Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الإخلاص 112:1 – الناس 114:6
المحتويات
الإخلاص 112:1
مكية في قول ابن مسعود، والحسن وعطاء وعكرمة وجابر، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك، والسدي، وهي أربع آيات، وخمس عشرة كلمة، وسبعة وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ . في «هُوَ» وجهان:
أحدهما: أنه ضمير عائد على ما يفهم من السياق، فإنه يروى في سبب النزول أنهم قالوا: صف لنا ربَّك وانسبه.
وقيل: قالوا له: أنُحَاسٌ هو أم حَديدٌ؟ فنزلت.
وحينئذ يجوز أن يكون «اللهُ» مبتدأ، و «أحد» خبره، والجملة خبر الأولِ، ويجوز أن يكون «الله» بدلاً، و «أحد» الخبر، ويجوز أن يكون «الله» خبراً أولاً، و «أحد» خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون «أحد» خبراً لمبتدأ محذوف، أي «هو أحد» ، والثاني: ضمير الشأن؛ لأنه موضع تعظيم، والجملة بعد خبره مفسرة.
وهمزة «أحد» بدل من واو؛ لأنه من الوحدة، وإبدال الهمزة من الواو المفتوحة قليل، منه: امرأة أناة من الونى، وهو الفُتُور، وتقدم الفرق بين «أحد» هذا، و «أحد» المراد به العموم، فإن همزة ذاك أصل بنفسها.
ونقل أبو البقاء: أن همزة «أحد» هذا غير مقلوبة، بل أصلها بنفسها، فالمراد به العموم. والأول هو المعروف.
وفرق ثعلب بين «أحد» و «واحد» بأنَّ الواحد يدخله العدد والجمع والاثنان و «أحد» لا يدخله ذلك، ويقال: اللهُ أحد، ولا يقال: زيد أحد؛ لأن الله تعالى هذه الخصوصية، وزيد له حالات شتى. ورد عليه أبو حيَّان بأنه يقال: أحد وعشرون، ونحوه، فقد دخله العدد انتهى.
وقال مكيٌّ: إن أصله: «واحد» فأبدلت الواو همزة، فاجتمع ألفان؛ لأن الهمزة تشبه الألف، فحذفت إحداهما تخفيفاً.
وقرأ عبد الله وأبيّ: ﴿الله أَحَدٌ﴾ دون «قُلْ» .
وقرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿الله أَحَدٌ﴾ بغير ﴿قُلْ هُوَ﴾ .
وقرأ الأعمش: «قل هو الله الواحد» .
وقرأ العامة: بتنوين «أحَدٌ» وهو الأصل.
وزيد بن علي وأبان بن عثمان، وابن أبي إسحاق والحسن، وأبو السمال، وأبو عمرو في رواية، في عدد كثير: بحذف التنوين للخفة، ولالتقاء الساكنين، كقوله: [الكامل]
5352 - عَمروُ الذي هَشمَ الثَّريدَ لقومهِ ... ورِجالُ مكَّة مُسنتُونَ عِجَافُ
وقوله: [المتقارب]
5353 - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ولا ذَاكِرَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاً
فصل
والصمد: الذي يصمدُ إليه في الحاجات، ولا يقدر على قضائها إلا هو.
قال: [الطويل]
5354 - ألاَ بكَّرَ النَّاعِي بخَيْرِ بَنِي أسَدْ ... بِعمْرِو بنِ مسعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
وقال آخر: [البسيط] 5355 - عَلوتهُ بحُسَامٍ ثُمَّ قلتُ لهُ ... خُذهَا حُذيْفُ فأنتَ السيِّدُ الصَّمدُ
وقيل: الصمد: المصمت الذي لا جوف له.
ومنه قوله: [الطويل]
5356 - شِهَابُ حُروبٍ لا تَزَالُ جِيَادهُ ... عَوابِسَ يَعلُكْنَ الشَّكيمَ المُصَمَّدَا
وقال أبيّ بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: تفسيره، من قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وهذا يشبه ما قالوه من تفسير الهلوع، والأحسن في هذه الجملة أن تكون مستقلة بفائدة هذا الخبر، ويجوز أن يكون «الصَّمدُ» صفة، والخبر في الجملة بعده، كذا قيل، وهو ضعيف من حيث السِّياق، فإن السياق يقتضي الاستقلال بأخبار عن كل جملة.
قال القرطبي: [ «لأنه ليس شيء إلا سيموت] ، وليس شيء يموت إلا يورث» .
قيل: الصمد: الدائمُ الباقي الذي لم يزل، ولا يزال.
وقال أبو هريرة: إنه المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد.
وقال السديُّ: إنه المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب.
[وقال الحسن بن الفضل: إنه الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
وقال مقاتل: إنه الكامل الذي لا عيب فيه] .
قال القرطبيُّ: والصحيح من هذه الأقوال ما شهد له الاشتقاق وهو القول الأول، ذكره الخطابي.
فصل في لفظ أحد
قال ابن الخطيب: ونكر لفظ أحد، لأن الذي يعرفه الخلق من الموجودات محسوس، وكل محسوس منقسم، فأما ما لا ينقسم فلا يعرف، وعرَّف الصمد؛ لأنه الذي يقصد إليه في الحوائج، وذلك معلوم عند الخلق، وقدم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وإن كان العرف سبق؛ لأنه الأهم، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ كالحجة على أنه لم يلدْ، وجاء هنا ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ، وفي سورة «الإسراء» : ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ [الإسراء: 111] ، لأن من النصارى من يقول: عيسى ولدُ الله حقيقة، ومنهم من يقول: إن الله اتخذه ولداً تشريفاً، فنفى الأمرين.
فصل في الرد على من أسقط «قل هو»
قال القرطبي: وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، وقرأ «الله الواحد الصمد» والناس يستمعون، فأسقط «قل هو» وزعم أنه ليس من القرآن، وغير لفظ «أحد» ، وادَّعى أن هذا الصواب، والذي عليه الناس هو الباطلُ، فأبطل معنى الآية، لأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جواباً لأهل الشركِ، لما قالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: صِفْ لَنَا ربَّك أمِنْ ذهبٍ هُو أم من نُحاس أم من [صفر] ؟ .
فقال الله تعالى رداً عليهم: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ ، ففي «هُوَ» دلالة على موضع الرد، ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، وصح الافتراء على الله - عَزَّ وَجَلَّ - والتكذيب لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وروى الترمذي عن أبيِّ بن كعب: أن المشركين قالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «انسب لنا ربك» فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ، والصمد: الذي لم يلد، ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله تعالى لا يموت، ولا يورث.
وروى أبو العالية: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر آلهتهم، فقالوا: انسب لنا ربك، قال: فأتاه جبريل بهذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ .
قال الترمذي: وهذا أصحّ.
قال القرطبيُّ: «ففي هذا الحديث إثبات لفظ،» قل هو الله أحد «، وعن عكرمة نحوه» .
وقال ابن عباس: «لَم يلدْ» كما ولدت مريم، و «لَمْ يُولدْ» كما ولد عيسى، وعزير، وهو رد على النصارى، وعلى من قال: عزير ابن الله، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ فقدم خبر كان على اسمها، لينساق أواخر الآي على نظم واحدٍ.
فصل في الكلام على الآية
قال ابن الخطيب: دل العقل على استحالة كونه تعالى ولداً ووالداً، والأحديَّةُ والصَّمديَّةُ يوجبان نفي كونه تعالى والداً، أو مولوداً، وذكر بعدهما كما ذكر النتيجة بعد الدليل.
قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ . في نصب «كُفُواً» وجهان:
أحدهما: أنه خبر «يَكُونُ» و «أحَدٌ» اسمها و «لهُ» متعلق بالخبر أي: ولم يكن كفواً له كما تقدم وقد رد المبرد على سيبويه بهذه الآية من حيث إنه يزعم أنه إذا تقدم الظَّرف كان هو الخبر وهنا لم يجعله خبراً مع تقدمه.
وقد رد على المبرِّد بوجهين:
أحدهما: أن سيبويه لم يحتم ذلك بل جوزه.
والثاني: أنا لا نسلم أنَّ الظرف هنا ليس بخبر، بل هو خبر، ونصب «كُفواً» على الحال، على ما سيأتي بيانه.
وقال الزمخشري: الكلام العربي الفصيح، أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه في كتابه على ذلك، فما باله مقدماً في أفصح كلام وأعربه؟
قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبُّه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقديم وأحراه.
والثاني: أن ينصب على الحال من «أحدٌ» ؛ لأنه كان صفة، فلما تقدم عليه نصب حالاً و «له» هو الخبر. قاله مكي، وأبو البقاء، وغيرهما.
ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الجار لوقوعه خبراً.
قال أبو حيان بعد أن حكى كلام الزمخشري ومكي: وهذه الجملة ليست من هذا الباب، وذلك أن قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ليس الجار والمجرور فيه تامَّا، إنما هو ناقص، لا يصلح أن يكون خبراً ل «كان» بل متعلق ب «كُفُواً» ، وتقدم على «كُفُواً» للاهتمام به إذ فيه ضمير الباري تعالى وتوسط الخبر وإن كان الأصل التأخير؛ لآن تأخير الاسم هو فاصلة، فحسن ذلك، وعلى هذا الذي قررناه يبطل إعراب مكي وغيره، أن «لهُ» والخبر، و «كُفُواً» حال من «أحَدٌ» لأنه ظرف ناقص، ولا يصلح أن يكون خبراً، وبذلك يبطل سؤال الزمخشري وجوابه، وسيبويه إنما تكلم في الظرف الذي يصلح أن يكون خبراً، ويصلح أن يكون غير خبر.
قال سيبويه: وتقول: ما كان فيها أحد خير منك، وما كان أحد مثلك فيها، وليس أحد فيها خير منك، إذا جعلت «فيها» مستقراً ولم تجعله على قولك: فيها زيد قائم، ثم أجريت الصفة على الاسم فإن جعلته على قولك: فيها زيد قائم نصبت، تقول: ما كان فيها أحد خيراً منك، وما كان أحد خيراً منك فيها، إلا أنك إذا أردت الإلغاء، فكلما أخرت الذي تلغيه كان أحسن، وإذا أردت أن يكون مستقراً، تكتفي به، فكلما قدمته كان أحسن، والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير، قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ .
وقال الشاعر: [الرجز]
5357 - مَا دَامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا ... انتهى كلام سيبويه.
قال أبو حيَّان: فأنت ترى كلامه، وتمثيله بالظرف الذي لا يصلح أن يكون خبراً، ومعنى قوله: «مستقرَّا» أي: خبراً للمبتدأ، ول «كان» .
فإن قلت: قد مثل بالآية الكريمة.
قلت: هذا الذي أوقع مكياً والزمخشري وغيرهما فيما وقعوا فيه، وإنما أراد سيبويه أن الظرف التام، وهو في قوله: [الرجز]
5358 - مَا دَامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا ... أجري فضلة، لا خبراً، كما أن «لهُ» في الآية أجري فضلة، فجعل الظرف القابل أن يكون خبراً كالظرف الناقص في كونه لم يستعمل خبراً، ولا يشك من له ذهن صحيح أنه لا ينعقد كلام من قوله: «ولم يكن له أحد» بل لو تأخر «كُفُواًُ» وارتفع على الصفة وجعل «لهُ» خبراً لم ينعقد منه كلام، بل أنت ترى أن النفي لم يتسلط إلا على الخبر الذي هو «كُفُواً» و «لَهُ» متعلق به، والمعنى: لم يكن أحد مكافئه انتهى ما قاله ابن حيَّان.
قال شهاب الدين: قوله: «ولا يشك» إلى آخره، تهويل على الناظر، وإلا فقوله: «هذا الظرف ناقص» ممنوع، لأن الظرف الناقص عبارة عما لم يكن في الإخبار به فائدة كالمقطوع عن الإضافة ونحوه، وقد نقل سيبويه الأمثلة المتقدمة، نحو: «ما كان فيها أحد خيراً منك» وما الفرق بين هذا، وبين الآية الكريمة، وكيف يقول هذا، وقد قال سيبويه في آخر كلامه: «والتقديم والتأخير، والإلغاء، والاستقرار عربي جيد كثير» .
فصل
قرأ العامة: «كُفُواً» بضم الكاف والفاء، وقد سهل الهمزة الأعرج ونافع في رواية، وسكن الفاء حمزة وأبدل الهمزة واواً وقفاً خاصة، وأبدلها حفص واواً مطلقاً، والباقون بالهمزة مطلقاً.
قال
القرطبي
: وتقدم
في البقرة أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان إلا قوله تعالى «أتتّخذنا هزواً» .
وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم «كفاء» بالكسر والمد أي لا مثل له، وأنشد للنابغة: [البسيط]
5359 - لاَ تَقْذفنِّي برُكنٍ لا كِفاءَ لَهُ ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقرأ نافع في رواية: كِفَا بالكسر وفتح الفاء من غير مد كأنه نقل حركة الهمزة وحذفها.
والكفو النظير كقوله: هذا كفؤ لك: أي نظيرك، والاسم الكفاءة بالفتح.
قال ابن الخطيب: والتحقيق أنه تعالى لما أثبت الأحديَّة، والصمديّة، ونفى الوالدية، والمولودية ختم السورة بأن شيئاً من الموجودات يمتنع أن يساويه في شيء من صفات الجلال، والعظمة لانفراده سبحانه، وتعالى بوجوب الوجود لذاته.
فصل
روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يَقُول الله تعالى: كذَّبنِي ابنُ آدمَ ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، وشَتمنِي ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، فأما تَكْذيبهُ فقوله: لن يُعِيدنِي كَمَا بَدأنِي، وليْسَ بأوَّل الخَلقِ وليس بأهْونَ عليَّ مِنْ إعَادَتِهِ، وأمَّا شتمهُ إيَّاي، فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحدُ الصَّمَدُ، لم ألدْ ولم أولَدْ ولم يكن لي كفواً أحد» .
فصل في فضائل هذه السورة
روى البخاري عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فذكر ذلك له، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» والَّذي نَفْسِي بيدهِ، إنَّها لتعْدِلُ ثُلثَ القُرآنِ «» لأن القرآن أنزل ثلاثاً؛ ثلثاً: أحكام. وثلثاً: وعد ووعيد. وثلثاً: أسماء وصفات، وجمعت هذه السورة أحد الأثلاث، وهو الأسماء والصفات.
وروى مسلم عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم ب ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ ، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال:» سلُوه لأيِّ شيءٍ يصْنَعُ ذلِكَ» ؟ فسألوه: فقال: لأنَّها صفةُ الرَّحمنِ، فأنا أحبُّ أن أقرأ بها، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أخبرُوهُ أنَّ الله تعالى يُحِبُّهُ» » .
وروى الترمذي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سمع رجلاً يقول: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» وَجَبَتْ» ، قلتُ: ومَا وَجبَتْ؟ قال: «الجَنَّةُ» » .
وروى أنس عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ خمسِينَ مرَّة غُفِرَتْ ذُنوبهُ» .
وروى سعيد بن المسيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ أحَدَ عشرة مرَّة بَنَى اللهُ لهُ قصْراً في الجنَّةِ، ومن قَرَأهَا عِشْرينَ مَرَّةً بَنى اللهُ لهُ قَصرينِ في الجنَّة، ومن قَرأهَا ثلاثين مرَّةً، بَنَى له بِهَا ثلاثة قُصُورٍ في الجنَّة «فقال عمرُ بن الخطاب: والله يا رسول الله إذاً لنُكثِّرنَّ قُصُورنَا، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -:» اللهُ أوسعُ مِنْ ذلِكَ «» .
وقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ في مَرَضِه الَّذي يَمُوتُ فِيهِ لمْ يُفْتَنْ في قَبْرِهِ، وأمِنَ من ضغطهِ القبْرِ، وحمَلتهُ الملائِكةُ يومَ القِيامةِ بأكُفِّها، حتَّى يُجيزَ الصِّراطَ إلى الجنَّةِ» . فصل في أسماء هذه السورة
في أسمائها: قال ابن الخطيب: سورة التفريد، وسورة التجريد، وسورة التوحيد، وسورة الإخلاص، وسورة النجاة، وسورة الولاية، وسورة النسبة، لقولهم: انسبْ لنا ربَّك، وسورة المعرفة، وسورة الجمال، وسورة البراءة؛ لأنها تبرئ من النفاق، وسورة الأساس، وسورة المحضر؛ لأن الملائكة تحضر لسماعها، وسورة المانعة، والمنفرة، لأنها تنفر الشيطان، وسورة النور، لأنها تنور القلب، والله نور السموات والأرض. والله أعلم.
سورة الفلق
الإخلاص 112:2
مكية في قول ابن مسعود، والحسن وعطاء وعكرمة وجابر، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك، والسدي، وهي أربع آيات، وخمس عشرة كلمة، وسبعة وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ . في «هُوَ» وجهان:
أحدهما: أنه ضمير عائد على ما يفهم من السياق، فإنه يروى في سبب النزول أنهم قالوا: صف لنا ربَّك وانسبه.
وقيل: قالوا له: أنُحَاسٌ هو أم حَديدٌ؟ فنزلت.
وحينئذ يجوز أن يكون «اللهُ» مبتدأ، و «أحد» خبره، والجملة خبر الأولِ، ويجوز أن يكون «الله» بدلاً، و «أحد» الخبر، ويجوز أن يكون «الله» خبراً أولاً، و «أحد» خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون «أحد» خبراً لمبتدأ محذوف، أي «هو أحد» ، والثاني: ضمير الشأن؛ لأنه موضع تعظيم، والجملة بعد خبره مفسرة.
وهمزة «أحد» بدل من واو؛ لأنه من الوحدة، وإبدال الهمزة من الواو المفتوحة قليل، منه: امرأة أناة من الونى، وهو الفُتُور، وتقدم الفرق بين «أحد» هذا، و «أحد» المراد به العموم، فإن همزة ذاك أصل بنفسها.
ونقل أبو البقاء: أن همزة «أحد» هذا غير مقلوبة، بل أصلها بنفسها، فالمراد به العموم. والأول هو المعروف.
وفرق ثعلب بين «أحد» و «واحد» بأنَّ الواحد يدخله العدد والجمع والاثنان و «أحد» لا يدخله ذلك، ويقال: اللهُ أحد، ولا يقال: زيد أحد؛ لأن الله تعالى هذه الخصوصية، وزيد له حالات شتى. ورد عليه أبو حيَّان بأنه يقال: أحد وعشرون، ونحوه، فقد دخله العدد انتهى.
وقال مكيٌّ: إن أصله: «واحد» فأبدلت الواو همزة، فاجتمع ألفان؛ لأن الهمزة تشبه الألف، فحذفت إحداهما تخفيفاً.
وقرأ عبد الله وأبيّ: ﴿الله أَحَدٌ﴾ دون «قُلْ» .
وقرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿الله أَحَدٌ﴾ بغير ﴿قُلْ هُوَ﴾ .
وقرأ الأعمش: «قل هو الله الواحد» .
وقرأ العامة: بتنوين «أحَدٌ» وهو الأصل.
وزيد بن علي وأبان بن عثمان، وابن أبي إسحاق والحسن، وأبو السمال، وأبو عمرو في رواية، في عدد كثير: بحذف التنوين للخفة، ولالتقاء الساكنين، كقوله: [الكامل]
5352 - عَمروُ الذي هَشمَ الثَّريدَ لقومهِ ... ورِجالُ مكَّة مُسنتُونَ عِجَافُ
وقوله: [المتقارب]
5353 - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ولا ذَاكِرَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاً
فصل
والصمد: الذي يصمدُ إليه في الحاجات، ولا يقدر على قضائها إلا هو.
قال: [الطويل]
5354 - ألاَ بكَّرَ النَّاعِي بخَيْرِ بَنِي أسَدْ ... بِعمْرِو بنِ مسعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
وقال آخر: [البسيط] 5355 - عَلوتهُ بحُسَامٍ ثُمَّ قلتُ لهُ ... خُذهَا حُذيْفُ فأنتَ السيِّدُ الصَّمدُ
وقيل: الصمد: المصمت الذي لا جوف له.
ومنه قوله: [الطويل]
5356 - شِهَابُ حُروبٍ لا تَزَالُ جِيَادهُ ... عَوابِسَ يَعلُكْنَ الشَّكيمَ المُصَمَّدَا
وقال أبيّ بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: تفسيره، من قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وهذا يشبه ما قالوه من تفسير الهلوع، والأحسن في هذه الجملة أن تكون مستقلة بفائدة هذا الخبر، ويجوز أن يكون «الصَّمدُ» صفة، والخبر في الجملة بعده، كذا قيل، وهو ضعيف من حيث السِّياق، فإن السياق يقتضي الاستقلال بأخبار عن كل جملة.
قال القرطبي: [ «لأنه ليس شيء إلا سيموت] ، وليس شيء يموت إلا يورث» .
قيل: الصمد: الدائمُ الباقي الذي لم يزل، ولا يزال.
وقال أبو هريرة: إنه المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد.
وقال السديُّ: إنه المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب.
[وقال الحسن بن الفضل: إنه الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
وقال مقاتل: إنه الكامل الذي لا عيب فيه] .
قال القرطبيُّ: والصحيح من هذه الأقوال ما شهد له الاشتقاق وهو القول الأول، ذكره الخطابي.
فصل في لفظ أحد
قال ابن الخطيب: ونكر لفظ أحد، لأن الذي يعرفه الخلق من الموجودات محسوس، وكل محسوس منقسم، فأما ما لا ينقسم فلا يعرف، وعرَّف الصمد؛ لأنه الذي يقصد إليه في الحوائج، وذلك معلوم عند الخلق، وقدم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وإن كان العرف سبق؛ لأنه الأهم، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ كالحجة على أنه لم يلدْ، وجاء هنا ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ، وفي سورة «الإسراء» : ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ [الإسراء: 111] ، لأن من النصارى من يقول: عيسى ولدُ الله حقيقة، ومنهم من يقول: إن الله اتخذه ولداً تشريفاً، فنفى الأمرين.
فصل في الرد على من أسقط «قل هو»
قال القرطبي: وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، وقرأ «الله الواحد الصمد» والناس يستمعون، فأسقط «قل هو» وزعم أنه ليس من القرآن، وغير لفظ «أحد» ، وادَّعى أن هذا الصواب، والذي عليه الناس هو الباطلُ، فأبطل معنى الآية، لأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جواباً لأهل الشركِ، لما قالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: صِفْ لَنَا ربَّك أمِنْ ذهبٍ هُو أم من نُحاس أم من [صفر] ؟ .
فقال الله تعالى رداً عليهم: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ ، ففي «هُوَ» دلالة على موضع الرد، ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، وصح الافتراء على الله - عَزَّ وَجَلَّ - والتكذيب لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وروى الترمذي عن أبيِّ بن كعب: أن المشركين قالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «انسب لنا ربك» فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ، والصمد: الذي لم يلد، ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله تعالى لا يموت، ولا يورث.
وروى أبو العالية: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر آلهتهم، فقالوا: انسب لنا ربك، قال: فأتاه جبريل بهذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ .
قال الترمذي: وهذا أصحّ.
قال القرطبيُّ: «ففي هذا الحديث إثبات لفظ،» قل هو الله أحد «، وعن عكرمة نحوه» .
وقال ابن عباس: «لَم يلدْ» كما ولدت مريم، و «لَمْ يُولدْ» كما ولد عيسى، وعزير، وهو رد على النصارى، وعلى من قال: عزير ابن الله، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ فقدم خبر كان على اسمها، لينساق أواخر الآي على نظم واحدٍ.
فصل في الكلام على الآية
قال ابن الخطيب: دل العقل على استحالة كونه تعالى ولداً ووالداً، والأحديَّةُ والصَّمديَّةُ يوجبان نفي كونه تعالى والداً، أو مولوداً، وذكر بعدهما كما ذكر النتيجة بعد الدليل.
قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ . في نصب «كُفُواً» وجهان:
أحدهما: أنه خبر «يَكُونُ» و «أحَدٌ» اسمها و «لهُ» متعلق بالخبر أي: ولم يكن كفواً له كما تقدم وقد رد المبرد على سيبويه بهذه الآية من حيث إنه يزعم أنه إذا تقدم الظَّرف كان هو الخبر وهنا لم يجعله خبراً مع تقدمه.
وقد رد على المبرِّد بوجهين:
أحدهما: أن سيبويه لم يحتم ذلك بل جوزه.
والثاني: أنا لا نسلم أنَّ الظرف هنا ليس بخبر، بل هو خبر، ونصب «كُفواً» على الحال، على ما سيأتي بيانه.
وقال الزمخشري: الكلام العربي الفصيح، أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه في كتابه على ذلك، فما باله مقدماً في أفصح كلام وأعربه؟
قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبُّه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقديم وأحراه.
والثاني: أن ينصب على الحال من «أحدٌ» ؛ لأنه كان صفة، فلما تقدم عليه نصب حالاً و «له» هو الخبر. قاله مكي، وأبو البقاء، وغيرهما.
ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الجار لوقوعه خبراً.
