الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي سُوء العذابِ النارُ، لأنه جواب لسؤال مقدر؛ و «يُعْرَضَونَ» على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالاً من «النار» ، ويجوز أن يكون حالاً من «آل فرعون» .
الثالث: أنه مبتدأ، وخره: «يُعْرََضُونَ» .
وقُرِىءَ النَّارَ منصوباً، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر يفسره يعرضون من حيث المعنى أي يصلونَ النارَ يُعْرَضُونَ عليها كقوله: ﴿والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ﴾ [الإنسان: 32] .
الثاني: أن ينتصب على الاختصاص، قال الزمخشري: فعلى الأول لا محل «لِيُعْرَضُونَ» ؛ لكنه مفسراً، وعلى الثاني هو حال كما تقدم.
فصل
دلت هذه الآية على إثبات عذاب القبر؛ لأن الآية تقتضي عرض النار عليهم غُدُوًّا وعَشِيًّا، وليس المراد منه يوم القيامة، لقوله بعده ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب﴾ ، وليس المراد منه أيضاً الدنيا؛ لأن عرض النار عليهم غدوًّا وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت، وقبل القيامة. وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذا ثبت في حقهم ثبت في غيرهم لأنه لا قائل بالفَرْقِ.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض القبائح عليهم في الدنيا لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب، وخوّفهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار. ثم في الآية ما يمنع حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع. وقوله: ﴿عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ يقتضي أن لا يحصُلَ ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر.
الثاني: أن الغدوةَ والعشيةَ إنما يحصلان في الدنيا، أما في القيامة فلا وجود لهما، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر.
والجواب على الأول: أن في الدنيا عرض عليهم الكلمات التي تذكرهم أمر النار، ولم يعرض عليهم نفس الناس، وهذا الظاهر الآية، وارتكاب المجاز، وأما قولهم: الآية تدل على حصول العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز فالجواب لِمَ لا يجوز أن يكتفى في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام يُلْقَى في النار، فيدوم عذاب حينئذٍ، واأيضاً لا يمتنع أن يكون ذكر الغَدْوَةِ والعشية كناية عن الدوام، كقوله تعالى:
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: 62] وأما قولهم: إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية قلنا: لِمَ لا يجوز أن يقال: إن (عند) حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب.
فصل
قال ابنُ مَسعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أرواح آل فرعون في أجْوَاف طيرٍ سُودٍ يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدوا وتروح إلى النار، يقال: يا آل فرعونن هذه منازلكم. وقال قتادة، والسدي والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بُكْرَةً وعَشِيًّا ما دامتْ الدنيا.
وروى ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: إن أحَدَكُم إذَا مَاتَ عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغَدَامةِ والْعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّار؟ ِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فيقال: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامةَ» .
قوله: «وَيَوْمَ تَقُومُ» فيه ثلاثة أوجهٍ:
أظهرها: أنه معمول لقول مضمر، وذلك القوم المضمر محكي به الجملة الأمرية من قوله: «أَدْخِلُوا، والتقدير: يقال لهم يوم تقوم الساعة: أَدْخِلُوا.
الثاني: أنه منصوب» بأدْخِلُوا «أي أدخلوا يوم تقوم، وعلى هذه الوجهين، فَالْوقَفُ تامٌّ على قوله:» وَعَشِيًّا» .
الثالث: أنه معطوف على الظرفين قبله، فيكون معمولاً ليُعْرَضَونَ، والوقف على هذا قوله: «الساعة» . و «ادخلوا» معمول لقول مضمر، أي يقال لهم كذا. وقرأ الكسائيُّ وحمزةٌ ونافعٌ وحفصٌ أدْخِلُوا بقط الهمزة وكسر الخاء، أي يقال للملائكة أدخلوا، أَمْراً من «أَدْخَلَ» » فآل فرعون «مفعولٌ أول، و» أشد العذاب» مفعول ثانٍ، والباقون بهمزة وصل، من دَخَلَ يَدْخُلُ، فآل فِرْعونَ منادَى حذف حرف الناء منه و «أَشَدّ» منصوب به، إما ظرفاً، وإما مفعولاً به. أي ادخلوا يا آل فِرْعَون في أشد العذاب. قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد ألوان العذاب، غير العذاب الذي كانوا يعذبون به منذ غرقوا.
غافر 40:40
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد﴾ أي طريق الهدى ﴿ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ﴾ أي متعةٌ تنتفعون بهنا مرة ثم تنقطع ﴿وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ القرار﴾ التي لا تزول، ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تقدم الخلاف في قوله: «يدخلون الجنة» في سورة النساء. وقال مقاتل: لا تبعة عليهم فيما يُعْطَوْنَ في الجنة من الخيرات.
واختلفوا في تفسير قوله: «بِغَيْرِ حِسَابٍ» فقيل: لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل: بغير حساب، وقيل: لأنه تعالى معطيهم ثواب آبائِهِمْ، ويضم إلى ذلك الثواب من التفضيل ما يخرج من الحساب واقع في مقابلة: «إلاّ مثلها» يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وغير حساب، وهذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجحٌ على جانب العقاب، فإذا عارضنا عُمُومَاتِ الوَعِيدِ بعُمُومَاتِ الوَعْد وجب أن يكون الترجيحُ لجانبِ عُمُومَاتِ الوعد، وذلك يهدم قواعد المعتزلة.
فصل
احتج أهل السنة بهذه الآية، فقالوا: قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فجَرَى مَجْرَى أن يقال: «من ذكر كلمة أو من خطا خطوة فله كذا» فإنه يدخل فيه أنّ من آمن بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة فكذلك ها هنا وجب أن يقال: كُلُّ من عمل صالحاً واحداً من الصالحات فإنه يدخل الجنة، ويُرْزَقُ فيها بغير حساب، والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتنزيه والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الطاعات، وبأحسن الطاعات، فوجب أن يدخل الجنة، والخصم يقول: إنه يَخْلُدُ في النار أَبَدَ الآباد، وذلك مخالف لهذا النص الصريح. قالت المعتزلة: إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمناً، ومرتكب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن، فلا يدخل في هذا الوعد والجواب ما تقدم في قوله: «يُؤْمِنُون بالغَيْبِ» فإن صاحب الكبيرة مؤمن فَسَقَطَ كلامُهُمْ.
فصل
دلت هذه الآية على اعتبار المماثلة في الشريعة، وأن الزائد على المِثْلِ غير مشروع، وليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرةٌ في أي الأمور، فلو حملناها على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عامةً خاصة. وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال والتخصيص كان الأول أولى، فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا ما خَصّهُ الدليل وإذا ثبت ذلك بني عليه أحكامٌ كثيرة من الجنايات على النفوس والأعظاء والأموال؛ لأنه تعالى بين أنَّ جزاءَ السيئة مقصورٌ على المِثْلِ، وبين أن جزاء الحسنة ليس مقصوراً على المِثْلِ بل هو خارج عن الحساب.
قوله تعالى: ﴿وياقوم مَا لي أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وتدعونني إِلَى النار﴾ . قوله تعالى: ﴿وياقوم﴾ قال الزمخشري: فَإن قُلْتَ: لِمَ جاء بالواو في الناداء الثالث دون الثاني؟
قلت: لأن الثانيَ داخل على كلام هو بيان للمجمل، وتفسير له، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو. وأما الثالث فداخلٌ على كلام ليس بتلك المَثَابَةِ، أي كلام مباين للأول والثاني، فَحَسُنَ إيرادُ الواو العاطفة فيه. وكرر النداء لأن فيه زيادةَ تنبيه له وإيقاضاً من سنة الغفلة، وأظهر أن له بهذا مزيدَ اهتمامٍ، وعلى أُولئك الأقوام فرط شفقة.
قوله: ﴿وتدعونني إِلَى النار﴾ هذه الجلة مستأنفة، أخبر عنهم بذلك بعد استفهام عن دعاء نفسه ويجوز أن يكون التقدير: وما لكم تدعونني إلى النار، وهو الظاهر، ويضعف أن تكون الجملة حالاً، أي مالكم أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلَى النار.
قوله: «تَدْعُونني» هذه الجملة بدل من «تَدْعُونَنِي» الأولى على جهة البيان لها. وأتى في قوله «تَدْعُونَنِي» بجلمة فعلية؛ ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله: «وَأَنَا أَدْعُوكُمْ» بجلمة إسميَّة؛ ليلد على ثُبُوتِ دعوته وتَقْوِيَتِهَا.
فصل
معنى قوله: «مَالَكُمْ» كقولك: ما لي أراك حزنياً، أي مالك، يقول: أخبروني عنك، كيف هَذِهِ الحال؟ أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله، وتدعونني إلى النار بالشرك الذي يُوجِبُ النار، ثم فصر فقال ﴿تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ . والمراد بنفي العلم نفي الإلهة كأنه قال: وَأُشْرك به ما ليس لي بإله، وما ليس إله كيف يُعْقَلُ جَعْلُهُ شريكاً للإله؟
ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بيَّنَ أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغَفَّارِ، «العزيز» في انتقامه ممن كفر، «الغفار» لذنوب أهل التوحيد. فقوله: «العَزِيزِ» إشارة إلى كونه كامل القدرة، وأما فرعون فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلهاً؟ وأما الأصنام فهي حجارة منحوتة فيكف يعقل كونها آلهة؟ قوله: «الغَفَّار» إشارة إلى أنهم يجب أن لا يَيْأَسُوا من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مُدّةً مَدِيدَة فَإنَّ إله العَالَم، وإن كان عَزِيزاً لا يُغْلبُ، قادراً لا يعارض، لكنه غافار يغفر كفر سبيعنَ سنة بإيمان ساعةٍ واحدةٍ.
قوله: «لاَ جَرَمَ» تقدم الخلاف في «لاَ جَرَمَ» في سورة هود في قوله: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ [هود: 22] ، وقال الزمخشري هنا: «ورُوِيَ عن بعض العرب: لا جُرْمَ أنه يفعل كذا بضم الجيم وسكون الراء بمعنى: لا بُدَّ. وَفَعَلٌ وَفُعْلٌ أخوان كَرَشَدٍ، وَرُشْدٍ، وعَدَمٍ، وَعُدْمٍ» .
وشأنه على مذهب البصريين أن يجعل رداً على دعاه إليه قَوْمُهُ.
و «جَرَمَ» فَعَلٌ بمعنى حَق، و «أَنَّ» مع ما في حيّزها فاعله، أي وَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أو بمعنى كَسَبَ من قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ﴾ [المائدة: 2] أي بسبب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته.
ويجوز أن يقال إنّ «لاَ جَرَمَ» نظير «لاَ بُدَّ» فَعَلَ من الجَرْم وهو القطع كما أن «بُدًّا» فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن معنى: لاَ بُدَّ أنكَ تَفْعَلُ كذا بمعنى لاَ بُدَّ لك من فِعْلِهِ، فكذلك ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: 62] أي لاَ قَطْعَ لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون (العقاب) النار لا انقطاع لاسْتِحْقَاقِهِمْ، ولا قطع لبُطْلاَن دعوة الأصنام أي لا تزال باطلةً لا ينقطع ذلك فينقلب حقًّا.
فصل
قال البغوي: «لاَ جَرَمَ» حقاً ﴿أَنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ﴾ أي للدين دعوة في الآخرة قال السدي (رَحِمَهُ اللَّهُ) لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة يعني ليست له استجابة دعوة، فسمى استجابة الدعوة دعوة، إطلاقًاً لاسم أحد المضافين على الآخر، كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها. وقيل: ليستْ له دعوة أي عبادة في الدنيا؛ لأن الأوثانَ لا تَدَّعِي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها.
ثم قال: «وأَنَّ مَرَدَّنَا» أي مرجعنا «إلَى اللهِ» فيجازي كُلاًّ بما يَسْتَحِقُّهُ، «وَأَنَّ المُسْرِفِينَ» المشركين ﴿هُمْ أَصْحَابُ النار﴾ . قاله قتادة. وقال مجاهد: السفاكين الدماء.
ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذا البيان ختم كلامه بخاتِمَةٍ لطيفة فقال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ وهذا كلام مبهم يوجب التخويف، وهذا يحتمل أن يكون المراد منه أن هذا الذكر يحصل في الدنيا أي عند الموت، وأن يكون في القيامة عند مشاهدة العذاب حين لا ينفعكم الذكر.
قوله: «وَأُفَوِّضُ» هذه مستأنفة. وجواز أبو البقاء أن تكون حالاً من فعال «أقولُ» .
وفَتَحَ نافعٌ وأبُوا عَمْروا الياء من: أمري، والباقون بالإسكان.
فصل
لما خوفهم بقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ توعدوه وخوفوه فعول في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على الله بقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله﴾ وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ حين خوّفة فرعون بالقتل فرجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله تعالى فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب﴾ [غافر: 27] . ثم قال: ﴿إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد﴾ . أي عالم بأحوالهم يعلم المحقَّ من المُبطل.
قوله: ﴿فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ . قال مقاتال: لما قال هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه، فلم يهتدوا عليه. وقيل: المراد بقوله: فوقاه الله سيئات ما مكروا أنه قصدوا إدخاله في الكفر، وصرفه عن الإسلام، فوقاه الله من ذلك. والأول أولى، لأن قوله بعد ذلك: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب﴾ لا يليق إلا بالوجْهِ الأول.
وقرأ حمزة وَحِيقَ بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بفالتح.
قال قتادة: نجا مع مُوسَى، وكان قِبْطِيًّا. «وَحَاقَ» نزل «بآل فرعون سواء العذاب» الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة.
قوله: «النَّارُ» الجمهور على رفعها، وفيه ثلاثةُ أوجهُ:
أحدهما: أنه بدل من: «سوء العذاب» قاله الزجاج.
الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي سُوء العذابِ النارُ، لأنه جواب لسؤال مقدر؛ و «يُعْرَضَونَ» على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالاً من «النار» ، ويجوز أن يكون حالاً من «آل فرعون» .
الثالث: أنه مبتدأ، وخره: «يُعْرََضُونَ» .
وقُرِىءَ النَّارَ منصوباً، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر يفسره يعرضون من حيث المعنى أي يصلونَ النارَ يُعْرَضُونَ عليها كقوله: ﴿والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ﴾ [الإنسان: 32] .
الثاني: أن ينتصب على الاختصاص، قال الزمخشري: فعلى الأول لا محل «لِيُعْرَضُونَ» ؛ لكنه مفسراً، وعلى الثاني هو حال كما تقدم.
فصل
دلت هذه الآية على إثبات عذاب القبر؛ لأن الآية تقتضي عرض النار عليهم غُدُوًّا وعَشِيًّا، وليس المراد منه يوم القيامة، لقوله بعده ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب﴾ ، وليس المراد منه أيضاً الدنيا؛ لأن عرض النار عليهم غدوًّا وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت، وقبل القيامة. وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذا ثبت في حقهم ثبت في غيرهم لأنه لا قائل بالفَرْقِ.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض القبائح عليهم في الدنيا لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب، وخوّفهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار. ثم في الآية ما يمنع حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع. وقوله: ﴿عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ يقتضي أن لا يحصُلَ ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر.
الثاني: أن الغدوةَ والعشيةَ إنما يحصلان في الدنيا، أما في القيامة فلا وجود لهما، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر.
والجواب على الأول: أن في الدنيا عرض عليهم الكلمات التي تذكرهم أمر النار، ولم يعرض عليهم نفس الناس، وهذا الظاهر الآية، وارتكاب المجاز، وأما قولهم: الآية تدل على حصول العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز فالجواب لِمَ لا يجوز أن يكتفى في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام يُلْقَى في النار، فيدوم عذاب حينئذٍ، واأيضاً لا يمتنع أن يكون ذكر الغَدْوَةِ والعشية كناية عن الدوام، كقوله تعالى:
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: 62] وأما قولهم: إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية قلنا: لِمَ لا يجوز أن يقال: إن (عند) حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب.
فصل
قال ابنُ مَسعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أرواح آل فرعون في أجْوَاف طيرٍ سُودٍ يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدوا وتروح إلى النار، يقال: يا آل فرعونن هذه منازلكم. وقال قتادة، والسدي والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بُكْرَةً وعَشِيًّا ما دامتْ الدنيا.
وروى ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: إن أحَدَكُم إذَا مَاتَ عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغَدَامةِ والْعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّار؟ ِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فيقال: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامةَ» .
قوله: «وَيَوْمَ تَقُومُ» فيه ثلاثة أوجهٍ:
أظهرها: أنه معمول لقول مضمر، وذلك القوم المضمر محكي به الجملة الأمرية من قوله: «أَدْخِلُوا، والتقدير: يقال لهم يوم تقوم الساعة: أَدْخِلُوا.
الثاني: أنه منصوب» بأدْخِلُوا «أي أدخلوا يوم تقوم، وعلى هذه الوجهين، فَالْوقَفُ تامٌّ على قوله:» وَعَشِيًّا» .
الثالث: أنه معطوف على الظرفين قبله، فيكون معمولاً ليُعْرَضَونَ، والوقف على هذا قوله: «الساعة» . و «ادخلوا» معمول لقول مضمر، أي يقال لهم كذا. وقرأ الكسائيُّ وحمزةٌ ونافعٌ وحفصٌ أدْخِلُوا بقط الهمزة وكسر الخاء، أي يقال للملائكة أدخلوا، أَمْراً من «أَدْخَلَ» » فآل فرعون «مفعولٌ أول، و» أشد العذاب» مفعول ثانٍ، والباقون بهمزة وصل، من دَخَلَ يَدْخُلُ، فآل فِرْعونَ منادَى حذف حرف الناء منه و «أَشَدّ» منصوب به، إما ظرفاً، وإما مفعولاً به. أي ادخلوا يا آل فِرْعَون في أشد العذاب. قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد ألوان العذاب، غير العذاب الذي كانوا يعذبون به منذ غرقوا.
غافر 40:41
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد﴾ أي طريق الهدى ﴿ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ﴾ أي متعةٌ تنتفعون بهنا مرة ثم تنقطع ﴿وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ القرار﴾ التي لا تزول، ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تقدم الخلاف في قوله: «يدخلون الجنة» في سورة النساء. وقال مقاتل: لا تبعة عليهم فيما يُعْطَوْنَ في الجنة من الخيرات.
واختلفوا في تفسير قوله: «بِغَيْرِ حِسَابٍ» فقيل: لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل: بغير حساب، وقيل: لأنه تعالى معطيهم ثواب آبائِهِمْ، ويضم إلى ذلك الثواب من التفضيل ما يخرج من الحساب واقع في مقابلة: «إلاّ مثلها» يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وغير حساب، وهذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجحٌ على جانب العقاب، فإذا عارضنا عُمُومَاتِ الوَعِيدِ بعُمُومَاتِ الوَعْد وجب أن يكون الترجيحُ لجانبِ عُمُومَاتِ الوعد، وذلك يهدم قواعد المعتزلة.
فصل
احتج أهل السنة بهذه الآية، فقالوا: قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فجَرَى مَجْرَى أن يقال: «من ذكر كلمة أو من خطا خطوة فله كذا» فإنه يدخل فيه أنّ من آمن بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة فكذلك ها هنا وجب أن يقال: كُلُّ من عمل صالحاً واحداً من الصالحات فإنه يدخل الجنة، ويُرْزَقُ فيها بغير حساب، والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتنزيه والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الطاعات، وبأحسن الطاعات، فوجب أن يدخل الجنة، والخصم يقول: إنه يَخْلُدُ في النار أَبَدَ الآباد، وذلك مخالف لهذا النص الصريح. قالت المعتزلة: إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمناً، ومرتكب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن، فلا يدخل في هذا الوعد والجواب ما تقدم في قوله: «يُؤْمِنُون بالغَيْبِ» فإن صاحب الكبيرة مؤمن فَسَقَطَ كلامُهُمْ.
فصل
دلت هذه الآية على اعتبار المماثلة في الشريعة، وأن الزائد على المِثْلِ غير مشروع، وليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرةٌ في أي الأمور، فلو حملناها على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عامةً خاصة. وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال والتخصيص كان الأول أولى، فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا ما خَصّهُ الدليل وإذا ثبت ذلك بني عليه أحكامٌ كثيرة من الجنايات على النفوس والأعظاء والأموال؛ لأنه تعالى بين أنَّ جزاءَ السيئة مقصورٌ على المِثْلِ، وبين أن جزاء الحسنة ليس مقصوراً على المِثْلِ بل هو خارج عن الحساب.
قوله تعالى: ﴿وياقوم مَا لي أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وتدعونني إِلَى النار﴾ . قوله تعالى: ﴿وياقوم﴾ قال الزمخشري: فَإن قُلْتَ: لِمَ جاء بالواو في الناداء الثالث دون الثاني؟
قلت: لأن الثانيَ داخل على كلام هو بيان للمجمل، وتفسير له، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو. وأما الثالث فداخلٌ على كلام ليس بتلك المَثَابَةِ، أي كلام مباين للأول والثاني، فَحَسُنَ إيرادُ الواو العاطفة فيه. وكرر النداء لأن فيه زيادةَ تنبيه له وإيقاضاً من سنة الغفلة، وأظهر أن له بهذا مزيدَ اهتمامٍ، وعلى أُولئك الأقوام فرط شفقة.
قوله: ﴿وتدعونني إِلَى النار﴾ هذه الجلة مستأنفة، أخبر عنهم بذلك بعد استفهام عن دعاء نفسه ويجوز أن يكون التقدير: وما لكم تدعونني إلى النار، وهو الظاهر، ويضعف أن تكون الجملة حالاً، أي مالكم أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلَى النار.
قوله: «تَدْعُونني» هذه الجملة بدل من «تَدْعُونَنِي» الأولى على جهة البيان لها. وأتى في قوله «تَدْعُونَنِي» بجلمة فعلية؛ ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله: «وَأَنَا أَدْعُوكُمْ» بجلمة إسميَّة؛ ليلد على ثُبُوتِ دعوته وتَقْوِيَتِهَا.
فصل
معنى قوله: «مَالَكُمْ» كقولك: ما لي أراك حزنياً، أي مالك، يقول: أخبروني عنك، كيف هَذِهِ الحال؟ أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله، وتدعونني إلى النار بالشرك الذي يُوجِبُ النار، ثم فصر فقال ﴿تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ . والمراد بنفي العلم نفي الإلهة كأنه قال: وَأُشْرك به ما ليس لي بإله، وما ليس إله كيف يُعْقَلُ جَعْلُهُ شريكاً للإله؟
ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بيَّنَ أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغَفَّارِ، «العزيز» في انتقامه ممن كفر، «الغفار» لذنوب أهل التوحيد. فقوله: «العَزِيزِ» إشارة إلى كونه كامل القدرة، وأما فرعون فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلهاً؟ وأما الأصنام فهي حجارة منحوتة فيكف يعقل كونها آلهة؟ قوله: «الغَفَّار» إشارة إلى أنهم يجب أن لا يَيْأَسُوا من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مُدّةً مَدِيدَة فَإنَّ إله العَالَم، وإن كان عَزِيزاً لا يُغْلبُ، قادراً لا يعارض، لكنه غافار يغفر كفر سبيعنَ سنة بإيمان ساعةٍ واحدةٍ.
قوله: «لاَ جَرَمَ» تقدم الخلاف في «لاَ جَرَمَ» في سورة هود في قوله: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ [هود: 22] ، وقال الزمخشري هنا: «ورُوِيَ عن بعض العرب: لا جُرْمَ أنه يفعل كذا بضم الجيم وسكون الراء بمعنى: لا بُدَّ. وَفَعَلٌ وَفُعْلٌ أخوان كَرَشَدٍ، وَرُشْدٍ، وعَدَمٍ، وَعُدْمٍ» .
وشأنه على مذهب البصريين أن يجعل رداً على دعاه إليه قَوْمُهُ.
و «جَرَمَ» فَعَلٌ بمعنى حَق، و «أَنَّ» مع ما في حيّزها فاعله، أي وَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أو بمعنى كَسَبَ من قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ﴾ [المائدة: 2] أي بسبب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته.
ويجوز أن يقال إنّ «لاَ جَرَمَ» نظير «لاَ بُدَّ» فَعَلَ من الجَرْم وهو القطع كما أن «بُدًّا» فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن معنى: لاَ بُدَّ أنكَ تَفْعَلُ كذا بمعنى لاَ بُدَّ لك من فِعْلِهِ، فكذلك ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: 62] أي لاَ قَطْعَ لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون (العقاب) النار لا انقطاع لاسْتِحْقَاقِهِمْ، ولا قطع لبُطْلاَن دعوة الأصنام أي لا تزال باطلةً لا ينقطع ذلك فينقلب حقًّا.
فصل
قال البغوي: «لاَ جَرَمَ» حقاً ﴿أَنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ﴾ أي للدين دعوة في الآخرة قال السدي (رَحِمَهُ اللَّهُ) لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة يعني ليست له استجابة دعوة، فسمى استجابة الدعوة دعوة، إطلاقًاً لاسم أحد المضافين على الآخر، كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها. وقيل: ليستْ له دعوة أي عبادة في الدنيا؛ لأن الأوثانَ لا تَدَّعِي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها.
ثم قال: «وأَنَّ مَرَدَّنَا» أي مرجعنا «إلَى اللهِ» فيجازي كُلاًّ بما يَسْتَحِقُّهُ، «وَأَنَّ المُسْرِفِينَ» المشركين ﴿هُمْ أَصْحَابُ النار﴾ . قاله قتادة. وقال مجاهد: السفاكين الدماء.
ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذا البيان ختم كلامه بخاتِمَةٍ لطيفة فقال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ وهذا كلام مبهم يوجب التخويف، وهذا يحتمل أن يكون المراد منه أن هذا الذكر يحصل في الدنيا أي عند الموت، وأن يكون في القيامة عند مشاهدة العذاب حين لا ينفعكم الذكر.
قوله: «وَأُفَوِّضُ» هذه مستأنفة. وجواز أبو البقاء أن تكون حالاً من فعال «أقولُ» .
وفَتَحَ نافعٌ وأبُوا عَمْروا الياء من: أمري، والباقون بالإسكان.
فصل
لما خوفهم بقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ توعدوه وخوفوه فعول في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على الله بقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله﴾ وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ حين خوّفة فرعون بالقتل فرجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله تعالى فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب﴾ [غافر: 27] . ثم قال: ﴿إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد﴾ . أي عالم بأحوالهم يعلم المحقَّ من المُبطل.
قوله: ﴿فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ . قال مقاتال: لما قال هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه، فلم يهتدوا عليه. وقيل: المراد بقوله: فوقاه الله سيئات ما مكروا أنه قصدوا إدخاله في الكفر، وصرفه عن الإسلام، فوقاه الله من ذلك. والأول أولى، لأن قوله بعد ذلك: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب﴾ لا يليق إلا بالوجْهِ الأول.
وقرأ حمزة وَحِيقَ بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بفالتح.
قال قتادة: نجا مع مُوسَى، وكان قِبْطِيًّا. «وَحَاقَ» نزل «بآل فرعون سواء العذاب» الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة.
قوله: «النَّارُ» الجمهور على رفعها، وفيه ثلاثةُ أوجهُ:
أحدهما: أنه بدل من: «سوء العذاب» قاله الزجاج.
الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي سُوء العذابِ النارُ، لأنه جواب لسؤال مقدر؛ و «يُعْرَضَونَ» على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالاً من «النار» ، ويجوز أن يكون حالاً من «آل فرعون» .
الثالث: أنه مبتدأ، وخره: «يُعْرََضُونَ» .
وقُرِىءَ النَّارَ منصوباً، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر يفسره يعرضون من حيث المعنى أي يصلونَ النارَ يُعْرَضُونَ عليها كقوله: ﴿والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ﴾ [الإنسان: 32] .
الثاني: أن ينتصب على الاختصاص، قال الزمخشري: فعلى الأول لا محل «لِيُعْرَضُونَ» ؛ لكنه مفسراً، وعلى الثاني هو حال كما تقدم.
فصل
دلت هذه الآية على إثبات عذاب القبر؛ لأن الآية تقتضي عرض النار عليهم غُدُوًّا وعَشِيًّا، وليس المراد منه يوم القيامة، لقوله بعده ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب﴾ ، وليس المراد منه أيضاً الدنيا؛ لأن عرض النار عليهم غدوًّا وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت، وقبل القيامة. وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذا ثبت في حقهم ثبت في غيرهم لأنه لا قائل بالفَرْقِ.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض القبائح عليهم في الدنيا لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب، وخوّفهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار. ثم في الآية ما يمنع حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع. وقوله: ﴿عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ يقتضي أن لا يحصُلَ ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر.
الثاني: أن الغدوةَ والعشيةَ إنما يحصلان في الدنيا، أما في القيامة فلا وجود لهما، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر.
والجواب على الأول: أن في الدنيا عرض عليهم الكلمات التي تذكرهم أمر النار، ولم يعرض عليهم نفس الناس، وهذا الظاهر الآية، وارتكاب المجاز، وأما قولهم: الآية تدل على حصول العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز فالجواب لِمَ لا يجوز أن يكتفى في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام يُلْقَى في النار، فيدوم عذاب حينئذٍ، واأيضاً لا يمتنع أن يكون ذكر الغَدْوَةِ والعشية كناية عن الدوام، كقوله تعالى:
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: 62] وأما قولهم: إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية قلنا: لِمَ لا يجوز أن يقال: إن (عند) حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب.
فصل
قال ابنُ مَسعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أرواح آل فرعون في أجْوَاف طيرٍ سُودٍ يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدوا وتروح إلى النار، يقال: يا آل فرعونن هذه منازلكم. وقال قتادة، والسدي والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بُكْرَةً وعَشِيًّا ما دامتْ الدنيا.
وروى ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: إن أحَدَكُم إذَا مَاتَ عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغَدَامةِ والْعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّار؟ ِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فيقال: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامةَ» .
قوله: «وَيَوْمَ تَقُومُ» فيه ثلاثة أوجهٍ:
أظهرها: أنه معمول لقول مضمر، وذلك القوم المضمر محكي به الجملة الأمرية من قوله: «أَدْخِلُوا، والتقدير: يقال لهم يوم تقوم الساعة: أَدْخِلُوا.
الثاني: أنه منصوب» بأدْخِلُوا «أي أدخلوا يوم تقوم، وعلى هذه الوجهين، فَالْوقَفُ تامٌّ على قوله:» وَعَشِيًّا» .
الثالث: أنه معطوف على الظرفين قبله، فيكون معمولاً ليُعْرَضَونَ، والوقف على هذا قوله: «الساعة» . و «ادخلوا» معمول لقول مضمر، أي يقال لهم كذا. وقرأ الكسائيُّ وحمزةٌ ونافعٌ وحفصٌ أدْخِلُوا بقط الهمزة وكسر الخاء، أي يقال للملائكة أدخلوا، أَمْراً من «أَدْخَلَ» » فآل فرعون «مفعولٌ أول، و» أشد العذاب» مفعول ثانٍ، والباقون بهمزة وصل، من دَخَلَ يَدْخُلُ، فآل فِرْعونَ منادَى حذف حرف الناء منه و «أَشَدّ» منصوب به، إما ظرفاً، وإما مفعولاً به. أي ادخلوا يا آل فِرْعَون في أشد العذاب. قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد ألوان العذاب، غير العذاب الذي كانوا يعذبون به منذ غرقوا.
غافر 40:42
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد﴾ أي طريق الهدى ﴿ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ﴾ أي متعةٌ تنتفعون بهنا مرة ثم تنقطع ﴿وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ القرار﴾ التي لا تزول، ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تقدم الخلاف في قوله: «يدخلون الجنة» في سورة النساء. وقال مقاتل: لا تبعة عليهم فيما يُعْطَوْنَ في الجنة من الخيرات.
واختلفوا في تفسير قوله: «بِغَيْرِ حِسَابٍ» فقيل: لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل: بغير حساب، وقيل: لأنه تعالى معطيهم ثواب آبائِهِمْ، ويضم إلى ذلك الثواب من التفضيل ما يخرج من الحساب واقع في مقابلة: «إلاّ مثلها» يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وغير حساب، وهذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجحٌ على جانب العقاب، فإذا عارضنا عُمُومَاتِ الوَعِيدِ بعُمُومَاتِ الوَعْد وجب أن يكون الترجيحُ لجانبِ عُمُومَاتِ الوعد، وذلك يهدم قواعد المعتزلة.
فصل
احتج أهل السنة بهذه الآية، فقالوا: قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فجَرَى مَجْرَى أن يقال: «من ذكر كلمة أو من خطا خطوة فله كذا» فإنه يدخل فيه أنّ من آمن بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة فكذلك ها هنا وجب أن يقال: كُلُّ من عمل صالحاً واحداً من الصالحات فإنه يدخل الجنة، ويُرْزَقُ فيها بغير حساب، والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتنزيه والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الطاعات، وبأحسن الطاعات، فوجب أن يدخل الجنة، والخصم يقول: إنه يَخْلُدُ في النار أَبَدَ الآباد، وذلك مخالف لهذا النص الصريح. قالت المعتزلة: إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمناً، ومرتكب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن، فلا يدخل في هذا الوعد والجواب ما تقدم في قوله: «يُؤْمِنُون بالغَيْبِ» فإن صاحب الكبيرة مؤمن فَسَقَطَ كلامُهُمْ.
فصل
دلت هذه الآية على اعتبار المماثلة في الشريعة، وأن الزائد على المِثْلِ غير مشروع، وليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرةٌ في أي الأمور، فلو حملناها على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عامةً خاصة. وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال والتخصيص كان الأول أولى، فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا ما خَصّهُ الدليل وإذا ثبت ذلك بني عليه أحكامٌ كثيرة من الجنايات على النفوس والأعظاء والأموال؛ لأنه تعالى بين أنَّ جزاءَ السيئة مقصورٌ على المِثْلِ، وبين أن جزاء الحسنة ليس مقصوراً على المِثْلِ بل هو خارج عن الحساب.
قوله تعالى: ﴿وياقوم مَا لي أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وتدعونني إِلَى النار﴾ . قوله تعالى: ﴿وياقوم﴾ قال الزمخشري: فَإن قُلْتَ: لِمَ جاء بالواو في الناداء الثالث دون الثاني؟
قلت: لأن الثانيَ داخل على كلام هو بيان للمجمل، وتفسير له، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو. وأما الثالث فداخلٌ على كلام ليس بتلك المَثَابَةِ، أي كلام مباين للأول والثاني، فَحَسُنَ إيرادُ الواو العاطفة فيه. وكرر النداء لأن فيه زيادةَ تنبيه له وإيقاضاً من سنة الغفلة، وأظهر أن له بهذا مزيدَ اهتمامٍ، وعلى أُولئك الأقوام فرط شفقة.
قوله: ﴿وتدعونني إِلَى النار﴾ هذه الجلة مستأنفة، أخبر عنهم بذلك بعد استفهام عن دعاء نفسه ويجوز أن يكون التقدير: وما لكم تدعونني إلى النار، وهو الظاهر، ويضعف أن تكون الجملة حالاً، أي مالكم أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلَى النار.
قوله: «تَدْعُونني» هذه الجملة بدل من «تَدْعُونَنِي» الأولى على جهة البيان لها. وأتى في قوله «تَدْعُونَنِي» بجلمة فعلية؛ ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله: «وَأَنَا أَدْعُوكُمْ» بجلمة إسميَّة؛ ليلد على ثُبُوتِ دعوته وتَقْوِيَتِهَا.
فصل
معنى قوله: «مَالَكُمْ» كقولك: ما لي أراك حزنياً، أي مالك، يقول: أخبروني عنك، كيف هَذِهِ الحال؟ أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله، وتدعونني إلى النار بالشرك الذي يُوجِبُ النار، ثم فصر فقال ﴿تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ . والمراد بنفي العلم نفي الإلهة كأنه قال: وَأُشْرك به ما ليس لي بإله، وما ليس إله كيف يُعْقَلُ جَعْلُهُ شريكاً للإله؟
ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بيَّنَ أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغَفَّارِ، «العزيز» في انتقامه ممن كفر، «الغفار» لذنوب أهل التوحيد. فقوله: «العَزِيزِ» إشارة إلى كونه كامل القدرة، وأما فرعون فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلهاً؟ وأما الأصنام فهي حجارة منحوتة فيكف يعقل كونها آلهة؟ قوله: «الغَفَّار» إشارة إلى أنهم يجب أن لا يَيْأَسُوا من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مُدّةً مَدِيدَة فَإنَّ إله العَالَم، وإن كان عَزِيزاً لا يُغْلبُ، قادراً لا يعارض، لكنه غافار يغفر كفر سبيعنَ سنة بإيمان ساعةٍ واحدةٍ.
قوله: «لاَ جَرَمَ» تقدم الخلاف في «لاَ جَرَمَ» في سورة هود في قوله: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ [هود: 22] ، وقال الزمخشري هنا: «ورُوِيَ عن بعض العرب: لا جُرْمَ أنه يفعل كذا بضم الجيم وسكون الراء بمعنى: لا بُدَّ. وَفَعَلٌ وَفُعْلٌ أخوان كَرَشَدٍ، وَرُشْدٍ، وعَدَمٍ، وَعُدْمٍ» .
وشأنه على مذهب البصريين أن يجعل رداً على دعاه إليه قَوْمُهُ.
و «جَرَمَ» فَعَلٌ بمعنى حَق، و «أَنَّ» مع ما في حيّزها فاعله، أي وَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أو بمعنى كَسَبَ من قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ﴾ [المائدة: 2] أي بسبب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته.
ويجوز أن يقال إنّ «لاَ جَرَمَ» نظير «لاَ بُدَّ» فَعَلَ من الجَرْم وهو القطع كما أن «بُدًّا» فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن معنى: لاَ بُدَّ أنكَ تَفْعَلُ كذا بمعنى لاَ بُدَّ لك من فِعْلِهِ، فكذلك ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: 62] أي لاَ قَطْعَ لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون (العقاب) النار لا انقطاع لاسْتِحْقَاقِهِمْ، ولا قطع لبُطْلاَن دعوة الأصنام أي لا تزال باطلةً لا ينقطع ذلك فينقلب حقًّا.
فصل
قال البغوي: «لاَ جَرَمَ» حقاً ﴿أَنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ﴾ أي للدين دعوة في الآخرة قال السدي (رَحِمَهُ اللَّهُ) لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة يعني ليست له استجابة دعوة، فسمى استجابة الدعوة دعوة، إطلاقًاً لاسم أحد المضافين على الآخر، كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها. وقيل: ليستْ له دعوة أي عبادة في الدنيا؛ لأن الأوثانَ لا تَدَّعِي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها.
ثم قال: «وأَنَّ مَرَدَّنَا» أي مرجعنا «إلَى اللهِ» فيجازي كُلاًّ بما يَسْتَحِقُّهُ، «وَأَنَّ المُسْرِفِينَ» المشركين ﴿هُمْ أَصْحَابُ النار﴾ . قاله قتادة. وقال مجاهد: السفاكين الدماء.
ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذا البيان ختم كلامه بخاتِمَةٍ لطيفة فقال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ وهذا كلام مبهم يوجب التخويف، وهذا يحتمل أن يكون المراد منه أن هذا الذكر يحصل في الدنيا أي عند الموت، وأن يكون في القيامة عند مشاهدة العذاب حين لا ينفعكم الذكر.
قوله: «وَأُفَوِّضُ» هذه مستأنفة. وجواز أبو البقاء أن تكون حالاً من فعال «أقولُ» .
وفَتَحَ نافعٌ وأبُوا عَمْروا الياء من: أمري، والباقون بالإسكان.
فصل
لما خوفهم بقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ توعدوه وخوفوه فعول في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على الله بقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله﴾ وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ حين خوّفة فرعون بالقتل فرجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله تعالى فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب﴾ [غافر: 27] . ثم قال: ﴿إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد﴾ . أي عالم بأحوالهم يعلم المحقَّ من المُبطل.
قوله: ﴿فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ . قال مقاتال: لما قال هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه، فلم يهتدوا عليه. وقيل: المراد بقوله: فوقاه الله سيئات ما مكروا أنه قصدوا إدخاله في الكفر، وصرفه عن الإسلام، فوقاه الله من ذلك. والأول أولى، لأن قوله بعد ذلك: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب﴾ لا يليق إلا بالوجْهِ الأول.
وقرأ حمزة وَحِيقَ بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بفالتح.
قال قتادة: نجا مع مُوسَى، وكان قِبْطِيًّا. «وَحَاقَ» نزل «بآل فرعون سواء العذاب» الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة.
قوله: «النَّارُ» الجمهور على رفعها، وفيه ثلاثةُ أوجهُ:
أحدهما: أنه بدل من: «سوء العذاب» قاله الزجاج.
الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي سُوء العذابِ النارُ، لأنه جواب لسؤال مقدر؛ و «يُعْرَضَونَ» على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالاً من «النار» ، ويجوز أن يكون حالاً من «آل فرعون» .
الثالث: أنه مبتدأ، وخره: «يُعْرََضُونَ» .
وقُرِىءَ النَّارَ منصوباً، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر يفسره يعرضون من حيث المعنى أي يصلونَ النارَ يُعْرَضُونَ عليها كقوله: ﴿والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ﴾ [الإنسان: 32] .
الثاني: أن ينتصب على الاختصاص، قال الزمخشري: فعلى الأول لا محل «لِيُعْرَضُونَ» ؛ لكنه مفسراً، وعلى الثاني هو حال كما تقدم.
فصل
دلت هذه الآية على إثبات عذاب القبر؛ لأن الآية تقتضي عرض النار عليهم غُدُوًّا وعَشِيًّا، وليس المراد منه يوم القيامة، لقوله بعده ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب﴾ ، وليس المراد منه أيضاً الدنيا؛ لأن عرض النار عليهم غدوًّا وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت، وقبل القيامة. وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذا ثبت في حقهم ثبت في غيرهم لأنه لا قائل بالفَرْقِ.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض القبائح عليهم في الدنيا لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب، وخوّفهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار. ثم في الآية ما يمنع حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع. وقوله: ﴿عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ يقتضي أن لا يحصُلَ ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر.
الثاني: أن الغدوةَ والعشيةَ إنما يحصلان في الدنيا، أما في القيامة فلا وجود لهما، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر.
والجواب على الأول: أن في الدنيا عرض عليهم الكلمات التي تذكرهم أمر النار، ولم يعرض عليهم نفس الناس، وهذا الظاهر الآية، وارتكاب المجاز، وأما قولهم: الآية تدل على حصول العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز فالجواب لِمَ لا يجوز أن يكتفى في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام يُلْقَى في النار، فيدوم عذاب حينئذٍ، واأيضاً لا يمتنع أن يكون ذكر الغَدْوَةِ والعشية كناية عن الدوام، كقوله تعالى:
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: 62] وأما قولهم: إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية قلنا: لِمَ لا يجوز أن يقال: إن (عند) حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب.
فصل
قال ابنُ مَسعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أرواح آل فرعون في أجْوَاف طيرٍ سُودٍ يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدوا وتروح إلى النار، يقال: يا آل فرعونن هذه منازلكم. وقال قتادة، والسدي والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بُكْرَةً وعَشِيًّا ما دامتْ الدنيا.
وروى ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: إن أحَدَكُم إذَا مَاتَ عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغَدَامةِ والْعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّار؟ ِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فيقال: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامةَ» .
قوله: «وَيَوْمَ تَقُومُ» فيه ثلاثة أوجهٍ:
أظهرها: أنه معمول لقول مضمر، وذلك القوم المضمر محكي به الجملة الأمرية من قوله: «أَدْخِلُوا، والتقدير: يقال لهم يوم تقوم الساعة: أَدْخِلُوا.
الثاني: أنه منصوب» بأدْخِلُوا «أي أدخلوا يوم تقوم، وعلى هذه الوجهين، فَالْوقَفُ تامٌّ على قوله:» وَعَشِيًّا» .
الثالث: أنه معطوف على الظرفين قبله، فيكون معمولاً ليُعْرَضَونَ، والوقف على هذا قوله: «الساعة» . و «ادخلوا» معمول لقول مضمر، أي يقال لهم كذا. وقرأ الكسائيُّ وحمزةٌ ونافعٌ وحفصٌ أدْخِلُوا بقط الهمزة وكسر الخاء، أي يقال للملائكة أدخلوا، أَمْراً من «أَدْخَلَ» » فآل فرعون «مفعولٌ أول، و» أشد العذاب» مفعول ثانٍ، والباقون بهمزة وصل، من دَخَلَ يَدْخُلُ، فآل فِرْعونَ منادَى حذف حرف الناء منه و «أَشَدّ» منصوب به، إما ظرفاً، وإما مفعولاً به. أي ادخلوا يا آل فِرْعَون في أشد العذاب. قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد ألوان العذاب، غير العذاب الذي كانوا يعذبون به منذ غرقوا.
غافر 40:43
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد﴾ أي طريق الهدى ﴿ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ﴾ أي متعةٌ تنتفعون بهنا مرة ثم تنقطع ﴿وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ القرار﴾ التي لا تزول، ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تقدم الخلاف في قوله: «يدخلون الجنة» في سورة النساء. وقال مقاتل: لا تبعة عليهم فيما يُعْطَوْنَ في الجنة من الخيرات.
واختلفوا في تفسير قوله: «بِغَيْرِ حِسَابٍ» فقيل: لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل: بغير حساب، وقيل: لأنه تعالى معطيهم ثواب آبائِهِمْ، ويضم إلى ذلك الثواب من التفضيل ما يخرج من الحساب واقع في مقابلة: «إلاّ مثلها» يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وغير حساب، وهذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجحٌ على جانب العقاب، فإذا عارضنا عُمُومَاتِ الوَعِيدِ بعُمُومَاتِ الوَعْد وجب أن يكون الترجيحُ لجانبِ عُمُومَاتِ الوعد، وذلك يهدم قواعد المعتزلة.
فصل
احتج أهل السنة بهذه الآية، فقالوا: قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فجَرَى مَجْرَى أن يقال: «من ذكر كلمة أو من خطا خطوة فله كذا» فإنه يدخل فيه أنّ من آمن بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة فكذلك ها هنا وجب أن يقال: كُلُّ من عمل صالحاً واحداً من الصالحات فإنه يدخل الجنة، ويُرْزَقُ فيها بغير حساب، والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتنزيه والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الطاعات، وبأحسن الطاعات، فوجب أن يدخل الجنة، والخصم يقول: إنه يَخْلُدُ في النار أَبَدَ الآباد، وذلك مخالف لهذا النص الصريح. قالت المعتزلة: إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمناً، ومرتكب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن، فلا يدخل في هذا الوعد والجواب ما تقدم في قوله: «يُؤْمِنُون بالغَيْبِ» فإن صاحب الكبيرة مؤمن فَسَقَطَ كلامُهُمْ.
فصل
دلت هذه الآية على اعتبار المماثلة في الشريعة، وأن الزائد على المِثْلِ غير مشروع، وليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرةٌ في أي الأمور، فلو حملناها على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عامةً خاصة. وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال والتخصيص كان الأول أولى، فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا ما خَصّهُ الدليل وإذا ثبت ذلك بني عليه أحكامٌ كثيرة من الجنايات على النفوس والأعظاء والأموال؛ لأنه تعالى بين أنَّ جزاءَ السيئة مقصورٌ على المِثْلِ، وبين أن جزاء الحسنة ليس مقصوراً على المِثْلِ بل هو خارج عن الحساب.
قوله تعالى: ﴿وياقوم مَا لي أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وتدعونني إِلَى النار﴾ . قوله تعالى: ﴿وياقوم﴾ قال الزمخشري: فَإن قُلْتَ: لِمَ جاء بالواو في الناداء الثالث دون الثاني؟
قلت: لأن الثانيَ داخل على كلام هو بيان للمجمل، وتفسير له، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو. وأما الثالث فداخلٌ على كلام ليس بتلك المَثَابَةِ، أي كلام مباين للأول والثاني، فَحَسُنَ إيرادُ الواو العاطفة فيه. وكرر النداء لأن فيه زيادةَ تنبيه له وإيقاضاً من سنة الغفلة، وأظهر أن له بهذا مزيدَ اهتمامٍ، وعلى أُولئك الأقوام فرط شفقة.
قوله: ﴿وتدعونني إِلَى النار﴾ هذه الجلة مستأنفة، أخبر عنهم بذلك بعد استفهام عن دعاء نفسه ويجوز أن يكون التقدير: وما لكم تدعونني إلى النار، وهو الظاهر، ويضعف أن تكون الجملة حالاً، أي مالكم أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلَى النار.
قوله: «تَدْعُونني» هذه الجملة بدل من «تَدْعُونَنِي» الأولى على جهة البيان لها. وأتى في قوله «تَدْعُونَنِي» بجلمة فعلية؛ ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله: «وَأَنَا أَدْعُوكُمْ» بجلمة إسميَّة؛ ليلد على ثُبُوتِ دعوته وتَقْوِيَتِهَا.
فصل
معنى قوله: «مَالَكُمْ» كقولك: ما لي أراك حزنياً، أي مالك، يقول: أخبروني عنك، كيف هَذِهِ الحال؟ أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله، وتدعونني إلى النار بالشرك الذي يُوجِبُ النار، ثم فصر فقال ﴿تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ . والمراد بنفي العلم نفي الإلهة كأنه قال: وَأُشْرك به ما ليس لي بإله، وما ليس إله كيف يُعْقَلُ جَعْلُهُ شريكاً للإله؟
ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بيَّنَ أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغَفَّارِ، «العزيز» في انتقامه ممن كفر، «الغفار» لذنوب أهل التوحيد. فقوله: «العَزِيزِ» إشارة إلى كونه كامل القدرة، وأما فرعون فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلهاً؟ وأما الأصنام فهي حجارة منحوتة فيكف يعقل كونها آلهة؟ قوله: «الغَفَّار» إشارة إلى أنهم يجب أن لا يَيْأَسُوا من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مُدّةً مَدِيدَة فَإنَّ إله العَالَم، وإن كان عَزِيزاً لا يُغْلبُ، قادراً لا يعارض، لكنه غافار يغفر كفر سبيعنَ سنة بإيمان ساعةٍ واحدةٍ.
قوله: «لاَ جَرَمَ» تقدم الخلاف في «لاَ جَرَمَ» في سورة هود في قوله: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ [هود: 22] ، وقال الزمخشري هنا: «ورُوِيَ عن بعض العرب: لا جُرْمَ أنه يفعل كذا بضم الجيم وسكون الراء بمعنى: لا بُدَّ. وَفَعَلٌ وَفُعْلٌ أخوان كَرَشَدٍ، وَرُشْدٍ، وعَدَمٍ، وَعُدْمٍ» .
وشأنه على مذهب البصريين أن يجعل رداً على دعاه إليه قَوْمُهُ.
و «جَرَمَ» فَعَلٌ بمعنى حَق، و «أَنَّ» مع ما في حيّزها فاعله، أي وَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أو بمعنى كَسَبَ من قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ﴾ [المائدة: 2] أي بسبب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته.
ويجوز أن يقال إنّ «لاَ جَرَمَ» نظير «لاَ بُدَّ» فَعَلَ من الجَرْم وهو القطع كما أن «بُدًّا» فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن معنى: لاَ بُدَّ أنكَ تَفْعَلُ كذا بمعنى لاَ بُدَّ لك من فِعْلِهِ، فكذلك ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: 62] أي لاَ قَطْعَ لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون (العقاب) النار لا انقطاع لاسْتِحْقَاقِهِمْ، ولا قطع لبُطْلاَن دعوة الأصنام أي لا تزال باطلةً لا ينقطع ذلك فينقلب حقًّا.
