Lafzullah

Al Lubab fi Ulum Al Kitab — المزمل 73:1 – المدثر 74:12

المؤلف / المصدر: Al Lubab fi Ulum Al Kitab

المحتويات
  1. المزمل 73:1
  2. المزمل 73:2
  3. المزمل 73:3
  4. المزمل 73:4
  5. المزمل 73:5
  6. المزمل 73:6
  7. المزمل 73:7
  8. المزمل 73:8
  9. المزمل 73:9
  10. المزمل 73:10
  11. المزمل 73:11
  12. المزمل 73:12
  13. المزمل 73:13
  14. المزمل 73:14
  15. المزمل 73:15
  16. المزمل 73:16
  17. المزمل 73:17
  18. المزمل 73:18
  19. المزمل 73:19
  20. المزمل 73:20
  21. المدثر 74:1
  22. المدثر 74:2
  23. المدثر 74:3
  24. المدثر 74:4
  25. المدثر 74:5
  26. المدثر 74:6
  27. المدثر 74:7
  28. المدثر 74:8
  29. المدثر 74:9
  30. المدثر 74:10
  31. المدثر 74:11
  32. المدثر 74:12

المزمل 73:1

وقال الثعلبي: ﴿إن الله ربك يعلم أنك تقوم﴾ [المزمل: 10، 11] إلى آخر السورة، فإنه نزل بالمدينة. وهي سبع وعشرون آية، ومائتان وخمس وثمانون كلمة، وثماني مائة وثمانية وثلاثون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل﴾ ، أصله «المُتزمِّلُ» فأدغمت التاء في الزاي، يقال: تزمَّل يتزمل تزملاً، فإذا أريد الإدغام: اجتلبت همزة الوصل، وبهذا الأصل قرأ أبي بن كعب. وقرأ عكرمة: «المُزمِّل» - بتخفيف الزاي وتشديد الميم - اسم فاعل، وعلى هذا فيكون فيه وجهان: أحدهما: أن أصله «المُزتمِل» بوزن «مفتعل» فأبدلت التاء ميماً وأدغمت، قاله أبو البقاء، وهو ضعيف. والثاني: أنه اسم فاعل من «زمل» مشدداً، وعلى هذا، فيكون المفعول محذوفاً، أي: المزمل جسمه. وقرىء كذلك إلا أنه بفتح الميم اسم مفعول منه أي: «المُلفَّفُ، والتزمل: التلفف، يقال: تزمل زيد بكساء، أي: الفت به؛ وقال ذو الرُّمَّة: [الطويل] 4918 - وكَائِنْ تَخطَّت نَاقتِي مِنْ مفَازةٍ ... ومِنْ نَائِمٍ عَنْ ليْلِهَا مُتزمِّلِ وقال امرؤ القيس: [الطويل] 4919 - كَأنَّ ثَبِيراً فِي أفَانينِ ودقِهِ ... كَبِيرُ أنَاسٍ في بجَادٍ مُزمَّلِ وهو كقراءة بعضهم المتقدمة فصل في بيان لمن الخطاب في الآية هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفيه ثلاثةُ أقوالٍ: الأول: قال عكرمة: ﴿يا أيها المزمل﴾ بالنبوة المتزمل بالرسالة، وعنه: يا أيها الذي زمل هذا الأمر، أي: حمله ثم فتر، وكان يقرأ: ﴿يا أيها المزمل﴾ - بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها، على حذف المفعول، وكذلك: «المدثر» ، والمعنى: المزمل نفسه والمدثر نفسه، والذي زمله غيره. الثاني: قال ابن عباس: يا أيها المزمل بالقرآن. الثالث: قال قتادة: يا أيها المزمل بثيابه. قال النخعيُّ: كان متزملاً بقطيفة عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بمرط طوله أربعة عشر ذراعاً نصفه عليّ، وأنا نائمة ونصفه على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو يصلي، والله ما كان خزاً ولا قزاً ولا مرعزاء ولا إبريسم ولا صوفاً، كان سداه شعراً ولحمته وبراً، ذكره الثعلبي. قال القرطبيُّ: «وهذا القول من عائشة يدل على أنَّ السورة مدنية، فإنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يبنِ بها إلاَّ بالمدينة، والقول بأنها مكية لا يصح» . وقال الضحاكُ: تزمل لمنامه. وقيل: بلغه من المشركين سوء قول فيه، فاشتد عليه فتزمل، وتدثر، فنزل: ﴿يا أيها المزمل﴾ ﴿يا أيها المدثر﴾ . وقيل: كان هذا في ابتداء أمر ما أوحي إليه فإنه لما سمع صوت الملك، ونظر إليه أخذته الرعدة، فأتى أهله، وقال: زمِّلوني، دثِّرُونِي. روي معناه عن ابن عباس، قال: أول ما جاءه جبريل خافه، وظن أن به مساً من الجنِّ، فناداه، فرجل من الجبل مرتعداً وقال: زمِّلُوني، زمِّلُونِي. وقال الكلبيُّ: إنما تزمل النبي بثيابه ليتهيأ للصلاة، وهو اختيار الفراءِ. وقيل: إنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة فنودي بما يهجر تلك الحالة، فقيل له: ﴿يا أيها المزمل﴾ قم واشتغل بالعبودية. وقيل: معناه يا من تحمل أمراً عظيماً، والزمل: الحمل. قال البغويُّ: قال الحكماء: كان هذا الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أول الوحي قبل تبليغ الرسالة، ثم خوطب بعد بالنبي، والرسول. فصل في نفي كون «المزمل» اسماً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال السهيليُّ: ليس المزمل باسم من أسماء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما ذهب إليه بعض الناس، وعدوه في أسمائه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإنما «المُزمِّلُ» اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك كان المُدثِّرُ. وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: الملاطفة، فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة، سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها «لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - حين غاضب فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فأتاه وهو نائم وقد لصق جنبه بالتراب، فقال له:» قُمْ أبَا تُرابٍ» ، إشعاراً له بأنه غير عاتب عليه، وملاطفة له وإشعاراً بترك العتب، [وملاطفاً له وكذلك قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لحذيفة: قم يا نومان ملاطفة له، وإشعاراً بترك العتب والتأنيب]- وكان نائماً - فقول الله تعالى لمحمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿يا أيها المزمل قُمِ﴾ فيه تأنيس له، وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه. والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى قيام الليل، وذكر الله تعالى فيه لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل، واتصف بتلك الصفة. قوله: ﴿قُمِ الليل﴾ . العامة: على كسر الميم لالتقاء الساكنين. وأبو السمال: بضمها، إتباعاً لحركة القاف. وقرىء: بفتحها طلباً للخفة. قال أبو الفتح: الغرض: الهرب من التقاء الساكنين، فبأيِّ حركة تحرك الأول حصل الغرض. قال شهاب الدين: «إلا أن الأصل: الكسر، لدليل ذكره النحويون، و» الليل «ظرف للقيام وإن استغرقه الحدث الواقع فيه، هذا قول البصريين، وأما الكوفيون فيجعلون هذا النوع مفعولاً به» . قال القرطبي: «وهو من الأفعال القاصرة الغير متعدية إلى مفعول، فأما ظرف المكان والزمان فسائغ فيه، إلا أن ظرف المكان لا يتعدى إليه إلا بواسطة، لا تقول:» قمت الدار» حتى تقول: «قُمْتُ وسَط الدَّارِ، وخارج الدارِ» ، وقد قيل هنا: إن «قم» معناه: صل، عبر به هنا واستعير له حتى صار عرفاً بكثرة الاستعمال» . فصل في حد الليل الليل: حده من غروب الشمس إلى طلوع الفجر وقد تقدم بيانه في البقرة. قال القرطبيُّ: «واختلف هل كان قيامه فرضاً أو نفلاً؟ والدلائل تقوي أن قيامه كان فرضاً لأن الندب لا يقع على بعض الليل دون بعض لأن قيامه ليس مخصوصاً بوقت دون وقتٍ» . واختلف هل كان فرضاً على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وحده، أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء، أو عليه وعلى أمته، ثلاثة أقوالٍ: الأول: قول سعيد بن جبيرٍ لتوجه الخطاب إليه. الثاني: قول ابن عباسٍ، قال: كان قيامُ الليل فريضة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والأنبياء قبله. الثالث: قول عائشة وابن عباس أيضاً وهو الصحيح أنه كان فرضاً عليه وعلى أمته، لما روى «مسلم» : «أن سعد بن هشام بن عامر قال لعائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنبئيني عن قيام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: ألست تقرأ: ﴿يا أيها المزمل﴾ قلت: بلى، قالت: فإن الله - عَزَّ وَجَلَّ - افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه حولاً، وأمسك الله - عَزَّ وَجَلَّ - خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ - في آخر السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد أن كان فريضة» . وروى وكيع، ويعلى ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿يا أيها المزمل﴾ كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين نزول أولها وآخرها نحو من سنة. وقال سعيد بن جبير: مكث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه عشر سنين يقومون الليل، فنزلت بعد عشر سنين ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ﴾ [المزمل: 20] فخفف الله عنهم. وقيل: كان قيام الليل واجباً، ثم نسخ بالصلوات الخمس. وقيل: عسر عليهم تمييز القدر الواجب فقاموا الليل كلَّه فشق ذلك عليهم فنسخ بقوله في آخرها ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ [المزمل: 20] وكان بين الوجوب ونسخه سنة. وقيل: نسخ التقدير بمكة وبقي التهجد، حتى نسخ بالمدينة. وقيل: لم يجب التهجد قط لقوله ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: 79] ، ولأنه لو وجب عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لوجب على أمته لقوله تعالى ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: 158] ، والنسخ على خلاف الأصل، ولأنه فرض تعيين المقدار أي المكلف وذلك ينافي الوجوب. قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ . للناس في هذا كلام كثير، واستدلال على جواز استثناء الأكثر، والنصف، واعتراضات وأجوبة. قال شهاب الدين: وها أنا أكذر ذلك محرراً له بعون الله تعالى: اعلم أن في هذه الآية ثمانية أوجه: أحدها: أن «نِصْفهُ» بدل من «اللَّيْلِ» بدل بعض من كل، و «إلاَّ قَليْلاً» استثناء من النصف، كأنه قيل: [قُم أقل من نصف الليل، والضمير في «مِنْهُ» و «عليه» عائد على النصف، والمعنى: التخيير بين أمرين: بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت] ، وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف، والزيادة عليه، قاله الزمخشريُّ. وناقشه أبو حيَّان: «بأنه يلزم منه تكرار اللفظ، ويصير التقدير: قم نصف الليل إلا قليلاً من نصف الليل، قال: وهذا تركيب ينزه القرآن عنه» . قال شهاب الدين: والوجه في إشكال، لكن لا من هذه الحيثية، فإن الأمر فيها سهل بل لمعنى آخر - سأذكره إن شاء الله تعالى قريباً -، وجعل أبو البقاء هذا الوجه مرجوحاً فإنه قال: والثاني: هو بدل من «قليلاً» - يعني النصف - قال: وهو أشبه بظاهر الآية لأنه قال: «أو انقُصْ مِنْهُ» ، «أو زِدْ عليْهِ» ، والهاء فيهما للنصف، فلو كان الاستثناء من النصف لصار التقدير: قم نصف الليل إلا قليلاً، أو انقص منه قليلاً، والقليل المستثنى غير مقدر فالنقصان منه لا يعقل. قال شهاب الدين: «والجواب عنه: أن بعضهم قد عين هذا القليل، فعن الكلبي، ومقاتل: هو الثلث فلم يكن القليل غير مقدر، ثم إن في قوله تناقضاً فإنه قال:» والقليل المستثنى غير مقدر فالنقصان منه لا يعقل» ، فأعاد الضمير على القليل، وفي الأول أعاده على النصف، ولقائل أن يقول: قد ينقدح هذا الوجه بإشكال قوي، وهو أنه يلزم منه تكرار المعنى الواحد، وذلك أن قوله: قُمْ نصف الليل إلا قليلاً، بمعنى أنقص من نصف الليل، لأن ذلك القليل، هو بمعنى النقصان وأنت إذا قلت: «قم نصف الليل إلا القليل من النصف، وقم نصف الليل، أو انقص من النصف» وجدتهما بمعنى واحد، وفيه دقة فتأمله، ولم يذكر الحوفيُّ غير هذا الوجه المتقدم، وقد عرف ما فيه، وممن ذهب إليه أيضاً الزجاجُ فإنه قال: «نِصفَهُ» بدل من «الليل» و» إلاَّ قَلِيلاً «استثناء من النصف، والضمير في» مِنْهُ «و» عَليْهِ «عائد للنصف، والمعنى: قُم نصف الليل، أو انقص من النصف قليلاً إلى الثلث، أو زد عليه إلى الثلثين، فكأنه قال: قم ثلثي الليل، أو نصفه، أو ثلثه» . قال شهاب الدين: «والتقديرات التي يبرزونها ظاهرة حسنة إلا أن التركيب لا يساعد عليها لما عرفت من الإشكال المذكور آنفاً» . الثاني: أن يكون «نِصفَهُ» بدلاً من «قَلِيْلاً» وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء، وابن عطية. قال الزمخشريُّ: «وإن شئت جعلت» نِصفَهُ «بدلاً من» قَلِيْلاً «وكان تخييراً بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه، وإنَّما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل» . وهذا هو الذي جعله أبو البقاء أشبه من جعله بدلاً من «اللَّيْلِ» كما تقدم. إلا أن أبا حيان اعترض هذا، فقال: «وإذا كان» نِصفَهُ «بدلاً من» إلاَّ قليلاً» ، فالضميرُ في «نصفهُ» إما أن يعود على المبدل منه، أو على المستثنى منه، وهو» الليْل «لا جائزٍ أن يعود على المبدل منه؛ لأنه يصير استثناء مجهول من مجهول، إذ التقدير: إلا قليلاً نصف القليل، وهذا لا يصح له معنى ألبتَّة، وإن عاد الضمير إلى» اللَّيْلِ «فلا فائدة في الاستثناء من» الليْلِ» ، إذ كان يكون أخصر، وأفصح، وأبعد عن الإلباس: قم الليل نصفه، وقد أبطلنا قول من قال: «إلاَّ قَليلاً» استثناء من البدل، وهو» نِصْفَهُ «وأنَّ التقدير: قم الليل نصفه إلا قليلاً منه، أي من النصف، وأيضاً ففي دعوى أن» نِصفَهُ «بدل من» إلاَّ قَلِيلاً» ، والضمير في «نِصْفَهُ» عائد على «الليْلِ» ، إطلاق القليل على النصف، ويلزم أيضاً أن يصير التقدير: إلا نصفه فلا تقمه، أو انقص من النصف الذي لا تقومه، وهذا معنى لا يصلح، وليس المراد من الآية قطعاً» . قال شهاب الدين: يقول بجواز عوده على كل منهما، ولا يلزم محذور، أما ما ذكره من أنه يكون استثناء مجهول من مجهول فممنوع، بل هو استثناء معلوم من معلوم، لأنا بينا أن القليل قدر معين وهو الثلث، والليل ليس بمجهول، وأيضاً فاستثناء المبهم قد ورد، قال الله تعالى: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] ، وقال تعالى: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249] ، وكان حقه أن يقول: لأنه بدل مجهول من مجهول، وأما ما ذكره من أنه «أخصر منه، وأوضح» كيت وكيت، أما الأخصر، فمسلم وأما أنه يلبس، فممنوع، وإنما عدل عن اللفظ الذي ذكره لأنه أبلغ، وبهذا الوجه استدل من قال: يجوز استثناء النصفِ، والأكثر، [ووجه الدلالة على الأول أنه جعل قليلاً مستثنى من الليل ثم فسَّر ذلك القليل بالنصف، فكأنه قيل قم الليل إلا نصفه] ووجه الدلالة على الثاني: أنه عطف «أوْ زِدْ عليْهِ» على «انْقُصْ مِنْهُ» ، فيكون قد استثنى الزائد على النصف، لأن الضمير في «مِنْهُ» وفي «عَليْهِ» عائد على النصف وهو استدلال ضعيف لأن الكثرة إنَّما جاءت بالعطف، وهو نظير أن يقول: له عندي عشرةٌ إلا خمسة درهماً درهماً، فالزيادة على النصف بطريق العطف، لا بطريق أن الاستثناء أخرج الأكبر بنفسه. الثالث: إن «نِصفَهُ» بدل من «الليل» [أيضاً كما تقدَّم في الوجه الأول، إلا أن الضمير في «مِنْهُ» و «عَليْهِ» عائد على الأقل من النصف،] وإليه ذهب الزمشخريُّ، فإنه قال: «وإن شئت قلت: لما كان معنى ﴿قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ﴾ إذا أبدلت النصف من الليل يكون المعنى: قم أقل من نصف الليل، فيرجع الضمير في» مِنْهُ» و «عَليْهِ» ، إلى الأقل من النصف، فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل، أو قم أنقص من ذلك الأقل، أو أزيد منه قليلاً، فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث» . الرابع: أن يكون «نِصفَهُ» بدلاً من «قَلِيْلاً» كما تقدم؛ إلا أنك تجعل القليل الثاني ربع الليلِ، وقد أوضح الزمخشري هذا أيضاً، فقال: «ويجوز إذا أبدلت» نِصْفَهُ «من» قَلِيْلاً «وفسرته به أن تجعل» قَلِيلاً «الثاني بمعنى نصف النصف بمعنى الربع، كأنه قيل: أو انقص منه قليلاً نصفه، وتجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع نصف الربع، كأنه قيل: أو زد عليه قليلاً نصفه، ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث، فيكون تخييراً بين النصف، والثلث، والربع» انتهى. واختار ابن الخطيب هذا الوجه مع الوجه الثاني: فقال: وقد أكثر الناس في هذه الآية، وفيها وجهان ملخصان: أحدهما: أن القليل في قوله: «إِلاَّ قَليْلاً» ، هو الثلث، لأن قوله تعالى في آخر السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ﴾ ، يقتضي أن أكثر المقادير الواجبة هو الثلثان، فيكون قيامُ الثلث جائزاً، وهو قوله: ﴿إلاَّ قَلِيلاً﴾ فكأنه قيل: قم ثلثي الليل، ثم قال: «نِصْفَهُ» فمعناه: أو قم نصفه، من باب قولهم: «جالس الحسن، أو ابن سيرين» على الإباحة، فحذف العاطف، فالتقدير: قم الثلثين، أو قم النصف، أو انقص من النصف، أو زد عليه، فعلى هذا يكون الثلثان أقصى الزيادة، والثلث أقصى النقصان، فيكون الواجب هو الثلث، والزائد عليه مندوباً، فإن قيل: فيلزم على قراءة الخفض في «نصفه» و «ثلثه» أن يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ترك من الواجب الأدنى، لأنه تعالى قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ فيكون المعنى أنك تقوم أقل من الثلثين، وأقل من النصف وأقل من الثلث، فإذا كان الثلث واجباً كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تاركاً للواجب؟ قلنا: المقدر للشيء قد ينقص منه لعدم انضباطه لأنه باجتهاد فربما أخطأ، فهو كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: 20] . الثاني: أن «نِصْفَهُ» تفسير ل «قَلِيْلاً» لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل لأن المكلف بالنصف لا يخرج عن العهدة بيقين، إلا بزيادة شيء قليل عليه فيصير في الحقيقة نصفاً وشيئاً، فيكون الباقي بعد ذلك أقل من النصف، فالمعنى: قم نصف الليل، أو انقص منه نصفه، وهو الربع، أو زد عليه نصفه، وهو الربع، فيصير المجموع ثلاثة أرباع، فيكون مخيراً بين أن يقوم تمام النصف، أو ربع الليل، أوثلاثة أرباعه، وحينئذ يزول الإشكال بالكلية، لأن الربع أقل من الثلث، وذلك أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ يدل على أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يقم ثلثي الليل، ولا نصفه ولا ثلثه، لأن الواجب لما كان هو الربع فقط، لم يلزم ترك قيام الثلث. الوجه الخامس: أن يكون ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ استثناء من القيام، فيجعل «الليْل» اسم جنس، ثم قال: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ، أي: إلا الليالي التي تُخِلّ فيها، أي تترك في قيامها القدر البين ونحوه، وهذا النظر يحسن مع القول بالندب، قاله ابن عطية، احتمالاً من عنده وهذا خلافُ الظاهرِ، وهو تأويل بعيد. السادس: قال الأخفش: الأصل قم الليل إلا قليلاً أو نصفه، قال: كقولك: «أعطه درهماً درهمين ثلاثة» . وهذا ضعيف جداً، لأن فيه حذف حرف العطفِ، وهو ممنوعٌ، لم يردْ منه إلا شيء شاذ ممكن تأويله، كقولهم: «أكَلتُ لحْماً سَمَكاً تَمْراً» . وقول الآخر: [الخفيف] 4920 - كَيْفَ أصْبحْتَ كيْفَ أمْسيْتَ ممَّا ... يَنْزِعُ الوُدَّ في فُؤادِ الكَريمِ أي: «لحماً وسمكاً وتمراً» ، وكذا: كيف أصبحت، وكيف أمسيت، وقد خرج الناس هذا على بدل النداء. السابع: قال التبريزي: الأمر بالقيام، والتخيير في الزيادة، والنقصان وقع على الثلثين في آخر الليل، لأن الثلث الأول وقت العتمة، والاسثتناء وارد على المأمورية، فكأنه قال: قم ثلثي الليل إلا قليلاً أي ما دون نصفه «أو زِدْ عليْهِ» ، أي على الثلثين، فكان التخيير في الزيادة، والنقصان واقعاً على الثلثين، وهذا كلام غريب لا يظهر من هذا التركيب. الثامن: أن «نِصْفَهُ» منصوب على إضمار فعل، أي: قم نصفه، حكاه مكي عن غيره، فإنه قال: «نِصْفَهُ» بدل من «الليْلِ» . وقيل: «انتصب على إضمار: قم نصفه» . قال شهاب الدين: «وهذا في التحقيق، وهو وجه البدل الذي ذكره أولاً، لأن البدل على نية تكرار العامل» . فصل في نسخ الأمر بقيام الليل اختلفوا في الناسخ للأمر بقيام الليل، فعن ابن عباس وعائشة: أن الناسخ قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل﴾ إلى آخرها، وقيل: قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ وعن ابن عباس أيضاً: أنه منسوخ بقوله ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى﴾ ، وعن عائشة أيضاً، والشافعي وابن كيسان: هو منسوخ بالصلوات الخمس، وقيل: الناسخ قوله تعالى: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ . قال أبو عبد الرحمن السلمي: لما نزلت ﴿يا أيها المزمل﴾ قاموا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم ثم نزل قوله تعالى: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ . قال بعض العلماء: وهو فرض نسخ به فرض كان على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاصة لفضله كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ . قال القرطبيُّ: «والقول الأول يعم جميع هذه الأقوال، وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ [البقرة: 43] . فدخل فيها قول من قال: إن الناسخِ الصلوات الخمس، وذهب الحسن وابن سيرين إلى أن صلاة الليل كانت فريضة على كلِّ مسلمٍ، ولو على قدر حلب شاة، وعن الحسن أيضاً أنه قال في هذه الآية: الحمد لله تطوع بعد الفريضة، وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى - لما جاء في قيامه من الترغيب، والفضل في القرآن، والسنة» . قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «كنت أجعل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حصيراً يصلي عليه من الليل، فتسامع الناس به فلما رأى جماعتهم كره ذلك، وخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فدخل البيت كالمغضب، فجعلوا يتحنحون، ويتفلون، فخرج إليهم فقال:» أيُّهَا النَّاسُ تكلَّفُوا مِن العمل ما تُطيقُونَ، فإنَّ اللَّه لا يمَلُّ من الثواب حتَّى تَملُّوا من العملِ، وإنَّ خَيْرَ العمَلِ أدومهُ، وإنْ قَلَّ» ، فنزلت ﴿يا أيها المزمل﴾ ، فكتب عليهم، وأنزل بمنزلة الفريضة حتى إن كان أحدهم ليربط الحبل، فيتعلق به، فمكثوا ثمانية أشهرٍ، فنزل قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل﴾ ، فردهم الله إلى الفريضة، ووضع عنهم قيام الليل، إلا ما تطوعوا به. قال القرطبيُّ: ومعنى حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ثابت في الصحيح، إلى قوله: «وإنْ قَلَّ» وباقيه يدل على أن قوله تعالى ﴿يا أيها المزمل﴾ نزل بالمدينة، وأنهم مكثوا ثمانية أشهرٍ يقومون، وقد تقدم عنها في «صحيح مسلم» حولاً. وحكى الماورديُّ عنها قولاً ثالثاً: وهو ستة عشر شهراً لم يذكر غيره عنها، وذكر عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أنه كان بين أول» المُزمِّل «وآخرها سنة، قال: فأما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد كان فرضاً عليه، وقيل في نسخه عنه قولان: أحدهما: أنه كان فرضاً عليه إلى أن مات. والثاني: أنه نسخ عنه كما نسخ عن أمته، وفي مدة فرضه إلى أن نسخ قولان: أحدهما: المدة المفروضة على أمته في القولين الماضيين، يريد قول ابن عباس حولاً، وقول عائشة ستة عشر شهراً. الثاني:» أنها عشر سنين إلى أن خفف عنه بالنسخ» . قوله: ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ ، أي: لا تعجل في قراءة القرآنِ بل اقرأه على مهل وهينة، وبينه تبييناً مع تدبر المعاني. قال المبرد: أصله من قولهم: «ثغر رتل ورتل» بفتح العين وكسرها إذا كان حسن التنضيد، ورتلت الكلام ترتيلاً، إذا جملت فيه، ويقال: ثغر رتل إذا كان بين الثنايا افتراق قليل. فقوله تعالى: ﴿تَرْتِيلاً﴾ تأكيد في إيجاب الأمر به، وأنه مما لا بد منه للقارىء. روى الحسن: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مر برجل يقرأ آية ويبكي، فقال:» أَمْ تَسمعُوا إلى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ ، هذا الترتيل «. وروى» أبو داود «عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» يُؤتَى بِقَارِىء القُرآنِ يَوْم القِيامةِ، فيُوقَفُ فِي أول دَرجِ الجنَّةِ، ويقال له: اقْرَأ وارْقَ ورتلْ كَمَا كُنْتَ تُرتِّلُ في الدُّنيا فإنَّ منزلتك عِنْدَ آخِرِ آية تقرؤها» .

المزمل 73:2

وقال الثعلبي: ﴿إن الله ربك يعلم أنك تقوم﴾ [المزمل: 10، 11] إلى آخر السورة، فإنه نزل بالمدينة. وهي سبع وعشرون آية، ومائتان وخمس وثمانون كلمة، وثماني مائة وثمانية وثلاثون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل﴾ ، أصله «المُتزمِّلُ» فأدغمت التاء في الزاي، يقال: تزمَّل يتزمل تزملاً، فإذا أريد الإدغام: اجتلبت همزة الوصل، وبهذا الأصل قرأ أبي بن كعب. وقرأ عكرمة: «المُزمِّل» - بتخفيف الزاي وتشديد الميم - اسم فاعل، وعلى هذا فيكون فيه وجهان: أحدهما: أن أصله «المُزتمِل» بوزن «مفتعل» فأبدلت التاء ميماً وأدغمت، قاله أبو البقاء، وهو ضعيف. والثاني: أنه اسم فاعل من «زمل» مشدداً، وعلى هذا، فيكون المفعول محذوفاً، أي: المزمل جسمه. وقرىء كذلك إلا أنه بفتح الميم اسم مفعول منه أي: «المُلفَّفُ، والتزمل: التلفف، يقال: تزمل زيد بكساء، أي: الفت به؛ وقال ذو الرُّمَّة: [الطويل] 4918 - وكَائِنْ تَخطَّت نَاقتِي مِنْ مفَازةٍ ... ومِنْ نَائِمٍ عَنْ ليْلِهَا مُتزمِّلِ وقال امرؤ القيس: [الطويل] 4919 - كَأنَّ ثَبِيراً فِي أفَانينِ ودقِهِ ... كَبِيرُ أنَاسٍ في بجَادٍ مُزمَّلِ وهو كقراءة بعضهم المتقدمة فصل في بيان لمن الخطاب في الآية هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفيه ثلاثةُ أقوالٍ: الأول: قال عكرمة: ﴿يا أيها المزمل﴾ بالنبوة المتزمل بالرسالة، وعنه: يا أيها الذي زمل هذا الأمر، أي: حمله ثم فتر، وكان يقرأ: ﴿يا أيها المزمل﴾ - بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها، على حذف المفعول، وكذلك: «المدثر» ، والمعنى: المزمل نفسه والمدثر نفسه، والذي زمله غيره. الثاني: قال ابن عباس: يا أيها المزمل بالقرآن. الثالث: قال قتادة: يا أيها المزمل بثيابه. قال النخعيُّ: كان متزملاً بقطيفة عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بمرط طوله أربعة عشر ذراعاً نصفه عليّ، وأنا نائمة ونصفه على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو يصلي، والله ما كان خزاً ولا قزاً ولا مرعزاء ولا إبريسم ولا صوفاً، كان سداه شعراً ولحمته وبراً، ذكره الثعلبي. قال القرطبيُّ: «وهذا القول من عائشة يدل على أنَّ السورة مدنية، فإنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يبنِ بها إلاَّ بالمدينة، والقول بأنها مكية لا يصح» . وقال الضحاكُ: تزمل لمنامه. وقيل: بلغه من المشركين سوء قول فيه، فاشتد عليه فتزمل، وتدثر، فنزل: ﴿يا أيها المزمل﴾ ﴿يا أيها المدثر﴾ . وقيل: كان هذا في ابتداء أمر ما أوحي إليه فإنه لما سمع صوت الملك، ونظر إليه أخذته الرعدة، فأتى أهله، وقال: زمِّلوني، دثِّرُونِي. روي معناه عن ابن عباس، قال: أول ما جاءه جبريل خافه، وظن أن به مساً من الجنِّ، فناداه، فرجل من الجبل مرتعداً وقال: زمِّلُوني، زمِّلُونِي. وقال الكلبيُّ: إنما تزمل النبي بثيابه ليتهيأ للصلاة، وهو اختيار الفراءِ. وقيل: إنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة فنودي بما يهجر تلك الحالة، فقيل له: ﴿يا أيها المزمل﴾ قم واشتغل بالعبودية. وقيل: معناه يا من تحمل أمراً عظيماً، والزمل: الحمل. قال البغويُّ: قال الحكماء: كان هذا الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أول الوحي قبل تبليغ الرسالة، ثم خوطب بعد بالنبي، والرسول. فصل في نفي كون «المزمل» اسماً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال السهيليُّ: ليس المزمل باسم من أسماء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما ذهب إليه بعض الناس، وعدوه في أسمائه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإنما «المُزمِّلُ» اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك كان المُدثِّرُ. وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: الملاطفة، فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة، سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها «لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - حين غاضب فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فأتاه وهو نائم وقد لصق جنبه بالتراب، فقال له:» قُمْ أبَا تُرابٍ» ، إشعاراً له بأنه غير عاتب عليه، وملاطفة له وإشعاراً بترك العتب، [وملاطفاً له وكذلك قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لحذيفة: قم يا نومان ملاطفة له، وإشعاراً بترك العتب والتأنيب]- وكان نائماً - فقول الله تعالى لمحمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿يا أيها المزمل قُمِ﴾ فيه تأنيس له، وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه. والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى قيام الليل، وذكر الله تعالى فيه لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل، واتصف بتلك الصفة. قوله: ﴿قُمِ الليل﴾ . العامة: على كسر الميم لالتقاء الساكنين. وأبو السمال: بضمها، إتباعاً لحركة القاف. وقرىء: بفتحها طلباً للخفة. قال أبو الفتح: الغرض: الهرب من التقاء الساكنين، فبأيِّ حركة تحرك الأول حصل الغرض. قال شهاب الدين: «إلا أن الأصل: الكسر، لدليل ذكره النحويون، و» الليل «ظرف للقيام وإن استغرقه الحدث الواقع فيه، هذا قول البصريين، وأما الكوفيون فيجعلون هذا النوع مفعولاً به» . قال القرطبي: «وهو من الأفعال القاصرة الغير متعدية إلى مفعول، فأما ظرف المكان والزمان فسائغ فيه، إلا أن ظرف المكان لا يتعدى إليه إلا بواسطة، لا تقول:» قمت الدار» حتى تقول: «قُمْتُ وسَط الدَّارِ، وخارج الدارِ» ، وقد قيل هنا: إن «قم» معناه: صل، عبر به هنا واستعير له حتى صار عرفاً بكثرة الاستعمال» . فصل في حد الليل الليل: حده من غروب الشمس إلى طلوع الفجر وقد تقدم بيانه في البقرة. قال القرطبيُّ: «واختلف هل كان قيامه فرضاً أو نفلاً؟ والدلائل تقوي أن قيامه كان فرضاً لأن الندب لا يقع على بعض الليل دون بعض لأن قيامه ليس مخصوصاً بوقت دون وقتٍ» . واختلف هل كان فرضاً على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وحده، أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء، أو عليه وعلى أمته، ثلاثة أقوالٍ: الأول: قول سعيد بن جبيرٍ لتوجه الخطاب إليه. الثاني: قول ابن عباسٍ، قال: كان قيامُ الليل فريضة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والأنبياء قبله. الثالث: قول عائشة وابن عباس أيضاً وهو الصحيح أنه كان فرضاً عليه وعلى أمته، لما روى «مسلم» : «أن سعد بن هشام بن عامر قال لعائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنبئيني عن قيام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: ألست تقرأ: ﴿يا أيها المزمل﴾ قلت: بلى، قالت: فإن الله - عَزَّ وَجَلَّ - افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه حولاً، وأمسك الله - عَزَّ وَجَلَّ - خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ - في آخر السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد أن كان فريضة» . وروى وكيع، ويعلى ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿يا أيها المزمل﴾ كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين نزول أولها وآخرها نحو من سنة. وقال سعيد بن جبير: مكث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه عشر سنين يقومون الليل، فنزلت بعد عشر سنين ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ﴾ [المزمل: 20] فخفف الله عنهم. وقيل: كان قيام الليل واجباً، ثم نسخ بالصلوات الخمس. وقيل: عسر عليهم تمييز القدر الواجب فقاموا الليل كلَّه فشق ذلك عليهم فنسخ بقوله في آخرها ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ [المزمل: 20] وكان بين الوجوب ونسخه سنة. وقيل: نسخ التقدير بمكة وبقي التهجد، حتى نسخ بالمدينة. وقيل: لم يجب التهجد قط لقوله ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: 79] ، ولأنه لو وجب عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لوجب على أمته لقوله تعالى ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: 158] ، والنسخ على خلاف الأصل، ولأنه فرض تعيين المقدار أي المكلف وذلك ينافي الوجوب. قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ . للناس في هذا كلام كثير، واستدلال على جواز استثناء الأكثر، والنصف، واعتراضات وأجوبة. قال شهاب الدين: وها أنا أكذر ذلك محرراً له بعون الله تعالى: اعلم أن في هذه الآية ثمانية أوجه: أحدها: أن «نِصْفهُ» بدل من «اللَّيْلِ» بدل بعض من كل، و «إلاَّ قَليْلاً» استثناء من النصف، كأنه قيل: [قُم أقل من نصف الليل، والضمير في «مِنْهُ» و «عليه» عائد على النصف، والمعنى: التخيير بين أمرين: بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت] ، وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف، والزيادة عليه، قاله الزمخشريُّ. وناقشه أبو حيَّان: «بأنه يلزم منه تكرار اللفظ، ويصير التقدير: قم نصف الليل إلا قليلاً من نصف الليل، قال: وهذا تركيب ينزه القرآن عنه» . قال شهاب الدين: والوجه في إشكال، لكن لا من هذه الحيثية، فإن الأمر فيها سهل بل لمعنى آخر - سأذكره إن شاء الله تعالى قريباً -، وجعل أبو البقاء هذا الوجه مرجوحاً فإنه قال: والثاني: هو بدل من «قليلاً» - يعني النصف - قال: وهو أشبه بظاهر الآية لأنه قال: «أو انقُصْ مِنْهُ» ، «أو زِدْ عليْهِ» ، والهاء فيهما للنصف، فلو كان الاستثناء من النصف لصار التقدير: قم نصف الليل إلا قليلاً، أو انقص منه قليلاً، والقليل المستثنى غير مقدر فالنقصان منه لا يعقل. قال شهاب الدين: «والجواب عنه: أن بعضهم قد عين هذا القليل، فعن الكلبي، ومقاتل: هو الثلث فلم يكن القليل غير مقدر، ثم إن في قوله تناقضاً فإنه قال:» والقليل المستثنى غير مقدر فالنقصان منه لا يعقل» ، فأعاد الضمير على القليل، وفي الأول أعاده على النصف، ولقائل أن يقول: قد ينقدح هذا الوجه بإشكال قوي، وهو أنه يلزم منه تكرار المعنى الواحد، وذلك أن قوله: قُمْ نصف الليل إلا قليلاً، بمعنى أنقص من نصف الليل، لأن ذلك القليل، هو بمعنى النقصان وأنت إذا قلت: «قم نصف الليل إلا القليل من النصف، وقم نصف الليل، أو انقص من النصف» وجدتهما بمعنى واحد، وفيه دقة فتأمله، ولم يذكر الحوفيُّ غير هذا الوجه المتقدم، وقد عرف ما فيه، وممن ذهب إليه أيضاً الزجاجُ فإنه قال: «نِصفَهُ» بدل من «الليل» و» إلاَّ قَلِيلاً «استثناء من النصف، والضمير في» مِنْهُ «و» عَليْهِ «عائد للنصف، والمعنى: قُم نصف الليل، أو انقص من النصف قليلاً إلى الثلث، أو زد عليه إلى الثلثين، فكأنه قال: قم ثلثي الليل، أو نصفه، أو ثلثه» . قال شهاب الدين: «والتقديرات التي يبرزونها ظاهرة حسنة إلا أن التركيب لا يساعد عليها لما عرفت من الإشكال المذكور آنفاً» . الثاني: أن يكون «نِصفَهُ» بدلاً من «قَلِيْلاً» وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء، وابن عطية. قال الزمخشريُّ: «وإن شئت جعلت» نِصفَهُ «بدلاً من» قَلِيْلاً «وكان تخييراً بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه، وإنَّما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل» . وهذا هو الذي جعله أبو البقاء أشبه من جعله بدلاً من «اللَّيْلِ» كما تقدم. إلا أن أبا حيان اعترض هذا، فقال: «وإذا كان» نِصفَهُ «بدلاً من» إلاَّ قليلاً» ، فالضميرُ في «نصفهُ» إما أن يعود على المبدل منه، أو على المستثنى منه، وهو» الليْل «لا جائزٍ أن يعود على المبدل منه؛ لأنه يصير استثناء مجهول من مجهول، إذ التقدير: إلا قليلاً نصف القليل، وهذا لا يصح له معنى ألبتَّة، وإن عاد الضمير إلى» اللَّيْلِ «فلا فائدة في الاستثناء من» الليْلِ» ، إذ كان يكون أخصر، وأفصح، وأبعد عن الإلباس: قم الليل نصفه، وقد أبطلنا قول من قال: «إلاَّ قَليلاً» استثناء من البدل، وهو» نِصْفَهُ «وأنَّ التقدير: قم الليل نصفه إلا قليلاً منه، أي من النصف، وأيضاً ففي دعوى أن» نِصفَهُ «بدل من» إلاَّ قَلِيلاً» ، والضمير في «نِصْفَهُ» عائد على «الليْلِ» ، إطلاق القليل على النصف، ويلزم أيضاً أن يصير التقدير: إلا نصفه فلا تقمه، أو انقص من النصف الذي لا تقومه، وهذا معنى لا يصلح، وليس المراد من الآية قطعاً» . قال شهاب الدين: يقول بجواز عوده على كل منهما، ولا يلزم محذور، أما ما ذكره من أنه يكون استثناء مجهول من مجهول فممنوع، بل هو استثناء معلوم من معلوم، لأنا بينا أن القليل قدر معين وهو الثلث، والليل ليس بمجهول، وأيضاً فاستثناء المبهم قد ورد، قال الله تعالى: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] ، وقال تعالى: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249] ، وكان حقه أن يقول: لأنه بدل مجهول من مجهول، وأما ما ذكره من أنه «أخصر منه، وأوضح» كيت وكيت، أما الأخصر، فمسلم وأما أنه يلبس، فممنوع، وإنما عدل عن اللفظ الذي ذكره لأنه أبلغ، وبهذا الوجه استدل من قال: يجوز استثناء النصفِ، والأكثر، [ووجه الدلالة على الأول أنه جعل قليلاً مستثنى من الليل ثم فسَّر ذلك القليل بالنصف، فكأنه قيل قم الليل إلا نصفه] ووجه الدلالة على الثاني: أنه عطف «أوْ زِدْ عليْهِ» على «انْقُصْ مِنْهُ» ، فيكون قد استثنى الزائد على النصف، لأن الضمير في «مِنْهُ» وفي «عَليْهِ» عائد على النصف وهو استدلال ضعيف لأن الكثرة إنَّما جاءت بالعطف، وهو نظير أن يقول: له عندي عشرةٌ إلا خمسة درهماً درهماً، فالزيادة على النصف بطريق العطف، لا بطريق أن الاستثناء أخرج الأكبر بنفسه. الثالث: إن «نِصفَهُ» بدل من «الليل» [أيضاً كما تقدَّم في الوجه الأول، إلا أن الضمير في «مِنْهُ» و «عَليْهِ» عائد على الأقل من النصف،] وإليه ذهب الزمشخريُّ، فإنه قال: «وإن شئت قلت: لما كان معنى ﴿قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ﴾ إذا أبدلت النصف من الليل يكون المعنى: قم أقل من نصف الليل، فيرجع الضمير في» مِنْهُ» و «عَليْهِ» ، إلى الأقل من النصف، فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل، أو قم أنقص من ذلك الأقل، أو أزيد منه قليلاً، فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث» . الرابع: أن يكون «نِصفَهُ» بدلاً من «قَلِيْلاً» كما تقدم؛ إلا أنك تجعل القليل الثاني ربع الليلِ، وقد أوضح الزمخشري هذا أيضاً، فقال: «ويجوز إذا أبدلت» نِصْفَهُ «من» قَلِيْلاً «وفسرته به أن تجعل» قَلِيلاً «الثاني بمعنى نصف النصف بمعنى الربع، كأنه قيل: أو انقص منه قليلاً نصفه، وتجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع نصف الربع، كأنه قيل: أو زد عليه قليلاً نصفه، ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث، فيكون تخييراً بين النصف، والثلث، والربع» انتهى. واختار ابن الخطيب هذا الوجه مع الوجه الثاني: فقال: وقد أكثر الناس في هذه الآية، وفيها وجهان ملخصان: أحدهما: أن القليل في قوله: «إِلاَّ قَليْلاً» ، هو الثلث، لأن قوله تعالى في آخر السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ﴾ ، يقتضي أن أكثر المقادير الواجبة هو الثلثان، فيكون قيامُ الثلث جائزاً، وهو قوله: ﴿إلاَّ قَلِيلاً﴾ فكأنه قيل: قم ثلثي الليل، ثم قال: «نِصْفَهُ» فمعناه: أو قم نصفه، من باب قولهم: «جالس الحسن، أو ابن سيرين» على الإباحة، فحذف العاطف، فالتقدير: قم الثلثين، أو قم النصف، أو انقص من النصف، أو زد عليه، فعلى هذا يكون الثلثان أقصى الزيادة، والثلث أقصى النقصان، فيكون الواجب هو الثلث، والزائد عليه مندوباً، فإن قيل: فيلزم على قراءة الخفض في «نصفه» و «ثلثه» أن يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ترك من الواجب الأدنى، لأنه تعالى قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ فيكون المعنى أنك تقوم أقل من الثلثين، وأقل من النصف وأقل من الثلث، فإذا كان الثلث واجباً كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تاركاً للواجب؟ قلنا: المقدر للشيء قد ينقص منه لعدم انضباطه لأنه باجتهاد فربما أخطأ، فهو كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: 20] . الثاني: أن «نِصْفَهُ» تفسير ل «قَلِيْلاً» لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل لأن المكلف بالنصف لا يخرج عن العهدة بيقين، إلا بزيادة شيء قليل عليه فيصير في الحقيقة نصفاً وشيئاً، فيكون الباقي بعد ذلك أقل من النصف، فالمعنى: قم نصف الليل، أو انقص منه نصفه، وهو الربع، أو زد عليه نصفه، وهو الربع، فيصير المجموع ثلاثة أرباع، فيكون مخيراً بين أن يقوم تمام النصف، أو ربع الليل، أوثلاثة أرباعه، وحينئذ يزول الإشكال بالكلية، لأن الربع أقل من الثلث، وذلك أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ يدل على أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يقم ثلثي الليل، ولا نصفه ولا ثلثه، لأن الواجب لما كان هو الربع فقط، لم يلزم ترك قيام الثلث. الوجه الخامس: أن يكون ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ استثناء من القيام، فيجعل «الليْل» اسم جنس، ثم قال: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ، أي: إلا الليالي التي تُخِلّ فيها، أي تترك في قيامها القدر البين ونحوه، وهذا النظر يحسن مع القول بالندب، قاله ابن عطية، احتمالاً من عنده وهذا خلافُ الظاهرِ، وهو تأويل بعيد. السادس: قال الأخفش: الأصل قم الليل إلا قليلاً أو نصفه، قال: كقولك: «أعطه درهماً درهمين ثلاثة» . وهذا ضعيف جداً، لأن فيه حذف حرف العطفِ، وهو ممنوعٌ، لم يردْ منه إلا شيء شاذ ممكن تأويله، كقولهم: «أكَلتُ لحْماً سَمَكاً تَمْراً» . وقول الآخر: [الخفيف] 4920 - كَيْفَ أصْبحْتَ كيْفَ أمْسيْتَ ممَّا ... يَنْزِعُ الوُدَّ في فُؤادِ الكَريمِ أي: «لحماً وسمكاً وتمراً» ، وكذا: كيف أصبحت، وكيف أمسيت، وقد خرج الناس هذا على بدل النداء. السابع: قال التبريزي: الأمر بالقيام، والتخيير في الزيادة، والنقصان وقع على الثلثين في آخر الليل، لأن الثلث الأول وقت العتمة، والاسثتناء وارد على المأمورية، فكأنه قال: قم ثلثي الليل إلا قليلاً أي ما دون نصفه «أو زِدْ عليْهِ» ، أي على الثلثين، فكان التخيير في الزيادة، والنقصان واقعاً على الثلثين، وهذا كلام غريب لا يظهر من هذا التركيب. الثامن: أن «نِصْفَهُ» منصوب على إضمار فعل، أي: قم نصفه، حكاه مكي عن غيره، فإنه قال: «نِصْفَهُ» بدل من «الليْلِ» . وقيل: «انتصب على إضمار: قم نصفه» . قال شهاب الدين: «وهذا في التحقيق، وهو وجه البدل الذي ذكره أولاً، لأن البدل على نية تكرار العامل» . فصل في نسخ الأمر بقيام الليل اختلفوا في الناسخ للأمر بقيام الليل، فعن ابن عباس وعائشة: أن الناسخ قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل﴾ إلى آخرها، وقيل: قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ وعن ابن عباس أيضاً: أنه منسوخ بقوله ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى﴾ ، وعن عائشة أيضاً، والشافعي وابن كيسان: هو منسوخ بالصلوات الخمس، وقيل: الناسخ قوله تعالى: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ . قال أبو عبد الرحمن السلمي: لما نزلت ﴿يا أيها المزمل﴾ قاموا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم ثم نزل قوله تعالى: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ . قال بعض العلماء: وهو فرض نسخ به فرض كان على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاصة لفضله كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ . قال القرطبيُّ: «والقول الأول يعم جميع هذه الأقوال، وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ [البقرة: 43] . فدخل فيها قول من قال: إن الناسخِ الصلوات الخمس، وذهب الحسن وابن سيرين إلى أن صلاة الليل كانت فريضة على كلِّ مسلمٍ، ولو على قدر حلب شاة، وعن الحسن أيضاً أنه قال في هذه الآية: الحمد لله تطوع بعد الفريضة، وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى - لما جاء في قيامه من الترغيب، والفضل في القرآن، والسنة» . قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «كنت أجعل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حصيراً يصلي عليه من الليل، فتسامع الناس به فلما رأى جماعتهم كره ذلك، وخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فدخل البيت كالمغضب، فجعلوا يتحنحون، ويتفلون، فخرج إليهم فقال:» أيُّهَا النَّاسُ تكلَّفُوا مِن العمل ما تُطيقُونَ، فإنَّ اللَّه لا يمَلُّ من الثواب حتَّى تَملُّوا من العملِ، وإنَّ خَيْرَ العمَلِ أدومهُ، وإنْ قَلَّ» ، فنزلت ﴿يا أيها المزمل﴾ ، فكتب عليهم، وأنزل بمنزلة الفريضة حتى إن كان أحدهم ليربط الحبل، فيتعلق به، فمكثوا ثمانية أشهرٍ، فنزل قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل﴾ ، فردهم الله إلى الفريضة، ووضع عنهم قيام الليل، إلا ما تطوعوا به. قال القرطبيُّ: ومعنى حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ثابت في الصحيح، إلى قوله: «وإنْ قَلَّ» وباقيه يدل على أن قوله تعالى ﴿يا أيها المزمل﴾ نزل بالمدينة، وأنهم مكثوا ثمانية أشهرٍ يقومون، وقد تقدم عنها في «صحيح مسلم» حولاً. وحكى الماورديُّ عنها قولاً ثالثاً: وهو ستة عشر شهراً لم يذكر غيره عنها، وذكر عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أنه كان بين أول» المُزمِّل «وآخرها سنة، قال: فأما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد كان فرضاً عليه، وقيل في نسخه عنه قولان: أحدهما: أنه كان فرضاً عليه إلى أن مات. والثاني: أنه نسخ عنه كما نسخ عن أمته، وفي مدة فرضه إلى أن نسخ قولان: أحدهما: المدة المفروضة على أمته في القولين الماضيين، يريد قول ابن عباس حولاً، وقول عائشة ستة عشر شهراً. الثاني:» أنها عشر سنين إلى أن خفف عنه بالنسخ» . قوله: ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ ، أي: لا تعجل في قراءة القرآنِ بل اقرأه على مهل وهينة، وبينه تبييناً مع تدبر المعاني. قال المبرد: أصله من قولهم: «ثغر رتل ورتل» بفتح العين وكسرها إذا كان حسن التنضيد، ورتلت الكلام ترتيلاً، إذا جملت فيه، ويقال: ثغر رتل إذا كان بين الثنايا افتراق قليل. فقوله تعالى: ﴿تَرْتِيلاً﴾ تأكيد في إيجاب الأمر به، وأنه مما لا بد منه للقارىء. روى الحسن: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مر برجل يقرأ آية ويبكي، فقال:» أَمْ تَسمعُوا إلى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ ، هذا الترتيل «. وروى» أبو داود «عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» يُؤتَى بِقَارِىء القُرآنِ يَوْم القِيامةِ، فيُوقَفُ فِي أول دَرجِ الجنَّةِ، ويقال له: اقْرَأ وارْقَ ورتلْ كَمَا كُنْتَ تُرتِّلُ في الدُّنيا فإنَّ منزلتك عِنْدَ آخِرِ آية تقرؤها» .

المزمل 73:3

وقال الثعلبي: ﴿إن الله ربك يعلم أنك تقوم﴾ [المزمل: 10، 11] إلى آخر السورة، فإنه نزل بالمدينة. وهي سبع وعشرون آية، ومائتان وخمس وثمانون كلمة، وثماني مائة وثمانية وثلاثون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل﴾ ، أصله «المُتزمِّلُ» فأدغمت التاء في الزاي، يقال: تزمَّل يتزمل تزملاً، فإذا أريد الإدغام: اجتلبت همزة الوصل، وبهذا الأصل قرأ أبي بن كعب. وقرأ عكرمة: «المُزمِّل» - بتخفيف الزاي وتشديد الميم - اسم فاعل، وعلى هذا فيكون فيه وجهان: أحدهما: أن أصله «المُزتمِل» بوزن «مفتعل» فأبدلت التاء ميماً وأدغمت، قاله أبو البقاء، وهو ضعيف. والثاني: أنه اسم فاعل من «زمل» مشدداً، وعلى هذا، فيكون المفعول محذوفاً، أي: المزمل جسمه. وقرىء كذلك إلا أنه بفتح الميم اسم مفعول منه أي: «المُلفَّفُ، والتزمل: التلفف، يقال: تزمل زيد بكساء، أي: الفت به؛ وقال ذو الرُّمَّة: [الطويل] 4918 - وكَائِنْ تَخطَّت نَاقتِي مِنْ مفَازةٍ ... ومِنْ نَائِمٍ عَنْ ليْلِهَا مُتزمِّلِ وقال امرؤ القيس: [الطويل] 4919 - كَأنَّ ثَبِيراً فِي أفَانينِ ودقِهِ ... كَبِيرُ أنَاسٍ في بجَادٍ مُزمَّلِ وهو كقراءة بعضهم المتقدمة فصل في بيان لمن الخطاب في الآية هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفيه ثلاثةُ أقوالٍ: الأول: قال عكرمة: ﴿يا أيها المزمل﴾ بالنبوة المتزمل بالرسالة، وعنه: يا أيها الذي زمل هذا الأمر، أي: حمله ثم فتر، وكان يقرأ: ﴿يا أيها المزمل﴾ - بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها، على حذف المفعول، وكذلك: «المدثر» ، والمعنى: المزمل نفسه والمدثر نفسه، والذي زمله غيره. الثاني: قال ابن عباس: يا أيها المزمل بالقرآن. الثالث: قال قتادة: يا أيها المزمل بثيابه. قال النخعيُّ: كان متزملاً بقطيفة عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بمرط طوله أربعة عشر ذراعاً نصفه عليّ، وأنا نائمة ونصفه على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو يصلي، والله ما كان خزاً ولا قزاً ولا مرعزاء ولا إبريسم ولا صوفاً، كان سداه شعراً ولحمته وبراً، ذكره الثعلبي. قال القرطبيُّ: «وهذا القول من عائشة يدل على أنَّ السورة مدنية، فإنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يبنِ بها إلاَّ بالمدينة، والقول بأنها مكية لا يصح» . وقال الضحاكُ: تزمل لمنامه. وقيل: بلغه من المشركين سوء قول فيه، فاشتد عليه فتزمل، وتدثر، فنزل: ﴿يا أيها المزمل﴾ ﴿يا أيها المدثر﴾ . وقيل: كان هذا في ابتداء أمر ما أوحي إليه فإنه لما سمع صوت الملك، ونظر إليه أخذته الرعدة، فأتى أهله، وقال: زمِّلوني، دثِّرُونِي. روي معناه عن ابن عباس، قال: أول ما جاءه جبريل خافه، وظن أن به مساً من الجنِّ، فناداه، فرجل من الجبل مرتعداً وقال: زمِّلُوني، زمِّلُونِي. وقال الكلبيُّ: إنما تزمل النبي بثيابه ليتهيأ للصلاة، وهو اختيار الفراءِ. وقيل: إنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة فنودي بما يهجر تلك الحالة، فقيل له: ﴿يا أيها المزمل﴾ قم واشتغل بالعبودية. وقيل: معناه يا من تحمل أمراً عظيماً، والزمل: الحمل. قال البغويُّ: قال الحكماء: كان هذا الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أول الوحي قبل تبليغ الرسالة، ثم خوطب بعد بالنبي، والرسول. فصل في نفي كون «المزمل» اسماً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال السهيليُّ: ليس المزمل باسم من أسماء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما ذهب إليه بعض الناس، وعدوه في أسمائه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإنما «المُزمِّلُ» اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك كان المُدثِّرُ. وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: الملاطفة، فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة، سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها «لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - حين غاضب فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فأتاه وهو نائم وقد لصق جنبه بالتراب، فقال له:» قُمْ أبَا تُرابٍ» ، إشعاراً له بأنه غير عاتب عليه، وملاطفة له وإشعاراً بترك العتب، [وملاطفاً له وكذلك قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لحذيفة: قم يا نومان ملاطفة له، وإشعاراً بترك العتب والتأنيب]- وكان نائماً - فقول الله تعالى لمحمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿يا أيها المزمل قُمِ﴾ فيه تأنيس له، وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه. والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى قيام الليل، وذكر الله تعالى فيه لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل، واتصف بتلك الصفة. قوله: ﴿قُمِ الليل﴾ . العامة: على كسر الميم لالتقاء الساكنين. وأبو السمال: بضمها، إتباعاً لحركة القاف. وقرىء: بفتحها طلباً للخفة. قال أبو الفتح: الغرض: الهرب من التقاء الساكنين، فبأيِّ حركة تحرك الأول حصل الغرض. قال شهاب الدين: «إلا أن الأصل: الكسر، لدليل ذكره النحويون، و» الليل «ظرف للقيام وإن استغرقه الحدث الواقع فيه، هذا قول البصريين، وأما الكوفيون فيجعلون هذا النوع مفعولاً به» . قال القرطبي: «وهو من الأفعال القاصرة الغير متعدية إلى مفعول، فأما ظرف المكان والزمان فسائغ فيه، إلا أن ظرف المكان لا يتعدى إليه إلا بواسطة، لا تقول:» قمت الدار» حتى تقول: «قُمْتُ وسَط الدَّارِ، وخارج الدارِ» ، وقد قيل هنا: إن «قم» معناه: صل، عبر به هنا واستعير له حتى صار عرفاً بكثرة الاستعمال» . فصل في حد الليل الليل: حده من غروب الشمس إلى طلوع الفجر وقد تقدم بيانه في البقرة. قال القرطبيُّ: «واختلف هل كان قيامه فرضاً أو نفلاً؟ والدلائل تقوي أن قيامه كان فرضاً لأن الندب لا يقع على بعض الليل دون بعض لأن قيامه ليس مخصوصاً بوقت دون وقتٍ» . واختلف هل كان فرضاً على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وحده، أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء، أو عليه وعلى أمته، ثلاثة أقوالٍ: الأول: قول سعيد بن جبيرٍ لتوجه الخطاب إليه. الثاني: قول ابن عباسٍ، قال: كان قيامُ الليل فريضة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والأنبياء قبله. الثالث: قول عائشة وابن عباس أيضاً وهو الصحيح أنه كان فرضاً عليه وعلى أمته، لما روى «مسلم» : «أن سعد بن هشام بن عامر قال لعائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنبئيني عن قيام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: ألست تقرأ: ﴿يا أيها المزمل﴾ قلت: بلى، قالت: فإن الله - عَزَّ وَجَلَّ - افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه حولاً، وأمسك الله - عَزَّ وَجَلَّ - خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ - في آخر السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد أن كان فريضة» . وروى وكيع، ويعلى ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿يا أيها المزمل﴾ كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين نزول أولها وآخرها نحو من سنة. وقال سعيد بن جبير: مكث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه عشر سنين يقومون الليل، فنزلت بعد عشر سنين ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ﴾ [المزمل: 20] فخفف الله عنهم. وقيل: كان قيام الليل واجباً، ثم نسخ بالصلوات الخمس. وقيل: عسر عليهم تمييز القدر الواجب فقاموا الليل كلَّه فشق ذلك عليهم فنسخ بقوله في آخرها ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ [المزمل: 20] وكان بين الوجوب ونسخه سنة. وقيل: نسخ التقدير بمكة وبقي التهجد، حتى نسخ بالمدينة. وقيل: لم يجب التهجد قط لقوله ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: 79] ، ولأنه لو وجب عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لوجب على أمته لقوله تعالى ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: 158] ، والنسخ على خلاف الأصل، ولأنه فرض تعيين المقدار أي المكلف وذلك ينافي الوجوب. قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ . للناس في هذا كلام كثير، واستدلال على جواز استثناء الأكثر، والنصف، واعتراضات وأجوبة. قال شهاب الدين: وها أنا أكذر ذلك محرراً له بعون الله تعالى: اعلم أن في هذه الآية ثمانية أوجه: أحدها: أن «نِصْفهُ» بدل من «اللَّيْلِ» بدل بعض من كل، و «إلاَّ قَليْلاً» استثناء من النصف، كأنه قيل: [قُم أقل من نصف الليل، والضمير في «مِنْهُ» و «عليه» عائد على النصف، والمعنى: التخيير بين أمرين: بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت] ، وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف، والزيادة عليه، قاله الزمخشريُّ. وناقشه أبو حيَّان: «بأنه يلزم منه تكرار اللفظ، ويصير التقدير: قم نصف الليل إلا قليلاً من نصف الليل، قال: وهذا تركيب ينزه القرآن عنه» . قال شهاب الدين: والوجه في إشكال، لكن لا من هذه الحيثية، فإن الأمر فيها سهل بل لمعنى آخر - سأذكره إن شاء الله تعالى قريباً -، وجعل أبو البقاء هذا الوجه مرجوحاً فإنه قال: والثاني: هو بدل من «قليلاً» - يعني النصف - قال: وهو أشبه بظاهر الآية لأنه قال: «أو انقُصْ مِنْهُ» ، «أو زِدْ عليْهِ» ، والهاء فيهما للنصف، فلو كان الاستثناء من النصف لصار التقدير: قم نصف الليل إلا قليلاً، أو انقص منه قليلاً، والقليل المستثنى غير مقدر فالنقصان منه لا يعقل. قال شهاب الدين: «والجواب عنه: أن بعضهم قد عين هذا القليل، فعن الكلبي، ومقاتل: هو الثلث فلم يكن القليل غير مقدر، ثم إن في قوله تناقضاً فإنه قال:» والقليل المستثنى غير مقدر فالنقصان منه لا يعقل» ، فأعاد الضمير على القليل، وفي الأول أعاده على النصف، ولقائل أن يقول: قد ينقدح هذا الوجه بإشكال قوي، وهو أنه يلزم منه تكرار المعنى الواحد، وذلك أن قوله: قُمْ نصف الليل إلا قليلاً، بمعنى أنقص من نصف الليل، لأن ذلك القليل، هو بمعنى النقصان وأنت إذا قلت: «قم نصف الليل إلا القليل من النصف، وقم نصف الليل، أو انقص من النصف» وجدتهما بمعنى واحد، وفيه دقة فتأمله، ولم يذكر الحوفيُّ غير هذا الوجه المتقدم، وقد عرف ما فيه، وممن ذهب إليه أيضاً الزجاجُ فإنه قال: «نِصفَهُ» بدل من «الليل» و» إلاَّ قَلِيلاً «استثناء من النصف، والضمير في» مِنْهُ «و» عَليْهِ «عائد للنصف، والمعنى: قُم نصف الليل، أو انقص من النصف قليلاً إلى الثلث، أو زد عليه إلى الثلثين، فكأنه قال: قم ثلثي الليل، أو نصفه، أو ثلثه» . قال شهاب الدين: «والتقديرات التي يبرزونها ظاهرة حسنة إلا أن التركيب لا يساعد عليها لما عرفت من الإشكال المذكور آنفاً» . الثاني: أن يكون «نِصفَهُ» بدلاً من «قَلِيْلاً» وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء، وابن عطية. قال الزمخشريُّ: «وإن شئت جعلت» نِصفَهُ «بدلاً من» قَلِيْلاً «وكان تخييراً بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه، وإنَّما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل» . وهذا هو الذي جعله أبو البقاء أشبه من جعله بدلاً من «اللَّيْلِ» كما تقدم. إلا أن أبا حيان اعترض هذا، فقال: «وإذا كان» نِصفَهُ «بدلاً من» إلاَّ قليلاً» ، فالضميرُ في «نصفهُ» إما أن يعود على المبدل منه، أو على المستثنى منه، وهو» الليْل «لا جائزٍ أن يعود على المبدل منه؛ لأنه يصير استثناء مجهول من مجهول، إذ التقدير: إلا قليلاً نصف القليل، وهذا لا يصح له معنى ألبتَّة، وإن عاد الضمير إلى» اللَّيْلِ «فلا فائدة في الاستثناء من» الليْلِ» ، إذ كان يكون أخصر، وأفصح، وأبعد عن الإلباس: قم الليل نصفه، وقد أبطلنا قول من قال: «إلاَّ قَليلاً» استثناء من البدل، وهو» نِصْفَهُ «وأنَّ التقدير: قم الليل نصفه إلا قليلاً منه، أي من النصف، وأيضاً ففي دعوى أن» نِصفَهُ «بدل من» إلاَّ قَلِيلاً» ، والضمير في «نِصْفَهُ» عائد على «الليْلِ» ، إطلاق القليل على النصف، ويلزم أيضاً أن يصير التقدير: إلا نصفه فلا تقمه، أو انقص من النصف الذي لا تقومه، وهذا معنى لا يصلح، وليس المراد من الآية قطعاً» . قال شهاب الدين: يقول بجواز عوده على كل منهما، ولا يلزم محذور، أما ما ذكره من أنه يكون استثناء مجهول من مجهول فممنوع، بل هو استثناء معلوم من معلوم، لأنا بينا أن القليل قدر معين وهو الثلث، والليل ليس بمجهول، وأيضاً فاستثناء المبهم قد ورد، قال الله تعالى: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] ، وقال تعالى: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249] ، وكان حقه أن يقول: لأنه بدل مجهول من مجهول، وأما ما ذكره من أنه «أخصر منه، وأوضح» كيت وكيت، أما الأخصر، فمسلم وأما أنه يلبس، فممنوع، وإنما عدل عن اللفظ الذي ذكره لأنه أبلغ، وبهذا الوجه استدل من قال: يجوز استثناء النصفِ، والأكثر، [ووجه الدلالة على الأول أنه جعل قليلاً مستثنى من الليل ثم فسَّر ذلك القليل بالنصف، فكأنه قيل قم الليل إلا نصفه] ووجه الدلالة على الثاني: أنه عطف «أوْ زِدْ عليْهِ» على «انْقُصْ مِنْهُ» ، فيكون قد استثنى الزائد على النصف، لأن الضمير في «مِنْهُ» وفي «عَليْهِ» عائد على النصف وهو استدلال ضعيف لأن الكثرة إنَّما جاءت بالعطف، وهو نظير أن يقول: له عندي عشرةٌ إلا خمسة درهماً درهماً، فالزيادة على النصف بطريق العطف، لا بطريق أن الاستثناء أخرج الأكبر بنفسه. الثالث: إن «نِصفَهُ» بدل من «الليل» [أيضاً كما تقدَّم في الوجه الأول، إلا أن الضمير في «مِنْهُ» و «عَليْهِ» عائد على الأقل من النصف،] وإليه ذهب الزمشخريُّ، فإنه قال: «وإن شئت قلت: لما كان معنى ﴿قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ﴾ إذا أبدلت النصف من الليل يكون المعنى: قم أقل من نصف الليل، فيرجع الضمير في» مِنْهُ» و «عَليْهِ» ، إلى الأقل من النصف، فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل، أو قم أنقص من ذلك الأقل، أو أزيد منه قليلاً، فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث» . الرابع: أن يكون «نِصفَهُ» بدلاً من «قَلِيْلاً» كما تقدم؛ إلا أنك تجعل القليل الثاني ربع الليلِ، وقد أوضح الزمخشري هذا أيضاً، فقال: «ويجوز إذا أبدلت» نِصْفَهُ «من» قَلِيْلاً «وفسرته به أن تجعل» قَلِيلاً «الثاني بمعنى نصف النصف بمعنى الربع، كأنه قيل: أو انقص منه قليلاً نصفه، وتجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع نصف الربع، كأنه قيل: أو زد عليه قليلاً نصفه، ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث، فيكون تخييراً بين النصف، والثلث، والربع» انتهى. واختار ابن الخطيب هذا الوجه مع الوجه الثاني: فقال: وقد أكثر الناس في هذه الآية، وفيها وجهان ملخصان: أحدهما: أن القليل في قوله: «إِلاَّ قَليْلاً» ، هو الثلث، لأن قوله تعالى في آخر السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ﴾ ، يقتضي أن أكثر المقادير الواجبة هو الثلثان، فيكون قيامُ الثلث جائزاً، وهو قوله: ﴿إلاَّ قَلِيلاً﴾ فكأنه قيل: قم ثلثي الليل، ثم قال: «نِصْفَهُ» فمعناه: أو قم نصفه، من باب قولهم: «جالس الحسن، أو ابن سيرين» على الإباحة، فحذف العاطف، فالتقدير: قم الثلثين، أو قم النصف، أو انقص من النصف، أو زد عليه، فعلى هذا يكون الثلثان أقصى الزيادة، والثلث أقصى النقصان، فيكون الواجب هو الثلث، والزائد عليه مندوباً، فإن قيل: فيلزم على قراءة الخفض في «نصفه» و «ثلثه» أن يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ترك من الواجب الأدنى، لأنه تعالى قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ فيكون المعنى أنك تقوم أقل من الثلثين، وأقل من النصف وأقل من الثلث، فإذا كان الثلث واجباً كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تاركاً للواجب؟ قلنا: المقدر للشيء قد ينقص منه لعدم انضباطه لأنه باجتهاد فربما أخطأ، فهو كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: 20] . الثاني: أن «نِصْفَهُ» تفسير ل «قَلِيْلاً» لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل لأن المكلف بالنصف لا يخرج عن العهدة بيقين، إلا بزيادة شيء قليل عليه فيصير في الحقيقة نصفاً وشيئاً، فيكون الباقي بعد ذلك أقل من النصف، فالمعنى: قم نصف الليل، أو انقص منه نصفه، وهو الربع، أو زد عليه نصفه، وهو الربع، فيصير المجموع ثلاثة أرباع، فيكون مخيراً بين أن يقوم تمام النصف، أو ربع الليل، أوثلاثة أرباعه، وحينئذ يزول الإشكال بالكلية، لأن الربع أقل من الثلث، وذلك أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ يدل على أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يقم ثلثي الليل، ولا نصفه ولا ثلثه، لأن الواجب لما كان هو الربع فقط، لم يلزم ترك قيام الثلث. الوجه الخامس: أن يكون ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ استثناء من القيام، فيجعل «الليْل» اسم جنس، ثم قال: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ، أي: إلا الليالي التي تُخِلّ فيها، أي تترك في قيامها القدر البين ونحوه، وهذا النظر يحسن مع القول بالندب، قاله ابن عطية، احتمالاً من عنده وهذا خلافُ الظاهرِ، وهو تأويل بعيد. السادس: قال الأخفش: الأصل قم الليل إلا قليلاً أو نصفه، قال: كقولك: «أعطه درهماً درهمين ثلاثة» . وهذا ضعيف جداً، لأن فيه حذف حرف العطفِ، وهو ممنوعٌ، لم يردْ منه إلا شيء شاذ ممكن تأويله، كقولهم: «أكَلتُ لحْماً سَمَكاً تَمْراً» . وقول الآخر: [الخفيف] 4920 - كَيْفَ أصْبحْتَ كيْفَ أمْسيْتَ ممَّا ... يَنْزِعُ الوُدَّ في فُؤادِ الكَريمِ أي: «لحماً وسمكاً وتمراً» ، وكذا: كيف أصبحت، وكيف أمسيت، وقد خرج الناس هذا على بدل النداء. السابع: قال التبريزي: الأمر بالقيام، والتخيير في الزيادة، والنقصان وقع على الثلثين في آخر الليل، لأن الثلث الأول وقت العتمة، والاسثتناء وارد على المأمورية، فكأنه قال: قم ثلثي الليل إلا قليلاً أي ما دون نصفه «أو زِدْ عليْهِ» ، أي على الثلثين، فكان التخيير في الزيادة، والنقصان واقعاً على الثلثين، وهذا كلام غريب لا يظهر من هذا التركيب. الثامن: أن «نِصْفَهُ» منصوب على إضمار فعل، أي: قم نصفه، حكاه مكي عن غيره، فإنه قال: «نِصْفَهُ» بدل من «الليْلِ» . وقيل: «انتصب على إضمار: قم نصفه» . قال شهاب الدين: «وهذا في التحقيق، وهو وجه البدل الذي ذكره أولاً، لأن البدل على نية تكرار العامل» . فصل في نسخ الأمر بقيام الليل اختلفوا في الناسخ للأمر بقيام الليل، فعن ابن عباس وعائشة: أن الناسخ قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل﴾ إلى آخرها، وقيل: قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ وعن ابن عباس أيضاً: أنه منسوخ بقوله ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى﴾ ، وعن عائشة أيضاً، والشافعي وابن كيسان: هو منسوخ بالصلوات الخمس، وقيل: الناسخ قوله تعالى: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ . قال أبو عبد الرحمن السلمي: لما نزلت ﴿يا أيها المزمل﴾ قاموا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم ثم نزل قوله تعالى: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ . قال بعض العلماء: وهو فرض نسخ به فرض كان على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاصة لفضله كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ . قال القرطبيُّ: «والقول الأول يعم جميع هذه الأقوال، وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ [البقرة: 43] . فدخل فيها قول من قال: إن الناسخِ الصلوات الخمس، وذهب الحسن وابن سيرين إلى أن صلاة الليل كانت فريضة على كلِّ مسلمٍ، ولو على قدر حلب شاة، وعن الحسن أيضاً أنه قال في هذه الآية: الحمد لله تطوع بعد الفريضة، وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى - لما جاء في قيامه من الترغيب، والفضل في القرآن، والسنة» . قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «كنت أجعل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حصيراً يصلي عليه من الليل، فتسامع الناس به فلما رأى جماعتهم كره ذلك، وخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فدخل البيت كالمغضب، فجعلوا يتحنحون، ويتفلون، فخرج إليهم فقال:» أيُّهَا النَّاسُ تكلَّفُوا مِن العمل ما تُطيقُونَ، فإنَّ اللَّه لا يمَلُّ من الثواب حتَّى تَملُّوا من العملِ، وإنَّ خَيْرَ العمَلِ أدومهُ، وإنْ قَلَّ» ، فنزلت ﴿يا أيها المزمل﴾ ، فكتب عليهم، وأنزل بمنزلة الفريضة حتى إن كان أحدهم ليربط الحبل، فيتعلق به، فمكثوا ثمانية أشهرٍ، فنزل قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل﴾ ، فردهم الله إلى الفريضة، ووضع عنهم قيام الليل، إلا ما تطوعوا به. قال القرطبيُّ: ومعنى حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ثابت في الصحيح، إلى قوله: «وإنْ قَلَّ» وباقيه يدل على أن قوله تعالى ﴿يا أيها المزمل﴾ نزل بالمدينة، وأنهم مكثوا ثمانية أشهرٍ يقومون، وقد تقدم عنها في «صحيح مسلم» حولاً. وحكى الماورديُّ عنها قولاً ثالثاً: وهو ستة عشر شهراً لم يذكر غيره عنها، وذكر عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أنه كان بين أول» المُزمِّل «وآخرها سنة، قال: فأما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد كان فرضاً عليه، وقيل في نسخه عنه قولان: أحدهما: أنه كان فرضاً عليه إلى أن مات. والثاني: أنه نسخ عنه كما نسخ عن أمته، وفي مدة فرضه إلى أن نسخ قولان: أحدهما: المدة المفروضة على أمته في القولين الماضيين، يريد قول ابن عباس حولاً، وقول عائشة ستة عشر شهراً. الثاني:» أنها عشر سنين إلى أن خفف عنه بالنسخ» . قوله: ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ ، أي: لا تعجل في قراءة القرآنِ بل اقرأه على مهل وهينة، وبينه تبييناً مع تدبر المعاني. قال المبرد: أصله من قولهم: «ثغر رتل ورتل» بفتح العين وكسرها إذا كان حسن التنضيد، ورتلت الكلام ترتيلاً، إذا جملت فيه، ويقال: ثغر رتل إذا كان بين الثنايا افتراق قليل. فقوله تعالى: ﴿تَرْتِيلاً﴾ تأكيد في إيجاب الأمر به، وأنه مما لا بد منه للقارىء. روى الحسن: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مر برجل يقرأ آية ويبكي، فقال:» أَمْ تَسمعُوا إلى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ ، هذا الترتيل «. وروى» أبو داود «عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» يُؤتَى بِقَارِىء القُرآنِ يَوْم القِيامةِ، فيُوقَفُ فِي أول دَرجِ الجنَّةِ، ويقال له: اقْرَأ وارْقَ ورتلْ كَمَا كُنْتَ تُرتِّلُ في الدُّنيا فإنَّ منزلتك عِنْدَ آخِرِ آية تقرؤها» .

