Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الدخان 44:58 – الجاثية 45:37

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. الدخان 44:58
  2. الدخان 44:59
  3. الجاثية 45:1
  4. الجاثية 45:2
  5. الجاثية 45:3
  6. الجاثية 45:4
  7. الجاثية 45:5
  8. الجاثية 45:6
  9. الجاثية 45:7
  10. الجاثية 45:8
  11. الجاثية 45:9
  12. الجاثية 45:10
  13. الجاثية 45:11
  14. الجاثية 45:12
  15. الجاثية 45:13
  16. الجاثية 45:14
  17. الجاثية 45:15
  18. الجاثية 45:16
  19. الجاثية 45:17
  20. الجاثية 45:18
  21. الجاثية 45:19
  22. الجاثية 45:20
  23. الجاثية 45:21
  24. الجاثية 45:22
  25. الجاثية 45:23
  26. الجاثية 45:24
  27. الجاثية 45:25
  28. الجاثية 45:26
  29. الجاثية 45:27
  30. الجاثية 45:28
  31. الجاثية 45:29
  32. الجاثية 45:30
  33. الجاثية 45:31
  34. الجاثية 45:32
  35. الجاثية 45:33
  36. الجاثية 45:34
  37. الجاثية 45:35
  38. الجاثية 45:36
  39. الجاثية 45:37

الدخان 44:58

قوله تعالى: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ لما ذكر وعيد الكفار أردفه بِآيَاتِ الوعْد فقال: «إنْ المُتَّقِينَ» قال أهل السنة: كل من اتقى الشرك صدق عليه أنه متق، فوجب أن يدخل الفساق هذا الوعد فقال: فِي مَقَام أَمِينٍ. وقرأ أهل المدينة والشام بضمِّ ميم «مُقَام» على المصدر، أي في إقامة وقرأ الباقون فتح الميم أي في مَجْلِس أمنين آمنوا فيه من الغير. قال الزمخشري (المقام) بفتح الميم هو موضع القيام والمراد المكان وهو من الخاص الذي جُعل مستعملاً في المعنى العام وبالضم هو موضع الإقامة، والأمين من قولك: أَمِنَ الرَّجُلُ اَمَانَةً فَهُو أَمِينٌ وهو ضد الخائن. فوصف به المكان ستعارة؛ لأن المكان المخيف كأنه يَخُون صَاحِبَه. قوله: «فِي جَنَّاتٍ» يجوز أن يكون بدلاً من قوله: «فِي مَقَام» بتكرير العامل، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً وقوله: «يَلْبَسُونَ» يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الجارِّ، وأن يكون خبراً ل «إنّ» فيتعلَّق الجار به، وأن يكون مستأنفاً. قوله: «مُتَقَابِلِينَ» حال من فاعل «يَلْبَسُونَ» . وتقدم تفسير السُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ والمُقَام. قوله: «كذلك» في هذه الكاف وجهان: أحدهما: النصب نعتاً لمصدر، أي نفعل بالمتقين فعلاً كذلك أي مثْلَ ذلك الفِعل. والثاني: الرفع على خبر ابتداء مضمر أي الأَمرُ كَذلِكَ. وقدر أبو البقاء قبله جملةً فقال: «تقديره: فَعَلْنَا ذَلِكَ، والأَمْرُ كَذلِكَ» ، ولا حاجة إليه. والوقف على «كذلك» والابتداء بقوله: وَزَوَّجْنَاهُمْ. قوله: «بِحُورٍ عِينٍ» العامة على تنوين «حُورٍ» موصوفاً «بِعِينٍ» . وعكرمة لم يُنَوِّنْ، أضافهن لأ، هن يَنْقَسِمْن إلى «عِينٍ» وغير «عِينٍ» . وتقدم تفسير الحُور العِينِ. فإن قيل: المراد بجلوسهم متقابلين استئناس بعضهم ببعض، والجلوس على هذه الصّفة موحش لأنه يكون كل واحد منهم مطلعاً على ما يفعل الآخر، وأيضاً فالقيليل الثواب إذا اطلع على حال من يكثر ثوابه ينغص عليه! فالجواب: أن أحوال الآخرة بخلاف أحوالِ الدنيا. فصل قال أبو عبيدة: معنى «وَزَوَّجْنَاهُمْ» أي جعلناهم أزواجاً، كما يزوج النَّعْلُ بالنَّعْلِ أي جَعَلْنَاهُمْ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ. واختلفوا في هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزويج أم لا؟ فقال يونس: قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ قَرَنَّاهُمْ بِهِنَّ وليس من عقد التزويج، والعرب لا تقول: تَزَوَّجْتُ بِهَا، وإنَّما تقول: تَزَوَّجْتُهَا. وقال الواحديُّ: (رَحِمَهُ اللَّهُ) : والتنزيلم نزل على ما قال يونس، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] ولو كان المراد تَزَوَّجْتُ بِهَا لقال: زَوَّجْنَاكَ بِهَا. فصل قال الواحدي: وأصل الحور البَيَاض، والتَّحْوير التبييض، وقد تقدم في تفسير الحَوَارِيِّينَ. وعين حوراء إذا اشتدَّ بَيَاضُ بَيَاضِهَا، واشْتَدَّ سَوَادُ سَوَادِهَا، ولا تسمى المرأة حَوْرَاءَ حتى يكون حَوَرُ عَيْنَيْهَا بَيْضَاء في لَوْن الجَسَد. وأما العِينشُ فجمع عَيْنَاءَ، وهي التي تكون عظيمةً العَيْنَيْنِ من النِّسَاء وَاسِعَتَهُمَا. قوله: «يَدْعُونَ فِيهَا» حال من مفعول «زَوَّجْنَاهُمْ» ومفعوله محذوف، أي يدعون الخَدَمَ بكُلّ فَاكِهَةٍ وقوله: «آمِنِينَ» يجوز أن تكون حَالاً ثانيةً، وأن تكون حالاً من فالع «يَدْعُونَ» فتكون حالاً مُتَدَاخِلَةً ومعنى «آمنين» أي من نِفَارِهَا ومِنْ «مَ» ضَرَّتِهَا. وقال قتادة: آمنين من الموت، والأوْصَاب، والشَّيْطَان. قوله: «لاَ يَذُوقُونَ» يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «آمِنِينَ» وأن يكون حالاً ثالثةً أو ثانيةً من مفعول «وزَوَّجْنَاهُمْ» ، و «آمِنينَ» حال من فاعل «يَدْعُونَ» كما تقدم، أو صفة «لآمِنينَ» أو مستأنف. وقرأ عَمرُو بنُ عُبَيْد: لاَ يُذَاقُونَ مبنياً للمفعول. قوله: «إلاَّ المَوْتَة الأُوْلَى» فيه أوجه: أحدها: أنه استثناء منقطع، أي لكن المَوْتَةَ الأُولى، قَدْ ذَاقُوهَا. الثاني: أنه متصل، وتأولوه بأن المؤمن عند موته في الدنيا يُرَى منزلته في الجنة لمعاينة ما يُعْطَاه منها أولما يتيقنه من نعيمها. الثالث: أن «إلاَّ» بمعنى سوى. نقله الطبري وضَعَّفَهُ. قال ابن عطية: وليس تضعيفه بصحيح، بل هو كونها بمعنى سوى مستقيم منتسق. الرابع: أن «إلاّ» بمعنى «بَعْدَ» ، واختاره الطبري. وأباهُ الجمهور، لأن إلاَّ بمعنى بَعْدَ لم يَثْبتُ. وقال الزمخشري: فَإِن قلتَ: كيف استثنيت الموتةَ الأولى المَذُوقَةَ قبل دخول الجنة من الموت المنفي ذوقه منها؟ قُلْتُ: أريدَ أن يُقَالَ: لا يذقون فيها الموت البتة، فوضع قوله: ﴿إِلاَّ الموتة الأولى﴾ موضع «ذَلِكَ» ، لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذَوْقُهَا في المستقبل؛ فإنهم يذُوقُونَها في الجنَّة. قالال شهاب الدين: وهذا عند علماء البيان يسمى نَفي الشيء بدليله ومثله قولن النَّابغة: 4432 - وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتائِبِ يعني إن كان أحد يعند فُلُول السيوف من قراع الكتائب عيباً، فهذا عيبهم لكن عَدّهُ من العيوب محال فانتفى عنه العيب بدليل تعليق الأمر على المُحَال. وقال ابن عطية بعد ما حكاه عن الطبري: فتبين أنه فنى عنهم ذَوْقَ الموت، وأنه لا ينالهم من ذلك غير ما تقدم في الدنيا. يعني أنه كلامٌ محمول على مَعْنَاه. وقال ابن الخطيب: إن من جرب شيئاً ووقف عليه وصح أن يقال: إنه ذَاَقَهُ، وإذا صح أن يسمى ذَلِكَ العلمُ بالذوق صح أن يسمى تذكره أيضاً بالذوق. فقوله: ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى﴾ يعنى الذَّوْقَ الحاصِلَ بسبب تذكر الموتة الأولى. فإن قيل: أليس أنَّ أهل النار لا يذوقون الموت فلم بَشَّرَ أهل الجنة بهذا مع أن أهل النار يشاركونهم فيه؟ فالجواب: أن البشارةَ ما وقعت بدوام الحياة، (بل بدوام الحياة) مع سابقة حصول تلك الخيرات والساعات فافترقا. قوله: «وَوَقَاهُمْ» الجمهور على التخفيف، وقرأ أَبو حَيْوَةَ وَوَقَّاهُمْ بالتشديد على المبالغة ولا تكون للتعدية فإنه متعدٍّ إلى اثنيْنِ. قوله: «فَضْلاً» مفعول من أجله، وهو مراد مَكِّيٍّ بقوله: مصدر عَمِلَ فيه «يَدْعُونَ» . وقيل: العامل فيه: «وَوَقَاهُمْ» . وقيل: آمنين. فهذا إنما يظهر على كونه مفعولاً من أجله، على أن يجوز أن يكون مصدراً، لأن «يَدْعُونَ» وما بعده من باب التفضُّل، فهو مصدر ملاقٍ لعامله في المعنى. وجعله أبو البقاء منصوباً بمقدر أي تَفَضَّلْنَا بذلك فضلاً أي تَفَضُّلاً. فصل احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الثواب يحصل من الله (تعالى) فضلاً وإحساناً وأن كل ما وصل إليه العبد من الخلاص عن النار والفَوْزِ بالجَنَّة، فإنما يحصل بفضل الله تعالى، ثم قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾ وهذا يدل على أن الفضل أعلى من درحات الثواب المستحق، لأنه وصفه بكمونه فَوْزاً عظيماً، وأيضاً فإن الملكَ العظيم إذا أعطى الأجير أجرته، ثم خلع على إنسان آخر، فإن تلك الخُلْعة أعلى حالاً من إعطاء تلك الأجرة. ولما بين الله تعالى الدلائل وشرح الوعد والوعيد قال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ أي سَهَّلْنَا القرآن، كناية عن غير مذكور «بِلِسَانِكَ» أي بلغتك. والباء للمصاحبة ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعظُونَ. قال القاضي: وهذا يدل علىأنه أراد من الكل الإيمان ولم يرد من أحَدٍ الكفر. وأُجِيبَ: بأن الضمير في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ عائد إلى أقوام مخصوصين فيحمل ذلك على المؤمنين. قوله: «فَارْتَقِبْ» أي فانتظر ما يحِلُّ بهم ﴿إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾ لما يحِلُّ بِكَ. فمفعولا الارتقاب محذوفان أي فارتقب النصر من ربك إنهم مرتقبون بك ما يتمنونه من الدوائر والغوائل ولن يضرك ذلك. روى أبو هريرة: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَنْ قَرَأَ حَم الدخان في لَيْلِهِ أصبح يستغفر له سَبُعون أَلْف مَلَك» رواه البغوي في تفسيره. وروى الثَّعْلَبِيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ حم التي يذكر فيها الدخان في ليلة جمعةٍ أصبح مغفوراً له» «. وقال أبو أمامة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم (يقول) :» من قرأ حم الدخان ليلة الجُمُعَةِ أو يوم الجمعة بَنَى الله له بيتاً في الجنة» . (اللهم أسْعِدْنا بعظيم فضلك، وأرحمنا برحمتك) . (والله تعالى أعلمُ بالصواب وإليه المرجعُ والمَآب) . سورة الجاثية

الدخان 44:59

قوله تعالى: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ لما ذكر وعيد الكفار أردفه بِآيَاتِ الوعْد فقال: «إنْ المُتَّقِينَ» قال أهل السنة: كل من اتقى الشرك صدق عليه أنه متق، فوجب أن يدخل الفساق هذا الوعد فقال: فِي مَقَام أَمِينٍ. وقرأ أهل المدينة والشام بضمِّ ميم «مُقَام» على المصدر، أي في إقامة وقرأ الباقون فتح الميم أي في مَجْلِس أمنين آمنوا فيه من الغير. قال الزمخشري (المقام) بفتح الميم هو موضع القيام والمراد المكان وهو من الخاص الذي جُعل مستعملاً في المعنى العام وبالضم هو موضع الإقامة، والأمين من قولك: أَمِنَ الرَّجُلُ اَمَانَةً فَهُو أَمِينٌ وهو ضد الخائن. فوصف به المكان ستعارة؛ لأن المكان المخيف كأنه يَخُون صَاحِبَه. قوله: «فِي جَنَّاتٍ» يجوز أن يكون بدلاً من قوله: «فِي مَقَام» بتكرير العامل، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً وقوله: «يَلْبَسُونَ» يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الجارِّ، وأن يكون خبراً ل «إنّ» فيتعلَّق الجار به، وأن يكون مستأنفاً. قوله: «مُتَقَابِلِينَ» حال من فاعل «يَلْبَسُونَ» . وتقدم تفسير السُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ والمُقَام. قوله: «كذلك» في هذه الكاف وجهان: أحدهما: النصب نعتاً لمصدر، أي نفعل بالمتقين فعلاً كذلك أي مثْلَ ذلك الفِعل. والثاني: الرفع على خبر ابتداء مضمر أي الأَمرُ كَذلِكَ. وقدر أبو البقاء قبله جملةً فقال: «تقديره: فَعَلْنَا ذَلِكَ، والأَمْرُ كَذلِكَ» ، ولا حاجة إليه. والوقف على «كذلك» والابتداء بقوله: وَزَوَّجْنَاهُمْ. قوله: «بِحُورٍ عِينٍ» العامة على تنوين «حُورٍ» موصوفاً «بِعِينٍ» . وعكرمة لم يُنَوِّنْ، أضافهن لأ، هن يَنْقَسِمْن إلى «عِينٍ» وغير «عِينٍ» . وتقدم تفسير الحُور العِينِ. فإن قيل: المراد بجلوسهم متقابلين استئناس بعضهم ببعض، والجلوس على هذه الصّفة موحش لأنه يكون كل واحد منهم مطلعاً على ما يفعل الآخر، وأيضاً فالقيليل الثواب إذا اطلع على حال من يكثر ثوابه ينغص عليه! فالجواب: أن أحوال الآخرة بخلاف أحوالِ الدنيا. فصل قال أبو عبيدة: معنى «وَزَوَّجْنَاهُمْ» أي جعلناهم أزواجاً، كما يزوج النَّعْلُ بالنَّعْلِ أي جَعَلْنَاهُمْ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ. واختلفوا في هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزويج أم لا؟ فقال يونس: قوله تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ﴾ قَرَنَّاهُمْ بِهِنَّ وليس من عقد التزويج، والعرب لا تقول: تَزَوَّجْتُ بِهَا، وإنَّما تقول: تَزَوَّجْتُهَا. وقال الواحديُّ: (رَحِمَهُ اللَّهُ) : والتنزيلم نزل على ما قال يونس، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: 37] ولو كان المراد تَزَوَّجْتُ بِهَا لقال: زَوَّجْنَاكَ بِهَا. فصل قال الواحدي: وأصل الحور البَيَاض، والتَّحْوير التبييض، وقد تقدم في تفسير الحَوَارِيِّينَ. وعين حوراء إذا اشتدَّ بَيَاضُ بَيَاضِهَا، واشْتَدَّ سَوَادُ سَوَادِهَا، ولا تسمى المرأة حَوْرَاءَ حتى يكون حَوَرُ عَيْنَيْهَا بَيْضَاء في لَوْن الجَسَد. وأما العِينشُ فجمع عَيْنَاءَ، وهي التي تكون عظيمةً العَيْنَيْنِ من النِّسَاء وَاسِعَتَهُمَا. قوله: «يَدْعُونَ فِيهَا» حال من مفعول «زَوَّجْنَاهُمْ» ومفعوله محذوف، أي يدعون الخَدَمَ بكُلّ فَاكِهَةٍ وقوله: «آمِنِينَ» يجوز أن تكون حَالاً ثانيةً، وأن تكون حالاً من فالع «يَدْعُونَ» فتكون حالاً مُتَدَاخِلَةً ومعنى «آمنين» أي من نِفَارِهَا ومِنْ «مَ» ضَرَّتِهَا. وقال قتادة: آمنين من الموت، والأوْصَاب، والشَّيْطَان. قوله: «لاَ يَذُوقُونَ» يجوز أن يكون حالاً من الضمير في «آمِنِينَ» وأن يكون حالاً ثالثةً أو ثانيةً من مفعول «وزَوَّجْنَاهُمْ» ، و «آمِنينَ» حال من فاعل «يَدْعُونَ» كما تقدم، أو صفة «لآمِنينَ» أو مستأنف. وقرأ عَمرُو بنُ عُبَيْد: لاَ يُذَاقُونَ مبنياً للمفعول. قوله: «إلاَّ المَوْتَة الأُوْلَى» فيه أوجه: أحدها: أنه استثناء منقطع، أي لكن المَوْتَةَ الأُولى، قَدْ ذَاقُوهَا. الثاني: أنه متصل، وتأولوه بأن المؤمن عند موته في الدنيا يُرَى منزلته في الجنة لمعاينة ما يُعْطَاه منها أولما يتيقنه من نعيمها. الثالث: أن «إلاَّ» بمعنى سوى. نقله الطبري وضَعَّفَهُ. قال ابن عطية: وليس تضعيفه بصحيح، بل هو كونها بمعنى سوى مستقيم منتسق. الرابع: أن «إلاّ» بمعنى «بَعْدَ» ، واختاره الطبري. وأباهُ الجمهور، لأن إلاَّ بمعنى بَعْدَ لم يَثْبتُ. وقال الزمخشري: فَإِن قلتَ: كيف استثنيت الموتةَ الأولى المَذُوقَةَ قبل دخول الجنة من الموت المنفي ذوقه منها؟ قُلْتُ: أريدَ أن يُقَالَ: لا يذقون فيها الموت البتة، فوضع قوله: ﴿إِلاَّ الموتة الأولى﴾ موضع «ذَلِكَ» ، لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذَوْقُهَا في المستقبل؛ فإنهم يذُوقُونَها في الجنَّة. قالال شهاب الدين: وهذا عند علماء البيان يسمى نَفي الشيء بدليله ومثله قولن النَّابغة: 4432 - وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتائِبِ يعني إن كان أحد يعند فُلُول السيوف من قراع الكتائب عيباً، فهذا عيبهم لكن عَدّهُ من العيوب محال فانتفى عنه العيب بدليل تعليق الأمر على المُحَال. وقال ابن عطية بعد ما حكاه عن الطبري: فتبين أنه فنى عنهم ذَوْقَ الموت، وأنه لا ينالهم من ذلك غير ما تقدم في الدنيا. يعني أنه كلامٌ محمول على مَعْنَاه. وقال ابن الخطيب: إن من جرب شيئاً ووقف عليه وصح أن يقال: إنه ذَاَقَهُ، وإذا صح أن يسمى ذَلِكَ العلمُ بالذوق صح أن يسمى تذكره أيضاً بالذوق. فقوله: ﴿يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى﴾ يعنى الذَّوْقَ الحاصِلَ بسبب تذكر الموتة الأولى. فإن قيل: أليس أنَّ أهل النار لا يذوقون الموت فلم بَشَّرَ أهل الجنة بهذا مع أن أهل النار يشاركونهم فيه؟ فالجواب: أن البشارةَ ما وقعت بدوام الحياة، (بل بدوام الحياة) مع سابقة حصول تلك الخيرات والساعات فافترقا. قوله: «وَوَقَاهُمْ» الجمهور على التخفيف، وقرأ أَبو حَيْوَةَ وَوَقَّاهُمْ بالتشديد على المبالغة ولا تكون للتعدية فإنه متعدٍّ إلى اثنيْنِ. قوله: «فَضْلاً» مفعول من أجله، وهو مراد مَكِّيٍّ بقوله: مصدر عَمِلَ فيه «يَدْعُونَ» . وقيل: العامل فيه: «وَوَقَاهُمْ» . وقيل: آمنين. فهذا إنما يظهر على كونه مفعولاً من أجله، على أن يجوز أن يكون مصدراً، لأن «يَدْعُونَ» وما بعده من باب التفضُّل، فهو مصدر ملاقٍ لعامله في المعنى. وجعله أبو البقاء منصوباً بمقدر أي تَفَضَّلْنَا بذلك فضلاً أي تَفَضُّلاً. فصل احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الثواب يحصل من الله (تعالى) فضلاً وإحساناً وأن كل ما وصل إليه العبد من الخلاص عن النار والفَوْزِ بالجَنَّة، فإنما يحصل بفضل الله تعالى، ثم قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾ وهذا يدل على أن الفضل أعلى من درحات الثواب المستحق، لأنه وصفه بكمونه فَوْزاً عظيماً، وأيضاً فإن الملكَ العظيم إذا أعطى الأجير أجرته، ثم خلع على إنسان آخر، فإن تلك الخُلْعة أعلى حالاً من إعطاء تلك الأجرة. ولما بين الله تعالى الدلائل وشرح الوعد والوعيد قال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ أي سَهَّلْنَا القرآن، كناية عن غير مذكور «بِلِسَانِكَ» أي بلغتك. والباء للمصاحبة ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يَتَّعظُونَ. قال القاضي: وهذا يدل علىأنه أراد من الكل الإيمان ولم يرد من أحَدٍ الكفر. وأُجِيبَ: بأن الضمير في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ عائد إلى أقوام مخصوصين فيحمل ذلك على المؤمنين. قوله: «فَارْتَقِبْ» أي فانتظر ما يحِلُّ بهم ﴿إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾ لما يحِلُّ بِكَ. فمفعولا الارتقاب محذوفان أي فارتقب النصر من ربك إنهم مرتقبون بك ما يتمنونه من الدوائر والغوائل ولن يضرك ذلك. روى أبو هريرة: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَنْ قَرَأَ حَم الدخان في لَيْلِهِ أصبح يستغفر له سَبُعون أَلْف مَلَك» رواه البغوي في تفسيره. وروى الثَّعْلَبِيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ حم التي يذكر فيها الدخان في ليلة جمعةٍ أصبح مغفوراً له» «. وقال أبو أمامة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم (يقول) :» من قرأ حم الدخان ليلة الجُمُعَةِ أو يوم الجمعة بَنَى الله له بيتاً في الجنة» . (اللهم أسْعِدْنا بعظيم فضلك، وأرحمنا برحمتك) . (والله تعالى أعلمُ بالصواب وإليه المرجعُ والمَآب) . سورة الجاثية

الجاثية 45:1

مكية وهي سبع وثلاثون آية، وأربعمائة وثمانون كلمة، وألفان ومائة وإحدى وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿حمتَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم﴾ قد تقدم مثله أول غافرٍ. وقال أبو عبد الله الرازي: العزيز الحكيم إن كانا صفة لله كانا حقيقة، وإنْ كَانَا صفة للكتاب كانا مجازاً له. ورد عليه أبو حيان جعله إياهما صفة للكتاب. قال: إذ لو كان كذلك لوليت الصِّفَةُ موصوفَها فكا يقال: تنزيل الكتاب العزيزِ الحكيمِ مِنَ اللهِ. قال: لأن «من الله» إن تعلق «بتنزيل» و «تنزيل» خبر ل «حم» أو لمبتدأ محذوف، لزم الفصل به بين الصفة والموصوف، ولا يجوز، كما لا يجوز: أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ بٍسَوْط الفَاضِل، أو في موضع الخبر وتنزيل مبتدأ، فلا يجوز الفصل به أيضاً لا يجوز: ضَرْبُ زَيْدٍ شَدِيدٌ الفَاضِلُ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ إن كان قوله «حم» قسماً «فتزيل الكتاب» نعت له، وجواب القسم: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض﴾ واعلم أن حصول الآيات في السموات والأرض ظاهر دال على وجود الله تعالى، وقدرته مثل مقاديرها وكيفياتها وحركاتها، وأيضاً الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار. وقد تقدم الكلام في كيفية دلالتها على وجود الإلهة القادر الفاعل المختار. وقوله: «لآياتِ لِلْمؤمِنِينَ» يقتضي كون هذه مختصةً بالمؤمنين. وقالت المعتزلة: إنها آيات للمؤمن والكافر، إلا أنه لما انتفع بها المؤمن دون الكافر أضيف كونها آياتٍ للمؤمنين، ونظيره قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] فإنه هُدًى لكلّ الناس، كما قال تعالى: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة: 185] إلاَّ أنهن لما نتفع به المؤمن خاصةً قيلَ: هدى للمتقين. قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أن قوله: «وَمَا يَبُثُّ» معطوف على «خَلْقِكُمْ» المجرور بفي والتقدير: وفيمَا يَبُثُّ. الثاني: أنه معطوف على الضمير المخفوض بالخلق وذلك على مذهب من يرى العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار. واستقبحه الزمخشري وإن أُكِّدَ، نحو: مَرَرْتُ بِكَ أَنْتَ وَزَيْدٍ يشير بذلك إلى مذهب الجَرْميّ، فإنه يقول: إن أكّدَ جاز، وإِلاَّ فَلاَ. فقوله مذهب ثالث. قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ و ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . وقرأ آيات بالكسر في الموضعين الأخوان والباقون برفعهما ولا خرف في كسر الأولى؛ لأنها اسم «إن» فأما آيات لقوم يوقنون بالكسر فيجوز فيها وجهان: أحدهما: ِأنها معطوفة على اسم «إن» والخبر قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ كأنه قيل: وإنَّ فِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَات. والثاني: أن تكون كررت توكيداً «لآيَات» الأُوْلَى، ويكون «في خلقكم» معطوفاً على «السَّموَات» كرر معه حرف الجر توكيداً. ونظيره أن تقول: إنَّ في بَيِْتِكَ زَيْداً وفي السّوقِ زَيْداً فزيد الثاني توكيد للأول كأنك قلت: إنَّ زَيْداً زَيْداً فِي بَيْتِكَ وفِي السُّوق. وليس في هذا عطف على معمولي عاملين البتة وقد وهم أبو البقاء فجعلها من ذلك فقال: آيات لقوم يوقنون بكسر الثانية وفيه وجهان: أحدهما: أن «إن» مضمرة حذفت لدلالة «إن» الأولى عليها، وليست «آيات» معطوفة على آيات الأولى، لما فيه من العطف على معمولي عاملين. والثاني: أن تكمون كررت للتأكيد، لأنها من لفظ «آيات» الأولى، وإعرابها كإعرابها كقولك: إنَّ بِثَوْبِكَ دَماً وَبِثَوْبِ زَيْدٍ دماً، فَدَم الثاني مكرر، لأنك مستغنٍ عن ذكره انتهى. فقوله: وليست معطوفة على «آيات» الأولى لما فيه من العطف على معمولي عاملين وهمٌ أين معمول العامل الآخر؟ وكأنه توهم أن «في» ساقطة من قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ أو اختلطت عليه ﴿آيات لقوم يعقلون﴾ بهذه، لأن تِيكَ فيها ما يوهم العطف على عاملين. وقد ذكره هو أيضاً. وأما الرفع فمن وجهين أيضاً: أحدهما: أن يكون «فِي خَلْقِكُمْ» خبراً مقدماً، و «آياتٌ» مبتدأ مؤخراً، وهي جملة معطوفة على جملة مؤكدة بإِن. والثاني: أن تكون معطوفة على «آيات» الأولى اعتباراً بالمحل عند من يجيز ذلك، لا سيما عند من يقول: إنه يجوز ذلك بعد الخبر بإجماعل. وأما قوله: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ فقد تقدم أنَّ الأخوين يقرآن آياتٍ بالكسر وهي تحتاج إلى إيضاح، فإن الناس تكلموا فيها كثيراً وخرّجوها على أوجه مختلفة، وبها استدل على جواز العطف على عاملين قال شهاب الدين: والعطف على عاملين لا يختص بقراءة الأخوين، بل يجوز أن يستدل عليه أيضاً بقراءة الباقين كما سنقف عليه إنْ شَاءَ الله تعالى فأما قراءة الأخوين ففيها أَوْجهُ: أحدها: أن يكون «اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ» مجروراً ب «في» مضمرةً، وإنما حذفت لتقدم ذكرها مرتين وحرف الجر إذا دلّ عليه دليل (جاز حذفه وأيضاً عمله وأنشد الإمام الأستاذ سيبويه:) 4433 - ألآن قَربَّتْ تهْجُونَا وتَشْتُمُنَا ... فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ تقديره: وبالأَيامِ، لتقدم الباء في «بِكَ» . ولا يجوز عطفه على الكاف لأنه ليس من مذهبه العطف على الضمير المجرور، دون إعادة الجارّ، فالتقدير في هذه الآية: «وَفِي اخْتِلاَفِ آيَاتِ» ، فآيات على ما تقدم من الوجهين في آيات قبلها العطف أو التأكيد. قالوا: ويدلّ على ذلك قراءة عبد الله (وَفِي اخْتِلافِ) تصريحاً بفي. فهذان وجهان: الثالث: أن يعطف «اخْتِلافِ» على المجرور بفي، وآيات على المنصوب بإن وبهذا هو العطف على عاملين، وتحقيقه على معمولي عاملين، وذلك أنك عطفت «اخْتِلاَفِ» على «خَلْقِ» وهو مجرور بفي فهو معمول عامل، وعطف «آياتِ» على اسم إنّ وهو معمول عامل آخر. فقد عطفت بحرف واحد وهو الواو معمولين وهما «اخْتِلافِ» و «آياتٍ» على معمولين قبلهما وهما «خلق وآيات» . ويظاهرها استدل على من جوّز ذلك كالأخفش. وفي المسألة أربعة مذاهب، المنع مطلقاً، وهو مذهب سيبويه، وجمهور البصريين، قالوا: لأنه يؤدي إلى إقامة حرف العطف مقام عامليْن وهو لا يجوز؛ لأنه لو جاز في عاملين لجاز في ثلاثة، ولا قائل به، ولأن حرف العطف ضعيف، فلا يَقْوَى أن ينوب عن عاملين، ولأن القَائِلَ بجواز ذلك يستضعفه والأحسن عنده أن لا يجوز، مفملا ينبغي أن يحمل عليه كتاب الله، ولأنه بمنزلة التَّعْدِيَتَيْنِ بمُعَدِّ واحد، وهو غير جائز. قال ابن السراج: العطف على عاملين خطأ في القياس غير مسموع من العرب، ثم حمل ما في هذه الآية على التكرار والتأكيد. قال الرماني: هو كقولك: إنَّ فِي الدَّارِ زَيْداً وَالبَيْتِ زَيْداً، فهو جائز بالإجماع، وهذا الوجه الذي ذكره ابن السراج حَسَنٌ جداً لا يجوز أن يحمل كمتاب الله إلا عليه وقد ثبتت القراءة بالكسر، ولا يعيب فيها في القرآن على وجه. والعطف على عاملين عيب عند من أجازه ومن لم يجزه فقد تَنَاهى في العقيب فلا يجوز حمل هذه الآية على ما ذكره ابن السراج دون ما ذهب إليه غيره. قال شهاب الدين: وهذا الحَصْر منْهُ غير مُسَلَّم، فإن في الآية تخريجاتٍ أُخَر على ما ذكره ابنُ السراج، يجوز الحمل عليها. وقال الزجاج ومثله في الشعر: 4434 - أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبينَ امْرَءاً ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارا وأنشد الفارسيّ للفرزدق: 4435 - وبَاشَرُوا رَعْيَها الصَّلا بِلَبَانِهِ ... وَجَنْبَيْهِ حَرَّ النَّارِ مَا يتَحَرَّفُ وقول الآخر: 4436 - اَوْصَيْتَ مِنْ بَرَّةً قَلْباً حَرًّا ... بِالكَلْبِ خَيْراً وَالحَمَاةِ شَرًّا فأما البيت الأول فظاهره أنه عطف «وَنَارٍ» على «امرىء» المخفوض «بكل» و «نَاراً» الثانية على «أمْرءاً» الثاني، والتقدير: أتَحْسَبِينَ كُلَّ نَاراً، فقد عطف على معمولي عاملين. والبيت الثاني: عطف عليه «وجَنْبَيْهِ» على «بِلَبَانِهِ» عطف حرّ النار «على الصَّلا» والتقدير: وبَاشَرَ بجَنْبَيْه حَرَّ النَّارِ. والبيت الثالث: عطف فيه «الحَمَاةِ» على «الكلبِ» و «شرًّا» على «خيراً» تقديره: وأوْصَيْتَ بالحَمَاةِ شَرًّا. وسيبويه في جميع ذلك يرى الجر بخافض مقدر، لكنه عورض بأن إعمال حرف الجر مضمراً ضعيفٌ جداً، ألا ترى أنه لا يجوز: مَرَرْتُ زَيْدٍ بخفض «زَيْدٍ» إلاَّ في ضرورة كقوله: 4437 - إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ ... أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ يريد: إلى كليب، وقول الآخر: 4438 - ... ... ... ... ... ... ... . ... تَبَذَّخَ فَارْتَقَى الأَعْلاَمِ أي إلى الأعلام. فقد فقر من شيء فوقع في أضعف منه، وأجِيب عن ذلك: بأنه لما تقدم ذكر الحرف في اللفظ قويتِ الدّلالة عليه فكأنه ملفوظ به بخلاف ما أردتموه في المِثَال والشِّعر. والمذهب الثاني: التفضيل، وهو مذهب الأخفش، وذكل أنه يجوز بشرطين: أحدهما: أن يكون أحد العاملين جاراً، والثاني: أن يتصل المعطوف بالعاطف أو يفصل «بلا» ثمال الأول: الآية الكريمة والأبيات المتقدمة، ولذلك استصوب المبرد اشتهاده بالآية ومثال الفصل «بلا» قولك: مَا فِي الدَّارِ زَيْدٌ وَلاَ الحُجْرَةِ عَمْرٌو. فلو فقد الشرطان، نحو: إنَّ زَيْداً شَتَم بِشْراً، وَوَاللهِ خَالِداً (هِنْداً) أو فقد أحدهما، نحو: إنَّ زيداً ضَرَبَ بَكْراً، وخالداً بِشْراً، فقد نقل ابن مالك، الامتناع عن الجميع. وفيه نظر، لما سيأتي من الخِلاف. الثالث: أنه يجوز بشرط أن يكون أحد العاملين جارًّا، وأن يكون متقدماً نحو الآية الكريمة، فلو لم يتقدم نحو: إنَّ زَيْداً في الدارِ وعمرو السوقِ، لم يَجُز، وكذا لو لم يكن حرف جر كما تقدم تمثيله. الرابع: الجواز مطلقاً، ويُعْزَى للفراء. الوجه الرابع من أوجه تخريج القراءة المكذورة: أن ينتصب «آيات» على الاختصاص. قاله الزمخشري، كما سيأتي. وأما قراءة الرفع ففيها أوجه: أحدها: أن يكون الأول. والثاني: ما تقدم في ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . الثالث: أن تكون المسألة من باب العطف على عاملين، وذلك أن «اخْتِلاَفِ» عطف على «خَلْقكم» وهو معمول «لفِي» و «آيات» قبلها، وهي معمولة للابتداء فقد عطف على معمول عاملين في هذه القراءة أيضاً. قال الزمخشري: وقرىء: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالرفع والنصب على قولك: إنَّ زَيْداً فِي الدَّارِ وعمرو في السوق أو عمراً في السُّوق. قال: وأما قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فمن العطف على عاملين سواء نصبت أم رفعت، فالعاملان في النصب (إنَّ) و (فِي) ، أقيمت الواو مُقَامَهُما فعملت الجر في «اختلاف الليل والنهار» والنصب في «آيات» وإذا رفعت فالعاملان الابتداء و (في) عملت الرفع في «آيات» والجر في «اختلاف» . ثُمَّ قال في توجيه النصب: والثاني: أن ينتصب على الاختصاص بعد انقضاء المجرور. والوجه الخامس: أن يرتفع «آياتٌ» على خبر ابتداء مضمر أي هِيَ آياتٌ. وناقشه أبو حيان فقال: ونسبة الجر والرفع والجر والنصب للواو ليس بصحيح؛ لأنّ الصحيحَ من المذاهب أن حرف العطف لا يعمل، وأيضاً ناقش أبو شامة فقال: فمنهم من يقول هو على هذه القراءة أيضاً يعني قراءة الرفع عطف على عاملين. وهما حرف «في» والابتداء المقتضي للرفع. ومنهم من لا يطلق هذه العبارة في هذه القراءة؛ لأن الابتداء ليس بعامل لظفي. وقرىء: واخْتِلاَفُ بالرفع آيَةٌ بالرفع، والتوحيد على الابتداء والخبر. وكذلك قرىء: وما يَبُيُّ مِنْ دَابَّةٌ بالتوحيد. وقرأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطلحة وعِيسَى: وتصْرِيف الرِّيح كذا قال أبو حيان. قال شهاب الدين: وقد قرأ بهذه القراءة حمزةُ والكسائيُّ أيضاً. وقد تقدم ذلك في سورة البقرة. فصل اختلاف الليل والنهار فيه وجوه: الأول: تبديل النهار بالليل وبالعكس. الثاني: زيادة طول النهار على طول الليل والعكس. الثالث: اختلاف مطالع الشمس في أيام السنة. قوله: ﴿وَمَآ أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ﴾ يعني الرزق الذي هو سبب أرزاق العباد ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وهذا يدل على وجوب القول بوجود الفاعل المختار من وجوه: أحدها: إنشاء السحاب وإنزال المطر فيه. وثانيها: تولد النبات من تلك الحبة الواقعة في الأرض. وثالثها: تولد الأنواع المختلفة وهي ساق الشجرة، وأغصانها، وأوراقها، وثمارها، ثم تلك الثمرة منها ما يكون القشر محيطاً باللّب، كالجَوْز، واللَّوز، ومنها ما يكون اللّب محيطاً بالقشر كالمِشْمِش والخوخ، ومنها ما يكون خالياً عن القشر كالتِّين. فتولد أقسام النبات على كثرة أقسامه وَتَبَايُنِها يدلّ على وجوب القول بوجود الفاعل المختار الحكيم الرحيم. قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ هي أقسام كثير منها الشرقية، والغربية والشّمالية، والجنوبية، ومنها الحارّة، والباردة، أياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون. واعلم أنه تعالى جمع هذه الدلائل في سورة البقرة فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس وَمَآ أَنزَلَ الله مِنَ السمآء مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرياح والسحاب المسخر بَيْنَ السمآء والأرض لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] . فذكر الله تعالى هذه الأقسام الثمانية من الدلائل، والتافوت بين الوصفين من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿إنَّ في خلق السموات والأرض﴾ وقال ههنا: ﴿إن في السموات والأرض﴾ والصحيح عند أهل السنة: إنَّ الخلق غير المخلوق، فذكر لفظ الخلق في سورة البقرة، ولم يذكره هَهُنَا تنبيهاً على أن لا تفاوت بين أن يفصل السموات أو خلق السموات فيكون هذا دليلاً على أن الخلق غير المخلوق. الثاني: أنه ذكر هناك ثمانيةَ أنواع من الدلائل، وذكر ههنا سبعة أنواع من الدلائل، وأهمل منها الفلك والسحاب، والسَّبَبُ فيه أن مَدَار حركة الفلك والسحاب على الرياح المختلفة، فذكر الرياح التي هي كالسبب يغني عن ذكرهما. الثالث: أنه جمع الكل وذكر لها مقطَعاً واحداً، وههنا رَتَّبَها على ثلاثة أنواع، والغرض منه التنبيه على أنه لا بدّ من إفراد كل احد منها بنظر تامٍّ سابقٍ. الرابع: أنه تعالى ذكر في هذا الموضع ثلاثة مقاطع: أحدها: للمؤمنين، وثانيها: «يوقنون» . وثالثها: «يعقلون» . قال ابن الخطيب: وأظنُّ أن سبب هذا الترتيب أن قوله: إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين (بل أنتم من طلاب الجَزْم واليقين، فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين) ولا من المُوقِنِينَ فلا أَقَلَّ أن تكونوا من زُمْرَةِ العقلاْ فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل. قوله تعالى: ﴿تَلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا﴾ يجوز أن تكون «نتلوها» خبراً «لِتِلْكَ» و «آيَاتُ اللهِ» ، بدل أو عطف بيان، ويجوز أن تكون «تِلْكَ آيَاتُ» مبتدأ وخبراًن و «نَتْلُوها» حال قال الزمخشري: والعامل ما دل عليه «تلك» من معنى الإرشاد ونحوه: ﴿وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود: 72] . قال أبو حيان: وليس نحو لأن في «هَذَا بَعْلِي» حرف تنبيه؛ فقيل: العامل في الحال ما دل عليه حرف التنبيه أي تَنَبَّهْ وأما تلك فليس فيها حرف تنبيه، (فإذا كان حرف التنبيه عاملاً) بما فيه من معنى التنبيه لأن المعنى قد يعمل في الحال، فالمعنى تَنَبَّهْ لزيدٍ في حال شَيْخِه أو في حال قيامه. وقيل: العامل في مثل هذا التركيب فعل محذوف يدل عليه المعنى، أي انظر إليه في حال شيخه فلا يكون اسم الإشارة عاملاً ولا حرف التنبيه إن كان هناك. قال شهاب الدين: بل الآية نحو: هَذَا بَعْلِي شَيْخاً من حَيْثِيَّةِ نسبة العمل لاسم الإشارة غاية ما ثَمَّ أن في الآية الأخرى ما يَصْلُحُ أن يكون عاملاً، وهذا لا يَقْدَح في التنظير إذا قصدت جهةً مشتركةً، وأما إضمار الفعل فهو مشترك في الموضعين عند من يرى ذَلِكَ قال ابن عطية: وفي «نَتْلُوها» حذف مضاف، أي نتلو شأنها وشرح العبرة فيها ويحتمل أن يريد بآيات الله القرآن المنزل في هذا المعنى، فلا يكون فيها حذفُ مضاف. وقرأ بعضهم: يَتْلُوهَا بياء الغيبة، عائداً على الباري تعالى. قوله: «بالْحَقِّ» حال من الفاعل، أي ملتبسين بالحق، أو من المفعول، أي ملتبسةً بالحق. ويجوز أن تكون (الباء) للسببية فتتعلق بنفس «نَتْلُوهَا» . قوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ﴾ قال الزمخشري: أي بعد آيات الله، فهو كقولك: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ كَرَمُهُ، يريدون: كَرَمَ زَيْدٍ. وردَّه عليه أبو حيان بأنه ليس مراداً، بل المراد إعجاباً، وبأنَّ فيه إقحاماً للأسماء من غير ضرورة، قال: وهذا قلب لحقائق النَّحْو. وقرأ الحَرَمِيَّان وأبو عمرو وعاصمٌ في رواية «يُؤمِنُون» بياء الغيبة والباقون بتاء الخطاب. و «فَبِأَيِّ» متعلق به، قدم لأن له صدر الكلام. واختار أبو عبيد الياء، لأن فيه غيبة، وهو قوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾ ، و ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . فإن قيل: في أول الكلام خطاب، وهو قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ قُلْنَا: الغيبة أقرب إلى الحرف المُخْتَلَفِ فيه فكان أولى. فصل ومعنى الآية أن من لم ينتفع بهذه الآيات، فلا شيء بعده يجوز أن ينتفع به. وهذه الآية تبطل القول بالتقليد، وتوجب على المكلف على التأمل في دلائل دين الله.

الجاثية 45:2

مكية وهي سبع وثلاثون آية، وأربعمائة وثمانون كلمة، وألفان ومائة وإحدى وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿حمتَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم﴾ قد تقدم مثله أول غافرٍ. وقال أبو عبد الله الرازي: العزيز الحكيم إن كانا صفة لله كانا حقيقة، وإنْ كَانَا صفة للكتاب كانا مجازاً له. ورد عليه أبو حيان جعله إياهما صفة للكتاب. قال: إذ لو كان كذلك لوليت الصِّفَةُ موصوفَها فكا يقال: تنزيل الكتاب العزيزِ الحكيمِ مِنَ اللهِ. قال: لأن «من الله» إن تعلق «بتنزيل» و «تنزيل» خبر ل «حم» أو لمبتدأ محذوف، لزم الفصل به بين الصفة والموصوف، ولا يجوز، كما لا يجوز: أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ بٍسَوْط الفَاضِل، أو في موضع الخبر وتنزيل مبتدأ، فلا يجوز الفصل به أيضاً لا يجوز: ضَرْبُ زَيْدٍ شَدِيدٌ الفَاضِلُ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ إن كان قوله «حم» قسماً «فتزيل الكتاب» نعت له، وجواب القسم: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض﴾ واعلم أن حصول الآيات في السموات والأرض ظاهر دال على وجود الله تعالى، وقدرته مثل مقاديرها وكيفياتها وحركاتها، وأيضاً الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار. وقد تقدم الكلام في كيفية دلالتها على وجود الإلهة القادر الفاعل المختار. وقوله: «لآياتِ لِلْمؤمِنِينَ» يقتضي كون هذه مختصةً بالمؤمنين. وقالت المعتزلة: إنها آيات للمؤمن والكافر، إلا أنه لما انتفع بها المؤمن دون الكافر أضيف كونها آياتٍ للمؤمنين، ونظيره قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] فإنه هُدًى لكلّ الناس، كما قال تعالى: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة: 185] إلاَّ أنهن لما نتفع به المؤمن خاصةً قيلَ: هدى للمتقين. قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أن قوله: «وَمَا يَبُثُّ» معطوف على «خَلْقِكُمْ» المجرور بفي والتقدير: وفيمَا يَبُثُّ. الثاني: أنه معطوف على الضمير المخفوض بالخلق وذلك على مذهب من يرى العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار. واستقبحه الزمخشري وإن أُكِّدَ، نحو: مَرَرْتُ بِكَ أَنْتَ وَزَيْدٍ يشير بذلك إلى مذهب الجَرْميّ، فإنه يقول: إن أكّدَ جاز، وإِلاَّ فَلاَ. فقوله مذهب ثالث. قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ و ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . وقرأ آيات بالكسر في الموضعين الأخوان والباقون برفعهما ولا خرف في كسر الأولى؛ لأنها اسم «إن» فأما آيات لقوم يوقنون بالكسر فيجوز فيها وجهان: أحدهما: ِأنها معطوفة على اسم «إن» والخبر قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ كأنه قيل: وإنَّ فِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَات. والثاني: أن تكون كررت توكيداً «لآيَات» الأُوْلَى، ويكون «في خلقكم» معطوفاً على «السَّموَات» كرر معه حرف الجر توكيداً. ونظيره أن تقول: إنَّ في بَيِْتِكَ زَيْداً وفي السّوقِ زَيْداً فزيد الثاني توكيد للأول كأنك قلت: إنَّ زَيْداً زَيْداً فِي بَيْتِكَ وفِي السُّوق. وليس في هذا عطف على معمولي عاملين البتة وقد وهم أبو البقاء فجعلها من ذلك فقال: آيات لقوم يوقنون بكسر الثانية وفيه وجهان: أحدهما: أن «إن» مضمرة حذفت لدلالة «إن» الأولى عليها، وليست «آيات» معطوفة على آيات الأولى، لما فيه من العطف على معمولي عاملين. والثاني: أن تكمون كررت للتأكيد، لأنها من لفظ «آيات» الأولى، وإعرابها كإعرابها كقولك: إنَّ بِثَوْبِكَ دَماً وَبِثَوْبِ زَيْدٍ دماً، فَدَم الثاني مكرر، لأنك مستغنٍ عن ذكره انتهى. فقوله: وليست معطوفة على «آيات» الأولى لما فيه من العطف على معمولي عاملين وهمٌ أين معمول العامل الآخر؟ وكأنه توهم أن «في» ساقطة من قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ أو اختلطت عليه ﴿آيات لقوم يعقلون﴾ بهذه، لأن تِيكَ فيها ما يوهم العطف على عاملين. وقد ذكره هو أيضاً. وأما الرفع فمن وجهين أيضاً: أحدهما: أن يكون «فِي خَلْقِكُمْ» خبراً مقدماً، و «آياتٌ» مبتدأ مؤخراً، وهي جملة معطوفة على جملة مؤكدة بإِن. والثاني: أن تكون معطوفة على «آيات» الأولى اعتباراً بالمحل عند من يجيز ذلك، لا سيما عند من يقول: إنه يجوز ذلك بعد الخبر بإجماعل. وأما قوله: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ فقد تقدم أنَّ الأخوين يقرآن آياتٍ بالكسر وهي تحتاج إلى إيضاح، فإن الناس تكلموا فيها كثيراً وخرّجوها على أوجه مختلفة، وبها استدل على جواز العطف على عاملين قال شهاب الدين: والعطف على عاملين لا يختص بقراءة الأخوين، بل يجوز أن يستدل عليه أيضاً بقراءة الباقين كما سنقف عليه إنْ شَاءَ الله تعالى فأما قراءة الأخوين ففيها أَوْجهُ: أحدها: أن يكون «اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ» مجروراً ب «في» مضمرةً، وإنما حذفت لتقدم ذكرها مرتين وحرف الجر إذا دلّ عليه دليل (جاز حذفه وأيضاً عمله وأنشد الإمام الأستاذ سيبويه:) 4433 - ألآن قَربَّتْ تهْجُونَا وتَشْتُمُنَا ... فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ تقديره: وبالأَيامِ، لتقدم الباء في «بِكَ» . ولا يجوز عطفه على الكاف لأنه ليس من مذهبه العطف على الضمير المجرور، دون إعادة الجارّ، فالتقدير في هذه الآية: «وَفِي اخْتِلاَفِ آيَاتِ» ، فآيات على ما تقدم من الوجهين في آيات قبلها العطف أو التأكيد. قالوا: ويدلّ على ذلك قراءة عبد الله (وَفِي اخْتِلافِ) تصريحاً بفي. فهذان وجهان: الثالث: أن يعطف «اخْتِلافِ» على المجرور بفي، وآيات على المنصوب بإن وبهذا هو العطف على عاملين، وتحقيقه على معمولي عاملين، وذلك أنك عطفت «اخْتِلاَفِ» على «خَلْقِ» وهو مجرور بفي فهو معمول عامل، وعطف «آياتِ» على اسم إنّ وهو معمول عامل آخر. فقد عطفت بحرف واحد وهو الواو معمولين وهما «اخْتِلافِ» و «آياتٍ» على معمولين قبلهما وهما «خلق وآيات» . ويظاهرها استدل على من جوّز ذلك كالأخفش. وفي المسألة أربعة مذاهب، المنع مطلقاً، وهو مذهب سيبويه، وجمهور البصريين، قالوا: لأنه يؤدي إلى إقامة حرف العطف مقام عامليْن وهو لا يجوز؛ لأنه لو جاز في عاملين لجاز في ثلاثة، ولا قائل به، ولأن حرف العطف ضعيف، فلا يَقْوَى أن ينوب عن عاملين، ولأن القَائِلَ بجواز ذلك يستضعفه والأحسن عنده أن لا يجوز، مفملا ينبغي أن يحمل عليه كتاب الله، ولأنه بمنزلة التَّعْدِيَتَيْنِ بمُعَدِّ واحد، وهو غير جائز. قال ابن السراج: العطف على عاملين خطأ في القياس غير مسموع من العرب، ثم حمل ما في هذه الآية على التكرار والتأكيد. قال الرماني: هو كقولك: إنَّ فِي الدَّارِ زَيْداً وَالبَيْتِ زَيْداً، فهو جائز بالإجماع، وهذا الوجه الذي ذكره ابن السراج حَسَنٌ جداً لا يجوز أن يحمل كمتاب الله إلا عليه وقد ثبتت القراءة بالكسر، ولا يعيب فيها في القرآن على وجه. والعطف على عاملين عيب عند من أجازه ومن لم يجزه فقد تَنَاهى في العقيب فلا يجوز حمل هذه الآية على ما ذكره ابن السراج دون ما ذهب إليه غيره. قال شهاب الدين: وهذا الحَصْر منْهُ غير مُسَلَّم، فإن في الآية تخريجاتٍ أُخَر على ما ذكره ابنُ السراج، يجوز الحمل عليها. وقال الزجاج ومثله في الشعر: 4434 - أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبينَ امْرَءاً ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارا وأنشد الفارسيّ للفرزدق: 4435 - وبَاشَرُوا رَعْيَها الصَّلا بِلَبَانِهِ ... وَجَنْبَيْهِ حَرَّ النَّارِ مَا يتَحَرَّفُ وقول الآخر: 4436 - اَوْصَيْتَ مِنْ بَرَّةً قَلْباً حَرًّا ... بِالكَلْبِ خَيْراً وَالحَمَاةِ شَرًّا فأما البيت الأول فظاهره أنه عطف «وَنَارٍ» على «امرىء» المخفوض «بكل» و «نَاراً» الثانية على «أمْرءاً» الثاني، والتقدير: أتَحْسَبِينَ كُلَّ نَاراً، فقد عطف على معمولي عاملين. والبيت الثاني: عطف عليه «وجَنْبَيْهِ» على «بِلَبَانِهِ» عطف حرّ النار «على الصَّلا» والتقدير: وبَاشَرَ بجَنْبَيْه حَرَّ النَّارِ. والبيت الثالث: عطف فيه «الحَمَاةِ» على «الكلبِ» و «شرًّا» على «خيراً» تقديره: وأوْصَيْتَ بالحَمَاةِ شَرًّا. وسيبويه في جميع ذلك يرى الجر بخافض مقدر، لكنه عورض بأن إعمال حرف الجر مضمراً ضعيفٌ جداً، ألا ترى أنه لا يجوز: مَرَرْتُ زَيْدٍ بخفض «زَيْدٍ» إلاَّ في ضرورة كقوله: 4437 - إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ ... أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ يريد: إلى كليب، وقول الآخر: 4438 - ... ... ... ... ... ... ... . ... تَبَذَّخَ فَارْتَقَى الأَعْلاَمِ أي إلى الأعلام. فقد فقر من شيء فوقع في أضعف منه، وأجِيب عن ذلك: بأنه لما تقدم ذكر الحرف في اللفظ قويتِ الدّلالة عليه فكأنه ملفوظ به بخلاف ما أردتموه في المِثَال والشِّعر. والمذهب الثاني: التفضيل، وهو مذهب الأخفش، وذكل أنه يجوز بشرطين: أحدهما: أن يكون أحد العاملين جاراً، والثاني: أن يتصل المعطوف بالعاطف أو يفصل «بلا» ثمال الأول: الآية الكريمة والأبيات المتقدمة، ولذلك استصوب المبرد اشتهاده بالآية ومثال الفصل «بلا» قولك: مَا فِي الدَّارِ زَيْدٌ وَلاَ الحُجْرَةِ عَمْرٌو. فلو فقد الشرطان، نحو: إنَّ زَيْداً شَتَم بِشْراً، وَوَاللهِ خَالِداً (هِنْداً) أو فقد أحدهما، نحو: إنَّ زيداً ضَرَبَ بَكْراً، وخالداً بِشْراً، فقد نقل ابن مالك، الامتناع عن الجميع. وفيه نظر، لما سيأتي من الخِلاف. الثالث: أنه يجوز بشرط أن يكون أحد العاملين جارًّا، وأن يكون متقدماً نحو الآية الكريمة، فلو لم يتقدم نحو: إنَّ زَيْداً في الدارِ وعمرو السوقِ، لم يَجُز، وكذا لو لم يكن حرف جر كما تقدم تمثيله. الرابع: الجواز مطلقاً، ويُعْزَى للفراء. الوجه الرابع من أوجه تخريج القراءة المكذورة: أن ينتصب «آيات» على الاختصاص. قاله الزمخشري، كما سيأتي. وأما قراءة الرفع ففيها أوجه: أحدها: أن يكون الأول. والثاني: ما تقدم في ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . الثالث: أن تكون المسألة من باب العطف على عاملين، وذلك أن «اخْتِلاَفِ» عطف على «خَلْقكم» وهو معمول «لفِي» و «آيات» قبلها، وهي معمولة للابتداء فقد عطف على معمول عاملين في هذه القراءة أيضاً. قال الزمخشري: وقرىء: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالرفع والنصب على قولك: إنَّ زَيْداً فِي الدَّارِ وعمرو في السوق أو عمراً في السُّوق. قال: وأما قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فمن العطف على عاملين سواء نصبت أم رفعت، فالعاملان في النصب (إنَّ) و (فِي) ، أقيمت الواو مُقَامَهُما فعملت الجر في «اختلاف الليل والنهار» والنصب في «آيات» وإذا رفعت فالعاملان الابتداء و (في) عملت الرفع في «آيات» والجر في «اختلاف» . ثُمَّ قال في توجيه النصب: والثاني: أن ينتصب على الاختصاص بعد انقضاء المجرور. والوجه الخامس: أن يرتفع «آياتٌ» على خبر ابتداء مضمر أي هِيَ آياتٌ. وناقشه أبو حيان فقال: ونسبة الجر والرفع والجر والنصب للواو ليس بصحيح؛ لأنّ الصحيحَ من المذاهب أن حرف العطف لا يعمل، وأيضاً ناقش أبو شامة فقال: فمنهم من يقول هو على هذه القراءة أيضاً يعني قراءة الرفع عطف على عاملين. وهما حرف «في» والابتداء المقتضي للرفع. ومنهم من لا يطلق هذه العبارة في هذه القراءة؛ لأن الابتداء ليس بعامل لظفي. وقرىء: واخْتِلاَفُ بالرفع آيَةٌ بالرفع، والتوحيد على الابتداء والخبر. وكذلك قرىء: وما يَبُيُّ مِنْ دَابَّةٌ بالتوحيد. وقرأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطلحة وعِيسَى: وتصْرِيف الرِّيح كذا قال أبو حيان. قال شهاب الدين: وقد قرأ بهذه القراءة حمزةُ والكسائيُّ أيضاً. وقد تقدم ذلك في سورة البقرة. فصل اختلاف الليل والنهار فيه وجوه: الأول: تبديل النهار بالليل وبالعكس. الثاني: زيادة طول النهار على طول الليل والعكس. الثالث: اختلاف مطالع الشمس في أيام السنة. قوله: ﴿وَمَآ أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ﴾ يعني الرزق الذي هو سبب أرزاق العباد ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وهذا يدل على وجوب القول بوجود الفاعل المختار من وجوه: أحدها: إنشاء السحاب وإنزال المطر فيه. وثانيها: تولد النبات من تلك الحبة الواقعة في الأرض. وثالثها: تولد الأنواع المختلفة وهي ساق الشجرة، وأغصانها، وأوراقها، وثمارها، ثم تلك الثمرة منها ما يكون القشر محيطاً باللّب، كالجَوْز، واللَّوز، ومنها ما يكون اللّب محيطاً بالقشر كالمِشْمِش والخوخ، ومنها ما يكون خالياً عن القشر كالتِّين. فتولد أقسام النبات على كثرة أقسامه وَتَبَايُنِها يدلّ على وجوب القول بوجود الفاعل المختار الحكيم الرحيم. قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ هي أقسام كثير منها الشرقية، والغربية والشّمالية، والجنوبية، ومنها الحارّة، والباردة، أياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون. واعلم أنه تعالى جمع هذه الدلائل في سورة البقرة فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس وَمَآ أَنزَلَ الله مِنَ السمآء مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرياح والسحاب المسخر بَيْنَ السمآء والأرض لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] . فذكر الله تعالى هذه الأقسام الثمانية من الدلائل، والتافوت بين الوصفين من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿إنَّ في خلق السموات والأرض﴾ وقال ههنا: ﴿إن في السموات والأرض﴾ والصحيح عند أهل السنة: إنَّ الخلق غير المخلوق، فذكر لفظ الخلق في سورة البقرة، ولم يذكره هَهُنَا تنبيهاً على أن لا تفاوت بين أن يفصل السموات أو خلق السموات فيكون هذا دليلاً على أن الخلق غير المخلوق. الثاني: أنه ذكر هناك ثمانيةَ أنواع من الدلائل، وذكر ههنا سبعة أنواع من الدلائل، وأهمل منها الفلك والسحاب، والسَّبَبُ فيه أن مَدَار حركة الفلك والسحاب على الرياح المختلفة، فذكر الرياح التي هي كالسبب يغني عن ذكرهما. الثالث: أنه جمع الكل وذكر لها مقطَعاً واحداً، وههنا رَتَّبَها على ثلاثة أنواع، والغرض منه التنبيه على أنه لا بدّ من إفراد كل احد منها بنظر تامٍّ سابقٍ. الرابع: أنه تعالى ذكر في هذا الموضع ثلاثة مقاطع: أحدها: للمؤمنين، وثانيها: «يوقنون» . وثالثها: «يعقلون» . قال ابن الخطيب: وأظنُّ أن سبب هذا الترتيب أن قوله: إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين (بل أنتم من طلاب الجَزْم واليقين، فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين) ولا من المُوقِنِينَ فلا أَقَلَّ أن تكونوا من زُمْرَةِ العقلاْ فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل. قوله تعالى: ﴿تَلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا﴾ يجوز أن تكون «نتلوها» خبراً «لِتِلْكَ» و «آيَاتُ اللهِ» ، بدل أو عطف بيان، ويجوز أن تكون «تِلْكَ آيَاتُ» مبتدأ وخبراًن و «نَتْلُوها» حال قال الزمخشري: والعامل ما دل عليه «تلك» من معنى الإرشاد ونحوه: ﴿وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود: 72] . قال أبو حيان: وليس نحو لأن في «هَذَا بَعْلِي» حرف تنبيه؛ فقيل: العامل في الحال ما دل عليه حرف التنبيه أي تَنَبَّهْ وأما تلك فليس فيها حرف تنبيه، (فإذا كان حرف التنبيه عاملاً) بما فيه من معنى التنبيه لأن المعنى قد يعمل في الحال، فالمعنى تَنَبَّهْ لزيدٍ في حال شَيْخِه أو في حال قيامه. وقيل: العامل في مثل هذا التركيب فعل محذوف يدل عليه المعنى، أي انظر إليه في حال شيخه فلا يكون اسم الإشارة عاملاً ولا حرف التنبيه إن كان هناك. قال شهاب الدين: بل الآية نحو: هَذَا بَعْلِي شَيْخاً من حَيْثِيَّةِ نسبة العمل لاسم الإشارة غاية ما ثَمَّ أن في الآية الأخرى ما يَصْلُحُ أن يكون عاملاً، وهذا لا يَقْدَح في التنظير إذا قصدت جهةً مشتركةً، وأما إضمار الفعل فهو مشترك في الموضعين عند من يرى ذَلِكَ قال ابن عطية: وفي «نَتْلُوها» حذف مضاف، أي نتلو شأنها وشرح العبرة فيها ويحتمل أن يريد بآيات الله القرآن المنزل في هذا المعنى، فلا يكون فيها حذفُ مضاف. وقرأ بعضهم: يَتْلُوهَا بياء الغيبة، عائداً على الباري تعالى. قوله: «بالْحَقِّ» حال من الفاعل، أي ملتبسين بالحق، أو من المفعول، أي ملتبسةً بالحق. ويجوز أن تكون (الباء) للسببية فتتعلق بنفس «نَتْلُوهَا» . قوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ﴾ قال الزمخشري: أي بعد آيات الله، فهو كقولك: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ كَرَمُهُ، يريدون: كَرَمَ زَيْدٍ. وردَّه عليه أبو حيان بأنه ليس مراداً، بل المراد إعجاباً، وبأنَّ فيه إقحاماً للأسماء من غير ضرورة، قال: وهذا قلب لحقائق النَّحْو. وقرأ الحَرَمِيَّان وأبو عمرو وعاصمٌ في رواية «يُؤمِنُون» بياء الغيبة والباقون بتاء الخطاب. و «فَبِأَيِّ» متعلق به، قدم لأن له صدر الكلام. واختار أبو عبيد الياء، لأن فيه غيبة، وهو قوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾ ، و ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . فإن قيل: في أول الكلام خطاب، وهو قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ قُلْنَا: الغيبة أقرب إلى الحرف المُخْتَلَفِ فيه فكان أولى. فصل ومعنى الآية أن من لم ينتفع بهذه الآيات، فلا شيء بعده يجوز أن ينتفع به. وهذه الآية تبطل القول بالتقليد، وتوجب على المكلف على التأمل في دلائل دين الله.

