Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — فصلت 41:51 – الشورى 42:22

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. فصلت 41:51
  2. فصلت 41:52
  3. فصلت 41:53
  4. فصلت 41:54
  5. الشورى 42:1
  6. الشورى 42:2
  7. الشورى 42:3
  8. الشورى 42:4
  9. الشورى 42:5
  10. الشورى 42:6
  11. الشورى 42:7
  12. الشورى 42:8
  13. الشورى 42:9
  14. الشورى 42:10
  15. الشورى 42:11
  16. الشورى 42:12
  17. الشورى 42:13
  18. الشورى 42:14
  19. الشورى 42:15
  20. الشورى 42:16
  21. الشورى 42:17
  22. الشورى 42:18
  23. الشورى 42:19
  24. الشورى 42:20
  25. الشورى 42:21
  26. الشورى 42:22

فصلت 41:51

قوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ كقوله: «مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ» ومعناه: أنهم أيقنوا أنهم لا محيص لهم عن النار أي مهرب، وهذا ابتداء كلام من الله تعالى. قوله تعالى: ﴿اَّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير﴾ ... الآية لما بين تعالى من حال هؤلاء الكفار (أنهم) بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد لله في الدنيا تبرأُوا عن تلك الشركاء في الآخرة بين أن الإنسان في جميع الأوقات متغير الأحوال، فإن أحسَّ بخير وقدرة تعاظم، وإن أَحسَّ ببلاءٍ ومحنةٍ ذُلَّ. والمعنى أن الإنسان في حال الإقبال لا ينتهي إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها، وفي مجال الإدبار والحِرمان يصير آيساً قناطاً. وفي قوله ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ مُبالغةٌ من وجيهن: أحدهما: من طريق فعول. والثاني: من طريق التكرار. واليأس من صفة القلب، والقنوط أن يظهر آثار اليأس في الوجه والأحوال الظاهر. ثم بين تعالى أن الذين صار آيساً قانطاً لو عاودَتْهُ النعمة والدَّولة وهو قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} فِإنه يأتي بثلاثة أنواع من الأقوايل الفاسدة الموجبة للكفر والبعد عن الله. فالأول: قوله ﴿لَيَقُولَنَّ هذا لِي﴾ وهو جواب القسم لسبقه الشرط، وجواب الشرط محذوف كما تقدم تقريره. وقال أبو البقاء: ليقولن جواب الشرط والفاء محذوفة. قال شهاب الدين (رَحِمَهُ اللَّهُ) وهو لايجوز إلا في شعر كقوله: 4367 - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا..... ... ... ... ... ... ... . حتى إنَّ المبرد يمنعه في الشعر، ويروى البيت: 4368 - مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ فَالرَّحْمنُ يَشْكُرُهُ ... فصل معنى قوله: «هذَا لي» أي هذا حقي وصل إِليَّ؛ لأني استوجبته بعلمي وعملي، ولا يعلم المِسْكِنُ أن أحداً لا يستحق على الله شيئاً، لأنه إن كان عارياً من الفضائل، فلاكمه ظاهر الفساد، وإن كان موصوفاً بشيء من الفضائل والصفات الحميدة فهي إنما حصلت بفضل الله تعالى وإحسانه، فيثبتُ بهذا فساد قوله: إنما حصلت هذه الخيرات بسبب استحقاقي. النوع الثاني من كلامه الفاسد: قوله: ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً﴾ ، والمعنى أنه يكون شديد الرغبة في الدنيا عظيم النُّفرة عن الآخرة فإذا آل الأمرُ إلى أحوال الدنيا يقول: إنها لي، وإذا آل الأمر إلى الآخرة يقول: وَمَا أظُنُّّ السَّاعَةَ قَائِمَة. النوع الثالث: من كلامه الفساد: قوله: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ أي أن هذا الكافر يقول: لست على يقين من البعث وإن كان الأمر على ذلك ورُدِدْتُ إلى ربي إن لي عنده الحسنى أي الجنة، كما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة: ولما حكى الله عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ قال ابن عباس رضي الله عهما: لنوقفنّهم على مساوىء أعمالهم ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ وهذا في مقابلة قوله: ﴿إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ . ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه في الآفات حكى أفعاله أيضاً فقال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي أعرض عن التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله. ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي تعاظم، ثم إن مسه الضر والفقر أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع. ومعنى «عريض» كبير. والعرب تستعمل الطُّول والعَرْضَ في الكثرة، يقال: أَطَاللَ فلانٌ الكَلاَم والدعاءَ وأعْرَضَ أي أَكثَرَ. قوله تعالى: (قلْ أرَأيْتُمْ) تقدم الكلام عليها، ومفعولها الأول هنا محذوف، تقديره أرأيتم أنْفُسَكُمْ والثاني هو الجملة الاستفهامية. فصل ومعنى الآية إنكم لما سمعتم هذا القول القرآن أعرضتم عنه، وما تأملتهم فيه وبالغتم في النُّفرةِ عنه حتى قلتم قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه وفي آذننا وقر ومن المعلوم بالضرورة أنه ليس العلم بكون القرآن باطلاً وليس العلم فساد القول بالتوحيد والنبوة علماً بديهيًّا فقيل: الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً، وأن يكون فساداً، فتبقدير أن يكون صحيحاً كان إصراركم على دفعة من أعظم موجبات العقاب فيجب عليكم أن تتركوا هذه النفرة، وأن ترجعوا إلى النظر والاستدلال فإن دَلَّ دليل على صحته قَبِلْتُموهُ، وإن دل دليل على فساده تركتموه، وقبل الدليل فالإصرار على الدفع والإعراض بعيد عن العقل. فقوله: ﴿مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ موضوع موضع بيان حالهم وصفتهم. ولما ذكر هذه الوجوه الكثرة في تقرير التوحيد والنبوة آجاب عن شبهات المشركين فقال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ﴾ الآفاق جمع أفق وهو الناحية. نقل النَّوَوِيُّ في التهذيب قال أهل اللغة: الآفاق النَّواحِي، الواحد أفُق بضم الهمزة والفاء، وأُفْق بإسكان الفاء قال الشاعر (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4369 - لَوْ نَالَ حَيٌّ مِنَ الدُّنيا بِمَنْزِلَةٍ ... أُفْقَ السَّمَاءِ لَنَالَتْ كَفُّهُ الأْفُقَا وهو كأعناقٍ في عنق، أُبْدِلَتْ همزته ألفاً. ونقل الراغب أنه يقال: أَفَقٌ بفتح الهمزة والفاء فيكون كجبلٍ وأجبالٍ. وأفَقَ فلانٌ أي ذهب في الآفاق. والآفِقُ الذي بلغ نهاية الكرم تشبيهاً في ذلك بالذهاب في الآفاق. والنسبة إلى اأفق أَفَقيّ بفتحهما. ويحتمل أن نسب إلى المفتوح ثم استغنوا بذلك عن النسبة إلى المضموم، وله نظائر. قال النووي: قالوا: والنسبة إليه أُفُقيّ بضم الهمزة والفاء وبفتحهما لغتان مشهورتانِ. فصل قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) : معنى قوله سنريهنم آياتنا في الآفاق أي منازل الأمم الخالية وفي أنفسهم بالبلاء والأمراض. وقال قتادة: يعني وقائع الله تعالى في الأمم الخالية وفي أنفسهم يوم بدر. وقال مجاهد والحسن والسدي: ما يفتح الله من القُرى على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمسلمين وفي أنفسهم: فتح مكة. فإن قيل: حمل الآية على (هذا) الوجه بعيد؛ لأن أقصى ما في الباب أن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استولى على البلاد المحيطة بمكة ثم استولى على مكة إلا أن الاستيلاء على بعض البلاد لا يدل على كون المستولي محقاً فإنا نرى بعض الكفار قد يستولي على بلاد المسلمين وعلى مولكهم (وهذا يدل على كونهم) محقين. فالجواب: أنا لا نستدل بمجرد استيلاء محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ على تلك البلاد على كونه محقاً في ادعاء النبوة، بل يستدل به من حيث إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أخبر عن أنه سيستولي عليها ويقهر أهلها وهذا إخبار عن الغيب، وقند وقع مُخْبَره مطابقاً لخَبَرِهِ، فيكون هذا إخباراً صدقاً عن الغيب فيكون معجزاً فبهذا الطريق يستدل بحصول هذا الاستيلاء على كون هذا الدين حقاً. وقال عطاء وابن زيد: في الآفاق يعني أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم، وآيات الليل والنهار، والأضواء، والظلال والظلمات والنبات والأشجار والأنهار، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة، وبديع الحمكة، في كيفية تكوين الأجنة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة، والتركيبات الغريبة، كقوله: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21] يعني نريهم هذه الدلائل ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق﴾ من عند الله يعني محمداً صلى لله عليه وسلم، وأنه مرسل من عند الله. فإن قيل: هذا الوجه ضعيف، لأ، قوله تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾ يقتضي أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات إلى الآن وسيطلعهم عليها بعد ذلك، والآيات الموجودة في العالم الأعلى والأسفل قد أطلعهم علهيا قبل ذلك فيعتذر حمل اللفظ على هذا الوجه. فالجواب: أن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء إلا أن العجائب (التي أَوْدَعَهَا الله تعالى في هذه الأشياء مما لا نهاية لها فهو تعالى يطعلهم على تلك العجائب زماناً فزماناً؛ لأن كل أحد رأى بنية الإنسان وشاهدها، إلا أن العجائب) إلى أبدعها الله تعالى في تركيب هذا البدن كثيرة وأكثر الناس لا يعرفونها، والذي وقف على شيء منها كلَّما أزداد وقوفاً على تلك العجائب ازْدَاد يقينا وتعظيماً، وكذلك التركيبات (الفلكية أيضاً) . والأولى أن يقال: إن كان المراد بقوله: ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق﴾ وهو الرسول فقول مجاهد أولى وإن كان المراد به الدين والتوحيد فهذا أولى. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الباء مزيدة في الفاعل، وهذا هو الراجح، والمفعول محذوف، أي أَوَ لَمْ يكف ربُّك. وفي قوله: ﴿أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وجهان: أحدهما: أنه بدل من «بربك» فيكون مرفوع المحل، مجرور اللفظ كمتبوعه. والثاني: أن الأصل بأنه، تم حذف الجار فجرى الخلاف. الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون «بِرَبَّكَ» هو المفعول و «أنه» وما بعده هو الفاعل، أي أو لم يكف ربَّك شَهَادَته. وقرىء: «إنَّه على كلِّ» «بالكسر» ، وهو على إضمار القول أو على الأستئناف. فصل اعلم أن قوله «بِرَبِّك» في موضع الرفع على أنه فاعل كما تقدم ومعناه: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد، أي شهيداً على الأشياء لأنه خلق الدلائل الدالة عليها. وقال مقاتبل: أو لم يكفِ بربك شاهداً أن القرآن من الله عزَّ وجلَّ. قال الزجاج: معنى الكفاية ههنا أن الله عزَّ وجلَّ قد بين من الدلائل ما فيه كِفَاية. قوله: ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ﴾ أي في شك من البعث والقيامة. وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن في مُرْيَة بضم الميم وقد تقدم أنها لغة في المكسورة الميم. ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ﴾ أي عالم بكل المعلومات (التي لا نهاية لها فيعلم بواطن الكفر وظواهرهم ويجازي كل واحد على فعله) . فإن قيل: الإحاطة مشعرة بالنهاية، وهذا يقتضي أن يكون معلومه مُتَنَاهِياً! فالجواب: أن قوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ﴾ يقتضي أن يكون عمله بكل شيء محيطاً أي بكلّ واحد من الأشياء وهذا يقتضي أن يكون واحدٌ منها متناهياً لا كون مجموعها متناهياً والله أعلم. روى الثعلبي في تفسيره أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «من قرأ حم السجدة أعطاه الله من الأجر بكل حرف منها عَشرَ حَسَنَاتٍ» . سورة الشورى

فصلت 41:52

قوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ كقوله: «مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ» ومعناه: أنهم أيقنوا أنهم لا محيص لهم عن النار أي مهرب، وهذا ابتداء كلام من الله تعالى. قوله تعالى: ﴿اَّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير﴾ ... الآية لما بين تعالى من حال هؤلاء الكفار (أنهم) بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد لله في الدنيا تبرأُوا عن تلك الشركاء في الآخرة بين أن الإنسان في جميع الأوقات متغير الأحوال، فإن أحسَّ بخير وقدرة تعاظم، وإن أَحسَّ ببلاءٍ ومحنةٍ ذُلَّ. والمعنى أن الإنسان في حال الإقبال لا ينتهي إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها، وفي مجال الإدبار والحِرمان يصير آيساً قناطاً. وفي قوله ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ مُبالغةٌ من وجيهن: أحدهما: من طريق فعول. والثاني: من طريق التكرار. واليأس من صفة القلب، والقنوط أن يظهر آثار اليأس في الوجه والأحوال الظاهر. ثم بين تعالى أن الذين صار آيساً قانطاً لو عاودَتْهُ النعمة والدَّولة وهو قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} فِإنه يأتي بثلاثة أنواع من الأقوايل الفاسدة الموجبة للكفر والبعد عن الله. فالأول: قوله ﴿لَيَقُولَنَّ هذا لِي﴾ وهو جواب القسم لسبقه الشرط، وجواب الشرط محذوف كما تقدم تقريره. وقال أبو البقاء: ليقولن جواب الشرط والفاء محذوفة. قال شهاب الدين (رَحِمَهُ اللَّهُ) وهو لايجوز إلا في شعر كقوله: 4367 - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا..... ... ... ... ... ... ... . حتى إنَّ المبرد يمنعه في الشعر، ويروى البيت: 4368 - مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ فَالرَّحْمنُ يَشْكُرُهُ ... فصل معنى قوله: «هذَا لي» أي هذا حقي وصل إِليَّ؛ لأني استوجبته بعلمي وعملي، ولا يعلم المِسْكِنُ أن أحداً لا يستحق على الله شيئاً، لأنه إن كان عارياً من الفضائل، فلاكمه ظاهر الفساد، وإن كان موصوفاً بشيء من الفضائل والصفات الحميدة فهي إنما حصلت بفضل الله تعالى وإحسانه، فيثبتُ بهذا فساد قوله: إنما حصلت هذه الخيرات بسبب استحقاقي. النوع الثاني من كلامه الفاسد: قوله: ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً﴾ ، والمعنى أنه يكون شديد الرغبة في الدنيا عظيم النُّفرة عن الآخرة فإذا آل الأمرُ إلى أحوال الدنيا يقول: إنها لي، وإذا آل الأمر إلى الآخرة يقول: وَمَا أظُنُّّ السَّاعَةَ قَائِمَة. النوع الثالث: من كلامه الفساد: قوله: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ أي أن هذا الكافر يقول: لست على يقين من البعث وإن كان الأمر على ذلك ورُدِدْتُ إلى ربي إن لي عنده الحسنى أي الجنة، كما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة: ولما حكى الله عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ قال ابن عباس رضي الله عهما: لنوقفنّهم على مساوىء أعمالهم ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ وهذا في مقابلة قوله: ﴿إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ . ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه في الآفات حكى أفعاله أيضاً فقال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي أعرض عن التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله. ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي تعاظم، ثم إن مسه الضر والفقر أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع. ومعنى «عريض» كبير. والعرب تستعمل الطُّول والعَرْضَ في الكثرة، يقال: أَطَاللَ فلانٌ الكَلاَم والدعاءَ وأعْرَضَ أي أَكثَرَ. قوله تعالى: (قلْ أرَأيْتُمْ) تقدم الكلام عليها، ومفعولها الأول هنا محذوف، تقديره أرأيتم أنْفُسَكُمْ والثاني هو الجملة الاستفهامية. فصل ومعنى الآية إنكم لما سمعتم هذا القول القرآن أعرضتم عنه، وما تأملتهم فيه وبالغتم في النُّفرةِ عنه حتى قلتم قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه وفي آذننا وقر ومن المعلوم بالضرورة أنه ليس العلم بكون القرآن باطلاً وليس العلم فساد القول بالتوحيد والنبوة علماً بديهيًّا فقيل: الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً، وأن يكون فساداً، فتبقدير أن يكون صحيحاً كان إصراركم على دفعة من أعظم موجبات العقاب فيجب عليكم أن تتركوا هذه النفرة، وأن ترجعوا إلى النظر والاستدلال فإن دَلَّ دليل على صحته قَبِلْتُموهُ، وإن دل دليل على فساده تركتموه، وقبل الدليل فالإصرار على الدفع والإعراض بعيد عن العقل. فقوله: ﴿مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ موضوع موضع بيان حالهم وصفتهم. ولما ذكر هذه الوجوه الكثرة في تقرير التوحيد والنبوة آجاب عن شبهات المشركين فقال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ﴾ الآفاق جمع أفق وهو الناحية. نقل النَّوَوِيُّ في التهذيب قال أهل اللغة: الآفاق النَّواحِي، الواحد أفُق بضم الهمزة والفاء، وأُفْق بإسكان الفاء قال الشاعر (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4369 - لَوْ نَالَ حَيٌّ مِنَ الدُّنيا بِمَنْزِلَةٍ ... أُفْقَ السَّمَاءِ لَنَالَتْ كَفُّهُ الأْفُقَا وهو كأعناقٍ في عنق، أُبْدِلَتْ همزته ألفاً. ونقل الراغب أنه يقال: أَفَقٌ بفتح الهمزة والفاء فيكون كجبلٍ وأجبالٍ. وأفَقَ فلانٌ أي ذهب في الآفاق. والآفِقُ الذي بلغ نهاية الكرم تشبيهاً في ذلك بالذهاب في الآفاق. والنسبة إلى اأفق أَفَقيّ بفتحهما. ويحتمل أن نسب إلى المفتوح ثم استغنوا بذلك عن النسبة إلى المضموم، وله نظائر. قال النووي: قالوا: والنسبة إليه أُفُقيّ بضم الهمزة والفاء وبفتحهما لغتان مشهورتانِ. فصل قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) : معنى قوله سنريهنم آياتنا في الآفاق أي منازل الأمم الخالية وفي أنفسهم بالبلاء والأمراض. وقال قتادة: يعني وقائع الله تعالى في الأمم الخالية وفي أنفسهم يوم بدر. وقال مجاهد والحسن والسدي: ما يفتح الله من القُرى على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمسلمين وفي أنفسهم: فتح مكة. فإن قيل: حمل الآية على (هذا) الوجه بعيد؛ لأن أقصى ما في الباب أن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استولى على البلاد المحيطة بمكة ثم استولى على مكة إلا أن الاستيلاء على بعض البلاد لا يدل على كون المستولي محقاً فإنا نرى بعض الكفار قد يستولي على بلاد المسلمين وعلى مولكهم (وهذا يدل على كونهم) محقين. فالجواب: أنا لا نستدل بمجرد استيلاء محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ على تلك البلاد على كونه محقاً في ادعاء النبوة، بل يستدل به من حيث إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أخبر عن أنه سيستولي عليها ويقهر أهلها وهذا إخبار عن الغيب، وقند وقع مُخْبَره مطابقاً لخَبَرِهِ، فيكون هذا إخباراً صدقاً عن الغيب فيكون معجزاً فبهذا الطريق يستدل بحصول هذا الاستيلاء على كون هذا الدين حقاً. وقال عطاء وابن زيد: في الآفاق يعني أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم، وآيات الليل والنهار، والأضواء، والظلال والظلمات والنبات والأشجار والأنهار، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة، وبديع الحمكة، في كيفية تكوين الأجنة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة، والتركيبات الغريبة، كقوله: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21] يعني نريهم هذه الدلائل ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق﴾ من عند الله يعني محمداً صلى لله عليه وسلم، وأنه مرسل من عند الله. فإن قيل: هذا الوجه ضعيف، لأ، قوله تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾ يقتضي أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات إلى الآن وسيطلعهم عليها بعد ذلك، والآيات الموجودة في العالم الأعلى والأسفل قد أطلعهم علهيا قبل ذلك فيعتذر حمل اللفظ على هذا الوجه. فالجواب: أن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء إلا أن العجائب (التي أَوْدَعَهَا الله تعالى في هذه الأشياء مما لا نهاية لها فهو تعالى يطعلهم على تلك العجائب زماناً فزماناً؛ لأن كل أحد رأى بنية الإنسان وشاهدها، إلا أن العجائب) إلى أبدعها الله تعالى في تركيب هذا البدن كثيرة وأكثر الناس لا يعرفونها، والذي وقف على شيء منها كلَّما أزداد وقوفاً على تلك العجائب ازْدَاد يقينا وتعظيماً، وكذلك التركيبات (الفلكية أيضاً) . والأولى أن يقال: إن كان المراد بقوله: ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق﴾ وهو الرسول فقول مجاهد أولى وإن كان المراد به الدين والتوحيد فهذا أولى. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الباء مزيدة في الفاعل، وهذا هو الراجح، والمفعول محذوف، أي أَوَ لَمْ يكف ربُّك. وفي قوله: ﴿أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وجهان: أحدهما: أنه بدل من «بربك» فيكون مرفوع المحل، مجرور اللفظ كمتبوعه. والثاني: أن الأصل بأنه، تم حذف الجار فجرى الخلاف. الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون «بِرَبَّكَ» هو المفعول و «أنه» وما بعده هو الفاعل، أي أو لم يكف ربَّك شَهَادَته. وقرىء: «إنَّه على كلِّ» «بالكسر» ، وهو على إضمار القول أو على الأستئناف. فصل اعلم أن قوله «بِرَبِّك» في موضع الرفع على أنه فاعل كما تقدم ومعناه: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد، أي شهيداً على الأشياء لأنه خلق الدلائل الدالة عليها. وقال مقاتبل: أو لم يكفِ بربك شاهداً أن القرآن من الله عزَّ وجلَّ. قال الزجاج: معنى الكفاية ههنا أن الله عزَّ وجلَّ قد بين من الدلائل ما فيه كِفَاية. قوله: ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ﴾ أي في شك من البعث والقيامة. وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن في مُرْيَة بضم الميم وقد تقدم أنها لغة في المكسورة الميم. ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ﴾ أي عالم بكل المعلومات (التي لا نهاية لها فيعلم بواطن الكفر وظواهرهم ويجازي كل واحد على فعله) . فإن قيل: الإحاطة مشعرة بالنهاية، وهذا يقتضي أن يكون معلومه مُتَنَاهِياً! فالجواب: أن قوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ﴾ يقتضي أن يكون عمله بكل شيء محيطاً أي بكلّ واحد من الأشياء وهذا يقتضي أن يكون واحدٌ منها متناهياً لا كون مجموعها متناهياً والله أعلم. روى الثعلبي في تفسيره أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «من قرأ حم السجدة أعطاه الله من الأجر بكل حرف منها عَشرَ حَسَنَاتٍ» . سورة الشورى

فصلت 41:53

قوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ كقوله: «مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ» ومعناه: أنهم أيقنوا أنهم لا محيص لهم عن النار أي مهرب، وهذا ابتداء كلام من الله تعالى. قوله تعالى: ﴿اَّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير﴾ ... الآية لما بين تعالى من حال هؤلاء الكفار (أنهم) بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد لله في الدنيا تبرأُوا عن تلك الشركاء في الآخرة بين أن الإنسان في جميع الأوقات متغير الأحوال، فإن أحسَّ بخير وقدرة تعاظم، وإن أَحسَّ ببلاءٍ ومحنةٍ ذُلَّ. والمعنى أن الإنسان في حال الإقبال لا ينتهي إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها، وفي مجال الإدبار والحِرمان يصير آيساً قناطاً. وفي قوله ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ مُبالغةٌ من وجيهن: أحدهما: من طريق فعول. والثاني: من طريق التكرار. واليأس من صفة القلب، والقنوط أن يظهر آثار اليأس في الوجه والأحوال الظاهر. ثم بين تعالى أن الذين صار آيساً قانطاً لو عاودَتْهُ النعمة والدَّولة وهو قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} فِإنه يأتي بثلاثة أنواع من الأقوايل الفاسدة الموجبة للكفر والبعد عن الله. فالأول: قوله ﴿لَيَقُولَنَّ هذا لِي﴾ وهو جواب القسم لسبقه الشرط، وجواب الشرط محذوف كما تقدم تقريره. وقال أبو البقاء: ليقولن جواب الشرط والفاء محذوفة. قال شهاب الدين (رَحِمَهُ اللَّهُ) وهو لايجوز إلا في شعر كقوله: 4367 - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا..... ... ... ... ... ... ... . حتى إنَّ المبرد يمنعه في الشعر، ويروى البيت: 4368 - مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ فَالرَّحْمنُ يَشْكُرُهُ ... فصل معنى قوله: «هذَا لي» أي هذا حقي وصل إِليَّ؛ لأني استوجبته بعلمي وعملي، ولا يعلم المِسْكِنُ أن أحداً لا يستحق على الله شيئاً، لأنه إن كان عارياً من الفضائل، فلاكمه ظاهر الفساد، وإن كان موصوفاً بشيء من الفضائل والصفات الحميدة فهي إنما حصلت بفضل الله تعالى وإحسانه، فيثبتُ بهذا فساد قوله: إنما حصلت هذه الخيرات بسبب استحقاقي. النوع الثاني من كلامه الفاسد: قوله: ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً﴾ ، والمعنى أنه يكون شديد الرغبة في الدنيا عظيم النُّفرة عن الآخرة فإذا آل الأمرُ إلى أحوال الدنيا يقول: إنها لي، وإذا آل الأمر إلى الآخرة يقول: وَمَا أظُنُّّ السَّاعَةَ قَائِمَة. النوع الثالث: من كلامه الفساد: قوله: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ أي أن هذا الكافر يقول: لست على يقين من البعث وإن كان الأمر على ذلك ورُدِدْتُ إلى ربي إن لي عنده الحسنى أي الجنة، كما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة: ولما حكى الله عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ قال ابن عباس رضي الله عهما: لنوقفنّهم على مساوىء أعمالهم ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ وهذا في مقابلة قوله: ﴿إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ . ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه في الآفات حكى أفعاله أيضاً فقال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي أعرض عن التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله. ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي تعاظم، ثم إن مسه الضر والفقر أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع. ومعنى «عريض» كبير. والعرب تستعمل الطُّول والعَرْضَ في الكثرة، يقال: أَطَاللَ فلانٌ الكَلاَم والدعاءَ وأعْرَضَ أي أَكثَرَ. قوله تعالى: (قلْ أرَأيْتُمْ) تقدم الكلام عليها، ومفعولها الأول هنا محذوف، تقديره أرأيتم أنْفُسَكُمْ والثاني هو الجملة الاستفهامية. فصل ومعنى الآية إنكم لما سمعتم هذا القول القرآن أعرضتم عنه، وما تأملتهم فيه وبالغتم في النُّفرةِ عنه حتى قلتم قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه وفي آذننا وقر ومن المعلوم بالضرورة أنه ليس العلم بكون القرآن باطلاً وليس العلم فساد القول بالتوحيد والنبوة علماً بديهيًّا فقيل: الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً، وأن يكون فساداً، فتبقدير أن يكون صحيحاً كان إصراركم على دفعة من أعظم موجبات العقاب فيجب عليكم أن تتركوا هذه النفرة، وأن ترجعوا إلى النظر والاستدلال فإن دَلَّ دليل على صحته قَبِلْتُموهُ، وإن دل دليل على فساده تركتموه، وقبل الدليل فالإصرار على الدفع والإعراض بعيد عن العقل. فقوله: ﴿مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ موضوع موضع بيان حالهم وصفتهم. ولما ذكر هذه الوجوه الكثرة في تقرير التوحيد والنبوة آجاب عن شبهات المشركين فقال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ﴾ الآفاق جمع أفق وهو الناحية. نقل النَّوَوِيُّ في التهذيب قال أهل اللغة: الآفاق النَّواحِي، الواحد أفُق بضم الهمزة والفاء، وأُفْق بإسكان الفاء قال الشاعر (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4369 - لَوْ نَالَ حَيٌّ مِنَ الدُّنيا بِمَنْزِلَةٍ ... أُفْقَ السَّمَاءِ لَنَالَتْ كَفُّهُ الأْفُقَا وهو كأعناقٍ في عنق، أُبْدِلَتْ همزته ألفاً. ونقل الراغب أنه يقال: أَفَقٌ بفتح الهمزة والفاء فيكون كجبلٍ وأجبالٍ. وأفَقَ فلانٌ أي ذهب في الآفاق. والآفِقُ الذي بلغ نهاية الكرم تشبيهاً في ذلك بالذهاب في الآفاق. والنسبة إلى اأفق أَفَقيّ بفتحهما. ويحتمل أن نسب إلى المفتوح ثم استغنوا بذلك عن النسبة إلى المضموم، وله نظائر. قال النووي: قالوا: والنسبة إليه أُفُقيّ بضم الهمزة والفاء وبفتحهما لغتان مشهورتانِ. فصل قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) : معنى قوله سنريهنم آياتنا في الآفاق أي منازل الأمم الخالية وفي أنفسهم بالبلاء والأمراض. وقال قتادة: يعني وقائع الله تعالى في الأمم الخالية وفي أنفسهم يوم بدر. وقال مجاهد والحسن والسدي: ما يفتح الله من القُرى على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمسلمين وفي أنفسهم: فتح مكة. فإن قيل: حمل الآية على (هذا) الوجه بعيد؛ لأن أقصى ما في الباب أن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استولى على البلاد المحيطة بمكة ثم استولى على مكة إلا أن الاستيلاء على بعض البلاد لا يدل على كون المستولي محقاً فإنا نرى بعض الكفار قد يستولي على بلاد المسلمين وعلى مولكهم (وهذا يدل على كونهم) محقين. فالجواب: أنا لا نستدل بمجرد استيلاء محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ على تلك البلاد على كونه محقاً في ادعاء النبوة، بل يستدل به من حيث إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أخبر عن أنه سيستولي عليها ويقهر أهلها وهذا إخبار عن الغيب، وقند وقع مُخْبَره مطابقاً لخَبَرِهِ، فيكون هذا إخباراً صدقاً عن الغيب فيكون معجزاً فبهذا الطريق يستدل بحصول هذا الاستيلاء على كون هذا الدين حقاً. وقال عطاء وابن زيد: في الآفاق يعني أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم، وآيات الليل والنهار، والأضواء، والظلال والظلمات والنبات والأشجار والأنهار، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة، وبديع الحمكة، في كيفية تكوين الأجنة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة، والتركيبات الغريبة، كقوله: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21] يعني نريهم هذه الدلائل ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق﴾ من عند الله يعني محمداً صلى لله عليه وسلم، وأنه مرسل من عند الله. فإن قيل: هذا الوجه ضعيف، لأ، قوله تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾ يقتضي أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات إلى الآن وسيطلعهم عليها بعد ذلك، والآيات الموجودة في العالم الأعلى والأسفل قد أطلعهم علهيا قبل ذلك فيعتذر حمل اللفظ على هذا الوجه. فالجواب: أن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء إلا أن العجائب (التي أَوْدَعَهَا الله تعالى في هذه الأشياء مما لا نهاية لها فهو تعالى يطعلهم على تلك العجائب زماناً فزماناً؛ لأن كل أحد رأى بنية الإنسان وشاهدها، إلا أن العجائب) إلى أبدعها الله تعالى في تركيب هذا البدن كثيرة وأكثر الناس لا يعرفونها، والذي وقف على شيء منها كلَّما أزداد وقوفاً على تلك العجائب ازْدَاد يقينا وتعظيماً، وكذلك التركيبات (الفلكية أيضاً) . والأولى أن يقال: إن كان المراد بقوله: ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق﴾ وهو الرسول فقول مجاهد أولى وإن كان المراد به الدين والتوحيد فهذا أولى. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الباء مزيدة في الفاعل، وهذا هو الراجح، والمفعول محذوف، أي أَوَ لَمْ يكف ربُّك. وفي قوله: ﴿أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وجهان: أحدهما: أنه بدل من «بربك» فيكون مرفوع المحل، مجرور اللفظ كمتبوعه. والثاني: أن الأصل بأنه، تم حذف الجار فجرى الخلاف. الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون «بِرَبَّكَ» هو المفعول و «أنه» وما بعده هو الفاعل، أي أو لم يكف ربَّك شَهَادَته. وقرىء: «إنَّه على كلِّ» «بالكسر» ، وهو على إضمار القول أو على الأستئناف. فصل اعلم أن قوله «بِرَبِّك» في موضع الرفع على أنه فاعل كما تقدم ومعناه: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد، أي شهيداً على الأشياء لأنه خلق الدلائل الدالة عليها. وقال مقاتبل: أو لم يكفِ بربك شاهداً أن القرآن من الله عزَّ وجلَّ. قال الزجاج: معنى الكفاية ههنا أن الله عزَّ وجلَّ قد بين من الدلائل ما فيه كِفَاية. قوله: ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ﴾ أي في شك من البعث والقيامة. وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن في مُرْيَة بضم الميم وقد تقدم أنها لغة في المكسورة الميم. ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ﴾ أي عالم بكل المعلومات (التي لا نهاية لها فيعلم بواطن الكفر وظواهرهم ويجازي كل واحد على فعله) . فإن قيل: الإحاطة مشعرة بالنهاية، وهذا يقتضي أن يكون معلومه مُتَنَاهِياً! فالجواب: أن قوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ﴾ يقتضي أن يكون عمله بكل شيء محيطاً أي بكلّ واحد من الأشياء وهذا يقتضي أن يكون واحدٌ منها متناهياً لا كون مجموعها متناهياً والله أعلم. روى الثعلبي في تفسيره أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «من قرأ حم السجدة أعطاه الله من الأجر بكل حرف منها عَشرَ حَسَنَاتٍ» . سورة الشورى

فصلت 41:54

قوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ كقوله: «مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ» ومعناه: أنهم أيقنوا أنهم لا محيص لهم عن النار أي مهرب، وهذا ابتداء كلام من الله تعالى. قوله تعالى: ﴿اَّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير﴾ ... الآية لما بين تعالى من حال هؤلاء الكفار (أنهم) بعد أن كانوا مصرين على القول بإثبات الشركاء والأضداد لله في الدنيا تبرأُوا عن تلك الشركاء في الآخرة بين أن الإنسان في جميع الأوقات متغير الأحوال، فإن أحسَّ بخير وقدرة تعاظم، وإن أَحسَّ ببلاءٍ ومحنةٍ ذُلَّ. والمعنى أن الإنسان في حال الإقبال لا ينتهي إلى درجة إلا ويطلب الزيادة عليها، وفي مجال الإدبار والحِرمان يصير آيساً قناطاً. وفي قوله ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ مُبالغةٌ من وجيهن: أحدهما: من طريق فعول. والثاني: من طريق التكرار. واليأس من صفة القلب، والقنوط أن يظهر آثار اليأس في الوجه والأحوال الظاهر. ثم بين تعالى أن الذين صار آيساً قانطاً لو عاودَتْهُ النعمة والدَّولة وهو قوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} فِإنه يأتي بثلاثة أنواع من الأقوايل الفاسدة الموجبة للكفر والبعد عن الله. فالأول: قوله ﴿لَيَقُولَنَّ هذا لِي﴾ وهو جواب القسم لسبقه الشرط، وجواب الشرط محذوف كما تقدم تقريره. وقال أبو البقاء: ليقولن جواب الشرط والفاء محذوفة. قال شهاب الدين (رَحِمَهُ اللَّهُ) وهو لايجوز إلا في شعر كقوله: 4367 - مَنْ يَفْعَلِ الحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا..... ... ... ... ... ... ... . حتى إنَّ المبرد يمنعه في الشعر، ويروى البيت: 4368 - مَنْ يَفْعَلِ الخَيْرَ فَالرَّحْمنُ يَشْكُرُهُ ... فصل معنى قوله: «هذَا لي» أي هذا حقي وصل إِليَّ؛ لأني استوجبته بعلمي وعملي، ولا يعلم المِسْكِنُ أن أحداً لا يستحق على الله شيئاً، لأنه إن كان عارياً من الفضائل، فلاكمه ظاهر الفساد، وإن كان موصوفاً بشيء من الفضائل والصفات الحميدة فهي إنما حصلت بفضل الله تعالى وإحسانه، فيثبتُ بهذا فساد قوله: إنما حصلت هذه الخيرات بسبب استحقاقي. النوع الثاني من كلامه الفاسد: قوله: ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً﴾ ، والمعنى أنه يكون شديد الرغبة في الدنيا عظيم النُّفرة عن الآخرة فإذا آل الأمرُ إلى أحوال الدنيا يقول: إنها لي، وإذا آل الأمر إلى الآخرة يقول: وَمَا أظُنُّّ السَّاعَةَ قَائِمَة. النوع الثالث: من كلامه الفساد: قوله: ﴿وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ أي أن هذا الكافر يقول: لست على يقين من البعث وإن كان الأمر على ذلك ورُدِدْتُ إلى ربي إن لي عنده الحسنى أي الجنة، كما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة: ولما حكى الله عنهم هذه الأقوال الثلاثة الفاسدة قال: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الذين كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ قال ابن عباس رضي الله عهما: لنوقفنّهم على مساوىء أعمالهم ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ وهذا في مقابلة قوله: ﴿إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ . ولما حكى الله تعالى أقوال الذي أنعم عليه بعد وقوعه في الآفات حكى أفعاله أيضاً فقال: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي أعرض عن التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله. ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي تعاظم، ثم إن مسه الضر والفقر أقبل على دوام الدعاء وأخذ في الابتهال والتضرع. ومعنى «عريض» كبير. والعرب تستعمل الطُّول والعَرْضَ في الكثرة، يقال: أَطَاللَ فلانٌ الكَلاَم والدعاءَ وأعْرَضَ أي أَكثَرَ. قوله تعالى: (قلْ أرَأيْتُمْ) تقدم الكلام عليها، ومفعولها الأول هنا محذوف، تقديره أرأيتم أنْفُسَكُمْ والثاني هو الجملة الاستفهامية. فصل ومعنى الآية إنكم لما سمعتم هذا القول القرآن أعرضتم عنه، وما تأملتهم فيه وبالغتم في النُّفرةِ عنه حتى قلتم قلوبنا في أكنة مما تدعوننا إليه وفي آذننا وقر ومن المعلوم بالضرورة أنه ليس العلم بكون القرآن باطلاً وليس العلم فساد القول بالتوحيد والنبوة علماً بديهيًّا فقيل: الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً، وأن يكون فساداً، فتبقدير أن يكون صحيحاً كان إصراركم على دفعة من أعظم موجبات العقاب فيجب عليكم أن تتركوا هذه النفرة، وأن ترجعوا إلى النظر والاستدلال فإن دَلَّ دليل على صحته قَبِلْتُموهُ، وإن دل دليل على فساده تركتموه، وقبل الدليل فالإصرار على الدفع والإعراض بعيد عن العقل. فقوله: ﴿مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ موضوع موضع بيان حالهم وصفتهم. ولما ذكر هذه الوجوه الكثرة في تقرير التوحيد والنبوة آجاب عن شبهات المشركين فقال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ﴾ الآفاق جمع أفق وهو الناحية. نقل النَّوَوِيُّ في التهذيب قال أهل اللغة: الآفاق النَّواحِي، الواحد أفُق بضم الهمزة والفاء، وأُفْق بإسكان الفاء قال الشاعر (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4369 - لَوْ نَالَ حَيٌّ مِنَ الدُّنيا بِمَنْزِلَةٍ ... أُفْقَ السَّمَاءِ لَنَالَتْ كَفُّهُ الأْفُقَا وهو كأعناقٍ في عنق، أُبْدِلَتْ همزته ألفاً. ونقل الراغب أنه يقال: أَفَقٌ بفتح الهمزة والفاء فيكون كجبلٍ وأجبالٍ. وأفَقَ فلانٌ أي ذهب في الآفاق. والآفِقُ الذي بلغ نهاية الكرم تشبيهاً في ذلك بالذهاب في الآفاق. والنسبة إلى اأفق أَفَقيّ بفتحهما. ويحتمل أن نسب إلى المفتوح ثم استغنوا بذلك عن النسبة إلى المضموم، وله نظائر. قال النووي: قالوا: والنسبة إليه أُفُقيّ بضم الهمزة والفاء وبفتحهما لغتان مشهورتانِ. فصل قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) : معنى قوله سنريهنم آياتنا في الآفاق أي منازل الأمم الخالية وفي أنفسهم بالبلاء والأمراض. وقال قتادة: يعني وقائع الله تعالى في الأمم الخالية وفي أنفسهم يوم بدر. وقال مجاهد والحسن والسدي: ما يفتح الله من القُرى على محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمسلمين وفي أنفسهم: فتح مكة. فإن قيل: حمل الآية على (هذا) الوجه بعيد؛ لأن أقصى ما في الباب أن محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استولى على البلاد المحيطة بمكة ثم استولى على مكة إلا أن الاستيلاء على بعض البلاد لا يدل على كون المستولي محقاً فإنا نرى بعض الكفار قد يستولي على بلاد المسلمين وعلى مولكهم (وهذا يدل على كونهم) محقين. فالجواب: أنا لا نستدل بمجرد استيلاء محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ على تلك البلاد على كونه محقاً في ادعاء النبوة، بل يستدل به من حيث إنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أخبر عن أنه سيستولي عليها ويقهر أهلها وهذا إخبار عن الغيب، وقند وقع مُخْبَره مطابقاً لخَبَرِهِ، فيكون هذا إخباراً صدقاً عن الغيب فيكون معجزاً فبهذا الطريق يستدل بحصول هذا الاستيلاء على كون هذا الدين حقاً. وقال عطاء وابن زيد: في الآفاق يعني أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم، وآيات الليل والنهار، والأضواء، والظلال والظلمات والنبات والأشجار والأنهار، وفي أنفسهم من لطيف الصنعة، وبديع الحمكة، في كيفية تكوين الأجنة في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء العجيبة، والتركيبات الغريبة، كقوله: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: 21] يعني نريهم هذه الدلائل ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق﴾ من عند الله يعني محمداً صلى لله عليه وسلم، وأنه مرسل من عند الله. فإن قيل: هذا الوجه ضعيف، لأ، قوله تعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾ يقتضي أنه تعالى ما أطلعهم على تلك الآيات إلى الآن وسيطلعهم عليها بعد ذلك، والآيات الموجودة في العالم الأعلى والأسفل قد أطلعهم علهيا قبل ذلك فيعتذر حمل اللفظ على هذا الوجه. فالجواب: أن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه الأشياء إلا أن العجائب (التي أَوْدَعَهَا الله تعالى في هذه الأشياء مما لا نهاية لها فهو تعالى يطعلهم على تلك العجائب زماناً فزماناً؛ لأن كل أحد رأى بنية الإنسان وشاهدها، إلا أن العجائب) إلى أبدعها الله تعالى في تركيب هذا البدن كثيرة وأكثر الناس لا يعرفونها، والذي وقف على شيء منها كلَّما أزداد وقوفاً على تلك العجائب ازْدَاد يقينا وتعظيماً، وكذلك التركيبات (الفلكية أيضاً) . والأولى أن يقال: إن كان المراد بقوله: ﴿حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق﴾ وهو الرسول فقول مجاهد أولى وإن كان المراد به الدين والتوحيد فهذا أولى. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن الباء مزيدة في الفاعل، وهذا هو الراجح، والمفعول محذوف، أي أَوَ لَمْ يكف ربُّك. وفي قوله: ﴿أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وجهان: أحدهما: أنه بدل من «بربك» فيكون مرفوع المحل، مجرور اللفظ كمتبوعه. والثاني: أن الأصل بأنه، تم حذف الجار فجرى الخلاف. الثاني من الوجهين الأولين: أن يكون «بِرَبَّكَ» هو المفعول و «أنه» وما بعده هو الفاعل، أي أو لم يكف ربَّك شَهَادَته. وقرىء: «إنَّه على كلِّ» «بالكسر» ، وهو على إضمار القول أو على الأستئناف. فصل اعلم أن قوله «بِرَبِّك» في موضع الرفع على أنه فاعل كما تقدم ومعناه: أو لم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد، أي شهيداً على الأشياء لأنه خلق الدلائل الدالة عليها. وقال مقاتبل: أو لم يكفِ بربك شاهداً أن القرآن من الله عزَّ وجلَّ. قال الزجاج: معنى الكفاية ههنا أن الله عزَّ وجلَّ قد بين من الدلائل ما فيه كِفَاية. قوله: ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ﴾ أي في شك من البعث والقيامة. وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن في مُرْيَة بضم الميم وقد تقدم أنها لغة في المكسورة الميم. ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ﴾ أي عالم بكل المعلومات (التي لا نهاية لها فيعلم بواطن الكفر وظواهرهم ويجازي كل واحد على فعله) . فإن قيل: الإحاطة مشعرة بالنهاية، وهذا يقتضي أن يكون معلومه مُتَنَاهِياً! فالجواب: أن قوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطُ﴾ يقتضي أن يكون عمله بكل شيء محيطاً أي بكلّ واحد من الأشياء وهذا يقتضي أن يكون واحدٌ منها متناهياً لا كون مجموعها متناهياً والله أعلم. روى الثعلبي في تفسيره أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «من قرأ حم السجدة أعطاه الله من الأجر بكل حرف منها عَشرَ حَسَنَاتٍ» . سورة الشورى

الشورى 42:1

مكية وهي ثلاث وخمسون آية، وثمانمائة وست وستون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية وثمانون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «حم عسق» تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح. وسئل الحُسينُ بنُ الفضل: لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص فقال: لأنها سور أوائلها «حم» فجرت مجرى نظائرها. كأنَّ «حم» مبتدأ «عسق» خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل: كهيعص، والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص، وأخواتها، لأنها حروف التهجي لا غير. واختلفوا في «حم» فأخرجها بعضهم من حيِّز الحروف، وجعلها فعلاً. وقيل: معناه حُمَّ أي قضي ما هو كائن. روى عكرمة عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: «ح» حلمه «م» مجده «ع» عمله، «س» سناؤه، «ق» قدرته أقسم الله بها. وقال شهرُ بن حوشب وعطاءُ بن أبي رباح: «ح» حرب يعِزُّ فيها الذليل ويذلُّ فيها العزيز من قريش «م» ملكُ يتحول مِنْ قوم إلى قوم «ع» عدوٌّ لقريش يقصدهم «س» سبيٌ يكون فيهم «ق» قُدرةُ الله النافذة في خلقه؛ ورُوِيَ عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: ليس من نبي صاحب كمتاب إلا وقد أوحيت إليه حم عسق فلذلك قال: يُوحى إليك وإلى الَّذِين من قبلك وعلى هذا فقوله ﴿الله العزيز الحكيم﴾ تبيين للفاعل كأنه قال: من يوحي؟ فقيل: الله العزيزُ الحيكم كما سيأتي. وقرأ ابنُ عباس وابنُ مسعود حمَ سَق. قوله: «كَذَلِكَ يُوحِي» القراء على يوحي بالياء من أسفل مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، والعزيز الحكيم نعتان، والكاف منصوبة المحل إما نعتاً لمصدر، أو حالاً من ضميره، أي يوحي إيحاءً مثل ذلك الإيحاء. وقرأ ابن كثير وتُرْوَى عن أبي عمرو يُوحَى بفتح الحاء مبنياً للمجهول وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير مستتر يعود على كذلك، لأنه مبتدأ، والتقدير مثلُ ذلك الإيحاء يُوحَى هو إليك. «فمِثْلُ ذَلِك» مبتدأ، و «يُوحَى إِلَيْكَ» خبره. الثاني: أن القائم مقام الفاعل «إليك» والكاف منصوبة المحل على الوجهين المقتدمين. الثالث: أن القائم مقامه الجملة من قوله «اللهُ العزيزُ» أي يُوحى إليك هذا اللفظُ. وأصول البصريين لا تساعد عليه؛ لأن الجملة لا تكون فاعلةً ولا قائمةً مقامه. وقرأ أبو حيوة والأعمش وأبان نُوحي بالنون وهي موافقة العامة. ويحتمل أن تكون الجملة من قوله: ﴿الله العزيز الحكيم﴾ منصوبة المحل مفعولة بنُحي أي نُوحِي إليك هذا اللفظ، إلا أنَّ فيه حكاية الجملة بغير القول الصريح. و «يُوحِي» على اختلاف قراءته يجوز أن يكون على بابه من الحال والاستقبال فيتعلق قوله: ﴿وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ بمحذوف لتعذر ذلك تقديره: «وأُحِي إلى الذَّين من قَبْلِكَ» وأن يكون يكون بمعنى الماضي، وجيء به على صورة المضارع لغرضٍ وهو تصوير الحال. قوله: «اللهُ العَزيزُ» يجوز أن يرتفع بالفاعلية في قراءة العامة، وأن يرتفع بفعل مضمر في قراءة ابن كثير كأنه قيل: من يوحيه؟ فقيل: اللهُ العزيزُ، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: 36، 37] وقوله: 4370 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... وقد مرَّ. وأن يرتفع بالابتداء، وما بعده خبره، والجملة قائمة مقام الفاعل على ما مر، وأن يكون «العَزِيزُ الحَكِيمُ» خبرين، أو نعتين، والجملة من قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبر أول أو ثانٍ على حسب ما تقدم في «العَزِيزِ الحَكِيم» . وجوَّز أبو البقاء يكون «العَزِيزُ» مبتدأ، و «الحكيم» خبره، أو نعته و ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبره. وفيه نظر؛ إذا الظاهر تبعيَّتُها للجلالة. وأنت إذا قلت: «جَاءَ زَيْدٌ العَاقِلُ الفَاضِلُ» لا تجعل العامل مرفوعاً على الابتداء. فصل الكاف في «كَذَلِكَ» معناه المثل و «ذَا» للإشارة إلى شيء سبق ذكره فيكون المعنى مثل حم عسق يوحي إليك وإلى الذين من قبلك، وعند هذا حصل قولان: أحدهما: ما نقل عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: لا نبي صابح كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق كما تقدم. قال ابن الخطيب: «وهذا عندي بعيد» . والثاني: أن يكون مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحى إليك وإلى الذين من قبلك، وهذه المماثلة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد، وتقبيح أحوال الدنيا، والترغيب في أمور الآخرة. قال الزمخشري: لم يقل: أُوحِيَ إليك ولكن قال: يوحى إليك على لفظ المضارع ليدل على أن أيحاء مثله عادة وكونه عزيزاً بدل على كونه قادراً على ما لانهاية له وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجيات كما تقدم بيناه في أول سورة «حم» المؤمن. وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يدل على كونه موصوفاً بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجواء السموات والأرض على عظمها وسعتها بالإيجاد والإعلام وأن ما في السموات وما في الأرض ملكه وملكه، وهو العَلِيّ أي المتعالي عن مُشابهةِ المُمْكِنَات العظيم بالقدرة والقهر والاستعلاء. قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ﴾ تقدم الكلام فيه مُشْبعاً في مريم، وإلا أن الزمخشري زاد هنا وروى يونس عن أبي عمرو قراءةً غريبةً تتفطَّرن بتاءين مع النون. ونظيرها حرف نادر، رُوِيَ في نوادر ابن الأعرابي: «الإِبل تتشمَّمْنَ» . قال أبو حيان: والظاهر أن هذا وهمٌ، لأن ابن خالويه قال في شاذِّ القرآن ما نصه «تَنْفَطِرْنَ» بالتاء والنون يُونسُ عن أبي عمرو. قال ابن خالويه: وهذا حرف نادر؛ لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث لا يقال: النساء تقُمْنَ، ولكن يَقُمْنَ، والوالِدَاتُ يُرْضِعنَ ولا يقال: تُرضِعن. وقد كان أبو عمر الزَّاهِدُ روى في نوادر ابن الأعرابي: الإبل تتشمَّمْنَ فأنكرناه، فقد قواه الآن هذا. قال أبو حيان: فإن كانت نسخُ الزمخشري متفقةً على قوله: بتاءين مع النون «فهو وهم، وإن كان في بعضها بتاء مع النو كان موافقاً لقول ابن خالويه وكان بتاءين تحريفاً من النساخ وكذلك كتبهم تتفطَّرن وتَتشمَّمْنَ بتاءين. انتهى. قال شهاب الدين: كيف يستقيم أن يكو (ن) كتبهم تتشمَّمن بتاءين وهماً وذلك لأن ابن خالويه أورده في معرض الندرة والإنكار حتى يقوى عنده بهذه القراءة، وإنما يكون نادراً منكراً بتاءين، فإنه حينئذ يكون مضارعاً مسنداً لضمير الإبل، فكان من حقه أن يكون حرف مضارعته ياء منقوطة من أسفل، نحو: النِّساءُ يقُمن فكان ينبغي أن يقال: الإبل يتشمَّمن بالياء من تحت ثم بالتاء من فوق، فلما جاء بتاءين كلاهما من فوق ظهر نُدُوره وإنكاره، ولو كان على ما قال أبو حيان: إن كتبهم بتاءين وهماً بل كان ينبغي كتبه بتاء واحدة لما كان فيه شذوذ ولا إنكار، لأنه نظير: النِّسوة تدحرجْنَ فإنه ماض مسندٌ لضمير الإناث، وكذا لو كتبت بياء من تحت وتاء من فوق لم يكن فيه شذوذ، ولا إنكار. وإنما يجيء الشذوذ والإنكار إذا كان بتاءن منقوطتين من فوق، ثم إنه سواء قُرِىء تتفطَّرن بتاءين أو بياء ونون، فإنه نادر لما ذكر ابن خالويه، وهذه القراءة لم يقرأ بها في نظيرتها في سورة مريم. قوله:» مِنْ فَوْقِهِنَّ» في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عائد على السموات، أي كل واحدة منها تتفطَّرُ فوق التي تليها من قول المشريكن: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ [الكهف: 4] كما في سورة مريم، أي يبتدىء انفطارهُنَّ من هذه الجهة» فِمَنْ «لا بتداء الغاية متعلقة بما قبلها. الثاني: أنه يعود على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض. الثالث: أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين. قاله الأخفش الصغير. وأنكره مكي وقال لا يجوز ذلك في المذكور من بني آدم، وهذا لا يلزم الأخفش فإنه قال على الفرق والجماعات فراعى ذلك المعنى. فصل قال الزمخشري: كلمة الكفر إنَّما جاءت من الذين تحت السموات، وكان القياس أن يقال: ينفطِرن من تحتهن (أي) من الجهة التي (تحت) جاءت منها الكلمة، ولكن بُولغ في ذلك فجعلت مؤثرة مِنْ جهة الفوقِ، فكأنه قيل: يكون ينفطرن من الجهة التي فوقهنَّ، دع الجهة التي تحتهن. ونظيره في المبالغة، قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود﴾ [الحج: 19، 20] . فجعل مؤثراً في أجزائهم الباطنة. وقال ابن الخطيب: يعني من فوقهن أي من فوق الجهة التي حصلت هذه السموات فيها، وتلك الجهة هي فوق، فقولهن: من فوقهن أي من الجهة الفوقانيَّة التي هُنَّ فيها. قوله: ﴿والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مُفيضاً لكُلِّ الخيرات. قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض﴾ أي من المؤمنين كما حكى عنهم في سورة المؤمن فقال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [غافر: 7] . فإن قيل: (قوله) : ويستغفرون لمن في الأرض عام، فيدخل فيهم الكفار وقد لعنهم الله تعالى فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] فيكف (يكونون) لا عنين لهم ومستغفرين لهم؟! قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه: الأول: أنه عام مخصوص بآية المؤمن كما تقدم. الثاني: أن قوله ﴿لِمَن فِي الأرض﴾ لا يفيد العموم؛ لأنه (لا) يصح أن يقال: إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال: إنهم استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحاً في العموم لما صحَّ ذلك. الثالث: يجوم أن يكون المراد من الاستغفار أنه لا يُعاجلهم بالعقاب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: 41] إلى أن قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر: 41] . الرابع: يجوز أن يقال: إنهم يستغفرون لكل من في الأرض، أما في حق الكفار فبطلب الإيمان لهم وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم فإنا نقول: اللهم أهدش الكفار، وزيِّن قلوبهم بنور الإيمان وأَزِل عن خواطرهم وحشة الكُفْرِ، وهذا استغفار لهم في الحقيقة. فصل قال ابن الخطيب: قوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدل على أنهم لا يستغفرون لأنفسهم ولو وجد منهم معصية لا ستغفروا لأنفسهم قبل استغفارهم لمن في الأرض، فحيث لم يذكر الله عزَّ وجلَّ استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم مُبرَّأُون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم ذنوب، والذين لا ذنب لهم ألبتة أفضل ممن له ذنب، وأيضاً فقثوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدعل على أنهم يستغفرون للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لأنهم من جملة مَنْ في الأرض، وإذال كانوا مستغفرين للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان الظاهر أنهم أفضل منهم. ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم﴾ وهذا تنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر، إلا أن المغفرة المُطْلَقة لله تعالى وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة. قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي جعلوا له شركاء وأنداداً الله حفيظٌ عليهم أي رقيب عليهم ويحفظ أعمالهم، وأقوالهم ويُحصيها ليجازيهم بها، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم﴾ يا محمد «بِوَكِيل» أي لم يوكلك بهم ولا أمرهمه إليك إنَّما أنت مُنذرٌ. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ في قرآناً وجهان: أظهرهما: أنه مفعول أوحَيْنَا، والكاف للمصدر نعتاً أو حالاً. الثاني: أنه حال من الكاف، والكاف هي المفعول «لأَوْحَيْنَا» أي أوحينا مثل ذلك الإيحاء، وهو قرآن عربي وإليه عربي وإليه نحا الزمخشري. وكون الكاف اسماً في النثر مذهب الأخفش. فصل قال ابن الخطيب: قوله وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء سبق ذكره، وليس ههنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ يعني أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلاً عليهم وكذلك أوحينا إلريك قرآناً عربياً ليكون نذيراً لهم. قوله: ﴿أُمَّ القرى﴾ أي أهلَ أُمِّ القرى؛ لأن البلد لا تعقِلُ. قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ عطف على أهل المقدر من قبل أم القرى والمفعول الثاني محذوف أي العذاب. وقرىء: ليُنذر بالياء من تحت أي القرآن، أم القرى أصل القرى بمعنى مكة، وسمي بهذا الاسم إجلالاً؛ لأن فيها البيت ومقامَ إبراهيِم. والعرب تسمي أص لكلٍّ شيء أمةً، حتى يقال: هذه القصيدة من أُمَّهاتِ قصائد فلانٍ ومعنى «مَنْ حَوْلَها» أي قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المَدَر والوَبَر. والإنذار: التخويف. قوله: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع﴾ أي تنذرهم بيوم الجمع، وهو يوم القيامة، جمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرض. وقيل: المراد تجمع الأرواح بالأجساد. وقيل: يجمع كبين العامل وعمله وقيل: يجمع بين الظالم والمظلوم. قوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إخبارٌ فهو مستأنف، ويجوز أن يكون حالاً من «يَوْمِ الجَمْعِ» وجعله الزَّمخشري اعتراضاً وهو غير ظاهر صناعة إذ لم يقع بين مُتلازمين. قوله: «فَرِيقٌ» العامة على رفعه بأحد وجهين: إمَّا الابتداء، وخبره الجار بعده، وساغ هذا في النكرة، لأنه مقام تفصيل كقوله: 4371 - ... ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ نَسِيتُ وثَوْبٌ أَجُرٌّ ويجوز أن يكون الخبر مقدراً تقديره منهم فريق. وساغ الابتداء بالنكرة لشيئين: تقديم خبرها جار ومجروراً ووصفها بالجار بعدها، والثاني: أنه خبر ابتداء مضمر إي هم أي المجموعون، دَلَّ على ذلك يوم الجمع. وقرأ زيدٌ بن عليٍّ: فريقاً وفريقاً، نصباً على الحال من جملة محذوفة أي افتَرَقُوا أي المجموعون. وقال مكي: وأجاز الكسائي والفراءُ النصب في الكلام في «فريقاً» على معنى: تُنذر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير يوم الجمع وكأنه لم يطلع على أنها قراءة. وظاهر نقله عن هذين الإِمامين أنهما لم يطلعا (عليها) وجعل «فريقاً» مفعولاً أول لتنذر، «ويوم الجمع» مفعولاً ثانياُ. وفي ظاهره إشكالٌ وهو أنَّ الإنذار لا يقع للفريقين وهما في الجنة وفي السعير إنما يكون الإنذار قبل استقرارهما فيهما. ويمكن أن يُجَابَ عنه بأن المراد مَنْ هو من أهل الجنة ومن أهل السعير، وإن لم يكن حاصلاً فيهما وقت الإنذار، و «فِي الجَنَّةِ» صفة «فَرِيقاً» أو متعلق بذلك المحذوف. فإن قيل: يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين، والجمع بين الصنفين محال! . فالجواب: أنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس (رضي اللهُ عَنْهُمَا) على دين واحدٍ وقال مقاتل: على ملة الإسلام، كقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى﴾ [الأنعام: 35] ﴿ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي في دين الإسلام «والظَّالِمُونَ» الكافرون ﴿مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ﴾ يرفع عنهم العذاب «وَلاَ نَصِير» يمنعهممن النار وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي أنت لا تقدر أن تحملهم على الإيمان فلو شاء الله لفعله؛ لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أم هذه (هي) أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال وبهمزة الإنكار، أو بالهمزة فقط. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم يقال بعده لمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: لَسْتَ عَلَيْهمْ بِوَكِيلٍ أي لا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان فإن الله لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الاستنكار. ثم قال: ﴿فالله هُوَ الولي﴾ ، قال ابن عباس (رضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) : وليك يا محمد، وولي من اتبعك، والفاء جواب شرط مقدر كأنه قال: إنْ أَرَادُوا أولياء بحق فاللهُ هو الوليّ، لاَ وليَّ سواه؛ لأنه يحيي الموتى ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء قاله الزمخشري. وقيل: الفاء عاطفة ما بعدها على ما قبلها. قوله تعالى: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخُصُوماتِ والمنازعات فقال: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ﴾ (من شيء) من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يُزيل الرَّيب، وقيل: وما اختلفتُم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم ولا يُؤْثروا حكومة غيره على حكومته. وقيل: ما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا يصل تكليفكم ولا ط ريق لكم إلى علمه، فقولوا الله أعلم كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] . قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على مان نص الله عليه، والثاني باطل، لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثتبة بالقياس وأنه باطل فتعين الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالمعنى، وذلك ينفي العمل بالقياس. فإن قيل: لايجوز أن يكون المراد فحكمه معروف من بيا الله تعالى سواء كان ذلك البيان بالنص أو القياس؟ . فالجواب: أن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نص الله تعالى. قوله: ﴿ذَلِكُمُ الله﴾ أي الذي يحكم بين المختلفين ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رفع كيد الأعداء وفي طلب كُل خير ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي أرجع إليه في كل المهمات، وهذا يفليد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه.