المزمل 73:4

وقال الثعلبي: ﴿إن الله ربك يعلم أنك تقوم﴾ [المزمل: 10، 11] إلى آخر السورة، فإنه نزل بالمدينة. وهي سبع وعشرون آية، ومائتان وخمس وثمانون كلمة، وثماني مائة وثمانية وثلاثون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل﴾ ، أصله «المُتزمِّلُ» فأدغمت التاء في الزاي، يقال: تزمَّل يتزمل تزملاً، فإذا أريد الإدغام: اجتلبت همزة الوصل، وبهذا الأصل قرأ أبي بن كعب. وقرأ عكرمة: «المُزمِّل» - بتخفيف الزاي وتشديد الميم - اسم فاعل، وعلى هذا فيكون فيه وجهان: أحدهما: أن أصله «المُزتمِل» بوزن «مفتعل» فأبدلت التاء ميماً وأدغمت، قاله أبو البقاء، وهو ضعيف. والثاني: أنه اسم فاعل من «زمل» مشدداً، وعلى هذا، فيكون المفعول محذوفاً، أي: المزمل جسمه. وقرىء كذلك إلا أنه بفتح الميم اسم مفعول منه أي: «المُلفَّفُ، والتزمل: التلفف، يقال: تزمل زيد بكساء، أي: الفت به؛ وقال ذو الرُّمَّة: [الطويل] 4918 - وكَائِنْ تَخطَّت نَاقتِي مِنْ مفَازةٍ ... ومِنْ نَائِمٍ عَنْ ليْلِهَا مُتزمِّلِ وقال امرؤ القيس: [الطويل] 4919 - كَأنَّ ثَبِيراً فِي أفَانينِ ودقِهِ ... كَبِيرُ أنَاسٍ في بجَادٍ مُزمَّلِ وهو كقراءة بعضهم المتقدمة فصل في بيان لمن الخطاب في الآية هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وفيه ثلاثةُ أقوالٍ: الأول: قال عكرمة: ﴿يا أيها المزمل﴾ بالنبوة المتزمل بالرسالة، وعنه: يا أيها الذي زمل هذا الأمر، أي: حمله ثم فتر، وكان يقرأ: ﴿يا أيها المزمل﴾ - بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها، على حذف المفعول، وكذلك: «المدثر» ، والمعنى: المزمل نفسه والمدثر نفسه، والذي زمله غيره. الثاني: قال ابن عباس: يا أيها المزمل بالقرآن. الثالث: قال قتادة: يا أيها المزمل بثيابه. قال النخعيُّ: كان متزملاً بقطيفة عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بمرط طوله أربعة عشر ذراعاً نصفه عليّ، وأنا نائمة ونصفه على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو يصلي، والله ما كان خزاً ولا قزاً ولا مرعزاء ولا إبريسم ولا صوفاً، كان سداه شعراً ولحمته وبراً، ذكره الثعلبي. قال القرطبيُّ: «وهذا القول من عائشة يدل على أنَّ السورة مدنية، فإنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يبنِ بها إلاَّ بالمدينة، والقول بأنها مكية لا يصح» . وقال الضحاكُ: تزمل لمنامه. وقيل: بلغه من المشركين سوء قول فيه، فاشتد عليه فتزمل، وتدثر، فنزل: ﴿يا أيها المزمل﴾ ﴿يا أيها المدثر﴾ . وقيل: كان هذا في ابتداء أمر ما أوحي إليه فإنه لما سمع صوت الملك، ونظر إليه أخذته الرعدة، فأتى أهله، وقال: زمِّلوني، دثِّرُونِي. روي معناه عن ابن عباس، قال: أول ما جاءه جبريل خافه، وظن أن به مساً من الجنِّ، فناداه، فرجل من الجبل مرتعداً وقال: زمِّلُوني، زمِّلُونِي. وقال الكلبيُّ: إنما تزمل النبي بثيابه ليتهيأ للصلاة، وهو اختيار الفراءِ. وقيل: إنه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة فنودي بما يهجر تلك الحالة، فقيل له: ﴿يا أيها المزمل﴾ قم واشتغل بالعبودية. وقيل: معناه يا من تحمل أمراً عظيماً، والزمل: الحمل. قال البغويُّ: قال الحكماء: كان هذا الخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أول الوحي قبل تبليغ الرسالة، ثم خوطب بعد بالنبي، والرسول. فصل في نفي كون «المزمل» اسماً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال السهيليُّ: ليس المزمل باسم من أسماء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما ذهب إليه بعض الناس، وعدوه في أسمائه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإنما «المُزمِّلُ» اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك كان المُدثِّرُ. وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: الملاطفة، فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة، سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها «لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - حين غاضب فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - فأتاه وهو نائم وقد لصق جنبه بالتراب، فقال له:» قُمْ أبَا تُرابٍ» ، إشعاراً له بأنه غير عاتب عليه، وملاطفة له وإشعاراً بترك العتب، [وملاطفاً له وكذلك قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لحذيفة: قم يا نومان ملاطفة له، وإشعاراً بترك العتب والتأنيب]- وكان نائماً - فقول الله تعالى لمحمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: ﴿يا أيها المزمل قُمِ﴾ فيه تأنيس له، وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه. والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى قيام الليل، وذكر الله تعالى فيه لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل، واتصف بتلك الصفة. قوله: ﴿قُمِ الليل﴾ . العامة: على كسر الميم لالتقاء الساكنين. وأبو السمال: بضمها، إتباعاً لحركة القاف. وقرىء: بفتحها طلباً للخفة. قال أبو الفتح: الغرض: الهرب من التقاء الساكنين، فبأيِّ حركة تحرك الأول حصل الغرض. قال شهاب الدين: «إلا أن الأصل: الكسر، لدليل ذكره النحويون، و» الليل «ظرف للقيام وإن استغرقه الحدث الواقع فيه، هذا قول البصريين، وأما الكوفيون فيجعلون هذا النوع مفعولاً به» . قال القرطبي: «وهو من الأفعال القاصرة الغير متعدية إلى مفعول، فأما ظرف المكان والزمان فسائغ فيه، إلا أن ظرف المكان لا يتعدى إليه إلا بواسطة، لا تقول:» قمت الدار» حتى تقول: «قُمْتُ وسَط الدَّارِ، وخارج الدارِ» ، وقد قيل هنا: إن «قم» معناه: صل، عبر به هنا واستعير له حتى صار عرفاً بكثرة الاستعمال» . فصل في حد الليل الليل: حده من غروب الشمس إلى طلوع الفجر وقد تقدم بيانه في البقرة. قال القرطبيُّ: «واختلف هل كان قيامه فرضاً أو نفلاً؟ والدلائل تقوي أن قيامه كان فرضاً لأن الندب لا يقع على بعض الليل دون بعض لأن قيامه ليس مخصوصاً بوقت دون وقتٍ» . واختلف هل كان فرضاً على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وحده، أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء، أو عليه وعلى أمته، ثلاثة أقوالٍ: الأول: قول سعيد بن جبيرٍ لتوجه الخطاب إليه. الثاني: قول ابن عباسٍ، قال: كان قيامُ الليل فريضة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والأنبياء قبله. الثالث: قول عائشة وابن عباس أيضاً وهو الصحيح أنه كان فرضاً عليه وعلى أمته، لما روى «مسلم» : «أن سعد بن هشام بن عامر قال لعائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أنبئيني عن قيام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالت: ألست تقرأ: ﴿يا أيها المزمل﴾ قلت: بلى، قالت: فإن الله - عَزَّ وَجَلَّ - افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه حولاً، وأمسك الله - عَزَّ وَجَلَّ - خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء، حتى أنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ - في آخر السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعاً بعد أن كان فريضة» . وروى وكيع، ويعلى ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿يا أيها المزمل﴾ كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها، وكان بين نزول أولها وآخرها نحو من سنة. وقال سعيد بن جبير: مكث النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه عشر سنين يقومون الليل، فنزلت بعد عشر سنين ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ﴾ [المزمل: 20] فخفف الله عنهم. وقيل: كان قيام الليل واجباً، ثم نسخ بالصلوات الخمس. وقيل: عسر عليهم تمييز القدر الواجب فقاموا الليل كلَّه فشق ذلك عليهم فنسخ بقوله في آخرها ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ [المزمل: 20] وكان بين الوجوب ونسخه سنة. وقيل: نسخ التقدير بمكة وبقي التهجد، حتى نسخ بالمدينة. وقيل: لم يجب التهجد قط لقوله ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: 79] ، ولأنه لو وجب عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لوجب على أمته لقوله تعالى ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف: 158] ، والنسخ على خلاف الأصل، ولأنه فرض تعيين المقدار أي المكلف وذلك ينافي الوجوب. قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ . للناس في هذا كلام كثير، واستدلال على جواز استثناء الأكثر، والنصف، واعتراضات وأجوبة. قال شهاب الدين: وها أنا أكذر ذلك محرراً له بعون الله تعالى: اعلم أن في هذه الآية ثمانية أوجه: أحدها: أن «نِصْفهُ» بدل من «اللَّيْلِ» بدل بعض من كل، و «إلاَّ قَليْلاً» استثناء من النصف، كأنه قيل: [قُم أقل من نصف الليل، والضمير في «مِنْهُ» و «عليه» عائد على النصف، والمعنى: التخيير بين أمرين: بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت] ، وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف، والزيادة عليه، قاله الزمخشريُّ. وناقشه أبو حيَّان: «بأنه يلزم منه تكرار اللفظ، ويصير التقدير: قم نصف الليل إلا قليلاً من نصف الليل، قال: وهذا تركيب ينزه القرآن عنه» . قال شهاب الدين: والوجه في إشكال، لكن لا من هذه الحيثية، فإن الأمر فيها سهل بل لمعنى آخر - سأذكره إن شاء الله تعالى قريباً -، وجعل أبو البقاء هذا الوجه مرجوحاً فإنه قال: والثاني: هو بدل من «قليلاً» - يعني النصف - قال: وهو أشبه بظاهر الآية لأنه قال: «أو انقُصْ مِنْهُ» ، «أو زِدْ عليْهِ» ، والهاء فيهما للنصف، فلو كان الاستثناء من النصف لصار التقدير: قم نصف الليل إلا قليلاً، أو انقص منه قليلاً، والقليل المستثنى غير مقدر فالنقصان منه لا يعقل. قال شهاب الدين: «والجواب عنه: أن بعضهم قد عين هذا القليل، فعن الكلبي، ومقاتل: هو الثلث فلم يكن القليل غير مقدر، ثم إن في قوله تناقضاً فإنه قال:» والقليل المستثنى غير مقدر فالنقصان منه لا يعقل» ، فأعاد الضمير على القليل، وفي الأول أعاده على النصف، ولقائل أن يقول: قد ينقدح هذا الوجه بإشكال قوي، وهو أنه يلزم منه تكرار المعنى الواحد، وذلك أن قوله: قُمْ نصف الليل إلا قليلاً، بمعنى أنقص من نصف الليل، لأن ذلك القليل، هو بمعنى النقصان وأنت إذا قلت: «قم نصف الليل إلا القليل من النصف، وقم نصف الليل، أو انقص من النصف» وجدتهما بمعنى واحد، وفيه دقة فتأمله، ولم يذكر الحوفيُّ غير هذا الوجه المتقدم، وقد عرف ما فيه، وممن ذهب إليه أيضاً الزجاجُ فإنه قال: «نِصفَهُ» بدل من «الليل» و» إلاَّ قَلِيلاً «استثناء من النصف، والضمير في» مِنْهُ «و» عَليْهِ «عائد للنصف، والمعنى: قُم نصف الليل، أو انقص من النصف قليلاً إلى الثلث، أو زد عليه إلى الثلثين، فكأنه قال: قم ثلثي الليل، أو نصفه، أو ثلثه» . قال شهاب الدين: «والتقديرات التي يبرزونها ظاهرة حسنة إلا أن التركيب لا يساعد عليها لما عرفت من الإشكال المذكور آنفاً» . الثاني: أن يكون «نِصفَهُ» بدلاً من «قَلِيْلاً» وإليه ذهب الزمخشري وأبو البقاء، وابن عطية. قال الزمخشريُّ: «وإن شئت جعلت» نِصفَهُ «بدلاً من» قَلِيْلاً «وكان تخييراً بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه، وإنَّما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل» . وهذا هو الذي جعله أبو البقاء أشبه من جعله بدلاً من «اللَّيْلِ» كما تقدم. إلا أن أبا حيان اعترض هذا، فقال: «وإذا كان» نِصفَهُ «بدلاً من» إلاَّ قليلاً» ، فالضميرُ في «نصفهُ» إما أن يعود على المبدل منه، أو على المستثنى منه، وهو» الليْل «لا جائزٍ أن يعود على المبدل منه؛ لأنه يصير استثناء مجهول من مجهول، إذ التقدير: إلا قليلاً نصف القليل، وهذا لا يصح له معنى ألبتَّة، وإن عاد الضمير إلى» اللَّيْلِ «فلا فائدة في الاستثناء من» الليْلِ» ، إذ كان يكون أخصر، وأفصح، وأبعد عن الإلباس: قم الليل نصفه، وقد أبطلنا قول من قال: «إلاَّ قَليلاً» استثناء من البدل، وهو» نِصْفَهُ «وأنَّ التقدير: قم الليل نصفه إلا قليلاً منه، أي من النصف، وأيضاً ففي دعوى أن» نِصفَهُ «بدل من» إلاَّ قَلِيلاً» ، والضمير في «نِصْفَهُ» عائد على «الليْلِ» ، إطلاق القليل على النصف، ويلزم أيضاً أن يصير التقدير: إلا نصفه فلا تقمه، أو انقص من النصف الذي لا تقومه، وهذا معنى لا يصلح، وليس المراد من الآية قطعاً» . قال شهاب الدين: يقول بجواز عوده على كل منهما، ولا يلزم محذور، أما ما ذكره من أنه يكون استثناء مجهول من مجهول فممنوع، بل هو استثناء معلوم من معلوم، لأنا بينا أن القليل قدر معين وهو الثلث، والليل ليس بمجهول، وأيضاً فاستثناء المبهم قد ورد، قال الله تعالى: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66] ، وقال تعالى: ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249] ، وكان حقه أن يقول: لأنه بدل مجهول من مجهول، وأما ما ذكره من أنه «أخصر منه، وأوضح» كيت وكيت، أما الأخصر، فمسلم وأما أنه يلبس، فممنوع، وإنما عدل عن اللفظ الذي ذكره لأنه أبلغ، وبهذا الوجه استدل من قال: يجوز استثناء النصفِ، والأكثر، [ووجه الدلالة على الأول أنه جعل قليلاً مستثنى من الليل ثم فسَّر ذلك القليل بالنصف، فكأنه قيل قم الليل إلا نصفه] ووجه الدلالة على الثاني: أنه عطف «أوْ زِدْ عليْهِ» على «انْقُصْ مِنْهُ» ، فيكون قد استثنى الزائد على النصف، لأن الضمير في «مِنْهُ» وفي «عَليْهِ» عائد على النصف وهو استدلال ضعيف لأن الكثرة إنَّما جاءت بالعطف، وهو نظير أن يقول: له عندي عشرةٌ إلا خمسة درهماً درهماً، فالزيادة على النصف بطريق العطف، لا بطريق أن الاستثناء أخرج الأكبر بنفسه. الثالث: إن «نِصفَهُ» بدل من «الليل» [أيضاً كما تقدَّم في الوجه الأول، إلا أن الضمير في «مِنْهُ» و «عَليْهِ» عائد على الأقل من النصف،] وإليه ذهب الزمشخريُّ، فإنه قال: «وإن شئت قلت: لما كان معنى ﴿قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ﴾ إذا أبدلت النصف من الليل يكون المعنى: قم أقل من نصف الليل، فيرجع الضمير في» مِنْهُ» و «عَليْهِ» ، إلى الأقل من النصف، فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل، أو قم أنقص من ذلك الأقل، أو أزيد منه قليلاً، فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه وبين الثلث» . الرابع: أن يكون «نِصفَهُ» بدلاً من «قَلِيْلاً» كما تقدم؛ إلا أنك تجعل القليل الثاني ربع الليلِ، وقد أوضح الزمخشري هذا أيضاً، فقال: «ويجوز إذا أبدلت» نِصْفَهُ «من» قَلِيْلاً «وفسرته به أن تجعل» قَلِيلاً «الثاني بمعنى نصف النصف بمعنى الربع، كأنه قيل: أو انقص منه قليلاً نصفه، وتجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع نصف الربع، كأنه قيل: أو زد عليه قليلاً نصفه، ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث، فيكون تخييراً بين النصف، والثلث، والربع» انتهى. واختار ابن الخطيب هذا الوجه مع الوجه الثاني: فقال: وقد أكثر الناس في هذه الآية، وفيها وجهان ملخصان: أحدهما: أن القليل في قوله: «إِلاَّ قَليْلاً» ، هو الثلث، لأن قوله تعالى في آخر السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ﴾ ، يقتضي أن أكثر المقادير الواجبة هو الثلثان، فيكون قيامُ الثلث جائزاً، وهو قوله: ﴿إلاَّ قَلِيلاً﴾ فكأنه قيل: قم ثلثي الليل، ثم قال: «نِصْفَهُ» فمعناه: أو قم نصفه، من باب قولهم: «جالس الحسن، أو ابن سيرين» على الإباحة، فحذف العاطف، فالتقدير: قم الثلثين، أو قم النصف، أو انقص من النصف، أو زد عليه، فعلى هذا يكون الثلثان أقصى الزيادة، والثلث أقصى النقصان، فيكون الواجب هو الثلث، والزائد عليه مندوباً، فإن قيل: فيلزم على قراءة الخفض في «نصفه» و «ثلثه» أن يكون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ترك من الواجب الأدنى، لأنه تعالى قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ فيكون المعنى أنك تقوم أقل من الثلثين، وأقل من النصف وأقل من الثلث، فإذا كان الثلث واجباً كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تاركاً للواجب؟ قلنا: المقدر للشيء قد ينقص منه لعدم انضباطه لأنه باجتهاد فربما أخطأ، فهو كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: 20] . الثاني: أن «نِصْفَهُ» تفسير ل «قَلِيْلاً» لأن النصف قليل بالنسبة إلى الكل لأن المكلف بالنصف لا يخرج عن العهدة بيقين، إلا بزيادة شيء قليل عليه فيصير في الحقيقة نصفاً وشيئاً، فيكون الباقي بعد ذلك أقل من النصف، فالمعنى: قم نصف الليل، أو انقص منه نصفه، وهو الربع، أو زد عليه نصفه، وهو الربع، فيصير المجموع ثلاثة أرباع، فيكون مخيراً بين أن يقوم تمام النصف، أو ربع الليل، أوثلاثة أرباعه، وحينئذ يزول الإشكال بالكلية، لأن الربع أقل من الثلث، وذلك أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ يدل على أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لم يقم ثلثي الليل، ولا نصفه ولا ثلثه، لأن الواجب لما كان هو الربع فقط، لم يلزم ترك قيام الثلث. الوجه الخامس: أن يكون ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ استثناء من القيام، فيجعل «الليْل» اسم جنس، ثم قال: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ، أي: إلا الليالي التي تُخِلّ فيها، أي تترك في قيامها القدر البين ونحوه، وهذا النظر يحسن مع القول بالندب، قاله ابن عطية، احتمالاً من عنده وهذا خلافُ الظاهرِ، وهو تأويل بعيد. السادس: قال الأخفش: الأصل قم الليل إلا قليلاً أو نصفه، قال: كقولك: «أعطه درهماً درهمين ثلاثة» . وهذا ضعيف جداً، لأن فيه حذف حرف العطفِ، وهو ممنوعٌ، لم يردْ منه إلا شيء شاذ ممكن تأويله، كقولهم: «أكَلتُ لحْماً سَمَكاً تَمْراً» . وقول الآخر: [الخفيف] 4920 - كَيْفَ أصْبحْتَ كيْفَ أمْسيْتَ ممَّا ... يَنْزِعُ الوُدَّ في فُؤادِ الكَريمِ أي: «لحماً وسمكاً وتمراً» ، وكذا: كيف أصبحت، وكيف أمسيت، وقد خرج الناس هذا على بدل النداء. السابع: قال التبريزي: الأمر بالقيام، والتخيير في الزيادة، والنقصان وقع على الثلثين في آخر الليل، لأن الثلث الأول وقت العتمة، والاسثتناء وارد على المأمورية، فكأنه قال: قم ثلثي الليل إلا قليلاً أي ما دون نصفه «أو زِدْ عليْهِ» ، أي على الثلثين، فكان التخيير في الزيادة، والنقصان واقعاً على الثلثين، وهذا كلام غريب لا يظهر من هذا التركيب. الثامن: أن «نِصْفَهُ» منصوب على إضمار فعل، أي: قم نصفه، حكاه مكي عن غيره، فإنه قال: «نِصْفَهُ» بدل من «الليْلِ» . وقيل: «انتصب على إضمار: قم نصفه» . قال شهاب الدين: «وهذا في التحقيق، وهو وجه البدل الذي ذكره أولاً، لأن البدل على نية تكرار العامل» . فصل في نسخ الأمر بقيام الليل اختلفوا في الناسخ للأمر بقيام الليل، فعن ابن عباس وعائشة: أن الناسخ قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل﴾ إلى آخرها، وقيل: قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ وعن ابن عباس أيضاً: أنه منسوخ بقوله ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى﴾ ، وعن عائشة أيضاً، والشافعي وابن كيسان: هو منسوخ بالصلوات الخمس، وقيل: الناسخ قوله تعالى: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ . قال أبو عبد الرحمن السلمي: لما نزلت ﴿يا أيها المزمل﴾ قاموا حتى ورمت أقدامهم وسوقهم ثم نزل قوله تعالى: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ . قال بعض العلماء: وهو فرض نسخ به فرض كان على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خاصة لفضله كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ . قال القرطبيُّ: «والقول الأول يعم جميع هذه الأقوال، وقد قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ [البقرة: 43] . فدخل فيها قول من قال: إن الناسخِ الصلوات الخمس، وذهب الحسن وابن سيرين إلى أن صلاة الليل كانت فريضة على كلِّ مسلمٍ، ولو على قدر حلب شاة، وعن الحسن أيضاً أنه قال في هذه الآية: الحمد لله تطوع بعد الفريضة، وهو الصحيح - إن شاء الله تعالى - لما جاء في قيامه من الترغيب، والفضل في القرآن، والسنة» . قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «كنت أجعل للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حصيراً يصلي عليه من الليل، فتسامع الناس به فلما رأى جماعتهم كره ذلك، وخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فدخل البيت كالمغضب، فجعلوا يتحنحون، ويتفلون، فخرج إليهم فقال:» أيُّهَا النَّاسُ تكلَّفُوا مِن العمل ما تُطيقُونَ، فإنَّ اللَّه لا يمَلُّ من الثواب حتَّى تَملُّوا من العملِ، وإنَّ خَيْرَ العمَلِ أدومهُ، وإنْ قَلَّ» ، فنزلت ﴿يا أيها المزمل﴾ ، فكتب عليهم، وأنزل بمنزلة الفريضة حتى إن كان أحدهم ليربط الحبل، فيتعلق به، فمكثوا ثمانية أشهرٍ، فنزل قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل﴾ ، فردهم الله إلى الفريضة، ووضع عنهم قيام الليل، إلا ما تطوعوا به. قال القرطبيُّ: ومعنى حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ثابت في الصحيح، إلى قوله: «وإنْ قَلَّ» وباقيه يدل على أن قوله تعالى ﴿يا أيها المزمل﴾ نزل بالمدينة، وأنهم مكثوا ثمانية أشهرٍ يقومون، وقد تقدم عنها في «صحيح مسلم» حولاً. وحكى الماورديُّ عنها قولاً ثالثاً: وهو ستة عشر شهراً لم يذكر غيره عنها، وذكر عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أنه كان بين أول» المُزمِّل «وآخرها سنة، قال: فأما رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقد كان فرضاً عليه، وقيل في نسخه عنه قولان: أحدهما: أنه كان فرضاً عليه إلى أن مات. والثاني: أنه نسخ عنه كما نسخ عن أمته، وفي مدة فرضه إلى أن نسخ قولان: أحدهما: المدة المفروضة على أمته في القولين الماضيين، يريد قول ابن عباس حولاً، وقول عائشة ستة عشر شهراً. الثاني:» أنها عشر سنين إلى أن خفف عنه بالنسخ» . قوله: ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ ، أي: لا تعجل في قراءة القرآنِ بل اقرأه على مهل وهينة، وبينه تبييناً مع تدبر المعاني. قال المبرد: أصله من قولهم: «ثغر رتل ورتل» بفتح العين وكسرها إذا كان حسن التنضيد، ورتلت الكلام ترتيلاً، إذا جملت فيه، ويقال: ثغر رتل إذا كان بين الثنايا افتراق قليل. فقوله تعالى: ﴿تَرْتِيلاً﴾ تأكيد في إيجاب الأمر به، وأنه مما لا بد منه للقارىء. روى الحسن: «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مر برجل يقرأ آية ويبكي، فقال:» أَمْ تَسمعُوا إلى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ ، هذا الترتيل «. وروى» أبو داود «عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» يُؤتَى بِقَارِىء القُرآنِ يَوْم القِيامةِ، فيُوقَفُ فِي أول دَرجِ الجنَّةِ، ويقال له: اقْرَأ وارْقَ ورتلْ كَمَا كُنْتَ تُرتِّلُ في الدُّنيا فإنَّ منزلتك عِنْدَ آخِرِ آية تقرؤها» .

المزمل 73:5

قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ ، الجملة من قوله: «إنَّا سَنُلقي» مستأنفة. وقال الزمخشريُّ: «وهذه الآية اعتراض» ثم قال: «وأراد بهذا الاعتراض أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن، لأن الليل وقت السبات، والراحة، والهدوء فلا بد لمن أحياه من مضادة لطيفة، ومجاهدة لنفسه» انتهى. يعني بالاعتراض من حيثُ المعنى، لا من حيث الصناعة، وذلك أن قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ مطابق لقوله: «قُمِ الليْل» ، فكأنه شابه الاعتراض من حيث دخوله بين هذين المناسبتين. فصل في معنى الآية المعنى: سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل «قَوْلاً ثَقيْلاً» يثقل حمله، لأن الليل للمنام فمن أجر بقيام أكثره، لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل مشقة شديدة على النفس، ومجاهدة الشيطان فهو أمر يثقل على العبد. وقيل: المعنى سنوحي إليك القرآن وهو ثقيل يثقل العمل بشرائعه قال قتادة: ثقيل - والله - فرائضه وحدوده. وقال مجاهد: حلاله وحرامه. وقال الحسن: العمل به. وقال أبو العالية: ثقيل بالوعد، والوعيد، والحلال والحرام. وقال محمد بن كعب: «ثقيل على المنافقين لأنه يهتك أسرارهم، ويبطل أديانهم» . وقيل: على الكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان لضلالتهم وسب آلهتهم. وقال السديُّ: ثقيل بمعنى كريم، مأخوذ من قولهم: فلان ثقيل عليَّ، أي يكرم عليّ. وقال الفراءُ: «ثَقِيْلاً» أي: رزيناً. وقال الحسن بن الفضل: ثقيل لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ابن زيد: هو ثقيل مبارك في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة. وقيل: ثقيل: أي ثابت كثبوت الثقيل في محله، ومعناه أنه ثابت الإعجاز لا يزول إعجازه أبداً. [وقيل: ثقيل: بمعنى أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده، ومعانيه بالكلية، فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته، والفقهاء بحثوا في أحكامه، وكذا أهل اللغة، والنحو، وأرباب المعاني، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه بفوائد ما وصل إليها المتقدمون فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى على الاشتغال بحمله، فصار كالجبل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله] . وقيل: هو الوحي، كما جاء في الخبر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته، وضعت جرانها - يعني صدرها - على الأرض فما تستطيع أن تتحرك، حتى يُسَرَّى عنه «. وقال القشيري: القول الثقيل هنا: هو قول:» لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ» ، لأنه ورد في الخبر: «لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ خَفيفَةٌ على اللِّسانِ ثَقِيلةٌ في المِيزَانِ» . قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل﴾ . في الناشئة أوجه: أحدها: أنها صفة لمحذوف، أي: النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها للعبادة، أي تنهض وترفع من «نشأت السحابة» إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ونشر إذا نهض، قال: [الطويل] 4921 - نَشَأنَا إلى خُوصِ بَرَى نيَّهَا السُّرَى ... وألصَقَ مِنْهَا مُشرِفَاتِ القَماحِدِ الثاني: أنها مصدر بمعنى قيام الليلِ، على أنها مصدر من «نشأ» إذا قام ونهض، فيكون كالعافية والعاقبة، قالهما الزمخشري. الثالث: أنها بلغة الحبشةِ نشأ الرجل، أي: قام من الليل. قال أبو حيان: فعلى هذا هي جمع ناشىء، أي: قائم، يعني: أنها صفة لشيء يفهم الجمع، أي: طائفة، أو فرقة نائشة، وإلا ف «فاعل» لا يجمع على «فاعلة» . قال القرطبي: «قال ابن مسعود:» الحبشة» [يقولون: نشأ، أي قام. فلعله أراد أن الكلمة عربية، ولكنها شائعة في كلام الحبشة] غالبة عليهم، وإلاَّ فليس في القرآن ما ليس من لغة العرب» . الرابع: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل﴾ : ساعاته، وأوقاته؛ لأنها تنشأ شيئاً بعد شيء. قال القرطبيُّ: «لأنها تنشأ أولاً فأولاً، يقال: نشأ الشيء ينشأ إذا ابتدأ، وأقبل شيئاً بعد شيء فهو ناشىء، وأنشأه اللهُ فنشىء، فالمعنى: ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم فالتأنيث للفظ الساعة، لأن كل ساعة تحدث» . وقيدها الحسن وابن عبَّاسٍ: بما كان بعد العشاء، إن كان قبلها فليس بناشئة، وخصصتها عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بأن تكون بعد النوم، فلو لم يتقدَّمها نوم لم تكن ناشئة. قوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ . قرأ أبو عمرو وابن عامرٍ: بكسر الواو، وفتح الطاء بعدها ألف، والباقون: بفتح الواو وسكون الطاء. وقرأ قتادة وشبل عن أهل مكة: «وِطْأً» ، بكسر الواو وسكون الطاء. وظاهر كلام أبي البقاء أنه قرىء بفتح الواو مع المد، فإنه قال: «وِطْأ» بكسر الواو بمعنى مواطأة «، وبفتحها اسم للمصدر، ووطأ على» فعل «وهو مصدر وطىء، والوطاء: مصدره» وِطَاء «ك» قِتَال «مصدر» قَاتلَ» ، والمعنى: أنها أشد مُواطأة، أي: يواطىء قلبها لسانها إن أردت النفس، ويواطىء قلب النائم فيها لسانه إن أردت القيام، أو العبادة، أو الساعات، أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص. والوطء - بالفتح والكسر -: على معنى أشد ثبات قدم، وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ من صلاة النهار على المصلي من قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «اللَّهُمَّ اشدُدْ وطْأتكَ على مُضَر» وعلى كل تقدير: فانتصابه على التمييز. قوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ . حكى الزمخشريُّ: أن أنساً قرأ: «وأصوب قِيْلاً» فقيل: له: يا أبا حمزة إنما هي «وأقْوَمُ» ، فقال: إن أقوم، وأصوب وأهيأ، واحد، وأنَّ أبا السرار الغنوي كان يقرأ: ﴿فَحَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: 25]- بالحاء المهملة - فقيل له: هي بالجيم فقال: جَاسوا وحاسوا واحد. قال شهاب الدين: «وغرضه من هاتين الحكايتين، جواز قراءة القرآن بالمعنى، وليس في هذا دليل؛ لأنه تفسيرُ معنى، وأيضاً، فالذي بين أيدينا قرآن متواتر، وهذه الحكاية آحاد، وقد تقدم أن أبا الدرداء كان يُقْرِىءُ رجلاً، ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الأثيم﴾ [الدخان: 43 - 44] ، فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فلما تبرم منه قال: طعام الفاجر يا هذا، فاستدل به على ذلك من يرى جوازه، وليس فيه دليل، لأن مقصود أبي الدرداء بيان المعنى فجاء بلفط مبين» . قال الأنباري: وذهب بعض الزائغين إلى أن من قال: إن من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآنِ، فهو مصيب إذا لم يخالف ولم يأت بغير ما أراد الله، واحتجوا بقول أنس هذا، وهذا قول لا يعرج عليه، ولا يلتفت إلى قائله، لأنه لو قرىء بألفاظ القرآن إذا قاربت معانيها، واشتملت على غايتها لجازأن يقرأ في موضع ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ الشكر للباري ملك المخلوقين، ويتسع الأمر في هذا، حتى يبطل لفظ جميع القرآن، ويكون التالي له مفترياً على الله - تعالى - كاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولا حجة لهم في قول ابن مسعود: «نَزلَ القرآنُ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ، إنما هو كقول أحدكم: تعلم، وتعال، وأقبل» ؛ لأن هذا الحديث يوجب أن القراءات المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا اختلفت ألفاظها، واتفقت معانيها، كان ذلك فيها بمنزلة الخلاف في «هَلُمَّ» ، وتعال، وأقبل» ، فأما ما لم يقرأ به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه، وتابعوهم، فإن من أورد حرفاً منه في القرآن بهت، ومال، وخرج عن مذهب الصواب، وحديثهم الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة لا يصححه أهل العلم. انتهى. فصل في فضل صلاة الليل بيَّن تعالى في هذه الآية فضل صلاةِ الليل على صلاة النَّهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر، وأجلب للثواب، كان علي بن الحسين يصلي بين المغرب، والعشاء، ويقول: هذه ناشئة الليل. وقال عطاء وعكرمة: هو بدوام الليل. قال في الصحاح: «ناشئة الليل» أول ساعاته. وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هي الليل كلهُ، لأنه ينشأ بعد النهار، وهو اختيار مالك. قال ابن العربي: «وهو الذي يعطيه اللفظ ويقتضيه اللغة» . وقالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وابن عباس - أيضاً - ومجاهد: إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم، ومن قال قبل النوم فما قام ناشئة. وقال يمان وابن كيسان: هو القيام من آخر الليل. وأما قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ ، أي: أثقل على المصلي من ساعات النهار، لأن الليل وقت منام وراحة فإذا قام إلى صلاة الليل، فقد تحمل المشقة العظيمة، هذا على قراءة كسر الواو، وفتح الطاء، وأما على قراءة المد: فهو مصدر «واطَأتْ وِطاءً ومُواطَأةً» ، أي: وافقت على الأمر من الوفاق، تقول: فلان مواطىء اسمه اسمي، أي: موافقه، فالمعنى أشد موافقة بين القلب، والبصر، والسمع واللسان لانقطاع الأصوات، والحركات، قاله مجاهد وابن مليكة وغيرهما، قال تعالى: ﴿ليواطؤوا عدَّةَ ما حرم الله﴾ [التوبة: 37] ، أي: ليوافقوا، وقيل: أشدّ مهاداً للتصرف في التفكر والتدبر. وقيل: أشد ثباتاً من النهار، فإن الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله فيكون ذلك أثبت للعمل، والوطء: الثبات، تقول: وطئتُ الأرض بقدمي. وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ أي: القراءة بالليل أقوم منها بالنهار، أي: أشد استقامة واستمراراً على الصواب، لأن الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرأه. وقال قتادة ومجاهد: أصوب للقراءة وأثبت للقول؛ لأنه زمان التفهم. وقيل: أشد استقامة لفراغ البال بالليل. وقيل: أعجل إجابة للدعاء، حكاه ابن شجرة. وقال عكرمة: عبادة الليل أتم نشاطاً وأتم إخلاصاً، وأكثر بركة. قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً﴾ . قرأ العامة: بالحاء المهملة، وهو مصدر «سَبح» ، وهو استعارة للتصرف في الحوائج من السباحة في الماء، وهي البعد فيه. وقال القرطبيُّ: السَّبْحُ «الجري، والدوران، ومنه السباحة في الماء لتقلبه بيديه ورجليه، وفرس سابح» شديد الجري» . قال امرؤ القيس: [الطويل] 4922 - مِسَحٍّ إذَا السَّابحَاتُ عَلى الوَنَى ... أثَرْنَ غُبَاراً بالكَديدِ المُركَّلِ وقيل: السبح: الفراغ، أي: إن لك فراغاً للحاجات بالنهار. وعن ابن عباس وعطاء: «سَبْحاً طَويْلاً» يعني فراغاً طويلاً يعني لنومك، وراحتك فاجعل ناشئة الليل لعبادتك. وقرأ يحيى بن يعمر، وعكرمة وابن أبي عبلة: «سَبْخاً» بالخاء المعجمة. واختلفوا في تفسيرها: فقال الزمخشريُّ: «استعارة من سبخ الصوف، وهو نفشه، ونشر أجزائه لانتشار الهمِّ، وتفريق القلب بالشواغل» . وقيل: التسبيخ، التخفيف، حكى الأصمعيُّ: «سبخ الله عنك الحمى، أي: خففها عنك» . قال الشاعر: [الطويل] 4923 - فَسَبِّخْ عليْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بأنَّهُ ... إذَا قدَّر الرَّحمنُ شَيْئاً فكَائِنُ أي: خفف، ومنه» قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعائشةَ، وقد دعت على سارق ردائها: «لا تُسبِّخِي بدُعَائكِ عليْهِ» ، أي: لا تخففي إثمه. وقيل: التسبيخ: المد، يقال: سبخي قُطنكِ، أي: مديه، والسبيخة: قطعة من القطن، والجمع: سبائخ؛ قال الأخطل يصف صائداً وكلاباً: [البسيط] 4924 - فَأرْسلُوهُنَّ يُذْرينَ التُّرابَ كمَا ... يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوْتَارِ وقال أبو الفضل الرازي: «قرأ ابن يعمر وعكرمة:» سَبْخاً «- بالخاء المعجمة - وقالا: معناه نوماً، أي: ينام بالنهار؛ ليستعين به على قيام الليل، وقد تحتمل هذه القراءة غير هذا المعنى، لكنهما فسراها: فلا تجاوز عنه» . قال شهاب الدين: «في هذا نظرٌ، لأنهما غاية ما في الباب انهما نقلا هذه القراءة، وظهر لهما تفسيرها بما ذكر، ولا يلزم من ذلك أنه لا يجوز غير ما ذكر من تفسير اللفظة» . وقال ثعلب: السَّبْخُ - بالخاء المعجمة - التردد والاضطراب، والسبح: السكون» . ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الحُمَّى من فَيْحِ جَهنَّمَ فَسبِّحُوهَا بالمَاء» ، أي فسكِّنُوهَا بالمَاءِ. وقال أبو عمرو: السَّبْخُ: النوم والفراغ، فعلى هذا يكون من الأضداد، ويكون بمعنى السبح بالحاء المهملة. قوله: ﴿واذكر اسم رَبِّكَ﴾ ، أي: ادعه بأسمائه الحسنى ليحصل لك مع الصلاة محمود العاقبة. وقيل: اقصد بعملك وجه ربِّك. وقال سهل: اقرأ باسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء صلاتِك توصلك بركة قراءتها إلى ربك وتقطعك عما سواه. وقيل: اذكر اسم ربِّك في وعده، ووعيده؛ لتتوفّر على طاعته وتعدل عن معصيته. وقال الكلبي: صلِّ لربِّك، أي: بالنهار. قال القرطبيُّ: وهذا حسن، لأنه لما ذكر الليل ذكر النهار، إذ هو قسيمه، وقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: 62] . قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ ، هذا مصدر على غير المصدر، وهو واقع موقع التبتل، لأن مصدر «تفعَّل» » تفعُّل «نحو» تصرَّف تصرُّفاً، وتكرَّم تكرُّماً «، وأما» التفعيل «فمصدر» فعَّل «نحو» صرَّف تصريفاً؛ كقول الآخر: [الرجز] 4925 - وقَدْ تَطَوَّيْتَ انْطواءَ الحِضْبِ ... فأوقع «الانفعال» موقع «التفعل» . قال الزمخشريُّ: لأنَّ معنى «تبتَّل» بتل نفسه، فجيء به على معناه مراعاةً لحق الفواصل. والبَتْلُ: الانقطاع، ومنه امرأة بتول، أي: انقطعت من النكاح، وبتلت الحبل: قطعته. قال الليثُ: التبتل: تمييز الشيء من الشيء، وقالوا: طَلْقةٌ بَتْلةٌ، يعنون انقطاعها عن صاحبها، فالتبتُّل: ترك النكاح والزهد فيه، ومنه سمي الراهب متبتلاً لانقطاعه عن النكاح؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4926 - تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعشَاءِ كأنَّها ... مَنارةُ مُمْسَى رَاهبٍ مُتبتِّلِ ومنه الحديث: أنه نهى عن التبتل، وقال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبابِ، من اسْتَطَاعَ مِنْكمُ البَاءَةَ فَليتَزوَّجْ» والمراد به في الآية الكريمة: الانقطاع إلى عبادة الله تعالى دون ترك النكاح. والتبتل في الأصل: الانقطاع عن الناس، والجماعات، وقيل: إن أصله عند العرب التفرد. قاله ابن عرفة. قال ابن العربي: «هذا فيما مضي، وأما اليوم، وقد مرجت عهود الناس، وخفت أماناتهم، واستولى الحرام على الحطام، فالعزلة خير من الخلطة، والعُزبة أفضل من التأهل، ولكن معنى الآية: وانقطع عن الأوثان، والأصنام، وعن عبادة غير الله. وكذلك قال مجاهد: معناه: أخلص له العبادة، ولم يرد التبتل، فصار التبتُّلُ مأموراً به في القرآن، مَنْهِيّاً عنه في السنَّةِ، ومتعلق الأمر غير متعلق النهي فلا يتناقضان، وإنما بعث ليبينَ للناس ما نزل إليهم، والتبتل المأمور به: الانقطاع إلى الله بإخلاص كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ [البينة: 5] ، والتبتل المنهي عنه: سلوك مسلك النصارى في ترك النكاحِ، والترهب في الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون خير مال المسلمِ غنماً يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» . قوله: ﴿رَّبُّ المشرق والمغرب﴾ . قرأ الأخوان وأبو بكر وابن عامرٍ: بجر» ربِّ «على النعت ل» ربِّك» ، أو البدل منه، أو البيان له. وقال الزمخشري: وعن ابن عباس: على القسم بإضمار حرف القسمِ، كقولك: «والله لأفعلنَّ» وجوابه «لا إله إلاَّ هُو» ، كما تقول: «والله لا أحد في الدار سوى زيد» . قال أبو حيَّان: لعل هذا التخريج لا يصح عن ابن عباس، لأن فيه إضمار الجار، ولا يجيزه البصريون إلاَّ مع لفظ الجلالةِ المعظمة خاصة، ولأن الجملة المنفية في جواب القسم إذا كانت اسمية فإنما تنفى ب «مَا» ، وحدها، فلا تنفى ب» لا «إلا الجملة المصدرة بمضارع كثيراً، أو بماض في معناه قليلاً. نحو قول الشاعر: [البسيط] 4927 - رِدُوا فَواللَّهِ لا زُرْنَاكُمُ أبَداً ... مَا دَامَ في مائنَا وِرْد لِوُرَّادِ والزمخشري أورد ذلك على سبيل التجويزِ، والتسليم، والذي ذكره النحويون هو نفيها ب» مَا» ؛ كقوله: [الطويل] 4928 - لَعمْرُكَ ما سَعْدٌ بخُلَّةِ آثمٍ ... ولا نَأنَإٍ يَوْمَ الحِفَاظِ ولا حَصِرْ قال شهاب الدين: «قد أطلق ابن مالك أن الجملة المنفية سواء كانت اسمية، أم فعليه تنفى ب» ما» ، أو «لا» ، أو «إن» بمعنى: «ما» ، وهذا هو الظاهر» . وباقي السبعة: ترفعه، على الابتداء وخبره الجملة من قوله «لا إله إلا الله» ، أو على خبر ابتداء مضمر، أي: «هُو ربُّ» ، وهذا أحسن لارتباط الكلام بعضه ببعض. وقرأ زيد بن علي: «ربَّ» بالنصب على المدح. وقرأ العامة: «المشْرِق والمَغْرِب» موحدين. وعبد الله وابن عباس: «المشَارِق والمغَارِب» . ويجوز أن ينصب» ربَّ «في قراءة زيد من وجهين: أحدهما: أنه بدل من» اسم ربِّك» ، أو بيان له، أو نعت له، قاله أبو البقاء، وهذا يجيء على أن الاسم هو المسمى. والثاني: أنه منصوب على الاشتغال بفعل مقدر، أي: فاتخذ ربَّ المشرق فاتخذه، وما بينهما اعتراض. والمعنى: أن من علم أنه رب المشارق، والمغارب انقطع بعمله إليه «واتَّخذهُ وَكِيْلاً» ، أي: قائماً وقيل: كفيلاً بما وعدك.

المزمل 73:6

قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ ، الجملة من قوله: «إنَّا سَنُلقي» مستأنفة. وقال الزمخشريُّ: «وهذه الآية اعتراض» ثم قال: «وأراد بهذا الاعتراض أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن، لأن الليل وقت السبات، والراحة، والهدوء فلا بد لمن أحياه من مضادة لطيفة، ومجاهدة لنفسه» انتهى. يعني بالاعتراض من حيثُ المعنى، لا من حيث الصناعة، وذلك أن قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ مطابق لقوله: «قُمِ الليْل» ، فكأنه شابه الاعتراض من حيث دخوله بين هذين المناسبتين. فصل في معنى الآية المعنى: سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل «قَوْلاً ثَقيْلاً» يثقل حمله، لأن الليل للمنام فمن أجر بقيام أكثره، لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل مشقة شديدة على النفس، ومجاهدة الشيطان فهو أمر يثقل على العبد. وقيل: المعنى سنوحي إليك القرآن وهو ثقيل يثقل العمل بشرائعه قال قتادة: ثقيل - والله - فرائضه وحدوده. وقال مجاهد: حلاله وحرامه. وقال الحسن: العمل به. وقال أبو العالية: ثقيل بالوعد، والوعيد، والحلال والحرام. وقال محمد بن كعب: «ثقيل على المنافقين لأنه يهتك أسرارهم، ويبطل أديانهم» . وقيل: على الكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان لضلالتهم وسب آلهتهم. وقال السديُّ: ثقيل بمعنى كريم، مأخوذ من قولهم: فلان ثقيل عليَّ، أي يكرم عليّ. وقال الفراءُ: «ثَقِيْلاً» أي: رزيناً. وقال الحسن بن الفضل: ثقيل لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ابن زيد: هو ثقيل مبارك في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة. وقيل: ثقيل: أي ثابت كثبوت الثقيل في محله، ومعناه أنه ثابت الإعجاز لا يزول إعجازه أبداً. [وقيل: ثقيل: بمعنى أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده، ومعانيه بالكلية، فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته، والفقهاء بحثوا في أحكامه، وكذا أهل اللغة، والنحو، وأرباب المعاني، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه بفوائد ما وصل إليها المتقدمون فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى على الاشتغال بحمله، فصار كالجبل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله] . وقيل: هو الوحي، كما جاء في الخبر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته، وضعت جرانها - يعني صدرها - على الأرض فما تستطيع أن تتحرك، حتى يُسَرَّى عنه «. وقال القشيري: القول الثقيل هنا: هو قول:» لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ» ، لأنه ورد في الخبر: «لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ خَفيفَةٌ على اللِّسانِ ثَقِيلةٌ في المِيزَانِ» . قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل﴾ . في الناشئة أوجه: أحدها: أنها صفة لمحذوف، أي: النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها للعبادة، أي تنهض وترفع من «نشأت السحابة» إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ونشر إذا نهض، قال: [الطويل] 4921 - نَشَأنَا إلى خُوصِ بَرَى نيَّهَا السُّرَى ... وألصَقَ مِنْهَا مُشرِفَاتِ القَماحِدِ الثاني: أنها مصدر بمعنى قيام الليلِ، على أنها مصدر من «نشأ» إذا قام ونهض، فيكون كالعافية والعاقبة، قالهما الزمخشري. الثالث: أنها بلغة الحبشةِ نشأ الرجل، أي: قام من الليل. قال أبو حيان: فعلى هذا هي جمع ناشىء، أي: قائم، يعني: أنها صفة لشيء يفهم الجمع، أي: طائفة، أو فرقة نائشة، وإلا ف «فاعل» لا يجمع على «فاعلة» . قال القرطبي: «قال ابن مسعود:» الحبشة» [يقولون: نشأ، أي قام. فلعله أراد أن الكلمة عربية، ولكنها شائعة في كلام الحبشة] غالبة عليهم، وإلاَّ فليس في القرآن ما ليس من لغة العرب» . الرابع: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل﴾ : ساعاته، وأوقاته؛ لأنها تنشأ شيئاً بعد شيء. قال القرطبيُّ: «لأنها تنشأ أولاً فأولاً، يقال: نشأ الشيء ينشأ إذا ابتدأ، وأقبل شيئاً بعد شيء فهو ناشىء، وأنشأه اللهُ فنشىء، فالمعنى: ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم فالتأنيث للفظ الساعة، لأن كل ساعة تحدث» . وقيدها الحسن وابن عبَّاسٍ: بما كان بعد العشاء، إن كان قبلها فليس بناشئة، وخصصتها عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بأن تكون بعد النوم، فلو لم يتقدَّمها نوم لم تكن ناشئة. قوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ . قرأ أبو عمرو وابن عامرٍ: بكسر الواو، وفتح الطاء بعدها ألف، والباقون: بفتح الواو وسكون الطاء. وقرأ قتادة وشبل عن أهل مكة: «وِطْأً» ، بكسر الواو وسكون الطاء. وظاهر كلام أبي البقاء أنه قرىء بفتح الواو مع المد، فإنه قال: «وِطْأ» بكسر الواو بمعنى مواطأة «، وبفتحها اسم للمصدر، ووطأ على» فعل «وهو مصدر وطىء، والوطاء: مصدره» وِطَاء «ك» قِتَال «مصدر» قَاتلَ» ، والمعنى: أنها أشد مُواطأة، أي: يواطىء قلبها لسانها إن أردت النفس، ويواطىء قلب النائم فيها لسانه إن أردت القيام، أو العبادة، أو الساعات، أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص. والوطء - بالفتح والكسر -: على معنى أشد ثبات قدم، وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ من صلاة النهار على المصلي من قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «اللَّهُمَّ اشدُدْ وطْأتكَ على مُضَر» وعلى كل تقدير: فانتصابه على التمييز. قوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ . حكى الزمخشريُّ: أن أنساً قرأ: «وأصوب قِيْلاً» فقيل: له: يا أبا حمزة إنما هي «وأقْوَمُ» ، فقال: إن أقوم، وأصوب وأهيأ، واحد، وأنَّ أبا السرار الغنوي كان يقرأ: ﴿فَحَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: 25]- بالحاء المهملة - فقيل له: هي بالجيم فقال: جَاسوا وحاسوا واحد. قال شهاب الدين: «وغرضه من هاتين الحكايتين، جواز قراءة القرآن بالمعنى، وليس في هذا دليل؛ لأنه تفسيرُ معنى، وأيضاً، فالذي بين أيدينا قرآن متواتر، وهذه الحكاية آحاد، وقد تقدم أن أبا الدرداء كان يُقْرِىءُ رجلاً، ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الأثيم﴾ [الدخان: 43 - 44] ، فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فلما تبرم منه قال: طعام الفاجر يا هذا، فاستدل به على ذلك من يرى جوازه، وليس فيه دليل، لأن مقصود أبي الدرداء بيان المعنى فجاء بلفط مبين» . قال الأنباري: وذهب بعض الزائغين إلى أن من قال: إن من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآنِ، فهو مصيب إذا لم يخالف ولم يأت بغير ما أراد الله، واحتجوا بقول أنس هذا، وهذا قول لا يعرج عليه، ولا يلتفت إلى قائله، لأنه لو قرىء بألفاظ القرآن إذا قاربت معانيها، واشتملت على غايتها لجازأن يقرأ في موضع ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ الشكر للباري ملك المخلوقين، ويتسع الأمر في هذا، حتى يبطل لفظ جميع القرآن، ويكون التالي له مفترياً على الله - تعالى - كاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولا حجة لهم في قول ابن مسعود: «نَزلَ القرآنُ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ، إنما هو كقول أحدكم: تعلم، وتعال، وأقبل» ؛ لأن هذا الحديث يوجب أن القراءات المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا اختلفت ألفاظها، واتفقت معانيها، كان ذلك فيها بمنزلة الخلاف في «هَلُمَّ» ، وتعال، وأقبل» ، فأما ما لم يقرأ به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه، وتابعوهم، فإن من أورد حرفاً منه في القرآن بهت، ومال، وخرج عن مذهب الصواب، وحديثهم الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة لا يصححه أهل العلم. انتهى. فصل في فضل صلاة الليل بيَّن تعالى في هذه الآية فضل صلاةِ الليل على صلاة النَّهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر، وأجلب للثواب، كان علي بن الحسين يصلي بين المغرب، والعشاء، ويقول: هذه ناشئة الليل. وقال عطاء وعكرمة: هو بدوام الليل. قال في الصحاح: «ناشئة الليل» أول ساعاته. وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هي الليل كلهُ، لأنه ينشأ بعد النهار، وهو اختيار مالك. قال ابن العربي: «وهو الذي يعطيه اللفظ ويقتضيه اللغة» . وقالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وابن عباس - أيضاً - ومجاهد: إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم، ومن قال قبل النوم فما قام ناشئة. وقال يمان وابن كيسان: هو القيام من آخر الليل. وأما قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ ، أي: أثقل على المصلي من ساعات النهار، لأن الليل وقت منام وراحة فإذا قام إلى صلاة الليل، فقد تحمل المشقة العظيمة، هذا على قراءة كسر الواو، وفتح الطاء، وأما على قراءة المد: فهو مصدر «واطَأتْ وِطاءً ومُواطَأةً» ، أي: وافقت على الأمر من الوفاق، تقول: فلان مواطىء اسمه اسمي، أي: موافقه، فالمعنى أشد موافقة بين القلب، والبصر، والسمع واللسان لانقطاع الأصوات، والحركات، قاله مجاهد وابن مليكة وغيرهما، قال تعالى: ﴿ليواطؤوا عدَّةَ ما حرم الله﴾ [التوبة: 37] ، أي: ليوافقوا، وقيل: أشدّ مهاداً للتصرف في التفكر والتدبر. وقيل: أشد ثباتاً من النهار، فإن الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله فيكون ذلك أثبت للعمل، والوطء: الثبات، تقول: وطئتُ الأرض بقدمي. وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ أي: القراءة بالليل أقوم منها بالنهار، أي: أشد استقامة واستمراراً على الصواب، لأن الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرأه. وقال قتادة ومجاهد: أصوب للقراءة وأثبت للقول؛ لأنه زمان التفهم. وقيل: أشد استقامة لفراغ البال بالليل. وقيل: أعجل إجابة للدعاء، حكاه ابن شجرة. وقال عكرمة: عبادة الليل أتم نشاطاً وأتم إخلاصاً، وأكثر بركة. قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً﴾ . قرأ العامة: بالحاء المهملة، وهو مصدر «سَبح» ، وهو استعارة للتصرف في الحوائج من السباحة في الماء، وهي البعد فيه. وقال القرطبيُّ: السَّبْحُ «الجري، والدوران، ومنه السباحة في الماء لتقلبه بيديه ورجليه، وفرس سابح» شديد الجري» . قال امرؤ القيس: [الطويل] 4922 - مِسَحٍّ إذَا السَّابحَاتُ عَلى الوَنَى ... أثَرْنَ غُبَاراً بالكَديدِ المُركَّلِ وقيل: السبح: الفراغ، أي: إن لك فراغاً للحاجات بالنهار. وعن ابن عباس وعطاء: «سَبْحاً طَويْلاً» يعني فراغاً طويلاً يعني لنومك، وراحتك فاجعل ناشئة الليل لعبادتك. وقرأ يحيى بن يعمر، وعكرمة وابن أبي عبلة: «سَبْخاً» بالخاء المعجمة. واختلفوا في تفسيرها: فقال الزمخشريُّ: «استعارة من سبخ الصوف، وهو نفشه، ونشر أجزائه لانتشار الهمِّ، وتفريق القلب بالشواغل» . وقيل: التسبيخ، التخفيف، حكى الأصمعيُّ: «سبخ الله عنك الحمى، أي: خففها عنك» . قال الشاعر: [الطويل] 4923 - فَسَبِّخْ عليْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بأنَّهُ ... إذَا قدَّر الرَّحمنُ شَيْئاً فكَائِنُ أي: خفف، ومنه» قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعائشةَ، وقد دعت على سارق ردائها: «لا تُسبِّخِي بدُعَائكِ عليْهِ» ، أي: لا تخففي إثمه. وقيل: التسبيخ: المد، يقال: سبخي قُطنكِ، أي: مديه، والسبيخة: قطعة من القطن، والجمع: سبائخ؛ قال الأخطل يصف صائداً وكلاباً: [البسيط] 4924 - فَأرْسلُوهُنَّ يُذْرينَ التُّرابَ كمَا ... يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوْتَارِ وقال أبو الفضل الرازي: «قرأ ابن يعمر وعكرمة:» سَبْخاً «- بالخاء المعجمة - وقالا: معناه نوماً، أي: ينام بالنهار؛ ليستعين به على قيام الليل، وقد تحتمل هذه القراءة غير هذا المعنى، لكنهما فسراها: فلا تجاوز عنه» . قال شهاب الدين: «في هذا نظرٌ، لأنهما غاية ما في الباب انهما نقلا هذه القراءة، وظهر لهما تفسيرها بما ذكر، ولا يلزم من ذلك أنه لا يجوز غير ما ذكر من تفسير اللفظة» . وقال ثعلب: السَّبْخُ - بالخاء المعجمة - التردد والاضطراب، والسبح: السكون» . ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الحُمَّى من فَيْحِ جَهنَّمَ فَسبِّحُوهَا بالمَاء» ، أي فسكِّنُوهَا بالمَاءِ. وقال أبو عمرو: السَّبْخُ: النوم والفراغ، فعلى هذا يكون من الأضداد، ويكون بمعنى السبح بالحاء المهملة. قوله: ﴿واذكر اسم رَبِّكَ﴾ ، أي: ادعه بأسمائه الحسنى ليحصل لك مع الصلاة محمود العاقبة. وقيل: اقصد بعملك وجه ربِّك. وقال سهل: اقرأ باسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء صلاتِك توصلك بركة قراءتها إلى ربك وتقطعك عما سواه. وقيل: اذكر اسم ربِّك في وعده، ووعيده؛ لتتوفّر على طاعته وتعدل عن معصيته. وقال الكلبي: صلِّ لربِّك، أي: بالنهار. قال القرطبيُّ: وهذا حسن، لأنه لما ذكر الليل ذكر النهار، إذ هو قسيمه، وقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: 62] . قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ ، هذا مصدر على غير المصدر، وهو واقع موقع التبتل، لأن مصدر «تفعَّل» » تفعُّل «نحو» تصرَّف تصرُّفاً، وتكرَّم تكرُّماً «، وأما» التفعيل «فمصدر» فعَّل «نحو» صرَّف تصريفاً؛ كقول الآخر: [الرجز] 4925 - وقَدْ تَطَوَّيْتَ انْطواءَ الحِضْبِ ... فأوقع «الانفعال» موقع «التفعل» . قال الزمخشريُّ: لأنَّ معنى «تبتَّل» بتل نفسه، فجيء به على معناه مراعاةً لحق الفواصل. والبَتْلُ: الانقطاع، ومنه امرأة بتول، أي: انقطعت من النكاح، وبتلت الحبل: قطعته. قال الليثُ: التبتل: تمييز الشيء من الشيء، وقالوا: طَلْقةٌ بَتْلةٌ، يعنون انقطاعها عن صاحبها، فالتبتُّل: ترك النكاح والزهد فيه، ومنه سمي الراهب متبتلاً لانقطاعه عن النكاح؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4926 - تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعشَاءِ كأنَّها ... مَنارةُ مُمْسَى رَاهبٍ مُتبتِّلِ ومنه الحديث: أنه نهى عن التبتل، وقال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبابِ، من اسْتَطَاعَ مِنْكمُ البَاءَةَ فَليتَزوَّجْ» والمراد به في الآية الكريمة: الانقطاع إلى عبادة الله تعالى دون ترك النكاح. والتبتل في الأصل: الانقطاع عن الناس، والجماعات، وقيل: إن أصله عند العرب التفرد. قاله ابن عرفة. قال ابن العربي: «هذا فيما مضي، وأما اليوم، وقد مرجت عهود الناس، وخفت أماناتهم، واستولى الحرام على الحطام، فالعزلة خير من الخلطة، والعُزبة أفضل من التأهل، ولكن معنى الآية: وانقطع عن الأوثان، والأصنام، وعن عبادة غير الله. وكذلك قال مجاهد: معناه: أخلص له العبادة، ولم يرد التبتل، فصار التبتُّلُ مأموراً به في القرآن، مَنْهِيّاً عنه في السنَّةِ، ومتعلق الأمر غير متعلق النهي فلا يتناقضان، وإنما بعث ليبينَ للناس ما نزل إليهم، والتبتل المأمور به: الانقطاع إلى الله بإخلاص كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ [البينة: 5] ، والتبتل المنهي عنه: سلوك مسلك النصارى في ترك النكاحِ، والترهب في الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون خير مال المسلمِ غنماً يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» . قوله: ﴿رَّبُّ المشرق والمغرب﴾ . قرأ الأخوان وأبو بكر وابن عامرٍ: بجر» ربِّ «على النعت ل» ربِّك» ، أو البدل منه، أو البيان له. وقال الزمخشري: وعن ابن عباس: على القسم بإضمار حرف القسمِ، كقولك: «والله لأفعلنَّ» وجوابه «لا إله إلاَّ هُو» ، كما تقول: «والله لا أحد في الدار سوى زيد» . قال أبو حيَّان: لعل هذا التخريج لا يصح عن ابن عباس، لأن فيه إضمار الجار، ولا يجيزه البصريون إلاَّ مع لفظ الجلالةِ المعظمة خاصة، ولأن الجملة المنفية في جواب القسم إذا كانت اسمية فإنما تنفى ب «مَا» ، وحدها، فلا تنفى ب» لا «إلا الجملة المصدرة بمضارع كثيراً، أو بماض في معناه قليلاً. نحو قول الشاعر: [البسيط] 4927 - رِدُوا فَواللَّهِ لا زُرْنَاكُمُ أبَداً ... مَا دَامَ في مائنَا وِرْد لِوُرَّادِ والزمخشري أورد ذلك على سبيل التجويزِ، والتسليم، والذي ذكره النحويون هو نفيها ب» مَا» ؛ كقوله: [الطويل] 4928 - لَعمْرُكَ ما سَعْدٌ بخُلَّةِ آثمٍ ... ولا نَأنَإٍ يَوْمَ الحِفَاظِ ولا حَصِرْ قال شهاب الدين: «قد أطلق ابن مالك أن الجملة المنفية سواء كانت اسمية، أم فعليه تنفى ب» ما» ، أو «لا» ، أو «إن» بمعنى: «ما» ، وهذا هو الظاهر» . وباقي السبعة: ترفعه، على الابتداء وخبره الجملة من قوله «لا إله إلا الله» ، أو على خبر ابتداء مضمر، أي: «هُو ربُّ» ، وهذا أحسن لارتباط الكلام بعضه ببعض. وقرأ زيد بن علي: «ربَّ» بالنصب على المدح. وقرأ العامة: «المشْرِق والمَغْرِب» موحدين. وعبد الله وابن عباس: «المشَارِق والمغَارِب» . ويجوز أن ينصب» ربَّ «في قراءة زيد من وجهين: أحدهما: أنه بدل من» اسم ربِّك» ، أو بيان له، أو نعت له، قاله أبو البقاء، وهذا يجيء على أن الاسم هو المسمى. والثاني: أنه منصوب على الاشتغال بفعل مقدر، أي: فاتخذ ربَّ المشرق فاتخذه، وما بينهما اعتراض. والمعنى: أن من علم أنه رب المشارق، والمغارب انقطع بعمله إليه «واتَّخذهُ وَكِيْلاً» ، أي: قائماً وقيل: كفيلاً بما وعدك.

