Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — البقرة 2:47 – البقرة 2:99

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. البقرة 2:47
  2. البقرة 2:48
  3. البقرة 2:49
  4. البقرة 2:50
  5. البقرة 2:51
  6. البقرة 2:52
  7. البقرة 2:53
  8. البقرة 2:54
  9. البقرة 2:55
  10. البقرة 2:56
  11. البقرة 2:57
  12. البقرة 2:58
  13. البقرة 2:59
  14. البقرة 2:60
  15. البقرة 2:61
  16. البقرة 2:62
  17. البقرة 2:63
  18. البقرة 2:64
  19. البقرة 2:65
  20. البقرة 2:66
  21. البقرة 2:67
  22. البقرة 2:68
  23. البقرة 2:69
  24. البقرة 2:70
  25. البقرة 2:71
  26. البقرة 2:72
  27. البقرة 2:73
  28. البقرة 2:74
  29. البقرة 2:75
  30. البقرة 2:76
  31. البقرة 2:77
  32. البقرة 2:78
  33. البقرة 2:79
  34. البقرة 2:80
  35. البقرة 2:81
  36. البقرة 2:82
  37. البقرة 2:83
  38. البقرة 2:84
  39. البقرة 2:85
  40. البقرة 2:86
  41. البقرة 2:87
  42. البقرة 2:88
  43. البقرة 2:89
  44. البقرة 2:90
  45. البقرة 2:91
  46. البقرة 2:92
  47. البقرة 2:93
  48. البقرة 2:94
  49. البقرة 2:95
  50. البقرة 2:96
  51. البقرة 2:97
  52. البقرة 2:98
  53. البقرة 2:99

البقرة 2:47

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ قَدْ تَكَرَّرَ هَذا النِداءُ، والتَذْكِيرُ بِالنِعْمَةِ، وفائِدَةُ ذَلِكَ أنَّ الخِطابَ الأوَّلَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْكافِرِينَ مِنهم. وهَذا المُتَكَرِّرُ إنَّما هو لِلْكافِرِينَ بِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ، وأيْضًا فَإنَّ فِيهِ تَقْوِيَةَ التَوْقِيفِ، وتَأْكِيدَ الحَضِّ عَلى ذِكْرِ أيادِي اللهِ، وحُسْنِ خِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾، لِأنَّ تَفْضِيلَ آبائِهِمْ وأسْلافِهِمْ تَفْضِيلٌ لَهُمْ، وفي الكَلامِ اتِّساعٌ، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُمُ: المَعْنى عَلى عالَمِ زَمانِهِمُ الَّذِي كانَتْ فِيهِ النُبُوءَةُ المُتَكَرِّرَةُ والمُلْكُ، لِأنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. (p-٢٠٤)وَقوله عزّ وجلّ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ نُصِبَ "يَوْمًا" بـِ "اتَّقَوْا" عَلى السِعَةِ والتَقْدِيرِ: "عَذابُ يَوْمٍ" أو: "هَوْلُ يَوْمٍ" ثُمَّ حُذِفَ ذَلِكَ، وأقامَ اليَوْمَ مَقامَهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى الظَرْفِ لا لِلتَّقْوى لِأنْ يَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ بِيَوْمِ عَمَلٍ، ولَكِنَّ مَعْناهُ: "جِيئُوا مُتَّقِينَ يَوْمًا". و"لا تَجْزِي" مَعْناهُ لا تُغْنِي. وقالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ لا تَقْضِي ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ "شَيْئًا"، وقِيلَ: المَعْنى لا تُكافِئُ، ويُقالُ جَزى وأجْزَأ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُما قَوْمٌ فَقالُوا: جَزى بِمَعْنى قَضى وكافَأ. وأجْزَأ بِمَعْنى أغْنى وكَفى. وقَرَأ أبُو السَمّالِ "تُجْزِئُ" بِضَمِّ التاءِ والهَمْزِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ وقالَ البَصْرِيُّونَ: التَقْدِيرُ: "لا تَجْزِي فِيهِ"، ثُمَّ حُذِفَ "فِيهِ"، وقالَ غَيْرُهُمْ: حُذِفَ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بـِ "تَجْزِي" تَقْدِيرُهُ "لا تَجْزِيهِ"، عَلى أنَّهُ يَقْبُحُ حَذْفُ هَذا الضَمِيرِ في الخَبَرِ، وإنَّما يَحْسُنُ في الصِلَةِ. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: التَقْدِيرُ: "لا تَجْزِي فِيهِ"، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ واتَّصَلَ الضَمِيرُ، ثُمَّ حُذِفَ الضَمِيرُ بِتَدْرِيجٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ (p-٢٠٥)مِن تَحْتِ عَلى المَعْنى، إذْ تَأْنِيثُ الشَفاعَةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، والشَفاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَفْعِ وهُما الِاثْنانِ لِأنَّ الشافِعَ والمَشْفُوعَ لَهُ شَفْعٌ، وكَذَلِكَ الشَفِيعُ فِيما لَمْ يُقَسَّمْ. وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأبْناءُ أنْبِيائِهِ، وسَيَشْفَعُ لَنا آباؤُنا، فَأعْلَمَهُمُ اللهُ تَعالى عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ لا تُقْبَلُ فِيهِ الشَفاعَةُ، ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٌ﴾، وهَذا إنَّما هو في الكافِرِينَ لِلْإجْماعِ- وتَواتَرَ الحَدِيثُ بِالشَفاعَةِ في المُؤْمِنِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: العَدْلُ الفِدْيَةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَدْلُ الشَيْءِ هو الَّذِي يُساوِيهِ قِيمَةً وقَدْرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ والعَدْلُ بِكَسْرِ العَيْنِ هو الَّذِي يُساوِي الشَيْءَ مِن جِنْسِهِ وفي جِرْمِهِ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ العَيْنَ مِن مَعْنى الفِدْيَةِ، فَأمّا واحِدُ الأعْدالِ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرَ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَلا هُمْ"، عائِدٌ عَلى الكافِرِينَ الَّذِينَ اقْتَضَتْهُمُ الآيَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَفْسَيْنِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُما، لِأنَّ اثْنَيْنِ جَمْعٌ، أو لِأنَّ النَفْسَ لِلْجِنْسِ، وهو جَمْعٌ. وحَصَرَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَعانِيَ الَّتِي اعْتادَها بَنُو آدَمَ في الدُنْيا، فَإنَّ الواقِعَ في شِدَّةٍ مَعَ آدَمِيٍّ لا يَتَخَلَّصُ إلّا بِأنْ يَشْفَعَ لَهُ، أو يُنْصَرَ، أو يُفْتَدى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ خَلَّصْناكُمْ، "وَآلِ" أصْلُهُ أهْلُ، قُلِبَتِ الهاءُ ألِفًا كَما عُمِلَ في ماءٍ، ولِذَلِكَ رَدَّها التَصْغِيرُ إلى الأصْلِ فَقِيلَ: أُهَيْلُ ومُوَيْهُ، وقَدْ قِيلَ في "آلِ": إنَّهُ اسْمٌ غَيْرُ أهْلِ، أصْلُهُ أوَّلُ، وتَصْغِيرُهُ أُوَيِّلُ، وإنَّما نَسَبَ الفِعْلَ إلى "آلِ فِرْعَوْنَ " وهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَهُ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ لِتَوَلِّيهِمْ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، وقالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ويَقْتَضِي هَذا أنَّ مَن أمَرَهُ ظالِمٌ بِقَتْلِ أحَدٍ فَقَتَلَهُ المَأْمُورُ فَهو المَأْخُوذُ بِهِ. (p-٢٠٦)وَآلُ الرَجُلِ: قَرابَتُهُ وشِيعَتُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ أراكَةَ الثَقَفِيِّ: ؎ فَلا تَبْكِ مَيِّتًا بَعْدَ مَيِّتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلَ أبِي بَكْرِ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَبَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ. والأشْهُرُ في "آلِ" أنْ يُضافَ إلى الأسْماءِ، لا إلى البِقاعِ والبِلادِ، وقَدْ يُقالُ: آلُ مَكَّةَ، وآلُ المَدِينَةِ، و"فِرْعَوْنُ" اسْمٌ لِكُلِّ مَن مَلَكَ مِنَ العَمالِقَةِ مِصْرَ، وفِرْعَوْنُ مُوسى قِيلَ: اسْمُهُ مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: اسْمُهُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مَن أهْلِ إصْطَخَرَ، ورَدَّ مِصْرَ فاتَّفَقَ لَهُ فِيها المُلْكُ، وكانَ أصْلُ كَوْنِ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ نُزُولُ إسْرائِيلَ بِها زَمَنَ ابْنِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِما السَلامُ. "يَسُومُونَكُمْ" مَعْناهُ: يَأْخُذُونَكم بِهِ، ويُلْزِمُونَكم إيّاهُ، ومِنهُ المُساوَمَةُ بِالسِلْعَةِ، وسامَهُ خَطَّةَ خَسْفٍ و"يَسُومُونَكُمْ" إعْرابُهُ رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: سائِمِينَ لَكم سُوءَ العَذابِ، ويَجُوزُ ألّا تُقَدَّرَ فِيهِ الحالُ، ويَكُونُ وصْفُ حالٍ ماضِيَةٍ، وسُوءُ العَذابِ أشَدَّهُ، وأصْعَبَهُ قالَ السُدِّيُّ: كانَ يَصْرِفُهم في الأعْمالِ القَذِرَةِ، ويُذَبِّحُ الأبْناءَ، ويَسْتَحْيِي النِساءَ. وقالَ غَيْرُهُ: صَرَفَهم عَلى الأعْمالِ: الحَرْثُ، والزِراعَةُ، والبِناءُ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وكانَ قَوْمُهُ جُنْدًا مُلُوكًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُذَبِّحُونَ" بِشَدِّ الباءِ المَكْسُورَةِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَذْبَحُونَ" بِالتَخْفِيفِ، والأوَّلُ أرْجَحُ، إذِ الذَبْحُ مُتَكَرِّرٌ. وكانَ فِرْعَوْنُ عَلى ما رُوِيَ قَدْ رَأى في مَنامِهِ نارًا خَرَجَتْ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَأحْرَقَتْ بُيُوتَ مِصْرَ، فَأوَّلَتْ لَهُ رُؤْياهُ: أنَّ مَوْلُودًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَنْشَأُ فَيُخَرِّبُ مُلْكَ فِرْعَوْنَ عَلى يَدَيْهِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُما: إنَّ الكَهَنَةَ والمُنَجِّمِينَ قالُوا (p-٢٠٧)لِفِرْعَوْنَ: قَدْ أظَلَّكَ زَمَنُ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُخَرِّبُ مُلْكَكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ تَذاكَرُوا وعْدَ اللهِ لِإبْراهِيمَ أنْ يَجْعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ومُلُوكًا، فَأمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِذَبْحِ الذُكُورِ مِنَ المَوْلُودِينَ في بَنِي إسْرائِيلَ، ووَكَّلَ بِكُلِّ عَشْرِ نِساءٍ رَجُلًا يَحْفَظُ مَن يَحْمِلُ مِنهُنَّ، وقِيلَ: وكَّلَ بِذَلِكَ القَوابِلَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾: يَذْبَحُونَ الرِجالَ، ويُسَمُّونَ أبْناءً لِما كانُوا كَذَلِكَ، واسْتَدَلَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "نِساءَكُمْ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ مِنَ التَأْوِيلِ أنَّ الأبْناءَ هُمُ: الأطْفالُ الذُكُورُ، والنِساءُ هُمُ: الأطْفالُ الإناثُ. وعَبَّرَ عنهم بِاسْمِ النِساءِ بِالمَآلِ ولِيُذَكِّرْهُنَّ بِالِاسْمِ الَّذِي في وقْتِهِ، يَسْتَخْدِمْنَ ويَمْتَهِنَّ، ونَفْسُ الِاسْتِحْياءِ لَيْسَ بِعَذابٍ، ولَكِنَّ العَذابَ بِسَبَبِهِ وقَعَ الِاسْتِحْياءُ، و"يُذَبِّحُونَ" بَدَلٌ مِن "يَسُومُونَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى جُمْلَةِ الأمْرِ، إذْ هو خَبَرٌ، فَهو كَمُفْرَدٍ حاضِرٍ، و"بَلاءٌ" مَعْناهُ: امْتِحانٌ واخْتِبارٌ، ويَكُونُ "البَلاءُ" في الخَيْرِ والشَرِّ، وقالَ قَوْمٌ: الإشارَةُ بـِ "ذَلِكُمْ" إلى التَنْجِيَةِ، فَيَكُونُ "البَلاءُ" عَلى هَذا في الخَيْرِ الشَرِّ، أيْ: وفي تَنْجِيَتِكم نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ عَلَيْكُمْ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الإشارَةُ إلى الذَبْحِ ونَحْوِهِ، و"البَلاءُ" هُنا في الشَرِّ، والمَعْنى: وفي الذَبْحِ مَكْرُوهٌ وامْتِحانٌ. وحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في كَيْفِيَّةِ نَجاتِهِمْ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ يَسْرِي مِن مِصْرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرَهم مُوسى أنْ يَسْتَعِيرُوا الحُلِيَّ والمَتاعَ مِنَ القِبْطِ، وأحَلَّ اللهُ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَسَرى بِهِمْ مُوسى مِن أوَّلِ اللَيْلِ، فَأعْلَمَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: لا يَتْبَعُهم أحَدٌ حَتّى تَصِيحَ الدِيَكَةُ، فَلَمْ يَصِحْ تِلْكَ اللَيْلَةَ بِمِصْرَ دِيكٌ حَتّى أصْبَحَ، وأماتَ اللهُ (p-٢٠٨)تِلْكَ اللَيْلَةَ- كَثِيرًا مِن أبْناءِ القِبْطِ، فاشْتَغَلُوا في الدَفْنِ، وخَرَجُوا في الأتْباعِ مُشْرِقِينَ، وذَهَبَ مُوسى إلى ناحِيَةِ البَحْرِ حَتّى بَلَغَهُ، وكانَتْ عِدَّةُ بَنِي إسْرائِيلَ نَيِّفًا عَلى سِتِّمِائَةِ ألْفٍ، وكانَتْ عِدَّةُ فِرْعَوْنَ ألِفَ ألْفٍ ومِائَتَيْ ألْفٍ. وحُكِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا اخْتَصَرْتُهُ لِقِلَّةِ ثُبُوتِهِ، فَلَمّا لَحِقَ فِرْعَوْنُ مُوسى ظَنَّ بَنُو إسْرائِيلَ أنَّهم غَيْرُ ناجِينَ، فَقالَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ لِمُوسى: أيْنَ أُمِرْتَ؟ فَقالَ: هَكَذا، وأشارَ إلى البَحْرِ، فَرَكَضَ يُوشَعُ فَرَسَهُ فِيهِ حَتّى بَلَغَ الغَمْرَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَ لِمُوسى: أيْنَ أُمِرْتَ فَوَ اللهِ ما كَذَبْتَ ولا كَذَبْتَ؟ فَأشارَ إلى البَحْرِ، وأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، وأوحى إلى البَحْرِ أنِ انْفَرِقْ لِمُوسى إذا ضَرَبَكَ، فَباتَ البَحْرُ تِلْكَ اللَيْلَةَ يَضْطَرِبُ، فَحِينَ أصْبَحَ ضَرَبَ مُوسى البَحْرَ وكَنّاهُ أبا خالِدٍ فانْفَرَقَ، وكانَ ذَلِكَ في يَوْمِ عاشُوراءَ.

