Al Lubab fi Ulum Al Kitab — المدثر 74:35 – القيامة 75:26
المحتويات
- المدثر 74:35
- المدثر 74:36
- المدثر 74:37
- المدثر 74:38
- المدثر 74:39
- المدثر 74:40
- المدثر 74:41
- المدثر 74:42
- المدثر 74:43
- المدثر 74:44
- المدثر 74:45
- المدثر 74:46
- المدثر 74:47
- المدثر 74:48
- المدثر 74:49
- المدثر 74:50
- المدثر 74:51
- المدثر 74:52
- المدثر 74:53
- المدثر 74:54
- المدثر 74:55
- المدثر 74:56
- القيامة 75:1
- القيامة 75:2
- القيامة 75:3
- القيامة 75:4
- القيامة 75:5
- القيامة 75:6
- القيامة 75:7
- القيامة 75:8
- القيامة 75:9
- القيامة 75:10
- القيامة 75:11
- القيامة 75:12
- القيامة 75:13
- القيامة 75:14
- القيامة 75:15
- القيامة 75:16
- القيامة 75:17
- القيامة 75:18
- القيامة 75:19
- القيامة 75:20
- القيامة 75:21
- القيامة 75:22
- القيامة 75:23
- القيامة 75:24
- القيامة 75:25
- القيامة 75:26
المدثر 74:35
قوله: ﴿كَلاَّ والقمر﴾ .
قال الفراء: «كَلاَّ» أصله للقسم، التقدير: أي: والقمر.
وقيل: المعنى حقّاً والقمر، فلا يوقف على هذين التقديرين على «كلا» .
وأجاز الطبري الوقف عليها، وجعلها ردّاً على الذين زعموا أنهم يقاومون خزنة جهنم أي: ليس الأمر كما يقول من زعم أنه يقاوم خزنة النار، ثم أقسم على ذلك بالقمر، وبما بعده.
وقيل: هذا إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن يكون لهم ذكرى؛ لأنهم لا يتذكرون.
وقيل: هو ردعٌ لمن ينكر أن يكون الكبر نذيراً.
وقيل: ردع عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة.
قوله تعالى: ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ﴾ .
قرأ نافع وحمزة وحفص: «إذ» ظرفاً لما مضى من الزمان «أدبر» بزنة «أكْرَمَ» .
والباقون: «إذا» ظرفاً لما يستقبل «دَبَرَ» بزنة «ضَرَبَ» .
والرَّسْمُ محتمل لكلتيهما، فالصورة الخطية لا تختلف.
واختار أبو عبيد قراءة «إذا» ، قال: لأن بعده «إذَا أسْفرَ» ، قال: «وكذلك هي في حرف عبد الله» ، يعني: أنه مكتوب بألفين بعد الذال؛ أحدهما: ألف «إذا» والأخرى همزة «أدبر» .
قال: وليس في القرآن قسم يعقبه «إذ» ، وإنما يعقبه «إذا» .
واختار ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «إذا» .
ويحكى عنه: أنه لما سمع «دَبَرَ» قال: «إنَّما يدبرُ ظهر البعير» .
واختلفوا: هل «دبر، وأدبر» بمعنى أم لا؟ .
فقيل: هما بمعنى واحد، يقال: دبر الليل والنهار وأدبر، وقبل وأقبل؛ ومنه قولهم: «أمس الدابر» فهذا من «دَبَر» ، و «أمس المُدبِر» ؛ قال صَخرُ بن عمرو بن الشَّريدِ السُّلمِيُّ: [الكامل]
4970 - ولقَدْ قَتلْتُكمْ ثُنَاءَ ومَوْحَداً ... وتَركْتُ مُرَّةَ مِثلَ أمْسِ الدّابرِ ويروى: «المُدْبِر» ، وهذا قول الفرَّاء والأخفش والزجاج.
وأما: «أدبر الراكب» وأقبل فرباعي لا غير.
وقال يونس: «دبر» انقضى، و «أدبر» تولى، ففرق بينهما.
وقال الزمخشري: «ودبر: بمعنى أدبر» ك «قبل بمعنى أقبل» .
وقيل منه: صاروا كأمسِ الدابر.
وقيل: هو من دبر الليل بالنهار، إذا خلفه.
وذكر القرطبي عن بعض أهل اللغة: «دبر الليل: إذا مضى، وأدبر: أخذ في الإدبار» .
وقرأ محمد بن السميفع: «والليل إذا أدبر» بألفين، وكذلك هي في مصحف عبد الله وأبيّ.
وقال قطرب: من قرأ «دبر» فيعني أقبل، من قول العرب: دبر فلان، إذا جاء من خلفي.
قال أبو عمرو: وهي لغة قريش.
قوله تعالى: ﴿والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ . أي أضاء، وفي الحديث: «أسِفرُوا بالفَجْرِ» .
ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ [عبس: 38] .
وقرأ العامة: «أسْفَرَ» بالألف وعيسى بن الفضل وابن السميفع: «سَفَر» ثلاثياً.
والمعنى: طرح الظُّلمة عن وجهه على وجه الاستعارة، وهما لغتان.
ويقال: سَفَرَ وجه فلان إذا أضاء، وأسفر وجهه حسناً: أي أشرق، وسفرت المرأة، أي كشفت عن وجهها، فهي سافرة.
قال القرطبي: ويجوز أن يكون سَفَرَ الظلام، أي كنسه، كما يسفر البيت أي: يُكنس، ومنه السفير، لما يسقط من ورق الشجر ويتحاتّ، يقال: إنما سمي سفيراً لأن الريح تُسْفره، أي: تكنسه، والمُسفرة: المكنسة» .
قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ . أي: إن النار.
وقيل: إن قيام الساعة كذا حكاه أبو حيان. وفيه شيئان: عوده على غير مذكور، وكونُ المضاف اكتسب تأنيثاً.
وقيل: إنه النذارة، وقيل: هي ضمير القصّة، وهذا جواب القسم وتعليل ل» كَلاَّ «والقسم معترض للتوكيد. قاله الزمخشري.
قال شهاب الدين:» وحينئذ يحتاج إلى تقدير جوازه، وفيه تكلف وخروج عن الظاهر» .
قوله: ﴿لإِحْدَى الكبر﴾ . قرأ العامَّةُ: «لإحْدَى الكُبَر» بهمزة، وأصلها واو من الوحدة.
وقرأ نصر بن عاصم، وابن محيصن، ويروى عن ابن كثير: «لَحدى» بحذف الهمزة.
وهذا من الشُّذوذ بحيث لا يقاس عليه.
وتوجيهه: أن يكون أبدالها ألفاً ثُمَّ حذف الألف لالتقاء الساكنين، وقياس تخفيف مثل هذه الهمزة أن تجعل بَيْنَ بَيْنَ.
قال الواحدي: ألف إحدى مقطوع لا تذهب في الوصل و «الكُبَر» : جمع» كُبْرَى «ك» الفُضَل «جمع» فُضْلَى» .
قال الزمخشري: «الكُبَر: جمع الكُبْرى» . جعلت ألف التأنيث كتاء التأنيث، فكما جمعت» فُعْلة «على» فُعَل «جمعت» فُعْلى «عليها، ونظير ذلك:» السَّوافِي «في جمع» السَّافِيَاء «وهو التراب التي تسفّه الريح، و» القَواصع «في جمع» القَاصِعَاء «كأنها جمع» فاعلة «قاله ابن الخطيب
فصل في معنى الآية
معنى» إحْدَى الكُبَرِ «أي إحدى الدواهي، قال: [الرجز]
4971 - يَا ابْنَ المُعلَّى نزَلتْ إحْدَى الكْبَرْ ... دَاهِيَةُ الدَّهْرِ وصَمَّاءُ الغِيَرْ
ومثله: هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء، لمن يستعظمونه. والمراد من» الكبر» دركات جهنم، وهي سبعة: جَهَنَّم، ولَظَى، والحطمة، والسَّعير، والجَحِيم، والهَاوية، وسَقَر. أعاذنا الله منها.
وفي تفسير مقاتل: «الكُبَر» اسم من أسماء النار.
وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما» إنها «أي إن تكذيبهم بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» لإحْدَى الكُبَر «أي: الكبيرة من الكبائر.
قوله: ﴿نَذِيراً﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أنه تمييز من» إحدى «لما ضمنت معنى التعظيم، كأنه قيل: أعظم الكبر إنذاراً، ف» نذير «بمعنى» الإنذار «كالنكير بمعنى الإنكار، كأنه قيل: إنها لإحدى الدواهي إنذاراً، ومثله: هي إحدى النساء عفافاً.
الثاني
: أنه مصدر بمعنى الإنذار أيضاً ولكنه نصب بفعل مقدَّر، قاله الفراء.
الثالث: أنه» فعيل» بمعنى «مُفْعِل» وهو حال من الضمير في «إنها» . قاله الزجاج، وذُكِّرَ لأن معناه معنى العذاب أو أراد أنَّها «ذات إنذارٍ» على معنى النسب، كقولهم: امرأة طالق وطاهر.
قال الحسن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: والله ما أنذرَ الخلائق بشيءٍ أدهى منها.
الرابع: أنه حال من الضمير في «إحدى» لتأويلها بمعنى العظم.
الخامس: أنه حال من فاعل «قُمْ» أول السورة، والمراد بالنذير: محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: قُمْ نذيراً للبشر، أي: مخوفاً لهم. قاله أبو علي الفارسي.
وروي عن ابن عباس، وأنكره الفراء.
قال ابن الأنباري: قال بعض المفسرين: معناه يا أيُّها المدثِّر، قُم نذيراً للبشر، وهذا قبيح لطول ما بينهما.
السادس: أنه مصدر منصوب ب «أنذِر» أول السورة، كأنه قال: إنذاراً للبشر.
قال الفراء: يجوز أن يكون النذير بمعنى الإنذار، أي: أنذر إنذاراً، فهو كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 17] . أي: إنذاري، فعلى هذا يكون راجعاً إلى أول السورة.
السابع: هو حالٌ من «الكُبَر» .
الثامن: حالٌ من ضمير «الكُبَرِ» .
التاسع: أنه منصوب بإضمار «أعني» .
العاشر: أنه حال من «لإحدى» . قاله ابن عطية.
الحادي عشر: أنَّه منصوب ب «ادع» مقدَّراً، إذ المراد به الله تبارك وتعالى.
روى أبو معاوية الضرير: حدثنا إسماعيل بن سميع عن أبي رزين: «نذيراً للبشر» ، قال: يقول الله عَزَّ وَجَلَّ: أنا لكم منها نذير فاتقوها.
و «نذيراً» على هذا نصب على الحال، أي ب ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً﴾ منذراً بذلك البشر.
الثاني عشر: أنَّه منصوب ب «نادى، أو ببلِّغ» إذ المراد به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
الثالث عشر: أنَّه منصوب بما دلَّت عليه الجملة، تقديره: عظُمتْ نذيراً.
الرابع عشر: هو حال من الضمير في «الكُبَرِ» .
الخامس عشر: أنَّها حال من «هو» في قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ .
السادس عشر: أنَّها مفعول من أجله، النَّاصب لها ما في «الكُبَرِ» من معنى الفعل.
قال أبو البقاء: «إنَّها لإحْدى الكبر لإنذار البشر» . فظاهرُ هذا أنه مفعول من أجله. واعلم أنَّ النصب: قراءةُ العامَّة.
وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة: بالرفع.
فإن كان المراد النار جاز فيه وجهان:
أن يكون خبراً بعد خبرٍ، وأن يكون خبر مبتدإ مضمرٍ، أي: هي نذير، والتذكِر - لما تقدم - من معنى النَّسبِ. وإن كان الباري تعالى أو رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان على خبر مبتدإ مضمر، أي: هو نذير.
و «للبشر» : إما صفة، وإما مفعول ل «نذير» واللام مزيدة لتقوية العامل.
قوله: ﴿لِمَن شَآءَ﴾ ، فيه وجهان:
أحدهما: أنه بدل من البشر بإعادة العامل كقوله: ﴿لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: 33] ، و ﴿لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: 75] ، وأن يتقدم مفعول «شاء» أي: نذيراً لمن شاء التقدم أو التأخر، وفيه ذكر مفعول «شاء» وقد تقدم أنه لا يذكر إلا إذا كان فيه غرابة.
الثاني: وبه بدأ الزمخشري: أن يكون «لمن شاء» خبراً مقدماً، و «أن يتقدم» مبتدأ مؤخر.
قال: كقولك: لمن توضّأ أن يصلي، ومعناه: مطلق لمن شاء التقدم أو التأخر أن يتقدم، أو يتأخر انتهى.
فقوله: «التقدم أو التأخر» وهو مفعول «شاء» المقدر.
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ: قوله: «أن يتقدم» هو المبتدأ معنى لا يتبادر إلى الذهن، وفيه حذف.
قال القرطبي: اللام في «لمن شاء» متعلقة ب «النذير» ، أي: نذيراً لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير والطاعة أو يتأخر إلى الشر والمعصية، نظيره: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾ ، أي: في الخير ﴿وَلَقَدْ علمنالمستأخرين﴾ [الحجر: 24] عنه، قال الحسن: هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر، كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 27] .
وقيل: المعنى لمن شاء الله أن يتقدم أو يتأخر، فالمشيئة متصلة بالله - عَزَّ وَجَلَّ - والتقديم بالإيمان والتأخير بالكفر.
وكان ابن عباس يقول: هذا تهديد وإعلام أنَّ من تقدم إلى الطاعة والإيمان بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تسليماً كثيراً جوزي بثوابٍ لا ينقطع، ومن تأخر عن الطاعة، وكذب محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عوقب عقاباً لا ينقطع.
وقال السديُّ: «لمن شاء منكم أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها، أو يتأخر عنها إلى الجنة» .
فصل فيمن استدل بالآية على كون العبد متمكناً من الفعل
احتج المعتزلة بهذه الآية على كون العبد متمكناً من الفعل غير مجبور عليه.
وجوابه: أنَّ هذه الآية دلَّت على أن فعل العبد معلق على مشيئته، لكن مشيئة العبد معلقة على مشيئة الله - تعالى جل ذكره - كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الإنسان: 30] .
وحينئذ تصير الآية حجة عليهم.
قال ابن الخطيب: وذكر الأصحاب جوابين آخرين:
الأول: معنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين، التهديد، كقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ .
الثاني: أنَّ هذه المشيئة لله - تبارك وتعالى - على معنى: لمن شاء الله منكم أن يتقدم، أو يتأخر.
المدثر 74:36
قوله: ﴿كَلاَّ والقمر﴾ .
قال الفراء: «كَلاَّ» أصله للقسم، التقدير: أي: والقمر.
وقيل: المعنى حقّاً والقمر، فلا يوقف على هذين التقديرين على «كلا» .
وأجاز الطبري الوقف عليها، وجعلها ردّاً على الذين زعموا أنهم يقاومون خزنة جهنم أي: ليس الأمر كما يقول من زعم أنه يقاوم خزنة النار، ثم أقسم على ذلك بالقمر، وبما بعده.
وقيل: هذا إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن يكون لهم ذكرى؛ لأنهم لا يتذكرون.
وقيل: هو ردعٌ لمن ينكر أن يكون الكبر نذيراً.
وقيل: ردع عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة.
قوله تعالى: ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ﴾ .
قرأ نافع وحمزة وحفص: «إذ» ظرفاً لما مضى من الزمان «أدبر» بزنة «أكْرَمَ» .
والباقون: «إذا» ظرفاً لما يستقبل «دَبَرَ» بزنة «ضَرَبَ» .
والرَّسْمُ محتمل لكلتيهما، فالصورة الخطية لا تختلف.
واختار أبو عبيد قراءة «إذا» ، قال: لأن بعده «إذَا أسْفرَ» ، قال: «وكذلك هي في حرف عبد الله» ، يعني: أنه مكتوب بألفين بعد الذال؛ أحدهما: ألف «إذا» والأخرى همزة «أدبر» .
قال: وليس في القرآن قسم يعقبه «إذ» ، وإنما يعقبه «إذا» .
واختار ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «إذا» .
ويحكى عنه: أنه لما سمع «دَبَرَ» قال: «إنَّما يدبرُ ظهر البعير» .
واختلفوا: هل «دبر، وأدبر» بمعنى أم لا؟ .
فقيل: هما بمعنى واحد، يقال: دبر الليل والنهار وأدبر، وقبل وأقبل؛ ومنه قولهم: «أمس الدابر» فهذا من «دَبَر» ، و «أمس المُدبِر» ؛ قال صَخرُ بن عمرو بن الشَّريدِ السُّلمِيُّ: [الكامل]
4970 - ولقَدْ قَتلْتُكمْ ثُنَاءَ ومَوْحَداً ... وتَركْتُ مُرَّةَ مِثلَ أمْسِ الدّابرِ ويروى: «المُدْبِر» ، وهذا قول الفرَّاء والأخفش والزجاج.
وأما: «أدبر الراكب» وأقبل فرباعي لا غير.
وقال يونس: «دبر» انقضى، و «أدبر» تولى، ففرق بينهما.
وقال الزمخشري: «ودبر: بمعنى أدبر» ك «قبل بمعنى أقبل» .
وقيل منه: صاروا كأمسِ الدابر.
وقيل: هو من دبر الليل بالنهار، إذا خلفه.
وذكر القرطبي عن بعض أهل اللغة: «دبر الليل: إذا مضى، وأدبر: أخذ في الإدبار» .
وقرأ محمد بن السميفع: «والليل إذا أدبر» بألفين، وكذلك هي في مصحف عبد الله وأبيّ.
وقال قطرب: من قرأ «دبر» فيعني أقبل، من قول العرب: دبر فلان، إذا جاء من خلفي.
قال أبو عمرو: وهي لغة قريش.
قوله تعالى: ﴿والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ . أي أضاء، وفي الحديث: «أسِفرُوا بالفَجْرِ» .
ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ [عبس: 38] .
وقرأ العامة: «أسْفَرَ» بالألف وعيسى بن الفضل وابن السميفع: «سَفَر» ثلاثياً.
والمعنى: طرح الظُّلمة عن وجهه على وجه الاستعارة، وهما لغتان.
ويقال: سَفَرَ وجه فلان إذا أضاء، وأسفر وجهه حسناً: أي أشرق، وسفرت المرأة، أي كشفت عن وجهها، فهي سافرة.
قال القرطبي: ويجوز أن يكون سَفَرَ الظلام، أي كنسه، كما يسفر البيت أي: يُكنس، ومنه السفير، لما يسقط من ورق الشجر ويتحاتّ، يقال: إنما سمي سفيراً لأن الريح تُسْفره، أي: تكنسه، والمُسفرة: المكنسة» .
قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ . أي: إن النار.
وقيل: إن قيام الساعة كذا حكاه أبو حيان. وفيه شيئان: عوده على غير مذكور، وكونُ المضاف اكتسب تأنيثاً.
وقيل: إنه النذارة، وقيل: هي ضمير القصّة، وهذا جواب القسم وتعليل ل» كَلاَّ «والقسم معترض للتوكيد. قاله الزمخشري.
قال شهاب الدين:» وحينئذ يحتاج إلى تقدير جوازه، وفيه تكلف وخروج عن الظاهر» .
قوله: ﴿لإِحْدَى الكبر﴾ . قرأ العامَّةُ: «لإحْدَى الكُبَر» بهمزة، وأصلها واو من الوحدة.
وقرأ نصر بن عاصم، وابن محيصن، ويروى عن ابن كثير: «لَحدى» بحذف الهمزة.
وهذا من الشُّذوذ بحيث لا يقاس عليه.
وتوجيهه: أن يكون أبدالها ألفاً ثُمَّ حذف الألف لالتقاء الساكنين، وقياس تخفيف مثل هذه الهمزة أن تجعل بَيْنَ بَيْنَ.
قال الواحدي: ألف إحدى مقطوع لا تذهب في الوصل و «الكُبَر» : جمع» كُبْرَى «ك» الفُضَل «جمع» فُضْلَى» .
قال الزمخشري: «الكُبَر: جمع الكُبْرى» . جعلت ألف التأنيث كتاء التأنيث، فكما جمعت» فُعْلة «على» فُعَل «جمعت» فُعْلى «عليها، ونظير ذلك:» السَّوافِي «في جمع» السَّافِيَاء «وهو التراب التي تسفّه الريح، و» القَواصع «في جمع» القَاصِعَاء «كأنها جمع» فاعلة «قاله ابن الخطيب
فصل في معنى الآية
معنى» إحْدَى الكُبَرِ «أي إحدى الدواهي، قال: [الرجز]
4971 - يَا ابْنَ المُعلَّى نزَلتْ إحْدَى الكْبَرْ ... دَاهِيَةُ الدَّهْرِ وصَمَّاءُ الغِيَرْ
ومثله: هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء، لمن يستعظمونه. والمراد من» الكبر» دركات جهنم، وهي سبعة: جَهَنَّم، ولَظَى، والحطمة، والسَّعير، والجَحِيم، والهَاوية، وسَقَر. أعاذنا الله منها.
وفي تفسير مقاتل: «الكُبَر» اسم من أسماء النار.
وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما» إنها «أي إن تكذيبهم بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» لإحْدَى الكُبَر «أي: الكبيرة من الكبائر.
قوله: ﴿نَذِيراً﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أنه تمييز من» إحدى «لما ضمنت معنى التعظيم، كأنه قيل: أعظم الكبر إنذاراً، ف» نذير «بمعنى» الإنذار «كالنكير بمعنى الإنكار، كأنه قيل: إنها لإحدى الدواهي إنذاراً، ومثله: هي إحدى النساء عفافاً.
الثاني
: أنه مصدر بمعنى الإنذار أيضاً ولكنه نصب بفعل مقدَّر، قاله الفراء.
الثالث: أنه» فعيل» بمعنى «مُفْعِل» وهو حال من الضمير في «إنها» . قاله الزجاج، وذُكِّرَ لأن معناه معنى العذاب أو أراد أنَّها «ذات إنذارٍ» على معنى النسب، كقولهم: امرأة طالق وطاهر.
قال الحسن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: والله ما أنذرَ الخلائق بشيءٍ أدهى منها.
الرابع: أنه حال من الضمير في «إحدى» لتأويلها بمعنى العظم.
الخامس: أنه حال من فاعل «قُمْ» أول السورة، والمراد بالنذير: محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: قُمْ نذيراً للبشر، أي: مخوفاً لهم. قاله أبو علي الفارسي.
وروي عن ابن عباس، وأنكره الفراء.
قال ابن الأنباري: قال بعض المفسرين: معناه يا أيُّها المدثِّر، قُم نذيراً للبشر، وهذا قبيح لطول ما بينهما.
السادس: أنه مصدر منصوب ب «أنذِر» أول السورة، كأنه قال: إنذاراً للبشر.
قال الفراء: يجوز أن يكون النذير بمعنى الإنذار، أي: أنذر إنذاراً، فهو كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 17] . أي: إنذاري، فعلى هذا يكون راجعاً إلى أول السورة.
السابع: هو حالٌ من «الكُبَر» .
الثامن: حالٌ من ضمير «الكُبَرِ» .
التاسع: أنه منصوب بإضمار «أعني» .
العاشر: أنه حال من «لإحدى» . قاله ابن عطية.
الحادي عشر: أنَّه منصوب ب «ادع» مقدَّراً، إذ المراد به الله تبارك وتعالى.
روى أبو معاوية الضرير: حدثنا إسماعيل بن سميع عن أبي رزين: «نذيراً للبشر» ، قال: يقول الله عَزَّ وَجَلَّ: أنا لكم منها نذير فاتقوها.
و «نذيراً» على هذا نصب على الحال، أي ب ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً﴾ منذراً بذلك البشر.
الثاني عشر: أنَّه منصوب ب «نادى، أو ببلِّغ» إذ المراد به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
الثالث عشر: أنَّه منصوب بما دلَّت عليه الجملة، تقديره: عظُمتْ نذيراً.
الرابع عشر: هو حال من الضمير في «الكُبَرِ» .
الخامس عشر: أنَّها حال من «هو» في قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ .
السادس عشر: أنَّها مفعول من أجله، النَّاصب لها ما في «الكُبَرِ» من معنى الفعل.
قال أبو البقاء: «إنَّها لإحْدى الكبر لإنذار البشر» . فظاهرُ هذا أنه مفعول من أجله. واعلم أنَّ النصب: قراءةُ العامَّة.
وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة: بالرفع.
فإن كان المراد النار جاز فيه وجهان:
أن يكون خبراً بعد خبرٍ، وأن يكون خبر مبتدإ مضمرٍ، أي: هي نذير، والتذكِر - لما تقدم - من معنى النَّسبِ. وإن كان الباري تعالى أو رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان على خبر مبتدإ مضمر، أي: هو نذير.
و «للبشر» : إما صفة، وإما مفعول ل «نذير» واللام مزيدة لتقوية العامل.
قوله: ﴿لِمَن شَآءَ﴾ ، فيه وجهان:
أحدهما: أنه بدل من البشر بإعادة العامل كقوله: ﴿لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: 33] ، و ﴿لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: 75] ، وأن يتقدم مفعول «شاء» أي: نذيراً لمن شاء التقدم أو التأخر، وفيه ذكر مفعول «شاء» وقد تقدم أنه لا يذكر إلا إذا كان فيه غرابة.
الثاني: وبه بدأ الزمخشري: أن يكون «لمن شاء» خبراً مقدماً، و «أن يتقدم» مبتدأ مؤخر.
قال: كقولك: لمن توضّأ أن يصلي، ومعناه: مطلق لمن شاء التقدم أو التأخر أن يتقدم، أو يتأخر انتهى.
فقوله: «التقدم أو التأخر» وهو مفعول «شاء» المقدر.
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ: قوله: «أن يتقدم» هو المبتدأ معنى لا يتبادر إلى الذهن، وفيه حذف.
قال القرطبي: اللام في «لمن شاء» متعلقة ب «النذير» ، أي: نذيراً لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير والطاعة أو يتأخر إلى الشر والمعصية، نظيره: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾ ، أي: في الخير ﴿وَلَقَدْ علمنالمستأخرين﴾ [الحجر: 24] عنه، قال الحسن: هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر، كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 27] .
وقيل: المعنى لمن شاء الله أن يتقدم أو يتأخر، فالمشيئة متصلة بالله - عَزَّ وَجَلَّ - والتقديم بالإيمان والتأخير بالكفر.
وكان ابن عباس يقول: هذا تهديد وإعلام أنَّ من تقدم إلى الطاعة والإيمان بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تسليماً كثيراً جوزي بثوابٍ لا ينقطع، ومن تأخر عن الطاعة، وكذب محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عوقب عقاباً لا ينقطع.
وقال السديُّ: «لمن شاء منكم أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها، أو يتأخر عنها إلى الجنة» .
فصل فيمن استدل بالآية على كون العبد متمكناً من الفعل
احتج المعتزلة بهذه الآية على كون العبد متمكناً من الفعل غير مجبور عليه.
وجوابه: أنَّ هذه الآية دلَّت على أن فعل العبد معلق على مشيئته، لكن مشيئة العبد معلقة على مشيئة الله - تعالى جل ذكره - كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الإنسان: 30] .
وحينئذ تصير الآية حجة عليهم.
قال ابن الخطيب: وذكر الأصحاب جوابين آخرين:
الأول: معنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين، التهديد، كقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ .
الثاني: أنَّ هذه المشيئة لله - تبارك وتعالى - على معنى: لمن شاء الله منكم أن يتقدم، أو يتأخر.
المدثر 74:37
قوله: ﴿كَلاَّ والقمر﴾ .
قال الفراء: «كَلاَّ» أصله للقسم، التقدير: أي: والقمر.
وقيل: المعنى حقّاً والقمر، فلا يوقف على هذين التقديرين على «كلا» .
وأجاز الطبري الوقف عليها، وجعلها ردّاً على الذين زعموا أنهم يقاومون خزنة جهنم أي: ليس الأمر كما يقول من زعم أنه يقاوم خزنة النار، ثم أقسم على ذلك بالقمر، وبما بعده.
وقيل: هذا إنكار بعد أن جعلها ذكرى أن يكون لهم ذكرى؛ لأنهم لا يتذكرون.
وقيل: هو ردعٌ لمن ينكر أن يكون الكبر نذيراً.
وقيل: ردع عن الاستهزاء بالعدة المخصوصة.
قوله تعالى: ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ﴾ .
قرأ نافع وحمزة وحفص: «إذ» ظرفاً لما مضى من الزمان «أدبر» بزنة «أكْرَمَ» .
والباقون: «إذا» ظرفاً لما يستقبل «دَبَرَ» بزنة «ضَرَبَ» .
والرَّسْمُ محتمل لكلتيهما، فالصورة الخطية لا تختلف.
واختار أبو عبيد قراءة «إذا» ، قال: لأن بعده «إذَا أسْفرَ» ، قال: «وكذلك هي في حرف عبد الله» ، يعني: أنه مكتوب بألفين بعد الذال؛ أحدهما: ألف «إذا» والأخرى همزة «أدبر» .
قال: وليس في القرآن قسم يعقبه «إذ» ، وإنما يعقبه «إذا» .
واختار ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: «إذا» .
ويحكى عنه: أنه لما سمع «دَبَرَ» قال: «إنَّما يدبرُ ظهر البعير» .
واختلفوا: هل «دبر، وأدبر» بمعنى أم لا؟ .
فقيل: هما بمعنى واحد، يقال: دبر الليل والنهار وأدبر، وقبل وأقبل؛ ومنه قولهم: «أمس الدابر» فهذا من «دَبَر» ، و «أمس المُدبِر» ؛ قال صَخرُ بن عمرو بن الشَّريدِ السُّلمِيُّ: [الكامل]
4970 - ولقَدْ قَتلْتُكمْ ثُنَاءَ ومَوْحَداً ... وتَركْتُ مُرَّةَ مِثلَ أمْسِ الدّابرِ ويروى: «المُدْبِر» ، وهذا قول الفرَّاء والأخفش والزجاج.
وأما: «أدبر الراكب» وأقبل فرباعي لا غير.
وقال يونس: «دبر» انقضى، و «أدبر» تولى، ففرق بينهما.
وقال الزمخشري: «ودبر: بمعنى أدبر» ك «قبل بمعنى أقبل» .
وقيل منه: صاروا كأمسِ الدابر.
وقيل: هو من دبر الليل بالنهار، إذا خلفه.
وذكر القرطبي عن بعض أهل اللغة: «دبر الليل: إذا مضى، وأدبر: أخذ في الإدبار» .
وقرأ محمد بن السميفع: «والليل إذا أدبر» بألفين، وكذلك هي في مصحف عبد الله وأبيّ.
وقال قطرب: من قرأ «دبر» فيعني أقبل، من قول العرب: دبر فلان، إذا جاء من خلفي.
قال أبو عمرو: وهي لغة قريش.
قوله تعالى: ﴿والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾ . أي أضاء، وفي الحديث: «أسِفرُوا بالفَجْرِ» .
ومنه قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾ [عبس: 38] .
وقرأ العامة: «أسْفَرَ» بالألف وعيسى بن الفضل وابن السميفع: «سَفَر» ثلاثياً.
والمعنى: طرح الظُّلمة عن وجهه على وجه الاستعارة، وهما لغتان.
ويقال: سَفَرَ وجه فلان إذا أضاء، وأسفر وجهه حسناً: أي أشرق، وسفرت المرأة، أي كشفت عن وجهها، فهي سافرة.
قال القرطبي: ويجوز أن يكون سَفَرَ الظلام، أي كنسه، كما يسفر البيت أي: يُكنس، ومنه السفير، لما يسقط من ورق الشجر ويتحاتّ، يقال: إنما سمي سفيراً لأن الريح تُسْفره، أي: تكنسه، والمُسفرة: المكنسة» .
قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ . أي: إن النار.
وقيل: إن قيام الساعة كذا حكاه أبو حيان. وفيه شيئان: عوده على غير مذكور، وكونُ المضاف اكتسب تأنيثاً.
وقيل: إنه النذارة، وقيل: هي ضمير القصّة، وهذا جواب القسم وتعليل ل» كَلاَّ «والقسم معترض للتوكيد. قاله الزمخشري.
قال شهاب الدين:» وحينئذ يحتاج إلى تقدير جوازه، وفيه تكلف وخروج عن الظاهر» .
قوله: ﴿لإِحْدَى الكبر﴾ . قرأ العامَّةُ: «لإحْدَى الكُبَر» بهمزة، وأصلها واو من الوحدة.
وقرأ نصر بن عاصم، وابن محيصن، ويروى عن ابن كثير: «لَحدى» بحذف الهمزة.
وهذا من الشُّذوذ بحيث لا يقاس عليه.
وتوجيهه: أن يكون أبدالها ألفاً ثُمَّ حذف الألف لالتقاء الساكنين، وقياس تخفيف مثل هذه الهمزة أن تجعل بَيْنَ بَيْنَ.
قال الواحدي: ألف إحدى مقطوع لا تذهب في الوصل و «الكُبَر» : جمع» كُبْرَى «ك» الفُضَل «جمع» فُضْلَى» .
قال الزمخشري: «الكُبَر: جمع الكُبْرى» . جعلت ألف التأنيث كتاء التأنيث، فكما جمعت» فُعْلة «على» فُعَل «جمعت» فُعْلى «عليها، ونظير ذلك:» السَّوافِي «في جمع» السَّافِيَاء «وهو التراب التي تسفّه الريح، و» القَواصع «في جمع» القَاصِعَاء «كأنها جمع» فاعلة «قاله ابن الخطيب
فصل في معنى الآية
معنى» إحْدَى الكُبَرِ «أي إحدى الدواهي، قال: [الرجز]
4971 - يَا ابْنَ المُعلَّى نزَلتْ إحْدَى الكْبَرْ ... دَاهِيَةُ الدَّهْرِ وصَمَّاءُ الغِيَرْ
ومثله: هو أحد الرجال، وهي إحدى النساء، لمن يستعظمونه. والمراد من» الكبر» دركات جهنم، وهي سبعة: جَهَنَّم، ولَظَى، والحطمة، والسَّعير، والجَحِيم، والهَاوية، وسَقَر. أعاذنا الله منها.
وفي تفسير مقاتل: «الكُبَر» اسم من أسماء النار.
وعن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما» إنها «أي إن تكذيبهم بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» لإحْدَى الكُبَر «أي: الكبيرة من الكبائر.
قوله: ﴿نَذِيراً﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أنه تمييز من» إحدى «لما ضمنت معنى التعظيم، كأنه قيل: أعظم الكبر إنذاراً، ف» نذير «بمعنى» الإنذار «كالنكير بمعنى الإنكار، كأنه قيل: إنها لإحدى الدواهي إنذاراً، ومثله: هي إحدى النساء عفافاً.
الثاني
: أنه مصدر بمعنى الإنذار أيضاً ولكنه نصب بفعل مقدَّر، قاله الفراء.
الثالث: أنه» فعيل» بمعنى «مُفْعِل» وهو حال من الضمير في «إنها» . قاله الزجاج، وذُكِّرَ لأن معناه معنى العذاب أو أراد أنَّها «ذات إنذارٍ» على معنى النسب، كقولهم: امرأة طالق وطاهر.
قال الحسن رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: والله ما أنذرَ الخلائق بشيءٍ أدهى منها.
الرابع: أنه حال من الضمير في «إحدى» لتأويلها بمعنى العظم.
الخامس: أنه حال من فاعل «قُمْ» أول السورة، والمراد بالنذير: محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أي: قُمْ نذيراً للبشر، أي: مخوفاً لهم. قاله أبو علي الفارسي.
وروي عن ابن عباس، وأنكره الفراء.
قال ابن الأنباري: قال بعض المفسرين: معناه يا أيُّها المدثِّر، قُم نذيراً للبشر، وهذا قبيح لطول ما بينهما.
السادس: أنه مصدر منصوب ب «أنذِر» أول السورة، كأنه قال: إنذاراً للبشر.
قال الفراء: يجوز أن يكون النذير بمعنى الإنذار، أي: أنذر إنذاراً، فهو كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: 17] . أي: إنذاري، فعلى هذا يكون راجعاً إلى أول السورة.
السابع: هو حالٌ من «الكُبَر» .
الثامن: حالٌ من ضمير «الكُبَرِ» .
التاسع: أنه منصوب بإضمار «أعني» .
العاشر: أنه حال من «لإحدى» . قاله ابن عطية.
الحادي عشر: أنَّه منصوب ب «ادع» مقدَّراً، إذ المراد به الله تبارك وتعالى.
روى أبو معاوية الضرير: حدثنا إسماعيل بن سميع عن أبي رزين: «نذيراً للبشر» ، قال: يقول الله عَزَّ وَجَلَّ: أنا لكم منها نذير فاتقوها.
و «نذيراً» على هذا نصب على الحال، أي ب ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً﴾ منذراً بذلك البشر.
الثاني عشر: أنَّه منصوب ب «نادى، أو ببلِّغ» إذ المراد به الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
الثالث عشر: أنَّه منصوب بما دلَّت عليه الجملة، تقديره: عظُمتْ نذيراً.
الرابع عشر: هو حال من الضمير في «الكُبَرِ» .
الخامس عشر: أنَّها حال من «هو» في قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ .
السادس عشر: أنَّها مفعول من أجله، النَّاصب لها ما في «الكُبَرِ» من معنى الفعل.
قال أبو البقاء: «إنَّها لإحْدى الكبر لإنذار البشر» . فظاهرُ هذا أنه مفعول من أجله. واعلم أنَّ النصب: قراءةُ العامَّة.
وقرأ أبي بن كعب، وابن أبي عبلة: بالرفع.
فإن كان المراد النار جاز فيه وجهان:
أن يكون خبراً بعد خبرٍ، وأن يكون خبر مبتدإ مضمرٍ، أي: هي نذير، والتذكِر - لما تقدم - من معنى النَّسبِ. وإن كان الباري تعالى أو رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان على خبر مبتدإ مضمر، أي: هو نذير.
و «للبشر» : إما صفة، وإما مفعول ل «نذير» واللام مزيدة لتقوية العامل.
قوله: ﴿لِمَن شَآءَ﴾ ، فيه وجهان:
أحدهما: أنه بدل من البشر بإعادة العامل كقوله: ﴿لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: 33] ، و ﴿لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: 75] ، وأن يتقدم مفعول «شاء» أي: نذيراً لمن شاء التقدم أو التأخر، وفيه ذكر مفعول «شاء» وقد تقدم أنه لا يذكر إلا إذا كان فيه غرابة.
الثاني: وبه بدأ الزمخشري: أن يكون «لمن شاء» خبراً مقدماً، و «أن يتقدم» مبتدأ مؤخر.
قال: كقولك: لمن توضّأ أن يصلي، ومعناه: مطلق لمن شاء التقدم أو التأخر أن يتقدم، أو يتأخر انتهى.
فقوله: «التقدم أو التأخر» وهو مفعول «شاء» المقدر.
قال أبو حيَّان رَحِمَهُ اللَّهُ: قوله: «أن يتقدم» هو المبتدأ معنى لا يتبادر إلى الذهن، وفيه حذف.
قال القرطبي: اللام في «لمن شاء» متعلقة ب «النذير» ، أي: نذيراً لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الخير والطاعة أو يتأخر إلى الشر والمعصية، نظيره: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾ ، أي: في الخير ﴿وَلَقَدْ علمنالمستأخرين﴾ [الحجر: 24] عنه، قال الحسن: هذا وعيد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر، كقوله تعالى: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 27] .
وقيل: المعنى لمن شاء الله أن يتقدم أو يتأخر، فالمشيئة متصلة بالله - عَزَّ وَجَلَّ - والتقديم بالإيمان والتأخير بالكفر.
وكان ابن عباس يقول: هذا تهديد وإعلام أنَّ من تقدم إلى الطاعة والإيمان بمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ تسليماً كثيراً جوزي بثوابٍ لا ينقطع، ومن تأخر عن الطاعة، وكذب محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عوقب عقاباً لا ينقطع.
وقال السديُّ: «لمن شاء منكم أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها، أو يتأخر عنها إلى الجنة» .
فصل فيمن استدل بالآية على كون العبد متمكناً من الفعل
احتج المعتزلة بهذه الآية على كون العبد متمكناً من الفعل غير مجبور عليه.
وجوابه: أنَّ هذه الآية دلَّت على أن فعل العبد معلق على مشيئته، لكن مشيئة العبد معلقة على مشيئة الله - تعالى جل ذكره - كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الإنسان: 30] .
وحينئذ تصير الآية حجة عليهم.
قال ابن الخطيب: وذكر الأصحاب جوابين آخرين:
الأول: معنى إضافة المشيئة إلى المخاطبين، التهديد، كقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ .
الثاني: أنَّ هذه المشيئة لله - تبارك وتعالى - على معنى: لمن شاء الله منكم أن يتقدم، أو يتأخر.
المدثر 74:38
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنَّ «رَهِينَةٌ» بمعنى «رَهْنٍ» ك «الشَّتِيمة» بمعنى «الشَّتْم» .
قال الزمخشري: ليس كتأنيث «رهين» في قوله: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأن «فعيلاً» بمعنى «مفعول» يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنَّما هي اسم بمعنى «الرهن» كالشتيمة بمعنى «الشّتم» كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة: [الطويل]
4972 - أبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُويكِبٍ ... رَهِينَةِ رَمْسٍ ذي تُرابٍ وجَنْدلِ
كأنَّه قال: «رَهْنِ رَمْسٍ» .
الثاني: أن الهاء للمبالغة.
الثالث: أنَّ التأنيث لأجل اللفظ.
واختار أبو حيان: أنها بمعنى «مفعول» وأنها كالنَّطيحة، وقال: ويدل على ذلك أنَّه لما كان خبراً عن المذكر كان بغير هاء، وقال تعالى: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ فأنَّثَ حيث كان خبراً عن المذكر أتى بغير تاء، وحيث كان خبراً عن مؤنث أتى بالتاء كما في هذه الآية فأمَّا التي في البيت فأنَّثَ على معنى النَّفْسِ.
فصل في معنى رهينة
ومعنى «رهينة» أي: مُرتهَنَة بكسبها، مأخوذة بعملها، إمَّا خلَّصهَا وإمَّا أوبقها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه استثناء متصل إذا المراد بهم المسلمون الخالصون الصالحون، فإنَّهم فكُّوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يخلِّص الراهن رهنه بإيفاءِ الحق.
والثاني: أنَّه منقطع، إذا المراد به الأطفال والملائكة.
قال ابن عباس: المراد بهم الملائكة.
وقال عليُّ بن أبي طالب وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرْتهَنُوا.
وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم منا الحسنى، ونحوه عن ابن جريج قال: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة فإنَّهم لا يحاسبون.
وكذا قال مقاتل والكلبي أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يوم الميثاق حين قال الله تعالى لهم: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي» .
قال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم أدَّوا ما كان عليهم.
وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون.
وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان.
وقيل: هم الذين يُعطون كتبهم بأيمانهم.
وقال أبو جعفر الباقرُ: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ . يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جنات، وأن يكون حالاً من «أصحاب اليمين» ، وأن يكون حالاً من فاعل «يتساءلون» .
ذكرهما أبو البقاء. ويجوز أن يكون ظرفاً ل «يتساءلون» ، وهو أظهر من الحالية من فاعله.
و «يتساءلون» يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضاً، ويجوز أن يكون بمعنى «يسألون» أي يسألون غيرهم، نحو «دَعوْتُه وتَداعَيْتُه» .
قوله: ﴿عَنِ المجرمين﴾ فيه وجهان:
الأول: أن تكون كلمة «عن» صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، فيقولون لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ، فإنه يقال: سألته كذا، وسألته عن كذا.
الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين.
فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقولوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ .
فأجاب الزمخشري عنه فقال: «المرادُ من هذا أن المشركين يلقون ما جرى بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: مَا سلَكَكُمْ في سَقَرَ» .
وفيه وجه آخر وهو: أنَّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟ والإضمارات كثيرة في القرآن.
قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ : يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق بعد قوله: «ما سلككم» وهو سؤال المجرمين، قوله: ﴿يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين﴾ ، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ليس ببيانٍ للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ أي: أدخلكم في سقر، كما تقول: سَلكْتُ الخَيْط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركةِ من النار؟ فأجابوا: أن العذاب لأمور أربعة، ثم ذكروها وهي قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ .
قال الكلبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يسألُ الرجلُ من أهل الجنة الرجلَ من أهل النار باسمه فيقول له: يا فلانُ.
وفي قراءة عبد الله بن الزبير: يا فلان، ما سلككم في سقر؟ وهي قراءة على التفسير؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن. قاله ابن الأنباري.
وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟ .
قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب.
قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ ، هذا هو الدالُّ على فاعل «سلكنا كذا» الواقع جواباً لقول المؤمنين لهم: «ما سلككم» [والتقدير: سلكنا عَدمُ صلاتنا كذا وكذا.
قال أبو البقاء: هذه الجملة سدّت مسدّ الفاعل، وهو جواب: ما سلككم، وهو نظير «مناسككم» ، وقد تقدم في «البقرة» ]
فصل في تفسير الآية
قال القرطبي: معنى قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ أي: المؤمنين الذين يصلون ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين﴾ أي: لم نكن نتصدق.
قال ابن الخطيب: «وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، والزكاة؛ لأن ما ليس بواجب لا يجوز أن يعذَّبوا على تركه» .
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ ، أي: في الأباطيل.
وقال ابن زيد: ﴿نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ في أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قولهم - لعنهم الله -: إنه ساحر، كاهن، مجنون، شاعر كذبوا - والله - لم يكن فيه شيءٌ من ذلك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه.
وقيل: معناه: كنا أتباعاً ولم نكن متبوعين، وقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ أي: نكذّب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم.
﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾ أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: 99] .
وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟ .
فالجواب: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذِّبين بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ ؛ كقوله: [الطويل]
4973 - عَلَى لاَحِبٍ لا يُهتَدَى بِمنَارِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... .
في أحد وجهيه، أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعةً غير نافعة كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28] الآية.
وهذه الآية تدلُّ على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلُّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يشفع نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ قالوا: لم نك من المصلين، إلى قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ .
قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء الذين في جهنم.
المدثر 74:39
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنَّ «رَهِينَةٌ» بمعنى «رَهْنٍ» ك «الشَّتِيمة» بمعنى «الشَّتْم» .
قال الزمخشري: ليس كتأنيث «رهين» في قوله: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأن «فعيلاً» بمعنى «مفعول» يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنَّما هي اسم بمعنى «الرهن» كالشتيمة بمعنى «الشّتم» كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة: [الطويل]
4972 - أبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُويكِبٍ ... رَهِينَةِ رَمْسٍ ذي تُرابٍ وجَنْدلِ
كأنَّه قال: «رَهْنِ رَمْسٍ» .
الثاني: أن الهاء للمبالغة.
الثالث: أنَّ التأنيث لأجل اللفظ.
واختار أبو حيان: أنها بمعنى «مفعول» وأنها كالنَّطيحة، وقال: ويدل على ذلك أنَّه لما كان خبراً عن المذكر كان بغير هاء، وقال تعالى: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ فأنَّثَ حيث كان خبراً عن المذكر أتى بغير تاء، وحيث كان خبراً عن مؤنث أتى بالتاء كما في هذه الآية فأمَّا التي في البيت فأنَّثَ على معنى النَّفْسِ.
فصل في معنى رهينة
ومعنى «رهينة» أي: مُرتهَنَة بكسبها، مأخوذة بعملها، إمَّا خلَّصهَا وإمَّا أوبقها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه استثناء متصل إذا المراد بهم المسلمون الخالصون الصالحون، فإنَّهم فكُّوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يخلِّص الراهن رهنه بإيفاءِ الحق.
والثاني: أنَّه منقطع، إذا المراد به الأطفال والملائكة.
قال ابن عباس: المراد بهم الملائكة.
وقال عليُّ بن أبي طالب وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرْتهَنُوا.
وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم منا الحسنى، ونحوه عن ابن جريج قال: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة فإنَّهم لا يحاسبون.
وكذا قال مقاتل والكلبي أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يوم الميثاق حين قال الله تعالى لهم: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي» .
قال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم أدَّوا ما كان عليهم.
وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون.
وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان.
وقيل: هم الذين يُعطون كتبهم بأيمانهم.
وقال أبو جعفر الباقرُ: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ . يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جنات، وأن يكون حالاً من «أصحاب اليمين» ، وأن يكون حالاً من فاعل «يتساءلون» .
ذكرهما أبو البقاء. ويجوز أن يكون ظرفاً ل «يتساءلون» ، وهو أظهر من الحالية من فاعله.
و «يتساءلون» يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضاً، ويجوز أن يكون بمعنى «يسألون» أي يسألون غيرهم، نحو «دَعوْتُه وتَداعَيْتُه» .
قوله: ﴿عَنِ المجرمين﴾ فيه وجهان:
الأول: أن تكون كلمة «عن» صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، فيقولون لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ، فإنه يقال: سألته كذا، وسألته عن كذا.
الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين.
فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقولوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ .
فأجاب الزمخشري عنه فقال: «المرادُ من هذا أن المشركين يلقون ما جرى بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: مَا سلَكَكُمْ في سَقَرَ» .
وفيه وجه آخر وهو: أنَّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟ والإضمارات كثيرة في القرآن.
قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ : يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق بعد قوله: «ما سلككم» وهو سؤال المجرمين، قوله: ﴿يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين﴾ ، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ليس ببيانٍ للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ أي: أدخلكم في سقر، كما تقول: سَلكْتُ الخَيْط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركةِ من النار؟ فأجابوا: أن العذاب لأمور أربعة، ثم ذكروها وهي قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ .
قال الكلبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يسألُ الرجلُ من أهل الجنة الرجلَ من أهل النار باسمه فيقول له: يا فلانُ.
وفي قراءة عبد الله بن الزبير: يا فلان، ما سلككم في سقر؟ وهي قراءة على التفسير؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن. قاله ابن الأنباري.
وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟ .
قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب.
قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ ، هذا هو الدالُّ على فاعل «سلكنا كذا» الواقع جواباً لقول المؤمنين لهم: «ما سلككم» [والتقدير: سلكنا عَدمُ صلاتنا كذا وكذا.
قال أبو البقاء: هذه الجملة سدّت مسدّ الفاعل، وهو جواب: ما سلككم، وهو نظير «مناسككم» ، وقد تقدم في «البقرة» ]
فصل في تفسير الآية
قال القرطبي: معنى قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ أي: المؤمنين الذين يصلون ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين﴾ أي: لم نكن نتصدق.
قال ابن الخطيب: «وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، والزكاة؛ لأن ما ليس بواجب لا يجوز أن يعذَّبوا على تركه» .
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ ، أي: في الأباطيل.
وقال ابن زيد: ﴿نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ في أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قولهم - لعنهم الله -: إنه ساحر، كاهن، مجنون، شاعر كذبوا - والله - لم يكن فيه شيءٌ من ذلك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه.
وقيل: معناه: كنا أتباعاً ولم نكن متبوعين، وقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ أي: نكذّب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم.
﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾ أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: 99] .
وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟ .
فالجواب: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذِّبين بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ ؛ كقوله: [الطويل]
4973 - عَلَى لاَحِبٍ لا يُهتَدَى بِمنَارِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... .
في أحد وجهيه، أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعةً غير نافعة كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28] الآية.
وهذه الآية تدلُّ على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلُّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يشفع نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ قالوا: لم نك من المصلين، إلى قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ .
قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء الذين في جهنم.
المدثر 74:40
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنَّ «رَهِينَةٌ» بمعنى «رَهْنٍ» ك «الشَّتِيمة» بمعنى «الشَّتْم» .
قال الزمخشري: ليس كتأنيث «رهين» في قوله: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأن «فعيلاً» بمعنى «مفعول» يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنَّما هي اسم بمعنى «الرهن» كالشتيمة بمعنى «الشّتم» كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة: [الطويل]
4972 - أبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُويكِبٍ ... رَهِينَةِ رَمْسٍ ذي تُرابٍ وجَنْدلِ
كأنَّه قال: «رَهْنِ رَمْسٍ» .
الثاني: أن الهاء للمبالغة.
الثالث: أنَّ التأنيث لأجل اللفظ.
واختار أبو حيان: أنها بمعنى «مفعول» وأنها كالنَّطيحة، وقال: ويدل على ذلك أنَّه لما كان خبراً عن المذكر كان بغير هاء، وقال تعالى: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ فأنَّثَ حيث كان خبراً عن المذكر أتى بغير تاء، وحيث كان خبراً عن مؤنث أتى بالتاء كما في هذه الآية فأمَّا التي في البيت فأنَّثَ على معنى النَّفْسِ.
فصل في معنى رهينة
ومعنى «رهينة» أي: مُرتهَنَة بكسبها، مأخوذة بعملها، إمَّا خلَّصهَا وإمَّا أوبقها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه استثناء متصل إذا المراد بهم المسلمون الخالصون الصالحون، فإنَّهم فكُّوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يخلِّص الراهن رهنه بإيفاءِ الحق.
والثاني: أنَّه منقطع، إذا المراد به الأطفال والملائكة.
قال ابن عباس: المراد بهم الملائكة.
وقال عليُّ بن أبي طالب وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرْتهَنُوا.
وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم منا الحسنى، ونحوه عن ابن جريج قال: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة فإنَّهم لا يحاسبون.
وكذا قال مقاتل والكلبي أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يوم الميثاق حين قال الله تعالى لهم: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي» .
قال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم أدَّوا ما كان عليهم.
وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون.
وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان.
وقيل: هم الذين يُعطون كتبهم بأيمانهم.
وقال أبو جعفر الباقرُ: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ . يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جنات، وأن يكون حالاً من «أصحاب اليمين» ، وأن يكون حالاً من فاعل «يتساءلون» .
ذكرهما أبو البقاء. ويجوز أن يكون ظرفاً ل «يتساءلون» ، وهو أظهر من الحالية من فاعله.
و «يتساءلون» يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضاً، ويجوز أن يكون بمعنى «يسألون» أي يسألون غيرهم، نحو «دَعوْتُه وتَداعَيْتُه» .
قوله: ﴿عَنِ المجرمين﴾ فيه وجهان:
الأول: أن تكون كلمة «عن» صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، فيقولون لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ، فإنه يقال: سألته كذا، وسألته عن كذا.
الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين.
فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقولوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ .
فأجاب الزمخشري عنه فقال: «المرادُ من هذا أن المشركين يلقون ما جرى بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: مَا سلَكَكُمْ في سَقَرَ» .
وفيه وجه آخر وهو: أنَّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟ والإضمارات كثيرة في القرآن.
قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ : يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق بعد قوله: «ما سلككم» وهو سؤال المجرمين، قوله: ﴿يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين﴾ ، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ليس ببيانٍ للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ أي: أدخلكم في سقر، كما تقول: سَلكْتُ الخَيْط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركةِ من النار؟ فأجابوا: أن العذاب لأمور أربعة، ثم ذكروها وهي قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ .
قال الكلبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يسألُ الرجلُ من أهل الجنة الرجلَ من أهل النار باسمه فيقول له: يا فلانُ.
وفي قراءة عبد الله بن الزبير: يا فلان، ما سلككم في سقر؟ وهي قراءة على التفسير؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن. قاله ابن الأنباري.
وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟ .
قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب.
قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ ، هذا هو الدالُّ على فاعل «سلكنا كذا» الواقع جواباً لقول المؤمنين لهم: «ما سلككم» [والتقدير: سلكنا عَدمُ صلاتنا كذا وكذا.
قال أبو البقاء: هذه الجملة سدّت مسدّ الفاعل، وهو جواب: ما سلككم، وهو نظير «مناسككم» ، وقد تقدم في «البقرة» ]
فصل في تفسير الآية
قال القرطبي: معنى قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ أي: المؤمنين الذين يصلون ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين﴾ أي: لم نكن نتصدق.
قال ابن الخطيب: «وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، والزكاة؛ لأن ما ليس بواجب لا يجوز أن يعذَّبوا على تركه» .
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ ، أي: في الأباطيل.
وقال ابن زيد: ﴿نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ في أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قولهم - لعنهم الله -: إنه ساحر، كاهن، مجنون، شاعر كذبوا - والله - لم يكن فيه شيءٌ من ذلك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه.
وقيل: معناه: كنا أتباعاً ولم نكن متبوعين، وقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ أي: نكذّب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم.
﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾ أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: 99] .
وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟ .
فالجواب: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذِّبين بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ ؛ كقوله: [الطويل]
4973 - عَلَى لاَحِبٍ لا يُهتَدَى بِمنَارِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... .
في أحد وجهيه، أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعةً غير نافعة كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28] الآية.
وهذه الآية تدلُّ على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلُّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يشفع نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ قالوا: لم نك من المصلين، إلى قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ .
قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء الذين في جهنم.
المدثر 74:41
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنَّ «رَهِينَةٌ» بمعنى «رَهْنٍ» ك «الشَّتِيمة» بمعنى «الشَّتْم» .
قال الزمخشري: ليس كتأنيث «رهين» في قوله: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأن «فعيلاً» بمعنى «مفعول» يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنَّما هي اسم بمعنى «الرهن» كالشتيمة بمعنى «الشّتم» كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة: [الطويل]
4972 - أبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُويكِبٍ ... رَهِينَةِ رَمْسٍ ذي تُرابٍ وجَنْدلِ
كأنَّه قال: «رَهْنِ رَمْسٍ» .
الثاني: أن الهاء للمبالغة.
الثالث: أنَّ التأنيث لأجل اللفظ.
واختار أبو حيان: أنها بمعنى «مفعول» وأنها كالنَّطيحة، وقال: ويدل على ذلك أنَّه لما كان خبراً عن المذكر كان بغير هاء، وقال تعالى: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ فأنَّثَ حيث كان خبراً عن المذكر أتى بغير تاء، وحيث كان خبراً عن مؤنث أتى بالتاء كما في هذه الآية فأمَّا التي في البيت فأنَّثَ على معنى النَّفْسِ.
فصل في معنى رهينة
ومعنى «رهينة» أي: مُرتهَنَة بكسبها، مأخوذة بعملها، إمَّا خلَّصهَا وإمَّا أوبقها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه استثناء متصل إذا المراد بهم المسلمون الخالصون الصالحون، فإنَّهم فكُّوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يخلِّص الراهن رهنه بإيفاءِ الحق.
والثاني: أنَّه منقطع، إذا المراد به الأطفال والملائكة.
قال ابن عباس: المراد بهم الملائكة.
وقال عليُّ بن أبي طالب وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرْتهَنُوا.
وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم منا الحسنى، ونحوه عن ابن جريج قال: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة فإنَّهم لا يحاسبون.
وكذا قال مقاتل والكلبي أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يوم الميثاق حين قال الله تعالى لهم: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي» .
قال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم أدَّوا ما كان عليهم.
وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون.
وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان.
وقيل: هم الذين يُعطون كتبهم بأيمانهم.
وقال أبو جعفر الباقرُ: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ . يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جنات، وأن يكون حالاً من «أصحاب اليمين» ، وأن يكون حالاً من فاعل «يتساءلون» .
ذكرهما أبو البقاء. ويجوز أن يكون ظرفاً ل «يتساءلون» ، وهو أظهر من الحالية من فاعله.
و «يتساءلون» يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضاً، ويجوز أن يكون بمعنى «يسألون» أي يسألون غيرهم، نحو «دَعوْتُه وتَداعَيْتُه» .
قوله: ﴿عَنِ المجرمين﴾ فيه وجهان:
الأول: أن تكون كلمة «عن» صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، فيقولون لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ، فإنه يقال: سألته كذا، وسألته عن كذا.
الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين.
فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقولوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ .
فأجاب الزمخشري عنه فقال: «المرادُ من هذا أن المشركين يلقون ما جرى بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: مَا سلَكَكُمْ في سَقَرَ» .
وفيه وجه آخر وهو: أنَّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟ والإضمارات كثيرة في القرآن.
قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ : يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق بعد قوله: «ما سلككم» وهو سؤال المجرمين، قوله: ﴿يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين﴾ ، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ليس ببيانٍ للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ أي: أدخلكم في سقر، كما تقول: سَلكْتُ الخَيْط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركةِ من النار؟ فأجابوا: أن العذاب لأمور أربعة، ثم ذكروها وهي قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ .
قال الكلبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يسألُ الرجلُ من أهل الجنة الرجلَ من أهل النار باسمه فيقول له: يا فلانُ.
وفي قراءة عبد الله بن الزبير: يا فلان، ما سلككم في سقر؟ وهي قراءة على التفسير؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن. قاله ابن الأنباري.
وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟ .
قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب.
قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ ، هذا هو الدالُّ على فاعل «سلكنا كذا» الواقع جواباً لقول المؤمنين لهم: «ما سلككم» [والتقدير: سلكنا عَدمُ صلاتنا كذا وكذا.
قال أبو البقاء: هذه الجملة سدّت مسدّ الفاعل، وهو جواب: ما سلككم، وهو نظير «مناسككم» ، وقد تقدم في «البقرة» ]
فصل في تفسير الآية
قال القرطبي: معنى قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ أي: المؤمنين الذين يصلون ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين﴾ أي: لم نكن نتصدق.
قال ابن الخطيب: «وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، والزكاة؛ لأن ما ليس بواجب لا يجوز أن يعذَّبوا على تركه» .
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ ، أي: في الأباطيل.
وقال ابن زيد: ﴿نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ في أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قولهم - لعنهم الله -: إنه ساحر، كاهن، مجنون، شاعر كذبوا - والله - لم يكن فيه شيءٌ من ذلك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه.
وقيل: معناه: كنا أتباعاً ولم نكن متبوعين، وقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ أي: نكذّب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم.
﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾ أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: 99] .
وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟ .
فالجواب: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذِّبين بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ ؛ كقوله: [الطويل]
4973 - عَلَى لاَحِبٍ لا يُهتَدَى بِمنَارِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... .
في أحد وجهيه، أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعةً غير نافعة كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28] الآية.
وهذه الآية تدلُّ على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلُّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يشفع نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ قالوا: لم نك من المصلين، إلى قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ .
قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء الذين في جهنم.
المدثر 74:42
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنَّ «رَهِينَةٌ» بمعنى «رَهْنٍ» ك «الشَّتِيمة» بمعنى «الشَّتْم» .
قال الزمخشري: ليس كتأنيث «رهين» في قوله: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأن «فعيلاً» بمعنى «مفعول» يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنَّما هي اسم بمعنى «الرهن» كالشتيمة بمعنى «الشّتم» كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة: [الطويل]
4972 - أبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُويكِبٍ ... رَهِينَةِ رَمْسٍ ذي تُرابٍ وجَنْدلِ
كأنَّه قال: «رَهْنِ رَمْسٍ» .
الثاني: أن الهاء للمبالغة.
الثالث: أنَّ التأنيث لأجل اللفظ.
واختار أبو حيان: أنها بمعنى «مفعول» وأنها كالنَّطيحة، وقال: ويدل على ذلك أنَّه لما كان خبراً عن المذكر كان بغير هاء، وقال تعالى: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ فأنَّثَ حيث كان خبراً عن المذكر أتى بغير تاء، وحيث كان خبراً عن مؤنث أتى بالتاء كما في هذه الآية فأمَّا التي في البيت فأنَّثَ على معنى النَّفْسِ.
فصل في معنى رهينة
ومعنى «رهينة» أي: مُرتهَنَة بكسبها، مأخوذة بعملها، إمَّا خلَّصهَا وإمَّا أوبقها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه استثناء متصل إذا المراد بهم المسلمون الخالصون الصالحون، فإنَّهم فكُّوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يخلِّص الراهن رهنه بإيفاءِ الحق.
والثاني: أنَّه منقطع، إذا المراد به الأطفال والملائكة.
قال ابن عباس: المراد بهم الملائكة.
وقال عليُّ بن أبي طالب وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرْتهَنُوا.
وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم منا الحسنى، ونحوه عن ابن جريج قال: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة فإنَّهم لا يحاسبون.
وكذا قال مقاتل والكلبي أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يوم الميثاق حين قال الله تعالى لهم: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي» .
قال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم أدَّوا ما كان عليهم.
وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون.
وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان.
وقيل: هم الذين يُعطون كتبهم بأيمانهم.
وقال أبو جعفر الباقرُ: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ . يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جنات، وأن يكون حالاً من «أصحاب اليمين» ، وأن يكون حالاً من فاعل «يتساءلون» .
ذكرهما أبو البقاء. ويجوز أن يكون ظرفاً ل «يتساءلون» ، وهو أظهر من الحالية من فاعله.
و «يتساءلون» يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضاً، ويجوز أن يكون بمعنى «يسألون» أي يسألون غيرهم، نحو «دَعوْتُه وتَداعَيْتُه» .
قوله: ﴿عَنِ المجرمين﴾ فيه وجهان:
الأول: أن تكون كلمة «عن» صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، فيقولون لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ، فإنه يقال: سألته كذا، وسألته عن كذا.
الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين.
فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقولوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ .
فأجاب الزمخشري عنه فقال: «المرادُ من هذا أن المشركين يلقون ما جرى بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: مَا سلَكَكُمْ في سَقَرَ» .
وفيه وجه آخر وهو: أنَّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟ والإضمارات كثيرة في القرآن.
قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ : يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق بعد قوله: «ما سلككم» وهو سؤال المجرمين، قوله: ﴿يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين﴾ ، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ليس ببيانٍ للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ أي: أدخلكم في سقر، كما تقول: سَلكْتُ الخَيْط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركةِ من النار؟ فأجابوا: أن العذاب لأمور أربعة، ثم ذكروها وهي قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ .
قال الكلبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يسألُ الرجلُ من أهل الجنة الرجلَ من أهل النار باسمه فيقول له: يا فلانُ.
وفي قراءة عبد الله بن الزبير: يا فلان، ما سلككم في سقر؟ وهي قراءة على التفسير؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن. قاله ابن الأنباري.
وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟ .
قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب.
قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ ، هذا هو الدالُّ على فاعل «سلكنا كذا» الواقع جواباً لقول المؤمنين لهم: «ما سلككم» [والتقدير: سلكنا عَدمُ صلاتنا كذا وكذا.
قال أبو البقاء: هذه الجملة سدّت مسدّ الفاعل، وهو جواب: ما سلككم، وهو نظير «مناسككم» ، وقد تقدم في «البقرة» ]
فصل في تفسير الآية
قال القرطبي: معنى قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ أي: المؤمنين الذين يصلون ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين﴾ أي: لم نكن نتصدق.
قال ابن الخطيب: «وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، والزكاة؛ لأن ما ليس بواجب لا يجوز أن يعذَّبوا على تركه» .
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ ، أي: في الأباطيل.
وقال ابن زيد: ﴿نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ في أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قولهم - لعنهم الله -: إنه ساحر، كاهن، مجنون، شاعر كذبوا - والله - لم يكن فيه شيءٌ من ذلك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه.
وقيل: معناه: كنا أتباعاً ولم نكن متبوعين، وقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ أي: نكذّب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم.
﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾ أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: 99] .
وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟ .
فالجواب: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذِّبين بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ ؛ كقوله: [الطويل]
4973 - عَلَى لاَحِبٍ لا يُهتَدَى بِمنَارِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... .
في أحد وجهيه، أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعةً غير نافعة كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28] الآية.
وهذه الآية تدلُّ على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلُّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يشفع نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ قالوا: لم نك من المصلين، إلى قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ .
قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء الذين في جهنم.
المدثر 74:43
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنَّ «رَهِينَةٌ» بمعنى «رَهْنٍ» ك «الشَّتِيمة» بمعنى «الشَّتْم» .
قال الزمخشري: ليس كتأنيث «رهين» في قوله: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأن «فعيلاً» بمعنى «مفعول» يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنَّما هي اسم بمعنى «الرهن» كالشتيمة بمعنى «الشّتم» كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة: [الطويل]
4972 - أبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُويكِبٍ ... رَهِينَةِ رَمْسٍ ذي تُرابٍ وجَنْدلِ
كأنَّه قال: «رَهْنِ رَمْسٍ» .
الثاني: أن الهاء للمبالغة.
الثالث: أنَّ التأنيث لأجل اللفظ.
واختار أبو حيان: أنها بمعنى «مفعول» وأنها كالنَّطيحة، وقال: ويدل على ذلك أنَّه لما كان خبراً عن المذكر كان بغير هاء، وقال تعالى: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ فأنَّثَ حيث كان خبراً عن المذكر أتى بغير تاء، وحيث كان خبراً عن مؤنث أتى بالتاء كما في هذه الآية فأمَّا التي في البيت فأنَّثَ على معنى النَّفْسِ.
فصل في معنى رهينة
ومعنى «رهينة» أي: مُرتهَنَة بكسبها، مأخوذة بعملها، إمَّا خلَّصهَا وإمَّا أوبقها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه استثناء متصل إذا المراد بهم المسلمون الخالصون الصالحون، فإنَّهم فكُّوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يخلِّص الراهن رهنه بإيفاءِ الحق.
والثاني: أنَّه منقطع، إذا المراد به الأطفال والملائكة.
قال ابن عباس: المراد بهم الملائكة.
وقال عليُّ بن أبي طالب وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرْتهَنُوا.
وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم منا الحسنى، ونحوه عن ابن جريج قال: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة فإنَّهم لا يحاسبون.
وكذا قال مقاتل والكلبي أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يوم الميثاق حين قال الله تعالى لهم: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي» .
قال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم أدَّوا ما كان عليهم.
وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون.
وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان.
وقيل: هم الذين يُعطون كتبهم بأيمانهم.
وقال أبو جعفر الباقرُ: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ . يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جنات، وأن يكون حالاً من «أصحاب اليمين» ، وأن يكون حالاً من فاعل «يتساءلون» .
ذكرهما أبو البقاء. ويجوز أن يكون ظرفاً ل «يتساءلون» ، وهو أظهر من الحالية من فاعله.
و «يتساءلون» يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضاً، ويجوز أن يكون بمعنى «يسألون» أي يسألون غيرهم، نحو «دَعوْتُه وتَداعَيْتُه» .
قوله: ﴿عَنِ المجرمين﴾ فيه وجهان:
الأول: أن تكون كلمة «عن» صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، فيقولون لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ، فإنه يقال: سألته كذا، وسألته عن كذا.
الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين.
فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقولوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ .
فأجاب الزمخشري عنه فقال: «المرادُ من هذا أن المشركين يلقون ما جرى بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: مَا سلَكَكُمْ في سَقَرَ» .
وفيه وجه آخر وهو: أنَّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟ والإضمارات كثيرة في القرآن.
قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ : يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق بعد قوله: «ما سلككم» وهو سؤال المجرمين، قوله: ﴿يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين﴾ ، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ليس ببيانٍ للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ أي: أدخلكم في سقر، كما تقول: سَلكْتُ الخَيْط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركةِ من النار؟ فأجابوا: أن العذاب لأمور أربعة، ثم ذكروها وهي قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ .
قال الكلبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يسألُ الرجلُ من أهل الجنة الرجلَ من أهل النار باسمه فيقول له: يا فلانُ.
وفي قراءة عبد الله بن الزبير: يا فلان، ما سلككم في سقر؟ وهي قراءة على التفسير؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن. قاله ابن الأنباري.
وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟ .
قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب.
قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ ، هذا هو الدالُّ على فاعل «سلكنا كذا» الواقع جواباً لقول المؤمنين لهم: «ما سلككم» [والتقدير: سلكنا عَدمُ صلاتنا كذا وكذا.
قال أبو البقاء: هذه الجملة سدّت مسدّ الفاعل، وهو جواب: ما سلككم، وهو نظير «مناسككم» ، وقد تقدم في «البقرة» ]
فصل في تفسير الآية
قال القرطبي: معنى قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ أي: المؤمنين الذين يصلون ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين﴾ أي: لم نكن نتصدق.
قال ابن الخطيب: «وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، والزكاة؛ لأن ما ليس بواجب لا يجوز أن يعذَّبوا على تركه» .
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ ، أي: في الأباطيل.
وقال ابن زيد: ﴿نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ في أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قولهم - لعنهم الله -: إنه ساحر، كاهن، مجنون، شاعر كذبوا - والله - لم يكن فيه شيءٌ من ذلك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه.
