Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الواقعة 56:19 – الواقعة 56:43

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. الواقعة 56:19
  2. الواقعة 56:20
  3. الواقعة 56:21
  4. الواقعة 56:22
  5. الواقعة 56:23
  6. الواقعة 56:24
  7. الواقعة 56:25
  8. الواقعة 56:26
  9. الواقعة 56:27
  10. الواقعة 56:28
  11. الواقعة 56:29
  12. الواقعة 56:30
  13. الواقعة 56:31
  14. الواقعة 56:32
  15. الواقعة 56:33
  16. الواقعة 56:34
  17. الواقعة 56:35
  18. الواقعة 56:36
  19. الواقعة 56:37
  20. الواقعة 56:38
  21. الواقعة 56:39
  22. الواقعة 56:40
  23. الواقعة 56:41
  24. الواقعة 56:42
  25. الواقعة 56:43

الواقعة 56:19

قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرض﴾ . يجوز أن يكون بدلاً من «إذا» الأولى، أو تأكيداً لها، أو خبراً لها على أنها مبتدأ. كما تقدم تحريره. وأن يكون شرطاً، والعامل فيه إما مقدر، وإما فعلها الذي يليها، كما تقدّم في نظيرتها. وقال الزمخشري: «ويجوز أن ينتصب ب» خافضة رافعة «أي تخفض وترفع وقت رجِّ الأرض وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك يخفض ما هو مرتفع، ويرفع ما هو منخفض» . قال أبو حيَّان: «ولا يجوز أن ينتصب بهما معاً، بل بأحدهما، لأنه لا يجوز أن يجتمع مؤثران على أثر واحد» . قال شهاب الدِّين: معنى كلامه أن كلاًّ منهما متسلّط عليه من جهة المعنى، وتكون المسألة من باب التنازع، وحينئذ تكون العبارةُ صحيحة، إذ يصدق أن كلاًّ منهما عامل فيه، وإن كان على التَّعاقُب. والرَّج: التحريك الشديد بمعنى زلزلت. قال مجاهد وغيره: يقال: رجَّه يرُجُّه رجًّا، أي: حرّكه وزلزله. وناقة رجاء: أي عظيمة السّنام. والرَّجْرجَة: الاضطراب. وارتجّ البحر وغيره: اضطرب. وفي الحديث: «مَنْ ركِبَ البَحْرَ حينَ يَرتجُّ فلا ذمَّة لهُ» . يعني: إذا اضطربت أمواجه. قال الكلبي: وذلك أن الله - تعالى - إذا أوحى إليها اضطربت فرقاً من الله تعالى. قال المفسرون: ترتج كما يرتجّ الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها. وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الرَّجَّة: الحركة الشديدة يسمع لها صوت. قوله: ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً﴾ . أي: سيرت، من قولهم: بسَّ الغنم، أي: ساقها. وأبْسَسْتُ الإبل أبُسُّهَا بَسَّاً، وأبْسَسْتُ وبَسِسْتُ لغتان إذا زجرتها وقلت: بَسْ بَسْ. قاله أبو زيد. أو بمعنى «فُتّت» ، كقوله: ﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه: 105] ، ويدل عليه: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قال ابن عباس ومجاهد: كما يبسّ الدقيق، أي: يُلتّ. والبَسِيْسَةُ: السَّويقُ أو الدقيق يُلَتُّ بالسَّمن أو الزيت، ثم يؤكل ولا يطبخ، وقد يتخذ زاداً. قال الراجز: [الرجز] 4670 - لا تَخْبِزَا خُبْزاً وبُسَّا بَسَّا ... ولا تُطِيْلا بِمُنَاخٍ حَبْسَا وقال الحسن: «وبسّت» قلعتْ من أصلها فذهبت، ونظيرها: يَنْسِفُهَا ربِّي نسفاً وقال عطية: بُسِطَتْ كالرَّمل والتراب. وقال مجاهد: سالت سيلاً. وقال عكرمة: هدّت. وقرأ زيد بن علي: «رجَّت» ، و «بَسَّت» مبنيين للفاعل. على أن «رَجَّ» و «بَسَّ» يكونان لازمين ومتعديين، أي: ارتجت وذهبت. قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قرأ النَّخعي ومسروق وأبو حيوة: «منبتًّا» بنقطتين من فوق، أي: منقطعاً من البَتِّ. ومعنى الآية لا ينبو عنه. قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الهباء المُنْبَثّ: الرَّهجُ الذي يسطع من حوافر الخيل ثم يذهب، فجعل الله تعالى أعمالهم كذلك. وقال مجاهد: «الهَبَاء» : الشعاع الذي يكون في الكُوة كهيئة الغُبَار، وروي نحوه عن ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه ما تطاير من النَّار إذا اضطربت يطير منها شرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال عطية: «المنبث» : المتفرق، قال تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ [البقرة: 164] أي: فرق ونشر. قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ . أي: أصنافاً ثلاثة، كل صنف يشاكل كل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بين من هم، فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ ، ﴿وَأَصْحَابُ المشأمة﴾ ، ﴿والسابقون﴾ . قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ . «أصحاب» الأول مبتدأ، و «ما» استفهامية - فيه تعظيم - مبتدأ ثاني، و «أصحاب» الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرار المبتدأ الأول هنا بلفظه مغنٍ عن الضمير، ومثله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التَّعظيم. فإن قيل: إن «ما» نكرة وما بعدها معرفة، فكان ينبغي أن يقال: «ما» خبر مقدم، و «أصحاب» الثاني وشبهه مبتدأ؛ لأن المعرفة أحق بالابتداء من النكرة؟ وهذا السؤال واردٌ على سيبويه في مثل هذا. وفي قولك: «كَمْ مالك، ومرَرْتُ بِرَجُلٍ خَيْرٍ منهُ أبُوه» فإنه يعرب «ما» الاستفهامية، و «كم» و «أفعل» مبتدأ وما بعدها خبرها. والجواب: أنه كثر وقوع النكرة خبراً عن هذه الأشياء كثرة متزايدة، فاطَّرد الباب، ليجري على سنن واحدة، هكذا أجابوا. وهذا لا ينهض مانعاً من جواز أن يكون «ما» و «كَمْ» و «أفْعَل» خبراً مقدماً ولو قيل به لم يكن خطأ، بل أقرب إلى الصَّواب. و «الميمنة» «مَفْعَلَة» من لفظ اليمين، وكذلك «المشأمة» من اليد الشؤمى وهي الشمال لتشاؤم العرب بها، أو من الشُّؤم. فصل في تحرير معنى الآية قال السدي: «أصحاب الميمنةِ» هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، و «أصحاب المَشْأمة» هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النَّار. و «المَشْأمة» : الميسرة، وكذلك الشَّأمة، يقال: قعد فلان شأمة. ويقال: شائم بأصحابك أي: خذ بهم شأمة أي: ذات الشمال والعرب تقول لليد الشمال: الشؤمى، وللجانب الشمال: الأشأم. وكذلك يقال لما جاء عن اليمين: اليمن، ولما جاء عن الشمال: الشُّؤم. قال البغوي: «ومنه سمي» الشَّام واليمن «؛ لأن» اليمن «عن يمين الكعبة، و» الشام «عن شمالها» . قال ابن عباس والسدي: «أصْحَابُ المَيْمَنَةِ» هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذُّرية من صلبه، فقال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال زيد بن أسلم: هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر. وقال عطاء ومحمد بن كعب: «أصْحَابُ الميمنةِ من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله» . وقال ابن جريج: «أصحاب الميمنة» هم أصحاب الحسنات، وأصحاب المشأمة؛ هم أهل السيئات. وقال الحسن والربيع: «أصحاب الميمنة» الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة: المشائيم على أنفهسم بالأعمال السيئة. وفي صحيح مسلم من حديث «الإسراء» عن أبي ذرٍّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «فَلمَّا عَلوْنَا السَّماء الدُّنيا، فإذَا رجلٌ عن يَمينهِ أسْودةٌ، وعنْ يَسارِهِ أسودةٌ، قال فإذَا نظر قبل يَمينِه ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قبلَ شمالِهِ بكَى، قال: فقال: مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالحِ والابْنِ الصَّالح، قال: فقُلْتُ: يا جِبْريلُ منْ هذَا؟ . قال: هذا آدمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شمالهِ بَنُوه فأهْلُ اليَمِينِ أهْلُ الجنَّةِ، والأسودةُ الَّتي عن شمالهِ أهْلُ النَّارِ» وذكر الحديث. وقال المبردُ: «أصحاب الميمنة» أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخُّر والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي: اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين. ثم عجب نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وهذا كما يقال: «زَيْدٌ مَا زَيْدٌ» ، يريد «زيد شديد» فالتكرير في ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، و ﴿مَآ أَصْحَابُ المشأمة﴾ للتَّفخيم والتعجُّب، كقوله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، و ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] كما يقال: «زَيْدٌ ما زيدٌ» . وفي حديث أم زرع رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مالك، وما مالك؟» . والمقصود: تكثير ما لأصحاب الميمنة في الثواب، وأصحاب المشأمة من العقاب. والفاء في قوله: «فأصْحَاب» تدل على التقسيم، وبيان ما ورد عليه التقسيم، كأنه قال: أزواجاً ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، وبين حال كل قسم فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وترك التقسيم أولاً، واكتفى بما يدل عليه بأن تُذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها. فإن قيل: ما الحكمة في اختيار لفظ «المشأمة» في مقابلة «الميمنة» مع أنه قال في بيان أحوالهم ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ ؟ [الواقعة: 41] . فالجواب: أنَّ اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا منها ألفاظاً في مواضع فقالوا: «هذا ميمون» تيمناً به، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، ولفظ الشمال في مقابلته، واستعملوا منه ألفاظاً تشاؤماً به، فذكر «المشأمة» [ في] مقابلة [ «الميمنة» ] [وذكر الشمال في مقابلة اليمين] فاستعمل كل لفظ مع ما يقابله. قوله: ﴿والسابقون السابقون﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنها مبتدأ وخبر، وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أنه بمعنى: السابقون هم الذين اشتهرت حالتهم بذلك. كقولهم: «أنت أنت، والناس الناس» . وقوله: [الرجز] 4671 - أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي ... وهذا يقال في تعظيم الأمر وتفخيمه، وهو مذهب سيبويه. التأويل الثاني: أن متعلق السابقين مختلف؛ إذ التقدير: والسَّابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة، أو السابقون إلى طاعة الله السَّابقون إلى رحمته، أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنَّة. الوجه الثاني: أن يكون السَّابقون الثاني تأكيداً للأول تأكيداً لفظيًّا، و «أولئك المُقرَّبُون» جملة ابتدائية في موضع خبر الأول، والرابط: اسم الإشارة، كقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26] ، في قراءة برفع «لِبَاس» في أحد الأوجه. الثالث: أن يكون «السابقون» الثاني نعتاً للأول، والخبر الجملة المذكورة. وهذا ينبغي ألا يعرج عليه، كيف يوصف الشيء بلفظه، وأي فائدة في ذلك؟ . قال شهاب الدين: والأقرب عندي إن وردت هذه العبارة ممن يعتبر أن يكون سمى التَّأكيد صفة، وقد فعل سيبويه قريباً من هذا. الرابع: أن يكون الوقف [على قوله] «والسَّابقون» ، ويكون قوله ﴿السَّابقون، أولئك المقربون﴾ ابتداء وخبراً. وهذا يقتضي أن يعطف «والسَّابقون» على ما قبله، لكن لا يليق عطفه على ما قبله، وإنما يليق عطفه على أصحاب الميمنة، كأنه قيل: وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة والسابقون، أي: وما السابقون؟ تعظيماً لهم، فيكونون شركاء أصحاب الميمنة في التعظيم، ويكون قوله على هذا: ﴿وأصحاب المَشْأمة ما أصحاب المشأمة﴾ اعتراضاً بين المتعاطفين، وفي هذا الوجه تكلف كثير جداً. فصل في المراد بالسابقين قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «السَّابقُون الَّذينَ إذَا أعْطُوا الحقَّ قبلوهُ، وإذا سُئِلُوه بذلُوهُ، وحَكمُوا للنَّاسِ كحُكْمِهِمْ لأنفُسِهِمْ» . ذكره المهدوي. وقال محمد بن كعب القرظي: هم الأنبياء. وقال الحسن وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة. وقال محمد بن سيرين: هم الذين صلّوا إلى القبلتين، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: 100] . وقال مجاهد والضحاك: هم السَّابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحاً إلى صلاة الفرائض في الجماعة وقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هم السابقون إلى الصَّلوات الخمس. وقال سعيد بن جبير: إلى التوبة، وأعمال البر، قال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ [آل عمران: 133] ثم أثنى عليهم فقال: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61] . وقيل: إنهم أربعة: منهم سابق أمة موسى، وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى، وهو حبيب النَّجَّار صاحب «أنْطَاكية» ، وسابقان في أمّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهما أبو بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قاله ابن عباس. حكاه الماوردي. وقال شميط بن العجلان: النَّاس ثلاثة: فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا هو السَّابق المقرب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب، ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب الشمال. وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة. وقيل: هم أول الناس رواحاً إلى المسجد، وأولهم خروجاً في سبيل الله ﴿أولئك المقربون في جنات النعيم﴾ . قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً من الضمير في «المُقَرَّبُون» ، وأن يكون متعلقاً به، أي: قربوا إلى رحمة الله في جنات النعيم. ويبعد أن تكون «في» بمعنى «إلى» . وقرأ طلحة: «في جنَّةٍ» بالإفراد. وإضافة الجنة إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، كما يقال: «دار الضِّيافة، ودار الدَّعوة، ودار العدل» . وذكر النعيم هنا معرفاً، وفي آخر السورة منكراً؛ لأن السَّابقين معلومون، فعرفهم باللام المستغرقة لجنسهم، وأما هنا فإنهم غير معروفين لقوله: ﴿إِن كَانَ مِنَ المقربين﴾ [الواقعة: 88] فجعل موضعه غير معروف، أو يقال: إن المذكور هنا جميع السَّابقين، ومنزلتهم أعلى المنازل، فهي معروفة، لأنها لا حدّ فوقها. وأما باقي المقربين فلكل واحد مرتبة ودرجة، فمنازلهم متفاوتة، فهم في جنات متباينة في المنزلة، لا يجمعها صفة، فلم يعرفها. قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . «ثلّة» خبر مبتدأ مضمر، أي «هم» . ويجوز أن يكون مبتدأ خبره مضمر، أي منهم ثلّة. أي: من السابقين، يعني أن التقسيم وقع [بينهم] . وأن يكون مبتدأ خبره ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . أو قوله: ﴿على سُرُرٍ﴾ . فهذه أربعة أوجه. و «الثُلّة» : الجماعة من الناس، وقيدها الزمخشري بالكثيرة. وأنشد: [الطويل] 4672 - وجَاءَتْ إليْهِمْ ثُلَّةٌ خِندفيَّةٌ ... بِجَيْشٍ كتيَّارٍ من البَحْرِ مُزْبدِ ولم يقيدها غيره، بل صرح بأنها الجماعة قلّت أو كثرت. وقال الرَّاغب: الثلّة: قطعة مجتمعة من الصُّوف؛ ولذلك قيل للمقيم: «ثَلَّة» يعني بفتح الثَّاء. ومنه قوله: [الرجز] 4673 - أمْرَعَتِ الأرْضُ لَوْ انّ مالا ... لوْ أنَّ نُوقاً لَكَ أو جِمَالا أوْ ثلَّةً مِنْ غَنَمٍ إمَّا لا ... انتهى. ثم قال: «ولاعتبار الاجتماع، قيل: ﴿ثلّة من الأولين، وثلّة من الآخرين﴾ أي جماعة، وثللت كذا: تناولت ثلّة منه، وثلَّ عرشُه: أسقط ثلّة منه والثّلل: قصر الأسنان لسقوط ثلَّة منها، وأثل فمُه: سقطت، وتَثَلَّلَتِ الرُّكبَة: تَهَدَّمت» انتهى. فقد أطلق أنها الجماعة من غير قيد بقلّة ولا بكثرة. والكثرة التي فهمها الزمخشري قد تكون من السياق. وقال الزجاج: الثلّة: الفرقة. و «مِنَ الأوَّلِينَ» صفة ل «ثُلَّة» ، وكذلك «من الآخرين» صفة ل «قَلِيل» . فصل في المراد بقوله: ثلّة من الأوّلين قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . أي جماعة من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ أي: ممن آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال الحسن: «ثُلَّةٌ» ممن قد مضى قبل هذه الأمة، «وقليلٌ» من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اللهم اجعلنا منهم بكرمك. وسموا قليلاً بالإضافة إلى من كان قبلهم؛ لأن الأنبياء المتقدمين كثروا، فكثر السابقون إلى الإيمان بهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا. (قيل: لما نزلت هذه الآية شقَّ على أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) فنزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونُوا رُبْعَ أهْلِ الجنَّةِ، بَلْ نِصْف أهلِ الجنَّة، وتُقاسِمُونهُم في النِّصْفِ الثانِي» رواه أبو هريرة ذكره الماوردي وغيره، ومعناه ثابت في «صحيح مسلم» ، من حديث عبد الله بن مسعود، وكأنه أراد أنها منسوخة. قال ابن الخطيب: وهذا في غاية الضعف من وجوه: أحدها: أن عدد أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في ذلك الزمان، بل إلى آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى في غاية القلة، فالمراد بالأولين: الأنبياء وكبار أصحابهم، وهم إذا جمعوا أكثر من السَّابقين من هذه الأمة. الثاني: أن هذا خبر، والخبر لا ينسخ. الثالث: أن هذه الآية في السَّابقين، والتي بعدها في أصحاب اليمين. الرابع: أنه إذا جعل قليل منهم مع الأنبياء والرسل المتقدمين كانوا في درجة واحدة، وذلك يوجب الفرح؛ لأنه إنعام عظيم، ولعلّ الإشارة إليه بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «عُلَمَاءُ أمَّتِي كأنْبِيَاءِ بَنِي إسْرائِيْلَ» . قال القرطبي: «والأشبه أنها محكمة؛ لأنها خبر، والخبر لا ينسخ؛ لأن ذلك في جماعتين مختلفتين» . قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ ، وقال في أصحاب اليمين، وهم سوى السابقين: ﴿ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين﴾ . ولذلك [قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونَ أمَّتِي شطْرَ أهْلِ الجنَّةِ» ، ثم تلا: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ] . وقال أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كلا الثُّلتين من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها. وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ [فاطر: 32] . وقيل: المراد ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فإن أكثرهم لهم الدَّرجة العليا، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ﴾ [الحديد: 10] . ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ لحقوهم، ولهذا قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «خَيْرُكُمْ قرني ثم الذينَ يَلُونَهُم» ثم سوى في أصحاب اليمين بين الأولين والآخرين. قال ابن الخطيب: وعلى هذا فقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ يكون خطاباً مع الموجودين وقت التنزيل، ولا يكون فيه بيان الأولين الذين كانوا قبل نبينا - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا ظاهر؛ لأن الخطاب لا يتعلق إلاَّ بالموجودين من حيث اللفظ، ويدخل فيه غيره بالدليل. ووجه آخر: أن المراد بالأولين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبالآخرين، أي: ذرياتهم الملحقون بهم في قوله تعالى: ﴿واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] . وقال الزَّجَّاج: الذين عاينوا جميع النبيين من لدُن آدم وصدقوهم أكثر مما عاين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله تعالى: ﴿على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ . أي: السَّابقون في الجنة على سرر، أي: مجالسهم على سُرر، جمع سرير. وقرأ زيد بن علي، وأبو السمال: «سُرَر» بفتح الراء الأولى وقد تقدم أنها لغة لبعض بني «كلب» و «تميم» . و «المَوضُونَة» : قال ابن عباس: منسوجة بالذهب. وقال عكرمة: مشبكة بالدُّر والياقوت. وعن ابن عباس أيضاً: «مَوضُونةٌ» أي: مصفوفة، لقوله تعالى في موضع: ﴿على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: 20] . وعنه، وعن مجاهد أيضاً: مرمُولة بالذهب. وقيل: «مَوضُونة» : منسوجة بقضبان الذهب مُشَبَّكةٌ بالدّر والياقوت. و «الموضونة» : المنسوجة، وأصله من وضَنْتُ الشَّيء، أي ركبته بعضه على بعض. ومنه قيل للدِّرع: «موضونة» ؛ لتراكب حلقها. قال الأعشى: المتقارب] 4674 - ومِنْ نَسْجِ دَاوُدَ موضُونَةً ... تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيراً فَعِيرَا وعنه أيضاً: وضِينُ الناقة، وهو حِزامُهَا لتراكُب طاقاته؛ قال: [الرجز] 4675 - إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقاً وضينُهَا ... مُعْتَرِضاً فِي بَطْنِهَا جَنينُهَا مُخَالِفاً دينَ النَّصارَى دِينُهَا ... وقال الرَّاغب: «الوَضْن: نسْج الدِّرع، ويستعار لكلّ نسج محكم» . فجعله أصلاً في نسيج الدروع. وقال الآخر: [الوافر] 4676 - أقُولُ وقَدْ دَرَأتُ لَهَا وَضِيني ... أهَذَا دِينُهُ أبداً وَدِينِي؟ أي حزامي. و «الوضينُ» : هو الحَبْل العريض الذي يكون منه الحَزْم لقوّة سداه ولُحْمته، والسرير الموضون الذي سطحه بمنزلة المنسوج. قال القرطبي «ومنه الوضين بطانٌ من سُيُور ينسج، فيدخل بعضه في بعض» . قوله: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ . حالان من الضمير في «عَلى سُرُرٍ» . ويجوز أن تكون حالاً متداخلة، فيكون «متقابلين» حالاً من ضمير «مُتَّكئِينَ» . فصل في معنى الآية «مُتَّكِئينَ» على السّرر، «مُتَقَابلينَ» لا يرى بعضهم قفا بعض، بل تدور بهم الأسرَّة. والمعنى: أنهم كائنون على سُرر متكئين على غيرها كحال من يكون على كرسي، فيوضع تحته شيء آخر للاتِّكاء عليه. قال مجاهد وغيره: هذا في المؤمن وزوجته وأهله، أي: يتكئون متقابلين. قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت، فإذا جلس عليها ارتفعت. قوله: ﴿يَطُوفُ﴾ . يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون استئنافاً. ﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ أي: غلمان لا يموتون. قاله مجاهد. والمعنى: لا موت لهم ولا فناء، أو بمعنى لا يتغير حالهم، ويبقون صغاراً دائماً. وقال الحسن والكلبي: لا يهرمُون ولا يتغيرون. ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4677 - وهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ... قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بأوْجَالِ وقال سعيد بن جبير: «مخلّدون» مُقَرَّطُون. يقال للقُرْط: الخَلَدة، ولجماعة الحُلِيّ: الخِلدة. وقيل: مسوَّرون، ونحوه عن الفراء. قال الشاعر: [الكامل] 4678 - ومُخَلَّداتٍ باللُّجَيْنِ كأنَّمَا ... أعْجَازُهُنَّ أقَاوِزُ الكُثْبَانِ وقيل: مقرطون، يعني: مُمَنْطَقُون من المناطق. وقال عكرمة: «مخلّدون» منعمون. وقيل: على سنٍّ واحدة، أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون عليهم، كما شاء من غير ولادة؛ لأن الجنة لا ولادة فيها. وقال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - والحسن البصري: «الوِلْدَان» هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغاراً، ولا حسنة لهم ولا سيّئة. وقال سلمان الفارسي: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن: لم يكن لهم حسنات يجازون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع، والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة. قوله: «بِأكْوَابٍ» متعلق ب «يَطُوفُ» . و «الأكواب» : جمع كوب، وهي الآنيةُ التي لا عُرَى لها ولا خراطيم، وقد مضت في «الزخرف» و «الأباريق» : جمع إبريق، وهي التي لها عُرَى وخراطيم، واحدها: إبريق، وهو من آنِيَة الخَمْر، سُمِّيَ بذلك لبريق لونه من صفائه. قال الشاعر: [البسيط] 4679 - أفْنَى تِلادِي ومَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ ... قَرْعُ القَوارِيرِ أفْواهُ الأبَارِيقِ وقال عديُّ بن زيد: [الخفيف] 4680 - وتَدَاعَوْا إلى الصَّبُوح فَقَامَتْ ... قَيْنَةٌ فِي يَمينهَا إبْرِيقُ وقال آخر: [البسيط] 4681 - كَأنَّ إبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ على شَرَفٍ ... مُقَدَّمٌ بِسَبَا الكتَّانِ مَلْثُومُ ووزنه «إفْعِيل» لاشتقاقه من البريق. قوله: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ تقدم في «الصافات» . و «المعين» : الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد هنا الخمر الجارية من العيون. وقيل: الظاهرة، فيكون «مَعِين» مفعول من المعاينة. وقيل: هو «فَعِيل» من المَعْنِ، وهو الكثرة. قال ابن الخطيب: هو مأخوذ من مَعن الماء إذا جرى. وقيل: بمعنى «مَفْعُول» ، فيكون من «عانه» إذا شخصه بعينه وميزه. قال: والأول أظهر؛ لأن المعيون يوهم بأنه معيوب. يقال: ضربني بعينه أي: أصابني بعينه؛ ولأن الوصف [بالمفعول] لا فائدة فيه. وأما الجريان في المشروب فإن كان في الماء فهو صفة مدح، وإن كان في غيره، فهو أمر عجيب لا يوجد في الدنيا، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: 15] وبين أنها ليست كخمر الدُّنيا يستخرج بتكلف ومعالجة. فإن قيل: كيف جمع الأكواب والأباريق، وأفرد الكأس؟ . فالجواب: أن ذلك على عادة أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كبيرة، ويشربون بكأس واحدةٍ، وفيها مباهاتهم لأهل الدنيا من حيث إنهم يطوفون بالأكواب والأباريق، ولا ينتقل عليهم، بخلاف الدنيا، أو يقال: إنما أفردت الكأس لأنها إنما تُسَمَّى كأساً إذا كانت مملوءة، فالمراد اتخاذ المشروب الذي فيها، وأخر الكأس مناسبة لاتصاله بالشُّرب. قوله: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ﴾ . يجوز أن تكون مستأنفة، أخبر عنهم بذلك. وأن تكون حالاً من الضمير في «عليهم» . ومعنى ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: بسببها. قال الزمخشري: وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها. والصُّدَاع؛ هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر فيه. قال علقمةُ بن عبدة في وصف الخمر: [البسيط] 4682 - تَشْفِي الصُّدَاعَ ولا يُؤذيكَ حَالبُهَا ... ولا يُخالِطُهَا في الرَّأسِ تدويمُ قال أبو حيان: هذه صفة خمر أهل الجنة، كذا قال الشيخ أبو جعفر بن الزبير لما قرأت هذا الدِّيوان عليه. والمعنى لا يتصدع رءوسهم من شربها، أي: أنها لذة بلا أذى، بخلاف شراب الدنيا. وقيل: «لا يُصدَّعون» لا يتفرَّقُون كما يتفرق الشرب من الشراب للعوارض الدنيوية، ومن مجيء «تصدع» بمعنى: تفرق، قوله: فتصدع السحاب عن المدينة، أي: تفرق. ويرجحه قراءة مجاهد: «لا يَصَّدعون» بفتح الياء وتشديد الصاد. والأصل: «لا يتصدعون» أي: لا يتفرقون، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] . وحكى الزمخشري قراءة، وهي: «لا يُصدِّعُون» بضم الياء، وتخفيف الصَّاد، وكسر الدَّال مشددة. قال: «أي لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرقونهم» . قوله: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ . تقدم الخلاف بين السبعة في «يُنْزِفُون» ، وتفسيره في «والصّافات» . وقرأ ابن إسحاق: بفتح الياء وكسر الزاي من نزف البئر، إذا استقى ما فيها. والمعنى لا ينفدُ خمرهم. ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4683 - لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ ... لَبِئْسَ النَّدامَى كُنْتُم آل أبْجَرَا وقال أبو حيان: «وابن أبي إسحاق وعبد الله والجحدري والأعمش وطلحة وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا يقيء شرابهم» . قال شهاب الدين: وهذا عجيب منه فإنه قد تقدم في «الصَّافات» أنَّ الكوفيين يقرءون في «الواقعة» بكسر الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في قصيدته. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السُّكر، والصُّداع، والقَيء، والبَوْل، وقد نزّه الله - تعالى - خمر الجنة عن هذه الخصال. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ . العامة على جر «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» عطفاً على «أكْوابٍ» . أي: يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به، وهذا كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] . فإن قيل: الفاكهة لا يطوف بها الولدان، والعطف يقتضي ذلك؟ . فالجواب: أن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف بهما الولدان [هنا] فيناولونهم الفواكه الغريبة، واللحوم العجيبة لا للأكل، بل للإكرام، كما يصنع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده، أو يكون معطوفاً على المعنى في قوله: ﴿جَنَّاتِ النعيم﴾ أي: مقربون في جنَّات، وفاكهة، ولحم، وحور، أي: في هذه النِّعم يتقلَّبون [عليهم بهذه الأشياء: المأكول، والمشروب، والمتفكه] . وقرأ زيد بن علي، وأبو عبد الرحمن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، برفعهما على الابتداء، والخبر مقدر، أي: ولهم كذا. والمعنى يتخيّرون ما شاءوا من الفواكه لكثرتها. وقيل: المعنى: وفاكهة متخيرة مرضية، والتخير: الاختيار. وقوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ . قال ابن عبَّاس: يخطر على قلبه لحم الطَّير، فيصير ممتثلاً بين يديه على ما اشتهى، ثم يطير فيذهب. قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ . قرأ الأخوان: بجرّ «حُورٍ عينٍ» . والباقون: برفعهما. والنخعي: «وحيرٍ عينٍ» بقلب الواو ياء وجرهما. وأبيّ وعبد الله قال القرطبي والأشهب العقيلي وعيسى بن عمر الثقفي، وهو كذلك في مصحف أبيّ: «وحُوراً عيناً» بنصبهما. فأما الجر فمن أوجه: أحدها: أنه عطف على «جنَّات النَّعيم» كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحم وحور؛ قاله الزمخشري. قال أبو حيان: «وهذا فيه بعد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض، وهو فهم أعجمي» . قال شهاب الدين: «والذي ذهب إليه الزمخشري معنى حسن جدًّا، وهو على حذف مضاف أي: وفي مقارنة حور، وهو الذي عناه الزمخشري، وقد صرح غيره بتقدير هذا المضاف» . وقال الفرَّاء: الجر على الإتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى؛ لأن الحور لا يُطاف بهنّ. قال الشاعر: [الوافر] 4684 - إذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً ... وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا والعين لا تُزَجَّجُ، وإنَّما تُكَحَّل. وقال آخر: [مجزوء الكامل] 4685 - ورَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا الثاني: أنه معطوف على «بِأكْوَابٍ» ، وذلك بتجوّز في قوله: «يَطُوفُ» ؛ إذ معناه ينعمون فيها بأكواب، وبكذا، وبحور. قاله الزمخشري. الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضاً فإن فيه لذة لهم إذا طافوا عليهم بالمأكول؛ والمشروب، والمتفكه به، والمنكوح، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب. ولا التفات إلى قول أبي البقاء: عطفاً على «أكْوَاب» في اللَّفظ دون المعنى؛ لأن الحور لا يُطافُ بها. وأما الرَّفْع فمن أوجه: أحدها: عطفاً على «ولْدَان» . أي: أن الحور يطفن عليهم بذلك كالولائد في الدُّنيا. وقال أبو البقاء: «أي يَطُفْن عليهم للتَّنعيم لا للخِدْمَة» . قال شهاب الدين: «وهو للخدمة أبلغ؛ لأنهم إذا خدمهم مثل أولئك، فما الظَّن بالمَوطُوءَات» . الثاني: أن يعطف على الضمير المستكنّ في «متكئين» ، وسوغ ذلك الفصل بما بينهما. الثالث: أن يعطف على مبتدأ وخبر حذفا معاً، تقديره: «لهم هذا كله وحور عين» قاله أبو حيَّان. وفيه نظر؛ لأنه إنما يعطف على المبتدأ وحده، وذلك الخبر له، ولما عطف هو عليه. الرابع: أن يكون مبتدأ خبره مضمر، تقديره: ولهم، أو فيها، أو ثمَّ حور. وقال الزمخشري: «عطف على وفيها حور عين، كبيت الكتاب» . يريد: كتاب سيبويه، والمرادُ بالبيت قولهُ: [الكامل] 4686 - بَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى ... إلاَّ رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاء ومُشَجَّجٌ أمَّا سواءُ قَذالِهِ ... فَبَدا وغيَّر سارهُ المَعْزاءُ عطف «مشجج» وهو مرفوع على «رواكد» ، وهو منصوب. الخامس: أن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حور. قاله أبو البقاء. قال الكسائي: ومن قال: «وحُورٌ عينٌ» بالرَّفع، وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» ؛ لأن ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلاَّ بالخمر وحدها. وأما النصب ففيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: يعطون، أو يؤتون حوراً. والثاني: أن يكون محمولاً على معنى «يطُوفُ عَليْهِمْ» ؛ لأن معناه: يعطون كذا وكذا، فعطف هذا عليه. وقال مكي: «ويجوز النَّصب على أن يحمل أيضاً على المعنى؛ لأن معنى» يطوف عليهم ولدان «بكذا وكذا، أي: يعطون كذا وكذا، ثم عطف» حوراً «على معناه» ، فكأنه لم يطلع [على أنها] قراءة. وأمَّا قراءة: «وحِيرٍ» فلمُجاورتها «عِين» ، ولأن الياء أخف من الواو، ونظيره في التَّعبير للمجاورة قولهم: «أخذه ما قدُم وما حدُث» - بضم دال - «حدُث» لأجل «قَدُم» ، وإذا أفرد منه فتحت داله فقط. وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ورَبَّ السَّمواتِ وما أظْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين ومنْ أضْلَلْن» . [وقوله: «أيَّتُكُنَّ صاحبةُ الجملِ الأدْبَبِ، يَنْبَحُها كلاب الحوْأب» ، فكَّ الأدبب لأجل الحَوأبِ] . وقرأ قتادة: «وحورُ عِينٍ» بالرفع والإضافة ل «عين» . وابن مقسم: بالنَّصب والإضافة. وقد تقدم توجيه الرفع والنَّصْب. وأما بالإضافة: فمن إضافة الموصوف لصفته مؤولاً. وقرأ عكرمة: [ «وحَوْرَاء عَيْنَاء» بإفرادهما على إرادة الجنس] . وهذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون نصباً كقراءة عبد الله وأبيٍّ. وأن يكون جرًّا كقراءة الأخوين؛ لأن هذين الاسمين لا يتصرَّفان، فهما محتملان للوجهين. وتقدم الكلام في اشتقاق العين. «كأمْثَال» : صفة، أو حال. و «جزاءً» : مفعول من أجله، أو مصدر، أي: يحزون جزاء. فصل في تفسير الآية قال المفسرون: «حورٌ» بيض، «عينٌ» ضخام الأعين، ﴿كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ أي المخزون في الصدف لم تمسّه الأيدي، ولم يقع عليه الغبار، فهو أشدّ ما يكون صفاء. وقوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . قالت المعتزلة: هذا يدلُّ على أن يقال: الثواب واجب على الله - تعالى - لأن الجزاء لا يجوز الإخلال به. وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروا لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة؛ لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أن القبيح من الله تعالى لا يوجد، علم أن الله تعالى يعطي هذه الأشياء، لأنها أجزية، وإيصال الثَّواب واجب، وأيضاً فكان لا يصح التمدّح به. قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ . قال ابن عبَّاس: باطلاً وكذباً. و «اللَّغْو» : ما يلغى من الكلام. و «التأثيم» : مصدر أثمته، أي: قلت له: أثمت. قال محمد بن كعب: «ولا تأثيماً» ، أي: لا يؤثم بعضهم بعضاً. وقال مجاهد: ﴿لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً﴾ : شتماً ولا مأثماً. قوله: «إلاَّ قيلاً» ، فيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهذا واضح؛ لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم. والثاني: أنه متصل. وفيه بعد، وكأن هذا رأى أن الأصل: لا يسمعون فيها كلاماً، فاندرج عنده فيه. وقال مكّي: وقيل: منصوب ب «يَسْمَعُون» . وكأنه أراد هذا القول. قوله: ﴿سَلاَماً سَلاَماً﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من «قيلاً» أي: لا يسمعون فيها إلا سلاماً سلاماً. الثاني: أنه نعت ل «قيلاً» . الثالث: أنه منصوب بنفس «قيلاً» ، أي: إلاَّ أن يقولوا: سلاماً سلاماً، وهو قول الزَّجَّاج. الرابع: أن يكون منصوباً بفعل مقدّر، ذلك الفعل محكيّ ب «قيلاً» تقديره: إلا قيلاً سلموا سلاماً. وقرىء: «سلامٌ» بالرفع. قال الزمخشري: «على الحِكايَةِ» . قال مكي: «ويجوز أن يكون في الكلام الرفع على معنى» سلام عليكم «ابتداء وخبر» وكأنه لم يعرفها قراءة. فصل في معنى الآية معنى «قيلاً سلاماً» أي: قولاً سلاماً. وقال عطاء: يُحَيِّي بعضهم بعضاً بالسَّلام. قال القرطبي: «والسَّلام الثاني بدل من الأول، والمعنى: إلا قيلاً يسلم فيه من اللغو، وقيل: تحييهم الملائكة، أو يحييهم ربهم عزَّ وجلَّ» . وكرَّر السَّلام إشارة إلى كثرة السلام عليهم، ولهذا لم يكرر قوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] . و «القيل» مصدر كالقول. قال ابن الخطيب: فيكون «قيلاً» مصدراً، لكن لا نظير له في «باب» فعل يفعل من الأجوف. وقيل: إنه اسم، والقول مصدر.

