Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الرحمن 55:20 – الرحمن 55:40
المحتويات
الرحمن 55:20
قوله: ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ . لما ذكر الله - تعالى - خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيها من الدلالات على وحدانيته وقدرته، ذكر خلق العالم الصَّغير، فقال: ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ .
قال المفسرون: يعني: آدم من صلصال وهو الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، وشبهه بالفخَّار الذي طبخ.
وقيل: هو طين خلط برملٍ.
وقيل: هو الطين المُنتنُ، من صلَّ اللحم وأصلَّ: إذا أنْتَنَ.
وقال هنا: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ .
وقال في «الحجر» : ﴿مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: 26] وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ [الصافات: 11] .
وقال: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] .
وكله متفق المعنى، وذلك أنه أخذ من تراب الأرض، فعجنه فصار طيناً، ثم انتقل فصار كالحَمَأ المسنون، ثم يبس فصار صلصالاً كالفخار.
فقوله: «كالفخَّار» نعت ل «صَلْصَالٍ» . وتقدم تفسيره.
قوله: ﴿وَخَلَقَ الجآن﴾ .
قيل هو اسم جنس كالإنسان.
وقيل: هو أبو الجن «إبليس» .
وقيل: هو أبوهم، وليس ب «إبليس» .
قوله: ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ «من» الأولى لابتداء الغاية.
وفي الثانية وجهان:
أحدهما: أنها للبيان.
والثاني: أنها للتبعيض.
و «المَارِجُ» : قيل: ما اختلط من أحمر وأصفر وأخضر، وهذا مشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة مختلطاً بعضها ببعض.
وقيل: الخالص.
وقيل: الأحمر وقيل: الحمرة في طرف النَّار.
وقيل المختلط بسواد.
وقيل: اللهب المضطرب.
وقال الليث: «المارج» : الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد، وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: أنه اللهب الذي يعلو النَّار، فيختلط بعضه ببعض أحمر وأخضر وأصفر، ونحوه عن مجاهد.
وقيل: «المَارِجُ» المرسل غير ممنوع.
قال المبرد: «المارج» : النار المرسلة التي لا تمنع.
وقال أبو عبيدة والحسن: «المارج» : المختلط النار، وأصله من مرج إذا اضطرب، واختلط.
قال القرطبي: يروى أن الله - تعالى - خلق نارين، فمرج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما الأخرى، وهي نار السَّمُوم، فخلق منها «إبليس» .
قال القشيري: «والمارج» في اللغة: المرسل أو المختلط، وهو فاعل بمعنى مفعول كقوله: ﴿مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] و ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] ، والمعنى: «ذو مرج» .
﴿مِّن نَّارٍ﴾ نعت ل ﴿مَّارِجٍ﴾ .
وتقدم الكلام على قوله: «فبأي آلاء» إلى آخرها.
قوله تعالى: ﴿رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين﴾ .
العامة على رفعه.
وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه مبتدأ، خبره ﴿مَرَجَ البحرين﴾ ، وما بينهما اعتراض.
الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: «هُو ربُّ» أي: ذلك الذي فعل هذه الأشياء.
الثالث: أنه بدل من الضمير في «خلق» .
وابن أبي عبلة: «ربّ» بالجر، بدلاً أو بياناً ل «ربّكما» .
قال مكي: ويجوز في الكلام الخفض على البدل من «ربكما» ، كأنه لم يطلع على أنها قراءة منقولة.
و «المشرقان» : قيل: مشرقا الشتاء والصيف ومغرباهما.
وقيل: مشرقا الشمس والقمر ومغرباهما، وذكر غاية ارتفاعهما، وغاية انحطاطهما إشارة إلى أن الطرفين يتناول ما بينهما كقولك في وصف ملك عظيم: (له المشرق والمغرب) فيفهم منه أن له ما بينهما.
ويؤيده قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ المشارق والمغارب﴾ [المعارج: 40] .
قوله تعالى: ﴿مَرَجَ البحرين﴾ أي: خلَّى وأرسل وأهمل، يقال: مرج الناس السلطان، أي: أهملهم، وأصل المَرْج الإهمال كما تمرج الدَّابة في المَرْعى ويقال: مرج خلط.
وقال الأخفش: ويقول قوم: أمرج البحرين مثل «مرج» فيكون «فَعَلَ وأفْعَلَ» بمعنى.
و «البَحْرين» : قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: بحر السماء، وبحر الأرض.
قال سعيد بن جبير: يلتقيان في كل عام.
وقيل: يلتقي طرفاهما.
وقال الحسن وقتادة: بحر «فارس» و «الروم» .
وقال ابن جريج: البحر المالح، والأنهار العذبة.
وقيل: بحر المشرق، وبحر المغرب يلتقي طرفاهما.
وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان.
«بينهما برزخ» حاجز.
قوله: «يلتقيان» حال من «البَحريْنِ» وهي قريبة من الحال المقدرة، ويجوز بتجوّز أن تكون مقارنة.
و «بَينهُمَا بَرزخٌ» يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون حالاً، وأن يكون الظَّرف وحده هو الحال، و «البَرْزَخُ» فاعل به، وهو أحسن لقربه من المفرد.
وفي صاحب الحال وجهان:
أحدهما: هو البحرين.
والثاني: هو فاعل «يَلْتقيان» .
و «لا يَبْغِيَان» حال أخرى كالتي قبلها، أي: مرجهُمَا غير باغيين أو يلتقيان غير باغِيين، أو بينهما برزخٌ في حال عدم بغيهما، وهذه الحال في قوة التعليل، إذ المعنى: «لئلاَّ يَبْغِيانِ» .
وقد تمحّل بعضهم، وقال: أصل ذلك لئلا يبغيا ثم حذف حرف العلة، وهو مطّرد مع «أن» و «إن» ، ثم حذفت «أن» أيضاً، وهو حذف مطرد، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: 24] ، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، وهذا غير ممنوع، إلا أنه تكرر فيه الحذف.
وله أن يقول: قد جاء الحذف أكثر من ذلك فيما هو أخفى من هذا، كما سيأتي في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: 82] .
فصل في مناسبة هذه الآية لما قبلها
لما ذكر الشمس والقمر، وهما يجريان في الفلك كما يجري الفلك في البحر، كقوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33] ، فذكر البحرين عقيب المشرقين والمغربين، أو لأن المشرقين والمغربين يكونان في البر والبحر، فذكر البحر بعد ذكر البر؛ لانحصار البر والبحر بين المشرق والغرب.
قوله: «بينهما بَرْزَخ» أي: حاجز، «لا يبْغِيَان» ، فعلى القول الأول بأنهما بحر السماء، وبحر الأرض، فالحاجز الذي بينهما هو ما بين السماء والأرض. قاله الضحاك.
وعلى الأقوال الباقية: الحاجز: هو الأرض التي بينهما. قاله الحسن وقتادة.
وقال بعضهم: الحاجز: هو القدرة الإلهية.
وقوله: «لا يَبْغِيَان» . قال قتادة: لا يبغيان على النَّاس فيغرقانهم، جعل بينهم وبين الناس اليبس.
وقال مجاهد وقتادة أيضاً: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه.
وقال ابن زيد: «لا يبغيان» أي يلتقيان، تقديره: مرج البحرين يلتقيان لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا.
وقيل: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، أي: بينهما مدة قدرها الله تعالى، وهي مدة الدنيا فهما لا يبغيان، فإذا أذنَ الله بانقضاء الدنيا صار البحران شيئاً واحداً، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: 3] .
وقال سهل بن عبد الله: البحران: طريق الخير والشر، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة.
فصل في إحاطة البحار بالأرض
قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - خلق في الأرض بحاراً تحيط بها الأرض، وخلق بحراً محيطاً بالأرض أحاط به الهواء، كما قال به أهل الهيئةِ، وهذه البحار التي في الأرض لها اتصال بالبحر المحيط، ثم إنهما لا يبغيان على الأرض، ولا يغطيانها بفضل الله لتكون الأرض بارزة يتخذها الإنسان مكاناً، وعند النظر إلى أمر الأرض يحار الطبيعي ويتلجلج في الكلام، فإن عندهم أن طبع الأرض يكون في المركز مغموراً بالماء، ويكون الماء محيطاً بجميع جوانبه، فإذا سئلوا عن ظهور الأرض من الماء قالوا: جذب في الأرض.
فإذا قيل لهم: لماذا تجذب؟ وما سبب الجذب؟ .
فالذي عنده قليل من الحق أسند ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته، والآخر يقول: ذلك بحسب اتصالات الكواكب وأوضاعها.
فإن قيل له: لماذا اختلفت أوضاع الكواكب على الوجه الذي أوجب البرد في بعض الأرض دون بعض؟ بهت كما بهت الذي كفر، ويرجع إلى الحق إن هداه الله تعالى.
وقال ابن الخطيب: ومعنى الآية أن الله - تعالى - أرسل بعض البحرين إلى بعض، ومن شأنهما الاختلاط فحجزهما ببرزخ من قدرته، فهما لا يبغيان، أي: لا يجاوز كل واحدٍ منهما ما حد له.
و «البَغْي» : مجاوزة الحد، أو من الابتغاء وهو الطَّلب، أي: لا يطلبان غير ما قدر لهما.
قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ قرأ نافع، وأبو عمرو: «يُخْرَجُ» مبنيًّا للمفعول، والباقون: مبنيًّا للفاعل على المجاز.
قالوا: ثم مضاف محذوف، أي «من أحدهما» ؛ لأن ذلك لم يؤخذ من البحر العذب حتى عابُوا قول الشاعر: [الطويل]
4634 - فَجَاءَ بِهَا ما شِئْتَ مِنْ لطَمِيَّةٍ ... على وجْهِهَا مَاءُ الفُراتِ يَمُوجُ
قال مكي: «كما قال: ﴿على رَجُلٍ مِّنَ القريتين﴾ [الزخرف: 31] ، أي: من إحدى القريتين، فحذف المضاف كثير شائع» .
وقيل: هو كقوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: 61] وإنما الناسي فتاه، ويعزى هذا لأبي عبيدة.
قال البغوي: وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئين، ثم يخص أحدهما بفعل، كقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: 130] ، ثم كانت الرسل من الإنس.
وقيل: يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان.
وقيل: بل يخرجان منهما جميعاً.
ثم ذكروا أقاويل.
منها: أنهما يخرجان من المِلْح في المواضع الذي يقع فيه العذب، وهذا مشاهد عند الغواصين، وهو قول الجمهور، فناسب ذلك إسناده إليهما.
ومنها: قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر، والصدف تفتح أفواهها للمطر، وقد شاهده الناس، فيكون تولده من بحر السماء، وبحر الأرض. وهذا قول الطبري.
ومنها: أن العذب في الملح كاللقاح، كما يقال: الولد يخرج من الذَّكر والأنثى.
ومنها: أنه قيل: منهما من حيثُ هما نوع واحد، فخروج هذه الأشياء إنما هي منهما، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح: 16] وإنما هو في واحدةٍ منهن.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم قال:» منهما «، وإنما يخرجان من الملح؟
قلت: لما التقيا، وصارا كالشيء الواحد، جاز أن يقال: يخرجان منهما كما يقال: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، وإنما يخرجان من بعضه، وتقول: خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلَّةٍ واحدة من محاله، بل من دارٍ واحدة من دُورهِ، وقيل: لا يخرجان إلاَّ من ملتقى الملح والعذب» . انتهى.
وقال بعضهم: كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض النَّاسِ، فمن الجائز أن يسوقها من البحر العذب إلى الملح، واتفقُوا أنهم لم يخرجوها إلا من الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التُّجَّار المترددين القاطعين المفاوز، فكيف بما هو في قَعْرِ البحر؟ .
فالجواب عن هذا: أن الله لا يخاطب الناس، ولا يمنن عليهم إلا بما يألفون، ويشاهدون.
و «اللؤلؤ» : قيل: كِبارُ الجوهر، والمرجان: صغاره. قاله علي، وابن عباس، والضحاك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وقيل بالعكس، وأنشدوا قول الأعشى رَحِمَهُ اللَّهُ: [البسيط] 4635 - مِنْ كُلِّ مَرْجَانةٍ فِي البَحْرِ أحْرَزَهَا ... تيَّارُهَا ووقَاهَا طينهَا الصَّدَفُ
أراد اللؤلؤة الكبيرة. قاله علي، وابن عباس أيضاً.
وقيل: «المرجان» : حجر أحمر.
وقيل: حجر شديد البياض، والمرجان أعجمي.
قال ابن دريد: لم أسمع فيه كلاماً منصرفاً.
و «اللؤلؤ» ، بناء غريب لم يرد على هذه الصيغة إلا خمسة ألفاظ: اللؤلؤ، و «الجُؤجؤ» وهو الصَّدر، و «الدُّردؤ» ، و «اليُؤيُؤ» - لطائر - و «البُؤبؤ» - بالموحدتين - وهو الأصل، و «اللُّؤلُؤ» - بضمتين - والهمز هو المشهور.
وإبدال الهمزة واواً شائع فصيح وقد تقدم ذلك.
وقرأ طلحة: «اللُّؤلِىء» - بكسر اللام الثالثة - وهي لغة محفوظة، ونقل عنه أبو الفضل: «اللُّولِي» بقلب الهمزة الأخيرة ياء ساكنة، كأنه لما كسر ما قبل الهمزة قلبها ياء استثقالاً.
وقرأ أبو عمرو في رواية: «يُخْرِجُ» أي: الله تعالى، وروي عنه، وعن ابن مقسم: «نُخْرِج» بنون العظمةِ.
و «اللؤلؤ والمرجان» على هاتين القراءتين منصوبان.
فصل في مناسبة نعمة اللؤلؤ والمرجان للنعم السابقة
قال ابن الخطيب: فإن قيل: أي نعمة عظيمة في «اللُّولؤ والمرجان» حتى ذكرهما مع نعمة تعليم القرآن وخلق الإنسان؟ .
وأجاب بأن النعم منها خلق الضَّروريات كالأرض التي له مكاناً، وكذا الرزق الذي به بقاؤه.
ومنها ما يحتاج إليه، وإن لم يكن ضروريًّا كالحيوان، وإجراء الشمس والقمر.
ومنها المنافع وإن لم يكن محتاجاً إليها كالفاكهة، وخلق البحار، كقوله تعالى: ﴿والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس﴾ [البقرة: 164] .
ومنها الزينة وإن لم يكن نافعاً كاللؤلؤ والمرجان، كقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: 14] ، فالله تعالى ذكر أنواع النعم الأربعة، وصدرها بالنعمة العظيمة التي هي الروح وهو العلم بقوله: ﴿عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: 2] ، أو يقال: بأن المقصود منه عجائب الله لا بيان النعم؛ لأن النعم سبق ذكرها فذكر خلق الإنسان من صلصال، وخلق الجان من مارج من نارٍ، وهذان من العجائب الدَّالة على القدرة، لا من النعم.
واعلم أن الأركان أربعة: التراب والماء والهواء والنار، فالله تعالى بيّن بقوله: ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ ، أن التراب أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ ، أن النار أيضاً أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ أن الماء أصل لمخلوق آخر كالحيوان عجيب، بقي الهواء لكنه غير محسوس، فلم يذكر أنه أصل مخلوق، لكن بين كونه منشئاً للجواري التي في البحر كالأعلام.
فقال: «ولهُ الجوارِ» .
العامة على كسر «الراء» ؛ لأنه منقوص على «مفاعِل» والياء محذوفة لفظاً لالتقاء الساكنين.
وقرأ عبد الله والحسن، ويروى عن أبي عمرو، «برفع الراء تناسياً للمحذوف» . ومنه: [الرجز]
4636 - لَهَا بَنَاتٌ أرْبَعٌ حِسَانُ ... وأرْبَعٌ فثَغْرُهَا ثَمَانُ
وهذا كما قالوا: هذا شاكٍ وقد تقدم تقرير هذا في الأعراف عند قوله: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41] .
قوله: «المُنشآتُ» .
قرأ حمزة، وأبو بكر بخلاف عنه بكسر الشِّين، بمعنى أنها تنشىء الموج بجريها، أو تنشىء السير إقْبَالاً وإدباراً، أو التي رفعت شراعها، والشِّراع: القلاع.
وعن مجاهد: كل ما رفعت قلعها فهي من المنشآت، وإلا فليست منها ونسبة الرَّفع إليها مجاز، كما يقال: أنشأت السَّحابة المطر.
والباقون: بالفتح، وهو اسم مفعول، أي أنشأها الله، أو الناس، أو رفعوا شراعها.
وقرأ ابن أبي عبلة: «المُنَشَّآت» بتشديد الشين مبالغة.
والحسن: «المُنشَّأة» بالإفراد وإبدال الهمزة ألفاً وتاء محذوفة خطاً، فأفرد الصفة ثقة بإفهام الموصوف الجمعية، كقوله: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: 15] .
وأما إبداله الهمزة ألفاً وإن كان قياسها بين بين، فمبالغة في التخفيف.
كقوله: [البسيط]
4637 - إنَّ السِّباعَ لَتَهْدَا فِي مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
أي: «لتهدأ» وأما كتابتها بإلقاء المحذوفة، فاتباعاً للفظها في الوصل.
و «في البَحْر» متعلق ب «المنشآت» أو «المنشأة» ، ورسمه بالتاء بعد الشين في مصاحف «العراق» يقوي قرءاة الكسر، ورسمه بدونها يقوي قراءة الفتح، وحذفوا الألف كما تحذف في سائر جمع المؤنث السالم.
و «كالأعلام» حال، إما من الضمير المستكنّ في «المنشآت» ، وإما من «الجواري» وكلاهما بمعنى واحد.
فصل في المراد بالجواري
«الجَوَارِي» جمع جارية. وهي اسم أو صفة للسفينة، وخصها بالذكر؛ لأن جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك، فيقولون: «لك الفُلْك، ولك المُلْك» .
وإذا خافوا الغرقَ دعوا الله خاصة، وسميت السفينة جارية؛ لأن شأنها ذلك وإن كانت واقفةً في السَّاحل كما سماها في موضع آخر ب «الجارية» ، فقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ [الحاقة: 11] .
وسماها بالفلك قبل أن تكون كذلك، فقال لنوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: 37] ثم بعد ما عملها سمَّاها سفينة، فقال: ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة﴾ [العنكبوت: 15] .
واعلم أن المرأة المملوكة تسمى أيضاً جارية؛ لأن شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها، بخلاف الزَّوجة، فهو من الصفات الغالبة.