وقيل: معناه: كنا أتباعاً ولم نكن متبوعين، وقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ أي: نكذّب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم.
﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾ أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: 99] .
وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟ .
فالجواب: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذِّبين بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ ؛ كقوله: [الطويل]
4973 - عَلَى لاَحِبٍ لا يُهتَدَى بِمنَارِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... .
في أحد وجهيه، أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعةً غير نافعة كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28] الآية.
وهذه الآية تدلُّ على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلُّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يشفع نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ قالوا: لم نك من المصلين، إلى قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ .
قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء الذين في جهنم.
المدثر 74:44
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنَّ «رَهِينَةٌ» بمعنى «رَهْنٍ» ك «الشَّتِيمة» بمعنى «الشَّتْم» .
قال الزمخشري: ليس كتأنيث «رهين» في قوله: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأن «فعيلاً» بمعنى «مفعول» يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنَّما هي اسم بمعنى «الرهن» كالشتيمة بمعنى «الشّتم» كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة: [الطويل]
4972 - أبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُويكِبٍ ... رَهِينَةِ رَمْسٍ ذي تُرابٍ وجَنْدلِ
كأنَّه قال: «رَهْنِ رَمْسٍ» .
الثاني: أن الهاء للمبالغة.
الثالث: أنَّ التأنيث لأجل اللفظ.
واختار أبو حيان: أنها بمعنى «مفعول» وأنها كالنَّطيحة، وقال: ويدل على ذلك أنَّه لما كان خبراً عن المذكر كان بغير هاء، وقال تعالى: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ فأنَّثَ حيث كان خبراً عن المذكر أتى بغير تاء، وحيث كان خبراً عن مؤنث أتى بالتاء كما في هذه الآية فأمَّا التي في البيت فأنَّثَ على معنى النَّفْسِ.
فصل في معنى رهينة
ومعنى «رهينة» أي: مُرتهَنَة بكسبها، مأخوذة بعملها، إمَّا خلَّصهَا وإمَّا أوبقها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه استثناء متصل إذا المراد بهم المسلمون الخالصون الصالحون، فإنَّهم فكُّوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يخلِّص الراهن رهنه بإيفاءِ الحق.
والثاني: أنَّه منقطع، إذا المراد به الأطفال والملائكة.
قال ابن عباس: المراد بهم الملائكة.
وقال عليُّ بن أبي طالب وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرْتهَنُوا.
وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم منا الحسنى، ونحوه عن ابن جريج قال: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة فإنَّهم لا يحاسبون.
وكذا قال مقاتل والكلبي أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يوم الميثاق حين قال الله تعالى لهم: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي» .
قال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم أدَّوا ما كان عليهم.
وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون.
وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان.
وقيل: هم الذين يُعطون كتبهم بأيمانهم.
وقال أبو جعفر الباقرُ: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ . يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جنات، وأن يكون حالاً من «أصحاب اليمين» ، وأن يكون حالاً من فاعل «يتساءلون» .
ذكرهما أبو البقاء. ويجوز أن يكون ظرفاً ل «يتساءلون» ، وهو أظهر من الحالية من فاعله.
و «يتساءلون» يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضاً، ويجوز أن يكون بمعنى «يسألون» أي يسألون غيرهم، نحو «دَعوْتُه وتَداعَيْتُه» .
قوله: ﴿عَنِ المجرمين﴾ فيه وجهان:
الأول: أن تكون كلمة «عن» صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، فيقولون لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ، فإنه يقال: سألته كذا، وسألته عن كذا.
الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين.
فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقولوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ .
فأجاب الزمخشري عنه فقال: «المرادُ من هذا أن المشركين يلقون ما جرى بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: مَا سلَكَكُمْ في سَقَرَ» .
وفيه وجه آخر وهو: أنَّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟ والإضمارات كثيرة في القرآن.
قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ : يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق بعد قوله: «ما سلككم» وهو سؤال المجرمين، قوله: ﴿يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين﴾ ، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ليس ببيانٍ للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ أي: أدخلكم في سقر، كما تقول: سَلكْتُ الخَيْط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركةِ من النار؟ فأجابوا: أن العذاب لأمور أربعة، ثم ذكروها وهي قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ .
قال الكلبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يسألُ الرجلُ من أهل الجنة الرجلَ من أهل النار باسمه فيقول له: يا فلانُ.
وفي قراءة عبد الله بن الزبير: يا فلان، ما سلككم في سقر؟ وهي قراءة على التفسير؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن. قاله ابن الأنباري.
وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟ .
قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب.
قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ ، هذا هو الدالُّ على فاعل «سلكنا كذا» الواقع جواباً لقول المؤمنين لهم: «ما سلككم» [والتقدير: سلكنا عَدمُ صلاتنا كذا وكذا.
قال أبو البقاء: هذه الجملة سدّت مسدّ الفاعل، وهو جواب: ما سلككم، وهو نظير «مناسككم» ، وقد تقدم في «البقرة» ]
فصل في تفسير الآية
قال القرطبي: معنى قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ أي: المؤمنين الذين يصلون ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين﴾ أي: لم نكن نتصدق.
قال ابن الخطيب: «وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، والزكاة؛ لأن ما ليس بواجب لا يجوز أن يعذَّبوا على تركه» .
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ ، أي: في الأباطيل.
وقال ابن زيد: ﴿نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ في أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قولهم - لعنهم الله -: إنه ساحر، كاهن، مجنون، شاعر كذبوا - والله - لم يكن فيه شيءٌ من ذلك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه.
وقيل: معناه: كنا أتباعاً ولم نكن متبوعين، وقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ أي: نكذّب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم.
﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾ أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: 99] .
وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟ .
فالجواب: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذِّبين بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ ؛ كقوله: [الطويل]
4973 - عَلَى لاَحِبٍ لا يُهتَدَى بِمنَارِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... .
في أحد وجهيه، أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعةً غير نافعة كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28] الآية.
وهذه الآية تدلُّ على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلُّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يشفع نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ قالوا: لم نك من المصلين، إلى قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ .
قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء الذين في جهنم.
المدثر 74:45
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنَّ «رَهِينَةٌ» بمعنى «رَهْنٍ» ك «الشَّتِيمة» بمعنى «الشَّتْم» .
قال الزمخشري: ليس كتأنيث «رهين» في قوله: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأن «فعيلاً» بمعنى «مفعول» يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنَّما هي اسم بمعنى «الرهن» كالشتيمة بمعنى «الشّتم» كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة: [الطويل]
4972 - أبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُويكِبٍ ... رَهِينَةِ رَمْسٍ ذي تُرابٍ وجَنْدلِ
كأنَّه قال: «رَهْنِ رَمْسٍ» .
الثاني: أن الهاء للمبالغة.
الثالث: أنَّ التأنيث لأجل اللفظ.
واختار أبو حيان: أنها بمعنى «مفعول» وأنها كالنَّطيحة، وقال: ويدل على ذلك أنَّه لما كان خبراً عن المذكر كان بغير هاء، وقال تعالى: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ فأنَّثَ حيث كان خبراً عن المذكر أتى بغير تاء، وحيث كان خبراً عن مؤنث أتى بالتاء كما في هذه الآية فأمَّا التي في البيت فأنَّثَ على معنى النَّفْسِ.
فصل في معنى رهينة
ومعنى «رهينة» أي: مُرتهَنَة بكسبها، مأخوذة بعملها، إمَّا خلَّصهَا وإمَّا أوبقها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه استثناء متصل إذا المراد بهم المسلمون الخالصون الصالحون، فإنَّهم فكُّوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يخلِّص الراهن رهنه بإيفاءِ الحق.
والثاني: أنَّه منقطع، إذا المراد به الأطفال والملائكة.
قال ابن عباس: المراد بهم الملائكة.
وقال عليُّ بن أبي طالب وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرْتهَنُوا.
وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم منا الحسنى، ونحوه عن ابن جريج قال: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة فإنَّهم لا يحاسبون.
وكذا قال مقاتل والكلبي أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يوم الميثاق حين قال الله تعالى لهم: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي» .
قال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم أدَّوا ما كان عليهم.
وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون.
وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان.
وقيل: هم الذين يُعطون كتبهم بأيمانهم.
وقال أبو جعفر الباقرُ: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ . يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جنات، وأن يكون حالاً من «أصحاب اليمين» ، وأن يكون حالاً من فاعل «يتساءلون» .
ذكرهما أبو البقاء. ويجوز أن يكون ظرفاً ل «يتساءلون» ، وهو أظهر من الحالية من فاعله.
و «يتساءلون» يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضاً، ويجوز أن يكون بمعنى «يسألون» أي يسألون غيرهم، نحو «دَعوْتُه وتَداعَيْتُه» .
قوله: ﴿عَنِ المجرمين﴾ فيه وجهان:
الأول: أن تكون كلمة «عن» صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، فيقولون لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ، فإنه يقال: سألته كذا، وسألته عن كذا.
الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين.
فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقولوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ .
فأجاب الزمخشري عنه فقال: «المرادُ من هذا أن المشركين يلقون ما جرى بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: مَا سلَكَكُمْ في سَقَرَ» .
وفيه وجه آخر وهو: أنَّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟ والإضمارات كثيرة في القرآن.
قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ : يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق بعد قوله: «ما سلككم» وهو سؤال المجرمين، قوله: ﴿يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين﴾ ، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ليس ببيانٍ للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ أي: أدخلكم في سقر، كما تقول: سَلكْتُ الخَيْط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركةِ من النار؟ فأجابوا: أن العذاب لأمور أربعة، ثم ذكروها وهي قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ .
قال الكلبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يسألُ الرجلُ من أهل الجنة الرجلَ من أهل النار باسمه فيقول له: يا فلانُ.
وفي قراءة عبد الله بن الزبير: يا فلان، ما سلككم في سقر؟ وهي قراءة على التفسير؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن. قاله ابن الأنباري.
وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟ .
قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب.
قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ ، هذا هو الدالُّ على فاعل «سلكنا كذا» الواقع جواباً لقول المؤمنين لهم: «ما سلككم» [والتقدير: سلكنا عَدمُ صلاتنا كذا وكذا.
قال أبو البقاء: هذه الجملة سدّت مسدّ الفاعل، وهو جواب: ما سلككم، وهو نظير «مناسككم» ، وقد تقدم في «البقرة» ]
فصل في تفسير الآية
قال القرطبي: معنى قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ أي: المؤمنين الذين يصلون ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين﴾ أي: لم نكن نتصدق.
قال ابن الخطيب: «وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، والزكاة؛ لأن ما ليس بواجب لا يجوز أن يعذَّبوا على تركه» .
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ ، أي: في الأباطيل.
وقال ابن زيد: ﴿نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ في أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قولهم - لعنهم الله -: إنه ساحر، كاهن، مجنون، شاعر كذبوا - والله - لم يكن فيه شيءٌ من ذلك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه.
وقيل: معناه: كنا أتباعاً ولم نكن متبوعين، وقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ أي: نكذّب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم.
﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾ أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: 99] .
وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟ .
فالجواب: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذِّبين بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ ؛ كقوله: [الطويل]
4973 - عَلَى لاَحِبٍ لا يُهتَدَى بِمنَارِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... .
في أحد وجهيه، أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعةً غير نافعة كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28] الآية.
وهذه الآية تدلُّ على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلُّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يشفع نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ قالوا: لم نك من المصلين، إلى قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ .
قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء الذين في جهنم.
المدثر 74:46
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنَّ «رَهِينَةٌ» بمعنى «رَهْنٍ» ك «الشَّتِيمة» بمعنى «الشَّتْم» .
قال الزمخشري: ليس كتأنيث «رهين» في قوله: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأن «فعيلاً» بمعنى «مفعول» يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنَّما هي اسم بمعنى «الرهن» كالشتيمة بمعنى «الشّتم» كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة: [الطويل]
4972 - أبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُويكِبٍ ... رَهِينَةِ رَمْسٍ ذي تُرابٍ وجَنْدلِ
كأنَّه قال: «رَهْنِ رَمْسٍ» .
الثاني: أن الهاء للمبالغة.
الثالث: أنَّ التأنيث لأجل اللفظ.
واختار أبو حيان: أنها بمعنى «مفعول» وأنها كالنَّطيحة، وقال: ويدل على ذلك أنَّه لما كان خبراً عن المذكر كان بغير هاء، وقال تعالى: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ فأنَّثَ حيث كان خبراً عن المذكر أتى بغير تاء، وحيث كان خبراً عن مؤنث أتى بالتاء كما في هذه الآية فأمَّا التي في البيت فأنَّثَ على معنى النَّفْسِ.
فصل في معنى رهينة
ومعنى «رهينة» أي: مُرتهَنَة بكسبها، مأخوذة بعملها، إمَّا خلَّصهَا وإمَّا أوبقها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه استثناء متصل إذا المراد بهم المسلمون الخالصون الصالحون، فإنَّهم فكُّوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يخلِّص الراهن رهنه بإيفاءِ الحق.
والثاني: أنَّه منقطع، إذا المراد به الأطفال والملائكة.
قال ابن عباس: المراد بهم الملائكة.
وقال عليُّ بن أبي طالب وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرْتهَنُوا.
وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم منا الحسنى، ونحوه عن ابن جريج قال: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة فإنَّهم لا يحاسبون.
وكذا قال مقاتل والكلبي أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يوم الميثاق حين قال الله تعالى لهم: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي» .
قال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم أدَّوا ما كان عليهم.
وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون.
وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان.
وقيل: هم الذين يُعطون كتبهم بأيمانهم.
وقال أبو جعفر الباقرُ: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ . يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جنات، وأن يكون حالاً من «أصحاب اليمين» ، وأن يكون حالاً من فاعل «يتساءلون» .
ذكرهما أبو البقاء. ويجوز أن يكون ظرفاً ل «يتساءلون» ، وهو أظهر من الحالية من فاعله.
و «يتساءلون» يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضاً، ويجوز أن يكون بمعنى «يسألون» أي يسألون غيرهم، نحو «دَعوْتُه وتَداعَيْتُه» .
قوله: ﴿عَنِ المجرمين﴾ فيه وجهان:
الأول: أن تكون كلمة «عن» صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، فيقولون لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ، فإنه يقال: سألته كذا، وسألته عن كذا.
الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين.
فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقولوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ .
فأجاب الزمخشري عنه فقال: «المرادُ من هذا أن المشركين يلقون ما جرى بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: مَا سلَكَكُمْ في سَقَرَ» .
وفيه وجه آخر وهو: أنَّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟ والإضمارات كثيرة في القرآن.
قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ : يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق بعد قوله: «ما سلككم» وهو سؤال المجرمين، قوله: ﴿يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين﴾ ، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ليس ببيانٍ للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ أي: أدخلكم في سقر، كما تقول: سَلكْتُ الخَيْط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركةِ من النار؟ فأجابوا: أن العذاب لأمور أربعة، ثم ذكروها وهي قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ .
قال الكلبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يسألُ الرجلُ من أهل الجنة الرجلَ من أهل النار باسمه فيقول له: يا فلانُ.
وفي قراءة عبد الله بن الزبير: يا فلان، ما سلككم في سقر؟ وهي قراءة على التفسير؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن. قاله ابن الأنباري.
وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟ .
قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب.
قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ ، هذا هو الدالُّ على فاعل «سلكنا كذا» الواقع جواباً لقول المؤمنين لهم: «ما سلككم» [والتقدير: سلكنا عَدمُ صلاتنا كذا وكذا.
قال أبو البقاء: هذه الجملة سدّت مسدّ الفاعل، وهو جواب: ما سلككم، وهو نظير «مناسككم» ، وقد تقدم في «البقرة» ]
فصل في تفسير الآية
قال القرطبي: معنى قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ أي: المؤمنين الذين يصلون ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين﴾ أي: لم نكن نتصدق.
قال ابن الخطيب: «وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، والزكاة؛ لأن ما ليس بواجب لا يجوز أن يعذَّبوا على تركه» .
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ ، أي: في الأباطيل.
وقال ابن زيد: ﴿نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ في أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قولهم - لعنهم الله -: إنه ساحر، كاهن، مجنون، شاعر كذبوا - والله - لم يكن فيه شيءٌ من ذلك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه.
وقيل: معناه: كنا أتباعاً ولم نكن متبوعين، وقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ أي: نكذّب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم.
﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾ أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: 99] .
وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟ .
فالجواب: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذِّبين بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ ؛ كقوله: [الطويل]
4973 - عَلَى لاَحِبٍ لا يُهتَدَى بِمنَارِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... .
في أحد وجهيه، أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعةً غير نافعة كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28] الآية.
وهذه الآية تدلُّ على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلُّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يشفع نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ قالوا: لم نك من المصلين، إلى قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ .
قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء الذين في جهنم.
المدثر 74:47
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنَّ «رَهِينَةٌ» بمعنى «رَهْنٍ» ك «الشَّتِيمة» بمعنى «الشَّتْم» .
قال الزمخشري: ليس كتأنيث «رهين» في قوله: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأن «فعيلاً» بمعنى «مفعول» يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنَّما هي اسم بمعنى «الرهن» كالشتيمة بمعنى «الشّتم» كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة: [الطويل]
4972 - أبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُويكِبٍ ... رَهِينَةِ رَمْسٍ ذي تُرابٍ وجَنْدلِ
كأنَّه قال: «رَهْنِ رَمْسٍ» .
الثاني: أن الهاء للمبالغة.
الثالث: أنَّ التأنيث لأجل اللفظ.
واختار أبو حيان: أنها بمعنى «مفعول» وأنها كالنَّطيحة، وقال: ويدل على ذلك أنَّه لما كان خبراً عن المذكر كان بغير هاء، وقال تعالى: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ فأنَّثَ حيث كان خبراً عن المذكر أتى بغير تاء، وحيث كان خبراً عن مؤنث أتى بالتاء كما في هذه الآية فأمَّا التي في البيت فأنَّثَ على معنى النَّفْسِ.
فصل في معنى رهينة
ومعنى «رهينة» أي: مُرتهَنَة بكسبها، مأخوذة بعملها، إمَّا خلَّصهَا وإمَّا أوبقها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه استثناء متصل إذا المراد بهم المسلمون الخالصون الصالحون، فإنَّهم فكُّوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يخلِّص الراهن رهنه بإيفاءِ الحق.
والثاني: أنَّه منقطع، إذا المراد به الأطفال والملائكة.
قال ابن عباس: المراد بهم الملائكة.
وقال عليُّ بن أبي طالب وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرْتهَنُوا.
وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم منا الحسنى، ونحوه عن ابن جريج قال: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة فإنَّهم لا يحاسبون.
وكذا قال مقاتل والكلبي أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يوم الميثاق حين قال الله تعالى لهم: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي» .
قال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم أدَّوا ما كان عليهم.
وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون.
وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان.
وقيل: هم الذين يُعطون كتبهم بأيمانهم.
وقال أبو جعفر الباقرُ: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ . يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جنات، وأن يكون حالاً من «أصحاب اليمين» ، وأن يكون حالاً من فاعل «يتساءلون» .
ذكرهما أبو البقاء. ويجوز أن يكون ظرفاً ل «يتساءلون» ، وهو أظهر من الحالية من فاعله.
و «يتساءلون» يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضاً، ويجوز أن يكون بمعنى «يسألون» أي يسألون غيرهم، نحو «دَعوْتُه وتَداعَيْتُه» .
قوله: ﴿عَنِ المجرمين﴾ فيه وجهان:
الأول: أن تكون كلمة «عن» صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، فيقولون لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ، فإنه يقال: سألته كذا، وسألته عن كذا.
الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين.
فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقولوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ .
فأجاب الزمخشري عنه فقال: «المرادُ من هذا أن المشركين يلقون ما جرى بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: مَا سلَكَكُمْ في سَقَرَ» .
وفيه وجه آخر وهو: أنَّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟ والإضمارات كثيرة في القرآن.
قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ : يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق بعد قوله: «ما سلككم» وهو سؤال المجرمين، قوله: ﴿يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين﴾ ، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ليس ببيانٍ للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ أي: أدخلكم في سقر، كما تقول: سَلكْتُ الخَيْط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركةِ من النار؟ فأجابوا: أن العذاب لأمور أربعة، ثم ذكروها وهي قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ .
قال الكلبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يسألُ الرجلُ من أهل الجنة الرجلَ من أهل النار باسمه فيقول له: يا فلانُ.
وفي قراءة عبد الله بن الزبير: يا فلان، ما سلككم في سقر؟ وهي قراءة على التفسير؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن. قاله ابن الأنباري.
وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟ .
قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب.
قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ ، هذا هو الدالُّ على فاعل «سلكنا كذا» الواقع جواباً لقول المؤمنين لهم: «ما سلككم» [والتقدير: سلكنا عَدمُ صلاتنا كذا وكذا.
قال أبو البقاء: هذه الجملة سدّت مسدّ الفاعل، وهو جواب: ما سلككم، وهو نظير «مناسككم» ، وقد تقدم في «البقرة» ]
فصل في تفسير الآية
قال القرطبي: معنى قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ أي: المؤمنين الذين يصلون ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين﴾ أي: لم نكن نتصدق.
قال ابن الخطيب: «وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، والزكاة؛ لأن ما ليس بواجب لا يجوز أن يعذَّبوا على تركه» .
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ ، أي: في الأباطيل.
وقال ابن زيد: ﴿نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ في أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قولهم - لعنهم الله -: إنه ساحر، كاهن، مجنون، شاعر كذبوا - والله - لم يكن فيه شيءٌ من ذلك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه.
وقيل: معناه: كنا أتباعاً ولم نكن متبوعين، وقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ أي: نكذّب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم.
﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾ أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: 99] .
وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟ .
فالجواب: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذِّبين بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ ؛ كقوله: [الطويل]
4973 - عَلَى لاَحِبٍ لا يُهتَدَى بِمنَارِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... .
في أحد وجهيه، أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعةً غير نافعة كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28] الآية.
وهذه الآية تدلُّ على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلُّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يشفع نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ قالوا: لم نك من المصلين، إلى قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ .
قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء الذين في جهنم.
المدثر 74:48
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنَّ «رَهِينَةٌ» بمعنى «رَهْنٍ» ك «الشَّتِيمة» بمعنى «الشَّتْم» .
قال الزمخشري: ليس كتأنيث «رهين» في قوله: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ﴾ [الطور: 21] لتأنيث النفس، لأنه لو قصدت الصفة لقيل: رهين؛ لأن «فعيلاً» بمعنى «مفعول» يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنَّما هي اسم بمعنى «الرهن» كالشتيمة بمعنى «الشّتم» كأنه قيل: كل نفس بما كسبت رهن، ومنه بيت الحماسة: [الطويل]
4972 - أبَعْدَ الذي بالنَّعْفِ نَعْفِ كُويكِبٍ ... رَهِينَةِ رَمْسٍ ذي تُرابٍ وجَنْدلِ
كأنَّه قال: «رَهْنِ رَمْسٍ» .
الثاني: أن الهاء للمبالغة.
الثالث: أنَّ التأنيث لأجل اللفظ.
واختار أبو حيان: أنها بمعنى «مفعول» وأنها كالنَّطيحة، وقال: ويدل على ذلك أنَّه لما كان خبراً عن المذكر كان بغير هاء، وقال تعالى: ﴿كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ فأنَّثَ حيث كان خبراً عن المذكر أتى بغير تاء، وحيث كان خبراً عن مؤنث أتى بالتاء كما في هذه الآية فأمَّا التي في البيت فأنَّثَ على معنى النَّفْسِ.
فصل في معنى رهينة
ومعنى «رهينة» أي: مُرتهَنَة بكسبها، مأخوذة بعملها، إمَّا خلَّصهَا وإمَّا أوبقها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ اليمين﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه استثناء متصل إذا المراد بهم المسلمون الخالصون الصالحون، فإنَّهم فكُّوا رقاب أنفسهم بأعمالهم الحسنة كما يخلِّص الراهن رهنه بإيفاءِ الحق.
والثاني: أنَّه منقطع، إذا المراد به الأطفال والملائكة.
قال ابن عباس: المراد بهم الملائكة.
وقال عليُّ بن أبي طالب وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - هم أولاد المسلمين لم يكتسبوا فيُرْتهَنُوا.
وقال الضحاك: هم الذين سبقت لهم منا الحسنى، ونحوه عن ابن جريج قال: كل نفس بعملها محاسبة إلا أصحاب اليمين، وهم أهل الجنة فإنَّهم لا يحاسبون.
وكذا قال مقاتل والكلبي أيضاً: هم أصحاب الجنة الذين كانوا عن يمين آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - يوم الميثاق حين قال الله تعالى لهم: «هؤلاء في الجنة ولا أبالي» .
قال الحسن وابن كيسان: هم المسلمون المخلصون ليسوا بمرتهنين، لأنهم أدَّوا ما كان عليهم.
وعن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: هم المسلمون.
وقيل: إلا أصحاب الحق وأهل الإيمان.
وقيل: هم الذين يُعطون كتبهم بأيمانهم.
وقال أبو جعفر الباقرُ: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين، وكل من أبغضنا أهل البيت فهم المرتهنون.
قوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ . يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: هم في جنات، وأن يكون حالاً من «أصحاب اليمين» ، وأن يكون حالاً من فاعل «يتساءلون» .
ذكرهما أبو البقاء. ويجوز أن يكون ظرفاً ل «يتساءلون» ، وهو أظهر من الحالية من فاعله.
و «يتساءلون» يجوز أن يكون على بابه، أي: يسأل بعضهم بعضاً، ويجوز أن يكون بمعنى «يسألون» أي يسألون غيرهم، نحو «دَعوْتُه وتَداعَيْتُه» .
قوله: ﴿عَنِ المجرمين﴾ فيه وجهان:
الأول: أن تكون كلمة «عن» صلة زائدة، والتقدير: يتساءلون المجرمين، فيقولون لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ، فإنه يقال: سألته كذا، وسألته عن كذا.
الثاني: أن يكون المعنى: أن أصحاب اليمين يسأل بعضهم بعضاً عن أحوال المجرمين.
فإن قيل: فعلى هذا يجب أن يقولوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ .
فأجاب الزمخشري عنه فقال: «المرادُ من هذا أن المشركين يلقون ما جرى بينهم وبين المؤمنين، فيقولون: قلنا لهم: مَا سلَكَكُمْ في سَقَرَ» .
وفيه وجه آخر وهو: أنَّ المراد أن أصحاب اليمين كانوا يتساءلون عن المجرمين أين هم؟ فلما رأوهم، قالوا لهم: ما سلككم في سقر؟ والإضمارات كثيرة في القرآن.
قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ : يجوز أن يكون على إضمار القول، وذلك في موضع الحال أي: يتساءلون عنهم قائلين لهم: ما سلككم؟ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف طابق بعد قوله: «ما سلككم» وهو سؤال المجرمين، قوله: ﴿يَتَسَآءَلُونَ عَنِ المجرمين﴾ ، وهو سؤال عنهم، وإنما كان يتطابق ذلك لو قيل: يتساءلون المجرمين: ما سلككم؟ .
قلت: قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ﴾ ليس ببيانٍ للتساؤل عنهم وإنما هو حكاية قول المسئولين عنهم؛ لأن المشركين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين، فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ أي: أدخلكم في سقر، كما تقول: سَلكْتُ الخَيْط في كذا إذا أدخلته فيه، والمقصود من هذا: زيادة التوبيخ والتخجيل، والمعنى: ما أدخلكم في هذه الدركةِ من النار؟ فأجابوا: أن العذاب لأمور أربعة، ثم ذكروها وهي قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ .
قال الكلبيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يسألُ الرجلُ من أهل الجنة الرجلَ من أهل النار باسمه فيقول له: يا فلانُ.
وفي قراءة عبد الله بن الزبير: يا فلان، ما سلككم في سقر؟ وهي قراءة على التفسير؛ لا أنها قرآن كما زعم من طعن في القرآن. قاله ابن الأنباري.
وقيل: إن المؤمنين يسألون الملائكة عن أقربائهم، فتسأل الملائكة المشركين، فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟ .
قال الفراء: في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان؛ لأنهم لا يعرفون الذنوب.
قوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ ، هذا هو الدالُّ على فاعل «سلكنا كذا» الواقع جواباً لقول المؤمنين لهم: «ما سلككم» [والتقدير: سلكنا عَدمُ صلاتنا كذا وكذا.
قال أبو البقاء: هذه الجملة سدّت مسدّ الفاعل، وهو جواب: ما سلككم، وهو نظير «مناسككم» ، وقد تقدم في «البقرة» ]
فصل في تفسير الآية
قال القرطبي: معنى قولهم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المصلين﴾ أي: المؤمنين الذين يصلون ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين﴾ أي: لم نكن نتصدق.
قال ابن الخطيب: «وهذان يجب أن يكونا محمولين على الصلاة الواجبة، والزكاة؛ لأن ما ليس بواجب لا يجوز أن يعذَّبوا على تركه» .
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ ، أي: في الأباطيل.
وقال ابن زيد: ﴿نَخُوضُ مَعَ الخآئضين﴾ في أمر محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قولهم - لعنهم الله -: إنه ساحر، كاهن، مجنون، شاعر كذبوا - والله - لم يكن فيه شيءٌ من ذلك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وقال قتادة: كلما غوى غاوٍ غوينا معه.
وقيل: معناه: كنا أتباعاً ولم نكن متبوعين، وقولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدين﴾ أي: نكذّب بيوم القيامة، يوم الجزاء والحكم.
﴿حتى أَتَانَا اليقين﴾ أي: جائنا الموت، قال الله تعالى: ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ [الحجر: 99] .
وهذه الآية تدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
فإن قيل: لم أخر التكذيب وهو أفحش تلك الخصال الأربع؟ .
فالجواب: أريد أنهم بعد اتصافهم بتلك الأمور الثلاثة كانوا مكذِّبين بيوم الدين، والغرض تعظيم هذا الذنب كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ ؛ كقوله: [الطويل]
4973 - عَلَى لاَحِبٍ لا يُهتَدَى بِمنَارِهِ..... ... ... ... ... ... ... ... .
في أحد وجهيه، أي: لا شفاعة لهم فلا انتفاع بها، وليس المراد أن ثمَّ شفاعةً غير نافعة كقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾ [الأنبياء: 28] الآية.
وهذه الآية تدلُّ على صحة الشفاعة للمذنبين من هذه الأمة بمفهومها؛ لأن تخصيص هؤلاء بأنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين يدلُّ على أن غيرهم تنفعهم شفاعة الشافعين.
قال عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: يشفع نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رابع أربعة: جبريل، ثم إبراهيم، ثم موسى، أو عيسى، ثم نبيكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم الملائكة، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم، فيقال لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ؟ قالوا: لم نك من المصلين، إلى قوله: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ .
قال عبد الله بن مسعود: فهؤلاء الذين في جهنم.
المدثر 74:49
قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ عن القرآن، أي: فما لأهل «مكة» قد أعرضوا وولَّوا.
قال مقاتل: معرضين عن القرآن من وجهين:
أحدهما: الجحود والإنكار.
والثاني: ترك العمل بما فيه.
وقيل: المراد بالتذكرة: العظة بالقرآن، وغيره من المواعظ.
و «مُعرِضيْنَ» حال من الضمير في الجار الواقع خبراً عن «ما» الاستفهامية، وقد تقدم أن مثل هذه الحال تسمى حالاً لازمة وقد تقدم بحث حسن.
و «عن التذكرة» متعلق به.
قال القرطبي: «وفي» اللام «معنى الفعل، فانتصاب الحال على معنى الفعل» .
قال ابن الخطيب: «هو كقولك: ما لك قائماً» .
قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ ، هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من الضمير في الجار، وتكون بدلاً من «معرضين» . قاله أبو البقاء. يعني: أنها كالمشتملة عليها، وأن تكون حالاً من الضمير في «معرضين» فيكون حالاً متداخلة.
وقرأ العامة: حُمُر - بضم الميم -، والأعمش: بإسكانها.
وقرأ نافع وابن عامر: «مُسْتَنْفَرَةٌ» - بفتح الفاء - على أنه اسم مفعول، أي: نفَّرها القنَّاص.
والباقون: بالكسر، بمعنى نافرة.
يقال: استنفر ونفر بمعنى نحو عجب واستعجب، وسخر واستسخر؛ قال الشاعر: [الكامل] .
4974 - إمْسِكْ حِماركَ إنَّهُ مُسْتنفِرٌ ... فِي إثرِ أحْمرةٍ عَمدْنَ لِغُرَّبِ وقال الزمخشري: «وكأنها تطلب النِّفار في نفوسها، في جمعها له وحملها عليه» .
فأبقى السِّين على بابها من الطلب، وهو معنى حسنٌ.
قال أبو علي الفارسي: «الكسر في» مستنفرة» أولى لقوله: «فرَّت» للتناسب، لأنه يدل على أنها استنفرت، ويدل على صحة ذلك ماروى محمد بن سلام قال: سألت أبا سوار الغنوي - وكان عربياً فصيحاً - فقلت: كأنهم حمرٌ ماذا؟ فقال: مستنفرة طردها قسورة، فقلت: إنما هي فرَّت من قسورة، فقال: أفرت؟ قلت: نعم، قال: فمستنفِرة إذاً» انتهى.
يعني: أنها مع قوله طرد، تناسب الفتح، لأنها اسم مفعول، فلما أخبر بأن التلاوة «فرّت من قسورة» رجع إلى الكسر للتناسب إلا أنَّ بمثلِ هذه الحكاية لا تردُّ القراءة المتواترة.
والقَسْورة: قيل: الصَّائد، أي: نفرت وهربت من قسورة، أي: من الصائد.
وقيل: الرُّماة يرمُونها.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له.
وقال بعض أهل اللغة: إن «القَسْوَرة» : الرامي، وجمعه: القساورة.
ولذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان: «القسورة» وهم الرماة والصيَّادون، ورواه عطاء عن ابن عباس وأبو ظبيان عن أبي موسى الأشعري، وأنشدوا للبيد بن ربيعة: [الطويل]
4975 - إذَا مَا هَتفْنَا هَتْفةً في نَديِّنَا ... أتَانَا الرِّجالُ العَائِدُون القَساوِرُ
وقيل: «القسورة» : الأسد. قاله أبو هريرة، وابن عباس أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال ابن عرفة: من القسْرِ بمعنى القهْرِ، أي: أنه يقهرُ السِّباع والحمر الوحشيَّة تهرب من السباع؛ ومنه قول الشاعر: [الرجز]
4876 - مُضمرٌ يَحْذَرُهُ الأبطَالُ ... كَأَنَّهُ القَسْوَرَةُ الرِّئبَالُ
أي: الأسد، إلا أن ابن عباس أنكره، وقال لا أعرف القسورة أسد في لغة أحد من العرب، وإنما القسورة: عصبُ الرجال؛ وأنشد: [الرجز] 4977 - يَا بِنْتُ كُونِي خَيرةً لِخيِّرهْ ... أخْوالُهَا الجِنُّ وأهْلُ القَسْوره
وقيل: القَسْورةُ: ظُلمَة الليل، قال ابن الأعرابي: وهو قول عكرمة.
وعن ابن عباس: ركز الناس؛ أي حسُّهم وأصواتهم.
وعنه أيضاً: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أي: من حبال الصيادين، وعنه أيضاً: القسورة بلسان «الحَبَشَةَ» الأسد، وخالفه عكرمة فقال: الأسد بلسان «الحبشة» : عَنْبَسة، وبلسان «الحبشة» : الرُّماة، وبلسان «فارس» : شير، وبلسان «النَّبْط» : أريا.
وقيل: هو أوَّل سواد الليل، ولا يقال لآخر سواد الليل: قسورة.
فصل في المراد بالحمر المستنفرة
قال ابن عباس: كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حمر مستنفرة، قال ابن عباس: أراد الحمر الوحشية.
قال الزمخشري: وفي تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله، ولا يرى مثلُ نفار حمر الوحش، واطرادها في العدوِ إذا خافت من شيء.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ ، أي: يُعطى كُتُباً مفتوحةً، وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد، لا نُؤمِنُ بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه: «من رب العالمين» ، إلى فلان ابن فلان، ونُؤمر فيه باتباعك، ونظيره: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: 93] .
وقال ابن عباس: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل واحدٍ منا صحيفةٌ فيها براءةٌ من النار.
وقال مطرٌ الوراق: أرادوا أن يعطوا بغير عمل.
وقال الكلبي: قال المشركون: بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوباً ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك.
قال ابن الخطيب: وهذا من الصُّحف المنشَّرة بمعزل.
وقيل المعنى: أن يذكر بذكرٍ جميلٍ، فجعلت الصُّحفُ موضعَ الذِّكر مجازاً، فقالوا: إذا كانت ذنوب الإنسان تُكتَب عليه فما بالنا لا نرى ذلك؟!
قوله: «مُنشَّرة» .
العامة: على التشديد، من «نشَّرهُ» بالتضعيف.
وابن جبير: «مُنْشرَةٌ» بالتخفيف، و «نشَّر، وأنشر» بمنزلة «نزّل وأنزَل» : والعامة أيضاً على ضمِّ الحاء من «صحُف» .
وابن جبير: على تسكينها.
قال أبو حيان: «والمحفوظ في الصحيفة والثوب:» نشَر «مخففاً ثلاثياً، وهذا مردود بالقرآن المتواتر» .
وقال أبو البقاء في قراءة ابن جبير: «من أنشرت، إما بمعنى أمر بنشرها مثل ألحمت عرض فلان، أو بمعنى منشورة، مثل: أحمدت الرجل، أو بمعنى: أنشر الله الميِّت أي: أحياه: فكأنه أحياها فيها بذكره» .
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ، أي: ليس يكون ذلك.
وقيل: حقّاً، والأول أجود، لأنه ردٌّ لقولهم. ثم قال: ﴿بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة﴾ أي: لا أعطيهم ما يتمنُّون لأنهم لا يخافون الآخرة فلذلك أعرضوا عن التأمُّل اغتراراً بالدنيا؛ فإنه لمَّا حصلت المعجزات الكثيرة في الدلالة على صحَّة النبوةِ فطلبُ الزيادة يكون عبثاً.
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ . أي: حقّاً أنَّ القرآن عظة.
وقيل: هذا ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ بليغة ﴿فمن شاء ذكره﴾ أي: اتعظ به، وجعله نصب عينه.
والضمير في «إنه، وذكره» للتذكرة في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ وإنما ذُكِّرا؛ لأنهما في معنى الذِّكر والقرآن.
وقيل: الضمير في «إنه» للقرآن أو الوعيد.
قوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ .
قرأ نافع: بالخطاب، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب والباقون: بالغيبة حملاً على ما تقدم من قوله: «كُل امرىءٍ» ولم يُؤثِرُوا الالتفات.
وقراءة الخطاب، وهي اختيار أبي حاتم لأنه أعم.
وأما قراءة الغيبة فهي اختبار أبي عبيد لقوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ﴾ واتفقواعلى تخفيفها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ ، بمعنى إلاَّ وقت مشيئته، لا أن ينوب عن الزمان، بل على حذف مضاف.
قالت المعتزلة: بل معناه: إلا أن يقدرهم الله - تعالى - على الذِّكر ويُهمَّهم إليه.
وأجيبوا: بأنه تعالى أبقى الذكر مطلقاً، واستثنى منه حال المشيئة المطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئةُ أن يحصلَ الذِّكرُ مطلقاً، فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصُلِ المشيئة وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهريَّة ترك للظاهر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ ، أي: حقيقٌ بأن يتَّقيه عبادُه ويخَافُوا عِقابه فيُؤمِنوا ويُطِيعُوا، وحقيقٌ بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا.
روى الترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ قال: قال الله تعالى: «أنَّا أهْلُ أنْ أُتَّقَى فَمَن اتَّقَى فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلهاً فَأنَا أهْل أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وقال بعض المفسرين: أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبائر، وأهل المغفرة أيضاً للذنوب الصغائر.
روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ ﴿يا أيها المدثر﴾ أعْطِيَ من الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ بعَددِ من صَدَّقَ بمُحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكذَّبه ب» مكة «» والله أعلم.
سورة القيامة
المدثر 74:50
قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ عن القرآن، أي: فما لأهل «مكة» قد أعرضوا وولَّوا.
قال مقاتل: معرضين عن القرآن من وجهين:
أحدهما: الجحود والإنكار.
والثاني: ترك العمل بما فيه.
وقيل: المراد بالتذكرة: العظة بالقرآن، وغيره من المواعظ.
و «مُعرِضيْنَ» حال من الضمير في الجار الواقع خبراً عن «ما» الاستفهامية، وقد تقدم أن مثل هذه الحال تسمى حالاً لازمة وقد تقدم بحث حسن.
و «عن التذكرة» متعلق به.
قال القرطبي: «وفي» اللام «معنى الفعل، فانتصاب الحال على معنى الفعل» .
قال ابن الخطيب: «هو كقولك: ما لك قائماً» .
قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ ، هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من الضمير في الجار، وتكون بدلاً من «معرضين» . قاله أبو البقاء. يعني: أنها كالمشتملة عليها، وأن تكون حالاً من الضمير في «معرضين» فيكون حالاً متداخلة.
وقرأ العامة: حُمُر - بضم الميم -، والأعمش: بإسكانها.
وقرأ نافع وابن عامر: «مُسْتَنْفَرَةٌ» - بفتح الفاء - على أنه اسم مفعول، أي: نفَّرها القنَّاص.
والباقون: بالكسر، بمعنى نافرة.
يقال: استنفر ونفر بمعنى نحو عجب واستعجب، وسخر واستسخر؛ قال الشاعر: [الكامل] .
4974 - إمْسِكْ حِماركَ إنَّهُ مُسْتنفِرٌ ... فِي إثرِ أحْمرةٍ عَمدْنَ لِغُرَّبِ وقال الزمخشري: «وكأنها تطلب النِّفار في نفوسها، في جمعها له وحملها عليه» .
فأبقى السِّين على بابها من الطلب، وهو معنى حسنٌ.
قال أبو علي الفارسي: «الكسر في» مستنفرة» أولى لقوله: «فرَّت» للتناسب، لأنه يدل على أنها استنفرت، ويدل على صحة ذلك ماروى محمد بن سلام قال: سألت أبا سوار الغنوي - وكان عربياً فصيحاً - فقلت: كأنهم حمرٌ ماذا؟ فقال: مستنفرة طردها قسورة، فقلت: إنما هي فرَّت من قسورة، فقال: أفرت؟ قلت: نعم، قال: فمستنفِرة إذاً» انتهى.
يعني: أنها مع قوله طرد، تناسب الفتح، لأنها اسم مفعول، فلما أخبر بأن التلاوة «فرّت من قسورة» رجع إلى الكسر للتناسب إلا أنَّ بمثلِ هذه الحكاية لا تردُّ القراءة المتواترة.
والقَسْورة: قيل: الصَّائد، أي: نفرت وهربت من قسورة، أي: من الصائد.
وقيل: الرُّماة يرمُونها.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له.
وقال بعض أهل اللغة: إن «القَسْوَرة» : الرامي، وجمعه: القساورة.
ولذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان: «القسورة» وهم الرماة والصيَّادون، ورواه عطاء عن ابن عباس وأبو ظبيان عن أبي موسى الأشعري، وأنشدوا للبيد بن ربيعة: [الطويل]
4975 - إذَا مَا هَتفْنَا هَتْفةً في نَديِّنَا ... أتَانَا الرِّجالُ العَائِدُون القَساوِرُ
وقيل: «القسورة» : الأسد. قاله أبو هريرة، وابن عباس أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال ابن عرفة: من القسْرِ بمعنى القهْرِ، أي: أنه يقهرُ السِّباع والحمر الوحشيَّة تهرب من السباع؛ ومنه قول الشاعر: [الرجز]
4876 - مُضمرٌ يَحْذَرُهُ الأبطَالُ ... كَأَنَّهُ القَسْوَرَةُ الرِّئبَالُ
أي: الأسد، إلا أن ابن عباس أنكره، وقال لا أعرف القسورة أسد في لغة أحد من العرب، وإنما القسورة: عصبُ الرجال؛ وأنشد: [الرجز] 4977 - يَا بِنْتُ كُونِي خَيرةً لِخيِّرهْ ... أخْوالُهَا الجِنُّ وأهْلُ القَسْوره
وقيل: القَسْورةُ: ظُلمَة الليل، قال ابن الأعرابي: وهو قول عكرمة.
وعن ابن عباس: ركز الناس؛ أي حسُّهم وأصواتهم.
وعنه أيضاً: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أي: من حبال الصيادين، وعنه أيضاً: القسورة بلسان «الحَبَشَةَ» الأسد، وخالفه عكرمة فقال: الأسد بلسان «الحبشة» : عَنْبَسة، وبلسان «الحبشة» : الرُّماة، وبلسان «فارس» : شير، وبلسان «النَّبْط» : أريا.
وقيل: هو أوَّل سواد الليل، ولا يقال لآخر سواد الليل: قسورة.
فصل في المراد بالحمر المستنفرة
قال ابن عباس: كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حمر مستنفرة، قال ابن عباس: أراد الحمر الوحشية.
قال الزمخشري: وفي تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله، ولا يرى مثلُ نفار حمر الوحش، واطرادها في العدوِ إذا خافت من شيء.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ ، أي: يُعطى كُتُباً مفتوحةً، وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد، لا نُؤمِنُ بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه: «من رب العالمين» ، إلى فلان ابن فلان، ونُؤمر فيه باتباعك، ونظيره: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: 93] .
وقال ابن عباس: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل واحدٍ منا صحيفةٌ فيها براءةٌ من النار.
وقال مطرٌ الوراق: أرادوا أن يعطوا بغير عمل.
وقال الكلبي: قال المشركون: بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوباً ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك.
قال ابن الخطيب: وهذا من الصُّحف المنشَّرة بمعزل.
وقيل المعنى: أن يذكر بذكرٍ جميلٍ، فجعلت الصُّحفُ موضعَ الذِّكر مجازاً، فقالوا: إذا كانت ذنوب الإنسان تُكتَب عليه فما بالنا لا نرى ذلك؟!
قوله: «مُنشَّرة» .
العامة: على التشديد، من «نشَّرهُ» بالتضعيف.
وابن جبير: «مُنْشرَةٌ» بالتخفيف، و «نشَّر، وأنشر» بمنزلة «نزّل وأنزَل» : والعامة أيضاً على ضمِّ الحاء من «صحُف» .
وابن جبير: على تسكينها.
قال أبو حيان: «والمحفوظ في الصحيفة والثوب:» نشَر «مخففاً ثلاثياً، وهذا مردود بالقرآن المتواتر» .
وقال أبو البقاء في قراءة ابن جبير: «من أنشرت، إما بمعنى أمر بنشرها مثل ألحمت عرض فلان، أو بمعنى منشورة، مثل: أحمدت الرجل، أو بمعنى: أنشر الله الميِّت أي: أحياه: فكأنه أحياها فيها بذكره» .
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ، أي: ليس يكون ذلك.
وقيل: حقّاً، والأول أجود، لأنه ردٌّ لقولهم. ثم قال: ﴿بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة﴾ أي: لا أعطيهم ما يتمنُّون لأنهم لا يخافون الآخرة فلذلك أعرضوا عن التأمُّل اغتراراً بالدنيا؛ فإنه لمَّا حصلت المعجزات الكثيرة في الدلالة على صحَّة النبوةِ فطلبُ الزيادة يكون عبثاً.
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ . أي: حقّاً أنَّ القرآن عظة.
وقيل: هذا ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ بليغة ﴿فمن شاء ذكره﴾ أي: اتعظ به، وجعله نصب عينه.
والضمير في «إنه، وذكره» للتذكرة في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ وإنما ذُكِّرا؛ لأنهما في معنى الذِّكر والقرآن.
وقيل: الضمير في «إنه» للقرآن أو الوعيد.
قوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ .
قرأ نافع: بالخطاب، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب والباقون: بالغيبة حملاً على ما تقدم من قوله: «كُل امرىءٍ» ولم يُؤثِرُوا الالتفات.
وقراءة الخطاب، وهي اختيار أبي حاتم لأنه أعم.
وأما قراءة الغيبة فهي اختبار أبي عبيد لقوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ﴾ واتفقواعلى تخفيفها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ ، بمعنى إلاَّ وقت مشيئته، لا أن ينوب عن الزمان، بل على حذف مضاف.
قالت المعتزلة: بل معناه: إلا أن يقدرهم الله - تعالى - على الذِّكر ويُهمَّهم إليه.
وأجيبوا: بأنه تعالى أبقى الذكر مطلقاً، واستثنى منه حال المشيئة المطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئةُ أن يحصلَ الذِّكرُ مطلقاً، فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصُلِ المشيئة وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهريَّة ترك للظاهر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ ، أي: حقيقٌ بأن يتَّقيه عبادُه ويخَافُوا عِقابه فيُؤمِنوا ويُطِيعُوا، وحقيقٌ بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا.
روى الترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ قال: قال الله تعالى: «أنَّا أهْلُ أنْ أُتَّقَى فَمَن اتَّقَى فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلهاً فَأنَا أهْل أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وقال بعض المفسرين: أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبائر، وأهل المغفرة أيضاً للذنوب الصغائر.
روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ ﴿يا أيها المدثر﴾ أعْطِيَ من الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ بعَددِ من صَدَّقَ بمُحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكذَّبه ب» مكة «» والله أعلم.
سورة القيامة
المدثر 74:51
قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ عن القرآن، أي: فما لأهل «مكة» قد أعرضوا وولَّوا.
قال مقاتل: معرضين عن القرآن من وجهين:
أحدهما: الجحود والإنكار.
والثاني: ترك العمل بما فيه.
وقيل: المراد بالتذكرة: العظة بالقرآن، وغيره من المواعظ.
و «مُعرِضيْنَ» حال من الضمير في الجار الواقع خبراً عن «ما» الاستفهامية، وقد تقدم أن مثل هذه الحال تسمى حالاً لازمة وقد تقدم بحث حسن.
و «عن التذكرة» متعلق به.
قال القرطبي: «وفي» اللام «معنى الفعل، فانتصاب الحال على معنى الفعل» .
قال ابن الخطيب: «هو كقولك: ما لك قائماً» .
قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ ، هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من الضمير في الجار، وتكون بدلاً من «معرضين» . قاله أبو البقاء. يعني: أنها كالمشتملة عليها، وأن تكون حالاً من الضمير في «معرضين» فيكون حالاً متداخلة.
وقرأ العامة: حُمُر - بضم الميم -، والأعمش: بإسكانها.
وقرأ نافع وابن عامر: «مُسْتَنْفَرَةٌ» - بفتح الفاء - على أنه اسم مفعول، أي: نفَّرها القنَّاص.
والباقون: بالكسر، بمعنى نافرة.
يقال: استنفر ونفر بمعنى نحو عجب واستعجب، وسخر واستسخر؛ قال الشاعر: [الكامل] .
4974 - إمْسِكْ حِماركَ إنَّهُ مُسْتنفِرٌ ... فِي إثرِ أحْمرةٍ عَمدْنَ لِغُرَّبِ وقال الزمخشري: «وكأنها تطلب النِّفار في نفوسها، في جمعها له وحملها عليه» .
فأبقى السِّين على بابها من الطلب، وهو معنى حسنٌ.
قال أبو علي الفارسي: «الكسر في» مستنفرة» أولى لقوله: «فرَّت» للتناسب، لأنه يدل على أنها استنفرت، ويدل على صحة ذلك ماروى محمد بن سلام قال: سألت أبا سوار الغنوي - وكان عربياً فصيحاً - فقلت: كأنهم حمرٌ ماذا؟ فقال: مستنفرة طردها قسورة، فقلت: إنما هي فرَّت من قسورة، فقال: أفرت؟ قلت: نعم، قال: فمستنفِرة إذاً» انتهى.
يعني: أنها مع قوله طرد، تناسب الفتح، لأنها اسم مفعول، فلما أخبر بأن التلاوة «فرّت من قسورة» رجع إلى الكسر للتناسب إلا أنَّ بمثلِ هذه الحكاية لا تردُّ القراءة المتواترة.
والقَسْورة: قيل: الصَّائد، أي: نفرت وهربت من قسورة، أي: من الصائد.
وقيل: الرُّماة يرمُونها.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له.
وقال بعض أهل اللغة: إن «القَسْوَرة» : الرامي، وجمعه: القساورة.
ولذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان: «القسورة» وهم الرماة والصيَّادون، ورواه عطاء عن ابن عباس وأبو ظبيان عن أبي موسى الأشعري، وأنشدوا للبيد بن ربيعة: [الطويل]
4975 - إذَا مَا هَتفْنَا هَتْفةً في نَديِّنَا ... أتَانَا الرِّجالُ العَائِدُون القَساوِرُ
وقيل: «القسورة» : الأسد. قاله أبو هريرة، وابن عباس أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال ابن عرفة: من القسْرِ بمعنى القهْرِ، أي: أنه يقهرُ السِّباع والحمر الوحشيَّة تهرب من السباع؛ ومنه قول الشاعر: [الرجز]
4876 - مُضمرٌ يَحْذَرُهُ الأبطَالُ ... كَأَنَّهُ القَسْوَرَةُ الرِّئبَالُ
أي: الأسد، إلا أن ابن عباس أنكره، وقال لا أعرف القسورة أسد في لغة أحد من العرب، وإنما القسورة: عصبُ الرجال؛ وأنشد: [الرجز] 4977 - يَا بِنْتُ كُونِي خَيرةً لِخيِّرهْ ... أخْوالُهَا الجِنُّ وأهْلُ القَسْوره
وقيل: القَسْورةُ: ظُلمَة الليل، قال ابن الأعرابي: وهو قول عكرمة.
وعن ابن عباس: ركز الناس؛ أي حسُّهم وأصواتهم.
وعنه أيضاً: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أي: من حبال الصيادين، وعنه أيضاً: القسورة بلسان «الحَبَشَةَ» الأسد، وخالفه عكرمة فقال: الأسد بلسان «الحبشة» : عَنْبَسة، وبلسان «الحبشة» : الرُّماة، وبلسان «فارس» : شير، وبلسان «النَّبْط» : أريا.
وقيل: هو أوَّل سواد الليل، ولا يقال لآخر سواد الليل: قسورة.
فصل في المراد بالحمر المستنفرة
قال ابن عباس: كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حمر مستنفرة، قال ابن عباس: أراد الحمر الوحشية.
قال الزمخشري: وفي تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله، ولا يرى مثلُ نفار حمر الوحش، واطرادها في العدوِ إذا خافت من شيء.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ ، أي: يُعطى كُتُباً مفتوحةً، وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد، لا نُؤمِنُ بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه: «من رب العالمين» ، إلى فلان ابن فلان، ونُؤمر فيه باتباعك، ونظيره: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: 93] .
وقال ابن عباس: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل واحدٍ منا صحيفةٌ فيها براءةٌ من النار.
وقال مطرٌ الوراق: أرادوا أن يعطوا بغير عمل.
وقال الكلبي: قال المشركون: بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوباً ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك.
قال ابن الخطيب: وهذا من الصُّحف المنشَّرة بمعزل.
وقيل المعنى: أن يذكر بذكرٍ جميلٍ، فجعلت الصُّحفُ موضعَ الذِّكر مجازاً، فقالوا: إذا كانت ذنوب الإنسان تُكتَب عليه فما بالنا لا نرى ذلك؟!
قوله: «مُنشَّرة» .
العامة: على التشديد، من «نشَّرهُ» بالتضعيف.
وابن جبير: «مُنْشرَةٌ» بالتخفيف، و «نشَّر، وأنشر» بمنزلة «نزّل وأنزَل» : والعامة أيضاً على ضمِّ الحاء من «صحُف» .
وابن جبير: على تسكينها.
قال أبو حيان: «والمحفوظ في الصحيفة والثوب:» نشَر «مخففاً ثلاثياً، وهذا مردود بالقرآن المتواتر» .
وقال أبو البقاء في قراءة ابن جبير: «من أنشرت، إما بمعنى أمر بنشرها مثل ألحمت عرض فلان، أو بمعنى منشورة، مثل: أحمدت الرجل، أو بمعنى: أنشر الله الميِّت أي: أحياه: فكأنه أحياها فيها بذكره» .
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ، أي: ليس يكون ذلك.
وقيل: حقّاً، والأول أجود، لأنه ردٌّ لقولهم. ثم قال: ﴿بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة﴾ أي: لا أعطيهم ما يتمنُّون لأنهم لا يخافون الآخرة فلذلك أعرضوا عن التأمُّل اغتراراً بالدنيا؛ فإنه لمَّا حصلت المعجزات الكثيرة في الدلالة على صحَّة النبوةِ فطلبُ الزيادة يكون عبثاً.
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ . أي: حقّاً أنَّ القرآن عظة.
وقيل: هذا ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ بليغة ﴿فمن شاء ذكره﴾ أي: اتعظ به، وجعله نصب عينه.
والضمير في «إنه، وذكره» للتذكرة في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ وإنما ذُكِّرا؛ لأنهما في معنى الذِّكر والقرآن.
وقيل: الضمير في «إنه» للقرآن أو الوعيد.
قوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ .
قرأ نافع: بالخطاب، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب والباقون: بالغيبة حملاً على ما تقدم من قوله: «كُل امرىءٍ» ولم يُؤثِرُوا الالتفات.
وقراءة الخطاب، وهي اختيار أبي حاتم لأنه أعم.
وأما قراءة الغيبة فهي اختبار أبي عبيد لقوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ﴾ واتفقواعلى تخفيفها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ ، بمعنى إلاَّ وقت مشيئته، لا أن ينوب عن الزمان، بل على حذف مضاف.
قالت المعتزلة: بل معناه: إلا أن يقدرهم الله - تعالى - على الذِّكر ويُهمَّهم إليه.
وأجيبوا: بأنه تعالى أبقى الذكر مطلقاً، واستثنى منه حال المشيئة المطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئةُ أن يحصلَ الذِّكرُ مطلقاً، فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصُلِ المشيئة وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهريَّة ترك للظاهر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ ، أي: حقيقٌ بأن يتَّقيه عبادُه ويخَافُوا عِقابه فيُؤمِنوا ويُطِيعُوا، وحقيقٌ بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا.
روى الترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ قال: قال الله تعالى: «أنَّا أهْلُ أنْ أُتَّقَى فَمَن اتَّقَى فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلهاً فَأنَا أهْل أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وقال بعض المفسرين: أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبائر، وأهل المغفرة أيضاً للذنوب الصغائر.
روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ ﴿يا أيها المدثر﴾ أعْطِيَ من الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ بعَددِ من صَدَّقَ بمُحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكذَّبه ب» مكة «» والله أعلم.
سورة القيامة
المدثر 74:52
قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ عن القرآن، أي: فما لأهل «مكة» قد أعرضوا وولَّوا.
قال مقاتل: معرضين عن القرآن من وجهين:
أحدهما: الجحود والإنكار.
والثاني: ترك العمل بما فيه.
وقيل: المراد بالتذكرة: العظة بالقرآن، وغيره من المواعظ.
و «مُعرِضيْنَ» حال من الضمير في الجار الواقع خبراً عن «ما» الاستفهامية، وقد تقدم أن مثل هذه الحال تسمى حالاً لازمة وقد تقدم بحث حسن.
و «عن التذكرة» متعلق به.
قال القرطبي: «وفي» اللام «معنى الفعل، فانتصاب الحال على معنى الفعل» .
قال ابن الخطيب: «هو كقولك: ما لك قائماً» .
قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ ، هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من الضمير في الجار، وتكون بدلاً من «معرضين» . قاله أبو البقاء. يعني: أنها كالمشتملة عليها، وأن تكون حالاً من الضمير في «معرضين» فيكون حالاً متداخلة.
وقرأ العامة: حُمُر - بضم الميم -، والأعمش: بإسكانها.
وقرأ نافع وابن عامر: «مُسْتَنْفَرَةٌ» - بفتح الفاء - على أنه اسم مفعول، أي: نفَّرها القنَّاص.
والباقون: بالكسر، بمعنى نافرة.
يقال: استنفر ونفر بمعنى نحو عجب واستعجب، وسخر واستسخر؛ قال الشاعر: [الكامل] .
4974 - إمْسِكْ حِماركَ إنَّهُ مُسْتنفِرٌ ... فِي إثرِ أحْمرةٍ عَمدْنَ لِغُرَّبِ وقال الزمخشري: «وكأنها تطلب النِّفار في نفوسها، في جمعها له وحملها عليه» .
فأبقى السِّين على بابها من الطلب، وهو معنى حسنٌ.
قال أبو علي الفارسي: «الكسر في» مستنفرة» أولى لقوله: «فرَّت» للتناسب، لأنه يدل على أنها استنفرت، ويدل على صحة ذلك ماروى محمد بن سلام قال: سألت أبا سوار الغنوي - وكان عربياً فصيحاً - فقلت: كأنهم حمرٌ ماذا؟ فقال: مستنفرة طردها قسورة، فقلت: إنما هي فرَّت من قسورة، فقال: أفرت؟ قلت: نعم، قال: فمستنفِرة إذاً» انتهى.
يعني: أنها مع قوله طرد، تناسب الفتح، لأنها اسم مفعول، فلما أخبر بأن التلاوة «فرّت من قسورة» رجع إلى الكسر للتناسب إلا أنَّ بمثلِ هذه الحكاية لا تردُّ القراءة المتواترة.
والقَسْورة: قيل: الصَّائد، أي: نفرت وهربت من قسورة، أي: من الصائد.
وقيل: الرُّماة يرمُونها.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له.
وقال بعض أهل اللغة: إن «القَسْوَرة» : الرامي، وجمعه: القساورة.
ولذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان: «القسورة» وهم الرماة والصيَّادون، ورواه عطاء عن ابن عباس وأبو ظبيان عن أبي موسى الأشعري، وأنشدوا للبيد بن ربيعة: [الطويل]
4975 - إذَا مَا هَتفْنَا هَتْفةً في نَديِّنَا ... أتَانَا الرِّجالُ العَائِدُون القَساوِرُ
وقيل: «القسورة» : الأسد. قاله أبو هريرة، وابن عباس أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال ابن عرفة: من القسْرِ بمعنى القهْرِ، أي: أنه يقهرُ السِّباع والحمر الوحشيَّة تهرب من السباع؛ ومنه قول الشاعر: [الرجز]
4876 - مُضمرٌ يَحْذَرُهُ الأبطَالُ ... كَأَنَّهُ القَسْوَرَةُ الرِّئبَالُ
أي: الأسد، إلا أن ابن عباس أنكره، وقال لا أعرف القسورة أسد في لغة أحد من العرب، وإنما القسورة: عصبُ الرجال؛ وأنشد: [الرجز] 4977 - يَا بِنْتُ كُونِي خَيرةً لِخيِّرهْ ... أخْوالُهَا الجِنُّ وأهْلُ القَسْوره
وقيل: القَسْورةُ: ظُلمَة الليل، قال ابن الأعرابي: وهو قول عكرمة.
وعن ابن عباس: ركز الناس؛ أي حسُّهم وأصواتهم.
وعنه أيضاً: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أي: من حبال الصيادين، وعنه أيضاً: القسورة بلسان «الحَبَشَةَ» الأسد، وخالفه عكرمة فقال: الأسد بلسان «الحبشة» : عَنْبَسة، وبلسان «الحبشة» : الرُّماة، وبلسان «فارس» : شير، وبلسان «النَّبْط» : أريا.
وقيل: هو أوَّل سواد الليل، ولا يقال لآخر سواد الليل: قسورة.
فصل في المراد بالحمر المستنفرة
قال ابن عباس: كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حمر مستنفرة، قال ابن عباس: أراد الحمر الوحشية.
قال الزمخشري: وفي تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله، ولا يرى مثلُ نفار حمر الوحش، واطرادها في العدوِ إذا خافت من شيء.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ ، أي: يُعطى كُتُباً مفتوحةً، وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد، لا نُؤمِنُ بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه: «من رب العالمين» ، إلى فلان ابن فلان، ونُؤمر فيه باتباعك، ونظيره: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: 93] .
وقال ابن عباس: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل واحدٍ منا صحيفةٌ فيها براءةٌ من النار.
وقال مطرٌ الوراق: أرادوا أن يعطوا بغير عمل.
وقال الكلبي: قال المشركون: بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوباً ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك.
قال ابن الخطيب: وهذا من الصُّحف المنشَّرة بمعزل.
وقيل المعنى: أن يذكر بذكرٍ جميلٍ، فجعلت الصُّحفُ موضعَ الذِّكر مجازاً، فقالوا: إذا كانت ذنوب الإنسان تُكتَب عليه فما بالنا لا نرى ذلك؟!
قوله: «مُنشَّرة» .
العامة: على التشديد، من «نشَّرهُ» بالتضعيف.
وابن جبير: «مُنْشرَةٌ» بالتخفيف، و «نشَّر، وأنشر» بمنزلة «نزّل وأنزَل» : والعامة أيضاً على ضمِّ الحاء من «صحُف» .
وابن جبير: على تسكينها.
قال أبو حيان: «والمحفوظ في الصحيفة والثوب:» نشَر «مخففاً ثلاثياً، وهذا مردود بالقرآن المتواتر» .
وقال أبو البقاء في قراءة ابن جبير: «من أنشرت، إما بمعنى أمر بنشرها مثل ألحمت عرض فلان، أو بمعنى منشورة، مثل: أحمدت الرجل، أو بمعنى: أنشر الله الميِّت أي: أحياه: فكأنه أحياها فيها بذكره» .
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ، أي: ليس يكون ذلك.
وقيل: حقّاً، والأول أجود، لأنه ردٌّ لقولهم. ثم قال: ﴿بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة﴾ أي: لا أعطيهم ما يتمنُّون لأنهم لا يخافون الآخرة فلذلك أعرضوا عن التأمُّل اغتراراً بالدنيا؛ فإنه لمَّا حصلت المعجزات الكثيرة في الدلالة على صحَّة النبوةِ فطلبُ الزيادة يكون عبثاً.
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ . أي: حقّاً أنَّ القرآن عظة.
وقيل: هذا ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ بليغة ﴿فمن شاء ذكره﴾ أي: اتعظ به، وجعله نصب عينه.
والضمير في «إنه، وذكره» للتذكرة في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ وإنما ذُكِّرا؛ لأنهما في معنى الذِّكر والقرآن.
وقيل: الضمير في «إنه» للقرآن أو الوعيد.
قوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ .
قرأ نافع: بالخطاب، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب والباقون: بالغيبة حملاً على ما تقدم من قوله: «كُل امرىءٍ» ولم يُؤثِرُوا الالتفات.
وقراءة الخطاب، وهي اختيار أبي حاتم لأنه أعم.
وأما قراءة الغيبة فهي اختبار أبي عبيد لقوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ﴾ واتفقواعلى تخفيفها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ ، بمعنى إلاَّ وقت مشيئته، لا أن ينوب عن الزمان، بل على حذف مضاف.
قالت المعتزلة: بل معناه: إلا أن يقدرهم الله - تعالى - على الذِّكر ويُهمَّهم إليه.
وأجيبوا: بأنه تعالى أبقى الذكر مطلقاً، واستثنى منه حال المشيئة المطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئةُ أن يحصلَ الذِّكرُ مطلقاً، فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصُلِ المشيئة وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهريَّة ترك للظاهر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ ، أي: حقيقٌ بأن يتَّقيه عبادُه ويخَافُوا عِقابه فيُؤمِنوا ويُطِيعُوا، وحقيقٌ بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا.
روى الترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ قال: قال الله تعالى: «أنَّا أهْلُ أنْ أُتَّقَى فَمَن اتَّقَى فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلهاً فَأنَا أهْل أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وقال بعض المفسرين: أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبائر، وأهل المغفرة أيضاً للذنوب الصغائر.
روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ ﴿يا أيها المدثر﴾ أعْطِيَ من الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ بعَددِ من صَدَّقَ بمُحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكذَّبه ب» مكة «» والله أعلم.
سورة القيامة
المدثر 74:53
قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ عن القرآن، أي: فما لأهل «مكة» قد أعرضوا وولَّوا.
قال مقاتل: معرضين عن القرآن من وجهين:
أحدهما: الجحود والإنكار.
والثاني: ترك العمل بما فيه.
وقيل: المراد بالتذكرة: العظة بالقرآن، وغيره من المواعظ.
و «مُعرِضيْنَ» حال من الضمير في الجار الواقع خبراً عن «ما» الاستفهامية، وقد تقدم أن مثل هذه الحال تسمى حالاً لازمة وقد تقدم بحث حسن.
و «عن التذكرة» متعلق به.
قال القرطبي: «وفي» اللام «معنى الفعل، فانتصاب الحال على معنى الفعل» .
قال ابن الخطيب: «هو كقولك: ما لك قائماً» .
قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ ، هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من الضمير في الجار، وتكون بدلاً من «معرضين» . قاله أبو البقاء. يعني: أنها كالمشتملة عليها، وأن تكون حالاً من الضمير في «معرضين» فيكون حالاً متداخلة.
وقرأ العامة: حُمُر - بضم الميم -، والأعمش: بإسكانها.
وقرأ نافع وابن عامر: «مُسْتَنْفَرَةٌ» - بفتح الفاء - على أنه اسم مفعول، أي: نفَّرها القنَّاص.
والباقون: بالكسر، بمعنى نافرة.
يقال: استنفر ونفر بمعنى نحو عجب واستعجب، وسخر واستسخر؛ قال الشاعر: [الكامل] .
4974 - إمْسِكْ حِماركَ إنَّهُ مُسْتنفِرٌ ... فِي إثرِ أحْمرةٍ عَمدْنَ لِغُرَّبِ وقال الزمخشري: «وكأنها تطلب النِّفار في نفوسها، في جمعها له وحملها عليه» .
فأبقى السِّين على بابها من الطلب، وهو معنى حسنٌ.
قال أبو علي الفارسي: «الكسر في» مستنفرة» أولى لقوله: «فرَّت» للتناسب، لأنه يدل على أنها استنفرت، ويدل على صحة ذلك ماروى محمد بن سلام قال: سألت أبا سوار الغنوي - وكان عربياً فصيحاً - فقلت: كأنهم حمرٌ ماذا؟ فقال: مستنفرة طردها قسورة، فقلت: إنما هي فرَّت من قسورة، فقال: أفرت؟ قلت: نعم، قال: فمستنفِرة إذاً» انتهى.
يعني: أنها مع قوله طرد، تناسب الفتح، لأنها اسم مفعول، فلما أخبر بأن التلاوة «فرّت من قسورة» رجع إلى الكسر للتناسب إلا أنَّ بمثلِ هذه الحكاية لا تردُّ القراءة المتواترة.
والقَسْورة: قيل: الصَّائد، أي: نفرت وهربت من قسورة، أي: من الصائد.
وقيل: الرُّماة يرمُونها.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له.
وقال بعض أهل اللغة: إن «القَسْوَرة» : الرامي، وجمعه: القساورة.
ولذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان: «القسورة» وهم الرماة والصيَّادون، ورواه عطاء عن ابن عباس وأبو ظبيان عن أبي موسى الأشعري، وأنشدوا للبيد بن ربيعة: [الطويل]
4975 - إذَا مَا هَتفْنَا هَتْفةً في نَديِّنَا ... أتَانَا الرِّجالُ العَائِدُون القَساوِرُ
وقيل: «القسورة» : الأسد. قاله أبو هريرة، وابن عباس أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال ابن عرفة: من القسْرِ بمعنى القهْرِ، أي: أنه يقهرُ السِّباع والحمر الوحشيَّة تهرب من السباع؛ ومنه قول الشاعر: [الرجز]
4876 - مُضمرٌ يَحْذَرُهُ الأبطَالُ ... كَأَنَّهُ القَسْوَرَةُ الرِّئبَالُ
أي: الأسد، إلا أن ابن عباس أنكره، وقال لا أعرف القسورة أسد في لغة أحد من العرب، وإنما القسورة: عصبُ الرجال؛ وأنشد: [الرجز] 4977 - يَا بِنْتُ كُونِي خَيرةً لِخيِّرهْ ... أخْوالُهَا الجِنُّ وأهْلُ القَسْوره
وقيل: القَسْورةُ: ظُلمَة الليل، قال ابن الأعرابي: وهو قول عكرمة.