قال أبو حيان بعد أن حكى كلام الزمخشري ومكي: وهذه الجملة ليست من هذا الباب، وذلك أن قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ليس الجار والمجرور فيه تامَّا، إنما هو ناقص، لا يصلح أن يكون خبراً ل «كان» بل متعلق ب «كُفُواً» ، وتقدم على «كُفُواً» للاهتمام به إذ فيه ضمير الباري تعالى وتوسط الخبر وإن كان الأصل التأخير؛ لآن تأخير الاسم هو فاصلة، فحسن ذلك، وعلى هذا الذي قررناه يبطل إعراب مكي وغيره، أن «لهُ» والخبر، و «كُفُواً» حال من «أحَدٌ» لأنه ظرف ناقص، ولا يصلح أن يكون خبراً، وبذلك يبطل سؤال الزمخشري وجوابه، وسيبويه إنما تكلم في الظرف الذي يصلح أن يكون خبراً، ويصلح أن يكون غير خبر.
قال سيبويه: وتقول: ما كان فيها أحد خير منك، وما كان أحد مثلك فيها، وليس أحد فيها خير منك، إذا جعلت «فيها» مستقراً ولم تجعله على قولك: فيها زيد قائم، ثم أجريت الصفة على الاسم فإن جعلته على قولك: فيها زيد قائم نصبت، تقول: ما كان فيها أحد خيراً منك، وما كان أحد خيراً منك فيها، إلا أنك إذا أردت الإلغاء، فكلما أخرت الذي تلغيه كان أحسن، وإذا أردت أن يكون مستقراً، تكتفي به، فكلما قدمته كان أحسن، والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير، قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ .
وقال الشاعر: [الرجز]
5357 - مَا دَامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا ... انتهى كلام سيبويه.
قال أبو حيَّان: فأنت ترى كلامه، وتمثيله بالظرف الذي لا يصلح أن يكون خبراً، ومعنى قوله: «مستقرَّا» أي: خبراً للمبتدأ، ول «كان» .
فإن قلت: قد مثل بالآية الكريمة.
قلت: هذا الذي أوقع مكياً والزمخشري وغيرهما فيما وقعوا فيه، وإنما أراد سيبويه أن الظرف التام، وهو في قوله: [الرجز]
5358 - مَا دَامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا ... أجري فضلة، لا خبراً، كما أن «لهُ» في الآية أجري فضلة، فجعل الظرف القابل أن يكون خبراً كالظرف الناقص في كونه لم يستعمل خبراً، ولا يشك من له ذهن صحيح أنه لا ينعقد كلام من قوله: «ولم يكن له أحد» بل لو تأخر «كُفُواًُ» وارتفع على الصفة وجعل «لهُ» خبراً لم ينعقد منه كلام، بل أنت ترى أن النفي لم يتسلط إلا على الخبر الذي هو «كُفُواً» و «لَهُ» متعلق به، والمعنى: لم يكن أحد مكافئه انتهى ما قاله ابن حيَّان.
قال شهاب الدين: قوله: «ولا يشك» إلى آخره، تهويل على الناظر، وإلا فقوله: «هذا الظرف ناقص» ممنوع، لأن الظرف الناقص عبارة عما لم يكن في الإخبار به فائدة كالمقطوع عن الإضافة ونحوه، وقد نقل سيبويه الأمثلة المتقدمة، نحو: «ما كان فيها أحد خيراً منك» وما الفرق بين هذا، وبين الآية الكريمة، وكيف يقول هذا، وقد قال سيبويه في آخر كلامه: «والتقديم والتأخير، والإلغاء، والاستقرار عربي جيد كثير» .
فصل
قرأ العامة: «كُفُواً» بضم الكاف والفاء، وقد سهل الهمزة الأعرج ونافع في رواية، وسكن الفاء حمزة وأبدل الهمزة واواً وقفاً خاصة، وأبدلها حفص واواً مطلقاً، والباقون بالهمزة مطلقاً.
قال
القرطبي
: وتقدم
في البقرة أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان إلا قوله تعالى «أتتّخذنا هزواً» .
وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم «كفاء» بالكسر والمد أي لا مثل له، وأنشد للنابغة: [البسيط]
5359 - لاَ تَقْذفنِّي برُكنٍ لا كِفاءَ لَهُ ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقرأ نافع في رواية: كِفَا بالكسر وفتح الفاء من غير مد كأنه نقل حركة الهمزة وحذفها.
والكفو النظير كقوله: هذا كفؤ لك: أي نظيرك، والاسم الكفاءة بالفتح.
قال ابن الخطيب: والتحقيق أنه تعالى لما أثبت الأحديَّة، والصمديّة، ونفى الوالدية، والمولودية ختم السورة بأن شيئاً من الموجودات يمتنع أن يساويه في شيء من صفات الجلال، والعظمة لانفراده سبحانه، وتعالى بوجوب الوجود لذاته.
فصل
روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يَقُول الله تعالى: كذَّبنِي ابنُ آدمَ ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، وشَتمنِي ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، فأما تَكْذيبهُ فقوله: لن يُعِيدنِي كَمَا بَدأنِي، وليْسَ بأوَّل الخَلقِ وليس بأهْونَ عليَّ مِنْ إعَادَتِهِ، وأمَّا شتمهُ إيَّاي، فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحدُ الصَّمَدُ، لم ألدْ ولم أولَدْ ولم يكن لي كفواً أحد» .
فصل في فضائل هذه السورة
روى البخاري عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فذكر ذلك له، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» والَّذي نَفْسِي بيدهِ، إنَّها لتعْدِلُ ثُلثَ القُرآنِ «» لأن القرآن أنزل ثلاثاً؛ ثلثاً: أحكام. وثلثاً: وعد ووعيد. وثلثاً: أسماء وصفات، وجمعت هذه السورة أحد الأثلاث، وهو الأسماء والصفات.
وروى مسلم عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم ب ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ ، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال:» سلُوه لأيِّ شيءٍ يصْنَعُ ذلِكَ» ؟ فسألوه: فقال: لأنَّها صفةُ الرَّحمنِ، فأنا أحبُّ أن أقرأ بها، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أخبرُوهُ أنَّ الله تعالى يُحِبُّهُ» » .
وروى الترمذي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سمع رجلاً يقول: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» وَجَبَتْ» ، قلتُ: ومَا وَجبَتْ؟ قال: «الجَنَّةُ» » .
وروى أنس عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ خمسِينَ مرَّة غُفِرَتْ ذُنوبهُ» .
وروى سعيد بن المسيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ أحَدَ عشرة مرَّة بَنَى اللهُ لهُ قصْراً في الجنَّةِ، ومن قَرَأهَا عِشْرينَ مَرَّةً بَنى اللهُ لهُ قَصرينِ في الجنَّة، ومن قَرأهَا ثلاثين مرَّةً، بَنَى له بِهَا ثلاثة قُصُورٍ في الجنَّة «فقال عمرُ بن الخطاب: والله يا رسول الله إذاً لنُكثِّرنَّ قُصُورنَا، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -:» اللهُ أوسعُ مِنْ ذلِكَ «» .
وقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ في مَرَضِه الَّذي يَمُوتُ فِيهِ لمْ يُفْتَنْ في قَبْرِهِ، وأمِنَ من ضغطهِ القبْرِ، وحمَلتهُ الملائِكةُ يومَ القِيامةِ بأكُفِّها، حتَّى يُجيزَ الصِّراطَ إلى الجنَّةِ» . فصل في أسماء هذه السورة
في أسمائها: قال ابن الخطيب: سورة التفريد، وسورة التجريد، وسورة التوحيد، وسورة الإخلاص، وسورة النجاة، وسورة الولاية، وسورة النسبة، لقولهم: انسبْ لنا ربَّك، وسورة المعرفة، وسورة الجمال، وسورة البراءة؛ لأنها تبرئ من النفاق، وسورة الأساس، وسورة المحضر؛ لأن الملائكة تحضر لسماعها، وسورة المانعة، والمنفرة، لأنها تنفر الشيطان، وسورة النور، لأنها تنور القلب، والله نور السموات والأرض. والله أعلم.
سورة الفلق
الإخلاص 112:3
مكية في قول ابن مسعود، والحسن وعطاء وعكرمة وجابر، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك، والسدي، وهي أربع آيات، وخمس عشرة كلمة، وسبعة وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ . في «هُوَ» وجهان:
أحدهما: أنه ضمير عائد على ما يفهم من السياق، فإنه يروى في سبب النزول أنهم قالوا: صف لنا ربَّك وانسبه.
وقيل: قالوا له: أنُحَاسٌ هو أم حَديدٌ؟ فنزلت.
وحينئذ يجوز أن يكون «اللهُ» مبتدأ، و «أحد» خبره، والجملة خبر الأولِ، ويجوز أن يكون «الله» بدلاً، و «أحد» الخبر، ويجوز أن يكون «الله» خبراً أولاً، و «أحد» خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون «أحد» خبراً لمبتدأ محذوف، أي «هو أحد» ، والثاني: ضمير الشأن؛ لأنه موضع تعظيم، والجملة بعد خبره مفسرة.
وهمزة «أحد» بدل من واو؛ لأنه من الوحدة، وإبدال الهمزة من الواو المفتوحة قليل، منه: امرأة أناة من الونى، وهو الفُتُور، وتقدم الفرق بين «أحد» هذا، و «أحد» المراد به العموم، فإن همزة ذاك أصل بنفسها.
ونقل أبو البقاء: أن همزة «أحد» هذا غير مقلوبة، بل أصلها بنفسها، فالمراد به العموم. والأول هو المعروف.
وفرق ثعلب بين «أحد» و «واحد» بأنَّ الواحد يدخله العدد والجمع والاثنان و «أحد» لا يدخله ذلك، ويقال: اللهُ أحد، ولا يقال: زيد أحد؛ لأن الله تعالى هذه الخصوصية، وزيد له حالات شتى. ورد عليه أبو حيَّان بأنه يقال: أحد وعشرون، ونحوه، فقد دخله العدد انتهى.
وقال مكيٌّ: إن أصله: «واحد» فأبدلت الواو همزة، فاجتمع ألفان؛ لأن الهمزة تشبه الألف، فحذفت إحداهما تخفيفاً.
وقرأ عبد الله وأبيّ: ﴿الله أَحَدٌ﴾ دون «قُلْ» .
وقرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿الله أَحَدٌ﴾ بغير ﴿قُلْ هُوَ﴾ .
وقرأ الأعمش: «قل هو الله الواحد» .
وقرأ العامة: بتنوين «أحَدٌ» وهو الأصل.
وزيد بن علي وأبان بن عثمان، وابن أبي إسحاق والحسن، وأبو السمال، وأبو عمرو في رواية، في عدد كثير: بحذف التنوين للخفة، ولالتقاء الساكنين، كقوله: [الكامل]
5352 - عَمروُ الذي هَشمَ الثَّريدَ لقومهِ ... ورِجالُ مكَّة مُسنتُونَ عِجَافُ
وقوله: [المتقارب]
5353 - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ولا ذَاكِرَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاً
فصل
والصمد: الذي يصمدُ إليه في الحاجات، ولا يقدر على قضائها إلا هو.
قال: [الطويل]
5354 - ألاَ بكَّرَ النَّاعِي بخَيْرِ بَنِي أسَدْ ... بِعمْرِو بنِ مسعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
وقال آخر: [البسيط] 5355 - عَلوتهُ بحُسَامٍ ثُمَّ قلتُ لهُ ... خُذهَا حُذيْفُ فأنتَ السيِّدُ الصَّمدُ
وقيل: الصمد: المصمت الذي لا جوف له.
ومنه قوله: [الطويل]
5356 - شِهَابُ حُروبٍ لا تَزَالُ جِيَادهُ ... عَوابِسَ يَعلُكْنَ الشَّكيمَ المُصَمَّدَا
وقال أبيّ بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: تفسيره، من قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وهذا يشبه ما قالوه من تفسير الهلوع، والأحسن في هذه الجملة أن تكون مستقلة بفائدة هذا الخبر، ويجوز أن يكون «الصَّمدُ» صفة، والخبر في الجملة بعده، كذا قيل، وهو ضعيف من حيث السِّياق، فإن السياق يقتضي الاستقلال بأخبار عن كل جملة.
قال القرطبي: [ «لأنه ليس شيء إلا سيموت] ، وليس شيء يموت إلا يورث» .
قيل: الصمد: الدائمُ الباقي الذي لم يزل، ولا يزال.
وقال أبو هريرة: إنه المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد.
وقال السديُّ: إنه المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب.
[وقال الحسن بن الفضل: إنه الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
وقال مقاتل: إنه الكامل الذي لا عيب فيه] .
قال القرطبيُّ: والصحيح من هذه الأقوال ما شهد له الاشتقاق وهو القول الأول، ذكره الخطابي.
فصل في لفظ أحد
قال ابن الخطيب: ونكر لفظ أحد، لأن الذي يعرفه الخلق من الموجودات محسوس، وكل محسوس منقسم، فأما ما لا ينقسم فلا يعرف، وعرَّف الصمد؛ لأنه الذي يقصد إليه في الحوائج، وذلك معلوم عند الخلق، وقدم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وإن كان العرف سبق؛ لأنه الأهم، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ كالحجة على أنه لم يلدْ، وجاء هنا ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ، وفي سورة «الإسراء» : ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ [الإسراء: 111] ، لأن من النصارى من يقول: عيسى ولدُ الله حقيقة، ومنهم من يقول: إن الله اتخذه ولداً تشريفاً، فنفى الأمرين.
فصل في الرد على من أسقط «قل هو»
قال القرطبي: وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، وقرأ «الله الواحد الصمد» والناس يستمعون، فأسقط «قل هو» وزعم أنه ليس من القرآن، وغير لفظ «أحد» ، وادَّعى أن هذا الصواب، والذي عليه الناس هو الباطلُ، فأبطل معنى الآية، لأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جواباً لأهل الشركِ، لما قالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: صِفْ لَنَا ربَّك أمِنْ ذهبٍ هُو أم من نُحاس أم من [صفر] ؟ .
فقال الله تعالى رداً عليهم: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ ، ففي «هُوَ» دلالة على موضع الرد، ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، وصح الافتراء على الله - عَزَّ وَجَلَّ - والتكذيب لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وروى الترمذي عن أبيِّ بن كعب: أن المشركين قالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «انسب لنا ربك» فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ، والصمد: الذي لم يلد، ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله تعالى لا يموت، ولا يورث.
وروى أبو العالية: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر آلهتهم، فقالوا: انسب لنا ربك، قال: فأتاه جبريل بهذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ .
قال الترمذي: وهذا أصحّ.
قال القرطبيُّ: «ففي هذا الحديث إثبات لفظ،» قل هو الله أحد «، وعن عكرمة نحوه» .
وقال ابن عباس: «لَم يلدْ» كما ولدت مريم، و «لَمْ يُولدْ» كما ولد عيسى، وعزير، وهو رد على النصارى، وعلى من قال: عزير ابن الله، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ فقدم خبر كان على اسمها، لينساق أواخر الآي على نظم واحدٍ.
فصل في الكلام على الآية
قال ابن الخطيب: دل العقل على استحالة كونه تعالى ولداً ووالداً، والأحديَّةُ والصَّمديَّةُ يوجبان نفي كونه تعالى والداً، أو مولوداً، وذكر بعدهما كما ذكر النتيجة بعد الدليل.
قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ . في نصب «كُفُواً» وجهان:
أحدهما: أنه خبر «يَكُونُ» و «أحَدٌ» اسمها و «لهُ» متعلق بالخبر أي: ولم يكن كفواً له كما تقدم وقد رد المبرد على سيبويه بهذه الآية من حيث إنه يزعم أنه إذا تقدم الظَّرف كان هو الخبر وهنا لم يجعله خبراً مع تقدمه.
وقد رد على المبرِّد بوجهين:
أحدهما: أن سيبويه لم يحتم ذلك بل جوزه.
والثاني: أنا لا نسلم أنَّ الظرف هنا ليس بخبر، بل هو خبر، ونصب «كُفواً» على الحال، على ما سيأتي بيانه.
وقال الزمخشري: الكلام العربي الفصيح، أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه في كتابه على ذلك، فما باله مقدماً في أفصح كلام وأعربه؟
قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبُّه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقديم وأحراه.
والثاني: أن ينصب على الحال من «أحدٌ» ؛ لأنه كان صفة، فلما تقدم عليه نصب حالاً و «له» هو الخبر. قاله مكي، وأبو البقاء، وغيرهما.
ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الجار لوقوعه خبراً.
قال أبو حيان بعد أن حكى كلام الزمخشري ومكي: وهذه الجملة ليست من هذا الباب، وذلك أن قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ليس الجار والمجرور فيه تامَّا، إنما هو ناقص، لا يصلح أن يكون خبراً ل «كان» بل متعلق ب «كُفُواً» ، وتقدم على «كُفُواً» للاهتمام به إذ فيه ضمير الباري تعالى وتوسط الخبر وإن كان الأصل التأخير؛ لآن تأخير الاسم هو فاصلة، فحسن ذلك، وعلى هذا الذي قررناه يبطل إعراب مكي وغيره، أن «لهُ» والخبر، و «كُفُواً» حال من «أحَدٌ» لأنه ظرف ناقص، ولا يصلح أن يكون خبراً، وبذلك يبطل سؤال الزمخشري وجوابه، وسيبويه إنما تكلم في الظرف الذي يصلح أن يكون خبراً، ويصلح أن يكون غير خبر.
قال سيبويه: وتقول: ما كان فيها أحد خير منك، وما كان أحد مثلك فيها، وليس أحد فيها خير منك، إذا جعلت «فيها» مستقراً ولم تجعله على قولك: فيها زيد قائم، ثم أجريت الصفة على الاسم فإن جعلته على قولك: فيها زيد قائم نصبت، تقول: ما كان فيها أحد خيراً منك، وما كان أحد خيراً منك فيها، إلا أنك إذا أردت الإلغاء، فكلما أخرت الذي تلغيه كان أحسن، وإذا أردت أن يكون مستقراً، تكتفي به، فكلما قدمته كان أحسن، والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير، قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ .
وقال الشاعر: [الرجز]
5357 - مَا دَامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا ... انتهى كلام سيبويه.
قال أبو حيَّان: فأنت ترى كلامه، وتمثيله بالظرف الذي لا يصلح أن يكون خبراً، ومعنى قوله: «مستقرَّا» أي: خبراً للمبتدأ، ول «كان» .
فإن قلت: قد مثل بالآية الكريمة.
قلت: هذا الذي أوقع مكياً والزمخشري وغيرهما فيما وقعوا فيه، وإنما أراد سيبويه أن الظرف التام، وهو في قوله: [الرجز]
5358 - مَا دَامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا ... أجري فضلة، لا خبراً، كما أن «لهُ» في الآية أجري فضلة، فجعل الظرف القابل أن يكون خبراً كالظرف الناقص في كونه لم يستعمل خبراً، ولا يشك من له ذهن صحيح أنه لا ينعقد كلام من قوله: «ولم يكن له أحد» بل لو تأخر «كُفُواًُ» وارتفع على الصفة وجعل «لهُ» خبراً لم ينعقد منه كلام، بل أنت ترى أن النفي لم يتسلط إلا على الخبر الذي هو «كُفُواً» و «لَهُ» متعلق به، والمعنى: لم يكن أحد مكافئه انتهى ما قاله ابن حيَّان.
قال شهاب الدين: قوله: «ولا يشك» إلى آخره، تهويل على الناظر، وإلا فقوله: «هذا الظرف ناقص» ممنوع، لأن الظرف الناقص عبارة عما لم يكن في الإخبار به فائدة كالمقطوع عن الإضافة ونحوه، وقد نقل سيبويه الأمثلة المتقدمة، نحو: «ما كان فيها أحد خيراً منك» وما الفرق بين هذا، وبين الآية الكريمة، وكيف يقول هذا، وقد قال سيبويه في آخر كلامه: «والتقديم والتأخير، والإلغاء، والاستقرار عربي جيد كثير» .
فصل
قرأ العامة: «كُفُواً» بضم الكاف والفاء، وقد سهل الهمزة الأعرج ونافع في رواية، وسكن الفاء حمزة وأبدل الهمزة واواً وقفاً خاصة، وأبدلها حفص واواً مطلقاً، والباقون بالهمزة مطلقاً.
قال
القرطبي
: وتقدم
في البقرة أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان إلا قوله تعالى «أتتّخذنا هزواً» .
وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم «كفاء» بالكسر والمد أي لا مثل له، وأنشد للنابغة: [البسيط]
5359 - لاَ تَقْذفنِّي برُكنٍ لا كِفاءَ لَهُ ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقرأ نافع في رواية: كِفَا بالكسر وفتح الفاء من غير مد كأنه نقل حركة الهمزة وحذفها.
والكفو النظير كقوله: هذا كفؤ لك: أي نظيرك، والاسم الكفاءة بالفتح.
قال ابن الخطيب: والتحقيق أنه تعالى لما أثبت الأحديَّة، والصمديّة، ونفى الوالدية، والمولودية ختم السورة بأن شيئاً من الموجودات يمتنع أن يساويه في شيء من صفات الجلال، والعظمة لانفراده سبحانه، وتعالى بوجوب الوجود لذاته.
فصل
روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يَقُول الله تعالى: كذَّبنِي ابنُ آدمَ ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، وشَتمنِي ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، فأما تَكْذيبهُ فقوله: لن يُعِيدنِي كَمَا بَدأنِي، وليْسَ بأوَّل الخَلقِ وليس بأهْونَ عليَّ مِنْ إعَادَتِهِ، وأمَّا شتمهُ إيَّاي، فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحدُ الصَّمَدُ، لم ألدْ ولم أولَدْ ولم يكن لي كفواً أحد» .
فصل في فضائل هذه السورة
روى البخاري عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فذكر ذلك له، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» والَّذي نَفْسِي بيدهِ، إنَّها لتعْدِلُ ثُلثَ القُرآنِ «» لأن القرآن أنزل ثلاثاً؛ ثلثاً: أحكام. وثلثاً: وعد ووعيد. وثلثاً: أسماء وصفات، وجمعت هذه السورة أحد الأثلاث، وهو الأسماء والصفات.
وروى مسلم عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم ب ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ ، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال:» سلُوه لأيِّ شيءٍ يصْنَعُ ذلِكَ» ؟ فسألوه: فقال: لأنَّها صفةُ الرَّحمنِ، فأنا أحبُّ أن أقرأ بها، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أخبرُوهُ أنَّ الله تعالى يُحِبُّهُ» » .
وروى الترمذي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سمع رجلاً يقول: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» وَجَبَتْ» ، قلتُ: ومَا وَجبَتْ؟ قال: «الجَنَّةُ» » .
وروى أنس عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ خمسِينَ مرَّة غُفِرَتْ ذُنوبهُ» .
وروى سعيد بن المسيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ أحَدَ عشرة مرَّة بَنَى اللهُ لهُ قصْراً في الجنَّةِ، ومن قَرَأهَا عِشْرينَ مَرَّةً بَنى اللهُ لهُ قَصرينِ في الجنَّة، ومن قَرأهَا ثلاثين مرَّةً، بَنَى له بِهَا ثلاثة قُصُورٍ في الجنَّة «فقال عمرُ بن الخطاب: والله يا رسول الله إذاً لنُكثِّرنَّ قُصُورنَا، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -:» اللهُ أوسعُ مِنْ ذلِكَ «» .
وقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ في مَرَضِه الَّذي يَمُوتُ فِيهِ لمْ يُفْتَنْ في قَبْرِهِ، وأمِنَ من ضغطهِ القبْرِ، وحمَلتهُ الملائِكةُ يومَ القِيامةِ بأكُفِّها، حتَّى يُجيزَ الصِّراطَ إلى الجنَّةِ» . فصل في أسماء هذه السورة
في أسمائها: قال ابن الخطيب: سورة التفريد، وسورة التجريد، وسورة التوحيد، وسورة الإخلاص، وسورة النجاة، وسورة الولاية، وسورة النسبة، لقولهم: انسبْ لنا ربَّك، وسورة المعرفة، وسورة الجمال، وسورة البراءة؛ لأنها تبرئ من النفاق، وسورة الأساس، وسورة المحضر؛ لأن الملائكة تحضر لسماعها، وسورة المانعة، والمنفرة، لأنها تنفر الشيطان، وسورة النور، لأنها تنور القلب، والله نور السموات والأرض. والله أعلم.
سورة الفلق
الإخلاص 112:4
مكية في قول ابن مسعود، والحسن وعطاء وعكرمة وجابر، ومدنية في أحد قولي ابن عباس وقتادة والضحاك، والسدي، وهي أربع آيات، وخمس عشرة كلمة، وسبعة وأربعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ . في «هُوَ» وجهان:
أحدهما: أنه ضمير عائد على ما يفهم من السياق، فإنه يروى في سبب النزول أنهم قالوا: صف لنا ربَّك وانسبه.
وقيل: قالوا له: أنُحَاسٌ هو أم حَديدٌ؟ فنزلت.