المزمل 73:7

قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ ، الجملة من قوله: «إنَّا سَنُلقي» مستأنفة. وقال الزمخشريُّ: «وهذه الآية اعتراض» ثم قال: «وأراد بهذا الاعتراض أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن، لأن الليل وقت السبات، والراحة، والهدوء فلا بد لمن أحياه من مضادة لطيفة، ومجاهدة لنفسه» انتهى. يعني بالاعتراض من حيثُ المعنى، لا من حيث الصناعة، وذلك أن قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ مطابق لقوله: «قُمِ الليْل» ، فكأنه شابه الاعتراض من حيث دخوله بين هذين المناسبتين. فصل في معنى الآية المعنى: سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل «قَوْلاً ثَقيْلاً» يثقل حمله، لأن الليل للمنام فمن أجر بقيام أكثره، لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل مشقة شديدة على النفس، ومجاهدة الشيطان فهو أمر يثقل على العبد. وقيل: المعنى سنوحي إليك القرآن وهو ثقيل يثقل العمل بشرائعه قال قتادة: ثقيل - والله - فرائضه وحدوده. وقال مجاهد: حلاله وحرامه. وقال الحسن: العمل به. وقال أبو العالية: ثقيل بالوعد، والوعيد، والحلال والحرام. وقال محمد بن كعب: «ثقيل على المنافقين لأنه يهتك أسرارهم، ويبطل أديانهم» . وقيل: على الكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان لضلالتهم وسب آلهتهم. وقال السديُّ: ثقيل بمعنى كريم، مأخوذ من قولهم: فلان ثقيل عليَّ، أي يكرم عليّ. وقال الفراءُ: «ثَقِيْلاً» أي: رزيناً. وقال الحسن بن الفضل: ثقيل لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ابن زيد: هو ثقيل مبارك في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة. وقيل: ثقيل: أي ثابت كثبوت الثقيل في محله، ومعناه أنه ثابت الإعجاز لا يزول إعجازه أبداً. [وقيل: ثقيل: بمعنى أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده، ومعانيه بالكلية، فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته، والفقهاء بحثوا في أحكامه، وكذا أهل اللغة، والنحو، وأرباب المعاني، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه بفوائد ما وصل إليها المتقدمون فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى على الاشتغال بحمله، فصار كالجبل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله] . وقيل: هو الوحي، كما جاء في الخبر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته، وضعت جرانها - يعني صدرها - على الأرض فما تستطيع أن تتحرك، حتى يُسَرَّى عنه «. وقال القشيري: القول الثقيل هنا: هو قول:» لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ» ، لأنه ورد في الخبر: «لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ خَفيفَةٌ على اللِّسانِ ثَقِيلةٌ في المِيزَانِ» . قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل﴾ . في الناشئة أوجه: أحدها: أنها صفة لمحذوف، أي: النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها للعبادة، أي تنهض وترفع من «نشأت السحابة» إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ونشر إذا نهض، قال: [الطويل] 4921 - نَشَأنَا إلى خُوصِ بَرَى نيَّهَا السُّرَى ... وألصَقَ مِنْهَا مُشرِفَاتِ القَماحِدِ الثاني: أنها مصدر بمعنى قيام الليلِ، على أنها مصدر من «نشأ» إذا قام ونهض، فيكون كالعافية والعاقبة، قالهما الزمخشري. الثالث: أنها بلغة الحبشةِ نشأ الرجل، أي: قام من الليل. قال أبو حيان: فعلى هذا هي جمع ناشىء، أي: قائم، يعني: أنها صفة لشيء يفهم الجمع، أي: طائفة، أو فرقة نائشة، وإلا ف «فاعل» لا يجمع على «فاعلة» . قال القرطبي: «قال ابن مسعود:» الحبشة» [يقولون: نشأ، أي قام. فلعله أراد أن الكلمة عربية، ولكنها شائعة في كلام الحبشة] غالبة عليهم، وإلاَّ فليس في القرآن ما ليس من لغة العرب» . الرابع: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل﴾ : ساعاته، وأوقاته؛ لأنها تنشأ شيئاً بعد شيء. قال القرطبيُّ: «لأنها تنشأ أولاً فأولاً، يقال: نشأ الشيء ينشأ إذا ابتدأ، وأقبل شيئاً بعد شيء فهو ناشىء، وأنشأه اللهُ فنشىء، فالمعنى: ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم فالتأنيث للفظ الساعة، لأن كل ساعة تحدث» . وقيدها الحسن وابن عبَّاسٍ: بما كان بعد العشاء، إن كان قبلها فليس بناشئة، وخصصتها عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بأن تكون بعد النوم، فلو لم يتقدَّمها نوم لم تكن ناشئة. قوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ . قرأ أبو عمرو وابن عامرٍ: بكسر الواو، وفتح الطاء بعدها ألف، والباقون: بفتح الواو وسكون الطاء. وقرأ قتادة وشبل عن أهل مكة: «وِطْأً» ، بكسر الواو وسكون الطاء. وظاهر كلام أبي البقاء أنه قرىء بفتح الواو مع المد، فإنه قال: «وِطْأ» بكسر الواو بمعنى مواطأة «، وبفتحها اسم للمصدر، ووطأ على» فعل «وهو مصدر وطىء، والوطاء: مصدره» وِطَاء «ك» قِتَال «مصدر» قَاتلَ» ، والمعنى: أنها أشد مُواطأة، أي: يواطىء قلبها لسانها إن أردت النفس، ويواطىء قلب النائم فيها لسانه إن أردت القيام، أو العبادة، أو الساعات، أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص. والوطء - بالفتح والكسر -: على معنى أشد ثبات قدم، وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ من صلاة النهار على المصلي من قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «اللَّهُمَّ اشدُدْ وطْأتكَ على مُضَر» وعلى كل تقدير: فانتصابه على التمييز. قوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ . حكى الزمخشريُّ: أن أنساً قرأ: «وأصوب قِيْلاً» فقيل: له: يا أبا حمزة إنما هي «وأقْوَمُ» ، فقال: إن أقوم، وأصوب وأهيأ، واحد، وأنَّ أبا السرار الغنوي كان يقرأ: ﴿فَحَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: 25]- بالحاء المهملة - فقيل له: هي بالجيم فقال: جَاسوا وحاسوا واحد. قال شهاب الدين: «وغرضه من هاتين الحكايتين، جواز قراءة القرآن بالمعنى، وليس في هذا دليل؛ لأنه تفسيرُ معنى، وأيضاً، فالذي بين أيدينا قرآن متواتر، وهذه الحكاية آحاد، وقد تقدم أن أبا الدرداء كان يُقْرِىءُ رجلاً، ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الأثيم﴾ [الدخان: 43 - 44] ، فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فلما تبرم منه قال: طعام الفاجر يا هذا، فاستدل به على ذلك من يرى جوازه، وليس فيه دليل، لأن مقصود أبي الدرداء بيان المعنى فجاء بلفط مبين» . قال الأنباري: وذهب بعض الزائغين إلى أن من قال: إن من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآنِ، فهو مصيب إذا لم يخالف ولم يأت بغير ما أراد الله، واحتجوا بقول أنس هذا، وهذا قول لا يعرج عليه، ولا يلتفت إلى قائله، لأنه لو قرىء بألفاظ القرآن إذا قاربت معانيها، واشتملت على غايتها لجازأن يقرأ في موضع ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ الشكر للباري ملك المخلوقين، ويتسع الأمر في هذا، حتى يبطل لفظ جميع القرآن، ويكون التالي له مفترياً على الله - تعالى - كاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولا حجة لهم في قول ابن مسعود: «نَزلَ القرآنُ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ، إنما هو كقول أحدكم: تعلم، وتعال، وأقبل» ؛ لأن هذا الحديث يوجب أن القراءات المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا اختلفت ألفاظها، واتفقت معانيها، كان ذلك فيها بمنزلة الخلاف في «هَلُمَّ» ، وتعال، وأقبل» ، فأما ما لم يقرأ به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه، وتابعوهم، فإن من أورد حرفاً منه في القرآن بهت، ومال، وخرج عن مذهب الصواب، وحديثهم الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة لا يصححه أهل العلم. انتهى. فصل في فضل صلاة الليل بيَّن تعالى في هذه الآية فضل صلاةِ الليل على صلاة النَّهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر، وأجلب للثواب، كان علي بن الحسين يصلي بين المغرب، والعشاء، ويقول: هذه ناشئة الليل. وقال عطاء وعكرمة: هو بدوام الليل. قال في الصحاح: «ناشئة الليل» أول ساعاته. وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هي الليل كلهُ، لأنه ينشأ بعد النهار، وهو اختيار مالك. قال ابن العربي: «وهو الذي يعطيه اللفظ ويقتضيه اللغة» . وقالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وابن عباس - أيضاً - ومجاهد: إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم، ومن قال قبل النوم فما قام ناشئة. وقال يمان وابن كيسان: هو القيام من آخر الليل. وأما قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ ، أي: أثقل على المصلي من ساعات النهار، لأن الليل وقت منام وراحة فإذا قام إلى صلاة الليل، فقد تحمل المشقة العظيمة، هذا على قراءة كسر الواو، وفتح الطاء، وأما على قراءة المد: فهو مصدر «واطَأتْ وِطاءً ومُواطَأةً» ، أي: وافقت على الأمر من الوفاق، تقول: فلان مواطىء اسمه اسمي، أي: موافقه، فالمعنى أشد موافقة بين القلب، والبصر، والسمع واللسان لانقطاع الأصوات، والحركات، قاله مجاهد وابن مليكة وغيرهما، قال تعالى: ﴿ليواطؤوا عدَّةَ ما حرم الله﴾ [التوبة: 37] ، أي: ليوافقوا، وقيل: أشدّ مهاداً للتصرف في التفكر والتدبر. وقيل: أشد ثباتاً من النهار، فإن الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله فيكون ذلك أثبت للعمل، والوطء: الثبات، تقول: وطئتُ الأرض بقدمي. وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ أي: القراءة بالليل أقوم منها بالنهار، أي: أشد استقامة واستمراراً على الصواب، لأن الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرأه. وقال قتادة ومجاهد: أصوب للقراءة وأثبت للقول؛ لأنه زمان التفهم. وقيل: أشد استقامة لفراغ البال بالليل. وقيل: أعجل إجابة للدعاء، حكاه ابن شجرة. وقال عكرمة: عبادة الليل أتم نشاطاً وأتم إخلاصاً، وأكثر بركة. قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً﴾ . قرأ العامة: بالحاء المهملة، وهو مصدر «سَبح» ، وهو استعارة للتصرف في الحوائج من السباحة في الماء، وهي البعد فيه. وقال القرطبيُّ: السَّبْحُ «الجري، والدوران، ومنه السباحة في الماء لتقلبه بيديه ورجليه، وفرس سابح» شديد الجري» . قال امرؤ القيس: [الطويل] 4922 - مِسَحٍّ إذَا السَّابحَاتُ عَلى الوَنَى ... أثَرْنَ غُبَاراً بالكَديدِ المُركَّلِ وقيل: السبح: الفراغ، أي: إن لك فراغاً للحاجات بالنهار. وعن ابن عباس وعطاء: «سَبْحاً طَويْلاً» يعني فراغاً طويلاً يعني لنومك، وراحتك فاجعل ناشئة الليل لعبادتك. وقرأ يحيى بن يعمر، وعكرمة وابن أبي عبلة: «سَبْخاً» بالخاء المعجمة. واختلفوا في تفسيرها: فقال الزمخشريُّ: «استعارة من سبخ الصوف، وهو نفشه، ونشر أجزائه لانتشار الهمِّ، وتفريق القلب بالشواغل» . وقيل: التسبيخ، التخفيف، حكى الأصمعيُّ: «سبخ الله عنك الحمى، أي: خففها عنك» . قال الشاعر: [الطويل] 4923 - فَسَبِّخْ عليْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بأنَّهُ ... إذَا قدَّر الرَّحمنُ شَيْئاً فكَائِنُ أي: خفف، ومنه» قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعائشةَ، وقد دعت على سارق ردائها: «لا تُسبِّخِي بدُعَائكِ عليْهِ» ، أي: لا تخففي إثمه. وقيل: التسبيخ: المد، يقال: سبخي قُطنكِ، أي: مديه، والسبيخة: قطعة من القطن، والجمع: سبائخ؛ قال الأخطل يصف صائداً وكلاباً: [البسيط] 4924 - فَأرْسلُوهُنَّ يُذْرينَ التُّرابَ كمَا ... يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوْتَارِ وقال أبو الفضل الرازي: «قرأ ابن يعمر وعكرمة:» سَبْخاً «- بالخاء المعجمة - وقالا: معناه نوماً، أي: ينام بالنهار؛ ليستعين به على قيام الليل، وقد تحتمل هذه القراءة غير هذا المعنى، لكنهما فسراها: فلا تجاوز عنه» . قال شهاب الدين: «في هذا نظرٌ، لأنهما غاية ما في الباب انهما نقلا هذه القراءة، وظهر لهما تفسيرها بما ذكر، ولا يلزم من ذلك أنه لا يجوز غير ما ذكر من تفسير اللفظة» . وقال ثعلب: السَّبْخُ - بالخاء المعجمة - التردد والاضطراب، والسبح: السكون» . ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الحُمَّى من فَيْحِ جَهنَّمَ فَسبِّحُوهَا بالمَاء» ، أي فسكِّنُوهَا بالمَاءِ. وقال أبو عمرو: السَّبْخُ: النوم والفراغ، فعلى هذا يكون من الأضداد، ويكون بمعنى السبح بالحاء المهملة. قوله: ﴿واذكر اسم رَبِّكَ﴾ ، أي: ادعه بأسمائه الحسنى ليحصل لك مع الصلاة محمود العاقبة. وقيل: اقصد بعملك وجه ربِّك. وقال سهل: اقرأ باسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء صلاتِك توصلك بركة قراءتها إلى ربك وتقطعك عما سواه. وقيل: اذكر اسم ربِّك في وعده، ووعيده؛ لتتوفّر على طاعته وتعدل عن معصيته. وقال الكلبي: صلِّ لربِّك، أي: بالنهار. قال القرطبيُّ: وهذا حسن، لأنه لما ذكر الليل ذكر النهار، إذ هو قسيمه، وقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: 62] . قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ ، هذا مصدر على غير المصدر، وهو واقع موقع التبتل، لأن مصدر «تفعَّل» » تفعُّل «نحو» تصرَّف تصرُّفاً، وتكرَّم تكرُّماً «، وأما» التفعيل «فمصدر» فعَّل «نحو» صرَّف تصريفاً؛ كقول الآخر: [الرجز] 4925 - وقَدْ تَطَوَّيْتَ انْطواءَ الحِضْبِ ... فأوقع «الانفعال» موقع «التفعل» . قال الزمخشريُّ: لأنَّ معنى «تبتَّل» بتل نفسه، فجيء به على معناه مراعاةً لحق الفواصل. والبَتْلُ: الانقطاع، ومنه امرأة بتول، أي: انقطعت من النكاح، وبتلت الحبل: قطعته. قال الليثُ: التبتل: تمييز الشيء من الشيء، وقالوا: طَلْقةٌ بَتْلةٌ، يعنون انقطاعها عن صاحبها، فالتبتُّل: ترك النكاح والزهد فيه، ومنه سمي الراهب متبتلاً لانقطاعه عن النكاح؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4926 - تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعشَاءِ كأنَّها ... مَنارةُ مُمْسَى رَاهبٍ مُتبتِّلِ ومنه الحديث: أنه نهى عن التبتل، وقال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبابِ، من اسْتَطَاعَ مِنْكمُ البَاءَةَ فَليتَزوَّجْ» والمراد به في الآية الكريمة: الانقطاع إلى عبادة الله تعالى دون ترك النكاح. والتبتل في الأصل: الانقطاع عن الناس، والجماعات، وقيل: إن أصله عند العرب التفرد. قاله ابن عرفة. قال ابن العربي: «هذا فيما مضي، وأما اليوم، وقد مرجت عهود الناس، وخفت أماناتهم، واستولى الحرام على الحطام، فالعزلة خير من الخلطة، والعُزبة أفضل من التأهل، ولكن معنى الآية: وانقطع عن الأوثان، والأصنام، وعن عبادة غير الله. وكذلك قال مجاهد: معناه: أخلص له العبادة، ولم يرد التبتل، فصار التبتُّلُ مأموراً به في القرآن، مَنْهِيّاً عنه في السنَّةِ، ومتعلق الأمر غير متعلق النهي فلا يتناقضان، وإنما بعث ليبينَ للناس ما نزل إليهم، والتبتل المأمور به: الانقطاع إلى الله بإخلاص كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ [البينة: 5] ، والتبتل المنهي عنه: سلوك مسلك النصارى في ترك النكاحِ، والترهب في الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون خير مال المسلمِ غنماً يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» . قوله: ﴿رَّبُّ المشرق والمغرب﴾ . قرأ الأخوان وأبو بكر وابن عامرٍ: بجر» ربِّ «على النعت ل» ربِّك» ، أو البدل منه، أو البيان له. وقال الزمخشري: وعن ابن عباس: على القسم بإضمار حرف القسمِ، كقولك: «والله لأفعلنَّ» وجوابه «لا إله إلاَّ هُو» ، كما تقول: «والله لا أحد في الدار سوى زيد» . قال أبو حيَّان: لعل هذا التخريج لا يصح عن ابن عباس، لأن فيه إضمار الجار، ولا يجيزه البصريون إلاَّ مع لفظ الجلالةِ المعظمة خاصة، ولأن الجملة المنفية في جواب القسم إذا كانت اسمية فإنما تنفى ب «مَا» ، وحدها، فلا تنفى ب» لا «إلا الجملة المصدرة بمضارع كثيراً، أو بماض في معناه قليلاً. نحو قول الشاعر: [البسيط] 4927 - رِدُوا فَواللَّهِ لا زُرْنَاكُمُ أبَداً ... مَا دَامَ في مائنَا وِرْد لِوُرَّادِ والزمخشري أورد ذلك على سبيل التجويزِ، والتسليم، والذي ذكره النحويون هو نفيها ب» مَا» ؛ كقوله: [الطويل] 4928 - لَعمْرُكَ ما سَعْدٌ بخُلَّةِ آثمٍ ... ولا نَأنَإٍ يَوْمَ الحِفَاظِ ولا حَصِرْ قال شهاب الدين: «قد أطلق ابن مالك أن الجملة المنفية سواء كانت اسمية، أم فعليه تنفى ب» ما» ، أو «لا» ، أو «إن» بمعنى: «ما» ، وهذا هو الظاهر» . وباقي السبعة: ترفعه، على الابتداء وخبره الجملة من قوله «لا إله إلا الله» ، أو على خبر ابتداء مضمر، أي: «هُو ربُّ» ، وهذا أحسن لارتباط الكلام بعضه ببعض. وقرأ زيد بن علي: «ربَّ» بالنصب على المدح. وقرأ العامة: «المشْرِق والمَغْرِب» موحدين. وعبد الله وابن عباس: «المشَارِق والمغَارِب» . ويجوز أن ينصب» ربَّ «في قراءة زيد من وجهين: أحدهما: أنه بدل من» اسم ربِّك» ، أو بيان له، أو نعت له، قاله أبو البقاء، وهذا يجيء على أن الاسم هو المسمى. والثاني: أنه منصوب على الاشتغال بفعل مقدر، أي: فاتخذ ربَّ المشرق فاتخذه، وما بينهما اعتراض. والمعنى: أن من علم أنه رب المشارق، والمغارب انقطع بعمله إليه «واتَّخذهُ وَكِيْلاً» ، أي: قائماً وقيل: كفيلاً بما وعدك.

المزمل 73:8

قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ ، الجملة من قوله: «إنَّا سَنُلقي» مستأنفة. وقال الزمخشريُّ: «وهذه الآية اعتراض» ثم قال: «وأراد بهذا الاعتراض أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن، لأن الليل وقت السبات، والراحة، والهدوء فلا بد لمن أحياه من مضادة لطيفة، ومجاهدة لنفسه» انتهى. يعني بالاعتراض من حيثُ المعنى، لا من حيث الصناعة، وذلك أن قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ مطابق لقوله: «قُمِ الليْل» ، فكأنه شابه الاعتراض من حيث دخوله بين هذين المناسبتين. فصل في معنى الآية المعنى: سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل «قَوْلاً ثَقيْلاً» يثقل حمله، لأن الليل للمنام فمن أجر بقيام أكثره، لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل مشقة شديدة على النفس، ومجاهدة الشيطان فهو أمر يثقل على العبد. وقيل: المعنى سنوحي إليك القرآن وهو ثقيل يثقل العمل بشرائعه قال قتادة: ثقيل - والله - فرائضه وحدوده. وقال مجاهد: حلاله وحرامه. وقال الحسن: العمل به. وقال أبو العالية: ثقيل بالوعد، والوعيد، والحلال والحرام. وقال محمد بن كعب: «ثقيل على المنافقين لأنه يهتك أسرارهم، ويبطل أديانهم» . وقيل: على الكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان لضلالتهم وسب آلهتهم. وقال السديُّ: ثقيل بمعنى كريم، مأخوذ من قولهم: فلان ثقيل عليَّ، أي يكرم عليّ. وقال الفراءُ: «ثَقِيْلاً» أي: رزيناً. وقال الحسن بن الفضل: ثقيل لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ابن زيد: هو ثقيل مبارك في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة. وقيل: ثقيل: أي ثابت كثبوت الثقيل في محله، ومعناه أنه ثابت الإعجاز لا يزول إعجازه أبداً. [وقيل: ثقيل: بمعنى أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده، ومعانيه بالكلية، فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته، والفقهاء بحثوا في أحكامه، وكذا أهل اللغة، والنحو، وأرباب المعاني، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه بفوائد ما وصل إليها المتقدمون فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى على الاشتغال بحمله، فصار كالجبل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله] . وقيل: هو الوحي، كما جاء في الخبر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته، وضعت جرانها - يعني صدرها - على الأرض فما تستطيع أن تتحرك، حتى يُسَرَّى عنه «. وقال القشيري: القول الثقيل هنا: هو قول:» لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ» ، لأنه ورد في الخبر: «لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ خَفيفَةٌ على اللِّسانِ ثَقِيلةٌ في المِيزَانِ» . قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل﴾ . في الناشئة أوجه: أحدها: أنها صفة لمحذوف، أي: النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها للعبادة، أي تنهض وترفع من «نشأت السحابة» إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ونشر إذا نهض، قال: [الطويل] 4921 - نَشَأنَا إلى خُوصِ بَرَى نيَّهَا السُّرَى ... وألصَقَ مِنْهَا مُشرِفَاتِ القَماحِدِ الثاني: أنها مصدر بمعنى قيام الليلِ، على أنها مصدر من «نشأ» إذا قام ونهض، فيكون كالعافية والعاقبة، قالهما الزمخشري. الثالث: أنها بلغة الحبشةِ نشأ الرجل، أي: قام من الليل. قال أبو حيان: فعلى هذا هي جمع ناشىء، أي: قائم، يعني: أنها صفة لشيء يفهم الجمع، أي: طائفة، أو فرقة نائشة، وإلا ف «فاعل» لا يجمع على «فاعلة» . قال القرطبي: «قال ابن مسعود:» الحبشة» [يقولون: نشأ، أي قام. فلعله أراد أن الكلمة عربية، ولكنها شائعة في كلام الحبشة] غالبة عليهم، وإلاَّ فليس في القرآن ما ليس من لغة العرب» . الرابع: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل﴾ : ساعاته، وأوقاته؛ لأنها تنشأ شيئاً بعد شيء. قال القرطبيُّ: «لأنها تنشأ أولاً فأولاً، يقال: نشأ الشيء ينشأ إذا ابتدأ، وأقبل شيئاً بعد شيء فهو ناشىء، وأنشأه اللهُ فنشىء، فالمعنى: ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم فالتأنيث للفظ الساعة، لأن كل ساعة تحدث» . وقيدها الحسن وابن عبَّاسٍ: بما كان بعد العشاء، إن كان قبلها فليس بناشئة، وخصصتها عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بأن تكون بعد النوم، فلو لم يتقدَّمها نوم لم تكن ناشئة. قوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ . قرأ أبو عمرو وابن عامرٍ: بكسر الواو، وفتح الطاء بعدها ألف، والباقون: بفتح الواو وسكون الطاء. وقرأ قتادة وشبل عن أهل مكة: «وِطْأً» ، بكسر الواو وسكون الطاء. وظاهر كلام أبي البقاء أنه قرىء بفتح الواو مع المد، فإنه قال: «وِطْأ» بكسر الواو بمعنى مواطأة «، وبفتحها اسم للمصدر، ووطأ على» فعل «وهو مصدر وطىء، والوطاء: مصدره» وِطَاء «ك» قِتَال «مصدر» قَاتلَ» ، والمعنى: أنها أشد مُواطأة، أي: يواطىء قلبها لسانها إن أردت النفس، ويواطىء قلب النائم فيها لسانه إن أردت القيام، أو العبادة، أو الساعات، أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص. والوطء - بالفتح والكسر -: على معنى أشد ثبات قدم، وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ من صلاة النهار على المصلي من قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «اللَّهُمَّ اشدُدْ وطْأتكَ على مُضَر» وعلى كل تقدير: فانتصابه على التمييز. قوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ . حكى الزمخشريُّ: أن أنساً قرأ: «وأصوب قِيْلاً» فقيل: له: يا أبا حمزة إنما هي «وأقْوَمُ» ، فقال: إن أقوم، وأصوب وأهيأ، واحد، وأنَّ أبا السرار الغنوي كان يقرأ: ﴿فَحَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: 25]- بالحاء المهملة - فقيل له: هي بالجيم فقال: جَاسوا وحاسوا واحد. قال شهاب الدين: «وغرضه من هاتين الحكايتين، جواز قراءة القرآن بالمعنى، وليس في هذا دليل؛ لأنه تفسيرُ معنى، وأيضاً، فالذي بين أيدينا قرآن متواتر، وهذه الحكاية آحاد، وقد تقدم أن أبا الدرداء كان يُقْرِىءُ رجلاً، ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الأثيم﴾ [الدخان: 43 - 44] ، فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فلما تبرم منه قال: طعام الفاجر يا هذا، فاستدل به على ذلك من يرى جوازه، وليس فيه دليل، لأن مقصود أبي الدرداء بيان المعنى فجاء بلفط مبين» . قال الأنباري: وذهب بعض الزائغين إلى أن من قال: إن من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآنِ، فهو مصيب إذا لم يخالف ولم يأت بغير ما أراد الله، واحتجوا بقول أنس هذا، وهذا قول لا يعرج عليه، ولا يلتفت إلى قائله، لأنه لو قرىء بألفاظ القرآن إذا قاربت معانيها، واشتملت على غايتها لجازأن يقرأ في موضع ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ الشكر للباري ملك المخلوقين، ويتسع الأمر في هذا، حتى يبطل لفظ جميع القرآن، ويكون التالي له مفترياً على الله - تعالى - كاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولا حجة لهم في قول ابن مسعود: «نَزلَ القرآنُ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ، إنما هو كقول أحدكم: تعلم، وتعال، وأقبل» ؛ لأن هذا الحديث يوجب أن القراءات المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا اختلفت ألفاظها، واتفقت معانيها، كان ذلك فيها بمنزلة الخلاف في «هَلُمَّ» ، وتعال، وأقبل» ، فأما ما لم يقرأ به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه، وتابعوهم، فإن من أورد حرفاً منه في القرآن بهت، ومال، وخرج عن مذهب الصواب، وحديثهم الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة لا يصححه أهل العلم. انتهى. فصل في فضل صلاة الليل بيَّن تعالى في هذه الآية فضل صلاةِ الليل على صلاة النَّهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر، وأجلب للثواب، كان علي بن الحسين يصلي بين المغرب، والعشاء، ويقول: هذه ناشئة الليل. وقال عطاء وعكرمة: هو بدوام الليل. قال في الصحاح: «ناشئة الليل» أول ساعاته. وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هي الليل كلهُ، لأنه ينشأ بعد النهار، وهو اختيار مالك. قال ابن العربي: «وهو الذي يعطيه اللفظ ويقتضيه اللغة» . وقالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وابن عباس - أيضاً - ومجاهد: إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم، ومن قال قبل النوم فما قام ناشئة. وقال يمان وابن كيسان: هو القيام من آخر الليل. وأما قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ ، أي: أثقل على المصلي من ساعات النهار، لأن الليل وقت منام وراحة فإذا قام إلى صلاة الليل، فقد تحمل المشقة العظيمة، هذا على قراءة كسر الواو، وفتح الطاء، وأما على قراءة المد: فهو مصدر «واطَأتْ وِطاءً ومُواطَأةً» ، أي: وافقت على الأمر من الوفاق، تقول: فلان مواطىء اسمه اسمي، أي: موافقه، فالمعنى أشد موافقة بين القلب، والبصر، والسمع واللسان لانقطاع الأصوات، والحركات، قاله مجاهد وابن مليكة وغيرهما، قال تعالى: ﴿ليواطؤوا عدَّةَ ما حرم الله﴾ [التوبة: 37] ، أي: ليوافقوا، وقيل: أشدّ مهاداً للتصرف في التفكر والتدبر. وقيل: أشد ثباتاً من النهار، فإن الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله فيكون ذلك أثبت للعمل، والوطء: الثبات، تقول: وطئتُ الأرض بقدمي. وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ أي: القراءة بالليل أقوم منها بالنهار، أي: أشد استقامة واستمراراً على الصواب، لأن الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرأه. وقال قتادة ومجاهد: أصوب للقراءة وأثبت للقول؛ لأنه زمان التفهم. وقيل: أشد استقامة لفراغ البال بالليل. وقيل: أعجل إجابة للدعاء، حكاه ابن شجرة. وقال عكرمة: عبادة الليل أتم نشاطاً وأتم إخلاصاً، وأكثر بركة. قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً﴾ . قرأ العامة: بالحاء المهملة، وهو مصدر «سَبح» ، وهو استعارة للتصرف في الحوائج من السباحة في الماء، وهي البعد فيه. وقال القرطبيُّ: السَّبْحُ «الجري، والدوران، ومنه السباحة في الماء لتقلبه بيديه ورجليه، وفرس سابح» شديد الجري» . قال امرؤ القيس: [الطويل] 4922 - مِسَحٍّ إذَا السَّابحَاتُ عَلى الوَنَى ... أثَرْنَ غُبَاراً بالكَديدِ المُركَّلِ وقيل: السبح: الفراغ، أي: إن لك فراغاً للحاجات بالنهار. وعن ابن عباس وعطاء: «سَبْحاً طَويْلاً» يعني فراغاً طويلاً يعني لنومك، وراحتك فاجعل ناشئة الليل لعبادتك. وقرأ يحيى بن يعمر، وعكرمة وابن أبي عبلة: «سَبْخاً» بالخاء المعجمة. واختلفوا في تفسيرها: فقال الزمخشريُّ: «استعارة من سبخ الصوف، وهو نفشه، ونشر أجزائه لانتشار الهمِّ، وتفريق القلب بالشواغل» . وقيل: التسبيخ، التخفيف، حكى الأصمعيُّ: «سبخ الله عنك الحمى، أي: خففها عنك» . قال الشاعر: [الطويل] 4923 - فَسَبِّخْ عليْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بأنَّهُ ... إذَا قدَّر الرَّحمنُ شَيْئاً فكَائِنُ أي: خفف، ومنه» قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعائشةَ، وقد دعت على سارق ردائها: «لا تُسبِّخِي بدُعَائكِ عليْهِ» ، أي: لا تخففي إثمه. وقيل: التسبيخ: المد، يقال: سبخي قُطنكِ، أي: مديه، والسبيخة: قطعة من القطن، والجمع: سبائخ؛ قال الأخطل يصف صائداً وكلاباً: [البسيط] 4924 - فَأرْسلُوهُنَّ يُذْرينَ التُّرابَ كمَا ... يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوْتَارِ وقال أبو الفضل الرازي: «قرأ ابن يعمر وعكرمة:» سَبْخاً «- بالخاء المعجمة - وقالا: معناه نوماً، أي: ينام بالنهار؛ ليستعين به على قيام الليل، وقد تحتمل هذه القراءة غير هذا المعنى، لكنهما فسراها: فلا تجاوز عنه» . قال شهاب الدين: «في هذا نظرٌ، لأنهما غاية ما في الباب انهما نقلا هذه القراءة، وظهر لهما تفسيرها بما ذكر، ولا يلزم من ذلك أنه لا يجوز غير ما ذكر من تفسير اللفظة» . وقال ثعلب: السَّبْخُ - بالخاء المعجمة - التردد والاضطراب، والسبح: السكون» . ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الحُمَّى من فَيْحِ جَهنَّمَ فَسبِّحُوهَا بالمَاء» ، أي فسكِّنُوهَا بالمَاءِ. وقال أبو عمرو: السَّبْخُ: النوم والفراغ، فعلى هذا يكون من الأضداد، ويكون بمعنى السبح بالحاء المهملة. قوله: ﴿واذكر اسم رَبِّكَ﴾ ، أي: ادعه بأسمائه الحسنى ليحصل لك مع الصلاة محمود العاقبة. وقيل: اقصد بعملك وجه ربِّك. وقال سهل: اقرأ باسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء صلاتِك توصلك بركة قراءتها إلى ربك وتقطعك عما سواه. وقيل: اذكر اسم ربِّك في وعده، ووعيده؛ لتتوفّر على طاعته وتعدل عن معصيته. وقال الكلبي: صلِّ لربِّك، أي: بالنهار. قال القرطبيُّ: وهذا حسن، لأنه لما ذكر الليل ذكر النهار، إذ هو قسيمه، وقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: 62] . قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ ، هذا مصدر على غير المصدر، وهو واقع موقع التبتل، لأن مصدر «تفعَّل» » تفعُّل «نحو» تصرَّف تصرُّفاً، وتكرَّم تكرُّماً «، وأما» التفعيل «فمصدر» فعَّل «نحو» صرَّف تصريفاً؛ كقول الآخر: [الرجز] 4925 - وقَدْ تَطَوَّيْتَ انْطواءَ الحِضْبِ ... فأوقع «الانفعال» موقع «التفعل» . قال الزمخشريُّ: لأنَّ معنى «تبتَّل» بتل نفسه، فجيء به على معناه مراعاةً لحق الفواصل. والبَتْلُ: الانقطاع، ومنه امرأة بتول، أي: انقطعت من النكاح، وبتلت الحبل: قطعته. قال الليثُ: التبتل: تمييز الشيء من الشيء، وقالوا: طَلْقةٌ بَتْلةٌ، يعنون انقطاعها عن صاحبها، فالتبتُّل: ترك النكاح والزهد فيه، ومنه سمي الراهب متبتلاً لانقطاعه عن النكاح؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4926 - تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعشَاءِ كأنَّها ... مَنارةُ مُمْسَى رَاهبٍ مُتبتِّلِ ومنه الحديث: أنه نهى عن التبتل، وقال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبابِ، من اسْتَطَاعَ مِنْكمُ البَاءَةَ فَليتَزوَّجْ» والمراد به في الآية الكريمة: الانقطاع إلى عبادة الله تعالى دون ترك النكاح. والتبتل في الأصل: الانقطاع عن الناس، والجماعات، وقيل: إن أصله عند العرب التفرد. قاله ابن عرفة. قال ابن العربي: «هذا فيما مضي، وأما اليوم، وقد مرجت عهود الناس، وخفت أماناتهم، واستولى الحرام على الحطام، فالعزلة خير من الخلطة، والعُزبة أفضل من التأهل، ولكن معنى الآية: وانقطع عن الأوثان، والأصنام، وعن عبادة غير الله. وكذلك قال مجاهد: معناه: أخلص له العبادة، ولم يرد التبتل، فصار التبتُّلُ مأموراً به في القرآن، مَنْهِيّاً عنه في السنَّةِ، ومتعلق الأمر غير متعلق النهي فلا يتناقضان، وإنما بعث ليبينَ للناس ما نزل إليهم، والتبتل المأمور به: الانقطاع إلى الله بإخلاص كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ [البينة: 5] ، والتبتل المنهي عنه: سلوك مسلك النصارى في ترك النكاحِ، والترهب في الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون خير مال المسلمِ غنماً يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» . قوله: ﴿رَّبُّ المشرق والمغرب﴾ . قرأ الأخوان وأبو بكر وابن عامرٍ: بجر» ربِّ «على النعت ل» ربِّك» ، أو البدل منه، أو البيان له. وقال الزمخشري: وعن ابن عباس: على القسم بإضمار حرف القسمِ، كقولك: «والله لأفعلنَّ» وجوابه «لا إله إلاَّ هُو» ، كما تقول: «والله لا أحد في الدار سوى زيد» . قال أبو حيَّان: لعل هذا التخريج لا يصح عن ابن عباس، لأن فيه إضمار الجار، ولا يجيزه البصريون إلاَّ مع لفظ الجلالةِ المعظمة خاصة، ولأن الجملة المنفية في جواب القسم إذا كانت اسمية فإنما تنفى ب «مَا» ، وحدها، فلا تنفى ب» لا «إلا الجملة المصدرة بمضارع كثيراً، أو بماض في معناه قليلاً. نحو قول الشاعر: [البسيط] 4927 - رِدُوا فَواللَّهِ لا زُرْنَاكُمُ أبَداً ... مَا دَامَ في مائنَا وِرْد لِوُرَّادِ والزمخشري أورد ذلك على سبيل التجويزِ، والتسليم، والذي ذكره النحويون هو نفيها ب» مَا» ؛ كقوله: [الطويل] 4928 - لَعمْرُكَ ما سَعْدٌ بخُلَّةِ آثمٍ ... ولا نَأنَإٍ يَوْمَ الحِفَاظِ ولا حَصِرْ قال شهاب الدين: «قد أطلق ابن مالك أن الجملة المنفية سواء كانت اسمية، أم فعليه تنفى ب» ما» ، أو «لا» ، أو «إن» بمعنى: «ما» ، وهذا هو الظاهر» . وباقي السبعة: ترفعه، على الابتداء وخبره الجملة من قوله «لا إله إلا الله» ، أو على خبر ابتداء مضمر، أي: «هُو ربُّ» ، وهذا أحسن لارتباط الكلام بعضه ببعض. وقرأ زيد بن علي: «ربَّ» بالنصب على المدح. وقرأ العامة: «المشْرِق والمَغْرِب» موحدين. وعبد الله وابن عباس: «المشَارِق والمغَارِب» . ويجوز أن ينصب» ربَّ «في قراءة زيد من وجهين: أحدهما: أنه بدل من» اسم ربِّك» ، أو بيان له، أو نعت له، قاله أبو البقاء، وهذا يجيء على أن الاسم هو المسمى. والثاني: أنه منصوب على الاشتغال بفعل مقدر، أي: فاتخذ ربَّ المشرق فاتخذه، وما بينهما اعتراض. والمعنى: أن من علم أنه رب المشارق، والمغارب انقطع بعمله إليه «واتَّخذهُ وَكِيْلاً» ، أي: قائماً وقيل: كفيلاً بما وعدك.

المزمل 73:9

قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ ، الجملة من قوله: «إنَّا سَنُلقي» مستأنفة. وقال الزمخشريُّ: «وهذه الآية اعتراض» ثم قال: «وأراد بهذا الاعتراض أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن، لأن الليل وقت السبات، والراحة، والهدوء فلا بد لمن أحياه من مضادة لطيفة، ومجاهدة لنفسه» انتهى. يعني بالاعتراض من حيثُ المعنى، لا من حيث الصناعة، وذلك أن قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ مطابق لقوله: «قُمِ الليْل» ، فكأنه شابه الاعتراض من حيث دخوله بين هذين المناسبتين. فصل في معنى الآية المعنى: سنلقي عليك بافتراض صلاة الليل «قَوْلاً ثَقيْلاً» يثقل حمله، لأن الليل للمنام فمن أجر بقيام أكثره، لم يتهيأ له ذلك إلا بحمل مشقة شديدة على النفس، ومجاهدة الشيطان فهو أمر يثقل على العبد. وقيل: المعنى سنوحي إليك القرآن وهو ثقيل يثقل العمل بشرائعه قال قتادة: ثقيل - والله - فرائضه وحدوده. وقال مجاهد: حلاله وحرامه. وقال الحسن: العمل به. وقال أبو العالية: ثقيل بالوعد، والوعيد، والحلال والحرام. وقال محمد بن كعب: «ثقيل على المنافقين لأنه يهتك أسرارهم، ويبطل أديانهم» . وقيل: على الكفار لما فيه من الاحتجاج عليهم، والبيان لضلالتهم وسب آلهتهم. وقال السديُّ: ثقيل بمعنى كريم، مأخوذ من قولهم: فلان ثقيل عليَّ، أي يكرم عليّ. وقال الفراءُ: «ثَقِيْلاً» أي: رزيناً. وقال الحسن بن الفضل: ثقيل لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزينة بالتوحيد. وقال ابن زيد: هو ثقيل مبارك في الدنيا يثقل في الميزان يوم القيامة. وقيل: ثقيل: أي ثابت كثبوت الثقيل في محله، ومعناه أنه ثابت الإعجاز لا يزول إعجازه أبداً. [وقيل: ثقيل: بمعنى أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده، ومعانيه بالكلية، فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته، والفقهاء بحثوا في أحكامه، وكذا أهل اللغة، والنحو، وأرباب المعاني، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه بفوائد ما وصل إليها المتقدمون فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى على الاشتغال بحمله، فصار كالجبل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله] . وقيل: هو الوحي، كما جاء في الخبر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته، وضعت جرانها - يعني صدرها - على الأرض فما تستطيع أن تتحرك، حتى يُسَرَّى عنه «. وقال القشيري: القول الثقيل هنا: هو قول:» لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ» ، لأنه ورد في الخبر: «لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ خَفيفَةٌ على اللِّسانِ ثَقِيلةٌ في المِيزَانِ» . قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل﴾ . في الناشئة أوجه: أحدها: أنها صفة لمحذوف، أي: النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها للعبادة، أي تنهض وترفع من «نشأت السحابة» إذا ارتفعت، ونشأ من مكانه ونشر إذا نهض، قال: [الطويل] 4921 - نَشَأنَا إلى خُوصِ بَرَى نيَّهَا السُّرَى ... وألصَقَ مِنْهَا مُشرِفَاتِ القَماحِدِ الثاني: أنها مصدر بمعنى قيام الليلِ، على أنها مصدر من «نشأ» إذا قام ونهض، فيكون كالعافية والعاقبة، قالهما الزمخشري. الثالث: أنها بلغة الحبشةِ نشأ الرجل، أي: قام من الليل. قال أبو حيان: فعلى هذا هي جمع ناشىء، أي: قائم، يعني: أنها صفة لشيء يفهم الجمع، أي: طائفة، أو فرقة نائشة، وإلا ف «فاعل» لا يجمع على «فاعلة» . قال القرطبي: «قال ابن مسعود:» الحبشة» [يقولون: نشأ، أي قام. فلعله أراد أن الكلمة عربية، ولكنها شائعة في كلام الحبشة] غالبة عليهم، وإلاَّ فليس في القرآن ما ليس من لغة العرب» . الرابع: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الليل﴾ : ساعاته، وأوقاته؛ لأنها تنشأ شيئاً بعد شيء. قال القرطبيُّ: «لأنها تنشأ أولاً فأولاً، يقال: نشأ الشيء ينشأ إذا ابتدأ، وأقبل شيئاً بعد شيء فهو ناشىء، وأنشأه اللهُ فنشىء، فالمعنى: ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف عن الاسم فالتأنيث للفظ الساعة، لأن كل ساعة تحدث» . وقيدها الحسن وابن عبَّاسٍ: بما كان بعد العشاء، إن كان قبلها فليس بناشئة، وخصصتها عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بأن تكون بعد النوم، فلو لم يتقدَّمها نوم لم تكن ناشئة. قوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ . قرأ أبو عمرو وابن عامرٍ: بكسر الواو، وفتح الطاء بعدها ألف، والباقون: بفتح الواو وسكون الطاء. وقرأ قتادة وشبل عن أهل مكة: «وِطْأً» ، بكسر الواو وسكون الطاء. وظاهر كلام أبي البقاء أنه قرىء بفتح الواو مع المد، فإنه قال: «وِطْأ» بكسر الواو بمعنى مواطأة «، وبفتحها اسم للمصدر، ووطأ على» فعل «وهو مصدر وطىء، والوطاء: مصدره» وِطَاء «ك» قِتَال «مصدر» قَاتلَ» ، والمعنى: أنها أشد مُواطأة، أي: يواطىء قلبها لسانها إن أردت النفس، ويواطىء قلب النائم فيها لسانه إن أردت القيام، أو العبادة، أو الساعات، أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص. والوطء - بالفتح والكسر -: على معنى أشد ثبات قدم، وأبعد من الزلل وأثقل وأغلظ من صلاة النهار على المصلي من قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «اللَّهُمَّ اشدُدْ وطْأتكَ على مُضَر» وعلى كل تقدير: فانتصابه على التمييز. قوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ . حكى الزمخشريُّ: أن أنساً قرأ: «وأصوب قِيْلاً» فقيل: له: يا أبا حمزة إنما هي «وأقْوَمُ» ، فقال: إن أقوم، وأصوب وأهيأ، واحد، وأنَّ أبا السرار الغنوي كان يقرأ: ﴿فَحَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ﴾ [الإسراء: 25]- بالحاء المهملة - فقيل له: هي بالجيم فقال: جَاسوا وحاسوا واحد. قال شهاب الدين: «وغرضه من هاتين الحكايتين، جواز قراءة القرآن بالمعنى، وليس في هذا دليل؛ لأنه تفسيرُ معنى، وأيضاً، فالذي بين أيدينا قرآن متواتر، وهذه الحكاية آحاد، وقد تقدم أن أبا الدرداء كان يُقْرِىءُ رجلاً، ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم طَعَامُ الأثيم﴾ [الدخان: 43 - 44] ، فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فلما تبرم منه قال: طعام الفاجر يا هذا، فاستدل به على ذلك من يرى جوازه، وليس فيه دليل، لأن مقصود أبي الدرداء بيان المعنى فجاء بلفط مبين» . قال الأنباري: وذهب بعض الزائغين إلى أن من قال: إن من قرأ بحرف يوافق معنى حرف من القرآنِ، فهو مصيب إذا لم يخالف ولم يأت بغير ما أراد الله، واحتجوا بقول أنس هذا، وهذا قول لا يعرج عليه، ولا يلتفت إلى قائله، لأنه لو قرىء بألفاظ القرآن إذا قاربت معانيها، واشتملت على غايتها لجازأن يقرأ في موضع ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ الشكر للباري ملك المخلوقين، ويتسع الأمر في هذا، حتى يبطل لفظ جميع القرآن، ويكون التالي له مفترياً على الله - تعالى - كاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولا حجة لهم في قول ابن مسعود: «نَزلَ القرآنُ على سَبْعَةِ أحْرُفٍ، إنما هو كقول أحدكم: تعلم، وتعال، وأقبل» ؛ لأن هذا الحديث يوجب أن القراءات المنقولة بالأسانيد الصحاح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا اختلفت ألفاظها، واتفقت معانيها، كان ذلك فيها بمنزلة الخلاف في «هَلُمَّ» ، وتعال، وأقبل» ، فأما ما لم يقرأ به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه، وتابعوهم، فإن من أورد حرفاً منه في القرآن بهت، ومال، وخرج عن مذهب الصواب، وحديثهم الذي جعلوه قاعدتهم في هذه الضلالة لا يصححه أهل العلم. انتهى. فصل في فضل صلاة الليل بيَّن تعالى في هذه الآية فضل صلاةِ الليل على صلاة النَّهار، وأن الاستكثار من صلاة الليل بالقراءة فيها ما أمكن أعظم للأجر، وأجلب للثواب، كان علي بن الحسين يصلي بين المغرب، والعشاء، ويقول: هذه ناشئة الليل. وقال عطاء وعكرمة: هو بدوام الليل. قال في الصحاح: «ناشئة الليل» أول ساعاته. وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هي الليل كلهُ، لأنه ينشأ بعد النهار، وهو اختيار مالك. قال ابن العربي: «وهو الذي يعطيه اللفظ ويقتضيه اللغة» . وقالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وابن عباس - أيضاً - ومجاهد: إنما الناشئة القيام بالليل بعد النوم، ومن قال قبل النوم فما قام ناشئة. وقال يمان وابن كيسان: هو القيام من آخر الليل. وأما قوله: ﴿أَشَدُّ وَطْأً﴾ ، أي: أثقل على المصلي من ساعات النهار، لأن الليل وقت منام وراحة فإذا قام إلى صلاة الليل، فقد تحمل المشقة العظيمة، هذا على قراءة كسر الواو، وفتح الطاء، وأما على قراءة المد: فهو مصدر «واطَأتْ وِطاءً ومُواطَأةً» ، أي: وافقت على الأمر من الوفاق، تقول: فلان مواطىء اسمه اسمي، أي: موافقه، فالمعنى أشد موافقة بين القلب، والبصر، والسمع واللسان لانقطاع الأصوات، والحركات، قاله مجاهد وابن مليكة وغيرهما، قال تعالى: ﴿ليواطؤوا عدَّةَ ما حرم الله﴾ [التوبة: 37] ، أي: ليوافقوا، وقيل: أشدّ مهاداً للتصرف في التفكر والتدبر. وقيل: أشد ثباتاً من النهار، فإن الليل يخلو فيه الإنسان بما يعمله فيكون ذلك أثبت للعمل، والوطء: الثبات، تقول: وطئتُ الأرض بقدمي. وقوله: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ أي: القراءة بالليل أقوم منها بالنهار، أي: أشد استقامة واستمراراً على الصواب، لأن الأصوات هادئة، والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرأه. وقال قتادة ومجاهد: أصوب للقراءة وأثبت للقول؛ لأنه زمان التفهم. وقيل: أشد استقامة لفراغ البال بالليل. وقيل: أعجل إجابة للدعاء، حكاه ابن شجرة. وقال عكرمة: عبادة الليل أتم نشاطاً وأتم إخلاصاً، وأكثر بركة. قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً﴾ . قرأ العامة: بالحاء المهملة، وهو مصدر «سَبح» ، وهو استعارة للتصرف في الحوائج من السباحة في الماء، وهي البعد فيه. وقال القرطبيُّ: السَّبْحُ «الجري، والدوران، ومنه السباحة في الماء لتقلبه بيديه ورجليه، وفرس سابح» شديد الجري» . قال امرؤ القيس: [الطويل] 4922 - مِسَحٍّ إذَا السَّابحَاتُ عَلى الوَنَى ... أثَرْنَ غُبَاراً بالكَديدِ المُركَّلِ وقيل: السبح: الفراغ، أي: إن لك فراغاً للحاجات بالنهار. وعن ابن عباس وعطاء: «سَبْحاً طَويْلاً» يعني فراغاً طويلاً يعني لنومك، وراحتك فاجعل ناشئة الليل لعبادتك. وقرأ يحيى بن يعمر، وعكرمة وابن أبي عبلة: «سَبْخاً» بالخاء المعجمة. واختلفوا في تفسيرها: فقال الزمخشريُّ: «استعارة من سبخ الصوف، وهو نفشه، ونشر أجزائه لانتشار الهمِّ، وتفريق القلب بالشواغل» . وقيل: التسبيخ، التخفيف، حكى الأصمعيُّ: «سبخ الله عنك الحمى، أي: خففها عنك» . قال الشاعر: [الطويل] 4923 - فَسَبِّخْ عليْكَ الهَمَّ واعْلَمْ بأنَّهُ ... إذَا قدَّر الرَّحمنُ شَيْئاً فكَائِنُ أي: خفف، ومنه» قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لعائشةَ، وقد دعت على سارق ردائها: «لا تُسبِّخِي بدُعَائكِ عليْهِ» ، أي: لا تخففي إثمه. وقيل: التسبيخ: المد، يقال: سبخي قُطنكِ، أي: مديه، والسبيخة: قطعة من القطن، والجمع: سبائخ؛ قال الأخطل يصف صائداً وكلاباً: [البسيط] 4924 - فَأرْسلُوهُنَّ يُذْرينَ التُّرابَ كمَا ... يُذْرِي سَبائِخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوْتَارِ وقال أبو الفضل الرازي: «قرأ ابن يعمر وعكرمة:» سَبْخاً «- بالخاء المعجمة - وقالا: معناه نوماً، أي: ينام بالنهار؛ ليستعين به على قيام الليل، وقد تحتمل هذه القراءة غير هذا المعنى، لكنهما فسراها: فلا تجاوز عنه» . قال شهاب الدين: «في هذا نظرٌ، لأنهما غاية ما في الباب انهما نقلا هذه القراءة، وظهر لهما تفسيرها بما ذكر، ولا يلزم من ذلك أنه لا يجوز غير ما ذكر من تفسير اللفظة» . وقال ثعلب: السَّبْخُ - بالخاء المعجمة - التردد والاضطراب، والسبح: السكون» . ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الحُمَّى من فَيْحِ جَهنَّمَ فَسبِّحُوهَا بالمَاء» ، أي فسكِّنُوهَا بالمَاءِ. وقال أبو عمرو: السَّبْخُ: النوم والفراغ، فعلى هذا يكون من الأضداد، ويكون بمعنى السبح بالحاء المهملة. قوله: ﴿واذكر اسم رَبِّكَ﴾ ، أي: ادعه بأسمائه الحسنى ليحصل لك مع الصلاة محمود العاقبة. وقيل: اقصد بعملك وجه ربِّك. وقال سهل: اقرأ باسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء صلاتِك توصلك بركة قراءتها إلى ربك وتقطعك عما سواه. وقيل: اذكر اسم ربِّك في وعده، ووعيده؛ لتتوفّر على طاعته وتعدل عن معصيته. وقال الكلبي: صلِّ لربِّك، أي: بالنهار. قال القرطبيُّ: وهذا حسن، لأنه لما ذكر الليل ذكر النهار، إذ هو قسيمه، وقد قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان: 62] . قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ ، هذا مصدر على غير المصدر، وهو واقع موقع التبتل، لأن مصدر «تفعَّل» » تفعُّل «نحو» تصرَّف تصرُّفاً، وتكرَّم تكرُّماً «، وأما» التفعيل «فمصدر» فعَّل «نحو» صرَّف تصريفاً؛ كقول الآخر: [الرجز] 4925 - وقَدْ تَطَوَّيْتَ انْطواءَ الحِضْبِ ... فأوقع «الانفعال» موقع «التفعل» . قال الزمخشريُّ: لأنَّ معنى «تبتَّل» بتل نفسه، فجيء به على معناه مراعاةً لحق الفواصل. والبَتْلُ: الانقطاع، ومنه امرأة بتول، أي: انقطعت من النكاح، وبتلت الحبل: قطعته. قال الليثُ: التبتل: تمييز الشيء من الشيء، وقالوا: طَلْقةٌ بَتْلةٌ، يعنون انقطاعها عن صاحبها، فالتبتُّل: ترك النكاح والزهد فيه، ومنه سمي الراهب متبتلاً لانقطاعه عن النكاح؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4926 - تُضِيءُ الظَّلامَ بِالعشَاءِ كأنَّها ... مَنارةُ مُمْسَى رَاهبٍ مُتبتِّلِ ومنه الحديث: أنه نهى عن التبتل، وقال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبابِ، من اسْتَطَاعَ مِنْكمُ البَاءَةَ فَليتَزوَّجْ» والمراد به في الآية الكريمة: الانقطاع إلى عبادة الله تعالى دون ترك النكاح. والتبتل في الأصل: الانقطاع عن الناس، والجماعات، وقيل: إن أصله عند العرب التفرد. قاله ابن عرفة. قال ابن العربي: «هذا فيما مضي، وأما اليوم، وقد مرجت عهود الناس، وخفت أماناتهم، واستولى الحرام على الحطام، فالعزلة خير من الخلطة، والعُزبة أفضل من التأهل، ولكن معنى الآية: وانقطع عن الأوثان، والأصنام، وعن عبادة غير الله. وكذلك قال مجاهد: معناه: أخلص له العبادة، ولم يرد التبتل، فصار التبتُّلُ مأموراً به في القرآن، مَنْهِيّاً عنه في السنَّةِ، ومتعلق الأمر غير متعلق النهي فلا يتناقضان، وإنما بعث ليبينَ للناس ما نزل إليهم، والتبتل المأمور به: الانقطاع إلى الله بإخلاص كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ [البينة: 5] ، والتبتل المنهي عنه: سلوك مسلك النصارى في ترك النكاحِ، والترهب في الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون خير مال المسلمِ غنماً يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» . قوله: ﴿رَّبُّ المشرق والمغرب﴾ . قرأ الأخوان وأبو بكر وابن عامرٍ: بجر» ربِّ «على النعت ل» ربِّك» ، أو البدل منه، أو البيان له. وقال الزمخشري: وعن ابن عباس: على القسم بإضمار حرف القسمِ، كقولك: «والله لأفعلنَّ» وجوابه «لا إله إلاَّ هُو» ، كما تقول: «والله لا أحد في الدار سوى زيد» . قال أبو حيَّان: لعل هذا التخريج لا يصح عن ابن عباس، لأن فيه إضمار الجار، ولا يجيزه البصريون إلاَّ مع لفظ الجلالةِ المعظمة خاصة، ولأن الجملة المنفية في جواب القسم إذا كانت اسمية فإنما تنفى ب «مَا» ، وحدها، فلا تنفى ب» لا «إلا الجملة المصدرة بمضارع كثيراً، أو بماض في معناه قليلاً. نحو قول الشاعر: [البسيط] 4927 - رِدُوا فَواللَّهِ لا زُرْنَاكُمُ أبَداً ... مَا دَامَ في مائنَا وِرْد لِوُرَّادِ والزمخشري أورد ذلك على سبيل التجويزِ، والتسليم، والذي ذكره النحويون هو نفيها ب» مَا» ؛ كقوله: [الطويل] 4928 - لَعمْرُكَ ما سَعْدٌ بخُلَّةِ آثمٍ ... ولا نَأنَإٍ يَوْمَ الحِفَاظِ ولا حَصِرْ قال شهاب الدين: «قد أطلق ابن مالك أن الجملة المنفية سواء كانت اسمية، أم فعليه تنفى ب» ما» ، أو «لا» ، أو «إن» بمعنى: «ما» ، وهذا هو الظاهر» . وباقي السبعة: ترفعه، على الابتداء وخبره الجملة من قوله «لا إله إلا الله» ، أو على خبر ابتداء مضمر، أي: «هُو ربُّ» ، وهذا أحسن لارتباط الكلام بعضه ببعض. وقرأ زيد بن علي: «ربَّ» بالنصب على المدح. وقرأ العامة: «المشْرِق والمَغْرِب» موحدين. وعبد الله وابن عباس: «المشَارِق والمغَارِب» . ويجوز أن ينصب» ربَّ «في قراءة زيد من وجهين: أحدهما: أنه بدل من» اسم ربِّك» ، أو بيان له، أو نعت له، قاله أبو البقاء، وهذا يجيء على أن الاسم هو المسمى. والثاني: أنه منصوب على الاشتغال بفعل مقدر، أي: فاتخذ ربَّ المشرق فاتخذه، وما بينهما اعتراض. والمعنى: أن من علم أنه رب المشارق، والمغارب انقطع بعمله إليه «واتَّخذهُ وَكِيْلاً» ، أي: قائماً وقيل: كفيلاً بما وعدك.

المزمل 73:10

قوله: ﴿واصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ ، أي: من الأذى، والسب، والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم، ولا تمتنع من دعائهم، وفوض الأمر إليّ، فإني إذا كنت وكيلاً لك، أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بأمور نفسك ﴿واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً﴾ ، الهجر: ترك المخالطةِ، أي: لا تتعرض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم فإن ذلك ترك للدعاء إلى الله تعالى، وكان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بعد ذلك بقتالهم. قال قتادة وغيره، نسختها آية القتال. وقال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه [أقوام] ونضحك إليهم وإن قلوبنا لتلعنهم. قال ابن الخطيب: وقيل وهو الأصح إنّها محكمة. قوله: ﴿وَذَرْنِي والمكذبين﴾ . يجوز نصب «المُكذِّبِيْنَ» على المعية، وهو الظاهر، ويجوز على النسق وهو أوفق للصناعة. والمعنى: ارض بي لعقابهم، نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين. وقال مقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وهم عشرة تقدم ذكرهم في الأنفال. وقال يحيى بن سلام: إنهم بنو المغيرة. وقال سعيد بن جبير: أخبرت أنهم اثنا عشرة رجلاً، «أولي النعمة» أي: أولي الغنى، والترفه واللذة في الدنيا ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ يعني إلى مدة آجالهم، قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيراً حتى وقعت وقعة بدر. وقيل: «ومَهِّلهُمْ قَلِيلاً» مدة الدنيا. قوله: «أوْلِي النَّعمَةِ» ، نعت للمكذبين. و «النعمة» - بالفتح -: التنعم، وبالكسر، الإنعام، وبالضم: المسرَّةُ، يقال: نِعْمة ونُعْمة عين. وقوله: «قَلِيلاً» ، نعت لمصدر، أي: تمهيلاً، أو لظرف زمان محذوف، أي: زماناً قليلاً. قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً﴾ ، جمع نكل، وفيه قولان: أشهرهما: أنه القيد. وقيل: الغل؛ وقالت الخنساء: [المتقارب] . 4929 - دَعَاكَ فقطَّعْتَ أنْكالَهُ ... وقَدْ كُنَّ مِنْ قَبْلُ لا تُقطَعُ قال الحسن ومجاهد وغيرهما: الأنكال: القيود، واحدها: نكل، وهو ما منع الإنسان من الحركة، وقيل: سمي نكلاً، لأنه ينكل به. قال الشعبي: أترون أن الله جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن يهربوا - لا والله - ولكنهم إذا أراد أن يرتفعوا اشتعلت بهم. وقال الكلبيُّ: الأنكال: الأغلال. وقال مقاتل: الأنكال: أنواع العذاب الشديد. وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ النَّكلَ على النَّكلِ» - قال الجوهريُّ: بالتحريك - قيل: وما النكل؟ قال: «الرجل القوي المجرب على الفرس القوي المجرب» - ذكره الماورديُّ، قال: ومن ذلك سمي القَيْدُ نِكلاً لقوته وكذلك الغُلّ وكل عذاب قوي. قال ابن الأثير: «النَّكَلُ - بالتحريك - من التنكيل، وهو المنع، والتنحية عما يريد يقال: رجل نَكَلٌ ونِكْلٌ، كشبه وشبهٌ، أي: ينكل به أعداؤه، وقد نكل الأمر ينكل، ونكل ينكل: إذا امتنع، ومنه النكول في اليمين وهو الامتناع منها وترك الإقدام عليها» . والجحيم: النار المؤجَّجَةُ. ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ . «الغُصَّةُ» : الشجى، وهو ما ينشب في الحلق فلا ينساغ، ويقال: «غَصِصتُ» - بالكسر - فأتت غَاصٌّ وغصَّان، قال: [الرمل] 4930 - لَو بِغيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ ... كُنْتُ كالغَصَّانِ بالمَاءِ اعتِصَارِي والمعنى: طعاماً غير سائغ يأخذ بالحلق، لا هو نازل، ولا هو خارج وهو كالغسلين، والزَّقُّوم والضريع. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه شوك يدخل الحلق فلا ينزل ولا يخرج. وقال الزجاجُ: أي: طعامهم الضريع، وهو شوك كالعوسج. وقال مجاهد: هو كالزقوم. والغصة: الشجى، وهو ما ينشب في الحلق من عظم، أو غيره، وجمعها: غُصَص، والغَصَصُ - بالفتح - مصدر قولك «غَصِصْتَ» يا رجل تَغُصُّ، فأنت غاصٌّ بالطعام وغصَّان وأغْصصتُهُ أنا، والمنزل غاص بالقوم أي ممتلىء بهم «. ومعنى الآية: أن لدينا في الآخرة ما يضادّ تنعمهم في الدنيا، وهذه هي الأمور الأربعة: الأنكال، والجحيم، والطعام الذي يغص به، والعذاب الأليم، والمراد به: سائرُ أنواع العذابِ. قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال﴾ . أي: تتحرك، وفي نصب» يوم «أوجه: أحدها: أنه منصوب ب» ذرني» ، وفيه بعد. والثاني: أنه منصوب بنزع الخافض أي: هذه العقوبة في يوم ترجف. الثالث: أنه منصوب بالاستقرار المتعلق به «لَديْنَا» . والرابع: أنه صفة ل» عَذاباً «فيتعلق بمحذوف، أي عذاباً واقعاً يوم ترجف. الخامس: أنه منصوب ب» ألِيْم» . والعامة: «تَرجُف» - بفتح التاء، وضم الجيم - مبنياً للفاعل. وزيد بن علي: مبنياً للمفعول، من أرجفها: والرجفة: الزلزلة والزعزعة الشديدة. قوله: ﴿وَكَانَتِ الجبال﴾ ، أي: وتكون الجبال ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ ، الكثيب: الرمل المجتمع. قال حسان: [الوافر] 4931 - عَرفْتُ دِيَارَ زَينَب بالكَثِيبِ ... كخَطِّ الوحْي في الورَقِ القَشِيبِ والجمع في القلة: «أكْثِبَةٌ» ، وفي الكثرة: «كثبان» و» كُثُب «ك» رَغيف وأرغِفَة، ورُغْفَان ورُغُف «. قال ذو الرمة: [الطويل] 4932 - فَقلْتُ لهَا: لا إنَّ أهْلِي لَجيرةٌ ... لأكْثِبَةِ الدَّهْنَا جَمِيعاً ومَالِيَا قال الزمخشري: من كثبت الشيء إذا جمعته، ومنه الكثبة من اللبن؛ قالت الضائنة: أجَزُّ جُفالاً، وأحلبُ كُثَباً عُجَالاً. [والمهيل: أصله» مهيول «ك» مضروب «استثقلت الضمة على الياء] فنقلت إلى الساكن قبلها، وهو الهاء فالتقى ساكنان، فاختلف النحاة في العمل في ذلك: فسيبويه، وأتباعه حذفوا الواو، وكانت أولى بالحذف، لأنها زائدة، وإن كانت القاعدة إنما تحذف لالتقاء الساكنين الأول، ثم كسروا الهاء لتصح الياء، ووزنه حينئذ» مفعل» . والكسائي والفراء والأخفش: حذفوا الياء، لأن القاعدة في التقاء الساكنين: إذا احتيج إلى حذف أحدهما حذف الأول، وكان ينبغي على قولهم أن يقال فيه: «مهول» إلا أنهم كسروا الهاء لأجل الياء التي كانت فقلبت الواو ياء، ووزنه حينئذ» مفعول «على الأصل، و» مفيل» بعد القلب. قال مكي: «وقَدْ أجَازوا كلهم أن يأتي على أصله في الكلام، فتقول: مهيول ومبيوع» ، وما أشبه ذلك من ذوات الياء، فإن كان من ذوات الواو لم يجز أن يأتي على أصله عند البصريين، وأجازه الكوفيون، نحو: مقوول، ومصووغ. وأجازوا كلهم: مهول ومبوع، على لغة من قال: بوع المتاع، وقول القول، ويكون الاختلاف في المحذوف منه على ما تقدم. قال شهاب الدين: «التمام في» مبيوع، ومهيول «وبابه، لغة تميم، والحذف لغة سائر العرب» . ويقال: هلتُ التراب أهيله هيلاً، فهو مهيل فيه. وفيه لغة: أهلتُه - رباعيّاً - إهالةً فهو مُهال، نحو أبعته إباعة فهو مباع. والمهيل من هال تحته القدم أي انصب أي هلت التراب أي طرحته. وقال القرطبيُّ: والمَهِيلُ: الذي يمر تحت الأرجل، قال الضحاك والكلبي: المهيل: الذي إذا وطئته بالقدم زل من تحتها، فإذا أخذت أسفله انهال. وقال ابن عباس: «مهيلاً» أي: رملاً سائلاً متناثراً. قال القرطبيُّ: وأصله مَهْيُول، وهو «مفعُول» من قولك: هلت التراب عليه أهيلة إهالة وهيلاً، إذا صببته. يقال: مَهِيل ومَهْيُول، ومَكِيل ومكيول، ومَدِين ومديُون ومَعِين ومَعْيُون. قال الشاعر: [الكامل] 4933 - قَدْ كَانَ قَومُكَ يَحسبُونكَ سيِّداً ... وإخَالُ أنَّكَ سيِّدٌ مَعيُونُ وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حين شكوا إليه الجدوبة: «» أتكِيْلُون أمْ تَهِيْلُون «؟ قالوا: نهيل. قال:» كِيلُوا طَعامَكُم يُبارِكْ لَكُمُ الله فِيْهِ «» .

المزمل 73:11

قوله: ﴿واصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ ، أي: من الأذى، والسب، والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم، ولا تمتنع من دعائهم، وفوض الأمر إليّ، فإني إذا كنت وكيلاً لك، أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بأمور نفسك ﴿واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً﴾ ، الهجر: ترك المخالطةِ، أي: لا تتعرض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم فإن ذلك ترك للدعاء إلى الله تعالى، وكان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بعد ذلك بقتالهم. قال قتادة وغيره، نسختها آية القتال. وقال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه [أقوام] ونضحك إليهم وإن قلوبنا لتلعنهم. قال ابن الخطيب: وقيل وهو الأصح إنّها محكمة. قوله: ﴿وَذَرْنِي والمكذبين﴾ . يجوز نصب «المُكذِّبِيْنَ» على المعية، وهو الظاهر، ويجوز على النسق وهو أوفق للصناعة. والمعنى: ارض بي لعقابهم، نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين. وقال مقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وهم عشرة تقدم ذكرهم في الأنفال. وقال يحيى بن سلام: إنهم بنو المغيرة. وقال سعيد بن جبير: أخبرت أنهم اثنا عشرة رجلاً، «أولي النعمة» أي: أولي الغنى، والترفه واللذة في الدنيا ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ يعني إلى مدة آجالهم، قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيراً حتى وقعت وقعة بدر. وقيل: «ومَهِّلهُمْ قَلِيلاً» مدة الدنيا. قوله: «أوْلِي النَّعمَةِ» ، نعت للمكذبين. و «النعمة» - بالفتح -: التنعم، وبالكسر، الإنعام، وبالضم: المسرَّةُ، يقال: نِعْمة ونُعْمة عين. وقوله: «قَلِيلاً» ، نعت لمصدر، أي: تمهيلاً، أو لظرف زمان محذوف، أي: زماناً قليلاً. قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً﴾ ، جمع نكل، وفيه قولان: أشهرهما: أنه القيد. وقيل: الغل؛ وقالت الخنساء: [المتقارب] . 4929 - دَعَاكَ فقطَّعْتَ أنْكالَهُ ... وقَدْ كُنَّ مِنْ قَبْلُ لا تُقطَعُ قال الحسن ومجاهد وغيرهما: الأنكال: القيود، واحدها: نكل، وهو ما منع الإنسان من الحركة، وقيل: سمي نكلاً، لأنه ينكل به. قال الشعبي: أترون أن الله جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن يهربوا - لا والله - ولكنهم إذا أراد أن يرتفعوا اشتعلت بهم. وقال الكلبيُّ: الأنكال: الأغلال. وقال مقاتل: الأنكال: أنواع العذاب الشديد. وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ النَّكلَ على النَّكلِ» - قال الجوهريُّ: بالتحريك - قيل: وما النكل؟ قال: «الرجل القوي المجرب على الفرس القوي المجرب» - ذكره الماورديُّ، قال: ومن ذلك سمي القَيْدُ نِكلاً لقوته وكذلك الغُلّ وكل عذاب قوي. قال ابن الأثير: «النَّكَلُ - بالتحريك - من التنكيل، وهو المنع، والتنحية عما يريد يقال: رجل نَكَلٌ ونِكْلٌ، كشبه وشبهٌ، أي: ينكل به أعداؤه، وقد نكل الأمر ينكل، ونكل ينكل: إذا امتنع، ومنه النكول في اليمين وهو الامتناع منها وترك الإقدام عليها» . والجحيم: النار المؤجَّجَةُ. ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ . «الغُصَّةُ» : الشجى، وهو ما ينشب في الحلق فلا ينساغ، ويقال: «غَصِصتُ» - بالكسر - فأتت غَاصٌّ وغصَّان، قال: [الرمل] 4930 - لَو بِغيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ ... كُنْتُ كالغَصَّانِ بالمَاءِ اعتِصَارِي والمعنى: طعاماً غير سائغ يأخذ بالحلق، لا هو نازل، ولا هو خارج وهو كالغسلين، والزَّقُّوم والضريع. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه شوك يدخل الحلق فلا ينزل ولا يخرج. وقال الزجاجُ: أي: طعامهم الضريع، وهو شوك كالعوسج. وقال مجاهد: هو كالزقوم. والغصة: الشجى، وهو ما ينشب في الحلق من عظم، أو غيره، وجمعها: غُصَص، والغَصَصُ - بالفتح - مصدر قولك «غَصِصْتَ» يا رجل تَغُصُّ، فأنت غاصٌّ بالطعام وغصَّان وأغْصصتُهُ أنا، والمنزل غاص بالقوم أي ممتلىء بهم «. ومعنى الآية: أن لدينا في الآخرة ما يضادّ تنعمهم في الدنيا، وهذه هي الأمور الأربعة: الأنكال، والجحيم، والطعام الذي يغص به، والعذاب الأليم، والمراد به: سائرُ أنواع العذابِ. قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال﴾ . أي: تتحرك، وفي نصب» يوم «أوجه: أحدها: أنه منصوب ب» ذرني» ، وفيه بعد. والثاني: أنه منصوب بنزع الخافض أي: هذه العقوبة في يوم ترجف. الثالث: أنه منصوب بالاستقرار المتعلق به «لَديْنَا» . والرابع: أنه صفة ل» عَذاباً «فيتعلق بمحذوف، أي عذاباً واقعاً يوم ترجف. الخامس: أنه منصوب ب» ألِيْم» . والعامة: «تَرجُف» - بفتح التاء، وضم الجيم - مبنياً للفاعل. وزيد بن علي: مبنياً للمفعول، من أرجفها: والرجفة: الزلزلة والزعزعة الشديدة. قوله: ﴿وَكَانَتِ الجبال﴾ ، أي: وتكون الجبال ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ ، الكثيب: الرمل المجتمع. قال حسان: [الوافر] 4931 - عَرفْتُ دِيَارَ زَينَب بالكَثِيبِ ... كخَطِّ الوحْي في الورَقِ القَشِيبِ والجمع في القلة: «أكْثِبَةٌ» ، وفي الكثرة: «كثبان» و» كُثُب «ك» رَغيف وأرغِفَة، ورُغْفَان ورُغُف «. قال ذو الرمة: [الطويل] 4932 - فَقلْتُ لهَا: لا إنَّ أهْلِي لَجيرةٌ ... لأكْثِبَةِ الدَّهْنَا جَمِيعاً ومَالِيَا قال الزمخشري: من كثبت الشيء إذا جمعته، ومنه الكثبة من اللبن؛ قالت الضائنة: أجَزُّ جُفالاً، وأحلبُ كُثَباً عُجَالاً. [والمهيل: أصله» مهيول «ك» مضروب «استثقلت الضمة على الياء] فنقلت إلى الساكن قبلها، وهو الهاء فالتقى ساكنان، فاختلف النحاة في العمل في ذلك: فسيبويه، وأتباعه حذفوا الواو، وكانت أولى بالحذف، لأنها زائدة، وإن كانت القاعدة إنما تحذف لالتقاء الساكنين الأول، ثم كسروا الهاء لتصح الياء، ووزنه حينئذ» مفعل» . والكسائي والفراء والأخفش: حذفوا الياء، لأن القاعدة في التقاء الساكنين: إذا احتيج إلى حذف أحدهما حذف الأول، وكان ينبغي على قولهم أن يقال فيه: «مهول» إلا أنهم كسروا الهاء لأجل الياء التي كانت فقلبت الواو ياء، ووزنه حينئذ» مفعول «على الأصل، و» مفيل» بعد القلب. قال مكي: «وقَدْ أجَازوا كلهم أن يأتي على أصله في الكلام، فتقول: مهيول ومبيوع» ، وما أشبه ذلك من ذوات الياء، فإن كان من ذوات الواو لم يجز أن يأتي على أصله عند البصريين، وأجازه الكوفيون، نحو: مقوول، ومصووغ. وأجازوا كلهم: مهول ومبوع، على لغة من قال: بوع المتاع، وقول القول، ويكون الاختلاف في المحذوف منه على ما تقدم. قال شهاب الدين: «التمام في» مبيوع، ومهيول «وبابه، لغة تميم، والحذف لغة سائر العرب» . ويقال: هلتُ التراب أهيله هيلاً، فهو مهيل فيه. وفيه لغة: أهلتُه - رباعيّاً - إهالةً فهو مُهال، نحو أبعته إباعة فهو مباع. والمهيل من هال تحته القدم أي انصب أي هلت التراب أي طرحته. وقال القرطبيُّ: والمَهِيلُ: الذي يمر تحت الأرجل، قال الضحاك والكلبي: المهيل: الذي إذا وطئته بالقدم زل من تحتها، فإذا أخذت أسفله انهال. وقال ابن عباس: «مهيلاً» أي: رملاً سائلاً متناثراً. قال القرطبيُّ: وأصله مَهْيُول، وهو «مفعُول» من قولك: هلت التراب عليه أهيلة إهالة وهيلاً، إذا صببته. يقال: مَهِيل ومَهْيُول، ومَكِيل ومكيول، ومَدِين ومديُون ومَعِين ومَعْيُون. قال الشاعر: [الكامل] 4933 - قَدْ كَانَ قَومُكَ يَحسبُونكَ سيِّداً ... وإخَالُ أنَّكَ سيِّدٌ مَعيُونُ وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حين شكوا إليه الجدوبة: «» أتكِيْلُون أمْ تَهِيْلُون «؟ قالوا: نهيل. قال:» كِيلُوا طَعامَكُم يُبارِكْ لَكُمُ الله فِيْهِ «» .

المزمل 73:12

قوله: ﴿واصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ ، أي: من الأذى، والسب، والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم، ولا تمتنع من دعائهم، وفوض الأمر إليّ، فإني إذا كنت وكيلاً لك، أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بأمور نفسك ﴿واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً﴾ ، الهجر: ترك المخالطةِ، أي: لا تتعرض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم فإن ذلك ترك للدعاء إلى الله تعالى، وكان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بعد ذلك بقتالهم. قال قتادة وغيره، نسختها آية القتال. وقال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه [أقوام] ونضحك إليهم وإن قلوبنا لتلعنهم. قال ابن الخطيب: وقيل وهو الأصح إنّها محكمة. قوله: ﴿وَذَرْنِي والمكذبين﴾ . يجوز نصب «المُكذِّبِيْنَ» على المعية، وهو الظاهر، ويجوز على النسق وهو أوفق للصناعة. والمعنى: ارض بي لعقابهم، نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين. وقال مقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وهم عشرة تقدم ذكرهم في الأنفال. وقال يحيى بن سلام: إنهم بنو المغيرة. وقال سعيد بن جبير: أخبرت أنهم اثنا عشرة رجلاً، «أولي النعمة» أي: أولي الغنى، والترفه واللذة في الدنيا ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ يعني إلى مدة آجالهم، قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيراً حتى وقعت وقعة بدر. وقيل: «ومَهِّلهُمْ قَلِيلاً» مدة الدنيا. قوله: «أوْلِي النَّعمَةِ» ، نعت للمكذبين. و «النعمة» - بالفتح -: التنعم، وبالكسر، الإنعام، وبالضم: المسرَّةُ، يقال: نِعْمة ونُعْمة عين. وقوله: «قَلِيلاً» ، نعت لمصدر، أي: تمهيلاً، أو لظرف زمان محذوف، أي: زماناً قليلاً. قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً﴾ ، جمع نكل، وفيه قولان: أشهرهما: أنه القيد. وقيل: الغل؛ وقالت الخنساء: [المتقارب] . 4929 - دَعَاكَ فقطَّعْتَ أنْكالَهُ ... وقَدْ كُنَّ مِنْ قَبْلُ لا تُقطَعُ قال الحسن ومجاهد وغيرهما: الأنكال: القيود، واحدها: نكل، وهو ما منع الإنسان من الحركة، وقيل: سمي نكلاً، لأنه ينكل به. قال الشعبي: أترون أن الله جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن يهربوا - لا والله - ولكنهم إذا أراد أن يرتفعوا اشتعلت بهم. وقال الكلبيُّ: الأنكال: الأغلال. وقال مقاتل: الأنكال: أنواع العذاب الشديد. وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ النَّكلَ على النَّكلِ» - قال الجوهريُّ: بالتحريك - قيل: وما النكل؟ قال: «الرجل القوي المجرب على الفرس القوي المجرب» - ذكره الماورديُّ، قال: ومن ذلك سمي القَيْدُ نِكلاً لقوته وكذلك الغُلّ وكل عذاب قوي. قال ابن الأثير: «النَّكَلُ - بالتحريك - من التنكيل، وهو المنع، والتنحية عما يريد يقال: رجل نَكَلٌ ونِكْلٌ، كشبه وشبهٌ، أي: ينكل به أعداؤه، وقد نكل الأمر ينكل، ونكل ينكل: إذا امتنع، ومنه النكول في اليمين وهو الامتناع منها وترك الإقدام عليها» . والجحيم: النار المؤجَّجَةُ. ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ . «الغُصَّةُ» : الشجى، وهو ما ينشب في الحلق فلا ينساغ، ويقال: «غَصِصتُ» - بالكسر - فأتت غَاصٌّ وغصَّان، قال: [الرمل] 4930 - لَو بِغيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ ... كُنْتُ كالغَصَّانِ بالمَاءِ اعتِصَارِي والمعنى: طعاماً غير سائغ يأخذ بالحلق، لا هو نازل، ولا هو خارج وهو كالغسلين، والزَّقُّوم والضريع. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه شوك يدخل الحلق فلا ينزل ولا يخرج. وقال الزجاجُ: أي: طعامهم الضريع، وهو شوك كالعوسج. وقال مجاهد: هو كالزقوم. والغصة: الشجى، وهو ما ينشب في الحلق من عظم، أو غيره، وجمعها: غُصَص، والغَصَصُ - بالفتح - مصدر قولك «غَصِصْتَ» يا رجل تَغُصُّ، فأنت غاصٌّ بالطعام وغصَّان وأغْصصتُهُ أنا، والمنزل غاص بالقوم أي ممتلىء بهم «. ومعنى الآية: أن لدينا في الآخرة ما يضادّ تنعمهم في الدنيا، وهذه هي الأمور الأربعة: الأنكال، والجحيم، والطعام الذي يغص به، والعذاب الأليم، والمراد به: سائرُ أنواع العذابِ. قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال﴾ . أي: تتحرك، وفي نصب» يوم «أوجه: أحدها: أنه منصوب ب» ذرني» ، وفيه بعد. والثاني: أنه منصوب بنزع الخافض أي: هذه العقوبة في يوم ترجف. الثالث: أنه منصوب بالاستقرار المتعلق به «لَديْنَا» . والرابع: أنه صفة ل» عَذاباً «فيتعلق بمحذوف، أي عذاباً واقعاً يوم ترجف. الخامس: أنه منصوب ب» ألِيْم» . والعامة: «تَرجُف» - بفتح التاء، وضم الجيم - مبنياً للفاعل. وزيد بن علي: مبنياً للمفعول، من أرجفها: والرجفة: الزلزلة والزعزعة الشديدة. قوله: ﴿وَكَانَتِ الجبال﴾ ، أي: وتكون الجبال ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ ، الكثيب: الرمل المجتمع. قال حسان: [الوافر] 4931 - عَرفْتُ دِيَارَ زَينَب بالكَثِيبِ ... كخَطِّ الوحْي في الورَقِ القَشِيبِ والجمع في القلة: «أكْثِبَةٌ» ، وفي الكثرة: «كثبان» و» كُثُب «ك» رَغيف وأرغِفَة، ورُغْفَان ورُغُف «. قال ذو الرمة: [الطويل] 4932 - فَقلْتُ لهَا: لا إنَّ أهْلِي لَجيرةٌ ... لأكْثِبَةِ الدَّهْنَا جَمِيعاً ومَالِيَا قال الزمخشري: من كثبت الشيء إذا جمعته، ومنه الكثبة من اللبن؛ قالت الضائنة: أجَزُّ جُفالاً، وأحلبُ كُثَباً عُجَالاً. [والمهيل: أصله» مهيول «ك» مضروب «استثقلت الضمة على الياء] فنقلت إلى الساكن قبلها، وهو الهاء فالتقى ساكنان، فاختلف النحاة في العمل في ذلك: فسيبويه، وأتباعه حذفوا الواو، وكانت أولى بالحذف، لأنها زائدة، وإن كانت القاعدة إنما تحذف لالتقاء الساكنين الأول، ثم كسروا الهاء لتصح الياء، ووزنه حينئذ» مفعل» . والكسائي والفراء والأخفش: حذفوا الياء، لأن القاعدة في التقاء الساكنين: إذا احتيج إلى حذف أحدهما حذف الأول، وكان ينبغي على قولهم أن يقال فيه: «مهول» إلا أنهم كسروا الهاء لأجل الياء التي كانت فقلبت الواو ياء، ووزنه حينئذ» مفعول «على الأصل، و» مفيل» بعد القلب. قال مكي: «وقَدْ أجَازوا كلهم أن يأتي على أصله في الكلام، فتقول: مهيول ومبيوع» ، وما أشبه ذلك من ذوات الياء، فإن كان من ذوات الواو لم يجز أن يأتي على أصله عند البصريين، وأجازه الكوفيون، نحو: مقوول، ومصووغ. وأجازوا كلهم: مهول ومبوع، على لغة من قال: بوع المتاع، وقول القول، ويكون الاختلاف في المحذوف منه على ما تقدم. قال شهاب الدين: «التمام في» مبيوع، ومهيول «وبابه، لغة تميم، والحذف لغة سائر العرب» . ويقال: هلتُ التراب أهيله هيلاً، فهو مهيل فيه. وفيه لغة: أهلتُه - رباعيّاً - إهالةً فهو مُهال، نحو أبعته إباعة فهو مباع. والمهيل من هال تحته القدم أي انصب أي هلت التراب أي طرحته. وقال القرطبيُّ: والمَهِيلُ: الذي يمر تحت الأرجل، قال الضحاك والكلبي: المهيل: الذي إذا وطئته بالقدم زل من تحتها، فإذا أخذت أسفله انهال. وقال ابن عباس: «مهيلاً» أي: رملاً سائلاً متناثراً. قال القرطبيُّ: وأصله مَهْيُول، وهو «مفعُول» من قولك: هلت التراب عليه أهيلة إهالة وهيلاً، إذا صببته. يقال: مَهِيل ومَهْيُول، ومَكِيل ومكيول، ومَدِين ومديُون ومَعِين ومَعْيُون. قال الشاعر: [الكامل] 4933 - قَدْ كَانَ قَومُكَ يَحسبُونكَ سيِّداً ... وإخَالُ أنَّكَ سيِّدٌ مَعيُونُ وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حين شكوا إليه الجدوبة: «» أتكِيْلُون أمْ تَهِيْلُون «؟ قالوا: نهيل. قال:» كِيلُوا طَعامَكُم يُبارِكْ لَكُمُ الله فِيْهِ «» .