وعن ابن عباس: ركز الناس؛ أي حسُّهم وأصواتهم.
وعنه أيضاً: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أي: من حبال الصيادين، وعنه أيضاً: القسورة بلسان «الحَبَشَةَ» الأسد، وخالفه عكرمة فقال: الأسد بلسان «الحبشة» : عَنْبَسة، وبلسان «الحبشة» : الرُّماة، وبلسان «فارس» : شير، وبلسان «النَّبْط» : أريا.
وقيل: هو أوَّل سواد الليل، ولا يقال لآخر سواد الليل: قسورة.
فصل في المراد بالحمر المستنفرة
قال ابن عباس: كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حمر مستنفرة، قال ابن عباس: أراد الحمر الوحشية.
قال الزمخشري: وفي تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله، ولا يرى مثلُ نفار حمر الوحش، واطرادها في العدوِ إذا خافت من شيء.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ ، أي: يُعطى كُتُباً مفتوحةً، وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد، لا نُؤمِنُ بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه: «من رب العالمين» ، إلى فلان ابن فلان، ونُؤمر فيه باتباعك، ونظيره: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: 93] .
وقال ابن عباس: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل واحدٍ منا صحيفةٌ فيها براءةٌ من النار.
وقال مطرٌ الوراق: أرادوا أن يعطوا بغير عمل.
وقال الكلبي: قال المشركون: بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوباً ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك.
قال ابن الخطيب: وهذا من الصُّحف المنشَّرة بمعزل.
وقيل المعنى: أن يذكر بذكرٍ جميلٍ، فجعلت الصُّحفُ موضعَ الذِّكر مجازاً، فقالوا: إذا كانت ذنوب الإنسان تُكتَب عليه فما بالنا لا نرى ذلك؟!
قوله: «مُنشَّرة» .
العامة: على التشديد، من «نشَّرهُ» بالتضعيف.
وابن جبير: «مُنْشرَةٌ» بالتخفيف، و «نشَّر، وأنشر» بمنزلة «نزّل وأنزَل» : والعامة أيضاً على ضمِّ الحاء من «صحُف» .
وابن جبير: على تسكينها.
قال أبو حيان: «والمحفوظ في الصحيفة والثوب:» نشَر «مخففاً ثلاثياً، وهذا مردود بالقرآن المتواتر» .
وقال أبو البقاء في قراءة ابن جبير: «من أنشرت، إما بمعنى أمر بنشرها مثل ألحمت عرض فلان، أو بمعنى منشورة، مثل: أحمدت الرجل، أو بمعنى: أنشر الله الميِّت أي: أحياه: فكأنه أحياها فيها بذكره» .
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ، أي: ليس يكون ذلك.
وقيل: حقّاً، والأول أجود، لأنه ردٌّ لقولهم. ثم قال: ﴿بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة﴾ أي: لا أعطيهم ما يتمنُّون لأنهم لا يخافون الآخرة فلذلك أعرضوا عن التأمُّل اغتراراً بالدنيا؛ فإنه لمَّا حصلت المعجزات الكثيرة في الدلالة على صحَّة النبوةِ فطلبُ الزيادة يكون عبثاً.
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ . أي: حقّاً أنَّ القرآن عظة.
وقيل: هذا ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ بليغة ﴿فمن شاء ذكره﴾ أي: اتعظ به، وجعله نصب عينه.
والضمير في «إنه، وذكره» للتذكرة في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ وإنما ذُكِّرا؛ لأنهما في معنى الذِّكر والقرآن.
وقيل: الضمير في «إنه» للقرآن أو الوعيد.
قوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ .
قرأ نافع: بالخطاب، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب والباقون: بالغيبة حملاً على ما تقدم من قوله: «كُل امرىءٍ» ولم يُؤثِرُوا الالتفات.
وقراءة الخطاب، وهي اختيار أبي حاتم لأنه أعم.
وأما قراءة الغيبة فهي اختبار أبي عبيد لقوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ﴾ واتفقواعلى تخفيفها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ ، بمعنى إلاَّ وقت مشيئته، لا أن ينوب عن الزمان، بل على حذف مضاف.
قالت المعتزلة: بل معناه: إلا أن يقدرهم الله - تعالى - على الذِّكر ويُهمَّهم إليه.
وأجيبوا: بأنه تعالى أبقى الذكر مطلقاً، واستثنى منه حال المشيئة المطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئةُ أن يحصلَ الذِّكرُ مطلقاً، فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصُلِ المشيئة وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهريَّة ترك للظاهر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ ، أي: حقيقٌ بأن يتَّقيه عبادُه ويخَافُوا عِقابه فيُؤمِنوا ويُطِيعُوا، وحقيقٌ بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا.
روى الترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ قال: قال الله تعالى: «أنَّا أهْلُ أنْ أُتَّقَى فَمَن اتَّقَى فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلهاً فَأنَا أهْل أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وقال بعض المفسرين: أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبائر، وأهل المغفرة أيضاً للذنوب الصغائر.
روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ ﴿يا أيها المدثر﴾ أعْطِيَ من الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ بعَددِ من صَدَّقَ بمُحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكذَّبه ب» مكة «» والله أعلم.
سورة القيامة
المدثر 74:54
قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ عن القرآن، أي: فما لأهل «مكة» قد أعرضوا وولَّوا.
قال مقاتل: معرضين عن القرآن من وجهين:
أحدهما: الجحود والإنكار.
والثاني: ترك العمل بما فيه.
وقيل: المراد بالتذكرة: العظة بالقرآن، وغيره من المواعظ.
و «مُعرِضيْنَ» حال من الضمير في الجار الواقع خبراً عن «ما» الاستفهامية، وقد تقدم أن مثل هذه الحال تسمى حالاً لازمة وقد تقدم بحث حسن.
و «عن التذكرة» متعلق به.
قال القرطبي: «وفي» اللام «معنى الفعل، فانتصاب الحال على معنى الفعل» .
قال ابن الخطيب: «هو كقولك: ما لك قائماً» .
قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ ، هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من الضمير في الجار، وتكون بدلاً من «معرضين» . قاله أبو البقاء. يعني: أنها كالمشتملة عليها، وأن تكون حالاً من الضمير في «معرضين» فيكون حالاً متداخلة.
وقرأ العامة: حُمُر - بضم الميم -، والأعمش: بإسكانها.
وقرأ نافع وابن عامر: «مُسْتَنْفَرَةٌ» - بفتح الفاء - على أنه اسم مفعول، أي: نفَّرها القنَّاص.
والباقون: بالكسر، بمعنى نافرة.
يقال: استنفر ونفر بمعنى نحو عجب واستعجب، وسخر واستسخر؛ قال الشاعر: [الكامل] .
4974 - إمْسِكْ حِماركَ إنَّهُ مُسْتنفِرٌ ... فِي إثرِ أحْمرةٍ عَمدْنَ لِغُرَّبِ وقال الزمخشري: «وكأنها تطلب النِّفار في نفوسها، في جمعها له وحملها عليه» .
فأبقى السِّين على بابها من الطلب، وهو معنى حسنٌ.
قال أبو علي الفارسي: «الكسر في» مستنفرة» أولى لقوله: «فرَّت» للتناسب، لأنه يدل على أنها استنفرت، ويدل على صحة ذلك ماروى محمد بن سلام قال: سألت أبا سوار الغنوي - وكان عربياً فصيحاً - فقلت: كأنهم حمرٌ ماذا؟ فقال: مستنفرة طردها قسورة، فقلت: إنما هي فرَّت من قسورة، فقال: أفرت؟ قلت: نعم، قال: فمستنفِرة إذاً» انتهى.
يعني: أنها مع قوله طرد، تناسب الفتح، لأنها اسم مفعول، فلما أخبر بأن التلاوة «فرّت من قسورة» رجع إلى الكسر للتناسب إلا أنَّ بمثلِ هذه الحكاية لا تردُّ القراءة المتواترة.
والقَسْورة: قيل: الصَّائد، أي: نفرت وهربت من قسورة، أي: من الصائد.
وقيل: الرُّماة يرمُونها.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له.
وقال بعض أهل اللغة: إن «القَسْوَرة» : الرامي، وجمعه: القساورة.
ولذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان: «القسورة» وهم الرماة والصيَّادون، ورواه عطاء عن ابن عباس وأبو ظبيان عن أبي موسى الأشعري، وأنشدوا للبيد بن ربيعة: [الطويل]
4975 - إذَا مَا هَتفْنَا هَتْفةً في نَديِّنَا ... أتَانَا الرِّجالُ العَائِدُون القَساوِرُ
وقيل: «القسورة» : الأسد. قاله أبو هريرة، وابن عباس أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال ابن عرفة: من القسْرِ بمعنى القهْرِ، أي: أنه يقهرُ السِّباع والحمر الوحشيَّة تهرب من السباع؛ ومنه قول الشاعر: [الرجز]
4876 - مُضمرٌ يَحْذَرُهُ الأبطَالُ ... كَأَنَّهُ القَسْوَرَةُ الرِّئبَالُ
أي: الأسد، إلا أن ابن عباس أنكره، وقال لا أعرف القسورة أسد في لغة أحد من العرب، وإنما القسورة: عصبُ الرجال؛ وأنشد: [الرجز] 4977 - يَا بِنْتُ كُونِي خَيرةً لِخيِّرهْ ... أخْوالُهَا الجِنُّ وأهْلُ القَسْوره
وقيل: القَسْورةُ: ظُلمَة الليل، قال ابن الأعرابي: وهو قول عكرمة.
وعن ابن عباس: ركز الناس؛ أي حسُّهم وأصواتهم.
وعنه أيضاً: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أي: من حبال الصيادين، وعنه أيضاً: القسورة بلسان «الحَبَشَةَ» الأسد، وخالفه عكرمة فقال: الأسد بلسان «الحبشة» : عَنْبَسة، وبلسان «الحبشة» : الرُّماة، وبلسان «فارس» : شير، وبلسان «النَّبْط» : أريا.
وقيل: هو أوَّل سواد الليل، ولا يقال لآخر سواد الليل: قسورة.
فصل في المراد بالحمر المستنفرة
قال ابن عباس: كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حمر مستنفرة، قال ابن عباس: أراد الحمر الوحشية.
قال الزمخشري: وفي تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله، ولا يرى مثلُ نفار حمر الوحش، واطرادها في العدوِ إذا خافت من شيء.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ ، أي: يُعطى كُتُباً مفتوحةً، وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد، لا نُؤمِنُ بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه: «من رب العالمين» ، إلى فلان ابن فلان، ونُؤمر فيه باتباعك، ونظيره: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: 93] .
وقال ابن عباس: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل واحدٍ منا صحيفةٌ فيها براءةٌ من النار.
وقال مطرٌ الوراق: أرادوا أن يعطوا بغير عمل.
وقال الكلبي: قال المشركون: بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوباً ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك.
قال ابن الخطيب: وهذا من الصُّحف المنشَّرة بمعزل.
وقيل المعنى: أن يذكر بذكرٍ جميلٍ، فجعلت الصُّحفُ موضعَ الذِّكر مجازاً، فقالوا: إذا كانت ذنوب الإنسان تُكتَب عليه فما بالنا لا نرى ذلك؟!
قوله: «مُنشَّرة» .
العامة: على التشديد، من «نشَّرهُ» بالتضعيف.
وابن جبير: «مُنْشرَةٌ» بالتخفيف، و «نشَّر، وأنشر» بمنزلة «نزّل وأنزَل» : والعامة أيضاً على ضمِّ الحاء من «صحُف» .
وابن جبير: على تسكينها.
قال أبو حيان: «والمحفوظ في الصحيفة والثوب:» نشَر «مخففاً ثلاثياً، وهذا مردود بالقرآن المتواتر» .
وقال أبو البقاء في قراءة ابن جبير: «من أنشرت، إما بمعنى أمر بنشرها مثل ألحمت عرض فلان، أو بمعنى منشورة، مثل: أحمدت الرجل، أو بمعنى: أنشر الله الميِّت أي: أحياه: فكأنه أحياها فيها بذكره» .
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ، أي: ليس يكون ذلك.
وقيل: حقّاً، والأول أجود، لأنه ردٌّ لقولهم. ثم قال: ﴿بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة﴾ أي: لا أعطيهم ما يتمنُّون لأنهم لا يخافون الآخرة فلذلك أعرضوا عن التأمُّل اغتراراً بالدنيا؛ فإنه لمَّا حصلت المعجزات الكثيرة في الدلالة على صحَّة النبوةِ فطلبُ الزيادة يكون عبثاً.
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ . أي: حقّاً أنَّ القرآن عظة.
وقيل: هذا ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ بليغة ﴿فمن شاء ذكره﴾ أي: اتعظ به، وجعله نصب عينه.
والضمير في «إنه، وذكره» للتذكرة في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ وإنما ذُكِّرا؛ لأنهما في معنى الذِّكر والقرآن.
وقيل: الضمير في «إنه» للقرآن أو الوعيد.
قوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ .
قرأ نافع: بالخطاب، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب والباقون: بالغيبة حملاً على ما تقدم من قوله: «كُل امرىءٍ» ولم يُؤثِرُوا الالتفات.
وقراءة الخطاب، وهي اختيار أبي حاتم لأنه أعم.
وأما قراءة الغيبة فهي اختبار أبي عبيد لقوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ﴾ واتفقواعلى تخفيفها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ ، بمعنى إلاَّ وقت مشيئته، لا أن ينوب عن الزمان، بل على حذف مضاف.
قالت المعتزلة: بل معناه: إلا أن يقدرهم الله - تعالى - على الذِّكر ويُهمَّهم إليه.
وأجيبوا: بأنه تعالى أبقى الذكر مطلقاً، واستثنى منه حال المشيئة المطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئةُ أن يحصلَ الذِّكرُ مطلقاً، فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصُلِ المشيئة وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهريَّة ترك للظاهر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ ، أي: حقيقٌ بأن يتَّقيه عبادُه ويخَافُوا عِقابه فيُؤمِنوا ويُطِيعُوا، وحقيقٌ بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا.
روى الترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ قال: قال الله تعالى: «أنَّا أهْلُ أنْ أُتَّقَى فَمَن اتَّقَى فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلهاً فَأنَا أهْل أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وقال بعض المفسرين: أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبائر، وأهل المغفرة أيضاً للذنوب الصغائر.
روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ ﴿يا أيها المدثر﴾ أعْطِيَ من الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ بعَددِ من صَدَّقَ بمُحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكذَّبه ب» مكة «» والله أعلم.
سورة القيامة
المدثر 74:55
قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ عن القرآن، أي: فما لأهل «مكة» قد أعرضوا وولَّوا.
قال مقاتل: معرضين عن القرآن من وجهين:
أحدهما: الجحود والإنكار.
والثاني: ترك العمل بما فيه.
وقيل: المراد بالتذكرة: العظة بالقرآن، وغيره من المواعظ.
و «مُعرِضيْنَ» حال من الضمير في الجار الواقع خبراً عن «ما» الاستفهامية، وقد تقدم أن مثل هذه الحال تسمى حالاً لازمة وقد تقدم بحث حسن.
و «عن التذكرة» متعلق به.
قال القرطبي: «وفي» اللام «معنى الفعل، فانتصاب الحال على معنى الفعل» .
قال ابن الخطيب: «هو كقولك: ما لك قائماً» .
قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ ، هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من الضمير في الجار، وتكون بدلاً من «معرضين» . قاله أبو البقاء. يعني: أنها كالمشتملة عليها، وأن تكون حالاً من الضمير في «معرضين» فيكون حالاً متداخلة.
وقرأ العامة: حُمُر - بضم الميم -، والأعمش: بإسكانها.
وقرأ نافع وابن عامر: «مُسْتَنْفَرَةٌ» - بفتح الفاء - على أنه اسم مفعول، أي: نفَّرها القنَّاص.
والباقون: بالكسر، بمعنى نافرة.
يقال: استنفر ونفر بمعنى نحو عجب واستعجب، وسخر واستسخر؛ قال الشاعر: [الكامل] .
4974 - إمْسِكْ حِماركَ إنَّهُ مُسْتنفِرٌ ... فِي إثرِ أحْمرةٍ عَمدْنَ لِغُرَّبِ وقال الزمخشري: «وكأنها تطلب النِّفار في نفوسها، في جمعها له وحملها عليه» .
فأبقى السِّين على بابها من الطلب، وهو معنى حسنٌ.
قال أبو علي الفارسي: «الكسر في» مستنفرة» أولى لقوله: «فرَّت» للتناسب، لأنه يدل على أنها استنفرت، ويدل على صحة ذلك ماروى محمد بن سلام قال: سألت أبا سوار الغنوي - وكان عربياً فصيحاً - فقلت: كأنهم حمرٌ ماذا؟ فقال: مستنفرة طردها قسورة، فقلت: إنما هي فرَّت من قسورة، فقال: أفرت؟ قلت: نعم، قال: فمستنفِرة إذاً» انتهى.
يعني: أنها مع قوله طرد، تناسب الفتح، لأنها اسم مفعول، فلما أخبر بأن التلاوة «فرّت من قسورة» رجع إلى الكسر للتناسب إلا أنَّ بمثلِ هذه الحكاية لا تردُّ القراءة المتواترة.
والقَسْورة: قيل: الصَّائد، أي: نفرت وهربت من قسورة، أي: من الصائد.
وقيل: الرُّماة يرمُونها.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له.
وقال بعض أهل اللغة: إن «القَسْوَرة» : الرامي، وجمعه: القساورة.
ولذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان: «القسورة» وهم الرماة والصيَّادون، ورواه عطاء عن ابن عباس وأبو ظبيان عن أبي موسى الأشعري، وأنشدوا للبيد بن ربيعة: [الطويل]
4975 - إذَا مَا هَتفْنَا هَتْفةً في نَديِّنَا ... أتَانَا الرِّجالُ العَائِدُون القَساوِرُ
وقيل: «القسورة» : الأسد. قاله أبو هريرة، وابن عباس أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال ابن عرفة: من القسْرِ بمعنى القهْرِ، أي: أنه يقهرُ السِّباع والحمر الوحشيَّة تهرب من السباع؛ ومنه قول الشاعر: [الرجز]
4876 - مُضمرٌ يَحْذَرُهُ الأبطَالُ ... كَأَنَّهُ القَسْوَرَةُ الرِّئبَالُ
أي: الأسد، إلا أن ابن عباس أنكره، وقال لا أعرف القسورة أسد في لغة أحد من العرب، وإنما القسورة: عصبُ الرجال؛ وأنشد: [الرجز] 4977 - يَا بِنْتُ كُونِي خَيرةً لِخيِّرهْ ... أخْوالُهَا الجِنُّ وأهْلُ القَسْوره
وقيل: القَسْورةُ: ظُلمَة الليل، قال ابن الأعرابي: وهو قول عكرمة.
وعن ابن عباس: ركز الناس؛ أي حسُّهم وأصواتهم.
وعنه أيضاً: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أي: من حبال الصيادين، وعنه أيضاً: القسورة بلسان «الحَبَشَةَ» الأسد، وخالفه عكرمة فقال: الأسد بلسان «الحبشة» : عَنْبَسة، وبلسان «الحبشة» : الرُّماة، وبلسان «فارس» : شير، وبلسان «النَّبْط» : أريا.
وقيل: هو أوَّل سواد الليل، ولا يقال لآخر سواد الليل: قسورة.
فصل في المراد بالحمر المستنفرة
قال ابن عباس: كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حمر مستنفرة، قال ابن عباس: أراد الحمر الوحشية.
قال الزمخشري: وفي تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله، ولا يرى مثلُ نفار حمر الوحش، واطرادها في العدوِ إذا خافت من شيء.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ ، أي: يُعطى كُتُباً مفتوحةً، وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد، لا نُؤمِنُ بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه: «من رب العالمين» ، إلى فلان ابن فلان، ونُؤمر فيه باتباعك، ونظيره: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: 93] .
وقال ابن عباس: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل واحدٍ منا صحيفةٌ فيها براءةٌ من النار.
وقال مطرٌ الوراق: أرادوا أن يعطوا بغير عمل.
وقال الكلبي: قال المشركون: بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوباً ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك.
قال ابن الخطيب: وهذا من الصُّحف المنشَّرة بمعزل.
وقيل المعنى: أن يذكر بذكرٍ جميلٍ، فجعلت الصُّحفُ موضعَ الذِّكر مجازاً، فقالوا: إذا كانت ذنوب الإنسان تُكتَب عليه فما بالنا لا نرى ذلك؟!
قوله: «مُنشَّرة» .
العامة: على التشديد، من «نشَّرهُ» بالتضعيف.
وابن جبير: «مُنْشرَةٌ» بالتخفيف، و «نشَّر، وأنشر» بمنزلة «نزّل وأنزَل» : والعامة أيضاً على ضمِّ الحاء من «صحُف» .
وابن جبير: على تسكينها.
قال أبو حيان: «والمحفوظ في الصحيفة والثوب:» نشَر «مخففاً ثلاثياً، وهذا مردود بالقرآن المتواتر» .
وقال أبو البقاء في قراءة ابن جبير: «من أنشرت، إما بمعنى أمر بنشرها مثل ألحمت عرض فلان، أو بمعنى منشورة، مثل: أحمدت الرجل، أو بمعنى: أنشر الله الميِّت أي: أحياه: فكأنه أحياها فيها بذكره» .
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ، أي: ليس يكون ذلك.
وقيل: حقّاً، والأول أجود، لأنه ردٌّ لقولهم. ثم قال: ﴿بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة﴾ أي: لا أعطيهم ما يتمنُّون لأنهم لا يخافون الآخرة فلذلك أعرضوا عن التأمُّل اغتراراً بالدنيا؛ فإنه لمَّا حصلت المعجزات الكثيرة في الدلالة على صحَّة النبوةِ فطلبُ الزيادة يكون عبثاً.
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ . أي: حقّاً أنَّ القرآن عظة.
وقيل: هذا ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ بليغة ﴿فمن شاء ذكره﴾ أي: اتعظ به، وجعله نصب عينه.
والضمير في «إنه، وذكره» للتذكرة في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ وإنما ذُكِّرا؛ لأنهما في معنى الذِّكر والقرآن.
وقيل: الضمير في «إنه» للقرآن أو الوعيد.
قوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ .
قرأ نافع: بالخطاب، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب والباقون: بالغيبة حملاً على ما تقدم من قوله: «كُل امرىءٍ» ولم يُؤثِرُوا الالتفات.
وقراءة الخطاب، وهي اختيار أبي حاتم لأنه أعم.
وأما قراءة الغيبة فهي اختبار أبي عبيد لقوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ﴾ واتفقواعلى تخفيفها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ ، بمعنى إلاَّ وقت مشيئته، لا أن ينوب عن الزمان، بل على حذف مضاف.
قالت المعتزلة: بل معناه: إلا أن يقدرهم الله - تعالى - على الذِّكر ويُهمَّهم إليه.
وأجيبوا: بأنه تعالى أبقى الذكر مطلقاً، واستثنى منه حال المشيئة المطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئةُ أن يحصلَ الذِّكرُ مطلقاً، فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصُلِ المشيئة وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهريَّة ترك للظاهر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ ، أي: حقيقٌ بأن يتَّقيه عبادُه ويخَافُوا عِقابه فيُؤمِنوا ويُطِيعُوا، وحقيقٌ بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا.
روى الترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ قال: قال الله تعالى: «أنَّا أهْلُ أنْ أُتَّقَى فَمَن اتَّقَى فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلهاً فَأنَا أهْل أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وقال بعض المفسرين: أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبائر، وأهل المغفرة أيضاً للذنوب الصغائر.
روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ ﴿يا أيها المدثر﴾ أعْطِيَ من الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ بعَددِ من صَدَّقَ بمُحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكذَّبه ب» مكة «» والله أعلم.
سورة القيامة
المدثر 74:56
قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ عن القرآن، أي: فما لأهل «مكة» قد أعرضوا وولَّوا.
قال مقاتل: معرضين عن القرآن من وجهين:
أحدهما: الجحود والإنكار.
والثاني: ترك العمل بما فيه.
وقيل: المراد بالتذكرة: العظة بالقرآن، وغيره من المواعظ.
و «مُعرِضيْنَ» حال من الضمير في الجار الواقع خبراً عن «ما» الاستفهامية، وقد تقدم أن مثل هذه الحال تسمى حالاً لازمة وقد تقدم بحث حسن.
و «عن التذكرة» متعلق به.
قال القرطبي: «وفي» اللام «معنى الفعل، فانتصاب الحال على معنى الفعل» .
قال ابن الخطيب: «هو كقولك: ما لك قائماً» .
قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ﴾ ، هذه الجملة يجوز أن تكون حالاً من الضمير في الجار، وتكون بدلاً من «معرضين» . قاله أبو البقاء. يعني: أنها كالمشتملة عليها، وأن تكون حالاً من الضمير في «معرضين» فيكون حالاً متداخلة.
وقرأ العامة: حُمُر - بضم الميم -، والأعمش: بإسكانها.
وقرأ نافع وابن عامر: «مُسْتَنْفَرَةٌ» - بفتح الفاء - على أنه اسم مفعول، أي: نفَّرها القنَّاص.
والباقون: بالكسر، بمعنى نافرة.
يقال: استنفر ونفر بمعنى نحو عجب واستعجب، وسخر واستسخر؛ قال الشاعر: [الكامل] .
4974 - إمْسِكْ حِماركَ إنَّهُ مُسْتنفِرٌ ... فِي إثرِ أحْمرةٍ عَمدْنَ لِغُرَّبِ وقال الزمخشري: «وكأنها تطلب النِّفار في نفوسها، في جمعها له وحملها عليه» .
فأبقى السِّين على بابها من الطلب، وهو معنى حسنٌ.
قال أبو علي الفارسي: «الكسر في» مستنفرة» أولى لقوله: «فرَّت» للتناسب، لأنه يدل على أنها استنفرت، ويدل على صحة ذلك ماروى محمد بن سلام قال: سألت أبا سوار الغنوي - وكان عربياً فصيحاً - فقلت: كأنهم حمرٌ ماذا؟ فقال: مستنفرة طردها قسورة، فقلت: إنما هي فرَّت من قسورة، فقال: أفرت؟ قلت: نعم، قال: فمستنفِرة إذاً» انتهى.
يعني: أنها مع قوله طرد، تناسب الفتح، لأنها اسم مفعول، فلما أخبر بأن التلاوة «فرّت من قسورة» رجع إلى الكسر للتناسب إلا أنَّ بمثلِ هذه الحكاية لا تردُّ القراءة المتواترة.
والقَسْورة: قيل: الصَّائد، أي: نفرت وهربت من قسورة، أي: من الصائد.
وقيل: الرُّماة يرمُونها.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له.
وقال بعض أهل اللغة: إن «القَسْوَرة» : الرامي، وجمعه: القساورة.
ولذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان: «القسورة» وهم الرماة والصيَّادون، ورواه عطاء عن ابن عباس وأبو ظبيان عن أبي موسى الأشعري، وأنشدوا للبيد بن ربيعة: [الطويل]
4975 - إذَا مَا هَتفْنَا هَتْفةً في نَديِّنَا ... أتَانَا الرِّجالُ العَائِدُون القَساوِرُ
وقيل: «القسورة» : الأسد. قاله أبو هريرة، وابن عباس أيضاً رَضِيَ اللَّهُ عَنْه.
قال ابن عرفة: من القسْرِ بمعنى القهْرِ، أي: أنه يقهرُ السِّباع والحمر الوحشيَّة تهرب من السباع؛ ومنه قول الشاعر: [الرجز]
4876 - مُضمرٌ يَحْذَرُهُ الأبطَالُ ... كَأَنَّهُ القَسْوَرَةُ الرِّئبَالُ
أي: الأسد، إلا أن ابن عباس أنكره، وقال لا أعرف القسورة أسد في لغة أحد من العرب، وإنما القسورة: عصبُ الرجال؛ وأنشد: [الرجز] 4977 - يَا بِنْتُ كُونِي خَيرةً لِخيِّرهْ ... أخْوالُهَا الجِنُّ وأهْلُ القَسْوره
وقيل: القَسْورةُ: ظُلمَة الليل، قال ابن الأعرابي: وهو قول عكرمة.
وعن ابن عباس: ركز الناس؛ أي حسُّهم وأصواتهم.
وعنه أيضاً: ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أي: من حبال الصيادين، وعنه أيضاً: القسورة بلسان «الحَبَشَةَ» الأسد، وخالفه عكرمة فقال: الأسد بلسان «الحبشة» : عَنْبَسة، وبلسان «الحبشة» : الرُّماة، وبلسان «فارس» : شير، وبلسان «النَّبْط» : أريا.
وقيل: هو أوَّل سواد الليل، ولا يقال لآخر سواد الليل: قسورة.
فصل في المراد بالحمر المستنفرة
قال ابن عباس: كأن هؤلاء الكفار في فرارهم من محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حمر مستنفرة، قال ابن عباس: أراد الحمر الوحشية.
قال الزمخشري: وفي تشبيههم بالحمر شهادة عليهم بالبله، ولا يرى مثلُ نفار حمر الوحش، واطرادها في العدوِ إذا خافت من شيء.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مِّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً﴾ ، أي: يُعطى كُتُباً مفتوحةً، وذلك أن أبا جهل وجماعة من قريش قالوا: يا محمد، لا نُؤمِنُ بك حتى تأتي كل واحد منا بكتاب من السماء عنوانه: «من رب العالمين» ، إلى فلان ابن فلان، ونُؤمر فيه باتباعك، ونظيره: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: 93] .
وقال ابن عباس: كانوا يقولون: إن كان محمد صادقاً فليصبح عند رأس كل واحدٍ منا صحيفةٌ فيها براءةٌ من النار.
وقال مطرٌ الوراق: أرادوا أن يعطوا بغير عمل.
وقال الكلبي: قال المشركون: بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح عند رأسه مكتوباً ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك.
قال ابن الخطيب: وهذا من الصُّحف المنشَّرة بمعزل.
وقيل المعنى: أن يذكر بذكرٍ جميلٍ، فجعلت الصُّحفُ موضعَ الذِّكر مجازاً، فقالوا: إذا كانت ذنوب الإنسان تُكتَب عليه فما بالنا لا نرى ذلك؟!
قوله: «مُنشَّرة» .
العامة: على التشديد، من «نشَّرهُ» بالتضعيف.
وابن جبير: «مُنْشرَةٌ» بالتخفيف، و «نشَّر، وأنشر» بمنزلة «نزّل وأنزَل» : والعامة أيضاً على ضمِّ الحاء من «صحُف» .
وابن جبير: على تسكينها.
قال أبو حيان: «والمحفوظ في الصحيفة والثوب:» نشَر «مخففاً ثلاثياً، وهذا مردود بالقرآن المتواتر» .
وقال أبو البقاء في قراءة ابن جبير: «من أنشرت، إما بمعنى أمر بنشرها مثل ألحمت عرض فلان، أو بمعنى منشورة، مثل: أحمدت الرجل، أو بمعنى: أنشر الله الميِّت أي: أحياه: فكأنه أحياها فيها بذكره» .
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ، أي: ليس يكون ذلك.
وقيل: حقّاً، والأول أجود، لأنه ردٌّ لقولهم. ثم قال: ﴿بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة﴾ أي: لا أعطيهم ما يتمنُّون لأنهم لا يخافون الآخرة فلذلك أعرضوا عن التأمُّل اغتراراً بالدنيا؛ فإنه لمَّا حصلت المعجزات الكثيرة في الدلالة على صحَّة النبوةِ فطلبُ الزيادة يكون عبثاً.
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ . أي: حقّاً أنَّ القرآن عظة.
وقيل: هذا ردع لهم عن إعراضهم عن التذكرة ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ بليغة ﴿فمن شاء ذكره﴾ أي: اتعظ به، وجعله نصب عينه.
والضمير في «إنه، وذكره» للتذكرة في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ وإنما ذُكِّرا؛ لأنهما في معنى الذِّكر والقرآن.
وقيل: الضمير في «إنه» للقرآن أو الوعيد.
قوله: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ﴾ .
قرأ نافع: بالخطاب، وهو التفات من الغيبة إلى الخطاب والباقون: بالغيبة حملاً على ما تقدم من قوله: «كُل امرىءٍ» ولم يُؤثِرُوا الالتفات.
وقراءة الخطاب، وهي اختيار أبي حاتم لأنه أعم.
وأما قراءة الغيبة فهي اختبار أبي عبيد لقوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَل لاَّ يَخَافُونَ﴾ واتفقواعلى تخفيفها.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ ، بمعنى إلاَّ وقت مشيئته، لا أن ينوب عن الزمان، بل على حذف مضاف.
قالت المعتزلة: بل معناه: إلا أن يقدرهم الله - تعالى - على الذِّكر ويُهمَّهم إليه.
وأجيبوا: بأنه تعالى أبقى الذكر مطلقاً، واستثنى منه حال المشيئة المطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئةُ أن يحصلَ الذِّكرُ مطلقاً، فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصُلِ المشيئة وتخصيص المشيئة بالمشيئة القهريَّة ترك للظاهر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ ، أي: حقيقٌ بأن يتَّقيه عبادُه ويخَافُوا عِقابه فيُؤمِنوا ويُطِيعُوا، وحقيقٌ بأن يغفر لهم ما سلف من كفرهم إذا آمنوا وأطاعوا.
روى الترمذي وابن ماجة عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال في قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ قال: قال الله تعالى: «أنَّا أهْلُ أنْ أُتَّقَى فَمَن اتَّقَى فَلَمْ يَجْعَلْ مَعِي إلهاً فَأنَا أهْل أنْ أغْفِرَ لَهُ» .
وقال بعض المفسرين: أهل المغفرة لمن تاب إليه من الذنوب الكبائر، وأهل المغفرة أيضاً للذنوب الصغائر.
روى الثعلبي عن أبيِّ بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ ﴿يا أيها المدثر﴾ أعْطِيَ من الأجْرِ عَشْرَ حَسناتٍ بعَددِ من صَدَّقَ بمُحمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكذَّبه ب» مكة «» والله أعلم.
سورة القيامة
القيامة 75:1
مكية، وهي تسع وثلاثون آية، [وهي في المصحف أربعون آية] ومائة وسبع وتسعون كلمة، وستمائة واثنان وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ .
العامَّة: على «لاَ» نافية، واختلفوا حينئذ فيها على أوجه:
أحدها: أنَّها نافية لكلامٍ تقدم، كأنَّ الكفَّار ذكروا شيئاً، فقيل لهم: «لا» ثم ابتدأ الله قسماً.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «إنَّ القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، فجاء الإقسام بالردِّ عليهم كقوله:» والله لا أفعل «ف» لا «ردٌّ لكلام قد مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة. لحق، كأنك أكذبت قوماً أنكروه» .
والثاني: أنها مزيدة. قال الزمشخري: قالوا: إنها مزيدة، مثلها في ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: 29] ، وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: 12] ؛ وقوله: [الرجز]
4978 - فِي بِئْرِ لا حُورٍ سَرَى وما شَعَرْ ... قال ابن الخطيب: وهذا القولُ عندي ضعيفٌ من وجوه: أحدها: أنَّ تجويز هذا يفضي إلى الطعن في القرآن، لأن على هذا التقدير يجوز جعل النفي إثباتاً، والإثبات نفياً، وذلك ينفي الاعتماد على الكلام نفياً وإثباتاً.
وثانيها: أن الحرف إنما يزاد في وسط الكلام، فإن امرأ القيس زادها في مستهل قصيدته؛ وهي قوله: [المتقارب]
4979 - فَلاَ - وأبِيكِ - ابنَةَ العَامِرِيْ ... يِ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ
وأيضاً: هَبْ أنَّ هذا الحرف في أول الكلام إلا أنَّ القرآن كله كالسُّورة الواحدة لاتصال بعضه ببعض بدليل أنه قد يذكر الشيء في سورة ثم يجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى ﴿وَقَالُواْ يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] ثم جاء جوابه في سورة أخرى وهو قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 2] ، وإذا كان كذلك، كان أوّل هذه السورة جارياً مجرى وسط الكلام.
والجواب عن الأول: أنَّ قوله: لا وأبيك، قسمٌ عن النفي، وقوله: «لا أقْسِمُ» نفي للقسم، لأنه على وزان قولنا: «لا أقبل، لا أضرب، لا أنصر» وذلك يفيد النفي، بدليل أنه لو حلف لا يقسم كان البرُّ بترك القسم، والحنث بفعل القسم، فظهر أن البيت المذكور ليس من هذا الباب.
وعن الثاني: أن القرآن الكريم كالسُّورة الواحدة في عدم التناقض، فإما أن يقرن في كل آية ما أقرن في الأخرى، فذلك غير جائز؛ لأنه يلزم جوازه أن يقرن بكل إثبات حرف النفي الوارد في سائر الآيات، وذلك يقتضي انقلاب كل إثبات نفياً وانقلاب كل نفي إثباتاً، وأنه لا يجوز.
وثالثها: أن المراد من قولنا: «لا» صلة أنَّه لغو باطل يجب طرحه وإسقاطه حتى ينتظم الكلام ووصف كلام الله - تعالى - بذلك لا يجوز.
الوجه الثالث: قال الزمشخري: «إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم؛ قال امرؤ القيس: [المتقارب]
4980 - فَلاَ - وأبِيكِ - ابْنَةَ العَامِري ... البيت المتقدِّم.
وقال غويةُ بنُ سلمَى: [الوافر]
4981 - ألاَ نَادتْ أمَامةُ باحْتِمَالِ ... لتَحْزُننِي فلا بِكِ ما أبَالِي وفائدتها: توكيد القسم في الردِّ «. ثمَّ قال بعد أن حكى وجه الزيادة والاعتراض والجواب كما تقدم: والوجه أن يقال: هي للنَّفي، والمعنى في ذلك: أنَّه لا يقسم بالشيء إلاَّ إعظاماً له، يدلُّك عليه قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 75 - 76] فكأنه بإدخال حرف النَّفي يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام، يعني أنه يستأهل فوق ذلك.
وقيل: إنَّ» لا «نفيٌ لكلامٍ ورد قبل ذلك انتهى.
قال ابن الخطيب: كأنَّهُم أنكروا البعث فقيل:» لا» ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل: أقسم بيوم القيامة.
قال: وهذا فيه إشكال؛ لأن إعادة حرف النفي أحرى في قوله تعالى: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ مع أن المراد ما ذكروه يقدح في فصاحة الكلام.
قال شهاب الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: «فقول الزمخشري» : والوجه أن يقال إلى قوله: يعني أنه يستأهل فوق ذلك، تقرير لقوله: إدخال» لا «النافية على فعل القسم مستفيض إلى آخره وحاصل الكلام يرجع إلى أنها نافية، وأنَّ النَّفي متسلّط على فعل القسم بالمعنى الذي شرحه، وليس فيه منع لفظاً ولا معنى» .
ثم قال: فإن قلت: قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: 65] والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي، فهلا زعمت أنَّ «لا» التي قبل القسم زيدت موطِّئة للنَّفي بعده، ومؤكدة له، وقدَّرت المقسم عليه المحذوف - هاهنا - منفياً كقولك: لا أقسم بيوم القيامة لا تتركُونَ سُدًى؟ .
قلت: لو قصَرُوا الأمر على النَّفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ، ولكنه لم يقصر، ألا ترى كيف نفى ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: 1] بقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ [البلد: 4] وكذلك قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ [الواقعة: 75] بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: 77] ، وهذا من محاسن كلامه تعالى.
وقرأ قنبل والبزِّي - بخلاف عنه -: «لأقسم» بلام بعدها همزة دون ألف، وفيها أوجه:
أحدها: أنها جوابٌ لقسم مقدر، تقديره: «والله لأقسم» والفعل للحالِ، فلذلك لم تأت نونُ التوكيد، وهذا مذهبُ الكوفيين.
وأمَّا البصريون: فلا يجيزون أن يقع فعل الحال جواباً للقسم فإن ورد ما ظاهره ذلك جعل الفعل خبراً لمبتدإ مضمر، فيعود الجواب جملة اسمية قدر أحد جزأيها وهذا عند بعضهم، من ذلك التقدير: والله لأنا أقسم.
الثاني: أنه فعل مستقبل، وإنَّما لم يأتِ بنون التوكيدِ؛ لأنَّ أفعال الله - تعالى - حقٌّ وصدقٌ فهي غنيةٌ عن التأكيد بخلاف أفعال غيره، على أن سيبويه حكى حذف النون، إلا أنه قليل، والكوفيون: يجيزون ذلك من غير قلَّة، إذ من مذهبهم جواز تعاقب اللام والنون فمن حذف اللام قوله: [الكامل]
4982 - وقَتيلُ مُرَّة أثْأرنَّ فإنَّهُ ... فَرْغٌ وإنَّ أخَاكمُ لَمْ يَثْأرِ
أي لأثأرن، ومن حذف النون وهو نظير الآية الكريمة قول الآخر: [الطويل]
4983 - لَئِن تَكُ قَدْ ضَاقتْ عليكَم بُيوتكُمْ ... ليَعلمُ ربِّي أنَّ بَيْتِيَ واسِعُ
الثالث: أنَّها لامُ الابتداء، وليست بلام القسم.
قال أبو البقاء: كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ [النحل: 164] . والمعروف أنَّ لام الابتداء لا تدخل على المضارع إلاَّ في خبر «إنَّ» نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ [النحل: 164] وهذه الآية نظير الآية التي في سورة يونس: ﴿وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ﴾ [يونس: 16] فإنهما قرآها بغير الألف. والكلام فيها قد تقدم.
ولم يختلف في قوله: «ولاَ أقسم» أنه بالألف بعد «لا» ؛ لأنه لم يرسم إلاَّ كذا بخلاف الأول، فإنه رسم بدون ألفٍ بعد «لا» ، وكذلك في قوله تعالى ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: 1] لم يختلف فيه أنه بألف بعد «لا» ، وجواب القسم محذوف، تقديره: لتبعثنّ، دل عليه قوله ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان﴾ [القيامة: 3] .
وقيل: الجواب: «أيَحْسَبُ» .
وقيل: هو ﴿بلى قَادِرِينَ﴾ [القيامة: 4] ، ويروى عن الحسن البصري.
وقيل: المعنى على نفي القسم، والمعنى: إنِّي لا أقسم على شيء، ولكن أسألك أيحسب الإنسان.
وهذه الأقوال شاذَّة منكرة، ولا تصح عن قائلها لخروجها عن لسان العرب، وإنما ذكرناها تنبيهاً على ضعفها.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وابن جبير: معنى الكلام: أقسمُ بيوم القيامة، وهو قول أبي عبيدة، ومثله قوله: [الطويل] 4984 - تَذكَّرْتُ لَيْلَى فاعْترتْنِي صَبَابَةٌ ... فَكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتقطَّعُ
قوله: ﴿بِيَوْمِ القيامة﴾ ، أي: بيوم يقوم الناس فيه لربِّهم، والله - عَزَّ وَجَلَّ - أن يقسم بما شاء، ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ، لا خلاف في هذا بين القراء، وأنه سبحانه - جل ذكره - إنما أقسم بيوم القيامة تعظيماً لشأنه، وعلى قراءة ابن كثير أقسَم بالأولى ولم يقسم بالثانية.
وقيل: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ردٌّ آخر وابتداء قسم بالنفس اللوامة.
قال الثعلبيُّ: والصحيح أنه أقسم بهما جميعاً، ومعنى «بالنَّفْسِ اللَّوامَةِ» : أي: نفس المؤمن الذي لا تراه يلوم إلا نفسه، يقول: [ما أردت بكذا؟ ولا تراه إلا وهو يعاتب نفسه قاله ابن عبَّاس ومجاهد والحسن وغيرهم.
قال الحسن: هي والله نفس المؤمن ما يُرى المؤمن إلاّ يلوم نفسه] ، ما أردت بكلامي هذا؟ ما أردت بأكلي ما أردت بحديثي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه.
وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشَّرِّ لم فعلته، وعلى الخير لِمَ لَمْ تستكثر منه.
وقيل: تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها.
وقيل
: المراد آدم - صلوات الله وسلامه عليه - لم يزل لائماً لنفسه على معصيته التي أخرج بها من الجنة.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنها الملومة، فتكون صفة ذمٍّ، وهو قول من نفى أن يكون قسماً وعلى الأول: صفةُ مدحٍ فيكون القسم بها سائغاً.
وقال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسَّر في الآخرة على ما فرط في جنبِ الله تعالى.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن﴾ . هذه «أن» المخففة وتقدم حكمها في «المائدة» و «أن» وما في حيِّزها في موضع الجرِّ، والفاصل هنا حرف النَّفي، وهي وما في حيِّزها سادَّةٌ مسدّ مفعولي «حَسِب» أو مفعوله على الخلاف.
والعامَّة: على «نَجْمَعَ» بنون العظمة، و «عِظامهُ» نصب مفعولاً به.
وقتادة: «تُجْمع» بتاءٍ من فوقُ مضومةٍ على ما لم يسم فاعله؛ «عظامه» رفع لقيامه مقام الفاعل.
فصل في جواب هذا القسم
قال الزجاج: أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ليجمعنَّ العظام للبعث، فهذا جواب [القسم.
وقال النحاس: جواب] القسم محذوف، أي: لنبعثن.
والمراد بالإنسان: الكافر المكذب بالبعث.
قيل: «نزلت في عدي بن ربيعة قال للبني صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حَدِّثنِي عن يَومِ القِيامةِ مَتَى تكُونُ، وكَيْفَ أمْرهَا وحَالُهَا؟ فأخْبرَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: لَوْ عَايَنْتُ ذلكَ اليَوْمَ لَمْ أصَدِّقكَ يا مُحمَّدُ ولَمْ أومِنْ بِه، أو يَجْمَعُ اللَّهُ العِظامَ؟ ولهذا كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» اللَّهُمَّ اكفِنِي جَارَي السُّوءِ عدَيَّ بن ربيعَة، والأخنس بنَ شَريقٍ» .
وقيل: نزلت في عدو الله أبي جهل حين أنكر البعث بعد الموت، وذكر العظام، والمراد نفسه كلها؛ لأن العظام قالب الخلق.
وقيل: المراد بالإنسان: كل من أنكر البعث مطلقاً.
قوله: ﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام، وهو وقف حسن، ثم يبتدىء «قَادِرين» ، ف» قَادِرين «حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف على ما ذكرنا من التقدير.
وقيل: المعنى بل نجمعها نقدر قادرين.
قال الفراء:» قادرين» نصب على الخروج من «نَجْمعَ» أي نقدر ونقوى» قادرين «على أكثر من ذلك.
وقال أيضاً: يَصْلُح نصبُه على التكرير، أي: بلى فليحسبنا قادرين.
وقيل: المضمر» كنا «أي: كنا قادرين في الابتداء، وقد اعترف به المشركون.
وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميفع:» قادرون «رفعاً على خبر ابتداء مضمر، أي» بلى «نحن» قادرون» ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ والبنانُ عند العرب: الأصابع، واحدُها بنانةٌ؛ قال عنترة: [الوافر]
4985 - وأنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذَا مَا ... وصَلْتُ بَنانَهَا بالهِنْدُوَانِي
فنبه بالبنان على بقية الأعضاء.
وأيضاً: فإنها أضعف العظام فخصها الله - عَزَّ وَجَلَّ - بالذكر لذلك.
قال القتبي والزجاج: وزعموا أن الله تعالى لا يبعث الموتى، ولا يقدرعلى جمع العظام، فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السُّلاميات على صغرها، ونُؤلِّف بينها حتى تستوي، ومن قدر على هذا فهو على جميع الكبار أقدرُ.
وقال ابن عباس وعامة المفسرين: ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخُفِّ البعير، أو كحافر الحمار، أو كظلفِ الخنزيرِ، ولا يمكنه أن يعمل به شيئاً ولكنا فرقنا أصابعه حتى يفعل بها ما يشاء.
وقيل: نقدر أن نُعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان عليها، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: 60، 61] .
والقول الأول أشبه بمساق الآية.
فصل في الكلام على الآية
قال ابن الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي الآية إشكالات:
أحدها: ما المناسبة بين القيامة والنَّفس اللوامة حتى جمع الله بينهما في القسم؟ .
وثانيها: على وقوع القيامة
وثالثها: قال جل ذكره: أقسم بيوم القيامة ولم يقل: والقيامة، كما قال - عَزَّ وَجَلَّ - في سائر السور: ﴿والطور﴾ [الطور: 1] ﴿والذاريات﴾ [الذاريات: 1] ، ﴿والضحى﴾ [الضحى: 1] .
والجواب عن الأول من وجوه:
أحدها: أنَّ أحوال القيامة عجيبة جدّاً، ثُمَّ المقصود من إقامة القيامة إظهار أحوال النُّفوس على ما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ عَرفَ نَفْسَهُ عرَفَ رَبَّهُ» ومن أحوالها العجيبة قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ، وقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان} [الأحزاب: 72] .
وقيل: القسم وقع بالنَّفس اللوامة على معنى التعظيم من حيث إنها أبداً يستحقرُ فعلها وجدُّها واجتهادها في طاعة الله تعالى.
وقيل: إنه - تعالى - أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها؛ لأن النفس اللوامة إمَّا أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإمَّا أن تكون فاسقة مقصرة في العمل، وعلى التقديرين فإنها تكون مستحقرة.
والجواب عن الثاني: أن المحقِّقين قالوا: القسم بهذه الأشياء قسم بربِّها وخالقها في الحقيقة، فكأنه قيل: أقسم برب القيامة على وقوع القيامة.
والجواب عن الثالث: أنه حيث أقسم، قال جل ذكره: «والذَّارياتِ» ، وأما هنا فإنه سبحانه نفى كونه مقسماً بهذه الأشياء، فزال السؤال.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون «بل» لمجرد الإضراب والانتقال من غير عطف، أضرب عن الكلام الأول وأخذ في آخر.
الثاني: أنها عاطفة. قال الزمخشري: «بل يريد» عطف على «أيحسب» ، فيجوز أن يكون مثله استفهاماً، وأن يكون إيجاباً على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر، أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب.
قال أبو حيان بعد ما حكى عن الزمخشري ما تقدَّم: «وهذه التقادير الثلاثة متكلَّفة لا تظهر» .
وقال شهاب الدين: «وليس هنا إلا تقديران، ومفعول» يُرِيد «محذوف يدل عليه التعليل في قوله تعالى: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ والتقدير: يريد شهواته ومعاصيه فيمضي فيها دائماً أبداً و» أمامه «منصوب على الظَّرفِ، وأصله مكانٌ فاستعير هنا للزمان» .
والضمير في «أمَامَه» الظاهرُ عوده على الإنسان.
وقال ابن عباس: يعود على يوم القيامة بمعنى أنه يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث بين يدي يوم القيامة.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: يقول: سوف أتوب حتى يأتيه الموت على أسوأ أحواله.
وعن ابن عباس: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ، قال: يعجل المعصية ويسوفُ بالتوبة وجاء في الحديث: «قال يقولُ: سوف أتُوبُ، ولا يتوبُ، فهُو قَدْ أخْلفَ فكذبَ» .
وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ من البعث والحساب ودليله: يسأل أيان يوم القيامة أي يسأل متى يكون؟ على وجه الإنكار والتكذيب.
وقال الضحاك: هو الأمل، يقول: سوف أعيش وأصيب من الدنيا، ولا يذكر الموت.
وقيل: يعزم على المعصية أبداً وإن كان لا يعيش إلا مدة قليلة، فالهاء على هذه الأقوال الثلاثة للإنسان.
وإذا قلنا: بأن الهاء ليوم القيامة، فالمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي القيامة. والفجورُ: أصله الميل عن الحق.
قوله: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ﴾ هذه جملة مستأنفة.
وقال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: تفسير ل «يفجر» فيحتمل أن يكون مستأنفاً مفسّراً، وأن يكون بدلاً من الجملة قبلها؛ لأن التفسير يكون بالاستئناف وبالبدل إلا أنَّ الثاني منه رفع الفعل، ولو كان بدلاً لنصب، وقد يقال: إنه أبدلَ الجملة من الجملة لا خصوصيَّة الفعلِ من الفعل وحده، وفيه بحث قد تقدم نظيره في «الذاريات» وغيره. والمعنى: يسأل متى يوم القيامة.
فصل فيمن أنكروا البعث
قال ابن الخطيب: اعلم أنَّ إنكار البعث يتولد تارة من الشُّبهة، وأخرى من الشَّهوة، فأما تولده من الشبهة فهو ما حكاه الله - عَزَّ وَجَلَّ - بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ، وتقديره: أنَّ الإنسان هو هذا البدن، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه، واختلطت بأجزاء التراب، وتفرَّقت بالرِّياح في مشارق الأرض ومغاربها، فيكون تمييزها بعد ذلك محالاً.
وهذه الشبهة ساقطة من وجهين:
الأول: لا نُسلِّمُ أن الإنسان هو هذا البدن، بل هو شيء مدبرٌ لهذا البدن، فإذا فسد هذا البدن بقي هو حيّاً كما كان، وحينئذ يعيد الله - تبارك وتعالى - أي بدن أراد، فيسقط السؤال وفي الآية إشارة إلى هذا، لأنه سبحانه أقسم بالنفس اللوامة، ثم قال تعالى جل ذكره: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ، وهو تصريح بالفرق بين النفس والبدن.
الثاني: سلَّمنا أنَّ الإنسان هو هذا البدن، لكنه سبحانه عالم بالجزئيات، فيكونُ عالماً بالجزء الذي هو بدن زيدٍ، وبالجزء الذي هو بدن عمرو، وهو - تعالى - قادر على كلِّ الممكنات، فيلزم أن يكون قادراً على تركيبها ثانياً، فزال الإشكال وأما إنكار البعث بناءً على الشَّهوةِ فهو قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ .
ومعناه أن الإنسان الذي يميل طبعه للشَّهوات واللَّذات والفكرةُ في البعث تنغصها عليه فلا جرم ينكره.
القيامة 75:2
مكية، وهي تسع وثلاثون آية، [وهي في المصحف أربعون آية] ومائة وسبع وتسعون كلمة، وستمائة واثنان وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ .
العامَّة: على «لاَ» نافية، واختلفوا حينئذ فيها على أوجه:
أحدها: أنَّها نافية لكلامٍ تقدم، كأنَّ الكفَّار ذكروا شيئاً، فقيل لهم: «لا» ثم ابتدأ الله قسماً.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «إنَّ القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، فجاء الإقسام بالردِّ عليهم كقوله:» والله لا أفعل «ف» لا «ردٌّ لكلام قد مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة. لحق، كأنك أكذبت قوماً أنكروه» .
والثاني: أنها مزيدة. قال الزمشخري: قالوا: إنها مزيدة، مثلها في ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: 29] ، وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: 12] ؛ وقوله: [الرجز]
4978 - فِي بِئْرِ لا حُورٍ سَرَى وما شَعَرْ ... قال ابن الخطيب: وهذا القولُ عندي ضعيفٌ من وجوه: أحدها: أنَّ تجويز هذا يفضي إلى الطعن في القرآن، لأن على هذا التقدير يجوز جعل النفي إثباتاً، والإثبات نفياً، وذلك ينفي الاعتماد على الكلام نفياً وإثباتاً.
وثانيها: أن الحرف إنما يزاد في وسط الكلام، فإن امرأ القيس زادها في مستهل قصيدته؛ وهي قوله: [المتقارب]
4979 - فَلاَ - وأبِيكِ - ابنَةَ العَامِرِيْ ... يِ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ
وأيضاً: هَبْ أنَّ هذا الحرف في أول الكلام إلا أنَّ القرآن كله كالسُّورة الواحدة لاتصال بعضه ببعض بدليل أنه قد يذكر الشيء في سورة ثم يجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى ﴿وَقَالُواْ يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] ثم جاء جوابه في سورة أخرى وهو قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 2] ، وإذا كان كذلك، كان أوّل هذه السورة جارياً مجرى وسط الكلام.
والجواب عن الأول: أنَّ قوله: لا وأبيك، قسمٌ عن النفي، وقوله: «لا أقْسِمُ» نفي للقسم، لأنه على وزان قولنا: «لا أقبل، لا أضرب، لا أنصر» وذلك يفيد النفي، بدليل أنه لو حلف لا يقسم كان البرُّ بترك القسم، والحنث بفعل القسم، فظهر أن البيت المذكور ليس من هذا الباب.
وعن الثاني: أن القرآن الكريم كالسُّورة الواحدة في عدم التناقض، فإما أن يقرن في كل آية ما أقرن في الأخرى، فذلك غير جائز؛ لأنه يلزم جوازه أن يقرن بكل إثبات حرف النفي الوارد في سائر الآيات، وذلك يقتضي انقلاب كل إثبات نفياً وانقلاب كل نفي إثباتاً، وأنه لا يجوز.
وثالثها: أن المراد من قولنا: «لا» صلة أنَّه لغو باطل يجب طرحه وإسقاطه حتى ينتظم الكلام ووصف كلام الله - تعالى - بذلك لا يجوز.
الوجه الثالث: قال الزمشخري: «إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم؛ قال امرؤ القيس: [المتقارب]
4980 - فَلاَ - وأبِيكِ - ابْنَةَ العَامِري ... البيت المتقدِّم.
وقال غويةُ بنُ سلمَى: [الوافر]
4981 - ألاَ نَادتْ أمَامةُ باحْتِمَالِ ... لتَحْزُننِي فلا بِكِ ما أبَالِي وفائدتها: توكيد القسم في الردِّ «. ثمَّ قال بعد أن حكى وجه الزيادة والاعتراض والجواب كما تقدم: والوجه أن يقال: هي للنَّفي، والمعنى في ذلك: أنَّه لا يقسم بالشيء إلاَّ إعظاماً له، يدلُّك عليه قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 75 - 76] فكأنه بإدخال حرف النَّفي يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام، يعني أنه يستأهل فوق ذلك.
وقيل: إنَّ» لا «نفيٌ لكلامٍ ورد قبل ذلك انتهى.
قال ابن الخطيب: كأنَّهُم أنكروا البعث فقيل:» لا» ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل: أقسم بيوم القيامة.
قال: وهذا فيه إشكال؛ لأن إعادة حرف النفي أحرى في قوله تعالى: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ مع أن المراد ما ذكروه يقدح في فصاحة الكلام.
قال شهاب الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: «فقول الزمخشري» : والوجه أن يقال إلى قوله: يعني أنه يستأهل فوق ذلك، تقرير لقوله: إدخال» لا «النافية على فعل القسم مستفيض إلى آخره وحاصل الكلام يرجع إلى أنها نافية، وأنَّ النَّفي متسلّط على فعل القسم بالمعنى الذي شرحه، وليس فيه منع لفظاً ولا معنى» .
ثم قال: فإن قلت: قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: 65] والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي، فهلا زعمت أنَّ «لا» التي قبل القسم زيدت موطِّئة للنَّفي بعده، ومؤكدة له، وقدَّرت المقسم عليه المحذوف - هاهنا - منفياً كقولك: لا أقسم بيوم القيامة لا تتركُونَ سُدًى؟ .
قلت: لو قصَرُوا الأمر على النَّفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ، ولكنه لم يقصر، ألا ترى كيف نفى ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: 1] بقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ [البلد: 4] وكذلك قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ [الواقعة: 75] بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: 77] ، وهذا من محاسن كلامه تعالى.
وقرأ قنبل والبزِّي - بخلاف عنه -: «لأقسم» بلام بعدها همزة دون ألف، وفيها أوجه:
أحدها: أنها جوابٌ لقسم مقدر، تقديره: «والله لأقسم» والفعل للحالِ، فلذلك لم تأت نونُ التوكيد، وهذا مذهبُ الكوفيين.
وأمَّا البصريون: فلا يجيزون أن يقع فعل الحال جواباً للقسم فإن ورد ما ظاهره ذلك جعل الفعل خبراً لمبتدإ مضمر، فيعود الجواب جملة اسمية قدر أحد جزأيها وهذا عند بعضهم، من ذلك التقدير: والله لأنا أقسم.
الثاني: أنه فعل مستقبل، وإنَّما لم يأتِ بنون التوكيدِ؛ لأنَّ أفعال الله - تعالى - حقٌّ وصدقٌ فهي غنيةٌ عن التأكيد بخلاف أفعال غيره، على أن سيبويه حكى حذف النون، إلا أنه قليل، والكوفيون: يجيزون ذلك من غير قلَّة، إذ من مذهبهم جواز تعاقب اللام والنون فمن حذف اللام قوله: [الكامل]
4982 - وقَتيلُ مُرَّة أثْأرنَّ فإنَّهُ ... فَرْغٌ وإنَّ أخَاكمُ لَمْ يَثْأرِ
أي لأثأرن، ومن حذف النون وهو نظير الآية الكريمة قول الآخر: [الطويل]
4983 - لَئِن تَكُ قَدْ ضَاقتْ عليكَم بُيوتكُمْ ... ليَعلمُ ربِّي أنَّ بَيْتِيَ واسِعُ
الثالث: أنَّها لامُ الابتداء، وليست بلام القسم.
قال أبو البقاء: كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ [النحل: 164] . والمعروف أنَّ لام الابتداء لا تدخل على المضارع إلاَّ في خبر «إنَّ» نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ [النحل: 164] وهذه الآية نظير الآية التي في سورة يونس: ﴿وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ﴾ [يونس: 16] فإنهما قرآها بغير الألف. والكلام فيها قد تقدم.
ولم يختلف في قوله: «ولاَ أقسم» أنه بالألف بعد «لا» ؛ لأنه لم يرسم إلاَّ كذا بخلاف الأول، فإنه رسم بدون ألفٍ بعد «لا» ، وكذلك في قوله تعالى ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: 1] لم يختلف فيه أنه بألف بعد «لا» ، وجواب القسم محذوف، تقديره: لتبعثنّ، دل عليه قوله ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان﴾ [القيامة: 3] .
وقيل: الجواب: «أيَحْسَبُ» .
وقيل: هو ﴿بلى قَادِرِينَ﴾ [القيامة: 4] ، ويروى عن الحسن البصري.
وقيل: المعنى على نفي القسم، والمعنى: إنِّي لا أقسم على شيء، ولكن أسألك أيحسب الإنسان.
وهذه الأقوال شاذَّة منكرة، ولا تصح عن قائلها لخروجها عن لسان العرب، وإنما ذكرناها تنبيهاً على ضعفها.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وابن جبير: معنى الكلام: أقسمُ بيوم القيامة، وهو قول أبي عبيدة، ومثله قوله: [الطويل] 4984 - تَذكَّرْتُ لَيْلَى فاعْترتْنِي صَبَابَةٌ ... فَكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتقطَّعُ
قوله: ﴿بِيَوْمِ القيامة﴾ ، أي: بيوم يقوم الناس فيه لربِّهم، والله - عَزَّ وَجَلَّ - أن يقسم بما شاء، ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ، لا خلاف في هذا بين القراء، وأنه سبحانه - جل ذكره - إنما أقسم بيوم القيامة تعظيماً لشأنه، وعلى قراءة ابن كثير أقسَم بالأولى ولم يقسم بالثانية.
وقيل: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ردٌّ آخر وابتداء قسم بالنفس اللوامة.
قال الثعلبيُّ: والصحيح أنه أقسم بهما جميعاً، ومعنى «بالنَّفْسِ اللَّوامَةِ» : أي: نفس المؤمن الذي لا تراه يلوم إلا نفسه، يقول: [ما أردت بكذا؟ ولا تراه إلا وهو يعاتب نفسه قاله ابن عبَّاس ومجاهد والحسن وغيرهم.
قال الحسن: هي والله نفس المؤمن ما يُرى المؤمن إلاّ يلوم نفسه] ، ما أردت بكلامي هذا؟ ما أردت بأكلي ما أردت بحديثي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه.
وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشَّرِّ لم فعلته، وعلى الخير لِمَ لَمْ تستكثر منه.
وقيل: تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها.
وقيل
: المراد آدم - صلوات الله وسلامه عليه - لم يزل لائماً لنفسه على معصيته التي أخرج بها من الجنة.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنها الملومة، فتكون صفة ذمٍّ، وهو قول من نفى أن يكون قسماً وعلى الأول: صفةُ مدحٍ فيكون القسم بها سائغاً.
وقال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسَّر في الآخرة على ما فرط في جنبِ الله تعالى.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن﴾ . هذه «أن» المخففة وتقدم حكمها في «المائدة» و «أن» وما في حيِّزها في موضع الجرِّ، والفاصل هنا حرف النَّفي، وهي وما في حيِّزها سادَّةٌ مسدّ مفعولي «حَسِب» أو مفعوله على الخلاف.
والعامَّة: على «نَجْمَعَ» بنون العظمة، و «عِظامهُ» نصب مفعولاً به.
وقتادة: «تُجْمع» بتاءٍ من فوقُ مضومةٍ على ما لم يسم فاعله؛ «عظامه» رفع لقيامه مقام الفاعل.
فصل في جواب هذا القسم
قال الزجاج: أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ليجمعنَّ العظام للبعث، فهذا جواب [القسم.
وقال النحاس: جواب] القسم محذوف، أي: لنبعثن.
والمراد بالإنسان: الكافر المكذب بالبعث.
قيل: «نزلت في عدي بن ربيعة قال للبني صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حَدِّثنِي عن يَومِ القِيامةِ مَتَى تكُونُ، وكَيْفَ أمْرهَا وحَالُهَا؟ فأخْبرَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: لَوْ عَايَنْتُ ذلكَ اليَوْمَ لَمْ أصَدِّقكَ يا مُحمَّدُ ولَمْ أومِنْ بِه، أو يَجْمَعُ اللَّهُ العِظامَ؟ ولهذا كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» اللَّهُمَّ اكفِنِي جَارَي السُّوءِ عدَيَّ بن ربيعَة، والأخنس بنَ شَريقٍ» .
وقيل: نزلت في عدو الله أبي جهل حين أنكر البعث بعد الموت، وذكر العظام، والمراد نفسه كلها؛ لأن العظام قالب الخلق.
وقيل: المراد بالإنسان: كل من أنكر البعث مطلقاً.
قوله: ﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام، وهو وقف حسن، ثم يبتدىء «قَادِرين» ، ف» قَادِرين «حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف على ما ذكرنا من التقدير.
وقيل: المعنى بل نجمعها نقدر قادرين.
قال الفراء:» قادرين» نصب على الخروج من «نَجْمعَ» أي نقدر ونقوى» قادرين «على أكثر من ذلك.
وقال أيضاً: يَصْلُح نصبُه على التكرير، أي: بلى فليحسبنا قادرين.
وقيل: المضمر» كنا «أي: كنا قادرين في الابتداء، وقد اعترف به المشركون.
وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميفع:» قادرون «رفعاً على خبر ابتداء مضمر، أي» بلى «نحن» قادرون» ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ والبنانُ عند العرب: الأصابع، واحدُها بنانةٌ؛ قال عنترة: [الوافر]
4985 - وأنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذَا مَا ... وصَلْتُ بَنانَهَا بالهِنْدُوَانِي
فنبه بالبنان على بقية الأعضاء.
وأيضاً: فإنها أضعف العظام فخصها الله - عَزَّ وَجَلَّ - بالذكر لذلك.
قال القتبي والزجاج: وزعموا أن الله تعالى لا يبعث الموتى، ولا يقدرعلى جمع العظام، فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السُّلاميات على صغرها، ونُؤلِّف بينها حتى تستوي، ومن قدر على هذا فهو على جميع الكبار أقدرُ.
وقال ابن عباس وعامة المفسرين: ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخُفِّ البعير، أو كحافر الحمار، أو كظلفِ الخنزيرِ، ولا يمكنه أن يعمل به شيئاً ولكنا فرقنا أصابعه حتى يفعل بها ما يشاء.
وقيل: نقدر أن نُعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان عليها، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: 60، 61] .
والقول الأول أشبه بمساق الآية.
فصل في الكلام على الآية
قال ابن الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي الآية إشكالات:
أحدها: ما المناسبة بين القيامة والنَّفس اللوامة حتى جمع الله بينهما في القسم؟ .
وثانيها: على وقوع القيامة
وثالثها: قال جل ذكره: أقسم بيوم القيامة ولم يقل: والقيامة، كما قال - عَزَّ وَجَلَّ - في سائر السور: ﴿والطور﴾ [الطور: 1] ﴿والذاريات﴾ [الذاريات: 1] ، ﴿والضحى﴾ [الضحى: 1] .
والجواب عن الأول من وجوه:
أحدها: أنَّ أحوال القيامة عجيبة جدّاً، ثُمَّ المقصود من إقامة القيامة إظهار أحوال النُّفوس على ما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ عَرفَ نَفْسَهُ عرَفَ رَبَّهُ» ومن أحوالها العجيبة قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ، وقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان} [الأحزاب: 72] .
وقيل: القسم وقع بالنَّفس اللوامة على معنى التعظيم من حيث إنها أبداً يستحقرُ فعلها وجدُّها واجتهادها في طاعة الله تعالى.
وقيل: إنه - تعالى - أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها؛ لأن النفس اللوامة إمَّا أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإمَّا أن تكون فاسقة مقصرة في العمل، وعلى التقديرين فإنها تكون مستحقرة.
والجواب عن الثاني: أن المحقِّقين قالوا: القسم بهذه الأشياء قسم بربِّها وخالقها في الحقيقة، فكأنه قيل: أقسم برب القيامة على وقوع القيامة.
والجواب عن الثالث: أنه حيث أقسم، قال جل ذكره: «والذَّارياتِ» ، وأما هنا فإنه سبحانه نفى كونه مقسماً بهذه الأشياء، فزال السؤال.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون «بل» لمجرد الإضراب والانتقال من غير عطف، أضرب عن الكلام الأول وأخذ في آخر.
الثاني: أنها عاطفة. قال الزمخشري: «بل يريد» عطف على «أيحسب» ، فيجوز أن يكون مثله استفهاماً، وأن يكون إيجاباً على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر، أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب.
قال أبو حيان بعد ما حكى عن الزمخشري ما تقدَّم: «وهذه التقادير الثلاثة متكلَّفة لا تظهر» .
وقال شهاب الدين: «وليس هنا إلا تقديران، ومفعول» يُرِيد «محذوف يدل عليه التعليل في قوله تعالى: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ والتقدير: يريد شهواته ومعاصيه فيمضي فيها دائماً أبداً و» أمامه «منصوب على الظَّرفِ، وأصله مكانٌ فاستعير هنا للزمان» .
والضمير في «أمَامَه» الظاهرُ عوده على الإنسان.
وقال ابن عباس: يعود على يوم القيامة بمعنى أنه يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث بين يدي يوم القيامة.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: يقول: سوف أتوب حتى يأتيه الموت على أسوأ أحواله.
وعن ابن عباس: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ، قال: يعجل المعصية ويسوفُ بالتوبة وجاء في الحديث: «قال يقولُ: سوف أتُوبُ، ولا يتوبُ، فهُو قَدْ أخْلفَ فكذبَ» .
وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ من البعث والحساب ودليله: يسأل أيان يوم القيامة أي يسأل متى يكون؟ على وجه الإنكار والتكذيب.
وقال الضحاك: هو الأمل، يقول: سوف أعيش وأصيب من الدنيا، ولا يذكر الموت.
وقيل: يعزم على المعصية أبداً وإن كان لا يعيش إلا مدة قليلة، فالهاء على هذه الأقوال الثلاثة للإنسان.
وإذا قلنا: بأن الهاء ليوم القيامة، فالمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي القيامة. والفجورُ: أصله الميل عن الحق.
قوله: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ﴾ هذه جملة مستأنفة.
وقال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: تفسير ل «يفجر» فيحتمل أن يكون مستأنفاً مفسّراً، وأن يكون بدلاً من الجملة قبلها؛ لأن التفسير يكون بالاستئناف وبالبدل إلا أنَّ الثاني منه رفع الفعل، ولو كان بدلاً لنصب، وقد يقال: إنه أبدلَ الجملة من الجملة لا خصوصيَّة الفعلِ من الفعل وحده، وفيه بحث قد تقدم نظيره في «الذاريات» وغيره. والمعنى: يسأل متى يوم القيامة.
فصل فيمن أنكروا البعث
قال ابن الخطيب: اعلم أنَّ إنكار البعث يتولد تارة من الشُّبهة، وأخرى من الشَّهوة، فأما تولده من الشبهة فهو ما حكاه الله - عَزَّ وَجَلَّ - بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ، وتقديره: أنَّ الإنسان هو هذا البدن، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه، واختلطت بأجزاء التراب، وتفرَّقت بالرِّياح في مشارق الأرض ومغاربها، فيكون تمييزها بعد ذلك محالاً.