البقرة 2:48

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ قَدْ تَكَرَّرَ هَذا النِداءُ، والتَذْكِيرُ بِالنِعْمَةِ، وفائِدَةُ ذَلِكَ أنَّ الخِطابَ الأوَّلَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْكافِرِينَ مِنهم. وهَذا المُتَكَرِّرُ إنَّما هو لِلْكافِرِينَ بِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ، وأيْضًا فَإنَّ فِيهِ تَقْوِيَةَ التَوْقِيفِ، وتَأْكِيدَ الحَضِّ عَلى ذِكْرِ أيادِي اللهِ، وحُسْنِ خِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾، لِأنَّ تَفْضِيلَ آبائِهِمْ وأسْلافِهِمْ تَفْضِيلٌ لَهُمْ، وفي الكَلامِ اتِّساعٌ، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُمُ: المَعْنى عَلى عالَمِ زَمانِهِمُ الَّذِي كانَتْ فِيهِ النُبُوءَةُ المُتَكَرِّرَةُ والمُلْكُ، لِأنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. (p-٢٠٤)وَقوله عزّ وجلّ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ نُصِبَ "يَوْمًا" بـِ "اتَّقَوْا" عَلى السِعَةِ والتَقْدِيرِ: "عَذابُ يَوْمٍ" أو: "هَوْلُ يَوْمٍ" ثُمَّ حُذِفَ ذَلِكَ، وأقامَ اليَوْمَ مَقامَهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى الظَرْفِ لا لِلتَّقْوى لِأنْ يَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ بِيَوْمِ عَمَلٍ، ولَكِنَّ مَعْناهُ: "جِيئُوا مُتَّقِينَ يَوْمًا". و"لا تَجْزِي" مَعْناهُ لا تُغْنِي. وقالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ لا تَقْضِي ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ "شَيْئًا"، وقِيلَ: المَعْنى لا تُكافِئُ، ويُقالُ جَزى وأجْزَأ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُما قَوْمٌ فَقالُوا: جَزى بِمَعْنى قَضى وكافَأ. وأجْزَأ بِمَعْنى أغْنى وكَفى. وقَرَأ أبُو السَمّالِ "تُجْزِئُ" بِضَمِّ التاءِ والهَمْزِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ وقالَ البَصْرِيُّونَ: التَقْدِيرُ: "لا تَجْزِي فِيهِ"، ثُمَّ حُذِفَ "فِيهِ"، وقالَ غَيْرُهُمْ: حُذِفَ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بـِ "تَجْزِي" تَقْدِيرُهُ "لا تَجْزِيهِ"، عَلى أنَّهُ يَقْبُحُ حَذْفُ هَذا الضَمِيرِ في الخَبَرِ، وإنَّما يَحْسُنُ في الصِلَةِ. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: التَقْدِيرُ: "لا تَجْزِي فِيهِ"، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ واتَّصَلَ الضَمِيرُ، ثُمَّ حُذِفَ الضَمِيرُ بِتَدْرِيجٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ (p-٢٠٥)مِن تَحْتِ عَلى المَعْنى، إذْ تَأْنِيثُ الشَفاعَةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، والشَفاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَفْعِ وهُما الِاثْنانِ لِأنَّ الشافِعَ والمَشْفُوعَ لَهُ شَفْعٌ، وكَذَلِكَ الشَفِيعُ فِيما لَمْ يُقَسَّمْ. وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأبْناءُ أنْبِيائِهِ، وسَيَشْفَعُ لَنا آباؤُنا، فَأعْلَمَهُمُ اللهُ تَعالى عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ لا تُقْبَلُ فِيهِ الشَفاعَةُ، ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٌ﴾، وهَذا إنَّما هو في الكافِرِينَ لِلْإجْماعِ- وتَواتَرَ الحَدِيثُ بِالشَفاعَةِ في المُؤْمِنِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: العَدْلُ الفِدْيَةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَدْلُ الشَيْءِ هو الَّذِي يُساوِيهِ قِيمَةً وقَدْرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ والعَدْلُ بِكَسْرِ العَيْنِ هو الَّذِي يُساوِي الشَيْءَ مِن جِنْسِهِ وفي جِرْمِهِ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ العَيْنَ مِن مَعْنى الفِدْيَةِ، فَأمّا واحِدُ الأعْدالِ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرَ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَلا هُمْ"، عائِدٌ عَلى الكافِرِينَ الَّذِينَ اقْتَضَتْهُمُ الآيَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَفْسَيْنِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُما، لِأنَّ اثْنَيْنِ جَمْعٌ، أو لِأنَّ النَفْسَ لِلْجِنْسِ، وهو جَمْعٌ. وحَصَرَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَعانِيَ الَّتِي اعْتادَها بَنُو آدَمَ في الدُنْيا، فَإنَّ الواقِعَ في شِدَّةٍ مَعَ آدَمِيٍّ لا يَتَخَلَّصُ إلّا بِأنْ يَشْفَعَ لَهُ، أو يُنْصَرَ، أو يُفْتَدى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ خَلَّصْناكُمْ، "وَآلِ" أصْلُهُ أهْلُ، قُلِبَتِ الهاءُ ألِفًا كَما عُمِلَ في ماءٍ، ولِذَلِكَ رَدَّها التَصْغِيرُ إلى الأصْلِ فَقِيلَ: أُهَيْلُ ومُوَيْهُ، وقَدْ قِيلَ في "آلِ": إنَّهُ اسْمٌ غَيْرُ أهْلِ، أصْلُهُ أوَّلُ، وتَصْغِيرُهُ أُوَيِّلُ، وإنَّما نَسَبَ الفِعْلَ إلى "آلِ فِرْعَوْنَ " وهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَهُ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ لِتَوَلِّيهِمْ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، وقالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ويَقْتَضِي هَذا أنَّ مَن أمَرَهُ ظالِمٌ بِقَتْلِ أحَدٍ فَقَتَلَهُ المَأْمُورُ فَهو المَأْخُوذُ بِهِ. (p-٢٠٦)وَآلُ الرَجُلِ: قَرابَتُهُ وشِيعَتُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ أراكَةَ الثَقَفِيِّ: ؎ فَلا تَبْكِ مَيِّتًا بَعْدَ مَيِّتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلَ أبِي بَكْرِ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَبَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ. والأشْهُرُ في "آلِ" أنْ يُضافَ إلى الأسْماءِ، لا إلى البِقاعِ والبِلادِ، وقَدْ يُقالُ: آلُ مَكَّةَ، وآلُ المَدِينَةِ، و"فِرْعَوْنُ" اسْمٌ لِكُلِّ مَن مَلَكَ مِنَ العَمالِقَةِ مِصْرَ، وفِرْعَوْنُ مُوسى قِيلَ: اسْمُهُ مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: اسْمُهُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مَن أهْلِ إصْطَخَرَ، ورَدَّ مِصْرَ فاتَّفَقَ لَهُ فِيها المُلْكُ، وكانَ أصْلُ كَوْنِ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ نُزُولُ إسْرائِيلَ بِها زَمَنَ ابْنِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِما السَلامُ. "يَسُومُونَكُمْ" مَعْناهُ: يَأْخُذُونَكم بِهِ، ويُلْزِمُونَكم إيّاهُ، ومِنهُ المُساوَمَةُ بِالسِلْعَةِ، وسامَهُ خَطَّةَ خَسْفٍ و"يَسُومُونَكُمْ" إعْرابُهُ رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: سائِمِينَ لَكم سُوءَ العَذابِ، ويَجُوزُ ألّا تُقَدَّرَ فِيهِ الحالُ، ويَكُونُ وصْفُ حالٍ ماضِيَةٍ، وسُوءُ العَذابِ أشَدَّهُ، وأصْعَبَهُ قالَ السُدِّيُّ: كانَ يَصْرِفُهم في الأعْمالِ القَذِرَةِ، ويُذَبِّحُ الأبْناءَ، ويَسْتَحْيِي النِساءَ. وقالَ غَيْرُهُ: صَرَفَهم عَلى الأعْمالِ: الحَرْثُ، والزِراعَةُ، والبِناءُ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وكانَ قَوْمُهُ جُنْدًا مُلُوكًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُذَبِّحُونَ" بِشَدِّ الباءِ المَكْسُورَةِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَذْبَحُونَ" بِالتَخْفِيفِ، والأوَّلُ أرْجَحُ، إذِ الذَبْحُ مُتَكَرِّرٌ. وكانَ فِرْعَوْنُ عَلى ما رُوِيَ قَدْ رَأى في مَنامِهِ نارًا خَرَجَتْ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَأحْرَقَتْ بُيُوتَ مِصْرَ، فَأوَّلَتْ لَهُ رُؤْياهُ: أنَّ مَوْلُودًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَنْشَأُ فَيُخَرِّبُ مُلْكَ فِرْعَوْنَ عَلى يَدَيْهِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُما: إنَّ الكَهَنَةَ والمُنَجِّمِينَ قالُوا (p-٢٠٧)لِفِرْعَوْنَ: قَدْ أظَلَّكَ زَمَنُ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُخَرِّبُ مُلْكَكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ تَذاكَرُوا وعْدَ اللهِ لِإبْراهِيمَ أنْ يَجْعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ومُلُوكًا، فَأمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِذَبْحِ الذُكُورِ مِنَ المَوْلُودِينَ في بَنِي إسْرائِيلَ، ووَكَّلَ بِكُلِّ عَشْرِ نِساءٍ رَجُلًا يَحْفَظُ مَن يَحْمِلُ مِنهُنَّ، وقِيلَ: وكَّلَ بِذَلِكَ القَوابِلَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾: يَذْبَحُونَ الرِجالَ، ويُسَمُّونَ أبْناءً لِما كانُوا كَذَلِكَ، واسْتَدَلَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "نِساءَكُمْ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ مِنَ التَأْوِيلِ أنَّ الأبْناءَ هُمُ: الأطْفالُ الذُكُورُ، والنِساءُ هُمُ: الأطْفالُ الإناثُ. وعَبَّرَ عنهم بِاسْمِ النِساءِ بِالمَآلِ ولِيُذَكِّرْهُنَّ بِالِاسْمِ الَّذِي في وقْتِهِ، يَسْتَخْدِمْنَ ويَمْتَهِنَّ، ونَفْسُ الِاسْتِحْياءِ لَيْسَ بِعَذابٍ، ولَكِنَّ العَذابَ بِسَبَبِهِ وقَعَ الِاسْتِحْياءُ، و"يُذَبِّحُونَ" بَدَلٌ مِن "يَسُومُونَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى جُمْلَةِ الأمْرِ، إذْ هو خَبَرٌ، فَهو كَمُفْرَدٍ حاضِرٍ، و"بَلاءٌ" مَعْناهُ: امْتِحانٌ واخْتِبارٌ، ويَكُونُ "البَلاءُ" في الخَيْرِ والشَرِّ، وقالَ قَوْمٌ: الإشارَةُ بـِ "ذَلِكُمْ" إلى التَنْجِيَةِ، فَيَكُونُ "البَلاءُ" عَلى هَذا في الخَيْرِ الشَرِّ، أيْ: وفي تَنْجِيَتِكم نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ عَلَيْكُمْ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الإشارَةُ إلى الذَبْحِ ونَحْوِهِ، و"البَلاءُ" هُنا في الشَرِّ، والمَعْنى: وفي الذَبْحِ مَكْرُوهٌ وامْتِحانٌ. وحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في كَيْفِيَّةِ نَجاتِهِمْ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ يَسْرِي مِن مِصْرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرَهم مُوسى أنْ يَسْتَعِيرُوا الحُلِيَّ والمَتاعَ مِنَ القِبْطِ، وأحَلَّ اللهُ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَسَرى بِهِمْ مُوسى مِن أوَّلِ اللَيْلِ، فَأعْلَمَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: لا يَتْبَعُهم أحَدٌ حَتّى تَصِيحَ الدِيَكَةُ، فَلَمْ يَصِحْ تِلْكَ اللَيْلَةَ بِمِصْرَ دِيكٌ حَتّى أصْبَحَ، وأماتَ اللهُ (p-٢٠٨)تِلْكَ اللَيْلَةَ- كَثِيرًا مِن أبْناءِ القِبْطِ، فاشْتَغَلُوا في الدَفْنِ، وخَرَجُوا في الأتْباعِ مُشْرِقِينَ، وذَهَبَ مُوسى إلى ناحِيَةِ البَحْرِ حَتّى بَلَغَهُ، وكانَتْ عِدَّةُ بَنِي إسْرائِيلَ نَيِّفًا عَلى سِتِّمِائَةِ ألْفٍ، وكانَتْ عِدَّةُ فِرْعَوْنَ ألِفَ ألْفٍ ومِائَتَيْ ألْفٍ. وحُكِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا اخْتَصَرْتُهُ لِقِلَّةِ ثُبُوتِهِ، فَلَمّا لَحِقَ فِرْعَوْنُ مُوسى ظَنَّ بَنُو إسْرائِيلَ أنَّهم غَيْرُ ناجِينَ، فَقالَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ لِمُوسى: أيْنَ أُمِرْتَ؟ فَقالَ: هَكَذا، وأشارَ إلى البَحْرِ، فَرَكَضَ يُوشَعُ فَرَسَهُ فِيهِ حَتّى بَلَغَ الغَمْرَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَ لِمُوسى: أيْنَ أُمِرْتَ فَوَ اللهِ ما كَذَبْتَ ولا كَذَبْتَ؟ فَأشارَ إلى البَحْرِ، وأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، وأوحى إلى البَحْرِ أنِ انْفَرِقْ لِمُوسى إذا ضَرَبَكَ، فَباتَ البَحْرُ تِلْكَ اللَيْلَةَ يَضْطَرِبُ، فَحِينَ أصْبَحَ ضَرَبَ مُوسى البَحْرَ وكَنّاهُ أبا خالِدٍ فانْفَرَقَ، وكانَ ذَلِكَ في يَوْمِ عاشُوراءَ.