وحينئذ يجوز أن يكون «اللهُ» مبتدأ، و «أحد» خبره، والجملة خبر الأولِ، ويجوز أن يكون «الله» بدلاً، و «أحد» الخبر، ويجوز أن يكون «الله» خبراً أولاً، و «أحد» خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون «أحد» خبراً لمبتدأ محذوف، أي «هو أحد» ، والثاني: ضمير الشأن؛ لأنه موضع تعظيم، والجملة بعد خبره مفسرة.
وهمزة «أحد» بدل من واو؛ لأنه من الوحدة، وإبدال الهمزة من الواو المفتوحة قليل، منه: امرأة أناة من الونى، وهو الفُتُور، وتقدم الفرق بين «أحد» هذا، و «أحد» المراد به العموم، فإن همزة ذاك أصل بنفسها.
ونقل أبو البقاء: أن همزة «أحد» هذا غير مقلوبة، بل أصلها بنفسها، فالمراد به العموم. والأول هو المعروف.
وفرق ثعلب بين «أحد» و «واحد» بأنَّ الواحد يدخله العدد والجمع والاثنان و «أحد» لا يدخله ذلك، ويقال: اللهُ أحد، ولا يقال: زيد أحد؛ لأن الله تعالى هذه الخصوصية، وزيد له حالات شتى. ورد عليه أبو حيَّان بأنه يقال: أحد وعشرون، ونحوه، فقد دخله العدد انتهى.
وقال مكيٌّ: إن أصله: «واحد» فأبدلت الواو همزة، فاجتمع ألفان؛ لأن الهمزة تشبه الألف، فحذفت إحداهما تخفيفاً.
وقرأ عبد الله وأبيّ: ﴿الله أَحَدٌ﴾ دون «قُلْ» .
وقرأ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: ﴿الله أَحَدٌ﴾ بغير ﴿قُلْ هُوَ﴾ .
وقرأ الأعمش: «قل هو الله الواحد» .
وقرأ العامة: بتنوين «أحَدٌ» وهو الأصل.
وزيد بن علي وأبان بن عثمان، وابن أبي إسحاق والحسن، وأبو السمال، وأبو عمرو في رواية، في عدد كثير: بحذف التنوين للخفة، ولالتقاء الساكنين، كقوله: [الكامل]
5352 - عَمروُ الذي هَشمَ الثَّريدَ لقومهِ ... ورِجالُ مكَّة مُسنتُونَ عِجَافُ
وقوله: [المتقارب]
5353 - ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ولا ذَاكِرَ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلاً
فصل
والصمد: الذي يصمدُ إليه في الحاجات، ولا يقدر على قضائها إلا هو.
قال: [الطويل]
5354 - ألاَ بكَّرَ النَّاعِي بخَيْرِ بَنِي أسَدْ ... بِعمْرِو بنِ مسعُودٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ
وقال آخر: [البسيط] 5355 - عَلوتهُ بحُسَامٍ ثُمَّ قلتُ لهُ ... خُذهَا حُذيْفُ فأنتَ السيِّدُ الصَّمدُ
وقيل: الصمد: المصمت الذي لا جوف له.
ومنه قوله: [الطويل]
5356 - شِهَابُ حُروبٍ لا تَزَالُ جِيَادهُ ... عَوابِسَ يَعلُكْنَ الشَّكيمَ المُصَمَّدَا
وقال أبيّ بن كعب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: تفسيره، من قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ وهذا يشبه ما قالوه من تفسير الهلوع، والأحسن في هذه الجملة أن تكون مستقلة بفائدة هذا الخبر، ويجوز أن يكون «الصَّمدُ» صفة، والخبر في الجملة بعده، كذا قيل، وهو ضعيف من حيث السِّياق، فإن السياق يقتضي الاستقلال بأخبار عن كل جملة.
قال القرطبي: [ «لأنه ليس شيء إلا سيموت] ، وليس شيء يموت إلا يورث» .
قيل: الصمد: الدائمُ الباقي الذي لم يزل، ولا يزال.
وقال أبو هريرة: إنه المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد.
وقال السديُّ: إنه المقصود في الرغائب، والمستعان به في المصائب.
[وقال الحسن بن الفضل: إنه الذي يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
وقال مقاتل: إنه الكامل الذي لا عيب فيه] .
قال القرطبيُّ: والصحيح من هذه الأقوال ما شهد له الاشتقاق وهو القول الأول، ذكره الخطابي.
فصل في لفظ أحد
قال ابن الخطيب: ونكر لفظ أحد، لأن الذي يعرفه الخلق من الموجودات محسوس، وكل محسوس منقسم، فأما ما لا ينقسم فلا يعرف، وعرَّف الصمد؛ لأنه الذي يقصد إليه في الحوائج، وذلك معلوم عند الخلق، وقدم ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وإن كان العرف سبق؛ لأنه الأهم، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ كالحجة على أنه لم يلدْ، وجاء هنا ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ، وفي سورة «الإسراء» : ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ [الإسراء: 111] ، لأن من النصارى من يقول: عيسى ولدُ الله حقيقة، ومنهم من يقول: إن الله اتخذه ولداً تشريفاً، فنفى الأمرين.
فصل في الرد على من أسقط «قل هو»
قال القرطبي: وقد أسقط من هذه السورة من أبعده الله وأخزاه، وجعل النار مقامه ومثواه، وقرأ «الله الواحد الصمد» والناس يستمعون، فأسقط «قل هو» وزعم أنه ليس من القرآن، وغير لفظ «أحد» ، وادَّعى أن هذا الصواب، والذي عليه الناس هو الباطلُ، فأبطل معنى الآية، لأن أهل التفسير قالوا: نزلت الآية جواباً لأهل الشركِ، لما قالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: صِفْ لَنَا ربَّك أمِنْ ذهبٍ هُو أم من نُحاس أم من [صفر] ؟ .
فقال الله تعالى رداً عليهم: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ ، ففي «هُوَ» دلالة على موضع الرد، ومكان الجواب، فإذا سقط بطل معنى الآية، وصح الافتراء على الله - عَزَّ وَجَلَّ - والتكذيب لرسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
وروى الترمذي عن أبيِّ بن كعب: أن المشركين قالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «انسب لنا ربك» فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ، والصمد: الذي لم يلد، ولم يولد؛ لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله تعالى لا يموت، ولا يورث.
وروى أبو العالية: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكر آلهتهم، فقالوا: انسب لنا ربك، قال: فأتاه جبريل بهذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ .
قال الترمذي: وهذا أصحّ.
قال القرطبيُّ: «ففي هذا الحديث إثبات لفظ،» قل هو الله أحد «، وعن عكرمة نحوه» .
وقال ابن عباس: «لَم يلدْ» كما ولدت مريم، و «لَمْ يُولدْ» كما ولد عيسى، وعزير، وهو رد على النصارى، وعلى من قال: عزير ابن الله، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ فقدم خبر كان على اسمها، لينساق أواخر الآي على نظم واحدٍ.
فصل في الكلام على الآية
قال ابن الخطيب: دل العقل على استحالة كونه تعالى ولداً ووالداً، والأحديَّةُ والصَّمديَّةُ يوجبان نفي كونه تعالى والداً، أو مولوداً، وذكر بعدهما كما ذكر النتيجة بعد الدليل.
قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ . في نصب «كُفُواً» وجهان:
أحدهما: أنه خبر «يَكُونُ» و «أحَدٌ» اسمها و «لهُ» متعلق بالخبر أي: ولم يكن كفواً له كما تقدم وقد رد المبرد على سيبويه بهذه الآية من حيث إنه يزعم أنه إذا تقدم الظَّرف كان هو الخبر وهنا لم يجعله خبراً مع تقدمه.
وقد رد على المبرِّد بوجهين:
أحدهما: أن سيبويه لم يحتم ذلك بل جوزه.
والثاني: أنا لا نسلم أنَّ الظرف هنا ليس بخبر، بل هو خبر، ونصب «كُفواً» على الحال، على ما سيأتي بيانه.
وقال الزمخشري: الكلام العربي الفصيح، أن يؤخر الظرف الذي هو لغو غير مستقر ولا يقدم، وقد نص سيبويه في كتابه على ذلك، فما باله مقدماً في أفصح كلام وأعربه؟
قلت: هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مصبُّه ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقديم وأحراه.
والثاني: أن ينصب على الحال من «أحدٌ» ؛ لأنه كان صفة، فلما تقدم عليه نصب حالاً و «له» هو الخبر. قاله مكي، وأبو البقاء، وغيرهما.
ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الجار لوقوعه خبراً.
قال أبو حيان بعد أن حكى كلام الزمخشري ومكي: وهذه الجملة ليست من هذا الباب، وذلك أن قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ليس الجار والمجرور فيه تامَّا، إنما هو ناقص، لا يصلح أن يكون خبراً ل «كان» بل متعلق ب «كُفُواً» ، وتقدم على «كُفُواً» للاهتمام به إذ فيه ضمير الباري تعالى وتوسط الخبر وإن كان الأصل التأخير؛ لآن تأخير الاسم هو فاصلة، فحسن ذلك، وعلى هذا الذي قررناه يبطل إعراب مكي وغيره، أن «لهُ» والخبر، و «كُفُواً» حال من «أحَدٌ» لأنه ظرف ناقص، ولا يصلح أن يكون خبراً، وبذلك يبطل سؤال الزمخشري وجوابه، وسيبويه إنما تكلم في الظرف الذي يصلح أن يكون خبراً، ويصلح أن يكون غير خبر.
قال سيبويه: وتقول: ما كان فيها أحد خير منك، وما كان أحد مثلك فيها، وليس أحد فيها خير منك، إذا جعلت «فيها» مستقراً ولم تجعله على قولك: فيها زيد قائم، ثم أجريت الصفة على الاسم فإن جعلته على قولك: فيها زيد قائم نصبت، تقول: ما كان فيها أحد خيراً منك، وما كان أحد خيراً منك فيها، إلا أنك إذا أردت الإلغاء، فكلما أخرت الذي تلغيه كان أحسن، وإذا أردت أن يكون مستقراً، تكتفي به، فكلما قدمته كان أحسن، والتقديم والتأخير والإلغاء والاستقرار عربي جيد كثير، قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ .
وقال الشاعر: [الرجز]
5357 - مَا دَامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا ... انتهى كلام سيبويه.
قال أبو حيَّان: فأنت ترى كلامه، وتمثيله بالظرف الذي لا يصلح أن يكون خبراً، ومعنى قوله: «مستقرَّا» أي: خبراً للمبتدأ، ول «كان» .
فإن قلت: قد مثل بالآية الكريمة.
قلت: هذا الذي أوقع مكياً والزمخشري وغيرهما فيما وقعوا فيه، وإنما أراد سيبويه أن الظرف التام، وهو في قوله: [الرجز]
5358 - مَا دَامَ فيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا ... أجري فضلة، لا خبراً، كما أن «لهُ» في الآية أجري فضلة، فجعل الظرف القابل أن يكون خبراً كالظرف الناقص في كونه لم يستعمل خبراً، ولا يشك من له ذهن صحيح أنه لا ينعقد كلام من قوله: «ولم يكن له أحد» بل لو تأخر «كُفُواًُ» وارتفع على الصفة وجعل «لهُ» خبراً لم ينعقد منه كلام، بل أنت ترى أن النفي لم يتسلط إلا على الخبر الذي هو «كُفُواً» و «لَهُ» متعلق به، والمعنى: لم يكن أحد مكافئه انتهى ما قاله ابن حيَّان.
قال شهاب الدين: قوله: «ولا يشك» إلى آخره، تهويل على الناظر، وإلا فقوله: «هذا الظرف ناقص» ممنوع، لأن الظرف الناقص عبارة عما لم يكن في الإخبار به فائدة كالمقطوع عن الإضافة ونحوه، وقد نقل سيبويه الأمثلة المتقدمة، نحو: «ما كان فيها أحد خيراً منك» وما الفرق بين هذا، وبين الآية الكريمة، وكيف يقول هذا، وقد قال سيبويه في آخر كلامه: «والتقديم والتأخير، والإلغاء، والاستقرار عربي جيد كثير» .
فصل
قرأ العامة: «كُفُواً» بضم الكاف والفاء، وقد سهل الهمزة الأعرج ونافع في رواية، وسكن الفاء حمزة وأبدل الهمزة واواً وقفاً خاصة، وأبدلها حفص واواً مطلقاً، والباقون بالهمزة مطلقاً.
قال
القرطبي
: وتقدم
في البقرة أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم، فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان إلا قوله تعالى «أتتّخذنا هزواً» .
وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم «كفاء» بالكسر والمد أي لا مثل له، وأنشد للنابغة: [البسيط]
5359 - لاَ تَقْذفنِّي برُكنٍ لا كِفاءَ لَهُ ... ... ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
وقرأ نافع في رواية: كِفَا بالكسر وفتح الفاء من غير مد كأنه نقل حركة الهمزة وحذفها.
والكفو النظير كقوله: هذا كفؤ لك: أي نظيرك، والاسم الكفاءة بالفتح.
قال ابن الخطيب: والتحقيق أنه تعالى لما أثبت الأحديَّة، والصمديّة، ونفى الوالدية، والمولودية ختم السورة بأن شيئاً من الموجودات يمتنع أن يساويه في شيء من صفات الجلال، والعظمة لانفراده سبحانه، وتعالى بوجوب الوجود لذاته.
فصل
روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «يَقُول الله تعالى: كذَّبنِي ابنُ آدمَ ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، وشَتمنِي ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ، فأما تَكْذيبهُ فقوله: لن يُعِيدنِي كَمَا بَدأنِي، وليْسَ بأوَّل الخَلقِ وليس بأهْونَ عليَّ مِنْ إعَادَتِهِ، وأمَّا شتمهُ إيَّاي، فقوله: اتخذ الله ولداً، وأنا الأحدُ الصَّمَدُ، لم ألدْ ولم أولَدْ ولم يكن لي كفواً أحد» .
فصل في فضائل هذه السورة
روى البخاري عن أبي سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن رجلاً سمع رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ يرددها، فلما أصبح جاء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فذكر ذلك له، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» والَّذي نَفْسِي بيدهِ، إنَّها لتعْدِلُ ثُلثَ القُرآنِ «» لأن القرآن أنزل ثلاثاً؛ ثلثاً: أحكام. وثلثاً: وعد ووعيد. وثلثاً: أسماء وصفات، وجمعت هذه السورة أحد الأثلاث، وهو الأسماء والصفات.
وروى مسلم عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم ب ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ ، فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فقال:» سلُوه لأيِّ شيءٍ يصْنَعُ ذلِكَ» ؟ فسألوه: فقال: لأنَّها صفةُ الرَّحمنِ، فأنا أحبُّ أن أقرأ بها، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «أخبرُوهُ أنَّ الله تعالى يُحِبُّهُ» » .
وروى الترمذي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سمع رجلاً يقول: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» وَجَبَتْ» ، قلتُ: ومَا وَجبَتْ؟ قال: «الجَنَّةُ» » .
وروى أنس عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ خمسِينَ مرَّة غُفِرَتْ ذُنوبهُ» .
وروى سعيد بن المسيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «» مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ أحَدَ عشرة مرَّة بَنَى اللهُ لهُ قصْراً في الجنَّةِ، ومن قَرَأهَا عِشْرينَ مَرَّةً بَنى اللهُ لهُ قَصرينِ في الجنَّة، ومن قَرأهَا ثلاثين مرَّةً، بَنَى له بِهَا ثلاثة قُصُورٍ في الجنَّة «فقال عمرُ بن الخطاب: والله يا رسول الله إذاً لنُكثِّرنَّ قُصُورنَا، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -:» اللهُ أوسعُ مِنْ ذلِكَ «» .
وقال رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ في مَرَضِه الَّذي يَمُوتُ فِيهِ لمْ يُفْتَنْ في قَبْرِهِ، وأمِنَ من ضغطهِ القبْرِ، وحمَلتهُ الملائِكةُ يومَ القِيامةِ بأكُفِّها، حتَّى يُجيزَ الصِّراطَ إلى الجنَّةِ» . فصل في أسماء هذه السورة
في أسمائها: قال ابن الخطيب: سورة التفريد، وسورة التجريد، وسورة التوحيد، وسورة الإخلاص، وسورة النجاة، وسورة الولاية، وسورة النسبة، لقولهم: انسبْ لنا ربَّك، وسورة المعرفة، وسورة الجمال، وسورة البراءة؛ لأنها تبرئ من النفاق، وسورة الأساس، وسورة المحضر؛ لأن الملائكة تحضر لسماعها، وسورة المانعة، والمنفرة، لأنها تنفر الشيطان، وسورة النور، لأنها تنور القلب، والله نور السموات والأرض. والله أعلم.
سورة الفلق
الفلق 113:1
مكية في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر، ومدنية في قول ابن عباس، وقتادة، وهي خمس آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وأربعة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ . هذه السورة، وسورة «النَّاس» ، و «الإخلاص» نزلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سحرته اليهود، وزعم ابن مسعود أنهما دعاء، وليستا من القرآن، وخالف به الإجماع من الصحابة، وأهل البيت.
قال ابن قتيبة: لم يكتب عبد الله بن مسعود في مصحفه المعوِّذتين؛ لأنه كان يسمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يعوذ الحسن والحسين بهما، فقدر أنهما بمنزلة: «أعوذُ بكَلمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ من كُلِّ شيطانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ» .
قال ابن الأنباري: وهذا مردود على ابن قتيبة؛ لأن المعوذتين من كلام ربِّ العالمين؛ المعجز لجميع المخلوقين، و «أعِيذُكما بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامةِ» من قول البشر، وكلام الخالق الذي هو آية، وحجة لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على جميع الكافرين، لا يلتبس بكلام الأدميين على مثل عبد الله بن مسعود، الفصيح اللسان، العالم باللغة العارف بأجناس الكلام.
وقال بعضُ الناس: لم يكتب عبد الله المعوذتين؛ لأنه من أمن عليهما من النسيان، فأسقطهما وهو يحفظهما كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه، وما يشك في إتقانه، وحفظه لهما، ورد هذا القول على قائله، واحتج عليه بأنه قد كتب: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: 1] و ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ [الكوثر: 1] و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الاخلاص: 1] وهن يجرين مجرى المعوذتين في أنهن غير طوال، والحفظ إليهن أسرع، والنسيان مأمون، وكلهن يخالف فاتحة الكتاب؛ إذ الصلاة لا تتم إلا بقراءتها، وسبيل كل ركعة أن تكون المقدمة فيها قبل ما يقرأ من بعدها، فإسقاط فاتحة الكتاب من المصحف على معنى الثقة ببقاء حفظها، والأمن من نسيانها، صحيح، وليس من السور في هذا المعنى مجراها، ولا يسلك به طريقها.
فصل في تفسير السورة
تقدم الكلام على الاستعاذة، و «الفلقُ» : هو الصبح، وهو فعل بمعنى مفعول، أي: مفلوق، وفي الحديث: «الرُّؤيَا مثلُ فلقِ الصُّبْحِ» .
قال الشاعر: [البسيط]
5360 - يَا ليْلَةً لَمْ أنمْهَا بِتُّ مُرتفقاً ... أرْعَى النُّجُومَ إلى أن نَوَّرَ الفلقُ
وقال ذو الرمة يصف الثور الوحشي: [البسيط]
5361 - حتَّى إذَا ما انْجَلَى عَنْ وجْههِ فلقٌ ... هَاديهِ فِي أخريَاتِ اللَّيْلِ مُنتَصِبُ
يعني بالفلق هنا: الصبح بعينه.
وقيل: الفلق: الجبال، والصخور، تنفلق بالمياه، أي: تتشقق وقيل: هو التفليق بين الجبال، لأنها تنشق من خوف الله تعالى.
قال زهير: [البسيط]
5362 - مَا زِلتُ أرْمُقهُمْ حتَّى إذَا هَبطَتْ ... أيْدِي الرِّكابِ بِهِمْ من راكِسٍ فَلقَا
والراكس: بطن الوادي.
وكذلك هو في قول النابغة: [الطويل]
5363 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... أتَانِي ودُونِي رَاكِسٌ فالضَواجِعُ
والراكس أيضاً: الهادي، وهو الثور وسط البيدرِ تدور عليه الثيران في الدِّياسة.
وقيل: الرحم تنفلق بالحيوان.
وقيل: إنه كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان، والصبح، والحب، والنوى وكل شيء من نبات وغيره. قاله الحسن وغيره.
قال الضحاك: الفلق: الخلق كله، قال: [الرجز]
5364 - وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصاً ربِّ الفَلق ... سِرَّا وقَدْ أوَّنَ تَأوين العَقَقْ
قال القرطبيُّ: «وهذا القول يشهد له الاشتقاقُ، فإن الفلق: الشَّق، يقال: فلقت الشيء فلقاً، أي: شققته، والتفليق مثله، يقال: فلقته فانفلق وتفلق، فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق: قال تعالى: ﴿فَالِقُ الإصباح﴾ [الأنعام: 96] وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿فَالِقُ الحب والنوى﴾ [الأنعام: 95] .
[والفلق مقطرة السمّان، فأما الفِلق بالكسر فهو الداهية، والأمر العجيب يقال منه: أفلق الرجل وافتلق، وشاعر مفلق، وقد جاء بالفلق؛ قال الشاعر: [الرجز]
5365 - واعجَبَاً لِهَذِهِ الفَليقهْ ... هَلْ يُذْهِبَنَّ القُوَبَاءَ الريقَهْ
والفِلْقُ أيضاً: القضيب يشق باثنين، فيعمل منه قوسان، يقال لكل منهما: فِلْق، وقولهم: جاء بعُلق فلق وهي الداهيةِ، يقال منه أعلقت وأفلقت. أي جئت بعُلق فلق، ومر يفتلق في عدوه أي بالعجب من شدته] .
قوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ، متعلق ب» أعوذ «، والعامة: على إضافة» شرِّ «إلى» ما» ، وقرأ عمرو بن فايد: «مِنْ شرِّ» بالتنوين.
وقال ابن عطية: وقرأ عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة الذين يرون أن الله لم يخلق الشَّر: «مِنْ شرِّ» بالتنوين،» مَا خلقَ «على النفي وهي قراءةٌ مردودةٌ مبنيةٌ على مذهب باطل انتهى.
ولا يتعين أن تكون» ما «نافية، بل يجوز أن تكون موصولة بدلاً من» شرِّ» على حذف مضاف، أي: من شر شر ما خلق، عمم أولاً، ثم خصص ثانياً.
وقال أبو البقاء: و «ما» على هذا بدل من «شر» ، أو زائدة، ولا يجوز أن تكون نافية؛ لأن النافية، لا يتقدم عليها ما في حيزها، فلذلك لم يجز أن يكون التقدير: ما خلق من شر، ثم هو فاسد في المعنى. وهو رد حسن صناعي، ولا يقال: إن» مِنْ شرِّ «متعلق ب» أعُوذُ «وقد أنحى مكي على هذا القائل، ورده بما يقدم.
و» ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» .
فصل في المقصود بشر ما خلق
روى عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس خاصة؛ لأن الله تعالى لم يخلق أشرَّ منه، وأن السورة إنما نزلت في الاستعاذة من السِّحر، وذلك إنَّما يتم بإبليس وجنوده، لعنهم الله، وقيل: جهنم وما خلق فيها.
وقيل: عام؛ أي من شر كل ما خلقه الله وقيل: ما خلق الله من الأمراض، والأسقام [والقحط] وأنواع المِحَنْ.
وقال الجبائي والقاضي: هذا التقييد باطل؛ لأن فعل الله - تعالى - لا يجوز أن يوصف بأنه شر؛ لأن الذي أمر بالتعوذ منه هو الذي أمر به، وذلك متناقض؛ لأن أفعاله - تعالى - كلها حكمة وصواب، فلا يجوز أن يقال: شرّ.
وأيضاً: فلأن فعل الله لو كان شرَّا؛ لوصف فاعله بأنه شر، وتعالى الله عن ذلك.
والجواب عن الأول: أنه لا امتناع في قوله: أعوذ بك منك، كما رد عن الثاني أن الإنسان لم تألم وصف بالألم كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] ، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] .
وعن الثالث: أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية، ومما يدل على جواز تسمية الأمراض والأسقام بأنها شرور قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً﴾ [المعارج: 20] .
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ ، «إذا» منصوب ب «أعوذ» أي: أعوذ بالله من هذا في وقت كذا، كذا.
والغسقُ: هو أول ظلمةِ الليل، يقال منه: غسق الليل يغسق، أي: يظلم.
قال ابن قيس الرقيَّات: [المديد]
5366 - إنَّ هَذا اللَّيْلَ قدْ غَسقَا ... واشْتكَيْتُ الهَمَّ والأرَقَا
وهذا قول ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم، ووقب على هذا: أظلم.
وقيل: نزل، قال: وقب العذاب على الكافرين: نزل.