الجاثية 45:3

مكية وهي سبع وثلاثون آية، وأربعمائة وثمانون كلمة، وألفان ومائة وإحدى وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿حمتَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم﴾ قد تقدم مثله أول غافرٍ. وقال أبو عبد الله الرازي: العزيز الحكيم إن كانا صفة لله كانا حقيقة، وإنْ كَانَا صفة للكتاب كانا مجازاً له. ورد عليه أبو حيان جعله إياهما صفة للكتاب. قال: إذ لو كان كذلك لوليت الصِّفَةُ موصوفَها فكا يقال: تنزيل الكتاب العزيزِ الحكيمِ مِنَ اللهِ. قال: لأن «من الله» إن تعلق «بتنزيل» و «تنزيل» خبر ل «حم» أو لمبتدأ محذوف، لزم الفصل به بين الصفة والموصوف، ولا يجوز، كما لا يجوز: أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ بٍسَوْط الفَاضِل، أو في موضع الخبر وتنزيل مبتدأ، فلا يجوز الفصل به أيضاً لا يجوز: ضَرْبُ زَيْدٍ شَدِيدٌ الفَاضِلُ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ إن كان قوله «حم» قسماً «فتزيل الكتاب» نعت له، وجواب القسم: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض﴾ واعلم أن حصول الآيات في السموات والأرض ظاهر دال على وجود الله تعالى، وقدرته مثل مقاديرها وكيفياتها وحركاتها، وأيضاً الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار. وقد تقدم الكلام في كيفية دلالتها على وجود الإلهة القادر الفاعل المختار. وقوله: «لآياتِ لِلْمؤمِنِينَ» يقتضي كون هذه مختصةً بالمؤمنين. وقالت المعتزلة: إنها آيات للمؤمن والكافر، إلا أنه لما انتفع بها المؤمن دون الكافر أضيف كونها آياتٍ للمؤمنين، ونظيره قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] فإنه هُدًى لكلّ الناس، كما قال تعالى: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة: 185] إلاَّ أنهن لما نتفع به المؤمن خاصةً قيلَ: هدى للمتقين. قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أن قوله: «وَمَا يَبُثُّ» معطوف على «خَلْقِكُمْ» المجرور بفي والتقدير: وفيمَا يَبُثُّ. الثاني: أنه معطوف على الضمير المخفوض بالخلق وذلك على مذهب من يرى العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار. واستقبحه الزمخشري وإن أُكِّدَ، نحو: مَرَرْتُ بِكَ أَنْتَ وَزَيْدٍ يشير بذلك إلى مذهب الجَرْميّ، فإنه يقول: إن أكّدَ جاز، وإِلاَّ فَلاَ. فقوله مذهب ثالث. قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ و ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . وقرأ آيات بالكسر في الموضعين الأخوان والباقون برفعهما ولا خرف في كسر الأولى؛ لأنها اسم «إن» فأما آيات لقوم يوقنون بالكسر فيجوز فيها وجهان: أحدهما: ِأنها معطوفة على اسم «إن» والخبر قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ كأنه قيل: وإنَّ فِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَات. والثاني: أن تكون كررت توكيداً «لآيَات» الأُوْلَى، ويكون «في خلقكم» معطوفاً على «السَّموَات» كرر معه حرف الجر توكيداً. ونظيره أن تقول: إنَّ في بَيِْتِكَ زَيْداً وفي السّوقِ زَيْداً فزيد الثاني توكيد للأول كأنك قلت: إنَّ زَيْداً زَيْداً فِي بَيْتِكَ وفِي السُّوق. وليس في هذا عطف على معمولي عاملين البتة وقد وهم أبو البقاء فجعلها من ذلك فقال: آيات لقوم يوقنون بكسر الثانية وفيه وجهان: أحدهما: أن «إن» مضمرة حذفت لدلالة «إن» الأولى عليها، وليست «آيات» معطوفة على آيات الأولى، لما فيه من العطف على معمولي عاملين. والثاني: أن تكمون كررت للتأكيد، لأنها من لفظ «آيات» الأولى، وإعرابها كإعرابها كقولك: إنَّ بِثَوْبِكَ دَماً وَبِثَوْبِ زَيْدٍ دماً، فَدَم الثاني مكرر، لأنك مستغنٍ عن ذكره انتهى. فقوله: وليست معطوفة على «آيات» الأولى لما فيه من العطف على معمولي عاملين وهمٌ أين معمول العامل الآخر؟ وكأنه توهم أن «في» ساقطة من قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ أو اختلطت عليه ﴿آيات لقوم يعقلون﴾ بهذه، لأن تِيكَ فيها ما يوهم العطف على عاملين. وقد ذكره هو أيضاً. وأما الرفع فمن وجهين أيضاً: أحدهما: أن يكون «فِي خَلْقِكُمْ» خبراً مقدماً، و «آياتٌ» مبتدأ مؤخراً، وهي جملة معطوفة على جملة مؤكدة بإِن. والثاني: أن تكون معطوفة على «آيات» الأولى اعتباراً بالمحل عند من يجيز ذلك، لا سيما عند من يقول: إنه يجوز ذلك بعد الخبر بإجماعل. وأما قوله: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ فقد تقدم أنَّ الأخوين يقرآن آياتٍ بالكسر وهي تحتاج إلى إيضاح، فإن الناس تكلموا فيها كثيراً وخرّجوها على أوجه مختلفة، وبها استدل على جواز العطف على عاملين قال شهاب الدين: والعطف على عاملين لا يختص بقراءة الأخوين، بل يجوز أن يستدل عليه أيضاً بقراءة الباقين كما سنقف عليه إنْ شَاءَ الله تعالى فأما قراءة الأخوين ففيها أَوْجهُ: أحدها: أن يكون «اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ» مجروراً ب «في» مضمرةً، وإنما حذفت لتقدم ذكرها مرتين وحرف الجر إذا دلّ عليه دليل (جاز حذفه وأيضاً عمله وأنشد الإمام الأستاذ سيبويه:) 4433 - ألآن قَربَّتْ تهْجُونَا وتَشْتُمُنَا ... فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ تقديره: وبالأَيامِ، لتقدم الباء في «بِكَ» . ولا يجوز عطفه على الكاف لأنه ليس من مذهبه العطف على الضمير المجرور، دون إعادة الجارّ، فالتقدير في هذه الآية: «وَفِي اخْتِلاَفِ آيَاتِ» ، فآيات على ما تقدم من الوجهين في آيات قبلها العطف أو التأكيد. قالوا: ويدلّ على ذلك قراءة عبد الله (وَفِي اخْتِلافِ) تصريحاً بفي. فهذان وجهان: الثالث: أن يعطف «اخْتِلافِ» على المجرور بفي، وآيات على المنصوب بإن وبهذا هو العطف على عاملين، وتحقيقه على معمولي عاملين، وذلك أنك عطفت «اخْتِلاَفِ» على «خَلْقِ» وهو مجرور بفي فهو معمول عامل، وعطف «آياتِ» على اسم إنّ وهو معمول عامل آخر. فقد عطفت بحرف واحد وهو الواو معمولين وهما «اخْتِلافِ» و «آياتٍ» على معمولين قبلهما وهما «خلق وآيات» . ويظاهرها استدل على من جوّز ذلك كالأخفش. وفي المسألة أربعة مذاهب، المنع مطلقاً، وهو مذهب سيبويه، وجمهور البصريين، قالوا: لأنه يؤدي إلى إقامة حرف العطف مقام عامليْن وهو لا يجوز؛ لأنه لو جاز في عاملين لجاز في ثلاثة، ولا قائل به، ولأن حرف العطف ضعيف، فلا يَقْوَى أن ينوب عن عاملين، ولأن القَائِلَ بجواز ذلك يستضعفه والأحسن عنده أن لا يجوز، مفملا ينبغي أن يحمل عليه كتاب الله، ولأنه بمنزلة التَّعْدِيَتَيْنِ بمُعَدِّ واحد، وهو غير جائز. قال ابن السراج: العطف على عاملين خطأ في القياس غير مسموع من العرب، ثم حمل ما في هذه الآية على التكرار والتأكيد. قال الرماني: هو كقولك: إنَّ فِي الدَّارِ زَيْداً وَالبَيْتِ زَيْداً، فهو جائز بالإجماع، وهذا الوجه الذي ذكره ابن السراج حَسَنٌ جداً لا يجوز أن يحمل كمتاب الله إلا عليه وقد ثبتت القراءة بالكسر، ولا يعيب فيها في القرآن على وجه. والعطف على عاملين عيب عند من أجازه ومن لم يجزه فقد تَنَاهى في العقيب فلا يجوز حمل هذه الآية على ما ذكره ابن السراج دون ما ذهب إليه غيره. قال شهاب الدين: وهذا الحَصْر منْهُ غير مُسَلَّم، فإن في الآية تخريجاتٍ أُخَر على ما ذكره ابنُ السراج، يجوز الحمل عليها. وقال الزجاج ومثله في الشعر: 4434 - أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبينَ امْرَءاً ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارا وأنشد الفارسيّ للفرزدق: 4435 - وبَاشَرُوا رَعْيَها الصَّلا بِلَبَانِهِ ... وَجَنْبَيْهِ حَرَّ النَّارِ مَا يتَحَرَّفُ وقول الآخر: 4436 - اَوْصَيْتَ مِنْ بَرَّةً قَلْباً حَرًّا ... بِالكَلْبِ خَيْراً وَالحَمَاةِ شَرًّا فأما البيت الأول فظاهره أنه عطف «وَنَارٍ» على «امرىء» المخفوض «بكل» و «نَاراً» الثانية على «أمْرءاً» الثاني، والتقدير: أتَحْسَبِينَ كُلَّ نَاراً، فقد عطف على معمولي عاملين. والبيت الثاني: عطف عليه «وجَنْبَيْهِ» على «بِلَبَانِهِ» عطف حرّ النار «على الصَّلا» والتقدير: وبَاشَرَ بجَنْبَيْه حَرَّ النَّارِ. والبيت الثالث: عطف فيه «الحَمَاةِ» على «الكلبِ» و «شرًّا» على «خيراً» تقديره: وأوْصَيْتَ بالحَمَاةِ شَرًّا. وسيبويه في جميع ذلك يرى الجر بخافض مقدر، لكنه عورض بأن إعمال حرف الجر مضمراً ضعيفٌ جداً، ألا ترى أنه لا يجوز: مَرَرْتُ زَيْدٍ بخفض «زَيْدٍ» إلاَّ في ضرورة كقوله: 4437 - إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ ... أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ يريد: إلى كليب، وقول الآخر: 4438 - ... ... ... ... ... ... ... . ... تَبَذَّخَ فَارْتَقَى الأَعْلاَمِ أي إلى الأعلام. فقد فقر من شيء فوقع في أضعف منه، وأجِيب عن ذلك: بأنه لما تقدم ذكر الحرف في اللفظ قويتِ الدّلالة عليه فكأنه ملفوظ به بخلاف ما أردتموه في المِثَال والشِّعر. والمذهب الثاني: التفضيل، وهو مذهب الأخفش، وذكل أنه يجوز بشرطين: أحدهما: أن يكون أحد العاملين جاراً، والثاني: أن يتصل المعطوف بالعاطف أو يفصل «بلا» ثمال الأول: الآية الكريمة والأبيات المتقدمة، ولذلك استصوب المبرد اشتهاده بالآية ومثال الفصل «بلا» قولك: مَا فِي الدَّارِ زَيْدٌ وَلاَ الحُجْرَةِ عَمْرٌو. فلو فقد الشرطان، نحو: إنَّ زَيْداً شَتَم بِشْراً، وَوَاللهِ خَالِداً (هِنْداً) أو فقد أحدهما، نحو: إنَّ زيداً ضَرَبَ بَكْراً، وخالداً بِشْراً، فقد نقل ابن مالك، الامتناع عن الجميع. وفيه نظر، لما سيأتي من الخِلاف. الثالث: أنه يجوز بشرط أن يكون أحد العاملين جارًّا، وأن يكون متقدماً نحو الآية الكريمة، فلو لم يتقدم نحو: إنَّ زَيْداً في الدارِ وعمرو السوقِ، لم يَجُز، وكذا لو لم يكن حرف جر كما تقدم تمثيله. الرابع: الجواز مطلقاً، ويُعْزَى للفراء. الوجه الرابع من أوجه تخريج القراءة المكذورة: أن ينتصب «آيات» على الاختصاص. قاله الزمخشري، كما سيأتي. وأما قراءة الرفع ففيها أوجه: أحدها: أن يكون الأول. والثاني: ما تقدم في ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . الثالث: أن تكون المسألة من باب العطف على عاملين، وذلك أن «اخْتِلاَفِ» عطف على «خَلْقكم» وهو معمول «لفِي» و «آيات» قبلها، وهي معمولة للابتداء فقد عطف على معمول عاملين في هذه القراءة أيضاً. قال الزمخشري: وقرىء: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالرفع والنصب على قولك: إنَّ زَيْداً فِي الدَّارِ وعمرو في السوق أو عمراً في السُّوق. قال: وأما قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فمن العطف على عاملين سواء نصبت أم رفعت، فالعاملان في النصب (إنَّ) و (فِي) ، أقيمت الواو مُقَامَهُما فعملت الجر في «اختلاف الليل والنهار» والنصب في «آيات» وإذا رفعت فالعاملان الابتداء و (في) عملت الرفع في «آيات» والجر في «اختلاف» . ثُمَّ قال في توجيه النصب: والثاني: أن ينتصب على الاختصاص بعد انقضاء المجرور. والوجه الخامس: أن يرتفع «آياتٌ» على خبر ابتداء مضمر أي هِيَ آياتٌ. وناقشه أبو حيان فقال: ونسبة الجر والرفع والجر والنصب للواو ليس بصحيح؛ لأنّ الصحيحَ من المذاهب أن حرف العطف لا يعمل، وأيضاً ناقش أبو شامة فقال: فمنهم من يقول هو على هذه القراءة أيضاً يعني قراءة الرفع عطف على عاملين. وهما حرف «في» والابتداء المقتضي للرفع. ومنهم من لا يطلق هذه العبارة في هذه القراءة؛ لأن الابتداء ليس بعامل لظفي. وقرىء: واخْتِلاَفُ بالرفع آيَةٌ بالرفع، والتوحيد على الابتداء والخبر. وكذلك قرىء: وما يَبُيُّ مِنْ دَابَّةٌ بالتوحيد. وقرأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطلحة وعِيسَى: وتصْرِيف الرِّيح كذا قال أبو حيان. قال شهاب الدين: وقد قرأ بهذه القراءة حمزةُ والكسائيُّ أيضاً. وقد تقدم ذلك في سورة البقرة. فصل اختلاف الليل والنهار فيه وجوه: الأول: تبديل النهار بالليل وبالعكس. الثاني: زيادة طول النهار على طول الليل والعكس. الثالث: اختلاف مطالع الشمس في أيام السنة. قوله: ﴿وَمَآ أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ﴾ يعني الرزق الذي هو سبب أرزاق العباد ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وهذا يدل على وجوب القول بوجود الفاعل المختار من وجوه: أحدها: إنشاء السحاب وإنزال المطر فيه. وثانيها: تولد النبات من تلك الحبة الواقعة في الأرض. وثالثها: تولد الأنواع المختلفة وهي ساق الشجرة، وأغصانها، وأوراقها، وثمارها، ثم تلك الثمرة منها ما يكون القشر محيطاً باللّب، كالجَوْز، واللَّوز، ومنها ما يكون اللّب محيطاً بالقشر كالمِشْمِش والخوخ، ومنها ما يكون خالياً عن القشر كالتِّين. فتولد أقسام النبات على كثرة أقسامه وَتَبَايُنِها يدلّ على وجوب القول بوجود الفاعل المختار الحكيم الرحيم. قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ هي أقسام كثير منها الشرقية، والغربية والشّمالية، والجنوبية، ومنها الحارّة، والباردة، أياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون. واعلم أنه تعالى جمع هذه الدلائل في سورة البقرة فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس وَمَآ أَنزَلَ الله مِنَ السمآء مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرياح والسحاب المسخر بَيْنَ السمآء والأرض لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] . فذكر الله تعالى هذه الأقسام الثمانية من الدلائل، والتافوت بين الوصفين من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿إنَّ في خلق السموات والأرض﴾ وقال ههنا: ﴿إن في السموات والأرض﴾ والصحيح عند أهل السنة: إنَّ الخلق غير المخلوق، فذكر لفظ الخلق في سورة البقرة، ولم يذكره هَهُنَا تنبيهاً على أن لا تفاوت بين أن يفصل السموات أو خلق السموات فيكون هذا دليلاً على أن الخلق غير المخلوق. الثاني: أنه ذكر هناك ثمانيةَ أنواع من الدلائل، وذكر ههنا سبعة أنواع من الدلائل، وأهمل منها الفلك والسحاب، والسَّبَبُ فيه أن مَدَار حركة الفلك والسحاب على الرياح المختلفة، فذكر الرياح التي هي كالسبب يغني عن ذكرهما. الثالث: أنه جمع الكل وذكر لها مقطَعاً واحداً، وههنا رَتَّبَها على ثلاثة أنواع، والغرض منه التنبيه على أنه لا بدّ من إفراد كل احد منها بنظر تامٍّ سابقٍ. الرابع: أنه تعالى ذكر في هذا الموضع ثلاثة مقاطع: أحدها: للمؤمنين، وثانيها: «يوقنون» . وثالثها: «يعقلون» . قال ابن الخطيب: وأظنُّ أن سبب هذا الترتيب أن قوله: إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين (بل أنتم من طلاب الجَزْم واليقين، فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين) ولا من المُوقِنِينَ فلا أَقَلَّ أن تكونوا من زُمْرَةِ العقلاْ فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل. قوله تعالى: ﴿تَلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا﴾ يجوز أن تكون «نتلوها» خبراً «لِتِلْكَ» و «آيَاتُ اللهِ» ، بدل أو عطف بيان، ويجوز أن تكون «تِلْكَ آيَاتُ» مبتدأ وخبراًن و «نَتْلُوها» حال قال الزمخشري: والعامل ما دل عليه «تلك» من معنى الإرشاد ونحوه: ﴿وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود: 72] . قال أبو حيان: وليس نحو لأن في «هَذَا بَعْلِي» حرف تنبيه؛ فقيل: العامل في الحال ما دل عليه حرف التنبيه أي تَنَبَّهْ وأما تلك فليس فيها حرف تنبيه، (فإذا كان حرف التنبيه عاملاً) بما فيه من معنى التنبيه لأن المعنى قد يعمل في الحال، فالمعنى تَنَبَّهْ لزيدٍ في حال شَيْخِه أو في حال قيامه. وقيل: العامل في مثل هذا التركيب فعل محذوف يدل عليه المعنى، أي انظر إليه في حال شيخه فلا يكون اسم الإشارة عاملاً ولا حرف التنبيه إن كان هناك. قال شهاب الدين: بل الآية نحو: هَذَا بَعْلِي شَيْخاً من حَيْثِيَّةِ نسبة العمل لاسم الإشارة غاية ما ثَمَّ أن في الآية الأخرى ما يَصْلُحُ أن يكون عاملاً، وهذا لا يَقْدَح في التنظير إذا قصدت جهةً مشتركةً، وأما إضمار الفعل فهو مشترك في الموضعين عند من يرى ذَلِكَ قال ابن عطية: وفي «نَتْلُوها» حذف مضاف، أي نتلو شأنها وشرح العبرة فيها ويحتمل أن يريد بآيات الله القرآن المنزل في هذا المعنى، فلا يكون فيها حذفُ مضاف. وقرأ بعضهم: يَتْلُوهَا بياء الغيبة، عائداً على الباري تعالى. قوله: «بالْحَقِّ» حال من الفاعل، أي ملتبسين بالحق، أو من المفعول، أي ملتبسةً بالحق. ويجوز أن تكون (الباء) للسببية فتتعلق بنفس «نَتْلُوهَا» . قوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ﴾ قال الزمخشري: أي بعد آيات الله، فهو كقولك: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ كَرَمُهُ، يريدون: كَرَمَ زَيْدٍ. وردَّه عليه أبو حيان بأنه ليس مراداً، بل المراد إعجاباً، وبأنَّ فيه إقحاماً للأسماء من غير ضرورة، قال: وهذا قلب لحقائق النَّحْو. وقرأ الحَرَمِيَّان وأبو عمرو وعاصمٌ في رواية «يُؤمِنُون» بياء الغيبة والباقون بتاء الخطاب. و «فَبِأَيِّ» متعلق به، قدم لأن له صدر الكلام. واختار أبو عبيد الياء، لأن فيه غيبة، وهو قوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾ ، و ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . فإن قيل: في أول الكلام خطاب، وهو قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ قُلْنَا: الغيبة أقرب إلى الحرف المُخْتَلَفِ فيه فكان أولى. فصل ومعنى الآية أن من لم ينتفع بهذه الآيات، فلا شيء بعده يجوز أن ينتفع به. وهذه الآية تبطل القول بالتقليد، وتوجب على المكلف على التأمل في دلائل دين الله.

الجاثية 45:4

مكية وهي سبع وثلاثون آية، وأربعمائة وثمانون كلمة، وألفان ومائة وإحدى وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿حمتَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم﴾ قد تقدم مثله أول غافرٍ. وقال أبو عبد الله الرازي: العزيز الحكيم إن كانا صفة لله كانا حقيقة، وإنْ كَانَا صفة للكتاب كانا مجازاً له. ورد عليه أبو حيان جعله إياهما صفة للكتاب. قال: إذ لو كان كذلك لوليت الصِّفَةُ موصوفَها فكا يقال: تنزيل الكتاب العزيزِ الحكيمِ مِنَ اللهِ. قال: لأن «من الله» إن تعلق «بتنزيل» و «تنزيل» خبر ل «حم» أو لمبتدأ محذوف، لزم الفصل به بين الصفة والموصوف، ولا يجوز، كما لا يجوز: أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ بٍسَوْط الفَاضِل، أو في موضع الخبر وتنزيل مبتدأ، فلا يجوز الفصل به أيضاً لا يجوز: ضَرْبُ زَيْدٍ شَدِيدٌ الفَاضِلُ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ إن كان قوله «حم» قسماً «فتزيل الكتاب» نعت له، وجواب القسم: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض﴾ واعلم أن حصول الآيات في السموات والأرض ظاهر دال على وجود الله تعالى، وقدرته مثل مقاديرها وكيفياتها وحركاتها، وأيضاً الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار. وقد تقدم الكلام في كيفية دلالتها على وجود الإلهة القادر الفاعل المختار. وقوله: «لآياتِ لِلْمؤمِنِينَ» يقتضي كون هذه مختصةً بالمؤمنين. وقالت المعتزلة: إنها آيات للمؤمن والكافر، إلا أنه لما انتفع بها المؤمن دون الكافر أضيف كونها آياتٍ للمؤمنين، ونظيره قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] فإنه هُدًى لكلّ الناس، كما قال تعالى: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة: 185] إلاَّ أنهن لما نتفع به المؤمن خاصةً قيلَ: هدى للمتقين. قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أن قوله: «وَمَا يَبُثُّ» معطوف على «خَلْقِكُمْ» المجرور بفي والتقدير: وفيمَا يَبُثُّ. الثاني: أنه معطوف على الضمير المخفوض بالخلق وذلك على مذهب من يرى العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار. واستقبحه الزمخشري وإن أُكِّدَ، نحو: مَرَرْتُ بِكَ أَنْتَ وَزَيْدٍ يشير بذلك إلى مذهب الجَرْميّ، فإنه يقول: إن أكّدَ جاز، وإِلاَّ فَلاَ. فقوله مذهب ثالث. قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ و ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . وقرأ آيات بالكسر في الموضعين الأخوان والباقون برفعهما ولا خرف في كسر الأولى؛ لأنها اسم «إن» فأما آيات لقوم يوقنون بالكسر فيجوز فيها وجهان: أحدهما: ِأنها معطوفة على اسم «إن» والخبر قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ كأنه قيل: وإنَّ فِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَات. والثاني: أن تكون كررت توكيداً «لآيَات» الأُوْلَى، ويكون «في خلقكم» معطوفاً على «السَّموَات» كرر معه حرف الجر توكيداً. ونظيره أن تقول: إنَّ في بَيِْتِكَ زَيْداً وفي السّوقِ زَيْداً فزيد الثاني توكيد للأول كأنك قلت: إنَّ زَيْداً زَيْداً فِي بَيْتِكَ وفِي السُّوق. وليس في هذا عطف على معمولي عاملين البتة وقد وهم أبو البقاء فجعلها من ذلك فقال: آيات لقوم يوقنون بكسر الثانية وفيه وجهان: أحدهما: أن «إن» مضمرة حذفت لدلالة «إن» الأولى عليها، وليست «آيات» معطوفة على آيات الأولى، لما فيه من العطف على معمولي عاملين. والثاني: أن تكمون كررت للتأكيد، لأنها من لفظ «آيات» الأولى، وإعرابها كإعرابها كقولك: إنَّ بِثَوْبِكَ دَماً وَبِثَوْبِ زَيْدٍ دماً، فَدَم الثاني مكرر، لأنك مستغنٍ عن ذكره انتهى. فقوله: وليست معطوفة على «آيات» الأولى لما فيه من العطف على معمولي عاملين وهمٌ أين معمول العامل الآخر؟ وكأنه توهم أن «في» ساقطة من قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ أو اختلطت عليه ﴿آيات لقوم يعقلون﴾ بهذه، لأن تِيكَ فيها ما يوهم العطف على عاملين. وقد ذكره هو أيضاً. وأما الرفع فمن وجهين أيضاً: أحدهما: أن يكون «فِي خَلْقِكُمْ» خبراً مقدماً، و «آياتٌ» مبتدأ مؤخراً، وهي جملة معطوفة على جملة مؤكدة بإِن. والثاني: أن تكون معطوفة على «آيات» الأولى اعتباراً بالمحل عند من يجيز ذلك، لا سيما عند من يقول: إنه يجوز ذلك بعد الخبر بإجماعل. وأما قوله: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ فقد تقدم أنَّ الأخوين يقرآن آياتٍ بالكسر وهي تحتاج إلى إيضاح، فإن الناس تكلموا فيها كثيراً وخرّجوها على أوجه مختلفة، وبها استدل على جواز العطف على عاملين قال شهاب الدين: والعطف على عاملين لا يختص بقراءة الأخوين، بل يجوز أن يستدل عليه أيضاً بقراءة الباقين كما سنقف عليه إنْ شَاءَ الله تعالى فأما قراءة الأخوين ففيها أَوْجهُ: أحدها: أن يكون «اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ» مجروراً ب «في» مضمرةً، وإنما حذفت لتقدم ذكرها مرتين وحرف الجر إذا دلّ عليه دليل (جاز حذفه وأيضاً عمله وأنشد الإمام الأستاذ سيبويه:) 4433 - ألآن قَربَّتْ تهْجُونَا وتَشْتُمُنَا ... فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ تقديره: وبالأَيامِ، لتقدم الباء في «بِكَ» . ولا يجوز عطفه على الكاف لأنه ليس من مذهبه العطف على الضمير المجرور، دون إعادة الجارّ، فالتقدير في هذه الآية: «وَفِي اخْتِلاَفِ آيَاتِ» ، فآيات على ما تقدم من الوجهين في آيات قبلها العطف أو التأكيد. قالوا: ويدلّ على ذلك قراءة عبد الله (وَفِي اخْتِلافِ) تصريحاً بفي. فهذان وجهان: الثالث: أن يعطف «اخْتِلافِ» على المجرور بفي، وآيات على المنصوب بإن وبهذا هو العطف على عاملين، وتحقيقه على معمولي عاملين، وذلك أنك عطفت «اخْتِلاَفِ» على «خَلْقِ» وهو مجرور بفي فهو معمول عامل، وعطف «آياتِ» على اسم إنّ وهو معمول عامل آخر. فقد عطفت بحرف واحد وهو الواو معمولين وهما «اخْتِلافِ» و «آياتٍ» على معمولين قبلهما وهما «خلق وآيات» . ويظاهرها استدل على من جوّز ذلك كالأخفش. وفي المسألة أربعة مذاهب، المنع مطلقاً، وهو مذهب سيبويه، وجمهور البصريين، قالوا: لأنه يؤدي إلى إقامة حرف العطف مقام عامليْن وهو لا يجوز؛ لأنه لو جاز في عاملين لجاز في ثلاثة، ولا قائل به، ولأن حرف العطف ضعيف، فلا يَقْوَى أن ينوب عن عاملين، ولأن القَائِلَ بجواز ذلك يستضعفه والأحسن عنده أن لا يجوز، مفملا ينبغي أن يحمل عليه كتاب الله، ولأنه بمنزلة التَّعْدِيَتَيْنِ بمُعَدِّ واحد، وهو غير جائز. قال ابن السراج: العطف على عاملين خطأ في القياس غير مسموع من العرب، ثم حمل ما في هذه الآية على التكرار والتأكيد. قال الرماني: هو كقولك: إنَّ فِي الدَّارِ زَيْداً وَالبَيْتِ زَيْداً، فهو جائز بالإجماع، وهذا الوجه الذي ذكره ابن السراج حَسَنٌ جداً لا يجوز أن يحمل كمتاب الله إلا عليه وقد ثبتت القراءة بالكسر، ولا يعيب فيها في القرآن على وجه. والعطف على عاملين عيب عند من أجازه ومن لم يجزه فقد تَنَاهى في العقيب فلا يجوز حمل هذه الآية على ما ذكره ابن السراج دون ما ذهب إليه غيره. قال شهاب الدين: وهذا الحَصْر منْهُ غير مُسَلَّم، فإن في الآية تخريجاتٍ أُخَر على ما ذكره ابنُ السراج، يجوز الحمل عليها. وقال الزجاج ومثله في الشعر: 4434 - أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبينَ امْرَءاً ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارا وأنشد الفارسيّ للفرزدق: 4435 - وبَاشَرُوا رَعْيَها الصَّلا بِلَبَانِهِ ... وَجَنْبَيْهِ حَرَّ النَّارِ مَا يتَحَرَّفُ وقول الآخر: 4436 - اَوْصَيْتَ مِنْ بَرَّةً قَلْباً حَرًّا ... بِالكَلْبِ خَيْراً وَالحَمَاةِ شَرًّا فأما البيت الأول فظاهره أنه عطف «وَنَارٍ» على «امرىء» المخفوض «بكل» و «نَاراً» الثانية على «أمْرءاً» الثاني، والتقدير: أتَحْسَبِينَ كُلَّ نَاراً، فقد عطف على معمولي عاملين. والبيت الثاني: عطف عليه «وجَنْبَيْهِ» على «بِلَبَانِهِ» عطف حرّ النار «على الصَّلا» والتقدير: وبَاشَرَ بجَنْبَيْه حَرَّ النَّارِ. والبيت الثالث: عطف فيه «الحَمَاةِ» على «الكلبِ» و «شرًّا» على «خيراً» تقديره: وأوْصَيْتَ بالحَمَاةِ شَرًّا. وسيبويه في جميع ذلك يرى الجر بخافض مقدر، لكنه عورض بأن إعمال حرف الجر مضمراً ضعيفٌ جداً، ألا ترى أنه لا يجوز: مَرَرْتُ زَيْدٍ بخفض «زَيْدٍ» إلاَّ في ضرورة كقوله: 4437 - إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ ... أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ يريد: إلى كليب، وقول الآخر: 4438 - ... ... ... ... ... ... ... . ... تَبَذَّخَ فَارْتَقَى الأَعْلاَمِ أي إلى الأعلام. فقد فقر من شيء فوقع في أضعف منه، وأجِيب عن ذلك: بأنه لما تقدم ذكر الحرف في اللفظ قويتِ الدّلالة عليه فكأنه ملفوظ به بخلاف ما أردتموه في المِثَال والشِّعر. والمذهب الثاني: التفضيل، وهو مذهب الأخفش، وذكل أنه يجوز بشرطين: أحدهما: أن يكون أحد العاملين جاراً، والثاني: أن يتصل المعطوف بالعاطف أو يفصل «بلا» ثمال الأول: الآية الكريمة والأبيات المتقدمة، ولذلك استصوب المبرد اشتهاده بالآية ومثال الفصل «بلا» قولك: مَا فِي الدَّارِ زَيْدٌ وَلاَ الحُجْرَةِ عَمْرٌو. فلو فقد الشرطان، نحو: إنَّ زَيْداً شَتَم بِشْراً، وَوَاللهِ خَالِداً (هِنْداً) أو فقد أحدهما، نحو: إنَّ زيداً ضَرَبَ بَكْراً، وخالداً بِشْراً، فقد نقل ابن مالك، الامتناع عن الجميع. وفيه نظر، لما سيأتي من الخِلاف. الثالث: أنه يجوز بشرط أن يكون أحد العاملين جارًّا، وأن يكون متقدماً نحو الآية الكريمة، فلو لم يتقدم نحو: إنَّ زَيْداً في الدارِ وعمرو السوقِ، لم يَجُز، وكذا لو لم يكن حرف جر كما تقدم تمثيله. الرابع: الجواز مطلقاً، ويُعْزَى للفراء. الوجه الرابع من أوجه تخريج القراءة المكذورة: أن ينتصب «آيات» على الاختصاص. قاله الزمخشري، كما سيأتي. وأما قراءة الرفع ففيها أوجه: أحدها: أن يكون الأول. والثاني: ما تقدم في ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . الثالث: أن تكون المسألة من باب العطف على عاملين، وذلك أن «اخْتِلاَفِ» عطف على «خَلْقكم» وهو معمول «لفِي» و «آيات» قبلها، وهي معمولة للابتداء فقد عطف على معمول عاملين في هذه القراءة أيضاً. قال الزمخشري: وقرىء: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالرفع والنصب على قولك: إنَّ زَيْداً فِي الدَّارِ وعمرو في السوق أو عمراً في السُّوق. قال: وأما قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فمن العطف على عاملين سواء نصبت أم رفعت، فالعاملان في النصب (إنَّ) و (فِي) ، أقيمت الواو مُقَامَهُما فعملت الجر في «اختلاف الليل والنهار» والنصب في «آيات» وإذا رفعت فالعاملان الابتداء و (في) عملت الرفع في «آيات» والجر في «اختلاف» . ثُمَّ قال في توجيه النصب: والثاني: أن ينتصب على الاختصاص بعد انقضاء المجرور. والوجه الخامس: أن يرتفع «آياتٌ» على خبر ابتداء مضمر أي هِيَ آياتٌ. وناقشه أبو حيان فقال: ونسبة الجر والرفع والجر والنصب للواو ليس بصحيح؛ لأنّ الصحيحَ من المذاهب أن حرف العطف لا يعمل، وأيضاً ناقش أبو شامة فقال: فمنهم من يقول هو على هذه القراءة أيضاً يعني قراءة الرفع عطف على عاملين. وهما حرف «في» والابتداء المقتضي للرفع. ومنهم من لا يطلق هذه العبارة في هذه القراءة؛ لأن الابتداء ليس بعامل لظفي. وقرىء: واخْتِلاَفُ بالرفع آيَةٌ بالرفع، والتوحيد على الابتداء والخبر. وكذلك قرىء: وما يَبُيُّ مِنْ دَابَّةٌ بالتوحيد. وقرأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطلحة وعِيسَى: وتصْرِيف الرِّيح كذا قال أبو حيان. قال شهاب الدين: وقد قرأ بهذه القراءة حمزةُ والكسائيُّ أيضاً. وقد تقدم ذلك في سورة البقرة. فصل اختلاف الليل والنهار فيه وجوه: الأول: تبديل النهار بالليل وبالعكس. الثاني: زيادة طول النهار على طول الليل والعكس. الثالث: اختلاف مطالع الشمس في أيام السنة. قوله: ﴿وَمَآ أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ﴾ يعني الرزق الذي هو سبب أرزاق العباد ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وهذا يدل على وجوب القول بوجود الفاعل المختار من وجوه: أحدها: إنشاء السحاب وإنزال المطر فيه. وثانيها: تولد النبات من تلك الحبة الواقعة في الأرض. وثالثها: تولد الأنواع المختلفة وهي ساق الشجرة، وأغصانها، وأوراقها، وثمارها، ثم تلك الثمرة منها ما يكون القشر محيطاً باللّب، كالجَوْز، واللَّوز، ومنها ما يكون اللّب محيطاً بالقشر كالمِشْمِش والخوخ، ومنها ما يكون خالياً عن القشر كالتِّين. فتولد أقسام النبات على كثرة أقسامه وَتَبَايُنِها يدلّ على وجوب القول بوجود الفاعل المختار الحكيم الرحيم. قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ هي أقسام كثير منها الشرقية، والغربية والشّمالية، والجنوبية، ومنها الحارّة، والباردة، أياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون. واعلم أنه تعالى جمع هذه الدلائل في سورة البقرة فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس وَمَآ أَنزَلَ الله مِنَ السمآء مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرياح والسحاب المسخر بَيْنَ السمآء والأرض لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] . فذكر الله تعالى هذه الأقسام الثمانية من الدلائل، والتافوت بين الوصفين من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿إنَّ في خلق السموات والأرض﴾ وقال ههنا: ﴿إن في السموات والأرض﴾ والصحيح عند أهل السنة: إنَّ الخلق غير المخلوق، فذكر لفظ الخلق في سورة البقرة، ولم يذكره هَهُنَا تنبيهاً على أن لا تفاوت بين أن يفصل السموات أو خلق السموات فيكون هذا دليلاً على أن الخلق غير المخلوق. الثاني: أنه ذكر هناك ثمانيةَ أنواع من الدلائل، وذكر ههنا سبعة أنواع من الدلائل، وأهمل منها الفلك والسحاب، والسَّبَبُ فيه أن مَدَار حركة الفلك والسحاب على الرياح المختلفة، فذكر الرياح التي هي كالسبب يغني عن ذكرهما. الثالث: أنه جمع الكل وذكر لها مقطَعاً واحداً، وههنا رَتَّبَها على ثلاثة أنواع، والغرض منه التنبيه على أنه لا بدّ من إفراد كل احد منها بنظر تامٍّ سابقٍ. الرابع: أنه تعالى ذكر في هذا الموضع ثلاثة مقاطع: أحدها: للمؤمنين، وثانيها: «يوقنون» . وثالثها: «يعقلون» . قال ابن الخطيب: وأظنُّ أن سبب هذا الترتيب أن قوله: إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين (بل أنتم من طلاب الجَزْم واليقين، فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين) ولا من المُوقِنِينَ فلا أَقَلَّ أن تكونوا من زُمْرَةِ العقلاْ فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل. قوله تعالى: ﴿تَلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا﴾ يجوز أن تكون «نتلوها» خبراً «لِتِلْكَ» و «آيَاتُ اللهِ» ، بدل أو عطف بيان، ويجوز أن تكون «تِلْكَ آيَاتُ» مبتدأ وخبراًن و «نَتْلُوها» حال قال الزمخشري: والعامل ما دل عليه «تلك» من معنى الإرشاد ونحوه: ﴿وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود: 72] . قال أبو حيان: وليس نحو لأن في «هَذَا بَعْلِي» حرف تنبيه؛ فقيل: العامل في الحال ما دل عليه حرف التنبيه أي تَنَبَّهْ وأما تلك فليس فيها حرف تنبيه، (فإذا كان حرف التنبيه عاملاً) بما فيه من معنى التنبيه لأن المعنى قد يعمل في الحال، فالمعنى تَنَبَّهْ لزيدٍ في حال شَيْخِه أو في حال قيامه. وقيل: العامل في مثل هذا التركيب فعل محذوف يدل عليه المعنى، أي انظر إليه في حال شيخه فلا يكون اسم الإشارة عاملاً ولا حرف التنبيه إن كان هناك. قال شهاب الدين: بل الآية نحو: هَذَا بَعْلِي شَيْخاً من حَيْثِيَّةِ نسبة العمل لاسم الإشارة غاية ما ثَمَّ أن في الآية الأخرى ما يَصْلُحُ أن يكون عاملاً، وهذا لا يَقْدَح في التنظير إذا قصدت جهةً مشتركةً، وأما إضمار الفعل فهو مشترك في الموضعين عند من يرى ذَلِكَ قال ابن عطية: وفي «نَتْلُوها» حذف مضاف، أي نتلو شأنها وشرح العبرة فيها ويحتمل أن يريد بآيات الله القرآن المنزل في هذا المعنى، فلا يكون فيها حذفُ مضاف. وقرأ بعضهم: يَتْلُوهَا بياء الغيبة، عائداً على الباري تعالى. قوله: «بالْحَقِّ» حال من الفاعل، أي ملتبسين بالحق، أو من المفعول، أي ملتبسةً بالحق. ويجوز أن تكون (الباء) للسببية فتتعلق بنفس «نَتْلُوهَا» . قوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ﴾ قال الزمخشري: أي بعد آيات الله، فهو كقولك: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ كَرَمُهُ، يريدون: كَرَمَ زَيْدٍ. وردَّه عليه أبو حيان بأنه ليس مراداً، بل المراد إعجاباً، وبأنَّ فيه إقحاماً للأسماء من غير ضرورة، قال: وهذا قلب لحقائق النَّحْو. وقرأ الحَرَمِيَّان وأبو عمرو وعاصمٌ في رواية «يُؤمِنُون» بياء الغيبة والباقون بتاء الخطاب. و «فَبِأَيِّ» متعلق به، قدم لأن له صدر الكلام. واختار أبو عبيد الياء، لأن فيه غيبة، وهو قوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾ ، و ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . فإن قيل: في أول الكلام خطاب، وهو قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ قُلْنَا: الغيبة أقرب إلى الحرف المُخْتَلَفِ فيه فكان أولى. فصل ومعنى الآية أن من لم ينتفع بهذه الآيات، فلا شيء بعده يجوز أن ينتفع به. وهذه الآية تبطل القول بالتقليد، وتوجب على المكلف على التأمل في دلائل دين الله.

الجاثية 45:5

مكية وهي سبع وثلاثون آية، وأربعمائة وثمانون كلمة، وألفان ومائة وإحدى وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿حمتَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم﴾ قد تقدم مثله أول غافرٍ. وقال أبو عبد الله الرازي: العزيز الحكيم إن كانا صفة لله كانا حقيقة، وإنْ كَانَا صفة للكتاب كانا مجازاً له. ورد عليه أبو حيان جعله إياهما صفة للكتاب. قال: إذ لو كان كذلك لوليت الصِّفَةُ موصوفَها فكا يقال: تنزيل الكتاب العزيزِ الحكيمِ مِنَ اللهِ. قال: لأن «من الله» إن تعلق «بتنزيل» و «تنزيل» خبر ل «حم» أو لمبتدأ محذوف، لزم الفصل به بين الصفة والموصوف، ولا يجوز، كما لا يجوز: أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ بٍسَوْط الفَاضِل، أو في موضع الخبر وتنزيل مبتدأ، فلا يجوز الفصل به أيضاً لا يجوز: ضَرْبُ زَيْدٍ شَدِيدٌ الفَاضِلُ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ إن كان قوله «حم» قسماً «فتزيل الكتاب» نعت له، وجواب القسم: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض﴾ واعلم أن حصول الآيات في السموات والأرض ظاهر دال على وجود الله تعالى، وقدرته مثل مقاديرها وكيفياتها وحركاتها، وأيضاً الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار. وقد تقدم الكلام في كيفية دلالتها على وجود الإلهة القادر الفاعل المختار. وقوله: «لآياتِ لِلْمؤمِنِينَ» يقتضي كون هذه مختصةً بالمؤمنين. وقالت المعتزلة: إنها آيات للمؤمن والكافر، إلا أنه لما انتفع بها المؤمن دون الكافر أضيف كونها آياتٍ للمؤمنين، ونظيره قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] فإنه هُدًى لكلّ الناس، كما قال تعالى: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة: 185] إلاَّ أنهن لما نتفع به المؤمن خاصةً قيلَ: هدى للمتقين. قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أن قوله: «وَمَا يَبُثُّ» معطوف على «خَلْقِكُمْ» المجرور بفي والتقدير: وفيمَا يَبُثُّ. الثاني: أنه معطوف على الضمير المخفوض بالخلق وذلك على مذهب من يرى العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار. واستقبحه الزمخشري وإن أُكِّدَ، نحو: مَرَرْتُ بِكَ أَنْتَ وَزَيْدٍ يشير بذلك إلى مذهب الجَرْميّ، فإنه يقول: إن أكّدَ جاز، وإِلاَّ فَلاَ. فقوله مذهب ثالث. قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ و ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . وقرأ آيات بالكسر في الموضعين الأخوان والباقون برفعهما ولا خرف في كسر الأولى؛ لأنها اسم «إن» فأما آيات لقوم يوقنون بالكسر فيجوز فيها وجهان: أحدهما: ِأنها معطوفة على اسم «إن» والخبر قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ كأنه قيل: وإنَّ فِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَات. والثاني: أن تكون كررت توكيداً «لآيَات» الأُوْلَى، ويكون «في خلقكم» معطوفاً على «السَّموَات» كرر معه حرف الجر توكيداً. ونظيره أن تقول: إنَّ في بَيِْتِكَ زَيْداً وفي السّوقِ زَيْداً فزيد الثاني توكيد للأول كأنك قلت: إنَّ زَيْداً زَيْداً فِي بَيْتِكَ وفِي السُّوق. وليس في هذا عطف على معمولي عاملين البتة وقد وهم أبو البقاء فجعلها من ذلك فقال: آيات لقوم يوقنون بكسر الثانية وفيه وجهان: أحدهما: أن «إن» مضمرة حذفت لدلالة «إن» الأولى عليها، وليست «آيات» معطوفة على آيات الأولى، لما فيه من العطف على معمولي عاملين. والثاني: أن تكمون كررت للتأكيد، لأنها من لفظ «آيات» الأولى، وإعرابها كإعرابها كقولك: إنَّ بِثَوْبِكَ دَماً وَبِثَوْبِ زَيْدٍ دماً، فَدَم الثاني مكرر، لأنك مستغنٍ عن ذكره انتهى. فقوله: وليست معطوفة على «آيات» الأولى لما فيه من العطف على معمولي عاملين وهمٌ أين معمول العامل الآخر؟ وكأنه توهم أن «في» ساقطة من قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ أو اختلطت عليه ﴿آيات لقوم يعقلون﴾ بهذه، لأن تِيكَ فيها ما يوهم العطف على عاملين. وقد ذكره هو أيضاً. وأما الرفع فمن وجهين أيضاً: أحدهما: أن يكون «فِي خَلْقِكُمْ» خبراً مقدماً، و «آياتٌ» مبتدأ مؤخراً، وهي جملة معطوفة على جملة مؤكدة بإِن. والثاني: أن تكون معطوفة على «آيات» الأولى اعتباراً بالمحل عند من يجيز ذلك، لا سيما عند من يقول: إنه يجوز ذلك بعد الخبر بإجماعل. وأما قوله: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ فقد تقدم أنَّ الأخوين يقرآن آياتٍ بالكسر وهي تحتاج إلى إيضاح، فإن الناس تكلموا فيها كثيراً وخرّجوها على أوجه مختلفة، وبها استدل على جواز العطف على عاملين قال شهاب الدين: والعطف على عاملين لا يختص بقراءة الأخوين، بل يجوز أن يستدل عليه أيضاً بقراءة الباقين كما سنقف عليه إنْ شَاءَ الله تعالى فأما قراءة الأخوين ففيها أَوْجهُ: أحدها: أن يكون «اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ» مجروراً ب «في» مضمرةً، وإنما حذفت لتقدم ذكرها مرتين وحرف الجر إذا دلّ عليه دليل (جاز حذفه وأيضاً عمله وأنشد الإمام الأستاذ سيبويه:) 4433 - ألآن قَربَّتْ تهْجُونَا وتَشْتُمُنَا ... فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ تقديره: وبالأَيامِ، لتقدم الباء في «بِكَ» . ولا يجوز عطفه على الكاف لأنه ليس من مذهبه العطف على الضمير المجرور، دون إعادة الجارّ، فالتقدير في هذه الآية: «وَفِي اخْتِلاَفِ آيَاتِ» ، فآيات على ما تقدم من الوجهين في آيات قبلها العطف أو التأكيد. قالوا: ويدلّ على ذلك قراءة عبد الله (وَفِي اخْتِلافِ) تصريحاً بفي. فهذان وجهان: الثالث: أن يعطف «اخْتِلافِ» على المجرور بفي، وآيات على المنصوب بإن وبهذا هو العطف على عاملين، وتحقيقه على معمولي عاملين، وذلك أنك عطفت «اخْتِلاَفِ» على «خَلْقِ» وهو مجرور بفي فهو معمول عامل، وعطف «آياتِ» على اسم إنّ وهو معمول عامل آخر. فقد عطفت بحرف واحد وهو الواو معمولين وهما «اخْتِلافِ» و «آياتٍ» على معمولين قبلهما وهما «خلق وآيات» . ويظاهرها استدل على من جوّز ذلك كالأخفش. وفي المسألة أربعة مذاهب، المنع مطلقاً، وهو مذهب سيبويه، وجمهور البصريين، قالوا: لأنه يؤدي إلى إقامة حرف العطف مقام عامليْن وهو لا يجوز؛ لأنه لو جاز في عاملين لجاز في ثلاثة، ولا قائل به، ولأن حرف العطف ضعيف، فلا يَقْوَى أن ينوب عن عاملين، ولأن القَائِلَ بجواز ذلك يستضعفه والأحسن عنده أن لا يجوز، مفملا ينبغي أن يحمل عليه كتاب الله، ولأنه بمنزلة التَّعْدِيَتَيْنِ بمُعَدِّ واحد، وهو غير جائز. قال ابن السراج: العطف على عاملين خطأ في القياس غير مسموع من العرب، ثم حمل ما في هذه الآية على التكرار والتأكيد. قال الرماني: هو كقولك: إنَّ فِي الدَّارِ زَيْداً وَالبَيْتِ زَيْداً، فهو جائز بالإجماع، وهذا الوجه الذي ذكره ابن السراج حَسَنٌ جداً لا يجوز أن يحمل كمتاب الله إلا عليه وقد ثبتت القراءة بالكسر، ولا يعيب فيها في القرآن على وجه. والعطف على عاملين عيب عند من أجازه ومن لم يجزه فقد تَنَاهى في العقيب فلا يجوز حمل هذه الآية على ما ذكره ابن السراج دون ما ذهب إليه غيره. قال شهاب الدين: وهذا الحَصْر منْهُ غير مُسَلَّم، فإن في الآية تخريجاتٍ أُخَر على ما ذكره ابنُ السراج، يجوز الحمل عليها. وقال الزجاج ومثله في الشعر: 4434 - أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبينَ امْرَءاً ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارا وأنشد الفارسيّ للفرزدق: 4435 - وبَاشَرُوا رَعْيَها الصَّلا بِلَبَانِهِ ... وَجَنْبَيْهِ حَرَّ النَّارِ مَا يتَحَرَّفُ وقول الآخر: 4436 - اَوْصَيْتَ مِنْ بَرَّةً قَلْباً حَرًّا ... بِالكَلْبِ خَيْراً وَالحَمَاةِ شَرًّا فأما البيت الأول فظاهره أنه عطف «وَنَارٍ» على «امرىء» المخفوض «بكل» و «نَاراً» الثانية على «أمْرءاً» الثاني، والتقدير: أتَحْسَبِينَ كُلَّ نَاراً، فقد عطف على معمولي عاملين. والبيت الثاني: عطف عليه «وجَنْبَيْهِ» على «بِلَبَانِهِ» عطف حرّ النار «على الصَّلا» والتقدير: وبَاشَرَ بجَنْبَيْه حَرَّ النَّارِ. والبيت الثالث: عطف فيه «الحَمَاةِ» على «الكلبِ» و «شرًّا» على «خيراً» تقديره: وأوْصَيْتَ بالحَمَاةِ شَرًّا. وسيبويه في جميع ذلك يرى الجر بخافض مقدر، لكنه عورض بأن إعمال حرف الجر مضمراً ضعيفٌ جداً، ألا ترى أنه لا يجوز: مَرَرْتُ زَيْدٍ بخفض «زَيْدٍ» إلاَّ في ضرورة كقوله: 4437 - إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ ... أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ يريد: إلى كليب، وقول الآخر: 4438 - ... ... ... ... ... ... ... . ... تَبَذَّخَ فَارْتَقَى الأَعْلاَمِ أي إلى الأعلام. فقد فقر من شيء فوقع في أضعف منه، وأجِيب عن ذلك: بأنه لما تقدم ذكر الحرف في اللفظ قويتِ الدّلالة عليه فكأنه ملفوظ به بخلاف ما أردتموه في المِثَال والشِّعر. والمذهب الثاني: التفضيل، وهو مذهب الأخفش، وذكل أنه يجوز بشرطين: أحدهما: أن يكون أحد العاملين جاراً، والثاني: أن يتصل المعطوف بالعاطف أو يفصل «بلا» ثمال الأول: الآية الكريمة والأبيات المتقدمة، ولذلك استصوب المبرد اشتهاده بالآية ومثال الفصل «بلا» قولك: مَا فِي الدَّارِ زَيْدٌ وَلاَ الحُجْرَةِ عَمْرٌو. فلو فقد الشرطان، نحو: إنَّ زَيْداً شَتَم بِشْراً، وَوَاللهِ خَالِداً (هِنْداً) أو فقد أحدهما، نحو: إنَّ زيداً ضَرَبَ بَكْراً، وخالداً بِشْراً، فقد نقل ابن مالك، الامتناع عن الجميع. وفيه نظر، لما سيأتي من الخِلاف. الثالث: أنه يجوز بشرط أن يكون أحد العاملين جارًّا، وأن يكون متقدماً نحو الآية الكريمة، فلو لم يتقدم نحو: إنَّ زَيْداً في الدارِ وعمرو السوقِ، لم يَجُز، وكذا لو لم يكن حرف جر كما تقدم تمثيله. الرابع: الجواز مطلقاً، ويُعْزَى للفراء. الوجه الرابع من أوجه تخريج القراءة المكذورة: أن ينتصب «آيات» على الاختصاص. قاله الزمخشري، كما سيأتي. وأما قراءة الرفع ففيها أوجه: أحدها: أن يكون الأول. والثاني: ما تقدم في ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . الثالث: أن تكون المسألة من باب العطف على عاملين، وذلك أن «اخْتِلاَفِ» عطف على «خَلْقكم» وهو معمول «لفِي» و «آيات» قبلها، وهي معمولة للابتداء فقد عطف على معمول عاملين في هذه القراءة أيضاً. قال الزمخشري: وقرىء: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالرفع والنصب على قولك: إنَّ زَيْداً فِي الدَّارِ وعمرو في السوق أو عمراً في السُّوق. قال: وأما قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فمن العطف على عاملين سواء نصبت أم رفعت، فالعاملان في النصب (إنَّ) و (فِي) ، أقيمت الواو مُقَامَهُما فعملت الجر في «اختلاف الليل والنهار» والنصب في «آيات» وإذا رفعت فالعاملان الابتداء و (في) عملت الرفع في «آيات» والجر في «اختلاف» . ثُمَّ قال في توجيه النصب: والثاني: أن ينتصب على الاختصاص بعد انقضاء المجرور. والوجه الخامس: أن يرتفع «آياتٌ» على خبر ابتداء مضمر أي هِيَ آياتٌ. وناقشه أبو حيان فقال: ونسبة الجر والرفع والجر والنصب للواو ليس بصحيح؛ لأنّ الصحيحَ من المذاهب أن حرف العطف لا يعمل، وأيضاً ناقش أبو شامة فقال: فمنهم من يقول هو على هذه القراءة أيضاً يعني قراءة الرفع عطف على عاملين. وهما حرف «في» والابتداء المقتضي للرفع. ومنهم من لا يطلق هذه العبارة في هذه القراءة؛ لأن الابتداء ليس بعامل لظفي. وقرىء: واخْتِلاَفُ بالرفع آيَةٌ بالرفع، والتوحيد على الابتداء والخبر. وكذلك قرىء: وما يَبُيُّ مِنْ دَابَّةٌ بالتوحيد. وقرأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطلحة وعِيسَى: وتصْرِيف الرِّيح كذا قال أبو حيان. قال شهاب الدين: وقد قرأ بهذه القراءة حمزةُ والكسائيُّ أيضاً. وقد تقدم ذلك في سورة البقرة. فصل اختلاف الليل والنهار فيه وجوه: الأول: تبديل النهار بالليل وبالعكس. الثاني: زيادة طول النهار على طول الليل والعكس. الثالث: اختلاف مطالع الشمس في أيام السنة. قوله: ﴿وَمَآ أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ﴾ يعني الرزق الذي هو سبب أرزاق العباد ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وهذا يدل على وجوب القول بوجود الفاعل المختار من وجوه: أحدها: إنشاء السحاب وإنزال المطر فيه. وثانيها: تولد النبات من تلك الحبة الواقعة في الأرض. وثالثها: تولد الأنواع المختلفة وهي ساق الشجرة، وأغصانها، وأوراقها، وثمارها، ثم تلك الثمرة منها ما يكون القشر محيطاً باللّب، كالجَوْز، واللَّوز، ومنها ما يكون اللّب محيطاً بالقشر كالمِشْمِش والخوخ، ومنها ما يكون خالياً عن القشر كالتِّين. فتولد أقسام النبات على كثرة أقسامه وَتَبَايُنِها يدلّ على وجوب القول بوجود الفاعل المختار الحكيم الرحيم. قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ هي أقسام كثير منها الشرقية، والغربية والشّمالية، والجنوبية، ومنها الحارّة، والباردة، أياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون. واعلم أنه تعالى جمع هذه الدلائل في سورة البقرة فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس وَمَآ أَنزَلَ الله مِنَ السمآء مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرياح والسحاب المسخر بَيْنَ السمآء والأرض لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] . فذكر الله تعالى هذه الأقسام الثمانية من الدلائل، والتافوت بين الوصفين من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿إنَّ في خلق السموات والأرض﴾ وقال ههنا: ﴿إن في السموات والأرض﴾ والصحيح عند أهل السنة: إنَّ الخلق غير المخلوق، فذكر لفظ الخلق في سورة البقرة، ولم يذكره هَهُنَا تنبيهاً على أن لا تفاوت بين أن يفصل السموات أو خلق السموات فيكون هذا دليلاً على أن الخلق غير المخلوق. الثاني: أنه ذكر هناك ثمانيةَ أنواع من الدلائل، وذكر ههنا سبعة أنواع من الدلائل، وأهمل منها الفلك والسحاب، والسَّبَبُ فيه أن مَدَار حركة الفلك والسحاب على الرياح المختلفة، فذكر الرياح التي هي كالسبب يغني عن ذكرهما. الثالث: أنه جمع الكل وذكر لها مقطَعاً واحداً، وههنا رَتَّبَها على ثلاثة أنواع، والغرض منه التنبيه على أنه لا بدّ من إفراد كل احد منها بنظر تامٍّ سابقٍ. الرابع: أنه تعالى ذكر في هذا الموضع ثلاثة مقاطع: أحدها: للمؤمنين، وثانيها: «يوقنون» . وثالثها: «يعقلون» . قال ابن الخطيب: وأظنُّ أن سبب هذا الترتيب أن قوله: إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين (بل أنتم من طلاب الجَزْم واليقين، فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين) ولا من المُوقِنِينَ فلا أَقَلَّ أن تكونوا من زُمْرَةِ العقلاْ فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل. قوله تعالى: ﴿تَلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا﴾ يجوز أن تكون «نتلوها» خبراً «لِتِلْكَ» و «آيَاتُ اللهِ» ، بدل أو عطف بيان، ويجوز أن تكون «تِلْكَ آيَاتُ» مبتدأ وخبراًن و «نَتْلُوها» حال قال الزمخشري: والعامل ما دل عليه «تلك» من معنى الإرشاد ونحوه: ﴿وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود: 72] . قال أبو حيان: وليس نحو لأن في «هَذَا بَعْلِي» حرف تنبيه؛ فقيل: العامل في الحال ما دل عليه حرف التنبيه أي تَنَبَّهْ وأما تلك فليس فيها حرف تنبيه، (فإذا كان حرف التنبيه عاملاً) بما فيه من معنى التنبيه لأن المعنى قد يعمل في الحال، فالمعنى تَنَبَّهْ لزيدٍ في حال شَيْخِه أو في حال قيامه. وقيل: العامل في مثل هذا التركيب فعل محذوف يدل عليه المعنى، أي انظر إليه في حال شيخه فلا يكون اسم الإشارة عاملاً ولا حرف التنبيه إن كان هناك. قال شهاب الدين: بل الآية نحو: هَذَا بَعْلِي شَيْخاً من حَيْثِيَّةِ نسبة العمل لاسم الإشارة غاية ما ثَمَّ أن في الآية الأخرى ما يَصْلُحُ أن يكون عاملاً، وهذا لا يَقْدَح في التنظير إذا قصدت جهةً مشتركةً، وأما إضمار الفعل فهو مشترك في الموضعين عند من يرى ذَلِكَ قال ابن عطية: وفي «نَتْلُوها» حذف مضاف، أي نتلو شأنها وشرح العبرة فيها ويحتمل أن يريد بآيات الله القرآن المنزل في هذا المعنى، فلا يكون فيها حذفُ مضاف. وقرأ بعضهم: يَتْلُوهَا بياء الغيبة، عائداً على الباري تعالى. قوله: «بالْحَقِّ» حال من الفاعل، أي ملتبسين بالحق، أو من المفعول، أي ملتبسةً بالحق. ويجوز أن تكون (الباء) للسببية فتتعلق بنفس «نَتْلُوهَا» . قوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ﴾ قال الزمخشري: أي بعد آيات الله، فهو كقولك: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ كَرَمُهُ، يريدون: كَرَمَ زَيْدٍ. وردَّه عليه أبو حيان بأنه ليس مراداً، بل المراد إعجاباً، وبأنَّ فيه إقحاماً للأسماء من غير ضرورة، قال: وهذا قلب لحقائق النَّحْو. وقرأ الحَرَمِيَّان وأبو عمرو وعاصمٌ في رواية «يُؤمِنُون» بياء الغيبة والباقون بتاء الخطاب. و «فَبِأَيِّ» متعلق به، قدم لأن له صدر الكلام. واختار أبو عبيد الياء، لأن فيه غيبة، وهو قوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾ ، و ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . فإن قيل: في أول الكلام خطاب، وهو قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ قُلْنَا: الغيبة أقرب إلى الحرف المُخْتَلَفِ فيه فكان أولى. فصل ومعنى الآية أن من لم ينتفع بهذه الآيات، فلا شيء بعده يجوز أن ينتفع به. وهذه الآية تبطل القول بالتقليد، وتوجب على المكلف على التأمل في دلائل دين الله.