البقرة 2:49

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ قَدْ تَكَرَّرَ هَذا النِداءُ، والتَذْكِيرُ بِالنِعْمَةِ، وفائِدَةُ ذَلِكَ أنَّ الخِطابَ الأوَّلَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْكافِرِينَ مِنهم. وهَذا المُتَكَرِّرُ إنَّما هو لِلْكافِرِينَ بِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ، وأيْضًا فَإنَّ فِيهِ تَقْوِيَةَ التَوْقِيفِ، وتَأْكِيدَ الحَضِّ عَلى ذِكْرِ أيادِي اللهِ، وحُسْنِ خِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾، لِأنَّ تَفْضِيلَ آبائِهِمْ وأسْلافِهِمْ تَفْضِيلٌ لَهُمْ، وفي الكَلامِ اتِّساعٌ، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُمُ: المَعْنى عَلى عالَمِ زَمانِهِمُ الَّذِي كانَتْ فِيهِ النُبُوءَةُ المُتَكَرِّرَةُ والمُلْكُ، لِأنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. (p-٢٠٤)وَقوله عزّ وجلّ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ نُصِبَ "يَوْمًا" بـِ "اتَّقَوْا" عَلى السِعَةِ والتَقْدِيرِ: "عَذابُ يَوْمٍ" أو: "هَوْلُ يَوْمٍ" ثُمَّ حُذِفَ ذَلِكَ، وأقامَ اليَوْمَ مَقامَهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى الظَرْفِ لا لِلتَّقْوى لِأنْ يَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ بِيَوْمِ عَمَلٍ، ولَكِنَّ مَعْناهُ: "جِيئُوا مُتَّقِينَ يَوْمًا". و"لا تَجْزِي" مَعْناهُ لا تُغْنِي. وقالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ لا تَقْضِي ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ "شَيْئًا"، وقِيلَ: المَعْنى لا تُكافِئُ، ويُقالُ جَزى وأجْزَأ بِمَعْنًى واحِدٍ. وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُما قَوْمٌ فَقالُوا: جَزى بِمَعْنى قَضى وكافَأ. وأجْزَأ بِمَعْنى أغْنى وكَفى. وقَرَأ أبُو السَمّالِ "تُجْزِئُ" بِضَمِّ التاءِ والهَمْزِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ وقالَ البَصْرِيُّونَ: التَقْدِيرُ: "لا تَجْزِي فِيهِ"، ثُمَّ حُذِفَ "فِيهِ"، وقالَ غَيْرُهُمْ: حُذِفَ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بـِ "تَجْزِي" تَقْدِيرُهُ "لا تَجْزِيهِ"، عَلى أنَّهُ يَقْبُحُ حَذْفُ هَذا الضَمِيرِ في الخَبَرِ، وإنَّما يَحْسُنُ في الصِلَةِ. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: التَقْدِيرُ: "لا تَجْزِي فِيهِ"، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ واتَّصَلَ الضَمِيرُ، ثُمَّ حُذِفَ الضَمِيرُ بِتَدْرِيجٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ (p-٢٠٥)مِن تَحْتِ عَلى المَعْنى، إذْ تَأْنِيثُ الشَفاعَةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، والشَفاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَفْعِ وهُما الِاثْنانِ لِأنَّ الشافِعَ والمَشْفُوعَ لَهُ شَفْعٌ، وكَذَلِكَ الشَفِيعُ فِيما لَمْ يُقَسَّمْ. وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأبْناءُ أنْبِيائِهِ، وسَيَشْفَعُ لَنا آباؤُنا، فَأعْلَمَهُمُ اللهُ تَعالى عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ لا تُقْبَلُ فِيهِ الشَفاعَةُ، ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٌ﴾، وهَذا إنَّما هو في الكافِرِينَ لِلْإجْماعِ- وتَواتَرَ الحَدِيثُ بِالشَفاعَةِ في المُؤْمِنِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: العَدْلُ الفِدْيَةُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَدْلُ الشَيْءِ هو الَّذِي يُساوِيهِ قِيمَةً وقَدْرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ والعَدْلُ بِكَسْرِ العَيْنِ هو الَّذِي يُساوِي الشَيْءَ مِن جِنْسِهِ وفي جِرْمِهِ. وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ العَيْنَ مِن مَعْنى الفِدْيَةِ، فَأمّا واحِدُ الأعْدالِ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرَ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَلا هُمْ"، عائِدٌ عَلى الكافِرِينَ الَّذِينَ اقْتَضَتْهُمُ الآيَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَفْسَيْنِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُما، لِأنَّ اثْنَيْنِ جَمْعٌ، أو لِأنَّ النَفْسَ لِلْجِنْسِ، وهو جَمْعٌ. وحَصَرَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَعانِيَ الَّتِي اعْتادَها بَنُو آدَمَ في الدُنْيا، فَإنَّ الواقِعَ في شِدَّةٍ مَعَ آدَمِيٍّ لا يَتَخَلَّصُ إلّا بِأنْ يَشْفَعَ لَهُ، أو يُنْصَرَ، أو يُفْتَدى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ خَلَّصْناكُمْ، "وَآلِ" أصْلُهُ أهْلُ، قُلِبَتِ الهاءُ ألِفًا كَما عُمِلَ في ماءٍ، ولِذَلِكَ رَدَّها التَصْغِيرُ إلى الأصْلِ فَقِيلَ: أُهَيْلُ ومُوَيْهُ، وقَدْ قِيلَ في "آلِ": إنَّهُ اسْمٌ غَيْرُ أهْلِ، أصْلُهُ أوَّلُ، وتَصْغِيرُهُ أُوَيِّلُ، وإنَّما نَسَبَ الفِعْلَ إلى "آلِ فِرْعَوْنَ " وهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَهُ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ لِتَوَلِّيهِمْ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، وقالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ويَقْتَضِي هَذا أنَّ مَن أمَرَهُ ظالِمٌ بِقَتْلِ أحَدٍ فَقَتَلَهُ المَأْمُورُ فَهو المَأْخُوذُ بِهِ. (p-٢٠٦)وَآلُ الرَجُلِ: قَرابَتُهُ وشِيعَتُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ أراكَةَ الثَقَفِيِّ: ؎ فَلا تَبْكِ مَيِّتًا بَعْدَ مَيِّتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلَ أبِي بَكْرِ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَبَرُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ. والأشْهُرُ في "آلِ" أنْ يُضافَ إلى الأسْماءِ، لا إلى البِقاعِ والبِلادِ، وقَدْ يُقالُ: آلُ مَكَّةَ، وآلُ المَدِينَةِ، و"فِرْعَوْنُ" اسْمٌ لِكُلِّ مَن مَلَكَ مِنَ العَمالِقَةِ مِصْرَ، وفِرْعَوْنُ مُوسى قِيلَ: اسْمُهُ مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: اسْمُهُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مَن أهْلِ إصْطَخَرَ، ورَدَّ مِصْرَ فاتَّفَقَ لَهُ فِيها المُلْكُ، وكانَ أصْلُ كَوْنِ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ نُزُولُ إسْرائِيلَ بِها زَمَنَ ابْنِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِما السَلامُ. "يَسُومُونَكُمْ" مَعْناهُ: يَأْخُذُونَكم بِهِ، ويُلْزِمُونَكم إيّاهُ، ومِنهُ المُساوَمَةُ بِالسِلْعَةِ، وسامَهُ خَطَّةَ خَسْفٍ و"يَسُومُونَكُمْ" إعْرابُهُ رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: سائِمِينَ لَكم سُوءَ العَذابِ، ويَجُوزُ ألّا تُقَدَّرَ فِيهِ الحالُ، ويَكُونُ وصْفُ حالٍ ماضِيَةٍ، وسُوءُ العَذابِ أشَدَّهُ، وأصْعَبَهُ قالَ السُدِّيُّ: كانَ يَصْرِفُهم في الأعْمالِ القَذِرَةِ، ويُذَبِّحُ الأبْناءَ، ويَسْتَحْيِي النِساءَ. وقالَ غَيْرُهُ: صَرَفَهم عَلى الأعْمالِ: الحَرْثُ، والزِراعَةُ، والبِناءُ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وكانَ قَوْمُهُ جُنْدًا مُلُوكًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُذَبِّحُونَ" بِشَدِّ الباءِ المَكْسُورَةِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَذْبَحُونَ" بِالتَخْفِيفِ، والأوَّلُ أرْجَحُ، إذِ الذَبْحُ مُتَكَرِّرٌ. وكانَ فِرْعَوْنُ عَلى ما رُوِيَ قَدْ رَأى في مَنامِهِ نارًا خَرَجَتْ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَأحْرَقَتْ بُيُوتَ مِصْرَ، فَأوَّلَتْ لَهُ رُؤْياهُ: أنَّ مَوْلُودًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَنْشَأُ فَيُخَرِّبُ مُلْكَ فِرْعَوْنَ عَلى يَدَيْهِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُما: إنَّ الكَهَنَةَ والمُنَجِّمِينَ قالُوا (p-٢٠٧)لِفِرْعَوْنَ: قَدْ أظَلَّكَ زَمَنُ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُخَرِّبُ مُلْكَكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ تَذاكَرُوا وعْدَ اللهِ لِإبْراهِيمَ أنْ يَجْعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ومُلُوكًا، فَأمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِذَبْحِ الذُكُورِ مِنَ المَوْلُودِينَ في بَنِي إسْرائِيلَ، ووَكَّلَ بِكُلِّ عَشْرِ نِساءٍ رَجُلًا يَحْفَظُ مَن يَحْمِلُ مِنهُنَّ، وقِيلَ: وكَّلَ بِذَلِكَ القَوابِلَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ﴾: يَذْبَحُونَ الرِجالَ، ويُسَمُّونَ أبْناءً لِما كانُوا كَذَلِكَ، واسْتَدَلَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "نِساءَكُمْ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ مِنَ التَأْوِيلِ أنَّ الأبْناءَ هُمُ: الأطْفالُ الذُكُورُ، والنِساءُ هُمُ: الأطْفالُ الإناثُ. وعَبَّرَ عنهم بِاسْمِ النِساءِ بِالمَآلِ ولِيُذَكِّرْهُنَّ بِالِاسْمِ الَّذِي في وقْتِهِ، يَسْتَخْدِمْنَ ويَمْتَهِنَّ، ونَفْسُ الِاسْتِحْياءِ لَيْسَ بِعَذابٍ، ولَكِنَّ العَذابَ بِسَبَبِهِ وقَعَ الِاسْتِحْياءُ، و"يُذَبِّحُونَ" بَدَلٌ مِن "يَسُومُونَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى جُمْلَةِ الأمْرِ، إذْ هو خَبَرٌ، فَهو كَمُفْرَدٍ حاضِرٍ، و"بَلاءٌ" مَعْناهُ: امْتِحانٌ واخْتِبارٌ، ويَكُونُ "البَلاءُ" في الخَيْرِ والشَرِّ، وقالَ قَوْمٌ: الإشارَةُ بـِ "ذَلِكُمْ" إلى التَنْجِيَةِ، فَيَكُونُ "البَلاءُ" عَلى هَذا في الخَيْرِ الشَرِّ، أيْ: وفي تَنْجِيَتِكم نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ عَلَيْكُمْ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الإشارَةُ إلى الذَبْحِ ونَحْوِهِ، و"البَلاءُ" هُنا في الشَرِّ، والمَعْنى: وفي الذَبْحِ مَكْرُوهٌ وامْتِحانٌ. وحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في كَيْفِيَّةِ نَجاتِهِمْ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ يَسْرِي مِن مِصْرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرَهم مُوسى أنْ يَسْتَعِيرُوا الحُلِيَّ والمَتاعَ مِنَ القِبْطِ، وأحَلَّ اللهُ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَسَرى بِهِمْ مُوسى مِن أوَّلِ اللَيْلِ، فَأعْلَمَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: لا يَتْبَعُهم أحَدٌ حَتّى تَصِيحَ الدِيَكَةُ، فَلَمْ يَصِحْ تِلْكَ اللَيْلَةَ بِمِصْرَ دِيكٌ حَتّى أصْبَحَ، وأماتَ اللهُ (p-٢٠٨)تِلْكَ اللَيْلَةَ- كَثِيرًا مِن أبْناءِ القِبْطِ، فاشْتَغَلُوا في الدَفْنِ، وخَرَجُوا في الأتْباعِ مُشْرِقِينَ، وذَهَبَ مُوسى إلى ناحِيَةِ البَحْرِ حَتّى بَلَغَهُ، وكانَتْ عِدَّةُ بَنِي إسْرائِيلَ نَيِّفًا عَلى سِتِّمِائَةِ ألْفٍ، وكانَتْ عِدَّةُ فِرْعَوْنَ ألِفَ ألْفٍ ومِائَتَيْ ألْفٍ. وحُكِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا اخْتَصَرْتُهُ لِقِلَّةِ ثُبُوتِهِ، فَلَمّا لَحِقَ فِرْعَوْنُ مُوسى ظَنَّ بَنُو إسْرائِيلَ أنَّهم غَيْرُ ناجِينَ، فَقالَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ لِمُوسى: أيْنَ أُمِرْتَ؟ فَقالَ: هَكَذا، وأشارَ إلى البَحْرِ، فَرَكَضَ يُوشَعُ فَرَسَهُ فِيهِ حَتّى بَلَغَ الغَمْرَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَ لِمُوسى: أيْنَ أُمِرْتَ فَوَ اللهِ ما كَذَبْتَ ولا كَذَبْتَ؟ فَأشارَ إلى البَحْرِ، وأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، وأوحى إلى البَحْرِ أنِ انْفَرِقْ لِمُوسى إذا ضَرَبَكَ، فَباتَ البَحْرُ تِلْكَ اللَيْلَةَ يَضْطَرِبُ، فَحِينَ أصْبَحَ ضَرَبَ مُوسى البَحْرَ وكَنّاهُ أبا خالِدٍ فانْفَرَقَ، وكانَ ذَلِكَ في يَوْمِ عاشُوراءَ.