الواقعة 56:20

قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرض﴾ . يجوز أن يكون بدلاً من «إذا» الأولى، أو تأكيداً لها، أو خبراً لها على أنها مبتدأ. كما تقدم تحريره. وأن يكون شرطاً، والعامل فيه إما مقدر، وإما فعلها الذي يليها، كما تقدّم في نظيرتها. وقال الزمخشري: «ويجوز أن ينتصب ب» خافضة رافعة «أي تخفض وترفع وقت رجِّ الأرض وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك يخفض ما هو مرتفع، ويرفع ما هو منخفض» . قال أبو حيَّان: «ولا يجوز أن ينتصب بهما معاً، بل بأحدهما، لأنه لا يجوز أن يجتمع مؤثران على أثر واحد» . قال شهاب الدِّين: معنى كلامه أن كلاًّ منهما متسلّط عليه من جهة المعنى، وتكون المسألة من باب التنازع، وحينئذ تكون العبارةُ صحيحة، إذ يصدق أن كلاًّ منهما عامل فيه، وإن كان على التَّعاقُب. والرَّج: التحريك الشديد بمعنى زلزلت. قال مجاهد وغيره: يقال: رجَّه يرُجُّه رجًّا، أي: حرّكه وزلزله. وناقة رجاء: أي عظيمة السّنام. والرَّجْرجَة: الاضطراب. وارتجّ البحر وغيره: اضطرب. وفي الحديث: «مَنْ ركِبَ البَحْرَ حينَ يَرتجُّ فلا ذمَّة لهُ» . يعني: إذا اضطربت أمواجه. قال الكلبي: وذلك أن الله - تعالى - إذا أوحى إليها اضطربت فرقاً من الله تعالى. قال المفسرون: ترتج كما يرتجّ الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها. وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الرَّجَّة: الحركة الشديدة يسمع لها صوت. قوله: ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً﴾ . أي: سيرت، من قولهم: بسَّ الغنم، أي: ساقها. وأبْسَسْتُ الإبل أبُسُّهَا بَسَّاً، وأبْسَسْتُ وبَسِسْتُ لغتان إذا زجرتها وقلت: بَسْ بَسْ. قاله أبو زيد. أو بمعنى «فُتّت» ، كقوله: ﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه: 105] ، ويدل عليه: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قال ابن عباس ومجاهد: كما يبسّ الدقيق، أي: يُلتّ. والبَسِيْسَةُ: السَّويقُ أو الدقيق يُلَتُّ بالسَّمن أو الزيت، ثم يؤكل ولا يطبخ، وقد يتخذ زاداً. قال الراجز: [الرجز] 4670 - لا تَخْبِزَا خُبْزاً وبُسَّا بَسَّا ... ولا تُطِيْلا بِمُنَاخٍ حَبْسَا وقال الحسن: «وبسّت» قلعتْ من أصلها فذهبت، ونظيرها: يَنْسِفُهَا ربِّي نسفاً وقال عطية: بُسِطَتْ كالرَّمل والتراب. وقال مجاهد: سالت سيلاً. وقال عكرمة: هدّت. وقرأ زيد بن علي: «رجَّت» ، و «بَسَّت» مبنيين للفاعل. على أن «رَجَّ» و «بَسَّ» يكونان لازمين ومتعديين، أي: ارتجت وذهبت. قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قرأ النَّخعي ومسروق وأبو حيوة: «منبتًّا» بنقطتين من فوق، أي: منقطعاً من البَتِّ. ومعنى الآية لا ينبو عنه. قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الهباء المُنْبَثّ: الرَّهجُ الذي يسطع من حوافر الخيل ثم يذهب، فجعل الله تعالى أعمالهم كذلك. وقال مجاهد: «الهَبَاء» : الشعاع الذي يكون في الكُوة كهيئة الغُبَار، وروي نحوه عن ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه ما تطاير من النَّار إذا اضطربت يطير منها شرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال عطية: «المنبث» : المتفرق، قال تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ [البقرة: 164] أي: فرق ونشر. قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ . أي: أصنافاً ثلاثة، كل صنف يشاكل كل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بين من هم، فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ ، ﴿وَأَصْحَابُ المشأمة﴾ ، ﴿والسابقون﴾ . قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ . «أصحاب» الأول مبتدأ، و «ما» استفهامية - فيه تعظيم - مبتدأ ثاني، و «أصحاب» الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرار المبتدأ الأول هنا بلفظه مغنٍ عن الضمير، ومثله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التَّعظيم. فإن قيل: إن «ما» نكرة وما بعدها معرفة، فكان ينبغي أن يقال: «ما» خبر مقدم، و «أصحاب» الثاني وشبهه مبتدأ؛ لأن المعرفة أحق بالابتداء من النكرة؟ وهذا السؤال واردٌ على سيبويه في مثل هذا. وفي قولك: «كَمْ مالك، ومرَرْتُ بِرَجُلٍ خَيْرٍ منهُ أبُوه» فإنه يعرب «ما» الاستفهامية، و «كم» و «أفعل» مبتدأ وما بعدها خبرها. والجواب: أنه كثر وقوع النكرة خبراً عن هذه الأشياء كثرة متزايدة، فاطَّرد الباب، ليجري على سنن واحدة، هكذا أجابوا. وهذا لا ينهض مانعاً من جواز أن يكون «ما» و «كَمْ» و «أفْعَل» خبراً مقدماً ولو قيل به لم يكن خطأ، بل أقرب إلى الصَّواب. و «الميمنة» «مَفْعَلَة» من لفظ اليمين، وكذلك «المشأمة» من اليد الشؤمى وهي الشمال لتشاؤم العرب بها، أو من الشُّؤم. فصل في تحرير معنى الآية قال السدي: «أصحاب الميمنةِ» هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، و «أصحاب المَشْأمة» هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النَّار. و «المَشْأمة» : الميسرة، وكذلك الشَّأمة، يقال: قعد فلان شأمة. ويقال: شائم بأصحابك أي: خذ بهم شأمة أي: ذات الشمال والعرب تقول لليد الشمال: الشؤمى، وللجانب الشمال: الأشأم. وكذلك يقال لما جاء عن اليمين: اليمن، ولما جاء عن الشمال: الشُّؤم. قال البغوي: «ومنه سمي» الشَّام واليمن «؛ لأن» اليمن «عن يمين الكعبة، و» الشام «عن شمالها» . قال ابن عباس والسدي: «أصْحَابُ المَيْمَنَةِ» هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذُّرية من صلبه، فقال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال زيد بن أسلم: هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر. وقال عطاء ومحمد بن كعب: «أصْحَابُ الميمنةِ من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله» . وقال ابن جريج: «أصحاب الميمنة» هم أصحاب الحسنات، وأصحاب المشأمة؛ هم أهل السيئات. وقال الحسن والربيع: «أصحاب الميمنة» الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة: المشائيم على أنفهسم بالأعمال السيئة. وفي صحيح مسلم من حديث «الإسراء» عن أبي ذرٍّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «فَلمَّا عَلوْنَا السَّماء الدُّنيا، فإذَا رجلٌ عن يَمينهِ أسْودةٌ، وعنْ يَسارِهِ أسودةٌ، قال فإذَا نظر قبل يَمينِه ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قبلَ شمالِهِ بكَى، قال: فقال: مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالحِ والابْنِ الصَّالح، قال: فقُلْتُ: يا جِبْريلُ منْ هذَا؟ . قال: هذا آدمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شمالهِ بَنُوه فأهْلُ اليَمِينِ أهْلُ الجنَّةِ، والأسودةُ الَّتي عن شمالهِ أهْلُ النَّارِ» وذكر الحديث. وقال المبردُ: «أصحاب الميمنة» أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخُّر والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي: اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين. ثم عجب نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وهذا كما يقال: «زَيْدٌ مَا زَيْدٌ» ، يريد «زيد شديد» فالتكرير في ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، و ﴿مَآ أَصْحَابُ المشأمة﴾ للتَّفخيم والتعجُّب، كقوله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، و ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] كما يقال: «زَيْدٌ ما زيدٌ» . وفي حديث أم زرع رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مالك، وما مالك؟» . والمقصود: تكثير ما لأصحاب الميمنة في الثواب، وأصحاب المشأمة من العقاب. والفاء في قوله: «فأصْحَاب» تدل على التقسيم، وبيان ما ورد عليه التقسيم، كأنه قال: أزواجاً ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، وبين حال كل قسم فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وترك التقسيم أولاً، واكتفى بما يدل عليه بأن تُذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها. فإن قيل: ما الحكمة في اختيار لفظ «المشأمة» في مقابلة «الميمنة» مع أنه قال في بيان أحوالهم ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ ؟ [الواقعة: 41] . فالجواب: أنَّ اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا منها ألفاظاً في مواضع فقالوا: «هذا ميمون» تيمناً به، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، ولفظ الشمال في مقابلته، واستعملوا منه ألفاظاً تشاؤماً به، فذكر «المشأمة» [ في] مقابلة [ «الميمنة» ] [وذكر الشمال في مقابلة اليمين] فاستعمل كل لفظ مع ما يقابله. قوله: ﴿والسابقون السابقون﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنها مبتدأ وخبر، وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أنه بمعنى: السابقون هم الذين اشتهرت حالتهم بذلك. كقولهم: «أنت أنت، والناس الناس» . وقوله: [الرجز] 4671 - أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي ... وهذا يقال في تعظيم الأمر وتفخيمه، وهو مذهب سيبويه. التأويل الثاني: أن متعلق السابقين مختلف؛ إذ التقدير: والسَّابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة، أو السابقون إلى طاعة الله السَّابقون إلى رحمته، أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنَّة. الوجه الثاني: أن يكون السَّابقون الثاني تأكيداً للأول تأكيداً لفظيًّا، و «أولئك المُقرَّبُون» جملة ابتدائية في موضع خبر الأول، والرابط: اسم الإشارة، كقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26] ، في قراءة برفع «لِبَاس» في أحد الأوجه. الثالث: أن يكون «السابقون» الثاني نعتاً للأول، والخبر الجملة المذكورة. وهذا ينبغي ألا يعرج عليه، كيف يوصف الشيء بلفظه، وأي فائدة في ذلك؟ . قال شهاب الدين: والأقرب عندي إن وردت هذه العبارة ممن يعتبر أن يكون سمى التَّأكيد صفة، وقد فعل سيبويه قريباً من هذا. الرابع: أن يكون الوقف [على قوله] «والسَّابقون» ، ويكون قوله ﴿السَّابقون، أولئك المقربون﴾ ابتداء وخبراً. وهذا يقتضي أن يعطف «والسَّابقون» على ما قبله، لكن لا يليق عطفه على ما قبله، وإنما يليق عطفه على أصحاب الميمنة، كأنه قيل: وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة والسابقون، أي: وما السابقون؟ تعظيماً لهم، فيكونون شركاء أصحاب الميمنة في التعظيم، ويكون قوله على هذا: ﴿وأصحاب المَشْأمة ما أصحاب المشأمة﴾ اعتراضاً بين المتعاطفين، وفي هذا الوجه تكلف كثير جداً. فصل في المراد بالسابقين قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «السَّابقُون الَّذينَ إذَا أعْطُوا الحقَّ قبلوهُ، وإذا سُئِلُوه بذلُوهُ، وحَكمُوا للنَّاسِ كحُكْمِهِمْ لأنفُسِهِمْ» . ذكره المهدوي. وقال محمد بن كعب القرظي: هم الأنبياء. وقال الحسن وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة. وقال محمد بن سيرين: هم الذين صلّوا إلى القبلتين، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: 100] . وقال مجاهد والضحاك: هم السَّابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحاً إلى صلاة الفرائض في الجماعة وقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هم السابقون إلى الصَّلوات الخمس. وقال سعيد بن جبير: إلى التوبة، وأعمال البر، قال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ [آل عمران: 133] ثم أثنى عليهم فقال: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61] . وقيل: إنهم أربعة: منهم سابق أمة موسى، وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى، وهو حبيب النَّجَّار صاحب «أنْطَاكية» ، وسابقان في أمّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهما أبو بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قاله ابن عباس. حكاه الماوردي. وقال شميط بن العجلان: النَّاس ثلاثة: فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا هو السَّابق المقرب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب، ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب الشمال. وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة. وقيل: هم أول الناس رواحاً إلى المسجد، وأولهم خروجاً في سبيل الله ﴿أولئك المقربون في جنات النعيم﴾ . قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً من الضمير في «المُقَرَّبُون» ، وأن يكون متعلقاً به، أي: قربوا إلى رحمة الله في جنات النعيم. ويبعد أن تكون «في» بمعنى «إلى» . وقرأ طلحة: «في جنَّةٍ» بالإفراد. وإضافة الجنة إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، كما يقال: «دار الضِّيافة، ودار الدَّعوة، ودار العدل» . وذكر النعيم هنا معرفاً، وفي آخر السورة منكراً؛ لأن السَّابقين معلومون، فعرفهم باللام المستغرقة لجنسهم، وأما هنا فإنهم غير معروفين لقوله: ﴿إِن كَانَ مِنَ المقربين﴾ [الواقعة: 88] فجعل موضعه غير معروف، أو يقال: إن المذكور هنا جميع السَّابقين، ومنزلتهم أعلى المنازل، فهي معروفة، لأنها لا حدّ فوقها. وأما باقي المقربين فلكل واحد مرتبة ودرجة، فمنازلهم متفاوتة، فهم في جنات متباينة في المنزلة، لا يجمعها صفة، فلم يعرفها. قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . «ثلّة» خبر مبتدأ مضمر، أي «هم» . ويجوز أن يكون مبتدأ خبره مضمر، أي منهم ثلّة. أي: من السابقين، يعني أن التقسيم وقع [بينهم] . وأن يكون مبتدأ خبره ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . أو قوله: ﴿على سُرُرٍ﴾ . فهذه أربعة أوجه. و «الثُلّة» : الجماعة من الناس، وقيدها الزمخشري بالكثيرة. وأنشد: [الطويل] 4672 - وجَاءَتْ إليْهِمْ ثُلَّةٌ خِندفيَّةٌ ... بِجَيْشٍ كتيَّارٍ من البَحْرِ مُزْبدِ ولم يقيدها غيره، بل صرح بأنها الجماعة قلّت أو كثرت. وقال الرَّاغب: الثلّة: قطعة مجتمعة من الصُّوف؛ ولذلك قيل للمقيم: «ثَلَّة» يعني بفتح الثَّاء. ومنه قوله: [الرجز] 4673 - أمْرَعَتِ الأرْضُ لَوْ انّ مالا ... لوْ أنَّ نُوقاً لَكَ أو جِمَالا أوْ ثلَّةً مِنْ غَنَمٍ إمَّا لا ... انتهى. ثم قال: «ولاعتبار الاجتماع، قيل: ﴿ثلّة من الأولين، وثلّة من الآخرين﴾ أي جماعة، وثللت كذا: تناولت ثلّة منه، وثلَّ عرشُه: أسقط ثلّة منه والثّلل: قصر الأسنان لسقوط ثلَّة منها، وأثل فمُه: سقطت، وتَثَلَّلَتِ الرُّكبَة: تَهَدَّمت» انتهى. فقد أطلق أنها الجماعة من غير قيد بقلّة ولا بكثرة. والكثرة التي فهمها الزمخشري قد تكون من السياق. وقال الزجاج: الثلّة: الفرقة. و «مِنَ الأوَّلِينَ» صفة ل «ثُلَّة» ، وكذلك «من الآخرين» صفة ل «قَلِيل» . فصل في المراد بقوله: ثلّة من الأوّلين قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . أي جماعة من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ أي: ممن آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال الحسن: «ثُلَّةٌ» ممن قد مضى قبل هذه الأمة، «وقليلٌ» من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اللهم اجعلنا منهم بكرمك. وسموا قليلاً بالإضافة إلى من كان قبلهم؛ لأن الأنبياء المتقدمين كثروا، فكثر السابقون إلى الإيمان بهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا. (قيل: لما نزلت هذه الآية شقَّ على أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) فنزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونُوا رُبْعَ أهْلِ الجنَّةِ، بَلْ نِصْف أهلِ الجنَّة، وتُقاسِمُونهُم في النِّصْفِ الثانِي» رواه أبو هريرة ذكره الماوردي وغيره، ومعناه ثابت في «صحيح مسلم» ، من حديث عبد الله بن مسعود، وكأنه أراد أنها منسوخة. قال ابن الخطيب: وهذا في غاية الضعف من وجوه: أحدها: أن عدد أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في ذلك الزمان، بل إلى آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى في غاية القلة، فالمراد بالأولين: الأنبياء وكبار أصحابهم، وهم إذا جمعوا أكثر من السَّابقين من هذه الأمة. الثاني: أن هذا خبر، والخبر لا ينسخ. الثالث: أن هذه الآية في السَّابقين، والتي بعدها في أصحاب اليمين. الرابع: أنه إذا جعل قليل منهم مع الأنبياء والرسل المتقدمين كانوا في درجة واحدة، وذلك يوجب الفرح؛ لأنه إنعام عظيم، ولعلّ الإشارة إليه بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «عُلَمَاءُ أمَّتِي كأنْبِيَاءِ بَنِي إسْرائِيْلَ» . قال القرطبي: «والأشبه أنها محكمة؛ لأنها خبر، والخبر لا ينسخ؛ لأن ذلك في جماعتين مختلفتين» . قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ ، وقال في أصحاب اليمين، وهم سوى السابقين: ﴿ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين﴾ . ولذلك [قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونَ أمَّتِي شطْرَ أهْلِ الجنَّةِ» ، ثم تلا: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ] . وقال أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كلا الثُّلتين من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها. وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ [فاطر: 32] . وقيل: المراد ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فإن أكثرهم لهم الدَّرجة العليا، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ﴾ [الحديد: 10] . ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ لحقوهم، ولهذا قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «خَيْرُكُمْ قرني ثم الذينَ يَلُونَهُم» ثم سوى في أصحاب اليمين بين الأولين والآخرين. قال ابن الخطيب: وعلى هذا فقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ يكون خطاباً مع الموجودين وقت التنزيل، ولا يكون فيه بيان الأولين الذين كانوا قبل نبينا - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا ظاهر؛ لأن الخطاب لا يتعلق إلاَّ بالموجودين من حيث اللفظ، ويدخل فيه غيره بالدليل. ووجه آخر: أن المراد بالأولين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبالآخرين، أي: ذرياتهم الملحقون بهم في قوله تعالى: ﴿واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] . وقال الزَّجَّاج: الذين عاينوا جميع النبيين من لدُن آدم وصدقوهم أكثر مما عاين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله تعالى: ﴿على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ . أي: السَّابقون في الجنة على سرر، أي: مجالسهم على سُرر، جمع سرير. وقرأ زيد بن علي، وأبو السمال: «سُرَر» بفتح الراء الأولى وقد تقدم أنها لغة لبعض بني «كلب» و «تميم» . و «المَوضُونَة» : قال ابن عباس: منسوجة بالذهب. وقال عكرمة: مشبكة بالدُّر والياقوت. وعن ابن عباس أيضاً: «مَوضُونةٌ» أي: مصفوفة، لقوله تعالى في موضع: ﴿على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: 20] . وعنه، وعن مجاهد أيضاً: مرمُولة بالذهب. وقيل: «مَوضُونة» : منسوجة بقضبان الذهب مُشَبَّكةٌ بالدّر والياقوت. و «الموضونة» : المنسوجة، وأصله من وضَنْتُ الشَّيء، أي ركبته بعضه على بعض. ومنه قيل للدِّرع: «موضونة» ؛ لتراكب حلقها. قال الأعشى: المتقارب] 4674 - ومِنْ نَسْجِ دَاوُدَ موضُونَةً ... تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيراً فَعِيرَا وعنه أيضاً: وضِينُ الناقة، وهو حِزامُهَا لتراكُب طاقاته؛ قال: [الرجز] 4675 - إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقاً وضينُهَا ... مُعْتَرِضاً فِي بَطْنِهَا جَنينُهَا مُخَالِفاً دينَ النَّصارَى دِينُهَا ... وقال الرَّاغب: «الوَضْن: نسْج الدِّرع، ويستعار لكلّ نسج محكم» . فجعله أصلاً في نسيج الدروع. وقال الآخر: [الوافر] 4676 - أقُولُ وقَدْ دَرَأتُ لَهَا وَضِيني ... أهَذَا دِينُهُ أبداً وَدِينِي؟ أي حزامي. و «الوضينُ» : هو الحَبْل العريض الذي يكون منه الحَزْم لقوّة سداه ولُحْمته، والسرير الموضون الذي سطحه بمنزلة المنسوج. قال القرطبي «ومنه الوضين بطانٌ من سُيُور ينسج، فيدخل بعضه في بعض» . قوله: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ . حالان من الضمير في «عَلى سُرُرٍ» . ويجوز أن تكون حالاً متداخلة، فيكون «متقابلين» حالاً من ضمير «مُتَّكئِينَ» . فصل في معنى الآية «مُتَّكِئينَ» على السّرر، «مُتَقَابلينَ» لا يرى بعضهم قفا بعض، بل تدور بهم الأسرَّة. والمعنى: أنهم كائنون على سُرر متكئين على غيرها كحال من يكون على كرسي، فيوضع تحته شيء آخر للاتِّكاء عليه. قال مجاهد وغيره: هذا في المؤمن وزوجته وأهله، أي: يتكئون متقابلين. قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت، فإذا جلس عليها ارتفعت. قوله: ﴿يَطُوفُ﴾ . يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون استئنافاً. ﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ أي: غلمان لا يموتون. قاله مجاهد. والمعنى: لا موت لهم ولا فناء، أو بمعنى لا يتغير حالهم، ويبقون صغاراً دائماً. وقال الحسن والكلبي: لا يهرمُون ولا يتغيرون. ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4677 - وهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ... قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بأوْجَالِ وقال سعيد بن جبير: «مخلّدون» مُقَرَّطُون. يقال للقُرْط: الخَلَدة، ولجماعة الحُلِيّ: الخِلدة. وقيل: مسوَّرون، ونحوه عن الفراء. قال الشاعر: [الكامل] 4678 - ومُخَلَّداتٍ باللُّجَيْنِ كأنَّمَا ... أعْجَازُهُنَّ أقَاوِزُ الكُثْبَانِ وقيل: مقرطون، يعني: مُمَنْطَقُون من المناطق. وقال عكرمة: «مخلّدون» منعمون. وقيل: على سنٍّ واحدة، أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون عليهم، كما شاء من غير ولادة؛ لأن الجنة لا ولادة فيها. وقال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - والحسن البصري: «الوِلْدَان» هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغاراً، ولا حسنة لهم ولا سيّئة. وقال سلمان الفارسي: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن: لم يكن لهم حسنات يجازون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع، والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة. قوله: «بِأكْوَابٍ» متعلق ب «يَطُوفُ» . و «الأكواب» : جمع كوب، وهي الآنيةُ التي لا عُرَى لها ولا خراطيم، وقد مضت في «الزخرف» و «الأباريق» : جمع إبريق، وهي التي لها عُرَى وخراطيم، واحدها: إبريق، وهو من آنِيَة الخَمْر، سُمِّيَ بذلك لبريق لونه من صفائه. قال الشاعر: [البسيط] 4679 - أفْنَى تِلادِي ومَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ ... قَرْعُ القَوارِيرِ أفْواهُ الأبَارِيقِ وقال عديُّ بن زيد: [الخفيف] 4680 - وتَدَاعَوْا إلى الصَّبُوح فَقَامَتْ ... قَيْنَةٌ فِي يَمينهَا إبْرِيقُ وقال آخر: [البسيط] 4681 - كَأنَّ إبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ على شَرَفٍ ... مُقَدَّمٌ بِسَبَا الكتَّانِ مَلْثُومُ ووزنه «إفْعِيل» لاشتقاقه من البريق. قوله: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ تقدم في «الصافات» . و «المعين» : الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد هنا الخمر الجارية من العيون. وقيل: الظاهرة، فيكون «مَعِين» مفعول من المعاينة. وقيل: هو «فَعِيل» من المَعْنِ، وهو الكثرة. قال ابن الخطيب: هو مأخوذ من مَعن الماء إذا جرى. وقيل: بمعنى «مَفْعُول» ، فيكون من «عانه» إذا شخصه بعينه وميزه. قال: والأول أظهر؛ لأن المعيون يوهم بأنه معيوب. يقال: ضربني بعينه أي: أصابني بعينه؛ ولأن الوصف [بالمفعول] لا فائدة فيه. وأما الجريان في المشروب فإن كان في الماء فهو صفة مدح، وإن كان في غيره، فهو أمر عجيب لا يوجد في الدنيا، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: 15] وبين أنها ليست كخمر الدُّنيا يستخرج بتكلف ومعالجة. فإن قيل: كيف جمع الأكواب والأباريق، وأفرد الكأس؟ . فالجواب: أن ذلك على عادة أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كبيرة، ويشربون بكأس واحدةٍ، وفيها مباهاتهم لأهل الدنيا من حيث إنهم يطوفون بالأكواب والأباريق، ولا ينتقل عليهم، بخلاف الدنيا، أو يقال: إنما أفردت الكأس لأنها إنما تُسَمَّى كأساً إذا كانت مملوءة، فالمراد اتخاذ المشروب الذي فيها، وأخر الكأس مناسبة لاتصاله بالشُّرب. قوله: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ﴾ . يجوز أن تكون مستأنفة، أخبر عنهم بذلك. وأن تكون حالاً من الضمير في «عليهم» . ومعنى ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: بسببها. قال الزمخشري: وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها. والصُّدَاع؛ هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر فيه. قال علقمةُ بن عبدة في وصف الخمر: [البسيط] 4682 - تَشْفِي الصُّدَاعَ ولا يُؤذيكَ حَالبُهَا ... ولا يُخالِطُهَا في الرَّأسِ تدويمُ قال أبو حيان: هذه صفة خمر أهل الجنة، كذا قال الشيخ أبو جعفر بن الزبير لما قرأت هذا الدِّيوان عليه. والمعنى لا يتصدع رءوسهم من شربها، أي: أنها لذة بلا أذى، بخلاف شراب الدنيا. وقيل: «لا يُصدَّعون» لا يتفرَّقُون كما يتفرق الشرب من الشراب للعوارض الدنيوية، ومن مجيء «تصدع» بمعنى: تفرق، قوله: فتصدع السحاب عن المدينة، أي: تفرق. ويرجحه قراءة مجاهد: «لا يَصَّدعون» بفتح الياء وتشديد الصاد. والأصل: «لا يتصدعون» أي: لا يتفرقون، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] . وحكى الزمخشري قراءة، وهي: «لا يُصدِّعُون» بضم الياء، وتخفيف الصَّاد، وكسر الدَّال مشددة. قال: «أي لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرقونهم» . قوله: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ . تقدم الخلاف بين السبعة في «يُنْزِفُون» ، وتفسيره في «والصّافات» . وقرأ ابن إسحاق: بفتح الياء وكسر الزاي من نزف البئر، إذا استقى ما فيها. والمعنى لا ينفدُ خمرهم. ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4683 - لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ ... لَبِئْسَ النَّدامَى كُنْتُم آل أبْجَرَا وقال أبو حيان: «وابن أبي إسحاق وعبد الله والجحدري والأعمش وطلحة وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا يقيء شرابهم» . قال شهاب الدين: وهذا عجيب منه فإنه قد تقدم في «الصَّافات» أنَّ الكوفيين يقرءون في «الواقعة» بكسر الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في قصيدته. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السُّكر، والصُّداع، والقَيء، والبَوْل، وقد نزّه الله - تعالى - خمر الجنة عن هذه الخصال. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ . العامة على جر «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» عطفاً على «أكْوابٍ» . أي: يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به، وهذا كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] . فإن قيل: الفاكهة لا يطوف بها الولدان، والعطف يقتضي ذلك؟ . فالجواب: أن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف بهما الولدان [هنا] فيناولونهم الفواكه الغريبة، واللحوم العجيبة لا للأكل، بل للإكرام، كما يصنع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده، أو يكون معطوفاً على المعنى في قوله: ﴿جَنَّاتِ النعيم﴾ أي: مقربون في جنَّات، وفاكهة، ولحم، وحور، أي: في هذه النِّعم يتقلَّبون [عليهم بهذه الأشياء: المأكول، والمشروب، والمتفكه] . وقرأ زيد بن علي، وأبو عبد الرحمن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، برفعهما على الابتداء، والخبر مقدر، أي: ولهم كذا. والمعنى يتخيّرون ما شاءوا من الفواكه لكثرتها. وقيل: المعنى: وفاكهة متخيرة مرضية، والتخير: الاختيار. وقوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ . قال ابن عبَّاس: يخطر على قلبه لحم الطَّير، فيصير ممتثلاً بين يديه على ما اشتهى، ثم يطير فيذهب. قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ . قرأ الأخوان: بجرّ «حُورٍ عينٍ» . والباقون: برفعهما. والنخعي: «وحيرٍ عينٍ» بقلب الواو ياء وجرهما. وأبيّ وعبد الله قال القرطبي والأشهب العقيلي وعيسى بن عمر الثقفي، وهو كذلك في مصحف أبيّ: «وحُوراً عيناً» بنصبهما. فأما الجر فمن أوجه: أحدها: أنه عطف على «جنَّات النَّعيم» كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحم وحور؛ قاله الزمخشري. قال أبو حيان: «وهذا فيه بعد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض، وهو فهم أعجمي» . قال شهاب الدين: «والذي ذهب إليه الزمخشري معنى حسن جدًّا، وهو على حذف مضاف أي: وفي مقارنة حور، وهو الذي عناه الزمخشري، وقد صرح غيره بتقدير هذا المضاف» . وقال الفرَّاء: الجر على الإتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى؛ لأن الحور لا يُطاف بهنّ. قال الشاعر: [الوافر] 4684 - إذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً ... وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا والعين لا تُزَجَّجُ، وإنَّما تُكَحَّل. وقال آخر: [مجزوء الكامل] 4685 - ورَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا الثاني: أنه معطوف على «بِأكْوَابٍ» ، وذلك بتجوّز في قوله: «يَطُوفُ» ؛ إذ معناه ينعمون فيها بأكواب، وبكذا، وبحور. قاله الزمخشري. الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضاً فإن فيه لذة لهم إذا طافوا عليهم بالمأكول؛ والمشروب، والمتفكه به، والمنكوح، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب. ولا التفات إلى قول أبي البقاء: عطفاً على «أكْوَاب» في اللَّفظ دون المعنى؛ لأن الحور لا يُطافُ بها. وأما الرَّفْع فمن أوجه: أحدها: عطفاً على «ولْدَان» . أي: أن الحور يطفن عليهم بذلك كالولائد في الدُّنيا. وقال أبو البقاء: «أي يَطُفْن عليهم للتَّنعيم لا للخِدْمَة» . قال شهاب الدين: «وهو للخدمة أبلغ؛ لأنهم إذا خدمهم مثل أولئك، فما الظَّن بالمَوطُوءَات» . الثاني: أن يعطف على الضمير المستكنّ في «متكئين» ، وسوغ ذلك الفصل بما بينهما. الثالث: أن يعطف على مبتدأ وخبر حذفا معاً، تقديره: «لهم هذا كله وحور عين» قاله أبو حيَّان. وفيه نظر؛ لأنه إنما يعطف على المبتدأ وحده، وذلك الخبر له، ولما عطف هو عليه. الرابع: أن يكون مبتدأ خبره مضمر، تقديره: ولهم، أو فيها، أو ثمَّ حور. وقال الزمخشري: «عطف على وفيها حور عين، كبيت الكتاب» . يريد: كتاب سيبويه، والمرادُ بالبيت قولهُ: [الكامل] 4686 - بَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى ... إلاَّ رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاء ومُشَجَّجٌ أمَّا سواءُ قَذالِهِ ... فَبَدا وغيَّر سارهُ المَعْزاءُ عطف «مشجج» وهو مرفوع على «رواكد» ، وهو منصوب. الخامس: أن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حور. قاله أبو البقاء. قال الكسائي: ومن قال: «وحُورٌ عينٌ» بالرَّفع، وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» ؛ لأن ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلاَّ بالخمر وحدها. وأما النصب ففيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: يعطون، أو يؤتون حوراً. والثاني: أن يكون محمولاً على معنى «يطُوفُ عَليْهِمْ» ؛ لأن معناه: يعطون كذا وكذا، فعطف هذا عليه. وقال مكي: «ويجوز النَّصب على أن يحمل أيضاً على المعنى؛ لأن معنى» يطوف عليهم ولدان «بكذا وكذا، أي: يعطون كذا وكذا، ثم عطف» حوراً «على معناه» ، فكأنه لم يطلع [على أنها] قراءة. وأمَّا قراءة: «وحِيرٍ» فلمُجاورتها «عِين» ، ولأن الياء أخف من الواو، ونظيره في التَّعبير للمجاورة قولهم: «أخذه ما قدُم وما حدُث» - بضم دال - «حدُث» لأجل «قَدُم» ، وإذا أفرد منه فتحت داله فقط. وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ورَبَّ السَّمواتِ وما أظْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين ومنْ أضْلَلْن» . [وقوله: «أيَّتُكُنَّ صاحبةُ الجملِ الأدْبَبِ، يَنْبَحُها كلاب الحوْأب» ، فكَّ الأدبب لأجل الحَوأبِ] . وقرأ قتادة: «وحورُ عِينٍ» بالرفع والإضافة ل «عين» . وابن مقسم: بالنَّصب والإضافة. وقد تقدم توجيه الرفع والنَّصْب. وأما بالإضافة: فمن إضافة الموصوف لصفته مؤولاً. وقرأ عكرمة: [ «وحَوْرَاء عَيْنَاء» بإفرادهما على إرادة الجنس] . وهذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون نصباً كقراءة عبد الله وأبيٍّ. وأن يكون جرًّا كقراءة الأخوين؛ لأن هذين الاسمين لا يتصرَّفان، فهما محتملان للوجهين. وتقدم الكلام في اشتقاق العين. «كأمْثَال» : صفة، أو حال. و «جزاءً» : مفعول من أجله، أو مصدر، أي: يحزون جزاء. فصل في تفسير الآية قال المفسرون: «حورٌ» بيض، «عينٌ» ضخام الأعين، ﴿كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ أي المخزون في الصدف لم تمسّه الأيدي، ولم يقع عليه الغبار، فهو أشدّ ما يكون صفاء. وقوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . قالت المعتزلة: هذا يدلُّ على أن يقال: الثواب واجب على الله - تعالى - لأن الجزاء لا يجوز الإخلال به. وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروا لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة؛ لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أن القبيح من الله تعالى لا يوجد، علم أن الله تعالى يعطي هذه الأشياء، لأنها أجزية، وإيصال الثَّواب واجب، وأيضاً فكان لا يصح التمدّح به. قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ . قال ابن عبَّاس: باطلاً وكذباً. و «اللَّغْو» : ما يلغى من الكلام. و «التأثيم» : مصدر أثمته، أي: قلت له: أثمت. قال محمد بن كعب: «ولا تأثيماً» ، أي: لا يؤثم بعضهم بعضاً. وقال مجاهد: ﴿لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً﴾ : شتماً ولا مأثماً. قوله: «إلاَّ قيلاً» ، فيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهذا واضح؛ لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم. والثاني: أنه متصل. وفيه بعد، وكأن هذا رأى أن الأصل: لا يسمعون فيها كلاماً، فاندرج عنده فيه. وقال مكّي: وقيل: منصوب ب «يَسْمَعُون» . وكأنه أراد هذا القول. قوله: ﴿سَلاَماً سَلاَماً﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من «قيلاً» أي: لا يسمعون فيها إلا سلاماً سلاماً. الثاني: أنه نعت ل «قيلاً» . الثالث: أنه منصوب بنفس «قيلاً» ، أي: إلاَّ أن يقولوا: سلاماً سلاماً، وهو قول الزَّجَّاج. الرابع: أن يكون منصوباً بفعل مقدّر، ذلك الفعل محكيّ ب «قيلاً» تقديره: إلا قيلاً سلموا سلاماً. وقرىء: «سلامٌ» بالرفع. قال الزمخشري: «على الحِكايَةِ» . قال مكي: «ويجوز أن يكون في الكلام الرفع على معنى» سلام عليكم «ابتداء وخبر» وكأنه لم يعرفها قراءة. فصل في معنى الآية معنى «قيلاً سلاماً» أي: قولاً سلاماً. وقال عطاء: يُحَيِّي بعضهم بعضاً بالسَّلام. قال القرطبي: «والسَّلام الثاني بدل من الأول، والمعنى: إلا قيلاً يسلم فيه من اللغو، وقيل: تحييهم الملائكة، أو يحييهم ربهم عزَّ وجلَّ» . وكرَّر السَّلام إشارة إلى كثرة السلام عليهم، ولهذا لم يكرر قوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] . و «القيل» مصدر كالقول. قال ابن الخطيب: فيكون «قيلاً» مصدراً، لكن لا نظير له في «باب» فعل يفعل من الأجوف. وقيل: إنه اسم، والقول مصدر.

الواقعة 56:21

قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرض﴾ . يجوز أن يكون بدلاً من «إذا» الأولى، أو تأكيداً لها، أو خبراً لها على أنها مبتدأ. كما تقدم تحريره. وأن يكون شرطاً، والعامل فيه إما مقدر، وإما فعلها الذي يليها، كما تقدّم في نظيرتها. وقال الزمخشري: «ويجوز أن ينتصب ب» خافضة رافعة «أي تخفض وترفع وقت رجِّ الأرض وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك يخفض ما هو مرتفع، ويرفع ما هو منخفض» . قال أبو حيَّان: «ولا يجوز أن ينتصب بهما معاً، بل بأحدهما، لأنه لا يجوز أن يجتمع مؤثران على أثر واحد» . قال شهاب الدِّين: معنى كلامه أن كلاًّ منهما متسلّط عليه من جهة المعنى، وتكون المسألة من باب التنازع، وحينئذ تكون العبارةُ صحيحة، إذ يصدق أن كلاًّ منهما عامل فيه، وإن كان على التَّعاقُب. والرَّج: التحريك الشديد بمعنى زلزلت. قال مجاهد وغيره: يقال: رجَّه يرُجُّه رجًّا، أي: حرّكه وزلزله. وناقة رجاء: أي عظيمة السّنام. والرَّجْرجَة: الاضطراب. وارتجّ البحر وغيره: اضطرب. وفي الحديث: «مَنْ ركِبَ البَحْرَ حينَ يَرتجُّ فلا ذمَّة لهُ» . يعني: إذا اضطربت أمواجه. قال الكلبي: وذلك أن الله - تعالى - إذا أوحى إليها اضطربت فرقاً من الله تعالى. قال المفسرون: ترتج كما يرتجّ الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها. وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الرَّجَّة: الحركة الشديدة يسمع لها صوت. قوله: ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً﴾ . أي: سيرت، من قولهم: بسَّ الغنم، أي: ساقها. وأبْسَسْتُ الإبل أبُسُّهَا بَسَّاً، وأبْسَسْتُ وبَسِسْتُ لغتان إذا زجرتها وقلت: بَسْ بَسْ. قاله أبو زيد. أو بمعنى «فُتّت» ، كقوله: ﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه: 105] ، ويدل عليه: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قال ابن عباس ومجاهد: كما يبسّ الدقيق، أي: يُلتّ. والبَسِيْسَةُ: السَّويقُ أو الدقيق يُلَتُّ بالسَّمن أو الزيت، ثم يؤكل ولا يطبخ، وقد يتخذ زاداً. قال الراجز: [الرجز] 4670 - لا تَخْبِزَا خُبْزاً وبُسَّا بَسَّا ... ولا تُطِيْلا بِمُنَاخٍ حَبْسَا وقال الحسن: «وبسّت» قلعتْ من أصلها فذهبت، ونظيرها: يَنْسِفُهَا ربِّي نسفاً وقال عطية: بُسِطَتْ كالرَّمل والتراب. وقال مجاهد: سالت سيلاً. وقال عكرمة: هدّت. وقرأ زيد بن علي: «رجَّت» ، و «بَسَّت» مبنيين للفاعل. على أن «رَجَّ» و «بَسَّ» يكونان لازمين ومتعديين، أي: ارتجت وذهبت. قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قرأ النَّخعي ومسروق وأبو حيوة: «منبتًّا» بنقطتين من فوق، أي: منقطعاً من البَتِّ. ومعنى الآية لا ينبو عنه. قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الهباء المُنْبَثّ: الرَّهجُ الذي يسطع من حوافر الخيل ثم يذهب، فجعل الله تعالى أعمالهم كذلك. وقال مجاهد: «الهَبَاء» : الشعاع الذي يكون في الكُوة كهيئة الغُبَار، وروي نحوه عن ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه ما تطاير من النَّار إذا اضطربت يطير منها شرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال عطية: «المنبث» : المتفرق، قال تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ [البقرة: 164] أي: فرق ونشر. قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ . أي: أصنافاً ثلاثة، كل صنف يشاكل كل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بين من هم، فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ ، ﴿وَأَصْحَابُ المشأمة﴾ ، ﴿والسابقون﴾ . قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ . «أصحاب» الأول مبتدأ، و «ما» استفهامية - فيه تعظيم - مبتدأ ثاني، و «أصحاب» الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرار المبتدأ الأول هنا بلفظه مغنٍ عن الضمير، ومثله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التَّعظيم. فإن قيل: إن «ما» نكرة وما بعدها معرفة، فكان ينبغي أن يقال: «ما» خبر مقدم، و «أصحاب» الثاني وشبهه مبتدأ؛ لأن المعرفة أحق بالابتداء من النكرة؟ وهذا السؤال واردٌ على سيبويه في مثل هذا. وفي قولك: «كَمْ مالك، ومرَرْتُ بِرَجُلٍ خَيْرٍ منهُ أبُوه» فإنه يعرب «ما» الاستفهامية، و «كم» و «أفعل» مبتدأ وما بعدها خبرها. والجواب: أنه كثر وقوع النكرة خبراً عن هذه الأشياء كثرة متزايدة، فاطَّرد الباب، ليجري على سنن واحدة، هكذا أجابوا. وهذا لا ينهض مانعاً من جواز أن يكون «ما» و «كَمْ» و «أفْعَل» خبراً مقدماً ولو قيل به لم يكن خطأ، بل أقرب إلى الصَّواب. و «الميمنة» «مَفْعَلَة» من لفظ اليمين، وكذلك «المشأمة» من اليد الشؤمى وهي الشمال لتشاؤم العرب بها، أو من الشُّؤم. فصل في تحرير معنى الآية قال السدي: «أصحاب الميمنةِ» هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، و «أصحاب المَشْأمة» هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النَّار. و «المَشْأمة» : الميسرة، وكذلك الشَّأمة، يقال: قعد فلان شأمة. ويقال: شائم بأصحابك أي: خذ بهم شأمة أي: ذات الشمال والعرب تقول لليد الشمال: الشؤمى، وللجانب الشمال: الأشأم. وكذلك يقال لما جاء عن اليمين: اليمن، ولما جاء عن الشمال: الشُّؤم. قال البغوي: «ومنه سمي» الشَّام واليمن «؛ لأن» اليمن «عن يمين الكعبة، و» الشام «عن شمالها» . قال ابن عباس والسدي: «أصْحَابُ المَيْمَنَةِ» هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذُّرية من صلبه، فقال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال زيد بن أسلم: هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر. وقال عطاء ومحمد بن كعب: «أصْحَابُ الميمنةِ من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله» . وقال ابن جريج: «أصحاب الميمنة» هم أصحاب الحسنات، وأصحاب المشأمة؛ هم أهل السيئات. وقال الحسن والربيع: «أصحاب الميمنة» الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة: المشائيم على أنفهسم بالأعمال السيئة. وفي صحيح مسلم من حديث «الإسراء» عن أبي ذرٍّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «فَلمَّا عَلوْنَا السَّماء الدُّنيا، فإذَا رجلٌ عن يَمينهِ أسْودةٌ، وعنْ يَسارِهِ أسودةٌ، قال فإذَا نظر قبل يَمينِه ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قبلَ شمالِهِ بكَى، قال: فقال: مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالحِ والابْنِ الصَّالح، قال: فقُلْتُ: يا جِبْريلُ منْ هذَا؟ . قال: هذا آدمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شمالهِ بَنُوه فأهْلُ اليَمِينِ أهْلُ الجنَّةِ، والأسودةُ الَّتي عن شمالهِ أهْلُ النَّارِ» وذكر الحديث. وقال المبردُ: «أصحاب الميمنة» أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخُّر والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي: اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين. ثم عجب نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وهذا كما يقال: «زَيْدٌ مَا زَيْدٌ» ، يريد «زيد شديد» فالتكرير في ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، و ﴿مَآ أَصْحَابُ المشأمة﴾ للتَّفخيم والتعجُّب، كقوله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، و ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] كما يقال: «زَيْدٌ ما زيدٌ» . وفي حديث أم زرع رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مالك، وما مالك؟» . والمقصود: تكثير ما لأصحاب الميمنة في الثواب، وأصحاب المشأمة من العقاب. والفاء في قوله: «فأصْحَاب» تدل على التقسيم، وبيان ما ورد عليه التقسيم، كأنه قال: أزواجاً ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، وبين حال كل قسم فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وترك التقسيم أولاً، واكتفى بما يدل عليه بأن تُذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها. فإن قيل: ما الحكمة في اختيار لفظ «المشأمة» في مقابلة «الميمنة» مع أنه قال في بيان أحوالهم ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ ؟ [الواقعة: 41] . فالجواب: أنَّ اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا منها ألفاظاً في مواضع فقالوا: «هذا ميمون» تيمناً به، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، ولفظ الشمال في مقابلته، واستعملوا منه ألفاظاً تشاؤماً به، فذكر «المشأمة» [ في] مقابلة [ «الميمنة» ] [وذكر الشمال في مقابلة اليمين] فاستعمل كل لفظ مع ما يقابله. قوله: ﴿والسابقون السابقون﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنها مبتدأ وخبر، وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أنه بمعنى: السابقون هم الذين اشتهرت حالتهم بذلك. كقولهم: «أنت أنت، والناس الناس» . وقوله: [الرجز] 4671 - أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي ... وهذا يقال في تعظيم الأمر وتفخيمه، وهو مذهب سيبويه. التأويل الثاني: أن متعلق السابقين مختلف؛ إذ التقدير: والسَّابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة، أو السابقون إلى طاعة الله السَّابقون إلى رحمته، أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنَّة. الوجه الثاني: أن يكون السَّابقون الثاني تأكيداً للأول تأكيداً لفظيًّا، و «أولئك المُقرَّبُون» جملة ابتدائية في موضع خبر الأول، والرابط: اسم الإشارة، كقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26] ، في قراءة برفع «لِبَاس» في أحد الأوجه. الثالث: أن يكون «السابقون» الثاني نعتاً للأول، والخبر الجملة المذكورة. وهذا ينبغي ألا يعرج عليه، كيف يوصف الشيء بلفظه، وأي فائدة في ذلك؟ . قال شهاب الدين: والأقرب عندي إن وردت هذه العبارة ممن يعتبر أن يكون سمى التَّأكيد صفة، وقد فعل سيبويه قريباً من هذا. الرابع: أن يكون الوقف [على قوله] «والسَّابقون» ، ويكون قوله ﴿السَّابقون، أولئك المقربون﴾ ابتداء وخبراً. وهذا يقتضي أن يعطف «والسَّابقون» على ما قبله، لكن لا يليق عطفه على ما قبله، وإنما يليق عطفه على أصحاب الميمنة، كأنه قيل: وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة والسابقون، أي: وما السابقون؟ تعظيماً لهم، فيكونون شركاء أصحاب الميمنة في التعظيم، ويكون قوله على هذا: ﴿وأصحاب المَشْأمة ما أصحاب المشأمة﴾ اعتراضاً بين المتعاطفين، وفي هذا الوجه تكلف كثير جداً. فصل في المراد بالسابقين قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «السَّابقُون الَّذينَ إذَا أعْطُوا الحقَّ قبلوهُ، وإذا سُئِلُوه بذلُوهُ، وحَكمُوا للنَّاسِ كحُكْمِهِمْ لأنفُسِهِمْ» . ذكره المهدوي. وقال محمد بن كعب القرظي: هم الأنبياء. وقال الحسن وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة. وقال محمد بن سيرين: هم الذين صلّوا إلى القبلتين، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: 100] . وقال مجاهد والضحاك: هم السَّابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحاً إلى صلاة الفرائض في الجماعة وقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هم السابقون إلى الصَّلوات الخمس. وقال سعيد بن جبير: إلى التوبة، وأعمال البر، قال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ [آل عمران: 133] ثم أثنى عليهم فقال: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61] . وقيل: إنهم أربعة: منهم سابق أمة موسى، وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى، وهو حبيب النَّجَّار صاحب «أنْطَاكية» ، وسابقان في أمّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهما أبو بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قاله ابن عباس. حكاه الماوردي. وقال شميط بن العجلان: النَّاس ثلاثة: فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا هو السَّابق المقرب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب، ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب الشمال. وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة. وقيل: هم أول الناس رواحاً إلى المسجد، وأولهم خروجاً في سبيل الله ﴿أولئك المقربون في جنات النعيم﴾ . قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً من الضمير في «المُقَرَّبُون» ، وأن يكون متعلقاً به، أي: قربوا إلى رحمة الله في جنات النعيم. ويبعد أن تكون «في» بمعنى «إلى» . وقرأ طلحة: «في جنَّةٍ» بالإفراد. وإضافة الجنة إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، كما يقال: «دار الضِّيافة، ودار الدَّعوة، ودار العدل» . وذكر النعيم هنا معرفاً، وفي آخر السورة منكراً؛ لأن السَّابقين معلومون، فعرفهم باللام المستغرقة لجنسهم، وأما هنا فإنهم غير معروفين لقوله: ﴿إِن كَانَ مِنَ المقربين﴾ [الواقعة: 88] فجعل موضعه غير معروف، أو يقال: إن المذكور هنا جميع السَّابقين، ومنزلتهم أعلى المنازل، فهي معروفة، لأنها لا حدّ فوقها. وأما باقي المقربين فلكل واحد مرتبة ودرجة، فمنازلهم متفاوتة، فهم في جنات متباينة في المنزلة، لا يجمعها صفة، فلم يعرفها. قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . «ثلّة» خبر مبتدأ مضمر، أي «هم» . ويجوز أن يكون مبتدأ خبره مضمر، أي منهم ثلّة. أي: من السابقين، يعني أن التقسيم وقع [بينهم] . وأن يكون مبتدأ خبره ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . أو قوله: ﴿على سُرُرٍ﴾ . فهذه أربعة أوجه. و «الثُلّة» : الجماعة من الناس، وقيدها الزمخشري بالكثيرة. وأنشد: [الطويل] 4672 - وجَاءَتْ إليْهِمْ ثُلَّةٌ خِندفيَّةٌ ... بِجَيْشٍ كتيَّارٍ من البَحْرِ مُزْبدِ ولم يقيدها غيره، بل صرح بأنها الجماعة قلّت أو كثرت. وقال الرَّاغب: الثلّة: قطعة مجتمعة من الصُّوف؛ ولذلك قيل للمقيم: «ثَلَّة» يعني بفتح الثَّاء. ومنه قوله: [الرجز] 4673 - أمْرَعَتِ الأرْضُ لَوْ انّ مالا ... لوْ أنَّ نُوقاً لَكَ أو جِمَالا أوْ ثلَّةً مِنْ غَنَمٍ إمَّا لا ... انتهى. ثم قال: «ولاعتبار الاجتماع، قيل: ﴿ثلّة من الأولين، وثلّة من الآخرين﴾ أي جماعة، وثللت كذا: تناولت ثلّة منه، وثلَّ عرشُه: أسقط ثلّة منه والثّلل: قصر الأسنان لسقوط ثلَّة منها، وأثل فمُه: سقطت، وتَثَلَّلَتِ الرُّكبَة: تَهَدَّمت» انتهى. فقد أطلق أنها الجماعة من غير قيد بقلّة ولا بكثرة. والكثرة التي فهمها الزمخشري قد تكون من السياق. وقال الزجاج: الثلّة: الفرقة. و «مِنَ الأوَّلِينَ» صفة ل «ثُلَّة» ، وكذلك «من الآخرين» صفة ل «قَلِيل» . فصل في المراد بقوله: ثلّة من الأوّلين قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . أي جماعة من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ أي: ممن آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال الحسن: «ثُلَّةٌ» ممن قد مضى قبل هذه الأمة، «وقليلٌ» من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اللهم اجعلنا منهم بكرمك. وسموا قليلاً بالإضافة إلى من كان قبلهم؛ لأن الأنبياء المتقدمين كثروا، فكثر السابقون إلى الإيمان بهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا. (قيل: لما نزلت هذه الآية شقَّ على أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) فنزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونُوا رُبْعَ أهْلِ الجنَّةِ، بَلْ نِصْف أهلِ الجنَّة، وتُقاسِمُونهُم في النِّصْفِ الثانِي» رواه أبو هريرة ذكره الماوردي وغيره، ومعناه ثابت في «صحيح مسلم» ، من حديث عبد الله بن مسعود، وكأنه أراد أنها منسوخة. قال ابن الخطيب: وهذا في غاية الضعف من وجوه: أحدها: أن عدد أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في ذلك الزمان، بل إلى آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى في غاية القلة، فالمراد بالأولين: الأنبياء وكبار أصحابهم، وهم إذا جمعوا أكثر من السَّابقين من هذه الأمة. الثاني: أن هذا خبر، والخبر لا ينسخ. الثالث: أن هذه الآية في السَّابقين، والتي بعدها في أصحاب اليمين. الرابع: أنه إذا جعل قليل منهم مع الأنبياء والرسل المتقدمين كانوا في درجة واحدة، وذلك يوجب الفرح؛ لأنه إنعام عظيم، ولعلّ الإشارة إليه بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «عُلَمَاءُ أمَّتِي كأنْبِيَاءِ بَنِي إسْرائِيْلَ» . قال القرطبي: «والأشبه أنها محكمة؛ لأنها خبر، والخبر لا ينسخ؛ لأن ذلك في جماعتين مختلفتين» . قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ ، وقال في أصحاب اليمين، وهم سوى السابقين: ﴿ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين﴾ . ولذلك [قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونَ أمَّتِي شطْرَ أهْلِ الجنَّةِ» ، ثم تلا: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ] . وقال أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كلا الثُّلتين من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها. وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ [فاطر: 32] . وقيل: المراد ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فإن أكثرهم لهم الدَّرجة العليا، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ﴾ [الحديد: 10] . ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ لحقوهم، ولهذا قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «خَيْرُكُمْ قرني ثم الذينَ يَلُونَهُم» ثم سوى في أصحاب اليمين بين الأولين والآخرين. قال ابن الخطيب: وعلى هذا فقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ يكون خطاباً مع الموجودين وقت التنزيل، ولا يكون فيه بيان الأولين الذين كانوا قبل نبينا - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا ظاهر؛ لأن الخطاب لا يتعلق إلاَّ بالموجودين من حيث اللفظ، ويدخل فيه غيره بالدليل. ووجه آخر: أن المراد بالأولين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبالآخرين، أي: ذرياتهم الملحقون بهم في قوله تعالى: ﴿واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] . وقال الزَّجَّاج: الذين عاينوا جميع النبيين من لدُن آدم وصدقوهم أكثر مما عاين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله تعالى: ﴿على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ . أي: السَّابقون في الجنة على سرر، أي: مجالسهم على سُرر، جمع سرير. وقرأ زيد بن علي، وأبو السمال: «سُرَر» بفتح الراء الأولى وقد تقدم أنها لغة لبعض بني «كلب» و «تميم» . و «المَوضُونَة» : قال ابن عباس: منسوجة بالذهب. وقال عكرمة: مشبكة بالدُّر والياقوت. وعن ابن عباس أيضاً: «مَوضُونةٌ» أي: مصفوفة، لقوله تعالى في موضع: ﴿على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: 20] . وعنه، وعن مجاهد أيضاً: مرمُولة بالذهب. وقيل: «مَوضُونة» : منسوجة بقضبان الذهب مُشَبَّكةٌ بالدّر والياقوت. و «الموضونة» : المنسوجة، وأصله من وضَنْتُ الشَّيء، أي ركبته بعضه على بعض. ومنه قيل للدِّرع: «موضونة» ؛ لتراكب حلقها. قال الأعشى: المتقارب] 4674 - ومِنْ نَسْجِ دَاوُدَ موضُونَةً ... تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيراً فَعِيرَا وعنه أيضاً: وضِينُ الناقة، وهو حِزامُهَا لتراكُب طاقاته؛ قال: [الرجز] 4675 - إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقاً وضينُهَا ... مُعْتَرِضاً فِي بَطْنِهَا جَنينُهَا مُخَالِفاً دينَ النَّصارَى دِينُهَا ... وقال الرَّاغب: «الوَضْن: نسْج الدِّرع، ويستعار لكلّ نسج محكم» . فجعله أصلاً في نسيج الدروع. وقال الآخر: [الوافر] 4676 - أقُولُ وقَدْ دَرَأتُ لَهَا وَضِيني ... أهَذَا دِينُهُ أبداً وَدِينِي؟ أي حزامي. و «الوضينُ» : هو الحَبْل العريض الذي يكون منه الحَزْم لقوّة سداه ولُحْمته، والسرير الموضون الذي سطحه بمنزلة المنسوج. قال القرطبي «ومنه الوضين بطانٌ من سُيُور ينسج، فيدخل بعضه في بعض» . قوله: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ . حالان من الضمير في «عَلى سُرُرٍ» . ويجوز أن تكون حالاً متداخلة، فيكون «متقابلين» حالاً من ضمير «مُتَّكئِينَ» . فصل في معنى الآية «مُتَّكِئينَ» على السّرر، «مُتَقَابلينَ» لا يرى بعضهم قفا بعض، بل تدور بهم الأسرَّة. والمعنى: أنهم كائنون على سُرر متكئين على غيرها كحال من يكون على كرسي، فيوضع تحته شيء آخر للاتِّكاء عليه. قال مجاهد وغيره: هذا في المؤمن وزوجته وأهله، أي: يتكئون متقابلين. قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت، فإذا جلس عليها ارتفعت. قوله: ﴿يَطُوفُ﴾ . يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون استئنافاً. ﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ أي: غلمان لا يموتون. قاله مجاهد. والمعنى: لا موت لهم ولا فناء، أو بمعنى لا يتغير حالهم، ويبقون صغاراً دائماً. وقال الحسن والكلبي: لا يهرمُون ولا يتغيرون. ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4677 - وهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ... قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بأوْجَالِ وقال سعيد بن جبير: «مخلّدون» مُقَرَّطُون. يقال للقُرْط: الخَلَدة، ولجماعة الحُلِيّ: الخِلدة. وقيل: مسوَّرون، ونحوه عن الفراء. قال الشاعر: [الكامل] 4678 - ومُخَلَّداتٍ باللُّجَيْنِ كأنَّمَا ... أعْجَازُهُنَّ أقَاوِزُ الكُثْبَانِ وقيل: مقرطون، يعني: مُمَنْطَقُون من المناطق. وقال عكرمة: «مخلّدون» منعمون. وقيل: على سنٍّ واحدة، أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون عليهم، كما شاء من غير ولادة؛ لأن الجنة لا ولادة فيها. وقال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - والحسن البصري: «الوِلْدَان» هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغاراً، ولا حسنة لهم ولا سيّئة. وقال سلمان الفارسي: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن: لم يكن لهم حسنات يجازون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع، والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة. قوله: «بِأكْوَابٍ» متعلق ب «يَطُوفُ» . و «الأكواب» : جمع كوب، وهي الآنيةُ التي لا عُرَى لها ولا خراطيم، وقد مضت في «الزخرف» و «الأباريق» : جمع إبريق، وهي التي لها عُرَى وخراطيم، واحدها: إبريق، وهو من آنِيَة الخَمْر، سُمِّيَ بذلك لبريق لونه من صفائه. قال الشاعر: [البسيط] 4679 - أفْنَى تِلادِي ومَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ ... قَرْعُ القَوارِيرِ أفْواهُ الأبَارِيقِ وقال عديُّ بن زيد: [الخفيف] 4680 - وتَدَاعَوْا إلى الصَّبُوح فَقَامَتْ ... قَيْنَةٌ فِي يَمينهَا إبْرِيقُ وقال آخر: [البسيط] 4681 - كَأنَّ إبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ على شَرَفٍ ... مُقَدَّمٌ بِسَبَا الكتَّانِ مَلْثُومُ ووزنه «إفْعِيل» لاشتقاقه من البريق. قوله: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ تقدم في «الصافات» . و «المعين» : الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد هنا الخمر الجارية من العيون. وقيل: الظاهرة، فيكون «مَعِين» مفعول من المعاينة. وقيل: هو «فَعِيل» من المَعْنِ، وهو الكثرة. قال ابن الخطيب: هو مأخوذ من مَعن الماء إذا جرى. وقيل: بمعنى «مَفْعُول» ، فيكون من «عانه» إذا شخصه بعينه وميزه. قال: والأول أظهر؛ لأن المعيون يوهم بأنه معيوب. يقال: ضربني بعينه أي: أصابني بعينه؛ ولأن الوصف [بالمفعول] لا فائدة فيه. وأما الجريان في المشروب فإن كان في الماء فهو صفة مدح، وإن كان في غيره، فهو أمر عجيب لا يوجد في الدنيا، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: 15] وبين أنها ليست كخمر الدُّنيا يستخرج بتكلف ومعالجة. فإن قيل: كيف جمع الأكواب والأباريق، وأفرد الكأس؟ . فالجواب: أن ذلك على عادة أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كبيرة، ويشربون بكأس واحدةٍ، وفيها مباهاتهم لأهل الدنيا من حيث إنهم يطوفون بالأكواب والأباريق، ولا ينتقل عليهم، بخلاف الدنيا، أو يقال: إنما أفردت الكأس لأنها إنما تُسَمَّى كأساً إذا كانت مملوءة، فالمراد اتخاذ المشروب الذي فيها، وأخر الكأس مناسبة لاتصاله بالشُّرب. قوله: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ﴾ . يجوز أن تكون مستأنفة، أخبر عنهم بذلك. وأن تكون حالاً من الضمير في «عليهم» . ومعنى ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: بسببها. قال الزمخشري: وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها. والصُّدَاع؛ هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر فيه. قال علقمةُ بن عبدة في وصف الخمر: [البسيط] 4682 - تَشْفِي الصُّدَاعَ ولا يُؤذيكَ حَالبُهَا ... ولا يُخالِطُهَا في الرَّأسِ تدويمُ قال أبو حيان: هذه صفة خمر أهل الجنة، كذا قال الشيخ أبو جعفر بن الزبير لما قرأت هذا الدِّيوان عليه. والمعنى لا يتصدع رءوسهم من شربها، أي: أنها لذة بلا أذى، بخلاف شراب الدنيا. وقيل: «لا يُصدَّعون» لا يتفرَّقُون كما يتفرق الشرب من الشراب للعوارض الدنيوية، ومن مجيء «تصدع» بمعنى: تفرق، قوله: فتصدع السحاب عن المدينة، أي: تفرق. ويرجحه قراءة مجاهد: «لا يَصَّدعون» بفتح الياء وتشديد الصاد. والأصل: «لا يتصدعون» أي: لا يتفرقون، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] . وحكى الزمخشري قراءة، وهي: «لا يُصدِّعُون» بضم الياء، وتخفيف الصَّاد، وكسر الدَّال مشددة. قال: «أي لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرقونهم» . قوله: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ . تقدم الخلاف بين السبعة في «يُنْزِفُون» ، وتفسيره في «والصّافات» . وقرأ ابن إسحاق: بفتح الياء وكسر الزاي من نزف البئر، إذا استقى ما فيها. والمعنى لا ينفدُ خمرهم. ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4683 - لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ ... لَبِئْسَ النَّدامَى كُنْتُم آل أبْجَرَا وقال أبو حيان: «وابن أبي إسحاق وعبد الله والجحدري والأعمش وطلحة وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا يقيء شرابهم» . قال شهاب الدين: وهذا عجيب منه فإنه قد تقدم في «الصَّافات» أنَّ الكوفيين يقرءون في «الواقعة» بكسر الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في قصيدته. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السُّكر، والصُّداع، والقَيء، والبَوْل، وقد نزّه الله - تعالى - خمر الجنة عن هذه الخصال. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ . العامة على جر «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» عطفاً على «أكْوابٍ» . أي: يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به، وهذا كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] . فإن قيل: الفاكهة لا يطوف بها الولدان، والعطف يقتضي ذلك؟ . فالجواب: أن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف بهما الولدان [هنا] فيناولونهم الفواكه الغريبة، واللحوم العجيبة لا للأكل، بل للإكرام، كما يصنع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده، أو يكون معطوفاً على المعنى في قوله: ﴿جَنَّاتِ النعيم﴾ أي: مقربون في جنَّات، وفاكهة، ولحم، وحور، أي: في هذه النِّعم يتقلَّبون [عليهم بهذه الأشياء: المأكول، والمشروب، والمتفكه] . وقرأ زيد بن علي، وأبو عبد الرحمن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، برفعهما على الابتداء، والخبر مقدر، أي: ولهم كذا. والمعنى يتخيّرون ما شاءوا من الفواكه لكثرتها. وقيل: المعنى: وفاكهة متخيرة مرضية، والتخير: الاختيار. وقوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ . قال ابن عبَّاس: يخطر على قلبه لحم الطَّير، فيصير ممتثلاً بين يديه على ما اشتهى، ثم يطير فيذهب. قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ . قرأ الأخوان: بجرّ «حُورٍ عينٍ» . والباقون: برفعهما. والنخعي: «وحيرٍ عينٍ» بقلب الواو ياء وجرهما. وأبيّ وعبد الله قال القرطبي والأشهب العقيلي وعيسى بن عمر الثقفي، وهو كذلك في مصحف أبيّ: «وحُوراً عيناً» بنصبهما. فأما الجر فمن أوجه: أحدها: أنه عطف على «جنَّات النَّعيم» كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحم وحور؛ قاله الزمخشري. قال أبو حيان: «وهذا فيه بعد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض، وهو فهم أعجمي» . قال شهاب الدين: «والذي ذهب إليه الزمخشري معنى حسن جدًّا، وهو على حذف مضاف أي: وفي مقارنة حور، وهو الذي عناه الزمخشري، وقد صرح غيره بتقدير هذا المضاف» . وقال الفرَّاء: الجر على الإتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى؛ لأن الحور لا يُطاف بهنّ. قال الشاعر: [الوافر] 4684 - إذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً ... وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا والعين لا تُزَجَّجُ، وإنَّما تُكَحَّل. وقال آخر: [مجزوء الكامل] 4685 - ورَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا الثاني: أنه معطوف على «بِأكْوَابٍ» ، وذلك بتجوّز في قوله: «يَطُوفُ» ؛ إذ معناه ينعمون فيها بأكواب، وبكذا، وبحور. قاله الزمخشري. الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضاً فإن فيه لذة لهم إذا طافوا عليهم بالمأكول؛ والمشروب، والمتفكه به، والمنكوح، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب. ولا التفات إلى قول أبي البقاء: عطفاً على «أكْوَاب» في اللَّفظ دون المعنى؛ لأن الحور لا يُطافُ بها. وأما الرَّفْع فمن أوجه: أحدها: عطفاً على «ولْدَان» . أي: أن الحور يطفن عليهم بذلك كالولائد في الدُّنيا. وقال أبو البقاء: «أي يَطُفْن عليهم للتَّنعيم لا للخِدْمَة» . قال شهاب الدين: «وهو للخدمة أبلغ؛ لأنهم إذا خدمهم مثل أولئك، فما الظَّن بالمَوطُوءَات» . الثاني: أن يعطف على الضمير المستكنّ في «متكئين» ، وسوغ ذلك الفصل بما بينهما. الثالث: أن يعطف على مبتدأ وخبر حذفا معاً، تقديره: «لهم هذا كله وحور عين» قاله أبو حيَّان. وفيه نظر؛ لأنه إنما يعطف على المبتدأ وحده، وذلك الخبر له، ولما عطف هو عليه. الرابع: أن يكون مبتدأ خبره مضمر، تقديره: ولهم، أو فيها، أو ثمَّ حور. وقال الزمخشري: «عطف على وفيها حور عين، كبيت الكتاب» . يريد: كتاب سيبويه، والمرادُ بالبيت قولهُ: [الكامل] 4686 - بَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى ... إلاَّ رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاء ومُشَجَّجٌ أمَّا سواءُ قَذالِهِ ... فَبَدا وغيَّر سارهُ المَعْزاءُ عطف «مشجج» وهو مرفوع على «رواكد» ، وهو منصوب. الخامس: أن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حور. قاله أبو البقاء. قال الكسائي: ومن قال: «وحُورٌ عينٌ» بالرَّفع، وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» ؛ لأن ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلاَّ بالخمر وحدها. وأما النصب ففيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: يعطون، أو يؤتون حوراً. والثاني: أن يكون محمولاً على معنى «يطُوفُ عَليْهِمْ» ؛ لأن معناه: يعطون كذا وكذا، فعطف هذا عليه. وقال مكي: «ويجوز النَّصب على أن يحمل أيضاً على المعنى؛ لأن معنى» يطوف عليهم ولدان «بكذا وكذا، أي: يعطون كذا وكذا، ثم عطف» حوراً «على معناه» ، فكأنه لم يطلع [على أنها] قراءة. وأمَّا قراءة: «وحِيرٍ» فلمُجاورتها «عِين» ، ولأن الياء أخف من الواو، ونظيره في التَّعبير للمجاورة قولهم: «أخذه ما قدُم وما حدُث» - بضم دال - «حدُث» لأجل «قَدُم» ، وإذا أفرد منه فتحت داله فقط. وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ورَبَّ السَّمواتِ وما أظْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين ومنْ أضْلَلْن» . [وقوله: «أيَّتُكُنَّ صاحبةُ الجملِ الأدْبَبِ، يَنْبَحُها كلاب الحوْأب» ، فكَّ الأدبب لأجل الحَوأبِ] . وقرأ قتادة: «وحورُ عِينٍ» بالرفع والإضافة ل «عين» . وابن مقسم: بالنَّصب والإضافة. وقد تقدم توجيه الرفع والنَّصْب. وأما بالإضافة: فمن إضافة الموصوف لصفته مؤولاً. وقرأ عكرمة: [ «وحَوْرَاء عَيْنَاء» بإفرادهما على إرادة الجنس] . وهذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون نصباً كقراءة عبد الله وأبيٍّ. وأن يكون جرًّا كقراءة الأخوين؛ لأن هذين الاسمين لا يتصرَّفان، فهما محتملان للوجهين. وتقدم الكلام في اشتقاق العين. «كأمْثَال» : صفة، أو حال. و «جزاءً» : مفعول من أجله، أو مصدر، أي: يحزون جزاء. فصل في تفسير الآية قال المفسرون: «حورٌ» بيض، «عينٌ» ضخام الأعين، ﴿كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ أي المخزون في الصدف لم تمسّه الأيدي، ولم يقع عليه الغبار، فهو أشدّ ما يكون صفاء. وقوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . قالت المعتزلة: هذا يدلُّ على أن يقال: الثواب واجب على الله - تعالى - لأن الجزاء لا يجوز الإخلال به. وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروا لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة؛ لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أن القبيح من الله تعالى لا يوجد، علم أن الله تعالى يعطي هذه الأشياء، لأنها أجزية، وإيصال الثَّواب واجب، وأيضاً فكان لا يصح التمدّح به. قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ . قال ابن عبَّاس: باطلاً وكذباً. و «اللَّغْو» : ما يلغى من الكلام. و «التأثيم» : مصدر أثمته، أي: قلت له: أثمت. قال محمد بن كعب: «ولا تأثيماً» ، أي: لا يؤثم بعضهم بعضاً. وقال مجاهد: ﴿لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً﴾ : شتماً ولا مأثماً. قوله: «إلاَّ قيلاً» ، فيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهذا واضح؛ لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم. والثاني: أنه متصل. وفيه بعد، وكأن هذا رأى أن الأصل: لا يسمعون فيها كلاماً، فاندرج عنده فيه. وقال مكّي: وقيل: منصوب ب «يَسْمَعُون» . وكأنه أراد هذا القول. قوله: ﴿سَلاَماً سَلاَماً﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من «قيلاً» أي: لا يسمعون فيها إلا سلاماً سلاماً. الثاني: أنه نعت ل «قيلاً» . الثالث: أنه منصوب بنفس «قيلاً» ، أي: إلاَّ أن يقولوا: سلاماً سلاماً، وهو قول الزَّجَّاج. الرابع: أن يكون منصوباً بفعل مقدّر، ذلك الفعل محكيّ ب «قيلاً» تقديره: إلا قيلاً سلموا سلاماً. وقرىء: «سلامٌ» بالرفع. قال الزمخشري: «على الحِكايَةِ» . قال مكي: «ويجوز أن يكون في الكلام الرفع على معنى» سلام عليكم «ابتداء وخبر» وكأنه لم يعرفها قراءة. فصل في معنى الآية معنى «قيلاً سلاماً» أي: قولاً سلاماً. وقال عطاء: يُحَيِّي بعضهم بعضاً بالسَّلام. قال القرطبي: «والسَّلام الثاني بدل من الأول، والمعنى: إلا قيلاً يسلم فيه من اللغو، وقيل: تحييهم الملائكة، أو يحييهم ربهم عزَّ وجلَّ» . وكرَّر السَّلام إشارة إلى كثرة السلام عليهم، ولهذا لم يكرر قوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] . و «القيل» مصدر كالقول. قال ابن الخطيب: فيكون «قيلاً» مصدراً، لكن لا نظير له في «باب» فعل يفعل من الأجوف. وقيل: إنه اسم، والقول مصدر.