5367 - وقَبَ العَذابُ عَليْهِمُ فكَأنَّهُمْ ... لحِقَتْهُمْ نَارُ السَّمُومِ فأحْصِدُوا وقال الزجاج: قيل لليل غاسق، لأنه أبرد من النَّهار، والغاسق: البارد، والغسق: البرد؛ ولأنَّ في الليل تخرج السِّباع من آجامها والهوام من أماكنها، وينبعث أهل الشرِّ على العبث، والفسادِ، فاستعير من الليل.
قال الشاعر: [البسيط]
5368 - يَا طَيْفَ هِنْدٍ لقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرقاً ... إذْ جِئْتنَا طَارِقاً والليلُ قَدْ غَسَقا
أي: أظلم واعتكر، وقيل: الغاسق: الثُّريَّا، لأنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك. قاله عبد الرحمن بن زيد.
وقال القتبي: القمر إذا وقب إذا دخل في ساهورة كالغلاف إذا خسف وكل شيء أسود فهو غسق.
وقال قتادة: «إذَا وقَبَ» إذا غاب.
قال القرطبي: وهو أصح، لماروى الترمذي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نظر إلى القمر، فقال:» يا عَائِشةُ، استَعِيذِي باللهِ من شرِّ هذا، فإنَّ هذا هُوَ الغاسقُ إذا وقبَ «» ، قال: هذا حديث حسن صحيح.
[وقيل: الغاسق: الحيَّة إذا لدغت، وكأن الغاسق نابها لأن السم يغسق منه أي: يسيل، يقال: غسقت العين تغسق غسقاً، إذا سالت بالماء، وسمي الليل غاسقاً، لانصباب ظلامه على الأرض، ووقب نابها إذا قامت باللدغ] .
وقيل: الغاسقُ: كل هاجم يضر، كائناً ما كان، من قولهم: غسقت القرحة، إذا جرى صديدها.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، لو أنه صح، أن [القمر في جرمه غير مستنير، بل هو مظلم، فهذا هو المراد من كوته غاسقاً، وأما وقوبه فهو انمحاء نوره في آخر] الشهر والمنجمون يقولون: إنه في آخر الشهر منحوس، قليل القوة؛ لأنه لا يزال نوره بسبب ذلك تزداد نحوسته، فإن السحرة إنما يشتغلون في السحر الموروث، للتمريض في هذا الوقت، وهذا مناسب لسبب نزول السورة فإنها نزلت؛ لأجل أنهم سحروا النبي صلى الله عيه وسلم لأجل التمريض.
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ ، النَّفَّاثات: جمع نفاثة، مثال مبالغة من نفث، أي: نفخ، واختلف فيه.
فقال أبو الفضل: شبه النفخ من الفم بالرقية، ولا شيء معه.
قال عنترة: [الوافر]
5369 - فإنْ يَبْرَأ فلمْ أنفُثْ عليْهِ ... وإنْ يُفْقَدْ فحُقَّ لهُ الفُقُودُ
وقال الزمخشري: «النفخُ مع ريق» .
وقرأ الحسن: «النُّفَّاثات» بضم النون، وهو اسم كالنفاثة. ويعقوب وعبد الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر وعبد الله بن القاسم: «النافثات» ، وهي محتملة لقراءة العامة.
والحسن وأبو الربيع: «النفثات» دون ألف محاذر وحذر، ونكّر عاسقاً وحاسداً؛ لأنه قد يتخلف الضرر فيهما؛ فإن التنكير للتبعيض، وعرف النفاثات إما للعهد كما يروى في التفسير، وإما للمبالغة في الشَّر.
فصل في معنى النَّفَّاثات
قال المفسرون: يعني السَّاحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها.
قال أبو عبيدة: النفاثات هي بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال الشاعر: [المتقارب]
5370 - أعُوذُ بربِّي مِنَ النَّافِثَا ... تِ في عِضَهِ العَاضهِ المُعْضِهِ
وقال متمم بن نويرة: [السريع]
5371 - نَفَثْتُ فِي الخيْطِ شَبيهَ الرُّقَى ... مِنْ خَشْيةِ الجِنَّة والحَاسدِ
فصل
روى النسائي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ عَقَدَ عُقدةً ثُمَّ نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلَّق شيئاً وكُلَ إليْهِ» .
واختلف في النَّفث عند الرقى: فمنعه قوم، وأجازه آخرون.
قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث، ولا يمسح، ولا يعقد.
قال إبراهيم: كانوا يكرهون النفث من الراقي، والصحيح الجواز؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان ينفث في الرقية.
وروي محمد بن حاطب أن يده احترقت، فأثبت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فجعل ينفث عليها، ويتكلم بكلام، وزعم أنه لم يحفظه.
وروي أن قوماً لدغ فيهم رجل، فأتوا أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالوا: هل فيكم من راقٍ؟ فقالوا: لا حتى تجعلوا لنا شيئاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ فاتحة الكتاب ويرقى ويتفل حتى برئ، فأخذوها، فلما رجعوا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكروا ذلك له فقال: وما يدريكم أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم سهماً.
وأما ما روي عن عكرمة فكأنه ذهب فيه إلى أن النفث في العقد مما يستعاذ به بخلاف النفث بلا عقد.
قال ابن الخطيب: هذه الصناعة إنما تعرف بالنِّساء، لأنهن يعقدن في الخيط، وينفثن، وذلك لأن الأصل الأعظم فيه ربط القلب بذلك الأمر، وإحكام الهمَّة والوهم فيه، وذلك إنما يتأتَّى من النساء لقلة عملهن، وشدة شهوتهن، فلا جرم كان هذا العمل منهن أقوى.
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ، الحسدُ: هو تمني زوال نعمة المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، والمنافسة: هي تمنّي مثلها وإن لم تزل من المحسود، وهي الغبطة، فالحسد: شر مذموم، والمنافسة مباحة.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «المؤمن يغبط والمنافق يحسد» وقال: «لا حَسَدَ إلاَّ في اثنتينِ» يريد الغبطة.
قال ابن عباس وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: لما كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قربت إليه اليهود، فلم يزالوا حتى أخذوا مشاطة من أثر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعدة من أسنان مشطه، فأعطاه اليهود؛ ليسحروه بها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتولى ذلك ابن الأعصم، رجل من اليهود.
فصل في أن الله خلق الخير والشر
هذه السورة دالة على أن الله خلق كل شر، وأمر نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يتعوذ من جميع الشرور، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وذلك خاتمة ذلك الحسد تنبيهاً على عظمته، وكثرة ضرره، والحاسد عدو نعمة الله تعالى.
قال بعض الحكماء: الحاسد بارز ربَّه من خمسة أوجه:
أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره.
وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم قسمت إلي هذه القسمة.
وثالثها: أنه ضاد الله، أي: أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله.
ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم، وزوال النعمة عنهم.
وخامسها: أنه أعان عدوه إبليس.
وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً، وغمًّا، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً، واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً.
وروي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ثلاثةٌ لا يُسْتَجَابُ دعاؤهُم: آكلُ الحرامِ، ومُكثرُ الغِيبةِ، ومنْ كانَ في قلبِهِ غلٌّ أو حسدٌ للمسلمين» .
روى [الثعلبي عن أبيّ]- رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها» وعن عقبة بن عامر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ألا أخْبرُكَ بأفضل ما تعوَّذ بهِ المتعوِّذُونَ» ؟ قلت: بلى يا رسُول اللهِ، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ «والله أعلم.
سورة الناس
الفلق 113:2
مكية في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر، ومدنية في قول ابن عباس، وقتادة، وهي خمس آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وأربعة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ . هذه السورة، وسورة «النَّاس» ، و «الإخلاص» نزلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سحرته اليهود، وزعم ابن مسعود أنهما دعاء، وليستا من القرآن، وخالف به الإجماع من الصحابة، وأهل البيت.
قال ابن قتيبة: لم يكتب عبد الله بن مسعود في مصحفه المعوِّذتين؛ لأنه كان يسمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يعوذ الحسن والحسين بهما، فقدر أنهما بمنزلة: «أعوذُ بكَلمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ من كُلِّ شيطانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ» .
قال ابن الأنباري: وهذا مردود على ابن قتيبة؛ لأن المعوذتين من كلام ربِّ العالمين؛ المعجز لجميع المخلوقين، و «أعِيذُكما بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامةِ» من قول البشر، وكلام الخالق الذي هو آية، وحجة لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على جميع الكافرين، لا يلتبس بكلام الأدميين على مثل عبد الله بن مسعود، الفصيح اللسان، العالم باللغة العارف بأجناس الكلام.
وقال بعضُ الناس: لم يكتب عبد الله المعوذتين؛ لأنه من أمن عليهما من النسيان، فأسقطهما وهو يحفظهما كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه، وما يشك في إتقانه، وحفظه لهما، ورد هذا القول على قائله، واحتج عليه بأنه قد كتب: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: 1] و ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ [الكوثر: 1] و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الاخلاص: 1] وهن يجرين مجرى المعوذتين في أنهن غير طوال، والحفظ إليهن أسرع، والنسيان مأمون، وكلهن يخالف فاتحة الكتاب؛ إذ الصلاة لا تتم إلا بقراءتها، وسبيل كل ركعة أن تكون المقدمة فيها قبل ما يقرأ من بعدها، فإسقاط فاتحة الكتاب من المصحف على معنى الثقة ببقاء حفظها، والأمن من نسيانها، صحيح، وليس من السور في هذا المعنى مجراها، ولا يسلك به طريقها.
فصل في تفسير السورة
تقدم الكلام على الاستعاذة، و «الفلقُ» : هو الصبح، وهو فعل بمعنى مفعول، أي: مفلوق، وفي الحديث: «الرُّؤيَا مثلُ فلقِ الصُّبْحِ» .
قال الشاعر: [البسيط]
5360 - يَا ليْلَةً لَمْ أنمْهَا بِتُّ مُرتفقاً ... أرْعَى النُّجُومَ إلى أن نَوَّرَ الفلقُ
وقال ذو الرمة يصف الثور الوحشي: [البسيط]
5361 - حتَّى إذَا ما انْجَلَى عَنْ وجْههِ فلقٌ ... هَاديهِ فِي أخريَاتِ اللَّيْلِ مُنتَصِبُ
يعني بالفلق هنا: الصبح بعينه.
وقيل: الفلق: الجبال، والصخور، تنفلق بالمياه، أي: تتشقق وقيل: هو التفليق بين الجبال، لأنها تنشق من خوف الله تعالى.
قال زهير: [البسيط]
5362 - مَا زِلتُ أرْمُقهُمْ حتَّى إذَا هَبطَتْ ... أيْدِي الرِّكابِ بِهِمْ من راكِسٍ فَلقَا
والراكس: بطن الوادي.
وكذلك هو في قول النابغة: [الطويل]
5363 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... أتَانِي ودُونِي رَاكِسٌ فالضَواجِعُ
والراكس أيضاً: الهادي، وهو الثور وسط البيدرِ تدور عليه الثيران في الدِّياسة.
وقيل: الرحم تنفلق بالحيوان.
وقيل: إنه كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان، والصبح، والحب، والنوى وكل شيء من نبات وغيره. قاله الحسن وغيره.
قال الضحاك: الفلق: الخلق كله، قال: [الرجز]
5364 - وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصاً ربِّ الفَلق ... سِرَّا وقَدْ أوَّنَ تَأوين العَقَقْ
قال القرطبيُّ: «وهذا القول يشهد له الاشتقاقُ، فإن الفلق: الشَّق، يقال: فلقت الشيء فلقاً، أي: شققته، والتفليق مثله، يقال: فلقته فانفلق وتفلق، فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق: قال تعالى: ﴿فَالِقُ الإصباح﴾ [الأنعام: 96] وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿فَالِقُ الحب والنوى﴾ [الأنعام: 95] .
[والفلق مقطرة السمّان، فأما الفِلق بالكسر فهو الداهية، والأمر العجيب يقال منه: أفلق الرجل وافتلق، وشاعر مفلق، وقد جاء بالفلق؛ قال الشاعر: [الرجز]
5365 - واعجَبَاً لِهَذِهِ الفَليقهْ ... هَلْ يُذْهِبَنَّ القُوَبَاءَ الريقَهْ
والفِلْقُ أيضاً: القضيب يشق باثنين، فيعمل منه قوسان، يقال لكل منهما: فِلْق، وقولهم: جاء بعُلق فلق وهي الداهيةِ، يقال منه أعلقت وأفلقت. أي جئت بعُلق فلق، ومر يفتلق في عدوه أي بالعجب من شدته] .
قوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ، متعلق ب» أعوذ «، والعامة: على إضافة» شرِّ «إلى» ما» ، وقرأ عمرو بن فايد: «مِنْ شرِّ» بالتنوين.
وقال ابن عطية: وقرأ عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة الذين يرون أن الله لم يخلق الشَّر: «مِنْ شرِّ» بالتنوين،» مَا خلقَ «على النفي وهي قراءةٌ مردودةٌ مبنيةٌ على مذهب باطل انتهى.
ولا يتعين أن تكون» ما «نافية، بل يجوز أن تكون موصولة بدلاً من» شرِّ» على حذف مضاف، أي: من شر شر ما خلق، عمم أولاً، ثم خصص ثانياً.
وقال أبو البقاء: و «ما» على هذا بدل من «شر» ، أو زائدة، ولا يجوز أن تكون نافية؛ لأن النافية، لا يتقدم عليها ما في حيزها، فلذلك لم يجز أن يكون التقدير: ما خلق من شر، ثم هو فاسد في المعنى. وهو رد حسن صناعي، ولا يقال: إن» مِنْ شرِّ «متعلق ب» أعُوذُ «وقد أنحى مكي على هذا القائل، ورده بما يقدم.
و» ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» .
فصل في المقصود بشر ما خلق
روى عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس خاصة؛ لأن الله تعالى لم يخلق أشرَّ منه، وأن السورة إنما نزلت في الاستعاذة من السِّحر، وذلك إنَّما يتم بإبليس وجنوده، لعنهم الله، وقيل: جهنم وما خلق فيها.
وقيل: عام؛ أي من شر كل ما خلقه الله وقيل: ما خلق الله من الأمراض، والأسقام [والقحط] وأنواع المِحَنْ.
وقال الجبائي والقاضي: هذا التقييد باطل؛ لأن فعل الله - تعالى - لا يجوز أن يوصف بأنه شر؛ لأن الذي أمر بالتعوذ منه هو الذي أمر به، وذلك متناقض؛ لأن أفعاله - تعالى - كلها حكمة وصواب، فلا يجوز أن يقال: شرّ.
وأيضاً: فلأن فعل الله لو كان شرَّا؛ لوصف فاعله بأنه شر، وتعالى الله عن ذلك.
والجواب عن الأول: أنه لا امتناع في قوله: أعوذ بك منك، كما رد عن الثاني أن الإنسان لم تألم وصف بالألم كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] ، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] .
وعن الثالث: أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية، ومما يدل على جواز تسمية الأمراض والأسقام بأنها شرور قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً﴾ [المعارج: 20] .
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ ، «إذا» منصوب ب «أعوذ» أي: أعوذ بالله من هذا في وقت كذا، كذا.
والغسقُ: هو أول ظلمةِ الليل، يقال منه: غسق الليل يغسق، أي: يظلم.
قال ابن قيس الرقيَّات: [المديد]
5366 - إنَّ هَذا اللَّيْلَ قدْ غَسقَا ... واشْتكَيْتُ الهَمَّ والأرَقَا
وهذا قول ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم، ووقب على هذا: أظلم.
وقيل: نزل، قال: وقب العذاب على الكافرين: نزل.
5367 - وقَبَ العَذابُ عَليْهِمُ فكَأنَّهُمْ ... لحِقَتْهُمْ نَارُ السَّمُومِ فأحْصِدُوا وقال الزجاج: قيل لليل غاسق، لأنه أبرد من النَّهار، والغاسق: البارد، والغسق: البرد؛ ولأنَّ في الليل تخرج السِّباع من آجامها والهوام من أماكنها، وينبعث أهل الشرِّ على العبث، والفسادِ، فاستعير من الليل.
قال الشاعر: [البسيط]
5368 - يَا طَيْفَ هِنْدٍ لقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرقاً ... إذْ جِئْتنَا طَارِقاً والليلُ قَدْ غَسَقا
أي: أظلم واعتكر، وقيل: الغاسق: الثُّريَّا، لأنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك. قاله عبد الرحمن بن زيد.
وقال القتبي: القمر إذا وقب إذا دخل في ساهورة كالغلاف إذا خسف وكل شيء أسود فهو غسق.
وقال قتادة: «إذَا وقَبَ» إذا غاب.
قال القرطبي: وهو أصح، لماروى الترمذي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نظر إلى القمر، فقال:» يا عَائِشةُ، استَعِيذِي باللهِ من شرِّ هذا، فإنَّ هذا هُوَ الغاسقُ إذا وقبَ «» ، قال: هذا حديث حسن صحيح.
[وقيل: الغاسق: الحيَّة إذا لدغت، وكأن الغاسق نابها لأن السم يغسق منه أي: يسيل، يقال: غسقت العين تغسق غسقاً، إذا سالت بالماء، وسمي الليل غاسقاً، لانصباب ظلامه على الأرض، ووقب نابها إذا قامت باللدغ] .
وقيل: الغاسقُ: كل هاجم يضر، كائناً ما كان، من قولهم: غسقت القرحة، إذا جرى صديدها.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، لو أنه صح، أن [القمر في جرمه غير مستنير، بل هو مظلم، فهذا هو المراد من كوته غاسقاً، وأما وقوبه فهو انمحاء نوره في آخر] الشهر والمنجمون يقولون: إنه في آخر الشهر منحوس، قليل القوة؛ لأنه لا يزال نوره بسبب ذلك تزداد نحوسته، فإن السحرة إنما يشتغلون في السحر الموروث، للتمريض في هذا الوقت، وهذا مناسب لسبب نزول السورة فإنها نزلت؛ لأجل أنهم سحروا النبي صلى الله عيه وسلم لأجل التمريض.
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ ، النَّفَّاثات: جمع نفاثة، مثال مبالغة من نفث، أي: نفخ، واختلف فيه.
فقال أبو الفضل: شبه النفخ من الفم بالرقية، ولا شيء معه.
قال عنترة: [الوافر]
5369 - فإنْ يَبْرَأ فلمْ أنفُثْ عليْهِ ... وإنْ يُفْقَدْ فحُقَّ لهُ الفُقُودُ
وقال الزمخشري: «النفخُ مع ريق» .
وقرأ الحسن: «النُّفَّاثات» بضم النون، وهو اسم كالنفاثة. ويعقوب وعبد الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر وعبد الله بن القاسم: «النافثات» ، وهي محتملة لقراءة العامة.
والحسن وأبو الربيع: «النفثات» دون ألف محاذر وحذر، ونكّر عاسقاً وحاسداً؛ لأنه قد يتخلف الضرر فيهما؛ فإن التنكير للتبعيض، وعرف النفاثات إما للعهد كما يروى في التفسير، وإما للمبالغة في الشَّر.
فصل في معنى النَّفَّاثات
قال المفسرون: يعني السَّاحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها.
قال أبو عبيدة: النفاثات هي بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال الشاعر: [المتقارب]
5370 - أعُوذُ بربِّي مِنَ النَّافِثَا ... تِ في عِضَهِ العَاضهِ المُعْضِهِ
وقال متمم بن نويرة: [السريع]
5371 - نَفَثْتُ فِي الخيْطِ شَبيهَ الرُّقَى ... مِنْ خَشْيةِ الجِنَّة والحَاسدِ
فصل
روى النسائي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ عَقَدَ عُقدةً ثُمَّ نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلَّق شيئاً وكُلَ إليْهِ» .
واختلف في النَّفث عند الرقى: فمنعه قوم، وأجازه آخرون.
قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث، ولا يمسح، ولا يعقد.
قال إبراهيم: كانوا يكرهون النفث من الراقي، والصحيح الجواز؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان ينفث في الرقية.
وروي محمد بن حاطب أن يده احترقت، فأثبت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فجعل ينفث عليها، ويتكلم بكلام، وزعم أنه لم يحفظه.
وروي أن قوماً لدغ فيهم رجل، فأتوا أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالوا: هل فيكم من راقٍ؟ فقالوا: لا حتى تجعلوا لنا شيئاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ فاتحة الكتاب ويرقى ويتفل حتى برئ، فأخذوها، فلما رجعوا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكروا ذلك له فقال: وما يدريكم أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم سهماً.
وأما ما روي عن عكرمة فكأنه ذهب فيه إلى أن النفث في العقد مما يستعاذ به بخلاف النفث بلا عقد.
قال ابن الخطيب: هذه الصناعة إنما تعرف بالنِّساء، لأنهن يعقدن في الخيط، وينفثن، وذلك لأن الأصل الأعظم فيه ربط القلب بذلك الأمر، وإحكام الهمَّة والوهم فيه، وذلك إنما يتأتَّى من النساء لقلة عملهن، وشدة شهوتهن، فلا جرم كان هذا العمل منهن أقوى.
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ، الحسدُ: هو تمني زوال نعمة المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، والمنافسة: هي تمنّي مثلها وإن لم تزل من المحسود، وهي الغبطة، فالحسد: شر مذموم، والمنافسة مباحة.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «المؤمن يغبط والمنافق يحسد» وقال: «لا حَسَدَ إلاَّ في اثنتينِ» يريد الغبطة.
قال ابن عباس وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: لما كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قربت إليه اليهود، فلم يزالوا حتى أخذوا مشاطة من أثر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعدة من أسنان مشطه، فأعطاه اليهود؛ ليسحروه بها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتولى ذلك ابن الأعصم، رجل من اليهود.
فصل في أن الله خلق الخير والشر
هذه السورة دالة على أن الله خلق كل شر، وأمر نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يتعوذ من جميع الشرور، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وذلك خاتمة ذلك الحسد تنبيهاً على عظمته، وكثرة ضرره، والحاسد عدو نعمة الله تعالى.
قال بعض الحكماء: الحاسد بارز ربَّه من خمسة أوجه:
أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره.
وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم قسمت إلي هذه القسمة.
وثالثها: أنه ضاد الله، أي: أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله.
ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم، وزوال النعمة عنهم.
وخامسها: أنه أعان عدوه إبليس.
وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً، وغمًّا، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً، واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً.
وروي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ثلاثةٌ لا يُسْتَجَابُ دعاؤهُم: آكلُ الحرامِ، ومُكثرُ الغِيبةِ، ومنْ كانَ في قلبِهِ غلٌّ أو حسدٌ للمسلمين» .
روى [الثعلبي عن أبيّ]- رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها» وعن عقبة بن عامر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ألا أخْبرُكَ بأفضل ما تعوَّذ بهِ المتعوِّذُونَ» ؟ قلت: بلى يا رسُول اللهِ، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ «والله أعلم.
سورة الناس
الفلق 113:3
مكية في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر، ومدنية في قول ابن عباس، وقتادة، وهي خمس آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وأربعة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ . هذه السورة، وسورة «النَّاس» ، و «الإخلاص» نزلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سحرته اليهود، وزعم ابن مسعود أنهما دعاء، وليستا من القرآن، وخالف به الإجماع من الصحابة، وأهل البيت.
قال ابن قتيبة: لم يكتب عبد الله بن مسعود في مصحفه المعوِّذتين؛ لأنه كان يسمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يعوذ الحسن والحسين بهما، فقدر أنهما بمنزلة: «أعوذُ بكَلمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ من كُلِّ شيطانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ» .
قال ابن الأنباري: وهذا مردود على ابن قتيبة؛ لأن المعوذتين من كلام ربِّ العالمين؛ المعجز لجميع المخلوقين، و «أعِيذُكما بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامةِ» من قول البشر، وكلام الخالق الذي هو آية، وحجة لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على جميع الكافرين، لا يلتبس بكلام الأدميين على مثل عبد الله بن مسعود، الفصيح اللسان، العالم باللغة العارف بأجناس الكلام.
وقال بعضُ الناس: لم يكتب عبد الله المعوذتين؛ لأنه من أمن عليهما من النسيان، فأسقطهما وهو يحفظهما كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه، وما يشك في إتقانه، وحفظه لهما، ورد هذا القول على قائله، واحتج عليه بأنه قد كتب: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: 1] و ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ [الكوثر: 1] و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الاخلاص: 1] وهن يجرين مجرى المعوذتين في أنهن غير طوال، والحفظ إليهن أسرع، والنسيان مأمون، وكلهن يخالف فاتحة الكتاب؛ إذ الصلاة لا تتم إلا بقراءتها، وسبيل كل ركعة أن تكون المقدمة فيها قبل ما يقرأ من بعدها، فإسقاط فاتحة الكتاب من المصحف على معنى الثقة ببقاء حفظها، والأمن من نسيانها، صحيح، وليس من السور في هذا المعنى مجراها، ولا يسلك به طريقها.
فصل في تفسير السورة
تقدم الكلام على الاستعاذة، و «الفلقُ» : هو الصبح، وهو فعل بمعنى مفعول، أي: مفلوق، وفي الحديث: «الرُّؤيَا مثلُ فلقِ الصُّبْحِ» .