و «السفينة» : «فعيلة» بمعنى «فاعلة» عند ابن دريد، أي: تسفن الماء و «فَعِيلَة» بمعنى «مفعولة» عند غيره بمعنى منحوتة، قال ابن الخطيب: فالفُلك أولاً، ثم السفينة، ثم الجارية.
والأعلام: الجبال، والعلم: الطويل، قال: [الرجز]
4638 - إذَا قطعْنَ علماً بَدَا عَلَمْ ... وقالت الخنساء في صخر: [البسيط]
4639 - وإنَّ صَخْراً لتَأتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ ... كَأنَّهُ علمٌ فِي رَأسِهِ نَارُ
أي «جبل» ، فالسفن في البحر كالجبال في البر.
وجمع «الجواري» ووحد «البحر» ، وجمع «الأعلام» إشارة إلى عظمةِ البحر.
الرحمن 55:21
قوله: ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ . لما ذكر الله - تعالى - خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيها من الدلالات على وحدانيته وقدرته، ذكر خلق العالم الصَّغير، فقال: ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ .
قال المفسرون: يعني: آدم من صلصال وهو الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، وشبهه بالفخَّار الذي طبخ.
وقيل: هو طين خلط برملٍ.
وقيل: هو الطين المُنتنُ، من صلَّ اللحم وأصلَّ: إذا أنْتَنَ.
وقال هنا: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ .
وقال في «الحجر» : ﴿مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: 26] وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ [الصافات: 11] .
وقال: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] .
وكله متفق المعنى، وذلك أنه أخذ من تراب الأرض، فعجنه فصار طيناً، ثم انتقل فصار كالحَمَأ المسنون، ثم يبس فصار صلصالاً كالفخار.
فقوله: «كالفخَّار» نعت ل «صَلْصَالٍ» . وتقدم تفسيره.
قوله: ﴿وَخَلَقَ الجآن﴾ .
قيل هو اسم جنس كالإنسان.
وقيل: هو أبو الجن «إبليس» .
وقيل: هو أبوهم، وليس ب «إبليس» .
قوله: ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ «من» الأولى لابتداء الغاية.
وفي الثانية وجهان:
أحدهما: أنها للبيان.
والثاني: أنها للتبعيض.
و «المَارِجُ» : قيل: ما اختلط من أحمر وأصفر وأخضر، وهذا مشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة مختلطاً بعضها ببعض.
وقيل: الخالص.
وقيل: الأحمر وقيل: الحمرة في طرف النَّار.
وقيل المختلط بسواد.
وقيل: اللهب المضطرب.
وقال الليث: «المارج» : الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد، وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: أنه اللهب الذي يعلو النَّار، فيختلط بعضه ببعض أحمر وأخضر وأصفر، ونحوه عن مجاهد.
وقيل: «المَارِجُ» المرسل غير ممنوع.
قال المبرد: «المارج» : النار المرسلة التي لا تمنع.
وقال أبو عبيدة والحسن: «المارج» : المختلط النار، وأصله من مرج إذا اضطرب، واختلط.
قال القرطبي: يروى أن الله - تعالى - خلق نارين، فمرج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما الأخرى، وهي نار السَّمُوم، فخلق منها «إبليس» .
قال القشيري: «والمارج» في اللغة: المرسل أو المختلط، وهو فاعل بمعنى مفعول كقوله: ﴿مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] و ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] ، والمعنى: «ذو مرج» .
﴿مِّن نَّارٍ﴾ نعت ل ﴿مَّارِجٍ﴾ .
وتقدم الكلام على قوله: «فبأي آلاء» إلى آخرها.
قوله تعالى: ﴿رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين﴾ .
العامة على رفعه.
وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه مبتدأ، خبره ﴿مَرَجَ البحرين﴾ ، وما بينهما اعتراض.
الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: «هُو ربُّ» أي: ذلك الذي فعل هذه الأشياء.
الثالث: أنه بدل من الضمير في «خلق» .
وابن أبي عبلة: «ربّ» بالجر، بدلاً أو بياناً ل «ربّكما» .
قال مكي: ويجوز في الكلام الخفض على البدل من «ربكما» ، كأنه لم يطلع على أنها قراءة منقولة.
و «المشرقان» : قيل: مشرقا الشتاء والصيف ومغرباهما.
وقيل: مشرقا الشمس والقمر ومغرباهما، وذكر غاية ارتفاعهما، وغاية انحطاطهما إشارة إلى أن الطرفين يتناول ما بينهما كقولك في وصف ملك عظيم: (له المشرق والمغرب) فيفهم منه أن له ما بينهما.
ويؤيده قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ المشارق والمغارب﴾ [المعارج: 40] .
قوله تعالى: ﴿مَرَجَ البحرين﴾ أي: خلَّى وأرسل وأهمل، يقال: مرج الناس السلطان، أي: أهملهم، وأصل المَرْج الإهمال كما تمرج الدَّابة في المَرْعى ويقال: مرج خلط.
وقال الأخفش: ويقول قوم: أمرج البحرين مثل «مرج» فيكون «فَعَلَ وأفْعَلَ» بمعنى.
و «البَحْرين» : قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: بحر السماء، وبحر الأرض.
قال سعيد بن جبير: يلتقيان في كل عام.
وقيل: يلتقي طرفاهما.
وقال الحسن وقتادة: بحر «فارس» و «الروم» .
وقال ابن جريج: البحر المالح، والأنهار العذبة.
وقيل: بحر المشرق، وبحر المغرب يلتقي طرفاهما.
وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان.
«بينهما برزخ» حاجز.
قوله: «يلتقيان» حال من «البَحريْنِ» وهي قريبة من الحال المقدرة، ويجوز بتجوّز أن تكون مقارنة.
و «بَينهُمَا بَرزخٌ» يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون حالاً، وأن يكون الظَّرف وحده هو الحال، و «البَرْزَخُ» فاعل به، وهو أحسن لقربه من المفرد.
وفي صاحب الحال وجهان:
أحدهما: هو البحرين.
والثاني: هو فاعل «يَلْتقيان» .
و «لا يَبْغِيَان» حال أخرى كالتي قبلها، أي: مرجهُمَا غير باغيين أو يلتقيان غير باغِيين، أو بينهما برزخٌ في حال عدم بغيهما، وهذه الحال في قوة التعليل، إذ المعنى: «لئلاَّ يَبْغِيانِ» .
وقد تمحّل بعضهم، وقال: أصل ذلك لئلا يبغيا ثم حذف حرف العلة، وهو مطّرد مع «أن» و «إن» ، ثم حذفت «أن» أيضاً، وهو حذف مطرد، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: 24] ، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، وهذا غير ممنوع، إلا أنه تكرر فيه الحذف.
وله أن يقول: قد جاء الحذف أكثر من ذلك فيما هو أخفى من هذا، كما سيأتي في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: 82] .
فصل في مناسبة هذه الآية لما قبلها
لما ذكر الشمس والقمر، وهما يجريان في الفلك كما يجري الفلك في البحر، كقوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33] ، فذكر البحرين عقيب المشرقين والمغربين، أو لأن المشرقين والمغربين يكونان في البر والبحر، فذكر البحر بعد ذكر البر؛ لانحصار البر والبحر بين المشرق والغرب.
قوله: «بينهما بَرْزَخ» أي: حاجز، «لا يبْغِيَان» ، فعلى القول الأول بأنهما بحر السماء، وبحر الأرض، فالحاجز الذي بينهما هو ما بين السماء والأرض. قاله الضحاك.
وعلى الأقوال الباقية: الحاجز: هو الأرض التي بينهما. قاله الحسن وقتادة.
وقال بعضهم: الحاجز: هو القدرة الإلهية.
وقوله: «لا يَبْغِيَان» . قال قتادة: لا يبغيان على النَّاس فيغرقانهم، جعل بينهم وبين الناس اليبس.
وقال مجاهد وقتادة أيضاً: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه.
وقال ابن زيد: «لا يبغيان» أي يلتقيان، تقديره: مرج البحرين يلتقيان لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا.
وقيل: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، أي: بينهما مدة قدرها الله تعالى، وهي مدة الدنيا فهما لا يبغيان، فإذا أذنَ الله بانقضاء الدنيا صار البحران شيئاً واحداً، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: 3] .
وقال سهل بن عبد الله: البحران: طريق الخير والشر، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة.
فصل في إحاطة البحار بالأرض
قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - خلق في الأرض بحاراً تحيط بها الأرض، وخلق بحراً محيطاً بالأرض أحاط به الهواء، كما قال به أهل الهيئةِ، وهذه البحار التي في الأرض لها اتصال بالبحر المحيط، ثم إنهما لا يبغيان على الأرض، ولا يغطيانها بفضل الله لتكون الأرض بارزة يتخذها الإنسان مكاناً، وعند النظر إلى أمر الأرض يحار الطبيعي ويتلجلج في الكلام، فإن عندهم أن طبع الأرض يكون في المركز مغموراً بالماء، ويكون الماء محيطاً بجميع جوانبه، فإذا سئلوا عن ظهور الأرض من الماء قالوا: جذب في الأرض.
فإذا قيل لهم: لماذا تجذب؟ وما سبب الجذب؟ .
فالذي عنده قليل من الحق أسند ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته، والآخر يقول: ذلك بحسب اتصالات الكواكب وأوضاعها.
فإن قيل له: لماذا اختلفت أوضاع الكواكب على الوجه الذي أوجب البرد في بعض الأرض دون بعض؟ بهت كما بهت الذي كفر، ويرجع إلى الحق إن هداه الله تعالى.
وقال ابن الخطيب: ومعنى الآية أن الله - تعالى - أرسل بعض البحرين إلى بعض، ومن شأنهما الاختلاط فحجزهما ببرزخ من قدرته، فهما لا يبغيان، أي: لا يجاوز كل واحدٍ منهما ما حد له.
و «البَغْي» : مجاوزة الحد، أو من الابتغاء وهو الطَّلب، أي: لا يطلبان غير ما قدر لهما.
قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ قرأ نافع، وأبو عمرو: «يُخْرَجُ» مبنيًّا للمفعول، والباقون: مبنيًّا للفاعل على المجاز.
قالوا: ثم مضاف محذوف، أي «من أحدهما» ؛ لأن ذلك لم يؤخذ من البحر العذب حتى عابُوا قول الشاعر: [الطويل]
4634 - فَجَاءَ بِهَا ما شِئْتَ مِنْ لطَمِيَّةٍ ... على وجْهِهَا مَاءُ الفُراتِ يَمُوجُ
قال مكي: «كما قال: ﴿على رَجُلٍ مِّنَ القريتين﴾ [الزخرف: 31] ، أي: من إحدى القريتين، فحذف المضاف كثير شائع» .
وقيل: هو كقوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: 61] وإنما الناسي فتاه، ويعزى هذا لأبي عبيدة.
قال البغوي: وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئين، ثم يخص أحدهما بفعل، كقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: 130] ، ثم كانت الرسل من الإنس.
وقيل: يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان.
وقيل: بل يخرجان منهما جميعاً.
ثم ذكروا أقاويل.
منها: أنهما يخرجان من المِلْح في المواضع الذي يقع فيه العذب، وهذا مشاهد عند الغواصين، وهو قول الجمهور، فناسب ذلك إسناده إليهما.
ومنها: قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر، والصدف تفتح أفواهها للمطر، وقد شاهده الناس، فيكون تولده من بحر السماء، وبحر الأرض. وهذا قول الطبري.
ومنها: أن العذب في الملح كاللقاح، كما يقال: الولد يخرج من الذَّكر والأنثى.
ومنها: أنه قيل: منهما من حيثُ هما نوع واحد، فخروج هذه الأشياء إنما هي منهما، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح: 16] وإنما هو في واحدةٍ منهن.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم قال:» منهما «، وإنما يخرجان من الملح؟
قلت: لما التقيا، وصارا كالشيء الواحد، جاز أن يقال: يخرجان منهما كما يقال: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، وإنما يخرجان من بعضه، وتقول: خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلَّةٍ واحدة من محاله، بل من دارٍ واحدة من دُورهِ، وقيل: لا يخرجان إلاَّ من ملتقى الملح والعذب» . انتهى.
وقال بعضهم: كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض النَّاسِ، فمن الجائز أن يسوقها من البحر العذب إلى الملح، واتفقُوا أنهم لم يخرجوها إلا من الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التُّجَّار المترددين القاطعين المفاوز، فكيف بما هو في قَعْرِ البحر؟ .
فالجواب عن هذا: أن الله لا يخاطب الناس، ولا يمنن عليهم إلا بما يألفون، ويشاهدون.
و «اللؤلؤ» : قيل: كِبارُ الجوهر، والمرجان: صغاره. قاله علي، وابن عباس، والضحاك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وقيل بالعكس، وأنشدوا قول الأعشى رَحِمَهُ اللَّهُ: [البسيط] 4635 - مِنْ كُلِّ مَرْجَانةٍ فِي البَحْرِ أحْرَزَهَا ... تيَّارُهَا ووقَاهَا طينهَا الصَّدَفُ
أراد اللؤلؤة الكبيرة. قاله علي، وابن عباس أيضاً.
وقيل: «المرجان» : حجر أحمر.
وقيل: حجر شديد البياض، والمرجان أعجمي.
قال ابن دريد: لم أسمع فيه كلاماً منصرفاً.
و «اللؤلؤ» ، بناء غريب لم يرد على هذه الصيغة إلا خمسة ألفاظ: اللؤلؤ، و «الجُؤجؤ» وهو الصَّدر، و «الدُّردؤ» ، و «اليُؤيُؤ» - لطائر - و «البُؤبؤ» - بالموحدتين - وهو الأصل، و «اللُّؤلُؤ» - بضمتين - والهمز هو المشهور.
وإبدال الهمزة واواً شائع فصيح وقد تقدم ذلك.
وقرأ طلحة: «اللُّؤلِىء» - بكسر اللام الثالثة - وهي لغة محفوظة، ونقل عنه أبو الفضل: «اللُّولِي» بقلب الهمزة الأخيرة ياء ساكنة، كأنه لما كسر ما قبل الهمزة قلبها ياء استثقالاً.
وقرأ أبو عمرو في رواية: «يُخْرِجُ» أي: الله تعالى، وروي عنه، وعن ابن مقسم: «نُخْرِج» بنون العظمةِ.
و «اللؤلؤ والمرجان» على هاتين القراءتين منصوبان.
فصل في مناسبة نعمة اللؤلؤ والمرجان للنعم السابقة
قال ابن الخطيب: فإن قيل: أي نعمة عظيمة في «اللُّولؤ والمرجان» حتى ذكرهما مع نعمة تعليم القرآن وخلق الإنسان؟ .
وأجاب بأن النعم منها خلق الضَّروريات كالأرض التي له مكاناً، وكذا الرزق الذي به بقاؤه.
ومنها ما يحتاج إليه، وإن لم يكن ضروريًّا كالحيوان، وإجراء الشمس والقمر.
ومنها المنافع وإن لم يكن محتاجاً إليها كالفاكهة، وخلق البحار، كقوله تعالى: ﴿والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس﴾ [البقرة: 164] .
ومنها الزينة وإن لم يكن نافعاً كاللؤلؤ والمرجان، كقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: 14] ، فالله تعالى ذكر أنواع النعم الأربعة، وصدرها بالنعمة العظيمة التي هي الروح وهو العلم بقوله: ﴿عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: 2] ، أو يقال: بأن المقصود منه عجائب الله لا بيان النعم؛ لأن النعم سبق ذكرها فذكر خلق الإنسان من صلصال، وخلق الجان من مارج من نارٍ، وهذان من العجائب الدَّالة على القدرة، لا من النعم.
واعلم أن الأركان أربعة: التراب والماء والهواء والنار، فالله تعالى بيّن بقوله: ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ ، أن التراب أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ ، أن النار أيضاً أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ أن الماء أصل لمخلوق آخر كالحيوان عجيب، بقي الهواء لكنه غير محسوس، فلم يذكر أنه أصل مخلوق، لكن بين كونه منشئاً للجواري التي في البحر كالأعلام.
فقال: «ولهُ الجوارِ» .
العامة على كسر «الراء» ؛ لأنه منقوص على «مفاعِل» والياء محذوفة لفظاً لالتقاء الساكنين.
وقرأ عبد الله والحسن، ويروى عن أبي عمرو، «برفع الراء تناسياً للمحذوف» . ومنه: [الرجز]
4636 - لَهَا بَنَاتٌ أرْبَعٌ حِسَانُ ... وأرْبَعٌ فثَغْرُهَا ثَمَانُ
وهذا كما قالوا: هذا شاكٍ وقد تقدم تقرير هذا في الأعراف عند قوله: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41] .
قوله: «المُنشآتُ» .
قرأ حمزة، وأبو بكر بخلاف عنه بكسر الشِّين، بمعنى أنها تنشىء الموج بجريها، أو تنشىء السير إقْبَالاً وإدباراً، أو التي رفعت شراعها، والشِّراع: القلاع.
وعن مجاهد: كل ما رفعت قلعها فهي من المنشآت، وإلا فليست منها ونسبة الرَّفع إليها مجاز، كما يقال: أنشأت السَّحابة المطر.
والباقون: بالفتح، وهو اسم مفعول، أي أنشأها الله، أو الناس، أو رفعوا شراعها.
وقرأ ابن أبي عبلة: «المُنَشَّآت» بتشديد الشين مبالغة.
والحسن: «المُنشَّأة» بالإفراد وإبدال الهمزة ألفاً وتاء محذوفة خطاً، فأفرد الصفة ثقة بإفهام الموصوف الجمعية، كقوله: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: 15] .
وأما إبداله الهمزة ألفاً وإن كان قياسها بين بين، فمبالغة في التخفيف.
كقوله: [البسيط]
4637 - إنَّ السِّباعَ لَتَهْدَا فِي مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
أي: «لتهدأ» وأما كتابتها بإلقاء المحذوفة، فاتباعاً للفظها في الوصل.
و «في البَحْر» متعلق ب «المنشآت» أو «المنشأة» ، ورسمه بالتاء بعد الشين في مصاحف «العراق» يقوي قرءاة الكسر، ورسمه بدونها يقوي قراءة الفتح، وحذفوا الألف كما تحذف في سائر جمع المؤنث السالم.
و «كالأعلام» حال، إما من الضمير المستكنّ في «المنشآت» ، وإما من «الجواري» وكلاهما بمعنى واحد.