الجاثية 45:6

مكية وهي سبع وثلاثون آية، وأربعمائة وثمانون كلمة، وألفان ومائة وإحدى وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿حمتَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم﴾ قد تقدم مثله أول غافرٍ. وقال أبو عبد الله الرازي: العزيز الحكيم إن كانا صفة لله كانا حقيقة، وإنْ كَانَا صفة للكتاب كانا مجازاً له. ورد عليه أبو حيان جعله إياهما صفة للكتاب. قال: إذ لو كان كذلك لوليت الصِّفَةُ موصوفَها فكا يقال: تنزيل الكتاب العزيزِ الحكيمِ مِنَ اللهِ. قال: لأن «من الله» إن تعلق «بتنزيل» و «تنزيل» خبر ل «حم» أو لمبتدأ محذوف، لزم الفصل به بين الصفة والموصوف، ولا يجوز، كما لا يجوز: أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ بٍسَوْط الفَاضِل، أو في موضع الخبر وتنزيل مبتدأ، فلا يجوز الفصل به أيضاً لا يجوز: ضَرْبُ زَيْدٍ شَدِيدٌ الفَاضِلُ. قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ إن كان قوله «حم» قسماً «فتزيل الكتاب» نعت له، وجواب القسم: ﴿إِنَّ فِي السماوات والأرض﴾ واعلم أن حصول الآيات في السموات والأرض ظاهر دال على وجود الله تعالى، وقدرته مثل مقاديرها وكيفياتها وحركاتها، وأيضاً الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار. وقد تقدم الكلام في كيفية دلالتها على وجود الإلهة القادر الفاعل المختار. وقوله: «لآياتِ لِلْمؤمِنِينَ» يقتضي كون هذه مختصةً بالمؤمنين. وقالت المعتزلة: إنها آيات للمؤمن والكافر، إلا أنه لما انتفع بها المؤمن دون الكافر أضيف كونها آياتٍ للمؤمنين، ونظيره قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] فإنه هُدًى لكلّ الناس، كما قال تعالى: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة: 185] إلاَّ أنهن لما نتفع به المؤمن خاصةً قيلَ: هدى للمتقين. قوله تعالى: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أن قوله: «وَمَا يَبُثُّ» معطوف على «خَلْقِكُمْ» المجرور بفي والتقدير: وفيمَا يَبُثُّ. الثاني: أنه معطوف على الضمير المخفوض بالخلق وذلك على مذهب من يرى العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار. واستقبحه الزمخشري وإن أُكِّدَ، نحو: مَرَرْتُ بِكَ أَنْتَ وَزَيْدٍ يشير بذلك إلى مذهب الجَرْميّ، فإنه يقول: إن أكّدَ جاز، وإِلاَّ فَلاَ. فقوله مذهب ثالث. قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ و ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . وقرأ آيات بالكسر في الموضعين الأخوان والباقون برفعهما ولا خرف في كسر الأولى؛ لأنها اسم «إن» فأما آيات لقوم يوقنون بالكسر فيجوز فيها وجهان: أحدهما: ِأنها معطوفة على اسم «إن» والخبر قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ كأنه قيل: وإنَّ فِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَات. والثاني: أن تكون كررت توكيداً «لآيَات» الأُوْلَى، ويكون «في خلقكم» معطوفاً على «السَّموَات» كرر معه حرف الجر توكيداً. ونظيره أن تقول: إنَّ في بَيِْتِكَ زَيْداً وفي السّوقِ زَيْداً فزيد الثاني توكيد للأول كأنك قلت: إنَّ زَيْداً زَيْداً فِي بَيْتِكَ وفِي السُّوق. وليس في هذا عطف على معمولي عاملين البتة وقد وهم أبو البقاء فجعلها من ذلك فقال: آيات لقوم يوقنون بكسر الثانية وفيه وجهان: أحدهما: أن «إن» مضمرة حذفت لدلالة «إن» الأولى عليها، وليست «آيات» معطوفة على آيات الأولى، لما فيه من العطف على معمولي عاملين. والثاني: أن تكمون كررت للتأكيد، لأنها من لفظ «آيات» الأولى، وإعرابها كإعرابها كقولك: إنَّ بِثَوْبِكَ دَماً وَبِثَوْبِ زَيْدٍ دماً، فَدَم الثاني مكرر، لأنك مستغنٍ عن ذكره انتهى. فقوله: وليست معطوفة على «آيات» الأولى لما فيه من العطف على معمولي عاملين وهمٌ أين معمول العامل الآخر؟ وكأنه توهم أن «في» ساقطة من قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ أو اختلطت عليه ﴿آيات لقوم يعقلون﴾ بهذه، لأن تِيكَ فيها ما يوهم العطف على عاملين. وقد ذكره هو أيضاً. وأما الرفع فمن وجهين أيضاً: أحدهما: أن يكون «فِي خَلْقِكُمْ» خبراً مقدماً، و «آياتٌ» مبتدأ مؤخراً، وهي جملة معطوفة على جملة مؤكدة بإِن. والثاني: أن تكون معطوفة على «آيات» الأولى اعتباراً بالمحل عند من يجيز ذلك، لا سيما عند من يقول: إنه يجوز ذلك بعد الخبر بإجماعل. وأما قوله: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ فقد تقدم أنَّ الأخوين يقرآن آياتٍ بالكسر وهي تحتاج إلى إيضاح، فإن الناس تكلموا فيها كثيراً وخرّجوها على أوجه مختلفة، وبها استدل على جواز العطف على عاملين قال شهاب الدين: والعطف على عاملين لا يختص بقراءة الأخوين، بل يجوز أن يستدل عليه أيضاً بقراءة الباقين كما سنقف عليه إنْ شَاءَ الله تعالى فأما قراءة الأخوين ففيها أَوْجهُ: أحدها: أن يكون «اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ» مجروراً ب «في» مضمرةً، وإنما حذفت لتقدم ذكرها مرتين وحرف الجر إذا دلّ عليه دليل (جاز حذفه وأيضاً عمله وأنشد الإمام الأستاذ سيبويه:) 4433 - ألآن قَربَّتْ تهْجُونَا وتَشْتُمُنَا ... فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ تقديره: وبالأَيامِ، لتقدم الباء في «بِكَ» . ولا يجوز عطفه على الكاف لأنه ليس من مذهبه العطف على الضمير المجرور، دون إعادة الجارّ، فالتقدير في هذه الآية: «وَفِي اخْتِلاَفِ آيَاتِ» ، فآيات على ما تقدم من الوجهين في آيات قبلها العطف أو التأكيد. قالوا: ويدلّ على ذلك قراءة عبد الله (وَفِي اخْتِلافِ) تصريحاً بفي. فهذان وجهان: الثالث: أن يعطف «اخْتِلافِ» على المجرور بفي، وآيات على المنصوب بإن وبهذا هو العطف على عاملين، وتحقيقه على معمولي عاملين، وذلك أنك عطفت «اخْتِلاَفِ» على «خَلْقِ» وهو مجرور بفي فهو معمول عامل، وعطف «آياتِ» على اسم إنّ وهو معمول عامل آخر. فقد عطفت بحرف واحد وهو الواو معمولين وهما «اخْتِلافِ» و «آياتٍ» على معمولين قبلهما وهما «خلق وآيات» . ويظاهرها استدل على من جوّز ذلك كالأخفش. وفي المسألة أربعة مذاهب، المنع مطلقاً، وهو مذهب سيبويه، وجمهور البصريين، قالوا: لأنه يؤدي إلى إقامة حرف العطف مقام عامليْن وهو لا يجوز؛ لأنه لو جاز في عاملين لجاز في ثلاثة، ولا قائل به، ولأن حرف العطف ضعيف، فلا يَقْوَى أن ينوب عن عاملين، ولأن القَائِلَ بجواز ذلك يستضعفه والأحسن عنده أن لا يجوز، مفملا ينبغي أن يحمل عليه كتاب الله، ولأنه بمنزلة التَّعْدِيَتَيْنِ بمُعَدِّ واحد، وهو غير جائز. قال ابن السراج: العطف على عاملين خطأ في القياس غير مسموع من العرب، ثم حمل ما في هذه الآية على التكرار والتأكيد. قال الرماني: هو كقولك: إنَّ فِي الدَّارِ زَيْداً وَالبَيْتِ زَيْداً، فهو جائز بالإجماع، وهذا الوجه الذي ذكره ابن السراج حَسَنٌ جداً لا يجوز أن يحمل كمتاب الله إلا عليه وقد ثبتت القراءة بالكسر، ولا يعيب فيها في القرآن على وجه. والعطف على عاملين عيب عند من أجازه ومن لم يجزه فقد تَنَاهى في العقيب فلا يجوز حمل هذه الآية على ما ذكره ابن السراج دون ما ذهب إليه غيره. قال شهاب الدين: وهذا الحَصْر منْهُ غير مُسَلَّم، فإن في الآية تخريجاتٍ أُخَر على ما ذكره ابنُ السراج، يجوز الحمل عليها. وقال الزجاج ومثله في الشعر: 4434 - أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبينَ امْرَءاً ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارا وأنشد الفارسيّ للفرزدق: 4435 - وبَاشَرُوا رَعْيَها الصَّلا بِلَبَانِهِ ... وَجَنْبَيْهِ حَرَّ النَّارِ مَا يتَحَرَّفُ وقول الآخر: 4436 - اَوْصَيْتَ مِنْ بَرَّةً قَلْباً حَرًّا ... بِالكَلْبِ خَيْراً وَالحَمَاةِ شَرًّا فأما البيت الأول فظاهره أنه عطف «وَنَارٍ» على «امرىء» المخفوض «بكل» و «نَاراً» الثانية على «أمْرءاً» الثاني، والتقدير: أتَحْسَبِينَ كُلَّ نَاراً، فقد عطف على معمولي عاملين. والبيت الثاني: عطف عليه «وجَنْبَيْهِ» على «بِلَبَانِهِ» عطف حرّ النار «على الصَّلا» والتقدير: وبَاشَرَ بجَنْبَيْه حَرَّ النَّارِ. والبيت الثالث: عطف فيه «الحَمَاةِ» على «الكلبِ» و «شرًّا» على «خيراً» تقديره: وأوْصَيْتَ بالحَمَاةِ شَرًّا. وسيبويه في جميع ذلك يرى الجر بخافض مقدر، لكنه عورض بأن إعمال حرف الجر مضمراً ضعيفٌ جداً، ألا ترى أنه لا يجوز: مَرَرْتُ زَيْدٍ بخفض «زَيْدٍ» إلاَّ في ضرورة كقوله: 4437 - إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ ... أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ يريد: إلى كليب، وقول الآخر: 4438 - ... ... ... ... ... ... ... . ... تَبَذَّخَ فَارْتَقَى الأَعْلاَمِ أي إلى الأعلام. فقد فقر من شيء فوقع في أضعف منه، وأجِيب عن ذلك: بأنه لما تقدم ذكر الحرف في اللفظ قويتِ الدّلالة عليه فكأنه ملفوظ به بخلاف ما أردتموه في المِثَال والشِّعر. والمذهب الثاني: التفضيل، وهو مذهب الأخفش، وذكل أنه يجوز بشرطين: أحدهما: أن يكون أحد العاملين جاراً، والثاني: أن يتصل المعطوف بالعاطف أو يفصل «بلا» ثمال الأول: الآية الكريمة والأبيات المتقدمة، ولذلك استصوب المبرد اشتهاده بالآية ومثال الفصل «بلا» قولك: مَا فِي الدَّارِ زَيْدٌ وَلاَ الحُجْرَةِ عَمْرٌو. فلو فقد الشرطان، نحو: إنَّ زَيْداً شَتَم بِشْراً، وَوَاللهِ خَالِداً (هِنْداً) أو فقد أحدهما، نحو: إنَّ زيداً ضَرَبَ بَكْراً، وخالداً بِشْراً، فقد نقل ابن مالك، الامتناع عن الجميع. وفيه نظر، لما سيأتي من الخِلاف. الثالث: أنه يجوز بشرط أن يكون أحد العاملين جارًّا، وأن يكون متقدماً نحو الآية الكريمة، فلو لم يتقدم نحو: إنَّ زَيْداً في الدارِ وعمرو السوقِ، لم يَجُز، وكذا لو لم يكن حرف جر كما تقدم تمثيله. الرابع: الجواز مطلقاً، ويُعْزَى للفراء. الوجه الرابع من أوجه تخريج القراءة المكذورة: أن ينتصب «آيات» على الاختصاص. قاله الزمخشري، كما سيأتي. وأما قراءة الرفع ففيها أوجه: أحدها: أن يكون الأول. والثاني: ما تقدم في ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . الثالث: أن تكون المسألة من باب العطف على عاملين، وذلك أن «اخْتِلاَفِ» عطف على «خَلْقكم» وهو معمول «لفِي» و «آيات» قبلها، وهي معمولة للابتداء فقد عطف على معمول عاملين في هذه القراءة أيضاً. قال الزمخشري: وقرىء: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالرفع والنصب على قولك: إنَّ زَيْداً فِي الدَّارِ وعمرو في السوق أو عمراً في السُّوق. قال: وأما قوله: ﴿آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فمن العطف على عاملين سواء نصبت أم رفعت، فالعاملان في النصب (إنَّ) و (فِي) ، أقيمت الواو مُقَامَهُما فعملت الجر في «اختلاف الليل والنهار» والنصب في «آيات» وإذا رفعت فالعاملان الابتداء و (في) عملت الرفع في «آيات» والجر في «اختلاف» . ثُمَّ قال في توجيه النصب: والثاني: أن ينتصب على الاختصاص بعد انقضاء المجرور. والوجه الخامس: أن يرتفع «آياتٌ» على خبر ابتداء مضمر أي هِيَ آياتٌ. وناقشه أبو حيان فقال: ونسبة الجر والرفع والجر والنصب للواو ليس بصحيح؛ لأنّ الصحيحَ من المذاهب أن حرف العطف لا يعمل، وأيضاً ناقش أبو شامة فقال: فمنهم من يقول هو على هذه القراءة أيضاً يعني قراءة الرفع عطف على عاملين. وهما حرف «في» والابتداء المقتضي للرفع. ومنهم من لا يطلق هذه العبارة في هذه القراءة؛ لأن الابتداء ليس بعامل لظفي. وقرىء: واخْتِلاَفُ بالرفع آيَةٌ بالرفع، والتوحيد على الابتداء والخبر. وكذلك قرىء: وما يَبُيُّ مِنْ دَابَّةٌ بالتوحيد. وقرأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطلحة وعِيسَى: وتصْرِيف الرِّيح كذا قال أبو حيان. قال شهاب الدين: وقد قرأ بهذه القراءة حمزةُ والكسائيُّ أيضاً. وقد تقدم ذلك في سورة البقرة. فصل اختلاف الليل والنهار فيه وجوه: الأول: تبديل النهار بالليل وبالعكس. الثاني: زيادة طول النهار على طول الليل والعكس. الثالث: اختلاف مطالع الشمس في أيام السنة. قوله: ﴿وَمَآ أَنَزَلَ الله مِنَ السمآء مَّن رِّزْقٍ﴾ يعني الرزق الذي هو سبب أرزاق العباد ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وهذا يدل على وجوب القول بوجود الفاعل المختار من وجوه: أحدها: إنشاء السحاب وإنزال المطر فيه. وثانيها: تولد النبات من تلك الحبة الواقعة في الأرض. وثالثها: تولد الأنواع المختلفة وهي ساق الشجرة، وأغصانها، وأوراقها، وثمارها، ثم تلك الثمرة منها ما يكون القشر محيطاً باللّب، كالجَوْز، واللَّوز، ومنها ما يكون اللّب محيطاً بالقشر كالمِشْمِش والخوخ، ومنها ما يكون خالياً عن القشر كالتِّين. فتولد أقسام النبات على كثرة أقسامه وَتَبَايُنِها يدلّ على وجوب القول بوجود الفاعل المختار الحكيم الرحيم. قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ هي أقسام كثير منها الشرقية، والغربية والشّمالية، والجنوبية، ومنها الحارّة، والباردة، أياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون. واعلم أنه تعالى جمع هذه الدلائل في سورة البقرة فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس وَمَآ أَنزَلَ الله مِنَ السمآء مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرياح والسحاب المسخر بَيْنَ السمآء والأرض لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] . فذكر الله تعالى هذه الأقسام الثمانية من الدلائل، والتافوت بين الوصفين من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في سورة البقرة: ﴿إنَّ في خلق السموات والأرض﴾ وقال ههنا: ﴿إن في السموات والأرض﴾ والصحيح عند أهل السنة: إنَّ الخلق غير المخلوق، فذكر لفظ الخلق في سورة البقرة، ولم يذكره هَهُنَا تنبيهاً على أن لا تفاوت بين أن يفصل السموات أو خلق السموات فيكون هذا دليلاً على أن الخلق غير المخلوق. الثاني: أنه ذكر هناك ثمانيةَ أنواع من الدلائل، وذكر ههنا سبعة أنواع من الدلائل، وأهمل منها الفلك والسحاب، والسَّبَبُ فيه أن مَدَار حركة الفلك والسحاب على الرياح المختلفة، فذكر الرياح التي هي كالسبب يغني عن ذكرهما. الثالث: أنه جمع الكل وذكر لها مقطَعاً واحداً، وههنا رَتَّبَها على ثلاثة أنواع، والغرض منه التنبيه على أنه لا بدّ من إفراد كل احد منها بنظر تامٍّ سابقٍ. الرابع: أنه تعالى ذكر في هذا الموضع ثلاثة مقاطع: أحدها: للمؤمنين، وثانيها: «يوقنون» . وثالثها: «يعقلون» . قال ابن الخطيب: وأظنُّ أن سبب هذا الترتيب أن قوله: إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين (بل أنتم من طلاب الجَزْم واليقين، فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين) ولا من المُوقِنِينَ فلا أَقَلَّ أن تكونوا من زُمْرَةِ العقلاْ فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل. قوله تعالى: ﴿تَلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا﴾ يجوز أن تكون «نتلوها» خبراً «لِتِلْكَ» و «آيَاتُ اللهِ» ، بدل أو عطف بيان، ويجوز أن تكون «تِلْكَ آيَاتُ» مبتدأ وخبراًن و «نَتْلُوها» حال قال الزمخشري: والعامل ما دل عليه «تلك» من معنى الإرشاد ونحوه: ﴿وهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ [هود: 72] . قال أبو حيان: وليس نحو لأن في «هَذَا بَعْلِي» حرف تنبيه؛ فقيل: العامل في الحال ما دل عليه حرف التنبيه أي تَنَبَّهْ وأما تلك فليس فيها حرف تنبيه، (فإذا كان حرف التنبيه عاملاً) بما فيه من معنى التنبيه لأن المعنى قد يعمل في الحال، فالمعنى تَنَبَّهْ لزيدٍ في حال شَيْخِه أو في حال قيامه. وقيل: العامل في مثل هذا التركيب فعل محذوف يدل عليه المعنى، أي انظر إليه في حال شيخه فلا يكون اسم الإشارة عاملاً ولا حرف التنبيه إن كان هناك. قال شهاب الدين: بل الآية نحو: هَذَا بَعْلِي شَيْخاً من حَيْثِيَّةِ نسبة العمل لاسم الإشارة غاية ما ثَمَّ أن في الآية الأخرى ما يَصْلُحُ أن يكون عاملاً، وهذا لا يَقْدَح في التنظير إذا قصدت جهةً مشتركةً، وأما إضمار الفعل فهو مشترك في الموضعين عند من يرى ذَلِكَ قال ابن عطية: وفي «نَتْلُوها» حذف مضاف، أي نتلو شأنها وشرح العبرة فيها ويحتمل أن يريد بآيات الله القرآن المنزل في هذا المعنى، فلا يكون فيها حذفُ مضاف. وقرأ بعضهم: يَتْلُوهَا بياء الغيبة، عائداً على الباري تعالى. قوله: «بالْحَقِّ» حال من الفاعل، أي ملتبسين بالحق، أو من المفعول، أي ملتبسةً بالحق. ويجوز أن تكون (الباء) للسببية فتتعلق بنفس «نَتْلُوهَا» . قوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ﴾ قال الزمخشري: أي بعد آيات الله، فهو كقولك: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ كَرَمُهُ، يريدون: كَرَمَ زَيْدٍ. وردَّه عليه أبو حيان بأنه ليس مراداً، بل المراد إعجاباً، وبأنَّ فيه إقحاماً للأسماء من غير ضرورة، قال: وهذا قلب لحقائق النَّحْو. وقرأ الحَرَمِيَّان وأبو عمرو وعاصمٌ في رواية «يُؤمِنُون» بياء الغيبة والباقون بتاء الخطاب. و «فَبِأَيِّ» متعلق به، قدم لأن له صدر الكلام. واختار أبو عبيد الياء، لأن فيه غيبة، وهو قوله: ﴿يُوقِنُونَ﴾ ، و ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ . فإن قيل: في أول الكلام خطاب، وهو قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ قُلْنَا: الغيبة أقرب إلى الحرف المُخْتَلَفِ فيه فكان أولى. فصل ومعنى الآية أن من لم ينتفع بهذه الآيات، فلا شيء بعده يجوز أن ينتفع به. وهذه الآية تبطل القول بالتقليد، وتوجب على المكلف على التأمل في دلائل دين الله.

الجاثية 45:7

قوله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ... ﴾ الآية لما بين الآيات للكفار، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بها مع ظهورها فبأي حديث بعدها يؤمنون أتبعه بوعيد عظيم لهم فقال: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ والأفاك الكذاب، والأثيم المُبَالغ في اقتراف الإثم، وهو أن يبقى مصراً على الإنكار، والاستكبار. قال المفسرون: يعني النَّظْر بن الحارث، والآية عامة في من كان موصوفاً بهذه الصفة. قوله: «يَسْمَعُ» يجوز أ، يكون مستأنفاً، أي هو يسمع، أو دون إضمار «هو» وأن يكون حالاً من الضمير في «أثيم» وأن يكون صفة. قوله: «تُتْلَى عَلَيْهِ» حال من «آيَاتِ اللهِ» ، ولا يجيء فيه الخلاف وهو أنه يجوز أن يكون في محل نصب مفعولاً ثانياً؛ لأن شرط ذلك أن يقع بعدها ما لا يسمع نحو «سَمِعْتُ زَيْداً يَقْرَأ» أما إذا وقع بعدها ما يسمع، نحو: سَمِعْتُ قِرَاءَةَ زَيْدٍ يَتَرنَّمُ بِهَا فهي متعدية لواحد فقط، و «الآيات» مما يسمع. قوله: «ثمَّ يُصِرُّ» قال الزمخشري: فإن قلتَ: ما معنى «ثم» في قوله: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾ قلتُ: كمعناه في قول القائل: 4439 - ... ... ... ... ... ... ... ... يَرَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا وذلك أن غمرات الموت حقيقة بأن ينجو رائيها بنفسه، ويطلب الفِرار منها، وأما زورانها والإقدام على مزاولتها فامر مستبعد، فمعنى ثم الإيذان بأن فعل المقدم عليها بعدما رآها وعاينها شيء يستبعد في العادات والطباع وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق من تُلِيَتْ عليه وسَمِعَها كان مستبعداً في العقول إصراره على الضلالة عندها واستنكاره عن الإيمان بها. قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفةً، وأن يتكون حالاً، والأصل كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن، ومحل الجملة النصب على الحال يَصِيرُ مِثْلَ غَيْرِ السَّامِع ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . قوله: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً﴾ العامة على فتح العين وكسر اللام خفيفة مبنياً للفاعل. وقتادةُ ومطر الوراق عُلِّم مبنياً للمفعول مشدداً. قوله: (اتَّخَذَهَا) الضمير المؤنث فيه وجهان: أحدهما: أنه عائد على «آيَاتِنَا» يعني القرآن. والثاني: أنه يعود على «شَيْءٍ» وإن كان مذكراً، لأنه بمعنى الآية كقول أبي العتاهية: 4440 - نَفْسي بِشَيْءٍ مِن الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ ... اللهُ وَالْقَائِمُ المَهْدِيُّ يَقْضِيهَا لأنه أراد «بشَيْء» جاريةً يقال لها: عتبة. فصل المعنى ذلك الشيء هُزُؤٌ، إلا أنه تعالى قال: اتَّخَذَها للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحسّ بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات المنزلة على محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد. قوله: «أُولَئِكَ» إشارة إلى معنى كل أفَّاكٍ أَثِيم ليدخل فيه جميع الأفاكين فَحُمِلَ أوَّلاً على لفظها فأفرد، ثم على معناها فجمع، كقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53] . قوله: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ لما قال: ﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ وصف كيفية ذلك العذاب فقال: من ورائهم جهنم أي أمامهم جهنم لأنهم في الدنيا. قال الزمخشري هي اسم للجهة التي يواجه بها الشخص من خَلْفه أو من قُدَّامِهِ. ثم بين أن ما ملكوه في الدنيا لا ينفعهم فقال: ﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً﴾ أي من الأموال. قوله: ﴿وَلاَ مَا اتخذوا﴾ عطف على ما كسبوا و «ما» فيهما إما مصدرية أو بمعنى الذي أي لا يغني كَسْبُهُمْ ولا اتِخّاذُهُمْ، أو الذي كسبوه ولا الذي اتخذوه. فإن قِيلَ: إنه قال قبل هذه الآية: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ثم قال ههنا: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فما الفرق بينهما؟ فالجواب: كون العذاب مُهِيناً يدُلُّ على حصول الإهانة مع العذاب وكَوْنهُ عظيماً يدل على كونه بالغاً إلى أقصى الغايات في الضَّرَر. قوله: «هَذَا هُدًى» يعني هذا القرآ هدى أي كامل في كونه هدى من الضلالة ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾ وقد تقدم الكلام على الرجز الأليم في «سبأ» والرجز أَشَدُّ العذاب لقوله تعالى: ﴿رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [البقرة: 59] وقوله: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] . وقرىء «أليم» بالجر، والرفع، أما الرفع فتقديره لهم عذاب أليم، ويكون (المراد) من الرجز النَّجَسُ الذي هو النجاسة، ومعنى النجاسة فيه قوله: ﴿ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] وكأن المعنى لهم عذاب من تَجرُّع رجسٍ أو شرب رجس، فيكنون تنبيهاً للعذاب، وأما الجر فتقديره لهم عذاب من عذاب أليم، وإذا كان عذابهم من عذاب أليم كان عذابهم أليماً.

الجاثية 45:8

قوله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ... ﴾ الآية لما بين الآيات للكفار، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بها مع ظهورها فبأي حديث بعدها يؤمنون أتبعه بوعيد عظيم لهم فقال: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ والأفاك الكذاب، والأثيم المُبَالغ في اقتراف الإثم، وهو أن يبقى مصراً على الإنكار، والاستكبار. قال المفسرون: يعني النَّظْر بن الحارث، والآية عامة في من كان موصوفاً بهذه الصفة. قوله: «يَسْمَعُ» يجوز أ، يكون مستأنفاً، أي هو يسمع، أو دون إضمار «هو» وأن يكون حالاً من الضمير في «أثيم» وأن يكون صفة. قوله: «تُتْلَى عَلَيْهِ» حال من «آيَاتِ اللهِ» ، ولا يجيء فيه الخلاف وهو أنه يجوز أن يكون في محل نصب مفعولاً ثانياً؛ لأن شرط ذلك أن يقع بعدها ما لا يسمع نحو «سَمِعْتُ زَيْداً يَقْرَأ» أما إذا وقع بعدها ما يسمع، نحو: سَمِعْتُ قِرَاءَةَ زَيْدٍ يَتَرنَّمُ بِهَا فهي متعدية لواحد فقط، و «الآيات» مما يسمع. قوله: «ثمَّ يُصِرُّ» قال الزمخشري: فإن قلتَ: ما معنى «ثم» في قوله: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾ قلتُ: كمعناه في قول القائل: 4439 - ... ... ... ... ... ... ... ... يَرَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا وذلك أن غمرات الموت حقيقة بأن ينجو رائيها بنفسه، ويطلب الفِرار منها، وأما زورانها والإقدام على مزاولتها فامر مستبعد، فمعنى ثم الإيذان بأن فعل المقدم عليها بعدما رآها وعاينها شيء يستبعد في العادات والطباع وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق من تُلِيَتْ عليه وسَمِعَها كان مستبعداً في العقول إصراره على الضلالة عندها واستنكاره عن الإيمان بها. قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفةً، وأن يتكون حالاً، والأصل كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن، ومحل الجملة النصب على الحال يَصِيرُ مِثْلَ غَيْرِ السَّامِع ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . قوله: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً﴾ العامة على فتح العين وكسر اللام خفيفة مبنياً للفاعل. وقتادةُ ومطر الوراق عُلِّم مبنياً للمفعول مشدداً. قوله: (اتَّخَذَهَا) الضمير المؤنث فيه وجهان: أحدهما: أنه عائد على «آيَاتِنَا» يعني القرآن. والثاني: أنه يعود على «شَيْءٍ» وإن كان مذكراً، لأنه بمعنى الآية كقول أبي العتاهية: 4440 - نَفْسي بِشَيْءٍ مِن الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ ... اللهُ وَالْقَائِمُ المَهْدِيُّ يَقْضِيهَا لأنه أراد «بشَيْء» جاريةً يقال لها: عتبة. فصل المعنى ذلك الشيء هُزُؤٌ، إلا أنه تعالى قال: اتَّخَذَها للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحسّ بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات المنزلة على محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد. قوله: «أُولَئِكَ» إشارة إلى معنى كل أفَّاكٍ أَثِيم ليدخل فيه جميع الأفاكين فَحُمِلَ أوَّلاً على لفظها فأفرد، ثم على معناها فجمع، كقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53] . قوله: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ لما قال: ﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ وصف كيفية ذلك العذاب فقال: من ورائهم جهنم أي أمامهم جهنم لأنهم في الدنيا. قال الزمخشري هي اسم للجهة التي يواجه بها الشخص من خَلْفه أو من قُدَّامِهِ. ثم بين أن ما ملكوه في الدنيا لا ينفعهم فقال: ﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً﴾ أي من الأموال. قوله: ﴿وَلاَ مَا اتخذوا﴾ عطف على ما كسبوا و «ما» فيهما إما مصدرية أو بمعنى الذي أي لا يغني كَسْبُهُمْ ولا اتِخّاذُهُمْ، أو الذي كسبوه ولا الذي اتخذوه. فإن قِيلَ: إنه قال قبل هذه الآية: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ثم قال ههنا: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فما الفرق بينهما؟ فالجواب: كون العذاب مُهِيناً يدُلُّ على حصول الإهانة مع العذاب وكَوْنهُ عظيماً يدل على كونه بالغاً إلى أقصى الغايات في الضَّرَر. قوله: «هَذَا هُدًى» يعني هذا القرآ هدى أي كامل في كونه هدى من الضلالة ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾ وقد تقدم الكلام على الرجز الأليم في «سبأ» والرجز أَشَدُّ العذاب لقوله تعالى: ﴿رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [البقرة: 59] وقوله: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] . وقرىء «أليم» بالجر، والرفع، أما الرفع فتقديره لهم عذاب أليم، ويكون (المراد) من الرجز النَّجَسُ الذي هو النجاسة، ومعنى النجاسة فيه قوله: ﴿ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] وكأن المعنى لهم عذاب من تَجرُّع رجسٍ أو شرب رجس، فيكنون تنبيهاً للعذاب، وأما الجر فتقديره لهم عذاب من عذاب أليم، وإذا كان عذابهم من عذاب أليم كان عذابهم أليماً.

الجاثية 45:9

قوله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ... ﴾ الآية لما بين الآيات للكفار، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بها مع ظهورها فبأي حديث بعدها يؤمنون أتبعه بوعيد عظيم لهم فقال: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ والأفاك الكذاب، والأثيم المُبَالغ في اقتراف الإثم، وهو أن يبقى مصراً على الإنكار، والاستكبار. قال المفسرون: يعني النَّظْر بن الحارث، والآية عامة في من كان موصوفاً بهذه الصفة. قوله: «يَسْمَعُ» يجوز أ، يكون مستأنفاً، أي هو يسمع، أو دون إضمار «هو» وأن يكون حالاً من الضمير في «أثيم» وأن يكون صفة. قوله: «تُتْلَى عَلَيْهِ» حال من «آيَاتِ اللهِ» ، ولا يجيء فيه الخلاف وهو أنه يجوز أن يكون في محل نصب مفعولاً ثانياً؛ لأن شرط ذلك أن يقع بعدها ما لا يسمع نحو «سَمِعْتُ زَيْداً يَقْرَأ» أما إذا وقع بعدها ما يسمع، نحو: سَمِعْتُ قِرَاءَةَ زَيْدٍ يَتَرنَّمُ بِهَا فهي متعدية لواحد فقط، و «الآيات» مما يسمع. قوله: «ثمَّ يُصِرُّ» قال الزمخشري: فإن قلتَ: ما معنى «ثم» في قوله: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾ قلتُ: كمعناه في قول القائل: 4439 - ... ... ... ... ... ... ... ... يَرَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا وذلك أن غمرات الموت حقيقة بأن ينجو رائيها بنفسه، ويطلب الفِرار منها، وأما زورانها والإقدام على مزاولتها فامر مستبعد، فمعنى ثم الإيذان بأن فعل المقدم عليها بعدما رآها وعاينها شيء يستبعد في العادات والطباع وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق من تُلِيَتْ عليه وسَمِعَها كان مستبعداً في العقول إصراره على الضلالة عندها واستنكاره عن الإيمان بها. قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفةً، وأن يتكون حالاً، والأصل كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن، ومحل الجملة النصب على الحال يَصِيرُ مِثْلَ غَيْرِ السَّامِع ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . قوله: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً﴾ العامة على فتح العين وكسر اللام خفيفة مبنياً للفاعل. وقتادةُ ومطر الوراق عُلِّم مبنياً للمفعول مشدداً. قوله: (اتَّخَذَهَا) الضمير المؤنث فيه وجهان: أحدهما: أنه عائد على «آيَاتِنَا» يعني القرآن. والثاني: أنه يعود على «شَيْءٍ» وإن كان مذكراً، لأنه بمعنى الآية كقول أبي العتاهية: 4440 - نَفْسي بِشَيْءٍ مِن الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ ... اللهُ وَالْقَائِمُ المَهْدِيُّ يَقْضِيهَا لأنه أراد «بشَيْء» جاريةً يقال لها: عتبة. فصل المعنى ذلك الشيء هُزُؤٌ، إلا أنه تعالى قال: اتَّخَذَها للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحسّ بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات المنزلة على محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد. قوله: «أُولَئِكَ» إشارة إلى معنى كل أفَّاكٍ أَثِيم ليدخل فيه جميع الأفاكين فَحُمِلَ أوَّلاً على لفظها فأفرد، ثم على معناها فجمع، كقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53] . قوله: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ لما قال: ﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ وصف كيفية ذلك العذاب فقال: من ورائهم جهنم أي أمامهم جهنم لأنهم في الدنيا. قال الزمخشري هي اسم للجهة التي يواجه بها الشخص من خَلْفه أو من قُدَّامِهِ. ثم بين أن ما ملكوه في الدنيا لا ينفعهم فقال: ﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً﴾ أي من الأموال. قوله: ﴿وَلاَ مَا اتخذوا﴾ عطف على ما كسبوا و «ما» فيهما إما مصدرية أو بمعنى الذي أي لا يغني كَسْبُهُمْ ولا اتِخّاذُهُمْ، أو الذي كسبوه ولا الذي اتخذوه. فإن قِيلَ: إنه قال قبل هذه الآية: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ثم قال ههنا: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فما الفرق بينهما؟ فالجواب: كون العذاب مُهِيناً يدُلُّ على حصول الإهانة مع العذاب وكَوْنهُ عظيماً يدل على كونه بالغاً إلى أقصى الغايات في الضَّرَر. قوله: «هَذَا هُدًى» يعني هذا القرآ هدى أي كامل في كونه هدى من الضلالة ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾ وقد تقدم الكلام على الرجز الأليم في «سبأ» والرجز أَشَدُّ العذاب لقوله تعالى: ﴿رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [البقرة: 59] وقوله: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] . وقرىء «أليم» بالجر، والرفع، أما الرفع فتقديره لهم عذاب أليم، ويكون (المراد) من الرجز النَّجَسُ الذي هو النجاسة، ومعنى النجاسة فيه قوله: ﴿ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] وكأن المعنى لهم عذاب من تَجرُّع رجسٍ أو شرب رجس، فيكنون تنبيهاً للعذاب، وأما الجر فتقديره لهم عذاب من عذاب أليم، وإذا كان عذابهم من عذاب أليم كان عذابهم أليماً.

الجاثية 45:10

قوله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ... ﴾ الآية لما بين الآيات للكفار، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بها مع ظهورها فبأي حديث بعدها يؤمنون أتبعه بوعيد عظيم لهم فقال: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ والأفاك الكذاب، والأثيم المُبَالغ في اقتراف الإثم، وهو أن يبقى مصراً على الإنكار، والاستكبار. قال المفسرون: يعني النَّظْر بن الحارث، والآية عامة في من كان موصوفاً بهذه الصفة. قوله: «يَسْمَعُ» يجوز أ، يكون مستأنفاً، أي هو يسمع، أو دون إضمار «هو» وأن يكون حالاً من الضمير في «أثيم» وأن يكون صفة. قوله: «تُتْلَى عَلَيْهِ» حال من «آيَاتِ اللهِ» ، ولا يجيء فيه الخلاف وهو أنه يجوز أن يكون في محل نصب مفعولاً ثانياً؛ لأن شرط ذلك أن يقع بعدها ما لا يسمع نحو «سَمِعْتُ زَيْداً يَقْرَأ» أما إذا وقع بعدها ما يسمع، نحو: سَمِعْتُ قِرَاءَةَ زَيْدٍ يَتَرنَّمُ بِهَا فهي متعدية لواحد فقط، و «الآيات» مما يسمع. قوله: «ثمَّ يُصِرُّ» قال الزمخشري: فإن قلتَ: ما معنى «ثم» في قوله: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾ قلتُ: كمعناه في قول القائل: 4439 - ... ... ... ... ... ... ... ... يَرَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا وذلك أن غمرات الموت حقيقة بأن ينجو رائيها بنفسه، ويطلب الفِرار منها، وأما زورانها والإقدام على مزاولتها فامر مستبعد، فمعنى ثم الإيذان بأن فعل المقدم عليها بعدما رآها وعاينها شيء يستبعد في العادات والطباع وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق من تُلِيَتْ عليه وسَمِعَها كان مستبعداً في العقول إصراره على الضلالة عندها واستنكاره عن الإيمان بها. قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفةً، وأن يتكون حالاً، والأصل كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن، ومحل الجملة النصب على الحال يَصِيرُ مِثْلَ غَيْرِ السَّامِع ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . قوله: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً﴾ العامة على فتح العين وكسر اللام خفيفة مبنياً للفاعل. وقتادةُ ومطر الوراق عُلِّم مبنياً للمفعول مشدداً. قوله: (اتَّخَذَهَا) الضمير المؤنث فيه وجهان: أحدهما: أنه عائد على «آيَاتِنَا» يعني القرآن. والثاني: أنه يعود على «شَيْءٍ» وإن كان مذكراً، لأنه بمعنى الآية كقول أبي العتاهية: 4440 - نَفْسي بِشَيْءٍ مِن الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ ... اللهُ وَالْقَائِمُ المَهْدِيُّ يَقْضِيهَا لأنه أراد «بشَيْء» جاريةً يقال لها: عتبة. فصل المعنى ذلك الشيء هُزُؤٌ، إلا أنه تعالى قال: اتَّخَذَها للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحسّ بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات المنزلة على محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد. قوله: «أُولَئِكَ» إشارة إلى معنى كل أفَّاكٍ أَثِيم ليدخل فيه جميع الأفاكين فَحُمِلَ أوَّلاً على لفظها فأفرد، ثم على معناها فجمع، كقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53] . قوله: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ لما قال: ﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ وصف كيفية ذلك العذاب فقال: من ورائهم جهنم أي أمامهم جهنم لأنهم في الدنيا. قال الزمخشري هي اسم للجهة التي يواجه بها الشخص من خَلْفه أو من قُدَّامِهِ. ثم بين أن ما ملكوه في الدنيا لا ينفعهم فقال: ﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً﴾ أي من الأموال. قوله: ﴿وَلاَ مَا اتخذوا﴾ عطف على ما كسبوا و «ما» فيهما إما مصدرية أو بمعنى الذي أي لا يغني كَسْبُهُمْ ولا اتِخّاذُهُمْ، أو الذي كسبوه ولا الذي اتخذوه. فإن قِيلَ: إنه قال قبل هذه الآية: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ثم قال ههنا: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فما الفرق بينهما؟ فالجواب: كون العذاب مُهِيناً يدُلُّ على حصول الإهانة مع العذاب وكَوْنهُ عظيماً يدل على كونه بالغاً إلى أقصى الغايات في الضَّرَر. قوله: «هَذَا هُدًى» يعني هذا القرآ هدى أي كامل في كونه هدى من الضلالة ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾ وقد تقدم الكلام على الرجز الأليم في «سبأ» والرجز أَشَدُّ العذاب لقوله تعالى: ﴿رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [البقرة: 59] وقوله: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] . وقرىء «أليم» بالجر، والرفع، أما الرفع فتقديره لهم عذاب أليم، ويكون (المراد) من الرجز النَّجَسُ الذي هو النجاسة، ومعنى النجاسة فيه قوله: ﴿ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] وكأن المعنى لهم عذاب من تَجرُّع رجسٍ أو شرب رجس، فيكنون تنبيهاً للعذاب، وأما الجر فتقديره لهم عذاب من عذاب أليم، وإذا كان عذابهم من عذاب أليم كان عذابهم أليماً.

الجاثية 45:11

قوله: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ... ﴾ الآية لما بين الآيات للكفار، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بها مع ظهورها فبأي حديث بعدها يؤمنون أتبعه بوعيد عظيم لهم فقال: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ والأفاك الكذاب، والأثيم المُبَالغ في اقتراف الإثم، وهو أن يبقى مصراً على الإنكار، والاستكبار. قال المفسرون: يعني النَّظْر بن الحارث، والآية عامة في من كان موصوفاً بهذه الصفة. قوله: «يَسْمَعُ» يجوز أ، يكون مستأنفاً، أي هو يسمع، أو دون إضمار «هو» وأن يكون حالاً من الضمير في «أثيم» وأن يكون صفة. قوله: «تُتْلَى عَلَيْهِ» حال من «آيَاتِ اللهِ» ، ولا يجيء فيه الخلاف وهو أنه يجوز أن يكون في محل نصب مفعولاً ثانياً؛ لأن شرط ذلك أن يقع بعدها ما لا يسمع نحو «سَمِعْتُ زَيْداً يَقْرَأ» أما إذا وقع بعدها ما يسمع، نحو: سَمِعْتُ قِرَاءَةَ زَيْدٍ يَتَرنَّمُ بِهَا فهي متعدية لواحد فقط، و «الآيات» مما يسمع. قوله: «ثمَّ يُصِرُّ» قال الزمخشري: فإن قلتَ: ما معنى «ثم» في قوله: ﴿ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً﴾ قلتُ: كمعناه في قول القائل: 4439 - ... ... ... ... ... ... ... ... يَرَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَزُورُهَا وذلك أن غمرات الموت حقيقة بأن ينجو رائيها بنفسه، ويطلب الفِرار منها، وأما زورانها والإقدام على مزاولتها فامر مستبعد، فمعنى ثم الإيذان بأن فعل المقدم عليها بعدما رآها وعاينها شيء يستبعد في العادات والطباع وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق من تُلِيَتْ عليه وسَمِعَها كان مستبعداً في العقول إصراره على الضلالة عندها واستنكاره عن الإيمان بها. قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا﴾ هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفةً، وأن يتكون حالاً، والأصل كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن، ومحل الجملة النصب على الحال يَصِيرُ مِثْلَ غَيْرِ السَّامِع ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . قوله: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً﴾ العامة على فتح العين وكسر اللام خفيفة مبنياً للفاعل. وقتادةُ ومطر الوراق عُلِّم مبنياً للمفعول مشدداً. قوله: (اتَّخَذَهَا) الضمير المؤنث فيه وجهان: أحدهما: أنه عائد على «آيَاتِنَا» يعني القرآن. والثاني: أنه يعود على «شَيْءٍ» وإن كان مذكراً، لأنه بمعنى الآية كقول أبي العتاهية: 4440 - نَفْسي بِشَيْءٍ مِن الدُّنْيَا مُعَلَّقَةٌ ... اللهُ وَالْقَائِمُ المَهْدِيُّ يَقْضِيهَا لأنه أراد «بشَيْء» جاريةً يقال لها: عتبة. فصل المعنى ذلك الشيء هُزُؤٌ، إلا أنه تعالى قال: اتَّخَذَها للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحسّ بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات المنزلة على محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد. قوله: «أُولَئِكَ» إشارة إلى معنى كل أفَّاكٍ أَثِيم ليدخل فيه جميع الأفاكين فَحُمِلَ أوَّلاً على لفظها فأفرد، ثم على معناها فجمع، كقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53] . قوله: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ لما قال: ﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ وصف كيفية ذلك العذاب فقال: من ورائهم جهنم أي أمامهم جهنم لأنهم في الدنيا. قال الزمخشري هي اسم للجهة التي يواجه بها الشخص من خَلْفه أو من قُدَّامِهِ. ثم بين أن ما ملكوه في الدنيا لا ينفعهم فقال: ﴿وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً﴾ أي من الأموال. قوله: ﴿وَلاَ مَا اتخذوا﴾ عطف على ما كسبوا و «ما» فيهما إما مصدرية أو بمعنى الذي أي لا يغني كَسْبُهُمْ ولا اتِخّاذُهُمْ، أو الذي كسبوه ولا الذي اتخذوه. فإن قِيلَ: إنه قال قبل هذه الآية: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ثم قال ههنا: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فما الفرق بينهما؟ فالجواب: كون العذاب مُهِيناً يدُلُّ على حصول الإهانة مع العذاب وكَوْنهُ عظيماً يدل على كونه بالغاً إلى أقصى الغايات في الضَّرَر. قوله: «هَذَا هُدًى» يعني هذا القرآ هدى أي كامل في كونه هدى من الضلالة ﴿والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾ وقد تقدم الكلام على الرجز الأليم في «سبأ» والرجز أَشَدُّ العذاب لقوله تعالى: ﴿رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [البقرة: 59] وقوله: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] . وقرىء «أليم» بالجر، والرفع، أما الرفع فتقديره لهم عذاب أليم، ويكون (المراد) من الرجز النَّجَسُ الذي هو النجاسة، ومعنى النجاسة فيه قوله: ﴿ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] وكأن المعنى لهم عذاب من تَجرُّع رجسٍ أو شرب رجس، فيكنون تنبيهاً للعذاب، وأما الجر فتقديره لهم عذاب من عذاب أليم، وإذا كان عذابهم من عذاب أليم كان عذابهم أليماً.