الشورى 42:2

مكية وهي ثلاث وخمسون آية، وثمانمائة وست وستون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية وثمانون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «حم عسق» تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح. وسئل الحُسينُ بنُ الفضل: لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص فقال: لأنها سور أوائلها «حم» فجرت مجرى نظائرها. كأنَّ «حم» مبتدأ «عسق» خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل: كهيعص، والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص، وأخواتها، لأنها حروف التهجي لا غير. واختلفوا في «حم» فأخرجها بعضهم من حيِّز الحروف، وجعلها فعلاً. وقيل: معناه حُمَّ أي قضي ما هو كائن. روى عكرمة عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: «ح» حلمه «م» مجده «ع» عمله، «س» سناؤه، «ق» قدرته أقسم الله بها. وقال شهرُ بن حوشب وعطاءُ بن أبي رباح: «ح» حرب يعِزُّ فيها الذليل ويذلُّ فيها العزيز من قريش «م» ملكُ يتحول مِنْ قوم إلى قوم «ع» عدوٌّ لقريش يقصدهم «س» سبيٌ يكون فيهم «ق» قُدرةُ الله النافذة في خلقه؛ ورُوِيَ عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: ليس من نبي صاحب كمتاب إلا وقد أوحيت إليه حم عسق فلذلك قال: يُوحى إليك وإلى الَّذِين من قبلك وعلى هذا فقوله ﴿الله العزيز الحكيم﴾ تبيين للفاعل كأنه قال: من يوحي؟ فقيل: الله العزيزُ الحيكم كما سيأتي. وقرأ ابنُ عباس وابنُ مسعود حمَ سَق. قوله: «كَذَلِكَ يُوحِي» القراء على يوحي بالياء من أسفل مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، والعزيز الحكيم نعتان، والكاف منصوبة المحل إما نعتاً لمصدر، أو حالاً من ضميره، أي يوحي إيحاءً مثل ذلك الإيحاء. وقرأ ابن كثير وتُرْوَى عن أبي عمرو يُوحَى بفتح الحاء مبنياً للمجهول وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير مستتر يعود على كذلك، لأنه مبتدأ، والتقدير مثلُ ذلك الإيحاء يُوحَى هو إليك. «فمِثْلُ ذَلِك» مبتدأ، و «يُوحَى إِلَيْكَ» خبره. الثاني: أن القائم مقام الفاعل «إليك» والكاف منصوبة المحل على الوجهين المقتدمين. الثالث: أن القائم مقامه الجملة من قوله «اللهُ العزيزُ» أي يُوحى إليك هذا اللفظُ. وأصول البصريين لا تساعد عليه؛ لأن الجملة لا تكون فاعلةً ولا قائمةً مقامه. وقرأ أبو حيوة والأعمش وأبان نُوحي بالنون وهي موافقة العامة. ويحتمل أن تكون الجملة من قوله: ﴿الله العزيز الحكيم﴾ منصوبة المحل مفعولة بنُحي أي نُوحِي إليك هذا اللفظ، إلا أنَّ فيه حكاية الجملة بغير القول الصريح. و «يُوحِي» على اختلاف قراءته يجوز أن يكون على بابه من الحال والاستقبال فيتعلق قوله: ﴿وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ بمحذوف لتعذر ذلك تقديره: «وأُحِي إلى الذَّين من قَبْلِكَ» وأن يكون يكون بمعنى الماضي، وجيء به على صورة المضارع لغرضٍ وهو تصوير الحال. قوله: «اللهُ العَزيزُ» يجوز أن يرتفع بالفاعلية في قراءة العامة، وأن يرتفع بفعل مضمر في قراءة ابن كثير كأنه قيل: من يوحيه؟ فقيل: اللهُ العزيزُ، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: 36، 37] وقوله: 4370 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... وقد مرَّ. وأن يرتفع بالابتداء، وما بعده خبره، والجملة قائمة مقام الفاعل على ما مر، وأن يكون «العَزِيزُ الحَكِيمُ» خبرين، أو نعتين، والجملة من قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبر أول أو ثانٍ على حسب ما تقدم في «العَزِيزِ الحَكِيم» . وجوَّز أبو البقاء يكون «العَزِيزُ» مبتدأ، و «الحكيم» خبره، أو نعته و ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبره. وفيه نظر؛ إذا الظاهر تبعيَّتُها للجلالة. وأنت إذا قلت: «جَاءَ زَيْدٌ العَاقِلُ الفَاضِلُ» لا تجعل العامل مرفوعاً على الابتداء. فصل الكاف في «كَذَلِكَ» معناه المثل و «ذَا» للإشارة إلى شيء سبق ذكره فيكون المعنى مثل حم عسق يوحي إليك وإلى الذين من قبلك، وعند هذا حصل قولان: أحدهما: ما نقل عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: لا نبي صابح كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق كما تقدم. قال ابن الخطيب: «وهذا عندي بعيد» . والثاني: أن يكون مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحى إليك وإلى الذين من قبلك، وهذه المماثلة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد، وتقبيح أحوال الدنيا، والترغيب في أمور الآخرة. قال الزمخشري: لم يقل: أُوحِيَ إليك ولكن قال: يوحى إليك على لفظ المضارع ليدل على أن أيحاء مثله عادة وكونه عزيزاً بدل على كونه قادراً على ما لانهاية له وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجيات كما تقدم بيناه في أول سورة «حم» المؤمن. وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يدل على كونه موصوفاً بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجواء السموات والأرض على عظمها وسعتها بالإيجاد والإعلام وأن ما في السموات وما في الأرض ملكه وملكه، وهو العَلِيّ أي المتعالي عن مُشابهةِ المُمْكِنَات العظيم بالقدرة والقهر والاستعلاء. قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ﴾ تقدم الكلام فيه مُشْبعاً في مريم، وإلا أن الزمخشري زاد هنا وروى يونس عن أبي عمرو قراءةً غريبةً تتفطَّرن بتاءين مع النون. ونظيرها حرف نادر، رُوِيَ في نوادر ابن الأعرابي: «الإِبل تتشمَّمْنَ» . قال أبو حيان: والظاهر أن هذا وهمٌ، لأن ابن خالويه قال في شاذِّ القرآن ما نصه «تَنْفَطِرْنَ» بالتاء والنون يُونسُ عن أبي عمرو. قال ابن خالويه: وهذا حرف نادر؛ لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث لا يقال: النساء تقُمْنَ، ولكن يَقُمْنَ، والوالِدَاتُ يُرْضِعنَ ولا يقال: تُرضِعن. وقد كان أبو عمر الزَّاهِدُ روى في نوادر ابن الأعرابي: الإبل تتشمَّمْنَ فأنكرناه، فقد قواه الآن هذا. قال أبو حيان: فإن كانت نسخُ الزمخشري متفقةً على قوله: بتاءين مع النون «فهو وهم، وإن كان في بعضها بتاء مع النو كان موافقاً لقول ابن خالويه وكان بتاءين تحريفاً من النساخ وكذلك كتبهم تتفطَّرن وتَتشمَّمْنَ بتاءين. انتهى. قال شهاب الدين: كيف يستقيم أن يكو (ن) كتبهم تتشمَّمن بتاءين وهماً وذلك لأن ابن خالويه أورده في معرض الندرة والإنكار حتى يقوى عنده بهذه القراءة، وإنما يكون نادراً منكراً بتاءين، فإنه حينئذ يكون مضارعاً مسنداً لضمير الإبل، فكان من حقه أن يكون حرف مضارعته ياء منقوطة من أسفل، نحو: النِّساءُ يقُمن فكان ينبغي أن يقال: الإبل يتشمَّمن بالياء من تحت ثم بالتاء من فوق، فلما جاء بتاءين كلاهما من فوق ظهر نُدُوره وإنكاره، ولو كان على ما قال أبو حيان: إن كتبهم بتاءين وهماً بل كان ينبغي كتبه بتاء واحدة لما كان فيه شذوذ ولا إنكار، لأنه نظير: النِّسوة تدحرجْنَ فإنه ماض مسندٌ لضمير الإناث، وكذا لو كتبت بياء من تحت وتاء من فوق لم يكن فيه شذوذ، ولا إنكار. وإنما يجيء الشذوذ والإنكار إذا كان بتاءن منقوطتين من فوق، ثم إنه سواء قُرِىء تتفطَّرن بتاءين أو بياء ونون، فإنه نادر لما ذكر ابن خالويه، وهذه القراءة لم يقرأ بها في نظيرتها في سورة مريم. قوله:» مِنْ فَوْقِهِنَّ» في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عائد على السموات، أي كل واحدة منها تتفطَّرُ فوق التي تليها من قول المشريكن: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ [الكهف: 4] كما في سورة مريم، أي يبتدىء انفطارهُنَّ من هذه الجهة» فِمَنْ «لا بتداء الغاية متعلقة بما قبلها. الثاني: أنه يعود على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض. الثالث: أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين. قاله الأخفش الصغير. وأنكره مكي وقال لا يجوز ذلك في المذكور من بني آدم، وهذا لا يلزم الأخفش فإنه قال على الفرق والجماعات فراعى ذلك المعنى. فصل قال الزمخشري: كلمة الكفر إنَّما جاءت من الذين تحت السموات، وكان القياس أن يقال: ينفطِرن من تحتهن (أي) من الجهة التي (تحت) جاءت منها الكلمة، ولكن بُولغ في ذلك فجعلت مؤثرة مِنْ جهة الفوقِ، فكأنه قيل: يكون ينفطرن من الجهة التي فوقهنَّ، دع الجهة التي تحتهن. ونظيره في المبالغة، قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود﴾ [الحج: 19، 20] . فجعل مؤثراً في أجزائهم الباطنة. وقال ابن الخطيب: يعني من فوقهن أي من فوق الجهة التي حصلت هذه السموات فيها، وتلك الجهة هي فوق، فقولهن: من فوقهن أي من الجهة الفوقانيَّة التي هُنَّ فيها. قوله: ﴿والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مُفيضاً لكُلِّ الخيرات. قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض﴾ أي من المؤمنين كما حكى عنهم في سورة المؤمن فقال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [غافر: 7] . فإن قيل: (قوله) : ويستغفرون لمن في الأرض عام، فيدخل فيهم الكفار وقد لعنهم الله تعالى فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] فيكف (يكونون) لا عنين لهم ومستغفرين لهم؟! قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه: الأول: أنه عام مخصوص بآية المؤمن كما تقدم. الثاني: أن قوله ﴿لِمَن فِي الأرض﴾ لا يفيد العموم؛ لأنه (لا) يصح أن يقال: إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال: إنهم استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحاً في العموم لما صحَّ ذلك. الثالث: يجوم أن يكون المراد من الاستغفار أنه لا يُعاجلهم بالعقاب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: 41] إلى أن قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر: 41] . الرابع: يجوز أن يقال: إنهم يستغفرون لكل من في الأرض، أما في حق الكفار فبطلب الإيمان لهم وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم فإنا نقول: اللهم أهدش الكفار، وزيِّن قلوبهم بنور الإيمان وأَزِل عن خواطرهم وحشة الكُفْرِ، وهذا استغفار لهم في الحقيقة. فصل قال ابن الخطيب: قوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدل على أنهم لا يستغفرون لأنفسهم ولو وجد منهم معصية لا ستغفروا لأنفسهم قبل استغفارهم لمن في الأرض، فحيث لم يذكر الله عزَّ وجلَّ استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم مُبرَّأُون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم ذنوب، والذين لا ذنب لهم ألبتة أفضل ممن له ذنب، وأيضاً فقثوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدعل على أنهم يستغفرون للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لأنهم من جملة مَنْ في الأرض، وإذال كانوا مستغفرين للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان الظاهر أنهم أفضل منهم. ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم﴾ وهذا تنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر، إلا أن المغفرة المُطْلَقة لله تعالى وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة. قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي جعلوا له شركاء وأنداداً الله حفيظٌ عليهم أي رقيب عليهم ويحفظ أعمالهم، وأقوالهم ويُحصيها ليجازيهم بها، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم﴾ يا محمد «بِوَكِيل» أي لم يوكلك بهم ولا أمرهمه إليك إنَّما أنت مُنذرٌ. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ في قرآناً وجهان: أظهرهما: أنه مفعول أوحَيْنَا، والكاف للمصدر نعتاً أو حالاً. الثاني: أنه حال من الكاف، والكاف هي المفعول «لأَوْحَيْنَا» أي أوحينا مثل ذلك الإيحاء، وهو قرآن عربي وإليه عربي وإليه نحا الزمخشري. وكون الكاف اسماً في النثر مذهب الأخفش. فصل قال ابن الخطيب: قوله وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء سبق ذكره، وليس ههنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ يعني أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلاً عليهم وكذلك أوحينا إلريك قرآناً عربياً ليكون نذيراً لهم. قوله: ﴿أُمَّ القرى﴾ أي أهلَ أُمِّ القرى؛ لأن البلد لا تعقِلُ. قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ عطف على أهل المقدر من قبل أم القرى والمفعول الثاني محذوف أي العذاب. وقرىء: ليُنذر بالياء من تحت أي القرآن، أم القرى أصل القرى بمعنى مكة، وسمي بهذا الاسم إجلالاً؛ لأن فيها البيت ومقامَ إبراهيِم. والعرب تسمي أص لكلٍّ شيء أمةً، حتى يقال: هذه القصيدة من أُمَّهاتِ قصائد فلانٍ ومعنى «مَنْ حَوْلَها» أي قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المَدَر والوَبَر. والإنذار: التخويف. قوله: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع﴾ أي تنذرهم بيوم الجمع، وهو يوم القيامة، جمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرض. وقيل: المراد تجمع الأرواح بالأجساد. وقيل: يجمع كبين العامل وعمله وقيل: يجمع بين الظالم والمظلوم. قوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إخبارٌ فهو مستأنف، ويجوز أن يكون حالاً من «يَوْمِ الجَمْعِ» وجعله الزَّمخشري اعتراضاً وهو غير ظاهر صناعة إذ لم يقع بين مُتلازمين. قوله: «فَرِيقٌ» العامة على رفعه بأحد وجهين: إمَّا الابتداء، وخبره الجار بعده، وساغ هذا في النكرة، لأنه مقام تفصيل كقوله: 4371 - ... ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ نَسِيتُ وثَوْبٌ أَجُرٌّ ويجوز أن يكون الخبر مقدراً تقديره منهم فريق. وساغ الابتداء بالنكرة لشيئين: تقديم خبرها جار ومجروراً ووصفها بالجار بعدها، والثاني: أنه خبر ابتداء مضمر إي هم أي المجموعون، دَلَّ على ذلك يوم الجمع. وقرأ زيدٌ بن عليٍّ: فريقاً وفريقاً، نصباً على الحال من جملة محذوفة أي افتَرَقُوا أي المجموعون. وقال مكي: وأجاز الكسائي والفراءُ النصب في الكلام في «فريقاً» على معنى: تُنذر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير يوم الجمع وكأنه لم يطلع على أنها قراءة. وظاهر نقله عن هذين الإِمامين أنهما لم يطلعا (عليها) وجعل «فريقاً» مفعولاً أول لتنذر، «ويوم الجمع» مفعولاً ثانياُ. وفي ظاهره إشكالٌ وهو أنَّ الإنذار لا يقع للفريقين وهما في الجنة وفي السعير إنما يكون الإنذار قبل استقرارهما فيهما. ويمكن أن يُجَابَ عنه بأن المراد مَنْ هو من أهل الجنة ومن أهل السعير، وإن لم يكن حاصلاً فيهما وقت الإنذار، و «فِي الجَنَّةِ» صفة «فَرِيقاً» أو متعلق بذلك المحذوف. فإن قيل: يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين، والجمع بين الصنفين محال! . فالجواب: أنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس (رضي اللهُ عَنْهُمَا) على دين واحدٍ وقال مقاتل: على ملة الإسلام، كقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى﴾ [الأنعام: 35] ﴿ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي في دين الإسلام «والظَّالِمُونَ» الكافرون ﴿مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ﴾ يرفع عنهم العذاب «وَلاَ نَصِير» يمنعهممن النار وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي أنت لا تقدر أن تحملهم على الإيمان فلو شاء الله لفعله؛ لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أم هذه (هي) أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال وبهمزة الإنكار، أو بالهمزة فقط. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم يقال بعده لمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: لَسْتَ عَلَيْهمْ بِوَكِيلٍ أي لا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان فإن الله لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الاستنكار. ثم قال: ﴿فالله هُوَ الولي﴾ ، قال ابن عباس (رضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) : وليك يا محمد، وولي من اتبعك، والفاء جواب شرط مقدر كأنه قال: إنْ أَرَادُوا أولياء بحق فاللهُ هو الوليّ، لاَ وليَّ سواه؛ لأنه يحيي الموتى ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء قاله الزمخشري. وقيل: الفاء عاطفة ما بعدها على ما قبلها. قوله تعالى: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخُصُوماتِ والمنازعات فقال: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ﴾ (من شيء) من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يُزيل الرَّيب، وقيل: وما اختلفتُم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم ولا يُؤْثروا حكومة غيره على حكومته. وقيل: ما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا يصل تكليفكم ولا ط ريق لكم إلى علمه، فقولوا الله أعلم كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] . قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على مان نص الله عليه، والثاني باطل، لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثتبة بالقياس وأنه باطل فتعين الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالمعنى، وذلك ينفي العمل بالقياس. فإن قيل: لايجوز أن يكون المراد فحكمه معروف من بيا الله تعالى سواء كان ذلك البيان بالنص أو القياس؟ . فالجواب: أن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نص الله تعالى. قوله: ﴿ذَلِكُمُ الله﴾ أي الذي يحكم بين المختلفين ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رفع كيد الأعداء وفي طلب كُل خير ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي أرجع إليه في كل المهمات، وهذا يفليد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه.

الشورى 42:3

مكية وهي ثلاث وخمسون آية، وثمانمائة وست وستون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية وثمانون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «حم عسق» تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح. وسئل الحُسينُ بنُ الفضل: لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص فقال: لأنها سور أوائلها «حم» فجرت مجرى نظائرها. كأنَّ «حم» مبتدأ «عسق» خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل: كهيعص، والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص، وأخواتها، لأنها حروف التهجي لا غير. واختلفوا في «حم» فأخرجها بعضهم من حيِّز الحروف، وجعلها فعلاً. وقيل: معناه حُمَّ أي قضي ما هو كائن. روى عكرمة عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: «ح» حلمه «م» مجده «ع» عمله، «س» سناؤه، «ق» قدرته أقسم الله بها. وقال شهرُ بن حوشب وعطاءُ بن أبي رباح: «ح» حرب يعِزُّ فيها الذليل ويذلُّ فيها العزيز من قريش «م» ملكُ يتحول مِنْ قوم إلى قوم «ع» عدوٌّ لقريش يقصدهم «س» سبيٌ يكون فيهم «ق» قُدرةُ الله النافذة في خلقه؛ ورُوِيَ عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: ليس من نبي صاحب كمتاب إلا وقد أوحيت إليه حم عسق فلذلك قال: يُوحى إليك وإلى الَّذِين من قبلك وعلى هذا فقوله ﴿الله العزيز الحكيم﴾ تبيين للفاعل كأنه قال: من يوحي؟ فقيل: الله العزيزُ الحيكم كما سيأتي. وقرأ ابنُ عباس وابنُ مسعود حمَ سَق. قوله: «كَذَلِكَ يُوحِي» القراء على يوحي بالياء من أسفل مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، والعزيز الحكيم نعتان، والكاف منصوبة المحل إما نعتاً لمصدر، أو حالاً من ضميره، أي يوحي إيحاءً مثل ذلك الإيحاء. وقرأ ابن كثير وتُرْوَى عن أبي عمرو يُوحَى بفتح الحاء مبنياً للمجهول وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير مستتر يعود على كذلك، لأنه مبتدأ، والتقدير مثلُ ذلك الإيحاء يُوحَى هو إليك. «فمِثْلُ ذَلِك» مبتدأ، و «يُوحَى إِلَيْكَ» خبره. الثاني: أن القائم مقام الفاعل «إليك» والكاف منصوبة المحل على الوجهين المقتدمين. الثالث: أن القائم مقامه الجملة من قوله «اللهُ العزيزُ» أي يُوحى إليك هذا اللفظُ. وأصول البصريين لا تساعد عليه؛ لأن الجملة لا تكون فاعلةً ولا قائمةً مقامه. وقرأ أبو حيوة والأعمش وأبان نُوحي بالنون وهي موافقة العامة. ويحتمل أن تكون الجملة من قوله: ﴿الله العزيز الحكيم﴾ منصوبة المحل مفعولة بنُحي أي نُوحِي إليك هذا اللفظ، إلا أنَّ فيه حكاية الجملة بغير القول الصريح. و «يُوحِي» على اختلاف قراءته يجوز أن يكون على بابه من الحال والاستقبال فيتعلق قوله: ﴿وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ بمحذوف لتعذر ذلك تقديره: «وأُحِي إلى الذَّين من قَبْلِكَ» وأن يكون يكون بمعنى الماضي، وجيء به على صورة المضارع لغرضٍ وهو تصوير الحال. قوله: «اللهُ العَزيزُ» يجوز أن يرتفع بالفاعلية في قراءة العامة، وأن يرتفع بفعل مضمر في قراءة ابن كثير كأنه قيل: من يوحيه؟ فقيل: اللهُ العزيزُ، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: 36، 37] وقوله: 4370 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... وقد مرَّ. وأن يرتفع بالابتداء، وما بعده خبره، والجملة قائمة مقام الفاعل على ما مر، وأن يكون «العَزِيزُ الحَكِيمُ» خبرين، أو نعتين، والجملة من قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبر أول أو ثانٍ على حسب ما تقدم في «العَزِيزِ الحَكِيم» . وجوَّز أبو البقاء يكون «العَزِيزُ» مبتدأ، و «الحكيم» خبره، أو نعته و ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبره. وفيه نظر؛ إذا الظاهر تبعيَّتُها للجلالة. وأنت إذا قلت: «جَاءَ زَيْدٌ العَاقِلُ الفَاضِلُ» لا تجعل العامل مرفوعاً على الابتداء. فصل الكاف في «كَذَلِكَ» معناه المثل و «ذَا» للإشارة إلى شيء سبق ذكره فيكون المعنى مثل حم عسق يوحي إليك وإلى الذين من قبلك، وعند هذا حصل قولان: أحدهما: ما نقل عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: لا نبي صابح كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق كما تقدم. قال ابن الخطيب: «وهذا عندي بعيد» . والثاني: أن يكون مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحى إليك وإلى الذين من قبلك، وهذه المماثلة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد، وتقبيح أحوال الدنيا، والترغيب في أمور الآخرة. قال الزمخشري: لم يقل: أُوحِيَ إليك ولكن قال: يوحى إليك على لفظ المضارع ليدل على أن أيحاء مثله عادة وكونه عزيزاً بدل على كونه قادراً على ما لانهاية له وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجيات كما تقدم بيناه في أول سورة «حم» المؤمن. وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يدل على كونه موصوفاً بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجواء السموات والأرض على عظمها وسعتها بالإيجاد والإعلام وأن ما في السموات وما في الأرض ملكه وملكه، وهو العَلِيّ أي المتعالي عن مُشابهةِ المُمْكِنَات العظيم بالقدرة والقهر والاستعلاء. قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ﴾ تقدم الكلام فيه مُشْبعاً في مريم، وإلا أن الزمخشري زاد هنا وروى يونس عن أبي عمرو قراءةً غريبةً تتفطَّرن بتاءين مع النون. ونظيرها حرف نادر، رُوِيَ في نوادر ابن الأعرابي: «الإِبل تتشمَّمْنَ» . قال أبو حيان: والظاهر أن هذا وهمٌ، لأن ابن خالويه قال في شاذِّ القرآن ما نصه «تَنْفَطِرْنَ» بالتاء والنون يُونسُ عن أبي عمرو. قال ابن خالويه: وهذا حرف نادر؛ لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث لا يقال: النساء تقُمْنَ، ولكن يَقُمْنَ، والوالِدَاتُ يُرْضِعنَ ولا يقال: تُرضِعن. وقد كان أبو عمر الزَّاهِدُ روى في نوادر ابن الأعرابي: الإبل تتشمَّمْنَ فأنكرناه، فقد قواه الآن هذا. قال أبو حيان: فإن كانت نسخُ الزمخشري متفقةً على قوله: بتاءين مع النون «فهو وهم، وإن كان في بعضها بتاء مع النو كان موافقاً لقول ابن خالويه وكان بتاءين تحريفاً من النساخ وكذلك كتبهم تتفطَّرن وتَتشمَّمْنَ بتاءين. انتهى. قال شهاب الدين: كيف يستقيم أن يكو (ن) كتبهم تتشمَّمن بتاءين وهماً وذلك لأن ابن خالويه أورده في معرض الندرة والإنكار حتى يقوى عنده بهذه القراءة، وإنما يكون نادراً منكراً بتاءين، فإنه حينئذ يكون مضارعاً مسنداً لضمير الإبل، فكان من حقه أن يكون حرف مضارعته ياء منقوطة من أسفل، نحو: النِّساءُ يقُمن فكان ينبغي أن يقال: الإبل يتشمَّمن بالياء من تحت ثم بالتاء من فوق، فلما جاء بتاءين كلاهما من فوق ظهر نُدُوره وإنكاره، ولو كان على ما قال أبو حيان: إن كتبهم بتاءين وهماً بل كان ينبغي كتبه بتاء واحدة لما كان فيه شذوذ ولا إنكار، لأنه نظير: النِّسوة تدحرجْنَ فإنه ماض مسندٌ لضمير الإناث، وكذا لو كتبت بياء من تحت وتاء من فوق لم يكن فيه شذوذ، ولا إنكار. وإنما يجيء الشذوذ والإنكار إذا كان بتاءن منقوطتين من فوق، ثم إنه سواء قُرِىء تتفطَّرن بتاءين أو بياء ونون، فإنه نادر لما ذكر ابن خالويه، وهذه القراءة لم يقرأ بها في نظيرتها في سورة مريم. قوله:» مِنْ فَوْقِهِنَّ» في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عائد على السموات، أي كل واحدة منها تتفطَّرُ فوق التي تليها من قول المشريكن: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ [الكهف: 4] كما في سورة مريم، أي يبتدىء انفطارهُنَّ من هذه الجهة» فِمَنْ «لا بتداء الغاية متعلقة بما قبلها. الثاني: أنه يعود على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض. الثالث: أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين. قاله الأخفش الصغير. وأنكره مكي وقال لا يجوز ذلك في المذكور من بني آدم، وهذا لا يلزم الأخفش فإنه قال على الفرق والجماعات فراعى ذلك المعنى. فصل قال الزمخشري: كلمة الكفر إنَّما جاءت من الذين تحت السموات، وكان القياس أن يقال: ينفطِرن من تحتهن (أي) من الجهة التي (تحت) جاءت منها الكلمة، ولكن بُولغ في ذلك فجعلت مؤثرة مِنْ جهة الفوقِ، فكأنه قيل: يكون ينفطرن من الجهة التي فوقهنَّ، دع الجهة التي تحتهن. ونظيره في المبالغة، قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود﴾ [الحج: 19، 20] . فجعل مؤثراً في أجزائهم الباطنة. وقال ابن الخطيب: يعني من فوقهن أي من فوق الجهة التي حصلت هذه السموات فيها، وتلك الجهة هي فوق، فقولهن: من فوقهن أي من الجهة الفوقانيَّة التي هُنَّ فيها. قوله: ﴿والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مُفيضاً لكُلِّ الخيرات. قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض﴾ أي من المؤمنين كما حكى عنهم في سورة المؤمن فقال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [غافر: 7] . فإن قيل: (قوله) : ويستغفرون لمن في الأرض عام، فيدخل فيهم الكفار وقد لعنهم الله تعالى فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] فيكف (يكونون) لا عنين لهم ومستغفرين لهم؟! قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه: الأول: أنه عام مخصوص بآية المؤمن كما تقدم. الثاني: أن قوله ﴿لِمَن فِي الأرض﴾ لا يفيد العموم؛ لأنه (لا) يصح أن يقال: إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال: إنهم استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحاً في العموم لما صحَّ ذلك. الثالث: يجوم أن يكون المراد من الاستغفار أنه لا يُعاجلهم بالعقاب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: 41] إلى أن قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر: 41] . الرابع: يجوز أن يقال: إنهم يستغفرون لكل من في الأرض، أما في حق الكفار فبطلب الإيمان لهم وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم فإنا نقول: اللهم أهدش الكفار، وزيِّن قلوبهم بنور الإيمان وأَزِل عن خواطرهم وحشة الكُفْرِ، وهذا استغفار لهم في الحقيقة. فصل قال ابن الخطيب: قوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدل على أنهم لا يستغفرون لأنفسهم ولو وجد منهم معصية لا ستغفروا لأنفسهم قبل استغفارهم لمن في الأرض، فحيث لم يذكر الله عزَّ وجلَّ استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم مُبرَّأُون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم ذنوب، والذين لا ذنب لهم ألبتة أفضل ممن له ذنب، وأيضاً فقثوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدعل على أنهم يستغفرون للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لأنهم من جملة مَنْ في الأرض، وإذال كانوا مستغفرين للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان الظاهر أنهم أفضل منهم. ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم﴾ وهذا تنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر، إلا أن المغفرة المُطْلَقة لله تعالى وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة. قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي جعلوا له شركاء وأنداداً الله حفيظٌ عليهم أي رقيب عليهم ويحفظ أعمالهم، وأقوالهم ويُحصيها ليجازيهم بها، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم﴾ يا محمد «بِوَكِيل» أي لم يوكلك بهم ولا أمرهمه إليك إنَّما أنت مُنذرٌ. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ في قرآناً وجهان: أظهرهما: أنه مفعول أوحَيْنَا، والكاف للمصدر نعتاً أو حالاً. الثاني: أنه حال من الكاف، والكاف هي المفعول «لأَوْحَيْنَا» أي أوحينا مثل ذلك الإيحاء، وهو قرآن عربي وإليه عربي وإليه نحا الزمخشري. وكون الكاف اسماً في النثر مذهب الأخفش. فصل قال ابن الخطيب: قوله وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء سبق ذكره، وليس ههنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ يعني أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلاً عليهم وكذلك أوحينا إلريك قرآناً عربياً ليكون نذيراً لهم. قوله: ﴿أُمَّ القرى﴾ أي أهلَ أُمِّ القرى؛ لأن البلد لا تعقِلُ. قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ عطف على أهل المقدر من قبل أم القرى والمفعول الثاني محذوف أي العذاب. وقرىء: ليُنذر بالياء من تحت أي القرآن، أم القرى أصل القرى بمعنى مكة، وسمي بهذا الاسم إجلالاً؛ لأن فيها البيت ومقامَ إبراهيِم. والعرب تسمي أص لكلٍّ شيء أمةً، حتى يقال: هذه القصيدة من أُمَّهاتِ قصائد فلانٍ ومعنى «مَنْ حَوْلَها» أي قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المَدَر والوَبَر. والإنذار: التخويف. قوله: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع﴾ أي تنذرهم بيوم الجمع، وهو يوم القيامة، جمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرض. وقيل: المراد تجمع الأرواح بالأجساد. وقيل: يجمع كبين العامل وعمله وقيل: يجمع بين الظالم والمظلوم. قوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إخبارٌ فهو مستأنف، ويجوز أن يكون حالاً من «يَوْمِ الجَمْعِ» وجعله الزَّمخشري اعتراضاً وهو غير ظاهر صناعة إذ لم يقع بين مُتلازمين. قوله: «فَرِيقٌ» العامة على رفعه بأحد وجهين: إمَّا الابتداء، وخبره الجار بعده، وساغ هذا في النكرة، لأنه مقام تفصيل كقوله: 4371 - ... ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ نَسِيتُ وثَوْبٌ أَجُرٌّ ويجوز أن يكون الخبر مقدراً تقديره منهم فريق. وساغ الابتداء بالنكرة لشيئين: تقديم خبرها جار ومجروراً ووصفها بالجار بعدها، والثاني: أنه خبر ابتداء مضمر إي هم أي المجموعون، دَلَّ على ذلك يوم الجمع. وقرأ زيدٌ بن عليٍّ: فريقاً وفريقاً، نصباً على الحال من جملة محذوفة أي افتَرَقُوا أي المجموعون. وقال مكي: وأجاز الكسائي والفراءُ النصب في الكلام في «فريقاً» على معنى: تُنذر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير يوم الجمع وكأنه لم يطلع على أنها قراءة. وظاهر نقله عن هذين الإِمامين أنهما لم يطلعا (عليها) وجعل «فريقاً» مفعولاً أول لتنذر، «ويوم الجمع» مفعولاً ثانياُ. وفي ظاهره إشكالٌ وهو أنَّ الإنذار لا يقع للفريقين وهما في الجنة وفي السعير إنما يكون الإنذار قبل استقرارهما فيهما. ويمكن أن يُجَابَ عنه بأن المراد مَنْ هو من أهل الجنة ومن أهل السعير، وإن لم يكن حاصلاً فيهما وقت الإنذار، و «فِي الجَنَّةِ» صفة «فَرِيقاً» أو متعلق بذلك المحذوف. فإن قيل: يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين، والجمع بين الصنفين محال! . فالجواب: أنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس (رضي اللهُ عَنْهُمَا) على دين واحدٍ وقال مقاتل: على ملة الإسلام، كقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى﴾ [الأنعام: 35] ﴿ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي في دين الإسلام «والظَّالِمُونَ» الكافرون ﴿مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ﴾ يرفع عنهم العذاب «وَلاَ نَصِير» يمنعهممن النار وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي أنت لا تقدر أن تحملهم على الإيمان فلو شاء الله لفعله؛ لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أم هذه (هي) أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال وبهمزة الإنكار، أو بالهمزة فقط. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم يقال بعده لمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: لَسْتَ عَلَيْهمْ بِوَكِيلٍ أي لا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان فإن الله لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الاستنكار. ثم قال: ﴿فالله هُوَ الولي﴾ ، قال ابن عباس (رضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) : وليك يا محمد، وولي من اتبعك، والفاء جواب شرط مقدر كأنه قال: إنْ أَرَادُوا أولياء بحق فاللهُ هو الوليّ، لاَ وليَّ سواه؛ لأنه يحيي الموتى ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء قاله الزمخشري. وقيل: الفاء عاطفة ما بعدها على ما قبلها. قوله تعالى: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخُصُوماتِ والمنازعات فقال: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ﴾ (من شيء) من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يُزيل الرَّيب، وقيل: وما اختلفتُم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم ولا يُؤْثروا حكومة غيره على حكومته. وقيل: ما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا يصل تكليفكم ولا ط ريق لكم إلى علمه، فقولوا الله أعلم كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] . قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على مان نص الله عليه، والثاني باطل، لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثتبة بالقياس وأنه باطل فتعين الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالمعنى، وذلك ينفي العمل بالقياس. فإن قيل: لايجوز أن يكون المراد فحكمه معروف من بيا الله تعالى سواء كان ذلك البيان بالنص أو القياس؟ . فالجواب: أن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نص الله تعالى. قوله: ﴿ذَلِكُمُ الله﴾ أي الذي يحكم بين المختلفين ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رفع كيد الأعداء وفي طلب كُل خير ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي أرجع إليه في كل المهمات، وهذا يفليد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه.

الشورى 42:4

مكية وهي ثلاث وخمسون آية، وثمانمائة وست وستون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية وثمانون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «حم عسق» تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح. وسئل الحُسينُ بنُ الفضل: لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص فقال: لأنها سور أوائلها «حم» فجرت مجرى نظائرها. كأنَّ «حم» مبتدأ «عسق» خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل: كهيعص، والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص، وأخواتها، لأنها حروف التهجي لا غير. واختلفوا في «حم» فأخرجها بعضهم من حيِّز الحروف، وجعلها فعلاً. وقيل: معناه حُمَّ أي قضي ما هو كائن. روى عكرمة عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: «ح» حلمه «م» مجده «ع» عمله، «س» سناؤه، «ق» قدرته أقسم الله بها. وقال شهرُ بن حوشب وعطاءُ بن أبي رباح: «ح» حرب يعِزُّ فيها الذليل ويذلُّ فيها العزيز من قريش «م» ملكُ يتحول مِنْ قوم إلى قوم «ع» عدوٌّ لقريش يقصدهم «س» سبيٌ يكون فيهم «ق» قُدرةُ الله النافذة في خلقه؛ ورُوِيَ عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: ليس من نبي صاحب كمتاب إلا وقد أوحيت إليه حم عسق فلذلك قال: يُوحى إليك وإلى الَّذِين من قبلك وعلى هذا فقوله ﴿الله العزيز الحكيم﴾ تبيين للفاعل كأنه قال: من يوحي؟ فقيل: الله العزيزُ الحيكم كما سيأتي. وقرأ ابنُ عباس وابنُ مسعود حمَ سَق. قوله: «كَذَلِكَ يُوحِي» القراء على يوحي بالياء من أسفل مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، والعزيز الحكيم نعتان، والكاف منصوبة المحل إما نعتاً لمصدر، أو حالاً من ضميره، أي يوحي إيحاءً مثل ذلك الإيحاء. وقرأ ابن كثير وتُرْوَى عن أبي عمرو يُوحَى بفتح الحاء مبنياً للمجهول وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير مستتر يعود على كذلك، لأنه مبتدأ، والتقدير مثلُ ذلك الإيحاء يُوحَى هو إليك. «فمِثْلُ ذَلِك» مبتدأ، و «يُوحَى إِلَيْكَ» خبره. الثاني: أن القائم مقام الفاعل «إليك» والكاف منصوبة المحل على الوجهين المقتدمين. الثالث: أن القائم مقامه الجملة من قوله «اللهُ العزيزُ» أي يُوحى إليك هذا اللفظُ. وأصول البصريين لا تساعد عليه؛ لأن الجملة لا تكون فاعلةً ولا قائمةً مقامه. وقرأ أبو حيوة والأعمش وأبان نُوحي بالنون وهي موافقة العامة. ويحتمل أن تكون الجملة من قوله: ﴿الله العزيز الحكيم﴾ منصوبة المحل مفعولة بنُحي أي نُوحِي إليك هذا اللفظ، إلا أنَّ فيه حكاية الجملة بغير القول الصريح. و «يُوحِي» على اختلاف قراءته يجوز أن يكون على بابه من الحال والاستقبال فيتعلق قوله: ﴿وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ بمحذوف لتعذر ذلك تقديره: «وأُحِي إلى الذَّين من قَبْلِكَ» وأن يكون يكون بمعنى الماضي، وجيء به على صورة المضارع لغرضٍ وهو تصوير الحال. قوله: «اللهُ العَزيزُ» يجوز أن يرتفع بالفاعلية في قراءة العامة، وأن يرتفع بفعل مضمر في قراءة ابن كثير كأنه قيل: من يوحيه؟ فقيل: اللهُ العزيزُ، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: 36، 37] وقوله: 4370 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... وقد مرَّ. وأن يرتفع بالابتداء، وما بعده خبره، والجملة قائمة مقام الفاعل على ما مر، وأن يكون «العَزِيزُ الحَكِيمُ» خبرين، أو نعتين، والجملة من قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبر أول أو ثانٍ على حسب ما تقدم في «العَزِيزِ الحَكِيم» . وجوَّز أبو البقاء يكون «العَزِيزُ» مبتدأ، و «الحكيم» خبره، أو نعته و ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبره. وفيه نظر؛ إذا الظاهر تبعيَّتُها للجلالة. وأنت إذا قلت: «جَاءَ زَيْدٌ العَاقِلُ الفَاضِلُ» لا تجعل العامل مرفوعاً على الابتداء. فصل الكاف في «كَذَلِكَ» معناه المثل و «ذَا» للإشارة إلى شيء سبق ذكره فيكون المعنى مثل حم عسق يوحي إليك وإلى الذين من قبلك، وعند هذا حصل قولان: أحدهما: ما نقل عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: لا نبي صابح كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق كما تقدم. قال ابن الخطيب: «وهذا عندي بعيد» . والثاني: أن يكون مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحى إليك وإلى الذين من قبلك، وهذه المماثلة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد، وتقبيح أحوال الدنيا، والترغيب في أمور الآخرة. قال الزمخشري: لم يقل: أُوحِيَ إليك ولكن قال: يوحى إليك على لفظ المضارع ليدل على أن أيحاء مثله عادة وكونه عزيزاً بدل على كونه قادراً على ما لانهاية له وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجيات كما تقدم بيناه في أول سورة «حم» المؤمن. وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يدل على كونه موصوفاً بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجواء السموات والأرض على عظمها وسعتها بالإيجاد والإعلام وأن ما في السموات وما في الأرض ملكه وملكه، وهو العَلِيّ أي المتعالي عن مُشابهةِ المُمْكِنَات العظيم بالقدرة والقهر والاستعلاء. قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ﴾ تقدم الكلام فيه مُشْبعاً في مريم، وإلا أن الزمخشري زاد هنا وروى يونس عن أبي عمرو قراءةً غريبةً تتفطَّرن بتاءين مع النون. ونظيرها حرف نادر، رُوِيَ في نوادر ابن الأعرابي: «الإِبل تتشمَّمْنَ» . قال أبو حيان: والظاهر أن هذا وهمٌ، لأن ابن خالويه قال في شاذِّ القرآن ما نصه «تَنْفَطِرْنَ» بالتاء والنون يُونسُ عن أبي عمرو. قال ابن خالويه: وهذا حرف نادر؛ لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث لا يقال: النساء تقُمْنَ، ولكن يَقُمْنَ، والوالِدَاتُ يُرْضِعنَ ولا يقال: تُرضِعن. وقد كان أبو عمر الزَّاهِدُ روى في نوادر ابن الأعرابي: الإبل تتشمَّمْنَ فأنكرناه، فقد قواه الآن هذا. قال أبو حيان: فإن كانت نسخُ الزمخشري متفقةً على قوله: بتاءين مع النون «فهو وهم، وإن كان في بعضها بتاء مع النو كان موافقاً لقول ابن خالويه وكان بتاءين تحريفاً من النساخ وكذلك كتبهم تتفطَّرن وتَتشمَّمْنَ بتاءين. انتهى. قال شهاب الدين: كيف يستقيم أن يكو (ن) كتبهم تتشمَّمن بتاءين وهماً وذلك لأن ابن خالويه أورده في معرض الندرة والإنكار حتى يقوى عنده بهذه القراءة، وإنما يكون نادراً منكراً بتاءين، فإنه حينئذ يكون مضارعاً مسنداً لضمير الإبل، فكان من حقه أن يكون حرف مضارعته ياء منقوطة من أسفل، نحو: النِّساءُ يقُمن فكان ينبغي أن يقال: الإبل يتشمَّمن بالياء من تحت ثم بالتاء من فوق، فلما جاء بتاءين كلاهما من فوق ظهر نُدُوره وإنكاره، ولو كان على ما قال أبو حيان: إن كتبهم بتاءين وهماً بل كان ينبغي كتبه بتاء واحدة لما كان فيه شذوذ ولا إنكار، لأنه نظير: النِّسوة تدحرجْنَ فإنه ماض مسندٌ لضمير الإناث، وكذا لو كتبت بياء من تحت وتاء من فوق لم يكن فيه شذوذ، ولا إنكار. وإنما يجيء الشذوذ والإنكار إذا كان بتاءن منقوطتين من فوق، ثم إنه سواء قُرِىء تتفطَّرن بتاءين أو بياء ونون، فإنه نادر لما ذكر ابن خالويه، وهذه القراءة لم يقرأ بها في نظيرتها في سورة مريم. قوله:» مِنْ فَوْقِهِنَّ» في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عائد على السموات، أي كل واحدة منها تتفطَّرُ فوق التي تليها من قول المشريكن: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ [الكهف: 4] كما في سورة مريم، أي يبتدىء انفطارهُنَّ من هذه الجهة» فِمَنْ «لا بتداء الغاية متعلقة بما قبلها. الثاني: أنه يعود على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض. الثالث: أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين. قاله الأخفش الصغير. وأنكره مكي وقال لا يجوز ذلك في المذكور من بني آدم، وهذا لا يلزم الأخفش فإنه قال على الفرق والجماعات فراعى ذلك المعنى. فصل قال الزمخشري: كلمة الكفر إنَّما جاءت من الذين تحت السموات، وكان القياس أن يقال: ينفطِرن من تحتهن (أي) من الجهة التي (تحت) جاءت منها الكلمة، ولكن بُولغ في ذلك فجعلت مؤثرة مِنْ جهة الفوقِ، فكأنه قيل: يكون ينفطرن من الجهة التي فوقهنَّ، دع الجهة التي تحتهن. ونظيره في المبالغة، قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود﴾ [الحج: 19، 20] . فجعل مؤثراً في أجزائهم الباطنة. وقال ابن الخطيب: يعني من فوقهن أي من فوق الجهة التي حصلت هذه السموات فيها، وتلك الجهة هي فوق، فقولهن: من فوقهن أي من الجهة الفوقانيَّة التي هُنَّ فيها. قوله: ﴿والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مُفيضاً لكُلِّ الخيرات. قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض﴾ أي من المؤمنين كما حكى عنهم في سورة المؤمن فقال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [غافر: 7] . فإن قيل: (قوله) : ويستغفرون لمن في الأرض عام، فيدخل فيهم الكفار وقد لعنهم الله تعالى فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] فيكف (يكونون) لا عنين لهم ومستغفرين لهم؟! قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه: الأول: أنه عام مخصوص بآية المؤمن كما تقدم. الثاني: أن قوله ﴿لِمَن فِي الأرض﴾ لا يفيد العموم؛ لأنه (لا) يصح أن يقال: إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال: إنهم استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحاً في العموم لما صحَّ ذلك. الثالث: يجوم أن يكون المراد من الاستغفار أنه لا يُعاجلهم بالعقاب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: 41] إلى أن قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر: 41] . الرابع: يجوز أن يقال: إنهم يستغفرون لكل من في الأرض، أما في حق الكفار فبطلب الإيمان لهم وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم فإنا نقول: اللهم أهدش الكفار، وزيِّن قلوبهم بنور الإيمان وأَزِل عن خواطرهم وحشة الكُفْرِ، وهذا استغفار لهم في الحقيقة. فصل قال ابن الخطيب: قوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدل على أنهم لا يستغفرون لأنفسهم ولو وجد منهم معصية لا ستغفروا لأنفسهم قبل استغفارهم لمن في الأرض، فحيث لم يذكر الله عزَّ وجلَّ استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم مُبرَّأُون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم ذنوب، والذين لا ذنب لهم ألبتة أفضل ممن له ذنب، وأيضاً فقثوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدعل على أنهم يستغفرون للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لأنهم من جملة مَنْ في الأرض، وإذال كانوا مستغفرين للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان الظاهر أنهم أفضل منهم. ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم﴾ وهذا تنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر، إلا أن المغفرة المُطْلَقة لله تعالى وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة. قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي جعلوا له شركاء وأنداداً الله حفيظٌ عليهم أي رقيب عليهم ويحفظ أعمالهم، وأقوالهم ويُحصيها ليجازيهم بها، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم﴾ يا محمد «بِوَكِيل» أي لم يوكلك بهم ولا أمرهمه إليك إنَّما أنت مُنذرٌ. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ في قرآناً وجهان: أظهرهما: أنه مفعول أوحَيْنَا، والكاف للمصدر نعتاً أو حالاً. الثاني: أنه حال من الكاف، والكاف هي المفعول «لأَوْحَيْنَا» أي أوحينا مثل ذلك الإيحاء، وهو قرآن عربي وإليه عربي وإليه نحا الزمخشري. وكون الكاف اسماً في النثر مذهب الأخفش. فصل قال ابن الخطيب: قوله وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء سبق ذكره، وليس ههنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ يعني أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلاً عليهم وكذلك أوحينا إلريك قرآناً عربياً ليكون نذيراً لهم. قوله: ﴿أُمَّ القرى﴾ أي أهلَ أُمِّ القرى؛ لأن البلد لا تعقِلُ. قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ عطف على أهل المقدر من قبل أم القرى والمفعول الثاني محذوف أي العذاب. وقرىء: ليُنذر بالياء من تحت أي القرآن، أم القرى أصل القرى بمعنى مكة، وسمي بهذا الاسم إجلالاً؛ لأن فيها البيت ومقامَ إبراهيِم. والعرب تسمي أص لكلٍّ شيء أمةً، حتى يقال: هذه القصيدة من أُمَّهاتِ قصائد فلانٍ ومعنى «مَنْ حَوْلَها» أي قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المَدَر والوَبَر. والإنذار: التخويف. قوله: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع﴾ أي تنذرهم بيوم الجمع، وهو يوم القيامة، جمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرض. وقيل: المراد تجمع الأرواح بالأجساد. وقيل: يجمع كبين العامل وعمله وقيل: يجمع بين الظالم والمظلوم. قوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إخبارٌ فهو مستأنف، ويجوز أن يكون حالاً من «يَوْمِ الجَمْعِ» وجعله الزَّمخشري اعتراضاً وهو غير ظاهر صناعة إذ لم يقع بين مُتلازمين. قوله: «فَرِيقٌ» العامة على رفعه بأحد وجهين: إمَّا الابتداء، وخبره الجار بعده، وساغ هذا في النكرة، لأنه مقام تفصيل كقوله: 4371 - ... ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ نَسِيتُ وثَوْبٌ أَجُرٌّ ويجوز أن يكون الخبر مقدراً تقديره منهم فريق. وساغ الابتداء بالنكرة لشيئين: تقديم خبرها جار ومجروراً ووصفها بالجار بعدها، والثاني: أنه خبر ابتداء مضمر إي هم أي المجموعون، دَلَّ على ذلك يوم الجمع. وقرأ زيدٌ بن عليٍّ: فريقاً وفريقاً، نصباً على الحال من جملة محذوفة أي افتَرَقُوا أي المجموعون. وقال مكي: وأجاز الكسائي والفراءُ النصب في الكلام في «فريقاً» على معنى: تُنذر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير يوم الجمع وكأنه لم يطلع على أنها قراءة. وظاهر نقله عن هذين الإِمامين أنهما لم يطلعا (عليها) وجعل «فريقاً» مفعولاً أول لتنذر، «ويوم الجمع» مفعولاً ثانياُ. وفي ظاهره إشكالٌ وهو أنَّ الإنذار لا يقع للفريقين وهما في الجنة وفي السعير إنما يكون الإنذار قبل استقرارهما فيهما. ويمكن أن يُجَابَ عنه بأن المراد مَنْ هو من أهل الجنة ومن أهل السعير، وإن لم يكن حاصلاً فيهما وقت الإنذار، و «فِي الجَنَّةِ» صفة «فَرِيقاً» أو متعلق بذلك المحذوف. فإن قيل: يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين، والجمع بين الصنفين محال! . فالجواب: أنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس (رضي اللهُ عَنْهُمَا) على دين واحدٍ وقال مقاتل: على ملة الإسلام، كقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى﴾ [الأنعام: 35] ﴿ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي في دين الإسلام «والظَّالِمُونَ» الكافرون ﴿مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ﴾ يرفع عنهم العذاب «وَلاَ نَصِير» يمنعهممن النار وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي أنت لا تقدر أن تحملهم على الإيمان فلو شاء الله لفعله؛ لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أم هذه (هي) أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال وبهمزة الإنكار، أو بالهمزة فقط. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم يقال بعده لمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: لَسْتَ عَلَيْهمْ بِوَكِيلٍ أي لا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان فإن الله لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الاستنكار. ثم قال: ﴿فالله هُوَ الولي﴾ ، قال ابن عباس (رضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) : وليك يا محمد، وولي من اتبعك، والفاء جواب شرط مقدر كأنه قال: إنْ أَرَادُوا أولياء بحق فاللهُ هو الوليّ، لاَ وليَّ سواه؛ لأنه يحيي الموتى ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء قاله الزمخشري. وقيل: الفاء عاطفة ما بعدها على ما قبلها. قوله تعالى: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخُصُوماتِ والمنازعات فقال: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ﴾ (من شيء) من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يُزيل الرَّيب، وقيل: وما اختلفتُم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم ولا يُؤْثروا حكومة غيره على حكومته. وقيل: ما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا يصل تكليفكم ولا ط ريق لكم إلى علمه، فقولوا الله أعلم كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] . قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على مان نص الله عليه، والثاني باطل، لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثتبة بالقياس وأنه باطل فتعين الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالمعنى، وذلك ينفي العمل بالقياس. فإن قيل: لايجوز أن يكون المراد فحكمه معروف من بيا الله تعالى سواء كان ذلك البيان بالنص أو القياس؟ . فالجواب: أن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نص الله تعالى. قوله: ﴿ذَلِكُمُ الله﴾ أي الذي يحكم بين المختلفين ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رفع كيد الأعداء وفي طلب كُل خير ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي أرجع إليه في كل المهمات، وهذا يفليد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه.