فصل في المراد بالجواري
«الجَوَارِي» جمع جارية. وهي اسم أو صفة للسفينة، وخصها بالذكر؛ لأن جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك، فيقولون: «لك الفُلْك، ولك المُلْك» .
وإذا خافوا الغرقَ دعوا الله خاصة، وسميت السفينة جارية؛ لأن شأنها ذلك وإن كانت واقفةً في السَّاحل كما سماها في موضع آخر ب «الجارية» ، فقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ [الحاقة: 11] .
وسماها بالفلك قبل أن تكون كذلك، فقال لنوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: 37] ثم بعد ما عملها سمَّاها سفينة، فقال: ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة﴾ [العنكبوت: 15] .
واعلم أن المرأة المملوكة تسمى أيضاً جارية؛ لأن شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها، بخلاف الزَّوجة، فهو من الصفات الغالبة.
و «السفينة» : «فعيلة» بمعنى «فاعلة» عند ابن دريد، أي: تسفن الماء و «فَعِيلَة» بمعنى «مفعولة» عند غيره بمعنى منحوتة، قال ابن الخطيب: فالفُلك أولاً، ثم السفينة، ثم الجارية.
والأعلام: الجبال، والعلم: الطويل، قال: [الرجز]
4638 - إذَا قطعْنَ علماً بَدَا عَلَمْ ... وقالت الخنساء في صخر: [البسيط]
4639 - وإنَّ صَخْراً لتَأتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ ... كَأنَّهُ علمٌ فِي رَأسِهِ نَارُ
أي «جبل» ، فالسفن في البحر كالجبال في البر.
وجمع «الجواري» ووحد «البحر» ، وجمع «الأعلام» إشارة إلى عظمةِ البحر.
الرحمن 55:22
قوله: ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ . لما ذكر الله - تعالى - خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيها من الدلالات على وحدانيته وقدرته، ذكر خلق العالم الصَّغير، فقال: ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ .
قال المفسرون: يعني: آدم من صلصال وهو الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، وشبهه بالفخَّار الذي طبخ.
وقيل: هو طين خلط برملٍ.
وقيل: هو الطين المُنتنُ، من صلَّ اللحم وأصلَّ: إذا أنْتَنَ.
وقال هنا: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ .
وقال في «الحجر» : ﴿مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: 26] وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ [الصافات: 11] .
وقال: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] .
وكله متفق المعنى، وذلك أنه أخذ من تراب الأرض، فعجنه فصار طيناً، ثم انتقل فصار كالحَمَأ المسنون، ثم يبس فصار صلصالاً كالفخار.
فقوله: «كالفخَّار» نعت ل «صَلْصَالٍ» . وتقدم تفسيره.
قوله: ﴿وَخَلَقَ الجآن﴾ .
قيل هو اسم جنس كالإنسان.
وقيل: هو أبو الجن «إبليس» .
وقيل: هو أبوهم، وليس ب «إبليس» .
قوله: ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ «من» الأولى لابتداء الغاية.
وفي الثانية وجهان:
أحدهما: أنها للبيان.
والثاني: أنها للتبعيض.
و «المَارِجُ» : قيل: ما اختلط من أحمر وأصفر وأخضر، وهذا مشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة مختلطاً بعضها ببعض.
وقيل: الخالص.
وقيل: الأحمر وقيل: الحمرة في طرف النَّار.
وقيل المختلط بسواد.
وقيل: اللهب المضطرب.
وقال الليث: «المارج» : الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد، وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: أنه اللهب الذي يعلو النَّار، فيختلط بعضه ببعض أحمر وأخضر وأصفر، ونحوه عن مجاهد.
وقيل: «المَارِجُ» المرسل غير ممنوع.
قال المبرد: «المارج» : النار المرسلة التي لا تمنع.
وقال أبو عبيدة والحسن: «المارج» : المختلط النار، وأصله من مرج إذا اضطرب، واختلط.
قال القرطبي: يروى أن الله - تعالى - خلق نارين، فمرج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما الأخرى، وهي نار السَّمُوم، فخلق منها «إبليس» .
قال القشيري: «والمارج» في اللغة: المرسل أو المختلط، وهو فاعل بمعنى مفعول كقوله: ﴿مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] و ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] ، والمعنى: «ذو مرج» .
﴿مِّن نَّارٍ﴾ نعت ل ﴿مَّارِجٍ﴾ .
وتقدم الكلام على قوله: «فبأي آلاء» إلى آخرها.
قوله تعالى: ﴿رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين﴾ .
العامة على رفعه.
وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه مبتدأ، خبره ﴿مَرَجَ البحرين﴾ ، وما بينهما اعتراض.
الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: «هُو ربُّ» أي: ذلك الذي فعل هذه الأشياء.
الثالث: أنه بدل من الضمير في «خلق» .
وابن أبي عبلة: «ربّ» بالجر، بدلاً أو بياناً ل «ربّكما» .
قال مكي: ويجوز في الكلام الخفض على البدل من «ربكما» ، كأنه لم يطلع على أنها قراءة منقولة.
و «المشرقان» : قيل: مشرقا الشتاء والصيف ومغرباهما.
وقيل: مشرقا الشمس والقمر ومغرباهما، وذكر غاية ارتفاعهما، وغاية انحطاطهما إشارة إلى أن الطرفين يتناول ما بينهما كقولك في وصف ملك عظيم: (له المشرق والمغرب) فيفهم منه أن له ما بينهما.
ويؤيده قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ المشارق والمغارب﴾ [المعارج: 40] .
قوله تعالى: ﴿مَرَجَ البحرين﴾ أي: خلَّى وأرسل وأهمل، يقال: مرج الناس السلطان، أي: أهملهم، وأصل المَرْج الإهمال كما تمرج الدَّابة في المَرْعى ويقال: مرج خلط.
وقال الأخفش: ويقول قوم: أمرج البحرين مثل «مرج» فيكون «فَعَلَ وأفْعَلَ» بمعنى.
و «البَحْرين» : قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: بحر السماء، وبحر الأرض.
قال سعيد بن جبير: يلتقيان في كل عام.
وقيل: يلتقي طرفاهما.
وقال الحسن وقتادة: بحر «فارس» و «الروم» .
وقال ابن جريج: البحر المالح، والأنهار العذبة.
وقيل: بحر المشرق، وبحر المغرب يلتقي طرفاهما.
وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان.
«بينهما برزخ» حاجز.
قوله: «يلتقيان» حال من «البَحريْنِ» وهي قريبة من الحال المقدرة، ويجوز بتجوّز أن تكون مقارنة.
و «بَينهُمَا بَرزخٌ» يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون حالاً، وأن يكون الظَّرف وحده هو الحال، و «البَرْزَخُ» فاعل به، وهو أحسن لقربه من المفرد.
وفي صاحب الحال وجهان:
أحدهما: هو البحرين.
والثاني: هو فاعل «يَلْتقيان» .
و «لا يَبْغِيَان» حال أخرى كالتي قبلها، أي: مرجهُمَا غير باغيين أو يلتقيان غير باغِيين، أو بينهما برزخٌ في حال عدم بغيهما، وهذه الحال في قوة التعليل، إذ المعنى: «لئلاَّ يَبْغِيانِ» .
وقد تمحّل بعضهم، وقال: أصل ذلك لئلا يبغيا ثم حذف حرف العلة، وهو مطّرد مع «أن» و «إن» ، ثم حذفت «أن» أيضاً، وهو حذف مطرد، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: 24] ، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، وهذا غير ممنوع، إلا أنه تكرر فيه الحذف.
وله أن يقول: قد جاء الحذف أكثر من ذلك فيما هو أخفى من هذا، كما سيأتي في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: 82] .
فصل في مناسبة هذه الآية لما قبلها
لما ذكر الشمس والقمر، وهما يجريان في الفلك كما يجري الفلك في البحر، كقوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33] ، فذكر البحرين عقيب المشرقين والمغربين، أو لأن المشرقين والمغربين يكونان في البر والبحر، فذكر البحر بعد ذكر البر؛ لانحصار البر والبحر بين المشرق والغرب.
قوله: «بينهما بَرْزَخ» أي: حاجز، «لا يبْغِيَان» ، فعلى القول الأول بأنهما بحر السماء، وبحر الأرض، فالحاجز الذي بينهما هو ما بين السماء والأرض. قاله الضحاك.
وعلى الأقوال الباقية: الحاجز: هو الأرض التي بينهما. قاله الحسن وقتادة.
وقال بعضهم: الحاجز: هو القدرة الإلهية.
وقوله: «لا يَبْغِيَان» . قال قتادة: لا يبغيان على النَّاس فيغرقانهم، جعل بينهم وبين الناس اليبس.
وقال مجاهد وقتادة أيضاً: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه.
وقال ابن زيد: «لا يبغيان» أي يلتقيان، تقديره: مرج البحرين يلتقيان لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا.
وقيل: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، أي: بينهما مدة قدرها الله تعالى، وهي مدة الدنيا فهما لا يبغيان، فإذا أذنَ الله بانقضاء الدنيا صار البحران شيئاً واحداً، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: 3] .
وقال سهل بن عبد الله: البحران: طريق الخير والشر، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة.
فصل في إحاطة البحار بالأرض
قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - خلق في الأرض بحاراً تحيط بها الأرض، وخلق بحراً محيطاً بالأرض أحاط به الهواء، كما قال به أهل الهيئةِ، وهذه البحار التي في الأرض لها اتصال بالبحر المحيط، ثم إنهما لا يبغيان على الأرض، ولا يغطيانها بفضل الله لتكون الأرض بارزة يتخذها الإنسان مكاناً، وعند النظر إلى أمر الأرض يحار الطبيعي ويتلجلج في الكلام، فإن عندهم أن طبع الأرض يكون في المركز مغموراً بالماء، ويكون الماء محيطاً بجميع جوانبه، فإذا سئلوا عن ظهور الأرض من الماء قالوا: جذب في الأرض.
فإذا قيل لهم: لماذا تجذب؟ وما سبب الجذب؟ .
فالذي عنده قليل من الحق أسند ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته، والآخر يقول: ذلك بحسب اتصالات الكواكب وأوضاعها.
فإن قيل له: لماذا اختلفت أوضاع الكواكب على الوجه الذي أوجب البرد في بعض الأرض دون بعض؟ بهت كما بهت الذي كفر، ويرجع إلى الحق إن هداه الله تعالى.
وقال ابن الخطيب: ومعنى الآية أن الله - تعالى - أرسل بعض البحرين إلى بعض، ومن شأنهما الاختلاط فحجزهما ببرزخ من قدرته، فهما لا يبغيان، أي: لا يجاوز كل واحدٍ منهما ما حد له.
و «البَغْي» : مجاوزة الحد، أو من الابتغاء وهو الطَّلب، أي: لا يطلبان غير ما قدر لهما.
قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ قرأ نافع، وأبو عمرو: «يُخْرَجُ» مبنيًّا للمفعول، والباقون: مبنيًّا للفاعل على المجاز.
قالوا: ثم مضاف محذوف، أي «من أحدهما» ؛ لأن ذلك لم يؤخذ من البحر العذب حتى عابُوا قول الشاعر: [الطويل]
4634 - فَجَاءَ بِهَا ما شِئْتَ مِنْ لطَمِيَّةٍ ... على وجْهِهَا مَاءُ الفُراتِ يَمُوجُ
قال مكي: «كما قال: ﴿على رَجُلٍ مِّنَ القريتين﴾ [الزخرف: 31] ، أي: من إحدى القريتين، فحذف المضاف كثير شائع» .
وقيل: هو كقوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: 61] وإنما الناسي فتاه، ويعزى هذا لأبي عبيدة.
قال البغوي: وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئين، ثم يخص أحدهما بفعل، كقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: 130] ، ثم كانت الرسل من الإنس.
وقيل: يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان.
وقيل: بل يخرجان منهما جميعاً.
ثم ذكروا أقاويل.
منها: أنهما يخرجان من المِلْح في المواضع الذي يقع فيه العذب، وهذا مشاهد عند الغواصين، وهو قول الجمهور، فناسب ذلك إسناده إليهما.
ومنها: قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر، والصدف تفتح أفواهها للمطر، وقد شاهده الناس، فيكون تولده من بحر السماء، وبحر الأرض. وهذا قول الطبري.
ومنها: أن العذب في الملح كاللقاح، كما يقال: الولد يخرج من الذَّكر والأنثى.
ومنها: أنه قيل: منهما من حيثُ هما نوع واحد، فخروج هذه الأشياء إنما هي منهما، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح: 16] وإنما هو في واحدةٍ منهن.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم قال:» منهما «، وإنما يخرجان من الملح؟
قلت: لما التقيا، وصارا كالشيء الواحد، جاز أن يقال: يخرجان منهما كما يقال: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، وإنما يخرجان من بعضه، وتقول: خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلَّةٍ واحدة من محاله، بل من دارٍ واحدة من دُورهِ، وقيل: لا يخرجان إلاَّ من ملتقى الملح والعذب» . انتهى.
وقال بعضهم: كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض النَّاسِ، فمن الجائز أن يسوقها من البحر العذب إلى الملح، واتفقُوا أنهم لم يخرجوها إلا من الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التُّجَّار المترددين القاطعين المفاوز، فكيف بما هو في قَعْرِ البحر؟ .
فالجواب عن هذا: أن الله لا يخاطب الناس، ولا يمنن عليهم إلا بما يألفون، ويشاهدون.
و «اللؤلؤ» : قيل: كِبارُ الجوهر، والمرجان: صغاره. قاله علي، وابن عباس، والضحاك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وقيل بالعكس، وأنشدوا قول الأعشى رَحِمَهُ اللَّهُ: [البسيط] 4635 - مِنْ كُلِّ مَرْجَانةٍ فِي البَحْرِ أحْرَزَهَا ... تيَّارُهَا ووقَاهَا طينهَا الصَّدَفُ
أراد اللؤلؤة الكبيرة. قاله علي، وابن عباس أيضاً.
وقيل: «المرجان» : حجر أحمر.
وقيل: حجر شديد البياض، والمرجان أعجمي.
قال ابن دريد: لم أسمع فيه كلاماً منصرفاً.
و «اللؤلؤ» ، بناء غريب لم يرد على هذه الصيغة إلا خمسة ألفاظ: اللؤلؤ، و «الجُؤجؤ» وهو الصَّدر، و «الدُّردؤ» ، و «اليُؤيُؤ» - لطائر - و «البُؤبؤ» - بالموحدتين - وهو الأصل، و «اللُّؤلُؤ» - بضمتين - والهمز هو المشهور.
وإبدال الهمزة واواً شائع فصيح وقد تقدم ذلك.
وقرأ طلحة: «اللُّؤلِىء» - بكسر اللام الثالثة - وهي لغة محفوظة، ونقل عنه أبو الفضل: «اللُّولِي» بقلب الهمزة الأخيرة ياء ساكنة، كأنه لما كسر ما قبل الهمزة قلبها ياء استثقالاً.
وقرأ أبو عمرو في رواية: «يُخْرِجُ» أي: الله تعالى، وروي عنه، وعن ابن مقسم: «نُخْرِج» بنون العظمةِ.
و «اللؤلؤ والمرجان» على هاتين القراءتين منصوبان.
فصل في مناسبة نعمة اللؤلؤ والمرجان للنعم السابقة
قال ابن الخطيب: فإن قيل: أي نعمة عظيمة في «اللُّولؤ والمرجان» حتى ذكرهما مع نعمة تعليم القرآن وخلق الإنسان؟ .
وأجاب بأن النعم منها خلق الضَّروريات كالأرض التي له مكاناً، وكذا الرزق الذي به بقاؤه.
ومنها ما يحتاج إليه، وإن لم يكن ضروريًّا كالحيوان، وإجراء الشمس والقمر.
ومنها المنافع وإن لم يكن محتاجاً إليها كالفاكهة، وخلق البحار، كقوله تعالى: ﴿والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس﴾ [البقرة: 164] .
ومنها الزينة وإن لم يكن نافعاً كاللؤلؤ والمرجان، كقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: 14] ، فالله تعالى ذكر أنواع النعم الأربعة، وصدرها بالنعمة العظيمة التي هي الروح وهو العلم بقوله: ﴿عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: 2] ، أو يقال: بأن المقصود منه عجائب الله لا بيان النعم؛ لأن النعم سبق ذكرها فذكر خلق الإنسان من صلصال، وخلق الجان من مارج من نارٍ، وهذان من العجائب الدَّالة على القدرة، لا من النعم.
واعلم أن الأركان أربعة: التراب والماء والهواء والنار، فالله تعالى بيّن بقوله: ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ ، أن التراب أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ ، أن النار أيضاً أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ أن الماء أصل لمخلوق آخر كالحيوان عجيب، بقي الهواء لكنه غير محسوس، فلم يذكر أنه أصل مخلوق، لكن بين كونه منشئاً للجواري التي في البحر كالأعلام.
فقال: «ولهُ الجوارِ» .
العامة على كسر «الراء» ؛ لأنه منقوص على «مفاعِل» والياء محذوفة لفظاً لالتقاء الساكنين.
وقرأ عبد الله والحسن، ويروى عن أبي عمرو، «برفع الراء تناسياً للمحذوف» . ومنه: [الرجز]
4636 - لَهَا بَنَاتٌ أرْبَعٌ حِسَانُ ... وأرْبَعٌ فثَغْرُهَا ثَمَانُ
وهذا كما قالوا: هذا شاكٍ وقد تقدم تقرير هذا في الأعراف عند قوله: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41] .
قوله: «المُنشآتُ» .
قرأ حمزة، وأبو بكر بخلاف عنه بكسر الشِّين، بمعنى أنها تنشىء الموج بجريها، أو تنشىء السير إقْبَالاً وإدباراً، أو التي رفعت شراعها، والشِّراع: القلاع.
وعن مجاهد: كل ما رفعت قلعها فهي من المنشآت، وإلا فليست منها ونسبة الرَّفع إليها مجاز، كما يقال: أنشأت السَّحابة المطر.
والباقون: بالفتح، وهو اسم مفعول، أي أنشأها الله، أو الناس، أو رفعوا شراعها.
وقرأ ابن أبي عبلة: «المُنَشَّآت» بتشديد الشين مبالغة.
والحسن: «المُنشَّأة» بالإفراد وإبدال الهمزة ألفاً وتاء محذوفة خطاً، فأفرد الصفة ثقة بإفهام الموصوف الجمعية، كقوله: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: 15] .
وأما إبداله الهمزة ألفاً وإن كان قياسها بين بين، فمبالغة في التخفيف.