الواقعة 56:22

قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرض﴾ . يجوز أن يكون بدلاً من «إذا» الأولى، أو تأكيداً لها، أو خبراً لها على أنها مبتدأ. كما تقدم تحريره. وأن يكون شرطاً، والعامل فيه إما مقدر، وإما فعلها الذي يليها، كما تقدّم في نظيرتها. وقال الزمخشري: «ويجوز أن ينتصب ب» خافضة رافعة «أي تخفض وترفع وقت رجِّ الأرض وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك يخفض ما هو مرتفع، ويرفع ما هو منخفض» . قال أبو حيَّان: «ولا يجوز أن ينتصب بهما معاً، بل بأحدهما، لأنه لا يجوز أن يجتمع مؤثران على أثر واحد» . قال شهاب الدِّين: معنى كلامه أن كلاًّ منهما متسلّط عليه من جهة المعنى، وتكون المسألة من باب التنازع، وحينئذ تكون العبارةُ صحيحة، إذ يصدق أن كلاًّ منهما عامل فيه، وإن كان على التَّعاقُب. والرَّج: التحريك الشديد بمعنى زلزلت. قال مجاهد وغيره: يقال: رجَّه يرُجُّه رجًّا، أي: حرّكه وزلزله. وناقة رجاء: أي عظيمة السّنام. والرَّجْرجَة: الاضطراب. وارتجّ البحر وغيره: اضطرب. وفي الحديث: «مَنْ ركِبَ البَحْرَ حينَ يَرتجُّ فلا ذمَّة لهُ» . يعني: إذا اضطربت أمواجه. قال الكلبي: وذلك أن الله - تعالى - إذا أوحى إليها اضطربت فرقاً من الله تعالى. قال المفسرون: ترتج كما يرتجّ الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها. وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الرَّجَّة: الحركة الشديدة يسمع لها صوت. قوله: ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً﴾ . أي: سيرت، من قولهم: بسَّ الغنم، أي: ساقها. وأبْسَسْتُ الإبل أبُسُّهَا بَسَّاً، وأبْسَسْتُ وبَسِسْتُ لغتان إذا زجرتها وقلت: بَسْ بَسْ. قاله أبو زيد. أو بمعنى «فُتّت» ، كقوله: ﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه: 105] ، ويدل عليه: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قال ابن عباس ومجاهد: كما يبسّ الدقيق، أي: يُلتّ. والبَسِيْسَةُ: السَّويقُ أو الدقيق يُلَتُّ بالسَّمن أو الزيت، ثم يؤكل ولا يطبخ، وقد يتخذ زاداً. قال الراجز: [الرجز] 4670 - لا تَخْبِزَا خُبْزاً وبُسَّا بَسَّا ... ولا تُطِيْلا بِمُنَاخٍ حَبْسَا وقال الحسن: «وبسّت» قلعتْ من أصلها فذهبت، ونظيرها: يَنْسِفُهَا ربِّي نسفاً وقال عطية: بُسِطَتْ كالرَّمل والتراب. وقال مجاهد: سالت سيلاً. وقال عكرمة: هدّت. وقرأ زيد بن علي: «رجَّت» ، و «بَسَّت» مبنيين للفاعل. على أن «رَجَّ» و «بَسَّ» يكونان لازمين ومتعديين، أي: ارتجت وذهبت. قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قرأ النَّخعي ومسروق وأبو حيوة: «منبتًّا» بنقطتين من فوق، أي: منقطعاً من البَتِّ. ومعنى الآية لا ينبو عنه. قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الهباء المُنْبَثّ: الرَّهجُ الذي يسطع من حوافر الخيل ثم يذهب، فجعل الله تعالى أعمالهم كذلك. وقال مجاهد: «الهَبَاء» : الشعاع الذي يكون في الكُوة كهيئة الغُبَار، وروي نحوه عن ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه ما تطاير من النَّار إذا اضطربت يطير منها شرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال عطية: «المنبث» : المتفرق، قال تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ [البقرة: 164] أي: فرق ونشر. قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ . أي: أصنافاً ثلاثة، كل صنف يشاكل كل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بين من هم، فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ ، ﴿وَأَصْحَابُ المشأمة﴾ ، ﴿والسابقون﴾ . قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ . «أصحاب» الأول مبتدأ، و «ما» استفهامية - فيه تعظيم - مبتدأ ثاني، و «أصحاب» الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرار المبتدأ الأول هنا بلفظه مغنٍ عن الضمير، ومثله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التَّعظيم. فإن قيل: إن «ما» نكرة وما بعدها معرفة، فكان ينبغي أن يقال: «ما» خبر مقدم، و «أصحاب» الثاني وشبهه مبتدأ؛ لأن المعرفة أحق بالابتداء من النكرة؟ وهذا السؤال واردٌ على سيبويه في مثل هذا. وفي قولك: «كَمْ مالك، ومرَرْتُ بِرَجُلٍ خَيْرٍ منهُ أبُوه» فإنه يعرب «ما» الاستفهامية، و «كم» و «أفعل» مبتدأ وما بعدها خبرها. والجواب: أنه كثر وقوع النكرة خبراً عن هذه الأشياء كثرة متزايدة، فاطَّرد الباب، ليجري على سنن واحدة، هكذا أجابوا. وهذا لا ينهض مانعاً من جواز أن يكون «ما» و «كَمْ» و «أفْعَل» خبراً مقدماً ولو قيل به لم يكن خطأ، بل أقرب إلى الصَّواب. و «الميمنة» «مَفْعَلَة» من لفظ اليمين، وكذلك «المشأمة» من اليد الشؤمى وهي الشمال لتشاؤم العرب بها، أو من الشُّؤم. فصل في تحرير معنى الآية قال السدي: «أصحاب الميمنةِ» هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، و «أصحاب المَشْأمة» هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النَّار. و «المَشْأمة» : الميسرة، وكذلك الشَّأمة، يقال: قعد فلان شأمة. ويقال: شائم بأصحابك أي: خذ بهم شأمة أي: ذات الشمال والعرب تقول لليد الشمال: الشؤمى، وللجانب الشمال: الأشأم. وكذلك يقال لما جاء عن اليمين: اليمن، ولما جاء عن الشمال: الشُّؤم. قال البغوي: «ومنه سمي» الشَّام واليمن «؛ لأن» اليمن «عن يمين الكعبة، و» الشام «عن شمالها» . قال ابن عباس والسدي: «أصْحَابُ المَيْمَنَةِ» هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذُّرية من صلبه، فقال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال زيد بن أسلم: هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر. وقال عطاء ومحمد بن كعب: «أصْحَابُ الميمنةِ من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله» . وقال ابن جريج: «أصحاب الميمنة» هم أصحاب الحسنات، وأصحاب المشأمة؛ هم أهل السيئات. وقال الحسن والربيع: «أصحاب الميمنة» الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة: المشائيم على أنفهسم بالأعمال السيئة. وفي صحيح مسلم من حديث «الإسراء» عن أبي ذرٍّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «فَلمَّا عَلوْنَا السَّماء الدُّنيا، فإذَا رجلٌ عن يَمينهِ أسْودةٌ، وعنْ يَسارِهِ أسودةٌ، قال فإذَا نظر قبل يَمينِه ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قبلَ شمالِهِ بكَى، قال: فقال: مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالحِ والابْنِ الصَّالح، قال: فقُلْتُ: يا جِبْريلُ منْ هذَا؟ . قال: هذا آدمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شمالهِ بَنُوه فأهْلُ اليَمِينِ أهْلُ الجنَّةِ، والأسودةُ الَّتي عن شمالهِ أهْلُ النَّارِ» وذكر الحديث. وقال المبردُ: «أصحاب الميمنة» أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخُّر والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي: اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين. ثم عجب نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وهذا كما يقال: «زَيْدٌ مَا زَيْدٌ» ، يريد «زيد شديد» فالتكرير في ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، و ﴿مَآ أَصْحَابُ المشأمة﴾ للتَّفخيم والتعجُّب، كقوله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، و ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] كما يقال: «زَيْدٌ ما زيدٌ» . وفي حديث أم زرع رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مالك، وما مالك؟» . والمقصود: تكثير ما لأصحاب الميمنة في الثواب، وأصحاب المشأمة من العقاب. والفاء في قوله: «فأصْحَاب» تدل على التقسيم، وبيان ما ورد عليه التقسيم، كأنه قال: أزواجاً ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، وبين حال كل قسم فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وترك التقسيم أولاً، واكتفى بما يدل عليه بأن تُذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها. فإن قيل: ما الحكمة في اختيار لفظ «المشأمة» في مقابلة «الميمنة» مع أنه قال في بيان أحوالهم ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ ؟ [الواقعة: 41] . فالجواب: أنَّ اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا منها ألفاظاً في مواضع فقالوا: «هذا ميمون» تيمناً به، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، ولفظ الشمال في مقابلته، واستعملوا منه ألفاظاً تشاؤماً به، فذكر «المشأمة» [ في] مقابلة [ «الميمنة» ] [وذكر الشمال في مقابلة اليمين] فاستعمل كل لفظ مع ما يقابله. قوله: ﴿والسابقون السابقون﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنها مبتدأ وخبر، وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أنه بمعنى: السابقون هم الذين اشتهرت حالتهم بذلك. كقولهم: «أنت أنت، والناس الناس» . وقوله: [الرجز] 4671 - أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي ... وهذا يقال في تعظيم الأمر وتفخيمه، وهو مذهب سيبويه. التأويل الثاني: أن متعلق السابقين مختلف؛ إذ التقدير: والسَّابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة، أو السابقون إلى طاعة الله السَّابقون إلى رحمته، أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنَّة. الوجه الثاني: أن يكون السَّابقون الثاني تأكيداً للأول تأكيداً لفظيًّا، و «أولئك المُقرَّبُون» جملة ابتدائية في موضع خبر الأول، والرابط: اسم الإشارة، كقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26] ، في قراءة برفع «لِبَاس» في أحد الأوجه. الثالث: أن يكون «السابقون» الثاني نعتاً للأول، والخبر الجملة المذكورة. وهذا ينبغي ألا يعرج عليه، كيف يوصف الشيء بلفظه، وأي فائدة في ذلك؟ . قال شهاب الدين: والأقرب عندي إن وردت هذه العبارة ممن يعتبر أن يكون سمى التَّأكيد صفة، وقد فعل سيبويه قريباً من هذا. الرابع: أن يكون الوقف [على قوله] «والسَّابقون» ، ويكون قوله ﴿السَّابقون، أولئك المقربون﴾ ابتداء وخبراً. وهذا يقتضي أن يعطف «والسَّابقون» على ما قبله، لكن لا يليق عطفه على ما قبله، وإنما يليق عطفه على أصحاب الميمنة، كأنه قيل: وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة والسابقون، أي: وما السابقون؟ تعظيماً لهم، فيكونون شركاء أصحاب الميمنة في التعظيم، ويكون قوله على هذا: ﴿وأصحاب المَشْأمة ما أصحاب المشأمة﴾ اعتراضاً بين المتعاطفين، وفي هذا الوجه تكلف كثير جداً. فصل في المراد بالسابقين قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «السَّابقُون الَّذينَ إذَا أعْطُوا الحقَّ قبلوهُ، وإذا سُئِلُوه بذلُوهُ، وحَكمُوا للنَّاسِ كحُكْمِهِمْ لأنفُسِهِمْ» . ذكره المهدوي. وقال محمد بن كعب القرظي: هم الأنبياء. وقال الحسن وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة. وقال محمد بن سيرين: هم الذين صلّوا إلى القبلتين، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: 100] . وقال مجاهد والضحاك: هم السَّابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحاً إلى صلاة الفرائض في الجماعة وقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هم السابقون إلى الصَّلوات الخمس. وقال سعيد بن جبير: إلى التوبة، وأعمال البر، قال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ [آل عمران: 133] ثم أثنى عليهم فقال: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61] . وقيل: إنهم أربعة: منهم سابق أمة موسى، وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى، وهو حبيب النَّجَّار صاحب «أنْطَاكية» ، وسابقان في أمّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهما أبو بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قاله ابن عباس. حكاه الماوردي. وقال شميط بن العجلان: النَّاس ثلاثة: فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا هو السَّابق المقرب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب، ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب الشمال. وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة. وقيل: هم أول الناس رواحاً إلى المسجد، وأولهم خروجاً في سبيل الله ﴿أولئك المقربون في جنات النعيم﴾ . قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً من الضمير في «المُقَرَّبُون» ، وأن يكون متعلقاً به، أي: قربوا إلى رحمة الله في جنات النعيم. ويبعد أن تكون «في» بمعنى «إلى» . وقرأ طلحة: «في جنَّةٍ» بالإفراد. وإضافة الجنة إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، كما يقال: «دار الضِّيافة، ودار الدَّعوة، ودار العدل» . وذكر النعيم هنا معرفاً، وفي آخر السورة منكراً؛ لأن السَّابقين معلومون، فعرفهم باللام المستغرقة لجنسهم، وأما هنا فإنهم غير معروفين لقوله: ﴿إِن كَانَ مِنَ المقربين﴾ [الواقعة: 88] فجعل موضعه غير معروف، أو يقال: إن المذكور هنا جميع السَّابقين، ومنزلتهم أعلى المنازل، فهي معروفة، لأنها لا حدّ فوقها. وأما باقي المقربين فلكل واحد مرتبة ودرجة، فمنازلهم متفاوتة، فهم في جنات متباينة في المنزلة، لا يجمعها صفة، فلم يعرفها. قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . «ثلّة» خبر مبتدأ مضمر، أي «هم» . ويجوز أن يكون مبتدأ خبره مضمر، أي منهم ثلّة. أي: من السابقين، يعني أن التقسيم وقع [بينهم] . وأن يكون مبتدأ خبره ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . أو قوله: ﴿على سُرُرٍ﴾ . فهذه أربعة أوجه. و «الثُلّة» : الجماعة من الناس، وقيدها الزمخشري بالكثيرة. وأنشد: [الطويل] 4672 - وجَاءَتْ إليْهِمْ ثُلَّةٌ خِندفيَّةٌ ... بِجَيْشٍ كتيَّارٍ من البَحْرِ مُزْبدِ ولم يقيدها غيره، بل صرح بأنها الجماعة قلّت أو كثرت. وقال الرَّاغب: الثلّة: قطعة مجتمعة من الصُّوف؛ ولذلك قيل للمقيم: «ثَلَّة» يعني بفتح الثَّاء. ومنه قوله: [الرجز] 4673 - أمْرَعَتِ الأرْضُ لَوْ انّ مالا ... لوْ أنَّ نُوقاً لَكَ أو جِمَالا أوْ ثلَّةً مِنْ غَنَمٍ إمَّا لا ... انتهى. ثم قال: «ولاعتبار الاجتماع، قيل: ﴿ثلّة من الأولين، وثلّة من الآخرين﴾ أي جماعة، وثللت كذا: تناولت ثلّة منه، وثلَّ عرشُه: أسقط ثلّة منه والثّلل: قصر الأسنان لسقوط ثلَّة منها، وأثل فمُه: سقطت، وتَثَلَّلَتِ الرُّكبَة: تَهَدَّمت» انتهى. فقد أطلق أنها الجماعة من غير قيد بقلّة ولا بكثرة. والكثرة التي فهمها الزمخشري قد تكون من السياق. وقال الزجاج: الثلّة: الفرقة. و «مِنَ الأوَّلِينَ» صفة ل «ثُلَّة» ، وكذلك «من الآخرين» صفة ل «قَلِيل» . فصل في المراد بقوله: ثلّة من الأوّلين قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . أي جماعة من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ أي: ممن آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال الحسن: «ثُلَّةٌ» ممن قد مضى قبل هذه الأمة، «وقليلٌ» من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اللهم اجعلنا منهم بكرمك. وسموا قليلاً بالإضافة إلى من كان قبلهم؛ لأن الأنبياء المتقدمين كثروا، فكثر السابقون إلى الإيمان بهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا. (قيل: لما نزلت هذه الآية شقَّ على أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) فنزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونُوا رُبْعَ أهْلِ الجنَّةِ، بَلْ نِصْف أهلِ الجنَّة، وتُقاسِمُونهُم في النِّصْفِ الثانِي» رواه أبو هريرة ذكره الماوردي وغيره، ومعناه ثابت في «صحيح مسلم» ، من حديث عبد الله بن مسعود، وكأنه أراد أنها منسوخة. قال ابن الخطيب: وهذا في غاية الضعف من وجوه: أحدها: أن عدد أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في ذلك الزمان، بل إلى آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى في غاية القلة، فالمراد بالأولين: الأنبياء وكبار أصحابهم، وهم إذا جمعوا أكثر من السَّابقين من هذه الأمة. الثاني: أن هذا خبر، والخبر لا ينسخ. الثالث: أن هذه الآية في السَّابقين، والتي بعدها في أصحاب اليمين. الرابع: أنه إذا جعل قليل منهم مع الأنبياء والرسل المتقدمين كانوا في درجة واحدة، وذلك يوجب الفرح؛ لأنه إنعام عظيم، ولعلّ الإشارة إليه بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «عُلَمَاءُ أمَّتِي كأنْبِيَاءِ بَنِي إسْرائِيْلَ» . قال القرطبي: «والأشبه أنها محكمة؛ لأنها خبر، والخبر لا ينسخ؛ لأن ذلك في جماعتين مختلفتين» . قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ ، وقال في أصحاب اليمين، وهم سوى السابقين: ﴿ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين﴾ . ولذلك [قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونَ أمَّتِي شطْرَ أهْلِ الجنَّةِ» ، ثم تلا: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ] . وقال أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كلا الثُّلتين من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها. وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ [فاطر: 32] . وقيل: المراد ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فإن أكثرهم لهم الدَّرجة العليا، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ﴾ [الحديد: 10] . ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ لحقوهم، ولهذا قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «خَيْرُكُمْ قرني ثم الذينَ يَلُونَهُم» ثم سوى في أصحاب اليمين بين الأولين والآخرين. قال ابن الخطيب: وعلى هذا فقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ يكون خطاباً مع الموجودين وقت التنزيل، ولا يكون فيه بيان الأولين الذين كانوا قبل نبينا - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا ظاهر؛ لأن الخطاب لا يتعلق إلاَّ بالموجودين من حيث اللفظ، ويدخل فيه غيره بالدليل. ووجه آخر: أن المراد بالأولين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبالآخرين، أي: ذرياتهم الملحقون بهم في قوله تعالى: ﴿واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] . وقال الزَّجَّاج: الذين عاينوا جميع النبيين من لدُن آدم وصدقوهم أكثر مما عاين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله تعالى: ﴿على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ . أي: السَّابقون في الجنة على سرر، أي: مجالسهم على سُرر، جمع سرير. وقرأ زيد بن علي، وأبو السمال: «سُرَر» بفتح الراء الأولى وقد تقدم أنها لغة لبعض بني «كلب» و «تميم» . و «المَوضُونَة» : قال ابن عباس: منسوجة بالذهب. وقال عكرمة: مشبكة بالدُّر والياقوت. وعن ابن عباس أيضاً: «مَوضُونةٌ» أي: مصفوفة، لقوله تعالى في موضع: ﴿على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: 20] . وعنه، وعن مجاهد أيضاً: مرمُولة بالذهب. وقيل: «مَوضُونة» : منسوجة بقضبان الذهب مُشَبَّكةٌ بالدّر والياقوت. و «الموضونة» : المنسوجة، وأصله من وضَنْتُ الشَّيء، أي ركبته بعضه على بعض. ومنه قيل للدِّرع: «موضونة» ؛ لتراكب حلقها. قال الأعشى: المتقارب] 4674 - ومِنْ نَسْجِ دَاوُدَ موضُونَةً ... تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيراً فَعِيرَا وعنه أيضاً: وضِينُ الناقة، وهو حِزامُهَا لتراكُب طاقاته؛ قال: [الرجز] 4675 - إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقاً وضينُهَا ... مُعْتَرِضاً فِي بَطْنِهَا جَنينُهَا مُخَالِفاً دينَ النَّصارَى دِينُهَا ... وقال الرَّاغب: «الوَضْن: نسْج الدِّرع، ويستعار لكلّ نسج محكم» . فجعله أصلاً في نسيج الدروع. وقال الآخر: [الوافر] 4676 - أقُولُ وقَدْ دَرَأتُ لَهَا وَضِيني ... أهَذَا دِينُهُ أبداً وَدِينِي؟ أي حزامي. و «الوضينُ» : هو الحَبْل العريض الذي يكون منه الحَزْم لقوّة سداه ولُحْمته، والسرير الموضون الذي سطحه بمنزلة المنسوج. قال القرطبي «ومنه الوضين بطانٌ من سُيُور ينسج، فيدخل بعضه في بعض» . قوله: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ . حالان من الضمير في «عَلى سُرُرٍ» . ويجوز أن تكون حالاً متداخلة، فيكون «متقابلين» حالاً من ضمير «مُتَّكئِينَ» . فصل في معنى الآية «مُتَّكِئينَ» على السّرر، «مُتَقَابلينَ» لا يرى بعضهم قفا بعض، بل تدور بهم الأسرَّة. والمعنى: أنهم كائنون على سُرر متكئين على غيرها كحال من يكون على كرسي، فيوضع تحته شيء آخر للاتِّكاء عليه. قال مجاهد وغيره: هذا في المؤمن وزوجته وأهله، أي: يتكئون متقابلين. قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت، فإذا جلس عليها ارتفعت. قوله: ﴿يَطُوفُ﴾ . يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون استئنافاً. ﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ أي: غلمان لا يموتون. قاله مجاهد. والمعنى: لا موت لهم ولا فناء، أو بمعنى لا يتغير حالهم، ويبقون صغاراً دائماً. وقال الحسن والكلبي: لا يهرمُون ولا يتغيرون. ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4677 - وهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ... قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بأوْجَالِ وقال سعيد بن جبير: «مخلّدون» مُقَرَّطُون. يقال للقُرْط: الخَلَدة، ولجماعة الحُلِيّ: الخِلدة. وقيل: مسوَّرون، ونحوه عن الفراء. قال الشاعر: [الكامل] 4678 - ومُخَلَّداتٍ باللُّجَيْنِ كأنَّمَا ... أعْجَازُهُنَّ أقَاوِزُ الكُثْبَانِ وقيل: مقرطون، يعني: مُمَنْطَقُون من المناطق. وقال عكرمة: «مخلّدون» منعمون. وقيل: على سنٍّ واحدة، أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون عليهم، كما شاء من غير ولادة؛ لأن الجنة لا ولادة فيها. وقال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - والحسن البصري: «الوِلْدَان» هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغاراً، ولا حسنة لهم ولا سيّئة. وقال سلمان الفارسي: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن: لم يكن لهم حسنات يجازون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع، والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة. قوله: «بِأكْوَابٍ» متعلق ب «يَطُوفُ» . و «الأكواب» : جمع كوب، وهي الآنيةُ التي لا عُرَى لها ولا خراطيم، وقد مضت في «الزخرف» و «الأباريق» : جمع إبريق، وهي التي لها عُرَى وخراطيم، واحدها: إبريق، وهو من آنِيَة الخَمْر، سُمِّيَ بذلك لبريق لونه من صفائه. قال الشاعر: [البسيط] 4679 - أفْنَى تِلادِي ومَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ ... قَرْعُ القَوارِيرِ أفْواهُ الأبَارِيقِ وقال عديُّ بن زيد: [الخفيف] 4680 - وتَدَاعَوْا إلى الصَّبُوح فَقَامَتْ ... قَيْنَةٌ فِي يَمينهَا إبْرِيقُ وقال آخر: [البسيط] 4681 - كَأنَّ إبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ على شَرَفٍ ... مُقَدَّمٌ بِسَبَا الكتَّانِ مَلْثُومُ ووزنه «إفْعِيل» لاشتقاقه من البريق. قوله: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ تقدم في «الصافات» . و «المعين» : الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد هنا الخمر الجارية من العيون. وقيل: الظاهرة، فيكون «مَعِين» مفعول من المعاينة. وقيل: هو «فَعِيل» من المَعْنِ، وهو الكثرة. قال ابن الخطيب: هو مأخوذ من مَعن الماء إذا جرى. وقيل: بمعنى «مَفْعُول» ، فيكون من «عانه» إذا شخصه بعينه وميزه. قال: والأول أظهر؛ لأن المعيون يوهم بأنه معيوب. يقال: ضربني بعينه أي: أصابني بعينه؛ ولأن الوصف [بالمفعول] لا فائدة فيه. وأما الجريان في المشروب فإن كان في الماء فهو صفة مدح، وإن كان في غيره، فهو أمر عجيب لا يوجد في الدنيا، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: 15] وبين أنها ليست كخمر الدُّنيا يستخرج بتكلف ومعالجة. فإن قيل: كيف جمع الأكواب والأباريق، وأفرد الكأس؟ . فالجواب: أن ذلك على عادة أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كبيرة، ويشربون بكأس واحدةٍ، وفيها مباهاتهم لأهل الدنيا من حيث إنهم يطوفون بالأكواب والأباريق، ولا ينتقل عليهم، بخلاف الدنيا، أو يقال: إنما أفردت الكأس لأنها إنما تُسَمَّى كأساً إذا كانت مملوءة، فالمراد اتخاذ المشروب الذي فيها، وأخر الكأس مناسبة لاتصاله بالشُّرب. قوله: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ﴾ . يجوز أن تكون مستأنفة، أخبر عنهم بذلك. وأن تكون حالاً من الضمير في «عليهم» . ومعنى ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: بسببها. قال الزمخشري: وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها. والصُّدَاع؛ هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر فيه. قال علقمةُ بن عبدة في وصف الخمر: [البسيط] 4682 - تَشْفِي الصُّدَاعَ ولا يُؤذيكَ حَالبُهَا ... ولا يُخالِطُهَا في الرَّأسِ تدويمُ قال أبو حيان: هذه صفة خمر أهل الجنة، كذا قال الشيخ أبو جعفر بن الزبير لما قرأت هذا الدِّيوان عليه. والمعنى لا يتصدع رءوسهم من شربها، أي: أنها لذة بلا أذى، بخلاف شراب الدنيا. وقيل: «لا يُصدَّعون» لا يتفرَّقُون كما يتفرق الشرب من الشراب للعوارض الدنيوية، ومن مجيء «تصدع» بمعنى: تفرق، قوله: فتصدع السحاب عن المدينة، أي: تفرق. ويرجحه قراءة مجاهد: «لا يَصَّدعون» بفتح الياء وتشديد الصاد. والأصل: «لا يتصدعون» أي: لا يتفرقون، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] . وحكى الزمخشري قراءة، وهي: «لا يُصدِّعُون» بضم الياء، وتخفيف الصَّاد، وكسر الدَّال مشددة. قال: «أي لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرقونهم» . قوله: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ . تقدم الخلاف بين السبعة في «يُنْزِفُون» ، وتفسيره في «والصّافات» . وقرأ ابن إسحاق: بفتح الياء وكسر الزاي من نزف البئر، إذا استقى ما فيها. والمعنى لا ينفدُ خمرهم. ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4683 - لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ ... لَبِئْسَ النَّدامَى كُنْتُم آل أبْجَرَا وقال أبو حيان: «وابن أبي إسحاق وعبد الله والجحدري والأعمش وطلحة وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا يقيء شرابهم» . قال شهاب الدين: وهذا عجيب منه فإنه قد تقدم في «الصَّافات» أنَّ الكوفيين يقرءون في «الواقعة» بكسر الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في قصيدته. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السُّكر، والصُّداع، والقَيء، والبَوْل، وقد نزّه الله - تعالى - خمر الجنة عن هذه الخصال. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ . العامة على جر «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» عطفاً على «أكْوابٍ» . أي: يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به، وهذا كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] . فإن قيل: الفاكهة لا يطوف بها الولدان، والعطف يقتضي ذلك؟ . فالجواب: أن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف بهما الولدان [هنا] فيناولونهم الفواكه الغريبة، واللحوم العجيبة لا للأكل، بل للإكرام، كما يصنع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده، أو يكون معطوفاً على المعنى في قوله: ﴿جَنَّاتِ النعيم﴾ أي: مقربون في جنَّات، وفاكهة، ولحم، وحور، أي: في هذه النِّعم يتقلَّبون [عليهم بهذه الأشياء: المأكول، والمشروب، والمتفكه] . وقرأ زيد بن علي، وأبو عبد الرحمن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، برفعهما على الابتداء، والخبر مقدر، أي: ولهم كذا. والمعنى يتخيّرون ما شاءوا من الفواكه لكثرتها. وقيل: المعنى: وفاكهة متخيرة مرضية، والتخير: الاختيار. وقوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ . قال ابن عبَّاس: يخطر على قلبه لحم الطَّير، فيصير ممتثلاً بين يديه على ما اشتهى، ثم يطير فيذهب. قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ . قرأ الأخوان: بجرّ «حُورٍ عينٍ» . والباقون: برفعهما. والنخعي: «وحيرٍ عينٍ» بقلب الواو ياء وجرهما. وأبيّ وعبد الله قال القرطبي والأشهب العقيلي وعيسى بن عمر الثقفي، وهو كذلك في مصحف أبيّ: «وحُوراً عيناً» بنصبهما. فأما الجر فمن أوجه: أحدها: أنه عطف على «جنَّات النَّعيم» كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحم وحور؛ قاله الزمخشري. قال أبو حيان: «وهذا فيه بعد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض، وهو فهم أعجمي» . قال شهاب الدين: «والذي ذهب إليه الزمخشري معنى حسن جدًّا، وهو على حذف مضاف أي: وفي مقارنة حور، وهو الذي عناه الزمخشري، وقد صرح غيره بتقدير هذا المضاف» . وقال الفرَّاء: الجر على الإتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى؛ لأن الحور لا يُطاف بهنّ. قال الشاعر: [الوافر] 4684 - إذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً ... وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا والعين لا تُزَجَّجُ، وإنَّما تُكَحَّل. وقال آخر: [مجزوء الكامل] 4685 - ورَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا الثاني: أنه معطوف على «بِأكْوَابٍ» ، وذلك بتجوّز في قوله: «يَطُوفُ» ؛ إذ معناه ينعمون فيها بأكواب، وبكذا، وبحور. قاله الزمخشري. الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضاً فإن فيه لذة لهم إذا طافوا عليهم بالمأكول؛ والمشروب، والمتفكه به، والمنكوح، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب. ولا التفات إلى قول أبي البقاء: عطفاً على «أكْوَاب» في اللَّفظ دون المعنى؛ لأن الحور لا يُطافُ بها. وأما الرَّفْع فمن أوجه: أحدها: عطفاً على «ولْدَان» . أي: أن الحور يطفن عليهم بذلك كالولائد في الدُّنيا. وقال أبو البقاء: «أي يَطُفْن عليهم للتَّنعيم لا للخِدْمَة» . قال شهاب الدين: «وهو للخدمة أبلغ؛ لأنهم إذا خدمهم مثل أولئك، فما الظَّن بالمَوطُوءَات» . الثاني: أن يعطف على الضمير المستكنّ في «متكئين» ، وسوغ ذلك الفصل بما بينهما. الثالث: أن يعطف على مبتدأ وخبر حذفا معاً، تقديره: «لهم هذا كله وحور عين» قاله أبو حيَّان. وفيه نظر؛ لأنه إنما يعطف على المبتدأ وحده، وذلك الخبر له، ولما عطف هو عليه. الرابع: أن يكون مبتدأ خبره مضمر، تقديره: ولهم، أو فيها، أو ثمَّ حور. وقال الزمخشري: «عطف على وفيها حور عين، كبيت الكتاب» . يريد: كتاب سيبويه، والمرادُ بالبيت قولهُ: [الكامل] 4686 - بَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى ... إلاَّ رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاء ومُشَجَّجٌ أمَّا سواءُ قَذالِهِ ... فَبَدا وغيَّر سارهُ المَعْزاءُ عطف «مشجج» وهو مرفوع على «رواكد» ، وهو منصوب. الخامس: أن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حور. قاله أبو البقاء. قال الكسائي: ومن قال: «وحُورٌ عينٌ» بالرَّفع، وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» ؛ لأن ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلاَّ بالخمر وحدها. وأما النصب ففيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: يعطون، أو يؤتون حوراً. والثاني: أن يكون محمولاً على معنى «يطُوفُ عَليْهِمْ» ؛ لأن معناه: يعطون كذا وكذا، فعطف هذا عليه. وقال مكي: «ويجوز النَّصب على أن يحمل أيضاً على المعنى؛ لأن معنى» يطوف عليهم ولدان «بكذا وكذا، أي: يعطون كذا وكذا، ثم عطف» حوراً «على معناه» ، فكأنه لم يطلع [على أنها] قراءة. وأمَّا قراءة: «وحِيرٍ» فلمُجاورتها «عِين» ، ولأن الياء أخف من الواو، ونظيره في التَّعبير للمجاورة قولهم: «أخذه ما قدُم وما حدُث» - بضم دال - «حدُث» لأجل «قَدُم» ، وإذا أفرد منه فتحت داله فقط. وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ورَبَّ السَّمواتِ وما أظْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين ومنْ أضْلَلْن» . [وقوله: «أيَّتُكُنَّ صاحبةُ الجملِ الأدْبَبِ، يَنْبَحُها كلاب الحوْأب» ، فكَّ الأدبب لأجل الحَوأبِ] . وقرأ قتادة: «وحورُ عِينٍ» بالرفع والإضافة ل «عين» . وابن مقسم: بالنَّصب والإضافة. وقد تقدم توجيه الرفع والنَّصْب. وأما بالإضافة: فمن إضافة الموصوف لصفته مؤولاً. وقرأ عكرمة: [ «وحَوْرَاء عَيْنَاء» بإفرادهما على إرادة الجنس] . وهذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون نصباً كقراءة عبد الله وأبيٍّ. وأن يكون جرًّا كقراءة الأخوين؛ لأن هذين الاسمين لا يتصرَّفان، فهما محتملان للوجهين. وتقدم الكلام في اشتقاق العين. «كأمْثَال» : صفة، أو حال. و «جزاءً» : مفعول من أجله، أو مصدر، أي: يحزون جزاء. فصل في تفسير الآية قال المفسرون: «حورٌ» بيض، «عينٌ» ضخام الأعين، ﴿كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ أي المخزون في الصدف لم تمسّه الأيدي، ولم يقع عليه الغبار، فهو أشدّ ما يكون صفاء. وقوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . قالت المعتزلة: هذا يدلُّ على أن يقال: الثواب واجب على الله - تعالى - لأن الجزاء لا يجوز الإخلال به. وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروا لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة؛ لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أن القبيح من الله تعالى لا يوجد، علم أن الله تعالى يعطي هذه الأشياء، لأنها أجزية، وإيصال الثَّواب واجب، وأيضاً فكان لا يصح التمدّح به. قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ . قال ابن عبَّاس: باطلاً وكذباً. و «اللَّغْو» : ما يلغى من الكلام. و «التأثيم» : مصدر أثمته، أي: قلت له: أثمت. قال محمد بن كعب: «ولا تأثيماً» ، أي: لا يؤثم بعضهم بعضاً. وقال مجاهد: ﴿لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً﴾ : شتماً ولا مأثماً. قوله: «إلاَّ قيلاً» ، فيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهذا واضح؛ لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم. والثاني: أنه متصل. وفيه بعد، وكأن هذا رأى أن الأصل: لا يسمعون فيها كلاماً، فاندرج عنده فيه. وقال مكّي: وقيل: منصوب ب «يَسْمَعُون» . وكأنه أراد هذا القول. قوله: ﴿سَلاَماً سَلاَماً﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من «قيلاً» أي: لا يسمعون فيها إلا سلاماً سلاماً. الثاني: أنه نعت ل «قيلاً» . الثالث: أنه منصوب بنفس «قيلاً» ، أي: إلاَّ أن يقولوا: سلاماً سلاماً، وهو قول الزَّجَّاج. الرابع: أن يكون منصوباً بفعل مقدّر، ذلك الفعل محكيّ ب «قيلاً» تقديره: إلا قيلاً سلموا سلاماً. وقرىء: «سلامٌ» بالرفع. قال الزمخشري: «على الحِكايَةِ» . قال مكي: «ويجوز أن يكون في الكلام الرفع على معنى» سلام عليكم «ابتداء وخبر» وكأنه لم يعرفها قراءة. فصل في معنى الآية معنى «قيلاً سلاماً» أي: قولاً سلاماً. وقال عطاء: يُحَيِّي بعضهم بعضاً بالسَّلام. قال القرطبي: «والسَّلام الثاني بدل من الأول، والمعنى: إلا قيلاً يسلم فيه من اللغو، وقيل: تحييهم الملائكة، أو يحييهم ربهم عزَّ وجلَّ» . وكرَّر السَّلام إشارة إلى كثرة السلام عليهم، ولهذا لم يكرر قوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] . و «القيل» مصدر كالقول. قال ابن الخطيب: فيكون «قيلاً» مصدراً، لكن لا نظير له في «باب» فعل يفعل من الأجوف. وقيل: إنه اسم، والقول مصدر.