وهذه الشبهة ساقطة من وجهين:
الأول: لا نُسلِّمُ أن الإنسان هو هذا البدن، بل هو شيء مدبرٌ لهذا البدن، فإذا فسد هذا البدن بقي هو حيّاً كما كان، وحينئذ يعيد الله - تبارك وتعالى - أي بدن أراد، فيسقط السؤال وفي الآية إشارة إلى هذا، لأنه سبحانه أقسم بالنفس اللوامة، ثم قال تعالى جل ذكره: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ، وهو تصريح بالفرق بين النفس والبدن.
الثاني: سلَّمنا أنَّ الإنسان هو هذا البدن، لكنه سبحانه عالم بالجزئيات، فيكونُ عالماً بالجزء الذي هو بدن زيدٍ، وبالجزء الذي هو بدن عمرو، وهو - تعالى - قادر على كلِّ الممكنات، فيلزم أن يكون قادراً على تركيبها ثانياً، فزال الإشكال وأما إنكار البعث بناءً على الشَّهوةِ فهو قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ .
ومعناه أن الإنسان الذي يميل طبعه للشَّهوات واللَّذات والفكرةُ في البعث تنغصها عليه فلا جرم ينكره.
القيامة 75:3
مكية، وهي تسع وثلاثون آية، [وهي في المصحف أربعون آية] ومائة وسبع وتسعون كلمة، وستمائة واثنان وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ .
العامَّة: على «لاَ» نافية، واختلفوا حينئذ فيها على أوجه:
أحدها: أنَّها نافية لكلامٍ تقدم، كأنَّ الكفَّار ذكروا شيئاً، فقيل لهم: «لا» ثم ابتدأ الله قسماً.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «إنَّ القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، فجاء الإقسام بالردِّ عليهم كقوله:» والله لا أفعل «ف» لا «ردٌّ لكلام قد مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة. لحق، كأنك أكذبت قوماً أنكروه» .
والثاني: أنها مزيدة. قال الزمشخري: قالوا: إنها مزيدة، مثلها في ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: 29] ، وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: 12] ؛ وقوله: [الرجز]
4978 - فِي بِئْرِ لا حُورٍ سَرَى وما شَعَرْ ... قال ابن الخطيب: وهذا القولُ عندي ضعيفٌ من وجوه: أحدها: أنَّ تجويز هذا يفضي إلى الطعن في القرآن، لأن على هذا التقدير يجوز جعل النفي إثباتاً، والإثبات نفياً، وذلك ينفي الاعتماد على الكلام نفياً وإثباتاً.
وثانيها: أن الحرف إنما يزاد في وسط الكلام، فإن امرأ القيس زادها في مستهل قصيدته؛ وهي قوله: [المتقارب]
4979 - فَلاَ - وأبِيكِ - ابنَةَ العَامِرِيْ ... يِ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ
وأيضاً: هَبْ أنَّ هذا الحرف في أول الكلام إلا أنَّ القرآن كله كالسُّورة الواحدة لاتصال بعضه ببعض بدليل أنه قد يذكر الشيء في سورة ثم يجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى ﴿وَقَالُواْ يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] ثم جاء جوابه في سورة أخرى وهو قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 2] ، وإذا كان كذلك، كان أوّل هذه السورة جارياً مجرى وسط الكلام.
والجواب عن الأول: أنَّ قوله: لا وأبيك، قسمٌ عن النفي، وقوله: «لا أقْسِمُ» نفي للقسم، لأنه على وزان قولنا: «لا أقبل، لا أضرب، لا أنصر» وذلك يفيد النفي، بدليل أنه لو حلف لا يقسم كان البرُّ بترك القسم، والحنث بفعل القسم، فظهر أن البيت المذكور ليس من هذا الباب.
وعن الثاني: أن القرآن الكريم كالسُّورة الواحدة في عدم التناقض، فإما أن يقرن في كل آية ما أقرن في الأخرى، فذلك غير جائز؛ لأنه يلزم جوازه أن يقرن بكل إثبات حرف النفي الوارد في سائر الآيات، وذلك يقتضي انقلاب كل إثبات نفياً وانقلاب كل نفي إثباتاً، وأنه لا يجوز.
وثالثها: أن المراد من قولنا: «لا» صلة أنَّه لغو باطل يجب طرحه وإسقاطه حتى ينتظم الكلام ووصف كلام الله - تعالى - بذلك لا يجوز.
الوجه الثالث: قال الزمشخري: «إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم؛ قال امرؤ القيس: [المتقارب]
4980 - فَلاَ - وأبِيكِ - ابْنَةَ العَامِري ... البيت المتقدِّم.
وقال غويةُ بنُ سلمَى: [الوافر]
4981 - ألاَ نَادتْ أمَامةُ باحْتِمَالِ ... لتَحْزُننِي فلا بِكِ ما أبَالِي وفائدتها: توكيد القسم في الردِّ «. ثمَّ قال بعد أن حكى وجه الزيادة والاعتراض والجواب كما تقدم: والوجه أن يقال: هي للنَّفي، والمعنى في ذلك: أنَّه لا يقسم بالشيء إلاَّ إعظاماً له، يدلُّك عليه قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 75 - 76] فكأنه بإدخال حرف النَّفي يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام، يعني أنه يستأهل فوق ذلك.
وقيل: إنَّ» لا «نفيٌ لكلامٍ ورد قبل ذلك انتهى.
قال ابن الخطيب: كأنَّهُم أنكروا البعث فقيل:» لا» ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل: أقسم بيوم القيامة.
قال: وهذا فيه إشكال؛ لأن إعادة حرف النفي أحرى في قوله تعالى: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ مع أن المراد ما ذكروه يقدح في فصاحة الكلام.
قال شهاب الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: «فقول الزمخشري» : والوجه أن يقال إلى قوله: يعني أنه يستأهل فوق ذلك، تقرير لقوله: إدخال» لا «النافية على فعل القسم مستفيض إلى آخره وحاصل الكلام يرجع إلى أنها نافية، وأنَّ النَّفي متسلّط على فعل القسم بالمعنى الذي شرحه، وليس فيه منع لفظاً ولا معنى» .
ثم قال: فإن قلت: قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: 65] والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي، فهلا زعمت أنَّ «لا» التي قبل القسم زيدت موطِّئة للنَّفي بعده، ومؤكدة له، وقدَّرت المقسم عليه المحذوف - هاهنا - منفياً كقولك: لا أقسم بيوم القيامة لا تتركُونَ سُدًى؟ .
قلت: لو قصَرُوا الأمر على النَّفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ، ولكنه لم يقصر، ألا ترى كيف نفى ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: 1] بقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ [البلد: 4] وكذلك قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ [الواقعة: 75] بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: 77] ، وهذا من محاسن كلامه تعالى.
وقرأ قنبل والبزِّي - بخلاف عنه -: «لأقسم» بلام بعدها همزة دون ألف، وفيها أوجه:
أحدها: أنها جوابٌ لقسم مقدر، تقديره: «والله لأقسم» والفعل للحالِ، فلذلك لم تأت نونُ التوكيد، وهذا مذهبُ الكوفيين.
وأمَّا البصريون: فلا يجيزون أن يقع فعل الحال جواباً للقسم فإن ورد ما ظاهره ذلك جعل الفعل خبراً لمبتدإ مضمر، فيعود الجواب جملة اسمية قدر أحد جزأيها وهذا عند بعضهم، من ذلك التقدير: والله لأنا أقسم.
الثاني: أنه فعل مستقبل، وإنَّما لم يأتِ بنون التوكيدِ؛ لأنَّ أفعال الله - تعالى - حقٌّ وصدقٌ فهي غنيةٌ عن التأكيد بخلاف أفعال غيره، على أن سيبويه حكى حذف النون، إلا أنه قليل، والكوفيون: يجيزون ذلك من غير قلَّة، إذ من مذهبهم جواز تعاقب اللام والنون فمن حذف اللام قوله: [الكامل]
4982 - وقَتيلُ مُرَّة أثْأرنَّ فإنَّهُ ... فَرْغٌ وإنَّ أخَاكمُ لَمْ يَثْأرِ
أي لأثأرن، ومن حذف النون وهو نظير الآية الكريمة قول الآخر: [الطويل]
4983 - لَئِن تَكُ قَدْ ضَاقتْ عليكَم بُيوتكُمْ ... ليَعلمُ ربِّي أنَّ بَيْتِيَ واسِعُ
الثالث: أنَّها لامُ الابتداء، وليست بلام القسم.
قال أبو البقاء: كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ [النحل: 164] . والمعروف أنَّ لام الابتداء لا تدخل على المضارع إلاَّ في خبر «إنَّ» نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ [النحل: 164] وهذه الآية نظير الآية التي في سورة يونس: ﴿وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ﴾ [يونس: 16] فإنهما قرآها بغير الألف. والكلام فيها قد تقدم.
ولم يختلف في قوله: «ولاَ أقسم» أنه بالألف بعد «لا» ؛ لأنه لم يرسم إلاَّ كذا بخلاف الأول، فإنه رسم بدون ألفٍ بعد «لا» ، وكذلك في قوله تعالى ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: 1] لم يختلف فيه أنه بألف بعد «لا» ، وجواب القسم محذوف، تقديره: لتبعثنّ، دل عليه قوله ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان﴾ [القيامة: 3] .
وقيل: الجواب: «أيَحْسَبُ» .
وقيل: هو ﴿بلى قَادِرِينَ﴾ [القيامة: 4] ، ويروى عن الحسن البصري.
وقيل: المعنى على نفي القسم، والمعنى: إنِّي لا أقسم على شيء، ولكن أسألك أيحسب الإنسان.
وهذه الأقوال شاذَّة منكرة، ولا تصح عن قائلها لخروجها عن لسان العرب، وإنما ذكرناها تنبيهاً على ضعفها.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وابن جبير: معنى الكلام: أقسمُ بيوم القيامة، وهو قول أبي عبيدة، ومثله قوله: [الطويل] 4984 - تَذكَّرْتُ لَيْلَى فاعْترتْنِي صَبَابَةٌ ... فَكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتقطَّعُ
قوله: ﴿بِيَوْمِ القيامة﴾ ، أي: بيوم يقوم الناس فيه لربِّهم، والله - عَزَّ وَجَلَّ - أن يقسم بما شاء، ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ، لا خلاف في هذا بين القراء، وأنه سبحانه - جل ذكره - إنما أقسم بيوم القيامة تعظيماً لشأنه، وعلى قراءة ابن كثير أقسَم بالأولى ولم يقسم بالثانية.
وقيل: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ردٌّ آخر وابتداء قسم بالنفس اللوامة.
قال الثعلبيُّ: والصحيح أنه أقسم بهما جميعاً، ومعنى «بالنَّفْسِ اللَّوامَةِ» : أي: نفس المؤمن الذي لا تراه يلوم إلا نفسه، يقول: [ما أردت بكذا؟ ولا تراه إلا وهو يعاتب نفسه قاله ابن عبَّاس ومجاهد والحسن وغيرهم.
قال الحسن: هي والله نفس المؤمن ما يُرى المؤمن إلاّ يلوم نفسه] ، ما أردت بكلامي هذا؟ ما أردت بأكلي ما أردت بحديثي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه.
وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشَّرِّ لم فعلته، وعلى الخير لِمَ لَمْ تستكثر منه.
وقيل: تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها.
وقيل
: المراد آدم - صلوات الله وسلامه عليه - لم يزل لائماً لنفسه على معصيته التي أخرج بها من الجنة.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنها الملومة، فتكون صفة ذمٍّ، وهو قول من نفى أن يكون قسماً وعلى الأول: صفةُ مدحٍ فيكون القسم بها سائغاً.
وقال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسَّر في الآخرة على ما فرط في جنبِ الله تعالى.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن﴾ . هذه «أن» المخففة وتقدم حكمها في «المائدة» و «أن» وما في حيِّزها في موضع الجرِّ، والفاصل هنا حرف النَّفي، وهي وما في حيِّزها سادَّةٌ مسدّ مفعولي «حَسِب» أو مفعوله على الخلاف.
والعامَّة: على «نَجْمَعَ» بنون العظمة، و «عِظامهُ» نصب مفعولاً به.
وقتادة: «تُجْمع» بتاءٍ من فوقُ مضومةٍ على ما لم يسم فاعله؛ «عظامه» رفع لقيامه مقام الفاعل.
فصل في جواب هذا القسم
قال الزجاج: أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ليجمعنَّ العظام للبعث، فهذا جواب [القسم.
وقال النحاس: جواب] القسم محذوف، أي: لنبعثن.
والمراد بالإنسان: الكافر المكذب بالبعث.
قيل: «نزلت في عدي بن ربيعة قال للبني صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حَدِّثنِي عن يَومِ القِيامةِ مَتَى تكُونُ، وكَيْفَ أمْرهَا وحَالُهَا؟ فأخْبرَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: لَوْ عَايَنْتُ ذلكَ اليَوْمَ لَمْ أصَدِّقكَ يا مُحمَّدُ ولَمْ أومِنْ بِه، أو يَجْمَعُ اللَّهُ العِظامَ؟ ولهذا كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» اللَّهُمَّ اكفِنِي جَارَي السُّوءِ عدَيَّ بن ربيعَة، والأخنس بنَ شَريقٍ» .
وقيل: نزلت في عدو الله أبي جهل حين أنكر البعث بعد الموت، وذكر العظام، والمراد نفسه كلها؛ لأن العظام قالب الخلق.
وقيل: المراد بالإنسان: كل من أنكر البعث مطلقاً.
قوله: ﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام، وهو وقف حسن، ثم يبتدىء «قَادِرين» ، ف» قَادِرين «حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف على ما ذكرنا من التقدير.
وقيل: المعنى بل نجمعها نقدر قادرين.
قال الفراء:» قادرين» نصب على الخروج من «نَجْمعَ» أي نقدر ونقوى» قادرين «على أكثر من ذلك.
وقال أيضاً: يَصْلُح نصبُه على التكرير، أي: بلى فليحسبنا قادرين.
وقيل: المضمر» كنا «أي: كنا قادرين في الابتداء، وقد اعترف به المشركون.
وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميفع:» قادرون «رفعاً على خبر ابتداء مضمر، أي» بلى «نحن» قادرون» ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ والبنانُ عند العرب: الأصابع، واحدُها بنانةٌ؛ قال عنترة: [الوافر]
4985 - وأنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذَا مَا ... وصَلْتُ بَنانَهَا بالهِنْدُوَانِي
فنبه بالبنان على بقية الأعضاء.
وأيضاً: فإنها أضعف العظام فخصها الله - عَزَّ وَجَلَّ - بالذكر لذلك.
قال القتبي والزجاج: وزعموا أن الله تعالى لا يبعث الموتى، ولا يقدرعلى جمع العظام، فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السُّلاميات على صغرها، ونُؤلِّف بينها حتى تستوي، ومن قدر على هذا فهو على جميع الكبار أقدرُ.
وقال ابن عباس وعامة المفسرين: ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخُفِّ البعير، أو كحافر الحمار، أو كظلفِ الخنزيرِ، ولا يمكنه أن يعمل به شيئاً ولكنا فرقنا أصابعه حتى يفعل بها ما يشاء.
وقيل: نقدر أن نُعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان عليها، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: 60، 61] .
والقول الأول أشبه بمساق الآية.
فصل في الكلام على الآية
قال ابن الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي الآية إشكالات:
أحدها: ما المناسبة بين القيامة والنَّفس اللوامة حتى جمع الله بينهما في القسم؟ .
وثانيها: على وقوع القيامة
وثالثها: قال جل ذكره: أقسم بيوم القيامة ولم يقل: والقيامة، كما قال - عَزَّ وَجَلَّ - في سائر السور: ﴿والطور﴾ [الطور: 1] ﴿والذاريات﴾ [الذاريات: 1] ، ﴿والضحى﴾ [الضحى: 1] .
والجواب عن الأول من وجوه:
أحدها: أنَّ أحوال القيامة عجيبة جدّاً، ثُمَّ المقصود من إقامة القيامة إظهار أحوال النُّفوس على ما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ عَرفَ نَفْسَهُ عرَفَ رَبَّهُ» ومن أحوالها العجيبة قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ، وقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان} [الأحزاب: 72] .
وقيل: القسم وقع بالنَّفس اللوامة على معنى التعظيم من حيث إنها أبداً يستحقرُ فعلها وجدُّها واجتهادها في طاعة الله تعالى.
وقيل: إنه - تعالى - أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها؛ لأن النفس اللوامة إمَّا أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإمَّا أن تكون فاسقة مقصرة في العمل، وعلى التقديرين فإنها تكون مستحقرة.
والجواب عن الثاني: أن المحقِّقين قالوا: القسم بهذه الأشياء قسم بربِّها وخالقها في الحقيقة، فكأنه قيل: أقسم برب القيامة على وقوع القيامة.
والجواب عن الثالث: أنه حيث أقسم، قال جل ذكره: «والذَّارياتِ» ، وأما هنا فإنه سبحانه نفى كونه مقسماً بهذه الأشياء، فزال السؤال.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون «بل» لمجرد الإضراب والانتقال من غير عطف، أضرب عن الكلام الأول وأخذ في آخر.
الثاني: أنها عاطفة. قال الزمخشري: «بل يريد» عطف على «أيحسب» ، فيجوز أن يكون مثله استفهاماً، وأن يكون إيجاباً على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر، أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب.
قال أبو حيان بعد ما حكى عن الزمخشري ما تقدَّم: «وهذه التقادير الثلاثة متكلَّفة لا تظهر» .
وقال شهاب الدين: «وليس هنا إلا تقديران، ومفعول» يُرِيد «محذوف يدل عليه التعليل في قوله تعالى: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ والتقدير: يريد شهواته ومعاصيه فيمضي فيها دائماً أبداً و» أمامه «منصوب على الظَّرفِ، وأصله مكانٌ فاستعير هنا للزمان» .
والضمير في «أمَامَه» الظاهرُ عوده على الإنسان.
وقال ابن عباس: يعود على يوم القيامة بمعنى أنه يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث بين يدي يوم القيامة.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: يقول: سوف أتوب حتى يأتيه الموت على أسوأ أحواله.
وعن ابن عباس: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ، قال: يعجل المعصية ويسوفُ بالتوبة وجاء في الحديث: «قال يقولُ: سوف أتُوبُ، ولا يتوبُ، فهُو قَدْ أخْلفَ فكذبَ» .
وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ من البعث والحساب ودليله: يسأل أيان يوم القيامة أي يسأل متى يكون؟ على وجه الإنكار والتكذيب.
وقال الضحاك: هو الأمل، يقول: سوف أعيش وأصيب من الدنيا، ولا يذكر الموت.
وقيل: يعزم على المعصية أبداً وإن كان لا يعيش إلا مدة قليلة، فالهاء على هذه الأقوال الثلاثة للإنسان.
وإذا قلنا: بأن الهاء ليوم القيامة، فالمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي القيامة. والفجورُ: أصله الميل عن الحق.
قوله: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ﴾ هذه جملة مستأنفة.
وقال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: تفسير ل «يفجر» فيحتمل أن يكون مستأنفاً مفسّراً، وأن يكون بدلاً من الجملة قبلها؛ لأن التفسير يكون بالاستئناف وبالبدل إلا أنَّ الثاني منه رفع الفعل، ولو كان بدلاً لنصب، وقد يقال: إنه أبدلَ الجملة من الجملة لا خصوصيَّة الفعلِ من الفعل وحده، وفيه بحث قد تقدم نظيره في «الذاريات» وغيره. والمعنى: يسأل متى يوم القيامة.
فصل فيمن أنكروا البعث
قال ابن الخطيب: اعلم أنَّ إنكار البعث يتولد تارة من الشُّبهة، وأخرى من الشَّهوة، فأما تولده من الشبهة فهو ما حكاه الله - عَزَّ وَجَلَّ - بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ، وتقديره: أنَّ الإنسان هو هذا البدن، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه، واختلطت بأجزاء التراب، وتفرَّقت بالرِّياح في مشارق الأرض ومغاربها، فيكون تمييزها بعد ذلك محالاً.
وهذه الشبهة ساقطة من وجهين:
الأول: لا نُسلِّمُ أن الإنسان هو هذا البدن، بل هو شيء مدبرٌ لهذا البدن، فإذا فسد هذا البدن بقي هو حيّاً كما كان، وحينئذ يعيد الله - تبارك وتعالى - أي بدن أراد، فيسقط السؤال وفي الآية إشارة إلى هذا، لأنه سبحانه أقسم بالنفس اللوامة، ثم قال تعالى جل ذكره: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ، وهو تصريح بالفرق بين النفس والبدن.
الثاني: سلَّمنا أنَّ الإنسان هو هذا البدن، لكنه سبحانه عالم بالجزئيات، فيكونُ عالماً بالجزء الذي هو بدن زيدٍ، وبالجزء الذي هو بدن عمرو، وهو - تعالى - قادر على كلِّ الممكنات، فيلزم أن يكون قادراً على تركيبها ثانياً، فزال الإشكال وأما إنكار البعث بناءً على الشَّهوةِ فهو قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ .
ومعناه أن الإنسان الذي يميل طبعه للشَّهوات واللَّذات والفكرةُ في البعث تنغصها عليه فلا جرم ينكره.
القيامة 75:4
مكية، وهي تسع وثلاثون آية، [وهي في المصحف أربعون آية] ومائة وسبع وتسعون كلمة، وستمائة واثنان وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ .
العامَّة: على «لاَ» نافية، واختلفوا حينئذ فيها على أوجه:
أحدها: أنَّها نافية لكلامٍ تقدم، كأنَّ الكفَّار ذكروا شيئاً، فقيل لهم: «لا» ثم ابتدأ الله قسماً.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «إنَّ القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، فجاء الإقسام بالردِّ عليهم كقوله:» والله لا أفعل «ف» لا «ردٌّ لكلام قد مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة. لحق، كأنك أكذبت قوماً أنكروه» .
والثاني: أنها مزيدة. قال الزمشخري: قالوا: إنها مزيدة، مثلها في ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: 29] ، وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: 12] ؛ وقوله: [الرجز]
4978 - فِي بِئْرِ لا حُورٍ سَرَى وما شَعَرْ ... قال ابن الخطيب: وهذا القولُ عندي ضعيفٌ من وجوه: أحدها: أنَّ تجويز هذا يفضي إلى الطعن في القرآن، لأن على هذا التقدير يجوز جعل النفي إثباتاً، والإثبات نفياً، وذلك ينفي الاعتماد على الكلام نفياً وإثباتاً.
وثانيها: أن الحرف إنما يزاد في وسط الكلام، فإن امرأ القيس زادها في مستهل قصيدته؛ وهي قوله: [المتقارب]
4979 - فَلاَ - وأبِيكِ - ابنَةَ العَامِرِيْ ... يِ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ
وأيضاً: هَبْ أنَّ هذا الحرف في أول الكلام إلا أنَّ القرآن كله كالسُّورة الواحدة لاتصال بعضه ببعض بدليل أنه قد يذكر الشيء في سورة ثم يجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى ﴿وَقَالُواْ يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] ثم جاء جوابه في سورة أخرى وهو قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 2] ، وإذا كان كذلك، كان أوّل هذه السورة جارياً مجرى وسط الكلام.
والجواب عن الأول: أنَّ قوله: لا وأبيك، قسمٌ عن النفي، وقوله: «لا أقْسِمُ» نفي للقسم، لأنه على وزان قولنا: «لا أقبل، لا أضرب، لا أنصر» وذلك يفيد النفي، بدليل أنه لو حلف لا يقسم كان البرُّ بترك القسم، والحنث بفعل القسم، فظهر أن البيت المذكور ليس من هذا الباب.
وعن الثاني: أن القرآن الكريم كالسُّورة الواحدة في عدم التناقض، فإما أن يقرن في كل آية ما أقرن في الأخرى، فذلك غير جائز؛ لأنه يلزم جوازه أن يقرن بكل إثبات حرف النفي الوارد في سائر الآيات، وذلك يقتضي انقلاب كل إثبات نفياً وانقلاب كل نفي إثباتاً، وأنه لا يجوز.
وثالثها: أن المراد من قولنا: «لا» صلة أنَّه لغو باطل يجب طرحه وإسقاطه حتى ينتظم الكلام ووصف كلام الله - تعالى - بذلك لا يجوز.
الوجه الثالث: قال الزمشخري: «إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم؛ قال امرؤ القيس: [المتقارب]
4980 - فَلاَ - وأبِيكِ - ابْنَةَ العَامِري ... البيت المتقدِّم.
وقال غويةُ بنُ سلمَى: [الوافر]
4981 - ألاَ نَادتْ أمَامةُ باحْتِمَالِ ... لتَحْزُننِي فلا بِكِ ما أبَالِي وفائدتها: توكيد القسم في الردِّ «. ثمَّ قال بعد أن حكى وجه الزيادة والاعتراض والجواب كما تقدم: والوجه أن يقال: هي للنَّفي، والمعنى في ذلك: أنَّه لا يقسم بالشيء إلاَّ إعظاماً له، يدلُّك عليه قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 75 - 76] فكأنه بإدخال حرف النَّفي يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام، يعني أنه يستأهل فوق ذلك.
وقيل: إنَّ» لا «نفيٌ لكلامٍ ورد قبل ذلك انتهى.
قال ابن الخطيب: كأنَّهُم أنكروا البعث فقيل:» لا» ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل: أقسم بيوم القيامة.
قال: وهذا فيه إشكال؛ لأن إعادة حرف النفي أحرى في قوله تعالى: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ مع أن المراد ما ذكروه يقدح في فصاحة الكلام.
قال شهاب الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: «فقول الزمخشري» : والوجه أن يقال إلى قوله: يعني أنه يستأهل فوق ذلك، تقرير لقوله: إدخال» لا «النافية على فعل القسم مستفيض إلى آخره وحاصل الكلام يرجع إلى أنها نافية، وأنَّ النَّفي متسلّط على فعل القسم بالمعنى الذي شرحه، وليس فيه منع لفظاً ولا معنى» .
ثم قال: فإن قلت: قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: 65] والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي، فهلا زعمت أنَّ «لا» التي قبل القسم زيدت موطِّئة للنَّفي بعده، ومؤكدة له، وقدَّرت المقسم عليه المحذوف - هاهنا - منفياً كقولك: لا أقسم بيوم القيامة لا تتركُونَ سُدًى؟ .
قلت: لو قصَرُوا الأمر على النَّفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ، ولكنه لم يقصر، ألا ترى كيف نفى ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: 1] بقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ [البلد: 4] وكذلك قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ [الواقعة: 75] بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: 77] ، وهذا من محاسن كلامه تعالى.
وقرأ قنبل والبزِّي - بخلاف عنه -: «لأقسم» بلام بعدها همزة دون ألف، وفيها أوجه:
أحدها: أنها جوابٌ لقسم مقدر، تقديره: «والله لأقسم» والفعل للحالِ، فلذلك لم تأت نونُ التوكيد، وهذا مذهبُ الكوفيين.
وأمَّا البصريون: فلا يجيزون أن يقع فعل الحال جواباً للقسم فإن ورد ما ظاهره ذلك جعل الفعل خبراً لمبتدإ مضمر، فيعود الجواب جملة اسمية قدر أحد جزأيها وهذا عند بعضهم، من ذلك التقدير: والله لأنا أقسم.
الثاني: أنه فعل مستقبل، وإنَّما لم يأتِ بنون التوكيدِ؛ لأنَّ أفعال الله - تعالى - حقٌّ وصدقٌ فهي غنيةٌ عن التأكيد بخلاف أفعال غيره، على أن سيبويه حكى حذف النون، إلا أنه قليل، والكوفيون: يجيزون ذلك من غير قلَّة، إذ من مذهبهم جواز تعاقب اللام والنون فمن حذف اللام قوله: [الكامل]
4982 - وقَتيلُ مُرَّة أثْأرنَّ فإنَّهُ ... فَرْغٌ وإنَّ أخَاكمُ لَمْ يَثْأرِ
أي لأثأرن، ومن حذف النون وهو نظير الآية الكريمة قول الآخر: [الطويل]
4983 - لَئِن تَكُ قَدْ ضَاقتْ عليكَم بُيوتكُمْ ... ليَعلمُ ربِّي أنَّ بَيْتِيَ واسِعُ
الثالث: أنَّها لامُ الابتداء، وليست بلام القسم.
قال أبو البقاء: كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ [النحل: 164] . والمعروف أنَّ لام الابتداء لا تدخل على المضارع إلاَّ في خبر «إنَّ» نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ [النحل: 164] وهذه الآية نظير الآية التي في سورة يونس: ﴿وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ﴾ [يونس: 16] فإنهما قرآها بغير الألف. والكلام فيها قد تقدم.
ولم يختلف في قوله: «ولاَ أقسم» أنه بالألف بعد «لا» ؛ لأنه لم يرسم إلاَّ كذا بخلاف الأول، فإنه رسم بدون ألفٍ بعد «لا» ، وكذلك في قوله تعالى ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: 1] لم يختلف فيه أنه بألف بعد «لا» ، وجواب القسم محذوف، تقديره: لتبعثنّ، دل عليه قوله ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان﴾ [القيامة: 3] .
وقيل: الجواب: «أيَحْسَبُ» .
وقيل: هو ﴿بلى قَادِرِينَ﴾ [القيامة: 4] ، ويروى عن الحسن البصري.
وقيل: المعنى على نفي القسم، والمعنى: إنِّي لا أقسم على شيء، ولكن أسألك أيحسب الإنسان.
وهذه الأقوال شاذَّة منكرة، ولا تصح عن قائلها لخروجها عن لسان العرب، وإنما ذكرناها تنبيهاً على ضعفها.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وابن جبير: معنى الكلام: أقسمُ بيوم القيامة، وهو قول أبي عبيدة، ومثله قوله: [الطويل] 4984 - تَذكَّرْتُ لَيْلَى فاعْترتْنِي صَبَابَةٌ ... فَكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتقطَّعُ
قوله: ﴿بِيَوْمِ القيامة﴾ ، أي: بيوم يقوم الناس فيه لربِّهم، والله - عَزَّ وَجَلَّ - أن يقسم بما شاء، ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ، لا خلاف في هذا بين القراء، وأنه سبحانه - جل ذكره - إنما أقسم بيوم القيامة تعظيماً لشأنه، وعلى قراءة ابن كثير أقسَم بالأولى ولم يقسم بالثانية.
وقيل: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ردٌّ آخر وابتداء قسم بالنفس اللوامة.
قال الثعلبيُّ: والصحيح أنه أقسم بهما جميعاً، ومعنى «بالنَّفْسِ اللَّوامَةِ» : أي: نفس المؤمن الذي لا تراه يلوم إلا نفسه، يقول: [ما أردت بكذا؟ ولا تراه إلا وهو يعاتب نفسه قاله ابن عبَّاس ومجاهد والحسن وغيرهم.
قال الحسن: هي والله نفس المؤمن ما يُرى المؤمن إلاّ يلوم نفسه] ، ما أردت بكلامي هذا؟ ما أردت بأكلي ما أردت بحديثي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه.
وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشَّرِّ لم فعلته، وعلى الخير لِمَ لَمْ تستكثر منه.
وقيل: تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها.
وقيل
: المراد آدم - صلوات الله وسلامه عليه - لم يزل لائماً لنفسه على معصيته التي أخرج بها من الجنة.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنها الملومة، فتكون صفة ذمٍّ، وهو قول من نفى أن يكون قسماً وعلى الأول: صفةُ مدحٍ فيكون القسم بها سائغاً.
وقال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسَّر في الآخرة على ما فرط في جنبِ الله تعالى.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن﴾ . هذه «أن» المخففة وتقدم حكمها في «المائدة» و «أن» وما في حيِّزها في موضع الجرِّ، والفاصل هنا حرف النَّفي، وهي وما في حيِّزها سادَّةٌ مسدّ مفعولي «حَسِب» أو مفعوله على الخلاف.
والعامَّة: على «نَجْمَعَ» بنون العظمة، و «عِظامهُ» نصب مفعولاً به.
وقتادة: «تُجْمع» بتاءٍ من فوقُ مضومةٍ على ما لم يسم فاعله؛ «عظامه» رفع لقيامه مقام الفاعل.
فصل في جواب هذا القسم
قال الزجاج: أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ليجمعنَّ العظام للبعث، فهذا جواب [القسم.
وقال النحاس: جواب] القسم محذوف، أي: لنبعثن.
والمراد بالإنسان: الكافر المكذب بالبعث.
قيل: «نزلت في عدي بن ربيعة قال للبني صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حَدِّثنِي عن يَومِ القِيامةِ مَتَى تكُونُ، وكَيْفَ أمْرهَا وحَالُهَا؟ فأخْبرَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: لَوْ عَايَنْتُ ذلكَ اليَوْمَ لَمْ أصَدِّقكَ يا مُحمَّدُ ولَمْ أومِنْ بِه، أو يَجْمَعُ اللَّهُ العِظامَ؟ ولهذا كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» اللَّهُمَّ اكفِنِي جَارَي السُّوءِ عدَيَّ بن ربيعَة، والأخنس بنَ شَريقٍ» .
وقيل: نزلت في عدو الله أبي جهل حين أنكر البعث بعد الموت، وذكر العظام، والمراد نفسه كلها؛ لأن العظام قالب الخلق.
وقيل: المراد بالإنسان: كل من أنكر البعث مطلقاً.
قوله: ﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام، وهو وقف حسن، ثم يبتدىء «قَادِرين» ، ف» قَادِرين «حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف على ما ذكرنا من التقدير.
وقيل: المعنى بل نجمعها نقدر قادرين.
قال الفراء:» قادرين» نصب على الخروج من «نَجْمعَ» أي نقدر ونقوى» قادرين «على أكثر من ذلك.
وقال أيضاً: يَصْلُح نصبُه على التكرير، أي: بلى فليحسبنا قادرين.
وقيل: المضمر» كنا «أي: كنا قادرين في الابتداء، وقد اعترف به المشركون.
وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميفع:» قادرون «رفعاً على خبر ابتداء مضمر، أي» بلى «نحن» قادرون» ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ والبنانُ عند العرب: الأصابع، واحدُها بنانةٌ؛ قال عنترة: [الوافر]
4985 - وأنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذَا مَا ... وصَلْتُ بَنانَهَا بالهِنْدُوَانِي
فنبه بالبنان على بقية الأعضاء.
وأيضاً: فإنها أضعف العظام فخصها الله - عَزَّ وَجَلَّ - بالذكر لذلك.
قال القتبي والزجاج: وزعموا أن الله تعالى لا يبعث الموتى، ولا يقدرعلى جمع العظام، فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السُّلاميات على صغرها، ونُؤلِّف بينها حتى تستوي، ومن قدر على هذا فهو على جميع الكبار أقدرُ.
وقال ابن عباس وعامة المفسرين: ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخُفِّ البعير، أو كحافر الحمار، أو كظلفِ الخنزيرِ، ولا يمكنه أن يعمل به شيئاً ولكنا فرقنا أصابعه حتى يفعل بها ما يشاء.
وقيل: نقدر أن نُعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان عليها، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: 60، 61] .
والقول الأول أشبه بمساق الآية.
فصل في الكلام على الآية
قال ابن الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي الآية إشكالات:
أحدها: ما المناسبة بين القيامة والنَّفس اللوامة حتى جمع الله بينهما في القسم؟ .
وثانيها: على وقوع القيامة
وثالثها: قال جل ذكره: أقسم بيوم القيامة ولم يقل: والقيامة، كما قال - عَزَّ وَجَلَّ - في سائر السور: ﴿والطور﴾ [الطور: 1] ﴿والذاريات﴾ [الذاريات: 1] ، ﴿والضحى﴾ [الضحى: 1] .
والجواب عن الأول من وجوه:
أحدها: أنَّ أحوال القيامة عجيبة جدّاً، ثُمَّ المقصود من إقامة القيامة إظهار أحوال النُّفوس على ما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ عَرفَ نَفْسَهُ عرَفَ رَبَّهُ» ومن أحوالها العجيبة قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ، وقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان} [الأحزاب: 72] .
وقيل: القسم وقع بالنَّفس اللوامة على معنى التعظيم من حيث إنها أبداً يستحقرُ فعلها وجدُّها واجتهادها في طاعة الله تعالى.
وقيل: إنه - تعالى - أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها؛ لأن النفس اللوامة إمَّا أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإمَّا أن تكون فاسقة مقصرة في العمل، وعلى التقديرين فإنها تكون مستحقرة.
والجواب عن الثاني: أن المحقِّقين قالوا: القسم بهذه الأشياء قسم بربِّها وخالقها في الحقيقة، فكأنه قيل: أقسم برب القيامة على وقوع القيامة.
والجواب عن الثالث: أنه حيث أقسم، قال جل ذكره: «والذَّارياتِ» ، وأما هنا فإنه سبحانه نفى كونه مقسماً بهذه الأشياء، فزال السؤال.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون «بل» لمجرد الإضراب والانتقال من غير عطف، أضرب عن الكلام الأول وأخذ في آخر.
الثاني: أنها عاطفة. قال الزمخشري: «بل يريد» عطف على «أيحسب» ، فيجوز أن يكون مثله استفهاماً، وأن يكون إيجاباً على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر، أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب.
قال أبو حيان بعد ما حكى عن الزمخشري ما تقدَّم: «وهذه التقادير الثلاثة متكلَّفة لا تظهر» .
وقال شهاب الدين: «وليس هنا إلا تقديران، ومفعول» يُرِيد «محذوف يدل عليه التعليل في قوله تعالى: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ والتقدير: يريد شهواته ومعاصيه فيمضي فيها دائماً أبداً و» أمامه «منصوب على الظَّرفِ، وأصله مكانٌ فاستعير هنا للزمان» .
والضمير في «أمَامَه» الظاهرُ عوده على الإنسان.
وقال ابن عباس: يعود على يوم القيامة بمعنى أنه يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث بين يدي يوم القيامة.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: يقول: سوف أتوب حتى يأتيه الموت على أسوأ أحواله.
وعن ابن عباس: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ، قال: يعجل المعصية ويسوفُ بالتوبة وجاء في الحديث: «قال يقولُ: سوف أتُوبُ، ولا يتوبُ، فهُو قَدْ أخْلفَ فكذبَ» .
وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ من البعث والحساب ودليله: يسأل أيان يوم القيامة أي يسأل متى يكون؟ على وجه الإنكار والتكذيب.
وقال الضحاك: هو الأمل، يقول: سوف أعيش وأصيب من الدنيا، ولا يذكر الموت.
وقيل: يعزم على المعصية أبداً وإن كان لا يعيش إلا مدة قليلة، فالهاء على هذه الأقوال الثلاثة للإنسان.
وإذا قلنا: بأن الهاء ليوم القيامة، فالمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي القيامة. والفجورُ: أصله الميل عن الحق.
قوله: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ﴾ هذه جملة مستأنفة.
وقال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: تفسير ل «يفجر» فيحتمل أن يكون مستأنفاً مفسّراً، وأن يكون بدلاً من الجملة قبلها؛ لأن التفسير يكون بالاستئناف وبالبدل إلا أنَّ الثاني منه رفع الفعل، ولو كان بدلاً لنصب، وقد يقال: إنه أبدلَ الجملة من الجملة لا خصوصيَّة الفعلِ من الفعل وحده، وفيه بحث قد تقدم نظيره في «الذاريات» وغيره. والمعنى: يسأل متى يوم القيامة.
فصل فيمن أنكروا البعث
قال ابن الخطيب: اعلم أنَّ إنكار البعث يتولد تارة من الشُّبهة، وأخرى من الشَّهوة، فأما تولده من الشبهة فهو ما حكاه الله - عَزَّ وَجَلَّ - بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ، وتقديره: أنَّ الإنسان هو هذا البدن، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه، واختلطت بأجزاء التراب، وتفرَّقت بالرِّياح في مشارق الأرض ومغاربها، فيكون تمييزها بعد ذلك محالاً.
وهذه الشبهة ساقطة من وجهين:
الأول: لا نُسلِّمُ أن الإنسان هو هذا البدن، بل هو شيء مدبرٌ لهذا البدن، فإذا فسد هذا البدن بقي هو حيّاً كما كان، وحينئذ يعيد الله - تبارك وتعالى - أي بدن أراد، فيسقط السؤال وفي الآية إشارة إلى هذا، لأنه سبحانه أقسم بالنفس اللوامة، ثم قال تعالى جل ذكره: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ، وهو تصريح بالفرق بين النفس والبدن.
الثاني: سلَّمنا أنَّ الإنسان هو هذا البدن، لكنه سبحانه عالم بالجزئيات، فيكونُ عالماً بالجزء الذي هو بدن زيدٍ، وبالجزء الذي هو بدن عمرو، وهو - تعالى - قادر على كلِّ الممكنات، فيلزم أن يكون قادراً على تركيبها ثانياً، فزال الإشكال وأما إنكار البعث بناءً على الشَّهوةِ فهو قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ .
ومعناه أن الإنسان الذي يميل طبعه للشَّهوات واللَّذات والفكرةُ في البعث تنغصها عليه فلا جرم ينكره.
القيامة 75:5
مكية، وهي تسع وثلاثون آية، [وهي في المصحف أربعون آية] ومائة وسبع وتسعون كلمة، وستمائة واثنان وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ .
العامَّة: على «لاَ» نافية، واختلفوا حينئذ فيها على أوجه:
أحدها: أنَّها نافية لكلامٍ تقدم، كأنَّ الكفَّار ذكروا شيئاً، فقيل لهم: «لا» ثم ابتدأ الله قسماً.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «إنَّ القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، فجاء الإقسام بالردِّ عليهم كقوله:» والله لا أفعل «ف» لا «ردٌّ لكلام قد مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة. لحق، كأنك أكذبت قوماً أنكروه» .
والثاني: أنها مزيدة. قال الزمشخري: قالوا: إنها مزيدة، مثلها في ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: 29] ، وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: 12] ؛ وقوله: [الرجز]
4978 - فِي بِئْرِ لا حُورٍ سَرَى وما شَعَرْ ... قال ابن الخطيب: وهذا القولُ عندي ضعيفٌ من وجوه: أحدها: أنَّ تجويز هذا يفضي إلى الطعن في القرآن، لأن على هذا التقدير يجوز جعل النفي إثباتاً، والإثبات نفياً، وذلك ينفي الاعتماد على الكلام نفياً وإثباتاً.
وثانيها: أن الحرف إنما يزاد في وسط الكلام، فإن امرأ القيس زادها في مستهل قصيدته؛ وهي قوله: [المتقارب]
4979 - فَلاَ - وأبِيكِ - ابنَةَ العَامِرِيْ ... يِ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ
وأيضاً: هَبْ أنَّ هذا الحرف في أول الكلام إلا أنَّ القرآن كله كالسُّورة الواحدة لاتصال بعضه ببعض بدليل أنه قد يذكر الشيء في سورة ثم يجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى ﴿وَقَالُواْ يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] ثم جاء جوابه في سورة أخرى وهو قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 2] ، وإذا كان كذلك، كان أوّل هذه السورة جارياً مجرى وسط الكلام.
والجواب عن الأول: أنَّ قوله: لا وأبيك، قسمٌ عن النفي، وقوله: «لا أقْسِمُ» نفي للقسم، لأنه على وزان قولنا: «لا أقبل، لا أضرب، لا أنصر» وذلك يفيد النفي، بدليل أنه لو حلف لا يقسم كان البرُّ بترك القسم، والحنث بفعل القسم، فظهر أن البيت المذكور ليس من هذا الباب.
وعن الثاني: أن القرآن الكريم كالسُّورة الواحدة في عدم التناقض، فإما أن يقرن في كل آية ما أقرن في الأخرى، فذلك غير جائز؛ لأنه يلزم جوازه أن يقرن بكل إثبات حرف النفي الوارد في سائر الآيات، وذلك يقتضي انقلاب كل إثبات نفياً وانقلاب كل نفي إثباتاً، وأنه لا يجوز.
وثالثها: أن المراد من قولنا: «لا» صلة أنَّه لغو باطل يجب طرحه وإسقاطه حتى ينتظم الكلام ووصف كلام الله - تعالى - بذلك لا يجوز.
الوجه الثالث: قال الزمشخري: «إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم؛ قال امرؤ القيس: [المتقارب]
4980 - فَلاَ - وأبِيكِ - ابْنَةَ العَامِري ... البيت المتقدِّم.
وقال غويةُ بنُ سلمَى: [الوافر]
4981 - ألاَ نَادتْ أمَامةُ باحْتِمَالِ ... لتَحْزُننِي فلا بِكِ ما أبَالِي وفائدتها: توكيد القسم في الردِّ «. ثمَّ قال بعد أن حكى وجه الزيادة والاعتراض والجواب كما تقدم: والوجه أن يقال: هي للنَّفي، والمعنى في ذلك: أنَّه لا يقسم بالشيء إلاَّ إعظاماً له، يدلُّك عليه قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 75 - 76] فكأنه بإدخال حرف النَّفي يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام، يعني أنه يستأهل فوق ذلك.
وقيل: إنَّ» لا «نفيٌ لكلامٍ ورد قبل ذلك انتهى.
قال ابن الخطيب: كأنَّهُم أنكروا البعث فقيل:» لا» ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل: أقسم بيوم القيامة.
قال: وهذا فيه إشكال؛ لأن إعادة حرف النفي أحرى في قوله تعالى: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ مع أن المراد ما ذكروه يقدح في فصاحة الكلام.
قال شهاب الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: «فقول الزمخشري» : والوجه أن يقال إلى قوله: يعني أنه يستأهل فوق ذلك، تقرير لقوله: إدخال» لا «النافية على فعل القسم مستفيض إلى آخره وحاصل الكلام يرجع إلى أنها نافية، وأنَّ النَّفي متسلّط على فعل القسم بالمعنى الذي شرحه، وليس فيه منع لفظاً ولا معنى» .
ثم قال: فإن قلت: قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: 65] والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي، فهلا زعمت أنَّ «لا» التي قبل القسم زيدت موطِّئة للنَّفي بعده، ومؤكدة له، وقدَّرت المقسم عليه المحذوف - هاهنا - منفياً كقولك: لا أقسم بيوم القيامة لا تتركُونَ سُدًى؟ .
قلت: لو قصَرُوا الأمر على النَّفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ، ولكنه لم يقصر، ألا ترى كيف نفى ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: 1] بقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ [البلد: 4] وكذلك قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ [الواقعة: 75] بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: 77] ، وهذا من محاسن كلامه تعالى.
وقرأ قنبل والبزِّي - بخلاف عنه -: «لأقسم» بلام بعدها همزة دون ألف، وفيها أوجه:
أحدها: أنها جوابٌ لقسم مقدر، تقديره: «والله لأقسم» والفعل للحالِ، فلذلك لم تأت نونُ التوكيد، وهذا مذهبُ الكوفيين.
وأمَّا البصريون: فلا يجيزون أن يقع فعل الحال جواباً للقسم فإن ورد ما ظاهره ذلك جعل الفعل خبراً لمبتدإ مضمر، فيعود الجواب جملة اسمية قدر أحد جزأيها وهذا عند بعضهم، من ذلك التقدير: والله لأنا أقسم.
الثاني: أنه فعل مستقبل، وإنَّما لم يأتِ بنون التوكيدِ؛ لأنَّ أفعال الله - تعالى - حقٌّ وصدقٌ فهي غنيةٌ عن التأكيد بخلاف أفعال غيره، على أن سيبويه حكى حذف النون، إلا أنه قليل، والكوفيون: يجيزون ذلك من غير قلَّة، إذ من مذهبهم جواز تعاقب اللام والنون فمن حذف اللام قوله: [الكامل]
4982 - وقَتيلُ مُرَّة أثْأرنَّ فإنَّهُ ... فَرْغٌ وإنَّ أخَاكمُ لَمْ يَثْأرِ
أي لأثأرن، ومن حذف النون وهو نظير الآية الكريمة قول الآخر: [الطويل]
4983 - لَئِن تَكُ قَدْ ضَاقتْ عليكَم بُيوتكُمْ ... ليَعلمُ ربِّي أنَّ بَيْتِيَ واسِعُ
الثالث: أنَّها لامُ الابتداء، وليست بلام القسم.
قال أبو البقاء: كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ [النحل: 164] . والمعروف أنَّ لام الابتداء لا تدخل على المضارع إلاَّ في خبر «إنَّ» نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ [النحل: 164] وهذه الآية نظير الآية التي في سورة يونس: ﴿وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ﴾ [يونس: 16] فإنهما قرآها بغير الألف. والكلام فيها قد تقدم.
ولم يختلف في قوله: «ولاَ أقسم» أنه بالألف بعد «لا» ؛ لأنه لم يرسم إلاَّ كذا بخلاف الأول، فإنه رسم بدون ألفٍ بعد «لا» ، وكذلك في قوله تعالى ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: 1] لم يختلف فيه أنه بألف بعد «لا» ، وجواب القسم محذوف، تقديره: لتبعثنّ، دل عليه قوله ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان﴾ [القيامة: 3] .
وقيل: الجواب: «أيَحْسَبُ» .
وقيل: هو ﴿بلى قَادِرِينَ﴾ [القيامة: 4] ، ويروى عن الحسن البصري.
وقيل: المعنى على نفي القسم، والمعنى: إنِّي لا أقسم على شيء، ولكن أسألك أيحسب الإنسان.
وهذه الأقوال شاذَّة منكرة، ولا تصح عن قائلها لخروجها عن لسان العرب، وإنما ذكرناها تنبيهاً على ضعفها.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وابن جبير: معنى الكلام: أقسمُ بيوم القيامة، وهو قول أبي عبيدة، ومثله قوله: [الطويل] 4984 - تَذكَّرْتُ لَيْلَى فاعْترتْنِي صَبَابَةٌ ... فَكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتقطَّعُ
قوله: ﴿بِيَوْمِ القيامة﴾ ، أي: بيوم يقوم الناس فيه لربِّهم، والله - عَزَّ وَجَلَّ - أن يقسم بما شاء، ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ، لا خلاف في هذا بين القراء، وأنه سبحانه - جل ذكره - إنما أقسم بيوم القيامة تعظيماً لشأنه، وعلى قراءة ابن كثير أقسَم بالأولى ولم يقسم بالثانية.
وقيل: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ردٌّ آخر وابتداء قسم بالنفس اللوامة.
قال الثعلبيُّ: والصحيح أنه أقسم بهما جميعاً، ومعنى «بالنَّفْسِ اللَّوامَةِ» : أي: نفس المؤمن الذي لا تراه يلوم إلا نفسه، يقول: [ما أردت بكذا؟ ولا تراه إلا وهو يعاتب نفسه قاله ابن عبَّاس ومجاهد والحسن وغيرهم.
قال الحسن: هي والله نفس المؤمن ما يُرى المؤمن إلاّ يلوم نفسه] ، ما أردت بكلامي هذا؟ ما أردت بأكلي ما أردت بحديثي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه.
وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشَّرِّ لم فعلته، وعلى الخير لِمَ لَمْ تستكثر منه.
وقيل: تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها.
وقيل
: المراد آدم - صلوات الله وسلامه عليه - لم يزل لائماً لنفسه على معصيته التي أخرج بها من الجنة.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنها الملومة، فتكون صفة ذمٍّ، وهو قول من نفى أن يكون قسماً وعلى الأول: صفةُ مدحٍ فيكون القسم بها سائغاً.
وقال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسَّر في الآخرة على ما فرط في جنبِ الله تعالى.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن﴾ . هذه «أن» المخففة وتقدم حكمها في «المائدة» و «أن» وما في حيِّزها في موضع الجرِّ، والفاصل هنا حرف النَّفي، وهي وما في حيِّزها سادَّةٌ مسدّ مفعولي «حَسِب» أو مفعوله على الخلاف.
والعامَّة: على «نَجْمَعَ» بنون العظمة، و «عِظامهُ» نصب مفعولاً به.
وقتادة: «تُجْمع» بتاءٍ من فوقُ مضومةٍ على ما لم يسم فاعله؛ «عظامه» رفع لقيامه مقام الفاعل.
فصل في جواب هذا القسم
قال الزجاج: أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ليجمعنَّ العظام للبعث، فهذا جواب [القسم.
وقال النحاس: جواب] القسم محذوف، أي: لنبعثن.
والمراد بالإنسان: الكافر المكذب بالبعث.
قيل: «نزلت في عدي بن ربيعة قال للبني صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حَدِّثنِي عن يَومِ القِيامةِ مَتَى تكُونُ، وكَيْفَ أمْرهَا وحَالُهَا؟ فأخْبرَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: لَوْ عَايَنْتُ ذلكَ اليَوْمَ لَمْ أصَدِّقكَ يا مُحمَّدُ ولَمْ أومِنْ بِه، أو يَجْمَعُ اللَّهُ العِظامَ؟ ولهذا كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» اللَّهُمَّ اكفِنِي جَارَي السُّوءِ عدَيَّ بن ربيعَة، والأخنس بنَ شَريقٍ» .
وقيل: نزلت في عدو الله أبي جهل حين أنكر البعث بعد الموت، وذكر العظام، والمراد نفسه كلها؛ لأن العظام قالب الخلق.
وقيل: المراد بالإنسان: كل من أنكر البعث مطلقاً.
قوله: ﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام، وهو وقف حسن، ثم يبتدىء «قَادِرين» ، ف» قَادِرين «حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف على ما ذكرنا من التقدير.
وقيل: المعنى بل نجمعها نقدر قادرين.
قال الفراء:» قادرين» نصب على الخروج من «نَجْمعَ» أي نقدر ونقوى» قادرين «على أكثر من ذلك.
وقال أيضاً: يَصْلُح نصبُه على التكرير، أي: بلى فليحسبنا قادرين.
وقيل: المضمر» كنا «أي: كنا قادرين في الابتداء، وقد اعترف به المشركون.
وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميفع:» قادرون «رفعاً على خبر ابتداء مضمر، أي» بلى «نحن» قادرون» ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ والبنانُ عند العرب: الأصابع، واحدُها بنانةٌ؛ قال عنترة: [الوافر]
4985 - وأنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذَا مَا ... وصَلْتُ بَنانَهَا بالهِنْدُوَانِي
فنبه بالبنان على بقية الأعضاء.
وأيضاً: فإنها أضعف العظام فخصها الله - عَزَّ وَجَلَّ - بالذكر لذلك.
قال القتبي والزجاج: وزعموا أن الله تعالى لا يبعث الموتى، ولا يقدرعلى جمع العظام، فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السُّلاميات على صغرها، ونُؤلِّف بينها حتى تستوي، ومن قدر على هذا فهو على جميع الكبار أقدرُ.
وقال ابن عباس وعامة المفسرين: ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخُفِّ البعير، أو كحافر الحمار، أو كظلفِ الخنزيرِ، ولا يمكنه أن يعمل به شيئاً ولكنا فرقنا أصابعه حتى يفعل بها ما يشاء.
وقيل: نقدر أن نُعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان عليها، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: 60، 61] .
والقول الأول أشبه بمساق الآية.
فصل في الكلام على الآية
قال ابن الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي الآية إشكالات:
أحدها: ما المناسبة بين القيامة والنَّفس اللوامة حتى جمع الله بينهما في القسم؟ .
وثانيها: على وقوع القيامة
وثالثها: قال جل ذكره: أقسم بيوم القيامة ولم يقل: والقيامة، كما قال - عَزَّ وَجَلَّ - في سائر السور: ﴿والطور﴾ [الطور: 1] ﴿والذاريات﴾ [الذاريات: 1] ، ﴿والضحى﴾ [الضحى: 1] .
والجواب عن الأول من وجوه:
أحدها: أنَّ أحوال القيامة عجيبة جدّاً، ثُمَّ المقصود من إقامة القيامة إظهار أحوال النُّفوس على ما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ عَرفَ نَفْسَهُ عرَفَ رَبَّهُ» ومن أحوالها العجيبة قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ، وقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان} [الأحزاب: 72] .
وقيل: القسم وقع بالنَّفس اللوامة على معنى التعظيم من حيث إنها أبداً يستحقرُ فعلها وجدُّها واجتهادها في طاعة الله تعالى.
وقيل: إنه - تعالى - أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها؛ لأن النفس اللوامة إمَّا أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإمَّا أن تكون فاسقة مقصرة في العمل، وعلى التقديرين فإنها تكون مستحقرة.
والجواب عن الثاني: أن المحقِّقين قالوا: القسم بهذه الأشياء قسم بربِّها وخالقها في الحقيقة، فكأنه قيل: أقسم برب القيامة على وقوع القيامة.
والجواب عن الثالث: أنه حيث أقسم، قال جل ذكره: «والذَّارياتِ» ، وأما هنا فإنه سبحانه نفى كونه مقسماً بهذه الأشياء، فزال السؤال.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون «بل» لمجرد الإضراب والانتقال من غير عطف، أضرب عن الكلام الأول وأخذ في آخر.
الثاني: أنها عاطفة. قال الزمخشري: «بل يريد» عطف على «أيحسب» ، فيجوز أن يكون مثله استفهاماً، وأن يكون إيجاباً على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر، أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب.
قال أبو حيان بعد ما حكى عن الزمخشري ما تقدَّم: «وهذه التقادير الثلاثة متكلَّفة لا تظهر» .
وقال شهاب الدين: «وليس هنا إلا تقديران، ومفعول» يُرِيد «محذوف يدل عليه التعليل في قوله تعالى: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ والتقدير: يريد شهواته ومعاصيه فيمضي فيها دائماً أبداً و» أمامه «منصوب على الظَّرفِ، وأصله مكانٌ فاستعير هنا للزمان» .
والضمير في «أمَامَه» الظاهرُ عوده على الإنسان.
وقال ابن عباس: يعود على يوم القيامة بمعنى أنه يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث بين يدي يوم القيامة.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: يقول: سوف أتوب حتى يأتيه الموت على أسوأ أحواله.
وعن ابن عباس: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ، قال: يعجل المعصية ويسوفُ بالتوبة وجاء في الحديث: «قال يقولُ: سوف أتُوبُ، ولا يتوبُ، فهُو قَدْ أخْلفَ فكذبَ» .
وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ من البعث والحساب ودليله: يسأل أيان يوم القيامة أي يسأل متى يكون؟ على وجه الإنكار والتكذيب.
وقال الضحاك: هو الأمل، يقول: سوف أعيش وأصيب من الدنيا، ولا يذكر الموت.
وقيل: يعزم على المعصية أبداً وإن كان لا يعيش إلا مدة قليلة، فالهاء على هذه الأقوال الثلاثة للإنسان.
وإذا قلنا: بأن الهاء ليوم القيامة، فالمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي القيامة. والفجورُ: أصله الميل عن الحق.
قوله: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ﴾ هذه جملة مستأنفة.
وقال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: تفسير ل «يفجر» فيحتمل أن يكون مستأنفاً مفسّراً، وأن يكون بدلاً من الجملة قبلها؛ لأن التفسير يكون بالاستئناف وبالبدل إلا أنَّ الثاني منه رفع الفعل، ولو كان بدلاً لنصب، وقد يقال: إنه أبدلَ الجملة من الجملة لا خصوصيَّة الفعلِ من الفعل وحده، وفيه بحث قد تقدم نظيره في «الذاريات» وغيره. والمعنى: يسأل متى يوم القيامة.
فصل فيمن أنكروا البعث
قال ابن الخطيب: اعلم أنَّ إنكار البعث يتولد تارة من الشُّبهة، وأخرى من الشَّهوة، فأما تولده من الشبهة فهو ما حكاه الله - عَزَّ وَجَلَّ - بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ، وتقديره: أنَّ الإنسان هو هذا البدن، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه، واختلطت بأجزاء التراب، وتفرَّقت بالرِّياح في مشارق الأرض ومغاربها، فيكون تمييزها بعد ذلك محالاً.
وهذه الشبهة ساقطة من وجهين:
الأول: لا نُسلِّمُ أن الإنسان هو هذا البدن، بل هو شيء مدبرٌ لهذا البدن، فإذا فسد هذا البدن بقي هو حيّاً كما كان، وحينئذ يعيد الله - تبارك وتعالى - أي بدن أراد، فيسقط السؤال وفي الآية إشارة إلى هذا، لأنه سبحانه أقسم بالنفس اللوامة، ثم قال تعالى جل ذكره: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ، وهو تصريح بالفرق بين النفس والبدن.
الثاني: سلَّمنا أنَّ الإنسان هو هذا البدن، لكنه سبحانه عالم بالجزئيات، فيكونُ عالماً بالجزء الذي هو بدن زيدٍ، وبالجزء الذي هو بدن عمرو، وهو - تعالى - قادر على كلِّ الممكنات، فيلزم أن يكون قادراً على تركيبها ثانياً، فزال الإشكال وأما إنكار البعث بناءً على الشَّهوةِ فهو قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ .
ومعناه أن الإنسان الذي يميل طبعه للشَّهوات واللَّذات والفكرةُ في البعث تنغصها عليه فلا جرم ينكره.
القيامة 75:6
مكية، وهي تسع وثلاثون آية، [وهي في المصحف أربعون آية] ومائة وسبع وتسعون كلمة، وستمائة واثنان وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ .
العامَّة: على «لاَ» نافية، واختلفوا حينئذ فيها على أوجه:
أحدها: أنَّها نافية لكلامٍ تقدم، كأنَّ الكفَّار ذكروا شيئاً، فقيل لهم: «لا» ثم ابتدأ الله قسماً.
قال القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ: «إنَّ القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار، فجاء الإقسام بالردِّ عليهم كقوله:» والله لا أفعل «ف» لا «ردٌّ لكلام قد مضى، وذلك كقولك: لا والله إن القيامة. لحق، كأنك أكذبت قوماً أنكروه» .
والثاني: أنها مزيدة. قال الزمشخري: قالوا: إنها مزيدة، مثلها في ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: 29] ، وفي قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: 12] ؛ وقوله: [الرجز]
4978 - فِي بِئْرِ لا حُورٍ سَرَى وما شَعَرْ ... قال ابن الخطيب: وهذا القولُ عندي ضعيفٌ من وجوه: أحدها: أنَّ تجويز هذا يفضي إلى الطعن في القرآن، لأن على هذا التقدير يجوز جعل النفي إثباتاً، والإثبات نفياً، وذلك ينفي الاعتماد على الكلام نفياً وإثباتاً.
وثانيها: أن الحرف إنما يزاد في وسط الكلام، فإن امرأ القيس زادها في مستهل قصيدته؛ وهي قوله: [المتقارب]
4979 - فَلاَ - وأبِيكِ - ابنَةَ العَامِرِيْ ... يِ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرْ
وأيضاً: هَبْ أنَّ هذا الحرف في أول الكلام إلا أنَّ القرآن كله كالسُّورة الواحدة لاتصال بعضه ببعض بدليل أنه قد يذكر الشيء في سورة ثم يجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى ﴿وَقَالُواْ يا أيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] ثم جاء جوابه في سورة أخرى وهو قوله ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 2] ، وإذا كان كذلك، كان أوّل هذه السورة جارياً مجرى وسط الكلام.
والجواب عن الأول: أنَّ قوله: لا وأبيك، قسمٌ عن النفي، وقوله: «لا أقْسِمُ» نفي للقسم، لأنه على وزان قولنا: «لا أقبل، لا أضرب، لا أنصر» وذلك يفيد النفي، بدليل أنه لو حلف لا يقسم كان البرُّ بترك القسم، والحنث بفعل القسم، فظهر أن البيت المذكور ليس من هذا الباب.
وعن الثاني: أن القرآن الكريم كالسُّورة الواحدة في عدم التناقض، فإما أن يقرن في كل آية ما أقرن في الأخرى، فذلك غير جائز؛ لأنه يلزم جوازه أن يقرن بكل إثبات حرف النفي الوارد في سائر الآيات، وذلك يقتضي انقلاب كل إثبات نفياً وانقلاب كل نفي إثباتاً، وأنه لا يجوز.
وثالثها: أن المراد من قولنا: «لا» صلة أنَّه لغو باطل يجب طرحه وإسقاطه حتى ينتظم الكلام ووصف كلام الله - تعالى - بذلك لا يجوز.
الوجه الثالث: قال الزمشخري: «إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم؛ قال امرؤ القيس: [المتقارب]
4980 - فَلاَ - وأبِيكِ - ابْنَةَ العَامِري ... البيت المتقدِّم.
وقال غويةُ بنُ سلمَى: [الوافر]
4981 - ألاَ نَادتْ أمَامةُ باحْتِمَالِ ... لتَحْزُننِي فلا بِكِ ما أبَالِي وفائدتها: توكيد القسم في الردِّ «. ثمَّ قال بعد أن حكى وجه الزيادة والاعتراض والجواب كما تقدم: والوجه أن يقال: هي للنَّفي، والمعنى في ذلك: أنَّه لا يقسم بالشيء إلاَّ إعظاماً له، يدلُّك عليه قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 75 - 76] فكأنه بإدخال حرف النَّفي يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام، يعني أنه يستأهل فوق ذلك.
وقيل: إنَّ» لا «نفيٌ لكلامٍ ورد قبل ذلك انتهى.
قال ابن الخطيب: كأنَّهُم أنكروا البعث فقيل:» لا» ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل: أقسم بيوم القيامة.
قال: وهذا فيه إشكال؛ لأن إعادة حرف النفي أحرى في قوله تعالى: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ مع أن المراد ما ذكروه يقدح في فصاحة الكلام.
قال شهاب الدين رَحِمَهُ اللَّهُ: «فقول الزمخشري» : والوجه أن يقال إلى قوله: يعني أنه يستأهل فوق ذلك، تقرير لقوله: إدخال» لا «النافية على فعل القسم مستفيض إلى آخره وحاصل الكلام يرجع إلى أنها نافية، وأنَّ النَّفي متسلّط على فعل القسم بالمعنى الذي شرحه، وليس فيه منع لفظاً ولا معنى» .
ثم قال: فإن قلت: قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: 65] والأبيات التي أنشدتها المقسم عليه فيها منفي، فهلا زعمت أنَّ «لا» التي قبل القسم زيدت موطِّئة للنَّفي بعده، ومؤكدة له، وقدَّرت المقسم عليه المحذوف - هاهنا - منفياً كقولك: لا أقسم بيوم القيامة لا تتركُونَ سُدًى؟ .
قلت: لو قصَرُوا الأمر على النَّفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ، ولكنه لم يقصر، ألا ترى كيف نفى ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: 1] بقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ [البلد: 4] وكذلك قوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ [الواقعة: 75] بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: 77] ، وهذا من محاسن كلامه تعالى.
وقرأ قنبل والبزِّي - بخلاف عنه -: «لأقسم» بلام بعدها همزة دون ألف، وفيها أوجه:
أحدها: أنها جوابٌ لقسم مقدر، تقديره: «والله لأقسم» والفعل للحالِ، فلذلك لم تأت نونُ التوكيد، وهذا مذهبُ الكوفيين.
وأمَّا البصريون: فلا يجيزون أن يقع فعل الحال جواباً للقسم فإن ورد ما ظاهره ذلك جعل الفعل خبراً لمبتدإ مضمر، فيعود الجواب جملة اسمية قدر أحد جزأيها وهذا عند بعضهم، من ذلك التقدير: والله لأنا أقسم.
الثاني: أنه فعل مستقبل، وإنَّما لم يأتِ بنون التوكيدِ؛ لأنَّ أفعال الله - تعالى - حقٌّ وصدقٌ فهي غنيةٌ عن التأكيد بخلاف أفعال غيره، على أن سيبويه حكى حذف النون، إلا أنه قليل، والكوفيون: يجيزون ذلك من غير قلَّة، إذ من مذهبهم جواز تعاقب اللام والنون فمن حذف اللام قوله: [الكامل]
4982 - وقَتيلُ مُرَّة أثْأرنَّ فإنَّهُ ... فَرْغٌ وإنَّ أخَاكمُ لَمْ يَثْأرِ
أي لأثأرن، ومن حذف النون وهو نظير الآية الكريمة قول الآخر: [الطويل]
4983 - لَئِن تَكُ قَدْ ضَاقتْ عليكَم بُيوتكُمْ ... ليَعلمُ ربِّي أنَّ بَيْتِيَ واسِعُ
الثالث: أنَّها لامُ الابتداء، وليست بلام القسم.
قال أبو البقاء: كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ [النحل: 164] . والمعروف أنَّ لام الابتداء لا تدخل على المضارع إلاَّ في خبر «إنَّ» نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ﴾ [النحل: 164] وهذه الآية نظير الآية التي في سورة يونس: ﴿وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ﴾ [يونس: 16] فإنهما قرآها بغير الألف. والكلام فيها قد تقدم.
ولم يختلف في قوله: «ولاَ أقسم» أنه بالألف بعد «لا» ؛ لأنه لم يرسم إلاَّ كذا بخلاف الأول، فإنه رسم بدون ألفٍ بعد «لا» ، وكذلك في قوله تعالى ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: 1] لم يختلف فيه أنه بألف بعد «لا» ، وجواب القسم محذوف، تقديره: لتبعثنّ، دل عليه قوله ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان﴾ [القيامة: 3] .
وقيل: الجواب: «أيَحْسَبُ» .
وقيل: هو ﴿بلى قَادِرِينَ﴾ [القيامة: 4] ، ويروى عن الحسن البصري.
وقيل: المعنى على نفي القسم، والمعنى: إنِّي لا أقسم على شيء، ولكن أسألك أيحسب الإنسان.
وهذه الأقوال شاذَّة منكرة، ولا تصح عن قائلها لخروجها عن لسان العرب، وإنما ذكرناها تنبيهاً على ضعفها.
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس وابن جبير: معنى الكلام: أقسمُ بيوم القيامة، وهو قول أبي عبيدة، ومثله قوله: [الطويل] 4984 - تَذكَّرْتُ لَيْلَى فاعْترتْنِي صَبَابَةٌ ... فَكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتقطَّعُ
قوله: ﴿بِيَوْمِ القيامة﴾ ، أي: بيوم يقوم الناس فيه لربِّهم، والله - عَزَّ وَجَلَّ - أن يقسم بما شاء، ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ، لا خلاف في هذا بين القراء، وأنه سبحانه - جل ذكره - إنما أقسم بيوم القيامة تعظيماً لشأنه، وعلى قراءة ابن كثير أقسَم بالأولى ولم يقسم بالثانية.
وقيل: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ردٌّ آخر وابتداء قسم بالنفس اللوامة.
قال الثعلبيُّ: والصحيح أنه أقسم بهما جميعاً، ومعنى «بالنَّفْسِ اللَّوامَةِ» : أي: نفس المؤمن الذي لا تراه يلوم إلا نفسه، يقول: [ما أردت بكذا؟ ولا تراه إلا وهو يعاتب نفسه قاله ابن عبَّاس ومجاهد والحسن وغيرهم.
قال الحسن: هي والله نفس المؤمن ما يُرى المؤمن إلاّ يلوم نفسه] ، ما أردت بكلامي هذا؟ ما أردت بأكلي ما أردت بحديثي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه.
وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم، فتلوم نفسها على الشَّرِّ لم فعلته، وعلى الخير لِمَ لَمْ تستكثر منه.
وقيل: تلوم نفسها بما تلوم عليه غيرها.
وقيل
: المراد آدم - صلوات الله وسلامه عليه - لم يزل لائماً لنفسه على معصيته التي أخرج بها من الجنة.
وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنها الملومة، فتكون صفة ذمٍّ، وهو قول من نفى أن يكون قسماً وعلى الأول: صفةُ مدحٍ فيكون القسم بها سائغاً.
وقال مقاتل: هي نفس الكافر يلوم نفسه ويتحسَّر في الآخرة على ما فرط في جنبِ الله تعالى.
قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن﴾ . هذه «أن» المخففة وتقدم حكمها في «المائدة» و «أن» وما في حيِّزها في موضع الجرِّ، والفاصل هنا حرف النَّفي، وهي وما في حيِّزها سادَّةٌ مسدّ مفعولي «حَسِب» أو مفعوله على الخلاف.
والعامَّة: على «نَجْمَعَ» بنون العظمة، و «عِظامهُ» نصب مفعولاً به.
وقتادة: «تُجْمع» بتاءٍ من فوقُ مضومةٍ على ما لم يسم فاعله؛ «عظامه» رفع لقيامه مقام الفاعل.
فصل في جواب هذا القسم
قال الزجاج: أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة ليجمعنَّ العظام للبعث، فهذا جواب [القسم.
وقال النحاس: جواب] القسم محذوف، أي: لنبعثن.
والمراد بالإنسان: الكافر المكذب بالبعث.