كقوله: [البسيط]
4637 - إنَّ السِّباعَ لَتَهْدَا فِي مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
أي: «لتهدأ» وأما كتابتها بإلقاء المحذوفة، فاتباعاً للفظها في الوصل.
و «في البَحْر» متعلق ب «المنشآت» أو «المنشأة» ، ورسمه بالتاء بعد الشين في مصاحف «العراق» يقوي قرءاة الكسر، ورسمه بدونها يقوي قراءة الفتح، وحذفوا الألف كما تحذف في سائر جمع المؤنث السالم.
و «كالأعلام» حال، إما من الضمير المستكنّ في «المنشآت» ، وإما من «الجواري» وكلاهما بمعنى واحد.
فصل في المراد بالجواري
«الجَوَارِي» جمع جارية. وهي اسم أو صفة للسفينة، وخصها بالذكر؛ لأن جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك، فيقولون: «لك الفُلْك، ولك المُلْك» .
وإذا خافوا الغرقَ دعوا الله خاصة، وسميت السفينة جارية؛ لأن شأنها ذلك وإن كانت واقفةً في السَّاحل كما سماها في موضع آخر ب «الجارية» ، فقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ [الحاقة: 11] .
وسماها بالفلك قبل أن تكون كذلك، فقال لنوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: 37] ثم بعد ما عملها سمَّاها سفينة، فقال: ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة﴾ [العنكبوت: 15] .
واعلم أن المرأة المملوكة تسمى أيضاً جارية؛ لأن شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها، بخلاف الزَّوجة، فهو من الصفات الغالبة.
و «السفينة» : «فعيلة» بمعنى «فاعلة» عند ابن دريد، أي: تسفن الماء و «فَعِيلَة» بمعنى «مفعولة» عند غيره بمعنى منحوتة، قال ابن الخطيب: فالفُلك أولاً، ثم السفينة، ثم الجارية.
والأعلام: الجبال، والعلم: الطويل، قال: [الرجز]
4638 - إذَا قطعْنَ علماً بَدَا عَلَمْ ... وقالت الخنساء في صخر: [البسيط]
4639 - وإنَّ صَخْراً لتَأتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ ... كَأنَّهُ علمٌ فِي رَأسِهِ نَارُ
أي «جبل» ، فالسفن في البحر كالجبال في البر.
وجمع «الجواري» ووحد «البحر» ، وجمع «الأعلام» إشارة إلى عظمةِ البحر.
الرحمن 55:23
قوله: ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ . لما ذكر الله - تعالى - خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيها من الدلالات على وحدانيته وقدرته، ذكر خلق العالم الصَّغير، فقال: ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ .
قال المفسرون: يعني: آدم من صلصال وهو الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، وشبهه بالفخَّار الذي طبخ.
وقيل: هو طين خلط برملٍ.
وقيل: هو الطين المُنتنُ، من صلَّ اللحم وأصلَّ: إذا أنْتَنَ.
وقال هنا: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ .
وقال في «الحجر» : ﴿مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: 26] وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ [الصافات: 11] .
وقال: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] .
وكله متفق المعنى، وذلك أنه أخذ من تراب الأرض، فعجنه فصار طيناً، ثم انتقل فصار كالحَمَأ المسنون، ثم يبس فصار صلصالاً كالفخار.
فقوله: «كالفخَّار» نعت ل «صَلْصَالٍ» . وتقدم تفسيره.
قوله: ﴿وَخَلَقَ الجآن﴾ .
قيل هو اسم جنس كالإنسان.
وقيل: هو أبو الجن «إبليس» .
وقيل: هو أبوهم، وليس ب «إبليس» .
قوله: ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ «من» الأولى لابتداء الغاية.
وفي الثانية وجهان:
أحدهما: أنها للبيان.
والثاني: أنها للتبعيض.
و «المَارِجُ» : قيل: ما اختلط من أحمر وأصفر وأخضر، وهذا مشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة مختلطاً بعضها ببعض.
وقيل: الخالص.
وقيل: الأحمر وقيل: الحمرة في طرف النَّار.
وقيل المختلط بسواد.
وقيل: اللهب المضطرب.
وقال الليث: «المارج» : الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد، وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: أنه اللهب الذي يعلو النَّار، فيختلط بعضه ببعض أحمر وأخضر وأصفر، ونحوه عن مجاهد.
وقيل: «المَارِجُ» المرسل غير ممنوع.
قال المبرد: «المارج» : النار المرسلة التي لا تمنع.
وقال أبو عبيدة والحسن: «المارج» : المختلط النار، وأصله من مرج إذا اضطرب، واختلط.
قال القرطبي: يروى أن الله - تعالى - خلق نارين، فمرج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما الأخرى، وهي نار السَّمُوم، فخلق منها «إبليس» .
قال القشيري: «والمارج» في اللغة: المرسل أو المختلط، وهو فاعل بمعنى مفعول كقوله: ﴿مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] و ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] ، والمعنى: «ذو مرج» .
﴿مِّن نَّارٍ﴾ نعت ل ﴿مَّارِجٍ﴾ .
وتقدم الكلام على قوله: «فبأي آلاء» إلى آخرها.
قوله تعالى: ﴿رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين﴾ .
العامة على رفعه.
وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه مبتدأ، خبره ﴿مَرَجَ البحرين﴾ ، وما بينهما اعتراض.
الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: «هُو ربُّ» أي: ذلك الذي فعل هذه الأشياء.
الثالث: أنه بدل من الضمير في «خلق» .
وابن أبي عبلة: «ربّ» بالجر، بدلاً أو بياناً ل «ربّكما» .
قال مكي: ويجوز في الكلام الخفض على البدل من «ربكما» ، كأنه لم يطلع على أنها قراءة منقولة.
و «المشرقان» : قيل: مشرقا الشتاء والصيف ومغرباهما.
وقيل: مشرقا الشمس والقمر ومغرباهما، وذكر غاية ارتفاعهما، وغاية انحطاطهما إشارة إلى أن الطرفين يتناول ما بينهما كقولك في وصف ملك عظيم: (له المشرق والمغرب) فيفهم منه أن له ما بينهما.
ويؤيده قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ المشارق والمغارب﴾ [المعارج: 40] .
قوله تعالى: ﴿مَرَجَ البحرين﴾ أي: خلَّى وأرسل وأهمل، يقال: مرج الناس السلطان، أي: أهملهم، وأصل المَرْج الإهمال كما تمرج الدَّابة في المَرْعى ويقال: مرج خلط.
وقال الأخفش: ويقول قوم: أمرج البحرين مثل «مرج» فيكون «فَعَلَ وأفْعَلَ» بمعنى.
و «البَحْرين» : قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: بحر السماء، وبحر الأرض.
قال سعيد بن جبير: يلتقيان في كل عام.
وقيل: يلتقي طرفاهما.
وقال الحسن وقتادة: بحر «فارس» و «الروم» .
وقال ابن جريج: البحر المالح، والأنهار العذبة.
وقيل: بحر المشرق، وبحر المغرب يلتقي طرفاهما.
وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان.
«بينهما برزخ» حاجز.
قوله: «يلتقيان» حال من «البَحريْنِ» وهي قريبة من الحال المقدرة، ويجوز بتجوّز أن تكون مقارنة.
و «بَينهُمَا بَرزخٌ» يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون حالاً، وأن يكون الظَّرف وحده هو الحال، و «البَرْزَخُ» فاعل به، وهو أحسن لقربه من المفرد.
وفي صاحب الحال وجهان:
أحدهما: هو البحرين.
والثاني: هو فاعل «يَلْتقيان» .
و «لا يَبْغِيَان» حال أخرى كالتي قبلها، أي: مرجهُمَا غير باغيين أو يلتقيان غير باغِيين، أو بينهما برزخٌ في حال عدم بغيهما، وهذه الحال في قوة التعليل، إذ المعنى: «لئلاَّ يَبْغِيانِ» .
وقد تمحّل بعضهم، وقال: أصل ذلك لئلا يبغيا ثم حذف حرف العلة، وهو مطّرد مع «أن» و «إن» ، ثم حذفت «أن» أيضاً، وهو حذف مطرد، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: 24] ، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، وهذا غير ممنوع، إلا أنه تكرر فيه الحذف.
وله أن يقول: قد جاء الحذف أكثر من ذلك فيما هو أخفى من هذا، كما سيأتي في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: 82] .
فصل في مناسبة هذه الآية لما قبلها
لما ذكر الشمس والقمر، وهما يجريان في الفلك كما يجري الفلك في البحر، كقوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33] ، فذكر البحرين عقيب المشرقين والمغربين، أو لأن المشرقين والمغربين يكونان في البر والبحر، فذكر البحر بعد ذكر البر؛ لانحصار البر والبحر بين المشرق والغرب.
قوله: «بينهما بَرْزَخ» أي: حاجز، «لا يبْغِيَان» ، فعلى القول الأول بأنهما بحر السماء، وبحر الأرض، فالحاجز الذي بينهما هو ما بين السماء والأرض. قاله الضحاك.
وعلى الأقوال الباقية: الحاجز: هو الأرض التي بينهما. قاله الحسن وقتادة.
وقال بعضهم: الحاجز: هو القدرة الإلهية.
وقوله: «لا يَبْغِيَان» . قال قتادة: لا يبغيان على النَّاس فيغرقانهم، جعل بينهم وبين الناس اليبس.
وقال مجاهد وقتادة أيضاً: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه.
وقال ابن زيد: «لا يبغيان» أي يلتقيان، تقديره: مرج البحرين يلتقيان لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا.
وقيل: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، أي: بينهما مدة قدرها الله تعالى، وهي مدة الدنيا فهما لا يبغيان، فإذا أذنَ الله بانقضاء الدنيا صار البحران شيئاً واحداً، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: 3] .
وقال سهل بن عبد الله: البحران: طريق الخير والشر، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة.
فصل في إحاطة البحار بالأرض
قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - خلق في الأرض بحاراً تحيط بها الأرض، وخلق بحراً محيطاً بالأرض أحاط به الهواء، كما قال به أهل الهيئةِ، وهذه البحار التي في الأرض لها اتصال بالبحر المحيط، ثم إنهما لا يبغيان على الأرض، ولا يغطيانها بفضل الله لتكون الأرض بارزة يتخذها الإنسان مكاناً، وعند النظر إلى أمر الأرض يحار الطبيعي ويتلجلج في الكلام، فإن عندهم أن طبع الأرض يكون في المركز مغموراً بالماء، ويكون الماء محيطاً بجميع جوانبه، فإذا سئلوا عن ظهور الأرض من الماء قالوا: جذب في الأرض.
فإذا قيل لهم: لماذا تجذب؟ وما سبب الجذب؟ .
فالذي عنده قليل من الحق أسند ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته، والآخر يقول: ذلك بحسب اتصالات الكواكب وأوضاعها.
فإن قيل له: لماذا اختلفت أوضاع الكواكب على الوجه الذي أوجب البرد في بعض الأرض دون بعض؟ بهت كما بهت الذي كفر، ويرجع إلى الحق إن هداه الله تعالى.
وقال ابن الخطيب: ومعنى الآية أن الله - تعالى - أرسل بعض البحرين إلى بعض، ومن شأنهما الاختلاط فحجزهما ببرزخ من قدرته، فهما لا يبغيان، أي: لا يجاوز كل واحدٍ منهما ما حد له.
و «البَغْي» : مجاوزة الحد، أو من الابتغاء وهو الطَّلب، أي: لا يطلبان غير ما قدر لهما.
قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ قرأ نافع، وأبو عمرو: «يُخْرَجُ» مبنيًّا للمفعول، والباقون: مبنيًّا للفاعل على المجاز.
قالوا: ثم مضاف محذوف، أي «من أحدهما» ؛ لأن ذلك لم يؤخذ من البحر العذب حتى عابُوا قول الشاعر: [الطويل]
4634 - فَجَاءَ بِهَا ما شِئْتَ مِنْ لطَمِيَّةٍ ... على وجْهِهَا مَاءُ الفُراتِ يَمُوجُ
قال مكي: «كما قال: ﴿على رَجُلٍ مِّنَ القريتين﴾ [الزخرف: 31] ، أي: من إحدى القريتين، فحذف المضاف كثير شائع» .
وقيل: هو كقوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: 61] وإنما الناسي فتاه، ويعزى هذا لأبي عبيدة.
قال البغوي: وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئين، ثم يخص أحدهما بفعل، كقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: 130] ، ثم كانت الرسل من الإنس.
وقيل: يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان.
وقيل: بل يخرجان منهما جميعاً.
ثم ذكروا أقاويل.
منها: أنهما يخرجان من المِلْح في المواضع الذي يقع فيه العذب، وهذا مشاهد عند الغواصين، وهو قول الجمهور، فناسب ذلك إسناده إليهما.
ومنها: قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر، والصدف تفتح أفواهها للمطر، وقد شاهده الناس، فيكون تولده من بحر السماء، وبحر الأرض. وهذا قول الطبري.
ومنها: أن العذب في الملح كاللقاح، كما يقال: الولد يخرج من الذَّكر والأنثى.
ومنها: أنه قيل: منهما من حيثُ هما نوع واحد، فخروج هذه الأشياء إنما هي منهما، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح: 16] وإنما هو في واحدةٍ منهن.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم قال:» منهما «، وإنما يخرجان من الملح؟
قلت: لما التقيا، وصارا كالشيء الواحد، جاز أن يقال: يخرجان منهما كما يقال: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، وإنما يخرجان من بعضه، وتقول: خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلَّةٍ واحدة من محاله، بل من دارٍ واحدة من دُورهِ، وقيل: لا يخرجان إلاَّ من ملتقى الملح والعذب» . انتهى.
وقال بعضهم: كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض النَّاسِ، فمن الجائز أن يسوقها من البحر العذب إلى الملح، واتفقُوا أنهم لم يخرجوها إلا من الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التُّجَّار المترددين القاطعين المفاوز، فكيف بما هو في قَعْرِ البحر؟ .
فالجواب عن هذا: أن الله لا يخاطب الناس، ولا يمنن عليهم إلا بما يألفون، ويشاهدون.
و «اللؤلؤ» : قيل: كِبارُ الجوهر، والمرجان: صغاره. قاله علي، وابن عباس، والضحاك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وقيل بالعكس، وأنشدوا قول الأعشى رَحِمَهُ اللَّهُ: [البسيط] 4635 - مِنْ كُلِّ مَرْجَانةٍ فِي البَحْرِ أحْرَزَهَا ... تيَّارُهَا ووقَاهَا طينهَا الصَّدَفُ
أراد اللؤلؤة الكبيرة. قاله علي، وابن عباس أيضاً.
وقيل: «المرجان» : حجر أحمر.
وقيل: حجر شديد البياض، والمرجان أعجمي.
قال ابن دريد: لم أسمع فيه كلاماً منصرفاً.
و «اللؤلؤ» ، بناء غريب لم يرد على هذه الصيغة إلا خمسة ألفاظ: اللؤلؤ، و «الجُؤجؤ» وهو الصَّدر، و «الدُّردؤ» ، و «اليُؤيُؤ» - لطائر - و «البُؤبؤ» - بالموحدتين - وهو الأصل، و «اللُّؤلُؤ» - بضمتين - والهمز هو المشهور.
وإبدال الهمزة واواً شائع فصيح وقد تقدم ذلك.
وقرأ طلحة: «اللُّؤلِىء» - بكسر اللام الثالثة - وهي لغة محفوظة، ونقل عنه أبو الفضل: «اللُّولِي» بقلب الهمزة الأخيرة ياء ساكنة، كأنه لما كسر ما قبل الهمزة قلبها ياء استثقالاً.
وقرأ أبو عمرو في رواية: «يُخْرِجُ» أي: الله تعالى، وروي عنه، وعن ابن مقسم: «نُخْرِج» بنون العظمةِ.
و «اللؤلؤ والمرجان» على هاتين القراءتين منصوبان.
فصل في مناسبة نعمة اللؤلؤ والمرجان للنعم السابقة
قال ابن الخطيب: فإن قيل: أي نعمة عظيمة في «اللُّولؤ والمرجان» حتى ذكرهما مع نعمة تعليم القرآن وخلق الإنسان؟ .
وأجاب بأن النعم منها خلق الضَّروريات كالأرض التي له مكاناً، وكذا الرزق الذي به بقاؤه.
ومنها ما يحتاج إليه، وإن لم يكن ضروريًّا كالحيوان، وإجراء الشمس والقمر.
ومنها المنافع وإن لم يكن محتاجاً إليها كالفاكهة، وخلق البحار، كقوله تعالى: ﴿والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس﴾ [البقرة: 164] .
ومنها الزينة وإن لم يكن نافعاً كاللؤلؤ والمرجان، كقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: 14] ، فالله تعالى ذكر أنواع النعم الأربعة، وصدرها بالنعمة العظيمة التي هي الروح وهو العلم بقوله: ﴿عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: 2] ، أو يقال: بأن المقصود منه عجائب الله لا بيان النعم؛ لأن النعم سبق ذكرها فذكر خلق الإنسان من صلصال، وخلق الجان من مارج من نارٍ، وهذان من العجائب الدَّالة على القدرة، لا من النعم.
واعلم أن الأركان أربعة: التراب والماء والهواء والنار، فالله تعالى بيّن بقوله: ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ ، أن التراب أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ ، أن النار أيضاً أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ أن الماء أصل لمخلوق آخر كالحيوان عجيب، بقي الهواء لكنه غير محسوس، فلم يذكر أنه أصل مخلوق، لكن بين كونه منشئاً للجواري التي في البحر كالأعلام.
فقال: «ولهُ الجوارِ» .
العامة على كسر «الراء» ؛ لأنه منقوص على «مفاعِل» والياء محذوفة لفظاً لالتقاء الساكنين.
وقرأ عبد الله والحسن، ويروى عن أبي عمرو، «برفع الراء تناسياً للمحذوف» . ومنه: [الرجز]
4636 - لَهَا بَنَاتٌ أرْبَعٌ حِسَانُ ... وأرْبَعٌ فثَغْرُهَا ثَمَانُ
وهذا كما قالوا: هذا شاكٍ وقد تقدم تقرير هذا في الأعراف عند قوله: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41] .
قوله: «المُنشآتُ» .
قرأ حمزة، وأبو بكر بخلاف عنه بكسر الشِّين، بمعنى أنها تنشىء الموج بجريها، أو تنشىء السير إقْبَالاً وإدباراً، أو التي رفعت شراعها، والشِّراع: القلاع.