الشورى 42:5

مكية وهي ثلاث وخمسون آية، وثمانمائة وست وستون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية وثمانون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «حم عسق» تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح. وسئل الحُسينُ بنُ الفضل: لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص فقال: لأنها سور أوائلها «حم» فجرت مجرى نظائرها. كأنَّ «حم» مبتدأ «عسق» خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل: كهيعص، والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص، وأخواتها، لأنها حروف التهجي لا غير. واختلفوا في «حم» فأخرجها بعضهم من حيِّز الحروف، وجعلها فعلاً. وقيل: معناه حُمَّ أي قضي ما هو كائن. روى عكرمة عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: «ح» حلمه «م» مجده «ع» عمله، «س» سناؤه، «ق» قدرته أقسم الله بها. وقال شهرُ بن حوشب وعطاءُ بن أبي رباح: «ح» حرب يعِزُّ فيها الذليل ويذلُّ فيها العزيز من قريش «م» ملكُ يتحول مِنْ قوم إلى قوم «ع» عدوٌّ لقريش يقصدهم «س» سبيٌ يكون فيهم «ق» قُدرةُ الله النافذة في خلقه؛ ورُوِيَ عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: ليس من نبي صاحب كمتاب إلا وقد أوحيت إليه حم عسق فلذلك قال: يُوحى إليك وإلى الَّذِين من قبلك وعلى هذا فقوله ﴿الله العزيز الحكيم﴾ تبيين للفاعل كأنه قال: من يوحي؟ فقيل: الله العزيزُ الحيكم كما سيأتي. وقرأ ابنُ عباس وابنُ مسعود حمَ سَق. قوله: «كَذَلِكَ يُوحِي» القراء على يوحي بالياء من أسفل مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، والعزيز الحكيم نعتان، والكاف منصوبة المحل إما نعتاً لمصدر، أو حالاً من ضميره، أي يوحي إيحاءً مثل ذلك الإيحاء. وقرأ ابن كثير وتُرْوَى عن أبي عمرو يُوحَى بفتح الحاء مبنياً للمجهول وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير مستتر يعود على كذلك، لأنه مبتدأ، والتقدير مثلُ ذلك الإيحاء يُوحَى هو إليك. «فمِثْلُ ذَلِك» مبتدأ، و «يُوحَى إِلَيْكَ» خبره. الثاني: أن القائم مقام الفاعل «إليك» والكاف منصوبة المحل على الوجهين المقتدمين. الثالث: أن القائم مقامه الجملة من قوله «اللهُ العزيزُ» أي يُوحى إليك هذا اللفظُ. وأصول البصريين لا تساعد عليه؛ لأن الجملة لا تكون فاعلةً ولا قائمةً مقامه. وقرأ أبو حيوة والأعمش وأبان نُوحي بالنون وهي موافقة العامة. ويحتمل أن تكون الجملة من قوله: ﴿الله العزيز الحكيم﴾ منصوبة المحل مفعولة بنُحي أي نُوحِي إليك هذا اللفظ، إلا أنَّ فيه حكاية الجملة بغير القول الصريح. و «يُوحِي» على اختلاف قراءته يجوز أن يكون على بابه من الحال والاستقبال فيتعلق قوله: ﴿وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ بمحذوف لتعذر ذلك تقديره: «وأُحِي إلى الذَّين من قَبْلِكَ» وأن يكون يكون بمعنى الماضي، وجيء به على صورة المضارع لغرضٍ وهو تصوير الحال. قوله: «اللهُ العَزيزُ» يجوز أن يرتفع بالفاعلية في قراءة العامة، وأن يرتفع بفعل مضمر في قراءة ابن كثير كأنه قيل: من يوحيه؟ فقيل: اللهُ العزيزُ، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: 36، 37] وقوله: 4370 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... وقد مرَّ. وأن يرتفع بالابتداء، وما بعده خبره، والجملة قائمة مقام الفاعل على ما مر، وأن يكون «العَزِيزُ الحَكِيمُ» خبرين، أو نعتين، والجملة من قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبر أول أو ثانٍ على حسب ما تقدم في «العَزِيزِ الحَكِيم» . وجوَّز أبو البقاء يكون «العَزِيزُ» مبتدأ، و «الحكيم» خبره، أو نعته و ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبره. وفيه نظر؛ إذا الظاهر تبعيَّتُها للجلالة. وأنت إذا قلت: «جَاءَ زَيْدٌ العَاقِلُ الفَاضِلُ» لا تجعل العامل مرفوعاً على الابتداء. فصل الكاف في «كَذَلِكَ» معناه المثل و «ذَا» للإشارة إلى شيء سبق ذكره فيكون المعنى مثل حم عسق يوحي إليك وإلى الذين من قبلك، وعند هذا حصل قولان: أحدهما: ما نقل عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: لا نبي صابح كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق كما تقدم. قال ابن الخطيب: «وهذا عندي بعيد» . والثاني: أن يكون مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحى إليك وإلى الذين من قبلك، وهذه المماثلة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد، وتقبيح أحوال الدنيا، والترغيب في أمور الآخرة. قال الزمخشري: لم يقل: أُوحِيَ إليك ولكن قال: يوحى إليك على لفظ المضارع ليدل على أن أيحاء مثله عادة وكونه عزيزاً بدل على كونه قادراً على ما لانهاية له وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجيات كما تقدم بيناه في أول سورة «حم» المؤمن. وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يدل على كونه موصوفاً بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجواء السموات والأرض على عظمها وسعتها بالإيجاد والإعلام وأن ما في السموات وما في الأرض ملكه وملكه، وهو العَلِيّ أي المتعالي عن مُشابهةِ المُمْكِنَات العظيم بالقدرة والقهر والاستعلاء. قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ﴾ تقدم الكلام فيه مُشْبعاً في مريم، وإلا أن الزمخشري زاد هنا وروى يونس عن أبي عمرو قراءةً غريبةً تتفطَّرن بتاءين مع النون. ونظيرها حرف نادر، رُوِيَ في نوادر ابن الأعرابي: «الإِبل تتشمَّمْنَ» . قال أبو حيان: والظاهر أن هذا وهمٌ، لأن ابن خالويه قال في شاذِّ القرآن ما نصه «تَنْفَطِرْنَ» بالتاء والنون يُونسُ عن أبي عمرو. قال ابن خالويه: وهذا حرف نادر؛ لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث لا يقال: النساء تقُمْنَ، ولكن يَقُمْنَ، والوالِدَاتُ يُرْضِعنَ ولا يقال: تُرضِعن. وقد كان أبو عمر الزَّاهِدُ روى في نوادر ابن الأعرابي: الإبل تتشمَّمْنَ فأنكرناه، فقد قواه الآن هذا. قال أبو حيان: فإن كانت نسخُ الزمخشري متفقةً على قوله: بتاءين مع النون «فهو وهم، وإن كان في بعضها بتاء مع النو كان موافقاً لقول ابن خالويه وكان بتاءين تحريفاً من النساخ وكذلك كتبهم تتفطَّرن وتَتشمَّمْنَ بتاءين. انتهى. قال شهاب الدين: كيف يستقيم أن يكو (ن) كتبهم تتشمَّمن بتاءين وهماً وذلك لأن ابن خالويه أورده في معرض الندرة والإنكار حتى يقوى عنده بهذه القراءة، وإنما يكون نادراً منكراً بتاءين، فإنه حينئذ يكون مضارعاً مسنداً لضمير الإبل، فكان من حقه أن يكون حرف مضارعته ياء منقوطة من أسفل، نحو: النِّساءُ يقُمن فكان ينبغي أن يقال: الإبل يتشمَّمن بالياء من تحت ثم بالتاء من فوق، فلما جاء بتاءين كلاهما من فوق ظهر نُدُوره وإنكاره، ولو كان على ما قال أبو حيان: إن كتبهم بتاءين وهماً بل كان ينبغي كتبه بتاء واحدة لما كان فيه شذوذ ولا إنكار، لأنه نظير: النِّسوة تدحرجْنَ فإنه ماض مسندٌ لضمير الإناث، وكذا لو كتبت بياء من تحت وتاء من فوق لم يكن فيه شذوذ، ولا إنكار. وإنما يجيء الشذوذ والإنكار إذا كان بتاءن منقوطتين من فوق، ثم إنه سواء قُرِىء تتفطَّرن بتاءين أو بياء ونون، فإنه نادر لما ذكر ابن خالويه، وهذه القراءة لم يقرأ بها في نظيرتها في سورة مريم. قوله:» مِنْ فَوْقِهِنَّ» في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عائد على السموات، أي كل واحدة منها تتفطَّرُ فوق التي تليها من قول المشريكن: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ [الكهف: 4] كما في سورة مريم، أي يبتدىء انفطارهُنَّ من هذه الجهة» فِمَنْ «لا بتداء الغاية متعلقة بما قبلها. الثاني: أنه يعود على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض. الثالث: أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين. قاله الأخفش الصغير. وأنكره مكي وقال لا يجوز ذلك في المذكور من بني آدم، وهذا لا يلزم الأخفش فإنه قال على الفرق والجماعات فراعى ذلك المعنى. فصل قال الزمخشري: كلمة الكفر إنَّما جاءت من الذين تحت السموات، وكان القياس أن يقال: ينفطِرن من تحتهن (أي) من الجهة التي (تحت) جاءت منها الكلمة، ولكن بُولغ في ذلك فجعلت مؤثرة مِنْ جهة الفوقِ، فكأنه قيل: يكون ينفطرن من الجهة التي فوقهنَّ، دع الجهة التي تحتهن. ونظيره في المبالغة، قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود﴾ [الحج: 19، 20] . فجعل مؤثراً في أجزائهم الباطنة. وقال ابن الخطيب: يعني من فوقهن أي من فوق الجهة التي حصلت هذه السموات فيها، وتلك الجهة هي فوق، فقولهن: من فوقهن أي من الجهة الفوقانيَّة التي هُنَّ فيها. قوله: ﴿والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مُفيضاً لكُلِّ الخيرات. قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض﴾ أي من المؤمنين كما حكى عنهم في سورة المؤمن فقال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [غافر: 7] . فإن قيل: (قوله) : ويستغفرون لمن في الأرض عام، فيدخل فيهم الكفار وقد لعنهم الله تعالى فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] فيكف (يكونون) لا عنين لهم ومستغفرين لهم؟! قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه: الأول: أنه عام مخصوص بآية المؤمن كما تقدم. الثاني: أن قوله ﴿لِمَن فِي الأرض﴾ لا يفيد العموم؛ لأنه (لا) يصح أن يقال: إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال: إنهم استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحاً في العموم لما صحَّ ذلك. الثالث: يجوم أن يكون المراد من الاستغفار أنه لا يُعاجلهم بالعقاب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: 41] إلى أن قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر: 41] . الرابع: يجوز أن يقال: إنهم يستغفرون لكل من في الأرض، أما في حق الكفار فبطلب الإيمان لهم وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم فإنا نقول: اللهم أهدش الكفار، وزيِّن قلوبهم بنور الإيمان وأَزِل عن خواطرهم وحشة الكُفْرِ، وهذا استغفار لهم في الحقيقة. فصل قال ابن الخطيب: قوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدل على أنهم لا يستغفرون لأنفسهم ولو وجد منهم معصية لا ستغفروا لأنفسهم قبل استغفارهم لمن في الأرض، فحيث لم يذكر الله عزَّ وجلَّ استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم مُبرَّأُون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم ذنوب، والذين لا ذنب لهم ألبتة أفضل ممن له ذنب، وأيضاً فقثوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدعل على أنهم يستغفرون للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لأنهم من جملة مَنْ في الأرض، وإذال كانوا مستغفرين للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان الظاهر أنهم أفضل منهم. ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم﴾ وهذا تنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر، إلا أن المغفرة المُطْلَقة لله تعالى وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة. قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي جعلوا له شركاء وأنداداً الله حفيظٌ عليهم أي رقيب عليهم ويحفظ أعمالهم، وأقوالهم ويُحصيها ليجازيهم بها، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم﴾ يا محمد «بِوَكِيل» أي لم يوكلك بهم ولا أمرهمه إليك إنَّما أنت مُنذرٌ. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ في قرآناً وجهان: أظهرهما: أنه مفعول أوحَيْنَا، والكاف للمصدر نعتاً أو حالاً. الثاني: أنه حال من الكاف، والكاف هي المفعول «لأَوْحَيْنَا» أي أوحينا مثل ذلك الإيحاء، وهو قرآن عربي وإليه عربي وإليه نحا الزمخشري. وكون الكاف اسماً في النثر مذهب الأخفش. فصل قال ابن الخطيب: قوله وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء سبق ذكره، وليس ههنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ يعني أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلاً عليهم وكذلك أوحينا إلريك قرآناً عربياً ليكون نذيراً لهم. قوله: ﴿أُمَّ القرى﴾ أي أهلَ أُمِّ القرى؛ لأن البلد لا تعقِلُ. قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ عطف على أهل المقدر من قبل أم القرى والمفعول الثاني محذوف أي العذاب. وقرىء: ليُنذر بالياء من تحت أي القرآن، أم القرى أصل القرى بمعنى مكة، وسمي بهذا الاسم إجلالاً؛ لأن فيها البيت ومقامَ إبراهيِم. والعرب تسمي أص لكلٍّ شيء أمةً، حتى يقال: هذه القصيدة من أُمَّهاتِ قصائد فلانٍ ومعنى «مَنْ حَوْلَها» أي قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المَدَر والوَبَر. والإنذار: التخويف. قوله: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع﴾ أي تنذرهم بيوم الجمع، وهو يوم القيامة، جمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرض. وقيل: المراد تجمع الأرواح بالأجساد. وقيل: يجمع كبين العامل وعمله وقيل: يجمع بين الظالم والمظلوم. قوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إخبارٌ فهو مستأنف، ويجوز أن يكون حالاً من «يَوْمِ الجَمْعِ» وجعله الزَّمخشري اعتراضاً وهو غير ظاهر صناعة إذ لم يقع بين مُتلازمين. قوله: «فَرِيقٌ» العامة على رفعه بأحد وجهين: إمَّا الابتداء، وخبره الجار بعده، وساغ هذا في النكرة، لأنه مقام تفصيل كقوله: 4371 - ... ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ نَسِيتُ وثَوْبٌ أَجُرٌّ ويجوز أن يكون الخبر مقدراً تقديره منهم فريق. وساغ الابتداء بالنكرة لشيئين: تقديم خبرها جار ومجروراً ووصفها بالجار بعدها، والثاني: أنه خبر ابتداء مضمر إي هم أي المجموعون، دَلَّ على ذلك يوم الجمع. وقرأ زيدٌ بن عليٍّ: فريقاً وفريقاً، نصباً على الحال من جملة محذوفة أي افتَرَقُوا أي المجموعون. وقال مكي: وأجاز الكسائي والفراءُ النصب في الكلام في «فريقاً» على معنى: تُنذر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير يوم الجمع وكأنه لم يطلع على أنها قراءة. وظاهر نقله عن هذين الإِمامين أنهما لم يطلعا (عليها) وجعل «فريقاً» مفعولاً أول لتنذر، «ويوم الجمع» مفعولاً ثانياُ. وفي ظاهره إشكالٌ وهو أنَّ الإنذار لا يقع للفريقين وهما في الجنة وفي السعير إنما يكون الإنذار قبل استقرارهما فيهما. ويمكن أن يُجَابَ عنه بأن المراد مَنْ هو من أهل الجنة ومن أهل السعير، وإن لم يكن حاصلاً فيهما وقت الإنذار، و «فِي الجَنَّةِ» صفة «فَرِيقاً» أو متعلق بذلك المحذوف. فإن قيل: يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين، والجمع بين الصنفين محال! . فالجواب: أنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس (رضي اللهُ عَنْهُمَا) على دين واحدٍ وقال مقاتل: على ملة الإسلام، كقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى﴾ [الأنعام: 35] ﴿ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي في دين الإسلام «والظَّالِمُونَ» الكافرون ﴿مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ﴾ يرفع عنهم العذاب «وَلاَ نَصِير» يمنعهممن النار وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي أنت لا تقدر أن تحملهم على الإيمان فلو شاء الله لفعله؛ لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أم هذه (هي) أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال وبهمزة الإنكار، أو بالهمزة فقط. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم يقال بعده لمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: لَسْتَ عَلَيْهمْ بِوَكِيلٍ أي لا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان فإن الله لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الاستنكار. ثم قال: ﴿فالله هُوَ الولي﴾ ، قال ابن عباس (رضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) : وليك يا محمد، وولي من اتبعك، والفاء جواب شرط مقدر كأنه قال: إنْ أَرَادُوا أولياء بحق فاللهُ هو الوليّ، لاَ وليَّ سواه؛ لأنه يحيي الموتى ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء قاله الزمخشري. وقيل: الفاء عاطفة ما بعدها على ما قبلها. قوله تعالى: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخُصُوماتِ والمنازعات فقال: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ﴾ (من شيء) من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يُزيل الرَّيب، وقيل: وما اختلفتُم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم ولا يُؤْثروا حكومة غيره على حكومته. وقيل: ما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا يصل تكليفكم ولا ط ريق لكم إلى علمه، فقولوا الله أعلم كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] . قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على مان نص الله عليه، والثاني باطل، لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثتبة بالقياس وأنه باطل فتعين الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالمعنى، وذلك ينفي العمل بالقياس. فإن قيل: لايجوز أن يكون المراد فحكمه معروف من بيا الله تعالى سواء كان ذلك البيان بالنص أو القياس؟ . فالجواب: أن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نص الله تعالى. قوله: ﴿ذَلِكُمُ الله﴾ أي الذي يحكم بين المختلفين ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رفع كيد الأعداء وفي طلب كُل خير ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي أرجع إليه في كل المهمات، وهذا يفليد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه.

الشورى 42:6

مكية وهي ثلاث وخمسون آية، وثمانمائة وست وستون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية وثمانون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «حم عسق» تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح. وسئل الحُسينُ بنُ الفضل: لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص فقال: لأنها سور أوائلها «حم» فجرت مجرى نظائرها. كأنَّ «حم» مبتدأ «عسق» خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل: كهيعص، والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص، وأخواتها، لأنها حروف التهجي لا غير. واختلفوا في «حم» فأخرجها بعضهم من حيِّز الحروف، وجعلها فعلاً. وقيل: معناه حُمَّ أي قضي ما هو كائن. روى عكرمة عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: «ح» حلمه «م» مجده «ع» عمله، «س» سناؤه، «ق» قدرته أقسم الله بها. وقال شهرُ بن حوشب وعطاءُ بن أبي رباح: «ح» حرب يعِزُّ فيها الذليل ويذلُّ فيها العزيز من قريش «م» ملكُ يتحول مِنْ قوم إلى قوم «ع» عدوٌّ لقريش يقصدهم «س» سبيٌ يكون فيهم «ق» قُدرةُ الله النافذة في خلقه؛ ورُوِيَ عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: ليس من نبي صاحب كمتاب إلا وقد أوحيت إليه حم عسق فلذلك قال: يُوحى إليك وإلى الَّذِين من قبلك وعلى هذا فقوله ﴿الله العزيز الحكيم﴾ تبيين للفاعل كأنه قال: من يوحي؟ فقيل: الله العزيزُ الحيكم كما سيأتي. وقرأ ابنُ عباس وابنُ مسعود حمَ سَق. قوله: «كَذَلِكَ يُوحِي» القراء على يوحي بالياء من أسفل مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، والعزيز الحكيم نعتان، والكاف منصوبة المحل إما نعتاً لمصدر، أو حالاً من ضميره، أي يوحي إيحاءً مثل ذلك الإيحاء. وقرأ ابن كثير وتُرْوَى عن أبي عمرو يُوحَى بفتح الحاء مبنياً للمجهول وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير مستتر يعود على كذلك، لأنه مبتدأ، والتقدير مثلُ ذلك الإيحاء يُوحَى هو إليك. «فمِثْلُ ذَلِك» مبتدأ، و «يُوحَى إِلَيْكَ» خبره. الثاني: أن القائم مقام الفاعل «إليك» والكاف منصوبة المحل على الوجهين المقتدمين. الثالث: أن القائم مقامه الجملة من قوله «اللهُ العزيزُ» أي يُوحى إليك هذا اللفظُ. وأصول البصريين لا تساعد عليه؛ لأن الجملة لا تكون فاعلةً ولا قائمةً مقامه. وقرأ أبو حيوة والأعمش وأبان نُوحي بالنون وهي موافقة العامة. ويحتمل أن تكون الجملة من قوله: ﴿الله العزيز الحكيم﴾ منصوبة المحل مفعولة بنُحي أي نُوحِي إليك هذا اللفظ، إلا أنَّ فيه حكاية الجملة بغير القول الصريح. و «يُوحِي» على اختلاف قراءته يجوز أن يكون على بابه من الحال والاستقبال فيتعلق قوله: ﴿وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ بمحذوف لتعذر ذلك تقديره: «وأُحِي إلى الذَّين من قَبْلِكَ» وأن يكون يكون بمعنى الماضي، وجيء به على صورة المضارع لغرضٍ وهو تصوير الحال. قوله: «اللهُ العَزيزُ» يجوز أن يرتفع بالفاعلية في قراءة العامة، وأن يرتفع بفعل مضمر في قراءة ابن كثير كأنه قيل: من يوحيه؟ فقيل: اللهُ العزيزُ، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: 36، 37] وقوله: 4370 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... وقد مرَّ. وأن يرتفع بالابتداء، وما بعده خبره، والجملة قائمة مقام الفاعل على ما مر، وأن يكون «العَزِيزُ الحَكِيمُ» خبرين، أو نعتين، والجملة من قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبر أول أو ثانٍ على حسب ما تقدم في «العَزِيزِ الحَكِيم» . وجوَّز أبو البقاء يكون «العَزِيزُ» مبتدأ، و «الحكيم» خبره، أو نعته و ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبره. وفيه نظر؛ إذا الظاهر تبعيَّتُها للجلالة. وأنت إذا قلت: «جَاءَ زَيْدٌ العَاقِلُ الفَاضِلُ» لا تجعل العامل مرفوعاً على الابتداء. فصل الكاف في «كَذَلِكَ» معناه المثل و «ذَا» للإشارة إلى شيء سبق ذكره فيكون المعنى مثل حم عسق يوحي إليك وإلى الذين من قبلك، وعند هذا حصل قولان: أحدهما: ما نقل عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: لا نبي صابح كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق كما تقدم. قال ابن الخطيب: «وهذا عندي بعيد» . والثاني: أن يكون مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحى إليك وإلى الذين من قبلك، وهذه المماثلة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد، وتقبيح أحوال الدنيا، والترغيب في أمور الآخرة. قال الزمخشري: لم يقل: أُوحِيَ إليك ولكن قال: يوحى إليك على لفظ المضارع ليدل على أن أيحاء مثله عادة وكونه عزيزاً بدل على كونه قادراً على ما لانهاية له وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجيات كما تقدم بيناه في أول سورة «حم» المؤمن. وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يدل على كونه موصوفاً بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجواء السموات والأرض على عظمها وسعتها بالإيجاد والإعلام وأن ما في السموات وما في الأرض ملكه وملكه، وهو العَلِيّ أي المتعالي عن مُشابهةِ المُمْكِنَات العظيم بالقدرة والقهر والاستعلاء. قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ﴾ تقدم الكلام فيه مُشْبعاً في مريم، وإلا أن الزمخشري زاد هنا وروى يونس عن أبي عمرو قراءةً غريبةً تتفطَّرن بتاءين مع النون. ونظيرها حرف نادر، رُوِيَ في نوادر ابن الأعرابي: «الإِبل تتشمَّمْنَ» . قال أبو حيان: والظاهر أن هذا وهمٌ، لأن ابن خالويه قال في شاذِّ القرآن ما نصه «تَنْفَطِرْنَ» بالتاء والنون يُونسُ عن أبي عمرو. قال ابن خالويه: وهذا حرف نادر؛ لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث لا يقال: النساء تقُمْنَ، ولكن يَقُمْنَ، والوالِدَاتُ يُرْضِعنَ ولا يقال: تُرضِعن. وقد كان أبو عمر الزَّاهِدُ روى في نوادر ابن الأعرابي: الإبل تتشمَّمْنَ فأنكرناه، فقد قواه الآن هذا. قال أبو حيان: فإن كانت نسخُ الزمخشري متفقةً على قوله: بتاءين مع النون «فهو وهم، وإن كان في بعضها بتاء مع النو كان موافقاً لقول ابن خالويه وكان بتاءين تحريفاً من النساخ وكذلك كتبهم تتفطَّرن وتَتشمَّمْنَ بتاءين. انتهى. قال شهاب الدين: كيف يستقيم أن يكو (ن) كتبهم تتشمَّمن بتاءين وهماً وذلك لأن ابن خالويه أورده في معرض الندرة والإنكار حتى يقوى عنده بهذه القراءة، وإنما يكون نادراً منكراً بتاءين، فإنه حينئذ يكون مضارعاً مسنداً لضمير الإبل، فكان من حقه أن يكون حرف مضارعته ياء منقوطة من أسفل، نحو: النِّساءُ يقُمن فكان ينبغي أن يقال: الإبل يتشمَّمن بالياء من تحت ثم بالتاء من فوق، فلما جاء بتاءين كلاهما من فوق ظهر نُدُوره وإنكاره، ولو كان على ما قال أبو حيان: إن كتبهم بتاءين وهماً بل كان ينبغي كتبه بتاء واحدة لما كان فيه شذوذ ولا إنكار، لأنه نظير: النِّسوة تدحرجْنَ فإنه ماض مسندٌ لضمير الإناث، وكذا لو كتبت بياء من تحت وتاء من فوق لم يكن فيه شذوذ، ولا إنكار. وإنما يجيء الشذوذ والإنكار إذا كان بتاءن منقوطتين من فوق، ثم إنه سواء قُرِىء تتفطَّرن بتاءين أو بياء ونون، فإنه نادر لما ذكر ابن خالويه، وهذه القراءة لم يقرأ بها في نظيرتها في سورة مريم. قوله:» مِنْ فَوْقِهِنَّ» في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عائد على السموات، أي كل واحدة منها تتفطَّرُ فوق التي تليها من قول المشريكن: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ [الكهف: 4] كما في سورة مريم، أي يبتدىء انفطارهُنَّ من هذه الجهة» فِمَنْ «لا بتداء الغاية متعلقة بما قبلها. الثاني: أنه يعود على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض. الثالث: أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين. قاله الأخفش الصغير. وأنكره مكي وقال لا يجوز ذلك في المذكور من بني آدم، وهذا لا يلزم الأخفش فإنه قال على الفرق والجماعات فراعى ذلك المعنى. فصل قال الزمخشري: كلمة الكفر إنَّما جاءت من الذين تحت السموات، وكان القياس أن يقال: ينفطِرن من تحتهن (أي) من الجهة التي (تحت) جاءت منها الكلمة، ولكن بُولغ في ذلك فجعلت مؤثرة مِنْ جهة الفوقِ، فكأنه قيل: يكون ينفطرن من الجهة التي فوقهنَّ، دع الجهة التي تحتهن. ونظيره في المبالغة، قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود﴾ [الحج: 19، 20] . فجعل مؤثراً في أجزائهم الباطنة. وقال ابن الخطيب: يعني من فوقهن أي من فوق الجهة التي حصلت هذه السموات فيها، وتلك الجهة هي فوق، فقولهن: من فوقهن أي من الجهة الفوقانيَّة التي هُنَّ فيها. قوله: ﴿والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مُفيضاً لكُلِّ الخيرات. قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض﴾ أي من المؤمنين كما حكى عنهم في سورة المؤمن فقال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [غافر: 7] . فإن قيل: (قوله) : ويستغفرون لمن في الأرض عام، فيدخل فيهم الكفار وقد لعنهم الله تعالى فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] فيكف (يكونون) لا عنين لهم ومستغفرين لهم؟! قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه: الأول: أنه عام مخصوص بآية المؤمن كما تقدم. الثاني: أن قوله ﴿لِمَن فِي الأرض﴾ لا يفيد العموم؛ لأنه (لا) يصح أن يقال: إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال: إنهم استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحاً في العموم لما صحَّ ذلك. الثالث: يجوم أن يكون المراد من الاستغفار أنه لا يُعاجلهم بالعقاب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: 41] إلى أن قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر: 41] . الرابع: يجوز أن يقال: إنهم يستغفرون لكل من في الأرض، أما في حق الكفار فبطلب الإيمان لهم وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم فإنا نقول: اللهم أهدش الكفار، وزيِّن قلوبهم بنور الإيمان وأَزِل عن خواطرهم وحشة الكُفْرِ، وهذا استغفار لهم في الحقيقة. فصل قال ابن الخطيب: قوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدل على أنهم لا يستغفرون لأنفسهم ولو وجد منهم معصية لا ستغفروا لأنفسهم قبل استغفارهم لمن في الأرض، فحيث لم يذكر الله عزَّ وجلَّ استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم مُبرَّأُون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم ذنوب، والذين لا ذنب لهم ألبتة أفضل ممن له ذنب، وأيضاً فقثوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدعل على أنهم يستغفرون للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لأنهم من جملة مَنْ في الأرض، وإذال كانوا مستغفرين للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان الظاهر أنهم أفضل منهم. ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم﴾ وهذا تنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر، إلا أن المغفرة المُطْلَقة لله تعالى وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة. قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي جعلوا له شركاء وأنداداً الله حفيظٌ عليهم أي رقيب عليهم ويحفظ أعمالهم، وأقوالهم ويُحصيها ليجازيهم بها، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم﴾ يا محمد «بِوَكِيل» أي لم يوكلك بهم ولا أمرهمه إليك إنَّما أنت مُنذرٌ. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ في قرآناً وجهان: أظهرهما: أنه مفعول أوحَيْنَا، والكاف للمصدر نعتاً أو حالاً. الثاني: أنه حال من الكاف، والكاف هي المفعول «لأَوْحَيْنَا» أي أوحينا مثل ذلك الإيحاء، وهو قرآن عربي وإليه عربي وإليه نحا الزمخشري. وكون الكاف اسماً في النثر مذهب الأخفش. فصل قال ابن الخطيب: قوله وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء سبق ذكره، وليس ههنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ يعني أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلاً عليهم وكذلك أوحينا إلريك قرآناً عربياً ليكون نذيراً لهم. قوله: ﴿أُمَّ القرى﴾ أي أهلَ أُمِّ القرى؛ لأن البلد لا تعقِلُ. قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ عطف على أهل المقدر من قبل أم القرى والمفعول الثاني محذوف أي العذاب. وقرىء: ليُنذر بالياء من تحت أي القرآن، أم القرى أصل القرى بمعنى مكة، وسمي بهذا الاسم إجلالاً؛ لأن فيها البيت ومقامَ إبراهيِم. والعرب تسمي أص لكلٍّ شيء أمةً، حتى يقال: هذه القصيدة من أُمَّهاتِ قصائد فلانٍ ومعنى «مَنْ حَوْلَها» أي قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المَدَر والوَبَر. والإنذار: التخويف. قوله: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع﴾ أي تنذرهم بيوم الجمع، وهو يوم القيامة، جمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرض. وقيل: المراد تجمع الأرواح بالأجساد. وقيل: يجمع كبين العامل وعمله وقيل: يجمع بين الظالم والمظلوم. قوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إخبارٌ فهو مستأنف، ويجوز أن يكون حالاً من «يَوْمِ الجَمْعِ» وجعله الزَّمخشري اعتراضاً وهو غير ظاهر صناعة إذ لم يقع بين مُتلازمين. قوله: «فَرِيقٌ» العامة على رفعه بأحد وجهين: إمَّا الابتداء، وخبره الجار بعده، وساغ هذا في النكرة، لأنه مقام تفصيل كقوله: 4371 - ... ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ نَسِيتُ وثَوْبٌ أَجُرٌّ ويجوز أن يكون الخبر مقدراً تقديره منهم فريق. وساغ الابتداء بالنكرة لشيئين: تقديم خبرها جار ومجروراً ووصفها بالجار بعدها، والثاني: أنه خبر ابتداء مضمر إي هم أي المجموعون، دَلَّ على ذلك يوم الجمع. وقرأ زيدٌ بن عليٍّ: فريقاً وفريقاً، نصباً على الحال من جملة محذوفة أي افتَرَقُوا أي المجموعون. وقال مكي: وأجاز الكسائي والفراءُ النصب في الكلام في «فريقاً» على معنى: تُنذر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير يوم الجمع وكأنه لم يطلع على أنها قراءة. وظاهر نقله عن هذين الإِمامين أنهما لم يطلعا (عليها) وجعل «فريقاً» مفعولاً أول لتنذر، «ويوم الجمع» مفعولاً ثانياُ. وفي ظاهره إشكالٌ وهو أنَّ الإنذار لا يقع للفريقين وهما في الجنة وفي السعير إنما يكون الإنذار قبل استقرارهما فيهما. ويمكن أن يُجَابَ عنه بأن المراد مَنْ هو من أهل الجنة ومن أهل السعير، وإن لم يكن حاصلاً فيهما وقت الإنذار، و «فِي الجَنَّةِ» صفة «فَرِيقاً» أو متعلق بذلك المحذوف. فإن قيل: يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين، والجمع بين الصنفين محال! . فالجواب: أنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس (رضي اللهُ عَنْهُمَا) على دين واحدٍ وقال مقاتل: على ملة الإسلام، كقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى﴾ [الأنعام: 35] ﴿ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي في دين الإسلام «والظَّالِمُونَ» الكافرون ﴿مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ﴾ يرفع عنهم العذاب «وَلاَ نَصِير» يمنعهممن النار وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي أنت لا تقدر أن تحملهم على الإيمان فلو شاء الله لفعله؛ لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أم هذه (هي) أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال وبهمزة الإنكار، أو بالهمزة فقط. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم يقال بعده لمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: لَسْتَ عَلَيْهمْ بِوَكِيلٍ أي لا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان فإن الله لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الاستنكار. ثم قال: ﴿فالله هُوَ الولي﴾ ، قال ابن عباس (رضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) : وليك يا محمد، وولي من اتبعك، والفاء جواب شرط مقدر كأنه قال: إنْ أَرَادُوا أولياء بحق فاللهُ هو الوليّ، لاَ وليَّ سواه؛ لأنه يحيي الموتى ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء قاله الزمخشري. وقيل: الفاء عاطفة ما بعدها على ما قبلها. قوله تعالى: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخُصُوماتِ والمنازعات فقال: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ﴾ (من شيء) من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يُزيل الرَّيب، وقيل: وما اختلفتُم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم ولا يُؤْثروا حكومة غيره على حكومته. وقيل: ما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا يصل تكليفكم ولا ط ريق لكم إلى علمه، فقولوا الله أعلم كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] . قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على مان نص الله عليه، والثاني باطل، لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثتبة بالقياس وأنه باطل فتعين الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالمعنى، وذلك ينفي العمل بالقياس. فإن قيل: لايجوز أن يكون المراد فحكمه معروف من بيا الله تعالى سواء كان ذلك البيان بالنص أو القياس؟ . فالجواب: أن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نص الله تعالى. قوله: ﴿ذَلِكُمُ الله﴾ أي الذي يحكم بين المختلفين ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رفع كيد الأعداء وفي طلب كُل خير ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي أرجع إليه في كل المهمات، وهذا يفليد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه.

الشورى 42:7

مكية وهي ثلاث وخمسون آية، وثمانمائة وست وستون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية وثمانون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «حم عسق» تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح. وسئل الحُسينُ بنُ الفضل: لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص فقال: لأنها سور أوائلها «حم» فجرت مجرى نظائرها. كأنَّ «حم» مبتدأ «عسق» خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل: كهيعص، والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص، وأخواتها، لأنها حروف التهجي لا غير. واختلفوا في «حم» فأخرجها بعضهم من حيِّز الحروف، وجعلها فعلاً. وقيل: معناه حُمَّ أي قضي ما هو كائن. روى عكرمة عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: «ح» حلمه «م» مجده «ع» عمله، «س» سناؤه، «ق» قدرته أقسم الله بها. وقال شهرُ بن حوشب وعطاءُ بن أبي رباح: «ح» حرب يعِزُّ فيها الذليل ويذلُّ فيها العزيز من قريش «م» ملكُ يتحول مِنْ قوم إلى قوم «ع» عدوٌّ لقريش يقصدهم «س» سبيٌ يكون فيهم «ق» قُدرةُ الله النافذة في خلقه؛ ورُوِيَ عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: ليس من نبي صاحب كمتاب إلا وقد أوحيت إليه حم عسق فلذلك قال: يُوحى إليك وإلى الَّذِين من قبلك وعلى هذا فقوله ﴿الله العزيز الحكيم﴾ تبيين للفاعل كأنه قال: من يوحي؟ فقيل: الله العزيزُ الحيكم كما سيأتي. وقرأ ابنُ عباس وابنُ مسعود حمَ سَق. قوله: «كَذَلِكَ يُوحِي» القراء على يوحي بالياء من أسفل مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، والعزيز الحكيم نعتان، والكاف منصوبة المحل إما نعتاً لمصدر، أو حالاً من ضميره، أي يوحي إيحاءً مثل ذلك الإيحاء. وقرأ ابن كثير وتُرْوَى عن أبي عمرو يُوحَى بفتح الحاء مبنياً للمجهول وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير مستتر يعود على كذلك، لأنه مبتدأ، والتقدير مثلُ ذلك الإيحاء يُوحَى هو إليك. «فمِثْلُ ذَلِك» مبتدأ، و «يُوحَى إِلَيْكَ» خبره. الثاني: أن القائم مقام الفاعل «إليك» والكاف منصوبة المحل على الوجهين المقتدمين. الثالث: أن القائم مقامه الجملة من قوله «اللهُ العزيزُ» أي يُوحى إليك هذا اللفظُ. وأصول البصريين لا تساعد عليه؛ لأن الجملة لا تكون فاعلةً ولا قائمةً مقامه. وقرأ أبو حيوة والأعمش وأبان نُوحي بالنون وهي موافقة العامة. ويحتمل أن تكون الجملة من قوله: ﴿الله العزيز الحكيم﴾ منصوبة المحل مفعولة بنُحي أي نُوحِي إليك هذا اللفظ، إلا أنَّ فيه حكاية الجملة بغير القول الصريح. و «يُوحِي» على اختلاف قراءته يجوز أن يكون على بابه من الحال والاستقبال فيتعلق قوله: ﴿وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ بمحذوف لتعذر ذلك تقديره: «وأُحِي إلى الذَّين من قَبْلِكَ» وأن يكون يكون بمعنى الماضي، وجيء به على صورة المضارع لغرضٍ وهو تصوير الحال. قوله: «اللهُ العَزيزُ» يجوز أن يرتفع بالفاعلية في قراءة العامة، وأن يرتفع بفعل مضمر في قراءة ابن كثير كأنه قيل: من يوحيه؟ فقيل: اللهُ العزيزُ، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: 36، 37] وقوله: 4370 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... وقد مرَّ. وأن يرتفع بالابتداء، وما بعده خبره، والجملة قائمة مقام الفاعل على ما مر، وأن يكون «العَزِيزُ الحَكِيمُ» خبرين، أو نعتين، والجملة من قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبر أول أو ثانٍ على حسب ما تقدم في «العَزِيزِ الحَكِيم» . وجوَّز أبو البقاء يكون «العَزِيزُ» مبتدأ، و «الحكيم» خبره، أو نعته و ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبره. وفيه نظر؛ إذا الظاهر تبعيَّتُها للجلالة. وأنت إذا قلت: «جَاءَ زَيْدٌ العَاقِلُ الفَاضِلُ» لا تجعل العامل مرفوعاً على الابتداء. فصل الكاف في «كَذَلِكَ» معناه المثل و «ذَا» للإشارة إلى شيء سبق ذكره فيكون المعنى مثل حم عسق يوحي إليك وإلى الذين من قبلك، وعند هذا حصل قولان: أحدهما: ما نقل عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: لا نبي صابح كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق كما تقدم. قال ابن الخطيب: «وهذا عندي بعيد» . والثاني: أن يكون مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحى إليك وإلى الذين من قبلك، وهذه المماثلة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد، وتقبيح أحوال الدنيا، والترغيب في أمور الآخرة. قال الزمخشري: لم يقل: أُوحِيَ إليك ولكن قال: يوحى إليك على لفظ المضارع ليدل على أن أيحاء مثله عادة وكونه عزيزاً بدل على كونه قادراً على ما لانهاية له وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجيات كما تقدم بيناه في أول سورة «حم» المؤمن. وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يدل على كونه موصوفاً بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجواء السموات والأرض على عظمها وسعتها بالإيجاد والإعلام وأن ما في السموات وما في الأرض ملكه وملكه، وهو العَلِيّ أي المتعالي عن مُشابهةِ المُمْكِنَات العظيم بالقدرة والقهر والاستعلاء. قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ﴾ تقدم الكلام فيه مُشْبعاً في مريم، وإلا أن الزمخشري زاد هنا وروى يونس عن أبي عمرو قراءةً غريبةً تتفطَّرن بتاءين مع النون. ونظيرها حرف نادر، رُوِيَ في نوادر ابن الأعرابي: «الإِبل تتشمَّمْنَ» . قال أبو حيان: والظاهر أن هذا وهمٌ، لأن ابن خالويه قال في شاذِّ القرآن ما نصه «تَنْفَطِرْنَ» بالتاء والنون يُونسُ عن أبي عمرو. قال ابن خالويه: وهذا حرف نادر؛ لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث لا يقال: النساء تقُمْنَ، ولكن يَقُمْنَ، والوالِدَاتُ يُرْضِعنَ ولا يقال: تُرضِعن. وقد كان أبو عمر الزَّاهِدُ روى في نوادر ابن الأعرابي: الإبل تتشمَّمْنَ فأنكرناه، فقد قواه الآن هذا. قال أبو حيان: فإن كانت نسخُ الزمخشري متفقةً على قوله: بتاءين مع النون «فهو وهم، وإن كان في بعضها بتاء مع النو كان موافقاً لقول ابن خالويه وكان بتاءين تحريفاً من النساخ وكذلك كتبهم تتفطَّرن وتَتشمَّمْنَ بتاءين. انتهى. قال شهاب الدين: كيف يستقيم أن يكو (ن) كتبهم تتشمَّمن بتاءين وهماً وذلك لأن ابن خالويه أورده في معرض الندرة والإنكار حتى يقوى عنده بهذه القراءة، وإنما يكون نادراً منكراً بتاءين، فإنه حينئذ يكون مضارعاً مسنداً لضمير الإبل، فكان من حقه أن يكون حرف مضارعته ياء منقوطة من أسفل، نحو: النِّساءُ يقُمن فكان ينبغي أن يقال: الإبل يتشمَّمن بالياء من تحت ثم بالتاء من فوق، فلما جاء بتاءين كلاهما من فوق ظهر نُدُوره وإنكاره، ولو كان على ما قال أبو حيان: إن كتبهم بتاءين وهماً بل كان ينبغي كتبه بتاء واحدة لما كان فيه شذوذ ولا إنكار، لأنه نظير: النِّسوة تدحرجْنَ فإنه ماض مسندٌ لضمير الإناث، وكذا لو كتبت بياء من تحت وتاء من فوق لم يكن فيه شذوذ، ولا إنكار. وإنما يجيء الشذوذ والإنكار إذا كان بتاءن منقوطتين من فوق، ثم إنه سواء قُرِىء تتفطَّرن بتاءين أو بياء ونون، فإنه نادر لما ذكر ابن خالويه، وهذه القراءة لم يقرأ بها في نظيرتها في سورة مريم. قوله:» مِنْ فَوْقِهِنَّ» في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عائد على السموات، أي كل واحدة منها تتفطَّرُ فوق التي تليها من قول المشريكن: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ [الكهف: 4] كما في سورة مريم، أي يبتدىء انفطارهُنَّ من هذه الجهة» فِمَنْ «لا بتداء الغاية متعلقة بما قبلها. الثاني: أنه يعود على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض. الثالث: أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين. قاله الأخفش الصغير. وأنكره مكي وقال لا يجوز ذلك في المذكور من بني آدم، وهذا لا يلزم الأخفش فإنه قال على الفرق والجماعات فراعى ذلك المعنى. فصل قال الزمخشري: كلمة الكفر إنَّما جاءت من الذين تحت السموات، وكان القياس أن يقال: ينفطِرن من تحتهن (أي) من الجهة التي (تحت) جاءت منها الكلمة، ولكن بُولغ في ذلك فجعلت مؤثرة مِنْ جهة الفوقِ، فكأنه قيل: يكون ينفطرن من الجهة التي فوقهنَّ، دع الجهة التي تحتهن. ونظيره في المبالغة، قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود﴾ [الحج: 19، 20] . فجعل مؤثراً في أجزائهم الباطنة. وقال ابن الخطيب: يعني من فوقهن أي من فوق الجهة التي حصلت هذه السموات فيها، وتلك الجهة هي فوق، فقولهن: من فوقهن أي من الجهة الفوقانيَّة التي هُنَّ فيها. قوله: ﴿والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مُفيضاً لكُلِّ الخيرات. قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض﴾ أي من المؤمنين كما حكى عنهم في سورة المؤمن فقال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [غافر: 7] . فإن قيل: (قوله) : ويستغفرون لمن في الأرض عام، فيدخل فيهم الكفار وقد لعنهم الله تعالى فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] فيكف (يكونون) لا عنين لهم ومستغفرين لهم؟! قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه: الأول: أنه عام مخصوص بآية المؤمن كما تقدم. الثاني: أن قوله ﴿لِمَن فِي الأرض﴾ لا يفيد العموم؛ لأنه (لا) يصح أن يقال: إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال: إنهم استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحاً في العموم لما صحَّ ذلك. الثالث: يجوم أن يكون المراد من الاستغفار أنه لا يُعاجلهم بالعقاب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: 41] إلى أن قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر: 41] . الرابع: يجوز أن يقال: إنهم يستغفرون لكل من في الأرض، أما في حق الكفار فبطلب الإيمان لهم وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم فإنا نقول: اللهم أهدش الكفار، وزيِّن قلوبهم بنور الإيمان وأَزِل عن خواطرهم وحشة الكُفْرِ، وهذا استغفار لهم في الحقيقة. فصل قال ابن الخطيب: قوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدل على أنهم لا يستغفرون لأنفسهم ولو وجد منهم معصية لا ستغفروا لأنفسهم قبل استغفارهم لمن في الأرض، فحيث لم يذكر الله عزَّ وجلَّ استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم مُبرَّأُون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم ذنوب، والذين لا ذنب لهم ألبتة أفضل ممن له ذنب، وأيضاً فقثوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدعل على أنهم يستغفرون للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لأنهم من جملة مَنْ في الأرض، وإذال كانوا مستغفرين للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان الظاهر أنهم أفضل منهم. ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم﴾ وهذا تنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر، إلا أن المغفرة المُطْلَقة لله تعالى وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة. قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي جعلوا له شركاء وأنداداً الله حفيظٌ عليهم أي رقيب عليهم ويحفظ أعمالهم، وأقوالهم ويُحصيها ليجازيهم بها، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم﴾ يا محمد «بِوَكِيل» أي لم يوكلك بهم ولا أمرهمه إليك إنَّما أنت مُنذرٌ. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ في قرآناً وجهان: أظهرهما: أنه مفعول أوحَيْنَا، والكاف للمصدر نعتاً أو حالاً. الثاني: أنه حال من الكاف، والكاف هي المفعول «لأَوْحَيْنَا» أي أوحينا مثل ذلك الإيحاء، وهو قرآن عربي وإليه عربي وإليه نحا الزمخشري. وكون الكاف اسماً في النثر مذهب الأخفش. فصل قال ابن الخطيب: قوله وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء سبق ذكره، وليس ههنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ يعني أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلاً عليهم وكذلك أوحينا إلريك قرآناً عربياً ليكون نذيراً لهم. قوله: ﴿أُمَّ القرى﴾ أي أهلَ أُمِّ القرى؛ لأن البلد لا تعقِلُ. قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ عطف على أهل المقدر من قبل أم القرى والمفعول الثاني محذوف أي العذاب. وقرىء: ليُنذر بالياء من تحت أي القرآن، أم القرى أصل القرى بمعنى مكة، وسمي بهذا الاسم إجلالاً؛ لأن فيها البيت ومقامَ إبراهيِم. والعرب تسمي أص لكلٍّ شيء أمةً، حتى يقال: هذه القصيدة من أُمَّهاتِ قصائد فلانٍ ومعنى «مَنْ حَوْلَها» أي قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المَدَر والوَبَر. والإنذار: التخويف. قوله: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع﴾ أي تنذرهم بيوم الجمع، وهو يوم القيامة، جمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرض. وقيل: المراد تجمع الأرواح بالأجساد. وقيل: يجمع كبين العامل وعمله وقيل: يجمع بين الظالم والمظلوم. قوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إخبارٌ فهو مستأنف، ويجوز أن يكون حالاً من «يَوْمِ الجَمْعِ» وجعله الزَّمخشري اعتراضاً وهو غير ظاهر صناعة إذ لم يقع بين مُتلازمين. قوله: «فَرِيقٌ» العامة على رفعه بأحد وجهين: إمَّا الابتداء، وخبره الجار بعده، وساغ هذا في النكرة، لأنه مقام تفصيل كقوله: 4371 - ... ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ نَسِيتُ وثَوْبٌ أَجُرٌّ ويجوز أن يكون الخبر مقدراً تقديره منهم فريق. وساغ الابتداء بالنكرة لشيئين: تقديم خبرها جار ومجروراً ووصفها بالجار بعدها، والثاني: أنه خبر ابتداء مضمر إي هم أي المجموعون، دَلَّ على ذلك يوم الجمع. وقرأ زيدٌ بن عليٍّ: فريقاً وفريقاً، نصباً على الحال من جملة محذوفة أي افتَرَقُوا أي المجموعون. وقال مكي: وأجاز الكسائي والفراءُ النصب في الكلام في «فريقاً» على معنى: تُنذر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير يوم الجمع وكأنه لم يطلع على أنها قراءة. وظاهر نقله عن هذين الإِمامين أنهما لم يطلعا (عليها) وجعل «فريقاً» مفعولاً أول لتنذر، «ويوم الجمع» مفعولاً ثانياُ. وفي ظاهره إشكالٌ وهو أنَّ الإنذار لا يقع للفريقين وهما في الجنة وفي السعير إنما يكون الإنذار قبل استقرارهما فيهما. ويمكن أن يُجَابَ عنه بأن المراد مَنْ هو من أهل الجنة ومن أهل السعير، وإن لم يكن حاصلاً فيهما وقت الإنذار، و «فِي الجَنَّةِ» صفة «فَرِيقاً» أو متعلق بذلك المحذوف. فإن قيل: يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين، والجمع بين الصنفين محال! . فالجواب: أنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس (رضي اللهُ عَنْهُمَا) على دين واحدٍ وقال مقاتل: على ملة الإسلام، كقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى﴾ [الأنعام: 35] ﴿ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي في دين الإسلام «والظَّالِمُونَ» الكافرون ﴿مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ﴾ يرفع عنهم العذاب «وَلاَ نَصِير» يمنعهممن النار وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي أنت لا تقدر أن تحملهم على الإيمان فلو شاء الله لفعله؛ لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أم هذه (هي) أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال وبهمزة الإنكار، أو بالهمزة فقط. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم يقال بعده لمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: لَسْتَ عَلَيْهمْ بِوَكِيلٍ أي لا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان فإن الله لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الاستنكار. ثم قال: ﴿فالله هُوَ الولي﴾ ، قال ابن عباس (رضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) : وليك يا محمد، وولي من اتبعك، والفاء جواب شرط مقدر كأنه قال: إنْ أَرَادُوا أولياء بحق فاللهُ هو الوليّ، لاَ وليَّ سواه؛ لأنه يحيي الموتى ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء قاله الزمخشري. وقيل: الفاء عاطفة ما بعدها على ما قبلها. قوله تعالى: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخُصُوماتِ والمنازعات فقال: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ﴾ (من شيء) من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يُزيل الرَّيب، وقيل: وما اختلفتُم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم ولا يُؤْثروا حكومة غيره على حكومته. وقيل: ما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا يصل تكليفكم ولا ط ريق لكم إلى علمه، فقولوا الله أعلم كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] . قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على مان نص الله عليه، والثاني باطل، لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثتبة بالقياس وأنه باطل فتعين الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالمعنى، وذلك ينفي العمل بالقياس. فإن قيل: لايجوز أن يكون المراد فحكمه معروف من بيا الله تعالى سواء كان ذلك البيان بالنص أو القياس؟ . فالجواب: أن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نص الله تعالى. قوله: ﴿ذَلِكُمُ الله﴾ أي الذي يحكم بين المختلفين ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رفع كيد الأعداء وفي طلب كُل خير ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي أرجع إليه في كل المهمات، وهذا يفليد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه.

الشورى 42:8

مكية وهي ثلاث وخمسون آية، وثمانمائة وست وستون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية وثمانون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «حم عسق» تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح. وسئل الحُسينُ بنُ الفضل: لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص فقال: لأنها سور أوائلها «حم» فجرت مجرى نظائرها. كأنَّ «حم» مبتدأ «عسق» خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل: كهيعص، والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص، وأخواتها، لأنها حروف التهجي لا غير. واختلفوا في «حم» فأخرجها بعضهم من حيِّز الحروف، وجعلها فعلاً. وقيل: معناه حُمَّ أي قضي ما هو كائن. روى عكرمة عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: «ح» حلمه «م» مجده «ع» عمله، «س» سناؤه، «ق» قدرته أقسم الله بها. وقال شهرُ بن حوشب وعطاءُ بن أبي رباح: «ح» حرب يعِزُّ فيها الذليل ويذلُّ فيها العزيز من قريش «م» ملكُ يتحول مِنْ قوم إلى قوم «ع» عدوٌّ لقريش يقصدهم «س» سبيٌ يكون فيهم «ق» قُدرةُ الله النافذة في خلقه؛ ورُوِيَ عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: ليس من نبي صاحب كمتاب إلا وقد أوحيت إليه حم عسق فلذلك قال: يُوحى إليك وإلى الَّذِين من قبلك وعلى هذا فقوله ﴿الله العزيز الحكيم﴾ تبيين للفاعل كأنه قال: من يوحي؟ فقيل: الله العزيزُ الحيكم كما سيأتي. وقرأ ابنُ عباس وابنُ مسعود حمَ سَق. قوله: «كَذَلِكَ يُوحِي» القراء على يوحي بالياء من أسفل مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، والعزيز الحكيم نعتان، والكاف منصوبة المحل إما نعتاً لمصدر، أو حالاً من ضميره، أي يوحي إيحاءً مثل ذلك الإيحاء. وقرأ ابن كثير وتُرْوَى عن أبي عمرو يُوحَى بفتح الحاء مبنياً للمجهول وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير مستتر يعود على كذلك، لأنه مبتدأ، والتقدير مثلُ ذلك الإيحاء يُوحَى هو إليك. «فمِثْلُ ذَلِك» مبتدأ، و «يُوحَى إِلَيْكَ» خبره. الثاني: أن القائم مقام الفاعل «إليك» والكاف منصوبة المحل على الوجهين المقتدمين. الثالث: أن القائم مقامه الجملة من قوله «اللهُ العزيزُ» أي يُوحى إليك هذا اللفظُ. وأصول البصريين لا تساعد عليه؛ لأن الجملة لا تكون فاعلةً ولا قائمةً مقامه. وقرأ أبو حيوة والأعمش وأبان نُوحي بالنون وهي موافقة العامة. ويحتمل أن تكون الجملة من قوله: ﴿الله العزيز الحكيم﴾ منصوبة المحل مفعولة بنُحي أي نُوحِي إليك هذا اللفظ، إلا أنَّ فيه حكاية الجملة بغير القول الصريح. و «يُوحِي» على اختلاف قراءته يجوز أن يكون على بابه من الحال والاستقبال فيتعلق قوله: ﴿وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ بمحذوف لتعذر ذلك تقديره: «وأُحِي إلى الذَّين من قَبْلِكَ» وأن يكون يكون بمعنى الماضي، وجيء به على صورة المضارع لغرضٍ وهو تصوير الحال. قوله: «اللهُ العَزيزُ» يجوز أن يرتفع بالفاعلية في قراءة العامة، وأن يرتفع بفعل مضمر في قراءة ابن كثير كأنه قيل: من يوحيه؟ فقيل: اللهُ العزيزُ، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: 36، 37] وقوله: 4370 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... وقد مرَّ. وأن يرتفع بالابتداء، وما بعده خبره، والجملة قائمة مقام الفاعل على ما مر، وأن يكون «العَزِيزُ الحَكِيمُ» خبرين، أو نعتين، والجملة من قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبر أول أو ثانٍ على حسب ما تقدم في «العَزِيزِ الحَكِيم» . وجوَّز أبو البقاء يكون «العَزِيزُ» مبتدأ، و «الحكيم» خبره، أو نعته و ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبره. وفيه نظر؛ إذا الظاهر تبعيَّتُها للجلالة. وأنت إذا قلت: «جَاءَ زَيْدٌ العَاقِلُ الفَاضِلُ» لا تجعل العامل مرفوعاً على الابتداء. فصل الكاف في «كَذَلِكَ» معناه المثل و «ذَا» للإشارة إلى شيء سبق ذكره فيكون المعنى مثل حم عسق يوحي إليك وإلى الذين من قبلك، وعند هذا حصل قولان: أحدهما: ما نقل عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: لا نبي صابح كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق كما تقدم. قال ابن الخطيب: «وهذا عندي بعيد» . والثاني: أن يكون مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحى إليك وإلى الذين من قبلك، وهذه المماثلة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد، وتقبيح أحوال الدنيا، والترغيب في أمور الآخرة. قال الزمخشري: لم يقل: أُوحِيَ إليك ولكن قال: يوحى إليك على لفظ المضارع ليدل على أن أيحاء مثله عادة وكونه عزيزاً بدل على كونه قادراً على ما لانهاية له وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجيات كما تقدم بيناه في أول سورة «حم» المؤمن. وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يدل على كونه موصوفاً بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجواء السموات والأرض على عظمها وسعتها بالإيجاد والإعلام وأن ما في السموات وما في الأرض ملكه وملكه، وهو العَلِيّ أي المتعالي عن مُشابهةِ المُمْكِنَات العظيم بالقدرة والقهر والاستعلاء. قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ﴾ تقدم الكلام فيه مُشْبعاً في مريم، وإلا أن الزمخشري زاد هنا وروى يونس عن أبي عمرو قراءةً غريبةً تتفطَّرن بتاءين مع النون. ونظيرها حرف نادر، رُوِيَ في نوادر ابن الأعرابي: «الإِبل تتشمَّمْنَ» . قال أبو حيان: والظاهر أن هذا وهمٌ، لأن ابن خالويه قال في شاذِّ القرآن ما نصه «تَنْفَطِرْنَ» بالتاء والنون يُونسُ عن أبي عمرو. قال ابن خالويه: وهذا حرف نادر؛ لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث لا يقال: النساء تقُمْنَ، ولكن يَقُمْنَ، والوالِدَاتُ يُرْضِعنَ ولا يقال: تُرضِعن. وقد كان أبو عمر الزَّاهِدُ روى في نوادر ابن الأعرابي: الإبل تتشمَّمْنَ فأنكرناه، فقد قواه الآن هذا. قال أبو حيان: فإن كانت نسخُ الزمخشري متفقةً على قوله: بتاءين مع النون «فهو وهم، وإن كان في بعضها بتاء مع النو كان موافقاً لقول ابن خالويه وكان بتاءين تحريفاً من النساخ وكذلك كتبهم تتفطَّرن وتَتشمَّمْنَ بتاءين. انتهى. قال شهاب الدين: كيف يستقيم أن يكو (ن) كتبهم تتشمَّمن بتاءين وهماً وذلك لأن ابن خالويه أورده في معرض الندرة والإنكار حتى يقوى عنده بهذه القراءة، وإنما يكون نادراً منكراً بتاءين، فإنه حينئذ يكون مضارعاً مسنداً لضمير الإبل، فكان من حقه أن يكون حرف مضارعته ياء منقوطة من أسفل، نحو: النِّساءُ يقُمن فكان ينبغي أن يقال: الإبل يتشمَّمن بالياء من تحت ثم بالتاء من فوق، فلما جاء بتاءين كلاهما من فوق ظهر نُدُوره وإنكاره، ولو كان على ما قال أبو حيان: إن كتبهم بتاءين وهماً بل كان ينبغي كتبه بتاء واحدة لما كان فيه شذوذ ولا إنكار، لأنه نظير: النِّسوة تدحرجْنَ فإنه ماض مسندٌ لضمير الإناث، وكذا لو كتبت بياء من تحت وتاء من فوق لم يكن فيه شذوذ، ولا إنكار. وإنما يجيء الشذوذ والإنكار إذا كان بتاءن منقوطتين من فوق، ثم إنه سواء قُرِىء تتفطَّرن بتاءين أو بياء ونون، فإنه نادر لما ذكر ابن خالويه، وهذه القراءة لم يقرأ بها في نظيرتها في سورة مريم. قوله:» مِنْ فَوْقِهِنَّ» في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عائد على السموات، أي كل واحدة منها تتفطَّرُ فوق التي تليها من قول المشريكن: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ [الكهف: 4] كما في سورة مريم، أي يبتدىء انفطارهُنَّ من هذه الجهة» فِمَنْ «لا بتداء الغاية متعلقة بما قبلها. الثاني: أنه يعود على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض. الثالث: أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين. قاله الأخفش الصغير. وأنكره مكي وقال لا يجوز ذلك في المذكور من بني آدم، وهذا لا يلزم الأخفش فإنه قال على الفرق والجماعات فراعى ذلك المعنى. فصل قال الزمخشري: كلمة الكفر إنَّما جاءت من الذين تحت السموات، وكان القياس أن يقال: ينفطِرن من تحتهن (أي) من الجهة التي (تحت) جاءت منها الكلمة، ولكن بُولغ في ذلك فجعلت مؤثرة مِنْ جهة الفوقِ، فكأنه قيل: يكون ينفطرن من الجهة التي فوقهنَّ، دع الجهة التي تحتهن. ونظيره في المبالغة، قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود﴾ [الحج: 19، 20] . فجعل مؤثراً في أجزائهم الباطنة. وقال ابن الخطيب: يعني من فوقهن أي من فوق الجهة التي حصلت هذه السموات فيها، وتلك الجهة هي فوق، فقولهن: من فوقهن أي من الجهة الفوقانيَّة التي هُنَّ فيها. قوله: ﴿والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مُفيضاً لكُلِّ الخيرات. قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض﴾ أي من المؤمنين كما حكى عنهم في سورة المؤمن فقال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [غافر: 7] . فإن قيل: (قوله) : ويستغفرون لمن في الأرض عام، فيدخل فيهم الكفار وقد لعنهم الله تعالى فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] فيكف (يكونون) لا عنين لهم ومستغفرين لهم؟! قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه: الأول: أنه عام مخصوص بآية المؤمن كما تقدم. الثاني: أن قوله ﴿لِمَن فِي الأرض﴾ لا يفيد العموم؛ لأنه (لا) يصح أن يقال: إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال: إنهم استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحاً في العموم لما صحَّ ذلك. الثالث: يجوم أن يكون المراد من الاستغفار أنه لا يُعاجلهم بالعقاب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: 41] إلى أن قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر: 41] . الرابع: يجوز أن يقال: إنهم يستغفرون لكل من في الأرض، أما في حق الكفار فبطلب الإيمان لهم وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم فإنا نقول: اللهم أهدش الكفار، وزيِّن قلوبهم بنور الإيمان وأَزِل عن خواطرهم وحشة الكُفْرِ، وهذا استغفار لهم في الحقيقة. فصل قال ابن الخطيب: قوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدل على أنهم لا يستغفرون لأنفسهم ولو وجد منهم معصية لا ستغفروا لأنفسهم قبل استغفارهم لمن في الأرض، فحيث لم يذكر الله عزَّ وجلَّ استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم مُبرَّأُون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم ذنوب، والذين لا ذنب لهم ألبتة أفضل ممن له ذنب، وأيضاً فقثوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدعل على أنهم يستغفرون للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لأنهم من جملة مَنْ في الأرض، وإذال كانوا مستغفرين للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان الظاهر أنهم أفضل منهم. ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم﴾ وهذا تنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر، إلا أن المغفرة المُطْلَقة لله تعالى وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة. قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي جعلوا له شركاء وأنداداً الله حفيظٌ عليهم أي رقيب عليهم ويحفظ أعمالهم، وأقوالهم ويُحصيها ليجازيهم بها، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم﴾ يا محمد «بِوَكِيل» أي لم يوكلك بهم ولا أمرهمه إليك إنَّما أنت مُنذرٌ. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ في قرآناً وجهان: أظهرهما: أنه مفعول أوحَيْنَا، والكاف للمصدر نعتاً أو حالاً. الثاني: أنه حال من الكاف، والكاف هي المفعول «لأَوْحَيْنَا» أي أوحينا مثل ذلك الإيحاء، وهو قرآن عربي وإليه عربي وإليه نحا الزمخشري. وكون الكاف اسماً في النثر مذهب الأخفش. فصل قال ابن الخطيب: قوله وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء سبق ذكره، وليس ههنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ يعني أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلاً عليهم وكذلك أوحينا إلريك قرآناً عربياً ليكون نذيراً لهم. قوله: ﴿أُمَّ القرى﴾ أي أهلَ أُمِّ القرى؛ لأن البلد لا تعقِلُ. قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ عطف على أهل المقدر من قبل أم القرى والمفعول الثاني محذوف أي العذاب. وقرىء: ليُنذر بالياء من تحت أي القرآن، أم القرى أصل القرى بمعنى مكة، وسمي بهذا الاسم إجلالاً؛ لأن فيها البيت ومقامَ إبراهيِم. والعرب تسمي أص لكلٍّ شيء أمةً، حتى يقال: هذه القصيدة من أُمَّهاتِ قصائد فلانٍ ومعنى «مَنْ حَوْلَها» أي قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المَدَر والوَبَر. والإنذار: التخويف. قوله: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع﴾ أي تنذرهم بيوم الجمع، وهو يوم القيامة، جمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرض. وقيل: المراد تجمع الأرواح بالأجساد. وقيل: يجمع كبين العامل وعمله وقيل: يجمع بين الظالم والمظلوم. قوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إخبارٌ فهو مستأنف، ويجوز أن يكون حالاً من «يَوْمِ الجَمْعِ» وجعله الزَّمخشري اعتراضاً وهو غير ظاهر صناعة إذ لم يقع بين مُتلازمين. قوله: «فَرِيقٌ» العامة على رفعه بأحد وجهين: إمَّا الابتداء، وخبره الجار بعده، وساغ هذا في النكرة، لأنه مقام تفصيل كقوله: 4371 - ... ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ نَسِيتُ وثَوْبٌ أَجُرٌّ ويجوز أن يكون الخبر مقدراً تقديره منهم فريق. وساغ الابتداء بالنكرة لشيئين: تقديم خبرها جار ومجروراً ووصفها بالجار بعدها، والثاني: أنه خبر ابتداء مضمر إي هم أي المجموعون، دَلَّ على ذلك يوم الجمع. وقرأ زيدٌ بن عليٍّ: فريقاً وفريقاً، نصباً على الحال من جملة محذوفة أي افتَرَقُوا أي المجموعون. وقال مكي: وأجاز الكسائي والفراءُ النصب في الكلام في «فريقاً» على معنى: تُنذر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير يوم الجمع وكأنه لم يطلع على أنها قراءة. وظاهر نقله عن هذين الإِمامين أنهما لم يطلعا (عليها) وجعل «فريقاً» مفعولاً أول لتنذر، «ويوم الجمع» مفعولاً ثانياُ. وفي ظاهره إشكالٌ وهو أنَّ الإنذار لا يقع للفريقين وهما في الجنة وفي السعير إنما يكون الإنذار قبل استقرارهما فيهما. ويمكن أن يُجَابَ عنه بأن المراد مَنْ هو من أهل الجنة ومن أهل السعير، وإن لم يكن حاصلاً فيهما وقت الإنذار، و «فِي الجَنَّةِ» صفة «فَرِيقاً» أو متعلق بذلك المحذوف. فإن قيل: يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين، والجمع بين الصنفين محال! . فالجواب: أنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس (رضي اللهُ عَنْهُمَا) على دين واحدٍ وقال مقاتل: على ملة الإسلام، كقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى﴾ [الأنعام: 35] ﴿ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي في دين الإسلام «والظَّالِمُونَ» الكافرون ﴿مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ﴾ يرفع عنهم العذاب «وَلاَ نَصِير» يمنعهممن النار وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي أنت لا تقدر أن تحملهم على الإيمان فلو شاء الله لفعله؛ لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أم هذه (هي) أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال وبهمزة الإنكار، أو بالهمزة فقط. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم يقال بعده لمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: لَسْتَ عَلَيْهمْ بِوَكِيلٍ أي لا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان فإن الله لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الاستنكار. ثم قال: ﴿فالله هُوَ الولي﴾ ، قال ابن عباس (رضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) : وليك يا محمد، وولي من اتبعك، والفاء جواب شرط مقدر كأنه قال: إنْ أَرَادُوا أولياء بحق فاللهُ هو الوليّ، لاَ وليَّ سواه؛ لأنه يحيي الموتى ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء قاله الزمخشري. وقيل: الفاء عاطفة ما بعدها على ما قبلها. قوله تعالى: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخُصُوماتِ والمنازعات فقال: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ﴾ (من شيء) من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يُزيل الرَّيب، وقيل: وما اختلفتُم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم ولا يُؤْثروا حكومة غيره على حكومته. وقيل: ما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا يصل تكليفكم ولا ط ريق لكم إلى علمه، فقولوا الله أعلم كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] . قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على مان نص الله عليه، والثاني باطل، لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثتبة بالقياس وأنه باطل فتعين الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالمعنى، وذلك ينفي العمل بالقياس. فإن قيل: لايجوز أن يكون المراد فحكمه معروف من بيا الله تعالى سواء كان ذلك البيان بالنص أو القياس؟ . فالجواب: أن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نص الله تعالى. قوله: ﴿ذَلِكُمُ الله﴾ أي الذي يحكم بين المختلفين ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رفع كيد الأعداء وفي طلب كُل خير ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي أرجع إليه في كل المهمات، وهذا يفليد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه.