الواقعة 56:23

قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرض﴾ . يجوز أن يكون بدلاً من «إذا» الأولى، أو تأكيداً لها، أو خبراً لها على أنها مبتدأ. كما تقدم تحريره. وأن يكون شرطاً، والعامل فيه إما مقدر، وإما فعلها الذي يليها، كما تقدّم في نظيرتها. وقال الزمخشري: «ويجوز أن ينتصب ب» خافضة رافعة «أي تخفض وترفع وقت رجِّ الأرض وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك يخفض ما هو مرتفع، ويرفع ما هو منخفض» . قال أبو حيَّان: «ولا يجوز أن ينتصب بهما معاً، بل بأحدهما، لأنه لا يجوز أن يجتمع مؤثران على أثر واحد» . قال شهاب الدِّين: معنى كلامه أن كلاًّ منهما متسلّط عليه من جهة المعنى، وتكون المسألة من باب التنازع، وحينئذ تكون العبارةُ صحيحة، إذ يصدق أن كلاًّ منهما عامل فيه، وإن كان على التَّعاقُب. والرَّج: التحريك الشديد بمعنى زلزلت. قال مجاهد وغيره: يقال: رجَّه يرُجُّه رجًّا، أي: حرّكه وزلزله. وناقة رجاء: أي عظيمة السّنام. والرَّجْرجَة: الاضطراب. وارتجّ البحر وغيره: اضطرب. وفي الحديث: «مَنْ ركِبَ البَحْرَ حينَ يَرتجُّ فلا ذمَّة لهُ» . يعني: إذا اضطربت أمواجه. قال الكلبي: وذلك أن الله - تعالى - إذا أوحى إليها اضطربت فرقاً من الله تعالى. قال المفسرون: ترتج كما يرتجّ الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها. وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الرَّجَّة: الحركة الشديدة يسمع لها صوت. قوله: ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً﴾ . أي: سيرت، من قولهم: بسَّ الغنم، أي: ساقها. وأبْسَسْتُ الإبل أبُسُّهَا بَسَّاً، وأبْسَسْتُ وبَسِسْتُ لغتان إذا زجرتها وقلت: بَسْ بَسْ. قاله أبو زيد. أو بمعنى «فُتّت» ، كقوله: ﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه: 105] ، ويدل عليه: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قال ابن عباس ومجاهد: كما يبسّ الدقيق، أي: يُلتّ. والبَسِيْسَةُ: السَّويقُ أو الدقيق يُلَتُّ بالسَّمن أو الزيت، ثم يؤكل ولا يطبخ، وقد يتخذ زاداً. قال الراجز: [الرجز] 4670 - لا تَخْبِزَا خُبْزاً وبُسَّا بَسَّا ... ولا تُطِيْلا بِمُنَاخٍ حَبْسَا وقال الحسن: «وبسّت» قلعتْ من أصلها فذهبت، ونظيرها: يَنْسِفُهَا ربِّي نسفاً وقال عطية: بُسِطَتْ كالرَّمل والتراب. وقال مجاهد: سالت سيلاً. وقال عكرمة: هدّت. وقرأ زيد بن علي: «رجَّت» ، و «بَسَّت» مبنيين للفاعل. على أن «رَجَّ» و «بَسَّ» يكونان لازمين ومتعديين، أي: ارتجت وذهبت. قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قرأ النَّخعي ومسروق وأبو حيوة: «منبتًّا» بنقطتين من فوق، أي: منقطعاً من البَتِّ. ومعنى الآية لا ينبو عنه. قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الهباء المُنْبَثّ: الرَّهجُ الذي يسطع من حوافر الخيل ثم يذهب، فجعل الله تعالى أعمالهم كذلك. وقال مجاهد: «الهَبَاء» : الشعاع الذي يكون في الكُوة كهيئة الغُبَار، وروي نحوه عن ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه ما تطاير من النَّار إذا اضطربت يطير منها شرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال عطية: «المنبث» : المتفرق، قال تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ [البقرة: 164] أي: فرق ونشر. قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ . أي: أصنافاً ثلاثة، كل صنف يشاكل كل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بين من هم، فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ ، ﴿وَأَصْحَابُ المشأمة﴾ ، ﴿والسابقون﴾ . قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ . «أصحاب» الأول مبتدأ، و «ما» استفهامية - فيه تعظيم - مبتدأ ثاني، و «أصحاب» الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرار المبتدأ الأول هنا بلفظه مغنٍ عن الضمير، ومثله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التَّعظيم. فإن قيل: إن «ما» نكرة وما بعدها معرفة، فكان ينبغي أن يقال: «ما» خبر مقدم، و «أصحاب» الثاني وشبهه مبتدأ؛ لأن المعرفة أحق بالابتداء من النكرة؟ وهذا السؤال واردٌ على سيبويه في مثل هذا. وفي قولك: «كَمْ مالك، ومرَرْتُ بِرَجُلٍ خَيْرٍ منهُ أبُوه» فإنه يعرب «ما» الاستفهامية، و «كم» و «أفعل» مبتدأ وما بعدها خبرها. والجواب: أنه كثر وقوع النكرة خبراً عن هذه الأشياء كثرة متزايدة، فاطَّرد الباب، ليجري على سنن واحدة، هكذا أجابوا. وهذا لا ينهض مانعاً من جواز أن يكون «ما» و «كَمْ» و «أفْعَل» خبراً مقدماً ولو قيل به لم يكن خطأ، بل أقرب إلى الصَّواب. و «الميمنة» «مَفْعَلَة» من لفظ اليمين، وكذلك «المشأمة» من اليد الشؤمى وهي الشمال لتشاؤم العرب بها، أو من الشُّؤم. فصل في تحرير معنى الآية قال السدي: «أصحاب الميمنةِ» هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، و «أصحاب المَشْأمة» هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النَّار. و «المَشْأمة» : الميسرة، وكذلك الشَّأمة، يقال: قعد فلان شأمة. ويقال: شائم بأصحابك أي: خذ بهم شأمة أي: ذات الشمال والعرب تقول لليد الشمال: الشؤمى، وللجانب الشمال: الأشأم. وكذلك يقال لما جاء عن اليمين: اليمن، ولما جاء عن الشمال: الشُّؤم. قال البغوي: «ومنه سمي» الشَّام واليمن «؛ لأن» اليمن «عن يمين الكعبة، و» الشام «عن شمالها» . قال ابن عباس والسدي: «أصْحَابُ المَيْمَنَةِ» هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذُّرية من صلبه، فقال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال زيد بن أسلم: هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر. وقال عطاء ومحمد بن كعب: «أصْحَابُ الميمنةِ من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله» . وقال ابن جريج: «أصحاب الميمنة» هم أصحاب الحسنات، وأصحاب المشأمة؛ هم أهل السيئات. وقال الحسن والربيع: «أصحاب الميمنة» الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة: المشائيم على أنفهسم بالأعمال السيئة. وفي صحيح مسلم من حديث «الإسراء» عن أبي ذرٍّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «فَلمَّا عَلوْنَا السَّماء الدُّنيا، فإذَا رجلٌ عن يَمينهِ أسْودةٌ، وعنْ يَسارِهِ أسودةٌ، قال فإذَا نظر قبل يَمينِه ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قبلَ شمالِهِ بكَى، قال: فقال: مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالحِ والابْنِ الصَّالح، قال: فقُلْتُ: يا جِبْريلُ منْ هذَا؟ . قال: هذا آدمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شمالهِ بَنُوه فأهْلُ اليَمِينِ أهْلُ الجنَّةِ، والأسودةُ الَّتي عن شمالهِ أهْلُ النَّارِ» وذكر الحديث. وقال المبردُ: «أصحاب الميمنة» أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخُّر والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي: اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين. ثم عجب نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وهذا كما يقال: «زَيْدٌ مَا زَيْدٌ» ، يريد «زيد شديد» فالتكرير في ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، و ﴿مَآ أَصْحَابُ المشأمة﴾ للتَّفخيم والتعجُّب، كقوله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، و ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] كما يقال: «زَيْدٌ ما زيدٌ» . وفي حديث أم زرع رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مالك، وما مالك؟» . والمقصود: تكثير ما لأصحاب الميمنة في الثواب، وأصحاب المشأمة من العقاب. والفاء في قوله: «فأصْحَاب» تدل على التقسيم، وبيان ما ورد عليه التقسيم، كأنه قال: أزواجاً ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، وبين حال كل قسم فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وترك التقسيم أولاً، واكتفى بما يدل عليه بأن تُذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها. فإن قيل: ما الحكمة في اختيار لفظ «المشأمة» في مقابلة «الميمنة» مع أنه قال في بيان أحوالهم ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ ؟ [الواقعة: 41] . فالجواب: أنَّ اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا منها ألفاظاً في مواضع فقالوا: «هذا ميمون» تيمناً به، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، ولفظ الشمال في مقابلته، واستعملوا منه ألفاظاً تشاؤماً به، فذكر «المشأمة» [ في] مقابلة [ «الميمنة» ] [وذكر الشمال في مقابلة اليمين] فاستعمل كل لفظ مع ما يقابله. قوله: ﴿والسابقون السابقون﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنها مبتدأ وخبر، وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أنه بمعنى: السابقون هم الذين اشتهرت حالتهم بذلك. كقولهم: «أنت أنت، والناس الناس» . وقوله: [الرجز] 4671 - أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي ... وهذا يقال في تعظيم الأمر وتفخيمه، وهو مذهب سيبويه. التأويل الثاني: أن متعلق السابقين مختلف؛ إذ التقدير: والسَّابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة، أو السابقون إلى طاعة الله السَّابقون إلى رحمته، أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنَّة. الوجه الثاني: أن يكون السَّابقون الثاني تأكيداً للأول تأكيداً لفظيًّا، و «أولئك المُقرَّبُون» جملة ابتدائية في موضع خبر الأول، والرابط: اسم الإشارة، كقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26] ، في قراءة برفع «لِبَاس» في أحد الأوجه. الثالث: أن يكون «السابقون» الثاني نعتاً للأول، والخبر الجملة المذكورة. وهذا ينبغي ألا يعرج عليه، كيف يوصف الشيء بلفظه، وأي فائدة في ذلك؟ . قال شهاب الدين: والأقرب عندي إن وردت هذه العبارة ممن يعتبر أن يكون سمى التَّأكيد صفة، وقد فعل سيبويه قريباً من هذا. الرابع: أن يكون الوقف [على قوله] «والسَّابقون» ، ويكون قوله ﴿السَّابقون، أولئك المقربون﴾ ابتداء وخبراً. وهذا يقتضي أن يعطف «والسَّابقون» على ما قبله، لكن لا يليق عطفه على ما قبله، وإنما يليق عطفه على أصحاب الميمنة، كأنه قيل: وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة والسابقون، أي: وما السابقون؟ تعظيماً لهم، فيكونون شركاء أصحاب الميمنة في التعظيم، ويكون قوله على هذا: ﴿وأصحاب المَشْأمة ما أصحاب المشأمة﴾ اعتراضاً بين المتعاطفين، وفي هذا الوجه تكلف كثير جداً. فصل في المراد بالسابقين قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «السَّابقُون الَّذينَ إذَا أعْطُوا الحقَّ قبلوهُ، وإذا سُئِلُوه بذلُوهُ، وحَكمُوا للنَّاسِ كحُكْمِهِمْ لأنفُسِهِمْ» . ذكره المهدوي. وقال محمد بن كعب القرظي: هم الأنبياء. وقال الحسن وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة. وقال محمد بن سيرين: هم الذين صلّوا إلى القبلتين، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: 100] . وقال مجاهد والضحاك: هم السَّابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحاً إلى صلاة الفرائض في الجماعة وقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هم السابقون إلى الصَّلوات الخمس. وقال سعيد بن جبير: إلى التوبة، وأعمال البر، قال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ [آل عمران: 133] ثم أثنى عليهم فقال: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61] . وقيل: إنهم أربعة: منهم سابق أمة موسى، وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى، وهو حبيب النَّجَّار صاحب «أنْطَاكية» ، وسابقان في أمّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهما أبو بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قاله ابن عباس. حكاه الماوردي. وقال شميط بن العجلان: النَّاس ثلاثة: فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا هو السَّابق المقرب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب، ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب الشمال. وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة. وقيل: هم أول الناس رواحاً إلى المسجد، وأولهم خروجاً في سبيل الله ﴿أولئك المقربون في جنات النعيم﴾ . قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً من الضمير في «المُقَرَّبُون» ، وأن يكون متعلقاً به، أي: قربوا إلى رحمة الله في جنات النعيم. ويبعد أن تكون «في» بمعنى «إلى» . وقرأ طلحة: «في جنَّةٍ» بالإفراد. وإضافة الجنة إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، كما يقال: «دار الضِّيافة، ودار الدَّعوة، ودار العدل» . وذكر النعيم هنا معرفاً، وفي آخر السورة منكراً؛ لأن السَّابقين معلومون، فعرفهم باللام المستغرقة لجنسهم، وأما هنا فإنهم غير معروفين لقوله: ﴿إِن كَانَ مِنَ المقربين﴾ [الواقعة: 88] فجعل موضعه غير معروف، أو يقال: إن المذكور هنا جميع السَّابقين، ومنزلتهم أعلى المنازل، فهي معروفة، لأنها لا حدّ فوقها. وأما باقي المقربين فلكل واحد مرتبة ودرجة، فمنازلهم متفاوتة، فهم في جنات متباينة في المنزلة، لا يجمعها صفة، فلم يعرفها. قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . «ثلّة» خبر مبتدأ مضمر، أي «هم» . ويجوز أن يكون مبتدأ خبره مضمر، أي منهم ثلّة. أي: من السابقين، يعني أن التقسيم وقع [بينهم] . وأن يكون مبتدأ خبره ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . أو قوله: ﴿على سُرُرٍ﴾ . فهذه أربعة أوجه. و «الثُلّة» : الجماعة من الناس، وقيدها الزمخشري بالكثيرة. وأنشد: [الطويل] 4672 - وجَاءَتْ إليْهِمْ ثُلَّةٌ خِندفيَّةٌ ... بِجَيْشٍ كتيَّارٍ من البَحْرِ مُزْبدِ ولم يقيدها غيره، بل صرح بأنها الجماعة قلّت أو كثرت. وقال الرَّاغب: الثلّة: قطعة مجتمعة من الصُّوف؛ ولذلك قيل للمقيم: «ثَلَّة» يعني بفتح الثَّاء. ومنه قوله: [الرجز] 4673 - أمْرَعَتِ الأرْضُ لَوْ انّ مالا ... لوْ أنَّ نُوقاً لَكَ أو جِمَالا أوْ ثلَّةً مِنْ غَنَمٍ إمَّا لا ... انتهى. ثم قال: «ولاعتبار الاجتماع، قيل: ﴿ثلّة من الأولين، وثلّة من الآخرين﴾ أي جماعة، وثللت كذا: تناولت ثلّة منه، وثلَّ عرشُه: أسقط ثلّة منه والثّلل: قصر الأسنان لسقوط ثلَّة منها، وأثل فمُه: سقطت، وتَثَلَّلَتِ الرُّكبَة: تَهَدَّمت» انتهى. فقد أطلق أنها الجماعة من غير قيد بقلّة ولا بكثرة. والكثرة التي فهمها الزمخشري قد تكون من السياق. وقال الزجاج: الثلّة: الفرقة. و «مِنَ الأوَّلِينَ» صفة ل «ثُلَّة» ، وكذلك «من الآخرين» صفة ل «قَلِيل» . فصل في المراد بقوله: ثلّة من الأوّلين قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . أي جماعة من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ أي: ممن آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال الحسن: «ثُلَّةٌ» ممن قد مضى قبل هذه الأمة، «وقليلٌ» من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اللهم اجعلنا منهم بكرمك. وسموا قليلاً بالإضافة إلى من كان قبلهم؛ لأن الأنبياء المتقدمين كثروا، فكثر السابقون إلى الإيمان بهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا. (قيل: لما نزلت هذه الآية شقَّ على أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) فنزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونُوا رُبْعَ أهْلِ الجنَّةِ، بَلْ نِصْف أهلِ الجنَّة، وتُقاسِمُونهُم في النِّصْفِ الثانِي» رواه أبو هريرة ذكره الماوردي وغيره، ومعناه ثابت في «صحيح مسلم» ، من حديث عبد الله بن مسعود، وكأنه أراد أنها منسوخة. قال ابن الخطيب: وهذا في غاية الضعف من وجوه: أحدها: أن عدد أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في ذلك الزمان، بل إلى آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى في غاية القلة، فالمراد بالأولين: الأنبياء وكبار أصحابهم، وهم إذا جمعوا أكثر من السَّابقين من هذه الأمة. الثاني: أن هذا خبر، والخبر لا ينسخ. الثالث: أن هذه الآية في السَّابقين، والتي بعدها في أصحاب اليمين. الرابع: أنه إذا جعل قليل منهم مع الأنبياء والرسل المتقدمين كانوا في درجة واحدة، وذلك يوجب الفرح؛ لأنه إنعام عظيم، ولعلّ الإشارة إليه بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «عُلَمَاءُ أمَّتِي كأنْبِيَاءِ بَنِي إسْرائِيْلَ» . قال القرطبي: «والأشبه أنها محكمة؛ لأنها خبر، والخبر لا ينسخ؛ لأن ذلك في جماعتين مختلفتين» . قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ ، وقال في أصحاب اليمين، وهم سوى السابقين: ﴿ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين﴾ . ولذلك [قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونَ أمَّتِي شطْرَ أهْلِ الجنَّةِ» ، ثم تلا: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ] . وقال أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كلا الثُّلتين من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها. وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ [فاطر: 32] . وقيل: المراد ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فإن أكثرهم لهم الدَّرجة العليا، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ﴾ [الحديد: 10] . ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ لحقوهم، ولهذا قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «خَيْرُكُمْ قرني ثم الذينَ يَلُونَهُم» ثم سوى في أصحاب اليمين بين الأولين والآخرين. قال ابن الخطيب: وعلى هذا فقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ يكون خطاباً مع الموجودين وقت التنزيل، ولا يكون فيه بيان الأولين الذين كانوا قبل نبينا - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا ظاهر؛ لأن الخطاب لا يتعلق إلاَّ بالموجودين من حيث اللفظ، ويدخل فيه غيره بالدليل. ووجه آخر: أن المراد بالأولين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبالآخرين، أي: ذرياتهم الملحقون بهم في قوله تعالى: ﴿واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] . وقال الزَّجَّاج: الذين عاينوا جميع النبيين من لدُن آدم وصدقوهم أكثر مما عاين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله تعالى: ﴿على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ . أي: السَّابقون في الجنة على سرر، أي: مجالسهم على سُرر، جمع سرير. وقرأ زيد بن علي، وأبو السمال: «سُرَر» بفتح الراء الأولى وقد تقدم أنها لغة لبعض بني «كلب» و «تميم» . و «المَوضُونَة» : قال ابن عباس: منسوجة بالذهب. وقال عكرمة: مشبكة بالدُّر والياقوت. وعن ابن عباس أيضاً: «مَوضُونةٌ» أي: مصفوفة، لقوله تعالى في موضع: ﴿على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: 20] . وعنه، وعن مجاهد أيضاً: مرمُولة بالذهب. وقيل: «مَوضُونة» : منسوجة بقضبان الذهب مُشَبَّكةٌ بالدّر والياقوت. و «الموضونة» : المنسوجة، وأصله من وضَنْتُ الشَّيء، أي ركبته بعضه على بعض. ومنه قيل للدِّرع: «موضونة» ؛ لتراكب حلقها. قال الأعشى: المتقارب] 4674 - ومِنْ نَسْجِ دَاوُدَ موضُونَةً ... تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيراً فَعِيرَا وعنه أيضاً: وضِينُ الناقة، وهو حِزامُهَا لتراكُب طاقاته؛ قال: [الرجز] 4675 - إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقاً وضينُهَا ... مُعْتَرِضاً فِي بَطْنِهَا جَنينُهَا مُخَالِفاً دينَ النَّصارَى دِينُهَا ... وقال الرَّاغب: «الوَضْن: نسْج الدِّرع، ويستعار لكلّ نسج محكم» . فجعله أصلاً في نسيج الدروع. وقال الآخر: [الوافر] 4676 - أقُولُ وقَدْ دَرَأتُ لَهَا وَضِيني ... أهَذَا دِينُهُ أبداً وَدِينِي؟ أي حزامي. و «الوضينُ» : هو الحَبْل العريض الذي يكون منه الحَزْم لقوّة سداه ولُحْمته، والسرير الموضون الذي سطحه بمنزلة المنسوج. قال القرطبي «ومنه الوضين بطانٌ من سُيُور ينسج، فيدخل بعضه في بعض» . قوله: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ . حالان من الضمير في «عَلى سُرُرٍ» . ويجوز أن تكون حالاً متداخلة، فيكون «متقابلين» حالاً من ضمير «مُتَّكئِينَ» . فصل في معنى الآية «مُتَّكِئينَ» على السّرر، «مُتَقَابلينَ» لا يرى بعضهم قفا بعض، بل تدور بهم الأسرَّة. والمعنى: أنهم كائنون على سُرر متكئين على غيرها كحال من يكون على كرسي، فيوضع تحته شيء آخر للاتِّكاء عليه. قال مجاهد وغيره: هذا في المؤمن وزوجته وأهله، أي: يتكئون متقابلين. قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت، فإذا جلس عليها ارتفعت. قوله: ﴿يَطُوفُ﴾ . يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون استئنافاً. ﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ أي: غلمان لا يموتون. قاله مجاهد. والمعنى: لا موت لهم ولا فناء، أو بمعنى لا يتغير حالهم، ويبقون صغاراً دائماً. وقال الحسن والكلبي: لا يهرمُون ولا يتغيرون. ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4677 - وهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ... قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بأوْجَالِ وقال سعيد بن جبير: «مخلّدون» مُقَرَّطُون. يقال للقُرْط: الخَلَدة، ولجماعة الحُلِيّ: الخِلدة. وقيل: مسوَّرون، ونحوه عن الفراء. قال الشاعر: [الكامل] 4678 - ومُخَلَّداتٍ باللُّجَيْنِ كأنَّمَا ... أعْجَازُهُنَّ أقَاوِزُ الكُثْبَانِ وقيل: مقرطون، يعني: مُمَنْطَقُون من المناطق. وقال عكرمة: «مخلّدون» منعمون. وقيل: على سنٍّ واحدة، أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون عليهم، كما شاء من غير ولادة؛ لأن الجنة لا ولادة فيها. وقال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - والحسن البصري: «الوِلْدَان» هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغاراً، ولا حسنة لهم ولا سيّئة. وقال سلمان الفارسي: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن: لم يكن لهم حسنات يجازون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع، والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة. قوله: «بِأكْوَابٍ» متعلق ب «يَطُوفُ» . و «الأكواب» : جمع كوب، وهي الآنيةُ التي لا عُرَى لها ولا خراطيم، وقد مضت في «الزخرف» و «الأباريق» : جمع إبريق، وهي التي لها عُرَى وخراطيم، واحدها: إبريق، وهو من آنِيَة الخَمْر، سُمِّيَ بذلك لبريق لونه من صفائه. قال الشاعر: [البسيط] 4679 - أفْنَى تِلادِي ومَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ ... قَرْعُ القَوارِيرِ أفْواهُ الأبَارِيقِ وقال عديُّ بن زيد: [الخفيف] 4680 - وتَدَاعَوْا إلى الصَّبُوح فَقَامَتْ ... قَيْنَةٌ فِي يَمينهَا إبْرِيقُ وقال آخر: [البسيط] 4681 - كَأنَّ إبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ على شَرَفٍ ... مُقَدَّمٌ بِسَبَا الكتَّانِ مَلْثُومُ ووزنه «إفْعِيل» لاشتقاقه من البريق. قوله: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ تقدم في «الصافات» . و «المعين» : الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد هنا الخمر الجارية من العيون. وقيل: الظاهرة، فيكون «مَعِين» مفعول من المعاينة. وقيل: هو «فَعِيل» من المَعْنِ، وهو الكثرة. قال ابن الخطيب: هو مأخوذ من مَعن الماء إذا جرى. وقيل: بمعنى «مَفْعُول» ، فيكون من «عانه» إذا شخصه بعينه وميزه. قال: والأول أظهر؛ لأن المعيون يوهم بأنه معيوب. يقال: ضربني بعينه أي: أصابني بعينه؛ ولأن الوصف [بالمفعول] لا فائدة فيه. وأما الجريان في المشروب فإن كان في الماء فهو صفة مدح، وإن كان في غيره، فهو أمر عجيب لا يوجد في الدنيا، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: 15] وبين أنها ليست كخمر الدُّنيا يستخرج بتكلف ومعالجة. فإن قيل: كيف جمع الأكواب والأباريق، وأفرد الكأس؟ . فالجواب: أن ذلك على عادة أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كبيرة، ويشربون بكأس واحدةٍ، وفيها مباهاتهم لأهل الدنيا من حيث إنهم يطوفون بالأكواب والأباريق، ولا ينتقل عليهم، بخلاف الدنيا، أو يقال: إنما أفردت الكأس لأنها إنما تُسَمَّى كأساً إذا كانت مملوءة، فالمراد اتخاذ المشروب الذي فيها، وأخر الكأس مناسبة لاتصاله بالشُّرب. قوله: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ﴾ . يجوز أن تكون مستأنفة، أخبر عنهم بذلك. وأن تكون حالاً من الضمير في «عليهم» . ومعنى ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: بسببها. قال الزمخشري: وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها. والصُّدَاع؛ هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر فيه. قال علقمةُ بن عبدة في وصف الخمر: [البسيط] 4682 - تَشْفِي الصُّدَاعَ ولا يُؤذيكَ حَالبُهَا ... ولا يُخالِطُهَا في الرَّأسِ تدويمُ قال أبو حيان: هذه صفة خمر أهل الجنة، كذا قال الشيخ أبو جعفر بن الزبير لما قرأت هذا الدِّيوان عليه. والمعنى لا يتصدع رءوسهم من شربها، أي: أنها لذة بلا أذى، بخلاف شراب الدنيا. وقيل: «لا يُصدَّعون» لا يتفرَّقُون كما يتفرق الشرب من الشراب للعوارض الدنيوية، ومن مجيء «تصدع» بمعنى: تفرق، قوله: فتصدع السحاب عن المدينة، أي: تفرق. ويرجحه قراءة مجاهد: «لا يَصَّدعون» بفتح الياء وتشديد الصاد. والأصل: «لا يتصدعون» أي: لا يتفرقون، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] . وحكى الزمخشري قراءة، وهي: «لا يُصدِّعُون» بضم الياء، وتخفيف الصَّاد، وكسر الدَّال مشددة. قال: «أي لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرقونهم» . قوله: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ . تقدم الخلاف بين السبعة في «يُنْزِفُون» ، وتفسيره في «والصّافات» . وقرأ ابن إسحاق: بفتح الياء وكسر الزاي من نزف البئر، إذا استقى ما فيها. والمعنى لا ينفدُ خمرهم. ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4683 - لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ ... لَبِئْسَ النَّدامَى كُنْتُم آل أبْجَرَا وقال أبو حيان: «وابن أبي إسحاق وعبد الله والجحدري والأعمش وطلحة وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا يقيء شرابهم» . قال شهاب الدين: وهذا عجيب منه فإنه قد تقدم في «الصَّافات» أنَّ الكوفيين يقرءون في «الواقعة» بكسر الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في قصيدته. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السُّكر، والصُّداع، والقَيء، والبَوْل، وقد نزّه الله - تعالى - خمر الجنة عن هذه الخصال. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ . العامة على جر «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» عطفاً على «أكْوابٍ» . أي: يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به، وهذا كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] . فإن قيل: الفاكهة لا يطوف بها الولدان، والعطف يقتضي ذلك؟ . فالجواب: أن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف بهما الولدان [هنا] فيناولونهم الفواكه الغريبة، واللحوم العجيبة لا للأكل، بل للإكرام، كما يصنع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده، أو يكون معطوفاً على المعنى في قوله: ﴿جَنَّاتِ النعيم﴾ أي: مقربون في جنَّات، وفاكهة، ولحم، وحور، أي: في هذه النِّعم يتقلَّبون [عليهم بهذه الأشياء: المأكول، والمشروب، والمتفكه] . وقرأ زيد بن علي، وأبو عبد الرحمن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، برفعهما على الابتداء، والخبر مقدر، أي: ولهم كذا. والمعنى يتخيّرون ما شاءوا من الفواكه لكثرتها. وقيل: المعنى: وفاكهة متخيرة مرضية، والتخير: الاختيار. وقوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ . قال ابن عبَّاس: يخطر على قلبه لحم الطَّير، فيصير ممتثلاً بين يديه على ما اشتهى، ثم يطير فيذهب. قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ . قرأ الأخوان: بجرّ «حُورٍ عينٍ» . والباقون: برفعهما. والنخعي: «وحيرٍ عينٍ» بقلب الواو ياء وجرهما. وأبيّ وعبد الله قال القرطبي والأشهب العقيلي وعيسى بن عمر الثقفي، وهو كذلك في مصحف أبيّ: «وحُوراً عيناً» بنصبهما. فأما الجر فمن أوجه: أحدها: أنه عطف على «جنَّات النَّعيم» كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحم وحور؛ قاله الزمخشري. قال أبو حيان: «وهذا فيه بعد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض، وهو فهم أعجمي» . قال شهاب الدين: «والذي ذهب إليه الزمخشري معنى حسن جدًّا، وهو على حذف مضاف أي: وفي مقارنة حور، وهو الذي عناه الزمخشري، وقد صرح غيره بتقدير هذا المضاف» . وقال الفرَّاء: الجر على الإتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى؛ لأن الحور لا يُطاف بهنّ. قال الشاعر: [الوافر] 4684 - إذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً ... وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا والعين لا تُزَجَّجُ، وإنَّما تُكَحَّل. وقال آخر: [مجزوء الكامل] 4685 - ورَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا الثاني: أنه معطوف على «بِأكْوَابٍ» ، وذلك بتجوّز في قوله: «يَطُوفُ» ؛ إذ معناه ينعمون فيها بأكواب، وبكذا، وبحور. قاله الزمخشري. الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضاً فإن فيه لذة لهم إذا طافوا عليهم بالمأكول؛ والمشروب، والمتفكه به، والمنكوح، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب. ولا التفات إلى قول أبي البقاء: عطفاً على «أكْوَاب» في اللَّفظ دون المعنى؛ لأن الحور لا يُطافُ بها. وأما الرَّفْع فمن أوجه: أحدها: عطفاً على «ولْدَان» . أي: أن الحور يطفن عليهم بذلك كالولائد في الدُّنيا. وقال أبو البقاء: «أي يَطُفْن عليهم للتَّنعيم لا للخِدْمَة» . قال شهاب الدين: «وهو للخدمة أبلغ؛ لأنهم إذا خدمهم مثل أولئك، فما الظَّن بالمَوطُوءَات» . الثاني: أن يعطف على الضمير المستكنّ في «متكئين» ، وسوغ ذلك الفصل بما بينهما. الثالث: أن يعطف على مبتدأ وخبر حذفا معاً، تقديره: «لهم هذا كله وحور عين» قاله أبو حيَّان. وفيه نظر؛ لأنه إنما يعطف على المبتدأ وحده، وذلك الخبر له، ولما عطف هو عليه. الرابع: أن يكون مبتدأ خبره مضمر، تقديره: ولهم، أو فيها، أو ثمَّ حور. وقال الزمخشري: «عطف على وفيها حور عين، كبيت الكتاب» . يريد: كتاب سيبويه، والمرادُ بالبيت قولهُ: [الكامل] 4686 - بَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى ... إلاَّ رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاء ومُشَجَّجٌ أمَّا سواءُ قَذالِهِ ... فَبَدا وغيَّر سارهُ المَعْزاءُ عطف «مشجج» وهو مرفوع على «رواكد» ، وهو منصوب. الخامس: أن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حور. قاله أبو البقاء. قال الكسائي: ومن قال: «وحُورٌ عينٌ» بالرَّفع، وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» ؛ لأن ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلاَّ بالخمر وحدها. وأما النصب ففيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: يعطون، أو يؤتون حوراً. والثاني: أن يكون محمولاً على معنى «يطُوفُ عَليْهِمْ» ؛ لأن معناه: يعطون كذا وكذا، فعطف هذا عليه. وقال مكي: «ويجوز النَّصب على أن يحمل أيضاً على المعنى؛ لأن معنى» يطوف عليهم ولدان «بكذا وكذا، أي: يعطون كذا وكذا، ثم عطف» حوراً «على معناه» ، فكأنه لم يطلع [على أنها] قراءة. وأمَّا قراءة: «وحِيرٍ» فلمُجاورتها «عِين» ، ولأن الياء أخف من الواو، ونظيره في التَّعبير للمجاورة قولهم: «أخذه ما قدُم وما حدُث» - بضم دال - «حدُث» لأجل «قَدُم» ، وإذا أفرد منه فتحت داله فقط. وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ورَبَّ السَّمواتِ وما أظْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين ومنْ أضْلَلْن» . [وقوله: «أيَّتُكُنَّ صاحبةُ الجملِ الأدْبَبِ، يَنْبَحُها كلاب الحوْأب» ، فكَّ الأدبب لأجل الحَوأبِ] . وقرأ قتادة: «وحورُ عِينٍ» بالرفع والإضافة ل «عين» . وابن مقسم: بالنَّصب والإضافة. وقد تقدم توجيه الرفع والنَّصْب. وأما بالإضافة: فمن إضافة الموصوف لصفته مؤولاً. وقرأ عكرمة: [ «وحَوْرَاء عَيْنَاء» بإفرادهما على إرادة الجنس] . وهذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون نصباً كقراءة عبد الله وأبيٍّ. وأن يكون جرًّا كقراءة الأخوين؛ لأن هذين الاسمين لا يتصرَّفان، فهما محتملان للوجهين. وتقدم الكلام في اشتقاق العين. «كأمْثَال» : صفة، أو حال. و «جزاءً» : مفعول من أجله، أو مصدر، أي: يحزون جزاء. فصل في تفسير الآية قال المفسرون: «حورٌ» بيض، «عينٌ» ضخام الأعين، ﴿كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ أي المخزون في الصدف لم تمسّه الأيدي، ولم يقع عليه الغبار، فهو أشدّ ما يكون صفاء. وقوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . قالت المعتزلة: هذا يدلُّ على أن يقال: الثواب واجب على الله - تعالى - لأن الجزاء لا يجوز الإخلال به. وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروا لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة؛ لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أن القبيح من الله تعالى لا يوجد، علم أن الله تعالى يعطي هذه الأشياء، لأنها أجزية، وإيصال الثَّواب واجب، وأيضاً فكان لا يصح التمدّح به. قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ . قال ابن عبَّاس: باطلاً وكذباً. و «اللَّغْو» : ما يلغى من الكلام. و «التأثيم» : مصدر أثمته، أي: قلت له: أثمت. قال محمد بن كعب: «ولا تأثيماً» ، أي: لا يؤثم بعضهم بعضاً. وقال مجاهد: ﴿لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً﴾ : شتماً ولا مأثماً. قوله: «إلاَّ قيلاً» ، فيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهذا واضح؛ لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم. والثاني: أنه متصل. وفيه بعد، وكأن هذا رأى أن الأصل: لا يسمعون فيها كلاماً، فاندرج عنده فيه. وقال مكّي: وقيل: منصوب ب «يَسْمَعُون» . وكأنه أراد هذا القول. قوله: ﴿سَلاَماً سَلاَماً﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من «قيلاً» أي: لا يسمعون فيها إلا سلاماً سلاماً. الثاني: أنه نعت ل «قيلاً» . الثالث: أنه منصوب بنفس «قيلاً» ، أي: إلاَّ أن يقولوا: سلاماً سلاماً، وهو قول الزَّجَّاج. الرابع: أن يكون منصوباً بفعل مقدّر، ذلك الفعل محكيّ ب «قيلاً» تقديره: إلا قيلاً سلموا سلاماً. وقرىء: «سلامٌ» بالرفع. قال الزمخشري: «على الحِكايَةِ» . قال مكي: «ويجوز أن يكون في الكلام الرفع على معنى» سلام عليكم «ابتداء وخبر» وكأنه لم يعرفها قراءة. فصل في معنى الآية معنى «قيلاً سلاماً» أي: قولاً سلاماً. وقال عطاء: يُحَيِّي بعضهم بعضاً بالسَّلام. قال القرطبي: «والسَّلام الثاني بدل من الأول، والمعنى: إلا قيلاً يسلم فيه من اللغو، وقيل: تحييهم الملائكة، أو يحييهم ربهم عزَّ وجلَّ» . وكرَّر السَّلام إشارة إلى كثرة السلام عليهم، ولهذا لم يكرر قوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] . و «القيل» مصدر كالقول. قال ابن الخطيب: فيكون «قيلاً» مصدراً، لكن لا نظير له في «باب» فعل يفعل من الأجوف. وقيل: إنه اسم، والقول مصدر.