فصل
قال البغوي: «لاَ جَرَمَ» حقاً ﴿أَنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ﴾ أي للدين دعوة في الآخرة قال السدي (رَحِمَهُ اللَّهُ) لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة يعني ليست له استجابة دعوة، فسمى استجابة الدعوة دعوة، إطلاقًاً لاسم أحد المضافين على الآخر، كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها. وقيل: ليستْ له دعوة أي عبادة في الدنيا؛ لأن الأوثانَ لا تَدَّعِي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها.
ثم قال: «وأَنَّ مَرَدَّنَا» أي مرجعنا «إلَى اللهِ» فيجازي كُلاًّ بما يَسْتَحِقُّهُ، «وَأَنَّ المُسْرِفِينَ» المشركين ﴿هُمْ أَصْحَابُ النار﴾ . قاله قتادة. وقال مجاهد: السفاكين الدماء.
ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذا البيان ختم كلامه بخاتِمَةٍ لطيفة فقال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ وهذا كلام مبهم يوجب التخويف، وهذا يحتمل أن يكون المراد منه أن هذا الذكر يحصل في الدنيا أي عند الموت، وأن يكون في القيامة عند مشاهدة العذاب حين لا ينفعكم الذكر.
قوله: «وَأُفَوِّضُ» هذه مستأنفة. وجواز أبو البقاء أن تكون حالاً من فعال «أقولُ» .
وفَتَحَ نافعٌ وأبُوا عَمْروا الياء من: أمري، والباقون بالإسكان.
فصل
لما خوفهم بقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ توعدوه وخوفوه فعول في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على الله بقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله﴾ وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ حين خوّفة فرعون بالقتل فرجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله تعالى فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب﴾ [غافر: 27] . ثم قال: ﴿إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد﴾ . أي عالم بأحوالهم يعلم المحقَّ من المُبطل.
قوله: ﴿فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ . قال مقاتال: لما قال هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه، فلم يهتدوا عليه. وقيل: المراد بقوله: فوقاه الله سيئات ما مكروا أنه قصدوا إدخاله في الكفر، وصرفه عن الإسلام، فوقاه الله من ذلك. والأول أولى، لأن قوله بعد ذلك: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب﴾ لا يليق إلا بالوجْهِ الأول.
وقرأ حمزة وَحِيقَ بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بفالتح.
قال قتادة: نجا مع مُوسَى، وكان قِبْطِيًّا. «وَحَاقَ» نزل «بآل فرعون سواء العذاب» الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة.
قوله: «النَّارُ» الجمهور على رفعها، وفيه ثلاثةُ أوجهُ:
أحدهما: أنه بدل من: «سوء العذاب» قاله الزجاج.
الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي سُوء العذابِ النارُ، لأنه جواب لسؤال مقدر؛ و «يُعْرَضَونَ» على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالاً من «النار» ، ويجوز أن يكون حالاً من «آل فرعون» .
الثالث: أنه مبتدأ، وخره: «يُعْرََضُونَ» .
وقُرِىءَ النَّارَ منصوباً، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر يفسره يعرضون من حيث المعنى أي يصلونَ النارَ يُعْرَضُونَ عليها كقوله: ﴿والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ﴾ [الإنسان: 32] .
الثاني: أن ينتصب على الاختصاص، قال الزمخشري: فعلى الأول لا محل «لِيُعْرَضُونَ» ؛ لكنه مفسراً، وعلى الثاني هو حال كما تقدم.
فصل
دلت هذه الآية على إثبات عذاب القبر؛ لأن الآية تقتضي عرض النار عليهم غُدُوًّا وعَشِيًّا، وليس المراد منه يوم القيامة، لقوله بعده ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب﴾ ، وليس المراد منه أيضاً الدنيا؛ لأن عرض النار عليهم غدوًّا وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت، وقبل القيامة. وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذا ثبت في حقهم ثبت في غيرهم لأنه لا قائل بالفَرْقِ.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض القبائح عليهم في الدنيا لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب، وخوّفهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار. ثم في الآية ما يمنع حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع. وقوله: ﴿عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ يقتضي أن لا يحصُلَ ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر.
الثاني: أن الغدوةَ والعشيةَ إنما يحصلان في الدنيا، أما في القيامة فلا وجود لهما، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر.
والجواب على الأول: أن في الدنيا عرض عليهم الكلمات التي تذكرهم أمر النار، ولم يعرض عليهم نفس الناس، وهذا الظاهر الآية، وارتكاب المجاز، وأما قولهم: الآية تدل على حصول العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز فالجواب لِمَ لا يجوز أن يكتفى في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام يُلْقَى في النار، فيدوم عذاب حينئذٍ، واأيضاً لا يمتنع أن يكون ذكر الغَدْوَةِ والعشية كناية عن الدوام، كقوله تعالى:
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: 62] وأما قولهم: إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية قلنا: لِمَ لا يجوز أن يقال: إن (عند) حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب.
فصل
قال ابنُ مَسعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أرواح آل فرعون في أجْوَاف طيرٍ سُودٍ يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدوا وتروح إلى النار، يقال: يا آل فرعونن هذه منازلكم. وقال قتادة، والسدي والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بُكْرَةً وعَشِيًّا ما دامتْ الدنيا.
وروى ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: إن أحَدَكُم إذَا مَاتَ عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغَدَامةِ والْعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّار؟ ِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فيقال: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامةَ» .
قوله: «وَيَوْمَ تَقُومُ» فيه ثلاثة أوجهٍ:
أظهرها: أنه معمول لقول مضمر، وذلك القوم المضمر محكي به الجملة الأمرية من قوله: «أَدْخِلُوا، والتقدير: يقال لهم يوم تقوم الساعة: أَدْخِلُوا.
الثاني: أنه منصوب» بأدْخِلُوا «أي أدخلوا يوم تقوم، وعلى هذه الوجهين، فَالْوقَفُ تامٌّ على قوله:» وَعَشِيًّا» .
الثالث: أنه معطوف على الظرفين قبله، فيكون معمولاً ليُعْرَضَونَ، والوقف على هذا قوله: «الساعة» . و «ادخلوا» معمول لقول مضمر، أي يقال لهم كذا. وقرأ الكسائيُّ وحمزةٌ ونافعٌ وحفصٌ أدْخِلُوا بقط الهمزة وكسر الخاء، أي يقال للملائكة أدخلوا، أَمْراً من «أَدْخَلَ» » فآل فرعون «مفعولٌ أول، و» أشد العذاب» مفعول ثانٍ، والباقون بهمزة وصل، من دَخَلَ يَدْخُلُ، فآل فِرْعونَ منادَى حذف حرف الناء منه و «أَشَدّ» منصوب به، إما ظرفاً، وإما مفعولاً به. أي ادخلوا يا آل فِرْعَون في أشد العذاب. قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد ألوان العذاب، غير العذاب الذي كانوا يعذبون به منذ غرقوا.
غافر 40:44
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد﴾ أي طريق الهدى ﴿ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ﴾ أي متعةٌ تنتفعون بهنا مرة ثم تنقطع ﴿وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ القرار﴾ التي لا تزول، ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تقدم الخلاف في قوله: «يدخلون الجنة» في سورة النساء. وقال مقاتل: لا تبعة عليهم فيما يُعْطَوْنَ في الجنة من الخيرات.
واختلفوا في تفسير قوله: «بِغَيْرِ حِسَابٍ» فقيل: لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل: بغير حساب، وقيل: لأنه تعالى معطيهم ثواب آبائِهِمْ، ويضم إلى ذلك الثواب من التفضيل ما يخرج من الحساب واقع في مقابلة: «إلاّ مثلها» يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وغير حساب، وهذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجحٌ على جانب العقاب، فإذا عارضنا عُمُومَاتِ الوَعِيدِ بعُمُومَاتِ الوَعْد وجب أن يكون الترجيحُ لجانبِ عُمُومَاتِ الوعد، وذلك يهدم قواعد المعتزلة.
فصل
احتج أهل السنة بهذه الآية، فقالوا: قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فجَرَى مَجْرَى أن يقال: «من ذكر كلمة أو من خطا خطوة فله كذا» فإنه يدخل فيه أنّ من آمن بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة فكذلك ها هنا وجب أن يقال: كُلُّ من عمل صالحاً واحداً من الصالحات فإنه يدخل الجنة، ويُرْزَقُ فيها بغير حساب، والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتنزيه والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الطاعات، وبأحسن الطاعات، فوجب أن يدخل الجنة، والخصم يقول: إنه يَخْلُدُ في النار أَبَدَ الآباد، وذلك مخالف لهذا النص الصريح. قالت المعتزلة: إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمناً، ومرتكب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن، فلا يدخل في هذا الوعد والجواب ما تقدم في قوله: «يُؤْمِنُون بالغَيْبِ» فإن صاحب الكبيرة مؤمن فَسَقَطَ كلامُهُمْ.
فصل
دلت هذه الآية على اعتبار المماثلة في الشريعة، وأن الزائد على المِثْلِ غير مشروع، وليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرةٌ في أي الأمور، فلو حملناها على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عامةً خاصة. وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال والتخصيص كان الأول أولى، فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا ما خَصّهُ الدليل وإذا ثبت ذلك بني عليه أحكامٌ كثيرة من الجنايات على النفوس والأعظاء والأموال؛ لأنه تعالى بين أنَّ جزاءَ السيئة مقصورٌ على المِثْلِ، وبين أن جزاء الحسنة ليس مقصوراً على المِثْلِ بل هو خارج عن الحساب.
قوله تعالى: ﴿وياقوم مَا لي أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وتدعونني إِلَى النار﴾ . قوله تعالى: ﴿وياقوم﴾ قال الزمخشري: فَإن قُلْتَ: لِمَ جاء بالواو في الناداء الثالث دون الثاني؟
قلت: لأن الثانيَ داخل على كلام هو بيان للمجمل، وتفسير له، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو. وأما الثالث فداخلٌ على كلام ليس بتلك المَثَابَةِ، أي كلام مباين للأول والثاني، فَحَسُنَ إيرادُ الواو العاطفة فيه. وكرر النداء لأن فيه زيادةَ تنبيه له وإيقاضاً من سنة الغفلة، وأظهر أن له بهذا مزيدَ اهتمامٍ، وعلى أُولئك الأقوام فرط شفقة.
قوله: ﴿وتدعونني إِلَى النار﴾ هذه الجلة مستأنفة، أخبر عنهم بذلك بعد استفهام عن دعاء نفسه ويجوز أن يكون التقدير: وما لكم تدعونني إلى النار، وهو الظاهر، ويضعف أن تكون الجملة حالاً، أي مالكم أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلَى النار.
قوله: «تَدْعُونني» هذه الجملة بدل من «تَدْعُونَنِي» الأولى على جهة البيان لها. وأتى في قوله «تَدْعُونَنِي» بجلمة فعلية؛ ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله: «وَأَنَا أَدْعُوكُمْ» بجلمة إسميَّة؛ ليلد على ثُبُوتِ دعوته وتَقْوِيَتِهَا.
فصل
معنى قوله: «مَالَكُمْ» كقولك: ما لي أراك حزنياً، أي مالك، يقول: أخبروني عنك، كيف هَذِهِ الحال؟ أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله، وتدعونني إلى النار بالشرك الذي يُوجِبُ النار، ثم فصر فقال ﴿تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ . والمراد بنفي العلم نفي الإلهة كأنه قال: وَأُشْرك به ما ليس لي بإله، وما ليس إله كيف يُعْقَلُ جَعْلُهُ شريكاً للإله؟
ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بيَّنَ أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغَفَّارِ، «العزيز» في انتقامه ممن كفر، «الغفار» لذنوب أهل التوحيد. فقوله: «العَزِيزِ» إشارة إلى كونه كامل القدرة، وأما فرعون فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلهاً؟ وأما الأصنام فهي حجارة منحوتة فيكف يعقل كونها آلهة؟ قوله: «الغَفَّار» إشارة إلى أنهم يجب أن لا يَيْأَسُوا من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مُدّةً مَدِيدَة فَإنَّ إله العَالَم، وإن كان عَزِيزاً لا يُغْلبُ، قادراً لا يعارض، لكنه غافار يغفر كفر سبيعنَ سنة بإيمان ساعةٍ واحدةٍ.
قوله: «لاَ جَرَمَ» تقدم الخلاف في «لاَ جَرَمَ» في سورة هود في قوله: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ [هود: 22] ، وقال الزمخشري هنا: «ورُوِيَ عن بعض العرب: لا جُرْمَ أنه يفعل كذا بضم الجيم وسكون الراء بمعنى: لا بُدَّ. وَفَعَلٌ وَفُعْلٌ أخوان كَرَشَدٍ، وَرُشْدٍ، وعَدَمٍ، وَعُدْمٍ» .
وشأنه على مذهب البصريين أن يجعل رداً على دعاه إليه قَوْمُهُ.
و «جَرَمَ» فَعَلٌ بمعنى حَق، و «أَنَّ» مع ما في حيّزها فاعله، أي وَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أو بمعنى كَسَبَ من قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ﴾ [المائدة: 2] أي بسبب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته.
ويجوز أن يقال إنّ «لاَ جَرَمَ» نظير «لاَ بُدَّ» فَعَلَ من الجَرْم وهو القطع كما أن «بُدًّا» فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن معنى: لاَ بُدَّ أنكَ تَفْعَلُ كذا بمعنى لاَ بُدَّ لك من فِعْلِهِ، فكذلك ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: 62] أي لاَ قَطْعَ لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون (العقاب) النار لا انقطاع لاسْتِحْقَاقِهِمْ، ولا قطع لبُطْلاَن دعوة الأصنام أي لا تزال باطلةً لا ينقطع ذلك فينقلب حقًّا.
فصل
قال البغوي: «لاَ جَرَمَ» حقاً ﴿أَنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ﴾ أي للدين دعوة في الآخرة قال السدي (رَحِمَهُ اللَّهُ) لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة يعني ليست له استجابة دعوة، فسمى استجابة الدعوة دعوة، إطلاقًاً لاسم أحد المضافين على الآخر، كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها. وقيل: ليستْ له دعوة أي عبادة في الدنيا؛ لأن الأوثانَ لا تَدَّعِي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها.
ثم قال: «وأَنَّ مَرَدَّنَا» أي مرجعنا «إلَى اللهِ» فيجازي كُلاًّ بما يَسْتَحِقُّهُ، «وَأَنَّ المُسْرِفِينَ» المشركين ﴿هُمْ أَصْحَابُ النار﴾ . قاله قتادة. وقال مجاهد: السفاكين الدماء.
ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذا البيان ختم كلامه بخاتِمَةٍ لطيفة فقال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ وهذا كلام مبهم يوجب التخويف، وهذا يحتمل أن يكون المراد منه أن هذا الذكر يحصل في الدنيا أي عند الموت، وأن يكون في القيامة عند مشاهدة العذاب حين لا ينفعكم الذكر.
قوله: «وَأُفَوِّضُ» هذه مستأنفة. وجواز أبو البقاء أن تكون حالاً من فعال «أقولُ» .
وفَتَحَ نافعٌ وأبُوا عَمْروا الياء من: أمري، والباقون بالإسكان.
فصل
لما خوفهم بقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ توعدوه وخوفوه فعول في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على الله بقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله﴾ وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ حين خوّفة فرعون بالقتل فرجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله تعالى فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب﴾ [غافر: 27] . ثم قال: ﴿إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد﴾ . أي عالم بأحوالهم يعلم المحقَّ من المُبطل.
قوله: ﴿فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ . قال مقاتال: لما قال هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه، فلم يهتدوا عليه. وقيل: المراد بقوله: فوقاه الله سيئات ما مكروا أنه قصدوا إدخاله في الكفر، وصرفه عن الإسلام، فوقاه الله من ذلك. والأول أولى، لأن قوله بعد ذلك: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب﴾ لا يليق إلا بالوجْهِ الأول.
وقرأ حمزة وَحِيقَ بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بفالتح.
قال قتادة: نجا مع مُوسَى، وكان قِبْطِيًّا. «وَحَاقَ» نزل «بآل فرعون سواء العذاب» الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة.
قوله: «النَّارُ» الجمهور على رفعها، وفيه ثلاثةُ أوجهُ:
أحدهما: أنه بدل من: «سوء العذاب» قاله الزجاج.
الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي سُوء العذابِ النارُ، لأنه جواب لسؤال مقدر؛ و «يُعْرَضَونَ» على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالاً من «النار» ، ويجوز أن يكون حالاً من «آل فرعون» .
الثالث: أنه مبتدأ، وخره: «يُعْرََضُونَ» .
وقُرِىءَ النَّارَ منصوباً، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر يفسره يعرضون من حيث المعنى أي يصلونَ النارَ يُعْرَضُونَ عليها كقوله: ﴿والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ﴾ [الإنسان: 32] .
الثاني: أن ينتصب على الاختصاص، قال الزمخشري: فعلى الأول لا محل «لِيُعْرَضُونَ» ؛ لكنه مفسراً، وعلى الثاني هو حال كما تقدم.
فصل
دلت هذه الآية على إثبات عذاب القبر؛ لأن الآية تقتضي عرض النار عليهم غُدُوًّا وعَشِيًّا، وليس المراد منه يوم القيامة، لقوله بعده ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب﴾ ، وليس المراد منه أيضاً الدنيا؛ لأن عرض النار عليهم غدوًّا وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت، وقبل القيامة. وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذا ثبت في حقهم ثبت في غيرهم لأنه لا قائل بالفَرْقِ.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض القبائح عليهم في الدنيا لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب، وخوّفهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار. ثم في الآية ما يمنع حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع. وقوله: ﴿عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ يقتضي أن لا يحصُلَ ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر.
الثاني: أن الغدوةَ والعشيةَ إنما يحصلان في الدنيا، أما في القيامة فلا وجود لهما، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر.
والجواب على الأول: أن في الدنيا عرض عليهم الكلمات التي تذكرهم أمر النار، ولم يعرض عليهم نفس الناس، وهذا الظاهر الآية، وارتكاب المجاز، وأما قولهم: الآية تدل على حصول العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز فالجواب لِمَ لا يجوز أن يكتفى في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام يُلْقَى في النار، فيدوم عذاب حينئذٍ، واأيضاً لا يمتنع أن يكون ذكر الغَدْوَةِ والعشية كناية عن الدوام، كقوله تعالى:
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: 62] وأما قولهم: إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية قلنا: لِمَ لا يجوز أن يقال: إن (عند) حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب.
فصل
قال ابنُ مَسعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أرواح آل فرعون في أجْوَاف طيرٍ سُودٍ يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدوا وتروح إلى النار، يقال: يا آل فرعونن هذه منازلكم. وقال قتادة، والسدي والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بُكْرَةً وعَشِيًّا ما دامتْ الدنيا.
وروى ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: إن أحَدَكُم إذَا مَاتَ عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغَدَامةِ والْعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّار؟ ِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فيقال: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامةَ» .
قوله: «وَيَوْمَ تَقُومُ» فيه ثلاثة أوجهٍ:
أظهرها: أنه معمول لقول مضمر، وذلك القوم المضمر محكي به الجملة الأمرية من قوله: «أَدْخِلُوا، والتقدير: يقال لهم يوم تقوم الساعة: أَدْخِلُوا.
الثاني: أنه منصوب» بأدْخِلُوا «أي أدخلوا يوم تقوم، وعلى هذه الوجهين، فَالْوقَفُ تامٌّ على قوله:» وَعَشِيًّا» .
الثالث: أنه معطوف على الظرفين قبله، فيكون معمولاً ليُعْرَضَونَ، والوقف على هذا قوله: «الساعة» . و «ادخلوا» معمول لقول مضمر، أي يقال لهم كذا. وقرأ الكسائيُّ وحمزةٌ ونافعٌ وحفصٌ أدْخِلُوا بقط الهمزة وكسر الخاء، أي يقال للملائكة أدخلوا، أَمْراً من «أَدْخَلَ» » فآل فرعون «مفعولٌ أول، و» أشد العذاب» مفعول ثانٍ، والباقون بهمزة وصل، من دَخَلَ يَدْخُلُ، فآل فِرْعونَ منادَى حذف حرف الناء منه و «أَشَدّ» منصوب به، إما ظرفاً، وإما مفعولاً به. أي ادخلوا يا آل فِرْعَون في أشد العذاب. قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد ألوان العذاب، غير العذاب الذي كانوا يعذبون به منذ غرقوا.
غافر 40:45
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد﴾ أي طريق الهدى ﴿ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ﴾ أي متعةٌ تنتفعون بهنا مرة ثم تنقطع ﴿وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ القرار﴾ التي لا تزول، ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تقدم الخلاف في قوله: «يدخلون الجنة» في سورة النساء. وقال مقاتل: لا تبعة عليهم فيما يُعْطَوْنَ في الجنة من الخيرات.
واختلفوا في تفسير قوله: «بِغَيْرِ حِسَابٍ» فقيل: لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل: بغير حساب، وقيل: لأنه تعالى معطيهم ثواب آبائِهِمْ، ويضم إلى ذلك الثواب من التفضيل ما يخرج من الحساب واقع في مقابلة: «إلاّ مثلها» يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وغير حساب، وهذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجحٌ على جانب العقاب، فإذا عارضنا عُمُومَاتِ الوَعِيدِ بعُمُومَاتِ الوَعْد وجب أن يكون الترجيحُ لجانبِ عُمُومَاتِ الوعد، وذلك يهدم قواعد المعتزلة.
فصل
احتج أهل السنة بهذه الآية، فقالوا: قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فجَرَى مَجْرَى أن يقال: «من ذكر كلمة أو من خطا خطوة فله كذا» فإنه يدخل فيه أنّ من آمن بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة فكذلك ها هنا وجب أن يقال: كُلُّ من عمل صالحاً واحداً من الصالحات فإنه يدخل الجنة، ويُرْزَقُ فيها بغير حساب، والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتنزيه والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الطاعات، وبأحسن الطاعات، فوجب أن يدخل الجنة، والخصم يقول: إنه يَخْلُدُ في النار أَبَدَ الآباد، وذلك مخالف لهذا النص الصريح. قالت المعتزلة: إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمناً، ومرتكب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن، فلا يدخل في هذا الوعد والجواب ما تقدم في قوله: «يُؤْمِنُون بالغَيْبِ» فإن صاحب الكبيرة مؤمن فَسَقَطَ كلامُهُمْ.
فصل
دلت هذه الآية على اعتبار المماثلة في الشريعة، وأن الزائد على المِثْلِ غير مشروع، وليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرةٌ في أي الأمور، فلو حملناها على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عامةً خاصة. وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال والتخصيص كان الأول أولى، فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا ما خَصّهُ الدليل وإذا ثبت ذلك بني عليه أحكامٌ كثيرة من الجنايات على النفوس والأعظاء والأموال؛ لأنه تعالى بين أنَّ جزاءَ السيئة مقصورٌ على المِثْلِ، وبين أن جزاء الحسنة ليس مقصوراً على المِثْلِ بل هو خارج عن الحساب.
قوله تعالى: ﴿وياقوم مَا لي أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وتدعونني إِلَى النار﴾ . قوله تعالى: ﴿وياقوم﴾ قال الزمخشري: فَإن قُلْتَ: لِمَ جاء بالواو في الناداء الثالث دون الثاني؟
قلت: لأن الثانيَ داخل على كلام هو بيان للمجمل، وتفسير له، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو. وأما الثالث فداخلٌ على كلام ليس بتلك المَثَابَةِ، أي كلام مباين للأول والثاني، فَحَسُنَ إيرادُ الواو العاطفة فيه. وكرر النداء لأن فيه زيادةَ تنبيه له وإيقاضاً من سنة الغفلة، وأظهر أن له بهذا مزيدَ اهتمامٍ، وعلى أُولئك الأقوام فرط شفقة.
قوله: ﴿وتدعونني إِلَى النار﴾ هذه الجلة مستأنفة، أخبر عنهم بذلك بعد استفهام عن دعاء نفسه ويجوز أن يكون التقدير: وما لكم تدعونني إلى النار، وهو الظاهر، ويضعف أن تكون الجملة حالاً، أي مالكم أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلَى النار.
قوله: «تَدْعُونني» هذه الجملة بدل من «تَدْعُونَنِي» الأولى على جهة البيان لها. وأتى في قوله «تَدْعُونَنِي» بجلمة فعلية؛ ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله: «وَأَنَا أَدْعُوكُمْ» بجلمة إسميَّة؛ ليلد على ثُبُوتِ دعوته وتَقْوِيَتِهَا.
فصل
معنى قوله: «مَالَكُمْ» كقولك: ما لي أراك حزنياً، أي مالك، يقول: أخبروني عنك، كيف هَذِهِ الحال؟ أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله، وتدعونني إلى النار بالشرك الذي يُوجِبُ النار، ثم فصر فقال ﴿تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ . والمراد بنفي العلم نفي الإلهة كأنه قال: وَأُشْرك به ما ليس لي بإله، وما ليس إله كيف يُعْقَلُ جَعْلُهُ شريكاً للإله؟
ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بيَّنَ أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغَفَّارِ، «العزيز» في انتقامه ممن كفر، «الغفار» لذنوب أهل التوحيد. فقوله: «العَزِيزِ» إشارة إلى كونه كامل القدرة، وأما فرعون فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلهاً؟ وأما الأصنام فهي حجارة منحوتة فيكف يعقل كونها آلهة؟ قوله: «الغَفَّار» إشارة إلى أنهم يجب أن لا يَيْأَسُوا من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مُدّةً مَدِيدَة فَإنَّ إله العَالَم، وإن كان عَزِيزاً لا يُغْلبُ، قادراً لا يعارض، لكنه غافار يغفر كفر سبيعنَ سنة بإيمان ساعةٍ واحدةٍ.
قوله: «لاَ جَرَمَ» تقدم الخلاف في «لاَ جَرَمَ» في سورة هود في قوله: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ [هود: 22] ، وقال الزمخشري هنا: «ورُوِيَ عن بعض العرب: لا جُرْمَ أنه يفعل كذا بضم الجيم وسكون الراء بمعنى: لا بُدَّ. وَفَعَلٌ وَفُعْلٌ أخوان كَرَشَدٍ، وَرُشْدٍ، وعَدَمٍ، وَعُدْمٍ» .
وشأنه على مذهب البصريين أن يجعل رداً على دعاه إليه قَوْمُهُ.
و «جَرَمَ» فَعَلٌ بمعنى حَق، و «أَنَّ» مع ما في حيّزها فاعله، أي وَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أو بمعنى كَسَبَ من قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ﴾ [المائدة: 2] أي بسبب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته.
ويجوز أن يقال إنّ «لاَ جَرَمَ» نظير «لاَ بُدَّ» فَعَلَ من الجَرْم وهو القطع كما أن «بُدًّا» فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن معنى: لاَ بُدَّ أنكَ تَفْعَلُ كذا بمعنى لاَ بُدَّ لك من فِعْلِهِ، فكذلك ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: 62] أي لاَ قَطْعَ لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون (العقاب) النار لا انقطاع لاسْتِحْقَاقِهِمْ، ولا قطع لبُطْلاَن دعوة الأصنام أي لا تزال باطلةً لا ينقطع ذلك فينقلب حقًّا.
فصل
قال البغوي: «لاَ جَرَمَ» حقاً ﴿أَنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ﴾ أي للدين دعوة في الآخرة قال السدي (رَحِمَهُ اللَّهُ) لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة يعني ليست له استجابة دعوة، فسمى استجابة الدعوة دعوة، إطلاقًاً لاسم أحد المضافين على الآخر، كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها. وقيل: ليستْ له دعوة أي عبادة في الدنيا؛ لأن الأوثانَ لا تَدَّعِي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها.
ثم قال: «وأَنَّ مَرَدَّنَا» أي مرجعنا «إلَى اللهِ» فيجازي كُلاًّ بما يَسْتَحِقُّهُ، «وَأَنَّ المُسْرِفِينَ» المشركين ﴿هُمْ أَصْحَابُ النار﴾ . قاله قتادة. وقال مجاهد: السفاكين الدماء.
ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذا البيان ختم كلامه بخاتِمَةٍ لطيفة فقال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ وهذا كلام مبهم يوجب التخويف، وهذا يحتمل أن يكون المراد منه أن هذا الذكر يحصل في الدنيا أي عند الموت، وأن يكون في القيامة عند مشاهدة العذاب حين لا ينفعكم الذكر.
قوله: «وَأُفَوِّضُ» هذه مستأنفة. وجواز أبو البقاء أن تكون حالاً من فعال «أقولُ» .
وفَتَحَ نافعٌ وأبُوا عَمْروا الياء من: أمري، والباقون بالإسكان.
فصل
لما خوفهم بقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ توعدوه وخوفوه فعول في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على الله بقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله﴾ وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ حين خوّفة فرعون بالقتل فرجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله تعالى فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب﴾ [غافر: 27] . ثم قال: ﴿إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد﴾ . أي عالم بأحوالهم يعلم المحقَّ من المُبطل.
قوله: ﴿فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ . قال مقاتال: لما قال هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه، فلم يهتدوا عليه. وقيل: المراد بقوله: فوقاه الله سيئات ما مكروا أنه قصدوا إدخاله في الكفر، وصرفه عن الإسلام، فوقاه الله من ذلك. والأول أولى، لأن قوله بعد ذلك: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب﴾ لا يليق إلا بالوجْهِ الأول.
وقرأ حمزة وَحِيقَ بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بفالتح.
قال قتادة: نجا مع مُوسَى، وكان قِبْطِيًّا. «وَحَاقَ» نزل «بآل فرعون سواء العذاب» الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة.
قوله: «النَّارُ» الجمهور على رفعها، وفيه ثلاثةُ أوجهُ:
أحدهما: أنه بدل من: «سوء العذاب» قاله الزجاج.
الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي سُوء العذابِ النارُ، لأنه جواب لسؤال مقدر؛ و «يُعْرَضَونَ» على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالاً من «النار» ، ويجوز أن يكون حالاً من «آل فرعون» .
الثالث: أنه مبتدأ، وخره: «يُعْرََضُونَ» .
وقُرِىءَ النَّارَ منصوباً، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر يفسره يعرضون من حيث المعنى أي يصلونَ النارَ يُعْرَضُونَ عليها كقوله: ﴿والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ﴾ [الإنسان: 32] .
الثاني: أن ينتصب على الاختصاص، قال الزمخشري: فعلى الأول لا محل «لِيُعْرَضُونَ» ؛ لكنه مفسراً، وعلى الثاني هو حال كما تقدم.
فصل
دلت هذه الآية على إثبات عذاب القبر؛ لأن الآية تقتضي عرض النار عليهم غُدُوًّا وعَشِيًّا، وليس المراد منه يوم القيامة، لقوله بعده ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب﴾ ، وليس المراد منه أيضاً الدنيا؛ لأن عرض النار عليهم غدوًّا وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت، وقبل القيامة. وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذا ثبت في حقهم ثبت في غيرهم لأنه لا قائل بالفَرْقِ.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض القبائح عليهم في الدنيا لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب، وخوّفهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار. ثم في الآية ما يمنع حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع. وقوله: ﴿عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ يقتضي أن لا يحصُلَ ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر.
الثاني: أن الغدوةَ والعشيةَ إنما يحصلان في الدنيا، أما في القيامة فلا وجود لهما، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر.
والجواب على الأول: أن في الدنيا عرض عليهم الكلمات التي تذكرهم أمر النار، ولم يعرض عليهم نفس الناس، وهذا الظاهر الآية، وارتكاب المجاز، وأما قولهم: الآية تدل على حصول العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز فالجواب لِمَ لا يجوز أن يكتفى في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام يُلْقَى في النار، فيدوم عذاب حينئذٍ، واأيضاً لا يمتنع أن يكون ذكر الغَدْوَةِ والعشية كناية عن الدوام، كقوله تعالى:
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: 62] وأما قولهم: إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية قلنا: لِمَ لا يجوز أن يقال: إن (عند) حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب.
فصل
قال ابنُ مَسعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أرواح آل فرعون في أجْوَاف طيرٍ سُودٍ يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدوا وتروح إلى النار، يقال: يا آل فرعونن هذه منازلكم. وقال قتادة، والسدي والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بُكْرَةً وعَشِيًّا ما دامتْ الدنيا.
وروى ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: إن أحَدَكُم إذَا مَاتَ عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغَدَامةِ والْعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّار؟ ِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فيقال: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامةَ» .
قوله: «وَيَوْمَ تَقُومُ» فيه ثلاثة أوجهٍ:
أظهرها: أنه معمول لقول مضمر، وذلك القوم المضمر محكي به الجملة الأمرية من قوله: «أَدْخِلُوا، والتقدير: يقال لهم يوم تقوم الساعة: أَدْخِلُوا.
الثاني: أنه منصوب» بأدْخِلُوا «أي أدخلوا يوم تقوم، وعلى هذه الوجهين، فَالْوقَفُ تامٌّ على قوله:» وَعَشِيًّا» .
الثالث: أنه معطوف على الظرفين قبله، فيكون معمولاً ليُعْرَضَونَ، والوقف على هذا قوله: «الساعة» . و «ادخلوا» معمول لقول مضمر، أي يقال لهم كذا. وقرأ الكسائيُّ وحمزةٌ ونافعٌ وحفصٌ أدْخِلُوا بقط الهمزة وكسر الخاء، أي يقال للملائكة أدخلوا، أَمْراً من «أَدْخَلَ» » فآل فرعون «مفعولٌ أول، و» أشد العذاب» مفعول ثانٍ، والباقون بهمزة وصل، من دَخَلَ يَدْخُلُ، فآل فِرْعونَ منادَى حذف حرف الناء منه و «أَشَدّ» منصوب به، إما ظرفاً، وإما مفعولاً به. أي ادخلوا يا آل فِرْعَون في أشد العذاب. قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد ألوان العذاب، غير العذاب الذي كانوا يعذبون به منذ غرقوا.
غافر 40:46
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد﴾ أي طريق الهدى ﴿ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ﴾ أي متعةٌ تنتفعون بهنا مرة ثم تنقطع ﴿وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ القرار﴾ التي لا تزول، ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ تقدم الخلاف في قوله: «يدخلون الجنة» في سورة النساء. وقال مقاتل: لا تبعة عليهم فيما يُعْطَوْنَ في الجنة من الخيرات.
واختلفوا في تفسير قوله: «بِغَيْرِ حِسَابٍ» فقيل: لما كان لا نهاية لذلك الثواب قيل: بغير حساب، وقيل: لأنه تعالى معطيهم ثواب آبائِهِمْ، ويضم إلى ذلك الثواب من التفضيل ما يخرج من الحساب واقع في مقابلة: «إلاّ مثلها» يعني أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، لئلا يزيد على الاستحقاق فأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وغير حساب، وهذا يدل على أن جانب الرحمة والفضل راجحٌ على جانب العقاب، فإذا عارضنا عُمُومَاتِ الوَعِيدِ بعُمُومَاتِ الوَعْد وجب أن يكون الترجيحُ لجانبِ عُمُومَاتِ الوعد، وذلك يهدم قواعد المعتزلة.
فصل
احتج أهل السنة بهذه الآية، فقالوا: قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فجَرَى مَجْرَى أن يقال: «من ذكر كلمة أو من خطا خطوة فله كذا» فإنه يدخل فيه أنّ من آمن بتلك الكلمة أو بتلك الخطوة مرة واحدة فكذلك ها هنا وجب أن يقال: كُلُّ من عمل صالحاً واحداً من الصالحات فإنه يدخل الجنة، ويُرْزَقُ فيها بغير حساب، والآتي بالإيمان والمواظب على التوحيد والتنزيه والتقديس مدة ثمانين سنة قد أتى بأعظم الطاعات، وبأحسن الطاعات، فوجب أن يدخل الجنة، والخصم يقول: إنه يَخْلُدُ في النار أَبَدَ الآباد، وذلك مخالف لهذا النص الصريح. قالت المعتزلة: إنه تعالى شرط فيه كونه مؤمناً، ومرتكب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن، فلا يدخل في هذا الوعد والجواب ما تقدم في قوله: «يُؤْمِنُون بالغَيْبِ» فإن صاحب الكبيرة مؤمن فَسَقَطَ كلامُهُمْ.
فصل
دلت هذه الآية على اعتبار المماثلة في الشريعة، وأن الزائد على المِثْلِ غير مشروع، وليس في الآية بيان أن تلك المماثلة معتبرةٌ في أي الأمور، فلو حملناها على رعاية المماثلة في جميع الأمور صارت الآية عامةً خاصة. وقد ثبت في أصول الفقه أن التعارض إذا وقع بين الإجمال والتخصيص كان الأول أولى، فوجب أن تحمل هذه الآية على رعاية المماثلة من كل الوجوه إلا ما خَصّهُ الدليل وإذا ثبت ذلك بني عليه أحكامٌ كثيرة من الجنايات على النفوس والأعظاء والأموال؛ لأنه تعالى بين أنَّ جزاءَ السيئة مقصورٌ على المِثْلِ، وبين أن جزاء الحسنة ليس مقصوراً على المِثْلِ بل هو خارج عن الحساب.
قوله تعالى: ﴿وياقوم مَا لي أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وتدعونني إِلَى النار﴾ . قوله تعالى: ﴿وياقوم﴾ قال الزمخشري: فَإن قُلْتَ: لِمَ جاء بالواو في الناداء الثالث دون الثاني؟
قلت: لأن الثانيَ داخل على كلام هو بيان للمجمل، وتفسير له، فأعطي الداخل عليه حكمه في امتناع دخول الواو. وأما الثالث فداخلٌ على كلام ليس بتلك المَثَابَةِ، أي كلام مباين للأول والثاني، فَحَسُنَ إيرادُ الواو العاطفة فيه. وكرر النداء لأن فيه زيادةَ تنبيه له وإيقاضاً من سنة الغفلة، وأظهر أن له بهذا مزيدَ اهتمامٍ، وعلى أُولئك الأقوام فرط شفقة.
قوله: ﴿وتدعونني إِلَى النار﴾ هذه الجلة مستأنفة، أخبر عنهم بذلك بعد استفهام عن دعاء نفسه ويجوز أن يكون التقدير: وما لكم تدعونني إلى النار، وهو الظاهر، ويضعف أن تكون الجملة حالاً، أي مالكم أدعوكم إلى النجاة حال دعائكم إياي إلَى النار.
قوله: «تَدْعُونني» هذه الجملة بدل من «تَدْعُونَنِي» الأولى على جهة البيان لها. وأتى في قوله «تَدْعُونَنِي» بجلمة فعلية؛ ليدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله: «وَأَنَا أَدْعُوكُمْ» بجلمة إسميَّة؛ ليلد على ثُبُوتِ دعوته وتَقْوِيَتِهَا.
فصل
معنى قوله: «مَالَكُمْ» كقولك: ما لي أراك حزنياً، أي مالك، يقول: أخبروني عنك، كيف هَذِهِ الحال؟ أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله، وتدعونني إلى النار بالشرك الذي يُوجِبُ النار، ثم فصر فقال ﴿تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بالله وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ . والمراد بنفي العلم نفي الإلهة كأنه قال: وَأُشْرك به ما ليس لي بإله، وما ليس إله كيف يُعْقَلُ جَعْلُهُ شريكاً للإله؟
ولما بين أنهم يدعونه إلى الكفر بيَّنَ أنه يدعوهم إلى الإيمان بالعزيز الغَفَّارِ، «العزيز» في انتقامه ممن كفر، «الغفار» لذنوب أهل التوحيد. فقوله: «العَزِيزِ» إشارة إلى كونه كامل القدرة، وأما فرعون فهو في غاية العجز، فكيف يكون إلهاً؟ وأما الأصنام فهي حجارة منحوتة فيكف يعقل كونها آلهة؟ قوله: «الغَفَّار» إشارة إلى أنهم يجب أن لا يَيْأَسُوا من رحمة الله بسبب إصرارهم على الكفر مُدّةً مَدِيدَة فَإنَّ إله العَالَم، وإن كان عَزِيزاً لا يُغْلبُ، قادراً لا يعارض، لكنه غافار يغفر كفر سبيعنَ سنة بإيمان ساعةٍ واحدةٍ.
قوله: «لاَ جَرَمَ» تقدم الخلاف في «لاَ جَرَمَ» في سورة هود في قوله: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ [هود: 22] ، وقال الزمخشري هنا: «ورُوِيَ عن بعض العرب: لا جُرْمَ أنه يفعل كذا بضم الجيم وسكون الراء بمعنى: لا بُدَّ. وَفَعَلٌ وَفُعْلٌ أخوان كَرَشَدٍ، وَرُشْدٍ، وعَدَمٍ، وَعُدْمٍ» .
وشأنه على مذهب البصريين أن يجعل رداً على دعاه إليه قَوْمُهُ.
و «جَرَمَ» فَعَلٌ بمعنى حَق، و «أَنَّ» مع ما في حيّزها فاعله، أي وَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ، أو بمعنى كَسَبَ من قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام أَن تَعْتَدُواْ﴾ [المائدة: 2] أي بسبب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته بمعنى أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته.
ويجوز أن يقال إنّ «لاَ جَرَمَ» نظير «لاَ بُدَّ» فَعَلَ من الجَرْم وهو القطع كما أن «بُدًّا» فعل من التبديد وهو التفريق، وكما أن معنى: لاَ بُدَّ أنكَ تَفْعَلُ كذا بمعنى لاَ بُدَّ لك من فِعْلِهِ، فكذلك ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: 62] أي لاَ قَطْعَ لذلك بمعنى أنهم أبداً يستحقون (العقاب) النار لا انقطاع لاسْتِحْقَاقِهِمْ، ولا قطع لبُطْلاَن دعوة الأصنام أي لا تزال باطلةً لا ينقطع ذلك فينقلب حقًّا.
فصل
قال البغوي: «لاَ جَرَمَ» حقاً ﴿أَنَّمَا تدعونني إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ﴾ أي للدين دعوة في الآخرة قال السدي (رَحِمَهُ اللَّهُ) لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة يعني ليست له استجابة دعوة، فسمى استجابة الدعوة دعوة، إطلاقًاً لاسم أحد المضافين على الآخر، كقوله: وجزاء سيئة سيئة مثلها. وقيل: ليستْ له دعوة أي عبادة في الدنيا؛ لأن الأوثانَ لا تَدَّعِي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها وفي الآخرة تتبرأ من عابديها.
ثم قال: «وأَنَّ مَرَدَّنَا» أي مرجعنا «إلَى اللهِ» فيجازي كُلاًّ بما يَسْتَحِقُّهُ، «وَأَنَّ المُسْرِفِينَ» المشركين ﴿هُمْ أَصْحَابُ النار﴾ . قاله قتادة. وقال مجاهد: السفاكين الدماء.
ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذا البيان ختم كلامه بخاتِمَةٍ لطيفة فقال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ وهذا كلام مبهم يوجب التخويف، وهذا يحتمل أن يكون المراد منه أن هذا الذكر يحصل في الدنيا أي عند الموت، وأن يكون في القيامة عند مشاهدة العذاب حين لا ينفعكم الذكر.
قوله: «وَأُفَوِّضُ» هذه مستأنفة. وجواز أبو البقاء أن تكون حالاً من فعال «أقولُ» .
وفَتَحَ نافعٌ وأبُوا عَمْروا الياء من: أمري، والباقون بالإسكان.
فصل
لما خوفهم بقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾ توعدوه وخوفوه فعول في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على الله بقوله: ﴿وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله﴾ وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ حين خوّفة فرعون بالقتل فرجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله تعالى فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب﴾ [غافر: 27] . ثم قال: ﴿إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد﴾ . أي عالم بأحوالهم يعلم المحقَّ من المُبطل.
قوله: ﴿فَوقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ﴾ . قال مقاتال: لما قال هذه الكلمات قصدوا قتله فهرب منهم إلى الجبل فطلبوه، فلم يهتدوا عليه. وقيل: المراد بقوله: فوقاه الله سيئات ما مكروا أنه قصدوا إدخاله في الكفر، وصرفه عن الإسلام، فوقاه الله من ذلك. والأول أولى، لأن قوله بعد ذلك: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سواء العذاب﴾ لا يليق إلا بالوجْهِ الأول.
وقرأ حمزة وَحِيقَ بكسر الحاء وكذلك في كل القرآن والباقون بفالتح.
قال قتادة: نجا مع مُوسَى، وكان قِبْطِيًّا. «وَحَاقَ» نزل «بآل فرعون سواء العذاب» الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة.
قوله: «النَّارُ» الجمهور على رفعها، وفيه ثلاثةُ أوجهُ:
أحدهما: أنه بدل من: «سوء العذاب» قاله الزجاج.
الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو أي سُوء العذابِ النارُ، لأنه جواب لسؤال مقدر؛ و «يُعْرَضَونَ» على هذين الوجهين يجوز أن يكون حالاً من «النار» ، ويجوز أن يكون حالاً من «آل فرعون» .
الثالث: أنه مبتدأ، وخره: «يُعْرََضُونَ» .
وقُرِىءَ النَّارَ منصوباً، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه منصوب بفعل مضمر يفسره يعرضون من حيث المعنى أي يصلونَ النارَ يُعْرَضُونَ عليها كقوله: ﴿والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ﴾ [الإنسان: 32] .
الثاني: أن ينتصب على الاختصاص، قال الزمخشري: فعلى الأول لا محل «لِيُعْرَضُونَ» ؛ لكنه مفسراً، وعلى الثاني هو حال كما تقدم.
فصل
دلت هذه الآية على إثبات عذاب القبر؛ لأن الآية تقتضي عرض النار عليهم غُدُوًّا وعَشِيًّا، وليس المراد منه يوم القيامة، لقوله بعده ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب﴾ ، وليس المراد منه أيضاً الدنيا؛ لأن عرض النار عليهم غدوًّا وعشياً ما كان حاصلاً في الدنيا فثبت أن هذا العرض إنما حصل بعد الموت، وقبل القيامة. وذلك يدل على إثبات عذاب القبر في حق هؤلاء، وإذا ثبت في حقهم ثبت في غيرهم لأنه لا قائل بالفَرْقِ.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون المراد من عرض النار عليهم غدواً وعشياً عرض القبائح عليهم في الدنيا لأن أهل الدين إذا ذكروا لهم الترغيب والترهيب، وخوّفهم بعذاب الله فقد عرضوا عليهم النار. ثم في الآية ما يمنع حمله على عذاب القبر وبيانه من وجهين:
أحدهما: أن ذلك العذاب يجب أن يكون دائماً غير منقطع. وقوله: ﴿عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً﴾ يقتضي أن لا يحصُلَ ذلك العذاب إلا في هذين الوقتين فثبت أن هذا لا يمكن حمله على عذاب القبر.
الثاني: أن الغدوةَ والعشيةَ إنما يحصلان في الدنيا، أما في القيامة فلا وجود لهما، فثبت أنه لا يمكن حمل هذه الآية على عذاب القبر.
والجواب على الأول: أن في الدنيا عرض عليهم الكلمات التي تذكرهم أمر النار، ولم يعرض عليهم نفس الناس، وهذا الظاهر الآية، وارتكاب المجاز، وأما قولهم: الآية تدل على حصول العذاب في هذين الوقتين وذلك لا يجوز فالجواب لِمَ لا يجوز أن يكتفى في القبر بإيصال العذاب إليه في هذين الوقتين، ثم عند قيام يُلْقَى في النار، فيدوم عذاب حينئذٍ، واأيضاً لا يمتنع أن يكون ذكر الغَدْوَةِ والعشية كناية عن الدوام، كقوله تعالى:
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ [مريم: 62] وأما قولهم: إنه ليس في القبر والقيامة غدوة وعشية قلنا: لِمَ لا يجوز أن يقال: إن (عند) حصول هذين الوقتين لأهل الدنيا يعرض عليهم العذاب.
فصل
قال ابنُ مَسعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أرواح آل فرعون في أجْوَاف طيرٍ سُودٍ يعرضون على النار كل يوم مرتين تغدوا وتروح إلى النار، يقال: يا آل فرعونن هذه منازلكم. وقال قتادة، والسدي والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بُكْرَةً وعَشِيًّا ما دامتْ الدنيا.
وروى ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: إن أحَدَكُم إذَا مَاتَ عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغَدَامةِ والْعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّار؟ ِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فيقال: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامةَ» .
قوله: «وَيَوْمَ تَقُومُ» فيه ثلاثة أوجهٍ:
أظهرها: أنه معمول لقول مضمر، وذلك القوم المضمر محكي به الجملة الأمرية من قوله: «أَدْخِلُوا، والتقدير: يقال لهم يوم تقوم الساعة: أَدْخِلُوا.
الثاني: أنه منصوب» بأدْخِلُوا «أي أدخلوا يوم تقوم، وعلى هذه الوجهين، فَالْوقَفُ تامٌّ على قوله:» وَعَشِيًّا» .
الثالث: أنه معطوف على الظرفين قبله، فيكون معمولاً ليُعْرَضَونَ، والوقف على هذا قوله: «الساعة» . و «ادخلوا» معمول لقول مضمر، أي يقال لهم كذا. وقرأ الكسائيُّ وحمزةٌ ونافعٌ وحفصٌ أدْخِلُوا بقط الهمزة وكسر الخاء، أي يقال للملائكة أدخلوا، أَمْراً من «أَدْخَلَ» » فآل فرعون «مفعولٌ أول، و» أشد العذاب» مفعول ثانٍ، والباقون بهمزة وصل، من دَخَلَ يَدْخُلُ، فآل فِرْعونَ منادَى حذف حرف الناء منه و «أَشَدّ» منصوب به، إما ظرفاً، وإما مفعولاً به. أي ادخلوا يا آل فِرْعَون في أشد العذاب. قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يريد ألوان العذاب، غير العذاب الذي كانوا يعذبون به منذ غرقوا.
غافر 40:47
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ﴾ في العامل في «إذْ» ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أنه معطوف على «غُدُوًّا» فيكون معمولاً ليُعْرَضُونَ أي يعرضون على النار في هذه الأوقات كلها قاله أبو البقاء.
الثاني: أنه معطوف على قوله «إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ» قاله الطبري. وفيه نظر؛ لبُعْد مابينهما، ولأن الظاهر عودُ الضمير من «يَتَحَاجُّونَ» إلى آل فرعون.
الثالث: أنه منصوب بإضمار اذكر.
قوله: «تبعاً» فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه اسم جَمْع لِتَابع، ونحوه: خَادِم وخَدَمٌ، وغَائبٌ وغَيَبٌ وآدمٌ وأَدَمٌ.
قال البغوي: والتَّبَعُ يكون واحداً وجَمعاً في قولن أهل البَصْرة، واحده تابع. وقال الكوفيون: هو جمع لا واحد له وجمعه أتباع.
والثاني: أنه مصدر واقع موقع اسم الفاعل أي تابعين.
والثالث: أنه مصدر أيضاً ولكن على حذف مضاف أي ذَوِي تَبَعٍ.
قوله: «نَصِيباً» فيه ثلاثةُ أوجه:
أحدهما: أن ينتصب بفعل مقدر به عليه قوله: «مُغْنُونَ» تقديره: هل أنتم دَافِعُونَ عَنَّا.