الشورى 42:9

مكية وهي ثلاث وخمسون آية، وثمانمائة وست وستون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية وثمانون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «حم عسق» تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح. وسئل الحُسينُ بنُ الفضل: لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص فقال: لأنها سور أوائلها «حم» فجرت مجرى نظائرها. كأنَّ «حم» مبتدأ «عسق» خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل: كهيعص، والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص، وأخواتها، لأنها حروف التهجي لا غير. واختلفوا في «حم» فأخرجها بعضهم من حيِّز الحروف، وجعلها فعلاً. وقيل: معناه حُمَّ أي قضي ما هو كائن. روى عكرمة عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: «ح» حلمه «م» مجده «ع» عمله، «س» سناؤه، «ق» قدرته أقسم الله بها. وقال شهرُ بن حوشب وعطاءُ بن أبي رباح: «ح» حرب يعِزُّ فيها الذليل ويذلُّ فيها العزيز من قريش «م» ملكُ يتحول مِنْ قوم إلى قوم «ع» عدوٌّ لقريش يقصدهم «س» سبيٌ يكون فيهم «ق» قُدرةُ الله النافذة في خلقه؛ ورُوِيَ عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: ليس من نبي صاحب كمتاب إلا وقد أوحيت إليه حم عسق فلذلك قال: يُوحى إليك وإلى الَّذِين من قبلك وعلى هذا فقوله ﴿الله العزيز الحكيم﴾ تبيين للفاعل كأنه قال: من يوحي؟ فقيل: الله العزيزُ الحيكم كما سيأتي. وقرأ ابنُ عباس وابنُ مسعود حمَ سَق. قوله: «كَذَلِكَ يُوحِي» القراء على يوحي بالياء من أسفل مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، والعزيز الحكيم نعتان، والكاف منصوبة المحل إما نعتاً لمصدر، أو حالاً من ضميره، أي يوحي إيحاءً مثل ذلك الإيحاء. وقرأ ابن كثير وتُرْوَى عن أبي عمرو يُوحَى بفتح الحاء مبنياً للمجهول وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير مستتر يعود على كذلك، لأنه مبتدأ، والتقدير مثلُ ذلك الإيحاء يُوحَى هو إليك. «فمِثْلُ ذَلِك» مبتدأ، و «يُوحَى إِلَيْكَ» خبره. الثاني: أن القائم مقام الفاعل «إليك» والكاف منصوبة المحل على الوجهين المقتدمين. الثالث: أن القائم مقامه الجملة من قوله «اللهُ العزيزُ» أي يُوحى إليك هذا اللفظُ. وأصول البصريين لا تساعد عليه؛ لأن الجملة لا تكون فاعلةً ولا قائمةً مقامه. وقرأ أبو حيوة والأعمش وأبان نُوحي بالنون وهي موافقة العامة. ويحتمل أن تكون الجملة من قوله: ﴿الله العزيز الحكيم﴾ منصوبة المحل مفعولة بنُحي أي نُوحِي إليك هذا اللفظ، إلا أنَّ فيه حكاية الجملة بغير القول الصريح. و «يُوحِي» على اختلاف قراءته يجوز أن يكون على بابه من الحال والاستقبال فيتعلق قوله: ﴿وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ بمحذوف لتعذر ذلك تقديره: «وأُحِي إلى الذَّين من قَبْلِكَ» وأن يكون يكون بمعنى الماضي، وجيء به على صورة المضارع لغرضٍ وهو تصوير الحال. قوله: «اللهُ العَزيزُ» يجوز أن يرتفع بالفاعلية في قراءة العامة، وأن يرتفع بفعل مضمر في قراءة ابن كثير كأنه قيل: من يوحيه؟ فقيل: اللهُ العزيزُ، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: 36، 37] وقوله: 4370 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... وقد مرَّ. وأن يرتفع بالابتداء، وما بعده خبره، والجملة قائمة مقام الفاعل على ما مر، وأن يكون «العَزِيزُ الحَكِيمُ» خبرين، أو نعتين، والجملة من قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبر أول أو ثانٍ على حسب ما تقدم في «العَزِيزِ الحَكِيم» . وجوَّز أبو البقاء يكون «العَزِيزُ» مبتدأ، و «الحكيم» خبره، أو نعته و ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبره. وفيه نظر؛ إذا الظاهر تبعيَّتُها للجلالة. وأنت إذا قلت: «جَاءَ زَيْدٌ العَاقِلُ الفَاضِلُ» لا تجعل العامل مرفوعاً على الابتداء. فصل الكاف في «كَذَلِكَ» معناه المثل و «ذَا» للإشارة إلى شيء سبق ذكره فيكون المعنى مثل حم عسق يوحي إليك وإلى الذين من قبلك، وعند هذا حصل قولان: أحدهما: ما نقل عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: لا نبي صابح كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق كما تقدم. قال ابن الخطيب: «وهذا عندي بعيد» . والثاني: أن يكون مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحى إليك وإلى الذين من قبلك، وهذه المماثلة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد، وتقبيح أحوال الدنيا، والترغيب في أمور الآخرة. قال الزمخشري: لم يقل: أُوحِيَ إليك ولكن قال: يوحى إليك على لفظ المضارع ليدل على أن أيحاء مثله عادة وكونه عزيزاً بدل على كونه قادراً على ما لانهاية له وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجيات كما تقدم بيناه في أول سورة «حم» المؤمن. وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يدل على كونه موصوفاً بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجواء السموات والأرض على عظمها وسعتها بالإيجاد والإعلام وأن ما في السموات وما في الأرض ملكه وملكه، وهو العَلِيّ أي المتعالي عن مُشابهةِ المُمْكِنَات العظيم بالقدرة والقهر والاستعلاء. قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ﴾ تقدم الكلام فيه مُشْبعاً في مريم، وإلا أن الزمخشري زاد هنا وروى يونس عن أبي عمرو قراءةً غريبةً تتفطَّرن بتاءين مع النون. ونظيرها حرف نادر، رُوِيَ في نوادر ابن الأعرابي: «الإِبل تتشمَّمْنَ» . قال أبو حيان: والظاهر أن هذا وهمٌ، لأن ابن خالويه قال في شاذِّ القرآن ما نصه «تَنْفَطِرْنَ» بالتاء والنون يُونسُ عن أبي عمرو. قال ابن خالويه: وهذا حرف نادر؛ لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث لا يقال: النساء تقُمْنَ، ولكن يَقُمْنَ، والوالِدَاتُ يُرْضِعنَ ولا يقال: تُرضِعن. وقد كان أبو عمر الزَّاهِدُ روى في نوادر ابن الأعرابي: الإبل تتشمَّمْنَ فأنكرناه، فقد قواه الآن هذا. قال أبو حيان: فإن كانت نسخُ الزمخشري متفقةً على قوله: بتاءين مع النون «فهو وهم، وإن كان في بعضها بتاء مع النو كان موافقاً لقول ابن خالويه وكان بتاءين تحريفاً من النساخ وكذلك كتبهم تتفطَّرن وتَتشمَّمْنَ بتاءين. انتهى. قال شهاب الدين: كيف يستقيم أن يكو (ن) كتبهم تتشمَّمن بتاءين وهماً وذلك لأن ابن خالويه أورده في معرض الندرة والإنكار حتى يقوى عنده بهذه القراءة، وإنما يكون نادراً منكراً بتاءين، فإنه حينئذ يكون مضارعاً مسنداً لضمير الإبل، فكان من حقه أن يكون حرف مضارعته ياء منقوطة من أسفل، نحو: النِّساءُ يقُمن فكان ينبغي أن يقال: الإبل يتشمَّمن بالياء من تحت ثم بالتاء من فوق، فلما جاء بتاءين كلاهما من فوق ظهر نُدُوره وإنكاره، ولو كان على ما قال أبو حيان: إن كتبهم بتاءين وهماً بل كان ينبغي كتبه بتاء واحدة لما كان فيه شذوذ ولا إنكار، لأنه نظير: النِّسوة تدحرجْنَ فإنه ماض مسندٌ لضمير الإناث، وكذا لو كتبت بياء من تحت وتاء من فوق لم يكن فيه شذوذ، ولا إنكار. وإنما يجيء الشذوذ والإنكار إذا كان بتاءن منقوطتين من فوق، ثم إنه سواء قُرِىء تتفطَّرن بتاءين أو بياء ونون، فإنه نادر لما ذكر ابن خالويه، وهذه القراءة لم يقرأ بها في نظيرتها في سورة مريم. قوله:» مِنْ فَوْقِهِنَّ» في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عائد على السموات، أي كل واحدة منها تتفطَّرُ فوق التي تليها من قول المشريكن: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ [الكهف: 4] كما في سورة مريم، أي يبتدىء انفطارهُنَّ من هذه الجهة» فِمَنْ «لا بتداء الغاية متعلقة بما قبلها. الثاني: أنه يعود على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض. الثالث: أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين. قاله الأخفش الصغير. وأنكره مكي وقال لا يجوز ذلك في المذكور من بني آدم، وهذا لا يلزم الأخفش فإنه قال على الفرق والجماعات فراعى ذلك المعنى. فصل قال الزمخشري: كلمة الكفر إنَّما جاءت من الذين تحت السموات، وكان القياس أن يقال: ينفطِرن من تحتهن (أي) من الجهة التي (تحت) جاءت منها الكلمة، ولكن بُولغ في ذلك فجعلت مؤثرة مِنْ جهة الفوقِ، فكأنه قيل: يكون ينفطرن من الجهة التي فوقهنَّ، دع الجهة التي تحتهن. ونظيره في المبالغة، قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود﴾ [الحج: 19، 20] . فجعل مؤثراً في أجزائهم الباطنة. وقال ابن الخطيب: يعني من فوقهن أي من فوق الجهة التي حصلت هذه السموات فيها، وتلك الجهة هي فوق، فقولهن: من فوقهن أي من الجهة الفوقانيَّة التي هُنَّ فيها. قوله: ﴿والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مُفيضاً لكُلِّ الخيرات. قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض﴾ أي من المؤمنين كما حكى عنهم في سورة المؤمن فقال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [غافر: 7] . فإن قيل: (قوله) : ويستغفرون لمن في الأرض عام، فيدخل فيهم الكفار وقد لعنهم الله تعالى فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] فيكف (يكونون) لا عنين لهم ومستغفرين لهم؟! قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه: الأول: أنه عام مخصوص بآية المؤمن كما تقدم. الثاني: أن قوله ﴿لِمَن فِي الأرض﴾ لا يفيد العموم؛ لأنه (لا) يصح أن يقال: إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال: إنهم استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحاً في العموم لما صحَّ ذلك. الثالث: يجوم أن يكون المراد من الاستغفار أنه لا يُعاجلهم بالعقاب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: 41] إلى أن قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر: 41] . الرابع: يجوز أن يقال: إنهم يستغفرون لكل من في الأرض، أما في حق الكفار فبطلب الإيمان لهم وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم فإنا نقول: اللهم أهدش الكفار، وزيِّن قلوبهم بنور الإيمان وأَزِل عن خواطرهم وحشة الكُفْرِ، وهذا استغفار لهم في الحقيقة. فصل قال ابن الخطيب: قوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدل على أنهم لا يستغفرون لأنفسهم ولو وجد منهم معصية لا ستغفروا لأنفسهم قبل استغفارهم لمن في الأرض، فحيث لم يذكر الله عزَّ وجلَّ استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم مُبرَّأُون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم ذنوب، والذين لا ذنب لهم ألبتة أفضل ممن له ذنب، وأيضاً فقثوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدعل على أنهم يستغفرون للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لأنهم من جملة مَنْ في الأرض، وإذال كانوا مستغفرين للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان الظاهر أنهم أفضل منهم. ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم﴾ وهذا تنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر، إلا أن المغفرة المُطْلَقة لله تعالى وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة. قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي جعلوا له شركاء وأنداداً الله حفيظٌ عليهم أي رقيب عليهم ويحفظ أعمالهم، وأقوالهم ويُحصيها ليجازيهم بها، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم﴾ يا محمد «بِوَكِيل» أي لم يوكلك بهم ولا أمرهمه إليك إنَّما أنت مُنذرٌ. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ في قرآناً وجهان: أظهرهما: أنه مفعول أوحَيْنَا، والكاف للمصدر نعتاً أو حالاً. الثاني: أنه حال من الكاف، والكاف هي المفعول «لأَوْحَيْنَا» أي أوحينا مثل ذلك الإيحاء، وهو قرآن عربي وإليه عربي وإليه نحا الزمخشري. وكون الكاف اسماً في النثر مذهب الأخفش. فصل قال ابن الخطيب: قوله وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء سبق ذكره، وليس ههنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ يعني أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلاً عليهم وكذلك أوحينا إلريك قرآناً عربياً ليكون نذيراً لهم. قوله: ﴿أُمَّ القرى﴾ أي أهلَ أُمِّ القرى؛ لأن البلد لا تعقِلُ. قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ عطف على أهل المقدر من قبل أم القرى والمفعول الثاني محذوف أي العذاب. وقرىء: ليُنذر بالياء من تحت أي القرآن، أم القرى أصل القرى بمعنى مكة، وسمي بهذا الاسم إجلالاً؛ لأن فيها البيت ومقامَ إبراهيِم. والعرب تسمي أص لكلٍّ شيء أمةً، حتى يقال: هذه القصيدة من أُمَّهاتِ قصائد فلانٍ ومعنى «مَنْ حَوْلَها» أي قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المَدَر والوَبَر. والإنذار: التخويف. قوله: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع﴾ أي تنذرهم بيوم الجمع، وهو يوم القيامة، جمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرض. وقيل: المراد تجمع الأرواح بالأجساد. وقيل: يجمع كبين العامل وعمله وقيل: يجمع بين الظالم والمظلوم. قوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إخبارٌ فهو مستأنف، ويجوز أن يكون حالاً من «يَوْمِ الجَمْعِ» وجعله الزَّمخشري اعتراضاً وهو غير ظاهر صناعة إذ لم يقع بين مُتلازمين. قوله: «فَرِيقٌ» العامة على رفعه بأحد وجهين: إمَّا الابتداء، وخبره الجار بعده، وساغ هذا في النكرة، لأنه مقام تفصيل كقوله: 4371 - ... ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ نَسِيتُ وثَوْبٌ أَجُرٌّ ويجوز أن يكون الخبر مقدراً تقديره منهم فريق. وساغ الابتداء بالنكرة لشيئين: تقديم خبرها جار ومجروراً ووصفها بالجار بعدها، والثاني: أنه خبر ابتداء مضمر إي هم أي المجموعون، دَلَّ على ذلك يوم الجمع. وقرأ زيدٌ بن عليٍّ: فريقاً وفريقاً، نصباً على الحال من جملة محذوفة أي افتَرَقُوا أي المجموعون. وقال مكي: وأجاز الكسائي والفراءُ النصب في الكلام في «فريقاً» على معنى: تُنذر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير يوم الجمع وكأنه لم يطلع على أنها قراءة. وظاهر نقله عن هذين الإِمامين أنهما لم يطلعا (عليها) وجعل «فريقاً» مفعولاً أول لتنذر، «ويوم الجمع» مفعولاً ثانياُ. وفي ظاهره إشكالٌ وهو أنَّ الإنذار لا يقع للفريقين وهما في الجنة وفي السعير إنما يكون الإنذار قبل استقرارهما فيهما. ويمكن أن يُجَابَ عنه بأن المراد مَنْ هو من أهل الجنة ومن أهل السعير، وإن لم يكن حاصلاً فيهما وقت الإنذار، و «فِي الجَنَّةِ» صفة «فَرِيقاً» أو متعلق بذلك المحذوف. فإن قيل: يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين، والجمع بين الصنفين محال! . فالجواب: أنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس (رضي اللهُ عَنْهُمَا) على دين واحدٍ وقال مقاتل: على ملة الإسلام، كقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى﴾ [الأنعام: 35] ﴿ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي في دين الإسلام «والظَّالِمُونَ» الكافرون ﴿مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ﴾ يرفع عنهم العذاب «وَلاَ نَصِير» يمنعهممن النار وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي أنت لا تقدر أن تحملهم على الإيمان فلو شاء الله لفعله؛ لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أم هذه (هي) أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال وبهمزة الإنكار، أو بالهمزة فقط. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم يقال بعده لمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: لَسْتَ عَلَيْهمْ بِوَكِيلٍ أي لا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان فإن الله لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الاستنكار. ثم قال: ﴿فالله هُوَ الولي﴾ ، قال ابن عباس (رضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) : وليك يا محمد، وولي من اتبعك، والفاء جواب شرط مقدر كأنه قال: إنْ أَرَادُوا أولياء بحق فاللهُ هو الوليّ، لاَ وليَّ سواه؛ لأنه يحيي الموتى ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء قاله الزمخشري. وقيل: الفاء عاطفة ما بعدها على ما قبلها. قوله تعالى: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخُصُوماتِ والمنازعات فقال: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ﴾ (من شيء) من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يُزيل الرَّيب، وقيل: وما اختلفتُم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم ولا يُؤْثروا حكومة غيره على حكومته. وقيل: ما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا يصل تكليفكم ولا ط ريق لكم إلى علمه، فقولوا الله أعلم كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] . قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على مان نص الله عليه، والثاني باطل، لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثتبة بالقياس وأنه باطل فتعين الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالمعنى، وذلك ينفي العمل بالقياس. فإن قيل: لايجوز أن يكون المراد فحكمه معروف من بيا الله تعالى سواء كان ذلك البيان بالنص أو القياس؟ . فالجواب: أن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نص الله تعالى. قوله: ﴿ذَلِكُمُ الله﴾ أي الذي يحكم بين المختلفين ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رفع كيد الأعداء وفي طلب كُل خير ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي أرجع إليه في كل المهمات، وهذا يفليد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه.

الشورى 42:10

مكية وهي ثلاث وخمسون آية، وثمانمائة وست وستون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية وثمانون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: «حم عسق» تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح. وسئل الحُسينُ بنُ الفضل: لم قطع حم عسق ولم يقطع كهيعص فقال: لأنها سور أوائلها «حم» فجرت مجرى نظائرها. كأنَّ «حم» مبتدأ «عسق» خبره، ولأنهما عدا آيتين وأخواتها مثل: كهيعص، والمص والمر عدت آية واحدة. وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص، وأخواتها، لأنها حروف التهجي لا غير. واختلفوا في «حم» فأخرجها بعضهم من حيِّز الحروف، وجعلها فعلاً. وقيل: معناه حُمَّ أي قضي ما هو كائن. روى عكرمة عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: «ح» حلمه «م» مجده «ع» عمله، «س» سناؤه، «ق» قدرته أقسم الله بها. وقال شهرُ بن حوشب وعطاءُ بن أبي رباح: «ح» حرب يعِزُّ فيها الذليل ويذلُّ فيها العزيز من قريش «م» ملكُ يتحول مِنْ قوم إلى قوم «ع» عدوٌّ لقريش يقصدهم «س» سبيٌ يكون فيهم «ق» قُدرةُ الله النافذة في خلقه؛ ورُوِيَ عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: ليس من نبي صاحب كمتاب إلا وقد أوحيت إليه حم عسق فلذلك قال: يُوحى إليك وإلى الَّذِين من قبلك وعلى هذا فقوله ﴿الله العزيز الحكيم﴾ تبيين للفاعل كأنه قال: من يوحي؟ فقيل: الله العزيزُ الحيكم كما سيأتي. وقرأ ابنُ عباس وابنُ مسعود حمَ سَق. قوله: «كَذَلِكَ يُوحِي» القراء على يوحي بالياء من أسفل مبنيًّا للفاعل، وهو الله تعالى، والعزيز الحكيم نعتان، والكاف منصوبة المحل إما نعتاً لمصدر، أو حالاً من ضميره، أي يوحي إيحاءً مثل ذلك الإيحاء. وقرأ ابن كثير وتُرْوَى عن أبي عمرو يُوحَى بفتح الحاء مبنياً للمجهول وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير مستتر يعود على كذلك، لأنه مبتدأ، والتقدير مثلُ ذلك الإيحاء يُوحَى هو إليك. «فمِثْلُ ذَلِك» مبتدأ، و «يُوحَى إِلَيْكَ» خبره. الثاني: أن القائم مقام الفاعل «إليك» والكاف منصوبة المحل على الوجهين المقتدمين. الثالث: أن القائم مقامه الجملة من قوله «اللهُ العزيزُ» أي يُوحى إليك هذا اللفظُ. وأصول البصريين لا تساعد عليه؛ لأن الجملة لا تكون فاعلةً ولا قائمةً مقامه. وقرأ أبو حيوة والأعمش وأبان نُوحي بالنون وهي موافقة العامة. ويحتمل أن تكون الجملة من قوله: ﴿الله العزيز الحكيم﴾ منصوبة المحل مفعولة بنُحي أي نُوحِي إليك هذا اللفظ، إلا أنَّ فيه حكاية الجملة بغير القول الصريح. و «يُوحِي» على اختلاف قراءته يجوز أن يكون على بابه من الحال والاستقبال فيتعلق قوله: ﴿وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ بمحذوف لتعذر ذلك تقديره: «وأُحِي إلى الذَّين من قَبْلِكَ» وأن يكون يكون بمعنى الماضي، وجيء به على صورة المضارع لغرضٍ وهو تصوير الحال. قوله: «اللهُ العَزيزُ» يجوز أن يرتفع بالفاعلية في قراءة العامة، وأن يرتفع بفعل مضمر في قراءة ابن كثير كأنه قيل: من يوحيه؟ فقيل: اللهُ العزيزُ، كقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: 36، 37] وقوله: 4370 - لِيُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لِخُصُومَةٍ ... وقد مرَّ. وأن يرتفع بالابتداء، وما بعده خبره، والجملة قائمة مقام الفاعل على ما مر، وأن يكون «العَزِيزُ الحَكِيمُ» خبرين، أو نعتين، والجملة من قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبر أول أو ثانٍ على حسب ما تقدم في «العَزِيزِ الحَكِيم» . وجوَّز أبو البقاء يكون «العَزِيزُ» مبتدأ، و «الحكيم» خبره، أو نعته و ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ خبره. وفيه نظر؛ إذا الظاهر تبعيَّتُها للجلالة. وأنت إذا قلت: «جَاءَ زَيْدٌ العَاقِلُ الفَاضِلُ» لا تجعل العامل مرفوعاً على الابتداء. فصل الكاف في «كَذَلِكَ» معناه المثل و «ذَا» للإشارة إلى شيء سبق ذكره فيكون المعنى مثل حم عسق يوحي إليك وإلى الذين من قبلك، وعند هذا حصل قولان: أحدهما: ما نقل عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أنه قال: لا نبي صابح كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق كما تقدم. قال ابن الخطيب: «وهذا عندي بعيد» . والثاني: أن يكون مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحى إليك وإلى الذين من قبلك، وهذه المماثلة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والمعاد، وتقبيح أحوال الدنيا، والترغيب في أمور الآخرة. قال الزمخشري: لم يقل: أُوحِيَ إليك ولكن قال: يوحى إليك على لفظ المضارع ليدل على أن أيحاء مثله عادة وكونه عزيزاً بدل على كونه قادراً على ما لانهاية له وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجيات كما تقدم بيناه في أول سورة «حم» المؤمن. وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يدل على كونه موصوفاً بالقدرة الكاملة النافذة في جميع أجواء السموات والأرض على عظمها وسعتها بالإيجاد والإعلام وأن ما في السموات وما في الأرض ملكه وملكه، وهو العَلِيّ أي المتعالي عن مُشابهةِ المُمْكِنَات العظيم بالقدرة والقهر والاستعلاء. قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ﴾ تقدم الكلام فيه مُشْبعاً في مريم، وإلا أن الزمخشري زاد هنا وروى يونس عن أبي عمرو قراءةً غريبةً تتفطَّرن بتاءين مع النون. ونظيرها حرف نادر، رُوِيَ في نوادر ابن الأعرابي: «الإِبل تتشمَّمْنَ» . قال أبو حيان: والظاهر أن هذا وهمٌ، لأن ابن خالويه قال في شاذِّ القرآن ما نصه «تَنْفَطِرْنَ» بالتاء والنون يُونسُ عن أبي عمرو. قال ابن خالويه: وهذا حرف نادر؛ لأن العرب لا تجمع بين علامتي التأنيث لا يقال: النساء تقُمْنَ، ولكن يَقُمْنَ، والوالِدَاتُ يُرْضِعنَ ولا يقال: تُرضِعن. وقد كان أبو عمر الزَّاهِدُ روى في نوادر ابن الأعرابي: الإبل تتشمَّمْنَ فأنكرناه، فقد قواه الآن هذا. قال أبو حيان: فإن كانت نسخُ الزمخشري متفقةً على قوله: بتاءين مع النون «فهو وهم، وإن كان في بعضها بتاء مع النو كان موافقاً لقول ابن خالويه وكان بتاءين تحريفاً من النساخ وكذلك كتبهم تتفطَّرن وتَتشمَّمْنَ بتاءين. انتهى. قال شهاب الدين: كيف يستقيم أن يكو (ن) كتبهم تتشمَّمن بتاءين وهماً وذلك لأن ابن خالويه أورده في معرض الندرة والإنكار حتى يقوى عنده بهذه القراءة، وإنما يكون نادراً منكراً بتاءين، فإنه حينئذ يكون مضارعاً مسنداً لضمير الإبل، فكان من حقه أن يكون حرف مضارعته ياء منقوطة من أسفل، نحو: النِّساءُ يقُمن فكان ينبغي أن يقال: الإبل يتشمَّمن بالياء من تحت ثم بالتاء من فوق، فلما جاء بتاءين كلاهما من فوق ظهر نُدُوره وإنكاره، ولو كان على ما قال أبو حيان: إن كتبهم بتاءين وهماً بل كان ينبغي كتبه بتاء واحدة لما كان فيه شذوذ ولا إنكار، لأنه نظير: النِّسوة تدحرجْنَ فإنه ماض مسندٌ لضمير الإناث، وكذا لو كتبت بياء من تحت وتاء من فوق لم يكن فيه شذوذ، ولا إنكار. وإنما يجيء الشذوذ والإنكار إذا كان بتاءن منقوطتين من فوق، ثم إنه سواء قُرِىء تتفطَّرن بتاءين أو بياء ونون، فإنه نادر لما ذكر ابن خالويه، وهذه القراءة لم يقرأ بها في نظيرتها في سورة مريم. قوله:» مِنْ فَوْقِهِنَّ» في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عائد على السموات، أي كل واحدة منها تتفطَّرُ فوق التي تليها من قول المشريكن: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ [الكهف: 4] كما في سورة مريم، أي يبتدىء انفطارهُنَّ من هذه الجهة» فِمَنْ «لا بتداء الغاية متعلقة بما قبلها. الثاني: أنه يعود على الأرضين؛ لتقدم ذكر الأرض. الثالث: أنه يعود على فرق الكفار والجماعات الملحدين. قاله الأخفش الصغير. وأنكره مكي وقال لا يجوز ذلك في المذكور من بني آدم، وهذا لا يلزم الأخفش فإنه قال على الفرق والجماعات فراعى ذلك المعنى. فصل قال الزمخشري: كلمة الكفر إنَّما جاءت من الذين تحت السموات، وكان القياس أن يقال: ينفطِرن من تحتهن (أي) من الجهة التي (تحت) جاءت منها الكلمة، ولكن بُولغ في ذلك فجعلت مؤثرة مِنْ جهة الفوقِ، فكأنه قيل: يكون ينفطرن من الجهة التي فوقهنَّ، دع الجهة التي تحتهن. ونظيره في المبالغة، قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود﴾ [الحج: 19، 20] . فجعل مؤثراً في أجزائهم الباطنة. وقال ابن الخطيب: يعني من فوقهن أي من فوق الجهة التي حصلت هذه السموات فيها، وتلك الجهة هي فوق، فقولهن: من فوقهن أي من الجهة الفوقانيَّة التي هُنَّ فيها. قوله: ﴿والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فالتسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مُفيضاً لكُلِّ الخيرات. قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض﴾ أي من المؤمنين كما حكى عنهم في سورة المؤمن فقال: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [غافر: 7] . فإن قيل: (قوله) : ويستغفرون لمن في الأرض عام، فيدخل فيهم الكفار وقد لعنهم الله تعالى فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] فيكف (يكونون) لا عنين لهم ومستغفرين لهم؟! قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه: الأول: أنه عام مخصوص بآية المؤمن كما تقدم. الثاني: أن قوله ﴿لِمَن فِي الأرض﴾ لا يفيد العموم؛ لأنه (لا) يصح أن يقال: إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال: إنهم استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض ولو كان صريحاً في العموم لما صحَّ ذلك. الثالث: يجوم أن يكون المراد من الاستغفار أنه لا يُعاجلهم بالعقاب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: 41] إلى أن قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر: 41] . الرابع: يجوز أن يقال: إنهم يستغفرون لكل من في الأرض، أما في حق الكفار فبطلب الإيمان لهم وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم فإنا نقول: اللهم أهدش الكفار، وزيِّن قلوبهم بنور الإيمان وأَزِل عن خواطرهم وحشة الكُفْرِ، وهذا استغفار لهم في الحقيقة. فصل قال ابن الخطيب: قوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدل على أنهم لا يستغفرون لأنفسهم ولو وجد منهم معصية لا ستغفروا لأنفسهم قبل استغفارهم لمن في الأرض، فحيث لم يذكر الله عزَّ وجلَّ استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم مُبرَّأُون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام لهم ذنوب، والذين لا ذنب لهم ألبتة أفضل ممن له ذنب، وأيضاً فقثوله: «ويستغفرون لمن في الأرض» يدعل على أنهم يستغفرون للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لأنهم من جملة مَنْ في الأرض، وإذال كانوا مستغفرين للأنبياء عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان الظاهر أنهم أفضل منهم. ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم﴾ وهذا تنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر، إلا أن المغفرة المُطْلَقة لله تعالى وهذا يدل على أنه تعالى يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة. قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أي جعلوا له شركاء وأنداداً الله حفيظٌ عليهم أي رقيب عليهم ويحفظ أعمالهم، وأقوالهم ويُحصيها ليجازيهم بها، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم﴾ يا محمد «بِوَكِيل» أي لم يوكلك بهم ولا أمرهمه إليك إنَّما أنت مُنذرٌ. قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ في قرآناً وجهان: أظهرهما: أنه مفعول أوحَيْنَا، والكاف للمصدر نعتاً أو حالاً. الثاني: أنه حال من الكاف، والكاف هي المفعول «لأَوْحَيْنَا» أي أوحينا مثل ذلك الإيحاء، وهو قرآن عربي وإليه عربي وإليه نحا الزمخشري. وكون الكاف اسماً في النثر مذهب الأخفش. فصل قال ابن الخطيب: قوله وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء سبق ذكره، وليس ههنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ يعني أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلاً عليهم وكذلك أوحينا إلريك قرآناً عربياً ليكون نذيراً لهم. قوله: ﴿أُمَّ القرى﴾ أي أهلَ أُمِّ القرى؛ لأن البلد لا تعقِلُ. قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ عطف على أهل المقدر من قبل أم القرى والمفعول الثاني محذوف أي العذاب. وقرىء: ليُنذر بالياء من تحت أي القرآن، أم القرى أصل القرى بمعنى مكة، وسمي بهذا الاسم إجلالاً؛ لأن فيها البيت ومقامَ إبراهيِم. والعرب تسمي أص لكلٍّ شيء أمةً، حتى يقال: هذه القصيدة من أُمَّهاتِ قصائد فلانٍ ومعنى «مَنْ حَوْلَها» أي قرى الأرض كلها من أهل البدو والحضر وأهل المَدَر والوَبَر. والإنذار: التخويف. قوله: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع﴾ أي تنذرهم بيوم الجمع، وهو يوم القيامة، جمع الله فيه الأولين والآخرين وأهل السموات والأرض. وقيل: المراد تجمع الأرواح بالأجساد. وقيل: يجمع كبين العامل وعمله وقيل: يجمع بين الظالم والمظلوم. قوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إخبارٌ فهو مستأنف، ويجوز أن يكون حالاً من «يَوْمِ الجَمْعِ» وجعله الزَّمخشري اعتراضاً وهو غير ظاهر صناعة إذ لم يقع بين مُتلازمين. قوله: «فَرِيقٌ» العامة على رفعه بأحد وجهين: إمَّا الابتداء، وخبره الجار بعده، وساغ هذا في النكرة، لأنه مقام تفصيل كقوله: 4371 - ... ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ نَسِيتُ وثَوْبٌ أَجُرٌّ ويجوز أن يكون الخبر مقدراً تقديره منهم فريق. وساغ الابتداء بالنكرة لشيئين: تقديم خبرها جار ومجروراً ووصفها بالجار بعدها، والثاني: أنه خبر ابتداء مضمر إي هم أي المجموعون، دَلَّ على ذلك يوم الجمع. وقرأ زيدٌ بن عليٍّ: فريقاً وفريقاً، نصباً على الحال من جملة محذوفة أي افتَرَقُوا أي المجموعون. وقال مكي: وأجاز الكسائي والفراءُ النصب في الكلام في «فريقاً» على معنى: تُنذر فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير يوم الجمع وكأنه لم يطلع على أنها قراءة. وظاهر نقله عن هذين الإِمامين أنهما لم يطلعا (عليها) وجعل «فريقاً» مفعولاً أول لتنذر، «ويوم الجمع» مفعولاً ثانياُ. وفي ظاهره إشكالٌ وهو أنَّ الإنذار لا يقع للفريقين وهما في الجنة وفي السعير إنما يكون الإنذار قبل استقرارهما فيهما. ويمكن أن يُجَابَ عنه بأن المراد مَنْ هو من أهل الجنة ومن أهل السعير، وإن لم يكن حاصلاً فيهما وقت الإنذار، و «فِي الجَنَّةِ» صفة «فَرِيقاً» أو متعلق بذلك المحذوف. فإن قيل: يوم الجمع يقتضي كون القوم مجتمعين، والجمع بين الصنفين محال! . فالجواب: أنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس (رضي اللهُ عَنْهُمَا) على دين واحدٍ وقال مقاتل: على ملة الإسلام، كقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى﴾ [الأنعام: 35] ﴿ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي في دين الإسلام «والظَّالِمُونَ» الكافرون ﴿مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ﴾ يرفع عنهم العذاب «وَلاَ نَصِير» يمنعهممن النار وهذا تقرير لقوله تعالى: ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي أنت لا تقدر أن تحملهم على الإيمان فلو شاء الله لفعله؛ لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾ أم هذه (هي) أم المنقطعة فتقدر ببل التي للانتقال وبهمزة الإنكار، أو بالهمزة فقط. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء ثم يقال بعده لمحمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: لَسْتَ عَلَيْهمْ بِوَكِيلٍ أي لا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان فإن الله لو شاء لفعله أعاد ذلك الكلام على سبيل الاستنكار. ثم قال: ﴿فالله هُوَ الولي﴾ ، قال ابن عباس (رضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) : وليك يا محمد، وولي من اتبعك، والفاء جواب شرط مقدر كأنه قال: إنْ أَرَادُوا أولياء بحق فاللهُ هو الوليّ، لاَ وليَّ سواه؛ لأنه يحيي الموتى ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء قاله الزمخشري. وقيل: الفاء عاطفة ما بعدها على ما قبلها. قوله تعالى: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخُصُوماتِ والمنازعات فقال: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ﴾ (من شيء) من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يُزيل الرَّيب، وقيل: وما اختلفتُم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى رسول الله صلى لله عليه وسلم ولا يُؤْثروا حكومة غيره على حكومته. وقيل: ما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا يصل تكليفكم ولا ط ريق لكم إلى علمه، فقولوا الله أعلم كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] . قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على مان نص الله عليه، والثاني باطل، لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثتبة بالقياس وأنه باطل فتعين الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالمعنى، وذلك ينفي العمل بالقياس. فإن قيل: لايجوز أن يكون المراد فحكمه معروف من بيا الله تعالى سواء كان ذلك البيان بالنص أو القياس؟ . فالجواب: أن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نص الله تعالى. قوله: ﴿ذَلِكُمُ الله﴾ أي الذي يحكم بين المختلفين ﴿رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في رفع كيد الأعداء وفي طلب كُل خير ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي أرجع إليه في كل المهمات، وهذا يفليد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه.

الشورى 42:11

قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السماوات والأرض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير﴾ . قوله تعالى: «فاطر» العامة على رفعه خبراً «لذلكم» ، أو نعتاً «لربي» على محض إضافته و «عليه توكلت» معترض على هذا، أو مبتدأ خبره «جعل لكم» أو خبر مبتدأ مضمر أي هو. وقرأ زيد بن على «فاطِر» بالجر، نعتاً للجلالة في قوله: «إلَى اللهِ» وما بينهما اعتراض أو بدل من الهاء في «عَلَيْهِ» أو «إلَيْهِ» . وقال مكيُّ: وأجار الكسائي النصب على البدلِ، وقال غيره: على المدح ويجوز في الكلام الخفض على البدل من الهاء كأنه لم يطلع على أنها قراءة زيد بن علي. قوله: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً﴾ قيل: معناه: جعل لكم من أنفسكم أزواجاً أي مثل خلقكم، وأزواجاً أي حلائل، وقيل معنى من أنفسكم أي خلق حوّاء نم ضِلع آدم، ﴿وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً﴾ أي أصنافاً ذكوراً وإناثاً. قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي يكثركم. وقوله: «فيه» يجوز أن تكون «في» عَلَى بَابها، والمعنى يكثركم في هذا التدبير، وهو أن يجعل الناس والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد. والضمير في «يذرأكم» للمخاطبين والأنعام، إلا أنه غلب فيه العقلاء من وجهين: أحدهما: أن غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء. الثاني: أنه غلب جانب المخاطبين على الغائبين. قال الزمخشري: وهي من الأحكام ذات العلَّتين. قال أبو حيان: وهو اصطلاح غريب يعني أن الخطاب يغلب على الغيبة إذا اجتمعا. ثم قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى يذرأكم في هذا التدبير وهلا قيل: يذرأكم به؟ قلت: حعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، ألا تراك تقول للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] . وقيل: إنها للسببيّة كالباء أي يكثركم بسببه، والضمير يعود على الجعل أو للمخلوق. وقيل: يذرأكم فيه أي يخلقكم في الرحم. وقيل: في البطن. قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في هذه الآية أوجه: أشهرها: أن الكاف زائدة في خبر ليس، و «شيء» اسمها، والتقدير: ليس شيءٌ مثله. قالوا: ولولا ادعاء زيادتها للزم أن يكون له مثل، وهو محال؛ إذ يصير التقدير على أصالة الكاف: ليبس (مِثْلَ) مثله شيء فنفى المماثلة عن مثله، فثبت أن له مثلاً لا مثل لذلك المثل، وهذا محال تعالى الله عن ذلك. وقال أبو البقاء: لو لم تكن زائدة، لأفضى ذلك إلى المحال؛ إذ كان (يكون) المعنى أن له مثلاً وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض؛ لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل وهو هو، مع أن إثبات المثل لله تعالى محال. وهذه طريقة حسنة في تقرير زيادة الكاف، وفيها حسن صناعةٍ. الثاني: أن «مثل» هي الزائدة كزيادتها في قوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 137] قال الطبريُّ: كما زيدت الكاف في قوله: 4372 - وَصَالِيَاتٍ كَكَمَا يُؤَثْفِينْ ... وفي قوله: 4373 - فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُول ... وهذا ليس بجيد، لأن زيادة الأسماء ليست بجائزة، وأيضاً يصير التقدير: ليس كهو شيء. ودخول الكاف على الضمائر لا يجوز إلا في شعر. الثالث: أن العرب تقول: «مِثْلُكَ لاَ يَفْعَلُ كَذَا» يعنون المخاطب نفسه؛ لأنهم يريدون المبالغة في نفي الوصف عن المخاطب فينفونها في اللفظ عن مثله، فثبت انتفاؤها عنه بدليلها ومنه قول الشاعر (رحمة الله عليه) : 4374 - عَلَى مِثْلِ لَيْلَى يَقْتُلُ المَرْءُ نَفْسَهُ ... وَإِنْ بَاتَ مِنْ لَيْلَى عَلَى النَّاسِ طَاوِيَا وقال أوس بن حجر: 4375 - ... ولَيْسَ كَمِثْلِ الفَتَى زُهَيْر خَلْقٌ يُوَازِيهِ فِي الفَضَائِلِ ... وقال آخر: 4376 - وَقَتْلَى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ... تَغَشَّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ وقال آخر: 4377 - سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذَا أَبْصَرْتَ فَضْلَهُمُ ... فَمَا كَمِثْلِهِم في النَّاس مِنْ أَحَدِ قال ابن قتيبة: العرب تٌقِيمُ المِثْلَ مُقَامِ النَّفْس فتقول: «مِثْلِي لاَ يُقَالُ لَهُ هَذَا» أي أنا لا يقال لي. قيل: ونسبة المثل إلى من لا مثل له قولك: فلانٌ يده مبسوطةٌ، يريد: أنه جواد، ولا نظير له في الحقيقة إلى اليد حتى تقول ذلك لمن لا يد له كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64] . الرابع: أن يراد بالمثل الصفة، وذلك أن المثل بمعنى المثل، والمثل الصفة كقوله ﴿مَّثَلُ الجنة﴾ [محمد: 15] ، فيكون المعنى ليس مثل صفته تعالى شيء من التي لغيره (وهو مَحْمِلٌ سَهْلٌ) . فصل قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) معناه ليس له نظير «وهو السميع البصير» أي سامعاً للمسموعات بصيراً للمرئيات. فإن قيل: قوله: ﴿وهو السميع البصير﴾ يفيد الحصر، فما معنى هذا الحصر مع العباد أيضاً موصوفون بكمونهم سميعين بصيرين؟! . فالجواب: «السمعي البصير» لفظان مشرعان بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال والكمال في كل الصفات وليس إلا الله، فهذا هو المراد من هذا الحصر. قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض﴾ أي مفاتيح الرزق في السموات والأرض، قال المفسرون: مفاتيح السموات: الأمطار. ومقاليد الأرض: النبات وتقدم الكلام على المقاليد في الرمز. ﴿يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ لأن مفاتحي الأرزاق بيده ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من البسط والتقدير «عَلِيمٌ» . قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين ... ﴾ الآية لمَّا عظم وحيه إلى محمد عليه الصَّلاة والسَّلام بقوله: ﴿كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم﴾ ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ أي بين لكم من الدين يا أصحاب محمد ما وصى به نوحاً وهو أول أنبياء الشريعة. قال مجاهد: أوصيناك وإياه يا محمد ديناً واحداً ﴿والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ من القرآن وشرائع الإسلام ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى﴾ إنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم كانوا أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة. واختلوفا في الموصى به، فقال قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقال الحكم: تحريم الأمهات والبنات والأخوات. وقال مجاهد: لم يبعث الله تعالى نبياً إلى وهداه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم. وقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك. وقيل: هو ما ذكر من بعد في قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ بعث الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة. فصل قال ابن الخطيب: في لفظ الآية إشكالات: أحدهما: قال في أول الآية: ﴿مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ وفي آخرها: ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وفي وسطها ﴿والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ فما فائدة هذا التفاوت؟ وثانيها: ذكر نوحاً على سبيل الغيبة فقال: ﴿مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ وقال ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ . وثالثها: تقدير الآية شرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك؟ وهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد، وهو مشكل، وهذه مضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها بالجملة. واعلم أن المقصود من الآية أن يقال: شرع لكم من الدين ديناً تطابقت الأنبياء على صحته، فيجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئاً مغايراً للتكاليف والأحكام؛ لأنها مختلفة متفاوتة، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: 48] فوجب أن يكون المراد منه (الأمور) التي لا تخلتف باختلاف الشرائع، وهو الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، (وأصول الدين) . فصل استدل بعضهم بقوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ على أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في أول الأمر متعبداً بشريعة نوح عليه الصَّلاة والسَّلام، وأجيب: با، هـ عطف عليه سائر الأنبياء، فدل ذلك على أن المراد هو الأخذ بالشريع المتفق عليها بين الكل. قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين﴾ يجوز فيها أوجه: أحدها: أن تكون مصدرية في محل رفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين المشروع توحيد الله. الثاني: أنها في محل نصب بدلاً من الموصول، كأنه قيل: شرع لكم ما وصَّى به نوحاً توحيد الله. الثالث: أنها في محل جر بدلاً من الدين. الرابع: أنها في محل جر أيضاً. بدلاً من الهاء. الخامس: أن تكون مفسِّرة؛ لأنه قد تقدمها ما هو بمعنى القول. قوله: ﴿كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من التوحيد، ورفض الأوثان. قوله: «الله يَجْتَبِي» أي يصطفي ﴿إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ﴾ يهدي إليه من يشاء يصطفي لدينه من عباده من يشاء ﴿ويهدي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ يقبل إلى طاعته. والاجتباء يدل على الضم ومنه: جبى الخَراجَ واجْتَبَى الماء في الحوض فقوله: «الله يجتبي» أي يضم إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة. فصل احتج نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: إنه تعالى أخبر بأن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف والنزاع، والله تعالى ذكر في معرض المنَّة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة، المعلوم أن فتح باب القياس يُفْضِي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة فإن الحسَّ شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على القياس تفرقوا تفرقاً لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى قيام القيامة، فوجب أن يكون ذلك محرماً. فصل اعلم أنه تعالى لما بين أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟ فِأجاب بقوله: ﴿وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة، فحملتهم الحميَّة النَّفسانية الطبيعية، على أن ذهبت كل طائفة إلى مذهب، ودعوا الناس إليه، وقبحوا ما سواه طلباً للذكر والرياسة فصار ذلك سبباً لوقوع الاختلاف. ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل، إلا أنَّه تعالى أخَّر عنهم ذلك العذاب لأن لكل عذاب عنده أجلاً مسمًّى، أي وقتاً معلوماً وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ﴾ . والأجل المسمَّى قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة، فقال ابن عباس والأكثرون: هم اليهود والنصارى، لقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19] . قوله في سورة «لم يكن» : ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة﴾ [البينة: 4] . وقيل: هم العرب، وهذا باطل، لما تقدم، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد أنبيائهم. وقيل: من بعد الأمم الخالية ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ أي من كتابهم. وقيل من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ و «مُرِيبٍ» صفة الشك، أي لا يؤمنون به حق الإيمان. قوله: «أُورِثُوا: قرأ زيد بن علي: وُرِّثُوا بالتشديد مبنياً للمفعول. قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادع واستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾ في اللام وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى» إلى «أي فإلى ذلك الدين فادع واستقم، وهو الاتفاق على الملة الحنيفية،» واسْتَقِمْ «عليها (أي على الدين الذي أمَرَكَ به) كما أمرك الله ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ المختلفة الباطلة. والثاني: أنها للعلة، أي لأجل التفرق والاختلاف ادع للدين القيم ﴿آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ﴾ أي بأيِّ كتابٍ صحَّ أن الله أنزله يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة. قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ﴾ يجوز أن يكون التقدير: وأمرت بذلك لأعدل بينكم في الحكم، وقيل: أمِرْتُ أنْ أَعْدِلَ، فاللم مزيدة. وفيه نظر لأنك بعد زيادة اللام تحتاج إلى تقدير حرف أي بأن أعدل. فصل قال القفال: معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي أو أنفسكم بأن آمركم بما لا أعلمه أو أخالفكم إلى ما لا أنهاكم عنه، لكني أسوي بينكم وبين نفسي كذلك أسوي بين: أكابركم وأصاغركم في الحكم. وقيل معناه: لا أضيف عليكم بأكثر مما أفترض الله عليكم من الأحكام. قوله: ﴿الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ يعني إلهنا واحد، وإن ختلفت أعمالنا، فكلُّ يُجازَى بعمله،» لا حجَّة» ، لا خصومة، «بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» . نسختها أية القتال، وإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة. قال ابن الخطيب: ومعنى الآية أنه إله الكل واحد، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه فإن الله تعالى يجمع بين الكل يوم القيامة ويجازيه على عمله. فإن قيل: كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟! فالجواب: هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء ودخل فيه التوحيد، وترك عبادة الأصنام والإقرار بنبوة الأنبياء وبصحة البعث والقيامة فلمَّا لم يقبلوا هذه الدين فات الشَّرط فيفوت المشروط. واعلم أن قوله تعالى: ﴿لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ يجرى مجرى محاجَّتهم، بدليل أن هذا الكلام مذكور في معرض المحاجَّة، فلو كان المراد من هذه الآية تحريم المحاجة لزم كونها محرمةً لنفسها، وهو متناقض. وأيضاً لولا الأدلة لما توجه التكليف، وأيضاً: أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وإنما تركوا تصديقه عناداً فبين تعالى أنه حصل الاستغناء عن محاجَّتهم؛ لأنهم عرفوا صدقه، ولا حاجة معهم إلى المحاجَّة ألبتة. ومما يقوي عدم تحريم المحاجة قوله: ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] وقوله: ﴿قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: 31] وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: 83] .

الشورى 42:12

قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السماوات والأرض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير﴾ . قوله تعالى: «فاطر» العامة على رفعه خبراً «لذلكم» ، أو نعتاً «لربي» على محض إضافته و «عليه توكلت» معترض على هذا، أو مبتدأ خبره «جعل لكم» أو خبر مبتدأ مضمر أي هو. وقرأ زيد بن على «فاطِر» بالجر، نعتاً للجلالة في قوله: «إلَى اللهِ» وما بينهما اعتراض أو بدل من الهاء في «عَلَيْهِ» أو «إلَيْهِ» . وقال مكيُّ: وأجار الكسائي النصب على البدلِ، وقال غيره: على المدح ويجوز في الكلام الخفض على البدل من الهاء كأنه لم يطلع على أنها قراءة زيد بن علي. قوله: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً﴾ قيل: معناه: جعل لكم من أنفسكم أزواجاً أي مثل خلقكم، وأزواجاً أي حلائل، وقيل معنى من أنفسكم أي خلق حوّاء نم ضِلع آدم، ﴿وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً﴾ أي أصنافاً ذكوراً وإناثاً. قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي يكثركم. وقوله: «فيه» يجوز أن تكون «في» عَلَى بَابها، والمعنى يكثركم في هذا التدبير، وهو أن يجعل الناس والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد. والضمير في «يذرأكم» للمخاطبين والأنعام، إلا أنه غلب فيه العقلاء من وجهين: أحدهما: أن غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء. الثاني: أنه غلب جانب المخاطبين على الغائبين. قال الزمخشري: وهي من الأحكام ذات العلَّتين. قال أبو حيان: وهو اصطلاح غريب يعني أن الخطاب يغلب على الغيبة إذا اجتمعا. ثم قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى يذرأكم في هذا التدبير وهلا قيل: يذرأكم به؟ قلت: حعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، ألا تراك تقول للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] . وقيل: إنها للسببيّة كالباء أي يكثركم بسببه، والضمير يعود على الجعل أو للمخلوق. وقيل: يذرأكم فيه أي يخلقكم في الرحم. وقيل: في البطن. قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في هذه الآية أوجه: أشهرها: أن الكاف زائدة في خبر ليس، و «شيء» اسمها، والتقدير: ليس شيءٌ مثله. قالوا: ولولا ادعاء زيادتها للزم أن يكون له مثل، وهو محال؛ إذ يصير التقدير على أصالة الكاف: ليبس (مِثْلَ) مثله شيء فنفى المماثلة عن مثله، فثبت أن له مثلاً لا مثل لذلك المثل، وهذا محال تعالى الله عن ذلك. وقال أبو البقاء: لو لم تكن زائدة، لأفضى ذلك إلى المحال؛ إذ كان (يكون) المعنى أن له مثلاً وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض؛ لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل وهو هو، مع أن إثبات المثل لله تعالى محال. وهذه طريقة حسنة في تقرير زيادة الكاف، وفيها حسن صناعةٍ. الثاني: أن «مثل» هي الزائدة كزيادتها في قوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 137] قال الطبريُّ: كما زيدت الكاف في قوله: 4372 - وَصَالِيَاتٍ كَكَمَا يُؤَثْفِينْ ... وفي قوله: 4373 - فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُول ... وهذا ليس بجيد، لأن زيادة الأسماء ليست بجائزة، وأيضاً يصير التقدير: ليس كهو شيء. ودخول الكاف على الضمائر لا يجوز إلا في شعر. الثالث: أن العرب تقول: «مِثْلُكَ لاَ يَفْعَلُ كَذَا» يعنون المخاطب نفسه؛ لأنهم يريدون المبالغة في نفي الوصف عن المخاطب فينفونها في اللفظ عن مثله، فثبت انتفاؤها عنه بدليلها ومنه قول الشاعر (رحمة الله عليه) : 4374 - عَلَى مِثْلِ لَيْلَى يَقْتُلُ المَرْءُ نَفْسَهُ ... وَإِنْ بَاتَ مِنْ لَيْلَى عَلَى النَّاسِ طَاوِيَا وقال أوس بن حجر: 4375 - ... ولَيْسَ كَمِثْلِ الفَتَى زُهَيْر خَلْقٌ يُوَازِيهِ فِي الفَضَائِلِ ... وقال آخر: 4376 - وَقَتْلَى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ... تَغَشَّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ وقال آخر: 4377 - سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذَا أَبْصَرْتَ فَضْلَهُمُ ... فَمَا كَمِثْلِهِم في النَّاس مِنْ أَحَدِ قال ابن قتيبة: العرب تٌقِيمُ المِثْلَ مُقَامِ النَّفْس فتقول: «مِثْلِي لاَ يُقَالُ لَهُ هَذَا» أي أنا لا يقال لي. قيل: ونسبة المثل إلى من لا مثل له قولك: فلانٌ يده مبسوطةٌ، يريد: أنه جواد، ولا نظير له في الحقيقة إلى اليد حتى تقول ذلك لمن لا يد له كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64] . الرابع: أن يراد بالمثل الصفة، وذلك أن المثل بمعنى المثل، والمثل الصفة كقوله ﴿مَّثَلُ الجنة﴾ [محمد: 15] ، فيكون المعنى ليس مثل صفته تعالى شيء من التي لغيره (وهو مَحْمِلٌ سَهْلٌ) . فصل قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) معناه ليس له نظير «وهو السميع البصير» أي سامعاً للمسموعات بصيراً للمرئيات. فإن قيل: قوله: ﴿وهو السميع البصير﴾ يفيد الحصر، فما معنى هذا الحصر مع العباد أيضاً موصوفون بكمونهم سميعين بصيرين؟! . فالجواب: «السمعي البصير» لفظان مشرعان بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال والكمال في كل الصفات وليس إلا الله، فهذا هو المراد من هذا الحصر. قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض﴾ أي مفاتيح الرزق في السموات والأرض، قال المفسرون: مفاتيح السموات: الأمطار. ومقاليد الأرض: النبات وتقدم الكلام على المقاليد في الرمز. ﴿يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ لأن مفاتحي الأرزاق بيده ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من البسط والتقدير «عَلِيمٌ» . قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين ... ﴾ الآية لمَّا عظم وحيه إلى محمد عليه الصَّلاة والسَّلام بقوله: ﴿كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم﴾ ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ أي بين لكم من الدين يا أصحاب محمد ما وصى به نوحاً وهو أول أنبياء الشريعة. قال مجاهد: أوصيناك وإياه يا محمد ديناً واحداً ﴿والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ من القرآن وشرائع الإسلام ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى﴾ إنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم كانوا أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة. واختلوفا في الموصى به، فقال قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقال الحكم: تحريم الأمهات والبنات والأخوات. وقال مجاهد: لم يبعث الله تعالى نبياً إلى وهداه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم. وقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك. وقيل: هو ما ذكر من بعد في قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ بعث الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة. فصل قال ابن الخطيب: في لفظ الآية إشكالات: أحدهما: قال في أول الآية: ﴿مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ وفي آخرها: ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وفي وسطها ﴿والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ فما فائدة هذا التفاوت؟ وثانيها: ذكر نوحاً على سبيل الغيبة فقال: ﴿مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ وقال ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ . وثالثها: تقدير الآية شرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك؟ وهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد، وهو مشكل، وهذه مضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها بالجملة. واعلم أن المقصود من الآية أن يقال: شرع لكم من الدين ديناً تطابقت الأنبياء على صحته، فيجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئاً مغايراً للتكاليف والأحكام؛ لأنها مختلفة متفاوتة، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: 48] فوجب أن يكون المراد منه (الأمور) التي لا تخلتف باختلاف الشرائع، وهو الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، (وأصول الدين) . فصل استدل بعضهم بقوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ على أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في أول الأمر متعبداً بشريعة نوح عليه الصَّلاة والسَّلام، وأجيب: با، هـ عطف عليه سائر الأنبياء، فدل ذلك على أن المراد هو الأخذ بالشريع المتفق عليها بين الكل. قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين﴾ يجوز فيها أوجه: أحدها: أن تكون مصدرية في محل رفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين المشروع توحيد الله. الثاني: أنها في محل نصب بدلاً من الموصول، كأنه قيل: شرع لكم ما وصَّى به نوحاً توحيد الله. الثالث: أنها في محل جر بدلاً من الدين. الرابع: أنها في محل جر أيضاً. بدلاً من الهاء. الخامس: أن تكون مفسِّرة؛ لأنه قد تقدمها ما هو بمعنى القول. قوله: ﴿كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من التوحيد، ورفض الأوثان. قوله: «الله يَجْتَبِي» أي يصطفي ﴿إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ﴾ يهدي إليه من يشاء يصطفي لدينه من عباده من يشاء ﴿ويهدي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ يقبل إلى طاعته. والاجتباء يدل على الضم ومنه: جبى الخَراجَ واجْتَبَى الماء في الحوض فقوله: «الله يجتبي» أي يضم إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة. فصل احتج نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: إنه تعالى أخبر بأن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف والنزاع، والله تعالى ذكر في معرض المنَّة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة، المعلوم أن فتح باب القياس يُفْضِي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة فإن الحسَّ شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على القياس تفرقوا تفرقاً لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى قيام القيامة، فوجب أن يكون ذلك محرماً. فصل اعلم أنه تعالى لما بين أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟ فِأجاب بقوله: ﴿وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة، فحملتهم الحميَّة النَّفسانية الطبيعية، على أن ذهبت كل طائفة إلى مذهب، ودعوا الناس إليه، وقبحوا ما سواه طلباً للذكر والرياسة فصار ذلك سبباً لوقوع الاختلاف. ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل، إلا أنَّه تعالى أخَّر عنهم ذلك العذاب لأن لكل عذاب عنده أجلاً مسمًّى، أي وقتاً معلوماً وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ﴾ . والأجل المسمَّى قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة، فقال ابن عباس والأكثرون: هم اليهود والنصارى، لقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19] . قوله في سورة «لم يكن» : ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة﴾ [البينة: 4] . وقيل: هم العرب، وهذا باطل، لما تقدم، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد أنبيائهم. وقيل: من بعد الأمم الخالية ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ أي من كتابهم. وقيل من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ و «مُرِيبٍ» صفة الشك، أي لا يؤمنون به حق الإيمان. قوله: «أُورِثُوا: قرأ زيد بن علي: وُرِّثُوا بالتشديد مبنياً للمفعول. قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادع واستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾ في اللام وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى» إلى «أي فإلى ذلك الدين فادع واستقم، وهو الاتفاق على الملة الحنيفية،» واسْتَقِمْ «عليها (أي على الدين الذي أمَرَكَ به) كما أمرك الله ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ المختلفة الباطلة. والثاني: أنها للعلة، أي لأجل التفرق والاختلاف ادع للدين القيم ﴿آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ﴾ أي بأيِّ كتابٍ صحَّ أن الله أنزله يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة. قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ﴾ يجوز أن يكون التقدير: وأمرت بذلك لأعدل بينكم في الحكم، وقيل: أمِرْتُ أنْ أَعْدِلَ، فاللم مزيدة. وفيه نظر لأنك بعد زيادة اللام تحتاج إلى تقدير حرف أي بأن أعدل. فصل قال القفال: معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي أو أنفسكم بأن آمركم بما لا أعلمه أو أخالفكم إلى ما لا أنهاكم عنه، لكني أسوي بينكم وبين نفسي كذلك أسوي بين: أكابركم وأصاغركم في الحكم. وقيل معناه: لا أضيف عليكم بأكثر مما أفترض الله عليكم من الأحكام. قوله: ﴿الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ يعني إلهنا واحد، وإن ختلفت أعمالنا، فكلُّ يُجازَى بعمله،» لا حجَّة» ، لا خصومة، «بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» . نسختها أية القتال، وإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة. قال ابن الخطيب: ومعنى الآية أنه إله الكل واحد، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه فإن الله تعالى يجمع بين الكل يوم القيامة ويجازيه على عمله. فإن قيل: كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟! فالجواب: هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء ودخل فيه التوحيد، وترك عبادة الأصنام والإقرار بنبوة الأنبياء وبصحة البعث والقيامة فلمَّا لم يقبلوا هذه الدين فات الشَّرط فيفوت المشروط. واعلم أن قوله تعالى: ﴿لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ يجرى مجرى محاجَّتهم، بدليل أن هذا الكلام مذكور في معرض المحاجَّة، فلو كان المراد من هذه الآية تحريم المحاجة لزم كونها محرمةً لنفسها، وهو متناقض. وأيضاً لولا الأدلة لما توجه التكليف، وأيضاً: أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وإنما تركوا تصديقه عناداً فبين تعالى أنه حصل الاستغناء عن محاجَّتهم؛ لأنهم عرفوا صدقه، ولا حاجة معهم إلى المحاجَّة ألبتة. ومما يقوي عدم تحريم المحاجة قوله: ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] وقوله: ﴿قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: 31] وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: 83] .