الواقعة 56:24

قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرض﴾ . يجوز أن يكون بدلاً من «إذا» الأولى، أو تأكيداً لها، أو خبراً لها على أنها مبتدأ. كما تقدم تحريره. وأن يكون شرطاً، والعامل فيه إما مقدر، وإما فعلها الذي يليها، كما تقدّم في نظيرتها. وقال الزمخشري: «ويجوز أن ينتصب ب» خافضة رافعة «أي تخفض وترفع وقت رجِّ الأرض وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك يخفض ما هو مرتفع، ويرفع ما هو منخفض» . قال أبو حيَّان: «ولا يجوز أن ينتصب بهما معاً، بل بأحدهما، لأنه لا يجوز أن يجتمع مؤثران على أثر واحد» . قال شهاب الدِّين: معنى كلامه أن كلاًّ منهما متسلّط عليه من جهة المعنى، وتكون المسألة من باب التنازع، وحينئذ تكون العبارةُ صحيحة، إذ يصدق أن كلاًّ منهما عامل فيه، وإن كان على التَّعاقُب. والرَّج: التحريك الشديد بمعنى زلزلت. قال مجاهد وغيره: يقال: رجَّه يرُجُّه رجًّا، أي: حرّكه وزلزله. وناقة رجاء: أي عظيمة السّنام. والرَّجْرجَة: الاضطراب. وارتجّ البحر وغيره: اضطرب. وفي الحديث: «مَنْ ركِبَ البَحْرَ حينَ يَرتجُّ فلا ذمَّة لهُ» . يعني: إذا اضطربت أمواجه. قال الكلبي: وذلك أن الله - تعالى - إذا أوحى إليها اضطربت فرقاً من الله تعالى. قال المفسرون: ترتج كما يرتجّ الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها. وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الرَّجَّة: الحركة الشديدة يسمع لها صوت. قوله: ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً﴾ . أي: سيرت، من قولهم: بسَّ الغنم، أي: ساقها. وأبْسَسْتُ الإبل أبُسُّهَا بَسَّاً، وأبْسَسْتُ وبَسِسْتُ لغتان إذا زجرتها وقلت: بَسْ بَسْ. قاله أبو زيد. أو بمعنى «فُتّت» ، كقوله: ﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه: 105] ، ويدل عليه: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قال ابن عباس ومجاهد: كما يبسّ الدقيق، أي: يُلتّ. والبَسِيْسَةُ: السَّويقُ أو الدقيق يُلَتُّ بالسَّمن أو الزيت، ثم يؤكل ولا يطبخ، وقد يتخذ زاداً. قال الراجز: [الرجز] 4670 - لا تَخْبِزَا خُبْزاً وبُسَّا بَسَّا ... ولا تُطِيْلا بِمُنَاخٍ حَبْسَا وقال الحسن: «وبسّت» قلعتْ من أصلها فذهبت، ونظيرها: يَنْسِفُهَا ربِّي نسفاً وقال عطية: بُسِطَتْ كالرَّمل والتراب. وقال مجاهد: سالت سيلاً. وقال عكرمة: هدّت. وقرأ زيد بن علي: «رجَّت» ، و «بَسَّت» مبنيين للفاعل. على أن «رَجَّ» و «بَسَّ» يكونان لازمين ومتعديين، أي: ارتجت وذهبت. قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قرأ النَّخعي ومسروق وأبو حيوة: «منبتًّا» بنقطتين من فوق، أي: منقطعاً من البَتِّ. ومعنى الآية لا ينبو عنه. قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الهباء المُنْبَثّ: الرَّهجُ الذي يسطع من حوافر الخيل ثم يذهب، فجعل الله تعالى أعمالهم كذلك. وقال مجاهد: «الهَبَاء» : الشعاع الذي يكون في الكُوة كهيئة الغُبَار، وروي نحوه عن ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه ما تطاير من النَّار إذا اضطربت يطير منها شرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال عطية: «المنبث» : المتفرق، قال تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ [البقرة: 164] أي: فرق ونشر. قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ . أي: أصنافاً ثلاثة، كل صنف يشاكل كل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بين من هم، فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ ، ﴿وَأَصْحَابُ المشأمة﴾ ، ﴿والسابقون﴾ . قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ . «أصحاب» الأول مبتدأ، و «ما» استفهامية - فيه تعظيم - مبتدأ ثاني، و «أصحاب» الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرار المبتدأ الأول هنا بلفظه مغنٍ عن الضمير، ومثله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التَّعظيم. فإن قيل: إن «ما» نكرة وما بعدها معرفة، فكان ينبغي أن يقال: «ما» خبر مقدم، و «أصحاب» الثاني وشبهه مبتدأ؛ لأن المعرفة أحق بالابتداء من النكرة؟ وهذا السؤال واردٌ على سيبويه في مثل هذا. وفي قولك: «كَمْ مالك، ومرَرْتُ بِرَجُلٍ خَيْرٍ منهُ أبُوه» فإنه يعرب «ما» الاستفهامية، و «كم» و «أفعل» مبتدأ وما بعدها خبرها. والجواب: أنه كثر وقوع النكرة خبراً عن هذه الأشياء كثرة متزايدة، فاطَّرد الباب، ليجري على سنن واحدة، هكذا أجابوا. وهذا لا ينهض مانعاً من جواز أن يكون «ما» و «كَمْ» و «أفْعَل» خبراً مقدماً ولو قيل به لم يكن خطأ، بل أقرب إلى الصَّواب. و «الميمنة» «مَفْعَلَة» من لفظ اليمين، وكذلك «المشأمة» من اليد الشؤمى وهي الشمال لتشاؤم العرب بها، أو من الشُّؤم. فصل في تحرير معنى الآية قال السدي: «أصحاب الميمنةِ» هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، و «أصحاب المَشْأمة» هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النَّار. و «المَشْأمة» : الميسرة، وكذلك الشَّأمة، يقال: قعد فلان شأمة. ويقال: شائم بأصحابك أي: خذ بهم شأمة أي: ذات الشمال والعرب تقول لليد الشمال: الشؤمى، وللجانب الشمال: الأشأم. وكذلك يقال لما جاء عن اليمين: اليمن، ولما جاء عن الشمال: الشُّؤم. قال البغوي: «ومنه سمي» الشَّام واليمن «؛ لأن» اليمن «عن يمين الكعبة، و» الشام «عن شمالها» . قال ابن عباس والسدي: «أصْحَابُ المَيْمَنَةِ» هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذُّرية من صلبه، فقال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال زيد بن أسلم: هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر. وقال عطاء ومحمد بن كعب: «أصْحَابُ الميمنةِ من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله» . وقال ابن جريج: «أصحاب الميمنة» هم أصحاب الحسنات، وأصحاب المشأمة؛ هم أهل السيئات. وقال الحسن والربيع: «أصحاب الميمنة» الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة: المشائيم على أنفهسم بالأعمال السيئة. وفي صحيح مسلم من حديث «الإسراء» عن أبي ذرٍّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «فَلمَّا عَلوْنَا السَّماء الدُّنيا، فإذَا رجلٌ عن يَمينهِ أسْودةٌ، وعنْ يَسارِهِ أسودةٌ، قال فإذَا نظر قبل يَمينِه ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قبلَ شمالِهِ بكَى، قال: فقال: مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالحِ والابْنِ الصَّالح، قال: فقُلْتُ: يا جِبْريلُ منْ هذَا؟ . قال: هذا آدمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شمالهِ بَنُوه فأهْلُ اليَمِينِ أهْلُ الجنَّةِ، والأسودةُ الَّتي عن شمالهِ أهْلُ النَّارِ» وذكر الحديث. وقال المبردُ: «أصحاب الميمنة» أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخُّر والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي: اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين. ثم عجب نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وهذا كما يقال: «زَيْدٌ مَا زَيْدٌ» ، يريد «زيد شديد» فالتكرير في ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، و ﴿مَآ أَصْحَابُ المشأمة﴾ للتَّفخيم والتعجُّب، كقوله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، و ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] كما يقال: «زَيْدٌ ما زيدٌ» . وفي حديث أم زرع رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مالك، وما مالك؟» . والمقصود: تكثير ما لأصحاب الميمنة في الثواب، وأصحاب المشأمة من العقاب. والفاء في قوله: «فأصْحَاب» تدل على التقسيم، وبيان ما ورد عليه التقسيم، كأنه قال: أزواجاً ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، وبين حال كل قسم فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وترك التقسيم أولاً، واكتفى بما يدل عليه بأن تُذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها. فإن قيل: ما الحكمة في اختيار لفظ «المشأمة» في مقابلة «الميمنة» مع أنه قال في بيان أحوالهم ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ ؟ [الواقعة: 41] . فالجواب: أنَّ اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا منها ألفاظاً في مواضع فقالوا: «هذا ميمون» تيمناً به، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، ولفظ الشمال في مقابلته، واستعملوا منه ألفاظاً تشاؤماً به، فذكر «المشأمة» [ في] مقابلة [ «الميمنة» ] [وذكر الشمال في مقابلة اليمين] فاستعمل كل لفظ مع ما يقابله. قوله: ﴿والسابقون السابقون﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنها مبتدأ وخبر، وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أنه بمعنى: السابقون هم الذين اشتهرت حالتهم بذلك. كقولهم: «أنت أنت، والناس الناس» . وقوله: [الرجز] 4671 - أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي ... وهذا يقال في تعظيم الأمر وتفخيمه، وهو مذهب سيبويه. التأويل الثاني: أن متعلق السابقين مختلف؛ إذ التقدير: والسَّابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة، أو السابقون إلى طاعة الله السَّابقون إلى رحمته، أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنَّة. الوجه الثاني: أن يكون السَّابقون الثاني تأكيداً للأول تأكيداً لفظيًّا، و «أولئك المُقرَّبُون» جملة ابتدائية في موضع خبر الأول، والرابط: اسم الإشارة، كقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26] ، في قراءة برفع «لِبَاس» في أحد الأوجه. الثالث: أن يكون «السابقون» الثاني نعتاً للأول، والخبر الجملة المذكورة. وهذا ينبغي ألا يعرج عليه، كيف يوصف الشيء بلفظه، وأي فائدة في ذلك؟ . قال شهاب الدين: والأقرب عندي إن وردت هذه العبارة ممن يعتبر أن يكون سمى التَّأكيد صفة، وقد فعل سيبويه قريباً من هذا. الرابع: أن يكون الوقف [على قوله] «والسَّابقون» ، ويكون قوله ﴿السَّابقون، أولئك المقربون﴾ ابتداء وخبراً. وهذا يقتضي أن يعطف «والسَّابقون» على ما قبله، لكن لا يليق عطفه على ما قبله، وإنما يليق عطفه على أصحاب الميمنة، كأنه قيل: وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة والسابقون، أي: وما السابقون؟ تعظيماً لهم، فيكونون شركاء أصحاب الميمنة في التعظيم، ويكون قوله على هذا: ﴿وأصحاب المَشْأمة ما أصحاب المشأمة﴾ اعتراضاً بين المتعاطفين، وفي هذا الوجه تكلف كثير جداً. فصل في المراد بالسابقين قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «السَّابقُون الَّذينَ إذَا أعْطُوا الحقَّ قبلوهُ، وإذا سُئِلُوه بذلُوهُ، وحَكمُوا للنَّاسِ كحُكْمِهِمْ لأنفُسِهِمْ» . ذكره المهدوي. وقال محمد بن كعب القرظي: هم الأنبياء. وقال الحسن وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة. وقال محمد بن سيرين: هم الذين صلّوا إلى القبلتين، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: 100] . وقال مجاهد والضحاك: هم السَّابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحاً إلى صلاة الفرائض في الجماعة وقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هم السابقون إلى الصَّلوات الخمس. وقال سعيد بن جبير: إلى التوبة، وأعمال البر، قال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ [آل عمران: 133] ثم أثنى عليهم فقال: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61] . وقيل: إنهم أربعة: منهم سابق أمة موسى، وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى، وهو حبيب النَّجَّار صاحب «أنْطَاكية» ، وسابقان في أمّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهما أبو بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قاله ابن عباس. حكاه الماوردي. وقال شميط بن العجلان: النَّاس ثلاثة: فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا هو السَّابق المقرب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب، ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب الشمال. وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة. وقيل: هم أول الناس رواحاً إلى المسجد، وأولهم خروجاً في سبيل الله ﴿أولئك المقربون في جنات النعيم﴾ . قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً من الضمير في «المُقَرَّبُون» ، وأن يكون متعلقاً به، أي: قربوا إلى رحمة الله في جنات النعيم. ويبعد أن تكون «في» بمعنى «إلى» . وقرأ طلحة: «في جنَّةٍ» بالإفراد. وإضافة الجنة إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، كما يقال: «دار الضِّيافة، ودار الدَّعوة، ودار العدل» . وذكر النعيم هنا معرفاً، وفي آخر السورة منكراً؛ لأن السَّابقين معلومون، فعرفهم باللام المستغرقة لجنسهم، وأما هنا فإنهم غير معروفين لقوله: ﴿إِن كَانَ مِنَ المقربين﴾ [الواقعة: 88] فجعل موضعه غير معروف، أو يقال: إن المذكور هنا جميع السَّابقين، ومنزلتهم أعلى المنازل، فهي معروفة، لأنها لا حدّ فوقها. وأما باقي المقربين فلكل واحد مرتبة ودرجة، فمنازلهم متفاوتة، فهم في جنات متباينة في المنزلة، لا يجمعها صفة، فلم يعرفها. قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . «ثلّة» خبر مبتدأ مضمر، أي «هم» . ويجوز أن يكون مبتدأ خبره مضمر، أي منهم ثلّة. أي: من السابقين، يعني أن التقسيم وقع [بينهم] . وأن يكون مبتدأ خبره ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . أو قوله: ﴿على سُرُرٍ﴾ . فهذه أربعة أوجه. و «الثُلّة» : الجماعة من الناس، وقيدها الزمخشري بالكثيرة. وأنشد: [الطويل] 4672 - وجَاءَتْ إليْهِمْ ثُلَّةٌ خِندفيَّةٌ ... بِجَيْشٍ كتيَّارٍ من البَحْرِ مُزْبدِ ولم يقيدها غيره، بل صرح بأنها الجماعة قلّت أو كثرت. وقال الرَّاغب: الثلّة: قطعة مجتمعة من الصُّوف؛ ولذلك قيل للمقيم: «ثَلَّة» يعني بفتح الثَّاء. ومنه قوله: [الرجز] 4673 - أمْرَعَتِ الأرْضُ لَوْ انّ مالا ... لوْ أنَّ نُوقاً لَكَ أو جِمَالا أوْ ثلَّةً مِنْ غَنَمٍ إمَّا لا ... انتهى. ثم قال: «ولاعتبار الاجتماع، قيل: ﴿ثلّة من الأولين، وثلّة من الآخرين﴾ أي جماعة، وثللت كذا: تناولت ثلّة منه، وثلَّ عرشُه: أسقط ثلّة منه والثّلل: قصر الأسنان لسقوط ثلَّة منها، وأثل فمُه: سقطت، وتَثَلَّلَتِ الرُّكبَة: تَهَدَّمت» انتهى. فقد أطلق أنها الجماعة من غير قيد بقلّة ولا بكثرة. والكثرة التي فهمها الزمخشري قد تكون من السياق. وقال الزجاج: الثلّة: الفرقة. و «مِنَ الأوَّلِينَ» صفة ل «ثُلَّة» ، وكذلك «من الآخرين» صفة ل «قَلِيل» . فصل في المراد بقوله: ثلّة من الأوّلين قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . أي جماعة من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ أي: ممن آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال الحسن: «ثُلَّةٌ» ممن قد مضى قبل هذه الأمة، «وقليلٌ» من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اللهم اجعلنا منهم بكرمك. وسموا قليلاً بالإضافة إلى من كان قبلهم؛ لأن الأنبياء المتقدمين كثروا، فكثر السابقون إلى الإيمان بهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا. (قيل: لما نزلت هذه الآية شقَّ على أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) فنزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونُوا رُبْعَ أهْلِ الجنَّةِ، بَلْ نِصْف أهلِ الجنَّة، وتُقاسِمُونهُم في النِّصْفِ الثانِي» رواه أبو هريرة ذكره الماوردي وغيره، ومعناه ثابت في «صحيح مسلم» ، من حديث عبد الله بن مسعود، وكأنه أراد أنها منسوخة. قال ابن الخطيب: وهذا في غاية الضعف من وجوه: أحدها: أن عدد أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في ذلك الزمان، بل إلى آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى في غاية القلة، فالمراد بالأولين: الأنبياء وكبار أصحابهم، وهم إذا جمعوا أكثر من السَّابقين من هذه الأمة. الثاني: أن هذا خبر، والخبر لا ينسخ. الثالث: أن هذه الآية في السَّابقين، والتي بعدها في أصحاب اليمين. الرابع: أنه إذا جعل قليل منهم مع الأنبياء والرسل المتقدمين كانوا في درجة واحدة، وذلك يوجب الفرح؛ لأنه إنعام عظيم، ولعلّ الإشارة إليه بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «عُلَمَاءُ أمَّتِي كأنْبِيَاءِ بَنِي إسْرائِيْلَ» . قال القرطبي: «والأشبه أنها محكمة؛ لأنها خبر، والخبر لا ينسخ؛ لأن ذلك في جماعتين مختلفتين» . قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ ، وقال في أصحاب اليمين، وهم سوى السابقين: ﴿ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين﴾ . ولذلك [قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونَ أمَّتِي شطْرَ أهْلِ الجنَّةِ» ، ثم تلا: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ] . وقال أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كلا الثُّلتين من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها. وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ [فاطر: 32] . وقيل: المراد ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فإن أكثرهم لهم الدَّرجة العليا، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ﴾ [الحديد: 10] . ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ لحقوهم، ولهذا قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «خَيْرُكُمْ قرني ثم الذينَ يَلُونَهُم» ثم سوى في أصحاب اليمين بين الأولين والآخرين. قال ابن الخطيب: وعلى هذا فقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ يكون خطاباً مع الموجودين وقت التنزيل، ولا يكون فيه بيان الأولين الذين كانوا قبل نبينا - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا ظاهر؛ لأن الخطاب لا يتعلق إلاَّ بالموجودين من حيث اللفظ، ويدخل فيه غيره بالدليل. ووجه آخر: أن المراد بالأولين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبالآخرين، أي: ذرياتهم الملحقون بهم في قوله تعالى: ﴿واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] . وقال الزَّجَّاج: الذين عاينوا جميع النبيين من لدُن آدم وصدقوهم أكثر مما عاين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله تعالى: ﴿على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ . أي: السَّابقون في الجنة على سرر، أي: مجالسهم على سُرر، جمع سرير. وقرأ زيد بن علي، وأبو السمال: «سُرَر» بفتح الراء الأولى وقد تقدم أنها لغة لبعض بني «كلب» و «تميم» . و «المَوضُونَة» : قال ابن عباس: منسوجة بالذهب. وقال عكرمة: مشبكة بالدُّر والياقوت. وعن ابن عباس أيضاً: «مَوضُونةٌ» أي: مصفوفة، لقوله تعالى في موضع: ﴿على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: 20] . وعنه، وعن مجاهد أيضاً: مرمُولة بالذهب. وقيل: «مَوضُونة» : منسوجة بقضبان الذهب مُشَبَّكةٌ بالدّر والياقوت. و «الموضونة» : المنسوجة، وأصله من وضَنْتُ الشَّيء، أي ركبته بعضه على بعض. ومنه قيل للدِّرع: «موضونة» ؛ لتراكب حلقها. قال الأعشى: المتقارب] 4674 - ومِنْ نَسْجِ دَاوُدَ موضُونَةً ... تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيراً فَعِيرَا وعنه أيضاً: وضِينُ الناقة، وهو حِزامُهَا لتراكُب طاقاته؛ قال: [الرجز] 4675 - إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقاً وضينُهَا ... مُعْتَرِضاً فِي بَطْنِهَا جَنينُهَا مُخَالِفاً دينَ النَّصارَى دِينُهَا ... وقال الرَّاغب: «الوَضْن: نسْج الدِّرع، ويستعار لكلّ نسج محكم» . فجعله أصلاً في نسيج الدروع. وقال الآخر: [الوافر] 4676 - أقُولُ وقَدْ دَرَأتُ لَهَا وَضِيني ... أهَذَا دِينُهُ أبداً وَدِينِي؟ أي حزامي. و «الوضينُ» : هو الحَبْل العريض الذي يكون منه الحَزْم لقوّة سداه ولُحْمته، والسرير الموضون الذي سطحه بمنزلة المنسوج. قال القرطبي «ومنه الوضين بطانٌ من سُيُور ينسج، فيدخل بعضه في بعض» . قوله: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ . حالان من الضمير في «عَلى سُرُرٍ» . ويجوز أن تكون حالاً متداخلة، فيكون «متقابلين» حالاً من ضمير «مُتَّكئِينَ» . فصل في معنى الآية «مُتَّكِئينَ» على السّرر، «مُتَقَابلينَ» لا يرى بعضهم قفا بعض، بل تدور بهم الأسرَّة. والمعنى: أنهم كائنون على سُرر متكئين على غيرها كحال من يكون على كرسي، فيوضع تحته شيء آخر للاتِّكاء عليه. قال مجاهد وغيره: هذا في المؤمن وزوجته وأهله، أي: يتكئون متقابلين. قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت، فإذا جلس عليها ارتفعت. قوله: ﴿يَطُوفُ﴾ . يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون استئنافاً. ﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ أي: غلمان لا يموتون. قاله مجاهد. والمعنى: لا موت لهم ولا فناء، أو بمعنى لا يتغير حالهم، ويبقون صغاراً دائماً. وقال الحسن والكلبي: لا يهرمُون ولا يتغيرون. ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4677 - وهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ... قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بأوْجَالِ وقال سعيد بن جبير: «مخلّدون» مُقَرَّطُون. يقال للقُرْط: الخَلَدة، ولجماعة الحُلِيّ: الخِلدة. وقيل: مسوَّرون، ونحوه عن الفراء. قال الشاعر: [الكامل] 4678 - ومُخَلَّداتٍ باللُّجَيْنِ كأنَّمَا ... أعْجَازُهُنَّ أقَاوِزُ الكُثْبَانِ وقيل: مقرطون، يعني: مُمَنْطَقُون من المناطق. وقال عكرمة: «مخلّدون» منعمون. وقيل: على سنٍّ واحدة، أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون عليهم، كما شاء من غير ولادة؛ لأن الجنة لا ولادة فيها. وقال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - والحسن البصري: «الوِلْدَان» هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغاراً، ولا حسنة لهم ولا سيّئة. وقال سلمان الفارسي: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن: لم يكن لهم حسنات يجازون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع، والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة. قوله: «بِأكْوَابٍ» متعلق ب «يَطُوفُ» . و «الأكواب» : جمع كوب، وهي الآنيةُ التي لا عُرَى لها ولا خراطيم، وقد مضت في «الزخرف» و «الأباريق» : جمع إبريق، وهي التي لها عُرَى وخراطيم، واحدها: إبريق، وهو من آنِيَة الخَمْر، سُمِّيَ بذلك لبريق لونه من صفائه. قال الشاعر: [البسيط] 4679 - أفْنَى تِلادِي ومَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ ... قَرْعُ القَوارِيرِ أفْواهُ الأبَارِيقِ وقال عديُّ بن زيد: [الخفيف] 4680 - وتَدَاعَوْا إلى الصَّبُوح فَقَامَتْ ... قَيْنَةٌ فِي يَمينهَا إبْرِيقُ وقال آخر: [البسيط] 4681 - كَأنَّ إبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ على شَرَفٍ ... مُقَدَّمٌ بِسَبَا الكتَّانِ مَلْثُومُ ووزنه «إفْعِيل» لاشتقاقه من البريق. قوله: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ تقدم في «الصافات» . و «المعين» : الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد هنا الخمر الجارية من العيون. وقيل: الظاهرة، فيكون «مَعِين» مفعول من المعاينة. وقيل: هو «فَعِيل» من المَعْنِ، وهو الكثرة. قال ابن الخطيب: هو مأخوذ من مَعن الماء إذا جرى. وقيل: بمعنى «مَفْعُول» ، فيكون من «عانه» إذا شخصه بعينه وميزه. قال: والأول أظهر؛ لأن المعيون يوهم بأنه معيوب. يقال: ضربني بعينه أي: أصابني بعينه؛ ولأن الوصف [بالمفعول] لا فائدة فيه. وأما الجريان في المشروب فإن كان في الماء فهو صفة مدح، وإن كان في غيره، فهو أمر عجيب لا يوجد في الدنيا، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: 15] وبين أنها ليست كخمر الدُّنيا يستخرج بتكلف ومعالجة. فإن قيل: كيف جمع الأكواب والأباريق، وأفرد الكأس؟ . فالجواب: أن ذلك على عادة أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كبيرة، ويشربون بكأس واحدةٍ، وفيها مباهاتهم لأهل الدنيا من حيث إنهم يطوفون بالأكواب والأباريق، ولا ينتقل عليهم، بخلاف الدنيا، أو يقال: إنما أفردت الكأس لأنها إنما تُسَمَّى كأساً إذا كانت مملوءة، فالمراد اتخاذ المشروب الذي فيها، وأخر الكأس مناسبة لاتصاله بالشُّرب. قوله: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ﴾ . يجوز أن تكون مستأنفة، أخبر عنهم بذلك. وأن تكون حالاً من الضمير في «عليهم» . ومعنى ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: بسببها. قال الزمخشري: وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها. والصُّدَاع؛ هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر فيه. قال علقمةُ بن عبدة في وصف الخمر: [البسيط] 4682 - تَشْفِي الصُّدَاعَ ولا يُؤذيكَ حَالبُهَا ... ولا يُخالِطُهَا في الرَّأسِ تدويمُ قال أبو حيان: هذه صفة خمر أهل الجنة، كذا قال الشيخ أبو جعفر بن الزبير لما قرأت هذا الدِّيوان عليه. والمعنى لا يتصدع رءوسهم من شربها، أي: أنها لذة بلا أذى، بخلاف شراب الدنيا. وقيل: «لا يُصدَّعون» لا يتفرَّقُون كما يتفرق الشرب من الشراب للعوارض الدنيوية، ومن مجيء «تصدع» بمعنى: تفرق، قوله: فتصدع السحاب عن المدينة، أي: تفرق. ويرجحه قراءة مجاهد: «لا يَصَّدعون» بفتح الياء وتشديد الصاد. والأصل: «لا يتصدعون» أي: لا يتفرقون، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] . وحكى الزمخشري قراءة، وهي: «لا يُصدِّعُون» بضم الياء، وتخفيف الصَّاد، وكسر الدَّال مشددة. قال: «أي لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرقونهم» . قوله: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ . تقدم الخلاف بين السبعة في «يُنْزِفُون» ، وتفسيره في «والصّافات» . وقرأ ابن إسحاق: بفتح الياء وكسر الزاي من نزف البئر، إذا استقى ما فيها. والمعنى لا ينفدُ خمرهم. ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4683 - لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ ... لَبِئْسَ النَّدامَى كُنْتُم آل أبْجَرَا وقال أبو حيان: «وابن أبي إسحاق وعبد الله والجحدري والأعمش وطلحة وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا يقيء شرابهم» . قال شهاب الدين: وهذا عجيب منه فإنه قد تقدم في «الصَّافات» أنَّ الكوفيين يقرءون في «الواقعة» بكسر الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في قصيدته. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السُّكر، والصُّداع، والقَيء، والبَوْل، وقد نزّه الله - تعالى - خمر الجنة عن هذه الخصال. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ . العامة على جر «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» عطفاً على «أكْوابٍ» . أي: يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به، وهذا كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] . فإن قيل: الفاكهة لا يطوف بها الولدان، والعطف يقتضي ذلك؟ . فالجواب: أن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف بهما الولدان [هنا] فيناولونهم الفواكه الغريبة، واللحوم العجيبة لا للأكل، بل للإكرام، كما يصنع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده، أو يكون معطوفاً على المعنى في قوله: ﴿جَنَّاتِ النعيم﴾ أي: مقربون في جنَّات، وفاكهة، ولحم، وحور، أي: في هذه النِّعم يتقلَّبون [عليهم بهذه الأشياء: المأكول، والمشروب، والمتفكه] . وقرأ زيد بن علي، وأبو عبد الرحمن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، برفعهما على الابتداء، والخبر مقدر، أي: ولهم كذا. والمعنى يتخيّرون ما شاءوا من الفواكه لكثرتها. وقيل: المعنى: وفاكهة متخيرة مرضية، والتخير: الاختيار. وقوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ . قال ابن عبَّاس: يخطر على قلبه لحم الطَّير، فيصير ممتثلاً بين يديه على ما اشتهى، ثم يطير فيذهب. قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ . قرأ الأخوان: بجرّ «حُورٍ عينٍ» . والباقون: برفعهما. والنخعي: «وحيرٍ عينٍ» بقلب الواو ياء وجرهما. وأبيّ وعبد الله قال القرطبي والأشهب العقيلي وعيسى بن عمر الثقفي، وهو كذلك في مصحف أبيّ: «وحُوراً عيناً» بنصبهما. فأما الجر فمن أوجه: أحدها: أنه عطف على «جنَّات النَّعيم» كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحم وحور؛ قاله الزمخشري. قال أبو حيان: «وهذا فيه بعد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض، وهو فهم أعجمي» . قال شهاب الدين: «والذي ذهب إليه الزمخشري معنى حسن جدًّا، وهو على حذف مضاف أي: وفي مقارنة حور، وهو الذي عناه الزمخشري، وقد صرح غيره بتقدير هذا المضاف» . وقال الفرَّاء: الجر على الإتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى؛ لأن الحور لا يُطاف بهنّ. قال الشاعر: [الوافر] 4684 - إذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً ... وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا والعين لا تُزَجَّجُ، وإنَّما تُكَحَّل. وقال آخر: [مجزوء الكامل] 4685 - ورَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا الثاني: أنه معطوف على «بِأكْوَابٍ» ، وذلك بتجوّز في قوله: «يَطُوفُ» ؛ إذ معناه ينعمون فيها بأكواب، وبكذا، وبحور. قاله الزمخشري. الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضاً فإن فيه لذة لهم إذا طافوا عليهم بالمأكول؛ والمشروب، والمتفكه به، والمنكوح، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب. ولا التفات إلى قول أبي البقاء: عطفاً على «أكْوَاب» في اللَّفظ دون المعنى؛ لأن الحور لا يُطافُ بها. وأما الرَّفْع فمن أوجه: أحدها: عطفاً على «ولْدَان» . أي: أن الحور يطفن عليهم بذلك كالولائد في الدُّنيا. وقال أبو البقاء: «أي يَطُفْن عليهم للتَّنعيم لا للخِدْمَة» . قال شهاب الدين: «وهو للخدمة أبلغ؛ لأنهم إذا خدمهم مثل أولئك، فما الظَّن بالمَوطُوءَات» . الثاني: أن يعطف على الضمير المستكنّ في «متكئين» ، وسوغ ذلك الفصل بما بينهما. الثالث: أن يعطف على مبتدأ وخبر حذفا معاً، تقديره: «لهم هذا كله وحور عين» قاله أبو حيَّان. وفيه نظر؛ لأنه إنما يعطف على المبتدأ وحده، وذلك الخبر له، ولما عطف هو عليه. الرابع: أن يكون مبتدأ خبره مضمر، تقديره: ولهم، أو فيها، أو ثمَّ حور. وقال الزمخشري: «عطف على وفيها حور عين، كبيت الكتاب» . يريد: كتاب سيبويه، والمرادُ بالبيت قولهُ: [الكامل] 4686 - بَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى ... إلاَّ رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاء ومُشَجَّجٌ أمَّا سواءُ قَذالِهِ ... فَبَدا وغيَّر سارهُ المَعْزاءُ عطف «مشجج» وهو مرفوع على «رواكد» ، وهو منصوب. الخامس: أن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حور. قاله أبو البقاء. قال الكسائي: ومن قال: «وحُورٌ عينٌ» بالرَّفع، وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» ؛ لأن ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلاَّ بالخمر وحدها. وأما النصب ففيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: يعطون، أو يؤتون حوراً. والثاني: أن يكون محمولاً على معنى «يطُوفُ عَليْهِمْ» ؛ لأن معناه: يعطون كذا وكذا، فعطف هذا عليه. وقال مكي: «ويجوز النَّصب على أن يحمل أيضاً على المعنى؛ لأن معنى» يطوف عليهم ولدان «بكذا وكذا، أي: يعطون كذا وكذا، ثم عطف» حوراً «على معناه» ، فكأنه لم يطلع [على أنها] قراءة. وأمَّا قراءة: «وحِيرٍ» فلمُجاورتها «عِين» ، ولأن الياء أخف من الواو، ونظيره في التَّعبير للمجاورة قولهم: «أخذه ما قدُم وما حدُث» - بضم دال - «حدُث» لأجل «قَدُم» ، وإذا أفرد منه فتحت داله فقط. وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ورَبَّ السَّمواتِ وما أظْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين ومنْ أضْلَلْن» . [وقوله: «أيَّتُكُنَّ صاحبةُ الجملِ الأدْبَبِ، يَنْبَحُها كلاب الحوْأب» ، فكَّ الأدبب لأجل الحَوأبِ] . وقرأ قتادة: «وحورُ عِينٍ» بالرفع والإضافة ل «عين» . وابن مقسم: بالنَّصب والإضافة. وقد تقدم توجيه الرفع والنَّصْب. وأما بالإضافة: فمن إضافة الموصوف لصفته مؤولاً. وقرأ عكرمة: [ «وحَوْرَاء عَيْنَاء» بإفرادهما على إرادة الجنس] . وهذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون نصباً كقراءة عبد الله وأبيٍّ. وأن يكون جرًّا كقراءة الأخوين؛ لأن هذين الاسمين لا يتصرَّفان، فهما محتملان للوجهين. وتقدم الكلام في اشتقاق العين. «كأمْثَال» : صفة، أو حال. و «جزاءً» : مفعول من أجله، أو مصدر، أي: يحزون جزاء. فصل في تفسير الآية قال المفسرون: «حورٌ» بيض، «عينٌ» ضخام الأعين، ﴿كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ أي المخزون في الصدف لم تمسّه الأيدي، ولم يقع عليه الغبار، فهو أشدّ ما يكون صفاء. وقوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . قالت المعتزلة: هذا يدلُّ على أن يقال: الثواب واجب على الله - تعالى - لأن الجزاء لا يجوز الإخلال به. وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروا لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة؛ لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أن القبيح من الله تعالى لا يوجد، علم أن الله تعالى يعطي هذه الأشياء، لأنها أجزية، وإيصال الثَّواب واجب، وأيضاً فكان لا يصح التمدّح به. قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ . قال ابن عبَّاس: باطلاً وكذباً. و «اللَّغْو» : ما يلغى من الكلام. و «التأثيم» : مصدر أثمته، أي: قلت له: أثمت. قال محمد بن كعب: «ولا تأثيماً» ، أي: لا يؤثم بعضهم بعضاً. وقال مجاهد: ﴿لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً﴾ : شتماً ولا مأثماً. قوله: «إلاَّ قيلاً» ، فيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهذا واضح؛ لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم. والثاني: أنه متصل. وفيه بعد، وكأن هذا رأى أن الأصل: لا يسمعون فيها كلاماً، فاندرج عنده فيه. وقال مكّي: وقيل: منصوب ب «يَسْمَعُون» . وكأنه أراد هذا القول. قوله: ﴿سَلاَماً سَلاَماً﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من «قيلاً» أي: لا يسمعون فيها إلا سلاماً سلاماً. الثاني: أنه نعت ل «قيلاً» . الثالث: أنه منصوب بنفس «قيلاً» ، أي: إلاَّ أن يقولوا: سلاماً سلاماً، وهو قول الزَّجَّاج. الرابع: أن يكون منصوباً بفعل مقدّر، ذلك الفعل محكيّ ب «قيلاً» تقديره: إلا قيلاً سلموا سلاماً. وقرىء: «سلامٌ» بالرفع. قال الزمخشري: «على الحِكايَةِ» . قال مكي: «ويجوز أن يكون في الكلام الرفع على معنى» سلام عليكم «ابتداء وخبر» وكأنه لم يعرفها قراءة. فصل في معنى الآية معنى «قيلاً سلاماً» أي: قولاً سلاماً. وقال عطاء: يُحَيِّي بعضهم بعضاً بالسَّلام. قال القرطبي: «والسَّلام الثاني بدل من الأول، والمعنى: إلا قيلاً يسلم فيه من اللغو، وقيل: تحييهم الملائكة، أو يحييهم ربهم عزَّ وجلَّ» . وكرَّر السَّلام إشارة إلى كثرة السلام عليهم، ولهذا لم يكرر قوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] . و «القيل» مصدر كالقول. قال ابن الخطيب: فيكون «قيلاً» مصدراً، لكن لا نظير له في «باب» فعل يفعل من الأجوف. وقيل: إنه اسم، والقول مصدر.