الثاني: أن يُضَمَّن مُغْنُونَ معنى حَامِلينَ.
الثالث: أن ينتصب على المصدر، قال أبو البقاء: كَما كَانَ «شَيءٌ» كذلك، ألا ترى إلى قوله: ﴿لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ الله شَيْئاً﴾ [آل عمران: 10] «فَشَيْئاً» في موضع «غِنًى» فكذلك «نصيباً» و «من النار» صفة ل «نصيباً» .
قوله: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ﴾ العامة على رفع «كُلٌّ» ورفعه على الابتداء و «فِيهَا» خبره والجملة خبر «إنَّ» ، وهذا كقوله في آل عمران: ﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ [آل عمران: 154] ، في قراءة أبي عمرو. وقرأ ابن السّميْقَع وعيسى بْنُ عُمَرَ بالنصب، وفيه ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أن يكون تأكيداً لاسم إن، قال الزمخشري: توكيد لاسم إن، وهو معرفة، والتنوين عوض من المضاف إليه، يريد: إنا كًُلَّنَا فيها انتهى، يعني فيكون «فيها» هو الخبر، وإلى كونه توكيداً ذهب ابْنُ عطيةَ أيضاً.
ورد ابن مالك هذا المذهب فقال في تَسْهِيلِهِ: «ولا يستغني بنية إضافته خلافاً للزمخشري» .
قال شهاب الدين: «وليس هذا مذهباً للزمخشري وحده بل هو منقول عن الكوفيين أيضاً» .
والثاني: أن تكون منصوبة على الحال، قال ابن مالك: والقول المَرْضِيُّ عندي أنّ «كُلاًّ» في القراءة المذكورة منصوبة على الحال من الضمير المرفوع في «فِيهَا» و «فيها» هو العامل؛ وقد قدمت عليه مع عدم تصرفه، كما قدمت في قراءة مَنْ قَرَأَ: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر: 67] .
وفي قول النَّابِغَةِ:
4342 - رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْرَاعِهِمْ ... فِيهِمْ وَرَهْطُ رَبِيعَة بْنِ حُذَارِ
وقال بعض الطائيين:
4343 - دَعَا فَأَجَبْنَا وَهْوَ بَادِيَ ذِلَّة ... لَدَيْكُمْ وَكَانَ النَّصْرُ غَيْرَ بَعِيدِ يعني بنصب «بادي» . وهذا هو مذهب الأخفش، إلا أن الزمخشري منع من ذلك، قال رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإن قُلْتَ: هل يجوز أن يكون «كلاًّ» حالاً، قد عمل فيهِ «فيها» ؟ قُلْتُ: لا؛ لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمةً كما يعمل في الظرف متقدماً، تقول: كُلَّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تقول: قائماً في الدَّارِ زَيْدٌ، قال أبو حيان: وهذا الذي منعه أجازه الأخفش، إذا توسعت الحال، نحو: زيدٌ قائماً في الدار، وزيد قائماً عندك.
والمثال الذي ذكره ليس مطابقاً لما في الآية؛ لأن الآية تقدم فيها المسند إليه الحكم وهو اسم إن، وتوسطت الحال إذا قلنا: إنها حال، وتأخر العامل فيها. وأما تمثيله بقوله: «ولا تقول قائماً في الدَّارِ زيْد» فقد تأخر فيه المسند والمسند إليه، وقد ذكر بعضهم: أن المنع في ذلك إجماع من النحاة.
قال شهاب الدين: الزمخشري منعه صحيح؛ لأنه ماشٍ على مذهب الجمهور وأما تمثيله بما ذكر فلا يضره؛ لأنه في محل المنع، فعدم تجويزه صحيح.
الثالث: أن «كُلاًّ» بدل من «نَا» في «إنَّا» ؛ لأن «كُلاًّ» قد وَليَت العَوامِلَ فكأنه قيل: إنّ كُلاًّ فيها وإذا كانوا قد تأولوا قوله:
4344 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ... ... ... ... ... . حَوْلاً أَكْتَعَا
و «حَوْلاً أجْمَعَا» على البدل مع تصرف أكْتَعَ وأجْمَعَ؛ فلأن ذلك في «كّلّ» أولى وأجدى. وأيضاً فإن المشهور تعريف «كُلّ» حال قطعها، حكي في الكثير الفَاشِي: مررت بكُلِّ قائماً وبِبَعْضٍ جالساً، وعزاه بعضهم لسيبويه.
وتنكير «كل» ونصبها حالاً في غاية الشذوذ، نحو: «مَرَرْتُ بِهِمْ كُلاًّ» أي جميعاً.
فإن قيل: فيه بدل الكل من الكل في ضمير الحاضر وهو لا يجوز.
أجيبَ بوجهين:
أحدهما: أن الكوفيين والأخفش يرون ذلك وأنشدوا قوله:
4345 - أَنَا سَيْفُ العِشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي ... حميداً قَدْ تَذَرَّيْتُ السِّنَامَا
«فحميداً» بدل من ياء «فاعرفوني» . وقد تأوله البصريون على نصبه على الاختصاص.
والثاني: أن هذا الذي نحن فيه ليس محل الخلاف» ؛ لأن دال على الإحاطة والشمول، وقد قالوا: إنه متى كان البدل دالاً على ذلك جاز، وأنشدوا:
4346 - فَمَا بَرِحَتْ أَقْدَامُنَا فِي مَكَانِنَا ... ثَلاَثتِنَا حَتَّى أُزِيرُوا المَنَائِيَا
ومثله قوله تعالى: ﴿لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: 114] قالو: «ثلاثتنا» بدل من «ن» في «مكاننا» ؛ لدلالتها على الإحاطة، وكذلك» لأولنا وآخرنا «بدل من» ن» ف «لنا» ، فلأن يجوز ذلك في كل التي هي أصل في الشمول والإحاطة بطريق الأولى، هذا كلام أبي حيان في الوجه الثالث.
وفيه نظر لأن المبرد ومكِيًّا نصا على أن البدل في هذه الآية لا يجوز فكيف يدعى أنه لا خلاف في البدل والحالة هذه؟ لا يقال: إن في الآية قولاً رابعاً، وهو أن «كُلاًّ» نعت لاسم إنَّ، وقد صرح الكسائيُّ والفراء بذلك فقالا: هو نعت لاسم إن؛ لأن الكوفيين يطلقون اسم النعت على التأكيد، ولا يريدون حقيقة النعت.
وممن نص على هذه التأويل مكي رَحِمَهُ اللَّهُ؛ ولأن الكسائي إنما جوز نعت ضمير الغائب فقط دون المتكلم والمخاطب.
فصل
معنى الآية واذكر يا محمد القومكم إذ يَتَحاجُّون أي يُحَاجُّ بعضُهم بعضاً. ثم شرح خصومتهم وهي أن الضعفاء يقولون للرؤساء: إنا كنا لكم تبعاً في الدنيا فهل أنتم مغنون عنا نصباً من النار أي فهل تقدرون على أن تدفعوا عنا أيها الرُّؤسَاء نصيباً من العذاب؟
ومقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تعجيز أولئك الرؤساءَ وإيلام قلوبهم؛ لأنهم يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرةَ لهم على ذلك التخفيف فعند ذلك يقول الرؤساء إنا كل فيها أي إنا كُلُّنَا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرنا على إزالة العذاب لدفعناه عن أنفسنا. ثم يقولون: ﴿إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد﴾ يعنى فَأَوْصَلَ إلى شكل أحد حقه من النعيم أو من العذاب، فعند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين، فيرجعون إلى خَزَنَةِ جهنم ويقولون لهم: ﴿ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ .
فإن قيل: لم لم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع.
والثاني: أن تكون جهنم اسماً لموضع من أشد المواضع بعيدِ القرار من قولهم: بِئْرٌ جِهِنَّامٌ أي بعيدة القَعْر وفيها أعظم أقسام كفار عقوبة، وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة، فإذْ عرف الكافر أن الأمر كذلك استغاثوا بهم فيقولون لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾ ؟ .
قوله: ﴿يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ في يومايً وَجْهَانِ:
أحدهما: أنه ظرف لِيُخَفِّفْ، ومفعول «يخفف» محذوف، أي يخفف عنا شيئاً من العذاب في يوم. ويجوز على رأي الأخفش أن تكون «مِنْ» مزيدة فيكون العذاب هو المفعول، أي يخفف عنا في يوم العذابَ.
الثاني: أن يكون مفعولاً به، واليوم لا يخفف، وإنما يخفف مظروفه، والتقدير يخفف عذاب يوم، وهو قلق لقوله: «مِنَ العَذَابِ» والقول بأنه صفة كالحال أقلق منه.
والظاهر أن «مِنَ العََذَابِ» هو المفعول ليخفف، ومِنْ تَبْعِيضِيَّة، و «يَوْماً» ظرف، سألوا أن يخفف عنهم بعض العذاب لا كله في يوم ما، لا في كل يوم ولا في يوم معين.
فصل
لما أجابوهم الخزنة بقولهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾ ؟ قالوا: بلى والمعنى أن لولا إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا ما جاءنا من نذير. وهذه الآية تدل على أن الجواب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشَّرْعِ. ثم إن أولئك الملائكة يقولون لهم: ادْعُوا أنتم فإنا لا نَتَجَرأ على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون المشفع له مؤمناً.
والثاني: حصول الإذن في الشفاعة، ولم يوجد شيء من هذين الشرطين لكن ادعوا أنتم.
وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة، ولكن لِلدلالة على الخيبة، وأن المَلكَ المقرب إذا لم يسمعْ دعاؤه فيكف يسمع دعاء الكافر؟ ثم صرحوا لهم بأنه لا أثر لدعائهم فقالوا: ﴿دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ أي يبطل ويَضِلّ ولا ينفعهم.
فإن قيل: إنه تعالى يمتنع عليه أن يتأذى من المجرمين يسبب جُرْأَتِهِمْ، وإذا كان التَّأَذِّي محالاً كانت شهوة الانتقام ممتنعةً في حقه، وإذا ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضارّ العظيمة إلى أولئك الكفار إضرار خالٍ عن جميع جهات المنفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يعذب بترك الآلام أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدَّاهرِينَ من غير أن يَرْحم حاجتهم، ومن غير أن يسمع دعاءهم، ومن غير أن يلتفت إلى تضرعهم وانكسارهم، ولو أن أقسى الناس قلباً فعل مثل هذا التعذيب ببعض عَبِيدِهِ لأداء كَرَمُهُ ورحمته إلى العفو عنه مع أن هذا السيِّد في محل الحاجة والنفع والضرر فأكرم الأكرمين كيف يليق به هذا الإضرار؟
فالجواب: أن أفعال الله لا تُعَلَّل، ولا يُسْأَلُ عما يَفْعَلُ وهم يُسْأَلُونَ فلما جاء الحكم الحق به في الكتاب الحق وجب الإقرار به والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ... .﴾ الآية. في كيفية النظم وجوه:
الأول: أنه تعالى لما ذكر وقاية الله موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، وذلك المؤمن من مكر فرعون مَنَّ في هذه الآية بأنه ينصر رسله والذين آمنوا معه.
الثاني: لما بين من قبل تَخَاصُم أهلِ النار، وأنهم عند الفزع إلى خزنة جهنم يقولون: ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات أتبع ذلك الرسل وأنه ينصرهم في الدنيا والآخرة.
الثالث: قال ابن الخطيب: وهو الأقرب عندي أن الكلام في أول السورة إنما وقع من قوله: إنما يُجَادِلُ في آيَات اللهِ الذين كفروا فلا يغرنك تقلّبهم في البلاد. وأصل الكلام في الرد على أولئك المجادلين وعلى أن المحقين أبداً مشغولين بدفع كيد المبطلين، وكل ذلك إنما ذكره الله تعالى تسلية للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتصبيراً له على تحمل الأذى من قومه.
ولما بلغ الكلام في تقرير هذا المطلوب إلى الغاية القصوى وعد تعالى بأن ينصر رسوله على أعدائه تعالى فقال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا﴾ . قال ابنُ عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: بالغلبة والقهر، وقال الضَّحَّاحُ: بالحُجَّة، وفي الآخرة بالانتقام من الأعداء وبإعلاء درجاتهم في مراتب الثواب، وكل ذلك قد كان للأنبياء والمؤمنين، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وأهلك أعداءهم بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قُتِلَ فقَتَلَ به سبعين ألفاً.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ قرأ الجمهور يَقُوم بالياء من أسفلَ، وأبو عمرو في رواية المنقريّ عنه وابن هُرْمز وإسماعيل بالتاء من فوق لتأنيث الجماعة.
والأشهاد يجوز أن يكون جمع «شَهيدٍ» كشَرِيفٍ وأشْرَافٍ، وهو مطابق لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] وأن يكون جمع «شاهد» كصَاحِب، وأصْحاب، وطَائر، وأطيار، قال المبرد وهو مطابق لقوله: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ [الأحزاب: 45] .
واعلم أن قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ فيه دقيقة لطيفة، وهي أن السلطان العظيم إذا آثر بعض خواصه بالإكرام العظيم عند حضور الجمع من أهل المشرق والمغرب كان ذلك أتمّ وأبهج. وعنى بالأشهاد كل من شهد بأعمال العباد يوم القيامة من ملك ونبي ومؤمن. أما الملائكة فهو الكرام الكاتبون يشهدون على الرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب. وأما الأنبياء فقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: 41] وأما المؤمنون فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [البقرة: 143]
قوله «يَوْمَ» بدل من «يوم» قبله، أو بيان له، أو نصب بإضمار أَعْنِي.
وتقدم الخلاف في قوله ِ «يَنْفَع الظَّالِمِينَ» بالياء والتاء آخر الروم. والمعنى لا ينفع الظالمين معذرتهم إن اعتذروا «ولهم اللعنة» البعد من الرحمة، وهذا يفيد الحصر يعني أن اللعنة مقصورة عليهم، وهي الإهانة والإذلال ﴿وَلَهُمْ سواء الدار﴾ يعني جهنم.
فإن قيل: قوله: ﴿لا ينفع الظالمين معذرتهم﴾ يدل على أنهم يذكرون الأعذار، ولكن تلك الأعذار لا تنفعهم فكيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] ؟
فالجواب: قوله ﴿لا ينفع الظالمين معذرتهم﴾ لا يدل على أنهم ذكروا الأعذار بل ليس فيه إلا أنه ليس عندهم عذر مقبول، وهذا لا يدل على أنهم ذكروه أم لا وأيضاً فيوم القيامة يوم طويل فيعتذرون في وقت ولا يتعذرون في وقت آخر.
غافر 40:48
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ﴾ في العامل في «إذْ» ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أنه معطوف على «غُدُوًّا» فيكون معمولاً ليُعْرَضُونَ أي يعرضون على النار في هذه الأوقات كلها قاله أبو البقاء.
الثاني: أنه معطوف على قوله «إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ» قاله الطبري. وفيه نظر؛ لبُعْد مابينهما، ولأن الظاهر عودُ الضمير من «يَتَحَاجُّونَ» إلى آل فرعون.
الثالث: أنه منصوب بإضمار اذكر.
قوله: «تبعاً» فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه اسم جَمْع لِتَابع، ونحوه: خَادِم وخَدَمٌ، وغَائبٌ وغَيَبٌ وآدمٌ وأَدَمٌ.
قال البغوي: والتَّبَعُ يكون واحداً وجَمعاً في قولن أهل البَصْرة، واحده تابع. وقال الكوفيون: هو جمع لا واحد له وجمعه أتباع.
والثاني: أنه مصدر واقع موقع اسم الفاعل أي تابعين.
والثالث: أنه مصدر أيضاً ولكن على حذف مضاف أي ذَوِي تَبَعٍ.
قوله: «نَصِيباً» فيه ثلاثةُ أوجه:
أحدهما: أن ينتصب بفعل مقدر به عليه قوله: «مُغْنُونَ» تقديره: هل أنتم دَافِعُونَ عَنَّا.
الثاني: أن يُضَمَّن مُغْنُونَ معنى حَامِلينَ.
الثالث: أن ينتصب على المصدر، قال أبو البقاء: كَما كَانَ «شَيءٌ» كذلك، ألا ترى إلى قوله: ﴿لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ الله شَيْئاً﴾ [آل عمران: 10] «فَشَيْئاً» في موضع «غِنًى» فكذلك «نصيباً» و «من النار» صفة ل «نصيباً» .
قوله: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ﴾ العامة على رفع «كُلٌّ» ورفعه على الابتداء و «فِيهَا» خبره والجملة خبر «إنَّ» ، وهذا كقوله في آل عمران: ﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ [آل عمران: 154] ، في قراءة أبي عمرو. وقرأ ابن السّميْقَع وعيسى بْنُ عُمَرَ بالنصب، وفيه ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أن يكون تأكيداً لاسم إن، قال الزمخشري: توكيد لاسم إن، وهو معرفة، والتنوين عوض من المضاف إليه، يريد: إنا كًُلَّنَا فيها انتهى، يعني فيكون «فيها» هو الخبر، وإلى كونه توكيداً ذهب ابْنُ عطيةَ أيضاً.
ورد ابن مالك هذا المذهب فقال في تَسْهِيلِهِ: «ولا يستغني بنية إضافته خلافاً للزمخشري» .
قال شهاب الدين: «وليس هذا مذهباً للزمخشري وحده بل هو منقول عن الكوفيين أيضاً» .
والثاني: أن تكون منصوبة على الحال، قال ابن مالك: والقول المَرْضِيُّ عندي أنّ «كُلاًّ» في القراءة المذكورة منصوبة على الحال من الضمير المرفوع في «فِيهَا» و «فيها» هو العامل؛ وقد قدمت عليه مع عدم تصرفه، كما قدمت في قراءة مَنْ قَرَأَ: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر: 67] .
وفي قول النَّابِغَةِ:
4342 - رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْرَاعِهِمْ ... فِيهِمْ وَرَهْطُ رَبِيعَة بْنِ حُذَارِ
وقال بعض الطائيين:
4343 - دَعَا فَأَجَبْنَا وَهْوَ بَادِيَ ذِلَّة ... لَدَيْكُمْ وَكَانَ النَّصْرُ غَيْرَ بَعِيدِ يعني بنصب «بادي» . وهذا هو مذهب الأخفش، إلا أن الزمخشري منع من ذلك، قال رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإن قُلْتَ: هل يجوز أن يكون «كلاًّ» حالاً، قد عمل فيهِ «فيها» ؟ قُلْتُ: لا؛ لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمةً كما يعمل في الظرف متقدماً، تقول: كُلَّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تقول: قائماً في الدَّارِ زَيْدٌ، قال أبو حيان: وهذا الذي منعه أجازه الأخفش، إذا توسعت الحال، نحو: زيدٌ قائماً في الدار، وزيد قائماً عندك.
والمثال الذي ذكره ليس مطابقاً لما في الآية؛ لأن الآية تقدم فيها المسند إليه الحكم وهو اسم إن، وتوسطت الحال إذا قلنا: إنها حال، وتأخر العامل فيها. وأما تمثيله بقوله: «ولا تقول قائماً في الدَّارِ زيْد» فقد تأخر فيه المسند والمسند إليه، وقد ذكر بعضهم: أن المنع في ذلك إجماع من النحاة.
قال شهاب الدين: الزمخشري منعه صحيح؛ لأنه ماشٍ على مذهب الجمهور وأما تمثيله بما ذكر فلا يضره؛ لأنه في محل المنع، فعدم تجويزه صحيح.
الثالث: أن «كُلاًّ» بدل من «نَا» في «إنَّا» ؛ لأن «كُلاًّ» قد وَليَت العَوامِلَ فكأنه قيل: إنّ كُلاًّ فيها وإذا كانوا قد تأولوا قوله:
4344 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ... ... ... ... ... . حَوْلاً أَكْتَعَا
و «حَوْلاً أجْمَعَا» على البدل مع تصرف أكْتَعَ وأجْمَعَ؛ فلأن ذلك في «كّلّ» أولى وأجدى. وأيضاً فإن المشهور تعريف «كُلّ» حال قطعها، حكي في الكثير الفَاشِي: مررت بكُلِّ قائماً وبِبَعْضٍ جالساً، وعزاه بعضهم لسيبويه.
وتنكير «كل» ونصبها حالاً في غاية الشذوذ، نحو: «مَرَرْتُ بِهِمْ كُلاًّ» أي جميعاً.
فإن قيل: فيه بدل الكل من الكل في ضمير الحاضر وهو لا يجوز.
أجيبَ بوجهين:
أحدهما: أن الكوفيين والأخفش يرون ذلك وأنشدوا قوله:
4345 - أَنَا سَيْفُ العِشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي ... حميداً قَدْ تَذَرَّيْتُ السِّنَامَا
«فحميداً» بدل من ياء «فاعرفوني» . وقد تأوله البصريون على نصبه على الاختصاص.
والثاني: أن هذا الذي نحن فيه ليس محل الخلاف» ؛ لأن دال على الإحاطة والشمول، وقد قالوا: إنه متى كان البدل دالاً على ذلك جاز، وأنشدوا:
4346 - فَمَا بَرِحَتْ أَقْدَامُنَا فِي مَكَانِنَا ... ثَلاَثتِنَا حَتَّى أُزِيرُوا المَنَائِيَا
ومثله قوله تعالى: ﴿لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: 114] قالو: «ثلاثتنا» بدل من «ن» في «مكاننا» ؛ لدلالتها على الإحاطة، وكذلك» لأولنا وآخرنا «بدل من» ن» ف «لنا» ، فلأن يجوز ذلك في كل التي هي أصل في الشمول والإحاطة بطريق الأولى، هذا كلام أبي حيان في الوجه الثالث.
وفيه نظر لأن المبرد ومكِيًّا نصا على أن البدل في هذه الآية لا يجوز فكيف يدعى أنه لا خلاف في البدل والحالة هذه؟ لا يقال: إن في الآية قولاً رابعاً، وهو أن «كُلاًّ» نعت لاسم إنَّ، وقد صرح الكسائيُّ والفراء بذلك فقالا: هو نعت لاسم إن؛ لأن الكوفيين يطلقون اسم النعت على التأكيد، ولا يريدون حقيقة النعت.
وممن نص على هذه التأويل مكي رَحِمَهُ اللَّهُ؛ ولأن الكسائي إنما جوز نعت ضمير الغائب فقط دون المتكلم والمخاطب.
فصل
معنى الآية واذكر يا محمد القومكم إذ يَتَحاجُّون أي يُحَاجُّ بعضُهم بعضاً. ثم شرح خصومتهم وهي أن الضعفاء يقولون للرؤساء: إنا كنا لكم تبعاً في الدنيا فهل أنتم مغنون عنا نصباً من النار أي فهل تقدرون على أن تدفعوا عنا أيها الرُّؤسَاء نصيباً من العذاب؟
ومقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تعجيز أولئك الرؤساءَ وإيلام قلوبهم؛ لأنهم يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرةَ لهم على ذلك التخفيف فعند ذلك يقول الرؤساء إنا كل فيها أي إنا كُلُّنَا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرنا على إزالة العذاب لدفعناه عن أنفسنا. ثم يقولون: ﴿إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد﴾ يعنى فَأَوْصَلَ إلى شكل أحد حقه من النعيم أو من العذاب، فعند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين، فيرجعون إلى خَزَنَةِ جهنم ويقولون لهم: ﴿ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ .
فإن قيل: لم لم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع.
والثاني: أن تكون جهنم اسماً لموضع من أشد المواضع بعيدِ القرار من قولهم: بِئْرٌ جِهِنَّامٌ أي بعيدة القَعْر وفيها أعظم أقسام كفار عقوبة، وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة، فإذْ عرف الكافر أن الأمر كذلك استغاثوا بهم فيقولون لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾ ؟ .
قوله: ﴿يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ في يومايً وَجْهَانِ:
أحدهما: أنه ظرف لِيُخَفِّفْ، ومفعول «يخفف» محذوف، أي يخفف عنا شيئاً من العذاب في يوم. ويجوز على رأي الأخفش أن تكون «مِنْ» مزيدة فيكون العذاب هو المفعول، أي يخفف عنا في يوم العذابَ.
الثاني: أن يكون مفعولاً به، واليوم لا يخفف، وإنما يخفف مظروفه، والتقدير يخفف عذاب يوم، وهو قلق لقوله: «مِنَ العَذَابِ» والقول بأنه صفة كالحال أقلق منه.
والظاهر أن «مِنَ العََذَابِ» هو المفعول ليخفف، ومِنْ تَبْعِيضِيَّة، و «يَوْماً» ظرف، سألوا أن يخفف عنهم بعض العذاب لا كله في يوم ما، لا في كل يوم ولا في يوم معين.
فصل
لما أجابوهم الخزنة بقولهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾ ؟ قالوا: بلى والمعنى أن لولا إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا ما جاءنا من نذير. وهذه الآية تدل على أن الجواب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشَّرْعِ. ثم إن أولئك الملائكة يقولون لهم: ادْعُوا أنتم فإنا لا نَتَجَرأ على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون المشفع له مؤمناً.
والثاني: حصول الإذن في الشفاعة، ولم يوجد شيء من هذين الشرطين لكن ادعوا أنتم.
وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة، ولكن لِلدلالة على الخيبة، وأن المَلكَ المقرب إذا لم يسمعْ دعاؤه فيكف يسمع دعاء الكافر؟ ثم صرحوا لهم بأنه لا أثر لدعائهم فقالوا: ﴿دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ أي يبطل ويَضِلّ ولا ينفعهم.
فإن قيل: إنه تعالى يمتنع عليه أن يتأذى من المجرمين يسبب جُرْأَتِهِمْ، وإذا كان التَّأَذِّي محالاً كانت شهوة الانتقام ممتنعةً في حقه، وإذا ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضارّ العظيمة إلى أولئك الكفار إضرار خالٍ عن جميع جهات المنفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يعذب بترك الآلام أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدَّاهرِينَ من غير أن يَرْحم حاجتهم، ومن غير أن يسمع دعاءهم، ومن غير أن يلتفت إلى تضرعهم وانكسارهم، ولو أن أقسى الناس قلباً فعل مثل هذا التعذيب ببعض عَبِيدِهِ لأداء كَرَمُهُ ورحمته إلى العفو عنه مع أن هذا السيِّد في محل الحاجة والنفع والضرر فأكرم الأكرمين كيف يليق به هذا الإضرار؟
فالجواب: أن أفعال الله لا تُعَلَّل، ولا يُسْأَلُ عما يَفْعَلُ وهم يُسْأَلُونَ فلما جاء الحكم الحق به في الكتاب الحق وجب الإقرار به والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ... .﴾ الآية. في كيفية النظم وجوه:
الأول: أنه تعالى لما ذكر وقاية الله موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، وذلك المؤمن من مكر فرعون مَنَّ في هذه الآية بأنه ينصر رسله والذين آمنوا معه.
الثاني: لما بين من قبل تَخَاصُم أهلِ النار، وأنهم عند الفزع إلى خزنة جهنم يقولون: ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات أتبع ذلك الرسل وأنه ينصرهم في الدنيا والآخرة.
الثالث: قال ابن الخطيب: وهو الأقرب عندي أن الكلام في أول السورة إنما وقع من قوله: إنما يُجَادِلُ في آيَات اللهِ الذين كفروا فلا يغرنك تقلّبهم في البلاد. وأصل الكلام في الرد على أولئك المجادلين وعلى أن المحقين أبداً مشغولين بدفع كيد المبطلين، وكل ذلك إنما ذكره الله تعالى تسلية للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتصبيراً له على تحمل الأذى من قومه.
ولما بلغ الكلام في تقرير هذا المطلوب إلى الغاية القصوى وعد تعالى بأن ينصر رسوله على أعدائه تعالى فقال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا﴾ . قال ابنُ عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: بالغلبة والقهر، وقال الضَّحَّاحُ: بالحُجَّة، وفي الآخرة بالانتقام من الأعداء وبإعلاء درجاتهم في مراتب الثواب، وكل ذلك قد كان للأنبياء والمؤمنين، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وأهلك أعداءهم بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قُتِلَ فقَتَلَ به سبعين ألفاً.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ قرأ الجمهور يَقُوم بالياء من أسفلَ، وأبو عمرو في رواية المنقريّ عنه وابن هُرْمز وإسماعيل بالتاء من فوق لتأنيث الجماعة.
والأشهاد يجوز أن يكون جمع «شَهيدٍ» كشَرِيفٍ وأشْرَافٍ، وهو مطابق لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] وأن يكون جمع «شاهد» كصَاحِب، وأصْحاب، وطَائر، وأطيار، قال المبرد وهو مطابق لقوله: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ [الأحزاب: 45] .
واعلم أن قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ فيه دقيقة لطيفة، وهي أن السلطان العظيم إذا آثر بعض خواصه بالإكرام العظيم عند حضور الجمع من أهل المشرق والمغرب كان ذلك أتمّ وأبهج. وعنى بالأشهاد كل من شهد بأعمال العباد يوم القيامة من ملك ونبي ومؤمن. أما الملائكة فهو الكرام الكاتبون يشهدون على الرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب. وأما الأنبياء فقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: 41] وأما المؤمنون فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [البقرة: 143]
قوله «يَوْمَ» بدل من «يوم» قبله، أو بيان له، أو نصب بإضمار أَعْنِي.
وتقدم الخلاف في قوله ِ «يَنْفَع الظَّالِمِينَ» بالياء والتاء آخر الروم. والمعنى لا ينفع الظالمين معذرتهم إن اعتذروا «ولهم اللعنة» البعد من الرحمة، وهذا يفيد الحصر يعني أن اللعنة مقصورة عليهم، وهي الإهانة والإذلال ﴿وَلَهُمْ سواء الدار﴾ يعني جهنم.
فإن قيل: قوله: ﴿لا ينفع الظالمين معذرتهم﴾ يدل على أنهم يذكرون الأعذار، ولكن تلك الأعذار لا تنفعهم فكيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] ؟
فالجواب: قوله ﴿لا ينفع الظالمين معذرتهم﴾ لا يدل على أنهم ذكروا الأعذار بل ليس فيه إلا أنه ليس عندهم عذر مقبول، وهذا لا يدل على أنهم ذكروه أم لا وأيضاً فيوم القيامة يوم طويل فيعتذرون في وقت ولا يتعذرون في وقت آخر.
غافر 40:49
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ﴾ في العامل في «إذْ» ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أنه معطوف على «غُدُوًّا» فيكون معمولاً ليُعْرَضُونَ أي يعرضون على النار في هذه الأوقات كلها قاله أبو البقاء.
الثاني: أنه معطوف على قوله «إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ» قاله الطبري. وفيه نظر؛ لبُعْد مابينهما، ولأن الظاهر عودُ الضمير من «يَتَحَاجُّونَ» إلى آل فرعون.
الثالث: أنه منصوب بإضمار اذكر.
قوله: «تبعاً» فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه اسم جَمْع لِتَابع، ونحوه: خَادِم وخَدَمٌ، وغَائبٌ وغَيَبٌ وآدمٌ وأَدَمٌ.
قال البغوي: والتَّبَعُ يكون واحداً وجَمعاً في قولن أهل البَصْرة، واحده تابع. وقال الكوفيون: هو جمع لا واحد له وجمعه أتباع.
والثاني: أنه مصدر واقع موقع اسم الفاعل أي تابعين.
والثالث: أنه مصدر أيضاً ولكن على حذف مضاف أي ذَوِي تَبَعٍ.
قوله: «نَصِيباً» فيه ثلاثةُ أوجه:
أحدهما: أن ينتصب بفعل مقدر به عليه قوله: «مُغْنُونَ» تقديره: هل أنتم دَافِعُونَ عَنَّا.
الثاني: أن يُضَمَّن مُغْنُونَ معنى حَامِلينَ.
الثالث: أن ينتصب على المصدر، قال أبو البقاء: كَما كَانَ «شَيءٌ» كذلك، ألا ترى إلى قوله: ﴿لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ الله شَيْئاً﴾ [آل عمران: 10] «فَشَيْئاً» في موضع «غِنًى» فكذلك «نصيباً» و «من النار» صفة ل «نصيباً» .
قوله: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ﴾ العامة على رفع «كُلٌّ» ورفعه على الابتداء و «فِيهَا» خبره والجملة خبر «إنَّ» ، وهذا كقوله في آل عمران: ﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ [آل عمران: 154] ، في قراءة أبي عمرو. وقرأ ابن السّميْقَع وعيسى بْنُ عُمَرَ بالنصب، وفيه ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أن يكون تأكيداً لاسم إن، قال الزمخشري: توكيد لاسم إن، وهو معرفة، والتنوين عوض من المضاف إليه، يريد: إنا كًُلَّنَا فيها انتهى، يعني فيكون «فيها» هو الخبر، وإلى كونه توكيداً ذهب ابْنُ عطيةَ أيضاً.
ورد ابن مالك هذا المذهب فقال في تَسْهِيلِهِ: «ولا يستغني بنية إضافته خلافاً للزمخشري» .
قال شهاب الدين: «وليس هذا مذهباً للزمخشري وحده بل هو منقول عن الكوفيين أيضاً» .
والثاني: أن تكون منصوبة على الحال، قال ابن مالك: والقول المَرْضِيُّ عندي أنّ «كُلاًّ» في القراءة المذكورة منصوبة على الحال من الضمير المرفوع في «فِيهَا» و «فيها» هو العامل؛ وقد قدمت عليه مع عدم تصرفه، كما قدمت في قراءة مَنْ قَرَأَ: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر: 67] .
وفي قول النَّابِغَةِ:
4342 - رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْرَاعِهِمْ ... فِيهِمْ وَرَهْطُ رَبِيعَة بْنِ حُذَارِ
وقال بعض الطائيين:
4343 - دَعَا فَأَجَبْنَا وَهْوَ بَادِيَ ذِلَّة ... لَدَيْكُمْ وَكَانَ النَّصْرُ غَيْرَ بَعِيدِ يعني بنصب «بادي» . وهذا هو مذهب الأخفش، إلا أن الزمخشري منع من ذلك، قال رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإن قُلْتَ: هل يجوز أن يكون «كلاًّ» حالاً، قد عمل فيهِ «فيها» ؟ قُلْتُ: لا؛ لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمةً كما يعمل في الظرف متقدماً، تقول: كُلَّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تقول: قائماً في الدَّارِ زَيْدٌ، قال أبو حيان: وهذا الذي منعه أجازه الأخفش، إذا توسعت الحال، نحو: زيدٌ قائماً في الدار، وزيد قائماً عندك.
والمثال الذي ذكره ليس مطابقاً لما في الآية؛ لأن الآية تقدم فيها المسند إليه الحكم وهو اسم إن، وتوسطت الحال إذا قلنا: إنها حال، وتأخر العامل فيها. وأما تمثيله بقوله: «ولا تقول قائماً في الدَّارِ زيْد» فقد تأخر فيه المسند والمسند إليه، وقد ذكر بعضهم: أن المنع في ذلك إجماع من النحاة.
قال شهاب الدين: الزمخشري منعه صحيح؛ لأنه ماشٍ على مذهب الجمهور وأما تمثيله بما ذكر فلا يضره؛ لأنه في محل المنع، فعدم تجويزه صحيح.
الثالث: أن «كُلاًّ» بدل من «نَا» في «إنَّا» ؛ لأن «كُلاًّ» قد وَليَت العَوامِلَ فكأنه قيل: إنّ كُلاًّ فيها وإذا كانوا قد تأولوا قوله:
4344 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ... ... ... ... ... . حَوْلاً أَكْتَعَا
و «حَوْلاً أجْمَعَا» على البدل مع تصرف أكْتَعَ وأجْمَعَ؛ فلأن ذلك في «كّلّ» أولى وأجدى. وأيضاً فإن المشهور تعريف «كُلّ» حال قطعها، حكي في الكثير الفَاشِي: مررت بكُلِّ قائماً وبِبَعْضٍ جالساً، وعزاه بعضهم لسيبويه.
وتنكير «كل» ونصبها حالاً في غاية الشذوذ، نحو: «مَرَرْتُ بِهِمْ كُلاًّ» أي جميعاً.
فإن قيل: فيه بدل الكل من الكل في ضمير الحاضر وهو لا يجوز.
أجيبَ بوجهين:
أحدهما: أن الكوفيين والأخفش يرون ذلك وأنشدوا قوله:
4345 - أَنَا سَيْفُ العِشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي ... حميداً قَدْ تَذَرَّيْتُ السِّنَامَا
«فحميداً» بدل من ياء «فاعرفوني» . وقد تأوله البصريون على نصبه على الاختصاص.
والثاني: أن هذا الذي نحن فيه ليس محل الخلاف» ؛ لأن دال على الإحاطة والشمول، وقد قالوا: إنه متى كان البدل دالاً على ذلك جاز، وأنشدوا:
4346 - فَمَا بَرِحَتْ أَقْدَامُنَا فِي مَكَانِنَا ... ثَلاَثتِنَا حَتَّى أُزِيرُوا المَنَائِيَا
ومثله قوله تعالى: ﴿لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: 114] قالو: «ثلاثتنا» بدل من «ن» في «مكاننا» ؛ لدلالتها على الإحاطة، وكذلك» لأولنا وآخرنا «بدل من» ن» ف «لنا» ، فلأن يجوز ذلك في كل التي هي أصل في الشمول والإحاطة بطريق الأولى، هذا كلام أبي حيان في الوجه الثالث.
وفيه نظر لأن المبرد ومكِيًّا نصا على أن البدل في هذه الآية لا يجوز فكيف يدعى أنه لا خلاف في البدل والحالة هذه؟ لا يقال: إن في الآية قولاً رابعاً، وهو أن «كُلاًّ» نعت لاسم إنَّ، وقد صرح الكسائيُّ والفراء بذلك فقالا: هو نعت لاسم إن؛ لأن الكوفيين يطلقون اسم النعت على التأكيد، ولا يريدون حقيقة النعت.
وممن نص على هذه التأويل مكي رَحِمَهُ اللَّهُ؛ ولأن الكسائي إنما جوز نعت ضمير الغائب فقط دون المتكلم والمخاطب.
فصل
معنى الآية واذكر يا محمد القومكم إذ يَتَحاجُّون أي يُحَاجُّ بعضُهم بعضاً. ثم شرح خصومتهم وهي أن الضعفاء يقولون للرؤساء: إنا كنا لكم تبعاً في الدنيا فهل أنتم مغنون عنا نصباً من النار أي فهل تقدرون على أن تدفعوا عنا أيها الرُّؤسَاء نصيباً من العذاب؟
ومقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تعجيز أولئك الرؤساءَ وإيلام قلوبهم؛ لأنهم يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرةَ لهم على ذلك التخفيف فعند ذلك يقول الرؤساء إنا كل فيها أي إنا كُلُّنَا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرنا على إزالة العذاب لدفعناه عن أنفسنا. ثم يقولون: ﴿إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد﴾ يعنى فَأَوْصَلَ إلى شكل أحد حقه من النعيم أو من العذاب، فعند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين، فيرجعون إلى خَزَنَةِ جهنم ويقولون لهم: ﴿ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ .
فإن قيل: لم لم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع.
والثاني: أن تكون جهنم اسماً لموضع من أشد المواضع بعيدِ القرار من قولهم: بِئْرٌ جِهِنَّامٌ أي بعيدة القَعْر وفيها أعظم أقسام كفار عقوبة، وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة، فإذْ عرف الكافر أن الأمر كذلك استغاثوا بهم فيقولون لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾ ؟ .
قوله: ﴿يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ في يومايً وَجْهَانِ:
أحدهما: أنه ظرف لِيُخَفِّفْ، ومفعول «يخفف» محذوف، أي يخفف عنا شيئاً من العذاب في يوم. ويجوز على رأي الأخفش أن تكون «مِنْ» مزيدة فيكون العذاب هو المفعول، أي يخفف عنا في يوم العذابَ.
الثاني: أن يكون مفعولاً به، واليوم لا يخفف، وإنما يخفف مظروفه، والتقدير يخفف عذاب يوم، وهو قلق لقوله: «مِنَ العَذَابِ» والقول بأنه صفة كالحال أقلق منه.
والظاهر أن «مِنَ العََذَابِ» هو المفعول ليخفف، ومِنْ تَبْعِيضِيَّة، و «يَوْماً» ظرف، سألوا أن يخفف عنهم بعض العذاب لا كله في يوم ما، لا في كل يوم ولا في يوم معين.
فصل
لما أجابوهم الخزنة بقولهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾ ؟ قالوا: بلى والمعنى أن لولا إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا ما جاءنا من نذير. وهذه الآية تدل على أن الجواب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشَّرْعِ. ثم إن أولئك الملائكة يقولون لهم: ادْعُوا أنتم فإنا لا نَتَجَرأ على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون المشفع له مؤمناً.
والثاني: حصول الإذن في الشفاعة، ولم يوجد شيء من هذين الشرطين لكن ادعوا أنتم.
وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة، ولكن لِلدلالة على الخيبة، وأن المَلكَ المقرب إذا لم يسمعْ دعاؤه فيكف يسمع دعاء الكافر؟ ثم صرحوا لهم بأنه لا أثر لدعائهم فقالوا: ﴿دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ أي يبطل ويَضِلّ ولا ينفعهم.
فإن قيل: إنه تعالى يمتنع عليه أن يتأذى من المجرمين يسبب جُرْأَتِهِمْ، وإذا كان التَّأَذِّي محالاً كانت شهوة الانتقام ممتنعةً في حقه، وإذا ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضارّ العظيمة إلى أولئك الكفار إضرار خالٍ عن جميع جهات المنفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يعذب بترك الآلام أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدَّاهرِينَ من غير أن يَرْحم حاجتهم، ومن غير أن يسمع دعاءهم، ومن غير أن يلتفت إلى تضرعهم وانكسارهم، ولو أن أقسى الناس قلباً فعل مثل هذا التعذيب ببعض عَبِيدِهِ لأداء كَرَمُهُ ورحمته إلى العفو عنه مع أن هذا السيِّد في محل الحاجة والنفع والضرر فأكرم الأكرمين كيف يليق به هذا الإضرار؟
فالجواب: أن أفعال الله لا تُعَلَّل، ولا يُسْأَلُ عما يَفْعَلُ وهم يُسْأَلُونَ فلما جاء الحكم الحق به في الكتاب الحق وجب الإقرار به والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ... .﴾ الآية. في كيفية النظم وجوه:
الأول: أنه تعالى لما ذكر وقاية الله موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، وذلك المؤمن من مكر فرعون مَنَّ في هذه الآية بأنه ينصر رسله والذين آمنوا معه.
الثاني: لما بين من قبل تَخَاصُم أهلِ النار، وأنهم عند الفزع إلى خزنة جهنم يقولون: ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات أتبع ذلك الرسل وأنه ينصرهم في الدنيا والآخرة.
الثالث: قال ابن الخطيب: وهو الأقرب عندي أن الكلام في أول السورة إنما وقع من قوله: إنما يُجَادِلُ في آيَات اللهِ الذين كفروا فلا يغرنك تقلّبهم في البلاد. وأصل الكلام في الرد على أولئك المجادلين وعلى أن المحقين أبداً مشغولين بدفع كيد المبطلين، وكل ذلك إنما ذكره الله تعالى تسلية للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتصبيراً له على تحمل الأذى من قومه.
ولما بلغ الكلام في تقرير هذا المطلوب إلى الغاية القصوى وعد تعالى بأن ينصر رسوله على أعدائه تعالى فقال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا﴾ . قال ابنُ عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: بالغلبة والقهر، وقال الضَّحَّاحُ: بالحُجَّة، وفي الآخرة بالانتقام من الأعداء وبإعلاء درجاتهم في مراتب الثواب، وكل ذلك قد كان للأنبياء والمؤمنين، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وأهلك أعداءهم بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قُتِلَ فقَتَلَ به سبعين ألفاً.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ قرأ الجمهور يَقُوم بالياء من أسفلَ، وأبو عمرو في رواية المنقريّ عنه وابن هُرْمز وإسماعيل بالتاء من فوق لتأنيث الجماعة.
والأشهاد يجوز أن يكون جمع «شَهيدٍ» كشَرِيفٍ وأشْرَافٍ، وهو مطابق لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] وأن يكون جمع «شاهد» كصَاحِب، وأصْحاب، وطَائر، وأطيار، قال المبرد وهو مطابق لقوله: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ [الأحزاب: 45] .
واعلم أن قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ فيه دقيقة لطيفة، وهي أن السلطان العظيم إذا آثر بعض خواصه بالإكرام العظيم عند حضور الجمع من أهل المشرق والمغرب كان ذلك أتمّ وأبهج. وعنى بالأشهاد كل من شهد بأعمال العباد يوم القيامة من ملك ونبي ومؤمن. أما الملائكة فهو الكرام الكاتبون يشهدون على الرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب. وأما الأنبياء فقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: 41] وأما المؤمنون فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [البقرة: 143]
قوله «يَوْمَ» بدل من «يوم» قبله، أو بيان له، أو نصب بإضمار أَعْنِي.
وتقدم الخلاف في قوله ِ «يَنْفَع الظَّالِمِينَ» بالياء والتاء آخر الروم. والمعنى لا ينفع الظالمين معذرتهم إن اعتذروا «ولهم اللعنة» البعد من الرحمة، وهذا يفيد الحصر يعني أن اللعنة مقصورة عليهم، وهي الإهانة والإذلال ﴿وَلَهُمْ سواء الدار﴾ يعني جهنم.
فإن قيل: قوله: ﴿لا ينفع الظالمين معذرتهم﴾ يدل على أنهم يذكرون الأعذار، ولكن تلك الأعذار لا تنفعهم فكيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] ؟
فالجواب: قوله ﴿لا ينفع الظالمين معذرتهم﴾ لا يدل على أنهم ذكروا الأعذار بل ليس فيه إلا أنه ليس عندهم عذر مقبول، وهذا لا يدل على أنهم ذكروه أم لا وأيضاً فيوم القيامة يوم طويل فيعتذرون في وقت ولا يتعذرون في وقت آخر.
غافر 40:50
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ﴾ في العامل في «إذْ» ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أنه معطوف على «غُدُوًّا» فيكون معمولاً ليُعْرَضُونَ أي يعرضون على النار في هذه الأوقات كلها قاله أبو البقاء.
الثاني: أنه معطوف على قوله «إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ» قاله الطبري. وفيه نظر؛ لبُعْد مابينهما، ولأن الظاهر عودُ الضمير من «يَتَحَاجُّونَ» إلى آل فرعون.
الثالث: أنه منصوب بإضمار اذكر.
قوله: «تبعاً» فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه اسم جَمْع لِتَابع، ونحوه: خَادِم وخَدَمٌ، وغَائبٌ وغَيَبٌ وآدمٌ وأَدَمٌ.
قال البغوي: والتَّبَعُ يكون واحداً وجَمعاً في قولن أهل البَصْرة، واحده تابع. وقال الكوفيون: هو جمع لا واحد له وجمعه أتباع.
والثاني: أنه مصدر واقع موقع اسم الفاعل أي تابعين.
والثالث: أنه مصدر أيضاً ولكن على حذف مضاف أي ذَوِي تَبَعٍ.
قوله: «نَصِيباً» فيه ثلاثةُ أوجه:
أحدهما: أن ينتصب بفعل مقدر به عليه قوله: «مُغْنُونَ» تقديره: هل أنتم دَافِعُونَ عَنَّا.
الثاني: أن يُضَمَّن مُغْنُونَ معنى حَامِلينَ.
الثالث: أن ينتصب على المصدر، قال أبو البقاء: كَما كَانَ «شَيءٌ» كذلك، ألا ترى إلى قوله: ﴿لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ الله شَيْئاً﴾ [آل عمران: 10] «فَشَيْئاً» في موضع «غِنًى» فكذلك «نصيباً» و «من النار» صفة ل «نصيباً» .
قوله: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ﴾ العامة على رفع «كُلٌّ» ورفعه على الابتداء و «فِيهَا» خبره والجملة خبر «إنَّ» ، وهذا كقوله في آل عمران: ﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ [آل عمران: 154] ، في قراءة أبي عمرو. وقرأ ابن السّميْقَع وعيسى بْنُ عُمَرَ بالنصب، وفيه ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أن يكون تأكيداً لاسم إن، قال الزمخشري: توكيد لاسم إن، وهو معرفة، والتنوين عوض من المضاف إليه، يريد: إنا كًُلَّنَا فيها انتهى، يعني فيكون «فيها» هو الخبر، وإلى كونه توكيداً ذهب ابْنُ عطيةَ أيضاً.
ورد ابن مالك هذا المذهب فقال في تَسْهِيلِهِ: «ولا يستغني بنية إضافته خلافاً للزمخشري» .
قال شهاب الدين: «وليس هذا مذهباً للزمخشري وحده بل هو منقول عن الكوفيين أيضاً» .
والثاني: أن تكون منصوبة على الحال، قال ابن مالك: والقول المَرْضِيُّ عندي أنّ «كُلاًّ» في القراءة المذكورة منصوبة على الحال من الضمير المرفوع في «فِيهَا» و «فيها» هو العامل؛ وقد قدمت عليه مع عدم تصرفه، كما قدمت في قراءة مَنْ قَرَأَ: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر: 67] .
وفي قول النَّابِغَةِ:
4342 - رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْرَاعِهِمْ ... فِيهِمْ وَرَهْطُ رَبِيعَة بْنِ حُذَارِ
وقال بعض الطائيين:
4343 - دَعَا فَأَجَبْنَا وَهْوَ بَادِيَ ذِلَّة ... لَدَيْكُمْ وَكَانَ النَّصْرُ غَيْرَ بَعِيدِ يعني بنصب «بادي» . وهذا هو مذهب الأخفش، إلا أن الزمخشري منع من ذلك، قال رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإن قُلْتَ: هل يجوز أن يكون «كلاًّ» حالاً، قد عمل فيهِ «فيها» ؟ قُلْتُ: لا؛ لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمةً كما يعمل في الظرف متقدماً، تقول: كُلَّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تقول: قائماً في الدَّارِ زَيْدٌ، قال أبو حيان: وهذا الذي منعه أجازه الأخفش، إذا توسعت الحال، نحو: زيدٌ قائماً في الدار، وزيد قائماً عندك.
والمثال الذي ذكره ليس مطابقاً لما في الآية؛ لأن الآية تقدم فيها المسند إليه الحكم وهو اسم إن، وتوسطت الحال إذا قلنا: إنها حال، وتأخر العامل فيها. وأما تمثيله بقوله: «ولا تقول قائماً في الدَّارِ زيْد» فقد تأخر فيه المسند والمسند إليه، وقد ذكر بعضهم: أن المنع في ذلك إجماع من النحاة.
قال شهاب الدين: الزمخشري منعه صحيح؛ لأنه ماشٍ على مذهب الجمهور وأما تمثيله بما ذكر فلا يضره؛ لأنه في محل المنع، فعدم تجويزه صحيح.
الثالث: أن «كُلاًّ» بدل من «نَا» في «إنَّا» ؛ لأن «كُلاًّ» قد وَليَت العَوامِلَ فكأنه قيل: إنّ كُلاًّ فيها وإذا كانوا قد تأولوا قوله:
4344 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ... ... ... ... ... . حَوْلاً أَكْتَعَا
و «حَوْلاً أجْمَعَا» على البدل مع تصرف أكْتَعَ وأجْمَعَ؛ فلأن ذلك في «كّلّ» أولى وأجدى. وأيضاً فإن المشهور تعريف «كُلّ» حال قطعها، حكي في الكثير الفَاشِي: مررت بكُلِّ قائماً وبِبَعْضٍ جالساً، وعزاه بعضهم لسيبويه.