الجاثية 45:12

قوله تعالى: ﴿الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِيَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ ... ﴾ الآية لما ذكر تعالى الاستدلال بكيفية جَرَيَان الفلك على وجه البحر؛ وذلك لا يحصل إلا بتسخير ثلاثة أشياء: أحدها: الرياح التي توافق المراد. وثانيها: خلق وجه الماء على المَلاَسَةِ التي تجري عليها الفُلك. وثالثها: خلق الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء ولا تَغْرقُ عنه. وهذه الأحوال لا يقدر عليها أحد من البشر ولا بدّ من موجود قادر عليها وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ إما بالتجارة وإما الغوص على اللؤلؤ والمرجان، أو لاستخراج اللَّحم الطَّرِيِّ. قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي خلقها مسخرة لنا. أي لنفعنا. قوله: «جميعاً» حال من ﴿ما في السموات وما في الأرض﴾ أو توكيد. وقد عدها ابن مالك في أَلْفَاظِهِ و «منه» يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة ل «جميعاً» وأن يتعلق «بسَخَّر» أي هو صادر من جهته ومن عنده. وجوَّز الزمخشري في «منه» أن يكون خبر ابتداء مضمر، أي هُنَّ جَمِيعاً منه، وأن يكون ﴿وَمَا فِي الأرض﴾ مبتدأ و «منه» خبره. قال أبو حيان: وهَذَانِ لا يجوزان إلاَّ على رأي الأخفش، من حيث إنَّ الحال تقدمت يعني «جَمِيعاً» فقدمت على عاملها المعنوي يَعْنِي الجَار فهي نظير: زَيْدٌ قَائِماً فِي الدَّارِ والعامة على «مِنْهُ» . وابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) بكسر الميم وتشديد النون ونصب التاء. جعله مصدراً مِنْ: «مَنَّ يَمُنُّ مِنَّةً» فانتصبا به عنده على المصدر المؤكد، وإما بعامل مضمر، وإما بسخَّر لأنه بمعناه. قال أبو حاتم: سند هذه القراءة إلى بان عباس مظلم. قال شهاب الدين: قد رُوِيَتْ أيضاً عن جماعة جلة غير ابن عباس، فنقلها بن خالويه عنه وعن عُبَيْد بْنِ عُمَيْر ونقلها صاحب اللوامح وابن جني عن ابن عباس، وعبد الله بن عمرو والجَحْدَريّ وعبد الله بن عُبَيْد بن عُمَيْر. وقرأ مُسْلِمَةُ بْنُ مَحَارِب كذلك إلا أنه رفع التاء جعلها خَبَر ابْتداءٍ مضمر، أي هي مِنَّةً. وقرأ أيضاً في رواية أخرى فتح الميم وتشديد النون و «ها» كناية مضمومة جعله مصدراً مضافاً لضمير الله تعالى. ورفعه من وجهين: أحدهما: بالفاعلية بسَخَّر، أي سَخَّرَ لَكُمْ هَذِهِ الأشياءَ مَنُّهُ عَلَيْكُمْ. والثاني: أن يكون خبر ابتداء مضمر، أي هُو، أو ذَلِكَ مَنُّهُ عليكم إنَّ في ذَلِكَ ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ﴾ تقدم نظيره في سورة إبراهيمَ، قال ابن عباس: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما المراد بالَّذِينَ آمنوا عمرُ بنُ الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَغْفِرُوا لاَ يَرْجَونَ أَيَّامَ اللهِ يعني عَبْدالله بْنَ أُبَيِّ، وذلك أنهم نزلوا في غَزَاةِ بني المصْطَلَق على بئرٍ يقال لها: المريسيع فأرسل عبد الله غلامه ليستقي الماء، فأبطأ عليه، فلما أتاه، قال له: ما حَبَسَك؟ فقال: غُلام عمر قعد على طَرف البئر، فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قُرَبَ النبي، وقُرَبَ أبي بكر، فقال عبد الله بن أُبَيِّ: مِثْلُنا ومِثْلُ هؤلاء إلا كما قيل: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأكُلْكَ، فبلغ ذَلِكَ عُمَر، فاشتمل بسيفه، يريد التوجه (له) فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: إنَّ رَجُلاًمن بني غِفار شتم عُمَرَ بْنَ الخَطَّاب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) بمكَّةَ، فهم عمر أن يَبْطِشَ به، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالعفو والتَّجَاوز، وروى مَيْمُونُ بْنُ مهرانَ أَن فِنحاصَ اليهوديَّ لما نزل قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: 245] قال: احتاجَ رَبَّ محمَّد، فمسع ذلك عُمَرُ، فاشتمل على سيفه، وخرج في طلبه فبعث النبي صلى الله عليه سولم إليه فردَّه. وقال القُرظِيُّ والسُّدِّيُّ: نزلت في ناسٍ من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أهل مكة كانوا في آَذًى كثير من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رسول الله صلى الله علهي وسلم فأنزل الله هذه الآية ثم نَسَخَتْهَا آيةُ القِتَال. قال ابن الخطيب: وإنما قالوا بالنسخ، لأنه يدخل تحت الغفران أن لا يَقْتلُوا ولا يقاتِلوا فلما أمروا بالمقاتلة كان نسخاً. والأقرب أن يقال: إنه محمول على ترك المنازعة، وعلى التجاوز عما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية وقوله: ﴿لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله﴾ قال ابن عباس: لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عذاب الأمم الخالية وتقدير تفسير «أيام الله» عند قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله﴾ [إبراهيم: 5] . قوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ قرأ ابن عامر والأَخَوَانِ: لنَجْزِي بنون العظمة، أي لنَجْزي نَحْنُ. وباقي السبعة ليَجْزِي بالياء من تحت مبنياً للفاعل؛ أي ليجزي اللهُ. وأبو جعفر بخلاف عنه وشبيةُ وعَاصمٌ في رواية كذلك إلا أنه مبني للمفعول هذا مع نصب «قوماً» . وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير المفعول الثاني، عاد الضمير عليه لدلالة السِّياق تقديره: ليجزي هو أي الخير قوماً والمفعول الثاني من باب أعطى، بقوم مقام الفاعل بلا خلافٍ، ونظيرهن: الدِّرْهَمَ أُعْطِيَ زَيْداً. الثاني: أن القائم مقامه ضمير المصدر المدلول عليه بالفعل، أي ليُجْزَى الجَزَاءَ. وفيه نظر لأنه لا يترك المفعول به، ويقام المصدر، لا سيما مع عدم التصريح به. الثالث: أن القائم مقامه الجار والمجرور، وفيه حجة للأخفش والكوفيين حيث يجيزون نيابة غير المفعول به مع وجوده وأنشدوا: 4441 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَسُبَّ بِذَلِكَ الجِرْوِ الكِلاَبَا و: 4442 - لَمْ يُعْنَ بالْعَلْيَاءِ إلاَّ سَيِّدَا ... والبصريون لا يُجِيزُونَه. فصل المعنى لكي نجازي بالمغفرة قوماً يعملون الخير. فإن قيل: ما الفائدة من تنكير «قَوْماً» مع أن المراد بهم المؤمنون المذكورون في قوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ﴾ ؟ فالجواب: أن التنكير بدل على تعظيم شأنهم، كأنه قيل: ليجزِي قَوْماً وأَيّ قوم قوماً من شأنهم الصَّفْحُ عن السّيئات، والتجاوز عن المؤذيات، وتجرع المكروه، كأنه قيل: لا تكافئوهم أنتم حتى نُكَافِئَهُمْ نحن. ثم ذكر الحكم العام فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ وهو مثل ضربه الله للذين يغفرون ﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ مثل ضربه الله للكفار الذين كانوا يؤذون الرسول والمؤمنين ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ .

الجاثية 45:13

قوله تعالى: ﴿الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِيَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ ... ﴾ الآية لما ذكر تعالى الاستدلال بكيفية جَرَيَان الفلك على وجه البحر؛ وذلك لا يحصل إلا بتسخير ثلاثة أشياء: أحدها: الرياح التي توافق المراد. وثانيها: خلق وجه الماء على المَلاَسَةِ التي تجري عليها الفُلك. وثالثها: خلق الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء ولا تَغْرقُ عنه. وهذه الأحوال لا يقدر عليها أحد من البشر ولا بدّ من موجود قادر عليها وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ إما بالتجارة وإما الغوص على اللؤلؤ والمرجان، أو لاستخراج اللَّحم الطَّرِيِّ. قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي خلقها مسخرة لنا. أي لنفعنا. قوله: «جميعاً» حال من ﴿ما في السموات وما في الأرض﴾ أو توكيد. وقد عدها ابن مالك في أَلْفَاظِهِ و «منه» يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة ل «جميعاً» وأن يتعلق «بسَخَّر» أي هو صادر من جهته ومن عنده. وجوَّز الزمخشري في «منه» أن يكون خبر ابتداء مضمر، أي هُنَّ جَمِيعاً منه، وأن يكون ﴿وَمَا فِي الأرض﴾ مبتدأ و «منه» خبره. قال أبو حيان: وهَذَانِ لا يجوزان إلاَّ على رأي الأخفش، من حيث إنَّ الحال تقدمت يعني «جَمِيعاً» فقدمت على عاملها المعنوي يَعْنِي الجَار فهي نظير: زَيْدٌ قَائِماً فِي الدَّارِ والعامة على «مِنْهُ» . وابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) بكسر الميم وتشديد النون ونصب التاء. جعله مصدراً مِنْ: «مَنَّ يَمُنُّ مِنَّةً» فانتصبا به عنده على المصدر المؤكد، وإما بعامل مضمر، وإما بسخَّر لأنه بمعناه. قال أبو حاتم: سند هذه القراءة إلى بان عباس مظلم. قال شهاب الدين: قد رُوِيَتْ أيضاً عن جماعة جلة غير ابن عباس، فنقلها بن خالويه عنه وعن عُبَيْد بْنِ عُمَيْر ونقلها صاحب اللوامح وابن جني عن ابن عباس، وعبد الله بن عمرو والجَحْدَريّ وعبد الله بن عُبَيْد بن عُمَيْر. وقرأ مُسْلِمَةُ بْنُ مَحَارِب كذلك إلا أنه رفع التاء جعلها خَبَر ابْتداءٍ مضمر، أي هي مِنَّةً. وقرأ أيضاً في رواية أخرى فتح الميم وتشديد النون و «ها» كناية مضمومة جعله مصدراً مضافاً لضمير الله تعالى. ورفعه من وجهين: أحدهما: بالفاعلية بسَخَّر، أي سَخَّرَ لَكُمْ هَذِهِ الأشياءَ مَنُّهُ عَلَيْكُمْ. والثاني: أن يكون خبر ابتداء مضمر، أي هُو، أو ذَلِكَ مَنُّهُ عليكم إنَّ في ذَلِكَ ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ﴾ تقدم نظيره في سورة إبراهيمَ، قال ابن عباس: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما المراد بالَّذِينَ آمنوا عمرُ بنُ الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَغْفِرُوا لاَ يَرْجَونَ أَيَّامَ اللهِ يعني عَبْدالله بْنَ أُبَيِّ، وذلك أنهم نزلوا في غَزَاةِ بني المصْطَلَق على بئرٍ يقال لها: المريسيع فأرسل عبد الله غلامه ليستقي الماء، فأبطأ عليه، فلما أتاه، قال له: ما حَبَسَك؟ فقال: غُلام عمر قعد على طَرف البئر، فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قُرَبَ النبي، وقُرَبَ أبي بكر، فقال عبد الله بن أُبَيِّ: مِثْلُنا ومِثْلُ هؤلاء إلا كما قيل: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأكُلْكَ، فبلغ ذَلِكَ عُمَر، فاشتمل بسيفه، يريد التوجه (له) فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: إنَّ رَجُلاًمن بني غِفار شتم عُمَرَ بْنَ الخَطَّاب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) بمكَّةَ، فهم عمر أن يَبْطِشَ به، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالعفو والتَّجَاوز، وروى مَيْمُونُ بْنُ مهرانَ أَن فِنحاصَ اليهوديَّ لما نزل قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: 245] قال: احتاجَ رَبَّ محمَّد، فمسع ذلك عُمَرُ، فاشتمل على سيفه، وخرج في طلبه فبعث النبي صلى الله عليه سولم إليه فردَّه. وقال القُرظِيُّ والسُّدِّيُّ: نزلت في ناسٍ من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أهل مكة كانوا في آَذًى كثير من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رسول الله صلى الله علهي وسلم فأنزل الله هذه الآية ثم نَسَخَتْهَا آيةُ القِتَال. قال ابن الخطيب: وإنما قالوا بالنسخ، لأنه يدخل تحت الغفران أن لا يَقْتلُوا ولا يقاتِلوا فلما أمروا بالمقاتلة كان نسخاً. والأقرب أن يقال: إنه محمول على ترك المنازعة، وعلى التجاوز عما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية وقوله: ﴿لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله﴾ قال ابن عباس: لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عذاب الأمم الخالية وتقدير تفسير «أيام الله» عند قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله﴾ [إبراهيم: 5] . قوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ قرأ ابن عامر والأَخَوَانِ: لنَجْزِي بنون العظمة، أي لنَجْزي نَحْنُ. وباقي السبعة ليَجْزِي بالياء من تحت مبنياً للفاعل؛ أي ليجزي اللهُ. وأبو جعفر بخلاف عنه وشبيةُ وعَاصمٌ في رواية كذلك إلا أنه مبني للمفعول هذا مع نصب «قوماً» . وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير المفعول الثاني، عاد الضمير عليه لدلالة السِّياق تقديره: ليجزي هو أي الخير قوماً والمفعول الثاني من باب أعطى، بقوم مقام الفاعل بلا خلافٍ، ونظيرهن: الدِّرْهَمَ أُعْطِيَ زَيْداً. الثاني: أن القائم مقامه ضمير المصدر المدلول عليه بالفعل، أي ليُجْزَى الجَزَاءَ. وفيه نظر لأنه لا يترك المفعول به، ويقام المصدر، لا سيما مع عدم التصريح به. الثالث: أن القائم مقامه الجار والمجرور، وفيه حجة للأخفش والكوفيين حيث يجيزون نيابة غير المفعول به مع وجوده وأنشدوا: 4441 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَسُبَّ بِذَلِكَ الجِرْوِ الكِلاَبَا و: 4442 - لَمْ يُعْنَ بالْعَلْيَاءِ إلاَّ سَيِّدَا ... والبصريون لا يُجِيزُونَه. فصل المعنى لكي نجازي بالمغفرة قوماً يعملون الخير. فإن قيل: ما الفائدة من تنكير «قَوْماً» مع أن المراد بهم المؤمنون المذكورون في قوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ﴾ ؟ فالجواب: أن التنكير بدل على تعظيم شأنهم، كأنه قيل: ليجزِي قَوْماً وأَيّ قوم قوماً من شأنهم الصَّفْحُ عن السّيئات، والتجاوز عن المؤذيات، وتجرع المكروه، كأنه قيل: لا تكافئوهم أنتم حتى نُكَافِئَهُمْ نحن. ثم ذكر الحكم العام فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ وهو مثل ضربه الله للذين يغفرون ﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ مثل ضربه الله للكفار الذين كانوا يؤذون الرسول والمؤمنين ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ .

الجاثية 45:14

قوله تعالى: ﴿الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِيَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ ... ﴾ الآية لما ذكر تعالى الاستدلال بكيفية جَرَيَان الفلك على وجه البحر؛ وذلك لا يحصل إلا بتسخير ثلاثة أشياء: أحدها: الرياح التي توافق المراد. وثانيها: خلق وجه الماء على المَلاَسَةِ التي تجري عليها الفُلك. وثالثها: خلق الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء ولا تَغْرقُ عنه. وهذه الأحوال لا يقدر عليها أحد من البشر ولا بدّ من موجود قادر عليها وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ إما بالتجارة وإما الغوص على اللؤلؤ والمرجان، أو لاستخراج اللَّحم الطَّرِيِّ. قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي خلقها مسخرة لنا. أي لنفعنا. قوله: «جميعاً» حال من ﴿ما في السموات وما في الأرض﴾ أو توكيد. وقد عدها ابن مالك في أَلْفَاظِهِ و «منه» يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة ل «جميعاً» وأن يتعلق «بسَخَّر» أي هو صادر من جهته ومن عنده. وجوَّز الزمخشري في «منه» أن يكون خبر ابتداء مضمر، أي هُنَّ جَمِيعاً منه، وأن يكون ﴿وَمَا فِي الأرض﴾ مبتدأ و «منه» خبره. قال أبو حيان: وهَذَانِ لا يجوزان إلاَّ على رأي الأخفش، من حيث إنَّ الحال تقدمت يعني «جَمِيعاً» فقدمت على عاملها المعنوي يَعْنِي الجَار فهي نظير: زَيْدٌ قَائِماً فِي الدَّارِ والعامة على «مِنْهُ» . وابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) بكسر الميم وتشديد النون ونصب التاء. جعله مصدراً مِنْ: «مَنَّ يَمُنُّ مِنَّةً» فانتصبا به عنده على المصدر المؤكد، وإما بعامل مضمر، وإما بسخَّر لأنه بمعناه. قال أبو حاتم: سند هذه القراءة إلى بان عباس مظلم. قال شهاب الدين: قد رُوِيَتْ أيضاً عن جماعة جلة غير ابن عباس، فنقلها بن خالويه عنه وعن عُبَيْد بْنِ عُمَيْر ونقلها صاحب اللوامح وابن جني عن ابن عباس، وعبد الله بن عمرو والجَحْدَريّ وعبد الله بن عُبَيْد بن عُمَيْر. وقرأ مُسْلِمَةُ بْنُ مَحَارِب كذلك إلا أنه رفع التاء جعلها خَبَر ابْتداءٍ مضمر، أي هي مِنَّةً. وقرأ أيضاً في رواية أخرى فتح الميم وتشديد النون و «ها» كناية مضمومة جعله مصدراً مضافاً لضمير الله تعالى. ورفعه من وجهين: أحدهما: بالفاعلية بسَخَّر، أي سَخَّرَ لَكُمْ هَذِهِ الأشياءَ مَنُّهُ عَلَيْكُمْ. والثاني: أن يكون خبر ابتداء مضمر، أي هُو، أو ذَلِكَ مَنُّهُ عليكم إنَّ في ذَلِكَ ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ﴾ تقدم نظيره في سورة إبراهيمَ، قال ابن عباس: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما المراد بالَّذِينَ آمنوا عمرُ بنُ الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَغْفِرُوا لاَ يَرْجَونَ أَيَّامَ اللهِ يعني عَبْدالله بْنَ أُبَيِّ، وذلك أنهم نزلوا في غَزَاةِ بني المصْطَلَق على بئرٍ يقال لها: المريسيع فأرسل عبد الله غلامه ليستقي الماء، فأبطأ عليه، فلما أتاه، قال له: ما حَبَسَك؟ فقال: غُلام عمر قعد على طَرف البئر، فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قُرَبَ النبي، وقُرَبَ أبي بكر، فقال عبد الله بن أُبَيِّ: مِثْلُنا ومِثْلُ هؤلاء إلا كما قيل: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأكُلْكَ، فبلغ ذَلِكَ عُمَر، فاشتمل بسيفه، يريد التوجه (له) فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: إنَّ رَجُلاًمن بني غِفار شتم عُمَرَ بْنَ الخَطَّاب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) بمكَّةَ، فهم عمر أن يَبْطِشَ به، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالعفو والتَّجَاوز، وروى مَيْمُونُ بْنُ مهرانَ أَن فِنحاصَ اليهوديَّ لما نزل قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: 245] قال: احتاجَ رَبَّ محمَّد، فمسع ذلك عُمَرُ، فاشتمل على سيفه، وخرج في طلبه فبعث النبي صلى الله عليه سولم إليه فردَّه. وقال القُرظِيُّ والسُّدِّيُّ: نزلت في ناسٍ من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أهل مكة كانوا في آَذًى كثير من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رسول الله صلى الله علهي وسلم فأنزل الله هذه الآية ثم نَسَخَتْهَا آيةُ القِتَال. قال ابن الخطيب: وإنما قالوا بالنسخ، لأنه يدخل تحت الغفران أن لا يَقْتلُوا ولا يقاتِلوا فلما أمروا بالمقاتلة كان نسخاً. والأقرب أن يقال: إنه محمول على ترك المنازعة، وعلى التجاوز عما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية وقوله: ﴿لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله﴾ قال ابن عباس: لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عذاب الأمم الخالية وتقدير تفسير «أيام الله» عند قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله﴾ [إبراهيم: 5] . قوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ قرأ ابن عامر والأَخَوَانِ: لنَجْزِي بنون العظمة، أي لنَجْزي نَحْنُ. وباقي السبعة ليَجْزِي بالياء من تحت مبنياً للفاعل؛ أي ليجزي اللهُ. وأبو جعفر بخلاف عنه وشبيةُ وعَاصمٌ في رواية كذلك إلا أنه مبني للمفعول هذا مع نصب «قوماً» . وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير المفعول الثاني، عاد الضمير عليه لدلالة السِّياق تقديره: ليجزي هو أي الخير قوماً والمفعول الثاني من باب أعطى، بقوم مقام الفاعل بلا خلافٍ، ونظيرهن: الدِّرْهَمَ أُعْطِيَ زَيْداً. الثاني: أن القائم مقامه ضمير المصدر المدلول عليه بالفعل، أي ليُجْزَى الجَزَاءَ. وفيه نظر لأنه لا يترك المفعول به، ويقام المصدر، لا سيما مع عدم التصريح به. الثالث: أن القائم مقامه الجار والمجرور، وفيه حجة للأخفش والكوفيين حيث يجيزون نيابة غير المفعول به مع وجوده وأنشدوا: 4441 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَسُبَّ بِذَلِكَ الجِرْوِ الكِلاَبَا و: 4442 - لَمْ يُعْنَ بالْعَلْيَاءِ إلاَّ سَيِّدَا ... والبصريون لا يُجِيزُونَه. فصل المعنى لكي نجازي بالمغفرة قوماً يعملون الخير. فإن قيل: ما الفائدة من تنكير «قَوْماً» مع أن المراد بهم المؤمنون المذكورون في قوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ﴾ ؟ فالجواب: أن التنكير بدل على تعظيم شأنهم، كأنه قيل: ليجزِي قَوْماً وأَيّ قوم قوماً من شأنهم الصَّفْحُ عن السّيئات، والتجاوز عن المؤذيات، وتجرع المكروه، كأنه قيل: لا تكافئوهم أنتم حتى نُكَافِئَهُمْ نحن. ثم ذكر الحكم العام فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ وهو مثل ضربه الله للذين يغفرون ﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ مثل ضربه الله للكفار الذين كانوا يؤذون الرسول والمؤمنين ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ .

الجاثية 45:15

قوله تعالى: ﴿الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر لِتَجْرِيَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ ... ﴾ الآية لما ذكر تعالى الاستدلال بكيفية جَرَيَان الفلك على وجه البحر؛ وذلك لا يحصل إلا بتسخير ثلاثة أشياء: أحدها: الرياح التي توافق المراد. وثانيها: خلق وجه الماء على المَلاَسَةِ التي تجري عليها الفُلك. وثالثها: خلق الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء ولا تَغْرقُ عنه. وهذه الأحوال لا يقدر عليها أحد من البشر ولا بدّ من موجود قادر عليها وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ إما بالتجارة وإما الغوص على اللؤلؤ والمرجان، أو لاستخراج اللَّحم الطَّرِيِّ. قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي خلقها مسخرة لنا. أي لنفعنا. قوله: «جميعاً» حال من ﴿ما في السموات وما في الأرض﴾ أو توكيد. وقد عدها ابن مالك في أَلْفَاظِهِ و «منه» يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة ل «جميعاً» وأن يتعلق «بسَخَّر» أي هو صادر من جهته ومن عنده. وجوَّز الزمخشري في «منه» أن يكون خبر ابتداء مضمر، أي هُنَّ جَمِيعاً منه، وأن يكون ﴿وَمَا فِي الأرض﴾ مبتدأ و «منه» خبره. قال أبو حيان: وهَذَانِ لا يجوزان إلاَّ على رأي الأخفش، من حيث إنَّ الحال تقدمت يعني «جَمِيعاً» فقدمت على عاملها المعنوي يَعْنِي الجَار فهي نظير: زَيْدٌ قَائِماً فِي الدَّارِ والعامة على «مِنْهُ» . وابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) بكسر الميم وتشديد النون ونصب التاء. جعله مصدراً مِنْ: «مَنَّ يَمُنُّ مِنَّةً» فانتصبا به عنده على المصدر المؤكد، وإما بعامل مضمر، وإما بسخَّر لأنه بمعناه. قال أبو حاتم: سند هذه القراءة إلى بان عباس مظلم. قال شهاب الدين: قد رُوِيَتْ أيضاً عن جماعة جلة غير ابن عباس، فنقلها بن خالويه عنه وعن عُبَيْد بْنِ عُمَيْر ونقلها صاحب اللوامح وابن جني عن ابن عباس، وعبد الله بن عمرو والجَحْدَريّ وعبد الله بن عُبَيْد بن عُمَيْر. وقرأ مُسْلِمَةُ بْنُ مَحَارِب كذلك إلا أنه رفع التاء جعلها خَبَر ابْتداءٍ مضمر، أي هي مِنَّةً. وقرأ أيضاً في رواية أخرى فتح الميم وتشديد النون و «ها» كناية مضمومة جعله مصدراً مضافاً لضمير الله تعالى. ورفعه من وجهين: أحدهما: بالفاعلية بسَخَّر، أي سَخَّرَ لَكُمْ هَذِهِ الأشياءَ مَنُّهُ عَلَيْكُمْ. والثاني: أن يكون خبر ابتداء مضمر، أي هُو، أو ذَلِكَ مَنُّهُ عليكم إنَّ في ذَلِكَ ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ . قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ﴾ تقدم نظيره في سورة إبراهيمَ، قال ابن عباس: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما المراد بالَّذِينَ آمنوا عمرُ بنُ الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَغْفِرُوا لاَ يَرْجَونَ أَيَّامَ اللهِ يعني عَبْدالله بْنَ أُبَيِّ، وذلك أنهم نزلوا في غَزَاةِ بني المصْطَلَق على بئرٍ يقال لها: المريسيع فأرسل عبد الله غلامه ليستقي الماء، فأبطأ عليه، فلما أتاه، قال له: ما حَبَسَك؟ فقال: غُلام عمر قعد على طَرف البئر، فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قُرَبَ النبي، وقُرَبَ أبي بكر، فقال عبد الله بن أُبَيِّ: مِثْلُنا ومِثْلُ هؤلاء إلا كما قيل: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأكُلْكَ، فبلغ ذَلِكَ عُمَر، فاشتمل بسيفه، يريد التوجه (له) فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: إنَّ رَجُلاًمن بني غِفار شتم عُمَرَ بْنَ الخَطَّاب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) بمكَّةَ، فهم عمر أن يَبْطِشَ به، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالعفو والتَّجَاوز، وروى مَيْمُونُ بْنُ مهرانَ أَن فِنحاصَ اليهوديَّ لما نزل قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: 245] قال: احتاجَ رَبَّ محمَّد، فمسع ذلك عُمَرُ، فاشتمل على سيفه، وخرج في طلبه فبعث النبي صلى الله عليه سولم إليه فردَّه. وقال القُرظِيُّ والسُّدِّيُّ: نزلت في ناسٍ من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ من أهل مكة كانوا في آَذًى كثير من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رسول الله صلى الله علهي وسلم فأنزل الله هذه الآية ثم نَسَخَتْهَا آيةُ القِتَال. قال ابن الخطيب: وإنما قالوا بالنسخ، لأنه يدخل تحت الغفران أن لا يَقْتلُوا ولا يقاتِلوا فلما أمروا بالمقاتلة كان نسخاً. والأقرب أن يقال: إنه محمول على ترك المنازعة، وعلى التجاوز عما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية وقوله: ﴿لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله﴾ قال ابن عباس: لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عذاب الأمم الخالية وتقدير تفسير «أيام الله» عند قوله: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله﴾ [إبراهيم: 5] . قوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْماً﴾ قرأ ابن عامر والأَخَوَانِ: لنَجْزِي بنون العظمة، أي لنَجْزي نَحْنُ. وباقي السبعة ليَجْزِي بالياء من تحت مبنياً للفاعل؛ أي ليجزي اللهُ. وأبو جعفر بخلاف عنه وشبيةُ وعَاصمٌ في رواية كذلك إلا أنه مبني للمفعول هذا مع نصب «قوماً» . وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير المفعول الثاني، عاد الضمير عليه لدلالة السِّياق تقديره: ليجزي هو أي الخير قوماً والمفعول الثاني من باب أعطى، بقوم مقام الفاعل بلا خلافٍ، ونظيرهن: الدِّرْهَمَ أُعْطِيَ زَيْداً. الثاني: أن القائم مقامه ضمير المصدر المدلول عليه بالفعل، أي ليُجْزَى الجَزَاءَ. وفيه نظر لأنه لا يترك المفعول به، ويقام المصدر، لا سيما مع عدم التصريح به. الثالث: أن القائم مقامه الجار والمجرور، وفيه حجة للأخفش والكوفيين حيث يجيزون نيابة غير المفعول به مع وجوده وأنشدوا: 4441 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَسُبَّ بِذَلِكَ الجِرْوِ الكِلاَبَا و: 4442 - لَمْ يُعْنَ بالْعَلْيَاءِ إلاَّ سَيِّدَا ... والبصريون لا يُجِيزُونَه. فصل المعنى لكي نجازي بالمغفرة قوماً يعملون الخير. فإن قيل: ما الفائدة من تنكير «قَوْماً» مع أن المراد بهم المؤمنون المذكورون في قوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ﴾ ؟ فالجواب: أن التنكير بدل على تعظيم شأنهم، كأنه قيل: ليجزِي قَوْماً وأَيّ قوم قوماً من شأنهم الصَّفْحُ عن السّيئات، والتجاوز عن المؤذيات، وتجرع المكروه، كأنه قيل: لا تكافئوهم أنتم حتى نُكَافِئَهُمْ نحن. ثم ذكر الحكم العام فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ وهو مثل ضربه الله للذين يغفرون ﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ مثل ضربه الله للكفار الذين كانوا يؤذون الرسول والمؤمنين ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ .

الجاثية 45:16

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب﴾ يعني التوراة ﴿والحكم والنبوة﴾ والمراد بهذه الآية أنه تعالى بين أنه أنعم بنعم كثيرة على نبي إسرائيل مع أنه حصل بينهم الاختلاف على سبي البغي والحسد، والمقصود منه أن يبين أن طريقة قومِهِ كطريقة مَنْ تَقَدَّم. واعلم أن المراد بالكتاب التوراة أما الحكم، فقيل: المراد به العِلْم والحُكْمُ. وقيل: المراد العلم بفصل الحكومات. وقيل: معرفة أحكام الله وهو علم الفقه. وأما النبوة فمعلومة ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات﴾ الحَلاَلاَت، يعني المَنَّ والسَّلْوا ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين﴾ . قال المفسرون: على عالَمِي زمانهم قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) لم يكن أحد من العالمين أكرم على الله ولا أحبَّ إليه منهم. ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأمر﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) يعني العلم بمَبْعَثِ محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما بين لهم ممن أمره وأنه يهاجر من تِهامةَ إلى يثربَ، ويكون أنصاره من أهل يثربَ. وقيل: المراد بالبيِّنات المعجزات القاهرة على صحة نبوتهم والمراد معجزات موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. ثم قال تعالى: ﴿فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ وتقدم تفسير هذا في سورة «حم عسق» . والمراد من ذكر هذا الكلام التعجب من هذه الحالة؛ لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وههُنَا صار مجيء العلم سبباً لحصول الاختلاف؛ وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم، وإنما مقصودهم طلب الرِّيَاسَةِ والتَّقَدُّم، فيجوز أنه علموا ثم عاندوا. ويجوز أن يريد بالعلم الإدلة التي توصل إلى العلم، والمعنى أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحقَّ، لكنه اختلفوا وأظهروا النزاع على وجه الحسد، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمعنى أنه لا ينبغي أن يغتر المُبْطِل بِنعَم الدنيا، فإنها وإن ساوت نِعَمَ الملحقّ أو زادت عليها، فإنه سيرى في الآخرة ما يسوؤه وذلك كالزجر لهم. ولما بين تعالى أنهم أعرضوا عن الحق بغياً وحسداً، أمَرَ رسوله بأن يَعْدِلَ عن تلك الطريقة، وأن يتمسَّك بالحقّ وأن لا يكون له غَرَض سوى إظهار الحق فقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ على شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمر﴾ أي جعلناك يا محمد على سنة وطريقة بعد موسى «مِنَ الأَمْر» من الدِّين ﴿فاتبعها وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ يعني مراد الكافرين وأديانهم الخبيثة. قال الكلبي: إن رؤساءَ قريشٍ قالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو بمكة ارجع إلى دين آبائك فهم كانوا أفْضَلَ منْك وأسَنّ، فأَنْزَل الله تَعَالَى هذه الآية. قوله: «عَلَى شَرِيعةٍ» هو المفعول الثاني لحَعَلْنَاك والشريعة في الأصل ما يرده الناس من الماء في الأنهار، ويقال لذلك الموضع شريعة، والجمع شرائع قال: 4443 - وَفِي الشَّرَائِع مِنْ جَيْلاَن مُقْتَنَصٌ ... رَثٌّ الثِّيابِ خَفِيُّ الشَّخْصِ مُنْسَرِبُ

الجاثية 45:17

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب﴾ يعني التوراة ﴿والحكم والنبوة﴾ والمراد بهذه الآية أنه تعالى بين أنه أنعم بنعم كثيرة على نبي إسرائيل مع أنه حصل بينهم الاختلاف على سبي البغي والحسد، والمقصود منه أن يبين أن طريقة قومِهِ كطريقة مَنْ تَقَدَّم. واعلم أن المراد بالكتاب التوراة أما الحكم، فقيل: المراد به العِلْم والحُكْمُ. وقيل: المراد العلم بفصل الحكومات. وقيل: معرفة أحكام الله وهو علم الفقه. وأما النبوة فمعلومة ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات﴾ الحَلاَلاَت، يعني المَنَّ والسَّلْوا ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين﴾ . قال المفسرون: على عالَمِي زمانهم قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) لم يكن أحد من العالمين أكرم على الله ولا أحبَّ إليه منهم. ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأمر﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) يعني العلم بمَبْعَثِ محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما بين لهم ممن أمره وأنه يهاجر من تِهامةَ إلى يثربَ، ويكون أنصاره من أهل يثربَ. وقيل: المراد بالبيِّنات المعجزات القاهرة على صحة نبوتهم والمراد معجزات موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. ثم قال تعالى: ﴿فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ وتقدم تفسير هذا في سورة «حم عسق» . والمراد من ذكر هذا الكلام التعجب من هذه الحالة؛ لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وههُنَا صار مجيء العلم سبباً لحصول الاختلاف؛ وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم، وإنما مقصودهم طلب الرِّيَاسَةِ والتَّقَدُّم، فيجوز أنه علموا ثم عاندوا. ويجوز أن يريد بالعلم الإدلة التي توصل إلى العلم، والمعنى أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحقَّ، لكنه اختلفوا وأظهروا النزاع على وجه الحسد، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمعنى أنه لا ينبغي أن يغتر المُبْطِل بِنعَم الدنيا، فإنها وإن ساوت نِعَمَ الملحقّ أو زادت عليها، فإنه سيرى في الآخرة ما يسوؤه وذلك كالزجر لهم. ولما بين تعالى أنهم أعرضوا عن الحق بغياً وحسداً، أمَرَ رسوله بأن يَعْدِلَ عن تلك الطريقة، وأن يتمسَّك بالحقّ وأن لا يكون له غَرَض سوى إظهار الحق فقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ على شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمر﴾ أي جعلناك يا محمد على سنة وطريقة بعد موسى «مِنَ الأَمْر» من الدِّين ﴿فاتبعها وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ يعني مراد الكافرين وأديانهم الخبيثة. قال الكلبي: إن رؤساءَ قريشٍ قالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو بمكة ارجع إلى دين آبائك فهم كانوا أفْضَلَ منْك وأسَنّ، فأَنْزَل الله تَعَالَى هذه الآية. قوله: «عَلَى شَرِيعةٍ» هو المفعول الثاني لحَعَلْنَاك والشريعة في الأصل ما يرده الناس من الماء في الأنهار، ويقال لذلك الموضع شريعة، والجمع شرائع قال: 4443 - وَفِي الشَّرَائِع مِنْ جَيْلاَن مُقْتَنَصٌ ... رَثٌّ الثِّيابِ خَفِيُّ الشَّخْصِ مُنْسَرِبُ

الجاثية 45:18

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب﴾ يعني التوراة ﴿والحكم والنبوة﴾ والمراد بهذه الآية أنه تعالى بين أنه أنعم بنعم كثيرة على نبي إسرائيل مع أنه حصل بينهم الاختلاف على سبي البغي والحسد، والمقصود منه أن يبين أن طريقة قومِهِ كطريقة مَنْ تَقَدَّم. واعلم أن المراد بالكتاب التوراة أما الحكم، فقيل: المراد به العِلْم والحُكْمُ. وقيل: المراد العلم بفصل الحكومات. وقيل: معرفة أحكام الله وهو علم الفقه. وأما النبوة فمعلومة ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات﴾ الحَلاَلاَت، يعني المَنَّ والسَّلْوا ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين﴾ . قال المفسرون: على عالَمِي زمانهم قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) لم يكن أحد من العالمين أكرم على الله ولا أحبَّ إليه منهم. ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأمر﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) يعني العلم بمَبْعَثِ محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما بين لهم ممن أمره وأنه يهاجر من تِهامةَ إلى يثربَ، ويكون أنصاره من أهل يثربَ. وقيل: المراد بالبيِّنات المعجزات القاهرة على صحة نبوتهم والمراد معجزات موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. ثم قال تعالى: ﴿فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ وتقدم تفسير هذا في سورة «حم عسق» . والمراد من ذكر هذا الكلام التعجب من هذه الحالة؛ لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وههُنَا صار مجيء العلم سبباً لحصول الاختلاف؛ وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم، وإنما مقصودهم طلب الرِّيَاسَةِ والتَّقَدُّم، فيجوز أنه علموا ثم عاندوا. ويجوز أن يريد بالعلم الإدلة التي توصل إلى العلم، والمعنى أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحقَّ، لكنه اختلفوا وأظهروا النزاع على وجه الحسد، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمعنى أنه لا ينبغي أن يغتر المُبْطِل بِنعَم الدنيا، فإنها وإن ساوت نِعَمَ الملحقّ أو زادت عليها، فإنه سيرى في الآخرة ما يسوؤه وذلك كالزجر لهم. ولما بين تعالى أنهم أعرضوا عن الحق بغياً وحسداً، أمَرَ رسوله بأن يَعْدِلَ عن تلك الطريقة، وأن يتمسَّك بالحقّ وأن لا يكون له غَرَض سوى إظهار الحق فقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ على شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمر﴾ أي جعلناك يا محمد على سنة وطريقة بعد موسى «مِنَ الأَمْر» من الدِّين ﴿فاتبعها وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ يعني مراد الكافرين وأديانهم الخبيثة. قال الكلبي: إن رؤساءَ قريشٍ قالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو بمكة ارجع إلى دين آبائك فهم كانوا أفْضَلَ منْك وأسَنّ، فأَنْزَل الله تَعَالَى هذه الآية. قوله: «عَلَى شَرِيعةٍ» هو المفعول الثاني لحَعَلْنَاك والشريعة في الأصل ما يرده الناس من الماء في الأنهار، ويقال لذلك الموضع شريعة، والجمع شرائع قال: 4443 - وَفِي الشَّرَائِع مِنْ جَيْلاَن مُقْتَنَصٌ ... رَثٌّ الثِّيابِ خَفِيُّ الشَّخْصِ مُنْسَرِبُ

الجاثية 45:19

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب﴾ يعني التوراة ﴿والحكم والنبوة﴾ والمراد بهذه الآية أنه تعالى بين أنه أنعم بنعم كثيرة على نبي إسرائيل مع أنه حصل بينهم الاختلاف على سبي البغي والحسد، والمقصود منه أن يبين أن طريقة قومِهِ كطريقة مَنْ تَقَدَّم. واعلم أن المراد بالكتاب التوراة أما الحكم، فقيل: المراد به العِلْم والحُكْمُ. وقيل: المراد العلم بفصل الحكومات. وقيل: معرفة أحكام الله وهو علم الفقه. وأما النبوة فمعلومة ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات﴾ الحَلاَلاَت، يعني المَنَّ والسَّلْوا ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين﴾ . قال المفسرون: على عالَمِي زمانهم قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) لم يكن أحد من العالمين أكرم على الله ولا أحبَّ إليه منهم. ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأمر﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) يعني العلم بمَبْعَثِ محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما بين لهم ممن أمره وأنه يهاجر من تِهامةَ إلى يثربَ، ويكون أنصاره من أهل يثربَ. وقيل: المراد بالبيِّنات المعجزات القاهرة على صحة نبوتهم والمراد معجزات موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. ثم قال تعالى: ﴿فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ وتقدم تفسير هذا في سورة «حم عسق» . والمراد من ذكر هذا الكلام التعجب من هذه الحالة؛ لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وههُنَا صار مجيء العلم سبباً لحصول الاختلاف؛ وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم، وإنما مقصودهم طلب الرِّيَاسَةِ والتَّقَدُّم، فيجوز أنه علموا ثم عاندوا. ويجوز أن يريد بالعلم الإدلة التي توصل إلى العلم، والمعنى أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحقَّ، لكنه اختلفوا وأظهروا النزاع على وجه الحسد، ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمعنى أنه لا ينبغي أن يغتر المُبْطِل بِنعَم الدنيا، فإنها وإن ساوت نِعَمَ الملحقّ أو زادت عليها، فإنه سيرى في الآخرة ما يسوؤه وذلك كالزجر لهم. ولما بين تعالى أنهم أعرضوا عن الحق بغياً وحسداً، أمَرَ رسوله بأن يَعْدِلَ عن تلك الطريقة، وأن يتمسَّك بالحقّ وأن لا يكون له غَرَض سوى إظهار الحق فقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ على شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمر﴾ أي جعلناك يا محمد على سنة وطريقة بعد موسى «مِنَ الأَمْر» من الدِّين ﴿فاتبعها وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ يعني مراد الكافرين وأديانهم الخبيثة. قال الكلبي: إن رؤساءَ قريشٍ قالوا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو بمكة ارجع إلى دين آبائك فهم كانوا أفْضَلَ منْك وأسَنّ، فأَنْزَل الله تَعَالَى هذه الآية. قوله: «عَلَى شَرِيعةٍ» هو المفعول الثاني لحَعَلْنَاك والشريعة في الأصل ما يرده الناس من الماء في الأنهار، ويقال لذلك الموضع شريعة، والجمع شرائع قال: 4443 - وَفِي الشَّرَائِع مِنْ جَيْلاَن مُقْتَنَصٌ ... رَثٌّ الثِّيابِ خَفِيُّ الشَّخْصِ مُنْسَرِبُ

الجاثية 45:20

فاستعير ذلك للدين، لأن العباد يردون ما يحيى به نفوسهم. قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً﴾ أي اتبعت أهواءهم ﴿وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ والمعنى إنك لو ملت أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك، وإنَّ الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وأما في الآخرة، فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثوب، وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون فالله وليهم وناصرهم. قوله تعالى: ﴿هذا بَصَائِرُ﴾ أي هذا القرآن، جمع خَبَرُهُ باعتبار ما فيه. وقرىء: «هَذِه» رجوعاً إلى الآيات ولأن القرآن بمعناها كقوله: 4444 - ... ... ... ... ... ... ... ..... سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ؟ لأنه بمعنى الصيحة، والمعنى بصائر للناس، أي معالم للناس في الحُدُودِ والأحكام يبصرون بها. وتقدم تفسيره في سورة الأعراف ﴿وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ هدىة من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن اتقى وآمن. قوله: «أَمْ حَسِبَ» أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها، أو بالهمزة وَحْدَاها وتقدم تحقيق هذا. قوله: «كَالَّذِينَ آمَنُوا» هنو المفعول الثاني للجَعْل، أي أن نَجْعَلَهُمْ كائنين كالذين آمنوا أي لا يحسبون ذلك. وَقَدْ تقدم في سورة الحج أنَّ الأخَوَيْنِ وحفصاً قرأوا هنا: سَوَاءً بالنصب والباقون بالرفع. وتقدم الوعد عليه بالكلام هنا فنقول: أما قراءة النصب ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينتصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهما: «كَالَّذِينَ آمَنُوا» ويكون المفعول الثاني للجعل «كالذين آمنوا» أي أحسبواأنْ نَجْعَلَهُم مثلهم في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ؟ ليس الأمر كذلك. الثاني: أن يكون «سواءً» هو المفعول للجَعْل. و «كَالَّذِينَ» في محل نصب على الحال، أي أن نجعلهم حال كونهم مِثْلَهم سواءً. وليس معناه بذاك. الثالث: أن يكون «سواه» مفعولاً ثانياً «لحسب» . وهذا الوجه نحا إليه أبو البقاء. قال شهاب الدين: وأظنه غلطاً؛ لما سيظهر لك، فإنه قال: ويقرأ بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: هو حال من الضمير في «الكاف» أي نجعلهم مثل المؤمنين في هذه الحال. الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً لحسب والكاف حال، وقد دخل استواء محياهم ومماتهم في الحِسْبان وعلى هذا الوجه ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مرفوعان (بسواء} لأنه قد قَوِيَ باعتماده انتهى. فقد صرح بأنه مفعول ثاني للحسبان، وهذا لا يصح ألبتّة، لأن «حسب» وأخواتها إذا وقع بعدها «أَنَّ: المشددة و» أَنْ» المخففة أو الناصبة سَدَّت مسدَّ المفعولين، وهنا قد وقع بعد الحسبان» أَنْ «الناصبة، فهي سادّة مسدَّ المفعولين فمِنْ أين يكون» سواءًَ «مفعولاً ثانياً لحسب؟! فإن قلت: هذا الذي قلته رأي الجمهور، سيبويه وغيره، وأما غيرهم كالأخفش فيدَّعي أنها تسد مسدّ واحدٍ. وإذا تقرر هذا فقد يجوز أن أبا البقاء ذهب المذهب فأَعْرَبَ» أنْ نَجْعَلَهُمْ «مفعولاً أول (ل» حَسِبَ» ) و «سَوَاءً» مفعولاً ثانياً. فالجواب: أن الأخفش صرح بأن المفعول الثاني حينئذ يكون محذوفاً، ولئن سلمنا أنه لا يحذف امتنع من وجه آخر وهو أنه قد رفع به (مُحياهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) لأنه بمعنى مستو كما تقدم، ولا ضمير يرجع من مرفوعه إلى المفعول الأول بل رفع أجنبيًّا من المعفول لأول وهو نظير: حَسِبْتُ قِيَامَكَ مُسْتَوِياً ذهابك وعدمه. ومن قرأ بالرفع فيحتمل قراءته وجهين: أحدهما: أن يكون «سواء» خبراً مقدماً، و «مَحْيَاهُم» مبتدأ مؤخراً، ويكون «سواء» مبتدأ و «محياهم» خبره كذا أعربوه. وفيه نظر تقدم في سورة الحج، وهو أنه نكرة لا مسوغ فيها وأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت النكرة خبراً لا مبتدأ. ثم في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها استئنافية. والثاني: أنها تبدل من الكاف الواقعة مفعولاً ثانياً. قال الزمخشري: لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد، ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواءً محياهم ومماتهم كان سديداً، كما تقول: ظَنَنْتُ زَيْداً أبوه مُنْطَلِق. قال أبو حيان: وهذا أعني إبدال الجملة من المفرد أجازه ابن جني وابن مالك ومنعه ابن العِلْجِ، ثم ذكر عنه كلاماً كثيراً في تقريره ذلك. ثم قال: «والذي يظهر أنه لا يجوز يعني ما جوزه الزمخشري قال: لأنها بمعنى التَّصْيِير، ولا يجوز: صَيَّرْتُ زيداً أبو قائمٌ؛ لأن التصيير انتقال من ذات إلى ذات أو من وصف في الذات إلى وصفٍ فيها، وتلك الجملة الواقعة بعد مفعول صيرت المقدرة مفعولاً ثانياً ليس فيها انتقال مما ذكر فلا يجوز. قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: بل فيها انتقال من وصف في الذات إلى وصف فيها، لأن النحاة نصوا على جواز وقوع الحمل صفة وحالاً، نحو: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أبُوهُ قائِمٌ، وجاء زيد أبو قائمٌ، فالذي حكموا عليه بالوصفية والحالية يجوز أن يقع في حيِّز التصيير؛ إذ لا فرق بين صفة وصفة من هذه الحيثية. الثالث: أن تكون الجملة حالاً (و) التقدير: أم حسب الكفار أن نصيرهم مثل المؤمنين في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَماتِهِم؟! ليسوا كذلك بل هم مقترفون. وهذا هو الظاهر عند أبي حيان وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة داخلة في حيِّز الحسبان، وإلى ذلك نحا ابن عطية فإنه قال: مقتضى هذا الكلام أن لفظ الآية خبر، ويظهر أن قوله: سواء محياهم ومماتهم داخل في الحسبة المنكرة السيئة، وهذا احتمال حسن، والأول جيِّد انتهى. ولم يبين كيفية دخوله في الحسبان وكيفة أحد الوجهين الأخيرين إما البدل وإما الحالية كما عرفته. وقرأ الأعمش» سواءً «نصباً محياهُمْ ومَمَاتَهُمْ. بالنصب أيضاً، فأما سواء فمفعول ثان، أو حال كما تقدم. وأما نصب محياهم ومماتهم ففيه وجهان: أحدهما: أن يكونا ظرفي زمان، وانتصبا على البدل من مفعول (نجعلهم) بدل اشتمال ويكون سواء على هذا هو المفعول الثاني، والتقدير: أنْ نَجْعَلَ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ (سَوَاءً) . والثاني: أن ينتصبا على الظرف الزماني، والعامل إما الجعل أو سواء، والتقدير أن نجعهلم في هذين الوقتين سواء أو نجعلهم مُسْتَويَيْنِ في هذين الوقتين. قال الزمخشري مُقرراً لهذه الوجه: ومن قرأ بالنصب جعل» مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ» ظرفين كمقدم الحاجِّ وخُفُوقَ النَّجم. قال أبو حيان: وتمثيله بخفوق النجم ليس بجيد، لأن خفوق مصدر ليس على مَفْعَل فهو في الحقيقة على حذف مضاف أي وقت خُفُوقِ (النَّجْم) بخلاف (محيا) و (ممات) و (مقدم) فإنها موضوعة على الاشتراك بين ثلاثة معان المصدرية والزمانية والمكماينة فإذا استعملت مصدراً كان ذلك بطريق الوضع، لا على حذف مضاف كخُفُوق، فإنه لا بد من حذف مضاف، لكونه موضوعاً للمصدرية وهذا أمر قريب، لأنه إنما أراد أنه وقع هذا اللفظ مراداً به الزمان. أما كونه بطريق الأصالة أو الفرعية فلا يضر ذلك. والضمير في «محياهم ومماتهم» يجوز أن يعود على القبيلين بمعنى أن مَحْيَا المؤمنين ومماتهم سواء عند الله في الكرامة، ومحيا المجترحين ومماتهم سواء في الإهانة عنده. فَلَفَّ الكلام اتكالاً على ذهن السامع وفهمه. ويجوز أن يعود على المجترحين فقط أخبر أن حالهم في الزمانين سواء. وقال أبو البقاء: ويقرأ مَمَاتَهُمْ بالنصب أي محياهم ومماتهم. والعامل: نجعل أو سواء. وقيل: هو ظرف. قال شهاب الدين: هو القول الأول بعينه. (فصل) لما بين الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه المتقدم بين الفرق بينهما من وجه آخر فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلَهُمْ كالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ (و) كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على شيء آخر سواء كان ذلك المعطوف مذكوراً أو مضمراً. والتقدير: هنا: أفيعلم المشركون هناأم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين. والاجتراح: الاكتساب أي اكتسبوا المعاصي والكفر، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم. قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار﴾ [الأنعام: 60] . وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في عليِّ وحمزة، وأبي عُبيدة بن الجرَّاح رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وفي ثلاثة من المشركين عُتْبَة، وشيبةً، والوليد بْنِ عُتْبَة قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء فلو كان ما تقولونه حقًّا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما كنا أفضل حالاص منكم في الدنيا. فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبين أنه لا يمكن أن يكون حال المؤمن المطيع مساوياً لحال الكافر العاصي في درجات الثواب ومنازل السَّعَادات. ثم قال: ﴿سواءً محياهم ومماتُهُمْ﴾ . قال مجاهد عن ابن عباس: معناه أحسبوا أن حياتَهُم ومماتهم كحياة المؤمنين؟! كلا فإنه يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، فالمؤمن ما دام حياً في الدنيا فإنَّ وليَّه هو الله وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه. الكافر بالضِّدِّ منه، كما ذكره الله تعالى في قوله: «وإِنَّ الظَّالِمينَ بَعْضَهُمْ أَوْليَاءُ بَعْض» «واللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ» والمؤمنون تتوفاهم الملائكة طَيِّبين يقولون: سلام عليكم أدْخلوا الجَنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وأما الكفار فتتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. وأما في القيامة فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أولئك هُمُ الكفرة الفجرة﴾ [عبس: 3842] وقيل: معنى الآية لا يستوون في الممات، كما استووا في الحياة، لأن المؤمن والكافر قد يستويان في الصحة والرزق والكفاية، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن، وإنَّما يظهر الفرق بينهم في الممات. وقيل: إنَّ قوله ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مستأنف والمعنى أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وكذلك محيا الكفار ومماتهم سواء أي كل يموت على حسب ما عاش عليه. ثم إنه تعالى صرح بإنكار التسوية فقال: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي بئس ما يقضون. قال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام أخيك تَمِيم الدَّاريِّ، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يُصْبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد (بها) ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات ... ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وخلق الله السموات والأرض بالحق﴾ لما بين أن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات السَّعادة أتبعه بالدلائل الظاهرة على صحة هذه الفتوى فقال: ﴿وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ أي لو لم يوجد البعث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل لأنه تعالى لو خلق الظالم وسطله على المظلوم الضعيف ولا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالماً ولو كان ظالماً لبطل أنه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق. وتقدم تقريره في سورة يُونُس. قوله: «بِالْحَقِّ» فيه ثلاثة أوجه إما حال من الفاعل، أو من المفعول أو الباء للسببية. قوله: «وَلتُجْزَى» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون عطفاً على «بالحق» في المعنى، لأن كلاًّ منهما سبب فعطف الصلة على مثلها. الثاني: أنها معطوفة على معلل محذوف، والتقدير: خَلَقَ اللهُ السمواتِ والأَرْضَ ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل والرحمة، وذلك لايتم إلاَّ إذا حصل البعث والقيامة، وحصل التفاوت بين الدَّركات والدرجات بين المحقين والمبطلين. الثالث: أن تكون لام الصيرورة أي وصار الأمر منها من اهتدى بها قوم وظلَّ عنها آخرون. قوله: «أفَرَأْيت» بمعنى أخبرني وتقدم حكمها مشروحاً، المفعول الأوّل من اتخذ والثاني محذوف، تقديره: بعد غشاوة أيهتدي؟ ودل عليه قوله: ِ «فَمَنْ يَهْدِيهِ» . وإنما قدرت بعد غشاوة، لأجل صلا ت الموصول. واعلم أنه تعالى عاد إلى شرح أحوال الكفار، وقبائح طرائقهم فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ قال ابن عباس والحسن وقتادة: وذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه. وقرىء «آلِهَتَهُ» هواه، لأنه كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه والمعنى اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما تهواه نفسه. قال سعيد بن جبير: كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة فإذا وجدوا شيئاً أحسن من الأول رَموه وكسروه وعبدوا الآخر. قال الشعبي: إنما سمي الهوى لأنه يَهوِي بصاحبه في النار. قوله: «عَلَى عِلْمٍ» حال من الجلالة أي كَائِناً عَلَى عِلْمٍ منه يعاقبة أمره أنه أهل لذلك. وقيل: حال من المفعول، أي أضله وهو عالم، وهذا أشنع لَهُ. وقرأ الأَعرجُ: آلِهَةً على الجمع، وعنه كذلك مضافة لضميره آلهته هواه. قوله: ﴿وختم على سمعه وقلبه﴾ يسمع الهوى وقلبه لم يعقل الهدى وهو المراد من قوله: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: 7] وقد تقدم. قوله: «غشاوة» قرأ الأخوان غَشْوَةً بفتح الغين، وسكون الشين. والأعمش وابن مِصْرف كذلك إلا أنهما كسرا الغين. وباقي السبعة غِشاوة بكسر الغين. وابن مسعود والأعمش أيضاً بفتحها وهي لغة ربيعة والحسن وعكرمة. وعبد الله أيضاً بضمها، وهي لغة محكيَّة وتقدم الكلام في ذلك في أول سورة البقرة، وأنه قرىء هناك بالعَيْن المُهْملة. قوله: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله﴾ أي من بعد إضلال الله إياه. وقال الواحدي: ليس يبقى لِلْقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة؛ لأن الله تعالى صرح منعه إياهم عن الهدى بعد أن أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره. ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ قرأ العامة بالتشديد، والجَحْدريّ بتخفيفها والأعمش تتذكرون بتاءين. قوله: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ تقدم نظيره. وقرأ زيد بن على نُحْيَا بضم النون. فإن قيل: الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكر القيامة كان يجب أن يقول: نحيا ونموت، فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة؟ فالجواب: من وجوه: الأول: المراد بقوله: «نموت» حال كونهم نُطَفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وبقوله: «نحيا» ما حصل بعد ذلك في الدنيا. الثاني: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا. الثالث: قال الزّجاج: الواو للاجتماع والمعنى: يموت بعضٌ ويحيا بعضٌ. الرابع: قال ابن الخطيب: إنَّه تعالى قدم ذكر الحياة فقال: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ ثم قال بعده: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يعن أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ما لم يطرأ عليه الموت بعد، وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد. قوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ أي وما يُفنينا إلا مرُّ الزمان، وطول العمر، واختلافُ الليل والنهار ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ الذي قالوه ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ أي لم يقولوه عن علم عَلِموه ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ . روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قال الله تعالى:» لاَ يَقُل ابْنُ آدَمَ يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا أُرْسِلُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُها «وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» لا يَسُبَّ أحدُكُمْ الدَّهْرَ فإنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ، وَلاَ يَقُولَنَّ لِلْعِنَبِ الكرْمَ، فإنََّ الكَرْمَ هُوَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ «ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب المكاره فيقولون: أصابتهم قوارعُ الدهر، وأبادهم الدهرُ، كما أخبر الله عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها فكان يرجع سَبُّهم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ؛ إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهُوا عن سبِّ الدهر. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ قرأ العامة بنصب» حجتهم» . وزيدُ بْنُ عليٍّ، وعمروُ بْنُ عُبَيد، وعُبَيْدُ ابن عَمرو بالرفع وتقدم تأويل ذلك و «ما كان» جواب» إذا «الشرطية. وجعله أبو حيان دليلاً على عدم إعمال جواب» إذا «فيها لأن» ما «لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. قال: وخالفت غيرها من أدوات الشرط، حيث لم يقترن بالفاء جوابها إذا نفي بما. فصل سمى قولهم حجة لوجوه: الاول: لزعمهم أنه حجة. الثاني: أن من كانت حجته هذا فليس له ألتة حجة كقوله: 4445 - ... ... ... ... ... ... ... ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجيعُ الثالث: أنهم ذكروها في معرض الاحتجاج بها. واعلم أنهم احتجوا على إنكمار البعث بهذه الشبهة وهي شبهة ضعيفة جداً، لأنه ليس كل ما لايحصل في الحال يجب أن يمتنع حصوله فإن كان حصول كل واحد منا كان معدوماً من الأزل إلى الوقت الذي خلقنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول لكان عندم حُصُولِنا في الأزل إلى وقت خلقنا يدل على امتناع حصولنا وذلك باطلٌ. قوله تعالى: ﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة﴾ . فإن قيل: هذا الكلام مذكوراً لأجل جواب من يقول: ﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدَّهر﴾ وهذا القائل ينكر وجود الإله ووجود القيامة فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله: ﴿الله يُحْيِيكُمْ﴾ ؟ وهل هذا إلا إثْبَات الشيء بنفسه، وهو باطل؟! فالجواب: أنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الإله القادر الفاعل الحكيم مراراً فقوله: ههنا: ﴿الله يُحْيِيكُمْ﴾ إشارة إلى تلك الدلائل التي بينها وأوضحها مراراً، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإله، بل المقصود منه التنبيه على ما هو الدليل الحق القاطع في نفس الأمر. ولما ثبت أنّ الإحياء من الله، وثبت أن الإعادة مثل الإحياء ألأول، وثبت أن القادر على الشيء قادر على مثله ثبت أن الله تعالى قادر على الإعادة، وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها وثبت أن القادر الحيكم أخبر عن وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقاً. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إشارة إلى ما تقدم في الآية المقتدمة، وهو أن كونه تعالى عادلاً خالقاً منزهاً عن الجَوْز والظلم يقتضي صحة البعث والقيامة، ثم قال: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ دلالة على حدوث الإنسان والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم، ولا يعلمون أيضاً أنه تعالى لما كان قادراً على الإيجاد ابتداء، وجب أن يكون قادراً على الإعادة ثانياً.