قال الشاعر: [البسيط]
5360 - يَا ليْلَةً لَمْ أنمْهَا بِتُّ مُرتفقاً ... أرْعَى النُّجُومَ إلى أن نَوَّرَ الفلقُ
وقال ذو الرمة يصف الثور الوحشي: [البسيط]
5361 - حتَّى إذَا ما انْجَلَى عَنْ وجْههِ فلقٌ ... هَاديهِ فِي أخريَاتِ اللَّيْلِ مُنتَصِبُ
يعني بالفلق هنا: الصبح بعينه.
وقيل: الفلق: الجبال، والصخور، تنفلق بالمياه، أي: تتشقق وقيل: هو التفليق بين الجبال، لأنها تنشق من خوف الله تعالى.
قال زهير: [البسيط]
5362 - مَا زِلتُ أرْمُقهُمْ حتَّى إذَا هَبطَتْ ... أيْدِي الرِّكابِ بِهِمْ من راكِسٍ فَلقَا
والراكس: بطن الوادي.
وكذلك هو في قول النابغة: [الطويل]
5363 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... أتَانِي ودُونِي رَاكِسٌ فالضَواجِعُ
والراكس أيضاً: الهادي، وهو الثور وسط البيدرِ تدور عليه الثيران في الدِّياسة.
وقيل: الرحم تنفلق بالحيوان.
وقيل: إنه كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان، والصبح، والحب، والنوى وكل شيء من نبات وغيره. قاله الحسن وغيره.
قال الضحاك: الفلق: الخلق كله، قال: [الرجز]
5364 - وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصاً ربِّ الفَلق ... سِرَّا وقَدْ أوَّنَ تَأوين العَقَقْ
قال القرطبيُّ: «وهذا القول يشهد له الاشتقاقُ، فإن الفلق: الشَّق، يقال: فلقت الشيء فلقاً، أي: شققته، والتفليق مثله، يقال: فلقته فانفلق وتفلق، فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق: قال تعالى: ﴿فَالِقُ الإصباح﴾ [الأنعام: 96] وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿فَالِقُ الحب والنوى﴾ [الأنعام: 95] .
[والفلق مقطرة السمّان، فأما الفِلق بالكسر فهو الداهية، والأمر العجيب يقال منه: أفلق الرجل وافتلق، وشاعر مفلق، وقد جاء بالفلق؛ قال الشاعر: [الرجز]
5365 - واعجَبَاً لِهَذِهِ الفَليقهْ ... هَلْ يُذْهِبَنَّ القُوَبَاءَ الريقَهْ
والفِلْقُ أيضاً: القضيب يشق باثنين، فيعمل منه قوسان، يقال لكل منهما: فِلْق، وقولهم: جاء بعُلق فلق وهي الداهيةِ، يقال منه أعلقت وأفلقت. أي جئت بعُلق فلق، ومر يفتلق في عدوه أي بالعجب من شدته] .
قوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ، متعلق ب» أعوذ «، والعامة: على إضافة» شرِّ «إلى» ما» ، وقرأ عمرو بن فايد: «مِنْ شرِّ» بالتنوين.
وقال ابن عطية: وقرأ عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة الذين يرون أن الله لم يخلق الشَّر: «مِنْ شرِّ» بالتنوين،» مَا خلقَ «على النفي وهي قراءةٌ مردودةٌ مبنيةٌ على مذهب باطل انتهى.
ولا يتعين أن تكون» ما «نافية، بل يجوز أن تكون موصولة بدلاً من» شرِّ» على حذف مضاف، أي: من شر شر ما خلق، عمم أولاً، ثم خصص ثانياً.
وقال أبو البقاء: و «ما» على هذا بدل من «شر» ، أو زائدة، ولا يجوز أن تكون نافية؛ لأن النافية، لا يتقدم عليها ما في حيزها، فلذلك لم يجز أن يكون التقدير: ما خلق من شر، ثم هو فاسد في المعنى. وهو رد حسن صناعي، ولا يقال: إن» مِنْ شرِّ «متعلق ب» أعُوذُ «وقد أنحى مكي على هذا القائل، ورده بما يقدم.
و» ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» .
فصل في المقصود بشر ما خلق
روى عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس خاصة؛ لأن الله تعالى لم يخلق أشرَّ منه، وأن السورة إنما نزلت في الاستعاذة من السِّحر، وذلك إنَّما يتم بإبليس وجنوده، لعنهم الله، وقيل: جهنم وما خلق فيها.
وقيل: عام؛ أي من شر كل ما خلقه الله وقيل: ما خلق الله من الأمراض، والأسقام [والقحط] وأنواع المِحَنْ.
وقال الجبائي والقاضي: هذا التقييد باطل؛ لأن فعل الله - تعالى - لا يجوز أن يوصف بأنه شر؛ لأن الذي أمر بالتعوذ منه هو الذي أمر به، وذلك متناقض؛ لأن أفعاله - تعالى - كلها حكمة وصواب، فلا يجوز أن يقال: شرّ.
وأيضاً: فلأن فعل الله لو كان شرَّا؛ لوصف فاعله بأنه شر، وتعالى الله عن ذلك.
والجواب عن الأول: أنه لا امتناع في قوله: أعوذ بك منك، كما رد عن الثاني أن الإنسان لم تألم وصف بالألم كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] ، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] .
وعن الثالث: أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية، ومما يدل على جواز تسمية الأمراض والأسقام بأنها شرور قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً﴾ [المعارج: 20] .
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ ، «إذا» منصوب ب «أعوذ» أي: أعوذ بالله من هذا في وقت كذا، كذا.
والغسقُ: هو أول ظلمةِ الليل، يقال منه: غسق الليل يغسق، أي: يظلم.
قال ابن قيس الرقيَّات: [المديد]
5366 - إنَّ هَذا اللَّيْلَ قدْ غَسقَا ... واشْتكَيْتُ الهَمَّ والأرَقَا
وهذا قول ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم، ووقب على هذا: أظلم.
وقيل: نزل، قال: وقب العذاب على الكافرين: نزل.
5367 - وقَبَ العَذابُ عَليْهِمُ فكَأنَّهُمْ ... لحِقَتْهُمْ نَارُ السَّمُومِ فأحْصِدُوا وقال الزجاج: قيل لليل غاسق، لأنه أبرد من النَّهار، والغاسق: البارد، والغسق: البرد؛ ولأنَّ في الليل تخرج السِّباع من آجامها والهوام من أماكنها، وينبعث أهل الشرِّ على العبث، والفسادِ، فاستعير من الليل.
قال الشاعر: [البسيط]
5368 - يَا طَيْفَ هِنْدٍ لقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرقاً ... إذْ جِئْتنَا طَارِقاً والليلُ قَدْ غَسَقا
أي: أظلم واعتكر، وقيل: الغاسق: الثُّريَّا، لأنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك. قاله عبد الرحمن بن زيد.
وقال القتبي: القمر إذا وقب إذا دخل في ساهورة كالغلاف إذا خسف وكل شيء أسود فهو غسق.
وقال قتادة: «إذَا وقَبَ» إذا غاب.
قال القرطبي: وهو أصح، لماروى الترمذي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نظر إلى القمر، فقال:» يا عَائِشةُ، استَعِيذِي باللهِ من شرِّ هذا، فإنَّ هذا هُوَ الغاسقُ إذا وقبَ «» ، قال: هذا حديث حسن صحيح.
[وقيل: الغاسق: الحيَّة إذا لدغت، وكأن الغاسق نابها لأن السم يغسق منه أي: يسيل، يقال: غسقت العين تغسق غسقاً، إذا سالت بالماء، وسمي الليل غاسقاً، لانصباب ظلامه على الأرض، ووقب نابها إذا قامت باللدغ] .
وقيل: الغاسقُ: كل هاجم يضر، كائناً ما كان، من قولهم: غسقت القرحة، إذا جرى صديدها.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، لو أنه صح، أن [القمر في جرمه غير مستنير، بل هو مظلم، فهذا هو المراد من كوته غاسقاً، وأما وقوبه فهو انمحاء نوره في آخر] الشهر والمنجمون يقولون: إنه في آخر الشهر منحوس، قليل القوة؛ لأنه لا يزال نوره بسبب ذلك تزداد نحوسته، فإن السحرة إنما يشتغلون في السحر الموروث، للتمريض في هذا الوقت، وهذا مناسب لسبب نزول السورة فإنها نزلت؛ لأجل أنهم سحروا النبي صلى الله عيه وسلم لأجل التمريض.
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ ، النَّفَّاثات: جمع نفاثة، مثال مبالغة من نفث، أي: نفخ، واختلف فيه.
فقال أبو الفضل: شبه النفخ من الفم بالرقية، ولا شيء معه.
قال عنترة: [الوافر]
5369 - فإنْ يَبْرَأ فلمْ أنفُثْ عليْهِ ... وإنْ يُفْقَدْ فحُقَّ لهُ الفُقُودُ
وقال الزمخشري: «النفخُ مع ريق» .
وقرأ الحسن: «النُّفَّاثات» بضم النون، وهو اسم كالنفاثة. ويعقوب وعبد الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر وعبد الله بن القاسم: «النافثات» ، وهي محتملة لقراءة العامة.
والحسن وأبو الربيع: «النفثات» دون ألف محاذر وحذر، ونكّر عاسقاً وحاسداً؛ لأنه قد يتخلف الضرر فيهما؛ فإن التنكير للتبعيض، وعرف النفاثات إما للعهد كما يروى في التفسير، وإما للمبالغة في الشَّر.
فصل في معنى النَّفَّاثات
قال المفسرون: يعني السَّاحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها.
قال أبو عبيدة: النفاثات هي بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال الشاعر: [المتقارب]
5370 - أعُوذُ بربِّي مِنَ النَّافِثَا ... تِ في عِضَهِ العَاضهِ المُعْضِهِ
وقال متمم بن نويرة: [السريع]
5371 - نَفَثْتُ فِي الخيْطِ شَبيهَ الرُّقَى ... مِنْ خَشْيةِ الجِنَّة والحَاسدِ
فصل
روى النسائي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ عَقَدَ عُقدةً ثُمَّ نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلَّق شيئاً وكُلَ إليْهِ» .
واختلف في النَّفث عند الرقى: فمنعه قوم، وأجازه آخرون.
قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث، ولا يمسح، ولا يعقد.
قال إبراهيم: كانوا يكرهون النفث من الراقي، والصحيح الجواز؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان ينفث في الرقية.
وروي محمد بن حاطب أن يده احترقت، فأثبت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فجعل ينفث عليها، ويتكلم بكلام، وزعم أنه لم يحفظه.
وروي أن قوماً لدغ فيهم رجل، فأتوا أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالوا: هل فيكم من راقٍ؟ فقالوا: لا حتى تجعلوا لنا شيئاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ فاتحة الكتاب ويرقى ويتفل حتى برئ، فأخذوها، فلما رجعوا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكروا ذلك له فقال: وما يدريكم أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم سهماً.
وأما ما روي عن عكرمة فكأنه ذهب فيه إلى أن النفث في العقد مما يستعاذ به بخلاف النفث بلا عقد.
قال ابن الخطيب: هذه الصناعة إنما تعرف بالنِّساء، لأنهن يعقدن في الخيط، وينفثن، وذلك لأن الأصل الأعظم فيه ربط القلب بذلك الأمر، وإحكام الهمَّة والوهم فيه، وذلك إنما يتأتَّى من النساء لقلة عملهن، وشدة شهوتهن، فلا جرم كان هذا العمل منهن أقوى.
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ، الحسدُ: هو تمني زوال نعمة المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، والمنافسة: هي تمنّي مثلها وإن لم تزل من المحسود، وهي الغبطة، فالحسد: شر مذموم، والمنافسة مباحة.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «المؤمن يغبط والمنافق يحسد» وقال: «لا حَسَدَ إلاَّ في اثنتينِ» يريد الغبطة.
قال ابن عباس وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: لما كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قربت إليه اليهود، فلم يزالوا حتى أخذوا مشاطة من أثر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعدة من أسنان مشطه، فأعطاه اليهود؛ ليسحروه بها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتولى ذلك ابن الأعصم، رجل من اليهود.
فصل في أن الله خلق الخير والشر
هذه السورة دالة على أن الله خلق كل شر، وأمر نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يتعوذ من جميع الشرور، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وذلك خاتمة ذلك الحسد تنبيهاً على عظمته، وكثرة ضرره، والحاسد عدو نعمة الله تعالى.
قال بعض الحكماء: الحاسد بارز ربَّه من خمسة أوجه:
أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره.
وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم قسمت إلي هذه القسمة.
وثالثها: أنه ضاد الله، أي: أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله.
ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم، وزوال النعمة عنهم.
وخامسها: أنه أعان عدوه إبليس.
وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً، وغمًّا، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً، واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً.
وروي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ثلاثةٌ لا يُسْتَجَابُ دعاؤهُم: آكلُ الحرامِ، ومُكثرُ الغِيبةِ، ومنْ كانَ في قلبِهِ غلٌّ أو حسدٌ للمسلمين» .
روى [الثعلبي عن أبيّ]- رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها» وعن عقبة بن عامر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ألا أخْبرُكَ بأفضل ما تعوَّذ بهِ المتعوِّذُونَ» ؟ قلت: بلى يا رسُول اللهِ، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ «والله أعلم.
سورة الناس
الفلق 113:4
مكية في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر، ومدنية في قول ابن عباس، وقتادة، وهي خمس آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وأربعة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ . هذه السورة، وسورة «النَّاس» ، و «الإخلاص» نزلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سحرته اليهود، وزعم ابن مسعود أنهما دعاء، وليستا من القرآن، وخالف به الإجماع من الصحابة، وأهل البيت.
قال ابن قتيبة: لم يكتب عبد الله بن مسعود في مصحفه المعوِّذتين؛ لأنه كان يسمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يعوذ الحسن والحسين بهما، فقدر أنهما بمنزلة: «أعوذُ بكَلمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ من كُلِّ شيطانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ» .
قال ابن الأنباري: وهذا مردود على ابن قتيبة؛ لأن المعوذتين من كلام ربِّ العالمين؛ المعجز لجميع المخلوقين، و «أعِيذُكما بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامةِ» من قول البشر، وكلام الخالق الذي هو آية، وحجة لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على جميع الكافرين، لا يلتبس بكلام الأدميين على مثل عبد الله بن مسعود، الفصيح اللسان، العالم باللغة العارف بأجناس الكلام.
وقال بعضُ الناس: لم يكتب عبد الله المعوذتين؛ لأنه من أمن عليهما من النسيان، فأسقطهما وهو يحفظهما كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه، وما يشك في إتقانه، وحفظه لهما، ورد هذا القول على قائله، واحتج عليه بأنه قد كتب: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: 1] و ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ [الكوثر: 1] و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الاخلاص: 1] وهن يجرين مجرى المعوذتين في أنهن غير طوال، والحفظ إليهن أسرع، والنسيان مأمون، وكلهن يخالف فاتحة الكتاب؛ إذ الصلاة لا تتم إلا بقراءتها، وسبيل كل ركعة أن تكون المقدمة فيها قبل ما يقرأ من بعدها، فإسقاط فاتحة الكتاب من المصحف على معنى الثقة ببقاء حفظها، والأمن من نسيانها، صحيح، وليس من السور في هذا المعنى مجراها، ولا يسلك به طريقها.
فصل في تفسير السورة
تقدم الكلام على الاستعاذة، و «الفلقُ» : هو الصبح، وهو فعل بمعنى مفعول، أي: مفلوق، وفي الحديث: «الرُّؤيَا مثلُ فلقِ الصُّبْحِ» .
قال الشاعر: [البسيط]
5360 - يَا ليْلَةً لَمْ أنمْهَا بِتُّ مُرتفقاً ... أرْعَى النُّجُومَ إلى أن نَوَّرَ الفلقُ
وقال ذو الرمة يصف الثور الوحشي: [البسيط]
5361 - حتَّى إذَا ما انْجَلَى عَنْ وجْههِ فلقٌ ... هَاديهِ فِي أخريَاتِ اللَّيْلِ مُنتَصِبُ
يعني بالفلق هنا: الصبح بعينه.
وقيل: الفلق: الجبال، والصخور، تنفلق بالمياه، أي: تتشقق وقيل: هو التفليق بين الجبال، لأنها تنشق من خوف الله تعالى.
قال زهير: [البسيط]
5362 - مَا زِلتُ أرْمُقهُمْ حتَّى إذَا هَبطَتْ ... أيْدِي الرِّكابِ بِهِمْ من راكِسٍ فَلقَا
والراكس: بطن الوادي.
وكذلك هو في قول النابغة: [الطويل]
5363 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... أتَانِي ودُونِي رَاكِسٌ فالضَواجِعُ
والراكس أيضاً: الهادي، وهو الثور وسط البيدرِ تدور عليه الثيران في الدِّياسة.
وقيل: الرحم تنفلق بالحيوان.
وقيل: إنه كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان، والصبح، والحب، والنوى وكل شيء من نبات وغيره. قاله الحسن وغيره.
قال الضحاك: الفلق: الخلق كله، قال: [الرجز]
5364 - وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصاً ربِّ الفَلق ... سِرَّا وقَدْ أوَّنَ تَأوين العَقَقْ
قال القرطبيُّ: «وهذا القول يشهد له الاشتقاقُ، فإن الفلق: الشَّق، يقال: فلقت الشيء فلقاً، أي: شققته، والتفليق مثله، يقال: فلقته فانفلق وتفلق، فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق: قال تعالى: ﴿فَالِقُ الإصباح﴾ [الأنعام: 96] وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿فَالِقُ الحب والنوى﴾ [الأنعام: 95] .
[والفلق مقطرة السمّان، فأما الفِلق بالكسر فهو الداهية، والأمر العجيب يقال منه: أفلق الرجل وافتلق، وشاعر مفلق، وقد جاء بالفلق؛ قال الشاعر: [الرجز]
5365 - واعجَبَاً لِهَذِهِ الفَليقهْ ... هَلْ يُذْهِبَنَّ القُوَبَاءَ الريقَهْ
والفِلْقُ أيضاً: القضيب يشق باثنين، فيعمل منه قوسان، يقال لكل منهما: فِلْق، وقولهم: جاء بعُلق فلق وهي الداهيةِ، يقال منه أعلقت وأفلقت. أي جئت بعُلق فلق، ومر يفتلق في عدوه أي بالعجب من شدته] .
قوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ، متعلق ب» أعوذ «، والعامة: على إضافة» شرِّ «إلى» ما» ، وقرأ عمرو بن فايد: «مِنْ شرِّ» بالتنوين.
وقال ابن عطية: وقرأ عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة الذين يرون أن الله لم يخلق الشَّر: «مِنْ شرِّ» بالتنوين،» مَا خلقَ «على النفي وهي قراءةٌ مردودةٌ مبنيةٌ على مذهب باطل انتهى.
ولا يتعين أن تكون» ما «نافية، بل يجوز أن تكون موصولة بدلاً من» شرِّ» على حذف مضاف، أي: من شر شر ما خلق، عمم أولاً، ثم خصص ثانياً.
وقال أبو البقاء: و «ما» على هذا بدل من «شر» ، أو زائدة، ولا يجوز أن تكون نافية؛ لأن النافية، لا يتقدم عليها ما في حيزها، فلذلك لم يجز أن يكون التقدير: ما خلق من شر، ثم هو فاسد في المعنى. وهو رد حسن صناعي، ولا يقال: إن» مِنْ شرِّ «متعلق ب» أعُوذُ «وقد أنحى مكي على هذا القائل، ورده بما يقدم.
و» ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» .
فصل في المقصود بشر ما خلق
روى عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس خاصة؛ لأن الله تعالى لم يخلق أشرَّ منه، وأن السورة إنما نزلت في الاستعاذة من السِّحر، وذلك إنَّما يتم بإبليس وجنوده، لعنهم الله، وقيل: جهنم وما خلق فيها.
وقيل: عام؛ أي من شر كل ما خلقه الله وقيل: ما خلق الله من الأمراض، والأسقام [والقحط] وأنواع المِحَنْ.
وقال الجبائي والقاضي: هذا التقييد باطل؛ لأن فعل الله - تعالى - لا يجوز أن يوصف بأنه شر؛ لأن الذي أمر بالتعوذ منه هو الذي أمر به، وذلك متناقض؛ لأن أفعاله - تعالى - كلها حكمة وصواب، فلا يجوز أن يقال: شرّ.
وأيضاً: فلأن فعل الله لو كان شرَّا؛ لوصف فاعله بأنه شر، وتعالى الله عن ذلك.
والجواب عن الأول: أنه لا امتناع في قوله: أعوذ بك منك، كما رد عن الثاني أن الإنسان لم تألم وصف بالألم كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] ، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] .
وعن الثالث: أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية، ومما يدل على جواز تسمية الأمراض والأسقام بأنها شرور قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً﴾ [المعارج: 20] .
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ ، «إذا» منصوب ب «أعوذ» أي: أعوذ بالله من هذا في وقت كذا، كذا.
والغسقُ: هو أول ظلمةِ الليل، يقال منه: غسق الليل يغسق، أي: يظلم.
قال ابن قيس الرقيَّات: [المديد]
5366 - إنَّ هَذا اللَّيْلَ قدْ غَسقَا ... واشْتكَيْتُ الهَمَّ والأرَقَا
وهذا قول ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم، ووقب على هذا: أظلم.
وقيل: نزل، قال: وقب العذاب على الكافرين: نزل.
5367 - وقَبَ العَذابُ عَليْهِمُ فكَأنَّهُمْ ... لحِقَتْهُمْ نَارُ السَّمُومِ فأحْصِدُوا وقال الزجاج: قيل لليل غاسق، لأنه أبرد من النَّهار، والغاسق: البارد، والغسق: البرد؛ ولأنَّ في الليل تخرج السِّباع من آجامها والهوام من أماكنها، وينبعث أهل الشرِّ على العبث، والفسادِ، فاستعير من الليل.
قال الشاعر: [البسيط]
5368 - يَا طَيْفَ هِنْدٍ لقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرقاً ... إذْ جِئْتنَا طَارِقاً والليلُ قَدْ غَسَقا
أي: أظلم واعتكر، وقيل: الغاسق: الثُّريَّا، لأنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك. قاله عبد الرحمن بن زيد.
وقال القتبي: القمر إذا وقب إذا دخل في ساهورة كالغلاف إذا خسف وكل شيء أسود فهو غسق.
وقال قتادة: «إذَا وقَبَ» إذا غاب.
قال القرطبي: وهو أصح، لماروى الترمذي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نظر إلى القمر، فقال:» يا عَائِشةُ، استَعِيذِي باللهِ من شرِّ هذا، فإنَّ هذا هُوَ الغاسقُ إذا وقبَ «» ، قال: هذا حديث حسن صحيح.
[وقيل: الغاسق: الحيَّة إذا لدغت، وكأن الغاسق نابها لأن السم يغسق منه أي: يسيل، يقال: غسقت العين تغسق غسقاً، إذا سالت بالماء، وسمي الليل غاسقاً، لانصباب ظلامه على الأرض، ووقب نابها إذا قامت باللدغ] .
وقيل: الغاسقُ: كل هاجم يضر، كائناً ما كان، من قولهم: غسقت القرحة، إذا جرى صديدها.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، لو أنه صح، أن [القمر في جرمه غير مستنير، بل هو مظلم، فهذا هو المراد من كوته غاسقاً، وأما وقوبه فهو انمحاء نوره في آخر] الشهر والمنجمون يقولون: إنه في آخر الشهر منحوس، قليل القوة؛ لأنه لا يزال نوره بسبب ذلك تزداد نحوسته، فإن السحرة إنما يشتغلون في السحر الموروث، للتمريض في هذا الوقت، وهذا مناسب لسبب نزول السورة فإنها نزلت؛ لأجل أنهم سحروا النبي صلى الله عيه وسلم لأجل التمريض.
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ ، النَّفَّاثات: جمع نفاثة، مثال مبالغة من نفث، أي: نفخ، واختلف فيه.
فقال أبو الفضل: شبه النفخ من الفم بالرقية، ولا شيء معه.
قال عنترة: [الوافر]
5369 - فإنْ يَبْرَأ فلمْ أنفُثْ عليْهِ ... وإنْ يُفْقَدْ فحُقَّ لهُ الفُقُودُ
وقال الزمخشري: «النفخُ مع ريق» .
وقرأ الحسن: «النُّفَّاثات» بضم النون، وهو اسم كالنفاثة. ويعقوب وعبد الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر وعبد الله بن القاسم: «النافثات» ، وهي محتملة لقراءة العامة.
والحسن وأبو الربيع: «النفثات» دون ألف محاذر وحذر، ونكّر عاسقاً وحاسداً؛ لأنه قد يتخلف الضرر فيهما؛ فإن التنكير للتبعيض، وعرف النفاثات إما للعهد كما يروى في التفسير، وإما للمبالغة في الشَّر.