الواقعة 56:25

قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرض﴾ . يجوز أن يكون بدلاً من «إذا» الأولى، أو تأكيداً لها، أو خبراً لها على أنها مبتدأ. كما تقدم تحريره. وأن يكون شرطاً، والعامل فيه إما مقدر، وإما فعلها الذي يليها، كما تقدّم في نظيرتها. وقال الزمخشري: «ويجوز أن ينتصب ب» خافضة رافعة «أي تخفض وترفع وقت رجِّ الأرض وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك يخفض ما هو مرتفع، ويرفع ما هو منخفض» . قال أبو حيَّان: «ولا يجوز أن ينتصب بهما معاً، بل بأحدهما، لأنه لا يجوز أن يجتمع مؤثران على أثر واحد» . قال شهاب الدِّين: معنى كلامه أن كلاًّ منهما متسلّط عليه من جهة المعنى، وتكون المسألة من باب التنازع، وحينئذ تكون العبارةُ صحيحة، إذ يصدق أن كلاًّ منهما عامل فيه، وإن كان على التَّعاقُب. والرَّج: التحريك الشديد بمعنى زلزلت. قال مجاهد وغيره: يقال: رجَّه يرُجُّه رجًّا، أي: حرّكه وزلزله. وناقة رجاء: أي عظيمة السّنام. والرَّجْرجَة: الاضطراب. وارتجّ البحر وغيره: اضطرب. وفي الحديث: «مَنْ ركِبَ البَحْرَ حينَ يَرتجُّ فلا ذمَّة لهُ» . يعني: إذا اضطربت أمواجه. قال الكلبي: وذلك أن الله - تعالى - إذا أوحى إليها اضطربت فرقاً من الله تعالى. قال المفسرون: ترتج كما يرتجّ الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها. وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الرَّجَّة: الحركة الشديدة يسمع لها صوت. قوله: ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً﴾ . أي: سيرت، من قولهم: بسَّ الغنم، أي: ساقها. وأبْسَسْتُ الإبل أبُسُّهَا بَسَّاً، وأبْسَسْتُ وبَسِسْتُ لغتان إذا زجرتها وقلت: بَسْ بَسْ. قاله أبو زيد. أو بمعنى «فُتّت» ، كقوله: ﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه: 105] ، ويدل عليه: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قال ابن عباس ومجاهد: كما يبسّ الدقيق، أي: يُلتّ. والبَسِيْسَةُ: السَّويقُ أو الدقيق يُلَتُّ بالسَّمن أو الزيت، ثم يؤكل ولا يطبخ، وقد يتخذ زاداً. قال الراجز: [الرجز] 4670 - لا تَخْبِزَا خُبْزاً وبُسَّا بَسَّا ... ولا تُطِيْلا بِمُنَاخٍ حَبْسَا وقال الحسن: «وبسّت» قلعتْ من أصلها فذهبت، ونظيرها: يَنْسِفُهَا ربِّي نسفاً وقال عطية: بُسِطَتْ كالرَّمل والتراب. وقال مجاهد: سالت سيلاً. وقال عكرمة: هدّت. وقرأ زيد بن علي: «رجَّت» ، و «بَسَّت» مبنيين للفاعل. على أن «رَجَّ» و «بَسَّ» يكونان لازمين ومتعديين، أي: ارتجت وذهبت. قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قرأ النَّخعي ومسروق وأبو حيوة: «منبتًّا» بنقطتين من فوق، أي: منقطعاً من البَتِّ. ومعنى الآية لا ينبو عنه. قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الهباء المُنْبَثّ: الرَّهجُ الذي يسطع من حوافر الخيل ثم يذهب، فجعل الله تعالى أعمالهم كذلك. وقال مجاهد: «الهَبَاء» : الشعاع الذي يكون في الكُوة كهيئة الغُبَار، وروي نحوه عن ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه ما تطاير من النَّار إذا اضطربت يطير منها شرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال عطية: «المنبث» : المتفرق، قال تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ [البقرة: 164] أي: فرق ونشر. قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ . أي: أصنافاً ثلاثة، كل صنف يشاكل كل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بين من هم، فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ ، ﴿وَأَصْحَابُ المشأمة﴾ ، ﴿والسابقون﴾ . قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ . «أصحاب» الأول مبتدأ، و «ما» استفهامية - فيه تعظيم - مبتدأ ثاني، و «أصحاب» الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرار المبتدأ الأول هنا بلفظه مغنٍ عن الضمير، ومثله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التَّعظيم. فإن قيل: إن «ما» نكرة وما بعدها معرفة، فكان ينبغي أن يقال: «ما» خبر مقدم، و «أصحاب» الثاني وشبهه مبتدأ؛ لأن المعرفة أحق بالابتداء من النكرة؟ وهذا السؤال واردٌ على سيبويه في مثل هذا. وفي قولك: «كَمْ مالك، ومرَرْتُ بِرَجُلٍ خَيْرٍ منهُ أبُوه» فإنه يعرب «ما» الاستفهامية، و «كم» و «أفعل» مبتدأ وما بعدها خبرها. والجواب: أنه كثر وقوع النكرة خبراً عن هذه الأشياء كثرة متزايدة، فاطَّرد الباب، ليجري على سنن واحدة، هكذا أجابوا. وهذا لا ينهض مانعاً من جواز أن يكون «ما» و «كَمْ» و «أفْعَل» خبراً مقدماً ولو قيل به لم يكن خطأ، بل أقرب إلى الصَّواب. و «الميمنة» «مَفْعَلَة» من لفظ اليمين، وكذلك «المشأمة» من اليد الشؤمى وهي الشمال لتشاؤم العرب بها، أو من الشُّؤم. فصل في تحرير معنى الآية قال السدي: «أصحاب الميمنةِ» هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، و «أصحاب المَشْأمة» هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النَّار. و «المَشْأمة» : الميسرة، وكذلك الشَّأمة، يقال: قعد فلان شأمة. ويقال: شائم بأصحابك أي: خذ بهم شأمة أي: ذات الشمال والعرب تقول لليد الشمال: الشؤمى، وللجانب الشمال: الأشأم. وكذلك يقال لما جاء عن اليمين: اليمن، ولما جاء عن الشمال: الشُّؤم. قال البغوي: «ومنه سمي» الشَّام واليمن «؛ لأن» اليمن «عن يمين الكعبة، و» الشام «عن شمالها» . قال ابن عباس والسدي: «أصْحَابُ المَيْمَنَةِ» هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذُّرية من صلبه، فقال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال زيد بن أسلم: هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر. وقال عطاء ومحمد بن كعب: «أصْحَابُ الميمنةِ من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله» . وقال ابن جريج: «أصحاب الميمنة» هم أصحاب الحسنات، وأصحاب المشأمة؛ هم أهل السيئات. وقال الحسن والربيع: «أصحاب الميمنة» الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة: المشائيم على أنفهسم بالأعمال السيئة. وفي صحيح مسلم من حديث «الإسراء» عن أبي ذرٍّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «فَلمَّا عَلوْنَا السَّماء الدُّنيا، فإذَا رجلٌ عن يَمينهِ أسْودةٌ، وعنْ يَسارِهِ أسودةٌ، قال فإذَا نظر قبل يَمينِه ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قبلَ شمالِهِ بكَى، قال: فقال: مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالحِ والابْنِ الصَّالح، قال: فقُلْتُ: يا جِبْريلُ منْ هذَا؟ . قال: هذا آدمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شمالهِ بَنُوه فأهْلُ اليَمِينِ أهْلُ الجنَّةِ، والأسودةُ الَّتي عن شمالهِ أهْلُ النَّارِ» وذكر الحديث. وقال المبردُ: «أصحاب الميمنة» أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخُّر والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي: اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين. ثم عجب نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وهذا كما يقال: «زَيْدٌ مَا زَيْدٌ» ، يريد «زيد شديد» فالتكرير في ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، و ﴿مَآ أَصْحَابُ المشأمة﴾ للتَّفخيم والتعجُّب، كقوله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، و ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] كما يقال: «زَيْدٌ ما زيدٌ» . وفي حديث أم زرع رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مالك، وما مالك؟» . والمقصود: تكثير ما لأصحاب الميمنة في الثواب، وأصحاب المشأمة من العقاب. والفاء في قوله: «فأصْحَاب» تدل على التقسيم، وبيان ما ورد عليه التقسيم، كأنه قال: أزواجاً ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، وبين حال كل قسم فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وترك التقسيم أولاً، واكتفى بما يدل عليه بأن تُذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها. فإن قيل: ما الحكمة في اختيار لفظ «المشأمة» في مقابلة «الميمنة» مع أنه قال في بيان أحوالهم ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ ؟ [الواقعة: 41] . فالجواب: أنَّ اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا منها ألفاظاً في مواضع فقالوا: «هذا ميمون» تيمناً به، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، ولفظ الشمال في مقابلته، واستعملوا منه ألفاظاً تشاؤماً به، فذكر «المشأمة» [ في] مقابلة [ «الميمنة» ] [وذكر الشمال في مقابلة اليمين] فاستعمل كل لفظ مع ما يقابله. قوله: ﴿والسابقون السابقون﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنها مبتدأ وخبر، وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أنه بمعنى: السابقون هم الذين اشتهرت حالتهم بذلك. كقولهم: «أنت أنت، والناس الناس» . وقوله: [الرجز] 4671 - أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي ... وهذا يقال في تعظيم الأمر وتفخيمه، وهو مذهب سيبويه. التأويل الثاني: أن متعلق السابقين مختلف؛ إذ التقدير: والسَّابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة، أو السابقون إلى طاعة الله السَّابقون إلى رحمته، أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنَّة. الوجه الثاني: أن يكون السَّابقون الثاني تأكيداً للأول تأكيداً لفظيًّا، و «أولئك المُقرَّبُون» جملة ابتدائية في موضع خبر الأول، والرابط: اسم الإشارة، كقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26] ، في قراءة برفع «لِبَاس» في أحد الأوجه. الثالث: أن يكون «السابقون» الثاني نعتاً للأول، والخبر الجملة المذكورة. وهذا ينبغي ألا يعرج عليه، كيف يوصف الشيء بلفظه، وأي فائدة في ذلك؟ . قال شهاب الدين: والأقرب عندي إن وردت هذه العبارة ممن يعتبر أن يكون سمى التَّأكيد صفة، وقد فعل سيبويه قريباً من هذا. الرابع: أن يكون الوقف [على قوله] «والسَّابقون» ، ويكون قوله ﴿السَّابقون، أولئك المقربون﴾ ابتداء وخبراً. وهذا يقتضي أن يعطف «والسَّابقون» على ما قبله، لكن لا يليق عطفه على ما قبله، وإنما يليق عطفه على أصحاب الميمنة، كأنه قيل: وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة والسابقون، أي: وما السابقون؟ تعظيماً لهم، فيكونون شركاء أصحاب الميمنة في التعظيم، ويكون قوله على هذا: ﴿وأصحاب المَشْأمة ما أصحاب المشأمة﴾ اعتراضاً بين المتعاطفين، وفي هذا الوجه تكلف كثير جداً. فصل في المراد بالسابقين قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «السَّابقُون الَّذينَ إذَا أعْطُوا الحقَّ قبلوهُ، وإذا سُئِلُوه بذلُوهُ، وحَكمُوا للنَّاسِ كحُكْمِهِمْ لأنفُسِهِمْ» . ذكره المهدوي. وقال محمد بن كعب القرظي: هم الأنبياء. وقال الحسن وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة. وقال محمد بن سيرين: هم الذين صلّوا إلى القبلتين، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: 100] . وقال مجاهد والضحاك: هم السَّابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحاً إلى صلاة الفرائض في الجماعة وقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هم السابقون إلى الصَّلوات الخمس. وقال سعيد بن جبير: إلى التوبة، وأعمال البر، قال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ [آل عمران: 133] ثم أثنى عليهم فقال: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61] . وقيل: إنهم أربعة: منهم سابق أمة موسى، وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى، وهو حبيب النَّجَّار صاحب «أنْطَاكية» ، وسابقان في أمّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهما أبو بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قاله ابن عباس. حكاه الماوردي. وقال شميط بن العجلان: النَّاس ثلاثة: فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا هو السَّابق المقرب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب، ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب الشمال. وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة. وقيل: هم أول الناس رواحاً إلى المسجد، وأولهم خروجاً في سبيل الله ﴿أولئك المقربون في جنات النعيم﴾ . قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً من الضمير في «المُقَرَّبُون» ، وأن يكون متعلقاً به، أي: قربوا إلى رحمة الله في جنات النعيم. ويبعد أن تكون «في» بمعنى «إلى» . وقرأ طلحة: «في جنَّةٍ» بالإفراد. وإضافة الجنة إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، كما يقال: «دار الضِّيافة، ودار الدَّعوة، ودار العدل» . وذكر النعيم هنا معرفاً، وفي آخر السورة منكراً؛ لأن السَّابقين معلومون، فعرفهم باللام المستغرقة لجنسهم، وأما هنا فإنهم غير معروفين لقوله: ﴿إِن كَانَ مِنَ المقربين﴾ [الواقعة: 88] فجعل موضعه غير معروف، أو يقال: إن المذكور هنا جميع السَّابقين، ومنزلتهم أعلى المنازل، فهي معروفة، لأنها لا حدّ فوقها. وأما باقي المقربين فلكل واحد مرتبة ودرجة، فمنازلهم متفاوتة، فهم في جنات متباينة في المنزلة، لا يجمعها صفة، فلم يعرفها. قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . «ثلّة» خبر مبتدأ مضمر، أي «هم» . ويجوز أن يكون مبتدأ خبره مضمر، أي منهم ثلّة. أي: من السابقين، يعني أن التقسيم وقع [بينهم] . وأن يكون مبتدأ خبره ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . أو قوله: ﴿على سُرُرٍ﴾ . فهذه أربعة أوجه. و «الثُلّة» : الجماعة من الناس، وقيدها الزمخشري بالكثيرة. وأنشد: [الطويل] 4672 - وجَاءَتْ إليْهِمْ ثُلَّةٌ خِندفيَّةٌ ... بِجَيْشٍ كتيَّارٍ من البَحْرِ مُزْبدِ ولم يقيدها غيره، بل صرح بأنها الجماعة قلّت أو كثرت. وقال الرَّاغب: الثلّة: قطعة مجتمعة من الصُّوف؛ ولذلك قيل للمقيم: «ثَلَّة» يعني بفتح الثَّاء. ومنه قوله: [الرجز] 4673 - أمْرَعَتِ الأرْضُ لَوْ انّ مالا ... لوْ أنَّ نُوقاً لَكَ أو جِمَالا أوْ ثلَّةً مِنْ غَنَمٍ إمَّا لا ... انتهى. ثم قال: «ولاعتبار الاجتماع، قيل: ﴿ثلّة من الأولين، وثلّة من الآخرين﴾ أي جماعة، وثللت كذا: تناولت ثلّة منه، وثلَّ عرشُه: أسقط ثلّة منه والثّلل: قصر الأسنان لسقوط ثلَّة منها، وأثل فمُه: سقطت، وتَثَلَّلَتِ الرُّكبَة: تَهَدَّمت» انتهى. فقد أطلق أنها الجماعة من غير قيد بقلّة ولا بكثرة. والكثرة التي فهمها الزمخشري قد تكون من السياق. وقال الزجاج: الثلّة: الفرقة. و «مِنَ الأوَّلِينَ» صفة ل «ثُلَّة» ، وكذلك «من الآخرين» صفة ل «قَلِيل» . فصل في المراد بقوله: ثلّة من الأوّلين قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . أي جماعة من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ أي: ممن آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال الحسن: «ثُلَّةٌ» ممن قد مضى قبل هذه الأمة، «وقليلٌ» من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اللهم اجعلنا منهم بكرمك. وسموا قليلاً بالإضافة إلى من كان قبلهم؛ لأن الأنبياء المتقدمين كثروا، فكثر السابقون إلى الإيمان بهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا. (قيل: لما نزلت هذه الآية شقَّ على أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) فنزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونُوا رُبْعَ أهْلِ الجنَّةِ، بَلْ نِصْف أهلِ الجنَّة، وتُقاسِمُونهُم في النِّصْفِ الثانِي» رواه أبو هريرة ذكره الماوردي وغيره، ومعناه ثابت في «صحيح مسلم» ، من حديث عبد الله بن مسعود، وكأنه أراد أنها منسوخة. قال ابن الخطيب: وهذا في غاية الضعف من وجوه: أحدها: أن عدد أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في ذلك الزمان، بل إلى آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى في غاية القلة، فالمراد بالأولين: الأنبياء وكبار أصحابهم، وهم إذا جمعوا أكثر من السَّابقين من هذه الأمة. الثاني: أن هذا خبر، والخبر لا ينسخ. الثالث: أن هذه الآية في السَّابقين، والتي بعدها في أصحاب اليمين. الرابع: أنه إذا جعل قليل منهم مع الأنبياء والرسل المتقدمين كانوا في درجة واحدة، وذلك يوجب الفرح؛ لأنه إنعام عظيم، ولعلّ الإشارة إليه بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «عُلَمَاءُ أمَّتِي كأنْبِيَاءِ بَنِي إسْرائِيْلَ» . قال القرطبي: «والأشبه أنها محكمة؛ لأنها خبر، والخبر لا ينسخ؛ لأن ذلك في جماعتين مختلفتين» . قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ ، وقال في أصحاب اليمين، وهم سوى السابقين: ﴿ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين﴾ . ولذلك [قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونَ أمَّتِي شطْرَ أهْلِ الجنَّةِ» ، ثم تلا: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ] . وقال أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كلا الثُّلتين من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها. وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ [فاطر: 32] . وقيل: المراد ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فإن أكثرهم لهم الدَّرجة العليا، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ﴾ [الحديد: 10] . ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ لحقوهم، ولهذا قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «خَيْرُكُمْ قرني ثم الذينَ يَلُونَهُم» ثم سوى في أصحاب اليمين بين الأولين والآخرين. قال ابن الخطيب: وعلى هذا فقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ يكون خطاباً مع الموجودين وقت التنزيل، ولا يكون فيه بيان الأولين الذين كانوا قبل نبينا - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا ظاهر؛ لأن الخطاب لا يتعلق إلاَّ بالموجودين من حيث اللفظ، ويدخل فيه غيره بالدليل. ووجه آخر: أن المراد بالأولين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبالآخرين، أي: ذرياتهم الملحقون بهم في قوله تعالى: ﴿واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] . وقال الزَّجَّاج: الذين عاينوا جميع النبيين من لدُن آدم وصدقوهم أكثر مما عاين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله تعالى: ﴿على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ . أي: السَّابقون في الجنة على سرر، أي: مجالسهم على سُرر، جمع سرير. وقرأ زيد بن علي، وأبو السمال: «سُرَر» بفتح الراء الأولى وقد تقدم أنها لغة لبعض بني «كلب» و «تميم» . و «المَوضُونَة» : قال ابن عباس: منسوجة بالذهب. وقال عكرمة: مشبكة بالدُّر والياقوت. وعن ابن عباس أيضاً: «مَوضُونةٌ» أي: مصفوفة، لقوله تعالى في موضع: ﴿على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: 20] . وعنه، وعن مجاهد أيضاً: مرمُولة بالذهب. وقيل: «مَوضُونة» : منسوجة بقضبان الذهب مُشَبَّكةٌ بالدّر والياقوت. و «الموضونة» : المنسوجة، وأصله من وضَنْتُ الشَّيء، أي ركبته بعضه على بعض. ومنه قيل للدِّرع: «موضونة» ؛ لتراكب حلقها. قال الأعشى: المتقارب] 4674 - ومِنْ نَسْجِ دَاوُدَ موضُونَةً ... تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيراً فَعِيرَا وعنه أيضاً: وضِينُ الناقة، وهو حِزامُهَا لتراكُب طاقاته؛ قال: [الرجز] 4675 - إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقاً وضينُهَا ... مُعْتَرِضاً فِي بَطْنِهَا جَنينُهَا مُخَالِفاً دينَ النَّصارَى دِينُهَا ... وقال الرَّاغب: «الوَضْن: نسْج الدِّرع، ويستعار لكلّ نسج محكم» . فجعله أصلاً في نسيج الدروع. وقال الآخر: [الوافر] 4676 - أقُولُ وقَدْ دَرَأتُ لَهَا وَضِيني ... أهَذَا دِينُهُ أبداً وَدِينِي؟ أي حزامي. و «الوضينُ» : هو الحَبْل العريض الذي يكون منه الحَزْم لقوّة سداه ولُحْمته، والسرير الموضون الذي سطحه بمنزلة المنسوج. قال القرطبي «ومنه الوضين بطانٌ من سُيُور ينسج، فيدخل بعضه في بعض» . قوله: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ . حالان من الضمير في «عَلى سُرُرٍ» . ويجوز أن تكون حالاً متداخلة، فيكون «متقابلين» حالاً من ضمير «مُتَّكئِينَ» . فصل في معنى الآية «مُتَّكِئينَ» على السّرر، «مُتَقَابلينَ» لا يرى بعضهم قفا بعض، بل تدور بهم الأسرَّة. والمعنى: أنهم كائنون على سُرر متكئين على غيرها كحال من يكون على كرسي، فيوضع تحته شيء آخر للاتِّكاء عليه. قال مجاهد وغيره: هذا في المؤمن وزوجته وأهله، أي: يتكئون متقابلين. قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت، فإذا جلس عليها ارتفعت. قوله: ﴿يَطُوفُ﴾ . يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون استئنافاً. ﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ أي: غلمان لا يموتون. قاله مجاهد. والمعنى: لا موت لهم ولا فناء، أو بمعنى لا يتغير حالهم، ويبقون صغاراً دائماً. وقال الحسن والكلبي: لا يهرمُون ولا يتغيرون. ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4677 - وهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ... قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بأوْجَالِ وقال سعيد بن جبير: «مخلّدون» مُقَرَّطُون. يقال للقُرْط: الخَلَدة، ولجماعة الحُلِيّ: الخِلدة. وقيل: مسوَّرون، ونحوه عن الفراء. قال الشاعر: [الكامل] 4678 - ومُخَلَّداتٍ باللُّجَيْنِ كأنَّمَا ... أعْجَازُهُنَّ أقَاوِزُ الكُثْبَانِ وقيل: مقرطون، يعني: مُمَنْطَقُون من المناطق. وقال عكرمة: «مخلّدون» منعمون. وقيل: على سنٍّ واحدة، أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون عليهم، كما شاء من غير ولادة؛ لأن الجنة لا ولادة فيها. وقال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - والحسن البصري: «الوِلْدَان» هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغاراً، ولا حسنة لهم ولا سيّئة. وقال سلمان الفارسي: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن: لم يكن لهم حسنات يجازون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع، والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة. قوله: «بِأكْوَابٍ» متعلق ب «يَطُوفُ» . و «الأكواب» : جمع كوب، وهي الآنيةُ التي لا عُرَى لها ولا خراطيم، وقد مضت في «الزخرف» و «الأباريق» : جمع إبريق، وهي التي لها عُرَى وخراطيم، واحدها: إبريق، وهو من آنِيَة الخَمْر، سُمِّيَ بذلك لبريق لونه من صفائه. قال الشاعر: [البسيط] 4679 - أفْنَى تِلادِي ومَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ ... قَرْعُ القَوارِيرِ أفْواهُ الأبَارِيقِ وقال عديُّ بن زيد: [الخفيف] 4680 - وتَدَاعَوْا إلى الصَّبُوح فَقَامَتْ ... قَيْنَةٌ فِي يَمينهَا إبْرِيقُ وقال آخر: [البسيط] 4681 - كَأنَّ إبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ على شَرَفٍ ... مُقَدَّمٌ بِسَبَا الكتَّانِ مَلْثُومُ ووزنه «إفْعِيل» لاشتقاقه من البريق. قوله: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ تقدم في «الصافات» . و «المعين» : الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد هنا الخمر الجارية من العيون. وقيل: الظاهرة، فيكون «مَعِين» مفعول من المعاينة. وقيل: هو «فَعِيل» من المَعْنِ، وهو الكثرة. قال ابن الخطيب: هو مأخوذ من مَعن الماء إذا جرى. وقيل: بمعنى «مَفْعُول» ، فيكون من «عانه» إذا شخصه بعينه وميزه. قال: والأول أظهر؛ لأن المعيون يوهم بأنه معيوب. يقال: ضربني بعينه أي: أصابني بعينه؛ ولأن الوصف [بالمفعول] لا فائدة فيه. وأما الجريان في المشروب فإن كان في الماء فهو صفة مدح، وإن كان في غيره، فهو أمر عجيب لا يوجد في الدنيا، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: 15] وبين أنها ليست كخمر الدُّنيا يستخرج بتكلف ومعالجة. فإن قيل: كيف جمع الأكواب والأباريق، وأفرد الكأس؟ . فالجواب: أن ذلك على عادة أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كبيرة، ويشربون بكأس واحدةٍ، وفيها مباهاتهم لأهل الدنيا من حيث إنهم يطوفون بالأكواب والأباريق، ولا ينتقل عليهم، بخلاف الدنيا، أو يقال: إنما أفردت الكأس لأنها إنما تُسَمَّى كأساً إذا كانت مملوءة، فالمراد اتخاذ المشروب الذي فيها، وأخر الكأس مناسبة لاتصاله بالشُّرب. قوله: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ﴾ . يجوز أن تكون مستأنفة، أخبر عنهم بذلك. وأن تكون حالاً من الضمير في «عليهم» . ومعنى ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: بسببها. قال الزمخشري: وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها. والصُّدَاع؛ هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر فيه. قال علقمةُ بن عبدة في وصف الخمر: [البسيط] 4682 - تَشْفِي الصُّدَاعَ ولا يُؤذيكَ حَالبُهَا ... ولا يُخالِطُهَا في الرَّأسِ تدويمُ قال أبو حيان: هذه صفة خمر أهل الجنة، كذا قال الشيخ أبو جعفر بن الزبير لما قرأت هذا الدِّيوان عليه. والمعنى لا يتصدع رءوسهم من شربها، أي: أنها لذة بلا أذى، بخلاف شراب الدنيا. وقيل: «لا يُصدَّعون» لا يتفرَّقُون كما يتفرق الشرب من الشراب للعوارض الدنيوية، ومن مجيء «تصدع» بمعنى: تفرق، قوله: فتصدع السحاب عن المدينة، أي: تفرق. ويرجحه قراءة مجاهد: «لا يَصَّدعون» بفتح الياء وتشديد الصاد. والأصل: «لا يتصدعون» أي: لا يتفرقون، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] . وحكى الزمخشري قراءة، وهي: «لا يُصدِّعُون» بضم الياء، وتخفيف الصَّاد، وكسر الدَّال مشددة. قال: «أي لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرقونهم» . قوله: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ . تقدم الخلاف بين السبعة في «يُنْزِفُون» ، وتفسيره في «والصّافات» . وقرأ ابن إسحاق: بفتح الياء وكسر الزاي من نزف البئر، إذا استقى ما فيها. والمعنى لا ينفدُ خمرهم. ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4683 - لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ ... لَبِئْسَ النَّدامَى كُنْتُم آل أبْجَرَا وقال أبو حيان: «وابن أبي إسحاق وعبد الله والجحدري والأعمش وطلحة وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا يقيء شرابهم» . قال شهاب الدين: وهذا عجيب منه فإنه قد تقدم في «الصَّافات» أنَّ الكوفيين يقرءون في «الواقعة» بكسر الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في قصيدته. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السُّكر، والصُّداع، والقَيء، والبَوْل، وقد نزّه الله - تعالى - خمر الجنة عن هذه الخصال. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ . العامة على جر «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» عطفاً على «أكْوابٍ» . أي: يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به، وهذا كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] . فإن قيل: الفاكهة لا يطوف بها الولدان، والعطف يقتضي ذلك؟ . فالجواب: أن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف بهما الولدان [هنا] فيناولونهم الفواكه الغريبة، واللحوم العجيبة لا للأكل، بل للإكرام، كما يصنع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده، أو يكون معطوفاً على المعنى في قوله: ﴿جَنَّاتِ النعيم﴾ أي: مقربون في جنَّات، وفاكهة، ولحم، وحور، أي: في هذه النِّعم يتقلَّبون [عليهم بهذه الأشياء: المأكول، والمشروب، والمتفكه] . وقرأ زيد بن علي، وأبو عبد الرحمن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، برفعهما على الابتداء، والخبر مقدر، أي: ولهم كذا. والمعنى يتخيّرون ما شاءوا من الفواكه لكثرتها. وقيل: المعنى: وفاكهة متخيرة مرضية، والتخير: الاختيار. وقوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ . قال ابن عبَّاس: يخطر على قلبه لحم الطَّير، فيصير ممتثلاً بين يديه على ما اشتهى، ثم يطير فيذهب. قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ . قرأ الأخوان: بجرّ «حُورٍ عينٍ» . والباقون: برفعهما. والنخعي: «وحيرٍ عينٍ» بقلب الواو ياء وجرهما. وأبيّ وعبد الله قال القرطبي والأشهب العقيلي وعيسى بن عمر الثقفي، وهو كذلك في مصحف أبيّ: «وحُوراً عيناً» بنصبهما. فأما الجر فمن أوجه: أحدها: أنه عطف على «جنَّات النَّعيم» كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحم وحور؛ قاله الزمخشري. قال أبو حيان: «وهذا فيه بعد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض، وهو فهم أعجمي» . قال شهاب الدين: «والذي ذهب إليه الزمخشري معنى حسن جدًّا، وهو على حذف مضاف أي: وفي مقارنة حور، وهو الذي عناه الزمخشري، وقد صرح غيره بتقدير هذا المضاف» . وقال الفرَّاء: الجر على الإتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى؛ لأن الحور لا يُطاف بهنّ. قال الشاعر: [الوافر] 4684 - إذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً ... وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا والعين لا تُزَجَّجُ، وإنَّما تُكَحَّل. وقال آخر: [مجزوء الكامل] 4685 - ورَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا الثاني: أنه معطوف على «بِأكْوَابٍ» ، وذلك بتجوّز في قوله: «يَطُوفُ» ؛ إذ معناه ينعمون فيها بأكواب، وبكذا، وبحور. قاله الزمخشري. الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضاً فإن فيه لذة لهم إذا طافوا عليهم بالمأكول؛ والمشروب، والمتفكه به، والمنكوح، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب. ولا التفات إلى قول أبي البقاء: عطفاً على «أكْوَاب» في اللَّفظ دون المعنى؛ لأن الحور لا يُطافُ بها. وأما الرَّفْع فمن أوجه: أحدها: عطفاً على «ولْدَان» . أي: أن الحور يطفن عليهم بذلك كالولائد في الدُّنيا. وقال أبو البقاء: «أي يَطُفْن عليهم للتَّنعيم لا للخِدْمَة» . قال شهاب الدين: «وهو للخدمة أبلغ؛ لأنهم إذا خدمهم مثل أولئك، فما الظَّن بالمَوطُوءَات» . الثاني: أن يعطف على الضمير المستكنّ في «متكئين» ، وسوغ ذلك الفصل بما بينهما. الثالث: أن يعطف على مبتدأ وخبر حذفا معاً، تقديره: «لهم هذا كله وحور عين» قاله أبو حيَّان. وفيه نظر؛ لأنه إنما يعطف على المبتدأ وحده، وذلك الخبر له، ولما عطف هو عليه. الرابع: أن يكون مبتدأ خبره مضمر، تقديره: ولهم، أو فيها، أو ثمَّ حور. وقال الزمخشري: «عطف على وفيها حور عين، كبيت الكتاب» . يريد: كتاب سيبويه، والمرادُ بالبيت قولهُ: [الكامل] 4686 - بَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى ... إلاَّ رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاء ومُشَجَّجٌ أمَّا سواءُ قَذالِهِ ... فَبَدا وغيَّر سارهُ المَعْزاءُ عطف «مشجج» وهو مرفوع على «رواكد» ، وهو منصوب. الخامس: أن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حور. قاله أبو البقاء. قال الكسائي: ومن قال: «وحُورٌ عينٌ» بالرَّفع، وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» ؛ لأن ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلاَّ بالخمر وحدها. وأما النصب ففيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: يعطون، أو يؤتون حوراً. والثاني: أن يكون محمولاً على معنى «يطُوفُ عَليْهِمْ» ؛ لأن معناه: يعطون كذا وكذا، فعطف هذا عليه. وقال مكي: «ويجوز النَّصب على أن يحمل أيضاً على المعنى؛ لأن معنى» يطوف عليهم ولدان «بكذا وكذا، أي: يعطون كذا وكذا، ثم عطف» حوراً «على معناه» ، فكأنه لم يطلع [على أنها] قراءة. وأمَّا قراءة: «وحِيرٍ» فلمُجاورتها «عِين» ، ولأن الياء أخف من الواو، ونظيره في التَّعبير للمجاورة قولهم: «أخذه ما قدُم وما حدُث» - بضم دال - «حدُث» لأجل «قَدُم» ، وإذا أفرد منه فتحت داله فقط. وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ورَبَّ السَّمواتِ وما أظْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين ومنْ أضْلَلْن» . [وقوله: «أيَّتُكُنَّ صاحبةُ الجملِ الأدْبَبِ، يَنْبَحُها كلاب الحوْأب» ، فكَّ الأدبب لأجل الحَوأبِ] . وقرأ قتادة: «وحورُ عِينٍ» بالرفع والإضافة ل «عين» . وابن مقسم: بالنَّصب والإضافة. وقد تقدم توجيه الرفع والنَّصْب. وأما بالإضافة: فمن إضافة الموصوف لصفته مؤولاً. وقرأ عكرمة: [ «وحَوْرَاء عَيْنَاء» بإفرادهما على إرادة الجنس] . وهذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون نصباً كقراءة عبد الله وأبيٍّ. وأن يكون جرًّا كقراءة الأخوين؛ لأن هذين الاسمين لا يتصرَّفان، فهما محتملان للوجهين. وتقدم الكلام في اشتقاق العين. «كأمْثَال» : صفة، أو حال. و «جزاءً» : مفعول من أجله، أو مصدر، أي: يحزون جزاء. فصل في تفسير الآية قال المفسرون: «حورٌ» بيض، «عينٌ» ضخام الأعين، ﴿كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ أي المخزون في الصدف لم تمسّه الأيدي، ولم يقع عليه الغبار، فهو أشدّ ما يكون صفاء. وقوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . قالت المعتزلة: هذا يدلُّ على أن يقال: الثواب واجب على الله - تعالى - لأن الجزاء لا يجوز الإخلال به. وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروا لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة؛ لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أن القبيح من الله تعالى لا يوجد، علم أن الله تعالى يعطي هذه الأشياء، لأنها أجزية، وإيصال الثَّواب واجب، وأيضاً فكان لا يصح التمدّح به. قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ . قال ابن عبَّاس: باطلاً وكذباً. و «اللَّغْو» : ما يلغى من الكلام. و «التأثيم» : مصدر أثمته، أي: قلت له: أثمت. قال محمد بن كعب: «ولا تأثيماً» ، أي: لا يؤثم بعضهم بعضاً. وقال مجاهد: ﴿لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً﴾ : شتماً ولا مأثماً. قوله: «إلاَّ قيلاً» ، فيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهذا واضح؛ لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم. والثاني: أنه متصل. وفيه بعد، وكأن هذا رأى أن الأصل: لا يسمعون فيها كلاماً، فاندرج عنده فيه. وقال مكّي: وقيل: منصوب ب «يَسْمَعُون» . وكأنه أراد هذا القول. قوله: ﴿سَلاَماً سَلاَماً﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من «قيلاً» أي: لا يسمعون فيها إلا سلاماً سلاماً. الثاني: أنه نعت ل «قيلاً» . الثالث: أنه منصوب بنفس «قيلاً» ، أي: إلاَّ أن يقولوا: سلاماً سلاماً، وهو قول الزَّجَّاج. الرابع: أن يكون منصوباً بفعل مقدّر، ذلك الفعل محكيّ ب «قيلاً» تقديره: إلا قيلاً سلموا سلاماً. وقرىء: «سلامٌ» بالرفع. قال الزمخشري: «على الحِكايَةِ» . قال مكي: «ويجوز أن يكون في الكلام الرفع على معنى» سلام عليكم «ابتداء وخبر» وكأنه لم يعرفها قراءة. فصل في معنى الآية معنى «قيلاً سلاماً» أي: قولاً سلاماً. وقال عطاء: يُحَيِّي بعضهم بعضاً بالسَّلام. قال القرطبي: «والسَّلام الثاني بدل من الأول، والمعنى: إلا قيلاً يسلم فيه من اللغو، وقيل: تحييهم الملائكة، أو يحييهم ربهم عزَّ وجلَّ» . وكرَّر السَّلام إشارة إلى كثرة السلام عليهم، ولهذا لم يكرر قوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] . و «القيل» مصدر كالقول. قال ابن الخطيب: فيكون «قيلاً» مصدراً، لكن لا نظير له في «باب» فعل يفعل من الأجوف. وقيل: إنه اسم، والقول مصدر.

الواقعة 56:26

قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرض﴾ . يجوز أن يكون بدلاً من «إذا» الأولى، أو تأكيداً لها، أو خبراً لها على أنها مبتدأ. كما تقدم تحريره. وأن يكون شرطاً، والعامل فيه إما مقدر، وإما فعلها الذي يليها، كما تقدّم في نظيرتها. وقال الزمخشري: «ويجوز أن ينتصب ب» خافضة رافعة «أي تخفض وترفع وقت رجِّ الأرض وبس الجبال؛ لأنه عند ذلك يخفض ما هو مرتفع، ويرفع ما هو منخفض» . قال أبو حيَّان: «ولا يجوز أن ينتصب بهما معاً، بل بأحدهما، لأنه لا يجوز أن يجتمع مؤثران على أثر واحد» . قال شهاب الدِّين: معنى كلامه أن كلاًّ منهما متسلّط عليه من جهة المعنى، وتكون المسألة من باب التنازع، وحينئذ تكون العبارةُ صحيحة، إذ يصدق أن كلاًّ منهما عامل فيه، وإن كان على التَّعاقُب. والرَّج: التحريك الشديد بمعنى زلزلت. قال مجاهد وغيره: يقال: رجَّه يرُجُّه رجًّا، أي: حرّكه وزلزله. وناقة رجاء: أي عظيمة السّنام. والرَّجْرجَة: الاضطراب. وارتجّ البحر وغيره: اضطرب. وفي الحديث: «مَنْ ركِبَ البَحْرَ حينَ يَرتجُّ فلا ذمَّة لهُ» . يعني: إذا اضطربت أمواجه. قال الكلبي: وذلك أن الله - تعالى - إذا أوحى إليها اضطربت فرقاً من الله تعالى. قال المفسرون: ترتج كما يرتجّ الصبي في المهد حتى ينهدم ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها. وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: الرَّجَّة: الحركة الشديدة يسمع لها صوت. قوله: ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً﴾ . أي: سيرت، من قولهم: بسَّ الغنم، أي: ساقها. وأبْسَسْتُ الإبل أبُسُّهَا بَسَّاً، وأبْسَسْتُ وبَسِسْتُ لغتان إذا زجرتها وقلت: بَسْ بَسْ. قاله أبو زيد. أو بمعنى «فُتّت» ، كقوله: ﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه: 105] ، ويدل عليه: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قال ابن عباس ومجاهد: كما يبسّ الدقيق، أي: يُلتّ. والبَسِيْسَةُ: السَّويقُ أو الدقيق يُلَتُّ بالسَّمن أو الزيت، ثم يؤكل ولا يطبخ، وقد يتخذ زاداً. قال الراجز: [الرجز] 4670 - لا تَخْبِزَا خُبْزاً وبُسَّا بَسَّا ... ولا تُطِيْلا بِمُنَاخٍ حَبْسَا وقال الحسن: «وبسّت» قلعتْ من أصلها فذهبت، ونظيرها: يَنْسِفُهَا ربِّي نسفاً وقال عطية: بُسِطَتْ كالرَّمل والتراب. وقال مجاهد: سالت سيلاً. وقال عكرمة: هدّت. وقرأ زيد بن علي: «رجَّت» ، و «بَسَّت» مبنيين للفاعل. على أن «رَجَّ» و «بَسَّ» يكونان لازمين ومتعديين، أي: ارتجت وذهبت. قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ . قرأ النَّخعي ومسروق وأبو حيوة: «منبتًّا» بنقطتين من فوق، أي: منقطعاً من البَتِّ. ومعنى الآية لا ينبو عنه. قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: الهباء المُنْبَثّ: الرَّهجُ الذي يسطع من حوافر الخيل ثم يذهب، فجعل الله تعالى أعمالهم كذلك. وقال مجاهد: «الهَبَاء» : الشعاع الذي يكون في الكُوة كهيئة الغُبَار، وروي نحوه عن ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه ما تطاير من النَّار إذا اضطربت يطير منها شرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال عطية: «المنبث» : المتفرق، قال تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ [البقرة: 164] أي: فرق ونشر. قوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ . أي: أصنافاً ثلاثة، كل صنف يشاكل كل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بين من هم، فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة﴾ ، ﴿وَأَصْحَابُ المشأمة﴾ ، ﴿والسابقون﴾ . قوله: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ . «أصحاب» الأول مبتدأ، و «ما» استفهامية - فيه تعظيم - مبتدأ ثاني، و «أصحاب» الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرار المبتدأ الأول هنا بلفظه مغنٍ عن الضمير، ومثله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التَّعظيم. فإن قيل: إن «ما» نكرة وما بعدها معرفة، فكان ينبغي أن يقال: «ما» خبر مقدم، و «أصحاب» الثاني وشبهه مبتدأ؛ لأن المعرفة أحق بالابتداء من النكرة؟ وهذا السؤال واردٌ على سيبويه في مثل هذا. وفي قولك: «كَمْ مالك، ومرَرْتُ بِرَجُلٍ خَيْرٍ منهُ أبُوه» فإنه يعرب «ما» الاستفهامية، و «كم» و «أفعل» مبتدأ وما بعدها خبرها. والجواب: أنه كثر وقوع النكرة خبراً عن هذه الأشياء كثرة متزايدة، فاطَّرد الباب، ليجري على سنن واحدة، هكذا أجابوا. وهذا لا ينهض مانعاً من جواز أن يكون «ما» و «كَمْ» و «أفْعَل» خبراً مقدماً ولو قيل به لم يكن خطأ، بل أقرب إلى الصَّواب. و «الميمنة» «مَفْعَلَة» من لفظ اليمين، وكذلك «المشأمة» من اليد الشؤمى وهي الشمال لتشاؤم العرب بها، أو من الشُّؤم. فصل في تحرير معنى الآية قال السدي: «أصحاب الميمنةِ» هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، و «أصحاب المَشْأمة» هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النَّار. و «المَشْأمة» : الميسرة، وكذلك الشَّأمة، يقال: قعد فلان شأمة. ويقال: شائم بأصحابك أي: خذ بهم شأمة أي: ذات الشمال والعرب تقول لليد الشمال: الشؤمى، وللجانب الشمال: الأشأم. وكذلك يقال لما جاء عن اليمين: اليمن، ولما جاء عن الشمال: الشُّؤم. قال البغوي: «ومنه سمي» الشَّام واليمن «؛ لأن» اليمن «عن يمين الكعبة، و» الشام «عن شمالها» . قال ابن عباس والسدي: «أصْحَابُ المَيْمَنَةِ» هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذُّرية من صلبه، فقال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وقال زيد بن أسلم: هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر. وقال عطاء ومحمد بن كعب: «أصْحَابُ الميمنةِ من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله» . وقال ابن جريج: «أصحاب الميمنة» هم أصحاب الحسنات، وأصحاب المشأمة؛ هم أهل السيئات. وقال الحسن والربيع: «أصحاب الميمنة» الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة: المشائيم على أنفهسم بالأعمال السيئة. وفي صحيح مسلم من حديث «الإسراء» عن أبي ذرٍّ عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «فَلمَّا عَلوْنَا السَّماء الدُّنيا، فإذَا رجلٌ عن يَمينهِ أسْودةٌ، وعنْ يَسارِهِ أسودةٌ، قال فإذَا نظر قبل يَمينِه ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قبلَ شمالِهِ بكَى، قال: فقال: مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالحِ والابْنِ الصَّالح، قال: فقُلْتُ: يا جِبْريلُ منْ هذَا؟ . قال: هذا آدمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شمالهِ بَنُوه فأهْلُ اليَمِينِ أهْلُ الجنَّةِ، والأسودةُ الَّتي عن شمالهِ أهْلُ النَّارِ» وذكر الحديث. وقال المبردُ: «أصحاب الميمنة» أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخُّر والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي: اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين. ثم عجب نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وهذا كما يقال: «زَيْدٌ مَا زَيْدٌ» ، يريد «زيد شديد» فالتكرير في ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ ، و ﴿مَآ أَصْحَابُ المشأمة﴾ للتَّفخيم والتعجُّب، كقوله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: 1، 2] ، و ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: 1، 2] كما يقال: «زَيْدٌ ما زيدٌ» . وفي حديث أم زرع رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «مالك، وما مالك؟» . والمقصود: تكثير ما لأصحاب الميمنة في الثواب، وأصحاب المشأمة من العقاب. والفاء في قوله: «فأصْحَاب» تدل على التقسيم، وبيان ما ورد عليه التقسيم، كأنه قال: أزواجاً ثلاثة: أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، وبين حال كل قسم فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ وترك التقسيم أولاً، واكتفى بما يدل عليه بأن تُذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها. فإن قيل: ما الحكمة في اختيار لفظ «المشأمة» في مقابلة «الميمنة» مع أنه قال في بيان أحوالهم ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ ؟ [الواقعة: 41] . فالجواب: أنَّ اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا منها ألفاظاً في مواضع فقالوا: «هذا ميمون» تيمناً به، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، ولفظ الشمال في مقابلته، واستعملوا منه ألفاظاً تشاؤماً به، فذكر «المشأمة» [ في] مقابلة [ «الميمنة» ] [وذكر الشمال في مقابلة اليمين] فاستعمل كل لفظ مع ما يقابله. قوله: ﴿والسابقون السابقون﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنها مبتدأ وخبر، وفي ذلك تأويلان: أحدهما: أنه بمعنى: السابقون هم الذين اشتهرت حالتهم بذلك. كقولهم: «أنت أنت، والناس الناس» . وقوله: [الرجز] 4671 - أنَا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي ... وهذا يقال في تعظيم الأمر وتفخيمه، وهو مذهب سيبويه. التأويل الثاني: أن متعلق السابقين مختلف؛ إذ التقدير: والسَّابقون إلى الإيمان السابقون إلى الجنة، أو السابقون إلى طاعة الله السَّابقون إلى رحمته، أو السابقون إلى الخير السابقون إلى الجنَّة. الوجه الثاني: أن يكون السَّابقون الثاني تأكيداً للأول تأكيداً لفظيًّا، و «أولئك المُقرَّبُون» جملة ابتدائية في موضع خبر الأول، والرابط: اسم الإشارة، كقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26] ، في قراءة برفع «لِبَاس» في أحد الأوجه. الثالث: أن يكون «السابقون» الثاني نعتاً للأول، والخبر الجملة المذكورة. وهذا ينبغي ألا يعرج عليه، كيف يوصف الشيء بلفظه، وأي فائدة في ذلك؟ . قال شهاب الدين: والأقرب عندي إن وردت هذه العبارة ممن يعتبر أن يكون سمى التَّأكيد صفة، وقد فعل سيبويه قريباً من هذا. الرابع: أن يكون الوقف [على قوله] «والسَّابقون» ، ويكون قوله ﴿السَّابقون، أولئك المقربون﴾ ابتداء وخبراً. وهذا يقتضي أن يعطف «والسَّابقون» على ما قبله، لكن لا يليق عطفه على ما قبله، وإنما يليق عطفه على أصحاب الميمنة، كأنه قيل: وأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة والسابقون، أي: وما السابقون؟ تعظيماً لهم، فيكونون شركاء أصحاب الميمنة في التعظيم، ويكون قوله على هذا: ﴿وأصحاب المَشْأمة ما أصحاب المشأمة﴾ اعتراضاً بين المتعاطفين، وفي هذا الوجه تكلف كثير جداً. فصل في المراد بالسابقين قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «السَّابقُون الَّذينَ إذَا أعْطُوا الحقَّ قبلوهُ، وإذا سُئِلُوه بذلُوهُ، وحَكمُوا للنَّاسِ كحُكْمِهِمْ لأنفُسِهِمْ» . ذكره المهدوي. وقال محمد بن كعب القرظي: هم الأنبياء. وقال الحسن وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة. وقال محمد بن سيرين: هم الذين صلّوا إلى القبلتين، قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة: 100] . وقال مجاهد والضحاك: هم السَّابقون إلى الجهاد، وأول الناس رواحاً إلى صلاة الفرائض في الجماعة وقال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: هم السابقون إلى الصَّلوات الخمس. وقال سعيد بن جبير: إلى التوبة، وأعمال البر، قال تعالى: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ [آل عمران: 133] ثم أثنى عليهم فقال: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 61] . وقيل: إنهم أربعة: منهم سابق أمة موسى، وهو حزقيل مؤمن آل فرعون، وسابق أمة عيسى، وهو حبيب النَّجَّار صاحب «أنْطَاكية» ، وسابقان في أمّة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهما أبو بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قاله ابن عباس. حكاه الماوردي. وقال شميط بن العجلان: النَّاس ثلاثة: فرجل ابتكر للخير في حداثة سنه، ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا، فهذا هو السَّابق المقرب ثم طول الغفلة ثم رجع بتوبته حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب اليمين، ورجل ابتكر عمره بالذنوب، ثم لم يزل عليها حتى ختم له بها، فهذا من أصحاب الشمال. وروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة. وقيل: هم أول الناس رواحاً إلى المسجد، وأولهم خروجاً في سبيل الله ﴿أولئك المقربون في جنات النعيم﴾ . قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً من الضمير في «المُقَرَّبُون» ، وأن يكون متعلقاً به، أي: قربوا إلى رحمة الله في جنات النعيم. ويبعد أن تكون «في» بمعنى «إلى» . وقرأ طلحة: «في جنَّةٍ» بالإفراد. وإضافة الجنة إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، كما يقال: «دار الضِّيافة، ودار الدَّعوة، ودار العدل» . وذكر النعيم هنا معرفاً، وفي آخر السورة منكراً؛ لأن السَّابقين معلومون، فعرفهم باللام المستغرقة لجنسهم، وأما هنا فإنهم غير معروفين لقوله: ﴿إِن كَانَ مِنَ المقربين﴾ [الواقعة: 88] فجعل موضعه غير معروف، أو يقال: إن المذكور هنا جميع السَّابقين، ومنزلتهم أعلى المنازل، فهي معروفة، لأنها لا حدّ فوقها. وأما باقي المقربين فلكل واحد مرتبة ودرجة، فمنازلهم متفاوتة، فهم في جنات متباينة في المنزلة، لا يجمعها صفة، فلم يعرفها. قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . «ثلّة» خبر مبتدأ مضمر، أي «هم» . ويجوز أن يكون مبتدأ خبره مضمر، أي منهم ثلّة. أي: من السابقين، يعني أن التقسيم وقع [بينهم] . وأن يكون مبتدأ خبره ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ . أو قوله: ﴿على سُرُرٍ﴾ . فهذه أربعة أوجه. و «الثُلّة» : الجماعة من الناس، وقيدها الزمخشري بالكثيرة. وأنشد: [الطويل] 4672 - وجَاءَتْ إليْهِمْ ثُلَّةٌ خِندفيَّةٌ ... بِجَيْشٍ كتيَّارٍ من البَحْرِ مُزْبدِ ولم يقيدها غيره، بل صرح بأنها الجماعة قلّت أو كثرت. وقال الرَّاغب: الثلّة: قطعة مجتمعة من الصُّوف؛ ولذلك قيل للمقيم: «ثَلَّة» يعني بفتح الثَّاء. ومنه قوله: [الرجز] 4673 - أمْرَعَتِ الأرْضُ لَوْ انّ مالا ... لوْ أنَّ نُوقاً لَكَ أو جِمَالا أوْ ثلَّةً مِنْ غَنَمٍ إمَّا لا ... انتهى. ثم قال: «ولاعتبار الاجتماع، قيل: ﴿ثلّة من الأولين، وثلّة من الآخرين﴾ أي جماعة، وثللت كذا: تناولت ثلّة منه، وثلَّ عرشُه: أسقط ثلّة منه والثّلل: قصر الأسنان لسقوط ثلَّة منها، وأثل فمُه: سقطت، وتَثَلَّلَتِ الرُّكبَة: تَهَدَّمت» انتهى. فقد أطلق أنها الجماعة من غير قيد بقلّة ولا بكثرة. والكثرة التي فهمها الزمخشري قد تكون من السياق. وقال الزجاج: الثلّة: الفرقة. و «مِنَ الأوَّلِينَ» صفة ل «ثُلَّة» ، وكذلك «من الآخرين» صفة ل «قَلِيل» . فصل في المراد بقوله: ثلّة من الأوّلين قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ . أي جماعة من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ أي: ممن آمن بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال الحسن: «ثُلَّةٌ» ممن قد مضى قبل هذه الأمة، «وقليلٌ» من أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ اللهم اجعلنا منهم بكرمك. وسموا قليلاً بالإضافة إلى من كان قبلهم؛ لأن الأنبياء المتقدمين كثروا، فكثر السابقون إلى الإيمان بهم، فزادوا على عدد من سبق إلى التصديق من أمتنا. (قيل: لما نزلت هذه الآية شقَّ على أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) فنزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونُوا رُبْعَ أهْلِ الجنَّةِ، بَلْ نِصْف أهلِ الجنَّة، وتُقاسِمُونهُم في النِّصْفِ الثانِي» رواه أبو هريرة ذكره الماوردي وغيره، ومعناه ثابت في «صحيح مسلم» ، من حديث عبد الله بن مسعود، وكأنه أراد أنها منسوخة. قال ابن الخطيب: وهذا في غاية الضعف من وجوه: أحدها: أن عدد أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في ذلك الزمان، بل إلى آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى في غاية القلة، فالمراد بالأولين: الأنبياء وكبار أصحابهم، وهم إذا جمعوا أكثر من السَّابقين من هذه الأمة. الثاني: أن هذا خبر، والخبر لا ينسخ. الثالث: أن هذه الآية في السَّابقين، والتي بعدها في أصحاب اليمين. الرابع: أنه إذا جعل قليل منهم مع الأنبياء والرسل المتقدمين كانوا في درجة واحدة، وذلك يوجب الفرح؛ لأنه إنعام عظيم، ولعلّ الإشارة إليه بقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «عُلَمَاءُ أمَّتِي كأنْبِيَاءِ بَنِي إسْرائِيْلَ» . قال القرطبي: «والأشبه أنها محكمة؛ لأنها خبر، والخبر لا ينسخ؛ لأن ذلك في جماعتين مختلفتين» . قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، فلذلك قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ ، وقال في أصحاب اليمين، وهم سوى السابقين: ﴿ثلّة من الأولين وثلّة من الآخرين﴾ . ولذلك [قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنِّي لأرجُو أن تكُونَ أمَّتِي شطْرَ أهْلِ الجنَّةِ» ، ثم تلا: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ] . وقال أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: كلا الثُّلتين من أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فمنهم من هو في أول أمته، ومنهم من هو في آخرها. وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله﴾ [فاطر: 32] . وقيل: المراد ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، فإن أكثرهم لهم الدَّرجة العليا، كما قال تعالى: ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ﴾ [الحديد: 10] . ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ لحقوهم، ولهذا قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «خَيْرُكُمْ قرني ثم الذينَ يَلُونَهُم» ثم سوى في أصحاب اليمين بين الأولين والآخرين. قال ابن الخطيب: وعلى هذا فقوله: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ يكون خطاباً مع الموجودين وقت التنزيل، ولا يكون فيه بيان الأولين الذين كانوا قبل نبينا - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا ظاهر؛ لأن الخطاب لا يتعلق إلاَّ بالموجودين من حيث اللفظ، ويدخل فيه غيره بالدليل. ووجه آخر: أن المراد بالأولين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبالآخرين، أي: ذرياتهم الملحقون بهم في قوله تعالى: ﴿واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] . وقال الزَّجَّاج: الذين عاينوا جميع النبيين من لدُن آدم وصدقوهم أكثر مما عاين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله تعالى: ﴿على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ . أي: السَّابقون في الجنة على سرر، أي: مجالسهم على سُرر، جمع سرير. وقرأ زيد بن علي، وأبو السمال: «سُرَر» بفتح الراء الأولى وقد تقدم أنها لغة لبعض بني «كلب» و «تميم» . و «المَوضُونَة» : قال ابن عباس: منسوجة بالذهب. وقال عكرمة: مشبكة بالدُّر والياقوت. وعن ابن عباس أيضاً: «مَوضُونةٌ» أي: مصفوفة، لقوله تعالى في موضع: ﴿على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: 20] . وعنه، وعن مجاهد أيضاً: مرمُولة بالذهب. وقيل: «مَوضُونة» : منسوجة بقضبان الذهب مُشَبَّكةٌ بالدّر والياقوت. و «الموضونة» : المنسوجة، وأصله من وضَنْتُ الشَّيء، أي ركبته بعضه على بعض. ومنه قيل للدِّرع: «موضونة» ؛ لتراكب حلقها. قال الأعشى: المتقارب] 4674 - ومِنْ نَسْجِ دَاوُدَ موضُونَةً ... تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيراً فَعِيرَا وعنه أيضاً: وضِينُ الناقة، وهو حِزامُهَا لتراكُب طاقاته؛ قال: [الرجز] 4675 - إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقاً وضينُهَا ... مُعْتَرِضاً فِي بَطْنِهَا جَنينُهَا مُخَالِفاً دينَ النَّصارَى دِينُهَا ... وقال الرَّاغب: «الوَضْن: نسْج الدِّرع، ويستعار لكلّ نسج محكم» . فجعله أصلاً في نسيج الدروع. وقال الآخر: [الوافر] 4676 - أقُولُ وقَدْ دَرَأتُ لَهَا وَضِيني ... أهَذَا دِينُهُ أبداً وَدِينِي؟ أي حزامي. و «الوضينُ» : هو الحَبْل العريض الذي يكون منه الحَزْم لقوّة سداه ولُحْمته، والسرير الموضون الذي سطحه بمنزلة المنسوج. قال القرطبي «ومنه الوضين بطانٌ من سُيُور ينسج، فيدخل بعضه في بعض» . قوله: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ . حالان من الضمير في «عَلى سُرُرٍ» . ويجوز أن تكون حالاً متداخلة، فيكون «متقابلين» حالاً من ضمير «مُتَّكئِينَ» . فصل في معنى الآية «مُتَّكِئينَ» على السّرر، «مُتَقَابلينَ» لا يرى بعضهم قفا بعض، بل تدور بهم الأسرَّة. والمعنى: أنهم كائنون على سُرر متكئين على غيرها كحال من يكون على كرسي، فيوضع تحته شيء آخر للاتِّكاء عليه. قال مجاهد وغيره: هذا في المؤمن وزوجته وأهله، أي: يتكئون متقابلين. قال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت، فإذا جلس عليها ارتفعت. قوله: ﴿يَطُوفُ﴾ . يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون استئنافاً. ﴿وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ أي: غلمان لا يموتون. قاله مجاهد. والمعنى: لا موت لهم ولا فناء، أو بمعنى لا يتغير حالهم، ويبقون صغاراً دائماً. وقال الحسن والكلبي: لا يهرمُون ولا يتغيرون. ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4677 - وهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ... قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بأوْجَالِ وقال سعيد بن جبير: «مخلّدون» مُقَرَّطُون. يقال للقُرْط: الخَلَدة، ولجماعة الحُلِيّ: الخِلدة. وقيل: مسوَّرون، ونحوه عن الفراء. قال الشاعر: [الكامل] 4678 - ومُخَلَّداتٍ باللُّجَيْنِ كأنَّمَا ... أعْجَازُهُنَّ أقَاوِزُ الكُثْبَانِ وقيل: مقرطون، يعني: مُمَنْطَقُون من المناطق. وقال عكرمة: «مخلّدون» منعمون. وقيل: على سنٍّ واحدة، أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون عليهم، كما شاء من غير ولادة؛ لأن الجنة لا ولادة فيها. وقال علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - والحسن البصري: «الوِلْدَان» هاهنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغاراً، ولا حسنة لهم ولا سيّئة. وقال سلمان الفارسي: أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن: لم يكن لهم حسنات يجازون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا هذا الموضع، والمقصود أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة. قوله: «بِأكْوَابٍ» متعلق ب «يَطُوفُ» . و «الأكواب» : جمع كوب، وهي الآنيةُ التي لا عُرَى لها ولا خراطيم، وقد مضت في «الزخرف» و «الأباريق» : جمع إبريق، وهي التي لها عُرَى وخراطيم، واحدها: إبريق، وهو من آنِيَة الخَمْر، سُمِّيَ بذلك لبريق لونه من صفائه. قال الشاعر: [البسيط] 4679 - أفْنَى تِلادِي ومَا جَمَّعْتُ مِنْ نَشَبٍ ... قَرْعُ القَوارِيرِ أفْواهُ الأبَارِيقِ وقال عديُّ بن زيد: [الخفيف] 4680 - وتَدَاعَوْا إلى الصَّبُوح فَقَامَتْ ... قَيْنَةٌ فِي يَمينهَا إبْرِيقُ وقال آخر: [البسيط] 4681 - كَأنَّ إبْرِيقَهُمْ ظَبْيٌ على شَرَفٍ ... مُقَدَّمٌ بِسَبَا الكتَّانِ مَلْثُومُ ووزنه «إفْعِيل» لاشتقاقه من البريق. قوله: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ تقدم في «الصافات» . و «المعين» : الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد هنا الخمر الجارية من العيون. وقيل: الظاهرة، فيكون «مَعِين» مفعول من المعاينة. وقيل: هو «فَعِيل» من المَعْنِ، وهو الكثرة. قال ابن الخطيب: هو مأخوذ من مَعن الماء إذا جرى. وقيل: بمعنى «مَفْعُول» ، فيكون من «عانه» إذا شخصه بعينه وميزه. قال: والأول أظهر؛ لأن المعيون يوهم بأنه معيوب. يقال: ضربني بعينه أي: أصابني بعينه؛ ولأن الوصف [بالمفعول] لا فائدة فيه. وأما الجريان في المشروب فإن كان في الماء فهو صفة مدح، وإن كان في غيره، فهو أمر عجيب لا يوجد في الدنيا، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: 15] وبين أنها ليست كخمر الدُّنيا يستخرج بتكلف ومعالجة. فإن قيل: كيف جمع الأكواب والأباريق، وأفرد الكأس؟ . فالجواب: أن ذلك على عادة أهل الشرب فإنهم يعدون الخمر في أوان كبيرة، ويشربون بكأس واحدةٍ، وفيها مباهاتهم لأهل الدنيا من حيث إنهم يطوفون بالأكواب والأباريق، ولا ينتقل عليهم، بخلاف الدنيا، أو يقال: إنما أفردت الكأس لأنها إنما تُسَمَّى كأساً إذا كانت مملوءة، فالمراد اتخاذ المشروب الذي فيها، وأخر الكأس مناسبة لاتصاله بالشُّرب. قوله: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ﴾ . يجوز أن تكون مستأنفة، أخبر عنهم بذلك. وأن تكون حالاً من الضمير في «عليهم» . ومعنى ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي: بسببها. قال الزمخشري: وحقيقته لا يصدر صداعهم عنها. والصُّدَاع؛ هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر فيه. قال علقمةُ بن عبدة في وصف الخمر: [البسيط] 4682 - تَشْفِي الصُّدَاعَ ولا يُؤذيكَ حَالبُهَا ... ولا يُخالِطُهَا في الرَّأسِ تدويمُ قال أبو حيان: هذه صفة خمر أهل الجنة، كذا قال الشيخ أبو جعفر بن الزبير لما قرأت هذا الدِّيوان عليه. والمعنى لا يتصدع رءوسهم من شربها، أي: أنها لذة بلا أذى، بخلاف شراب الدنيا. وقيل: «لا يُصدَّعون» لا يتفرَّقُون كما يتفرق الشرب من الشراب للعوارض الدنيوية، ومن مجيء «تصدع» بمعنى: تفرق، قوله: فتصدع السحاب عن المدينة، أي: تفرق. ويرجحه قراءة مجاهد: «لا يَصَّدعون» بفتح الياء وتشديد الصاد. والأصل: «لا يتصدعون» أي: لا يتفرقون، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] . وحكى الزمخشري قراءة، وهي: «لا يُصدِّعُون» بضم الياء، وتخفيف الصَّاد، وكسر الدَّال مشددة. قال: «أي لا يصدع بعضهم بعضاً، لا يفرقونهم» . قوله: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ . تقدم الخلاف بين السبعة في «يُنْزِفُون» ، وتفسيره في «والصّافات» . وقرأ ابن إسحاق: بفتح الياء وكسر الزاي من نزف البئر، إذا استقى ما فيها. والمعنى لا ينفدُ خمرهم. ومنه قول الشاعر: [الطويل] 4683 - لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ ... لَبِئْسَ النَّدامَى كُنْتُم آل أبْجَرَا وقال أبو حيان: «وابن أبي إسحاق وعبد الله والجحدري والأعمش وطلحة وعيسى: بضم الياء وكسر الزاي، أي: لا يقيء شرابهم» . قال شهاب الدين: وهذا عجيب منه فإنه قد تقدم في «الصَّافات» أنَّ الكوفيين يقرءون في «الواقعة» بكسر الزاي، وقد نقل هو هذه القراءة في قصيدته. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: في الخمر أربع خصال: السُّكر، والصُّداع، والقَيء، والبَوْل، وقد نزّه الله - تعالى - خمر الجنة عن هذه الخصال. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ . العامة على جر «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» عطفاً على «أكْوابٍ» . أي: يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمتفكه به، وهذا كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] . فإن قيل: الفاكهة لا يطوف بها الولدان، والعطف يقتضي ذلك؟ . فالجواب: أن الفاكهة واللحم في الدنيا يطلبان في حال الشرب فجاز أن يطوف بهما الولدان [هنا] فيناولونهم الفواكه الغريبة، واللحوم العجيبة لا للأكل، بل للإكرام، كما يصنع المكرم للضيف أنواع الفواكه بيده، أو يكون معطوفاً على المعنى في قوله: ﴿جَنَّاتِ النعيم﴾ أي: مقربون في جنَّات، وفاكهة، ولحم، وحور، أي: في هذه النِّعم يتقلَّبون [عليهم بهذه الأشياء: المأكول، والمشروب، والمتفكه] . وقرأ زيد بن علي، وأبو عبد الرحمن - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، برفعهما على الابتداء، والخبر مقدر، أي: ولهم كذا. والمعنى يتخيّرون ما شاءوا من الفواكه لكثرتها. وقيل: المعنى: وفاكهة متخيرة مرضية، والتخير: الاختيار. وقوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ . قال ابن عبَّاس: يخطر على قلبه لحم الطَّير، فيصير ممتثلاً بين يديه على ما اشتهى، ثم يطير فيذهب. قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ . قرأ الأخوان: بجرّ «حُورٍ عينٍ» . والباقون: برفعهما. والنخعي: «وحيرٍ عينٍ» بقلب الواو ياء وجرهما. وأبيّ وعبد الله قال القرطبي والأشهب العقيلي وعيسى بن عمر الثقفي، وهو كذلك في مصحف أبيّ: «وحُوراً عيناً» بنصبهما. فأما الجر فمن أوجه: أحدها: أنه عطف على «جنَّات النَّعيم» كأنه قيل: هم في جنات وفاكهة ولحم وحور؛ قاله الزمخشري. قال أبو حيان: «وهذا فيه بعد وتفكيك كلام مرتبط بعضه ببعض، وهو فهم أعجمي» . قال شهاب الدين: «والذي ذهب إليه الزمخشري معنى حسن جدًّا، وهو على حذف مضاف أي: وفي مقارنة حور، وهو الذي عناه الزمخشري، وقد صرح غيره بتقدير هذا المضاف» . وقال الفرَّاء: الجر على الإتباع في اللفظ، وإن اختلفا في المعنى؛ لأن الحور لا يُطاف بهنّ. قال الشاعر: [الوافر] 4684 - إذَا مَا الغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْماً ... وزَجَّجْنَ الحَواجِبَ والعُيُونَا والعين لا تُزَجَّجُ، وإنَّما تُكَحَّل. وقال آخر: [مجزوء الكامل] 4685 - ورَأيْتُ زَوْجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا الثاني: أنه معطوف على «بِأكْوَابٍ» ، وذلك بتجوّز في قوله: «يَطُوفُ» ؛ إذ معناه ينعمون فيها بأكواب، وبكذا، وبحور. قاله الزمخشري. الثالث: أنه معطوف عليه حقيقة، وأن الولدان يطوفون عليهم بالحور أيضاً فإن فيه لذة لهم إذا طافوا عليهم بالمأكول؛ والمشروب، والمتفكه به، والمنكوح، وإلى هذا ذهب أبو عمرو بن العلاء وقطرب. ولا التفات إلى قول أبي البقاء: عطفاً على «أكْوَاب» في اللَّفظ دون المعنى؛ لأن الحور لا يُطافُ بها. وأما الرَّفْع فمن أوجه: أحدها: عطفاً على «ولْدَان» . أي: أن الحور يطفن عليهم بذلك كالولائد في الدُّنيا. وقال أبو البقاء: «أي يَطُفْن عليهم للتَّنعيم لا للخِدْمَة» . قال شهاب الدين: «وهو للخدمة أبلغ؛ لأنهم إذا خدمهم مثل أولئك، فما الظَّن بالمَوطُوءَات» . الثاني: أن يعطف على الضمير المستكنّ في «متكئين» ، وسوغ ذلك الفصل بما بينهما. الثالث: أن يعطف على مبتدأ وخبر حذفا معاً، تقديره: «لهم هذا كله وحور عين» قاله أبو حيَّان. وفيه نظر؛ لأنه إنما يعطف على المبتدأ وحده، وذلك الخبر له، ولما عطف هو عليه. الرابع: أن يكون مبتدأ خبره مضمر، تقديره: ولهم، أو فيها، أو ثمَّ حور. وقال الزمخشري: «عطف على وفيها حور عين، كبيت الكتاب» . يريد: كتاب سيبويه، والمرادُ بالبيت قولهُ: [الكامل] 4686 - بَادَتْ وغَيَّرَ آيَهُنَّ مَعَ البِلَى ... إلاَّ رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَبَاء ومُشَجَّجٌ أمَّا سواءُ قَذالِهِ ... فَبَدا وغيَّر سارهُ المَعْزاءُ عطف «مشجج» وهو مرفوع على «رواكد» ، وهو منصوب. الخامس: أن يكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: نساؤهم حور. قاله أبو البقاء. قال الكسائي: ومن قال: «وحُورٌ عينٌ» بالرَّفع، وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في «فَاكِهَةٍ ولحْمٍ» ؛ لأن ذلك لا يطاف به، وليس يطاف إلاَّ بالخمر وحدها. وأما النصب ففيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب بإضمار فعل، أي: يعطون، أو يؤتون حوراً. والثاني: أن يكون محمولاً على معنى «يطُوفُ عَليْهِمْ» ؛ لأن معناه: يعطون كذا وكذا، فعطف هذا عليه. وقال مكي: «ويجوز النَّصب على أن يحمل أيضاً على المعنى؛ لأن معنى» يطوف عليهم ولدان «بكذا وكذا، أي: يعطون كذا وكذا، ثم عطف» حوراً «على معناه» ، فكأنه لم يطلع [على أنها] قراءة. وأمَّا قراءة: «وحِيرٍ» فلمُجاورتها «عِين» ، ولأن الياء أخف من الواو، ونظيره في التَّعبير للمجاورة قولهم: «أخذه ما قدُم وما حدُث» - بضم دال - «حدُث» لأجل «قَدُم» ، وإذا أفرد منه فتحت داله فقط. وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «ورَبَّ السَّمواتِ وما أظْلَلْنَ، وربَّ الشَّياطين ومنْ أضْلَلْن» . [وقوله: «أيَّتُكُنَّ صاحبةُ الجملِ الأدْبَبِ، يَنْبَحُها كلاب الحوْأب» ، فكَّ الأدبب لأجل الحَوأبِ] . وقرأ قتادة: «وحورُ عِينٍ» بالرفع والإضافة ل «عين» . وابن مقسم: بالنَّصب والإضافة. وقد تقدم توجيه الرفع والنَّصْب. وأما بالإضافة: فمن إضافة الموصوف لصفته مؤولاً. وقرأ عكرمة: [ «وحَوْرَاء عَيْنَاء» بإفرادهما على إرادة الجنس] . وهذه القراءة تحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون نصباً كقراءة عبد الله وأبيٍّ. وأن يكون جرًّا كقراءة الأخوين؛ لأن هذين الاسمين لا يتصرَّفان، فهما محتملان للوجهين. وتقدم الكلام في اشتقاق العين. «كأمْثَال» : صفة، أو حال. و «جزاءً» : مفعول من أجله، أو مصدر، أي: يحزون جزاء. فصل في تفسير الآية قال المفسرون: «حورٌ» بيض، «عينٌ» ضخام الأعين، ﴿كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ أي المخزون في الصدف لم تمسّه الأيدي، ولم يقع عليه الغبار، فهو أشدّ ما يكون صفاء. وقوله: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ . قالت المعتزلة: هذا يدلُّ على أن يقال: الثواب واجب على الله - تعالى - لأن الجزاء لا يجوز الإخلال به. وأجيبوا بأنه لو صح ما ذكروا لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة؛ لأن العقل إذا حكم بأن ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أن القبيح من الله تعالى لا يوجد، علم أن الله تعالى يعطي هذه الأشياء، لأنها أجزية، وإيصال الثَّواب واجب، وأيضاً فكان لا يصح التمدّح به. قوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ . قال ابن عبَّاس: باطلاً وكذباً. و «اللَّغْو» : ما يلغى من الكلام. و «التأثيم» : مصدر أثمته، أي: قلت له: أثمت. قال محمد بن كعب: «ولا تأثيماً» ، أي: لا يؤثم بعضهم بعضاً. وقال مجاهد: ﴿لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً﴾ : شتماً ولا مأثماً. قوله: «إلاَّ قيلاً» ، فيه قولان: أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهذا واضح؛ لأنه لم يندرج تحت اللغو والتأثيم. والثاني: أنه متصل. وفيه بعد، وكأن هذا رأى أن الأصل: لا يسمعون فيها كلاماً، فاندرج عنده فيه. وقال مكّي: وقيل: منصوب ب «يَسْمَعُون» . وكأنه أراد هذا القول. قوله: ﴿سَلاَماً سَلاَماً﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنه بدل من «قيلاً» أي: لا يسمعون فيها إلا سلاماً سلاماً. الثاني: أنه نعت ل «قيلاً» . الثالث: أنه منصوب بنفس «قيلاً» ، أي: إلاَّ أن يقولوا: سلاماً سلاماً، وهو قول الزَّجَّاج. الرابع: أن يكون منصوباً بفعل مقدّر، ذلك الفعل محكيّ ب «قيلاً» تقديره: إلا قيلاً سلموا سلاماً. وقرىء: «سلامٌ» بالرفع. قال الزمخشري: «على الحِكايَةِ» . قال مكي: «ويجوز أن يكون في الكلام الرفع على معنى» سلام عليكم «ابتداء وخبر» وكأنه لم يعرفها قراءة. فصل في معنى الآية معنى «قيلاً سلاماً» أي: قولاً سلاماً. وقال عطاء: يُحَيِّي بعضهم بعضاً بالسَّلام. قال القرطبي: «والسَّلام الثاني بدل من الأول، والمعنى: إلا قيلاً يسلم فيه من اللغو، وقيل: تحييهم الملائكة، أو يحييهم ربهم عزَّ وجلَّ» . وكرَّر السَّلام إشارة إلى كثرة السلام عليهم، ولهذا لم يكرر قوله: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 58] . و «القيل» مصدر كالقول. قال ابن الخطيب: فيكون «قيلاً» مصدراً، لكن لا نظير له في «باب» فعل يفعل من الأجوف. وقيل: إنه اسم، والقول مصدر.