البقرة 2:50

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عنكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ "فَرَقْنا" مَعْناهُ: جَعَلْناهُ فَرَّقا، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "فَرَّقْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، ومَعْنى "بِكُمُ" (p-٢٠٩)بِسَبَبِكُمْ، وقِيلَ: لَمّا كانُوا بَيْنَ الفَرْقِ وقْتَ جَوازِهِمْ فَكَأنَّهُ بِهِمْ فَرْقٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَكُمْ، والباءُ عِوَضُ اللامِ، وهَذا ضَعِيفٌ. و"البَحْرُ" هو بَحْرُ القُلْزُمِ، ولَمْ يَفْرِقِ البَحْرَ عَرْضا جَزَعًا مِن ضَفَّةٍ إلى ضَفَّةٍ، وإنَّما فَرَقَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ في ضَفَّةٍ واحِدَةٍ، وكانَ ذَلِكَ الفَرْقُ بِقُرْبِ مَوْضِعِ النَجاةِ، ولا يَلْحَقُ في البِرِّ إلّا في أيّامٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ جِبالٍ وأوعارٍ حائِلَةٍ. وذَكَرَ العامِرِيُّ أنَّ مَوْضِعَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ كانَ قَرِيبًا مِن بَرِّيَّةِ فِلَسْطِينَ وهي كانَتْ طَرِيقَهم. وقِيلَ: انْفَلَقَ البَحْرُ عَرَضًا، وانْفَرَقَ البَحْرُ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، طَرِيقٌ لِكُلِّ سِبْطٍ، فَلَمّا دَخَلُوها قالَتْ كُلُّ طائِفَةٍ: غَرِقَ أصْحابُنا، وجَزِعُوا، فَقالَ مُوسى: اللهُمَّ أعِنِّي عَلى أخْلاقِهِمُ السَيِّئَةِ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ أدِرْ عَصاكَ عَلى البَحْرِ، فَأدارَها فَصارَ في الماءِ فُتُوحٌ كالطاقِ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا وجازَوْا، وجِبْرِيلُ ﷺ في ساقَتِهِمْ عَلى ماذَيانَةَ يُحِثُّ بَنِي إسْرائِيلَ ويَقُولُ لِآلِ فِرْعَوْنَ: مَهْلًا حَتّى يَلْحَقَ آخِرُكم أوَّلَكُمْ، فَلَمّا وصَلَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ أرادَ الدُخُولَ فَنَفَرَ فَرَسُهُ، فَتَعَرَّضَ لَهُ جِبْرِيلُ بِالرَمْكَةِ فاتَّبَعَها الفَرَسُ، ودَخَلَ آلُ فِرْعَوْنَ ومِيكائِيلُ يَحُثُّهُمْ، فَلَمّا لَمْ يَبْقَ إلّا مِيكائِيلُ في ساقَتِهِمْ عَلى الضَفَّةِ وحْدَهُ انْطَبَقَ البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا. و"تَنْظُرُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِأبْصارِكم لِقُرْبِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِبَصائِرِكم لِلِاعْتِبارِ، لِأنَّهم كانُوا في شُغْلٍ عَنِ الوُقُوفِ، والنَظَرِ بِالأبْصارِ، وقِيلَ: إنَّ آلَ فِرْعَوْنَ طَفَوا عَلى الماءِ فَنَظَرُوا إلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى وأنْتُمْ بِحالِ مَن يَنْظُرُ لَوْ نَظَرَ، كَما تَقُولُ: هَذا الأمْرُ مِنكَ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أيْ بِحالٍ تَراهُ وتَسْمَعُهُ إنْ شِئْتَ. قالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وفي إخْبارِ القُرْآنِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذِهِ المُغَيَّباتِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مِن عِلْمِ العَرَبِ، ولا وقَعَتْ إلّا في خَفِيِّ عِلْمِ بَنِي إسْرائِيلَ دَلِيلٌ واضِحٌ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ، وقائِمٌ عَلَيْهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "واعَدْنا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (p-٢١٠)"وَعَدْنا"، ورَجَّحَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ: إنَّ المُواعَدَةَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ البَشَرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا بِصَحِيحٍ لِأنَّ قَبُولَ مُوسى لِوَعْدِ اللهِ والتِزامِهِ وارْتِقابِهِ يُشْبِهُ المُواعَدَةَ. و"مُوسى" اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ، والقِبْطُ عَلى ما يُرْوى يَقُولُونَ لِلْماءِ: مُو، ولِلشَّجَرِ: سا، فَلَمّا وجَدَ " مُوسى " في التابُوتِ عِنْدَ ماءٍ وشَجَرٍ سُمِّيَ ( مُوسى ). قالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ قاهِتِ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ. ونُصِبَ "أرْبَعِينَ" عَلى المَفْعُولِ الثانِي، ولا يَجُوزُ نَصْبُها عَلى الظَرْفِ في هَذا المَوْضِعِ، وهي فِيما رُوِيَ ذُو القِعْدَةِ وعَشَرُ ذِي الحِجَّةِ. وخَصَّ اللَيالِي بِالذِكْرِ دُونَ الأيّامِ، إذِ اللَيْلَةُ أقْدَمُ مِنَ اليَوْمِ، وقَبْلَهُ في الرُتْبَةِ ولِذَلِكَ وقَعَ بِها التارِيخُ. قالَ النَقّاشُ: وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى صِلَةِ الصَوْمِ، لِأنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الأيّامَ لَأمْكَنَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ كانَ يُفْطِرُ بِاللَيْلِ، فَلَمّا نَصَّ عَلى اللَيالِي اقْتَضَتْ قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ واصَلَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً بِأيّامِها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ: سَمِعْتُ الشَيْخَ الزاهِدَ الإمامَ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ يَعِظُ الناسَ بِهَذا المَعْنى في الخَلْوَةِ (p-٢١١)بِاللهِ، والدُنُوِّ مِنهُ في الصَلاةِ ونَحْوِهِ، وأنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ عن كُلِّ طَعامٍ وشَرابٍ، ويَقُولُ: أيْنَ حالُ مُوسى في القُرْبِ مِنَ اللهِ، ووِصالِ ثَمانِينَ مِنَ الدَهْرِ مِن قَوْلِهِ -حِينَ سارَ إلى الخَضِرِ - لِفَتاهُ في بَعْضِ يَوْمٍ: "آتِنا غَداءَنا"؟ وكُلُّ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الأرْبَعِينَ كُلَّها مِيعادٌ. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: وعَدَهُ رَأْسَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾، قَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ بِالإدْغامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ بِإظْهارِ الذالِ. وثُمَّ لِلْمُهْلَةِ، ولِتَدُلَّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ بَعْدَ المُواعَدَةِ. واتَّخَذَ وزْنُهُ افْتَعَلَ مِنَ الأخْذِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِن "تَخِذَ" لا مِن "أخَذَ" وأنْشَدَ المُمَزَّقُ: ؎ وقَدْ تَخِذْتُ رِجْلِي إلى جَنْبٍ غَرَزَها نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطْرَقِ ونُصِبَ "العِجْلَ" بـِ "اتَّخَذْتُمُ"، والمَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ: اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ إلَهًا، واتَّخَذَ قَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَسُولِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٢٧]، وقَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما هو الآخَرُ في المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦]، وكَهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" يَعُودُ عَلى مُوسى، وقِيلَ: عَلى انْطِلاقِهِ لِلتَّكْلِيمِ، إذِ المُواعَدَةُ تَقْتَضِيهِ، وقِيلَ: عَلى الوَعْدِ. (p-٢١٢)وَقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مُوسى ﷺ لَمّا خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ قالَ لَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى سَيُنْجِيكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ويُنِيلُكم حُلِيَّهم ومَتاعَهُمُ الَّذِي كانَ أمَرَهم بِاسْتِعارَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَعارُوهُ بِرَأْيِهِمْ، فَنَفَّلَهُمُ اللهُ ذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ، وقالَ لَهم مُوسى عَنِ اللهِ تَعالى: إنَّهُ يُنْزِلُ عَلَيَّ كِتابًا فِيهِ التَحْلِيلُ والتَحْرِيمُ والهُدى لَكُمْ، فَلَمّا جاوَزُوا البَحْرَ طالَبُوا مُوسى بِما قالَ لَهم مِن أمْرِ الكِتابِ، فَخَرَجَ لِمِيعادِ رَبِّهِ وحْدَهُ، وقَدْ أعْلَمَهم بِالأرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَعَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا بِعِشْرِينَ لَيْلَةٍ، ثُمَّ قالُوا: هَذِهِ أرْبَعُونَ مِنَ الدَهْرِ، وقَدْ أخْلَفْنا المَوْعِدَ، وبَدا تَعَنُّتُهم وخِلافُهُمْ، وكانَ السامِرِيُّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُسَمّى مُوسى بْنُ ظُفَرٍ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ غَرِيبًا فِيهِمْ، وكانَ قَدْ عَرَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وقْتَ عَبْرِهِمُ البَحْرَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: أنْكَرَ هَيْئَتَهُ فَعَرَفَ أنَّهُ مَلَكَ. وقالَ طائِفَةٌ: كانَتْ أُمُّ السامِرِيِّ ولَدَتْهُ عامَ الذَبْحِ فَجَعَلَتْهُ في غارٍ وأطْبَقَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ جِبْرِيلُ ﷺ يَغْذُوهُ بِأصابِعِ نَفْسِهِ، فَيَجِدُ في إصْبَعٍ لَبَنًا، وفي إصْبَعٍ عَسَلًا، وفي إصْبَعٍ سَمْنًا، فَلَمّا رَآهُ وقْتَ جَوازِ البَحْرِ عَرَفَهُ فَأخَذَ مِن تَحْتِ حافِرِ فَرَسِهِ قَبْضَةَ تُرابٍ وأُلْقِي في رُوعِهِ أنَّهُ لَنْ يُلْقِيَها عَلى شَيْءٍ ويَقُولَ لَهُ: كُنْ إلّا كانَ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى لِمِيعادِهِ، قالَ هارُونُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحُلِيَّ والمَتاعَ الَّذِي اسْتَعَرْتُمْ مِنَ القِبْطِ لا يَحِلُّ لَكُمْ، فَجِيئُوا بِهِ حَتّى تَأْكُلَهُ النارُ الَّتِي كانَتِ العادَةُ أنْ تَنْزِلَ عَلى القَرابِينِ. وقِيلَ: بَلْ أوقَدَ لَهم نارًا، وأمَرَهم بِطَرْحِ جَمِيعِ ذَلِكَ فِيها، فَجُعِلُوا يُطْرَحُونَ، وقِيلَ: بَلْ أمَرَهم أنْ يَضَعُوهُ في حُفْرَةٍ دُونَ نارٍ حَتّى يَجِيءَ مُوسى، وجاءَ السامِرِيُّ فَطَرَحَ القَبْضَةَ وقالَ: كُنْ عِجْلًا. وقِيلَ: إنَّ السامِرِيَّ كانَ في أصْلِهِ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، وكانَ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ مَرَّتْ مَعَ مُوسى عَلى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ فَقالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، فَوَعاها السامِرِيُّ، وعَلِمَ أنَّ مِن تِلْكَ الجِهَةِ يُفْتَنُونَ، فَفُتِنَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِالعِجْلِ، وظَلَّتْ مِنهم طائِفَةٌ يَعْبُدُونَهُ، فاعْتَزَلَهم هارُونُ بِمَن تَبِعَهُ، فَجاءَ مُوسى مِن مِيعادِهِ فَغَضِبَ حَسْبَما يَأْتِي قَصَصُهُ في مَواضِعِهِ مِنَ القُرْآنِ إنْ (p-٢١٣)شاءَ اللهُ، ثُمَّ أوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّهُ لَنْ يَتُوبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى يَقْتُلُوا أنْفُسَهم فَفَعَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ. فَرُوِيَ أنَّهم لَبِسُوا السِلاحَ مَن عَبَدَ مِنهم ومَن لَمْ يَعْبُدْ، وألْقى اللهُ عَلَيْهِمُ الظَلّامَ فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، يَقْتُلُ الأبُ ابْنَهُ والأخُ أخاهُ، فَلَمّا اسْتَحَرَّ فِيهِمُ القَتْلُ وبَلَغَ سَبْعِينَ ألْفًا عَفا اللهُ عنهُمْ، وجَعَلَ مَن ماتَ مِنهم شَهِيدًا، وتابَ عَلى البَقِيَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عنكُمْ﴾. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وقَفَ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ صَفًّا، ودَخَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ عَلَيْهِمْ بِالسِلاحِ فَقَتَلُوهم. وقالَتْ طائِفَةٌ: جَلَسَ الَّذِينَ عَبَدُوا بِالأفْنِيَةِ، وخَرَجَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ يُنادِي: مَلْعُونٌ مَن حَلَّ حَبْوَتَهُ وجَعَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا يَقْتُلُونَهُمْ، ومُوسى في خِلالِ ذَلِكَ يَدْعُو لِقَوْمِهِ، ويَرْغَبُ في العَفْوِ عنهُمْ، وإنَّما عُوقِبَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ عَلى أحَدِ الأقْوالِ، أو بِقَتْلِ قَرابَتِهِمْ عَلى الأقْوالِ الأُخَرِ لِأنَّهم لَمْ يُغَيِّرُوا المُنْكَرَ حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وإنَّما اعْتَزَلُوا، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقاتِلُوا مَن عَبَدَهُ. ﴿وَأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الظُلْمِ. والعَفْوُ تَغْطِيَةُ الأثَرِ، وإذْهابُ الحالِ الأُولى مِنَ الذَنْبِ أو غَيْرِهِ، ولا يُسْتَعْمَلُ العَفْوُ بِمَعْنى الصَفْحِ إلّا في الذَنْبِ، وعَفا عنهم عَزَّ وجَلَّ، أيْ: عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم لَمْ يُقْتَلْ. و"لَعَلَّكُمْ"، تَرَجٍّ لَهم في حَقِّهِمْ وتَوَقُّعٌ مِنهُمْ، لا في حَقِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ ما يَكُونُ مِنهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى ﴾ الآيَةُ، "إذْ" عَطْفٌ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ النِعَمِ، و"الكِتابَ" هو التَوْراةُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، واخْتَلَفَ في "الفُرْقانَ" هُنا فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو التَوْراةُ كَرَّرَ المَعْنى لِاخْتِلافِ اللَفْظِ، ولِأنَّهُ زادَ مَعْنى التَفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ولَفْظَةُ الكِتابِ لا تُعْطِي ذَلِكَ. وقالَ آخَرُونَ: الكِتابُ التَوْراةُ، و"الفُرْقانُ" سائِرُ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَ مُوسى ﷺ، لِأنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. وقالَ آخَرُونَ: (p-٢١٤)"الفُرْقانُ" النَصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ آلِ فِرْعَوْنَ بِالنَجاةِ والغَرَقِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الفُرْقانُ" انْفِراقُ البَحْرِ لَهُ، حَتّى صارَ فَرْقًا، وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ، ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ. ﴿وَلَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠] تَرَجٍّ وتَوَقُّعٌ مِثْلُ الأوَّلِ.