وعن مجاهد: كل ما رفعت قلعها فهي من المنشآت، وإلا فليست منها ونسبة الرَّفع إليها مجاز، كما يقال: أنشأت السَّحابة المطر.
والباقون: بالفتح، وهو اسم مفعول، أي أنشأها الله، أو الناس، أو رفعوا شراعها.
وقرأ ابن أبي عبلة: «المُنَشَّآت» بتشديد الشين مبالغة.
والحسن: «المُنشَّأة» بالإفراد وإبدال الهمزة ألفاً وتاء محذوفة خطاً، فأفرد الصفة ثقة بإفهام الموصوف الجمعية، كقوله: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: 15] .
وأما إبداله الهمزة ألفاً وإن كان قياسها بين بين، فمبالغة في التخفيف.
كقوله: [البسيط]
4637 - إنَّ السِّباعَ لَتَهْدَا فِي مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
أي: «لتهدأ» وأما كتابتها بإلقاء المحذوفة، فاتباعاً للفظها في الوصل.
و «في البَحْر» متعلق ب «المنشآت» أو «المنشأة» ، ورسمه بالتاء بعد الشين في مصاحف «العراق» يقوي قرءاة الكسر، ورسمه بدونها يقوي قراءة الفتح، وحذفوا الألف كما تحذف في سائر جمع المؤنث السالم.
و «كالأعلام» حال، إما من الضمير المستكنّ في «المنشآت» ، وإما من «الجواري» وكلاهما بمعنى واحد.
فصل في المراد بالجواري
«الجَوَارِي» جمع جارية. وهي اسم أو صفة للسفينة، وخصها بالذكر؛ لأن جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك، فيقولون: «لك الفُلْك، ولك المُلْك» .
وإذا خافوا الغرقَ دعوا الله خاصة، وسميت السفينة جارية؛ لأن شأنها ذلك وإن كانت واقفةً في السَّاحل كما سماها في موضع آخر ب «الجارية» ، فقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ [الحاقة: 11] .
وسماها بالفلك قبل أن تكون كذلك، فقال لنوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: 37] ثم بعد ما عملها سمَّاها سفينة، فقال: ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة﴾ [العنكبوت: 15] .
واعلم أن المرأة المملوكة تسمى أيضاً جارية؛ لأن شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها، بخلاف الزَّوجة، فهو من الصفات الغالبة.
و «السفينة» : «فعيلة» بمعنى «فاعلة» عند ابن دريد، أي: تسفن الماء و «فَعِيلَة» بمعنى «مفعولة» عند غيره بمعنى منحوتة، قال ابن الخطيب: فالفُلك أولاً، ثم السفينة، ثم الجارية.
والأعلام: الجبال، والعلم: الطويل، قال: [الرجز]
4638 - إذَا قطعْنَ علماً بَدَا عَلَمْ ... وقالت الخنساء في صخر: [البسيط]
4639 - وإنَّ صَخْراً لتَأتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ ... كَأنَّهُ علمٌ فِي رَأسِهِ نَارُ
أي «جبل» ، فالسفن في البحر كالجبال في البر.
وجمع «الجواري» ووحد «البحر» ، وجمع «الأعلام» إشارة إلى عظمةِ البحر.
الرحمن 55:24
قوله: ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ . لما ذكر الله - تعالى - خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيها من الدلالات على وحدانيته وقدرته، ذكر خلق العالم الصَّغير، فقال: ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ .
قال المفسرون: يعني: آدم من صلصال وهو الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، وشبهه بالفخَّار الذي طبخ.
وقيل: هو طين خلط برملٍ.
وقيل: هو الطين المُنتنُ، من صلَّ اللحم وأصلَّ: إذا أنْتَنَ.
وقال هنا: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ .
وقال في «الحجر» : ﴿مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: 26] وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ [الصافات: 11] .
وقال: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] .
وكله متفق المعنى، وذلك أنه أخذ من تراب الأرض، فعجنه فصار طيناً، ثم انتقل فصار كالحَمَأ المسنون، ثم يبس فصار صلصالاً كالفخار.
فقوله: «كالفخَّار» نعت ل «صَلْصَالٍ» . وتقدم تفسيره.
قوله: ﴿وَخَلَقَ الجآن﴾ .
قيل هو اسم جنس كالإنسان.
وقيل: هو أبو الجن «إبليس» .
وقيل: هو أبوهم، وليس ب «إبليس» .
قوله: ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ «من» الأولى لابتداء الغاية.
وفي الثانية وجهان:
أحدهما: أنها للبيان.
والثاني: أنها للتبعيض.
و «المَارِجُ» : قيل: ما اختلط من أحمر وأصفر وأخضر، وهذا مشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة مختلطاً بعضها ببعض.
وقيل: الخالص.
وقيل: الأحمر وقيل: الحمرة في طرف النَّار.
وقيل المختلط بسواد.
وقيل: اللهب المضطرب.
وقال الليث: «المارج» : الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد، وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: أنه اللهب الذي يعلو النَّار، فيختلط بعضه ببعض أحمر وأخضر وأصفر، ونحوه عن مجاهد.
وقيل: «المَارِجُ» المرسل غير ممنوع.
قال المبرد: «المارج» : النار المرسلة التي لا تمنع.
وقال أبو عبيدة والحسن: «المارج» : المختلط النار، وأصله من مرج إذا اضطرب، واختلط.
قال القرطبي: يروى أن الله - تعالى - خلق نارين، فمرج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما الأخرى، وهي نار السَّمُوم، فخلق منها «إبليس» .
قال القشيري: «والمارج» في اللغة: المرسل أو المختلط، وهو فاعل بمعنى مفعول كقوله: ﴿مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] و ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] ، والمعنى: «ذو مرج» .
﴿مِّن نَّارٍ﴾ نعت ل ﴿مَّارِجٍ﴾ .
وتقدم الكلام على قوله: «فبأي آلاء» إلى آخرها.
قوله تعالى: ﴿رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين﴾ .
العامة على رفعه.
وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه مبتدأ، خبره ﴿مَرَجَ البحرين﴾ ، وما بينهما اعتراض.
الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: «هُو ربُّ» أي: ذلك الذي فعل هذه الأشياء.
الثالث: أنه بدل من الضمير في «خلق» .
وابن أبي عبلة: «ربّ» بالجر، بدلاً أو بياناً ل «ربّكما» .
قال مكي: ويجوز في الكلام الخفض على البدل من «ربكما» ، كأنه لم يطلع على أنها قراءة منقولة.
و «المشرقان» : قيل: مشرقا الشتاء والصيف ومغرباهما.
وقيل: مشرقا الشمس والقمر ومغرباهما، وذكر غاية ارتفاعهما، وغاية انحطاطهما إشارة إلى أن الطرفين يتناول ما بينهما كقولك في وصف ملك عظيم: (له المشرق والمغرب) فيفهم منه أن له ما بينهما.
ويؤيده قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ المشارق والمغارب﴾ [المعارج: 40] .
قوله تعالى: ﴿مَرَجَ البحرين﴾ أي: خلَّى وأرسل وأهمل، يقال: مرج الناس السلطان، أي: أهملهم، وأصل المَرْج الإهمال كما تمرج الدَّابة في المَرْعى ويقال: مرج خلط.
وقال الأخفش: ويقول قوم: أمرج البحرين مثل «مرج» فيكون «فَعَلَ وأفْعَلَ» بمعنى.
و «البَحْرين» : قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: بحر السماء، وبحر الأرض.
قال سعيد بن جبير: يلتقيان في كل عام.
وقيل: يلتقي طرفاهما.
وقال الحسن وقتادة: بحر «فارس» و «الروم» .
وقال ابن جريج: البحر المالح، والأنهار العذبة.
وقيل: بحر المشرق، وبحر المغرب يلتقي طرفاهما.
وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان.
«بينهما برزخ» حاجز.
قوله: «يلتقيان» حال من «البَحريْنِ» وهي قريبة من الحال المقدرة، ويجوز بتجوّز أن تكون مقارنة.
و «بَينهُمَا بَرزخٌ» يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون حالاً، وأن يكون الظَّرف وحده هو الحال، و «البَرْزَخُ» فاعل به، وهو أحسن لقربه من المفرد.
وفي صاحب الحال وجهان:
أحدهما: هو البحرين.
والثاني: هو فاعل «يَلْتقيان» .
و «لا يَبْغِيَان» حال أخرى كالتي قبلها، أي: مرجهُمَا غير باغيين أو يلتقيان غير باغِيين، أو بينهما برزخٌ في حال عدم بغيهما، وهذه الحال في قوة التعليل، إذ المعنى: «لئلاَّ يَبْغِيانِ» .
وقد تمحّل بعضهم، وقال: أصل ذلك لئلا يبغيا ثم حذف حرف العلة، وهو مطّرد مع «أن» و «إن» ، ثم حذفت «أن» أيضاً، وهو حذف مطرد، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: 24] ، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، وهذا غير ممنوع، إلا أنه تكرر فيه الحذف.
وله أن يقول: قد جاء الحذف أكثر من ذلك فيما هو أخفى من هذا، كما سيأتي في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: 82] .
فصل في مناسبة هذه الآية لما قبلها
لما ذكر الشمس والقمر، وهما يجريان في الفلك كما يجري الفلك في البحر، كقوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33] ، فذكر البحرين عقيب المشرقين والمغربين، أو لأن المشرقين والمغربين يكونان في البر والبحر، فذكر البحر بعد ذكر البر؛ لانحصار البر والبحر بين المشرق والغرب.
قوله: «بينهما بَرْزَخ» أي: حاجز، «لا يبْغِيَان» ، فعلى القول الأول بأنهما بحر السماء، وبحر الأرض، فالحاجز الذي بينهما هو ما بين السماء والأرض. قاله الضحاك.
وعلى الأقوال الباقية: الحاجز: هو الأرض التي بينهما. قاله الحسن وقتادة.
وقال بعضهم: الحاجز: هو القدرة الإلهية.
وقوله: «لا يَبْغِيَان» . قال قتادة: لا يبغيان على النَّاس فيغرقانهم، جعل بينهم وبين الناس اليبس.
وقال مجاهد وقتادة أيضاً: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه.
وقال ابن زيد: «لا يبغيان» أي يلتقيان، تقديره: مرج البحرين يلتقيان لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا.
وقيل: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، أي: بينهما مدة قدرها الله تعالى، وهي مدة الدنيا فهما لا يبغيان، فإذا أذنَ الله بانقضاء الدنيا صار البحران شيئاً واحداً، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: 3] .
وقال سهل بن عبد الله: البحران: طريق الخير والشر، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة.
فصل في إحاطة البحار بالأرض
قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - خلق في الأرض بحاراً تحيط بها الأرض، وخلق بحراً محيطاً بالأرض أحاط به الهواء، كما قال به أهل الهيئةِ، وهذه البحار التي في الأرض لها اتصال بالبحر المحيط، ثم إنهما لا يبغيان على الأرض، ولا يغطيانها بفضل الله لتكون الأرض بارزة يتخذها الإنسان مكاناً، وعند النظر إلى أمر الأرض يحار الطبيعي ويتلجلج في الكلام، فإن عندهم أن طبع الأرض يكون في المركز مغموراً بالماء، ويكون الماء محيطاً بجميع جوانبه، فإذا سئلوا عن ظهور الأرض من الماء قالوا: جذب في الأرض.
فإذا قيل لهم: لماذا تجذب؟ وما سبب الجذب؟ .
فالذي عنده قليل من الحق أسند ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته، والآخر يقول: ذلك بحسب اتصالات الكواكب وأوضاعها.
فإن قيل له: لماذا اختلفت أوضاع الكواكب على الوجه الذي أوجب البرد في بعض الأرض دون بعض؟ بهت كما بهت الذي كفر، ويرجع إلى الحق إن هداه الله تعالى.
وقال ابن الخطيب: ومعنى الآية أن الله - تعالى - أرسل بعض البحرين إلى بعض، ومن شأنهما الاختلاط فحجزهما ببرزخ من قدرته، فهما لا يبغيان، أي: لا يجاوز كل واحدٍ منهما ما حد له.
و «البَغْي» : مجاوزة الحد، أو من الابتغاء وهو الطَّلب، أي: لا يطلبان غير ما قدر لهما.
قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ قرأ نافع، وأبو عمرو: «يُخْرَجُ» مبنيًّا للمفعول، والباقون: مبنيًّا للفاعل على المجاز.
قالوا: ثم مضاف محذوف، أي «من أحدهما» ؛ لأن ذلك لم يؤخذ من البحر العذب حتى عابُوا قول الشاعر: [الطويل]
4634 - فَجَاءَ بِهَا ما شِئْتَ مِنْ لطَمِيَّةٍ ... على وجْهِهَا مَاءُ الفُراتِ يَمُوجُ
قال مكي: «كما قال: ﴿على رَجُلٍ مِّنَ القريتين﴾ [الزخرف: 31] ، أي: من إحدى القريتين، فحذف المضاف كثير شائع» .
وقيل: هو كقوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: 61] وإنما الناسي فتاه، ويعزى هذا لأبي عبيدة.
قال البغوي: وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئين، ثم يخص أحدهما بفعل، كقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: 130] ، ثم كانت الرسل من الإنس.
وقيل: يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان.
وقيل: بل يخرجان منهما جميعاً.
ثم ذكروا أقاويل.
منها: أنهما يخرجان من المِلْح في المواضع الذي يقع فيه العذب، وهذا مشاهد عند الغواصين، وهو قول الجمهور، فناسب ذلك إسناده إليهما.
ومنها: قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر، والصدف تفتح أفواهها للمطر، وقد شاهده الناس، فيكون تولده من بحر السماء، وبحر الأرض. وهذا قول الطبري.
ومنها: أن العذب في الملح كاللقاح، كما يقال: الولد يخرج من الذَّكر والأنثى.
ومنها: أنه قيل: منهما من حيثُ هما نوع واحد، فخروج هذه الأشياء إنما هي منهما، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح: 16] وإنما هو في واحدةٍ منهن.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم قال:» منهما «، وإنما يخرجان من الملح؟
قلت: لما التقيا، وصارا كالشيء الواحد، جاز أن يقال: يخرجان منهما كما يقال: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، وإنما يخرجان من بعضه، وتقول: خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلَّةٍ واحدة من محاله، بل من دارٍ واحدة من دُورهِ، وقيل: لا يخرجان إلاَّ من ملتقى الملح والعذب» . انتهى.
وقال بعضهم: كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض النَّاسِ، فمن الجائز أن يسوقها من البحر العذب إلى الملح، واتفقُوا أنهم لم يخرجوها إلا من الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التُّجَّار المترددين القاطعين المفاوز، فكيف بما هو في قَعْرِ البحر؟ .
فالجواب عن هذا: أن الله لا يخاطب الناس، ولا يمنن عليهم إلا بما يألفون، ويشاهدون.
و «اللؤلؤ» : قيل: كِبارُ الجوهر، والمرجان: صغاره. قاله علي، وابن عباس، والضحاك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وقيل بالعكس، وأنشدوا قول الأعشى رَحِمَهُ اللَّهُ: [البسيط] 4635 - مِنْ كُلِّ مَرْجَانةٍ فِي البَحْرِ أحْرَزَهَا ... تيَّارُهَا ووقَاهَا طينهَا الصَّدَفُ
أراد اللؤلؤة الكبيرة. قاله علي، وابن عباس أيضاً.
وقيل: «المرجان» : حجر أحمر.
وقيل: حجر شديد البياض، والمرجان أعجمي.
قال ابن دريد: لم أسمع فيه كلاماً منصرفاً.
و «اللؤلؤ» ، بناء غريب لم يرد على هذه الصيغة إلا خمسة ألفاظ: اللؤلؤ، و «الجُؤجؤ» وهو الصَّدر، و «الدُّردؤ» ، و «اليُؤيُؤ» - لطائر - و «البُؤبؤ» - بالموحدتين - وهو الأصل، و «اللُّؤلُؤ» - بضمتين - والهمز هو المشهور.
وإبدال الهمزة واواً شائع فصيح وقد تقدم ذلك.
وقرأ طلحة: «اللُّؤلِىء» - بكسر اللام الثالثة - وهي لغة محفوظة، ونقل عنه أبو الفضل: «اللُّولِي» بقلب الهمزة الأخيرة ياء ساكنة، كأنه لما كسر ما قبل الهمزة قلبها ياء استثقالاً.
وقرأ أبو عمرو في رواية: «يُخْرِجُ» أي: الله تعالى، وروي عنه، وعن ابن مقسم: «نُخْرِج» بنون العظمةِ.
و «اللؤلؤ والمرجان» على هاتين القراءتين منصوبان.
فصل في مناسبة نعمة اللؤلؤ والمرجان للنعم السابقة
قال ابن الخطيب: فإن قيل: أي نعمة عظيمة في «اللُّولؤ والمرجان» حتى ذكرهما مع نعمة تعليم القرآن وخلق الإنسان؟ .
وأجاب بأن النعم منها خلق الضَّروريات كالأرض التي له مكاناً، وكذا الرزق الذي به بقاؤه.
ومنها ما يحتاج إليه، وإن لم يكن ضروريًّا كالحيوان، وإجراء الشمس والقمر.
ومنها المنافع وإن لم يكن محتاجاً إليها كالفاكهة، وخلق البحار، كقوله تعالى: ﴿والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس﴾ [البقرة: 164] .
ومنها الزينة وإن لم يكن نافعاً كاللؤلؤ والمرجان، كقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: 14] ، فالله تعالى ذكر أنواع النعم الأربعة، وصدرها بالنعمة العظيمة التي هي الروح وهو العلم بقوله: ﴿عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: 2] ، أو يقال: بأن المقصود منه عجائب الله لا بيان النعم؛ لأن النعم سبق ذكرها فذكر خلق الإنسان من صلصال، وخلق الجان من مارج من نارٍ، وهذان من العجائب الدَّالة على القدرة، لا من النعم.
واعلم أن الأركان أربعة: التراب والماء والهواء والنار، فالله تعالى بيّن بقوله: ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ ، أن التراب أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ ، أن النار أيضاً أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ أن الماء أصل لمخلوق آخر كالحيوان عجيب، بقي الهواء لكنه غير محسوس، فلم يذكر أنه أصل مخلوق، لكن بين كونه منشئاً للجواري التي في البحر كالأعلام.
فقال: «ولهُ الجوارِ» .
العامة على كسر «الراء» ؛ لأنه منقوص على «مفاعِل» والياء محذوفة لفظاً لالتقاء الساكنين.