الجاثية 45:21

فاستعير ذلك للدين، لأن العباد يردون ما يحيى به نفوسهم. قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً﴾ أي اتبعت أهواءهم ﴿وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ والمعنى إنك لو ملت أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك، وإنَّ الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وأما في الآخرة، فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثوب، وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون فالله وليهم وناصرهم. قوله تعالى: ﴿هذا بَصَائِرُ﴾ أي هذا القرآن، جمع خَبَرُهُ باعتبار ما فيه. وقرىء: «هَذِه» رجوعاً إلى الآيات ولأن القرآن بمعناها كقوله: 4444 - ... ... ... ... ... ... ... ..... سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ؟ لأنه بمعنى الصيحة، والمعنى بصائر للناس، أي معالم للناس في الحُدُودِ والأحكام يبصرون بها. وتقدم تفسيره في سورة الأعراف ﴿وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ هدىة من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن اتقى وآمن. قوله: «أَمْ حَسِبَ» أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها، أو بالهمزة وَحْدَاها وتقدم تحقيق هذا. قوله: «كَالَّذِينَ آمَنُوا» هنو المفعول الثاني للجَعْل، أي أن نَجْعَلَهُمْ كائنين كالذين آمنوا أي لا يحسبون ذلك. وَقَدْ تقدم في سورة الحج أنَّ الأخَوَيْنِ وحفصاً قرأوا هنا: سَوَاءً بالنصب والباقون بالرفع. وتقدم الوعد عليه بالكلام هنا فنقول: أما قراءة النصب ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينتصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهما: «كَالَّذِينَ آمَنُوا» ويكون المفعول الثاني للجعل «كالذين آمنوا» أي أحسبواأنْ نَجْعَلَهُم مثلهم في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ؟ ليس الأمر كذلك. الثاني: أن يكون «سواءً» هو المفعول للجَعْل. و «كَالَّذِينَ» في محل نصب على الحال، أي أن نجعلهم حال كونهم مِثْلَهم سواءً. وليس معناه بذاك. الثالث: أن يكون «سواه» مفعولاً ثانياً «لحسب» . وهذا الوجه نحا إليه أبو البقاء. قال شهاب الدين: وأظنه غلطاً؛ لما سيظهر لك، فإنه قال: ويقرأ بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: هو حال من الضمير في «الكاف» أي نجعلهم مثل المؤمنين في هذه الحال. الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً لحسب والكاف حال، وقد دخل استواء محياهم ومماتهم في الحِسْبان وعلى هذا الوجه ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مرفوعان (بسواء} لأنه قد قَوِيَ باعتماده انتهى. فقد صرح بأنه مفعول ثاني للحسبان، وهذا لا يصح ألبتّة، لأن «حسب» وأخواتها إذا وقع بعدها «أَنَّ: المشددة و» أَنْ» المخففة أو الناصبة سَدَّت مسدَّ المفعولين، وهنا قد وقع بعد الحسبان» أَنْ «الناصبة، فهي سادّة مسدَّ المفعولين فمِنْ أين يكون» سواءًَ «مفعولاً ثانياً لحسب؟! فإن قلت: هذا الذي قلته رأي الجمهور، سيبويه وغيره، وأما غيرهم كالأخفش فيدَّعي أنها تسد مسدّ واحدٍ. وإذا تقرر هذا فقد يجوز أن أبا البقاء ذهب المذهب فأَعْرَبَ» أنْ نَجْعَلَهُمْ «مفعولاً أول (ل» حَسِبَ» ) و «سَوَاءً» مفعولاً ثانياً. فالجواب: أن الأخفش صرح بأن المفعول الثاني حينئذ يكون محذوفاً، ولئن سلمنا أنه لا يحذف امتنع من وجه آخر وهو أنه قد رفع به (مُحياهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) لأنه بمعنى مستو كما تقدم، ولا ضمير يرجع من مرفوعه إلى المفعول الأول بل رفع أجنبيًّا من المعفول لأول وهو نظير: حَسِبْتُ قِيَامَكَ مُسْتَوِياً ذهابك وعدمه. ومن قرأ بالرفع فيحتمل قراءته وجهين: أحدهما: أن يكون «سواء» خبراً مقدماً، و «مَحْيَاهُم» مبتدأ مؤخراً، ويكون «سواء» مبتدأ و «محياهم» خبره كذا أعربوه. وفيه نظر تقدم في سورة الحج، وهو أنه نكرة لا مسوغ فيها وأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت النكرة خبراً لا مبتدأ. ثم في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها استئنافية. والثاني: أنها تبدل من الكاف الواقعة مفعولاً ثانياً. قال الزمخشري: لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد، ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواءً محياهم ومماتهم كان سديداً، كما تقول: ظَنَنْتُ زَيْداً أبوه مُنْطَلِق. قال أبو حيان: وهذا أعني إبدال الجملة من المفرد أجازه ابن جني وابن مالك ومنعه ابن العِلْجِ، ثم ذكر عنه كلاماً كثيراً في تقريره ذلك. ثم قال: «والذي يظهر أنه لا يجوز يعني ما جوزه الزمخشري قال: لأنها بمعنى التَّصْيِير، ولا يجوز: صَيَّرْتُ زيداً أبو قائمٌ؛ لأن التصيير انتقال من ذات إلى ذات أو من وصف في الذات إلى وصفٍ فيها، وتلك الجملة الواقعة بعد مفعول صيرت المقدرة مفعولاً ثانياً ليس فيها انتقال مما ذكر فلا يجوز. قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: بل فيها انتقال من وصف في الذات إلى وصف فيها، لأن النحاة نصوا على جواز وقوع الحمل صفة وحالاً، نحو: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أبُوهُ قائِمٌ، وجاء زيد أبو قائمٌ، فالذي حكموا عليه بالوصفية والحالية يجوز أن يقع في حيِّز التصيير؛ إذ لا فرق بين صفة وصفة من هذه الحيثية. الثالث: أن تكون الجملة حالاً (و) التقدير: أم حسب الكفار أن نصيرهم مثل المؤمنين في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَماتِهِم؟! ليسوا كذلك بل هم مقترفون. وهذا هو الظاهر عند أبي حيان وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة داخلة في حيِّز الحسبان، وإلى ذلك نحا ابن عطية فإنه قال: مقتضى هذا الكلام أن لفظ الآية خبر، ويظهر أن قوله: سواء محياهم ومماتهم داخل في الحسبة المنكرة السيئة، وهذا احتمال حسن، والأول جيِّد انتهى. ولم يبين كيفية دخوله في الحسبان وكيفة أحد الوجهين الأخيرين إما البدل وإما الحالية كما عرفته. وقرأ الأعمش» سواءً «نصباً محياهُمْ ومَمَاتَهُمْ. بالنصب أيضاً، فأما سواء فمفعول ثان، أو حال كما تقدم. وأما نصب محياهم ومماتهم ففيه وجهان: أحدهما: أن يكونا ظرفي زمان، وانتصبا على البدل من مفعول (نجعلهم) بدل اشتمال ويكون سواء على هذا هو المفعول الثاني، والتقدير: أنْ نَجْعَلَ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ (سَوَاءً) . والثاني: أن ينتصبا على الظرف الزماني، والعامل إما الجعل أو سواء، والتقدير أن نجعهلم في هذين الوقتين سواء أو نجعلهم مُسْتَويَيْنِ في هذين الوقتين. قال الزمخشري مُقرراً لهذه الوجه: ومن قرأ بالنصب جعل» مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ» ظرفين كمقدم الحاجِّ وخُفُوقَ النَّجم. قال أبو حيان: وتمثيله بخفوق النجم ليس بجيد، لأن خفوق مصدر ليس على مَفْعَل فهو في الحقيقة على حذف مضاف أي وقت خُفُوقِ (النَّجْم) بخلاف (محيا) و (ممات) و (مقدم) فإنها موضوعة على الاشتراك بين ثلاثة معان المصدرية والزمانية والمكماينة فإذا استعملت مصدراً كان ذلك بطريق الوضع، لا على حذف مضاف كخُفُوق، فإنه لا بد من حذف مضاف، لكونه موضوعاً للمصدرية وهذا أمر قريب، لأنه إنما أراد أنه وقع هذا اللفظ مراداً به الزمان. أما كونه بطريق الأصالة أو الفرعية فلا يضر ذلك. والضمير في «محياهم ومماتهم» يجوز أن يعود على القبيلين بمعنى أن مَحْيَا المؤمنين ومماتهم سواء عند الله في الكرامة، ومحيا المجترحين ومماتهم سواء في الإهانة عنده. فَلَفَّ الكلام اتكالاً على ذهن السامع وفهمه. ويجوز أن يعود على المجترحين فقط أخبر أن حالهم في الزمانين سواء. وقال أبو البقاء: ويقرأ مَمَاتَهُمْ بالنصب أي محياهم ومماتهم. والعامل: نجعل أو سواء. وقيل: هو ظرف. قال شهاب الدين: هو القول الأول بعينه. (فصل) لما بين الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه المتقدم بين الفرق بينهما من وجه آخر فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلَهُمْ كالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ (و) كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على شيء آخر سواء كان ذلك المعطوف مذكوراً أو مضمراً. والتقدير: هنا: أفيعلم المشركون هناأم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين. والاجتراح: الاكتساب أي اكتسبوا المعاصي والكفر، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم. قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار﴾ [الأنعام: 60] . وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في عليِّ وحمزة، وأبي عُبيدة بن الجرَّاح رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وفي ثلاثة من المشركين عُتْبَة، وشيبةً، والوليد بْنِ عُتْبَة قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء فلو كان ما تقولونه حقًّا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما كنا أفضل حالاص منكم في الدنيا. فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبين أنه لا يمكن أن يكون حال المؤمن المطيع مساوياً لحال الكافر العاصي في درجات الثواب ومنازل السَّعَادات. ثم قال: ﴿سواءً محياهم ومماتُهُمْ﴾ . قال مجاهد عن ابن عباس: معناه أحسبوا أن حياتَهُم ومماتهم كحياة المؤمنين؟! كلا فإنه يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، فالمؤمن ما دام حياً في الدنيا فإنَّ وليَّه هو الله وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه. الكافر بالضِّدِّ منه، كما ذكره الله تعالى في قوله: «وإِنَّ الظَّالِمينَ بَعْضَهُمْ أَوْليَاءُ بَعْض» «واللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ» والمؤمنون تتوفاهم الملائكة طَيِّبين يقولون: سلام عليكم أدْخلوا الجَنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وأما الكفار فتتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. وأما في القيامة فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أولئك هُمُ الكفرة الفجرة﴾ [عبس: 3842] وقيل: معنى الآية لا يستوون في الممات، كما استووا في الحياة، لأن المؤمن والكافر قد يستويان في الصحة والرزق والكفاية، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن، وإنَّما يظهر الفرق بينهم في الممات. وقيل: إنَّ قوله ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مستأنف والمعنى أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وكذلك محيا الكفار ومماتهم سواء أي كل يموت على حسب ما عاش عليه. ثم إنه تعالى صرح بإنكار التسوية فقال: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي بئس ما يقضون. قال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام أخيك تَمِيم الدَّاريِّ، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يُصْبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد (بها) ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات ... ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وخلق الله السموات والأرض بالحق﴾ لما بين أن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات السَّعادة أتبعه بالدلائل الظاهرة على صحة هذه الفتوى فقال: ﴿وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ أي لو لم يوجد البعث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل لأنه تعالى لو خلق الظالم وسطله على المظلوم الضعيف ولا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالماً ولو كان ظالماً لبطل أنه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق. وتقدم تقريره في سورة يُونُس. قوله: «بِالْحَقِّ» فيه ثلاثة أوجه إما حال من الفاعل، أو من المفعول أو الباء للسببية. قوله: «وَلتُجْزَى» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون عطفاً على «بالحق» في المعنى، لأن كلاًّ منهما سبب فعطف الصلة على مثلها. الثاني: أنها معطوفة على معلل محذوف، والتقدير: خَلَقَ اللهُ السمواتِ والأَرْضَ ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل والرحمة، وذلك لايتم إلاَّ إذا حصل البعث والقيامة، وحصل التفاوت بين الدَّركات والدرجات بين المحقين والمبطلين. الثالث: أن تكون لام الصيرورة أي وصار الأمر منها من اهتدى بها قوم وظلَّ عنها آخرون. قوله: «أفَرَأْيت» بمعنى أخبرني وتقدم حكمها مشروحاً، المفعول الأوّل من اتخذ والثاني محذوف، تقديره: بعد غشاوة أيهتدي؟ ودل عليه قوله: ِ «فَمَنْ يَهْدِيهِ» . وإنما قدرت بعد غشاوة، لأجل صلا ت الموصول. واعلم أنه تعالى عاد إلى شرح أحوال الكفار، وقبائح طرائقهم فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ قال ابن عباس والحسن وقتادة: وذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه. وقرىء «آلِهَتَهُ» هواه، لأنه كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه والمعنى اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما تهواه نفسه. قال سعيد بن جبير: كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة فإذا وجدوا شيئاً أحسن من الأول رَموه وكسروه وعبدوا الآخر. قال الشعبي: إنما سمي الهوى لأنه يَهوِي بصاحبه في النار. قوله: «عَلَى عِلْمٍ» حال من الجلالة أي كَائِناً عَلَى عِلْمٍ منه يعاقبة أمره أنه أهل لذلك. وقيل: حال من المفعول، أي أضله وهو عالم، وهذا أشنع لَهُ. وقرأ الأَعرجُ: آلِهَةً على الجمع، وعنه كذلك مضافة لضميره آلهته هواه. قوله: ﴿وختم على سمعه وقلبه﴾ يسمع الهوى وقلبه لم يعقل الهدى وهو المراد من قوله: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: 7] وقد تقدم. قوله: «غشاوة» قرأ الأخوان غَشْوَةً بفتح الغين، وسكون الشين. والأعمش وابن مِصْرف كذلك إلا أنهما كسرا الغين. وباقي السبعة غِشاوة بكسر الغين. وابن مسعود والأعمش أيضاً بفتحها وهي لغة ربيعة والحسن وعكرمة. وعبد الله أيضاً بضمها، وهي لغة محكيَّة وتقدم الكلام في ذلك في أول سورة البقرة، وأنه قرىء هناك بالعَيْن المُهْملة. قوله: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله﴾ أي من بعد إضلال الله إياه. وقال الواحدي: ليس يبقى لِلْقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة؛ لأن الله تعالى صرح منعه إياهم عن الهدى بعد أن أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره. ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ قرأ العامة بالتشديد، والجَحْدريّ بتخفيفها والأعمش تتذكرون بتاءين. قوله: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ تقدم نظيره. وقرأ زيد بن على نُحْيَا بضم النون. فإن قيل: الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكر القيامة كان يجب أن يقول: نحيا ونموت، فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة؟ فالجواب: من وجوه: الأول: المراد بقوله: «نموت» حال كونهم نُطَفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وبقوله: «نحيا» ما حصل بعد ذلك في الدنيا. الثاني: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا. الثالث: قال الزّجاج: الواو للاجتماع والمعنى: يموت بعضٌ ويحيا بعضٌ. الرابع: قال ابن الخطيب: إنَّه تعالى قدم ذكر الحياة فقال: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ ثم قال بعده: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يعن أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ما لم يطرأ عليه الموت بعد، وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد. قوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ أي وما يُفنينا إلا مرُّ الزمان، وطول العمر، واختلافُ الليل والنهار ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ الذي قالوه ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ أي لم يقولوه عن علم عَلِموه ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ . روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قال الله تعالى:» لاَ يَقُل ابْنُ آدَمَ يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا أُرْسِلُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُها «وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» لا يَسُبَّ أحدُكُمْ الدَّهْرَ فإنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ، وَلاَ يَقُولَنَّ لِلْعِنَبِ الكرْمَ، فإنََّ الكَرْمَ هُوَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ «ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب المكاره فيقولون: أصابتهم قوارعُ الدهر، وأبادهم الدهرُ، كما أخبر الله عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها فكان يرجع سَبُّهم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ؛ إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهُوا عن سبِّ الدهر. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ قرأ العامة بنصب» حجتهم» . وزيدُ بْنُ عليٍّ، وعمروُ بْنُ عُبَيد، وعُبَيْدُ ابن عَمرو بالرفع وتقدم تأويل ذلك و «ما كان» جواب» إذا «الشرطية. وجعله أبو حيان دليلاً على عدم إعمال جواب» إذا «فيها لأن» ما «لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. قال: وخالفت غيرها من أدوات الشرط، حيث لم يقترن بالفاء جوابها إذا نفي بما. فصل سمى قولهم حجة لوجوه: الاول: لزعمهم أنه حجة. الثاني: أن من كانت حجته هذا فليس له ألتة حجة كقوله: 4445 - ... ... ... ... ... ... ... ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجيعُ الثالث: أنهم ذكروها في معرض الاحتجاج بها. واعلم أنهم احتجوا على إنكمار البعث بهذه الشبهة وهي شبهة ضعيفة جداً، لأنه ليس كل ما لايحصل في الحال يجب أن يمتنع حصوله فإن كان حصول كل واحد منا كان معدوماً من الأزل إلى الوقت الذي خلقنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول لكان عندم حُصُولِنا في الأزل إلى وقت خلقنا يدل على امتناع حصولنا وذلك باطلٌ. قوله تعالى: ﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة﴾ . فإن قيل: هذا الكلام مذكوراً لأجل جواب من يقول: ﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدَّهر﴾ وهذا القائل ينكر وجود الإله ووجود القيامة فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله: ﴿الله يُحْيِيكُمْ﴾ ؟ وهل هذا إلا إثْبَات الشيء بنفسه، وهو باطل؟! فالجواب: أنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الإله القادر الفاعل الحكيم مراراً فقوله: ههنا: ﴿الله يُحْيِيكُمْ﴾ إشارة إلى تلك الدلائل التي بينها وأوضحها مراراً، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإله، بل المقصود منه التنبيه على ما هو الدليل الحق القاطع في نفس الأمر. ولما ثبت أنّ الإحياء من الله، وثبت أن الإعادة مثل الإحياء ألأول، وثبت أن القادر على الشيء قادر على مثله ثبت أن الله تعالى قادر على الإعادة، وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها وثبت أن القادر الحيكم أخبر عن وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقاً. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إشارة إلى ما تقدم في الآية المقتدمة، وهو أن كونه تعالى عادلاً خالقاً منزهاً عن الجَوْز والظلم يقتضي صحة البعث والقيامة، ثم قال: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ دلالة على حدوث الإنسان والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم، ولا يعلمون أيضاً أنه تعالى لما كان قادراً على الإيجاد ابتداء، وجب أن يكون قادراً على الإعادة ثانياً.

الجاثية 45:22

فاستعير ذلك للدين، لأن العباد يردون ما يحيى به نفوسهم. قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً﴾ أي اتبعت أهواءهم ﴿وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ والمعنى إنك لو ملت أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك، وإنَّ الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وأما في الآخرة، فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثوب، وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون فالله وليهم وناصرهم. قوله تعالى: ﴿هذا بَصَائِرُ﴾ أي هذا القرآن، جمع خَبَرُهُ باعتبار ما فيه. وقرىء: «هَذِه» رجوعاً إلى الآيات ولأن القرآن بمعناها كقوله: 4444 - ... ... ... ... ... ... ... ..... سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ؟ لأنه بمعنى الصيحة، والمعنى بصائر للناس، أي معالم للناس في الحُدُودِ والأحكام يبصرون بها. وتقدم تفسيره في سورة الأعراف ﴿وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ هدىة من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن اتقى وآمن. قوله: «أَمْ حَسِبَ» أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها، أو بالهمزة وَحْدَاها وتقدم تحقيق هذا. قوله: «كَالَّذِينَ آمَنُوا» هنو المفعول الثاني للجَعْل، أي أن نَجْعَلَهُمْ كائنين كالذين آمنوا أي لا يحسبون ذلك. وَقَدْ تقدم في سورة الحج أنَّ الأخَوَيْنِ وحفصاً قرأوا هنا: سَوَاءً بالنصب والباقون بالرفع. وتقدم الوعد عليه بالكلام هنا فنقول: أما قراءة النصب ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينتصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهما: «كَالَّذِينَ آمَنُوا» ويكون المفعول الثاني للجعل «كالذين آمنوا» أي أحسبواأنْ نَجْعَلَهُم مثلهم في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ؟ ليس الأمر كذلك. الثاني: أن يكون «سواءً» هو المفعول للجَعْل. و «كَالَّذِينَ» في محل نصب على الحال، أي أن نجعلهم حال كونهم مِثْلَهم سواءً. وليس معناه بذاك. الثالث: أن يكون «سواه» مفعولاً ثانياً «لحسب» . وهذا الوجه نحا إليه أبو البقاء. قال شهاب الدين: وأظنه غلطاً؛ لما سيظهر لك، فإنه قال: ويقرأ بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: هو حال من الضمير في «الكاف» أي نجعلهم مثل المؤمنين في هذه الحال. الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً لحسب والكاف حال، وقد دخل استواء محياهم ومماتهم في الحِسْبان وعلى هذا الوجه ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مرفوعان (بسواء} لأنه قد قَوِيَ باعتماده انتهى. فقد صرح بأنه مفعول ثاني للحسبان، وهذا لا يصح ألبتّة، لأن «حسب» وأخواتها إذا وقع بعدها «أَنَّ: المشددة و» أَنْ» المخففة أو الناصبة سَدَّت مسدَّ المفعولين، وهنا قد وقع بعد الحسبان» أَنْ «الناصبة، فهي سادّة مسدَّ المفعولين فمِنْ أين يكون» سواءًَ «مفعولاً ثانياً لحسب؟! فإن قلت: هذا الذي قلته رأي الجمهور، سيبويه وغيره، وأما غيرهم كالأخفش فيدَّعي أنها تسد مسدّ واحدٍ. وإذا تقرر هذا فقد يجوز أن أبا البقاء ذهب المذهب فأَعْرَبَ» أنْ نَجْعَلَهُمْ «مفعولاً أول (ل» حَسِبَ» ) و «سَوَاءً» مفعولاً ثانياً. فالجواب: أن الأخفش صرح بأن المفعول الثاني حينئذ يكون محذوفاً، ولئن سلمنا أنه لا يحذف امتنع من وجه آخر وهو أنه قد رفع به (مُحياهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) لأنه بمعنى مستو كما تقدم، ولا ضمير يرجع من مرفوعه إلى المفعول الأول بل رفع أجنبيًّا من المعفول لأول وهو نظير: حَسِبْتُ قِيَامَكَ مُسْتَوِياً ذهابك وعدمه. ومن قرأ بالرفع فيحتمل قراءته وجهين: أحدهما: أن يكون «سواء» خبراً مقدماً، و «مَحْيَاهُم» مبتدأ مؤخراً، ويكون «سواء» مبتدأ و «محياهم» خبره كذا أعربوه. وفيه نظر تقدم في سورة الحج، وهو أنه نكرة لا مسوغ فيها وأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت النكرة خبراً لا مبتدأ. ثم في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها استئنافية. والثاني: أنها تبدل من الكاف الواقعة مفعولاً ثانياً. قال الزمخشري: لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد، ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواءً محياهم ومماتهم كان سديداً، كما تقول: ظَنَنْتُ زَيْداً أبوه مُنْطَلِق. قال أبو حيان: وهذا أعني إبدال الجملة من المفرد أجازه ابن جني وابن مالك ومنعه ابن العِلْجِ، ثم ذكر عنه كلاماً كثيراً في تقريره ذلك. ثم قال: «والذي يظهر أنه لا يجوز يعني ما جوزه الزمخشري قال: لأنها بمعنى التَّصْيِير، ولا يجوز: صَيَّرْتُ زيداً أبو قائمٌ؛ لأن التصيير انتقال من ذات إلى ذات أو من وصف في الذات إلى وصفٍ فيها، وتلك الجملة الواقعة بعد مفعول صيرت المقدرة مفعولاً ثانياً ليس فيها انتقال مما ذكر فلا يجوز. قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: بل فيها انتقال من وصف في الذات إلى وصف فيها، لأن النحاة نصوا على جواز وقوع الحمل صفة وحالاً، نحو: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أبُوهُ قائِمٌ، وجاء زيد أبو قائمٌ، فالذي حكموا عليه بالوصفية والحالية يجوز أن يقع في حيِّز التصيير؛ إذ لا فرق بين صفة وصفة من هذه الحيثية. الثالث: أن تكون الجملة حالاً (و) التقدير: أم حسب الكفار أن نصيرهم مثل المؤمنين في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَماتِهِم؟! ليسوا كذلك بل هم مقترفون. وهذا هو الظاهر عند أبي حيان وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة داخلة في حيِّز الحسبان، وإلى ذلك نحا ابن عطية فإنه قال: مقتضى هذا الكلام أن لفظ الآية خبر، ويظهر أن قوله: سواء محياهم ومماتهم داخل في الحسبة المنكرة السيئة، وهذا احتمال حسن، والأول جيِّد انتهى. ولم يبين كيفية دخوله في الحسبان وكيفة أحد الوجهين الأخيرين إما البدل وإما الحالية كما عرفته. وقرأ الأعمش» سواءً «نصباً محياهُمْ ومَمَاتَهُمْ. بالنصب أيضاً، فأما سواء فمفعول ثان، أو حال كما تقدم. وأما نصب محياهم ومماتهم ففيه وجهان: أحدهما: أن يكونا ظرفي زمان، وانتصبا على البدل من مفعول (نجعلهم) بدل اشتمال ويكون سواء على هذا هو المفعول الثاني، والتقدير: أنْ نَجْعَلَ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ (سَوَاءً) . والثاني: أن ينتصبا على الظرف الزماني، والعامل إما الجعل أو سواء، والتقدير أن نجعهلم في هذين الوقتين سواء أو نجعلهم مُسْتَويَيْنِ في هذين الوقتين. قال الزمخشري مُقرراً لهذه الوجه: ومن قرأ بالنصب جعل» مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ» ظرفين كمقدم الحاجِّ وخُفُوقَ النَّجم. قال أبو حيان: وتمثيله بخفوق النجم ليس بجيد، لأن خفوق مصدر ليس على مَفْعَل فهو في الحقيقة على حذف مضاف أي وقت خُفُوقِ (النَّجْم) بخلاف (محيا) و (ممات) و (مقدم) فإنها موضوعة على الاشتراك بين ثلاثة معان المصدرية والزمانية والمكماينة فإذا استعملت مصدراً كان ذلك بطريق الوضع، لا على حذف مضاف كخُفُوق، فإنه لا بد من حذف مضاف، لكونه موضوعاً للمصدرية وهذا أمر قريب، لأنه إنما أراد أنه وقع هذا اللفظ مراداً به الزمان. أما كونه بطريق الأصالة أو الفرعية فلا يضر ذلك. والضمير في «محياهم ومماتهم» يجوز أن يعود على القبيلين بمعنى أن مَحْيَا المؤمنين ومماتهم سواء عند الله في الكرامة، ومحيا المجترحين ومماتهم سواء في الإهانة عنده. فَلَفَّ الكلام اتكالاً على ذهن السامع وفهمه. ويجوز أن يعود على المجترحين فقط أخبر أن حالهم في الزمانين سواء. وقال أبو البقاء: ويقرأ مَمَاتَهُمْ بالنصب أي محياهم ومماتهم. والعامل: نجعل أو سواء. وقيل: هو ظرف. قال شهاب الدين: هو القول الأول بعينه. (فصل) لما بين الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه المتقدم بين الفرق بينهما من وجه آخر فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلَهُمْ كالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ (و) كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على شيء آخر سواء كان ذلك المعطوف مذكوراً أو مضمراً. والتقدير: هنا: أفيعلم المشركون هناأم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين. والاجتراح: الاكتساب أي اكتسبوا المعاصي والكفر، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم. قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار﴾ [الأنعام: 60] . وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في عليِّ وحمزة، وأبي عُبيدة بن الجرَّاح رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وفي ثلاثة من المشركين عُتْبَة، وشيبةً، والوليد بْنِ عُتْبَة قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء فلو كان ما تقولونه حقًّا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما كنا أفضل حالاص منكم في الدنيا. فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبين أنه لا يمكن أن يكون حال المؤمن المطيع مساوياً لحال الكافر العاصي في درجات الثواب ومنازل السَّعَادات. ثم قال: ﴿سواءً محياهم ومماتُهُمْ﴾ . قال مجاهد عن ابن عباس: معناه أحسبوا أن حياتَهُم ومماتهم كحياة المؤمنين؟! كلا فإنه يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، فالمؤمن ما دام حياً في الدنيا فإنَّ وليَّه هو الله وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه. الكافر بالضِّدِّ منه، كما ذكره الله تعالى في قوله: «وإِنَّ الظَّالِمينَ بَعْضَهُمْ أَوْليَاءُ بَعْض» «واللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ» والمؤمنون تتوفاهم الملائكة طَيِّبين يقولون: سلام عليكم أدْخلوا الجَنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وأما الكفار فتتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. وأما في القيامة فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أولئك هُمُ الكفرة الفجرة﴾ [عبس: 3842] وقيل: معنى الآية لا يستوون في الممات، كما استووا في الحياة، لأن المؤمن والكافر قد يستويان في الصحة والرزق والكفاية، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن، وإنَّما يظهر الفرق بينهم في الممات. وقيل: إنَّ قوله ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مستأنف والمعنى أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وكذلك محيا الكفار ومماتهم سواء أي كل يموت على حسب ما عاش عليه. ثم إنه تعالى صرح بإنكار التسوية فقال: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي بئس ما يقضون. قال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام أخيك تَمِيم الدَّاريِّ، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يُصْبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد (بها) ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات ... ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وخلق الله السموات والأرض بالحق﴾ لما بين أن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات السَّعادة أتبعه بالدلائل الظاهرة على صحة هذه الفتوى فقال: ﴿وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ أي لو لم يوجد البعث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل لأنه تعالى لو خلق الظالم وسطله على المظلوم الضعيف ولا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالماً ولو كان ظالماً لبطل أنه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق. وتقدم تقريره في سورة يُونُس. قوله: «بِالْحَقِّ» فيه ثلاثة أوجه إما حال من الفاعل، أو من المفعول أو الباء للسببية. قوله: «وَلتُجْزَى» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون عطفاً على «بالحق» في المعنى، لأن كلاًّ منهما سبب فعطف الصلة على مثلها. الثاني: أنها معطوفة على معلل محذوف، والتقدير: خَلَقَ اللهُ السمواتِ والأَرْضَ ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل والرحمة، وذلك لايتم إلاَّ إذا حصل البعث والقيامة، وحصل التفاوت بين الدَّركات والدرجات بين المحقين والمبطلين. الثالث: أن تكون لام الصيرورة أي وصار الأمر منها من اهتدى بها قوم وظلَّ عنها آخرون. قوله: «أفَرَأْيت» بمعنى أخبرني وتقدم حكمها مشروحاً، المفعول الأوّل من اتخذ والثاني محذوف، تقديره: بعد غشاوة أيهتدي؟ ودل عليه قوله: ِ «فَمَنْ يَهْدِيهِ» . وإنما قدرت بعد غشاوة، لأجل صلا ت الموصول. واعلم أنه تعالى عاد إلى شرح أحوال الكفار، وقبائح طرائقهم فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ قال ابن عباس والحسن وقتادة: وذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه. وقرىء «آلِهَتَهُ» هواه، لأنه كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه والمعنى اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما تهواه نفسه. قال سعيد بن جبير: كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة فإذا وجدوا شيئاً أحسن من الأول رَموه وكسروه وعبدوا الآخر. قال الشعبي: إنما سمي الهوى لأنه يَهوِي بصاحبه في النار. قوله: «عَلَى عِلْمٍ» حال من الجلالة أي كَائِناً عَلَى عِلْمٍ منه يعاقبة أمره أنه أهل لذلك. وقيل: حال من المفعول، أي أضله وهو عالم، وهذا أشنع لَهُ. وقرأ الأَعرجُ: آلِهَةً على الجمع، وعنه كذلك مضافة لضميره آلهته هواه. قوله: ﴿وختم على سمعه وقلبه﴾ يسمع الهوى وقلبه لم يعقل الهدى وهو المراد من قوله: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: 7] وقد تقدم. قوله: «غشاوة» قرأ الأخوان غَشْوَةً بفتح الغين، وسكون الشين. والأعمش وابن مِصْرف كذلك إلا أنهما كسرا الغين. وباقي السبعة غِشاوة بكسر الغين. وابن مسعود والأعمش أيضاً بفتحها وهي لغة ربيعة والحسن وعكرمة. وعبد الله أيضاً بضمها، وهي لغة محكيَّة وتقدم الكلام في ذلك في أول سورة البقرة، وأنه قرىء هناك بالعَيْن المُهْملة. قوله: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله﴾ أي من بعد إضلال الله إياه. وقال الواحدي: ليس يبقى لِلْقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة؛ لأن الله تعالى صرح منعه إياهم عن الهدى بعد أن أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره. ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ قرأ العامة بالتشديد، والجَحْدريّ بتخفيفها والأعمش تتذكرون بتاءين. قوله: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ تقدم نظيره. وقرأ زيد بن على نُحْيَا بضم النون. فإن قيل: الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكر القيامة كان يجب أن يقول: نحيا ونموت، فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة؟ فالجواب: من وجوه: الأول: المراد بقوله: «نموت» حال كونهم نُطَفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وبقوله: «نحيا» ما حصل بعد ذلك في الدنيا. الثاني: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا. الثالث: قال الزّجاج: الواو للاجتماع والمعنى: يموت بعضٌ ويحيا بعضٌ. الرابع: قال ابن الخطيب: إنَّه تعالى قدم ذكر الحياة فقال: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ ثم قال بعده: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يعن أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ما لم يطرأ عليه الموت بعد، وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد. قوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ أي وما يُفنينا إلا مرُّ الزمان، وطول العمر، واختلافُ الليل والنهار ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ الذي قالوه ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ أي لم يقولوه عن علم عَلِموه ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ . روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قال الله تعالى:» لاَ يَقُل ابْنُ آدَمَ يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا أُرْسِلُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُها «وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» لا يَسُبَّ أحدُكُمْ الدَّهْرَ فإنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ، وَلاَ يَقُولَنَّ لِلْعِنَبِ الكرْمَ، فإنََّ الكَرْمَ هُوَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ «ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب المكاره فيقولون: أصابتهم قوارعُ الدهر، وأبادهم الدهرُ، كما أخبر الله عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها فكان يرجع سَبُّهم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ؛ إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهُوا عن سبِّ الدهر. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ قرأ العامة بنصب» حجتهم» . وزيدُ بْنُ عليٍّ، وعمروُ بْنُ عُبَيد، وعُبَيْدُ ابن عَمرو بالرفع وتقدم تأويل ذلك و «ما كان» جواب» إذا «الشرطية. وجعله أبو حيان دليلاً على عدم إعمال جواب» إذا «فيها لأن» ما «لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. قال: وخالفت غيرها من أدوات الشرط، حيث لم يقترن بالفاء جوابها إذا نفي بما. فصل سمى قولهم حجة لوجوه: الاول: لزعمهم أنه حجة. الثاني: أن من كانت حجته هذا فليس له ألتة حجة كقوله: 4445 - ... ... ... ... ... ... ... ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجيعُ الثالث: أنهم ذكروها في معرض الاحتجاج بها. واعلم أنهم احتجوا على إنكمار البعث بهذه الشبهة وهي شبهة ضعيفة جداً، لأنه ليس كل ما لايحصل في الحال يجب أن يمتنع حصوله فإن كان حصول كل واحد منا كان معدوماً من الأزل إلى الوقت الذي خلقنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول لكان عندم حُصُولِنا في الأزل إلى وقت خلقنا يدل على امتناع حصولنا وذلك باطلٌ. قوله تعالى: ﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة﴾ . فإن قيل: هذا الكلام مذكوراً لأجل جواب من يقول: ﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدَّهر﴾ وهذا القائل ينكر وجود الإله ووجود القيامة فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله: ﴿الله يُحْيِيكُمْ﴾ ؟ وهل هذا إلا إثْبَات الشيء بنفسه، وهو باطل؟! فالجواب: أنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الإله القادر الفاعل الحكيم مراراً فقوله: ههنا: ﴿الله يُحْيِيكُمْ﴾ إشارة إلى تلك الدلائل التي بينها وأوضحها مراراً، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإله، بل المقصود منه التنبيه على ما هو الدليل الحق القاطع في نفس الأمر. ولما ثبت أنّ الإحياء من الله، وثبت أن الإعادة مثل الإحياء ألأول، وثبت أن القادر على الشيء قادر على مثله ثبت أن الله تعالى قادر على الإعادة، وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها وثبت أن القادر الحيكم أخبر عن وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقاً. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إشارة إلى ما تقدم في الآية المقتدمة، وهو أن كونه تعالى عادلاً خالقاً منزهاً عن الجَوْز والظلم يقتضي صحة البعث والقيامة، ثم قال: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ دلالة على حدوث الإنسان والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم، ولا يعلمون أيضاً أنه تعالى لما كان قادراً على الإيجاد ابتداء، وجب أن يكون قادراً على الإعادة ثانياً.

الجاثية 45:23

فاستعير ذلك للدين، لأن العباد يردون ما يحيى به نفوسهم. قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً﴾ أي اتبعت أهواءهم ﴿وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ والمعنى إنك لو ملت أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك، وإنَّ الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وأما في الآخرة، فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثوب، وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون فالله وليهم وناصرهم. قوله تعالى: ﴿هذا بَصَائِرُ﴾ أي هذا القرآن، جمع خَبَرُهُ باعتبار ما فيه. وقرىء: «هَذِه» رجوعاً إلى الآيات ولأن القرآن بمعناها كقوله: 4444 - ... ... ... ... ... ... ... ..... سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ؟ لأنه بمعنى الصيحة، والمعنى بصائر للناس، أي معالم للناس في الحُدُودِ والأحكام يبصرون بها. وتقدم تفسيره في سورة الأعراف ﴿وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ هدىة من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن اتقى وآمن. قوله: «أَمْ حَسِبَ» أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها، أو بالهمزة وَحْدَاها وتقدم تحقيق هذا. قوله: «كَالَّذِينَ آمَنُوا» هنو المفعول الثاني للجَعْل، أي أن نَجْعَلَهُمْ كائنين كالذين آمنوا أي لا يحسبون ذلك. وَقَدْ تقدم في سورة الحج أنَّ الأخَوَيْنِ وحفصاً قرأوا هنا: سَوَاءً بالنصب والباقون بالرفع. وتقدم الوعد عليه بالكلام هنا فنقول: أما قراءة النصب ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينتصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهما: «كَالَّذِينَ آمَنُوا» ويكون المفعول الثاني للجعل «كالذين آمنوا» أي أحسبواأنْ نَجْعَلَهُم مثلهم في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ؟ ليس الأمر كذلك. الثاني: أن يكون «سواءً» هو المفعول للجَعْل. و «كَالَّذِينَ» في محل نصب على الحال، أي أن نجعلهم حال كونهم مِثْلَهم سواءً. وليس معناه بذاك. الثالث: أن يكون «سواه» مفعولاً ثانياً «لحسب» . وهذا الوجه نحا إليه أبو البقاء. قال شهاب الدين: وأظنه غلطاً؛ لما سيظهر لك، فإنه قال: ويقرأ بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: هو حال من الضمير في «الكاف» أي نجعلهم مثل المؤمنين في هذه الحال. الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً لحسب والكاف حال، وقد دخل استواء محياهم ومماتهم في الحِسْبان وعلى هذا الوجه ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مرفوعان (بسواء} لأنه قد قَوِيَ باعتماده انتهى. فقد صرح بأنه مفعول ثاني للحسبان، وهذا لا يصح ألبتّة، لأن «حسب» وأخواتها إذا وقع بعدها «أَنَّ: المشددة و» أَنْ» المخففة أو الناصبة سَدَّت مسدَّ المفعولين، وهنا قد وقع بعد الحسبان» أَنْ «الناصبة، فهي سادّة مسدَّ المفعولين فمِنْ أين يكون» سواءًَ «مفعولاً ثانياً لحسب؟! فإن قلت: هذا الذي قلته رأي الجمهور، سيبويه وغيره، وأما غيرهم كالأخفش فيدَّعي أنها تسد مسدّ واحدٍ. وإذا تقرر هذا فقد يجوز أن أبا البقاء ذهب المذهب فأَعْرَبَ» أنْ نَجْعَلَهُمْ «مفعولاً أول (ل» حَسِبَ» ) و «سَوَاءً» مفعولاً ثانياً. فالجواب: أن الأخفش صرح بأن المفعول الثاني حينئذ يكون محذوفاً، ولئن سلمنا أنه لا يحذف امتنع من وجه آخر وهو أنه قد رفع به (مُحياهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) لأنه بمعنى مستو كما تقدم، ولا ضمير يرجع من مرفوعه إلى المفعول الأول بل رفع أجنبيًّا من المعفول لأول وهو نظير: حَسِبْتُ قِيَامَكَ مُسْتَوِياً ذهابك وعدمه. ومن قرأ بالرفع فيحتمل قراءته وجهين: أحدهما: أن يكون «سواء» خبراً مقدماً، و «مَحْيَاهُم» مبتدأ مؤخراً، ويكون «سواء» مبتدأ و «محياهم» خبره كذا أعربوه. وفيه نظر تقدم في سورة الحج، وهو أنه نكرة لا مسوغ فيها وأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت النكرة خبراً لا مبتدأ. ثم في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها استئنافية. والثاني: أنها تبدل من الكاف الواقعة مفعولاً ثانياً. قال الزمخشري: لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد، ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواءً محياهم ومماتهم كان سديداً، كما تقول: ظَنَنْتُ زَيْداً أبوه مُنْطَلِق. قال أبو حيان: وهذا أعني إبدال الجملة من المفرد أجازه ابن جني وابن مالك ومنعه ابن العِلْجِ، ثم ذكر عنه كلاماً كثيراً في تقريره ذلك. ثم قال: «والذي يظهر أنه لا يجوز يعني ما جوزه الزمخشري قال: لأنها بمعنى التَّصْيِير، ولا يجوز: صَيَّرْتُ زيداً أبو قائمٌ؛ لأن التصيير انتقال من ذات إلى ذات أو من وصف في الذات إلى وصفٍ فيها، وتلك الجملة الواقعة بعد مفعول صيرت المقدرة مفعولاً ثانياً ليس فيها انتقال مما ذكر فلا يجوز. قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: بل فيها انتقال من وصف في الذات إلى وصف فيها، لأن النحاة نصوا على جواز وقوع الحمل صفة وحالاً، نحو: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أبُوهُ قائِمٌ، وجاء زيد أبو قائمٌ، فالذي حكموا عليه بالوصفية والحالية يجوز أن يقع في حيِّز التصيير؛ إذ لا فرق بين صفة وصفة من هذه الحيثية. الثالث: أن تكون الجملة حالاً (و) التقدير: أم حسب الكفار أن نصيرهم مثل المؤمنين في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَماتِهِم؟! ليسوا كذلك بل هم مقترفون. وهذا هو الظاهر عند أبي حيان وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة داخلة في حيِّز الحسبان، وإلى ذلك نحا ابن عطية فإنه قال: مقتضى هذا الكلام أن لفظ الآية خبر، ويظهر أن قوله: سواء محياهم ومماتهم داخل في الحسبة المنكرة السيئة، وهذا احتمال حسن، والأول جيِّد انتهى. ولم يبين كيفية دخوله في الحسبان وكيفة أحد الوجهين الأخيرين إما البدل وإما الحالية كما عرفته. وقرأ الأعمش» سواءً «نصباً محياهُمْ ومَمَاتَهُمْ. بالنصب أيضاً، فأما سواء فمفعول ثان، أو حال كما تقدم. وأما نصب محياهم ومماتهم ففيه وجهان: أحدهما: أن يكونا ظرفي زمان، وانتصبا على البدل من مفعول (نجعلهم) بدل اشتمال ويكون سواء على هذا هو المفعول الثاني، والتقدير: أنْ نَجْعَلَ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ (سَوَاءً) . والثاني: أن ينتصبا على الظرف الزماني، والعامل إما الجعل أو سواء، والتقدير أن نجعهلم في هذين الوقتين سواء أو نجعلهم مُسْتَويَيْنِ في هذين الوقتين. قال الزمخشري مُقرراً لهذه الوجه: ومن قرأ بالنصب جعل» مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ» ظرفين كمقدم الحاجِّ وخُفُوقَ النَّجم. قال أبو حيان: وتمثيله بخفوق النجم ليس بجيد، لأن خفوق مصدر ليس على مَفْعَل فهو في الحقيقة على حذف مضاف أي وقت خُفُوقِ (النَّجْم) بخلاف (محيا) و (ممات) و (مقدم) فإنها موضوعة على الاشتراك بين ثلاثة معان المصدرية والزمانية والمكماينة فإذا استعملت مصدراً كان ذلك بطريق الوضع، لا على حذف مضاف كخُفُوق، فإنه لا بد من حذف مضاف، لكونه موضوعاً للمصدرية وهذا أمر قريب، لأنه إنما أراد أنه وقع هذا اللفظ مراداً به الزمان. أما كونه بطريق الأصالة أو الفرعية فلا يضر ذلك. والضمير في «محياهم ومماتهم» يجوز أن يعود على القبيلين بمعنى أن مَحْيَا المؤمنين ومماتهم سواء عند الله في الكرامة، ومحيا المجترحين ومماتهم سواء في الإهانة عنده. فَلَفَّ الكلام اتكالاً على ذهن السامع وفهمه. ويجوز أن يعود على المجترحين فقط أخبر أن حالهم في الزمانين سواء. وقال أبو البقاء: ويقرأ مَمَاتَهُمْ بالنصب أي محياهم ومماتهم. والعامل: نجعل أو سواء. وقيل: هو ظرف. قال شهاب الدين: هو القول الأول بعينه. (فصل) لما بين الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه المتقدم بين الفرق بينهما من وجه آخر فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلَهُمْ كالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ (و) كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على شيء آخر سواء كان ذلك المعطوف مذكوراً أو مضمراً. والتقدير: هنا: أفيعلم المشركون هناأم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين. والاجتراح: الاكتساب أي اكتسبوا المعاصي والكفر، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم. قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار﴾ [الأنعام: 60] . وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في عليِّ وحمزة، وأبي عُبيدة بن الجرَّاح رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وفي ثلاثة من المشركين عُتْبَة، وشيبةً، والوليد بْنِ عُتْبَة قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء فلو كان ما تقولونه حقًّا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما كنا أفضل حالاص منكم في الدنيا. فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبين أنه لا يمكن أن يكون حال المؤمن المطيع مساوياً لحال الكافر العاصي في درجات الثواب ومنازل السَّعَادات. ثم قال: ﴿سواءً محياهم ومماتُهُمْ﴾ . قال مجاهد عن ابن عباس: معناه أحسبوا أن حياتَهُم ومماتهم كحياة المؤمنين؟! كلا فإنه يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، فالمؤمن ما دام حياً في الدنيا فإنَّ وليَّه هو الله وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه. الكافر بالضِّدِّ منه، كما ذكره الله تعالى في قوله: «وإِنَّ الظَّالِمينَ بَعْضَهُمْ أَوْليَاءُ بَعْض» «واللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ» والمؤمنون تتوفاهم الملائكة طَيِّبين يقولون: سلام عليكم أدْخلوا الجَنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وأما الكفار فتتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. وأما في القيامة فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أولئك هُمُ الكفرة الفجرة﴾ [عبس: 3842] وقيل: معنى الآية لا يستوون في الممات، كما استووا في الحياة، لأن المؤمن والكافر قد يستويان في الصحة والرزق والكفاية، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن، وإنَّما يظهر الفرق بينهم في الممات. وقيل: إنَّ قوله ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مستأنف والمعنى أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وكذلك محيا الكفار ومماتهم سواء أي كل يموت على حسب ما عاش عليه. ثم إنه تعالى صرح بإنكار التسوية فقال: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي بئس ما يقضون. قال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام أخيك تَمِيم الدَّاريِّ، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يُصْبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد (بها) ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات ... ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وخلق الله السموات والأرض بالحق﴾ لما بين أن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات السَّعادة أتبعه بالدلائل الظاهرة على صحة هذه الفتوى فقال: ﴿وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ أي لو لم يوجد البعث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل لأنه تعالى لو خلق الظالم وسطله على المظلوم الضعيف ولا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالماً ولو كان ظالماً لبطل أنه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق. وتقدم تقريره في سورة يُونُس. قوله: «بِالْحَقِّ» فيه ثلاثة أوجه إما حال من الفاعل، أو من المفعول أو الباء للسببية. قوله: «وَلتُجْزَى» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون عطفاً على «بالحق» في المعنى، لأن كلاًّ منهما سبب فعطف الصلة على مثلها. الثاني: أنها معطوفة على معلل محذوف، والتقدير: خَلَقَ اللهُ السمواتِ والأَرْضَ ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل والرحمة، وذلك لايتم إلاَّ إذا حصل البعث والقيامة، وحصل التفاوت بين الدَّركات والدرجات بين المحقين والمبطلين. الثالث: أن تكون لام الصيرورة أي وصار الأمر منها من اهتدى بها قوم وظلَّ عنها آخرون. قوله: «أفَرَأْيت» بمعنى أخبرني وتقدم حكمها مشروحاً، المفعول الأوّل من اتخذ والثاني محذوف، تقديره: بعد غشاوة أيهتدي؟ ودل عليه قوله: ِ «فَمَنْ يَهْدِيهِ» . وإنما قدرت بعد غشاوة، لأجل صلا ت الموصول. واعلم أنه تعالى عاد إلى شرح أحوال الكفار، وقبائح طرائقهم فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ قال ابن عباس والحسن وقتادة: وذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه. وقرىء «آلِهَتَهُ» هواه، لأنه كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه والمعنى اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما تهواه نفسه. قال سعيد بن جبير: كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة فإذا وجدوا شيئاً أحسن من الأول رَموه وكسروه وعبدوا الآخر. قال الشعبي: إنما سمي الهوى لأنه يَهوِي بصاحبه في النار. قوله: «عَلَى عِلْمٍ» حال من الجلالة أي كَائِناً عَلَى عِلْمٍ منه يعاقبة أمره أنه أهل لذلك. وقيل: حال من المفعول، أي أضله وهو عالم، وهذا أشنع لَهُ. وقرأ الأَعرجُ: آلِهَةً على الجمع، وعنه كذلك مضافة لضميره آلهته هواه. قوله: ﴿وختم على سمعه وقلبه﴾ يسمع الهوى وقلبه لم يعقل الهدى وهو المراد من قوله: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: 7] وقد تقدم. قوله: «غشاوة» قرأ الأخوان غَشْوَةً بفتح الغين، وسكون الشين. والأعمش وابن مِصْرف كذلك إلا أنهما كسرا الغين. وباقي السبعة غِشاوة بكسر الغين. وابن مسعود والأعمش أيضاً بفتحها وهي لغة ربيعة والحسن وعكرمة. وعبد الله أيضاً بضمها، وهي لغة محكيَّة وتقدم الكلام في ذلك في أول سورة البقرة، وأنه قرىء هناك بالعَيْن المُهْملة. قوله: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله﴾ أي من بعد إضلال الله إياه. وقال الواحدي: ليس يبقى لِلْقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة؛ لأن الله تعالى صرح منعه إياهم عن الهدى بعد أن أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره. ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ قرأ العامة بالتشديد، والجَحْدريّ بتخفيفها والأعمش تتذكرون بتاءين. قوله: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ تقدم نظيره. وقرأ زيد بن على نُحْيَا بضم النون. فإن قيل: الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكر القيامة كان يجب أن يقول: نحيا ونموت، فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة؟ فالجواب: من وجوه: الأول: المراد بقوله: «نموت» حال كونهم نُطَفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وبقوله: «نحيا» ما حصل بعد ذلك في الدنيا. الثاني: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا. الثالث: قال الزّجاج: الواو للاجتماع والمعنى: يموت بعضٌ ويحيا بعضٌ. الرابع: قال ابن الخطيب: إنَّه تعالى قدم ذكر الحياة فقال: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ ثم قال بعده: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يعن أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ما لم يطرأ عليه الموت بعد، وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد. قوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ أي وما يُفنينا إلا مرُّ الزمان، وطول العمر، واختلافُ الليل والنهار ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ الذي قالوه ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ أي لم يقولوه عن علم عَلِموه ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ . روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قال الله تعالى:» لاَ يَقُل ابْنُ آدَمَ يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا أُرْسِلُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُها «وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» لا يَسُبَّ أحدُكُمْ الدَّهْرَ فإنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ، وَلاَ يَقُولَنَّ لِلْعِنَبِ الكرْمَ، فإنََّ الكَرْمَ هُوَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ «ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب المكاره فيقولون: أصابتهم قوارعُ الدهر، وأبادهم الدهرُ، كما أخبر الله عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها فكان يرجع سَبُّهم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ؛ إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهُوا عن سبِّ الدهر. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ قرأ العامة بنصب» حجتهم» . وزيدُ بْنُ عليٍّ، وعمروُ بْنُ عُبَيد، وعُبَيْدُ ابن عَمرو بالرفع وتقدم تأويل ذلك و «ما كان» جواب» إذا «الشرطية. وجعله أبو حيان دليلاً على عدم إعمال جواب» إذا «فيها لأن» ما «لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. قال: وخالفت غيرها من أدوات الشرط، حيث لم يقترن بالفاء جوابها إذا نفي بما. فصل سمى قولهم حجة لوجوه: الاول: لزعمهم أنه حجة. الثاني: أن من كانت حجته هذا فليس له ألتة حجة كقوله: 4445 - ... ... ... ... ... ... ... ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجيعُ الثالث: أنهم ذكروها في معرض الاحتجاج بها. واعلم أنهم احتجوا على إنكمار البعث بهذه الشبهة وهي شبهة ضعيفة جداً، لأنه ليس كل ما لايحصل في الحال يجب أن يمتنع حصوله فإن كان حصول كل واحد منا كان معدوماً من الأزل إلى الوقت الذي خلقنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول لكان عندم حُصُولِنا في الأزل إلى وقت خلقنا يدل على امتناع حصولنا وذلك باطلٌ. قوله تعالى: ﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة﴾ . فإن قيل: هذا الكلام مذكوراً لأجل جواب من يقول: ﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدَّهر﴾ وهذا القائل ينكر وجود الإله ووجود القيامة فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله: ﴿الله يُحْيِيكُمْ﴾ ؟ وهل هذا إلا إثْبَات الشيء بنفسه، وهو باطل؟! فالجواب: أنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الإله القادر الفاعل الحكيم مراراً فقوله: ههنا: ﴿الله يُحْيِيكُمْ﴾ إشارة إلى تلك الدلائل التي بينها وأوضحها مراراً، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإله، بل المقصود منه التنبيه على ما هو الدليل الحق القاطع في نفس الأمر. ولما ثبت أنّ الإحياء من الله، وثبت أن الإعادة مثل الإحياء ألأول، وثبت أن القادر على الشيء قادر على مثله ثبت أن الله تعالى قادر على الإعادة، وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها وثبت أن القادر الحيكم أخبر عن وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقاً. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إشارة إلى ما تقدم في الآية المقتدمة، وهو أن كونه تعالى عادلاً خالقاً منزهاً عن الجَوْز والظلم يقتضي صحة البعث والقيامة، ثم قال: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ دلالة على حدوث الإنسان والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم، ولا يعلمون أيضاً أنه تعالى لما كان قادراً على الإيجاد ابتداء، وجب أن يكون قادراً على الإعادة ثانياً.