وتنكير «كل» ونصبها حالاً في غاية الشذوذ، نحو: «مَرَرْتُ بِهِمْ كُلاًّ» أي جميعاً.
فإن قيل: فيه بدل الكل من الكل في ضمير الحاضر وهو لا يجوز.
أجيبَ بوجهين:
أحدهما: أن الكوفيين والأخفش يرون ذلك وأنشدوا قوله:
4345 - أَنَا سَيْفُ العِشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي ... حميداً قَدْ تَذَرَّيْتُ السِّنَامَا
«فحميداً» بدل من ياء «فاعرفوني» . وقد تأوله البصريون على نصبه على الاختصاص.
والثاني: أن هذا الذي نحن فيه ليس محل الخلاف» ؛ لأن دال على الإحاطة والشمول، وقد قالوا: إنه متى كان البدل دالاً على ذلك جاز، وأنشدوا:
4346 - فَمَا بَرِحَتْ أَقْدَامُنَا فِي مَكَانِنَا ... ثَلاَثتِنَا حَتَّى أُزِيرُوا المَنَائِيَا
ومثله قوله تعالى: ﴿لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: 114] قالو: «ثلاثتنا» بدل من «ن» في «مكاننا» ؛ لدلالتها على الإحاطة، وكذلك» لأولنا وآخرنا «بدل من» ن» ف «لنا» ، فلأن يجوز ذلك في كل التي هي أصل في الشمول والإحاطة بطريق الأولى، هذا كلام أبي حيان في الوجه الثالث.
وفيه نظر لأن المبرد ومكِيًّا نصا على أن البدل في هذه الآية لا يجوز فكيف يدعى أنه لا خلاف في البدل والحالة هذه؟ لا يقال: إن في الآية قولاً رابعاً، وهو أن «كُلاًّ» نعت لاسم إنَّ، وقد صرح الكسائيُّ والفراء بذلك فقالا: هو نعت لاسم إن؛ لأن الكوفيين يطلقون اسم النعت على التأكيد، ولا يريدون حقيقة النعت.
وممن نص على هذه التأويل مكي رَحِمَهُ اللَّهُ؛ ولأن الكسائي إنما جوز نعت ضمير الغائب فقط دون المتكلم والمخاطب.
فصل
معنى الآية واذكر يا محمد القومكم إذ يَتَحاجُّون أي يُحَاجُّ بعضُهم بعضاً. ثم شرح خصومتهم وهي أن الضعفاء يقولون للرؤساء: إنا كنا لكم تبعاً في الدنيا فهل أنتم مغنون عنا نصباً من النار أي فهل تقدرون على أن تدفعوا عنا أيها الرُّؤسَاء نصيباً من العذاب؟
ومقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تعجيز أولئك الرؤساءَ وإيلام قلوبهم؛ لأنهم يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرةَ لهم على ذلك التخفيف فعند ذلك يقول الرؤساء إنا كل فيها أي إنا كُلُّنَا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرنا على إزالة العذاب لدفعناه عن أنفسنا. ثم يقولون: ﴿إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد﴾ يعنى فَأَوْصَلَ إلى شكل أحد حقه من النعيم أو من العذاب، فعند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين، فيرجعون إلى خَزَنَةِ جهنم ويقولون لهم: ﴿ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ .
فإن قيل: لم لم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع.
والثاني: أن تكون جهنم اسماً لموضع من أشد المواضع بعيدِ القرار من قولهم: بِئْرٌ جِهِنَّامٌ أي بعيدة القَعْر وفيها أعظم أقسام كفار عقوبة، وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة، فإذْ عرف الكافر أن الأمر كذلك استغاثوا بهم فيقولون لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾ ؟ .
قوله: ﴿يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ في يومايً وَجْهَانِ:
أحدهما: أنه ظرف لِيُخَفِّفْ، ومفعول «يخفف» محذوف، أي يخفف عنا شيئاً من العذاب في يوم. ويجوز على رأي الأخفش أن تكون «مِنْ» مزيدة فيكون العذاب هو المفعول، أي يخفف عنا في يوم العذابَ.
الثاني: أن يكون مفعولاً به، واليوم لا يخفف، وإنما يخفف مظروفه، والتقدير يخفف عذاب يوم، وهو قلق لقوله: «مِنَ العَذَابِ» والقول بأنه صفة كالحال أقلق منه.
والظاهر أن «مِنَ العََذَابِ» هو المفعول ليخفف، ومِنْ تَبْعِيضِيَّة، و «يَوْماً» ظرف، سألوا أن يخفف عنهم بعض العذاب لا كله في يوم ما، لا في كل يوم ولا في يوم معين.
فصل
لما أجابوهم الخزنة بقولهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾ ؟ قالوا: بلى والمعنى أن لولا إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا ما جاءنا من نذير. وهذه الآية تدل على أن الجواب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشَّرْعِ. ثم إن أولئك الملائكة يقولون لهم: ادْعُوا أنتم فإنا لا نَتَجَرأ على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون المشفع له مؤمناً.
والثاني: حصول الإذن في الشفاعة، ولم يوجد شيء من هذين الشرطين لكن ادعوا أنتم.
وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة، ولكن لِلدلالة على الخيبة، وأن المَلكَ المقرب إذا لم يسمعْ دعاؤه فيكف يسمع دعاء الكافر؟ ثم صرحوا لهم بأنه لا أثر لدعائهم فقالوا: ﴿دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ أي يبطل ويَضِلّ ولا ينفعهم.
فإن قيل: إنه تعالى يمتنع عليه أن يتأذى من المجرمين يسبب جُرْأَتِهِمْ، وإذا كان التَّأَذِّي محالاً كانت شهوة الانتقام ممتنعةً في حقه، وإذا ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضارّ العظيمة إلى أولئك الكفار إضرار خالٍ عن جميع جهات المنفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يعذب بترك الآلام أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدَّاهرِينَ من غير أن يَرْحم حاجتهم، ومن غير أن يسمع دعاءهم، ومن غير أن يلتفت إلى تضرعهم وانكسارهم، ولو أن أقسى الناس قلباً فعل مثل هذا التعذيب ببعض عَبِيدِهِ لأداء كَرَمُهُ ورحمته إلى العفو عنه مع أن هذا السيِّد في محل الحاجة والنفع والضرر فأكرم الأكرمين كيف يليق به هذا الإضرار؟
فالجواب: أن أفعال الله لا تُعَلَّل، ولا يُسْأَلُ عما يَفْعَلُ وهم يُسْأَلُونَ فلما جاء الحكم الحق به في الكتاب الحق وجب الإقرار به والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ... .﴾ الآية. في كيفية النظم وجوه:
الأول: أنه تعالى لما ذكر وقاية الله موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، وذلك المؤمن من مكر فرعون مَنَّ في هذه الآية بأنه ينصر رسله والذين آمنوا معه.
الثاني: لما بين من قبل تَخَاصُم أهلِ النار، وأنهم عند الفزع إلى خزنة جهنم يقولون: ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات أتبع ذلك الرسل وأنه ينصرهم في الدنيا والآخرة.
الثالث: قال ابن الخطيب: وهو الأقرب عندي أن الكلام في أول السورة إنما وقع من قوله: إنما يُجَادِلُ في آيَات اللهِ الذين كفروا فلا يغرنك تقلّبهم في البلاد. وأصل الكلام في الرد على أولئك المجادلين وعلى أن المحقين أبداً مشغولين بدفع كيد المبطلين، وكل ذلك إنما ذكره الله تعالى تسلية للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتصبيراً له على تحمل الأذى من قومه.
ولما بلغ الكلام في تقرير هذا المطلوب إلى الغاية القصوى وعد تعالى بأن ينصر رسوله على أعدائه تعالى فقال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا﴾ . قال ابنُ عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: بالغلبة والقهر، وقال الضَّحَّاحُ: بالحُجَّة، وفي الآخرة بالانتقام من الأعداء وبإعلاء درجاتهم في مراتب الثواب، وكل ذلك قد كان للأنبياء والمؤمنين، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وأهلك أعداءهم بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قُتِلَ فقَتَلَ به سبعين ألفاً.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ قرأ الجمهور يَقُوم بالياء من أسفلَ، وأبو عمرو في رواية المنقريّ عنه وابن هُرْمز وإسماعيل بالتاء من فوق لتأنيث الجماعة.
والأشهاد يجوز أن يكون جمع «شَهيدٍ» كشَرِيفٍ وأشْرَافٍ، وهو مطابق لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] وأن يكون جمع «شاهد» كصَاحِب، وأصْحاب، وطَائر، وأطيار، قال المبرد وهو مطابق لقوله: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ [الأحزاب: 45] .
واعلم أن قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ فيه دقيقة لطيفة، وهي أن السلطان العظيم إذا آثر بعض خواصه بالإكرام العظيم عند حضور الجمع من أهل المشرق والمغرب كان ذلك أتمّ وأبهج. وعنى بالأشهاد كل من شهد بأعمال العباد يوم القيامة من ملك ونبي ومؤمن. أما الملائكة فهو الكرام الكاتبون يشهدون على الرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب. وأما الأنبياء فقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: 41] وأما المؤمنون فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [البقرة: 143]
قوله «يَوْمَ» بدل من «يوم» قبله، أو بيان له، أو نصب بإضمار أَعْنِي.
وتقدم الخلاف في قوله ِ «يَنْفَع الظَّالِمِينَ» بالياء والتاء آخر الروم. والمعنى لا ينفع الظالمين معذرتهم إن اعتذروا «ولهم اللعنة» البعد من الرحمة، وهذا يفيد الحصر يعني أن اللعنة مقصورة عليهم، وهي الإهانة والإذلال ﴿وَلَهُمْ سواء الدار﴾ يعني جهنم.
فإن قيل: قوله: ﴿لا ينفع الظالمين معذرتهم﴾ يدل على أنهم يذكرون الأعذار، ولكن تلك الأعذار لا تنفعهم فكيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] ؟
فالجواب: قوله ﴿لا ينفع الظالمين معذرتهم﴾ لا يدل على أنهم ذكروا الأعذار بل ليس فيه إلا أنه ليس عندهم عذر مقبول، وهذا لا يدل على أنهم ذكروه أم لا وأيضاً فيوم القيامة يوم طويل فيعتذرون في وقت ولا يتعذرون في وقت آخر.
غافر 40:51
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ﴾ في العامل في «إذْ» ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أنه معطوف على «غُدُوًّا» فيكون معمولاً ليُعْرَضُونَ أي يعرضون على النار في هذه الأوقات كلها قاله أبو البقاء.
الثاني: أنه معطوف على قوله «إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ» قاله الطبري. وفيه نظر؛ لبُعْد مابينهما، ولأن الظاهر عودُ الضمير من «يَتَحَاجُّونَ» إلى آل فرعون.
الثالث: أنه منصوب بإضمار اذكر.
قوله: «تبعاً» فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه اسم جَمْع لِتَابع، ونحوه: خَادِم وخَدَمٌ، وغَائبٌ وغَيَبٌ وآدمٌ وأَدَمٌ.
قال البغوي: والتَّبَعُ يكون واحداً وجَمعاً في قولن أهل البَصْرة، واحده تابع. وقال الكوفيون: هو جمع لا واحد له وجمعه أتباع.
والثاني: أنه مصدر واقع موقع اسم الفاعل أي تابعين.
والثالث: أنه مصدر أيضاً ولكن على حذف مضاف أي ذَوِي تَبَعٍ.
قوله: «نَصِيباً» فيه ثلاثةُ أوجه:
أحدهما: أن ينتصب بفعل مقدر به عليه قوله: «مُغْنُونَ» تقديره: هل أنتم دَافِعُونَ عَنَّا.
الثاني: أن يُضَمَّن مُغْنُونَ معنى حَامِلينَ.
الثالث: أن ينتصب على المصدر، قال أبو البقاء: كَما كَانَ «شَيءٌ» كذلك، ألا ترى إلى قوله: ﴿لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ الله شَيْئاً﴾ [آل عمران: 10] «فَشَيْئاً» في موضع «غِنًى» فكذلك «نصيباً» و «من النار» صفة ل «نصيباً» .
قوله: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ﴾ العامة على رفع «كُلٌّ» ورفعه على الابتداء و «فِيهَا» خبره والجملة خبر «إنَّ» ، وهذا كقوله في آل عمران: ﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ [آل عمران: 154] ، في قراءة أبي عمرو. وقرأ ابن السّميْقَع وعيسى بْنُ عُمَرَ بالنصب، وفيه ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أن يكون تأكيداً لاسم إن، قال الزمخشري: توكيد لاسم إن، وهو معرفة، والتنوين عوض من المضاف إليه، يريد: إنا كًُلَّنَا فيها انتهى، يعني فيكون «فيها» هو الخبر، وإلى كونه توكيداً ذهب ابْنُ عطيةَ أيضاً.
ورد ابن مالك هذا المذهب فقال في تَسْهِيلِهِ: «ولا يستغني بنية إضافته خلافاً للزمخشري» .
قال شهاب الدين: «وليس هذا مذهباً للزمخشري وحده بل هو منقول عن الكوفيين أيضاً» .
والثاني: أن تكون منصوبة على الحال، قال ابن مالك: والقول المَرْضِيُّ عندي أنّ «كُلاًّ» في القراءة المذكورة منصوبة على الحال من الضمير المرفوع في «فِيهَا» و «فيها» هو العامل؛ وقد قدمت عليه مع عدم تصرفه، كما قدمت في قراءة مَنْ قَرَأَ: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر: 67] .
وفي قول النَّابِغَةِ:
4342 - رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْرَاعِهِمْ ... فِيهِمْ وَرَهْطُ رَبِيعَة بْنِ حُذَارِ
وقال بعض الطائيين:
4343 - دَعَا فَأَجَبْنَا وَهْوَ بَادِيَ ذِلَّة ... لَدَيْكُمْ وَكَانَ النَّصْرُ غَيْرَ بَعِيدِ يعني بنصب «بادي» . وهذا هو مذهب الأخفش، إلا أن الزمخشري منع من ذلك، قال رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإن قُلْتَ: هل يجوز أن يكون «كلاًّ» حالاً، قد عمل فيهِ «فيها» ؟ قُلْتُ: لا؛ لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمةً كما يعمل في الظرف متقدماً، تقول: كُلَّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تقول: قائماً في الدَّارِ زَيْدٌ، قال أبو حيان: وهذا الذي منعه أجازه الأخفش، إذا توسعت الحال، نحو: زيدٌ قائماً في الدار، وزيد قائماً عندك.
والمثال الذي ذكره ليس مطابقاً لما في الآية؛ لأن الآية تقدم فيها المسند إليه الحكم وهو اسم إن، وتوسطت الحال إذا قلنا: إنها حال، وتأخر العامل فيها. وأما تمثيله بقوله: «ولا تقول قائماً في الدَّارِ زيْد» فقد تأخر فيه المسند والمسند إليه، وقد ذكر بعضهم: أن المنع في ذلك إجماع من النحاة.
قال شهاب الدين: الزمخشري منعه صحيح؛ لأنه ماشٍ على مذهب الجمهور وأما تمثيله بما ذكر فلا يضره؛ لأنه في محل المنع، فعدم تجويزه صحيح.
الثالث: أن «كُلاًّ» بدل من «نَا» في «إنَّا» ؛ لأن «كُلاًّ» قد وَليَت العَوامِلَ فكأنه قيل: إنّ كُلاًّ فيها وإذا كانوا قد تأولوا قوله:
4344 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ... ... ... ... ... . حَوْلاً أَكْتَعَا
و «حَوْلاً أجْمَعَا» على البدل مع تصرف أكْتَعَ وأجْمَعَ؛ فلأن ذلك في «كّلّ» أولى وأجدى. وأيضاً فإن المشهور تعريف «كُلّ» حال قطعها، حكي في الكثير الفَاشِي: مررت بكُلِّ قائماً وبِبَعْضٍ جالساً، وعزاه بعضهم لسيبويه.
وتنكير «كل» ونصبها حالاً في غاية الشذوذ، نحو: «مَرَرْتُ بِهِمْ كُلاًّ» أي جميعاً.
فإن قيل: فيه بدل الكل من الكل في ضمير الحاضر وهو لا يجوز.
أجيبَ بوجهين:
أحدهما: أن الكوفيين والأخفش يرون ذلك وأنشدوا قوله:
4345 - أَنَا سَيْفُ العِشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي ... حميداً قَدْ تَذَرَّيْتُ السِّنَامَا
«فحميداً» بدل من ياء «فاعرفوني» . وقد تأوله البصريون على نصبه على الاختصاص.
والثاني: أن هذا الذي نحن فيه ليس محل الخلاف» ؛ لأن دال على الإحاطة والشمول، وقد قالوا: إنه متى كان البدل دالاً على ذلك جاز، وأنشدوا:
4346 - فَمَا بَرِحَتْ أَقْدَامُنَا فِي مَكَانِنَا ... ثَلاَثتِنَا حَتَّى أُزِيرُوا المَنَائِيَا
ومثله قوله تعالى: ﴿لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: 114] قالو: «ثلاثتنا» بدل من «ن» في «مكاننا» ؛ لدلالتها على الإحاطة، وكذلك» لأولنا وآخرنا «بدل من» ن» ف «لنا» ، فلأن يجوز ذلك في كل التي هي أصل في الشمول والإحاطة بطريق الأولى، هذا كلام أبي حيان في الوجه الثالث.
وفيه نظر لأن المبرد ومكِيًّا نصا على أن البدل في هذه الآية لا يجوز فكيف يدعى أنه لا خلاف في البدل والحالة هذه؟ لا يقال: إن في الآية قولاً رابعاً، وهو أن «كُلاًّ» نعت لاسم إنَّ، وقد صرح الكسائيُّ والفراء بذلك فقالا: هو نعت لاسم إن؛ لأن الكوفيين يطلقون اسم النعت على التأكيد، ولا يريدون حقيقة النعت.
وممن نص على هذه التأويل مكي رَحِمَهُ اللَّهُ؛ ولأن الكسائي إنما جوز نعت ضمير الغائب فقط دون المتكلم والمخاطب.
فصل
معنى الآية واذكر يا محمد القومكم إذ يَتَحاجُّون أي يُحَاجُّ بعضُهم بعضاً. ثم شرح خصومتهم وهي أن الضعفاء يقولون للرؤساء: إنا كنا لكم تبعاً في الدنيا فهل أنتم مغنون عنا نصباً من النار أي فهل تقدرون على أن تدفعوا عنا أيها الرُّؤسَاء نصيباً من العذاب؟
ومقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تعجيز أولئك الرؤساءَ وإيلام قلوبهم؛ لأنهم يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرةَ لهم على ذلك التخفيف فعند ذلك يقول الرؤساء إنا كل فيها أي إنا كُلُّنَا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرنا على إزالة العذاب لدفعناه عن أنفسنا. ثم يقولون: ﴿إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد﴾ يعنى فَأَوْصَلَ إلى شكل أحد حقه من النعيم أو من العذاب، فعند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين، فيرجعون إلى خَزَنَةِ جهنم ويقولون لهم: ﴿ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ .
فإن قيل: لم لم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع.
والثاني: أن تكون جهنم اسماً لموضع من أشد المواضع بعيدِ القرار من قولهم: بِئْرٌ جِهِنَّامٌ أي بعيدة القَعْر وفيها أعظم أقسام كفار عقوبة، وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة، فإذْ عرف الكافر أن الأمر كذلك استغاثوا بهم فيقولون لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾ ؟ .
قوله: ﴿يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ في يومايً وَجْهَانِ:
أحدهما: أنه ظرف لِيُخَفِّفْ، ومفعول «يخفف» محذوف، أي يخفف عنا شيئاً من العذاب في يوم. ويجوز على رأي الأخفش أن تكون «مِنْ» مزيدة فيكون العذاب هو المفعول، أي يخفف عنا في يوم العذابَ.
الثاني: أن يكون مفعولاً به، واليوم لا يخفف، وإنما يخفف مظروفه، والتقدير يخفف عذاب يوم، وهو قلق لقوله: «مِنَ العَذَابِ» والقول بأنه صفة كالحال أقلق منه.
والظاهر أن «مِنَ العََذَابِ» هو المفعول ليخفف، ومِنْ تَبْعِيضِيَّة، و «يَوْماً» ظرف، سألوا أن يخفف عنهم بعض العذاب لا كله في يوم ما، لا في كل يوم ولا في يوم معين.
فصل
لما أجابوهم الخزنة بقولهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾ ؟ قالوا: بلى والمعنى أن لولا إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا ما جاءنا من نذير. وهذه الآية تدل على أن الجواب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشَّرْعِ. ثم إن أولئك الملائكة يقولون لهم: ادْعُوا أنتم فإنا لا نَتَجَرأ على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون المشفع له مؤمناً.
والثاني: حصول الإذن في الشفاعة، ولم يوجد شيء من هذين الشرطين لكن ادعوا أنتم.
وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة، ولكن لِلدلالة على الخيبة، وأن المَلكَ المقرب إذا لم يسمعْ دعاؤه فيكف يسمع دعاء الكافر؟ ثم صرحوا لهم بأنه لا أثر لدعائهم فقالوا: ﴿دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ أي يبطل ويَضِلّ ولا ينفعهم.
فإن قيل: إنه تعالى يمتنع عليه أن يتأذى من المجرمين يسبب جُرْأَتِهِمْ، وإذا كان التَّأَذِّي محالاً كانت شهوة الانتقام ممتنعةً في حقه، وإذا ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضارّ العظيمة إلى أولئك الكفار إضرار خالٍ عن جميع جهات المنفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يعذب بترك الآلام أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدَّاهرِينَ من غير أن يَرْحم حاجتهم، ومن غير أن يسمع دعاءهم، ومن غير أن يلتفت إلى تضرعهم وانكسارهم، ولو أن أقسى الناس قلباً فعل مثل هذا التعذيب ببعض عَبِيدِهِ لأداء كَرَمُهُ ورحمته إلى العفو عنه مع أن هذا السيِّد في محل الحاجة والنفع والضرر فأكرم الأكرمين كيف يليق به هذا الإضرار؟
فالجواب: أن أفعال الله لا تُعَلَّل، ولا يُسْأَلُ عما يَفْعَلُ وهم يُسْأَلُونَ فلما جاء الحكم الحق به في الكتاب الحق وجب الإقرار به والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ... .﴾ الآية. في كيفية النظم وجوه:
الأول: أنه تعالى لما ذكر وقاية الله موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، وذلك المؤمن من مكر فرعون مَنَّ في هذه الآية بأنه ينصر رسله والذين آمنوا معه.
الثاني: لما بين من قبل تَخَاصُم أهلِ النار، وأنهم عند الفزع إلى خزنة جهنم يقولون: ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات أتبع ذلك الرسل وأنه ينصرهم في الدنيا والآخرة.
الثالث: قال ابن الخطيب: وهو الأقرب عندي أن الكلام في أول السورة إنما وقع من قوله: إنما يُجَادِلُ في آيَات اللهِ الذين كفروا فلا يغرنك تقلّبهم في البلاد. وأصل الكلام في الرد على أولئك المجادلين وعلى أن المحقين أبداً مشغولين بدفع كيد المبطلين، وكل ذلك إنما ذكره الله تعالى تسلية للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتصبيراً له على تحمل الأذى من قومه.
ولما بلغ الكلام في تقرير هذا المطلوب إلى الغاية القصوى وعد تعالى بأن ينصر رسوله على أعدائه تعالى فقال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا﴾ . قال ابنُ عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: بالغلبة والقهر، وقال الضَّحَّاحُ: بالحُجَّة، وفي الآخرة بالانتقام من الأعداء وبإعلاء درجاتهم في مراتب الثواب، وكل ذلك قد كان للأنبياء والمؤمنين، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وأهلك أعداءهم بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قُتِلَ فقَتَلَ به سبعين ألفاً.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ قرأ الجمهور يَقُوم بالياء من أسفلَ، وأبو عمرو في رواية المنقريّ عنه وابن هُرْمز وإسماعيل بالتاء من فوق لتأنيث الجماعة.
والأشهاد يجوز أن يكون جمع «شَهيدٍ» كشَرِيفٍ وأشْرَافٍ، وهو مطابق لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] وأن يكون جمع «شاهد» كصَاحِب، وأصْحاب، وطَائر، وأطيار، قال المبرد وهو مطابق لقوله: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ [الأحزاب: 45] .
واعلم أن قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ فيه دقيقة لطيفة، وهي أن السلطان العظيم إذا آثر بعض خواصه بالإكرام العظيم عند حضور الجمع من أهل المشرق والمغرب كان ذلك أتمّ وأبهج. وعنى بالأشهاد كل من شهد بأعمال العباد يوم القيامة من ملك ونبي ومؤمن. أما الملائكة فهو الكرام الكاتبون يشهدون على الرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب. وأما الأنبياء فقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: 41] وأما المؤمنون فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [البقرة: 143]
قوله «يَوْمَ» بدل من «يوم» قبله، أو بيان له، أو نصب بإضمار أَعْنِي.
وتقدم الخلاف في قوله ِ «يَنْفَع الظَّالِمِينَ» بالياء والتاء آخر الروم. والمعنى لا ينفع الظالمين معذرتهم إن اعتذروا «ولهم اللعنة» البعد من الرحمة، وهذا يفيد الحصر يعني أن اللعنة مقصورة عليهم، وهي الإهانة والإذلال ﴿وَلَهُمْ سواء الدار﴾ يعني جهنم.
فإن قيل: قوله: ﴿لا ينفع الظالمين معذرتهم﴾ يدل على أنهم يذكرون الأعذار، ولكن تلك الأعذار لا تنفعهم فكيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] ؟
فالجواب: قوله ﴿لا ينفع الظالمين معذرتهم﴾ لا يدل على أنهم ذكروا الأعذار بل ليس فيه إلا أنه ليس عندهم عذر مقبول، وهذا لا يدل على أنهم ذكروه أم لا وأيضاً فيوم القيامة يوم طويل فيعتذرون في وقت ولا يتعذرون في وقت آخر.
غافر 40:52
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ﴾ في العامل في «إذْ» ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أنه معطوف على «غُدُوًّا» فيكون معمولاً ليُعْرَضُونَ أي يعرضون على النار في هذه الأوقات كلها قاله أبو البقاء.
الثاني: أنه معطوف على قوله «إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ» قاله الطبري. وفيه نظر؛ لبُعْد مابينهما، ولأن الظاهر عودُ الضمير من «يَتَحَاجُّونَ» إلى آل فرعون.
الثالث: أنه منصوب بإضمار اذكر.
قوله: «تبعاً» فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه اسم جَمْع لِتَابع، ونحوه: خَادِم وخَدَمٌ، وغَائبٌ وغَيَبٌ وآدمٌ وأَدَمٌ.
قال البغوي: والتَّبَعُ يكون واحداً وجَمعاً في قولن أهل البَصْرة، واحده تابع. وقال الكوفيون: هو جمع لا واحد له وجمعه أتباع.
والثاني: أنه مصدر واقع موقع اسم الفاعل أي تابعين.
والثالث: أنه مصدر أيضاً ولكن على حذف مضاف أي ذَوِي تَبَعٍ.
قوله: «نَصِيباً» فيه ثلاثةُ أوجه:
أحدهما: أن ينتصب بفعل مقدر به عليه قوله: «مُغْنُونَ» تقديره: هل أنتم دَافِعُونَ عَنَّا.
الثاني: أن يُضَمَّن مُغْنُونَ معنى حَامِلينَ.
الثالث: أن ينتصب على المصدر، قال أبو البقاء: كَما كَانَ «شَيءٌ» كذلك، ألا ترى إلى قوله: ﴿لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ الله شَيْئاً﴾ [آل عمران: 10] «فَشَيْئاً» في موضع «غِنًى» فكذلك «نصيباً» و «من النار» صفة ل «نصيباً» .
قوله: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ﴾ العامة على رفع «كُلٌّ» ورفعه على الابتداء و «فِيهَا» خبره والجملة خبر «إنَّ» ، وهذا كقوله في آل عمران: ﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ [آل عمران: 154] ، في قراءة أبي عمرو. وقرأ ابن السّميْقَع وعيسى بْنُ عُمَرَ بالنصب، وفيه ثلاثةُ أوجه:
أحدها: أن يكون تأكيداً لاسم إن، قال الزمخشري: توكيد لاسم إن، وهو معرفة، والتنوين عوض من المضاف إليه، يريد: إنا كًُلَّنَا فيها انتهى، يعني فيكون «فيها» هو الخبر، وإلى كونه توكيداً ذهب ابْنُ عطيةَ أيضاً.
ورد ابن مالك هذا المذهب فقال في تَسْهِيلِهِ: «ولا يستغني بنية إضافته خلافاً للزمخشري» .
قال شهاب الدين: «وليس هذا مذهباً للزمخشري وحده بل هو منقول عن الكوفيين أيضاً» .
والثاني: أن تكون منصوبة على الحال، قال ابن مالك: والقول المَرْضِيُّ عندي أنّ «كُلاًّ» في القراءة المذكورة منصوبة على الحال من الضمير المرفوع في «فِيهَا» و «فيها» هو العامل؛ وقد قدمت عليه مع عدم تصرفه، كما قدمت في قراءة مَنْ قَرَأَ: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ﴾ [الزمر: 67] .
وفي قول النَّابِغَةِ:
4342 - رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْرَاعِهِمْ ... فِيهِمْ وَرَهْطُ رَبِيعَة بْنِ حُذَارِ
وقال بعض الطائيين:
4343 - دَعَا فَأَجَبْنَا وَهْوَ بَادِيَ ذِلَّة ... لَدَيْكُمْ وَكَانَ النَّصْرُ غَيْرَ بَعِيدِ يعني بنصب «بادي» . وهذا هو مذهب الأخفش، إلا أن الزمخشري منع من ذلك، قال رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإن قُلْتَ: هل يجوز أن يكون «كلاًّ» حالاً، قد عمل فيهِ «فيها» ؟ قُلْتُ: لا؛ لأن الظرف لا يعمل في الحال متقدمةً كما يعمل في الظرف متقدماً، تقول: كُلَّ يَوْمٍ لَكَ ثَوْبٌ، ولا تقول: قائماً في الدَّارِ زَيْدٌ، قال أبو حيان: وهذا الذي منعه أجازه الأخفش، إذا توسعت الحال، نحو: زيدٌ قائماً في الدار، وزيد قائماً عندك.
والمثال الذي ذكره ليس مطابقاً لما في الآية؛ لأن الآية تقدم فيها المسند إليه الحكم وهو اسم إن، وتوسطت الحال إذا قلنا: إنها حال، وتأخر العامل فيها. وأما تمثيله بقوله: «ولا تقول قائماً في الدَّارِ زيْد» فقد تأخر فيه المسند والمسند إليه، وقد ذكر بعضهم: أن المنع في ذلك إجماع من النحاة.
قال شهاب الدين: الزمخشري منعه صحيح؛ لأنه ماشٍ على مذهب الجمهور وأما تمثيله بما ذكر فلا يضره؛ لأنه في محل المنع، فعدم تجويزه صحيح.
الثالث: أن «كُلاًّ» بدل من «نَا» في «إنَّا» ؛ لأن «كُلاًّ» قد وَليَت العَوامِلَ فكأنه قيل: إنّ كُلاًّ فيها وإذا كانوا قد تأولوا قوله:
4344 - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ... ... ... ... ... . حَوْلاً أَكْتَعَا
و «حَوْلاً أجْمَعَا» على البدل مع تصرف أكْتَعَ وأجْمَعَ؛ فلأن ذلك في «كّلّ» أولى وأجدى. وأيضاً فإن المشهور تعريف «كُلّ» حال قطعها، حكي في الكثير الفَاشِي: مررت بكُلِّ قائماً وبِبَعْضٍ جالساً، وعزاه بعضهم لسيبويه.
وتنكير «كل» ونصبها حالاً في غاية الشذوذ، نحو: «مَرَرْتُ بِهِمْ كُلاًّ» أي جميعاً.
فإن قيل: فيه بدل الكل من الكل في ضمير الحاضر وهو لا يجوز.
أجيبَ بوجهين:
أحدهما: أن الكوفيين والأخفش يرون ذلك وأنشدوا قوله:
4345 - أَنَا سَيْفُ العِشِيرَةِ فَاعْرِفُونِي ... حميداً قَدْ تَذَرَّيْتُ السِّنَامَا
«فحميداً» بدل من ياء «فاعرفوني» . وقد تأوله البصريون على نصبه على الاختصاص.
والثاني: أن هذا الذي نحن فيه ليس محل الخلاف» ؛ لأن دال على الإحاطة والشمول، وقد قالوا: إنه متى كان البدل دالاً على ذلك جاز، وأنشدوا:
4346 - فَمَا بَرِحَتْ أَقْدَامُنَا فِي مَكَانِنَا ... ثَلاَثتِنَا حَتَّى أُزِيرُوا المَنَائِيَا
ومثله قوله تعالى: ﴿لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: 114] قالو: «ثلاثتنا» بدل من «ن» في «مكاننا» ؛ لدلالتها على الإحاطة، وكذلك» لأولنا وآخرنا «بدل من» ن» ف «لنا» ، فلأن يجوز ذلك في كل التي هي أصل في الشمول والإحاطة بطريق الأولى، هذا كلام أبي حيان في الوجه الثالث.
وفيه نظر لأن المبرد ومكِيًّا نصا على أن البدل في هذه الآية لا يجوز فكيف يدعى أنه لا خلاف في البدل والحالة هذه؟ لا يقال: إن في الآية قولاً رابعاً، وهو أن «كُلاًّ» نعت لاسم إنَّ، وقد صرح الكسائيُّ والفراء بذلك فقالا: هو نعت لاسم إن؛ لأن الكوفيين يطلقون اسم النعت على التأكيد، ولا يريدون حقيقة النعت.
وممن نص على هذه التأويل مكي رَحِمَهُ اللَّهُ؛ ولأن الكسائي إنما جوز نعت ضمير الغائب فقط دون المتكلم والمخاطب.
فصل
معنى الآية واذكر يا محمد القومكم إذ يَتَحاجُّون أي يُحَاجُّ بعضُهم بعضاً. ثم شرح خصومتهم وهي أن الضعفاء يقولون للرؤساء: إنا كنا لكم تبعاً في الدنيا فهل أنتم مغنون عنا نصباً من النار أي فهل تقدرون على أن تدفعوا عنا أيها الرُّؤسَاء نصيباً من العذاب؟
ومقصودهم من هذا الكلام المبالغة في تعجيز أولئك الرؤساءَ وإيلام قلوبهم؛ لأنهم يعلمون أن أولئك الرؤساء لا قدرةَ لهم على ذلك التخفيف فعند ذلك يقول الرؤساء إنا كل فيها أي إنا كُلُّنَا واقعون في هذا العذاب، فلو قدرنا على إزالة العذاب لدفعناه عن أنفسنا. ثم يقولون: ﴿إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد﴾ يعنى فَأَوْصَلَ إلى شكل أحد حقه من النعيم أو من العذاب، فعند هذا يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين، فيرجعون إلى خَزَنَةِ جهنم ويقولون لهم: ﴿ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ .
فإن قيل: لم لم يقل: وقال الذين في النار لخزنتها؟
فالجواب من وجهين:
الأول: أن يكون المقصود من ذكر جهنم التهويل والتفظيع.
والثاني: أن تكون جهنم اسماً لموضع من أشد المواضع بعيدِ القرار من قولهم: بِئْرٌ جِهِنَّامٌ أي بعيدة القَعْر وفيها أعظم أقسام كفار عقوبة، وخزنة ذلك الموضع تكون أعظم خزنة جهنم عند الله درجة، فإذْ عرف الكافر أن الأمر كذلك استغاثوا بهم فيقولون لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾ ؟ .
قوله: ﴿يَوْماً مِّنَ العذاب﴾ في يومايً وَجْهَانِ:
أحدهما: أنه ظرف لِيُخَفِّفْ، ومفعول «يخفف» محذوف، أي يخفف عنا شيئاً من العذاب في يوم. ويجوز على رأي الأخفش أن تكون «مِنْ» مزيدة فيكون العذاب هو المفعول، أي يخفف عنا في يوم العذابَ.
الثاني: أن يكون مفعولاً به، واليوم لا يخفف، وإنما يخفف مظروفه، والتقدير يخفف عذاب يوم، وهو قلق لقوله: «مِنَ العَذَابِ» والقول بأنه صفة كالحال أقلق منه.
والظاهر أن «مِنَ العََذَابِ» هو المفعول ليخفف، ومِنْ تَبْعِيضِيَّة، و «يَوْماً» ظرف، سألوا أن يخفف عنهم بعض العذاب لا كله في يوم ما، لا في كل يوم ولا في يوم معين.
فصل
لما أجابوهم الخزنة بقولهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بالبينات﴾ ؟ قالوا: بلى والمعنى أن لولا إرسال الرسل كان للقوم أن يقولوا ما جاءنا من نذير. وهذه الآية تدل على أن الجواب لا يتحقق إلا بعد مجيء الشَّرْعِ. ثم إن أولئك الملائكة يقولون لهم: ادْعُوا أنتم فإنا لا نَتَجَرأ على ذلك ولا نشفع إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون المشفع له مؤمناً.
والثاني: حصول الإذن في الشفاعة، ولم يوجد شيء من هذين الشرطين لكن ادعوا أنتم.
وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة، ولكن لِلدلالة على الخيبة، وأن المَلكَ المقرب إذا لم يسمعْ دعاؤه فيكف يسمع دعاء الكافر؟ ثم صرحوا لهم بأنه لا أثر لدعائهم فقالوا: ﴿دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ أي يبطل ويَضِلّ ولا ينفعهم.
فإن قيل: إنه تعالى يمتنع عليه أن يتأذى من المجرمين يسبب جُرْأَتِهِمْ، وإذا كان التَّأَذِّي محالاً كانت شهوة الانتقام ممتنعةً في حقه، وإذا ثبت هذا فنقول إيصال هذه المضارّ العظيمة إلى أولئك الكفار إضرار خالٍ عن جميع جهات المنفعة فكيف يليق بالرحيم الكريم أن يعذب بترك الآلام أبَدَ الآبادِ ودَهْرَ الدَّاهرِينَ من غير أن يَرْحم حاجتهم، ومن غير أن يسمع دعاءهم، ومن غير أن يلتفت إلى تضرعهم وانكسارهم، ولو أن أقسى الناس قلباً فعل مثل هذا التعذيب ببعض عَبِيدِهِ لأداء كَرَمُهُ ورحمته إلى العفو عنه مع أن هذا السيِّد في محل الحاجة والنفع والضرر فأكرم الأكرمين كيف يليق به هذا الإضرار؟
فالجواب: أن أفعال الله لا تُعَلَّل، ولا يُسْأَلُ عما يَفْعَلُ وهم يُسْأَلُونَ فلما جاء الحكم الحق به في الكتاب الحق وجب الإقرار به والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ... .﴾ الآية. في كيفية النظم وجوه:
الأول: أنه تعالى لما ذكر وقاية الله موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، وذلك المؤمن من مكر فرعون مَنَّ في هذه الآية بأنه ينصر رسله والذين آمنوا معه.
الثاني: لما بين من قبل تَخَاصُم أهلِ النار، وأنهم عند الفزع إلى خزنة جهنم يقولون: ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات أتبع ذلك الرسل وأنه ينصرهم في الدنيا والآخرة.
الثالث: قال ابن الخطيب: وهو الأقرب عندي أن الكلام في أول السورة إنما وقع من قوله: إنما يُجَادِلُ في آيَات اللهِ الذين كفروا فلا يغرنك تقلّبهم في البلاد. وأصل الكلام في الرد على أولئك المجادلين وعلى أن المحقين أبداً مشغولين بدفع كيد المبطلين، وكل ذلك إنما ذكره الله تعالى تسلية للرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتصبيراً له على تحمل الأذى من قومه.
ولما بلغ الكلام في تقرير هذا المطلوب إلى الغاية القصوى وعد تعالى بأن ينصر رسوله على أعدائه تعالى فقال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا﴾ . قال ابنُ عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: بالغلبة والقهر، وقال الضَّحَّاحُ: بالحُجَّة، وفي الآخرة بالانتقام من الأعداء وبإعلاء درجاتهم في مراتب الثواب، وكل ذلك قد كان للأنبياء والمؤمنين، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وأهلك أعداءهم بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قُتِلَ فقَتَلَ به سبعين ألفاً.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ قرأ الجمهور يَقُوم بالياء من أسفلَ، وأبو عمرو في رواية المنقريّ عنه وابن هُرْمز وإسماعيل بالتاء من فوق لتأنيث الجماعة.
والأشهاد يجوز أن يكون جمع «شَهيدٍ» كشَرِيفٍ وأشْرَافٍ، وهو مطابق لقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] وأن يكون جمع «شاهد» كصَاحِب، وأصْحاب، وطَائر، وأطيار، قال المبرد وهو مطابق لقوله: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ [الأحزاب: 45] .
واعلم أن قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ فيه دقيقة لطيفة، وهي أن السلطان العظيم إذا آثر بعض خواصه بالإكرام العظيم عند حضور الجمع من أهل المشرق والمغرب كان ذلك أتمّ وأبهج. وعنى بالأشهاد كل من شهد بأعمال العباد يوم القيامة من ملك ونبي ومؤمن. أما الملائكة فهو الكرام الكاتبون يشهدون على الرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب. وأما الأنبياء فقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: 41] وأما المؤمنون فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [البقرة: 143]
قوله «يَوْمَ» بدل من «يوم» قبله، أو بيان له، أو نصب بإضمار أَعْنِي.
وتقدم الخلاف في قوله ِ «يَنْفَع الظَّالِمِينَ» بالياء والتاء آخر الروم. والمعنى لا ينفع الظالمين معذرتهم إن اعتذروا «ولهم اللعنة» البعد من الرحمة، وهذا يفيد الحصر يعني أن اللعنة مقصورة عليهم، وهي الإهانة والإذلال ﴿وَلَهُمْ سواء الدار﴾ يعني جهنم.
فإن قيل: قوله: ﴿لا ينفع الظالمين معذرتهم﴾ يدل على أنهم يذكرون الأعذار، ولكن تلك الأعذار لا تنفعهم فكيف الجمع بين هذا وبين قوله: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] ؟
فالجواب: قوله ﴿لا ينفع الظالمين معذرتهم﴾ لا يدل على أنهم ذكروا الأعذار بل ليس فيه إلا أنه ليس عندهم عذر مقبول، وهذا لا يدل على أنهم ذكروه أم لا وأيضاً فيوم القيامة يوم طويل فيعتذرون في وقت ولا يتعذرون في وقت آخر.
غافر 40:53
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهدى وَأَوْرَثْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب ... ﴾ الآية لما بين أنه تعالى ينصر الأنبياء والمؤمنين في الدنيا والآخرة ذكر نوعاً من أنواع تلك النصرة في الدنيا فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهدى﴾ .
قال مقاتل: هُدًى من الضلالة، يعني التوراة، ويجوز أن يكون المراد الدلائل القاهرة التي أوردها على فرْعَون وأتباعهِ وكادهم بها، ويجوز أن يكون المراد بالهدى النبوة التي هي أعظم المناصب الإنسانية ﴿وَأَوْرَثْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب﴾ وهو التوراة ﴿هُدًى وذكرى لأُوْلِي الألباب﴾ يعنى أنه تعالى لمنا أنزل التوراة على موسى بقي ذلك العِلْمُ فيهم وتَوارَثُوهُ خَلَفاًس عن سَلَفٍ.
وقيل: المراد سائر الكتب أنزلها الله عليهم، وهي كتب أنبياء بني إسرائيل كالتوراة والإنجيل والزَّبُور.
قوله: «هُدًى وَذِكْرَى» فيهما وجهان:
أحدهما: أنهما مفعول من أجْلِهِمَا أي لأجل الهُدَى والذكر.
والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال.
والفرق بين الهدى والذكرى، أن الهدى ما يكون دليلاً على الشيء وليس من شرطه أن يذكر شيئاً آخر كان معلوماً ثم صار مَنْسِيًّا، وأما الذكرى فهو الذي يكون كذلك، فكتب أنبياء الله تعالى مشتملة على هذين القسمين بعضها دلائل في أنفسها، وبعضها مذكرات لما ورد في الكتب الإلهية المقتدمة.
ولما بين تعالى أنه ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب المثال في ذلك بحال مُوسى خاطب بعد ذلك محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي فاصبر يا محمد على أذَاهُمْ، إن وعد الله حق في إظهار دينك وهلاك أعدائك. وقال الكلبي: نسخت آية القتل آية الصَّبْر.
قوله: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ﴾ قيل: المصدر مضاف للمفعول أي لذنب أمتك في حقك. والظاهر أن الله تعالى يقول ما أراد وإن لم يجز لنا نحن أن نضيف إليه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ذنباً، قال المفسرون: هذا تعبد من الله تعالى ليزيده به درحة، وليصير سنة لمن بعده.
قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ صَلِّ شكراً لربك بالعَشِيِّ والإبْكَارِ، قال الحسن: يعني صلاة العصر وصلاة الفجر، وقال ابن عباس: الصلوات الخمس.
غافر 40:54
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهدى وَأَوْرَثْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب ... ﴾ الآية لما بين أنه تعالى ينصر الأنبياء والمؤمنين في الدنيا والآخرة ذكر نوعاً من أنواع تلك النصرة في الدنيا فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهدى﴾ .
قال مقاتل: هُدًى من الضلالة، يعني التوراة، ويجوز أن يكون المراد الدلائل القاهرة التي أوردها على فرْعَون وأتباعهِ وكادهم بها، ويجوز أن يكون المراد بالهدى النبوة التي هي أعظم المناصب الإنسانية ﴿وَأَوْرَثْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب﴾ وهو التوراة ﴿هُدًى وذكرى لأُوْلِي الألباب﴾ يعنى أنه تعالى لمنا أنزل التوراة على موسى بقي ذلك العِلْمُ فيهم وتَوارَثُوهُ خَلَفاًس عن سَلَفٍ.
وقيل: المراد سائر الكتب أنزلها الله عليهم، وهي كتب أنبياء بني إسرائيل كالتوراة والإنجيل والزَّبُور.
قوله: «هُدًى وَذِكْرَى» فيهما وجهان:
أحدهما: أنهما مفعول من أجْلِهِمَا أي لأجل الهُدَى والذكر.
والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال.
والفرق بين الهدى والذكرى، أن الهدى ما يكون دليلاً على الشيء وليس من شرطه أن يذكر شيئاً آخر كان معلوماً ثم صار مَنْسِيًّا، وأما الذكرى فهو الذي يكون كذلك، فكتب أنبياء الله تعالى مشتملة على هذين القسمين بعضها دلائل في أنفسها، وبعضها مذكرات لما ورد في الكتب الإلهية المقتدمة.
ولما بين تعالى أنه ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب المثال في ذلك بحال مُوسى خاطب بعد ذلك محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي فاصبر يا محمد على أذَاهُمْ، إن وعد الله حق في إظهار دينك وهلاك أعدائك. وقال الكلبي: نسخت آية القتل آية الصَّبْر.
قوله: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ﴾ قيل: المصدر مضاف للمفعول أي لذنب أمتك في حقك. والظاهر أن الله تعالى يقول ما أراد وإن لم يجز لنا نحن أن نضيف إليه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ذنباً، قال المفسرون: هذا تعبد من الله تعالى ليزيده به درحة، وليصير سنة لمن بعده.
قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ صَلِّ شكراً لربك بالعَشِيِّ والإبْكَارِ، قال الحسن: يعني صلاة العصر وصلاة الفجر، وقال ابن عباس: الصلوات الخمس.
غافر 40:55
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهدى وَأَوْرَثْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب ... ﴾ الآية لما بين أنه تعالى ينصر الأنبياء والمؤمنين في الدنيا والآخرة ذكر نوعاً من أنواع تلك النصرة في الدنيا فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهدى﴾ .
قال مقاتل: هُدًى من الضلالة، يعني التوراة، ويجوز أن يكون المراد الدلائل القاهرة التي أوردها على فرْعَون وأتباعهِ وكادهم بها، ويجوز أن يكون المراد بالهدى النبوة التي هي أعظم المناصب الإنسانية ﴿وَأَوْرَثْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب﴾ وهو التوراة ﴿هُدًى وذكرى لأُوْلِي الألباب﴾ يعنى أنه تعالى لمنا أنزل التوراة على موسى بقي ذلك العِلْمُ فيهم وتَوارَثُوهُ خَلَفاًس عن سَلَفٍ.
وقيل: المراد سائر الكتب أنزلها الله عليهم، وهي كتب أنبياء بني إسرائيل كالتوراة والإنجيل والزَّبُور.
قوله: «هُدًى وَذِكْرَى» فيهما وجهان:
أحدهما: أنهما مفعول من أجْلِهِمَا أي لأجل الهُدَى والذكر.
والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال.
والفرق بين الهدى والذكرى، أن الهدى ما يكون دليلاً على الشيء وليس من شرطه أن يذكر شيئاً آخر كان معلوماً ثم صار مَنْسِيًّا، وأما الذكرى فهو الذي يكون كذلك، فكتب أنبياء الله تعالى مشتملة على هذين القسمين بعضها دلائل في أنفسها، وبعضها مذكرات لما ورد في الكتب الإلهية المقتدمة.
ولما بين تعالى أنه ينصر رسله وينصر المؤمنين في الدنيا والآخرة وضرب المثال في ذلك بحال مُوسى خاطب بعد ذلك محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ أي فاصبر يا محمد على أذَاهُمْ، إن وعد الله حق في إظهار دينك وهلاك أعدائك. وقال الكلبي: نسخت آية القتل آية الصَّبْر.
قوله: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ﴾ قيل: المصدر مضاف للمفعول أي لذنب أمتك في حقك. والظاهر أن الله تعالى يقول ما أراد وإن لم يجز لنا نحن أن نضيف إليه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ذنباً، قال المفسرون: هذا تعبد من الله تعالى ليزيده به درحة، وليصير سنة لمن بعده.
قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ صَلِّ شكراً لربك بالعَشِيِّ والإبْكَارِ، قال الحسن: يعني صلاة العصر وصلاة الفجر، وقال ابن عباس: الصلوات الخمس.
غافر 40:56
قوله (تعالى) : ﴿إِنَّ الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ... ﴾ الآية لما ابتدأ بالرد على الذين يُجادلون في آيات الله واتصل الكلام بعضه ببعض على الترتيب المقتدم إلى هنا نبه تعالى على الداعية التي تحمل أولئك الكفار على تلك المجادلة، فقال: ﴿إِنَّ الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ﴾ أي ما يحملهم على هذا العمل الباطل إلا الكبر الذي في صدروهم. قال ابن عباس: والمراد ما في قلوبهم، والصدر موضع القلب فكني به عن القلب لمجاورته.
قوله: ﴿مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾ قال مجاهد: ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر؛ لأن الله عزّ وجلّ مذلّهم. قال ابن قتيبة: «إن في صدورهم إلا تكبر على محمد، وطمع أن يغلبوه، وما هم ببالغي ذلك» .
وقوله ﴿فاستعذ بالله﴾ قال المفسرون: نزلت في اليهودِ، وذلك أنهم قالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إنا صاحبنا المسيحُ بنُ داود يعنون الدّجّال يخرج في آخر الزمان فيبلغ سلطانه البر والبحر ويرد المُلْكَ إلينا، قال الله تعالى: فاستعذ بالله من فتنة الدجال إنه هو السميع البصير. وقال ابن الخطيب: يعنى بقوله ﴿مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾ يعنى أنهم يريدون أذاك، ولايصلون إلى هذا المراد بل لا بد وأن يصيروا تحت أمرك ونهيك. ثم قال تعالى: ﴿فاستعذ بالله﴾ أي فالتجىء إليه من كيد من يجادلك إنه هو السَّمِيعُ بما يقولون أو تقول «البَصِيرُ» بما يعملون وتعمل فهو يجعلك نَافِذَ الحكم عليهم ويصونك عن مكرهم وكيدهم.