قيل: «نزلت في عدي بن ربيعة قال للبني صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حَدِّثنِي عن يَومِ القِيامةِ مَتَى تكُونُ، وكَيْفَ أمْرهَا وحَالُهَا؟ فأخْبرَهُ النَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال: لَوْ عَايَنْتُ ذلكَ اليَوْمَ لَمْ أصَدِّقكَ يا مُحمَّدُ ولَمْ أومِنْ بِه، أو يَجْمَعُ اللَّهُ العِظامَ؟ ولهذا كان النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول:» اللَّهُمَّ اكفِنِي جَارَي السُّوءِ عدَيَّ بن ربيعَة، والأخنس بنَ شَريقٍ» .
وقيل: نزلت في عدو الله أبي جهل حين أنكر البعث بعد الموت، وذكر العظام، والمراد نفسه كلها؛ لأن العظام قالب الخلق.
وقيل: المراد بالإنسان: كل من أنكر البعث مطلقاً.
قوله: ﴿بلى﴾ إيجاب لما بعد النفي المنسحب عليه الاستفهام، وهو وقف حسن، ثم يبتدىء «قَادِرين» ، ف» قَادِرين «حال من الفاعل المضمر في الفعل المحذوف على ما ذكرنا من التقدير.
وقيل: المعنى بل نجمعها نقدر قادرين.
قال الفراء:» قادرين» نصب على الخروج من «نَجْمعَ» أي نقدر ونقوى» قادرين «على أكثر من ذلك.
وقال أيضاً: يَصْلُح نصبُه على التكرير، أي: بلى فليحسبنا قادرين.
وقيل: المضمر» كنا «أي: كنا قادرين في الابتداء، وقد اعترف به المشركون.
وقرأ ابن أبي عبلة وابن السميفع:» قادرون «رفعاً على خبر ابتداء مضمر، أي» بلى «نحن» قادرون» ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ والبنانُ عند العرب: الأصابع، واحدُها بنانةٌ؛ قال عنترة: [الوافر]
4985 - وأنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذَا مَا ... وصَلْتُ بَنانَهَا بالهِنْدُوَانِي
فنبه بالبنان على بقية الأعضاء.
وأيضاً: فإنها أضعف العظام فخصها الله - عَزَّ وَجَلَّ - بالذكر لذلك.
قال القتبي والزجاج: وزعموا أن الله تعالى لا يبعث الموتى، ولا يقدرعلى جمع العظام، فقال الله تعالى: بلى قادرين على أن نعيد السُّلاميات على صغرها، ونُؤلِّف بينها حتى تستوي، ومن قدر على هذا فهو على جميع الكبار أقدرُ.
وقال ابن عباس وعامة المفسرين: ﴿على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاً واحداً كخُفِّ البعير، أو كحافر الحمار، أو كظلفِ الخنزيرِ، ولا يمكنه أن يعمل به شيئاً ولكنا فرقنا أصابعه حتى يفعل بها ما يشاء.
وقيل: نقدر أن نُعيد الإنسان في هيئة البهائم، فكيف في صورته التي كان عليها، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: 60، 61] .
والقول الأول أشبه بمساق الآية.
فصل في الكلام على الآية
قال ابن الخطيب رَحِمَهُ اللَّهُ: وفي الآية إشكالات:
أحدها: ما المناسبة بين القيامة والنَّفس اللوامة حتى جمع الله بينهما في القسم؟ .
وثانيها: على وقوع القيامة
وثالثها: قال جل ذكره: أقسم بيوم القيامة ولم يقل: والقيامة، كما قال - عَزَّ وَجَلَّ - في سائر السور: ﴿والطور﴾ [الطور: 1] ﴿والذاريات﴾ [الذاريات: 1] ، ﴿والضحى﴾ [الضحى: 1] .
والجواب عن الأول من وجوه:
أحدها: أنَّ أحوال القيامة عجيبة جدّاً، ثُمَّ المقصود من إقامة القيامة إظهار أحوال النُّفوس على ما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ عَرفَ نَفْسَهُ عرَفَ رَبَّهُ» ومن أحوالها العجيبة قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ، وقوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان} [الأحزاب: 72] .
وقيل: القسم وقع بالنَّفس اللوامة على معنى التعظيم من حيث إنها أبداً يستحقرُ فعلها وجدُّها واجتهادها في طاعة الله تعالى.
وقيل: إنه - تعالى - أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة تحقيراً لها؛ لأن النفس اللوامة إمَّا أن تكون كافرة بالقيامة مع عظم أمرها، وإمَّا أن تكون فاسقة مقصرة في العمل، وعلى التقديرين فإنها تكون مستحقرة.
والجواب عن الثاني: أن المحقِّقين قالوا: القسم بهذه الأشياء قسم بربِّها وخالقها في الحقيقة، فكأنه قيل: أقسم برب القيامة على وقوع القيامة.
والجواب عن الثالث: أنه حيث أقسم، قال جل ذكره: «والذَّارياتِ» ، وأما هنا فإنه سبحانه نفى كونه مقسماً بهذه الأشياء، فزال السؤال.
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ . فيه وجهان:
أحدهما: أن تكون «بل» لمجرد الإضراب والانتقال من غير عطف، أضرب عن الكلام الأول وأخذ في آخر.
الثاني: أنها عاطفة. قال الزمخشري: «بل يريد» عطف على «أيحسب» ، فيجوز أن يكون مثله استفهاماً، وأن يكون إيجاباً على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر، أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب.
قال أبو حيان بعد ما حكى عن الزمخشري ما تقدَّم: «وهذه التقادير الثلاثة متكلَّفة لا تظهر» .
وقال شهاب الدين: «وليس هنا إلا تقديران، ومفعول» يُرِيد «محذوف يدل عليه التعليل في قوله تعالى: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ والتقدير: يريد شهواته ومعاصيه فيمضي فيها دائماً أبداً و» أمامه «منصوب على الظَّرفِ، وأصله مكانٌ فاستعير هنا للزمان» .
والضمير في «أمَامَه» الظاهرُ عوده على الإنسان.
وقال ابن عباس: يعود على يوم القيامة بمعنى أنه يريد شهواته ليفجر في تكذيبه بالبعث بين يدي يوم القيامة.
فصل في تفسير الآية
قال مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: يقول: سوف أتوب حتى يأتيه الموت على أسوأ أحواله.
وعن ابن عباس: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ، قال: يعجل المعصية ويسوفُ بالتوبة وجاء في الحديث: «قال يقولُ: سوف أتُوبُ، ولا يتوبُ، فهُو قَدْ أخْلفَ فكذبَ» .
وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ من البعث والحساب ودليله: يسأل أيان يوم القيامة أي يسأل متى يكون؟ على وجه الإنكار والتكذيب.
وقال الضحاك: هو الأمل، يقول: سوف أعيش وأصيب من الدنيا، ولا يذكر الموت.
وقيل: يعزم على المعصية أبداً وإن كان لا يعيش إلا مدة قليلة، فالهاء على هذه الأقوال الثلاثة للإنسان.
وإذا قلنا: بأن الهاء ليوم القيامة، فالمعنى: بل يريد الإنسان ليكفر بالحق بين يدي القيامة. والفجورُ: أصله الميل عن الحق.
قوله: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ﴾ هذه جملة مستأنفة.
وقال أبو البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ: تفسير ل «يفجر» فيحتمل أن يكون مستأنفاً مفسّراً، وأن يكون بدلاً من الجملة قبلها؛ لأن التفسير يكون بالاستئناف وبالبدل إلا أنَّ الثاني منه رفع الفعل، ولو كان بدلاً لنصب، وقد يقال: إنه أبدلَ الجملة من الجملة لا خصوصيَّة الفعلِ من الفعل وحده، وفيه بحث قد تقدم نظيره في «الذاريات» وغيره. والمعنى: يسأل متى يوم القيامة.
فصل فيمن أنكروا البعث
قال ابن الخطيب: اعلم أنَّ إنكار البعث يتولد تارة من الشُّبهة، وأخرى من الشَّهوة، فأما تولده من الشبهة فهو ما حكاه الله - عَزَّ وَجَلَّ - بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ، وتقديره: أنَّ الإنسان هو هذا البدن، فإذا مات وتفرقت أجزاؤه، واختلطت بأجزاء التراب، وتفرَّقت بالرِّياح في مشارق الأرض ومغاربها، فيكون تمييزها بعد ذلك محالاً.
وهذه الشبهة ساقطة من وجهين:
الأول: لا نُسلِّمُ أن الإنسان هو هذا البدن، بل هو شيء مدبرٌ لهذا البدن، فإذا فسد هذا البدن بقي هو حيّاً كما كان، وحينئذ يعيد الله - تبارك وتعالى - أي بدن أراد، فيسقط السؤال وفي الآية إشارة إلى هذا، لأنه سبحانه أقسم بالنفس اللوامة، ثم قال تعالى جل ذكره: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ ، وهو تصريح بالفرق بين النفس والبدن.
الثاني: سلَّمنا أنَّ الإنسان هو هذا البدن، لكنه سبحانه عالم بالجزئيات، فيكونُ عالماً بالجزء الذي هو بدن زيدٍ، وبالجزء الذي هو بدن عمرو، وهو - تعالى - قادر على كلِّ الممكنات، فيلزم أن يكون قادراً على تركيبها ثانياً، فزال الإشكال وأما إنكار البعث بناءً على الشَّهوةِ فهو قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنسان لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ .
ومعناه أن الإنسان الذي يميل طبعه للشَّهوات واللَّذات والفكرةُ في البعث تنغصها عليه فلا جرم ينكره.
القيامة 75:7
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر﴾ . قرأ نافع وأبان عن عاصم: بَرَق بفتح الراء.
والباقون: بالكسر.
فقيل: لغتان في التحيُّر والدهشة، ومعناه لمع بصره من شدَّة شخوصه، فتراه لا يطرف.
وقيل: بَرِق - بالكسر - تحيَّر فزعاً.
قال الزمخشري: «وأصله من بَرِق الرجل إذا نظر إلى البرقِ فدُهِش بصرهُ» .
قال غيره: كما يقال: أسد وبقر، إذا رأى أسداً وبقراً كثيراً فتحيّر من ذلك.
قال ذو الرمة: [الطويل]
4986 - وكُنْتُ أرَى في وجْهِ ميَّةَ لمْحعةً ... فأبْرَقُ مَغْشِياً عَليَّ مَكانِيَا
وأنشد الفراء رَحِمَهُ اللَّهُ: [المتقارب]
4987 - فَنفْسَكَ فَانْعَ ولا تَنْعَنِي ... ودَاوِ الكُلُومَ ولا تَبْرقِ
أي: لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك.
و «بَرَق» بالفتح: من البريق، أي: لمع من شدَّة شُخُوصه.
وقال مجاهد وغيره: وهذا عند الموت.
وقال الحسن: يوم القيامة، قال: وفيه معنى الجواب عما سأل عنه الإنسان، كأنه قال: يوم القيامة إذا برق البصر، وخسف القمر.
وقيل: عند رؤية جهنم.
قال الفراء والخليل: «برِق» - بالكسر -: فَزِع وبُهِت وتحيّر، والعرب تقول للإنسان المتحيِّر المبهوت: قد برِق فهو برِقٌ.
وقيل: «بَرِق، يَبْرَقُ» بالفتح: شق عينيه وفتحهما. قاله أبو عبيدة، وأنشد قول الكلابيِّ: [الرجز]
4988 - لمَّا أتَانِي ابنُ عُمَيْر راغِباً ... أعْطيتُه عِيساً صِهَاباً فَبرِقْ
أي: فتح عينيه. قرأ أبو السمال: «بَلِق» باللام.
قال أهل اللغة إلا الفرّاء: معناه «فُتِح» ، يقال: بَلقْت الباب وأبلقتُه: أي: فتحتُه وفرَّجتُه.
وقال الفراء: هو بمعنى أغلقته.
قال ثعلب: أخطأ الفراء في ذلك.
ثم يجوز أن يكون مادة «بَلَقَ» غير مادة «بَرَقَ» ، ويجوز أن تكون مادةً واحدة بُدِّل فيها حرف من آخر، وقد جاء إبدال «اللام» من الراء في أحرف، قالوا: «نثر كنانته ونثلها» وقالوا: «وجل ووجر» فيمكن أن يكون هذا منه، ويؤيده أن «برق» قد أتى بمعنى شق عينيه وفتحهما، قاله أبو عبيدة، وأنشد [الرجز]
4989 - لمَّا أتَانِي ابن عُمَيْرٍ ... البيت المتقدم.
أي: ففتح عينيه فهذا مناسب ل «بلق» .
قوله: ﴿وَخَسَفَ القمر﴾ .
العامةُ: على بنائه للفاعل.
وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، ويزيد بن قطيب قال القرطبي: وابن أبي إسحاق وعيسى: «خُسِف» مبنياً للمفعول.
وهذا لأن «خسف» يستعمل لازماً ومتعدياً، يقال: خُسِفَ القمر، وخسف الله القمر.
وقد اشتهر أن الخسوف للقمر والكسوف للشمس.
وقال بعضهم: يكونان فيهما، يقال: خُسِفت الشمس وكسفت، وخسف القمر وكسف، وتأيد بعضهم بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ آيَتَانِ من آيَاتِ اللَّهِ لا يخسفانِ لمَوْتِ أحدٍ»
، فاستعمل الخسوف فيهما، وفي هذا نظرٌ لاحتمال التغليب، وهل هما بمعنى واحد أم لا؟ فقال أبو عبيد وجماعة: هما بمعنى واحد.
وقال ابن أبي أويس: الخسوف ذهاب كل ضوئهما والكسوف ذهاب بعضه.
قال القرطبي: الخسوف في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف الآخرة فإنه لا يعود ضوؤه، ويحتمل أن يكون بمعنى «غاب» ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ [القصص: 81] .
قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ لم تلحقه علامة تأنيث؛ لأن التأنيث مجازي.
وقيل: لتغليب التذكير. وفيه نظر، لو قلت: «قام هند وزيد» لم يجز عند الجمهور من العرب.
وقال الكسائي: «جمع» حمل على معنى جرح النيران.
وقال الفراء والزجاج: جمع بينهما في ذهاب ضوئيهما فلا ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه.
وقال ابن عباس وابن مسعود: جمع بينهما، أي قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكوَّرين مظلمين مقرَّنين كأنهما ثوران عقيران.
وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى.
وقال عليّ وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يجعلان في الحُجُب وقد يجمعان في نار جنهم لأنهما قد عُبِدا من دون الله ولا تكون النار عذاباً لهما لأنهما جماد وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكفار وحسرتهم.
وقيل: هذا الجمع إنما يجمعان ويقرَّبان من الناس فيلحقهم العرق لشدَّة الحر فيكون المعنى: يجمع حرهما عليهم.
وقيل: يجمع الشمس والقمر، فلا يكون ثم تعاقبُ ليلٍ ولا نهارٍ.
قال ابن الخطيب: وقيل: جمع بينهما في حكم ذهاب الضوء كما يقال: يجمع بين كذا وكذا في حكم كذا، أي: كل منهما يذهب ضوؤه.
فصل في الرد على من طعن في الآية
قال ابن الخطيب: طعنت الملاحدة في الآية فقالوا: خسوف القمر لا يحصل حال اجتماع الشمس والقمر.
والجواب: أن الله - تعالى - قادر على أن يخسف القمر سواء كانت الأرض متوسطة بينه وبين الشمس، أو لم تكن؛ لأن الله - تعالى - قادر على كل الممكنات فيقدر على إزالة الضوء عن القمر في جميع الأحوال.
قوله: ﴿يَقُولُ الإنسان﴾ . جواب «إذا» من قوله: «فإذا برق» ، و «أيْنَ المفَرُّ» منصوب المحل بالقول، و «المَفَرّ» مصدر بمعنى «الفرار» وهذه هي القراءة المشهورة.
وقرأ الحسنان ابنا علي وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: بفتح الميم وكسر الفاء، وهو اسم مكان الفرار، أي أين مكان الفرار.
وجوز الزمخشري أن يكون مصدراً، قال: «كالمرجع» وقرأ الحسن عكس هكذا: أي بكسر الميم وفتح الفاء، وهو الرجل الكثير الفرار؛ كقول امرىء القيس يصف جواده: [الطويل]
4990 - مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدبِرٍ مَعاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حطَّهُ السَّيلُ من عَلِ وأكثر استعمال هذا الوزن في الآلات.
فصل في بيان ما يقوله الإنسان يوم القيامة
يقول الإنسان يومئذ: أين المفر، أي: يقول ابن آدم، وقيل: أبو جهل: أين المفر، أين المهرب؟ .
قال الماوردي: ويحتمل وجهين:
أحدهما: أين المفر من الله استحياءً منه.
والثاني: أين المفر من جهنم حذراً منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين:
أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ببشرى ربه.
والثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها.
قوله: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ . تقدم الكلام ي «كلاَّ» ، وخبر «لا» محذوف، أي لا وزر له.
أي لا ملجأ من النار.
وقال ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لا حِصْن.
وقال ابن عباس: لا ملجأ وقال الحسن: لا جبل.
وقال ابن جبير: لا مَحِيصَ.
وهل هذه الجملة محكيّة بقول الإنسان، فتكون منصوبة المحل، أو هي مستأنفة من الله - تعالى - بذلك.
و «الوزر» : الملجَأ من حصنٍ أو جبلٍ أو سلاح؛ قال الشاعر: [المتقارب]
4991 - لَعمْرُكَ ما لِلْفَتَى من وَزَرْ ... مِنَ المَوْتِ يُدرِكهُ والكِبَرَ قال السديُّ: كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصَّنوا في الجبال، فقال الله لهم: لا وزر يعصمكم يومئذٍ منِّي.
قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ . أي: المنتهى. [قاله قتادة، نظيره: «وأن إلى ربك المنتهى» ] .
وقال ابن مسعود: إلى ربك المصير والمرجع، أي: المستقر في الآخرة حيث يقره الله.
و «المُسْتقَرُّ» مبتدأ، خبره الجار قبله، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الاستقرار، وأن يكون مكان الاستقرار، و «يَوْمئذٍ» منصوب بفعل مقدر، ولا ينصب ب «مستقر» لأنه إن كان مصدراً فلتقدمه عليه، وإن كان مكاناً فلا عمل له ألبتة.
قوله: ﴿يُنَبَّأُ الإنسان﴾ . أي: يُخبَّر ابن آدم برّاً كان أو فاجراً يوم القيامة ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأخَّرَ﴾ أي: بما أسلف من عمل خيراً أو شرّاً، أو أخَّر من سيِّئة أو صالحة يعمل بها بعده قاله ابن عباس وابن مسعود.
وقال ابن عباس أيضاً: بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة، وهو قول قتادة.
وقال ابن زيد: «بِما قدَّمَ» مرة من أمواله لنفسه «وأخَّرَ» خلَّف للورثة.
وقال الضحاك: «بِما قدَّم» من فرض «وأخَّرَ» من فرض.
وقال مجاهد والنخعيُّ: يُنَبَّأ بأوَّلِ عملٍ وآخره.
قال القشيري: وهذا الإيتاء يكون في القيامة عند وزن الأعمال، ويجوز أن يكون عند الموت.
قوله: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ . يجوز في «بَصِيرة» أوجه:
أحدها: أنها خبر عن الإنسان، و «على نفسه» متعلق ب «بصيرة» ، والمعنى: بل الإنسان بصيرة على نفسه.
وعلى هذا فلأيّ شيء أنَّث الخبر.
وقد اختلف النحويون في ذلك، فقال بعضهم: الهاء فيه للمبالغة.
وقال الأخفش: هو كقولك: «فلان عِبْرة وحُجَّة» .
وقيل: المراد بالإنسان الجوارح، فكأنه قال: بل جوارحه بصيرة، أي شاهدة.
والثاني: أنَّها مبتدأ، و «على نفسه» خبرها، والجملة خبر عن الإنسان.
وعلى هذا ففيها تأويلان:
أحدهما: أن تكون «بصيرة» صفة لمحذوف، أي عين بصيرة. قاله الفراء؛ وأنشد: [الطويل]
4992 - كَأنَّ عَلَى ذِي العَقْلِ عَيْناً بَصِيرَةً ... بِمقْعدِهِ أو مَنْظَرٍ هُو نَاظِرُهْ
يُحَاذِرُ حتَّى يَحْسبَ النَّاسُ كُلُّهُم ... مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفَى عليْهِمْ سَرائِرُهْ
الثاني: أن المعنى جوارحُ بصيرة.
الثالث: أنَّ المعنى ملائكة بصيرة، وهم الكاتبون، والتاء على هذا للتَّأنيث.
وقال الزمخشري: «بصيرة» : حُجَّة «بينة وصفت بالبصارة على المجاز كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ [النمل: 13] .
قال شهاب الدين:» هذا إذا لم تجعل الحُجَّة عبارة عن الإنسان، أو تجعل دخول التاء للمبالغة أمَّا إذا كانت للمبالغة فنسبة الإبصار إليها حقيقة» .
الوجه الثالث: يكون الخبر الجار والمجرور و «بصيرة» فاعل به، وهو أرجح مما قبله؛ لأن الأصل في الأخبار الإفراد.
فصل في تفسير الآية
قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «بصيرة» : أي: شاهد، وهو شهود جوارحه عليه: يداه بما يبطش بهما، ورجلاه بما يمشي عليهما، وعيناه بما أبصر بهما والبصيرة: الشاهد، كما أنشد الفراء، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24] .
قال الواحدي: هذا يكون من صفات الكفار، فإنهم ينكرون ما عملوا، فيُختم على أفواههم، وتنطق جوارحهم.
قوله: ﴿وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَه﴾ . هذه الجملة حالية، وقد تقدم نظيرها مراراً.
والمعاذير: جمع معذرة على غير قياس ك» ملاقيح ومذاكير «جمع لقحة وذكر.
وللنحويين في مثل هذا قولان:
أحدهما: أنه جمع لملفوظ به وهو لقحة وذكر.
والثاني: أنه جمع لغير ملفوظ به بل لمقدَّر، أي ملقحة ومذكار.
وقال الزمخشري:» فإن قلت: أليس قياس «المَعْذِرة» أن تجمع على معاذر لا معاذير؟ .
قلت: «المعاذير» ليست جمع «معذرة» بل اسم جمع لها، ونحوه: «المناكير» في المُنْكَر» .
قال أبو حيان: «وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع، وإنما هو من أبنية جموع التكسير» انتهى.
وقيل: «مَعاذِير» جمع مِعْذار، وهو السِّتر، والمعنى: ولو أرخى ستوره، والمعاذير: الستور بلغة «اليمن» ، قاله الضحاك والسديُّ، وأنشد: [الطويل]
4993 - ولكِنَّهَا ضَنَّتْ بمَنْزلِ سَاعةٍ ... عَليْنَا وأطَّتْ فوْقهَا بالمعَاذِرِ
قال الزجاج: المعاذير: الستور، والواحد: معذار.
أي وإن أرخى ستوره يريد أن يخفى عمله فنفسه شاهدة عليه، وقد حذف الياء من «المعاذر» ضرورة.
وقال الزمخشري: «فإن صح - يعني أن المعاذير: الستور - فلأنه يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب» . وهذا القول منه يحتمل أن يكون بياناً للمعنى الجامع بين كون المعاذير: الستور والاعتذارات، وأن يكون بياناً للعلاقة المسوِّغة في التجويز.
فصل في معنى الآية
قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد وأبو العالية وعطاء والفراء والسديُّ: المعنى: ولو اعتذر وقال: لم أفعل شيئاً لكان عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه فعليه شاهد يكذِّب عذرهُ» .
وقال مقاتل: ولو أدلى بعُذرٍ أو حجة لم ينفعه ذلك، نظيره قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] فالمعاذير على هذا مأخوذة من العُذْر.
القيامة 75:8
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر﴾ . قرأ نافع وأبان عن عاصم: بَرَق بفتح الراء.
والباقون: بالكسر.
فقيل: لغتان في التحيُّر والدهشة، ومعناه لمع بصره من شدَّة شخوصه، فتراه لا يطرف.
وقيل: بَرِق - بالكسر - تحيَّر فزعاً.
قال الزمخشري: «وأصله من بَرِق الرجل إذا نظر إلى البرقِ فدُهِش بصرهُ» .
قال غيره: كما يقال: أسد وبقر، إذا رأى أسداً وبقراً كثيراً فتحيّر من ذلك.
قال ذو الرمة: [الطويل]
4986 - وكُنْتُ أرَى في وجْهِ ميَّةَ لمْحعةً ... فأبْرَقُ مَغْشِياً عَليَّ مَكانِيَا
وأنشد الفراء رَحِمَهُ اللَّهُ: [المتقارب]
4987 - فَنفْسَكَ فَانْعَ ولا تَنْعَنِي ... ودَاوِ الكُلُومَ ولا تَبْرقِ
أي: لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك.
و «بَرَق» بالفتح: من البريق، أي: لمع من شدَّة شُخُوصه.
وقال مجاهد وغيره: وهذا عند الموت.
وقال الحسن: يوم القيامة، قال: وفيه معنى الجواب عما سأل عنه الإنسان، كأنه قال: يوم القيامة إذا برق البصر، وخسف القمر.
وقيل: عند رؤية جهنم.
قال الفراء والخليل: «برِق» - بالكسر -: فَزِع وبُهِت وتحيّر، والعرب تقول للإنسان المتحيِّر المبهوت: قد برِق فهو برِقٌ.
وقيل: «بَرِق، يَبْرَقُ» بالفتح: شق عينيه وفتحهما. قاله أبو عبيدة، وأنشد قول الكلابيِّ: [الرجز]
4988 - لمَّا أتَانِي ابنُ عُمَيْر راغِباً ... أعْطيتُه عِيساً صِهَاباً فَبرِقْ
أي: فتح عينيه. قرأ أبو السمال: «بَلِق» باللام.
قال أهل اللغة إلا الفرّاء: معناه «فُتِح» ، يقال: بَلقْت الباب وأبلقتُه: أي: فتحتُه وفرَّجتُه.
وقال الفراء: هو بمعنى أغلقته.
قال ثعلب: أخطأ الفراء في ذلك.
ثم يجوز أن يكون مادة «بَلَقَ» غير مادة «بَرَقَ» ، ويجوز أن تكون مادةً واحدة بُدِّل فيها حرف من آخر، وقد جاء إبدال «اللام» من الراء في أحرف، قالوا: «نثر كنانته ونثلها» وقالوا: «وجل ووجر» فيمكن أن يكون هذا منه، ويؤيده أن «برق» قد أتى بمعنى شق عينيه وفتحهما، قاله أبو عبيدة، وأنشد [الرجز]
4989 - لمَّا أتَانِي ابن عُمَيْرٍ ... البيت المتقدم.
أي: ففتح عينيه فهذا مناسب ل «بلق» .
قوله: ﴿وَخَسَفَ القمر﴾ .
العامةُ: على بنائه للفاعل.
وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، ويزيد بن قطيب قال القرطبي: وابن أبي إسحاق وعيسى: «خُسِف» مبنياً للمفعول.
وهذا لأن «خسف» يستعمل لازماً ومتعدياً، يقال: خُسِفَ القمر، وخسف الله القمر.
وقد اشتهر أن الخسوف للقمر والكسوف للشمس.
وقال بعضهم: يكونان فيهما، يقال: خُسِفت الشمس وكسفت، وخسف القمر وكسف، وتأيد بعضهم بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ آيَتَانِ من آيَاتِ اللَّهِ لا يخسفانِ لمَوْتِ أحدٍ»
، فاستعمل الخسوف فيهما، وفي هذا نظرٌ لاحتمال التغليب، وهل هما بمعنى واحد أم لا؟ فقال أبو عبيد وجماعة: هما بمعنى واحد.
وقال ابن أبي أويس: الخسوف ذهاب كل ضوئهما والكسوف ذهاب بعضه.
قال القرطبي: الخسوف في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف الآخرة فإنه لا يعود ضوؤه، ويحتمل أن يكون بمعنى «غاب» ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ [القصص: 81] .
قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ لم تلحقه علامة تأنيث؛ لأن التأنيث مجازي.
وقيل: لتغليب التذكير. وفيه نظر، لو قلت: «قام هند وزيد» لم يجز عند الجمهور من العرب.
وقال الكسائي: «جمع» حمل على معنى جرح النيران.
وقال الفراء والزجاج: جمع بينهما في ذهاب ضوئيهما فلا ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه.
وقال ابن عباس وابن مسعود: جمع بينهما، أي قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكوَّرين مظلمين مقرَّنين كأنهما ثوران عقيران.
وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى.
وقال عليّ وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يجعلان في الحُجُب وقد يجمعان في نار جنهم لأنهما قد عُبِدا من دون الله ولا تكون النار عذاباً لهما لأنهما جماد وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكفار وحسرتهم.
وقيل: هذا الجمع إنما يجمعان ويقرَّبان من الناس فيلحقهم العرق لشدَّة الحر فيكون المعنى: يجمع حرهما عليهم.
وقيل: يجمع الشمس والقمر، فلا يكون ثم تعاقبُ ليلٍ ولا نهارٍ.
قال ابن الخطيب: وقيل: جمع بينهما في حكم ذهاب الضوء كما يقال: يجمع بين كذا وكذا في حكم كذا، أي: كل منهما يذهب ضوؤه.
فصل في الرد على من طعن في الآية
قال ابن الخطيب: طعنت الملاحدة في الآية فقالوا: خسوف القمر لا يحصل حال اجتماع الشمس والقمر.
والجواب: أن الله - تعالى - قادر على أن يخسف القمر سواء كانت الأرض متوسطة بينه وبين الشمس، أو لم تكن؛ لأن الله - تعالى - قادر على كل الممكنات فيقدر على إزالة الضوء عن القمر في جميع الأحوال.
قوله: ﴿يَقُولُ الإنسان﴾ . جواب «إذا» من قوله: «فإذا برق» ، و «أيْنَ المفَرُّ» منصوب المحل بالقول، و «المَفَرّ» مصدر بمعنى «الفرار» وهذه هي القراءة المشهورة.
وقرأ الحسنان ابنا علي وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: بفتح الميم وكسر الفاء، وهو اسم مكان الفرار، أي أين مكان الفرار.
وجوز الزمخشري أن يكون مصدراً، قال: «كالمرجع» وقرأ الحسن عكس هكذا: أي بكسر الميم وفتح الفاء، وهو الرجل الكثير الفرار؛ كقول امرىء القيس يصف جواده: [الطويل]
4990 - مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدبِرٍ مَعاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حطَّهُ السَّيلُ من عَلِ وأكثر استعمال هذا الوزن في الآلات.
فصل في بيان ما يقوله الإنسان يوم القيامة
يقول الإنسان يومئذ: أين المفر، أي: يقول ابن آدم، وقيل: أبو جهل: أين المفر، أين المهرب؟ .
قال الماوردي: ويحتمل وجهين:
أحدهما: أين المفر من الله استحياءً منه.
والثاني: أين المفر من جهنم حذراً منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين:
أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ببشرى ربه.
والثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها.
قوله: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ . تقدم الكلام ي «كلاَّ» ، وخبر «لا» محذوف، أي لا وزر له.
أي لا ملجأ من النار.
وقال ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لا حِصْن.
وقال ابن عباس: لا ملجأ وقال الحسن: لا جبل.
وقال ابن جبير: لا مَحِيصَ.
وهل هذه الجملة محكيّة بقول الإنسان، فتكون منصوبة المحل، أو هي مستأنفة من الله - تعالى - بذلك.
و «الوزر» : الملجَأ من حصنٍ أو جبلٍ أو سلاح؛ قال الشاعر: [المتقارب]
4991 - لَعمْرُكَ ما لِلْفَتَى من وَزَرْ ... مِنَ المَوْتِ يُدرِكهُ والكِبَرَ قال السديُّ: كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصَّنوا في الجبال، فقال الله لهم: لا وزر يعصمكم يومئذٍ منِّي.
قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ . أي: المنتهى. [قاله قتادة، نظيره: «وأن إلى ربك المنتهى» ] .
وقال ابن مسعود: إلى ربك المصير والمرجع، أي: المستقر في الآخرة حيث يقره الله.
و «المُسْتقَرُّ» مبتدأ، خبره الجار قبله، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الاستقرار، وأن يكون مكان الاستقرار، و «يَوْمئذٍ» منصوب بفعل مقدر، ولا ينصب ب «مستقر» لأنه إن كان مصدراً فلتقدمه عليه، وإن كان مكاناً فلا عمل له ألبتة.
قوله: ﴿يُنَبَّأُ الإنسان﴾ . أي: يُخبَّر ابن آدم برّاً كان أو فاجراً يوم القيامة ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأخَّرَ﴾ أي: بما أسلف من عمل خيراً أو شرّاً، أو أخَّر من سيِّئة أو صالحة يعمل بها بعده قاله ابن عباس وابن مسعود.
وقال ابن عباس أيضاً: بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة، وهو قول قتادة.
وقال ابن زيد: «بِما قدَّمَ» مرة من أمواله لنفسه «وأخَّرَ» خلَّف للورثة.
وقال الضحاك: «بِما قدَّم» من فرض «وأخَّرَ» من فرض.
وقال مجاهد والنخعيُّ: يُنَبَّأ بأوَّلِ عملٍ وآخره.
قال القشيري: وهذا الإيتاء يكون في القيامة عند وزن الأعمال، ويجوز أن يكون عند الموت.
قوله: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ . يجوز في «بَصِيرة» أوجه:
أحدها: أنها خبر عن الإنسان، و «على نفسه» متعلق ب «بصيرة» ، والمعنى: بل الإنسان بصيرة على نفسه.
وعلى هذا فلأيّ شيء أنَّث الخبر.
وقد اختلف النحويون في ذلك، فقال بعضهم: الهاء فيه للمبالغة.
وقال الأخفش: هو كقولك: «فلان عِبْرة وحُجَّة» .
وقيل: المراد بالإنسان الجوارح، فكأنه قال: بل جوارحه بصيرة، أي شاهدة.
والثاني: أنَّها مبتدأ، و «على نفسه» خبرها، والجملة خبر عن الإنسان.
وعلى هذا ففيها تأويلان:
أحدهما: أن تكون «بصيرة» صفة لمحذوف، أي عين بصيرة. قاله الفراء؛ وأنشد: [الطويل]
4992 - كَأنَّ عَلَى ذِي العَقْلِ عَيْناً بَصِيرَةً ... بِمقْعدِهِ أو مَنْظَرٍ هُو نَاظِرُهْ
يُحَاذِرُ حتَّى يَحْسبَ النَّاسُ كُلُّهُم ... مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفَى عليْهِمْ سَرائِرُهْ
الثاني: أن المعنى جوارحُ بصيرة.
الثالث: أنَّ المعنى ملائكة بصيرة، وهم الكاتبون، والتاء على هذا للتَّأنيث.
وقال الزمخشري: «بصيرة» : حُجَّة «بينة وصفت بالبصارة على المجاز كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ [النمل: 13] .
قال شهاب الدين:» هذا إذا لم تجعل الحُجَّة عبارة عن الإنسان، أو تجعل دخول التاء للمبالغة أمَّا إذا كانت للمبالغة فنسبة الإبصار إليها حقيقة» .
الوجه الثالث: يكون الخبر الجار والمجرور و «بصيرة» فاعل به، وهو أرجح مما قبله؛ لأن الأصل في الأخبار الإفراد.
فصل في تفسير الآية
قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «بصيرة» : أي: شاهد، وهو شهود جوارحه عليه: يداه بما يبطش بهما، ورجلاه بما يمشي عليهما، وعيناه بما أبصر بهما والبصيرة: الشاهد، كما أنشد الفراء، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24] .
قال الواحدي: هذا يكون من صفات الكفار، فإنهم ينكرون ما عملوا، فيُختم على أفواههم، وتنطق جوارحهم.
قوله: ﴿وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَه﴾ . هذه الجملة حالية، وقد تقدم نظيرها مراراً.
والمعاذير: جمع معذرة على غير قياس ك» ملاقيح ومذاكير «جمع لقحة وذكر.
وللنحويين في مثل هذا قولان:
أحدهما: أنه جمع لملفوظ به وهو لقحة وذكر.
والثاني: أنه جمع لغير ملفوظ به بل لمقدَّر، أي ملقحة ومذكار.
وقال الزمخشري:» فإن قلت: أليس قياس «المَعْذِرة» أن تجمع على معاذر لا معاذير؟ .
قلت: «المعاذير» ليست جمع «معذرة» بل اسم جمع لها، ونحوه: «المناكير» في المُنْكَر» .
قال أبو حيان: «وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع، وإنما هو من أبنية جموع التكسير» انتهى.
وقيل: «مَعاذِير» جمع مِعْذار، وهو السِّتر، والمعنى: ولو أرخى ستوره، والمعاذير: الستور بلغة «اليمن» ، قاله الضحاك والسديُّ، وأنشد: [الطويل]
4993 - ولكِنَّهَا ضَنَّتْ بمَنْزلِ سَاعةٍ ... عَليْنَا وأطَّتْ فوْقهَا بالمعَاذِرِ
قال الزجاج: المعاذير: الستور، والواحد: معذار.
أي وإن أرخى ستوره يريد أن يخفى عمله فنفسه شاهدة عليه، وقد حذف الياء من «المعاذر» ضرورة.
وقال الزمخشري: «فإن صح - يعني أن المعاذير: الستور - فلأنه يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب» . وهذا القول منه يحتمل أن يكون بياناً للمعنى الجامع بين كون المعاذير: الستور والاعتذارات، وأن يكون بياناً للعلاقة المسوِّغة في التجويز.
فصل في معنى الآية
قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد وأبو العالية وعطاء والفراء والسديُّ: المعنى: ولو اعتذر وقال: لم أفعل شيئاً لكان عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه فعليه شاهد يكذِّب عذرهُ» .
وقال مقاتل: ولو أدلى بعُذرٍ أو حجة لم ينفعه ذلك، نظيره قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] فالمعاذير على هذا مأخوذة من العُذْر.
القيامة 75:9
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر﴾ . قرأ نافع وأبان عن عاصم: بَرَق بفتح الراء.
والباقون: بالكسر.
فقيل: لغتان في التحيُّر والدهشة، ومعناه لمع بصره من شدَّة شخوصه، فتراه لا يطرف.
وقيل: بَرِق - بالكسر - تحيَّر فزعاً.
قال الزمخشري: «وأصله من بَرِق الرجل إذا نظر إلى البرقِ فدُهِش بصرهُ» .
قال غيره: كما يقال: أسد وبقر، إذا رأى أسداً وبقراً كثيراً فتحيّر من ذلك.
قال ذو الرمة: [الطويل]
4986 - وكُنْتُ أرَى في وجْهِ ميَّةَ لمْحعةً ... فأبْرَقُ مَغْشِياً عَليَّ مَكانِيَا
وأنشد الفراء رَحِمَهُ اللَّهُ: [المتقارب]
4987 - فَنفْسَكَ فَانْعَ ولا تَنْعَنِي ... ودَاوِ الكُلُومَ ولا تَبْرقِ
أي: لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك.
و «بَرَق» بالفتح: من البريق، أي: لمع من شدَّة شُخُوصه.
وقال مجاهد وغيره: وهذا عند الموت.
وقال الحسن: يوم القيامة، قال: وفيه معنى الجواب عما سأل عنه الإنسان، كأنه قال: يوم القيامة إذا برق البصر، وخسف القمر.
وقيل: عند رؤية جهنم.
قال الفراء والخليل: «برِق» - بالكسر -: فَزِع وبُهِت وتحيّر، والعرب تقول للإنسان المتحيِّر المبهوت: قد برِق فهو برِقٌ.
وقيل: «بَرِق، يَبْرَقُ» بالفتح: شق عينيه وفتحهما. قاله أبو عبيدة، وأنشد قول الكلابيِّ: [الرجز]
4988 - لمَّا أتَانِي ابنُ عُمَيْر راغِباً ... أعْطيتُه عِيساً صِهَاباً فَبرِقْ
أي: فتح عينيه. قرأ أبو السمال: «بَلِق» باللام.
قال أهل اللغة إلا الفرّاء: معناه «فُتِح» ، يقال: بَلقْت الباب وأبلقتُه: أي: فتحتُه وفرَّجتُه.
وقال الفراء: هو بمعنى أغلقته.
قال ثعلب: أخطأ الفراء في ذلك.
ثم يجوز أن يكون مادة «بَلَقَ» غير مادة «بَرَقَ» ، ويجوز أن تكون مادةً واحدة بُدِّل فيها حرف من آخر، وقد جاء إبدال «اللام» من الراء في أحرف، قالوا: «نثر كنانته ونثلها» وقالوا: «وجل ووجر» فيمكن أن يكون هذا منه، ويؤيده أن «برق» قد أتى بمعنى شق عينيه وفتحهما، قاله أبو عبيدة، وأنشد [الرجز]
4989 - لمَّا أتَانِي ابن عُمَيْرٍ ... البيت المتقدم.
أي: ففتح عينيه فهذا مناسب ل «بلق» .
قوله: ﴿وَخَسَفَ القمر﴾ .
العامةُ: على بنائه للفاعل.
وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، ويزيد بن قطيب قال القرطبي: وابن أبي إسحاق وعيسى: «خُسِف» مبنياً للمفعول.
وهذا لأن «خسف» يستعمل لازماً ومتعدياً، يقال: خُسِفَ القمر، وخسف الله القمر.
وقد اشتهر أن الخسوف للقمر والكسوف للشمس.
وقال بعضهم: يكونان فيهما، يقال: خُسِفت الشمس وكسفت، وخسف القمر وكسف، وتأيد بعضهم بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ آيَتَانِ من آيَاتِ اللَّهِ لا يخسفانِ لمَوْتِ أحدٍ»
، فاستعمل الخسوف فيهما، وفي هذا نظرٌ لاحتمال التغليب، وهل هما بمعنى واحد أم لا؟ فقال أبو عبيد وجماعة: هما بمعنى واحد.
وقال ابن أبي أويس: الخسوف ذهاب كل ضوئهما والكسوف ذهاب بعضه.
قال القرطبي: الخسوف في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف الآخرة فإنه لا يعود ضوؤه، ويحتمل أن يكون بمعنى «غاب» ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ [القصص: 81] .
قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ لم تلحقه علامة تأنيث؛ لأن التأنيث مجازي.
وقيل: لتغليب التذكير. وفيه نظر، لو قلت: «قام هند وزيد» لم يجز عند الجمهور من العرب.
وقال الكسائي: «جمع» حمل على معنى جرح النيران.
وقال الفراء والزجاج: جمع بينهما في ذهاب ضوئيهما فلا ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه.
وقال ابن عباس وابن مسعود: جمع بينهما، أي قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكوَّرين مظلمين مقرَّنين كأنهما ثوران عقيران.
وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى.
وقال عليّ وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يجعلان في الحُجُب وقد يجمعان في نار جنهم لأنهما قد عُبِدا من دون الله ولا تكون النار عذاباً لهما لأنهما جماد وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكفار وحسرتهم.
وقيل: هذا الجمع إنما يجمعان ويقرَّبان من الناس فيلحقهم العرق لشدَّة الحر فيكون المعنى: يجمع حرهما عليهم.
وقيل: يجمع الشمس والقمر، فلا يكون ثم تعاقبُ ليلٍ ولا نهارٍ.
قال ابن الخطيب: وقيل: جمع بينهما في حكم ذهاب الضوء كما يقال: يجمع بين كذا وكذا في حكم كذا، أي: كل منهما يذهب ضوؤه.
فصل في الرد على من طعن في الآية
قال ابن الخطيب: طعنت الملاحدة في الآية فقالوا: خسوف القمر لا يحصل حال اجتماع الشمس والقمر.
والجواب: أن الله - تعالى - قادر على أن يخسف القمر سواء كانت الأرض متوسطة بينه وبين الشمس، أو لم تكن؛ لأن الله - تعالى - قادر على كل الممكنات فيقدر على إزالة الضوء عن القمر في جميع الأحوال.
قوله: ﴿يَقُولُ الإنسان﴾ . جواب «إذا» من قوله: «فإذا برق» ، و «أيْنَ المفَرُّ» منصوب المحل بالقول، و «المَفَرّ» مصدر بمعنى «الفرار» وهذه هي القراءة المشهورة.
وقرأ الحسنان ابنا علي وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: بفتح الميم وكسر الفاء، وهو اسم مكان الفرار، أي أين مكان الفرار.
وجوز الزمخشري أن يكون مصدراً، قال: «كالمرجع» وقرأ الحسن عكس هكذا: أي بكسر الميم وفتح الفاء، وهو الرجل الكثير الفرار؛ كقول امرىء القيس يصف جواده: [الطويل]
4990 - مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدبِرٍ مَعاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حطَّهُ السَّيلُ من عَلِ وأكثر استعمال هذا الوزن في الآلات.
فصل في بيان ما يقوله الإنسان يوم القيامة
يقول الإنسان يومئذ: أين المفر، أي: يقول ابن آدم، وقيل: أبو جهل: أين المفر، أين المهرب؟ .
قال الماوردي: ويحتمل وجهين:
أحدهما: أين المفر من الله استحياءً منه.
والثاني: أين المفر من جهنم حذراً منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين:
أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ببشرى ربه.
والثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها.
قوله: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ . تقدم الكلام ي «كلاَّ» ، وخبر «لا» محذوف، أي لا وزر له.
أي لا ملجأ من النار.
وقال ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لا حِصْن.
وقال ابن عباس: لا ملجأ وقال الحسن: لا جبل.
وقال ابن جبير: لا مَحِيصَ.
وهل هذه الجملة محكيّة بقول الإنسان، فتكون منصوبة المحل، أو هي مستأنفة من الله - تعالى - بذلك.
و «الوزر» : الملجَأ من حصنٍ أو جبلٍ أو سلاح؛ قال الشاعر: [المتقارب]
4991 - لَعمْرُكَ ما لِلْفَتَى من وَزَرْ ... مِنَ المَوْتِ يُدرِكهُ والكِبَرَ قال السديُّ: كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصَّنوا في الجبال، فقال الله لهم: لا وزر يعصمكم يومئذٍ منِّي.
قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ . أي: المنتهى. [قاله قتادة، نظيره: «وأن إلى ربك المنتهى» ] .
وقال ابن مسعود: إلى ربك المصير والمرجع، أي: المستقر في الآخرة حيث يقره الله.
و «المُسْتقَرُّ» مبتدأ، خبره الجار قبله، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الاستقرار، وأن يكون مكان الاستقرار، و «يَوْمئذٍ» منصوب بفعل مقدر، ولا ينصب ب «مستقر» لأنه إن كان مصدراً فلتقدمه عليه، وإن كان مكاناً فلا عمل له ألبتة.
قوله: ﴿يُنَبَّأُ الإنسان﴾ . أي: يُخبَّر ابن آدم برّاً كان أو فاجراً يوم القيامة ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأخَّرَ﴾ أي: بما أسلف من عمل خيراً أو شرّاً، أو أخَّر من سيِّئة أو صالحة يعمل بها بعده قاله ابن عباس وابن مسعود.
وقال ابن عباس أيضاً: بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة، وهو قول قتادة.
وقال ابن زيد: «بِما قدَّمَ» مرة من أمواله لنفسه «وأخَّرَ» خلَّف للورثة.
وقال الضحاك: «بِما قدَّم» من فرض «وأخَّرَ» من فرض.
وقال مجاهد والنخعيُّ: يُنَبَّأ بأوَّلِ عملٍ وآخره.
قال القشيري: وهذا الإيتاء يكون في القيامة عند وزن الأعمال، ويجوز أن يكون عند الموت.
قوله: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ . يجوز في «بَصِيرة» أوجه:
أحدها: أنها خبر عن الإنسان، و «على نفسه» متعلق ب «بصيرة» ، والمعنى: بل الإنسان بصيرة على نفسه.
وعلى هذا فلأيّ شيء أنَّث الخبر.
وقد اختلف النحويون في ذلك، فقال بعضهم: الهاء فيه للمبالغة.
وقال الأخفش: هو كقولك: «فلان عِبْرة وحُجَّة» .
وقيل: المراد بالإنسان الجوارح، فكأنه قال: بل جوارحه بصيرة، أي شاهدة.
والثاني: أنَّها مبتدأ، و «على نفسه» خبرها، والجملة خبر عن الإنسان.
وعلى هذا ففيها تأويلان:
أحدهما: أن تكون «بصيرة» صفة لمحذوف، أي عين بصيرة. قاله الفراء؛ وأنشد: [الطويل]
4992 - كَأنَّ عَلَى ذِي العَقْلِ عَيْناً بَصِيرَةً ... بِمقْعدِهِ أو مَنْظَرٍ هُو نَاظِرُهْ
يُحَاذِرُ حتَّى يَحْسبَ النَّاسُ كُلُّهُم ... مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفَى عليْهِمْ سَرائِرُهْ
الثاني: أن المعنى جوارحُ بصيرة.
الثالث: أنَّ المعنى ملائكة بصيرة، وهم الكاتبون، والتاء على هذا للتَّأنيث.
وقال الزمخشري: «بصيرة» : حُجَّة «بينة وصفت بالبصارة على المجاز كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ [النمل: 13] .
قال شهاب الدين:» هذا إذا لم تجعل الحُجَّة عبارة عن الإنسان، أو تجعل دخول التاء للمبالغة أمَّا إذا كانت للمبالغة فنسبة الإبصار إليها حقيقة» .
الوجه الثالث: يكون الخبر الجار والمجرور و «بصيرة» فاعل به، وهو أرجح مما قبله؛ لأن الأصل في الأخبار الإفراد.
فصل في تفسير الآية
قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «بصيرة» : أي: شاهد، وهو شهود جوارحه عليه: يداه بما يبطش بهما، ورجلاه بما يمشي عليهما، وعيناه بما أبصر بهما والبصيرة: الشاهد، كما أنشد الفراء، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24] .
قال الواحدي: هذا يكون من صفات الكفار، فإنهم ينكرون ما عملوا، فيُختم على أفواههم، وتنطق جوارحهم.
قوله: ﴿وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَه﴾ . هذه الجملة حالية، وقد تقدم نظيرها مراراً.
والمعاذير: جمع معذرة على غير قياس ك» ملاقيح ومذاكير «جمع لقحة وذكر.
وللنحويين في مثل هذا قولان:
أحدهما: أنه جمع لملفوظ به وهو لقحة وذكر.
والثاني: أنه جمع لغير ملفوظ به بل لمقدَّر، أي ملقحة ومذكار.
وقال الزمخشري:» فإن قلت: أليس قياس «المَعْذِرة» أن تجمع على معاذر لا معاذير؟ .
قلت: «المعاذير» ليست جمع «معذرة» بل اسم جمع لها، ونحوه: «المناكير» في المُنْكَر» .
قال أبو حيان: «وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع، وإنما هو من أبنية جموع التكسير» انتهى.
وقيل: «مَعاذِير» جمع مِعْذار، وهو السِّتر، والمعنى: ولو أرخى ستوره، والمعاذير: الستور بلغة «اليمن» ، قاله الضحاك والسديُّ، وأنشد: [الطويل]
4993 - ولكِنَّهَا ضَنَّتْ بمَنْزلِ سَاعةٍ ... عَليْنَا وأطَّتْ فوْقهَا بالمعَاذِرِ
قال الزجاج: المعاذير: الستور، والواحد: معذار.
أي وإن أرخى ستوره يريد أن يخفى عمله فنفسه شاهدة عليه، وقد حذف الياء من «المعاذر» ضرورة.
وقال الزمخشري: «فإن صح - يعني أن المعاذير: الستور - فلأنه يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب» . وهذا القول منه يحتمل أن يكون بياناً للمعنى الجامع بين كون المعاذير: الستور والاعتذارات، وأن يكون بياناً للعلاقة المسوِّغة في التجويز.
فصل في معنى الآية
قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد وأبو العالية وعطاء والفراء والسديُّ: المعنى: ولو اعتذر وقال: لم أفعل شيئاً لكان عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه فعليه شاهد يكذِّب عذرهُ» .
وقال مقاتل: ولو أدلى بعُذرٍ أو حجة لم ينفعه ذلك، نظيره قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] فالمعاذير على هذا مأخوذة من العُذْر.
القيامة 75:10
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر﴾ . قرأ نافع وأبان عن عاصم: بَرَق بفتح الراء.
والباقون: بالكسر.
فقيل: لغتان في التحيُّر والدهشة، ومعناه لمع بصره من شدَّة شخوصه، فتراه لا يطرف.
وقيل: بَرِق - بالكسر - تحيَّر فزعاً.
قال الزمخشري: «وأصله من بَرِق الرجل إذا نظر إلى البرقِ فدُهِش بصرهُ» .
قال غيره: كما يقال: أسد وبقر، إذا رأى أسداً وبقراً كثيراً فتحيّر من ذلك.
قال ذو الرمة: [الطويل]
4986 - وكُنْتُ أرَى في وجْهِ ميَّةَ لمْحعةً ... فأبْرَقُ مَغْشِياً عَليَّ مَكانِيَا
وأنشد الفراء رَحِمَهُ اللَّهُ: [المتقارب]
4987 - فَنفْسَكَ فَانْعَ ولا تَنْعَنِي ... ودَاوِ الكُلُومَ ولا تَبْرقِ
أي: لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك.
و «بَرَق» بالفتح: من البريق، أي: لمع من شدَّة شُخُوصه.
وقال مجاهد وغيره: وهذا عند الموت.
وقال الحسن: يوم القيامة، قال: وفيه معنى الجواب عما سأل عنه الإنسان، كأنه قال: يوم القيامة إذا برق البصر، وخسف القمر.
وقيل: عند رؤية جهنم.
قال الفراء والخليل: «برِق» - بالكسر -: فَزِع وبُهِت وتحيّر، والعرب تقول للإنسان المتحيِّر المبهوت: قد برِق فهو برِقٌ.
وقيل: «بَرِق، يَبْرَقُ» بالفتح: شق عينيه وفتحهما. قاله أبو عبيدة، وأنشد قول الكلابيِّ: [الرجز]
4988 - لمَّا أتَانِي ابنُ عُمَيْر راغِباً ... أعْطيتُه عِيساً صِهَاباً فَبرِقْ
أي: فتح عينيه. قرأ أبو السمال: «بَلِق» باللام.
قال أهل اللغة إلا الفرّاء: معناه «فُتِح» ، يقال: بَلقْت الباب وأبلقتُه: أي: فتحتُه وفرَّجتُه.
وقال الفراء: هو بمعنى أغلقته.
قال ثعلب: أخطأ الفراء في ذلك.
ثم يجوز أن يكون مادة «بَلَقَ» غير مادة «بَرَقَ» ، ويجوز أن تكون مادةً واحدة بُدِّل فيها حرف من آخر، وقد جاء إبدال «اللام» من الراء في أحرف، قالوا: «نثر كنانته ونثلها» وقالوا: «وجل ووجر» فيمكن أن يكون هذا منه، ويؤيده أن «برق» قد أتى بمعنى شق عينيه وفتحهما، قاله أبو عبيدة، وأنشد [الرجز]
4989 - لمَّا أتَانِي ابن عُمَيْرٍ ... البيت المتقدم.
أي: ففتح عينيه فهذا مناسب ل «بلق» .
قوله: ﴿وَخَسَفَ القمر﴾ .
العامةُ: على بنائه للفاعل.
وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، ويزيد بن قطيب قال القرطبي: وابن أبي إسحاق وعيسى: «خُسِف» مبنياً للمفعول.
وهذا لأن «خسف» يستعمل لازماً ومتعدياً، يقال: خُسِفَ القمر، وخسف الله القمر.
وقد اشتهر أن الخسوف للقمر والكسوف للشمس.
وقال بعضهم: يكونان فيهما، يقال: خُسِفت الشمس وكسفت، وخسف القمر وكسف، وتأيد بعضهم بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ آيَتَانِ من آيَاتِ اللَّهِ لا يخسفانِ لمَوْتِ أحدٍ»
، فاستعمل الخسوف فيهما، وفي هذا نظرٌ لاحتمال التغليب، وهل هما بمعنى واحد أم لا؟ فقال أبو عبيد وجماعة: هما بمعنى واحد.
وقال ابن أبي أويس: الخسوف ذهاب كل ضوئهما والكسوف ذهاب بعضه.
قال القرطبي: الخسوف في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف الآخرة فإنه لا يعود ضوؤه، ويحتمل أن يكون بمعنى «غاب» ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ [القصص: 81] .
قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ لم تلحقه علامة تأنيث؛ لأن التأنيث مجازي.
وقيل: لتغليب التذكير. وفيه نظر، لو قلت: «قام هند وزيد» لم يجز عند الجمهور من العرب.
وقال الكسائي: «جمع» حمل على معنى جرح النيران.
وقال الفراء والزجاج: جمع بينهما في ذهاب ضوئيهما فلا ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه.
وقال ابن عباس وابن مسعود: جمع بينهما، أي قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكوَّرين مظلمين مقرَّنين كأنهما ثوران عقيران.
وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى.
وقال عليّ وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يجعلان في الحُجُب وقد يجمعان في نار جنهم لأنهما قد عُبِدا من دون الله ولا تكون النار عذاباً لهما لأنهما جماد وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكفار وحسرتهم.
وقيل: هذا الجمع إنما يجمعان ويقرَّبان من الناس فيلحقهم العرق لشدَّة الحر فيكون المعنى: يجمع حرهما عليهم.
وقيل: يجمع الشمس والقمر، فلا يكون ثم تعاقبُ ليلٍ ولا نهارٍ.
قال ابن الخطيب: وقيل: جمع بينهما في حكم ذهاب الضوء كما يقال: يجمع بين كذا وكذا في حكم كذا، أي: كل منهما يذهب ضوؤه.
فصل في الرد على من طعن في الآية
قال ابن الخطيب: طعنت الملاحدة في الآية فقالوا: خسوف القمر لا يحصل حال اجتماع الشمس والقمر.
والجواب: أن الله - تعالى - قادر على أن يخسف القمر سواء كانت الأرض متوسطة بينه وبين الشمس، أو لم تكن؛ لأن الله - تعالى - قادر على كل الممكنات فيقدر على إزالة الضوء عن القمر في جميع الأحوال.
قوله: ﴿يَقُولُ الإنسان﴾ . جواب «إذا» من قوله: «فإذا برق» ، و «أيْنَ المفَرُّ» منصوب المحل بالقول، و «المَفَرّ» مصدر بمعنى «الفرار» وهذه هي القراءة المشهورة.
وقرأ الحسنان ابنا علي وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: بفتح الميم وكسر الفاء، وهو اسم مكان الفرار، أي أين مكان الفرار.
وجوز الزمخشري أن يكون مصدراً، قال: «كالمرجع» وقرأ الحسن عكس هكذا: أي بكسر الميم وفتح الفاء، وهو الرجل الكثير الفرار؛ كقول امرىء القيس يصف جواده: [الطويل]
4990 - مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدبِرٍ مَعاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حطَّهُ السَّيلُ من عَلِ وأكثر استعمال هذا الوزن في الآلات.
فصل في بيان ما يقوله الإنسان يوم القيامة
يقول الإنسان يومئذ: أين المفر، أي: يقول ابن آدم، وقيل: أبو جهل: أين المفر، أين المهرب؟ .
قال الماوردي: ويحتمل وجهين:
أحدهما: أين المفر من الله استحياءً منه.
والثاني: أين المفر من جهنم حذراً منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين:
أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ببشرى ربه.
والثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها.
قوله: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ . تقدم الكلام ي «كلاَّ» ، وخبر «لا» محذوف، أي لا وزر له.
أي لا ملجأ من النار.
وقال ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لا حِصْن.
وقال ابن عباس: لا ملجأ وقال الحسن: لا جبل.
وقال ابن جبير: لا مَحِيصَ.
وهل هذه الجملة محكيّة بقول الإنسان، فتكون منصوبة المحل، أو هي مستأنفة من الله - تعالى - بذلك.
و «الوزر» : الملجَأ من حصنٍ أو جبلٍ أو سلاح؛ قال الشاعر: [المتقارب]
4991 - لَعمْرُكَ ما لِلْفَتَى من وَزَرْ ... مِنَ المَوْتِ يُدرِكهُ والكِبَرَ قال السديُّ: كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصَّنوا في الجبال، فقال الله لهم: لا وزر يعصمكم يومئذٍ منِّي.
قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ . أي: المنتهى. [قاله قتادة، نظيره: «وأن إلى ربك المنتهى» ] .
وقال ابن مسعود: إلى ربك المصير والمرجع، أي: المستقر في الآخرة حيث يقره الله.
و «المُسْتقَرُّ» مبتدأ، خبره الجار قبله، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الاستقرار، وأن يكون مكان الاستقرار، و «يَوْمئذٍ» منصوب بفعل مقدر، ولا ينصب ب «مستقر» لأنه إن كان مصدراً فلتقدمه عليه، وإن كان مكاناً فلا عمل له ألبتة.
قوله: ﴿يُنَبَّأُ الإنسان﴾ . أي: يُخبَّر ابن آدم برّاً كان أو فاجراً يوم القيامة ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأخَّرَ﴾ أي: بما أسلف من عمل خيراً أو شرّاً، أو أخَّر من سيِّئة أو صالحة يعمل بها بعده قاله ابن عباس وابن مسعود.
وقال ابن عباس أيضاً: بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة، وهو قول قتادة.
وقال ابن زيد: «بِما قدَّمَ» مرة من أمواله لنفسه «وأخَّرَ» خلَّف للورثة.
وقال الضحاك: «بِما قدَّم» من فرض «وأخَّرَ» من فرض.
وقال مجاهد والنخعيُّ: يُنَبَّأ بأوَّلِ عملٍ وآخره.
قال القشيري: وهذا الإيتاء يكون في القيامة عند وزن الأعمال، ويجوز أن يكون عند الموت.
قوله: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ . يجوز في «بَصِيرة» أوجه:
أحدها: أنها خبر عن الإنسان، و «على نفسه» متعلق ب «بصيرة» ، والمعنى: بل الإنسان بصيرة على نفسه.
وعلى هذا فلأيّ شيء أنَّث الخبر.
وقد اختلف النحويون في ذلك، فقال بعضهم: الهاء فيه للمبالغة.
وقال الأخفش: هو كقولك: «فلان عِبْرة وحُجَّة» .
وقيل: المراد بالإنسان الجوارح، فكأنه قال: بل جوارحه بصيرة، أي شاهدة.
والثاني: أنَّها مبتدأ، و «على نفسه» خبرها، والجملة خبر عن الإنسان.
وعلى هذا ففيها تأويلان:
أحدهما: أن تكون «بصيرة» صفة لمحذوف، أي عين بصيرة. قاله الفراء؛ وأنشد: [الطويل]
4992 - كَأنَّ عَلَى ذِي العَقْلِ عَيْناً بَصِيرَةً ... بِمقْعدِهِ أو مَنْظَرٍ هُو نَاظِرُهْ
يُحَاذِرُ حتَّى يَحْسبَ النَّاسُ كُلُّهُم ... مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفَى عليْهِمْ سَرائِرُهْ
الثاني: أن المعنى جوارحُ بصيرة.
الثالث: أنَّ المعنى ملائكة بصيرة، وهم الكاتبون، والتاء على هذا للتَّأنيث.
وقال الزمخشري: «بصيرة» : حُجَّة «بينة وصفت بالبصارة على المجاز كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ [النمل: 13] .
قال شهاب الدين:» هذا إذا لم تجعل الحُجَّة عبارة عن الإنسان، أو تجعل دخول التاء للمبالغة أمَّا إذا كانت للمبالغة فنسبة الإبصار إليها حقيقة» .
الوجه الثالث: يكون الخبر الجار والمجرور و «بصيرة» فاعل به، وهو أرجح مما قبله؛ لأن الأصل في الأخبار الإفراد.
فصل في تفسير الآية
قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «بصيرة» : أي: شاهد، وهو شهود جوارحه عليه: يداه بما يبطش بهما، ورجلاه بما يمشي عليهما، وعيناه بما أبصر بهما والبصيرة: الشاهد، كما أنشد الفراء، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24] .
قال الواحدي: هذا يكون من صفات الكفار، فإنهم ينكرون ما عملوا، فيُختم على أفواههم، وتنطق جوارحهم.
قوله: ﴿وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَه﴾ . هذه الجملة حالية، وقد تقدم نظيرها مراراً.
والمعاذير: جمع معذرة على غير قياس ك» ملاقيح ومذاكير «جمع لقحة وذكر.
وللنحويين في مثل هذا قولان:
أحدهما: أنه جمع لملفوظ به وهو لقحة وذكر.
والثاني: أنه جمع لغير ملفوظ به بل لمقدَّر، أي ملقحة ومذكار.
وقال الزمخشري:» فإن قلت: أليس قياس «المَعْذِرة» أن تجمع على معاذر لا معاذير؟ .
قلت: «المعاذير» ليست جمع «معذرة» بل اسم جمع لها، ونحوه: «المناكير» في المُنْكَر» .
قال أبو حيان: «وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع، وإنما هو من أبنية جموع التكسير» انتهى.
وقيل: «مَعاذِير» جمع مِعْذار، وهو السِّتر، والمعنى: ولو أرخى ستوره، والمعاذير: الستور بلغة «اليمن» ، قاله الضحاك والسديُّ، وأنشد: [الطويل]
4993 - ولكِنَّهَا ضَنَّتْ بمَنْزلِ سَاعةٍ ... عَليْنَا وأطَّتْ فوْقهَا بالمعَاذِرِ
قال الزجاج: المعاذير: الستور، والواحد: معذار.
أي وإن أرخى ستوره يريد أن يخفى عمله فنفسه شاهدة عليه، وقد حذف الياء من «المعاذر» ضرورة.
وقال الزمخشري: «فإن صح - يعني أن المعاذير: الستور - فلأنه يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب» . وهذا القول منه يحتمل أن يكون بياناً للمعنى الجامع بين كون المعاذير: الستور والاعتذارات، وأن يكون بياناً للعلاقة المسوِّغة في التجويز.
فصل في معنى الآية
قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد وأبو العالية وعطاء والفراء والسديُّ: المعنى: ولو اعتذر وقال: لم أفعل شيئاً لكان عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه فعليه شاهد يكذِّب عذرهُ» .
وقال مقاتل: ولو أدلى بعُذرٍ أو حجة لم ينفعه ذلك، نظيره قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] فالمعاذير على هذا مأخوذة من العُذْر.
القيامة 75:11
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر﴾ . قرأ نافع وأبان عن عاصم: بَرَق بفتح الراء.
والباقون: بالكسر.
فقيل: لغتان في التحيُّر والدهشة، ومعناه لمع بصره من شدَّة شخوصه، فتراه لا يطرف.
وقيل: بَرِق - بالكسر - تحيَّر فزعاً.
قال الزمخشري: «وأصله من بَرِق الرجل إذا نظر إلى البرقِ فدُهِش بصرهُ» .
قال غيره: كما يقال: أسد وبقر، إذا رأى أسداً وبقراً كثيراً فتحيّر من ذلك.
قال ذو الرمة: [الطويل]
4986 - وكُنْتُ أرَى في وجْهِ ميَّةَ لمْحعةً ... فأبْرَقُ مَغْشِياً عَليَّ مَكانِيَا
وأنشد الفراء رَحِمَهُ اللَّهُ: [المتقارب]
4987 - فَنفْسَكَ فَانْعَ ولا تَنْعَنِي ... ودَاوِ الكُلُومَ ولا تَبْرقِ
أي: لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك.
و «بَرَق» بالفتح: من البريق، أي: لمع من شدَّة شُخُوصه.
وقال مجاهد وغيره: وهذا عند الموت.
وقال الحسن: يوم القيامة، قال: وفيه معنى الجواب عما سأل عنه الإنسان، كأنه قال: يوم القيامة إذا برق البصر، وخسف القمر.
وقيل: عند رؤية جهنم.
قال الفراء والخليل: «برِق» - بالكسر -: فَزِع وبُهِت وتحيّر، والعرب تقول للإنسان المتحيِّر المبهوت: قد برِق فهو برِقٌ.
وقيل: «بَرِق، يَبْرَقُ» بالفتح: شق عينيه وفتحهما. قاله أبو عبيدة، وأنشد قول الكلابيِّ: [الرجز]
4988 - لمَّا أتَانِي ابنُ عُمَيْر راغِباً ... أعْطيتُه عِيساً صِهَاباً فَبرِقْ
أي: فتح عينيه. قرأ أبو السمال: «بَلِق» باللام.
قال أهل اللغة إلا الفرّاء: معناه «فُتِح» ، يقال: بَلقْت الباب وأبلقتُه: أي: فتحتُه وفرَّجتُه.
وقال الفراء: هو بمعنى أغلقته.
قال ثعلب: أخطأ الفراء في ذلك.
ثم يجوز أن يكون مادة «بَلَقَ» غير مادة «بَرَقَ» ، ويجوز أن تكون مادةً واحدة بُدِّل فيها حرف من آخر، وقد جاء إبدال «اللام» من الراء في أحرف، قالوا: «نثر كنانته ونثلها» وقالوا: «وجل ووجر» فيمكن أن يكون هذا منه، ويؤيده أن «برق» قد أتى بمعنى شق عينيه وفتحهما، قاله أبو عبيدة، وأنشد [الرجز]
4989 - لمَّا أتَانِي ابن عُمَيْرٍ ... البيت المتقدم.
أي: ففتح عينيه فهذا مناسب ل «بلق» .
قوله: ﴿وَخَسَفَ القمر﴾ .
العامةُ: على بنائه للفاعل.
وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، ويزيد بن قطيب قال القرطبي: وابن أبي إسحاق وعيسى: «خُسِف» مبنياً للمفعول.
وهذا لأن «خسف» يستعمل لازماً ومتعدياً، يقال: خُسِفَ القمر، وخسف الله القمر.
وقد اشتهر أن الخسوف للقمر والكسوف للشمس.
وقال بعضهم: يكونان فيهما، يقال: خُسِفت الشمس وكسفت، وخسف القمر وكسف، وتأيد بعضهم بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ آيَتَانِ من آيَاتِ اللَّهِ لا يخسفانِ لمَوْتِ أحدٍ»
، فاستعمل الخسوف فيهما، وفي هذا نظرٌ لاحتمال التغليب، وهل هما بمعنى واحد أم لا؟ فقال أبو عبيد وجماعة: هما بمعنى واحد.
وقال ابن أبي أويس: الخسوف ذهاب كل ضوئهما والكسوف ذهاب بعضه.
قال القرطبي: الخسوف في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف الآخرة فإنه لا يعود ضوؤه، ويحتمل أن يكون بمعنى «غاب» ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ [القصص: 81] .
قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ لم تلحقه علامة تأنيث؛ لأن التأنيث مجازي.
وقيل: لتغليب التذكير. وفيه نظر، لو قلت: «قام هند وزيد» لم يجز عند الجمهور من العرب.
وقال الكسائي: «جمع» حمل على معنى جرح النيران.
وقال الفراء والزجاج: جمع بينهما في ذهاب ضوئيهما فلا ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه.
وقال ابن عباس وابن مسعود: جمع بينهما، أي قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكوَّرين مظلمين مقرَّنين كأنهما ثوران عقيران.
وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى.
وقال عليّ وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يجعلان في الحُجُب وقد يجمعان في نار جنهم لأنهما قد عُبِدا من دون الله ولا تكون النار عذاباً لهما لأنهما جماد وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكفار وحسرتهم.
وقيل: هذا الجمع إنما يجمعان ويقرَّبان من الناس فيلحقهم العرق لشدَّة الحر فيكون المعنى: يجمع حرهما عليهم.
وقيل: يجمع الشمس والقمر، فلا يكون ثم تعاقبُ ليلٍ ولا نهارٍ.
قال ابن الخطيب: وقيل: جمع بينهما في حكم ذهاب الضوء كما يقال: يجمع بين كذا وكذا في حكم كذا، أي: كل منهما يذهب ضوؤه.
فصل في الرد على من طعن في الآية
قال ابن الخطيب: طعنت الملاحدة في الآية فقالوا: خسوف القمر لا يحصل حال اجتماع الشمس والقمر.
والجواب: أن الله - تعالى - قادر على أن يخسف القمر سواء كانت الأرض متوسطة بينه وبين الشمس، أو لم تكن؛ لأن الله - تعالى - قادر على كل الممكنات فيقدر على إزالة الضوء عن القمر في جميع الأحوال.
قوله: ﴿يَقُولُ الإنسان﴾ . جواب «إذا» من قوله: «فإذا برق» ، و «أيْنَ المفَرُّ» منصوب المحل بالقول، و «المَفَرّ» مصدر بمعنى «الفرار» وهذه هي القراءة المشهورة.