البقرة 2:51

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عنكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ "فَرَقْنا" مَعْناهُ: جَعَلْناهُ فَرَّقا، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "فَرَّقْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، ومَعْنى "بِكُمُ" (p-٢٠٩)بِسَبَبِكُمْ، وقِيلَ: لَمّا كانُوا بَيْنَ الفَرْقِ وقْتَ جَوازِهِمْ فَكَأنَّهُ بِهِمْ فَرْقٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَكُمْ، والباءُ عِوَضُ اللامِ، وهَذا ضَعِيفٌ. و"البَحْرُ" هو بَحْرُ القُلْزُمِ، ولَمْ يَفْرِقِ البَحْرَ عَرْضا جَزَعًا مِن ضَفَّةٍ إلى ضَفَّةٍ، وإنَّما فَرَقَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ في ضَفَّةٍ واحِدَةٍ، وكانَ ذَلِكَ الفَرْقُ بِقُرْبِ مَوْضِعِ النَجاةِ، ولا يَلْحَقُ في البِرِّ إلّا في أيّامٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ جِبالٍ وأوعارٍ حائِلَةٍ. وذَكَرَ العامِرِيُّ أنَّ مَوْضِعَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ كانَ قَرِيبًا مِن بَرِّيَّةِ فِلَسْطِينَ وهي كانَتْ طَرِيقَهم. وقِيلَ: انْفَلَقَ البَحْرُ عَرَضًا، وانْفَرَقَ البَحْرُ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، طَرِيقٌ لِكُلِّ سِبْطٍ، فَلَمّا دَخَلُوها قالَتْ كُلُّ طائِفَةٍ: غَرِقَ أصْحابُنا، وجَزِعُوا، فَقالَ مُوسى: اللهُمَّ أعِنِّي عَلى أخْلاقِهِمُ السَيِّئَةِ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ أدِرْ عَصاكَ عَلى البَحْرِ، فَأدارَها فَصارَ في الماءِ فُتُوحٌ كالطاقِ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا وجازَوْا، وجِبْرِيلُ ﷺ في ساقَتِهِمْ عَلى ماذَيانَةَ يُحِثُّ بَنِي إسْرائِيلَ ويَقُولُ لِآلِ فِرْعَوْنَ: مَهْلًا حَتّى يَلْحَقَ آخِرُكم أوَّلَكُمْ، فَلَمّا وصَلَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ أرادَ الدُخُولَ فَنَفَرَ فَرَسُهُ، فَتَعَرَّضَ لَهُ جِبْرِيلُ بِالرَمْكَةِ فاتَّبَعَها الفَرَسُ، ودَخَلَ آلُ فِرْعَوْنَ ومِيكائِيلُ يَحُثُّهُمْ، فَلَمّا لَمْ يَبْقَ إلّا مِيكائِيلُ في ساقَتِهِمْ عَلى الضَفَّةِ وحْدَهُ انْطَبَقَ البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا. و"تَنْظُرُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِأبْصارِكم لِقُرْبِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِبَصائِرِكم لِلِاعْتِبارِ، لِأنَّهم كانُوا في شُغْلٍ عَنِ الوُقُوفِ، والنَظَرِ بِالأبْصارِ، وقِيلَ: إنَّ آلَ فِرْعَوْنَ طَفَوا عَلى الماءِ فَنَظَرُوا إلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى وأنْتُمْ بِحالِ مَن يَنْظُرُ لَوْ نَظَرَ، كَما تَقُولُ: هَذا الأمْرُ مِنكَ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أيْ بِحالٍ تَراهُ وتَسْمَعُهُ إنْ شِئْتَ. قالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وفي إخْبارِ القُرْآنِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذِهِ المُغَيَّباتِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مِن عِلْمِ العَرَبِ، ولا وقَعَتْ إلّا في خَفِيِّ عِلْمِ بَنِي إسْرائِيلَ دَلِيلٌ واضِحٌ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ، وقائِمٌ عَلَيْهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "واعَدْنا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (p-٢١٠)"وَعَدْنا"، ورَجَّحَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ: إنَّ المُواعَدَةَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ البَشَرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا بِصَحِيحٍ لِأنَّ قَبُولَ مُوسى لِوَعْدِ اللهِ والتِزامِهِ وارْتِقابِهِ يُشْبِهُ المُواعَدَةَ. و"مُوسى" اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ، والقِبْطُ عَلى ما يُرْوى يَقُولُونَ لِلْماءِ: مُو، ولِلشَّجَرِ: سا، فَلَمّا وجَدَ " مُوسى " في التابُوتِ عِنْدَ ماءٍ وشَجَرٍ سُمِّيَ ( مُوسى ). قالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ قاهِتِ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ. ونُصِبَ "أرْبَعِينَ" عَلى المَفْعُولِ الثانِي، ولا يَجُوزُ نَصْبُها عَلى الظَرْفِ في هَذا المَوْضِعِ، وهي فِيما رُوِيَ ذُو القِعْدَةِ وعَشَرُ ذِي الحِجَّةِ. وخَصَّ اللَيالِي بِالذِكْرِ دُونَ الأيّامِ، إذِ اللَيْلَةُ أقْدَمُ مِنَ اليَوْمِ، وقَبْلَهُ في الرُتْبَةِ ولِذَلِكَ وقَعَ بِها التارِيخُ. قالَ النَقّاشُ: وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى صِلَةِ الصَوْمِ، لِأنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الأيّامَ لَأمْكَنَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ كانَ يُفْطِرُ بِاللَيْلِ، فَلَمّا نَصَّ عَلى اللَيالِي اقْتَضَتْ قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ واصَلَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً بِأيّامِها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ: سَمِعْتُ الشَيْخَ الزاهِدَ الإمامَ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ يَعِظُ الناسَ بِهَذا المَعْنى في الخَلْوَةِ (p-٢١١)بِاللهِ، والدُنُوِّ مِنهُ في الصَلاةِ ونَحْوِهِ، وأنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ عن كُلِّ طَعامٍ وشَرابٍ، ويَقُولُ: أيْنَ حالُ مُوسى في القُرْبِ مِنَ اللهِ، ووِصالِ ثَمانِينَ مِنَ الدَهْرِ مِن قَوْلِهِ -حِينَ سارَ إلى الخَضِرِ - لِفَتاهُ في بَعْضِ يَوْمٍ: "آتِنا غَداءَنا"؟ وكُلُّ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الأرْبَعِينَ كُلَّها مِيعادٌ. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: وعَدَهُ رَأْسَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾، قَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ بِالإدْغامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ بِإظْهارِ الذالِ. وثُمَّ لِلْمُهْلَةِ، ولِتَدُلَّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ بَعْدَ المُواعَدَةِ. واتَّخَذَ وزْنُهُ افْتَعَلَ مِنَ الأخْذِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِن "تَخِذَ" لا مِن "أخَذَ" وأنْشَدَ المُمَزَّقُ: ؎ وقَدْ تَخِذْتُ رِجْلِي إلى جَنْبٍ غَرَزَها نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطْرَقِ ونُصِبَ "العِجْلَ" بـِ "اتَّخَذْتُمُ"، والمَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ: اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ إلَهًا، واتَّخَذَ قَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَسُولِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٢٧]، وقَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما هو الآخَرُ في المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦]، وكَهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" يَعُودُ عَلى مُوسى، وقِيلَ: عَلى انْطِلاقِهِ لِلتَّكْلِيمِ، إذِ المُواعَدَةُ تَقْتَضِيهِ، وقِيلَ: عَلى الوَعْدِ. (p-٢١٢)وَقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مُوسى ﷺ لَمّا خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ قالَ لَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى سَيُنْجِيكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ويُنِيلُكم حُلِيَّهم ومَتاعَهُمُ الَّذِي كانَ أمَرَهم بِاسْتِعارَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَعارُوهُ بِرَأْيِهِمْ، فَنَفَّلَهُمُ اللهُ ذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ، وقالَ لَهم مُوسى عَنِ اللهِ تَعالى: إنَّهُ يُنْزِلُ عَلَيَّ كِتابًا فِيهِ التَحْلِيلُ والتَحْرِيمُ والهُدى لَكُمْ، فَلَمّا جاوَزُوا البَحْرَ طالَبُوا مُوسى بِما قالَ لَهم مِن أمْرِ الكِتابِ، فَخَرَجَ لِمِيعادِ رَبِّهِ وحْدَهُ، وقَدْ أعْلَمَهم بِالأرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَعَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا بِعِشْرِينَ لَيْلَةٍ، ثُمَّ قالُوا: هَذِهِ أرْبَعُونَ مِنَ الدَهْرِ، وقَدْ أخْلَفْنا المَوْعِدَ، وبَدا تَعَنُّتُهم وخِلافُهُمْ، وكانَ السامِرِيُّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُسَمّى مُوسى بْنُ ظُفَرٍ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ غَرِيبًا فِيهِمْ، وكانَ قَدْ عَرَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وقْتَ عَبْرِهِمُ البَحْرَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: أنْكَرَ هَيْئَتَهُ فَعَرَفَ أنَّهُ مَلَكَ. وقالَ طائِفَةٌ: كانَتْ أُمُّ السامِرِيِّ ولَدَتْهُ عامَ الذَبْحِ فَجَعَلَتْهُ في غارٍ وأطْبَقَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ جِبْرِيلُ ﷺ يَغْذُوهُ بِأصابِعِ نَفْسِهِ، فَيَجِدُ في إصْبَعٍ لَبَنًا، وفي إصْبَعٍ عَسَلًا، وفي إصْبَعٍ سَمْنًا، فَلَمّا رَآهُ وقْتَ جَوازِ البَحْرِ عَرَفَهُ فَأخَذَ مِن تَحْتِ حافِرِ فَرَسِهِ قَبْضَةَ تُرابٍ وأُلْقِي في رُوعِهِ أنَّهُ لَنْ يُلْقِيَها عَلى شَيْءٍ ويَقُولَ لَهُ: كُنْ إلّا كانَ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى لِمِيعادِهِ، قالَ هارُونُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحُلِيَّ والمَتاعَ الَّذِي اسْتَعَرْتُمْ مِنَ القِبْطِ لا يَحِلُّ لَكُمْ، فَجِيئُوا بِهِ حَتّى تَأْكُلَهُ النارُ الَّتِي كانَتِ العادَةُ أنْ تَنْزِلَ عَلى القَرابِينِ. وقِيلَ: بَلْ أوقَدَ لَهم نارًا، وأمَرَهم بِطَرْحِ جَمِيعِ ذَلِكَ فِيها، فَجُعِلُوا يُطْرَحُونَ، وقِيلَ: بَلْ أمَرَهم أنْ يَضَعُوهُ في حُفْرَةٍ دُونَ نارٍ حَتّى يَجِيءَ مُوسى، وجاءَ السامِرِيُّ فَطَرَحَ القَبْضَةَ وقالَ: كُنْ عِجْلًا. وقِيلَ: إنَّ السامِرِيَّ كانَ في أصْلِهِ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، وكانَ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ مَرَّتْ مَعَ مُوسى عَلى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ فَقالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، فَوَعاها السامِرِيُّ، وعَلِمَ أنَّ مِن تِلْكَ الجِهَةِ يُفْتَنُونَ، فَفُتِنَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِالعِجْلِ، وظَلَّتْ مِنهم طائِفَةٌ يَعْبُدُونَهُ، فاعْتَزَلَهم هارُونُ بِمَن تَبِعَهُ، فَجاءَ مُوسى مِن مِيعادِهِ فَغَضِبَ حَسْبَما يَأْتِي قَصَصُهُ في مَواضِعِهِ مِنَ القُرْآنِ إنْ (p-٢١٣)شاءَ اللهُ، ثُمَّ أوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّهُ لَنْ يَتُوبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى يَقْتُلُوا أنْفُسَهم فَفَعَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ. فَرُوِيَ أنَّهم لَبِسُوا السِلاحَ مَن عَبَدَ مِنهم ومَن لَمْ يَعْبُدْ، وألْقى اللهُ عَلَيْهِمُ الظَلّامَ فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، يَقْتُلُ الأبُ ابْنَهُ والأخُ أخاهُ، فَلَمّا اسْتَحَرَّ فِيهِمُ القَتْلُ وبَلَغَ سَبْعِينَ ألْفًا عَفا اللهُ عنهُمْ، وجَعَلَ مَن ماتَ مِنهم شَهِيدًا، وتابَ عَلى البَقِيَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عنكُمْ﴾. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وقَفَ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ صَفًّا، ودَخَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ عَلَيْهِمْ بِالسِلاحِ فَقَتَلُوهم. وقالَتْ طائِفَةٌ: جَلَسَ الَّذِينَ عَبَدُوا بِالأفْنِيَةِ، وخَرَجَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ يُنادِي: مَلْعُونٌ مَن حَلَّ حَبْوَتَهُ وجَعَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا يَقْتُلُونَهُمْ، ومُوسى في خِلالِ ذَلِكَ يَدْعُو لِقَوْمِهِ، ويَرْغَبُ في العَفْوِ عنهُمْ، وإنَّما عُوقِبَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ عَلى أحَدِ الأقْوالِ، أو بِقَتْلِ قَرابَتِهِمْ عَلى الأقْوالِ الأُخَرِ لِأنَّهم لَمْ يُغَيِّرُوا المُنْكَرَ حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وإنَّما اعْتَزَلُوا، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقاتِلُوا مَن عَبَدَهُ. ﴿وَأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الظُلْمِ. والعَفْوُ تَغْطِيَةُ الأثَرِ، وإذْهابُ الحالِ الأُولى مِنَ الذَنْبِ أو غَيْرِهِ، ولا يُسْتَعْمَلُ العَفْوُ بِمَعْنى الصَفْحِ إلّا في الذَنْبِ، وعَفا عنهم عَزَّ وجَلَّ، أيْ: عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم لَمْ يُقْتَلْ. و"لَعَلَّكُمْ"، تَرَجٍّ لَهم في حَقِّهِمْ وتَوَقُّعٌ مِنهُمْ، لا في حَقِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ ما يَكُونُ مِنهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى ﴾ الآيَةُ، "إذْ" عَطْفٌ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ النِعَمِ، و"الكِتابَ" هو التَوْراةُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، واخْتَلَفَ في "الفُرْقانَ" هُنا فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو التَوْراةُ كَرَّرَ المَعْنى لِاخْتِلافِ اللَفْظِ، ولِأنَّهُ زادَ مَعْنى التَفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ولَفْظَةُ الكِتابِ لا تُعْطِي ذَلِكَ. وقالَ آخَرُونَ: الكِتابُ التَوْراةُ، و"الفُرْقانُ" سائِرُ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَ مُوسى ﷺ، لِأنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. وقالَ آخَرُونَ: (p-٢١٤)"الفُرْقانُ" النَصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ آلِ فِرْعَوْنَ بِالنَجاةِ والغَرَقِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الفُرْقانُ" انْفِراقُ البَحْرِ لَهُ، حَتّى صارَ فَرْقًا، وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ، ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ. ﴿وَلَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠] تَرَجٍّ وتَوَقُّعٌ مِثْلُ الأوَّلِ.