الشورى 42:13

قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السماوات والأرض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير﴾ . قوله تعالى: «فاطر» العامة على رفعه خبراً «لذلكم» ، أو نعتاً «لربي» على محض إضافته و «عليه توكلت» معترض على هذا، أو مبتدأ خبره «جعل لكم» أو خبر مبتدأ مضمر أي هو. وقرأ زيد بن على «فاطِر» بالجر، نعتاً للجلالة في قوله: «إلَى اللهِ» وما بينهما اعتراض أو بدل من الهاء في «عَلَيْهِ» أو «إلَيْهِ» . وقال مكيُّ: وأجار الكسائي النصب على البدلِ، وقال غيره: على المدح ويجوز في الكلام الخفض على البدل من الهاء كأنه لم يطلع على أنها قراءة زيد بن علي. قوله: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً﴾ قيل: معناه: جعل لكم من أنفسكم أزواجاً أي مثل خلقكم، وأزواجاً أي حلائل، وقيل معنى من أنفسكم أي خلق حوّاء نم ضِلع آدم، ﴿وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً﴾ أي أصنافاً ذكوراً وإناثاً. قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي يكثركم. وقوله: «فيه» يجوز أن تكون «في» عَلَى بَابها، والمعنى يكثركم في هذا التدبير، وهو أن يجعل الناس والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد. والضمير في «يذرأكم» للمخاطبين والأنعام، إلا أنه غلب فيه العقلاء من وجهين: أحدهما: أن غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء. الثاني: أنه غلب جانب المخاطبين على الغائبين. قال الزمخشري: وهي من الأحكام ذات العلَّتين. قال أبو حيان: وهو اصطلاح غريب يعني أن الخطاب يغلب على الغيبة إذا اجتمعا. ثم قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى يذرأكم في هذا التدبير وهلا قيل: يذرأكم به؟ قلت: حعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، ألا تراك تقول للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] . وقيل: إنها للسببيّة كالباء أي يكثركم بسببه، والضمير يعود على الجعل أو للمخلوق. وقيل: يذرأكم فيه أي يخلقكم في الرحم. وقيل: في البطن. قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في هذه الآية أوجه: أشهرها: أن الكاف زائدة في خبر ليس، و «شيء» اسمها، والتقدير: ليس شيءٌ مثله. قالوا: ولولا ادعاء زيادتها للزم أن يكون له مثل، وهو محال؛ إذ يصير التقدير على أصالة الكاف: ليبس (مِثْلَ) مثله شيء فنفى المماثلة عن مثله، فثبت أن له مثلاً لا مثل لذلك المثل، وهذا محال تعالى الله عن ذلك. وقال أبو البقاء: لو لم تكن زائدة، لأفضى ذلك إلى المحال؛ إذ كان (يكون) المعنى أن له مثلاً وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض؛ لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل وهو هو، مع أن إثبات المثل لله تعالى محال. وهذه طريقة حسنة في تقرير زيادة الكاف، وفيها حسن صناعةٍ. الثاني: أن «مثل» هي الزائدة كزيادتها في قوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 137] قال الطبريُّ: كما زيدت الكاف في قوله: 4372 - وَصَالِيَاتٍ كَكَمَا يُؤَثْفِينْ ... وفي قوله: 4373 - فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُول ... وهذا ليس بجيد، لأن زيادة الأسماء ليست بجائزة، وأيضاً يصير التقدير: ليس كهو شيء. ودخول الكاف على الضمائر لا يجوز إلا في شعر. الثالث: أن العرب تقول: «مِثْلُكَ لاَ يَفْعَلُ كَذَا» يعنون المخاطب نفسه؛ لأنهم يريدون المبالغة في نفي الوصف عن المخاطب فينفونها في اللفظ عن مثله، فثبت انتفاؤها عنه بدليلها ومنه قول الشاعر (رحمة الله عليه) : 4374 - عَلَى مِثْلِ لَيْلَى يَقْتُلُ المَرْءُ نَفْسَهُ ... وَإِنْ بَاتَ مِنْ لَيْلَى عَلَى النَّاسِ طَاوِيَا وقال أوس بن حجر: 4375 - ... ولَيْسَ كَمِثْلِ الفَتَى زُهَيْر خَلْقٌ يُوَازِيهِ فِي الفَضَائِلِ ... وقال آخر: 4376 - وَقَتْلَى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ... تَغَشَّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ وقال آخر: 4377 - سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذَا أَبْصَرْتَ فَضْلَهُمُ ... فَمَا كَمِثْلِهِم في النَّاس مِنْ أَحَدِ قال ابن قتيبة: العرب تٌقِيمُ المِثْلَ مُقَامِ النَّفْس فتقول: «مِثْلِي لاَ يُقَالُ لَهُ هَذَا» أي أنا لا يقال لي. قيل: ونسبة المثل إلى من لا مثل له قولك: فلانٌ يده مبسوطةٌ، يريد: أنه جواد، ولا نظير له في الحقيقة إلى اليد حتى تقول ذلك لمن لا يد له كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64] . الرابع: أن يراد بالمثل الصفة، وذلك أن المثل بمعنى المثل، والمثل الصفة كقوله ﴿مَّثَلُ الجنة﴾ [محمد: 15] ، فيكون المعنى ليس مثل صفته تعالى شيء من التي لغيره (وهو مَحْمِلٌ سَهْلٌ) . فصل قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) معناه ليس له نظير «وهو السميع البصير» أي سامعاً للمسموعات بصيراً للمرئيات. فإن قيل: قوله: ﴿وهو السميع البصير﴾ يفيد الحصر، فما معنى هذا الحصر مع العباد أيضاً موصوفون بكمونهم سميعين بصيرين؟! . فالجواب: «السمعي البصير» لفظان مشرعان بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال والكمال في كل الصفات وليس إلا الله، فهذا هو المراد من هذا الحصر. قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض﴾ أي مفاتيح الرزق في السموات والأرض، قال المفسرون: مفاتيح السموات: الأمطار. ومقاليد الأرض: النبات وتقدم الكلام على المقاليد في الرمز. ﴿يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ لأن مفاتحي الأرزاق بيده ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من البسط والتقدير «عَلِيمٌ» . قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين ... ﴾ الآية لمَّا عظم وحيه إلى محمد عليه الصَّلاة والسَّلام بقوله: ﴿كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم﴾ ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ أي بين لكم من الدين يا أصحاب محمد ما وصى به نوحاً وهو أول أنبياء الشريعة. قال مجاهد: أوصيناك وإياه يا محمد ديناً واحداً ﴿والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ من القرآن وشرائع الإسلام ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى﴾ إنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم كانوا أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة. واختلوفا في الموصى به، فقال قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقال الحكم: تحريم الأمهات والبنات والأخوات. وقال مجاهد: لم يبعث الله تعالى نبياً إلى وهداه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم. وقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك. وقيل: هو ما ذكر من بعد في قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ بعث الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة. فصل قال ابن الخطيب: في لفظ الآية إشكالات: أحدهما: قال في أول الآية: ﴿مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ وفي آخرها: ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وفي وسطها ﴿والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ فما فائدة هذا التفاوت؟ وثانيها: ذكر نوحاً على سبيل الغيبة فقال: ﴿مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ وقال ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ . وثالثها: تقدير الآية شرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك؟ وهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد، وهو مشكل، وهذه مضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها بالجملة. واعلم أن المقصود من الآية أن يقال: شرع لكم من الدين ديناً تطابقت الأنبياء على صحته، فيجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئاً مغايراً للتكاليف والأحكام؛ لأنها مختلفة متفاوتة، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: 48] فوجب أن يكون المراد منه (الأمور) التي لا تخلتف باختلاف الشرائع، وهو الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، (وأصول الدين) . فصل استدل بعضهم بقوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ على أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في أول الأمر متعبداً بشريعة نوح عليه الصَّلاة والسَّلام، وأجيب: با، هـ عطف عليه سائر الأنبياء، فدل ذلك على أن المراد هو الأخذ بالشريع المتفق عليها بين الكل. قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين﴾ يجوز فيها أوجه: أحدها: أن تكون مصدرية في محل رفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين المشروع توحيد الله. الثاني: أنها في محل نصب بدلاً من الموصول، كأنه قيل: شرع لكم ما وصَّى به نوحاً توحيد الله. الثالث: أنها في محل جر بدلاً من الدين. الرابع: أنها في محل جر أيضاً. بدلاً من الهاء. الخامس: أن تكون مفسِّرة؛ لأنه قد تقدمها ما هو بمعنى القول. قوله: ﴿كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من التوحيد، ورفض الأوثان. قوله: «الله يَجْتَبِي» أي يصطفي ﴿إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ﴾ يهدي إليه من يشاء يصطفي لدينه من عباده من يشاء ﴿ويهدي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ يقبل إلى طاعته. والاجتباء يدل على الضم ومنه: جبى الخَراجَ واجْتَبَى الماء في الحوض فقوله: «الله يجتبي» أي يضم إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة. فصل احتج نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: إنه تعالى أخبر بأن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف والنزاع، والله تعالى ذكر في معرض المنَّة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة، المعلوم أن فتح باب القياس يُفْضِي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة فإن الحسَّ شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على القياس تفرقوا تفرقاً لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى قيام القيامة، فوجب أن يكون ذلك محرماً. فصل اعلم أنه تعالى لما بين أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟ فِأجاب بقوله: ﴿وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة، فحملتهم الحميَّة النَّفسانية الطبيعية، على أن ذهبت كل طائفة إلى مذهب، ودعوا الناس إليه، وقبحوا ما سواه طلباً للذكر والرياسة فصار ذلك سبباً لوقوع الاختلاف. ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل، إلا أنَّه تعالى أخَّر عنهم ذلك العذاب لأن لكل عذاب عنده أجلاً مسمًّى، أي وقتاً معلوماً وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ﴾ . والأجل المسمَّى قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة، فقال ابن عباس والأكثرون: هم اليهود والنصارى، لقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19] . قوله في سورة «لم يكن» : ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة﴾ [البينة: 4] . وقيل: هم العرب، وهذا باطل، لما تقدم، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد أنبيائهم. وقيل: من بعد الأمم الخالية ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ أي من كتابهم. وقيل من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ و «مُرِيبٍ» صفة الشك، أي لا يؤمنون به حق الإيمان. قوله: «أُورِثُوا: قرأ زيد بن علي: وُرِّثُوا بالتشديد مبنياً للمفعول. قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادع واستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾ في اللام وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى» إلى «أي فإلى ذلك الدين فادع واستقم، وهو الاتفاق على الملة الحنيفية،» واسْتَقِمْ «عليها (أي على الدين الذي أمَرَكَ به) كما أمرك الله ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ المختلفة الباطلة. والثاني: أنها للعلة، أي لأجل التفرق والاختلاف ادع للدين القيم ﴿آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ﴾ أي بأيِّ كتابٍ صحَّ أن الله أنزله يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة. قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ﴾ يجوز أن يكون التقدير: وأمرت بذلك لأعدل بينكم في الحكم، وقيل: أمِرْتُ أنْ أَعْدِلَ، فاللم مزيدة. وفيه نظر لأنك بعد زيادة اللام تحتاج إلى تقدير حرف أي بأن أعدل. فصل قال القفال: معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي أو أنفسكم بأن آمركم بما لا أعلمه أو أخالفكم إلى ما لا أنهاكم عنه، لكني أسوي بينكم وبين نفسي كذلك أسوي بين: أكابركم وأصاغركم في الحكم. وقيل معناه: لا أضيف عليكم بأكثر مما أفترض الله عليكم من الأحكام. قوله: ﴿الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ يعني إلهنا واحد، وإن ختلفت أعمالنا، فكلُّ يُجازَى بعمله،» لا حجَّة» ، لا خصومة، «بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» . نسختها أية القتال، وإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة. قال ابن الخطيب: ومعنى الآية أنه إله الكل واحد، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه فإن الله تعالى يجمع بين الكل يوم القيامة ويجازيه على عمله. فإن قيل: كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟! فالجواب: هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء ودخل فيه التوحيد، وترك عبادة الأصنام والإقرار بنبوة الأنبياء وبصحة البعث والقيامة فلمَّا لم يقبلوا هذه الدين فات الشَّرط فيفوت المشروط. واعلم أن قوله تعالى: ﴿لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ يجرى مجرى محاجَّتهم، بدليل أن هذا الكلام مذكور في معرض المحاجَّة، فلو كان المراد من هذه الآية تحريم المحاجة لزم كونها محرمةً لنفسها، وهو متناقض. وأيضاً لولا الأدلة لما توجه التكليف، وأيضاً: أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وإنما تركوا تصديقه عناداً فبين تعالى أنه حصل الاستغناء عن محاجَّتهم؛ لأنهم عرفوا صدقه، ولا حاجة معهم إلى المحاجَّة ألبتة. ومما يقوي عدم تحريم المحاجة قوله: ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] وقوله: ﴿قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: 31] وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: 83] .

الشورى 42:14

قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السماوات والأرض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير﴾ . قوله تعالى: «فاطر» العامة على رفعه خبراً «لذلكم» ، أو نعتاً «لربي» على محض إضافته و «عليه توكلت» معترض على هذا، أو مبتدأ خبره «جعل لكم» أو خبر مبتدأ مضمر أي هو. وقرأ زيد بن على «فاطِر» بالجر، نعتاً للجلالة في قوله: «إلَى اللهِ» وما بينهما اعتراض أو بدل من الهاء في «عَلَيْهِ» أو «إلَيْهِ» . وقال مكيُّ: وأجار الكسائي النصب على البدلِ، وقال غيره: على المدح ويجوز في الكلام الخفض على البدل من الهاء كأنه لم يطلع على أنها قراءة زيد بن علي. قوله: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً﴾ قيل: معناه: جعل لكم من أنفسكم أزواجاً أي مثل خلقكم، وأزواجاً أي حلائل، وقيل معنى من أنفسكم أي خلق حوّاء نم ضِلع آدم، ﴿وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً﴾ أي أصنافاً ذكوراً وإناثاً. قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي يكثركم. وقوله: «فيه» يجوز أن تكون «في» عَلَى بَابها، والمعنى يكثركم في هذا التدبير، وهو أن يجعل الناس والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد. والضمير في «يذرأكم» للمخاطبين والأنعام، إلا أنه غلب فيه العقلاء من وجهين: أحدهما: أن غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء. الثاني: أنه غلب جانب المخاطبين على الغائبين. قال الزمخشري: وهي من الأحكام ذات العلَّتين. قال أبو حيان: وهو اصطلاح غريب يعني أن الخطاب يغلب على الغيبة إذا اجتمعا. ثم قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى يذرأكم في هذا التدبير وهلا قيل: يذرأكم به؟ قلت: حعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، ألا تراك تقول للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] . وقيل: إنها للسببيّة كالباء أي يكثركم بسببه، والضمير يعود على الجعل أو للمخلوق. وقيل: يذرأكم فيه أي يخلقكم في الرحم. وقيل: في البطن. قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في هذه الآية أوجه: أشهرها: أن الكاف زائدة في خبر ليس، و «شيء» اسمها، والتقدير: ليس شيءٌ مثله. قالوا: ولولا ادعاء زيادتها للزم أن يكون له مثل، وهو محال؛ إذ يصير التقدير على أصالة الكاف: ليبس (مِثْلَ) مثله شيء فنفى المماثلة عن مثله، فثبت أن له مثلاً لا مثل لذلك المثل، وهذا محال تعالى الله عن ذلك. وقال أبو البقاء: لو لم تكن زائدة، لأفضى ذلك إلى المحال؛ إذ كان (يكون) المعنى أن له مثلاً وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض؛ لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل وهو هو، مع أن إثبات المثل لله تعالى محال. وهذه طريقة حسنة في تقرير زيادة الكاف، وفيها حسن صناعةٍ. الثاني: أن «مثل» هي الزائدة كزيادتها في قوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 137] قال الطبريُّ: كما زيدت الكاف في قوله: 4372 - وَصَالِيَاتٍ كَكَمَا يُؤَثْفِينْ ... وفي قوله: 4373 - فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُول ... وهذا ليس بجيد، لأن زيادة الأسماء ليست بجائزة، وأيضاً يصير التقدير: ليس كهو شيء. ودخول الكاف على الضمائر لا يجوز إلا في شعر. الثالث: أن العرب تقول: «مِثْلُكَ لاَ يَفْعَلُ كَذَا» يعنون المخاطب نفسه؛ لأنهم يريدون المبالغة في نفي الوصف عن المخاطب فينفونها في اللفظ عن مثله، فثبت انتفاؤها عنه بدليلها ومنه قول الشاعر (رحمة الله عليه) : 4374 - عَلَى مِثْلِ لَيْلَى يَقْتُلُ المَرْءُ نَفْسَهُ ... وَإِنْ بَاتَ مِنْ لَيْلَى عَلَى النَّاسِ طَاوِيَا وقال أوس بن حجر: 4375 - ... ولَيْسَ كَمِثْلِ الفَتَى زُهَيْر خَلْقٌ يُوَازِيهِ فِي الفَضَائِلِ ... وقال آخر: 4376 - وَقَتْلَى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ... تَغَشَّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ وقال آخر: 4377 - سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذَا أَبْصَرْتَ فَضْلَهُمُ ... فَمَا كَمِثْلِهِم في النَّاس مِنْ أَحَدِ قال ابن قتيبة: العرب تٌقِيمُ المِثْلَ مُقَامِ النَّفْس فتقول: «مِثْلِي لاَ يُقَالُ لَهُ هَذَا» أي أنا لا يقال لي. قيل: ونسبة المثل إلى من لا مثل له قولك: فلانٌ يده مبسوطةٌ، يريد: أنه جواد، ولا نظير له في الحقيقة إلى اليد حتى تقول ذلك لمن لا يد له كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64] . الرابع: أن يراد بالمثل الصفة، وذلك أن المثل بمعنى المثل، والمثل الصفة كقوله ﴿مَّثَلُ الجنة﴾ [محمد: 15] ، فيكون المعنى ليس مثل صفته تعالى شيء من التي لغيره (وهو مَحْمِلٌ سَهْلٌ) . فصل قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) معناه ليس له نظير «وهو السميع البصير» أي سامعاً للمسموعات بصيراً للمرئيات. فإن قيل: قوله: ﴿وهو السميع البصير﴾ يفيد الحصر، فما معنى هذا الحصر مع العباد أيضاً موصوفون بكمونهم سميعين بصيرين؟! . فالجواب: «السمعي البصير» لفظان مشرعان بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال والكمال في كل الصفات وليس إلا الله، فهذا هو المراد من هذا الحصر. قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض﴾ أي مفاتيح الرزق في السموات والأرض، قال المفسرون: مفاتيح السموات: الأمطار. ومقاليد الأرض: النبات وتقدم الكلام على المقاليد في الرمز. ﴿يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ لأن مفاتحي الأرزاق بيده ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من البسط والتقدير «عَلِيمٌ» . قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين ... ﴾ الآية لمَّا عظم وحيه إلى محمد عليه الصَّلاة والسَّلام بقوله: ﴿كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم﴾ ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ أي بين لكم من الدين يا أصحاب محمد ما وصى به نوحاً وهو أول أنبياء الشريعة. قال مجاهد: أوصيناك وإياه يا محمد ديناً واحداً ﴿والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ من القرآن وشرائع الإسلام ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى﴾ إنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم كانوا أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة. واختلوفا في الموصى به، فقال قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقال الحكم: تحريم الأمهات والبنات والأخوات. وقال مجاهد: لم يبعث الله تعالى نبياً إلى وهداه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم. وقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك. وقيل: هو ما ذكر من بعد في قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ بعث الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة. فصل قال ابن الخطيب: في لفظ الآية إشكالات: أحدهما: قال في أول الآية: ﴿مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ وفي آخرها: ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وفي وسطها ﴿والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ فما فائدة هذا التفاوت؟ وثانيها: ذكر نوحاً على سبيل الغيبة فقال: ﴿مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ وقال ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ . وثالثها: تقدير الآية شرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك؟ وهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد، وهو مشكل، وهذه مضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها بالجملة. واعلم أن المقصود من الآية أن يقال: شرع لكم من الدين ديناً تطابقت الأنبياء على صحته، فيجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئاً مغايراً للتكاليف والأحكام؛ لأنها مختلفة متفاوتة، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: 48] فوجب أن يكون المراد منه (الأمور) التي لا تخلتف باختلاف الشرائع، وهو الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، (وأصول الدين) . فصل استدل بعضهم بقوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ على أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في أول الأمر متعبداً بشريعة نوح عليه الصَّلاة والسَّلام، وأجيب: با، هـ عطف عليه سائر الأنبياء، فدل ذلك على أن المراد هو الأخذ بالشريع المتفق عليها بين الكل. قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين﴾ يجوز فيها أوجه: أحدها: أن تكون مصدرية في محل رفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين المشروع توحيد الله. الثاني: أنها في محل نصب بدلاً من الموصول، كأنه قيل: شرع لكم ما وصَّى به نوحاً توحيد الله. الثالث: أنها في محل جر بدلاً من الدين. الرابع: أنها في محل جر أيضاً. بدلاً من الهاء. الخامس: أن تكون مفسِّرة؛ لأنه قد تقدمها ما هو بمعنى القول. قوله: ﴿كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من التوحيد، ورفض الأوثان. قوله: «الله يَجْتَبِي» أي يصطفي ﴿إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ﴾ يهدي إليه من يشاء يصطفي لدينه من عباده من يشاء ﴿ويهدي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ يقبل إلى طاعته. والاجتباء يدل على الضم ومنه: جبى الخَراجَ واجْتَبَى الماء في الحوض فقوله: «الله يجتبي» أي يضم إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة. فصل احتج نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: إنه تعالى أخبر بأن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف والنزاع، والله تعالى ذكر في معرض المنَّة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة، المعلوم أن فتح باب القياس يُفْضِي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة فإن الحسَّ شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على القياس تفرقوا تفرقاً لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى قيام القيامة، فوجب أن يكون ذلك محرماً. فصل اعلم أنه تعالى لما بين أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟ فِأجاب بقوله: ﴿وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة، فحملتهم الحميَّة النَّفسانية الطبيعية، على أن ذهبت كل طائفة إلى مذهب، ودعوا الناس إليه، وقبحوا ما سواه طلباً للذكر والرياسة فصار ذلك سبباً لوقوع الاختلاف. ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل، إلا أنَّه تعالى أخَّر عنهم ذلك العذاب لأن لكل عذاب عنده أجلاً مسمًّى، أي وقتاً معلوماً وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ﴾ . والأجل المسمَّى قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة، فقال ابن عباس والأكثرون: هم اليهود والنصارى، لقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19] . قوله في سورة «لم يكن» : ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة﴾ [البينة: 4] . وقيل: هم العرب، وهذا باطل، لما تقدم، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد أنبيائهم. وقيل: من بعد الأمم الخالية ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ أي من كتابهم. وقيل من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ و «مُرِيبٍ» صفة الشك، أي لا يؤمنون به حق الإيمان. قوله: «أُورِثُوا: قرأ زيد بن علي: وُرِّثُوا بالتشديد مبنياً للمفعول. قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادع واستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾ في اللام وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى» إلى «أي فإلى ذلك الدين فادع واستقم، وهو الاتفاق على الملة الحنيفية،» واسْتَقِمْ «عليها (أي على الدين الذي أمَرَكَ به) كما أمرك الله ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ المختلفة الباطلة. والثاني: أنها للعلة، أي لأجل التفرق والاختلاف ادع للدين القيم ﴿آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ﴾ أي بأيِّ كتابٍ صحَّ أن الله أنزله يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة. قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ﴾ يجوز أن يكون التقدير: وأمرت بذلك لأعدل بينكم في الحكم، وقيل: أمِرْتُ أنْ أَعْدِلَ، فاللم مزيدة. وفيه نظر لأنك بعد زيادة اللام تحتاج إلى تقدير حرف أي بأن أعدل. فصل قال القفال: معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي أو أنفسكم بأن آمركم بما لا أعلمه أو أخالفكم إلى ما لا أنهاكم عنه، لكني أسوي بينكم وبين نفسي كذلك أسوي بين: أكابركم وأصاغركم في الحكم. وقيل معناه: لا أضيف عليكم بأكثر مما أفترض الله عليكم من الأحكام. قوله: ﴿الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ يعني إلهنا واحد، وإن ختلفت أعمالنا، فكلُّ يُجازَى بعمله،» لا حجَّة» ، لا خصومة، «بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» . نسختها أية القتال، وإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة. قال ابن الخطيب: ومعنى الآية أنه إله الكل واحد، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه فإن الله تعالى يجمع بين الكل يوم القيامة ويجازيه على عمله. فإن قيل: كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟! فالجواب: هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء ودخل فيه التوحيد، وترك عبادة الأصنام والإقرار بنبوة الأنبياء وبصحة البعث والقيامة فلمَّا لم يقبلوا هذه الدين فات الشَّرط فيفوت المشروط. واعلم أن قوله تعالى: ﴿لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ يجرى مجرى محاجَّتهم، بدليل أن هذا الكلام مذكور في معرض المحاجَّة، فلو كان المراد من هذه الآية تحريم المحاجة لزم كونها محرمةً لنفسها، وهو متناقض. وأيضاً لولا الأدلة لما توجه التكليف، وأيضاً: أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وإنما تركوا تصديقه عناداً فبين تعالى أنه حصل الاستغناء عن محاجَّتهم؛ لأنهم عرفوا صدقه، ولا حاجة معهم إلى المحاجَّة ألبتة. ومما يقوي عدم تحريم المحاجة قوله: ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] وقوله: ﴿قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: 31] وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: 83] .

الشورى 42:15

قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السماوات والأرض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير﴾ . قوله تعالى: «فاطر» العامة على رفعه خبراً «لذلكم» ، أو نعتاً «لربي» على محض إضافته و «عليه توكلت» معترض على هذا، أو مبتدأ خبره «جعل لكم» أو خبر مبتدأ مضمر أي هو. وقرأ زيد بن على «فاطِر» بالجر، نعتاً للجلالة في قوله: «إلَى اللهِ» وما بينهما اعتراض أو بدل من الهاء في «عَلَيْهِ» أو «إلَيْهِ» . وقال مكيُّ: وأجار الكسائي النصب على البدلِ، وقال غيره: على المدح ويجوز في الكلام الخفض على البدل من الهاء كأنه لم يطلع على أنها قراءة زيد بن علي. قوله: ﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً﴾ قيل: معناه: جعل لكم من أنفسكم أزواجاً أي مثل خلقكم، وأزواجاً أي حلائل، وقيل معنى من أنفسكم أي خلق حوّاء نم ضِلع آدم، ﴿وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً﴾ أي أصنافاً ذكوراً وإناثاً. قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي يكثركم. وقوله: «فيه» يجوز أن تكون «في» عَلَى بَابها، والمعنى يكثركم في هذا التدبير، وهو أن يجعل الناس والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد. والضمير في «يذرأكم» للمخاطبين والأنعام، إلا أنه غلب فيه العقلاء من وجهين: أحدهما: أن غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء. الثاني: أنه غلب جانب المخاطبين على الغائبين. قال الزمخشري: وهي من الأحكام ذات العلَّتين. قال أبو حيان: وهو اصطلاح غريب يعني أن الخطاب يغلب على الغيبة إذا اجتمعا. ثم قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى يذرأكم في هذا التدبير وهلا قيل: يذرأكم به؟ قلت: حعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير، ألا تراك تقول للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179] . وقيل: إنها للسببيّة كالباء أي يكثركم بسببه، والضمير يعود على الجعل أو للمخلوق. وقيل: يذرأكم فيه أي يخلقكم في الرحم. وقيل: في البطن. قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في هذه الآية أوجه: أشهرها: أن الكاف زائدة في خبر ليس، و «شيء» اسمها، والتقدير: ليس شيءٌ مثله. قالوا: ولولا ادعاء زيادتها للزم أن يكون له مثل، وهو محال؛ إذ يصير التقدير على أصالة الكاف: ليبس (مِثْلَ) مثله شيء فنفى المماثلة عن مثله، فثبت أن له مثلاً لا مثل لذلك المثل، وهذا محال تعالى الله عن ذلك. وقال أبو البقاء: لو لم تكن زائدة، لأفضى ذلك إلى المحال؛ إذ كان (يكون) المعنى أن له مثلاً وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض؛ لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل وهو هو، مع أن إثبات المثل لله تعالى محال. وهذه طريقة حسنة في تقرير زيادة الكاف، وفيها حسن صناعةٍ. الثاني: أن «مثل» هي الزائدة كزيادتها في قوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 137] قال الطبريُّ: كما زيدت الكاف في قوله: 4372 - وَصَالِيَاتٍ كَكَمَا يُؤَثْفِينْ ... وفي قوله: 4373 - فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُول ... وهذا ليس بجيد، لأن زيادة الأسماء ليست بجائزة، وأيضاً يصير التقدير: ليس كهو شيء. ودخول الكاف على الضمائر لا يجوز إلا في شعر. الثالث: أن العرب تقول: «مِثْلُكَ لاَ يَفْعَلُ كَذَا» يعنون المخاطب نفسه؛ لأنهم يريدون المبالغة في نفي الوصف عن المخاطب فينفونها في اللفظ عن مثله، فثبت انتفاؤها عنه بدليلها ومنه قول الشاعر (رحمة الله عليه) : 4374 - عَلَى مِثْلِ لَيْلَى يَقْتُلُ المَرْءُ نَفْسَهُ ... وَإِنْ بَاتَ مِنْ لَيْلَى عَلَى النَّاسِ طَاوِيَا وقال أوس بن حجر: 4375 - ... ولَيْسَ كَمِثْلِ الفَتَى زُهَيْر خَلْقٌ يُوَازِيهِ فِي الفَضَائِلِ ... وقال آخر: 4376 - وَقَتْلَى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ ... تَغَشَّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرْ وقال آخر: 4377 - سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذَا أَبْصَرْتَ فَضْلَهُمُ ... فَمَا كَمِثْلِهِم في النَّاس مِنْ أَحَدِ قال ابن قتيبة: العرب تٌقِيمُ المِثْلَ مُقَامِ النَّفْس فتقول: «مِثْلِي لاَ يُقَالُ لَهُ هَذَا» أي أنا لا يقال لي. قيل: ونسبة المثل إلى من لا مثل له قولك: فلانٌ يده مبسوطةٌ، يريد: أنه جواد، ولا نظير له في الحقيقة إلى اليد حتى تقول ذلك لمن لا يد له كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64] . الرابع: أن يراد بالمثل الصفة، وذلك أن المثل بمعنى المثل، والمثل الصفة كقوله ﴿مَّثَلُ الجنة﴾ [محمد: 15] ، فيكون المعنى ليس مثل صفته تعالى شيء من التي لغيره (وهو مَحْمِلٌ سَهْلٌ) . فصل قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) معناه ليس له نظير «وهو السميع البصير» أي سامعاً للمسموعات بصيراً للمرئيات. فإن قيل: قوله: ﴿وهو السميع البصير﴾ يفيد الحصر، فما معنى هذا الحصر مع العباد أيضاً موصوفون بكمونهم سميعين بصيرين؟! . فالجواب: «السمعي البصير» لفظان مشرعان بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال والكمال في كل الصفات وليس إلا الله، فهذا هو المراد من هذا الحصر. قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض﴾ أي مفاتيح الرزق في السموات والأرض، قال المفسرون: مفاتيح السموات: الأمطار. ومقاليد الأرض: النبات وتقدم الكلام على المقاليد في الرمز. ﴿يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ لأن مفاتحي الأرزاق بيده ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من البسط والتقدير «عَلِيمٌ» . قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين ... ﴾ الآية لمَّا عظم وحيه إلى محمد عليه الصَّلاة والسَّلام بقوله: ﴿كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم﴾ ذكر في هذه الآية تفصيل ذلك فقال: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ أي بين لكم من الدين يا أصحاب محمد ما وصى به نوحاً وهو أول أنبياء الشريعة. قال مجاهد: أوصيناك وإياه يا محمد ديناً واحداً ﴿والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ من القرآن وشرائع الإسلام ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى﴾ إنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم كانوا أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع العظيمة والأتباع الكثيرة. واختلوفا في الموصى به، فقال قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقال الحكم: تحريم الأمهات والبنات والأخوات. وقال مجاهد: لم يبعث الله تعالى نبياً إلى وهداه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم. وقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك. وقيل: هو ما ذكر من بعد في قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ بعث الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة. فصل قال ابن الخطيب: في لفظ الآية إشكالات: أحدهما: قال في أول الآية: ﴿مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ وفي آخرها: ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وفي وسطها ﴿والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ فما فائدة هذا التفاوت؟ وثانيها: ذكر نوحاً على سبيل الغيبة فقال: ﴿مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ وقال ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ . وثالثها: تقدير الآية شرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك؟ وهذا يقتضي الجمع بين خطاب الغيبة وخطاب الحضور في الكلام الواحد بالاعتبار الواحد، وهو مشكل، وهذه مضايق يجب البحث عنها والقوم ما داروا حولها بالجملة. واعلم أن المقصود من الآية أن يقال: شرع لكم من الدين ديناً تطابقت الأنبياء على صحته، فيجب أن يكون المراد من هذا الدين شيئاً مغايراً للتكاليف والأحكام؛ لأنها مختلفة متفاوتة، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: 48] فوجب أن يكون المراد منه (الأمور) التي لا تخلتف باختلاف الشرائع، وهو الإيمان بالله، وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، (وأصول الدين) . فصل استدل بعضهم بقوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ على أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في أول الأمر متعبداً بشريعة نوح عليه الصَّلاة والسَّلام، وأجيب: با، هـ عطف عليه سائر الأنبياء، فدل ذلك على أن المراد هو الأخذ بالشريع المتفق عليها بين الكل. قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين﴾ يجوز فيها أوجه: أحدها: أن تكون مصدرية في محل رفع على خبر مبتدأ مضمر، كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟ فقيل: هو إقامة الدين المشروع توحيد الله. الثاني: أنها في محل نصب بدلاً من الموصول، كأنه قيل: شرع لكم ما وصَّى به نوحاً توحيد الله. الثالث: أنها في محل جر بدلاً من الدين. الرابع: أنها في محل جر أيضاً. بدلاً من الهاء. الخامس: أن تكون مفسِّرة؛ لأنه قد تقدمها ما هو بمعنى القول. قوله: ﴿كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من التوحيد، ورفض الأوثان. قوله: «الله يَجْتَبِي» أي يصطفي ﴿إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ﴾ يهدي إليه من يشاء يصطفي لدينه من عباده من يشاء ﴿ويهدي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ يقبل إلى طاعته. والاجتباء يدل على الضم ومنه: جبى الخَراجَ واجْتَبَى الماء في الحوض فقوله: «الله يجتبي» أي يضم إليه ويقربه منه تقريب الإكرام والرحمة. فصل احتج نفاة القياس بهذه الآية، فقالوا: إنه تعالى أخبر بأن أكابر الأنبياء أطبقوا على أنه يجب إقامة الدين بحيث لا يفضي إلى الاختلاف والنزاع، والله تعالى ذكر في معرض المنَّة على عباده أنه أرشدهم إلى الدين الخالي عن التفرق والمخالفة، المعلوم أن فتح باب القياس يُفْضِي إلى أعظم أنواع التفرق والمنازعة فإن الحسَّ شاهد بأن هؤلاء الذين بنوا دينهم على القياس تفرقوا تفرقاً لا رجاء في حصول الاتفاق بينهم إلى قيام القيامة، فوجب أن يكون ذلك محرماً. فصل اعلم أنه تعالى لما بين أنه أمر كل الأنبياء والأمم بالأخذ بالدين المتفق عليه كان لقائل أن يقول: فلماذا نجدهم متفرقين؟ فِأجاب بقوله: ﴿وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ يعني أنهم ما تفرقوا إلا من بعد أن علموا أن الفرقة ضلالة، ولكنهم فعلوا ذلك للبغي وطلب الرياسة، فحملتهم الحميَّة النَّفسانية الطبيعية، على أن ذهبت كل طائفة إلى مذهب، ودعوا الناس إليه، وقبحوا ما سواه طلباً للذكر والرياسة فصار ذلك سبباً لوقوع الاختلاف. ثم أخبر تعالى أنهم استحقوا العذاب بسبب هذا الفعل، إلا أنَّه تعالى أخَّر عنهم ذلك العذاب لأن لكل عذاب عنده أجلاً مسمًّى، أي وقتاً معلوماً وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ﴾ . والأجل المسمَّى قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، واختلفوا في الذين أريدوا بهذه الصفة، فقال ابن عباس والأكثرون: هم اليهود والنصارى، لقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19] . قوله في سورة «لم يكن» : ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينة﴾ [البينة: 4] . وقيل: هم العرب، وهذا باطل، لما تقدم، لأن قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد أنبيائهم. وقيل: من بعد الأمم الخالية ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ أي من كتابهم. وقيل من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ و «مُرِيبٍ» صفة الشك، أي لا يؤمنون به حق الإيمان. قوله: «أُورِثُوا: قرأ زيد بن علي: وُرِّثُوا بالتشديد مبنياً للمفعول. قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادع واستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾ في اللام وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى» إلى «أي فإلى ذلك الدين فادع واستقم، وهو الاتفاق على الملة الحنيفية،» واسْتَقِمْ «عليها (أي على الدين الذي أمَرَكَ به) كما أمرك الله ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ المختلفة الباطلة. والثاني: أنها للعلة، أي لأجل التفرق والاختلاف ادع للدين القيم ﴿آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ﴾ أي بأيِّ كتابٍ صحَّ أن الله أنزله يعني الإيمان بجميع الكتب المنزلة. قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ﴾ يجوز أن يكون التقدير: وأمرت بذلك لأعدل بينكم في الحكم، وقيل: أمِرْتُ أنْ أَعْدِلَ، فاللم مزيدة. وفيه نظر لأنك بعد زيادة اللام تحتاج إلى تقدير حرف أي بأن أعدل. فصل قال القفال: معناه أن ربي أمرني أن لا أفرق بين نفسي أو أنفسكم بأن آمركم بما لا أعلمه أو أخالفكم إلى ما لا أنهاكم عنه، لكني أسوي بينكم وبين نفسي كذلك أسوي بين: أكابركم وأصاغركم في الحكم. وقيل معناه: لا أضيف عليكم بأكثر مما أفترض الله عليكم من الأحكام. قوله: ﴿الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ يعني إلهنا واحد، وإن ختلفت أعمالنا، فكلُّ يُجازَى بعمله،» لا حجَّة» ، لا خصومة، «بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» . نسختها أية القتال، وإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة. قال ابن الخطيب: ومعنى الآية أنه إله الكل واحد، وكل واحد مخصوص بعمل نفسه، فوجب أن يشتغل كل واحد في الدنيا بنفسه فإن الله تعالى يجمع بين الكل يوم القيامة ويجازيه على عمله. فإن قيل: كيف يليق بهذه المتاركة ما فعل بهم من القتل وتخريب البيوت وقطع النخيل والإجلاء؟! فالجواب: هذه المتاركة كانت مشروطة بشرط أن يقبلوا الدين المتفق على صحته بين كل الأنبياء ودخل فيه التوحيد، وترك عبادة الأصنام والإقرار بنبوة الأنبياء وبصحة البعث والقيامة فلمَّا لم يقبلوا هذه الدين فات الشَّرط فيفوت المشروط. واعلم أن قوله تعالى: ﴿لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ يجرى مجرى محاجَّتهم، بدليل أن هذا الكلام مذكور في معرض المحاجَّة، فلو كان المراد من هذه الآية تحريم المحاجة لزم كونها محرمةً لنفسها، وهو متناقض. وأيضاً لولا الأدلة لما توجه التكليف، وأيضاً: أن الدليل يفيد العلم وذلك لا يمكن تحريمه بل المراد أن القوم عرفوا بالحجة صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وإنما تركوا تصديقه عناداً فبين تعالى أنه حصل الاستغناء عن محاجَّتهم؛ لأنهم عرفوا صدقه، ولا حاجة معهم إلى المحاجَّة ألبتة. ومما يقوي عدم تحريم المحاجة قوله: ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125] وقوله: ﴿قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: 31] وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ على قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: 83] .

الشورى 42:16

قوله: ﴿والذين يُحَآجُّونَ﴾ (مبتدأ، و «حجتهم» ) مبتدأ ثانٍ و (داحضة) خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. وأعرب مكيٌّ: حجتهم بدلاً من الموصول بدل اشتمال والهاء في «لَهُ» تعود على الله تعالى، أو على الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام أي من بعد ما استجاب الناس لله أو من بعد ما استجاب الله لرسوله حين دعا على قومه. وقال ابن الخطيب: يعود على «الدين» أي من بعد ما استجاب النَّاس لذلك الدين. فصل المعنى والذين يخاصمون في دين الله نبيَّه. وقال قتادة: هم اليهود، قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم، فنحن خيرٌ منكم، فهذه خصومتهم من بعد ما استجاب له الناس، فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته «حجتهم داحِضةٌ» خصومتهم باطلة «عِنْدَ رَبِّهِمْ» قال ابن الخطيب: تلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا: ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق عليه أولى بالأخذ من المختلف فيه فنبوة موسى عليه الصَّلاة والسَّلام وحقيقة التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليست متفقاً عليها فوجب الأخذ باليهودية، فبين تعالى فساد هذه الحجة، وذلك لأن اليهود أجمعوا على أنه إنما وةجب الإيمان بموسى عليه الصَّلاة والسَّلام لأجل ظهور المعجزات على قوله وهاهنا نظهرت المعجزات على وفق قول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق فهاهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنوته بظهور المعجزات؛ لأنه يكون متناقضاً، ولما قرر (الله تعالى) هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة فقال: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة. قوله تعالى: ﴿الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان﴾ قال قتادة ومجاهد ومقاتل: سمي العدل ميزاناً؛ لأن الميزان آلة للإنصاف والتسوية. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس. ومعنى الآية أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على الدلائل والبيِّناتم وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم وأنهم لا يعلمون أن القيامة حق يفاجئهم، ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد. ولما كان الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام يهددهم يوم القيامة ولم يروا لذلك أثراً قالوا على سبيل السخرية متى تقوم الساعة؟ وليتها قامت حتى يظهر لنا الحقّ أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه؟! . قوله: ﴿لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾ إنما ذكر «قريب» وإن كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث أو على معنى النَّسب أي ذات قُرْبٍ، أوعلى حذفق مضاف، أي مجيء الساعة. وقيل للفرق بينها وبين قاربة النسب. وقيل: لأن تأنيثها مجازي نقله مكي. وليس بشيء، إذ لا يجوز: الشمسُ طالعٌ، ولا القِدْرُ فائِرٌ، وجملة الترجي أو الإشفاق معلِّقة للدراية. وتقدم مثله آخر الأنبياء. فصل قال مقاتل: ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا مستهزءين: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ ظناً منهم أنهم غير آتية ﴿والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون ﴿مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق﴾ أي أنها آتية لا ريب فيها، ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ﴾ يخاصمون. وقيل: يدخلهم المرية والشك في «وُقُوع الساعة» لفي ضلالٍ بعيدٍ؛ لأن استيفاء حقِّ المظلوم من الظالم واجب في العدل فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالاً بعيداً. قوله تعالى: ﴿الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) : حفيٌّ بهم. وقال عكرمة: بارٌّ بهم. وقال السديّ: رفيق بهم. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم بدليل قوله: ﴿بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ وكل من رزقه الله من مؤمن وكافرٍ وذي روحٍ فهو ممَّن يشاءُ الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطيف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات. الثاني: أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة. و «هو القوي» القادر على ما يشاء «العزيز» الذي لا يغالب. فصل إنما حسن ذكر هذا الكلام هاهنا؛ لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله (تعالى) بعباده، وأيضاً فالمتفرقون استوجبوا العذاب الشديد. ثم إنه تعالى آخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم (و) دفع أعظم المضارِّ عنهم لا جرم حسن ذكره هاهنا. قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ... ﴾ الآية الحرث في اللغة الكسب، أي من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه بالتضعييف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة. قال مقاتل. وقيل: معناه إنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه. وقال الزمخشري: إنه تعالى سمَّى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز. واعلم أنه قد تقدم أن كون الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً مجزوماً لا يختص مجيئه بكان خلافاً لأبي الحكم مصنِّف كتاب الإعراب فإنه قال: لا يجوز ذلك إلا مع «كان» إلا في ضرورة شعر. وأطلق النحويون جواز ذلك وأنشدوا بيت الفرزدق: 4378 - دَسَّتْ رَسُولاً بِأَنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ... عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُوراً ذَاتِ تَوْغِيرِ وقوله أيضاً: 4379 - تَعَشَّ فَإِنْ عَاهَدْتَني لاَ تَخُونِنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ وقرأ ابن مقسم والزَّعفرانيُّ ومحبوب: يزد ويؤته بالياء من تحت، أي الله تعالى. وقرأ سلام يؤته بضم هاء الكناية وهو الأصل، وهو لغة الحجاز وتقدم خلاف القراء في ذلك. فصل قال قتادة: معنى قوله: ومن كان يريد (حَرْثَ) الدنيا أي يريد جملة حرث الدُّنيا نؤته منها أي نؤته بقدر ما قسم له كما قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ [الإسراء: 18] وما له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لم يعمل للآخرة قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «بَشِّرْ هَذِهِ الأمَّة بالسناء والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ للدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ» واعلم أنه تعالى قال في طلب الآخرة (إنه) يزيد له في حرثه ولم يذكر أنه يعطيه الدنيا أم لا بل سكت عنه نفياً وإثباتاً. وأما الطالب الدنيا فبين أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول: الآخرة أصلٌ والدنيا تبعٌ فواجد الأصل يكون واجداً للتَّبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدّنيا أحسن من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة. وأيضاً بين أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه وطالب الدنيا يعطى بعض مطلوبه ولا يحصل له في الآخرة من نصيب البتة فبين أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً في التزايد، وأن طالب الدنيا يكون حاله في النقصان والبطلان في الآخرة، وذلك يدل على تفضيل طلب الآخرة. وأيضاً فإنه تعالى بين أن منافع الآخرة ومنافع الدنيا ليست حاضرة ناجزةً، بل لا بدَّ فيهما من الحرث والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق (في البذر ثم التسقية والتنمية ثم الحصد ثم التنقية فلما سمى الله كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل) والمتاعب. ثم بين أنَّ مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وأن مصير الدنيا إلى النُّقصان والعناء، فكأنه قيل: إذا كان لا بد في القسمين من متاعب الحراثة من التبقية والتنمية والحصد والتَّنْقِية فصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد الباقي أولى من صرفها إلى ما يكون في التناقص والانقضاء. فصل قال ابن الخطيب: فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلَّى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح. فالجواب: أنه تعالى قال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة﴾ ، والحرث لا يَتَأَتَّى إلا بإلقاء البذر الصَّحيح في الأرض، والبذر الصحيح الجامع للخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله سبحانه وتعالى. فصل إذا توضأ بغير نية، لم يصح، لأنه لم يرد حرث الآخرة، وذلك لا يحصل بالوضوء العاري عن النية. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين ... ﴾ الآية. لما بين القانون الأعظم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بيان ماهو الأصل في باب الضَّلالة والسعادة فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ﴾ ومعنى الهمزة في «أم» التقرير والتقريبع. والضمير في «شَرَعوا» يجوز أن يكون عائداً على «الشركاء» ، والضمير في «لهم» على الكفار، ويجوز العكس؛ لأنهم جعلوا لهم أنصباء، والمعنى شركاؤهم أي شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث، والعمل للدنيا. وقيل: شركاؤهم أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم؛ لأنهم هم الذي اتَّخذوها شركاء لله. ولما كانت سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لدين ضلالتهم لهم كما قال إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: 36] . قال المفسريون: يعني كفار مكة أأي لهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) شرعوا لهم ديناً غير دين الإسلام. قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل﴾ أي لولا القضاء السابق بتأخير الحزاء أو لولا الوعد بأن الفصل يكون بينهم يوم القيامة «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» أي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين المشركين وشركائهم. قوله: «وإنَّ الظَّالِمِينَ» العامة بكسر «إن» على الاستئناف ومسلم بن بجنوب والإعرج بفتحها عطفاً على كلمة الفصل. وفصل بين المتعاطفين بجواب «لولا» ، تقديره: ولولا كلمة واستقرار الظالمين في العذاب لَقَضِي بينهم في الدنيا. وهو نظير قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ [طه: 129] . ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب. أما الأول فهو قوله: ﴿تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ﴾ أي ترى المشركين يوم القيامة خائفين وجَِلِينَ «مِمَّا كَسَبُوا» من السيئات، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي جزاء كسبهم واقع سواء أشفقوا أو لم يشفقوا. وأم الثاني وهو أحوال أهل الثواب فهو قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي رَوْضَاتِ الجنات﴾ قال أبو حيان: اللغة الكثيرة تسكين واو «رَوْضَات» ، ولغة هذيل فتح الواو إجراء لها مُجْرَى الصحيح نحو: جَفَنَات. ولم يقرأ أحد فيما علمناه بلغتهم. قال شهاب الدين: إن عنى لم يقرأ أحد بلغتهم في هذا الباب من حيث هو فليس كذلك؛ لما تقدم في سورة النور أن الأعمش قرأ: «ثَلاَثُ عَوَرَاتٍ» بفتح الواو وإن عَنَى أنه لم يقرأ في روضات بخصوصها فقريب، لكن ليس هو ظاهر عادته. فصل اعلم أن روضة الجنة أطيب بقعةٍ فيها، وفيه تنبيه على أن الفسَّاق من أهل الصلاة كلهم من أهل الجنة؛ لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنَّات، وهي البقاع الشَّريفة كالبقاع التي دون تلك الروضات، لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كانوا دونن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ثم قال: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يدل على أن تلك الأشياء حاضرة عنده مهيَّأة. والعندية مجاز و «عِنْدَ رَبِّهِمْ» يجوز أن يكون ظرفاً «لِيَشَاءُونَ» . قاله الحوفي، أو للاستقرار العامل في «لهم» قال الزمخشري. ثم قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ وهذا يدل على أنَّ الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل من الله تعالى لا بطريق الوجوب والاستحقاق. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ﴾ كقوله: «كالَّذِي خَاضُوا» . وقد تقدم تحقيقه. وتقدمت القراءات في يُبَشِّرُ. وقرأ مجاهدٌ وحُمَيْدُ بنُ قَيْسٍ: يُبْشِرُ بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين من أَبْشَرَ منقولاً من بَشِرَ بالكسر لا من بَشَرَ بالفتح؛ لأنه متعدٍّ والتشديد في «بشر» للتكثير لا للتعدية، لأنه متعد بدونها. ونقل أبو حيان قراءة يَبْشُرُ بفتح الياء وضم الشين عن حمزة والكسائي (أي) من السَّبعة، ولم يذكر غيرهما من السبعة، وقد وافقهما على ذلك ابن كثير وأبو عمرو. و «ذلك» مبتدأ، والموصول بعده خبره، وعائده محذوف على التدريج المذكور كقوله «كالَّذِي خَاضُوا» أي يُبَشِّرُ بِهِ، ثم يُبَشِّرُهُ على الاتساع. وأما على رأي يونُس فلا يحتاج إلى عائد؛ لأنها عنده مصدرية وهو قول الفراء أيضاً، أي ذلك تبشير الله عباده. وذلك إشارة إلى ما أعده الله تعالى لهم من الكرامة. وقال الزمخشري: أو ذلك التبشير الذي يبشِّره الله عباده. قال أبو حيان: وليس بظاهر؛ إذ لم يتقدم في هذه السورة لفظ البشرى ولا ما يدل عليها من «بَشَّر» أو شبهه. فصل هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: الأول: أن الملك الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاءً، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كُنْهَهُ إلاَّ الله تعالى. الثاني: أن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ﴾ يدخل في باب غير المتناهي؛ لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منها. الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق يكون في غاية الكبر. واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذا الكتاب الشريف، وأودع فيه أقسام الدلائل والتكاليف ورتبه على لطاعة والثواب وأمره بتبليغه إلى الأمة أمره بأن يقول إني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً حاضراً فقال: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ . في الاستثناء قولان: أحدهما: أنه منقطع؛ إذ ليست المودة من جنس الأجر. والثاني: أنه متصل، أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا وهو أن تودُّوا أهل قرابتي ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة؛ لأن قرابتهم وكانت صلتهم لازمةً لهم في المودة. قاله الزمخشري. وقال أيضاً: فإن قلت: هلا قيل: إلاَّ مودَّة القربى، أو إلا المودة للقربى؟! قلت: جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها، كقولك: في آل فلان مودة وليست «في» صلة المودة، كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف فتعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودة ثابتةً في القربى ومتمكنةً فيها. وقال أبو البقاء: وقيل: متصل، أي لا أسألكم شيئاً إلا المودة. قال شهاب الدين: وفي تأويله متصلاً بما ذكر نظر؛ لمجيئه بشيء الذي هو عام، وما من استثناء منقطع إلا ويمكن تأويله بما ذكر، ألا ترى إلى قولك: ما جاءني أحدٌ إلا حمار، أنه يصح ما جاءني شيء إلا حماراً. وقرأ زيد بن عليٍّ: «مودة» بدون ألفٍ ولامٍ. فصل في الآية ثلاثة أقوال: الاول: قال الشَّعبيُّ: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب أبن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاتن وسط النسب من قريش ليس بطنٌ من بطونهم إلا قد ولده، وكان له فيهم قرابةٌ، فقال الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ على ما أدعوكم إليه إلا أن تؤثروني لقرابتي أي تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي، ولا تؤذوني. وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وعكرمة ومقاتل والسدي والضَّحَّاك. الثاني: روى الكلبي عن ابن عباس، قال: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قدم المدينة كانت تَنُوبهُ نوائب وحقوق، وليس في يده سعةٌ لقالت (الأنصار) : إن هذا الرجل هداكم هو ابن أخيكم، وأجاركم من بلدكم، فاجمعةوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها، فردها عليهم ونزل قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي على الإيمان (إلا) أن لا تؤذوا أقاربي وعشيرتي، وتحفظوني فيهم، قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. الثالث: قال الحسن: معناه إلا أن تَوَدُّوا الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، ورواه ابن أبي نُجَيْحٍ عن مجاهد. فالقربى على القول الأول بالقرابة التي بمعنى الرَّحِم، وعلى الثاني بمعنى الأقارب، وعلى الثالث فُعْلَى من القُرْبِ والتَّقْرِيب. فإن قيل: طلب الأجر على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه: أحدها: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي طلب الأجر، فقال في قصة نوح عليه الصَّلاة والسَّلام ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعرا: 109] . . الآية وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليه الصَّلاة والسَّلام ورسلونا أفضل الأنبياء فَبِأَنْ لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى. وثانيها: أنه عليه الصَّلاة والسَّلام صرَّح بنفي طلب الأجر فقال: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] وقال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: 47] . . الآية وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء. ورابعها: أن النبوة أفضل من الحممة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] ووصف الدينا بأنها متاع قليل فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ﴾ [النسا: 77] فكيف يحين بالعاقل مقابلة أشرف الأنبيثاء بأخس الأشيءا؟! وخامسها: أن طلب الأجر يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يطلب أجراً ألبتة على التبليغ والرسالة، وهاهنا قد ذكر ما يجري مَجْرَى طلب الأجر وهو المودة في القربى (هذا تقرير السؤال) . فالجواب: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ، وأما قوله: إلا المودة في القربى فالجواب عنه من وجهين: الأول: أنه هذا من باب قوله: 4380 - وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ يعني أنا لا أطلب منكم إلا هذا. وهذا في الحقيقة ليس أجراً؛ لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب، قال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ [التوبة: 71] ، وقال، عليه الصَّلاة والسَّلام: «المُؤْمِنُونَ كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً» والآيات الأخبار في هذا كثيرة. وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجب فحصولها في احق أششرف المسلمِين أولى، فقوله: ﴿إلا المودة في القربى﴾ تقديره والمودة ف يالقربى ليست أجراً، فرَجَعَ الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة. الثاني: إن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: ﴿لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ثم قال: ﴿إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي أذكركم قرابتي منكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر. فصل اختلفوا في قرابته، فقيل: هم فاطمة وعلى وأبناؤهما، وفيهم نزل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: 33] . وروى زيد بن أرقم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كتابَ اللهِ تَعَالَى وَأَهْلَ بَيْتِي وَأُذَكِّرُكُم الله في أَهْلِ بَيْتِي» قيل لزيد بن أرقم: فمن أهل بيته؟ فقال: هم آلُ عليِّ وآل عَقِيل وآل جعفر، وآل عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وروى ابن عمر عن ابن بكر رضي الله تعالى عنه قال: أرقبوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أهل بيته. وقيل: هم الذي تحرم عليه الصدقة من أقاربه ويقسم فيه الخًمسُ هم بنو هاشم، وبنوا المطلب الذين لم يتفرقوا بجاهلية ولا إسلام. وقيل: هذه الآية منسوخة، وإليه ذهب الضحاك بن مُزاحم والحسين بن الفضل. قال البغوي وهذا قول (غير) مرضٍ؛ لأن مودة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكف الأذى عنه ومودة أقاربه والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي من يكتسب طاعة ﴿نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾ العامة على «نَزد» بالنون، وزيد بن علي وعبدُ الوارث عن أبي عمرو يَزِدْ بالياء من تحت، أي يزِد الله. والعامة «حُسْناً» بالتنوين مصدراً على «فُعْلٍ» نحو: شُكر وهو مفعول به، وعبد الوارث عن أبي عمرو حُسْنَى بألف التأنيث على وزن بُشْرَى، ورُجْعَى، وهنو مفعول به أيضاً. ويجوز أن يكون صفة كفُضْلَى، فيكون وصفاً لمحذوف أي خصْلَةً حُسْنَى. قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب المودة في القُرْبَى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودَّةِ. ثُمَّ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ : للقليل (حتى يضاعفها) والشكر في حق الله تعالى مجاز، والمعنى أنه تعالى يُحْسِنُ للمطيعين في إيصال الثواب إليهم، وفي أن يزيدَ عليهم أنواعاً كثيرةً من التفضل. قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ اعلم أن الكلام ابتداء من أول هذه السورة في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بِوَحْي الله تعالى، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يوحي إلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ [الشورى: 3] واتصال الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق بعضه ببعض (حتى وصل) إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا، شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ . قال الزمخشري: «أم» منقطعة ومعنى الهمزة للتوبيخ والمعنى: أيقع في قلوبهم ويجري على ألسنتهم أن ينسبوا مثله على الافتراء على الله سبحانه وتعالى الذي هو أقبح الأنواع وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾ قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشقَّ عليك أذاهم وقولهم: إنه مفتر كذابٌ، وقال قتادة: يعني يطبع على قبلك فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذباً لفعل به، وما أخبر في هذه الآية فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب إلاّ من كان في هذه الحالة والمقصود من هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله: أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين: لعل الله أعمى قَلْبي، وهو لا يريد إثبات الخِذلان ولا عَمَى القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد صدق الله تعالى الخيانة عنه. قوله تعالى: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ هذا مستأنف غير داخل في جزاء الشرط؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً، وسقطت الواو منه لفظاً لالتقاء السكانين في الدَّرج، وخطَّا حملاً للخطِّ على اللفظ كما كتبوا: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] عليه، ولكن ينبغي أن لا يجوز الوقف على هذه الآية لأنه إن وقف عليه بالأصل هو الواو خالفنا خط المصحف وإن وقف عليه بغيرها موافقاً للرسل خالفنا الأصل. وتقدَّم بحث مثل هذا. وقد منع مكيٌّ الوقف على نحو: ﴿وَمَن تَقِ السيئات﴾ [غافر: 9] . وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه والله يمح الباطل فهو في محل رفع، ولكن حذفت منه الواو في المصحف حملاً على اللفظ كما حذفت من قوله: ﴿وَيَدْعُ الإنسان﴾ [الإسراء: 11] ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] . فصل أخبر تعالى أن ما يقولونه باطل يمحوه الله «ويُحِقُّ الحَقَّ» أي الإسلام بكلماته، أي بما أنزل الله تعالى من كتاب، وقد فعل الله ذلك فمحى باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام «إنَّهُ عَلِيم» بما في صدرك وصدورهم، قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا: يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنه اتهموه فأنزل الله هذه الآية فقال القوم يا رسول الله: (ف) إنا نشهد أنك صادف فنزل: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أولياءه وأهل طاعته. قال الزمخشري: يقال: قَبِلْتُ مِنْهُ الشيء وقَبِلْتُهُ عَنْهُ. فصل قيل: التوبة بترك المعاصي نية وفعلاً، والإقبال على الطاعة نيَّةً وفعلاً. وقال سهل ابن عبد الله: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال الممدوحة. وقيل: الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل روى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبَّر، فلما فرغ من صلاته قال عليٌّ رضي الله تعالى عنه: يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبه الكذابين، فقال ياأمير المؤمنين (وما) التوبة؟ فقال: اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفريضة الإعادى ورد المظالم وإدامة النفس في الطاعهة كما ربتيها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل ضحك ضحكته. قالت المعتزلة: يجب على الله قبول التوبة، وقال أهل السنة: لا يجب على الله تعالى، وكل ما يقبله فهو كرم وفضل، واحتجوا بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل المدح العظيم، ألا ترى أنه من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً كان ذلك مدحاً. قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد التوبة، مأو المراد أن يعفو عن الصغائر أو المراد: إن يعفو عن الكبائر قبل التوبة. والأول باطل وإلا صار قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ عين قوله: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ والتكرار خلاف الأصل) . والثاني أيضاً باطل؛ لأن ذلك واجبٌ، وأداء الواجب لا يمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة، وتارة يعفو ابتداء من غير توبة. فصل روى أنس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «للهُ أشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بأرْضٍ فَلاَةٍ فانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهضا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنضا هُوَ كَذَلِكَ إذْ هُوَ بِهَا قَائِمةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخُطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ» أخطأ من شدَّة الفَرَحِ. قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ قرأ الأخوان وحَفْصٌ يَفْعَلُونَ بالياء من تحت؛ نظراً إلى قوله: «مِنْ عِبَادِهِ» وقال بعده: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ والباقون بالخطاب إقبالاً على اناس عامةً، وهو خطاب للمشركين. قوله تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ يجوز أن يكون الموصول فاعلاً أي يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله تعالى: ﴿استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24] واستجاب كأجاب، ومنه قوله الشاعر: 4381 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبُ ويجوز أن تكون السين للطلب على بابها بمعنى ويستدعي المؤمنون الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. ويجوز أن يكون الموصول مفعولاً به والفاعل مضمر يعود على الله بمعنى: ويُجيبُ الذينَ آمنوا اي دُعَاءَهُمْ. وقيل: ثَمَّ لام مقدرة أي ويستجيبُ الله لِلذِينَ آمنوا، (فحذفها، للعلم بها، كقوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ [المطففين: 3] قال عطاء عن ابن عباس معناه: ويُثِيبُ الذين آمنوا) وعلموا الصالحات ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ سِوَى ثواب أعمالهم تفضلاً منه، وروى أبو صالح عه: يشفعهم ويزيدهم من فضله. (ثُمَّ) قال في أخونان إخوانهم: ﴿والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، قال خَبَّاب بن الأرتِّ: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قُرَيْظَة والنَّضير وبني قَينقاعَ وتمنيناها فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ﴾ ، لطغوا في الأرض، قال ابن عباس ( رضي الله عهنما) : بغيهم طَلَب (هم) منزلةً بعد منزلة، ومركباً بعد مركب وملبساً بعد ملبس، ولكن ينزل أرزاقهم قدر ما شاء نظراً منه لعباده. (قرأ ابن كثير وأبو عمر يُنَّزِّلُ مشددة، والباقون مخففة) إنَّه بعباده خبيرٌ بصيرٌ. روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله علهي وسلم عن جبريل عن الله عَزَّ وَجَلَّ في حديث طويل وفيه يقول الله عزَّ وجلَّ: «ما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي في قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي المُؤْمِن يَكْرَهُ المَوْتَ وأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ يَسْأَلُنِي البَابَ عَنِ العِبَادَةِ فأَكُفُّهُ عَنْهُ (أّنْ) لاَ يَدْخُلَهُ عُجْبٌ فيُفْسِدَهُ ذَلِكَ وَإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ الغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمَانهُ إلاَّ الفَقْرُ ولو أَعْنَيْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمانَهُ إلاَّ الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنء لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ السَّقَمُ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ وذّلِكَ أَنِّي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ ِإنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ» . فصل وجه التعلق أنه تعالى لما قال في الآية الأولى إنه يجيب دعاء المؤمنين وَرَدَ عليه سؤالٌ وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبليَّةٍ وفَقْر ثم يدعو فلا يظهر أثر الإجابة فكيف الجمع بينه وبين قوله: ويستجيب الذين آمنوا؟ ﴿فأجاب تعالى عنه بقوله: {وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، ولأقدموا على المعاصي، فلذلك وجب أن لا يعطيهم ما طلبوه، ويؤيده الحديث المتقدم. فصل قال الجبائِيُّ: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجهين: الأول: أنه تعالى لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض غير مراد، فعلمنا أنه تعالى لا يريد البَغْيَ في الأرض، وذلك يوجب فساد قول المجبرة. الثاني: أنه تعالى إنما لم يرد بسط الرزق؛ لأنه يفضي إلى المفسدة، فلما بين تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريداً للمفسدة كان أولى. وأجيب: بأن الميل إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن، فلا بد لها من فاعل وفاعل هذه الأحوال إما البعد أو الله، والأول باطل؛ لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليه وعاد السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني؟ ويلزم التسلسل، وأيضاً فالميل الشديد إلى الظلم والقسوة عيوبٌ ونقصاناتٌ، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى. ثم أوده الجبائي على نفسه سؤالاً: فإن قيل: أليس قد يبسط الرزق لبعض عباده مع أنه يبغي؟} . فأجاب عنه: بأن الذي يبسط الرزق إذا بغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أُعْطِيَ ذلك الرزق أو لم يُعْطَ. قال ابن الخطيب: هذا الجواب فاسد، ويدل عليه القرآن والعقل أما القرآن فقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 67] حكم مطابق لكن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان وأم العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلةً إلى الشر فمعحصول الغنى تميل إلى الشر أكثر، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان. فصل في كون بسط الرزق موجباً للطغيان وجوه: الأول: أن الله تعالى لو سوَّى في الرزق بين الكل لا متنع كون البعض محتاجاً إلى البعض، وذلك يوجب خراب العالم وتعطيل المصالح. الثاني: أن هذه الأية مختصة بالعرب. فإنه كلما اتسع رزقهم، ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم، أقدموا على النهب والغارة. الثالث: أن الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر وإذا وقع في شدة وبليَّة ومكروه انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث﴾ أي املطر ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ من بعد ما يئس الناسُ منه. وإنزال الغيب بعد القنوط أدعى إلى الشكر؛ لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتمُّ. قال الزمخشري: قرىء قنطوا، بفتح النون وكسرها. (فأما فتح النون فهي قراءة العامة، وأما كسرها فهي قراءة يحيى بن وثَّاب، والأعمش وهي لغة وعليها قراءة: ﴿يَقْنَطُ﴾ [الحجر: 56] ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ [الزمر: 53] بفتح النون في المتواتر. ولم يقرأ في الكسر في الماضي إلا شاذاً و «ما» مصدرية أي من بعد قُنُوطِهِمْ) . قال مقاتل: حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حين قنطوا، ثم أنزل الله المطر فذكرهم الله نعمه. قوله: ﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يبسط مطره، كما قال: ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57] وهو الولي الحميد. «الوَلِيُّ» : الذي يتولى عباده بإحاسنه «الحَميد» المحمود على ما يوصل إلى الخلق من الرحمة وقيل: «الولي» لأهل طاعته، «الحميد» عند خلقه.