غافر 40:57
قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ المصدران مضافان لمفعولهما، والفاعل محذوف، وهو الله تعالى.
ويجوز أن يكون الثاني مضافاً للفاعل أي أكبر مما يخلقه الناسُ، أي يصنعونه.
ويجوز أن يكون المصدران واقعين موقع المخلوق، أي مخلوقهما أكبر من مخولقهم، أي جرمهما أ: بر من جرمهم.
فصل
اعلم أنه تعالى لما وصف جدالهم في الآيات بأن بغير سلطان ولا حجة، ذكر لهذا مثلاً، فقال: لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس والقادر على الأكبر قادر على الأقلّ لا محالة. وتقرير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء على غيره ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقال: لما قدر على الأضعف، وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد.
(وثانيها: أن يُقَال: لما قدر على الشيء قدر على مِثْلِهِ، فهذا استدلال صحيح لما ثبت في الأصول: أن حكم الشيء حكم مثله) .
وثالثها: أن يُقَالَ: لما قدر على الأقوى الأكمل (فَبِأَنْ) يقدر على الأقل الأرذل كان أولى. وهذا استدلال في غاية الصحة والقوة، ولا يرتاب فيه عاقل البتةَ. ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السمواتِ والأرضِ هو الله سبحانه وتعالى ويعملون بالضرورة أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وكان من حقهمخ أن يقروا بأن القادر على خلق السموات والأرض يكون قادراً على إعادة الإنسان الذي خلقه اولاً فهذا برهان كلي في إفادة هذا المطلوب.
ثم إن هذا البرهان على قوته صار بحيث لا يعرفه أكثر الناس، والمراد منه الذين ينكرون الحشر والنشر. فظهر بهذا المثال أنَّ هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا حجة بل بمجرد الحَسَدِ والكِبْر والغَضَب.
ثم لما بين الله تعالى أن الجِدَال المقرونَ بالكِبر والحسد، والجَهْل كيف يكون؟ وأن الجدال بالحجة والبرهان كيف يكون؟ نبه تعالى على الفرق بين البيانين فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير﴾ يعني: وما يستي المستدل والجاهل فالمقلد، ثم قال تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسياء قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ فالمراد بالأول: التفاوت بين العالم والجاهل والمراد بالثاني: التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال السيئة الباطلة، ثم قال: ﴿قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ يعني أنهم وإن كانوا (يعلمون) أن العلمَ خير من الجهل، وأن العمل الصالح خيرٌ من العمل الفاسد إلا أنه قليلاً ما يتذكرون. فبين في النوع الأول المعنى من الاعتقاد أنه علم أو جهل، وفي النوع الثاني المعنى من العمل أنه عملٌ صالح أو فاسدٌ.
فصل
قوله: (وَالْبَصير) اعلم أن التقابلَ يجيء على ثَلاَثِ طُرُقٍ:
أحدهما: أن يجاور المناسب ما يناسبه كهذه الآية.
والثانية: أن يتأخر المتقالابن كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع﴾ [هود: 24] .
والثالثة: أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير وَلاَ الظلمات وَلاَ النور﴾ [فاطر: 1920] . وكل ذلك تفنن في البلاغة.
وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ .
قوله: ﴿وَلاَ المسيء﴾ لاَ زائدة للتوكيد؛ لأنه لما طال الكلام بالصلة بعد تقسيم المؤمنين، فأعاد معه «لا» توكيداً، وإنما قدم المؤمنين لمجاورتهم.
قوله: «تتذكرون» قرأ الكوفيون بتاء الخطاب، والباقون بياء الغيبة، والخطاب على الالتفات للمذكورين بعد الإخبار عنهم. والغيبة نظراً لقوله: «إنَّ الَّذِين يُجَادِلُونَ» وهم الذين التفت إليهم في قراءة الخطاب.
غافر 40:58
قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ المصدران مضافان لمفعولهما، والفاعل محذوف، وهو الله تعالى.
ويجوز أن يكون الثاني مضافاً للفاعل أي أكبر مما يخلقه الناسُ، أي يصنعونه.
ويجوز أن يكون المصدران واقعين موقع المخلوق، أي مخلوقهما أكبر من مخولقهم، أي جرمهما أ: بر من جرمهم.
فصل
اعلم أنه تعالى لما وصف جدالهم في الآيات بأن بغير سلطان ولا حجة، ذكر لهذا مثلاً، فقال: لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس والقادر على الأكبر قادر على الأقلّ لا محالة. وتقرير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء على غيره ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقال: لما قدر على الأضعف، وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد.
(وثانيها: أن يُقَال: لما قدر على الشيء قدر على مِثْلِهِ، فهذا استدلال صحيح لما ثبت في الأصول: أن حكم الشيء حكم مثله) .
وثالثها: أن يُقَالَ: لما قدر على الأقوى الأكمل (فَبِأَنْ) يقدر على الأقل الأرذل كان أولى. وهذا استدلال في غاية الصحة والقوة، ولا يرتاب فيه عاقل البتةَ. ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السمواتِ والأرضِ هو الله سبحانه وتعالى ويعملون بالضرورة أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وكان من حقهمخ أن يقروا بأن القادر على خلق السموات والأرض يكون قادراً على إعادة الإنسان الذي خلقه اولاً فهذا برهان كلي في إفادة هذا المطلوب.
ثم إن هذا البرهان على قوته صار بحيث لا يعرفه أكثر الناس، والمراد منه الذين ينكرون الحشر والنشر. فظهر بهذا المثال أنَّ هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا حجة بل بمجرد الحَسَدِ والكِبْر والغَضَب.
ثم لما بين الله تعالى أن الجِدَال المقرونَ بالكِبر والحسد، والجَهْل كيف يكون؟ وأن الجدال بالحجة والبرهان كيف يكون؟ نبه تعالى على الفرق بين البيانين فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير﴾ يعني: وما يستي المستدل والجاهل فالمقلد، ثم قال تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسياء قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ فالمراد بالأول: التفاوت بين العالم والجاهل والمراد بالثاني: التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال السيئة الباطلة، ثم قال: ﴿قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ يعني أنهم وإن كانوا (يعلمون) أن العلمَ خير من الجهل، وأن العمل الصالح خيرٌ من العمل الفاسد إلا أنه قليلاً ما يتذكرون. فبين في النوع الأول المعنى من الاعتقاد أنه علم أو جهل، وفي النوع الثاني المعنى من العمل أنه عملٌ صالح أو فاسدٌ.
فصل
قوله: (وَالْبَصير) اعلم أن التقابلَ يجيء على ثَلاَثِ طُرُقٍ:
أحدهما: أن يجاور المناسب ما يناسبه كهذه الآية.
والثانية: أن يتأخر المتقالابن كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع﴾ [هود: 24] .
والثالثة: أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير وَلاَ الظلمات وَلاَ النور﴾ [فاطر: 1920] . وكل ذلك تفنن في البلاغة.
وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ .
قوله: ﴿وَلاَ المسيء﴾ لاَ زائدة للتوكيد؛ لأنه لما طال الكلام بالصلة بعد تقسيم المؤمنين، فأعاد معه «لا» توكيداً، وإنما قدم المؤمنين لمجاورتهم.
قوله: «تتذكرون» قرأ الكوفيون بتاء الخطاب، والباقون بياء الغيبة، والخطاب على الالتفات للمذكورين بعد الإخبار عنهم. والغيبة نظراً لقوله: «إنَّ الَّذِين يُجَادِلُونَ» وهم الذين التفت إليهم في قراءة الخطاب.
غافر 40:59
قوله: ﴿إِنَّ الساعة﴾ يعني القيامة ﴿لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون البعث والقيامة لما قرر الدليل على إمكان وجود يوم القيامة أردفه بالإخبار عن وقوعها.
غافر 40:60
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ ... ﴾ الآية لما بين أن القولَ بالقيامة حق وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله تعالى أو التضرع عليه لا جَرَمَ كان الاشتغال بالطاعة من أهم المُهِمّات، ولما كان أشرفَ أنواع الطاعات الدعاءُ والتضررعُ لا جَرَمَ أمر الله تعالى به فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ .
واختلفوا في المراد بقوله «ادعوني» فقيل: المراد منه الأمر بالدعاء، وقيل: الأمر بالعبادة بدليل قوله بعده: ﴿إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ ، وأيضاً الدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً﴾ [النساء: 117] . وأجاب الأوّلونَ بأن هذا ترك للظاهر فلا يُصَار إلا بدليل.
فإن قيل: كيف قال: «ادعوني أستجب لكم» ، وقد يُدْعَى كثيراً فلا يستجاب؟
وأجاب الكَعْبِيُّ بأن الدعاء إنما يصح بشرط، ومن دعا كذلك يستجيب له، وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة.
ثم سأل نفسه فقال: إن الله تعالى يفعل ما هو الأصلح بغير دعاء فما الفائدة في الدعاء؟
وأجاب عنه بوجهين: الأول: أن فيه الفزعَ والانقطاعَ إلى الله تعالى.
الثاني: أن هذا أيضاً وارد على الكل لأنه إن علم أنه يفعله فلا بدّ وأن يفعله، فلا فائدة في الدعاء وإن علم أنه لا يفعله فإنه البتة لا يفعله، فلا فائدة في الدعاء أيضاً، فكل ما يقولونه ههنا فهو جوابنا.
قال ابن الخطيب: وعندي وجه آخر وهو أنه قال: ادعوني أستجيب لكم، وكل من دعا الله وفي قلبه ذَرّة من الاعتماد على ماله وجاهه وأصدقائه واجتهاده فهو في الحقيقة ما دعا الله إلا باللسان وأما القلب فإنه يعول في تحصيل ذلك المطلوب على غير الله، فهذا اللسان ما دعا ربه، أما إذا في وقت لا يكون القلبُ فيه متلفتاً إلى غير الله فالظاهر أن يستجاب له.
قوله: ﴿إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ وهذا إحسانٌ عظيمٌ من الله تعالى حيث ذكر الوعيد الشديد على ترك الدعاء. وروى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَنْ لَمْ يَدْعُ اللهَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ» .
فإن قيل: إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال حكاية عن ربه عزّ وجلّ: «مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أعْطِي السَّائِلينَ» .
فهذا يقتضي أن ترك الدعاء أفضل، وهذه الآية تدل على أن ترك الدعاء يوجب الوعيد الشديد فكيف الجمع بينهما؟
فالجواب: لا شك أن العقلَ إذا كان مستغرقاً في الثناء كان ذلك أفضلَ في الدعاء لأن الدعاء طلب الجنة، والاستغراق في معرفة جلال الله أفضل من طلب الجنة، أما إذا لم يحصل الاستغراق كان الاشتغال بالدُّعَاء أولى؛ لأن الدعاء يشتمل على معرفة الربوبية وذُلّ العبودية.
قوله: «سَيَدْخُلُونَ» قرأ ابن كثير وأبو جعفر «سَيُدْخَلُونَ» بضم الياء وفتح الخاء، والآخرون بفتح الياء وضم الخاء «دَاخِرِينَ» صاغرين ذَلِيلِينَ.
غافر 40:61
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ اعلم أن تعلقه بما قبله من وجهين:
الأول: كأنه تعالى قال: إني أنعمت عليك قبل طلبك هذه النعم العظيمة، ومن أنعم عليك قبل السؤال بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة بعد السؤال؟! .
والثاني: أنه تعالى لماأمر بالدعاء فكأنه قيل: الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون مسبوقاً بحصول المعرفة فما الدليل على وجود الإله القدر؟ فذكر تعالى هذه الدلائل العشرة على وجوده وقدرته وحكمته، وقد تقدم ذِكْرُ الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته وهي إما فلكيّة، وإما عُنْصُرِيَّة وأن الفلكيات أقسامٌ كثيرة، أحدُها الليلًُ والنهارُ، وأن أكثرَ مصالح العالم مربوطةٌ بهما فذكرهما الله تعالى ههنا، وبين أن الحكمة في خلق الليل حصولُ الراحة بالنوم والسكون، والحكمة في خلق النهار إبصار الأشياء؛ لِيُمْكِنَ التصرفُ فيها على الوجه الأنفع.
فإن قيل: هلاَّ قِيلَ بحسب رِعاية النظم هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه أو يقال: جعل لكم الليلَ ساكناً والنهار مبصراً ولكنه لم يقل ذلك، فما الفائدة؟ وما الحكمة في تقدم ذكر الليل؟ .
فالجواب عن الأول: هو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عَدَمِيَّة فهو غير مقصود بالذات، وأما اليقظة فأمور وجودية، وهي مقصودة بالذات. وقد بيّن الشيخ عَبْدُ القَاهِر النَّحوِيُّ في دلائل الإعْجَازِ أن دلالة صيغة الاسم على الكمال والتمام أقوى من دلالة صيغة الفعل عليها فهذا هو السبب في الفَرْق.
وأما الجواب عن الثاني: فهو أن الظلمة طَبِيعَةٌ عدمِيَّة، والنورُ طبيعةٌ وجودية، والعدم في المُحْدَثَاتِ مقدَّمٌ على الوجود؛ فلهذا السبب قال في أول سورة الأنعام: ﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ [الأنعام: 1] .
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ والمعنى أن فضل الله تعالى على الخلق كثيرٌ جداً، ولكنه لا يشكرونه.
واعلم أن ترك الشكر لوجوه:
الأول: أن يَعْتَقِدَ الرجل أنّ هذه النعم ليست من الله، مثل أن يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها، واجبة الدوران (لذواتها) فيعتقد أن هذه النعم منها.
الثاني: أن يَعْتَقِدَ أن كلَّ هذا العالم إنما حصل بتخليق الله وتكوينه إلا أن نعمةَ تَعَاقُبِ الليل والنهار لما دامت واستمرت نَسِيها الإنسان، فإذا ابْتُلِيَ الإنسان بفِقْدانِ شيء منها عرف قدرها مثل أن يحبس في بئر عميق مظلمةٍ مًُدَّةً مديدةً، فحينئذ يعرف ذلك الإنسان قَدْرَ نعمةِ الهواء الصافي وقَدْر نعمة الضوء، وقد كان بعض الملوك يعذب بعض خدمه بأن يأمر أقواماً يمنعونه من النوم وعن الاستناد إلى الجدار.
والثالث: أن الإنسان وإن كان عارفاً بهذه النعم إلا أنه يكون حريصاً على الدنيا، محبًّا المالَ والجاهَ، فإذا فاته المال الكثير والجاه العريض وقع في كُفْران هذه النعم العظيمة، ولما كان أكثر الخلق واقعون في أحد هذه الأودية الثلاثة لا جرم قال تعالى: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ .
ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: 13] وقول إبليس: ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الاعراف: 17] .
ولما بين الله تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر قال: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ﴾ . قال الزمخشري: ذَلِكُمُ المعلوم المتميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو اللهُ رَبُّكُمْ، خالق كمل شيء «لا إله إلا هو» أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء وأنه لا ثانيَ له. ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ أي فأنى تُصْرَفُونَ أي ولِمَ تَعْدِلُونَ عن هذه الدلائل وتكذبون بها؟ .
قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ العام على الرفع، وزيْدُ بْنُ عليِّ بالنصب. قال الزَّمخشريُّ: «على الاختصاص» . وقرأ طلحة يُؤْفَكُونَ بياء الغيبة. وقوله: «وكذلك يُؤْفَكُ» أي مثل ذلك الإفك بمعنى كما أَفِكْتُمْ عن الحق مع قيام الأدلة ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ يعنى كلّ من جحد بآيات الله ولم يَتَأَملْهَا ولم يكن فيه عزمُ طَلَبِ الحقِّ وخَوْفِ العاقبة أفِكَ كما أَفِكُوا.
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً ... ﴾ لما تقدم أن دلائل وجود الله تعالى وقدرته إما أن يكون من دلائل الآفاق وهي غير الإنسان وهي أقسام، وذكر منها أحوالَ الليل والنهار كما تقدم، وذكر منها أيضاً ههنا الأرض والسماء فقال: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قراراً أي منزلاً في حال الحرارة وبعد المَمَات والسماء بناء أي قائماً ثابتاً وإلا وَقَعَتْ علينا. وقيل: سَقْفاً كالقُبَّة، ثم ذكر دلائل الأنفس، وهي دلالة أحوال بَدَن الإنسان على وجود الصانع القادر الحكيم، وهو قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ . قوله: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ قرأ أبو رَزِين والأعْمَشُ صِوَركُمْ بكسر الصاد فراراً من الضمة قبل الواو. وقرأت فِرْقَةٌ بضم الصاد وسكون الواو، وجعلوه اسم جنس لصُورَةٍ، كبُسْر وبُسْرَةٍ.
فصل
قال مقاتل: خلقكم فأحسن خَلْقكم. قال ابن عباس رَضِي اللهُ عَنْهُمَا خُلِقَ ابن آدم قائماً معتدلاً يأكل ويتناول بيده، وغَيْرُ بن آدم يتناول بفيه. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات﴾ ، قيل: من غير رقز الدوابِّ. ثم قال: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين﴾ ، ومعنى تبارك إمّا الدوام والتبيان وإماكثرة الخيرات. ثم قال: «هُوَ الحَيُّ» وهذا يفيد الحَصْر؛ ولأن لا حيَّ إلا هو. ثم نبّه على الوحدانية فقال: لا إله إلا هو ثم أمر العباد بالإخلاص في الدعاء فقال: ﴿فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ . ثم قال: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ .
والمراد أنه لما كان موصوفاً بصفات الجَلال والعِزة استحق لذاته أن يقال له: الحمد لله رب العالمين وقال الفراء هو خبر، وفيه إضمار الأمر ومجازه فادعوه واحْمدُوهُ. وروى مجاهد عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما من قال: لا إله إلا الله فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين، فذلك قوله: فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين.
غافر 40:62
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ اعلم أن تعلقه بما قبله من وجهين:
الأول: كأنه تعالى قال: إني أنعمت عليك قبل طلبك هذه النعم العظيمة، ومن أنعم عليك قبل السؤال بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة بعد السؤال؟! .
والثاني: أنه تعالى لماأمر بالدعاء فكأنه قيل: الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون مسبوقاً بحصول المعرفة فما الدليل على وجود الإله القدر؟ فذكر تعالى هذه الدلائل العشرة على وجوده وقدرته وحكمته، وقد تقدم ذِكْرُ الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته وهي إما فلكيّة، وإما عُنْصُرِيَّة وأن الفلكيات أقسامٌ كثيرة، أحدُها الليلًُ والنهارُ، وأن أكثرَ مصالح العالم مربوطةٌ بهما فذكرهما الله تعالى ههنا، وبين أن الحكمة في خلق الليل حصولُ الراحة بالنوم والسكون، والحكمة في خلق النهار إبصار الأشياء؛ لِيُمْكِنَ التصرفُ فيها على الوجه الأنفع.
فإن قيل: هلاَّ قِيلَ بحسب رِعاية النظم هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه أو يقال: جعل لكم الليلَ ساكناً والنهار مبصراً ولكنه لم يقل ذلك، فما الفائدة؟ وما الحكمة في تقدم ذكر الليل؟ .
فالجواب عن الأول: هو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عَدَمِيَّة فهو غير مقصود بالذات، وأما اليقظة فأمور وجودية، وهي مقصودة بالذات. وقد بيّن الشيخ عَبْدُ القَاهِر النَّحوِيُّ في دلائل الإعْجَازِ أن دلالة صيغة الاسم على الكمال والتمام أقوى من دلالة صيغة الفعل عليها فهذا هو السبب في الفَرْق.
وأما الجواب عن الثاني: فهو أن الظلمة طَبِيعَةٌ عدمِيَّة، والنورُ طبيعةٌ وجودية، والعدم في المُحْدَثَاتِ مقدَّمٌ على الوجود؛ فلهذا السبب قال في أول سورة الأنعام: ﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ [الأنعام: 1] .
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ والمعنى أن فضل الله تعالى على الخلق كثيرٌ جداً، ولكنه لا يشكرونه.
واعلم أن ترك الشكر لوجوه:
الأول: أن يَعْتَقِدَ الرجل أنّ هذه النعم ليست من الله، مثل أن يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها، واجبة الدوران (لذواتها) فيعتقد أن هذه النعم منها.
الثاني: أن يَعْتَقِدَ أن كلَّ هذا العالم إنما حصل بتخليق الله وتكوينه إلا أن نعمةَ تَعَاقُبِ الليل والنهار لما دامت واستمرت نَسِيها الإنسان، فإذا ابْتُلِيَ الإنسان بفِقْدانِ شيء منها عرف قدرها مثل أن يحبس في بئر عميق مظلمةٍ مًُدَّةً مديدةً، فحينئذ يعرف ذلك الإنسان قَدْرَ نعمةِ الهواء الصافي وقَدْر نعمة الضوء، وقد كان بعض الملوك يعذب بعض خدمه بأن يأمر أقواماً يمنعونه من النوم وعن الاستناد إلى الجدار.
والثالث: أن الإنسان وإن كان عارفاً بهذه النعم إلا أنه يكون حريصاً على الدنيا، محبًّا المالَ والجاهَ، فإذا فاته المال الكثير والجاه العريض وقع في كُفْران هذه النعم العظيمة، ولما كان أكثر الخلق واقعون في أحد هذه الأودية الثلاثة لا جرم قال تعالى: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ .
ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: 13] وقول إبليس: ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الاعراف: 17] .
ولما بين الله تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر قال: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ﴾ . قال الزمخشري: ذَلِكُمُ المعلوم المتميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو اللهُ رَبُّكُمْ، خالق كمل شيء «لا إله إلا هو» أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء وأنه لا ثانيَ له. ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ أي فأنى تُصْرَفُونَ أي ولِمَ تَعْدِلُونَ عن هذه الدلائل وتكذبون بها؟ .
قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ العام على الرفع، وزيْدُ بْنُ عليِّ بالنصب. قال الزَّمخشريُّ: «على الاختصاص» . وقرأ طلحة يُؤْفَكُونَ بياء الغيبة. وقوله: «وكذلك يُؤْفَكُ» أي مثل ذلك الإفك بمعنى كما أَفِكْتُمْ عن الحق مع قيام الأدلة ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ يعنى كلّ من جحد بآيات الله ولم يَتَأَملْهَا ولم يكن فيه عزمُ طَلَبِ الحقِّ وخَوْفِ العاقبة أفِكَ كما أَفِكُوا.
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً ... ﴾ لما تقدم أن دلائل وجود الله تعالى وقدرته إما أن يكون من دلائل الآفاق وهي غير الإنسان وهي أقسام، وذكر منها أحوالَ الليل والنهار كما تقدم، وذكر منها أيضاً ههنا الأرض والسماء فقال: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قراراً أي منزلاً في حال الحرارة وبعد المَمَات والسماء بناء أي قائماً ثابتاً وإلا وَقَعَتْ علينا. وقيل: سَقْفاً كالقُبَّة، ثم ذكر دلائل الأنفس، وهي دلالة أحوال بَدَن الإنسان على وجود الصانع القادر الحكيم، وهو قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ . قوله: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ قرأ أبو رَزِين والأعْمَشُ صِوَركُمْ بكسر الصاد فراراً من الضمة قبل الواو. وقرأت فِرْقَةٌ بضم الصاد وسكون الواو، وجعلوه اسم جنس لصُورَةٍ، كبُسْر وبُسْرَةٍ.
فصل
قال مقاتل: خلقكم فأحسن خَلْقكم. قال ابن عباس رَضِي اللهُ عَنْهُمَا خُلِقَ ابن آدم قائماً معتدلاً يأكل ويتناول بيده، وغَيْرُ بن آدم يتناول بفيه. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات﴾ ، قيل: من غير رقز الدوابِّ. ثم قال: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين﴾ ، ومعنى تبارك إمّا الدوام والتبيان وإماكثرة الخيرات. ثم قال: «هُوَ الحَيُّ» وهذا يفيد الحَصْر؛ ولأن لا حيَّ إلا هو. ثم نبّه على الوحدانية فقال: لا إله إلا هو ثم أمر العباد بالإخلاص في الدعاء فقال: ﴿فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ . ثم قال: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ .
والمراد أنه لما كان موصوفاً بصفات الجَلال والعِزة استحق لذاته أن يقال له: الحمد لله رب العالمين وقال الفراء هو خبر، وفيه إضمار الأمر ومجازه فادعوه واحْمدُوهُ. وروى مجاهد عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما من قال: لا إله إلا الله فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين، فذلك قوله: فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين.
غافر 40:63
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ اعلم أن تعلقه بما قبله من وجهين:
الأول: كأنه تعالى قال: إني أنعمت عليك قبل طلبك هذه النعم العظيمة، ومن أنعم عليك قبل السؤال بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة بعد السؤال؟! .
والثاني: أنه تعالى لماأمر بالدعاء فكأنه قيل: الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون مسبوقاً بحصول المعرفة فما الدليل على وجود الإله القدر؟ فذكر تعالى هذه الدلائل العشرة على وجوده وقدرته وحكمته، وقد تقدم ذِكْرُ الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته وهي إما فلكيّة، وإما عُنْصُرِيَّة وأن الفلكيات أقسامٌ كثيرة، أحدُها الليلًُ والنهارُ، وأن أكثرَ مصالح العالم مربوطةٌ بهما فذكرهما الله تعالى ههنا، وبين أن الحكمة في خلق الليل حصولُ الراحة بالنوم والسكون، والحكمة في خلق النهار إبصار الأشياء؛ لِيُمْكِنَ التصرفُ فيها على الوجه الأنفع.
فإن قيل: هلاَّ قِيلَ بحسب رِعاية النظم هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه أو يقال: جعل لكم الليلَ ساكناً والنهار مبصراً ولكنه لم يقل ذلك، فما الفائدة؟ وما الحكمة في تقدم ذكر الليل؟ .
فالجواب عن الأول: هو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عَدَمِيَّة فهو غير مقصود بالذات، وأما اليقظة فأمور وجودية، وهي مقصودة بالذات. وقد بيّن الشيخ عَبْدُ القَاهِر النَّحوِيُّ في دلائل الإعْجَازِ أن دلالة صيغة الاسم على الكمال والتمام أقوى من دلالة صيغة الفعل عليها فهذا هو السبب في الفَرْق.
وأما الجواب عن الثاني: فهو أن الظلمة طَبِيعَةٌ عدمِيَّة، والنورُ طبيعةٌ وجودية، والعدم في المُحْدَثَاتِ مقدَّمٌ على الوجود؛ فلهذا السبب قال في أول سورة الأنعام: ﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ [الأنعام: 1] .
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ والمعنى أن فضل الله تعالى على الخلق كثيرٌ جداً، ولكنه لا يشكرونه.
واعلم أن ترك الشكر لوجوه:
الأول: أن يَعْتَقِدَ الرجل أنّ هذه النعم ليست من الله، مثل أن يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها، واجبة الدوران (لذواتها) فيعتقد أن هذه النعم منها.
الثاني: أن يَعْتَقِدَ أن كلَّ هذا العالم إنما حصل بتخليق الله وتكوينه إلا أن نعمةَ تَعَاقُبِ الليل والنهار لما دامت واستمرت نَسِيها الإنسان، فإذا ابْتُلِيَ الإنسان بفِقْدانِ شيء منها عرف قدرها مثل أن يحبس في بئر عميق مظلمةٍ مًُدَّةً مديدةً، فحينئذ يعرف ذلك الإنسان قَدْرَ نعمةِ الهواء الصافي وقَدْر نعمة الضوء، وقد كان بعض الملوك يعذب بعض خدمه بأن يأمر أقواماً يمنعونه من النوم وعن الاستناد إلى الجدار.
والثالث: أن الإنسان وإن كان عارفاً بهذه النعم إلا أنه يكون حريصاً على الدنيا، محبًّا المالَ والجاهَ، فإذا فاته المال الكثير والجاه العريض وقع في كُفْران هذه النعم العظيمة، ولما كان أكثر الخلق واقعون في أحد هذه الأودية الثلاثة لا جرم قال تعالى: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ .
ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: 13] وقول إبليس: ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الاعراف: 17] .
ولما بين الله تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر قال: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ﴾ . قال الزمخشري: ذَلِكُمُ المعلوم المتميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو اللهُ رَبُّكُمْ، خالق كمل شيء «لا إله إلا هو» أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء وأنه لا ثانيَ له. ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ أي فأنى تُصْرَفُونَ أي ولِمَ تَعْدِلُونَ عن هذه الدلائل وتكذبون بها؟ .
قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ العام على الرفع، وزيْدُ بْنُ عليِّ بالنصب. قال الزَّمخشريُّ: «على الاختصاص» . وقرأ طلحة يُؤْفَكُونَ بياء الغيبة. وقوله: «وكذلك يُؤْفَكُ» أي مثل ذلك الإفك بمعنى كما أَفِكْتُمْ عن الحق مع قيام الأدلة ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ يعنى كلّ من جحد بآيات الله ولم يَتَأَملْهَا ولم يكن فيه عزمُ طَلَبِ الحقِّ وخَوْفِ العاقبة أفِكَ كما أَفِكُوا.
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً ... ﴾ لما تقدم أن دلائل وجود الله تعالى وقدرته إما أن يكون من دلائل الآفاق وهي غير الإنسان وهي أقسام، وذكر منها أحوالَ الليل والنهار كما تقدم، وذكر منها أيضاً ههنا الأرض والسماء فقال: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قراراً أي منزلاً في حال الحرارة وبعد المَمَات والسماء بناء أي قائماً ثابتاً وإلا وَقَعَتْ علينا. وقيل: سَقْفاً كالقُبَّة، ثم ذكر دلائل الأنفس، وهي دلالة أحوال بَدَن الإنسان على وجود الصانع القادر الحكيم، وهو قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ . قوله: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ قرأ أبو رَزِين والأعْمَشُ صِوَركُمْ بكسر الصاد فراراً من الضمة قبل الواو. وقرأت فِرْقَةٌ بضم الصاد وسكون الواو، وجعلوه اسم جنس لصُورَةٍ، كبُسْر وبُسْرَةٍ.
فصل
قال مقاتل: خلقكم فأحسن خَلْقكم. قال ابن عباس رَضِي اللهُ عَنْهُمَا خُلِقَ ابن آدم قائماً معتدلاً يأكل ويتناول بيده، وغَيْرُ بن آدم يتناول بفيه. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات﴾ ، قيل: من غير رقز الدوابِّ. ثم قال: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين﴾ ، ومعنى تبارك إمّا الدوام والتبيان وإماكثرة الخيرات. ثم قال: «هُوَ الحَيُّ» وهذا يفيد الحَصْر؛ ولأن لا حيَّ إلا هو. ثم نبّه على الوحدانية فقال: لا إله إلا هو ثم أمر العباد بالإخلاص في الدعاء فقال: ﴿فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ . ثم قال: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ .
والمراد أنه لما كان موصوفاً بصفات الجَلال والعِزة استحق لذاته أن يقال له: الحمد لله رب العالمين وقال الفراء هو خبر، وفيه إضمار الأمر ومجازه فادعوه واحْمدُوهُ. وروى مجاهد عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما من قال: لا إله إلا الله فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين، فذلك قوله: فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين.
غافر 40:64
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ اعلم أن تعلقه بما قبله من وجهين:
الأول: كأنه تعالى قال: إني أنعمت عليك قبل طلبك هذه النعم العظيمة، ومن أنعم عليك قبل السؤال بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة بعد السؤال؟! .
والثاني: أنه تعالى لماأمر بالدعاء فكأنه قيل: الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون مسبوقاً بحصول المعرفة فما الدليل على وجود الإله القدر؟ فذكر تعالى هذه الدلائل العشرة على وجوده وقدرته وحكمته، وقد تقدم ذِكْرُ الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته وهي إما فلكيّة، وإما عُنْصُرِيَّة وأن الفلكيات أقسامٌ كثيرة، أحدُها الليلًُ والنهارُ، وأن أكثرَ مصالح العالم مربوطةٌ بهما فذكرهما الله تعالى ههنا، وبين أن الحكمة في خلق الليل حصولُ الراحة بالنوم والسكون، والحكمة في خلق النهار إبصار الأشياء؛ لِيُمْكِنَ التصرفُ فيها على الوجه الأنفع.
فإن قيل: هلاَّ قِيلَ بحسب رِعاية النظم هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه أو يقال: جعل لكم الليلَ ساكناً والنهار مبصراً ولكنه لم يقل ذلك، فما الفائدة؟ وما الحكمة في تقدم ذكر الليل؟ .
فالجواب عن الأول: هو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عَدَمِيَّة فهو غير مقصود بالذات، وأما اليقظة فأمور وجودية، وهي مقصودة بالذات. وقد بيّن الشيخ عَبْدُ القَاهِر النَّحوِيُّ في دلائل الإعْجَازِ أن دلالة صيغة الاسم على الكمال والتمام أقوى من دلالة صيغة الفعل عليها فهذا هو السبب في الفَرْق.
وأما الجواب عن الثاني: فهو أن الظلمة طَبِيعَةٌ عدمِيَّة، والنورُ طبيعةٌ وجودية، والعدم في المُحْدَثَاتِ مقدَّمٌ على الوجود؛ فلهذا السبب قال في أول سورة الأنعام: ﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ [الأنعام: 1] .
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ والمعنى أن فضل الله تعالى على الخلق كثيرٌ جداً، ولكنه لا يشكرونه.
واعلم أن ترك الشكر لوجوه:
الأول: أن يَعْتَقِدَ الرجل أنّ هذه النعم ليست من الله، مثل أن يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها، واجبة الدوران (لذواتها) فيعتقد أن هذه النعم منها.
الثاني: أن يَعْتَقِدَ أن كلَّ هذا العالم إنما حصل بتخليق الله وتكوينه إلا أن نعمةَ تَعَاقُبِ الليل والنهار لما دامت واستمرت نَسِيها الإنسان، فإذا ابْتُلِيَ الإنسان بفِقْدانِ شيء منها عرف قدرها مثل أن يحبس في بئر عميق مظلمةٍ مًُدَّةً مديدةً، فحينئذ يعرف ذلك الإنسان قَدْرَ نعمةِ الهواء الصافي وقَدْر نعمة الضوء، وقد كان بعض الملوك يعذب بعض خدمه بأن يأمر أقواماً يمنعونه من النوم وعن الاستناد إلى الجدار.
والثالث: أن الإنسان وإن كان عارفاً بهذه النعم إلا أنه يكون حريصاً على الدنيا، محبًّا المالَ والجاهَ، فإذا فاته المال الكثير والجاه العريض وقع في كُفْران هذه النعم العظيمة، ولما كان أكثر الخلق واقعون في أحد هذه الأودية الثلاثة لا جرم قال تعالى: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ .
ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: 13] وقول إبليس: ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الاعراف: 17] .
ولما بين الله تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر قال: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ﴾ . قال الزمخشري: ذَلِكُمُ المعلوم المتميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو اللهُ رَبُّكُمْ، خالق كمل شيء «لا إله إلا هو» أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء وأنه لا ثانيَ له. ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ أي فأنى تُصْرَفُونَ أي ولِمَ تَعْدِلُونَ عن هذه الدلائل وتكذبون بها؟ .
قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ العام على الرفع، وزيْدُ بْنُ عليِّ بالنصب. قال الزَّمخشريُّ: «على الاختصاص» . وقرأ طلحة يُؤْفَكُونَ بياء الغيبة. وقوله: «وكذلك يُؤْفَكُ» أي مثل ذلك الإفك بمعنى كما أَفِكْتُمْ عن الحق مع قيام الأدلة ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ يعنى كلّ من جحد بآيات الله ولم يَتَأَملْهَا ولم يكن فيه عزمُ طَلَبِ الحقِّ وخَوْفِ العاقبة أفِكَ كما أَفِكُوا.
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً ... ﴾ لما تقدم أن دلائل وجود الله تعالى وقدرته إما أن يكون من دلائل الآفاق وهي غير الإنسان وهي أقسام، وذكر منها أحوالَ الليل والنهار كما تقدم، وذكر منها أيضاً ههنا الأرض والسماء فقال: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قراراً أي منزلاً في حال الحرارة وبعد المَمَات والسماء بناء أي قائماً ثابتاً وإلا وَقَعَتْ علينا. وقيل: سَقْفاً كالقُبَّة، ثم ذكر دلائل الأنفس، وهي دلالة أحوال بَدَن الإنسان على وجود الصانع القادر الحكيم، وهو قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ . قوله: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ قرأ أبو رَزِين والأعْمَشُ صِوَركُمْ بكسر الصاد فراراً من الضمة قبل الواو. وقرأت فِرْقَةٌ بضم الصاد وسكون الواو، وجعلوه اسم جنس لصُورَةٍ، كبُسْر وبُسْرَةٍ.
فصل
قال مقاتل: خلقكم فأحسن خَلْقكم. قال ابن عباس رَضِي اللهُ عَنْهُمَا خُلِقَ ابن آدم قائماً معتدلاً يأكل ويتناول بيده، وغَيْرُ بن آدم يتناول بفيه. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات﴾ ، قيل: من غير رقز الدوابِّ. ثم قال: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين﴾ ، ومعنى تبارك إمّا الدوام والتبيان وإماكثرة الخيرات. ثم قال: «هُوَ الحَيُّ» وهذا يفيد الحَصْر؛ ولأن لا حيَّ إلا هو. ثم نبّه على الوحدانية فقال: لا إله إلا هو ثم أمر العباد بالإخلاص في الدعاء فقال: ﴿فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ . ثم قال: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ .
والمراد أنه لما كان موصوفاً بصفات الجَلال والعِزة استحق لذاته أن يقال له: الحمد لله رب العالمين وقال الفراء هو خبر، وفيه إضمار الأمر ومجازه فادعوه واحْمدُوهُ. وروى مجاهد عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما من قال: لا إله إلا الله فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين، فذلك قوله: فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين.
غافر 40:65
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ اعلم أن تعلقه بما قبله من وجهين:
الأول: كأنه تعالى قال: إني أنعمت عليك قبل طلبك هذه النعم العظيمة، ومن أنعم عليك قبل السؤال بهذه النعم العالية فكيف لا ينعم بالأشياء القليلة بعد السؤال؟! .
والثاني: أنه تعالى لماأمر بالدعاء فكأنه قيل: الاشتغال بالدعاء لا بد وأن يكون مسبوقاً بحصول المعرفة فما الدليل على وجود الإله القدر؟ فذكر تعالى هذه الدلائل العشرة على وجوده وقدرته وحكمته، وقد تقدم ذِكْرُ الدلائل الدالة على وجود الله وقدرته وهي إما فلكيّة، وإما عُنْصُرِيَّة وأن الفلكيات أقسامٌ كثيرة، أحدُها الليلًُ والنهارُ، وأن أكثرَ مصالح العالم مربوطةٌ بهما فذكرهما الله تعالى ههنا، وبين أن الحكمة في خلق الليل حصولُ الراحة بالنوم والسكون، والحكمة في خلق النهار إبصار الأشياء؛ لِيُمْكِنَ التصرفُ فيها على الوجه الأنفع.
فإن قيل: هلاَّ قِيلَ بحسب رِعاية النظم هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار لتبصروا فيه أو يقال: جعل لكم الليلَ ساكناً والنهار مبصراً ولكنه لم يقل ذلك، فما الفائدة؟ وما الحكمة في تقدم ذكر الليل؟ .
فالجواب عن الأول: هو أن الليل والنوم في الحقيقة طبيعة عَدَمِيَّة فهو غير مقصود بالذات، وأما اليقظة فأمور وجودية، وهي مقصودة بالذات. وقد بيّن الشيخ عَبْدُ القَاهِر النَّحوِيُّ في دلائل الإعْجَازِ أن دلالة صيغة الاسم على الكمال والتمام أقوى من دلالة صيغة الفعل عليها فهذا هو السبب في الفَرْق.
وأما الجواب عن الثاني: فهو أن الظلمة طَبِيعَةٌ عدمِيَّة، والنورُ طبيعةٌ وجودية، والعدم في المُحْدَثَاتِ مقدَّمٌ على الوجود؛ فلهذا السبب قال في أول سورة الأنعام: ﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ [الأنعام: 1] .
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ والمعنى أن فضل الله تعالى على الخلق كثيرٌ جداً، ولكنه لا يشكرونه.
واعلم أن ترك الشكر لوجوه:
الأول: أن يَعْتَقِدَ الرجل أنّ هذه النعم ليست من الله، مثل أن يعتقد أن هذه الأفلاك واجبة الوجود لذواتها، واجبة الدوران (لذواتها) فيعتقد أن هذه النعم منها.
الثاني: أن يَعْتَقِدَ أن كلَّ هذا العالم إنما حصل بتخليق الله وتكوينه إلا أن نعمةَ تَعَاقُبِ الليل والنهار لما دامت واستمرت نَسِيها الإنسان، فإذا ابْتُلِيَ الإنسان بفِقْدانِ شيء منها عرف قدرها مثل أن يحبس في بئر عميق مظلمةٍ مًُدَّةً مديدةً، فحينئذ يعرف ذلك الإنسان قَدْرَ نعمةِ الهواء الصافي وقَدْر نعمة الضوء، وقد كان بعض الملوك يعذب بعض خدمه بأن يأمر أقواماً يمنعونه من النوم وعن الاستناد إلى الجدار.
والثالث: أن الإنسان وإن كان عارفاً بهذه النعم إلا أنه يكون حريصاً على الدنيا، محبًّا المالَ والجاهَ، فإذا فاته المال الكثير والجاه العريض وقع في كُفْران هذه النعم العظيمة، ولما كان أكثر الخلق واقعون في أحد هذه الأودية الثلاثة لا جرم قال تعالى: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ .
ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: 13] وقول إبليس: ﴿وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الاعراف: 17] .
ولما بين الله تعالى بتلك الدلائل المذكورة وجود الإله القادر قال: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ﴾ . قال الزمخشري: ذَلِكُمُ المعلوم المتميز بالأفعال الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد هو اللهُ رَبُّكُمْ، خالق كمل شيء «لا إله إلا هو» أخبار مترادفة أي هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وخلق كل شيء وأنه لا ثانيَ له. ﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾ أي فأنى تُصْرَفُونَ أي ولِمَ تَعْدِلُونَ عن هذه الدلائل وتكذبون بها؟ .
قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ العام على الرفع، وزيْدُ بْنُ عليِّ بالنصب. قال الزَّمخشريُّ: «على الاختصاص» . وقرأ طلحة يُؤْفَكُونَ بياء الغيبة. وقوله: «وكذلك يُؤْفَكُ» أي مثل ذلك الإفك بمعنى كما أَفِكْتُمْ عن الحق مع قيام الأدلة ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ يعنى كلّ من جحد بآيات الله ولم يَتَأَملْهَا ولم يكن فيه عزمُ طَلَبِ الحقِّ وخَوْفِ العاقبة أفِكَ كما أَفِكُوا.
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً ... ﴾ لما تقدم أن دلائل وجود الله تعالى وقدرته إما أن يكون من دلائل الآفاق وهي غير الإنسان وهي أقسام، وذكر منها أحوالَ الليل والنهار كما تقدم، وذكر منها أيضاً ههنا الأرض والسماء فقال: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً﴾ قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قراراً أي منزلاً في حال الحرارة وبعد المَمَات والسماء بناء أي قائماً ثابتاً وإلا وَقَعَتْ علينا. وقيل: سَقْفاً كالقُبَّة، ثم ذكر دلائل الأنفس، وهي دلالة أحوال بَدَن الإنسان على وجود الصانع القادر الحكيم، وهو قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ . قوله: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ قرأ أبو رَزِين والأعْمَشُ صِوَركُمْ بكسر الصاد فراراً من الضمة قبل الواو. وقرأت فِرْقَةٌ بضم الصاد وسكون الواو، وجعلوه اسم جنس لصُورَةٍ، كبُسْر وبُسْرَةٍ.
فصل
قال مقاتل: خلقكم فأحسن خَلْقكم. قال ابن عباس رَضِي اللهُ عَنْهُمَا خُلِقَ ابن آدم قائماً معتدلاً يأكل ويتناول بيده، وغَيْرُ بن آدم يتناول بفيه. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات﴾ ، قيل: من غير رقز الدوابِّ. ثم قال: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين﴾ ، ومعنى تبارك إمّا الدوام والتبيان وإماكثرة الخيرات. ثم قال: «هُوَ الحَيُّ» وهذا يفيد الحَصْر؛ ولأن لا حيَّ إلا هو. ثم نبّه على الوحدانية فقال: لا إله إلا هو ثم أمر العباد بالإخلاص في الدعاء فقال: ﴿فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ . ثم قال: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ .
والمراد أنه لما كان موصوفاً بصفات الجَلال والعِزة استحق لذاته أن يقال له: الحمد لله رب العالمين وقال الفراء هو خبر، وفيه إضمار الأمر ومجازه فادعوه واحْمدُوهُ. وروى مجاهد عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما من قال: لا إله إلا الله فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين، فذلك قوله: فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين.
غافر 40:66
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ لما أورد على المشركين تلك الأدلة الدالة على إثبات إله العالم أمره بهذا القول؛ ليصرفهم عن عبادة الأوثان، وبين وجه النهي ف يذلك وهو ما جاءه من البينات، وهو ما تقدم من الدلائل على أن إله العالم قد ثَبَتَ كونُهُ موصوفاً بصفات الجَلاَل والعظمة على ماتقدم وصريحُ العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا به، والأحجار المنحوتة والأخشاب المُصوَّرة لا تصلح أن تكون شريكاً له فقال: وأمرت أَنْ أُسْلِمَ لرب العالمين، وذلك حين دُعِيَ إلى الكفر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ... ﴾ لما استدل على إثبات الإليهة بدليل الآفاق وذكر منها الليل والنهنار والأرض والسماء، ثم ذكر الدليل على إثبات الإله القادر بخلق الأنفس وهو نوعان: أحدهما: حسن العودة ورزق الطيّبات؛ ذكر النوع الثاني وهو: تكوين البدن من ابتداء كونه نُطفةً وجَنيناً إلى آخر الشَّيْخُوخَة والموت فقال: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ ، قيل: المراد آدم. قال ابن الخطيب: وعندي لا حاجة إلى ذلك لأن كل غنسان فهو مخلوق من المَنِي ومن دَم الطَّمْثِ والمَنِي مخلوق من دم فالإنسان مخلوق من الدّم، والدم إنما يتولد من الأغذية والأغذية إما حيواينة وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكوين الإنسان فكانت الأغذية إما حيوانية وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكموين الإنسان فكانت الإذية كلها منتهية إلى النبات ولانبات إنما يكون من التراب والماء فثبت أن كل إنسان مُتَكَوِّن من التراب، ثم إن ذلك التراب يصير نطفةً ثم علقةً، ثم بعد كونه علقة مراتب إلى أن ينفصل من بطن ألأم. وا لله تعالى ترك ذكرها ههنا لأنه ذكرها في آيات أُخَر، قال: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أي أطفالاً ﴿ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ﴾ . (قال الزمخشري: قوله: لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) متعلق بفعل محذوف، تقديره ثم يبعثُكم لِتبلغُوا أَشُدَّكُمْ، ﴿ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ﴾ أي: أن يصير شَيْخاً، أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سَقْطاً ثم قال: ﴿ولتبلغوا أَجَلاً مُّسَمًّى﴾ أي ولتبغلوا جميعاً ﴿أَجَلاً مُّسَمًّى﴾ وقتاً محدوداً لا تُجَاوِزُونَه وهو وقت الموت. وقيل: يوم القيامة، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته وتستدلوا بهذه الأحوال العجيبة على وحدانية الله تعالى.
ثم قال: ﴿هُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾ والمعنى أنه تعالى لما ذكر انتقال الأجسام من كونها تراباً إلى أن بلغت الشيخوخة، واستدل بهذه التغييرات على وجود الإله القادر قال بعده: ﴿هُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي كما أن الانتقال من الحياةِ إلى الموت وبالعكس، يدل على الإله القادر.
(و) قوله: ﴿فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾ فيه وجوه:
الأول: معناه أنه لم ينقل هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى بآلةٍ تعينه إنما يقول له كن فيكون.
الثاني: أنه عبر عن الإحياء والإماتة بقوله: ﴿كُن فيَكُونُ﴾ فكأنه قيل: الانتقال من كونه تراباً إلى كونه نطفةً إلى كونه علقةً انتقالاتٌ تَحْصُل على التدريج قليلاً. وأما صَيْرُورَتُهُ حَيَّا فهي إنما تحصل بتعليق جَوْهَر الرُّوح، وذلك يحدث دفعة واحدة فلهذا عبر عنه بقوله: «كن فيكون» .
الثالث: أنَّ من الناس من يقول: إن الإنسان إنما يتكون من المَنِي والدَّم في الرحم في مدة معينة بحسب الانتقالات من حال إلى حال، فكأنه قيل: إنه يمتنع أن يكون كل إنسان عن إنسان آخرَ؛ لأن التسلسل محالٌ، ووقوع الحادث في الأزل محال فلا بد من الاعتراف بإنسان هو الناس وحينئذ يكون حدوث ذلك الإنسان لا بواسطة المَنِي والدم بل بإيجاد الله تعالى، ابتداءً، فعبر الله تعالى عن هذه المعنى بقوله: ﴿كُن فيَكُونُ﴾ .
غافر 40:67
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ لما أورد على المشركين تلك الأدلة الدالة على إثبات إله العالم أمره بهذا القول؛ ليصرفهم عن عبادة الأوثان، وبين وجه النهي ف يذلك وهو ما جاءه من البينات، وهو ما تقدم من الدلائل على أن إله العالم قد ثَبَتَ كونُهُ موصوفاً بصفات الجَلاَل والعظمة على ماتقدم وصريحُ العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا به، والأحجار المنحوتة والأخشاب المُصوَّرة لا تصلح أن تكون شريكاً له فقال: وأمرت أَنْ أُسْلِمَ لرب العالمين، وذلك حين دُعِيَ إلى الكفر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ... ﴾ لما استدل على إثبات الإليهة بدليل الآفاق وذكر منها الليل والنهنار والأرض والسماء، ثم ذكر الدليل على إثبات الإله القادر بخلق الأنفس وهو نوعان: أحدهما: حسن العودة ورزق الطيّبات؛ ذكر النوع الثاني وهو: تكوين البدن من ابتداء كونه نُطفةً وجَنيناً إلى آخر الشَّيْخُوخَة والموت فقال: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ ، قيل: المراد آدم. قال ابن الخطيب: وعندي لا حاجة إلى ذلك لأن كل غنسان فهو مخلوق من المَنِي ومن دَم الطَّمْثِ والمَنِي مخلوق من دم فالإنسان مخلوق من الدّم، والدم إنما يتولد من الأغذية والأغذية إما حيواينة وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكوين الإنسان فكانت الأغذية إما حيوانية وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكموين الإنسان فكانت الإذية كلها منتهية إلى النبات ولانبات إنما يكون من التراب والماء فثبت أن كل إنسان مُتَكَوِّن من التراب، ثم إن ذلك التراب يصير نطفةً ثم علقةً، ثم بعد كونه علقة مراتب إلى أن ينفصل من بطن ألأم. وا لله تعالى ترك ذكرها ههنا لأنه ذكرها في آيات أُخَر، قال: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أي أطفالاً ﴿ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ﴾ . (قال الزمخشري: قوله: لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) متعلق بفعل محذوف، تقديره ثم يبعثُكم لِتبلغُوا أَشُدَّكُمْ، ﴿ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ﴾ أي: أن يصير شَيْخاً، أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سَقْطاً ثم قال: ﴿ولتبلغوا أَجَلاً مُّسَمًّى﴾ أي ولتبغلوا جميعاً ﴿أَجَلاً مُّسَمًّى﴾ وقتاً محدوداً لا تُجَاوِزُونَه وهو وقت الموت. وقيل: يوم القيامة، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته وتستدلوا بهذه الأحوال العجيبة على وحدانية الله تعالى.