فصل في معنى النَّفَّاثات
قال المفسرون: يعني السَّاحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها.
قال أبو عبيدة: النفاثات هي بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال الشاعر: [المتقارب]
5370 - أعُوذُ بربِّي مِنَ النَّافِثَا ... تِ في عِضَهِ العَاضهِ المُعْضِهِ
وقال متمم بن نويرة: [السريع]
5371 - نَفَثْتُ فِي الخيْطِ شَبيهَ الرُّقَى ... مِنْ خَشْيةِ الجِنَّة والحَاسدِ
فصل
روى النسائي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ عَقَدَ عُقدةً ثُمَّ نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلَّق شيئاً وكُلَ إليْهِ» .
واختلف في النَّفث عند الرقى: فمنعه قوم، وأجازه آخرون.
قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث، ولا يمسح، ولا يعقد.
قال إبراهيم: كانوا يكرهون النفث من الراقي، والصحيح الجواز؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان ينفث في الرقية.
وروي محمد بن حاطب أن يده احترقت، فأثبت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فجعل ينفث عليها، ويتكلم بكلام، وزعم أنه لم يحفظه.
وروي أن قوماً لدغ فيهم رجل، فأتوا أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالوا: هل فيكم من راقٍ؟ فقالوا: لا حتى تجعلوا لنا شيئاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ فاتحة الكتاب ويرقى ويتفل حتى برئ، فأخذوها، فلما رجعوا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكروا ذلك له فقال: وما يدريكم أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم سهماً.
وأما ما روي عن عكرمة فكأنه ذهب فيه إلى أن النفث في العقد مما يستعاذ به بخلاف النفث بلا عقد.
قال ابن الخطيب: هذه الصناعة إنما تعرف بالنِّساء، لأنهن يعقدن في الخيط، وينفثن، وذلك لأن الأصل الأعظم فيه ربط القلب بذلك الأمر، وإحكام الهمَّة والوهم فيه، وذلك إنما يتأتَّى من النساء لقلة عملهن، وشدة شهوتهن، فلا جرم كان هذا العمل منهن أقوى.
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ، الحسدُ: هو تمني زوال نعمة المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، والمنافسة: هي تمنّي مثلها وإن لم تزل من المحسود، وهي الغبطة، فالحسد: شر مذموم، والمنافسة مباحة.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «المؤمن يغبط والمنافق يحسد» وقال: «لا حَسَدَ إلاَّ في اثنتينِ» يريد الغبطة.
قال ابن عباس وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: لما كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قربت إليه اليهود، فلم يزالوا حتى أخذوا مشاطة من أثر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعدة من أسنان مشطه، فأعطاه اليهود؛ ليسحروه بها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتولى ذلك ابن الأعصم، رجل من اليهود.
فصل في أن الله خلق الخير والشر
هذه السورة دالة على أن الله خلق كل شر، وأمر نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يتعوذ من جميع الشرور، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وذلك خاتمة ذلك الحسد تنبيهاً على عظمته، وكثرة ضرره، والحاسد عدو نعمة الله تعالى.
قال بعض الحكماء: الحاسد بارز ربَّه من خمسة أوجه:
أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره.
وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم قسمت إلي هذه القسمة.
وثالثها: أنه ضاد الله، أي: أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله.
ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم، وزوال النعمة عنهم.
وخامسها: أنه أعان عدوه إبليس.
وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً، وغمًّا، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً، واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً.
وروي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ثلاثةٌ لا يُسْتَجَابُ دعاؤهُم: آكلُ الحرامِ، ومُكثرُ الغِيبةِ، ومنْ كانَ في قلبِهِ غلٌّ أو حسدٌ للمسلمين» .
روى [الثعلبي عن أبيّ]- رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها» وعن عقبة بن عامر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ألا أخْبرُكَ بأفضل ما تعوَّذ بهِ المتعوِّذُونَ» ؟ قلت: بلى يا رسُول اللهِ، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ «والله أعلم.
سورة الناس
الفلق 113:5
مكية في قول الحسن، وعكرمة، وعطاء، وجابر، ومدنية في قول ابن عباس، وقتادة، وهي خمس آيات، وثلاث وعشرون كلمة، وأربعة وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ . هذه السورة، وسورة «النَّاس» ، و «الإخلاص» نزلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حين سحرته اليهود، وزعم ابن مسعود أنهما دعاء، وليستا من القرآن، وخالف به الإجماع من الصحابة، وأهل البيت.
قال ابن قتيبة: لم يكتب عبد الله بن مسعود في مصحفه المعوِّذتين؛ لأنه كان يسمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يعوذ الحسن والحسين بهما، فقدر أنهما بمنزلة: «أعوذُ بكَلمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ من كُلِّ شيطانٍ وهَامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ» .
قال ابن الأنباري: وهذا مردود على ابن قتيبة؛ لأن المعوذتين من كلام ربِّ العالمين؛ المعجز لجميع المخلوقين، و «أعِيذُكما بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامةِ» من قول البشر، وكلام الخالق الذي هو آية، وحجة لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على جميع الكافرين، لا يلتبس بكلام الأدميين على مثل عبد الله بن مسعود، الفصيح اللسان، العالم باللغة العارف بأجناس الكلام.
وقال بعضُ الناس: لم يكتب عبد الله المعوذتين؛ لأنه من أمن عليهما من النسيان، فأسقطهما وهو يحفظهما كما أسقط فاتحة الكتاب من مصحفه، وما يشك في إتقانه، وحفظه لهما، ورد هذا القول على قائله، واحتج عليه بأنه قد كتب: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: 1] و ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ [الكوثر: 1] و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الاخلاص: 1] وهن يجرين مجرى المعوذتين في أنهن غير طوال، والحفظ إليهن أسرع، والنسيان مأمون، وكلهن يخالف فاتحة الكتاب؛ إذ الصلاة لا تتم إلا بقراءتها، وسبيل كل ركعة أن تكون المقدمة فيها قبل ما يقرأ من بعدها، فإسقاط فاتحة الكتاب من المصحف على معنى الثقة ببقاء حفظها، والأمن من نسيانها، صحيح، وليس من السور في هذا المعنى مجراها، ولا يسلك به طريقها.
فصل في تفسير السورة
تقدم الكلام على الاستعاذة، و «الفلقُ» : هو الصبح، وهو فعل بمعنى مفعول، أي: مفلوق، وفي الحديث: «الرُّؤيَا مثلُ فلقِ الصُّبْحِ» .
قال الشاعر: [البسيط]
5360 - يَا ليْلَةً لَمْ أنمْهَا بِتُّ مُرتفقاً ... أرْعَى النُّجُومَ إلى أن نَوَّرَ الفلقُ
وقال ذو الرمة يصف الثور الوحشي: [البسيط]
5361 - حتَّى إذَا ما انْجَلَى عَنْ وجْههِ فلقٌ ... هَاديهِ فِي أخريَاتِ اللَّيْلِ مُنتَصِبُ
يعني بالفلق هنا: الصبح بعينه.
وقيل: الفلق: الجبال، والصخور، تنفلق بالمياه، أي: تتشقق وقيل: هو التفليق بين الجبال، لأنها تنشق من خوف الله تعالى.
قال زهير: [البسيط]
5362 - مَا زِلتُ أرْمُقهُمْ حتَّى إذَا هَبطَتْ ... أيْدِي الرِّكابِ بِهِمْ من راكِسٍ فَلقَا
والراكس: بطن الوادي.
وكذلك هو في قول النابغة: [الطويل]
5363 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... أتَانِي ودُونِي رَاكِسٌ فالضَواجِعُ
والراكس أيضاً: الهادي، وهو الثور وسط البيدرِ تدور عليه الثيران في الدِّياسة.
وقيل: الرحم تنفلق بالحيوان.
وقيل: إنه كل ما انفلق عن جميع ما خلق من الحيوان، والصبح، والحب، والنوى وكل شيء من نبات وغيره. قاله الحسن وغيره.
قال الضحاك: الفلق: الخلق كله، قال: [الرجز]
5364 - وسْوَسَ يَدْعُو مُخْلِصاً ربِّ الفَلق ... سِرَّا وقَدْ أوَّنَ تَأوين العَقَقْ
قال القرطبيُّ: «وهذا القول يشهد له الاشتقاقُ، فإن الفلق: الشَّق، يقال: فلقت الشيء فلقاً، أي: شققته، والتفليق مثله، يقال: فلقته فانفلق وتفلق، فكل ما انفلق عن شيء من حيوان وصبح وحب ونوى وماء فهو فلق: قال تعالى: ﴿فَالِقُ الإصباح﴾ [الأنعام: 96] وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿فَالِقُ الحب والنوى﴾ [الأنعام: 95] .
[والفلق مقطرة السمّان، فأما الفِلق بالكسر فهو الداهية، والأمر العجيب يقال منه: أفلق الرجل وافتلق، وشاعر مفلق، وقد جاء بالفلق؛ قال الشاعر: [الرجز]
5365 - واعجَبَاً لِهَذِهِ الفَليقهْ ... هَلْ يُذْهِبَنَّ القُوَبَاءَ الريقَهْ
والفِلْقُ أيضاً: القضيب يشق باثنين، فيعمل منه قوسان، يقال لكل منهما: فِلْق، وقولهم: جاء بعُلق فلق وهي الداهيةِ، يقال منه أعلقت وأفلقت. أي جئت بعُلق فلق، ومر يفتلق في عدوه أي بالعجب من شدته] .
قوله: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ ، متعلق ب» أعوذ «، والعامة: على إضافة» شرِّ «إلى» ما» ، وقرأ عمرو بن فايد: «مِنْ شرِّ» بالتنوين.
وقال ابن عطية: وقرأ عمرو بن عبيد وبعض المعتزلة الذين يرون أن الله لم يخلق الشَّر: «مِنْ شرِّ» بالتنوين،» مَا خلقَ «على النفي وهي قراءةٌ مردودةٌ مبنيةٌ على مذهب باطل انتهى.
ولا يتعين أن تكون» ما «نافية، بل يجوز أن تكون موصولة بدلاً من» شرِّ» على حذف مضاف، أي: من شر شر ما خلق، عمم أولاً، ثم خصص ثانياً.
وقال أبو البقاء: و «ما» على هذا بدل من «شر» ، أو زائدة، ولا يجوز أن تكون نافية؛ لأن النافية، لا يتقدم عليها ما في حيزها، فلذلك لم يجز أن يكون التقدير: ما خلق من شر، ثم هو فاسد في المعنى. وهو رد حسن صناعي، ولا يقال: إن» مِنْ شرِّ «متعلق ب» أعُوذُ «وقد أنحى مكي على هذا القائل، ورده بما يقدم.
و» ما» مصدرية، أو بمعنى «الذي» .
فصل في المقصود بشر ما خلق
روى عطاء عن ابن عباس: يريد إبليس خاصة؛ لأن الله تعالى لم يخلق أشرَّ منه، وأن السورة إنما نزلت في الاستعاذة من السِّحر، وذلك إنَّما يتم بإبليس وجنوده، لعنهم الله، وقيل: جهنم وما خلق فيها.
وقيل: عام؛ أي من شر كل ما خلقه الله وقيل: ما خلق الله من الأمراض، والأسقام [والقحط] وأنواع المِحَنْ.
وقال الجبائي والقاضي: هذا التقييد باطل؛ لأن فعل الله - تعالى - لا يجوز أن يوصف بأنه شر؛ لأن الذي أمر بالتعوذ منه هو الذي أمر به، وذلك متناقض؛ لأن أفعاله - تعالى - كلها حكمة وصواب، فلا يجوز أن يقال: شرّ.
وأيضاً: فلأن فعل الله لو كان شرَّا؛ لوصف فاعله بأنه شر، وتعالى الله عن ذلك.
والجواب عن الأول: أنه لا امتناع في قوله: أعوذ بك منك، كما رد عن الثاني أن الإنسان لم تألم وصف بالألم كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] ، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] .
وعن الثالث: أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية، ومما يدل على جواز تسمية الأمراض والأسقام بأنها شرور قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً﴾ [المعارج: 20] .
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ ، «إذا» منصوب ب «أعوذ» أي: أعوذ بالله من هذا في وقت كذا، كذا.
والغسقُ: هو أول ظلمةِ الليل، يقال منه: غسق الليل يغسق، أي: يظلم.
قال ابن قيس الرقيَّات: [المديد]
5366 - إنَّ هَذا اللَّيْلَ قدْ غَسقَا ... واشْتكَيْتُ الهَمَّ والأرَقَا
وهذا قول ابن عباس والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم، ووقب على هذا: أظلم.
وقيل: نزل، قال: وقب العذاب على الكافرين: نزل.
5367 - وقَبَ العَذابُ عَليْهِمُ فكَأنَّهُمْ ... لحِقَتْهُمْ نَارُ السَّمُومِ فأحْصِدُوا وقال الزجاج: قيل لليل غاسق، لأنه أبرد من النَّهار، والغاسق: البارد، والغسق: البرد؛ ولأنَّ في الليل تخرج السِّباع من آجامها والهوام من أماكنها، وينبعث أهل الشرِّ على العبث، والفسادِ، فاستعير من الليل.
قال الشاعر: [البسيط]
5368 - يَا طَيْفَ هِنْدٍ لقَدْ أبْقَيْتَ لِي أرقاً ... إذْ جِئْتنَا طَارِقاً والليلُ قَدْ غَسَقا
أي: أظلم واعتكر، وقيل: الغاسق: الثُّريَّا، لأنها إذا سقطت كثرت الأسقام والطواعين، وإذا طلعت ارتفع ذلك. قاله عبد الرحمن بن زيد.
وقال القتبي: القمر إذا وقب إذا دخل في ساهورة كالغلاف إذا خسف وكل شيء أسود فهو غسق.
وقال قتادة: «إذَا وقَبَ» إذا غاب.
قال القرطبي: وهو أصح، لماروى الترمذي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ نظر إلى القمر، فقال:» يا عَائِشةُ، استَعِيذِي باللهِ من شرِّ هذا، فإنَّ هذا هُوَ الغاسقُ إذا وقبَ «» ، قال: هذا حديث حسن صحيح.
[وقيل: الغاسق: الحيَّة إذا لدغت، وكأن الغاسق نابها لأن السم يغسق منه أي: يسيل، يقال: غسقت العين تغسق غسقاً، إذا سالت بالماء، وسمي الليل غاسقاً، لانصباب ظلامه على الأرض، ووقب نابها إذا قامت باللدغ] .
وقيل: الغاسقُ: كل هاجم يضر، كائناً ما كان، من قولهم: غسقت القرحة، إذا جرى صديدها.
قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه آخر، لو أنه صح، أن [القمر في جرمه غير مستنير، بل هو مظلم، فهذا هو المراد من كوته غاسقاً، وأما وقوبه فهو انمحاء نوره في آخر] الشهر والمنجمون يقولون: إنه في آخر الشهر منحوس، قليل القوة؛ لأنه لا يزال نوره بسبب ذلك تزداد نحوسته، فإن السحرة إنما يشتغلون في السحر الموروث، للتمريض في هذا الوقت، وهذا مناسب لسبب نزول السورة فإنها نزلت؛ لأجل أنهم سحروا النبي صلى الله عيه وسلم لأجل التمريض.
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد﴾ ، النَّفَّاثات: جمع نفاثة، مثال مبالغة من نفث، أي: نفخ، واختلف فيه.
فقال أبو الفضل: شبه النفخ من الفم بالرقية، ولا شيء معه.
قال عنترة: [الوافر]
5369 - فإنْ يَبْرَأ فلمْ أنفُثْ عليْهِ ... وإنْ يُفْقَدْ فحُقَّ لهُ الفُقُودُ
وقال الزمخشري: «النفخُ مع ريق» .
وقرأ الحسن: «النُّفَّاثات» بضم النون، وهو اسم كالنفاثة. ويعقوب وعبد الرحمن بن سابط وعيسى بن عمر وعبد الله بن القاسم: «النافثات» ، وهي محتملة لقراءة العامة.
والحسن وأبو الربيع: «النفثات» دون ألف محاذر وحذر، ونكّر عاسقاً وحاسداً؛ لأنه قد يتخلف الضرر فيهما؛ فإن التنكير للتبعيض، وعرف النفاثات إما للعهد كما يروى في التفسير، وإما للمبالغة في الشَّر.
فصل في معنى النَّفَّاثات
قال المفسرون: يعني السَّاحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها.
قال أبو عبيدة: النفاثات هي بنات لبيد بن أعصم اليهودي سحرن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال الشاعر: [المتقارب]
5370 - أعُوذُ بربِّي مِنَ النَّافِثَا ... تِ في عِضَهِ العَاضهِ المُعْضِهِ
وقال متمم بن نويرة: [السريع]
5371 - نَفَثْتُ فِي الخيْطِ شَبيهَ الرُّقَى ... مِنْ خَشْيةِ الجِنَّة والحَاسدِ
فصل
روى النسائي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ عَقَدَ عُقدةً ثُمَّ نفث فيها، فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلَّق شيئاً وكُلَ إليْهِ» .
واختلف في النَّفث عند الرقى: فمنعه قوم، وأجازه آخرون.
قال عكرمة: لا ينبغي للراقي أن ينفث، ولا يمسح، ولا يعقد.
قال إبراهيم: كانوا يكرهون النفث من الراقي، والصحيح الجواز؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان ينفث في الرقية.
وروي محمد بن حاطب أن يده احترقت، فأثبت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فجعل ينفث عليها، ويتكلم بكلام، وزعم أنه لم يحفظه.
وروي أن قوماً لدغ فيهم رجل، فأتوا أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقالوا: هل فيكم من راقٍ؟ فقالوا: لا حتى تجعلوا لنا شيئاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ فاتحة الكتاب ويرقى ويتفل حتى برئ، فأخذوها، فلما رجعوا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذكروا ذلك له فقال: وما يدريكم أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم سهماً.
وأما ما روي عن عكرمة فكأنه ذهب فيه إلى أن النفث في العقد مما يستعاذ به بخلاف النفث بلا عقد.
قال ابن الخطيب: هذه الصناعة إنما تعرف بالنِّساء، لأنهن يعقدن في الخيط، وينفثن، وذلك لأن الأصل الأعظم فيه ربط القلب بذلك الأمر، وإحكام الهمَّة والوهم فيه، وذلك إنما يتأتَّى من النساء لقلة عملهن، وشدة شهوتهن، فلا جرم كان هذا العمل منهن أقوى.
قوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ، الحسدُ: هو تمني زوال نعمة المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، والمنافسة: هي تمنّي مثلها وإن لم تزل من المحسود، وهي الغبطة، فالحسد: شر مذموم، والمنافسة مباحة.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «المؤمن يغبط والمنافق يحسد» وقال: «لا حَسَدَ إلاَّ في اثنتينِ» يريد الغبطة.
قال ابن عباس وعائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: لما كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قربت إليه اليهود، فلم يزالوا حتى أخذوا مشاطة من أثر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعدة من أسنان مشطه، فأعطاه اليهود؛ ليسحروه بها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وتولى ذلك ابن الأعصم، رجل من اليهود.
فصل في أن الله خلق الخير والشر
هذه السورة دالة على أن الله خلق كل شر، وأمر نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يتعوذ من جميع الشرور، فقال - عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وذلك خاتمة ذلك الحسد تنبيهاً على عظمته، وكثرة ضرره، والحاسد عدو نعمة الله تعالى.
قال بعض الحكماء: الحاسد بارز ربَّه من خمسة أوجه:
أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره.
وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم قسمت إلي هذه القسمة.
وثالثها: أنه ضاد الله، أي: أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله.
ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم، وزوال النعمة عنهم.
وخامسها: أنه أعان عدوه إبليس.
وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً، وغمًّا، ولا ينال في الآخرة إلا حزناً، واحتراقاً، ولا ينال من الله إلا بعداً ومقتاً.
وروي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ثلاثةٌ لا يُسْتَجَابُ دعاؤهُم: آكلُ الحرامِ، ومُكثرُ الغِيبةِ، ومنْ كانَ في قلبِهِ غلٌّ أو حسدٌ للمسلمين» .
روى [الثعلبي عن أبيّ]- رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلها» وعن عقبة بن عامر أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «ألا أخْبرُكَ بأفضل ما تعوَّذ بهِ المتعوِّذُونَ» ؟ قلت: بلى يا رسُول اللهِ، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ «والله أعلم.
سورة الناس
الناس 114:1
مكية، وهي ست آيات، وعشرون كلمة، وتسعة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ . قرئ: «قُلَ عُوذُ» بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللام، ونظيره: ﴿فَخُذَ رْبَعَةً﴾ [البقرة: 260] .
وأجمع القراء على تلك الإمالة في «النَّاس» إذا كان في موضع الخفضِ.
ومعنى «رَبّ الناس» مالكهم، ومصلح أمورهم، وإنما ذكر أنه «رَبّ الناس» ، وإن كان رباً لجميع الخلق لأمرين:
أحدهما: لأن الناس معظمون، فأعلم بذكرهم أنه ربٌّ لهم وإن عظموا.
والثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرِّهم، فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ منهم، وإنما قال: ﴿مَلِكِ الناس إله الناس﴾ لأن في الناس ملوكاً فذكر أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره، فذكر أنه إلههم، ومعبودهم، وأنه الذي يجب أن يستعاذ به، ويلجأ إليه دون الملوك، والعظماء.
قوله: ﴿مَلِكِ الناس إله الناس﴾ . يجوز أن يكونا وصفين ل «ربّ الناس» وأن يكونا بدلين، وأن يكونا عطف بيان.
قال الزمخشري: فإن قلت: «ملك الناس، إله الناس» ؟ ما هما من «رب الناس» ؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبي حفص عمر الفاروق، بين ب ﴿مَلِكِ الناس﴾ ثم زيد بياناً ب ﴿إله الناس﴾ ؛ لأنه قد يقال لغيره: «رب النَّاس» ، كقوله: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} [التوبة: 31] ، وقد يقال: «ملك النَّاس» ، وأما «إله النَّاس» فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان.
واعترض أبو حيَّان: بأن البيان يكون بالجوامد، ويجاب عنه بأن هذا جارٍ مجرى الجوامد وقد تقدم تقريره في «الرحمن الرحيم» أول الفاتحة.
وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: «بربِّ النَّاس» مضافاً إليهم خاصة؟ .
قلت: لأن الاستعاذة وقعت من شر الوسواس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم.
قال الزمخشري: «فإن قلت: فهلاَّ اكتفي بإظهار المضاف إليه الذي هو النَّاس مرة واحدة؟ لأن عطف البيان للبيان، فكان مظنةً للإظهار دون الإضمار» .
وكرر لفظ «النَّاس» ؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأن التكرار يقتضي مزيد شرف الناس، وأنهم أشرف مخلوقاته.
قال ابن الخطيب: وإنما بدأ بذكر الرب تعالى، وهم اسم لمن قام بتدبيره، وإصلاحه من أوائل نعمه إلى أن رباه، وأعطاه العقل، فحينئذ عرف بالدليل أنه مملوك وأنه ملك، فثنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له، وعرف أنه معبود مستحق للعبادة وعرفه أنه إله فلهذا ختم به.
قال ابن الخطيب: ولم يقرأ في المشهورة هنا «مالك» بالألف، كما قرئ به في الفاتحة، لأن معنى المالك هو الربُّ، فيلزم التكرار.
وقرئ به في الفاتحة، لاختلاف المضافين، فلا تكرار.
قوله: ﴿مِن شَرِّ الوسواس﴾ .
قال الزمخشري: «اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر: فوِسْواس - بالكسر» كزِلْزَال «، والمراد به الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته، وشغله الذي هو عاكف عليه، وأريد ذو الوسواس» . انتهى، وقد مر الكلام معه أن المكسور مصدر، والمفتوح اسم في «الزلزلة» ؛ فليراجع.
والوَسْوَسَةُ: حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه وَسْوَسة ووِسْوَسة - بكسر الواو - قاله القرطبي.
ويقال لهمس الصائد، والكلاب، وأصوات الحليّ: وسواس.
قال ذو الرمة: [البسيط]
5372 - فَبَاتَ يُشئِزُهُ ثَأَدٌ ويُسهِرهُ ... تَذؤُّبُ الرِّيحِ والوَسْوَاسُ والهِضَبُ
وقال الأعشى: [البسيط]
5373 - تَسْمَعُ للحَلْي وسْوَاساً إذا انصَرفَتْ ... كمَا اسْتَعَانَ بِرِيحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ
قوله: «الخنَّاس» أي: الرجَّاع؛ لأنه إذا ذكر الله - تعالى - خنس، وهو مثال مبالغة من الخنوس.
يقال: خنس أي تأخر، يقال: خنستة فخنس، أي أخرته فتأخر، وأخنسته أيضاً. وتقدم الكلام على هذه المادة في سورة: ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] .
﴿الذى يُوَسْوِس﴾ : يجوز جره نعتاً وبدلاً [وبياناً لجريانه مجرى] الجوامد، ونصبه ورفعه على القطع.