الشورى 42:17

قوله: ﴿والذين يُحَآجُّونَ﴾ (مبتدأ، و «حجتهم» ) مبتدأ ثانٍ و (داحضة) خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. وأعرب مكيٌّ: حجتهم بدلاً من الموصول بدل اشتمال والهاء في «لَهُ» تعود على الله تعالى، أو على الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام أي من بعد ما استجاب الناس لله أو من بعد ما استجاب الله لرسوله حين دعا على قومه. وقال ابن الخطيب: يعود على «الدين» أي من بعد ما استجاب النَّاس لذلك الدين. فصل المعنى والذين يخاصمون في دين الله نبيَّه. وقال قتادة: هم اليهود، قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم، فنحن خيرٌ منكم، فهذه خصومتهم من بعد ما استجاب له الناس، فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته «حجتهم داحِضةٌ» خصومتهم باطلة «عِنْدَ رَبِّهِمْ» قال ابن الخطيب: تلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا: ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق عليه أولى بالأخذ من المختلف فيه فنبوة موسى عليه الصَّلاة والسَّلام وحقيقة التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليست متفقاً عليها فوجب الأخذ باليهودية، فبين تعالى فساد هذه الحجة، وذلك لأن اليهود أجمعوا على أنه إنما وةجب الإيمان بموسى عليه الصَّلاة والسَّلام لأجل ظهور المعجزات على قوله وهاهنا نظهرت المعجزات على وفق قول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق فهاهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنوته بظهور المعجزات؛ لأنه يكون متناقضاً، ولما قرر (الله تعالى) هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة فقال: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة. قوله تعالى: ﴿الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان﴾ قال قتادة ومجاهد ومقاتل: سمي العدل ميزاناً؛ لأن الميزان آلة للإنصاف والتسوية. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس. ومعنى الآية أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على الدلائل والبيِّناتم وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم وأنهم لا يعلمون أن القيامة حق يفاجئهم، ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد. ولما كان الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام يهددهم يوم القيامة ولم يروا لذلك أثراً قالوا على سبيل السخرية متى تقوم الساعة؟ وليتها قامت حتى يظهر لنا الحقّ أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه؟! . قوله: ﴿لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾ إنما ذكر «قريب» وإن كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث أو على معنى النَّسب أي ذات قُرْبٍ، أوعلى حذفق مضاف، أي مجيء الساعة. وقيل للفرق بينها وبين قاربة النسب. وقيل: لأن تأنيثها مجازي نقله مكي. وليس بشيء، إذ لا يجوز: الشمسُ طالعٌ، ولا القِدْرُ فائِرٌ، وجملة الترجي أو الإشفاق معلِّقة للدراية. وتقدم مثله آخر الأنبياء. فصل قال مقاتل: ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا مستهزءين: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ ظناً منهم أنهم غير آتية ﴿والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون ﴿مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق﴾ أي أنها آتية لا ريب فيها، ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ﴾ يخاصمون. وقيل: يدخلهم المرية والشك في «وُقُوع الساعة» لفي ضلالٍ بعيدٍ؛ لأن استيفاء حقِّ المظلوم من الظالم واجب في العدل فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالاً بعيداً. قوله تعالى: ﴿الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) : حفيٌّ بهم. وقال عكرمة: بارٌّ بهم. وقال السديّ: رفيق بهم. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم بدليل قوله: ﴿بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ وكل من رزقه الله من مؤمن وكافرٍ وذي روحٍ فهو ممَّن يشاءُ الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطيف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات. الثاني: أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة. و «هو القوي» القادر على ما يشاء «العزيز» الذي لا يغالب. فصل إنما حسن ذكر هذا الكلام هاهنا؛ لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله (تعالى) بعباده، وأيضاً فالمتفرقون استوجبوا العذاب الشديد. ثم إنه تعالى آخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم (و) دفع أعظم المضارِّ عنهم لا جرم حسن ذكره هاهنا. قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ... ﴾ الآية الحرث في اللغة الكسب، أي من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه بالتضعييف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة. قال مقاتل. وقيل: معناه إنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه. وقال الزمخشري: إنه تعالى سمَّى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز. واعلم أنه قد تقدم أن كون الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً مجزوماً لا يختص مجيئه بكان خلافاً لأبي الحكم مصنِّف كتاب الإعراب فإنه قال: لا يجوز ذلك إلا مع «كان» إلا في ضرورة شعر. وأطلق النحويون جواز ذلك وأنشدوا بيت الفرزدق: 4378 - دَسَّتْ رَسُولاً بِأَنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ... عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُوراً ذَاتِ تَوْغِيرِ وقوله أيضاً: 4379 - تَعَشَّ فَإِنْ عَاهَدْتَني لاَ تَخُونِنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ وقرأ ابن مقسم والزَّعفرانيُّ ومحبوب: يزد ويؤته بالياء من تحت، أي الله تعالى. وقرأ سلام يؤته بضم هاء الكناية وهو الأصل، وهو لغة الحجاز وتقدم خلاف القراء في ذلك. فصل قال قتادة: معنى قوله: ومن كان يريد (حَرْثَ) الدنيا أي يريد جملة حرث الدُّنيا نؤته منها أي نؤته بقدر ما قسم له كما قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ [الإسراء: 18] وما له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لم يعمل للآخرة قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «بَشِّرْ هَذِهِ الأمَّة بالسناء والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ للدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ» واعلم أنه تعالى قال في طلب الآخرة (إنه) يزيد له في حرثه ولم يذكر أنه يعطيه الدنيا أم لا بل سكت عنه نفياً وإثباتاً. وأما الطالب الدنيا فبين أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول: الآخرة أصلٌ والدنيا تبعٌ فواجد الأصل يكون واجداً للتَّبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدّنيا أحسن من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة. وأيضاً بين أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه وطالب الدنيا يعطى بعض مطلوبه ولا يحصل له في الآخرة من نصيب البتة فبين أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً في التزايد، وأن طالب الدنيا يكون حاله في النقصان والبطلان في الآخرة، وذلك يدل على تفضيل طلب الآخرة. وأيضاً فإنه تعالى بين أن منافع الآخرة ومنافع الدنيا ليست حاضرة ناجزةً، بل لا بدَّ فيهما من الحرث والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق (في البذر ثم التسقية والتنمية ثم الحصد ثم التنقية فلما سمى الله كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل) والمتاعب. ثم بين أنَّ مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وأن مصير الدنيا إلى النُّقصان والعناء، فكأنه قيل: إذا كان لا بد في القسمين من متاعب الحراثة من التبقية والتنمية والحصد والتَّنْقِية فصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد الباقي أولى من صرفها إلى ما يكون في التناقص والانقضاء. فصل قال ابن الخطيب: فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلَّى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح. فالجواب: أنه تعالى قال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة﴾ ، والحرث لا يَتَأَتَّى إلا بإلقاء البذر الصَّحيح في الأرض، والبذر الصحيح الجامع للخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله سبحانه وتعالى. فصل إذا توضأ بغير نية، لم يصح، لأنه لم يرد حرث الآخرة، وذلك لا يحصل بالوضوء العاري عن النية. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين ... ﴾ الآية. لما بين القانون الأعظم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بيان ماهو الأصل في باب الضَّلالة والسعادة فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ﴾ ومعنى الهمزة في «أم» التقرير والتقريبع. والضمير في «شَرَعوا» يجوز أن يكون عائداً على «الشركاء» ، والضمير في «لهم» على الكفار، ويجوز العكس؛ لأنهم جعلوا لهم أنصباء، والمعنى شركاؤهم أي شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث، والعمل للدنيا. وقيل: شركاؤهم أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم؛ لأنهم هم الذي اتَّخذوها شركاء لله. ولما كانت سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لدين ضلالتهم لهم كما قال إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: 36] . قال المفسريون: يعني كفار مكة أأي لهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) شرعوا لهم ديناً غير دين الإسلام. قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل﴾ أي لولا القضاء السابق بتأخير الحزاء أو لولا الوعد بأن الفصل يكون بينهم يوم القيامة «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» أي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين المشركين وشركائهم. قوله: «وإنَّ الظَّالِمِينَ» العامة بكسر «إن» على الاستئناف ومسلم بن بجنوب والإعرج بفتحها عطفاً على كلمة الفصل. وفصل بين المتعاطفين بجواب «لولا» ، تقديره: ولولا كلمة واستقرار الظالمين في العذاب لَقَضِي بينهم في الدنيا. وهو نظير قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ [طه: 129] . ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب. أما الأول فهو قوله: ﴿تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ﴾ أي ترى المشركين يوم القيامة خائفين وجَِلِينَ «مِمَّا كَسَبُوا» من السيئات، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي جزاء كسبهم واقع سواء أشفقوا أو لم يشفقوا. وأم الثاني وهو أحوال أهل الثواب فهو قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي رَوْضَاتِ الجنات﴾ قال أبو حيان: اللغة الكثيرة تسكين واو «رَوْضَات» ، ولغة هذيل فتح الواو إجراء لها مُجْرَى الصحيح نحو: جَفَنَات. ولم يقرأ أحد فيما علمناه بلغتهم. قال شهاب الدين: إن عنى لم يقرأ أحد بلغتهم في هذا الباب من حيث هو فليس كذلك؛ لما تقدم في سورة النور أن الأعمش قرأ: «ثَلاَثُ عَوَرَاتٍ» بفتح الواو وإن عَنَى أنه لم يقرأ في روضات بخصوصها فقريب، لكن ليس هو ظاهر عادته. فصل اعلم أن روضة الجنة أطيب بقعةٍ فيها، وفيه تنبيه على أن الفسَّاق من أهل الصلاة كلهم من أهل الجنة؛ لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنَّات، وهي البقاع الشَّريفة كالبقاع التي دون تلك الروضات، لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كانوا دونن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ثم قال: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يدل على أن تلك الأشياء حاضرة عنده مهيَّأة. والعندية مجاز و «عِنْدَ رَبِّهِمْ» يجوز أن يكون ظرفاً «لِيَشَاءُونَ» . قاله الحوفي، أو للاستقرار العامل في «لهم» قال الزمخشري. ثم قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ وهذا يدل على أنَّ الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل من الله تعالى لا بطريق الوجوب والاستحقاق. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ﴾ كقوله: «كالَّذِي خَاضُوا» . وقد تقدم تحقيقه. وتقدمت القراءات في يُبَشِّرُ. وقرأ مجاهدٌ وحُمَيْدُ بنُ قَيْسٍ: يُبْشِرُ بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين من أَبْشَرَ منقولاً من بَشِرَ بالكسر لا من بَشَرَ بالفتح؛ لأنه متعدٍّ والتشديد في «بشر» للتكثير لا للتعدية، لأنه متعد بدونها. ونقل أبو حيان قراءة يَبْشُرُ بفتح الياء وضم الشين عن حمزة والكسائي (أي) من السَّبعة، ولم يذكر غيرهما من السبعة، وقد وافقهما على ذلك ابن كثير وأبو عمرو. و «ذلك» مبتدأ، والموصول بعده خبره، وعائده محذوف على التدريج المذكور كقوله «كالَّذِي خَاضُوا» أي يُبَشِّرُ بِهِ، ثم يُبَشِّرُهُ على الاتساع. وأما على رأي يونُس فلا يحتاج إلى عائد؛ لأنها عنده مصدرية وهو قول الفراء أيضاً، أي ذلك تبشير الله عباده. وذلك إشارة إلى ما أعده الله تعالى لهم من الكرامة. وقال الزمخشري: أو ذلك التبشير الذي يبشِّره الله عباده. قال أبو حيان: وليس بظاهر؛ إذ لم يتقدم في هذه السورة لفظ البشرى ولا ما يدل عليها من «بَشَّر» أو شبهه. فصل هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: الأول: أن الملك الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاءً، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كُنْهَهُ إلاَّ الله تعالى. الثاني: أن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ﴾ يدخل في باب غير المتناهي؛ لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منها. الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق يكون في غاية الكبر. واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذا الكتاب الشريف، وأودع فيه أقسام الدلائل والتكاليف ورتبه على لطاعة والثواب وأمره بتبليغه إلى الأمة أمره بأن يقول إني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً حاضراً فقال: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ . في الاستثناء قولان: أحدهما: أنه منقطع؛ إذ ليست المودة من جنس الأجر. والثاني: أنه متصل، أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا وهو أن تودُّوا أهل قرابتي ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة؛ لأن قرابتهم وكانت صلتهم لازمةً لهم في المودة. قاله الزمخشري. وقال أيضاً: فإن قلت: هلا قيل: إلاَّ مودَّة القربى، أو إلا المودة للقربى؟! قلت: جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها، كقولك: في آل فلان مودة وليست «في» صلة المودة، كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف فتعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودة ثابتةً في القربى ومتمكنةً فيها. وقال أبو البقاء: وقيل: متصل، أي لا أسألكم شيئاً إلا المودة. قال شهاب الدين: وفي تأويله متصلاً بما ذكر نظر؛ لمجيئه بشيء الذي هو عام، وما من استثناء منقطع إلا ويمكن تأويله بما ذكر، ألا ترى إلى قولك: ما جاءني أحدٌ إلا حمار، أنه يصح ما جاءني شيء إلا حماراً. وقرأ زيد بن عليٍّ: «مودة» بدون ألفٍ ولامٍ. فصل في الآية ثلاثة أقوال: الاول: قال الشَّعبيُّ: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب أبن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاتن وسط النسب من قريش ليس بطنٌ من بطونهم إلا قد ولده، وكان له فيهم قرابةٌ، فقال الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ على ما أدعوكم إليه إلا أن تؤثروني لقرابتي أي تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي، ولا تؤذوني. وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وعكرمة ومقاتل والسدي والضَّحَّاك. الثاني: روى الكلبي عن ابن عباس، قال: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قدم المدينة كانت تَنُوبهُ نوائب وحقوق، وليس في يده سعةٌ لقالت (الأنصار) : إن هذا الرجل هداكم هو ابن أخيكم، وأجاركم من بلدكم، فاجمعةوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها، فردها عليهم ونزل قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي على الإيمان (إلا) أن لا تؤذوا أقاربي وعشيرتي، وتحفظوني فيهم، قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. الثالث: قال الحسن: معناه إلا أن تَوَدُّوا الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، ورواه ابن أبي نُجَيْحٍ عن مجاهد. فالقربى على القول الأول بالقرابة التي بمعنى الرَّحِم، وعلى الثاني بمعنى الأقارب، وعلى الثالث فُعْلَى من القُرْبِ والتَّقْرِيب. فإن قيل: طلب الأجر على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه: أحدها: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي طلب الأجر، فقال في قصة نوح عليه الصَّلاة والسَّلام ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعرا: 109] . . الآية وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليه الصَّلاة والسَّلام ورسلونا أفضل الأنبياء فَبِأَنْ لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى. وثانيها: أنه عليه الصَّلاة والسَّلام صرَّح بنفي طلب الأجر فقال: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] وقال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: 47] . . الآية وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء. ورابعها: أن النبوة أفضل من الحممة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] ووصف الدينا بأنها متاع قليل فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ﴾ [النسا: 77] فكيف يحين بالعاقل مقابلة أشرف الأنبيثاء بأخس الأشيءا؟! وخامسها: أن طلب الأجر يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يطلب أجراً ألبتة على التبليغ والرسالة، وهاهنا قد ذكر ما يجري مَجْرَى طلب الأجر وهو المودة في القربى (هذا تقرير السؤال) . فالجواب: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ، وأما قوله: إلا المودة في القربى فالجواب عنه من وجهين: الأول: أنه هذا من باب قوله: 4380 - وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ يعني أنا لا أطلب منكم إلا هذا. وهذا في الحقيقة ليس أجراً؛ لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب، قال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ [التوبة: 71] ، وقال، عليه الصَّلاة والسَّلام: «المُؤْمِنُونَ كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً» والآيات الأخبار في هذا كثيرة. وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجب فحصولها في احق أششرف المسلمِين أولى، فقوله: ﴿إلا المودة في القربى﴾ تقديره والمودة ف يالقربى ليست أجراً، فرَجَعَ الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة. الثاني: إن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: ﴿لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ثم قال: ﴿إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي أذكركم قرابتي منكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر. فصل اختلفوا في قرابته، فقيل: هم فاطمة وعلى وأبناؤهما، وفيهم نزل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: 33] . وروى زيد بن أرقم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كتابَ اللهِ تَعَالَى وَأَهْلَ بَيْتِي وَأُذَكِّرُكُم الله في أَهْلِ بَيْتِي» قيل لزيد بن أرقم: فمن أهل بيته؟ فقال: هم آلُ عليِّ وآل عَقِيل وآل جعفر، وآل عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وروى ابن عمر عن ابن بكر رضي الله تعالى عنه قال: أرقبوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أهل بيته. وقيل: هم الذي تحرم عليه الصدقة من أقاربه ويقسم فيه الخًمسُ هم بنو هاشم، وبنوا المطلب الذين لم يتفرقوا بجاهلية ولا إسلام. وقيل: هذه الآية منسوخة، وإليه ذهب الضحاك بن مُزاحم والحسين بن الفضل. قال البغوي وهذا قول (غير) مرضٍ؛ لأن مودة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكف الأذى عنه ومودة أقاربه والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي من يكتسب طاعة ﴿نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾ العامة على «نَزد» بالنون، وزيد بن علي وعبدُ الوارث عن أبي عمرو يَزِدْ بالياء من تحت، أي يزِد الله. والعامة «حُسْناً» بالتنوين مصدراً على «فُعْلٍ» نحو: شُكر وهو مفعول به، وعبد الوارث عن أبي عمرو حُسْنَى بألف التأنيث على وزن بُشْرَى، ورُجْعَى، وهنو مفعول به أيضاً. ويجوز أن يكون صفة كفُضْلَى، فيكون وصفاً لمحذوف أي خصْلَةً حُسْنَى. قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب المودة في القُرْبَى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودَّةِ. ثُمَّ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ : للقليل (حتى يضاعفها) والشكر في حق الله تعالى مجاز، والمعنى أنه تعالى يُحْسِنُ للمطيعين في إيصال الثواب إليهم، وفي أن يزيدَ عليهم أنواعاً كثيرةً من التفضل. قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ اعلم أن الكلام ابتداء من أول هذه السورة في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بِوَحْي الله تعالى، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يوحي إلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ [الشورى: 3] واتصال الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق بعضه ببعض (حتى وصل) إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا، شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ . قال الزمخشري: «أم» منقطعة ومعنى الهمزة للتوبيخ والمعنى: أيقع في قلوبهم ويجري على ألسنتهم أن ينسبوا مثله على الافتراء على الله سبحانه وتعالى الذي هو أقبح الأنواع وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾ قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشقَّ عليك أذاهم وقولهم: إنه مفتر كذابٌ، وقال قتادة: يعني يطبع على قبلك فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذباً لفعل به، وما أخبر في هذه الآية فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب إلاّ من كان في هذه الحالة والمقصود من هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله: أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين: لعل الله أعمى قَلْبي، وهو لا يريد إثبات الخِذلان ولا عَمَى القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد صدق الله تعالى الخيانة عنه. قوله تعالى: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ هذا مستأنف غير داخل في جزاء الشرط؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً، وسقطت الواو منه لفظاً لالتقاء السكانين في الدَّرج، وخطَّا حملاً للخطِّ على اللفظ كما كتبوا: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] عليه، ولكن ينبغي أن لا يجوز الوقف على هذه الآية لأنه إن وقف عليه بالأصل هو الواو خالفنا خط المصحف وإن وقف عليه بغيرها موافقاً للرسل خالفنا الأصل. وتقدَّم بحث مثل هذا. وقد منع مكيٌّ الوقف على نحو: ﴿وَمَن تَقِ السيئات﴾ [غافر: 9] . وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه والله يمح الباطل فهو في محل رفع، ولكن حذفت منه الواو في المصحف حملاً على اللفظ كما حذفت من قوله: ﴿وَيَدْعُ الإنسان﴾ [الإسراء: 11] ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] . فصل أخبر تعالى أن ما يقولونه باطل يمحوه الله «ويُحِقُّ الحَقَّ» أي الإسلام بكلماته، أي بما أنزل الله تعالى من كتاب، وقد فعل الله ذلك فمحى باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام «إنَّهُ عَلِيم» بما في صدرك وصدورهم، قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا: يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنه اتهموه فأنزل الله هذه الآية فقال القوم يا رسول الله: (ف) إنا نشهد أنك صادف فنزل: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أولياءه وأهل طاعته. قال الزمخشري: يقال: قَبِلْتُ مِنْهُ الشيء وقَبِلْتُهُ عَنْهُ. فصل قيل: التوبة بترك المعاصي نية وفعلاً، والإقبال على الطاعة نيَّةً وفعلاً. وقال سهل ابن عبد الله: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال الممدوحة. وقيل: الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل روى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبَّر، فلما فرغ من صلاته قال عليٌّ رضي الله تعالى عنه: يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبه الكذابين، فقال ياأمير المؤمنين (وما) التوبة؟ فقال: اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفريضة الإعادى ورد المظالم وإدامة النفس في الطاعهة كما ربتيها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل ضحك ضحكته. قالت المعتزلة: يجب على الله قبول التوبة، وقال أهل السنة: لا يجب على الله تعالى، وكل ما يقبله فهو كرم وفضل، واحتجوا بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل المدح العظيم، ألا ترى أنه من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً كان ذلك مدحاً. قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد التوبة، مأو المراد أن يعفو عن الصغائر أو المراد: إن يعفو عن الكبائر قبل التوبة. والأول باطل وإلا صار قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ عين قوله: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ والتكرار خلاف الأصل) . والثاني أيضاً باطل؛ لأن ذلك واجبٌ، وأداء الواجب لا يمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة، وتارة يعفو ابتداء من غير توبة. فصل روى أنس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «للهُ أشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بأرْضٍ فَلاَةٍ فانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهضا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنضا هُوَ كَذَلِكَ إذْ هُوَ بِهَا قَائِمةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخُطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ» أخطأ من شدَّة الفَرَحِ. قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ قرأ الأخوان وحَفْصٌ يَفْعَلُونَ بالياء من تحت؛ نظراً إلى قوله: «مِنْ عِبَادِهِ» وقال بعده: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ والباقون بالخطاب إقبالاً على اناس عامةً، وهو خطاب للمشركين. قوله تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ يجوز أن يكون الموصول فاعلاً أي يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله تعالى: ﴿استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24] واستجاب كأجاب، ومنه قوله الشاعر: 4381 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبُ ويجوز أن تكون السين للطلب على بابها بمعنى ويستدعي المؤمنون الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. ويجوز أن يكون الموصول مفعولاً به والفاعل مضمر يعود على الله بمعنى: ويُجيبُ الذينَ آمنوا اي دُعَاءَهُمْ. وقيل: ثَمَّ لام مقدرة أي ويستجيبُ الله لِلذِينَ آمنوا، (فحذفها، للعلم بها، كقوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ [المطففين: 3] قال عطاء عن ابن عباس معناه: ويُثِيبُ الذين آمنوا) وعلموا الصالحات ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ سِوَى ثواب أعمالهم تفضلاً منه، وروى أبو صالح عه: يشفعهم ويزيدهم من فضله. (ثُمَّ) قال في أخونان إخوانهم: ﴿والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، قال خَبَّاب بن الأرتِّ: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قُرَيْظَة والنَّضير وبني قَينقاعَ وتمنيناها فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ﴾ ، لطغوا في الأرض، قال ابن عباس ( رضي الله عهنما) : بغيهم طَلَب (هم) منزلةً بعد منزلة، ومركباً بعد مركب وملبساً بعد ملبس، ولكن ينزل أرزاقهم قدر ما شاء نظراً منه لعباده. (قرأ ابن كثير وأبو عمر يُنَّزِّلُ مشددة، والباقون مخففة) إنَّه بعباده خبيرٌ بصيرٌ. روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله علهي وسلم عن جبريل عن الله عَزَّ وَجَلَّ في حديث طويل وفيه يقول الله عزَّ وجلَّ: «ما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي في قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي المُؤْمِن يَكْرَهُ المَوْتَ وأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ يَسْأَلُنِي البَابَ عَنِ العِبَادَةِ فأَكُفُّهُ عَنْهُ (أّنْ) لاَ يَدْخُلَهُ عُجْبٌ فيُفْسِدَهُ ذَلِكَ وَإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ الغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمَانهُ إلاَّ الفَقْرُ ولو أَعْنَيْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمانَهُ إلاَّ الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنء لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ السَّقَمُ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ وذّلِكَ أَنِّي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ ِإنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ» . فصل وجه التعلق أنه تعالى لما قال في الآية الأولى إنه يجيب دعاء المؤمنين وَرَدَ عليه سؤالٌ وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبليَّةٍ وفَقْر ثم يدعو فلا يظهر أثر الإجابة فكيف الجمع بينه وبين قوله: ويستجيب الذين آمنوا؟ ﴿فأجاب تعالى عنه بقوله: {وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، ولأقدموا على المعاصي، فلذلك وجب أن لا يعطيهم ما طلبوه، ويؤيده الحديث المتقدم. فصل قال الجبائِيُّ: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجهين: الأول: أنه تعالى لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض غير مراد، فعلمنا أنه تعالى لا يريد البَغْيَ في الأرض، وذلك يوجب فساد قول المجبرة. الثاني: أنه تعالى إنما لم يرد بسط الرزق؛ لأنه يفضي إلى المفسدة، فلما بين تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريداً للمفسدة كان أولى. وأجيب: بأن الميل إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن، فلا بد لها من فاعل وفاعل هذه الأحوال إما البعد أو الله، والأول باطل؛ لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليه وعاد السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني؟ ويلزم التسلسل، وأيضاً فالميل الشديد إلى الظلم والقسوة عيوبٌ ونقصاناتٌ، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى. ثم أوده الجبائي على نفسه سؤالاً: فإن قيل: أليس قد يبسط الرزق لبعض عباده مع أنه يبغي؟} . فأجاب عنه: بأن الذي يبسط الرزق إذا بغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أُعْطِيَ ذلك الرزق أو لم يُعْطَ. قال ابن الخطيب: هذا الجواب فاسد، ويدل عليه القرآن والعقل أما القرآن فقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 67] حكم مطابق لكن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان وأم العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلةً إلى الشر فمعحصول الغنى تميل إلى الشر أكثر، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان. فصل في كون بسط الرزق موجباً للطغيان وجوه: الأول: أن الله تعالى لو سوَّى في الرزق بين الكل لا متنع كون البعض محتاجاً إلى البعض، وذلك يوجب خراب العالم وتعطيل المصالح. الثاني: أن هذه الأية مختصة بالعرب. فإنه كلما اتسع رزقهم، ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم، أقدموا على النهب والغارة. الثالث: أن الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر وإذا وقع في شدة وبليَّة ومكروه انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث﴾ أي املطر ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ من بعد ما يئس الناسُ منه. وإنزال الغيب بعد القنوط أدعى إلى الشكر؛ لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتمُّ. قال الزمخشري: قرىء قنطوا، بفتح النون وكسرها. (فأما فتح النون فهي قراءة العامة، وأما كسرها فهي قراءة يحيى بن وثَّاب، والأعمش وهي لغة وعليها قراءة: ﴿يَقْنَطُ﴾ [الحجر: 56] ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ [الزمر: 53] بفتح النون في المتواتر. ولم يقرأ في الكسر في الماضي إلا شاذاً و «ما» مصدرية أي من بعد قُنُوطِهِمْ) . قال مقاتل: حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حين قنطوا، ثم أنزل الله المطر فذكرهم الله نعمه. قوله: ﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يبسط مطره، كما قال: ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57] وهو الولي الحميد. «الوَلِيُّ» : الذي يتولى عباده بإحاسنه «الحَميد» المحمود على ما يوصل إلى الخلق من الرحمة وقيل: «الولي» لأهل طاعته، «الحميد» عند خلقه.

الشورى 42:18

قوله: ﴿والذين يُحَآجُّونَ﴾ (مبتدأ، و «حجتهم» ) مبتدأ ثانٍ و (داحضة) خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. وأعرب مكيٌّ: حجتهم بدلاً من الموصول بدل اشتمال والهاء في «لَهُ» تعود على الله تعالى، أو على الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام أي من بعد ما استجاب الناس لله أو من بعد ما استجاب الله لرسوله حين دعا على قومه. وقال ابن الخطيب: يعود على «الدين» أي من بعد ما استجاب النَّاس لذلك الدين. فصل المعنى والذين يخاصمون في دين الله نبيَّه. وقال قتادة: هم اليهود، قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم، فنحن خيرٌ منكم، فهذه خصومتهم من بعد ما استجاب له الناس، فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته «حجتهم داحِضةٌ» خصومتهم باطلة «عِنْدَ رَبِّهِمْ» قال ابن الخطيب: تلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا: ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق عليه أولى بالأخذ من المختلف فيه فنبوة موسى عليه الصَّلاة والسَّلام وحقيقة التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليست متفقاً عليها فوجب الأخذ باليهودية، فبين تعالى فساد هذه الحجة، وذلك لأن اليهود أجمعوا على أنه إنما وةجب الإيمان بموسى عليه الصَّلاة والسَّلام لأجل ظهور المعجزات على قوله وهاهنا نظهرت المعجزات على وفق قول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق فهاهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنوته بظهور المعجزات؛ لأنه يكون متناقضاً، ولما قرر (الله تعالى) هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة فقال: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة. قوله تعالى: ﴿الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان﴾ قال قتادة ومجاهد ومقاتل: سمي العدل ميزاناً؛ لأن الميزان آلة للإنصاف والتسوية. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس. ومعنى الآية أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على الدلائل والبيِّناتم وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم وأنهم لا يعلمون أن القيامة حق يفاجئهم، ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد. ولما كان الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام يهددهم يوم القيامة ولم يروا لذلك أثراً قالوا على سبيل السخرية متى تقوم الساعة؟ وليتها قامت حتى يظهر لنا الحقّ أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه؟! . قوله: ﴿لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾ إنما ذكر «قريب» وإن كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث أو على معنى النَّسب أي ذات قُرْبٍ، أوعلى حذفق مضاف، أي مجيء الساعة. وقيل للفرق بينها وبين قاربة النسب. وقيل: لأن تأنيثها مجازي نقله مكي. وليس بشيء، إذ لا يجوز: الشمسُ طالعٌ، ولا القِدْرُ فائِرٌ، وجملة الترجي أو الإشفاق معلِّقة للدراية. وتقدم مثله آخر الأنبياء. فصل قال مقاتل: ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا مستهزءين: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ ظناً منهم أنهم غير آتية ﴿والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون ﴿مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق﴾ أي أنها آتية لا ريب فيها، ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ﴾ يخاصمون. وقيل: يدخلهم المرية والشك في «وُقُوع الساعة» لفي ضلالٍ بعيدٍ؛ لأن استيفاء حقِّ المظلوم من الظالم واجب في العدل فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالاً بعيداً. قوله تعالى: ﴿الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) : حفيٌّ بهم. وقال عكرمة: بارٌّ بهم. وقال السديّ: رفيق بهم. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم بدليل قوله: ﴿بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ وكل من رزقه الله من مؤمن وكافرٍ وذي روحٍ فهو ممَّن يشاءُ الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطيف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات. الثاني: أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة. و «هو القوي» القادر على ما يشاء «العزيز» الذي لا يغالب. فصل إنما حسن ذكر هذا الكلام هاهنا؛ لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله (تعالى) بعباده، وأيضاً فالمتفرقون استوجبوا العذاب الشديد. ثم إنه تعالى آخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم (و) دفع أعظم المضارِّ عنهم لا جرم حسن ذكره هاهنا. قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ... ﴾ الآية الحرث في اللغة الكسب، أي من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه بالتضعييف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة. قال مقاتل. وقيل: معناه إنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه. وقال الزمخشري: إنه تعالى سمَّى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز. واعلم أنه قد تقدم أن كون الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً مجزوماً لا يختص مجيئه بكان خلافاً لأبي الحكم مصنِّف كتاب الإعراب فإنه قال: لا يجوز ذلك إلا مع «كان» إلا في ضرورة شعر. وأطلق النحويون جواز ذلك وأنشدوا بيت الفرزدق: 4378 - دَسَّتْ رَسُولاً بِأَنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ... عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُوراً ذَاتِ تَوْغِيرِ وقوله أيضاً: 4379 - تَعَشَّ فَإِنْ عَاهَدْتَني لاَ تَخُونِنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ وقرأ ابن مقسم والزَّعفرانيُّ ومحبوب: يزد ويؤته بالياء من تحت، أي الله تعالى. وقرأ سلام يؤته بضم هاء الكناية وهو الأصل، وهو لغة الحجاز وتقدم خلاف القراء في ذلك. فصل قال قتادة: معنى قوله: ومن كان يريد (حَرْثَ) الدنيا أي يريد جملة حرث الدُّنيا نؤته منها أي نؤته بقدر ما قسم له كما قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ [الإسراء: 18] وما له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لم يعمل للآخرة قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «بَشِّرْ هَذِهِ الأمَّة بالسناء والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ للدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ» واعلم أنه تعالى قال في طلب الآخرة (إنه) يزيد له في حرثه ولم يذكر أنه يعطيه الدنيا أم لا بل سكت عنه نفياً وإثباتاً. وأما الطالب الدنيا فبين أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول: الآخرة أصلٌ والدنيا تبعٌ فواجد الأصل يكون واجداً للتَّبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدّنيا أحسن من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة. وأيضاً بين أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه وطالب الدنيا يعطى بعض مطلوبه ولا يحصل له في الآخرة من نصيب البتة فبين أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً في التزايد، وأن طالب الدنيا يكون حاله في النقصان والبطلان في الآخرة، وذلك يدل على تفضيل طلب الآخرة. وأيضاً فإنه تعالى بين أن منافع الآخرة ومنافع الدنيا ليست حاضرة ناجزةً، بل لا بدَّ فيهما من الحرث والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق (في البذر ثم التسقية والتنمية ثم الحصد ثم التنقية فلما سمى الله كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل) والمتاعب. ثم بين أنَّ مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وأن مصير الدنيا إلى النُّقصان والعناء، فكأنه قيل: إذا كان لا بد في القسمين من متاعب الحراثة من التبقية والتنمية والحصد والتَّنْقِية فصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد الباقي أولى من صرفها إلى ما يكون في التناقص والانقضاء. فصل قال ابن الخطيب: فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلَّى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح. فالجواب: أنه تعالى قال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة﴾ ، والحرث لا يَتَأَتَّى إلا بإلقاء البذر الصَّحيح في الأرض، والبذر الصحيح الجامع للخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله سبحانه وتعالى. فصل إذا توضأ بغير نية، لم يصح، لأنه لم يرد حرث الآخرة، وذلك لا يحصل بالوضوء العاري عن النية. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين ... ﴾ الآية. لما بين القانون الأعظم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بيان ماهو الأصل في باب الضَّلالة والسعادة فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ﴾ ومعنى الهمزة في «أم» التقرير والتقريبع. والضمير في «شَرَعوا» يجوز أن يكون عائداً على «الشركاء» ، والضمير في «لهم» على الكفار، ويجوز العكس؛ لأنهم جعلوا لهم أنصباء، والمعنى شركاؤهم أي شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث، والعمل للدنيا. وقيل: شركاؤهم أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم؛ لأنهم هم الذي اتَّخذوها شركاء لله. ولما كانت سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لدين ضلالتهم لهم كما قال إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: 36] . قال المفسريون: يعني كفار مكة أأي لهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) شرعوا لهم ديناً غير دين الإسلام. قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل﴾ أي لولا القضاء السابق بتأخير الحزاء أو لولا الوعد بأن الفصل يكون بينهم يوم القيامة «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» أي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين المشركين وشركائهم. قوله: «وإنَّ الظَّالِمِينَ» العامة بكسر «إن» على الاستئناف ومسلم بن بجنوب والإعرج بفتحها عطفاً على كلمة الفصل. وفصل بين المتعاطفين بجواب «لولا» ، تقديره: ولولا كلمة واستقرار الظالمين في العذاب لَقَضِي بينهم في الدنيا. وهو نظير قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ [طه: 129] . ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب. أما الأول فهو قوله: ﴿تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ﴾ أي ترى المشركين يوم القيامة خائفين وجَِلِينَ «مِمَّا كَسَبُوا» من السيئات، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي جزاء كسبهم واقع سواء أشفقوا أو لم يشفقوا. وأم الثاني وهو أحوال أهل الثواب فهو قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي رَوْضَاتِ الجنات﴾ قال أبو حيان: اللغة الكثيرة تسكين واو «رَوْضَات» ، ولغة هذيل فتح الواو إجراء لها مُجْرَى الصحيح نحو: جَفَنَات. ولم يقرأ أحد فيما علمناه بلغتهم. قال شهاب الدين: إن عنى لم يقرأ أحد بلغتهم في هذا الباب من حيث هو فليس كذلك؛ لما تقدم في سورة النور أن الأعمش قرأ: «ثَلاَثُ عَوَرَاتٍ» بفتح الواو وإن عَنَى أنه لم يقرأ في روضات بخصوصها فقريب، لكن ليس هو ظاهر عادته. فصل اعلم أن روضة الجنة أطيب بقعةٍ فيها، وفيه تنبيه على أن الفسَّاق من أهل الصلاة كلهم من أهل الجنة؛ لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنَّات، وهي البقاع الشَّريفة كالبقاع التي دون تلك الروضات، لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كانوا دونن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ثم قال: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يدل على أن تلك الأشياء حاضرة عنده مهيَّأة. والعندية مجاز و «عِنْدَ رَبِّهِمْ» يجوز أن يكون ظرفاً «لِيَشَاءُونَ» . قاله الحوفي، أو للاستقرار العامل في «لهم» قال الزمخشري. ثم قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ وهذا يدل على أنَّ الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل من الله تعالى لا بطريق الوجوب والاستحقاق. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ﴾ كقوله: «كالَّذِي خَاضُوا» . وقد تقدم تحقيقه. وتقدمت القراءات في يُبَشِّرُ. وقرأ مجاهدٌ وحُمَيْدُ بنُ قَيْسٍ: يُبْشِرُ بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين من أَبْشَرَ منقولاً من بَشِرَ بالكسر لا من بَشَرَ بالفتح؛ لأنه متعدٍّ والتشديد في «بشر» للتكثير لا للتعدية، لأنه متعد بدونها. ونقل أبو حيان قراءة يَبْشُرُ بفتح الياء وضم الشين عن حمزة والكسائي (أي) من السَّبعة، ولم يذكر غيرهما من السبعة، وقد وافقهما على ذلك ابن كثير وأبو عمرو. و «ذلك» مبتدأ، والموصول بعده خبره، وعائده محذوف على التدريج المذكور كقوله «كالَّذِي خَاضُوا» أي يُبَشِّرُ بِهِ، ثم يُبَشِّرُهُ على الاتساع. وأما على رأي يونُس فلا يحتاج إلى عائد؛ لأنها عنده مصدرية وهو قول الفراء أيضاً، أي ذلك تبشير الله عباده. وذلك إشارة إلى ما أعده الله تعالى لهم من الكرامة. وقال الزمخشري: أو ذلك التبشير الذي يبشِّره الله عباده. قال أبو حيان: وليس بظاهر؛ إذ لم يتقدم في هذه السورة لفظ البشرى ولا ما يدل عليها من «بَشَّر» أو شبهه. فصل هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: الأول: أن الملك الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاءً، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كُنْهَهُ إلاَّ الله تعالى. الثاني: أن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ﴾ يدخل في باب غير المتناهي؛ لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منها. الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق يكون في غاية الكبر. واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذا الكتاب الشريف، وأودع فيه أقسام الدلائل والتكاليف ورتبه على لطاعة والثواب وأمره بتبليغه إلى الأمة أمره بأن يقول إني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً حاضراً فقال: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ . في الاستثناء قولان: أحدهما: أنه منقطع؛ إذ ليست المودة من جنس الأجر. والثاني: أنه متصل، أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا وهو أن تودُّوا أهل قرابتي ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة؛ لأن قرابتهم وكانت صلتهم لازمةً لهم في المودة. قاله الزمخشري. وقال أيضاً: فإن قلت: هلا قيل: إلاَّ مودَّة القربى، أو إلا المودة للقربى؟! قلت: جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها، كقولك: في آل فلان مودة وليست «في» صلة المودة، كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف فتعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودة ثابتةً في القربى ومتمكنةً فيها. وقال أبو البقاء: وقيل: متصل، أي لا أسألكم شيئاً إلا المودة. قال شهاب الدين: وفي تأويله متصلاً بما ذكر نظر؛ لمجيئه بشيء الذي هو عام، وما من استثناء منقطع إلا ويمكن تأويله بما ذكر، ألا ترى إلى قولك: ما جاءني أحدٌ إلا حمار، أنه يصح ما جاءني شيء إلا حماراً. وقرأ زيد بن عليٍّ: «مودة» بدون ألفٍ ولامٍ. فصل في الآية ثلاثة أقوال: الاول: قال الشَّعبيُّ: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب أبن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاتن وسط النسب من قريش ليس بطنٌ من بطونهم إلا قد ولده، وكان له فيهم قرابةٌ، فقال الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ على ما أدعوكم إليه إلا أن تؤثروني لقرابتي أي تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي، ولا تؤذوني. وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وعكرمة ومقاتل والسدي والضَّحَّاك. الثاني: روى الكلبي عن ابن عباس، قال: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قدم المدينة كانت تَنُوبهُ نوائب وحقوق، وليس في يده سعةٌ لقالت (الأنصار) : إن هذا الرجل هداكم هو ابن أخيكم، وأجاركم من بلدكم، فاجمعةوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها، فردها عليهم ونزل قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي على الإيمان (إلا) أن لا تؤذوا أقاربي وعشيرتي، وتحفظوني فيهم، قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. الثالث: قال الحسن: معناه إلا أن تَوَدُّوا الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، ورواه ابن أبي نُجَيْحٍ عن مجاهد. فالقربى على القول الأول بالقرابة التي بمعنى الرَّحِم، وعلى الثاني بمعنى الأقارب، وعلى الثالث فُعْلَى من القُرْبِ والتَّقْرِيب. فإن قيل: طلب الأجر على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه: أحدها: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي طلب الأجر، فقال في قصة نوح عليه الصَّلاة والسَّلام ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعرا: 109] . . الآية وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليه الصَّلاة والسَّلام ورسلونا أفضل الأنبياء فَبِأَنْ لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى. وثانيها: أنه عليه الصَّلاة والسَّلام صرَّح بنفي طلب الأجر فقال: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] وقال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: 47] . . الآية وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء. ورابعها: أن النبوة أفضل من الحممة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] ووصف الدينا بأنها متاع قليل فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ﴾ [النسا: 77] فكيف يحين بالعاقل مقابلة أشرف الأنبيثاء بأخس الأشيءا؟! وخامسها: أن طلب الأجر يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يطلب أجراً ألبتة على التبليغ والرسالة، وهاهنا قد ذكر ما يجري مَجْرَى طلب الأجر وهو المودة في القربى (هذا تقرير السؤال) . فالجواب: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ، وأما قوله: إلا المودة في القربى فالجواب عنه من وجهين: الأول: أنه هذا من باب قوله: 4380 - وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ يعني أنا لا أطلب منكم إلا هذا. وهذا في الحقيقة ليس أجراً؛ لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب، قال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ [التوبة: 71] ، وقال، عليه الصَّلاة والسَّلام: «المُؤْمِنُونَ كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً» والآيات الأخبار في هذا كثيرة. وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجب فحصولها في احق أششرف المسلمِين أولى، فقوله: ﴿إلا المودة في القربى﴾ تقديره والمودة ف يالقربى ليست أجراً، فرَجَعَ الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة. الثاني: إن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: ﴿لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ثم قال: ﴿إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي أذكركم قرابتي منكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر. فصل اختلفوا في قرابته، فقيل: هم فاطمة وعلى وأبناؤهما، وفيهم نزل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: 33] . وروى زيد بن أرقم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كتابَ اللهِ تَعَالَى وَأَهْلَ بَيْتِي وَأُذَكِّرُكُم الله في أَهْلِ بَيْتِي» قيل لزيد بن أرقم: فمن أهل بيته؟ فقال: هم آلُ عليِّ وآل عَقِيل وآل جعفر، وآل عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وروى ابن عمر عن ابن بكر رضي الله تعالى عنه قال: أرقبوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أهل بيته. وقيل: هم الذي تحرم عليه الصدقة من أقاربه ويقسم فيه الخًمسُ هم بنو هاشم، وبنوا المطلب الذين لم يتفرقوا بجاهلية ولا إسلام. وقيل: هذه الآية منسوخة، وإليه ذهب الضحاك بن مُزاحم والحسين بن الفضل. قال البغوي وهذا قول (غير) مرضٍ؛ لأن مودة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكف الأذى عنه ومودة أقاربه والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي من يكتسب طاعة ﴿نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾ العامة على «نَزد» بالنون، وزيد بن علي وعبدُ الوارث عن أبي عمرو يَزِدْ بالياء من تحت، أي يزِد الله. والعامة «حُسْناً» بالتنوين مصدراً على «فُعْلٍ» نحو: شُكر وهو مفعول به، وعبد الوارث عن أبي عمرو حُسْنَى بألف التأنيث على وزن بُشْرَى، ورُجْعَى، وهنو مفعول به أيضاً. ويجوز أن يكون صفة كفُضْلَى، فيكون وصفاً لمحذوف أي خصْلَةً حُسْنَى. قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب المودة في القُرْبَى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودَّةِ. ثُمَّ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ : للقليل (حتى يضاعفها) والشكر في حق الله تعالى مجاز، والمعنى أنه تعالى يُحْسِنُ للمطيعين في إيصال الثواب إليهم، وفي أن يزيدَ عليهم أنواعاً كثيرةً من التفضل. قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ اعلم أن الكلام ابتداء من أول هذه السورة في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بِوَحْي الله تعالى، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يوحي إلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ [الشورى: 3] واتصال الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق بعضه ببعض (حتى وصل) إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا، شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ . قال الزمخشري: «أم» منقطعة ومعنى الهمزة للتوبيخ والمعنى: أيقع في قلوبهم ويجري على ألسنتهم أن ينسبوا مثله على الافتراء على الله سبحانه وتعالى الذي هو أقبح الأنواع وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾ قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشقَّ عليك أذاهم وقولهم: إنه مفتر كذابٌ، وقال قتادة: يعني يطبع على قبلك فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذباً لفعل به، وما أخبر في هذه الآية فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب إلاّ من كان في هذه الحالة والمقصود من هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله: أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين: لعل الله أعمى قَلْبي، وهو لا يريد إثبات الخِذلان ولا عَمَى القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد صدق الله تعالى الخيانة عنه. قوله تعالى: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ هذا مستأنف غير داخل في جزاء الشرط؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً، وسقطت الواو منه لفظاً لالتقاء السكانين في الدَّرج، وخطَّا حملاً للخطِّ على اللفظ كما كتبوا: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] عليه، ولكن ينبغي أن لا يجوز الوقف على هذه الآية لأنه إن وقف عليه بالأصل هو الواو خالفنا خط المصحف وإن وقف عليه بغيرها موافقاً للرسل خالفنا الأصل. وتقدَّم بحث مثل هذا. وقد منع مكيٌّ الوقف على نحو: ﴿وَمَن تَقِ السيئات﴾ [غافر: 9] . وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه والله يمح الباطل فهو في محل رفع، ولكن حذفت منه الواو في المصحف حملاً على اللفظ كما حذفت من قوله: ﴿وَيَدْعُ الإنسان﴾ [الإسراء: 11] ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] . فصل أخبر تعالى أن ما يقولونه باطل يمحوه الله «ويُحِقُّ الحَقَّ» أي الإسلام بكلماته، أي بما أنزل الله تعالى من كتاب، وقد فعل الله ذلك فمحى باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام «إنَّهُ عَلِيم» بما في صدرك وصدورهم، قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا: يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنه اتهموه فأنزل الله هذه الآية فقال القوم يا رسول الله: (ف) إنا نشهد أنك صادف فنزل: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أولياءه وأهل طاعته. قال الزمخشري: يقال: قَبِلْتُ مِنْهُ الشيء وقَبِلْتُهُ عَنْهُ. فصل قيل: التوبة بترك المعاصي نية وفعلاً، والإقبال على الطاعة نيَّةً وفعلاً. وقال سهل ابن عبد الله: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال الممدوحة. وقيل: الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل روى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبَّر، فلما فرغ من صلاته قال عليٌّ رضي الله تعالى عنه: يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبه الكذابين، فقال ياأمير المؤمنين (وما) التوبة؟ فقال: اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفريضة الإعادى ورد المظالم وإدامة النفس في الطاعهة كما ربتيها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل ضحك ضحكته. قالت المعتزلة: يجب على الله قبول التوبة، وقال أهل السنة: لا يجب على الله تعالى، وكل ما يقبله فهو كرم وفضل، واحتجوا بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل المدح العظيم، ألا ترى أنه من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً كان ذلك مدحاً. قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد التوبة، مأو المراد أن يعفو عن الصغائر أو المراد: إن يعفو عن الكبائر قبل التوبة. والأول باطل وإلا صار قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ عين قوله: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ والتكرار خلاف الأصل) . والثاني أيضاً باطل؛ لأن ذلك واجبٌ، وأداء الواجب لا يمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة، وتارة يعفو ابتداء من غير توبة. فصل روى أنس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «للهُ أشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بأرْضٍ فَلاَةٍ فانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهضا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنضا هُوَ كَذَلِكَ إذْ هُوَ بِهَا قَائِمةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخُطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ» أخطأ من شدَّة الفَرَحِ. قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ قرأ الأخوان وحَفْصٌ يَفْعَلُونَ بالياء من تحت؛ نظراً إلى قوله: «مِنْ عِبَادِهِ» وقال بعده: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ والباقون بالخطاب إقبالاً على اناس عامةً، وهو خطاب للمشركين. قوله تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ يجوز أن يكون الموصول فاعلاً أي يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله تعالى: ﴿استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24] واستجاب كأجاب، ومنه قوله الشاعر: 4381 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبُ ويجوز أن تكون السين للطلب على بابها بمعنى ويستدعي المؤمنون الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. ويجوز أن يكون الموصول مفعولاً به والفاعل مضمر يعود على الله بمعنى: ويُجيبُ الذينَ آمنوا اي دُعَاءَهُمْ. وقيل: ثَمَّ لام مقدرة أي ويستجيبُ الله لِلذِينَ آمنوا، (فحذفها، للعلم بها، كقوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ [المطففين: 3] قال عطاء عن ابن عباس معناه: ويُثِيبُ الذين آمنوا) وعلموا الصالحات ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ سِوَى ثواب أعمالهم تفضلاً منه، وروى أبو صالح عه: يشفعهم ويزيدهم من فضله. (ثُمَّ) قال في أخونان إخوانهم: ﴿والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، قال خَبَّاب بن الأرتِّ: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قُرَيْظَة والنَّضير وبني قَينقاعَ وتمنيناها فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ﴾ ، لطغوا في الأرض، قال ابن عباس ( رضي الله عهنما) : بغيهم طَلَب (هم) منزلةً بعد منزلة، ومركباً بعد مركب وملبساً بعد ملبس، ولكن ينزل أرزاقهم قدر ما شاء نظراً منه لعباده. (قرأ ابن كثير وأبو عمر يُنَّزِّلُ مشددة، والباقون مخففة) إنَّه بعباده خبيرٌ بصيرٌ. روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله علهي وسلم عن جبريل عن الله عَزَّ وَجَلَّ في حديث طويل وفيه يقول الله عزَّ وجلَّ: «ما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي في قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي المُؤْمِن يَكْرَهُ المَوْتَ وأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ يَسْأَلُنِي البَابَ عَنِ العِبَادَةِ فأَكُفُّهُ عَنْهُ (أّنْ) لاَ يَدْخُلَهُ عُجْبٌ فيُفْسِدَهُ ذَلِكَ وَإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ الغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمَانهُ إلاَّ الفَقْرُ ولو أَعْنَيْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمانَهُ إلاَّ الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنء لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ السَّقَمُ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ وذّلِكَ أَنِّي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ ِإنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ» . فصل وجه التعلق أنه تعالى لما قال في الآية الأولى إنه يجيب دعاء المؤمنين وَرَدَ عليه سؤالٌ وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبليَّةٍ وفَقْر ثم يدعو فلا يظهر أثر الإجابة فكيف الجمع بينه وبين قوله: ويستجيب الذين آمنوا؟ ﴿فأجاب تعالى عنه بقوله: {وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، ولأقدموا على المعاصي، فلذلك وجب أن لا يعطيهم ما طلبوه، ويؤيده الحديث المتقدم. فصل قال الجبائِيُّ: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجهين: الأول: أنه تعالى لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض غير مراد، فعلمنا أنه تعالى لا يريد البَغْيَ في الأرض، وذلك يوجب فساد قول المجبرة. الثاني: أنه تعالى إنما لم يرد بسط الرزق؛ لأنه يفضي إلى المفسدة، فلما بين تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريداً للمفسدة كان أولى. وأجيب: بأن الميل إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن، فلا بد لها من فاعل وفاعل هذه الأحوال إما البعد أو الله، والأول باطل؛ لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليه وعاد السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني؟ ويلزم التسلسل، وأيضاً فالميل الشديد إلى الظلم والقسوة عيوبٌ ونقصاناتٌ، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى. ثم أوده الجبائي على نفسه سؤالاً: فإن قيل: أليس قد يبسط الرزق لبعض عباده مع أنه يبغي؟} . فأجاب عنه: بأن الذي يبسط الرزق إذا بغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أُعْطِيَ ذلك الرزق أو لم يُعْطَ. قال ابن الخطيب: هذا الجواب فاسد، ويدل عليه القرآن والعقل أما القرآن فقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 67] حكم مطابق لكن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان وأم العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلةً إلى الشر فمعحصول الغنى تميل إلى الشر أكثر، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان. فصل في كون بسط الرزق موجباً للطغيان وجوه: الأول: أن الله تعالى لو سوَّى في الرزق بين الكل لا متنع كون البعض محتاجاً إلى البعض، وذلك يوجب خراب العالم وتعطيل المصالح. الثاني: أن هذه الأية مختصة بالعرب. فإنه كلما اتسع رزقهم، ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم، أقدموا على النهب والغارة. الثالث: أن الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر وإذا وقع في شدة وبليَّة ومكروه انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث﴾ أي املطر ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ من بعد ما يئس الناسُ منه. وإنزال الغيب بعد القنوط أدعى إلى الشكر؛ لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتمُّ. قال الزمخشري: قرىء قنطوا، بفتح النون وكسرها. (فأما فتح النون فهي قراءة العامة، وأما كسرها فهي قراءة يحيى بن وثَّاب، والأعمش وهي لغة وعليها قراءة: ﴿يَقْنَطُ﴾ [الحجر: 56] ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ [الزمر: 53] بفتح النون في المتواتر. ولم يقرأ في الكسر في الماضي إلا شاذاً و «ما» مصدرية أي من بعد قُنُوطِهِمْ) . قال مقاتل: حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حين قنطوا، ثم أنزل الله المطر فذكرهم الله نعمه. قوله: ﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يبسط مطره، كما قال: ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57] وهو الولي الحميد. «الوَلِيُّ» : الذي يتولى عباده بإحاسنه «الحَميد» المحمود على ما يوصل إلى الخلق من الرحمة وقيل: «الولي» لأهل طاعته، «الحميد» عند خلقه.