ثم قال: ﴿هُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾ والمعنى أنه تعالى لما ذكر انتقال الأجسام من كونها تراباً إلى أن بلغت الشيخوخة، واستدل بهذه التغييرات على وجود الإله القادر قال بعده: ﴿هُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي كما أن الانتقال من الحياةِ إلى الموت وبالعكس، يدل على الإله القادر.
(و) قوله: ﴿فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾ فيه وجوه:
الأول: معناه أنه لم ينقل هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى بآلةٍ تعينه إنما يقول له كن فيكون.
الثاني: أنه عبر عن الإحياء والإماتة بقوله: ﴿كُن فيَكُونُ﴾ فكأنه قيل: الانتقال من كونه تراباً إلى كونه نطفةً إلى كونه علقةً انتقالاتٌ تَحْصُل على التدريج قليلاً. وأما صَيْرُورَتُهُ حَيَّا فهي إنما تحصل بتعليق جَوْهَر الرُّوح، وذلك يحدث دفعة واحدة فلهذا عبر عنه بقوله: «كن فيكون» .
الثالث: أنَّ من الناس من يقول: إن الإنسان إنما يتكون من المَنِي والدَّم في الرحم في مدة معينة بحسب الانتقالات من حال إلى حال، فكأنه قيل: إنه يمتنع أن يكون كل إنسان عن إنسان آخرَ؛ لأن التسلسل محالٌ، ووقوع الحادث في الأزل محال فلا بد من الاعتراف بإنسان هو الناس وحينئذ يكون حدوث ذلك الإنسان لا بواسطة المَنِي والدم بل بإيجاد الله تعالى، ابتداءً، فعبر الله تعالى عن هذه المعنى بقوله: ﴿كُن فيَكُونُ﴾ .
غافر 40:68
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ لما أورد على المشركين تلك الأدلة الدالة على إثبات إله العالم أمره بهذا القول؛ ليصرفهم عن عبادة الأوثان، وبين وجه النهي ف يذلك وهو ما جاءه من البينات، وهو ما تقدم من الدلائل على أن إله العالم قد ثَبَتَ كونُهُ موصوفاً بصفات الجَلاَل والعظمة على ماتقدم وصريحُ العقل يشهد بأن العبادة لا تليق إلا به، والأحجار المنحوتة والأخشاب المُصوَّرة لا تصلح أن تكون شريكاً له فقال: وأمرت أَنْ أُسْلِمَ لرب العالمين، وذلك حين دُعِيَ إلى الكفر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ... ﴾ لما استدل على إثبات الإليهة بدليل الآفاق وذكر منها الليل والنهنار والأرض والسماء، ثم ذكر الدليل على إثبات الإله القادر بخلق الأنفس وهو نوعان: أحدهما: حسن العودة ورزق الطيّبات؛ ذكر النوع الثاني وهو: تكوين البدن من ابتداء كونه نُطفةً وجَنيناً إلى آخر الشَّيْخُوخَة والموت فقال: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ ، قيل: المراد آدم. قال ابن الخطيب: وعندي لا حاجة إلى ذلك لأن كل غنسان فهو مخلوق من المَنِي ومن دَم الطَّمْثِ والمَنِي مخلوق من دم فالإنسان مخلوق من الدّم، والدم إنما يتولد من الأغذية والأغذية إما حيواينة وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكوين الإنسان فكانت الأغذية إما حيوانية وإما نباتية، والحال في ذلك الحيوان كالحال في تكموين الإنسان فكانت الإذية كلها منتهية إلى النبات ولانبات إنما يكون من التراب والماء فثبت أن كل إنسان مُتَكَوِّن من التراب، ثم إن ذلك التراب يصير نطفةً ثم علقةً، ثم بعد كونه علقة مراتب إلى أن ينفصل من بطن ألأم. وا لله تعالى ترك ذكرها ههنا لأنه ذكرها في آيات أُخَر، قال: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أي أطفالاً ﴿ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ﴾ . (قال الزمخشري: قوله: لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) متعلق بفعل محذوف، تقديره ثم يبعثُكم لِتبلغُوا أَشُدَّكُمْ، ﴿ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ﴾ أي: أن يصير شَيْخاً، أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سَقْطاً ثم قال: ﴿ولتبلغوا أَجَلاً مُّسَمًّى﴾ أي ولتبغلوا جميعاً ﴿أَجَلاً مُّسَمًّى﴾ وقتاً محدوداً لا تُجَاوِزُونَه وهو وقت الموت. وقيل: يوم القيامة، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته وتستدلوا بهذه الأحوال العجيبة على وحدانية الله تعالى.
ثم قال: ﴿هُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾ والمعنى أنه تعالى لما ذكر انتقال الأجسام من كونها تراباً إلى أن بلغت الشيخوخة، واستدل بهذه التغييرات على وجود الإله القادر قال بعده: ﴿هُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي كما أن الانتقال من الحياةِ إلى الموت وبالعكس، يدل على الإله القادر.
(و) قوله: ﴿فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾ فيه وجوه:
الأول: معناه أنه لم ينقل هذه الأجسام من صفة إلى صفة أخرى بآلةٍ تعينه إنما يقول له كن فيكون.
الثاني: أنه عبر عن الإحياء والإماتة بقوله: ﴿كُن فيَكُونُ﴾ فكأنه قيل: الانتقال من كونه تراباً إلى كونه نطفةً إلى كونه علقةً انتقالاتٌ تَحْصُل على التدريج قليلاً. وأما صَيْرُورَتُهُ حَيَّا فهي إنما تحصل بتعليق جَوْهَر الرُّوح، وذلك يحدث دفعة واحدة فلهذا عبر عنه بقوله: «كن فيكون» .
الثالث: أنَّ من الناس من يقول: إن الإنسان إنما يتكون من المَنِي والدَّم في الرحم في مدة معينة بحسب الانتقالات من حال إلى حال، فكأنه قيل: إنه يمتنع أن يكون كل إنسان عن إنسان آخرَ؛ لأن التسلسل محالٌ، ووقوع الحادث في الأزل محال فلا بد من الاعتراف بإنسان هو الناس وحينئذ يكون حدوث ذلك الإنسان لا بواسطة المَنِي والدم بل بإيجاد الله تعالى، ابتداءً، فعبر الله تعالى عن هذه المعنى بقوله: ﴿كُن فيَكُونُ﴾ .
غافر 40:69
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله﴾ الآيات. اعلم أنه تعالى عادَ إلى ذَمِّ الذين يجادلون في آيات الله، أي في إنكار آيات الله ودفعها والتكذيب بها، فعَجَّبَ تعالى منهم بقوله: ﴿أنى يُصْرَفُونَ﴾ ؟ كيف صُرِفُوا عن دين الحق وهذا كما يقول الرجل لمن لا يسمع نصحه: إلى أين يُذْهَبُ بك؟! تعجباً من غفلته.
قوله: «الذين كذبوا» ، يجوز فيه أوجه، أن يكون بدلاً من الموصول قبله، أو بياناً له أو نعتاً أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوباً على الذم، وعلى هذه الأوجه، فقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ جملة مستأنفة، سيقت للتهديد.
ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ودخول الفاء فيه واضح.
فصل
المعنى هم الذي كذبوا بالكتاب أي بالقرآن وبما أرسلنا به رسلنا من سائر الكتب؛ قيل: هم المشركون. وعن محمد بن سِيرِين وجماعة: أنها نزلت في القَدَرِيَّة.
قوله: ﴿إِذِ الأغلال﴾ فيه سؤال، هو أن «سوفَ» للاستقبال، و «إِذْ» للماضي، فقوله: ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ مثل قولك: سَوْفَ أَصُمُ أَمْسِ، والجواب: جوزوا في «إذ» هذه أن تكمون بمعنى «إذا» ؛ لأن العامل فيها محقق الاستقابل وهو فسوف يعلمون.
قالوا: وكما تقع «إذَا» موضع إِذْ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] كذلك تقع إِذْ مَوْقِعَهَا.
وقد مضى نَحْوٌ من هذا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾ [البقرة: 165] قالوا: والذي حسن هذا تيقن وقوع الفعل، فأخرج في صورة الماضي.
قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى إخْراج «إِذْ: عن موضوعها؛ بل هي باقية على دَلاَلتِهَا على المعنى، وهي منصوبة بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ نصب المفعول به، أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الأغلال في أعناقهم أيْ وقتَ سببِ الأغلال، وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا، كأنه قيل: سيعرفون وقت معاصيهم التي تَجْعَلُ الأغلال في أعناقهم وهو وجه واضح غاية ما فيه التصرفُ في إذ يجعلها. وهو وجه واضح غاية في ما فيه التصرف في إذ يجعلها مفعولاً بها. ولا يضر ذلك، فإن المعربين غالب أوقاتهم يقولون: منصوب» باذْكُرْ «مقُقَدَّراً، أو لا يكون حينئذ إلا مفعولاً به لاستحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي.
وجوز أن يكون منصوباً باذْكُرْ مقدراً، أي اذكر لهم وَقْتَ الإِغلال؛ ليخالفوا ويَنْزَجِرُوا، فهذه ثلاثة أوجه خيرها أوسطها.
قوله:» والسَّلاَسِلُ» العامة على رفعها، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه معطوف على الأغْلاَلِ. وأخبر عن النوعين بالجار، فالجال في نية التأخير والتقدير: إذ الأَغْلاَلُ والسَّلاَسِلُ في أعنقاهم.
الثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف لدلالة خبر الأول عليه.
الثالث: أنه مبتدأ أيضاً، وخبره الجملة من قوله: «يُسْحَبُونَ» ولا بُدَّ مِن ذكر ضمير يعود عليه منها، والتقدير: والسلاسل يُسْحَبُونَ بِهَا، حذف لِقُوَّة الدَّلالةِ عليه.
«فَيُسْحَبُونَ» مرفوع المحل على هذا الوجه. وأما الوجهيه المقتدمين فيجوز فيه النصب على الحال من الضمير المنويّ في الجار، ويجوز أن يكون مستأنفاً.
وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ مسعُودٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ وابْنُ وَثَّابٍ، والحسن في اختياره «والسَّلاَسِلَ» نصباً يَسْحَبُونَ بفتح الياء، مبنياً للفاعل، فيكون السلاسل مفعولاً مقدماً، ويكون قد عطف جملة فعلية على جملة اسمية.
قال ابن عباس في معنى هذه القراءة: إذا كانوا يَجُرُّونَهَا فهو أشد عليهم يكلفون ذلك ولا يطيقونه.
وقرأ ابن عباس وجماعة «والسَّلاَسِل» بالجر يُسْحَبُونَ مبنياً للمفعول وفيها ثلاثةُ تأويلاتٍ:
أحدها: الحمل على المعنى وتقديره إِذْ أَعْنَاقُهُم في الأغلالِ والسلاسلٍ فلما كان معنى الكلام على ذلك حمل عليه في العطف.
قال الزمخري: ووجه إنه لو قيل: «إِذْ أَعْنَاقُهُمْ في الأغلال مكان قوله: إِذ الأَغْلاَلُ في أعناقهم» لكان صحيحاً مستقيماً، فلما كانتا عبارتين مُعْتَقِبَتَيْنِ، حمل قوله: «والسلاسل» (عليه) على العبارة الأخرى. ونظيره:
4347 - مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشِيرةً ... وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا
كأنه قيل: بمصليحن.
وقرىء: بالسَّلاَسلِ. وقال ابن عطية: تقديره: إذا أعناقهم في الأغعلال والسلاسلِ فعطف على المراد من لكلام لا على ترتيب اللفظ؛ إذ ترتيبه فيه قل، وهو على حد قول العرب: أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ فِي رَأْسِي.
وفي مصحف أًُبيِّ: وفي السلاسِل يَسْحَبُونها. قال أبو حيان بعد قول ابن عطية والزمخشري المتقدم: ويمسى هذا العطف على التوهم، إلا أن قولهم: إدخال حرف الجر على مصلحين أقرب من تغيير تركيب الجملة بأسرها، والقراءة من تغيير تركيب الجملة السابقة بأسرها، ونظير ذلك قوله:
4348 - أَجِدَّكَ لَنْ تَرَى بثُعَيْلبَاتٍ ... وَلاَ بَيْدَاءَ نَاجِيَةً ذَمُولاَ
وَلاَ مُتَدارِكٍ واللَّيْلُ طِفْلٌ ... بِبعْضِ نَوَاشِغِ الوَادِي حُصًُولاً
التقدير: لَسْتَ براءٍ ولا بمتداركٍ.
وهذا الذي قالاه سبقهما إليه الفَرَّاءُ فإِنه قال: «من جر السلاسل حمله على المعنى» ، إذ المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل.
الوجه الثاني: أنه عطف على «الحميم» ، فقدم على المعطوف عليه وسيأتي تقرير ذلك.
الثالث: أن الجر على تقدير إضمار الخافض ويؤيده قراءة أُبَيٍّ: «وفِي السَّلاَسِلِ» وقرأ غيره: وبالسَّلاَسِلِ وإلى هذا نحا الزجاج، إلاَّ أنَّ الأنباريِّ ردَّه وقال: لو قلت: «زيد في الدار» لم يحسن أن تضمر «في» فتقول: زيد (في) الدار ثم ذكر تأويل الفراء وخرج القراءة عليه. ثم قال: كما تقول: «خَاصَمَ عَبْد اللهِ زَيْداً العَاقِليْنِ» ، بنصب «العاقلين» ورفعه؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه الآخر.
وهذه المسألة ليست جارية على أصول البصريين، ونصّوا على منعها وإنما قال بها من الكوفيين ابْنُ (سَ) عْدَانَ.
وقال مَكيّ: وقد قرىء: والسَّلاَسلِ بالخفض على العطف على الأعناق، وهو غلط؛ لأنه يصير الأغلال في الأعناق وفي السلاسل ولا معنى للأغلال في السَّلاَسل؟
قال شهاب الدين: وقوله: على العطف على الأعناق ممنونع بل خفضه على ما تقدم. وقال أيضاً: وقيل: هو معطوف على «الحميم» وهو أيضاً لا يجوز؛ لأن المعطوف المخفوض، لا يتقدم على المعطوف عليه لو قلت: «مَرَرْتُ وَزَيْدٍ بِعَمْرو» لم يجز، وفي المرفوع يجوز، نحو: قَام وَزَيْدٌ عَمْرٌ، ويبعد في المنصوب لا يحسن رأيتُ وَزَيْداً عَمْراً، ولم يُجِزْهُ في المخفوض أحدٌ.
قال شهاب الدين: وظاهر كلامه أنهن يجوز في المرفوع منعه، وقد نصوا أنه لا يجوز إلا ضرورة بثلاثة شروط: أن لا يقع حرف العطف صدراً، وأن يكون العامل متصرفاً، وأن لا يكون المعطوف عليه مجروراً وأنشدوا:
4349 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ السَّلاَمُ
إلى غير ذلك من الشواهد مع تنصيصهم على أنه مختص بالضرورة. و «السَّلاَسِلُ» معروفة، قال الراغب: «وتَسَلْسَلَ الشيءُ اضطرب كأنه تُصُوِّر منه تسلسلٌ متردد فتردد لفظه تنبيهاً على تردد معناه. وماء سلسل متردد في مقره» .
والسَّحْبُ: الجر بمعنف، والسَّحابُ من ذلك لأن الريح تَجُرُّوهُ، أو لأنه يجر الماء، وسجرت التَّنُّورَ أي ملأته ناراً وهيجتها، ومنه البحر المسجور، أي المملوء، وقيل: المضطرب ناراً، وقال الشاعر (رحمة الله عليه) :
4350 - إِذَا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والشَّوْحَطَا
فمعشنى قوله تعالى هنا: ﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ أي يوقد بهم، كقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [التحريم: 6] والسَّجِيرةُ: الخليلُ الذي يَسْجُرُ في مَوَدَّة خليله، كقولهم: فُلاَنٌ يَحْتَرِقُ فِي مَوَدَّةِ فُلاَنٍ.
فصل
هذه كيفية عقابهم، والمعنى أنه يكون في أعناقهم أغلال وسلاسل ثم يسحبون بتلك السلاسل في الماء المُسَخَّنِ بنار جهنم، ثم تُوقَدُ بهم النار ﴿قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله﴾ يعني الأصنام ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي فقدناهم وغابوا عن عيوننا فلا نراهم، ثم قالوا: ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً﴾ أنكروا، كقولهم في سورة الأنعام: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] وقيل: معناه لم نكن ندعو من قبل شيئاً يضر وينفع. وقال الحسين بن الفضل: أي لم نكن نصنع من قبل شيئاً أي ضاعت عبادتنا لها كما يقول من ضاع عمله: «ما كنت أعمل شَيْئاً» .
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين﴾ قال القاضي: معناه أنه يُضِلُّهم عن طريق الجنة، ولا يجوز أن يقال: بضلهم عن الحجة، وقد هداهم في الدنيا، وقال ﴿يُضِلُّ الله الكافرين﴾ مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى أنهم لو نطلبوا الآلهة، أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.
قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أي ذلكم العذابُ الذي نزل بكم ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَبْطُرون وتَأشِرُنَ ﴿فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تفرحون وتختالون. وقيل: تفرحون من باب التجنيس المحرف، وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف.
قوله: ﴿ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ أي السبعة المقسومة لكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ المخصوص بالذم محذوف؛ أي جهنمُ أو مَثْوَاكُمْ، ولم يقل: فبئس مدخل؛ لأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم الثّواء، فلذلك خصه بالذم، وإن كان أيضاً مذموماً.
غافر 40:70
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله﴾ الآيات. اعلم أنه تعالى عادَ إلى ذَمِّ الذين يجادلون في آيات الله، أي في إنكار آيات الله ودفعها والتكذيب بها، فعَجَّبَ تعالى منهم بقوله: ﴿أنى يُصْرَفُونَ﴾ ؟ كيف صُرِفُوا عن دين الحق وهذا كما يقول الرجل لمن لا يسمع نصحه: إلى أين يُذْهَبُ بك؟! تعجباً من غفلته.
قوله: «الذين كذبوا» ، يجوز فيه أوجه، أن يكون بدلاً من الموصول قبله، أو بياناً له أو نعتاً أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوباً على الذم، وعلى هذه الأوجه، فقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ جملة مستأنفة، سيقت للتهديد.
ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ودخول الفاء فيه واضح.
فصل
المعنى هم الذي كذبوا بالكتاب أي بالقرآن وبما أرسلنا به رسلنا من سائر الكتب؛ قيل: هم المشركون. وعن محمد بن سِيرِين وجماعة: أنها نزلت في القَدَرِيَّة.
قوله: ﴿إِذِ الأغلال﴾ فيه سؤال، هو أن «سوفَ» للاستقبال، و «إِذْ» للماضي، فقوله: ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ مثل قولك: سَوْفَ أَصُمُ أَمْسِ، والجواب: جوزوا في «إذ» هذه أن تكمون بمعنى «إذا» ؛ لأن العامل فيها محقق الاستقابل وهو فسوف يعلمون.
قالوا: وكما تقع «إذَا» موضع إِذْ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] كذلك تقع إِذْ مَوْقِعَهَا.
وقد مضى نَحْوٌ من هذا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾ [البقرة: 165] قالوا: والذي حسن هذا تيقن وقوع الفعل، فأخرج في صورة الماضي.
قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى إخْراج «إِذْ: عن موضوعها؛ بل هي باقية على دَلاَلتِهَا على المعنى، وهي منصوبة بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ نصب المفعول به، أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الأغلال في أعناقهم أيْ وقتَ سببِ الأغلال، وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا، كأنه قيل: سيعرفون وقت معاصيهم التي تَجْعَلُ الأغلال في أعناقهم وهو وجه واضح غاية ما فيه التصرفُ في إذ يجعلها. وهو وجه واضح غاية في ما فيه التصرف في إذ يجعلها مفعولاً بها. ولا يضر ذلك، فإن المعربين غالب أوقاتهم يقولون: منصوب» باذْكُرْ «مقُقَدَّراً، أو لا يكون حينئذ إلا مفعولاً به لاستحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي.
وجوز أن يكون منصوباً باذْكُرْ مقدراً، أي اذكر لهم وَقْتَ الإِغلال؛ ليخالفوا ويَنْزَجِرُوا، فهذه ثلاثة أوجه خيرها أوسطها.
قوله:» والسَّلاَسِلُ» العامة على رفعها، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه معطوف على الأغْلاَلِ. وأخبر عن النوعين بالجار، فالجال في نية التأخير والتقدير: إذ الأَغْلاَلُ والسَّلاَسِلُ في أعنقاهم.
الثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف لدلالة خبر الأول عليه.
الثالث: أنه مبتدأ أيضاً، وخبره الجملة من قوله: «يُسْحَبُونَ» ولا بُدَّ مِن ذكر ضمير يعود عليه منها، والتقدير: والسلاسل يُسْحَبُونَ بِهَا، حذف لِقُوَّة الدَّلالةِ عليه.
«فَيُسْحَبُونَ» مرفوع المحل على هذا الوجه. وأما الوجهيه المقتدمين فيجوز فيه النصب على الحال من الضمير المنويّ في الجار، ويجوز أن يكون مستأنفاً.
وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ مسعُودٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ وابْنُ وَثَّابٍ، والحسن في اختياره «والسَّلاَسِلَ» نصباً يَسْحَبُونَ بفتح الياء، مبنياً للفاعل، فيكون السلاسل مفعولاً مقدماً، ويكون قد عطف جملة فعلية على جملة اسمية.
قال ابن عباس في معنى هذه القراءة: إذا كانوا يَجُرُّونَهَا فهو أشد عليهم يكلفون ذلك ولا يطيقونه.
وقرأ ابن عباس وجماعة «والسَّلاَسِل» بالجر يُسْحَبُونَ مبنياً للمفعول وفيها ثلاثةُ تأويلاتٍ:
أحدها: الحمل على المعنى وتقديره إِذْ أَعْنَاقُهُم في الأغلالِ والسلاسلٍ فلما كان معنى الكلام على ذلك حمل عليه في العطف.
قال الزمخري: ووجه إنه لو قيل: «إِذْ أَعْنَاقُهُمْ في الأغلال مكان قوله: إِذ الأَغْلاَلُ في أعناقهم» لكان صحيحاً مستقيماً، فلما كانتا عبارتين مُعْتَقِبَتَيْنِ، حمل قوله: «والسلاسل» (عليه) على العبارة الأخرى. ونظيره:
4347 - مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشِيرةً ... وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا
كأنه قيل: بمصليحن.
وقرىء: بالسَّلاَسلِ. وقال ابن عطية: تقديره: إذا أعناقهم في الأغعلال والسلاسلِ فعطف على المراد من لكلام لا على ترتيب اللفظ؛ إذ ترتيبه فيه قل، وهو على حد قول العرب: أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ فِي رَأْسِي.
وفي مصحف أًُبيِّ: وفي السلاسِل يَسْحَبُونها. قال أبو حيان بعد قول ابن عطية والزمخشري المتقدم: ويمسى هذا العطف على التوهم، إلا أن قولهم: إدخال حرف الجر على مصلحين أقرب من تغيير تركيب الجملة بأسرها، والقراءة من تغيير تركيب الجملة السابقة بأسرها، ونظير ذلك قوله:
4348 - أَجِدَّكَ لَنْ تَرَى بثُعَيْلبَاتٍ ... وَلاَ بَيْدَاءَ نَاجِيَةً ذَمُولاَ
وَلاَ مُتَدارِكٍ واللَّيْلُ طِفْلٌ ... بِبعْضِ نَوَاشِغِ الوَادِي حُصًُولاً
التقدير: لَسْتَ براءٍ ولا بمتداركٍ.
وهذا الذي قالاه سبقهما إليه الفَرَّاءُ فإِنه قال: «من جر السلاسل حمله على المعنى» ، إذ المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل.
الوجه الثاني: أنه عطف على «الحميم» ، فقدم على المعطوف عليه وسيأتي تقرير ذلك.
الثالث: أن الجر على تقدير إضمار الخافض ويؤيده قراءة أُبَيٍّ: «وفِي السَّلاَسِلِ» وقرأ غيره: وبالسَّلاَسِلِ وإلى هذا نحا الزجاج، إلاَّ أنَّ الأنباريِّ ردَّه وقال: لو قلت: «زيد في الدار» لم يحسن أن تضمر «في» فتقول: زيد (في) الدار ثم ذكر تأويل الفراء وخرج القراءة عليه. ثم قال: كما تقول: «خَاصَمَ عَبْد اللهِ زَيْداً العَاقِليْنِ» ، بنصب «العاقلين» ورفعه؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه الآخر.
وهذه المسألة ليست جارية على أصول البصريين، ونصّوا على منعها وإنما قال بها من الكوفيين ابْنُ (سَ) عْدَانَ.
وقال مَكيّ: وقد قرىء: والسَّلاَسلِ بالخفض على العطف على الأعناق، وهو غلط؛ لأنه يصير الأغلال في الأعناق وفي السلاسل ولا معنى للأغلال في السَّلاَسل؟
قال شهاب الدين: وقوله: على العطف على الأعناق ممنونع بل خفضه على ما تقدم. وقال أيضاً: وقيل: هو معطوف على «الحميم» وهو أيضاً لا يجوز؛ لأن المعطوف المخفوض، لا يتقدم على المعطوف عليه لو قلت: «مَرَرْتُ وَزَيْدٍ بِعَمْرو» لم يجز، وفي المرفوع يجوز، نحو: قَام وَزَيْدٌ عَمْرٌ، ويبعد في المنصوب لا يحسن رأيتُ وَزَيْداً عَمْراً، ولم يُجِزْهُ في المخفوض أحدٌ.
قال شهاب الدين: وظاهر كلامه أنهن يجوز في المرفوع منعه، وقد نصوا أنه لا يجوز إلا ضرورة بثلاثة شروط: أن لا يقع حرف العطف صدراً، وأن يكون العامل متصرفاً، وأن لا يكون المعطوف عليه مجروراً وأنشدوا:
4349 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ السَّلاَمُ
إلى غير ذلك من الشواهد مع تنصيصهم على أنه مختص بالضرورة. و «السَّلاَسِلُ» معروفة، قال الراغب: «وتَسَلْسَلَ الشيءُ اضطرب كأنه تُصُوِّر منه تسلسلٌ متردد فتردد لفظه تنبيهاً على تردد معناه. وماء سلسل متردد في مقره» .
والسَّحْبُ: الجر بمعنف، والسَّحابُ من ذلك لأن الريح تَجُرُّوهُ، أو لأنه يجر الماء، وسجرت التَّنُّورَ أي ملأته ناراً وهيجتها، ومنه البحر المسجور، أي المملوء، وقيل: المضطرب ناراً، وقال الشاعر (رحمة الله عليه) :
4350 - إِذَا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والشَّوْحَطَا
فمعشنى قوله تعالى هنا: ﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ أي يوقد بهم، كقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [التحريم: 6] والسَّجِيرةُ: الخليلُ الذي يَسْجُرُ في مَوَدَّة خليله، كقولهم: فُلاَنٌ يَحْتَرِقُ فِي مَوَدَّةِ فُلاَنٍ.
فصل
هذه كيفية عقابهم، والمعنى أنه يكون في أعناقهم أغلال وسلاسل ثم يسحبون بتلك السلاسل في الماء المُسَخَّنِ بنار جهنم، ثم تُوقَدُ بهم النار ﴿قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله﴾ يعني الأصنام ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي فقدناهم وغابوا عن عيوننا فلا نراهم، ثم قالوا: ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً﴾ أنكروا، كقولهم في سورة الأنعام: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] وقيل: معناه لم نكن ندعو من قبل شيئاً يضر وينفع. وقال الحسين بن الفضل: أي لم نكن نصنع من قبل شيئاً أي ضاعت عبادتنا لها كما يقول من ضاع عمله: «ما كنت أعمل شَيْئاً» .
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين﴾ قال القاضي: معناه أنه يُضِلُّهم عن طريق الجنة، ولا يجوز أن يقال: بضلهم عن الحجة، وقد هداهم في الدنيا، وقال ﴿يُضِلُّ الله الكافرين﴾ مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى أنهم لو نطلبوا الآلهة، أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.
قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أي ذلكم العذابُ الذي نزل بكم ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَبْطُرون وتَأشِرُنَ ﴿فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تفرحون وتختالون. وقيل: تفرحون من باب التجنيس المحرف، وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف.
قوله: ﴿ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ أي السبعة المقسومة لكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ المخصوص بالذم محذوف؛ أي جهنمُ أو مَثْوَاكُمْ، ولم يقل: فبئس مدخل؛ لأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم الثّواء، فلذلك خصه بالذم، وإن كان أيضاً مذموماً.
غافر 40:71
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله﴾ الآيات. اعلم أنه تعالى عادَ إلى ذَمِّ الذين يجادلون في آيات الله، أي في إنكار آيات الله ودفعها والتكذيب بها، فعَجَّبَ تعالى منهم بقوله: ﴿أنى يُصْرَفُونَ﴾ ؟ كيف صُرِفُوا عن دين الحق وهذا كما يقول الرجل لمن لا يسمع نصحه: إلى أين يُذْهَبُ بك؟! تعجباً من غفلته.
قوله: «الذين كذبوا» ، يجوز فيه أوجه، أن يكون بدلاً من الموصول قبله، أو بياناً له أو نعتاً أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوباً على الذم، وعلى هذه الأوجه، فقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ جملة مستأنفة، سيقت للتهديد.
ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ودخول الفاء فيه واضح.
فصل
المعنى هم الذي كذبوا بالكتاب أي بالقرآن وبما أرسلنا به رسلنا من سائر الكتب؛ قيل: هم المشركون. وعن محمد بن سِيرِين وجماعة: أنها نزلت في القَدَرِيَّة.
قوله: ﴿إِذِ الأغلال﴾ فيه سؤال، هو أن «سوفَ» للاستقبال، و «إِذْ» للماضي، فقوله: ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ مثل قولك: سَوْفَ أَصُمُ أَمْسِ، والجواب: جوزوا في «إذ» هذه أن تكمون بمعنى «إذا» ؛ لأن العامل فيها محقق الاستقابل وهو فسوف يعلمون.
قالوا: وكما تقع «إذَا» موضع إِذْ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] كذلك تقع إِذْ مَوْقِعَهَا.
وقد مضى نَحْوٌ من هذا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾ [البقرة: 165] قالوا: والذي حسن هذا تيقن وقوع الفعل، فأخرج في صورة الماضي.
قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى إخْراج «إِذْ: عن موضوعها؛ بل هي باقية على دَلاَلتِهَا على المعنى، وهي منصوبة بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ نصب المفعول به، أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الأغلال في أعناقهم أيْ وقتَ سببِ الأغلال، وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا، كأنه قيل: سيعرفون وقت معاصيهم التي تَجْعَلُ الأغلال في أعناقهم وهو وجه واضح غاية ما فيه التصرفُ في إذ يجعلها. وهو وجه واضح غاية في ما فيه التصرف في إذ يجعلها مفعولاً بها. ولا يضر ذلك، فإن المعربين غالب أوقاتهم يقولون: منصوب» باذْكُرْ «مقُقَدَّراً، أو لا يكون حينئذ إلا مفعولاً به لاستحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي.
وجوز أن يكون منصوباً باذْكُرْ مقدراً، أي اذكر لهم وَقْتَ الإِغلال؛ ليخالفوا ويَنْزَجِرُوا، فهذه ثلاثة أوجه خيرها أوسطها.
قوله:» والسَّلاَسِلُ» العامة على رفعها، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه معطوف على الأغْلاَلِ. وأخبر عن النوعين بالجار، فالجال في نية التأخير والتقدير: إذ الأَغْلاَلُ والسَّلاَسِلُ في أعنقاهم.
الثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف لدلالة خبر الأول عليه.
الثالث: أنه مبتدأ أيضاً، وخبره الجملة من قوله: «يُسْحَبُونَ» ولا بُدَّ مِن ذكر ضمير يعود عليه منها، والتقدير: والسلاسل يُسْحَبُونَ بِهَا، حذف لِقُوَّة الدَّلالةِ عليه.
«فَيُسْحَبُونَ» مرفوع المحل على هذا الوجه. وأما الوجهيه المقتدمين فيجوز فيه النصب على الحال من الضمير المنويّ في الجار، ويجوز أن يكون مستأنفاً.
وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ مسعُودٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ وابْنُ وَثَّابٍ، والحسن في اختياره «والسَّلاَسِلَ» نصباً يَسْحَبُونَ بفتح الياء، مبنياً للفاعل، فيكون السلاسل مفعولاً مقدماً، ويكون قد عطف جملة فعلية على جملة اسمية.
قال ابن عباس في معنى هذه القراءة: إذا كانوا يَجُرُّونَهَا فهو أشد عليهم يكلفون ذلك ولا يطيقونه.
وقرأ ابن عباس وجماعة «والسَّلاَسِل» بالجر يُسْحَبُونَ مبنياً للمفعول وفيها ثلاثةُ تأويلاتٍ:
أحدها: الحمل على المعنى وتقديره إِذْ أَعْنَاقُهُم في الأغلالِ والسلاسلٍ فلما كان معنى الكلام على ذلك حمل عليه في العطف.
قال الزمخري: ووجه إنه لو قيل: «إِذْ أَعْنَاقُهُمْ في الأغلال مكان قوله: إِذ الأَغْلاَلُ في أعناقهم» لكان صحيحاً مستقيماً، فلما كانتا عبارتين مُعْتَقِبَتَيْنِ، حمل قوله: «والسلاسل» (عليه) على العبارة الأخرى. ونظيره:
4347 - مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشِيرةً ... وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا
كأنه قيل: بمصليحن.
وقرىء: بالسَّلاَسلِ. وقال ابن عطية: تقديره: إذا أعناقهم في الأغعلال والسلاسلِ فعطف على المراد من لكلام لا على ترتيب اللفظ؛ إذ ترتيبه فيه قل، وهو على حد قول العرب: أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ فِي رَأْسِي.
وفي مصحف أًُبيِّ: وفي السلاسِل يَسْحَبُونها. قال أبو حيان بعد قول ابن عطية والزمخشري المتقدم: ويمسى هذا العطف على التوهم، إلا أن قولهم: إدخال حرف الجر على مصلحين أقرب من تغيير تركيب الجملة بأسرها، والقراءة من تغيير تركيب الجملة السابقة بأسرها، ونظير ذلك قوله:
4348 - أَجِدَّكَ لَنْ تَرَى بثُعَيْلبَاتٍ ... وَلاَ بَيْدَاءَ نَاجِيَةً ذَمُولاَ
وَلاَ مُتَدارِكٍ واللَّيْلُ طِفْلٌ ... بِبعْضِ نَوَاشِغِ الوَادِي حُصًُولاً
التقدير: لَسْتَ براءٍ ولا بمتداركٍ.
وهذا الذي قالاه سبقهما إليه الفَرَّاءُ فإِنه قال: «من جر السلاسل حمله على المعنى» ، إذ المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل.
الوجه الثاني: أنه عطف على «الحميم» ، فقدم على المعطوف عليه وسيأتي تقرير ذلك.
الثالث: أن الجر على تقدير إضمار الخافض ويؤيده قراءة أُبَيٍّ: «وفِي السَّلاَسِلِ» وقرأ غيره: وبالسَّلاَسِلِ وإلى هذا نحا الزجاج، إلاَّ أنَّ الأنباريِّ ردَّه وقال: لو قلت: «زيد في الدار» لم يحسن أن تضمر «في» فتقول: زيد (في) الدار ثم ذكر تأويل الفراء وخرج القراءة عليه. ثم قال: كما تقول: «خَاصَمَ عَبْد اللهِ زَيْداً العَاقِليْنِ» ، بنصب «العاقلين» ورفعه؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه الآخر.
وهذه المسألة ليست جارية على أصول البصريين، ونصّوا على منعها وإنما قال بها من الكوفيين ابْنُ (سَ) عْدَانَ.
وقال مَكيّ: وقد قرىء: والسَّلاَسلِ بالخفض على العطف على الأعناق، وهو غلط؛ لأنه يصير الأغلال في الأعناق وفي السلاسل ولا معنى للأغلال في السَّلاَسل؟
قال شهاب الدين: وقوله: على العطف على الأعناق ممنونع بل خفضه على ما تقدم. وقال أيضاً: وقيل: هو معطوف على «الحميم» وهو أيضاً لا يجوز؛ لأن المعطوف المخفوض، لا يتقدم على المعطوف عليه لو قلت: «مَرَرْتُ وَزَيْدٍ بِعَمْرو» لم يجز، وفي المرفوع يجوز، نحو: قَام وَزَيْدٌ عَمْرٌ، ويبعد في المنصوب لا يحسن رأيتُ وَزَيْداً عَمْراً، ولم يُجِزْهُ في المخفوض أحدٌ.
قال شهاب الدين: وظاهر كلامه أنهن يجوز في المرفوع منعه، وقد نصوا أنه لا يجوز إلا ضرورة بثلاثة شروط: أن لا يقع حرف العطف صدراً، وأن يكون العامل متصرفاً، وأن لا يكون المعطوف عليه مجروراً وأنشدوا:
4349 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ السَّلاَمُ
إلى غير ذلك من الشواهد مع تنصيصهم على أنه مختص بالضرورة. و «السَّلاَسِلُ» معروفة، قال الراغب: «وتَسَلْسَلَ الشيءُ اضطرب كأنه تُصُوِّر منه تسلسلٌ متردد فتردد لفظه تنبيهاً على تردد معناه. وماء سلسل متردد في مقره» .
والسَّحْبُ: الجر بمعنف، والسَّحابُ من ذلك لأن الريح تَجُرُّوهُ، أو لأنه يجر الماء، وسجرت التَّنُّورَ أي ملأته ناراً وهيجتها، ومنه البحر المسجور، أي المملوء، وقيل: المضطرب ناراً، وقال الشاعر (رحمة الله عليه) :
4350 - إِذَا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والشَّوْحَطَا
فمعشنى قوله تعالى هنا: ﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ أي يوقد بهم، كقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [التحريم: 6] والسَّجِيرةُ: الخليلُ الذي يَسْجُرُ في مَوَدَّة خليله، كقولهم: فُلاَنٌ يَحْتَرِقُ فِي مَوَدَّةِ فُلاَنٍ.
فصل
هذه كيفية عقابهم، والمعنى أنه يكون في أعناقهم أغلال وسلاسل ثم يسحبون بتلك السلاسل في الماء المُسَخَّنِ بنار جهنم، ثم تُوقَدُ بهم النار ﴿قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله﴾ يعني الأصنام ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي فقدناهم وغابوا عن عيوننا فلا نراهم، ثم قالوا: ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً﴾ أنكروا، كقولهم في سورة الأنعام: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] وقيل: معناه لم نكن ندعو من قبل شيئاً يضر وينفع. وقال الحسين بن الفضل: أي لم نكن نصنع من قبل شيئاً أي ضاعت عبادتنا لها كما يقول من ضاع عمله: «ما كنت أعمل شَيْئاً» .
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين﴾ قال القاضي: معناه أنه يُضِلُّهم عن طريق الجنة، ولا يجوز أن يقال: بضلهم عن الحجة، وقد هداهم في الدنيا، وقال ﴿يُضِلُّ الله الكافرين﴾ مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى أنهم لو نطلبوا الآلهة، أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.
قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أي ذلكم العذابُ الذي نزل بكم ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَبْطُرون وتَأشِرُنَ ﴿فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تفرحون وتختالون. وقيل: تفرحون من باب التجنيس المحرف، وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف.
قوله: ﴿ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ أي السبعة المقسومة لكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ المخصوص بالذم محذوف؛ أي جهنمُ أو مَثْوَاكُمْ، ولم يقل: فبئس مدخل؛ لأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم الثّواء، فلذلك خصه بالذم، وإن كان أيضاً مذموماً.
غافر 40:72
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله﴾ الآيات. اعلم أنه تعالى عادَ إلى ذَمِّ الذين يجادلون في آيات الله، أي في إنكار آيات الله ودفعها والتكذيب بها، فعَجَّبَ تعالى منهم بقوله: ﴿أنى يُصْرَفُونَ﴾ ؟ كيف صُرِفُوا عن دين الحق وهذا كما يقول الرجل لمن لا يسمع نصحه: إلى أين يُذْهَبُ بك؟! تعجباً من غفلته.
قوله: «الذين كذبوا» ، يجوز فيه أوجه، أن يكون بدلاً من الموصول قبله، أو بياناً له أو نعتاً أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوباً على الذم، وعلى هذه الأوجه، فقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ جملة مستأنفة، سيقت للتهديد.
ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ودخول الفاء فيه واضح.
فصل
المعنى هم الذي كذبوا بالكتاب أي بالقرآن وبما أرسلنا به رسلنا من سائر الكتب؛ قيل: هم المشركون. وعن محمد بن سِيرِين وجماعة: أنها نزلت في القَدَرِيَّة.
قوله: ﴿إِذِ الأغلال﴾ فيه سؤال، هو أن «سوفَ» للاستقبال، و «إِذْ» للماضي، فقوله: ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ مثل قولك: سَوْفَ أَصُمُ أَمْسِ، والجواب: جوزوا في «إذ» هذه أن تكمون بمعنى «إذا» ؛ لأن العامل فيها محقق الاستقابل وهو فسوف يعلمون.
قالوا: وكما تقع «إذَا» موضع إِذْ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] كذلك تقع إِذْ مَوْقِعَهَا.
وقد مضى نَحْوٌ من هذا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾ [البقرة: 165] قالوا: والذي حسن هذا تيقن وقوع الفعل، فأخرج في صورة الماضي.
قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى إخْراج «إِذْ: عن موضوعها؛ بل هي باقية على دَلاَلتِهَا على المعنى، وهي منصوبة بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ نصب المفعول به، أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الأغلال في أعناقهم أيْ وقتَ سببِ الأغلال، وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا، كأنه قيل: سيعرفون وقت معاصيهم التي تَجْعَلُ الأغلال في أعناقهم وهو وجه واضح غاية ما فيه التصرفُ في إذ يجعلها. وهو وجه واضح غاية في ما فيه التصرف في إذ يجعلها مفعولاً بها. ولا يضر ذلك، فإن المعربين غالب أوقاتهم يقولون: منصوب» باذْكُرْ «مقُقَدَّراً، أو لا يكون حينئذ إلا مفعولاً به لاستحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي.
وجوز أن يكون منصوباً باذْكُرْ مقدراً، أي اذكر لهم وَقْتَ الإِغلال؛ ليخالفوا ويَنْزَجِرُوا، فهذه ثلاثة أوجه خيرها أوسطها.
قوله:» والسَّلاَسِلُ» العامة على رفعها، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه معطوف على الأغْلاَلِ. وأخبر عن النوعين بالجار، فالجال في نية التأخير والتقدير: إذ الأَغْلاَلُ والسَّلاَسِلُ في أعنقاهم.
الثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف لدلالة خبر الأول عليه.
الثالث: أنه مبتدأ أيضاً، وخبره الجملة من قوله: «يُسْحَبُونَ» ولا بُدَّ مِن ذكر ضمير يعود عليه منها، والتقدير: والسلاسل يُسْحَبُونَ بِهَا، حذف لِقُوَّة الدَّلالةِ عليه.
«فَيُسْحَبُونَ» مرفوع المحل على هذا الوجه. وأما الوجهيه المقتدمين فيجوز فيه النصب على الحال من الضمير المنويّ في الجار، ويجوز أن يكون مستأنفاً.
وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ مسعُودٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ وابْنُ وَثَّابٍ، والحسن في اختياره «والسَّلاَسِلَ» نصباً يَسْحَبُونَ بفتح الياء، مبنياً للفاعل، فيكون السلاسل مفعولاً مقدماً، ويكون قد عطف جملة فعلية على جملة اسمية.
قال ابن عباس في معنى هذه القراءة: إذا كانوا يَجُرُّونَهَا فهو أشد عليهم يكلفون ذلك ولا يطيقونه.
وقرأ ابن عباس وجماعة «والسَّلاَسِل» بالجر يُسْحَبُونَ مبنياً للمفعول وفيها ثلاثةُ تأويلاتٍ:
أحدها: الحمل على المعنى وتقديره إِذْ أَعْنَاقُهُم في الأغلالِ والسلاسلٍ فلما كان معنى الكلام على ذلك حمل عليه في العطف.
قال الزمخري: ووجه إنه لو قيل: «إِذْ أَعْنَاقُهُمْ في الأغلال مكان قوله: إِذ الأَغْلاَلُ في أعناقهم» لكان صحيحاً مستقيماً، فلما كانتا عبارتين مُعْتَقِبَتَيْنِ، حمل قوله: «والسلاسل» (عليه) على العبارة الأخرى. ونظيره:
4347 - مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشِيرةً ... وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا
كأنه قيل: بمصليحن.
وقرىء: بالسَّلاَسلِ. وقال ابن عطية: تقديره: إذا أعناقهم في الأغعلال والسلاسلِ فعطف على المراد من لكلام لا على ترتيب اللفظ؛ إذ ترتيبه فيه قل، وهو على حد قول العرب: أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ فِي رَأْسِي.
وفي مصحف أًُبيِّ: وفي السلاسِل يَسْحَبُونها. قال أبو حيان بعد قول ابن عطية والزمخشري المتقدم: ويمسى هذا العطف على التوهم، إلا أن قولهم: إدخال حرف الجر على مصلحين أقرب من تغيير تركيب الجملة بأسرها، والقراءة من تغيير تركيب الجملة السابقة بأسرها، ونظير ذلك قوله:
4348 - أَجِدَّكَ لَنْ تَرَى بثُعَيْلبَاتٍ ... وَلاَ بَيْدَاءَ نَاجِيَةً ذَمُولاَ
وَلاَ مُتَدارِكٍ واللَّيْلُ طِفْلٌ ... بِبعْضِ نَوَاشِغِ الوَادِي حُصًُولاً
التقدير: لَسْتَ براءٍ ولا بمتداركٍ.
وهذا الذي قالاه سبقهما إليه الفَرَّاءُ فإِنه قال: «من جر السلاسل حمله على المعنى» ، إذ المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل.
الوجه الثاني: أنه عطف على «الحميم» ، فقدم على المعطوف عليه وسيأتي تقرير ذلك.
الثالث: أن الجر على تقدير إضمار الخافض ويؤيده قراءة أُبَيٍّ: «وفِي السَّلاَسِلِ» وقرأ غيره: وبالسَّلاَسِلِ وإلى هذا نحا الزجاج، إلاَّ أنَّ الأنباريِّ ردَّه وقال: لو قلت: «زيد في الدار» لم يحسن أن تضمر «في» فتقول: زيد (في) الدار ثم ذكر تأويل الفراء وخرج القراءة عليه. ثم قال: كما تقول: «خَاصَمَ عَبْد اللهِ زَيْداً العَاقِليْنِ» ، بنصب «العاقلين» ورفعه؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه الآخر.
وهذه المسألة ليست جارية على أصول البصريين، ونصّوا على منعها وإنما قال بها من الكوفيين ابْنُ (سَ) عْدَانَ.
وقال مَكيّ: وقد قرىء: والسَّلاَسلِ بالخفض على العطف على الأعناق، وهو غلط؛ لأنه يصير الأغلال في الأعناق وفي السلاسل ولا معنى للأغلال في السَّلاَسل؟
قال شهاب الدين: وقوله: على العطف على الأعناق ممنونع بل خفضه على ما تقدم. وقال أيضاً: وقيل: هو معطوف على «الحميم» وهو أيضاً لا يجوز؛ لأن المعطوف المخفوض، لا يتقدم على المعطوف عليه لو قلت: «مَرَرْتُ وَزَيْدٍ بِعَمْرو» لم يجز، وفي المرفوع يجوز، نحو: قَام وَزَيْدٌ عَمْرٌ، ويبعد في المنصوب لا يحسن رأيتُ وَزَيْداً عَمْراً، ولم يُجِزْهُ في المخفوض أحدٌ.
قال شهاب الدين: وظاهر كلامه أنهن يجوز في المرفوع منعه، وقد نصوا أنه لا يجوز إلا ضرورة بثلاثة شروط: أن لا يقع حرف العطف صدراً، وأن يكون العامل متصرفاً، وأن لا يكون المعطوف عليه مجروراً وأنشدوا:
4349 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ السَّلاَمُ
إلى غير ذلك من الشواهد مع تنصيصهم على أنه مختص بالضرورة. و «السَّلاَسِلُ» معروفة، قال الراغب: «وتَسَلْسَلَ الشيءُ اضطرب كأنه تُصُوِّر منه تسلسلٌ متردد فتردد لفظه تنبيهاً على تردد معناه. وماء سلسل متردد في مقره» .
والسَّحْبُ: الجر بمعنف، والسَّحابُ من ذلك لأن الريح تَجُرُّوهُ، أو لأنه يجر الماء، وسجرت التَّنُّورَ أي ملأته ناراً وهيجتها، ومنه البحر المسجور، أي المملوء، وقيل: المضطرب ناراً، وقال الشاعر (رحمة الله عليه) :
4350 - إِذَا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والشَّوْحَطَا
فمعشنى قوله تعالى هنا: ﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ أي يوقد بهم، كقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [التحريم: 6] والسَّجِيرةُ: الخليلُ الذي يَسْجُرُ في مَوَدَّة خليله، كقولهم: فُلاَنٌ يَحْتَرِقُ فِي مَوَدَّةِ فُلاَنٍ.
فصل
هذه كيفية عقابهم، والمعنى أنه يكون في أعناقهم أغلال وسلاسل ثم يسحبون بتلك السلاسل في الماء المُسَخَّنِ بنار جهنم، ثم تُوقَدُ بهم النار ﴿قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله﴾ يعني الأصنام ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي فقدناهم وغابوا عن عيوننا فلا نراهم، ثم قالوا: ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً﴾ أنكروا، كقولهم في سورة الأنعام: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] وقيل: معناه لم نكن ندعو من قبل شيئاً يضر وينفع. وقال الحسين بن الفضل: أي لم نكن نصنع من قبل شيئاً أي ضاعت عبادتنا لها كما يقول من ضاع عمله: «ما كنت أعمل شَيْئاً» .
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين﴾ قال القاضي: معناه أنه يُضِلُّهم عن طريق الجنة، ولا يجوز أن يقال: بضلهم عن الحجة، وقد هداهم في الدنيا، وقال ﴿يُضِلُّ الله الكافرين﴾ مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى أنهم لو نطلبوا الآلهة، أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.
قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أي ذلكم العذابُ الذي نزل بكم ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَبْطُرون وتَأشِرُنَ ﴿فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تفرحون وتختالون. وقيل: تفرحون من باب التجنيس المحرف، وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف.
قوله: ﴿ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ أي السبعة المقسومة لكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ المخصوص بالذم محذوف؛ أي جهنمُ أو مَثْوَاكُمْ، ولم يقل: فبئس مدخل؛ لأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم الثّواء، فلذلك خصه بالذم، وإن كان أيضاً مذموماً.