وقرأ الحسنان ابنا علي وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: بفتح الميم وكسر الفاء، وهو اسم مكان الفرار، أي أين مكان الفرار.
وجوز الزمخشري أن يكون مصدراً، قال: «كالمرجع» وقرأ الحسن عكس هكذا: أي بكسر الميم وفتح الفاء، وهو الرجل الكثير الفرار؛ كقول امرىء القيس يصف جواده: [الطويل]
4990 - مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدبِرٍ مَعاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حطَّهُ السَّيلُ من عَلِ وأكثر استعمال هذا الوزن في الآلات.
فصل في بيان ما يقوله الإنسان يوم القيامة
يقول الإنسان يومئذ: أين المفر، أي: يقول ابن آدم، وقيل: أبو جهل: أين المفر، أين المهرب؟ .
قال الماوردي: ويحتمل وجهين:
أحدهما: أين المفر من الله استحياءً منه.
والثاني: أين المفر من جهنم حذراً منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين:
أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ببشرى ربه.
والثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها.
قوله: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ . تقدم الكلام ي «كلاَّ» ، وخبر «لا» محذوف، أي لا وزر له.
أي لا ملجأ من النار.
وقال ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لا حِصْن.
وقال ابن عباس: لا ملجأ وقال الحسن: لا جبل.
وقال ابن جبير: لا مَحِيصَ.
وهل هذه الجملة محكيّة بقول الإنسان، فتكون منصوبة المحل، أو هي مستأنفة من الله - تعالى - بذلك.
و «الوزر» : الملجَأ من حصنٍ أو جبلٍ أو سلاح؛ قال الشاعر: [المتقارب]
4991 - لَعمْرُكَ ما لِلْفَتَى من وَزَرْ ... مِنَ المَوْتِ يُدرِكهُ والكِبَرَ قال السديُّ: كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصَّنوا في الجبال، فقال الله لهم: لا وزر يعصمكم يومئذٍ منِّي.
قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ . أي: المنتهى. [قاله قتادة، نظيره: «وأن إلى ربك المنتهى» ] .
وقال ابن مسعود: إلى ربك المصير والمرجع، أي: المستقر في الآخرة حيث يقره الله.
و «المُسْتقَرُّ» مبتدأ، خبره الجار قبله، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الاستقرار، وأن يكون مكان الاستقرار، و «يَوْمئذٍ» منصوب بفعل مقدر، ولا ينصب ب «مستقر» لأنه إن كان مصدراً فلتقدمه عليه، وإن كان مكاناً فلا عمل له ألبتة.
قوله: ﴿يُنَبَّأُ الإنسان﴾ . أي: يُخبَّر ابن آدم برّاً كان أو فاجراً يوم القيامة ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأخَّرَ﴾ أي: بما أسلف من عمل خيراً أو شرّاً، أو أخَّر من سيِّئة أو صالحة يعمل بها بعده قاله ابن عباس وابن مسعود.
وقال ابن عباس أيضاً: بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة، وهو قول قتادة.
وقال ابن زيد: «بِما قدَّمَ» مرة من أمواله لنفسه «وأخَّرَ» خلَّف للورثة.
وقال الضحاك: «بِما قدَّم» من فرض «وأخَّرَ» من فرض.
وقال مجاهد والنخعيُّ: يُنَبَّأ بأوَّلِ عملٍ وآخره.
قال القشيري: وهذا الإيتاء يكون في القيامة عند وزن الأعمال، ويجوز أن يكون عند الموت.
قوله: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ . يجوز في «بَصِيرة» أوجه:
أحدها: أنها خبر عن الإنسان، و «على نفسه» متعلق ب «بصيرة» ، والمعنى: بل الإنسان بصيرة على نفسه.
وعلى هذا فلأيّ شيء أنَّث الخبر.
وقد اختلف النحويون في ذلك، فقال بعضهم: الهاء فيه للمبالغة.
وقال الأخفش: هو كقولك: «فلان عِبْرة وحُجَّة» .
وقيل: المراد بالإنسان الجوارح، فكأنه قال: بل جوارحه بصيرة، أي شاهدة.
والثاني: أنَّها مبتدأ، و «على نفسه» خبرها، والجملة خبر عن الإنسان.
وعلى هذا ففيها تأويلان:
أحدهما: أن تكون «بصيرة» صفة لمحذوف، أي عين بصيرة. قاله الفراء؛ وأنشد: [الطويل]
4992 - كَأنَّ عَلَى ذِي العَقْلِ عَيْناً بَصِيرَةً ... بِمقْعدِهِ أو مَنْظَرٍ هُو نَاظِرُهْ
يُحَاذِرُ حتَّى يَحْسبَ النَّاسُ كُلُّهُم ... مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفَى عليْهِمْ سَرائِرُهْ
الثاني: أن المعنى جوارحُ بصيرة.
الثالث: أنَّ المعنى ملائكة بصيرة، وهم الكاتبون، والتاء على هذا للتَّأنيث.
وقال الزمخشري: «بصيرة» : حُجَّة «بينة وصفت بالبصارة على المجاز كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ [النمل: 13] .
قال شهاب الدين:» هذا إذا لم تجعل الحُجَّة عبارة عن الإنسان، أو تجعل دخول التاء للمبالغة أمَّا إذا كانت للمبالغة فنسبة الإبصار إليها حقيقة» .
الوجه الثالث: يكون الخبر الجار والمجرور و «بصيرة» فاعل به، وهو أرجح مما قبله؛ لأن الأصل في الأخبار الإفراد.
فصل في تفسير الآية
قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «بصيرة» : أي: شاهد، وهو شهود جوارحه عليه: يداه بما يبطش بهما، ورجلاه بما يمشي عليهما، وعيناه بما أبصر بهما والبصيرة: الشاهد، كما أنشد الفراء، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24] .
قال الواحدي: هذا يكون من صفات الكفار، فإنهم ينكرون ما عملوا، فيُختم على أفواههم، وتنطق جوارحهم.
قوله: ﴿وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَه﴾ . هذه الجملة حالية، وقد تقدم نظيرها مراراً.
والمعاذير: جمع معذرة على غير قياس ك» ملاقيح ومذاكير «جمع لقحة وذكر.
وللنحويين في مثل هذا قولان:
أحدهما: أنه جمع لملفوظ به وهو لقحة وذكر.
والثاني: أنه جمع لغير ملفوظ به بل لمقدَّر، أي ملقحة ومذكار.
وقال الزمخشري:» فإن قلت: أليس قياس «المَعْذِرة» أن تجمع على معاذر لا معاذير؟ .
قلت: «المعاذير» ليست جمع «معذرة» بل اسم جمع لها، ونحوه: «المناكير» في المُنْكَر» .
قال أبو حيان: «وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع، وإنما هو من أبنية جموع التكسير» انتهى.
وقيل: «مَعاذِير» جمع مِعْذار، وهو السِّتر، والمعنى: ولو أرخى ستوره، والمعاذير: الستور بلغة «اليمن» ، قاله الضحاك والسديُّ، وأنشد: [الطويل]
4993 - ولكِنَّهَا ضَنَّتْ بمَنْزلِ سَاعةٍ ... عَليْنَا وأطَّتْ فوْقهَا بالمعَاذِرِ
قال الزجاج: المعاذير: الستور، والواحد: معذار.
أي وإن أرخى ستوره يريد أن يخفى عمله فنفسه شاهدة عليه، وقد حذف الياء من «المعاذر» ضرورة.
وقال الزمخشري: «فإن صح - يعني أن المعاذير: الستور - فلأنه يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب» . وهذا القول منه يحتمل أن يكون بياناً للمعنى الجامع بين كون المعاذير: الستور والاعتذارات، وأن يكون بياناً للعلاقة المسوِّغة في التجويز.
فصل في معنى الآية
قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد وأبو العالية وعطاء والفراء والسديُّ: المعنى: ولو اعتذر وقال: لم أفعل شيئاً لكان عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه فعليه شاهد يكذِّب عذرهُ» .
وقال مقاتل: ولو أدلى بعُذرٍ أو حجة لم ينفعه ذلك، نظيره قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] فالمعاذير على هذا مأخوذة من العُذْر.
القيامة 75:12
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر﴾ . قرأ نافع وأبان عن عاصم: بَرَق بفتح الراء.
والباقون: بالكسر.
فقيل: لغتان في التحيُّر والدهشة، ومعناه لمع بصره من شدَّة شخوصه، فتراه لا يطرف.
وقيل: بَرِق - بالكسر - تحيَّر فزعاً.
قال الزمخشري: «وأصله من بَرِق الرجل إذا نظر إلى البرقِ فدُهِش بصرهُ» .
قال غيره: كما يقال: أسد وبقر، إذا رأى أسداً وبقراً كثيراً فتحيّر من ذلك.
قال ذو الرمة: [الطويل]
4986 - وكُنْتُ أرَى في وجْهِ ميَّةَ لمْحعةً ... فأبْرَقُ مَغْشِياً عَليَّ مَكانِيَا
وأنشد الفراء رَحِمَهُ اللَّهُ: [المتقارب]
4987 - فَنفْسَكَ فَانْعَ ولا تَنْعَنِي ... ودَاوِ الكُلُومَ ولا تَبْرقِ
أي: لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك.
و «بَرَق» بالفتح: من البريق، أي: لمع من شدَّة شُخُوصه.
وقال مجاهد وغيره: وهذا عند الموت.
وقال الحسن: يوم القيامة، قال: وفيه معنى الجواب عما سأل عنه الإنسان، كأنه قال: يوم القيامة إذا برق البصر، وخسف القمر.
وقيل: عند رؤية جهنم.
قال الفراء والخليل: «برِق» - بالكسر -: فَزِع وبُهِت وتحيّر، والعرب تقول للإنسان المتحيِّر المبهوت: قد برِق فهو برِقٌ.
وقيل: «بَرِق، يَبْرَقُ» بالفتح: شق عينيه وفتحهما. قاله أبو عبيدة، وأنشد قول الكلابيِّ: [الرجز]
4988 - لمَّا أتَانِي ابنُ عُمَيْر راغِباً ... أعْطيتُه عِيساً صِهَاباً فَبرِقْ
أي: فتح عينيه. قرأ أبو السمال: «بَلِق» باللام.
قال أهل اللغة إلا الفرّاء: معناه «فُتِح» ، يقال: بَلقْت الباب وأبلقتُه: أي: فتحتُه وفرَّجتُه.
وقال الفراء: هو بمعنى أغلقته.
قال ثعلب: أخطأ الفراء في ذلك.
ثم يجوز أن يكون مادة «بَلَقَ» غير مادة «بَرَقَ» ، ويجوز أن تكون مادةً واحدة بُدِّل فيها حرف من آخر، وقد جاء إبدال «اللام» من الراء في أحرف، قالوا: «نثر كنانته ونثلها» وقالوا: «وجل ووجر» فيمكن أن يكون هذا منه، ويؤيده أن «برق» قد أتى بمعنى شق عينيه وفتحهما، قاله أبو عبيدة، وأنشد [الرجز]
4989 - لمَّا أتَانِي ابن عُمَيْرٍ ... البيت المتقدم.
أي: ففتح عينيه فهذا مناسب ل «بلق» .
قوله: ﴿وَخَسَفَ القمر﴾ .
العامةُ: على بنائه للفاعل.
وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، ويزيد بن قطيب قال القرطبي: وابن أبي إسحاق وعيسى: «خُسِف» مبنياً للمفعول.
وهذا لأن «خسف» يستعمل لازماً ومتعدياً، يقال: خُسِفَ القمر، وخسف الله القمر.
وقد اشتهر أن الخسوف للقمر والكسوف للشمس.
وقال بعضهم: يكونان فيهما، يقال: خُسِفت الشمس وكسفت، وخسف القمر وكسف، وتأيد بعضهم بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ آيَتَانِ من آيَاتِ اللَّهِ لا يخسفانِ لمَوْتِ أحدٍ»
، فاستعمل الخسوف فيهما، وفي هذا نظرٌ لاحتمال التغليب، وهل هما بمعنى واحد أم لا؟ فقال أبو عبيد وجماعة: هما بمعنى واحد.
وقال ابن أبي أويس: الخسوف ذهاب كل ضوئهما والكسوف ذهاب بعضه.
قال القرطبي: الخسوف في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف الآخرة فإنه لا يعود ضوؤه، ويحتمل أن يكون بمعنى «غاب» ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ [القصص: 81] .
قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ لم تلحقه علامة تأنيث؛ لأن التأنيث مجازي.
وقيل: لتغليب التذكير. وفيه نظر، لو قلت: «قام هند وزيد» لم يجز عند الجمهور من العرب.
وقال الكسائي: «جمع» حمل على معنى جرح النيران.
وقال الفراء والزجاج: جمع بينهما في ذهاب ضوئيهما فلا ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه.
وقال ابن عباس وابن مسعود: جمع بينهما، أي قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكوَّرين مظلمين مقرَّنين كأنهما ثوران عقيران.
وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى.
وقال عليّ وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يجعلان في الحُجُب وقد يجمعان في نار جنهم لأنهما قد عُبِدا من دون الله ولا تكون النار عذاباً لهما لأنهما جماد وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكفار وحسرتهم.
وقيل: هذا الجمع إنما يجمعان ويقرَّبان من الناس فيلحقهم العرق لشدَّة الحر فيكون المعنى: يجمع حرهما عليهم.
وقيل: يجمع الشمس والقمر، فلا يكون ثم تعاقبُ ليلٍ ولا نهارٍ.
قال ابن الخطيب: وقيل: جمع بينهما في حكم ذهاب الضوء كما يقال: يجمع بين كذا وكذا في حكم كذا، أي: كل منهما يذهب ضوؤه.
فصل في الرد على من طعن في الآية
قال ابن الخطيب: طعنت الملاحدة في الآية فقالوا: خسوف القمر لا يحصل حال اجتماع الشمس والقمر.
والجواب: أن الله - تعالى - قادر على أن يخسف القمر سواء كانت الأرض متوسطة بينه وبين الشمس، أو لم تكن؛ لأن الله - تعالى - قادر على كل الممكنات فيقدر على إزالة الضوء عن القمر في جميع الأحوال.
قوله: ﴿يَقُولُ الإنسان﴾ . جواب «إذا» من قوله: «فإذا برق» ، و «أيْنَ المفَرُّ» منصوب المحل بالقول، و «المَفَرّ» مصدر بمعنى «الفرار» وهذه هي القراءة المشهورة.
وقرأ الحسنان ابنا علي وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: بفتح الميم وكسر الفاء، وهو اسم مكان الفرار، أي أين مكان الفرار.
وجوز الزمخشري أن يكون مصدراً، قال: «كالمرجع» وقرأ الحسن عكس هكذا: أي بكسر الميم وفتح الفاء، وهو الرجل الكثير الفرار؛ كقول امرىء القيس يصف جواده: [الطويل]
4990 - مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدبِرٍ مَعاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حطَّهُ السَّيلُ من عَلِ وأكثر استعمال هذا الوزن في الآلات.
فصل في بيان ما يقوله الإنسان يوم القيامة
يقول الإنسان يومئذ: أين المفر، أي: يقول ابن آدم، وقيل: أبو جهل: أين المفر، أين المهرب؟ .
قال الماوردي: ويحتمل وجهين:
أحدهما: أين المفر من الله استحياءً منه.
والثاني: أين المفر من جهنم حذراً منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين:
أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ببشرى ربه.
والثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها.
قوله: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ . تقدم الكلام ي «كلاَّ» ، وخبر «لا» محذوف، أي لا وزر له.
أي لا ملجأ من النار.
وقال ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لا حِصْن.
وقال ابن عباس: لا ملجأ وقال الحسن: لا جبل.
وقال ابن جبير: لا مَحِيصَ.
وهل هذه الجملة محكيّة بقول الإنسان، فتكون منصوبة المحل، أو هي مستأنفة من الله - تعالى - بذلك.
و «الوزر» : الملجَأ من حصنٍ أو جبلٍ أو سلاح؛ قال الشاعر: [المتقارب]
4991 - لَعمْرُكَ ما لِلْفَتَى من وَزَرْ ... مِنَ المَوْتِ يُدرِكهُ والكِبَرَ قال السديُّ: كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصَّنوا في الجبال، فقال الله لهم: لا وزر يعصمكم يومئذٍ منِّي.
قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ . أي: المنتهى. [قاله قتادة، نظيره: «وأن إلى ربك المنتهى» ] .
وقال ابن مسعود: إلى ربك المصير والمرجع، أي: المستقر في الآخرة حيث يقره الله.
و «المُسْتقَرُّ» مبتدأ، خبره الجار قبله، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الاستقرار، وأن يكون مكان الاستقرار، و «يَوْمئذٍ» منصوب بفعل مقدر، ولا ينصب ب «مستقر» لأنه إن كان مصدراً فلتقدمه عليه، وإن كان مكاناً فلا عمل له ألبتة.
قوله: ﴿يُنَبَّأُ الإنسان﴾ . أي: يُخبَّر ابن آدم برّاً كان أو فاجراً يوم القيامة ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأخَّرَ﴾ أي: بما أسلف من عمل خيراً أو شرّاً، أو أخَّر من سيِّئة أو صالحة يعمل بها بعده قاله ابن عباس وابن مسعود.
وقال ابن عباس أيضاً: بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة، وهو قول قتادة.
وقال ابن زيد: «بِما قدَّمَ» مرة من أمواله لنفسه «وأخَّرَ» خلَّف للورثة.
وقال الضحاك: «بِما قدَّم» من فرض «وأخَّرَ» من فرض.
وقال مجاهد والنخعيُّ: يُنَبَّأ بأوَّلِ عملٍ وآخره.
قال القشيري: وهذا الإيتاء يكون في القيامة عند وزن الأعمال، ويجوز أن يكون عند الموت.
قوله: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ . يجوز في «بَصِيرة» أوجه:
أحدها: أنها خبر عن الإنسان، و «على نفسه» متعلق ب «بصيرة» ، والمعنى: بل الإنسان بصيرة على نفسه.
وعلى هذا فلأيّ شيء أنَّث الخبر.
وقد اختلف النحويون في ذلك، فقال بعضهم: الهاء فيه للمبالغة.
وقال الأخفش: هو كقولك: «فلان عِبْرة وحُجَّة» .
وقيل: المراد بالإنسان الجوارح، فكأنه قال: بل جوارحه بصيرة، أي شاهدة.
والثاني: أنَّها مبتدأ، و «على نفسه» خبرها، والجملة خبر عن الإنسان.
وعلى هذا ففيها تأويلان:
أحدهما: أن تكون «بصيرة» صفة لمحذوف، أي عين بصيرة. قاله الفراء؛ وأنشد: [الطويل]
4992 - كَأنَّ عَلَى ذِي العَقْلِ عَيْناً بَصِيرَةً ... بِمقْعدِهِ أو مَنْظَرٍ هُو نَاظِرُهْ
يُحَاذِرُ حتَّى يَحْسبَ النَّاسُ كُلُّهُم ... مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفَى عليْهِمْ سَرائِرُهْ
الثاني: أن المعنى جوارحُ بصيرة.
الثالث: أنَّ المعنى ملائكة بصيرة، وهم الكاتبون، والتاء على هذا للتَّأنيث.
وقال الزمخشري: «بصيرة» : حُجَّة «بينة وصفت بالبصارة على المجاز كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ [النمل: 13] .
قال شهاب الدين:» هذا إذا لم تجعل الحُجَّة عبارة عن الإنسان، أو تجعل دخول التاء للمبالغة أمَّا إذا كانت للمبالغة فنسبة الإبصار إليها حقيقة» .
الوجه الثالث: يكون الخبر الجار والمجرور و «بصيرة» فاعل به، وهو أرجح مما قبله؛ لأن الأصل في الأخبار الإفراد.
فصل في تفسير الآية
قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «بصيرة» : أي: شاهد، وهو شهود جوارحه عليه: يداه بما يبطش بهما، ورجلاه بما يمشي عليهما، وعيناه بما أبصر بهما والبصيرة: الشاهد، كما أنشد الفراء، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24] .
قال الواحدي: هذا يكون من صفات الكفار، فإنهم ينكرون ما عملوا، فيُختم على أفواههم، وتنطق جوارحهم.
قوله: ﴿وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَه﴾ . هذه الجملة حالية، وقد تقدم نظيرها مراراً.
والمعاذير: جمع معذرة على غير قياس ك» ملاقيح ومذاكير «جمع لقحة وذكر.
وللنحويين في مثل هذا قولان:
أحدهما: أنه جمع لملفوظ به وهو لقحة وذكر.
والثاني: أنه جمع لغير ملفوظ به بل لمقدَّر، أي ملقحة ومذكار.
وقال الزمخشري:» فإن قلت: أليس قياس «المَعْذِرة» أن تجمع على معاذر لا معاذير؟ .
قلت: «المعاذير» ليست جمع «معذرة» بل اسم جمع لها، ونحوه: «المناكير» في المُنْكَر» .
قال أبو حيان: «وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع، وإنما هو من أبنية جموع التكسير» انتهى.
وقيل: «مَعاذِير» جمع مِعْذار، وهو السِّتر، والمعنى: ولو أرخى ستوره، والمعاذير: الستور بلغة «اليمن» ، قاله الضحاك والسديُّ، وأنشد: [الطويل]
4993 - ولكِنَّهَا ضَنَّتْ بمَنْزلِ سَاعةٍ ... عَليْنَا وأطَّتْ فوْقهَا بالمعَاذِرِ
قال الزجاج: المعاذير: الستور، والواحد: معذار.
أي وإن أرخى ستوره يريد أن يخفى عمله فنفسه شاهدة عليه، وقد حذف الياء من «المعاذر» ضرورة.
وقال الزمخشري: «فإن صح - يعني أن المعاذير: الستور - فلأنه يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب» . وهذا القول منه يحتمل أن يكون بياناً للمعنى الجامع بين كون المعاذير: الستور والاعتذارات، وأن يكون بياناً للعلاقة المسوِّغة في التجويز.
فصل في معنى الآية
قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد وأبو العالية وعطاء والفراء والسديُّ: المعنى: ولو اعتذر وقال: لم أفعل شيئاً لكان عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه فعليه شاهد يكذِّب عذرهُ» .
وقال مقاتل: ولو أدلى بعُذرٍ أو حجة لم ينفعه ذلك، نظيره قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] فالمعاذير على هذا مأخوذة من العُذْر.
القيامة 75:13
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر﴾ . قرأ نافع وأبان عن عاصم: بَرَق بفتح الراء.
والباقون: بالكسر.
فقيل: لغتان في التحيُّر والدهشة، ومعناه لمع بصره من شدَّة شخوصه، فتراه لا يطرف.
وقيل: بَرِق - بالكسر - تحيَّر فزعاً.
قال الزمخشري: «وأصله من بَرِق الرجل إذا نظر إلى البرقِ فدُهِش بصرهُ» .
قال غيره: كما يقال: أسد وبقر، إذا رأى أسداً وبقراً كثيراً فتحيّر من ذلك.
قال ذو الرمة: [الطويل]
4986 - وكُنْتُ أرَى في وجْهِ ميَّةَ لمْحعةً ... فأبْرَقُ مَغْشِياً عَليَّ مَكانِيَا
وأنشد الفراء رَحِمَهُ اللَّهُ: [المتقارب]
4987 - فَنفْسَكَ فَانْعَ ولا تَنْعَنِي ... ودَاوِ الكُلُومَ ولا تَبْرقِ
أي: لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك.
و «بَرَق» بالفتح: من البريق، أي: لمع من شدَّة شُخُوصه.
وقال مجاهد وغيره: وهذا عند الموت.
وقال الحسن: يوم القيامة، قال: وفيه معنى الجواب عما سأل عنه الإنسان، كأنه قال: يوم القيامة إذا برق البصر، وخسف القمر.
وقيل: عند رؤية جهنم.
قال الفراء والخليل: «برِق» - بالكسر -: فَزِع وبُهِت وتحيّر، والعرب تقول للإنسان المتحيِّر المبهوت: قد برِق فهو برِقٌ.
وقيل: «بَرِق، يَبْرَقُ» بالفتح: شق عينيه وفتحهما. قاله أبو عبيدة، وأنشد قول الكلابيِّ: [الرجز]
4988 - لمَّا أتَانِي ابنُ عُمَيْر راغِباً ... أعْطيتُه عِيساً صِهَاباً فَبرِقْ
أي: فتح عينيه. قرأ أبو السمال: «بَلِق» باللام.
قال أهل اللغة إلا الفرّاء: معناه «فُتِح» ، يقال: بَلقْت الباب وأبلقتُه: أي: فتحتُه وفرَّجتُه.
وقال الفراء: هو بمعنى أغلقته.
قال ثعلب: أخطأ الفراء في ذلك.
ثم يجوز أن يكون مادة «بَلَقَ» غير مادة «بَرَقَ» ، ويجوز أن تكون مادةً واحدة بُدِّل فيها حرف من آخر، وقد جاء إبدال «اللام» من الراء في أحرف، قالوا: «نثر كنانته ونثلها» وقالوا: «وجل ووجر» فيمكن أن يكون هذا منه، ويؤيده أن «برق» قد أتى بمعنى شق عينيه وفتحهما، قاله أبو عبيدة، وأنشد [الرجز]
4989 - لمَّا أتَانِي ابن عُمَيْرٍ ... البيت المتقدم.
أي: ففتح عينيه فهذا مناسب ل «بلق» .
قوله: ﴿وَخَسَفَ القمر﴾ .
العامةُ: على بنائه للفاعل.
وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، ويزيد بن قطيب قال القرطبي: وابن أبي إسحاق وعيسى: «خُسِف» مبنياً للمفعول.
وهذا لأن «خسف» يستعمل لازماً ومتعدياً، يقال: خُسِفَ القمر، وخسف الله القمر.
وقد اشتهر أن الخسوف للقمر والكسوف للشمس.
وقال بعضهم: يكونان فيهما، يقال: خُسِفت الشمس وكسفت، وخسف القمر وكسف، وتأيد بعضهم بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ آيَتَانِ من آيَاتِ اللَّهِ لا يخسفانِ لمَوْتِ أحدٍ»
، فاستعمل الخسوف فيهما، وفي هذا نظرٌ لاحتمال التغليب، وهل هما بمعنى واحد أم لا؟ فقال أبو عبيد وجماعة: هما بمعنى واحد.
وقال ابن أبي أويس: الخسوف ذهاب كل ضوئهما والكسوف ذهاب بعضه.
قال القرطبي: الخسوف في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف الآخرة فإنه لا يعود ضوؤه، ويحتمل أن يكون بمعنى «غاب» ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ [القصص: 81] .
قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ لم تلحقه علامة تأنيث؛ لأن التأنيث مجازي.
وقيل: لتغليب التذكير. وفيه نظر، لو قلت: «قام هند وزيد» لم يجز عند الجمهور من العرب.
وقال الكسائي: «جمع» حمل على معنى جرح النيران.
وقال الفراء والزجاج: جمع بينهما في ذهاب ضوئيهما فلا ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه.
وقال ابن عباس وابن مسعود: جمع بينهما، أي قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكوَّرين مظلمين مقرَّنين كأنهما ثوران عقيران.
وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى.
وقال عليّ وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يجعلان في الحُجُب وقد يجمعان في نار جنهم لأنهما قد عُبِدا من دون الله ولا تكون النار عذاباً لهما لأنهما جماد وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكفار وحسرتهم.
وقيل: هذا الجمع إنما يجمعان ويقرَّبان من الناس فيلحقهم العرق لشدَّة الحر فيكون المعنى: يجمع حرهما عليهم.
وقيل: يجمع الشمس والقمر، فلا يكون ثم تعاقبُ ليلٍ ولا نهارٍ.
قال ابن الخطيب: وقيل: جمع بينهما في حكم ذهاب الضوء كما يقال: يجمع بين كذا وكذا في حكم كذا، أي: كل منهما يذهب ضوؤه.
فصل في الرد على من طعن في الآية
قال ابن الخطيب: طعنت الملاحدة في الآية فقالوا: خسوف القمر لا يحصل حال اجتماع الشمس والقمر.
والجواب: أن الله - تعالى - قادر على أن يخسف القمر سواء كانت الأرض متوسطة بينه وبين الشمس، أو لم تكن؛ لأن الله - تعالى - قادر على كل الممكنات فيقدر على إزالة الضوء عن القمر في جميع الأحوال.
قوله: ﴿يَقُولُ الإنسان﴾ . جواب «إذا» من قوله: «فإذا برق» ، و «أيْنَ المفَرُّ» منصوب المحل بالقول، و «المَفَرّ» مصدر بمعنى «الفرار» وهذه هي القراءة المشهورة.
وقرأ الحسنان ابنا علي وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: بفتح الميم وكسر الفاء، وهو اسم مكان الفرار، أي أين مكان الفرار.
وجوز الزمخشري أن يكون مصدراً، قال: «كالمرجع» وقرأ الحسن عكس هكذا: أي بكسر الميم وفتح الفاء، وهو الرجل الكثير الفرار؛ كقول امرىء القيس يصف جواده: [الطويل]
4990 - مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدبِرٍ مَعاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حطَّهُ السَّيلُ من عَلِ وأكثر استعمال هذا الوزن في الآلات.
فصل في بيان ما يقوله الإنسان يوم القيامة
يقول الإنسان يومئذ: أين المفر، أي: يقول ابن آدم، وقيل: أبو جهل: أين المفر، أين المهرب؟ .
قال الماوردي: ويحتمل وجهين:
أحدهما: أين المفر من الله استحياءً منه.
والثاني: أين المفر من جهنم حذراً منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين:
أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ببشرى ربه.
والثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها.
قوله: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ . تقدم الكلام ي «كلاَّ» ، وخبر «لا» محذوف، أي لا وزر له.
أي لا ملجأ من النار.
وقال ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لا حِصْن.
وقال ابن عباس: لا ملجأ وقال الحسن: لا جبل.
وقال ابن جبير: لا مَحِيصَ.
وهل هذه الجملة محكيّة بقول الإنسان، فتكون منصوبة المحل، أو هي مستأنفة من الله - تعالى - بذلك.
و «الوزر» : الملجَأ من حصنٍ أو جبلٍ أو سلاح؛ قال الشاعر: [المتقارب]
4991 - لَعمْرُكَ ما لِلْفَتَى من وَزَرْ ... مِنَ المَوْتِ يُدرِكهُ والكِبَرَ قال السديُّ: كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصَّنوا في الجبال، فقال الله لهم: لا وزر يعصمكم يومئذٍ منِّي.
قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ . أي: المنتهى. [قاله قتادة، نظيره: «وأن إلى ربك المنتهى» ] .
وقال ابن مسعود: إلى ربك المصير والمرجع، أي: المستقر في الآخرة حيث يقره الله.
و «المُسْتقَرُّ» مبتدأ، خبره الجار قبله، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الاستقرار، وأن يكون مكان الاستقرار، و «يَوْمئذٍ» منصوب بفعل مقدر، ولا ينصب ب «مستقر» لأنه إن كان مصدراً فلتقدمه عليه، وإن كان مكاناً فلا عمل له ألبتة.
قوله: ﴿يُنَبَّأُ الإنسان﴾ . أي: يُخبَّر ابن آدم برّاً كان أو فاجراً يوم القيامة ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأخَّرَ﴾ أي: بما أسلف من عمل خيراً أو شرّاً، أو أخَّر من سيِّئة أو صالحة يعمل بها بعده قاله ابن عباس وابن مسعود.
وقال ابن عباس أيضاً: بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة، وهو قول قتادة.
وقال ابن زيد: «بِما قدَّمَ» مرة من أمواله لنفسه «وأخَّرَ» خلَّف للورثة.
وقال الضحاك: «بِما قدَّم» من فرض «وأخَّرَ» من فرض.
وقال مجاهد والنخعيُّ: يُنَبَّأ بأوَّلِ عملٍ وآخره.
قال القشيري: وهذا الإيتاء يكون في القيامة عند وزن الأعمال، ويجوز أن يكون عند الموت.
قوله: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ . يجوز في «بَصِيرة» أوجه:
أحدها: أنها خبر عن الإنسان، و «على نفسه» متعلق ب «بصيرة» ، والمعنى: بل الإنسان بصيرة على نفسه.
وعلى هذا فلأيّ شيء أنَّث الخبر.
وقد اختلف النحويون في ذلك، فقال بعضهم: الهاء فيه للمبالغة.
وقال الأخفش: هو كقولك: «فلان عِبْرة وحُجَّة» .
وقيل: المراد بالإنسان الجوارح، فكأنه قال: بل جوارحه بصيرة، أي شاهدة.
والثاني: أنَّها مبتدأ، و «على نفسه» خبرها، والجملة خبر عن الإنسان.
وعلى هذا ففيها تأويلان:
أحدهما: أن تكون «بصيرة» صفة لمحذوف، أي عين بصيرة. قاله الفراء؛ وأنشد: [الطويل]
4992 - كَأنَّ عَلَى ذِي العَقْلِ عَيْناً بَصِيرَةً ... بِمقْعدِهِ أو مَنْظَرٍ هُو نَاظِرُهْ
يُحَاذِرُ حتَّى يَحْسبَ النَّاسُ كُلُّهُم ... مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفَى عليْهِمْ سَرائِرُهْ
الثاني: أن المعنى جوارحُ بصيرة.
الثالث: أنَّ المعنى ملائكة بصيرة، وهم الكاتبون، والتاء على هذا للتَّأنيث.
وقال الزمخشري: «بصيرة» : حُجَّة «بينة وصفت بالبصارة على المجاز كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ [النمل: 13] .
قال شهاب الدين:» هذا إذا لم تجعل الحُجَّة عبارة عن الإنسان، أو تجعل دخول التاء للمبالغة أمَّا إذا كانت للمبالغة فنسبة الإبصار إليها حقيقة» .
الوجه الثالث: يكون الخبر الجار والمجرور و «بصيرة» فاعل به، وهو أرجح مما قبله؛ لأن الأصل في الأخبار الإفراد.
فصل في تفسير الآية
قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «بصيرة» : أي: شاهد، وهو شهود جوارحه عليه: يداه بما يبطش بهما، ورجلاه بما يمشي عليهما، وعيناه بما أبصر بهما والبصيرة: الشاهد، كما أنشد الفراء، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24] .
قال الواحدي: هذا يكون من صفات الكفار، فإنهم ينكرون ما عملوا، فيُختم على أفواههم، وتنطق جوارحهم.
قوله: ﴿وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَه﴾ . هذه الجملة حالية، وقد تقدم نظيرها مراراً.
والمعاذير: جمع معذرة على غير قياس ك» ملاقيح ومذاكير «جمع لقحة وذكر.
وللنحويين في مثل هذا قولان:
أحدهما: أنه جمع لملفوظ به وهو لقحة وذكر.
والثاني: أنه جمع لغير ملفوظ به بل لمقدَّر، أي ملقحة ومذكار.
وقال الزمخشري:» فإن قلت: أليس قياس «المَعْذِرة» أن تجمع على معاذر لا معاذير؟ .
قلت: «المعاذير» ليست جمع «معذرة» بل اسم جمع لها، ونحوه: «المناكير» في المُنْكَر» .
قال أبو حيان: «وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع، وإنما هو من أبنية جموع التكسير» انتهى.
وقيل: «مَعاذِير» جمع مِعْذار، وهو السِّتر، والمعنى: ولو أرخى ستوره، والمعاذير: الستور بلغة «اليمن» ، قاله الضحاك والسديُّ، وأنشد: [الطويل]
4993 - ولكِنَّهَا ضَنَّتْ بمَنْزلِ سَاعةٍ ... عَليْنَا وأطَّتْ فوْقهَا بالمعَاذِرِ
قال الزجاج: المعاذير: الستور، والواحد: معذار.
أي وإن أرخى ستوره يريد أن يخفى عمله فنفسه شاهدة عليه، وقد حذف الياء من «المعاذر» ضرورة.
وقال الزمخشري: «فإن صح - يعني أن المعاذير: الستور - فلأنه يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب» . وهذا القول منه يحتمل أن يكون بياناً للمعنى الجامع بين كون المعاذير: الستور والاعتذارات، وأن يكون بياناً للعلاقة المسوِّغة في التجويز.
فصل في معنى الآية
قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد وأبو العالية وعطاء والفراء والسديُّ: المعنى: ولو اعتذر وقال: لم أفعل شيئاً لكان عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه فعليه شاهد يكذِّب عذرهُ» .
وقال مقاتل: ولو أدلى بعُذرٍ أو حجة لم ينفعه ذلك، نظيره قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] فالمعاذير على هذا مأخوذة من العُذْر.
القيامة 75:14
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر﴾ . قرأ نافع وأبان عن عاصم: بَرَق بفتح الراء.
والباقون: بالكسر.
فقيل: لغتان في التحيُّر والدهشة، ومعناه لمع بصره من شدَّة شخوصه، فتراه لا يطرف.
وقيل: بَرِق - بالكسر - تحيَّر فزعاً.
قال الزمخشري: «وأصله من بَرِق الرجل إذا نظر إلى البرقِ فدُهِش بصرهُ» .
قال غيره: كما يقال: أسد وبقر، إذا رأى أسداً وبقراً كثيراً فتحيّر من ذلك.
قال ذو الرمة: [الطويل]
4986 - وكُنْتُ أرَى في وجْهِ ميَّةَ لمْحعةً ... فأبْرَقُ مَغْشِياً عَليَّ مَكانِيَا
وأنشد الفراء رَحِمَهُ اللَّهُ: [المتقارب]
4987 - فَنفْسَكَ فَانْعَ ولا تَنْعَنِي ... ودَاوِ الكُلُومَ ولا تَبْرقِ
أي: لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك.
و «بَرَق» بالفتح: من البريق، أي: لمع من شدَّة شُخُوصه.
وقال مجاهد وغيره: وهذا عند الموت.
وقال الحسن: يوم القيامة، قال: وفيه معنى الجواب عما سأل عنه الإنسان، كأنه قال: يوم القيامة إذا برق البصر، وخسف القمر.
وقيل: عند رؤية جهنم.
قال الفراء والخليل: «برِق» - بالكسر -: فَزِع وبُهِت وتحيّر، والعرب تقول للإنسان المتحيِّر المبهوت: قد برِق فهو برِقٌ.
وقيل: «بَرِق، يَبْرَقُ» بالفتح: شق عينيه وفتحهما. قاله أبو عبيدة، وأنشد قول الكلابيِّ: [الرجز]
4988 - لمَّا أتَانِي ابنُ عُمَيْر راغِباً ... أعْطيتُه عِيساً صِهَاباً فَبرِقْ
أي: فتح عينيه. قرأ أبو السمال: «بَلِق» باللام.
قال أهل اللغة إلا الفرّاء: معناه «فُتِح» ، يقال: بَلقْت الباب وأبلقتُه: أي: فتحتُه وفرَّجتُه.
وقال الفراء: هو بمعنى أغلقته.
قال ثعلب: أخطأ الفراء في ذلك.
ثم يجوز أن يكون مادة «بَلَقَ» غير مادة «بَرَقَ» ، ويجوز أن تكون مادةً واحدة بُدِّل فيها حرف من آخر، وقد جاء إبدال «اللام» من الراء في أحرف، قالوا: «نثر كنانته ونثلها» وقالوا: «وجل ووجر» فيمكن أن يكون هذا منه، ويؤيده أن «برق» قد أتى بمعنى شق عينيه وفتحهما، قاله أبو عبيدة، وأنشد [الرجز]
4989 - لمَّا أتَانِي ابن عُمَيْرٍ ... البيت المتقدم.
أي: ففتح عينيه فهذا مناسب ل «بلق» .
قوله: ﴿وَخَسَفَ القمر﴾ .
العامةُ: على بنائه للفاعل.
وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، ويزيد بن قطيب قال القرطبي: وابن أبي إسحاق وعيسى: «خُسِف» مبنياً للمفعول.
وهذا لأن «خسف» يستعمل لازماً ومتعدياً، يقال: خُسِفَ القمر، وخسف الله القمر.
وقد اشتهر أن الخسوف للقمر والكسوف للشمس.
وقال بعضهم: يكونان فيهما، يقال: خُسِفت الشمس وكسفت، وخسف القمر وكسف، وتأيد بعضهم بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ آيَتَانِ من آيَاتِ اللَّهِ لا يخسفانِ لمَوْتِ أحدٍ»
، فاستعمل الخسوف فيهما، وفي هذا نظرٌ لاحتمال التغليب، وهل هما بمعنى واحد أم لا؟ فقال أبو عبيد وجماعة: هما بمعنى واحد.
وقال ابن أبي أويس: الخسوف ذهاب كل ضوئهما والكسوف ذهاب بعضه.
قال القرطبي: الخسوف في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف الآخرة فإنه لا يعود ضوؤه، ويحتمل أن يكون بمعنى «غاب» ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ [القصص: 81] .
قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ لم تلحقه علامة تأنيث؛ لأن التأنيث مجازي.
وقيل: لتغليب التذكير. وفيه نظر، لو قلت: «قام هند وزيد» لم يجز عند الجمهور من العرب.
وقال الكسائي: «جمع» حمل على معنى جرح النيران.
وقال الفراء والزجاج: جمع بينهما في ذهاب ضوئيهما فلا ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه.
وقال ابن عباس وابن مسعود: جمع بينهما، أي قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكوَّرين مظلمين مقرَّنين كأنهما ثوران عقيران.
وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى.
وقال عليّ وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يجعلان في الحُجُب وقد يجمعان في نار جنهم لأنهما قد عُبِدا من دون الله ولا تكون النار عذاباً لهما لأنهما جماد وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكفار وحسرتهم.
وقيل: هذا الجمع إنما يجمعان ويقرَّبان من الناس فيلحقهم العرق لشدَّة الحر فيكون المعنى: يجمع حرهما عليهم.
وقيل: يجمع الشمس والقمر، فلا يكون ثم تعاقبُ ليلٍ ولا نهارٍ.
قال ابن الخطيب: وقيل: جمع بينهما في حكم ذهاب الضوء كما يقال: يجمع بين كذا وكذا في حكم كذا، أي: كل منهما يذهب ضوؤه.
فصل في الرد على من طعن في الآية
قال ابن الخطيب: طعنت الملاحدة في الآية فقالوا: خسوف القمر لا يحصل حال اجتماع الشمس والقمر.
والجواب: أن الله - تعالى - قادر على أن يخسف القمر سواء كانت الأرض متوسطة بينه وبين الشمس، أو لم تكن؛ لأن الله - تعالى - قادر على كل الممكنات فيقدر على إزالة الضوء عن القمر في جميع الأحوال.
قوله: ﴿يَقُولُ الإنسان﴾ . جواب «إذا» من قوله: «فإذا برق» ، و «أيْنَ المفَرُّ» منصوب المحل بالقول، و «المَفَرّ» مصدر بمعنى «الفرار» وهذه هي القراءة المشهورة.
وقرأ الحسنان ابنا علي وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: بفتح الميم وكسر الفاء، وهو اسم مكان الفرار، أي أين مكان الفرار.
وجوز الزمخشري أن يكون مصدراً، قال: «كالمرجع» وقرأ الحسن عكس هكذا: أي بكسر الميم وفتح الفاء، وهو الرجل الكثير الفرار؛ كقول امرىء القيس يصف جواده: [الطويل]
4990 - مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدبِرٍ مَعاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حطَّهُ السَّيلُ من عَلِ وأكثر استعمال هذا الوزن في الآلات.
فصل في بيان ما يقوله الإنسان يوم القيامة
يقول الإنسان يومئذ: أين المفر، أي: يقول ابن آدم، وقيل: أبو جهل: أين المفر، أين المهرب؟ .
قال الماوردي: ويحتمل وجهين:
أحدهما: أين المفر من الله استحياءً منه.
والثاني: أين المفر من جهنم حذراً منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين:
أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ببشرى ربه.
والثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها.
قوله: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ . تقدم الكلام ي «كلاَّ» ، وخبر «لا» محذوف، أي لا وزر له.
أي لا ملجأ من النار.
وقال ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لا حِصْن.
وقال ابن عباس: لا ملجأ وقال الحسن: لا جبل.
وقال ابن جبير: لا مَحِيصَ.
وهل هذه الجملة محكيّة بقول الإنسان، فتكون منصوبة المحل، أو هي مستأنفة من الله - تعالى - بذلك.
و «الوزر» : الملجَأ من حصنٍ أو جبلٍ أو سلاح؛ قال الشاعر: [المتقارب]
4991 - لَعمْرُكَ ما لِلْفَتَى من وَزَرْ ... مِنَ المَوْتِ يُدرِكهُ والكِبَرَ قال السديُّ: كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصَّنوا في الجبال، فقال الله لهم: لا وزر يعصمكم يومئذٍ منِّي.
قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ . أي: المنتهى. [قاله قتادة، نظيره: «وأن إلى ربك المنتهى» ] .
وقال ابن مسعود: إلى ربك المصير والمرجع، أي: المستقر في الآخرة حيث يقره الله.
و «المُسْتقَرُّ» مبتدأ، خبره الجار قبله، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الاستقرار، وأن يكون مكان الاستقرار، و «يَوْمئذٍ» منصوب بفعل مقدر، ولا ينصب ب «مستقر» لأنه إن كان مصدراً فلتقدمه عليه، وإن كان مكاناً فلا عمل له ألبتة.
قوله: ﴿يُنَبَّأُ الإنسان﴾ . أي: يُخبَّر ابن آدم برّاً كان أو فاجراً يوم القيامة ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأخَّرَ﴾ أي: بما أسلف من عمل خيراً أو شرّاً، أو أخَّر من سيِّئة أو صالحة يعمل بها بعده قاله ابن عباس وابن مسعود.
وقال ابن عباس أيضاً: بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة، وهو قول قتادة.
وقال ابن زيد: «بِما قدَّمَ» مرة من أمواله لنفسه «وأخَّرَ» خلَّف للورثة.
وقال الضحاك: «بِما قدَّم» من فرض «وأخَّرَ» من فرض.
وقال مجاهد والنخعيُّ: يُنَبَّأ بأوَّلِ عملٍ وآخره.
قال القشيري: وهذا الإيتاء يكون في القيامة عند وزن الأعمال، ويجوز أن يكون عند الموت.
قوله: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ . يجوز في «بَصِيرة» أوجه:
أحدها: أنها خبر عن الإنسان، و «على نفسه» متعلق ب «بصيرة» ، والمعنى: بل الإنسان بصيرة على نفسه.
وعلى هذا فلأيّ شيء أنَّث الخبر.
وقد اختلف النحويون في ذلك، فقال بعضهم: الهاء فيه للمبالغة.
وقال الأخفش: هو كقولك: «فلان عِبْرة وحُجَّة» .
وقيل: المراد بالإنسان الجوارح، فكأنه قال: بل جوارحه بصيرة، أي شاهدة.
والثاني: أنَّها مبتدأ، و «على نفسه» خبرها، والجملة خبر عن الإنسان.
وعلى هذا ففيها تأويلان:
أحدهما: أن تكون «بصيرة» صفة لمحذوف، أي عين بصيرة. قاله الفراء؛ وأنشد: [الطويل]
4992 - كَأنَّ عَلَى ذِي العَقْلِ عَيْناً بَصِيرَةً ... بِمقْعدِهِ أو مَنْظَرٍ هُو نَاظِرُهْ
يُحَاذِرُ حتَّى يَحْسبَ النَّاسُ كُلُّهُم ... مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفَى عليْهِمْ سَرائِرُهْ
الثاني: أن المعنى جوارحُ بصيرة.
الثالث: أنَّ المعنى ملائكة بصيرة، وهم الكاتبون، والتاء على هذا للتَّأنيث.
وقال الزمخشري: «بصيرة» : حُجَّة «بينة وصفت بالبصارة على المجاز كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ [النمل: 13] .
قال شهاب الدين:» هذا إذا لم تجعل الحُجَّة عبارة عن الإنسان، أو تجعل دخول التاء للمبالغة أمَّا إذا كانت للمبالغة فنسبة الإبصار إليها حقيقة» .
الوجه الثالث: يكون الخبر الجار والمجرور و «بصيرة» فاعل به، وهو أرجح مما قبله؛ لأن الأصل في الأخبار الإفراد.
فصل في تفسير الآية
قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «بصيرة» : أي: شاهد، وهو شهود جوارحه عليه: يداه بما يبطش بهما، ورجلاه بما يمشي عليهما، وعيناه بما أبصر بهما والبصيرة: الشاهد، كما أنشد الفراء، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24] .
قال الواحدي: هذا يكون من صفات الكفار، فإنهم ينكرون ما عملوا، فيُختم على أفواههم، وتنطق جوارحهم.
قوله: ﴿وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَه﴾ . هذه الجملة حالية، وقد تقدم نظيرها مراراً.
والمعاذير: جمع معذرة على غير قياس ك» ملاقيح ومذاكير «جمع لقحة وذكر.
وللنحويين في مثل هذا قولان:
أحدهما: أنه جمع لملفوظ به وهو لقحة وذكر.
والثاني: أنه جمع لغير ملفوظ به بل لمقدَّر، أي ملقحة ومذكار.
وقال الزمخشري:» فإن قلت: أليس قياس «المَعْذِرة» أن تجمع على معاذر لا معاذير؟ .
قلت: «المعاذير» ليست جمع «معذرة» بل اسم جمع لها، ونحوه: «المناكير» في المُنْكَر» .
قال أبو حيان: «وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع، وإنما هو من أبنية جموع التكسير» انتهى.
وقيل: «مَعاذِير» جمع مِعْذار، وهو السِّتر، والمعنى: ولو أرخى ستوره، والمعاذير: الستور بلغة «اليمن» ، قاله الضحاك والسديُّ، وأنشد: [الطويل]
4993 - ولكِنَّهَا ضَنَّتْ بمَنْزلِ سَاعةٍ ... عَليْنَا وأطَّتْ فوْقهَا بالمعَاذِرِ
قال الزجاج: المعاذير: الستور، والواحد: معذار.
أي وإن أرخى ستوره يريد أن يخفى عمله فنفسه شاهدة عليه، وقد حذف الياء من «المعاذر» ضرورة.
وقال الزمخشري: «فإن صح - يعني أن المعاذير: الستور - فلأنه يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب» . وهذا القول منه يحتمل أن يكون بياناً للمعنى الجامع بين كون المعاذير: الستور والاعتذارات، وأن يكون بياناً للعلاقة المسوِّغة في التجويز.
فصل في معنى الآية
قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد وأبو العالية وعطاء والفراء والسديُّ: المعنى: ولو اعتذر وقال: لم أفعل شيئاً لكان عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه فعليه شاهد يكذِّب عذرهُ» .
وقال مقاتل: ولو أدلى بعُذرٍ أو حجة لم ينفعه ذلك، نظيره قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] فالمعاذير على هذا مأخوذة من العُذْر.
القيامة 75:15
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر﴾ . قرأ نافع وأبان عن عاصم: بَرَق بفتح الراء.
والباقون: بالكسر.
فقيل: لغتان في التحيُّر والدهشة، ومعناه لمع بصره من شدَّة شخوصه، فتراه لا يطرف.
وقيل: بَرِق - بالكسر - تحيَّر فزعاً.
قال الزمخشري: «وأصله من بَرِق الرجل إذا نظر إلى البرقِ فدُهِش بصرهُ» .
قال غيره: كما يقال: أسد وبقر، إذا رأى أسداً وبقراً كثيراً فتحيّر من ذلك.
قال ذو الرمة: [الطويل]
4986 - وكُنْتُ أرَى في وجْهِ ميَّةَ لمْحعةً ... فأبْرَقُ مَغْشِياً عَليَّ مَكانِيَا
وأنشد الفراء رَحِمَهُ اللَّهُ: [المتقارب]
4987 - فَنفْسَكَ فَانْعَ ولا تَنْعَنِي ... ودَاوِ الكُلُومَ ولا تَبْرقِ
أي: لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك.
و «بَرَق» بالفتح: من البريق، أي: لمع من شدَّة شُخُوصه.
وقال مجاهد وغيره: وهذا عند الموت.
وقال الحسن: يوم القيامة، قال: وفيه معنى الجواب عما سأل عنه الإنسان، كأنه قال: يوم القيامة إذا برق البصر، وخسف القمر.
وقيل: عند رؤية جهنم.
قال الفراء والخليل: «برِق» - بالكسر -: فَزِع وبُهِت وتحيّر، والعرب تقول للإنسان المتحيِّر المبهوت: قد برِق فهو برِقٌ.
وقيل: «بَرِق، يَبْرَقُ» بالفتح: شق عينيه وفتحهما. قاله أبو عبيدة، وأنشد قول الكلابيِّ: [الرجز]
4988 - لمَّا أتَانِي ابنُ عُمَيْر راغِباً ... أعْطيتُه عِيساً صِهَاباً فَبرِقْ
أي: فتح عينيه. قرأ أبو السمال: «بَلِق» باللام.
قال أهل اللغة إلا الفرّاء: معناه «فُتِح» ، يقال: بَلقْت الباب وأبلقتُه: أي: فتحتُه وفرَّجتُه.
وقال الفراء: هو بمعنى أغلقته.
قال ثعلب: أخطأ الفراء في ذلك.
ثم يجوز أن يكون مادة «بَلَقَ» غير مادة «بَرَقَ» ، ويجوز أن تكون مادةً واحدة بُدِّل فيها حرف من آخر، وقد جاء إبدال «اللام» من الراء في أحرف، قالوا: «نثر كنانته ونثلها» وقالوا: «وجل ووجر» فيمكن أن يكون هذا منه، ويؤيده أن «برق» قد أتى بمعنى شق عينيه وفتحهما، قاله أبو عبيدة، وأنشد [الرجز]
4989 - لمَّا أتَانِي ابن عُمَيْرٍ ... البيت المتقدم.
أي: ففتح عينيه فهذا مناسب ل «بلق» .
قوله: ﴿وَخَسَفَ القمر﴾ .
العامةُ: على بنائه للفاعل.
وأبو حيوة، وابن أبي عبلة، ويزيد بن قطيب قال القرطبي: وابن أبي إسحاق وعيسى: «خُسِف» مبنياً للمفعول.
وهذا لأن «خسف» يستعمل لازماً ومتعدياً، يقال: خُسِفَ القمر، وخسف الله القمر.
وقد اشتهر أن الخسوف للقمر والكسوف للشمس.
وقال بعضهم: يكونان فيهما، يقال: خُسِفت الشمس وكسفت، وخسف القمر وكسف، وتأيد بعضهم بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ آيَتَانِ من آيَاتِ اللَّهِ لا يخسفانِ لمَوْتِ أحدٍ»
، فاستعمل الخسوف فيهما، وفي هذا نظرٌ لاحتمال التغليب، وهل هما بمعنى واحد أم لا؟ فقال أبو عبيد وجماعة: هما بمعنى واحد.
وقال ابن أبي أويس: الخسوف ذهاب كل ضوئهما والكسوف ذهاب بعضه.
قال القرطبي: الخسوف في الدنيا إلى انجلاء، بخلاف الآخرة فإنه لا يعود ضوؤه، ويحتمل أن يكون بمعنى «غاب» ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ [القصص: 81] .
قوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ لم تلحقه علامة تأنيث؛ لأن التأنيث مجازي.
وقيل: لتغليب التذكير. وفيه نظر، لو قلت: «قام هند وزيد» لم يجز عند الجمهور من العرب.
وقال الكسائي: «جمع» حمل على معنى جرح النيران.
وقال الفراء والزجاج: جمع بينهما في ذهاب ضوئيهما فلا ضوء للشمس كما لا ضوء للقمر بعد خسوفه.
وقال ابن عباس وابن مسعود: جمع بينهما، أي قرن بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكوَّرين مظلمين مقرَّنين كأنهما ثوران عقيران.
وقال عطاء بن يسار: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى.
وقال عليّ وابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يجعلان في الحُجُب وقد يجمعان في نار جنهم لأنهما قد عُبِدا من دون الله ولا تكون النار عذاباً لهما لأنهما جماد وإنما يفعل ذلك بهما زيادة في تبكيت الكفار وحسرتهم.
وقيل: هذا الجمع إنما يجمعان ويقرَّبان من الناس فيلحقهم العرق لشدَّة الحر فيكون المعنى: يجمع حرهما عليهم.
وقيل: يجمع الشمس والقمر، فلا يكون ثم تعاقبُ ليلٍ ولا نهارٍ.
قال ابن الخطيب: وقيل: جمع بينهما في حكم ذهاب الضوء كما يقال: يجمع بين كذا وكذا في حكم كذا، أي: كل منهما يذهب ضوؤه.
فصل في الرد على من طعن في الآية
قال ابن الخطيب: طعنت الملاحدة في الآية فقالوا: خسوف القمر لا يحصل حال اجتماع الشمس والقمر.
والجواب: أن الله - تعالى - قادر على أن يخسف القمر سواء كانت الأرض متوسطة بينه وبين الشمس، أو لم تكن؛ لأن الله - تعالى - قادر على كل الممكنات فيقدر على إزالة الضوء عن القمر في جميع الأحوال.
قوله: ﴿يَقُولُ الإنسان﴾ . جواب «إذا» من قوله: «فإذا برق» ، و «أيْنَ المفَرُّ» منصوب المحل بالقول، و «المَفَرّ» مصدر بمعنى «الفرار» وهذه هي القراءة المشهورة.
وقرأ الحسنان ابنا علي وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة: بفتح الميم وكسر الفاء، وهو اسم مكان الفرار، أي أين مكان الفرار.
وجوز الزمخشري أن يكون مصدراً، قال: «كالمرجع» وقرأ الحسن عكس هكذا: أي بكسر الميم وفتح الفاء، وهو الرجل الكثير الفرار؛ كقول امرىء القيس يصف جواده: [الطويل]
4990 - مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدبِرٍ مَعاً ... كجُلْمُودِ صَخْرٍ حطَّهُ السَّيلُ من عَلِ وأكثر استعمال هذا الوزن في الآلات.
فصل في بيان ما يقوله الإنسان يوم القيامة
يقول الإنسان يومئذ: أين المفر، أي: يقول ابن آدم، وقيل: أبو جهل: أين المفر، أين المهرب؟ .
قال الماوردي: ويحتمل وجهين:
أحدهما: أين المفر من الله استحياءً منه.
والثاني: أين المفر من جهنم حذراً منها. ويحتمل هذا القول من الإنسان وجهين:
أحدهما: أن يكون من الكافر خاصة في عرصة القيامة دون المؤمن لثقة المؤمن ببشرى ربه.
والثاني: أن يكون من قول المؤمن والكافر عند قيام الساعة لهول ما شاهدوا منها.
قوله: ﴿كَلاَّ لاَ وَزَرَ﴾ . تقدم الكلام ي «كلاَّ» ، وخبر «لا» محذوف، أي لا وزر له.
أي لا ملجأ من النار.
وقال ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لا حِصْن.
وقال ابن عباس: لا ملجأ وقال الحسن: لا جبل.
وقال ابن جبير: لا مَحِيصَ.
وهل هذه الجملة محكيّة بقول الإنسان، فتكون منصوبة المحل، أو هي مستأنفة من الله - تعالى - بذلك.
و «الوزر» : الملجَأ من حصنٍ أو جبلٍ أو سلاح؛ قال الشاعر: [المتقارب]
4991 - لَعمْرُكَ ما لِلْفَتَى من وَزَرْ ... مِنَ المَوْتِ يُدرِكهُ والكِبَرَ قال السديُّ: كانوا في الدنيا إذا فزعوا تحصَّنوا في الجبال، فقال الله لهم: لا وزر يعصمكم يومئذٍ منِّي.
قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر﴾ . أي: المنتهى. [قاله قتادة، نظيره: «وأن إلى ربك المنتهى» ] .
وقال ابن مسعود: إلى ربك المصير والمرجع، أي: المستقر في الآخرة حيث يقره الله.
و «المُسْتقَرُّ» مبتدأ، خبره الجار قبله، ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى الاستقرار، وأن يكون مكان الاستقرار، و «يَوْمئذٍ» منصوب بفعل مقدر، ولا ينصب ب «مستقر» لأنه إن كان مصدراً فلتقدمه عليه، وإن كان مكاناً فلا عمل له ألبتة.
قوله: ﴿يُنَبَّأُ الإنسان﴾ . أي: يُخبَّر ابن آدم برّاً كان أو فاجراً يوم القيامة ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأخَّرَ﴾ أي: بما أسلف من عمل خيراً أو شرّاً، أو أخَّر من سيِّئة أو صالحة يعمل بها بعده قاله ابن عباس وابن مسعود.
وقال ابن عباس أيضاً: بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة، وهو قول قتادة.
وقال ابن زيد: «بِما قدَّمَ» مرة من أمواله لنفسه «وأخَّرَ» خلَّف للورثة.
وقال الضحاك: «بِما قدَّم» من فرض «وأخَّرَ» من فرض.
وقال مجاهد والنخعيُّ: يُنَبَّأ بأوَّلِ عملٍ وآخره.
قال القشيري: وهذا الإيتاء يكون في القيامة عند وزن الأعمال، ويجوز أن يكون عند الموت.
قوله: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ . يجوز في «بَصِيرة» أوجه:
أحدها: أنها خبر عن الإنسان، و «على نفسه» متعلق ب «بصيرة» ، والمعنى: بل الإنسان بصيرة على نفسه.
وعلى هذا فلأيّ شيء أنَّث الخبر.
وقد اختلف النحويون في ذلك، فقال بعضهم: الهاء فيه للمبالغة.
وقال الأخفش: هو كقولك: «فلان عِبْرة وحُجَّة» .
وقيل: المراد بالإنسان الجوارح، فكأنه قال: بل جوارحه بصيرة، أي شاهدة.
والثاني: أنَّها مبتدأ، و «على نفسه» خبرها، والجملة خبر عن الإنسان.
وعلى هذا ففيها تأويلان:
أحدهما: أن تكون «بصيرة» صفة لمحذوف، أي عين بصيرة. قاله الفراء؛ وأنشد: [الطويل]
4992 - كَأنَّ عَلَى ذِي العَقْلِ عَيْناً بَصِيرَةً ... بِمقْعدِهِ أو مَنْظَرٍ هُو نَاظِرُهْ
يُحَاذِرُ حتَّى يَحْسبَ النَّاسُ كُلُّهُم ... مِنَ الخَوْفِ لا تَخْفَى عليْهِمْ سَرائِرُهْ
الثاني: أن المعنى جوارحُ بصيرة.
الثالث: أنَّ المعنى ملائكة بصيرة، وهم الكاتبون، والتاء على هذا للتَّأنيث.
وقال الزمخشري: «بصيرة» : حُجَّة «بينة وصفت بالبصارة على المجاز كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ [النمل: 13] .
قال شهاب الدين:» هذا إذا لم تجعل الحُجَّة عبارة عن الإنسان، أو تجعل دخول التاء للمبالغة أمَّا إذا كانت للمبالغة فنسبة الإبصار إليها حقيقة» .
الوجه الثالث: يكون الخبر الجار والمجرور و «بصيرة» فاعل به، وهو أرجح مما قبله؛ لأن الأصل في الأخبار الإفراد.
فصل في تفسير الآية
قال ابن عبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «بصيرة» : أي: شاهد، وهو شهود جوارحه عليه: يداه بما يبطش بهما، ورجلاه بما يمشي عليهما، وعيناه بما أبصر بهما والبصيرة: الشاهد، كما أنشد الفراء، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24] .
قال الواحدي: هذا يكون من صفات الكفار، فإنهم ينكرون ما عملوا، فيُختم على أفواههم، وتنطق جوارحهم.
قوله: ﴿وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَه﴾ . هذه الجملة حالية، وقد تقدم نظيرها مراراً.
والمعاذير: جمع معذرة على غير قياس ك» ملاقيح ومذاكير «جمع لقحة وذكر.
وللنحويين في مثل هذا قولان:
أحدهما: أنه جمع لملفوظ به وهو لقحة وذكر.
والثاني: أنه جمع لغير ملفوظ به بل لمقدَّر، أي ملقحة ومذكار.
وقال الزمخشري:» فإن قلت: أليس قياس «المَعْذِرة» أن تجمع على معاذر لا معاذير؟ .
قلت: «المعاذير» ليست جمع «معذرة» بل اسم جمع لها، ونحوه: «المناكير» في المُنْكَر» .
قال أبو حيان: «وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع، وإنما هو من أبنية جموع التكسير» انتهى.
وقيل: «مَعاذِير» جمع مِعْذار، وهو السِّتر، والمعنى: ولو أرخى ستوره، والمعاذير: الستور بلغة «اليمن» ، قاله الضحاك والسديُّ، وأنشد: [الطويل]
4993 - ولكِنَّهَا ضَنَّتْ بمَنْزلِ سَاعةٍ ... عَليْنَا وأطَّتْ فوْقهَا بالمعَاذِرِ
قال الزجاج: المعاذير: الستور، والواحد: معذار.
أي وإن أرخى ستوره يريد أن يخفى عمله فنفسه شاهدة عليه، وقد حذف الياء من «المعاذر» ضرورة.
وقال الزمخشري: «فإن صح - يعني أن المعاذير: الستور - فلأنه يمنع رؤية المحتجب كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب» . وهذا القول منه يحتمل أن يكون بياناً للمعنى الجامع بين كون المعاذير: الستور والاعتذارات، وأن يكون بياناً للعلاقة المسوِّغة في التجويز.
فصل في معنى الآية
قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد وأبو العالية وعطاء والفراء والسديُّ: المعنى: ولو اعتذر وقال: لم أفعل شيئاً لكان عليه من نفسه من يشهد عليه من جوارحه، فهو وإن اعتذر وجادل عن نفسه فعليه شاهد يكذِّب عذرهُ» .
وقال مقاتل: ولو أدلى بعُذرٍ أو حجة لم ينفعه ذلك، نظيره قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 36] فالمعاذير على هذا مأخوذة من العُذْر.
القيامة 75:16
وحكى الماوردي عن ابن عباس: " ولو ألقى معاذيره " أي ولو تجرد من ثيابه. قوله: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ .
قال بعض الرافضة: عدم مناسبتها لما قبلها يدل على تغيير القرآن.
قال ابن الخطيب: وفي مناسبتها وجوه:
الأول: لعل استعجال الرسول إنما كان عند نزول هذه الآيات.
الثاني: أنه تقدم أن الإنسان يستعجل بقوله: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ثم بين أن العجلة مذمومة في أمر الدين، فقال تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ، وقال تعالى بعدها: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة﴾ [القيامة: 20] .
الثالث: أنه قدم ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنما يستعجل خشية النسيان، فقيل له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إن الأمور لا تحصل إلا بتوفيق الله - تعالى - وإعانته، فاعتمد على الله - تعالى - واترك التعجيل.
الرابع: كأنه قيل: غرضك من هذا التعجيل أن تحفظه، وتبلغه إليهم ليظهر صدقك، وقبح عنادهم، لكنهم يعلمون ذلك بقلوبهم، فلا فائدة في هذا التعجيل.
الخامس: أن الكافر لما قال: «أين المَفر» ؟ كأنه يطلب الفرار من الله تعالى، فكن أنت يا محمد على مضادة الكافر، وفر من غير الله إلى الله.
السادس: قال القفالُ: الخطاب مع الإنسان المذكور في قوله ﴿يُنَبَّأُ الإنسان﴾ فإذا قيل له: اقرأ كتابك تلجلج لسانه، فيقال له: لا تعجل، فإنه يجب علينا بحكم الوعد، أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك ونقرأها عليك، فإذا قرآناه فاتَّبعْ قرآنه بالإقرار ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ، وهذا فيه وعيد شديد وتهويل.
روى الترمذي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا نزل عليه القرآن يحرك لسانه يريد أن يحفظه، فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ .
قال: وكان يحرك شفتيه، فقال لي ابن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: جمعه في صدرك ثم نقرؤه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ﴾ فاستمع وأنصت، ثم علينا أن نقرأه، فيقال: «فكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا أتاه جبريل - عليه السلام - استمع، وإذا نطق جبريل - عليه السلام - قرأه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما أقرأه» خرجه البخاري أيضاً.
ونظير هذه الآية: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: 114] . وقد تقدم.
وقال عامر الشعبي: إنما كان يُعجِّل بذكره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا نزل عليه الوحي من حبّه له وحلاوته في لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فنزلت: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن﴾ الآية.
ونزل: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ [الأعلى: 6] ، ونزل: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ . قاله ابن عباس: و «قرآنه» أي وقراءته عليك، والقراءة والقرآن في قول الفراء: مصدران.
وقال قتادة: «فاتَّبع قرآنه» فاتَّبع شرائعه وأحكامه.
قوله: ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ ، أي: قراءته، فهو مصدر مضاف للمفعول، وأما الفاعل فمحذوف، والأصل: وقراءتك إياه، والقرآن: مصدر بمعنى القراءة.
وقال حسان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [البسيط]
4994 - ضَحَّوْا بأشْمَطَ عُنوانُ السُّجُودِ بِهِ ... يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحاً وقُرْآنا
وقال ابن عطية: قرأ أبو العالية: «إنَّ عَليْنَا جَمعهُ وقَرَتَهُ، فإذَا قَرَأنَاهُ فاتَّبع قَرَتهُ» . بفتح القاف والراء والتاء من غير همز ولا ألف. ولم يذكر توجيهها.
فأما توجيه قوله: «جَمعَهُ وقُرآنهُ» وقوله: «فاتَّبعْ قُرآنهُ» فواضح - كما تقدم - في قراءة ابن كثير في «البقرة» ، وأنه هل هو نقل أو من مادة «قرن» ، وتحقيق القولين مذكور ثمَّة فليلتفت إليه.
وأما قوله: بفتح القاف والراء والتاء، فيعني في قوله: «فإذا قَرَتَه» يشير إلى أنه قُرىء شاذّاً هكذا.
وتوجيهها: أن الأصل: «قَرَأتَهُ» فعلاً ماضياً مسنداً لضمير المخاطب، أي: فإذا أردت قراءته، ثم أبدل الهمزة ألفاً لسكونها بعد فتحة، ثم حذف الألف تخفيفاً، كقولهم: ولو ترى ما لصبيان، و «ما» مزيدة، فصار اللفظ «قَرَتَهُ» .
فصل في لفظ الآية
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي بمقتضى الوعد عند أهل السنة، وبمقتضى الحكمة عند المعتزلة. «جمعه» في صدرك «وقرآنه» أي: يعيده جبريل عليك حتى تحفظه وتقرأه بحيث لا تنساه، فعلى الأول: القارىء جبريل عليك، وعلى الثاني محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمراد بقراءته: جمعه كقوله: [الوافر]
4995 - ... ... ... ... ... ... ..... ... ... ... لَمْ تَقْرَأ جَنِينَا
فيحمل الجمع على جمعه في الخارج، والقرآن على جمعه في ذهنه وحفظه لئلا يلزم التكرار، وأسند القراءة لله لأنها بأمره.
وقوله: «فاتبع قرآنه» قيل: حلاله وحرامه أو لا تقارئه بل اسكت حتَّى يسكت جبريل فاقرأ أنت، وهو أظهر؛ لأن الآية تدلّ على أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يقرأ مع جبريل، وكان يسأله في أثناء قراءته عن المشكلات فنهي عن الأول بقوله «فاتبع قرآنه» ، وعن الثاني بقوله: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ .
قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي: تفسير ما فيه من الحدود والحلال، والحرام. قاله قتادة. وقيل: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ما فيه من الوعد والوعيد.
وقيل: إنَّ علينا أن نبينه بلسانك. والضمائر تعود على القرآن، وإن لم يجر له ذكر.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ يدل على أنَّ بيان المجمل واجب على الله - تعالى - أما عند أهل السُّنة فبالوعد والتفضل، وإما عند المعتزلة فبالحكمة. والله أعلم.
فصل في الرد على من جوّز تأخير البيان عن وقت الخطاب
احتج من جوز تأخير البيان عن وقت الخطاب بهذه الآية.
وأجاب أبو الحسين عند بوجهين: الأول: أن ظاهر الآية يقتضي وجوب تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأنتم لا تقولون به.
الثاني: أن عندنا الواجب أن يقرن باللفظ إشعاراً بأنه ليس المراد في اللفظ ما يقتضيه ظاهره. فأما البيان التفصيلي فيجوز تأخيره فتحمل الآية على تأخير البيان التفصيلي.