الجاثية 45:24

فاستعير ذلك للدين، لأن العباد يردون ما يحيى به نفوسهم. قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً﴾ أي اتبعت أهواءهم ﴿وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ والمعنى إنك لو ملت أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك، وإنَّ الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وأما في الآخرة، فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثوب، وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون فالله وليهم وناصرهم. قوله تعالى: ﴿هذا بَصَائِرُ﴾ أي هذا القرآن، جمع خَبَرُهُ باعتبار ما فيه. وقرىء: «هَذِه» رجوعاً إلى الآيات ولأن القرآن بمعناها كقوله: 4444 - ... ... ... ... ... ... ... ..... سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ؟ لأنه بمعنى الصيحة، والمعنى بصائر للناس، أي معالم للناس في الحُدُودِ والأحكام يبصرون بها. وتقدم تفسيره في سورة الأعراف ﴿وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ هدىة من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن اتقى وآمن. قوله: «أَمْ حَسِبَ» أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها، أو بالهمزة وَحْدَاها وتقدم تحقيق هذا. قوله: «كَالَّذِينَ آمَنُوا» هنو المفعول الثاني للجَعْل، أي أن نَجْعَلَهُمْ كائنين كالذين آمنوا أي لا يحسبون ذلك. وَقَدْ تقدم في سورة الحج أنَّ الأخَوَيْنِ وحفصاً قرأوا هنا: سَوَاءً بالنصب والباقون بالرفع. وتقدم الوعد عليه بالكلام هنا فنقول: أما قراءة النصب ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينتصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهما: «كَالَّذِينَ آمَنُوا» ويكون المفعول الثاني للجعل «كالذين آمنوا» أي أحسبواأنْ نَجْعَلَهُم مثلهم في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ؟ ليس الأمر كذلك. الثاني: أن يكون «سواءً» هو المفعول للجَعْل. و «كَالَّذِينَ» في محل نصب على الحال، أي أن نجعلهم حال كونهم مِثْلَهم سواءً. وليس معناه بذاك. الثالث: أن يكون «سواه» مفعولاً ثانياً «لحسب» . وهذا الوجه نحا إليه أبو البقاء. قال شهاب الدين: وأظنه غلطاً؛ لما سيظهر لك، فإنه قال: ويقرأ بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: هو حال من الضمير في «الكاف» أي نجعلهم مثل المؤمنين في هذه الحال. الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً لحسب والكاف حال، وقد دخل استواء محياهم ومماتهم في الحِسْبان وعلى هذا الوجه ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مرفوعان (بسواء} لأنه قد قَوِيَ باعتماده انتهى. فقد صرح بأنه مفعول ثاني للحسبان، وهذا لا يصح ألبتّة، لأن «حسب» وأخواتها إذا وقع بعدها «أَنَّ: المشددة و» أَنْ» المخففة أو الناصبة سَدَّت مسدَّ المفعولين، وهنا قد وقع بعد الحسبان» أَنْ «الناصبة، فهي سادّة مسدَّ المفعولين فمِنْ أين يكون» سواءًَ «مفعولاً ثانياً لحسب؟! فإن قلت: هذا الذي قلته رأي الجمهور، سيبويه وغيره، وأما غيرهم كالأخفش فيدَّعي أنها تسد مسدّ واحدٍ. وإذا تقرر هذا فقد يجوز أن أبا البقاء ذهب المذهب فأَعْرَبَ» أنْ نَجْعَلَهُمْ «مفعولاً أول (ل» حَسِبَ» ) و «سَوَاءً» مفعولاً ثانياً. فالجواب: أن الأخفش صرح بأن المفعول الثاني حينئذ يكون محذوفاً، ولئن سلمنا أنه لا يحذف امتنع من وجه آخر وهو أنه قد رفع به (مُحياهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) لأنه بمعنى مستو كما تقدم، ولا ضمير يرجع من مرفوعه إلى المفعول الأول بل رفع أجنبيًّا من المعفول لأول وهو نظير: حَسِبْتُ قِيَامَكَ مُسْتَوِياً ذهابك وعدمه. ومن قرأ بالرفع فيحتمل قراءته وجهين: أحدهما: أن يكون «سواء» خبراً مقدماً، و «مَحْيَاهُم» مبتدأ مؤخراً، ويكون «سواء» مبتدأ و «محياهم» خبره كذا أعربوه. وفيه نظر تقدم في سورة الحج، وهو أنه نكرة لا مسوغ فيها وأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت النكرة خبراً لا مبتدأ. ثم في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها استئنافية. والثاني: أنها تبدل من الكاف الواقعة مفعولاً ثانياً. قال الزمخشري: لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد، ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواءً محياهم ومماتهم كان سديداً، كما تقول: ظَنَنْتُ زَيْداً أبوه مُنْطَلِق. قال أبو حيان: وهذا أعني إبدال الجملة من المفرد أجازه ابن جني وابن مالك ومنعه ابن العِلْجِ، ثم ذكر عنه كلاماً كثيراً في تقريره ذلك. ثم قال: «والذي يظهر أنه لا يجوز يعني ما جوزه الزمخشري قال: لأنها بمعنى التَّصْيِير، ولا يجوز: صَيَّرْتُ زيداً أبو قائمٌ؛ لأن التصيير انتقال من ذات إلى ذات أو من وصف في الذات إلى وصفٍ فيها، وتلك الجملة الواقعة بعد مفعول صيرت المقدرة مفعولاً ثانياً ليس فيها انتقال مما ذكر فلا يجوز. قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: بل فيها انتقال من وصف في الذات إلى وصف فيها، لأن النحاة نصوا على جواز وقوع الحمل صفة وحالاً، نحو: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أبُوهُ قائِمٌ، وجاء زيد أبو قائمٌ، فالذي حكموا عليه بالوصفية والحالية يجوز أن يقع في حيِّز التصيير؛ إذ لا فرق بين صفة وصفة من هذه الحيثية. الثالث: أن تكون الجملة حالاً (و) التقدير: أم حسب الكفار أن نصيرهم مثل المؤمنين في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَماتِهِم؟! ليسوا كذلك بل هم مقترفون. وهذا هو الظاهر عند أبي حيان وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة داخلة في حيِّز الحسبان، وإلى ذلك نحا ابن عطية فإنه قال: مقتضى هذا الكلام أن لفظ الآية خبر، ويظهر أن قوله: سواء محياهم ومماتهم داخل في الحسبة المنكرة السيئة، وهذا احتمال حسن، والأول جيِّد انتهى. ولم يبين كيفية دخوله في الحسبان وكيفة أحد الوجهين الأخيرين إما البدل وإما الحالية كما عرفته. وقرأ الأعمش» سواءً «نصباً محياهُمْ ومَمَاتَهُمْ. بالنصب أيضاً، فأما سواء فمفعول ثان، أو حال كما تقدم. وأما نصب محياهم ومماتهم ففيه وجهان: أحدهما: أن يكونا ظرفي زمان، وانتصبا على البدل من مفعول (نجعلهم) بدل اشتمال ويكون سواء على هذا هو المفعول الثاني، والتقدير: أنْ نَجْعَلَ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ (سَوَاءً) . والثاني: أن ينتصبا على الظرف الزماني، والعامل إما الجعل أو سواء، والتقدير أن نجعهلم في هذين الوقتين سواء أو نجعلهم مُسْتَويَيْنِ في هذين الوقتين. قال الزمخشري مُقرراً لهذه الوجه: ومن قرأ بالنصب جعل» مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ» ظرفين كمقدم الحاجِّ وخُفُوقَ النَّجم. قال أبو حيان: وتمثيله بخفوق النجم ليس بجيد، لأن خفوق مصدر ليس على مَفْعَل فهو في الحقيقة على حذف مضاف أي وقت خُفُوقِ (النَّجْم) بخلاف (محيا) و (ممات) و (مقدم) فإنها موضوعة على الاشتراك بين ثلاثة معان المصدرية والزمانية والمكماينة فإذا استعملت مصدراً كان ذلك بطريق الوضع، لا على حذف مضاف كخُفُوق، فإنه لا بد من حذف مضاف، لكونه موضوعاً للمصدرية وهذا أمر قريب، لأنه إنما أراد أنه وقع هذا اللفظ مراداً به الزمان. أما كونه بطريق الأصالة أو الفرعية فلا يضر ذلك. والضمير في «محياهم ومماتهم» يجوز أن يعود على القبيلين بمعنى أن مَحْيَا المؤمنين ومماتهم سواء عند الله في الكرامة، ومحيا المجترحين ومماتهم سواء في الإهانة عنده. فَلَفَّ الكلام اتكالاً على ذهن السامع وفهمه. ويجوز أن يعود على المجترحين فقط أخبر أن حالهم في الزمانين سواء. وقال أبو البقاء: ويقرأ مَمَاتَهُمْ بالنصب أي محياهم ومماتهم. والعامل: نجعل أو سواء. وقيل: هو ظرف. قال شهاب الدين: هو القول الأول بعينه. (فصل) لما بين الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه المتقدم بين الفرق بينهما من وجه آخر فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلَهُمْ كالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ (و) كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على شيء آخر سواء كان ذلك المعطوف مذكوراً أو مضمراً. والتقدير: هنا: أفيعلم المشركون هناأم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين. والاجتراح: الاكتساب أي اكتسبوا المعاصي والكفر، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم. قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار﴾ [الأنعام: 60] . وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في عليِّ وحمزة، وأبي عُبيدة بن الجرَّاح رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وفي ثلاثة من المشركين عُتْبَة، وشيبةً، والوليد بْنِ عُتْبَة قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء فلو كان ما تقولونه حقًّا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما كنا أفضل حالاص منكم في الدنيا. فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبين أنه لا يمكن أن يكون حال المؤمن المطيع مساوياً لحال الكافر العاصي في درجات الثواب ومنازل السَّعَادات. ثم قال: ﴿سواءً محياهم ومماتُهُمْ﴾ . قال مجاهد عن ابن عباس: معناه أحسبوا أن حياتَهُم ومماتهم كحياة المؤمنين؟! كلا فإنه يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، فالمؤمن ما دام حياً في الدنيا فإنَّ وليَّه هو الله وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه. الكافر بالضِّدِّ منه، كما ذكره الله تعالى في قوله: «وإِنَّ الظَّالِمينَ بَعْضَهُمْ أَوْليَاءُ بَعْض» «واللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ» والمؤمنون تتوفاهم الملائكة طَيِّبين يقولون: سلام عليكم أدْخلوا الجَنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وأما الكفار فتتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. وأما في القيامة فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أولئك هُمُ الكفرة الفجرة﴾ [عبس: 3842] وقيل: معنى الآية لا يستوون في الممات، كما استووا في الحياة، لأن المؤمن والكافر قد يستويان في الصحة والرزق والكفاية، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن، وإنَّما يظهر الفرق بينهم في الممات. وقيل: إنَّ قوله ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مستأنف والمعنى أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وكذلك محيا الكفار ومماتهم سواء أي كل يموت على حسب ما عاش عليه. ثم إنه تعالى صرح بإنكار التسوية فقال: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي بئس ما يقضون. قال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام أخيك تَمِيم الدَّاريِّ، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يُصْبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد (بها) ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات ... ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وخلق الله السموات والأرض بالحق﴾ لما بين أن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات السَّعادة أتبعه بالدلائل الظاهرة على صحة هذه الفتوى فقال: ﴿وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ أي لو لم يوجد البعث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل لأنه تعالى لو خلق الظالم وسطله على المظلوم الضعيف ولا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالماً ولو كان ظالماً لبطل أنه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق. وتقدم تقريره في سورة يُونُس. قوله: «بِالْحَقِّ» فيه ثلاثة أوجه إما حال من الفاعل، أو من المفعول أو الباء للسببية. قوله: «وَلتُجْزَى» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون عطفاً على «بالحق» في المعنى، لأن كلاًّ منهما سبب فعطف الصلة على مثلها. الثاني: أنها معطوفة على معلل محذوف، والتقدير: خَلَقَ اللهُ السمواتِ والأَرْضَ ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل والرحمة، وذلك لايتم إلاَّ إذا حصل البعث والقيامة، وحصل التفاوت بين الدَّركات والدرجات بين المحقين والمبطلين. الثالث: أن تكون لام الصيرورة أي وصار الأمر منها من اهتدى بها قوم وظلَّ عنها آخرون. قوله: «أفَرَأْيت» بمعنى أخبرني وتقدم حكمها مشروحاً، المفعول الأوّل من اتخذ والثاني محذوف، تقديره: بعد غشاوة أيهتدي؟ ودل عليه قوله: ِ «فَمَنْ يَهْدِيهِ» . وإنما قدرت بعد غشاوة، لأجل صلا ت الموصول. واعلم أنه تعالى عاد إلى شرح أحوال الكفار، وقبائح طرائقهم فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ قال ابن عباس والحسن وقتادة: وذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه. وقرىء «آلِهَتَهُ» هواه، لأنه كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه والمعنى اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما تهواه نفسه. قال سعيد بن جبير: كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة فإذا وجدوا شيئاً أحسن من الأول رَموه وكسروه وعبدوا الآخر. قال الشعبي: إنما سمي الهوى لأنه يَهوِي بصاحبه في النار. قوله: «عَلَى عِلْمٍ» حال من الجلالة أي كَائِناً عَلَى عِلْمٍ منه يعاقبة أمره أنه أهل لذلك. وقيل: حال من المفعول، أي أضله وهو عالم، وهذا أشنع لَهُ. وقرأ الأَعرجُ: آلِهَةً على الجمع، وعنه كذلك مضافة لضميره آلهته هواه. قوله: ﴿وختم على سمعه وقلبه﴾ يسمع الهوى وقلبه لم يعقل الهدى وهو المراد من قوله: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: 7] وقد تقدم. قوله: «غشاوة» قرأ الأخوان غَشْوَةً بفتح الغين، وسكون الشين. والأعمش وابن مِصْرف كذلك إلا أنهما كسرا الغين. وباقي السبعة غِشاوة بكسر الغين. وابن مسعود والأعمش أيضاً بفتحها وهي لغة ربيعة والحسن وعكرمة. وعبد الله أيضاً بضمها، وهي لغة محكيَّة وتقدم الكلام في ذلك في أول سورة البقرة، وأنه قرىء هناك بالعَيْن المُهْملة. قوله: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله﴾ أي من بعد إضلال الله إياه. وقال الواحدي: ليس يبقى لِلْقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة؛ لأن الله تعالى صرح منعه إياهم عن الهدى بعد أن أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره. ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ قرأ العامة بالتشديد، والجَحْدريّ بتخفيفها والأعمش تتذكرون بتاءين. قوله: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ تقدم نظيره. وقرأ زيد بن على نُحْيَا بضم النون. فإن قيل: الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكر القيامة كان يجب أن يقول: نحيا ونموت، فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة؟ فالجواب: من وجوه: الأول: المراد بقوله: «نموت» حال كونهم نُطَفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وبقوله: «نحيا» ما حصل بعد ذلك في الدنيا. الثاني: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا. الثالث: قال الزّجاج: الواو للاجتماع والمعنى: يموت بعضٌ ويحيا بعضٌ. الرابع: قال ابن الخطيب: إنَّه تعالى قدم ذكر الحياة فقال: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ ثم قال بعده: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يعن أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ما لم يطرأ عليه الموت بعد، وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد. قوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ أي وما يُفنينا إلا مرُّ الزمان، وطول العمر، واختلافُ الليل والنهار ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ الذي قالوه ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ أي لم يقولوه عن علم عَلِموه ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ . روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قال الله تعالى:» لاَ يَقُل ابْنُ آدَمَ يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا أُرْسِلُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُها «وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» لا يَسُبَّ أحدُكُمْ الدَّهْرَ فإنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ، وَلاَ يَقُولَنَّ لِلْعِنَبِ الكرْمَ، فإنََّ الكَرْمَ هُوَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ «ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب المكاره فيقولون: أصابتهم قوارعُ الدهر، وأبادهم الدهرُ، كما أخبر الله عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها فكان يرجع سَبُّهم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ؛ إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهُوا عن سبِّ الدهر. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ قرأ العامة بنصب» حجتهم» . وزيدُ بْنُ عليٍّ، وعمروُ بْنُ عُبَيد، وعُبَيْدُ ابن عَمرو بالرفع وتقدم تأويل ذلك و «ما كان» جواب» إذا «الشرطية. وجعله أبو حيان دليلاً على عدم إعمال جواب» إذا «فيها لأن» ما «لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. قال: وخالفت غيرها من أدوات الشرط، حيث لم يقترن بالفاء جوابها إذا نفي بما. فصل سمى قولهم حجة لوجوه: الاول: لزعمهم أنه حجة. الثاني: أن من كانت حجته هذا فليس له ألتة حجة كقوله: 4445 - ... ... ... ... ... ... ... ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجيعُ الثالث: أنهم ذكروها في معرض الاحتجاج بها. واعلم أنهم احتجوا على إنكمار البعث بهذه الشبهة وهي شبهة ضعيفة جداً، لأنه ليس كل ما لايحصل في الحال يجب أن يمتنع حصوله فإن كان حصول كل واحد منا كان معدوماً من الأزل إلى الوقت الذي خلقنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول لكان عندم حُصُولِنا في الأزل إلى وقت خلقنا يدل على امتناع حصولنا وذلك باطلٌ. قوله تعالى: ﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة﴾ . فإن قيل: هذا الكلام مذكوراً لأجل جواب من يقول: ﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدَّهر﴾ وهذا القائل ينكر وجود الإله ووجود القيامة فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله: ﴿الله يُحْيِيكُمْ﴾ ؟ وهل هذا إلا إثْبَات الشيء بنفسه، وهو باطل؟! فالجواب: أنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الإله القادر الفاعل الحكيم مراراً فقوله: ههنا: ﴿الله يُحْيِيكُمْ﴾ إشارة إلى تلك الدلائل التي بينها وأوضحها مراراً، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإله، بل المقصود منه التنبيه على ما هو الدليل الحق القاطع في نفس الأمر. ولما ثبت أنّ الإحياء من الله، وثبت أن الإعادة مثل الإحياء ألأول، وثبت أن القادر على الشيء قادر على مثله ثبت أن الله تعالى قادر على الإعادة، وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها وثبت أن القادر الحيكم أخبر عن وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقاً. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إشارة إلى ما تقدم في الآية المقتدمة، وهو أن كونه تعالى عادلاً خالقاً منزهاً عن الجَوْز والظلم يقتضي صحة البعث والقيامة، ثم قال: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ دلالة على حدوث الإنسان والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم، ولا يعلمون أيضاً أنه تعالى لما كان قادراً على الإيجاد ابتداء، وجب أن يكون قادراً على الإعادة ثانياً.

الجاثية 45:25

فاستعير ذلك للدين، لأن العباد يردون ما يحيى به نفوسهم. قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً﴾ أي اتبعت أهواءهم ﴿وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ والمعنى إنك لو ملت أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك، وإنَّ الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وأما في الآخرة، فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثوب، وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون فالله وليهم وناصرهم. قوله تعالى: ﴿هذا بَصَائِرُ﴾ أي هذا القرآن، جمع خَبَرُهُ باعتبار ما فيه. وقرىء: «هَذِه» رجوعاً إلى الآيات ولأن القرآن بمعناها كقوله: 4444 - ... ... ... ... ... ... ... ..... سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ؟ لأنه بمعنى الصيحة، والمعنى بصائر للناس، أي معالم للناس في الحُدُودِ والأحكام يبصرون بها. وتقدم تفسيره في سورة الأعراف ﴿وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ هدىة من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن اتقى وآمن. قوله: «أَمْ حَسِبَ» أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها، أو بالهمزة وَحْدَاها وتقدم تحقيق هذا. قوله: «كَالَّذِينَ آمَنُوا» هنو المفعول الثاني للجَعْل، أي أن نَجْعَلَهُمْ كائنين كالذين آمنوا أي لا يحسبون ذلك. وَقَدْ تقدم في سورة الحج أنَّ الأخَوَيْنِ وحفصاً قرأوا هنا: سَوَاءً بالنصب والباقون بالرفع. وتقدم الوعد عليه بالكلام هنا فنقول: أما قراءة النصب ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينتصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهما: «كَالَّذِينَ آمَنُوا» ويكون المفعول الثاني للجعل «كالذين آمنوا» أي أحسبواأنْ نَجْعَلَهُم مثلهم في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ؟ ليس الأمر كذلك. الثاني: أن يكون «سواءً» هو المفعول للجَعْل. و «كَالَّذِينَ» في محل نصب على الحال، أي أن نجعلهم حال كونهم مِثْلَهم سواءً. وليس معناه بذاك. الثالث: أن يكون «سواه» مفعولاً ثانياً «لحسب» . وهذا الوجه نحا إليه أبو البقاء. قال شهاب الدين: وأظنه غلطاً؛ لما سيظهر لك، فإنه قال: ويقرأ بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: هو حال من الضمير في «الكاف» أي نجعلهم مثل المؤمنين في هذه الحال. الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً لحسب والكاف حال، وقد دخل استواء محياهم ومماتهم في الحِسْبان وعلى هذا الوجه ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مرفوعان (بسواء} لأنه قد قَوِيَ باعتماده انتهى. فقد صرح بأنه مفعول ثاني للحسبان، وهذا لا يصح ألبتّة، لأن «حسب» وأخواتها إذا وقع بعدها «أَنَّ: المشددة و» أَنْ» المخففة أو الناصبة سَدَّت مسدَّ المفعولين، وهنا قد وقع بعد الحسبان» أَنْ «الناصبة، فهي سادّة مسدَّ المفعولين فمِنْ أين يكون» سواءًَ «مفعولاً ثانياً لحسب؟! فإن قلت: هذا الذي قلته رأي الجمهور، سيبويه وغيره، وأما غيرهم كالأخفش فيدَّعي أنها تسد مسدّ واحدٍ. وإذا تقرر هذا فقد يجوز أن أبا البقاء ذهب المذهب فأَعْرَبَ» أنْ نَجْعَلَهُمْ «مفعولاً أول (ل» حَسِبَ» ) و «سَوَاءً» مفعولاً ثانياً. فالجواب: أن الأخفش صرح بأن المفعول الثاني حينئذ يكون محذوفاً، ولئن سلمنا أنه لا يحذف امتنع من وجه آخر وهو أنه قد رفع به (مُحياهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) لأنه بمعنى مستو كما تقدم، ولا ضمير يرجع من مرفوعه إلى المفعول الأول بل رفع أجنبيًّا من المعفول لأول وهو نظير: حَسِبْتُ قِيَامَكَ مُسْتَوِياً ذهابك وعدمه. ومن قرأ بالرفع فيحتمل قراءته وجهين: أحدهما: أن يكون «سواء» خبراً مقدماً، و «مَحْيَاهُم» مبتدأ مؤخراً، ويكون «سواء» مبتدأ و «محياهم» خبره كذا أعربوه. وفيه نظر تقدم في سورة الحج، وهو أنه نكرة لا مسوغ فيها وأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت النكرة خبراً لا مبتدأ. ثم في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها استئنافية. والثاني: أنها تبدل من الكاف الواقعة مفعولاً ثانياً. قال الزمخشري: لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد، ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواءً محياهم ومماتهم كان سديداً، كما تقول: ظَنَنْتُ زَيْداً أبوه مُنْطَلِق. قال أبو حيان: وهذا أعني إبدال الجملة من المفرد أجازه ابن جني وابن مالك ومنعه ابن العِلْجِ، ثم ذكر عنه كلاماً كثيراً في تقريره ذلك. ثم قال: «والذي يظهر أنه لا يجوز يعني ما جوزه الزمخشري قال: لأنها بمعنى التَّصْيِير، ولا يجوز: صَيَّرْتُ زيداً أبو قائمٌ؛ لأن التصيير انتقال من ذات إلى ذات أو من وصف في الذات إلى وصفٍ فيها، وتلك الجملة الواقعة بعد مفعول صيرت المقدرة مفعولاً ثانياً ليس فيها انتقال مما ذكر فلا يجوز. قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: بل فيها انتقال من وصف في الذات إلى وصف فيها، لأن النحاة نصوا على جواز وقوع الحمل صفة وحالاً، نحو: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أبُوهُ قائِمٌ، وجاء زيد أبو قائمٌ، فالذي حكموا عليه بالوصفية والحالية يجوز أن يقع في حيِّز التصيير؛ إذ لا فرق بين صفة وصفة من هذه الحيثية. الثالث: أن تكون الجملة حالاً (و) التقدير: أم حسب الكفار أن نصيرهم مثل المؤمنين في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَماتِهِم؟! ليسوا كذلك بل هم مقترفون. وهذا هو الظاهر عند أبي حيان وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة داخلة في حيِّز الحسبان، وإلى ذلك نحا ابن عطية فإنه قال: مقتضى هذا الكلام أن لفظ الآية خبر، ويظهر أن قوله: سواء محياهم ومماتهم داخل في الحسبة المنكرة السيئة، وهذا احتمال حسن، والأول جيِّد انتهى. ولم يبين كيفية دخوله في الحسبان وكيفة أحد الوجهين الأخيرين إما البدل وإما الحالية كما عرفته. وقرأ الأعمش» سواءً «نصباً محياهُمْ ومَمَاتَهُمْ. بالنصب أيضاً، فأما سواء فمفعول ثان، أو حال كما تقدم. وأما نصب محياهم ومماتهم ففيه وجهان: أحدهما: أن يكونا ظرفي زمان، وانتصبا على البدل من مفعول (نجعلهم) بدل اشتمال ويكون سواء على هذا هو المفعول الثاني، والتقدير: أنْ نَجْعَلَ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ (سَوَاءً) . والثاني: أن ينتصبا على الظرف الزماني، والعامل إما الجعل أو سواء، والتقدير أن نجعهلم في هذين الوقتين سواء أو نجعلهم مُسْتَويَيْنِ في هذين الوقتين. قال الزمخشري مُقرراً لهذه الوجه: ومن قرأ بالنصب جعل» مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ» ظرفين كمقدم الحاجِّ وخُفُوقَ النَّجم. قال أبو حيان: وتمثيله بخفوق النجم ليس بجيد، لأن خفوق مصدر ليس على مَفْعَل فهو في الحقيقة على حذف مضاف أي وقت خُفُوقِ (النَّجْم) بخلاف (محيا) و (ممات) و (مقدم) فإنها موضوعة على الاشتراك بين ثلاثة معان المصدرية والزمانية والمكماينة فإذا استعملت مصدراً كان ذلك بطريق الوضع، لا على حذف مضاف كخُفُوق، فإنه لا بد من حذف مضاف، لكونه موضوعاً للمصدرية وهذا أمر قريب، لأنه إنما أراد أنه وقع هذا اللفظ مراداً به الزمان. أما كونه بطريق الأصالة أو الفرعية فلا يضر ذلك. والضمير في «محياهم ومماتهم» يجوز أن يعود على القبيلين بمعنى أن مَحْيَا المؤمنين ومماتهم سواء عند الله في الكرامة، ومحيا المجترحين ومماتهم سواء في الإهانة عنده. فَلَفَّ الكلام اتكالاً على ذهن السامع وفهمه. ويجوز أن يعود على المجترحين فقط أخبر أن حالهم في الزمانين سواء. وقال أبو البقاء: ويقرأ مَمَاتَهُمْ بالنصب أي محياهم ومماتهم. والعامل: نجعل أو سواء. وقيل: هو ظرف. قال شهاب الدين: هو القول الأول بعينه. (فصل) لما بين الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه المتقدم بين الفرق بينهما من وجه آخر فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلَهُمْ كالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ (و) كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على شيء آخر سواء كان ذلك المعطوف مذكوراً أو مضمراً. والتقدير: هنا: أفيعلم المشركون هناأم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين. والاجتراح: الاكتساب أي اكتسبوا المعاصي والكفر، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم. قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار﴾ [الأنعام: 60] . وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في عليِّ وحمزة، وأبي عُبيدة بن الجرَّاح رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وفي ثلاثة من المشركين عُتْبَة، وشيبةً، والوليد بْنِ عُتْبَة قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء فلو كان ما تقولونه حقًّا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما كنا أفضل حالاص منكم في الدنيا. فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبين أنه لا يمكن أن يكون حال المؤمن المطيع مساوياً لحال الكافر العاصي في درجات الثواب ومنازل السَّعَادات. ثم قال: ﴿سواءً محياهم ومماتُهُمْ﴾ . قال مجاهد عن ابن عباس: معناه أحسبوا أن حياتَهُم ومماتهم كحياة المؤمنين؟! كلا فإنه يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، فالمؤمن ما دام حياً في الدنيا فإنَّ وليَّه هو الله وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه. الكافر بالضِّدِّ منه، كما ذكره الله تعالى في قوله: «وإِنَّ الظَّالِمينَ بَعْضَهُمْ أَوْليَاءُ بَعْض» «واللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ» والمؤمنون تتوفاهم الملائكة طَيِّبين يقولون: سلام عليكم أدْخلوا الجَنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وأما الكفار فتتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. وأما في القيامة فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أولئك هُمُ الكفرة الفجرة﴾ [عبس: 3842] وقيل: معنى الآية لا يستوون في الممات، كما استووا في الحياة، لأن المؤمن والكافر قد يستويان في الصحة والرزق والكفاية، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن، وإنَّما يظهر الفرق بينهم في الممات. وقيل: إنَّ قوله ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مستأنف والمعنى أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وكذلك محيا الكفار ومماتهم سواء أي كل يموت على حسب ما عاش عليه. ثم إنه تعالى صرح بإنكار التسوية فقال: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي بئس ما يقضون. قال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام أخيك تَمِيم الدَّاريِّ، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يُصْبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد (بها) ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات ... ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وخلق الله السموات والأرض بالحق﴾ لما بين أن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات السَّعادة أتبعه بالدلائل الظاهرة على صحة هذه الفتوى فقال: ﴿وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ أي لو لم يوجد البعث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل لأنه تعالى لو خلق الظالم وسطله على المظلوم الضعيف ولا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالماً ولو كان ظالماً لبطل أنه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق. وتقدم تقريره في سورة يُونُس. قوله: «بِالْحَقِّ» فيه ثلاثة أوجه إما حال من الفاعل، أو من المفعول أو الباء للسببية. قوله: «وَلتُجْزَى» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون عطفاً على «بالحق» في المعنى، لأن كلاًّ منهما سبب فعطف الصلة على مثلها. الثاني: أنها معطوفة على معلل محذوف، والتقدير: خَلَقَ اللهُ السمواتِ والأَرْضَ ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل والرحمة، وذلك لايتم إلاَّ إذا حصل البعث والقيامة، وحصل التفاوت بين الدَّركات والدرجات بين المحقين والمبطلين. الثالث: أن تكون لام الصيرورة أي وصار الأمر منها من اهتدى بها قوم وظلَّ عنها آخرون. قوله: «أفَرَأْيت» بمعنى أخبرني وتقدم حكمها مشروحاً، المفعول الأوّل من اتخذ والثاني محذوف، تقديره: بعد غشاوة أيهتدي؟ ودل عليه قوله: ِ «فَمَنْ يَهْدِيهِ» . وإنما قدرت بعد غشاوة، لأجل صلا ت الموصول. واعلم أنه تعالى عاد إلى شرح أحوال الكفار، وقبائح طرائقهم فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ قال ابن عباس والحسن وقتادة: وذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه. وقرىء «آلِهَتَهُ» هواه، لأنه كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه والمعنى اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما تهواه نفسه. قال سعيد بن جبير: كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة فإذا وجدوا شيئاً أحسن من الأول رَموه وكسروه وعبدوا الآخر. قال الشعبي: إنما سمي الهوى لأنه يَهوِي بصاحبه في النار. قوله: «عَلَى عِلْمٍ» حال من الجلالة أي كَائِناً عَلَى عِلْمٍ منه يعاقبة أمره أنه أهل لذلك. وقيل: حال من المفعول، أي أضله وهو عالم، وهذا أشنع لَهُ. وقرأ الأَعرجُ: آلِهَةً على الجمع، وعنه كذلك مضافة لضميره آلهته هواه. قوله: ﴿وختم على سمعه وقلبه﴾ يسمع الهوى وقلبه لم يعقل الهدى وهو المراد من قوله: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: 7] وقد تقدم. قوله: «غشاوة» قرأ الأخوان غَشْوَةً بفتح الغين، وسكون الشين. والأعمش وابن مِصْرف كذلك إلا أنهما كسرا الغين. وباقي السبعة غِشاوة بكسر الغين. وابن مسعود والأعمش أيضاً بفتحها وهي لغة ربيعة والحسن وعكرمة. وعبد الله أيضاً بضمها، وهي لغة محكيَّة وتقدم الكلام في ذلك في أول سورة البقرة، وأنه قرىء هناك بالعَيْن المُهْملة. قوله: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله﴾ أي من بعد إضلال الله إياه. وقال الواحدي: ليس يبقى لِلْقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة؛ لأن الله تعالى صرح منعه إياهم عن الهدى بعد أن أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره. ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ قرأ العامة بالتشديد، والجَحْدريّ بتخفيفها والأعمش تتذكرون بتاءين. قوله: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ تقدم نظيره. وقرأ زيد بن على نُحْيَا بضم النون. فإن قيل: الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكر القيامة كان يجب أن يقول: نحيا ونموت، فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة؟ فالجواب: من وجوه: الأول: المراد بقوله: «نموت» حال كونهم نُطَفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وبقوله: «نحيا» ما حصل بعد ذلك في الدنيا. الثاني: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا. الثالث: قال الزّجاج: الواو للاجتماع والمعنى: يموت بعضٌ ويحيا بعضٌ. الرابع: قال ابن الخطيب: إنَّه تعالى قدم ذكر الحياة فقال: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ ثم قال بعده: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يعن أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ما لم يطرأ عليه الموت بعد، وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد. قوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ أي وما يُفنينا إلا مرُّ الزمان، وطول العمر، واختلافُ الليل والنهار ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ الذي قالوه ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ أي لم يقولوه عن علم عَلِموه ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ . روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قال الله تعالى:» لاَ يَقُل ابْنُ آدَمَ يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا أُرْسِلُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُها «وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» لا يَسُبَّ أحدُكُمْ الدَّهْرَ فإنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ، وَلاَ يَقُولَنَّ لِلْعِنَبِ الكرْمَ، فإنََّ الكَرْمَ هُوَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ «ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب المكاره فيقولون: أصابتهم قوارعُ الدهر، وأبادهم الدهرُ، كما أخبر الله عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها فكان يرجع سَبُّهم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ؛ إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهُوا عن سبِّ الدهر. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ قرأ العامة بنصب» حجتهم» . وزيدُ بْنُ عليٍّ، وعمروُ بْنُ عُبَيد، وعُبَيْدُ ابن عَمرو بالرفع وتقدم تأويل ذلك و «ما كان» جواب» إذا «الشرطية. وجعله أبو حيان دليلاً على عدم إعمال جواب» إذا «فيها لأن» ما «لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. قال: وخالفت غيرها من أدوات الشرط، حيث لم يقترن بالفاء جوابها إذا نفي بما. فصل سمى قولهم حجة لوجوه: الاول: لزعمهم أنه حجة. الثاني: أن من كانت حجته هذا فليس له ألتة حجة كقوله: 4445 - ... ... ... ... ... ... ... ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجيعُ الثالث: أنهم ذكروها في معرض الاحتجاج بها. واعلم أنهم احتجوا على إنكمار البعث بهذه الشبهة وهي شبهة ضعيفة جداً، لأنه ليس كل ما لايحصل في الحال يجب أن يمتنع حصوله فإن كان حصول كل واحد منا كان معدوماً من الأزل إلى الوقت الذي خلقنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول لكان عندم حُصُولِنا في الأزل إلى وقت خلقنا يدل على امتناع حصولنا وذلك باطلٌ. قوله تعالى: ﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة﴾ . فإن قيل: هذا الكلام مذكوراً لأجل جواب من يقول: ﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدَّهر﴾ وهذا القائل ينكر وجود الإله ووجود القيامة فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله: ﴿الله يُحْيِيكُمْ﴾ ؟ وهل هذا إلا إثْبَات الشيء بنفسه، وهو باطل؟! فالجواب: أنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الإله القادر الفاعل الحكيم مراراً فقوله: ههنا: ﴿الله يُحْيِيكُمْ﴾ إشارة إلى تلك الدلائل التي بينها وأوضحها مراراً، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإله، بل المقصود منه التنبيه على ما هو الدليل الحق القاطع في نفس الأمر. ولما ثبت أنّ الإحياء من الله، وثبت أن الإعادة مثل الإحياء ألأول، وثبت أن القادر على الشيء قادر على مثله ثبت أن الله تعالى قادر على الإعادة، وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها وثبت أن القادر الحيكم أخبر عن وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقاً. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إشارة إلى ما تقدم في الآية المقتدمة، وهو أن كونه تعالى عادلاً خالقاً منزهاً عن الجَوْز والظلم يقتضي صحة البعث والقيامة، ثم قال: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ دلالة على حدوث الإنسان والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم، ولا يعلمون أيضاً أنه تعالى لما كان قادراً على الإيجاد ابتداء، وجب أن يكون قادراً على الإعادة ثانياً.

الجاثية 45:26

فاستعير ذلك للدين، لأن العباد يردون ما يحيى به نفوسهم. قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً﴾ أي اتبعت أهواءهم ﴿وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ والمعنى إنك لو ملت أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك، وإنَّ الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وأما في الآخرة، فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثوب، وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون فالله وليهم وناصرهم. قوله تعالى: ﴿هذا بَصَائِرُ﴾ أي هذا القرآن، جمع خَبَرُهُ باعتبار ما فيه. وقرىء: «هَذِه» رجوعاً إلى الآيات ولأن القرآن بمعناها كقوله: 4444 - ... ... ... ... ... ... ... ..... سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ؟ لأنه بمعنى الصيحة، والمعنى بصائر للناس، أي معالم للناس في الحُدُودِ والأحكام يبصرون بها. وتقدم تفسيره في سورة الأعراف ﴿وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ هدىة من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن اتقى وآمن. قوله: «أَمْ حَسِبَ» أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها، أو بالهمزة وَحْدَاها وتقدم تحقيق هذا. قوله: «كَالَّذِينَ آمَنُوا» هنو المفعول الثاني للجَعْل، أي أن نَجْعَلَهُمْ كائنين كالذين آمنوا أي لا يحسبون ذلك. وَقَدْ تقدم في سورة الحج أنَّ الأخَوَيْنِ وحفصاً قرأوا هنا: سَوَاءً بالنصب والباقون بالرفع. وتقدم الوعد عليه بالكلام هنا فنقول: أما قراءة النصب ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينتصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهما: «كَالَّذِينَ آمَنُوا» ويكون المفعول الثاني للجعل «كالذين آمنوا» أي أحسبواأنْ نَجْعَلَهُم مثلهم في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ؟ ليس الأمر كذلك. الثاني: أن يكون «سواءً» هو المفعول للجَعْل. و «كَالَّذِينَ» في محل نصب على الحال، أي أن نجعلهم حال كونهم مِثْلَهم سواءً. وليس معناه بذاك. الثالث: أن يكون «سواه» مفعولاً ثانياً «لحسب» . وهذا الوجه نحا إليه أبو البقاء. قال شهاب الدين: وأظنه غلطاً؛ لما سيظهر لك، فإنه قال: ويقرأ بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: هو حال من الضمير في «الكاف» أي نجعلهم مثل المؤمنين في هذه الحال. الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً لحسب والكاف حال، وقد دخل استواء محياهم ومماتهم في الحِسْبان وعلى هذا الوجه ﴿مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مرفوعان (بسواء} لأنه قد قَوِيَ باعتماده انتهى. فقد صرح بأنه مفعول ثاني للحسبان، وهذا لا يصح ألبتّة، لأن «حسب» وأخواتها إذا وقع بعدها «أَنَّ: المشددة و» أَنْ» المخففة أو الناصبة سَدَّت مسدَّ المفعولين، وهنا قد وقع بعد الحسبان» أَنْ «الناصبة، فهي سادّة مسدَّ المفعولين فمِنْ أين يكون» سواءًَ «مفعولاً ثانياً لحسب؟! فإن قلت: هذا الذي قلته رأي الجمهور، سيبويه وغيره، وأما غيرهم كالأخفش فيدَّعي أنها تسد مسدّ واحدٍ. وإذا تقرر هذا فقد يجوز أن أبا البقاء ذهب المذهب فأَعْرَبَ» أنْ نَجْعَلَهُمْ «مفعولاً أول (ل» حَسِبَ» ) و «سَوَاءً» مفعولاً ثانياً. فالجواب: أن الأخفش صرح بأن المفعول الثاني حينئذ يكون محذوفاً، ولئن سلمنا أنه لا يحذف امتنع من وجه آخر وهو أنه قد رفع به (مُحياهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) لأنه بمعنى مستو كما تقدم، ولا ضمير يرجع من مرفوعه إلى المفعول الأول بل رفع أجنبيًّا من المعفول لأول وهو نظير: حَسِبْتُ قِيَامَكَ مُسْتَوِياً ذهابك وعدمه. ومن قرأ بالرفع فيحتمل قراءته وجهين: أحدهما: أن يكون «سواء» خبراً مقدماً، و «مَحْيَاهُم» مبتدأ مؤخراً، ويكون «سواء» مبتدأ و «محياهم» خبره كذا أعربوه. وفيه نظر تقدم في سورة الحج، وهو أنه نكرة لا مسوغ فيها وأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت النكرة خبراً لا مبتدأ. ثم في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها استئنافية. والثاني: أنها تبدل من الكاف الواقعة مفعولاً ثانياً. قال الزمخشري: لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد، ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواءً محياهم ومماتهم كان سديداً، كما تقول: ظَنَنْتُ زَيْداً أبوه مُنْطَلِق. قال أبو حيان: وهذا أعني إبدال الجملة من المفرد أجازه ابن جني وابن مالك ومنعه ابن العِلْجِ، ثم ذكر عنه كلاماً كثيراً في تقريره ذلك. ثم قال: «والذي يظهر أنه لا يجوز يعني ما جوزه الزمخشري قال: لأنها بمعنى التَّصْيِير، ولا يجوز: صَيَّرْتُ زيداً أبو قائمٌ؛ لأن التصيير انتقال من ذات إلى ذات أو من وصف في الذات إلى وصفٍ فيها، وتلك الجملة الواقعة بعد مفعول صيرت المقدرة مفعولاً ثانياً ليس فيها انتقال مما ذكر فلا يجوز. قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: بل فيها انتقال من وصف في الذات إلى وصف فيها، لأن النحاة نصوا على جواز وقوع الحمل صفة وحالاً، نحو: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أبُوهُ قائِمٌ، وجاء زيد أبو قائمٌ، فالذي حكموا عليه بالوصفية والحالية يجوز أن يقع في حيِّز التصيير؛ إذ لا فرق بين صفة وصفة من هذه الحيثية. الثالث: أن تكون الجملة حالاً (و) التقدير: أم حسب الكفار أن نصيرهم مثل المؤمنين في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَماتِهِم؟! ليسوا كذلك بل هم مقترفون. وهذا هو الظاهر عند أبي حيان وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة داخلة في حيِّز الحسبان، وإلى ذلك نحا ابن عطية فإنه قال: مقتضى هذا الكلام أن لفظ الآية خبر، ويظهر أن قوله: سواء محياهم ومماتهم داخل في الحسبة المنكرة السيئة، وهذا احتمال حسن، والأول جيِّد انتهى. ولم يبين كيفية دخوله في الحسبان وكيفة أحد الوجهين الأخيرين إما البدل وإما الحالية كما عرفته. وقرأ الأعمش» سواءً «نصباً محياهُمْ ومَمَاتَهُمْ. بالنصب أيضاً، فأما سواء فمفعول ثان، أو حال كما تقدم. وأما نصب محياهم ومماتهم ففيه وجهان: أحدهما: أن يكونا ظرفي زمان، وانتصبا على البدل من مفعول (نجعلهم) بدل اشتمال ويكون سواء على هذا هو المفعول الثاني، والتقدير: أنْ نَجْعَلَ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ (سَوَاءً) . والثاني: أن ينتصبا على الظرف الزماني، والعامل إما الجعل أو سواء، والتقدير أن نجعهلم في هذين الوقتين سواء أو نجعلهم مُسْتَويَيْنِ في هذين الوقتين. قال الزمخشري مُقرراً لهذه الوجه: ومن قرأ بالنصب جعل» مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ» ظرفين كمقدم الحاجِّ وخُفُوقَ النَّجم. قال أبو حيان: وتمثيله بخفوق النجم ليس بجيد، لأن خفوق مصدر ليس على مَفْعَل فهو في الحقيقة على حذف مضاف أي وقت خُفُوقِ (النَّجْم) بخلاف (محيا) و (ممات) و (مقدم) فإنها موضوعة على الاشتراك بين ثلاثة معان المصدرية والزمانية والمكماينة فإذا استعملت مصدراً كان ذلك بطريق الوضع، لا على حذف مضاف كخُفُوق، فإنه لا بد من حذف مضاف، لكونه موضوعاً للمصدرية وهذا أمر قريب، لأنه إنما أراد أنه وقع هذا اللفظ مراداً به الزمان. أما كونه بطريق الأصالة أو الفرعية فلا يضر ذلك. والضمير في «محياهم ومماتهم» يجوز أن يعود على القبيلين بمعنى أن مَحْيَا المؤمنين ومماتهم سواء عند الله في الكرامة، ومحيا المجترحين ومماتهم سواء في الإهانة عنده. فَلَفَّ الكلام اتكالاً على ذهن السامع وفهمه. ويجوز أن يعود على المجترحين فقط أخبر أن حالهم في الزمانين سواء. وقال أبو البقاء: ويقرأ مَمَاتَهُمْ بالنصب أي محياهم ومماتهم. والعامل: نجعل أو سواء. وقيل: هو ظرف. قال شهاب الدين: هو القول الأول بعينه. (فصل) لما بين الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه المتقدم بين الفرق بينهما من وجه آخر فقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات أَن نَّجْعَلَهُمْ كالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ (و) كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على شيء آخر سواء كان ذلك المعطوف مذكوراً أو مضمراً. والتقدير: هنا: أفيعلم المشركون هناأم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين. والاجتراح: الاكتساب أي اكتسبوا المعاصي والكفر، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم. قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار﴾ [الأنعام: 60] . وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في عليِّ وحمزة، وأبي عُبيدة بن الجرَّاح رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وفي ثلاثة من المشركين عُتْبَة، وشيبةً، والوليد بْنِ عُتْبَة قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء فلو كان ما تقولونه حقًّا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما كنا أفضل حالاص منكم في الدنيا. فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبين أنه لا يمكن أن يكون حال المؤمن المطيع مساوياً لحال الكافر العاصي في درجات الثواب ومنازل السَّعَادات. ثم قال: ﴿سواءً محياهم ومماتُهُمْ﴾ . قال مجاهد عن ابن عباس: معناه أحسبوا أن حياتَهُم ومماتهم كحياة المؤمنين؟! كلا فإنه يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، فالمؤمن ما دام حياً في الدنيا فإنَّ وليَّه هو الله وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه. الكافر بالضِّدِّ منه، كما ذكره الله تعالى في قوله: «وإِنَّ الظَّالِمينَ بَعْضَهُمْ أَوْليَاءُ بَعْض» «واللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ» والمؤمنون تتوفاهم الملائكة طَيِّبين يقولون: سلام عليكم أدْخلوا الجَنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وأما الكفار فتتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. وأما في القيامة فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أولئك هُمُ الكفرة الفجرة﴾ [عبس: 3842] وقيل: معنى الآية لا يستوون في الممات، كما استووا في الحياة، لأن المؤمن والكافر قد يستويان في الصحة والرزق والكفاية، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن، وإنَّما يظهر الفرق بينهم في الممات. وقيل: إنَّ قوله ﴿سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ مستأنف والمعنى أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وكذلك محيا الكفار ومماتهم سواء أي كل يموت على حسب ما عاش عليه. ثم إنه تعالى صرح بإنكار التسوية فقال: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي بئس ما يقضون. قال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام أخيك تَمِيم الدَّاريِّ، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يُصْبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد (بها) ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات ... ﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وخلق الله السموات والأرض بالحق﴾ لما بين أن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات السَّعادة أتبعه بالدلائل الظاهرة على صحة هذه الفتوى فقال: ﴿وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق﴾ أي لو لم يوجد البعث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل لأنه تعالى لو خلق الظالم وسطله على المظلوم الضعيف ولا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالماً ولو كان ظالماً لبطل أنه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق. وتقدم تقريره في سورة يُونُس. قوله: «بِالْحَقِّ» فيه ثلاثة أوجه إما حال من الفاعل، أو من المفعول أو الباء للسببية. قوله: «وَلتُجْزَى» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون عطفاً على «بالحق» في المعنى، لأن كلاًّ منهما سبب فعطف الصلة على مثلها. الثاني: أنها معطوفة على معلل محذوف، والتقدير: خَلَقَ اللهُ السمواتِ والأَرْضَ ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل والرحمة، وذلك لايتم إلاَّ إذا حصل البعث والقيامة، وحصل التفاوت بين الدَّركات والدرجات بين المحقين والمبطلين. الثالث: أن تكون لام الصيرورة أي وصار الأمر منها من اهتدى بها قوم وظلَّ عنها آخرون. قوله: «أفَرَأْيت» بمعنى أخبرني وتقدم حكمها مشروحاً، المفعول الأوّل من اتخذ والثاني محذوف، تقديره: بعد غشاوة أيهتدي؟ ودل عليه قوله: ِ «فَمَنْ يَهْدِيهِ» . وإنما قدرت بعد غشاوة، لأجل صلا ت الموصول. واعلم أنه تعالى عاد إلى شرح أحوال الكفار، وقبائح طرائقهم فقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾ قال ابن عباس والحسن وقتادة: وذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه. وقرىء «آلِهَتَهُ» هواه، لأنه كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه والمعنى اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما تهواه نفسه. قال سعيد بن جبير: كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة فإذا وجدوا شيئاً أحسن من الأول رَموه وكسروه وعبدوا الآخر. قال الشعبي: إنما سمي الهوى لأنه يَهوِي بصاحبه في النار. قوله: «عَلَى عِلْمٍ» حال من الجلالة أي كَائِناً عَلَى عِلْمٍ منه يعاقبة أمره أنه أهل لذلك. وقيل: حال من المفعول، أي أضله وهو عالم، وهذا أشنع لَهُ. وقرأ الأَعرجُ: آلِهَةً على الجمع، وعنه كذلك مضافة لضميره آلهته هواه. قوله: ﴿وختم على سمعه وقلبه﴾ يسمع الهوى وقلبه لم يعقل الهدى وهو المراد من قوله: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: 7] وقد تقدم. قوله: «غشاوة» قرأ الأخوان غَشْوَةً بفتح الغين، وسكون الشين. والأعمش وابن مِصْرف كذلك إلا أنهما كسرا الغين. وباقي السبعة غِشاوة بكسر الغين. وابن مسعود والأعمش أيضاً بفتحها وهي لغة ربيعة والحسن وعكرمة. وعبد الله أيضاً بضمها، وهي لغة محكيَّة وتقدم الكلام في ذلك في أول سورة البقرة، وأنه قرىء هناك بالعَيْن المُهْملة. قوله: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله﴾ أي من بعد إضلال الله إياه. وقال الواحدي: ليس يبقى لِلْقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة؛ لأن الله تعالى صرح منعه إياهم عن الهدى بعد أن أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره. ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ قرأ العامة بالتشديد، والجَحْدريّ بتخفيفها والأعمش تتذكرون بتاءين. قوله: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ تقدم نظيره. وقرأ زيد بن على نُحْيَا بضم النون. فإن قيل: الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكر القيامة كان يجب أن يقول: نحيا ونموت، فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة؟ فالجواب: من وجوه: الأول: المراد بقوله: «نموت» حال كونهم نُطَفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وبقوله: «نحيا» ما حصل بعد ذلك في الدنيا. الثاني: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا. الثالث: قال الزّجاج: الواو للاجتماع والمعنى: يموت بعضٌ ويحيا بعضٌ. الرابع: قال ابن الخطيب: إنَّه تعالى قدم ذكر الحياة فقال: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ ثم قال بعده: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ يعن أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ما لم يطرأ عليه الموت بعد، وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد. قوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ أي وما يُفنينا إلا مرُّ الزمان، وطول العمر، واختلافُ الليل والنهار ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ الذي قالوه ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ أي لم يقولوه عن علم عَلِموه ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ . روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «قال الله تعالى:» لاَ يَقُل ابْنُ آدَمَ يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا أُرْسِلُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُها «وعنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» لا يَسُبَّ أحدُكُمْ الدَّهْرَ فإنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ، وَلاَ يَقُولَنَّ لِلْعِنَبِ الكرْمَ، فإنََّ الكَرْمَ هُوَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ «ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب المكاره فيقولون: أصابتهم قوارعُ الدهر، وأبادهم الدهرُ، كما أخبر الله عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر﴾ فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها فكان يرجع سَبُّهم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ؛ إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهُوا عن سبِّ الدهر. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتوا بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ قرأ العامة بنصب» حجتهم» . وزيدُ بْنُ عليٍّ، وعمروُ بْنُ عُبَيد، وعُبَيْدُ ابن عَمرو بالرفع وتقدم تأويل ذلك و «ما كان» جواب» إذا «الشرطية. وجعله أبو حيان دليلاً على عدم إعمال جواب» إذا «فيها لأن» ما «لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. قال: وخالفت غيرها من أدوات الشرط، حيث لم يقترن بالفاء جوابها إذا نفي بما. فصل سمى قولهم حجة لوجوه: الاول: لزعمهم أنه حجة. الثاني: أن من كانت حجته هذا فليس له ألتة حجة كقوله: 4445 - ... ... ... ... ... ... ... ... تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجيعُ الثالث: أنهم ذكروها في معرض الاحتجاج بها. واعلم أنهم احتجوا على إنكمار البعث بهذه الشبهة وهي شبهة ضعيفة جداً، لأنه ليس كل ما لايحصل في الحال يجب أن يمتنع حصوله فإن كان حصول كل واحد منا كان معدوماً من الأزل إلى الوقت الذي خلقنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول لكان عندم حُصُولِنا في الأزل إلى وقت خلقنا يدل على امتناع حصولنا وذلك باطلٌ. قوله تعالى: ﴿قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة﴾ . فإن قيل: هذا الكلام مذكوراً لأجل جواب من يقول: ﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدَّهر﴾ وهذا القائل ينكر وجود الإله ووجود القيامة فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله: ﴿الله يُحْيِيكُمْ﴾ ؟ وهل هذا إلا إثْبَات الشيء بنفسه، وهو باطل؟! فالجواب: أنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الإله القادر الفاعل الحكيم مراراً فقوله: ههنا: ﴿الله يُحْيِيكُمْ﴾ إشارة إلى تلك الدلائل التي بينها وأوضحها مراراً، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإله، بل المقصود منه التنبيه على ما هو الدليل الحق القاطع في نفس الأمر. ولما ثبت أنّ الإحياء من الله، وثبت أن الإعادة مثل الإحياء ألأول، وثبت أن القادر على الشيء قادر على مثله ثبت أن الله تعالى قادر على الإعادة، وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها وثبت أن القادر الحيكم أخبر عن وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقاً. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ إشارة إلى ما تقدم في الآية المقتدمة، وهو أن كونه تعالى عادلاً خالقاً منزهاً عن الجَوْز والظلم يقتضي صحة البعث والقيامة، ثم قال: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ دلالة على حدوث الإنسان والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم، ولا يعلمون أيضاً أنه تعالى لما كان قادراً على الإيجاد ابتداء، وجب أن يكون قادراً على الإعادة ثانياً.