وقرأ عبد الله والحسن، ويروى عن أبي عمرو، «برفع الراء تناسياً للمحذوف» . ومنه: [الرجز]
4636 - لَهَا بَنَاتٌ أرْبَعٌ حِسَانُ ... وأرْبَعٌ فثَغْرُهَا ثَمَانُ
وهذا كما قالوا: هذا شاكٍ وقد تقدم تقرير هذا في الأعراف عند قوله: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41] .
قوله: «المُنشآتُ» .
قرأ حمزة، وأبو بكر بخلاف عنه بكسر الشِّين، بمعنى أنها تنشىء الموج بجريها، أو تنشىء السير إقْبَالاً وإدباراً، أو التي رفعت شراعها، والشِّراع: القلاع.
وعن مجاهد: كل ما رفعت قلعها فهي من المنشآت، وإلا فليست منها ونسبة الرَّفع إليها مجاز، كما يقال: أنشأت السَّحابة المطر.
والباقون: بالفتح، وهو اسم مفعول، أي أنشأها الله، أو الناس، أو رفعوا شراعها.
وقرأ ابن أبي عبلة: «المُنَشَّآت» بتشديد الشين مبالغة.
والحسن: «المُنشَّأة» بالإفراد وإبدال الهمزة ألفاً وتاء محذوفة خطاً، فأفرد الصفة ثقة بإفهام الموصوف الجمعية، كقوله: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: 15] .
وأما إبداله الهمزة ألفاً وإن كان قياسها بين بين، فمبالغة في التخفيف.
كقوله: [البسيط]
4637 - إنَّ السِّباعَ لَتَهْدَا فِي مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
أي: «لتهدأ» وأما كتابتها بإلقاء المحذوفة، فاتباعاً للفظها في الوصل.
و «في البَحْر» متعلق ب «المنشآت» أو «المنشأة» ، ورسمه بالتاء بعد الشين في مصاحف «العراق» يقوي قرءاة الكسر، ورسمه بدونها يقوي قراءة الفتح، وحذفوا الألف كما تحذف في سائر جمع المؤنث السالم.
و «كالأعلام» حال، إما من الضمير المستكنّ في «المنشآت» ، وإما من «الجواري» وكلاهما بمعنى واحد.
فصل في المراد بالجواري
«الجَوَارِي» جمع جارية. وهي اسم أو صفة للسفينة، وخصها بالذكر؛ لأن جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك، فيقولون: «لك الفُلْك، ولك المُلْك» .
وإذا خافوا الغرقَ دعوا الله خاصة، وسميت السفينة جارية؛ لأن شأنها ذلك وإن كانت واقفةً في السَّاحل كما سماها في موضع آخر ب «الجارية» ، فقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ [الحاقة: 11] .
وسماها بالفلك قبل أن تكون كذلك، فقال لنوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: 37] ثم بعد ما عملها سمَّاها سفينة، فقال: ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة﴾ [العنكبوت: 15] .
واعلم أن المرأة المملوكة تسمى أيضاً جارية؛ لأن شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها، بخلاف الزَّوجة، فهو من الصفات الغالبة.
و «السفينة» : «فعيلة» بمعنى «فاعلة» عند ابن دريد، أي: تسفن الماء و «فَعِيلَة» بمعنى «مفعولة» عند غيره بمعنى منحوتة، قال ابن الخطيب: فالفُلك أولاً، ثم السفينة، ثم الجارية.
والأعلام: الجبال، والعلم: الطويل، قال: [الرجز]
4638 - إذَا قطعْنَ علماً بَدَا عَلَمْ ... وقالت الخنساء في صخر: [البسيط]
4639 - وإنَّ صَخْراً لتَأتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ ... كَأنَّهُ علمٌ فِي رَأسِهِ نَارُ
أي «جبل» ، فالسفن في البحر كالجبال في البر.
وجمع «الجواري» ووحد «البحر» ، وجمع «الأعلام» إشارة إلى عظمةِ البحر.
الرحمن 55:25
قوله: ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ . لما ذكر الله - تعالى - خلق العالم الكبير من السماء والأرض، وما فيها من الدلالات على وحدانيته وقدرته، ذكر خلق العالم الصَّغير، فقال: ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ .
قال المفسرون: يعني: آدم من صلصال وهو الطين اليابس الذي يسمع له صلصلة، وشبهه بالفخَّار الذي طبخ.
وقيل: هو طين خلط برملٍ.
وقيل: هو الطين المُنتنُ، من صلَّ اللحم وأصلَّ: إذا أنْتَنَ.
وقال هنا: ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ .
وقال في «الحجر» : ﴿مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: 26] وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ [الصافات: 11] .
وقال: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] .
وكله متفق المعنى، وذلك أنه أخذ من تراب الأرض، فعجنه فصار طيناً، ثم انتقل فصار كالحَمَأ المسنون، ثم يبس فصار صلصالاً كالفخار.
فقوله: «كالفخَّار» نعت ل «صَلْصَالٍ» . وتقدم تفسيره.
قوله: ﴿وَخَلَقَ الجآن﴾ .
قيل هو اسم جنس كالإنسان.
وقيل: هو أبو الجن «إبليس» .
وقيل: هو أبوهم، وليس ب «إبليس» .
قوله: ﴿مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ «من» الأولى لابتداء الغاية.
وفي الثانية وجهان:
أحدهما: أنها للبيان.
والثاني: أنها للتبعيض.
و «المَارِجُ» : قيل: ما اختلط من أحمر وأصفر وأخضر، وهذا مشاهد في النار ترى الألوان الثلاثة مختلطاً بعضها ببعض.
وقيل: الخالص.
وقيل: الأحمر وقيل: الحمرة في طرف النَّار.
وقيل المختلط بسواد.
وقيل: اللهب المضطرب.
وقال الليث: «المارج» : الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد، وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: أنه اللهب الذي يعلو النَّار، فيختلط بعضه ببعض أحمر وأخضر وأصفر، ونحوه عن مجاهد.
وقيل: «المَارِجُ» المرسل غير ممنوع.
قال المبرد: «المارج» : النار المرسلة التي لا تمنع.
وقال أبو عبيدة والحسن: «المارج» : المختلط النار، وأصله من مرج إذا اضطرب، واختلط.
قال القرطبي: يروى أن الله - تعالى - خلق نارين، فمرج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما الأخرى، وهي نار السَّمُوم، فخلق منها «إبليس» .
قال القشيري: «والمارج» في اللغة: المرسل أو المختلط، وهو فاعل بمعنى مفعول كقوله: ﴿مَّآءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: 6] و ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] ، والمعنى: «ذو مرج» .
﴿مِّن نَّارٍ﴾ نعت ل ﴿مَّارِجٍ﴾ .
وتقدم الكلام على قوله: «فبأي آلاء» إلى آخرها.
قوله تعالى: ﴿رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين﴾ .
العامة على رفعه.
وفيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه مبتدأ، خبره ﴿مَرَجَ البحرين﴾ ، وما بينهما اعتراض.
الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: «هُو ربُّ» أي: ذلك الذي فعل هذه الأشياء.
الثالث: أنه بدل من الضمير في «خلق» .
وابن أبي عبلة: «ربّ» بالجر، بدلاً أو بياناً ل «ربّكما» .
قال مكي: ويجوز في الكلام الخفض على البدل من «ربكما» ، كأنه لم يطلع على أنها قراءة منقولة.
و «المشرقان» : قيل: مشرقا الشتاء والصيف ومغرباهما.
وقيل: مشرقا الشمس والقمر ومغرباهما، وذكر غاية ارتفاعهما، وغاية انحطاطهما إشارة إلى أن الطرفين يتناول ما بينهما كقولك في وصف ملك عظيم: (له المشرق والمغرب) فيفهم منه أن له ما بينهما.
ويؤيده قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ المشارق والمغارب﴾ [المعارج: 40] .
قوله تعالى: ﴿مَرَجَ البحرين﴾ أي: خلَّى وأرسل وأهمل، يقال: مرج الناس السلطان، أي: أهملهم، وأصل المَرْج الإهمال كما تمرج الدَّابة في المَرْعى ويقال: مرج خلط.
وقال الأخفش: ويقول قوم: أمرج البحرين مثل «مرج» فيكون «فَعَلَ وأفْعَلَ» بمعنى.
و «البَحْرين» : قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: بحر السماء، وبحر الأرض.
قال سعيد بن جبير: يلتقيان في كل عام.
وقيل: يلتقي طرفاهما.
وقال الحسن وقتادة: بحر «فارس» و «الروم» .
وقال ابن جريج: البحر المالح، والأنهار العذبة.
وقيل: بحر المشرق، وبحر المغرب يلتقي طرفاهما.
وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان.
«بينهما برزخ» حاجز.
قوله: «يلتقيان» حال من «البَحريْنِ» وهي قريبة من الحال المقدرة، ويجوز بتجوّز أن تكون مقارنة.
و «بَينهُمَا بَرزخٌ» يجوز أن تكون جملة مستأنفة، وأن تكون حالاً، وأن يكون الظَّرف وحده هو الحال، و «البَرْزَخُ» فاعل به، وهو أحسن لقربه من المفرد.
وفي صاحب الحال وجهان:
أحدهما: هو البحرين.
والثاني: هو فاعل «يَلْتقيان» .
و «لا يَبْغِيَان» حال أخرى كالتي قبلها، أي: مرجهُمَا غير باغيين أو يلتقيان غير باغِيين، أو بينهما برزخٌ في حال عدم بغيهما، وهذه الحال في قوة التعليل، إذ المعنى: «لئلاَّ يَبْغِيانِ» .
وقد تمحّل بعضهم، وقال: أصل ذلك لئلا يبغيا ثم حذف حرف العلة، وهو مطّرد مع «أن» و «إن» ، ثم حذفت «أن» أيضاً، وهو حذف مطرد، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ [الروم: 24] ، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، وهذا غير ممنوع، إلا أنه تكرر فيه الحذف.
وله أن يقول: قد جاء الحذف أكثر من ذلك فيما هو أخفى من هذا، كما سيأتي في قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ [الواقعة: 82] .
فصل في مناسبة هذه الآية لما قبلها
لما ذكر الشمس والقمر، وهما يجريان في الفلك كما يجري الفلك في البحر، كقوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: 33] ، فذكر البحرين عقيب المشرقين والمغربين، أو لأن المشرقين والمغربين يكونان في البر والبحر، فذكر البحر بعد ذكر البر؛ لانحصار البر والبحر بين المشرق والغرب.
قوله: «بينهما بَرْزَخ» أي: حاجز، «لا يبْغِيَان» ، فعلى القول الأول بأنهما بحر السماء، وبحر الأرض، فالحاجز الذي بينهما هو ما بين السماء والأرض. قاله الضحاك.
وعلى الأقوال الباقية: الحاجز: هو الأرض التي بينهما. قاله الحسن وقتادة.
وقال بعضهم: الحاجز: هو القدرة الإلهية.
وقوله: «لا يَبْغِيَان» . قال قتادة: لا يبغيان على النَّاس فيغرقانهم، جعل بينهم وبين الناس اليبس.
وقال مجاهد وقتادة أيضاً: لا يبغي أحدهما على صاحبه فيغلبه.
وقال ابن زيد: «لا يبغيان» أي يلتقيان، تقديره: مرج البحرين يلتقيان لولا البرزخ الذي بينهما لا يبغيان أن يلتقيا.
وقيل: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، أي: بينهما مدة قدرها الله تعالى، وهي مدة الدنيا فهما لا يبغيان، فإذا أذنَ الله بانقضاء الدنيا صار البحران شيئاً واحداً، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا البحار فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: 3] .
وقال سهل بن عبد الله: البحران: طريق الخير والشر، والبرزخ الذي بينهما التوفيق والعصمة.
فصل في إحاطة البحار بالأرض
قال ابن الخطيب: إن الله - تعالى - خلق في الأرض بحاراً تحيط بها الأرض، وخلق بحراً محيطاً بالأرض أحاط به الهواء، كما قال به أهل الهيئةِ، وهذه البحار التي في الأرض لها اتصال بالبحر المحيط، ثم إنهما لا يبغيان على الأرض، ولا يغطيانها بفضل الله لتكون الأرض بارزة يتخذها الإنسان مكاناً، وعند النظر إلى أمر الأرض يحار الطبيعي ويتلجلج في الكلام، فإن عندهم أن طبع الأرض يكون في المركز مغموراً بالماء، ويكون الماء محيطاً بجميع جوانبه، فإذا سئلوا عن ظهور الأرض من الماء قالوا: جذب في الأرض.
فإذا قيل لهم: لماذا تجذب؟ وما سبب الجذب؟ .
فالذي عنده قليل من الحق أسند ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته، والآخر يقول: ذلك بحسب اتصالات الكواكب وأوضاعها.
فإن قيل له: لماذا اختلفت أوضاع الكواكب على الوجه الذي أوجب البرد في بعض الأرض دون بعض؟ بهت كما بهت الذي كفر، ويرجع إلى الحق إن هداه الله تعالى.
وقال ابن الخطيب: ومعنى الآية أن الله - تعالى - أرسل بعض البحرين إلى بعض، ومن شأنهما الاختلاط فحجزهما ببرزخ من قدرته، فهما لا يبغيان، أي: لا يجاوز كل واحدٍ منهما ما حد له.
و «البَغْي» : مجاوزة الحد، أو من الابتغاء وهو الطَّلب، أي: لا يطلبان غير ما قدر لهما.
قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ قرأ نافع، وأبو عمرو: «يُخْرَجُ» مبنيًّا للمفعول، والباقون: مبنيًّا للفاعل على المجاز.
قالوا: ثم مضاف محذوف، أي «من أحدهما» ؛ لأن ذلك لم يؤخذ من البحر العذب حتى عابُوا قول الشاعر: [الطويل]
4634 - فَجَاءَ بِهَا ما شِئْتَ مِنْ لطَمِيَّةٍ ... على وجْهِهَا مَاءُ الفُراتِ يَمُوجُ
قال مكي: «كما قال: ﴿على رَجُلٍ مِّنَ القريتين﴾ [الزخرف: 31] ، أي: من إحدى القريتين، فحذف المضاف كثير شائع» .
وقيل: هو كقوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: 61] وإنما الناسي فتاه، ويعزى هذا لأبي عبيدة.
قال البغوي: وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئين، ثم يخص أحدهما بفعل، كقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: 130] ، ثم كانت الرسل من الإنس.
وقيل: يخرج من أحدهما اللؤلؤ، ومن الآخر المرجان.
وقيل: بل يخرجان منهما جميعاً.
ثم ذكروا أقاويل.
منها: أنهما يخرجان من المِلْح في المواضع الذي يقع فيه العذب، وهذا مشاهد عند الغواصين، وهو قول الجمهور، فناسب ذلك إسناده إليهما.
ومنها: قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر، والصدف تفتح أفواهها للمطر، وقد شاهده الناس، فيكون تولده من بحر السماء، وبحر الأرض. وهذا قول الطبري.
ومنها: أن العذب في الملح كاللقاح، كما يقال: الولد يخرج من الذَّكر والأنثى.
ومنها: أنه قيل: منهما من حيثُ هما نوع واحد، فخروج هذه الأشياء إنما هي منهما، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً﴾ [نوح: 16] وإنما هو في واحدةٍ منهن.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: لم قال:» منهما «، وإنما يخرجان من الملح؟
قلت: لما التقيا، وصارا كالشيء الواحد، جاز أن يقال: يخرجان منهما كما يقال: يخرجان من البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، وإنما يخرجان من بعضه، وتقول: خرجت من البلد، وإنما خرجت من محلَّةٍ واحدة من محاله، بل من دارٍ واحدة من دُورهِ، وقيل: لا يخرجان إلاَّ من ملتقى الملح والعذب» . انتهى.
وقال بعضهم: كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض النَّاسِ، فمن الجائز أن يسوقها من البحر العذب إلى الملح، واتفقُوا أنهم لم يخرجوها إلا من الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التُّجَّار المترددين القاطعين المفاوز، فكيف بما هو في قَعْرِ البحر؟ .
فالجواب عن هذا: أن الله لا يخاطب الناس، ولا يمنن عليهم إلا بما يألفون، ويشاهدون.
و «اللؤلؤ» : قيل: كِبارُ الجوهر، والمرجان: صغاره. قاله علي، وابن عباس، والضحاك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وقيل بالعكس، وأنشدوا قول الأعشى رَحِمَهُ اللَّهُ: [البسيط] 4635 - مِنْ كُلِّ مَرْجَانةٍ فِي البَحْرِ أحْرَزَهَا ... تيَّارُهَا ووقَاهَا طينهَا الصَّدَفُ
أراد اللؤلؤة الكبيرة. قاله علي، وابن عباس أيضاً.
وقيل: «المرجان» : حجر أحمر.
وقيل: حجر شديد البياض، والمرجان أعجمي.
قال ابن دريد: لم أسمع فيه كلاماً منصرفاً.
و «اللؤلؤ» ، بناء غريب لم يرد على هذه الصيغة إلا خمسة ألفاظ: اللؤلؤ، و «الجُؤجؤ» وهو الصَّدر، و «الدُّردؤ» ، و «اليُؤيُؤ» - لطائر - و «البُؤبؤ» - بالموحدتين - وهو الأصل، و «اللُّؤلُؤ» - بضمتين - والهمز هو المشهور.
وإبدال الهمزة واواً شائع فصيح وقد تقدم ذلك.
وقرأ طلحة: «اللُّؤلِىء» - بكسر اللام الثالثة - وهي لغة محفوظة، ونقل عنه أبو الفضل: «اللُّولِي» بقلب الهمزة الأخيرة ياء ساكنة، كأنه لما كسر ما قبل الهمزة قلبها ياء استثقالاً.
وقرأ أبو عمرو في رواية: «يُخْرِجُ» أي: الله تعالى، وروي عنه، وعن ابن مقسم: «نُخْرِج» بنون العظمةِ.
و «اللؤلؤ والمرجان» على هاتين القراءتين منصوبان.
فصل في مناسبة نعمة اللؤلؤ والمرجان للنعم السابقة
قال ابن الخطيب: فإن قيل: أي نعمة عظيمة في «اللُّولؤ والمرجان» حتى ذكرهما مع نعمة تعليم القرآن وخلق الإنسان؟ .
وأجاب بأن النعم منها خلق الضَّروريات كالأرض التي له مكاناً، وكذا الرزق الذي به بقاؤه.
ومنها ما يحتاج إليه، وإن لم يكن ضروريًّا كالحيوان، وإجراء الشمس والقمر.