وذكر القفال وجها ثالثاً، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثم إنا نخبرك بأن علينا بيانه فيحمل على الترتيب، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13] إلى قوله ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قال ابن الخطيب: والجواب عن الأول: أن اللفظ لا يقتضي وجوب تأخير البيان، بل يقتضي تأخير وجوب البيان، فيكون الجواب بالمنع لأن وجوب البيان لا يتحقق إلا عند الحاجة، وعن الثاني: أنَّ كلمة «ثُمَّ» دخلت على مطلق البيان المجمل والمفصل، فالتخصيص بأحدهما تحكم بغير دليل.
وجواب القفال: بأنه ترك للظاهر بغير دليل.
فصل فيمن جوز الذنوب على الأنبياء
أورد من جوّز الذنوب على الأنبياء، بأن هذا الاستعجال إن كان بإذن، فكيف نهي عنه وإن كان بغير إذن فهو ذنب.
قال ابن الخطيب: والجواب: لعله كان مأذوناً فيه إلى وقت النهي.
القيامة 75:17
وحكى الماوردي عن ابن عباس: " ولو ألقى معاذيره " أي ولو تجرد من ثيابه. قوله: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ .
قال بعض الرافضة: عدم مناسبتها لما قبلها يدل على تغيير القرآن.
قال ابن الخطيب: وفي مناسبتها وجوه:
الأول: لعل استعجال الرسول إنما كان عند نزول هذه الآيات.
الثاني: أنه تقدم أن الإنسان يستعجل بقوله: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ثم بين أن العجلة مذمومة في أمر الدين، فقال تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ، وقال تعالى بعدها: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة﴾ [القيامة: 20] .
الثالث: أنه قدم ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنما يستعجل خشية النسيان، فقيل له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إن الأمور لا تحصل إلا بتوفيق الله - تعالى - وإعانته، فاعتمد على الله - تعالى - واترك التعجيل.
الرابع: كأنه قيل: غرضك من هذا التعجيل أن تحفظه، وتبلغه إليهم ليظهر صدقك، وقبح عنادهم، لكنهم يعلمون ذلك بقلوبهم، فلا فائدة في هذا التعجيل.
الخامس: أن الكافر لما قال: «أين المَفر» ؟ كأنه يطلب الفرار من الله تعالى، فكن أنت يا محمد على مضادة الكافر، وفر من غير الله إلى الله.
السادس: قال القفالُ: الخطاب مع الإنسان المذكور في قوله ﴿يُنَبَّأُ الإنسان﴾ فإذا قيل له: اقرأ كتابك تلجلج لسانه، فيقال له: لا تعجل، فإنه يجب علينا بحكم الوعد، أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك ونقرأها عليك، فإذا قرآناه فاتَّبعْ قرآنه بالإقرار ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ، وهذا فيه وعيد شديد وتهويل.
روى الترمذي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا نزل عليه القرآن يحرك لسانه يريد أن يحفظه، فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ .
قال: وكان يحرك شفتيه، فقال لي ابن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: جمعه في صدرك ثم نقرؤه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ﴾ فاستمع وأنصت، ثم علينا أن نقرأه، فيقال: «فكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا أتاه جبريل - عليه السلام - استمع، وإذا نطق جبريل - عليه السلام - قرأه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما أقرأه» خرجه البخاري أيضاً.
ونظير هذه الآية: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: 114] . وقد تقدم.
وقال عامر الشعبي: إنما كان يُعجِّل بذكره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا نزل عليه الوحي من حبّه له وحلاوته في لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فنزلت: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن﴾ الآية.
ونزل: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ [الأعلى: 6] ، ونزل: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ . قاله ابن عباس: و «قرآنه» أي وقراءته عليك، والقراءة والقرآن في قول الفراء: مصدران.
وقال قتادة: «فاتَّبع قرآنه» فاتَّبع شرائعه وأحكامه.
قوله: ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ ، أي: قراءته، فهو مصدر مضاف للمفعول، وأما الفاعل فمحذوف، والأصل: وقراءتك إياه، والقرآن: مصدر بمعنى القراءة.
وقال حسان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [البسيط]
4994 - ضَحَّوْا بأشْمَطَ عُنوانُ السُّجُودِ بِهِ ... يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحاً وقُرْآنا
وقال ابن عطية: قرأ أبو العالية: «إنَّ عَليْنَا جَمعهُ وقَرَتَهُ، فإذَا قَرَأنَاهُ فاتَّبع قَرَتهُ» . بفتح القاف والراء والتاء من غير همز ولا ألف. ولم يذكر توجيهها.
فأما توجيه قوله: «جَمعَهُ وقُرآنهُ» وقوله: «فاتَّبعْ قُرآنهُ» فواضح - كما تقدم - في قراءة ابن كثير في «البقرة» ، وأنه هل هو نقل أو من مادة «قرن» ، وتحقيق القولين مذكور ثمَّة فليلتفت إليه.
وأما قوله: بفتح القاف والراء والتاء، فيعني في قوله: «فإذا قَرَتَه» يشير إلى أنه قُرىء شاذّاً هكذا.
وتوجيهها: أن الأصل: «قَرَأتَهُ» فعلاً ماضياً مسنداً لضمير المخاطب، أي: فإذا أردت قراءته، ثم أبدل الهمزة ألفاً لسكونها بعد فتحة، ثم حذف الألف تخفيفاً، كقولهم: ولو ترى ما لصبيان، و «ما» مزيدة، فصار اللفظ «قَرَتَهُ» .
فصل في لفظ الآية
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي بمقتضى الوعد عند أهل السنة، وبمقتضى الحكمة عند المعتزلة. «جمعه» في صدرك «وقرآنه» أي: يعيده جبريل عليك حتى تحفظه وتقرأه بحيث لا تنساه، فعلى الأول: القارىء جبريل عليك، وعلى الثاني محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمراد بقراءته: جمعه كقوله: [الوافر]
4995 - ... ... ... ... ... ... ..... ... ... ... لَمْ تَقْرَأ جَنِينَا
فيحمل الجمع على جمعه في الخارج، والقرآن على جمعه في ذهنه وحفظه لئلا يلزم التكرار، وأسند القراءة لله لأنها بأمره.
وقوله: «فاتبع قرآنه» قيل: حلاله وحرامه أو لا تقارئه بل اسكت حتَّى يسكت جبريل فاقرأ أنت، وهو أظهر؛ لأن الآية تدلّ على أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يقرأ مع جبريل، وكان يسأله في أثناء قراءته عن المشكلات فنهي عن الأول بقوله «فاتبع قرآنه» ، وعن الثاني بقوله: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ .
قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي: تفسير ما فيه من الحدود والحلال، والحرام. قاله قتادة. وقيل: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ما فيه من الوعد والوعيد.
وقيل: إنَّ علينا أن نبينه بلسانك. والضمائر تعود على القرآن، وإن لم يجر له ذكر.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ يدل على أنَّ بيان المجمل واجب على الله - تعالى - أما عند أهل السُّنة فبالوعد والتفضل، وإما عند المعتزلة فبالحكمة. والله أعلم.
فصل في الرد على من جوّز تأخير البيان عن وقت الخطاب
احتج من جوز تأخير البيان عن وقت الخطاب بهذه الآية.
وأجاب أبو الحسين عند بوجهين: الأول: أن ظاهر الآية يقتضي وجوب تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأنتم لا تقولون به.
الثاني: أن عندنا الواجب أن يقرن باللفظ إشعاراً بأنه ليس المراد في اللفظ ما يقتضيه ظاهره. فأما البيان التفصيلي فيجوز تأخيره فتحمل الآية على تأخير البيان التفصيلي.
وذكر القفال وجها ثالثاً، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثم إنا نخبرك بأن علينا بيانه فيحمل على الترتيب، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13] إلى قوله ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قال ابن الخطيب: والجواب عن الأول: أن اللفظ لا يقتضي وجوب تأخير البيان، بل يقتضي تأخير وجوب البيان، فيكون الجواب بالمنع لأن وجوب البيان لا يتحقق إلا عند الحاجة، وعن الثاني: أنَّ كلمة «ثُمَّ» دخلت على مطلق البيان المجمل والمفصل، فالتخصيص بأحدهما تحكم بغير دليل.
وجواب القفال: بأنه ترك للظاهر بغير دليل.
فصل فيمن جوز الذنوب على الأنبياء
أورد من جوّز الذنوب على الأنبياء، بأن هذا الاستعجال إن كان بإذن، فكيف نهي عنه وإن كان بغير إذن فهو ذنب.
قال ابن الخطيب: والجواب: لعله كان مأذوناً فيه إلى وقت النهي.
القيامة 75:18
وحكى الماوردي عن ابن عباس: " ولو ألقى معاذيره " أي ولو تجرد من ثيابه. قوله: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ .
قال بعض الرافضة: عدم مناسبتها لما قبلها يدل على تغيير القرآن.
قال ابن الخطيب: وفي مناسبتها وجوه:
الأول: لعل استعجال الرسول إنما كان عند نزول هذه الآيات.
الثاني: أنه تقدم أن الإنسان يستعجل بقوله: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ثم بين أن العجلة مذمومة في أمر الدين، فقال تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ، وقال تعالى بعدها: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة﴾ [القيامة: 20] .
الثالث: أنه قدم ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنما يستعجل خشية النسيان، فقيل له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إن الأمور لا تحصل إلا بتوفيق الله - تعالى - وإعانته، فاعتمد على الله - تعالى - واترك التعجيل.
الرابع: كأنه قيل: غرضك من هذا التعجيل أن تحفظه، وتبلغه إليهم ليظهر صدقك، وقبح عنادهم، لكنهم يعلمون ذلك بقلوبهم، فلا فائدة في هذا التعجيل.
الخامس: أن الكافر لما قال: «أين المَفر» ؟ كأنه يطلب الفرار من الله تعالى، فكن أنت يا محمد على مضادة الكافر، وفر من غير الله إلى الله.
السادس: قال القفالُ: الخطاب مع الإنسان المذكور في قوله ﴿يُنَبَّأُ الإنسان﴾ فإذا قيل له: اقرأ كتابك تلجلج لسانه، فيقال له: لا تعجل، فإنه يجب علينا بحكم الوعد، أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك ونقرأها عليك، فإذا قرآناه فاتَّبعْ قرآنه بالإقرار ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ، وهذا فيه وعيد شديد وتهويل.
روى الترمذي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا نزل عليه القرآن يحرك لسانه يريد أن يحفظه، فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ .
قال: وكان يحرك شفتيه، فقال لي ابن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: جمعه في صدرك ثم نقرؤه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ﴾ فاستمع وأنصت، ثم علينا أن نقرأه، فيقال: «فكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا أتاه جبريل - عليه السلام - استمع، وإذا نطق جبريل - عليه السلام - قرأه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما أقرأه» خرجه البخاري أيضاً.
ونظير هذه الآية: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: 114] . وقد تقدم.
وقال عامر الشعبي: إنما كان يُعجِّل بذكره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا نزل عليه الوحي من حبّه له وحلاوته في لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فنزلت: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن﴾ الآية.
ونزل: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ [الأعلى: 6] ، ونزل: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ . قاله ابن عباس: و «قرآنه» أي وقراءته عليك، والقراءة والقرآن في قول الفراء: مصدران.
وقال قتادة: «فاتَّبع قرآنه» فاتَّبع شرائعه وأحكامه.
قوله: ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ ، أي: قراءته، فهو مصدر مضاف للمفعول، وأما الفاعل فمحذوف، والأصل: وقراءتك إياه، والقرآن: مصدر بمعنى القراءة.
وقال حسان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [البسيط]
4994 - ضَحَّوْا بأشْمَطَ عُنوانُ السُّجُودِ بِهِ ... يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحاً وقُرْآنا
وقال ابن عطية: قرأ أبو العالية: «إنَّ عَليْنَا جَمعهُ وقَرَتَهُ، فإذَا قَرَأنَاهُ فاتَّبع قَرَتهُ» . بفتح القاف والراء والتاء من غير همز ولا ألف. ولم يذكر توجيهها.
فأما توجيه قوله: «جَمعَهُ وقُرآنهُ» وقوله: «فاتَّبعْ قُرآنهُ» فواضح - كما تقدم - في قراءة ابن كثير في «البقرة» ، وأنه هل هو نقل أو من مادة «قرن» ، وتحقيق القولين مذكور ثمَّة فليلتفت إليه.
وأما قوله: بفتح القاف والراء والتاء، فيعني في قوله: «فإذا قَرَتَه» يشير إلى أنه قُرىء شاذّاً هكذا.
وتوجيهها: أن الأصل: «قَرَأتَهُ» فعلاً ماضياً مسنداً لضمير المخاطب، أي: فإذا أردت قراءته، ثم أبدل الهمزة ألفاً لسكونها بعد فتحة، ثم حذف الألف تخفيفاً، كقولهم: ولو ترى ما لصبيان، و «ما» مزيدة، فصار اللفظ «قَرَتَهُ» .
فصل في لفظ الآية
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي بمقتضى الوعد عند أهل السنة، وبمقتضى الحكمة عند المعتزلة. «جمعه» في صدرك «وقرآنه» أي: يعيده جبريل عليك حتى تحفظه وتقرأه بحيث لا تنساه، فعلى الأول: القارىء جبريل عليك، وعلى الثاني محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمراد بقراءته: جمعه كقوله: [الوافر]
4995 - ... ... ... ... ... ... ..... ... ... ... لَمْ تَقْرَأ جَنِينَا
فيحمل الجمع على جمعه في الخارج، والقرآن على جمعه في ذهنه وحفظه لئلا يلزم التكرار، وأسند القراءة لله لأنها بأمره.
وقوله: «فاتبع قرآنه» قيل: حلاله وحرامه أو لا تقارئه بل اسكت حتَّى يسكت جبريل فاقرأ أنت، وهو أظهر؛ لأن الآية تدلّ على أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يقرأ مع جبريل، وكان يسأله في أثناء قراءته عن المشكلات فنهي عن الأول بقوله «فاتبع قرآنه» ، وعن الثاني بقوله: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ .
قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي: تفسير ما فيه من الحدود والحلال، والحرام. قاله قتادة. وقيل: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ما فيه من الوعد والوعيد.
وقيل: إنَّ علينا أن نبينه بلسانك. والضمائر تعود على القرآن، وإن لم يجر له ذكر.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ يدل على أنَّ بيان المجمل واجب على الله - تعالى - أما عند أهل السُّنة فبالوعد والتفضل، وإما عند المعتزلة فبالحكمة. والله أعلم.
فصل في الرد على من جوّز تأخير البيان عن وقت الخطاب
احتج من جوز تأخير البيان عن وقت الخطاب بهذه الآية.
وأجاب أبو الحسين عند بوجهين: الأول: أن ظاهر الآية يقتضي وجوب تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأنتم لا تقولون به.
الثاني: أن عندنا الواجب أن يقرن باللفظ إشعاراً بأنه ليس المراد في اللفظ ما يقتضيه ظاهره. فأما البيان التفصيلي فيجوز تأخيره فتحمل الآية على تأخير البيان التفصيلي.
وذكر القفال وجها ثالثاً، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثم إنا نخبرك بأن علينا بيانه فيحمل على الترتيب، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13] إلى قوله ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قال ابن الخطيب: والجواب عن الأول: أن اللفظ لا يقتضي وجوب تأخير البيان، بل يقتضي تأخير وجوب البيان، فيكون الجواب بالمنع لأن وجوب البيان لا يتحقق إلا عند الحاجة، وعن الثاني: أنَّ كلمة «ثُمَّ» دخلت على مطلق البيان المجمل والمفصل، فالتخصيص بأحدهما تحكم بغير دليل.
وجواب القفال: بأنه ترك للظاهر بغير دليل.
فصل فيمن جوز الذنوب على الأنبياء
أورد من جوّز الذنوب على الأنبياء، بأن هذا الاستعجال إن كان بإذن، فكيف نهي عنه وإن كان بغير إذن فهو ذنب.
قال ابن الخطيب: والجواب: لعله كان مأذوناً فيه إلى وقت النهي.
القيامة 75:19
وحكى الماوردي عن ابن عباس: " ولو ألقى معاذيره " أي ولو تجرد من ثيابه. قوله: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ .
قال بعض الرافضة: عدم مناسبتها لما قبلها يدل على تغيير القرآن.
قال ابن الخطيب: وفي مناسبتها وجوه:
الأول: لعل استعجال الرسول إنما كان عند نزول هذه الآيات.
الثاني: أنه تقدم أن الإنسان يستعجل بقوله: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ثم بين أن العجلة مذمومة في أمر الدين، فقال تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ، وقال تعالى بعدها: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة﴾ [القيامة: 20] .
الثالث: أنه قدم ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إنما يستعجل خشية النسيان، فقيل له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إن الأمور لا تحصل إلا بتوفيق الله - تعالى - وإعانته، فاعتمد على الله - تعالى - واترك التعجيل.
الرابع: كأنه قيل: غرضك من هذا التعجيل أن تحفظه، وتبلغه إليهم ليظهر صدقك، وقبح عنادهم، لكنهم يعلمون ذلك بقلوبهم، فلا فائدة في هذا التعجيل.
الخامس: أن الكافر لما قال: «أين المَفر» ؟ كأنه يطلب الفرار من الله تعالى، فكن أنت يا محمد على مضادة الكافر، وفر من غير الله إلى الله.
السادس: قال القفالُ: الخطاب مع الإنسان المذكور في قوله ﴿يُنَبَّأُ الإنسان﴾ فإذا قيل له: اقرأ كتابك تلجلج لسانه، فيقال له: لا تعجل، فإنه يجب علينا بحكم الوعد، أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك ونقرأها عليك، فإذا قرآناه فاتَّبعْ قرآنه بالإقرار ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ، وهذا فيه وعيد شديد وتهويل.
روى الترمذي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا نزل عليه القرآن يحرك لسانه يريد أن يحفظه، فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ .
قال: وكان يحرك شفتيه، فقال لي ابن عباس: أنا أحركهما كما كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله تعالى: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: جمعه في صدرك ثم نقرؤه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فاتبع قُرْآنَهُ﴾ فاستمع وأنصت، ثم علينا أن نقرأه، فيقال: «فكان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا أتاه جبريل - عليه السلام - استمع، وإذا نطق جبريل - عليه السلام - قرأه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كما أقرأه» خرجه البخاري أيضاً.
ونظير هذه الآية: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: 114] . وقد تقدم.
وقال عامر الشعبي: إنما كان يُعجِّل بذكره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا نزل عليه الوحي من حبّه له وحلاوته في لسانه مع الوحي مخافة أن ينساه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فنزلت: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن﴾ الآية.
ونزل: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ [الأعلى: 6] ، ونزل: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ . قاله ابن عباس: و «قرآنه» أي وقراءته عليك، والقراءة والقرآن في قول الفراء: مصدران.
وقال قتادة: «فاتَّبع قرآنه» فاتَّبع شرائعه وأحكامه.
قوله: ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ ، أي: قراءته، فهو مصدر مضاف للمفعول، وأما الفاعل فمحذوف، والأصل: وقراءتك إياه، والقرآن: مصدر بمعنى القراءة.
وقال حسان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: [البسيط]
4994 - ضَحَّوْا بأشْمَطَ عُنوانُ السُّجُودِ بِهِ ... يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحاً وقُرْآنا
وقال ابن عطية: قرأ أبو العالية: «إنَّ عَليْنَا جَمعهُ وقَرَتَهُ، فإذَا قَرَأنَاهُ فاتَّبع قَرَتهُ» . بفتح القاف والراء والتاء من غير همز ولا ألف. ولم يذكر توجيهها.
فأما توجيه قوله: «جَمعَهُ وقُرآنهُ» وقوله: «فاتَّبعْ قُرآنهُ» فواضح - كما تقدم - في قراءة ابن كثير في «البقرة» ، وأنه هل هو نقل أو من مادة «قرن» ، وتحقيق القولين مذكور ثمَّة فليلتفت إليه.
وأما قوله: بفتح القاف والراء والتاء، فيعني في قوله: «فإذا قَرَتَه» يشير إلى أنه قُرىء شاذّاً هكذا.
وتوجيهها: أن الأصل: «قَرَأتَهُ» فعلاً ماضياً مسنداً لضمير المخاطب، أي: فإذا أردت قراءته، ثم أبدل الهمزة ألفاً لسكونها بعد فتحة، ثم حذف الألف تخفيفاً، كقولهم: ولو ترى ما لصبيان، و «ما» مزيدة، فصار اللفظ «قَرَتَهُ» .
فصل في لفظ الآية
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ أي بمقتضى الوعد عند أهل السنة، وبمقتضى الحكمة عند المعتزلة. «جمعه» في صدرك «وقرآنه» أي: يعيده جبريل عليك حتى تحفظه وتقرأه بحيث لا تنساه، فعلى الأول: القارىء جبريل عليك، وعلى الثاني محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والمراد بقراءته: جمعه كقوله: [الوافر]
4995 - ... ... ... ... ... ... ..... ... ... ... لَمْ تَقْرَأ جَنِينَا
فيحمل الجمع على جمعه في الخارج، والقرآن على جمعه في ذهنه وحفظه لئلا يلزم التكرار، وأسند القراءة لله لأنها بأمره.
وقوله: «فاتبع قرآنه» قيل: حلاله وحرامه أو لا تقارئه بل اسكت حتَّى يسكت جبريل فاقرأ أنت، وهو أظهر؛ لأن الآية تدلّ على أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يقرأ مع جبريل، وكان يسأله في أثناء قراءته عن المشكلات فنهي عن الأول بقوله «فاتبع قرآنه» ، وعن الثاني بقوله: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾ .
قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي: تفسير ما فيه من الحدود والحلال، والحرام. قاله قتادة. وقيل: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ما فيه من الوعد والوعيد.
وقيل: إنَّ علينا أن نبينه بلسانك. والضمائر تعود على القرآن، وإن لم يجر له ذكر.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ يدل على أنَّ بيان المجمل واجب على الله - تعالى - أما عند أهل السُّنة فبالوعد والتفضل، وإما عند المعتزلة فبالحكمة. والله أعلم.
فصل في الرد على من جوّز تأخير البيان عن وقت الخطاب
احتج من جوز تأخير البيان عن وقت الخطاب بهذه الآية.
وأجاب أبو الحسين عند بوجهين: الأول: أن ظاهر الآية يقتضي وجوب تأخير البيان عن وقت الخطاب، وأنتم لا تقولون به.
الثاني: أن عندنا الواجب أن يقرن باللفظ إشعاراً بأنه ليس المراد في اللفظ ما يقتضيه ظاهره. فأما البيان التفصيلي فيجوز تأخيره فتحمل الآية على تأخير البيان التفصيلي.
وذكر القفال وجها ثالثاً، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ثم إنا نخبرك بأن علينا بيانه فيحمل على الترتيب، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: 13] إلى قوله ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] .
قال ابن الخطيب: والجواب عن الأول: أن اللفظ لا يقتضي وجوب تأخير البيان، بل يقتضي تأخير وجوب البيان، فيكون الجواب بالمنع لأن وجوب البيان لا يتحقق إلا عند الحاجة، وعن الثاني: أنَّ كلمة «ثُمَّ» دخلت على مطلق البيان المجمل والمفصل، فالتخصيص بأحدهما تحكم بغير دليل.
وجواب القفال: بأنه ترك للظاهر بغير دليل.
فصل فيمن جوز الذنوب على الأنبياء
أورد من جوّز الذنوب على الأنبياء، بأن هذا الاستعجال إن كان بإذن، فكيف نهي عنه وإن كان بغير إذن فهو ذنب.
قال ابن الخطيب: والجواب: لعله كان مأذوناً فيه إلى وقت النهي.
القيامة 75:20
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ . قال الزمخشري: «كلاَّ» ردع للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن عادة العجلة وحثّ على الأناة.
وقال جماعة من المفسرين: «كلاَّ» معناه «حقّاً» أي: حقّاً تحبّون العاجلة، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن الإنسان بمعنى الناس.
وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «كلاَّ» أي: أنَّ أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه.
وقيل: «كلاَّ» لا يصلُّون ولا يزكُّون، يريد كفار «مكّة» .
«بَلْ تُحِبُّونَ» . قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «يُحِبُّون، ويَذَرُونَ» بيان الغيبة حملاً على لفظة الإنسان المذكور أولاً لأن المراد به الجنس، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن «الإنسان» بمعنى الناس والباقون: بالخطاب فيهما، إما خطاباً لكفار قريش أي: بل تحبون يا كفار قريش العاجلة، أي: الدار الدنيا والحياة فيها ﴿وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ أي تدعون الآخرة والعمل لها، وإما التفاتاً عن الإخبار عن الجنس المتقدم والإقبال عليه بالخطاب.
واختار الخطاب أبو عبيد، قال: ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها بالياء، لذكر الإنسان قبل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أن يكون «وجوهٌ» مبتدأ، و «نَاضِرةٌ» نعتٌ له، و «يَومئذٍ» منصوب ب «نَاضِرَةٌ» و «ناظِرَةٌ» خبره، و «إلى ربِّها» متعلق بالخبر. والمعنى: أن الوجوه الحسنة يوم القيامة ناظرة إلى الله تعالى، وهذا معنى صحيح، والنَّاضرة: من النُّضرة وهي التنعم، ومنه غصن ناضر.
الثاني: أن تكون «وُجوهٌ» مبتدأ أيضاً، و «نَاضِرةٌ» خبره، و «يَوْمئذٍ» منصوب الخبر - كما تقدم - وسوَّغ الابتداء هنا بالنكرة كون الموضع موضع تفصيل، كقوله: [المتقارب]
4996 - ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرْ
وتكون «نَاضِرةٌ» نعتاً ل «وُجوهٌ» أو خبراً ثانياً او خبراً لمبتدأ محذوف، و «إلى ربِّها» متعلق ب «ناظرة» كما تقدم.
وقال ابن عطية: وابتدأ بالنكرة؛ لأنها تخصصت بقوله: «يوْمَئذٍ» .
وقال أبو البقاء: وجاز الابتداء هنا بالنَّكرة لحصول الفائدة.
وفي كلا قوليهما نظر أما قول ابن عطية: فلأن قوله «تخصصت» بقوله: «يَوْمئذٍ» هو التخصيص إما لكونها عاملة فيه، وهو محال؛ لأنها جامدة، وإما لأنها موصوفة به، وهو محال أيضاً؛ لأن الجثة لا توصف بالزمان كما لا يخبر به عنها.
وأما قول أبي البقاء: فإن أراد بحصول الفائدة ما تقدم من التفصيل فصحيح، وإن عنى ما عناه ابن عطية فليس بصحيح لما تقدم.
الثالث: أن يكون «وُجوهٌ» مبتدأ، و «يُوْمئذٍ» خبره.
قاله أبو البقاءِ.
وهذا غلطٌ من حيث المعنى ومن حيث الصناعة.
أما المعنى: فلا فائدة في الإخبار عنها بذلك، وأما الصناعة: فلأنه لا يخبر بالزمان عن الجثة، فإن ورد ما ظاهره ذلك يؤول نحو «الليلة الهلالُ» .
الرابع: أن يكون «وُجوهٌ» مبتدأ و «نَاضِرةٌ» خبره، و ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ جملة مستأنفة في موضع خبر ثانٍ، قاله ابن عطية.
وفيه نظر؛ لأنه لا ينعقد منهما كلام؛ إذ الظاهر تعلُّق «إلى» ب «نَاظِرةٌ» اللهمّ إلا أن يعني أن «ناظرة» خبر لمبتدأ مضمر، أي: هي ناظرة إلى ربها، وهذه الجملة خبر ثان وفيه تعسف.
الخامس: أن يكون الخبر ل «وُجوهٌ» مقدَّراً، أي: وجوه يومئذ ثمَّ، و «نَاضِرةٌ» صفة وكذلك «ناظرة» .
قاله أبو البقاء: وهو بعيد لعدم الحاجة إلى ذلك.
والوجه: الأولى لخلوصه من هذه التعسّفات. وكون «إلى» حرف جر، و «ربها» مجروراً بها هو المتبادر إلى الذهن، وقد خرجه بعض المعتزلة على أن يكون «إلى» اسماً مفرداً بمعنى النعمة مضافاً إلى «الرب» ويجمع على «آلاء» نحو ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن: 13]- وقد تقدم أن فيها لغات أربعاً - و «ربِّهَا» خفض بالإضافة والمفعول مقدم ناصبه «ناظرة» بمعنى منتظرة والتقدير: وجوه منتظرة نعمة ربها.
وهذا فرار من إثبات النظر لله - تعالى - على معتقدهم.
وتَمحَّل الزمخشري لمذهب المعتزلة بطريق أخرى من جهة الصناعة، فقال - بعد أن جعل التقديم في «إلى ربها» مؤذناً بالاختصاص -: والذي يصح معه أن يكون من قول الناس: إنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، يريد معنى التوقّع والرجاء؛ ومنه قول القائل: [الكامل]
4997 - وإذَا نَظرْتُ إليْكَ مِنْ ملِكٍ ... والبَحْرُ دُونكَ زِدْتَنِي نِعَمَا
وسمعت سُرِّيَّة مستجدية ب «مكة» وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى مقايلهم تقول: «عُيَيْنتي نويظرة» إلى الله وإليكم، والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم.
قال شهاب الدين: وهذا كالحوم على من يقول إن «نَاظِرةٌ» بمعنى منتظرة، إلا أن مكيّاً قد رد هذا القول، فقال: ودخول «إلى» مع النظر يدل على أنه نظر العين، وليس من الانتظار ولو كان من الانتظار لم تدخل معه «إلى» ؛ ألا ترى أنك لا تقول: انتظرت إلى زيد، وتقول: نظرت إلى زيد تعني نظر العين، ف «إلى» تصحب نظر العين، ولا تصحب نظر الانتظار، فمن قال: إن «ناظرة» بمعنى «منتظرة» فقد أخطأ في المعنى وفي الإعراب ووضع الكلام في غير موضعه.
وقال القرطبي: «إن العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا: نظرته، كما قال تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة﴾ [الزخرف: 66] ، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] ، ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 49] ، وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا: نظرت فيه، فأما إذا كان النظر مقروناً بذكر» إلى «وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان» .
وقال الأزهري: «إن قول مجاهد: تنتظر ثواب ربها خطأ؛ لأنه لا يقال: نظر إلى كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين، كذا تقوله العرب؛ لأنهم يقولون: نظرت إليه إذا أرادوا نظر العين، فإذا أرادوا الانتظار قالوا: نظرته» ؛ قال: [الطويل]
4998 - فإنَّكُمَا إنْ تنْظُرَا لي سَاعةً ... مِنَ الدَّهرِ تَنْفعْنِي لدى أمِّ جُندُبِ
لما أرادوا الانتظار قال: تنظراني، وإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت إليه.
قال الشاعر: [الطويل]
4999 - نَظرْتُ إليْهَا والنُّجُومُ كأنَّها ... مَصابِيحُ رُهبَانٍ تُشَبُّ لِقفَّالِ
وقال آخر: [الطويل]
5000 - نَظَرْتُ إليْهَا بالمُحَصَّبِ من مِنى..... ... ... ... ... ... ... .
والنّضْرة: طرواة البشرة وجمالها، وذلك من أثر النعمة، يقال: نضر وجهه فهو ناضر.
وقال بعضهم: نسلم أنه من نظر العين إلا أن ذلك على حذف مضاف، أي ثواب ربها ونحوه.
قال مكي: «لو جاء هذا لجاز: نظرت إلى زيد، بمعنى: نظرت إلى عطاء زيد، وفي هذا نقض لكلام العرب وتخليط في المعاني» .
ونضَره الله ونضَّره، مخففاً ومثقلاً، أي: حسنه ونعمه.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «نَضَّر اللَّهُ أمْرأً سَمِعَ مَقالَتِي فوَعَاهَا، فأدَّاهَا كما سَمِعهَا» يروى بالوجهين.
ويقال للذهب: نُضَار من ذلك، ويقال له: النضر أيضاً.
ويقال: أخضر ناضر كأسود حالك، وقدح نضار: يروى بالإتباع والإضافة.
والعامة: «ناضرة» بألف، وقرأ زيد بن علي: «نضرة» بدونها، ك «فرح» فهو فرح.
فصل في الرؤية.
روى مسلم في قوله تعالى ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى﴾ [يونس: 26] كان ابن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم تلى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .
وقال عكرمة: تنظر إلى ربها نظراً، وحكى الماوردي عن ابن عمر وعكرمة ومجاهد: تنظر أمر ربها، وليس معروفاً إلا عن مجاهد وحده.
وجمهور أهل السُّنَّة تمسك بهذه الآية لإثبات أن المؤمنين يرون الله - سبحانه وتعالى - يوم القيامة وأما المعتزلة فاحتجوا بقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ [الأنعام: 103] ، ويقولون: النظر المقرون ب «إلى» ليس اسماً للرؤية، بل لمقدمة الرؤية، وهي تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته، ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة، وكالإصغاء بالنسبة إلى السمع ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾
[الأعراف: 198] فأثبت النظر حال عدم الرؤية، ويقال: نظر إليه شزراً، ونظر إليه غضبان ونظر راضياً، ولا يقال ذلك في الرؤية، ويقال: وجوه متناظرة، أي: متقابلة ويقال: انظر إليه حتى تراه، فتكون الرؤية غاية للنظر، وأن النظر يحصل والرؤية غير حاصلة وقال: [الوافر]
5001 - وجُوهٌ نَاظرَاتٌ يَوْمَ بَدْرٍ ... إلى الرَّحْمنٍ تَنتظِرُ الخَلاصَا
ولا رؤية مع النظر المقرون ب «إلى» ، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة﴾ [آل عمران: 77] ومن قال: لا يراهم، كفر، قالوا: ويمكن أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿نَاظِرةٌ﴾ أي: منتظرة كقولك: أنا أنظر إليك في حاجتي، أو يكون «إلى» مفرد «آلاء» وهي النعم - كما تقدم - والمراد: إلى ثواب ربها؛ لأن الأدلة العقلية والسمعية لما منعت الرؤية وجب التأويل، أو يكون المعنى أنها لا تسأل، ولا ترغب إلا إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، كقوله: «اعْبُد الله كأنَّك تَرَاهُ» .
قال ابن الخطيب: والجواب: لنا مقامان:
أحدهما: أن نقول: النظر هو الرؤية كقول موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143] ، فلو كان المراد تقليب الحدقة نحو المرئي لاقتضت الآية إثبات الجهة والمكان، ولأنه أخر النظر عن الإرادة فلا يكون تقليب.
المقام الثاني: سلمنا ما ذكرتموه من أن النظر تقليب الحدقة للرؤية، لكن يقدر حمله على الحقيقة، فيجب الحمل على الرؤية إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، وهو أولى من حمله على الانتظار لعدم الملازمة؛ لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية، ولا تعلق بينه وبين الانتظار.
وأم قولهم: نحمله على الانتظار قلنا: الذي هو بمعنى الانتظار، وفي القرآن غير مقرون، كقوله تعالى: ﴿انظرونا نَقْتَبِسْ﴾ [الحديد: 13] ، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] ، والذي ندّعيه أن النظر المقرون ب «إلى» ليس بمعنى الرؤية؛ لأن وروده بمعنى الرؤية، أو بالمعنى الذي يستعقب الرؤية ظاهر، فلا يكون بمعنى الانتظار دفعاً للاشتراك وقوله: «وجوه ناظرات يوم بدر» . شعر موضوع، والرواية الصحيحة: [الوافر]
5002 - وجُوهٌ نَاظِراتٌ يَوْمَ بَكْرٍ ... إلى الرَّحمنِ تَنتظِرُ الخَلاصَا
والمراد من هذا الرحمن: مسيلمة الكذاب؛ لأنهم كانوا يسمُّونه رحمن اليمامة، وأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه الخلاص من الأعداء.
وقولهم: هو مفرد «آلاء» أي: نعمة ربها.
قلنا: فيصدق على أيِّ نعمة كانت.
وإن قلنا: لأنه إنما كان للماهية التي يصدق عليها أنها نعمة، فعلى هذا يكفي في تحقيق مسمّى هذه اللفظة أي جزء فرض من أجزاء النعمة، وإن كانت غاية في القلة والحقارة، وكيف يمكن أن تكون من حاله الثواب يومئذ في النعم العظيمة، فكيف ينتظرون نعمة قليلة، وكيف يمكن أن يكون من حاله كذلك أن يبشر بأنه يتوقع الشيء الذي يطلق عليه اسم النعمة، ومثال هذا: أن يبشر سلطان الأرض بأنه سيصير حاله في العظمة والقوة بعد سنة بحيث يكون متوقعاً لحصول نعمة واحدة فكما أن ذلك فاسد، فكذا هاهنا سلمنا أن النظر المتعدي ب «إلى» المقرون بالوجوه جاء في اللغة بمعنى الانتظار، ولكن لا يمكن حمل هذه الآية عليه؛ لأن لذة الانتظار مع تعين الوقوع كانت حاصلة في الدنيا، فلا بد وأن تحصل في الآخرة زيادة حتى يحصل الترغيب في الآخرة، ولا يجوز أن يكون ذلك هو قرب الحصول.
قال
القشيري
: وهذا باطل؛ لأن واحد «الآلاء» يكتب بالألف لا بالياء.
وقرب الحصول معلوم بالعقل فبطل التأويل.
وأما قولهم: المراد ثواب ربها، فهو خلاف الظاهر، هذا ما ذكره ابن الخطيب.
وروى القرطبي في «تفسيره» قال: خرج «مسلم» عن جرير بن عبد الله قال: «كنا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» إنَّكُمْ سَتَروْنَ ربَّكمْ عياناً كمَا تَرونَ القَمَرَ لا تُضَامُونَ فِي رُؤيتِهِ، فإن اسْتَطَعْتُم ألاَّ تُغْلبُوا عَلى صلاةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وصلاةٍ قَبْلَ غُروبِهَا فافْعَلُوا «ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب﴾ [ق: 39] » متفق عليه.
وفي كتاب «النسائي» عن صهيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «فيُكشَفُ الحِجابُ فيَنظُرونَ إليْهِ، فواللَّهِ ما أعْطَاهُمْ شَيْئاً أحبَّ إليْهِمْ من النَّظرِ، ولا أقَرَّ لأعْيُنِهِمْ» .
وروى أبو إسحاق الثعلبيُّ عن الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يتَجَلَّى ربُّنَا - سُبْحانَهُ وتَعَالَى - حتَّى يُنْظَرَ إلى وَجْههِ فيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، فيقُولُ اللَّه تعالى: ارفَعُوا رُءُوسكمْ فَليْسَ هذا بِيومِ عِبَادةٍ» .
وقال القرطبي: وقيل: أضاف النظر إلى العين؛ لأن العين في الوجه فهو كقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [البقرة: 25] والماء يجري في النهر لا النهر ثم قد يكون الوجه بمعنى العين، قال تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً﴾ [يوسف: 93] ، أي على عينيه، ثم لا يبعد قلب العادة غداً حتى يخلق النظر في الوجه وهو كقوله تعالى ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ﴾ [الملك: 22] .
«فقيل: يا رسُول اللَّهِ، كيف يَمشُونَ في النَّار علَى وُجوهِهم؟ قال:» الَّذي أمْشاهُمْ عَلى أقدامهِم قَادِرٌ على أنْ يُمشِيهمْ على وُجوُهِهِم» .
قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ ، أي: وجوه الكفار يوم القيامة شديدة كالحة.
والبَاسِر: الشديد العبوس، والباسل: أشد منه ولكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحة.
وفي «الصِّحاح» : وبسر الفحل الناقة وابتسرها: إذا ضربها، وبسر الرجل وجهه بسوراً أي: كلح، يقال: «عَبسَ وبَسَرَ» .
وقال السديُّ: «بَاسِرةٌ» متغيّرة، والمعنى: أنها عابسة كالحة قد أظلمت ألوانها.
قوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
أي: توقن وتعلم.
قال ابن الخطيب: هكذا قاله المفسرون، وعندي أن الظن هنا إنما ذكر على سبيل التهكم، كأنه قيل لما شاهدوا تلك الأحوال حصل فيهم ظن أن القيامة حق.
والفاقرة هي الداهية العظيمة، قاله أبو عبيدة.
سميت بذلك لأنها تكسر فقار الظهر.
قال النابغة: [الطويل]
5003 - أبَى لِيَ قَبْرٌ لا يَزالُ مُقَابلِي ... وضَرْبَةُ فَأسٍ فَوقَ رَأسِي فَاقِرَهْ
أي: داهية مؤثِّرة، يقال: فقرته الفاقرة، أي: كسرت فقار ظهره. قال معناه مجاهد وغيره، ومنه سمي الفقير لانكسار فقاره من القلّ وقد تقدم في البقرة.
وقال قتادة: «الفاقرة» : الشر، وقال السديُّ: الهلاك.
وقال ابن عباس وزيد: دخول النار، وأصلها الوسم على أنفس البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم. قاله الأصمعي.
يقال: فقرت أنف البعير: إذا حززته بحديدة، ثم جعلت على موضع الحزّ الجرير وعليه وتر مَلْويّ لتذلله وتروضه.
القيامة 75:21
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ . قال الزمخشري: «كلاَّ» ردع للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن عادة العجلة وحثّ على الأناة.
وقال جماعة من المفسرين: «كلاَّ» معناه «حقّاً» أي: حقّاً تحبّون العاجلة، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن الإنسان بمعنى الناس.
وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «كلاَّ» أي: أنَّ أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه.
وقيل: «كلاَّ» لا يصلُّون ولا يزكُّون، يريد كفار «مكّة» .
«بَلْ تُحِبُّونَ» . قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «يُحِبُّون، ويَذَرُونَ» بيان الغيبة حملاً على لفظة الإنسان المذكور أولاً لأن المراد به الجنس، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن «الإنسان» بمعنى الناس والباقون: بالخطاب فيهما، إما خطاباً لكفار قريش أي: بل تحبون يا كفار قريش العاجلة، أي: الدار الدنيا والحياة فيها ﴿وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ أي تدعون الآخرة والعمل لها، وإما التفاتاً عن الإخبار عن الجنس المتقدم والإقبال عليه بالخطاب.
واختار الخطاب أبو عبيد، قال: ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها بالياء، لذكر الإنسان قبل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أن يكون «وجوهٌ» مبتدأ، و «نَاضِرةٌ» نعتٌ له، و «يَومئذٍ» منصوب ب «نَاضِرَةٌ» و «ناظِرَةٌ» خبره، و «إلى ربِّها» متعلق بالخبر. والمعنى: أن الوجوه الحسنة يوم القيامة ناظرة إلى الله تعالى، وهذا معنى صحيح، والنَّاضرة: من النُّضرة وهي التنعم، ومنه غصن ناضر.
الثاني: أن تكون «وُجوهٌ» مبتدأ أيضاً، و «نَاضِرةٌ» خبره، و «يَوْمئذٍ» منصوب الخبر - كما تقدم - وسوَّغ الابتداء هنا بالنكرة كون الموضع موضع تفصيل، كقوله: [المتقارب]
4996 - ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرْ
وتكون «نَاضِرةٌ» نعتاً ل «وُجوهٌ» أو خبراً ثانياً او خبراً لمبتدأ محذوف، و «إلى ربِّها» متعلق ب «ناظرة» كما تقدم.
وقال ابن عطية: وابتدأ بالنكرة؛ لأنها تخصصت بقوله: «يوْمَئذٍ» .
وقال أبو البقاء: وجاز الابتداء هنا بالنَّكرة لحصول الفائدة.
وفي كلا قوليهما نظر أما قول ابن عطية: فلأن قوله «تخصصت» بقوله: «يَوْمئذٍ» هو التخصيص إما لكونها عاملة فيه، وهو محال؛ لأنها جامدة، وإما لأنها موصوفة به، وهو محال أيضاً؛ لأن الجثة لا توصف بالزمان كما لا يخبر به عنها.
وأما قول أبي البقاء: فإن أراد بحصول الفائدة ما تقدم من التفصيل فصحيح، وإن عنى ما عناه ابن عطية فليس بصحيح لما تقدم.
الثالث: أن يكون «وُجوهٌ» مبتدأ، و «يُوْمئذٍ» خبره.
قاله أبو البقاءِ.
وهذا غلطٌ من حيث المعنى ومن حيث الصناعة.
أما المعنى: فلا فائدة في الإخبار عنها بذلك، وأما الصناعة: فلأنه لا يخبر بالزمان عن الجثة، فإن ورد ما ظاهره ذلك يؤول نحو «الليلة الهلالُ» .
الرابع: أن يكون «وُجوهٌ» مبتدأ و «نَاضِرةٌ» خبره، و ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ جملة مستأنفة في موضع خبر ثانٍ، قاله ابن عطية.
وفيه نظر؛ لأنه لا ينعقد منهما كلام؛ إذ الظاهر تعلُّق «إلى» ب «نَاظِرةٌ» اللهمّ إلا أن يعني أن «ناظرة» خبر لمبتدأ مضمر، أي: هي ناظرة إلى ربها، وهذه الجملة خبر ثان وفيه تعسف.
الخامس: أن يكون الخبر ل «وُجوهٌ» مقدَّراً، أي: وجوه يومئذ ثمَّ، و «نَاضِرةٌ» صفة وكذلك «ناظرة» .
قاله أبو البقاء: وهو بعيد لعدم الحاجة إلى ذلك.
والوجه: الأولى لخلوصه من هذه التعسّفات. وكون «إلى» حرف جر، و «ربها» مجروراً بها هو المتبادر إلى الذهن، وقد خرجه بعض المعتزلة على أن يكون «إلى» اسماً مفرداً بمعنى النعمة مضافاً إلى «الرب» ويجمع على «آلاء» نحو ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن: 13]- وقد تقدم أن فيها لغات أربعاً - و «ربِّهَا» خفض بالإضافة والمفعول مقدم ناصبه «ناظرة» بمعنى منتظرة والتقدير: وجوه منتظرة نعمة ربها.
وهذا فرار من إثبات النظر لله - تعالى - على معتقدهم.
وتَمحَّل الزمخشري لمذهب المعتزلة بطريق أخرى من جهة الصناعة، فقال - بعد أن جعل التقديم في «إلى ربها» مؤذناً بالاختصاص -: والذي يصح معه أن يكون من قول الناس: إنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، يريد معنى التوقّع والرجاء؛ ومنه قول القائل: [الكامل]
4997 - وإذَا نَظرْتُ إليْكَ مِنْ ملِكٍ ... والبَحْرُ دُونكَ زِدْتَنِي نِعَمَا
وسمعت سُرِّيَّة مستجدية ب «مكة» وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى مقايلهم تقول: «عُيَيْنتي نويظرة» إلى الله وإليكم، والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم.
قال شهاب الدين: وهذا كالحوم على من يقول إن «نَاظِرةٌ» بمعنى منتظرة، إلا أن مكيّاً قد رد هذا القول، فقال: ودخول «إلى» مع النظر يدل على أنه نظر العين، وليس من الانتظار ولو كان من الانتظار لم تدخل معه «إلى» ؛ ألا ترى أنك لا تقول: انتظرت إلى زيد، وتقول: نظرت إلى زيد تعني نظر العين، ف «إلى» تصحب نظر العين، ولا تصحب نظر الانتظار، فمن قال: إن «ناظرة» بمعنى «منتظرة» فقد أخطأ في المعنى وفي الإعراب ووضع الكلام في غير موضعه.
وقال القرطبي: «إن العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا: نظرته، كما قال تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة﴾ [الزخرف: 66] ، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] ، ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 49] ، وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا: نظرت فيه، فأما إذا كان النظر مقروناً بذكر» إلى «وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان» .
وقال الأزهري: «إن قول مجاهد: تنتظر ثواب ربها خطأ؛ لأنه لا يقال: نظر إلى كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين، كذا تقوله العرب؛ لأنهم يقولون: نظرت إليه إذا أرادوا نظر العين، فإذا أرادوا الانتظار قالوا: نظرته» ؛ قال: [الطويل]
4998 - فإنَّكُمَا إنْ تنْظُرَا لي سَاعةً ... مِنَ الدَّهرِ تَنْفعْنِي لدى أمِّ جُندُبِ
لما أرادوا الانتظار قال: تنظراني، وإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت إليه.
قال الشاعر: [الطويل]
4999 - نَظرْتُ إليْهَا والنُّجُومُ كأنَّها ... مَصابِيحُ رُهبَانٍ تُشَبُّ لِقفَّالِ
وقال آخر: [الطويل]
5000 - نَظَرْتُ إليْهَا بالمُحَصَّبِ من مِنى..... ... ... ... ... ... ... .
والنّضْرة: طرواة البشرة وجمالها، وذلك من أثر النعمة، يقال: نضر وجهه فهو ناضر.
وقال بعضهم: نسلم أنه من نظر العين إلا أن ذلك على حذف مضاف، أي ثواب ربها ونحوه.
قال مكي: «لو جاء هذا لجاز: نظرت إلى زيد، بمعنى: نظرت إلى عطاء زيد، وفي هذا نقض لكلام العرب وتخليط في المعاني» .
ونضَره الله ونضَّره، مخففاً ومثقلاً، أي: حسنه ونعمه.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «نَضَّر اللَّهُ أمْرأً سَمِعَ مَقالَتِي فوَعَاهَا، فأدَّاهَا كما سَمِعهَا» يروى بالوجهين.
ويقال للذهب: نُضَار من ذلك، ويقال له: النضر أيضاً.
ويقال: أخضر ناضر كأسود حالك، وقدح نضار: يروى بالإتباع والإضافة.
والعامة: «ناضرة» بألف، وقرأ زيد بن علي: «نضرة» بدونها، ك «فرح» فهو فرح.
فصل في الرؤية.
روى مسلم في قوله تعالى ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى﴾ [يونس: 26] كان ابن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم تلى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .
وقال عكرمة: تنظر إلى ربها نظراً، وحكى الماوردي عن ابن عمر وعكرمة ومجاهد: تنظر أمر ربها، وليس معروفاً إلا عن مجاهد وحده.
وجمهور أهل السُّنَّة تمسك بهذه الآية لإثبات أن المؤمنين يرون الله - سبحانه وتعالى - يوم القيامة وأما المعتزلة فاحتجوا بقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ [الأنعام: 103] ، ويقولون: النظر المقرون ب «إلى» ليس اسماً للرؤية، بل لمقدمة الرؤية، وهي تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته، ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة، وكالإصغاء بالنسبة إلى السمع ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾
[الأعراف: 198] فأثبت النظر حال عدم الرؤية، ويقال: نظر إليه شزراً، ونظر إليه غضبان ونظر راضياً، ولا يقال ذلك في الرؤية، ويقال: وجوه متناظرة، أي: متقابلة ويقال: انظر إليه حتى تراه، فتكون الرؤية غاية للنظر، وأن النظر يحصل والرؤية غير حاصلة وقال: [الوافر]
5001 - وجُوهٌ نَاظرَاتٌ يَوْمَ بَدْرٍ ... إلى الرَّحْمنٍ تَنتظِرُ الخَلاصَا
ولا رؤية مع النظر المقرون ب «إلى» ، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة﴾ [آل عمران: 77] ومن قال: لا يراهم، كفر، قالوا: ويمكن أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿نَاظِرةٌ﴾ أي: منتظرة كقولك: أنا أنظر إليك في حاجتي، أو يكون «إلى» مفرد «آلاء» وهي النعم - كما تقدم - والمراد: إلى ثواب ربها؛ لأن الأدلة العقلية والسمعية لما منعت الرؤية وجب التأويل، أو يكون المعنى أنها لا تسأل، ولا ترغب إلا إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، كقوله: «اعْبُد الله كأنَّك تَرَاهُ» .
قال ابن الخطيب: والجواب: لنا مقامان:
أحدهما: أن نقول: النظر هو الرؤية كقول موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143] ، فلو كان المراد تقليب الحدقة نحو المرئي لاقتضت الآية إثبات الجهة والمكان، ولأنه أخر النظر عن الإرادة فلا يكون تقليب.
المقام الثاني: سلمنا ما ذكرتموه من أن النظر تقليب الحدقة للرؤية، لكن يقدر حمله على الحقيقة، فيجب الحمل على الرؤية إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، وهو أولى من حمله على الانتظار لعدم الملازمة؛ لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية، ولا تعلق بينه وبين الانتظار.
وأم قولهم: نحمله على الانتظار قلنا: الذي هو بمعنى الانتظار، وفي القرآن غير مقرون، كقوله تعالى: ﴿انظرونا نَقْتَبِسْ﴾ [الحديد: 13] ، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] ، والذي ندّعيه أن النظر المقرون ب «إلى» ليس بمعنى الرؤية؛ لأن وروده بمعنى الرؤية، أو بالمعنى الذي يستعقب الرؤية ظاهر، فلا يكون بمعنى الانتظار دفعاً للاشتراك وقوله: «وجوه ناظرات يوم بدر» . شعر موضوع، والرواية الصحيحة: [الوافر]
5002 - وجُوهٌ نَاظِراتٌ يَوْمَ بَكْرٍ ... إلى الرَّحمنِ تَنتظِرُ الخَلاصَا
والمراد من هذا الرحمن: مسيلمة الكذاب؛ لأنهم كانوا يسمُّونه رحمن اليمامة، وأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه الخلاص من الأعداء.
وقولهم: هو مفرد «آلاء» أي: نعمة ربها.
قلنا: فيصدق على أيِّ نعمة كانت.
وإن قلنا: لأنه إنما كان للماهية التي يصدق عليها أنها نعمة، فعلى هذا يكفي في تحقيق مسمّى هذه اللفظة أي جزء فرض من أجزاء النعمة، وإن كانت غاية في القلة والحقارة، وكيف يمكن أن تكون من حاله الثواب يومئذ في النعم العظيمة، فكيف ينتظرون نعمة قليلة، وكيف يمكن أن يكون من حاله كذلك أن يبشر بأنه يتوقع الشيء الذي يطلق عليه اسم النعمة، ومثال هذا: أن يبشر سلطان الأرض بأنه سيصير حاله في العظمة والقوة بعد سنة بحيث يكون متوقعاً لحصول نعمة واحدة فكما أن ذلك فاسد، فكذا هاهنا سلمنا أن النظر المتعدي ب «إلى» المقرون بالوجوه جاء في اللغة بمعنى الانتظار، ولكن لا يمكن حمل هذه الآية عليه؛ لأن لذة الانتظار مع تعين الوقوع كانت حاصلة في الدنيا، فلا بد وأن تحصل في الآخرة زيادة حتى يحصل الترغيب في الآخرة، ولا يجوز أن يكون ذلك هو قرب الحصول.
قال
القشيري
: وهذا باطل؛ لأن واحد «الآلاء» يكتب بالألف لا بالياء.
وقرب الحصول معلوم بالعقل فبطل التأويل.
وأما قولهم: المراد ثواب ربها، فهو خلاف الظاهر، هذا ما ذكره ابن الخطيب.
وروى القرطبي في «تفسيره» قال: خرج «مسلم» عن جرير بن عبد الله قال: «كنا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» إنَّكُمْ سَتَروْنَ ربَّكمْ عياناً كمَا تَرونَ القَمَرَ لا تُضَامُونَ فِي رُؤيتِهِ، فإن اسْتَطَعْتُم ألاَّ تُغْلبُوا عَلى صلاةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وصلاةٍ قَبْلَ غُروبِهَا فافْعَلُوا «ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب﴾ [ق: 39] » متفق عليه.
وفي كتاب «النسائي» عن صهيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «فيُكشَفُ الحِجابُ فيَنظُرونَ إليْهِ، فواللَّهِ ما أعْطَاهُمْ شَيْئاً أحبَّ إليْهِمْ من النَّظرِ، ولا أقَرَّ لأعْيُنِهِمْ» .
وروى أبو إسحاق الثعلبيُّ عن الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يتَجَلَّى ربُّنَا - سُبْحانَهُ وتَعَالَى - حتَّى يُنْظَرَ إلى وَجْههِ فيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، فيقُولُ اللَّه تعالى: ارفَعُوا رُءُوسكمْ فَليْسَ هذا بِيومِ عِبَادةٍ» .
وقال القرطبي: وقيل: أضاف النظر إلى العين؛ لأن العين في الوجه فهو كقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [البقرة: 25] والماء يجري في النهر لا النهر ثم قد يكون الوجه بمعنى العين، قال تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً﴾ [يوسف: 93] ، أي على عينيه، ثم لا يبعد قلب العادة غداً حتى يخلق النظر في الوجه وهو كقوله تعالى ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ﴾ [الملك: 22] .
«فقيل: يا رسُول اللَّهِ، كيف يَمشُونَ في النَّار علَى وُجوهِهم؟ قال:» الَّذي أمْشاهُمْ عَلى أقدامهِم قَادِرٌ على أنْ يُمشِيهمْ على وُجوُهِهِم» .
قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ ، أي: وجوه الكفار يوم القيامة شديدة كالحة.
والبَاسِر: الشديد العبوس، والباسل: أشد منه ولكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحة.
وفي «الصِّحاح» : وبسر الفحل الناقة وابتسرها: إذا ضربها، وبسر الرجل وجهه بسوراً أي: كلح، يقال: «عَبسَ وبَسَرَ» .
وقال السديُّ: «بَاسِرةٌ» متغيّرة، والمعنى: أنها عابسة كالحة قد أظلمت ألوانها.
قوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
أي: توقن وتعلم.
قال ابن الخطيب: هكذا قاله المفسرون، وعندي أن الظن هنا إنما ذكر على سبيل التهكم، كأنه قيل لما شاهدوا تلك الأحوال حصل فيهم ظن أن القيامة حق.
والفاقرة هي الداهية العظيمة، قاله أبو عبيدة.
سميت بذلك لأنها تكسر فقار الظهر.
قال النابغة: [الطويل]
5003 - أبَى لِيَ قَبْرٌ لا يَزالُ مُقَابلِي ... وضَرْبَةُ فَأسٍ فَوقَ رَأسِي فَاقِرَهْ
أي: داهية مؤثِّرة، يقال: فقرته الفاقرة، أي: كسرت فقار ظهره. قال معناه مجاهد وغيره، ومنه سمي الفقير لانكسار فقاره من القلّ وقد تقدم في البقرة.
وقال قتادة: «الفاقرة» : الشر، وقال السديُّ: الهلاك.
وقال ابن عباس وزيد: دخول النار، وأصلها الوسم على أنفس البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم. قاله الأصمعي.
يقال: فقرت أنف البعير: إذا حززته بحديدة، ثم جعلت على موضع الحزّ الجرير وعليه وتر مَلْويّ لتذلله وتروضه.
القيامة 75:22
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ . قال الزمخشري: «كلاَّ» ردع للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن عادة العجلة وحثّ على الأناة.
وقال جماعة من المفسرين: «كلاَّ» معناه «حقّاً» أي: حقّاً تحبّون العاجلة، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن الإنسان بمعنى الناس.
وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «كلاَّ» أي: أنَّ أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه.
وقيل: «كلاَّ» لا يصلُّون ولا يزكُّون، يريد كفار «مكّة» .
«بَلْ تُحِبُّونَ» . قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «يُحِبُّون، ويَذَرُونَ» بيان الغيبة حملاً على لفظة الإنسان المذكور أولاً لأن المراد به الجنس، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن «الإنسان» بمعنى الناس والباقون: بالخطاب فيهما، إما خطاباً لكفار قريش أي: بل تحبون يا كفار قريش العاجلة، أي: الدار الدنيا والحياة فيها ﴿وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ أي تدعون الآخرة والعمل لها، وإما التفاتاً عن الإخبار عن الجنس المتقدم والإقبال عليه بالخطاب.
واختار الخطاب أبو عبيد، قال: ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها بالياء، لذكر الإنسان قبل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أن يكون «وجوهٌ» مبتدأ، و «نَاضِرةٌ» نعتٌ له، و «يَومئذٍ» منصوب ب «نَاضِرَةٌ» و «ناظِرَةٌ» خبره، و «إلى ربِّها» متعلق بالخبر. والمعنى: أن الوجوه الحسنة يوم القيامة ناظرة إلى الله تعالى، وهذا معنى صحيح، والنَّاضرة: من النُّضرة وهي التنعم، ومنه غصن ناضر.
الثاني: أن تكون «وُجوهٌ» مبتدأ أيضاً، و «نَاضِرةٌ» خبره، و «يَوْمئذٍ» منصوب الخبر - كما تقدم - وسوَّغ الابتداء هنا بالنكرة كون الموضع موضع تفصيل، كقوله: [المتقارب]
4996 - ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرْ
وتكون «نَاضِرةٌ» نعتاً ل «وُجوهٌ» أو خبراً ثانياً او خبراً لمبتدأ محذوف، و «إلى ربِّها» متعلق ب «ناظرة» كما تقدم.
وقال ابن عطية: وابتدأ بالنكرة؛ لأنها تخصصت بقوله: «يوْمَئذٍ» .
وقال أبو البقاء: وجاز الابتداء هنا بالنَّكرة لحصول الفائدة.
وفي كلا قوليهما نظر أما قول ابن عطية: فلأن قوله «تخصصت» بقوله: «يَوْمئذٍ» هو التخصيص إما لكونها عاملة فيه، وهو محال؛ لأنها جامدة، وإما لأنها موصوفة به، وهو محال أيضاً؛ لأن الجثة لا توصف بالزمان كما لا يخبر به عنها.
وأما قول أبي البقاء: فإن أراد بحصول الفائدة ما تقدم من التفصيل فصحيح، وإن عنى ما عناه ابن عطية فليس بصحيح لما تقدم.
الثالث: أن يكون «وُجوهٌ» مبتدأ، و «يُوْمئذٍ» خبره.
قاله أبو البقاءِ.
وهذا غلطٌ من حيث المعنى ومن حيث الصناعة.
أما المعنى: فلا فائدة في الإخبار عنها بذلك، وأما الصناعة: فلأنه لا يخبر بالزمان عن الجثة، فإن ورد ما ظاهره ذلك يؤول نحو «الليلة الهلالُ» .
الرابع: أن يكون «وُجوهٌ» مبتدأ و «نَاضِرةٌ» خبره، و ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ جملة مستأنفة في موضع خبر ثانٍ، قاله ابن عطية.
وفيه نظر؛ لأنه لا ينعقد منهما كلام؛ إذ الظاهر تعلُّق «إلى» ب «نَاظِرةٌ» اللهمّ إلا أن يعني أن «ناظرة» خبر لمبتدأ مضمر، أي: هي ناظرة إلى ربها، وهذه الجملة خبر ثان وفيه تعسف.
الخامس: أن يكون الخبر ل «وُجوهٌ» مقدَّراً، أي: وجوه يومئذ ثمَّ، و «نَاضِرةٌ» صفة وكذلك «ناظرة» .
قاله أبو البقاء: وهو بعيد لعدم الحاجة إلى ذلك.
والوجه: الأولى لخلوصه من هذه التعسّفات. وكون «إلى» حرف جر، و «ربها» مجروراً بها هو المتبادر إلى الذهن، وقد خرجه بعض المعتزلة على أن يكون «إلى» اسماً مفرداً بمعنى النعمة مضافاً إلى «الرب» ويجمع على «آلاء» نحو ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن: 13]- وقد تقدم أن فيها لغات أربعاً - و «ربِّهَا» خفض بالإضافة والمفعول مقدم ناصبه «ناظرة» بمعنى منتظرة والتقدير: وجوه منتظرة نعمة ربها.
وهذا فرار من إثبات النظر لله - تعالى - على معتقدهم.
وتَمحَّل الزمخشري لمذهب المعتزلة بطريق أخرى من جهة الصناعة، فقال - بعد أن جعل التقديم في «إلى ربها» مؤذناً بالاختصاص -: والذي يصح معه أن يكون من قول الناس: إنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، يريد معنى التوقّع والرجاء؛ ومنه قول القائل: [الكامل]
4997 - وإذَا نَظرْتُ إليْكَ مِنْ ملِكٍ ... والبَحْرُ دُونكَ زِدْتَنِي نِعَمَا
وسمعت سُرِّيَّة مستجدية ب «مكة» وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى مقايلهم تقول: «عُيَيْنتي نويظرة» إلى الله وإليكم، والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم.
قال شهاب الدين: وهذا كالحوم على من يقول إن «نَاظِرةٌ» بمعنى منتظرة، إلا أن مكيّاً قد رد هذا القول، فقال: ودخول «إلى» مع النظر يدل على أنه نظر العين، وليس من الانتظار ولو كان من الانتظار لم تدخل معه «إلى» ؛ ألا ترى أنك لا تقول: انتظرت إلى زيد، وتقول: نظرت إلى زيد تعني نظر العين، ف «إلى» تصحب نظر العين، ولا تصحب نظر الانتظار، فمن قال: إن «ناظرة» بمعنى «منتظرة» فقد أخطأ في المعنى وفي الإعراب ووضع الكلام في غير موضعه.
وقال القرطبي: «إن العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا: نظرته، كما قال تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة﴾ [الزخرف: 66] ، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] ، ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 49] ، وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا: نظرت فيه، فأما إذا كان النظر مقروناً بذكر» إلى «وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان» .
وقال الأزهري: «إن قول مجاهد: تنتظر ثواب ربها خطأ؛ لأنه لا يقال: نظر إلى كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين، كذا تقوله العرب؛ لأنهم يقولون: نظرت إليه إذا أرادوا نظر العين، فإذا أرادوا الانتظار قالوا: نظرته» ؛ قال: [الطويل]
4998 - فإنَّكُمَا إنْ تنْظُرَا لي سَاعةً ... مِنَ الدَّهرِ تَنْفعْنِي لدى أمِّ جُندُبِ
لما أرادوا الانتظار قال: تنظراني، وإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت إليه.
قال الشاعر: [الطويل]
4999 - نَظرْتُ إليْهَا والنُّجُومُ كأنَّها ... مَصابِيحُ رُهبَانٍ تُشَبُّ لِقفَّالِ
وقال آخر: [الطويل]
5000 - نَظَرْتُ إليْهَا بالمُحَصَّبِ من مِنى..... ... ... ... ... ... ... .
والنّضْرة: طرواة البشرة وجمالها، وذلك من أثر النعمة، يقال: نضر وجهه فهو ناضر.
وقال بعضهم: نسلم أنه من نظر العين إلا أن ذلك على حذف مضاف، أي ثواب ربها ونحوه.
قال مكي: «لو جاء هذا لجاز: نظرت إلى زيد، بمعنى: نظرت إلى عطاء زيد، وفي هذا نقض لكلام العرب وتخليط في المعاني» .
ونضَره الله ونضَّره، مخففاً ومثقلاً، أي: حسنه ونعمه.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «نَضَّر اللَّهُ أمْرأً سَمِعَ مَقالَتِي فوَعَاهَا، فأدَّاهَا كما سَمِعهَا» يروى بالوجهين.
ويقال للذهب: نُضَار من ذلك، ويقال له: النضر أيضاً.
ويقال: أخضر ناضر كأسود حالك، وقدح نضار: يروى بالإتباع والإضافة.
والعامة: «ناضرة» بألف، وقرأ زيد بن علي: «نضرة» بدونها، ك «فرح» فهو فرح.
فصل في الرؤية.
روى مسلم في قوله تعالى ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى﴾ [يونس: 26] كان ابن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم تلى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .
وقال عكرمة: تنظر إلى ربها نظراً، وحكى الماوردي عن ابن عمر وعكرمة ومجاهد: تنظر أمر ربها، وليس معروفاً إلا عن مجاهد وحده.
وجمهور أهل السُّنَّة تمسك بهذه الآية لإثبات أن المؤمنين يرون الله - سبحانه وتعالى - يوم القيامة وأما المعتزلة فاحتجوا بقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ [الأنعام: 103] ، ويقولون: النظر المقرون ب «إلى» ليس اسماً للرؤية، بل لمقدمة الرؤية، وهي تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته، ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة، وكالإصغاء بالنسبة إلى السمع ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾
[الأعراف: 198] فأثبت النظر حال عدم الرؤية، ويقال: نظر إليه شزراً، ونظر إليه غضبان ونظر راضياً، ولا يقال ذلك في الرؤية، ويقال: وجوه متناظرة، أي: متقابلة ويقال: انظر إليه حتى تراه، فتكون الرؤية غاية للنظر، وأن النظر يحصل والرؤية غير حاصلة وقال: [الوافر]
5001 - وجُوهٌ نَاظرَاتٌ يَوْمَ بَدْرٍ ... إلى الرَّحْمنٍ تَنتظِرُ الخَلاصَا
ولا رؤية مع النظر المقرون ب «إلى» ، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة﴾ [آل عمران: 77] ومن قال: لا يراهم، كفر، قالوا: ويمكن أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿نَاظِرةٌ﴾ أي: منتظرة كقولك: أنا أنظر إليك في حاجتي، أو يكون «إلى» مفرد «آلاء» وهي النعم - كما تقدم - والمراد: إلى ثواب ربها؛ لأن الأدلة العقلية والسمعية لما منعت الرؤية وجب التأويل، أو يكون المعنى أنها لا تسأل، ولا ترغب إلا إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، كقوله: «اعْبُد الله كأنَّك تَرَاهُ» .
قال ابن الخطيب: والجواب: لنا مقامان:
أحدهما: أن نقول: النظر هو الرؤية كقول موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143] ، فلو كان المراد تقليب الحدقة نحو المرئي لاقتضت الآية إثبات الجهة والمكان، ولأنه أخر النظر عن الإرادة فلا يكون تقليب.
المقام الثاني: سلمنا ما ذكرتموه من أن النظر تقليب الحدقة للرؤية، لكن يقدر حمله على الحقيقة، فيجب الحمل على الرؤية إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، وهو أولى من حمله على الانتظار لعدم الملازمة؛ لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية، ولا تعلق بينه وبين الانتظار.
وأم قولهم: نحمله على الانتظار قلنا: الذي هو بمعنى الانتظار، وفي القرآن غير مقرون، كقوله تعالى: ﴿انظرونا نَقْتَبِسْ﴾ [الحديد: 13] ، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] ، والذي ندّعيه أن النظر المقرون ب «إلى» ليس بمعنى الرؤية؛ لأن وروده بمعنى الرؤية، أو بالمعنى الذي يستعقب الرؤية ظاهر، فلا يكون بمعنى الانتظار دفعاً للاشتراك وقوله: «وجوه ناظرات يوم بدر» . شعر موضوع، والرواية الصحيحة: [الوافر]
5002 - وجُوهٌ نَاظِراتٌ يَوْمَ بَكْرٍ ... إلى الرَّحمنِ تَنتظِرُ الخَلاصَا
والمراد من هذا الرحمن: مسيلمة الكذاب؛ لأنهم كانوا يسمُّونه رحمن اليمامة، وأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه الخلاص من الأعداء.
وقولهم: هو مفرد «آلاء» أي: نعمة ربها.
قلنا: فيصدق على أيِّ نعمة كانت.
وإن قلنا: لأنه إنما كان للماهية التي يصدق عليها أنها نعمة، فعلى هذا يكفي في تحقيق مسمّى هذه اللفظة أي جزء فرض من أجزاء النعمة، وإن كانت غاية في القلة والحقارة، وكيف يمكن أن تكون من حاله الثواب يومئذ في النعم العظيمة، فكيف ينتظرون نعمة قليلة، وكيف يمكن أن يكون من حاله كذلك أن يبشر بأنه يتوقع الشيء الذي يطلق عليه اسم النعمة، ومثال هذا: أن يبشر سلطان الأرض بأنه سيصير حاله في العظمة والقوة بعد سنة بحيث يكون متوقعاً لحصول نعمة واحدة فكما أن ذلك فاسد، فكذا هاهنا سلمنا أن النظر المتعدي ب «إلى» المقرون بالوجوه جاء في اللغة بمعنى الانتظار، ولكن لا يمكن حمل هذه الآية عليه؛ لأن لذة الانتظار مع تعين الوقوع كانت حاصلة في الدنيا، فلا بد وأن تحصل في الآخرة زيادة حتى يحصل الترغيب في الآخرة، ولا يجوز أن يكون ذلك هو قرب الحصول.
قال
القشيري
: وهذا باطل؛ لأن واحد «الآلاء» يكتب بالألف لا بالياء.
وقرب الحصول معلوم بالعقل فبطل التأويل.
وأما قولهم: المراد ثواب ربها، فهو خلاف الظاهر، هذا ما ذكره ابن الخطيب.
وروى القرطبي في «تفسيره» قال: خرج «مسلم» عن جرير بن عبد الله قال: «كنا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» إنَّكُمْ سَتَروْنَ ربَّكمْ عياناً كمَا تَرونَ القَمَرَ لا تُضَامُونَ فِي رُؤيتِهِ، فإن اسْتَطَعْتُم ألاَّ تُغْلبُوا عَلى صلاةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وصلاةٍ قَبْلَ غُروبِهَا فافْعَلُوا «ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب﴾ [ق: 39] » متفق عليه.