الجاثية 45:27

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض ... ﴾ الآية لما احتج بكونه قادراً على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عَمَّمَ الدليل فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي لله القدرة على جميع الكائنات سواء كانت في السموات أو في الأرض وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كُلِّ الممكنات وثبت أن حصول الحياة في هذه الدار ممكن إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى، فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية. ولما بين تعالى إمكانية القول بالحشر والنشر في هذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوالِ القيامة فأولها: قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ في عامله وجهان: أحدهما: أنه «يخسر» و «يومئذ» بدل من «يَوْمَ تَقُومُ» . والتنوين على هذا التنوين عوض عن جملة مقدرة ولم يتقدم من الجمل إلا «تقوم الساعة» فيصير التقدير: ويوم تقوم الساعة يومئذ تقوم الساعة. وهذا الذي قدروه ليس فيه مزيد فائدة، فيكون بدلاً توكيديًّا. والثاني: أن العامل فيه مقدر، قالوا لأن يوم القيامة حالة ثالثة ليست بالسَّماء ولا الأرض، لأنهما يتبدلان فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض والملك يوم تقوم. ويكون قوله: «يَوْمَئذٍ» معمولاً ليخصرُ، والجملة مستأنفة من حيثُ اللفظ، وإنْ كَانَ لها تعلق بما قبلها من حيثُ المَعْنَى. فصل اعلم أنَّ الحَيَاةَ والعقل والصحة كأنها رأس مال، والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية مَجْرَى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح والكفار قد اتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلاَّ الحرمان والخِذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران. وثانيها: قوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الظاهر أن الرؤية بصرية فيكون «جاثية» حال قال الليث: الجَثْوُ الجُلُوسُ على الركب الجِثِيّ بين يَدَي الحَاكِمِ، وذلك لأنها خائفة والمذنب مُسْتَوْفِزٌ. وقيل: مجتمعة، ومنه الجُثْوَةُ للقبر لاجتماع الأحجار عليه، قال (الشاعر) (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4446 - تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها. قال الزمخشري وقرىء: جاذية بالذال المعجمة قال: والجَذْوُ أشد من الجَثْوِ، لأن الجَاذِي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وهو أشد استيفازاً من الجاثِي. قوله: «كُلُّ أمة» العامة على الرفع بالابتداء، و «تُدْعَى» خبرها. ويعقوب بالنصب على البدل من «كُلَّ أمَّة» الأولى، بدل نكرة موصوفة من مثلها. قوله: إلَى كِتَابِهَا «أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفي باسم الجنس كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ . قال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعةً هي عشرُ سنين، يَخِرُّ الناس فيها جثاةً على ركبهم، حتى إبراهيم ينادي ربه لا أملك إلا نفسي. قوله:» الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، التقدير: يقال لهم اليومَ تُجَزونَ و «الْيَوْمَ» معمول لما بعده و «مَا كنْتُمْ» هو المفعول الثاني. فإن قيل: الجثْو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة { فالجواب: أن الجاثي الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة (إلى) أن يظهر كونه محقاً. فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟ فالجواب: لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم، بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه. قوله: ﴿يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ أي يشهد عليكم بأعمالكم من غير زيادة ولا نقصان. وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. و «ينطق» يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون خبراً ثايناً، وأن يكون «كتابنا» بدلاً و «ينطق» خبر وحده و «بالحق» حال. قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي نأمر الملائكة بنسخه أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم وقيل: نستنسخ أي نأخذ نسخة، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان إلا ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، نحو قولهم: هلُم، واذهب، فالاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم. والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ كتابٌ من كِتَاب. وقال الضحاك: نستنسخ أي نُثْبِتُ. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نَحْفَظُ. ثم بين أحوال المطيعين فقال: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾ فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه. فصل قالت المعتزلة: علّق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والعمل الصالح والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عندم عندم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة يجب أن لا يحصل الفوز بالجنة} وأُجِيبَ: بأن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف. فصل سمى الثواب رحمة، والرحمة إنما يصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم (تكن) واجبةً، فوجب أن لا يكون الثوابُ واجباً على الله تعالى. قوله: ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ﴾ هذا على إضمار القول أيضاً، وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء أي ألَمْ تأتكم رسلي فَلَمْ تكن آياتي؟ فصل ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قِسماً ثالثاً، وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة في إثبات منزلة بين المنزلتين باطل، وفي الآية دليل على أن استحقاق العقوبة، لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع وعلى أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع خلافاً للمعتزلة في قولهم: إنَّ بعض الواجبات قد تجب بالعقل. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ﴾ العامة على كسر الهمزة لأ، ها محكيَّةٌ بالقول، والأعْرَجُ وعمرو بن فائدٍ بفتحها. وذلك مُخَرَّجُ على لغة سُلَيْمٍ يُجْرون القولم مُجْرَى الظَّنِّ مطلقاً ومنه قوله: 4447 - إذَا قُلْتُ أَنِّي آيِبٌ أهْلَ بَلْدَةِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . قوله: «وَالسَّاعة: قرأ حمزة بنصبها عطفاً على» وَعْدَ اللهِ «الباقون برفعها، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: الابتداء، ما بعدها من الجملة المنفية خبرها. الثاني: العطف على محل إنّ واسمها معاً، لأن بعضهم كالفارسيِّ والزمخشري يَرَوْنَ أن ل» إنّ «واسْمِها موضعاً وهو الرفع بالابتداء. قوله:» إلاَّ ظَنًّا: هذه الآية لا بدّ فهيا من تأويل، وذلك أنه يجوز تفريغ العامل ملا بعده من جميع معمولاته مرفوعاً كان أم غير مرفوع، إلا المفعول المطلق، فإنه لا يفرغ له، لا يجوز: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة فيه، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه قو قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْبتُ. قاله مكي وأبو البقاء. وقال الزمخشري: فإن: قلت: ما معنى: إنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا؟ قلت: أصله نظن ظنًّا، ومعناه إثبات الظن حسبُ، وأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن ونفي ما سواه ويزيدُ نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ . فظاهر كلامه أنه لا يتأول الآية بل حملها على ظاهرها. قال أبو حيان: وهذا كلام من لا شُعُور له بالقاعدة النحوية من أن التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل أو مفعولٍ وغيرهما إلا المصدر المؤكد، فإنه لا يكون فيه. وقد اختلف الناس في تأويلها على أوجه: أحدها: ماقاله المبرد وهو أن الأصل: إنْ نَحْنُ إلاَّ نَظُنُّ ظَنًّا قال: ونظيره ما حكاه أبو عمرو: لَيْسَ الطِّبُ إلاَّ المسكُ. تقديره ليس إلا الطيبُ المسكُ. قال شهاب الدين: يعني أن اسم «ليس» ضمير الشأن مستتر فيها و «إلا الطيب المسك» في محل نصب خبرها. وكأنه خفي عليه أن لغة تميم إبطال عمل ليس إذا انْتَقَضَ نفيها «بإلا» قياساً على «ما الحجازية» . والمسألة طويلة مذكورة ف يكتب النحو، وعليها حاكاية جَرَتْ بين أبي عمرو، وعيسى ببن عُمَرَ. الثاني: أنّ «ظَنًّا: له صفة محذوفة تقديره: إلاّ ظَنًّا بَيِّناً، فهو مختص لا مؤكد. الثالث: أن يضمن (نظن) معنى» نعتقد «فينتصب» ظناً «مفولاً به لا مصدراً. الرابع: أن الأصْل إنْ نَظُنُّ إلاَّ أنَّكُم تَظُنُّونَ ظَنًّا، فحذف هذا كله موهو معزوٌّ للمبرد أيضاً. وقد رده عليه من حيث إنه حذف إنّ واسمها وخبرها وأبقى المصدر. وهذا لا يجوز. الخامس: أن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فاستثني الشك كأنه قيل: مالنا اعتقاد إلاّ الشك. ومثل الآية قول الأعشى: 4448 - وَحَلَّ بِهِ الشَّيْبُ أَثْقَالَهُ ... وَمَا اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلاََّ اغْتِرَارَا يريد اغتراراً بيناً. فصل قال ابن الخطيب: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين، منهم من كان قاطعاً ينفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الجاثية: 24] ومنهم من كان شاكًّا متحيراً فيه لأنهم من كثرة ماسمعوه من الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحّته صاروا شاكين فيه، وهم المذكورون فيه هذه الآية، ويدل على ذلك أنه تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤُلاء، فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. ثم قال:» وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ» في الآخرة ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي جزاؤها ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا كالدليل على أن هذه الفِرقة لما قالوا: إنْ نظنّ إلاَّ ظناً إنما ذكروه استهزازً وسخرية، وعلى هذا الوجه فصار ذلك أول خسرانهم، فهذا الفريق أسوأ من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا مُنْكِرين، وما كانوا مُسْتَهْزِئِينَ وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء. قوله: ﴿وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ﴾ أن نترككم في العذاب، كما تركتم الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم. وقيل: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه. قوله: ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ﴾ هذا من التوسع في الظرف، حيث أضاف إليه ما هو واقع فيه، كقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] . قوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ فجمع الله عليهم من وجوه العذاب، ثلاثة أشياء، قطع الرحمة عنهم، وصيّر مأواهم النار، وعدم الأنصار، ثم بين تعالى أن يقال لهم: إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب، لأنكم أتيتم ثلاثة أنواع من الاعمال القبيحة، وهي الإصرار على إنكار الدين الحق والاستهزاء به، والسخرية والاستغراق في حب الدنيا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا﴾ . قوله: ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ تقدم الخلاف في قوله: ﴿لا يخرجون منها﴾ في أول الأعراف، وأن حمزة والكِسَائيّ قرءا بفتح الياء وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء. ﴿ولا هم يستعتبون﴾ لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبله في ذلك اليوم عذرٌ ولا توبة قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ قرأ العامة «رَبّ» في الثلاثة بالجر تبعاً للجلالة، بياناً، أو بلادً، أو نعتاً، وابن مُحَيْصِنٍ برفع الثلاثة على المدح بإضمار «هُوَ» . قوله: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات﴾ يجوز أن يكون «في السموات» متعلقاً بمحذوف حالاً من «الْكِبْرِياء» وأن يتعلق بما تعلق به الظروف الأول، لوقوعه خبراً. ويجوز أن يتعلق بنفس «الكبرياء» لأنها مصدر. وقال أبو البقاء: «وأن يكون يعني في السموات ظرفاً والعامل فيه الظرف الأول، والكبرياء، لأنها بمعنى العظمة» . قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تأويل الكبرياء بمعنى العظمة فإنها ثابتة المصدرية. فصل لما تم الكارم في المباحث الرُّوحَانيَّة ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ أي فاحمدوا الله الذيه وخالق السموات والأرضين، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الرُّبُوبيَّة توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين. ثم قال: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يعني بكمال قدرته، يقدر على خلق أي شيء أراد، (و) بكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة. وقوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يفيد أن الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلاَّ هُوَ. روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يقول الله عزّ وجلّ:» الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحداً مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ» . وروى أبي بن كعب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَنْ قَرَأَ سُورَة حَمَ الحَاثيِية سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ وسَكَّنَ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ» . سورة الأحقاف

الجاثية 45:28

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض ... ﴾ الآية لما احتج بكونه قادراً على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عَمَّمَ الدليل فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي لله القدرة على جميع الكائنات سواء كانت في السموات أو في الأرض وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كُلِّ الممكنات وثبت أن حصول الحياة في هذه الدار ممكن إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى، فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية. ولما بين تعالى إمكانية القول بالحشر والنشر في هذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوالِ القيامة فأولها: قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ في عامله وجهان: أحدهما: أنه «يخسر» و «يومئذ» بدل من «يَوْمَ تَقُومُ» . والتنوين على هذا التنوين عوض عن جملة مقدرة ولم يتقدم من الجمل إلا «تقوم الساعة» فيصير التقدير: ويوم تقوم الساعة يومئذ تقوم الساعة. وهذا الذي قدروه ليس فيه مزيد فائدة، فيكون بدلاً توكيديًّا. والثاني: أن العامل فيه مقدر، قالوا لأن يوم القيامة حالة ثالثة ليست بالسَّماء ولا الأرض، لأنهما يتبدلان فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض والملك يوم تقوم. ويكون قوله: «يَوْمَئذٍ» معمولاً ليخصرُ، والجملة مستأنفة من حيثُ اللفظ، وإنْ كَانَ لها تعلق بما قبلها من حيثُ المَعْنَى. فصل اعلم أنَّ الحَيَاةَ والعقل والصحة كأنها رأس مال، والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية مَجْرَى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح والكفار قد اتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلاَّ الحرمان والخِذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران. وثانيها: قوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الظاهر أن الرؤية بصرية فيكون «جاثية» حال قال الليث: الجَثْوُ الجُلُوسُ على الركب الجِثِيّ بين يَدَي الحَاكِمِ، وذلك لأنها خائفة والمذنب مُسْتَوْفِزٌ. وقيل: مجتمعة، ومنه الجُثْوَةُ للقبر لاجتماع الأحجار عليه، قال (الشاعر) (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4446 - تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها. قال الزمخشري وقرىء: جاذية بالذال المعجمة قال: والجَذْوُ أشد من الجَثْوِ، لأن الجَاذِي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وهو أشد استيفازاً من الجاثِي. قوله: «كُلُّ أمة» العامة على الرفع بالابتداء، و «تُدْعَى» خبرها. ويعقوب بالنصب على البدل من «كُلَّ أمَّة» الأولى، بدل نكرة موصوفة من مثلها. قوله: إلَى كِتَابِهَا «أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفي باسم الجنس كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ . قال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعةً هي عشرُ سنين، يَخِرُّ الناس فيها جثاةً على ركبهم، حتى إبراهيم ينادي ربه لا أملك إلا نفسي. قوله:» الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، التقدير: يقال لهم اليومَ تُجَزونَ و «الْيَوْمَ» معمول لما بعده و «مَا كنْتُمْ» هو المفعول الثاني. فإن قيل: الجثْو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة { فالجواب: أن الجاثي الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة (إلى) أن يظهر كونه محقاً. فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟ فالجواب: لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم، بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه. قوله: ﴿يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ أي يشهد عليكم بأعمالكم من غير زيادة ولا نقصان. وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. و «ينطق» يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون خبراً ثايناً، وأن يكون «كتابنا» بدلاً و «ينطق» خبر وحده و «بالحق» حال. قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي نأمر الملائكة بنسخه أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم وقيل: نستنسخ أي نأخذ نسخة، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان إلا ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، نحو قولهم: هلُم، واذهب، فالاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم. والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ كتابٌ من كِتَاب. وقال الضحاك: نستنسخ أي نُثْبِتُ. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نَحْفَظُ. ثم بين أحوال المطيعين فقال: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾ فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه. فصل قالت المعتزلة: علّق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والعمل الصالح والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عندم عندم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة يجب أن لا يحصل الفوز بالجنة} وأُجِيبَ: بأن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف. فصل سمى الثواب رحمة، والرحمة إنما يصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم (تكن) واجبةً، فوجب أن لا يكون الثوابُ واجباً على الله تعالى. قوله: ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ﴾ هذا على إضمار القول أيضاً، وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء أي ألَمْ تأتكم رسلي فَلَمْ تكن آياتي؟ فصل ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قِسماً ثالثاً، وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة في إثبات منزلة بين المنزلتين باطل، وفي الآية دليل على أن استحقاق العقوبة، لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع وعلى أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع خلافاً للمعتزلة في قولهم: إنَّ بعض الواجبات قد تجب بالعقل. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ﴾ العامة على كسر الهمزة لأ، ها محكيَّةٌ بالقول، والأعْرَجُ وعمرو بن فائدٍ بفتحها. وذلك مُخَرَّجُ على لغة سُلَيْمٍ يُجْرون القولم مُجْرَى الظَّنِّ مطلقاً ومنه قوله: 4447 - إذَا قُلْتُ أَنِّي آيِبٌ أهْلَ بَلْدَةِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . قوله: «وَالسَّاعة: قرأ حمزة بنصبها عطفاً على» وَعْدَ اللهِ «الباقون برفعها، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: الابتداء، ما بعدها من الجملة المنفية خبرها. الثاني: العطف على محل إنّ واسمها معاً، لأن بعضهم كالفارسيِّ والزمخشري يَرَوْنَ أن ل» إنّ «واسْمِها موضعاً وهو الرفع بالابتداء. قوله:» إلاَّ ظَنًّا: هذه الآية لا بدّ فهيا من تأويل، وذلك أنه يجوز تفريغ العامل ملا بعده من جميع معمولاته مرفوعاً كان أم غير مرفوع، إلا المفعول المطلق، فإنه لا يفرغ له، لا يجوز: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة فيه، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه قو قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْبتُ. قاله مكي وأبو البقاء. وقال الزمخشري: فإن: قلت: ما معنى: إنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا؟ قلت: أصله نظن ظنًّا، ومعناه إثبات الظن حسبُ، وأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن ونفي ما سواه ويزيدُ نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ . فظاهر كلامه أنه لا يتأول الآية بل حملها على ظاهرها. قال أبو حيان: وهذا كلام من لا شُعُور له بالقاعدة النحوية من أن التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل أو مفعولٍ وغيرهما إلا المصدر المؤكد، فإنه لا يكون فيه. وقد اختلف الناس في تأويلها على أوجه: أحدها: ماقاله المبرد وهو أن الأصل: إنْ نَحْنُ إلاَّ نَظُنُّ ظَنًّا قال: ونظيره ما حكاه أبو عمرو: لَيْسَ الطِّبُ إلاَّ المسكُ. تقديره ليس إلا الطيبُ المسكُ. قال شهاب الدين: يعني أن اسم «ليس» ضمير الشأن مستتر فيها و «إلا الطيب المسك» في محل نصب خبرها. وكأنه خفي عليه أن لغة تميم إبطال عمل ليس إذا انْتَقَضَ نفيها «بإلا» قياساً على «ما الحجازية» . والمسألة طويلة مذكورة ف يكتب النحو، وعليها حاكاية جَرَتْ بين أبي عمرو، وعيسى ببن عُمَرَ. الثاني: أنّ «ظَنًّا: له صفة محذوفة تقديره: إلاّ ظَنًّا بَيِّناً، فهو مختص لا مؤكد. الثالث: أن يضمن (نظن) معنى» نعتقد «فينتصب» ظناً «مفولاً به لا مصدراً. الرابع: أن الأصْل إنْ نَظُنُّ إلاَّ أنَّكُم تَظُنُّونَ ظَنًّا، فحذف هذا كله موهو معزوٌّ للمبرد أيضاً. وقد رده عليه من حيث إنه حذف إنّ واسمها وخبرها وأبقى المصدر. وهذا لا يجوز. الخامس: أن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فاستثني الشك كأنه قيل: مالنا اعتقاد إلاّ الشك. ومثل الآية قول الأعشى: 4448 - وَحَلَّ بِهِ الشَّيْبُ أَثْقَالَهُ ... وَمَا اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلاََّ اغْتِرَارَا يريد اغتراراً بيناً. فصل قال ابن الخطيب: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين، منهم من كان قاطعاً ينفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الجاثية: 24] ومنهم من كان شاكًّا متحيراً فيه لأنهم من كثرة ماسمعوه من الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحّته صاروا شاكين فيه، وهم المذكورون فيه هذه الآية، ويدل على ذلك أنه تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤُلاء، فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. ثم قال:» وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ» في الآخرة ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي جزاؤها ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا كالدليل على أن هذه الفِرقة لما قالوا: إنْ نظنّ إلاَّ ظناً إنما ذكروه استهزازً وسخرية، وعلى هذا الوجه فصار ذلك أول خسرانهم، فهذا الفريق أسوأ من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا مُنْكِرين، وما كانوا مُسْتَهْزِئِينَ وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء. قوله: ﴿وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ﴾ أن نترككم في العذاب، كما تركتم الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم. وقيل: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه. قوله: ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ﴾ هذا من التوسع في الظرف، حيث أضاف إليه ما هو واقع فيه، كقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] . قوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ فجمع الله عليهم من وجوه العذاب، ثلاثة أشياء، قطع الرحمة عنهم، وصيّر مأواهم النار، وعدم الأنصار، ثم بين تعالى أن يقال لهم: إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب، لأنكم أتيتم ثلاثة أنواع من الاعمال القبيحة، وهي الإصرار على إنكار الدين الحق والاستهزاء به، والسخرية والاستغراق في حب الدنيا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا﴾ . قوله: ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ تقدم الخلاف في قوله: ﴿لا يخرجون منها﴾ في أول الأعراف، وأن حمزة والكِسَائيّ قرءا بفتح الياء وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء. ﴿ولا هم يستعتبون﴾ لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبله في ذلك اليوم عذرٌ ولا توبة قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ قرأ العامة «رَبّ» في الثلاثة بالجر تبعاً للجلالة، بياناً، أو بلادً، أو نعتاً، وابن مُحَيْصِنٍ برفع الثلاثة على المدح بإضمار «هُوَ» . قوله: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات﴾ يجوز أن يكون «في السموات» متعلقاً بمحذوف حالاً من «الْكِبْرِياء» وأن يتعلق بما تعلق به الظروف الأول، لوقوعه خبراً. ويجوز أن يتعلق بنفس «الكبرياء» لأنها مصدر. وقال أبو البقاء: «وأن يكون يعني في السموات ظرفاً والعامل فيه الظرف الأول، والكبرياء، لأنها بمعنى العظمة» . قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تأويل الكبرياء بمعنى العظمة فإنها ثابتة المصدرية. فصل لما تم الكارم في المباحث الرُّوحَانيَّة ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ أي فاحمدوا الله الذيه وخالق السموات والأرضين، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الرُّبُوبيَّة توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين. ثم قال: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يعني بكمال قدرته، يقدر على خلق أي شيء أراد، (و) بكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة. وقوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يفيد أن الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلاَّ هُوَ. روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يقول الله عزّ وجلّ:» الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحداً مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ» . وروى أبي بن كعب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَنْ قَرَأَ سُورَة حَمَ الحَاثيِية سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ وسَكَّنَ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ» . سورة الأحقاف

الجاثية 45:29

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض ... ﴾ الآية لما احتج بكونه قادراً على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عَمَّمَ الدليل فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي لله القدرة على جميع الكائنات سواء كانت في السموات أو في الأرض وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كُلِّ الممكنات وثبت أن حصول الحياة في هذه الدار ممكن إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى، فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية. ولما بين تعالى إمكانية القول بالحشر والنشر في هذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوالِ القيامة فأولها: قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ في عامله وجهان: أحدهما: أنه «يخسر» و «يومئذ» بدل من «يَوْمَ تَقُومُ» . والتنوين على هذا التنوين عوض عن جملة مقدرة ولم يتقدم من الجمل إلا «تقوم الساعة» فيصير التقدير: ويوم تقوم الساعة يومئذ تقوم الساعة. وهذا الذي قدروه ليس فيه مزيد فائدة، فيكون بدلاً توكيديًّا. والثاني: أن العامل فيه مقدر، قالوا لأن يوم القيامة حالة ثالثة ليست بالسَّماء ولا الأرض، لأنهما يتبدلان فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض والملك يوم تقوم. ويكون قوله: «يَوْمَئذٍ» معمولاً ليخصرُ، والجملة مستأنفة من حيثُ اللفظ، وإنْ كَانَ لها تعلق بما قبلها من حيثُ المَعْنَى. فصل اعلم أنَّ الحَيَاةَ والعقل والصحة كأنها رأس مال، والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية مَجْرَى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح والكفار قد اتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلاَّ الحرمان والخِذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران. وثانيها: قوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الظاهر أن الرؤية بصرية فيكون «جاثية» حال قال الليث: الجَثْوُ الجُلُوسُ على الركب الجِثِيّ بين يَدَي الحَاكِمِ، وذلك لأنها خائفة والمذنب مُسْتَوْفِزٌ. وقيل: مجتمعة، ومنه الجُثْوَةُ للقبر لاجتماع الأحجار عليه، قال (الشاعر) (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4446 - تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها. قال الزمخشري وقرىء: جاذية بالذال المعجمة قال: والجَذْوُ أشد من الجَثْوِ، لأن الجَاذِي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وهو أشد استيفازاً من الجاثِي. قوله: «كُلُّ أمة» العامة على الرفع بالابتداء، و «تُدْعَى» خبرها. ويعقوب بالنصب على البدل من «كُلَّ أمَّة» الأولى، بدل نكرة موصوفة من مثلها. قوله: إلَى كِتَابِهَا «أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفي باسم الجنس كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ . قال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعةً هي عشرُ سنين، يَخِرُّ الناس فيها جثاةً على ركبهم، حتى إبراهيم ينادي ربه لا أملك إلا نفسي. قوله:» الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، التقدير: يقال لهم اليومَ تُجَزونَ و «الْيَوْمَ» معمول لما بعده و «مَا كنْتُمْ» هو المفعول الثاني. فإن قيل: الجثْو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة { فالجواب: أن الجاثي الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة (إلى) أن يظهر كونه محقاً. فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟ فالجواب: لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم، بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه. قوله: ﴿يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ أي يشهد عليكم بأعمالكم من غير زيادة ولا نقصان. وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. و «ينطق» يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون خبراً ثايناً، وأن يكون «كتابنا» بدلاً و «ينطق» خبر وحده و «بالحق» حال. قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي نأمر الملائكة بنسخه أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم وقيل: نستنسخ أي نأخذ نسخة، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان إلا ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، نحو قولهم: هلُم، واذهب، فالاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم. والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ كتابٌ من كِتَاب. وقال الضحاك: نستنسخ أي نُثْبِتُ. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نَحْفَظُ. ثم بين أحوال المطيعين فقال: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾ فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه. فصل قالت المعتزلة: علّق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والعمل الصالح والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عندم عندم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة يجب أن لا يحصل الفوز بالجنة} وأُجِيبَ: بأن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف. فصل سمى الثواب رحمة، والرحمة إنما يصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم (تكن) واجبةً، فوجب أن لا يكون الثوابُ واجباً على الله تعالى. قوله: ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ﴾ هذا على إضمار القول أيضاً، وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء أي ألَمْ تأتكم رسلي فَلَمْ تكن آياتي؟ فصل ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قِسماً ثالثاً، وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة في إثبات منزلة بين المنزلتين باطل، وفي الآية دليل على أن استحقاق العقوبة، لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع وعلى أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع خلافاً للمعتزلة في قولهم: إنَّ بعض الواجبات قد تجب بالعقل. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ﴾ العامة على كسر الهمزة لأ، ها محكيَّةٌ بالقول، والأعْرَجُ وعمرو بن فائدٍ بفتحها. وذلك مُخَرَّجُ على لغة سُلَيْمٍ يُجْرون القولم مُجْرَى الظَّنِّ مطلقاً ومنه قوله: 4447 - إذَا قُلْتُ أَنِّي آيِبٌ أهْلَ بَلْدَةِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . قوله: «وَالسَّاعة: قرأ حمزة بنصبها عطفاً على» وَعْدَ اللهِ «الباقون برفعها، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: الابتداء، ما بعدها من الجملة المنفية خبرها. الثاني: العطف على محل إنّ واسمها معاً، لأن بعضهم كالفارسيِّ والزمخشري يَرَوْنَ أن ل» إنّ «واسْمِها موضعاً وهو الرفع بالابتداء. قوله:» إلاَّ ظَنًّا: هذه الآية لا بدّ فهيا من تأويل، وذلك أنه يجوز تفريغ العامل ملا بعده من جميع معمولاته مرفوعاً كان أم غير مرفوع، إلا المفعول المطلق، فإنه لا يفرغ له، لا يجوز: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة فيه، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه قو قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْبتُ. قاله مكي وأبو البقاء. وقال الزمخشري: فإن: قلت: ما معنى: إنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا؟ قلت: أصله نظن ظنًّا، ومعناه إثبات الظن حسبُ، وأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن ونفي ما سواه ويزيدُ نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ . فظاهر كلامه أنه لا يتأول الآية بل حملها على ظاهرها. قال أبو حيان: وهذا كلام من لا شُعُور له بالقاعدة النحوية من أن التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل أو مفعولٍ وغيرهما إلا المصدر المؤكد، فإنه لا يكون فيه. وقد اختلف الناس في تأويلها على أوجه: أحدها: ماقاله المبرد وهو أن الأصل: إنْ نَحْنُ إلاَّ نَظُنُّ ظَنًّا قال: ونظيره ما حكاه أبو عمرو: لَيْسَ الطِّبُ إلاَّ المسكُ. تقديره ليس إلا الطيبُ المسكُ. قال شهاب الدين: يعني أن اسم «ليس» ضمير الشأن مستتر فيها و «إلا الطيب المسك» في محل نصب خبرها. وكأنه خفي عليه أن لغة تميم إبطال عمل ليس إذا انْتَقَضَ نفيها «بإلا» قياساً على «ما الحجازية» . والمسألة طويلة مذكورة ف يكتب النحو، وعليها حاكاية جَرَتْ بين أبي عمرو، وعيسى ببن عُمَرَ. الثاني: أنّ «ظَنًّا: له صفة محذوفة تقديره: إلاّ ظَنًّا بَيِّناً، فهو مختص لا مؤكد. الثالث: أن يضمن (نظن) معنى» نعتقد «فينتصب» ظناً «مفولاً به لا مصدراً. الرابع: أن الأصْل إنْ نَظُنُّ إلاَّ أنَّكُم تَظُنُّونَ ظَنًّا، فحذف هذا كله موهو معزوٌّ للمبرد أيضاً. وقد رده عليه من حيث إنه حذف إنّ واسمها وخبرها وأبقى المصدر. وهذا لا يجوز. الخامس: أن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فاستثني الشك كأنه قيل: مالنا اعتقاد إلاّ الشك. ومثل الآية قول الأعشى: 4448 - وَحَلَّ بِهِ الشَّيْبُ أَثْقَالَهُ ... وَمَا اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلاََّ اغْتِرَارَا يريد اغتراراً بيناً. فصل قال ابن الخطيب: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين، منهم من كان قاطعاً ينفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الجاثية: 24] ومنهم من كان شاكًّا متحيراً فيه لأنهم من كثرة ماسمعوه من الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحّته صاروا شاكين فيه، وهم المذكورون فيه هذه الآية، ويدل على ذلك أنه تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤُلاء، فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. ثم قال:» وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ» في الآخرة ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي جزاؤها ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا كالدليل على أن هذه الفِرقة لما قالوا: إنْ نظنّ إلاَّ ظناً إنما ذكروه استهزازً وسخرية، وعلى هذا الوجه فصار ذلك أول خسرانهم، فهذا الفريق أسوأ من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا مُنْكِرين، وما كانوا مُسْتَهْزِئِينَ وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء. قوله: ﴿وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ﴾ أن نترككم في العذاب، كما تركتم الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم. وقيل: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه. قوله: ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ﴾ هذا من التوسع في الظرف، حيث أضاف إليه ما هو واقع فيه، كقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] . قوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ فجمع الله عليهم من وجوه العذاب، ثلاثة أشياء، قطع الرحمة عنهم، وصيّر مأواهم النار، وعدم الأنصار، ثم بين تعالى أن يقال لهم: إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب، لأنكم أتيتم ثلاثة أنواع من الاعمال القبيحة، وهي الإصرار على إنكار الدين الحق والاستهزاء به، والسخرية والاستغراق في حب الدنيا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا﴾ . قوله: ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ تقدم الخلاف في قوله: ﴿لا يخرجون منها﴾ في أول الأعراف، وأن حمزة والكِسَائيّ قرءا بفتح الياء وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء. ﴿ولا هم يستعتبون﴾ لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبله في ذلك اليوم عذرٌ ولا توبة قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ قرأ العامة «رَبّ» في الثلاثة بالجر تبعاً للجلالة، بياناً، أو بلادً، أو نعتاً، وابن مُحَيْصِنٍ برفع الثلاثة على المدح بإضمار «هُوَ» . قوله: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات﴾ يجوز أن يكون «في السموات» متعلقاً بمحذوف حالاً من «الْكِبْرِياء» وأن يتعلق بما تعلق به الظروف الأول، لوقوعه خبراً. ويجوز أن يتعلق بنفس «الكبرياء» لأنها مصدر. وقال أبو البقاء: «وأن يكون يعني في السموات ظرفاً والعامل فيه الظرف الأول، والكبرياء، لأنها بمعنى العظمة» . قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تأويل الكبرياء بمعنى العظمة فإنها ثابتة المصدرية. فصل لما تم الكارم في المباحث الرُّوحَانيَّة ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ أي فاحمدوا الله الذيه وخالق السموات والأرضين، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الرُّبُوبيَّة توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين. ثم قال: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يعني بكمال قدرته، يقدر على خلق أي شيء أراد، (و) بكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة. وقوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يفيد أن الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلاَّ هُوَ. روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يقول الله عزّ وجلّ:» الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحداً مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ» . وروى أبي بن كعب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَنْ قَرَأَ سُورَة حَمَ الحَاثيِية سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ وسَكَّنَ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ» . سورة الأحقاف

الجاثية 45:30

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض ... ﴾ الآية لما احتج بكونه قادراً على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عَمَّمَ الدليل فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي لله القدرة على جميع الكائنات سواء كانت في السموات أو في الأرض وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كُلِّ الممكنات وثبت أن حصول الحياة في هذه الدار ممكن إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى، فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية. ولما بين تعالى إمكانية القول بالحشر والنشر في هذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوالِ القيامة فأولها: قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ في عامله وجهان: أحدهما: أنه «يخسر» و «يومئذ» بدل من «يَوْمَ تَقُومُ» . والتنوين على هذا التنوين عوض عن جملة مقدرة ولم يتقدم من الجمل إلا «تقوم الساعة» فيصير التقدير: ويوم تقوم الساعة يومئذ تقوم الساعة. وهذا الذي قدروه ليس فيه مزيد فائدة، فيكون بدلاً توكيديًّا. والثاني: أن العامل فيه مقدر، قالوا لأن يوم القيامة حالة ثالثة ليست بالسَّماء ولا الأرض، لأنهما يتبدلان فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض والملك يوم تقوم. ويكون قوله: «يَوْمَئذٍ» معمولاً ليخصرُ، والجملة مستأنفة من حيثُ اللفظ، وإنْ كَانَ لها تعلق بما قبلها من حيثُ المَعْنَى. فصل اعلم أنَّ الحَيَاةَ والعقل والصحة كأنها رأس مال، والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية مَجْرَى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح والكفار قد اتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلاَّ الحرمان والخِذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران. وثانيها: قوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الظاهر أن الرؤية بصرية فيكون «جاثية» حال قال الليث: الجَثْوُ الجُلُوسُ على الركب الجِثِيّ بين يَدَي الحَاكِمِ، وذلك لأنها خائفة والمذنب مُسْتَوْفِزٌ. وقيل: مجتمعة، ومنه الجُثْوَةُ للقبر لاجتماع الأحجار عليه، قال (الشاعر) (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4446 - تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها. قال الزمخشري وقرىء: جاذية بالذال المعجمة قال: والجَذْوُ أشد من الجَثْوِ، لأن الجَاذِي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وهو أشد استيفازاً من الجاثِي. قوله: «كُلُّ أمة» العامة على الرفع بالابتداء، و «تُدْعَى» خبرها. ويعقوب بالنصب على البدل من «كُلَّ أمَّة» الأولى، بدل نكرة موصوفة من مثلها. قوله: إلَى كِتَابِهَا «أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفي باسم الجنس كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ . قال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعةً هي عشرُ سنين، يَخِرُّ الناس فيها جثاةً على ركبهم، حتى إبراهيم ينادي ربه لا أملك إلا نفسي. قوله:» الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، التقدير: يقال لهم اليومَ تُجَزونَ و «الْيَوْمَ» معمول لما بعده و «مَا كنْتُمْ» هو المفعول الثاني. فإن قيل: الجثْو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة { فالجواب: أن الجاثي الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة (إلى) أن يظهر كونه محقاً. فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟ فالجواب: لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم، بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه. قوله: ﴿يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ أي يشهد عليكم بأعمالكم من غير زيادة ولا نقصان. وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. و «ينطق» يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون خبراً ثايناً، وأن يكون «كتابنا» بدلاً و «ينطق» خبر وحده و «بالحق» حال. قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي نأمر الملائكة بنسخه أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم وقيل: نستنسخ أي نأخذ نسخة، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان إلا ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، نحو قولهم: هلُم، واذهب، فالاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم. والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ كتابٌ من كِتَاب. وقال الضحاك: نستنسخ أي نُثْبِتُ. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نَحْفَظُ. ثم بين أحوال المطيعين فقال: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾ فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه. فصل قالت المعتزلة: علّق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والعمل الصالح والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عندم عندم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة يجب أن لا يحصل الفوز بالجنة} وأُجِيبَ: بأن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف. فصل سمى الثواب رحمة، والرحمة إنما يصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم (تكن) واجبةً، فوجب أن لا يكون الثوابُ واجباً على الله تعالى. قوله: ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ﴾ هذا على إضمار القول أيضاً، وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء أي ألَمْ تأتكم رسلي فَلَمْ تكن آياتي؟ فصل ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قِسماً ثالثاً، وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة في إثبات منزلة بين المنزلتين باطل، وفي الآية دليل على أن استحقاق العقوبة، لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع وعلى أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع خلافاً للمعتزلة في قولهم: إنَّ بعض الواجبات قد تجب بالعقل. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ﴾ العامة على كسر الهمزة لأ، ها محكيَّةٌ بالقول، والأعْرَجُ وعمرو بن فائدٍ بفتحها. وذلك مُخَرَّجُ على لغة سُلَيْمٍ يُجْرون القولم مُجْرَى الظَّنِّ مطلقاً ومنه قوله: 4447 - إذَا قُلْتُ أَنِّي آيِبٌ أهْلَ بَلْدَةِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . قوله: «وَالسَّاعة: قرأ حمزة بنصبها عطفاً على» وَعْدَ اللهِ «الباقون برفعها، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: الابتداء، ما بعدها من الجملة المنفية خبرها. الثاني: العطف على محل إنّ واسمها معاً، لأن بعضهم كالفارسيِّ والزمخشري يَرَوْنَ أن ل» إنّ «واسْمِها موضعاً وهو الرفع بالابتداء. قوله:» إلاَّ ظَنًّا: هذه الآية لا بدّ فهيا من تأويل، وذلك أنه يجوز تفريغ العامل ملا بعده من جميع معمولاته مرفوعاً كان أم غير مرفوع، إلا المفعول المطلق، فإنه لا يفرغ له، لا يجوز: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة فيه، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه قو قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْبتُ. قاله مكي وأبو البقاء. وقال الزمخشري: فإن: قلت: ما معنى: إنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا؟ قلت: أصله نظن ظنًّا، ومعناه إثبات الظن حسبُ، وأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن ونفي ما سواه ويزيدُ نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ . فظاهر كلامه أنه لا يتأول الآية بل حملها على ظاهرها. قال أبو حيان: وهذا كلام من لا شُعُور له بالقاعدة النحوية من أن التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل أو مفعولٍ وغيرهما إلا المصدر المؤكد، فإنه لا يكون فيه. وقد اختلف الناس في تأويلها على أوجه: أحدها: ماقاله المبرد وهو أن الأصل: إنْ نَحْنُ إلاَّ نَظُنُّ ظَنًّا قال: ونظيره ما حكاه أبو عمرو: لَيْسَ الطِّبُ إلاَّ المسكُ. تقديره ليس إلا الطيبُ المسكُ. قال شهاب الدين: يعني أن اسم «ليس» ضمير الشأن مستتر فيها و «إلا الطيب المسك» في محل نصب خبرها. وكأنه خفي عليه أن لغة تميم إبطال عمل ليس إذا انْتَقَضَ نفيها «بإلا» قياساً على «ما الحجازية» . والمسألة طويلة مذكورة ف يكتب النحو، وعليها حاكاية جَرَتْ بين أبي عمرو، وعيسى ببن عُمَرَ. الثاني: أنّ «ظَنًّا: له صفة محذوفة تقديره: إلاّ ظَنًّا بَيِّناً، فهو مختص لا مؤكد. الثالث: أن يضمن (نظن) معنى» نعتقد «فينتصب» ظناً «مفولاً به لا مصدراً. الرابع: أن الأصْل إنْ نَظُنُّ إلاَّ أنَّكُم تَظُنُّونَ ظَنًّا، فحذف هذا كله موهو معزوٌّ للمبرد أيضاً. وقد رده عليه من حيث إنه حذف إنّ واسمها وخبرها وأبقى المصدر. وهذا لا يجوز. الخامس: أن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فاستثني الشك كأنه قيل: مالنا اعتقاد إلاّ الشك. ومثل الآية قول الأعشى: 4448 - وَحَلَّ بِهِ الشَّيْبُ أَثْقَالَهُ ... وَمَا اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلاََّ اغْتِرَارَا يريد اغتراراً بيناً. فصل قال ابن الخطيب: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين، منهم من كان قاطعاً ينفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الجاثية: 24] ومنهم من كان شاكًّا متحيراً فيه لأنهم من كثرة ماسمعوه من الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحّته صاروا شاكين فيه، وهم المذكورون فيه هذه الآية، ويدل على ذلك أنه تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤُلاء، فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. ثم قال:» وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ» في الآخرة ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي جزاؤها ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا كالدليل على أن هذه الفِرقة لما قالوا: إنْ نظنّ إلاَّ ظناً إنما ذكروه استهزازً وسخرية، وعلى هذا الوجه فصار ذلك أول خسرانهم، فهذا الفريق أسوأ من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا مُنْكِرين، وما كانوا مُسْتَهْزِئِينَ وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء. قوله: ﴿وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ﴾ أن نترككم في العذاب، كما تركتم الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم. وقيل: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه. قوله: ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ﴾ هذا من التوسع في الظرف، حيث أضاف إليه ما هو واقع فيه، كقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] . قوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ فجمع الله عليهم من وجوه العذاب، ثلاثة أشياء، قطع الرحمة عنهم، وصيّر مأواهم النار، وعدم الأنصار، ثم بين تعالى أن يقال لهم: إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب، لأنكم أتيتم ثلاثة أنواع من الاعمال القبيحة، وهي الإصرار على إنكار الدين الحق والاستهزاء به، والسخرية والاستغراق في حب الدنيا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا﴾ . قوله: ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ تقدم الخلاف في قوله: ﴿لا يخرجون منها﴾ في أول الأعراف، وأن حمزة والكِسَائيّ قرءا بفتح الياء وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء. ﴿ولا هم يستعتبون﴾ لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبله في ذلك اليوم عذرٌ ولا توبة قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ قرأ العامة «رَبّ» في الثلاثة بالجر تبعاً للجلالة، بياناً، أو بلادً، أو نعتاً، وابن مُحَيْصِنٍ برفع الثلاثة على المدح بإضمار «هُوَ» . قوله: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات﴾ يجوز أن يكون «في السموات» متعلقاً بمحذوف حالاً من «الْكِبْرِياء» وأن يتعلق بما تعلق به الظروف الأول، لوقوعه خبراً. ويجوز أن يتعلق بنفس «الكبرياء» لأنها مصدر. وقال أبو البقاء: «وأن يكون يعني في السموات ظرفاً والعامل فيه الظرف الأول، والكبرياء، لأنها بمعنى العظمة» . قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تأويل الكبرياء بمعنى العظمة فإنها ثابتة المصدرية. فصل لما تم الكارم في المباحث الرُّوحَانيَّة ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ أي فاحمدوا الله الذيه وخالق السموات والأرضين، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الرُّبُوبيَّة توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين. ثم قال: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يعني بكمال قدرته، يقدر على خلق أي شيء أراد، (و) بكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة. وقوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يفيد أن الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلاَّ هُوَ. روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يقول الله عزّ وجلّ:» الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحداً مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ» . وروى أبي بن كعب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَنْ قَرَأَ سُورَة حَمَ الحَاثيِية سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ وسَكَّنَ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ» . سورة الأحقاف

الجاثية 45:31

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض ... ﴾ الآية لما احتج بكونه قادراً على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عَمَّمَ الدليل فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي لله القدرة على جميع الكائنات سواء كانت في السموات أو في الأرض وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كُلِّ الممكنات وثبت أن حصول الحياة في هذه الدار ممكن إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى، فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية. ولما بين تعالى إمكانية القول بالحشر والنشر في هذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوالِ القيامة فأولها: قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ في عامله وجهان: أحدهما: أنه «يخسر» و «يومئذ» بدل من «يَوْمَ تَقُومُ» . والتنوين على هذا التنوين عوض عن جملة مقدرة ولم يتقدم من الجمل إلا «تقوم الساعة» فيصير التقدير: ويوم تقوم الساعة يومئذ تقوم الساعة. وهذا الذي قدروه ليس فيه مزيد فائدة، فيكون بدلاً توكيديًّا. والثاني: أن العامل فيه مقدر، قالوا لأن يوم القيامة حالة ثالثة ليست بالسَّماء ولا الأرض، لأنهما يتبدلان فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض والملك يوم تقوم. ويكون قوله: «يَوْمَئذٍ» معمولاً ليخصرُ، والجملة مستأنفة من حيثُ اللفظ، وإنْ كَانَ لها تعلق بما قبلها من حيثُ المَعْنَى. فصل اعلم أنَّ الحَيَاةَ والعقل والصحة كأنها رأس مال، والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية مَجْرَى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح والكفار قد اتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلاَّ الحرمان والخِذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران. وثانيها: قوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الظاهر أن الرؤية بصرية فيكون «جاثية» حال قال الليث: الجَثْوُ الجُلُوسُ على الركب الجِثِيّ بين يَدَي الحَاكِمِ، وذلك لأنها خائفة والمذنب مُسْتَوْفِزٌ. وقيل: مجتمعة، ومنه الجُثْوَةُ للقبر لاجتماع الأحجار عليه، قال (الشاعر) (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4446 - تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها. قال الزمخشري وقرىء: جاذية بالذال المعجمة قال: والجَذْوُ أشد من الجَثْوِ، لأن الجَاذِي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وهو أشد استيفازاً من الجاثِي. قوله: «كُلُّ أمة» العامة على الرفع بالابتداء، و «تُدْعَى» خبرها. ويعقوب بالنصب على البدل من «كُلَّ أمَّة» الأولى، بدل نكرة موصوفة من مثلها. قوله: إلَى كِتَابِهَا «أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفي باسم الجنس كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ . قال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعةً هي عشرُ سنين، يَخِرُّ الناس فيها جثاةً على ركبهم، حتى إبراهيم ينادي ربه لا أملك إلا نفسي. قوله:» الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، التقدير: يقال لهم اليومَ تُجَزونَ و «الْيَوْمَ» معمول لما بعده و «مَا كنْتُمْ» هو المفعول الثاني. فإن قيل: الجثْو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة { فالجواب: أن الجاثي الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة (إلى) أن يظهر كونه محقاً. فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟ فالجواب: لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم، بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه. قوله: ﴿يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ أي يشهد عليكم بأعمالكم من غير زيادة ولا نقصان. وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. و «ينطق» يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون خبراً ثايناً، وأن يكون «كتابنا» بدلاً و «ينطق» خبر وحده و «بالحق» حال. قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي نأمر الملائكة بنسخه أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم وقيل: نستنسخ أي نأخذ نسخة، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان إلا ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، نحو قولهم: هلُم، واذهب، فالاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم. والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ كتابٌ من كِتَاب. وقال الضحاك: نستنسخ أي نُثْبِتُ. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نَحْفَظُ. ثم بين أحوال المطيعين فقال: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾ فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه. فصل قالت المعتزلة: علّق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والعمل الصالح والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عندم عندم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة يجب أن لا يحصل الفوز بالجنة} وأُجِيبَ: بأن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف. فصل سمى الثواب رحمة، والرحمة إنما يصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم (تكن) واجبةً، فوجب أن لا يكون الثوابُ واجباً على الله تعالى. قوله: ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ﴾ هذا على إضمار القول أيضاً، وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء أي ألَمْ تأتكم رسلي فَلَمْ تكن آياتي؟ فصل ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قِسماً ثالثاً، وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة في إثبات منزلة بين المنزلتين باطل، وفي الآية دليل على أن استحقاق العقوبة، لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع وعلى أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع خلافاً للمعتزلة في قولهم: إنَّ بعض الواجبات قد تجب بالعقل. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ﴾ العامة على كسر الهمزة لأ، ها محكيَّةٌ بالقول، والأعْرَجُ وعمرو بن فائدٍ بفتحها. وذلك مُخَرَّجُ على لغة سُلَيْمٍ يُجْرون القولم مُجْرَى الظَّنِّ مطلقاً ومنه قوله: 4447 - إذَا قُلْتُ أَنِّي آيِبٌ أهْلَ بَلْدَةِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . قوله: «وَالسَّاعة: قرأ حمزة بنصبها عطفاً على» وَعْدَ اللهِ «الباقون برفعها، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: الابتداء، ما بعدها من الجملة المنفية خبرها. الثاني: العطف على محل إنّ واسمها معاً، لأن بعضهم كالفارسيِّ والزمخشري يَرَوْنَ أن ل» إنّ «واسْمِها موضعاً وهو الرفع بالابتداء. قوله:» إلاَّ ظَنًّا: هذه الآية لا بدّ فهيا من تأويل، وذلك أنه يجوز تفريغ العامل ملا بعده من جميع معمولاته مرفوعاً كان أم غير مرفوع، إلا المفعول المطلق، فإنه لا يفرغ له، لا يجوز: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة فيه، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه قو قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْبتُ. قاله مكي وأبو البقاء. وقال الزمخشري: فإن: قلت: ما معنى: إنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا؟ قلت: أصله نظن ظنًّا، ومعناه إثبات الظن حسبُ، وأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن ونفي ما سواه ويزيدُ نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ . فظاهر كلامه أنه لا يتأول الآية بل حملها على ظاهرها. قال أبو حيان: وهذا كلام من لا شُعُور له بالقاعدة النحوية من أن التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل أو مفعولٍ وغيرهما إلا المصدر المؤكد، فإنه لا يكون فيه. وقد اختلف الناس في تأويلها على أوجه: أحدها: ماقاله المبرد وهو أن الأصل: إنْ نَحْنُ إلاَّ نَظُنُّ ظَنًّا قال: ونظيره ما حكاه أبو عمرو: لَيْسَ الطِّبُ إلاَّ المسكُ. تقديره ليس إلا الطيبُ المسكُ. قال شهاب الدين: يعني أن اسم «ليس» ضمير الشأن مستتر فيها و «إلا الطيب المسك» في محل نصب خبرها. وكأنه خفي عليه أن لغة تميم إبطال عمل ليس إذا انْتَقَضَ نفيها «بإلا» قياساً على «ما الحجازية» . والمسألة طويلة مذكورة ف يكتب النحو، وعليها حاكاية جَرَتْ بين أبي عمرو، وعيسى ببن عُمَرَ. الثاني: أنّ «ظَنًّا: له صفة محذوفة تقديره: إلاّ ظَنًّا بَيِّناً، فهو مختص لا مؤكد. الثالث: أن يضمن (نظن) معنى» نعتقد «فينتصب» ظناً «مفولاً به لا مصدراً. الرابع: أن الأصْل إنْ نَظُنُّ إلاَّ أنَّكُم تَظُنُّونَ ظَنًّا، فحذف هذا كله موهو معزوٌّ للمبرد أيضاً. وقد رده عليه من حيث إنه حذف إنّ واسمها وخبرها وأبقى المصدر. وهذا لا يجوز. الخامس: أن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فاستثني الشك كأنه قيل: مالنا اعتقاد إلاّ الشك. ومثل الآية قول الأعشى: 4448 - وَحَلَّ بِهِ الشَّيْبُ أَثْقَالَهُ ... وَمَا اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلاََّ اغْتِرَارَا يريد اغتراراً بيناً. فصل قال ابن الخطيب: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين، منهم من كان قاطعاً ينفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الجاثية: 24] ومنهم من كان شاكًّا متحيراً فيه لأنهم من كثرة ماسمعوه من الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحّته صاروا شاكين فيه، وهم المذكورون فيه هذه الآية، ويدل على ذلك أنه تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤُلاء، فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. ثم قال:» وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ» في الآخرة ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي جزاؤها ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا كالدليل على أن هذه الفِرقة لما قالوا: إنْ نظنّ إلاَّ ظناً إنما ذكروه استهزازً وسخرية، وعلى هذا الوجه فصار ذلك أول خسرانهم، فهذا الفريق أسوأ من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا مُنْكِرين، وما كانوا مُسْتَهْزِئِينَ وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء. قوله: ﴿وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ﴾ أن نترككم في العذاب، كما تركتم الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم. وقيل: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه. قوله: ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ﴾ هذا من التوسع في الظرف، حيث أضاف إليه ما هو واقع فيه، كقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] . قوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ فجمع الله عليهم من وجوه العذاب، ثلاثة أشياء، قطع الرحمة عنهم، وصيّر مأواهم النار، وعدم الأنصار، ثم بين تعالى أن يقال لهم: إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب، لأنكم أتيتم ثلاثة أنواع من الاعمال القبيحة، وهي الإصرار على إنكار الدين الحق والاستهزاء به، والسخرية والاستغراق في حب الدنيا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا﴾ . قوله: ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ تقدم الخلاف في قوله: ﴿لا يخرجون منها﴾ في أول الأعراف، وأن حمزة والكِسَائيّ قرءا بفتح الياء وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء. ﴿ولا هم يستعتبون﴾ لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبله في ذلك اليوم عذرٌ ولا توبة قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ قرأ العامة «رَبّ» في الثلاثة بالجر تبعاً للجلالة، بياناً، أو بلادً، أو نعتاً، وابن مُحَيْصِنٍ برفع الثلاثة على المدح بإضمار «هُوَ» . قوله: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات﴾ يجوز أن يكون «في السموات» متعلقاً بمحذوف حالاً من «الْكِبْرِياء» وأن يتعلق بما تعلق به الظروف الأول، لوقوعه خبراً. ويجوز أن يتعلق بنفس «الكبرياء» لأنها مصدر. وقال أبو البقاء: «وأن يكون يعني في السموات ظرفاً والعامل فيه الظرف الأول، والكبرياء، لأنها بمعنى العظمة» . قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تأويل الكبرياء بمعنى العظمة فإنها ثابتة المصدرية. فصل لما تم الكارم في المباحث الرُّوحَانيَّة ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ أي فاحمدوا الله الذيه وخالق السموات والأرضين، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الرُّبُوبيَّة توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين. ثم قال: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يعني بكمال قدرته، يقدر على خلق أي شيء أراد، (و) بكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة. وقوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يفيد أن الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلاَّ هُوَ. روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يقول الله عزّ وجلّ:» الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحداً مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ» . وروى أبي بن كعب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَنْ قَرَأَ سُورَة حَمَ الحَاثيِية سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ وسَكَّنَ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ» . سورة الأحقاف

الجاثية 45:32

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض ... ﴾ الآية لما احتج بكونه قادراً على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عَمَّمَ الدليل فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي لله القدرة على جميع الكائنات سواء كانت في السموات أو في الأرض وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كُلِّ الممكنات وثبت أن حصول الحياة في هذه الدار ممكن إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى، فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية. ولما بين تعالى إمكانية القول بالحشر والنشر في هذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوالِ القيامة فأولها: قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ في عامله وجهان: أحدهما: أنه «يخسر» و «يومئذ» بدل من «يَوْمَ تَقُومُ» . والتنوين على هذا التنوين عوض عن جملة مقدرة ولم يتقدم من الجمل إلا «تقوم الساعة» فيصير التقدير: ويوم تقوم الساعة يومئذ تقوم الساعة. وهذا الذي قدروه ليس فيه مزيد فائدة، فيكون بدلاً توكيديًّا. والثاني: أن العامل فيه مقدر، قالوا لأن يوم القيامة حالة ثالثة ليست بالسَّماء ولا الأرض، لأنهما يتبدلان فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض والملك يوم تقوم. ويكون قوله: «يَوْمَئذٍ» معمولاً ليخصرُ، والجملة مستأنفة من حيثُ اللفظ، وإنْ كَانَ لها تعلق بما قبلها من حيثُ المَعْنَى. فصل اعلم أنَّ الحَيَاةَ والعقل والصحة كأنها رأس مال، والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية مَجْرَى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح والكفار قد اتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلاَّ الحرمان والخِذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران. وثانيها: قوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الظاهر أن الرؤية بصرية فيكون «جاثية» حال قال الليث: الجَثْوُ الجُلُوسُ على الركب الجِثِيّ بين يَدَي الحَاكِمِ، وذلك لأنها خائفة والمذنب مُسْتَوْفِزٌ. وقيل: مجتمعة، ومنه الجُثْوَةُ للقبر لاجتماع الأحجار عليه، قال (الشاعر) (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4446 - تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها. قال الزمخشري وقرىء: جاذية بالذال المعجمة قال: والجَذْوُ أشد من الجَثْوِ، لأن الجَاذِي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وهو أشد استيفازاً من الجاثِي. قوله: «كُلُّ أمة» العامة على الرفع بالابتداء، و «تُدْعَى» خبرها. ويعقوب بالنصب على البدل من «كُلَّ أمَّة» الأولى، بدل نكرة موصوفة من مثلها. قوله: إلَى كِتَابِهَا «أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفي باسم الجنس كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ . قال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعةً هي عشرُ سنين، يَخِرُّ الناس فيها جثاةً على ركبهم، حتى إبراهيم ينادي ربه لا أملك إلا نفسي. قوله:» الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، التقدير: يقال لهم اليومَ تُجَزونَ و «الْيَوْمَ» معمول لما بعده و «مَا كنْتُمْ» هو المفعول الثاني. فإن قيل: الجثْو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة { فالجواب: أن الجاثي الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة (إلى) أن يظهر كونه محقاً. فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟ فالجواب: لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم، بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه. قوله: ﴿يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ أي يشهد عليكم بأعمالكم من غير زيادة ولا نقصان. وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. و «ينطق» يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون خبراً ثايناً، وأن يكون «كتابنا» بدلاً و «ينطق» خبر وحده و «بالحق» حال. قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي نأمر الملائكة بنسخه أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم وقيل: نستنسخ أي نأخذ نسخة، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان إلا ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، نحو قولهم: هلُم، واذهب، فالاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم. والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ كتابٌ من كِتَاب. وقال الضحاك: نستنسخ أي نُثْبِتُ. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نَحْفَظُ. ثم بين أحوال المطيعين فقال: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾ فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه. فصل قالت المعتزلة: علّق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والعمل الصالح والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عندم عندم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة يجب أن لا يحصل الفوز بالجنة} وأُجِيبَ: بأن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف. فصل سمى الثواب رحمة، والرحمة إنما يصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم (تكن) واجبةً، فوجب أن لا يكون الثوابُ واجباً على الله تعالى. قوله: ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ﴾ هذا على إضمار القول أيضاً، وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء أي ألَمْ تأتكم رسلي فَلَمْ تكن آياتي؟ فصل ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قِسماً ثالثاً، وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة في إثبات منزلة بين المنزلتين باطل، وفي الآية دليل على أن استحقاق العقوبة، لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع وعلى أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع خلافاً للمعتزلة في قولهم: إنَّ بعض الواجبات قد تجب بالعقل. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ﴾ العامة على كسر الهمزة لأ، ها محكيَّةٌ بالقول، والأعْرَجُ وعمرو بن فائدٍ بفتحها. وذلك مُخَرَّجُ على لغة سُلَيْمٍ يُجْرون القولم مُجْرَى الظَّنِّ مطلقاً ومنه قوله: 4447 - إذَا قُلْتُ أَنِّي آيِبٌ أهْلَ بَلْدَةِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . قوله: «وَالسَّاعة: قرأ حمزة بنصبها عطفاً على» وَعْدَ اللهِ «الباقون برفعها، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: الابتداء، ما بعدها من الجملة المنفية خبرها. الثاني: العطف على محل إنّ واسمها معاً، لأن بعضهم كالفارسيِّ والزمخشري يَرَوْنَ أن ل» إنّ «واسْمِها موضعاً وهو الرفع بالابتداء. قوله:» إلاَّ ظَنًّا: هذه الآية لا بدّ فهيا من تأويل، وذلك أنه يجوز تفريغ العامل ملا بعده من جميع معمولاته مرفوعاً كان أم غير مرفوع، إلا المفعول المطلق، فإنه لا يفرغ له، لا يجوز: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة فيه، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه قو قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْبتُ. قاله مكي وأبو البقاء. وقال الزمخشري: فإن: قلت: ما معنى: إنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا؟ قلت: أصله نظن ظنًّا، ومعناه إثبات الظن حسبُ، وأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن ونفي ما سواه ويزيدُ نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ . فظاهر كلامه أنه لا يتأول الآية بل حملها على ظاهرها. قال أبو حيان: وهذا كلام من لا شُعُور له بالقاعدة النحوية من أن التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل أو مفعولٍ وغيرهما إلا المصدر المؤكد، فإنه لا يكون فيه. وقد اختلف الناس في تأويلها على أوجه: أحدها: ماقاله المبرد وهو أن الأصل: إنْ نَحْنُ إلاَّ نَظُنُّ ظَنًّا قال: ونظيره ما حكاه أبو عمرو: لَيْسَ الطِّبُ إلاَّ المسكُ. تقديره ليس إلا الطيبُ المسكُ. قال شهاب الدين: يعني أن اسم «ليس» ضمير الشأن مستتر فيها و «إلا الطيب المسك» في محل نصب خبرها. وكأنه خفي عليه أن لغة تميم إبطال عمل ليس إذا انْتَقَضَ نفيها «بإلا» قياساً على «ما الحجازية» . والمسألة طويلة مذكورة ف يكتب النحو، وعليها حاكاية جَرَتْ بين أبي عمرو، وعيسى ببن عُمَرَ. الثاني: أنّ «ظَنًّا: له صفة محذوفة تقديره: إلاّ ظَنًّا بَيِّناً، فهو مختص لا مؤكد. الثالث: أن يضمن (نظن) معنى» نعتقد «فينتصب» ظناً «مفولاً به لا مصدراً. الرابع: أن الأصْل إنْ نَظُنُّ إلاَّ أنَّكُم تَظُنُّونَ ظَنًّا، فحذف هذا كله موهو معزوٌّ للمبرد أيضاً. وقد رده عليه من حيث إنه حذف إنّ واسمها وخبرها وأبقى المصدر. وهذا لا يجوز. الخامس: أن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فاستثني الشك كأنه قيل: مالنا اعتقاد إلاّ الشك. ومثل الآية قول الأعشى: 4448 - وَحَلَّ بِهِ الشَّيْبُ أَثْقَالَهُ ... وَمَا اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلاََّ اغْتِرَارَا يريد اغتراراً بيناً. فصل قال ابن الخطيب: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين، منهم من كان قاطعاً ينفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الجاثية: 24] ومنهم من كان شاكًّا متحيراً فيه لأنهم من كثرة ماسمعوه من الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحّته صاروا شاكين فيه، وهم المذكورون فيه هذه الآية، ويدل على ذلك أنه تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤُلاء، فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. ثم قال:» وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ» في الآخرة ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي جزاؤها ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا كالدليل على أن هذه الفِرقة لما قالوا: إنْ نظنّ إلاَّ ظناً إنما ذكروه استهزازً وسخرية، وعلى هذا الوجه فصار ذلك أول خسرانهم، فهذا الفريق أسوأ من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا مُنْكِرين، وما كانوا مُسْتَهْزِئِينَ وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء. قوله: ﴿وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ﴾ أن نترككم في العذاب، كما تركتم الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم. وقيل: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه. قوله: ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ﴾ هذا من التوسع في الظرف، حيث أضاف إليه ما هو واقع فيه، كقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] . قوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ فجمع الله عليهم من وجوه العذاب، ثلاثة أشياء، قطع الرحمة عنهم، وصيّر مأواهم النار، وعدم الأنصار، ثم بين تعالى أن يقال لهم: إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب، لأنكم أتيتم ثلاثة أنواع من الاعمال القبيحة، وهي الإصرار على إنكار الدين الحق والاستهزاء به، والسخرية والاستغراق في حب الدنيا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا﴾ . قوله: ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ تقدم الخلاف في قوله: ﴿لا يخرجون منها﴾ في أول الأعراف، وأن حمزة والكِسَائيّ قرءا بفتح الياء وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء. ﴿ولا هم يستعتبون﴾ لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبله في ذلك اليوم عذرٌ ولا توبة قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ قرأ العامة «رَبّ» في الثلاثة بالجر تبعاً للجلالة، بياناً، أو بلادً، أو نعتاً، وابن مُحَيْصِنٍ برفع الثلاثة على المدح بإضمار «هُوَ» . قوله: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات﴾ يجوز أن يكون «في السموات» متعلقاً بمحذوف حالاً من «الْكِبْرِياء» وأن يتعلق بما تعلق به الظروف الأول، لوقوعه خبراً. ويجوز أن يتعلق بنفس «الكبرياء» لأنها مصدر. وقال أبو البقاء: «وأن يكون يعني في السموات ظرفاً والعامل فيه الظرف الأول، والكبرياء، لأنها بمعنى العظمة» . قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تأويل الكبرياء بمعنى العظمة فإنها ثابتة المصدرية. فصل لما تم الكارم في المباحث الرُّوحَانيَّة ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ أي فاحمدوا الله الذيه وخالق السموات والأرضين، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الرُّبُوبيَّة توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين. ثم قال: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يعني بكمال قدرته، يقدر على خلق أي شيء أراد، (و) بكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة. وقوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يفيد أن الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلاَّ هُوَ. روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يقول الله عزّ وجلّ:» الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحداً مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ» . وروى أبي بن كعب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَنْ قَرَأَ سُورَة حَمَ الحَاثيِية سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ وسَكَّنَ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ» . سورة الأحقاف