غافر 40:73
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله﴾ الآيات. اعلم أنه تعالى عادَ إلى ذَمِّ الذين يجادلون في آيات الله، أي في إنكار آيات الله ودفعها والتكذيب بها، فعَجَّبَ تعالى منهم بقوله: ﴿أنى يُصْرَفُونَ﴾ ؟ كيف صُرِفُوا عن دين الحق وهذا كما يقول الرجل لمن لا يسمع نصحه: إلى أين يُذْهَبُ بك؟! تعجباً من غفلته.
قوله: «الذين كذبوا» ، يجوز فيه أوجه، أن يكون بدلاً من الموصول قبله، أو بياناً له أو نعتاً أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوباً على الذم، وعلى هذه الأوجه، فقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ جملة مستأنفة، سيقت للتهديد.
ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ودخول الفاء فيه واضح.
فصل
المعنى هم الذي كذبوا بالكتاب أي بالقرآن وبما أرسلنا به رسلنا من سائر الكتب؛ قيل: هم المشركون. وعن محمد بن سِيرِين وجماعة: أنها نزلت في القَدَرِيَّة.
قوله: ﴿إِذِ الأغلال﴾ فيه سؤال، هو أن «سوفَ» للاستقبال، و «إِذْ» للماضي، فقوله: ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ مثل قولك: سَوْفَ أَصُمُ أَمْسِ، والجواب: جوزوا في «إذ» هذه أن تكمون بمعنى «إذا» ؛ لأن العامل فيها محقق الاستقابل وهو فسوف يعلمون.
قالوا: وكما تقع «إذَا» موضع إِذْ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] كذلك تقع إِذْ مَوْقِعَهَا.
وقد مضى نَحْوٌ من هذا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾ [البقرة: 165] قالوا: والذي حسن هذا تيقن وقوع الفعل، فأخرج في صورة الماضي.
قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى إخْراج «إِذْ: عن موضوعها؛ بل هي باقية على دَلاَلتِهَا على المعنى، وهي منصوبة بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ نصب المفعول به، أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الأغلال في أعناقهم أيْ وقتَ سببِ الأغلال، وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا، كأنه قيل: سيعرفون وقت معاصيهم التي تَجْعَلُ الأغلال في أعناقهم وهو وجه واضح غاية ما فيه التصرفُ في إذ يجعلها. وهو وجه واضح غاية في ما فيه التصرف في إذ يجعلها مفعولاً بها. ولا يضر ذلك، فإن المعربين غالب أوقاتهم يقولون: منصوب» باذْكُرْ «مقُقَدَّراً، أو لا يكون حينئذ إلا مفعولاً به لاستحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي.
وجوز أن يكون منصوباً باذْكُرْ مقدراً، أي اذكر لهم وَقْتَ الإِغلال؛ ليخالفوا ويَنْزَجِرُوا، فهذه ثلاثة أوجه خيرها أوسطها.
قوله:» والسَّلاَسِلُ» العامة على رفعها، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه معطوف على الأغْلاَلِ. وأخبر عن النوعين بالجار، فالجال في نية التأخير والتقدير: إذ الأَغْلاَلُ والسَّلاَسِلُ في أعنقاهم.
الثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف لدلالة خبر الأول عليه.
الثالث: أنه مبتدأ أيضاً، وخبره الجملة من قوله: «يُسْحَبُونَ» ولا بُدَّ مِن ذكر ضمير يعود عليه منها، والتقدير: والسلاسل يُسْحَبُونَ بِهَا، حذف لِقُوَّة الدَّلالةِ عليه.
«فَيُسْحَبُونَ» مرفوع المحل على هذا الوجه. وأما الوجهيه المقتدمين فيجوز فيه النصب على الحال من الضمير المنويّ في الجار، ويجوز أن يكون مستأنفاً.
وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ مسعُودٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ وابْنُ وَثَّابٍ، والحسن في اختياره «والسَّلاَسِلَ» نصباً يَسْحَبُونَ بفتح الياء، مبنياً للفاعل، فيكون السلاسل مفعولاً مقدماً، ويكون قد عطف جملة فعلية على جملة اسمية.
قال ابن عباس في معنى هذه القراءة: إذا كانوا يَجُرُّونَهَا فهو أشد عليهم يكلفون ذلك ولا يطيقونه.
وقرأ ابن عباس وجماعة «والسَّلاَسِل» بالجر يُسْحَبُونَ مبنياً للمفعول وفيها ثلاثةُ تأويلاتٍ:
أحدها: الحمل على المعنى وتقديره إِذْ أَعْنَاقُهُم في الأغلالِ والسلاسلٍ فلما كان معنى الكلام على ذلك حمل عليه في العطف.
قال الزمخري: ووجه إنه لو قيل: «إِذْ أَعْنَاقُهُمْ في الأغلال مكان قوله: إِذ الأَغْلاَلُ في أعناقهم» لكان صحيحاً مستقيماً، فلما كانتا عبارتين مُعْتَقِبَتَيْنِ، حمل قوله: «والسلاسل» (عليه) على العبارة الأخرى. ونظيره:
4347 - مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشِيرةً ... وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا
كأنه قيل: بمصليحن.
وقرىء: بالسَّلاَسلِ. وقال ابن عطية: تقديره: إذا أعناقهم في الأغعلال والسلاسلِ فعطف على المراد من لكلام لا على ترتيب اللفظ؛ إذ ترتيبه فيه قل، وهو على حد قول العرب: أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ فِي رَأْسِي.
وفي مصحف أًُبيِّ: وفي السلاسِل يَسْحَبُونها. قال أبو حيان بعد قول ابن عطية والزمخشري المتقدم: ويمسى هذا العطف على التوهم، إلا أن قولهم: إدخال حرف الجر على مصلحين أقرب من تغيير تركيب الجملة بأسرها، والقراءة من تغيير تركيب الجملة السابقة بأسرها، ونظير ذلك قوله:
4348 - أَجِدَّكَ لَنْ تَرَى بثُعَيْلبَاتٍ ... وَلاَ بَيْدَاءَ نَاجِيَةً ذَمُولاَ
وَلاَ مُتَدارِكٍ واللَّيْلُ طِفْلٌ ... بِبعْضِ نَوَاشِغِ الوَادِي حُصًُولاً
التقدير: لَسْتَ براءٍ ولا بمتداركٍ.
وهذا الذي قالاه سبقهما إليه الفَرَّاءُ فإِنه قال: «من جر السلاسل حمله على المعنى» ، إذ المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل.
الوجه الثاني: أنه عطف على «الحميم» ، فقدم على المعطوف عليه وسيأتي تقرير ذلك.
الثالث: أن الجر على تقدير إضمار الخافض ويؤيده قراءة أُبَيٍّ: «وفِي السَّلاَسِلِ» وقرأ غيره: وبالسَّلاَسِلِ وإلى هذا نحا الزجاج، إلاَّ أنَّ الأنباريِّ ردَّه وقال: لو قلت: «زيد في الدار» لم يحسن أن تضمر «في» فتقول: زيد (في) الدار ثم ذكر تأويل الفراء وخرج القراءة عليه. ثم قال: كما تقول: «خَاصَمَ عَبْد اللهِ زَيْداً العَاقِليْنِ» ، بنصب «العاقلين» ورفعه؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه الآخر.
وهذه المسألة ليست جارية على أصول البصريين، ونصّوا على منعها وإنما قال بها من الكوفيين ابْنُ (سَ) عْدَانَ.
وقال مَكيّ: وقد قرىء: والسَّلاَسلِ بالخفض على العطف على الأعناق، وهو غلط؛ لأنه يصير الأغلال في الأعناق وفي السلاسل ولا معنى للأغلال في السَّلاَسل؟
قال شهاب الدين: وقوله: على العطف على الأعناق ممنونع بل خفضه على ما تقدم. وقال أيضاً: وقيل: هو معطوف على «الحميم» وهو أيضاً لا يجوز؛ لأن المعطوف المخفوض، لا يتقدم على المعطوف عليه لو قلت: «مَرَرْتُ وَزَيْدٍ بِعَمْرو» لم يجز، وفي المرفوع يجوز، نحو: قَام وَزَيْدٌ عَمْرٌ، ويبعد في المنصوب لا يحسن رأيتُ وَزَيْداً عَمْراً، ولم يُجِزْهُ في المخفوض أحدٌ.
قال شهاب الدين: وظاهر كلامه أنهن يجوز في المرفوع منعه، وقد نصوا أنه لا يجوز إلا ضرورة بثلاثة شروط: أن لا يقع حرف العطف صدراً، وأن يكون العامل متصرفاً، وأن لا يكون المعطوف عليه مجروراً وأنشدوا:
4349 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ السَّلاَمُ
إلى غير ذلك من الشواهد مع تنصيصهم على أنه مختص بالضرورة. و «السَّلاَسِلُ» معروفة، قال الراغب: «وتَسَلْسَلَ الشيءُ اضطرب كأنه تُصُوِّر منه تسلسلٌ متردد فتردد لفظه تنبيهاً على تردد معناه. وماء سلسل متردد في مقره» .
والسَّحْبُ: الجر بمعنف، والسَّحابُ من ذلك لأن الريح تَجُرُّوهُ، أو لأنه يجر الماء، وسجرت التَّنُّورَ أي ملأته ناراً وهيجتها، ومنه البحر المسجور، أي المملوء، وقيل: المضطرب ناراً، وقال الشاعر (رحمة الله عليه) :
4350 - إِذَا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والشَّوْحَطَا
فمعشنى قوله تعالى هنا: ﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ أي يوقد بهم، كقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [التحريم: 6] والسَّجِيرةُ: الخليلُ الذي يَسْجُرُ في مَوَدَّة خليله، كقولهم: فُلاَنٌ يَحْتَرِقُ فِي مَوَدَّةِ فُلاَنٍ.
فصل
هذه كيفية عقابهم، والمعنى أنه يكون في أعناقهم أغلال وسلاسل ثم يسحبون بتلك السلاسل في الماء المُسَخَّنِ بنار جهنم، ثم تُوقَدُ بهم النار ﴿قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله﴾ يعني الأصنام ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي فقدناهم وغابوا عن عيوننا فلا نراهم، ثم قالوا: ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً﴾ أنكروا، كقولهم في سورة الأنعام: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] وقيل: معناه لم نكن ندعو من قبل شيئاً يضر وينفع. وقال الحسين بن الفضل: أي لم نكن نصنع من قبل شيئاً أي ضاعت عبادتنا لها كما يقول من ضاع عمله: «ما كنت أعمل شَيْئاً» .
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين﴾ قال القاضي: معناه أنه يُضِلُّهم عن طريق الجنة، ولا يجوز أن يقال: بضلهم عن الحجة، وقد هداهم في الدنيا، وقال ﴿يُضِلُّ الله الكافرين﴾ مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى أنهم لو نطلبوا الآلهة، أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.
قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أي ذلكم العذابُ الذي نزل بكم ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَبْطُرون وتَأشِرُنَ ﴿فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تفرحون وتختالون. وقيل: تفرحون من باب التجنيس المحرف، وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف.
قوله: ﴿ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ أي السبعة المقسومة لكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ المخصوص بالذم محذوف؛ أي جهنمُ أو مَثْوَاكُمْ، ولم يقل: فبئس مدخل؛ لأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم الثّواء، فلذلك خصه بالذم، وإن كان أيضاً مذموماً.
غافر 40:74
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله﴾ الآيات. اعلم أنه تعالى عادَ إلى ذَمِّ الذين يجادلون في آيات الله، أي في إنكار آيات الله ودفعها والتكذيب بها، فعَجَّبَ تعالى منهم بقوله: ﴿أنى يُصْرَفُونَ﴾ ؟ كيف صُرِفُوا عن دين الحق وهذا كما يقول الرجل لمن لا يسمع نصحه: إلى أين يُذْهَبُ بك؟! تعجباً من غفلته.
قوله: «الذين كذبوا» ، يجوز فيه أوجه، أن يكون بدلاً من الموصول قبله، أو بياناً له أو نعتاً أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوباً على الذم، وعلى هذه الأوجه، فقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ جملة مستأنفة، سيقت للتهديد.
ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ودخول الفاء فيه واضح.
فصل
المعنى هم الذي كذبوا بالكتاب أي بالقرآن وبما أرسلنا به رسلنا من سائر الكتب؛ قيل: هم المشركون. وعن محمد بن سِيرِين وجماعة: أنها نزلت في القَدَرِيَّة.
قوله: ﴿إِذِ الأغلال﴾ فيه سؤال، هو أن «سوفَ» للاستقبال، و «إِذْ» للماضي، فقوله: ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ مثل قولك: سَوْفَ أَصُمُ أَمْسِ، والجواب: جوزوا في «إذ» هذه أن تكمون بمعنى «إذا» ؛ لأن العامل فيها محقق الاستقابل وهو فسوف يعلمون.
قالوا: وكما تقع «إذَا» موضع إِذْ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] كذلك تقع إِذْ مَوْقِعَهَا.
وقد مضى نَحْوٌ من هذا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾ [البقرة: 165] قالوا: والذي حسن هذا تيقن وقوع الفعل، فأخرج في صورة الماضي.
قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى إخْراج «إِذْ: عن موضوعها؛ بل هي باقية على دَلاَلتِهَا على المعنى، وهي منصوبة بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ نصب المفعول به، أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الأغلال في أعناقهم أيْ وقتَ سببِ الأغلال، وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا، كأنه قيل: سيعرفون وقت معاصيهم التي تَجْعَلُ الأغلال في أعناقهم وهو وجه واضح غاية ما فيه التصرفُ في إذ يجعلها. وهو وجه واضح غاية في ما فيه التصرف في إذ يجعلها مفعولاً بها. ولا يضر ذلك، فإن المعربين غالب أوقاتهم يقولون: منصوب» باذْكُرْ «مقُقَدَّراً، أو لا يكون حينئذ إلا مفعولاً به لاستحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي.
وجوز أن يكون منصوباً باذْكُرْ مقدراً، أي اذكر لهم وَقْتَ الإِغلال؛ ليخالفوا ويَنْزَجِرُوا، فهذه ثلاثة أوجه خيرها أوسطها.
قوله:» والسَّلاَسِلُ» العامة على رفعها، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه معطوف على الأغْلاَلِ. وأخبر عن النوعين بالجار، فالجال في نية التأخير والتقدير: إذ الأَغْلاَلُ والسَّلاَسِلُ في أعنقاهم.
الثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف لدلالة خبر الأول عليه.
الثالث: أنه مبتدأ أيضاً، وخبره الجملة من قوله: «يُسْحَبُونَ» ولا بُدَّ مِن ذكر ضمير يعود عليه منها، والتقدير: والسلاسل يُسْحَبُونَ بِهَا، حذف لِقُوَّة الدَّلالةِ عليه.
«فَيُسْحَبُونَ» مرفوع المحل على هذا الوجه. وأما الوجهيه المقتدمين فيجوز فيه النصب على الحال من الضمير المنويّ في الجار، ويجوز أن يكون مستأنفاً.
وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ مسعُودٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ وابْنُ وَثَّابٍ، والحسن في اختياره «والسَّلاَسِلَ» نصباً يَسْحَبُونَ بفتح الياء، مبنياً للفاعل، فيكون السلاسل مفعولاً مقدماً، ويكون قد عطف جملة فعلية على جملة اسمية.
قال ابن عباس في معنى هذه القراءة: إذا كانوا يَجُرُّونَهَا فهو أشد عليهم يكلفون ذلك ولا يطيقونه.
وقرأ ابن عباس وجماعة «والسَّلاَسِل» بالجر يُسْحَبُونَ مبنياً للمفعول وفيها ثلاثةُ تأويلاتٍ:
أحدها: الحمل على المعنى وتقديره إِذْ أَعْنَاقُهُم في الأغلالِ والسلاسلٍ فلما كان معنى الكلام على ذلك حمل عليه في العطف.
قال الزمخري: ووجه إنه لو قيل: «إِذْ أَعْنَاقُهُمْ في الأغلال مكان قوله: إِذ الأَغْلاَلُ في أعناقهم» لكان صحيحاً مستقيماً، فلما كانتا عبارتين مُعْتَقِبَتَيْنِ، حمل قوله: «والسلاسل» (عليه) على العبارة الأخرى. ونظيره:
4347 - مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشِيرةً ... وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا
كأنه قيل: بمصليحن.
وقرىء: بالسَّلاَسلِ. وقال ابن عطية: تقديره: إذا أعناقهم في الأغعلال والسلاسلِ فعطف على المراد من لكلام لا على ترتيب اللفظ؛ إذ ترتيبه فيه قل، وهو على حد قول العرب: أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ فِي رَأْسِي.
وفي مصحف أًُبيِّ: وفي السلاسِل يَسْحَبُونها. قال أبو حيان بعد قول ابن عطية والزمخشري المتقدم: ويمسى هذا العطف على التوهم، إلا أن قولهم: إدخال حرف الجر على مصلحين أقرب من تغيير تركيب الجملة بأسرها، والقراءة من تغيير تركيب الجملة السابقة بأسرها، ونظير ذلك قوله:
4348 - أَجِدَّكَ لَنْ تَرَى بثُعَيْلبَاتٍ ... وَلاَ بَيْدَاءَ نَاجِيَةً ذَمُولاَ
وَلاَ مُتَدارِكٍ واللَّيْلُ طِفْلٌ ... بِبعْضِ نَوَاشِغِ الوَادِي حُصًُولاً
التقدير: لَسْتَ براءٍ ولا بمتداركٍ.
وهذا الذي قالاه سبقهما إليه الفَرَّاءُ فإِنه قال: «من جر السلاسل حمله على المعنى» ، إذ المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل.
الوجه الثاني: أنه عطف على «الحميم» ، فقدم على المعطوف عليه وسيأتي تقرير ذلك.
الثالث: أن الجر على تقدير إضمار الخافض ويؤيده قراءة أُبَيٍّ: «وفِي السَّلاَسِلِ» وقرأ غيره: وبالسَّلاَسِلِ وإلى هذا نحا الزجاج، إلاَّ أنَّ الأنباريِّ ردَّه وقال: لو قلت: «زيد في الدار» لم يحسن أن تضمر «في» فتقول: زيد (في) الدار ثم ذكر تأويل الفراء وخرج القراءة عليه. ثم قال: كما تقول: «خَاصَمَ عَبْد اللهِ زَيْداً العَاقِليْنِ» ، بنصب «العاقلين» ورفعه؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه الآخر.
وهذه المسألة ليست جارية على أصول البصريين، ونصّوا على منعها وإنما قال بها من الكوفيين ابْنُ (سَ) عْدَانَ.
وقال مَكيّ: وقد قرىء: والسَّلاَسلِ بالخفض على العطف على الأعناق، وهو غلط؛ لأنه يصير الأغلال في الأعناق وفي السلاسل ولا معنى للأغلال في السَّلاَسل؟
قال شهاب الدين: وقوله: على العطف على الأعناق ممنونع بل خفضه على ما تقدم. وقال أيضاً: وقيل: هو معطوف على «الحميم» وهو أيضاً لا يجوز؛ لأن المعطوف المخفوض، لا يتقدم على المعطوف عليه لو قلت: «مَرَرْتُ وَزَيْدٍ بِعَمْرو» لم يجز، وفي المرفوع يجوز، نحو: قَام وَزَيْدٌ عَمْرٌ، ويبعد في المنصوب لا يحسن رأيتُ وَزَيْداً عَمْراً، ولم يُجِزْهُ في المخفوض أحدٌ.
قال شهاب الدين: وظاهر كلامه أنهن يجوز في المرفوع منعه، وقد نصوا أنه لا يجوز إلا ضرورة بثلاثة شروط: أن لا يقع حرف العطف صدراً، وأن يكون العامل متصرفاً، وأن لا يكون المعطوف عليه مجروراً وأنشدوا:
4349 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ السَّلاَمُ
إلى غير ذلك من الشواهد مع تنصيصهم على أنه مختص بالضرورة. و «السَّلاَسِلُ» معروفة، قال الراغب: «وتَسَلْسَلَ الشيءُ اضطرب كأنه تُصُوِّر منه تسلسلٌ متردد فتردد لفظه تنبيهاً على تردد معناه. وماء سلسل متردد في مقره» .
والسَّحْبُ: الجر بمعنف، والسَّحابُ من ذلك لأن الريح تَجُرُّوهُ، أو لأنه يجر الماء، وسجرت التَّنُّورَ أي ملأته ناراً وهيجتها، ومنه البحر المسجور، أي المملوء، وقيل: المضطرب ناراً، وقال الشاعر (رحمة الله عليه) :
4350 - إِذَا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والشَّوْحَطَا
فمعشنى قوله تعالى هنا: ﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ أي يوقد بهم، كقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [التحريم: 6] والسَّجِيرةُ: الخليلُ الذي يَسْجُرُ في مَوَدَّة خليله، كقولهم: فُلاَنٌ يَحْتَرِقُ فِي مَوَدَّةِ فُلاَنٍ.
فصل
هذه كيفية عقابهم، والمعنى أنه يكون في أعناقهم أغلال وسلاسل ثم يسحبون بتلك السلاسل في الماء المُسَخَّنِ بنار جهنم، ثم تُوقَدُ بهم النار ﴿قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله﴾ يعني الأصنام ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي فقدناهم وغابوا عن عيوننا فلا نراهم، ثم قالوا: ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً﴾ أنكروا، كقولهم في سورة الأنعام: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] وقيل: معناه لم نكن ندعو من قبل شيئاً يضر وينفع. وقال الحسين بن الفضل: أي لم نكن نصنع من قبل شيئاً أي ضاعت عبادتنا لها كما يقول من ضاع عمله: «ما كنت أعمل شَيْئاً» .
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين﴾ قال القاضي: معناه أنه يُضِلُّهم عن طريق الجنة، ولا يجوز أن يقال: بضلهم عن الحجة، وقد هداهم في الدنيا، وقال ﴿يُضِلُّ الله الكافرين﴾ مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى أنهم لو نطلبوا الآلهة، أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.
قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أي ذلكم العذابُ الذي نزل بكم ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَبْطُرون وتَأشِرُنَ ﴿فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تفرحون وتختالون. وقيل: تفرحون من باب التجنيس المحرف، وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف.
قوله: ﴿ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ أي السبعة المقسومة لكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ المخصوص بالذم محذوف؛ أي جهنمُ أو مَثْوَاكُمْ، ولم يقل: فبئس مدخل؛ لأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم الثّواء، فلذلك خصه بالذم، وإن كان أيضاً مذموماً.
غافر 40:75
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله﴾ الآيات. اعلم أنه تعالى عادَ إلى ذَمِّ الذين يجادلون في آيات الله، أي في إنكار آيات الله ودفعها والتكذيب بها، فعَجَّبَ تعالى منهم بقوله: ﴿أنى يُصْرَفُونَ﴾ ؟ كيف صُرِفُوا عن دين الحق وهذا كما يقول الرجل لمن لا يسمع نصحه: إلى أين يُذْهَبُ بك؟! تعجباً من غفلته.
قوله: «الذين كذبوا» ، يجوز فيه أوجه، أن يكون بدلاً من الموصول قبله، أو بياناً له أو نعتاً أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوباً على الذم، وعلى هذه الأوجه، فقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ جملة مستأنفة، سيقت للتهديد.
ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ودخول الفاء فيه واضح.
فصل
المعنى هم الذي كذبوا بالكتاب أي بالقرآن وبما أرسلنا به رسلنا من سائر الكتب؛ قيل: هم المشركون. وعن محمد بن سِيرِين وجماعة: أنها نزلت في القَدَرِيَّة.
قوله: ﴿إِذِ الأغلال﴾ فيه سؤال، هو أن «سوفَ» للاستقبال، و «إِذْ» للماضي، فقوله: ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ مثل قولك: سَوْفَ أَصُمُ أَمْسِ، والجواب: جوزوا في «إذ» هذه أن تكمون بمعنى «إذا» ؛ لأن العامل فيها محقق الاستقابل وهو فسوف يعلمون.
قالوا: وكما تقع «إذَا» موضع إِذْ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] كذلك تقع إِذْ مَوْقِعَهَا.
وقد مضى نَحْوٌ من هذا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾ [البقرة: 165] قالوا: والذي حسن هذا تيقن وقوع الفعل، فأخرج في صورة الماضي.
قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى إخْراج «إِذْ: عن موضوعها؛ بل هي باقية على دَلاَلتِهَا على المعنى، وهي منصوبة بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ نصب المفعول به، أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الأغلال في أعناقهم أيْ وقتَ سببِ الأغلال، وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا، كأنه قيل: سيعرفون وقت معاصيهم التي تَجْعَلُ الأغلال في أعناقهم وهو وجه واضح غاية ما فيه التصرفُ في إذ يجعلها. وهو وجه واضح غاية في ما فيه التصرف في إذ يجعلها مفعولاً بها. ولا يضر ذلك، فإن المعربين غالب أوقاتهم يقولون: منصوب» باذْكُرْ «مقُقَدَّراً، أو لا يكون حينئذ إلا مفعولاً به لاستحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي.
وجوز أن يكون منصوباً باذْكُرْ مقدراً، أي اذكر لهم وَقْتَ الإِغلال؛ ليخالفوا ويَنْزَجِرُوا، فهذه ثلاثة أوجه خيرها أوسطها.
قوله:» والسَّلاَسِلُ» العامة على رفعها، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه معطوف على الأغْلاَلِ. وأخبر عن النوعين بالجار، فالجال في نية التأخير والتقدير: إذ الأَغْلاَلُ والسَّلاَسِلُ في أعنقاهم.
الثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف لدلالة خبر الأول عليه.
الثالث: أنه مبتدأ أيضاً، وخبره الجملة من قوله: «يُسْحَبُونَ» ولا بُدَّ مِن ذكر ضمير يعود عليه منها، والتقدير: والسلاسل يُسْحَبُونَ بِهَا، حذف لِقُوَّة الدَّلالةِ عليه.
«فَيُسْحَبُونَ» مرفوع المحل على هذا الوجه. وأما الوجهيه المقتدمين فيجوز فيه النصب على الحال من الضمير المنويّ في الجار، ويجوز أن يكون مستأنفاً.
وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ مسعُودٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ وابْنُ وَثَّابٍ، والحسن في اختياره «والسَّلاَسِلَ» نصباً يَسْحَبُونَ بفتح الياء، مبنياً للفاعل، فيكون السلاسل مفعولاً مقدماً، ويكون قد عطف جملة فعلية على جملة اسمية.
قال ابن عباس في معنى هذه القراءة: إذا كانوا يَجُرُّونَهَا فهو أشد عليهم يكلفون ذلك ولا يطيقونه.
وقرأ ابن عباس وجماعة «والسَّلاَسِل» بالجر يُسْحَبُونَ مبنياً للمفعول وفيها ثلاثةُ تأويلاتٍ:
أحدها: الحمل على المعنى وتقديره إِذْ أَعْنَاقُهُم في الأغلالِ والسلاسلٍ فلما كان معنى الكلام على ذلك حمل عليه في العطف.
قال الزمخري: ووجه إنه لو قيل: «إِذْ أَعْنَاقُهُمْ في الأغلال مكان قوله: إِذ الأَغْلاَلُ في أعناقهم» لكان صحيحاً مستقيماً، فلما كانتا عبارتين مُعْتَقِبَتَيْنِ، حمل قوله: «والسلاسل» (عليه) على العبارة الأخرى. ونظيره:
4347 - مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشِيرةً ... وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا
كأنه قيل: بمصليحن.
وقرىء: بالسَّلاَسلِ. وقال ابن عطية: تقديره: إذا أعناقهم في الأغعلال والسلاسلِ فعطف على المراد من لكلام لا على ترتيب اللفظ؛ إذ ترتيبه فيه قل، وهو على حد قول العرب: أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ فِي رَأْسِي.
وفي مصحف أًُبيِّ: وفي السلاسِل يَسْحَبُونها. قال أبو حيان بعد قول ابن عطية والزمخشري المتقدم: ويمسى هذا العطف على التوهم، إلا أن قولهم: إدخال حرف الجر على مصلحين أقرب من تغيير تركيب الجملة بأسرها، والقراءة من تغيير تركيب الجملة السابقة بأسرها، ونظير ذلك قوله:
4348 - أَجِدَّكَ لَنْ تَرَى بثُعَيْلبَاتٍ ... وَلاَ بَيْدَاءَ نَاجِيَةً ذَمُولاَ
وَلاَ مُتَدارِكٍ واللَّيْلُ طِفْلٌ ... بِبعْضِ نَوَاشِغِ الوَادِي حُصًُولاً
التقدير: لَسْتَ براءٍ ولا بمتداركٍ.
وهذا الذي قالاه سبقهما إليه الفَرَّاءُ فإِنه قال: «من جر السلاسل حمله على المعنى» ، إذ المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل.
الوجه الثاني: أنه عطف على «الحميم» ، فقدم على المعطوف عليه وسيأتي تقرير ذلك.
الثالث: أن الجر على تقدير إضمار الخافض ويؤيده قراءة أُبَيٍّ: «وفِي السَّلاَسِلِ» وقرأ غيره: وبالسَّلاَسِلِ وإلى هذا نحا الزجاج، إلاَّ أنَّ الأنباريِّ ردَّه وقال: لو قلت: «زيد في الدار» لم يحسن أن تضمر «في» فتقول: زيد (في) الدار ثم ذكر تأويل الفراء وخرج القراءة عليه. ثم قال: كما تقول: «خَاصَمَ عَبْد اللهِ زَيْداً العَاقِليْنِ» ، بنصب «العاقلين» ورفعه؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه الآخر.
وهذه المسألة ليست جارية على أصول البصريين، ونصّوا على منعها وإنما قال بها من الكوفيين ابْنُ (سَ) عْدَانَ.
وقال مَكيّ: وقد قرىء: والسَّلاَسلِ بالخفض على العطف على الأعناق، وهو غلط؛ لأنه يصير الأغلال في الأعناق وفي السلاسل ولا معنى للأغلال في السَّلاَسل؟
قال شهاب الدين: وقوله: على العطف على الأعناق ممنونع بل خفضه على ما تقدم. وقال أيضاً: وقيل: هو معطوف على «الحميم» وهو أيضاً لا يجوز؛ لأن المعطوف المخفوض، لا يتقدم على المعطوف عليه لو قلت: «مَرَرْتُ وَزَيْدٍ بِعَمْرو» لم يجز، وفي المرفوع يجوز، نحو: قَام وَزَيْدٌ عَمْرٌ، ويبعد في المنصوب لا يحسن رأيتُ وَزَيْداً عَمْراً، ولم يُجِزْهُ في المخفوض أحدٌ.
قال شهاب الدين: وظاهر كلامه أنهن يجوز في المرفوع منعه، وقد نصوا أنه لا يجوز إلا ضرورة بثلاثة شروط: أن لا يقع حرف العطف صدراً، وأن يكون العامل متصرفاً، وأن لا يكون المعطوف عليه مجروراً وأنشدوا:
4349 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ السَّلاَمُ
إلى غير ذلك من الشواهد مع تنصيصهم على أنه مختص بالضرورة. و «السَّلاَسِلُ» معروفة، قال الراغب: «وتَسَلْسَلَ الشيءُ اضطرب كأنه تُصُوِّر منه تسلسلٌ متردد فتردد لفظه تنبيهاً على تردد معناه. وماء سلسل متردد في مقره» .
والسَّحْبُ: الجر بمعنف، والسَّحابُ من ذلك لأن الريح تَجُرُّوهُ، أو لأنه يجر الماء، وسجرت التَّنُّورَ أي ملأته ناراً وهيجتها، ومنه البحر المسجور، أي المملوء، وقيل: المضطرب ناراً، وقال الشاعر (رحمة الله عليه) :
4350 - إِذَا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والشَّوْحَطَا
فمعشنى قوله تعالى هنا: ﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ أي يوقد بهم، كقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [التحريم: 6] والسَّجِيرةُ: الخليلُ الذي يَسْجُرُ في مَوَدَّة خليله، كقولهم: فُلاَنٌ يَحْتَرِقُ فِي مَوَدَّةِ فُلاَنٍ.
فصل
هذه كيفية عقابهم، والمعنى أنه يكون في أعناقهم أغلال وسلاسل ثم يسحبون بتلك السلاسل في الماء المُسَخَّنِ بنار جهنم، ثم تُوقَدُ بهم النار ﴿قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله﴾ يعني الأصنام ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي فقدناهم وغابوا عن عيوننا فلا نراهم، ثم قالوا: ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً﴾ أنكروا، كقولهم في سورة الأنعام: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] وقيل: معناه لم نكن ندعو من قبل شيئاً يضر وينفع. وقال الحسين بن الفضل: أي لم نكن نصنع من قبل شيئاً أي ضاعت عبادتنا لها كما يقول من ضاع عمله: «ما كنت أعمل شَيْئاً» .
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين﴾ قال القاضي: معناه أنه يُضِلُّهم عن طريق الجنة، ولا يجوز أن يقال: بضلهم عن الحجة، وقد هداهم في الدنيا، وقال ﴿يُضِلُّ الله الكافرين﴾ مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى أنهم لو نطلبوا الآلهة، أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.
قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أي ذلكم العذابُ الذي نزل بكم ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَبْطُرون وتَأشِرُنَ ﴿فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تفرحون وتختالون. وقيل: تفرحون من باب التجنيس المحرف، وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف.
قوله: ﴿ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ أي السبعة المقسومة لكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ المخصوص بالذم محذوف؛ أي جهنمُ أو مَثْوَاكُمْ، ولم يقل: فبئس مدخل؛ لأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم الثّواء، فلذلك خصه بالذم، وإن كان أيضاً مذموماً.
غافر 40:76
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله﴾ الآيات. اعلم أنه تعالى عادَ إلى ذَمِّ الذين يجادلون في آيات الله، أي في إنكار آيات الله ودفعها والتكذيب بها، فعَجَّبَ تعالى منهم بقوله: ﴿أنى يُصْرَفُونَ﴾ ؟ كيف صُرِفُوا عن دين الحق وهذا كما يقول الرجل لمن لا يسمع نصحه: إلى أين يُذْهَبُ بك؟! تعجباً من غفلته.
قوله: «الذين كذبوا» ، يجوز فيه أوجه، أن يكون بدلاً من الموصول قبله، أو بياناً له أو نعتاً أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوباً على الذم، وعلى هذه الأوجه، فقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ جملة مستأنفة، سيقت للتهديد.
ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ودخول الفاء فيه واضح.
فصل
المعنى هم الذي كذبوا بالكتاب أي بالقرآن وبما أرسلنا به رسلنا من سائر الكتب؛ قيل: هم المشركون. وعن محمد بن سِيرِين وجماعة: أنها نزلت في القَدَرِيَّة.
قوله: ﴿إِذِ الأغلال﴾ فيه سؤال، هو أن «سوفَ» للاستقبال، و «إِذْ» للماضي، فقوله: ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ مثل قولك: سَوْفَ أَصُمُ أَمْسِ، والجواب: جوزوا في «إذ» هذه أن تكمون بمعنى «إذا» ؛ لأن العامل فيها محقق الاستقابل وهو فسوف يعلمون.
قالوا: وكما تقع «إذَا» موضع إِذْ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] كذلك تقع إِذْ مَوْقِعَهَا.
وقد مضى نَحْوٌ من هذا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾ [البقرة: 165] قالوا: والذي حسن هذا تيقن وقوع الفعل، فأخرج في صورة الماضي.
قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى إخْراج «إِذْ: عن موضوعها؛ بل هي باقية على دَلاَلتِهَا على المعنى، وهي منصوبة بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ نصب المفعول به، أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الأغلال في أعناقهم أيْ وقتَ سببِ الأغلال، وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا، كأنه قيل: سيعرفون وقت معاصيهم التي تَجْعَلُ الأغلال في أعناقهم وهو وجه واضح غاية ما فيه التصرفُ في إذ يجعلها. وهو وجه واضح غاية في ما فيه التصرف في إذ يجعلها مفعولاً بها. ولا يضر ذلك، فإن المعربين غالب أوقاتهم يقولون: منصوب» باذْكُرْ «مقُقَدَّراً، أو لا يكون حينئذ إلا مفعولاً به لاستحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي.
وجوز أن يكون منصوباً باذْكُرْ مقدراً، أي اذكر لهم وَقْتَ الإِغلال؛ ليخالفوا ويَنْزَجِرُوا، فهذه ثلاثة أوجه خيرها أوسطها.
قوله:» والسَّلاَسِلُ» العامة على رفعها، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه معطوف على الأغْلاَلِ. وأخبر عن النوعين بالجار، فالجال في نية التأخير والتقدير: إذ الأَغْلاَلُ والسَّلاَسِلُ في أعنقاهم.
الثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف لدلالة خبر الأول عليه.
الثالث: أنه مبتدأ أيضاً، وخبره الجملة من قوله: «يُسْحَبُونَ» ولا بُدَّ مِن ذكر ضمير يعود عليه منها، والتقدير: والسلاسل يُسْحَبُونَ بِهَا، حذف لِقُوَّة الدَّلالةِ عليه.
«فَيُسْحَبُونَ» مرفوع المحل على هذا الوجه. وأما الوجهيه المقتدمين فيجوز فيه النصب على الحال من الضمير المنويّ في الجار، ويجوز أن يكون مستأنفاً.
وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ مسعُودٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ وابْنُ وَثَّابٍ، والحسن في اختياره «والسَّلاَسِلَ» نصباً يَسْحَبُونَ بفتح الياء، مبنياً للفاعل، فيكون السلاسل مفعولاً مقدماً، ويكون قد عطف جملة فعلية على جملة اسمية.
قال ابن عباس في معنى هذه القراءة: إذا كانوا يَجُرُّونَهَا فهو أشد عليهم يكلفون ذلك ولا يطيقونه.
وقرأ ابن عباس وجماعة «والسَّلاَسِل» بالجر يُسْحَبُونَ مبنياً للمفعول وفيها ثلاثةُ تأويلاتٍ:
أحدها: الحمل على المعنى وتقديره إِذْ أَعْنَاقُهُم في الأغلالِ والسلاسلٍ فلما كان معنى الكلام على ذلك حمل عليه في العطف.
قال الزمخري: ووجه إنه لو قيل: «إِذْ أَعْنَاقُهُمْ في الأغلال مكان قوله: إِذ الأَغْلاَلُ في أعناقهم» لكان صحيحاً مستقيماً، فلما كانتا عبارتين مُعْتَقِبَتَيْنِ، حمل قوله: «والسلاسل» (عليه) على العبارة الأخرى. ونظيره:
4347 - مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشِيرةً ... وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا
كأنه قيل: بمصليحن.
وقرىء: بالسَّلاَسلِ. وقال ابن عطية: تقديره: إذا أعناقهم في الأغعلال والسلاسلِ فعطف على المراد من لكلام لا على ترتيب اللفظ؛ إذ ترتيبه فيه قل، وهو على حد قول العرب: أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ فِي رَأْسِي.
وفي مصحف أًُبيِّ: وفي السلاسِل يَسْحَبُونها. قال أبو حيان بعد قول ابن عطية والزمخشري المتقدم: ويمسى هذا العطف على التوهم، إلا أن قولهم: إدخال حرف الجر على مصلحين أقرب من تغيير تركيب الجملة بأسرها، والقراءة من تغيير تركيب الجملة السابقة بأسرها، ونظير ذلك قوله:
4348 - أَجِدَّكَ لَنْ تَرَى بثُعَيْلبَاتٍ ... وَلاَ بَيْدَاءَ نَاجِيَةً ذَمُولاَ
وَلاَ مُتَدارِكٍ واللَّيْلُ طِفْلٌ ... بِبعْضِ نَوَاشِغِ الوَادِي حُصًُولاً
التقدير: لَسْتَ براءٍ ولا بمتداركٍ.
وهذا الذي قالاه سبقهما إليه الفَرَّاءُ فإِنه قال: «من جر السلاسل حمله على المعنى» ، إذ المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل.
الوجه الثاني: أنه عطف على «الحميم» ، فقدم على المعطوف عليه وسيأتي تقرير ذلك.
الثالث: أن الجر على تقدير إضمار الخافض ويؤيده قراءة أُبَيٍّ: «وفِي السَّلاَسِلِ» وقرأ غيره: وبالسَّلاَسِلِ وإلى هذا نحا الزجاج، إلاَّ أنَّ الأنباريِّ ردَّه وقال: لو قلت: «زيد في الدار» لم يحسن أن تضمر «في» فتقول: زيد (في) الدار ثم ذكر تأويل الفراء وخرج القراءة عليه. ثم قال: كما تقول: «خَاصَمَ عَبْد اللهِ زَيْداً العَاقِليْنِ» ، بنصب «العاقلين» ورفعه؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه الآخر.
وهذه المسألة ليست جارية على أصول البصريين، ونصّوا على منعها وإنما قال بها من الكوفيين ابْنُ (سَ) عْدَانَ.
وقال مَكيّ: وقد قرىء: والسَّلاَسلِ بالخفض على العطف على الأعناق، وهو غلط؛ لأنه يصير الأغلال في الأعناق وفي السلاسل ولا معنى للأغلال في السَّلاَسل؟
قال شهاب الدين: وقوله: على العطف على الأعناق ممنونع بل خفضه على ما تقدم. وقال أيضاً: وقيل: هو معطوف على «الحميم» وهو أيضاً لا يجوز؛ لأن المعطوف المخفوض، لا يتقدم على المعطوف عليه لو قلت: «مَرَرْتُ وَزَيْدٍ بِعَمْرو» لم يجز، وفي المرفوع يجوز، نحو: قَام وَزَيْدٌ عَمْرٌ، ويبعد في المنصوب لا يحسن رأيتُ وَزَيْداً عَمْراً، ولم يُجِزْهُ في المخفوض أحدٌ.
قال شهاب الدين: وظاهر كلامه أنهن يجوز في المرفوع منعه، وقد نصوا أنه لا يجوز إلا ضرورة بثلاثة شروط: أن لا يقع حرف العطف صدراً، وأن يكون العامل متصرفاً، وأن لا يكون المعطوف عليه مجروراً وأنشدوا:
4349 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ السَّلاَمُ
إلى غير ذلك من الشواهد مع تنصيصهم على أنه مختص بالضرورة. و «السَّلاَسِلُ» معروفة، قال الراغب: «وتَسَلْسَلَ الشيءُ اضطرب كأنه تُصُوِّر منه تسلسلٌ متردد فتردد لفظه تنبيهاً على تردد معناه. وماء سلسل متردد في مقره» .
والسَّحْبُ: الجر بمعنف، والسَّحابُ من ذلك لأن الريح تَجُرُّوهُ، أو لأنه يجر الماء، وسجرت التَّنُّورَ أي ملأته ناراً وهيجتها، ومنه البحر المسجور، أي المملوء، وقيل: المضطرب ناراً، وقال الشاعر (رحمة الله عليه) :
4350 - إِذَا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والشَّوْحَطَا
فمعشنى قوله تعالى هنا: ﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ أي يوقد بهم، كقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [التحريم: 6] والسَّجِيرةُ: الخليلُ الذي يَسْجُرُ في مَوَدَّة خليله، كقولهم: فُلاَنٌ يَحْتَرِقُ فِي مَوَدَّةِ فُلاَنٍ.
فصل
هذه كيفية عقابهم، والمعنى أنه يكون في أعناقهم أغلال وسلاسل ثم يسحبون بتلك السلاسل في الماء المُسَخَّنِ بنار جهنم، ثم تُوقَدُ بهم النار ﴿قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله﴾ يعني الأصنام ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي فقدناهم وغابوا عن عيوننا فلا نراهم، ثم قالوا: ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً﴾ أنكروا، كقولهم في سورة الأنعام: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] وقيل: معناه لم نكن ندعو من قبل شيئاً يضر وينفع. وقال الحسين بن الفضل: أي لم نكن نصنع من قبل شيئاً أي ضاعت عبادتنا لها كما يقول من ضاع عمله: «ما كنت أعمل شَيْئاً» .
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين﴾ قال القاضي: معناه أنه يُضِلُّهم عن طريق الجنة، ولا يجوز أن يقال: بضلهم عن الحجة، وقد هداهم في الدنيا، وقال ﴿يُضِلُّ الله الكافرين﴾ مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى أنهم لو نطلبوا الآلهة، أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر.
قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أي ذلكم العذابُ الذي نزل بكم ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَبْطُرون وتَأشِرُنَ ﴿فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تفرحون وتختالون. وقيل: تفرحون من باب التجنيس المحرف، وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف.
قوله: ﴿ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ أي السبعة المقسومة لكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ المخصوص بالذم محذوف؛ أي جهنمُ أو مَثْوَاكُمْ، ولم يقل: فبئس مدخل؛ لأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم الثّواء، فلذلك خصه بالذم، وإن كان أيضاً مذموماً.
غافر 40:77
قوله تعالى: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ لما زَيَّفَ طريقة المجادلين في آيات الله تعالى أمر في هذه الآية رسوله بأن يصبرَ على أذاهم بسبب جدالهم، ثم قال: ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ . والمراد ما وعد الرسول نُصْرته، ومن إنزال العذاب على أعدائه.
قوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ قال الزمخشري: أصله: فَإِن نُرِكَ و «ما» مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ولذلك ألحقت النون بالفعل، ألا ترَاك تقول: «إنْ تُكرِمَنِّي أكْرِمْكَ، ولكن إِمَّا تُكْرِمَنِّي أُكْرِمْكَ» قال أبو حيان: «وما ذكره من تَلاَزُمِ النون، ما الزائدة، ليس مذهب سيبويه، إنما هو مذهب المبرد، والزجاج.
ونص سيبويه على التخيير، وقد تقدمت هذه القواعدُ مستوفاةً.
قوله: ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ ليس جواباً للشرط الأول، بل جواباً لما عطف عليه.
وجواب الأول محذوف. (قال الزمخشري:» فَإِلَيْنَا «متعلق بقوله» نَتَوفَّينَّكَ «وجواب نرينك محذوف) تقديره: فإن نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب والقتل يوم بدر، فذاك؛ وإنْ» نَتَوَفَّيَنَّكَ «قبل يوم بدر» فَإِلَيْنَا يُرجَعُونَ «فننتقم منهم أشدُّ الانتقام. وقد تقدم مثلُ هذا في سورة يونس. وبحثُ أبي حَيَّانَ مَعَهُ.
وقال أبو حيان هَهُنَا: وقال: جواب» إما نُرِيَنَّكَ «محذوف؛ لدلالة المعنى عليه أي فتقرّ عينك، ولا يصح أن يكون» فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ «جواباً للمعطوف عليه والمعطوف، لأن تركيبَ» فإما نُرينك بعض الذي نعدهم في حياتك فإلينا يرجعون «ليس بظاهر، وهو يصحُّ أن يكون جواب» أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ «أي فإِلينا يرجعون فننتقم منهم ونعذبهم، لكونهم يَتَّبِعُوكَ.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الذي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: 41 و42] . إلا أنه هنا صرح بجواب الشرط، قال شهاب الدين: وَهَذَا بعَيْنِهِ هو قولن الزمخشري. وقرأ السُّلَمِيُّ ويَعْقُوبُ: يَرْجِعُونَ بفتح ياء الغيبة مبنياً للفاعل، وابْنُ مِصْرِفٍ ويعقوبُ أيضاً بفتح الخطاب.
قوله: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا﴾ يجوز أن يكون» مِنْهُمْ «صفة» لِرُسُولاً «فيكون» مَنْ قَصَصْنَا «فاعلاً لاعتماده ويجوز أن يكون خبراً مقدماً، و» مَنْ «مبتدأ مؤخر.
ثم في الجملة وجهان:
أحدهما: الوصف» لِرُسُلاً «وهو الظاهر.
والثاني: الاستئناف.
فصل
معنى الآية قال لمحمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) ، أنت كالرسل من قبلك وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين وليس فيهم أحد أعطاه الله آياتٍ ومعجزاتٍ، إلا وقد جادله قومُه فيها وكَذَّبُوه فصبروا، وكانوا أبداً يقترحون على الأنبياء إظاهر المعجزات الزائدة علكى الحاجة عِناداً وعبثاً، ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ ، والله تعالى علم الصلاح في إظهار ما أظهروه، فلم يَقْدَحْ ذلك في نُبُوَّتِهِمْ، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم يكن إظهارها صلاحاً لا جَرَمَ ما أظهرناها.
ثم قال: ﴿جَآءَ أَمْرُ الله قُضِيَ بالحق﴾ أي فإذا جاء قضاءُ الله بين الأنبياء والأمم قضي بالحق ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون﴾ وهم المعاندون الذين يجادلون في آيات الله فيقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة تعنتاً وعبَثاً.
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأنعام ... ﴾ الآية. لما ذكر الوعيدَ عاد إلى ذِكر ما يدل على وجود الإِلَهِ القَادِرِ الحَكِيمِ، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاماً على العباد.
قال الزجاج: «الأَنْعَامُ الإِبل (خاصة) َ» ، وقال القاضي: هي الأزواج الثمانية. وقوله: «مِنْهَا ... . وَمِنْهَا» .
«من» الأولى يجوز أن تكونَ لِلتَّبْعِيض، إذ ليس كُلُّها تُرْكَبُ، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية إذ المرادُ بالأنعام شيءٌ خاصٌّ هي الإبل، قال الزجاج: لأنه لم يُعْهد المركوبُ غيرها» .
وأما الثانية فكالأولى. وقال ابن عطية: هي لبيان الجنس قال: لأن الخيل منها ولا تُؤْكَلُ.
فإن قيل: ما السَّبَبُ في إدخال لام العِوَض على قوله: «لِتَرْكَبُوا» وعلى قوله: «لِتَبْلُغُوا» ولم يدخل على البَوَاقِي؟ .
فالجواب: قال الزمخشري: الركوب في الحج والغزو إما أن يكون واجباً أو مندوباً، وأيضاً ركوبها لأجل حاجتهم، وهي الانتقال من بلدٍ إلى بلد آخر لطلب علم أو إقامة دين يكون إما واجباً أو مندوباً فهذان القسمان أغراض دينيةٍ، فلا جَرَمَ أدخل عليها حرف التعليل نظيره قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] فأدخل حرف التعليل على» الرُّكُوبِ «ولم يدخله على الزِّينَةِ.
قوله ﴿لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا﴾ أي بعضها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها ﴿وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ لحمل أثقالكم من بلد إلى بلد. قوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ﴾ أي على الإبل في البرِّ، وعلى السفن في البَحْرِ.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: في الفلك، كما قال: ﴿قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾ [هود: 40] ؟ .
فالجواب: كلمة على للاستِعْلاَء، فالشيء يُوضَع على الفلك كما صح أن يقال: وضع فيه صح أن يقال: وضع عليه ولما صح الوجهان كانت لفظةُ» عَلَى «أولى حتى يتم المزاوجة في قوله: ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ .
وقال بعضهم: إن لفظة» فِي «هناك ألْيَقُ؛ لأن سفينة نُوحٍ على ما قيل كانت مُطْبِقَةً عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء، وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح، لان الناس على ظهرها.
قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دلائل قدرته، وقوله: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله﴾ منصوب ب» تُنْكِرُونَ «وقدم وجوباً لأن له صدر الكلام. قال مكيّ: ولو كان مع الفعل هاءٌ لكان الاختيار الرفع في أي بخلافِ ألف الاستفهام تدخل على الاسم، وبعدها فعلٌ واقعٌ على ضمير الاسم فالاختيار النصب نحو قولك: أَزَيْداً ضَرَبْتَهُ، هذا مذهب سيبويه فرق بين الألف وبين» أي «يعني أنك إذا قُلْت: أَيّهُمْ ضَرَبْتَ؟ كان الاختيار الرفع؛ لأنه لا يُحْوجُ إلى إضمار مع أن الاستفهام موجود وفي» «أَزَيْداً ضَرَبْتَهُ» يختار النصب لأجل الاستفهام فكان مقتضاه اختيار النصب أيضاً فيما إذا كان الاستفهام بنفس الاسم، والفرقب عَسِرٌ.