المزمل 73:13

قوله: ﴿واصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ ، أي: من الأذى، والسب، والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم، ولا تمتنع من دعائهم، وفوض الأمر إليّ، فإني إذا كنت وكيلاً لك، أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بأمور نفسك ﴿واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً﴾ ، الهجر: ترك المخالطةِ، أي: لا تتعرض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم فإن ذلك ترك للدعاء إلى الله تعالى، وكان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بعد ذلك بقتالهم. قال قتادة وغيره، نسختها آية القتال. وقال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه [أقوام] ونضحك إليهم وإن قلوبنا لتلعنهم. قال ابن الخطيب: وقيل وهو الأصح إنّها محكمة. قوله: ﴿وَذَرْنِي والمكذبين﴾ . يجوز نصب «المُكذِّبِيْنَ» على المعية، وهو الظاهر، ويجوز على النسق وهو أوفق للصناعة. والمعنى: ارض بي لعقابهم، نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين. وقال مقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وهم عشرة تقدم ذكرهم في الأنفال. وقال يحيى بن سلام: إنهم بنو المغيرة. وقال سعيد بن جبير: أخبرت أنهم اثنا عشرة رجلاً، «أولي النعمة» أي: أولي الغنى، والترفه واللذة في الدنيا ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ يعني إلى مدة آجالهم، قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيراً حتى وقعت وقعة بدر. وقيل: «ومَهِّلهُمْ قَلِيلاً» مدة الدنيا. قوله: «أوْلِي النَّعمَةِ» ، نعت للمكذبين. و «النعمة» - بالفتح -: التنعم، وبالكسر، الإنعام، وبالضم: المسرَّةُ، يقال: نِعْمة ونُعْمة عين. وقوله: «قَلِيلاً» ، نعت لمصدر، أي: تمهيلاً، أو لظرف زمان محذوف، أي: زماناً قليلاً. قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً﴾ ، جمع نكل، وفيه قولان: أشهرهما: أنه القيد. وقيل: الغل؛ وقالت الخنساء: [المتقارب] . 4929 - دَعَاكَ فقطَّعْتَ أنْكالَهُ ... وقَدْ كُنَّ مِنْ قَبْلُ لا تُقطَعُ قال الحسن ومجاهد وغيرهما: الأنكال: القيود، واحدها: نكل، وهو ما منع الإنسان من الحركة، وقيل: سمي نكلاً، لأنه ينكل به. قال الشعبي: أترون أن الله جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن يهربوا - لا والله - ولكنهم إذا أراد أن يرتفعوا اشتعلت بهم. وقال الكلبيُّ: الأنكال: الأغلال. وقال مقاتل: الأنكال: أنواع العذاب الشديد. وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ النَّكلَ على النَّكلِ» - قال الجوهريُّ: بالتحريك - قيل: وما النكل؟ قال: «الرجل القوي المجرب على الفرس القوي المجرب» - ذكره الماورديُّ، قال: ومن ذلك سمي القَيْدُ نِكلاً لقوته وكذلك الغُلّ وكل عذاب قوي. قال ابن الأثير: «النَّكَلُ - بالتحريك - من التنكيل، وهو المنع، والتنحية عما يريد يقال: رجل نَكَلٌ ونِكْلٌ، كشبه وشبهٌ، أي: ينكل به أعداؤه، وقد نكل الأمر ينكل، ونكل ينكل: إذا امتنع، ومنه النكول في اليمين وهو الامتناع منها وترك الإقدام عليها» . والجحيم: النار المؤجَّجَةُ. ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ . «الغُصَّةُ» : الشجى، وهو ما ينشب في الحلق فلا ينساغ، ويقال: «غَصِصتُ» - بالكسر - فأتت غَاصٌّ وغصَّان، قال: [الرمل] 4930 - لَو بِغيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ ... كُنْتُ كالغَصَّانِ بالمَاءِ اعتِصَارِي والمعنى: طعاماً غير سائغ يأخذ بالحلق، لا هو نازل، ولا هو خارج وهو كالغسلين، والزَّقُّوم والضريع. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه شوك يدخل الحلق فلا ينزل ولا يخرج. وقال الزجاجُ: أي: طعامهم الضريع، وهو شوك كالعوسج. وقال مجاهد: هو كالزقوم. والغصة: الشجى، وهو ما ينشب في الحلق من عظم، أو غيره، وجمعها: غُصَص، والغَصَصُ - بالفتح - مصدر قولك «غَصِصْتَ» يا رجل تَغُصُّ، فأنت غاصٌّ بالطعام وغصَّان وأغْصصتُهُ أنا، والمنزل غاص بالقوم أي ممتلىء بهم «. ومعنى الآية: أن لدينا في الآخرة ما يضادّ تنعمهم في الدنيا، وهذه هي الأمور الأربعة: الأنكال، والجحيم، والطعام الذي يغص به، والعذاب الأليم، والمراد به: سائرُ أنواع العذابِ. قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال﴾ . أي: تتحرك، وفي نصب» يوم «أوجه: أحدها: أنه منصوب ب» ذرني» ، وفيه بعد. والثاني: أنه منصوب بنزع الخافض أي: هذه العقوبة في يوم ترجف. الثالث: أنه منصوب بالاستقرار المتعلق به «لَديْنَا» . والرابع: أنه صفة ل» عَذاباً «فيتعلق بمحذوف، أي عذاباً واقعاً يوم ترجف. الخامس: أنه منصوب ب» ألِيْم» . والعامة: «تَرجُف» - بفتح التاء، وضم الجيم - مبنياً للفاعل. وزيد بن علي: مبنياً للمفعول، من أرجفها: والرجفة: الزلزلة والزعزعة الشديدة. قوله: ﴿وَكَانَتِ الجبال﴾ ، أي: وتكون الجبال ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ ، الكثيب: الرمل المجتمع. قال حسان: [الوافر] 4931 - عَرفْتُ دِيَارَ زَينَب بالكَثِيبِ ... كخَطِّ الوحْي في الورَقِ القَشِيبِ والجمع في القلة: «أكْثِبَةٌ» ، وفي الكثرة: «كثبان» و» كُثُب «ك» رَغيف وأرغِفَة، ورُغْفَان ورُغُف «. قال ذو الرمة: [الطويل] 4932 - فَقلْتُ لهَا: لا إنَّ أهْلِي لَجيرةٌ ... لأكْثِبَةِ الدَّهْنَا جَمِيعاً ومَالِيَا قال الزمخشري: من كثبت الشيء إذا جمعته، ومنه الكثبة من اللبن؛ قالت الضائنة: أجَزُّ جُفالاً، وأحلبُ كُثَباً عُجَالاً. [والمهيل: أصله» مهيول «ك» مضروب «استثقلت الضمة على الياء] فنقلت إلى الساكن قبلها، وهو الهاء فالتقى ساكنان، فاختلف النحاة في العمل في ذلك: فسيبويه، وأتباعه حذفوا الواو، وكانت أولى بالحذف، لأنها زائدة، وإن كانت القاعدة إنما تحذف لالتقاء الساكنين الأول، ثم كسروا الهاء لتصح الياء، ووزنه حينئذ» مفعل» . والكسائي والفراء والأخفش: حذفوا الياء، لأن القاعدة في التقاء الساكنين: إذا احتيج إلى حذف أحدهما حذف الأول، وكان ينبغي على قولهم أن يقال فيه: «مهول» إلا أنهم كسروا الهاء لأجل الياء التي كانت فقلبت الواو ياء، ووزنه حينئذ» مفعول «على الأصل، و» مفيل» بعد القلب. قال مكي: «وقَدْ أجَازوا كلهم أن يأتي على أصله في الكلام، فتقول: مهيول ومبيوع» ، وما أشبه ذلك من ذوات الياء، فإن كان من ذوات الواو لم يجز أن يأتي على أصله عند البصريين، وأجازه الكوفيون، نحو: مقوول، ومصووغ. وأجازوا كلهم: مهول ومبوع، على لغة من قال: بوع المتاع، وقول القول، ويكون الاختلاف في المحذوف منه على ما تقدم. قال شهاب الدين: «التمام في» مبيوع، ومهيول «وبابه، لغة تميم، والحذف لغة سائر العرب» . ويقال: هلتُ التراب أهيله هيلاً، فهو مهيل فيه. وفيه لغة: أهلتُه - رباعيّاً - إهالةً فهو مُهال، نحو أبعته إباعة فهو مباع. والمهيل من هال تحته القدم أي انصب أي هلت التراب أي طرحته. وقال القرطبيُّ: والمَهِيلُ: الذي يمر تحت الأرجل، قال الضحاك والكلبي: المهيل: الذي إذا وطئته بالقدم زل من تحتها، فإذا أخذت أسفله انهال. وقال ابن عباس: «مهيلاً» أي: رملاً سائلاً متناثراً. قال القرطبيُّ: وأصله مَهْيُول، وهو «مفعُول» من قولك: هلت التراب عليه أهيلة إهالة وهيلاً، إذا صببته. يقال: مَهِيل ومَهْيُول، ومَكِيل ومكيول، ومَدِين ومديُون ومَعِين ومَعْيُون. قال الشاعر: [الكامل] 4933 - قَدْ كَانَ قَومُكَ يَحسبُونكَ سيِّداً ... وإخَالُ أنَّكَ سيِّدٌ مَعيُونُ وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حين شكوا إليه الجدوبة: «» أتكِيْلُون أمْ تَهِيْلُون «؟ قالوا: نهيل. قال:» كِيلُوا طَعامَكُم يُبارِكْ لَكُمُ الله فِيْهِ «» .

المزمل 73:14

قوله: ﴿واصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ ، أي: من الأذى، والسب، والاستهزاء، ولا تجزع من قولهم، ولا تمتنع من دعائهم، وفوض الأمر إليّ، فإني إذا كنت وكيلاً لك، أقوم بإصلاح أمرك أحسن من قيامك بأمور نفسك ﴿واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً﴾ ، الهجر: ترك المخالطةِ، أي: لا تتعرض لهم، ولا تشتغل بمكافأتهم فإن ذلك ترك للدعاء إلى الله تعالى، وكان هذا قبل الأمر بالقتال، ثم أمر بعد ذلك بقتالهم. قال قتادة وغيره، نسختها آية القتال. وقال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه [أقوام] ونضحك إليهم وإن قلوبنا لتلعنهم. قال ابن الخطيب: وقيل وهو الأصح إنّها محكمة. قوله: ﴿وَذَرْنِي والمكذبين﴾ . يجوز نصب «المُكذِّبِيْنَ» على المعية، وهو الظاهر، ويجوز على النسق وهو أوفق للصناعة. والمعنى: ارض بي لعقابهم، نزلت في صناديد قريش ورؤساء مكة من المستهزئين. وقال مقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وهم عشرة تقدم ذكرهم في الأنفال. وقال يحيى بن سلام: إنهم بنو المغيرة. وقال سعيد بن جبير: أخبرت أنهم اثنا عشرة رجلاً، «أولي النعمة» أي: أولي الغنى، والترفه واللذة في الدنيا ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ يعني إلى مدة آجالهم، قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيراً حتى وقعت وقعة بدر. وقيل: «ومَهِّلهُمْ قَلِيلاً» مدة الدنيا. قوله: «أوْلِي النَّعمَةِ» ، نعت للمكذبين. و «النعمة» - بالفتح -: التنعم، وبالكسر، الإنعام، وبالضم: المسرَّةُ، يقال: نِعْمة ونُعْمة عين. وقوله: «قَلِيلاً» ، نعت لمصدر، أي: تمهيلاً، أو لظرف زمان محذوف، أي: زماناً قليلاً. قوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً﴾ ، جمع نكل، وفيه قولان: أشهرهما: أنه القيد. وقيل: الغل؛ وقالت الخنساء: [المتقارب] . 4929 - دَعَاكَ فقطَّعْتَ أنْكالَهُ ... وقَدْ كُنَّ مِنْ قَبْلُ لا تُقطَعُ قال الحسن ومجاهد وغيرهما: الأنكال: القيود، واحدها: نكل، وهو ما منع الإنسان من الحركة، وقيل: سمي نكلاً، لأنه ينكل به. قال الشعبي: أترون أن الله جعل الأنكال في أرجل أهل النار خشية أن يهربوا - لا والله - ولكنهم إذا أراد أن يرتفعوا اشتعلت بهم. وقال الكلبيُّ: الأنكال: الأغلال. وقال مقاتل: الأنكال: أنواع العذاب الشديد. وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ النَّكلَ على النَّكلِ» - قال الجوهريُّ: بالتحريك - قيل: وما النكل؟ قال: «الرجل القوي المجرب على الفرس القوي المجرب» - ذكره الماورديُّ، قال: ومن ذلك سمي القَيْدُ نِكلاً لقوته وكذلك الغُلّ وكل عذاب قوي. قال ابن الأثير: «النَّكَلُ - بالتحريك - من التنكيل، وهو المنع، والتنحية عما يريد يقال: رجل نَكَلٌ ونِكْلٌ، كشبه وشبهٌ، أي: ينكل به أعداؤه، وقد نكل الأمر ينكل، ونكل ينكل: إذا امتنع، ومنه النكول في اليمين وهو الامتناع منها وترك الإقدام عليها» . والجحيم: النار المؤجَّجَةُ. ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ﴾ . «الغُصَّةُ» : الشجى، وهو ما ينشب في الحلق فلا ينساغ، ويقال: «غَصِصتُ» - بالكسر - فأتت غَاصٌّ وغصَّان، قال: [الرمل] 4930 - لَو بِغيْرِ المَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ ... كُنْتُ كالغَصَّانِ بالمَاءِ اعتِصَارِي والمعنى: طعاماً غير سائغ يأخذ بالحلق، لا هو نازل، ولا هو خارج وهو كالغسلين، والزَّقُّوم والضريع. قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: أنه شوك يدخل الحلق فلا ينزل ولا يخرج. وقال الزجاجُ: أي: طعامهم الضريع، وهو شوك كالعوسج. وقال مجاهد: هو كالزقوم. والغصة: الشجى، وهو ما ينشب في الحلق من عظم، أو غيره، وجمعها: غُصَص، والغَصَصُ - بالفتح - مصدر قولك «غَصِصْتَ» يا رجل تَغُصُّ، فأنت غاصٌّ بالطعام وغصَّان وأغْصصتُهُ أنا، والمنزل غاص بالقوم أي ممتلىء بهم «. ومعنى الآية: أن لدينا في الآخرة ما يضادّ تنعمهم في الدنيا، وهذه هي الأمور الأربعة: الأنكال، والجحيم، والطعام الذي يغص به، والعذاب الأليم، والمراد به: سائرُ أنواع العذابِ. قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال﴾ . أي: تتحرك، وفي نصب» يوم «أوجه: أحدها: أنه منصوب ب» ذرني» ، وفيه بعد. والثاني: أنه منصوب بنزع الخافض أي: هذه العقوبة في يوم ترجف. الثالث: أنه منصوب بالاستقرار المتعلق به «لَديْنَا» . والرابع: أنه صفة ل» عَذاباً «فيتعلق بمحذوف، أي عذاباً واقعاً يوم ترجف. الخامس: أنه منصوب ب» ألِيْم» . والعامة: «تَرجُف» - بفتح التاء، وضم الجيم - مبنياً للفاعل. وزيد بن علي: مبنياً للمفعول، من أرجفها: والرجفة: الزلزلة والزعزعة الشديدة. قوله: ﴿وَكَانَتِ الجبال﴾ ، أي: وتكون الجبال ﴿كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ ، الكثيب: الرمل المجتمع. قال حسان: [الوافر] 4931 - عَرفْتُ دِيَارَ زَينَب بالكَثِيبِ ... كخَطِّ الوحْي في الورَقِ القَشِيبِ والجمع في القلة: «أكْثِبَةٌ» ، وفي الكثرة: «كثبان» و» كُثُب «ك» رَغيف وأرغِفَة، ورُغْفَان ورُغُف «. قال ذو الرمة: [الطويل] 4932 - فَقلْتُ لهَا: لا إنَّ أهْلِي لَجيرةٌ ... لأكْثِبَةِ الدَّهْنَا جَمِيعاً ومَالِيَا قال الزمخشري: من كثبت الشيء إذا جمعته، ومنه الكثبة من اللبن؛ قالت الضائنة: أجَزُّ جُفالاً، وأحلبُ كُثَباً عُجَالاً. [والمهيل: أصله» مهيول «ك» مضروب «استثقلت الضمة على الياء] فنقلت إلى الساكن قبلها، وهو الهاء فالتقى ساكنان، فاختلف النحاة في العمل في ذلك: فسيبويه، وأتباعه حذفوا الواو، وكانت أولى بالحذف، لأنها زائدة، وإن كانت القاعدة إنما تحذف لالتقاء الساكنين الأول، ثم كسروا الهاء لتصح الياء، ووزنه حينئذ» مفعل» . والكسائي والفراء والأخفش: حذفوا الياء، لأن القاعدة في التقاء الساكنين: إذا احتيج إلى حذف أحدهما حذف الأول، وكان ينبغي على قولهم أن يقال فيه: «مهول» إلا أنهم كسروا الهاء لأجل الياء التي كانت فقلبت الواو ياء، ووزنه حينئذ» مفعول «على الأصل، و» مفيل» بعد القلب. قال مكي: «وقَدْ أجَازوا كلهم أن يأتي على أصله في الكلام، فتقول: مهيول ومبيوع» ، وما أشبه ذلك من ذوات الياء، فإن كان من ذوات الواو لم يجز أن يأتي على أصله عند البصريين، وأجازه الكوفيون، نحو: مقوول، ومصووغ. وأجازوا كلهم: مهول ومبوع، على لغة من قال: بوع المتاع، وقول القول، ويكون الاختلاف في المحذوف منه على ما تقدم. قال شهاب الدين: «التمام في» مبيوع، ومهيول «وبابه، لغة تميم، والحذف لغة سائر العرب» . ويقال: هلتُ التراب أهيله هيلاً، فهو مهيل فيه. وفيه لغة: أهلتُه - رباعيّاً - إهالةً فهو مُهال، نحو أبعته إباعة فهو مباع. والمهيل من هال تحته القدم أي انصب أي هلت التراب أي طرحته. وقال القرطبيُّ: والمَهِيلُ: الذي يمر تحت الأرجل، قال الضحاك والكلبي: المهيل: الذي إذا وطئته بالقدم زل من تحتها، فإذا أخذت أسفله انهال. وقال ابن عباس: «مهيلاً» أي: رملاً سائلاً متناثراً. قال القرطبيُّ: وأصله مَهْيُول، وهو «مفعُول» من قولك: هلت التراب عليه أهيلة إهالة وهيلاً، إذا صببته. يقال: مَهِيل ومَهْيُول، ومَكِيل ومكيول، ومَدِين ومديُون ومَعِين ومَعْيُون. قال الشاعر: [الكامل] 4933 - قَدْ كَانَ قَومُكَ يَحسبُونكَ سيِّداً ... وإخَالُ أنَّكَ سيِّدٌ مَعيُونُ وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حين شكوا إليه الجدوبة: «» أتكِيْلُون أمْ تَهِيْلُون «؟ قالوا: نهيل. قال:» كِيلُوا طَعامَكُم يُبارِكْ لَكُمُ الله فِيْهِ «» .

المزمل 73:15

واعلم أنه تعالى لما خوف المكذبين أولي النَّعمةِ بأهوال يوم القيامة خوفهم بعد ذلك بأهوال الدنيا، فقال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً﴾ يريد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرسله إلى قريش ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ وهو موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا تهديد لأهل مكة بالأخذ الوبيل. قال مقاتل: وإنما ذكر موسى وفرعون دون سائر الرسل لأن أهل «مكة» ازدروا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ واستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم كما أن فرعون ازدرى بموسى؛ لأنه ربَّاه، ونشأ فيما بينهم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ [الشعراء: 18] . وذكر ابن الخطيب هذا السؤال والجواب وليس بالقوي لأن إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ولد، ونشأ فيما بين قوم نمرود، وكان «آزَر» وزير نمرود على ما ذكره المفسرون، وكذلك القول في نوح وهود وصالح ولوط، لقوله تعالى في قصة كل واحد منهم لفظة «أخاهم» لأنه من القبيلة التي بعث إليها. قوله: ﴿فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ ، إنما عرفه لتقدم ذكره، وهذه «أل» العهدية، والعرب إذا قدمت اسماً ثم حكت عنه ثانياً، أتوا به معرفاً ب «أل» ، أو أتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره نحو «رأيت رجلاً فأكرمتُ الرجل، أو فأكرمته» ، ولو قلت: «فأكرمت رجلاً» لتوهم أنه غير الأول وسيأتي تحقيق هذا عند قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ [الشرح: 6] وقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لَنْ يغْلِبَ عسرٌ يُسرين» . قال المهدوي هنا: ودخلت الألف واللام في «الرسول» لتقدم ذكره، ولذلك اختير في أول الكتب «سَلامٌ عَليْكُم» ، وفي آخرها «السَّلام عليْكُم» . قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ ، أي: شديداً، وضرب وبيل، وعذاب وبيل، أي: شديد. قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه: «مطر وابل» ، أي: شديد، قاله الأخفش. وقال الزَّجاجُ: أي: ثقيلاً غليظاً، ومنه قيل للمطر وابل. وقيل: مهلكاً، قال: [الكامل] 4934 - أكَلْتِ بَنِيكِ أكْل الضَّبِّ حتَّى ... وجَدْتِ مرارة الكَلأ الوَبيلِ واستوبل فلان كذا: أي: لم يحمد عاقبته، وماء وبيل، أي: وخيم غير مريء وكلأ مستوبل، وطعام وبيل ومستوبل إذا لم يُمرأ ولم يستمرأ؛ قال زهير: [الطويل] 4935 - فَقضَّوا مَنايَا بَينَهُمْ ثُمَّ أصْدَرُوا ... إلى كَلأٍ مُستوبَلٍ مُتوخمِ وقالت الخنساء: [الوافر] 4936 - لَقَدْ أكَلتْ بجِيلةُ يَوْمَ لاقَتْ ... فَوارِسَ مالِكٍ أكْلاً وبِيلا والوبيل أيضاً: العصا الضخمة؛ قال: [الطويل] 4937 - لَوْ أصْبَحَ فِي يُمْنَى يَديَّ رِقامُهَا ... وفِي كفِّيَ الأخْرَى وبِيلاً نُحَاذِرُهْ وكذلك: «الوبل» بكسر الباء، و «الوبل» أيضاً: الحزمة من الحطب وكذلك «الوبيل» . قال طرفة: [الطويل] 4938 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَقِيلةُ شَيْخٍ كالوَبِيلِ يَلنْدَدِ فصل في الاستدلال بالآية على «القياس» قال ابن الخطيب: هذه الآية يمكن الاستدلال بها على إثبات القياس، لأن الكلام إنما ينتظم لو قسنا إحدى الصورتين على الأخرى. فإن قيل هنا: هب أن القياس في هذه الصورة حجة، فلم قلتم: إنه في سائر الصور حجة، حينئذ يحتاج إلى سائر القياسات على هذا القياسِ، فيكون ذلك إثباتاً للقياس بالقياس؟ . قلنا: لا نثبت سائر القياسات بالقياس على هذه الصورة، وإلا لزم المحذور الذي ذكرتم بل وجه التمسك أن نقول: لولا أنه تمهد عندهم أن الشيئين اللذين يشتركان في مناط الحكم ظنّاً يجب اشتراكهما في الحكم، وإلا لما أورد هذا الكلام في هذه الصورة وذلك لأن احتمال الفرق المرجوح قائم هنا، فإنَّ لقائلٍ أن يقول: لعلهم إنما استوجبوا الأخذ الوبيل بخصوصية حال العصيان في تلك الصورة وتلك الخصوصية غير موجودة - هاهنا -، ثم إنه تعالى مع قيام هذا الاحتمال جزم بالتسوية في الحكم [فهذا الجزم لا بد وأن يقال إنه كان مسبوقاً بتقدير أنه متى وقع اشتراك في المناط الظاهر وجزم الاشتراك في الحكم] ، وإن الفرق المرجوح من أن ذلك المرجوح لخصوص تلك الواقعةِ لا عبرة به لم يكن لهذا الكلام كثير فائدة، ولا معنى لقولنا القياس حجة إلا لهذا. فصل في معنى شهادة الرسول عليهم قال ابن الخطيب: ومعنى كون الرسول شاهداً عليهم من وجهين: الأول: أنه شاهد عليهم يوم القيامة بكفرهم، وتكذيبهم. الثاني: أن المراد بكونه شاهداً كونه مبيناً للحق في الدنيا ومبيناً لبطلان ما هم عليه من الفكر، لأن الشاهد بشهادته يبين الحق، ولذلك وصفت بأنها بينة، ولا يمتنع أن يوصف صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك من حيث إنه يبين الحق. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد، لأن الله تعالى قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [البقرة: 143] أي: عُدُولاً خياراً، ويكون الرسول عليكم شهيداً، فبين أنه شاهد عليهم في المستقبل لأن حمله الشهادة في الآخرة حقيقة، وحمله على البيان مجاز، والحقيقة أولى من المجاز. قوله: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً﴾ . «يوماً» إما منصوب ب «تَتَّقُونَ» على سبيل المفعول به تجوزاً. وقال الزمخشري: «يوماً مفعول به، أي: فكيف تتقون أنفسكم يوم القيامة وهَوْلَهُ إن بقيتم على الكفر» . وناقشه أبو حيان فقال: «وتتقون مضارع» اتقى «و» اتقى «ليس بمعنى» وقى «حتى يفسره به و» اتقى» يتعدى إلى واحد و «وقى» يتعدى إلى اثنين، قال تعالى: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الطور: 18] ولذلك قدره الزمخشريُّ: تقون أنفسكم لكنه ليس» تتقون «بمعنى» تقون «، فلا يعدى تعديته» انتهى. ويجوز أن ينتصب على الظرف، أي: فكيف لكم بالتقوى يوم القيامة، إن كفرتم في الدنيا. قاله الزمخشري. ويجوز أن ينتصب مفعولاً ب «كفرتم» إن جعل «كفَرْتُمْ» بمعنى «جَحدتُمْ» أي: فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة. ولا يجوز أن ينتصب ظرفاً لأنهم لا يكفرون ذلك اليوم بل يؤمنون لا محالة. ويجوز أن ينتصب على إسقاط الجار، أي: كفرتم بيوم القيامة. فصل في المراد بالآية قال القرطبيُّ: وهذا تقريع وتوبيخ، أي: كيف تتقون العذاب إن كفرتم، وفيه تقديم وتأخير، أي: كيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم، وكذا قراءة عبد الله وعطية. قال الحسن: بأي صلاة تتقون العذاب؟ بأي صوم تتقون العذاب؟ وفيه إضمار، أي: كيف تتقون عذاب يوم القيامة. وقال قتادة: والله ما يتقى من كفر ذلك اليوم بشيء، و «يَوْماً» مفعول ب «تتقون» على هذه القراءة وليس بظرف، وإن قدر الكفر بمعنى الجحود كان اليوم مفعول «كفرتم» ، وقال بعض المفسرين: وقف التمام على قوله «كَفرْتُمْ» والابتداء «يَوْماً» يذهب إلى أن «اليوم» مفعول «يَجْعَلُ» والفعل لله - عَزَّ وَجَلَّ - كأنه قال: يجعل الله الولدان شيباً في يوم. قال ابن الأنباري: وهذا لا يصح؛ لأن اليوم هو الذي يفعل هذا من شدة هوله. وقال المهدوي: والضمير في «يَجْعلُ» يجوز أن يكون لله - عَزَّ وَجَلَّ - ويجوز أن يكون لليوم، وإذا كان لليوم، صلح أن تكون صفة له، ولا يصلح ذلك إذا كان الضمير لله - عَزَّ وَجَلَّ - إلا مع تقدير حذف، كأنه قيل: يوماً يجعل الله الولدان فيه شيباً «. وقال ابن الأنباري: ومنهم من نصب» اليوم «ب» كَفرْتُمْ «، وهذا قبيح؛ لأن اليوم إذا علق ب» كفرتم «احتاج إلى صفة، أي: كفرتم بيوم، فإن احتج محتج بأن الصفة قد تحذف، وينصب ما بعدها، احتججنا عليه بقراءة عبد الله: ﴿فَكيْفَ تتَّقُونَ يَوْماً﴾ . قال القرطبيُّ:» هذه القراءة ليست بمتواترة، وإنما جاءت على وجه التفسير، وإذا كان الكفر بمعنى الجحود ف» يوم «مفعول صريح من غير صفة، ولا حذفها، أي: فكيف تتقون الله، وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة، والجزاء» . والعامة: على تنوين «يَوْماً» ، وجعل الجملة بعده نعتاً له، والعائد محذوف، أي: جعل الولدان فيه. قاله أب البقاء، ولم يتعرض للفاعل في «يَجْعلُ» ، وهو على هذا ضمير الباري تعالى، أي: يوماً يجعل الله فيه، وأحسن من هذا أن يجعل العائد مضمراً في «يَجْعَلُ» هو فاعله، وتكون نسبة الجعل إلى اليوم من باب المبالغة، أي: نفس اليوم يجعل الولدان شيباً. وقرأ زيد بن علي: «يَوْمَ يَجْعَلُ» بإضافة الظرف للجملة، والفاعل على هذا هو ضمير الباري - تعالى - والجعل - هنا - بمعنى التصيير، ف «شيباً» مفعول ثان. وقرأ أبو السمال: «فكيف تتَّقُون» بكسر النون على الإضافة. والولدان: الصبيان. وقال السديُّ: هم أولاد الزنا. وقيل: أولاد المشركين، والعموم أصح أي يوم يشيب فيه الصغير من غير كبر، وذلك حين يقال لآدم: يا آدَمُ قَمْ فابْعَثْ بعثاً للنارِ. قال القشيريُّ: هم أهل الجنة، يُغيِّرُ اللَّهُ أحوالهم، وأوصافهم على ما يريد. وقيل: هذا ضرب مثل لشدة ذلك اليوم، وهو مجاز لأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان، لكن معناه: أن هيبة ذلك اليوم بحال لو كان فيه هناك صبي لشاب رأسه من الهيبة، ويقال: هذا وقت الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعقِ. والله أعلم. و «شيباً» : جمع «أشْيَب» ، وأصل الشين الضم فكسرت لتصح الياء، نحو: أحْمَر حُمْرٌ؛ قال الشاعر: [البسيط] 4939 - مِنَّا الذِي هُوَ مَا إنْ طَرَّ شَارِبُهُ ... والعَانِسُونَ ومنَّا المُرْدُ والشِّيبُ وقال آخر: [الطويل] 4940 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... لَعِبْنَ بِنَا شِيباً، وشَيَّبْنَنَا مُرْدَا قال الزمخشريُّ: وفي بعض الكتب أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنكِ الغراب، فأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة، فقال: رأيت القيامة والجنة والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون. ويجوز أن يوصف اليوم بالطول فإن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب. قال ابن الخطيب: إن الله تعالى ذكر من هول ذلك اليوم أمرين: الأول: جعل الولدان شيباً وفيه وجهان: الأول: أنه مثلٌ في الشدة، يقال في اليوم الشديد: يوم يشيِّبُ نواصي الأطفال، والأصل فيه أن الهموم، والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان، أسرع فيه الشيبُ لأن كثرة الهموم؛ توجب انكسار الروح إلى داخل القلب، وذلك الانكسار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية، وضعفها يوجب بقاء الأجزاء الغذائية غير تامة النضج، وذلك يوجب استيلاء البلغم على الأخلاط، وذلك يوجب ابيضاض الشعر، فلما رأوا أن حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم جعلوا الشيب كناية عن الشدة والهموم، وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيباً حقيقة لأن إيصال الألم أو الخوف إلى الأطفال غير جائز يوم القيامة. الثاني: ما تقدم من طول اليوم وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة، والشيب. قوله: ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ . صفة أخرى، أي: متشققة بسبب هوله وشدته، فتكون الباء سببية، وجوز الزمخشريُّ أن تكون للاستعانة، فإنه قال: والباء في «به» مثلها في قولك: «فطرت العود بالقدُومِ فانفَطرَ بِهِ» . وقال القرطبيُّ: ومعنى «به» ، أي: فيه، أي: في ذلك اليوم لهوله، هذا أحسن ما قيل فيه، ويقال: مثقلة به إثقالاً يؤدي إلى انفطارها لعظمته عليها، وخشيته من وقوعها، كقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السماوات والأرض﴾ [الأعراف: 187] ، وقيل: «به» ؛ أي: له، أي: لذلك اليوم، يقال: فعلت كذا بحرمتك، أو لحرمتك، والباء واللام وفي متقاربه في مثل هذا الموضع، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة﴾ [الأنبياء: 47] ، أي: في يوم القيامة، وقيل: «به» أي بالأمر، أي: السماء منفطر بما يجعل الولدان شيباً. وقيل: السَّماءُ منفطر بالله، أي: بأمره. وإنما لم تؤنث الصفة لوجوه منها: قال أبو عمرو بن العلاء: لأنها بمعنى السقفِ تقول: هذا سماء البيت، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: 32] . ومنها: أنها على النسب، أي: ذات انفطار، نحو: امرأة مرضع وحائض، أي: ذات إرضاع، وذات حيض. ومنها أنها تذكر، وتؤنث؛ أنشد الفراء: [الوافر] 4941 - فَلوْ رَفَعَ السَماءُ إليْه قَوماً ... لخُضْنَا بالسَّماءِ وبالسَّحَابِ ومنها: اسم الجنس، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، فيقال: سماة، وقد تقدم أن اسم الجنس يذكر ويؤنث. ولهذا قال أبو علي الفارسي: هو كقوله: ﴿جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 7] و ﴿الشجر الأخضر﴾ [يس: 80] و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20] يعني: فجاء على أحد الجائزين. وقيل: لأن تأنيثها ليس بحقيقي، وما كان كذلك جاز تذكيره وتأنيثه؛ قال الشاعر: [البسيط] 4942 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... والعَيْنُ بالإثْمِدِ الحَارِيِّ مَكحُولُ قوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ ، يجوز أن يكون الضميرُ لله تعالى، وإن لم يجر له ذكر للعلم به، فيكون المصدر مضافاً لفاعله، ويجوز أن يكون لليوم، فيكون مضافاً لمفعوله والفاعل وهو «اللَّهُ» مقدر. فصل في المراد بالوعد قال المفسرون: كان وعده بالقيامة والحساب والجزاء مفعولاً كائناً لا محالة ولا شك فيه ولا خلاف، وقال مقاتل: كان وعده بأن يظهره دينه على الدين كله. قوله: ﴿إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ﴾ ، أي: هذه السورة والآيات عظة، وقيل: آيات القرآن إذ هو كالسورة الواحدة ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ ؛ لأن هذه الآيات مشتملة على أنواع الهداية، والإرشاد، فمن شاء أن يؤمن، ويتخذ بذلك إلى ربِّه سبيلاً، أي: طريقاً إلى رضاه، ورحمته فليرغب، فقد أمكن له؛ لأنه أظهر له الحجج، والدلائل. قيل: نسخت بآية السيف، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ . قال الكلبيُّ: والأشبه أنه غير منسوخٍ. قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾

المزمل 73:16

واعلم أنه تعالى لما خوف المكذبين أولي النَّعمةِ بأهوال يوم القيامة خوفهم بعد ذلك بأهوال الدنيا، فقال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً﴾ يريد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرسله إلى قريش ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ وهو موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا تهديد لأهل مكة بالأخذ الوبيل. قال مقاتل: وإنما ذكر موسى وفرعون دون سائر الرسل لأن أهل «مكة» ازدروا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ واستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم كما أن فرعون ازدرى بموسى؛ لأنه ربَّاه، ونشأ فيما بينهم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ [الشعراء: 18] . وذكر ابن الخطيب هذا السؤال والجواب وليس بالقوي لأن إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ولد، ونشأ فيما بين قوم نمرود، وكان «آزَر» وزير نمرود على ما ذكره المفسرون، وكذلك القول في نوح وهود وصالح ولوط، لقوله تعالى في قصة كل واحد منهم لفظة «أخاهم» لأنه من القبيلة التي بعث إليها. قوله: ﴿فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ ، إنما عرفه لتقدم ذكره، وهذه «أل» العهدية، والعرب إذا قدمت اسماً ثم حكت عنه ثانياً، أتوا به معرفاً ب «أل» ، أو أتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره نحو «رأيت رجلاً فأكرمتُ الرجل، أو فأكرمته» ، ولو قلت: «فأكرمت رجلاً» لتوهم أنه غير الأول وسيأتي تحقيق هذا عند قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ [الشرح: 6] وقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لَنْ يغْلِبَ عسرٌ يُسرين» . قال المهدوي هنا: ودخلت الألف واللام في «الرسول» لتقدم ذكره، ولذلك اختير في أول الكتب «سَلامٌ عَليْكُم» ، وفي آخرها «السَّلام عليْكُم» . قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ ، أي: شديداً، وضرب وبيل، وعذاب وبيل، أي: شديد. قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه: «مطر وابل» ، أي: شديد، قاله الأخفش. وقال الزَّجاجُ: أي: ثقيلاً غليظاً، ومنه قيل للمطر وابل. وقيل: مهلكاً، قال: [الكامل] 4934 - أكَلْتِ بَنِيكِ أكْل الضَّبِّ حتَّى ... وجَدْتِ مرارة الكَلأ الوَبيلِ واستوبل فلان كذا: أي: لم يحمد عاقبته، وماء وبيل، أي: وخيم غير مريء وكلأ مستوبل، وطعام وبيل ومستوبل إذا لم يُمرأ ولم يستمرأ؛ قال زهير: [الطويل] 4935 - فَقضَّوا مَنايَا بَينَهُمْ ثُمَّ أصْدَرُوا ... إلى كَلأٍ مُستوبَلٍ مُتوخمِ وقالت الخنساء: [الوافر] 4936 - لَقَدْ أكَلتْ بجِيلةُ يَوْمَ لاقَتْ ... فَوارِسَ مالِكٍ أكْلاً وبِيلا والوبيل أيضاً: العصا الضخمة؛ قال: [الطويل] 4937 - لَوْ أصْبَحَ فِي يُمْنَى يَديَّ رِقامُهَا ... وفِي كفِّيَ الأخْرَى وبِيلاً نُحَاذِرُهْ وكذلك: «الوبل» بكسر الباء، و «الوبل» أيضاً: الحزمة من الحطب وكذلك «الوبيل» . قال طرفة: [الطويل] 4938 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَقِيلةُ شَيْخٍ كالوَبِيلِ يَلنْدَدِ فصل في الاستدلال بالآية على «القياس» قال ابن الخطيب: هذه الآية يمكن الاستدلال بها على إثبات القياس، لأن الكلام إنما ينتظم لو قسنا إحدى الصورتين على الأخرى. فإن قيل هنا: هب أن القياس في هذه الصورة حجة، فلم قلتم: إنه في سائر الصور حجة، حينئذ يحتاج إلى سائر القياسات على هذا القياسِ، فيكون ذلك إثباتاً للقياس بالقياس؟ . قلنا: لا نثبت سائر القياسات بالقياس على هذه الصورة، وإلا لزم المحذور الذي ذكرتم بل وجه التمسك أن نقول: لولا أنه تمهد عندهم أن الشيئين اللذين يشتركان في مناط الحكم ظنّاً يجب اشتراكهما في الحكم، وإلا لما أورد هذا الكلام في هذه الصورة وذلك لأن احتمال الفرق المرجوح قائم هنا، فإنَّ لقائلٍ أن يقول: لعلهم إنما استوجبوا الأخذ الوبيل بخصوصية حال العصيان في تلك الصورة وتلك الخصوصية غير موجودة - هاهنا -، ثم إنه تعالى مع قيام هذا الاحتمال جزم بالتسوية في الحكم [فهذا الجزم لا بد وأن يقال إنه كان مسبوقاً بتقدير أنه متى وقع اشتراك في المناط الظاهر وجزم الاشتراك في الحكم] ، وإن الفرق المرجوح من أن ذلك المرجوح لخصوص تلك الواقعةِ لا عبرة به لم يكن لهذا الكلام كثير فائدة، ولا معنى لقولنا القياس حجة إلا لهذا. فصل في معنى شهادة الرسول عليهم قال ابن الخطيب: ومعنى كون الرسول شاهداً عليهم من وجهين: الأول: أنه شاهد عليهم يوم القيامة بكفرهم، وتكذيبهم. الثاني: أن المراد بكونه شاهداً كونه مبيناً للحق في الدنيا ومبيناً لبطلان ما هم عليه من الفكر، لأن الشاهد بشهادته يبين الحق، ولذلك وصفت بأنها بينة، ولا يمتنع أن يوصف صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك من حيث إنه يبين الحق. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد، لأن الله تعالى قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [البقرة: 143] أي: عُدُولاً خياراً، ويكون الرسول عليكم شهيداً، فبين أنه شاهد عليهم في المستقبل لأن حمله الشهادة في الآخرة حقيقة، وحمله على البيان مجاز، والحقيقة أولى من المجاز. قوله: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً﴾ . «يوماً» إما منصوب ب «تَتَّقُونَ» على سبيل المفعول به تجوزاً. وقال الزمخشري: «يوماً مفعول به، أي: فكيف تتقون أنفسكم يوم القيامة وهَوْلَهُ إن بقيتم على الكفر» . وناقشه أبو حيان فقال: «وتتقون مضارع» اتقى «و» اتقى «ليس بمعنى» وقى «حتى يفسره به و» اتقى» يتعدى إلى واحد و «وقى» يتعدى إلى اثنين، قال تعالى: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الطور: 18] ولذلك قدره الزمخشريُّ: تقون أنفسكم لكنه ليس» تتقون «بمعنى» تقون «، فلا يعدى تعديته» انتهى. ويجوز أن ينتصب على الظرف، أي: فكيف لكم بالتقوى يوم القيامة، إن كفرتم في الدنيا. قاله الزمخشري. ويجوز أن ينتصب مفعولاً ب «كفرتم» إن جعل «كفَرْتُمْ» بمعنى «جَحدتُمْ» أي: فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة. ولا يجوز أن ينتصب ظرفاً لأنهم لا يكفرون ذلك اليوم بل يؤمنون لا محالة. ويجوز أن ينتصب على إسقاط الجار، أي: كفرتم بيوم القيامة. فصل في المراد بالآية قال القرطبيُّ: وهذا تقريع وتوبيخ، أي: كيف تتقون العذاب إن كفرتم، وفيه تقديم وتأخير، أي: كيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم، وكذا قراءة عبد الله وعطية. قال الحسن: بأي صلاة تتقون العذاب؟ بأي صوم تتقون العذاب؟ وفيه إضمار، أي: كيف تتقون عذاب يوم القيامة. وقال قتادة: والله ما يتقى من كفر ذلك اليوم بشيء، و «يَوْماً» مفعول ب «تتقون» على هذه القراءة وليس بظرف، وإن قدر الكفر بمعنى الجحود كان اليوم مفعول «كفرتم» ، وقال بعض المفسرين: وقف التمام على قوله «كَفرْتُمْ» والابتداء «يَوْماً» يذهب إلى أن «اليوم» مفعول «يَجْعَلُ» والفعل لله - عَزَّ وَجَلَّ - كأنه قال: يجعل الله الولدان شيباً في يوم. قال ابن الأنباري: وهذا لا يصح؛ لأن اليوم هو الذي يفعل هذا من شدة هوله. وقال المهدوي: والضمير في «يَجْعلُ» يجوز أن يكون لله - عَزَّ وَجَلَّ - ويجوز أن يكون لليوم، وإذا كان لليوم، صلح أن تكون صفة له، ولا يصلح ذلك إذا كان الضمير لله - عَزَّ وَجَلَّ - إلا مع تقدير حذف، كأنه قيل: يوماً يجعل الله الولدان فيه شيباً «. وقال ابن الأنباري: ومنهم من نصب» اليوم «ب» كَفرْتُمْ «، وهذا قبيح؛ لأن اليوم إذا علق ب» كفرتم «احتاج إلى صفة، أي: كفرتم بيوم، فإن احتج محتج بأن الصفة قد تحذف، وينصب ما بعدها، احتججنا عليه بقراءة عبد الله: ﴿فَكيْفَ تتَّقُونَ يَوْماً﴾ . قال القرطبيُّ:» هذه القراءة ليست بمتواترة، وإنما جاءت على وجه التفسير، وإذا كان الكفر بمعنى الجحود ف» يوم «مفعول صريح من غير صفة، ولا حذفها، أي: فكيف تتقون الله، وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة، والجزاء» . والعامة: على تنوين «يَوْماً» ، وجعل الجملة بعده نعتاً له، والعائد محذوف، أي: جعل الولدان فيه. قاله أب البقاء، ولم يتعرض للفاعل في «يَجْعلُ» ، وهو على هذا ضمير الباري تعالى، أي: يوماً يجعل الله فيه، وأحسن من هذا أن يجعل العائد مضمراً في «يَجْعَلُ» هو فاعله، وتكون نسبة الجعل إلى اليوم من باب المبالغة، أي: نفس اليوم يجعل الولدان شيباً. وقرأ زيد بن علي: «يَوْمَ يَجْعَلُ» بإضافة الظرف للجملة، والفاعل على هذا هو ضمير الباري - تعالى - والجعل - هنا - بمعنى التصيير، ف «شيباً» مفعول ثان. وقرأ أبو السمال: «فكيف تتَّقُون» بكسر النون على الإضافة. والولدان: الصبيان. وقال السديُّ: هم أولاد الزنا. وقيل: أولاد المشركين، والعموم أصح أي يوم يشيب فيه الصغير من غير كبر، وذلك حين يقال لآدم: يا آدَمُ قَمْ فابْعَثْ بعثاً للنارِ. قال القشيريُّ: هم أهل الجنة، يُغيِّرُ اللَّهُ أحوالهم، وأوصافهم على ما يريد. وقيل: هذا ضرب مثل لشدة ذلك اليوم، وهو مجاز لأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان، لكن معناه: أن هيبة ذلك اليوم بحال لو كان فيه هناك صبي لشاب رأسه من الهيبة، ويقال: هذا وقت الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعقِ. والله أعلم. و «شيباً» : جمع «أشْيَب» ، وأصل الشين الضم فكسرت لتصح الياء، نحو: أحْمَر حُمْرٌ؛ قال الشاعر: [البسيط] 4939 - مِنَّا الذِي هُوَ مَا إنْ طَرَّ شَارِبُهُ ... والعَانِسُونَ ومنَّا المُرْدُ والشِّيبُ وقال آخر: [الطويل] 4940 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... لَعِبْنَ بِنَا شِيباً، وشَيَّبْنَنَا مُرْدَا قال الزمخشريُّ: وفي بعض الكتب أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنكِ الغراب، فأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة، فقال: رأيت القيامة والجنة والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون. ويجوز أن يوصف اليوم بالطول فإن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب. قال ابن الخطيب: إن الله تعالى ذكر من هول ذلك اليوم أمرين: الأول: جعل الولدان شيباً وفيه وجهان: الأول: أنه مثلٌ في الشدة، يقال في اليوم الشديد: يوم يشيِّبُ نواصي الأطفال، والأصل فيه أن الهموم، والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان، أسرع فيه الشيبُ لأن كثرة الهموم؛ توجب انكسار الروح إلى داخل القلب، وذلك الانكسار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية، وضعفها يوجب بقاء الأجزاء الغذائية غير تامة النضج، وذلك يوجب استيلاء البلغم على الأخلاط، وذلك يوجب ابيضاض الشعر، فلما رأوا أن حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم جعلوا الشيب كناية عن الشدة والهموم، وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيباً حقيقة لأن إيصال الألم أو الخوف إلى الأطفال غير جائز يوم القيامة. الثاني: ما تقدم من طول اليوم وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة، والشيب. قوله: ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ . صفة أخرى، أي: متشققة بسبب هوله وشدته، فتكون الباء سببية، وجوز الزمخشريُّ أن تكون للاستعانة، فإنه قال: والباء في «به» مثلها في قولك: «فطرت العود بالقدُومِ فانفَطرَ بِهِ» . وقال القرطبيُّ: ومعنى «به» ، أي: فيه، أي: في ذلك اليوم لهوله، هذا أحسن ما قيل فيه، ويقال: مثقلة به إثقالاً يؤدي إلى انفطارها لعظمته عليها، وخشيته من وقوعها، كقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السماوات والأرض﴾ [الأعراف: 187] ، وقيل: «به» ؛ أي: له، أي: لذلك اليوم، يقال: فعلت كذا بحرمتك، أو لحرمتك، والباء واللام وفي متقاربه في مثل هذا الموضع، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة﴾ [الأنبياء: 47] ، أي: في يوم القيامة، وقيل: «به» أي بالأمر، أي: السماء منفطر بما يجعل الولدان شيباً. وقيل: السَّماءُ منفطر بالله، أي: بأمره. وإنما لم تؤنث الصفة لوجوه منها: قال أبو عمرو بن العلاء: لأنها بمعنى السقفِ تقول: هذا سماء البيت، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: 32] . ومنها: أنها على النسب، أي: ذات انفطار، نحو: امرأة مرضع وحائض، أي: ذات إرضاع، وذات حيض. ومنها أنها تذكر، وتؤنث؛ أنشد الفراء: [الوافر] 4941 - فَلوْ رَفَعَ السَماءُ إليْه قَوماً ... لخُضْنَا بالسَّماءِ وبالسَّحَابِ ومنها: اسم الجنس، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، فيقال: سماة، وقد تقدم أن اسم الجنس يذكر ويؤنث. ولهذا قال أبو علي الفارسي: هو كقوله: ﴿جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 7] و ﴿الشجر الأخضر﴾ [يس: 80] و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20] يعني: فجاء على أحد الجائزين. وقيل: لأن تأنيثها ليس بحقيقي، وما كان كذلك جاز تذكيره وتأنيثه؛ قال الشاعر: [البسيط] 4942 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... والعَيْنُ بالإثْمِدِ الحَارِيِّ مَكحُولُ قوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ ، يجوز أن يكون الضميرُ لله تعالى، وإن لم يجر له ذكر للعلم به، فيكون المصدر مضافاً لفاعله، ويجوز أن يكون لليوم، فيكون مضافاً لمفعوله والفاعل وهو «اللَّهُ» مقدر. فصل في المراد بالوعد قال المفسرون: كان وعده بالقيامة والحساب والجزاء مفعولاً كائناً لا محالة ولا شك فيه ولا خلاف، وقال مقاتل: كان وعده بأن يظهره دينه على الدين كله. قوله: ﴿إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ﴾ ، أي: هذه السورة والآيات عظة، وقيل: آيات القرآن إذ هو كالسورة الواحدة ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ ؛ لأن هذه الآيات مشتملة على أنواع الهداية، والإرشاد، فمن شاء أن يؤمن، ويتخذ بذلك إلى ربِّه سبيلاً، أي: طريقاً إلى رضاه، ورحمته فليرغب، فقد أمكن له؛ لأنه أظهر له الحجج، والدلائل. قيل: نسخت بآية السيف، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ . قال الكلبيُّ: والأشبه أنه غير منسوخٍ. قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾

المزمل 73:17

واعلم أنه تعالى لما خوف المكذبين أولي النَّعمةِ بأهوال يوم القيامة خوفهم بعد ذلك بأهوال الدنيا، فقال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً﴾ يريد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرسله إلى قريش ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ وهو موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا تهديد لأهل مكة بالأخذ الوبيل. قال مقاتل: وإنما ذكر موسى وفرعون دون سائر الرسل لأن أهل «مكة» ازدروا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ واستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم كما أن فرعون ازدرى بموسى؛ لأنه ربَّاه، ونشأ فيما بينهم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ [الشعراء: 18] . وذكر ابن الخطيب هذا السؤال والجواب وليس بالقوي لأن إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ولد، ونشأ فيما بين قوم نمرود، وكان «آزَر» وزير نمرود على ما ذكره المفسرون، وكذلك القول في نوح وهود وصالح ولوط، لقوله تعالى في قصة كل واحد منهم لفظة «أخاهم» لأنه من القبيلة التي بعث إليها. قوله: ﴿فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ ، إنما عرفه لتقدم ذكره، وهذه «أل» العهدية، والعرب إذا قدمت اسماً ثم حكت عنه ثانياً، أتوا به معرفاً ب «أل» ، أو أتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره نحو «رأيت رجلاً فأكرمتُ الرجل، أو فأكرمته» ، ولو قلت: «فأكرمت رجلاً» لتوهم أنه غير الأول وسيأتي تحقيق هذا عند قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ [الشرح: 6] وقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لَنْ يغْلِبَ عسرٌ يُسرين» . قال المهدوي هنا: ودخلت الألف واللام في «الرسول» لتقدم ذكره، ولذلك اختير في أول الكتب «سَلامٌ عَليْكُم» ، وفي آخرها «السَّلام عليْكُم» . قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ ، أي: شديداً، وضرب وبيل، وعذاب وبيل، أي: شديد. قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه: «مطر وابل» ، أي: شديد، قاله الأخفش. وقال الزَّجاجُ: أي: ثقيلاً غليظاً، ومنه قيل للمطر وابل. وقيل: مهلكاً، قال: [الكامل] 4934 - أكَلْتِ بَنِيكِ أكْل الضَّبِّ حتَّى ... وجَدْتِ مرارة الكَلأ الوَبيلِ واستوبل فلان كذا: أي: لم يحمد عاقبته، وماء وبيل، أي: وخيم غير مريء وكلأ مستوبل، وطعام وبيل ومستوبل إذا لم يُمرأ ولم يستمرأ؛ قال زهير: [الطويل] 4935 - فَقضَّوا مَنايَا بَينَهُمْ ثُمَّ أصْدَرُوا ... إلى كَلأٍ مُستوبَلٍ مُتوخمِ وقالت الخنساء: [الوافر] 4936 - لَقَدْ أكَلتْ بجِيلةُ يَوْمَ لاقَتْ ... فَوارِسَ مالِكٍ أكْلاً وبِيلا والوبيل أيضاً: العصا الضخمة؛ قال: [الطويل] 4937 - لَوْ أصْبَحَ فِي يُمْنَى يَديَّ رِقامُهَا ... وفِي كفِّيَ الأخْرَى وبِيلاً نُحَاذِرُهْ وكذلك: «الوبل» بكسر الباء، و «الوبل» أيضاً: الحزمة من الحطب وكذلك «الوبيل» . قال طرفة: [الطويل] 4938 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَقِيلةُ شَيْخٍ كالوَبِيلِ يَلنْدَدِ فصل في الاستدلال بالآية على «القياس» قال ابن الخطيب: هذه الآية يمكن الاستدلال بها على إثبات القياس، لأن الكلام إنما ينتظم لو قسنا إحدى الصورتين على الأخرى. فإن قيل هنا: هب أن القياس في هذه الصورة حجة، فلم قلتم: إنه في سائر الصور حجة، حينئذ يحتاج إلى سائر القياسات على هذا القياسِ، فيكون ذلك إثباتاً للقياس بالقياس؟ . قلنا: لا نثبت سائر القياسات بالقياس على هذه الصورة، وإلا لزم المحذور الذي ذكرتم بل وجه التمسك أن نقول: لولا أنه تمهد عندهم أن الشيئين اللذين يشتركان في مناط الحكم ظنّاً يجب اشتراكهما في الحكم، وإلا لما أورد هذا الكلام في هذه الصورة وذلك لأن احتمال الفرق المرجوح قائم هنا، فإنَّ لقائلٍ أن يقول: لعلهم إنما استوجبوا الأخذ الوبيل بخصوصية حال العصيان في تلك الصورة وتلك الخصوصية غير موجودة - هاهنا -، ثم إنه تعالى مع قيام هذا الاحتمال جزم بالتسوية في الحكم [فهذا الجزم لا بد وأن يقال إنه كان مسبوقاً بتقدير أنه متى وقع اشتراك في المناط الظاهر وجزم الاشتراك في الحكم] ، وإن الفرق المرجوح من أن ذلك المرجوح لخصوص تلك الواقعةِ لا عبرة به لم يكن لهذا الكلام كثير فائدة، ولا معنى لقولنا القياس حجة إلا لهذا. فصل في معنى شهادة الرسول عليهم قال ابن الخطيب: ومعنى كون الرسول شاهداً عليهم من وجهين: الأول: أنه شاهد عليهم يوم القيامة بكفرهم، وتكذيبهم. الثاني: أن المراد بكونه شاهداً كونه مبيناً للحق في الدنيا ومبيناً لبطلان ما هم عليه من الفكر، لأن الشاهد بشهادته يبين الحق، ولذلك وصفت بأنها بينة، ولا يمتنع أن يوصف صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك من حيث إنه يبين الحق. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد، لأن الله تعالى قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [البقرة: 143] أي: عُدُولاً خياراً، ويكون الرسول عليكم شهيداً، فبين أنه شاهد عليهم في المستقبل لأن حمله الشهادة في الآخرة حقيقة، وحمله على البيان مجاز، والحقيقة أولى من المجاز. قوله: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً﴾ . «يوماً» إما منصوب ب «تَتَّقُونَ» على سبيل المفعول به تجوزاً. وقال الزمخشري: «يوماً مفعول به، أي: فكيف تتقون أنفسكم يوم القيامة وهَوْلَهُ إن بقيتم على الكفر» . وناقشه أبو حيان فقال: «وتتقون مضارع» اتقى «و» اتقى «ليس بمعنى» وقى «حتى يفسره به و» اتقى» يتعدى إلى واحد و «وقى» يتعدى إلى اثنين، قال تعالى: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الطور: 18] ولذلك قدره الزمخشريُّ: تقون أنفسكم لكنه ليس» تتقون «بمعنى» تقون «، فلا يعدى تعديته» انتهى. ويجوز أن ينتصب على الظرف، أي: فكيف لكم بالتقوى يوم القيامة، إن كفرتم في الدنيا. قاله الزمخشري. ويجوز أن ينتصب مفعولاً ب «كفرتم» إن جعل «كفَرْتُمْ» بمعنى «جَحدتُمْ» أي: فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة. ولا يجوز أن ينتصب ظرفاً لأنهم لا يكفرون ذلك اليوم بل يؤمنون لا محالة. ويجوز أن ينتصب على إسقاط الجار، أي: كفرتم بيوم القيامة. فصل في المراد بالآية قال القرطبيُّ: وهذا تقريع وتوبيخ، أي: كيف تتقون العذاب إن كفرتم، وفيه تقديم وتأخير، أي: كيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم، وكذا قراءة عبد الله وعطية. قال الحسن: بأي صلاة تتقون العذاب؟ بأي صوم تتقون العذاب؟ وفيه إضمار، أي: كيف تتقون عذاب يوم القيامة. وقال قتادة: والله ما يتقى من كفر ذلك اليوم بشيء، و «يَوْماً» مفعول ب «تتقون» على هذه القراءة وليس بظرف، وإن قدر الكفر بمعنى الجحود كان اليوم مفعول «كفرتم» ، وقال بعض المفسرين: وقف التمام على قوله «كَفرْتُمْ» والابتداء «يَوْماً» يذهب إلى أن «اليوم» مفعول «يَجْعَلُ» والفعل لله - عَزَّ وَجَلَّ - كأنه قال: يجعل الله الولدان شيباً في يوم. قال ابن الأنباري: وهذا لا يصح؛ لأن اليوم هو الذي يفعل هذا من شدة هوله. وقال المهدوي: والضمير في «يَجْعلُ» يجوز أن يكون لله - عَزَّ وَجَلَّ - ويجوز أن يكون لليوم، وإذا كان لليوم، صلح أن تكون صفة له، ولا يصلح ذلك إذا كان الضمير لله - عَزَّ وَجَلَّ - إلا مع تقدير حذف، كأنه قيل: يوماً يجعل الله الولدان فيه شيباً «. وقال ابن الأنباري: ومنهم من نصب» اليوم «ب» كَفرْتُمْ «، وهذا قبيح؛ لأن اليوم إذا علق ب» كفرتم «احتاج إلى صفة، أي: كفرتم بيوم، فإن احتج محتج بأن الصفة قد تحذف، وينصب ما بعدها، احتججنا عليه بقراءة عبد الله: ﴿فَكيْفَ تتَّقُونَ يَوْماً﴾ . قال القرطبيُّ:» هذه القراءة ليست بمتواترة، وإنما جاءت على وجه التفسير، وإذا كان الكفر بمعنى الجحود ف» يوم «مفعول صريح من غير صفة، ولا حذفها، أي: فكيف تتقون الله، وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة، والجزاء» . والعامة: على تنوين «يَوْماً» ، وجعل الجملة بعده نعتاً له، والعائد محذوف، أي: جعل الولدان فيه. قاله أب البقاء، ولم يتعرض للفاعل في «يَجْعلُ» ، وهو على هذا ضمير الباري تعالى، أي: يوماً يجعل الله فيه، وأحسن من هذا أن يجعل العائد مضمراً في «يَجْعَلُ» هو فاعله، وتكون نسبة الجعل إلى اليوم من باب المبالغة، أي: نفس اليوم يجعل الولدان شيباً. وقرأ زيد بن علي: «يَوْمَ يَجْعَلُ» بإضافة الظرف للجملة، والفاعل على هذا هو ضمير الباري - تعالى - والجعل - هنا - بمعنى التصيير، ف «شيباً» مفعول ثان. وقرأ أبو السمال: «فكيف تتَّقُون» بكسر النون على الإضافة. والولدان: الصبيان. وقال السديُّ: هم أولاد الزنا. وقيل: أولاد المشركين، والعموم أصح أي يوم يشيب فيه الصغير من غير كبر، وذلك حين يقال لآدم: يا آدَمُ قَمْ فابْعَثْ بعثاً للنارِ. قال القشيريُّ: هم أهل الجنة، يُغيِّرُ اللَّهُ أحوالهم، وأوصافهم على ما يريد. وقيل: هذا ضرب مثل لشدة ذلك اليوم، وهو مجاز لأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان، لكن معناه: أن هيبة ذلك اليوم بحال لو كان فيه هناك صبي لشاب رأسه من الهيبة، ويقال: هذا وقت الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعقِ. والله أعلم. و «شيباً» : جمع «أشْيَب» ، وأصل الشين الضم فكسرت لتصح الياء، نحو: أحْمَر حُمْرٌ؛ قال الشاعر: [البسيط] 4939 - مِنَّا الذِي هُوَ مَا إنْ طَرَّ شَارِبُهُ ... والعَانِسُونَ ومنَّا المُرْدُ والشِّيبُ وقال آخر: [الطويل] 4940 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... لَعِبْنَ بِنَا شِيباً، وشَيَّبْنَنَا مُرْدَا قال الزمخشريُّ: وفي بعض الكتب أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنكِ الغراب، فأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة، فقال: رأيت القيامة والجنة والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون. ويجوز أن يوصف اليوم بالطول فإن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب. قال ابن الخطيب: إن الله تعالى ذكر من هول ذلك اليوم أمرين: الأول: جعل الولدان شيباً وفيه وجهان: الأول: أنه مثلٌ في الشدة، يقال في اليوم الشديد: يوم يشيِّبُ نواصي الأطفال، والأصل فيه أن الهموم، والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان، أسرع فيه الشيبُ لأن كثرة الهموم؛ توجب انكسار الروح إلى داخل القلب، وذلك الانكسار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية، وضعفها يوجب بقاء الأجزاء الغذائية غير تامة النضج، وذلك يوجب استيلاء البلغم على الأخلاط، وذلك يوجب ابيضاض الشعر، فلما رأوا أن حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم جعلوا الشيب كناية عن الشدة والهموم، وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيباً حقيقة لأن إيصال الألم أو الخوف إلى الأطفال غير جائز يوم القيامة. الثاني: ما تقدم من طول اليوم وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة، والشيب. قوله: ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ . صفة أخرى، أي: متشققة بسبب هوله وشدته، فتكون الباء سببية، وجوز الزمخشريُّ أن تكون للاستعانة، فإنه قال: والباء في «به» مثلها في قولك: «فطرت العود بالقدُومِ فانفَطرَ بِهِ» . وقال القرطبيُّ: ومعنى «به» ، أي: فيه، أي: في ذلك اليوم لهوله، هذا أحسن ما قيل فيه، ويقال: مثقلة به إثقالاً يؤدي إلى انفطارها لعظمته عليها، وخشيته من وقوعها، كقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السماوات والأرض﴾ [الأعراف: 187] ، وقيل: «به» ؛ أي: له، أي: لذلك اليوم، يقال: فعلت كذا بحرمتك، أو لحرمتك، والباء واللام وفي متقاربه في مثل هذا الموضع، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة﴾ [الأنبياء: 47] ، أي: في يوم القيامة، وقيل: «به» أي بالأمر، أي: السماء منفطر بما يجعل الولدان شيباً. وقيل: السَّماءُ منفطر بالله، أي: بأمره. وإنما لم تؤنث الصفة لوجوه منها: قال أبو عمرو بن العلاء: لأنها بمعنى السقفِ تقول: هذا سماء البيت، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: 32] . ومنها: أنها على النسب، أي: ذات انفطار، نحو: امرأة مرضع وحائض، أي: ذات إرضاع، وذات حيض. ومنها أنها تذكر، وتؤنث؛ أنشد الفراء: [الوافر] 4941 - فَلوْ رَفَعَ السَماءُ إليْه قَوماً ... لخُضْنَا بالسَّماءِ وبالسَّحَابِ ومنها: اسم الجنس، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، فيقال: سماة، وقد تقدم أن اسم الجنس يذكر ويؤنث. ولهذا قال أبو علي الفارسي: هو كقوله: ﴿جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 7] و ﴿الشجر الأخضر﴾ [يس: 80] و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20] يعني: فجاء على أحد الجائزين. وقيل: لأن تأنيثها ليس بحقيقي، وما كان كذلك جاز تذكيره وتأنيثه؛ قال الشاعر: [البسيط] 4942 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... والعَيْنُ بالإثْمِدِ الحَارِيِّ مَكحُولُ قوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ ، يجوز أن يكون الضميرُ لله تعالى، وإن لم يجر له ذكر للعلم به، فيكون المصدر مضافاً لفاعله، ويجوز أن يكون لليوم، فيكون مضافاً لمفعوله والفاعل وهو «اللَّهُ» مقدر. فصل في المراد بالوعد قال المفسرون: كان وعده بالقيامة والحساب والجزاء مفعولاً كائناً لا محالة ولا شك فيه ولا خلاف، وقال مقاتل: كان وعده بأن يظهره دينه على الدين كله. قوله: ﴿إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ﴾ ، أي: هذه السورة والآيات عظة، وقيل: آيات القرآن إذ هو كالسورة الواحدة ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ ؛ لأن هذه الآيات مشتملة على أنواع الهداية، والإرشاد، فمن شاء أن يؤمن، ويتخذ بذلك إلى ربِّه سبيلاً، أي: طريقاً إلى رضاه، ورحمته فليرغب، فقد أمكن له؛ لأنه أظهر له الحجج، والدلائل. قيل: نسخت بآية السيف، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ . قال الكلبيُّ: والأشبه أنه غير منسوخٍ. قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾

المزمل 73:18

واعلم أنه تعالى لما خوف المكذبين أولي النَّعمةِ بأهوال يوم القيامة خوفهم بعد ذلك بأهوال الدنيا، فقال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً﴾ يريد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرسله إلى قريش ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ وهو موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا تهديد لأهل مكة بالأخذ الوبيل. قال مقاتل: وإنما ذكر موسى وفرعون دون سائر الرسل لأن أهل «مكة» ازدروا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ واستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم كما أن فرعون ازدرى بموسى؛ لأنه ربَّاه، ونشأ فيما بينهم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ [الشعراء: 18] . وذكر ابن الخطيب هذا السؤال والجواب وليس بالقوي لأن إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ولد، ونشأ فيما بين قوم نمرود، وكان «آزَر» وزير نمرود على ما ذكره المفسرون، وكذلك القول في نوح وهود وصالح ولوط، لقوله تعالى في قصة كل واحد منهم لفظة «أخاهم» لأنه من القبيلة التي بعث إليها. قوله: ﴿فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ ، إنما عرفه لتقدم ذكره، وهذه «أل» العهدية، والعرب إذا قدمت اسماً ثم حكت عنه ثانياً، أتوا به معرفاً ب «أل» ، أو أتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره نحو «رأيت رجلاً فأكرمتُ الرجل، أو فأكرمته» ، ولو قلت: «فأكرمت رجلاً» لتوهم أنه غير الأول وسيأتي تحقيق هذا عند قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ [الشرح: 6] وقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لَنْ يغْلِبَ عسرٌ يُسرين» . قال المهدوي هنا: ودخلت الألف واللام في «الرسول» لتقدم ذكره، ولذلك اختير في أول الكتب «سَلامٌ عَليْكُم» ، وفي آخرها «السَّلام عليْكُم» . قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ ، أي: شديداً، وضرب وبيل، وعذاب وبيل، أي: شديد. قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه: «مطر وابل» ، أي: شديد، قاله الأخفش. وقال الزَّجاجُ: أي: ثقيلاً غليظاً، ومنه قيل للمطر وابل. وقيل: مهلكاً، قال: [الكامل] 4934 - أكَلْتِ بَنِيكِ أكْل الضَّبِّ حتَّى ... وجَدْتِ مرارة الكَلأ الوَبيلِ واستوبل فلان كذا: أي: لم يحمد عاقبته، وماء وبيل، أي: وخيم غير مريء وكلأ مستوبل، وطعام وبيل ومستوبل إذا لم يُمرأ ولم يستمرأ؛ قال زهير: [الطويل] 4935 - فَقضَّوا مَنايَا بَينَهُمْ ثُمَّ أصْدَرُوا ... إلى كَلأٍ مُستوبَلٍ مُتوخمِ وقالت الخنساء: [الوافر] 4936 - لَقَدْ أكَلتْ بجِيلةُ يَوْمَ لاقَتْ ... فَوارِسَ مالِكٍ أكْلاً وبِيلا والوبيل أيضاً: العصا الضخمة؛ قال: [الطويل] 4937 - لَوْ أصْبَحَ فِي يُمْنَى يَديَّ رِقامُهَا ... وفِي كفِّيَ الأخْرَى وبِيلاً نُحَاذِرُهْ وكذلك: «الوبل» بكسر الباء، و «الوبل» أيضاً: الحزمة من الحطب وكذلك «الوبيل» . قال طرفة: [الطويل] 4938 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَقِيلةُ شَيْخٍ كالوَبِيلِ يَلنْدَدِ فصل في الاستدلال بالآية على «القياس» قال ابن الخطيب: هذه الآية يمكن الاستدلال بها على إثبات القياس، لأن الكلام إنما ينتظم لو قسنا إحدى الصورتين على الأخرى. فإن قيل هنا: هب أن القياس في هذه الصورة حجة، فلم قلتم: إنه في سائر الصور حجة، حينئذ يحتاج إلى سائر القياسات على هذا القياسِ، فيكون ذلك إثباتاً للقياس بالقياس؟ . قلنا: لا نثبت سائر القياسات بالقياس على هذه الصورة، وإلا لزم المحذور الذي ذكرتم بل وجه التمسك أن نقول: لولا أنه تمهد عندهم أن الشيئين اللذين يشتركان في مناط الحكم ظنّاً يجب اشتراكهما في الحكم، وإلا لما أورد هذا الكلام في هذه الصورة وذلك لأن احتمال الفرق المرجوح قائم هنا، فإنَّ لقائلٍ أن يقول: لعلهم إنما استوجبوا الأخذ الوبيل بخصوصية حال العصيان في تلك الصورة وتلك الخصوصية غير موجودة - هاهنا -، ثم إنه تعالى مع قيام هذا الاحتمال جزم بالتسوية في الحكم [فهذا الجزم لا بد وأن يقال إنه كان مسبوقاً بتقدير أنه متى وقع اشتراك في المناط الظاهر وجزم الاشتراك في الحكم] ، وإن الفرق المرجوح من أن ذلك المرجوح لخصوص تلك الواقعةِ لا عبرة به لم يكن لهذا الكلام كثير فائدة، ولا معنى لقولنا القياس حجة إلا لهذا. فصل في معنى شهادة الرسول عليهم قال ابن الخطيب: ومعنى كون الرسول شاهداً عليهم من وجهين: الأول: أنه شاهد عليهم يوم القيامة بكفرهم، وتكذيبهم. الثاني: أن المراد بكونه شاهداً كونه مبيناً للحق في الدنيا ومبيناً لبطلان ما هم عليه من الفكر، لأن الشاهد بشهادته يبين الحق، ولذلك وصفت بأنها بينة، ولا يمتنع أن يوصف صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك من حيث إنه يبين الحق. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد، لأن الله تعالى قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [البقرة: 143] أي: عُدُولاً خياراً، ويكون الرسول عليكم شهيداً، فبين أنه شاهد عليهم في المستقبل لأن حمله الشهادة في الآخرة حقيقة، وحمله على البيان مجاز، والحقيقة أولى من المجاز. قوله: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً﴾ . «يوماً» إما منصوب ب «تَتَّقُونَ» على سبيل المفعول به تجوزاً. وقال الزمخشري: «يوماً مفعول به، أي: فكيف تتقون أنفسكم يوم القيامة وهَوْلَهُ إن بقيتم على الكفر» . وناقشه أبو حيان فقال: «وتتقون مضارع» اتقى «و» اتقى «ليس بمعنى» وقى «حتى يفسره به و» اتقى» يتعدى إلى واحد و «وقى» يتعدى إلى اثنين، قال تعالى: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الطور: 18] ولذلك قدره الزمخشريُّ: تقون أنفسكم لكنه ليس» تتقون «بمعنى» تقون «، فلا يعدى تعديته» انتهى. ويجوز أن ينتصب على الظرف، أي: فكيف لكم بالتقوى يوم القيامة، إن كفرتم في الدنيا. قاله الزمخشري. ويجوز أن ينتصب مفعولاً ب «كفرتم» إن جعل «كفَرْتُمْ» بمعنى «جَحدتُمْ» أي: فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة. ولا يجوز أن ينتصب ظرفاً لأنهم لا يكفرون ذلك اليوم بل يؤمنون لا محالة. ويجوز أن ينتصب على إسقاط الجار، أي: كفرتم بيوم القيامة. فصل في المراد بالآية قال القرطبيُّ: وهذا تقريع وتوبيخ، أي: كيف تتقون العذاب إن كفرتم، وفيه تقديم وتأخير، أي: كيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم، وكذا قراءة عبد الله وعطية. قال الحسن: بأي صلاة تتقون العذاب؟ بأي صوم تتقون العذاب؟ وفيه إضمار، أي: كيف تتقون عذاب يوم القيامة. وقال قتادة: والله ما يتقى من كفر ذلك اليوم بشيء، و «يَوْماً» مفعول ب «تتقون» على هذه القراءة وليس بظرف، وإن قدر الكفر بمعنى الجحود كان اليوم مفعول «كفرتم» ، وقال بعض المفسرين: وقف التمام على قوله «كَفرْتُمْ» والابتداء «يَوْماً» يذهب إلى أن «اليوم» مفعول «يَجْعَلُ» والفعل لله - عَزَّ وَجَلَّ - كأنه قال: يجعل الله الولدان شيباً في يوم. قال ابن الأنباري: وهذا لا يصح؛ لأن اليوم هو الذي يفعل هذا من شدة هوله. وقال المهدوي: والضمير في «يَجْعلُ» يجوز أن يكون لله - عَزَّ وَجَلَّ - ويجوز أن يكون لليوم، وإذا كان لليوم، صلح أن تكون صفة له، ولا يصلح ذلك إذا كان الضمير لله - عَزَّ وَجَلَّ - إلا مع تقدير حذف، كأنه قيل: يوماً يجعل الله الولدان فيه شيباً «. وقال ابن الأنباري: ومنهم من نصب» اليوم «ب» كَفرْتُمْ «، وهذا قبيح؛ لأن اليوم إذا علق ب» كفرتم «احتاج إلى صفة، أي: كفرتم بيوم، فإن احتج محتج بأن الصفة قد تحذف، وينصب ما بعدها، احتججنا عليه بقراءة عبد الله: ﴿فَكيْفَ تتَّقُونَ يَوْماً﴾ . قال القرطبيُّ:» هذه القراءة ليست بمتواترة، وإنما جاءت على وجه التفسير، وإذا كان الكفر بمعنى الجحود ف» يوم «مفعول صريح من غير صفة، ولا حذفها، أي: فكيف تتقون الله، وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة، والجزاء» . والعامة: على تنوين «يَوْماً» ، وجعل الجملة بعده نعتاً له، والعائد محذوف، أي: جعل الولدان فيه. قاله أب البقاء، ولم يتعرض للفاعل في «يَجْعلُ» ، وهو على هذا ضمير الباري تعالى، أي: يوماً يجعل الله فيه، وأحسن من هذا أن يجعل العائد مضمراً في «يَجْعَلُ» هو فاعله، وتكون نسبة الجعل إلى اليوم من باب المبالغة، أي: نفس اليوم يجعل الولدان شيباً. وقرأ زيد بن علي: «يَوْمَ يَجْعَلُ» بإضافة الظرف للجملة، والفاعل على هذا هو ضمير الباري - تعالى - والجعل - هنا - بمعنى التصيير، ف «شيباً» مفعول ثان. وقرأ أبو السمال: «فكيف تتَّقُون» بكسر النون على الإضافة. والولدان: الصبيان. وقال السديُّ: هم أولاد الزنا. وقيل: أولاد المشركين، والعموم أصح أي يوم يشيب فيه الصغير من غير كبر، وذلك حين يقال لآدم: يا آدَمُ قَمْ فابْعَثْ بعثاً للنارِ. قال القشيريُّ: هم أهل الجنة، يُغيِّرُ اللَّهُ أحوالهم، وأوصافهم على ما يريد. وقيل: هذا ضرب مثل لشدة ذلك اليوم، وهو مجاز لأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان، لكن معناه: أن هيبة ذلك اليوم بحال لو كان فيه هناك صبي لشاب رأسه من الهيبة، ويقال: هذا وقت الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعقِ. والله أعلم. و «شيباً» : جمع «أشْيَب» ، وأصل الشين الضم فكسرت لتصح الياء، نحو: أحْمَر حُمْرٌ؛ قال الشاعر: [البسيط] 4939 - مِنَّا الذِي هُوَ مَا إنْ طَرَّ شَارِبُهُ ... والعَانِسُونَ ومنَّا المُرْدُ والشِّيبُ وقال آخر: [الطويل] 4940 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... لَعِبْنَ بِنَا شِيباً، وشَيَّبْنَنَا مُرْدَا قال الزمخشريُّ: وفي بعض الكتب أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنكِ الغراب، فأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة، فقال: رأيت القيامة والجنة والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون. ويجوز أن يوصف اليوم بالطول فإن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب. قال ابن الخطيب: إن الله تعالى ذكر من هول ذلك اليوم أمرين: الأول: جعل الولدان شيباً وفيه وجهان: الأول: أنه مثلٌ في الشدة، يقال في اليوم الشديد: يوم يشيِّبُ نواصي الأطفال، والأصل فيه أن الهموم، والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان، أسرع فيه الشيبُ لأن كثرة الهموم؛ توجب انكسار الروح إلى داخل القلب، وذلك الانكسار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية، وضعفها يوجب بقاء الأجزاء الغذائية غير تامة النضج، وذلك يوجب استيلاء البلغم على الأخلاط، وذلك يوجب ابيضاض الشعر، فلما رأوا أن حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم جعلوا الشيب كناية عن الشدة والهموم، وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيباً حقيقة لأن إيصال الألم أو الخوف إلى الأطفال غير جائز يوم القيامة. الثاني: ما تقدم من طول اليوم وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة، والشيب. قوله: ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ . صفة أخرى، أي: متشققة بسبب هوله وشدته، فتكون الباء سببية، وجوز الزمخشريُّ أن تكون للاستعانة، فإنه قال: والباء في «به» مثلها في قولك: «فطرت العود بالقدُومِ فانفَطرَ بِهِ» . وقال القرطبيُّ: ومعنى «به» ، أي: فيه، أي: في ذلك اليوم لهوله، هذا أحسن ما قيل فيه، ويقال: مثقلة به إثقالاً يؤدي إلى انفطارها لعظمته عليها، وخشيته من وقوعها، كقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السماوات والأرض﴾ [الأعراف: 187] ، وقيل: «به» ؛ أي: له، أي: لذلك اليوم، يقال: فعلت كذا بحرمتك، أو لحرمتك، والباء واللام وفي متقاربه في مثل هذا الموضع، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة﴾ [الأنبياء: 47] ، أي: في يوم القيامة، وقيل: «به» أي بالأمر، أي: السماء منفطر بما يجعل الولدان شيباً. وقيل: السَّماءُ منفطر بالله، أي: بأمره. وإنما لم تؤنث الصفة لوجوه منها: قال أبو عمرو بن العلاء: لأنها بمعنى السقفِ تقول: هذا سماء البيت، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: 32] . ومنها: أنها على النسب، أي: ذات انفطار، نحو: امرأة مرضع وحائض، أي: ذات إرضاع، وذات حيض. ومنها أنها تذكر، وتؤنث؛ أنشد الفراء: [الوافر] 4941 - فَلوْ رَفَعَ السَماءُ إليْه قَوماً ... لخُضْنَا بالسَّماءِ وبالسَّحَابِ ومنها: اسم الجنس، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، فيقال: سماة، وقد تقدم أن اسم الجنس يذكر ويؤنث. ولهذا قال أبو علي الفارسي: هو كقوله: ﴿جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 7] و ﴿الشجر الأخضر﴾ [يس: 80] و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20] يعني: فجاء على أحد الجائزين. وقيل: لأن تأنيثها ليس بحقيقي، وما كان كذلك جاز تذكيره وتأنيثه؛ قال الشاعر: [البسيط] 4942 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... والعَيْنُ بالإثْمِدِ الحَارِيِّ مَكحُولُ قوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ ، يجوز أن يكون الضميرُ لله تعالى، وإن لم يجر له ذكر للعلم به، فيكون المصدر مضافاً لفاعله، ويجوز أن يكون لليوم، فيكون مضافاً لمفعوله والفاعل وهو «اللَّهُ» مقدر. فصل في المراد بالوعد قال المفسرون: كان وعده بالقيامة والحساب والجزاء مفعولاً كائناً لا محالة ولا شك فيه ولا خلاف، وقال مقاتل: كان وعده بأن يظهره دينه على الدين كله. قوله: ﴿إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ﴾ ، أي: هذه السورة والآيات عظة، وقيل: آيات القرآن إذ هو كالسورة الواحدة ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ ؛ لأن هذه الآيات مشتملة على أنواع الهداية، والإرشاد، فمن شاء أن يؤمن، ويتخذ بذلك إلى ربِّه سبيلاً، أي: طريقاً إلى رضاه، ورحمته فليرغب، فقد أمكن له؛ لأنه أظهر له الحجج، والدلائل. قيل: نسخت بآية السيف، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ . قال الكلبيُّ: والأشبه أنه غير منسوخٍ. قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾

المزمل 73:19

واعلم أنه تعالى لما خوف المكذبين أولي النَّعمةِ بأهوال يوم القيامة خوفهم بعد ذلك بأهوال الدنيا، فقال: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً﴾ يريد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرسله إلى قريش ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ وهو موسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وهذا تهديد لأهل مكة بالأخذ الوبيل. قال مقاتل: وإنما ذكر موسى وفرعون دون سائر الرسل لأن أهل «مكة» ازدروا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ واستخفوا به؛ لأنه ولد فيهم كما أن فرعون ازدرى بموسى؛ لأنه ربَّاه، ونشأ فيما بينهم كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ [الشعراء: 18] . وذكر ابن الخطيب هذا السؤال والجواب وليس بالقوي لأن إبراهيم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ولد، ونشأ فيما بين قوم نمرود، وكان «آزَر» وزير نمرود على ما ذكره المفسرون، وكذلك القول في نوح وهود وصالح ولوط، لقوله تعالى في قصة كل واحد منهم لفظة «أخاهم» لأنه من القبيلة التي بعث إليها. قوله: ﴿فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ ، إنما عرفه لتقدم ذكره، وهذه «أل» العهدية، والعرب إذا قدمت اسماً ثم حكت عنه ثانياً، أتوا به معرفاً ب «أل» ، أو أتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره نحو «رأيت رجلاً فأكرمتُ الرجل، أو فأكرمته» ، ولو قلت: «فأكرمت رجلاً» لتوهم أنه غير الأول وسيأتي تحقيق هذا عند قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ [الشرح: 6] وقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لَنْ يغْلِبَ عسرٌ يُسرين» . قال المهدوي هنا: ودخلت الألف واللام في «الرسول» لتقدم ذكره، ولذلك اختير في أول الكتب «سَلامٌ عَليْكُم» ، وفي آخرها «السَّلام عليْكُم» . قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ ، أي: شديداً، وضرب وبيل، وعذاب وبيل، أي: شديد. قاله ابن عباس ومجاهد، ومنه: «مطر وابل» ، أي: شديد، قاله الأخفش. وقال الزَّجاجُ: أي: ثقيلاً غليظاً، ومنه قيل للمطر وابل. وقيل: مهلكاً، قال: [الكامل] 4934 - أكَلْتِ بَنِيكِ أكْل الضَّبِّ حتَّى ... وجَدْتِ مرارة الكَلأ الوَبيلِ واستوبل فلان كذا: أي: لم يحمد عاقبته، وماء وبيل، أي: وخيم غير مريء وكلأ مستوبل، وطعام وبيل ومستوبل إذا لم يُمرأ ولم يستمرأ؛ قال زهير: [الطويل] 4935 - فَقضَّوا مَنايَا بَينَهُمْ ثُمَّ أصْدَرُوا ... إلى كَلأٍ مُستوبَلٍ مُتوخمِ وقالت الخنساء: [الوافر] 4936 - لَقَدْ أكَلتْ بجِيلةُ يَوْمَ لاقَتْ ... فَوارِسَ مالِكٍ أكْلاً وبِيلا والوبيل أيضاً: العصا الضخمة؛ قال: [الطويل] 4937 - لَوْ أصْبَحَ فِي يُمْنَى يَديَّ رِقامُهَا ... وفِي كفِّيَ الأخْرَى وبِيلاً نُحَاذِرُهْ وكذلك: «الوبل» بكسر الباء، و «الوبل» أيضاً: الحزمة من الحطب وكذلك «الوبيل» . قال طرفة: [الطويل] 4938 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَقِيلةُ شَيْخٍ كالوَبِيلِ يَلنْدَدِ فصل في الاستدلال بالآية على «القياس» قال ابن الخطيب: هذه الآية يمكن الاستدلال بها على إثبات القياس، لأن الكلام إنما ينتظم لو قسنا إحدى الصورتين على الأخرى. فإن قيل هنا: هب أن القياس في هذه الصورة حجة، فلم قلتم: إنه في سائر الصور حجة، حينئذ يحتاج إلى سائر القياسات على هذا القياسِ، فيكون ذلك إثباتاً للقياس بالقياس؟ . قلنا: لا نثبت سائر القياسات بالقياس على هذه الصورة، وإلا لزم المحذور الذي ذكرتم بل وجه التمسك أن نقول: لولا أنه تمهد عندهم أن الشيئين اللذين يشتركان في مناط الحكم ظنّاً يجب اشتراكهما في الحكم، وإلا لما أورد هذا الكلام في هذه الصورة وذلك لأن احتمال الفرق المرجوح قائم هنا، فإنَّ لقائلٍ أن يقول: لعلهم إنما استوجبوا الأخذ الوبيل بخصوصية حال العصيان في تلك الصورة وتلك الخصوصية غير موجودة - هاهنا -، ثم إنه تعالى مع قيام هذا الاحتمال جزم بالتسوية في الحكم [فهذا الجزم لا بد وأن يقال إنه كان مسبوقاً بتقدير أنه متى وقع اشتراك في المناط الظاهر وجزم الاشتراك في الحكم] ، وإن الفرق المرجوح من أن ذلك المرجوح لخصوص تلك الواقعةِ لا عبرة به لم يكن لهذا الكلام كثير فائدة، ولا معنى لقولنا القياس حجة إلا لهذا. فصل في معنى شهادة الرسول عليهم قال ابن الخطيب: ومعنى كون الرسول شاهداً عليهم من وجهين: الأول: أنه شاهد عليهم يوم القيامة بكفرهم، وتكذيبهم. الثاني: أن المراد بكونه شاهداً كونه مبيناً للحق في الدنيا ومبيناً لبطلان ما هم عليه من الفكر، لأن الشاهد بشهادته يبين الحق، ولذلك وصفت بأنها بينة، ولا يمتنع أن يوصف صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بذلك من حيث إنه يبين الحق. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد، لأن الله تعالى قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [البقرة: 143] أي: عُدُولاً خياراً، ويكون الرسول عليكم شهيداً، فبين أنه شاهد عليهم في المستقبل لأن حمله الشهادة في الآخرة حقيقة، وحمله على البيان مجاز، والحقيقة أولى من المجاز. قوله: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً﴾ . «يوماً» إما منصوب ب «تَتَّقُونَ» على سبيل المفعول به تجوزاً. وقال الزمخشري: «يوماً مفعول به، أي: فكيف تتقون أنفسكم يوم القيامة وهَوْلَهُ إن بقيتم على الكفر» . وناقشه أبو حيان فقال: «وتتقون مضارع» اتقى «و» اتقى «ليس بمعنى» وقى «حتى يفسره به و» اتقى» يتعدى إلى واحد و «وقى» يتعدى إلى اثنين، قال تعالى: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الطور: 18] ولذلك قدره الزمخشريُّ: تقون أنفسكم لكنه ليس» تتقون «بمعنى» تقون «، فلا يعدى تعديته» انتهى. ويجوز أن ينتصب على الظرف، أي: فكيف لكم بالتقوى يوم القيامة، إن كفرتم في الدنيا. قاله الزمخشري. ويجوز أن ينتصب مفعولاً ب «كفرتم» إن جعل «كفَرْتُمْ» بمعنى «جَحدتُمْ» أي: فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة. ولا يجوز أن ينتصب ظرفاً لأنهم لا يكفرون ذلك اليوم بل يؤمنون لا محالة. ويجوز أن ينتصب على إسقاط الجار، أي: كفرتم بيوم القيامة. فصل في المراد بالآية قال القرطبيُّ: وهذا تقريع وتوبيخ، أي: كيف تتقون العذاب إن كفرتم، وفيه تقديم وتأخير، أي: كيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم، وكذا قراءة عبد الله وعطية. قال الحسن: بأي صلاة تتقون العذاب؟ بأي صوم تتقون العذاب؟ وفيه إضمار، أي: كيف تتقون عذاب يوم القيامة. وقال قتادة: والله ما يتقى من كفر ذلك اليوم بشيء، و «يَوْماً» مفعول ب «تتقون» على هذه القراءة وليس بظرف، وإن قدر الكفر بمعنى الجحود كان اليوم مفعول «كفرتم» ، وقال بعض المفسرين: وقف التمام على قوله «كَفرْتُمْ» والابتداء «يَوْماً» يذهب إلى أن «اليوم» مفعول «يَجْعَلُ» والفعل لله - عَزَّ وَجَلَّ - كأنه قال: يجعل الله الولدان شيباً في يوم. قال ابن الأنباري: وهذا لا يصح؛ لأن اليوم هو الذي يفعل هذا من شدة هوله. وقال المهدوي: والضمير في «يَجْعلُ» يجوز أن يكون لله - عَزَّ وَجَلَّ - ويجوز أن يكون لليوم، وإذا كان لليوم، صلح أن تكون صفة له، ولا يصلح ذلك إذا كان الضمير لله - عَزَّ وَجَلَّ - إلا مع تقدير حذف، كأنه قيل: يوماً يجعل الله الولدان فيه شيباً «. وقال ابن الأنباري: ومنهم من نصب» اليوم «ب» كَفرْتُمْ «، وهذا قبيح؛ لأن اليوم إذا علق ب» كفرتم «احتاج إلى صفة، أي: كفرتم بيوم، فإن احتج محتج بأن الصفة قد تحذف، وينصب ما بعدها، احتججنا عليه بقراءة عبد الله: ﴿فَكيْفَ تتَّقُونَ يَوْماً﴾ . قال القرطبيُّ:» هذه القراءة ليست بمتواترة، وإنما جاءت على وجه التفسير، وإذا كان الكفر بمعنى الجحود ف» يوم «مفعول صريح من غير صفة، ولا حذفها، أي: فكيف تتقون الله، وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة، والجزاء» . والعامة: على تنوين «يَوْماً» ، وجعل الجملة بعده نعتاً له، والعائد محذوف، أي: جعل الولدان فيه. قاله أب البقاء، ولم يتعرض للفاعل في «يَجْعلُ» ، وهو على هذا ضمير الباري تعالى، أي: يوماً يجعل الله فيه، وأحسن من هذا أن يجعل العائد مضمراً في «يَجْعَلُ» هو فاعله، وتكون نسبة الجعل إلى اليوم من باب المبالغة، أي: نفس اليوم يجعل الولدان شيباً. وقرأ زيد بن علي: «يَوْمَ يَجْعَلُ» بإضافة الظرف للجملة، والفاعل على هذا هو ضمير الباري - تعالى - والجعل - هنا - بمعنى التصيير، ف «شيباً» مفعول ثان. وقرأ أبو السمال: «فكيف تتَّقُون» بكسر النون على الإضافة. والولدان: الصبيان. وقال السديُّ: هم أولاد الزنا. وقيل: أولاد المشركين، والعموم أصح أي يوم يشيب فيه الصغير من غير كبر، وذلك حين يقال لآدم: يا آدَمُ قَمْ فابْعَثْ بعثاً للنارِ. قال القشيريُّ: هم أهل الجنة، يُغيِّرُ اللَّهُ أحوالهم، وأوصافهم على ما يريد. وقيل: هذا ضرب مثل لشدة ذلك اليوم، وهو مجاز لأن يوم القيامة لا يكون فيه ولدان، لكن معناه: أن هيبة ذلك اليوم بحال لو كان فيه هناك صبي لشاب رأسه من الهيبة، ويقال: هذا وقت الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعقِ. والله أعلم. و «شيباً» : جمع «أشْيَب» ، وأصل الشين الضم فكسرت لتصح الياء، نحو: أحْمَر حُمْرٌ؛ قال الشاعر: [البسيط] 4939 - مِنَّا الذِي هُوَ مَا إنْ طَرَّ شَارِبُهُ ... والعَانِسُونَ ومنَّا المُرْدُ والشِّيبُ وقال آخر: [الطويل] 4940 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... لَعِبْنَ بِنَا شِيباً، وشَيَّبْنَنَا مُرْدَا قال الزمخشريُّ: وفي بعض الكتب أن رجلاً أمسى فاحم الشعر كحنكِ الغراب، فأصبح وهو أبيض الرأس واللحية كالثغامة، فقال: رأيت القيامة والجنة والنار في المنام، ورأيت الناس يقادون في السلاسل إلى النار، فمن هول ذلك أصبحت كما ترون. ويجوز أن يوصف اليوم بالطول فإن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة والشيب. قال ابن الخطيب: إن الله تعالى ذكر من هول ذلك اليوم أمرين: الأول: جعل الولدان شيباً وفيه وجهان: الأول: أنه مثلٌ في الشدة، يقال في اليوم الشديد: يوم يشيِّبُ نواصي الأطفال، والأصل فيه أن الهموم، والأحزان إذا تفاقمت على الإنسان، أسرع فيه الشيبُ لأن كثرة الهموم؛ توجب انكسار الروح إلى داخل القلب، وذلك الانكسار يوجب انطفاء الحرارة الغريزية، وضعفها يوجب بقاء الأجزاء الغذائية غير تامة النضج، وذلك يوجب استيلاء البلغم على الأخلاط، وذلك يوجب ابيضاض الشعر، فلما رأوا أن حصول الشيب من لوازم كثرة الهموم جعلوا الشيب كناية عن الشدة والهموم، وليس المراد أن هول ذلك اليوم يجعل الولدان شيباً حقيقة لأن إيصال الألم أو الخوف إلى الأطفال غير جائز يوم القيامة. الثاني: ما تقدم من طول اليوم وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة، والشيب. قوله: ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ . صفة أخرى، أي: متشققة بسبب هوله وشدته، فتكون الباء سببية، وجوز الزمخشريُّ أن تكون للاستعانة، فإنه قال: والباء في «به» مثلها في قولك: «فطرت العود بالقدُومِ فانفَطرَ بِهِ» . وقال القرطبيُّ: ومعنى «به» ، أي: فيه، أي: في ذلك اليوم لهوله، هذا أحسن ما قيل فيه، ويقال: مثقلة به إثقالاً يؤدي إلى انفطارها لعظمته عليها، وخشيته من وقوعها، كقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السماوات والأرض﴾ [الأعراف: 187] ، وقيل: «به» ؛ أي: له، أي: لذلك اليوم، يقال: فعلت كذا بحرمتك، أو لحرمتك، والباء واللام وفي متقاربه في مثل هذا الموضع، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة﴾ [الأنبياء: 47] ، أي: في يوم القيامة، وقيل: «به» أي بالأمر، أي: السماء منفطر بما يجعل الولدان شيباً. وقيل: السَّماءُ منفطر بالله، أي: بأمره. وإنما لم تؤنث الصفة لوجوه منها: قال أبو عمرو بن العلاء: لأنها بمعنى السقفِ تقول: هذا سماء البيت، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: 32] . ومنها: أنها على النسب، أي: ذات انفطار، نحو: امرأة مرضع وحائض، أي: ذات إرضاع، وذات حيض. ومنها أنها تذكر، وتؤنث؛ أنشد الفراء: [الوافر] 4941 - فَلوْ رَفَعَ السَماءُ إليْه قَوماً ... لخُضْنَا بالسَّماءِ وبالسَّحَابِ ومنها: اسم الجنس، يفرق بينه وبين واحده بالتاء، فيقال: سماة، وقد تقدم أن اسم الجنس يذكر ويؤنث. ولهذا قال أبو علي الفارسي: هو كقوله: ﴿جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 7] و ﴿الشجر الأخضر﴾ [يس: 80] و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: 20] يعني: فجاء على أحد الجائزين. وقيل: لأن تأنيثها ليس بحقيقي، وما كان كذلك جاز تذكيره وتأنيثه؛ قال الشاعر: [البسيط] 4942 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... والعَيْنُ بالإثْمِدِ الحَارِيِّ مَكحُولُ قوله: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ ، يجوز أن يكون الضميرُ لله تعالى، وإن لم يجر له ذكر للعلم به، فيكون المصدر مضافاً لفاعله، ويجوز أن يكون لليوم، فيكون مضافاً لمفعوله والفاعل وهو «اللَّهُ» مقدر. فصل في المراد بالوعد قال المفسرون: كان وعده بالقيامة والحساب والجزاء مفعولاً كائناً لا محالة ولا شك فيه ولا خلاف، وقال مقاتل: كان وعده بأن يظهره دينه على الدين كله. قوله: ﴿إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ﴾ ، أي: هذه السورة والآيات عظة، وقيل: آيات القرآن إذ هو كالسورة الواحدة ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ ؛ لأن هذه الآيات مشتملة على أنواع الهداية، والإرشاد، فمن شاء أن يؤمن، ويتخذ بذلك إلى ربِّه سبيلاً، أي: طريقاً إلى رضاه، ورحمته فليرغب، فقد أمكن له؛ لأنه أظهر له الحجج، والدلائل. قيل: نسخت بآية السيف، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ . قال الكلبيُّ: والأشبه أنه غير منسوخٍ. قوله تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾

المزمل 73:20

قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل﴾ . العامة: على ضم «اللام» من «ثلثي» وهو الأصل، كالربع والسدس. وقرأ هشام: بإسكانها تخفيفاً. قوله: ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ ، قرأ الكوفيون وابن كثير: بنصبهما، والباقون، بجرهما. وفي الجر إشكال يأتي إن شاء الله تعالى. فالنصبُ: نسق على «أدْنَى» ؛ لأنه بمعنى وقت أدنى، أي: أقرب، استعير الدنو لقرب المسافة في الزمان، وهذا مطابق لما في أول السورة من التقسيم، وذلك أنه إذا قام أدنى من ثلثي الليل، فقد صدق عليه أنه قام الليل إلا قليلاً، لأن الزمان لم يقم فيه، فيكون الثلث، وشيئاً من الثلثين، فيصدق عليه قوله: «إلاَّ قَلِيلاً» . وأما قوله: «ونصفهُ» فهو مطابق لقوله: «ولا نِصْفهُ» ، وأما قوله: «وثُلثهُ» فإنَّ قوله: ﴿أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ قد ينتهى النقص في القليل إلى أن يكون الوقت ثلثي الليل، وأما قوله: ﴿أَو زِدْ عَلَيْهِ﴾ فإنَّه إذا زاد على النصف قليلاً كان الوقت أقل من الثلثين. فيكون قد طابق أدنى من ثلثي الليل، ويكون قوله تعالى: ﴿نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ شرطاً لمبهم ما دل عليه قوله: ﴿قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ، وعلى قراءة النصب: فسر الحسن «تحصُوهُ» بمعنى تطيقوه، وأما قراءة الجر: فمعناها أنه قيام مختلف مرة أدنى من الثلثين، ومرة أدنى من الثلث وذلك لتعذر معرفة البشر بمقدار الزمان مع عذر النوم، وقد أوضح هذا كله الزمخشري، فقال: وقرىء: «نصفه وثلثه» بالنصب، على أنك تقوم أقل من الثلثين، وتقوم النصف والثلث، وهو مطابق لما مر فيه أول السورة في التخيير بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص وهو الثلث، وبين قيام الزائد عليه وهو الأدنى من الثلثين. وقرىء بالجر أي تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف والثلث، وهو مطابق للتخيير بين النصف، وهو أدنى من الثلثين، والثلث، وهو أدنى من النصف، والربع وهو أدنى من الثلث، وهو الوجه الأخير، انتهى. يعني بالوجه الأخير ما قدمه أول السورة من التأويلات. وقال أبو عبد الله الفارسي: وفي قراءة النصب إشكال إلا أن يقدر نصفه تارة، وثلثه تارة، وأقل من النصف، والثلث تارة، فيصح المعنى. فصل في بيان أن هذه الآية تفسير للقيام في أول السورة قال القرطبي: هذه الآية تفسير لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً نِصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ أو زد عليه - كما تقدم - وهي الناسخة لفريضة قيام الليل كما تقدم، ومعنى قوله تعالى: «تَقُومُ» أي: تصلي، و «أدْنَى» ، أي: أقل. وقرأ ابن السميقع وأبو حيوة وهشام عن أهل الشام: «ثلثي» بإسكان اللام، و «نصفه وثلثه» بالخفض: قراءة العامة - كما تقدم -، عطفاً على «ثلثي» والمعنى: تقوم أدنى من ثلثي الليل، ومن نصفه، وثلثه، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، لقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ فكيف تقيمون نصفه أو ثلثيه، وهو لا تحصونه؟! وأما قراءة النصف عطفاً على «أدنى» ، والتقدير: تقوم أدنى من ثلثيه وتقوم نصفه وثلثه. قال الفراءُ: وهو أشبه بالصوابِ؛ لأنه قال: أقلّ من الثلثين، ثم ذكر نفس القلة لا أقل من القلة. قال القشيريُّ: وعلى هذه القراءة يحتمل أنهم كانوا يصيبون الثلث والنصف لخفة القيام عليهم بذلك القدر، وكانوا يزيدون، وفي الزيادة إصابة المقصود، فأما الثلثان فكان يثقل عليهم قيامه فلا يصيبونه، وينقصون منه، ويحتمل أنهم أمروا بالقيام نصف الليل، ورخص لهم في الزيادة والنقصان، وكانوا ينتهون في الزيادة إلى قريب من الثلثين، وفي النصف إلى قريب من الثلث، ويحتمل أنَّهُم قدر لهم النصف وأنقص إلى الثلث، والزيادة إلى الثلثين، وكان فيهم من يفي بذلك، وفيهم من يترك ذلك إلى أن نسخ عنهم، وقيل: إنَّما فرض عليهم الربع، وكانوا ينقصون من الربع. قال القرطبيُّ: «وهَذَا تَحكُّمٌ» . قوله: ﴿وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ﴾ . رفع بالعطف على الضمير في «تقُومُ» ، وجوز ذلك الفصل بالظرف، وما عطف عليه. قوله: ﴿والله يُقَدِّرُ الليل﴾ . قال الزمخشريُّ: «تقديم اسم الله - عَزَّ وَجَلَّ - مبتدأ مبنياً عليه» يقدر «هو الدال على معنى الاختصاص بالتقدير» . ونازعه أبو حيَّان في ذلك، وقال: «لو قيل: زيدٌ يحفظ القرآن، لم يدل ذلك على اختصاصه» . وقيل: الاختصاص في الآية مفهوم من السياق، والمعنى: ليعلم مقادير الليل، والنهار على حقائقها، وأنتم تعلمون بالتحري، والاجتهاد الذي يقع فيه الخطأ. قوله: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ ، «أنْ لَنْ» و «أنْ سَيكُون» كلاهما مخففة من الثقيلة والفاصل للنفي، وحرف التنفيس. والمعنى: علم أن لن تطيقُوا معرفة حقائق ذلك، والقيام به، أي: أن الله هو الذي يعلم مقادير الليل والنهار على حقيقته. وقيل: المعنى: لن تطيقوا قيام الليل، والأصح الأول، لأن قيام الليل ما فرض كله قط. قال مقاتل وغيره: لما نزل ﴿قُمِ الليل إِلاَّ قَلِيلاً نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: 2 - 4] شق ذلك عليهم، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل، من ثلثه، فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطىء، وانتفخت أقدامهم، وانتقعت ألوانهم، فخفف الله عليهم، وقال: ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ ، أي: علم أنكم إن زدتم ثقل عليكم، واحتجتم إلى تكليف ما ليس فرضاً، وإن نقصتم شق معرفة ذلك عليكم. قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ ، أي: فعاد عليكم بالعفو، وهذا يدل على أنه كان فيهم من ترك بعض ما أمر به. وقيل: «فتَابَ علَيْكمْ» من فرض القيام أو عن عجزكم، وأصل التوبة الرجوع - كما تقدم - فالمعنى: رجع لكم من تثقيل إلى تخفيف، ومن عسر إلى إيسار، وإنما أمروا بحفظ الأوقات بالتحري، فخفف عنهم ذلك التحري. وقيل: معنى قوله: ﴿والله يُقَدِّرُ الليل والنهار﴾ ، أي: يخلقهما مقدرين، كقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان: 2] . قال ابنُ العربي: تقدير الخلقة لا يتعلق به حكم وإنما يربط الله به ما يشاء من وظائف التكليف. قوله: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ . قيل: المراد نفس القراءةِ، أي: فاقرأوا فيما تصلون به بالليل ما خف عليكم. قال السديُّ: مائة آية. وقال الحسنُ: من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن. وقال كعبٌ: من قرأ في ليلةٍ مائة آيةٍ كتب من القانتين. وقال سعيد بن جبير: خمسون آية. قال القرطبي: قول كعب أصح، «لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -:» مَنْ قَامَ بِعشْرِ آيَاتٍ لمْ يُكتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، ومَنْ قَامَ بِمائَةِ آيةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتيْنَ، ومَنْ قَامَ بألفِ آيةٍ كُتِبَ من المُقنطرينَ «خرجه أبو داود الطيالسي. وروى أنس بن مالك قال:» سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «مَنْ قَرَأ خَمْسينَ آيةً فِي يَومٍ أوْ فِي ليْلةٍ لَمْ يُكتَبْ مَنَ الغَافليْنَ، ومَنْ قَرَأ مِائةَ آيةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتينَ، ومَنْ قَرَأ مائَتَي آيةٍ لَمْ يُحَاجِّهِ القرآنُ إلى يَوْمِ القيامة، ومن قرأ خَمْسمائةِ آيةٍ كُتِبَ لَهُ قِنطارٌ مِنَ الأجْرِ» . فقوله: «مَنَ المقُنَطرِيْنَ» ، أي: أعطي قنطاراً من الأجر. وجاء في الحديث: «أن القنطار: ألف ومائتا أوقية، والأوقية خير مما بين السماء والأرض» . وقال أبو عبيدة: القناطيرُ، واحدها قنطار، ولا تجد العرب تعرف وزنه، ولا واحد للقنطار من لفظه. وقال ثعلب: المعمول عليه عند العربِ أنه أربعة آلافِ دينارٍ، فإذا قالوا: قناطير مقنطرة فهي اثنا عشر ألف دينار. وقيل: إن القنطار: ملء جلد ثور ذهباً. وقيل: ثمانون ألفاً. وقيل: هي جملة كثيرة مجهولة من المال، نقله ابن الأثير. وقيل: المعنى: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ ، أي: فصلوا ما تيسر عليكم، والصلاة تسمى قرآناً، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفجر إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء: 78] ، أي: صلاة الفجر. قال ابن العربي: «والأول أصح، لأنه أخبر عن الصلاة وإليها يرجع القول» . قال القرطبيُّ: «الأول أصح حملاً للخطاب على ظاهر اللفظ، والقول الثاني مجاز لأنه من تسمية الشيءِ ببعض ما هو من أعماله» . فصل في بيان أن الآية ناسخة قال بعض العلماءِ: قوله تعالى ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ نسخ قيام الليل ونصفه، والنقصان من النصف، والزيادة عليه، ثم يحتمل قول الله - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ معنيين: أحدهما: أن يكون فرضاً ثانياً لأنه أزيل به فرض غيره. والآخر: أن يكون فرضاً منسوخاً أزيل بغيره كما أزيل به غيره، وذلك بقول الله - تعالى -: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: 79] ، فاحتمل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: 79] أي: تتهجد بغير الذي فرض عليك مما تيسر منه. قال الشافعيُّ: فكان الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين فوجدنا سنّة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تدل على أن لا واجب من الصلاة إلا الخمس. فصل في أن النسخ هنا خاص بالأمة قال القشيريُّ: والمشهورُ أنَّ نسخ قيامِ الليل كان في حق الأمةِ، وبقيت الفريضةُ في حق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وقيل: إنما النسخ: التقدير بمقدار، وبقي أصل الوجوب كقوله تعالى: ﴿فَمَا استيسر مِنَ الهدي﴾ [البقرة: 196] ، فالهدي لا بد منه، كذلك لا بد من الصلاة في الليل ولكن فوض تقديره إلى اختيار المصلي، وعلىهذا فقال قوم: فرض قيام الليل بالقليل باق، وهو مذهب الحسنِ. قال الشافعيُّ: بل نسخ بالكلية، فلا تجب صلاة الليل أصلاً، ولعل الفريضة التي بقيت في حق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هي هذه، وهو قيامه، ومقداره مفوض إلى خيرته، وإذا ثبت أن القيام ليس فرضاً، فقوله تعالى: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ، معناه: اقرأوا إن تيسر عليكم ذلك وصلوا إن شئتم. وقال قوم: إنَّ النسخ بالكلية تقرر في حق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أيضاً، فما كانت صلاة الليل واجبة عليه، وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ محمول على حقيقة النفل، ومن قال: نسخ المقدار وبقي أصل وجوب قيام الليل لم ينسخ، فهذا النسخ الثاني وقع ببيان مواقيت الصلاة كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ الليل﴾ [الإسراء: 78] الآية، وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: 17] الآية، ما في الخبر من أن الزيادة على الصلوات الخمس تطوع. وقيل: وقع النسخ بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ ، والخطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وللأمة كما أن فرضية الصلاة، وإن خوطب بها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في قوله: ﴿يا أيها المزمل قُمِ الليل﴾ [المزمل: 1 - 2] فهي عامة له ولغيره. وقد قيل: إن فريضة قيام الليل امتدت إلى ما بعد الهجرةِ، ونسخت بالمدينة لقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ ، وإنما فرض القتال بالمدينة، فعلى هذا بيان المواقيت جرى بمكة، فقيام الليل نسخ بقوله: ﴿وَمِنَ الليل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: 79] . وقال ابن عباس: لما قدم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ المدينة نسخ قول الله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ ، وجوب قيام الليل فصل في علة تخفيف قيام الليل قوله: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى﴾ بيَّن سبحانه علة تخفيف قيام الليل، فإن الخلق منهم المريض، ويشق عليه قيام الليل، ويشق عليه أن تفوته الصلاة، والمسافر في التجارات قد لا يطيق قيام الليل، والمجاهد كذلك، فخفَّف الله عن الكل لأجل هؤلاء. وقال ابن الخطيب: لمَّا علم الله تعالى أعذار هؤلاء، يعني المريض، والمسافر، والمجاهد، فلو لم يناموا بالليل لتوالت عليهم أسباب المشقة، وهذا السبب ما كان موجوداً في حق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النهار سَبْحَاً طَوِيلاً﴾ [المزمل: 7] فلا جرم لم ينسخ وجوب التهجد في حقه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. و «أن» في قوله: «أنْ سيَكونُ» مخففة من الثقيلة، أي: علم أنه سيكون. قوله: «وآخَرُونَ» عطف على «مَرْضَى» ، أي: علم أن سيوجد منكم قوم مرضى، وقوم آخرون مسافرون، ف «يَضْربُونَ» نعت ل «آخَرُونَ» وكذلك «يَبْتَغُونَ» ، ويجوز أن يكون «يبتغون» حالاً من فاعل «يَضْرِبُونَ» ، و «آخَرُونَ» عطف على «آخَرُونَ» و «يُقَاتلُونَ» صفته. فصل في بيان أن الكسب الحلال كالجهاد سوى الله تعالى في هذه الآية بين درجة المجاهدين، والملتمسين للمال الحلال للنفقة على نفسه، وعياله، والإحسان، فكان هذا دليلاً على أن كسب المال بمنزلة الجهاد؛ لأنّ جمعه من الجهاد في سبيل الله. قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «» مَا مِنْ جَالبٍ يَجلبُ طَعاماً مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ، فيَبيعُهُ بِسْعرٍ يَومِهِ إلاَّ كانتْ مَنزِلتُهُ عنْدَ اللَّهِ تعالى مَنْزلةَ الشُّهداءِ «ثُمَّ قَرَأ رسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ » . وقال ابن مسعود: أيما رجل جلب شيئاً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً، فباعه بسعر يومه كان له عند الله منزلة الشهداء، وقرأ: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ . وقال ابن عمر: ما خلق الله موتة أموتها بعد الموت في سبيل الله أحب إليَّ من الموت بين شعبتي رحْلي، أبتغي من فضل الله، ضارباً في الأرض. وقال طاووس: الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله. قوله: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ ، أي: صلُّوا ما أمكن فأوجب الله تعالى من صلاة الليل، ما تيسَّر، ثم نسخ ذلك بإيجاب الصلوات الخمس على ما تقدم. وقال عبد الله بن عمرو: «قال لي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» يَا عَبْدَ اللَّه، لا تكُنْ مِثْلَ فُلانِ كَانَ يقُومُ اللَّيْلَ، فتركَ قِيامَ اللَّيْلِ» ، ولو كان فرضاً ما أقره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ولا أخبر بمثل هذا الخبر عنه، بل كان يذمه غاية الذم. فصل في القدر الذي يقرأ به في صلاته إذا ثبت أنَّ قيام الليل ليس بفرض، وأن قوله ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن﴾ ، ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ محمول على ظاهره من القراءة في الصلاة، فاختلف العلماء في قدر ما يلزمه أن يقرأ به في الصلاة. فقال مالك والشافعيُّ: فاتحة الكتاب لا يجوز العدول عنها ولا الاقتصار على بعضها، وقدره أبو حنيفة بآية واحدة من أي القرآن كانت، وعنه ثلاث آياتٍ لأنها أقل سورة، وقيل المراد به قراءة القرآن في غير الصلاة. قال الماورديُّ: فعلى هذا القول يكون مطلق الأمر محمولاً على الوجوب ليقف بقراءته على إعجازه وما فيه من دلائل التوحيد، وبعث الرسل، ولا يلزمه إذا قرأه وعرف إعجازه، ودلائل التوحيد أن يحفظه؛ لأن حفظ القرآن من القرب المستحبة دون الواجبة والأكثرون على أنه للاستحباب، لأنه لو وجب علينا قراءته لوجب حفظه. وفي قدر الواجب أقوال: الأول: قال الضحاكُ: جميع القرآن، لأن الله تعالى يسره على عباده. الثاني: قال جويبر: ثلث القرآن. الثالث: قال السديُّ: مائتا آية. الرابع: قال ابن عباسٍ: مائة آية. الخامس: قال أبو خالد الكناني: ثلاث آياتٍ كأقصر سورة. قوله ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ ، يعني الخمس المفروضة، وهي الخمس لوقتها، ﴿وَآتُواْ الزكاة﴾ الواجبة في أموالكم. قاله عكرمة وقتادة، وقال الحارث العكلي: صدقة الفطر، لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك، وقيل: صدقة التطوع. وقيل: كل فعل خير. وقال ابن عباسٍ: طاعة الله الإخلاص. قوله: ﴿وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ . القرض الحسن ما أريد به وجه الله تعالى خالصاً من المال الطيب وقال زيد بن أسلم: القرض الحسن، النفقة على الأهل، وقيل: صلةُ الرَّحمِ، وقرى الضيف، وقال عمر بن الخطاب: هو النفقة في سبيل الله. قوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله﴾ تقدم بيانه في سورة «البقرة» . قوله: ﴿هُوَ خَيْراً﴾ ، العامة على نصب الخير مفعولاً ثانياً، و «هُوَ» إما تأكيد للمفعول الأول، أو فصل. وجوَّز أبو البقاء: أن يكون بدلاً، وهو غلط، لأنه كان يلزم أن يطابق ما قبله في الإعراب فيقال: إياه. وقرأ أبو السمال وابن السميقع: «خير» على أن يكون «هو» مبتدأ، و «خير» خبره، والجملة مفعول ثان ل «تَجِدُوه» . قال أبو زيد: هي لغة تميم، يرفعون ما بعد الفصل. وأنشد سيبويه: [الطويل] 4943 - تَحِنُّ إلى لَيْلَى وأنْتَ تَرَكْتَها ... وكُنْتَ عَليْهَا بالمَلا أنْتَ أقْدَرُ والقَوَافِي مرفوعةٌ، ويروى: «أقدرا» بالنصب. [وقال الزمخشريُّ: وهو فصل] ، وجاز، وإن لم يقع بين معرفتين، لأن «أفعل من» أشبه في امتناعه من حرف التعريف، المعرفة. قال شهاب الدين: «هذا هو المشهورُ، وبعضهم يجوزه في غير أفعل من النكرات» . وقال القرطبي: «ونصب» خيراً، وأعظم «على المفعول الثاني: ل» تَجِدُوهُ «و» هُوَ» فصل عند البصريين، وعماد عند الكوفيين، لا محلَّ له من الإعراب، و «أجْراً» تمييز» . فصل في معنى الآية المعنى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله هُوَ خَيْراً﴾ من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت. قاله ابن عباس. وقال الزجاجُ: ﴿خير لكم من متاع الدنيا﴾ . قوله: ﴿وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾ ، قال أبو هريرة: يعني الجنَّة، ويحتمل أن يكون «أعظم أجْراً» لإعطائه بالحسنة عشراً ﴿واستغفروا الله﴾ أي سلوه المغفرة لذنوبكم ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لما كان عل التوبة رحيم لكم بعدها، قاله سعيد بن جبير وقيل: غفور لمن لم يصرّ على الذنوب. وقال مقاتل: غفور لجميع الذنوب لأن قوله «غَفُورٌ» يتناول التائب والمصر، بدليل أنه يصح استثناء كل واحد منهما وحده، والاستثناء حكمه إخراج ما لولاه لدخل. وأيضاً: غفران التائب واجب عند الخصم فلا يحصل المدح بأداء الواجبِ، والغرض من الآية تقرير المدح فوجب حمله على الكل تحقيقاً للمدح. روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ سُوْرَةَ يا أيُّهَا المُزَّمِّل رُفِعَ عنهُ العُسْرُ في الدُّنيَا والآخِرَةِ» ، والله أعلم. سورة المدثر

المدثر 74:1

مكية، وهي ست وخمسون آية، ومائتان وخمس وخمسون كلمة، وألف وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ؛ يا أيها الذي قد دثر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقرأ العامة: بتشديد الدال وكسر الثاء، اسم فاعل من «تدثَّر» وأصله: المتدثر فأدغم ك «المزمّل» . وفي حرف أبي: «المتدثر» على الأصل المشار إليه. وقرأ عكرمة: بتخفيف الدال، اسم فاعل من «دثّر» - بالتشديد - ويكون المفعول محذوفاً أي: المدثر نفسه، كما تقدم. وعنه أيضاً: فتح الثاء. ومعنى «تَدثَّر» لبس الدِّثَار، وهو الثوب الذي فوق الشِّعار، «والشِّعَار» : ما يلي الحسد، وفي الحديث: «الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ» . و «سيف دَاثِر» : بعيد العَهْد الصِّقال. ومنه قيل للمنزل الدارس: داثر لذهاب أعلامه وفلان داثرُ المال، أي: حسن القيام به. قوله: «قُمْ» إما أن يكون من القيام المعهود، فيكون المعنى: قم من مضجعك، وإما من «قام» بمعنى الأخذ في القيام، كقوله: [الطويل] 4944 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسيْفِهِ..... ... ... ... ... ... ... . وقوله: [الوافر] 4945 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ..... ... ... ... ... ... ... ... في أحد القولين، فيكون المعنى: قيام عزم وتصميم، والقول الآخر: أن «قام» مزيدة، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر؛ لأنه حينئذ يصير من أخوات «عَسَى» فلا بد له من خبر يكون فعلاً مضارعاً مجرداً. قوله: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، مفعوله محذوف، أي: أنذر قومك عذاب الله، والأحسن أن لا يقدر له، أي: أوقع الإنذار. فصل في معنى الآية المعنى: يا أيها الذي قد دُثِّر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقيل: ليس المراد التدثر بالثوب، فإن قلنا التدثر، ففيه وجوه: أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن. روى جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «كُنْتُ عَلى جَبلِ حِراءَ، فنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ لرَسُولٌ، فنَظرْتُ عَنْ يَمِينِي، ويسَارِي، فَلمْ أرَ أحَداً فنَظرْتُ فَوْقِي فَرأيتُ المَلكَ الذي جَاءَنِي بحِراءَ جَالِساً عَلى كُرسِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَخِفْتُ فَرجَعْتُ إلى خَدِيْجَةَ، فقلتُ: دَثِّرُوني، وصبُّوا عليَّ ماءاً بارداً» ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثانيها: أن أبا جهل، وأبا لهب، وأبا سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأميَّة بن خلف، والعاص بن وائل والمطعم بن عدي، اجتمعوا وقالوا: إنَّ وفود العرب مجتمعون في أيام الحج، وهم يسألون عن أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون. وقائل: كاهن. وقائل: ساحر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة، فسمُّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به فقدم رجل منهم فقال: إنه شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام عبيدة بن الأبرص [وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما يشبه كلامهما، فقالوا: كاهن: فقال:] الكاهن يصدق ويكذب، وما كذب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قط، فقال آخر: إنه مجنون، فقال الوليد: الجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته، فقال الناس: صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لك يا أبا عبد شمس، هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنك قد احتجت وصبأت، فقال الوليد: ما لي إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فشاع ذلك في الناس، فصاحوا يقولون: محمد ساحر والناس مجتمعون، فوقعت الصيحةُ في الناس فلما سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزوناً، فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثالثها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان نائماً، متدثراً بثيابه، فجاءه جبريل - عليه السلام - وأيقظه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، وقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ كأنه قال: اترك التدثر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله تعالى له. وإن قلنا: ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه: الأول: قال عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة، والرسالة انْقُلْها، من قولهم: ألبسه اللَّهُ لباس التقوى وزيَّنَهُ برداء العلم. قال ابن العربي: «وهذا مجاز بعيد، لأنه لم يكن تنبأ بعد، وإن قلنا: إنها أول القرآن لم يكن نبياً بعد إلا إن قلنا: إنها ثاني ما نزل» . الثاني: أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه، فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في جبل حراء كالمتخفي من النَّاس، فكأنه قال: يا أيها المدثِّر بدثار الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، والدعوة إلى معرفة الحقِّ. الثالث: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له: يا أيها المدثِّر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة: «قُمْ فأنْذِرْ» عذاب ربّك. فصل في لطف الخطاب في الآية قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمدُ، كما تقدم في المزمل. فصل في معنى «فأنذر» ومعنى قوله تعالى: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، أي: خوِّف أهل مكة، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا. وقيل: الإنذار هنا: إعلامهم بنوته - عليه السلام - لأنها مقدمة الرسالة. وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود. وقال الفراء: قم فصلِّ ومر بالصلاة. قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، قدم المفعول، وكذا ما بعد، إيذاناً بالاختصاص عند من يرى ذلك، أو للاهتمام به. قال الزمخشري: «واختص ربَّك بالتكبير» . ثم قال: «ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: ومهما تكن فلا تدع تكبيره» وقد تقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [البقرة: 40] . قال أبو حيان: «وهو قريب مما قدره النحاة في قولك:» زيداً فاضرب» ، قالوا: تقديره: «تنبَّهْ فاضرب زيداً» فالفاء هي جواب الأمر، وهذا الأمر إما مضمن معنى الشرط، وإما الشرط محذوف على الخلاف الذي فيه عند النحاة» . قال أبو الفتح الموصلي: يقال: «زيداً اضرب، وعمراً اشكر» وعنده أن الفاء زائدة. وقال الزجاج: ودخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية، والمعنى: قم فكبِّر ربَّك، وكذلك ما بعده. فصل في معنى الآية معنى قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظمه، وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة، أو ولد، وفي الحديث: أنهم قالوا: بم تفتتح الصلاة؟ فنزلت: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ . أي: صفه بأنه أكبر. قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة فإنه مراد به تكبيره بالتقديس، والتنزيه بخلع الأنداد، والأصنام دونه، ولا تتخذ ولياً غيره، ولا تعبد سواه، وروي «أن أبا سفيان قال يوم أحد:» أعْلُ هُبَل» ، فقال: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «قُولُواْ اللَّهُ أعْلَى وأجَلُّ» ، وقد صار هذا القول بعرف الشرع في تكثير العبادات كلها أذاناً، وصلاة بقوله» اللَّهُ أكبرُ «وحمل عليه لفظ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الوارد على الإطلاق في موارد منها قوله:» تَحْريمُهَا التَّكبيرُ، وتحْلِيلُهَا التَّسلِيمُ» ، والشَّرعُ يقتضي معرفة ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح تخليصاً له من الشرك، وإعلاناً باسمه بالنسك، وإفراداً لما شرع من أمره بالسفك. والمنقول عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في التكبير في الصلاة هو لفظ «اللَّهُ أكبَرُ» . وقال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ قام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: اللَّهُ أكبر، فكبرت خديجة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وعلمت أنه وحي من الله تعالى ذكره القشيري. وقال الكلبيُّ: فعظم ربَّك عما يقوله عبدة الأوثان. قال مقاتل: هو أن يقال: الله أكبر. وقيل: المرادُ منه التكبير في الصلاة. فإن قيل: هذه السورة نزلت في أول البعث، ولم تكن الصلاة واجبة. فالجواب: لا يبعد أنه كانت له - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - صلوات تطوع فأمر أن يُكبِّر ربَّه فيها قال ابن الخطيب: وعندي أنه لما قيل له: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ قيل بعد ذلك ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عن اللغو والرفث. قوله: ﴿وَثَيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ . قيل: المراد الثياب الملبوسة، فعلى الأول يكون المعنى: وعملك فأصلح، قاله مجاهد وابن زيد والسديُّ، وروى منصور عن أبي رزين، قال: يقول: وعملك فأصلح. وإذا كان الرجل خبيث العمل، قالوا: إن فلاناً خبيث الثيابِ، وإذ كان الرجل حسن العمل، قالوا: إنَّ فلاناً طاهر الثياب، ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يَحْشرُ المَرءُ فِي ثَوبَيْهِ الَّذي مَاتَ فِيْهِمَا» ، يعني: عمله الصالح والطالح، ذكره الماوردي. ومن قال المراد به القلب، قلبك فطهر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما؛ ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4946 - ... ... ... ... ... ... . ... فَسُلِّي ثِيَابِي مِن ثِيابكِ تَنْسُلِ أي: قلبي من قلبك. قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: المعنى: وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: وقلبك فطهر من القذر، أي: لا تقذر فتكون دنس الثياب وهو ما يروى عن ابن عباس أيضاً، واستشهدوا بقوله غيلان بن سلمة الثقفي: [الطويل] 4947 - فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ غَادِرٍ ... لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرةٍ أتقنَّعُ ومن قال: المراد به النفس، قال: معناه ونفسك فطهر، أي: من الذنوب، والعرب تكني عن النفس بالثياب. قاله ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -؛ ومنه قول عنترة: [الكامل] 4948 - فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الطَّويلِ ثِيابَهُ ... لَيْسَ الكرِيمُ على القَنَا بِمُحَرَّمِ وقول امرىء القيس المتقدم. ومن قال: بأنه الجسم قال: المعنى وجسمك فطهر من المعاصي الظاهرة، ومنه قول ليلى تصف إبلاً: [الطويل] 4949 - رَموْهَا بأثْوابٍ خِفافٍ فلا تَرَى ... لَهَا شَبَهاً إلاَّ النَّعامَ المُنفَّرَا أي: ركبوها فرموها بأنفسهم. ومن قال: المراد به الأهل، قال: معناه: وأهلك طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوباً وإزاراً ولباساً، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187] . قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: الأول: معناه: ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف. الثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر في الطهر إلا في الحيض حكاه ابن بحر. قال ابن الخطيب: «وحمل الآية على هذا التأويل يعسر لأنه على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها» . ومن قال المراد به الخلق قال معناه: وخلقك فحسِّنْ قاله الحسن والقرظي؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه؛ قال الشاعر: [الطويل] 4950 - فَلاَ أبَ وابْناً مِثْلَ مَرْوانَ وابْنِهِ ... إذَا هُوَ بالمَجْدِ ارتَدَى وتَأزَّرَا والسبب في حسن هذه الكناية وجهان: الأول: أن الثوب كالشيء الملازم للإنسان فلهذا جعلوا الأثواب كناية عن الإنسان، فيقال: المجد في ثوبه والعفة في إزاره. الثاني: أنه من طهر باطنه غالباً طهر ظاهره، ومن قال: المراد به الدين فمعناه: ودينك فطهر. جاء في الصحيح: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ورأيتُ النَّاس وعَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِنْهَا ما يَبلغُ الثُّدِيَّ، ومِنْهَا دونَ ذلِكَ، ورَأيْتُ عُمر بن الخطَّاب، وعليْهِ إزارٌ يُجُرُّهُ، قالوا: يا رسُولَ اللَّهِ فَمَا أوَّلتَ ذلِكَ؟ قال: الدِّينُ» . وروي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: معناه لا تلبس ثيابك على عذرة؛ قال ابن أبي كبشة: [الطويل] 4951 - ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارَى نَقيَّةٌ ... وأوْجُهُهمْ عِنْدَ المُشاهدِ غُرَّانُ يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم عن الدناءات ويعني بعزة وجوههم: تنزيههم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة، أو كليهما. قاله ابن العربي. وقال سفيانُ بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم، قاله عكرمة. ومن قال: إن المراد به الثياب الملبوسة، فلهم أربعة أوجهٍ: الأول: وثيابك فأنق. الثاني: وثيابك فشمِّر، أي قصِّر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة فإذا جُرَّت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها نجاسة، قاله الزجاج وطاووس. الثالث: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء. الرابع: لا تلبس ثيابك إلا من كسبِ الحلال ليكون مطهرة من الحرام. وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لا يكون ثيابك التي تلبس من ملبس غير طاهر. قال ابن العربي: وليس بممتنع أن تحمل الآية على عمومها، من أن المراد بها الحقيقة، والمجاز، وإذا حملناها على الثياب الطاهرةِ المعلومة، فهي تتناول معنيين: أحدهما: تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لغلام من الأنصار، وقد رأى ذيله مسترخياً: ارفع إزارك، فإنه أتْقَى، وأبْقَى، وأنقى. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إزْرَةُ المُؤمِن إلى أنْصَافِ سَاقيْهِ، لا جُناحَ عليْهِ فِيْمَا بَينهُ وبيْنَ الكعْبَيْنِ ومَا كَانَ أسْفل مِنْ ذلِكَ ففِي النَّارِ» فقد جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أيذالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» لا يَنْظرُ اللَّهُ تعالى إلى مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ خَيلاء «، وفي رواية:» منْ جرَّ إزارهُ خُيَلاء لَمْ ينْظُرِ اللَّهُ إليْهِ يَوْمَ القِيامةِ» قال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: يا رسول الله إني أجد شِقّ إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَسْتَ ممَّنْ يَصْنعهُ خيلاء» » . والمعنى الثاني: غسلها بالماء من النجاسة، وهو الظاهر. قال المهدوي: واستدل به بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، وليس ذلك يفرض عند مالك وأهل المدينة، وكذلك طهارة البدن، للإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار غير غسل. قال ابن الخطيب: إذا حملنا لفظ التطهير على حقيقته، فنقول: المراد منه أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار، وعلى هذا التقدير ففي الآية ثلاثة احتمالاتٍ: الأول: قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المقصود من الآية الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس. وثانيها: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره الله تعالى بأن يصون ثيابه عن النجاسات. وثالثها: روي أنهم ألقوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سَلَى شاةٍ، فشق عليه فرجع إلى بيته حَزيناً وتدثر في ثيابه، فقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ على أن لا ينتقم منهم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عن تلك النجاسات والقاذورات. قوله: ﴿والرجز﴾ . قرأ حفص ومجاهد وعكرمة وابن محيصن: بضم الراء، والباقون: بكسرها. فقيل: لغتان بمعنى، وعن أبي عبيدة: الضم أقيس اللغتين، وأكثرهما. وقال مجاهدٌ: هو بالضم اسم صنم، ويعزى للحسن البصري أيضاً، وبالكسر ويذكر: اسم للعذاب، وعلى تقدير كونه العذاب، فلا بد من حذف مضاف، أي: اهجر أسباب العذاب المؤدية إليه، أقام السبب مقام المسبب، وهو مجاز شائع بليغ. وقال السديُّ: «الرَّجْز» ، بنصب الراء: الوعيد. وقال مجاهد وعكرمة: المراد بالرجز: الأوثان، لقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 10] ، وقال ابن عباس أيضاً: والمأثم فاهجر، أي فاترك، وكذلك روى مغيرة عن إبراهيم النخعي، قال: الرجز: الإثم. وقال قتادة: الرجز إساف، ونائلة. وأصل «الرُّجْز» : العذابُ، قال تعالى: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] . وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [الأعراف: 163] . قوله: ﴿وَلاَ تَمْنُن﴾ ، العامة: على فك الإدغام والحسن وأبو السمال والأشهب العقيلي: بالإدغام. وقد تقدم أن المجزوم، والموقوف من هذا النوع يجوز فيهما الوجهان، وتقدم تحقيقه في «المائدة» ، عند قوله تعالى: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة: 54] . والمشهور أنه من المنّ، وهو الاعتداد على المعطى بما أعطاه، وقيل: معناه «ولا تضعف» من قولهم: حبل متين، أي: ضعيف. قوله: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، العامة على رفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه في موضع الحال، أي: لا تمنن مستكثراً ما أعطيت. وقيل: معناه لا تأخذ أكثر مما أعطيت. الثاني: على حذف «أن» يعني أن الأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، كقوله: [الطويل] 4952 - ألاَ أيُّهَذَا الزَّاجِري أحْضُرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ... في إحدى الروايتين. قاله الزمخشريُّ. ولم يبين ما محل «أن» وما في خبرها. وفيه وجهان: أظهرهما - وهو الذي يريده - هو أنها إما في محل نصب، أو جر على الخلاف فيها؛ حذف حرف الجر وهو هنا لام العلة، تقديره: ولا تمنن لأن تستكثر. والثاني: أنها في محل نصب فقط مفعولاً بها، أي: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قاله مكي. وقد تقدم أن «تَمْنُنْ» بمعنى تضعف، وهو قول مجاهد. إلا إنَّ أبا حيان قال - بعد كلام الزمخشريِّ -: «وهذا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحته معنى» . والكوفيون يجيزون ذلك، وأيضاً: فقد قرأ الحسن والأعمش: «تَسْتكثِرَ» أيضاً على إضمار «أن» ، كقولهم: «مُرْهُ يحفرها» . وأبلغ من ذلك التصريح بأن في قراء عبد الله: «ولا تمنن أن تستكثر» . وقرأ الحسن - أيضاً - وابن أبي عبلة تستكثرْ جزماً، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من الفعل قبله. كقوله: ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ﴾ [الفرقان: 68 - 69] ف «يُضَاعَفُ» بدلاً من «يَلْقَ» ؛ وكقوله: [الطويل] 4953 - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا في دِيَارنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَأجَّجَا ويكون من المنِّ الذي في قوله تعالى: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى﴾ [البقرة: 264] . الثاني: أن يشبه «ثرو» بعضد فيسكن تخفيفاً. قاله الزمخشري. يعني: أنه يأخذ من مجموع «تستكثر» [ومن الكلمة التي بعده وهو الواو ما يكون فيه شبهاً بعضد، ألا ترى أنه قال: أن يشبه ثرو، فأخذ بعض «تستكثر» ] وهو الثاء، والراء وحرف العطف من قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ ؛ وهذا كما قالوا في قول امرىء القيس: [السريع] 4954 - فالْيَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتحقِبٍ ... إثْماً من اللَّهِ ولا واغِلِ بتسكين «أشْرَبْ» - أنهم أخذوا من الكلمتين رَبْغَ ك «عضد» ثم سكن. وقد تقدم في سورة «يوسف» في قراءة قُنبل: «من يَتّقي» ، بثبوت الياء، أن «مَنْ» موصولة، فاعترض بجزم «يَصْبِر» ؟ . فأجيب بأنه شبه ب «رف» ، أخذوا الباء والراء من «يَصْبِر» والفاء من «فإنَّه» ، وهذه نظير تيك سواء. الوجه الثالث: أن يعتبر حال الوقف، ويجرى الوصل مجراه، قاله الزمخشري، أيضاً. يعني أنه مرفوع، وإنما سكن تخفيفاً، أو أجري الوصل مُجْرَى الوقفِ. قال أبو حيان: «وهذان لا يجوز أن يحمل عليهما مع وجود أرجح منهما، وهو البدل معنى وصناعة» . فصل في تعلق الآية بما قبلها في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى أمره قبل هذه الآية بأربعة أشياء: إنذار القوم، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، ثم قال - جلَّ ذكره -: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: لا تمن على ربِّك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما يفعله بل اصبر على ذلك كله لوجه ربِّك متقرباً بذلك إليه غير ممتن به عليه. قال الحسن - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بحسناتك، فتستكثرها. وقال ابن عباس وقتادة وعكرمةُ: ولا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثراً بذلك الإنعام، فإنَّما فعلت ذلك بأمر الله تبارك وتعالى، فلا منة لك عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ . وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك، أي: لتستكثر، أي: لتأخذ منهم على ذلك أجراً تستكثر به مالك. وقال مجاهدٌ: لا تضعف أن تستكثر من الخير، من قولك: حبل منين، إذا كان ضعيفاً، ودليله قراءة ابن مسعود: ولا تمنن تستكثر من الخير وعن مجاهد أيضاً، والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله عليك. وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك، إنما عملك منه من الله عليك، إذ جعل الله لك سبيلاً إلى عبادته. وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربِّك، لا تقل: دعوت فلم يستجب لي. وقيل: لا تفعل الخير لترائي به الناس. فإن قيل هذا النهي مختص بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو يتناول الأمة؟ . فالجوابُ: أن ظاهر اللفظ قرينة الحال لا تفيد العموم؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنما نهي عن ذلك تنزيهاً لمنصب النبوة، وهذا المعنى غير موجود في الأمة. وقيل: المعنى في حقِّ الأمة هو الرياءُ، واللَّهُ تعالى منع الكل من ذلك. فإن قيل: هل هذا نهي تحريم أو تنزيه؟ فالجواب: أن ظاهر النهي التحريم. فصل في المقصود من الآية قال القفال: يحتمل أن يكون المقصود من الآية أن يحرم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يعطي أحداً شيئاً لطلب عوض سواء كان العوض زائداً أو ناقصاً، أو مساوياً، ويكون معنى قوله تعالى ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: طالباً للكثرة كارهاً أن ينتقص المال بسبب العطاءِ، فيكون الاستكثار - هاهنا - عبارة عن طلب العوض كيف كان، وإنما حسنت هذه العبارةُ، لأن الغالب أن الثواب زائد على العطاء، فسمى طلب الثواب استكثاراً، حملاً للشيء على أغلب أحواله، كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي أغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع الأمر، وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، ومن ذهب إلى هذا القول قال: السبب فيه أن يصير عطاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خالياً عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه فيكون ذلك خالصاً مخلصاً لوجه الله تعالى. قال القرطبي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «أظهر الأقوال قول ابن عباس» لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال «يقال: مننت فلاناً كذا، أي: أعطيته، ويقال للعطية: المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها، لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما كان يجمع للدنيا، ولهذا قال: «مَا لي ممَّا أفَاء اللَّهُ عليَّ إلا الخُمْسَ، والخمس مَردُودٌ عَليْكُمْ» وكان ما يفضل عن نفقة عياله مصروفاً إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث «. قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ التقديم على ما تقدم. وحسنه كونه رأس فاصلة موافياً لما تقدم. ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تكون لام العلة، أي: لوجه ربِّك فاصبر، أي: على أذى الكفار وعلى عبادة ربك، وعلى كل شيء مما لا يليق فترك المصبور عليه، والمصبور عنه للعلم بهما. والأحسن أن لا يقدر شيء خاص بل شيء عام. والثاني: ان يضمن» صبر «معنى:» أذعن» ، أي: أذعن لربِّك، وسلم له أمرك صابراً، لقوله تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: 48] .