قال القرطبي: «ووصف بالخناس؛ لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس﴾ [التكوير: 15] يعني النجوم لاختفائها بعد ظهورها» .
فصل في الكلام على الشيطان
قال مقاتل: إن الشيطان في سورة خنزير، يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه، سلَّطه الله على ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّيطَانَ يَجْرِي من ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» رواه البخاري ومسلم.
قال القرطبي: «ووسوسته: هو الدعاء إلى طاعته، حتى يصل به إلى القلب، من غير صوت» .
قوله: ﴿مِنَ الجنة﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من «شرّ» بإعادة العامل، أي: من شر الجنة.
الثاني: أنه بدل من ذي الوسواس؛ لأن الموسوس من الجن والإنس.
الثالث: أنه حال من الضمير في «يُوسْوِسُ» حال كونه من هذين الجنسين.
الرابع: أنه بدل من «النَّاس» وجعل «مِنْ» تبييناً، وأطلق على الجن اسم النَّاس؛ لأنهم يتحركون في مراداتهم. قاله أبو البقاء: إلا أنَّ الزمخشري أبطله، فقال بعد أن حكاه: «واستدلوا بنفر ورجال في سورة» الجنِّ «، وما أحقه لأن الجنَّ سموا حنًّا لاجتنانهم، والناس ناساً لظهورهم من الإيناس، وهو الإبصار، كما سموا بشراً، ولو كلن يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك، وثبت لم يكن مناسباً لفصاحة القرآن، وبعده عن التصنُّع، وأجود منه أن يراد بالنَّاس: الناسي، كقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] ، ثم يبين بالجنة والناس؛ لأن الثقلين هما النوعان الموصفان بنسيان حق الله عَزَّ وَجَلَّ» .
الخامس: أنه بيان ل ﴿الذى يُوَسْوِسُ﴾ على أنَّ الشيطان ضربان: جني، وإنسي، كما قال: ﴿شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ [الأنعام: 112] ، وعن أبي ذر، أنه قال لرجل: هلاَّ استعذت من شياطين الإنس.
السادس: أن يتعلق ب «وسوس» ، و «مِنْ» لابتداء الغاية، أي: يوسوس في صدورهم من جهة الإنس، ومن جهة الجن.
السابع: أن «الناس» عطف على «الوسواس» ، أي: من شر الوسواس والناس، ولا يجوز عطفه على «الجنَّة» ؛ لأن النَّاس لا يوسوسون في صدور النَّاس، إنما يوسوس الجن، فلما استحال المعنى حمل على العطف على الوسواس، قاله مكي.
الثامن: أن «مِنْ الجنَّةِ» ؛ حال من «النَّاس» أي: كائنين من القبيلين، قاله أبو البقاء، ولم يبين أي الناس المتقدم أنه صاحب الحال، وعلى كل تقدير فلا يصح معنى الحالية في شيء منها، لا الأول، ولا ما بعده، ثم قال: «وقيل: هو معطوف على الجنة» ، يريد: «والنَّاس» الأخير معطوف على الجنة، وهذا الكلام يستدعي تقدير شيء قبله وهو أن يكون الناس عطفاً على غير الجنة؛ وفي الجملة فهو كلام يتسامح فيه.
فصل في شياطين الإنس والجن
قال الحسن: هما شيطانان لنا: أما شيطان الجن، فيوسوسُ في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية.
وقال قتادةُ: إن من الجن شياطين، وإنَّ من الإنس شياطين فتعوذ بالله من شياطين الجن والإنس.
وعن أبي ذر: أنه قال لرجل: هل تعوَّذتَ بالله من شياطين الإنس؟ [ الأنعام: 112] . .
قال: أو من الإنس شياطين؟ قال: نعم، لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ [الأنعام: 112] .
وذهب قوم: أنَّ المراد بالناس هنا الجن، سموا بذلك ناساً كما سموا رجالاً في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن﴾ [الجن: 6] ، وكما سموا نفراً في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن﴾ [الأحقاف: 29] .
فعلى هذا يكون «والنَّاس» عطفاً على «الجنَّةِ» ، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين.
وقيل: معنى: ﴿مِن شَرِّ الوسواس﴾ ، أي: الوسوسة التي تكون من الجنة والناس، وهو حديث النفس.
قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ - تجَاوَزَ لأمَّتِي مَا حدَّثتْ بِهِ أنفُسهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أو تَتَكلَّمْ بِهِ» والله أعلم.
الناس 114:2
مكية، وهي ست آيات، وعشرون كلمة، وتسعة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ . قرئ: «قُلَ عُوذُ» بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللام، ونظيره: ﴿فَخُذَ رْبَعَةً﴾ [البقرة: 260] .
وأجمع القراء على تلك الإمالة في «النَّاس» إذا كان في موضع الخفضِ.
ومعنى «رَبّ الناس» مالكهم، ومصلح أمورهم، وإنما ذكر أنه «رَبّ الناس» ، وإن كان رباً لجميع الخلق لأمرين:
أحدهما: لأن الناس معظمون، فأعلم بذكرهم أنه ربٌّ لهم وإن عظموا.
والثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرِّهم، فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ منهم، وإنما قال: ﴿مَلِكِ الناس إله الناس﴾ لأن في الناس ملوكاً فذكر أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره، فذكر أنه إلههم، ومعبودهم، وأنه الذي يجب أن يستعاذ به، ويلجأ إليه دون الملوك، والعظماء.
قوله: ﴿مَلِكِ الناس إله الناس﴾ . يجوز أن يكونا وصفين ل «ربّ الناس» وأن يكونا بدلين، وأن يكونا عطف بيان.
قال الزمخشري: فإن قلت: «ملك الناس، إله الناس» ؟ ما هما من «رب الناس» ؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبي حفص عمر الفاروق، بين ب ﴿مَلِكِ الناس﴾ ثم زيد بياناً ب ﴿إله الناس﴾ ؛ لأنه قد يقال لغيره: «رب النَّاس» ، كقوله: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} [التوبة: 31] ، وقد يقال: «ملك النَّاس» ، وأما «إله النَّاس» فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان.
واعترض أبو حيَّان: بأن البيان يكون بالجوامد، ويجاب عنه بأن هذا جارٍ مجرى الجوامد وقد تقدم تقريره في «الرحمن الرحيم» أول الفاتحة.
وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: «بربِّ النَّاس» مضافاً إليهم خاصة؟ .
قلت: لأن الاستعاذة وقعت من شر الوسواس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم.
قال الزمخشري: «فإن قلت: فهلاَّ اكتفي بإظهار المضاف إليه الذي هو النَّاس مرة واحدة؟ لأن عطف البيان للبيان، فكان مظنةً للإظهار دون الإضمار» .
وكرر لفظ «النَّاس» ؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأن التكرار يقتضي مزيد شرف الناس، وأنهم أشرف مخلوقاته.
قال ابن الخطيب: وإنما بدأ بذكر الرب تعالى، وهم اسم لمن قام بتدبيره، وإصلاحه من أوائل نعمه إلى أن رباه، وأعطاه العقل، فحينئذ عرف بالدليل أنه مملوك وأنه ملك، فثنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له، وعرف أنه معبود مستحق للعبادة وعرفه أنه إله فلهذا ختم به.
قال ابن الخطيب: ولم يقرأ في المشهورة هنا «مالك» بالألف، كما قرئ به في الفاتحة، لأن معنى المالك هو الربُّ، فيلزم التكرار.
وقرئ به في الفاتحة، لاختلاف المضافين، فلا تكرار.
قوله: ﴿مِن شَرِّ الوسواس﴾ .
قال الزمخشري: «اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر: فوِسْواس - بالكسر» كزِلْزَال «، والمراد به الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته، وشغله الذي هو عاكف عليه، وأريد ذو الوسواس» . انتهى، وقد مر الكلام معه أن المكسور مصدر، والمفتوح اسم في «الزلزلة» ؛ فليراجع.
والوَسْوَسَةُ: حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه وَسْوَسة ووِسْوَسة - بكسر الواو - قاله القرطبي.
ويقال لهمس الصائد، والكلاب، وأصوات الحليّ: وسواس.
قال ذو الرمة: [البسيط]
5372 - فَبَاتَ يُشئِزُهُ ثَأَدٌ ويُسهِرهُ ... تَذؤُّبُ الرِّيحِ والوَسْوَاسُ والهِضَبُ
وقال الأعشى: [البسيط]
5373 - تَسْمَعُ للحَلْي وسْوَاساً إذا انصَرفَتْ ... كمَا اسْتَعَانَ بِرِيحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ
قوله: «الخنَّاس» أي: الرجَّاع؛ لأنه إذا ذكر الله - تعالى - خنس، وهو مثال مبالغة من الخنوس.
يقال: خنس أي تأخر، يقال: خنستة فخنس، أي أخرته فتأخر، وأخنسته أيضاً. وتقدم الكلام على هذه المادة في سورة: ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] .
﴿الذى يُوَسْوِس﴾ : يجوز جره نعتاً وبدلاً [وبياناً لجريانه مجرى] الجوامد، ونصبه ورفعه على القطع.
قال القرطبي: «ووصف بالخناس؛ لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس﴾ [التكوير: 15] يعني النجوم لاختفائها بعد ظهورها» .
فصل في الكلام على الشيطان
قال مقاتل: إن الشيطان في سورة خنزير، يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه، سلَّطه الله على ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّيطَانَ يَجْرِي من ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» رواه البخاري ومسلم.
قال القرطبي: «ووسوسته: هو الدعاء إلى طاعته، حتى يصل به إلى القلب، من غير صوت» .
قوله: ﴿مِنَ الجنة﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من «شرّ» بإعادة العامل، أي: من شر الجنة.
الثاني: أنه بدل من ذي الوسواس؛ لأن الموسوس من الجن والإنس.
الثالث: أنه حال من الضمير في «يُوسْوِسُ» حال كونه من هذين الجنسين.
الرابع: أنه بدل من «النَّاس» وجعل «مِنْ» تبييناً، وأطلق على الجن اسم النَّاس؛ لأنهم يتحركون في مراداتهم. قاله أبو البقاء: إلا أنَّ الزمخشري أبطله، فقال بعد أن حكاه: «واستدلوا بنفر ورجال في سورة» الجنِّ «، وما أحقه لأن الجنَّ سموا حنًّا لاجتنانهم، والناس ناساً لظهورهم من الإيناس، وهو الإبصار، كما سموا بشراً، ولو كلن يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك، وثبت لم يكن مناسباً لفصاحة القرآن، وبعده عن التصنُّع، وأجود منه أن يراد بالنَّاس: الناسي، كقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] ، ثم يبين بالجنة والناس؛ لأن الثقلين هما النوعان الموصفان بنسيان حق الله عَزَّ وَجَلَّ» .
الخامس: أنه بيان ل ﴿الذى يُوَسْوِسُ﴾ على أنَّ الشيطان ضربان: جني، وإنسي، كما قال: ﴿شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ [الأنعام: 112] ، وعن أبي ذر، أنه قال لرجل: هلاَّ استعذت من شياطين الإنس.
السادس: أن يتعلق ب «وسوس» ، و «مِنْ» لابتداء الغاية، أي: يوسوس في صدورهم من جهة الإنس، ومن جهة الجن.
السابع: أن «الناس» عطف على «الوسواس» ، أي: من شر الوسواس والناس، ولا يجوز عطفه على «الجنَّة» ؛ لأن النَّاس لا يوسوسون في صدور النَّاس، إنما يوسوس الجن، فلما استحال المعنى حمل على العطف على الوسواس، قاله مكي.
الثامن: أن «مِنْ الجنَّةِ» ؛ حال من «النَّاس» أي: كائنين من القبيلين، قاله أبو البقاء، ولم يبين أي الناس المتقدم أنه صاحب الحال، وعلى كل تقدير فلا يصح معنى الحالية في شيء منها، لا الأول، ولا ما بعده، ثم قال: «وقيل: هو معطوف على الجنة» ، يريد: «والنَّاس» الأخير معطوف على الجنة، وهذا الكلام يستدعي تقدير شيء قبله وهو أن يكون الناس عطفاً على غير الجنة؛ وفي الجملة فهو كلام يتسامح فيه.
فصل في شياطين الإنس والجن
قال الحسن: هما شيطانان لنا: أما شيطان الجن، فيوسوسُ في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية.
وقال قتادةُ: إن من الجن شياطين، وإنَّ من الإنس شياطين فتعوذ بالله من شياطين الجن والإنس.
وعن أبي ذر: أنه قال لرجل: هل تعوَّذتَ بالله من شياطين الإنس؟ [ الأنعام: 112] . .
قال: أو من الإنس شياطين؟ قال: نعم، لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ [الأنعام: 112] .
وذهب قوم: أنَّ المراد بالناس هنا الجن، سموا بذلك ناساً كما سموا رجالاً في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن﴾ [الجن: 6] ، وكما سموا نفراً في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن﴾ [الأحقاف: 29] .
فعلى هذا يكون «والنَّاس» عطفاً على «الجنَّةِ» ، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين.
وقيل: معنى: ﴿مِن شَرِّ الوسواس﴾ ، أي: الوسوسة التي تكون من الجنة والناس، وهو حديث النفس.
قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ - تجَاوَزَ لأمَّتِي مَا حدَّثتْ بِهِ أنفُسهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أو تَتَكلَّمْ بِهِ» والله أعلم.
الناس 114:3
مكية، وهي ست آيات، وعشرون كلمة، وتسعة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ . قرئ: «قُلَ عُوذُ» بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللام، ونظيره: ﴿فَخُذَ رْبَعَةً﴾ [البقرة: 260] .
وأجمع القراء على تلك الإمالة في «النَّاس» إذا كان في موضع الخفضِ.
ومعنى «رَبّ الناس» مالكهم، ومصلح أمورهم، وإنما ذكر أنه «رَبّ الناس» ، وإن كان رباً لجميع الخلق لأمرين:
أحدهما: لأن الناس معظمون، فأعلم بذكرهم أنه ربٌّ لهم وإن عظموا.
والثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرِّهم، فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ منهم، وإنما قال: ﴿مَلِكِ الناس إله الناس﴾ لأن في الناس ملوكاً فذكر أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره، فذكر أنه إلههم، ومعبودهم، وأنه الذي يجب أن يستعاذ به، ويلجأ إليه دون الملوك، والعظماء.
قوله: ﴿مَلِكِ الناس إله الناس﴾ . يجوز أن يكونا وصفين ل «ربّ الناس» وأن يكونا بدلين، وأن يكونا عطف بيان.
قال الزمخشري: فإن قلت: «ملك الناس، إله الناس» ؟ ما هما من «رب الناس» ؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبي حفص عمر الفاروق، بين ب ﴿مَلِكِ الناس﴾ ثم زيد بياناً ب ﴿إله الناس﴾ ؛ لأنه قد يقال لغيره: «رب النَّاس» ، كقوله: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} [التوبة: 31] ، وقد يقال: «ملك النَّاس» ، وأما «إله النَّاس» فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان.
واعترض أبو حيَّان: بأن البيان يكون بالجوامد، ويجاب عنه بأن هذا جارٍ مجرى الجوامد وقد تقدم تقريره في «الرحمن الرحيم» أول الفاتحة.
وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: «بربِّ النَّاس» مضافاً إليهم خاصة؟ .
قلت: لأن الاستعاذة وقعت من شر الوسواس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم.
قال الزمخشري: «فإن قلت: فهلاَّ اكتفي بإظهار المضاف إليه الذي هو النَّاس مرة واحدة؟ لأن عطف البيان للبيان، فكان مظنةً للإظهار دون الإضمار» .
وكرر لفظ «النَّاس» ؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأن التكرار يقتضي مزيد شرف الناس، وأنهم أشرف مخلوقاته.
قال ابن الخطيب: وإنما بدأ بذكر الرب تعالى، وهم اسم لمن قام بتدبيره، وإصلاحه من أوائل نعمه إلى أن رباه، وأعطاه العقل، فحينئذ عرف بالدليل أنه مملوك وأنه ملك، فثنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له، وعرف أنه معبود مستحق للعبادة وعرفه أنه إله فلهذا ختم به.
قال ابن الخطيب: ولم يقرأ في المشهورة هنا «مالك» بالألف، كما قرئ به في الفاتحة، لأن معنى المالك هو الربُّ، فيلزم التكرار.
وقرئ به في الفاتحة، لاختلاف المضافين، فلا تكرار.
قوله: ﴿مِن شَرِّ الوسواس﴾ .
قال الزمخشري: «اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر: فوِسْواس - بالكسر» كزِلْزَال «، والمراد به الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته، وشغله الذي هو عاكف عليه، وأريد ذو الوسواس» . انتهى، وقد مر الكلام معه أن المكسور مصدر، والمفتوح اسم في «الزلزلة» ؛ فليراجع.
والوَسْوَسَةُ: حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه وَسْوَسة ووِسْوَسة - بكسر الواو - قاله القرطبي.
ويقال لهمس الصائد، والكلاب، وأصوات الحليّ: وسواس.
قال ذو الرمة: [البسيط]
5372 - فَبَاتَ يُشئِزُهُ ثَأَدٌ ويُسهِرهُ ... تَذؤُّبُ الرِّيحِ والوَسْوَاسُ والهِضَبُ
وقال الأعشى: [البسيط]
5373 - تَسْمَعُ للحَلْي وسْوَاساً إذا انصَرفَتْ ... كمَا اسْتَعَانَ بِرِيحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ
قوله: «الخنَّاس» أي: الرجَّاع؛ لأنه إذا ذكر الله - تعالى - خنس، وهو مثال مبالغة من الخنوس.
يقال: خنس أي تأخر، يقال: خنستة فخنس، أي أخرته فتأخر، وأخنسته أيضاً. وتقدم الكلام على هذه المادة في سورة: ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] .
﴿الذى يُوَسْوِس﴾ : يجوز جره نعتاً وبدلاً [وبياناً لجريانه مجرى] الجوامد، ونصبه ورفعه على القطع.
قال القرطبي: «ووصف بالخناس؛ لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس﴾ [التكوير: 15] يعني النجوم لاختفائها بعد ظهورها» .
فصل في الكلام على الشيطان
قال مقاتل: إن الشيطان في سورة خنزير، يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه، سلَّطه الله على ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّيطَانَ يَجْرِي من ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» رواه البخاري ومسلم.
قال القرطبي: «ووسوسته: هو الدعاء إلى طاعته، حتى يصل به إلى القلب، من غير صوت» .
قوله: ﴿مِنَ الجنة﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من «شرّ» بإعادة العامل، أي: من شر الجنة.
الثاني: أنه بدل من ذي الوسواس؛ لأن الموسوس من الجن والإنس.
الثالث: أنه حال من الضمير في «يُوسْوِسُ» حال كونه من هذين الجنسين.
الرابع: أنه بدل من «النَّاس» وجعل «مِنْ» تبييناً، وأطلق على الجن اسم النَّاس؛ لأنهم يتحركون في مراداتهم. قاله أبو البقاء: إلا أنَّ الزمخشري أبطله، فقال بعد أن حكاه: «واستدلوا بنفر ورجال في سورة» الجنِّ «، وما أحقه لأن الجنَّ سموا حنًّا لاجتنانهم، والناس ناساً لظهورهم من الإيناس، وهو الإبصار، كما سموا بشراً، ولو كلن يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك، وثبت لم يكن مناسباً لفصاحة القرآن، وبعده عن التصنُّع، وأجود منه أن يراد بالنَّاس: الناسي، كقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] ، ثم يبين بالجنة والناس؛ لأن الثقلين هما النوعان الموصفان بنسيان حق الله عَزَّ وَجَلَّ» .
الخامس: أنه بيان ل ﴿الذى يُوَسْوِسُ﴾ على أنَّ الشيطان ضربان: جني، وإنسي، كما قال: ﴿شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ [الأنعام: 112] ، وعن أبي ذر، أنه قال لرجل: هلاَّ استعذت من شياطين الإنس.
السادس: أن يتعلق ب «وسوس» ، و «مِنْ» لابتداء الغاية، أي: يوسوس في صدورهم من جهة الإنس، ومن جهة الجن.
السابع: أن «الناس» عطف على «الوسواس» ، أي: من شر الوسواس والناس، ولا يجوز عطفه على «الجنَّة» ؛ لأن النَّاس لا يوسوسون في صدور النَّاس، إنما يوسوس الجن، فلما استحال المعنى حمل على العطف على الوسواس، قاله مكي.
الثامن: أن «مِنْ الجنَّةِ» ؛ حال من «النَّاس» أي: كائنين من القبيلين، قاله أبو البقاء، ولم يبين أي الناس المتقدم أنه صاحب الحال، وعلى كل تقدير فلا يصح معنى الحالية في شيء منها، لا الأول، ولا ما بعده، ثم قال: «وقيل: هو معطوف على الجنة» ، يريد: «والنَّاس» الأخير معطوف على الجنة، وهذا الكلام يستدعي تقدير شيء قبله وهو أن يكون الناس عطفاً على غير الجنة؛ وفي الجملة فهو كلام يتسامح فيه.
فصل في شياطين الإنس والجن
قال الحسن: هما شيطانان لنا: أما شيطان الجن، فيوسوسُ في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية.
وقال قتادةُ: إن من الجن شياطين، وإنَّ من الإنس شياطين فتعوذ بالله من شياطين الجن والإنس.
وعن أبي ذر: أنه قال لرجل: هل تعوَّذتَ بالله من شياطين الإنس؟ [ الأنعام: 112] . .
قال: أو من الإنس شياطين؟ قال: نعم، لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ [الأنعام: 112] .
وذهب قوم: أنَّ المراد بالناس هنا الجن، سموا بذلك ناساً كما سموا رجالاً في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن﴾ [الجن: 6] ، وكما سموا نفراً في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن﴾ [الأحقاف: 29] .
فعلى هذا يكون «والنَّاس» عطفاً على «الجنَّةِ» ، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين.
وقيل: معنى: ﴿مِن شَرِّ الوسواس﴾ ، أي: الوسوسة التي تكون من الجنة والناس، وهو حديث النفس.
قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ - تجَاوَزَ لأمَّتِي مَا حدَّثتْ بِهِ أنفُسهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أو تَتَكلَّمْ بِهِ» والله أعلم.
الناس 114:4
مكية، وهي ست آيات، وعشرون كلمة، وتسعة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ . قرئ: «قُلَ عُوذُ» بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللام، ونظيره: ﴿فَخُذَ رْبَعَةً﴾ [البقرة: 260] .
وأجمع القراء على تلك الإمالة في «النَّاس» إذا كان في موضع الخفضِ.
ومعنى «رَبّ الناس» مالكهم، ومصلح أمورهم، وإنما ذكر أنه «رَبّ الناس» ، وإن كان رباً لجميع الخلق لأمرين:
أحدهما: لأن الناس معظمون، فأعلم بذكرهم أنه ربٌّ لهم وإن عظموا.
والثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرِّهم، فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ منهم، وإنما قال: ﴿مَلِكِ الناس إله الناس﴾ لأن في الناس ملوكاً فذكر أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره، فذكر أنه إلههم، ومعبودهم، وأنه الذي يجب أن يستعاذ به، ويلجأ إليه دون الملوك، والعظماء.
قوله: ﴿مَلِكِ الناس إله الناس﴾ . يجوز أن يكونا وصفين ل «ربّ الناس» وأن يكونا بدلين، وأن يكونا عطف بيان.
قال الزمخشري: فإن قلت: «ملك الناس، إله الناس» ؟ ما هما من «رب الناس» ؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبي حفص عمر الفاروق، بين ب ﴿مَلِكِ الناس﴾ ثم زيد بياناً ب ﴿إله الناس﴾ ؛ لأنه قد يقال لغيره: «رب النَّاس» ، كقوله: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} [التوبة: 31] ، وقد يقال: «ملك النَّاس» ، وأما «إله النَّاس» فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان.
واعترض أبو حيَّان: بأن البيان يكون بالجوامد، ويجاب عنه بأن هذا جارٍ مجرى الجوامد وقد تقدم تقريره في «الرحمن الرحيم» أول الفاتحة.
وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: «بربِّ النَّاس» مضافاً إليهم خاصة؟ .
قلت: لأن الاستعاذة وقعت من شر الوسواس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم.
قال الزمخشري: «فإن قلت: فهلاَّ اكتفي بإظهار المضاف إليه الذي هو النَّاس مرة واحدة؟ لأن عطف البيان للبيان، فكان مظنةً للإظهار دون الإضمار» .
وكرر لفظ «النَّاس» ؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأن التكرار يقتضي مزيد شرف الناس، وأنهم أشرف مخلوقاته.
قال ابن الخطيب: وإنما بدأ بذكر الرب تعالى، وهم اسم لمن قام بتدبيره، وإصلاحه من أوائل نعمه إلى أن رباه، وأعطاه العقل، فحينئذ عرف بالدليل أنه مملوك وأنه ملك، فثنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له، وعرف أنه معبود مستحق للعبادة وعرفه أنه إله فلهذا ختم به.