البقرة 2:52

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عنكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ "فَرَقْنا" مَعْناهُ: جَعَلْناهُ فَرَّقا، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "فَرَّقْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، ومَعْنى "بِكُمُ" (p-٢٠٩)بِسَبَبِكُمْ، وقِيلَ: لَمّا كانُوا بَيْنَ الفَرْقِ وقْتَ جَوازِهِمْ فَكَأنَّهُ بِهِمْ فَرْقٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَكُمْ، والباءُ عِوَضُ اللامِ، وهَذا ضَعِيفٌ. و"البَحْرُ" هو بَحْرُ القُلْزُمِ، ولَمْ يَفْرِقِ البَحْرَ عَرْضا جَزَعًا مِن ضَفَّةٍ إلى ضَفَّةٍ، وإنَّما فَرَقَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ في ضَفَّةٍ واحِدَةٍ، وكانَ ذَلِكَ الفَرْقُ بِقُرْبِ مَوْضِعِ النَجاةِ، ولا يَلْحَقُ في البِرِّ إلّا في أيّامٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ جِبالٍ وأوعارٍ حائِلَةٍ. وذَكَرَ العامِرِيُّ أنَّ مَوْضِعَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ كانَ قَرِيبًا مِن بَرِّيَّةِ فِلَسْطِينَ وهي كانَتْ طَرِيقَهم. وقِيلَ: انْفَلَقَ البَحْرُ عَرَضًا، وانْفَرَقَ البَحْرُ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، طَرِيقٌ لِكُلِّ سِبْطٍ، فَلَمّا دَخَلُوها قالَتْ كُلُّ طائِفَةٍ: غَرِقَ أصْحابُنا، وجَزِعُوا، فَقالَ مُوسى: اللهُمَّ أعِنِّي عَلى أخْلاقِهِمُ السَيِّئَةِ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ أدِرْ عَصاكَ عَلى البَحْرِ، فَأدارَها فَصارَ في الماءِ فُتُوحٌ كالطاقِ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا وجازَوْا، وجِبْرِيلُ ﷺ في ساقَتِهِمْ عَلى ماذَيانَةَ يُحِثُّ بَنِي إسْرائِيلَ ويَقُولُ لِآلِ فِرْعَوْنَ: مَهْلًا حَتّى يَلْحَقَ آخِرُكم أوَّلَكُمْ، فَلَمّا وصَلَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ أرادَ الدُخُولَ فَنَفَرَ فَرَسُهُ، فَتَعَرَّضَ لَهُ جِبْرِيلُ بِالرَمْكَةِ فاتَّبَعَها الفَرَسُ، ودَخَلَ آلُ فِرْعَوْنَ ومِيكائِيلُ يَحُثُّهُمْ، فَلَمّا لَمْ يَبْقَ إلّا مِيكائِيلُ في ساقَتِهِمْ عَلى الضَفَّةِ وحْدَهُ انْطَبَقَ البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا. و"تَنْظُرُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِأبْصارِكم لِقُرْبِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِبَصائِرِكم لِلِاعْتِبارِ، لِأنَّهم كانُوا في شُغْلٍ عَنِ الوُقُوفِ، والنَظَرِ بِالأبْصارِ، وقِيلَ: إنَّ آلَ فِرْعَوْنَ طَفَوا عَلى الماءِ فَنَظَرُوا إلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى وأنْتُمْ بِحالِ مَن يَنْظُرُ لَوْ نَظَرَ، كَما تَقُولُ: هَذا الأمْرُ مِنكَ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أيْ بِحالٍ تَراهُ وتَسْمَعُهُ إنْ شِئْتَ. قالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وفي إخْبارِ القُرْآنِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذِهِ المُغَيَّباتِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مِن عِلْمِ العَرَبِ، ولا وقَعَتْ إلّا في خَفِيِّ عِلْمِ بَنِي إسْرائِيلَ دَلِيلٌ واضِحٌ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ، وقائِمٌ عَلَيْهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "واعَدْنا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (p-٢١٠)"وَعَدْنا"، ورَجَّحَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ: إنَّ المُواعَدَةَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ البَشَرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا بِصَحِيحٍ لِأنَّ قَبُولَ مُوسى لِوَعْدِ اللهِ والتِزامِهِ وارْتِقابِهِ يُشْبِهُ المُواعَدَةَ. و"مُوسى" اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ، والقِبْطُ عَلى ما يُرْوى يَقُولُونَ لِلْماءِ: مُو، ولِلشَّجَرِ: سا، فَلَمّا وجَدَ " مُوسى " في التابُوتِ عِنْدَ ماءٍ وشَجَرٍ سُمِّيَ ( مُوسى ). قالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ قاهِتِ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ. ونُصِبَ "أرْبَعِينَ" عَلى المَفْعُولِ الثانِي، ولا يَجُوزُ نَصْبُها عَلى الظَرْفِ في هَذا المَوْضِعِ، وهي فِيما رُوِيَ ذُو القِعْدَةِ وعَشَرُ ذِي الحِجَّةِ. وخَصَّ اللَيالِي بِالذِكْرِ دُونَ الأيّامِ، إذِ اللَيْلَةُ أقْدَمُ مِنَ اليَوْمِ، وقَبْلَهُ في الرُتْبَةِ ولِذَلِكَ وقَعَ بِها التارِيخُ. قالَ النَقّاشُ: وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى صِلَةِ الصَوْمِ، لِأنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الأيّامَ لَأمْكَنَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ كانَ يُفْطِرُ بِاللَيْلِ، فَلَمّا نَصَّ عَلى اللَيالِي اقْتَضَتْ قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ واصَلَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً بِأيّامِها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ: سَمِعْتُ الشَيْخَ الزاهِدَ الإمامَ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ يَعِظُ الناسَ بِهَذا المَعْنى في الخَلْوَةِ (p-٢١١)بِاللهِ، والدُنُوِّ مِنهُ في الصَلاةِ ونَحْوِهِ، وأنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ عن كُلِّ طَعامٍ وشَرابٍ، ويَقُولُ: أيْنَ حالُ مُوسى في القُرْبِ مِنَ اللهِ، ووِصالِ ثَمانِينَ مِنَ الدَهْرِ مِن قَوْلِهِ -حِينَ سارَ إلى الخَضِرِ - لِفَتاهُ في بَعْضِ يَوْمٍ: "آتِنا غَداءَنا"؟ وكُلُّ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الأرْبَعِينَ كُلَّها مِيعادٌ. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: وعَدَهُ رَأْسَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾، قَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ بِالإدْغامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ بِإظْهارِ الذالِ. وثُمَّ لِلْمُهْلَةِ، ولِتَدُلَّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ بَعْدَ المُواعَدَةِ. واتَّخَذَ وزْنُهُ افْتَعَلَ مِنَ الأخْذِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِن "تَخِذَ" لا مِن "أخَذَ" وأنْشَدَ المُمَزَّقُ: ؎ وقَدْ تَخِذْتُ رِجْلِي إلى جَنْبٍ غَرَزَها نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطْرَقِ ونُصِبَ "العِجْلَ" بـِ "اتَّخَذْتُمُ"، والمَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ: اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ إلَهًا، واتَّخَذَ قَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَسُولِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٢٧]، وقَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما هو الآخَرُ في المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦]، وكَهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" يَعُودُ عَلى مُوسى، وقِيلَ: عَلى انْطِلاقِهِ لِلتَّكْلِيمِ، إذِ المُواعَدَةُ تَقْتَضِيهِ، وقِيلَ: عَلى الوَعْدِ. (p-٢١٢)وَقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مُوسى ﷺ لَمّا خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ قالَ لَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى سَيُنْجِيكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ويُنِيلُكم حُلِيَّهم ومَتاعَهُمُ الَّذِي كانَ أمَرَهم بِاسْتِعارَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَعارُوهُ بِرَأْيِهِمْ، فَنَفَّلَهُمُ اللهُ ذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ، وقالَ لَهم مُوسى عَنِ اللهِ تَعالى: إنَّهُ يُنْزِلُ عَلَيَّ كِتابًا فِيهِ التَحْلِيلُ والتَحْرِيمُ والهُدى لَكُمْ، فَلَمّا جاوَزُوا البَحْرَ طالَبُوا مُوسى بِما قالَ لَهم مِن أمْرِ الكِتابِ، فَخَرَجَ لِمِيعادِ رَبِّهِ وحْدَهُ، وقَدْ أعْلَمَهم بِالأرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَعَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا بِعِشْرِينَ لَيْلَةٍ، ثُمَّ قالُوا: هَذِهِ أرْبَعُونَ مِنَ الدَهْرِ، وقَدْ أخْلَفْنا المَوْعِدَ، وبَدا تَعَنُّتُهم وخِلافُهُمْ، وكانَ السامِرِيُّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُسَمّى مُوسى بْنُ ظُفَرٍ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ غَرِيبًا فِيهِمْ، وكانَ قَدْ عَرَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وقْتَ عَبْرِهِمُ البَحْرَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: أنْكَرَ هَيْئَتَهُ فَعَرَفَ أنَّهُ مَلَكَ. وقالَ طائِفَةٌ: كانَتْ أُمُّ السامِرِيِّ ولَدَتْهُ عامَ الذَبْحِ فَجَعَلَتْهُ في غارٍ وأطْبَقَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ جِبْرِيلُ ﷺ يَغْذُوهُ بِأصابِعِ نَفْسِهِ، فَيَجِدُ في إصْبَعٍ لَبَنًا، وفي إصْبَعٍ عَسَلًا، وفي إصْبَعٍ سَمْنًا، فَلَمّا رَآهُ وقْتَ جَوازِ البَحْرِ عَرَفَهُ فَأخَذَ مِن تَحْتِ حافِرِ فَرَسِهِ قَبْضَةَ تُرابٍ وأُلْقِي في رُوعِهِ أنَّهُ لَنْ يُلْقِيَها عَلى شَيْءٍ ويَقُولَ لَهُ: كُنْ إلّا كانَ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى لِمِيعادِهِ، قالَ هارُونُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحُلِيَّ والمَتاعَ الَّذِي اسْتَعَرْتُمْ مِنَ القِبْطِ لا يَحِلُّ لَكُمْ، فَجِيئُوا بِهِ حَتّى تَأْكُلَهُ النارُ الَّتِي كانَتِ العادَةُ أنْ تَنْزِلَ عَلى القَرابِينِ. وقِيلَ: بَلْ أوقَدَ لَهم نارًا، وأمَرَهم بِطَرْحِ جَمِيعِ ذَلِكَ فِيها، فَجُعِلُوا يُطْرَحُونَ، وقِيلَ: بَلْ أمَرَهم أنْ يَضَعُوهُ في حُفْرَةٍ دُونَ نارٍ حَتّى يَجِيءَ مُوسى، وجاءَ السامِرِيُّ فَطَرَحَ القَبْضَةَ وقالَ: كُنْ عِجْلًا. وقِيلَ: إنَّ السامِرِيَّ كانَ في أصْلِهِ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، وكانَ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ مَرَّتْ مَعَ مُوسى عَلى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ فَقالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، فَوَعاها السامِرِيُّ، وعَلِمَ أنَّ مِن تِلْكَ الجِهَةِ يُفْتَنُونَ، فَفُتِنَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِالعِجْلِ، وظَلَّتْ مِنهم طائِفَةٌ يَعْبُدُونَهُ، فاعْتَزَلَهم هارُونُ بِمَن تَبِعَهُ، فَجاءَ مُوسى مِن مِيعادِهِ فَغَضِبَ حَسْبَما يَأْتِي قَصَصُهُ في مَواضِعِهِ مِنَ القُرْآنِ إنْ (p-٢١٣)شاءَ اللهُ، ثُمَّ أوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّهُ لَنْ يَتُوبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى يَقْتُلُوا أنْفُسَهم فَفَعَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ. فَرُوِيَ أنَّهم لَبِسُوا السِلاحَ مَن عَبَدَ مِنهم ومَن لَمْ يَعْبُدْ، وألْقى اللهُ عَلَيْهِمُ الظَلّامَ فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، يَقْتُلُ الأبُ ابْنَهُ والأخُ أخاهُ، فَلَمّا اسْتَحَرَّ فِيهِمُ القَتْلُ وبَلَغَ سَبْعِينَ ألْفًا عَفا اللهُ عنهُمْ، وجَعَلَ مَن ماتَ مِنهم شَهِيدًا، وتابَ عَلى البَقِيَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عنكُمْ﴾. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وقَفَ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ صَفًّا، ودَخَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ عَلَيْهِمْ بِالسِلاحِ فَقَتَلُوهم. وقالَتْ طائِفَةٌ: جَلَسَ الَّذِينَ عَبَدُوا بِالأفْنِيَةِ، وخَرَجَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ يُنادِي: مَلْعُونٌ مَن حَلَّ حَبْوَتَهُ وجَعَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا يَقْتُلُونَهُمْ، ومُوسى في خِلالِ ذَلِكَ يَدْعُو لِقَوْمِهِ، ويَرْغَبُ في العَفْوِ عنهُمْ، وإنَّما عُوقِبَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ عَلى أحَدِ الأقْوالِ، أو بِقَتْلِ قَرابَتِهِمْ عَلى الأقْوالِ الأُخَرِ لِأنَّهم لَمْ يُغَيِّرُوا المُنْكَرَ حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وإنَّما اعْتَزَلُوا، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقاتِلُوا مَن عَبَدَهُ. ﴿وَأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الظُلْمِ. والعَفْوُ تَغْطِيَةُ الأثَرِ، وإذْهابُ الحالِ الأُولى مِنَ الذَنْبِ أو غَيْرِهِ، ولا يُسْتَعْمَلُ العَفْوُ بِمَعْنى الصَفْحِ إلّا في الذَنْبِ، وعَفا عنهم عَزَّ وجَلَّ، أيْ: عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم لَمْ يُقْتَلْ. و"لَعَلَّكُمْ"، تَرَجٍّ لَهم في حَقِّهِمْ وتَوَقُّعٌ مِنهُمْ، لا في حَقِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ ما يَكُونُ مِنهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى ﴾ الآيَةُ، "إذْ" عَطْفٌ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ النِعَمِ، و"الكِتابَ" هو التَوْراةُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، واخْتَلَفَ في "الفُرْقانَ" هُنا فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو التَوْراةُ كَرَّرَ المَعْنى لِاخْتِلافِ اللَفْظِ، ولِأنَّهُ زادَ مَعْنى التَفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ولَفْظَةُ الكِتابِ لا تُعْطِي ذَلِكَ. وقالَ آخَرُونَ: الكِتابُ التَوْراةُ، و"الفُرْقانُ" سائِرُ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَ مُوسى ﷺ، لِأنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. وقالَ آخَرُونَ: (p-٢١٤)"الفُرْقانُ" النَصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ آلِ فِرْعَوْنَ بِالنَجاةِ والغَرَقِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الفُرْقانُ" انْفِراقُ البَحْرِ لَهُ، حَتّى صارَ فَرْقًا، وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ، ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ. ﴿وَلَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠] تَرَجٍّ وتَوَقُّعٌ مِثْلُ الأوَّلِ.