المدثر 74:2

مكية، وهي ست وخمسون آية، ومائتان وخمس وخمسون كلمة، وألف وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ؛ يا أيها الذي قد دثر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقرأ العامة: بتشديد الدال وكسر الثاء، اسم فاعل من «تدثَّر» وأصله: المتدثر فأدغم ك «المزمّل» . وفي حرف أبي: «المتدثر» على الأصل المشار إليه. وقرأ عكرمة: بتخفيف الدال، اسم فاعل من «دثّر» - بالتشديد - ويكون المفعول محذوفاً أي: المدثر نفسه، كما تقدم. وعنه أيضاً: فتح الثاء. ومعنى «تَدثَّر» لبس الدِّثَار، وهو الثوب الذي فوق الشِّعار، «والشِّعَار» : ما يلي الحسد، وفي الحديث: «الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ» . و «سيف دَاثِر» : بعيد العَهْد الصِّقال. ومنه قيل للمنزل الدارس: داثر لذهاب أعلامه وفلان داثرُ المال، أي: حسن القيام به. قوله: «قُمْ» إما أن يكون من القيام المعهود، فيكون المعنى: قم من مضجعك، وإما من «قام» بمعنى الأخذ في القيام، كقوله: [الطويل] 4944 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسيْفِهِ..... ... ... ... ... ... ... . وقوله: [الوافر] 4945 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ..... ... ... ... ... ... ... ... في أحد القولين، فيكون المعنى: قيام عزم وتصميم، والقول الآخر: أن «قام» مزيدة، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر؛ لأنه حينئذ يصير من أخوات «عَسَى» فلا بد له من خبر يكون فعلاً مضارعاً مجرداً. قوله: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، مفعوله محذوف، أي: أنذر قومك عذاب الله، والأحسن أن لا يقدر له، أي: أوقع الإنذار. فصل في معنى الآية المعنى: يا أيها الذي قد دُثِّر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقيل: ليس المراد التدثر بالثوب، فإن قلنا التدثر، ففيه وجوه: أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن. روى جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «كُنْتُ عَلى جَبلِ حِراءَ، فنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ لرَسُولٌ، فنَظرْتُ عَنْ يَمِينِي، ويسَارِي، فَلمْ أرَ أحَداً فنَظرْتُ فَوْقِي فَرأيتُ المَلكَ الذي جَاءَنِي بحِراءَ جَالِساً عَلى كُرسِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَخِفْتُ فَرجَعْتُ إلى خَدِيْجَةَ، فقلتُ: دَثِّرُوني، وصبُّوا عليَّ ماءاً بارداً» ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثانيها: أن أبا جهل، وأبا لهب، وأبا سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأميَّة بن خلف، والعاص بن وائل والمطعم بن عدي، اجتمعوا وقالوا: إنَّ وفود العرب مجتمعون في أيام الحج، وهم يسألون عن أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون. وقائل: كاهن. وقائل: ساحر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة، فسمُّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به فقدم رجل منهم فقال: إنه شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام عبيدة بن الأبرص [وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما يشبه كلامهما، فقالوا: كاهن: فقال:] الكاهن يصدق ويكذب، وما كذب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قط، فقال آخر: إنه مجنون، فقال الوليد: الجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته، فقال الناس: صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لك يا أبا عبد شمس، هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنك قد احتجت وصبأت، فقال الوليد: ما لي إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فشاع ذلك في الناس، فصاحوا يقولون: محمد ساحر والناس مجتمعون، فوقعت الصيحةُ في الناس فلما سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزوناً، فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثالثها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان نائماً، متدثراً بثيابه، فجاءه جبريل - عليه السلام - وأيقظه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، وقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ كأنه قال: اترك التدثر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله تعالى له. وإن قلنا: ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه: الأول: قال عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة، والرسالة انْقُلْها، من قولهم: ألبسه اللَّهُ لباس التقوى وزيَّنَهُ برداء العلم. قال ابن العربي: «وهذا مجاز بعيد، لأنه لم يكن تنبأ بعد، وإن قلنا: إنها أول القرآن لم يكن نبياً بعد إلا إن قلنا: إنها ثاني ما نزل» . الثاني: أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه، فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في جبل حراء كالمتخفي من النَّاس، فكأنه قال: يا أيها المدثِّر بدثار الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، والدعوة إلى معرفة الحقِّ. الثالث: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له: يا أيها المدثِّر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة: «قُمْ فأنْذِرْ» عذاب ربّك. فصل في لطف الخطاب في الآية قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمدُ، كما تقدم في المزمل. فصل في معنى «فأنذر» ومعنى قوله تعالى: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، أي: خوِّف أهل مكة، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا. وقيل: الإنذار هنا: إعلامهم بنوته - عليه السلام - لأنها مقدمة الرسالة. وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود. وقال الفراء: قم فصلِّ ومر بالصلاة. قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، قدم المفعول، وكذا ما بعد، إيذاناً بالاختصاص عند من يرى ذلك، أو للاهتمام به. قال الزمخشري: «واختص ربَّك بالتكبير» . ثم قال: «ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: ومهما تكن فلا تدع تكبيره» وقد تقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [البقرة: 40] . قال أبو حيان: «وهو قريب مما قدره النحاة في قولك:» زيداً فاضرب» ، قالوا: تقديره: «تنبَّهْ فاضرب زيداً» فالفاء هي جواب الأمر، وهذا الأمر إما مضمن معنى الشرط، وإما الشرط محذوف على الخلاف الذي فيه عند النحاة» . قال أبو الفتح الموصلي: يقال: «زيداً اضرب، وعمراً اشكر» وعنده أن الفاء زائدة. وقال الزجاج: ودخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية، والمعنى: قم فكبِّر ربَّك، وكذلك ما بعده. فصل في معنى الآية معنى قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظمه، وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة، أو ولد، وفي الحديث: أنهم قالوا: بم تفتتح الصلاة؟ فنزلت: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ . أي: صفه بأنه أكبر. قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة فإنه مراد به تكبيره بالتقديس، والتنزيه بخلع الأنداد، والأصنام دونه، ولا تتخذ ولياً غيره، ولا تعبد سواه، وروي «أن أبا سفيان قال يوم أحد:» أعْلُ هُبَل» ، فقال: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «قُولُواْ اللَّهُ أعْلَى وأجَلُّ» ، وقد صار هذا القول بعرف الشرع في تكثير العبادات كلها أذاناً، وصلاة بقوله» اللَّهُ أكبرُ «وحمل عليه لفظ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الوارد على الإطلاق في موارد منها قوله:» تَحْريمُهَا التَّكبيرُ، وتحْلِيلُهَا التَّسلِيمُ» ، والشَّرعُ يقتضي معرفة ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح تخليصاً له من الشرك، وإعلاناً باسمه بالنسك، وإفراداً لما شرع من أمره بالسفك. والمنقول عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في التكبير في الصلاة هو لفظ «اللَّهُ أكبَرُ» . وقال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ قام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: اللَّهُ أكبر، فكبرت خديجة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وعلمت أنه وحي من الله تعالى ذكره القشيري. وقال الكلبيُّ: فعظم ربَّك عما يقوله عبدة الأوثان. قال مقاتل: هو أن يقال: الله أكبر. وقيل: المرادُ منه التكبير في الصلاة. فإن قيل: هذه السورة نزلت في أول البعث، ولم تكن الصلاة واجبة. فالجواب: لا يبعد أنه كانت له - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - صلوات تطوع فأمر أن يُكبِّر ربَّه فيها قال ابن الخطيب: وعندي أنه لما قيل له: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ قيل بعد ذلك ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عن اللغو والرفث. قوله: ﴿وَثَيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ . قيل: المراد الثياب الملبوسة، فعلى الأول يكون المعنى: وعملك فأصلح، قاله مجاهد وابن زيد والسديُّ، وروى منصور عن أبي رزين، قال: يقول: وعملك فأصلح. وإذا كان الرجل خبيث العمل، قالوا: إن فلاناً خبيث الثيابِ، وإذ كان الرجل حسن العمل، قالوا: إنَّ فلاناً طاهر الثياب، ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يَحْشرُ المَرءُ فِي ثَوبَيْهِ الَّذي مَاتَ فِيْهِمَا» ، يعني: عمله الصالح والطالح، ذكره الماوردي. ومن قال المراد به القلب، قلبك فطهر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما؛ ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4946 - ... ... ... ... ... ... . ... فَسُلِّي ثِيَابِي مِن ثِيابكِ تَنْسُلِ أي: قلبي من قلبك. قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: المعنى: وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: وقلبك فطهر من القذر، أي: لا تقذر فتكون دنس الثياب وهو ما يروى عن ابن عباس أيضاً، واستشهدوا بقوله غيلان بن سلمة الثقفي: [الطويل] 4947 - فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ غَادِرٍ ... لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرةٍ أتقنَّعُ ومن قال: المراد به النفس، قال: معناه ونفسك فطهر، أي: من الذنوب، والعرب تكني عن النفس بالثياب. قاله ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -؛ ومنه قول عنترة: [الكامل] 4948 - فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الطَّويلِ ثِيابَهُ ... لَيْسَ الكرِيمُ على القَنَا بِمُحَرَّمِ وقول امرىء القيس المتقدم. ومن قال: بأنه الجسم قال: المعنى وجسمك فطهر من المعاصي الظاهرة، ومنه قول ليلى تصف إبلاً: [الطويل] 4949 - رَموْهَا بأثْوابٍ خِفافٍ فلا تَرَى ... لَهَا شَبَهاً إلاَّ النَّعامَ المُنفَّرَا أي: ركبوها فرموها بأنفسهم. ومن قال: المراد به الأهل، قال: معناه: وأهلك طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوباً وإزاراً ولباساً، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187] . قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: الأول: معناه: ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف. الثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر في الطهر إلا في الحيض حكاه ابن بحر. قال ابن الخطيب: «وحمل الآية على هذا التأويل يعسر لأنه على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها» . ومن قال المراد به الخلق قال معناه: وخلقك فحسِّنْ قاله الحسن والقرظي؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه؛ قال الشاعر: [الطويل] 4950 - فَلاَ أبَ وابْناً مِثْلَ مَرْوانَ وابْنِهِ ... إذَا هُوَ بالمَجْدِ ارتَدَى وتَأزَّرَا والسبب في حسن هذه الكناية وجهان: الأول: أن الثوب كالشيء الملازم للإنسان فلهذا جعلوا الأثواب كناية عن الإنسان، فيقال: المجد في ثوبه والعفة في إزاره. الثاني: أنه من طهر باطنه غالباً طهر ظاهره، ومن قال: المراد به الدين فمعناه: ودينك فطهر. جاء في الصحيح: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ورأيتُ النَّاس وعَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِنْهَا ما يَبلغُ الثُّدِيَّ، ومِنْهَا دونَ ذلِكَ، ورَأيْتُ عُمر بن الخطَّاب، وعليْهِ إزارٌ يُجُرُّهُ، قالوا: يا رسُولَ اللَّهِ فَمَا أوَّلتَ ذلِكَ؟ قال: الدِّينُ» . وروي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: معناه لا تلبس ثيابك على عذرة؛ قال ابن أبي كبشة: [الطويل] 4951 - ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارَى نَقيَّةٌ ... وأوْجُهُهمْ عِنْدَ المُشاهدِ غُرَّانُ يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم عن الدناءات ويعني بعزة وجوههم: تنزيههم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة، أو كليهما. قاله ابن العربي. وقال سفيانُ بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم، قاله عكرمة. ومن قال: إن المراد به الثياب الملبوسة، فلهم أربعة أوجهٍ: الأول: وثيابك فأنق. الثاني: وثيابك فشمِّر، أي قصِّر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة فإذا جُرَّت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها نجاسة، قاله الزجاج وطاووس. الثالث: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء. الرابع: لا تلبس ثيابك إلا من كسبِ الحلال ليكون مطهرة من الحرام. وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لا يكون ثيابك التي تلبس من ملبس غير طاهر. قال ابن العربي: وليس بممتنع أن تحمل الآية على عمومها، من أن المراد بها الحقيقة، والمجاز، وإذا حملناها على الثياب الطاهرةِ المعلومة، فهي تتناول معنيين: أحدهما: تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لغلام من الأنصار، وقد رأى ذيله مسترخياً: ارفع إزارك، فإنه أتْقَى، وأبْقَى، وأنقى. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إزْرَةُ المُؤمِن إلى أنْصَافِ سَاقيْهِ، لا جُناحَ عليْهِ فِيْمَا بَينهُ وبيْنَ الكعْبَيْنِ ومَا كَانَ أسْفل مِنْ ذلِكَ ففِي النَّارِ» فقد جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أيذالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» لا يَنْظرُ اللَّهُ تعالى إلى مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ خَيلاء «، وفي رواية:» منْ جرَّ إزارهُ خُيَلاء لَمْ ينْظُرِ اللَّهُ إليْهِ يَوْمَ القِيامةِ» قال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: يا رسول الله إني أجد شِقّ إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَسْتَ ممَّنْ يَصْنعهُ خيلاء» » . والمعنى الثاني: غسلها بالماء من النجاسة، وهو الظاهر. قال المهدوي: واستدل به بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، وليس ذلك يفرض عند مالك وأهل المدينة، وكذلك طهارة البدن، للإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار غير غسل. قال ابن الخطيب: إذا حملنا لفظ التطهير على حقيقته، فنقول: المراد منه أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار، وعلى هذا التقدير ففي الآية ثلاثة احتمالاتٍ: الأول: قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المقصود من الآية الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس. وثانيها: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره الله تعالى بأن يصون ثيابه عن النجاسات. وثالثها: روي أنهم ألقوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سَلَى شاةٍ، فشق عليه فرجع إلى بيته حَزيناً وتدثر في ثيابه، فقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ على أن لا ينتقم منهم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عن تلك النجاسات والقاذورات. قوله: ﴿والرجز﴾ . قرأ حفص ومجاهد وعكرمة وابن محيصن: بضم الراء، والباقون: بكسرها. فقيل: لغتان بمعنى، وعن أبي عبيدة: الضم أقيس اللغتين، وأكثرهما. وقال مجاهدٌ: هو بالضم اسم صنم، ويعزى للحسن البصري أيضاً، وبالكسر ويذكر: اسم للعذاب، وعلى تقدير كونه العذاب، فلا بد من حذف مضاف، أي: اهجر أسباب العذاب المؤدية إليه، أقام السبب مقام المسبب، وهو مجاز شائع بليغ. وقال السديُّ: «الرَّجْز» ، بنصب الراء: الوعيد. وقال مجاهد وعكرمة: المراد بالرجز: الأوثان، لقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 10] ، وقال ابن عباس أيضاً: والمأثم فاهجر، أي فاترك، وكذلك روى مغيرة عن إبراهيم النخعي، قال: الرجز: الإثم. وقال قتادة: الرجز إساف، ونائلة. وأصل «الرُّجْز» : العذابُ، قال تعالى: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] . وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [الأعراف: 163] . قوله: ﴿وَلاَ تَمْنُن﴾ ، العامة: على فك الإدغام والحسن وأبو السمال والأشهب العقيلي: بالإدغام. وقد تقدم أن المجزوم، والموقوف من هذا النوع يجوز فيهما الوجهان، وتقدم تحقيقه في «المائدة» ، عند قوله تعالى: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة: 54] . والمشهور أنه من المنّ، وهو الاعتداد على المعطى بما أعطاه، وقيل: معناه «ولا تضعف» من قولهم: حبل متين، أي: ضعيف. قوله: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، العامة على رفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه في موضع الحال، أي: لا تمنن مستكثراً ما أعطيت. وقيل: معناه لا تأخذ أكثر مما أعطيت. الثاني: على حذف «أن» يعني أن الأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، كقوله: [الطويل] 4952 - ألاَ أيُّهَذَا الزَّاجِري أحْضُرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ... في إحدى الروايتين. قاله الزمخشريُّ. ولم يبين ما محل «أن» وما في خبرها. وفيه وجهان: أظهرهما - وهو الذي يريده - هو أنها إما في محل نصب، أو جر على الخلاف فيها؛ حذف حرف الجر وهو هنا لام العلة، تقديره: ولا تمنن لأن تستكثر. والثاني: أنها في محل نصب فقط مفعولاً بها، أي: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قاله مكي. وقد تقدم أن «تَمْنُنْ» بمعنى تضعف، وهو قول مجاهد. إلا إنَّ أبا حيان قال - بعد كلام الزمخشريِّ -: «وهذا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحته معنى» . والكوفيون يجيزون ذلك، وأيضاً: فقد قرأ الحسن والأعمش: «تَسْتكثِرَ» أيضاً على إضمار «أن» ، كقولهم: «مُرْهُ يحفرها» . وأبلغ من ذلك التصريح بأن في قراء عبد الله: «ولا تمنن أن تستكثر» . وقرأ الحسن - أيضاً - وابن أبي عبلة تستكثرْ جزماً، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من الفعل قبله. كقوله: ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ﴾ [الفرقان: 68 - 69] ف «يُضَاعَفُ» بدلاً من «يَلْقَ» ؛ وكقوله: [الطويل] 4953 - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا في دِيَارنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَأجَّجَا ويكون من المنِّ الذي في قوله تعالى: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى﴾ [البقرة: 264] . الثاني: أن يشبه «ثرو» بعضد فيسكن تخفيفاً. قاله الزمخشري. يعني: أنه يأخذ من مجموع «تستكثر» [ومن الكلمة التي بعده وهو الواو ما يكون فيه شبهاً بعضد، ألا ترى أنه قال: أن يشبه ثرو، فأخذ بعض «تستكثر» ] وهو الثاء، والراء وحرف العطف من قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ ؛ وهذا كما قالوا في قول امرىء القيس: [السريع] 4954 - فالْيَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتحقِبٍ ... إثْماً من اللَّهِ ولا واغِلِ بتسكين «أشْرَبْ» - أنهم أخذوا من الكلمتين رَبْغَ ك «عضد» ثم سكن. وقد تقدم في سورة «يوسف» في قراءة قُنبل: «من يَتّقي» ، بثبوت الياء، أن «مَنْ» موصولة، فاعترض بجزم «يَصْبِر» ؟ . فأجيب بأنه شبه ب «رف» ، أخذوا الباء والراء من «يَصْبِر» والفاء من «فإنَّه» ، وهذه نظير تيك سواء. الوجه الثالث: أن يعتبر حال الوقف، ويجرى الوصل مجراه، قاله الزمخشري، أيضاً. يعني أنه مرفوع، وإنما سكن تخفيفاً، أو أجري الوصل مُجْرَى الوقفِ. قال أبو حيان: «وهذان لا يجوز أن يحمل عليهما مع وجود أرجح منهما، وهو البدل معنى وصناعة» . فصل في تعلق الآية بما قبلها في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى أمره قبل هذه الآية بأربعة أشياء: إنذار القوم، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، ثم قال - جلَّ ذكره -: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: لا تمن على ربِّك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما يفعله بل اصبر على ذلك كله لوجه ربِّك متقرباً بذلك إليه غير ممتن به عليه. قال الحسن - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بحسناتك، فتستكثرها. وقال ابن عباس وقتادة وعكرمةُ: ولا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثراً بذلك الإنعام، فإنَّما فعلت ذلك بأمر الله تبارك وتعالى، فلا منة لك عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ . وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك، أي: لتستكثر، أي: لتأخذ منهم على ذلك أجراً تستكثر به مالك. وقال مجاهدٌ: لا تضعف أن تستكثر من الخير، من قولك: حبل منين، إذا كان ضعيفاً، ودليله قراءة ابن مسعود: ولا تمنن تستكثر من الخير وعن مجاهد أيضاً، والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله عليك. وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك، إنما عملك منه من الله عليك، إذ جعل الله لك سبيلاً إلى عبادته. وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربِّك، لا تقل: دعوت فلم يستجب لي. وقيل: لا تفعل الخير لترائي به الناس. فإن قيل هذا النهي مختص بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو يتناول الأمة؟ . فالجوابُ: أن ظاهر اللفظ قرينة الحال لا تفيد العموم؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنما نهي عن ذلك تنزيهاً لمنصب النبوة، وهذا المعنى غير موجود في الأمة. وقيل: المعنى في حقِّ الأمة هو الرياءُ، واللَّهُ تعالى منع الكل من ذلك. فإن قيل: هل هذا نهي تحريم أو تنزيه؟ فالجواب: أن ظاهر النهي التحريم. فصل في المقصود من الآية قال القفال: يحتمل أن يكون المقصود من الآية أن يحرم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يعطي أحداً شيئاً لطلب عوض سواء كان العوض زائداً أو ناقصاً، أو مساوياً، ويكون معنى قوله تعالى ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: طالباً للكثرة كارهاً أن ينتقص المال بسبب العطاءِ، فيكون الاستكثار - هاهنا - عبارة عن طلب العوض كيف كان، وإنما حسنت هذه العبارةُ، لأن الغالب أن الثواب زائد على العطاء، فسمى طلب الثواب استكثاراً، حملاً للشيء على أغلب أحواله، كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي أغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع الأمر، وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، ومن ذهب إلى هذا القول قال: السبب فيه أن يصير عطاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خالياً عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه فيكون ذلك خالصاً مخلصاً لوجه الله تعالى. قال القرطبي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «أظهر الأقوال قول ابن عباس» لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال «يقال: مننت فلاناً كذا، أي: أعطيته، ويقال للعطية: المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها، لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما كان يجمع للدنيا، ولهذا قال: «مَا لي ممَّا أفَاء اللَّهُ عليَّ إلا الخُمْسَ، والخمس مَردُودٌ عَليْكُمْ» وكان ما يفضل عن نفقة عياله مصروفاً إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث «. قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ التقديم على ما تقدم. وحسنه كونه رأس فاصلة موافياً لما تقدم. ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تكون لام العلة، أي: لوجه ربِّك فاصبر، أي: على أذى الكفار وعلى عبادة ربك، وعلى كل شيء مما لا يليق فترك المصبور عليه، والمصبور عنه للعلم بهما. والأحسن أن لا يقدر شيء خاص بل شيء عام. والثاني: ان يضمن» صبر «معنى:» أذعن» ، أي: أذعن لربِّك، وسلم له أمرك صابراً، لقوله تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: 48] .

المدثر 74:3

مكية، وهي ست وخمسون آية، ومائتان وخمس وخمسون كلمة، وألف وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ؛ يا أيها الذي قد دثر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقرأ العامة: بتشديد الدال وكسر الثاء، اسم فاعل من «تدثَّر» وأصله: المتدثر فأدغم ك «المزمّل» . وفي حرف أبي: «المتدثر» على الأصل المشار إليه. وقرأ عكرمة: بتخفيف الدال، اسم فاعل من «دثّر» - بالتشديد - ويكون المفعول محذوفاً أي: المدثر نفسه، كما تقدم. وعنه أيضاً: فتح الثاء. ومعنى «تَدثَّر» لبس الدِّثَار، وهو الثوب الذي فوق الشِّعار، «والشِّعَار» : ما يلي الحسد، وفي الحديث: «الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ» . و «سيف دَاثِر» : بعيد العَهْد الصِّقال. ومنه قيل للمنزل الدارس: داثر لذهاب أعلامه وفلان داثرُ المال، أي: حسن القيام به. قوله: «قُمْ» إما أن يكون من القيام المعهود، فيكون المعنى: قم من مضجعك، وإما من «قام» بمعنى الأخذ في القيام، كقوله: [الطويل] 4944 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسيْفِهِ..... ... ... ... ... ... ... . وقوله: [الوافر] 4945 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ..... ... ... ... ... ... ... ... في أحد القولين، فيكون المعنى: قيام عزم وتصميم، والقول الآخر: أن «قام» مزيدة، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر؛ لأنه حينئذ يصير من أخوات «عَسَى» فلا بد له من خبر يكون فعلاً مضارعاً مجرداً. قوله: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، مفعوله محذوف، أي: أنذر قومك عذاب الله، والأحسن أن لا يقدر له، أي: أوقع الإنذار. فصل في معنى الآية المعنى: يا أيها الذي قد دُثِّر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقيل: ليس المراد التدثر بالثوب، فإن قلنا التدثر، ففيه وجوه: أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن. روى جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «كُنْتُ عَلى جَبلِ حِراءَ، فنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ لرَسُولٌ، فنَظرْتُ عَنْ يَمِينِي، ويسَارِي، فَلمْ أرَ أحَداً فنَظرْتُ فَوْقِي فَرأيتُ المَلكَ الذي جَاءَنِي بحِراءَ جَالِساً عَلى كُرسِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَخِفْتُ فَرجَعْتُ إلى خَدِيْجَةَ، فقلتُ: دَثِّرُوني، وصبُّوا عليَّ ماءاً بارداً» ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثانيها: أن أبا جهل، وأبا لهب، وأبا سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأميَّة بن خلف، والعاص بن وائل والمطعم بن عدي، اجتمعوا وقالوا: إنَّ وفود العرب مجتمعون في أيام الحج، وهم يسألون عن أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون. وقائل: كاهن. وقائل: ساحر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة، فسمُّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به فقدم رجل منهم فقال: إنه شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام عبيدة بن الأبرص [وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما يشبه كلامهما، فقالوا: كاهن: فقال:] الكاهن يصدق ويكذب، وما كذب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قط، فقال آخر: إنه مجنون، فقال الوليد: الجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته، فقال الناس: صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لك يا أبا عبد شمس، هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنك قد احتجت وصبأت، فقال الوليد: ما لي إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فشاع ذلك في الناس، فصاحوا يقولون: محمد ساحر والناس مجتمعون، فوقعت الصيحةُ في الناس فلما سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزوناً، فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثالثها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان نائماً، متدثراً بثيابه، فجاءه جبريل - عليه السلام - وأيقظه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، وقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ كأنه قال: اترك التدثر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله تعالى له. وإن قلنا: ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه: الأول: قال عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة، والرسالة انْقُلْها، من قولهم: ألبسه اللَّهُ لباس التقوى وزيَّنَهُ برداء العلم. قال ابن العربي: «وهذا مجاز بعيد، لأنه لم يكن تنبأ بعد، وإن قلنا: إنها أول القرآن لم يكن نبياً بعد إلا إن قلنا: إنها ثاني ما نزل» . الثاني: أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه، فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في جبل حراء كالمتخفي من النَّاس، فكأنه قال: يا أيها المدثِّر بدثار الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، والدعوة إلى معرفة الحقِّ. الثالث: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له: يا أيها المدثِّر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة: «قُمْ فأنْذِرْ» عذاب ربّك. فصل في لطف الخطاب في الآية قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمدُ، كما تقدم في المزمل. فصل في معنى «فأنذر» ومعنى قوله تعالى: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، أي: خوِّف أهل مكة، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا. وقيل: الإنذار هنا: إعلامهم بنوته - عليه السلام - لأنها مقدمة الرسالة. وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود. وقال الفراء: قم فصلِّ ومر بالصلاة. قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، قدم المفعول، وكذا ما بعد، إيذاناً بالاختصاص عند من يرى ذلك، أو للاهتمام به. قال الزمخشري: «واختص ربَّك بالتكبير» . ثم قال: «ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: ومهما تكن فلا تدع تكبيره» وقد تقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [البقرة: 40] . قال أبو حيان: «وهو قريب مما قدره النحاة في قولك:» زيداً فاضرب» ، قالوا: تقديره: «تنبَّهْ فاضرب زيداً» فالفاء هي جواب الأمر، وهذا الأمر إما مضمن معنى الشرط، وإما الشرط محذوف على الخلاف الذي فيه عند النحاة» . قال أبو الفتح الموصلي: يقال: «زيداً اضرب، وعمراً اشكر» وعنده أن الفاء زائدة. وقال الزجاج: ودخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية، والمعنى: قم فكبِّر ربَّك، وكذلك ما بعده. فصل في معنى الآية معنى قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظمه، وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة، أو ولد، وفي الحديث: أنهم قالوا: بم تفتتح الصلاة؟ فنزلت: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ . أي: صفه بأنه أكبر. قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة فإنه مراد به تكبيره بالتقديس، والتنزيه بخلع الأنداد، والأصنام دونه، ولا تتخذ ولياً غيره، ولا تعبد سواه، وروي «أن أبا سفيان قال يوم أحد:» أعْلُ هُبَل» ، فقال: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «قُولُواْ اللَّهُ أعْلَى وأجَلُّ» ، وقد صار هذا القول بعرف الشرع في تكثير العبادات كلها أذاناً، وصلاة بقوله» اللَّهُ أكبرُ «وحمل عليه لفظ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الوارد على الإطلاق في موارد منها قوله:» تَحْريمُهَا التَّكبيرُ، وتحْلِيلُهَا التَّسلِيمُ» ، والشَّرعُ يقتضي معرفة ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح تخليصاً له من الشرك، وإعلاناً باسمه بالنسك، وإفراداً لما شرع من أمره بالسفك. والمنقول عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في التكبير في الصلاة هو لفظ «اللَّهُ أكبَرُ» . وقال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ قام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: اللَّهُ أكبر، فكبرت خديجة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وعلمت أنه وحي من الله تعالى ذكره القشيري. وقال الكلبيُّ: فعظم ربَّك عما يقوله عبدة الأوثان. قال مقاتل: هو أن يقال: الله أكبر. وقيل: المرادُ منه التكبير في الصلاة. فإن قيل: هذه السورة نزلت في أول البعث، ولم تكن الصلاة واجبة. فالجواب: لا يبعد أنه كانت له - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - صلوات تطوع فأمر أن يُكبِّر ربَّه فيها قال ابن الخطيب: وعندي أنه لما قيل له: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ قيل بعد ذلك ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عن اللغو والرفث. قوله: ﴿وَثَيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ . قيل: المراد الثياب الملبوسة، فعلى الأول يكون المعنى: وعملك فأصلح، قاله مجاهد وابن زيد والسديُّ، وروى منصور عن أبي رزين، قال: يقول: وعملك فأصلح. وإذا كان الرجل خبيث العمل، قالوا: إن فلاناً خبيث الثيابِ، وإذ كان الرجل حسن العمل، قالوا: إنَّ فلاناً طاهر الثياب، ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يَحْشرُ المَرءُ فِي ثَوبَيْهِ الَّذي مَاتَ فِيْهِمَا» ، يعني: عمله الصالح والطالح، ذكره الماوردي. ومن قال المراد به القلب، قلبك فطهر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما؛ ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4946 - ... ... ... ... ... ... . ... فَسُلِّي ثِيَابِي مِن ثِيابكِ تَنْسُلِ أي: قلبي من قلبك. قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: المعنى: وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: وقلبك فطهر من القذر، أي: لا تقذر فتكون دنس الثياب وهو ما يروى عن ابن عباس أيضاً، واستشهدوا بقوله غيلان بن سلمة الثقفي: [الطويل] 4947 - فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ غَادِرٍ ... لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرةٍ أتقنَّعُ ومن قال: المراد به النفس، قال: معناه ونفسك فطهر، أي: من الذنوب، والعرب تكني عن النفس بالثياب. قاله ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -؛ ومنه قول عنترة: [الكامل] 4948 - فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الطَّويلِ ثِيابَهُ ... لَيْسَ الكرِيمُ على القَنَا بِمُحَرَّمِ وقول امرىء القيس المتقدم. ومن قال: بأنه الجسم قال: المعنى وجسمك فطهر من المعاصي الظاهرة، ومنه قول ليلى تصف إبلاً: [الطويل] 4949 - رَموْهَا بأثْوابٍ خِفافٍ فلا تَرَى ... لَهَا شَبَهاً إلاَّ النَّعامَ المُنفَّرَا أي: ركبوها فرموها بأنفسهم. ومن قال: المراد به الأهل، قال: معناه: وأهلك طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوباً وإزاراً ولباساً، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187] . قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: الأول: معناه: ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف. الثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر في الطهر إلا في الحيض حكاه ابن بحر. قال ابن الخطيب: «وحمل الآية على هذا التأويل يعسر لأنه على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها» . ومن قال المراد به الخلق قال معناه: وخلقك فحسِّنْ قاله الحسن والقرظي؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه؛ قال الشاعر: [الطويل] 4950 - فَلاَ أبَ وابْناً مِثْلَ مَرْوانَ وابْنِهِ ... إذَا هُوَ بالمَجْدِ ارتَدَى وتَأزَّرَا والسبب في حسن هذه الكناية وجهان: الأول: أن الثوب كالشيء الملازم للإنسان فلهذا جعلوا الأثواب كناية عن الإنسان، فيقال: المجد في ثوبه والعفة في إزاره. الثاني: أنه من طهر باطنه غالباً طهر ظاهره، ومن قال: المراد به الدين فمعناه: ودينك فطهر. جاء في الصحيح: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ورأيتُ النَّاس وعَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِنْهَا ما يَبلغُ الثُّدِيَّ، ومِنْهَا دونَ ذلِكَ، ورَأيْتُ عُمر بن الخطَّاب، وعليْهِ إزارٌ يُجُرُّهُ، قالوا: يا رسُولَ اللَّهِ فَمَا أوَّلتَ ذلِكَ؟ قال: الدِّينُ» . وروي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: معناه لا تلبس ثيابك على عذرة؛ قال ابن أبي كبشة: [الطويل] 4951 - ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارَى نَقيَّةٌ ... وأوْجُهُهمْ عِنْدَ المُشاهدِ غُرَّانُ يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم عن الدناءات ويعني بعزة وجوههم: تنزيههم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة، أو كليهما. قاله ابن العربي. وقال سفيانُ بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم، قاله عكرمة. ومن قال: إن المراد به الثياب الملبوسة، فلهم أربعة أوجهٍ: الأول: وثيابك فأنق. الثاني: وثيابك فشمِّر، أي قصِّر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة فإذا جُرَّت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها نجاسة، قاله الزجاج وطاووس. الثالث: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء. الرابع: لا تلبس ثيابك إلا من كسبِ الحلال ليكون مطهرة من الحرام. وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لا يكون ثيابك التي تلبس من ملبس غير طاهر. قال ابن العربي: وليس بممتنع أن تحمل الآية على عمومها، من أن المراد بها الحقيقة، والمجاز، وإذا حملناها على الثياب الطاهرةِ المعلومة، فهي تتناول معنيين: أحدهما: تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لغلام من الأنصار، وقد رأى ذيله مسترخياً: ارفع إزارك، فإنه أتْقَى، وأبْقَى، وأنقى. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إزْرَةُ المُؤمِن إلى أنْصَافِ سَاقيْهِ، لا جُناحَ عليْهِ فِيْمَا بَينهُ وبيْنَ الكعْبَيْنِ ومَا كَانَ أسْفل مِنْ ذلِكَ ففِي النَّارِ» فقد جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أيذالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» لا يَنْظرُ اللَّهُ تعالى إلى مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ خَيلاء «، وفي رواية:» منْ جرَّ إزارهُ خُيَلاء لَمْ ينْظُرِ اللَّهُ إليْهِ يَوْمَ القِيامةِ» قال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: يا رسول الله إني أجد شِقّ إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَسْتَ ممَّنْ يَصْنعهُ خيلاء» » . والمعنى الثاني: غسلها بالماء من النجاسة، وهو الظاهر. قال المهدوي: واستدل به بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، وليس ذلك يفرض عند مالك وأهل المدينة، وكذلك طهارة البدن، للإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار غير غسل. قال ابن الخطيب: إذا حملنا لفظ التطهير على حقيقته، فنقول: المراد منه أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار، وعلى هذا التقدير ففي الآية ثلاثة احتمالاتٍ: الأول: قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المقصود من الآية الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس. وثانيها: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره الله تعالى بأن يصون ثيابه عن النجاسات. وثالثها: روي أنهم ألقوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سَلَى شاةٍ، فشق عليه فرجع إلى بيته حَزيناً وتدثر في ثيابه، فقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ على أن لا ينتقم منهم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عن تلك النجاسات والقاذورات. قوله: ﴿والرجز﴾ . قرأ حفص ومجاهد وعكرمة وابن محيصن: بضم الراء، والباقون: بكسرها. فقيل: لغتان بمعنى، وعن أبي عبيدة: الضم أقيس اللغتين، وأكثرهما. وقال مجاهدٌ: هو بالضم اسم صنم، ويعزى للحسن البصري أيضاً، وبالكسر ويذكر: اسم للعذاب، وعلى تقدير كونه العذاب، فلا بد من حذف مضاف، أي: اهجر أسباب العذاب المؤدية إليه، أقام السبب مقام المسبب، وهو مجاز شائع بليغ. وقال السديُّ: «الرَّجْز» ، بنصب الراء: الوعيد. وقال مجاهد وعكرمة: المراد بالرجز: الأوثان، لقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 10] ، وقال ابن عباس أيضاً: والمأثم فاهجر، أي فاترك، وكذلك روى مغيرة عن إبراهيم النخعي، قال: الرجز: الإثم. وقال قتادة: الرجز إساف، ونائلة. وأصل «الرُّجْز» : العذابُ، قال تعالى: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] . وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [الأعراف: 163] . قوله: ﴿وَلاَ تَمْنُن﴾ ، العامة: على فك الإدغام والحسن وأبو السمال والأشهب العقيلي: بالإدغام. وقد تقدم أن المجزوم، والموقوف من هذا النوع يجوز فيهما الوجهان، وتقدم تحقيقه في «المائدة» ، عند قوله تعالى: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة: 54] . والمشهور أنه من المنّ، وهو الاعتداد على المعطى بما أعطاه، وقيل: معناه «ولا تضعف» من قولهم: حبل متين، أي: ضعيف. قوله: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، العامة على رفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه في موضع الحال، أي: لا تمنن مستكثراً ما أعطيت. وقيل: معناه لا تأخذ أكثر مما أعطيت. الثاني: على حذف «أن» يعني أن الأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، كقوله: [الطويل] 4952 - ألاَ أيُّهَذَا الزَّاجِري أحْضُرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ... في إحدى الروايتين. قاله الزمخشريُّ. ولم يبين ما محل «أن» وما في خبرها. وفيه وجهان: أظهرهما - وهو الذي يريده - هو أنها إما في محل نصب، أو جر على الخلاف فيها؛ حذف حرف الجر وهو هنا لام العلة، تقديره: ولا تمنن لأن تستكثر. والثاني: أنها في محل نصب فقط مفعولاً بها، أي: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قاله مكي. وقد تقدم أن «تَمْنُنْ» بمعنى تضعف، وهو قول مجاهد. إلا إنَّ أبا حيان قال - بعد كلام الزمخشريِّ -: «وهذا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحته معنى» . والكوفيون يجيزون ذلك، وأيضاً: فقد قرأ الحسن والأعمش: «تَسْتكثِرَ» أيضاً على إضمار «أن» ، كقولهم: «مُرْهُ يحفرها» . وأبلغ من ذلك التصريح بأن في قراء عبد الله: «ولا تمنن أن تستكثر» . وقرأ الحسن - أيضاً - وابن أبي عبلة تستكثرْ جزماً، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من الفعل قبله. كقوله: ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ﴾ [الفرقان: 68 - 69] ف «يُضَاعَفُ» بدلاً من «يَلْقَ» ؛ وكقوله: [الطويل] 4953 - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا في دِيَارنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَأجَّجَا ويكون من المنِّ الذي في قوله تعالى: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى﴾ [البقرة: 264] . الثاني: أن يشبه «ثرو» بعضد فيسكن تخفيفاً. قاله الزمخشري. يعني: أنه يأخذ من مجموع «تستكثر» [ومن الكلمة التي بعده وهو الواو ما يكون فيه شبهاً بعضد، ألا ترى أنه قال: أن يشبه ثرو، فأخذ بعض «تستكثر» ] وهو الثاء، والراء وحرف العطف من قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ ؛ وهذا كما قالوا في قول امرىء القيس: [السريع] 4954 - فالْيَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتحقِبٍ ... إثْماً من اللَّهِ ولا واغِلِ بتسكين «أشْرَبْ» - أنهم أخذوا من الكلمتين رَبْغَ ك «عضد» ثم سكن. وقد تقدم في سورة «يوسف» في قراءة قُنبل: «من يَتّقي» ، بثبوت الياء، أن «مَنْ» موصولة، فاعترض بجزم «يَصْبِر» ؟ . فأجيب بأنه شبه ب «رف» ، أخذوا الباء والراء من «يَصْبِر» والفاء من «فإنَّه» ، وهذه نظير تيك سواء. الوجه الثالث: أن يعتبر حال الوقف، ويجرى الوصل مجراه، قاله الزمخشري، أيضاً. يعني أنه مرفوع، وإنما سكن تخفيفاً، أو أجري الوصل مُجْرَى الوقفِ. قال أبو حيان: «وهذان لا يجوز أن يحمل عليهما مع وجود أرجح منهما، وهو البدل معنى وصناعة» . فصل في تعلق الآية بما قبلها في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى أمره قبل هذه الآية بأربعة أشياء: إنذار القوم، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، ثم قال - جلَّ ذكره -: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: لا تمن على ربِّك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما يفعله بل اصبر على ذلك كله لوجه ربِّك متقرباً بذلك إليه غير ممتن به عليه. قال الحسن - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بحسناتك، فتستكثرها. وقال ابن عباس وقتادة وعكرمةُ: ولا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثراً بذلك الإنعام، فإنَّما فعلت ذلك بأمر الله تبارك وتعالى، فلا منة لك عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ . وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك، أي: لتستكثر، أي: لتأخذ منهم على ذلك أجراً تستكثر به مالك. وقال مجاهدٌ: لا تضعف أن تستكثر من الخير، من قولك: حبل منين، إذا كان ضعيفاً، ودليله قراءة ابن مسعود: ولا تمنن تستكثر من الخير وعن مجاهد أيضاً، والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله عليك. وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك، إنما عملك منه من الله عليك، إذ جعل الله لك سبيلاً إلى عبادته. وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربِّك، لا تقل: دعوت فلم يستجب لي. وقيل: لا تفعل الخير لترائي به الناس. فإن قيل هذا النهي مختص بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو يتناول الأمة؟ . فالجوابُ: أن ظاهر اللفظ قرينة الحال لا تفيد العموم؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنما نهي عن ذلك تنزيهاً لمنصب النبوة، وهذا المعنى غير موجود في الأمة. وقيل: المعنى في حقِّ الأمة هو الرياءُ، واللَّهُ تعالى منع الكل من ذلك. فإن قيل: هل هذا نهي تحريم أو تنزيه؟ فالجواب: أن ظاهر النهي التحريم. فصل في المقصود من الآية قال القفال: يحتمل أن يكون المقصود من الآية أن يحرم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يعطي أحداً شيئاً لطلب عوض سواء كان العوض زائداً أو ناقصاً، أو مساوياً، ويكون معنى قوله تعالى ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: طالباً للكثرة كارهاً أن ينتقص المال بسبب العطاءِ، فيكون الاستكثار - هاهنا - عبارة عن طلب العوض كيف كان، وإنما حسنت هذه العبارةُ، لأن الغالب أن الثواب زائد على العطاء، فسمى طلب الثواب استكثاراً، حملاً للشيء على أغلب أحواله، كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي أغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع الأمر، وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، ومن ذهب إلى هذا القول قال: السبب فيه أن يصير عطاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خالياً عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه فيكون ذلك خالصاً مخلصاً لوجه الله تعالى. قال القرطبي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «أظهر الأقوال قول ابن عباس» لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال «يقال: مننت فلاناً كذا، أي: أعطيته، ويقال للعطية: المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها، لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما كان يجمع للدنيا، ولهذا قال: «مَا لي ممَّا أفَاء اللَّهُ عليَّ إلا الخُمْسَ، والخمس مَردُودٌ عَليْكُمْ» وكان ما يفضل عن نفقة عياله مصروفاً إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث «. قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ التقديم على ما تقدم. وحسنه كونه رأس فاصلة موافياً لما تقدم. ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تكون لام العلة، أي: لوجه ربِّك فاصبر، أي: على أذى الكفار وعلى عبادة ربك، وعلى كل شيء مما لا يليق فترك المصبور عليه، والمصبور عنه للعلم بهما. والأحسن أن لا يقدر شيء خاص بل شيء عام. والثاني: ان يضمن» صبر «معنى:» أذعن» ، أي: أذعن لربِّك، وسلم له أمرك صابراً، لقوله تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: 48] .

المدثر 74:4

مكية، وهي ست وخمسون آية، ومائتان وخمس وخمسون كلمة، وألف وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ؛ يا أيها الذي قد دثر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقرأ العامة: بتشديد الدال وكسر الثاء، اسم فاعل من «تدثَّر» وأصله: المتدثر فأدغم ك «المزمّل» . وفي حرف أبي: «المتدثر» على الأصل المشار إليه. وقرأ عكرمة: بتخفيف الدال، اسم فاعل من «دثّر» - بالتشديد - ويكون المفعول محذوفاً أي: المدثر نفسه، كما تقدم. وعنه أيضاً: فتح الثاء. ومعنى «تَدثَّر» لبس الدِّثَار، وهو الثوب الذي فوق الشِّعار، «والشِّعَار» : ما يلي الحسد، وفي الحديث: «الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ» . و «سيف دَاثِر» : بعيد العَهْد الصِّقال. ومنه قيل للمنزل الدارس: داثر لذهاب أعلامه وفلان داثرُ المال، أي: حسن القيام به. قوله: «قُمْ» إما أن يكون من القيام المعهود، فيكون المعنى: قم من مضجعك، وإما من «قام» بمعنى الأخذ في القيام، كقوله: [الطويل] 4944 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسيْفِهِ..... ... ... ... ... ... ... . وقوله: [الوافر] 4945 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ..... ... ... ... ... ... ... ... في أحد القولين، فيكون المعنى: قيام عزم وتصميم، والقول الآخر: أن «قام» مزيدة، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر؛ لأنه حينئذ يصير من أخوات «عَسَى» فلا بد له من خبر يكون فعلاً مضارعاً مجرداً. قوله: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، مفعوله محذوف، أي: أنذر قومك عذاب الله، والأحسن أن لا يقدر له، أي: أوقع الإنذار. فصل في معنى الآية المعنى: يا أيها الذي قد دُثِّر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقيل: ليس المراد التدثر بالثوب، فإن قلنا التدثر، ففيه وجوه: أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن. روى جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «كُنْتُ عَلى جَبلِ حِراءَ، فنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ لرَسُولٌ، فنَظرْتُ عَنْ يَمِينِي، ويسَارِي، فَلمْ أرَ أحَداً فنَظرْتُ فَوْقِي فَرأيتُ المَلكَ الذي جَاءَنِي بحِراءَ جَالِساً عَلى كُرسِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَخِفْتُ فَرجَعْتُ إلى خَدِيْجَةَ، فقلتُ: دَثِّرُوني، وصبُّوا عليَّ ماءاً بارداً» ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثانيها: أن أبا جهل، وأبا لهب، وأبا سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأميَّة بن خلف، والعاص بن وائل والمطعم بن عدي، اجتمعوا وقالوا: إنَّ وفود العرب مجتمعون في أيام الحج، وهم يسألون عن أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون. وقائل: كاهن. وقائل: ساحر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة، فسمُّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به فقدم رجل منهم فقال: إنه شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام عبيدة بن الأبرص [وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما يشبه كلامهما، فقالوا: كاهن: فقال:] الكاهن يصدق ويكذب، وما كذب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قط، فقال آخر: إنه مجنون، فقال الوليد: الجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته، فقال الناس: صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لك يا أبا عبد شمس، هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنك قد احتجت وصبأت، فقال الوليد: ما لي إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فشاع ذلك في الناس، فصاحوا يقولون: محمد ساحر والناس مجتمعون، فوقعت الصيحةُ في الناس فلما سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزوناً، فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثالثها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان نائماً، متدثراً بثيابه، فجاءه جبريل - عليه السلام - وأيقظه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، وقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ كأنه قال: اترك التدثر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله تعالى له. وإن قلنا: ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه: الأول: قال عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة، والرسالة انْقُلْها، من قولهم: ألبسه اللَّهُ لباس التقوى وزيَّنَهُ برداء العلم. قال ابن العربي: «وهذا مجاز بعيد، لأنه لم يكن تنبأ بعد، وإن قلنا: إنها أول القرآن لم يكن نبياً بعد إلا إن قلنا: إنها ثاني ما نزل» . الثاني: أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه، فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في جبل حراء كالمتخفي من النَّاس، فكأنه قال: يا أيها المدثِّر بدثار الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، والدعوة إلى معرفة الحقِّ. الثالث: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له: يا أيها المدثِّر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة: «قُمْ فأنْذِرْ» عذاب ربّك. فصل في لطف الخطاب في الآية قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمدُ، كما تقدم في المزمل. فصل في معنى «فأنذر» ومعنى قوله تعالى: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، أي: خوِّف أهل مكة، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا. وقيل: الإنذار هنا: إعلامهم بنوته - عليه السلام - لأنها مقدمة الرسالة. وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود. وقال الفراء: قم فصلِّ ومر بالصلاة. قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، قدم المفعول، وكذا ما بعد، إيذاناً بالاختصاص عند من يرى ذلك، أو للاهتمام به. قال الزمخشري: «واختص ربَّك بالتكبير» . ثم قال: «ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: ومهما تكن فلا تدع تكبيره» وقد تقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [البقرة: 40] . قال أبو حيان: «وهو قريب مما قدره النحاة في قولك:» زيداً فاضرب» ، قالوا: تقديره: «تنبَّهْ فاضرب زيداً» فالفاء هي جواب الأمر، وهذا الأمر إما مضمن معنى الشرط، وإما الشرط محذوف على الخلاف الذي فيه عند النحاة» . قال أبو الفتح الموصلي: يقال: «زيداً اضرب، وعمراً اشكر» وعنده أن الفاء زائدة. وقال الزجاج: ودخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية، والمعنى: قم فكبِّر ربَّك، وكذلك ما بعده. فصل في معنى الآية معنى قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظمه، وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة، أو ولد، وفي الحديث: أنهم قالوا: بم تفتتح الصلاة؟ فنزلت: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ . أي: صفه بأنه أكبر. قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة فإنه مراد به تكبيره بالتقديس، والتنزيه بخلع الأنداد، والأصنام دونه، ولا تتخذ ولياً غيره، ولا تعبد سواه، وروي «أن أبا سفيان قال يوم أحد:» أعْلُ هُبَل» ، فقال: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «قُولُواْ اللَّهُ أعْلَى وأجَلُّ» ، وقد صار هذا القول بعرف الشرع في تكثير العبادات كلها أذاناً، وصلاة بقوله» اللَّهُ أكبرُ «وحمل عليه لفظ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الوارد على الإطلاق في موارد منها قوله:» تَحْريمُهَا التَّكبيرُ، وتحْلِيلُهَا التَّسلِيمُ» ، والشَّرعُ يقتضي معرفة ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح تخليصاً له من الشرك، وإعلاناً باسمه بالنسك، وإفراداً لما شرع من أمره بالسفك. والمنقول عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في التكبير في الصلاة هو لفظ «اللَّهُ أكبَرُ» . وقال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ قام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: اللَّهُ أكبر، فكبرت خديجة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وعلمت أنه وحي من الله تعالى ذكره القشيري. وقال الكلبيُّ: فعظم ربَّك عما يقوله عبدة الأوثان. قال مقاتل: هو أن يقال: الله أكبر. وقيل: المرادُ منه التكبير في الصلاة. فإن قيل: هذه السورة نزلت في أول البعث، ولم تكن الصلاة واجبة. فالجواب: لا يبعد أنه كانت له - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - صلوات تطوع فأمر أن يُكبِّر ربَّه فيها قال ابن الخطيب: وعندي أنه لما قيل له: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ قيل بعد ذلك ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عن اللغو والرفث. قوله: ﴿وَثَيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ . قيل: المراد الثياب الملبوسة، فعلى الأول يكون المعنى: وعملك فأصلح، قاله مجاهد وابن زيد والسديُّ، وروى منصور عن أبي رزين، قال: يقول: وعملك فأصلح. وإذا كان الرجل خبيث العمل، قالوا: إن فلاناً خبيث الثيابِ، وإذ كان الرجل حسن العمل، قالوا: إنَّ فلاناً طاهر الثياب، ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يَحْشرُ المَرءُ فِي ثَوبَيْهِ الَّذي مَاتَ فِيْهِمَا» ، يعني: عمله الصالح والطالح، ذكره الماوردي. ومن قال المراد به القلب، قلبك فطهر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما؛ ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4946 - ... ... ... ... ... ... . ... فَسُلِّي ثِيَابِي مِن ثِيابكِ تَنْسُلِ أي: قلبي من قلبك. قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: المعنى: وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: وقلبك فطهر من القذر، أي: لا تقذر فتكون دنس الثياب وهو ما يروى عن ابن عباس أيضاً، واستشهدوا بقوله غيلان بن سلمة الثقفي: [الطويل] 4947 - فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ غَادِرٍ ... لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرةٍ أتقنَّعُ ومن قال: المراد به النفس، قال: معناه ونفسك فطهر، أي: من الذنوب، والعرب تكني عن النفس بالثياب. قاله ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -؛ ومنه قول عنترة: [الكامل] 4948 - فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الطَّويلِ ثِيابَهُ ... لَيْسَ الكرِيمُ على القَنَا بِمُحَرَّمِ وقول امرىء القيس المتقدم. ومن قال: بأنه الجسم قال: المعنى وجسمك فطهر من المعاصي الظاهرة، ومنه قول ليلى تصف إبلاً: [الطويل] 4949 - رَموْهَا بأثْوابٍ خِفافٍ فلا تَرَى ... لَهَا شَبَهاً إلاَّ النَّعامَ المُنفَّرَا أي: ركبوها فرموها بأنفسهم. ومن قال: المراد به الأهل، قال: معناه: وأهلك طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوباً وإزاراً ولباساً، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187] . قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: الأول: معناه: ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف. الثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر في الطهر إلا في الحيض حكاه ابن بحر. قال ابن الخطيب: «وحمل الآية على هذا التأويل يعسر لأنه على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها» . ومن قال المراد به الخلق قال معناه: وخلقك فحسِّنْ قاله الحسن والقرظي؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه؛ قال الشاعر: [الطويل] 4950 - فَلاَ أبَ وابْناً مِثْلَ مَرْوانَ وابْنِهِ ... إذَا هُوَ بالمَجْدِ ارتَدَى وتَأزَّرَا والسبب في حسن هذه الكناية وجهان: الأول: أن الثوب كالشيء الملازم للإنسان فلهذا جعلوا الأثواب كناية عن الإنسان، فيقال: المجد في ثوبه والعفة في إزاره. الثاني: أنه من طهر باطنه غالباً طهر ظاهره، ومن قال: المراد به الدين فمعناه: ودينك فطهر. جاء في الصحيح: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ورأيتُ النَّاس وعَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِنْهَا ما يَبلغُ الثُّدِيَّ، ومِنْهَا دونَ ذلِكَ، ورَأيْتُ عُمر بن الخطَّاب، وعليْهِ إزارٌ يُجُرُّهُ، قالوا: يا رسُولَ اللَّهِ فَمَا أوَّلتَ ذلِكَ؟ قال: الدِّينُ» . وروي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: معناه لا تلبس ثيابك على عذرة؛ قال ابن أبي كبشة: [الطويل] 4951 - ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارَى نَقيَّةٌ ... وأوْجُهُهمْ عِنْدَ المُشاهدِ غُرَّانُ يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم عن الدناءات ويعني بعزة وجوههم: تنزيههم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة، أو كليهما. قاله ابن العربي. وقال سفيانُ بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم، قاله عكرمة. ومن قال: إن المراد به الثياب الملبوسة، فلهم أربعة أوجهٍ: الأول: وثيابك فأنق. الثاني: وثيابك فشمِّر، أي قصِّر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة فإذا جُرَّت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها نجاسة، قاله الزجاج وطاووس. الثالث: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء. الرابع: لا تلبس ثيابك إلا من كسبِ الحلال ليكون مطهرة من الحرام. وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لا يكون ثيابك التي تلبس من ملبس غير طاهر. قال ابن العربي: وليس بممتنع أن تحمل الآية على عمومها، من أن المراد بها الحقيقة، والمجاز، وإذا حملناها على الثياب الطاهرةِ المعلومة، فهي تتناول معنيين: أحدهما: تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لغلام من الأنصار، وقد رأى ذيله مسترخياً: ارفع إزارك، فإنه أتْقَى، وأبْقَى، وأنقى. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إزْرَةُ المُؤمِن إلى أنْصَافِ سَاقيْهِ، لا جُناحَ عليْهِ فِيْمَا بَينهُ وبيْنَ الكعْبَيْنِ ومَا كَانَ أسْفل مِنْ ذلِكَ ففِي النَّارِ» فقد جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أيذالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» لا يَنْظرُ اللَّهُ تعالى إلى مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ خَيلاء «، وفي رواية:» منْ جرَّ إزارهُ خُيَلاء لَمْ ينْظُرِ اللَّهُ إليْهِ يَوْمَ القِيامةِ» قال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: يا رسول الله إني أجد شِقّ إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَسْتَ ممَّنْ يَصْنعهُ خيلاء» » . والمعنى الثاني: غسلها بالماء من النجاسة، وهو الظاهر. قال المهدوي: واستدل به بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، وليس ذلك يفرض عند مالك وأهل المدينة، وكذلك طهارة البدن، للإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار غير غسل. قال ابن الخطيب: إذا حملنا لفظ التطهير على حقيقته، فنقول: المراد منه أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار، وعلى هذا التقدير ففي الآية ثلاثة احتمالاتٍ: الأول: قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المقصود من الآية الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس. وثانيها: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره الله تعالى بأن يصون ثيابه عن النجاسات. وثالثها: روي أنهم ألقوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سَلَى شاةٍ، فشق عليه فرجع إلى بيته حَزيناً وتدثر في ثيابه، فقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ على أن لا ينتقم منهم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عن تلك النجاسات والقاذورات. قوله: ﴿والرجز﴾ . قرأ حفص ومجاهد وعكرمة وابن محيصن: بضم الراء، والباقون: بكسرها. فقيل: لغتان بمعنى، وعن أبي عبيدة: الضم أقيس اللغتين، وأكثرهما. وقال مجاهدٌ: هو بالضم اسم صنم، ويعزى للحسن البصري أيضاً، وبالكسر ويذكر: اسم للعذاب، وعلى تقدير كونه العذاب، فلا بد من حذف مضاف، أي: اهجر أسباب العذاب المؤدية إليه، أقام السبب مقام المسبب، وهو مجاز شائع بليغ. وقال السديُّ: «الرَّجْز» ، بنصب الراء: الوعيد. وقال مجاهد وعكرمة: المراد بالرجز: الأوثان، لقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 10] ، وقال ابن عباس أيضاً: والمأثم فاهجر، أي فاترك، وكذلك روى مغيرة عن إبراهيم النخعي، قال: الرجز: الإثم. وقال قتادة: الرجز إساف، ونائلة. وأصل «الرُّجْز» : العذابُ، قال تعالى: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] . وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [الأعراف: 163] . قوله: ﴿وَلاَ تَمْنُن﴾ ، العامة: على فك الإدغام والحسن وأبو السمال والأشهب العقيلي: بالإدغام. وقد تقدم أن المجزوم، والموقوف من هذا النوع يجوز فيهما الوجهان، وتقدم تحقيقه في «المائدة» ، عند قوله تعالى: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة: 54] . والمشهور أنه من المنّ، وهو الاعتداد على المعطى بما أعطاه، وقيل: معناه «ولا تضعف» من قولهم: حبل متين، أي: ضعيف. قوله: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، العامة على رفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه في موضع الحال، أي: لا تمنن مستكثراً ما أعطيت. وقيل: معناه لا تأخذ أكثر مما أعطيت. الثاني: على حذف «أن» يعني أن الأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، كقوله: [الطويل] 4952 - ألاَ أيُّهَذَا الزَّاجِري أحْضُرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ... في إحدى الروايتين. قاله الزمخشريُّ. ولم يبين ما محل «أن» وما في خبرها. وفيه وجهان: أظهرهما - وهو الذي يريده - هو أنها إما في محل نصب، أو جر على الخلاف فيها؛ حذف حرف الجر وهو هنا لام العلة، تقديره: ولا تمنن لأن تستكثر. والثاني: أنها في محل نصب فقط مفعولاً بها، أي: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قاله مكي. وقد تقدم أن «تَمْنُنْ» بمعنى تضعف، وهو قول مجاهد. إلا إنَّ أبا حيان قال - بعد كلام الزمخشريِّ -: «وهذا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحته معنى» . والكوفيون يجيزون ذلك، وأيضاً: فقد قرأ الحسن والأعمش: «تَسْتكثِرَ» أيضاً على إضمار «أن» ، كقولهم: «مُرْهُ يحفرها» . وأبلغ من ذلك التصريح بأن في قراء عبد الله: «ولا تمنن أن تستكثر» . وقرأ الحسن - أيضاً - وابن أبي عبلة تستكثرْ جزماً، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من الفعل قبله. كقوله: ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ﴾ [الفرقان: 68 - 69] ف «يُضَاعَفُ» بدلاً من «يَلْقَ» ؛ وكقوله: [الطويل] 4953 - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا في دِيَارنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَأجَّجَا ويكون من المنِّ الذي في قوله تعالى: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى﴾ [البقرة: 264] . الثاني: أن يشبه «ثرو» بعضد فيسكن تخفيفاً. قاله الزمخشري. يعني: أنه يأخذ من مجموع «تستكثر» [ومن الكلمة التي بعده وهو الواو ما يكون فيه شبهاً بعضد، ألا ترى أنه قال: أن يشبه ثرو، فأخذ بعض «تستكثر» ] وهو الثاء، والراء وحرف العطف من قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ ؛ وهذا كما قالوا في قول امرىء القيس: [السريع] 4954 - فالْيَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتحقِبٍ ... إثْماً من اللَّهِ ولا واغِلِ بتسكين «أشْرَبْ» - أنهم أخذوا من الكلمتين رَبْغَ ك «عضد» ثم سكن. وقد تقدم في سورة «يوسف» في قراءة قُنبل: «من يَتّقي» ، بثبوت الياء، أن «مَنْ» موصولة، فاعترض بجزم «يَصْبِر» ؟ . فأجيب بأنه شبه ب «رف» ، أخذوا الباء والراء من «يَصْبِر» والفاء من «فإنَّه» ، وهذه نظير تيك سواء. الوجه الثالث: أن يعتبر حال الوقف، ويجرى الوصل مجراه، قاله الزمخشري، أيضاً. يعني أنه مرفوع، وإنما سكن تخفيفاً، أو أجري الوصل مُجْرَى الوقفِ. قال أبو حيان: «وهذان لا يجوز أن يحمل عليهما مع وجود أرجح منهما، وهو البدل معنى وصناعة» . فصل في تعلق الآية بما قبلها في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى أمره قبل هذه الآية بأربعة أشياء: إنذار القوم، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، ثم قال - جلَّ ذكره -: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: لا تمن على ربِّك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما يفعله بل اصبر على ذلك كله لوجه ربِّك متقرباً بذلك إليه غير ممتن به عليه. قال الحسن - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بحسناتك، فتستكثرها. وقال ابن عباس وقتادة وعكرمةُ: ولا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثراً بذلك الإنعام، فإنَّما فعلت ذلك بأمر الله تبارك وتعالى، فلا منة لك عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ . وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك، أي: لتستكثر، أي: لتأخذ منهم على ذلك أجراً تستكثر به مالك. وقال مجاهدٌ: لا تضعف أن تستكثر من الخير، من قولك: حبل منين، إذا كان ضعيفاً، ودليله قراءة ابن مسعود: ولا تمنن تستكثر من الخير وعن مجاهد أيضاً، والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله عليك. وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك، إنما عملك منه من الله عليك، إذ جعل الله لك سبيلاً إلى عبادته. وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربِّك، لا تقل: دعوت فلم يستجب لي. وقيل: لا تفعل الخير لترائي به الناس. فإن قيل هذا النهي مختص بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو يتناول الأمة؟ . فالجوابُ: أن ظاهر اللفظ قرينة الحال لا تفيد العموم؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنما نهي عن ذلك تنزيهاً لمنصب النبوة، وهذا المعنى غير موجود في الأمة. وقيل: المعنى في حقِّ الأمة هو الرياءُ، واللَّهُ تعالى منع الكل من ذلك. فإن قيل: هل هذا نهي تحريم أو تنزيه؟ فالجواب: أن ظاهر النهي التحريم. فصل في المقصود من الآية قال القفال: يحتمل أن يكون المقصود من الآية أن يحرم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يعطي أحداً شيئاً لطلب عوض سواء كان العوض زائداً أو ناقصاً، أو مساوياً، ويكون معنى قوله تعالى ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: طالباً للكثرة كارهاً أن ينتقص المال بسبب العطاءِ، فيكون الاستكثار - هاهنا - عبارة عن طلب العوض كيف كان، وإنما حسنت هذه العبارةُ، لأن الغالب أن الثواب زائد على العطاء، فسمى طلب الثواب استكثاراً، حملاً للشيء على أغلب أحواله، كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي أغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع الأمر، وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، ومن ذهب إلى هذا القول قال: السبب فيه أن يصير عطاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خالياً عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه فيكون ذلك خالصاً مخلصاً لوجه الله تعالى. قال القرطبي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «أظهر الأقوال قول ابن عباس» لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال «يقال: مننت فلاناً كذا، أي: أعطيته، ويقال للعطية: المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها، لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما كان يجمع للدنيا، ولهذا قال: «مَا لي ممَّا أفَاء اللَّهُ عليَّ إلا الخُمْسَ، والخمس مَردُودٌ عَليْكُمْ» وكان ما يفضل عن نفقة عياله مصروفاً إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث «. قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ التقديم على ما تقدم. وحسنه كونه رأس فاصلة موافياً لما تقدم. ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تكون لام العلة، أي: لوجه ربِّك فاصبر، أي: على أذى الكفار وعلى عبادة ربك، وعلى كل شيء مما لا يليق فترك المصبور عليه، والمصبور عنه للعلم بهما. والأحسن أن لا يقدر شيء خاص بل شيء عام. والثاني: ان يضمن» صبر «معنى:» أذعن» ، أي: أذعن لربِّك، وسلم له أمرك صابراً، لقوله تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: 48] .

المدثر 74:5

مكية، وهي ست وخمسون آية، ومائتان وخمس وخمسون كلمة، وألف وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ؛ يا أيها الذي قد دثر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقرأ العامة: بتشديد الدال وكسر الثاء، اسم فاعل من «تدثَّر» وأصله: المتدثر فأدغم ك «المزمّل» . وفي حرف أبي: «المتدثر» على الأصل المشار إليه. وقرأ عكرمة: بتخفيف الدال، اسم فاعل من «دثّر» - بالتشديد - ويكون المفعول محذوفاً أي: المدثر نفسه، كما تقدم. وعنه أيضاً: فتح الثاء. ومعنى «تَدثَّر» لبس الدِّثَار، وهو الثوب الذي فوق الشِّعار، «والشِّعَار» : ما يلي الحسد، وفي الحديث: «الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ» . و «سيف دَاثِر» : بعيد العَهْد الصِّقال. ومنه قيل للمنزل الدارس: داثر لذهاب أعلامه وفلان داثرُ المال، أي: حسن القيام به. قوله: «قُمْ» إما أن يكون من القيام المعهود، فيكون المعنى: قم من مضجعك، وإما من «قام» بمعنى الأخذ في القيام، كقوله: [الطويل] 4944 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسيْفِهِ..... ... ... ... ... ... ... . وقوله: [الوافر] 4945 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ..... ... ... ... ... ... ... ... في أحد القولين، فيكون المعنى: قيام عزم وتصميم، والقول الآخر: أن «قام» مزيدة، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر؛ لأنه حينئذ يصير من أخوات «عَسَى» فلا بد له من خبر يكون فعلاً مضارعاً مجرداً. قوله: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، مفعوله محذوف، أي: أنذر قومك عذاب الله، والأحسن أن لا يقدر له، أي: أوقع الإنذار. فصل في معنى الآية المعنى: يا أيها الذي قد دُثِّر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقيل: ليس المراد التدثر بالثوب، فإن قلنا التدثر، ففيه وجوه: أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن. روى جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «كُنْتُ عَلى جَبلِ حِراءَ، فنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ لرَسُولٌ، فنَظرْتُ عَنْ يَمِينِي، ويسَارِي، فَلمْ أرَ أحَداً فنَظرْتُ فَوْقِي فَرأيتُ المَلكَ الذي جَاءَنِي بحِراءَ جَالِساً عَلى كُرسِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَخِفْتُ فَرجَعْتُ إلى خَدِيْجَةَ، فقلتُ: دَثِّرُوني، وصبُّوا عليَّ ماءاً بارداً» ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثانيها: أن أبا جهل، وأبا لهب، وأبا سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأميَّة بن خلف، والعاص بن وائل والمطعم بن عدي، اجتمعوا وقالوا: إنَّ وفود العرب مجتمعون في أيام الحج، وهم يسألون عن أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون. وقائل: كاهن. وقائل: ساحر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة، فسمُّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به فقدم رجل منهم فقال: إنه شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام عبيدة بن الأبرص [وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما يشبه كلامهما، فقالوا: كاهن: فقال:] الكاهن يصدق ويكذب، وما كذب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قط، فقال آخر: إنه مجنون، فقال الوليد: الجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته، فقال الناس: صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لك يا أبا عبد شمس، هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنك قد احتجت وصبأت، فقال الوليد: ما لي إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فشاع ذلك في الناس، فصاحوا يقولون: محمد ساحر والناس مجتمعون، فوقعت الصيحةُ في الناس فلما سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزوناً، فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثالثها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان نائماً، متدثراً بثيابه، فجاءه جبريل - عليه السلام - وأيقظه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، وقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ كأنه قال: اترك التدثر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله تعالى له. وإن قلنا: ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه: الأول: قال عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة، والرسالة انْقُلْها، من قولهم: ألبسه اللَّهُ لباس التقوى وزيَّنَهُ برداء العلم. قال ابن العربي: «وهذا مجاز بعيد، لأنه لم يكن تنبأ بعد، وإن قلنا: إنها أول القرآن لم يكن نبياً بعد إلا إن قلنا: إنها ثاني ما نزل» . الثاني: أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه، فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في جبل حراء كالمتخفي من النَّاس، فكأنه قال: يا أيها المدثِّر بدثار الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، والدعوة إلى معرفة الحقِّ. الثالث: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له: يا أيها المدثِّر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة: «قُمْ فأنْذِرْ» عذاب ربّك. فصل في لطف الخطاب في الآية قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمدُ، كما تقدم في المزمل. فصل في معنى «فأنذر» ومعنى قوله تعالى: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، أي: خوِّف أهل مكة، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا. وقيل: الإنذار هنا: إعلامهم بنوته - عليه السلام - لأنها مقدمة الرسالة. وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود. وقال الفراء: قم فصلِّ ومر بالصلاة. قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، قدم المفعول، وكذا ما بعد، إيذاناً بالاختصاص عند من يرى ذلك، أو للاهتمام به. قال الزمخشري: «واختص ربَّك بالتكبير» . ثم قال: «ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: ومهما تكن فلا تدع تكبيره» وقد تقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [البقرة: 40] . قال أبو حيان: «وهو قريب مما قدره النحاة في قولك:» زيداً فاضرب» ، قالوا: تقديره: «تنبَّهْ فاضرب زيداً» فالفاء هي جواب الأمر، وهذا الأمر إما مضمن معنى الشرط، وإما الشرط محذوف على الخلاف الذي فيه عند النحاة» . قال أبو الفتح الموصلي: يقال: «زيداً اضرب، وعمراً اشكر» وعنده أن الفاء زائدة. وقال الزجاج: ودخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية، والمعنى: قم فكبِّر ربَّك، وكذلك ما بعده. فصل في معنى الآية معنى قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظمه، وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة، أو ولد، وفي الحديث: أنهم قالوا: بم تفتتح الصلاة؟ فنزلت: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ . أي: صفه بأنه أكبر. قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة فإنه مراد به تكبيره بالتقديس، والتنزيه بخلع الأنداد، والأصنام دونه، ولا تتخذ ولياً غيره، ولا تعبد سواه، وروي «أن أبا سفيان قال يوم أحد:» أعْلُ هُبَل» ، فقال: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «قُولُواْ اللَّهُ أعْلَى وأجَلُّ» ، وقد صار هذا القول بعرف الشرع في تكثير العبادات كلها أذاناً، وصلاة بقوله» اللَّهُ أكبرُ «وحمل عليه لفظ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الوارد على الإطلاق في موارد منها قوله:» تَحْريمُهَا التَّكبيرُ، وتحْلِيلُهَا التَّسلِيمُ» ، والشَّرعُ يقتضي معرفة ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح تخليصاً له من الشرك، وإعلاناً باسمه بالنسك، وإفراداً لما شرع من أمره بالسفك. والمنقول عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في التكبير في الصلاة هو لفظ «اللَّهُ أكبَرُ» . وقال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ قام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: اللَّهُ أكبر، فكبرت خديجة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وعلمت أنه وحي من الله تعالى ذكره القشيري. وقال الكلبيُّ: فعظم ربَّك عما يقوله عبدة الأوثان. قال مقاتل: هو أن يقال: الله أكبر. وقيل: المرادُ منه التكبير في الصلاة. فإن قيل: هذه السورة نزلت في أول البعث، ولم تكن الصلاة واجبة. فالجواب: لا يبعد أنه كانت له - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - صلوات تطوع فأمر أن يُكبِّر ربَّه فيها قال ابن الخطيب: وعندي أنه لما قيل له: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ قيل بعد ذلك ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عن اللغو والرفث. قوله: ﴿وَثَيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ . قيل: المراد الثياب الملبوسة، فعلى الأول يكون المعنى: وعملك فأصلح، قاله مجاهد وابن زيد والسديُّ، وروى منصور عن أبي رزين، قال: يقول: وعملك فأصلح. وإذا كان الرجل خبيث العمل، قالوا: إن فلاناً خبيث الثيابِ، وإذ كان الرجل حسن العمل، قالوا: إنَّ فلاناً طاهر الثياب، ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يَحْشرُ المَرءُ فِي ثَوبَيْهِ الَّذي مَاتَ فِيْهِمَا» ، يعني: عمله الصالح والطالح، ذكره الماوردي. ومن قال المراد به القلب، قلبك فطهر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما؛ ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4946 - ... ... ... ... ... ... . ... فَسُلِّي ثِيَابِي مِن ثِيابكِ تَنْسُلِ أي: قلبي من قلبك. قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: المعنى: وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: وقلبك فطهر من القذر، أي: لا تقذر فتكون دنس الثياب وهو ما يروى عن ابن عباس أيضاً، واستشهدوا بقوله غيلان بن سلمة الثقفي: [الطويل] 4947 - فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ غَادِرٍ ... لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرةٍ أتقنَّعُ ومن قال: المراد به النفس، قال: معناه ونفسك فطهر، أي: من الذنوب، والعرب تكني عن النفس بالثياب. قاله ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -؛ ومنه قول عنترة: [الكامل] 4948 - فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الطَّويلِ ثِيابَهُ ... لَيْسَ الكرِيمُ على القَنَا بِمُحَرَّمِ وقول امرىء القيس المتقدم. ومن قال: بأنه الجسم قال: المعنى وجسمك فطهر من المعاصي الظاهرة، ومنه قول ليلى تصف إبلاً: [الطويل] 4949 - رَموْهَا بأثْوابٍ خِفافٍ فلا تَرَى ... لَهَا شَبَهاً إلاَّ النَّعامَ المُنفَّرَا أي: ركبوها فرموها بأنفسهم. ومن قال: المراد به الأهل، قال: معناه: وأهلك طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوباً وإزاراً ولباساً، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187] . قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: الأول: معناه: ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف. الثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر في الطهر إلا في الحيض حكاه ابن بحر. قال ابن الخطيب: «وحمل الآية على هذا التأويل يعسر لأنه على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها» . ومن قال المراد به الخلق قال معناه: وخلقك فحسِّنْ قاله الحسن والقرظي؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه؛ قال الشاعر: [الطويل] 4950 - فَلاَ أبَ وابْناً مِثْلَ مَرْوانَ وابْنِهِ ... إذَا هُوَ بالمَجْدِ ارتَدَى وتَأزَّرَا والسبب في حسن هذه الكناية وجهان: الأول: أن الثوب كالشيء الملازم للإنسان فلهذا جعلوا الأثواب كناية عن الإنسان، فيقال: المجد في ثوبه والعفة في إزاره. الثاني: أنه من طهر باطنه غالباً طهر ظاهره، ومن قال: المراد به الدين فمعناه: ودينك فطهر. جاء في الصحيح: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ورأيتُ النَّاس وعَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِنْهَا ما يَبلغُ الثُّدِيَّ، ومِنْهَا دونَ ذلِكَ، ورَأيْتُ عُمر بن الخطَّاب، وعليْهِ إزارٌ يُجُرُّهُ، قالوا: يا رسُولَ اللَّهِ فَمَا أوَّلتَ ذلِكَ؟ قال: الدِّينُ» . وروي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: معناه لا تلبس ثيابك على عذرة؛ قال ابن أبي كبشة: [الطويل] 4951 - ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارَى نَقيَّةٌ ... وأوْجُهُهمْ عِنْدَ المُشاهدِ غُرَّانُ يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم عن الدناءات ويعني بعزة وجوههم: تنزيههم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة، أو كليهما. قاله ابن العربي. وقال سفيانُ بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم، قاله عكرمة. ومن قال: إن المراد به الثياب الملبوسة، فلهم أربعة أوجهٍ: الأول: وثيابك فأنق. الثاني: وثيابك فشمِّر، أي قصِّر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة فإذا جُرَّت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها نجاسة، قاله الزجاج وطاووس. الثالث: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء. الرابع: لا تلبس ثيابك إلا من كسبِ الحلال ليكون مطهرة من الحرام. وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لا يكون ثيابك التي تلبس من ملبس غير طاهر. قال ابن العربي: وليس بممتنع أن تحمل الآية على عمومها، من أن المراد بها الحقيقة، والمجاز، وإذا حملناها على الثياب الطاهرةِ المعلومة، فهي تتناول معنيين: أحدهما: تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لغلام من الأنصار، وقد رأى ذيله مسترخياً: ارفع إزارك، فإنه أتْقَى، وأبْقَى، وأنقى. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إزْرَةُ المُؤمِن إلى أنْصَافِ سَاقيْهِ، لا جُناحَ عليْهِ فِيْمَا بَينهُ وبيْنَ الكعْبَيْنِ ومَا كَانَ أسْفل مِنْ ذلِكَ ففِي النَّارِ» فقد جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أيذالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» لا يَنْظرُ اللَّهُ تعالى إلى مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ خَيلاء «، وفي رواية:» منْ جرَّ إزارهُ خُيَلاء لَمْ ينْظُرِ اللَّهُ إليْهِ يَوْمَ القِيامةِ» قال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: يا رسول الله إني أجد شِقّ إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَسْتَ ممَّنْ يَصْنعهُ خيلاء» » . والمعنى الثاني: غسلها بالماء من النجاسة، وهو الظاهر. قال المهدوي: واستدل به بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، وليس ذلك يفرض عند مالك وأهل المدينة، وكذلك طهارة البدن، للإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار غير غسل. قال ابن الخطيب: إذا حملنا لفظ التطهير على حقيقته، فنقول: المراد منه أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار، وعلى هذا التقدير ففي الآية ثلاثة احتمالاتٍ: الأول: قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المقصود من الآية الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس. وثانيها: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره الله تعالى بأن يصون ثيابه عن النجاسات. وثالثها: روي أنهم ألقوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سَلَى شاةٍ، فشق عليه فرجع إلى بيته حَزيناً وتدثر في ثيابه، فقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ على أن لا ينتقم منهم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عن تلك النجاسات والقاذورات. قوله: ﴿والرجز﴾ . قرأ حفص ومجاهد وعكرمة وابن محيصن: بضم الراء، والباقون: بكسرها. فقيل: لغتان بمعنى، وعن أبي عبيدة: الضم أقيس اللغتين، وأكثرهما. وقال مجاهدٌ: هو بالضم اسم صنم، ويعزى للحسن البصري أيضاً، وبالكسر ويذكر: اسم للعذاب، وعلى تقدير كونه العذاب، فلا بد من حذف مضاف، أي: اهجر أسباب العذاب المؤدية إليه، أقام السبب مقام المسبب، وهو مجاز شائع بليغ. وقال السديُّ: «الرَّجْز» ، بنصب الراء: الوعيد. وقال مجاهد وعكرمة: المراد بالرجز: الأوثان، لقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 10] ، وقال ابن عباس أيضاً: والمأثم فاهجر، أي فاترك، وكذلك روى مغيرة عن إبراهيم النخعي، قال: الرجز: الإثم. وقال قتادة: الرجز إساف، ونائلة. وأصل «الرُّجْز» : العذابُ، قال تعالى: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] . وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [الأعراف: 163] . قوله: ﴿وَلاَ تَمْنُن﴾ ، العامة: على فك الإدغام والحسن وأبو السمال والأشهب العقيلي: بالإدغام. وقد تقدم أن المجزوم، والموقوف من هذا النوع يجوز فيهما الوجهان، وتقدم تحقيقه في «المائدة» ، عند قوله تعالى: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة: 54] . والمشهور أنه من المنّ، وهو الاعتداد على المعطى بما أعطاه، وقيل: معناه «ولا تضعف» من قولهم: حبل متين، أي: ضعيف. قوله: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، العامة على رفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه في موضع الحال، أي: لا تمنن مستكثراً ما أعطيت. وقيل: معناه لا تأخذ أكثر مما أعطيت. الثاني: على حذف «أن» يعني أن الأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، كقوله: [الطويل] 4952 - ألاَ أيُّهَذَا الزَّاجِري أحْضُرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ... في إحدى الروايتين. قاله الزمخشريُّ. ولم يبين ما محل «أن» وما في خبرها. وفيه وجهان: أظهرهما - وهو الذي يريده - هو أنها إما في محل نصب، أو جر على الخلاف فيها؛ حذف حرف الجر وهو هنا لام العلة، تقديره: ولا تمنن لأن تستكثر. والثاني: أنها في محل نصب فقط مفعولاً بها، أي: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قاله مكي. وقد تقدم أن «تَمْنُنْ» بمعنى تضعف، وهو قول مجاهد. إلا إنَّ أبا حيان قال - بعد كلام الزمخشريِّ -: «وهذا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحته معنى» . والكوفيون يجيزون ذلك، وأيضاً: فقد قرأ الحسن والأعمش: «تَسْتكثِرَ» أيضاً على إضمار «أن» ، كقولهم: «مُرْهُ يحفرها» . وأبلغ من ذلك التصريح بأن في قراء عبد الله: «ولا تمنن أن تستكثر» . وقرأ الحسن - أيضاً - وابن أبي عبلة تستكثرْ جزماً، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من الفعل قبله. كقوله: ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ﴾ [الفرقان: 68 - 69] ف «يُضَاعَفُ» بدلاً من «يَلْقَ» ؛ وكقوله: [الطويل] 4953 - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا في دِيَارنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَأجَّجَا ويكون من المنِّ الذي في قوله تعالى: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى﴾ [البقرة: 264] . الثاني: أن يشبه «ثرو» بعضد فيسكن تخفيفاً. قاله الزمخشري. يعني: أنه يأخذ من مجموع «تستكثر» [ومن الكلمة التي بعده وهو الواو ما يكون فيه شبهاً بعضد، ألا ترى أنه قال: أن يشبه ثرو، فأخذ بعض «تستكثر» ] وهو الثاء، والراء وحرف العطف من قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ ؛ وهذا كما قالوا في قول امرىء القيس: [السريع] 4954 - فالْيَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتحقِبٍ ... إثْماً من اللَّهِ ولا واغِلِ بتسكين «أشْرَبْ» - أنهم أخذوا من الكلمتين رَبْغَ ك «عضد» ثم سكن. وقد تقدم في سورة «يوسف» في قراءة قُنبل: «من يَتّقي» ، بثبوت الياء، أن «مَنْ» موصولة، فاعترض بجزم «يَصْبِر» ؟ . فأجيب بأنه شبه ب «رف» ، أخذوا الباء والراء من «يَصْبِر» والفاء من «فإنَّه» ، وهذه نظير تيك سواء. الوجه الثالث: أن يعتبر حال الوقف، ويجرى الوصل مجراه، قاله الزمخشري، أيضاً. يعني أنه مرفوع، وإنما سكن تخفيفاً، أو أجري الوصل مُجْرَى الوقفِ. قال أبو حيان: «وهذان لا يجوز أن يحمل عليهما مع وجود أرجح منهما، وهو البدل معنى وصناعة» . فصل في تعلق الآية بما قبلها في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى أمره قبل هذه الآية بأربعة أشياء: إنذار القوم، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، ثم قال - جلَّ ذكره -: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: لا تمن على ربِّك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما يفعله بل اصبر على ذلك كله لوجه ربِّك متقرباً بذلك إليه غير ممتن به عليه. قال الحسن - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بحسناتك، فتستكثرها. وقال ابن عباس وقتادة وعكرمةُ: ولا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثراً بذلك الإنعام، فإنَّما فعلت ذلك بأمر الله تبارك وتعالى، فلا منة لك عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ . وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك، أي: لتستكثر، أي: لتأخذ منهم على ذلك أجراً تستكثر به مالك. وقال مجاهدٌ: لا تضعف أن تستكثر من الخير، من قولك: حبل منين، إذا كان ضعيفاً، ودليله قراءة ابن مسعود: ولا تمنن تستكثر من الخير وعن مجاهد أيضاً، والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله عليك. وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك، إنما عملك منه من الله عليك، إذ جعل الله لك سبيلاً إلى عبادته. وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربِّك، لا تقل: دعوت فلم يستجب لي. وقيل: لا تفعل الخير لترائي به الناس. فإن قيل هذا النهي مختص بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو يتناول الأمة؟ . فالجوابُ: أن ظاهر اللفظ قرينة الحال لا تفيد العموم؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنما نهي عن ذلك تنزيهاً لمنصب النبوة، وهذا المعنى غير موجود في الأمة. وقيل: المعنى في حقِّ الأمة هو الرياءُ، واللَّهُ تعالى منع الكل من ذلك. فإن قيل: هل هذا نهي تحريم أو تنزيه؟ فالجواب: أن ظاهر النهي التحريم. فصل في المقصود من الآية قال القفال: يحتمل أن يكون المقصود من الآية أن يحرم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يعطي أحداً شيئاً لطلب عوض سواء كان العوض زائداً أو ناقصاً، أو مساوياً، ويكون معنى قوله تعالى ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: طالباً للكثرة كارهاً أن ينتقص المال بسبب العطاءِ، فيكون الاستكثار - هاهنا - عبارة عن طلب العوض كيف كان، وإنما حسنت هذه العبارةُ، لأن الغالب أن الثواب زائد على العطاء، فسمى طلب الثواب استكثاراً، حملاً للشيء على أغلب أحواله، كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي أغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع الأمر، وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، ومن ذهب إلى هذا القول قال: السبب فيه أن يصير عطاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خالياً عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه فيكون ذلك خالصاً مخلصاً لوجه الله تعالى. قال القرطبي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «أظهر الأقوال قول ابن عباس» لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال «يقال: مننت فلاناً كذا، أي: أعطيته، ويقال للعطية: المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها، لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما كان يجمع للدنيا، ولهذا قال: «مَا لي ممَّا أفَاء اللَّهُ عليَّ إلا الخُمْسَ، والخمس مَردُودٌ عَليْكُمْ» وكان ما يفضل عن نفقة عياله مصروفاً إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث «. قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ التقديم على ما تقدم. وحسنه كونه رأس فاصلة موافياً لما تقدم. ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تكون لام العلة، أي: لوجه ربِّك فاصبر، أي: على أذى الكفار وعلى عبادة ربك، وعلى كل شيء مما لا يليق فترك المصبور عليه، والمصبور عنه للعلم بهما. والأحسن أن لا يقدر شيء خاص بل شيء عام. والثاني: ان يضمن» صبر «معنى:» أذعن» ، أي: أذعن لربِّك، وسلم له أمرك صابراً، لقوله تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: 48] .