وفي كتاب «النسائي» عن صهيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «فيُكشَفُ الحِجابُ فيَنظُرونَ إليْهِ، فواللَّهِ ما أعْطَاهُمْ شَيْئاً أحبَّ إليْهِمْ من النَّظرِ، ولا أقَرَّ لأعْيُنِهِمْ» .
وروى أبو إسحاق الثعلبيُّ عن الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يتَجَلَّى ربُّنَا - سُبْحانَهُ وتَعَالَى - حتَّى يُنْظَرَ إلى وَجْههِ فيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، فيقُولُ اللَّه تعالى: ارفَعُوا رُءُوسكمْ فَليْسَ هذا بِيومِ عِبَادةٍ» .
وقال القرطبي: وقيل: أضاف النظر إلى العين؛ لأن العين في الوجه فهو كقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [البقرة: 25] والماء يجري في النهر لا النهر ثم قد يكون الوجه بمعنى العين، قال تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً﴾ [يوسف: 93] ، أي على عينيه، ثم لا يبعد قلب العادة غداً حتى يخلق النظر في الوجه وهو كقوله تعالى ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ﴾ [الملك: 22] .
«فقيل: يا رسُول اللَّهِ، كيف يَمشُونَ في النَّار علَى وُجوهِهم؟ قال:» الَّذي أمْشاهُمْ عَلى أقدامهِم قَادِرٌ على أنْ يُمشِيهمْ على وُجوُهِهِم» .
قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ ، أي: وجوه الكفار يوم القيامة شديدة كالحة.
والبَاسِر: الشديد العبوس، والباسل: أشد منه ولكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحة.
وفي «الصِّحاح» : وبسر الفحل الناقة وابتسرها: إذا ضربها، وبسر الرجل وجهه بسوراً أي: كلح، يقال: «عَبسَ وبَسَرَ» .
وقال السديُّ: «بَاسِرةٌ» متغيّرة، والمعنى: أنها عابسة كالحة قد أظلمت ألوانها.
قوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
أي: توقن وتعلم.
قال ابن الخطيب: هكذا قاله المفسرون، وعندي أن الظن هنا إنما ذكر على سبيل التهكم، كأنه قيل لما شاهدوا تلك الأحوال حصل فيهم ظن أن القيامة حق.
والفاقرة هي الداهية العظيمة، قاله أبو عبيدة.
سميت بذلك لأنها تكسر فقار الظهر.
قال النابغة: [الطويل]
5003 - أبَى لِيَ قَبْرٌ لا يَزالُ مُقَابلِي ... وضَرْبَةُ فَأسٍ فَوقَ رَأسِي فَاقِرَهْ
أي: داهية مؤثِّرة، يقال: فقرته الفاقرة، أي: كسرت فقار ظهره. قال معناه مجاهد وغيره، ومنه سمي الفقير لانكسار فقاره من القلّ وقد تقدم في البقرة.
وقال قتادة: «الفاقرة» : الشر، وقال السديُّ: الهلاك.
وقال ابن عباس وزيد: دخول النار، وأصلها الوسم على أنفس البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم. قاله الأصمعي.
يقال: فقرت أنف البعير: إذا حززته بحديدة، ثم جعلت على موضع الحزّ الجرير وعليه وتر مَلْويّ لتذلله وتروضه.
القيامة 75:23
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ . قال الزمخشري: «كلاَّ» ردع للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن عادة العجلة وحثّ على الأناة.
وقال جماعة من المفسرين: «كلاَّ» معناه «حقّاً» أي: حقّاً تحبّون العاجلة، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن الإنسان بمعنى الناس.
وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «كلاَّ» أي: أنَّ أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه.
وقيل: «كلاَّ» لا يصلُّون ولا يزكُّون، يريد كفار «مكّة» .
«بَلْ تُحِبُّونَ» . قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «يُحِبُّون، ويَذَرُونَ» بيان الغيبة حملاً على لفظة الإنسان المذكور أولاً لأن المراد به الجنس، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن «الإنسان» بمعنى الناس والباقون: بالخطاب فيهما، إما خطاباً لكفار قريش أي: بل تحبون يا كفار قريش العاجلة، أي: الدار الدنيا والحياة فيها ﴿وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ أي تدعون الآخرة والعمل لها، وإما التفاتاً عن الإخبار عن الجنس المتقدم والإقبال عليه بالخطاب.
واختار الخطاب أبو عبيد، قال: ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها بالياء، لذكر الإنسان قبل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أن يكون «وجوهٌ» مبتدأ، و «نَاضِرةٌ» نعتٌ له، و «يَومئذٍ» منصوب ب «نَاضِرَةٌ» و «ناظِرَةٌ» خبره، و «إلى ربِّها» متعلق بالخبر. والمعنى: أن الوجوه الحسنة يوم القيامة ناظرة إلى الله تعالى، وهذا معنى صحيح، والنَّاضرة: من النُّضرة وهي التنعم، ومنه غصن ناضر.
الثاني: أن تكون «وُجوهٌ» مبتدأ أيضاً، و «نَاضِرةٌ» خبره، و «يَوْمئذٍ» منصوب الخبر - كما تقدم - وسوَّغ الابتداء هنا بالنكرة كون الموضع موضع تفصيل، كقوله: [المتقارب]
4996 - ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرْ
وتكون «نَاضِرةٌ» نعتاً ل «وُجوهٌ» أو خبراً ثانياً او خبراً لمبتدأ محذوف، و «إلى ربِّها» متعلق ب «ناظرة» كما تقدم.
وقال ابن عطية: وابتدأ بالنكرة؛ لأنها تخصصت بقوله: «يوْمَئذٍ» .
وقال أبو البقاء: وجاز الابتداء هنا بالنَّكرة لحصول الفائدة.
وفي كلا قوليهما نظر أما قول ابن عطية: فلأن قوله «تخصصت» بقوله: «يَوْمئذٍ» هو التخصيص إما لكونها عاملة فيه، وهو محال؛ لأنها جامدة، وإما لأنها موصوفة به، وهو محال أيضاً؛ لأن الجثة لا توصف بالزمان كما لا يخبر به عنها.
وأما قول أبي البقاء: فإن أراد بحصول الفائدة ما تقدم من التفصيل فصحيح، وإن عنى ما عناه ابن عطية فليس بصحيح لما تقدم.
الثالث: أن يكون «وُجوهٌ» مبتدأ، و «يُوْمئذٍ» خبره.
قاله أبو البقاءِ.
وهذا غلطٌ من حيث المعنى ومن حيث الصناعة.
أما المعنى: فلا فائدة في الإخبار عنها بذلك، وأما الصناعة: فلأنه لا يخبر بالزمان عن الجثة، فإن ورد ما ظاهره ذلك يؤول نحو «الليلة الهلالُ» .
الرابع: أن يكون «وُجوهٌ» مبتدأ و «نَاضِرةٌ» خبره، و ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ جملة مستأنفة في موضع خبر ثانٍ، قاله ابن عطية.
وفيه نظر؛ لأنه لا ينعقد منهما كلام؛ إذ الظاهر تعلُّق «إلى» ب «نَاظِرةٌ» اللهمّ إلا أن يعني أن «ناظرة» خبر لمبتدأ مضمر، أي: هي ناظرة إلى ربها، وهذه الجملة خبر ثان وفيه تعسف.
الخامس: أن يكون الخبر ل «وُجوهٌ» مقدَّراً، أي: وجوه يومئذ ثمَّ، و «نَاضِرةٌ» صفة وكذلك «ناظرة» .
قاله أبو البقاء: وهو بعيد لعدم الحاجة إلى ذلك.
والوجه: الأولى لخلوصه من هذه التعسّفات. وكون «إلى» حرف جر، و «ربها» مجروراً بها هو المتبادر إلى الذهن، وقد خرجه بعض المعتزلة على أن يكون «إلى» اسماً مفرداً بمعنى النعمة مضافاً إلى «الرب» ويجمع على «آلاء» نحو ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن: 13]- وقد تقدم أن فيها لغات أربعاً - و «ربِّهَا» خفض بالإضافة والمفعول مقدم ناصبه «ناظرة» بمعنى منتظرة والتقدير: وجوه منتظرة نعمة ربها.
وهذا فرار من إثبات النظر لله - تعالى - على معتقدهم.
وتَمحَّل الزمخشري لمذهب المعتزلة بطريق أخرى من جهة الصناعة، فقال - بعد أن جعل التقديم في «إلى ربها» مؤذناً بالاختصاص -: والذي يصح معه أن يكون من قول الناس: إنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، يريد معنى التوقّع والرجاء؛ ومنه قول القائل: [الكامل]
4997 - وإذَا نَظرْتُ إليْكَ مِنْ ملِكٍ ... والبَحْرُ دُونكَ زِدْتَنِي نِعَمَا
وسمعت سُرِّيَّة مستجدية ب «مكة» وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى مقايلهم تقول: «عُيَيْنتي نويظرة» إلى الله وإليكم، والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم.
قال شهاب الدين: وهذا كالحوم على من يقول إن «نَاظِرةٌ» بمعنى منتظرة، إلا أن مكيّاً قد رد هذا القول، فقال: ودخول «إلى» مع النظر يدل على أنه نظر العين، وليس من الانتظار ولو كان من الانتظار لم تدخل معه «إلى» ؛ ألا ترى أنك لا تقول: انتظرت إلى زيد، وتقول: نظرت إلى زيد تعني نظر العين، ف «إلى» تصحب نظر العين، ولا تصحب نظر الانتظار، فمن قال: إن «ناظرة» بمعنى «منتظرة» فقد أخطأ في المعنى وفي الإعراب ووضع الكلام في غير موضعه.
وقال القرطبي: «إن العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا: نظرته، كما قال تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة﴾ [الزخرف: 66] ، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] ، ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 49] ، وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا: نظرت فيه، فأما إذا كان النظر مقروناً بذكر» إلى «وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان» .
وقال الأزهري: «إن قول مجاهد: تنتظر ثواب ربها خطأ؛ لأنه لا يقال: نظر إلى كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين، كذا تقوله العرب؛ لأنهم يقولون: نظرت إليه إذا أرادوا نظر العين، فإذا أرادوا الانتظار قالوا: نظرته» ؛ قال: [الطويل]
4998 - فإنَّكُمَا إنْ تنْظُرَا لي سَاعةً ... مِنَ الدَّهرِ تَنْفعْنِي لدى أمِّ جُندُبِ
لما أرادوا الانتظار قال: تنظراني، وإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت إليه.
قال الشاعر: [الطويل]
4999 - نَظرْتُ إليْهَا والنُّجُومُ كأنَّها ... مَصابِيحُ رُهبَانٍ تُشَبُّ لِقفَّالِ
وقال آخر: [الطويل]
5000 - نَظَرْتُ إليْهَا بالمُحَصَّبِ من مِنى..... ... ... ... ... ... ... .
والنّضْرة: طرواة البشرة وجمالها، وذلك من أثر النعمة، يقال: نضر وجهه فهو ناضر.
وقال بعضهم: نسلم أنه من نظر العين إلا أن ذلك على حذف مضاف، أي ثواب ربها ونحوه.
قال مكي: «لو جاء هذا لجاز: نظرت إلى زيد، بمعنى: نظرت إلى عطاء زيد، وفي هذا نقض لكلام العرب وتخليط في المعاني» .
ونضَره الله ونضَّره، مخففاً ومثقلاً، أي: حسنه ونعمه.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «نَضَّر اللَّهُ أمْرأً سَمِعَ مَقالَتِي فوَعَاهَا، فأدَّاهَا كما سَمِعهَا» يروى بالوجهين.
ويقال للذهب: نُضَار من ذلك، ويقال له: النضر أيضاً.
ويقال: أخضر ناضر كأسود حالك، وقدح نضار: يروى بالإتباع والإضافة.
والعامة: «ناضرة» بألف، وقرأ زيد بن علي: «نضرة» بدونها، ك «فرح» فهو فرح.
فصل في الرؤية.
روى مسلم في قوله تعالى ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى﴾ [يونس: 26] كان ابن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم تلى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .
وقال عكرمة: تنظر إلى ربها نظراً، وحكى الماوردي عن ابن عمر وعكرمة ومجاهد: تنظر أمر ربها، وليس معروفاً إلا عن مجاهد وحده.
وجمهور أهل السُّنَّة تمسك بهذه الآية لإثبات أن المؤمنين يرون الله - سبحانه وتعالى - يوم القيامة وأما المعتزلة فاحتجوا بقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ [الأنعام: 103] ، ويقولون: النظر المقرون ب «إلى» ليس اسماً للرؤية، بل لمقدمة الرؤية، وهي تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته، ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة، وكالإصغاء بالنسبة إلى السمع ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾
[الأعراف: 198] فأثبت النظر حال عدم الرؤية، ويقال: نظر إليه شزراً، ونظر إليه غضبان ونظر راضياً، ولا يقال ذلك في الرؤية، ويقال: وجوه متناظرة، أي: متقابلة ويقال: انظر إليه حتى تراه، فتكون الرؤية غاية للنظر، وأن النظر يحصل والرؤية غير حاصلة وقال: [الوافر]
5001 - وجُوهٌ نَاظرَاتٌ يَوْمَ بَدْرٍ ... إلى الرَّحْمنٍ تَنتظِرُ الخَلاصَا
ولا رؤية مع النظر المقرون ب «إلى» ، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة﴾ [آل عمران: 77] ومن قال: لا يراهم، كفر، قالوا: ويمكن أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿نَاظِرةٌ﴾ أي: منتظرة كقولك: أنا أنظر إليك في حاجتي، أو يكون «إلى» مفرد «آلاء» وهي النعم - كما تقدم - والمراد: إلى ثواب ربها؛ لأن الأدلة العقلية والسمعية لما منعت الرؤية وجب التأويل، أو يكون المعنى أنها لا تسأل، ولا ترغب إلا إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، كقوله: «اعْبُد الله كأنَّك تَرَاهُ» .
قال ابن الخطيب: والجواب: لنا مقامان:
أحدهما: أن نقول: النظر هو الرؤية كقول موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143] ، فلو كان المراد تقليب الحدقة نحو المرئي لاقتضت الآية إثبات الجهة والمكان، ولأنه أخر النظر عن الإرادة فلا يكون تقليب.
المقام الثاني: سلمنا ما ذكرتموه من أن النظر تقليب الحدقة للرؤية، لكن يقدر حمله على الحقيقة، فيجب الحمل على الرؤية إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، وهو أولى من حمله على الانتظار لعدم الملازمة؛ لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية، ولا تعلق بينه وبين الانتظار.
وأم قولهم: نحمله على الانتظار قلنا: الذي هو بمعنى الانتظار، وفي القرآن غير مقرون، كقوله تعالى: ﴿انظرونا نَقْتَبِسْ﴾ [الحديد: 13] ، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] ، والذي ندّعيه أن النظر المقرون ب «إلى» ليس بمعنى الرؤية؛ لأن وروده بمعنى الرؤية، أو بالمعنى الذي يستعقب الرؤية ظاهر، فلا يكون بمعنى الانتظار دفعاً للاشتراك وقوله: «وجوه ناظرات يوم بدر» . شعر موضوع، والرواية الصحيحة: [الوافر]
5002 - وجُوهٌ نَاظِراتٌ يَوْمَ بَكْرٍ ... إلى الرَّحمنِ تَنتظِرُ الخَلاصَا
والمراد من هذا الرحمن: مسيلمة الكذاب؛ لأنهم كانوا يسمُّونه رحمن اليمامة، وأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه الخلاص من الأعداء.
وقولهم: هو مفرد «آلاء» أي: نعمة ربها.
قلنا: فيصدق على أيِّ نعمة كانت.
وإن قلنا: لأنه إنما كان للماهية التي يصدق عليها أنها نعمة، فعلى هذا يكفي في تحقيق مسمّى هذه اللفظة أي جزء فرض من أجزاء النعمة، وإن كانت غاية في القلة والحقارة، وكيف يمكن أن تكون من حاله الثواب يومئذ في النعم العظيمة، فكيف ينتظرون نعمة قليلة، وكيف يمكن أن يكون من حاله كذلك أن يبشر بأنه يتوقع الشيء الذي يطلق عليه اسم النعمة، ومثال هذا: أن يبشر سلطان الأرض بأنه سيصير حاله في العظمة والقوة بعد سنة بحيث يكون متوقعاً لحصول نعمة واحدة فكما أن ذلك فاسد، فكذا هاهنا سلمنا أن النظر المتعدي ب «إلى» المقرون بالوجوه جاء في اللغة بمعنى الانتظار، ولكن لا يمكن حمل هذه الآية عليه؛ لأن لذة الانتظار مع تعين الوقوع كانت حاصلة في الدنيا، فلا بد وأن تحصل في الآخرة زيادة حتى يحصل الترغيب في الآخرة، ولا يجوز أن يكون ذلك هو قرب الحصول.
قال
القشيري
: وهذا باطل؛ لأن واحد «الآلاء» يكتب بالألف لا بالياء.
وقرب الحصول معلوم بالعقل فبطل التأويل.
وأما قولهم: المراد ثواب ربها، فهو خلاف الظاهر، هذا ما ذكره ابن الخطيب.
وروى القرطبي في «تفسيره» قال: خرج «مسلم» عن جرير بن عبد الله قال: «كنا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» إنَّكُمْ سَتَروْنَ ربَّكمْ عياناً كمَا تَرونَ القَمَرَ لا تُضَامُونَ فِي رُؤيتِهِ، فإن اسْتَطَعْتُم ألاَّ تُغْلبُوا عَلى صلاةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وصلاةٍ قَبْلَ غُروبِهَا فافْعَلُوا «ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب﴾ [ق: 39] » متفق عليه.
وفي كتاب «النسائي» عن صهيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «فيُكشَفُ الحِجابُ فيَنظُرونَ إليْهِ، فواللَّهِ ما أعْطَاهُمْ شَيْئاً أحبَّ إليْهِمْ من النَّظرِ، ولا أقَرَّ لأعْيُنِهِمْ» .
وروى أبو إسحاق الثعلبيُّ عن الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يتَجَلَّى ربُّنَا - سُبْحانَهُ وتَعَالَى - حتَّى يُنْظَرَ إلى وَجْههِ فيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، فيقُولُ اللَّه تعالى: ارفَعُوا رُءُوسكمْ فَليْسَ هذا بِيومِ عِبَادةٍ» .
وقال القرطبي: وقيل: أضاف النظر إلى العين؛ لأن العين في الوجه فهو كقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [البقرة: 25] والماء يجري في النهر لا النهر ثم قد يكون الوجه بمعنى العين، قال تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً﴾ [يوسف: 93] ، أي على عينيه، ثم لا يبعد قلب العادة غداً حتى يخلق النظر في الوجه وهو كقوله تعالى ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ﴾ [الملك: 22] .
«فقيل: يا رسُول اللَّهِ، كيف يَمشُونَ في النَّار علَى وُجوهِهم؟ قال:» الَّذي أمْشاهُمْ عَلى أقدامهِم قَادِرٌ على أنْ يُمشِيهمْ على وُجوُهِهِم» .
قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ ، أي: وجوه الكفار يوم القيامة شديدة كالحة.
والبَاسِر: الشديد العبوس، والباسل: أشد منه ولكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحة.
وفي «الصِّحاح» : وبسر الفحل الناقة وابتسرها: إذا ضربها، وبسر الرجل وجهه بسوراً أي: كلح، يقال: «عَبسَ وبَسَرَ» .
وقال السديُّ: «بَاسِرةٌ» متغيّرة، والمعنى: أنها عابسة كالحة قد أظلمت ألوانها.
قوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
أي: توقن وتعلم.
قال ابن الخطيب: هكذا قاله المفسرون، وعندي أن الظن هنا إنما ذكر على سبيل التهكم، كأنه قيل لما شاهدوا تلك الأحوال حصل فيهم ظن أن القيامة حق.
والفاقرة هي الداهية العظيمة، قاله أبو عبيدة.
سميت بذلك لأنها تكسر فقار الظهر.
قال النابغة: [الطويل]
5003 - أبَى لِيَ قَبْرٌ لا يَزالُ مُقَابلِي ... وضَرْبَةُ فَأسٍ فَوقَ رَأسِي فَاقِرَهْ
أي: داهية مؤثِّرة، يقال: فقرته الفاقرة، أي: كسرت فقار ظهره. قال معناه مجاهد وغيره، ومنه سمي الفقير لانكسار فقاره من القلّ وقد تقدم في البقرة.
وقال قتادة: «الفاقرة» : الشر، وقال السديُّ: الهلاك.
وقال ابن عباس وزيد: دخول النار، وأصلها الوسم على أنفس البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم. قاله الأصمعي.
يقال: فقرت أنف البعير: إذا حززته بحديدة، ثم جعلت على موضع الحزّ الجرير وعليه وتر مَلْويّ لتذلله وتروضه.
القيامة 75:24
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ . قال الزمخشري: «كلاَّ» ردع للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن عادة العجلة وحثّ على الأناة.
وقال جماعة من المفسرين: «كلاَّ» معناه «حقّاً» أي: حقّاً تحبّون العاجلة، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن الإنسان بمعنى الناس.
وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «كلاَّ» أي: أنَّ أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه.
وقيل: «كلاَّ» لا يصلُّون ولا يزكُّون، يريد كفار «مكّة» .
«بَلْ تُحِبُّونَ» . قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «يُحِبُّون، ويَذَرُونَ» بيان الغيبة حملاً على لفظة الإنسان المذكور أولاً لأن المراد به الجنس، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن «الإنسان» بمعنى الناس والباقون: بالخطاب فيهما، إما خطاباً لكفار قريش أي: بل تحبون يا كفار قريش العاجلة، أي: الدار الدنيا والحياة فيها ﴿وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ أي تدعون الآخرة والعمل لها، وإما التفاتاً عن الإخبار عن الجنس المتقدم والإقبال عليه بالخطاب.
واختار الخطاب أبو عبيد، قال: ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها بالياء، لذكر الإنسان قبل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أن يكون «وجوهٌ» مبتدأ، و «نَاضِرةٌ» نعتٌ له، و «يَومئذٍ» منصوب ب «نَاضِرَةٌ» و «ناظِرَةٌ» خبره، و «إلى ربِّها» متعلق بالخبر. والمعنى: أن الوجوه الحسنة يوم القيامة ناظرة إلى الله تعالى، وهذا معنى صحيح، والنَّاضرة: من النُّضرة وهي التنعم، ومنه غصن ناضر.
الثاني: أن تكون «وُجوهٌ» مبتدأ أيضاً، و «نَاضِرةٌ» خبره، و «يَوْمئذٍ» منصوب الخبر - كما تقدم - وسوَّغ الابتداء هنا بالنكرة كون الموضع موضع تفصيل، كقوله: [المتقارب]
4996 - ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرْ
وتكون «نَاضِرةٌ» نعتاً ل «وُجوهٌ» أو خبراً ثانياً او خبراً لمبتدأ محذوف، و «إلى ربِّها» متعلق ب «ناظرة» كما تقدم.
وقال ابن عطية: وابتدأ بالنكرة؛ لأنها تخصصت بقوله: «يوْمَئذٍ» .
وقال أبو البقاء: وجاز الابتداء هنا بالنَّكرة لحصول الفائدة.
وفي كلا قوليهما نظر أما قول ابن عطية: فلأن قوله «تخصصت» بقوله: «يَوْمئذٍ» هو التخصيص إما لكونها عاملة فيه، وهو محال؛ لأنها جامدة، وإما لأنها موصوفة به، وهو محال أيضاً؛ لأن الجثة لا توصف بالزمان كما لا يخبر به عنها.
وأما قول أبي البقاء: فإن أراد بحصول الفائدة ما تقدم من التفصيل فصحيح، وإن عنى ما عناه ابن عطية فليس بصحيح لما تقدم.
الثالث: أن يكون «وُجوهٌ» مبتدأ، و «يُوْمئذٍ» خبره.
قاله أبو البقاءِ.
وهذا غلطٌ من حيث المعنى ومن حيث الصناعة.
أما المعنى: فلا فائدة في الإخبار عنها بذلك، وأما الصناعة: فلأنه لا يخبر بالزمان عن الجثة، فإن ورد ما ظاهره ذلك يؤول نحو «الليلة الهلالُ» .
الرابع: أن يكون «وُجوهٌ» مبتدأ و «نَاضِرةٌ» خبره، و ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ جملة مستأنفة في موضع خبر ثانٍ، قاله ابن عطية.
وفيه نظر؛ لأنه لا ينعقد منهما كلام؛ إذ الظاهر تعلُّق «إلى» ب «نَاظِرةٌ» اللهمّ إلا أن يعني أن «ناظرة» خبر لمبتدأ مضمر، أي: هي ناظرة إلى ربها، وهذه الجملة خبر ثان وفيه تعسف.
الخامس: أن يكون الخبر ل «وُجوهٌ» مقدَّراً، أي: وجوه يومئذ ثمَّ، و «نَاضِرةٌ» صفة وكذلك «ناظرة» .
قاله أبو البقاء: وهو بعيد لعدم الحاجة إلى ذلك.
والوجه: الأولى لخلوصه من هذه التعسّفات. وكون «إلى» حرف جر، و «ربها» مجروراً بها هو المتبادر إلى الذهن، وقد خرجه بعض المعتزلة على أن يكون «إلى» اسماً مفرداً بمعنى النعمة مضافاً إلى «الرب» ويجمع على «آلاء» نحو ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن: 13]- وقد تقدم أن فيها لغات أربعاً - و «ربِّهَا» خفض بالإضافة والمفعول مقدم ناصبه «ناظرة» بمعنى منتظرة والتقدير: وجوه منتظرة نعمة ربها.
وهذا فرار من إثبات النظر لله - تعالى - على معتقدهم.
وتَمحَّل الزمخشري لمذهب المعتزلة بطريق أخرى من جهة الصناعة، فقال - بعد أن جعل التقديم في «إلى ربها» مؤذناً بالاختصاص -: والذي يصح معه أن يكون من قول الناس: إنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، يريد معنى التوقّع والرجاء؛ ومنه قول القائل: [الكامل]
4997 - وإذَا نَظرْتُ إليْكَ مِنْ ملِكٍ ... والبَحْرُ دُونكَ زِدْتَنِي نِعَمَا
وسمعت سُرِّيَّة مستجدية ب «مكة» وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى مقايلهم تقول: «عُيَيْنتي نويظرة» إلى الله وإليكم، والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم.
قال شهاب الدين: وهذا كالحوم على من يقول إن «نَاظِرةٌ» بمعنى منتظرة، إلا أن مكيّاً قد رد هذا القول، فقال: ودخول «إلى» مع النظر يدل على أنه نظر العين، وليس من الانتظار ولو كان من الانتظار لم تدخل معه «إلى» ؛ ألا ترى أنك لا تقول: انتظرت إلى زيد، وتقول: نظرت إلى زيد تعني نظر العين، ف «إلى» تصحب نظر العين، ولا تصحب نظر الانتظار، فمن قال: إن «ناظرة» بمعنى «منتظرة» فقد أخطأ في المعنى وفي الإعراب ووضع الكلام في غير موضعه.
وقال القرطبي: «إن العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا: نظرته، كما قال تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة﴾ [الزخرف: 66] ، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] ، ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 49] ، وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا: نظرت فيه، فأما إذا كان النظر مقروناً بذكر» إلى «وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان» .
وقال الأزهري: «إن قول مجاهد: تنتظر ثواب ربها خطأ؛ لأنه لا يقال: نظر إلى كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين، كذا تقوله العرب؛ لأنهم يقولون: نظرت إليه إذا أرادوا نظر العين، فإذا أرادوا الانتظار قالوا: نظرته» ؛ قال: [الطويل]
4998 - فإنَّكُمَا إنْ تنْظُرَا لي سَاعةً ... مِنَ الدَّهرِ تَنْفعْنِي لدى أمِّ جُندُبِ
لما أرادوا الانتظار قال: تنظراني، وإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت إليه.
قال الشاعر: [الطويل]
4999 - نَظرْتُ إليْهَا والنُّجُومُ كأنَّها ... مَصابِيحُ رُهبَانٍ تُشَبُّ لِقفَّالِ
وقال آخر: [الطويل]
5000 - نَظَرْتُ إليْهَا بالمُحَصَّبِ من مِنى..... ... ... ... ... ... ... .
والنّضْرة: طرواة البشرة وجمالها، وذلك من أثر النعمة، يقال: نضر وجهه فهو ناضر.
وقال بعضهم: نسلم أنه من نظر العين إلا أن ذلك على حذف مضاف، أي ثواب ربها ونحوه.
قال مكي: «لو جاء هذا لجاز: نظرت إلى زيد، بمعنى: نظرت إلى عطاء زيد، وفي هذا نقض لكلام العرب وتخليط في المعاني» .
ونضَره الله ونضَّره، مخففاً ومثقلاً، أي: حسنه ونعمه.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «نَضَّر اللَّهُ أمْرأً سَمِعَ مَقالَتِي فوَعَاهَا، فأدَّاهَا كما سَمِعهَا» يروى بالوجهين.
ويقال للذهب: نُضَار من ذلك، ويقال له: النضر أيضاً.
ويقال: أخضر ناضر كأسود حالك، وقدح نضار: يروى بالإتباع والإضافة.
والعامة: «ناضرة» بألف، وقرأ زيد بن علي: «نضرة» بدونها، ك «فرح» فهو فرح.
فصل في الرؤية.
روى مسلم في قوله تعالى ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى﴾ [يونس: 26] كان ابن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم تلى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .
وقال عكرمة: تنظر إلى ربها نظراً، وحكى الماوردي عن ابن عمر وعكرمة ومجاهد: تنظر أمر ربها، وليس معروفاً إلا عن مجاهد وحده.
وجمهور أهل السُّنَّة تمسك بهذه الآية لإثبات أن المؤمنين يرون الله - سبحانه وتعالى - يوم القيامة وأما المعتزلة فاحتجوا بقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ [الأنعام: 103] ، ويقولون: النظر المقرون ب «إلى» ليس اسماً للرؤية، بل لمقدمة الرؤية، وهي تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته، ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة، وكالإصغاء بالنسبة إلى السمع ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾
[الأعراف: 198] فأثبت النظر حال عدم الرؤية، ويقال: نظر إليه شزراً، ونظر إليه غضبان ونظر راضياً، ولا يقال ذلك في الرؤية، ويقال: وجوه متناظرة، أي: متقابلة ويقال: انظر إليه حتى تراه، فتكون الرؤية غاية للنظر، وأن النظر يحصل والرؤية غير حاصلة وقال: [الوافر]
5001 - وجُوهٌ نَاظرَاتٌ يَوْمَ بَدْرٍ ... إلى الرَّحْمنٍ تَنتظِرُ الخَلاصَا
ولا رؤية مع النظر المقرون ب «إلى» ، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة﴾ [آل عمران: 77] ومن قال: لا يراهم، كفر، قالوا: ويمكن أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿نَاظِرةٌ﴾ أي: منتظرة كقولك: أنا أنظر إليك في حاجتي، أو يكون «إلى» مفرد «آلاء» وهي النعم - كما تقدم - والمراد: إلى ثواب ربها؛ لأن الأدلة العقلية والسمعية لما منعت الرؤية وجب التأويل، أو يكون المعنى أنها لا تسأل، ولا ترغب إلا إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، كقوله: «اعْبُد الله كأنَّك تَرَاهُ» .
قال ابن الخطيب: والجواب: لنا مقامان:
أحدهما: أن نقول: النظر هو الرؤية كقول موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143] ، فلو كان المراد تقليب الحدقة نحو المرئي لاقتضت الآية إثبات الجهة والمكان، ولأنه أخر النظر عن الإرادة فلا يكون تقليب.
المقام الثاني: سلمنا ما ذكرتموه من أن النظر تقليب الحدقة للرؤية، لكن يقدر حمله على الحقيقة، فيجب الحمل على الرؤية إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، وهو أولى من حمله على الانتظار لعدم الملازمة؛ لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية، ولا تعلق بينه وبين الانتظار.
وأم قولهم: نحمله على الانتظار قلنا: الذي هو بمعنى الانتظار، وفي القرآن غير مقرون، كقوله تعالى: ﴿انظرونا نَقْتَبِسْ﴾ [الحديد: 13] ، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] ، والذي ندّعيه أن النظر المقرون ب «إلى» ليس بمعنى الرؤية؛ لأن وروده بمعنى الرؤية، أو بالمعنى الذي يستعقب الرؤية ظاهر، فلا يكون بمعنى الانتظار دفعاً للاشتراك وقوله: «وجوه ناظرات يوم بدر» . شعر موضوع، والرواية الصحيحة: [الوافر]
5002 - وجُوهٌ نَاظِراتٌ يَوْمَ بَكْرٍ ... إلى الرَّحمنِ تَنتظِرُ الخَلاصَا
والمراد من هذا الرحمن: مسيلمة الكذاب؛ لأنهم كانوا يسمُّونه رحمن اليمامة، وأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه الخلاص من الأعداء.
وقولهم: هو مفرد «آلاء» أي: نعمة ربها.
قلنا: فيصدق على أيِّ نعمة كانت.
وإن قلنا: لأنه إنما كان للماهية التي يصدق عليها أنها نعمة، فعلى هذا يكفي في تحقيق مسمّى هذه اللفظة أي جزء فرض من أجزاء النعمة، وإن كانت غاية في القلة والحقارة، وكيف يمكن أن تكون من حاله الثواب يومئذ في النعم العظيمة، فكيف ينتظرون نعمة قليلة، وكيف يمكن أن يكون من حاله كذلك أن يبشر بأنه يتوقع الشيء الذي يطلق عليه اسم النعمة، ومثال هذا: أن يبشر سلطان الأرض بأنه سيصير حاله في العظمة والقوة بعد سنة بحيث يكون متوقعاً لحصول نعمة واحدة فكما أن ذلك فاسد، فكذا هاهنا سلمنا أن النظر المتعدي ب «إلى» المقرون بالوجوه جاء في اللغة بمعنى الانتظار، ولكن لا يمكن حمل هذه الآية عليه؛ لأن لذة الانتظار مع تعين الوقوع كانت حاصلة في الدنيا، فلا بد وأن تحصل في الآخرة زيادة حتى يحصل الترغيب في الآخرة، ولا يجوز أن يكون ذلك هو قرب الحصول.
قال
القشيري
: وهذا باطل؛ لأن واحد «الآلاء» يكتب بالألف لا بالياء.
وقرب الحصول معلوم بالعقل فبطل التأويل.
وأما قولهم: المراد ثواب ربها، فهو خلاف الظاهر، هذا ما ذكره ابن الخطيب.
وروى القرطبي في «تفسيره» قال: خرج «مسلم» عن جرير بن عبد الله قال: «كنا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» إنَّكُمْ سَتَروْنَ ربَّكمْ عياناً كمَا تَرونَ القَمَرَ لا تُضَامُونَ فِي رُؤيتِهِ، فإن اسْتَطَعْتُم ألاَّ تُغْلبُوا عَلى صلاةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وصلاةٍ قَبْلَ غُروبِهَا فافْعَلُوا «ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب﴾ [ق: 39] » متفق عليه.
وفي كتاب «النسائي» عن صهيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «فيُكشَفُ الحِجابُ فيَنظُرونَ إليْهِ، فواللَّهِ ما أعْطَاهُمْ شَيْئاً أحبَّ إليْهِمْ من النَّظرِ، ولا أقَرَّ لأعْيُنِهِمْ» .
وروى أبو إسحاق الثعلبيُّ عن الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يتَجَلَّى ربُّنَا - سُبْحانَهُ وتَعَالَى - حتَّى يُنْظَرَ إلى وَجْههِ فيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، فيقُولُ اللَّه تعالى: ارفَعُوا رُءُوسكمْ فَليْسَ هذا بِيومِ عِبَادةٍ» .
وقال القرطبي: وقيل: أضاف النظر إلى العين؛ لأن العين في الوجه فهو كقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [البقرة: 25] والماء يجري في النهر لا النهر ثم قد يكون الوجه بمعنى العين، قال تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً﴾ [يوسف: 93] ، أي على عينيه، ثم لا يبعد قلب العادة غداً حتى يخلق النظر في الوجه وهو كقوله تعالى ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ﴾ [الملك: 22] .
«فقيل: يا رسُول اللَّهِ، كيف يَمشُونَ في النَّار علَى وُجوهِهم؟ قال:» الَّذي أمْشاهُمْ عَلى أقدامهِم قَادِرٌ على أنْ يُمشِيهمْ على وُجوُهِهِم» .
قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ ، أي: وجوه الكفار يوم القيامة شديدة كالحة.
والبَاسِر: الشديد العبوس، والباسل: أشد منه ولكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحة.
وفي «الصِّحاح» : وبسر الفحل الناقة وابتسرها: إذا ضربها، وبسر الرجل وجهه بسوراً أي: كلح، يقال: «عَبسَ وبَسَرَ» .
وقال السديُّ: «بَاسِرةٌ» متغيّرة، والمعنى: أنها عابسة كالحة قد أظلمت ألوانها.
قوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
أي: توقن وتعلم.
قال ابن الخطيب: هكذا قاله المفسرون، وعندي أن الظن هنا إنما ذكر على سبيل التهكم، كأنه قيل لما شاهدوا تلك الأحوال حصل فيهم ظن أن القيامة حق.
والفاقرة هي الداهية العظيمة، قاله أبو عبيدة.
سميت بذلك لأنها تكسر فقار الظهر.
قال النابغة: [الطويل]
5003 - أبَى لِيَ قَبْرٌ لا يَزالُ مُقَابلِي ... وضَرْبَةُ فَأسٍ فَوقَ رَأسِي فَاقِرَهْ
أي: داهية مؤثِّرة، يقال: فقرته الفاقرة، أي: كسرت فقار ظهره. قال معناه مجاهد وغيره، ومنه سمي الفقير لانكسار فقاره من القلّ وقد تقدم في البقرة.
وقال قتادة: «الفاقرة» : الشر، وقال السديُّ: الهلاك.
وقال ابن عباس وزيد: دخول النار، وأصلها الوسم على أنفس البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم. قاله الأصمعي.
يقال: فقرت أنف البعير: إذا حززته بحديدة، ثم جعلت على موضع الحزّ الجرير وعليه وتر مَلْويّ لتذلله وتروضه.
القيامة 75:25
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ . قال الزمخشري: «كلاَّ» ردع للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن عادة العجلة وحثّ على الأناة.
وقال جماعة من المفسرين: «كلاَّ» معناه «حقّاً» أي: حقّاً تحبّون العاجلة، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن الإنسان بمعنى الناس.
وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: «كلاَّ» أي: أنَّ أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه.
وقيل: «كلاَّ» لا يصلُّون ولا يزكُّون، يريد كفار «مكّة» .
«بَلْ تُحِبُّونَ» . قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «يُحِبُّون، ويَذَرُونَ» بيان الغيبة حملاً على لفظة الإنسان المذكور أولاً لأن المراد به الجنس، وهو اختيار أبي حاتم؛ لأن «الإنسان» بمعنى الناس والباقون: بالخطاب فيهما، إما خطاباً لكفار قريش أي: بل تحبون يا كفار قريش العاجلة، أي: الدار الدنيا والحياة فيها ﴿وَتَذَرُونَ الآخرة﴾ أي تدعون الآخرة والعمل لها، وإما التفاتاً عن الإخبار عن الجنس المتقدم والإقبال عليه بالخطاب.
واختار الخطاب أبو عبيد، قال: ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها بالياء، لذكر الإنسان قبل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾ فيه أوجه:
أحدها: أن يكون «وجوهٌ» مبتدأ، و «نَاضِرةٌ» نعتٌ له، و «يَومئذٍ» منصوب ب «نَاضِرَةٌ» و «ناظِرَةٌ» خبره، و «إلى ربِّها» متعلق بالخبر. والمعنى: أن الوجوه الحسنة يوم القيامة ناظرة إلى الله تعالى، وهذا معنى صحيح، والنَّاضرة: من النُّضرة وهي التنعم، ومنه غصن ناضر.
الثاني: أن تكون «وُجوهٌ» مبتدأ أيضاً، و «نَاضِرةٌ» خبره، و «يَوْمئذٍ» منصوب الخبر - كما تقدم - وسوَّغ الابتداء هنا بالنكرة كون الموضع موضع تفصيل، كقوله: [المتقارب]
4996 - ... ... ... ... ... ... ... فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وثَوْبٌ أجُرْ
وتكون «نَاضِرةٌ» نعتاً ل «وُجوهٌ» أو خبراً ثانياً او خبراً لمبتدأ محذوف، و «إلى ربِّها» متعلق ب «ناظرة» كما تقدم.
وقال ابن عطية: وابتدأ بالنكرة؛ لأنها تخصصت بقوله: «يوْمَئذٍ» .
وقال أبو البقاء: وجاز الابتداء هنا بالنَّكرة لحصول الفائدة.
وفي كلا قوليهما نظر أما قول ابن عطية: فلأن قوله «تخصصت» بقوله: «يَوْمئذٍ» هو التخصيص إما لكونها عاملة فيه، وهو محال؛ لأنها جامدة، وإما لأنها موصوفة به، وهو محال أيضاً؛ لأن الجثة لا توصف بالزمان كما لا يخبر به عنها.
وأما قول أبي البقاء: فإن أراد بحصول الفائدة ما تقدم من التفصيل فصحيح، وإن عنى ما عناه ابن عطية فليس بصحيح لما تقدم.
الثالث: أن يكون «وُجوهٌ» مبتدأ، و «يُوْمئذٍ» خبره.
قاله أبو البقاءِ.
وهذا غلطٌ من حيث المعنى ومن حيث الصناعة.
أما المعنى: فلا فائدة في الإخبار عنها بذلك، وأما الصناعة: فلأنه لا يخبر بالزمان عن الجثة، فإن ورد ما ظاهره ذلك يؤول نحو «الليلة الهلالُ» .
الرابع: أن يكون «وُجوهٌ» مبتدأ و «نَاضِرةٌ» خبره، و ﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ جملة مستأنفة في موضع خبر ثانٍ، قاله ابن عطية.
وفيه نظر؛ لأنه لا ينعقد منهما كلام؛ إذ الظاهر تعلُّق «إلى» ب «نَاظِرةٌ» اللهمّ إلا أن يعني أن «ناظرة» خبر لمبتدأ مضمر، أي: هي ناظرة إلى ربها، وهذه الجملة خبر ثان وفيه تعسف.
الخامس: أن يكون الخبر ل «وُجوهٌ» مقدَّراً، أي: وجوه يومئذ ثمَّ، و «نَاضِرةٌ» صفة وكذلك «ناظرة» .
قاله أبو البقاء: وهو بعيد لعدم الحاجة إلى ذلك.
والوجه: الأولى لخلوصه من هذه التعسّفات. وكون «إلى» حرف جر، و «ربها» مجروراً بها هو المتبادر إلى الذهن، وقد خرجه بعض المعتزلة على أن يكون «إلى» اسماً مفرداً بمعنى النعمة مضافاً إلى «الرب» ويجمع على «آلاء» نحو ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن: 13]- وقد تقدم أن فيها لغات أربعاً - و «ربِّهَا» خفض بالإضافة والمفعول مقدم ناصبه «ناظرة» بمعنى منتظرة والتقدير: وجوه منتظرة نعمة ربها.
وهذا فرار من إثبات النظر لله - تعالى - على معتقدهم.
وتَمحَّل الزمخشري لمذهب المعتزلة بطريق أخرى من جهة الصناعة، فقال - بعد أن جعل التقديم في «إلى ربها» مؤذناً بالاختصاص -: والذي يصح معه أن يكون من قول الناس: إنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، يريد معنى التوقّع والرجاء؛ ومنه قول القائل: [الكامل]
4997 - وإذَا نَظرْتُ إليْكَ مِنْ ملِكٍ ... والبَحْرُ دُونكَ زِدْتَنِي نِعَمَا
وسمعت سُرِّيَّة مستجدية ب «مكة» وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى مقايلهم تقول: «عُيَيْنتي نويظرة» إلى الله وإليكم، والمعنى: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم.
قال شهاب الدين: وهذا كالحوم على من يقول إن «نَاظِرةٌ» بمعنى منتظرة، إلا أن مكيّاً قد رد هذا القول، فقال: ودخول «إلى» مع النظر يدل على أنه نظر العين، وليس من الانتظار ولو كان من الانتظار لم تدخل معه «إلى» ؛ ألا ترى أنك لا تقول: انتظرت إلى زيد، وتقول: نظرت إلى زيد تعني نظر العين، ف «إلى» تصحب نظر العين، ولا تصحب نظر الانتظار، فمن قال: إن «ناظرة» بمعنى «منتظرة» فقد أخطأ في المعنى وفي الإعراب ووضع الكلام في غير موضعه.
وقال القرطبي: «إن العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا: نظرته، كما قال تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة﴾ [الزخرف: 66] ، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] ، ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: 49] ، وإذا أرادت به التفكر والتدبر قالوا: نظرت فيه، فأما إذا كان النظر مقروناً بذكر» إلى «وذكر الوجه فلا يكون إلا بمعنى الرؤية والعيان» .
وقال الأزهري: «إن قول مجاهد: تنتظر ثواب ربها خطأ؛ لأنه لا يقال: نظر إلى كذا بمعنى الانتظار، وإن قول القائل: نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين، كذا تقوله العرب؛ لأنهم يقولون: نظرت إليه إذا أرادوا نظر العين، فإذا أرادوا الانتظار قالوا: نظرته» ؛ قال: [الطويل]
4998 - فإنَّكُمَا إنْ تنْظُرَا لي سَاعةً ... مِنَ الدَّهرِ تَنْفعْنِي لدى أمِّ جُندُبِ
لما أرادوا الانتظار قال: تنظراني، وإذا أرادوا نظر العين قالوا: نظرت إليه.
قال الشاعر: [الطويل]
4999 - نَظرْتُ إليْهَا والنُّجُومُ كأنَّها ... مَصابِيحُ رُهبَانٍ تُشَبُّ لِقفَّالِ
وقال آخر: [الطويل]
5000 - نَظَرْتُ إليْهَا بالمُحَصَّبِ من مِنى..... ... ... ... ... ... ... .
والنّضْرة: طرواة البشرة وجمالها، وذلك من أثر النعمة، يقال: نضر وجهه فهو ناضر.
وقال بعضهم: نسلم أنه من نظر العين إلا أن ذلك على حذف مضاف، أي ثواب ربها ونحوه.
قال مكي: «لو جاء هذا لجاز: نظرت إلى زيد، بمعنى: نظرت إلى عطاء زيد، وفي هذا نقض لكلام العرب وتخليط في المعاني» .
ونضَره الله ونضَّره، مخففاً ومثقلاً، أي: حسنه ونعمه.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «نَضَّر اللَّهُ أمْرأً سَمِعَ مَقالَتِي فوَعَاهَا، فأدَّاهَا كما سَمِعهَا» يروى بالوجهين.
ويقال للذهب: نُضَار من ذلك، ويقال له: النضر أيضاً.
ويقال: أخضر ناضر كأسود حالك، وقدح نضار: يروى بالإتباع والإضافة.
والعامة: «ناضرة» بألف، وقرأ زيد بن علي: «نضرة» بدونها، ك «فرح» فهو فرح.
فصل في الرؤية.
روى مسلم في قوله تعالى ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى﴾ [يونس: 26] كان ابن عمر يقول: أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية، ثم تلى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .
وقال عكرمة: تنظر إلى ربها نظراً، وحكى الماوردي عن ابن عمر وعكرمة ومجاهد: تنظر أمر ربها، وليس معروفاً إلا عن مجاهد وحده.
وجمهور أهل السُّنَّة تمسك بهذه الآية لإثبات أن المؤمنين يرون الله - سبحانه وتعالى - يوم القيامة وأما المعتزلة فاحتجوا بقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ [الأنعام: 103] ، ويقولون: النظر المقرون ب «إلى» ليس اسماً للرؤية، بل لمقدمة الرؤية، وهي تقليب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته، ونظر العين بالنسبة إلى الرؤية كنظر القلب بالنسبة إلى المعرفة، وكالإصغاء بالنسبة إلى السمع ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾
[الأعراف: 198] فأثبت النظر حال عدم الرؤية، ويقال: نظر إليه شزراً، ونظر إليه غضبان ونظر راضياً، ولا يقال ذلك في الرؤية، ويقال: وجوه متناظرة، أي: متقابلة ويقال: انظر إليه حتى تراه، فتكون الرؤية غاية للنظر، وأن النظر يحصل والرؤية غير حاصلة وقال: [الوافر]
5001 - وجُوهٌ نَاظرَاتٌ يَوْمَ بَدْرٍ ... إلى الرَّحْمنٍ تَنتظِرُ الخَلاصَا
ولا رؤية مع النظر المقرون ب «إلى» ، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة﴾ [آل عمران: 77] ومن قال: لا يراهم، كفر، قالوا: ويمكن أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿نَاظِرةٌ﴾ أي: منتظرة كقولك: أنا أنظر إليك في حاجتي، أو يكون «إلى» مفرد «آلاء» وهي النعم - كما تقدم - والمراد: إلى ثواب ربها؛ لأن الأدلة العقلية والسمعية لما منعت الرؤية وجب التأويل، أو يكون المعنى أنها لا تسأل، ولا ترغب إلا إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، كقوله: «اعْبُد الله كأنَّك تَرَاهُ» .
قال ابن الخطيب: والجواب: لنا مقامان:
أحدهما: أن نقول: النظر هو الرؤية كقول موسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143] ، فلو كان المراد تقليب الحدقة نحو المرئي لاقتضت الآية إثبات الجهة والمكان، ولأنه أخر النظر عن الإرادة فلا يكون تقليب.
المقام الثاني: سلمنا ما ذكرتموه من أن النظر تقليب الحدقة للرؤية، لكن يقدر حمله على الحقيقة، فيجب الحمل على الرؤية إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، وهو أولى من حمله على الانتظار لعدم الملازمة؛ لأن تقليب الحدقة كالسبب للرؤية، ولا تعلق بينه وبين الانتظار.
وأم قولهم: نحمله على الانتظار قلنا: الذي هو بمعنى الانتظار، وفي القرآن غير مقرون، كقوله تعالى: ﴿انظرونا نَقْتَبِسْ﴾ [الحديد: 13] ، ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] ، والذي ندّعيه أن النظر المقرون ب «إلى» ليس بمعنى الرؤية؛ لأن وروده بمعنى الرؤية، أو بالمعنى الذي يستعقب الرؤية ظاهر، فلا يكون بمعنى الانتظار دفعاً للاشتراك وقوله: «وجوه ناظرات يوم بدر» . شعر موضوع، والرواية الصحيحة: [الوافر]
5002 - وجُوهٌ نَاظِراتٌ يَوْمَ بَكْرٍ ... إلى الرَّحمنِ تَنتظِرُ الخَلاصَا
والمراد من هذا الرحمن: مسيلمة الكذاب؛ لأنهم كانوا يسمُّونه رحمن اليمامة، وأصحابه كانوا ينظرون إليه ويتوقعون منه الخلاص من الأعداء.
وقولهم: هو مفرد «آلاء» أي: نعمة ربها.
قلنا: فيصدق على أيِّ نعمة كانت.
وإن قلنا: لأنه إنما كان للماهية التي يصدق عليها أنها نعمة، فعلى هذا يكفي في تحقيق مسمّى هذه اللفظة أي جزء فرض من أجزاء النعمة، وإن كانت غاية في القلة والحقارة، وكيف يمكن أن تكون من حاله الثواب يومئذ في النعم العظيمة، فكيف ينتظرون نعمة قليلة، وكيف يمكن أن يكون من حاله كذلك أن يبشر بأنه يتوقع الشيء الذي يطلق عليه اسم النعمة، ومثال هذا: أن يبشر سلطان الأرض بأنه سيصير حاله في العظمة والقوة بعد سنة بحيث يكون متوقعاً لحصول نعمة واحدة فكما أن ذلك فاسد، فكذا هاهنا سلمنا أن النظر المتعدي ب «إلى» المقرون بالوجوه جاء في اللغة بمعنى الانتظار، ولكن لا يمكن حمل هذه الآية عليه؛ لأن لذة الانتظار مع تعين الوقوع كانت حاصلة في الدنيا، فلا بد وأن تحصل في الآخرة زيادة حتى يحصل الترغيب في الآخرة، ولا يجوز أن يكون ذلك هو قرب الحصول.
قال
القشيري
: وهذا باطل؛ لأن واحد «الآلاء» يكتب بالألف لا بالياء.
وقرب الحصول معلوم بالعقل فبطل التأويل.
وأما قولهم: المراد ثواب ربها، فهو خلاف الظاهر، هذا ما ذكره ابن الخطيب.
وروى القرطبي في «تفسيره» قال: خرج «مسلم» عن جرير بن عبد الله قال: «كنا عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» إنَّكُمْ سَتَروْنَ ربَّكمْ عياناً كمَا تَرونَ القَمَرَ لا تُضَامُونَ فِي رُؤيتِهِ، فإن اسْتَطَعْتُم ألاَّ تُغْلبُوا عَلى صلاةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وصلاةٍ قَبْلَ غُروبِهَا فافْعَلُوا «ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب﴾ [ق: 39] » متفق عليه.
وفي كتاب «النسائي» عن صهيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «فيُكشَفُ الحِجابُ فيَنظُرونَ إليْهِ، فواللَّهِ ما أعْطَاهُمْ شَيْئاً أحبَّ إليْهِمْ من النَّظرِ، ولا أقَرَّ لأعْيُنِهِمْ» .
وروى أبو إسحاق الثعلبيُّ عن الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يتَجَلَّى ربُّنَا - سُبْحانَهُ وتَعَالَى - حتَّى يُنْظَرَ إلى وَجْههِ فيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّداً، فيقُولُ اللَّه تعالى: ارفَعُوا رُءُوسكمْ فَليْسَ هذا بِيومِ عِبَادةٍ» .
وقال القرطبي: وقيل: أضاف النظر إلى العين؛ لأن العين في الوجه فهو كقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [البقرة: 25] والماء يجري في النهر لا النهر ثم قد يكون الوجه بمعنى العين، قال تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً﴾ [يوسف: 93] ، أي على عينيه، ثم لا يبعد قلب العادة غداً حتى يخلق النظر في الوجه وهو كقوله تعالى ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ﴾ [الملك: 22] .
«فقيل: يا رسُول اللَّهِ، كيف يَمشُونَ في النَّار علَى وُجوهِهم؟ قال:» الَّذي أمْشاهُمْ عَلى أقدامهِم قَادِرٌ على أنْ يُمشِيهمْ على وُجوُهِهِم» .
قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ ، أي: وجوه الكفار يوم القيامة شديدة كالحة.
والبَاسِر: الشديد العبوس، والباسل: أشد منه ولكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحة.
وفي «الصِّحاح» : وبسر الفحل الناقة وابتسرها: إذا ضربها، وبسر الرجل وجهه بسوراً أي: كلح، يقال: «عَبسَ وبَسَرَ» .
وقال السديُّ: «بَاسِرةٌ» متغيّرة، والمعنى: أنها عابسة كالحة قد أظلمت ألوانها.
قوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
أي: توقن وتعلم.
قال ابن الخطيب: هكذا قاله المفسرون، وعندي أن الظن هنا إنما ذكر على سبيل التهكم، كأنه قيل لما شاهدوا تلك الأحوال حصل فيهم ظن أن القيامة حق.
والفاقرة هي الداهية العظيمة، قاله أبو عبيدة.
سميت بذلك لأنها تكسر فقار الظهر.
قال النابغة: [الطويل]
5003 - أبَى لِيَ قَبْرٌ لا يَزالُ مُقَابلِي ... وضَرْبَةُ فَأسٍ فَوقَ رَأسِي فَاقِرَهْ
أي: داهية مؤثِّرة، يقال: فقرته الفاقرة، أي: كسرت فقار ظهره. قال معناه مجاهد وغيره، ومنه سمي الفقير لانكسار فقاره من القلّ وقد تقدم في البقرة.
وقال قتادة: «الفاقرة» : الشر، وقال السديُّ: الهلاك.
وقال ابن عباس وزيد: دخول النار، وأصلها الوسم على أنفس البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم. قاله الأصمعي.
يقال: فقرت أنف البعير: إذا حززته بحديدة، ثم جعلت على موضع الحزّ الجرير وعليه وتر مَلْويّ لتذلله وتروضه.
القيامة 75:26
قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التراقي﴾ «كَلاَّ» ردْعَ وزَجْر، أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة، ثم استأنف فقال: ﴿إِذَا بَلَغَتِ التراقي﴾ أي: بلغت النفس والروح التراقي فأخبر بما لم يجر له ذكر لعلم المخاطب به كقوله تعالى: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] وقوله: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم﴾ [الواقعة: 83] .
وقيل: «كَلاّ» معناه «حقّاً» إن المساق إلى الله تعالى إذا بلغت التراقي، أي إذا ارتفعت النفس إلى التراقي.
وكان ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما يقول: إذا بلغت نفس الكافر التراقي. و «التراقي» : مفعول «بلغت» والفاعل مضمر، أي: النفس وإن لم يجرِ لها ذكر، كقول حاتم: [الطويل]
5004 - أمَاوِيَّ ما يُغنِي الثَّراءُ عن الفَتَى ... إذَا حَشْرجتْ يَوْماً وضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ
أي: حشرجت النفس.
وقيل: في البيت: إن الدال على النفس ذكر جملة ما اشتمل عليها وهو الفتى فكذلك هنا ذكر الإنسان دال على النفس، والعامل في «إذَا بَلغت» معنى قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾ [القيامة: 30] ، أي: إذ بلغت الحلقوم رفعت إلى الله تعالى، ويكون قوله: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة: 27] معطوف على «بلغت» .
و «التراقي» : جمع «ترقوة» ، أصلها: «تراقو» قلبت واوها ياء لانكسار ما قبلها.
والترقوة: أحد عظام الصدر. قاله أبو حيان، والمعروف غير ذلك.
قال الزمخشري: ولكل إنسان ترقوتان، فعلى هذا يكون من باب: غليظ الحواجب وعريض المناكب.
وقال القرطبي: «هي العظام المكتنفة لنُقْرة النحر، وهو مقدم الدّلق من أعلى الصدر، وهو موضع الحَشْرجة» .
قال دريدُ بن الصمَّةِ: [الوافر]
5005 - ورُبَّ عَظِيمةٍ دَافعْتُ عَنْهَا ... وقَدْ بَلغَتْ نُفوسُهُمُ التَّراقِي
وقال الراغب: «التَّرْقُوة» : عظم وصل ما بين نُقرة النحر والعاتق انتهى.
وقال الزمخشري: العظام المكتنفة لنقرة النحر عن يمين وشمال. ووزنها: «فَعْلُوة» فالتاء أصل والواو زائدة، يدل عليه إدخال أهل اللغة إياها في مادة «ترق» .
وقال أبو البقاء والفراء: جمع تَرْقُوَة، وهي «فَعْلُوة» ، وليست ب «تَفْعلَة» ، إذ ليس في الكلام «رقو» .
وقرىء: «التراقي» بسكون، وهي كقراءة زيد: ﴿تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] وقد تقدم توجيهها.
وقد يكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت والمقصود تذكيرهم شدة الحال عند نزول الموت.
فصل في الرد على من طعن في الآية
قال ابن الخطيب: قال بعض الطَّاعنين: إن النفس إنما تصل إلى التراقي بعد مفارقتها للقلب ومتى فارقت النفس القلب حصل الموت لا محالة، والآية تدل على أن عند بلوغها التراقي تبقى الحياة حتى يقال فيه: من راق وحتى تلتف الساق بالساق، والجواب: أن المراد من قوله: ﴿حتَّى إذَا بَلَغَت التَّرَاقِي﴾ ، أي: إذا حصل بالقرب من تلك الحالة.
قوله: ﴿مَن رَاقٍ﴾ مبتدأ وخبر، وهذه الجملة هي القائمة مقام الفاعل، وأصول البصريين تقتضي ألا يكون؛ لأن الفاعل عندهم لا يكون جملة، بل القائم مقامه ضمير المصدر وقد تقدم تحقيق هذا في البقرة.
وهذا الاستفهام يجوز أن يكون على بابه، وأن يكون استبعاداً وإنكاراً.
فالأولى مروي عن ابن عباس وعكرمة وغيرهما، قالوا: هو من الرقية.
وروى سماك عن عكرمة قال: «من راق» يرقي ويشفي.
والثاني رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس أيضاً: هل من طبيب يشفيه، وهو قول أبي قلابة وقتادة. وقال الشاعر: [البسيط]
5006 - هَلْ لِلفَتَى مِنْ بنَاتِ الدَّهْرِ من وَاقِ؟ ... أمْ هَلْ لَهُ مِن حَمامِ المَوتِ مِنْ رَاقِ؟
وكان هذا على وجه الاستبعاد واليأس، أي من يقدر أن يرقي من الموت.
وعن ابن عباس أيضاً وأبي الجوزاء: أنه من رقي يرقى: إذا صعد.
والمعنى: من يرقى بروحه إلى السماء؟ أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟
وقيل: إن ملك الموت يقول: «مَن راقٍ» أي: من يرقى بهذه النفس.
قال شهاب الدين: و «راقٍ» اسم فاعل إما من «رقى يرقي» من الرقية، وهو كلام معد للاستشفاء يرقى به المريض ليشفى، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «ومَا أدْراكَ أنَّها رُقْيَة» يعني الفاتحة، وهو اسم من أسمائها، وإما من «رَقِيَ يرقَى» من الرَّقْي وهو الصعود أي أن الملائكة لكراهتها في روحه تقول: من يصعد بهذه الروح يقال: «رَقَى - بالفتح - من الرُّقية، وبالكسر من الرَّقْي» ، ووقف حفص على نون «من» سكتة لطيفة، وقد تقدم تحقيق هذا في أول الكهف.
وذكر سيبويه أن النون تدغم في الراء وجوباً بغنة وبغيرها نحو «من راشد» .
قال الواحدي: إن إظهار النون عند حروف الفم لحن فلا يجوز إظهار نون «من» في قوله: «من راق» .
وروى حفص عن عاصم: إظهار النون واللام في قوله: «من راق» و «بل ران» . قال أبو علي الفارسي: «ولا أعرف وجه ذلك» .
قال الواحدي: والوجه أن يقال: قصدوا الوقف على «من» و «بل» ، فأظهروهما ثم ابتدأوا بما بعدهما، وهذا غير مرضي من القراءة.
قوله: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق﴾ ، أي: أيقن الإنسان أنه الفراق، أي: فراق الدنيا، والأهل والمال والولد، وذلك حين يعاين الملائكة، وسمي اليقين هنا بالظن؛ لأن الإنسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه فإنه يطمع في الحياة لشدة حبه لهذه الحياة العاجلة، ولا ينقطع رجاؤه عنها، فلا يحصل له يقين الموت، بل الظن الغالب مع رجاء الحياة، أو لعله سماه بالظن الغالب تهكماً.
قال ابن الخطيب: وهذه الآية تدل على أن الروح جوهر قائم بنفسه باقٍ بعد موت البدنِ؛ لأن الله - تعالى - سمى الموت فراقاً، والفراق إنما يكون إذا كانت الروح باقية، فإن الفراق والوصال صفة، والصفة تستدعي وجود الموصوف.
قوله تعالى: ﴿والتفت الساق بالساق﴾ . الالتفاف هو الاجتماع، قال تعالى: ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الإسراء: 104] ومعنى الكلام: اتصلت الشدة بالشدة، شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة. قاله ابن عباس والحسن وغيرهما.
وقال الشعبي وغيره: التفت ساقا الإنسان عند الموت من شدة الكربِ.
قال قتادة: أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب برجله على الأخرى.
وقال سعيد بن المسيب والحسن أيضاً: هما ساقا الإنسان إذا التفتا في الكفنِ.
وقال زيد بن أسلم: التفت ساق الكفن بساق الميت.
قال النحاس: القول الأول أحسنها، لقول ابن عباس: هو آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحم الله، والعرب لا تذكر الساق إلا في الشدائد والمحنِ العظام، ومنه قولهم: قامت الحرب على ساقٍ.
قال أهل المعاني: إن الإنسان إذا دهمته شدة شمَّر لها عن ساقيه، فقيل للأمر الشديد: ساق، قال الجعديُّ: [الطويل] 5007 - أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّهَا ... وإنْ شَمَّرتْ عَنْ سَاقهَا الحَرْبُ شَمَّرَا
قوله تعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق﴾ . أي: إلى خالقك يومئذ، أي: يوم الساق، أي: المرجع، و «المساق» «مفعل» من السوق وهو اسم مصدر.
قال القرطبي: «المساق» : مصدر ساق يسوق، كالمقال من قال يقول.
قوله: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ «لا» هنا دخلت على الماضي، وهو مستفيض في كلامهم بمعنى: لم يصدق ولم يصل.
قال: [الرجز]
5008 - إنْ تَغْفِر اللَّهُمَّ تَغفِرْ جَمَّا ... وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألمَّا
وقال آخر: [الطويل]
5009 - وأيُّ خَمِيسٍ، لا أتَانَا نِهَابُهُ ... وأسْيَافُنَا مِنْ كَبْشِهِ تَقطرُ الدِّمَا
وقال مكيٌّ: «لا» الثانية نفي، وليست بعاطفة، ومعناه: فلم يصدق ولم يصل. قال شهاب الدين: «وكيف يتوهم العطف حتى ينفيه» .
وجعل الزمخشري ﴿فلا صدق وصلى﴾ عطفاً على الجملة من قوله: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة﴾ قال: وهو معطوف على قوله: «يسأل أيان» أي لا يؤمن بالبعث فلا صدق بالرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والقرآن الكريم.
واستبعده أبو حيان.
وقال الكسائي: «لا» بمعنى «لم» ولكنه يقرن بغيره، تقول العرب: لا عبد الله خارج ولا فلان، ولا تقول: مررت برجل لا محسن حتى يقال ولا مجمل، وقوله:
﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ [البلد: 11] ليس من هذا القبيل؛ لأن معناه: فهلا اقتحم، بحذف حرف الاستفهام.
وقال الأخفش: «فلا صدّق» أي: لم يصدق، كقوله تعالى: «فَلا اقْتَحَمَ» أي: لم يقتحم، ولم يشترط أن يعقبه بشيء آخر، والعرب تقول: لا ذهب، أي: لم يذهب، فحرف النفي ينفي الماضي كما ينفي المستقبل، ومنه قول زهير: [الطويل]
5010 - ... ... ... ... ... ... . ... فَلاَ هُوَ أبْداهَا ولمْ يتقدَّمِ
فصل في معنى الآية
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: معناه لم يصدق بالرسالة، «ولا صلى» أي: دعا لربه - عَزَّ وَجَلَّ - وصلى على رسوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
وقال قتادة: «فلا صدق» بكتاب الله «ولا صلى» لله تعالى.
[وقيل: لا صدق بمالٍ ذخراً له عند الله تعالى «ولا صلى» الصلوات التي أمر الله بها.
وقيل: فلا آمن بقلبه] ولا عمل ببدنه.
قيل: المراد أبو جهل.
وقيل: الإنسان المذكور في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإنسان﴾ [القيامة: 3] .
قوله: ﴿ولكن كَذَّبَ وتولى﴾ الاستدراك هنا واضح؛ لأنه لا يلزم من نفي التصدق والصلاة، التكذيب والتولي لأن كثيراً من المسلمين كذلك فاستدرك ذلك بأن سببه التكذيب والتولي، ولهذا يضعف أن يحمل نفي التصديق على نفي تصديق الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - لئلا يلزم التكرار فتقع «لكن» بين متوافقين، وهو لا يجوز.
قال القرطبي: ومعناه كذب بالقرآن، وتولى عن الإيمان.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى﴾ . أي: يتبختر افتخاراً بذلك. قاله مجاهد وغيره.
«يتَمطَّى» جملة حالية من فاعل «ذهب» ، ويجوز أن يكون بمعنى شرع في التمطِّي، كقوله: [الطويل]
5011 - فَقامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسْيفهِ ...
وتمطى - هنا - فيه قولان:
أحدهما: أنه من «المَطَا» وهو الظهر، ومعناه: يَتبختَرُ أي يمد مطاه ويلويه تبختراً في مشيته.
الثاني: أن أصله «يتمطّط» أي يتمدّد، ومعناه: أنه يتمدد في مشيته تبختراً، ومن لازم التبختر ذلك فهو يقرب من معنى الأول، ويفارقه في مادته، إذ مادة «المطا» : «م ط و» ، ومادة الثاني: «م ط ط» ، وإنما أبدلت الطاء الثانية ياء كراهية اجتماع الأمثال نحو: تطيبت، وقصيت أظفاري، وقوله: [الراجز]
5012 - تَقَضِّيَ البَازِي إذا البَازِي كَسَرْ ... والمطيطاء: التبختر ومد اليدين في المشي، قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «المُطَيْطَاءِ وخدَمتهُمْ من فَارِس والرَّومِ كان بَأسهُمْ بَيْنَهُمْ» .
و «المطيط» : الماء الخاثر أسفل الحوض؛ لأنه يتمطّط، أي: يمتدّ فيه.
وقال القرطبي: التمطط: هو التمدد من التكسُّل، والتثاقل فهو متثاقل عن الداعي إلى الحق، والتمطي يدل على قلة الاكتراث.
قوله: ﴿أولى لَكَ فأولى﴾ تقدم الكلام عليه في أول سورة القتال، وإنما كررها هنا مبالغة في التهديد والوعيد، فهو تهديد بعد تهديد ووعيد بعد وعيد؛ قالت الخنساء: [المتقارب]
5013 - هَمَمْتُ بنَفْسِيَ كُلَّ الهُمومِ ... فأولَى لِنفْسِيَ أوْلَى لَهَا
وقال أبو البقاء هنا: «وزن» أولى فيه قولان:
أحدهما: «فَعْلَى» والألف فيه للإلحاق لا للتأنيث.
والثاني: هو «أفعل» ، وهو على القولين هنا «علمٌ» ، ولذلك لم ينون، ويدل عليه ما حكى أبو زيد في «النوادر» : هو أولاة - بالتاء - غير مصروف، لأنه صار علماً للوعيد، فصار كرجل اسمه أحمد، فعلى هذا يكون أولى مبتدأ، و «لك» الخبر.
والثاني: أن يكون اسماً للفعل مبنياً، ومعناه: وليك شر بعد شر، و «لك» تبيين.
فصل في نزول الآية
قال قتادة ومقاتل والكلبي: «خَرَجَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مِنَ المَسْجدِ ذَاتَ لَيْلةٍ فاسْتقَبلهُ أبُو جَهْل على بَابِ المَسْجدِ ممَّا يلي باب بني مَخْزُوم، فأخذ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بيده، فهزه مرة أو مرتين ثم قال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» أوْلَى لَكَ فأوْلَى، ثُمَّ أوْلَى لَكَ فأوْلَى «فقال أبو جهلٍ: أتُهدِّدنِي؟ فواللَّهِ إنِّي لأعزُّ أهل هذا الوَادِي وأكْرمهُ، ولا تَسْتطِيعُ أنْتَ ولا ربُّكَ أن تَفْعَلا بِي شَيْئاً ثُمَّ انسَلَّ ذَاهِباً» ، فأنزل الله - تعالى - كما قال الرسول الله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
ومعنى أوْلَى لَكَ يعني ويل لك؛ قال الشاعر: [الوافر]
5014 - فأوْلَى ثُمَّ أوْلَى ثُمَّ أوْلَى ... وهَلْ لِلدَّرِّ يُحْلَبُ مِنْ مَرَدِّ؟
وقيل: هو من المقلوب، كأنه قيل: «ويل» ثم أخر الحرف المعتل، والمعنى: الويل لك يوم تدخل النار؛ وهذا التكرير كقوله: [الطويل]
5015 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... لَكَ الوَيْلاتُ إنَّكَ مُرْجِلِي
أي لك الويل ثم الويل.
وقيل: معناه الذم لك أولى من تركه.
وقيل: المعنى أنت أولى وأجدر بهذا العذاب.
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى: قال الأصمعي «أولى» في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك كما تقول: قد وليت الهلاك، أي دانيت الهلاك، وأصله من «الولي» وهو القرب، قال تعالى: ﴿قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ﴾ [التوبة: 123] أي: يقربون منكم.
قال القرطبي: «وقيل: التكرير فيه على معنى من ألزم لك على عملك السيّىء الأول ثم الثاني والثالث والرابع» .