الواقعة 56:27

قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ . رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ . قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ . قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل] 4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] 4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] . ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» . فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ . أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] . وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] 4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ . أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ . قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» . أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] . قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ . العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» . وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» . وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. «وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» . قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ . قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. «وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» . «وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» . وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» . وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » . وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . قوله: «عُرُباً» . جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] 4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» . «وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » . وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة. قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» . وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» . وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» . قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ . في هذه «اللام» وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ . رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» . وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

الواقعة 56:28

قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ . رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ . قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ . قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل] 4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] 4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] . ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» . فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ . أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] . وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] 4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ . أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ . قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» . أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] . قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ . العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» . وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» . وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. «وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» . قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ . قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. «وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» . «وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» . وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» . وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » . وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . قوله: «عُرُباً» . جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] 4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» . «وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » . وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة. قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» . وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» . وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» . قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ . في هذه «اللام» وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ . رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» . وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

الواقعة 56:29

قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ . رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ . قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ . قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل] 4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] 4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] . ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» . فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ . أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] . وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] 4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ . أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ . قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» . أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] . قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ . العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» . وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» . وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. «وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» . قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ . قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. «وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» . «وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» . وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» . وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » . وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . قوله: «عُرُباً» . جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] 4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» . «وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » . وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة. قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» . وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» . وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» . قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ . في هذه «اللام» وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ . رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» . وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

الواقعة 56:30

قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ . رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ . قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ . قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل] 4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] 4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] . ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» . فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ . أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] . وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] 4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ . أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ . قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» . أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] . قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ . العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» . وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» . وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. «وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» . قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ . قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. «وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» . «وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» . وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» . وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » . وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . قوله: «عُرُباً» . جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] 4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» . «وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » . وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة. قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» . وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» . وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» . قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ . في هذه «اللام» وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ . رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» . وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

الواقعة 56:31

قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ . رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ . قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ . قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل] 4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] 4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] . ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» . فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ . أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] . وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] 4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ . أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ . قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» . أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] . قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ . العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» . وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» . وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. «وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» . قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ . قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. «وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» . «وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» . وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» . وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » . وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . قوله: «عُرُباً» . جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] 4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» . «وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » . وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة. قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» . وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» . وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» . قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ . في هذه «اللام» وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ . رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» . وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

الواقعة 56:32

قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ . رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ . قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ . قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل] 4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] 4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] . ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» . فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ . أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] . وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] 4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ . أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ . قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» . أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] . قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ . العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» . وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» . وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. «وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» . قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ . قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. «وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» . «وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» . وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» . وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » . وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . قوله: «عُرُباً» . جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] 4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» . «وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » . وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة. قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» . وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» . وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» . قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ . في هذه «اللام» وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ . رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» . وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

الواقعة 56:33

قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ . رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ . قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ . قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل] 4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] 4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] . ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» . فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ . أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] . وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] 4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ . أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ . قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» . أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] . قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ . العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» . وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» . وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. «وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» . قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ . قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. «وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» . «وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» . وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» . وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » . وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . قوله: «عُرُباً» . جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] 4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» . «وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » . وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة. قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» . وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» . وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» . قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ . في هذه «اللام» وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ . رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» . وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

الواقعة 56:34

قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ . رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ . قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ . قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل] 4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] 4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] . ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» . فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ . أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] . وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] 4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ . أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ . قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» . أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] . قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ . العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» . وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» . وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. «وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» . قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ . قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. «وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» . «وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» . وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» . وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » . وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . قوله: «عُرُباً» . جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] 4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» . «وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » . وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة. قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» . وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» . وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» . قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ . في هذه «اللام» وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ . رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» . وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

الواقعة 56:35

قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ . رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ . قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ . قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل] 4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] 4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] . ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» . فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ . أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] . وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] 4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ . أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ . قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» . أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] . قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ . العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» . وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» . وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. «وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» . قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ . قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. «وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» . «وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» . وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» . وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » . وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . قوله: «عُرُباً» . جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] 4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» . «وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » . وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة. قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» . وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» . وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» . قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ . في هذه «اللام» وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ . رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» . وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

الواقعة 56:36

قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ . رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ . قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ . قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل] 4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] 4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] . ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» . فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ . أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] . وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] 4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ . أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ . قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» . أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] . قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ . العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» . وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» . وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. «وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» . قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ . قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. «وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» . «وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» . وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» . وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » . وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . قوله: «عُرُباً» . جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] 4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» . «وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » . وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة. قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» . وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» . وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» . قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ . في هذه «اللام» وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ . رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» . وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

الواقعة 56:37

قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ . رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ . قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ . قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل] 4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] 4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] . ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» . فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ . أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] . وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] 4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ . أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ . قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» . أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] . قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ . العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» . وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» . وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. «وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» . قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ . قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. «وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» . «وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» . وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» . وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » . وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . قوله: «عُرُباً» . جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] 4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» . «وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » . وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة. قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» . وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» . وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» . قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ . في هذه «اللام» وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ . رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» . وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

الواقعة 56:38

قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ . رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ . قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ . قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل] 4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] 4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] . ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» . فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ . أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] . وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] 4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ . أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ . قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» . أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] . قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ . العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» . وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» . وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. «وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» . قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ . قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. «وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» . «وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» . وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» . وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » . وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . قوله: «عُرُباً» . جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] 4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» . «وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » . وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة. قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» . وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» . وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» . قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ . في هذه «اللام» وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ . رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» . وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

الواقعة 56:39

قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ . رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ . قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ . قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل] 4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] 4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] . ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» . فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ . أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] . وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] 4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ . أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ . قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» . أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] . قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ . العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» . وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» . وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. «وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» . قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ . قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. «وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» . «وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» . وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» . وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » . وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . قوله: «عُرُباً» . جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] 4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» . «وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » . وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة. قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» . وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» . وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» . قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ . في هذه «اللام» وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ . رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» . وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

الواقعة 56:40

قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ . رجع إلى ذكر أصحاب الميمنة، والتكرير لتعظيم شأن النَّعيم. فإن قيل: ما الحكمة في ذكرهم بلفظ «أصحاب الميمنة» عند تقسيم الأزواج الثلاثة؟ فلفظ «أصحاب الميمنة» «مَفْعَلَة» إمَّا بمعنى موضع اليمين [كالحكمة موضع الحكم، أي: الأرض التي فيها «اليمن» ، وإمَّا بمعنى موضع اليمين] كالمنارة موضع النار، والمِجْمَرة موضع الجمرة، وكيفما كان، فالميمنة فيها دلالة على الموضع، لكن الأزواج الثلاثة في أول الأمر يتميزون بعضهم عن بعض ويتفرَّقون، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14] ، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: 43] فيتفرقون بالمكان، فأشار إليهم في الأول بلفظ يدلّ على المكان، ثم عند الثواب وقع تفريقهم بأمر منهم لا بأمر هم فيه وهو المكان، فقال: «وأصْحَابُ اليَمِينِ» أي الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم. وقيل: أصحاب القوة. وقيل: أصحاب النور. قوله: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ . قال ابن عبَّاس وغيره: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في نَبْق قد خُضِدَ شَوْكُه. وذكر ابن المبارك قال: أخبرنا صفوان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقولون: إنه لينفعنا الأعراب ومسائلهم، قال: «أقبل أعرابي يوماً، فقال: يا رسول الله: لقد ذكر الله شجرة في القرآن مُؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها؟ . فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ومَا هِيَ؟ . قال: السِّدْر، فإن له شوكاً مؤذياً، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أو لَيْسَ يقولُ:» سِدْرٌ مخْضُودٌ «خضد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً، يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام، ما فيه لون يشبه الآخر» » . وقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى «وجٍّ» - وهو واد ب «الطائف» مخصب - فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذه، فنزلت. قال أمية بن أبي الصَّلت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يصف الجنَّة: [الكامل] 4687 - إنَّ الحَدَائِقَ في الجِنَانِ ظَليلَةٌ ... فِيهَا الكَواعِبُ سِدْرُهَا مَخْضُودُ وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: «في سدر مخضود» هو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ . و «الطَّلْحُ» : جمع الطَّلحة. قال علي وابن عباس وأكثر المفسرين: الطَّلْح: شجر الموز، واحده طلحة. وقال الحسن: ليس موزاً، ولكنه شجر له ظل بارد رطب. وقال الفرَّاء وأبو عبيدة: شجر عظام له شوك. قال الجعديُّ: [الرجز] 4688 - بَشَّرها دليلُها وقَالاَ ... غَداً تَريْنَ الطَّلْحَ والحِبَالا ف «الطَّلْح» : كل شجر عظيم كثير الشوك. وقال الزجاج: هو شجر أم غيلان. وقال مجاهد: ولكن ثمرها أحلى من العسل. وقال الزجاج: لها نور طيب جدًّا فخوطبوا ووعدوا بما يحبون مثله إلاَّ أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا. وقال السُّدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل. وقوله: «مَنْضُودٍ» . أي متراكب. قال المفسرون: موقور من الحمل حتى لا يبين ساقه من كثرة ثمره، وتثني أغصانه. وقرأ علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وعبد الله، وجعفر بن محمد: «وطَلْعٍ» بالعين، لقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] . ولما قرأ عليٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «وما شأن الطَّلْح» واستدل بقوله ﴿لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾ [ق: 10] ، فقيل: أنحولها؟ فقال: لا ينبغي أن يُهَاج القرآن اليوم ولا يحوَّل. فقد اختار هذه القراءة، ويروى عن ابن عباس مثله. قال القرطبي: «فلم ير إثباتها في المصحف لمخالفة ما رسمه مجمع عليه، قاله القشيري وأسنده أبو بكر بن الأنباري بسنده إلى عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه» . فصل في المراد بالآية قال ابن الخطيب: المخضود: المأخوذ الشوك. وقيل: المتعطف إلى أسفل، فإن رءوس أغصان السِّدر في الدنيا تميل إلى فوق لعدم ما يثقله بخلاف أشجار الجنة فإن رءوسها تتدلَّى. والظاهر: أن الطَّلح شجر الموز، وذكر طرفين ليندرج ما بينهما، فإن ورق السِّدْر صغير، وورق الطلح وهو الموز كبير، وبينهما أنواع من الأوراق متوسطة كما ذكر في النخل والرمان، كقولهم: فلان يرضي الصغير والكبير، فيدخل ما بينهما. و «المَنْضُود» : المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره بالحمل، ليست له سوقٌ بارزة، بل هو مرصوص. و «النّضد» : هو الرَّص، و «المنضود» : المرصوص. قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيدة، ثمر كله كلما أكلت ثمرة عاد مكانها أحسن منها. قوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ . أي: دائم باقٍ لا يزول، ولا تنسخه الشمس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ [الفرقان: 45] . وذلك بالغداةِ، وهي ما بين الإسفار إلى طلوع الشمس، والجنة كلها ظل لا شمس معه. قال ابن الخطيب: إنَّ الشمس إذا كانت تحت الأرض يقع ظلها في الجو، فيتراكم الظل فيسودّ وجه الأرض، وإذا كانت الشمس في أحد جانبي الأرض من الأفق، فينبسط الظل على وجه الأرض، فيضيء الجو ولا يسود وجه الأرض، فيكون في غاية الطيبة، فقوله: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: كالظل بالليل، وعلى هذا فالظل ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى. وقال الربيع بن أنس: يعني ظل العرش. وقال عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة. وقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل [والعمر الطويل] والشيء الذي لا ينقطع: ممدود. قال الشاعر: [الكامل] 4689 - غَلَبَ العَزَاءُ وكُنْتُ غَيْرَ مُغَلَّبٍ ... دَهْرٌ طويلٌ دائمٌ مَمْدُودُ وفي «صحيح الترمذي» وغيره عن أبي هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «في الجَنَّة شَجَرةٌ يسيرُ الرَّاكِبُ في ظلِّها مائة عامٍ، لا يَقْطَعُهَا، اقرءوا إن شِئْتُم: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » . وهذا الحديث يرد قول ابن الخطيب من أنه ليس ظل الأشجار. قوله: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ . أي: مصبوب بكثرة. وقيل: جارٍ لا ينقطع. وأصل السَّكْب: الصَّب، يقال: سَكَبَهُ سَكْباً، والسكوب: انصبابه، يقال: سَكَبَ سُكُوباً. وانصب انسكب انسكاباً. ومعنى الآية: وماء مصبوب يجري في غير أخدود لا ينقطع عنهم. قال ابن الخطيب: معناه: مسكوب من فوق؛ لأن أكثر ماء العرب من الآبار والبرك فلا ينسكب. وقيل: جارٍ في غير أخدود [بأبحر] الهواء. وكانت العرب أصحاب بادية، [وبلادها] حارة، وكانت الأنهار في بلادهم عزيزة لا يصلون إلى الماء إلا بالدَّلو والرِّشاء، فوعدوا في الجنة خلاف ذلك. قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ . قرىء: برفع «فاكِهَةٌ» . أي: وهناك، أو ولهم، أو فيها، أو وثمَّ فاكهة. قال ابن الخطيب: لما ذكر الأشجار التي يطلب منها ورقها، وذكر بعدها الأشجار التي يقصد بها ثمرها، ذكر الفاكهة بعد ذكر الأشجار انتقالاً من نعمة إلى نعمة، ووصفت بالكثرة دون الطيب واللذة؛ لأن الفاكهة تدل عليها. قوله: «لا مقطوعةٍ» . فيه وجهان: أظهرهما: أنه نعت ل «فاكهة» ، و «لا» للنَّفي، كقولك: «مررت برجل لا طويل ولا قصير» ولذلك لزم تكرارها. والثاني: هو معطوف على «فاكهة» ، و «لا» عاطفة. قاله أبو البقاء. وحينئذ لا بد من حذف موصوف، أي: لا فاكهة مقطوعة، لئلاَّ تعطف الصفة على موصوفها. والمعنى: ليست كفواكه الدُّنيا تنقطع في أوقات كثيرة، وفي كثير من المواضع، «ولا ممنوعة» أي: لا تمنع من الناس لغلوّ أثمانها. وقيل: لا يحظر عليها كثمار الدنيا. وقيل: لا تمنع من أرادها بشوك، ولا بُعد ولا حائط، بل إذا اشتهاها العبد دنت منه حتى يأخذها، قال تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 14] . قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ . العامة: على ضم الراء، جمع: «فِرَاش» . وأبو حيوة: بسكونها، وهي مخففة من المشهورة. و «الفُرُش» : قيل: هي الفراش المعهُودة، مرفوعة على الأسرة. وقيل: هي كناية عن النساء كما كنى عنهن باللِّباس، أي: ونساء مرتفعات الأقدار في حسنهن وكمالهن، والعرب تسمي المرأة فراشاً ولباساً وإزاراً، قاله أبو عبيدة وغيره. قالوا: ولذلك أعاد الضمير عليهن [في قوله] : «إنَّا أنْشَأناهُنّ» . وأجاب غيرهم بأنه عائد على النساء الدَّال عليهن الفراش. وقيل: يعود على الحور المتقدمة. وعن الأخفش: «هُنّ» ضمير لمن لم يجر له ذكر، بل يدل عليه السياق. وقيل: مرفوعة القدر، يقال: ثوب رفيع أي: [عزيز] مرتفع القدر والثمن، بدليل قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54] فكيف ظهائرها؟ وقيل: مرفوعة بعضها فوق بعض. «وروى التِّرمذي عن أبي سعيد عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال:» ارْتفَاعُهَا كما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرةَ خَمْسمائة عامٍ «قال: حديث غريب» . قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ . قيل: الضَّمير يعود (على) الحُور العين، أي: خلقناهن من غير ولادة. وقيل: المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر. والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم. «وروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال:» مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ «» . «وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، فقال:» يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ «» . وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ قال: «هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً» . وعن المسيب بن شريك: «قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ ، قال:» هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً» فلما سمعت عائشة بذلك قالت: واوجعاه، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ هُناكَ وجعٌ» » . وعن الحسن قال: «أتت عجوز النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال:» يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ «، قال: فولَّت تبكي، فقال: أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » . قوله: «عُرُباً» . جمع «عَرُوب» ك «صَبُور، وصُبُر» ، والعَرُوب: المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب» إذا بين. فالعروب: تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة. وقيل: الحسناء. وقيل: المحسِّنة لكلامها. وقرأ حمزة، وأبو بكر: بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش» . وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: هنّ العواشق. وأنشد للبيد: [البسيط] 4690 - وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ ويروى: [البسيط] 4691 - وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ... ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما: العُرُب، العواشق لأزواجهن. وعن عكرمة: العَرُوبة: الغَنِجَة. قال ابن زيدٍ: بلغة أهل «المدينة» ، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة» . «وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله تعالى:» عُرُباً» قال: «كلامُهنَّ عَربيٌّ» » . وعن ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «العَرُوب» الملقة. قوله: «أتْرَاباً» جمع «تِرْب» ، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة؛ لأنه في معنى الصفة؛ إذ معناه «مساويك» ، ومثله: «خِدنُك» لأنه في معنى صاحبك. قال القرطبي: «سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء: أتْرَاب، وفي الرجال: أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر» . وقال مجاهد: الأتْراب: الأمثال والأشكال. وقال السُّدي: أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد. وروى أبو هريرة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ» . وعنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - قال: «مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ» . قوله: ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ . في هذه «اللام» وجهان: أحدهما: أنها متعلقة ب «أنْشَأْنَاهُنَّ» أي لأجل أصحاب اليمين. والثاني: أنها متعلقة ب «أتْرَاباً» كقولك: هذا تربٌ لهذا، أي: مُسَاو له. وقيل: الحور العين: للسَّابقين، والأتْرَاب العُرُب: لأصحاب اليمين. قوله: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ . رجع الكلام إلى قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27] أي هم ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين، وقد مضى الكلام في معناه. وقال أبو العالية، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح والضحاك: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ يعني: من سابقي هذه الأمة، ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ من هذه الأمة من آخرها. بدليل ما «روي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ثلة من الأولين، وثلة من الآخرين﴾ ، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» جَمِيعاً مِنْ أمَّتِي «» . وقال الواحدي: «أصحاب الجنة نصفان: نصف من الأمم الماضية، ونصف من هذه الأمة» . ويرد هذا ما روى ابن ماجه في «سننه» والترمذي في «جامعه» عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أهْلُ الجنَّةِ عِشْرُونَ ومائة صنف، ثمانُون منْهَا من هذهِ الأمَّةِ، وأربعُونَ من سَائِرِ الأمَمِ» . قال الترمذي: هذا حديث حسن. و «ثُلَّةٌ» رفع على الابتداء، أو على حذف خبر حرف الصفة، ومجازه: لأصحاب اليمين ثلَّتان: ثلّة من هؤلاء، وثلّة من هؤلاء. فالأوَّلُون: الأمم الماضية، والآخرون: هذه الأمة على قول الواحدي.

الواقعة 56:41

قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ . لما ذكر منازل أهل الجنة وسمَّاهم أصحاب اليمين، ذكر منازل أهل النَّار، وسمَّاهم أصحاب الشمال؛ لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، ثم عظم ذكرهم في البلاء والعذاب، فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الشمال فِي سَمُومٍ﴾ وهي الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن، والمراد بها حر النار ولهيبها. وقيل: ريح حارة تهب فتمرض أو تقتل، وأصله من السم كسمّ الحية والعقرب وغيرهما. قال ابن الخطيب: «ويحتمل أن يكون هو السّم، والسّم يقال في خرم الإبرة، قال تعالى: ﴿حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط﴾ [الأعراف: 40] ؛ لأن سم الأفعى ينفذ في مسام البدن» . وقيل: السموم يختص بما يهبّ ليلاً، وعلى هذا فقوله: «سَمُومٍ» إشارة إلى ظلمة ما هم فيه. و «الحَمِيم» : هو الماء الحارّ الذي قد انتهى حره، فهو «فَعِيل» بمعنى «فاعل» من حَمِمَ الماء، أو بمعنى «مفعول» من حم الماء إذا سخنه. وقوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ . «اليَحْمُوم» وزنه «يَفْعُول» . قال أبو البقاء: «من الحمم، أو الحميم» . قال القرطبي: «هو» يَفْعُول، من الحم، وهو الشحم المسود باحتراق النار، وقيل: مأخوذ من الحُمَم وهو الفحم. و «اليَحْمُوم» : قيل: هو الدُّخان الأسود البهيم. وقيل: هو وادٍ في جهنم. وقيل: اسم من أسمائها. والأول أظهر. وقيل: إنه الظُّلمة، وأصله من الحمم، وهو الفَحْم، فكأنه لسواده فحم، فسمي باسم مشتق منه، وزيادة الحرف فيه لزيادة ذلك المعنى فيه، وربما تكون الزيادة فيه جامعة بين الزيادة في سواده، والزيادة في حرارته. قال ابن الخطيب: وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائماً؛ لأنهم إن تعرَّضوا لمهبّ الهواء أصابهم السَّمُوم، وإن استكنُّوا كما يفعله الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان في الكِنِّ يكون في ظل من يحموم، وإن أراد التبرُّد بالماء من حرّ السموم يكون الماء من حميم، فلا انفكاك له من العذاب، أو يقال: إنَّ السموم يعذبه فيعطش، وتلتهب نار السَّموم في أحشائه، فيشرب الماء، فيقطع أمعاءهُ، فيريد الاستظلال بظلّ، فيكون ذلك الظلّ ظل اليَحْمُوم. وذكر السموم دون الحميم دون النَّار تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، كأنه قيل: أبرد الأشياء في الدنيا حارّ عندهم فكيف أحرها. قال الضَّحاك: النار سوداء، وأهلها سُود، وكل ما فيها أسود. قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ صفتان للظلّ، كقوله: «مِنْ يَحْمُومٍ» . وفيه أنه قدم غير الصريحة على الصريحة، فالأولى أن تجعل صفة ل «يحموم» ، وإن كان السياق يرشد إلى الأول. وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿لا بَارِدٌ ولا كريمٌ﴾ برفعهما: أي: «هُوَ لا بَارِدٌ» . كقوله: [الكامل] 4692 - ... ... ... ... ... ... ... ..... فَأبِيتُ لا حَرجٌ ولا مَحْرُومُ قال الضَّحاك: «لا بَارِدٍ» بل حار؛ لأنه من دخان سعير جهنم، «ولا كَرِيم» عذب. وقال سعيد بن المسيّب: ولا حسن منظره، وكل ما لا خير فيه، فليس بكريم. وقيل: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من النَّار يعذبون بها كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: 16] . قال الزمخشري: «كرم الظل نفع الملهوف، ودفع أذى الحرّ عنه» . قال ابن الخطيب: ولو كان كذلك لكان البارد والكريم بمعنى واحد، والأقوى أن يقال: فائدة الظل أمران: أحدهما: دفع الحر. والآخر: كون الإنسان فيه مكرماً؛ لأن الإنسان في البرد يقصد الشمس ليدفأ بحرّها إذا كان قليل الثِّياب، وفي الحرّ يطلب الظِّل لبرده، فإذا كان من المكرمين يكون أبداً في مكان يدفع الحر والبرد عن نفسه، فيحتمل أن يكون المراد هذا. ويحتمل أن يقال: الظل يطلب لأمر حسّي، وهو يرده، ولأمر عقلي وهو التّكرمة، وهذا معنى ما نقله الواحدي عن الفرَّاء بنفي كل شيء مستحسن، فيقولون: «الدار لا واسعة ولا كريمة» . قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ . أي: إنما استحسنوا هذه العقوبة؛ لأنهم كانوا في الدنيا متنعّمين بالحرام. و «المُتْرَف» : المنعم. قاله ابن عباس وغيره. وقال السُّدي: «مُتْرَفينَ» أي: مشركين. قوله: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ . الحِنْثُ في أصل كلامهم: العدل الثقيل، وسمي به الذنب والإثم لثقلهما، قاله الخطابي. وفلان حَنِثَ في يمينه، أي لم يَفِ به؛ لأنه يأثم غالباً، ويعبر بالحِنْثِ عن البُلُوغ، ومنه قوله: «لَمْ يَبْلغوا الحِنْثَ» . وإنما قيل ذلك؛ لأن الإنسان عند بلوغه إيَّاه يؤاخذ بالحنث، أي: بالذنب، وتَحَنَّثَ فلان، أي جانب الحِنْث. وفي الحديث: «كَانَ يَتَحَنَّثُ بِغَارِ حِرَاءَ» ، أي: يتعبّد لمُجانبته الإثم، نحو: «تَحَرَّجَ» فتفعَّل في هذه كلِّها للسَّلْب. فصل في تفسير الآية قال الحسن، والضحاك، وابن زيد: ﴿يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ أي: يقيمون على الشرك. وقال قتادة ومجاهد: الذَّنْب العظيم الذي لا يتوبون منه. وقال الشَّعبي: هو اليمين الغَمُوس، وهي من الكبائر، يقال: حنث في يمينه، أي: لم يبرّها ورجع فيها، وكانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنْداد الله فذلك حنثهم. فصل في الحكمة من ذكر عذاب هذه الطائفة قال ابن الخطيب: والحكمة في ذكره سبب عذابهم، ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم، فلم يقل: إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين، وذلك تنبيه على أن ذلك الثواب منه فضل، والعقاب منه عدل، والفضل سواء ذكر سببه، أو لم يذكره لا يتوهّم بالمتفضل نقص وظلم. وأمَّا العدل إن لم يعلم سبب العقاب، يظن أن هناك ظلماً، ويدلّ على أنه تعالى لم يقل في أصحاب اليمين: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: 24] كما قاله في السَّابقين؛ لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل، بخلاف من كثرت حسناته يحسن إطلاق الجزاء في حقه. واعلم أن المترف هو المنعم، وذلك لا يوجب ذمًّا، وإنما حصل لهم الذم بقوله: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ ، فإن صدور المعاصي ممن كثرت النِّعم عليه [من] أقبح القبائح، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ، ولم يشكروا نعم الله، بل أصروا على الذنب العظيم. وفي الآية مبالغة؛ لأن قوله: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ﴾ يقتضي أن ذلك عادتهم، والإصرار على مُدَاومةِ المعصية والحنث أبلغ من الذنب؛ لأن الذنب يطلق على الصغيرة، ويدل على ذلك قولهم: «بَلَغَ الحِنْثَ» أي: بلغ مبلغاً تلحقه فيه الكبيرة. وأما الصغيرة فتلحقُ الصغير، فإن وليَّهُ يعاقبه على إسَاءَة الأدب، وترك الصلاة، ولأن وصفه بالعظيم مبالغة. قاله ابن الخطيب. قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا﴾ الآية. هذا استبعاد منهم للبعث وتكذيب له، وقد تقدّم الكلام على ذلك في «والصَّافات» ، وتقدم الكلام على الاستفهامين في سورة «الرَّعْد» . فإن قيل: كيف أتى ب «اللام» المؤكدة في قوله تعالى: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ ، مع أن المراد هو النفي، وفي النفي لا تدخل «اللام» في خبر «إنَّ» ، تقول: «إنَّ زيداً ليجيء، وإنَّ زيداً لا يجيء» فلا تذكر «اللام» ، ومرادهم بالاستفهام: الإنكار، بمعنى إنا لا نبعث؟ . فالجواب من وجهين: أحدهما: عند التصريح بالنفي وصيغته، يجب التصريح بالنفي وصيغته. والثاني: أنهم أرادوا تكذيب من يخبر عن البعث، فذكروا أن المخبر عنه يبالغ في الإخبار، ونحن ننكر مبالغته وتأكيده، فحكوا كلام المخبر على طريقة الاستفهام والإنكار، ثم إنهم أشاروا في الإنكار إلى أمور اعتقدوها مقررة لصحة إنكارهم، فقالوا: «أئِذَا مِتْنَا» ثم لم يقتصروا عليه، بل قالوا بعده: ﴿وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً﴾ أي: وطال عهدنا بعد كوننا أمواتاً حتى صارت اللحوم تراباً، والعظامُ رفاتاً ثم زادوا وقالوا: مع هذا يقال لنا: إنكم لمبعوثون بطريق التأكيد من ثلاثة أوجه: أحدها: استعمال «إنَّ» . ثانيها: إثبات «اللام» في خبرها. ثالثها: ترك صيغة الاستقبال، والإتيان بالمفعول كأنه كائن، ثم زادوا وقالوا: ﴿أَوَ آبَآؤُنَا الأولون﴾ فقال الله تعالى لهم: «قُلْ» يا محمد ﴿إِنَّ الأولين﴾ من آبائكم، و ﴿والآخرين﴾ منكم ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ يعني: يوم القيامة. ومعنى الكلام: القسم ودخول «اللام» في قوله تعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ هو دليل القسم في المعنى، أي: إنكم لمجمُوعون قسماً حقًّا، بخلاف قسمكم الباطل. قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضآلون﴾ عن الهدى ﴿المكذبون﴾ بالبعث ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ ، وهو شجر كريه المَنْظَر كريه الطعم، وهو المذكور في سورة «والصَّافَّات» . وهذا الخطاب عامّ، وقيل: لأهل «مكة» ، وهو من تمام كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقدم هنا الضَّالين على المكذبين في آخر السورة، قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين﴾ [الواقعة: 92] ، فقدم المكذبين على الضَّالين؛ لأنهم هنا أصرُّوا على الحنث العظيم فضلوا عن السبيل، ثم كذبوا الرسول، وقالوا: «أئذا مِتْنَا» . وفي آخر السورة قدم المكذبين بالحشر على الضالين عن طريق الخلاص، أو يقال: إنَّ الكلام هنا مع الكُفَّار وهم ضلوا أولاً، وكذبوا ثانياً، وفي آخر السورة الكلام مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقدم التكذيب به إظهاراً للعناية به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله: ﴿مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أن تكون «من» الأولى لابتداء الغاية، والثانية للبيان، أي: مبتدئون الأكل من شجر هو زقوم. الثاني: أن تكون «من» الثَّانية صفة ل «شجر» فيتعلق بمحذوف أي: مستقر. الثالث: أن تكون الأولى مزيدة، أي: لآكلون شجراً، و «من» الثانية على ما تقدم من الوجهين. الرابع: عكس هذا، وهو أن تكون الثانية مزيدة، أي: لآكلون زقُّوماً، و «من» الأولى للابتداء في محل نصب على الحال من «زقّوم» أي: كائناً من شجر، ولو تأخَّر لكان صفة. الخامس: أن «من شجر» صفة لمفعول محذوف، أي: لآكلون شيئاً من شجر و «مِنْ زقُّومٍ» على هذا نعت ل «شجر» أو لشيءٍ محذوف. السادس: أن الأولى للتبعيض، والثانية بدل منها. قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون﴾ . الضمير في «منها» عائد على الشجر، وفي «عليه» للشجر أيضاً. وأنه يجوز تذكير اسم الجنس وتأنيثه، وأنهما لغتان. وقيل: الضمير في «عليه» عائد على «الزَّقُّوم» . وقال أبو البقاء: للمأكول. وقال ابن عطية: «للمأكول أو الأكل» انتهى. وفي قوله: «الأكْل» بُعْد. وقال الزمخشري: «وأنّث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في» منها» و «عليه» ، ومن قرأ: ﴿مِن شَجَرَةٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ فقد جعل الضميرين للشجرة، وإنما ذكر الثاني على تأويل الزقوم؛ لأنه تفسيرها» . فصل في تحرير معنى الزقوم قال ابن الخطيب: «اختلفت أقوال الناس في» الزقوم» ، وحاصل الأقوال يرجع إلى كون ذلك في الطَّعم مرًّا، وفي اللمس حارًّا، وفي الرائحة منتناً، وفي المنظر أسود لا يكاد آكله يَسيغهُ. والتحقيق اللغوي فيه أن الزَّقوم لغة عربية، ودلنا تركيبه على قبحه؛ لأن» ز ق م «لم يجتمع إلا في مهمل، أو في مكروه. يقال منه: مَزَقَ يَمْزقُ، ومنه: زَمَقَ شعره إذا نتفه، ومنه» القَزْمُ» للدَّناءة واللؤم. وأقوى من هذا أن «القاف» مع كل حرف من الحرفين الباقيين يدل في أكثر الأمر على مكروه، فالقاف مع «الميم» ك «القمامة والتَّقَمْقُم والقُمْقُمة» ، وبالعكس «المقامق» لتغليظ الصوت، و «المَقْمَقَة» هو الشق. وأما القاف مع الزاي ف «الزق» رمي الطائر بذرقه، والزَّقْزقة: للخفة، وبالعكس - القزنوب - فينفر الطَّبع من تركيب الكلمة من حروف اجتماعها دليل الكراهة والقُبْح، ثم قرن بالأكل، فدلَّ على أنه طعام ذو غُصَّة. وأما ما يقال: بأن العرب تقول: «زَقَمْتَنِي» بمعنى: أطعمتني الزّبد والعسل واللَّبن، فذلك للمجانة، كما يقال: ارشقني بثوب حسن، وارجمني بكيس من ذهب» . وقد تقدم الكلام على الزَّقُوم في «والصَّافات» . وقوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون﴾ . بيان لزيادة العذاب، أي: لا يكتفى منكم بنفس الأكل، كما يكتفى ممن يأكل الشَّيء لتحلّة القسم، بل يلزمون منها بأن يملئوا منها البطون. وقوله: «البُطُون» إما مقابلة الجمع بالجمع، أي: يملأ كل واحد منكم بطنه. وإما أن يكون لكل واحد بطون، ويكون المراد منه ما في بطن الإنسان، وهم سبعة أمعاء فيملئون بطون الأمعاء، والأول أظهر، والثاني أدخل في التعذيب. قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أي: على الأكل، أو على الزَّقوم لأجل مرارته وحرارته يحتاجون إلى شرب الماء فيشربون من الماء الحار. قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ . وهذا أيضاً بيان لزيادة العذاب، أي: لا يكون شربكم كمن شرب ماء حارًّا مُنْتِناً، فيمسك عنه، بل يلزمون أن يشربوا منه مثل ما يشرب الأهْيم، وهو الجمل العطشان، فيشرب ولا يروى. وقرأ نافع وعاصم وحمزة: بضم الشين من «شُرْب» . وباقي السبعة بفتحها. ومجاهد وأبو عثمان النهدي: بكسرها. فقيل: الثلاث لغات في مصدر «شرِبَ» ، والمقيس منها إنما هو المفتوح، والمضموم والمكسور اسمان لما يشرب ك» الرَّعْي «و» الطَّحْن» . قال القرطبي: «تقول العرب:» شَرِبْتُ شُرْباً وشَرْباً وشِرْباً وشُرُباً «بضمتين» . قال أبو زيد: سمعت العرب تقول: بضم الشِّين وفتحها وكسرها. والفتح هو المصدر الصحيح؛ لأن كل مصدر من ذوات الثلاثة فأصله «فَعْل» ؛ ألا ترى أنك تردّه إلى المرة الواحدة، فتقول: «فَعْلَة» نحو «شَرْبة» . وقال الكسائي يقال: «شربت شُرْباً وشَرْباً» . ويروى قول جعفر: «أيَّامُ مِنى أيَّام أكْلٍ وشَرْب» . ويقال: بفتح الشين، والشرب في غير هذا اسم للجماعة الشَّاربين. قال: [البسيط] 4693 - كأنَّهُ خَارِجاً مِنْ جَنْبِ صَفْحَتِهِ ... سَفُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عندَ مُفتأدِ و «الهِيْم» فيه أوجه: أحدها: أنه جمع «أهْيَم أوْ هَيْمَاء» ، وهو الجمل والنَّاقة التي أصابها الهيام، وهو داء معطش تشرب الإبل منه إلى أن تموت، أو تسقم سقماً شديداً. والأصل: «هُيْم» - بضم «الهاء» - ك «أحْمر وحُمْر، وحَمرَاء وحُمْر» فقلبت الضمة كسرة لتصح «الياء» ، وذلك نحو «بِيض» في «أبْيَض» . وأنشد لذي الرّمة: [الطويل] 4694 - فأصْبَحْتُ كالهَيْمَاءِ، لا المَاءُ مُبْرِدٌ ... صَداهَا، ولا يَقْضِي عليْهَا هُيَامُهَا الثاني: أنَّه جمع «هَائِم وهَائمة» من «الهيام» أيضاً، إلا أن جمع «فَاعِل وفاعِلَة» على «فُعل» قليل، نحو: «نَازِل ونُزُل، وعائذ وعُوذ» . ومنه: [الطويل] 4695 - ... ... ... ... ... ... ... ..... عُوذٍ مَطَافِلِ وقوله: «العوذ المطافيل» . وقيل: هو من «الهيَام» وهو الذهاب؛ لأن الجمل إذا أصابه ذلك هَامَ على وجهه. الثالث: أنه جمع «هَيَام» بفتح الهاء، وهو الرمل غير المتماسك الذي لا يروى من الماء أصلاً، فيكون مثل «سَحَاب وسُحُب» - بضمتين - ثم خفف بإسكان عينه ثم كسرت فاؤه لتصحّ «الياء» كما فُعِلَ بالذي قبله. [الرابع: أنه جمع «هُيَام» - بضم الهاء - وهو الرمل المتماسك، مبالغة في «الهيام» بالفتح. حكاها ثعلب. إلا أن المشهور الفتح، ثم جمع على «فُعُل» نحو: «قَرَاد وقُرُد» ، ثم خفف وكسرت فاؤه] [لتصح «الياء» ] . وفي «الصحاح» : «والهُيَام - بالضَّم - أشدّ العطش، و» الهيام» كالجنون من العشق، و «الهَيْمَاء» أيضاً: المفازة لا ماء بها، و «الهِيَام» - بالكسر - العطاش» . والمعنى: أنَّهم يصيبهم من الجُوع ما يلجئهم إلى أكل الزَّقُّوم، ومن العطش ما يضطرهم إلى شُرْب الهيم. وقال الزمخشري: «فإن قلت: كيف صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات واحدة، وصفتان متفقتان، فكان عطفاً للشيء على نفسه؟ . قلت: ليستا متفقتين من حيث إن كونهم شاربين على ما هو عليه من تناهِي الحرارة وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الماء أمر عجيب أيضاً، فكانتا صفتين مختلفتين» . انتهى. يعني قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحميم فَشَارِبُونَ﴾ . وهو سؤال حسن، وجوابه مثله. وأجاب بعضهم عنه بجواب آخر، وهو أن قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ تفسير للشرب قبله. ألا ترى أنَّ ما قبله يصلح أن يكون [مثل] شرب الهيم، ومثل شرب غيرها، ففسره بأنه مثل شرب هؤلاء البهائم أو الرمال، وفي ذلك فائدتان: إحداهما: التنبيه على كثرة شربهم منه. والثانية: عدم جَدْوى الشرب، وأن المشروب لا ينجع فيهم كما لا ينجع في الهِيْمِ على التفسيرين. وقال أبو حيَّان: «» والفاء «تقتضي التعقيب في الشربين، وأنهم أولاً لما عطشوا شربُوا من الحميم ظنًّا منهم أنه ليسكن عطشهم، فازدادوا عطشاً بحرارة الحميم، فشربوا بعده شرباً لا يقع بعده ريٌّ أبداً، وهو مثل شرب الهيم، فهما شربان من الحميم لا شرب واحد اختلفت صفتاه فعطف، والمقصود: الصفة، والمشروب منه في ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ محذوف لفهم المعنى، تقديره: فشاربون منه» انتهى. قال شهاب الدين: «والظَّاهر أنه شرب واحد، بل الذي يعتقد هذا فقط، وكيف يناسب أن يكون زيادتهم العطش بشربة مقتضية لشربهم منه ثانياً» . قوله: ﴿اذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدين﴾ . قرأ العامة: «نُزُلُهُمْ» بضمتين. وروي عن أبي عمرو من طرق. وعن نافع وابن محيصن: بضمة وسكون، وهو تخفيف. و «النُّزُل» : ما يعدّ للضيف. وقيل: هو أول ما يأكله، فسمي به هذا تهكّماً بمن أعد له. وهو في المعنى كقول أبي الشعر الضَّبي: [الطويل] 4696 - وكُنَّا إذا الجَبَّارُ أنْزَلَ جَيْشَهُ ... جعلنَا القَنَا والمُرهفاتِ لَهُ نُزْلا ومعنى الآية: هذا أول ما يلقونه من العذاب يوم القيامة كالنُّزل الذي يعد للأضياف تكرمة لهم، [وفيه] تهكم، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34] .