المدثر 74:6

مكية، وهي ست وخمسون آية، ومائتان وخمس وخمسون كلمة، وألف وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ؛ يا أيها الذي قد دثر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقرأ العامة: بتشديد الدال وكسر الثاء، اسم فاعل من «تدثَّر» وأصله: المتدثر فأدغم ك «المزمّل» . وفي حرف أبي: «المتدثر» على الأصل المشار إليه. وقرأ عكرمة: بتخفيف الدال، اسم فاعل من «دثّر» - بالتشديد - ويكون المفعول محذوفاً أي: المدثر نفسه، كما تقدم. وعنه أيضاً: فتح الثاء. ومعنى «تَدثَّر» لبس الدِّثَار، وهو الثوب الذي فوق الشِّعار، «والشِّعَار» : ما يلي الحسد، وفي الحديث: «الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ» . و «سيف دَاثِر» : بعيد العَهْد الصِّقال. ومنه قيل للمنزل الدارس: داثر لذهاب أعلامه وفلان داثرُ المال، أي: حسن القيام به. قوله: «قُمْ» إما أن يكون من القيام المعهود، فيكون المعنى: قم من مضجعك، وإما من «قام» بمعنى الأخذ في القيام، كقوله: [الطويل] 4944 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسيْفِهِ..... ... ... ... ... ... ... . وقوله: [الوافر] 4945 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ..... ... ... ... ... ... ... ... في أحد القولين، فيكون المعنى: قيام عزم وتصميم، والقول الآخر: أن «قام» مزيدة، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر؛ لأنه حينئذ يصير من أخوات «عَسَى» فلا بد له من خبر يكون فعلاً مضارعاً مجرداً. قوله: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، مفعوله محذوف، أي: أنذر قومك عذاب الله، والأحسن أن لا يقدر له، أي: أوقع الإنذار. فصل في معنى الآية المعنى: يا أيها الذي قد دُثِّر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقيل: ليس المراد التدثر بالثوب، فإن قلنا التدثر، ففيه وجوه: أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن. روى جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «كُنْتُ عَلى جَبلِ حِراءَ، فنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ لرَسُولٌ، فنَظرْتُ عَنْ يَمِينِي، ويسَارِي، فَلمْ أرَ أحَداً فنَظرْتُ فَوْقِي فَرأيتُ المَلكَ الذي جَاءَنِي بحِراءَ جَالِساً عَلى كُرسِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَخِفْتُ فَرجَعْتُ إلى خَدِيْجَةَ، فقلتُ: دَثِّرُوني، وصبُّوا عليَّ ماءاً بارداً» ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثانيها: أن أبا جهل، وأبا لهب، وأبا سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأميَّة بن خلف، والعاص بن وائل والمطعم بن عدي، اجتمعوا وقالوا: إنَّ وفود العرب مجتمعون في أيام الحج، وهم يسألون عن أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون. وقائل: كاهن. وقائل: ساحر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة، فسمُّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به فقدم رجل منهم فقال: إنه شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام عبيدة بن الأبرص [وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما يشبه كلامهما، فقالوا: كاهن: فقال:] الكاهن يصدق ويكذب، وما كذب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قط، فقال آخر: إنه مجنون، فقال الوليد: الجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته، فقال الناس: صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لك يا أبا عبد شمس، هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنك قد احتجت وصبأت، فقال الوليد: ما لي إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فشاع ذلك في الناس، فصاحوا يقولون: محمد ساحر والناس مجتمعون، فوقعت الصيحةُ في الناس فلما سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزوناً، فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثالثها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان نائماً، متدثراً بثيابه، فجاءه جبريل - عليه السلام - وأيقظه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، وقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ كأنه قال: اترك التدثر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله تعالى له. وإن قلنا: ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه: الأول: قال عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة، والرسالة انْقُلْها، من قولهم: ألبسه اللَّهُ لباس التقوى وزيَّنَهُ برداء العلم. قال ابن العربي: «وهذا مجاز بعيد، لأنه لم يكن تنبأ بعد، وإن قلنا: إنها أول القرآن لم يكن نبياً بعد إلا إن قلنا: إنها ثاني ما نزل» . الثاني: أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه، فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في جبل حراء كالمتخفي من النَّاس، فكأنه قال: يا أيها المدثِّر بدثار الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، والدعوة إلى معرفة الحقِّ. الثالث: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له: يا أيها المدثِّر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة: «قُمْ فأنْذِرْ» عذاب ربّك. فصل في لطف الخطاب في الآية قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمدُ، كما تقدم في المزمل. فصل في معنى «فأنذر» ومعنى قوله تعالى: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، أي: خوِّف أهل مكة، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا. وقيل: الإنذار هنا: إعلامهم بنوته - عليه السلام - لأنها مقدمة الرسالة. وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود. وقال الفراء: قم فصلِّ ومر بالصلاة. قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، قدم المفعول، وكذا ما بعد، إيذاناً بالاختصاص عند من يرى ذلك، أو للاهتمام به. قال الزمخشري: «واختص ربَّك بالتكبير» . ثم قال: «ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: ومهما تكن فلا تدع تكبيره» وقد تقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [البقرة: 40] . قال أبو حيان: «وهو قريب مما قدره النحاة في قولك:» زيداً فاضرب» ، قالوا: تقديره: «تنبَّهْ فاضرب زيداً» فالفاء هي جواب الأمر، وهذا الأمر إما مضمن معنى الشرط، وإما الشرط محذوف على الخلاف الذي فيه عند النحاة» . قال أبو الفتح الموصلي: يقال: «زيداً اضرب، وعمراً اشكر» وعنده أن الفاء زائدة. وقال الزجاج: ودخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية، والمعنى: قم فكبِّر ربَّك، وكذلك ما بعده. فصل في معنى الآية معنى قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظمه، وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة، أو ولد، وفي الحديث: أنهم قالوا: بم تفتتح الصلاة؟ فنزلت: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ . أي: صفه بأنه أكبر. قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة فإنه مراد به تكبيره بالتقديس، والتنزيه بخلع الأنداد، والأصنام دونه، ولا تتخذ ولياً غيره، ولا تعبد سواه، وروي «أن أبا سفيان قال يوم أحد:» أعْلُ هُبَل» ، فقال: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «قُولُواْ اللَّهُ أعْلَى وأجَلُّ» ، وقد صار هذا القول بعرف الشرع في تكثير العبادات كلها أذاناً، وصلاة بقوله» اللَّهُ أكبرُ «وحمل عليه لفظ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الوارد على الإطلاق في موارد منها قوله:» تَحْريمُهَا التَّكبيرُ، وتحْلِيلُهَا التَّسلِيمُ» ، والشَّرعُ يقتضي معرفة ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح تخليصاً له من الشرك، وإعلاناً باسمه بالنسك، وإفراداً لما شرع من أمره بالسفك. والمنقول عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في التكبير في الصلاة هو لفظ «اللَّهُ أكبَرُ» . وقال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ قام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: اللَّهُ أكبر، فكبرت خديجة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وعلمت أنه وحي من الله تعالى ذكره القشيري. وقال الكلبيُّ: فعظم ربَّك عما يقوله عبدة الأوثان. قال مقاتل: هو أن يقال: الله أكبر. وقيل: المرادُ منه التكبير في الصلاة. فإن قيل: هذه السورة نزلت في أول البعث، ولم تكن الصلاة واجبة. فالجواب: لا يبعد أنه كانت له - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - صلوات تطوع فأمر أن يُكبِّر ربَّه فيها قال ابن الخطيب: وعندي أنه لما قيل له: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ قيل بعد ذلك ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عن اللغو والرفث. قوله: ﴿وَثَيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ . قيل: المراد الثياب الملبوسة، فعلى الأول يكون المعنى: وعملك فأصلح، قاله مجاهد وابن زيد والسديُّ، وروى منصور عن أبي رزين، قال: يقول: وعملك فأصلح. وإذا كان الرجل خبيث العمل، قالوا: إن فلاناً خبيث الثيابِ، وإذ كان الرجل حسن العمل، قالوا: إنَّ فلاناً طاهر الثياب، ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يَحْشرُ المَرءُ فِي ثَوبَيْهِ الَّذي مَاتَ فِيْهِمَا» ، يعني: عمله الصالح والطالح، ذكره الماوردي. ومن قال المراد به القلب، قلبك فطهر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما؛ ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4946 - ... ... ... ... ... ... . ... فَسُلِّي ثِيَابِي مِن ثِيابكِ تَنْسُلِ أي: قلبي من قلبك. قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: المعنى: وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: وقلبك فطهر من القذر، أي: لا تقذر فتكون دنس الثياب وهو ما يروى عن ابن عباس أيضاً، واستشهدوا بقوله غيلان بن سلمة الثقفي: [الطويل] 4947 - فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ غَادِرٍ ... لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرةٍ أتقنَّعُ ومن قال: المراد به النفس، قال: معناه ونفسك فطهر، أي: من الذنوب، والعرب تكني عن النفس بالثياب. قاله ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -؛ ومنه قول عنترة: [الكامل] 4948 - فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الطَّويلِ ثِيابَهُ ... لَيْسَ الكرِيمُ على القَنَا بِمُحَرَّمِ وقول امرىء القيس المتقدم. ومن قال: بأنه الجسم قال: المعنى وجسمك فطهر من المعاصي الظاهرة، ومنه قول ليلى تصف إبلاً: [الطويل] 4949 - رَموْهَا بأثْوابٍ خِفافٍ فلا تَرَى ... لَهَا شَبَهاً إلاَّ النَّعامَ المُنفَّرَا أي: ركبوها فرموها بأنفسهم. ومن قال: المراد به الأهل، قال: معناه: وأهلك طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوباً وإزاراً ولباساً، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187] . قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: الأول: معناه: ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف. الثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر في الطهر إلا في الحيض حكاه ابن بحر. قال ابن الخطيب: «وحمل الآية على هذا التأويل يعسر لأنه على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها» . ومن قال المراد به الخلق قال معناه: وخلقك فحسِّنْ قاله الحسن والقرظي؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه؛ قال الشاعر: [الطويل] 4950 - فَلاَ أبَ وابْناً مِثْلَ مَرْوانَ وابْنِهِ ... إذَا هُوَ بالمَجْدِ ارتَدَى وتَأزَّرَا والسبب في حسن هذه الكناية وجهان: الأول: أن الثوب كالشيء الملازم للإنسان فلهذا جعلوا الأثواب كناية عن الإنسان، فيقال: المجد في ثوبه والعفة في إزاره. الثاني: أنه من طهر باطنه غالباً طهر ظاهره، ومن قال: المراد به الدين فمعناه: ودينك فطهر. جاء في الصحيح: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ورأيتُ النَّاس وعَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِنْهَا ما يَبلغُ الثُّدِيَّ، ومِنْهَا دونَ ذلِكَ، ورَأيْتُ عُمر بن الخطَّاب، وعليْهِ إزارٌ يُجُرُّهُ، قالوا: يا رسُولَ اللَّهِ فَمَا أوَّلتَ ذلِكَ؟ قال: الدِّينُ» . وروي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: معناه لا تلبس ثيابك على عذرة؛ قال ابن أبي كبشة: [الطويل] 4951 - ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارَى نَقيَّةٌ ... وأوْجُهُهمْ عِنْدَ المُشاهدِ غُرَّانُ يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم عن الدناءات ويعني بعزة وجوههم: تنزيههم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة، أو كليهما. قاله ابن العربي. وقال سفيانُ بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم، قاله عكرمة. ومن قال: إن المراد به الثياب الملبوسة، فلهم أربعة أوجهٍ: الأول: وثيابك فأنق. الثاني: وثيابك فشمِّر، أي قصِّر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة فإذا جُرَّت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها نجاسة، قاله الزجاج وطاووس. الثالث: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء. الرابع: لا تلبس ثيابك إلا من كسبِ الحلال ليكون مطهرة من الحرام. وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لا يكون ثيابك التي تلبس من ملبس غير طاهر. قال ابن العربي: وليس بممتنع أن تحمل الآية على عمومها، من أن المراد بها الحقيقة، والمجاز، وإذا حملناها على الثياب الطاهرةِ المعلومة، فهي تتناول معنيين: أحدهما: تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لغلام من الأنصار، وقد رأى ذيله مسترخياً: ارفع إزارك، فإنه أتْقَى، وأبْقَى، وأنقى. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إزْرَةُ المُؤمِن إلى أنْصَافِ سَاقيْهِ، لا جُناحَ عليْهِ فِيْمَا بَينهُ وبيْنَ الكعْبَيْنِ ومَا كَانَ أسْفل مِنْ ذلِكَ ففِي النَّارِ» فقد جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أيذالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» لا يَنْظرُ اللَّهُ تعالى إلى مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ خَيلاء «، وفي رواية:» منْ جرَّ إزارهُ خُيَلاء لَمْ ينْظُرِ اللَّهُ إليْهِ يَوْمَ القِيامةِ» قال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: يا رسول الله إني أجد شِقّ إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَسْتَ ممَّنْ يَصْنعهُ خيلاء» » . والمعنى الثاني: غسلها بالماء من النجاسة، وهو الظاهر. قال المهدوي: واستدل به بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، وليس ذلك يفرض عند مالك وأهل المدينة، وكذلك طهارة البدن، للإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار غير غسل. قال ابن الخطيب: إذا حملنا لفظ التطهير على حقيقته، فنقول: المراد منه أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار، وعلى هذا التقدير ففي الآية ثلاثة احتمالاتٍ: الأول: قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المقصود من الآية الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس. وثانيها: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره الله تعالى بأن يصون ثيابه عن النجاسات. وثالثها: روي أنهم ألقوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سَلَى شاةٍ، فشق عليه فرجع إلى بيته حَزيناً وتدثر في ثيابه، فقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ على أن لا ينتقم منهم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عن تلك النجاسات والقاذورات. قوله: ﴿والرجز﴾ . قرأ حفص ومجاهد وعكرمة وابن محيصن: بضم الراء، والباقون: بكسرها. فقيل: لغتان بمعنى، وعن أبي عبيدة: الضم أقيس اللغتين، وأكثرهما. وقال مجاهدٌ: هو بالضم اسم صنم، ويعزى للحسن البصري أيضاً، وبالكسر ويذكر: اسم للعذاب، وعلى تقدير كونه العذاب، فلا بد من حذف مضاف، أي: اهجر أسباب العذاب المؤدية إليه، أقام السبب مقام المسبب، وهو مجاز شائع بليغ. وقال السديُّ: «الرَّجْز» ، بنصب الراء: الوعيد. وقال مجاهد وعكرمة: المراد بالرجز: الأوثان، لقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 10] ، وقال ابن عباس أيضاً: والمأثم فاهجر، أي فاترك، وكذلك روى مغيرة عن إبراهيم النخعي، قال: الرجز: الإثم. وقال قتادة: الرجز إساف، ونائلة. وأصل «الرُّجْز» : العذابُ، قال تعالى: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] . وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [الأعراف: 163] . قوله: ﴿وَلاَ تَمْنُن﴾ ، العامة: على فك الإدغام والحسن وأبو السمال والأشهب العقيلي: بالإدغام. وقد تقدم أن المجزوم، والموقوف من هذا النوع يجوز فيهما الوجهان، وتقدم تحقيقه في «المائدة» ، عند قوله تعالى: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة: 54] . والمشهور أنه من المنّ، وهو الاعتداد على المعطى بما أعطاه، وقيل: معناه «ولا تضعف» من قولهم: حبل متين، أي: ضعيف. قوله: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، العامة على رفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه في موضع الحال، أي: لا تمنن مستكثراً ما أعطيت. وقيل: معناه لا تأخذ أكثر مما أعطيت. الثاني: على حذف «أن» يعني أن الأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، كقوله: [الطويل] 4952 - ألاَ أيُّهَذَا الزَّاجِري أحْضُرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ... في إحدى الروايتين. قاله الزمخشريُّ. ولم يبين ما محل «أن» وما في خبرها. وفيه وجهان: أظهرهما - وهو الذي يريده - هو أنها إما في محل نصب، أو جر على الخلاف فيها؛ حذف حرف الجر وهو هنا لام العلة، تقديره: ولا تمنن لأن تستكثر. والثاني: أنها في محل نصب فقط مفعولاً بها، أي: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قاله مكي. وقد تقدم أن «تَمْنُنْ» بمعنى تضعف، وهو قول مجاهد. إلا إنَّ أبا حيان قال - بعد كلام الزمخشريِّ -: «وهذا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحته معنى» . والكوفيون يجيزون ذلك، وأيضاً: فقد قرأ الحسن والأعمش: «تَسْتكثِرَ» أيضاً على إضمار «أن» ، كقولهم: «مُرْهُ يحفرها» . وأبلغ من ذلك التصريح بأن في قراء عبد الله: «ولا تمنن أن تستكثر» . وقرأ الحسن - أيضاً - وابن أبي عبلة تستكثرْ جزماً، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من الفعل قبله. كقوله: ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ﴾ [الفرقان: 68 - 69] ف «يُضَاعَفُ» بدلاً من «يَلْقَ» ؛ وكقوله: [الطويل] 4953 - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا في دِيَارنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَأجَّجَا ويكون من المنِّ الذي في قوله تعالى: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى﴾ [البقرة: 264] . الثاني: أن يشبه «ثرو» بعضد فيسكن تخفيفاً. قاله الزمخشري. يعني: أنه يأخذ من مجموع «تستكثر» [ومن الكلمة التي بعده وهو الواو ما يكون فيه شبهاً بعضد، ألا ترى أنه قال: أن يشبه ثرو، فأخذ بعض «تستكثر» ] وهو الثاء، والراء وحرف العطف من قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ ؛ وهذا كما قالوا في قول امرىء القيس: [السريع] 4954 - فالْيَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتحقِبٍ ... إثْماً من اللَّهِ ولا واغِلِ بتسكين «أشْرَبْ» - أنهم أخذوا من الكلمتين رَبْغَ ك «عضد» ثم سكن. وقد تقدم في سورة «يوسف» في قراءة قُنبل: «من يَتّقي» ، بثبوت الياء، أن «مَنْ» موصولة، فاعترض بجزم «يَصْبِر» ؟ . فأجيب بأنه شبه ب «رف» ، أخذوا الباء والراء من «يَصْبِر» والفاء من «فإنَّه» ، وهذه نظير تيك سواء. الوجه الثالث: أن يعتبر حال الوقف، ويجرى الوصل مجراه، قاله الزمخشري، أيضاً. يعني أنه مرفوع، وإنما سكن تخفيفاً، أو أجري الوصل مُجْرَى الوقفِ. قال أبو حيان: «وهذان لا يجوز أن يحمل عليهما مع وجود أرجح منهما، وهو البدل معنى وصناعة» . فصل في تعلق الآية بما قبلها في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى أمره قبل هذه الآية بأربعة أشياء: إنذار القوم، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، ثم قال - جلَّ ذكره -: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: لا تمن على ربِّك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما يفعله بل اصبر على ذلك كله لوجه ربِّك متقرباً بذلك إليه غير ممتن به عليه. قال الحسن - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بحسناتك، فتستكثرها. وقال ابن عباس وقتادة وعكرمةُ: ولا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثراً بذلك الإنعام، فإنَّما فعلت ذلك بأمر الله تبارك وتعالى، فلا منة لك عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ . وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك، أي: لتستكثر، أي: لتأخذ منهم على ذلك أجراً تستكثر به مالك. وقال مجاهدٌ: لا تضعف أن تستكثر من الخير، من قولك: حبل منين، إذا كان ضعيفاً، ودليله قراءة ابن مسعود: ولا تمنن تستكثر من الخير وعن مجاهد أيضاً، والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله عليك. وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك، إنما عملك منه من الله عليك، إذ جعل الله لك سبيلاً إلى عبادته. وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربِّك، لا تقل: دعوت فلم يستجب لي. وقيل: لا تفعل الخير لترائي به الناس. فإن قيل هذا النهي مختص بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو يتناول الأمة؟ . فالجوابُ: أن ظاهر اللفظ قرينة الحال لا تفيد العموم؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنما نهي عن ذلك تنزيهاً لمنصب النبوة، وهذا المعنى غير موجود في الأمة. وقيل: المعنى في حقِّ الأمة هو الرياءُ، واللَّهُ تعالى منع الكل من ذلك. فإن قيل: هل هذا نهي تحريم أو تنزيه؟ فالجواب: أن ظاهر النهي التحريم. فصل في المقصود من الآية قال القفال: يحتمل أن يكون المقصود من الآية أن يحرم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يعطي أحداً شيئاً لطلب عوض سواء كان العوض زائداً أو ناقصاً، أو مساوياً، ويكون معنى قوله تعالى ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: طالباً للكثرة كارهاً أن ينتقص المال بسبب العطاءِ، فيكون الاستكثار - هاهنا - عبارة عن طلب العوض كيف كان، وإنما حسنت هذه العبارةُ، لأن الغالب أن الثواب زائد على العطاء، فسمى طلب الثواب استكثاراً، حملاً للشيء على أغلب أحواله، كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي أغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع الأمر، وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، ومن ذهب إلى هذا القول قال: السبب فيه أن يصير عطاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خالياً عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه فيكون ذلك خالصاً مخلصاً لوجه الله تعالى. قال القرطبي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «أظهر الأقوال قول ابن عباس» لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال «يقال: مننت فلاناً كذا، أي: أعطيته، ويقال للعطية: المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها، لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما كان يجمع للدنيا، ولهذا قال: «مَا لي ممَّا أفَاء اللَّهُ عليَّ إلا الخُمْسَ، والخمس مَردُودٌ عَليْكُمْ» وكان ما يفضل عن نفقة عياله مصروفاً إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث «. قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ التقديم على ما تقدم. وحسنه كونه رأس فاصلة موافياً لما تقدم. ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تكون لام العلة، أي: لوجه ربِّك فاصبر، أي: على أذى الكفار وعلى عبادة ربك، وعلى كل شيء مما لا يليق فترك المصبور عليه، والمصبور عنه للعلم بهما. والأحسن أن لا يقدر شيء خاص بل شيء عام. والثاني: ان يضمن» صبر «معنى:» أذعن» ، أي: أذعن لربِّك، وسلم له أمرك صابراً، لقوله تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: 48] .

المدثر 74:7

مكية، وهي ست وخمسون آية، ومائتان وخمس وخمسون كلمة، وألف وعشرة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ؛ يا أيها الذي قد دثر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقرأ العامة: بتشديد الدال وكسر الثاء، اسم فاعل من «تدثَّر» وأصله: المتدثر فأدغم ك «المزمّل» . وفي حرف أبي: «المتدثر» على الأصل المشار إليه. وقرأ عكرمة: بتخفيف الدال، اسم فاعل من «دثّر» - بالتشديد - ويكون المفعول محذوفاً أي: المدثر نفسه، كما تقدم. وعنه أيضاً: فتح الثاء. ومعنى «تَدثَّر» لبس الدِّثَار، وهو الثوب الذي فوق الشِّعار، «والشِّعَار» : ما يلي الحسد، وفي الحديث: «الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ» . و «سيف دَاثِر» : بعيد العَهْد الصِّقال. ومنه قيل للمنزل الدارس: داثر لذهاب أعلامه وفلان داثرُ المال، أي: حسن القيام به. قوله: «قُمْ» إما أن يكون من القيام المعهود، فيكون المعنى: قم من مضجعك، وإما من «قام» بمعنى الأخذ في القيام، كقوله: [الطويل] 4944 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسيْفِهِ..... ... ... ... ... ... ... . وقوله: [الوافر] 4945 - عَلَى مَا قَامَ يَشْتُمُنِي لَئِيمُ..... ... ... ... ... ... ... ... في أحد القولين، فيكون المعنى: قيام عزم وتصميم، والقول الآخر: أن «قام» مزيدة، وفي جعلها بمعنى الأخذ في القيام نظر؛ لأنه حينئذ يصير من أخوات «عَسَى» فلا بد له من خبر يكون فعلاً مضارعاً مجرداً. قوله: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، مفعوله محذوف، أي: أنذر قومك عذاب الله، والأحسن أن لا يقدر له، أي: أوقع الإنذار. فصل في معنى الآية المعنى: يا أيها الذي قد دُثِّر ثيابه، أي: تغشى بها ونام. وقيل: ليس المراد التدثر بالثوب، فإن قلنا التدثر، ففيه وجوه: أحدها: أن هذا من أوائل ما نزل من القرآن. روى جابر بن عبد الله - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «كُنْتُ عَلى جَبلِ حِراءَ، فنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ لرَسُولٌ، فنَظرْتُ عَنْ يَمِينِي، ويسَارِي، فَلمْ أرَ أحَداً فنَظرْتُ فَوْقِي فَرأيتُ المَلكَ الذي جَاءَنِي بحِراءَ جَالِساً عَلى كُرسِي بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَخِفْتُ فَرجَعْتُ إلى خَدِيْجَةَ، فقلتُ: دَثِّرُوني، وصبُّوا عليَّ ماءاً بارداً» ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثانيها: أن أبا جهل، وأبا لهب، وأبا سفيان، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأميَّة بن خلف، والعاص بن وائل والمطعم بن عدي، اجتمعوا وقالوا: إنَّ وفود العرب مجتمعون في أيام الحج، وهم يسألون عن أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقد اختلفتم في الإخبار عنه، فمن قائل هو مجنون. وقائل: كاهن. وقائل: ساحر، وتعلم العرب أن هذا كله لا يجتمع في رجل واحد، فيستدلون باختلاف الأجوبة على أنها أجوبة باطلة، فسمُّوا محمداً باسم واحد يجتمعون عليه، وتسميه العرب به فقدم رجل منهم فقال: إنه شاعر، فقال الوليد: سمعت كلام عبيدة بن الأبرص [وكلام أمية بن أبي الصلت، وكلامه ما يشبه كلامهما، فقالوا: كاهن: فقال:] الكاهن يصدق ويكذب، وما كذب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قط، فقال آخر: إنه مجنون، فقال الوليد: الجنون يخنق الناس وما خنق محمد قط، ثم قام الوليد فانصرف إلى بيته، فقال الناس: صبأ الوليد بن المغيرة، فدخل عليه أبو جهل فقال: ما لك يا أبا عبد شمس، هذه قريش تجمع لك شيئاً يعطونكه، زعموا أنك قد احتجت وصبأت، فقال الوليد: ما لي إليه حاجة، ولكني فكرت في محمد، فقلت: إنه ساحر لأن الساحر هو الذي يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وبين المرأة وزوجها، فشاع ذلك في الناس، فصاحوا يقولون: محمد ساحر والناس مجتمعون، فوقعت الصيحةُ في الناس فلما سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك اشتد عليه ورجع إلى بيته محزوناً، فتدثر بقطيفة فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ . وثالثها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان نائماً، متدثراً بثيابه، فجاءه جبريل - عليه السلام - وأيقظه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -، وقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ كأنه قال: اترك التدثر بالثياب، واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله تعالى له. وإن قلنا: ليس المراد منه التدثر بالثياب ففيه وجوه: الأول: قال عكرمة: يا أيها المدثر بالنبوة، والرسالة انْقُلْها، من قولهم: ألبسه اللَّهُ لباس التقوى وزيَّنَهُ برداء العلم. قال ابن العربي: «وهذا مجاز بعيد، لأنه لم يكن تنبأ بعد، وإن قلنا: إنها أول القرآن لم يكن نبياً بعد إلا إن قلنا: إنها ثاني ما نزل» . الثاني: أن المدثر بالثوب يكون كالمتخفي فيه، فإنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في جبل حراء كالمتخفي من النَّاس، فكأنه قال: يا أيها المدثِّر بدثار الاختفاء قم بهذا الأبر واخرج من زاوية الخمول، واشتغل بإنذار الخلق، والدعوة إلى معرفة الحقِّ. الثالث: أنه تعالى جعله رحمة للعالمين، فكأنه قيل له: يا أيها المدثِّر بأثواب العلم العظيم، والخلق الكريم، والرحمة الكاملة: «قُمْ فأنْذِرْ» عذاب ربّك. فصل في لطف الخطاب في الآية قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾ ملاطفة في الخطاب من الكريم إلى الحبيب إذ ناداه بحاله وعبر عنه بصفته، ولم يقل: يا محمدُ، كما تقدم في المزمل. فصل في معنى «فأنذر» ومعنى قوله تعالى: ﴿فَأَنذِرْ﴾ ، أي: خوِّف أهل مكة، وحذرهم العذاب إن لم يسلموا. وقيل: الإنذار هنا: إعلامهم بنوته - عليه السلام - لأنها مقدمة الرسالة. وقيل: هو دعاؤهم إلى التوحيد لأنه المقصود. وقال الفراء: قم فصلِّ ومر بالصلاة. قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، قدم المفعول، وكذا ما بعد، إيذاناً بالاختصاص عند من يرى ذلك، أو للاهتمام به. قال الزمخشري: «واختص ربَّك بالتكبير» . ثم قال: «ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: ومهما تكن فلا تدع تكبيره» وقد تقدم الكلام في مثل هذه الفاء في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ [البقرة: 40] . قال أبو حيان: «وهو قريب مما قدره النحاة في قولك:» زيداً فاضرب» ، قالوا: تقديره: «تنبَّهْ فاضرب زيداً» فالفاء هي جواب الأمر، وهذا الأمر إما مضمن معنى الشرط، وإما الشرط محذوف على الخلاف الذي فيه عند النحاة» . قال أبو الفتح الموصلي: يقال: «زيداً اضرب، وعمراً اشكر» وعنده أن الفاء زائدة. وقال الزجاج: ودخلت الفاء لإفادة معنى الجزائية، والمعنى: قم فكبِّر ربَّك، وكذلك ما بعده. فصل في معنى الآية معنى قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، أي سيدك ومالكك ومصلح أمرك فعظمه، وصفه بأنه أكبر من أن يكون له صاحبة، أو ولد، وفي الحديث: أنهم قالوا: بم تفتتح الصلاة؟ فنزلت: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ . أي: صفه بأنه أكبر. قال ابن العربي: وهذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة فإنه مراد به تكبيره بالتقديس، والتنزيه بخلع الأنداد، والأصنام دونه، ولا تتخذ ولياً غيره، ولا تعبد سواه، وروي «أن أبا سفيان قال يوم أحد:» أعْلُ هُبَل» ، فقال: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «قُولُواْ اللَّهُ أعْلَى وأجَلُّ» ، وقد صار هذا القول بعرف الشرع في تكثير العبادات كلها أذاناً، وصلاة بقوله» اللَّهُ أكبرُ «وحمل عليه لفظ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الوارد على الإطلاق في موارد منها قوله:» تَحْريمُهَا التَّكبيرُ، وتحْلِيلُهَا التَّسلِيمُ» ، والشَّرعُ يقتضي معرفة ما يقتضي بعمومه، ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح تخليصاً له من الشرك، وإعلاناً باسمه بالنسك، وإفراداً لما شرع من أمره بالسفك. والمنقول عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في التكبير في الصلاة هو لفظ «اللَّهُ أكبَرُ» . وقال المفسرون: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ قام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: اللَّهُ أكبر، فكبرت خديجة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وعلمت أنه وحي من الله تعالى ذكره القشيري. وقال الكلبيُّ: فعظم ربَّك عما يقوله عبدة الأوثان. قال مقاتل: هو أن يقال: الله أكبر. وقيل: المرادُ منه التكبير في الصلاة. فإن قيل: هذه السورة نزلت في أول البعث، ولم تكن الصلاة واجبة. فالجواب: لا يبعد أنه كانت له - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - صلوات تطوع فأمر أن يُكبِّر ربَّه فيها قال ابن الخطيب: وعندي أنه لما قيل له: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ قيل بعد ذلك ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عن اللغو والرفث. قوله: ﴿وَثَيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ . قيل: المراد الثياب الملبوسة، فعلى الأول يكون المعنى: وعملك فأصلح، قاله مجاهد وابن زيد والسديُّ، وروى منصور عن أبي رزين، قال: يقول: وعملك فأصلح. وإذا كان الرجل خبيث العمل، قالوا: إن فلاناً خبيث الثيابِ، وإذ كان الرجل حسن العمل، قالوا: إنَّ فلاناً طاهر الثياب، ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يَحْشرُ المَرءُ فِي ثَوبَيْهِ الَّذي مَاتَ فِيْهِمَا» ، يعني: عمله الصالح والطالح، ذكره الماوردي. ومن قال المراد به القلب، قلبك فطهر، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما؛ ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] 4946 - ... ... ... ... ... ... . ... فَسُلِّي ثِيَابِي مِن ثِيابكِ تَنْسُلِ أي: قلبي من قلبك. قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: أحدهما: المعنى: وقلبك فطهر من الإثم والمعاصي قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: وقلبك فطهر من القذر، أي: لا تقذر فتكون دنس الثياب وهو ما يروى عن ابن عباس أيضاً، واستشهدوا بقوله غيلان بن سلمة الثقفي: [الطويل] 4947 - فَإنِّي بِحَمْدِ اللَّهِ لا ثَوْبَ غَادِرٍ ... لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرةٍ أتقنَّعُ ومن قال: المراد به النفس، قال: معناه ونفسك فطهر، أي: من الذنوب، والعرب تكني عن النفس بالثياب. قاله ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -؛ ومنه قول عنترة: [الكامل] 4948 - فَشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الطَّويلِ ثِيابَهُ ... لَيْسَ الكرِيمُ على القَنَا بِمُحَرَّمِ وقول امرىء القيس المتقدم. ومن قال: بأنه الجسم قال: المعنى وجسمك فطهر من المعاصي الظاهرة، ومنه قول ليلى تصف إبلاً: [الطويل] 4949 - رَموْهَا بأثْوابٍ خِفافٍ فلا تَرَى ... لَهَا شَبَهاً إلاَّ النَّعامَ المُنفَّرَا أي: ركبوها فرموها بأنفسهم. ومن قال: المراد به الأهل، قال: معناه: وأهلك طهرهم من الخطايا بالموعظة والتأديب، والعرب تسمي الأهل ثوباً وإزاراً ولباساً، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187] . قال الماورديُّ: ولهم في تأويل الآية وجهان: الأول: معناه: ونساءك فطهر باختيار المؤمنات العفائف. الثاني: الاستمتاع بهن في القبل دون الدبر في الطهر إلا في الحيض حكاه ابن بحر. قال ابن الخطيب: «وحمل الآية على هذا التأويل يعسر لأنه على هذا الوجه لا يحسن اتصال الآية بما قبلها» . ومن قال المراد به الخلق قال معناه: وخلقك فحسِّنْ قاله الحسن والقرظي؛ لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه؛ قال الشاعر: [الطويل] 4950 - فَلاَ أبَ وابْناً مِثْلَ مَرْوانَ وابْنِهِ ... إذَا هُوَ بالمَجْدِ ارتَدَى وتَأزَّرَا والسبب في حسن هذه الكناية وجهان: الأول: أن الثوب كالشيء الملازم للإنسان فلهذا جعلوا الأثواب كناية عن الإنسان، فيقال: المجد في ثوبه والعفة في إزاره. الثاني: أنه من طهر باطنه غالباً طهر ظاهره، ومن قال: المراد به الدين فمعناه: ودينك فطهر. جاء في الصحيح: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ورأيتُ النَّاس وعَلَيْهِمْ ثِيابٌ مِنْهَا ما يَبلغُ الثُّدِيَّ، ومِنْهَا دونَ ذلِكَ، ورَأيْتُ عُمر بن الخطَّاب، وعليْهِ إزارٌ يُجُرُّهُ، قالوا: يا رسُولَ اللَّهِ فَمَا أوَّلتَ ذلِكَ؟ قال: الدِّينُ» . وروي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: معناه لا تلبس ثيابك على عذرة؛ قال ابن أبي كبشة: [الطويل] 4951 - ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارَى نَقيَّةٌ ... وأوْجُهُهمْ عِنْدَ المُشاهدِ غُرَّانُ يعني بطهارة ثيابهم: سلامتهم عن الدناءات ويعني بعزة وجوههم: تنزيههم عن المحرمات، أو جمالهم في الخلقة، أو كليهما. قاله ابن العربي. وقال سفيانُ بن عيينة: لا تلبس ثيابك على كذب ولا جور ولا غدر ولا إثم، قاله عكرمة. ومن قال: إن المراد به الثياب الملبوسة، فلهم أربعة أوجهٍ: الأول: وثيابك فأنق. الثاني: وثيابك فشمِّر، أي قصِّر، فإن تقصير الثياب أبعد من النجاسة فإذا جُرَّت على الأرض لم يؤمن أن يصيبها نجاسة، قاله الزجاج وطاووس. الثالث: وثيابك فطهر من النجاسة بالماء، قاله محمد بن سيرين وابن زيد والفقهاء. الرابع: لا تلبس ثيابك إلا من كسبِ الحلال ليكون مطهرة من الحرام. وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - لا يكون ثيابك التي تلبس من ملبس غير طاهر. قال ابن العربي: وليس بممتنع أن تحمل الآية على عمومها، من أن المراد بها الحقيقة، والمجاز، وإذا حملناها على الثياب الطاهرةِ المعلومة، فهي تتناول معنيين: أحدهما: تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنست، ولهذا قال عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لغلام من الأنصار، وقد رأى ذيله مسترخياً: ارفع إزارك، فإنه أتْقَى، وأبْقَى، وأنقى. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إزْرَةُ المُؤمِن إلى أنْصَافِ سَاقيْهِ، لا جُناحَ عليْهِ فِيْمَا بَينهُ وبيْنَ الكعْبَيْنِ ومَا كَانَ أسْفل مِنْ ذلِكَ ففِي النَّارِ» فقد جعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أيذالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم وهذه حالة الكبر، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «» لا يَنْظرُ اللَّهُ تعالى إلى مَنْ جَرَّ ثَوبَهُ خَيلاء «، وفي رواية:» منْ جرَّ إزارهُ خُيَلاء لَمْ ينْظُرِ اللَّهُ إليْهِ يَوْمَ القِيامةِ» قال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: يا رسول الله إني أجد شِقّ إزاري يسترخي إلا أني أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَسْتَ ممَّنْ يَصْنعهُ خيلاء» » . والمعنى الثاني: غسلها بالماء من النجاسة، وهو الظاهر. قال المهدوي: واستدل به بعض العلماء على وجوب طهارة الثوب، وليس ذلك يفرض عند مالك وأهل المدينة، وكذلك طهارة البدن، للإجماع على جواز الصلاة بالاستجمار غير غسل. قال ابن الخطيب: إذا حملنا لفظ التطهير على حقيقته، فنقول: المراد منه أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمر بتطهير ثيابه من الأنجاس والأقذار، وعلى هذا التقدير ففي الآية ثلاثة احتمالاتٍ: الأول: قال الشافعي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: المقصود من الآية الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس. وثانيها: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات، فأمره الله تعالى بأن يصون ثيابه عن النجاسات. وثالثها: روي أنهم ألقوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سَلَى شاةٍ، فشق عليه فرجع إلى بيته حَزيناً وتدثر في ثيابه، فقال: ﴿يا أيها المدثر قُمْ فَأَنذِرْ﴾ ولا تمنعك تلك السفاهة عن الإنذار ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ على أن لا ينتقم منهم ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ عن تلك النجاسات والقاذورات. قوله: ﴿والرجز﴾ . قرأ حفص ومجاهد وعكرمة وابن محيصن: بضم الراء، والباقون: بكسرها. فقيل: لغتان بمعنى، وعن أبي عبيدة: الضم أقيس اللغتين، وأكثرهما. وقال مجاهدٌ: هو بالضم اسم صنم، ويعزى للحسن البصري أيضاً، وبالكسر ويذكر: اسم للعذاب، وعلى تقدير كونه العذاب، فلا بد من حذف مضاف، أي: اهجر أسباب العذاب المؤدية إليه، أقام السبب مقام المسبب، وهو مجاز شائع بليغ. وقال السديُّ: «الرَّجْز» ، بنصب الراء: الوعيد. وقال مجاهد وعكرمة: المراد بالرجز: الأوثان، لقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 10] ، وقال ابن عباس أيضاً: والمأثم فاهجر، أي فاترك، وكذلك روى مغيرة عن إبراهيم النخعي، قال: الرجز: الإثم. وقال قتادة: الرجز إساف، ونائلة. وأصل «الرُّجْز» : العذابُ، قال تعالى: ﴿لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] . وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السمآء﴾ [الأعراف: 163] . قوله: ﴿وَلاَ تَمْنُن﴾ ، العامة: على فك الإدغام والحسن وأبو السمال والأشهب العقيلي: بالإدغام. وقد تقدم أن المجزوم، والموقوف من هذا النوع يجوز فيهما الوجهان، وتقدم تحقيقه في «المائدة» ، عند قوله تعالى: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة: 54] . والمشهور أنه من المنّ، وهو الاعتداد على المعطى بما أعطاه، وقيل: معناه «ولا تضعف» من قولهم: حبل متين، أي: ضعيف. قوله: ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، العامة على رفعه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه في موضع الحال، أي: لا تمنن مستكثراً ما أعطيت. وقيل: معناه لا تأخذ أكثر مما أعطيت. الثاني: على حذف «أن» يعني أن الأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت «أن» ارتفع الفعل، كقوله: [الطويل] 4952 - ألاَ أيُّهَذَا الزَّاجِري أحْضُرُ الوغَى..... ... ... ... ... ... ... ... في إحدى الروايتين. قاله الزمخشريُّ. ولم يبين ما محل «أن» وما في خبرها. وفيه وجهان: أظهرهما - وهو الذي يريده - هو أنها إما في محل نصب، أو جر على الخلاف فيها؛ حذف حرف الجر وهو هنا لام العلة، تقديره: ولا تمنن لأن تستكثر. والثاني: أنها في محل نصب فقط مفعولاً بها، أي: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قاله مكي. وقد تقدم أن «تَمْنُنْ» بمعنى تضعف، وهو قول مجاهد. إلا إنَّ أبا حيان قال - بعد كلام الزمخشريِّ -: «وهذا لا يجوز أن يحمل القرآن عليه لأنه لا يجوز ذلك إلا في الشعر، ولنا مندوحة عنه مع صحته معنى» . والكوفيون يجيزون ذلك، وأيضاً: فقد قرأ الحسن والأعمش: «تَسْتكثِرَ» أيضاً على إضمار «أن» ، كقولهم: «مُرْهُ يحفرها» . وأبلغ من ذلك التصريح بأن في قراء عبد الله: «ولا تمنن أن تستكثر» . وقرأ الحسن - أيضاً - وابن أبي عبلة تستكثرْ جزماً، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من الفعل قبله. كقوله: ﴿يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ﴾ [الفرقان: 68 - 69] ف «يُضَاعَفُ» بدلاً من «يَلْقَ» ؛ وكقوله: [الطويل] 4953 - مَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا في دِيَارنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً ونَاراً تَأجَّجَا ويكون من المنِّ الذي في قوله تعالى: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى﴾ [البقرة: 264] . الثاني: أن يشبه «ثرو» بعضد فيسكن تخفيفاً. قاله الزمخشري. يعني: أنه يأخذ من مجموع «تستكثر» [ومن الكلمة التي بعده وهو الواو ما يكون فيه شبهاً بعضد، ألا ترى أنه قال: أن يشبه ثرو، فأخذ بعض «تستكثر» ] وهو الثاء، والراء وحرف العطف من قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ ؛ وهذا كما قالوا في قول امرىء القيس: [السريع] 4954 - فالْيَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتحقِبٍ ... إثْماً من اللَّهِ ولا واغِلِ بتسكين «أشْرَبْ» - أنهم أخذوا من الكلمتين رَبْغَ ك «عضد» ثم سكن. وقد تقدم في سورة «يوسف» في قراءة قُنبل: «من يَتّقي» ، بثبوت الياء، أن «مَنْ» موصولة، فاعترض بجزم «يَصْبِر» ؟ . فأجيب بأنه شبه ب «رف» ، أخذوا الباء والراء من «يَصْبِر» والفاء من «فإنَّه» ، وهذه نظير تيك سواء. الوجه الثالث: أن يعتبر حال الوقف، ويجرى الوصل مجراه، قاله الزمخشري، أيضاً. يعني أنه مرفوع، وإنما سكن تخفيفاً، أو أجري الوصل مُجْرَى الوقفِ. قال أبو حيان: «وهذان لا يجوز أن يحمل عليهما مع وجود أرجح منهما، وهو البدل معنى وصناعة» . فصل في تعلق الآية بما قبلها في اتصال هذه الآية بما قبلها أنه تعالى أمره قبل هذه الآية بأربعة أشياء: إنذار القوم، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، ثم قال - جلَّ ذكره -: ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: لا تمن على ربِّك بهذه الأعمال الشاقة كالمستكثر لما يفعله بل اصبر على ذلك كله لوجه ربِّك متقرباً بذلك إليه غير ممتن به عليه. قال الحسن - رَحِمَهُ اللَّهُ -: بحسناتك، فتستكثرها. وقال ابن عباس وقتادة وعكرمةُ: ولا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. وقيل: لا تمنن على الناس بما تعلمهم من أمر الدين والوحي مستكثراً بذلك الإنعام، فإنَّما فعلت ذلك بأمر الله تبارك وتعالى، فلا منة لك عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ . وقيل: لا تمنن عليهم بنبوتك، أي: لتستكثر، أي: لتأخذ منهم على ذلك أجراً تستكثر به مالك. وقال مجاهدٌ: لا تضعف أن تستكثر من الخير، من قولك: حبل منين، إذا كان ضعيفاً، ودليله قراءة ابن مسعود: ولا تمنن تستكثر من الخير وعن مجاهد أيضاً، والربيع: لا تعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير فإنه مما أنعم الله عليك. وقال ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك، إنما عملك منه من الله عليك، إذ جعل الله لك سبيلاً إلى عبادته. وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربِّك، لا تقل: دعوت فلم يستجب لي. وقيل: لا تفعل الخير لترائي به الناس. فإن قيل هذا النهي مختص بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أو يتناول الأمة؟ . فالجوابُ: أن ظاهر اللفظ قرينة الحال لا تفيد العموم؛ لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنما نهي عن ذلك تنزيهاً لمنصب النبوة، وهذا المعنى غير موجود في الأمة. وقيل: المعنى في حقِّ الأمة هو الرياءُ، واللَّهُ تعالى منع الكل من ذلك. فإن قيل: هل هذا نهي تحريم أو تنزيه؟ فالجواب: أن ظاهر النهي التحريم. فصل في المقصود من الآية قال القفال: يحتمل أن يكون المقصود من الآية أن يحرم على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يعطي أحداً شيئاً لطلب عوض سواء كان العوض زائداً أو ناقصاً، أو مساوياً، ويكون معنى قوله تعالى ﴿تَسْتَكْثِرُ﴾ ، أي: طالباً للكثرة كارهاً أن ينتقص المال بسبب العطاءِ، فيكون الاستكثار - هاهنا - عبارة عن طلب العوض كيف كان، وإنما حسنت هذه العبارةُ، لأن الغالب أن الثواب زائد على العطاء، فسمى طلب الثواب استكثاراً، حملاً للشيء على أغلب أحواله، كما أن الأغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي أغلب أن المرأة إنما تتزوج، ولها ولد للحاجة إلى من يربي ولدها، فسمي الولد ربيباً، ثم اتسع الأمر، وإن كان حين تتزوج أمه كبيراً، ومن ذهب إلى هذا القول قال: السبب فيه أن يصير عطاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خالياً عن انتظار العوض، والتفات النفس إليه فيكون ذلك خالصاً مخلصاً لوجه الله تعالى. قال القرطبي - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «أظهر الأقوال قول ابن عباس» لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال «يقال: مننت فلاناً كذا، أي: أعطيته، ويقال للعطية: المنة فكأنه أمر بأن تكون عطاياه لله، لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها، لأنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ما كان يجمع للدنيا، ولهذا قال: «مَا لي ممَّا أفَاء اللَّهُ عليَّ إلا الخُمْسَ، والخمس مَردُودٌ عَليْكُمْ» وكان ما يفضل عن نفقة عياله مصروفاً إلى مصالح المسلمين، ولهذا لم يورث «. قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾ التقديم على ما تقدم. وحسنه كونه رأس فاصلة موافياً لما تقدم. ﴿وَلِرَبِّكَ﴾ يجوز فيه وجهان: أحدهما: أن تكون لام العلة، أي: لوجه ربِّك فاصبر، أي: على أذى الكفار وعلى عبادة ربك، وعلى كل شيء مما لا يليق فترك المصبور عليه، والمصبور عنه للعلم بهما. والأحسن أن لا يقدر شيء خاص بل شيء عام. والثاني: ان يضمن» صبر «معنى:» أذعن» ، أي: أذعن لربِّك، وسلم له أمرك صابراً، لقوله تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: 48] .

المدثر 74:8

قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ . قال الزمخشري: «الفاء» في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ لتسبيب، كأنه قال: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى فيه عاقبة صبرك عليه. والفاء في «فإذا» متعلقة ب «أنذر» ، أي: فأنذرهم إذا نقر في الناقور. قاله الحوفيُّ. وفيه نظر من حيث أن الفاء تمنع من ذلك، ولو أراد تفسير المعنى لكان سهلاً، لكنه في معرض تفسير الإعراب لا تفسير المعنى. الثاني: أن ينتصب بما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ . قال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب «إذا» ، وكيف صح أن يقع «يومئذ» ظرفاً ل «يوم عسير» ؟ . قلت: انتصب «إذا بما دل عليه الجزاء؛ لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين والذي أجاز وقوع» يومئذ «ظرفاً ل ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، إذ المعنى فذلك يوم النقر وقوع يوم عسير لأن يوم القيامة يقع، ويأتي حين يُنقر في النَّاقُور، انتهى. ولا يجوز أن يعمل فيه نفس» عسير «؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل موصوفها عند البصريين، ولذلك رد على الزمخشري قوله: أن» في أنفسهم «متعلق ب» بَلِيغاً «في سورة» النساء «في قوله تعالى ﴿وَقُل لَّهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [النساء: 63] والكوفيون يجوزون ذلك وتقدم تحريره. الثالث: أن ينتصب بما دل عليه» فذلك» ؛ لأنه إشارة إلى النقر، قاله أبو البقاء، ثم قال: «و» يومئذ» بدل من «إذا» ، و «ذلك» مبتدأ، والخبر ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، أي: نقر يوم «. الرابع: أن يكون» إذا «مبتدأ، و» فذلك «خبره، والفاء مزيدة فيه، وهو رأي الأخفش. وأما» يَومَئذٍ «ففيه أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من» إذا» ، وقد تقدم ذلك في الوجه الثالث. الثاني: أن يكون ظرفاً ل ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ كما تقدم في الوجه الثاني. الثالث: أن يكون ظرفاً ل «ذلك» ، لأنه أشار به إلى النقر. الرابع: أنه بدل من «فذلك» ولكنه مبنيّ لإضافته إلى غير متمكن. الخامس: أن يكون» فذلك «مبتدأ، و ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبره، والجملة خبر» فَذلِكَ» . قوله: «نُقِرَ» ، أي: صوت، يقال: نقرت الرجل إذا صوت له بلسانك، وذلك بأن تلصق لسانك بنقرة حنكك، ونقرتُ الرجل: إذا خصصته بالدعوة كأنك نقرت له بلسانك مشيراً إليه، وتلك الدعوة يقال لها: النقرى، وهي ضد الدعوة الجفلى؛ قال الشاعر: [الرمل] 4955 - نَحْنُ فِي المشْتَاةِ نَدْعُو الجَفلَى ... لا تَرَى الآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ وقال امرؤ القيس: [الرجز] 4956 - أنَا ابْنُ مَاويَّةَ إذْ جَدَّ النَّقُرْ ... يريد: النقر، أي الصوت، والنقر في كلام العرب: الصوت؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4957 - أخَفِّضُهُ بالنَّقْر لمَّا عَلوْتهُ ... ويَرْفعُ طَرْفاً غَيْرَ جَافٍ غَضِيضِ والناقور: «فاعول» منه كالجاسوس من التجسس، وهو الشيء المصوّت فيه. قال مجاهد وغيره: وهو كهيئة البوق، وهو الصور الذي ينفخ فيه الملك. والنقير: فرع الشيء الصلب، والمنقار: الحديدة التي ينقر بها، ونقرت عينه: بحثت على أخباره استعارة من ذلك، ونقرته: أعبته. ومنه قول امرأة لزوجها: مر بي على بني نظر، ولا تمر بي على بنات نقر، أرادت: ببني نظر الرجال لأنهم ينظرون إليها، وبينات نقر: النساء، لأنهن يعبنها وينقرن عن أحوالها. قوله: ﴿عَلَى الكافرين﴾ . فيه خمسة أوجه: أحدها: أن يتعلق ب «عسير» . الثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه نعت ل «عَسِيرٌ» . الثالث: أنه في موضع نصب على الحال من الضمير المستكنّ في «عَسِيرٌ» . الرابع: أن يتعلق ب «يسير» ، أي: غير يسير على الكافرين قاله أبو البقاء. إلا أن فيه تقديم معمول المضاف إليه على المضاف، وهو ممنوع، وقد جوزه بعضهم إذ كان المضاف «غير» بمعنى النفي، كقوله: [البسيط] 4958 - إنَّ امْرَأ خَصَّنِي يَوْماً مودَّتهُ ... عَلى التَّنَائِي لعِنْدِي غَيْرُ مَكْفُورِ وتقدم تحرير هذا آخر الفاتحة. الخامس: أن يتعلق بما دل عليه «غَيرُ يَسيرٍ» ، أي: لا يسهل على الكافرين. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: فما فائدة قوله: «غير يسير» ، و «عسير» مغن عنه؟ . قلت: لما قال - سبحانه وتعالى -: «على الكافرين» فقصر العسر عليهم، قال: «غَيرُ يَسِيرٍ» ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيراً هيناً، ليجمع بين وعيد الكافرين، وزيادة غيظهم، وتيسيراً للمؤمنين، وتسليتهم، ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيراً كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا. فصل في تعلق الآية بما بعدها لما ذكر ما يتعلق بإرشاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر بعده وعيد الأشقياء قيل: المراد بهذه الآية هو النفخة الثانية. وقيل: الأولى، قال الحليمي في كتاب «المنهاج» : إنه تعالى سمى الصور اسمين، وإن كان هو الذي ينفخ فيه النفختان معاً، فإن نفخة الإصعاق غير نفخة الإحياء، وجاء في الأخبار أن في الصور ثقباً بعدد الأرواح كلِّها، وأنها تجمع في ذلك الثقب في النفخة الثانية، فيخرج عن النفخ من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي نزع منه، فيعود الجسد حياً بإذن الله تعالى. قال ابن الخطيب: وهذا مردود، لأن الناقور اسم لما ينقر فيه لا لما ينقر فيه، ويحتمل أن يكون الصور محتوياً على ثقبين: ينقر في إحداهما، وينفخ في الأخرى، فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النقر، والنفخ، لتكون الصيحة أشد، وأعظم، وإذا نفخ فيه للإحياء، لم ينقر فيه بل يقتصر على النفخ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها بنقرها من أجسادها بالنفخة الأولى للنقير، وهو نظير صوت الرعد؛ فإنه إذا اشتد فربما مات بسماعه، والصيحة الشديدة التي يصيحها رجل بصبي فيفزع منه فيموت. قال ابن الخطيب: وفيه إشكال، وهو أن هذا يقتضي أن يكون النقر إنما يحصل عند صيحة الإصعاق وذلك اليوم غير شديد على الكافرين؛ لأنهم يموتون في تلك الساعة، إنما اليوم الشديد على الكافرين صيحة الإحياء، ولذلك يقول: ﴿ياليتها كَانَتِ القاضية﴾ [الحاقة: 27] ، أي: يا ليتنا بقينا على الموتة الأولى. وقوله: «فَذلِكَ» ، أي: فذلك اليوم يوم شديد على الكافرين «غير يَسيرٍ» أي: غير سهل، ولا هين وذلك أن عقدهم لا تنحل، إلا إلى عقد أشد منها، فإنهم يناقشون الحساب ويعطون كتبهم بشمائلهم، وتسودُّ وجوههم، ويحشرون زرقاً، وتتكلم جوارحهم، ويفضحون على رؤوس الأشهاد بخلاف المؤمنين الموحدين المذنبين فإنها تنحل إلى ما هو أخف، حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى فإنهم لا يناقشون الحساب، ويحشرون بيض الوجوه، ثِقال الموازين. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون عسيراً على المؤمنين، والكافرين، على ما روي أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - يفزعون يومئذ، وأن الولدان يشيبون، إلا أنه يكون على الكفار أشد فعلى الأول: لا يحسن الوقف على قوله ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، فإن المعنى: إنه على الكافرين عسير وغير يسير. وعلى الثاني: يحسن الوقف، لأنه في المعنى: أنه في نفسه عسير على الكل ثم الكافر فيه مخصوص بزيادة تخصه، وهي أنه عليه عسير. فصل في دليل الخطاب قال ابن الخطيب: استدل بهذه الآية القائلون بدليل الخطاب، قالوا: لولا أن دليل الخطاب حجة وإلا فما فهم ابن عباس من كونه غير يسير على الكافرين كونه يسيراً على المؤمنين.

المدثر 74:9

قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ . قال الزمخشري: «الفاء» في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ لتسبيب، كأنه قال: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى فيه عاقبة صبرك عليه. والفاء في «فإذا» متعلقة ب «أنذر» ، أي: فأنذرهم إذا نقر في الناقور. قاله الحوفيُّ. وفيه نظر من حيث أن الفاء تمنع من ذلك، ولو أراد تفسير المعنى لكان سهلاً، لكنه في معرض تفسير الإعراب لا تفسير المعنى. الثاني: أن ينتصب بما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ . قال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب «إذا» ، وكيف صح أن يقع «يومئذ» ظرفاً ل «يوم عسير» ؟ . قلت: انتصب «إذا بما دل عليه الجزاء؛ لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين والذي أجاز وقوع» يومئذ «ظرفاً ل ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، إذ المعنى فذلك يوم النقر وقوع يوم عسير لأن يوم القيامة يقع، ويأتي حين يُنقر في النَّاقُور، انتهى. ولا يجوز أن يعمل فيه نفس» عسير «؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل موصوفها عند البصريين، ولذلك رد على الزمخشري قوله: أن» في أنفسهم «متعلق ب» بَلِيغاً «في سورة» النساء «في قوله تعالى ﴿وَقُل لَّهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [النساء: 63] والكوفيون يجوزون ذلك وتقدم تحريره. الثالث: أن ينتصب بما دل عليه» فذلك» ؛ لأنه إشارة إلى النقر، قاله أبو البقاء، ثم قال: «و» يومئذ» بدل من «إذا» ، و «ذلك» مبتدأ، والخبر ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، أي: نقر يوم «. الرابع: أن يكون» إذا «مبتدأ، و» فذلك «خبره، والفاء مزيدة فيه، وهو رأي الأخفش. وأما» يَومَئذٍ «ففيه أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من» إذا» ، وقد تقدم ذلك في الوجه الثالث. الثاني: أن يكون ظرفاً ل ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ كما تقدم في الوجه الثاني. الثالث: أن يكون ظرفاً ل «ذلك» ، لأنه أشار به إلى النقر. الرابع: أنه بدل من «فذلك» ولكنه مبنيّ لإضافته إلى غير متمكن. الخامس: أن يكون» فذلك «مبتدأ، و ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبره، والجملة خبر» فَذلِكَ» . قوله: «نُقِرَ» ، أي: صوت، يقال: نقرت الرجل إذا صوت له بلسانك، وذلك بأن تلصق لسانك بنقرة حنكك، ونقرتُ الرجل: إذا خصصته بالدعوة كأنك نقرت له بلسانك مشيراً إليه، وتلك الدعوة يقال لها: النقرى، وهي ضد الدعوة الجفلى؛ قال الشاعر: [الرمل] 4955 - نَحْنُ فِي المشْتَاةِ نَدْعُو الجَفلَى ... لا تَرَى الآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ وقال امرؤ القيس: [الرجز] 4956 - أنَا ابْنُ مَاويَّةَ إذْ جَدَّ النَّقُرْ ... يريد: النقر، أي الصوت، والنقر في كلام العرب: الصوت؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4957 - أخَفِّضُهُ بالنَّقْر لمَّا عَلوْتهُ ... ويَرْفعُ طَرْفاً غَيْرَ جَافٍ غَضِيضِ والناقور: «فاعول» منه كالجاسوس من التجسس، وهو الشيء المصوّت فيه. قال مجاهد وغيره: وهو كهيئة البوق، وهو الصور الذي ينفخ فيه الملك. والنقير: فرع الشيء الصلب، والمنقار: الحديدة التي ينقر بها، ونقرت عينه: بحثت على أخباره استعارة من ذلك، ونقرته: أعبته. ومنه قول امرأة لزوجها: مر بي على بني نظر، ولا تمر بي على بنات نقر، أرادت: ببني نظر الرجال لأنهم ينظرون إليها، وبينات نقر: النساء، لأنهن يعبنها وينقرن عن أحوالها. قوله: ﴿عَلَى الكافرين﴾ . فيه خمسة أوجه: أحدها: أن يتعلق ب «عسير» . الثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه نعت ل «عَسِيرٌ» . الثالث: أنه في موضع نصب على الحال من الضمير المستكنّ في «عَسِيرٌ» . الرابع: أن يتعلق ب «يسير» ، أي: غير يسير على الكافرين قاله أبو البقاء. إلا أن فيه تقديم معمول المضاف إليه على المضاف، وهو ممنوع، وقد جوزه بعضهم إذ كان المضاف «غير» بمعنى النفي، كقوله: [البسيط] 4958 - إنَّ امْرَأ خَصَّنِي يَوْماً مودَّتهُ ... عَلى التَّنَائِي لعِنْدِي غَيْرُ مَكْفُورِ وتقدم تحرير هذا آخر الفاتحة. الخامس: أن يتعلق بما دل عليه «غَيرُ يَسيرٍ» ، أي: لا يسهل على الكافرين. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: فما فائدة قوله: «غير يسير» ، و «عسير» مغن عنه؟ . قلت: لما قال - سبحانه وتعالى -: «على الكافرين» فقصر العسر عليهم، قال: «غَيرُ يَسِيرٍ» ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيراً هيناً، ليجمع بين وعيد الكافرين، وزيادة غيظهم، وتيسيراً للمؤمنين، وتسليتهم، ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيراً كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا. فصل في تعلق الآية بما بعدها لما ذكر ما يتعلق بإرشاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر بعده وعيد الأشقياء قيل: المراد بهذه الآية هو النفخة الثانية. وقيل: الأولى، قال الحليمي في كتاب «المنهاج» : إنه تعالى سمى الصور اسمين، وإن كان هو الذي ينفخ فيه النفختان معاً، فإن نفخة الإصعاق غير نفخة الإحياء، وجاء في الأخبار أن في الصور ثقباً بعدد الأرواح كلِّها، وأنها تجمع في ذلك الثقب في النفخة الثانية، فيخرج عن النفخ من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي نزع منه، فيعود الجسد حياً بإذن الله تعالى. قال ابن الخطيب: وهذا مردود، لأن الناقور اسم لما ينقر فيه لا لما ينقر فيه، ويحتمل أن يكون الصور محتوياً على ثقبين: ينقر في إحداهما، وينفخ في الأخرى، فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النقر، والنفخ، لتكون الصيحة أشد، وأعظم، وإذا نفخ فيه للإحياء، لم ينقر فيه بل يقتصر على النفخ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها بنقرها من أجسادها بالنفخة الأولى للنقير، وهو نظير صوت الرعد؛ فإنه إذا اشتد فربما مات بسماعه، والصيحة الشديدة التي يصيحها رجل بصبي فيفزع منه فيموت. قال ابن الخطيب: وفيه إشكال، وهو أن هذا يقتضي أن يكون النقر إنما يحصل عند صيحة الإصعاق وذلك اليوم غير شديد على الكافرين؛ لأنهم يموتون في تلك الساعة، إنما اليوم الشديد على الكافرين صيحة الإحياء، ولذلك يقول: ﴿ياليتها كَانَتِ القاضية﴾ [الحاقة: 27] ، أي: يا ليتنا بقينا على الموتة الأولى. وقوله: «فَذلِكَ» ، أي: فذلك اليوم يوم شديد على الكافرين «غير يَسيرٍ» أي: غير سهل، ولا هين وذلك أن عقدهم لا تنحل، إلا إلى عقد أشد منها، فإنهم يناقشون الحساب ويعطون كتبهم بشمائلهم، وتسودُّ وجوههم، ويحشرون زرقاً، وتتكلم جوارحهم، ويفضحون على رؤوس الأشهاد بخلاف المؤمنين الموحدين المذنبين فإنها تنحل إلى ما هو أخف، حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى فإنهم لا يناقشون الحساب، ويحشرون بيض الوجوه، ثِقال الموازين. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون عسيراً على المؤمنين، والكافرين، على ما روي أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - يفزعون يومئذ، وأن الولدان يشيبون، إلا أنه يكون على الكفار أشد فعلى الأول: لا يحسن الوقف على قوله ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، فإن المعنى: إنه على الكافرين عسير وغير يسير. وعلى الثاني: يحسن الوقف، لأنه في المعنى: أنه في نفسه عسير على الكل ثم الكافر فيه مخصوص بزيادة تخصه، وهي أنه عليه عسير. فصل في دليل الخطاب قال ابن الخطيب: استدل بهذه الآية القائلون بدليل الخطاب، قالوا: لولا أن دليل الخطاب حجة وإلا فما فهم ابن عباس من كونه غير يسير على الكافرين كونه يسيراً على المؤمنين.