ومنها المنافع وإن لم يكن محتاجاً إليها كالفاكهة، وخلق البحار، كقوله تعالى: ﴿والفلك التي تَجْرِي فِي البحر بِمَا يَنفَعُ الناس﴾ [البقرة: 164] .
ومنها الزينة وإن لم يكن نافعاً كاللؤلؤ والمرجان، كقوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [النحل: 14] ، فالله تعالى ذكر أنواع النعم الأربعة، وصدرها بالنعمة العظيمة التي هي الروح وهو العلم بقوله: ﴿عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: 2] ، أو يقال: بأن المقصود منه عجائب الله لا بيان النعم؛ لأن النعم سبق ذكرها فذكر خلق الإنسان من صلصال، وخلق الجان من مارج من نارٍ، وهذان من العجائب الدَّالة على القدرة، لا من النعم.
واعلم أن الأركان أربعة: التراب والماء والهواء والنار، فالله تعالى بيّن بقوله: ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ ، أن التراب أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ ، أن النار أيضاً أصل لمخلوق عجيب، وبين بقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ أن الماء أصل لمخلوق آخر كالحيوان عجيب، بقي الهواء لكنه غير محسوس، فلم يذكر أنه أصل مخلوق، لكن بين كونه منشئاً للجواري التي في البحر كالأعلام.
فقال: «ولهُ الجوارِ» .
العامة على كسر «الراء» ؛ لأنه منقوص على «مفاعِل» والياء محذوفة لفظاً لالتقاء الساكنين.
وقرأ عبد الله والحسن، ويروى عن أبي عمرو، «برفع الراء تناسياً للمحذوف» . ومنه: [الرجز]
4636 - لَهَا بَنَاتٌ أرْبَعٌ حِسَانُ ... وأرْبَعٌ فثَغْرُهَا ثَمَانُ
وهذا كما قالوا: هذا شاكٍ وقد تقدم تقرير هذا في الأعراف عند قوله: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41] .
قوله: «المُنشآتُ» .
قرأ حمزة، وأبو بكر بخلاف عنه بكسر الشِّين، بمعنى أنها تنشىء الموج بجريها، أو تنشىء السير إقْبَالاً وإدباراً، أو التي رفعت شراعها، والشِّراع: القلاع.
وعن مجاهد: كل ما رفعت قلعها فهي من المنشآت، وإلا فليست منها ونسبة الرَّفع إليها مجاز، كما يقال: أنشأت السَّحابة المطر.
والباقون: بالفتح، وهو اسم مفعول، أي أنشأها الله، أو الناس، أو رفعوا شراعها.
وقرأ ابن أبي عبلة: «المُنَشَّآت» بتشديد الشين مبالغة.
والحسن: «المُنشَّأة» بالإفراد وإبدال الهمزة ألفاً وتاء محذوفة خطاً، فأفرد الصفة ثقة بإفهام الموصوف الجمعية، كقوله: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران: 15] .
وأما إبداله الهمزة ألفاً وإن كان قياسها بين بين، فمبالغة في التخفيف.
كقوله: [البسيط]
4637 - إنَّ السِّباعَ لَتَهْدَا فِي مَرَابِضِهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... .
أي: «لتهدأ» وأما كتابتها بإلقاء المحذوفة، فاتباعاً للفظها في الوصل.
و «في البَحْر» متعلق ب «المنشآت» أو «المنشأة» ، ورسمه بالتاء بعد الشين في مصاحف «العراق» يقوي قرءاة الكسر، ورسمه بدونها يقوي قراءة الفتح، وحذفوا الألف كما تحذف في سائر جمع المؤنث السالم.
و «كالأعلام» حال، إما من الضمير المستكنّ في «المنشآت» ، وإما من «الجواري» وكلاهما بمعنى واحد.
فصل في المراد بالجواري
«الجَوَارِي» جمع جارية. وهي اسم أو صفة للسفينة، وخصها بالذكر؛ لأن جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، وهم معترفون بذلك، فيقولون: «لك الفُلْك، ولك المُلْك» .
وإذا خافوا الغرقَ دعوا الله خاصة، وسميت السفينة جارية؛ لأن شأنها ذلك وإن كانت واقفةً في السَّاحل كما سماها في موضع آخر ب «الجارية» ، فقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ [الحاقة: 11] .
وسماها بالفلك قبل أن تكون كذلك، فقال لنوح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: 37] ثم بعد ما عملها سمَّاها سفينة، فقال: ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السفينة﴾ [العنكبوت: 15] .
واعلم أن المرأة المملوكة تسمى أيضاً جارية؛ لأن شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها، بخلاف الزَّوجة، فهو من الصفات الغالبة.
و «السفينة» : «فعيلة» بمعنى «فاعلة» عند ابن دريد، أي: تسفن الماء و «فَعِيلَة» بمعنى «مفعولة» عند غيره بمعنى منحوتة، قال ابن الخطيب: فالفُلك أولاً، ثم السفينة، ثم الجارية.
والأعلام: الجبال، والعلم: الطويل، قال: [الرجز]
4638 - إذَا قطعْنَ علماً بَدَا عَلَمْ ... وقالت الخنساء في صخر: [البسيط]
4639 - وإنَّ صَخْراً لتَأتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ ... كَأنَّهُ علمٌ فِي رَأسِهِ نَارُ
أي «جبل» ، فالسفن في البحر كالجبال في البر.
وجمع «الجواري» ووحد «البحر» ، وجمع «الأعلام» إشارة إلى عظمةِ البحر.
الرحمن 55:26
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
الرحمن 55:27
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
الرحمن 55:28
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
الرحمن 55:29
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
الرحمن 55:30
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
الرحمن 55:31
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
الرحمن 55:32
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
الرحمن 55:33
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
الرحمن 55:34
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
الرحمن 55:35
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
الرحمن 55:36
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
الرحمن 55:37
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
الرحمن 55:38
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
الرحمن 55:39
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.
الرحمن 55:40
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ غلب من يعقل على غيره، وجميعهم مراد.
والضمير في «عليها» للأرض.
قال بعضهم: وإن لم يجر لها ذكر، كقوله: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] .
ورد هذا بأنه قد تقدم ذكرها في قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] .
وقيل: الضمير عائد إلى الجارية.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فنزلت ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك. وقاله مقاتل.
ووجه النعمة في فناء الخلق: التسوية بينهم في الموت.
وقيل: وجه النِّعمة أن الموت سبب النَّقل إلى دار الجزاء والثواب.
قوله: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجود ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الوجه عبارة عنه، كما قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ .
ويقال: هذا وجه الأمر، ووجه الصواب، وعين الصواب، ومعنى ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ أي: هو أهل لأن يكرم، وهذا خطاب مع كل سامع.
وقيل: خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
فإن قيل: كيف خاطب الاثنين بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ .
وخاطب هاهنا الواحد فقال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ، ولم يقل: «وجْه ربِّكُمَا» ؟ .
فالجواب: أن الإشارة هاهنا وقعت إلى فناء كل أحد، فقال: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ أيها السامع ليعلم كل أحد أن غيره فانٍ، فلو قال: ويبقى وجه ربكما، لكان كل أحد يخرج نفسه، ورفيقه المخاطب عن الفناء.
فإن قيل: فلو قال: «ويبقى وجه الرّب» من غير خطاب، كان أدَلَّ على فناء الكل؟ .
فالجواب: إن كان الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضع موضع بيان اللطف، وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
قوله تعالى: ﴿ذُو الجلال والإكرام﴾ .
العامة على «ذو» بالواو صفة للوجه، وأبي، وعبد الله: «ذي» بالياء صفة ل «ربّك» . وسيأتي خلاف القراء في آخر السورة إن شاء الله تعالى.
و «الجلال» : العظمة والكبرياء.
و «الإكرام» : يكرم أنبياء وأولياءه بلُطفه مع جلاله وعظمته.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه مستأنف.
والثاني: أنه حال من «وجه» ، والعامل فيه «يبقى» أي يبقى مسئولاً من أهل السموات والأرض.
وفيه إشكال؛ لأنه لما قال: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ كان إشارة إلى بقائه بعد فناء من على الأرض، فكيف يكون في ذلك الوقت مسئولاً لمن في الأرض؟ .
قال ابن الخطيب: والجواب من وجوه.
الأول: أنهم يفنون بالنظر إليه، لكنهم يبقون بإبقاءِ الله، فيصح أن يكون الله مسئولاً.
الثاني: أن يكون مسئولاً معنًى لا حقيقة؛ لأنهم إذا فنوا فهم يسألونه بلسان الحالِ.
الثالث: أن قوله: «ويبقى» للاستمرار فهو يبقى ويعيد من كان في الأرض، ويكون مسئولاً.
الرابع: أنَّ السَّائلين هم الملائكة الذين هم في الأرض فأنهم فيها، وليسوا عليها، ولا يضرّهم زلزلتها، فعندما يفنى من عليها يبقى الله تعالى، ولا يفنى في تلك الحال الملائكة، فيسألونه ماذا نفعل؟ فيأمرهم بما يريد.
فصل في تحرير السؤال المقصود
وهذا السُّؤال إما استعطاف، وإما استعطاء، فيسأله كل أحد ما يحتاج إليه.
قال ابن عباس وأبو صالح: أهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونهما جميعاً.
قال ابن جريج: تسأله الملائكة الرزق لأهل الأرض، فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء، وأهل الأرض لأهل الأرض.
قال القرطبي: وفي الحديث: «إنَّ مِنَ الملائكةِ ملكاً لهُ أربعةُ أوجهٍ، وجهٌ كوجْهِ الإنسانِ وهو يَسْألُ اللَّه الرِّزْقَ لِبَنِي آدَمَ، ووجهُ كوجْهِ الأسَدِ وهو يسألُ الله الرِّزْقَ للسِّباع، ووجْه كوجه الثَّوْر وهو يسألُ الله الرِّزْق للبهَائِمِ، ووجْه كوجْهِ النَّسْر وهو يَسْأَلُ الله الرِّزْق للطَّيْرِ»
وقال ابن عطاء: إنهم يسألونه القوة على العباد.
قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ منصوب بالاستقرار الذي تضمنه الخبر، وهو قوله: «فِي شأن» .
والشأن: الأمر.
فصل في تفسير هذه الآية
روى أبو الدرداء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» كُلَّ يوم هُوَ في شأنٍ «قال:» مِنْ شَأنِه أن يَغْفِرَ ذَنْباً، ويُفَرِّجَ كُرْبَةً، ويرفعَ أقواماً، ويضع آخرين «» .
وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويكْشِفُ كَرْباً ويُجِيْبُ داعياً.
وقيل: من شأنه أنه يُحْيي ويميت، ويعزّ ويذلّ، ويرزق ويمنع.
وقال ابن بحر: الدّهر كله يومان:
أحدهما: مدة أيام الدنيا.
والآخر: يوم القيامة، فشأنه - سبحانه وتعالى - في أيام الدنيا الابتلاء والاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأنه يوم القيامة: الجزاء والحساب والثواب والعقاب.
والظَّاهر أن المراد بذلك الإخبار عن شأنه في كل يوم من أيام الدنيا.
وقال عمرو بن ميمون: في قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ من شأنه أن يميت حيًّا، ويحيي ميّتًا ويقرّ في الأرحام، ويعز ذليلاً، ويذلّ عزيزاً.
وقيل: من شأنه أن يولج الليل في النهار، ويولج النَّهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويشفي سقيماً، ويسقم سليماً، ويبتلي معافى ويعافي مُبْتلى، ويعز ذليلاً، ويذل عزيزاً، ويفقر غنيًّا، ويغني فقيراً.
وقال الكلبي: هو سوق المقادير المواقيت.
وعن عبد الله بن طاهر أنه دعا الحسين بن الفضل، وقال له: أشكلت عليّ ثلاث آيات، دعوتك لتكشفها لي قوله تعالى:
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين﴾ [المائدة: 31] وقد صح أن الندم توبة.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ وصح أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] فما بال الإضعاف؟ .
فقال الحسين: يجوز ألا يكون الندم توبة في تلك الأمة، ويكون توبة في هذه الأمة؛ لأن الله خصّ هذه الأمة بخصائص لم تشاركهم فيها الأمم.
وقيل: إن ندم «قابيل» لم يكن على قتل هابيل، ولكن على حمله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سعى﴾ [النجم: 39] ، فمعناه: ليس له إلاَّ ما سعى عدلاً، ولي أن أجزيه بواحدة ألفاً.
وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شُئُون يبديها ولا يبتديها، فقام عبد الله بن طاهر وقَبَّلَ رأسه، وسوغ خراجه.
قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ .
قرأ: «سيفرغ» - بالياء - الأخوان، أي سيفرغ الله تعالى. والباقون من السبعة: بنون العظمة، والرَّاء مضمومة في القراءتين، وهي اللغة الفصحى لغة «الحجاز» .
وقرأها مفتوحة الراء مع النون الأعرج، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون من «فَرَغَ» بفتح الراء في الماضي، وفتحت في المضارع لأجل حرف الحَلْق.
والثاني: أنه سمع فيه «فَرِغَ» - بكسر العين - فيكون هذا مضارعه، وهذه لغة «تميم» وقرأ عيسى بن عمر وأبو السمال: «سَنِفْرَغُ» - بكسر حرف المضارعة وفتح الراء. وتوجيهها واضح مما تقدم في «الفاتحة» .
قال أبو حاتم: هذه لغة سفلى «مضر» .
والأعمش وأبو حيوة وإبراهيم: «سَيُفْرَغُ» - بضم الياء - من تحت مبنيًّا للمفعول.
وعيسى - أيضاً - بفتح نون العظمة، وكسر الراء.
والأعرج - أيضاً - بفتح الياء، ويروى عن أبي عمرو.
فصل في الكلام على فرغ
قال القرطبي: «يقال: فرغتُ من الشغل أفرغُ فُرُوغاً وفَرَاغاً، وتفرَّغْتُ لكذا، واستفرغتُ مجهودي في كذا، أي: بذلته، وليس لله - تعالى - شغل يفرغ منه، وإنما المعنى: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، فهو وعيد لهم وتهديد قاله ابن عباس والضحاك، كقول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي: أقصد قصدك» .
وأنشد ابن الأنباري لجرير: [الوافر]
4640 - ألانَ وقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ... فَهَذَا حِينَ كُنْتُ لَهُمْ عَذَابَا
وأنشد الزجاج والنحاس: [الطويل]
4641 - فَرَغْتُ إلى العَبْدِ المُقَيَّدِ في الحِجْلِ ... ويدل عليه قراءة أبيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «سَنفْرُغُ إليْكُمْ» أي سنقصد إليكم.
وفي حديث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أنه لما بايع الأنصار ليلة» العقبةِ «، صاح الشيطان: يا أهل الجباجب هذا مُذمَّمٌ يبايع بني» قيلة «على حربكم، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هذا أزَبّ العقبة، أما والله لأتفرَّغن لك»
أي: أقصد إلى إبطال أمرك.
وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما.
قال ابن الأثير: الأزَبُّ في اللغة: الكثير الشعر، وهو هاهنا شيطان اسمه «أزب العقبة» وهو الحيّة.
وقيل: إن الله - تعالى - وعد على التقوى، وأوعد على الفُجُور، ثم قال: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أي: مما وعدناكم، ونوصل كلاًّ إلى ما وعدناه، أقسم ذلك وأتفرغ منه. قاله الحسن، ومقاتل، وابن زيد.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ . تقدم الكلام في قراءة «أيُّهَا» في «النور» [النور: 31] وهو منادى، والحكمة في نداء المُبْهَم هي تنبيه كل سامع، ثم يخصص المقصود بعد ذلك، فيكون فيه اهتمام بالمنادى.
وأيضاً يجعل المبهم وصلة لنداء المعرف باللام، وزيد معه هاء التي للتَّنبيه عوضاً عن الإضافة؛ لأن المبهم يضاف.
و «الثَّقلان» الجنّ والإنس، سُمِّيَا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف.
وقيل: سمّوا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياء وأمواتاً.
قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] .
ومنه قولهم: أعطهِ ثقله أي وزنه.
وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قَدْر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به.
وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين؛ لأنهم مثقلان بالذنوب.
وقيل: الثَّقَل الإنس لشرفهم، وسمّي الجن بذلك مجازاً للمجاورة والتغليب كالعَمريْن والقَمريْن والثَّقَل: العظيم الشريف.
قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي تاركٌ فيكم ثقلينِ: كتاب اللَّهِ وعترتِي» .
فصل في سبب التثنية بعد الجمع
جمع في قوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿أَيُّهَ الثقلان﴾ ؛ لأنهما فريقان، وكل فريق جمع، وهذا كقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم﴾ ، ولم يقل «إن استطعتما» ؛ لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: 45] .
وقوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ﴾ [الحج: 19] ، ولو قال: سنفرغ لكما، أو قال: استطعتما، لجاز.
وقرأ أهل «الشَّام» : «أيُّهُ الثَّقلانِ» بضم الهاء، والباقون: بفتحها.
فصل في أن الجن مكلفون
هذه الآيات التي في «الأحقاف» ، و ﴿قُلْ أُوحِيَ﴾ [الجن: 1] دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيّون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم.
قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: 33] الآية. لما بين أن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، كأن قائلاً قال: فلم أخر عذابهم؟ .
فأجيب: بأن الجميع في قبضته، وأن الذي يستعجل إنما يخاف الفوت، والجميع في قبضة الله - تعالى - فلا يفوتونه.
و «المعشر» : الجماعة العظيمة؛ لأن المعشر هو العدد الكامل الكثير الذي لا عدد بعده إلاَّ بابتداء فيه حيث يعيد الآحاد، تقول: أحد عشر، واثنا عشر وعشرون، وثلاثون، أي ثلاث عشرات، فالمعشر كأنه في محل العشر الذي هو الكثرة الكاملة.
فإن قيل: ما الحكمة في تقديم الجنّ على الإنس هاهنا، وتقديم الإنس على الجن في قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن﴾ [الإسراء: 88] ؟ .
فالجواب: أن النفوذ من أقطار السموات والأرض بالجن أليق إن أمكن، والإتيان بمثل هذا القرآن بالإنس أليق إن أمكن الإتيان، فقدم في كل موضع ما يليق به.
فصل في المراد بالآية
معنى الآية: إن استطعتم أن تنفذوا: تجوزوا وتخرجوا بسرعة.