الشورى 42:19

قوله: ﴿والذين يُحَآجُّونَ﴾ (مبتدأ، و «حجتهم» ) مبتدأ ثانٍ و (داحضة) خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. وأعرب مكيٌّ: حجتهم بدلاً من الموصول بدل اشتمال والهاء في «لَهُ» تعود على الله تعالى، أو على الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام أي من بعد ما استجاب الناس لله أو من بعد ما استجاب الله لرسوله حين دعا على قومه. وقال ابن الخطيب: يعود على «الدين» أي من بعد ما استجاب النَّاس لذلك الدين. فصل المعنى والذين يخاصمون في دين الله نبيَّه. وقال قتادة: هم اليهود، قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم، فنحن خيرٌ منكم، فهذه خصومتهم من بعد ما استجاب له الناس، فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته «حجتهم داحِضةٌ» خصومتهم باطلة «عِنْدَ رَبِّهِمْ» قال ابن الخطيب: تلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا: ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق عليه أولى بالأخذ من المختلف فيه فنبوة موسى عليه الصَّلاة والسَّلام وحقيقة التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليست متفقاً عليها فوجب الأخذ باليهودية، فبين تعالى فساد هذه الحجة، وذلك لأن اليهود أجمعوا على أنه إنما وةجب الإيمان بموسى عليه الصَّلاة والسَّلام لأجل ظهور المعجزات على قوله وهاهنا نظهرت المعجزات على وفق قول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق فهاهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنوته بظهور المعجزات؛ لأنه يكون متناقضاً، ولما قرر (الله تعالى) هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة فقال: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة. قوله تعالى: ﴿الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان﴾ قال قتادة ومجاهد ومقاتل: سمي العدل ميزاناً؛ لأن الميزان آلة للإنصاف والتسوية. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس. ومعنى الآية أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على الدلائل والبيِّناتم وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم وأنهم لا يعلمون أن القيامة حق يفاجئهم، ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد. ولما كان الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام يهددهم يوم القيامة ولم يروا لذلك أثراً قالوا على سبيل السخرية متى تقوم الساعة؟ وليتها قامت حتى يظهر لنا الحقّ أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه؟! . قوله: ﴿لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾ إنما ذكر «قريب» وإن كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث أو على معنى النَّسب أي ذات قُرْبٍ، أوعلى حذفق مضاف، أي مجيء الساعة. وقيل للفرق بينها وبين قاربة النسب. وقيل: لأن تأنيثها مجازي نقله مكي. وليس بشيء، إذ لا يجوز: الشمسُ طالعٌ، ولا القِدْرُ فائِرٌ، وجملة الترجي أو الإشفاق معلِّقة للدراية. وتقدم مثله آخر الأنبياء. فصل قال مقاتل: ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا مستهزءين: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ ظناً منهم أنهم غير آتية ﴿والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون ﴿مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق﴾ أي أنها آتية لا ريب فيها، ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ﴾ يخاصمون. وقيل: يدخلهم المرية والشك في «وُقُوع الساعة» لفي ضلالٍ بعيدٍ؛ لأن استيفاء حقِّ المظلوم من الظالم واجب في العدل فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالاً بعيداً. قوله تعالى: ﴿الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) : حفيٌّ بهم. وقال عكرمة: بارٌّ بهم. وقال السديّ: رفيق بهم. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم بدليل قوله: ﴿بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ وكل من رزقه الله من مؤمن وكافرٍ وذي روحٍ فهو ممَّن يشاءُ الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطيف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات. الثاني: أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة. و «هو القوي» القادر على ما يشاء «العزيز» الذي لا يغالب. فصل إنما حسن ذكر هذا الكلام هاهنا؛ لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله (تعالى) بعباده، وأيضاً فالمتفرقون استوجبوا العذاب الشديد. ثم إنه تعالى آخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم (و) دفع أعظم المضارِّ عنهم لا جرم حسن ذكره هاهنا. قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ... ﴾ الآية الحرث في اللغة الكسب، أي من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه بالتضعييف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة. قال مقاتل. وقيل: معناه إنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه. وقال الزمخشري: إنه تعالى سمَّى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز. واعلم أنه قد تقدم أن كون الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً مجزوماً لا يختص مجيئه بكان خلافاً لأبي الحكم مصنِّف كتاب الإعراب فإنه قال: لا يجوز ذلك إلا مع «كان» إلا في ضرورة شعر. وأطلق النحويون جواز ذلك وأنشدوا بيت الفرزدق: 4378 - دَسَّتْ رَسُولاً بِأَنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ... عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُوراً ذَاتِ تَوْغِيرِ وقوله أيضاً: 4379 - تَعَشَّ فَإِنْ عَاهَدْتَني لاَ تَخُونِنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ وقرأ ابن مقسم والزَّعفرانيُّ ومحبوب: يزد ويؤته بالياء من تحت، أي الله تعالى. وقرأ سلام يؤته بضم هاء الكناية وهو الأصل، وهو لغة الحجاز وتقدم خلاف القراء في ذلك. فصل قال قتادة: معنى قوله: ومن كان يريد (حَرْثَ) الدنيا أي يريد جملة حرث الدُّنيا نؤته منها أي نؤته بقدر ما قسم له كما قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ [الإسراء: 18] وما له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لم يعمل للآخرة قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «بَشِّرْ هَذِهِ الأمَّة بالسناء والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ للدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ» واعلم أنه تعالى قال في طلب الآخرة (إنه) يزيد له في حرثه ولم يذكر أنه يعطيه الدنيا أم لا بل سكت عنه نفياً وإثباتاً. وأما الطالب الدنيا فبين أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول: الآخرة أصلٌ والدنيا تبعٌ فواجد الأصل يكون واجداً للتَّبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدّنيا أحسن من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة. وأيضاً بين أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه وطالب الدنيا يعطى بعض مطلوبه ولا يحصل له في الآخرة من نصيب البتة فبين أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً في التزايد، وأن طالب الدنيا يكون حاله في النقصان والبطلان في الآخرة، وذلك يدل على تفضيل طلب الآخرة. وأيضاً فإنه تعالى بين أن منافع الآخرة ومنافع الدنيا ليست حاضرة ناجزةً، بل لا بدَّ فيهما من الحرث والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق (في البذر ثم التسقية والتنمية ثم الحصد ثم التنقية فلما سمى الله كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل) والمتاعب. ثم بين أنَّ مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وأن مصير الدنيا إلى النُّقصان والعناء، فكأنه قيل: إذا كان لا بد في القسمين من متاعب الحراثة من التبقية والتنمية والحصد والتَّنْقِية فصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد الباقي أولى من صرفها إلى ما يكون في التناقص والانقضاء. فصل قال ابن الخطيب: فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلَّى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح. فالجواب: أنه تعالى قال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة﴾ ، والحرث لا يَتَأَتَّى إلا بإلقاء البذر الصَّحيح في الأرض، والبذر الصحيح الجامع للخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله سبحانه وتعالى. فصل إذا توضأ بغير نية، لم يصح، لأنه لم يرد حرث الآخرة، وذلك لا يحصل بالوضوء العاري عن النية. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين ... ﴾ الآية. لما بين القانون الأعظم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بيان ماهو الأصل في باب الضَّلالة والسعادة فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ﴾ ومعنى الهمزة في «أم» التقرير والتقريبع. والضمير في «شَرَعوا» يجوز أن يكون عائداً على «الشركاء» ، والضمير في «لهم» على الكفار، ويجوز العكس؛ لأنهم جعلوا لهم أنصباء، والمعنى شركاؤهم أي شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث، والعمل للدنيا. وقيل: شركاؤهم أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم؛ لأنهم هم الذي اتَّخذوها شركاء لله. ولما كانت سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لدين ضلالتهم لهم كما قال إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: 36] . قال المفسريون: يعني كفار مكة أأي لهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) شرعوا لهم ديناً غير دين الإسلام. قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل﴾ أي لولا القضاء السابق بتأخير الحزاء أو لولا الوعد بأن الفصل يكون بينهم يوم القيامة «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» أي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين المشركين وشركائهم. قوله: «وإنَّ الظَّالِمِينَ» العامة بكسر «إن» على الاستئناف ومسلم بن بجنوب والإعرج بفتحها عطفاً على كلمة الفصل. وفصل بين المتعاطفين بجواب «لولا» ، تقديره: ولولا كلمة واستقرار الظالمين في العذاب لَقَضِي بينهم في الدنيا. وهو نظير قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ [طه: 129] . ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب. أما الأول فهو قوله: ﴿تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ﴾ أي ترى المشركين يوم القيامة خائفين وجَِلِينَ «مِمَّا كَسَبُوا» من السيئات، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي جزاء كسبهم واقع سواء أشفقوا أو لم يشفقوا. وأم الثاني وهو أحوال أهل الثواب فهو قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي رَوْضَاتِ الجنات﴾ قال أبو حيان: اللغة الكثيرة تسكين واو «رَوْضَات» ، ولغة هذيل فتح الواو إجراء لها مُجْرَى الصحيح نحو: جَفَنَات. ولم يقرأ أحد فيما علمناه بلغتهم. قال شهاب الدين: إن عنى لم يقرأ أحد بلغتهم في هذا الباب من حيث هو فليس كذلك؛ لما تقدم في سورة النور أن الأعمش قرأ: «ثَلاَثُ عَوَرَاتٍ» بفتح الواو وإن عَنَى أنه لم يقرأ في روضات بخصوصها فقريب، لكن ليس هو ظاهر عادته. فصل اعلم أن روضة الجنة أطيب بقعةٍ فيها، وفيه تنبيه على أن الفسَّاق من أهل الصلاة كلهم من أهل الجنة؛ لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنَّات، وهي البقاع الشَّريفة كالبقاع التي دون تلك الروضات، لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كانوا دونن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ثم قال: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يدل على أن تلك الأشياء حاضرة عنده مهيَّأة. والعندية مجاز و «عِنْدَ رَبِّهِمْ» يجوز أن يكون ظرفاً «لِيَشَاءُونَ» . قاله الحوفي، أو للاستقرار العامل في «لهم» قال الزمخشري. ثم قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ وهذا يدل على أنَّ الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل من الله تعالى لا بطريق الوجوب والاستحقاق. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ﴾ كقوله: «كالَّذِي خَاضُوا» . وقد تقدم تحقيقه. وتقدمت القراءات في يُبَشِّرُ. وقرأ مجاهدٌ وحُمَيْدُ بنُ قَيْسٍ: يُبْشِرُ بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين من أَبْشَرَ منقولاً من بَشِرَ بالكسر لا من بَشَرَ بالفتح؛ لأنه متعدٍّ والتشديد في «بشر» للتكثير لا للتعدية، لأنه متعد بدونها. ونقل أبو حيان قراءة يَبْشُرُ بفتح الياء وضم الشين عن حمزة والكسائي (أي) من السَّبعة، ولم يذكر غيرهما من السبعة، وقد وافقهما على ذلك ابن كثير وأبو عمرو. و «ذلك» مبتدأ، والموصول بعده خبره، وعائده محذوف على التدريج المذكور كقوله «كالَّذِي خَاضُوا» أي يُبَشِّرُ بِهِ، ثم يُبَشِّرُهُ على الاتساع. وأما على رأي يونُس فلا يحتاج إلى عائد؛ لأنها عنده مصدرية وهو قول الفراء أيضاً، أي ذلك تبشير الله عباده. وذلك إشارة إلى ما أعده الله تعالى لهم من الكرامة. وقال الزمخشري: أو ذلك التبشير الذي يبشِّره الله عباده. قال أبو حيان: وليس بظاهر؛ إذ لم يتقدم في هذه السورة لفظ البشرى ولا ما يدل عليها من «بَشَّر» أو شبهه. فصل هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: الأول: أن الملك الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاءً، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كُنْهَهُ إلاَّ الله تعالى. الثاني: أن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ﴾ يدخل في باب غير المتناهي؛ لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منها. الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق يكون في غاية الكبر. واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذا الكتاب الشريف، وأودع فيه أقسام الدلائل والتكاليف ورتبه على لطاعة والثواب وأمره بتبليغه إلى الأمة أمره بأن يقول إني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً حاضراً فقال: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ . في الاستثناء قولان: أحدهما: أنه منقطع؛ إذ ليست المودة من جنس الأجر. والثاني: أنه متصل، أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا وهو أن تودُّوا أهل قرابتي ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة؛ لأن قرابتهم وكانت صلتهم لازمةً لهم في المودة. قاله الزمخشري. وقال أيضاً: فإن قلت: هلا قيل: إلاَّ مودَّة القربى، أو إلا المودة للقربى؟! قلت: جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها، كقولك: في آل فلان مودة وليست «في» صلة المودة، كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف فتعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودة ثابتةً في القربى ومتمكنةً فيها. وقال أبو البقاء: وقيل: متصل، أي لا أسألكم شيئاً إلا المودة. قال شهاب الدين: وفي تأويله متصلاً بما ذكر نظر؛ لمجيئه بشيء الذي هو عام، وما من استثناء منقطع إلا ويمكن تأويله بما ذكر، ألا ترى إلى قولك: ما جاءني أحدٌ إلا حمار، أنه يصح ما جاءني شيء إلا حماراً. وقرأ زيد بن عليٍّ: «مودة» بدون ألفٍ ولامٍ. فصل في الآية ثلاثة أقوال: الاول: قال الشَّعبيُّ: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب أبن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاتن وسط النسب من قريش ليس بطنٌ من بطونهم إلا قد ولده، وكان له فيهم قرابةٌ، فقال الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ على ما أدعوكم إليه إلا أن تؤثروني لقرابتي أي تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي، ولا تؤذوني. وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وعكرمة ومقاتل والسدي والضَّحَّاك. الثاني: روى الكلبي عن ابن عباس، قال: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قدم المدينة كانت تَنُوبهُ نوائب وحقوق، وليس في يده سعةٌ لقالت (الأنصار) : إن هذا الرجل هداكم هو ابن أخيكم، وأجاركم من بلدكم، فاجمعةوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها، فردها عليهم ونزل قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي على الإيمان (إلا) أن لا تؤذوا أقاربي وعشيرتي، وتحفظوني فيهم، قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. الثالث: قال الحسن: معناه إلا أن تَوَدُّوا الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، ورواه ابن أبي نُجَيْحٍ عن مجاهد. فالقربى على القول الأول بالقرابة التي بمعنى الرَّحِم، وعلى الثاني بمعنى الأقارب، وعلى الثالث فُعْلَى من القُرْبِ والتَّقْرِيب. فإن قيل: طلب الأجر على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه: أحدها: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي طلب الأجر، فقال في قصة نوح عليه الصَّلاة والسَّلام ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعرا: 109] . . الآية وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليه الصَّلاة والسَّلام ورسلونا أفضل الأنبياء فَبِأَنْ لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى. وثانيها: أنه عليه الصَّلاة والسَّلام صرَّح بنفي طلب الأجر فقال: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] وقال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: 47] . . الآية وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء. ورابعها: أن النبوة أفضل من الحممة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] ووصف الدينا بأنها متاع قليل فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ﴾ [النسا: 77] فكيف يحين بالعاقل مقابلة أشرف الأنبيثاء بأخس الأشيءا؟! وخامسها: أن طلب الأجر يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يطلب أجراً ألبتة على التبليغ والرسالة، وهاهنا قد ذكر ما يجري مَجْرَى طلب الأجر وهو المودة في القربى (هذا تقرير السؤال) . فالجواب: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ، وأما قوله: إلا المودة في القربى فالجواب عنه من وجهين: الأول: أنه هذا من باب قوله: 4380 - وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ يعني أنا لا أطلب منكم إلا هذا. وهذا في الحقيقة ليس أجراً؛ لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب، قال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ [التوبة: 71] ، وقال، عليه الصَّلاة والسَّلام: «المُؤْمِنُونَ كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً» والآيات الأخبار في هذا كثيرة. وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجب فحصولها في احق أششرف المسلمِين أولى، فقوله: ﴿إلا المودة في القربى﴾ تقديره والمودة ف يالقربى ليست أجراً، فرَجَعَ الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة. الثاني: إن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: ﴿لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ثم قال: ﴿إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي أذكركم قرابتي منكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر. فصل اختلفوا في قرابته، فقيل: هم فاطمة وعلى وأبناؤهما، وفيهم نزل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: 33] . وروى زيد بن أرقم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كتابَ اللهِ تَعَالَى وَأَهْلَ بَيْتِي وَأُذَكِّرُكُم الله في أَهْلِ بَيْتِي» قيل لزيد بن أرقم: فمن أهل بيته؟ فقال: هم آلُ عليِّ وآل عَقِيل وآل جعفر، وآل عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وروى ابن عمر عن ابن بكر رضي الله تعالى عنه قال: أرقبوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أهل بيته. وقيل: هم الذي تحرم عليه الصدقة من أقاربه ويقسم فيه الخًمسُ هم بنو هاشم، وبنوا المطلب الذين لم يتفرقوا بجاهلية ولا إسلام. وقيل: هذه الآية منسوخة، وإليه ذهب الضحاك بن مُزاحم والحسين بن الفضل. قال البغوي وهذا قول (غير) مرضٍ؛ لأن مودة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكف الأذى عنه ومودة أقاربه والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي من يكتسب طاعة ﴿نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾ العامة على «نَزد» بالنون، وزيد بن علي وعبدُ الوارث عن أبي عمرو يَزِدْ بالياء من تحت، أي يزِد الله. والعامة «حُسْناً» بالتنوين مصدراً على «فُعْلٍ» نحو: شُكر وهو مفعول به، وعبد الوارث عن أبي عمرو حُسْنَى بألف التأنيث على وزن بُشْرَى، ورُجْعَى، وهنو مفعول به أيضاً. ويجوز أن يكون صفة كفُضْلَى، فيكون وصفاً لمحذوف أي خصْلَةً حُسْنَى. قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب المودة في القُرْبَى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودَّةِ. ثُمَّ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ : للقليل (حتى يضاعفها) والشكر في حق الله تعالى مجاز، والمعنى أنه تعالى يُحْسِنُ للمطيعين في إيصال الثواب إليهم، وفي أن يزيدَ عليهم أنواعاً كثيرةً من التفضل. قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ اعلم أن الكلام ابتداء من أول هذه السورة في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بِوَحْي الله تعالى، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يوحي إلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ [الشورى: 3] واتصال الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق بعضه ببعض (حتى وصل) إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا، شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ . قال الزمخشري: «أم» منقطعة ومعنى الهمزة للتوبيخ والمعنى: أيقع في قلوبهم ويجري على ألسنتهم أن ينسبوا مثله على الافتراء على الله سبحانه وتعالى الذي هو أقبح الأنواع وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾ قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشقَّ عليك أذاهم وقولهم: إنه مفتر كذابٌ، وقال قتادة: يعني يطبع على قبلك فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذباً لفعل به، وما أخبر في هذه الآية فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب إلاّ من كان في هذه الحالة والمقصود من هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله: أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين: لعل الله أعمى قَلْبي، وهو لا يريد إثبات الخِذلان ولا عَمَى القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد صدق الله تعالى الخيانة عنه. قوله تعالى: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ هذا مستأنف غير داخل في جزاء الشرط؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً، وسقطت الواو منه لفظاً لالتقاء السكانين في الدَّرج، وخطَّا حملاً للخطِّ على اللفظ كما كتبوا: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] عليه، ولكن ينبغي أن لا يجوز الوقف على هذه الآية لأنه إن وقف عليه بالأصل هو الواو خالفنا خط المصحف وإن وقف عليه بغيرها موافقاً للرسل خالفنا الأصل. وتقدَّم بحث مثل هذا. وقد منع مكيٌّ الوقف على نحو: ﴿وَمَن تَقِ السيئات﴾ [غافر: 9] . وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه والله يمح الباطل فهو في محل رفع، ولكن حذفت منه الواو في المصحف حملاً على اللفظ كما حذفت من قوله: ﴿وَيَدْعُ الإنسان﴾ [الإسراء: 11] ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] . فصل أخبر تعالى أن ما يقولونه باطل يمحوه الله «ويُحِقُّ الحَقَّ» أي الإسلام بكلماته، أي بما أنزل الله تعالى من كتاب، وقد فعل الله ذلك فمحى باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام «إنَّهُ عَلِيم» بما في صدرك وصدورهم، قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا: يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنه اتهموه فأنزل الله هذه الآية فقال القوم يا رسول الله: (ف) إنا نشهد أنك صادف فنزل: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أولياءه وأهل طاعته. قال الزمخشري: يقال: قَبِلْتُ مِنْهُ الشيء وقَبِلْتُهُ عَنْهُ. فصل قيل: التوبة بترك المعاصي نية وفعلاً، والإقبال على الطاعة نيَّةً وفعلاً. وقال سهل ابن عبد الله: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال الممدوحة. وقيل: الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل روى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبَّر، فلما فرغ من صلاته قال عليٌّ رضي الله تعالى عنه: يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبه الكذابين، فقال ياأمير المؤمنين (وما) التوبة؟ فقال: اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفريضة الإعادى ورد المظالم وإدامة النفس في الطاعهة كما ربتيها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل ضحك ضحكته. قالت المعتزلة: يجب على الله قبول التوبة، وقال أهل السنة: لا يجب على الله تعالى، وكل ما يقبله فهو كرم وفضل، واحتجوا بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل المدح العظيم، ألا ترى أنه من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً كان ذلك مدحاً. قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد التوبة، مأو المراد أن يعفو عن الصغائر أو المراد: إن يعفو عن الكبائر قبل التوبة. والأول باطل وإلا صار قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ عين قوله: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ والتكرار خلاف الأصل) . والثاني أيضاً باطل؛ لأن ذلك واجبٌ، وأداء الواجب لا يمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة، وتارة يعفو ابتداء من غير توبة. فصل روى أنس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «للهُ أشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بأرْضٍ فَلاَةٍ فانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهضا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنضا هُوَ كَذَلِكَ إذْ هُوَ بِهَا قَائِمةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخُطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ» أخطأ من شدَّة الفَرَحِ. قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ قرأ الأخوان وحَفْصٌ يَفْعَلُونَ بالياء من تحت؛ نظراً إلى قوله: «مِنْ عِبَادِهِ» وقال بعده: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ والباقون بالخطاب إقبالاً على اناس عامةً، وهو خطاب للمشركين. قوله تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ يجوز أن يكون الموصول فاعلاً أي يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله تعالى: ﴿استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24] واستجاب كأجاب، ومنه قوله الشاعر: 4381 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبُ ويجوز أن تكون السين للطلب على بابها بمعنى ويستدعي المؤمنون الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. ويجوز أن يكون الموصول مفعولاً به والفاعل مضمر يعود على الله بمعنى: ويُجيبُ الذينَ آمنوا اي دُعَاءَهُمْ. وقيل: ثَمَّ لام مقدرة أي ويستجيبُ الله لِلذِينَ آمنوا، (فحذفها، للعلم بها، كقوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ [المطففين: 3] قال عطاء عن ابن عباس معناه: ويُثِيبُ الذين آمنوا) وعلموا الصالحات ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ سِوَى ثواب أعمالهم تفضلاً منه، وروى أبو صالح عه: يشفعهم ويزيدهم من فضله. (ثُمَّ) قال في أخونان إخوانهم: ﴿والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، قال خَبَّاب بن الأرتِّ: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قُرَيْظَة والنَّضير وبني قَينقاعَ وتمنيناها فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ﴾ ، لطغوا في الأرض، قال ابن عباس ( رضي الله عهنما) : بغيهم طَلَب (هم) منزلةً بعد منزلة، ومركباً بعد مركب وملبساً بعد ملبس، ولكن ينزل أرزاقهم قدر ما شاء نظراً منه لعباده. (قرأ ابن كثير وأبو عمر يُنَّزِّلُ مشددة، والباقون مخففة) إنَّه بعباده خبيرٌ بصيرٌ. روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله علهي وسلم عن جبريل عن الله عَزَّ وَجَلَّ في حديث طويل وفيه يقول الله عزَّ وجلَّ: «ما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي في قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي المُؤْمِن يَكْرَهُ المَوْتَ وأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ يَسْأَلُنِي البَابَ عَنِ العِبَادَةِ فأَكُفُّهُ عَنْهُ (أّنْ) لاَ يَدْخُلَهُ عُجْبٌ فيُفْسِدَهُ ذَلِكَ وَإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ الغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمَانهُ إلاَّ الفَقْرُ ولو أَعْنَيْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمانَهُ إلاَّ الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنء لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ السَّقَمُ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ وذّلِكَ أَنِّي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ ِإنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ» . فصل وجه التعلق أنه تعالى لما قال في الآية الأولى إنه يجيب دعاء المؤمنين وَرَدَ عليه سؤالٌ وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبليَّةٍ وفَقْر ثم يدعو فلا يظهر أثر الإجابة فكيف الجمع بينه وبين قوله: ويستجيب الذين آمنوا؟ ﴿فأجاب تعالى عنه بقوله: {وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، ولأقدموا على المعاصي، فلذلك وجب أن لا يعطيهم ما طلبوه، ويؤيده الحديث المتقدم. فصل قال الجبائِيُّ: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجهين: الأول: أنه تعالى لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض غير مراد، فعلمنا أنه تعالى لا يريد البَغْيَ في الأرض، وذلك يوجب فساد قول المجبرة. الثاني: أنه تعالى إنما لم يرد بسط الرزق؛ لأنه يفضي إلى المفسدة، فلما بين تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريداً للمفسدة كان أولى. وأجيب: بأن الميل إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن، فلا بد لها من فاعل وفاعل هذه الأحوال إما البعد أو الله، والأول باطل؛ لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليه وعاد السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني؟ ويلزم التسلسل، وأيضاً فالميل الشديد إلى الظلم والقسوة عيوبٌ ونقصاناتٌ، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى. ثم أوده الجبائي على نفسه سؤالاً: فإن قيل: أليس قد يبسط الرزق لبعض عباده مع أنه يبغي؟} . فأجاب عنه: بأن الذي يبسط الرزق إذا بغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أُعْطِيَ ذلك الرزق أو لم يُعْطَ. قال ابن الخطيب: هذا الجواب فاسد، ويدل عليه القرآن والعقل أما القرآن فقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 67] حكم مطابق لكن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان وأم العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلةً إلى الشر فمعحصول الغنى تميل إلى الشر أكثر، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان. فصل في كون بسط الرزق موجباً للطغيان وجوه: الأول: أن الله تعالى لو سوَّى في الرزق بين الكل لا متنع كون البعض محتاجاً إلى البعض، وذلك يوجب خراب العالم وتعطيل المصالح. الثاني: أن هذه الأية مختصة بالعرب. فإنه كلما اتسع رزقهم، ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم، أقدموا على النهب والغارة. الثالث: أن الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر وإذا وقع في شدة وبليَّة ومكروه انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث﴾ أي املطر ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ من بعد ما يئس الناسُ منه. وإنزال الغيب بعد القنوط أدعى إلى الشكر؛ لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتمُّ. قال الزمخشري: قرىء قنطوا، بفتح النون وكسرها. (فأما فتح النون فهي قراءة العامة، وأما كسرها فهي قراءة يحيى بن وثَّاب، والأعمش وهي لغة وعليها قراءة: ﴿يَقْنَطُ﴾ [الحجر: 56] ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ [الزمر: 53] بفتح النون في المتواتر. ولم يقرأ في الكسر في الماضي إلا شاذاً و «ما» مصدرية أي من بعد قُنُوطِهِمْ) . قال مقاتل: حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حين قنطوا، ثم أنزل الله المطر فذكرهم الله نعمه. قوله: ﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يبسط مطره، كما قال: ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57] وهو الولي الحميد. «الوَلِيُّ» : الذي يتولى عباده بإحاسنه «الحَميد» المحمود على ما يوصل إلى الخلق من الرحمة وقيل: «الولي» لأهل طاعته، «الحميد» عند خلقه.

الشورى 42:20

قوله: ﴿والذين يُحَآجُّونَ﴾ (مبتدأ، و «حجتهم» ) مبتدأ ثانٍ و (داحضة) خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. وأعرب مكيٌّ: حجتهم بدلاً من الموصول بدل اشتمال والهاء في «لَهُ» تعود على الله تعالى، أو على الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام أي من بعد ما استجاب الناس لله أو من بعد ما استجاب الله لرسوله حين دعا على قومه. وقال ابن الخطيب: يعود على «الدين» أي من بعد ما استجاب النَّاس لذلك الدين. فصل المعنى والذين يخاصمون في دين الله نبيَّه. وقال قتادة: هم اليهود، قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم، فنحن خيرٌ منكم، فهذه خصومتهم من بعد ما استجاب له الناس، فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته «حجتهم داحِضةٌ» خصومتهم باطلة «عِنْدَ رَبِّهِمْ» قال ابن الخطيب: تلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا: ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق عليه أولى بالأخذ من المختلف فيه فنبوة موسى عليه الصَّلاة والسَّلام وحقيقة التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليست متفقاً عليها فوجب الأخذ باليهودية، فبين تعالى فساد هذه الحجة، وذلك لأن اليهود أجمعوا على أنه إنما وةجب الإيمان بموسى عليه الصَّلاة والسَّلام لأجل ظهور المعجزات على قوله وهاهنا نظهرت المعجزات على وفق قول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق فهاهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنوته بظهور المعجزات؛ لأنه يكون متناقضاً، ولما قرر (الله تعالى) هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة فقال: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة. قوله تعالى: ﴿الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان﴾ قال قتادة ومجاهد ومقاتل: سمي العدل ميزاناً؛ لأن الميزان آلة للإنصاف والتسوية. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس. ومعنى الآية أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على الدلائل والبيِّناتم وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم وأنهم لا يعلمون أن القيامة حق يفاجئهم، ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد. ولما كان الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام يهددهم يوم القيامة ولم يروا لذلك أثراً قالوا على سبيل السخرية متى تقوم الساعة؟ وليتها قامت حتى يظهر لنا الحقّ أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه؟! . قوله: ﴿لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾ إنما ذكر «قريب» وإن كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث أو على معنى النَّسب أي ذات قُرْبٍ، أوعلى حذفق مضاف، أي مجيء الساعة. وقيل للفرق بينها وبين قاربة النسب. وقيل: لأن تأنيثها مجازي نقله مكي. وليس بشيء، إذ لا يجوز: الشمسُ طالعٌ، ولا القِدْرُ فائِرٌ، وجملة الترجي أو الإشفاق معلِّقة للدراية. وتقدم مثله آخر الأنبياء. فصل قال مقاتل: ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا مستهزءين: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ ظناً منهم أنهم غير آتية ﴿والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون ﴿مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق﴾ أي أنها آتية لا ريب فيها، ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ﴾ يخاصمون. وقيل: يدخلهم المرية والشك في «وُقُوع الساعة» لفي ضلالٍ بعيدٍ؛ لأن استيفاء حقِّ المظلوم من الظالم واجب في العدل فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالاً بعيداً. قوله تعالى: ﴿الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) : حفيٌّ بهم. وقال عكرمة: بارٌّ بهم. وقال السديّ: رفيق بهم. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم بدليل قوله: ﴿بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ وكل من رزقه الله من مؤمن وكافرٍ وذي روحٍ فهو ممَّن يشاءُ الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطيف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات. الثاني: أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة. و «هو القوي» القادر على ما يشاء «العزيز» الذي لا يغالب. فصل إنما حسن ذكر هذا الكلام هاهنا؛ لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله (تعالى) بعباده، وأيضاً فالمتفرقون استوجبوا العذاب الشديد. ثم إنه تعالى آخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم (و) دفع أعظم المضارِّ عنهم لا جرم حسن ذكره هاهنا. قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ... ﴾ الآية الحرث في اللغة الكسب، أي من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه بالتضعييف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة. قال مقاتل. وقيل: معناه إنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه. وقال الزمخشري: إنه تعالى سمَّى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز. واعلم أنه قد تقدم أن كون الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً مجزوماً لا يختص مجيئه بكان خلافاً لأبي الحكم مصنِّف كتاب الإعراب فإنه قال: لا يجوز ذلك إلا مع «كان» إلا في ضرورة شعر. وأطلق النحويون جواز ذلك وأنشدوا بيت الفرزدق: 4378 - دَسَّتْ رَسُولاً بِأَنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ... عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُوراً ذَاتِ تَوْغِيرِ وقوله أيضاً: 4379 - تَعَشَّ فَإِنْ عَاهَدْتَني لاَ تَخُونِنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ وقرأ ابن مقسم والزَّعفرانيُّ ومحبوب: يزد ويؤته بالياء من تحت، أي الله تعالى. وقرأ سلام يؤته بضم هاء الكناية وهو الأصل، وهو لغة الحجاز وتقدم خلاف القراء في ذلك. فصل قال قتادة: معنى قوله: ومن كان يريد (حَرْثَ) الدنيا أي يريد جملة حرث الدُّنيا نؤته منها أي نؤته بقدر ما قسم له كما قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ [الإسراء: 18] وما له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لم يعمل للآخرة قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «بَشِّرْ هَذِهِ الأمَّة بالسناء والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ للدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ» واعلم أنه تعالى قال في طلب الآخرة (إنه) يزيد له في حرثه ولم يذكر أنه يعطيه الدنيا أم لا بل سكت عنه نفياً وإثباتاً. وأما الطالب الدنيا فبين أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول: الآخرة أصلٌ والدنيا تبعٌ فواجد الأصل يكون واجداً للتَّبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدّنيا أحسن من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة. وأيضاً بين أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه وطالب الدنيا يعطى بعض مطلوبه ولا يحصل له في الآخرة من نصيب البتة فبين أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً في التزايد، وأن طالب الدنيا يكون حاله في النقصان والبطلان في الآخرة، وذلك يدل على تفضيل طلب الآخرة. وأيضاً فإنه تعالى بين أن منافع الآخرة ومنافع الدنيا ليست حاضرة ناجزةً، بل لا بدَّ فيهما من الحرث والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق (في البذر ثم التسقية والتنمية ثم الحصد ثم التنقية فلما سمى الله كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل) والمتاعب. ثم بين أنَّ مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وأن مصير الدنيا إلى النُّقصان والعناء، فكأنه قيل: إذا كان لا بد في القسمين من متاعب الحراثة من التبقية والتنمية والحصد والتَّنْقِية فصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد الباقي أولى من صرفها إلى ما يكون في التناقص والانقضاء. فصل قال ابن الخطيب: فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلَّى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح. فالجواب: أنه تعالى قال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة﴾ ، والحرث لا يَتَأَتَّى إلا بإلقاء البذر الصَّحيح في الأرض، والبذر الصحيح الجامع للخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله سبحانه وتعالى. فصل إذا توضأ بغير نية، لم يصح، لأنه لم يرد حرث الآخرة، وذلك لا يحصل بالوضوء العاري عن النية. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين ... ﴾ الآية. لما بين القانون الأعظم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بيان ماهو الأصل في باب الضَّلالة والسعادة فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ﴾ ومعنى الهمزة في «أم» التقرير والتقريبع. والضمير في «شَرَعوا» يجوز أن يكون عائداً على «الشركاء» ، والضمير في «لهم» على الكفار، ويجوز العكس؛ لأنهم جعلوا لهم أنصباء، والمعنى شركاؤهم أي شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث، والعمل للدنيا. وقيل: شركاؤهم أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم؛ لأنهم هم الذي اتَّخذوها شركاء لله. ولما كانت سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لدين ضلالتهم لهم كما قال إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: 36] . قال المفسريون: يعني كفار مكة أأي لهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) شرعوا لهم ديناً غير دين الإسلام. قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل﴾ أي لولا القضاء السابق بتأخير الحزاء أو لولا الوعد بأن الفصل يكون بينهم يوم القيامة «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» أي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين المشركين وشركائهم. قوله: «وإنَّ الظَّالِمِينَ» العامة بكسر «إن» على الاستئناف ومسلم بن بجنوب والإعرج بفتحها عطفاً على كلمة الفصل. وفصل بين المتعاطفين بجواب «لولا» ، تقديره: ولولا كلمة واستقرار الظالمين في العذاب لَقَضِي بينهم في الدنيا. وهو نظير قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ [طه: 129] . ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب. أما الأول فهو قوله: ﴿تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ﴾ أي ترى المشركين يوم القيامة خائفين وجَِلِينَ «مِمَّا كَسَبُوا» من السيئات، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي جزاء كسبهم واقع سواء أشفقوا أو لم يشفقوا. وأم الثاني وهو أحوال أهل الثواب فهو قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي رَوْضَاتِ الجنات﴾ قال أبو حيان: اللغة الكثيرة تسكين واو «رَوْضَات» ، ولغة هذيل فتح الواو إجراء لها مُجْرَى الصحيح نحو: جَفَنَات. ولم يقرأ أحد فيما علمناه بلغتهم. قال شهاب الدين: إن عنى لم يقرأ أحد بلغتهم في هذا الباب من حيث هو فليس كذلك؛ لما تقدم في سورة النور أن الأعمش قرأ: «ثَلاَثُ عَوَرَاتٍ» بفتح الواو وإن عَنَى أنه لم يقرأ في روضات بخصوصها فقريب، لكن ليس هو ظاهر عادته. فصل اعلم أن روضة الجنة أطيب بقعةٍ فيها، وفيه تنبيه على أن الفسَّاق من أهل الصلاة كلهم من أهل الجنة؛ لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنَّات، وهي البقاع الشَّريفة كالبقاع التي دون تلك الروضات، لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كانوا دونن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ثم قال: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يدل على أن تلك الأشياء حاضرة عنده مهيَّأة. والعندية مجاز و «عِنْدَ رَبِّهِمْ» يجوز أن يكون ظرفاً «لِيَشَاءُونَ» . قاله الحوفي، أو للاستقرار العامل في «لهم» قال الزمخشري. ثم قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ وهذا يدل على أنَّ الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل من الله تعالى لا بطريق الوجوب والاستحقاق. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ﴾ كقوله: «كالَّذِي خَاضُوا» . وقد تقدم تحقيقه. وتقدمت القراءات في يُبَشِّرُ. وقرأ مجاهدٌ وحُمَيْدُ بنُ قَيْسٍ: يُبْشِرُ بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين من أَبْشَرَ منقولاً من بَشِرَ بالكسر لا من بَشَرَ بالفتح؛ لأنه متعدٍّ والتشديد في «بشر» للتكثير لا للتعدية، لأنه متعد بدونها. ونقل أبو حيان قراءة يَبْشُرُ بفتح الياء وضم الشين عن حمزة والكسائي (أي) من السَّبعة، ولم يذكر غيرهما من السبعة، وقد وافقهما على ذلك ابن كثير وأبو عمرو. و «ذلك» مبتدأ، والموصول بعده خبره، وعائده محذوف على التدريج المذكور كقوله «كالَّذِي خَاضُوا» أي يُبَشِّرُ بِهِ، ثم يُبَشِّرُهُ على الاتساع. وأما على رأي يونُس فلا يحتاج إلى عائد؛ لأنها عنده مصدرية وهو قول الفراء أيضاً، أي ذلك تبشير الله عباده. وذلك إشارة إلى ما أعده الله تعالى لهم من الكرامة. وقال الزمخشري: أو ذلك التبشير الذي يبشِّره الله عباده. قال أبو حيان: وليس بظاهر؛ إذ لم يتقدم في هذه السورة لفظ البشرى ولا ما يدل عليها من «بَشَّر» أو شبهه. فصل هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: الأول: أن الملك الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاءً، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كُنْهَهُ إلاَّ الله تعالى. الثاني: أن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ﴾ يدخل في باب غير المتناهي؛ لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منها. الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق يكون في غاية الكبر. واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذا الكتاب الشريف، وأودع فيه أقسام الدلائل والتكاليف ورتبه على لطاعة والثواب وأمره بتبليغه إلى الأمة أمره بأن يقول إني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً حاضراً فقال: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ . في الاستثناء قولان: أحدهما: أنه منقطع؛ إذ ليست المودة من جنس الأجر. والثاني: أنه متصل، أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا وهو أن تودُّوا أهل قرابتي ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة؛ لأن قرابتهم وكانت صلتهم لازمةً لهم في المودة. قاله الزمخشري. وقال أيضاً: فإن قلت: هلا قيل: إلاَّ مودَّة القربى، أو إلا المودة للقربى؟! قلت: جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها، كقولك: في آل فلان مودة وليست «في» صلة المودة، كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف فتعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودة ثابتةً في القربى ومتمكنةً فيها. وقال أبو البقاء: وقيل: متصل، أي لا أسألكم شيئاً إلا المودة. قال شهاب الدين: وفي تأويله متصلاً بما ذكر نظر؛ لمجيئه بشيء الذي هو عام، وما من استثناء منقطع إلا ويمكن تأويله بما ذكر، ألا ترى إلى قولك: ما جاءني أحدٌ إلا حمار، أنه يصح ما جاءني شيء إلا حماراً. وقرأ زيد بن عليٍّ: «مودة» بدون ألفٍ ولامٍ. فصل في الآية ثلاثة أقوال: الاول: قال الشَّعبيُّ: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب أبن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاتن وسط النسب من قريش ليس بطنٌ من بطونهم إلا قد ولده، وكان له فيهم قرابةٌ، فقال الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ على ما أدعوكم إليه إلا أن تؤثروني لقرابتي أي تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي، ولا تؤذوني. وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وعكرمة ومقاتل والسدي والضَّحَّاك. الثاني: روى الكلبي عن ابن عباس، قال: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قدم المدينة كانت تَنُوبهُ نوائب وحقوق، وليس في يده سعةٌ لقالت (الأنصار) : إن هذا الرجل هداكم هو ابن أخيكم، وأجاركم من بلدكم، فاجمعةوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها، فردها عليهم ونزل قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي على الإيمان (إلا) أن لا تؤذوا أقاربي وعشيرتي، وتحفظوني فيهم، قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. الثالث: قال الحسن: معناه إلا أن تَوَدُّوا الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، ورواه ابن أبي نُجَيْحٍ عن مجاهد. فالقربى على القول الأول بالقرابة التي بمعنى الرَّحِم، وعلى الثاني بمعنى الأقارب، وعلى الثالث فُعْلَى من القُرْبِ والتَّقْرِيب. فإن قيل: طلب الأجر على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه: أحدها: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي طلب الأجر، فقال في قصة نوح عليه الصَّلاة والسَّلام ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعرا: 109] . . الآية وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليه الصَّلاة والسَّلام ورسلونا أفضل الأنبياء فَبِأَنْ لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى. وثانيها: أنه عليه الصَّلاة والسَّلام صرَّح بنفي طلب الأجر فقال: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] وقال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: 47] . . الآية وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء. ورابعها: أن النبوة أفضل من الحممة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] ووصف الدينا بأنها متاع قليل فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ﴾ [النسا: 77] فكيف يحين بالعاقل مقابلة أشرف الأنبيثاء بأخس الأشيءا؟! وخامسها: أن طلب الأجر يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يطلب أجراً ألبتة على التبليغ والرسالة، وهاهنا قد ذكر ما يجري مَجْرَى طلب الأجر وهو المودة في القربى (هذا تقرير السؤال) . فالجواب: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ، وأما قوله: إلا المودة في القربى فالجواب عنه من وجهين: الأول: أنه هذا من باب قوله: 4380 - وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ يعني أنا لا أطلب منكم إلا هذا. وهذا في الحقيقة ليس أجراً؛ لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب، قال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ [التوبة: 71] ، وقال، عليه الصَّلاة والسَّلام: «المُؤْمِنُونَ كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً» والآيات الأخبار في هذا كثيرة. وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجب فحصولها في احق أششرف المسلمِين أولى، فقوله: ﴿إلا المودة في القربى﴾ تقديره والمودة ف يالقربى ليست أجراً، فرَجَعَ الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة. الثاني: إن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: ﴿لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ثم قال: ﴿إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي أذكركم قرابتي منكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر. فصل اختلفوا في قرابته، فقيل: هم فاطمة وعلى وأبناؤهما، وفيهم نزل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: 33] . وروى زيد بن أرقم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كتابَ اللهِ تَعَالَى وَأَهْلَ بَيْتِي وَأُذَكِّرُكُم الله في أَهْلِ بَيْتِي» قيل لزيد بن أرقم: فمن أهل بيته؟ فقال: هم آلُ عليِّ وآل عَقِيل وآل جعفر، وآل عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وروى ابن عمر عن ابن بكر رضي الله تعالى عنه قال: أرقبوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أهل بيته. وقيل: هم الذي تحرم عليه الصدقة من أقاربه ويقسم فيه الخًمسُ هم بنو هاشم، وبنوا المطلب الذين لم يتفرقوا بجاهلية ولا إسلام. وقيل: هذه الآية منسوخة، وإليه ذهب الضحاك بن مُزاحم والحسين بن الفضل. قال البغوي وهذا قول (غير) مرضٍ؛ لأن مودة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكف الأذى عنه ومودة أقاربه والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي من يكتسب طاعة ﴿نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾ العامة على «نَزد» بالنون، وزيد بن علي وعبدُ الوارث عن أبي عمرو يَزِدْ بالياء من تحت، أي يزِد الله. والعامة «حُسْناً» بالتنوين مصدراً على «فُعْلٍ» نحو: شُكر وهو مفعول به، وعبد الوارث عن أبي عمرو حُسْنَى بألف التأنيث على وزن بُشْرَى، ورُجْعَى، وهنو مفعول به أيضاً. ويجوز أن يكون صفة كفُضْلَى، فيكون وصفاً لمحذوف أي خصْلَةً حُسْنَى. قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب المودة في القُرْبَى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودَّةِ. ثُمَّ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ : للقليل (حتى يضاعفها) والشكر في حق الله تعالى مجاز، والمعنى أنه تعالى يُحْسِنُ للمطيعين في إيصال الثواب إليهم، وفي أن يزيدَ عليهم أنواعاً كثيرةً من التفضل. قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ اعلم أن الكلام ابتداء من أول هذه السورة في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بِوَحْي الله تعالى، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يوحي إلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ [الشورى: 3] واتصال الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق بعضه ببعض (حتى وصل) إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا، شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ . قال الزمخشري: «أم» منقطعة ومعنى الهمزة للتوبيخ والمعنى: أيقع في قلوبهم ويجري على ألسنتهم أن ينسبوا مثله على الافتراء على الله سبحانه وتعالى الذي هو أقبح الأنواع وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾ قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشقَّ عليك أذاهم وقولهم: إنه مفتر كذابٌ، وقال قتادة: يعني يطبع على قبلك فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذباً لفعل به، وما أخبر في هذه الآية فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب إلاّ من كان في هذه الحالة والمقصود من هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله: أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين: لعل الله أعمى قَلْبي، وهو لا يريد إثبات الخِذلان ولا عَمَى القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد صدق الله تعالى الخيانة عنه. قوله تعالى: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ هذا مستأنف غير داخل في جزاء الشرط؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً، وسقطت الواو منه لفظاً لالتقاء السكانين في الدَّرج، وخطَّا حملاً للخطِّ على اللفظ كما كتبوا: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] عليه، ولكن ينبغي أن لا يجوز الوقف على هذه الآية لأنه إن وقف عليه بالأصل هو الواو خالفنا خط المصحف وإن وقف عليه بغيرها موافقاً للرسل خالفنا الأصل. وتقدَّم بحث مثل هذا. وقد منع مكيٌّ الوقف على نحو: ﴿وَمَن تَقِ السيئات﴾ [غافر: 9] . وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه والله يمح الباطل فهو في محل رفع، ولكن حذفت منه الواو في المصحف حملاً على اللفظ كما حذفت من قوله: ﴿وَيَدْعُ الإنسان﴾ [الإسراء: 11] ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] . فصل أخبر تعالى أن ما يقولونه باطل يمحوه الله «ويُحِقُّ الحَقَّ» أي الإسلام بكلماته، أي بما أنزل الله تعالى من كتاب، وقد فعل الله ذلك فمحى باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام «إنَّهُ عَلِيم» بما في صدرك وصدورهم، قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا: يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنه اتهموه فأنزل الله هذه الآية فقال القوم يا رسول الله: (ف) إنا نشهد أنك صادف فنزل: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أولياءه وأهل طاعته. قال الزمخشري: يقال: قَبِلْتُ مِنْهُ الشيء وقَبِلْتُهُ عَنْهُ. فصل قيل: التوبة بترك المعاصي نية وفعلاً، والإقبال على الطاعة نيَّةً وفعلاً. وقال سهل ابن عبد الله: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال الممدوحة. وقيل: الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل روى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبَّر، فلما فرغ من صلاته قال عليٌّ رضي الله تعالى عنه: يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبه الكذابين، فقال ياأمير المؤمنين (وما) التوبة؟ فقال: اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفريضة الإعادى ورد المظالم وإدامة النفس في الطاعهة كما ربتيها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل ضحك ضحكته. قالت المعتزلة: يجب على الله قبول التوبة، وقال أهل السنة: لا يجب على الله تعالى، وكل ما يقبله فهو كرم وفضل، واحتجوا بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل المدح العظيم، ألا ترى أنه من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً كان ذلك مدحاً. قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد التوبة، مأو المراد أن يعفو عن الصغائر أو المراد: إن يعفو عن الكبائر قبل التوبة. والأول باطل وإلا صار قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ عين قوله: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ والتكرار خلاف الأصل) . والثاني أيضاً باطل؛ لأن ذلك واجبٌ، وأداء الواجب لا يمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة، وتارة يعفو ابتداء من غير توبة. فصل روى أنس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «للهُ أشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بأرْضٍ فَلاَةٍ فانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهضا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنضا هُوَ كَذَلِكَ إذْ هُوَ بِهَا قَائِمةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخُطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ» أخطأ من شدَّة الفَرَحِ. قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ قرأ الأخوان وحَفْصٌ يَفْعَلُونَ بالياء من تحت؛ نظراً إلى قوله: «مِنْ عِبَادِهِ» وقال بعده: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ والباقون بالخطاب إقبالاً على اناس عامةً، وهو خطاب للمشركين. قوله تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ يجوز أن يكون الموصول فاعلاً أي يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله تعالى: ﴿استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24] واستجاب كأجاب، ومنه قوله الشاعر: 4381 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبُ ويجوز أن تكون السين للطلب على بابها بمعنى ويستدعي المؤمنون الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. ويجوز أن يكون الموصول مفعولاً به والفاعل مضمر يعود على الله بمعنى: ويُجيبُ الذينَ آمنوا اي دُعَاءَهُمْ. وقيل: ثَمَّ لام مقدرة أي ويستجيبُ الله لِلذِينَ آمنوا، (فحذفها، للعلم بها، كقوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ [المطففين: 3] قال عطاء عن ابن عباس معناه: ويُثِيبُ الذين آمنوا) وعلموا الصالحات ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ سِوَى ثواب أعمالهم تفضلاً منه، وروى أبو صالح عه: يشفعهم ويزيدهم من فضله. (ثُمَّ) قال في أخونان إخوانهم: ﴿والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، قال خَبَّاب بن الأرتِّ: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قُرَيْظَة والنَّضير وبني قَينقاعَ وتمنيناها فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ﴾ ، لطغوا في الأرض، قال ابن عباس ( رضي الله عهنما) : بغيهم طَلَب (هم) منزلةً بعد منزلة، ومركباً بعد مركب وملبساً بعد ملبس، ولكن ينزل أرزاقهم قدر ما شاء نظراً منه لعباده. (قرأ ابن كثير وأبو عمر يُنَّزِّلُ مشددة، والباقون مخففة) إنَّه بعباده خبيرٌ بصيرٌ. روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله علهي وسلم عن جبريل عن الله عَزَّ وَجَلَّ في حديث طويل وفيه يقول الله عزَّ وجلَّ: «ما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي في قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي المُؤْمِن يَكْرَهُ المَوْتَ وأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ يَسْأَلُنِي البَابَ عَنِ العِبَادَةِ فأَكُفُّهُ عَنْهُ (أّنْ) لاَ يَدْخُلَهُ عُجْبٌ فيُفْسِدَهُ ذَلِكَ وَإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ الغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمَانهُ إلاَّ الفَقْرُ ولو أَعْنَيْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمانَهُ إلاَّ الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنء لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ السَّقَمُ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ وذّلِكَ أَنِّي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ ِإنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ» . فصل وجه التعلق أنه تعالى لما قال في الآية الأولى إنه يجيب دعاء المؤمنين وَرَدَ عليه سؤالٌ وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبليَّةٍ وفَقْر ثم يدعو فلا يظهر أثر الإجابة فكيف الجمع بينه وبين قوله: ويستجيب الذين آمنوا؟ ﴿فأجاب تعالى عنه بقوله: {وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، ولأقدموا على المعاصي، فلذلك وجب أن لا يعطيهم ما طلبوه، ويؤيده الحديث المتقدم. فصل قال الجبائِيُّ: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجهين: الأول: أنه تعالى لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض غير مراد، فعلمنا أنه تعالى لا يريد البَغْيَ في الأرض، وذلك يوجب فساد قول المجبرة. الثاني: أنه تعالى إنما لم يرد بسط الرزق؛ لأنه يفضي إلى المفسدة، فلما بين تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريداً للمفسدة كان أولى. وأجيب: بأن الميل إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن، فلا بد لها من فاعل وفاعل هذه الأحوال إما البعد أو الله، والأول باطل؛ لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليه وعاد السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني؟ ويلزم التسلسل، وأيضاً فالميل الشديد إلى الظلم والقسوة عيوبٌ ونقصاناتٌ، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى. ثم أوده الجبائي على نفسه سؤالاً: فإن قيل: أليس قد يبسط الرزق لبعض عباده مع أنه يبغي؟} . فأجاب عنه: بأن الذي يبسط الرزق إذا بغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أُعْطِيَ ذلك الرزق أو لم يُعْطَ. قال ابن الخطيب: هذا الجواب فاسد، ويدل عليه القرآن والعقل أما القرآن فقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 67] حكم مطابق لكن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان وأم العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلةً إلى الشر فمعحصول الغنى تميل إلى الشر أكثر، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان. فصل في كون بسط الرزق موجباً للطغيان وجوه: الأول: أن الله تعالى لو سوَّى في الرزق بين الكل لا متنع كون البعض محتاجاً إلى البعض، وذلك يوجب خراب العالم وتعطيل المصالح. الثاني: أن هذه الأية مختصة بالعرب. فإنه كلما اتسع رزقهم، ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم، أقدموا على النهب والغارة. الثالث: أن الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر وإذا وقع في شدة وبليَّة ومكروه انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث﴾ أي املطر ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ من بعد ما يئس الناسُ منه. وإنزال الغيب بعد القنوط أدعى إلى الشكر؛ لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتمُّ. قال الزمخشري: قرىء قنطوا، بفتح النون وكسرها. (فأما فتح النون فهي قراءة العامة، وأما كسرها فهي قراءة يحيى بن وثَّاب، والأعمش وهي لغة وعليها قراءة: ﴿يَقْنَطُ﴾ [الحجر: 56] ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ [الزمر: 53] بفتح النون في المتواتر. ولم يقرأ في الكسر في الماضي إلا شاذاً و «ما» مصدرية أي من بعد قُنُوطِهِمْ) . قال مقاتل: حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حين قنطوا، ثم أنزل الله المطر فذكرهم الله نعمه. قوله: ﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يبسط مطره، كما قال: ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57] وهو الولي الحميد. «الوَلِيُّ» : الذي يتولى عباده بإحاسنه «الحَميد» المحمود على ما يوصل إلى الخلق من الرحمة وقيل: «الولي» لأهل طاعته، «الحميد» عند خلقه.