البقرة 2:53

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عنكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ "فَرَقْنا" مَعْناهُ: جَعَلْناهُ فَرَّقا، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "فَرَّقْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، ومَعْنى "بِكُمُ" (p-٢٠٩)بِسَبَبِكُمْ، وقِيلَ: لَمّا كانُوا بَيْنَ الفَرْقِ وقْتَ جَوازِهِمْ فَكَأنَّهُ بِهِمْ فَرْقٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَكُمْ، والباءُ عِوَضُ اللامِ، وهَذا ضَعِيفٌ. و"البَحْرُ" هو بَحْرُ القُلْزُمِ، ولَمْ يَفْرِقِ البَحْرَ عَرْضا جَزَعًا مِن ضَفَّةٍ إلى ضَفَّةٍ، وإنَّما فَرَقَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ في ضَفَّةٍ واحِدَةٍ، وكانَ ذَلِكَ الفَرْقُ بِقُرْبِ مَوْضِعِ النَجاةِ، ولا يَلْحَقُ في البِرِّ إلّا في أيّامٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ جِبالٍ وأوعارٍ حائِلَةٍ. وذَكَرَ العامِرِيُّ أنَّ مَوْضِعَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ كانَ قَرِيبًا مِن بَرِّيَّةِ فِلَسْطِينَ وهي كانَتْ طَرِيقَهم. وقِيلَ: انْفَلَقَ البَحْرُ عَرَضًا، وانْفَرَقَ البَحْرُ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، طَرِيقٌ لِكُلِّ سِبْطٍ، فَلَمّا دَخَلُوها قالَتْ كُلُّ طائِفَةٍ: غَرِقَ أصْحابُنا، وجَزِعُوا، فَقالَ مُوسى: اللهُمَّ أعِنِّي عَلى أخْلاقِهِمُ السَيِّئَةِ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ أدِرْ عَصاكَ عَلى البَحْرِ، فَأدارَها فَصارَ في الماءِ فُتُوحٌ كالطاقِ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا وجازَوْا، وجِبْرِيلُ ﷺ في ساقَتِهِمْ عَلى ماذَيانَةَ يُحِثُّ بَنِي إسْرائِيلَ ويَقُولُ لِآلِ فِرْعَوْنَ: مَهْلًا حَتّى يَلْحَقَ آخِرُكم أوَّلَكُمْ، فَلَمّا وصَلَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ أرادَ الدُخُولَ فَنَفَرَ فَرَسُهُ، فَتَعَرَّضَ لَهُ جِبْرِيلُ بِالرَمْكَةِ فاتَّبَعَها الفَرَسُ، ودَخَلَ آلُ فِرْعَوْنَ ومِيكائِيلُ يَحُثُّهُمْ، فَلَمّا لَمْ يَبْقَ إلّا مِيكائِيلُ في ساقَتِهِمْ عَلى الضَفَّةِ وحْدَهُ انْطَبَقَ البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا. و"تَنْظُرُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِأبْصارِكم لِقُرْبِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِبَصائِرِكم لِلِاعْتِبارِ، لِأنَّهم كانُوا في شُغْلٍ عَنِ الوُقُوفِ، والنَظَرِ بِالأبْصارِ، وقِيلَ: إنَّ آلَ فِرْعَوْنَ طَفَوا عَلى الماءِ فَنَظَرُوا إلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى وأنْتُمْ بِحالِ مَن يَنْظُرُ لَوْ نَظَرَ، كَما تَقُولُ: هَذا الأمْرُ مِنكَ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أيْ بِحالٍ تَراهُ وتَسْمَعُهُ إنْ شِئْتَ. قالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وفي إخْبارِ القُرْآنِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِهَذِهِ المُغَيَّباتِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مِن عِلْمِ العَرَبِ، ولا وقَعَتْ إلّا في خَفِيِّ عِلْمِ بَنِي إسْرائِيلَ دَلِيلٌ واضِحٌ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ، وقائِمٌ عَلَيْهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "واعَدْنا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (p-٢١٠)"وَعَدْنا"، ورَجَّحَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ: إنَّ المُواعَدَةَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ البَشَرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا بِصَحِيحٍ لِأنَّ قَبُولَ مُوسى لِوَعْدِ اللهِ والتِزامِهِ وارْتِقابِهِ يُشْبِهُ المُواعَدَةَ. و"مُوسى" اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ، والقِبْطُ عَلى ما يُرْوى يَقُولُونَ لِلْماءِ: مُو، ولِلشَّجَرِ: سا، فَلَمّا وجَدَ " مُوسى " في التابُوتِ عِنْدَ ماءٍ وشَجَرٍ سُمِّيَ ( مُوسى ). قالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ قاهِتِ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ. ونُصِبَ "أرْبَعِينَ" عَلى المَفْعُولِ الثانِي، ولا يَجُوزُ نَصْبُها عَلى الظَرْفِ في هَذا المَوْضِعِ، وهي فِيما رُوِيَ ذُو القِعْدَةِ وعَشَرُ ذِي الحِجَّةِ. وخَصَّ اللَيالِي بِالذِكْرِ دُونَ الأيّامِ، إذِ اللَيْلَةُ أقْدَمُ مِنَ اليَوْمِ، وقَبْلَهُ في الرُتْبَةِ ولِذَلِكَ وقَعَ بِها التارِيخُ. قالَ النَقّاشُ: وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى صِلَةِ الصَوْمِ، لِأنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الأيّامَ لَأمْكَنَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ كانَ يُفْطِرُ بِاللَيْلِ، فَلَمّا نَصَّ عَلى اللَيالِي اقْتَضَتْ قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ واصَلَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً بِأيّامِها. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ: سَمِعْتُ الشَيْخَ الزاهِدَ الإمامَ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ يَعِظُ الناسَ بِهَذا المَعْنى في الخَلْوَةِ (p-٢١١)بِاللهِ، والدُنُوِّ مِنهُ في الصَلاةِ ونَحْوِهِ، وأنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ عن كُلِّ طَعامٍ وشَرابٍ، ويَقُولُ: أيْنَ حالُ مُوسى في القُرْبِ مِنَ اللهِ، ووِصالِ ثَمانِينَ مِنَ الدَهْرِ مِن قَوْلِهِ -حِينَ سارَ إلى الخَضِرِ - لِفَتاهُ في بَعْضِ يَوْمٍ: "آتِنا غَداءَنا"؟ وكُلُّ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الأرْبَعِينَ كُلَّها مِيعادٌ. وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: وعَدَهُ رَأْسَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وهَذا ضَعِيفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾، قَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ بِالإدْغامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ بِإظْهارِ الذالِ. وثُمَّ لِلْمُهْلَةِ، ولِتَدُلَّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ بَعْدَ المُواعَدَةِ. واتَّخَذَ وزْنُهُ افْتَعَلَ مِنَ الأخْذِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِن "تَخِذَ" لا مِن "أخَذَ" وأنْشَدَ المُمَزَّقُ: ؎ وقَدْ تَخِذْتُ رِجْلِي إلى جَنْبٍ غَرَزَها نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطْرَقِ ونُصِبَ "العِجْلَ" بـِ "اتَّخَذْتُمُ"، والمَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ: اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ إلَهًا، واتَّخَذَ قَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَسُولِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٢٧]، وقَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما هو الآخَرُ في المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦]، وكَهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" يَعُودُ عَلى مُوسى، وقِيلَ: عَلى انْطِلاقِهِ لِلتَّكْلِيمِ، إذِ المُواعَدَةُ تَقْتَضِيهِ، وقِيلَ: عَلى الوَعْدِ. (p-٢١٢)وَقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مُوسى ﷺ لَمّا خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ قالَ لَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى سَيُنْجِيكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ويُنِيلُكم حُلِيَّهم ومَتاعَهُمُ الَّذِي كانَ أمَرَهم بِاسْتِعارَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَعارُوهُ بِرَأْيِهِمْ، فَنَفَّلَهُمُ اللهُ ذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ، وقالَ لَهم مُوسى عَنِ اللهِ تَعالى: إنَّهُ يُنْزِلُ عَلَيَّ كِتابًا فِيهِ التَحْلِيلُ والتَحْرِيمُ والهُدى لَكُمْ، فَلَمّا جاوَزُوا البَحْرَ طالَبُوا مُوسى بِما قالَ لَهم مِن أمْرِ الكِتابِ، فَخَرَجَ لِمِيعادِ رَبِّهِ وحْدَهُ، وقَدْ أعْلَمَهم بِالأرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَعَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا بِعِشْرِينَ لَيْلَةٍ، ثُمَّ قالُوا: هَذِهِ أرْبَعُونَ مِنَ الدَهْرِ، وقَدْ أخْلَفْنا المَوْعِدَ، وبَدا تَعَنُّتُهم وخِلافُهُمْ، وكانَ السامِرِيُّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُسَمّى مُوسى بْنُ ظُفَرٍ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ غَرِيبًا فِيهِمْ، وكانَ قَدْ عَرَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وقْتَ عَبْرِهِمُ البَحْرَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: أنْكَرَ هَيْئَتَهُ فَعَرَفَ أنَّهُ مَلَكَ. وقالَ طائِفَةٌ: كانَتْ أُمُّ السامِرِيِّ ولَدَتْهُ عامَ الذَبْحِ فَجَعَلَتْهُ في غارٍ وأطْبَقَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ جِبْرِيلُ ﷺ يَغْذُوهُ بِأصابِعِ نَفْسِهِ، فَيَجِدُ في إصْبَعٍ لَبَنًا، وفي إصْبَعٍ عَسَلًا، وفي إصْبَعٍ سَمْنًا، فَلَمّا رَآهُ وقْتَ جَوازِ البَحْرِ عَرَفَهُ فَأخَذَ مِن تَحْتِ حافِرِ فَرَسِهِ قَبْضَةَ تُرابٍ وأُلْقِي في رُوعِهِ أنَّهُ لَنْ يُلْقِيَها عَلى شَيْءٍ ويَقُولَ لَهُ: كُنْ إلّا كانَ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى لِمِيعادِهِ، قالَ هارُونُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحُلِيَّ والمَتاعَ الَّذِي اسْتَعَرْتُمْ مِنَ القِبْطِ لا يَحِلُّ لَكُمْ، فَجِيئُوا بِهِ حَتّى تَأْكُلَهُ النارُ الَّتِي كانَتِ العادَةُ أنْ تَنْزِلَ عَلى القَرابِينِ. وقِيلَ: بَلْ أوقَدَ لَهم نارًا، وأمَرَهم بِطَرْحِ جَمِيعِ ذَلِكَ فِيها، فَجُعِلُوا يُطْرَحُونَ، وقِيلَ: بَلْ أمَرَهم أنْ يَضَعُوهُ في حُفْرَةٍ دُونَ نارٍ حَتّى يَجِيءَ مُوسى، وجاءَ السامِرِيُّ فَطَرَحَ القَبْضَةَ وقالَ: كُنْ عِجْلًا. وقِيلَ: إنَّ السامِرِيَّ كانَ في أصْلِهِ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، وكانَ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ مَرَّتْ مَعَ مُوسى عَلى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ فَقالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، فَوَعاها السامِرِيُّ، وعَلِمَ أنَّ مِن تِلْكَ الجِهَةِ يُفْتَنُونَ، فَفُتِنَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِالعِجْلِ، وظَلَّتْ مِنهم طائِفَةٌ يَعْبُدُونَهُ، فاعْتَزَلَهم هارُونُ بِمَن تَبِعَهُ، فَجاءَ مُوسى مِن مِيعادِهِ فَغَضِبَ حَسْبَما يَأْتِي قَصَصُهُ في مَواضِعِهِ مِنَ القُرْآنِ إنْ (p-٢١٣)شاءَ اللهُ، ثُمَّ أوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّهُ لَنْ يَتُوبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى يَقْتُلُوا أنْفُسَهم فَفَعَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ. فَرُوِيَ أنَّهم لَبِسُوا السِلاحَ مَن عَبَدَ مِنهم ومَن لَمْ يَعْبُدْ، وألْقى اللهُ عَلَيْهِمُ الظَلّامَ فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، يَقْتُلُ الأبُ ابْنَهُ والأخُ أخاهُ، فَلَمّا اسْتَحَرَّ فِيهِمُ القَتْلُ وبَلَغَ سَبْعِينَ ألْفًا عَفا اللهُ عنهُمْ، وجَعَلَ مَن ماتَ مِنهم شَهِيدًا، وتابَ عَلى البَقِيَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عنكُمْ﴾. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وقَفَ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ صَفًّا، ودَخَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ عَلَيْهِمْ بِالسِلاحِ فَقَتَلُوهم. وقالَتْ طائِفَةٌ: جَلَسَ الَّذِينَ عَبَدُوا بِالأفْنِيَةِ، وخَرَجَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ يُنادِي: مَلْعُونٌ مَن حَلَّ حَبْوَتَهُ وجَعَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا يَقْتُلُونَهُمْ، ومُوسى في خِلالِ ذَلِكَ يَدْعُو لِقَوْمِهِ، ويَرْغَبُ في العَفْوِ عنهُمْ، وإنَّما عُوقِبَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ عَلى أحَدِ الأقْوالِ، أو بِقَتْلِ قَرابَتِهِمْ عَلى الأقْوالِ الأُخَرِ لِأنَّهم لَمْ يُغَيِّرُوا المُنْكَرَ حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وإنَّما اعْتَزَلُوا، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقاتِلُوا مَن عَبَدَهُ. ﴿وَأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الظُلْمِ. والعَفْوُ تَغْطِيَةُ الأثَرِ، وإذْهابُ الحالِ الأُولى مِنَ الذَنْبِ أو غَيْرِهِ، ولا يُسْتَعْمَلُ العَفْوُ بِمَعْنى الصَفْحِ إلّا في الذَنْبِ، وعَفا عنهم عَزَّ وجَلَّ، أيْ: عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم لَمْ يُقْتَلْ. و"لَعَلَّكُمْ"، تَرَجٍّ لَهم في حَقِّهِمْ وتَوَقُّعٌ مِنهُمْ، لا في حَقِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ ما يَكُونُ مِنهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى ﴾ الآيَةُ، "إذْ" عَطْفٌ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ النِعَمِ، و"الكِتابَ" هو التَوْراةُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، واخْتَلَفَ في "الفُرْقانَ" هُنا فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو التَوْراةُ كَرَّرَ المَعْنى لِاخْتِلافِ اللَفْظِ، ولِأنَّهُ زادَ مَعْنى التَفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ولَفْظَةُ الكِتابِ لا تُعْطِي ذَلِكَ. وقالَ آخَرُونَ: الكِتابُ التَوْراةُ، و"الفُرْقانُ" سائِرُ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَ مُوسى ﷺ، لِأنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. وقالَ آخَرُونَ: (p-٢١٤)"الفُرْقانُ" النَصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ آلِ فِرْعَوْنَ بِالنَجاةِ والغَرَقِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الفُرْقانُ" انْفِراقُ البَحْرِ لَهُ، حَتّى صارَ فَرْقًا، وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ، ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ. ﴿وَلَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠] تَرَجٍّ وتَوَقُّعٌ مِثْلُ الأوَّلِ.