قال ابن الخطيب: ولم يقرأ في المشهورة هنا «مالك» بالألف، كما قرئ به في الفاتحة، لأن معنى المالك هو الربُّ، فيلزم التكرار.
وقرئ به في الفاتحة، لاختلاف المضافين، فلا تكرار.
قوله: ﴿مِن شَرِّ الوسواس﴾ .
قال الزمخشري: «اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر: فوِسْواس - بالكسر» كزِلْزَال «، والمراد به الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته، وشغله الذي هو عاكف عليه، وأريد ذو الوسواس» . انتهى، وقد مر الكلام معه أن المكسور مصدر، والمفتوح اسم في «الزلزلة» ؛ فليراجع.
والوَسْوَسَةُ: حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه وَسْوَسة ووِسْوَسة - بكسر الواو - قاله القرطبي.
ويقال لهمس الصائد، والكلاب، وأصوات الحليّ: وسواس.
قال ذو الرمة: [البسيط]
5372 - فَبَاتَ يُشئِزُهُ ثَأَدٌ ويُسهِرهُ ... تَذؤُّبُ الرِّيحِ والوَسْوَاسُ والهِضَبُ
وقال الأعشى: [البسيط]
5373 - تَسْمَعُ للحَلْي وسْوَاساً إذا انصَرفَتْ ... كمَا اسْتَعَانَ بِرِيحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ
قوله: «الخنَّاس» أي: الرجَّاع؛ لأنه إذا ذكر الله - تعالى - خنس، وهو مثال مبالغة من الخنوس.
يقال: خنس أي تأخر، يقال: خنستة فخنس، أي أخرته فتأخر، وأخنسته أيضاً. وتقدم الكلام على هذه المادة في سورة: ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] .
﴿الذى يُوَسْوِس﴾ : يجوز جره نعتاً وبدلاً [وبياناً لجريانه مجرى] الجوامد، ونصبه ورفعه على القطع.
قال القرطبي: «ووصف بالخناس؛ لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس﴾ [التكوير: 15] يعني النجوم لاختفائها بعد ظهورها» .
فصل في الكلام على الشيطان
قال مقاتل: إن الشيطان في سورة خنزير، يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه، سلَّطه الله على ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّيطَانَ يَجْرِي من ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» رواه البخاري ومسلم.
قال القرطبي: «ووسوسته: هو الدعاء إلى طاعته، حتى يصل به إلى القلب، من غير صوت» .
قوله: ﴿مِنَ الجنة﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من «شرّ» بإعادة العامل، أي: من شر الجنة.
الثاني: أنه بدل من ذي الوسواس؛ لأن الموسوس من الجن والإنس.
الثالث: أنه حال من الضمير في «يُوسْوِسُ» حال كونه من هذين الجنسين.
الرابع: أنه بدل من «النَّاس» وجعل «مِنْ» تبييناً، وأطلق على الجن اسم النَّاس؛ لأنهم يتحركون في مراداتهم. قاله أبو البقاء: إلا أنَّ الزمخشري أبطله، فقال بعد أن حكاه: «واستدلوا بنفر ورجال في سورة» الجنِّ «، وما أحقه لأن الجنَّ سموا حنًّا لاجتنانهم، والناس ناساً لظهورهم من الإيناس، وهو الإبصار، كما سموا بشراً، ولو كلن يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك، وثبت لم يكن مناسباً لفصاحة القرآن، وبعده عن التصنُّع، وأجود منه أن يراد بالنَّاس: الناسي، كقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] ، ثم يبين بالجنة والناس؛ لأن الثقلين هما النوعان الموصفان بنسيان حق الله عَزَّ وَجَلَّ» .
الخامس: أنه بيان ل ﴿الذى يُوَسْوِسُ﴾ على أنَّ الشيطان ضربان: جني، وإنسي، كما قال: ﴿شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ [الأنعام: 112] ، وعن أبي ذر، أنه قال لرجل: هلاَّ استعذت من شياطين الإنس.
السادس: أن يتعلق ب «وسوس» ، و «مِنْ» لابتداء الغاية، أي: يوسوس في صدورهم من جهة الإنس، ومن جهة الجن.
السابع: أن «الناس» عطف على «الوسواس» ، أي: من شر الوسواس والناس، ولا يجوز عطفه على «الجنَّة» ؛ لأن النَّاس لا يوسوسون في صدور النَّاس، إنما يوسوس الجن، فلما استحال المعنى حمل على العطف على الوسواس، قاله مكي.
الثامن: أن «مِنْ الجنَّةِ» ؛ حال من «النَّاس» أي: كائنين من القبيلين، قاله أبو البقاء، ولم يبين أي الناس المتقدم أنه صاحب الحال، وعلى كل تقدير فلا يصح معنى الحالية في شيء منها، لا الأول، ولا ما بعده، ثم قال: «وقيل: هو معطوف على الجنة» ، يريد: «والنَّاس» الأخير معطوف على الجنة، وهذا الكلام يستدعي تقدير شيء قبله وهو أن يكون الناس عطفاً على غير الجنة؛ وفي الجملة فهو كلام يتسامح فيه.
فصل في شياطين الإنس والجن
قال الحسن: هما شيطانان لنا: أما شيطان الجن، فيوسوسُ في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية.
وقال قتادةُ: إن من الجن شياطين، وإنَّ من الإنس شياطين فتعوذ بالله من شياطين الجن والإنس.
وعن أبي ذر: أنه قال لرجل: هل تعوَّذتَ بالله من شياطين الإنس؟ [ الأنعام: 112] . .
قال: أو من الإنس شياطين؟ قال: نعم، لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ [الأنعام: 112] .
وذهب قوم: أنَّ المراد بالناس هنا الجن، سموا بذلك ناساً كما سموا رجالاً في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن﴾ [الجن: 6] ، وكما سموا نفراً في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن﴾ [الأحقاف: 29] .
فعلى هذا يكون «والنَّاس» عطفاً على «الجنَّةِ» ، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين.
وقيل: معنى: ﴿مِن شَرِّ الوسواس﴾ ، أي: الوسوسة التي تكون من الجنة والناس، وهو حديث النفس.
قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ - تجَاوَزَ لأمَّتِي مَا حدَّثتْ بِهِ أنفُسهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أو تَتَكلَّمْ بِهِ» والله أعلم.
الناس 114:5
مكية، وهي ست آيات، وعشرون كلمة، وتسعة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ . قرئ: «قُلَ عُوذُ» بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللام، ونظيره: ﴿فَخُذَ رْبَعَةً﴾ [البقرة: 260] .
وأجمع القراء على تلك الإمالة في «النَّاس» إذا كان في موضع الخفضِ.
ومعنى «رَبّ الناس» مالكهم، ومصلح أمورهم، وإنما ذكر أنه «رَبّ الناس» ، وإن كان رباً لجميع الخلق لأمرين:
أحدهما: لأن الناس معظمون، فأعلم بذكرهم أنه ربٌّ لهم وإن عظموا.
والثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرِّهم، فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ منهم، وإنما قال: ﴿مَلِكِ الناس إله الناس﴾ لأن في الناس ملوكاً فذكر أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره، فذكر أنه إلههم، ومعبودهم، وأنه الذي يجب أن يستعاذ به، ويلجأ إليه دون الملوك، والعظماء.
قوله: ﴿مَلِكِ الناس إله الناس﴾ . يجوز أن يكونا وصفين ل «ربّ الناس» وأن يكونا بدلين، وأن يكونا عطف بيان.
قال الزمخشري: فإن قلت: «ملك الناس، إله الناس» ؟ ما هما من «رب الناس» ؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبي حفص عمر الفاروق، بين ب ﴿مَلِكِ الناس﴾ ثم زيد بياناً ب ﴿إله الناس﴾ ؛ لأنه قد يقال لغيره: «رب النَّاس» ، كقوله: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} [التوبة: 31] ، وقد يقال: «ملك النَّاس» ، وأما «إله النَّاس» فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان.
واعترض أبو حيَّان: بأن البيان يكون بالجوامد، ويجاب عنه بأن هذا جارٍ مجرى الجوامد وقد تقدم تقريره في «الرحمن الرحيم» أول الفاتحة.
وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: «بربِّ النَّاس» مضافاً إليهم خاصة؟ .
قلت: لأن الاستعاذة وقعت من شر الوسواس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم.
قال الزمخشري: «فإن قلت: فهلاَّ اكتفي بإظهار المضاف إليه الذي هو النَّاس مرة واحدة؟ لأن عطف البيان للبيان، فكان مظنةً للإظهار دون الإضمار» .
وكرر لفظ «النَّاس» ؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأن التكرار يقتضي مزيد شرف الناس، وأنهم أشرف مخلوقاته.
قال ابن الخطيب: وإنما بدأ بذكر الرب تعالى، وهم اسم لمن قام بتدبيره، وإصلاحه من أوائل نعمه إلى أن رباه، وأعطاه العقل، فحينئذ عرف بالدليل أنه مملوك وأنه ملك، فثنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له، وعرف أنه معبود مستحق للعبادة وعرفه أنه إله فلهذا ختم به.
قال ابن الخطيب: ولم يقرأ في المشهورة هنا «مالك» بالألف، كما قرئ به في الفاتحة، لأن معنى المالك هو الربُّ، فيلزم التكرار.
وقرئ به في الفاتحة، لاختلاف المضافين، فلا تكرار.
قوله: ﴿مِن شَرِّ الوسواس﴾ .
قال الزمخشري: «اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر: فوِسْواس - بالكسر» كزِلْزَال «، والمراد به الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته، وشغله الذي هو عاكف عليه، وأريد ذو الوسواس» . انتهى، وقد مر الكلام معه أن المكسور مصدر، والمفتوح اسم في «الزلزلة» ؛ فليراجع.
والوَسْوَسَةُ: حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه وَسْوَسة ووِسْوَسة - بكسر الواو - قاله القرطبي.
ويقال لهمس الصائد، والكلاب، وأصوات الحليّ: وسواس.
قال ذو الرمة: [البسيط]
5372 - فَبَاتَ يُشئِزُهُ ثَأَدٌ ويُسهِرهُ ... تَذؤُّبُ الرِّيحِ والوَسْوَاسُ والهِضَبُ
وقال الأعشى: [البسيط]
5373 - تَسْمَعُ للحَلْي وسْوَاساً إذا انصَرفَتْ ... كمَا اسْتَعَانَ بِرِيحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ
قوله: «الخنَّاس» أي: الرجَّاع؛ لأنه إذا ذكر الله - تعالى - خنس، وهو مثال مبالغة من الخنوس.
يقال: خنس أي تأخر، يقال: خنستة فخنس، أي أخرته فتأخر، وأخنسته أيضاً. وتقدم الكلام على هذه المادة في سورة: ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] .
﴿الذى يُوَسْوِس﴾ : يجوز جره نعتاً وبدلاً [وبياناً لجريانه مجرى] الجوامد، ونصبه ورفعه على القطع.
قال القرطبي: «ووصف بالخناس؛ لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس﴾ [التكوير: 15] يعني النجوم لاختفائها بعد ظهورها» .
فصل في الكلام على الشيطان
قال مقاتل: إن الشيطان في سورة خنزير، يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه، سلَّطه الله على ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّيطَانَ يَجْرِي من ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» رواه البخاري ومسلم.
قال القرطبي: «ووسوسته: هو الدعاء إلى طاعته، حتى يصل به إلى القلب، من غير صوت» .
قوله: ﴿مِنَ الجنة﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من «شرّ» بإعادة العامل، أي: من شر الجنة.
الثاني: أنه بدل من ذي الوسواس؛ لأن الموسوس من الجن والإنس.
الثالث: أنه حال من الضمير في «يُوسْوِسُ» حال كونه من هذين الجنسين.
الرابع: أنه بدل من «النَّاس» وجعل «مِنْ» تبييناً، وأطلق على الجن اسم النَّاس؛ لأنهم يتحركون في مراداتهم. قاله أبو البقاء: إلا أنَّ الزمخشري أبطله، فقال بعد أن حكاه: «واستدلوا بنفر ورجال في سورة» الجنِّ «، وما أحقه لأن الجنَّ سموا حنًّا لاجتنانهم، والناس ناساً لظهورهم من الإيناس، وهو الإبصار، كما سموا بشراً، ولو كلن يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك، وثبت لم يكن مناسباً لفصاحة القرآن، وبعده عن التصنُّع، وأجود منه أن يراد بالنَّاس: الناسي، كقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] ، ثم يبين بالجنة والناس؛ لأن الثقلين هما النوعان الموصفان بنسيان حق الله عَزَّ وَجَلَّ» .
الخامس: أنه بيان ل ﴿الذى يُوَسْوِسُ﴾ على أنَّ الشيطان ضربان: جني، وإنسي، كما قال: ﴿شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ [الأنعام: 112] ، وعن أبي ذر، أنه قال لرجل: هلاَّ استعذت من شياطين الإنس.
السادس: أن يتعلق ب «وسوس» ، و «مِنْ» لابتداء الغاية، أي: يوسوس في صدورهم من جهة الإنس، ومن جهة الجن.
السابع: أن «الناس» عطف على «الوسواس» ، أي: من شر الوسواس والناس، ولا يجوز عطفه على «الجنَّة» ؛ لأن النَّاس لا يوسوسون في صدور النَّاس، إنما يوسوس الجن، فلما استحال المعنى حمل على العطف على الوسواس، قاله مكي.
الثامن: أن «مِنْ الجنَّةِ» ؛ حال من «النَّاس» أي: كائنين من القبيلين، قاله أبو البقاء، ولم يبين أي الناس المتقدم أنه صاحب الحال، وعلى كل تقدير فلا يصح معنى الحالية في شيء منها، لا الأول، ولا ما بعده، ثم قال: «وقيل: هو معطوف على الجنة» ، يريد: «والنَّاس» الأخير معطوف على الجنة، وهذا الكلام يستدعي تقدير شيء قبله وهو أن يكون الناس عطفاً على غير الجنة؛ وفي الجملة فهو كلام يتسامح فيه.
فصل في شياطين الإنس والجن
قال الحسن: هما شيطانان لنا: أما شيطان الجن، فيوسوسُ في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية.
وقال قتادةُ: إن من الجن شياطين، وإنَّ من الإنس شياطين فتعوذ بالله من شياطين الجن والإنس.
وعن أبي ذر: أنه قال لرجل: هل تعوَّذتَ بالله من شياطين الإنس؟ [ الأنعام: 112] . .
قال: أو من الإنس شياطين؟ قال: نعم، لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ [الأنعام: 112] .
وذهب قوم: أنَّ المراد بالناس هنا الجن، سموا بذلك ناساً كما سموا رجالاً في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن﴾ [الجن: 6] ، وكما سموا نفراً في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن﴾ [الأحقاف: 29] .
فعلى هذا يكون «والنَّاس» عطفاً على «الجنَّةِ» ، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين.
وقيل: معنى: ﴿مِن شَرِّ الوسواس﴾ ، أي: الوسوسة التي تكون من الجنة والناس، وهو حديث النفس.
قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ - تجَاوَزَ لأمَّتِي مَا حدَّثتْ بِهِ أنفُسهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أو تَتَكلَّمْ بِهِ» والله أعلم.
الناس 114:6
مكية، وهي ست آيات، وعشرون كلمة، وتسعة وتسعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ . قرئ: «قُلَ عُوذُ» بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى اللام، ونظيره: ﴿فَخُذَ رْبَعَةً﴾ [البقرة: 260] .
وأجمع القراء على تلك الإمالة في «النَّاس» إذا كان في موضع الخفضِ.
ومعنى «رَبّ الناس» مالكهم، ومصلح أمورهم، وإنما ذكر أنه «رَبّ الناس» ، وإن كان رباً لجميع الخلق لأمرين:
أحدهما: لأن الناس معظمون، فأعلم بذكرهم أنه ربٌّ لهم وإن عظموا.
والثاني: لأنه أمر بالاستعاذة من شرِّهم، فأعلم بذكرهم أنه هو الذي يعيذ منهم، وإنما قال: ﴿مَلِكِ الناس إله الناس﴾ لأن في الناس ملوكاً فذكر أنه ملكهم، وفي الناس من يعبد غيره، فذكر أنه إلههم، ومعبودهم، وأنه الذي يجب أن يستعاذ به، ويلجأ إليه دون الملوك، والعظماء.
قوله: ﴿مَلِكِ الناس إله الناس﴾ . يجوز أن يكونا وصفين ل «ربّ الناس» وأن يكونا بدلين، وأن يكونا عطف بيان.
قال الزمخشري: فإن قلت: «ملك الناس، إله الناس» ؟ ما هما من «رب الناس» ؟ قلت: هما عطف بيان، كقولك: سيرة أبي حفص عمر الفاروق، بين ب ﴿مَلِكِ الناس﴾ ثم زيد بياناً ب ﴿إله الناس﴾ ؛ لأنه قد يقال لغيره: «رب النَّاس» ، كقوله: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله} [التوبة: 31] ، وقد يقال: «ملك النَّاس» ، وأما «إله النَّاس» فخاص لا شركة فيه، فجعل غاية للبيان.
واعترض أبو حيَّان: بأن البيان يكون بالجوامد، ويجاب عنه بأن هذا جارٍ مجرى الجوامد وقد تقدم تقريره في «الرحمن الرحيم» أول الفاتحة.
وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: «بربِّ النَّاس» مضافاً إليهم خاصة؟ .
قلت: لأن الاستعاذة وقعت من شر الوسواس في صدور الناس، فكأنه قيل: أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم.
قال الزمخشري: «فإن قلت: فهلاَّ اكتفي بإظهار المضاف إليه الذي هو النَّاس مرة واحدة؟ لأن عطف البيان للبيان، فكان مظنةً للإظهار دون الإضمار» .
وكرر لفظ «النَّاس» ؛ لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار، ولأن التكرار يقتضي مزيد شرف الناس، وأنهم أشرف مخلوقاته.
قال ابن الخطيب: وإنما بدأ بذكر الرب تعالى، وهم اسم لمن قام بتدبيره، وإصلاحه من أوائل نعمه إلى أن رباه، وأعطاه العقل، فحينئذ عرف بالدليل أنه مملوك وأنه ملك، فثنى بذكر الملك، ثم لما علم أن العبادة لازمة له، وعرف أنه معبود مستحق للعبادة وعرفه أنه إله فلهذا ختم به.
قال ابن الخطيب: ولم يقرأ في المشهورة هنا «مالك» بالألف، كما قرئ به في الفاتحة، لأن معنى المالك هو الربُّ، فيلزم التكرار.
وقرئ به في الفاتحة، لاختلاف المضافين، فلا تكرار.
قوله: ﴿مِن شَرِّ الوسواس﴾ .
قال الزمخشري: «اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر: فوِسْواس - بالكسر» كزِلْزَال «، والمراد به الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه، لأنها صنعته، وشغله الذي هو عاكف عليه، وأريد ذو الوسواس» . انتهى، وقد مر الكلام معه أن المكسور مصدر، والمفتوح اسم في «الزلزلة» ؛ فليراجع.
والوَسْوَسَةُ: حديث النفس، يقال: وسوست إليه نفسه وَسْوَسة ووِسْوَسة - بكسر الواو - قاله القرطبي.
ويقال لهمس الصائد، والكلاب، وأصوات الحليّ: وسواس.
قال ذو الرمة: [البسيط]
5372 - فَبَاتَ يُشئِزُهُ ثَأَدٌ ويُسهِرهُ ... تَذؤُّبُ الرِّيحِ والوَسْوَاسُ والهِضَبُ
وقال الأعشى: [البسيط]
5373 - تَسْمَعُ للحَلْي وسْوَاساً إذا انصَرفَتْ ... كمَا اسْتَعَانَ بِرِيحٍ عِشرِقٌ زَجِلُ
قوله: «الخنَّاس» أي: الرجَّاع؛ لأنه إذا ذكر الله - تعالى - خنس، وهو مثال مبالغة من الخنوس.
يقال: خنس أي تأخر، يقال: خنستة فخنس، أي أخرته فتأخر، وأخنسته أيضاً. وتقدم الكلام على هذه المادة في سورة: ﴿إِذَا الشمس كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] .
﴿الذى يُوَسْوِس﴾ : يجوز جره نعتاً وبدلاً [وبياناً لجريانه مجرى] الجوامد، ونصبه ورفعه على القطع.
قال القرطبي: «ووصف بالخناس؛ لأنه كثير الاختفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس﴾ [التكوير: 15] يعني النجوم لاختفائها بعد ظهورها» .
فصل في الكلام على الشيطان
قال مقاتل: إن الشيطان في سورة خنزير، يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه، سلَّطه الله على ذلك، فذلك قوله تعالى: ﴿الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ ، وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ الشَّيطَانَ يَجْرِي من ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» رواه البخاري ومسلم.
قال القرطبي: «ووسوسته: هو الدعاء إلى طاعته، حتى يصل به إلى القلب، من غير صوت» .
قوله: ﴿مِنَ الجنة﴾ . فيه أوجه:
أحدها: أنه بدل من «شرّ» بإعادة العامل، أي: من شر الجنة.
الثاني: أنه بدل من ذي الوسواس؛ لأن الموسوس من الجن والإنس.
الثالث: أنه حال من الضمير في «يُوسْوِسُ» حال كونه من هذين الجنسين.
الرابع: أنه بدل من «النَّاس» وجعل «مِنْ» تبييناً، وأطلق على الجن اسم النَّاس؛ لأنهم يتحركون في مراداتهم. قاله أبو البقاء: إلا أنَّ الزمخشري أبطله، فقال بعد أن حكاه: «واستدلوا بنفر ورجال في سورة» الجنِّ «، وما أحقه لأن الجنَّ سموا حنًّا لاجتنانهم، والناس ناساً لظهورهم من الإيناس، وهو الإبصار، كما سموا بشراً، ولو كلن يقع الناس على القبيلين، وصح ذلك، وثبت لم يكن مناسباً لفصاحة القرآن، وبعده عن التصنُّع، وأجود منه أن يراد بالنَّاس: الناسي، كقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] ، ثم يبين بالجنة والناس؛ لأن الثقلين هما النوعان الموصفان بنسيان حق الله عَزَّ وَجَلَّ» .
الخامس: أنه بيان ل ﴿الذى يُوَسْوِسُ﴾ على أنَّ الشيطان ضربان: جني، وإنسي، كما قال: ﴿شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ [الأنعام: 112] ، وعن أبي ذر، أنه قال لرجل: هلاَّ استعذت من شياطين الإنس.
السادس: أن يتعلق ب «وسوس» ، و «مِنْ» لابتداء الغاية، أي: يوسوس في صدورهم من جهة الإنس، ومن جهة الجن.
السابع: أن «الناس» عطف على «الوسواس» ، أي: من شر الوسواس والناس، ولا يجوز عطفه على «الجنَّة» ؛ لأن النَّاس لا يوسوسون في صدور النَّاس، إنما يوسوس الجن، فلما استحال المعنى حمل على العطف على الوسواس، قاله مكي.
الثامن: أن «مِنْ الجنَّةِ» ؛ حال من «النَّاس» أي: كائنين من القبيلين، قاله أبو البقاء، ولم يبين أي الناس المتقدم أنه صاحب الحال، وعلى كل تقدير فلا يصح معنى الحالية في شيء منها، لا الأول، ولا ما بعده، ثم قال: «وقيل: هو معطوف على الجنة» ، يريد: «والنَّاس» الأخير معطوف على الجنة، وهذا الكلام يستدعي تقدير شيء قبله وهو أن يكون الناس عطفاً على غير الجنة؛ وفي الجملة فهو كلام يتسامح فيه.
فصل في شياطين الإنس والجن
قال الحسن: هما شيطانان لنا: أما شيطان الجن، فيوسوسُ في صدور الناس، وأما شيطان الإنس فيأتي علانية.
وقال قتادةُ: إن من الجن شياطين، وإنَّ من الإنس شياطين فتعوذ بالله من شياطين الجن والإنس.
وعن أبي ذر: أنه قال لرجل: هل تعوَّذتَ بالله من شياطين الإنس؟ [ الأنعام: 112] . .
قال: أو من الإنس شياطين؟ قال: نعم، لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن﴾ [الأنعام: 112] .
وذهب قوم: أنَّ المراد بالناس هنا الجن، سموا بذلك ناساً كما سموا رجالاً في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن﴾ [الجن: 6] ، وكما سموا نفراً في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ الجن﴾ [الأحقاف: 29] .
فعلى هذا يكون «والنَّاس» عطفاً على «الجنَّةِ» ، ويكون التكرير لاختلاف اللفظين.
وقيل: معنى: ﴿مِن شَرِّ الوسواس﴾ ، أي: الوسوسة التي تكون من الجنة والناس، وهو حديث النفس.
قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «إنَّ اللهَ - عزَّ وجلَّ - تجَاوَزَ لأمَّتِي مَا حدَّثتْ بِهِ أنفُسهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أو تَتَكلَّمْ بِهِ» والله أعلم.