الشورى 42:21

قوله: ﴿والذين يُحَآجُّونَ﴾ (مبتدأ، و «حجتهم» ) مبتدأ ثانٍ و (داحضة) خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. وأعرب مكيٌّ: حجتهم بدلاً من الموصول بدل اشتمال والهاء في «لَهُ» تعود على الله تعالى، أو على الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام أي من بعد ما استجاب الناس لله أو من بعد ما استجاب الله لرسوله حين دعا على قومه. وقال ابن الخطيب: يعود على «الدين» أي من بعد ما استجاب النَّاس لذلك الدين. فصل المعنى والذين يخاصمون في دين الله نبيَّه. وقال قتادة: هم اليهود، قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم، فنحن خيرٌ منكم، فهذه خصومتهم من بعد ما استجاب له الناس، فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته «حجتهم داحِضةٌ» خصومتهم باطلة «عِنْدَ رَبِّهِمْ» قال ابن الخطيب: تلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا: ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق عليه أولى بالأخذ من المختلف فيه فنبوة موسى عليه الصَّلاة والسَّلام وحقيقة التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليست متفقاً عليها فوجب الأخذ باليهودية، فبين تعالى فساد هذه الحجة، وذلك لأن اليهود أجمعوا على أنه إنما وةجب الإيمان بموسى عليه الصَّلاة والسَّلام لأجل ظهور المعجزات على قوله وهاهنا نظهرت المعجزات على وفق قول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق فهاهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنوته بظهور المعجزات؛ لأنه يكون متناقضاً، ولما قرر (الله تعالى) هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة فقال: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة. قوله تعالى: ﴿الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان﴾ قال قتادة ومجاهد ومقاتل: سمي العدل ميزاناً؛ لأن الميزان آلة للإنصاف والتسوية. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس. ومعنى الآية أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على الدلائل والبيِّناتم وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم وأنهم لا يعلمون أن القيامة حق يفاجئهم، ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد. ولما كان الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام يهددهم يوم القيامة ولم يروا لذلك أثراً قالوا على سبيل السخرية متى تقوم الساعة؟ وليتها قامت حتى يظهر لنا الحقّ أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه؟! . قوله: ﴿لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾ إنما ذكر «قريب» وإن كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث أو على معنى النَّسب أي ذات قُرْبٍ، أوعلى حذفق مضاف، أي مجيء الساعة. وقيل للفرق بينها وبين قاربة النسب. وقيل: لأن تأنيثها مجازي نقله مكي. وليس بشيء، إذ لا يجوز: الشمسُ طالعٌ، ولا القِدْرُ فائِرٌ، وجملة الترجي أو الإشفاق معلِّقة للدراية. وتقدم مثله آخر الأنبياء. فصل قال مقاتل: ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا مستهزءين: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ ظناً منهم أنهم غير آتية ﴿والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون ﴿مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق﴾ أي أنها آتية لا ريب فيها، ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ﴾ يخاصمون. وقيل: يدخلهم المرية والشك في «وُقُوع الساعة» لفي ضلالٍ بعيدٍ؛ لأن استيفاء حقِّ المظلوم من الظالم واجب في العدل فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالاً بعيداً. قوله تعالى: ﴿الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) : حفيٌّ بهم. وقال عكرمة: بارٌّ بهم. وقال السديّ: رفيق بهم. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم بدليل قوله: ﴿بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ وكل من رزقه الله من مؤمن وكافرٍ وذي روحٍ فهو ممَّن يشاءُ الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطيف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات. الثاني: أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة. و «هو القوي» القادر على ما يشاء «العزيز» الذي لا يغالب. فصل إنما حسن ذكر هذا الكلام هاهنا؛ لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله (تعالى) بعباده، وأيضاً فالمتفرقون استوجبوا العذاب الشديد. ثم إنه تعالى آخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم (و) دفع أعظم المضارِّ عنهم لا جرم حسن ذكره هاهنا. قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ... ﴾ الآية الحرث في اللغة الكسب، أي من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه بالتضعييف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة. قال مقاتل. وقيل: معناه إنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه. وقال الزمخشري: إنه تعالى سمَّى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز. واعلم أنه قد تقدم أن كون الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً مجزوماً لا يختص مجيئه بكان خلافاً لأبي الحكم مصنِّف كتاب الإعراب فإنه قال: لا يجوز ذلك إلا مع «كان» إلا في ضرورة شعر. وأطلق النحويون جواز ذلك وأنشدوا بيت الفرزدق: 4378 - دَسَّتْ رَسُولاً بِأَنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ... عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُوراً ذَاتِ تَوْغِيرِ وقوله أيضاً: 4379 - تَعَشَّ فَإِنْ عَاهَدْتَني لاَ تَخُونِنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ وقرأ ابن مقسم والزَّعفرانيُّ ومحبوب: يزد ويؤته بالياء من تحت، أي الله تعالى. وقرأ سلام يؤته بضم هاء الكناية وهو الأصل، وهو لغة الحجاز وتقدم خلاف القراء في ذلك. فصل قال قتادة: معنى قوله: ومن كان يريد (حَرْثَ) الدنيا أي يريد جملة حرث الدُّنيا نؤته منها أي نؤته بقدر ما قسم له كما قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ [الإسراء: 18] وما له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لم يعمل للآخرة قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «بَشِّرْ هَذِهِ الأمَّة بالسناء والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ للدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ» واعلم أنه تعالى قال في طلب الآخرة (إنه) يزيد له في حرثه ولم يذكر أنه يعطيه الدنيا أم لا بل سكت عنه نفياً وإثباتاً. وأما الطالب الدنيا فبين أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول: الآخرة أصلٌ والدنيا تبعٌ فواجد الأصل يكون واجداً للتَّبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدّنيا أحسن من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة. وأيضاً بين أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه وطالب الدنيا يعطى بعض مطلوبه ولا يحصل له في الآخرة من نصيب البتة فبين أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً في التزايد، وأن طالب الدنيا يكون حاله في النقصان والبطلان في الآخرة، وذلك يدل على تفضيل طلب الآخرة. وأيضاً فإنه تعالى بين أن منافع الآخرة ومنافع الدنيا ليست حاضرة ناجزةً، بل لا بدَّ فيهما من الحرث والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق (في البذر ثم التسقية والتنمية ثم الحصد ثم التنقية فلما سمى الله كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل) والمتاعب. ثم بين أنَّ مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وأن مصير الدنيا إلى النُّقصان والعناء، فكأنه قيل: إذا كان لا بد في القسمين من متاعب الحراثة من التبقية والتنمية والحصد والتَّنْقِية فصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد الباقي أولى من صرفها إلى ما يكون في التناقص والانقضاء. فصل قال ابن الخطيب: فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلَّى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح. فالجواب: أنه تعالى قال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة﴾ ، والحرث لا يَتَأَتَّى إلا بإلقاء البذر الصَّحيح في الأرض، والبذر الصحيح الجامع للخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله سبحانه وتعالى. فصل إذا توضأ بغير نية، لم يصح، لأنه لم يرد حرث الآخرة، وذلك لا يحصل بالوضوء العاري عن النية. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين ... ﴾ الآية. لما بين القانون الأعظم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بيان ماهو الأصل في باب الضَّلالة والسعادة فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ﴾ ومعنى الهمزة في «أم» التقرير والتقريبع. والضمير في «شَرَعوا» يجوز أن يكون عائداً على «الشركاء» ، والضمير في «لهم» على الكفار، ويجوز العكس؛ لأنهم جعلوا لهم أنصباء، والمعنى شركاؤهم أي شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث، والعمل للدنيا. وقيل: شركاؤهم أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم؛ لأنهم هم الذي اتَّخذوها شركاء لله. ولما كانت سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لدين ضلالتهم لهم كما قال إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: 36] . قال المفسريون: يعني كفار مكة أأي لهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) شرعوا لهم ديناً غير دين الإسلام. قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل﴾ أي لولا القضاء السابق بتأخير الحزاء أو لولا الوعد بأن الفصل يكون بينهم يوم القيامة «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» أي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين المشركين وشركائهم. قوله: «وإنَّ الظَّالِمِينَ» العامة بكسر «إن» على الاستئناف ومسلم بن بجنوب والإعرج بفتحها عطفاً على كلمة الفصل. وفصل بين المتعاطفين بجواب «لولا» ، تقديره: ولولا كلمة واستقرار الظالمين في العذاب لَقَضِي بينهم في الدنيا. وهو نظير قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ [طه: 129] . ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب. أما الأول فهو قوله: ﴿تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ﴾ أي ترى المشركين يوم القيامة خائفين وجَِلِينَ «مِمَّا كَسَبُوا» من السيئات، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي جزاء كسبهم واقع سواء أشفقوا أو لم يشفقوا. وأم الثاني وهو أحوال أهل الثواب فهو قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي رَوْضَاتِ الجنات﴾ قال أبو حيان: اللغة الكثيرة تسكين واو «رَوْضَات» ، ولغة هذيل فتح الواو إجراء لها مُجْرَى الصحيح نحو: جَفَنَات. ولم يقرأ أحد فيما علمناه بلغتهم. قال شهاب الدين: إن عنى لم يقرأ أحد بلغتهم في هذا الباب من حيث هو فليس كذلك؛ لما تقدم في سورة النور أن الأعمش قرأ: «ثَلاَثُ عَوَرَاتٍ» بفتح الواو وإن عَنَى أنه لم يقرأ في روضات بخصوصها فقريب، لكن ليس هو ظاهر عادته. فصل اعلم أن روضة الجنة أطيب بقعةٍ فيها، وفيه تنبيه على أن الفسَّاق من أهل الصلاة كلهم من أهل الجنة؛ لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنَّات، وهي البقاع الشَّريفة كالبقاع التي دون تلك الروضات، لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كانوا دونن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ثم قال: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يدل على أن تلك الأشياء حاضرة عنده مهيَّأة. والعندية مجاز و «عِنْدَ رَبِّهِمْ» يجوز أن يكون ظرفاً «لِيَشَاءُونَ» . قاله الحوفي، أو للاستقرار العامل في «لهم» قال الزمخشري. ثم قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ وهذا يدل على أنَّ الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل من الله تعالى لا بطريق الوجوب والاستحقاق. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ﴾ كقوله: «كالَّذِي خَاضُوا» . وقد تقدم تحقيقه. وتقدمت القراءات في يُبَشِّرُ. وقرأ مجاهدٌ وحُمَيْدُ بنُ قَيْسٍ: يُبْشِرُ بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين من أَبْشَرَ منقولاً من بَشِرَ بالكسر لا من بَشَرَ بالفتح؛ لأنه متعدٍّ والتشديد في «بشر» للتكثير لا للتعدية، لأنه متعد بدونها. ونقل أبو حيان قراءة يَبْشُرُ بفتح الياء وضم الشين عن حمزة والكسائي (أي) من السَّبعة، ولم يذكر غيرهما من السبعة، وقد وافقهما على ذلك ابن كثير وأبو عمرو. و «ذلك» مبتدأ، والموصول بعده خبره، وعائده محذوف على التدريج المذكور كقوله «كالَّذِي خَاضُوا» أي يُبَشِّرُ بِهِ، ثم يُبَشِّرُهُ على الاتساع. وأما على رأي يونُس فلا يحتاج إلى عائد؛ لأنها عنده مصدرية وهو قول الفراء أيضاً، أي ذلك تبشير الله عباده. وذلك إشارة إلى ما أعده الله تعالى لهم من الكرامة. وقال الزمخشري: أو ذلك التبشير الذي يبشِّره الله عباده. قال أبو حيان: وليس بظاهر؛ إذ لم يتقدم في هذه السورة لفظ البشرى ولا ما يدل عليها من «بَشَّر» أو شبهه. فصل هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: الأول: أن الملك الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاءً، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كُنْهَهُ إلاَّ الله تعالى. الثاني: أن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ﴾ يدخل في باب غير المتناهي؛ لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منها. الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق يكون في غاية الكبر. واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذا الكتاب الشريف، وأودع فيه أقسام الدلائل والتكاليف ورتبه على لطاعة والثواب وأمره بتبليغه إلى الأمة أمره بأن يقول إني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً حاضراً فقال: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ . في الاستثناء قولان: أحدهما: أنه منقطع؛ إذ ليست المودة من جنس الأجر. والثاني: أنه متصل، أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا وهو أن تودُّوا أهل قرابتي ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة؛ لأن قرابتهم وكانت صلتهم لازمةً لهم في المودة. قاله الزمخشري. وقال أيضاً: فإن قلت: هلا قيل: إلاَّ مودَّة القربى، أو إلا المودة للقربى؟! قلت: جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها، كقولك: في آل فلان مودة وليست «في» صلة المودة، كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف فتعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودة ثابتةً في القربى ومتمكنةً فيها. وقال أبو البقاء: وقيل: متصل، أي لا أسألكم شيئاً إلا المودة. قال شهاب الدين: وفي تأويله متصلاً بما ذكر نظر؛ لمجيئه بشيء الذي هو عام، وما من استثناء منقطع إلا ويمكن تأويله بما ذكر، ألا ترى إلى قولك: ما جاءني أحدٌ إلا حمار، أنه يصح ما جاءني شيء إلا حماراً. وقرأ زيد بن عليٍّ: «مودة» بدون ألفٍ ولامٍ. فصل في الآية ثلاثة أقوال: الاول: قال الشَّعبيُّ: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب أبن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاتن وسط النسب من قريش ليس بطنٌ من بطونهم إلا قد ولده، وكان له فيهم قرابةٌ، فقال الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ على ما أدعوكم إليه إلا أن تؤثروني لقرابتي أي تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي، ولا تؤذوني. وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وعكرمة ومقاتل والسدي والضَّحَّاك. الثاني: روى الكلبي عن ابن عباس، قال: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قدم المدينة كانت تَنُوبهُ نوائب وحقوق، وليس في يده سعةٌ لقالت (الأنصار) : إن هذا الرجل هداكم هو ابن أخيكم، وأجاركم من بلدكم، فاجمعةوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها، فردها عليهم ونزل قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي على الإيمان (إلا) أن لا تؤذوا أقاربي وعشيرتي، وتحفظوني فيهم، قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. الثالث: قال الحسن: معناه إلا أن تَوَدُّوا الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، ورواه ابن أبي نُجَيْحٍ عن مجاهد. فالقربى على القول الأول بالقرابة التي بمعنى الرَّحِم، وعلى الثاني بمعنى الأقارب، وعلى الثالث فُعْلَى من القُرْبِ والتَّقْرِيب. فإن قيل: طلب الأجر على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه: أحدها: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي طلب الأجر، فقال في قصة نوح عليه الصَّلاة والسَّلام ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعرا: 109] . . الآية وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليه الصَّلاة والسَّلام ورسلونا أفضل الأنبياء فَبِأَنْ لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى. وثانيها: أنه عليه الصَّلاة والسَّلام صرَّح بنفي طلب الأجر فقال: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] وقال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: 47] . . الآية وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء. ورابعها: أن النبوة أفضل من الحممة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] ووصف الدينا بأنها متاع قليل فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ﴾ [النسا: 77] فكيف يحين بالعاقل مقابلة أشرف الأنبيثاء بأخس الأشيءا؟! وخامسها: أن طلب الأجر يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يطلب أجراً ألبتة على التبليغ والرسالة، وهاهنا قد ذكر ما يجري مَجْرَى طلب الأجر وهو المودة في القربى (هذا تقرير السؤال) . فالجواب: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ، وأما قوله: إلا المودة في القربى فالجواب عنه من وجهين: الأول: أنه هذا من باب قوله: 4380 - وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ يعني أنا لا أطلب منكم إلا هذا. وهذا في الحقيقة ليس أجراً؛ لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب، قال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ [التوبة: 71] ، وقال، عليه الصَّلاة والسَّلام: «المُؤْمِنُونَ كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً» والآيات الأخبار في هذا كثيرة. وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجب فحصولها في احق أششرف المسلمِين أولى، فقوله: ﴿إلا المودة في القربى﴾ تقديره والمودة ف يالقربى ليست أجراً، فرَجَعَ الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة. الثاني: إن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: ﴿لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ثم قال: ﴿إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي أذكركم قرابتي منكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر. فصل اختلفوا في قرابته، فقيل: هم فاطمة وعلى وأبناؤهما، وفيهم نزل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: 33] . وروى زيد بن أرقم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كتابَ اللهِ تَعَالَى وَأَهْلَ بَيْتِي وَأُذَكِّرُكُم الله في أَهْلِ بَيْتِي» قيل لزيد بن أرقم: فمن أهل بيته؟ فقال: هم آلُ عليِّ وآل عَقِيل وآل جعفر، وآل عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وروى ابن عمر عن ابن بكر رضي الله تعالى عنه قال: أرقبوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أهل بيته. وقيل: هم الذي تحرم عليه الصدقة من أقاربه ويقسم فيه الخًمسُ هم بنو هاشم، وبنوا المطلب الذين لم يتفرقوا بجاهلية ولا إسلام. وقيل: هذه الآية منسوخة، وإليه ذهب الضحاك بن مُزاحم والحسين بن الفضل. قال البغوي وهذا قول (غير) مرضٍ؛ لأن مودة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكف الأذى عنه ومودة أقاربه والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي من يكتسب طاعة ﴿نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾ العامة على «نَزد» بالنون، وزيد بن علي وعبدُ الوارث عن أبي عمرو يَزِدْ بالياء من تحت، أي يزِد الله. والعامة «حُسْناً» بالتنوين مصدراً على «فُعْلٍ» نحو: شُكر وهو مفعول به، وعبد الوارث عن أبي عمرو حُسْنَى بألف التأنيث على وزن بُشْرَى، ورُجْعَى، وهنو مفعول به أيضاً. ويجوز أن يكون صفة كفُضْلَى، فيكون وصفاً لمحذوف أي خصْلَةً حُسْنَى. قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب المودة في القُرْبَى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودَّةِ. ثُمَّ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ : للقليل (حتى يضاعفها) والشكر في حق الله تعالى مجاز، والمعنى أنه تعالى يُحْسِنُ للمطيعين في إيصال الثواب إليهم، وفي أن يزيدَ عليهم أنواعاً كثيرةً من التفضل. قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ اعلم أن الكلام ابتداء من أول هذه السورة في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بِوَحْي الله تعالى، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يوحي إلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ [الشورى: 3] واتصال الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق بعضه ببعض (حتى وصل) إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا، شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ . قال الزمخشري: «أم» منقطعة ومعنى الهمزة للتوبيخ والمعنى: أيقع في قلوبهم ويجري على ألسنتهم أن ينسبوا مثله على الافتراء على الله سبحانه وتعالى الذي هو أقبح الأنواع وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾ قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشقَّ عليك أذاهم وقولهم: إنه مفتر كذابٌ، وقال قتادة: يعني يطبع على قبلك فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذباً لفعل به، وما أخبر في هذه الآية فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب إلاّ من كان في هذه الحالة والمقصود من هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله: أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين: لعل الله أعمى قَلْبي، وهو لا يريد إثبات الخِذلان ولا عَمَى القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد صدق الله تعالى الخيانة عنه. قوله تعالى: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ هذا مستأنف غير داخل في جزاء الشرط؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً، وسقطت الواو منه لفظاً لالتقاء السكانين في الدَّرج، وخطَّا حملاً للخطِّ على اللفظ كما كتبوا: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] عليه، ولكن ينبغي أن لا يجوز الوقف على هذه الآية لأنه إن وقف عليه بالأصل هو الواو خالفنا خط المصحف وإن وقف عليه بغيرها موافقاً للرسل خالفنا الأصل. وتقدَّم بحث مثل هذا. وقد منع مكيٌّ الوقف على نحو: ﴿وَمَن تَقِ السيئات﴾ [غافر: 9] . وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه والله يمح الباطل فهو في محل رفع، ولكن حذفت منه الواو في المصحف حملاً على اللفظ كما حذفت من قوله: ﴿وَيَدْعُ الإنسان﴾ [الإسراء: 11] ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] . فصل أخبر تعالى أن ما يقولونه باطل يمحوه الله «ويُحِقُّ الحَقَّ» أي الإسلام بكلماته، أي بما أنزل الله تعالى من كتاب، وقد فعل الله ذلك فمحى باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام «إنَّهُ عَلِيم» بما في صدرك وصدورهم، قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا: يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنه اتهموه فأنزل الله هذه الآية فقال القوم يا رسول الله: (ف) إنا نشهد أنك صادف فنزل: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أولياءه وأهل طاعته. قال الزمخشري: يقال: قَبِلْتُ مِنْهُ الشيء وقَبِلْتُهُ عَنْهُ. فصل قيل: التوبة بترك المعاصي نية وفعلاً، والإقبال على الطاعة نيَّةً وفعلاً. وقال سهل ابن عبد الله: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال الممدوحة. وقيل: الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل روى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبَّر، فلما فرغ من صلاته قال عليٌّ رضي الله تعالى عنه: يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبه الكذابين، فقال ياأمير المؤمنين (وما) التوبة؟ فقال: اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفريضة الإعادى ورد المظالم وإدامة النفس في الطاعهة كما ربتيها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل ضحك ضحكته. قالت المعتزلة: يجب على الله قبول التوبة، وقال أهل السنة: لا يجب على الله تعالى، وكل ما يقبله فهو كرم وفضل، واحتجوا بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل المدح العظيم، ألا ترى أنه من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً كان ذلك مدحاً. قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد التوبة، مأو المراد أن يعفو عن الصغائر أو المراد: إن يعفو عن الكبائر قبل التوبة. والأول باطل وإلا صار قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ عين قوله: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ والتكرار خلاف الأصل) . والثاني أيضاً باطل؛ لأن ذلك واجبٌ، وأداء الواجب لا يمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة، وتارة يعفو ابتداء من غير توبة. فصل روى أنس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «للهُ أشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بأرْضٍ فَلاَةٍ فانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهضا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنضا هُوَ كَذَلِكَ إذْ هُوَ بِهَا قَائِمةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخُطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ» أخطأ من شدَّة الفَرَحِ. قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ قرأ الأخوان وحَفْصٌ يَفْعَلُونَ بالياء من تحت؛ نظراً إلى قوله: «مِنْ عِبَادِهِ» وقال بعده: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ والباقون بالخطاب إقبالاً على اناس عامةً، وهو خطاب للمشركين. قوله تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ يجوز أن يكون الموصول فاعلاً أي يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله تعالى: ﴿استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24] واستجاب كأجاب، ومنه قوله الشاعر: 4381 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبُ ويجوز أن تكون السين للطلب على بابها بمعنى ويستدعي المؤمنون الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. ويجوز أن يكون الموصول مفعولاً به والفاعل مضمر يعود على الله بمعنى: ويُجيبُ الذينَ آمنوا اي دُعَاءَهُمْ. وقيل: ثَمَّ لام مقدرة أي ويستجيبُ الله لِلذِينَ آمنوا، (فحذفها، للعلم بها، كقوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ [المطففين: 3] قال عطاء عن ابن عباس معناه: ويُثِيبُ الذين آمنوا) وعلموا الصالحات ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ سِوَى ثواب أعمالهم تفضلاً منه، وروى أبو صالح عه: يشفعهم ويزيدهم من فضله. (ثُمَّ) قال في أخونان إخوانهم: ﴿والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، قال خَبَّاب بن الأرتِّ: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قُرَيْظَة والنَّضير وبني قَينقاعَ وتمنيناها فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ﴾ ، لطغوا في الأرض، قال ابن عباس ( رضي الله عهنما) : بغيهم طَلَب (هم) منزلةً بعد منزلة، ومركباً بعد مركب وملبساً بعد ملبس، ولكن ينزل أرزاقهم قدر ما شاء نظراً منه لعباده. (قرأ ابن كثير وأبو عمر يُنَّزِّلُ مشددة، والباقون مخففة) إنَّه بعباده خبيرٌ بصيرٌ. روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله علهي وسلم عن جبريل عن الله عَزَّ وَجَلَّ في حديث طويل وفيه يقول الله عزَّ وجلَّ: «ما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي في قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي المُؤْمِن يَكْرَهُ المَوْتَ وأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ يَسْأَلُنِي البَابَ عَنِ العِبَادَةِ فأَكُفُّهُ عَنْهُ (أّنْ) لاَ يَدْخُلَهُ عُجْبٌ فيُفْسِدَهُ ذَلِكَ وَإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ الغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمَانهُ إلاَّ الفَقْرُ ولو أَعْنَيْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمانَهُ إلاَّ الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنء لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ السَّقَمُ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ وذّلِكَ أَنِّي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ ِإنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ» . فصل وجه التعلق أنه تعالى لما قال في الآية الأولى إنه يجيب دعاء المؤمنين وَرَدَ عليه سؤالٌ وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبليَّةٍ وفَقْر ثم يدعو فلا يظهر أثر الإجابة فكيف الجمع بينه وبين قوله: ويستجيب الذين آمنوا؟ ﴿فأجاب تعالى عنه بقوله: {وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، ولأقدموا على المعاصي، فلذلك وجب أن لا يعطيهم ما طلبوه، ويؤيده الحديث المتقدم. فصل قال الجبائِيُّ: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجهين: الأول: أنه تعالى لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض غير مراد، فعلمنا أنه تعالى لا يريد البَغْيَ في الأرض، وذلك يوجب فساد قول المجبرة. الثاني: أنه تعالى إنما لم يرد بسط الرزق؛ لأنه يفضي إلى المفسدة، فلما بين تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريداً للمفسدة كان أولى. وأجيب: بأن الميل إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن، فلا بد لها من فاعل وفاعل هذه الأحوال إما البعد أو الله، والأول باطل؛ لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليه وعاد السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني؟ ويلزم التسلسل، وأيضاً فالميل الشديد إلى الظلم والقسوة عيوبٌ ونقصاناتٌ، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى. ثم أوده الجبائي على نفسه سؤالاً: فإن قيل: أليس قد يبسط الرزق لبعض عباده مع أنه يبغي؟} . فأجاب عنه: بأن الذي يبسط الرزق إذا بغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أُعْطِيَ ذلك الرزق أو لم يُعْطَ. قال ابن الخطيب: هذا الجواب فاسد، ويدل عليه القرآن والعقل أما القرآن فقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 67] حكم مطابق لكن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان وأم العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلةً إلى الشر فمعحصول الغنى تميل إلى الشر أكثر، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان. فصل في كون بسط الرزق موجباً للطغيان وجوه: الأول: أن الله تعالى لو سوَّى في الرزق بين الكل لا متنع كون البعض محتاجاً إلى البعض، وذلك يوجب خراب العالم وتعطيل المصالح. الثاني: أن هذه الأية مختصة بالعرب. فإنه كلما اتسع رزقهم، ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم، أقدموا على النهب والغارة. الثالث: أن الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر وإذا وقع في شدة وبليَّة ومكروه انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث﴾ أي املطر ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ من بعد ما يئس الناسُ منه. وإنزال الغيب بعد القنوط أدعى إلى الشكر؛ لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتمُّ. قال الزمخشري: قرىء قنطوا، بفتح النون وكسرها. (فأما فتح النون فهي قراءة العامة، وأما كسرها فهي قراءة يحيى بن وثَّاب، والأعمش وهي لغة وعليها قراءة: ﴿يَقْنَطُ﴾ [الحجر: 56] ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ [الزمر: 53] بفتح النون في المتواتر. ولم يقرأ في الكسر في الماضي إلا شاذاً و «ما» مصدرية أي من بعد قُنُوطِهِمْ) . قال مقاتل: حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حين قنطوا، ثم أنزل الله المطر فذكرهم الله نعمه. قوله: ﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يبسط مطره، كما قال: ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57] وهو الولي الحميد. «الوَلِيُّ» : الذي يتولى عباده بإحاسنه «الحَميد» المحمود على ما يوصل إلى الخلق من الرحمة وقيل: «الولي» لأهل طاعته، «الحميد» عند خلقه.

الشورى 42:22

قوله: ﴿والذين يُحَآجُّونَ﴾ (مبتدأ، و «حجتهم» ) مبتدأ ثانٍ و (داحضة) خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. وأعرب مكيٌّ: حجتهم بدلاً من الموصول بدل اشتمال والهاء في «لَهُ» تعود على الله تعالى، أو على الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام أي من بعد ما استجاب الناس لله أو من بعد ما استجاب الله لرسوله حين دعا على قومه. وقال ابن الخطيب: يعود على «الدين» أي من بعد ما استجاب النَّاس لذلك الدين. فصل المعنى والذين يخاصمون في دين الله نبيَّه. وقال قتادة: هم اليهود، قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم، فنحن خيرٌ منكم، فهذه خصومتهم من بعد ما استجاب له الناس، فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته «حجتهم داحِضةٌ» خصومتهم باطلة «عِنْدَ رَبِّهِمْ» قال ابن الخطيب: تلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا: ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق عليه أولى بالأخذ من المختلف فيه فنبوة موسى عليه الصَّلاة والسَّلام وحقيقة التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليست متفقاً عليها فوجب الأخذ باليهودية، فبين تعالى فساد هذه الحجة، وذلك لأن اليهود أجمعوا على أنه إنما وةجب الإيمان بموسى عليه الصَّلاة والسَّلام لأجل ظهور المعجزات على قوله وهاهنا نظهرت المعجزات على وفق قول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق فهاهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنوته بظهور المعجزات؛ لأنه يكون متناقضاً، ولما قرر (الله تعالى) هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة فقال: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة. قوله تعالى: ﴿الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان﴾ قال قتادة ومجاهد ومقاتل: سمي العدل ميزاناً؛ لأن الميزان آلة للإنصاف والتسوية. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس. ومعنى الآية أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على الدلائل والبيِّناتم وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم وأنهم لا يعلمون أن القيامة حق يفاجئهم، ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد. ولما كان الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام يهددهم يوم القيامة ولم يروا لذلك أثراً قالوا على سبيل السخرية متى تقوم الساعة؟ وليتها قامت حتى يظهر لنا الحقّ أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه؟! . قوله: ﴿لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾ إنما ذكر «قريب» وإن كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث أو على معنى النَّسب أي ذات قُرْبٍ، أوعلى حذفق مضاف، أي مجيء الساعة. وقيل للفرق بينها وبين قاربة النسب. وقيل: لأن تأنيثها مجازي نقله مكي. وليس بشيء، إذ لا يجوز: الشمسُ طالعٌ، ولا القِدْرُ فائِرٌ، وجملة الترجي أو الإشفاق معلِّقة للدراية. وتقدم مثله آخر الأنبياء. فصل قال مقاتل: ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا مستهزءين: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ ظناً منهم أنهم غير آتية ﴿والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون ﴿مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق﴾ أي أنها آتية لا ريب فيها، ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ﴾ يخاصمون. وقيل: يدخلهم المرية والشك في «وُقُوع الساعة» لفي ضلالٍ بعيدٍ؛ لأن استيفاء حقِّ المظلوم من الظالم واجب في العدل فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالاً بعيداً. قوله تعالى: ﴿الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) : حفيٌّ بهم. وقال عكرمة: بارٌّ بهم. وقال السديّ: رفيق بهم. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم بدليل قوله: ﴿بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ وكل من رزقه الله من مؤمن وكافرٍ وذي روحٍ فهو ممَّن يشاءُ الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطيف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات. الثاني: أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة. و «هو القوي» القادر على ما يشاء «العزيز» الذي لا يغالب. فصل إنما حسن ذكر هذا الكلام هاهنا؛ لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله (تعالى) بعباده، وأيضاً فالمتفرقون استوجبوا العذاب الشديد. ثم إنه تعالى آخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم (و) دفع أعظم المضارِّ عنهم لا جرم حسن ذكره هاهنا. قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ... ﴾ الآية الحرث في اللغة الكسب، أي من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه بالتضعييف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة. قال مقاتل. وقيل: معناه إنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه. وقال الزمخشري: إنه تعالى سمَّى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز. واعلم أنه قد تقدم أن كون الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً مجزوماً لا يختص مجيئه بكان خلافاً لأبي الحكم مصنِّف كتاب الإعراب فإنه قال: لا يجوز ذلك إلا مع «كان» إلا في ضرورة شعر. وأطلق النحويون جواز ذلك وأنشدوا بيت الفرزدق: 4378 - دَسَّتْ رَسُولاً بِأَنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ... عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُوراً ذَاتِ تَوْغِيرِ وقوله أيضاً: 4379 - تَعَشَّ فَإِنْ عَاهَدْتَني لاَ تَخُونِنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ وقرأ ابن مقسم والزَّعفرانيُّ ومحبوب: يزد ويؤته بالياء من تحت، أي الله تعالى. وقرأ سلام يؤته بضم هاء الكناية وهو الأصل، وهو لغة الحجاز وتقدم خلاف القراء في ذلك. فصل قال قتادة: معنى قوله: ومن كان يريد (حَرْثَ) الدنيا أي يريد جملة حرث الدُّنيا نؤته منها أي نؤته بقدر ما قسم له كما قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ [الإسراء: 18] وما له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لم يعمل للآخرة قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «بَشِّرْ هَذِهِ الأمَّة بالسناء والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ للدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ» واعلم أنه تعالى قال في طلب الآخرة (إنه) يزيد له في حرثه ولم يذكر أنه يعطيه الدنيا أم لا بل سكت عنه نفياً وإثباتاً. وأما الطالب الدنيا فبين أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول: الآخرة أصلٌ والدنيا تبعٌ فواجد الأصل يكون واجداً للتَّبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدّنيا أحسن من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة. وأيضاً بين أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه وطالب الدنيا يعطى بعض مطلوبه ولا يحصل له في الآخرة من نصيب البتة فبين أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً في التزايد، وأن طالب الدنيا يكون حاله في النقصان والبطلان في الآخرة، وذلك يدل على تفضيل طلب الآخرة. وأيضاً فإنه تعالى بين أن منافع الآخرة ومنافع الدنيا ليست حاضرة ناجزةً، بل لا بدَّ فيهما من الحرث والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق (في البذر ثم التسقية والتنمية ثم الحصد ثم التنقية فلما سمى الله كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل) والمتاعب. ثم بين أنَّ مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وأن مصير الدنيا إلى النُّقصان والعناء، فكأنه قيل: إذا كان لا بد في القسمين من متاعب الحراثة من التبقية والتنمية والحصد والتَّنْقِية فصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد الباقي أولى من صرفها إلى ما يكون في التناقص والانقضاء. فصل قال ابن الخطيب: فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلَّى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح. فالجواب: أنه تعالى قال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة﴾ ، والحرث لا يَتَأَتَّى إلا بإلقاء البذر الصَّحيح في الأرض، والبذر الصحيح الجامع للخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله سبحانه وتعالى. فصل إذا توضأ بغير نية، لم يصح، لأنه لم يرد حرث الآخرة، وذلك لا يحصل بالوضوء العاري عن النية. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين ... ﴾ الآية. لما بين القانون الأعظم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بيان ماهو الأصل في باب الضَّلالة والسعادة فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ﴾ ومعنى الهمزة في «أم» التقرير والتقريبع. والضمير في «شَرَعوا» يجوز أن يكون عائداً على «الشركاء» ، والضمير في «لهم» على الكفار، ويجوز العكس؛ لأنهم جعلوا لهم أنصباء، والمعنى شركاؤهم أي شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث، والعمل للدنيا. وقيل: شركاؤهم أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم؛ لأنهم هم الذي اتَّخذوها شركاء لله. ولما كانت سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لدين ضلالتهم لهم كما قال إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: 36] . قال المفسريون: يعني كفار مكة أأي لهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) شرعوا لهم ديناً غير دين الإسلام. قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل﴾ أي لولا القضاء السابق بتأخير الحزاء أو لولا الوعد بأن الفصل يكون بينهم يوم القيامة «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» أي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين المشركين وشركائهم. قوله: «وإنَّ الظَّالِمِينَ» العامة بكسر «إن» على الاستئناف ومسلم بن بجنوب والإعرج بفتحها عطفاً على كلمة الفصل. وفصل بين المتعاطفين بجواب «لولا» ، تقديره: ولولا كلمة واستقرار الظالمين في العذاب لَقَضِي بينهم في الدنيا. وهو نظير قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ [طه: 129] . ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب. أما الأول فهو قوله: ﴿تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ﴾ أي ترى المشركين يوم القيامة خائفين وجَِلِينَ «مِمَّا كَسَبُوا» من السيئات، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي جزاء كسبهم واقع سواء أشفقوا أو لم يشفقوا. وأم الثاني وهو أحوال أهل الثواب فهو قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي رَوْضَاتِ الجنات﴾ قال أبو حيان: اللغة الكثيرة تسكين واو «رَوْضَات» ، ولغة هذيل فتح الواو إجراء لها مُجْرَى الصحيح نحو: جَفَنَات. ولم يقرأ أحد فيما علمناه بلغتهم. قال شهاب الدين: إن عنى لم يقرأ أحد بلغتهم في هذا الباب من حيث هو فليس كذلك؛ لما تقدم في سورة النور أن الأعمش قرأ: «ثَلاَثُ عَوَرَاتٍ» بفتح الواو وإن عَنَى أنه لم يقرأ في روضات بخصوصها فقريب، لكن ليس هو ظاهر عادته. فصل اعلم أن روضة الجنة أطيب بقعةٍ فيها، وفيه تنبيه على أن الفسَّاق من أهل الصلاة كلهم من أهل الجنة؛ لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنَّات، وهي البقاع الشَّريفة كالبقاع التي دون تلك الروضات، لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كانوا دونن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ثم قال: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يدل على أن تلك الأشياء حاضرة عنده مهيَّأة. والعندية مجاز و «عِنْدَ رَبِّهِمْ» يجوز أن يكون ظرفاً «لِيَشَاءُونَ» . قاله الحوفي، أو للاستقرار العامل في «لهم» قال الزمخشري. ثم قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ وهذا يدل على أنَّ الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل من الله تعالى لا بطريق الوجوب والاستحقاق. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ﴾ كقوله: «كالَّذِي خَاضُوا» . وقد تقدم تحقيقه. وتقدمت القراءات في يُبَشِّرُ. وقرأ مجاهدٌ وحُمَيْدُ بنُ قَيْسٍ: يُبْشِرُ بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين من أَبْشَرَ منقولاً من بَشِرَ بالكسر لا من بَشَرَ بالفتح؛ لأنه متعدٍّ والتشديد في «بشر» للتكثير لا للتعدية، لأنه متعد بدونها. ونقل أبو حيان قراءة يَبْشُرُ بفتح الياء وضم الشين عن حمزة والكسائي (أي) من السَّبعة، ولم يذكر غيرهما من السبعة، وقد وافقهما على ذلك ابن كثير وأبو عمرو. و «ذلك» مبتدأ، والموصول بعده خبره، وعائده محذوف على التدريج المذكور كقوله «كالَّذِي خَاضُوا» أي يُبَشِّرُ بِهِ، ثم يُبَشِّرُهُ على الاتساع. وأما على رأي يونُس فلا يحتاج إلى عائد؛ لأنها عنده مصدرية وهو قول الفراء أيضاً، أي ذلك تبشير الله عباده. وذلك إشارة إلى ما أعده الله تعالى لهم من الكرامة. وقال الزمخشري: أو ذلك التبشير الذي يبشِّره الله عباده. قال أبو حيان: وليس بظاهر؛ إذ لم يتقدم في هذه السورة لفظ البشرى ولا ما يدل عليها من «بَشَّر» أو شبهه. فصل هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: الأول: أن الملك الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاءً، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كُنْهَهُ إلاَّ الله تعالى. الثاني: أن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ﴾ يدخل في باب غير المتناهي؛ لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منها. الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق يكون في غاية الكبر. واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذا الكتاب الشريف، وأودع فيه أقسام الدلائل والتكاليف ورتبه على لطاعة والثواب وأمره بتبليغه إلى الأمة أمره بأن يقول إني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً حاضراً فقال: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ . في الاستثناء قولان: أحدهما: أنه منقطع؛ إذ ليست المودة من جنس الأجر. والثاني: أنه متصل، أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا وهو أن تودُّوا أهل قرابتي ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة؛ لأن قرابتهم وكانت صلتهم لازمةً لهم في المودة. قاله الزمخشري. وقال أيضاً: فإن قلت: هلا قيل: إلاَّ مودَّة القربى، أو إلا المودة للقربى؟! قلت: جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها، كقولك: في آل فلان مودة وليست «في» صلة المودة، كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف فتعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودة ثابتةً في القربى ومتمكنةً فيها. وقال أبو البقاء: وقيل: متصل، أي لا أسألكم شيئاً إلا المودة. قال شهاب الدين: وفي تأويله متصلاً بما ذكر نظر؛ لمجيئه بشيء الذي هو عام، وما من استثناء منقطع إلا ويمكن تأويله بما ذكر، ألا ترى إلى قولك: ما جاءني أحدٌ إلا حمار، أنه يصح ما جاءني شيء إلا حماراً. وقرأ زيد بن عليٍّ: «مودة» بدون ألفٍ ولامٍ. فصل في الآية ثلاثة أقوال: الاول: قال الشَّعبيُّ: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب أبن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاتن وسط النسب من قريش ليس بطنٌ من بطونهم إلا قد ولده، وكان له فيهم قرابةٌ، فقال الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ على ما أدعوكم إليه إلا أن تؤثروني لقرابتي أي تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي، ولا تؤذوني. وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وعكرمة ومقاتل والسدي والضَّحَّاك. الثاني: روى الكلبي عن ابن عباس، قال: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قدم المدينة كانت تَنُوبهُ نوائب وحقوق، وليس في يده سعةٌ لقالت (الأنصار) : إن هذا الرجل هداكم هو ابن أخيكم، وأجاركم من بلدكم، فاجمعةوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها، فردها عليهم ونزل قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي على الإيمان (إلا) أن لا تؤذوا أقاربي وعشيرتي، وتحفظوني فيهم، قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. الثالث: قال الحسن: معناه إلا أن تَوَدُّوا الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، ورواه ابن أبي نُجَيْحٍ عن مجاهد. فالقربى على القول الأول بالقرابة التي بمعنى الرَّحِم، وعلى الثاني بمعنى الأقارب، وعلى الثالث فُعْلَى من القُرْبِ والتَّقْرِيب. فإن قيل: طلب الأجر على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه: أحدها: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي طلب الأجر، فقال في قصة نوح عليه الصَّلاة والسَّلام ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعرا: 109] . . الآية وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليه الصَّلاة والسَّلام ورسلونا أفضل الأنبياء فَبِأَنْ لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى. وثانيها: أنه عليه الصَّلاة والسَّلام صرَّح بنفي طلب الأجر فقال: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] وقال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: 47] . . الآية وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء. ورابعها: أن النبوة أفضل من الحممة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] ووصف الدينا بأنها متاع قليل فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ﴾ [النسا: 77] فكيف يحين بالعاقل مقابلة أشرف الأنبيثاء بأخس الأشيءا؟! وخامسها: أن طلب الأجر يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يطلب أجراً ألبتة على التبليغ والرسالة، وهاهنا قد ذكر ما يجري مَجْرَى طلب الأجر وهو المودة في القربى (هذا تقرير السؤال) . فالجواب: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ، وأما قوله: إلا المودة في القربى فالجواب عنه من وجهين: الأول: أنه هذا من باب قوله: 4380 - وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ يعني أنا لا أطلب منكم إلا هذا. وهذا في الحقيقة ليس أجراً؛ لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب، قال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ [التوبة: 71] ، وقال، عليه الصَّلاة والسَّلام: «المُؤْمِنُونَ كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً» والآيات الأخبار في هذا كثيرة. وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجب فحصولها في احق أششرف المسلمِين أولى، فقوله: ﴿إلا المودة في القربى﴾ تقديره والمودة ف يالقربى ليست أجراً، فرَجَعَ الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة. الثاني: إن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: ﴿لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ثم قال: ﴿إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي أذكركم قرابتي منكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر. فصل اختلفوا في قرابته، فقيل: هم فاطمة وعلى وأبناؤهما، وفيهم نزل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: 33] . وروى زيد بن أرقم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كتابَ اللهِ تَعَالَى وَأَهْلَ بَيْتِي وَأُذَكِّرُكُم الله في أَهْلِ بَيْتِي» قيل لزيد بن أرقم: فمن أهل بيته؟ فقال: هم آلُ عليِّ وآل عَقِيل وآل جعفر، وآل عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وروى ابن عمر عن ابن بكر رضي الله تعالى عنه قال: أرقبوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أهل بيته. وقيل: هم الذي تحرم عليه الصدقة من أقاربه ويقسم فيه الخًمسُ هم بنو هاشم، وبنوا المطلب الذين لم يتفرقوا بجاهلية ولا إسلام. وقيل: هذه الآية منسوخة، وإليه ذهب الضحاك بن مُزاحم والحسين بن الفضل. قال البغوي وهذا قول (غير) مرضٍ؛ لأن مودة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكف الأذى عنه ومودة أقاربه والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي من يكتسب طاعة ﴿نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾ العامة على «نَزد» بالنون، وزيد بن علي وعبدُ الوارث عن أبي عمرو يَزِدْ بالياء من تحت، أي يزِد الله. والعامة «حُسْناً» بالتنوين مصدراً على «فُعْلٍ» نحو: شُكر وهو مفعول به، وعبد الوارث عن أبي عمرو حُسْنَى بألف التأنيث على وزن بُشْرَى، ورُجْعَى، وهنو مفعول به أيضاً. ويجوز أن يكون صفة كفُضْلَى، فيكون وصفاً لمحذوف أي خصْلَةً حُسْنَى. قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب المودة في القُرْبَى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودَّةِ. ثُمَّ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ : للقليل (حتى يضاعفها) والشكر في حق الله تعالى مجاز، والمعنى أنه تعالى يُحْسِنُ للمطيعين في إيصال الثواب إليهم، وفي أن يزيدَ عليهم أنواعاً كثيرةً من التفضل. قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ اعلم أن الكلام ابتداء من أول هذه السورة في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بِوَحْي الله تعالى، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يوحي إلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ [الشورى: 3] واتصال الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق بعضه ببعض (حتى وصل) إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا، شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ . قال الزمخشري: «أم» منقطعة ومعنى الهمزة للتوبيخ والمعنى: أيقع في قلوبهم ويجري على ألسنتهم أن ينسبوا مثله على الافتراء على الله سبحانه وتعالى الذي هو أقبح الأنواع وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾ قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشقَّ عليك أذاهم وقولهم: إنه مفتر كذابٌ، وقال قتادة: يعني يطبع على قبلك فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذباً لفعل به، وما أخبر في هذه الآية فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب إلاّ من كان في هذه الحالة والمقصود من هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله: أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين: لعل الله أعمى قَلْبي، وهو لا يريد إثبات الخِذلان ولا عَمَى القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد صدق الله تعالى الخيانة عنه. قوله تعالى: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ هذا مستأنف غير داخل في جزاء الشرط؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً، وسقطت الواو منه لفظاً لالتقاء السكانين في الدَّرج، وخطَّا حملاً للخطِّ على اللفظ كما كتبوا: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] عليه، ولكن ينبغي أن لا يجوز الوقف على هذه الآية لأنه إن وقف عليه بالأصل هو الواو خالفنا خط المصحف وإن وقف عليه بغيرها موافقاً للرسل خالفنا الأصل. وتقدَّم بحث مثل هذا. وقد منع مكيٌّ الوقف على نحو: ﴿وَمَن تَقِ السيئات﴾ [غافر: 9] . وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه والله يمح الباطل فهو في محل رفع، ولكن حذفت منه الواو في المصحف حملاً على اللفظ كما حذفت من قوله: ﴿وَيَدْعُ الإنسان﴾ [الإسراء: 11] ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] . فصل أخبر تعالى أن ما يقولونه باطل يمحوه الله «ويُحِقُّ الحَقَّ» أي الإسلام بكلماته، أي بما أنزل الله تعالى من كتاب، وقد فعل الله ذلك فمحى باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام «إنَّهُ عَلِيم» بما في صدرك وصدورهم، قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا: يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنه اتهموه فأنزل الله هذه الآية فقال القوم يا رسول الله: (ف) إنا نشهد أنك صادف فنزل: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أولياءه وأهل طاعته. قال الزمخشري: يقال: قَبِلْتُ مِنْهُ الشيء وقَبِلْتُهُ عَنْهُ. فصل قيل: التوبة بترك المعاصي نية وفعلاً، والإقبال على الطاعة نيَّةً وفعلاً. وقال سهل ابن عبد الله: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال الممدوحة. وقيل: الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل روى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبَّر، فلما فرغ من صلاته قال عليٌّ رضي الله تعالى عنه: يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبه الكذابين، فقال ياأمير المؤمنين (وما) التوبة؟ فقال: اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفريضة الإعادى ورد المظالم وإدامة النفس في الطاعهة كما ربتيها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل ضحك ضحكته. قالت المعتزلة: يجب على الله قبول التوبة، وقال أهل السنة: لا يجب على الله تعالى، وكل ما يقبله فهو كرم وفضل، واحتجوا بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل المدح العظيم، ألا ترى أنه من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً كان ذلك مدحاً. قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد التوبة، مأو المراد أن يعفو عن الصغائر أو المراد: إن يعفو عن الكبائر قبل التوبة. والأول باطل وإلا صار قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ عين قوله: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ والتكرار خلاف الأصل) . والثاني أيضاً باطل؛ لأن ذلك واجبٌ، وأداء الواجب لا يمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة، وتارة يعفو ابتداء من غير توبة. فصل روى أنس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «للهُ أشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بأرْضٍ فَلاَةٍ فانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهضا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنضا هُوَ كَذَلِكَ إذْ هُوَ بِهَا قَائِمةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخُطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ» أخطأ من شدَّة الفَرَحِ. قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ قرأ الأخوان وحَفْصٌ يَفْعَلُونَ بالياء من تحت؛ نظراً إلى قوله: «مِنْ عِبَادِهِ» وقال بعده: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ والباقون بالخطاب إقبالاً على اناس عامةً، وهو خطاب للمشركين. قوله تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ يجوز أن يكون الموصول فاعلاً أي يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله تعالى: ﴿استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24] واستجاب كأجاب، ومنه قوله الشاعر: 4381 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبُ ويجوز أن تكون السين للطلب على بابها بمعنى ويستدعي المؤمنون الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. ويجوز أن يكون الموصول مفعولاً به والفاعل مضمر يعود على الله بمعنى: ويُجيبُ الذينَ آمنوا اي دُعَاءَهُمْ. وقيل: ثَمَّ لام مقدرة أي ويستجيبُ الله لِلذِينَ آمنوا، (فحذفها، للعلم بها، كقوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ [المطففين: 3] قال عطاء عن ابن عباس معناه: ويُثِيبُ الذين آمنوا) وعلموا الصالحات ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ سِوَى ثواب أعمالهم تفضلاً منه، وروى أبو صالح عه: يشفعهم ويزيدهم من فضله. (ثُمَّ) قال في أخونان إخوانهم: ﴿والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، قال خَبَّاب بن الأرتِّ: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قُرَيْظَة والنَّضير وبني قَينقاعَ وتمنيناها فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ﴾ ، لطغوا في الأرض، قال ابن عباس ( رضي الله عهنما) : بغيهم طَلَب (هم) منزلةً بعد منزلة، ومركباً بعد مركب وملبساً بعد ملبس، ولكن ينزل أرزاقهم قدر ما شاء نظراً منه لعباده. (قرأ ابن كثير وأبو عمر يُنَّزِّلُ مشددة، والباقون مخففة) إنَّه بعباده خبيرٌ بصيرٌ. روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله علهي وسلم عن جبريل عن الله عَزَّ وَجَلَّ في حديث طويل وفيه يقول الله عزَّ وجلَّ: «ما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي في قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي المُؤْمِن يَكْرَهُ المَوْتَ وأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ يَسْأَلُنِي البَابَ عَنِ العِبَادَةِ فأَكُفُّهُ عَنْهُ (أّنْ) لاَ يَدْخُلَهُ عُجْبٌ فيُفْسِدَهُ ذَلِكَ وَإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ الغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمَانهُ إلاَّ الفَقْرُ ولو أَعْنَيْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمانَهُ إلاَّ الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنء لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ السَّقَمُ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ وذّلِكَ أَنِّي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ ِإنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ» . فصل وجه التعلق أنه تعالى لما قال في الآية الأولى إنه يجيب دعاء المؤمنين وَرَدَ عليه سؤالٌ وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبليَّةٍ وفَقْر ثم يدعو فلا يظهر أثر الإجابة فكيف الجمع بينه وبين قوله: ويستجيب الذين آمنوا؟ ﴿فأجاب تعالى عنه بقوله: {وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، ولأقدموا على المعاصي، فلذلك وجب أن لا يعطيهم ما طلبوه، ويؤيده الحديث المتقدم. فصل قال الجبائِيُّ: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجهين: الأول: أنه تعالى لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض غير مراد، فعلمنا أنه تعالى لا يريد البَغْيَ في الأرض، وذلك يوجب فساد قول المجبرة. الثاني: أنه تعالى إنما لم يرد بسط الرزق؛ لأنه يفضي إلى المفسدة، فلما بين تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريداً للمفسدة كان أولى. وأجيب: بأن الميل إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن، فلا بد لها من فاعل وفاعل هذه الأحوال إما البعد أو الله، والأول باطل؛ لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليه وعاد السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني؟ ويلزم التسلسل، وأيضاً فالميل الشديد إلى الظلم والقسوة عيوبٌ ونقصاناتٌ، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى. ثم أوده الجبائي على نفسه سؤالاً: فإن قيل: أليس قد يبسط الرزق لبعض عباده مع أنه يبغي؟} . فأجاب عنه: بأن الذي يبسط الرزق إذا بغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أُعْطِيَ ذلك الرزق أو لم يُعْطَ. قال ابن الخطيب: هذا الجواب فاسد، ويدل عليه القرآن والعقل أما القرآن فقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 67] حكم مطابق لكن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان وأم العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلةً إلى الشر فمعحصول الغنى تميل إلى الشر أكثر، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان. فصل في كون بسط الرزق موجباً للطغيان وجوه: الأول: أن الله تعالى لو سوَّى في الرزق بين الكل لا متنع كون البعض محتاجاً إلى البعض، وذلك يوجب خراب العالم وتعطيل المصالح. الثاني: أن هذه الأية مختصة بالعرب. فإنه كلما اتسع رزقهم، ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم، أقدموا على النهب والغارة. الثالث: أن الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر وإذا وقع في شدة وبليَّة ومكروه انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث﴾ أي املطر ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ من بعد ما يئس الناسُ منه. وإنزال الغيب بعد القنوط أدعى إلى الشكر؛ لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتمُّ. قال الزمخشري: قرىء قنطوا، بفتح النون وكسرها. (فأما فتح النون فهي قراءة العامة، وأما كسرها فهي قراءة يحيى بن وثَّاب، والأعمش وهي لغة وعليها قراءة: ﴿يَقْنَطُ﴾ [الحجر: 56] ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ [الزمر: 53] بفتح النون في المتواتر. ولم يقرأ في الكسر في الماضي إلا شاذاً و «ما» مصدرية أي من بعد قُنُوطِهِمْ) . قال مقاتل: حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حين قنطوا، ثم أنزل الله المطر فذكرهم الله نعمه. قوله: ﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يبسط مطره، كما قال: ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57] وهو الولي الحميد. «الوَلِيُّ» : الذي يتولى عباده بإحاسنه «الحَميد» المحمود على ما يوصل إلى الخلق من الرحمة وقيل: «الولي» لأهل طاعته، «الحميد» عند خلقه.