المدثر 74:10

قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ . قال الزمخشري: «الفاء» في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور﴾ لتسبيب، كأنه قال: اصبر على أذاهم، فبين أيديهم يوم عسير يلقون فيه عاقبة أذاهم وتلقى فيه عاقبة صبرك عليه. والفاء في «فإذا» متعلقة ب «أنذر» ، أي: فأنذرهم إذا نقر في الناقور. قاله الحوفيُّ. وفيه نظر من حيث أن الفاء تمنع من ذلك، ولو أراد تفسير المعنى لكان سهلاً، لكنه في معرض تفسير الإعراب لا تفسير المعنى. الثاني: أن ينتصب بما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ . قال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب «إذا» ، وكيف صح أن يقع «يومئذ» ظرفاً ل «يوم عسير» ؟ . قلت: انتصب «إذا بما دل عليه الجزاء؛ لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين والذي أجاز وقوع» يومئذ «ظرفاً ل ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، إذ المعنى فذلك يوم النقر وقوع يوم عسير لأن يوم القيامة يقع، ويأتي حين يُنقر في النَّاقُور، انتهى. ولا يجوز أن يعمل فيه نفس» عسير «؛ لأن الصفة لا تعمل فيما قبل موصوفها عند البصريين، ولذلك رد على الزمخشري قوله: أن» في أنفسهم «متعلق ب» بَلِيغاً «في سورة» النساء «في قوله تعالى ﴿وَقُل لَّهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [النساء: 63] والكوفيون يجوزون ذلك وتقدم تحريره. الثالث: أن ينتصب بما دل عليه» فذلك» ؛ لأنه إشارة إلى النقر، قاله أبو البقاء، ثم قال: «و» يومئذ» بدل من «إذا» ، و «ذلك» مبتدأ، والخبر ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، أي: نقر يوم «. الرابع: أن يكون» إذا «مبتدأ، و» فذلك «خبره، والفاء مزيدة فيه، وهو رأي الأخفش. وأما» يَومَئذٍ «ففيه أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من» إذا» ، وقد تقدم ذلك في الوجه الثالث. الثاني: أن يكون ظرفاً ل ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ كما تقدم في الوجه الثاني. الثالث: أن يكون ظرفاً ل «ذلك» ، لأنه أشار به إلى النقر. الرابع: أنه بدل من «فذلك» ولكنه مبنيّ لإضافته إلى غير متمكن. الخامس: أن يكون» فذلك «مبتدأ، و ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ خبره، والجملة خبر» فَذلِكَ» . قوله: «نُقِرَ» ، أي: صوت، يقال: نقرت الرجل إذا صوت له بلسانك، وذلك بأن تلصق لسانك بنقرة حنكك، ونقرتُ الرجل: إذا خصصته بالدعوة كأنك نقرت له بلسانك مشيراً إليه، وتلك الدعوة يقال لها: النقرى، وهي ضد الدعوة الجفلى؛ قال الشاعر: [الرمل] 4955 - نَحْنُ فِي المشْتَاةِ نَدْعُو الجَفلَى ... لا تَرَى الآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ وقال امرؤ القيس: [الرجز] 4956 - أنَا ابْنُ مَاويَّةَ إذْ جَدَّ النَّقُرْ ... يريد: النقر، أي الصوت، والنقر في كلام العرب: الصوت؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] 4957 - أخَفِّضُهُ بالنَّقْر لمَّا عَلوْتهُ ... ويَرْفعُ طَرْفاً غَيْرَ جَافٍ غَضِيضِ والناقور: «فاعول» منه كالجاسوس من التجسس، وهو الشيء المصوّت فيه. قال مجاهد وغيره: وهو كهيئة البوق، وهو الصور الذي ينفخ فيه الملك. والنقير: فرع الشيء الصلب، والمنقار: الحديدة التي ينقر بها، ونقرت عينه: بحثت على أخباره استعارة من ذلك، ونقرته: أعبته. ومنه قول امرأة لزوجها: مر بي على بني نظر، ولا تمر بي على بنات نقر، أرادت: ببني نظر الرجال لأنهم ينظرون إليها، وبينات نقر: النساء، لأنهن يعبنها وينقرن عن أحوالها. قوله: ﴿عَلَى الكافرين﴾ . فيه خمسة أوجه: أحدها: أن يتعلق ب «عسير» . الثاني: أن يتعلق بمحذوف على أنه نعت ل «عَسِيرٌ» . الثالث: أنه في موضع نصب على الحال من الضمير المستكنّ في «عَسِيرٌ» . الرابع: أن يتعلق ب «يسير» ، أي: غير يسير على الكافرين قاله أبو البقاء. إلا أن فيه تقديم معمول المضاف إليه على المضاف، وهو ممنوع، وقد جوزه بعضهم إذ كان المضاف «غير» بمعنى النفي، كقوله: [البسيط] 4958 - إنَّ امْرَأ خَصَّنِي يَوْماً مودَّتهُ ... عَلى التَّنَائِي لعِنْدِي غَيْرُ مَكْفُورِ وتقدم تحرير هذا آخر الفاتحة. الخامس: أن يتعلق بما دل عليه «غَيرُ يَسيرٍ» ، أي: لا يسهل على الكافرين. قال الزمخشريُّ: فإن قلت: فما فائدة قوله: «غير يسير» ، و «عسير» مغن عنه؟ . قلت: لما قال - سبحانه وتعالى -: «على الكافرين» فقصر العسر عليهم، قال: «غَيرُ يَسِيرٍ» ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيراً هيناً، ليجمع بين وعيد الكافرين، وزيادة غيظهم، وتيسيراً للمؤمنين، وتسليتهم، ويجوز أن يراد أنه عسير لا يرجى أن يرجع يسيراً كما يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا. فصل في تعلق الآية بما بعدها لما ذكر ما يتعلق بإرشاد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر بعده وعيد الأشقياء قيل: المراد بهذه الآية هو النفخة الثانية. وقيل: الأولى، قال الحليمي في كتاب «المنهاج» : إنه تعالى سمى الصور اسمين، وإن كان هو الذي ينفخ فيه النفختان معاً، فإن نفخة الإصعاق غير نفخة الإحياء، وجاء في الأخبار أن في الصور ثقباً بعدد الأرواح كلِّها، وأنها تجمع في ذلك الثقب في النفخة الثانية، فيخرج عن النفخ من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي نزع منه، فيعود الجسد حياً بإذن الله تعالى. قال ابن الخطيب: وهذا مردود، لأن الناقور اسم لما ينقر فيه لا لما ينقر فيه، ويحتمل أن يكون الصور محتوياً على ثقبين: ينقر في إحداهما، وينفخ في الأخرى، فإذا نفخ فيه للإصعاق جمع بين النقر، والنفخ، لتكون الصيحة أشد، وأعظم، وإذا نفخ فيه للإحياء، لم ينقر فيه بل يقتصر على النفخ لأن المراد إرسال الأرواح من ثقب الصور إلى أجسادها بنقرها من أجسادها بالنفخة الأولى للنقير، وهو نظير صوت الرعد؛ فإنه إذا اشتد فربما مات بسماعه، والصيحة الشديدة التي يصيحها رجل بصبي فيفزع منه فيموت. قال ابن الخطيب: وفيه إشكال، وهو أن هذا يقتضي أن يكون النقر إنما يحصل عند صيحة الإصعاق وذلك اليوم غير شديد على الكافرين؛ لأنهم يموتون في تلك الساعة، إنما اليوم الشديد على الكافرين صيحة الإحياء، ولذلك يقول: ﴿ياليتها كَانَتِ القاضية﴾ [الحاقة: 27] ، أي: يا ليتنا بقينا على الموتة الأولى. وقوله: «فَذلِكَ» ، أي: فذلك اليوم يوم شديد على الكافرين «غير يَسيرٍ» أي: غير سهل، ولا هين وذلك أن عقدهم لا تنحل، إلا إلى عقد أشد منها، فإنهم يناقشون الحساب ويعطون كتبهم بشمائلهم، وتسودُّ وجوههم، ويحشرون زرقاً، وتتكلم جوارحهم، ويفضحون على رؤوس الأشهاد بخلاف المؤمنين الموحدين المذنبين فإنها تنحل إلى ما هو أخف، حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى فإنهم لا يناقشون الحساب، ويحشرون بيض الوجوه، ثِقال الموازين. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون عسيراً على المؤمنين، والكافرين، على ما روي أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - يفزعون يومئذ، وأن الولدان يشيبون، إلا أنه يكون على الكفار أشد فعلى الأول: لا يحسن الوقف على قوله ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ ، فإن المعنى: إنه على الكافرين عسير وغير يسير. وعلى الثاني: يحسن الوقف، لأنه في المعنى: أنه في نفسه عسير على الكل ثم الكافر فيه مخصوص بزيادة تخصه، وهي أنه عليه عسير. فصل في دليل الخطاب قال ابن الخطيب: استدل بهذه الآية القائلون بدليل الخطاب، قالوا: لولا أن دليل الخطاب حجة وإلا فما فهم ابن عباس من كونه غير يسير على الكافرين كونه يسيراً على المؤمنين.

المدثر 74:11

قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ ، الواو في قوله: ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ ، كقوله: «والمُكَذبين» في الوجهين المتقدمين في السورة قبلها. وقوله تعالى: ﴿وَحِيداً﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه حال من الياء في «ذَرْنِي» ، أي: ذرني وحدي معه فأنا أكفيك في الانتقام منه. الثاني: أنه حال من التاء في «خَلقْتُ» ، أي خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد فأنا أهلكه. الثالث: أنه حال من «مَن» . الرابع: أنه حال من عائده المحذوف، أي خلقته وحيداً، ف «وَحِيْداً» على هذا حال من ضمير المفعول المحذوف، أي: خلقته وحده لا مال له ولا ولد، ثم أعطيته بعد ذلك ما أعطيته؛ قاله مجاهد. الخامس: أن ينتصب على الذَّمِّ، لأنه يقال: إن وحيداً كان لقباً للوليد بن المغيرة، ومعنى «وَحِيْداً» ذليلاً. قيل: كان يزعم أنه وحيد في فضله، وماله، وليس في ذلك ما يقتضي صدق مقالته لأن هذا لقب له شهر به، وقد يلقب الإنسان بما لا يتصف به، وإذا كان لقباً تعين نصبه على الذم. فصل في معنى «ذرني» معنى «ذرني» أي: دعني، وهي كلمة وعيد وتهديد، «ومَنْ خَلقْتُ» هذه واو المعية، أي: دعني والذي خلقته وحيداً. قال المفسرون: هو الوليد بن المغيرة المخزومي، وإن كان الناس خلقوا مثل خلقه فإنما خص بالذكر لاختصاصه بكفر النعمة، وأذى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكان يسمى الوحيد في قومه. قال ابن عباس: كان الوليد يقول: أنا الوحيد ابن الوحيد، ليس لي في العرب نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، فقال الله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ﴾ بزعمه «وَحِيْداً» لأن الله تعالى صدقه، بأنه وحيد. قال ابن الخطيب: ورد هذا القول بعضهم بأنه تعالى لا يصدقه في دعواه بأنه وحيد لا نظير له، ذكره الواحدي، والزمخشري، وهو ضعيف من وجوه: الأول: لأنه قد يكون الوحيد علماً فيزول السؤال، لأن اسم العلم لا يفيد في المسمى صفة، بل هو قائم مقام الإرشاد. الثاني: أن يكون ذلك بحسب ظنه، واعتقاده، كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: 49] . الثالث: أنه وحيد في كفره، وعناده وخبثه؛ لأن لفظ الوحيد ليس فيه أنه وحيد في العلو والشرف. الرابع: أنه إشارة إلى وحدته عن نفسه. قال أبو سعيد الضرير: الوحيد الذي لا أب له كما تقدم في «زَنِيْمٌ» . قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾ ، أي: خولته، وأعطيته مالاً ممدوداً. قال ابن عباس: هو ما كان للوليد بين مكة والطائف من الإبل والنعم والخيول والعبيد والجواري. وقال مجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس - أيضاً -: ألف دينار. وقال قتادة: ستة آلاف دينار. وقال سفيان الثوري: أربعة آلاف دينار. وقال الثوري - أيضاً -: ألف ألف دينار. وقال ابن الخطيب: المال الممدود: هو الذي يكون له مدد يأتي منه الجزء بعد الجزء دائماً، ولذلك فسره عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - غلة شهر بشهر وقال النعمان: الممدود بالزيادة كالزرع والضرع، وأنواع التجارات. قال مقاتل: كان له بستان لا ينقطع شتاء ولا صيفاً، كما في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 30] ، أي: لا ينقطع والذي يظهر أنه المال الكثير، والتقديرات تحكم. قوله: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ ، أي: حضوراً لا يغيبون، ولا يفارقونه - ألبتة - طَيِّبَ القلب بحضورهم. وقيل: معنى كونهم شهوداً، أي: يشهدون معه المجامعَ والمحافلَ. وقيل: «شهوداً» أي: صاروا مثلهُ في شهود ما كان يشهدُ، والقيام بما كان يباشره. قال مجاهد وقتادة: كانوا عشرة. وقال السديُّ والضحاكُ: كانوا اثني عشر رجلاً، وعن الضحاك: سبعة ولدُوا بمكة، وخمسة بالطائف. وقال مقاتل: كانوا سبعة أسلم منهم ثلاثةٌ: خالد، وهشام، والوليد بن الوليد، قال: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك قال ابن الخطيب كانوا سبعة الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص، وعبد القيس، وعبد شمس أسلم منهم ثلاثة: خالد، وعمارة، وهشام. قوله: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾ ، أي: بسطتُ له في العيش بسطاً في الجاه العريض والرياسة في قومه. والتميهدُ عند العرب: التوطئة والتهيئة. ومنه: مهدُ الصبيّ. وقال ابن عباس: ﴿ومَهَّدتُ لهُ تَمْهِيداً﴾ أي: وسعَّتُ له ما بين «اليمن» إلى «الشام» ، وهو قول مجاهدٍ وعن مجاهد أيضاً: أنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاَّ﴾ . لفظة «ثُمَّ» - هاهنا - معناها: التعجب كقولك لصاحبك: أنزلتك داري وأطعمتك وأسقيتك ثم أنت تشتمني، ونظيره: قوله تعالى: ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] ، فمعنى «ثُمَّ - هاهنا - الإنكارُ والتعجبُ، أي: ثم الوليد يطمعُ بعد هذا كله أن أزيدهُ في المالِ والولدِ، وقد كفر بِي! قاله الكلبي ومقاتل، ثم قال:» كَلاَّ» ليس يكون ذلك مع كفرهِ بالنعمِ. قال الحسنُ وغيره: أي: ثُمَّ يطمعُ أن أدخلهُ الجنة، وكان الوليد يقولُ: إنْ كَانَ محمدٌ صادقاً فما خلقتِ الجنة إلا لي، فقال الله عزَّ وجلَّ رداً عليه وتكذيباً له: «كلاَّ» لستُ أزيدهُ، فلمْ يزلْ في نقصانٍ بعد قوله: «كلاَّ» حتى افتقر ومات فقيراً. وقيل: أي: ثم يطمع أن أنصره على كفره،» كَلا «قطع للرجاء عما كان يطمع فيه من الزيادة، فيكون متصلاً بالكلام الأول. وقيل: «كَلاَّ» بمعنى «حقاً» ، ويبتدىء بقوله «إنَّهُ» يعني الوليد ﴿كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ ، أي: معانداً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما جاء به. قال الزمخشريُّ: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا﴾ استئناف جواب لسائل سأل: لم لا يزداد مالاً، وما باله ردع عن طبعه؟ . فأجيب بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ ، انتهى. فيكون كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الهرة: «إنَّها ليْسَتْ بنجسٍ، إنَّها مِنَ الطوَّافِيْنَ عَليْكُمْ» . والعنيد: المعاند. يقال: عاند فهو عنيد وعانِد، والمعاند: البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد، والجمع: عند مثل: «راكع وركع» ، قاله أبو عبيدة؛ وأنشد قول الحازميِّ: [الرجز] 4959 - إذَا رَكبتُ فاجْعَلانِي وَسَطا ... إنَّي كَبِيرٌ لا أطيقُ العُنَّدا وقال أبو صالح: «عنيداً» معناه: مباعداً؛ قال الشاعر: [الطويل] 4960 - أرَانَا على حَالٍ تُفَرِّقُ بَيْنَنا ... نَوّى غُرْبَةٌ إنَّ الفِراقَ عَنُودُ وقال قتادة: جاحداً. وقال مقاتل: معرضاً. وقيل: إنه المجاهر بعداوته. وعن مجاهد: أنه المجانب للحق. قال الجوهري: ورجل عنود: إذا كان لا يخالط الناس، والعنيد من التجبر، وعرق عاند: إذا لم يرقأ دمه، وجمع العنيد عُنُد مثل رغيف ورغف، والعنود من الإبل: الذي لا يخالط الإبل إنما هو في ناحية، والعنيد في معنى المعاند كالجليس والأكيل والعشير. فصل في بيان فيما كانت المعاندة في الآية إشارة إلى أنه كان يعاند في أمور كثيرة: منها أنه كان يعاند في دلائل التوحيد، والعدل، والقدرة، وصحة النبوة وصحة البعث. ومنها: أن كفره كان عناداً لأنه كان يعرف هذه الأشياء بقلبه وينكرها بلسانه. وكفر المعاند أفحش أنواع الكفر. ومنها: أن قوله «كان» يدل على أن هذه حرفته من قديم الزمان. ومنها: أن هذه المعاندة، كانت مختصة منه بآيات الله تعالى. قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ ، أي: سأكلفه، وكان ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يقول: سألجئه، والإرهاق في كلام العرب: أن يحمل الإنسان الشيء. والصعود: جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفاً، ثم يهوي به كذلك فيه أبداً. رواه الترمذي. وفي رواية: صخرة في جهنم، إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، فإذا رفعوها عادت. وقيل: هذا مثل لشدة العذاب الشاق الذي لا يطاق، كقوله: عقبة صعود وكؤود، أي: شاقة المصعدِ. ثم إنه تعالى حكى كيفية عناده، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ : يجوز أن يكون استئناف تعليل لقوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ ، ويجوز أن يكون بدلاً من ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ . يقال: فكر في الأمر، وتفكر إذا نظر فيه وتدبر، ثم لما تفكر رتب في قلبه كلاماً وهيأه، وهو المراد من قوله «وقَدَّرَ» . والعرب تقول: قدرت الشيء إذا هيأته. فصل في معنى الآية معنى الآية: أن الوليد فكر في شأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والقرآن لما نزل: ﴿حمتَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز العليم غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِي الطول لاَ إله إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المصير﴾ [غافر: 1 - 3] ، سمعه الوليد يقرأها، فقال: والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجنِّ، وإنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لمثمر، وإنَّ أسفله لمغدق وإنه ليعلو، وما يعلى عليه، وما يقول هذا بشر، فقالت قريش: صبأ الوليد لتصبونَّ قريش كلها، وكان يقال للوليد: ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فانطلق إليه حزيناً، فقال له: ما لي أراك حزيناً، فقال: وما لي لا أحزن، وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينوك بها، ويزعمون أنك زينت كلام محمدٍ، وتدخل على ابن أبي كبشة، وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما، فغضب الوليدُ - لعنهُ الله - وتكبَّر، وقال: أنا أحتاجُ إلى كسرِ محمدٍ وصاحبه، وأنتم تعلمون قدر مالي، واللاتِ والعُزَّى ما بي حاجةٌ إلى ذلك وأنتم تزعمُون أن محمداً مجنون، فهل رأيتموه قط يخنق؟ . قالوا: لا والله، قال: وتزعمون أنه كاهنٌ، فهل رأيتموه تكهن قط؟ ولقد رأينا للكهنةِ أسجاعاً وتخالجاً، فهل رأيتموهُ كذلك؟ . قالوا: لا والله. وقال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا: لا والله. قال: وتزعمون أنه كذَّاب، فهل جريتمْ عليه كذباً قط؟ . قالوا: لا والله. وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يُسمَّى الصادق والأمين من كثرة صدقه، فقالت قريش للوليدِ: فما هو؟ ففكّر في نفسه ثم نظر ثم عبس، فقال: ما هذا إلا سحرٌّ أما رأيتموه يفرق بين الرجل وولده فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ أي في أمر محمدٍ والقرآن «وقدر» في نفسه ماذا يمكنهُ أن يقول فيهما. قوله: ﴿فَقُتِلَ﴾ ، أي: لعنَ. وقيل: قُهِرَ وغلبَ. وقال الزهري: عذب، وهو من باب الدعاء. قال ابن الخطيب: وهذا إنما يذكرُ عند التعجب والاستعظام. ومثله قولهم: قتلهُ اللَّهُ ما أشجعهُ، وأخزاه الله ما أفجره، ومعناهُ: أنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسدهُ بذلك، وإذا عرف ذلك، فنقول: هنا يحتملُ وجهين: الأول: أنه تعجب من قوة خاطره، يعني أنه لا يمكن القدحُ في أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بشبهةٍ أعظم ولا أقوى مما ذكرهُ هذا القائلُ. الثاني: الثناءُ عليه على طريقةِ الاستهزاء، يعني أن هذا الذي ذكره في غاية الركاكة والسقوط. قوله: ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ، أي: كيف فعل هذا، كقوله تعالى: ﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال﴾ [الإسراء: 48] ثم قيل: بضرب آخر من العقوبة. «كيف قدَّر» على أيّ حال قدَّر. «ثم نظر» بأي شيء يردّ الحق ويدفعهُ. قال ابن الخطيب: والمعنى أنه أولاً فكّر. وثانياً: قدَّر. وثالثاً: نظر في ذلك المقدرِ، فالنظر السابق للاستخراج، والنظر اللاحق لتمام الاحتياطِ، فهذه المرات الثلاث متعلقة بأحوال ثلاث. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ ، يقال: عبس يعبس عبساً، وعبوساً: أي: قطب وجهه. وقال الليث: عبس يعبس فهو عبس إذا قطب ما بين عينيه، فإذا أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل: كلح، فإن اهتم لذلك، وفكر فيه قيل: بسر، فإن غضب مع ذلك قيل بسل. واعلم أنه ذكر صفات جسمه بعد صفات قلبه، وهذا يدل على عناده، لأن من فكر في أمر حسن يظهر عليه الفرح لا العبوس، والعبس أيضاً: ما يبس في أذناب الإبل من البعر، والبول؛ قال أبو النجم: [الرجز] 4961 - كَأنَّ في أذْنابِهنَّ الشُّوَّلِ ... مِنْ عبسِ الصَّيفِ قُرونَ الأُيَّلِ فصل في معنى الآية معنى الآية: قطب وجهه في وجوه المؤمنين، وذلك أنه لما قال لقريش محمداً ساحر مرَّ على جماعة من المسلمين، فدعوه إلى الإسلام، فعبس في وجوههم. وقيل: عبس على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين دعاه، والعبس: مصدر «عبس» مخففاً» ، كما تقدم. قوله: «وَبَسَرَ» ، يقال: بَسَر يَبسُرُ بسراً وبُسُوراً» إذا قبض ما بين عينيه كراهة للشيء واسود وجهه منه، يقال: وجه باسر، أي منقبض مسود كالح متغير اللون، قاله قتادة والسدي؛ ومنه قول بشير بن الحارث: [المتقارب] 4962 - صَبَحْنَا تَمِيماً غَداةَ الجِفارِ ... بِشهْبَاءَ ملمُومةٍ بَاسِرَهْ وأهل اليمن يقولون: بسر المركب بسراً، أي: وقف لا يتقدم، ولا يتأخر، وقد أبسرنا: أي صرنا إلى البسور. وقال الراغب: البسر استعجال الشيء قبل أوانه، نحو: بسر الرجل حاجته طلبها في غير أوانها، وماء بسر متناول من غديره قبل سكونه، ومنه قيل للذي لم يدرك من التمر: بسر، وقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ ، أي: أظهر العبوس قبل أوانه، وقبل وقته. قال: فإن قيل: فقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: 24] ، ليس يفعلون ذلك قبل الموت، وقد قلت: إن ذلك يكون فيما يقع قبل وقته. قيل: أشير بذلك إلى حالهم قبل الانتهاء بهم إلى النار، فخص لفظ البسر تنبيهاً على أن ذلك مع ما ينالهم من بعد، يجري مجرى التكلف، ومجرى ما يفعل قبل وقته، ويدل على ذلك ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: 25] . وقد عطف في هذه الجمل بحروف مختلفة، ولكل منها مناسبة، أما ما عطف ب «ثُمَّ» فلأن بين الأفعال مهلة، وثانياً: لأن بين النظر، والعبوس، وبين العبوس، والإدبار تراخياً. قال الزمخشريُّ: و «ثمّ نظر» عطف على «فكَّر» و «قدَّر» ، والدعاء اعتراض بينهما، يعني بالدعاء قوله: «فَقُتِل» ، ثم قال: فإن قلت: ما معنى «ثُمَّ» الداخلة على تكرير الدعاء؟ . قلت: الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى؛ ونحوه قوله: [الطويل] 4963 - ألاَ يَا اسْلمِي ثُمَّ اسْلمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي..... ... ... ... ... ... ... . فإن قلت: ما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟ . قلت: للدلالة على أنه تأنَّى في التأمل، والتمهل، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخٍ، وتباعد، فإن قلت: فلم قال: «فَقالَ» - بالفاء - بعد عطف ما قبله ب «ثُمَّ» ؟ . قلت: لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث، فإن قلت: فلم لم يتوسط حرف العطف بين الجملتين؟ . قلت: لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التأكيد من المؤكد. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ ، أي: ولى وأعرض ذاهباً عن سائر الناس إلى أهله. ﴿واستكبر﴾ حين دعي إلى الإيمان، أي: تعظم. ﴿إن هذا﴾ أي: ما هذا الذي أتى به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ، أي: تأثره عن غيره. والسحر: الخديعة. وقيل: السحر إظهار الباطل في صورة الحق. والأثر: مصدر قولك: أثرت الحديث آثره، إذا ذكرته عن غيرك؛ ومنه قيل: حديث مأثور، أي: ينقله خلف عن سلف؛ قال الأعشى: [السريع] 4964 - إنَّ الَّذي فيه تَمَاريْتُمَا ... بُيِّنَ للسَّامِع والآثِرِ قال ابن الخطيب: فيه وجهان: الأول: أنه من قولهم: أثرت الحديث آثره، أَثراً، إذا حدثت به عن قوم في آثارهم، أي: بعدما ماتوا، هذا هو الأصل، ثم صار بمعنى الرواية عما كان. والثاني: يؤثر على جميع السحر، وهذا يكون من الإيثارِ. وقال أبو سعيد الضرير: يؤثر، أي: يُورَثُ. قوله تعالى: ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ قَوْلُ البشر﴾ ، أي: هذا إلا كلام المخلوقين تختدع به القلوب كما يخدع بالسحر. قال ابن الخطيب: ولو كان الأمر كذلك لتمكنوا من معارضته إذا طريقتهم في معرفة اللغة متقاربة. قال السديُّ: يعني أنه من قول سيَّار عبد لبني الحضرمي، كان يجالس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فنسبوه إلى أنه تعلم منه ذلك. وقيل: إنه أراد أنه تلقنه ممن ادعى النبوة قبله، فنسج على منوالهم. قال ابن الخطيب وهذا الكلام يدل على أن الوليد كان يقولُ هذا الكلام عناداً، لما روي في الحديث المتقدم: «أنه لما سمع من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» حم «ثم خرج من عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: لقد سمعتُ من محمدٍ كلاماً، ليس من كلام الجنِّ، ولا من كلام الإنس» الحديث، فلمَّا أقر بذلك في أول الأمر علمنا أن قوله - هاهنا -: ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ قَوْلُ البشر﴾ ، إنَّما ذكره عناداً، أو تمرداً لا اعتقاداً. قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ هذا بدل من قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ . قاله الزمخشري. فإن كان المراد بالصعود: المشقة، فالبدل واضح، وإن كان المراد: صخرة في جهنم - كما جاء في التفسير - فيعسر البدل، ويكون فيه شبه من بدل الاشتمال، لأن جهنم مشتملة على تلك الصخرة. فصل في معنى الآية المعنى: سأدخله سقر كي يصلى حرها، وإنما سميت «سَقَرَ» من سقرته الشمس: إذا أذابته ولوحته، وأحرقت جلدة وجهه، ولا ينصرف للتعريف والتأنيث قال ابن عباس: «سقر» اسم للطبقة السادسة من «جهنم» . ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ . هذا مبالغة في وصفها، أي: وما أعلمك أي شيء هي؟ . وهي كلمة تعظيم، وتهويل، ثم فسر حالها، فقال - جل ذكره -: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تترك لهم لحماً، ولا عظماً، ولا دماً إلا أحرقته. قوله: ﴿لاَ تُبْقِي﴾ ، فيها وجهان: أحدهما: أنها في محل نصب على الحال، والعامل فيها معنى التعظيم، قاله أبو البقاء. يعني أن الاستفهام في قوله: «مَا سَقَرُ» للتعظيم، والمعنى: استعظموا سقر في هذه الحال. ومفعول «تُبْقِي» ، وتَذرُ «محذوف أي لا تبقي ما ألقي فيها، ولا تذره، بل تهلكه. وقيل: تقديره لا تُبْقِي على من ألقي فيها، ولا تذر غاية العذاب إلا وصلته إليه. والثاني: أنها مستأنفة. قال ابن الخطيب: واختلفوا في قوله: ﴿لا تبقي ولا تذر﴾ . فقيل: هما لفظان مترادفان بمعنى واحد، كرر للتأكيد والمبالغة، كقولك صدَّ عني وأعرض عني، بل بينهما فرق، وفيه وجوه: الأول: لا تبقي من اللحم، والعظم، والدم شيئاً، ثم يعادون خالقاً جديداً،» ولا تَذرُ «أن تعاود إحراقهم بأشد مما كانت، وهكذا أبداً، رواه عطاء عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما. وقال مجاهد: لا تبقي فيها حياً ولا تذره ميتاً بل تحرقهم كلما جُدِّدوا. وقال السديّ: لا تبقي لهم لحماً ولا تذر لهم عظماً. وقيل: لا تبقي من المعذبين، ولا تذر من فوقها شيئاً، إلا تستعمل تلك القوة في تعذيبهم. قوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ ، قرأ العامة: بالرفع، خبر مبتدأ مضمر، أي هي لواحة، وهذه مقوية للاستئناف في» لا تُبقِي» . وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة وزيد بن علي وعطية العوفي ونصر بن عاصم وعيسى بن عمر: بنصبهما على الحال، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها حال من «سَقرُ» ، والعامل معنى التعظيم كما تقدم. والثاني: أنها حال من «لا تُبْقِي» . والثالث: من «لا تَذرُ» . وجعل الزمخشري: نصبها على الاختصاص للتهويل. وجعلها أبو حيان حالاً مؤكدة. قال: «لأن النار التي لا تبقي ولا تذر، لا تكون إلاَّ مُغيرة للأبشار» . و «لوَّاحةٌ» هنا مبالغة، وفيها معنيان: أحدهما: من لاح يلوح، أي: ظهر، أي: أنها تظهر للبشر، [وهم الناس، وإليه ذهب الحسن وابن كيسان، فقال: «لوَّاحةٌ» أي: تلوح للبشر] من مسيرة خمسمائة عام، وقال الحسن: تلوح لهم جهنم حتى يرونها عياناً، ونظيره: ﴿وَبُرِّزَتِ الجحيم لِمَن يرى﴾ [النازعات: 36] . والثاني: وإليه ذهب جمهور الناس، أنها من لوّحه أي: غيَّرهُ، وسوَّدهُ. قال الشاعر: [الرجز] 4965 - تقُولُ: ما لاحَكَ يا مُسَافِرُ ... يَا بْنَةَ عَمِّي لاحَنِي الهَواجِرُ وقال رؤبة بن العجَّاج: [الرجز] 4966 - لُوِّحَ مِنْهُ بَعْدَ بُدْنٍ وسَنَقْ ... تَلْويحكَ الضَّامرَ يُطْوى للسَّبَقْ وقال آخر: [الطويل] 4967 - وتَعْجَبُ هِنْدٌ إنْ رأتْنِي شَاحِباً ... تقُولُ لشَيءٍ لوَّحتهُ السَّمائمُ ويقال: لاحَهُ يلُوحُه: إذا غير حليته. قال أبو رزين: تلفح وجوههم لفحة تدعهم أشد سواداً من الليل، قال تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 104] . وطعن القائلون بالأول في هذا القول، فقالوا: لا يجوز أن يصفهم بتسويد الوجوهِ، مع قوله: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ . وقيل: اللوح شدة العطش، يقال: لاحه العطش ولوحه: أي غيره، قال الأخفش: والمعنى أنها معطشة للبشر، أي: لأهلها؛ وأنشد: [الطويل] 4968 - سَقَتْنِي على لَوْحِ من المَاءِ شَرْبةً ... سَقَاهَا بِه اللَّهُ الرِّهامَ الغَوادِيَا يعني باللوح: شدة العطش. والرهام جمع رهمة - بالكسر - وهي المطرة الضعيفة وأرهمت السحابة: أتت بالرهام. واللُّوح - بالضم - الهواء بين السماء والأرض، والبشر: إما جمع بشرة، أي: مغيرة للجلود. قاله مجاهد وقتادة، وجمع البشر: أبشار، وإما المراد به الإنس من أهل النار، وهو قول الجمهور. واللام في «البشر» : مقوية، كهي في ﴿لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43] . وقراءة النصب في «لوَّاحَةً» مقوية، لكون «لا تُبْقِي» في محل الحال. قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ، هذه الجملة فيها الوجهان: أعني: الحالية، والاستئناف وفي هذه الكلمة قراءات شاذة، وتوجيهات مشكلة. فقرأ أبو جعفر وطلحة: «تِسعَة عْشرَ» - بسكون العين من «عشر» ؛ تخفيفاً؛ لتوالي خمس حركات من جنس واحد، وهذه كقراءة ﴿أَحَدَ عَشْرَ كَوْكباً﴾ [يوسف: 4] وقد تقدمت. وقرأ أنس وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما «تِسعَةُ عشَر» بضم التاء، «عَشَر» بالفتح. وهذه حركة بناء، لا يجوز أن يتوهم كونها إعراباً، إذ لو كانت للإعراب لجعلت في الاسم الأخير لتنزل الكلمتين منزلة الكلمة الواحدة، وإنما عدل إلى التسكين كراهة توالي خمس حركات. وعن المهدوي: «من قرأ:» تِسْعَةُ عَشَرْ «فكأنه من التداخل، كأنه أراد العطف، فترك التركيب، ورفع هاء التأنيث، ثم راجع البناء، وأسكن» انتهى. فجعل الحركة للإعراب، ويعني بقوله: أسكن راء «عَشَرْ» فإنه في هذه القراءة كذلك. وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أيضاً: «تِسْعَةُ أعْشُرٍ» بضم «تِسْعَة» و «أعْشُر» بهمزة مفتوحة، ثم عين ساكنة، ثم شين مضمومة، وفيها وجهان: قال أبو الفضل: يجوز أن يكون جمع «العشيرة» على «أعْشُر» ، ثم أجراه مجرى «تِسْعَة عشر» . وقال الزمخشريُّ: جمع «عَشِير» مثل: يَمِين وأيْمُن. وعن أنس - أيضاً -: «تِسْعَةُ وعْشُرْ» بضم التاء وسكون العين وضم الشين وواو مفتوحة بدل الهمزة. وتخريجها كتخريج ما قبلها، إلا أنه قلب الهمزة واواً مبالغة في التخفيف، والضمة - كما تقدم - للبناء لا للإعراب. ونقل المهدوي: أنه قرىء: «تِسْعَةٌ وعَشْرْ» ، قال: «فجاء به على الأصل قبل التركيب وعطف» عَشْر «على» تِسْعَة» ، وحذف التنوين، لكثرة الاستعمال، وسكون الراء من «عشر» على نية الوقف» . وقرأ سليمان بن قتة: بضم التاء وهمزة مفتوحة، وسكون العين، وضم الشين وجر الراء من «أعْشُرٍ» . والضمة على هذا ضمة إعراب، لأنه أضاف الاسم لها بعده فأعربهما إعراب المتضايفين وهي لغة لبعض العرب يفكون تركيب الأعداد، ويعربونها كالمتضايفين؛ كقوله: [الرجز] 4969 - كُلِّفَ مِنْ عَنائِهِ وشِقْوتِهْ ... بِنْتَ ثَمانِي عَشْرةٍ مِنْ حِجَّتِهْ قال أبوالفضل: ويجيء على هذه القراءة، وهي قراءة من قرأ: «أعشر» مبنياً، أو معرباً من حيث هو جمع، أن الملائكة الذي هم على «سَقَر» تسعون ملكاً. فصل في معنى الآية معنى الآية: أنه يلي أمر تلك النار تسعة عشر من الملائكة يلقون فيها أهلها. قيل: هم خزنة النار، مالك وثمانية عشر ملكاً. وقيل: التسعة عشر نقيباً، وقال أكثر المفسرين: تسعة عشر ملكاً بأعيانهم. قال القرطبي: وذكر ابن المبارك عن رجل من بني تميم، قال كنا عند أبي العوام. فقرأ هذه الآية، فقال: ما تسعة عشر تسعة عشر ألف ملك أو تسعة عشر ملكاً؟ قال: قلت: لا بل تسعة عشر ملكاً، قال: وأنى تعلم ذلك؟ فقلت: لقول الله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [المدثر: 31] قال: صدقت، هم تسعة عشر ملكاً. قال ابنُ جريج: نعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خزنة جهنم، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أعْينُهُمْ كالبَرْقِ، وأنْيابُهمْ كالصَّيَاصي، وأشْعارُهمْ تَمَسُّ أقْدامَهُمْ يَخرجُ لهَبُ النَّارِ مِنَ أفْواهِهِمْ» ، الحديث. قال ابن الأثير: «الصَّياصِي: قرون البقر» . وروى الترمذي عن عبد الله قال: «قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأله فجاء رجل الى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: يا محمد غلب أصحابك اليوم، فقال: وبماذا غلبوا؟ . قال: سألهم يهود، هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ . قال: فماذا قالوا؟ قال: فقالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أيغلب قومٌ سئلوا عما لا يعلمون، فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؟ لكنهم قد سألوا نبيهم، فقالوا: أرنا الله جهرة، عليّ بأعداء الله، إني سائلهم عن تربة الجنة، وهي الدرمك، فلما جاءوا، قالوا: يا أبا القاسم، كم عدد خزنة جهنم؟ . قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هَكذَا، وهَكذَا» ، في مرة عشرة، وفي مرة تسعة، قالوا: نعم فقال لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا تُربَةُ الجنَّةِ» ؟ فسكتوا، ثم قالوا: أخبرنا يا أبا القاسم، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الخُبْزُ مِنَ الدَّرْمكِ» . قال ابن الأثير: الدرمك: هو الدقيق الحوارى. قال القرطبيُّ: الصحيح - إن شاء الله - أن هؤلاء التسعة عشر، هم الرؤساء، والنقباء، وأما جملتهم فكما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: 31] ، وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يُؤتَى بجَهنَّم يَومئِذٍ، لها سبعُونَ ألفَ زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يَجُرُّونهَا» . وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: لما نزل قوله - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمعُ ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم: «تسعة عشر» وأنتم الدهماء - أي العدد العظيم - والشجعان، فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم. قال السدي: فقال أبو الأسود بن كلدة الجمحي: لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنة، يقولها مستهزءاً. وفي رواية: أن الحارث بن كلدة قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين، فلما قال أبو الأسود ذلك، قال المسلمون: ويحكم، لا يقاس الملائكة بالحدادين، فجرى هذا مثلاً في كل شيئين لا تساوي بينهما، ومعناه: لا يقاس الملائكة بالسجّانين، والحداد: السجان. فصل في تقدير عدد الملائكة ذكر أرباب المعاني في تقدير هذا العدد وجوهاً: منها ما قاله أرباب الحكمةِ: أنّ سبب فساد النفس الإنسانية في قوتها النظرية والعملية، هو القوى الحيوانية والطبيعية، فالقوى الحيوانية: فهي الخمسة الظاهرة، والخمسة الباطنة، والشَّهوة، والغضب فهذه اثنا عشر، وأما القوى الطبيعية: فهي الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة والعادية، والنافية، والمولدة، فالجموع تسعة عشر، فلما كانت هذه منشآت الآفات لا جرم كان عدد الزبانية هكذا. ومنها: أن أبو جهنم سبعة، فستة منها للكفار وواحد للفسَّاق، ثم إنَّ الكفَّار يدخلون النار لأمور ثلاثة: ترك الاعتقاد، وترك الإقرار، وترك العمل، فيكون لكل باب من تلك الأبواب الستة ثلاثة، فالمجموع: ثمانية عشر. وأما باب الفساق: فليس هناك إلا ترك العمل، فالمجموع: تسعة عشر مشغولة بغير العبادة، فلا جرم صار عدد الزبانية تسعة عشر.

المدثر 74:12

قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ ، الواو في قوله: ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ ، كقوله: «والمُكَذبين» في الوجهين المتقدمين في السورة قبلها. وقوله تعالى: ﴿وَحِيداً﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه حال من الياء في «ذَرْنِي» ، أي: ذرني وحدي معه فأنا أكفيك في الانتقام منه. الثاني: أنه حال من التاء في «خَلقْتُ» ، أي خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد فأنا أهلكه. الثالث: أنه حال من «مَن» . الرابع: أنه حال من عائده المحذوف، أي خلقته وحيداً، ف «وَحِيْداً» على هذا حال من ضمير المفعول المحذوف، أي: خلقته وحده لا مال له ولا ولد، ثم أعطيته بعد ذلك ما أعطيته؛ قاله مجاهد. الخامس: أن ينتصب على الذَّمِّ، لأنه يقال: إن وحيداً كان لقباً للوليد بن المغيرة، ومعنى «وَحِيْداً» ذليلاً. قيل: كان يزعم أنه وحيد في فضله، وماله، وليس في ذلك ما يقتضي صدق مقالته لأن هذا لقب له شهر به، وقد يلقب الإنسان بما لا يتصف به، وإذا كان لقباً تعين نصبه على الذم. فصل في معنى «ذرني» معنى «ذرني» أي: دعني، وهي كلمة وعيد وتهديد، «ومَنْ خَلقْتُ» هذه واو المعية، أي: دعني والذي خلقته وحيداً. قال المفسرون: هو الوليد بن المغيرة المخزومي، وإن كان الناس خلقوا مثل خلقه فإنما خص بالذكر لاختصاصه بكفر النعمة، وأذى الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكان يسمى الوحيد في قومه. قال ابن عباس: كان الوليد يقول: أنا الوحيد ابن الوحيد، ليس لي في العرب نظير، ولا لأبي المغيرة نظير، فقال الله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ﴾ بزعمه «وَحِيْداً» لأن الله تعالى صدقه، بأنه وحيد. قال ابن الخطيب: ورد هذا القول بعضهم بأنه تعالى لا يصدقه في دعواه بأنه وحيد لا نظير له، ذكره الواحدي، والزمخشري، وهو ضعيف من وجوه: الأول: لأنه قد يكون الوحيد علماً فيزول السؤال، لأن اسم العلم لا يفيد في المسمى صفة، بل هو قائم مقام الإرشاد. الثاني: أن يكون ذلك بحسب ظنه، واعتقاده، كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: 49] . الثالث: أنه وحيد في كفره، وعناده وخبثه؛ لأن لفظ الوحيد ليس فيه أنه وحيد في العلو والشرف. الرابع: أنه إشارة إلى وحدته عن نفسه. قال أبو سعيد الضرير: الوحيد الذي لا أب له كما تقدم في «زَنِيْمٌ» . قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾ ، أي: خولته، وأعطيته مالاً ممدوداً. قال ابن عباس: هو ما كان للوليد بين مكة والطائف من الإبل والنعم والخيول والعبيد والجواري. وقال مجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس - أيضاً -: ألف دينار. وقال قتادة: ستة آلاف دينار. وقال سفيان الثوري: أربعة آلاف دينار. وقال الثوري - أيضاً -: ألف ألف دينار. وقال ابن الخطيب: المال الممدود: هو الذي يكون له مدد يأتي منه الجزء بعد الجزء دائماً، ولذلك فسره عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - غلة شهر بشهر وقال النعمان: الممدود بالزيادة كالزرع والضرع، وأنواع التجارات. قال مقاتل: كان له بستان لا ينقطع شتاء ولا صيفاً، كما في قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 30] ، أي: لا ينقطع والذي يظهر أنه المال الكثير، والتقديرات تحكم. قوله: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ ، أي: حضوراً لا يغيبون، ولا يفارقونه - ألبتة - طَيِّبَ القلب بحضورهم. وقيل: معنى كونهم شهوداً، أي: يشهدون معه المجامعَ والمحافلَ. وقيل: «شهوداً» أي: صاروا مثلهُ في شهود ما كان يشهدُ، والقيام بما كان يباشره. قال مجاهد وقتادة: كانوا عشرة. وقال السديُّ والضحاكُ: كانوا اثني عشر رجلاً، وعن الضحاك: سبعة ولدُوا بمكة، وخمسة بالطائف. وقال مقاتل: كانوا سبعة أسلم منهم ثلاثةٌ: خالد، وهشام، والوليد بن الوليد، قال: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك قال ابن الخطيب كانوا سبعة الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص، وعبد القيس، وعبد شمس أسلم منهم ثلاثة: خالد، وعمارة، وهشام. قوله: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾ ، أي: بسطتُ له في العيش بسطاً في الجاه العريض والرياسة في قومه. والتميهدُ عند العرب: التوطئة والتهيئة. ومنه: مهدُ الصبيّ. وقال ابن عباس: ﴿ومَهَّدتُ لهُ تَمْهِيداً﴾ أي: وسعَّتُ له ما بين «اليمن» إلى «الشام» ، وهو قول مجاهدٍ وعن مجاهد أيضاً: أنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاَّ﴾ . لفظة «ثُمَّ» - هاهنا - معناها: التعجب كقولك لصاحبك: أنزلتك داري وأطعمتك وأسقيتك ثم أنت تشتمني، ونظيره: قوله تعالى: ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] ، فمعنى «ثُمَّ - هاهنا - الإنكارُ والتعجبُ، أي: ثم الوليد يطمعُ بعد هذا كله أن أزيدهُ في المالِ والولدِ، وقد كفر بِي! قاله الكلبي ومقاتل، ثم قال:» كَلاَّ» ليس يكون ذلك مع كفرهِ بالنعمِ. قال الحسنُ وغيره: أي: ثُمَّ يطمعُ أن أدخلهُ الجنة، وكان الوليد يقولُ: إنْ كَانَ محمدٌ صادقاً فما خلقتِ الجنة إلا لي، فقال الله عزَّ وجلَّ رداً عليه وتكذيباً له: «كلاَّ» لستُ أزيدهُ، فلمْ يزلْ في نقصانٍ بعد قوله: «كلاَّ» حتى افتقر ومات فقيراً. وقيل: أي: ثم يطمع أن أنصره على كفره،» كَلا «قطع للرجاء عما كان يطمع فيه من الزيادة، فيكون متصلاً بالكلام الأول. وقيل: «كَلاَّ» بمعنى «حقاً» ، ويبتدىء بقوله «إنَّهُ» يعني الوليد ﴿كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ ، أي: معانداً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما جاء به. قال الزمخشريُّ: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا﴾ استئناف جواب لسائل سأل: لم لا يزداد مالاً، وما باله ردع عن طبعه؟ . فأجيب بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ ، انتهى. فيكون كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الهرة: «إنَّها ليْسَتْ بنجسٍ، إنَّها مِنَ الطوَّافِيْنَ عَليْكُمْ» . والعنيد: المعاند. يقال: عاند فهو عنيد وعانِد، والمعاند: البعير الذي يجور عن الطريق ويعدل عن القصد، والجمع: عند مثل: «راكع وركع» ، قاله أبو عبيدة؛ وأنشد قول الحازميِّ: [الرجز] 4959 - إذَا رَكبتُ فاجْعَلانِي وَسَطا ... إنَّي كَبِيرٌ لا أطيقُ العُنَّدا وقال أبو صالح: «عنيداً» معناه: مباعداً؛ قال الشاعر: [الطويل] 4960 - أرَانَا على حَالٍ تُفَرِّقُ بَيْنَنا ... نَوّى غُرْبَةٌ إنَّ الفِراقَ عَنُودُ وقال قتادة: جاحداً. وقال مقاتل: معرضاً. وقيل: إنه المجاهر بعداوته. وعن مجاهد: أنه المجانب للحق. قال الجوهري: ورجل عنود: إذا كان لا يخالط الناس، والعنيد من التجبر، وعرق عاند: إذا لم يرقأ دمه، وجمع العنيد عُنُد مثل رغيف ورغف، والعنود من الإبل: الذي لا يخالط الإبل إنما هو في ناحية، والعنيد في معنى المعاند كالجليس والأكيل والعشير. فصل في بيان فيما كانت المعاندة في الآية إشارة إلى أنه كان يعاند في أمور كثيرة: منها أنه كان يعاند في دلائل التوحيد، والعدل، والقدرة، وصحة النبوة وصحة البعث. ومنها: أن كفره كان عناداً لأنه كان يعرف هذه الأشياء بقلبه وينكرها بلسانه. وكفر المعاند أفحش أنواع الكفر. ومنها: أن قوله «كان» يدل على أن هذه حرفته من قديم الزمان. ومنها: أن هذه المعاندة، كانت مختصة منه بآيات الله تعالى. قوله: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ ، أي: سأكلفه، وكان ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يقول: سألجئه، والإرهاق في كلام العرب: أن يحمل الإنسان الشيء. والصعود: جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفاً، ثم يهوي به كذلك فيه أبداً. رواه الترمذي. وفي رواية: صخرة في جهنم، إذا وضعوا أيديهم عليها ذابت، فإذا رفعوها عادت. وقيل: هذا مثل لشدة العذاب الشاق الذي لا يطاق، كقوله: عقبة صعود وكؤود، أي: شاقة المصعدِ. ثم إنه تعالى حكى كيفية عناده، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ : يجوز أن يكون استئناف تعليل لقوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ ، ويجوز أن يكون بدلاً من ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾ . يقال: فكر في الأمر، وتفكر إذا نظر فيه وتدبر، ثم لما تفكر رتب في قلبه كلاماً وهيأه، وهو المراد من قوله «وقَدَّرَ» . والعرب تقول: قدرت الشيء إذا هيأته. فصل في معنى الآية معنى الآية: أن الوليد فكر في شأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والقرآن لما نزل: ﴿حمتَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز العليم غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِي الطول لاَ إله إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المصير﴾ [غافر: 1 - 3] ، سمعه الوليد يقرأها، فقال: والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجنِّ، وإنَّ له لحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لمثمر، وإنَّ أسفله لمغدق وإنه ليعلو، وما يعلى عليه، وما يقول هذا بشر، فقالت قريش: صبأ الوليد لتصبونَّ قريش كلها، وكان يقال للوليد: ريحانة قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه فانطلق إليه حزيناً، فقال له: ما لي أراك حزيناً، فقال: وما لي لا أحزن، وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينوك بها، ويزعمون أنك زينت كلام محمدٍ، وتدخل على ابن أبي كبشة، وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما، فغضب الوليدُ - لعنهُ الله - وتكبَّر، وقال: أنا أحتاجُ إلى كسرِ محمدٍ وصاحبه، وأنتم تعلمون قدر مالي، واللاتِ والعُزَّى ما بي حاجةٌ إلى ذلك وأنتم تزعمُون أن محمداً مجنون، فهل رأيتموه قط يخنق؟ . قالوا: لا والله، قال: وتزعمون أنه كاهنٌ، فهل رأيتموه تكهن قط؟ ولقد رأينا للكهنةِ أسجاعاً وتخالجاً، فهل رأيتموهُ كذلك؟ . قالوا: لا والله. وقال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟ قالوا: لا والله. قال: وتزعمون أنه كذَّاب، فهل جريتمْ عليه كذباً قط؟ . قالوا: لا والله. وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يُسمَّى الصادق والأمين من كثرة صدقه، فقالت قريش للوليدِ: فما هو؟ ففكّر في نفسه ثم نظر ثم عبس، فقال: ما هذا إلا سحرٌّ أما رأيتموه يفرق بين الرجل وولده فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ أي في أمر محمدٍ والقرآن «وقدر» في نفسه ماذا يمكنهُ أن يقول فيهما. قوله: ﴿فَقُتِلَ﴾ ، أي: لعنَ. وقيل: قُهِرَ وغلبَ. وقال الزهري: عذب، وهو من باب الدعاء. قال ابن الخطيب: وهذا إنما يذكرُ عند التعجب والاستعظام. ومثله قولهم: قتلهُ اللَّهُ ما أشجعهُ، وأخزاه الله ما أفجره، ومعناهُ: أنه قد بلغ المبلغ الذي هو حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسدهُ بذلك، وإذا عرف ذلك، فنقول: هنا يحتملُ وجهين: الأول: أنه تعجب من قوة خاطره، يعني أنه لا يمكن القدحُ في أمر محمدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بشبهةٍ أعظم ولا أقوى مما ذكرهُ هذا القائلُ. الثاني: الثناءُ عليه على طريقةِ الاستهزاء، يعني أن هذا الذي ذكره في غاية الركاكة والسقوط. قوله: ﴿كَيْفَ قَدَّرَ﴾ ، أي: كيف فعل هذا، كقوله تعالى: ﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال﴾ [الإسراء: 48] ثم قيل: بضرب آخر من العقوبة. «كيف قدَّر» على أيّ حال قدَّر. «ثم نظر» بأي شيء يردّ الحق ويدفعهُ. قال ابن الخطيب: والمعنى أنه أولاً فكّر. وثانياً: قدَّر. وثالثاً: نظر في ذلك المقدرِ، فالنظر السابق للاستخراج، والنظر اللاحق لتمام الاحتياطِ، فهذه المرات الثلاث متعلقة بأحوال ثلاث. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ ، يقال: عبس يعبس عبساً، وعبوساً: أي: قطب وجهه. وقال الليث: عبس يعبس فهو عبس إذا قطب ما بين عينيه، فإذا أبدى عن أسنانه في عبوسه قيل: كلح، فإن اهتم لذلك، وفكر فيه قيل: بسر، فإن غضب مع ذلك قيل بسل. واعلم أنه ذكر صفات جسمه بعد صفات قلبه، وهذا يدل على عناده، لأن من فكر في أمر حسن يظهر عليه الفرح لا العبوس، والعبس أيضاً: ما يبس في أذناب الإبل من البعر، والبول؛ قال أبو النجم: [الرجز] 4961 - كَأنَّ في أذْنابِهنَّ الشُّوَّلِ ... مِنْ عبسِ الصَّيفِ قُرونَ الأُيَّلِ فصل في معنى الآية معنى الآية: قطب وجهه في وجوه المؤمنين، وذلك أنه لما قال لقريش محمداً ساحر مرَّ على جماعة من المسلمين، فدعوه إلى الإسلام، فعبس في وجوههم. وقيل: عبس على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين دعاه، والعبس: مصدر «عبس» مخففاً» ، كما تقدم. قوله: «وَبَسَرَ» ، يقال: بَسَر يَبسُرُ بسراً وبُسُوراً» إذا قبض ما بين عينيه كراهة للشيء واسود وجهه منه، يقال: وجه باسر، أي منقبض مسود كالح متغير اللون، قاله قتادة والسدي؛ ومنه قول بشير بن الحارث: [المتقارب] 4962 - صَبَحْنَا تَمِيماً غَداةَ الجِفارِ ... بِشهْبَاءَ ملمُومةٍ بَاسِرَهْ وأهل اليمن يقولون: بسر المركب بسراً، أي: وقف لا يتقدم، ولا يتأخر، وقد أبسرنا: أي صرنا إلى البسور. وقال الراغب: البسر استعجال الشيء قبل أوانه، نحو: بسر الرجل حاجته طلبها في غير أوانها، وماء بسر متناول من غديره قبل سكونه، ومنه قيل للذي لم يدرك من التمر: بسر، وقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ ، أي: أظهر العبوس قبل أوانه، وقبل وقته. قال: فإن قيل: فقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: 24] ، ليس يفعلون ذلك قبل الموت، وقد قلت: إن ذلك يكون فيما يقع قبل وقته. قيل: أشير بذلك إلى حالهم قبل الانتهاء بهم إلى النار، فخص لفظ البسر تنبيهاً على أن ذلك مع ما ينالهم من بعد، يجري مجرى التكلف، ومجرى ما يفعل قبل وقته، ويدل على ذلك ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: 25] . وقد عطف في هذه الجمل بحروف مختلفة، ولكل منها مناسبة، أما ما عطف ب «ثُمَّ» فلأن بين الأفعال مهلة، وثانياً: لأن بين النظر، والعبوس، وبين العبوس، والإدبار تراخياً. قال الزمخشريُّ: و «ثمّ نظر» عطف على «فكَّر» و «قدَّر» ، والدعاء اعتراض بينهما، يعني بالدعاء قوله: «فَقُتِل» ، ثم قال: فإن قلت: ما معنى «ثُمَّ» الداخلة على تكرير الدعاء؟ . قلت: الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى؛ ونحوه قوله: [الطويل] 4963 - ألاَ يَا اسْلمِي ثُمَّ اسْلمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي..... ... ... ... ... ... ... . فإن قلت: ما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها؟ . قلت: للدلالة على أنه تأنَّى في التأمل، والتمهل، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخٍ، وتباعد، فإن قلت: فلم قال: «فَقالَ» - بالفاء - بعد عطف ما قبله ب «ثُمَّ» ؟ . قلت: لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث، فإن قلت: فلم لم يتوسط حرف العطف بين الجملتين؟ . قلت: لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التأكيد من المؤكد. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ ، أي: ولى وأعرض ذاهباً عن سائر الناس إلى أهله. ﴿واستكبر﴾ حين دعي إلى الإيمان، أي: تعظم. ﴿إن هذا﴾ أي: ما هذا الذي أتى به محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ، أي: تأثره عن غيره. والسحر: الخديعة. وقيل: السحر إظهار الباطل في صورة الحق. والأثر: مصدر قولك: أثرت الحديث آثره، إذا ذكرته عن غيرك؛ ومنه قيل: حديث مأثور، أي: ينقله خلف عن سلف؛ قال الأعشى: [السريع] 4964 - إنَّ الَّذي فيه تَمَاريْتُمَا ... بُيِّنَ للسَّامِع والآثِرِ قال ابن الخطيب: فيه وجهان: الأول: أنه من قولهم: أثرت الحديث آثره، أَثراً، إذا حدثت به عن قوم في آثارهم، أي: بعدما ماتوا، هذا هو الأصل، ثم صار بمعنى الرواية عما كان. والثاني: يؤثر على جميع السحر، وهذا يكون من الإيثارِ. وقال أبو سعيد الضرير: يؤثر، أي: يُورَثُ. قوله تعالى: ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ قَوْلُ البشر﴾ ، أي: هذا إلا كلام المخلوقين تختدع به القلوب كما يخدع بالسحر. قال ابن الخطيب: ولو كان الأمر كذلك لتمكنوا من معارضته إذا طريقتهم في معرفة اللغة متقاربة. قال السديُّ: يعني أنه من قول سيَّار عبد لبني الحضرمي، كان يجالس النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فنسبوه إلى أنه تعلم منه ذلك. وقيل: إنه أراد أنه تلقنه ممن ادعى النبوة قبله، فنسج على منوالهم. قال ابن الخطيب وهذا الكلام يدل على أن الوليد كان يقولُ هذا الكلام عناداً، لما روي في الحديث المتقدم: «أنه لما سمع من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» حم «ثم خرج من عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: لقد سمعتُ من محمدٍ كلاماً، ليس من كلام الجنِّ، ولا من كلام الإنس» الحديث، فلمَّا أقر بذلك في أول الأمر علمنا أن قوله - هاهنا -: ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ قَوْلُ البشر﴾ ، إنَّما ذكره عناداً، أو تمرداً لا اعتقاداً. قوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ هذا بدل من قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ . قاله الزمخشري. فإن كان المراد بالصعود: المشقة، فالبدل واضح، وإن كان المراد: صخرة في جهنم - كما جاء في التفسير - فيعسر البدل، ويكون فيه شبه من بدل الاشتمال، لأن جهنم مشتملة على تلك الصخرة. فصل في معنى الآية المعنى: سأدخله سقر كي يصلى حرها، وإنما سميت «سَقَرَ» من سقرته الشمس: إذا أذابته ولوحته، وأحرقت جلدة وجهه، ولا ينصرف للتعريف والتأنيث قال ابن عباس: «سقر» اسم للطبقة السادسة من «جهنم» . ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ . هذا مبالغة في وصفها، أي: وما أعلمك أي شيء هي؟ . وهي كلمة تعظيم، وتهويل، ثم فسر حالها، فقال - جل ذكره -: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تترك لهم لحماً، ولا عظماً، ولا دماً إلا أحرقته. قوله: ﴿لاَ تُبْقِي﴾ ، فيها وجهان: أحدهما: أنها في محل نصب على الحال، والعامل فيها معنى التعظيم، قاله أبو البقاء. يعني أن الاستفهام في قوله: «مَا سَقَرُ» للتعظيم، والمعنى: استعظموا سقر في هذه الحال. ومفعول «تُبْقِي» ، وتَذرُ «محذوف أي لا تبقي ما ألقي فيها، ولا تذره، بل تهلكه. وقيل: تقديره لا تُبْقِي على من ألقي فيها، ولا تذر غاية العذاب إلا وصلته إليه. والثاني: أنها مستأنفة. قال ابن الخطيب: واختلفوا في قوله: ﴿لا تبقي ولا تذر﴾ . فقيل: هما لفظان مترادفان بمعنى واحد، كرر للتأكيد والمبالغة، كقولك صدَّ عني وأعرض عني، بل بينهما فرق، وفيه وجوه: الأول: لا تبقي من اللحم، والعظم، والدم شيئاً، ثم يعادون خالقاً جديداً،» ولا تَذرُ «أن تعاود إحراقهم بأشد مما كانت، وهكذا أبداً، رواه عطاء عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما. وقال مجاهد: لا تبقي فيها حياً ولا تذره ميتاً بل تحرقهم كلما جُدِّدوا. وقال السديّ: لا تبقي لهم لحماً ولا تذر لهم عظماً. وقيل: لا تبقي من المعذبين، ولا تذر من فوقها شيئاً، إلا تستعمل تلك القوة في تعذيبهم. قوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ ، قرأ العامة: بالرفع، خبر مبتدأ مضمر، أي هي لواحة، وهذه مقوية للاستئناف في» لا تُبقِي» . وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة وزيد بن علي وعطية العوفي ونصر بن عاصم وعيسى بن عمر: بنصبهما على الحال، وفيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها حال من «سَقرُ» ، والعامل معنى التعظيم كما تقدم. والثاني: أنها حال من «لا تُبْقِي» . والثالث: من «لا تَذرُ» . وجعل الزمخشري: نصبها على الاختصاص للتهويل. وجعلها أبو حيان حالاً مؤكدة. قال: «لأن النار التي لا تبقي ولا تذر، لا تكون إلاَّ مُغيرة للأبشار» . و «لوَّاحةٌ» هنا مبالغة، وفيها معنيان: أحدهما: من لاح يلوح، أي: ظهر، أي: أنها تظهر للبشر، [وهم الناس، وإليه ذهب الحسن وابن كيسان، فقال: «لوَّاحةٌ» أي: تلوح للبشر] من مسيرة خمسمائة عام، وقال الحسن: تلوح لهم جهنم حتى يرونها عياناً، ونظيره: ﴿وَبُرِّزَتِ الجحيم لِمَن يرى﴾ [النازعات: 36] . والثاني: وإليه ذهب جمهور الناس، أنها من لوّحه أي: غيَّرهُ، وسوَّدهُ. قال الشاعر: [الرجز] 4965 - تقُولُ: ما لاحَكَ يا مُسَافِرُ ... يَا بْنَةَ عَمِّي لاحَنِي الهَواجِرُ وقال رؤبة بن العجَّاج: [الرجز] 4966 - لُوِّحَ مِنْهُ بَعْدَ بُدْنٍ وسَنَقْ ... تَلْويحكَ الضَّامرَ يُطْوى للسَّبَقْ وقال آخر: [الطويل] 4967 - وتَعْجَبُ هِنْدٌ إنْ رأتْنِي شَاحِباً ... تقُولُ لشَيءٍ لوَّحتهُ السَّمائمُ ويقال: لاحَهُ يلُوحُه: إذا غير حليته. قال أبو رزين: تلفح وجوههم لفحة تدعهم أشد سواداً من الليل، قال تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 104] . وطعن القائلون بالأول في هذا القول، فقالوا: لا يجوز أن يصفهم بتسويد الوجوهِ، مع قوله: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ . وقيل: اللوح شدة العطش، يقال: لاحه العطش ولوحه: أي غيره، قال الأخفش: والمعنى أنها معطشة للبشر، أي: لأهلها؛ وأنشد: [الطويل] 4968 - سَقَتْنِي على لَوْحِ من المَاءِ شَرْبةً ... سَقَاهَا بِه اللَّهُ الرِّهامَ الغَوادِيَا يعني باللوح: شدة العطش. والرهام جمع رهمة - بالكسر - وهي المطرة الضعيفة وأرهمت السحابة: أتت بالرهام. واللُّوح - بالضم - الهواء بين السماء والأرض، والبشر: إما جمع بشرة، أي: مغيرة للجلود. قاله مجاهد وقتادة، وجمع البشر: أبشار، وإما المراد به الإنس من أهل النار، وهو قول الجمهور. واللام في «البشر» : مقوية، كهي في ﴿لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43] . وقراءة النصب في «لوَّاحَةً» مقوية، لكون «لا تُبْقِي» في محل الحال. قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ، هذه الجملة فيها الوجهان: أعني: الحالية، والاستئناف وفي هذه الكلمة قراءات شاذة، وتوجيهات مشكلة. فقرأ أبو جعفر وطلحة: «تِسعَة عْشرَ» - بسكون العين من «عشر» ؛ تخفيفاً؛ لتوالي خمس حركات من جنس واحد، وهذه كقراءة ﴿أَحَدَ عَشْرَ كَوْكباً﴾ [يوسف: 4] وقد تقدمت. وقرأ أنس وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما «تِسعَةُ عشَر» بضم التاء، «عَشَر» بالفتح. وهذه حركة بناء، لا يجوز أن يتوهم كونها إعراباً، إذ لو كانت للإعراب لجعلت في الاسم الأخير لتنزل الكلمتين منزلة الكلمة الواحدة، وإنما عدل إلى التسكين كراهة توالي خمس حركات. وعن المهدوي: «من قرأ:» تِسْعَةُ عَشَرْ «فكأنه من التداخل، كأنه أراد العطف، فترك التركيب، ورفع هاء التأنيث، ثم راجع البناء، وأسكن» انتهى. فجعل الحركة للإعراب، ويعني بقوله: أسكن راء «عَشَرْ» فإنه في هذه القراءة كذلك. وعن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أيضاً: «تِسْعَةُ أعْشُرٍ» بضم «تِسْعَة» و «أعْشُر» بهمزة مفتوحة، ثم عين ساكنة، ثم شين مضمومة، وفيها وجهان: قال أبو الفضل: يجوز أن يكون جمع «العشيرة» على «أعْشُر» ، ثم أجراه مجرى «تِسْعَة عشر» . وقال الزمخشريُّ: جمع «عَشِير» مثل: يَمِين وأيْمُن. وعن أنس - أيضاً -: «تِسْعَةُ وعْشُرْ» بضم التاء وسكون العين وضم الشين وواو مفتوحة بدل الهمزة. وتخريجها كتخريج ما قبلها، إلا أنه قلب الهمزة واواً مبالغة في التخفيف، والضمة - كما تقدم - للبناء لا للإعراب. ونقل المهدوي: أنه قرىء: «تِسْعَةٌ وعَشْرْ» ، قال: «فجاء به على الأصل قبل التركيب وعطف» عَشْر «على» تِسْعَة» ، وحذف التنوين، لكثرة الاستعمال، وسكون الراء من «عشر» على نية الوقف» . وقرأ سليمان بن قتة: بضم التاء وهمزة مفتوحة، وسكون العين، وضم الشين وجر الراء من «أعْشُرٍ» . والضمة على هذا ضمة إعراب، لأنه أضاف الاسم لها بعده فأعربهما إعراب المتضايفين وهي لغة لبعض العرب يفكون تركيب الأعداد، ويعربونها كالمتضايفين؛ كقوله: [الرجز] 4969 - كُلِّفَ مِنْ عَنائِهِ وشِقْوتِهْ ... بِنْتَ ثَمانِي عَشْرةٍ مِنْ حِجَّتِهْ قال أبوالفضل: ويجيء على هذه القراءة، وهي قراءة من قرأ: «أعشر» مبنياً، أو معرباً من حيث هو جمع، أن الملائكة الذي هم على «سَقَر» تسعون ملكاً. فصل في معنى الآية معنى الآية: أنه يلي أمر تلك النار تسعة عشر من الملائكة يلقون فيها أهلها. قيل: هم خزنة النار، مالك وثمانية عشر ملكاً. وقيل: التسعة عشر نقيباً، وقال أكثر المفسرين: تسعة عشر ملكاً بأعيانهم. قال القرطبي: وذكر ابن المبارك عن رجل من بني تميم، قال كنا عند أبي العوام. فقرأ هذه الآية، فقال: ما تسعة عشر تسعة عشر ألف ملك أو تسعة عشر ملكاً؟ قال: قلت: لا بل تسعة عشر ملكاً، قال: وأنى تعلم ذلك؟ فقلت: لقول الله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [المدثر: 31] قال: صدقت، هم تسعة عشر ملكاً. قال ابنُ جريج: نعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خزنة جهنم، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أعْينُهُمْ كالبَرْقِ، وأنْيابُهمْ كالصَّيَاصي، وأشْعارُهمْ تَمَسُّ أقْدامَهُمْ يَخرجُ لهَبُ النَّارِ مِنَ أفْواهِهِمْ» ، الحديث. قال ابن الأثير: «الصَّياصِي: قرون البقر» . وروى الترمذي عن عبد الله قال: «قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قالوا: لا ندري حتى نسأله فجاء رجل الى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: يا محمد غلب أصحابك اليوم، فقال: وبماذا غلبوا؟ . قال: سألهم يهود، هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ . قال: فماذا قالوا؟ قال: فقالوا: لا ندري حتى نسأل نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: أيغلب قومٌ سئلوا عما لا يعلمون، فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ؟ لكنهم قد سألوا نبيهم، فقالوا: أرنا الله جهرة، عليّ بأعداء الله، إني سائلهم عن تربة الجنة، وهي الدرمك، فلما جاءوا، قالوا: يا أبا القاسم، كم عدد خزنة جهنم؟ . قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» هَكذَا، وهَكذَا» ، في مرة عشرة، وفي مرة تسعة، قالوا: نعم فقال لهم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَا تُربَةُ الجنَّةِ» ؟ فسكتوا، ثم قالوا: أخبرنا يا أبا القاسم، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «الخُبْزُ مِنَ الدَّرْمكِ» . قال ابن الأثير: الدرمك: هو الدقيق الحوارى. قال القرطبيُّ: الصحيح - إن شاء الله - أن هؤلاء التسعة عشر، هم الرؤساء، والنقباء، وأما جملتهم فكما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: 31] ، وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يُؤتَى بجَهنَّم يَومئِذٍ، لها سبعُونَ ألفَ زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يَجُرُّونهَا» . وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: لما نزل قوله - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمعُ ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم: «تسعة عشر» وأنتم الدهماء - أي العدد العظيم - والشجعان، فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم. قال السدي: فقال أبو الأسود بن كلدة الجمحي: لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنة، يقولها مستهزءاً. وفي رواية: أن الحارث بن كلدة قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين، فلما قال أبو الأسود ذلك، قال المسلمون: ويحكم، لا يقاس الملائكة بالحدادين، فجرى هذا مثلاً في كل شيئين لا تساوي بينهما، ومعناه: لا يقاس الملائكة بالسجّانين، والحداد: السجان. فصل في تقدير عدد الملائكة ذكر أرباب المعاني في تقدير هذا العدد وجوهاً: منها ما قاله أرباب الحكمةِ: أنّ سبب فساد النفس الإنسانية في قوتها النظرية والعملية، هو القوى الحيوانية والطبيعية، فالقوى الحيوانية: فهي الخمسة الظاهرة، والخمسة الباطنة، والشَّهوة، والغضب فهذه اثنا عشر، وأما القوى الطبيعية: فهي الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، والدافعة والعادية، والنافية، والمولدة، فالجموع تسعة عشر، فلما كانت هذه منشآت الآفات لا جرم كان عدد الزبانية هكذا. ومنها: أن أبو جهنم سبعة، فستة منها للكفار وواحد للفسَّاق، ثم إنَّ الكفَّار يدخلون النار لأمور ثلاثة: ترك الاعتقاد، وترك الإقرار، وترك العمل، فيكون لكل باب من تلك الأبواب الستة ثلاثة، فالمجموع: ثمانية عشر. وأما باب الفساق: فليس هناك إلا ترك العمل، فالمجموع: تسعة عشر مشغولة بغير العبادة، فلا جرم صار عدد الزبانية تسعة عشر.