وقال الزمخشري: «فأَيَّ آيَاتِ» جاءت على اللغة المسفيضة وقولك: فأيه آياتِ الله قليلةٌ؛ لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات، نحو: حِمَار، وحِمَارة غريب، وهو في أي أغرب (لإبهامه) قال أبو حيانَ (رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ) : وِمن قلة تأنيث أيَّ قولُه:
4351 - بأيِّ كتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ ... تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَيَّ وتَحْسِبُ
وقوله: وهو في «أي» أغرب إن عَنَى «أيًّا» على الإطلاق فليس بصحيح؛ لأن المستفيضَ في النِّداء أن يؤنث في نداء المؤنث كقوله تعالى: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة﴾ [الفجر: 27] ولا نعلم أحداً ذكر تذكيرها فيه فيقول: يأَيُّها المرأَةُ، إلا صاحب البَدِيع في النَّحْوِ. وإن عنَى غير المناداة فكلامه صحيح يقل تأنيثها في الاستفهام، وموصولة شرطية.
قال شهاب الدين: أما إذا وقعت صفةً لنكرة أو حالاً لمعرفة فالذي ينبغي أن يجُوزَ الوجهان كالموصولة ويكون التأنيث أقلّ نحو: مررتُ بامرأةٍ أَيَّةِ امرأة، وجَاءَتْ هِنْدٌ أَيَّةُ امْرَأَةٍ وكان ينبغي لأبي حَيَّانَ أن ينبه على هذين الفَرْعَيْنِ.
فصل
معنى قوله ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ﴾ أَيْ هذه الآيات التي عددناها كلها ظاهرة باهرة ليس في شيء منها ما يمكن إنكاره.
غافر 40:78
قوله تعالى: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ لما زَيَّفَ طريقة المجادلين في آيات الله تعالى أمر في هذه الآية رسوله بأن يصبرَ على أذاهم بسبب جدالهم، ثم قال: ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ . والمراد ما وعد الرسول نُصْرته، ومن إنزال العذاب على أعدائه.
قوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ قال الزمخشري: أصله: فَإِن نُرِكَ و «ما» مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ولذلك ألحقت النون بالفعل، ألا ترَاك تقول: «إنْ تُكرِمَنِّي أكْرِمْكَ، ولكن إِمَّا تُكْرِمَنِّي أُكْرِمْكَ» قال أبو حيان: «وما ذكره من تَلاَزُمِ النون، ما الزائدة، ليس مذهب سيبويه، إنما هو مذهب المبرد، والزجاج.
ونص سيبويه على التخيير، وقد تقدمت هذه القواعدُ مستوفاةً.
قوله: ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ ليس جواباً للشرط الأول، بل جواباً لما عطف عليه.
وجواب الأول محذوف. (قال الزمخشري:» فَإِلَيْنَا «متعلق بقوله» نَتَوفَّينَّكَ «وجواب نرينك محذوف) تقديره: فإن نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب والقتل يوم بدر، فذاك؛ وإنْ» نَتَوَفَّيَنَّكَ «قبل يوم بدر» فَإِلَيْنَا يُرجَعُونَ «فننتقم منهم أشدُّ الانتقام. وقد تقدم مثلُ هذا في سورة يونس. وبحثُ أبي حَيَّانَ مَعَهُ.
وقال أبو حيان هَهُنَا: وقال: جواب» إما نُرِيَنَّكَ «محذوف؛ لدلالة المعنى عليه أي فتقرّ عينك، ولا يصح أن يكون» فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ «جواباً للمعطوف عليه والمعطوف، لأن تركيبَ» فإما نُرينك بعض الذي نعدهم في حياتك فإلينا يرجعون «ليس بظاهر، وهو يصحُّ أن يكون جواب» أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ «أي فإِلينا يرجعون فننتقم منهم ونعذبهم، لكونهم يَتَّبِعُوكَ.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الذي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: 41 و42] . إلا أنه هنا صرح بجواب الشرط، قال شهاب الدين: وَهَذَا بعَيْنِهِ هو قولن الزمخشري. وقرأ السُّلَمِيُّ ويَعْقُوبُ: يَرْجِعُونَ بفتح ياء الغيبة مبنياً للفاعل، وابْنُ مِصْرِفٍ ويعقوبُ أيضاً بفتح الخطاب.
قوله: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا﴾ يجوز أن يكون» مِنْهُمْ «صفة» لِرُسُولاً «فيكون» مَنْ قَصَصْنَا «فاعلاً لاعتماده ويجوز أن يكون خبراً مقدماً، و» مَنْ «مبتدأ مؤخر.
ثم في الجملة وجهان:
أحدهما: الوصف» لِرُسُلاً «وهو الظاهر.
والثاني: الاستئناف.
فصل
معنى الآية قال لمحمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) ، أنت كالرسل من قبلك وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين وليس فيهم أحد أعطاه الله آياتٍ ومعجزاتٍ، إلا وقد جادله قومُه فيها وكَذَّبُوه فصبروا، وكانوا أبداً يقترحون على الأنبياء إظاهر المعجزات الزائدة علكى الحاجة عِناداً وعبثاً، ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ ، والله تعالى علم الصلاح في إظهار ما أظهروه، فلم يَقْدَحْ ذلك في نُبُوَّتِهِمْ، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم يكن إظهارها صلاحاً لا جَرَمَ ما أظهرناها.
ثم قال: ﴿جَآءَ أَمْرُ الله قُضِيَ بالحق﴾ أي فإذا جاء قضاءُ الله بين الأنبياء والأمم قضي بالحق ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون﴾ وهم المعاندون الذين يجادلون في آيات الله فيقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة تعنتاً وعبَثاً.
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأنعام ... ﴾ الآية. لما ذكر الوعيدَ عاد إلى ذِكر ما يدل على وجود الإِلَهِ القَادِرِ الحَكِيمِ، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاماً على العباد.
قال الزجاج: «الأَنْعَامُ الإِبل (خاصة) َ» ، وقال القاضي: هي الأزواج الثمانية. وقوله: «مِنْهَا ... . وَمِنْهَا» .
«من» الأولى يجوز أن تكونَ لِلتَّبْعِيض، إذ ليس كُلُّها تُرْكَبُ، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية إذ المرادُ بالأنعام شيءٌ خاصٌّ هي الإبل، قال الزجاج: لأنه لم يُعْهد المركوبُ غيرها» .
وأما الثانية فكالأولى. وقال ابن عطية: هي لبيان الجنس قال: لأن الخيل منها ولا تُؤْكَلُ.
فإن قيل: ما السَّبَبُ في إدخال لام العِوَض على قوله: «لِتَرْكَبُوا» وعلى قوله: «لِتَبْلُغُوا» ولم يدخل على البَوَاقِي؟ .
فالجواب: قال الزمخشري: الركوب في الحج والغزو إما أن يكون واجباً أو مندوباً، وأيضاً ركوبها لأجل حاجتهم، وهي الانتقال من بلدٍ إلى بلد آخر لطلب علم أو إقامة دين يكون إما واجباً أو مندوباً فهذان القسمان أغراض دينيةٍ، فلا جَرَمَ أدخل عليها حرف التعليل نظيره قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] فأدخل حرف التعليل على» الرُّكُوبِ «ولم يدخله على الزِّينَةِ.
قوله ﴿لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا﴾ أي بعضها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها ﴿وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ لحمل أثقالكم من بلد إلى بلد. قوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ﴾ أي على الإبل في البرِّ، وعلى السفن في البَحْرِ.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: في الفلك، كما قال: ﴿قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾ [هود: 40] ؟ .
فالجواب: كلمة على للاستِعْلاَء، فالشيء يُوضَع على الفلك كما صح أن يقال: وضع فيه صح أن يقال: وضع عليه ولما صح الوجهان كانت لفظةُ» عَلَى «أولى حتى يتم المزاوجة في قوله: ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ .
وقال بعضهم: إن لفظة» فِي «هناك ألْيَقُ؛ لأن سفينة نُوحٍ على ما قيل كانت مُطْبِقَةً عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء، وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح، لان الناس على ظهرها.
قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دلائل قدرته، وقوله: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله﴾ منصوب ب» تُنْكِرُونَ «وقدم وجوباً لأن له صدر الكلام. قال مكيّ: ولو كان مع الفعل هاءٌ لكان الاختيار الرفع في أي بخلافِ ألف الاستفهام تدخل على الاسم، وبعدها فعلٌ واقعٌ على ضمير الاسم فالاختيار النصب نحو قولك: أَزَيْداً ضَرَبْتَهُ، هذا مذهب سيبويه فرق بين الألف وبين» أي «يعني أنك إذا قُلْت: أَيّهُمْ ضَرَبْتَ؟ كان الاختيار الرفع؛ لأنه لا يُحْوجُ إلى إضمار مع أن الاستفهام موجود وفي» «أَزَيْداً ضَرَبْتَهُ» يختار النصب لأجل الاستفهام فكان مقتضاه اختيار النصب أيضاً فيما إذا كان الاستفهام بنفس الاسم، والفرقب عَسِرٌ.
وقال الزمخشري: «فأَيَّ آيَاتِ» جاءت على اللغة المسفيضة وقولك: فأيه آياتِ الله قليلةٌ؛ لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات، نحو: حِمَار، وحِمَارة غريب، وهو في أي أغرب (لإبهامه) قال أبو حيانَ (رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ) : وِمن قلة تأنيث أيَّ قولُه:
4351 - بأيِّ كتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ ... تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَيَّ وتَحْسِبُ
وقوله: وهو في «أي» أغرب إن عَنَى «أيًّا» على الإطلاق فليس بصحيح؛ لأن المستفيضَ في النِّداء أن يؤنث في نداء المؤنث كقوله تعالى: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة﴾ [الفجر: 27] ولا نعلم أحداً ذكر تذكيرها فيه فيقول: يأَيُّها المرأَةُ، إلا صاحب البَدِيع في النَّحْوِ. وإن عنَى غير المناداة فكلامه صحيح يقل تأنيثها في الاستفهام، وموصولة شرطية.
قال شهاب الدين: أما إذا وقعت صفةً لنكرة أو حالاً لمعرفة فالذي ينبغي أن يجُوزَ الوجهان كالموصولة ويكون التأنيث أقلّ نحو: مررتُ بامرأةٍ أَيَّةِ امرأة، وجَاءَتْ هِنْدٌ أَيَّةُ امْرَأَةٍ وكان ينبغي لأبي حَيَّانَ أن ينبه على هذين الفَرْعَيْنِ.
فصل
معنى قوله ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ﴾ أَيْ هذه الآيات التي عددناها كلها ظاهرة باهرة ليس في شيء منها ما يمكن إنكاره.
غافر 40:79
قوله تعالى: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ لما زَيَّفَ طريقة المجادلين في آيات الله تعالى أمر في هذه الآية رسوله بأن يصبرَ على أذاهم بسبب جدالهم، ثم قال: ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ . والمراد ما وعد الرسول نُصْرته، ومن إنزال العذاب على أعدائه.
قوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ قال الزمخشري: أصله: فَإِن نُرِكَ و «ما» مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ولذلك ألحقت النون بالفعل، ألا ترَاك تقول: «إنْ تُكرِمَنِّي أكْرِمْكَ، ولكن إِمَّا تُكْرِمَنِّي أُكْرِمْكَ» قال أبو حيان: «وما ذكره من تَلاَزُمِ النون، ما الزائدة، ليس مذهب سيبويه، إنما هو مذهب المبرد، والزجاج.
ونص سيبويه على التخيير، وقد تقدمت هذه القواعدُ مستوفاةً.
قوله: ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ ليس جواباً للشرط الأول، بل جواباً لما عطف عليه.
وجواب الأول محذوف. (قال الزمخشري:» فَإِلَيْنَا «متعلق بقوله» نَتَوفَّينَّكَ «وجواب نرينك محذوف) تقديره: فإن نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب والقتل يوم بدر، فذاك؛ وإنْ» نَتَوَفَّيَنَّكَ «قبل يوم بدر» فَإِلَيْنَا يُرجَعُونَ «فننتقم منهم أشدُّ الانتقام. وقد تقدم مثلُ هذا في سورة يونس. وبحثُ أبي حَيَّانَ مَعَهُ.
وقال أبو حيان هَهُنَا: وقال: جواب» إما نُرِيَنَّكَ «محذوف؛ لدلالة المعنى عليه أي فتقرّ عينك، ولا يصح أن يكون» فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ «جواباً للمعطوف عليه والمعطوف، لأن تركيبَ» فإما نُرينك بعض الذي نعدهم في حياتك فإلينا يرجعون «ليس بظاهر، وهو يصحُّ أن يكون جواب» أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ «أي فإِلينا يرجعون فننتقم منهم ونعذبهم، لكونهم يَتَّبِعُوكَ.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الذي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: 41 و42] . إلا أنه هنا صرح بجواب الشرط، قال شهاب الدين: وَهَذَا بعَيْنِهِ هو قولن الزمخشري. وقرأ السُّلَمِيُّ ويَعْقُوبُ: يَرْجِعُونَ بفتح ياء الغيبة مبنياً للفاعل، وابْنُ مِصْرِفٍ ويعقوبُ أيضاً بفتح الخطاب.
قوله: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا﴾ يجوز أن يكون» مِنْهُمْ «صفة» لِرُسُولاً «فيكون» مَنْ قَصَصْنَا «فاعلاً لاعتماده ويجوز أن يكون خبراً مقدماً، و» مَنْ «مبتدأ مؤخر.
ثم في الجملة وجهان:
أحدهما: الوصف» لِرُسُلاً «وهو الظاهر.
والثاني: الاستئناف.
فصل
معنى الآية قال لمحمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) ، أنت كالرسل من قبلك وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين وليس فيهم أحد أعطاه الله آياتٍ ومعجزاتٍ، إلا وقد جادله قومُه فيها وكَذَّبُوه فصبروا، وكانوا أبداً يقترحون على الأنبياء إظاهر المعجزات الزائدة علكى الحاجة عِناداً وعبثاً، ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ ، والله تعالى علم الصلاح في إظهار ما أظهروه، فلم يَقْدَحْ ذلك في نُبُوَّتِهِمْ، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم يكن إظهارها صلاحاً لا جَرَمَ ما أظهرناها.
ثم قال: ﴿جَآءَ أَمْرُ الله قُضِيَ بالحق﴾ أي فإذا جاء قضاءُ الله بين الأنبياء والأمم قضي بالحق ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون﴾ وهم المعاندون الذين يجادلون في آيات الله فيقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة تعنتاً وعبَثاً.
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأنعام ... ﴾ الآية. لما ذكر الوعيدَ عاد إلى ذِكر ما يدل على وجود الإِلَهِ القَادِرِ الحَكِيمِ، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاماً على العباد.
قال الزجاج: «الأَنْعَامُ الإِبل (خاصة) َ» ، وقال القاضي: هي الأزواج الثمانية. وقوله: «مِنْهَا ... . وَمِنْهَا» .
«من» الأولى يجوز أن تكونَ لِلتَّبْعِيض، إذ ليس كُلُّها تُرْكَبُ، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية إذ المرادُ بالأنعام شيءٌ خاصٌّ هي الإبل، قال الزجاج: لأنه لم يُعْهد المركوبُ غيرها» .
وأما الثانية فكالأولى. وقال ابن عطية: هي لبيان الجنس قال: لأن الخيل منها ولا تُؤْكَلُ.
فإن قيل: ما السَّبَبُ في إدخال لام العِوَض على قوله: «لِتَرْكَبُوا» وعلى قوله: «لِتَبْلُغُوا» ولم يدخل على البَوَاقِي؟ .
فالجواب: قال الزمخشري: الركوب في الحج والغزو إما أن يكون واجباً أو مندوباً، وأيضاً ركوبها لأجل حاجتهم، وهي الانتقال من بلدٍ إلى بلد آخر لطلب علم أو إقامة دين يكون إما واجباً أو مندوباً فهذان القسمان أغراض دينيةٍ، فلا جَرَمَ أدخل عليها حرف التعليل نظيره قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] فأدخل حرف التعليل على» الرُّكُوبِ «ولم يدخله على الزِّينَةِ.
قوله ﴿لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا﴾ أي بعضها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها ﴿وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ لحمل أثقالكم من بلد إلى بلد. قوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ﴾ أي على الإبل في البرِّ، وعلى السفن في البَحْرِ.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: في الفلك، كما قال: ﴿قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾ [هود: 40] ؟ .
فالجواب: كلمة على للاستِعْلاَء، فالشيء يُوضَع على الفلك كما صح أن يقال: وضع فيه صح أن يقال: وضع عليه ولما صح الوجهان كانت لفظةُ» عَلَى «أولى حتى يتم المزاوجة في قوله: ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ .
وقال بعضهم: إن لفظة» فِي «هناك ألْيَقُ؛ لأن سفينة نُوحٍ على ما قيل كانت مُطْبِقَةً عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء، وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح، لان الناس على ظهرها.
قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دلائل قدرته، وقوله: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله﴾ منصوب ب» تُنْكِرُونَ «وقدم وجوباً لأن له صدر الكلام. قال مكيّ: ولو كان مع الفعل هاءٌ لكان الاختيار الرفع في أي بخلافِ ألف الاستفهام تدخل على الاسم، وبعدها فعلٌ واقعٌ على ضمير الاسم فالاختيار النصب نحو قولك: أَزَيْداً ضَرَبْتَهُ، هذا مذهب سيبويه فرق بين الألف وبين» أي «يعني أنك إذا قُلْت: أَيّهُمْ ضَرَبْتَ؟ كان الاختيار الرفع؛ لأنه لا يُحْوجُ إلى إضمار مع أن الاستفهام موجود وفي» «أَزَيْداً ضَرَبْتَهُ» يختار النصب لأجل الاستفهام فكان مقتضاه اختيار النصب أيضاً فيما إذا كان الاستفهام بنفس الاسم، والفرقب عَسِرٌ.
وقال الزمخشري: «فأَيَّ آيَاتِ» جاءت على اللغة المسفيضة وقولك: فأيه آياتِ الله قليلةٌ؛ لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات، نحو: حِمَار، وحِمَارة غريب، وهو في أي أغرب (لإبهامه) قال أبو حيانَ (رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ) : وِمن قلة تأنيث أيَّ قولُه:
4351 - بأيِّ كتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ ... تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَيَّ وتَحْسِبُ
وقوله: وهو في «أي» أغرب إن عَنَى «أيًّا» على الإطلاق فليس بصحيح؛ لأن المستفيضَ في النِّداء أن يؤنث في نداء المؤنث كقوله تعالى: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة﴾ [الفجر: 27] ولا نعلم أحداً ذكر تذكيرها فيه فيقول: يأَيُّها المرأَةُ، إلا صاحب البَدِيع في النَّحْوِ. وإن عنَى غير المناداة فكلامه صحيح يقل تأنيثها في الاستفهام، وموصولة شرطية.
قال شهاب الدين: أما إذا وقعت صفةً لنكرة أو حالاً لمعرفة فالذي ينبغي أن يجُوزَ الوجهان كالموصولة ويكون التأنيث أقلّ نحو: مررتُ بامرأةٍ أَيَّةِ امرأة، وجَاءَتْ هِنْدٌ أَيَّةُ امْرَأَةٍ وكان ينبغي لأبي حَيَّانَ أن ينبه على هذين الفَرْعَيْنِ.
فصل
معنى قوله ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ﴾ أَيْ هذه الآيات التي عددناها كلها ظاهرة باهرة ليس في شيء منها ما يمكن إنكاره.
غافر 40:80
قوله تعالى: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ لما زَيَّفَ طريقة المجادلين في آيات الله تعالى أمر في هذه الآية رسوله بأن يصبرَ على أذاهم بسبب جدالهم، ثم قال: ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ . والمراد ما وعد الرسول نُصْرته، ومن إنزال العذاب على أعدائه.
قوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ قال الزمخشري: أصله: فَإِن نُرِكَ و «ما» مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ولذلك ألحقت النون بالفعل، ألا ترَاك تقول: «إنْ تُكرِمَنِّي أكْرِمْكَ، ولكن إِمَّا تُكْرِمَنِّي أُكْرِمْكَ» قال أبو حيان: «وما ذكره من تَلاَزُمِ النون، ما الزائدة، ليس مذهب سيبويه، إنما هو مذهب المبرد، والزجاج.
ونص سيبويه على التخيير، وقد تقدمت هذه القواعدُ مستوفاةً.
قوله: ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ ليس جواباً للشرط الأول، بل جواباً لما عطف عليه.
وجواب الأول محذوف. (قال الزمخشري:» فَإِلَيْنَا «متعلق بقوله» نَتَوفَّينَّكَ «وجواب نرينك محذوف) تقديره: فإن نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب والقتل يوم بدر، فذاك؛ وإنْ» نَتَوَفَّيَنَّكَ «قبل يوم بدر» فَإِلَيْنَا يُرجَعُونَ «فننتقم منهم أشدُّ الانتقام. وقد تقدم مثلُ هذا في سورة يونس. وبحثُ أبي حَيَّانَ مَعَهُ.
وقال أبو حيان هَهُنَا: وقال: جواب» إما نُرِيَنَّكَ «محذوف؛ لدلالة المعنى عليه أي فتقرّ عينك، ولا يصح أن يكون» فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ «جواباً للمعطوف عليه والمعطوف، لأن تركيبَ» فإما نُرينك بعض الذي نعدهم في حياتك فإلينا يرجعون «ليس بظاهر، وهو يصحُّ أن يكون جواب» أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ «أي فإِلينا يرجعون فننتقم منهم ونعذبهم، لكونهم يَتَّبِعُوكَ.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الذي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: 41 و42] . إلا أنه هنا صرح بجواب الشرط، قال شهاب الدين: وَهَذَا بعَيْنِهِ هو قولن الزمخشري. وقرأ السُّلَمِيُّ ويَعْقُوبُ: يَرْجِعُونَ بفتح ياء الغيبة مبنياً للفاعل، وابْنُ مِصْرِفٍ ويعقوبُ أيضاً بفتح الخطاب.
قوله: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا﴾ يجوز أن يكون» مِنْهُمْ «صفة» لِرُسُولاً «فيكون» مَنْ قَصَصْنَا «فاعلاً لاعتماده ويجوز أن يكون خبراً مقدماً، و» مَنْ «مبتدأ مؤخر.
ثم في الجملة وجهان:
أحدهما: الوصف» لِرُسُلاً «وهو الظاهر.
والثاني: الاستئناف.
فصل
معنى الآية قال لمحمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) ، أنت كالرسل من قبلك وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين وليس فيهم أحد أعطاه الله آياتٍ ومعجزاتٍ، إلا وقد جادله قومُه فيها وكَذَّبُوه فصبروا، وكانوا أبداً يقترحون على الأنبياء إظاهر المعجزات الزائدة علكى الحاجة عِناداً وعبثاً، ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ ، والله تعالى علم الصلاح في إظهار ما أظهروه، فلم يَقْدَحْ ذلك في نُبُوَّتِهِمْ، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم يكن إظهارها صلاحاً لا جَرَمَ ما أظهرناها.
ثم قال: ﴿جَآءَ أَمْرُ الله قُضِيَ بالحق﴾ أي فإذا جاء قضاءُ الله بين الأنبياء والأمم قضي بالحق ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون﴾ وهم المعاندون الذين يجادلون في آيات الله فيقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة تعنتاً وعبَثاً.
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأنعام ... ﴾ الآية. لما ذكر الوعيدَ عاد إلى ذِكر ما يدل على وجود الإِلَهِ القَادِرِ الحَكِيمِ، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاماً على العباد.
قال الزجاج: «الأَنْعَامُ الإِبل (خاصة) َ» ، وقال القاضي: هي الأزواج الثمانية. وقوله: «مِنْهَا ... . وَمِنْهَا» .
«من» الأولى يجوز أن تكونَ لِلتَّبْعِيض، إذ ليس كُلُّها تُرْكَبُ، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية إذ المرادُ بالأنعام شيءٌ خاصٌّ هي الإبل، قال الزجاج: لأنه لم يُعْهد المركوبُ غيرها» .
وأما الثانية فكالأولى. وقال ابن عطية: هي لبيان الجنس قال: لأن الخيل منها ولا تُؤْكَلُ.
فإن قيل: ما السَّبَبُ في إدخال لام العِوَض على قوله: «لِتَرْكَبُوا» وعلى قوله: «لِتَبْلُغُوا» ولم يدخل على البَوَاقِي؟ .
فالجواب: قال الزمخشري: الركوب في الحج والغزو إما أن يكون واجباً أو مندوباً، وأيضاً ركوبها لأجل حاجتهم، وهي الانتقال من بلدٍ إلى بلد آخر لطلب علم أو إقامة دين يكون إما واجباً أو مندوباً فهذان القسمان أغراض دينيةٍ، فلا جَرَمَ أدخل عليها حرف التعليل نظيره قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] فأدخل حرف التعليل على» الرُّكُوبِ «ولم يدخله على الزِّينَةِ.
قوله ﴿لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا﴾ أي بعضها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها ﴿وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ لحمل أثقالكم من بلد إلى بلد. قوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ﴾ أي على الإبل في البرِّ، وعلى السفن في البَحْرِ.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: في الفلك، كما قال: ﴿قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾ [هود: 40] ؟ .
فالجواب: كلمة على للاستِعْلاَء، فالشيء يُوضَع على الفلك كما صح أن يقال: وضع فيه صح أن يقال: وضع عليه ولما صح الوجهان كانت لفظةُ» عَلَى «أولى حتى يتم المزاوجة في قوله: ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ .
وقال بعضهم: إن لفظة» فِي «هناك ألْيَقُ؛ لأن سفينة نُوحٍ على ما قيل كانت مُطْبِقَةً عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء، وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح، لان الناس على ظهرها.
قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دلائل قدرته، وقوله: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله﴾ منصوب ب» تُنْكِرُونَ «وقدم وجوباً لأن له صدر الكلام. قال مكيّ: ولو كان مع الفعل هاءٌ لكان الاختيار الرفع في أي بخلافِ ألف الاستفهام تدخل على الاسم، وبعدها فعلٌ واقعٌ على ضمير الاسم فالاختيار النصب نحو قولك: أَزَيْداً ضَرَبْتَهُ، هذا مذهب سيبويه فرق بين الألف وبين» أي «يعني أنك إذا قُلْت: أَيّهُمْ ضَرَبْتَ؟ كان الاختيار الرفع؛ لأنه لا يُحْوجُ إلى إضمار مع أن الاستفهام موجود وفي» «أَزَيْداً ضَرَبْتَهُ» يختار النصب لأجل الاستفهام فكان مقتضاه اختيار النصب أيضاً فيما إذا كان الاستفهام بنفس الاسم، والفرقب عَسِرٌ.
وقال الزمخشري: «فأَيَّ آيَاتِ» جاءت على اللغة المسفيضة وقولك: فأيه آياتِ الله قليلةٌ؛ لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات، نحو: حِمَار، وحِمَارة غريب، وهو في أي أغرب (لإبهامه) قال أبو حيانَ (رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ) : وِمن قلة تأنيث أيَّ قولُه:
4351 - بأيِّ كتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ ... تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَيَّ وتَحْسِبُ
وقوله: وهو في «أي» أغرب إن عَنَى «أيًّا» على الإطلاق فليس بصحيح؛ لأن المستفيضَ في النِّداء أن يؤنث في نداء المؤنث كقوله تعالى: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة﴾ [الفجر: 27] ولا نعلم أحداً ذكر تذكيرها فيه فيقول: يأَيُّها المرأَةُ، إلا صاحب البَدِيع في النَّحْوِ. وإن عنَى غير المناداة فكلامه صحيح يقل تأنيثها في الاستفهام، وموصولة شرطية.
قال شهاب الدين: أما إذا وقعت صفةً لنكرة أو حالاً لمعرفة فالذي ينبغي أن يجُوزَ الوجهان كالموصولة ويكون التأنيث أقلّ نحو: مررتُ بامرأةٍ أَيَّةِ امرأة، وجَاءَتْ هِنْدٌ أَيَّةُ امْرَأَةٍ وكان ينبغي لأبي حَيَّانَ أن ينبه على هذين الفَرْعَيْنِ.
فصل
معنى قوله ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ﴾ أَيْ هذه الآيات التي عددناها كلها ظاهرة باهرة ليس في شيء منها ما يمكن إنكاره.
غافر 40:81
قوله تعالى: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ لما زَيَّفَ طريقة المجادلين في آيات الله تعالى أمر في هذه الآية رسوله بأن يصبرَ على أذاهم بسبب جدالهم، ثم قال: ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ . والمراد ما وعد الرسول نُصْرته، ومن إنزال العذاب على أعدائه.
قوله: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ قال الزمخشري: أصله: فَإِن نُرِكَ و «ما» مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ولذلك ألحقت النون بالفعل، ألا ترَاك تقول: «إنْ تُكرِمَنِّي أكْرِمْكَ، ولكن إِمَّا تُكْرِمَنِّي أُكْرِمْكَ» قال أبو حيان: «وما ذكره من تَلاَزُمِ النون، ما الزائدة، ليس مذهب سيبويه، إنما هو مذهب المبرد، والزجاج.
ونص سيبويه على التخيير، وقد تقدمت هذه القواعدُ مستوفاةً.
قوله: ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ ليس جواباً للشرط الأول، بل جواباً لما عطف عليه.
وجواب الأول محذوف. (قال الزمخشري:» فَإِلَيْنَا «متعلق بقوله» نَتَوفَّينَّكَ «وجواب نرينك محذوف) تقديره: فإن نرينك بعض الذي نعدهم من العذاب والقتل يوم بدر، فذاك؛ وإنْ» نَتَوَفَّيَنَّكَ «قبل يوم بدر» فَإِلَيْنَا يُرجَعُونَ «فننتقم منهم أشدُّ الانتقام. وقد تقدم مثلُ هذا في سورة يونس. وبحثُ أبي حَيَّانَ مَعَهُ.
وقال أبو حيان هَهُنَا: وقال: جواب» إما نُرِيَنَّكَ «محذوف؛ لدلالة المعنى عليه أي فتقرّ عينك، ولا يصح أن يكون» فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ «جواباً للمعطوف عليه والمعطوف، لأن تركيبَ» فإما نُرينك بعض الذي نعدهم في حياتك فإلينا يرجعون «ليس بظاهر، وهو يصحُّ أن يكون جواب» أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ «أي فإِلينا يرجعون فننتقم منهم ونعذبهم، لكونهم يَتَّبِعُوكَ.
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الذي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: 41 و42] . إلا أنه هنا صرح بجواب الشرط، قال شهاب الدين: وَهَذَا بعَيْنِهِ هو قولن الزمخشري. وقرأ السُّلَمِيُّ ويَعْقُوبُ: يَرْجِعُونَ بفتح ياء الغيبة مبنياً للفاعل، وابْنُ مِصْرِفٍ ويعقوبُ أيضاً بفتح الخطاب.
قوله: ﴿مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا﴾ يجوز أن يكون» مِنْهُمْ «صفة» لِرُسُولاً «فيكون» مَنْ قَصَصْنَا «فاعلاً لاعتماده ويجوز أن يكون خبراً مقدماً، و» مَنْ «مبتدأ مؤخر.
ثم في الجملة وجهان:
أحدهما: الوصف» لِرُسُلاً «وهو الظاهر.
والثاني: الاستئناف.
فصل
معنى الآية قال لمحمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) ، أنت كالرسل من قبلك وقد ذكرنا حال بعضهم لك ولم نذكر حال الباقين وليس فيهم أحد أعطاه الله آياتٍ ومعجزاتٍ، إلا وقد جادله قومُه فيها وكَذَّبُوه فصبروا، وكانوا أبداً يقترحون على الأنبياء إظاهر المعجزات الزائدة علكى الحاجة عِناداً وعبثاً، ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ ، والله تعالى علم الصلاح في إظهار ما أظهروه، فلم يَقْدَحْ ذلك في نُبُوَّتِهِمْ، فكذلك الحال في اقتراح قومك عليك المعجزات الزائدة لما لم يكن إظهارها صلاحاً لا جَرَمَ ما أظهرناها.
ثم قال: ﴿جَآءَ أَمْرُ الله قُضِيَ بالحق﴾ أي فإذا جاء قضاءُ الله بين الأنبياء والأمم قضي بالحق ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون﴾ وهم المعاندون الذين يجادلون في آيات الله فيقترحون المعجزات الزائدة على قدر الحاجة تعنتاً وعبَثاً.
قوله تعالى: ﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الأنعام ... ﴾ الآية. لما ذكر الوعيدَ عاد إلى ذِكر ما يدل على وجود الإِلَهِ القَادِرِ الحَكِيمِ، وإلى ذكر ما يصلح أن يعد إنعاماً على العباد.
قال الزجاج: «الأَنْعَامُ الإِبل (خاصة) َ» ، وقال القاضي: هي الأزواج الثمانية. وقوله: «مِنْهَا ... . وَمِنْهَا» .
«من» الأولى يجوز أن تكونَ لِلتَّبْعِيض، إذ ليس كُلُّها تُرْكَبُ، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية إذ المرادُ بالأنعام شيءٌ خاصٌّ هي الإبل، قال الزجاج: لأنه لم يُعْهد المركوبُ غيرها» .
وأما الثانية فكالأولى. وقال ابن عطية: هي لبيان الجنس قال: لأن الخيل منها ولا تُؤْكَلُ.
فإن قيل: ما السَّبَبُ في إدخال لام العِوَض على قوله: «لِتَرْكَبُوا» وعلى قوله: «لِتَبْلُغُوا» ولم يدخل على البَوَاقِي؟ .
فالجواب: قال الزمخشري: الركوب في الحج والغزو إما أن يكون واجباً أو مندوباً، وأيضاً ركوبها لأجل حاجتهم، وهي الانتقال من بلدٍ إلى بلد آخر لطلب علم أو إقامة دين يكون إما واجباً أو مندوباً فهذان القسمان أغراض دينيةٍ، فلا جَرَمَ أدخل عليها حرف التعليل نظيره قوله تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] فأدخل حرف التعليل على» الرُّكُوبِ «ولم يدخله على الزِّينَةِ.
قوله ﴿لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا﴾ أي بعضها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها ﴿وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ لحمل أثقالكم من بلد إلى بلد. قوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ﴾ أي على الإبل في البرِّ، وعلى السفن في البَحْرِ.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يقل: في الفلك، كما قال: ﴿قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾ [هود: 40] ؟ .
فالجواب: كلمة على للاستِعْلاَء، فالشيء يُوضَع على الفلك كما صح أن يقال: وضع فيه صح أن يقال: وضع عليه ولما صح الوجهان كانت لفظةُ» عَلَى «أولى حتى يتم المزاوجة في قوله: ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ .
وقال بعضهم: إن لفظة» فِي «هناك ألْيَقُ؛ لأن سفينة نُوحٍ على ما قيل كانت مُطْبِقَةً عليهم وهي محيطة بهم كالوعاء، وأما غيرها فالاستعلاء فيه واضح، لان الناس على ظهرها.
قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دلائل قدرته، وقوله: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله﴾ منصوب ب» تُنْكِرُونَ «وقدم وجوباً لأن له صدر الكلام. قال مكيّ: ولو كان مع الفعل هاءٌ لكان الاختيار الرفع في أي بخلافِ ألف الاستفهام تدخل على الاسم، وبعدها فعلٌ واقعٌ على ضمير الاسم فالاختيار النصب نحو قولك: أَزَيْداً ضَرَبْتَهُ، هذا مذهب سيبويه فرق بين الألف وبين» أي «يعني أنك إذا قُلْت: أَيّهُمْ ضَرَبْتَ؟ كان الاختيار الرفع؛ لأنه لا يُحْوجُ إلى إضمار مع أن الاستفهام موجود وفي» «أَزَيْداً ضَرَبْتَهُ» يختار النصب لأجل الاستفهام فكان مقتضاه اختيار النصب أيضاً فيما إذا كان الاستفهام بنفس الاسم، والفرقب عَسِرٌ.
وقال الزمخشري: «فأَيَّ آيَاتِ» جاءت على اللغة المسفيضة وقولك: فأيه آياتِ الله قليلةٌ؛ لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء غير الصفات، نحو: حِمَار، وحِمَارة غريب، وهو في أي أغرب (لإبهامه) قال أبو حيانَ (رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ) : وِمن قلة تأنيث أيَّ قولُه:
4351 - بأيِّ كتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةٍ ... تَرَى حُبَّهُمْ عَاراً عَلَيَّ وتَحْسِبُ
وقوله: وهو في «أي» أغرب إن عَنَى «أيًّا» على الإطلاق فليس بصحيح؛ لأن المستفيضَ في النِّداء أن يؤنث في نداء المؤنث كقوله تعالى: ﴿ياأيتها النفس المطمئنة﴾ [الفجر: 27] ولا نعلم أحداً ذكر تذكيرها فيه فيقول: يأَيُّها المرأَةُ، إلا صاحب البَدِيع في النَّحْوِ. وإن عنَى غير المناداة فكلامه صحيح يقل تأنيثها في الاستفهام، وموصولة شرطية.
قال شهاب الدين: أما إذا وقعت صفةً لنكرة أو حالاً لمعرفة فالذي ينبغي أن يجُوزَ الوجهان كالموصولة ويكون التأنيث أقلّ نحو: مررتُ بامرأةٍ أَيَّةِ امرأة، وجَاءَتْ هِنْدٌ أَيَّةُ امْرَأَةٍ وكان ينبغي لأبي حَيَّانَ أن ينبه على هذين الفَرْعَيْنِ.
فصل
معنى قوله ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ﴾ أَيْ هذه الآيات التي عددناها كلها ظاهرة باهرة ليس في شيء منها ما يمكن إنكاره.
غافر 40:82
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ ... ﴾ معناه أن هؤلاء الكفار الذين يجادلون في آيات الله وحصل الكِبْر العظيم في صدورهم، إنما كان السبب في ذلك طلب الرياسة والتقديم على الغير في المال والجاه ومن ترك الانقياد على الحق طلباً لهذه الأشياء فقد باع الآخرة بالدنيا وهذه طريقة فاسدة؛ لأن الدنيا ذاهبة واحتج بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض ... ﴾ يعني لو ساروا في أطراف الارض لعرفوا أن عاقبة المتكبرين والمتمردين ليس إلا الهلاك والبَوَار مع أنهم كانوا أكثر عَدَداً وعِدَداً ومالاً من هؤلاء المتأخرين، فلما لم تُفِدْهُمْ تلك المُكْنَةُ العظيمة إلا الخَيْبَة والخَسَار فكيف حال هؤلاء الفقراء المساكين؟! .
قوله: ﴿فما أغنى عنهم﴾ يجوز في «ما» أن تكون نافية واستفهامية بمعنى النفي، ولا حاجة إليه وقوله «مَا كَانُوا» يجوز أن يكون «ما» مصدرية، ومحلها الرفع أي مَكْسُوبُهُمْ أو كَسْبُهُمْ ويجوز أن يكون بمعنى الذي فلا عائد على الأول وعلى الثاني هو محذوف أي يكسبونه وهي فاعل «بأَغْنَى» على التقديرين.
قوله: ﴿عِندَهُمْ مِّنَ العلم﴾ فيه أوجه:
أحدهما: أنه تهكم بهم، والمعنى ليْسَ عندهم عِلْم.
الثاني: أن ذلك جاء على زَعْمِهِمْ أنَّ عندهم علماً ينتفعون به.
الثالث: أن «مِنْ» بمعنى بدل أي بما عندهم من الدنيا بدل العلم.
الرابع: أن يكون الضمير للرسل، أي فَرِحَ الرسل بما عندهم من العلم.
الخامس: أن الأول للكفار، وأما الثاني لِلرسل، ومعناه فرح الكفار فَرَحَ ضَحِكٍ واستهزاءٍ بماعند الرسل من العلم؛ إذ لم يأخذوه بقبول ويمتثلوا أوامر الوحي ونواهيه. وقال الزمخشري: وَمِنْهَا أي من والوجوه أن يوضع قوله: ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ العلم﴾ مبالغة في نفي فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والمسرة مع تهكم بفَرْطِ خُلُوِّهم من العلم وجهلهم.
قال أبو حيان: ولا يعبر بالجملة الظاهر كونها مثبتة عن الجملة المنفية إلا في قليل من الكلام، نحو: «شَرٌّ أهَرَّ ذا ناب» على خلاف فيه، ولما آل أمره إلى الإثبات المحصور جاز. وأما في الآية فينبغي أن لا يحمل على القليل لأن في ذلك تخليطاً لمعاني الجمل المتباينة.
فصل
قال المفسرون: الضمير في قوله: «فَرِحُوا» يحتمل أن يكون عائداً على الكفار وأن يكون عائداً إلى الرسل فإن عاد إلى الكفار، فذلك العلم الذي فرحوا به قيل: هو الأشياء التي كانوا يسمونها علماً، وهي الشبهات المحكيّة عنهم في القرآن، كقولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ [الجاثية: 24] وقولهم: ﴿لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 184] وقولهم: ﴿مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78] ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾
[الكهف: 36] وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء، كما قال ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53] و [الروم: 32] وقيل: المراد علوم الفلاسفة فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغَّروا علوم الأنبياء عن علومهم كما روي عن سقراط أن سمع بمجيء أحد الأنبياء علهيم الصلاة والسلام فقيل له: لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهتدون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا. وقيل: المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7] ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ العلم﴾ [النجم: 30] فلما جاءت الرسل بعلوم الديانات ومعرفة الله تعالى، ومعرفة المعاد وتطهير النفس من الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزأوا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفائدة من علمهم ففرحوا به.
وإن عاد الضمير إلى الأنبياء ففيه وجهان:
الأول: أن يفرح الرُّسُلُ إِذَا رَأوا من قومهم جهلاً كاملاً وإعراضاً عن الحقِّ وعلموا سوء غَفْلَتِهِمْ وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم يفرحوا بما أوتوا من العلم، ويشركوا الله عليه «وَحَاقَ» بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.
الثاني: أن المراد أن الرسل فرحوا بما عندهم من العلم فَرَحَ ضَحِكٍ واستهزاء.
قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ أي عذابنا ﴿قالوا آمَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أي تبرأنا مما كنا نعدل بالله، البأسُ: شدة العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] . قوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾ يجوز رفع «إيمانهم» اسماً لكان، و «ويَنْفَعُهُمْ» جملة خبراً مقدماً، ويجوز أن يرتفع بأنهن فاعل ينفعهم، وفي كان ضمير الشأن.
وقد تقدم هذا محققاً في قوله: ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ [الأعراف: 137] وأنه ليس من باب التنازع. ودخل حرف النفي على الكون لا على النفي؛ لأنه بمعنى لا يصح ولا ينبغي، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] .
واعلم أن المراد بالوقت الذي لا ينفع الإيمان فيه هو وقت مُعَاينَة نزول ملائكة الرحمة وملائكة العذاب لأن في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى الإيمان فذلك الإيمان لاَ يَنْفَعُ.
قوله: ﴿سُنَّةَ الله﴾ يجوز انتصابها على المصدر المؤكد لمضمون الجملة يعني إن الذي فعل الله بهم سنة سابقة من الله، ويجوز انتصابها على التحذير، أي احذَرُوا سنة الله في المكذبين ﴿التي قد خلت في عباده﴾ ، وتلك السنة أنهم إذا عاينوا العذاب آمنوا ولا ينفعهم إيمانهم ﴿هُنَالِكَ الكافرون﴾ «هُنَالِكَ» في الأصل مكان. قيل: واستعير هنا للزمان، ولا حاجة فالمكانيةُ فيه ظاهرة، أي وخسر هُنَالِكَ الكافرون بذهاب الدارين.
قال الزَّجَّاجُ: «الكافر خاسر في كل وقت، وإنما يُبَيِّنُ لهم خسرانهم إذا رأوا العَذَاب» .
فصل
قال بن سيرين: رأى رجل في المنام سَبْعَ جوارٍ حِسَانٍ في مكان واحد لم ير أحْسَنَ منْهُنَّ فقال لهُنَّ: لِمَنْ أنتُنَّ؟ فقُلْنَ: لِمَنْ قَرَأَ آلَ حمَ.
(اللَّهم وفِّقنا لكتابك) (والله سبحانه وتعالى أعلم) .
سورة فصلت
غافر 40:83
قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ ... ﴾ معناه أن هؤلاء الكفار الذين يجادلون في آيات الله وحصل الكِبْر العظيم في صدورهم، إنما كان السبب في ذلك طلب الرياسة والتقديم على الغير في المال والجاه ومن ترك الانقياد على الحق طلباً لهذه الأشياء فقد باع الآخرة بالدنيا وهذه طريقة فاسدة؛ لأن الدنيا ذاهبة واحتج بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض ... ﴾ يعني لو ساروا في أطراف الارض لعرفوا أن عاقبة المتكبرين والمتمردين ليس إلا الهلاك والبَوَار مع أنهم كانوا أكثر عَدَداً وعِدَداً ومالاً من هؤلاء المتأخرين، فلما لم تُفِدْهُمْ تلك المُكْنَةُ العظيمة إلا الخَيْبَة والخَسَار فكيف حال هؤلاء الفقراء المساكين؟! .
قوله: ﴿فما أغنى عنهم﴾ يجوز في «ما» أن تكون نافية واستفهامية بمعنى النفي، ولا حاجة إليه وقوله «مَا كَانُوا» يجوز أن يكون «ما» مصدرية، ومحلها الرفع أي مَكْسُوبُهُمْ أو كَسْبُهُمْ ويجوز أن يكون بمعنى الذي فلا عائد على الأول وعلى الثاني هو محذوف أي يكسبونه وهي فاعل «بأَغْنَى» على التقديرين.
قوله: ﴿عِندَهُمْ مِّنَ العلم﴾ فيه أوجه:
أحدهما: أنه تهكم بهم، والمعنى ليْسَ عندهم عِلْم.
الثاني: أن ذلك جاء على زَعْمِهِمْ أنَّ عندهم علماً ينتفعون به.
الثالث: أن «مِنْ» بمعنى بدل أي بما عندهم من الدنيا بدل العلم.
الرابع: أن يكون الضمير للرسل، أي فَرِحَ الرسل بما عندهم من العلم.
الخامس: أن الأول للكفار، وأما الثاني لِلرسل، ومعناه فرح الكفار فَرَحَ ضَحِكٍ واستهزاءٍ بماعند الرسل من العلم؛ إذ لم يأخذوه بقبول ويمتثلوا أوامر الوحي ونواهيه. وقال الزمخشري: وَمِنْهَا أي من والوجوه أن يوضع قوله: ﴿فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ العلم﴾ مبالغة في نفي فرحهم بالوحي الموجب لأقصى الفرح والمسرة مع تهكم بفَرْطِ خُلُوِّهم من العلم وجهلهم.
قال أبو حيان: ولا يعبر بالجملة الظاهر كونها مثبتة عن الجملة المنفية إلا في قليل من الكلام، نحو: «شَرٌّ أهَرَّ ذا ناب» على خلاف فيه، ولما آل أمره إلى الإثبات المحصور جاز. وأما في الآية فينبغي أن لا يحمل على القليل لأن في ذلك تخليطاً لمعاني الجمل المتباينة.
فصل
قال المفسرون: الضمير في قوله: «فَرِحُوا» يحتمل أن يكون عائداً على الكفار وأن يكون عائداً إلى الرسل فإن عاد إلى الكفار، فذلك العلم الذي فرحوا به قيل: هو الأشياء التي كانوا يسمونها علماً، وهي الشبهات المحكيّة عنهم في القرآن، كقولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ [الجاثية: 24] وقولهم: ﴿لَوْ شَآءَ الله مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 184] وقولهم: ﴿مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78] ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾
[الكهف: 36] وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علوم الأنبياء، كما قال ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53] و [الروم: 32] وقيل: المراد علوم الفلاسفة فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغَّروا علوم الأنبياء عن علومهم كما روي عن سقراط أن سمع بمجيء أحد الأنبياء علهيم الصلاة والسلام فقيل له: لو هاجرت إليه فقال: نحن قوم مهتدون فلا حاجة بنا إلى من يهدينا. وقيل: المراد علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الحياة الدنيا وَهُمْ عَنِ الآخرة هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7] ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ العلم﴾ [النجم: 30] فلما جاءت الرسل بعلوم الديانات ومعرفة الله تعالى، ومعرفة المعاد وتطهير النفس من الرذائل لم يلتفتوا إليها واستهزأوا بها، واعتقدوا أنه لا علم أنفع وأجلب للفائدة من علمهم ففرحوا به.
وإن عاد الضمير إلى الأنبياء ففيه وجهان:
الأول: أن يفرح الرُّسُلُ إِذَا رَأوا من قومهم جهلاً كاملاً وإعراضاً عن الحقِّ وعلموا سوء غَفْلَتِهِمْ وما يلحقهم من العقوبة على جهلهم وإعراضهم يفرحوا بما أوتوا من العلم، ويشركوا الله عليه «وَحَاقَ» بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم.
الثاني: أن المراد أن الرسل فرحوا بما عندهم من العلم فَرَحَ ضَحِكٍ واستهزاء.
قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ أي عذابنا ﴿قالوا آمَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أي تبرأنا مما كنا نعدل بالله، البأسُ: شدة العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] . قوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾ يجوز رفع «إيمانهم» اسماً لكان، و «ويَنْفَعُهُمْ» جملة خبراً مقدماً، ويجوز أن يرتفع بأنهن فاعل ينفعهم، وفي كان ضمير الشأن.
وقد تقدم هذا محققاً في قوله: ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾ [الأعراف: 137] وأنه ليس من باب التنازع. ودخل حرف النفي على الكون لا على النفي؛ لأنه بمعنى لا يصح ولا ينبغي، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] .
واعلم أن المراد بالوقت الذي لا ينفع الإيمان فيه هو وقت مُعَاينَة نزول ملائكة الرحمة وملائكة العذاب لأن في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى الإيمان فذلك الإيمان لاَ يَنْفَعُ.
قوله: ﴿سُنَّةَ الله﴾ يجوز انتصابها على المصدر المؤكد لمضمون الجملة يعني إن الذي فعل الله بهم سنة سابقة من الله، ويجوز انتصابها على التحذير، أي احذَرُوا سنة الله في المكذبين ﴿التي قد خلت في عباده﴾ ، وتلك السنة أنهم إذا عاينوا العذاب آمنوا ولا ينفعهم إيمانهم ﴿هُنَالِكَ الكافرون﴾ «هُنَالِكَ» في الأصل مكان. قيل: واستعير هنا للزمان، ولا حاجة فالمكانيةُ فيه ظاهرة، أي وخسر هُنَالِكَ الكافرون بذهاب الدارين.
قال الزَّجَّاجُ: «الكافر خاسر في كل وقت، وإنما يُبَيِّنُ لهم خسرانهم إذا رأوا العَذَاب» .
فصل
قال بن سيرين: رأى رجل في المنام سَبْعَ جوارٍ حِسَانٍ في مكان واحد لم ير أحْسَنَ منْهُنَّ فقال لهُنَّ: لِمَنْ أنتُنَّ؟ فقُلْنَ: لِمَنْ قَرَأَ آلَ حمَ.
(اللَّهم وفِّقنا لكتابك) (والله سبحانه وتعالى أعلم) .
سورة فصلت