والنفوذ: الخروج وقد تقدم في أول «البقرة» أن ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على الخروج كنفق ونفر، قال تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ فاهربوا واخرجوا منها، وهذا أمر تعجيز، والمعنى: حيث ما كنتم أدرككم الموت، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت﴾ [النساء: 78] وهو قول الضحاك.
وروى جويبر عن الضحاك أيضاً قال: يقال لهم هذا يوم القيامة، يعني: إن استطعتم أن تجوزوا أقطار السموات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم، فجوزوا يعني لا مهرب لكم ولا خروج لكم عن ملك الله سبحانه وتعالى، وأينما تولوا فثمَّ ملك الله.
وقال ابن عباس إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات وما في الأرض فاعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان أي يبينه من الله عَزَّ وَجَلَّ وعنه أيضاً لا تنفذون إلا بسلطان لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم وقال قتادة: لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي إلا إلى سلطان كقوله تعالى وقد أحسن بي أي إليّ.
وقيل معناه: لا تنفذوا إلا ومعكم سلطان الله وقيل معناه: لا تتخلصون من عذاب الله إلا بسلطان يجيركم وإلا فلا مجير لكم.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ . حال أو متعلق بالفعل قبله.
والسلطان: القوة التي يتسلّط بها على الأمر والملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد: حيث ما توجهتم كنتم في ملكي.
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ .
قرأ ابن كثير: بكسر الشين والباقون: بضمها، وهما لغتان بمعنى واحد مثل: «صِوَار» من البقر، و «صُوَار» وهو القطيع من البقر.
و «الشُّواظ» : قيل: اللَّهب معه دخان.
وقال ابن عباس وغيره: هو اللهب الخالص الذي لا دُخان له.
وقيل: اللَّهب الأحمر.
وقيل: هو الدخان الخارج من اللهب.
وقال رؤبة رَحِمَهُ اللَّهُ: [الرجز]
4642 - ... ... ... ... ... ... ... ... ونَارَ حَرْبٍ تُسْعِرُ الشُّواظَا
وقال حسَّان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [الوافر]
4643 - هَجَوْتُكَ فاختضَعْتَ لَهَا بِذُلٍّ ... بِقَافِيةٍ تأجَّجُ كالشُّوَاظِ
وقال مجاهد: «الشُّواظ» : اللَّهب الأخضر المنقطع من النَّار.
وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من دخان اللَّهب ليس بدخان الحطب.
وقاله سعيد بن جبير.
وقيل: «الشُّواظ» : النَّار والدخان جميعاً. قاله ابن عمر، وحكاه الأخفش عن بعض العرب.
و «يُرْسَل» مبني للمفعول وهي قراءة العامة، وزيد بن علي «نرسل» بالنون شُواظاً ونحاساً بالنصب، و «من نار» صفة ل «شواظ» أو متعلق ب «يرسل» .
قوله: «ونُحَاس» .
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بجره عطفاً على «نار» .
والباقون: برفعه عطفاً على «شُواظ» .
و «النُّحَاس» : قيل: هو الصفر المعروف يذيبه الله - تعالى - ويعذبهم به.
وقيل: الدخان الذي لا لهب معه.
قال الخليل: وهو معروف في كلام العرب.
وأنشد للأعشى: [المتقارب]
4644 - يُضِيءُ كَضَوْءِ السِّرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَل اللَّهُ فيهِ نُحَاسَا
قال المهدوي: من قال: إن الشواظ النار والدخان جميعاً، فالجر في «نُحَاس» على هذا بين.
فأما الجر على قول من قال: إن الشواظ اللَّهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال: «يرسل عليكما شواظ من نار، وشيء من نحاس» ف «شيء» معطوف على شواظ، و «من نحاس» جملة هي صفة لشيء، وحذف «شيء» وحذفت «من» لتقدم ذكرها في «من نار» كما حذفت «على» من قولهم: على من تنزل أنزل أي: وعليه، فيكون «نُحَاس» على هذا مجروراً ب «من» المحذوفة، وتضم نونه وتكسر، وبالكسر قرأ مجاهد، وطلحة والكلبي، ونقله القرطبي عن حميد أيضاً، وعكرمة، وأبي العالية.
وقرأ ابن جندب: «ونَحْسٌ» ، كقوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: 19] وابن أبي بكرة، وابن أبي إسحاق: «ونَحُسُّ» بضم الحاء والسين مشددة من قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾ [آل عمران: 152] أي: ونقتل بالعذاب، وقرأ ابن أبي إسحاق أيضاً: «ونَحس» بضم الحاء وفتحها وكسرها وجر السين، والحسن والقاضي: «ونُحُسٍ» بضمتين وجر السين.
وتقدمت قرأة زيد: «ونُحَاساً» بالنَّصْب لعطفه على «شُواظاً» في قراءته.
و «النِّحاس» أيضاً بالكسر: الطبيعة والأصل.
يقال: فلان كريم النحاس و «النُّحاس» أيضاً بالضم، أي: كريم النِّجار.
قال ابن مسعود: النحاس: المهل وقال الضحاك: هو دُرْديّ الزَّيت المغلي.
وقال الكسائي: هو النار التي لها ريح شديدة.
قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً، يعني الجن والإنس.
وثنّى الضمير في «عَلَيْكُمَا» ؛ لأن المراد النوعان، وجمع في قوله: «إن اسْتَطعْتُمْ» ؛ لأنه خطاب للمعشر، وكذا قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ خطاب للحاضرين، وهم نوعان.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ جوابه مقدر، أي: رأيت هولاً عظيماً، أو كان ما كان.
وقوله: «فَكَانَت ورْدَةً» أي: مثل وردة.
فقيل: هي الزهرة المعروفة التي تشمّ شبهها بها في الحمرة.
وأنشد قول الشاعر: [الطويل]
4645 - فَلَوْ كُنْتُ وَرْداً لونُهُ لَعشِقْتَنِي ... ولكِنَّ ربِّي شَانَنِي بِسَوَادِيَا
وقيل: هي من لون الفَرَس الورد يكون في الربيع إلى الصُّفرة، وفي الشتاء إلى الحُمْرة، وفي شدة البرد إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلون الوردة من الخَيل.
وقرأ عمرو بن عبيد: «وَرْدَةٌ» بالرفع.
قال الزمخشري: فحصلت سماء وردة، وهو من الكلام الذي يسمى التَّجريد؛ كقوله: [الكامل]
4646 - فَلَئِنْ بَقِيتُ لأرحلنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنائمَ أو يَمُوتَ كَرِيمُ
قوله: «كالدِّهان» يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون نعتاً ل «وَرْدَة» ، وأن يكون حالاً من اسم «كانت» .
وفي «الدِّهَان» قولان: أنه جمع «دُهْن» نحو: قُرْط وقِرَاط، ورُمْح ورِمَاح، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿تَكُونُ السمآء كالمهل﴾ [المعارج: 8] وهو: دردي الزيت.
والثاني: أنه اسم مفرد.
فقال الزمخشري: «اسم ما يدهن به كالحزام والإدام» ؛ وأنشد: [الطويل]
4647 - كأنَّهُمَا مَزادَتَا مُتَعَجِّلٍ ... فريَّان لمَّا تُدهَنَا بدِهَانِ
وقال غيره: هو الأديم الأحمر؛ وأنشد للأعشى: [الوافر]
4648 - وأجْرَدَ مِنْ كِرامِ النَّخْلِ طَرْفٍ ... كأنَّ على شَواكِلِه دِهَانَا
أي: أديماً أحمر، وهذا يحتمل أن يكون جمعاً، ويؤيده ما أنشده منذر بن سعيد: [الطويل]
4649 - تَبِعْنَ الدِّهَانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ ... بمَوْسمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكَاظِ
فقوله: «الحمر» يحتمل أن يكون جمعاً، وقد يقال: هو كقولهم: أهلك الناس الدينار الحمر والدرهم البيض، إلاَّ أنه خلاف الأصل.
وقيل: شبهت بالدهان وهو الزيت لذوبها ودورانها.
وقيل: لبريقها.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ انصدعت يوم القيامة، ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ .
قال مجاهد والضحاك، وغيرهما: «الدهان» : الدهن، والمعنى: صارت في صفاء الدّهن، والدهان على هذا جمع دهن.
وقال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى تصير في حُمْرة الورد، وجريان الدهن، أي: تذوب مع جريان الدهن حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقّتها وذوبانها.
وقيل: الدهان: الجلد الأحمر الصرف. ذكره أبو عبيدة والفراء. أي: تصير السماء كالأديم لشدّة حر نار جهنم.
وعن ابن عباس: المعنى: فكانت كالفرس الورد في الربيع كميت أصفر، وفي الشتاء كميت أحمر، فإذا اشتد الشتاء كان كميتاً أغْبر.
وقال الفراء: أراد الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصُّفرة، فإذا اشتد البرد كانت وردة؛ فإذا كان بعد ذلك كانت وردةً إلى الغبرة، فشبه تلوّن السماء بتلوّن الورد من الخيل.
وقال الحسن: «كالدِّهان» أي: كصبّ الدهن، فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً.
وقال زيد بن أسلم: المعنى: أنها تصير كعكر الزيت.
وقيل: المعنى أنها تمر وتجيء.
قال الزجاج: أصل الواو والراء والدال للمجيء والإتيان.
وهذا قريب مما تقدم من أن الفرس الوردة تتغير ألوانها، والورد أيضاً: يطلق على الأسد.
وقال قتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر. حكاه الثعلبي.
قال المارودي: وزعم المتقدمون أن أصل لون السَّماء الحمرة، وأنها لكثرة الحوائل وبعد المسافة يرى لونها أزرق، وشبهوا ذلك بعروق البدن، وهي حمراء حمرة الدم، وترى بالحائل زرقاء، فإن كان هذا صحيحاً، فإنَّ السماء لقربها من النَّواظر يوم القيامة، وارتفاع الحواجز ترى حمراء؛ لأنها أصل لونها. والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ التنوين عوض من الجملة، أي: فيومئذ انشقَّت السَّماء، والفاء في «فيومئذٍ» جواب الشرط.
وقيل: هو محذوف، أي: فإذا انشقت السَّماء رأيت أمراً مهولاً ونحو ذلك.
والهاء في «ذنبه» تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي: ولا يسأل عن ذنبه جانّ أيضاً؛ وناصب الظرف «لا يسأل» و «لا» غير مانعة.
وقد تقدم الخلاف فيها في الفاتحة وتقدمت قراءة «جأنٌّ» بالهمزة فيها أيضاً.
فصل في الكلام على هذه الآية
قال المفسرون: هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] .
وأن القيامة مواطن لطول ذلك اليوم، فيسأل في بعض، ولا يسأل في بعض. وهذا قول عكرمة.
وقيل: المعنى لا يسألون إذا استقرُّوا في النَّار. وقال الحسن وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم؛ لأن الله - تعالى - حفظها عليهم، وكتبتها الملائكة. رواه العوفي عن ابن عباس.
وعن الحسن ومجاهد أيضاً: لا تسأل الملائكة عنهم؛ لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
دليله قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ ، رواه مجاهد عنه أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] ، وهو قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ .
قال: لا يسألهم ليعرف ذلك منهم، ولكنهم يسألهم لم عملتموها؟ سؤال توبيخ.
وقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم.
وقال قتادة: يسألون قبل الختم على أفواههم، ثم يختم على أفواههم، وتتكلم جوارحهم شاهدة عليهم.
قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ .
قرأ حماد بن أبي سليمان: «بِسِيمائِهِمْ» بالمد.
قوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي﴾ الآية.
«يُؤخذ» متعدّ، ومع ذلك تعدى بالباء؛ لأنه ضمن معنى «يسحب» . قاله أبو حيان.
و «يسحب» إنما يتعدى ب «على» ، قال تعالى: ﴿يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: 48] فكان ينبغي أن يقول: ضمن معنى يتعدى «يدعون أو يدفعون» .
وقال مكّي: «إنما يقال: أخذت الناصية، وأخذت بالناصية، ولو قلت: أخذت الدَّابة بالناصية، لم يجز.
وحكي عن العرب: أخذت الخِطَام، وأخذت بالخِطَام.
بمعنى.
وقد قيل: إن تقديره: فيؤخذ كل واحد بالنَّواصي، وليس بصواب؛ لأنه لا يتعدى إلى مفعولين أحدهما: بالباء، لما ذكرنا، وقد يجوز أن يتعدى إلى مفعولين: أحدهما بحرف جر غير الباء، نحو: أخذت ثوباً من زيد، فهذا المعنى غير الأول، فلا يحسن مع الباء مفعول آخر إلاَّ أن تجعلها بمعنى «من أجل» ، فيجوز أن تقول: «أخذت زيداً ثوباً بعمرو» أي: من أجله وبذنبه» . انتهى.
وفيما قاله نظر، لأنك تقول: «أخذت الثوب بدرهم» فقد تعدّى بغير» من «أيضاً بغير المعنى الذي ذكره.
وقال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف عدي الأخذ بالباء وهو متعد بنفسه قال تعالى: ﴿لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ [الحديد: 15] وقال: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ؟ .
فالجواب أن الأخذ تعدى بنفسه كما تقدم، وبالباء كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي﴾ [طه: 94] لكن التدقيق فيه أن المأخوذ إن كان مقصوداً فكأنه ليس هو المأخوذ، فكأن الفعل لم يتعد إليه بنفسه، فيذكر الخوف ويدل على هذا استعمال القرآن، فقال تعالى: ﴿خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ [طه: 21] ، وقال تعالى ﴿وليأخذوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102] وأخذ الألواح إلى غير ذلك مما هو المقصود بالأخذ غيره، وأسند الأخذ إلى النواصي دون ضمير المجرمين إشارة إلى استيلاء الآخذين على المأخوذين وكثرتهم وكيفية الأخذ.
و» أل «في» النَّواصي والأقْدَام «ليست عوضاً من ضمير عند البصريين، فالتقدير: بالنواصي منهم، وهي عند الكوفيين عوض.
والنَّاصية: مقدم الرأس، وقد تقدم هذا مستوفى في» هود» وفي حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مَا لَكُم لا تَنُصُّونَ مَيَّتَكُمْ» أي: لا تمدُّون ناصيته.
و «النَّصيّ» : مرعى طيب، فقولهم: فلان ناصية القوم، يحتمل أن يكون من هذا، يعنون أنه طيب منتفع، أو مثل قولهم: هو رأسُ القَوْمِ انتهى.
فصل في سيما المجرمين
قال الحسن: ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي بسواد الأوجه، وزرقة الأعين قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمَئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: 102] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106] .
فقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: يأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار.
و «النَّواصي» : جمع ناصية.
وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره حتى يندقَّ ظهره، ثم يلقى في النّار.
وقيل: يفعل به ذلك ليكون أشد لعذابه، وأكثر لتشويهه.
وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النَّار، تارةً تأخذ بناصيته، وتجرّه على وجهه، وتارةً تأخذ بقدميه وتسحبه على وجهه.
فإن قيل: ما وجه إفراد» يُؤخَذ «مع أن المجرمين جمع، وهم المأخوذون؟ .
فالجواب من وجهين: الأول: أن قوله:» يُؤخَذُ» متعلق «بالنواصي» ، كقولك: ذهب يزيد.
والثاني: أن يتعلق بما يدلّ عليه «يؤخذ» ، فكأنه قال: يؤخذ المأخوذون بالنواصي.
قوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم: هذه جهنّم.
قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يقال: معناه هذه صفة جهنم، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف، وقد يكون المشار إليه هو ما تقدم.
قال: والأقوى أن يقال: الكلام تم عند قوله تعالى: ﴿بالنواصي والأقدام﴾ ، وقوله تعالى: ﴿هذه جَهَنَّمُ﴾ لقربها، كما يقال: هذا زيد قد وصل إذا قرب مكانه، فكأنه قال: جهنم التي يكذب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم، ويؤيده قوله: «يُكَذِّبُ» ؛ لأن الكلام لو كان بإضمار يقال، لقال تعالى لهم: (هذه جهنم التي كذب بها المجرمون) ؛ لأن في ذلك اليوم لا يبقى تكذيب.
قوله تعالى: «يَطُوفُونَ» .
قراءة العامة: «يَطُوفون» من «طاف» ، وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وأبو عبد الرحمن: «يُطَافُونَ» مبنيًّا للمفعول، من أطافهم غيرهم.
والأعمش وطلحة وابن مقسم: «يُطَوِّفُون» بضم الياء وفتح الطاء وكسر الواو مشددة، أي يطوفون أنفسهم.
وقرأت فرقة: «يَطَّوَّفُونَ» بتشديد الطَّاء والواو، والأصل: «يتطوّفون» .
قوله تعالى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: حَارّ متناهٍ في الحرارة، وهو منقوص ك «قاض» يقال: «أتَى يَأتِي فهو آتٍ» ك «قَضَى يَقْضِي فهو قَاضٍ» . وقد تقدم في «الأحزاب» .
قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم، ومرة بين الحميم والجحيم.
و «الحميم» : الشّراب. وفي قوله تعالى: «آنٍ» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه الذي انتهى حرّه وحميمه. قاله ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، والسدي، ومنه قول النابغة الذبياني: [الوافر]
4650 - وتُخْضَبُ لِحْيَةٌ غَدَرَتْ وخَانَتْ ... بأحْمَرَ مِنْ نَجِيعِ الجَوْفِ آنِ
وقال قتادة: «آن» طبخ منذ خلق الله السموات والأرض، يقول: إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم ذلك.
وعن كعب: أنه الحاضر، وعنه أيضاً: «آن» اسم واد من أودية جهنّم.
وقال مجاهد: إنه الذي قد آنَ شربه، وبلغ غايته.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فإن قيل: هذه الأمور ليست نعمة، فكيف قال: بأي آلاء؟ .
فالجواب من وجهين.
أحدهما: أن ما وصف من هَوْلِ القيامة، وعقاب المجرمين فيه زَجْر عن المعاصي، وترغيب في الطَّاعات وهذا من أعظم النعم.
«روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أتى على شاب في الليل يقرأ: ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ فوقف الشَّاب، وخنقته العبرة، وجعل يقول: ويحي من يوم تنشقُّ فيه السماء وَيْحِي، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» ويحك يا فتى، يأتيني مثلها، فوالذي نَفْسِي بيدهِ لقَدْ بَكَتْ ملائكةُ السَّماءِ منْ بُكائِكَ «» .
الثاني: أن المعنى كذبتم بالنعم المتقدمة ما استحقيتم هذه العقوبات، وهي دالة على الإيمان بالغيب، وهو من أعظم النعم.