الواقعة 56:42

قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ . لما ذكر منازل أهل الجنة وسمَّاهم أصحاب اليمين، ذكر منازل أهل النَّار، وسمَّاهم أصحاب الشمال؛ لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، ثم عظم ذكرهم في البلاء والعذاب، فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الشمال فِي سَمُومٍ﴾ وهي الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن، والمراد بها حر النار ولهيبها. وقيل: ريح حارة تهب فتمرض أو تقتل، وأصله من السم كسمّ الحية والعقرب وغيرهما. قال ابن الخطيب: «ويحتمل أن يكون هو السّم، والسّم يقال في خرم الإبرة، قال تعالى: ﴿حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط﴾ [الأعراف: 40] ؛ لأن سم الأفعى ينفذ في مسام البدن» . وقيل: السموم يختص بما يهبّ ليلاً، وعلى هذا فقوله: «سَمُومٍ» إشارة إلى ظلمة ما هم فيه. و «الحَمِيم» : هو الماء الحارّ الذي قد انتهى حره، فهو «فَعِيل» بمعنى «فاعل» من حَمِمَ الماء، أو بمعنى «مفعول» من حم الماء إذا سخنه. وقوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ . «اليَحْمُوم» وزنه «يَفْعُول» . قال أبو البقاء: «من الحمم، أو الحميم» . قال القرطبي: «هو» يَفْعُول، من الحم، وهو الشحم المسود باحتراق النار، وقيل: مأخوذ من الحُمَم وهو الفحم. و «اليَحْمُوم» : قيل: هو الدُّخان الأسود البهيم. وقيل: هو وادٍ في جهنم. وقيل: اسم من أسمائها. والأول أظهر. وقيل: إنه الظُّلمة، وأصله من الحمم، وهو الفَحْم، فكأنه لسواده فحم، فسمي باسم مشتق منه، وزيادة الحرف فيه لزيادة ذلك المعنى فيه، وربما تكون الزيادة فيه جامعة بين الزيادة في سواده، والزيادة في حرارته. قال ابن الخطيب: وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائماً؛ لأنهم إن تعرَّضوا لمهبّ الهواء أصابهم السَّمُوم، وإن استكنُّوا كما يفعله الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان في الكِنِّ يكون في ظل من يحموم، وإن أراد التبرُّد بالماء من حرّ السموم يكون الماء من حميم، فلا انفكاك له من العذاب، أو يقال: إنَّ السموم يعذبه فيعطش، وتلتهب نار السَّموم في أحشائه، فيشرب الماء، فيقطع أمعاءهُ، فيريد الاستظلال بظلّ، فيكون ذلك الظلّ ظل اليَحْمُوم. وذكر السموم دون الحميم دون النَّار تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، كأنه قيل: أبرد الأشياء في الدنيا حارّ عندهم فكيف أحرها. قال الضَّحاك: النار سوداء، وأهلها سُود، وكل ما فيها أسود. قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ صفتان للظلّ، كقوله: «مِنْ يَحْمُومٍ» . وفيه أنه قدم غير الصريحة على الصريحة، فالأولى أن تجعل صفة ل «يحموم» ، وإن كان السياق يرشد إلى الأول. وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿لا بَارِدٌ ولا كريمٌ﴾ برفعهما: أي: «هُوَ لا بَارِدٌ» . كقوله: [الكامل] 4692 - ... ... ... ... ... ... ... ..... فَأبِيتُ لا حَرجٌ ولا مَحْرُومُ قال الضَّحاك: «لا بَارِدٍ» بل حار؛ لأنه من دخان سعير جهنم، «ولا كَرِيم» عذب. وقال سعيد بن المسيّب: ولا حسن منظره، وكل ما لا خير فيه، فليس بكريم. وقيل: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من النَّار يعذبون بها كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: 16] . قال الزمخشري: «كرم الظل نفع الملهوف، ودفع أذى الحرّ عنه» . قال ابن الخطيب: ولو كان كذلك لكان البارد والكريم بمعنى واحد، والأقوى أن يقال: فائدة الظل أمران: أحدهما: دفع الحر. والآخر: كون الإنسان فيه مكرماً؛ لأن الإنسان في البرد يقصد الشمس ليدفأ بحرّها إذا كان قليل الثِّياب، وفي الحرّ يطلب الظِّل لبرده، فإذا كان من المكرمين يكون أبداً في مكان يدفع الحر والبرد عن نفسه، فيحتمل أن يكون المراد هذا. ويحتمل أن يقال: الظل يطلب لأمر حسّي، وهو يرده، ولأمر عقلي وهو التّكرمة، وهذا معنى ما نقله الواحدي عن الفرَّاء بنفي كل شيء مستحسن، فيقولون: «الدار لا واسعة ولا كريمة» . قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ . أي: إنما استحسنوا هذه العقوبة؛ لأنهم كانوا في الدنيا متنعّمين بالحرام. و «المُتْرَف» : المنعم. قاله ابن عباس وغيره. وقال السُّدي: «مُتْرَفينَ» أي: مشركين. قوله: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ . الحِنْثُ في أصل كلامهم: العدل الثقيل، وسمي به الذنب والإثم لثقلهما، قاله الخطابي. وفلان حَنِثَ في يمينه، أي لم يَفِ به؛ لأنه يأثم غالباً، ويعبر بالحِنْثِ عن البُلُوغ، ومنه قوله: «لَمْ يَبْلغوا الحِنْثَ» . وإنما قيل ذلك؛ لأن الإنسان عند بلوغه إيَّاه يؤاخذ بالحنث، أي: بالذنب، وتَحَنَّثَ فلان، أي جانب الحِنْث. وفي الحديث: «كَانَ يَتَحَنَّثُ بِغَارِ حِرَاءَ» ، أي: يتعبّد لمُجانبته الإثم، نحو: «تَحَرَّجَ» فتفعَّل في هذه كلِّها للسَّلْب. فصل في تفسير الآية قال الحسن، والضحاك، وابن زيد: ﴿يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ أي: يقيمون على الشرك. وقال قتادة ومجاهد: الذَّنْب العظيم الذي لا يتوبون منه. وقال الشَّعبي: هو اليمين الغَمُوس، وهي من الكبائر، يقال: حنث في يمينه، أي: لم يبرّها ورجع فيها، وكانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنْداد الله فذلك حنثهم. فصل في الحكمة من ذكر عذاب هذه الطائفة قال ابن الخطيب: والحكمة في ذكره سبب عذابهم، ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم، فلم يقل: إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين، وذلك تنبيه على أن ذلك الثواب منه فضل، والعقاب منه عدل، والفضل سواء ذكر سببه، أو لم يذكره لا يتوهّم بالمتفضل نقص وظلم. وأمَّا العدل إن لم يعلم سبب العقاب، يظن أن هناك ظلماً، ويدلّ على أنه تعالى لم يقل في أصحاب اليمين: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: 24] كما قاله في السَّابقين؛ لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل، بخلاف من كثرت حسناته يحسن إطلاق الجزاء في حقه. واعلم أن المترف هو المنعم، وذلك لا يوجب ذمًّا، وإنما حصل لهم الذم بقوله: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ ، فإن صدور المعاصي ممن كثرت النِّعم عليه [من] أقبح القبائح، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ، ولم يشكروا نعم الله، بل أصروا على الذنب العظيم. وفي الآية مبالغة؛ لأن قوله: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ﴾ يقتضي أن ذلك عادتهم، والإصرار على مُدَاومةِ المعصية والحنث أبلغ من الذنب؛ لأن الذنب يطلق على الصغيرة، ويدل على ذلك قولهم: «بَلَغَ الحِنْثَ» أي: بلغ مبلغاً تلحقه فيه الكبيرة. وأما الصغيرة فتلحقُ الصغير، فإن وليَّهُ يعاقبه على إسَاءَة الأدب، وترك الصلاة، ولأن وصفه بالعظيم مبالغة. قاله ابن الخطيب. قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا﴾ الآية. هذا استبعاد منهم للبعث وتكذيب له، وقد تقدّم الكلام على ذلك في «والصَّافات» ، وتقدم الكلام على الاستفهامين في سورة «الرَّعْد» . فإن قيل: كيف أتى ب «اللام» المؤكدة في قوله تعالى: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ ، مع أن المراد هو النفي، وفي النفي لا تدخل «اللام» في خبر «إنَّ» ، تقول: «إنَّ زيداً ليجيء، وإنَّ زيداً لا يجيء» فلا تذكر «اللام» ، ومرادهم بالاستفهام: الإنكار، بمعنى إنا لا نبعث؟ . فالجواب من وجهين: أحدهما: عند التصريح بالنفي وصيغته، يجب التصريح بالنفي وصيغته. والثاني: أنهم أرادوا تكذيب من يخبر عن البعث، فذكروا أن المخبر عنه يبالغ في الإخبار، ونحن ننكر مبالغته وتأكيده، فحكوا كلام المخبر على طريقة الاستفهام والإنكار، ثم إنهم أشاروا في الإنكار إلى أمور اعتقدوها مقررة لصحة إنكارهم، فقالوا: «أئِذَا مِتْنَا» ثم لم يقتصروا عليه، بل قالوا بعده: ﴿وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً﴾ أي: وطال عهدنا بعد كوننا أمواتاً حتى صارت اللحوم تراباً، والعظامُ رفاتاً ثم زادوا وقالوا: مع هذا يقال لنا: إنكم لمبعوثون بطريق التأكيد من ثلاثة أوجه: أحدها: استعمال «إنَّ» . ثانيها: إثبات «اللام» في خبرها. ثالثها: ترك صيغة الاستقبال، والإتيان بالمفعول كأنه كائن، ثم زادوا وقالوا: ﴿أَوَ آبَآؤُنَا الأولون﴾ فقال الله تعالى لهم: «قُلْ» يا محمد ﴿إِنَّ الأولين﴾ من آبائكم، و ﴿والآخرين﴾ منكم ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ يعني: يوم القيامة. ومعنى الكلام: القسم ودخول «اللام» في قوله تعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ هو دليل القسم في المعنى، أي: إنكم لمجمُوعون قسماً حقًّا، بخلاف قسمكم الباطل. قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضآلون﴾ عن الهدى ﴿المكذبون﴾ بالبعث ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ ، وهو شجر كريه المَنْظَر كريه الطعم، وهو المذكور في سورة «والصَّافَّات» . وهذا الخطاب عامّ، وقيل: لأهل «مكة» ، وهو من تمام كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقدم هنا الضَّالين على المكذبين في آخر السورة، قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين﴾ [الواقعة: 92] ، فقدم المكذبين على الضَّالين؛ لأنهم هنا أصرُّوا على الحنث العظيم فضلوا عن السبيل، ثم كذبوا الرسول، وقالوا: «أئذا مِتْنَا» . وفي آخر السورة قدم المكذبين بالحشر على الضالين عن طريق الخلاص، أو يقال: إنَّ الكلام هنا مع الكُفَّار وهم ضلوا أولاً، وكذبوا ثانياً، وفي آخر السورة الكلام مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقدم التكذيب به إظهاراً للعناية به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله: ﴿مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أن تكون «من» الأولى لابتداء الغاية، والثانية للبيان، أي: مبتدئون الأكل من شجر هو زقوم. الثاني: أن تكون «من» الثَّانية صفة ل «شجر» فيتعلق بمحذوف أي: مستقر. الثالث: أن تكون الأولى مزيدة، أي: لآكلون شجراً، و «من» الثانية على ما تقدم من الوجهين. الرابع: عكس هذا، وهو أن تكون الثانية مزيدة، أي: لآكلون زقُّوماً، و «من» الأولى للابتداء في محل نصب على الحال من «زقّوم» أي: كائناً من شجر، ولو تأخَّر لكان صفة. الخامس: أن «من شجر» صفة لمفعول محذوف، أي: لآكلون شيئاً من شجر و «مِنْ زقُّومٍ» على هذا نعت ل «شجر» أو لشيءٍ محذوف. السادس: أن الأولى للتبعيض، والثانية بدل منها. قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون﴾ . الضمير في «منها» عائد على الشجر، وفي «عليه» للشجر أيضاً. وأنه يجوز تذكير اسم الجنس وتأنيثه، وأنهما لغتان. وقيل: الضمير في «عليه» عائد على «الزَّقُّوم» . وقال أبو البقاء: للمأكول. وقال ابن عطية: «للمأكول أو الأكل» انتهى. وفي قوله: «الأكْل» بُعْد. وقال الزمخشري: «وأنّث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في» منها» و «عليه» ، ومن قرأ: ﴿مِن شَجَرَةٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ فقد جعل الضميرين للشجرة، وإنما ذكر الثاني على تأويل الزقوم؛ لأنه تفسيرها» . فصل في تحرير معنى الزقوم قال ابن الخطيب: «اختلفت أقوال الناس في» الزقوم» ، وحاصل الأقوال يرجع إلى كون ذلك في الطَّعم مرًّا، وفي اللمس حارًّا، وفي الرائحة منتناً، وفي المنظر أسود لا يكاد آكله يَسيغهُ. والتحقيق اللغوي فيه أن الزَّقوم لغة عربية، ودلنا تركيبه على قبحه؛ لأن» ز ق م «لم يجتمع إلا في مهمل، أو في مكروه. يقال منه: مَزَقَ يَمْزقُ، ومنه: زَمَقَ شعره إذا نتفه، ومنه» القَزْمُ» للدَّناءة واللؤم. وأقوى من هذا أن «القاف» مع كل حرف من الحرفين الباقيين يدل في أكثر الأمر على مكروه، فالقاف مع «الميم» ك «القمامة والتَّقَمْقُم والقُمْقُمة» ، وبالعكس «المقامق» لتغليظ الصوت، و «المَقْمَقَة» هو الشق. وأما القاف مع الزاي ف «الزق» رمي الطائر بذرقه، والزَّقْزقة: للخفة، وبالعكس - القزنوب - فينفر الطَّبع من تركيب الكلمة من حروف اجتماعها دليل الكراهة والقُبْح، ثم قرن بالأكل، فدلَّ على أنه طعام ذو غُصَّة. وأما ما يقال: بأن العرب تقول: «زَقَمْتَنِي» بمعنى: أطعمتني الزّبد والعسل واللَّبن، فذلك للمجانة، كما يقال: ارشقني بثوب حسن، وارجمني بكيس من ذهب» . وقد تقدم الكلام على الزَّقُوم في «والصَّافات» . وقوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون﴾ . بيان لزيادة العذاب، أي: لا يكتفى منكم بنفس الأكل، كما يكتفى ممن يأكل الشَّيء لتحلّة القسم، بل يلزمون منها بأن يملئوا منها البطون. وقوله: «البُطُون» إما مقابلة الجمع بالجمع، أي: يملأ كل واحد منكم بطنه. وإما أن يكون لكل واحد بطون، ويكون المراد منه ما في بطن الإنسان، وهم سبعة أمعاء فيملئون بطون الأمعاء، والأول أظهر، والثاني أدخل في التعذيب. قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أي: على الأكل، أو على الزَّقوم لأجل مرارته وحرارته يحتاجون إلى شرب الماء فيشربون من الماء الحار. قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ . وهذا أيضاً بيان لزيادة العذاب، أي: لا يكون شربكم كمن شرب ماء حارًّا مُنْتِناً، فيمسك عنه، بل يلزمون أن يشربوا منه مثل ما يشرب الأهْيم، وهو الجمل العطشان، فيشرب ولا يروى. وقرأ نافع وعاصم وحمزة: بضم الشين من «شُرْب» . وباقي السبعة بفتحها. ومجاهد وأبو عثمان النهدي: بكسرها. فقيل: الثلاث لغات في مصدر «شرِبَ» ، والمقيس منها إنما هو المفتوح، والمضموم والمكسور اسمان لما يشرب ك» الرَّعْي «و» الطَّحْن» . قال القرطبي: «تقول العرب:» شَرِبْتُ شُرْباً وشَرْباً وشِرْباً وشُرُباً «بضمتين» . قال أبو زيد: سمعت العرب تقول: بضم الشِّين وفتحها وكسرها. والفتح هو المصدر الصحيح؛ لأن كل مصدر من ذوات الثلاثة فأصله «فَعْل» ؛ ألا ترى أنك تردّه إلى المرة الواحدة، فتقول: «فَعْلَة» نحو «شَرْبة» . وقال الكسائي يقال: «شربت شُرْباً وشَرْباً» . ويروى قول جعفر: «أيَّامُ مِنى أيَّام أكْلٍ وشَرْب» . ويقال: بفتح الشين، والشرب في غير هذا اسم للجماعة الشَّاربين. قال: [البسيط] 4693 - كأنَّهُ خَارِجاً مِنْ جَنْبِ صَفْحَتِهِ ... سَفُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عندَ مُفتأدِ و «الهِيْم» فيه أوجه: أحدها: أنه جمع «أهْيَم أوْ هَيْمَاء» ، وهو الجمل والنَّاقة التي أصابها الهيام، وهو داء معطش تشرب الإبل منه إلى أن تموت، أو تسقم سقماً شديداً. والأصل: «هُيْم» - بضم «الهاء» - ك «أحْمر وحُمْر، وحَمرَاء وحُمْر» فقلبت الضمة كسرة لتصح «الياء» ، وذلك نحو «بِيض» في «أبْيَض» . وأنشد لذي الرّمة: [الطويل] 4694 - فأصْبَحْتُ كالهَيْمَاءِ، لا المَاءُ مُبْرِدٌ ... صَداهَا، ولا يَقْضِي عليْهَا هُيَامُهَا الثاني: أنَّه جمع «هَائِم وهَائمة» من «الهيام» أيضاً، إلا أن جمع «فَاعِل وفاعِلَة» على «فُعل» قليل، نحو: «نَازِل ونُزُل، وعائذ وعُوذ» . ومنه: [الطويل] 4695 - ... ... ... ... ... ... ... ..... عُوذٍ مَطَافِلِ وقوله: «العوذ المطافيل» . وقيل: هو من «الهيَام» وهو الذهاب؛ لأن الجمل إذا أصابه ذلك هَامَ على وجهه. الثالث: أنه جمع «هَيَام» بفتح الهاء، وهو الرمل غير المتماسك الذي لا يروى من الماء أصلاً، فيكون مثل «سَحَاب وسُحُب» - بضمتين - ثم خفف بإسكان عينه ثم كسرت فاؤه لتصحّ «الياء» كما فُعِلَ بالذي قبله. [الرابع: أنه جمع «هُيَام» - بضم الهاء - وهو الرمل المتماسك، مبالغة في «الهيام» بالفتح. حكاها ثعلب. إلا أن المشهور الفتح، ثم جمع على «فُعُل» نحو: «قَرَاد وقُرُد» ، ثم خفف وكسرت فاؤه] [لتصح «الياء» ] . وفي «الصحاح» : «والهُيَام - بالضَّم - أشدّ العطش، و» الهيام» كالجنون من العشق، و «الهَيْمَاء» أيضاً: المفازة لا ماء بها، و «الهِيَام» - بالكسر - العطاش» . والمعنى: أنَّهم يصيبهم من الجُوع ما يلجئهم إلى أكل الزَّقُّوم، ومن العطش ما يضطرهم إلى شُرْب الهيم. وقال الزمخشري: «فإن قلت: كيف صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات واحدة، وصفتان متفقتان، فكان عطفاً للشيء على نفسه؟ . قلت: ليستا متفقتين من حيث إن كونهم شاربين على ما هو عليه من تناهِي الحرارة وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الماء أمر عجيب أيضاً، فكانتا صفتين مختلفتين» . انتهى. يعني قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحميم فَشَارِبُونَ﴾ . وهو سؤال حسن، وجوابه مثله. وأجاب بعضهم عنه بجواب آخر، وهو أن قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ تفسير للشرب قبله. ألا ترى أنَّ ما قبله يصلح أن يكون [مثل] شرب الهيم، ومثل شرب غيرها، ففسره بأنه مثل شرب هؤلاء البهائم أو الرمال، وفي ذلك فائدتان: إحداهما: التنبيه على كثرة شربهم منه. والثانية: عدم جَدْوى الشرب، وأن المشروب لا ينجع فيهم كما لا ينجع في الهِيْمِ على التفسيرين. وقال أبو حيَّان: «» والفاء «تقتضي التعقيب في الشربين، وأنهم أولاً لما عطشوا شربُوا من الحميم ظنًّا منهم أنه ليسكن عطشهم، فازدادوا عطشاً بحرارة الحميم، فشربوا بعده شرباً لا يقع بعده ريٌّ أبداً، وهو مثل شرب الهيم، فهما شربان من الحميم لا شرب واحد اختلفت صفتاه فعطف، والمقصود: الصفة، والمشروب منه في ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ محذوف لفهم المعنى، تقديره: فشاربون منه» انتهى. قال شهاب الدين: «والظَّاهر أنه شرب واحد، بل الذي يعتقد هذا فقط، وكيف يناسب أن يكون زيادتهم العطش بشربة مقتضية لشربهم منه ثانياً» . قوله: ﴿اذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدين﴾ . قرأ العامة: «نُزُلُهُمْ» بضمتين. وروي عن أبي عمرو من طرق. وعن نافع وابن محيصن: بضمة وسكون، وهو تخفيف. و «النُّزُل» : ما يعدّ للضيف. وقيل: هو أول ما يأكله، فسمي به هذا تهكّماً بمن أعد له. وهو في المعنى كقول أبي الشعر الضَّبي: [الطويل] 4696 - وكُنَّا إذا الجَبَّارُ أنْزَلَ جَيْشَهُ ... جعلنَا القَنَا والمُرهفاتِ لَهُ نُزْلا ومعنى الآية: هذا أول ما يلقونه من العذاب يوم القيامة كالنُّزل الذي يعد للأضياف تكرمة لهم، [وفيه] تهكم، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34] .

الواقعة 56:43

قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ . لما ذكر منازل أهل الجنة وسمَّاهم أصحاب اليمين، ذكر منازل أهل النَّار، وسمَّاهم أصحاب الشمال؛ لأنهم يأخذون كتبهم بشمائلهم، ثم عظم ذكرهم في البلاء والعذاب، فقال: ﴿مَآ أَصْحَابُ الشمال فِي سَمُومٍ﴾ وهي الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن، والمراد بها حر النار ولهيبها. وقيل: ريح حارة تهب فتمرض أو تقتل، وأصله من السم كسمّ الحية والعقرب وغيرهما. قال ابن الخطيب: «ويحتمل أن يكون هو السّم، والسّم يقال في خرم الإبرة، قال تعالى: ﴿حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط﴾ [الأعراف: 40] ؛ لأن سم الأفعى ينفذ في مسام البدن» . وقيل: السموم يختص بما يهبّ ليلاً، وعلى هذا فقوله: «سَمُومٍ» إشارة إلى ظلمة ما هم فيه. و «الحَمِيم» : هو الماء الحارّ الذي قد انتهى حره، فهو «فَعِيل» بمعنى «فاعل» من حَمِمَ الماء، أو بمعنى «مفعول» من حم الماء إذا سخنه. وقوله: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ . «اليَحْمُوم» وزنه «يَفْعُول» . قال أبو البقاء: «من الحمم، أو الحميم» . قال القرطبي: «هو» يَفْعُول، من الحم، وهو الشحم المسود باحتراق النار، وقيل: مأخوذ من الحُمَم وهو الفحم. و «اليَحْمُوم» : قيل: هو الدُّخان الأسود البهيم. وقيل: هو وادٍ في جهنم. وقيل: اسم من أسمائها. والأول أظهر. وقيل: إنه الظُّلمة، وأصله من الحمم، وهو الفَحْم، فكأنه لسواده فحم، فسمي باسم مشتق منه، وزيادة الحرف فيه لزيادة ذلك المعنى فيه، وربما تكون الزيادة فيه جامعة بين الزيادة في سواده، والزيادة في حرارته. قال ابن الخطيب: وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائماً؛ لأنهم إن تعرَّضوا لمهبّ الهواء أصابهم السَّمُوم، وإن استكنُّوا كما يفعله الذي يدفع عن نفسه السموم بالاستكنان في الكِنِّ يكون في ظل من يحموم، وإن أراد التبرُّد بالماء من حرّ السموم يكون الماء من حميم، فلا انفكاك له من العذاب، أو يقال: إنَّ السموم يعذبه فيعطش، وتلتهب نار السَّموم في أحشائه، فيشرب الماء، فيقطع أمعاءهُ، فيريد الاستظلال بظلّ، فيكون ذلك الظلّ ظل اليَحْمُوم. وذكر السموم دون الحميم دون النَّار تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، كأنه قيل: أبرد الأشياء في الدنيا حارّ عندهم فكيف أحرها. قال الضَّحاك: النار سوداء، وأهلها سُود، وكل ما فيها أسود. قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ صفتان للظلّ، كقوله: «مِنْ يَحْمُومٍ» . وفيه أنه قدم غير الصريحة على الصريحة، فالأولى أن تجعل صفة ل «يحموم» ، وإن كان السياق يرشد إلى الأول. وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿لا بَارِدٌ ولا كريمٌ﴾ برفعهما: أي: «هُوَ لا بَارِدٌ» . كقوله: [الكامل] 4692 - ... ... ... ... ... ... ... ..... فَأبِيتُ لا حَرجٌ ولا مَحْرُومُ قال الضَّحاك: «لا بَارِدٍ» بل حار؛ لأنه من دخان سعير جهنم، «ولا كَرِيم» عذب. وقال سعيد بن المسيّب: ولا حسن منظره، وكل ما لا خير فيه، فليس بكريم. وقيل: ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من النَّار يعذبون بها كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: 16] . قال الزمخشري: «كرم الظل نفع الملهوف، ودفع أذى الحرّ عنه» . قال ابن الخطيب: ولو كان كذلك لكان البارد والكريم بمعنى واحد، والأقوى أن يقال: فائدة الظل أمران: أحدهما: دفع الحر. والآخر: كون الإنسان فيه مكرماً؛ لأن الإنسان في البرد يقصد الشمس ليدفأ بحرّها إذا كان قليل الثِّياب، وفي الحرّ يطلب الظِّل لبرده، فإذا كان من المكرمين يكون أبداً في مكان يدفع الحر والبرد عن نفسه، فيحتمل أن يكون المراد هذا. ويحتمل أن يقال: الظل يطلب لأمر حسّي، وهو يرده، ولأمر عقلي وهو التّكرمة، وهذا معنى ما نقله الواحدي عن الفرَّاء بنفي كل شيء مستحسن، فيقولون: «الدار لا واسعة ولا كريمة» . قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ . أي: إنما استحسنوا هذه العقوبة؛ لأنهم كانوا في الدنيا متنعّمين بالحرام. و «المُتْرَف» : المنعم. قاله ابن عباس وغيره. وقال السُّدي: «مُتْرَفينَ» أي: مشركين. قوله: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ . الحِنْثُ في أصل كلامهم: العدل الثقيل، وسمي به الذنب والإثم لثقلهما، قاله الخطابي. وفلان حَنِثَ في يمينه، أي لم يَفِ به؛ لأنه يأثم غالباً، ويعبر بالحِنْثِ عن البُلُوغ، ومنه قوله: «لَمْ يَبْلغوا الحِنْثَ» . وإنما قيل ذلك؛ لأن الإنسان عند بلوغه إيَّاه يؤاخذ بالحنث، أي: بالذنب، وتَحَنَّثَ فلان، أي جانب الحِنْث. وفي الحديث: «كَانَ يَتَحَنَّثُ بِغَارِ حِرَاءَ» ، أي: يتعبّد لمُجانبته الإثم، نحو: «تَحَرَّجَ» فتفعَّل في هذه كلِّها للسَّلْب. فصل في تفسير الآية قال الحسن، والضحاك، وابن زيد: ﴿يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ أي: يقيمون على الشرك. وقال قتادة ومجاهد: الذَّنْب العظيم الذي لا يتوبون منه. وقال الشَّعبي: هو اليمين الغَمُوس، وهي من الكبائر، يقال: حنث في يمينه، أي: لم يبرّها ورجع فيها، وكانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنْداد الله فذلك حنثهم. فصل في الحكمة من ذكر عذاب هذه الطائفة قال ابن الخطيب: والحكمة في ذكره سبب عذابهم، ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم، فلم يقل: إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين، وذلك تنبيه على أن ذلك الثواب منه فضل، والعقاب منه عدل، والفضل سواء ذكر سببه، أو لم يذكره لا يتوهّم بالمتفضل نقص وظلم. وأمَّا العدل إن لم يعلم سبب العقاب، يظن أن هناك ظلماً، ويدلّ على أنه تعالى لم يقل في أصحاب اليمين: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: 24] كما قاله في السَّابقين؛ لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل، بخلاف من كثرت حسناته يحسن إطلاق الجزاء في حقه. واعلم أن المترف هو المنعم، وذلك لا يوجب ذمًّا، وإنما حصل لهم الذم بقوله: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ ، فإن صدور المعاصي ممن كثرت النِّعم عليه [من] أقبح القبائح، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ، ولم يشكروا نعم الله، بل أصروا على الذنب العظيم. وفي الآية مبالغة؛ لأن قوله: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ﴾ يقتضي أن ذلك عادتهم، والإصرار على مُدَاومةِ المعصية والحنث أبلغ من الذنب؛ لأن الذنب يطلق على الصغيرة، ويدل على ذلك قولهم: «بَلَغَ الحِنْثَ» أي: بلغ مبلغاً تلحقه فيه الكبيرة. وأما الصغيرة فتلحقُ الصغير، فإن وليَّهُ يعاقبه على إسَاءَة الأدب، وترك الصلاة، ولأن وصفه بالعظيم مبالغة. قاله ابن الخطيب. قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا﴾ الآية. هذا استبعاد منهم للبعث وتكذيب له، وقد تقدّم الكلام على ذلك في «والصَّافات» ، وتقدم الكلام على الاستفهامين في سورة «الرَّعْد» . فإن قيل: كيف أتى ب «اللام» المؤكدة في قوله تعالى: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ ، مع أن المراد هو النفي، وفي النفي لا تدخل «اللام» في خبر «إنَّ» ، تقول: «إنَّ زيداً ليجيء، وإنَّ زيداً لا يجيء» فلا تذكر «اللام» ، ومرادهم بالاستفهام: الإنكار، بمعنى إنا لا نبعث؟ . فالجواب من وجهين: أحدهما: عند التصريح بالنفي وصيغته، يجب التصريح بالنفي وصيغته. والثاني: أنهم أرادوا تكذيب من يخبر عن البعث، فذكروا أن المخبر عنه يبالغ في الإخبار، ونحن ننكر مبالغته وتأكيده، فحكوا كلام المخبر على طريقة الاستفهام والإنكار، ثم إنهم أشاروا في الإنكار إلى أمور اعتقدوها مقررة لصحة إنكارهم، فقالوا: «أئِذَا مِتْنَا» ثم لم يقتصروا عليه، بل قالوا بعده: ﴿وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً﴾ أي: وطال عهدنا بعد كوننا أمواتاً حتى صارت اللحوم تراباً، والعظامُ رفاتاً ثم زادوا وقالوا: مع هذا يقال لنا: إنكم لمبعوثون بطريق التأكيد من ثلاثة أوجه: أحدها: استعمال «إنَّ» . ثانيها: إثبات «اللام» في خبرها. ثالثها: ترك صيغة الاستقبال، والإتيان بالمفعول كأنه كائن، ثم زادوا وقالوا: ﴿أَوَ آبَآؤُنَا الأولون﴾ فقال الله تعالى لهم: «قُلْ» يا محمد ﴿إِنَّ الأولين﴾ من آبائكم، و ﴿والآخرين﴾ منكم ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ يعني: يوم القيامة. ومعنى الكلام: القسم ودخول «اللام» في قوله تعالى: ﴿لَمَجْمُوعُونَ﴾ هو دليل القسم في المعنى، أي: إنكم لمجمُوعون قسماً حقًّا، بخلاف قسمكم الباطل. قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضآلون﴾ عن الهدى ﴿المكذبون﴾ بالبعث ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ ، وهو شجر كريه المَنْظَر كريه الطعم، وهو المذكور في سورة «والصَّافَّات» . وهذا الخطاب عامّ، وقيل: لأهل «مكة» ، وهو من تمام كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقدم هنا الضَّالين على المكذبين في آخر السورة، قال: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين﴾ [الواقعة: 92] ، فقدم المكذبين على الضَّالين؛ لأنهم هنا أصرُّوا على الحنث العظيم فضلوا عن السبيل، ثم كذبوا الرسول، وقالوا: «أئذا مِتْنَا» . وفي آخر السورة قدم المكذبين بالحشر على الضالين عن طريق الخلاص، أو يقال: إنَّ الكلام هنا مع الكُفَّار وهم ضلوا أولاً، وكذبوا ثانياً، وفي آخر السورة الكلام مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقدم التكذيب به إظهاراً للعناية به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله: ﴿مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أن تكون «من» الأولى لابتداء الغاية، والثانية للبيان، أي: مبتدئون الأكل من شجر هو زقوم. الثاني: أن تكون «من» الثَّانية صفة ل «شجر» فيتعلق بمحذوف أي: مستقر. الثالث: أن تكون الأولى مزيدة، أي: لآكلون شجراً، و «من» الثانية على ما تقدم من الوجهين. الرابع: عكس هذا، وهو أن تكون الثانية مزيدة، أي: لآكلون زقُّوماً، و «من» الأولى للابتداء في محل نصب على الحال من «زقّوم» أي: كائناً من شجر، ولو تأخَّر لكان صفة. الخامس: أن «من شجر» صفة لمفعول محذوف، أي: لآكلون شيئاً من شجر و «مِنْ زقُّومٍ» على هذا نعت ل «شجر» أو لشيءٍ محذوف. السادس: أن الأولى للتبعيض، والثانية بدل منها. قوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون﴾ . الضمير في «منها» عائد على الشجر، وفي «عليه» للشجر أيضاً. وأنه يجوز تذكير اسم الجنس وتأنيثه، وأنهما لغتان. وقيل: الضمير في «عليه» عائد على «الزَّقُّوم» . وقال أبو البقاء: للمأكول. وقال ابن عطية: «للمأكول أو الأكل» انتهى. وفي قوله: «الأكْل» بُعْد. وقال الزمخشري: «وأنّث ضمير الشجر على المعنى، وذكره على اللفظ في» منها» و «عليه» ، ومن قرأ: ﴿مِن شَجَرَةٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ فقد جعل الضميرين للشجرة، وإنما ذكر الثاني على تأويل الزقوم؛ لأنه تفسيرها» . فصل في تحرير معنى الزقوم قال ابن الخطيب: «اختلفت أقوال الناس في» الزقوم» ، وحاصل الأقوال يرجع إلى كون ذلك في الطَّعم مرًّا، وفي اللمس حارًّا، وفي الرائحة منتناً، وفي المنظر أسود لا يكاد آكله يَسيغهُ. والتحقيق اللغوي فيه أن الزَّقوم لغة عربية، ودلنا تركيبه على قبحه؛ لأن» ز ق م «لم يجتمع إلا في مهمل، أو في مكروه. يقال منه: مَزَقَ يَمْزقُ، ومنه: زَمَقَ شعره إذا نتفه، ومنه» القَزْمُ» للدَّناءة واللؤم. وأقوى من هذا أن «القاف» مع كل حرف من الحرفين الباقيين يدل في أكثر الأمر على مكروه، فالقاف مع «الميم» ك «القمامة والتَّقَمْقُم والقُمْقُمة» ، وبالعكس «المقامق» لتغليظ الصوت، و «المَقْمَقَة» هو الشق. وأما القاف مع الزاي ف «الزق» رمي الطائر بذرقه، والزَّقْزقة: للخفة، وبالعكس - القزنوب - فينفر الطَّبع من تركيب الكلمة من حروف اجتماعها دليل الكراهة والقُبْح، ثم قرن بالأكل، فدلَّ على أنه طعام ذو غُصَّة. وأما ما يقال: بأن العرب تقول: «زَقَمْتَنِي» بمعنى: أطعمتني الزّبد والعسل واللَّبن، فذلك للمجانة، كما يقال: ارشقني بثوب حسن، وارجمني بكيس من ذهب» . وقد تقدم الكلام على الزَّقُوم في «والصَّافات» . وقوله: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون﴾ . بيان لزيادة العذاب، أي: لا يكتفى منكم بنفس الأكل، كما يكتفى ممن يأكل الشَّيء لتحلّة القسم، بل يلزمون منها بأن يملئوا منها البطون. وقوله: «البُطُون» إما مقابلة الجمع بالجمع، أي: يملأ كل واحد منكم بطنه. وإما أن يكون لكل واحد بطون، ويكون المراد منه ما في بطن الإنسان، وهم سبعة أمعاء فيملئون بطون الأمعاء، والأول أظهر، والثاني أدخل في التعذيب. قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أي: على الأكل، أو على الزَّقوم لأجل مرارته وحرارته يحتاجون إلى شرب الماء فيشربون من الماء الحار. قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ . وهذا أيضاً بيان لزيادة العذاب، أي: لا يكون شربكم كمن شرب ماء حارًّا مُنْتِناً، فيمسك عنه، بل يلزمون أن يشربوا منه مثل ما يشرب الأهْيم، وهو الجمل العطشان، فيشرب ولا يروى. وقرأ نافع وعاصم وحمزة: بضم الشين من «شُرْب» . وباقي السبعة بفتحها. ومجاهد وأبو عثمان النهدي: بكسرها. فقيل: الثلاث لغات في مصدر «شرِبَ» ، والمقيس منها إنما هو المفتوح، والمضموم والمكسور اسمان لما يشرب ك» الرَّعْي «و» الطَّحْن» . قال القرطبي: «تقول العرب:» شَرِبْتُ شُرْباً وشَرْباً وشِرْباً وشُرُباً «بضمتين» . قال أبو زيد: سمعت العرب تقول: بضم الشِّين وفتحها وكسرها. والفتح هو المصدر الصحيح؛ لأن كل مصدر من ذوات الثلاثة فأصله «فَعْل» ؛ ألا ترى أنك تردّه إلى المرة الواحدة، فتقول: «فَعْلَة» نحو «شَرْبة» . وقال الكسائي يقال: «شربت شُرْباً وشَرْباً» . ويروى قول جعفر: «أيَّامُ مِنى أيَّام أكْلٍ وشَرْب» . ويقال: بفتح الشين، والشرب في غير هذا اسم للجماعة الشَّاربين. قال: [البسيط] 4693 - كأنَّهُ خَارِجاً مِنْ جَنْبِ صَفْحَتِهِ ... سَفُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عندَ مُفتأدِ و «الهِيْم» فيه أوجه: أحدها: أنه جمع «أهْيَم أوْ هَيْمَاء» ، وهو الجمل والنَّاقة التي أصابها الهيام، وهو داء معطش تشرب الإبل منه إلى أن تموت، أو تسقم سقماً شديداً. والأصل: «هُيْم» - بضم «الهاء» - ك «أحْمر وحُمْر، وحَمرَاء وحُمْر» فقلبت الضمة كسرة لتصح «الياء» ، وذلك نحو «بِيض» في «أبْيَض» . وأنشد لذي الرّمة: [الطويل] 4694 - فأصْبَحْتُ كالهَيْمَاءِ، لا المَاءُ مُبْرِدٌ ... صَداهَا، ولا يَقْضِي عليْهَا هُيَامُهَا الثاني: أنَّه جمع «هَائِم وهَائمة» من «الهيام» أيضاً، إلا أن جمع «فَاعِل وفاعِلَة» على «فُعل» قليل، نحو: «نَازِل ونُزُل، وعائذ وعُوذ» . ومنه: [الطويل] 4695 - ... ... ... ... ... ... ... ..... عُوذٍ مَطَافِلِ وقوله: «العوذ المطافيل» . وقيل: هو من «الهيَام» وهو الذهاب؛ لأن الجمل إذا أصابه ذلك هَامَ على وجهه. الثالث: أنه جمع «هَيَام» بفتح الهاء، وهو الرمل غير المتماسك الذي لا يروى من الماء أصلاً، فيكون مثل «سَحَاب وسُحُب» - بضمتين - ثم خفف بإسكان عينه ثم كسرت فاؤه لتصحّ «الياء» كما فُعِلَ بالذي قبله. [الرابع: أنه جمع «هُيَام» - بضم الهاء - وهو الرمل المتماسك، مبالغة في «الهيام» بالفتح. حكاها ثعلب. إلا أن المشهور الفتح، ثم جمع على «فُعُل» نحو: «قَرَاد وقُرُد» ، ثم خفف وكسرت فاؤه] [لتصح «الياء» ] . وفي «الصحاح» : «والهُيَام - بالضَّم - أشدّ العطش، و» الهيام» كالجنون من العشق، و «الهَيْمَاء» أيضاً: المفازة لا ماء بها، و «الهِيَام» - بالكسر - العطاش» . والمعنى: أنَّهم يصيبهم من الجُوع ما يلجئهم إلى أكل الزَّقُّوم، ومن العطش ما يضطرهم إلى شُرْب الهيم. وقال الزمخشري: «فإن قلت: كيف صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات واحدة، وصفتان متفقتان، فكان عطفاً للشيء على نفسه؟ . قلت: ليستا متفقتين من حيث إن كونهم شاربين على ما هو عليه من تناهِي الحرارة وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الماء أمر عجيب أيضاً، فكانتا صفتين مختلفتين» . انتهى. يعني قوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحميم فَشَارِبُونَ﴾ . وهو سؤال حسن، وجوابه مثله. وأجاب بعضهم عنه بجواب آخر، وهو أن قوله: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ تفسير للشرب قبله. ألا ترى أنَّ ما قبله يصلح أن يكون [مثل] شرب الهيم، ومثل شرب غيرها، ففسره بأنه مثل شرب هؤلاء البهائم أو الرمال، وفي ذلك فائدتان: إحداهما: التنبيه على كثرة شربهم منه. والثانية: عدم جَدْوى الشرب، وأن المشروب لا ينجع فيهم كما لا ينجع في الهِيْمِ على التفسيرين. وقال أبو حيَّان: «» والفاء «تقتضي التعقيب في الشربين، وأنهم أولاً لما عطشوا شربُوا من الحميم ظنًّا منهم أنه ليسكن عطشهم، فازدادوا عطشاً بحرارة الحميم، فشربوا بعده شرباً لا يقع بعده ريٌّ أبداً، وهو مثل شرب الهيم، فهما شربان من الحميم لا شرب واحد اختلفت صفتاه فعطف، والمقصود: الصفة، والمشروب منه في ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ محذوف لفهم المعنى، تقديره: فشاربون منه» انتهى. قال شهاب الدين: «والظَّاهر أنه شرب واحد، بل الذي يعتقد هذا فقط، وكيف يناسب أن يكون زيادتهم العطش بشربة مقتضية لشربهم منه ثانياً» . قوله: ﴿اذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدين﴾ . قرأ العامة: «نُزُلُهُمْ» بضمتين. وروي عن أبي عمرو من طرق. وعن نافع وابن محيصن: بضمة وسكون، وهو تخفيف. و «النُّزُل» : ما يعدّ للضيف. وقيل: هو أول ما يأكله، فسمي به هذا تهكّماً بمن أعد له. وهو في المعنى كقول أبي الشعر الضَّبي: [الطويل] 4696 - وكُنَّا إذا الجَبَّارُ أنْزَلَ جَيْشَهُ ... جعلنَا القَنَا والمُرهفاتِ لَهُ نُزْلا ومعنى الآية: هذا أول ما يلقونه من العذاب يوم القيامة كالنُّزل الذي يعد للأضياف تكرمة لهم، [وفيه] تهكم، كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34] .