الجاثية 45:33

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض ... ﴾ الآية لما احتج بكونه قادراً على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عَمَّمَ الدليل فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي لله القدرة على جميع الكائنات سواء كانت في السموات أو في الأرض وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كُلِّ الممكنات وثبت أن حصول الحياة في هذه الدار ممكن إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى، فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية. ولما بين تعالى إمكانية القول بالحشر والنشر في هذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوالِ القيامة فأولها: قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ في عامله وجهان: أحدهما: أنه «يخسر» و «يومئذ» بدل من «يَوْمَ تَقُومُ» . والتنوين على هذا التنوين عوض عن جملة مقدرة ولم يتقدم من الجمل إلا «تقوم الساعة» فيصير التقدير: ويوم تقوم الساعة يومئذ تقوم الساعة. وهذا الذي قدروه ليس فيه مزيد فائدة، فيكون بدلاً توكيديًّا. والثاني: أن العامل فيه مقدر، قالوا لأن يوم القيامة حالة ثالثة ليست بالسَّماء ولا الأرض، لأنهما يتبدلان فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض والملك يوم تقوم. ويكون قوله: «يَوْمَئذٍ» معمولاً ليخصرُ، والجملة مستأنفة من حيثُ اللفظ، وإنْ كَانَ لها تعلق بما قبلها من حيثُ المَعْنَى. فصل اعلم أنَّ الحَيَاةَ والعقل والصحة كأنها رأس مال، والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية مَجْرَى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح والكفار قد اتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلاَّ الحرمان والخِذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران. وثانيها: قوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الظاهر أن الرؤية بصرية فيكون «جاثية» حال قال الليث: الجَثْوُ الجُلُوسُ على الركب الجِثِيّ بين يَدَي الحَاكِمِ، وذلك لأنها خائفة والمذنب مُسْتَوْفِزٌ. وقيل: مجتمعة، ومنه الجُثْوَةُ للقبر لاجتماع الأحجار عليه، قال (الشاعر) (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4446 - تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها. قال الزمخشري وقرىء: جاذية بالذال المعجمة قال: والجَذْوُ أشد من الجَثْوِ، لأن الجَاذِي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وهو أشد استيفازاً من الجاثِي. قوله: «كُلُّ أمة» العامة على الرفع بالابتداء، و «تُدْعَى» خبرها. ويعقوب بالنصب على البدل من «كُلَّ أمَّة» الأولى، بدل نكرة موصوفة من مثلها. قوله: إلَى كِتَابِهَا «أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفي باسم الجنس كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ . قال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعةً هي عشرُ سنين، يَخِرُّ الناس فيها جثاةً على ركبهم، حتى إبراهيم ينادي ربه لا أملك إلا نفسي. قوله:» الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، التقدير: يقال لهم اليومَ تُجَزونَ و «الْيَوْمَ» معمول لما بعده و «مَا كنْتُمْ» هو المفعول الثاني. فإن قيل: الجثْو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة { فالجواب: أن الجاثي الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة (إلى) أن يظهر كونه محقاً. فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟ فالجواب: لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم، بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه. قوله: ﴿يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ أي يشهد عليكم بأعمالكم من غير زيادة ولا نقصان. وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. و «ينطق» يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون خبراً ثايناً، وأن يكون «كتابنا» بدلاً و «ينطق» خبر وحده و «بالحق» حال. قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي نأمر الملائكة بنسخه أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم وقيل: نستنسخ أي نأخذ نسخة، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان إلا ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، نحو قولهم: هلُم، واذهب، فالاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم. والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ كتابٌ من كِتَاب. وقال الضحاك: نستنسخ أي نُثْبِتُ. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نَحْفَظُ. ثم بين أحوال المطيعين فقال: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾ فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه. فصل قالت المعتزلة: علّق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والعمل الصالح والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عندم عندم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة يجب أن لا يحصل الفوز بالجنة} وأُجِيبَ: بأن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف. فصل سمى الثواب رحمة، والرحمة إنما يصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم (تكن) واجبةً، فوجب أن لا يكون الثوابُ واجباً على الله تعالى. قوله: ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ﴾ هذا على إضمار القول أيضاً، وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء أي ألَمْ تأتكم رسلي فَلَمْ تكن آياتي؟ فصل ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قِسماً ثالثاً، وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة في إثبات منزلة بين المنزلتين باطل، وفي الآية دليل على أن استحقاق العقوبة، لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع وعلى أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع خلافاً للمعتزلة في قولهم: إنَّ بعض الواجبات قد تجب بالعقل. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ﴾ العامة على كسر الهمزة لأ، ها محكيَّةٌ بالقول، والأعْرَجُ وعمرو بن فائدٍ بفتحها. وذلك مُخَرَّجُ على لغة سُلَيْمٍ يُجْرون القولم مُجْرَى الظَّنِّ مطلقاً ومنه قوله: 4447 - إذَا قُلْتُ أَنِّي آيِبٌ أهْلَ بَلْدَةِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . قوله: «وَالسَّاعة: قرأ حمزة بنصبها عطفاً على» وَعْدَ اللهِ «الباقون برفعها، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: الابتداء، ما بعدها من الجملة المنفية خبرها. الثاني: العطف على محل إنّ واسمها معاً، لأن بعضهم كالفارسيِّ والزمخشري يَرَوْنَ أن ل» إنّ «واسْمِها موضعاً وهو الرفع بالابتداء. قوله:» إلاَّ ظَنًّا: هذه الآية لا بدّ فهيا من تأويل، وذلك أنه يجوز تفريغ العامل ملا بعده من جميع معمولاته مرفوعاً كان أم غير مرفوع، إلا المفعول المطلق، فإنه لا يفرغ له، لا يجوز: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة فيه، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه قو قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْبتُ. قاله مكي وأبو البقاء. وقال الزمخشري: فإن: قلت: ما معنى: إنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا؟ قلت: أصله نظن ظنًّا، ومعناه إثبات الظن حسبُ، وأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن ونفي ما سواه ويزيدُ نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ . فظاهر كلامه أنه لا يتأول الآية بل حملها على ظاهرها. قال أبو حيان: وهذا كلام من لا شُعُور له بالقاعدة النحوية من أن التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل أو مفعولٍ وغيرهما إلا المصدر المؤكد، فإنه لا يكون فيه. وقد اختلف الناس في تأويلها على أوجه: أحدها: ماقاله المبرد وهو أن الأصل: إنْ نَحْنُ إلاَّ نَظُنُّ ظَنًّا قال: ونظيره ما حكاه أبو عمرو: لَيْسَ الطِّبُ إلاَّ المسكُ. تقديره ليس إلا الطيبُ المسكُ. قال شهاب الدين: يعني أن اسم «ليس» ضمير الشأن مستتر فيها و «إلا الطيب المسك» في محل نصب خبرها. وكأنه خفي عليه أن لغة تميم إبطال عمل ليس إذا انْتَقَضَ نفيها «بإلا» قياساً على «ما الحجازية» . والمسألة طويلة مذكورة ف يكتب النحو، وعليها حاكاية جَرَتْ بين أبي عمرو، وعيسى ببن عُمَرَ. الثاني: أنّ «ظَنًّا: له صفة محذوفة تقديره: إلاّ ظَنًّا بَيِّناً، فهو مختص لا مؤكد. الثالث: أن يضمن (نظن) معنى» نعتقد «فينتصب» ظناً «مفولاً به لا مصدراً. الرابع: أن الأصْل إنْ نَظُنُّ إلاَّ أنَّكُم تَظُنُّونَ ظَنًّا، فحذف هذا كله موهو معزوٌّ للمبرد أيضاً. وقد رده عليه من حيث إنه حذف إنّ واسمها وخبرها وأبقى المصدر. وهذا لا يجوز. الخامس: أن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فاستثني الشك كأنه قيل: مالنا اعتقاد إلاّ الشك. ومثل الآية قول الأعشى: 4448 - وَحَلَّ بِهِ الشَّيْبُ أَثْقَالَهُ ... وَمَا اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلاََّ اغْتِرَارَا يريد اغتراراً بيناً. فصل قال ابن الخطيب: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين، منهم من كان قاطعاً ينفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الجاثية: 24] ومنهم من كان شاكًّا متحيراً فيه لأنهم من كثرة ماسمعوه من الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحّته صاروا شاكين فيه، وهم المذكورون فيه هذه الآية، ويدل على ذلك أنه تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤُلاء، فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. ثم قال:» وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ» في الآخرة ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي جزاؤها ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا كالدليل على أن هذه الفِرقة لما قالوا: إنْ نظنّ إلاَّ ظناً إنما ذكروه استهزازً وسخرية، وعلى هذا الوجه فصار ذلك أول خسرانهم، فهذا الفريق أسوأ من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا مُنْكِرين، وما كانوا مُسْتَهْزِئِينَ وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء. قوله: ﴿وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ﴾ أن نترككم في العذاب، كما تركتم الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم. وقيل: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه. قوله: ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ﴾ هذا من التوسع في الظرف، حيث أضاف إليه ما هو واقع فيه، كقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] . قوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ فجمع الله عليهم من وجوه العذاب، ثلاثة أشياء، قطع الرحمة عنهم، وصيّر مأواهم النار، وعدم الأنصار، ثم بين تعالى أن يقال لهم: إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب، لأنكم أتيتم ثلاثة أنواع من الاعمال القبيحة، وهي الإصرار على إنكار الدين الحق والاستهزاء به، والسخرية والاستغراق في حب الدنيا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا﴾ . قوله: ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ تقدم الخلاف في قوله: ﴿لا يخرجون منها﴾ في أول الأعراف، وأن حمزة والكِسَائيّ قرءا بفتح الياء وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء. ﴿ولا هم يستعتبون﴾ لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبله في ذلك اليوم عذرٌ ولا توبة قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ قرأ العامة «رَبّ» في الثلاثة بالجر تبعاً للجلالة، بياناً، أو بلادً، أو نعتاً، وابن مُحَيْصِنٍ برفع الثلاثة على المدح بإضمار «هُوَ» . قوله: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات﴾ يجوز أن يكون «في السموات» متعلقاً بمحذوف حالاً من «الْكِبْرِياء» وأن يتعلق بما تعلق به الظروف الأول، لوقوعه خبراً. ويجوز أن يتعلق بنفس «الكبرياء» لأنها مصدر. وقال أبو البقاء: «وأن يكون يعني في السموات ظرفاً والعامل فيه الظرف الأول، والكبرياء، لأنها بمعنى العظمة» . قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تأويل الكبرياء بمعنى العظمة فإنها ثابتة المصدرية. فصل لما تم الكارم في المباحث الرُّوحَانيَّة ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ أي فاحمدوا الله الذيه وخالق السموات والأرضين، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الرُّبُوبيَّة توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين. ثم قال: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يعني بكمال قدرته، يقدر على خلق أي شيء أراد، (و) بكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة. وقوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يفيد أن الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلاَّ هُوَ. روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يقول الله عزّ وجلّ:» الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحداً مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ» . وروى أبي بن كعب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَنْ قَرَأَ سُورَة حَمَ الحَاثيِية سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ وسَكَّنَ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ» . سورة الأحقاف

الجاثية 45:34

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض ... ﴾ الآية لما احتج بكونه قادراً على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عَمَّمَ الدليل فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي لله القدرة على جميع الكائنات سواء كانت في السموات أو في الأرض وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كُلِّ الممكنات وثبت أن حصول الحياة في هذه الدار ممكن إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى، فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية. ولما بين تعالى إمكانية القول بالحشر والنشر في هذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوالِ القيامة فأولها: قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ في عامله وجهان: أحدهما: أنه «يخسر» و «يومئذ» بدل من «يَوْمَ تَقُومُ» . والتنوين على هذا التنوين عوض عن جملة مقدرة ولم يتقدم من الجمل إلا «تقوم الساعة» فيصير التقدير: ويوم تقوم الساعة يومئذ تقوم الساعة. وهذا الذي قدروه ليس فيه مزيد فائدة، فيكون بدلاً توكيديًّا. والثاني: أن العامل فيه مقدر، قالوا لأن يوم القيامة حالة ثالثة ليست بالسَّماء ولا الأرض، لأنهما يتبدلان فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض والملك يوم تقوم. ويكون قوله: «يَوْمَئذٍ» معمولاً ليخصرُ، والجملة مستأنفة من حيثُ اللفظ، وإنْ كَانَ لها تعلق بما قبلها من حيثُ المَعْنَى. فصل اعلم أنَّ الحَيَاةَ والعقل والصحة كأنها رأس مال، والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية مَجْرَى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح والكفار قد اتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلاَّ الحرمان والخِذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران. وثانيها: قوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الظاهر أن الرؤية بصرية فيكون «جاثية» حال قال الليث: الجَثْوُ الجُلُوسُ على الركب الجِثِيّ بين يَدَي الحَاكِمِ، وذلك لأنها خائفة والمذنب مُسْتَوْفِزٌ. وقيل: مجتمعة، ومنه الجُثْوَةُ للقبر لاجتماع الأحجار عليه، قال (الشاعر) (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4446 - تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها. قال الزمخشري وقرىء: جاذية بالذال المعجمة قال: والجَذْوُ أشد من الجَثْوِ، لأن الجَاذِي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وهو أشد استيفازاً من الجاثِي. قوله: «كُلُّ أمة» العامة على الرفع بالابتداء، و «تُدْعَى» خبرها. ويعقوب بالنصب على البدل من «كُلَّ أمَّة» الأولى، بدل نكرة موصوفة من مثلها. قوله: إلَى كِتَابِهَا «أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفي باسم الجنس كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ . قال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعةً هي عشرُ سنين، يَخِرُّ الناس فيها جثاةً على ركبهم، حتى إبراهيم ينادي ربه لا أملك إلا نفسي. قوله:» الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، التقدير: يقال لهم اليومَ تُجَزونَ و «الْيَوْمَ» معمول لما بعده و «مَا كنْتُمْ» هو المفعول الثاني. فإن قيل: الجثْو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة { فالجواب: أن الجاثي الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة (إلى) أن يظهر كونه محقاً. فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟ فالجواب: لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم، بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه. قوله: ﴿يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ أي يشهد عليكم بأعمالكم من غير زيادة ولا نقصان. وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. و «ينطق» يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون خبراً ثايناً، وأن يكون «كتابنا» بدلاً و «ينطق» خبر وحده و «بالحق» حال. قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي نأمر الملائكة بنسخه أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم وقيل: نستنسخ أي نأخذ نسخة، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان إلا ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، نحو قولهم: هلُم، واذهب، فالاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم. والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ كتابٌ من كِتَاب. وقال الضحاك: نستنسخ أي نُثْبِتُ. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نَحْفَظُ. ثم بين أحوال المطيعين فقال: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾ فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه. فصل قالت المعتزلة: علّق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والعمل الصالح والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عندم عندم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة يجب أن لا يحصل الفوز بالجنة} وأُجِيبَ: بأن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف. فصل سمى الثواب رحمة، والرحمة إنما يصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم (تكن) واجبةً، فوجب أن لا يكون الثوابُ واجباً على الله تعالى. قوله: ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ﴾ هذا على إضمار القول أيضاً، وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء أي ألَمْ تأتكم رسلي فَلَمْ تكن آياتي؟ فصل ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قِسماً ثالثاً، وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة في إثبات منزلة بين المنزلتين باطل، وفي الآية دليل على أن استحقاق العقوبة، لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع وعلى أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع خلافاً للمعتزلة في قولهم: إنَّ بعض الواجبات قد تجب بالعقل. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ﴾ العامة على كسر الهمزة لأ، ها محكيَّةٌ بالقول، والأعْرَجُ وعمرو بن فائدٍ بفتحها. وذلك مُخَرَّجُ على لغة سُلَيْمٍ يُجْرون القولم مُجْرَى الظَّنِّ مطلقاً ومنه قوله: 4447 - إذَا قُلْتُ أَنِّي آيِبٌ أهْلَ بَلْدَةِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . قوله: «وَالسَّاعة: قرأ حمزة بنصبها عطفاً على» وَعْدَ اللهِ «الباقون برفعها، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: الابتداء، ما بعدها من الجملة المنفية خبرها. الثاني: العطف على محل إنّ واسمها معاً، لأن بعضهم كالفارسيِّ والزمخشري يَرَوْنَ أن ل» إنّ «واسْمِها موضعاً وهو الرفع بالابتداء. قوله:» إلاَّ ظَنًّا: هذه الآية لا بدّ فهيا من تأويل، وذلك أنه يجوز تفريغ العامل ملا بعده من جميع معمولاته مرفوعاً كان أم غير مرفوع، إلا المفعول المطلق، فإنه لا يفرغ له، لا يجوز: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة فيه، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه قو قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْبتُ. قاله مكي وأبو البقاء. وقال الزمخشري: فإن: قلت: ما معنى: إنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا؟ قلت: أصله نظن ظنًّا، ومعناه إثبات الظن حسبُ، وأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن ونفي ما سواه ويزيدُ نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ . فظاهر كلامه أنه لا يتأول الآية بل حملها على ظاهرها. قال أبو حيان: وهذا كلام من لا شُعُور له بالقاعدة النحوية من أن التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل أو مفعولٍ وغيرهما إلا المصدر المؤكد، فإنه لا يكون فيه. وقد اختلف الناس في تأويلها على أوجه: أحدها: ماقاله المبرد وهو أن الأصل: إنْ نَحْنُ إلاَّ نَظُنُّ ظَنًّا قال: ونظيره ما حكاه أبو عمرو: لَيْسَ الطِّبُ إلاَّ المسكُ. تقديره ليس إلا الطيبُ المسكُ. قال شهاب الدين: يعني أن اسم «ليس» ضمير الشأن مستتر فيها و «إلا الطيب المسك» في محل نصب خبرها. وكأنه خفي عليه أن لغة تميم إبطال عمل ليس إذا انْتَقَضَ نفيها «بإلا» قياساً على «ما الحجازية» . والمسألة طويلة مذكورة ف يكتب النحو، وعليها حاكاية جَرَتْ بين أبي عمرو، وعيسى ببن عُمَرَ. الثاني: أنّ «ظَنًّا: له صفة محذوفة تقديره: إلاّ ظَنًّا بَيِّناً، فهو مختص لا مؤكد. الثالث: أن يضمن (نظن) معنى» نعتقد «فينتصب» ظناً «مفولاً به لا مصدراً. الرابع: أن الأصْل إنْ نَظُنُّ إلاَّ أنَّكُم تَظُنُّونَ ظَنًّا، فحذف هذا كله موهو معزوٌّ للمبرد أيضاً. وقد رده عليه من حيث إنه حذف إنّ واسمها وخبرها وأبقى المصدر. وهذا لا يجوز. الخامس: أن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فاستثني الشك كأنه قيل: مالنا اعتقاد إلاّ الشك. ومثل الآية قول الأعشى: 4448 - وَحَلَّ بِهِ الشَّيْبُ أَثْقَالَهُ ... وَمَا اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلاََّ اغْتِرَارَا يريد اغتراراً بيناً. فصل قال ابن الخطيب: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين، منهم من كان قاطعاً ينفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الجاثية: 24] ومنهم من كان شاكًّا متحيراً فيه لأنهم من كثرة ماسمعوه من الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحّته صاروا شاكين فيه، وهم المذكورون فيه هذه الآية، ويدل على ذلك أنه تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤُلاء، فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. ثم قال:» وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ» في الآخرة ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي جزاؤها ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا كالدليل على أن هذه الفِرقة لما قالوا: إنْ نظنّ إلاَّ ظناً إنما ذكروه استهزازً وسخرية، وعلى هذا الوجه فصار ذلك أول خسرانهم، فهذا الفريق أسوأ من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا مُنْكِرين، وما كانوا مُسْتَهْزِئِينَ وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء. قوله: ﴿وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ﴾ أن نترككم في العذاب، كما تركتم الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم. وقيل: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه. قوله: ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ﴾ هذا من التوسع في الظرف، حيث أضاف إليه ما هو واقع فيه، كقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] . قوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ فجمع الله عليهم من وجوه العذاب، ثلاثة أشياء، قطع الرحمة عنهم، وصيّر مأواهم النار، وعدم الأنصار، ثم بين تعالى أن يقال لهم: إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب، لأنكم أتيتم ثلاثة أنواع من الاعمال القبيحة، وهي الإصرار على إنكار الدين الحق والاستهزاء به، والسخرية والاستغراق في حب الدنيا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا﴾ . قوله: ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ تقدم الخلاف في قوله: ﴿لا يخرجون منها﴾ في أول الأعراف، وأن حمزة والكِسَائيّ قرءا بفتح الياء وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء. ﴿ولا هم يستعتبون﴾ لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبله في ذلك اليوم عذرٌ ولا توبة قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ قرأ العامة «رَبّ» في الثلاثة بالجر تبعاً للجلالة، بياناً، أو بلادً، أو نعتاً، وابن مُحَيْصِنٍ برفع الثلاثة على المدح بإضمار «هُوَ» . قوله: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات﴾ يجوز أن يكون «في السموات» متعلقاً بمحذوف حالاً من «الْكِبْرِياء» وأن يتعلق بما تعلق به الظروف الأول، لوقوعه خبراً. ويجوز أن يتعلق بنفس «الكبرياء» لأنها مصدر. وقال أبو البقاء: «وأن يكون يعني في السموات ظرفاً والعامل فيه الظرف الأول، والكبرياء، لأنها بمعنى العظمة» . قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تأويل الكبرياء بمعنى العظمة فإنها ثابتة المصدرية. فصل لما تم الكارم في المباحث الرُّوحَانيَّة ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ أي فاحمدوا الله الذيه وخالق السموات والأرضين، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الرُّبُوبيَّة توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين. ثم قال: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يعني بكمال قدرته، يقدر على خلق أي شيء أراد، (و) بكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة. وقوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يفيد أن الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلاَّ هُوَ. روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يقول الله عزّ وجلّ:» الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحداً مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ» . وروى أبي بن كعب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَنْ قَرَأَ سُورَة حَمَ الحَاثيِية سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ وسَكَّنَ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ» . سورة الأحقاف

الجاثية 45:35

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض ... ﴾ الآية لما احتج بكونه قادراً على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عَمَّمَ الدليل فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي لله القدرة على جميع الكائنات سواء كانت في السموات أو في الأرض وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كُلِّ الممكنات وثبت أن حصول الحياة في هذه الدار ممكن إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى، فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية. ولما بين تعالى إمكانية القول بالحشر والنشر في هذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوالِ القيامة فأولها: قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ في عامله وجهان: أحدهما: أنه «يخسر» و «يومئذ» بدل من «يَوْمَ تَقُومُ» . والتنوين على هذا التنوين عوض عن جملة مقدرة ولم يتقدم من الجمل إلا «تقوم الساعة» فيصير التقدير: ويوم تقوم الساعة يومئذ تقوم الساعة. وهذا الذي قدروه ليس فيه مزيد فائدة، فيكون بدلاً توكيديًّا. والثاني: أن العامل فيه مقدر، قالوا لأن يوم القيامة حالة ثالثة ليست بالسَّماء ولا الأرض، لأنهما يتبدلان فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض والملك يوم تقوم. ويكون قوله: «يَوْمَئذٍ» معمولاً ليخصرُ، والجملة مستأنفة من حيثُ اللفظ، وإنْ كَانَ لها تعلق بما قبلها من حيثُ المَعْنَى. فصل اعلم أنَّ الحَيَاةَ والعقل والصحة كأنها رأس مال، والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية مَجْرَى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح والكفار قد اتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلاَّ الحرمان والخِذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران. وثانيها: قوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الظاهر أن الرؤية بصرية فيكون «جاثية» حال قال الليث: الجَثْوُ الجُلُوسُ على الركب الجِثِيّ بين يَدَي الحَاكِمِ، وذلك لأنها خائفة والمذنب مُسْتَوْفِزٌ. وقيل: مجتمعة، ومنه الجُثْوَةُ للقبر لاجتماع الأحجار عليه، قال (الشاعر) (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4446 - تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها. قال الزمخشري وقرىء: جاذية بالذال المعجمة قال: والجَذْوُ أشد من الجَثْوِ، لأن الجَاذِي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وهو أشد استيفازاً من الجاثِي. قوله: «كُلُّ أمة» العامة على الرفع بالابتداء، و «تُدْعَى» خبرها. ويعقوب بالنصب على البدل من «كُلَّ أمَّة» الأولى، بدل نكرة موصوفة من مثلها. قوله: إلَى كِتَابِهَا «أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفي باسم الجنس كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ . قال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعةً هي عشرُ سنين، يَخِرُّ الناس فيها جثاةً على ركبهم، حتى إبراهيم ينادي ربه لا أملك إلا نفسي. قوله:» الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، التقدير: يقال لهم اليومَ تُجَزونَ و «الْيَوْمَ» معمول لما بعده و «مَا كنْتُمْ» هو المفعول الثاني. فإن قيل: الجثْو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة { فالجواب: أن الجاثي الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة (إلى) أن يظهر كونه محقاً. فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟ فالجواب: لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم، بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه. قوله: ﴿يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ أي يشهد عليكم بأعمالكم من غير زيادة ولا نقصان. وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. و «ينطق» يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون خبراً ثايناً، وأن يكون «كتابنا» بدلاً و «ينطق» خبر وحده و «بالحق» حال. قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي نأمر الملائكة بنسخه أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم وقيل: نستنسخ أي نأخذ نسخة، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان إلا ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، نحو قولهم: هلُم، واذهب، فالاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم. والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ كتابٌ من كِتَاب. وقال الضحاك: نستنسخ أي نُثْبِتُ. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نَحْفَظُ. ثم بين أحوال المطيعين فقال: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾ فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه. فصل قالت المعتزلة: علّق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والعمل الصالح والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عندم عندم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة يجب أن لا يحصل الفوز بالجنة} وأُجِيبَ: بأن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف. فصل سمى الثواب رحمة، والرحمة إنما يصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم (تكن) واجبةً، فوجب أن لا يكون الثوابُ واجباً على الله تعالى. قوله: ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ﴾ هذا على إضمار القول أيضاً، وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء أي ألَمْ تأتكم رسلي فَلَمْ تكن آياتي؟ فصل ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قِسماً ثالثاً، وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة في إثبات منزلة بين المنزلتين باطل، وفي الآية دليل على أن استحقاق العقوبة، لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع وعلى أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع خلافاً للمعتزلة في قولهم: إنَّ بعض الواجبات قد تجب بالعقل. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ﴾ العامة على كسر الهمزة لأ، ها محكيَّةٌ بالقول، والأعْرَجُ وعمرو بن فائدٍ بفتحها. وذلك مُخَرَّجُ على لغة سُلَيْمٍ يُجْرون القولم مُجْرَى الظَّنِّ مطلقاً ومنه قوله: 4447 - إذَا قُلْتُ أَنِّي آيِبٌ أهْلَ بَلْدَةِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . قوله: «وَالسَّاعة: قرأ حمزة بنصبها عطفاً على» وَعْدَ اللهِ «الباقون برفعها، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: الابتداء، ما بعدها من الجملة المنفية خبرها. الثاني: العطف على محل إنّ واسمها معاً، لأن بعضهم كالفارسيِّ والزمخشري يَرَوْنَ أن ل» إنّ «واسْمِها موضعاً وهو الرفع بالابتداء. قوله:» إلاَّ ظَنًّا: هذه الآية لا بدّ فهيا من تأويل، وذلك أنه يجوز تفريغ العامل ملا بعده من جميع معمولاته مرفوعاً كان أم غير مرفوع، إلا المفعول المطلق، فإنه لا يفرغ له، لا يجوز: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة فيه، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه قو قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْبتُ. قاله مكي وأبو البقاء. وقال الزمخشري: فإن: قلت: ما معنى: إنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا؟ قلت: أصله نظن ظنًّا، ومعناه إثبات الظن حسبُ، وأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن ونفي ما سواه ويزيدُ نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ . فظاهر كلامه أنه لا يتأول الآية بل حملها على ظاهرها. قال أبو حيان: وهذا كلام من لا شُعُور له بالقاعدة النحوية من أن التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل أو مفعولٍ وغيرهما إلا المصدر المؤكد، فإنه لا يكون فيه. وقد اختلف الناس في تأويلها على أوجه: أحدها: ماقاله المبرد وهو أن الأصل: إنْ نَحْنُ إلاَّ نَظُنُّ ظَنًّا قال: ونظيره ما حكاه أبو عمرو: لَيْسَ الطِّبُ إلاَّ المسكُ. تقديره ليس إلا الطيبُ المسكُ. قال شهاب الدين: يعني أن اسم «ليس» ضمير الشأن مستتر فيها و «إلا الطيب المسك» في محل نصب خبرها. وكأنه خفي عليه أن لغة تميم إبطال عمل ليس إذا انْتَقَضَ نفيها «بإلا» قياساً على «ما الحجازية» . والمسألة طويلة مذكورة ف يكتب النحو، وعليها حاكاية جَرَتْ بين أبي عمرو، وعيسى ببن عُمَرَ. الثاني: أنّ «ظَنًّا: له صفة محذوفة تقديره: إلاّ ظَنًّا بَيِّناً، فهو مختص لا مؤكد. الثالث: أن يضمن (نظن) معنى» نعتقد «فينتصب» ظناً «مفولاً به لا مصدراً. الرابع: أن الأصْل إنْ نَظُنُّ إلاَّ أنَّكُم تَظُنُّونَ ظَنًّا، فحذف هذا كله موهو معزوٌّ للمبرد أيضاً. وقد رده عليه من حيث إنه حذف إنّ واسمها وخبرها وأبقى المصدر. وهذا لا يجوز. الخامس: أن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فاستثني الشك كأنه قيل: مالنا اعتقاد إلاّ الشك. ومثل الآية قول الأعشى: 4448 - وَحَلَّ بِهِ الشَّيْبُ أَثْقَالَهُ ... وَمَا اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلاََّ اغْتِرَارَا يريد اغتراراً بيناً. فصل قال ابن الخطيب: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين، منهم من كان قاطعاً ينفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الجاثية: 24] ومنهم من كان شاكًّا متحيراً فيه لأنهم من كثرة ماسمعوه من الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحّته صاروا شاكين فيه، وهم المذكورون فيه هذه الآية، ويدل على ذلك أنه تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤُلاء، فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. ثم قال:» وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ» في الآخرة ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي جزاؤها ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا كالدليل على أن هذه الفِرقة لما قالوا: إنْ نظنّ إلاَّ ظناً إنما ذكروه استهزازً وسخرية، وعلى هذا الوجه فصار ذلك أول خسرانهم، فهذا الفريق أسوأ من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا مُنْكِرين، وما كانوا مُسْتَهْزِئِينَ وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء. قوله: ﴿وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ﴾ أن نترككم في العذاب، كما تركتم الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم. وقيل: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه. قوله: ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ﴾ هذا من التوسع في الظرف، حيث أضاف إليه ما هو واقع فيه، كقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] . قوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ فجمع الله عليهم من وجوه العذاب، ثلاثة أشياء، قطع الرحمة عنهم، وصيّر مأواهم النار، وعدم الأنصار، ثم بين تعالى أن يقال لهم: إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب، لأنكم أتيتم ثلاثة أنواع من الاعمال القبيحة، وهي الإصرار على إنكار الدين الحق والاستهزاء به، والسخرية والاستغراق في حب الدنيا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا﴾ . قوله: ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ تقدم الخلاف في قوله: ﴿لا يخرجون منها﴾ في أول الأعراف، وأن حمزة والكِسَائيّ قرءا بفتح الياء وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء. ﴿ولا هم يستعتبون﴾ لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبله في ذلك اليوم عذرٌ ولا توبة قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ قرأ العامة «رَبّ» في الثلاثة بالجر تبعاً للجلالة، بياناً، أو بلادً، أو نعتاً، وابن مُحَيْصِنٍ برفع الثلاثة على المدح بإضمار «هُوَ» . قوله: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات﴾ يجوز أن يكون «في السموات» متعلقاً بمحذوف حالاً من «الْكِبْرِياء» وأن يتعلق بما تعلق به الظروف الأول، لوقوعه خبراً. ويجوز أن يتعلق بنفس «الكبرياء» لأنها مصدر. وقال أبو البقاء: «وأن يكون يعني في السموات ظرفاً والعامل فيه الظرف الأول، والكبرياء، لأنها بمعنى العظمة» . قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تأويل الكبرياء بمعنى العظمة فإنها ثابتة المصدرية. فصل لما تم الكارم في المباحث الرُّوحَانيَّة ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ أي فاحمدوا الله الذيه وخالق السموات والأرضين، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الرُّبُوبيَّة توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين. ثم قال: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يعني بكمال قدرته، يقدر على خلق أي شيء أراد، (و) بكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة. وقوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يفيد أن الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلاَّ هُوَ. روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يقول الله عزّ وجلّ:» الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحداً مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ» . وروى أبي بن كعب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَنْ قَرَأَ سُورَة حَمَ الحَاثيِية سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ وسَكَّنَ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ» . سورة الأحقاف

الجاثية 45:36

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض ... ﴾ الآية لما احتج بكونه قادراً على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عَمَّمَ الدليل فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي لله القدرة على جميع الكائنات سواء كانت في السموات أو في الأرض وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كُلِّ الممكنات وثبت أن حصول الحياة في هذه الدار ممكن إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى، فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية. ولما بين تعالى إمكانية القول بالحشر والنشر في هذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوالِ القيامة فأولها: قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ في عامله وجهان: أحدهما: أنه «يخسر» و «يومئذ» بدل من «يَوْمَ تَقُومُ» . والتنوين على هذا التنوين عوض عن جملة مقدرة ولم يتقدم من الجمل إلا «تقوم الساعة» فيصير التقدير: ويوم تقوم الساعة يومئذ تقوم الساعة. وهذا الذي قدروه ليس فيه مزيد فائدة، فيكون بدلاً توكيديًّا. والثاني: أن العامل فيه مقدر، قالوا لأن يوم القيامة حالة ثالثة ليست بالسَّماء ولا الأرض، لأنهما يتبدلان فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض والملك يوم تقوم. ويكون قوله: «يَوْمَئذٍ» معمولاً ليخصرُ، والجملة مستأنفة من حيثُ اللفظ، وإنْ كَانَ لها تعلق بما قبلها من حيثُ المَعْنَى. فصل اعلم أنَّ الحَيَاةَ والعقل والصحة كأنها رأس مال، والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية مَجْرَى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح والكفار قد اتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلاَّ الحرمان والخِذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران. وثانيها: قوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الظاهر أن الرؤية بصرية فيكون «جاثية» حال قال الليث: الجَثْوُ الجُلُوسُ على الركب الجِثِيّ بين يَدَي الحَاكِمِ، وذلك لأنها خائفة والمذنب مُسْتَوْفِزٌ. وقيل: مجتمعة، ومنه الجُثْوَةُ للقبر لاجتماع الأحجار عليه، قال (الشاعر) (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4446 - تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها. قال الزمخشري وقرىء: جاذية بالذال المعجمة قال: والجَذْوُ أشد من الجَثْوِ، لأن الجَاذِي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وهو أشد استيفازاً من الجاثِي. قوله: «كُلُّ أمة» العامة على الرفع بالابتداء، و «تُدْعَى» خبرها. ويعقوب بالنصب على البدل من «كُلَّ أمَّة» الأولى، بدل نكرة موصوفة من مثلها. قوله: إلَى كِتَابِهَا «أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفي باسم الجنس كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ . قال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعةً هي عشرُ سنين، يَخِرُّ الناس فيها جثاةً على ركبهم، حتى إبراهيم ينادي ربه لا أملك إلا نفسي. قوله:» الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، التقدير: يقال لهم اليومَ تُجَزونَ و «الْيَوْمَ» معمول لما بعده و «مَا كنْتُمْ» هو المفعول الثاني. فإن قيل: الجثْو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة { فالجواب: أن الجاثي الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة (إلى) أن يظهر كونه محقاً. فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟ فالجواب: لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم، بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه. قوله: ﴿يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ أي يشهد عليكم بأعمالكم من غير زيادة ولا نقصان. وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. و «ينطق» يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون خبراً ثايناً، وأن يكون «كتابنا» بدلاً و «ينطق» خبر وحده و «بالحق» حال. قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي نأمر الملائكة بنسخه أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم وقيل: نستنسخ أي نأخذ نسخة، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان إلا ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، نحو قولهم: هلُم، واذهب، فالاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم. والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ كتابٌ من كِتَاب. وقال الضحاك: نستنسخ أي نُثْبِتُ. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نَحْفَظُ. ثم بين أحوال المطيعين فقال: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾ فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه. فصل قالت المعتزلة: علّق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والعمل الصالح والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عندم عندم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة يجب أن لا يحصل الفوز بالجنة} وأُجِيبَ: بأن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف. فصل سمى الثواب رحمة، والرحمة إنما يصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم (تكن) واجبةً، فوجب أن لا يكون الثوابُ واجباً على الله تعالى. قوله: ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ﴾ هذا على إضمار القول أيضاً، وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء أي ألَمْ تأتكم رسلي فَلَمْ تكن آياتي؟ فصل ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قِسماً ثالثاً، وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة في إثبات منزلة بين المنزلتين باطل، وفي الآية دليل على أن استحقاق العقوبة، لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع وعلى أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع خلافاً للمعتزلة في قولهم: إنَّ بعض الواجبات قد تجب بالعقل. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ﴾ العامة على كسر الهمزة لأ، ها محكيَّةٌ بالقول، والأعْرَجُ وعمرو بن فائدٍ بفتحها. وذلك مُخَرَّجُ على لغة سُلَيْمٍ يُجْرون القولم مُجْرَى الظَّنِّ مطلقاً ومنه قوله: 4447 - إذَا قُلْتُ أَنِّي آيِبٌ أهْلَ بَلْدَةِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . قوله: «وَالسَّاعة: قرأ حمزة بنصبها عطفاً على» وَعْدَ اللهِ «الباقون برفعها، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: الابتداء، ما بعدها من الجملة المنفية خبرها. الثاني: العطف على محل إنّ واسمها معاً، لأن بعضهم كالفارسيِّ والزمخشري يَرَوْنَ أن ل» إنّ «واسْمِها موضعاً وهو الرفع بالابتداء. قوله:» إلاَّ ظَنًّا: هذه الآية لا بدّ فهيا من تأويل، وذلك أنه يجوز تفريغ العامل ملا بعده من جميع معمولاته مرفوعاً كان أم غير مرفوع، إلا المفعول المطلق، فإنه لا يفرغ له، لا يجوز: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة فيه، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه قو قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْبتُ. قاله مكي وأبو البقاء. وقال الزمخشري: فإن: قلت: ما معنى: إنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا؟ قلت: أصله نظن ظنًّا، ومعناه إثبات الظن حسبُ، وأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن ونفي ما سواه ويزيدُ نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ . فظاهر كلامه أنه لا يتأول الآية بل حملها على ظاهرها. قال أبو حيان: وهذا كلام من لا شُعُور له بالقاعدة النحوية من أن التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل أو مفعولٍ وغيرهما إلا المصدر المؤكد، فإنه لا يكون فيه. وقد اختلف الناس في تأويلها على أوجه: أحدها: ماقاله المبرد وهو أن الأصل: إنْ نَحْنُ إلاَّ نَظُنُّ ظَنًّا قال: ونظيره ما حكاه أبو عمرو: لَيْسَ الطِّبُ إلاَّ المسكُ. تقديره ليس إلا الطيبُ المسكُ. قال شهاب الدين: يعني أن اسم «ليس» ضمير الشأن مستتر فيها و «إلا الطيب المسك» في محل نصب خبرها. وكأنه خفي عليه أن لغة تميم إبطال عمل ليس إذا انْتَقَضَ نفيها «بإلا» قياساً على «ما الحجازية» . والمسألة طويلة مذكورة ف يكتب النحو، وعليها حاكاية جَرَتْ بين أبي عمرو، وعيسى ببن عُمَرَ. الثاني: أنّ «ظَنًّا: له صفة محذوفة تقديره: إلاّ ظَنًّا بَيِّناً، فهو مختص لا مؤكد. الثالث: أن يضمن (نظن) معنى» نعتقد «فينتصب» ظناً «مفولاً به لا مصدراً. الرابع: أن الأصْل إنْ نَظُنُّ إلاَّ أنَّكُم تَظُنُّونَ ظَنًّا، فحذف هذا كله موهو معزوٌّ للمبرد أيضاً. وقد رده عليه من حيث إنه حذف إنّ واسمها وخبرها وأبقى المصدر. وهذا لا يجوز. الخامس: أن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فاستثني الشك كأنه قيل: مالنا اعتقاد إلاّ الشك. ومثل الآية قول الأعشى: 4448 - وَحَلَّ بِهِ الشَّيْبُ أَثْقَالَهُ ... وَمَا اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلاََّ اغْتِرَارَا يريد اغتراراً بيناً. فصل قال ابن الخطيب: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين، منهم من كان قاطعاً ينفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الجاثية: 24] ومنهم من كان شاكًّا متحيراً فيه لأنهم من كثرة ماسمعوه من الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحّته صاروا شاكين فيه، وهم المذكورون فيه هذه الآية، ويدل على ذلك أنه تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤُلاء، فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. ثم قال:» وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ» في الآخرة ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي جزاؤها ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا كالدليل على أن هذه الفِرقة لما قالوا: إنْ نظنّ إلاَّ ظناً إنما ذكروه استهزازً وسخرية، وعلى هذا الوجه فصار ذلك أول خسرانهم، فهذا الفريق أسوأ من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا مُنْكِرين، وما كانوا مُسْتَهْزِئِينَ وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء. قوله: ﴿وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ﴾ أن نترككم في العذاب، كما تركتم الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم. وقيل: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه. قوله: ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ﴾ هذا من التوسع في الظرف، حيث أضاف إليه ما هو واقع فيه، كقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] . قوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ فجمع الله عليهم من وجوه العذاب، ثلاثة أشياء، قطع الرحمة عنهم، وصيّر مأواهم النار، وعدم الأنصار، ثم بين تعالى أن يقال لهم: إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب، لأنكم أتيتم ثلاثة أنواع من الاعمال القبيحة، وهي الإصرار على إنكار الدين الحق والاستهزاء به، والسخرية والاستغراق في حب الدنيا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا﴾ . قوله: ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ تقدم الخلاف في قوله: ﴿لا يخرجون منها﴾ في أول الأعراف، وأن حمزة والكِسَائيّ قرءا بفتح الياء وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء. ﴿ولا هم يستعتبون﴾ لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبله في ذلك اليوم عذرٌ ولا توبة قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ قرأ العامة «رَبّ» في الثلاثة بالجر تبعاً للجلالة، بياناً، أو بلادً، أو نعتاً، وابن مُحَيْصِنٍ برفع الثلاثة على المدح بإضمار «هُوَ» . قوله: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات﴾ يجوز أن يكون «في السموات» متعلقاً بمحذوف حالاً من «الْكِبْرِياء» وأن يتعلق بما تعلق به الظروف الأول، لوقوعه خبراً. ويجوز أن يتعلق بنفس «الكبرياء» لأنها مصدر. وقال أبو البقاء: «وأن يكون يعني في السموات ظرفاً والعامل فيه الظرف الأول، والكبرياء، لأنها بمعنى العظمة» . قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تأويل الكبرياء بمعنى العظمة فإنها ثابتة المصدرية. فصل لما تم الكارم في المباحث الرُّوحَانيَّة ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ أي فاحمدوا الله الذيه وخالق السموات والأرضين، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الرُّبُوبيَّة توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين. ثم قال: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يعني بكمال قدرته، يقدر على خلق أي شيء أراد، (و) بكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة. وقوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يفيد أن الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلاَّ هُوَ. روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يقول الله عزّ وجلّ:» الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحداً مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ» . وروى أبي بن كعب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَنْ قَرَأَ سُورَة حَمَ الحَاثيِية سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ وسَكَّنَ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ» . سورة الأحقاف

الجاثية 45:37

قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض ... ﴾ الآية لما احتج بكونه قادراً على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عَمَّمَ الدليل فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ أي لله القدرة على جميع الكائنات سواء كانت في السموات أو في الأرض وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كُلِّ الممكنات وثبت أن حصول الحياة في هذه الدار ممكن إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى، فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية. ولما بين تعالى إمكانية القول بالحشر والنشر في هذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوالِ القيامة فأولها: قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة﴾ في عامله وجهان: أحدهما: أنه «يخسر» و «يومئذ» بدل من «يَوْمَ تَقُومُ» . والتنوين على هذا التنوين عوض عن جملة مقدرة ولم يتقدم من الجمل إلا «تقوم الساعة» فيصير التقدير: ويوم تقوم الساعة يومئذ تقوم الساعة. وهذا الذي قدروه ليس فيه مزيد فائدة، فيكون بدلاً توكيديًّا. والثاني: أن العامل فيه مقدر، قالوا لأن يوم القيامة حالة ثالثة ليست بالسَّماء ولا الأرض، لأنهما يتبدلان فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض والملك يوم تقوم. ويكون قوله: «يَوْمَئذٍ» معمولاً ليخصرُ، والجملة مستأنفة من حيثُ اللفظ، وإنْ كَانَ لها تعلق بما قبلها من حيثُ المَعْنَى. فصل اعلم أنَّ الحَيَاةَ والعقل والصحة كأنها رأس مال، والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية مَجْرَى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح والكفار قد اتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلاَّ الحرمان والخِذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران. وثانيها: قوله: ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الظاهر أن الرؤية بصرية فيكون «جاثية» حال قال الليث: الجَثْوُ الجُلُوسُ على الركب الجِثِيّ بين يَدَي الحَاكِمِ، وذلك لأنها خائفة والمذنب مُسْتَوْفِزٌ. وقيل: مجتمعة، ومنه الجُثْوَةُ للقبر لاجتماع الأحجار عليه، قال (الشاعر) (رَحِمَهُ اللَّهُ) : 4446 - تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها. قال الزمخشري وقرىء: جاذية بالذال المعجمة قال: والجَذْوُ أشد من الجَثْوِ، لأن الجَاذِي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وهو أشد استيفازاً من الجاثِي. قوله: «كُلُّ أمة» العامة على الرفع بالابتداء، و «تُدْعَى» خبرها. ويعقوب بالنصب على البدل من «كُلَّ أمَّة» الأولى، بدل نكرة موصوفة من مثلها. قوله: إلَى كِتَابِهَا «أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفي باسم الجنس كقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ﴾ . قال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعةً هي عشرُ سنين، يَخِرُّ الناس فيها جثاةً على ركبهم، حتى إبراهيم ينادي ربه لا أملك إلا نفسي. قوله:» الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، التقدير: يقال لهم اليومَ تُجَزونَ و «الْيَوْمَ» معمول لما بعده و «مَا كنْتُمْ» هو المفعول الثاني. فإن قيل: الجثْو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة { فالجواب: أن الجاثي الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة (إلى) أن يظهر كونه محقاً. فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟ فالجواب: لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم، بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه. قوله: ﴿يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ أي يشهد عليكم بأعمالكم من غير زيادة ولا نقصان. وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. و «ينطق» يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون خبراً ثايناً، وأن يكون «كتابنا» بدلاً و «ينطق» خبر وحده و «بالحق» حال. قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي نأمر الملائكة بنسخه أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم وقيل: نستنسخ أي نأخذ نسخة، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان إلا ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، نحو قولهم: هلُم، واذهب، فالاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم. والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ كتابٌ من كِتَاب. وقال الضحاك: نستنسخ أي نُثْبِتُ. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نَحْفَظُ. ثم بين أحوال المطيعين فقال: ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾ فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه. فصل قالت المعتزلة: علّق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والعمل الصالح والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عندم عندم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة يجب أن لا يحصل الفوز بالجنة} وأُجِيبَ: بأن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف. فصل سمى الثواب رحمة، والرحمة إنما يصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم (تكن) واجبةً، فوجب أن لا يكون الثوابُ واجباً على الله تعالى. قوله: ﴿وَأَمَّا الذين كفروا أَفَلَمْ تَكُنْ﴾ هذا على إضمار القول أيضاً، وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء أي ألَمْ تأتكم رسلي فَلَمْ تكن آياتي؟ فصل ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قِسماً ثالثاً، وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة في إثبات منزلة بين المنزلتين باطل، وفي الآية دليل على أن استحقاق العقوبة، لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع وعلى أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع خلافاً للمعتزلة في قولهم: إنَّ بعض الواجبات قد تجب بالعقل. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ﴾ العامة على كسر الهمزة لأ، ها محكيَّةٌ بالقول، والأعْرَجُ وعمرو بن فائدٍ بفتحها. وذلك مُخَرَّجُ على لغة سُلَيْمٍ يُجْرون القولم مُجْرَى الظَّنِّ مطلقاً ومنه قوله: 4447 - إذَا قُلْتُ أَنِّي آيِبٌ أهْلَ بَلْدَةِ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . قوله: «وَالسَّاعة: قرأ حمزة بنصبها عطفاً على» وَعْدَ اللهِ «الباقون برفعها، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: الابتداء، ما بعدها من الجملة المنفية خبرها. الثاني: العطف على محل إنّ واسمها معاً، لأن بعضهم كالفارسيِّ والزمخشري يَرَوْنَ أن ل» إنّ «واسْمِها موضعاً وهو الرفع بالابتداء. قوله:» إلاَّ ظَنًّا: هذه الآية لا بدّ فهيا من تأويل، وذلك أنه يجوز تفريغ العامل ملا بعده من جميع معمولاته مرفوعاً كان أم غير مرفوع، إلا المفعول المطلق، فإنه لا يفرغ له، لا يجوز: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة فيه، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه قو قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْبتُ. قاله مكي وأبو البقاء. وقال الزمخشري: فإن: قلت: ما معنى: إنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا؟ قلت: أصله نظن ظنًّا، ومعناه إثبات الظن حسبُ، وأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن ونفي ما سواه ويزيدُ نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ . فظاهر كلامه أنه لا يتأول الآية بل حملها على ظاهرها. قال أبو حيان: وهذا كلام من لا شُعُور له بالقاعدة النحوية من أن التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل أو مفعولٍ وغيرهما إلا المصدر المؤكد، فإنه لا يكون فيه. وقد اختلف الناس في تأويلها على أوجه: أحدها: ماقاله المبرد وهو أن الأصل: إنْ نَحْنُ إلاَّ نَظُنُّ ظَنًّا قال: ونظيره ما حكاه أبو عمرو: لَيْسَ الطِّبُ إلاَّ المسكُ. تقديره ليس إلا الطيبُ المسكُ. قال شهاب الدين: يعني أن اسم «ليس» ضمير الشأن مستتر فيها و «إلا الطيب المسك» في محل نصب خبرها. وكأنه خفي عليه أن لغة تميم إبطال عمل ليس إذا انْتَقَضَ نفيها «بإلا» قياساً على «ما الحجازية» . والمسألة طويلة مذكورة ف يكتب النحو، وعليها حاكاية جَرَتْ بين أبي عمرو، وعيسى ببن عُمَرَ. الثاني: أنّ «ظَنًّا: له صفة محذوفة تقديره: إلاّ ظَنًّا بَيِّناً، فهو مختص لا مؤكد. الثالث: أن يضمن (نظن) معنى» نعتقد «فينتصب» ظناً «مفولاً به لا مصدراً. الرابع: أن الأصْل إنْ نَظُنُّ إلاَّ أنَّكُم تَظُنُّونَ ظَنًّا، فحذف هذا كله موهو معزوٌّ للمبرد أيضاً. وقد رده عليه من حيث إنه حذف إنّ واسمها وخبرها وأبقى المصدر. وهذا لا يجوز. الخامس: أن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فاستثني الشك كأنه قيل: مالنا اعتقاد إلاّ الشك. ومثل الآية قول الأعشى: 4448 - وَحَلَّ بِهِ الشَّيْبُ أَثْقَالَهُ ... وَمَا اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إلاََّ اغْتِرَارَا يريد اغتراراً بيناً. فصل قال ابن الخطيب: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين، منهم من كان قاطعاً ينفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ [الجاثية: 24] ومنهم من كان شاكًّا متحيراً فيه لأنهم من كثرة ماسمعوه من الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحّته صاروا شاكين فيه، وهم المذكورون فيه هذه الآية، ويدل على ذلك أنه تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤُلاء، فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. ثم قال:» وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ» في الآخرة ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي جزاؤها ﴿وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا كالدليل على أن هذه الفِرقة لما قالوا: إنْ نظنّ إلاَّ ظناً إنما ذكروه استهزازً وسخرية، وعلى هذا الوجه فصار ذلك أول خسرانهم، فهذا الفريق أسوأ من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا مُنْكِرين، وما كانوا مُسْتَهْزِئِينَ وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء. قوله: ﴿وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ﴾ أن نترككم في العذاب، كما تركتم الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم. وقيل: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه. قوله: ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ﴾ هذا من التوسع في الظرف، حيث أضاف إليه ما هو واقع فيه، كقوله: ﴿بَلْ مَكْرُ الليل والنهار﴾ [سبأ: 33] . قوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ فجمع الله عليهم من وجوه العذاب، ثلاثة أشياء، قطع الرحمة عنهم، وصيّر مأواهم النار، وعدم الأنصار، ثم بين تعالى أن يقال لهم: إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب، لأنكم أتيتم ثلاثة أنواع من الاعمال القبيحة، وهي الإصرار على إنكار الدين الحق والاستهزاء به، والسخرية والاستغراق في حب الدنيا، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم آيَاتِ الله هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا﴾ . قوله: ﴿فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ﴾ تقدم الخلاف في قوله: ﴿لا يخرجون منها﴾ في أول الأعراف، وأن حمزة والكِسَائيّ قرءا بفتح الياء وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء. ﴿ولا هم يستعتبون﴾ لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبله في ذلك اليوم عذرٌ ولا توبة قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ قرأ العامة «رَبّ» في الثلاثة بالجر تبعاً للجلالة، بياناً، أو بلادً، أو نعتاً، وابن مُحَيْصِنٍ برفع الثلاثة على المدح بإضمار «هُوَ» . قوله: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات﴾ يجوز أن يكون «في السموات» متعلقاً بمحذوف حالاً من «الْكِبْرِياء» وأن يتعلق بما تعلق به الظروف الأول، لوقوعه خبراً. ويجوز أن يتعلق بنفس «الكبرياء» لأنها مصدر. وقال أبو البقاء: «وأن يكون يعني في السموات ظرفاً والعامل فيه الظرف الأول، والكبرياء، لأنها بمعنى العظمة» . قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تأويل الكبرياء بمعنى العظمة فإنها ثابتة المصدرية. فصل لما تم الكارم في المباحث الرُّوحَانيَّة ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض رَبِّ العالمين﴾ أي فاحمدوا الله الذيه وخالق السموات والأرضين، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الرُّبُوبيَّة توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين. ثم قال: ﴿وَلَهُ الكبريآء فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يعني بكمال قدرته، يقدر على خلق أي شيء أراد، (و) بكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة. وقوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ يفيد أن الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلاَّ هُوَ. روى أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «يقول الله عزّ وجلّ:» الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحداً مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ» . وروى أبي بن كعب (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَنْ قَرَأَ سُورَة حَمَ الحَاثيِية سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ وسَكَّنَ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ» . سورة الأحقاف