البقرة 2:54

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَوّابُ الرَحِيمُ﴾ ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ هَذا القَوْلُ مِن مُوسى ﷺ كانَ بِأمْرٍ مِنَ اللهِ تَعالى، وحُذِفَتِ الياءُ في "يا قَوْمِي" لِأنَّ النِداءَ مَوْضِعُ حَذْفٍ وتَخْفِيفٍ، والضَمِيرُ في "اتِّخاذِكُمْ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى اللَفْظِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالمَعْنى، و"العَجَلُ" لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ اسْمٌ لِوَلَدِ البَقَرَةِ، وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ عِجْلًا لِأنَّهُ اسْتَعْجَلَ قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولَيْسَ هَذا القَوْلُ بِشَيْءٍ، واخْتَلَفَ هَلْ بَقِيَ العِجْلُ مِن ذَهَبٍ؟، قالَ ذَلِكَ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: صارَ لَحْمًا ودَمًا، والأوَّلُ أصَحُّ. و"تُوبُوا": مَعْناهُ: ارْجِعُوا عَنِ المَعْصِيَةِ إلى الطاعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ "بارِئِكُمْ" بِإظْهارِ الهَمْزَةِ وكَسْرِها وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "بارِئِكُمْ" بِإسْكانِ الهَمْزَةِ. ورُوِيَ عن سِيبَوَيْهِ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ وهو أحْسَنُ، وهَذا التَسْكِينُ يَحْسُنُ في تَوالِي الحَرَكاتِ، وقالَ المُبَرِّدُ: لا يَجُوزُ التَسْكِينُ مَعَ تَوالِي الحَرَكاتِ في حَرْفِ الإعْرابِ، وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو "بارِئِكُمْ" لَحْنٌ. (p-٢١٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ العَرَبِ التَسْكِينُ في حَرْفِ الإعْرابِ، قالَ الشاعِرُ: ؎ إذا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صاحِبَ قَوْمٍ...................................... وقالَ امْرُؤُ القَيْسَ: ؎ فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللهِ ولا واغِلِ وقالَ آخَرُ: ؎ قالَتْ سُلَيْمى: اشْتَرِ لَنا سَوِيقًا ∗∗∗...................................... وقالَ الآخَرُ: ؎ ...................................... ∗∗∗ وقَدْ بَدا هَنُكِ مِنَ المِئْزَرِ وقالَ جَرِيرٌ: ؎ ...................................... ∗∗∗ ونَهْرُ تِيرَيْ وما تَعْرِفُكُمُ العَرَبُ وقالَ وضّاحُ اليَمَنِ: ؎ إنَّما شِعْرِي شَهْدٌ ∗∗∗ قَدْ خُلِطَ بِجُلْجُلانَ ومَن أنْكَرَ التَسْكِينَ في حَرْفِ الإعْرابِ فَحُجَّتُهُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ مِن حَيْثُ كانَ عَلَمًا (p-٢١٦)لِلْإعْرابِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ ؟: وأمّا حَرَكَةُ البِناءِ فَلَمْ يَخْتَلِفِ النُحاةُ في جَوازِ تَسْكِينِها مَعَ تَوالِي الحَرَكاتِ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "بارِيكُمْ" بِكَسْرِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "فَأقِيلُوا أنْفُسَكُمْ"، وقالَ: هي مِنَ الِاسْتِقالَةِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: "اقْتالَ" هَذِهِ افْتَعَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَيْنُها واوًا كاقْتادَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ياءً كاقْتاسَ. والتَصْرِيفُ يَضْعُفُ أنْ تَكُونَ مِنَ الِاسْتِقالَةِ، ولَكِنَّ قَتادَةَ رَحِمَهُ اللهُ يَنْبَغِي أنْ يُحْسِنَ الظَنَّ بِهِ في أنَّهُ لَمْ يُورِدْ ذَلِكَ إلّا بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾، قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَفَعَلْتُمْ، وقَوْلُهُ: "عَلَيْكُمْ"، مَعْناهُ: عَلى الباقِينَ، وجَعَلَ اللهُ تَعالى القَتْلَ لِمَن قُتِلَ شَهادَةً، وتابَ عَلى الباقِينَ، وعَفا عنهم. قالَ بَعْضُ الناسِ: "فاقْتُلُوا" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ بِالتَوْبَةِ، وإماتَةُ عَوارِضِ النُفُوسِ مِن شَهْوَةٍ وتَعَنُّتٍ وغَضَبٍ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ في الثَوْمِ والبَصَلِ: "فَلْتُمِتْهُما طَبْخًا". وبِقَوْلِ حَسّانَ: ؎ ...................................... ∗∗∗ قُتِلْتَ قُتِلْتَ فَهاتِها لَمْ تُقْتَلِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى﴾، يُرِيدُ السَبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى، واخْتُلِفَ (p-٢١٧)فِي وقْتِ اخْتِيارِهِمْ، فَحَكى أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّ ذَلِكَ بَعْدَ عِبادَةِ العِجْلِ، اخْتارَهم لِيَسْتَغْفِرُوا لِبَنِي إسْرائِيلَ. وحَكى النَقّاشُ وغَيْرُهُ أنَّهُ اخْتارَهم حِينَ خَرَجَ مِنَ البَحْرِ، وطَلَبَ بِالمِيعادِ، والأوَّلُ أصَحُّ. وقِصَّةُ السَبْعِينَ أنَّ مُوسى ﷺ لَمّا رَجَعَ مِن تَكْلِيمِ اللهِ، ووَجَدَ العِجْلَ قَدْ عُبِدَ، قالَتْ لَهُ طائِفَةٌ مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ: نَحْنُ لَمْ نَكْفُرْ ونَحْنُ أصْحابُكَ، ولَكِنْ أسْمِعْنا كَلامَ رَبِّكَ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنِ اخْتَرْ مِنهم سَبْعِينَ شَيْخًا، فَلَمْ يَجِدْ إلّا سِتِّينَ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنِ اخْتَرْ مِنَ الشَبابِ عَشْرَةً، فَفَعَلَ، فَأصْبَحُوا شُيُوخًا، وكانَ قَدِ اخْتارَ سِتَّةً مِن كُلِّ سِبْطٍ، فَزادُوا اثْنَيْنِ عَلى السَبْعِينَ، فَتَشاحُّوا فِيمَن يَتَأخَّرُ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّ مَن تَأخَّرَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ مَن مَضى، فَتَأخَّرَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، وطالُوتُ بْنُ يُوقِنا، وذَهَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبْعِينَ بَعْدَ أنْ أمَرَهم أنْ يَتَجَنَّبُوا النِساءَ ثَلاثًا ويَغْتَسِلُوا في اليَوْمِ الثالِثِ، واسْتَخْلَفَ هارُونَ عَلى قَوْمِهِ، ومَضى حَتّى أتى الجَبَلَ فَأُلْقِي عَلَيْهِمُ الغَمامُ. قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: غَشِيَتْهم سَحابَةٌ، وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ مُوسى بِالنُورِ فَوَقَعُوا سُجُودًا. قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: وسَمِعُوا كَلامَ اللهِ يَأْمُرُ ويَنْهى، فَلَمْ يُطِيقُوا سَماعَهُ، واخْتَلَطَتْ أذْهانُهُمْ، ورَغِبُوا أنْ يَكُونَ مُوسى يَسْمَعُ ويُعَبِّرُ لَهم فَفَعَلَ، فَلَمّا فَرَغَ وخَرَجُوا بَدَّلَتْ مِنهم طائِفَةٌ ما سَمِعَتْ مِن كَلامِ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥]. واضْطَرَبَ إيمانُهُمْ، وامْتَحَنَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ، فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً﴾ ولَمْ يَطْلُبُوا مِنَ الرُؤْيَةِ مُحالًا، أمّا إنَّهُ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ مُمْتَنَعٌ في الدُنْيا مِن طَرِيقِ السَمْعِ، فَأخَذَتْهم حِينَئِذٍ الصاعِقَةُ فاحْتَرَقُوا وماتُوا مَوْتَ هُمُودٍ يَعْتَبِرُ بِهِ الغَيْرُ. وقالَ قَتادَةُ: ماتُوا وذَهَبَتْ أرْواحُهُمْ، ثُمَّ رُدُّوا لِاسْتِيفاءِ آجالِهِمْ، فَحِينَ حَصَلُوا في ذَلِكَ (p-٢١٨)الهُمُودِ جَعَلَ مُوسى يُناشِدُ رَبَّهُ فِيهِمْ ويَقُولُ: أيْ رَبِّ. كَيْفَ أرْجِعُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ دُونَهم فَيَهْلَكُونَ ولا يُؤْمِنُونَ بِي أبَدًا، وقَدْ خَرَجُوا مَعِي وهُمُ الأخْيارُ؟ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي: وهم بِحالِ الخَيْرِ وقْتَ الخُرُوجِ وقالَ قَوْمٌ: بَلْ ظَنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ السَبْعِينَ إنَّما عُوقِبُوا بِسَبَبِ عِبادَةِ العِجْلِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أتُهْلِكُنا"، يَعْنِي السَبْعِينَ ﴿بِما فَعَلَ السُفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] ؟ يَعْنِي عَبَدَةَ العِجْلِ وقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُعاقَبَةُ السَبْعِينَ لِإخْراجِهِمْ طَلَبُ الرُؤْيَةِ عن طَرِيقِهِ بِقَوْلِهِمْ لِمُوسى: "أرِنا"، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن مَقْدُورِ مُوسى ﷺ. و"جَهْرَةً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والأظْهَرُ أنَّها مِنَ الضَمِيرِ في "نَرى"، وقِيلَ: مِنَ الضَمِيرِ في "نُؤْمِنَ"، وقِيلَ: مِنَ الضَمِيرِ في "قُلْتُمْ"،. والجَهْرَةُ العَلانِيَةُ ومِنهُ: الجَهْرُ ضِدُّ السِرِّ، وجَهَرَ الرَجُلُ الأمْرَ كَشَفَهُ. وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: "جَهْرَةً" بِفَتْحِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ مَسْمُوعَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فِيما فِيهِ حَرْفُ الحَلْقِ ساكِنًا قَدِ انْفَتَحَ ما قَبْلَهُ، والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ فِيهِ الفَتْحَ، وإنْ لَمْ يَسْمَعُوهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "جَهْرَةً" جَمْعُ جاهَرَ، أيْ: حَتّى نَرى اللهَ كاشِفِينَ هَذا الأمْرَ، وقَرَأ عُمَرُ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَأخَذَتْكُمُ الصَعْقَةُ"، ومَضى في صَدْرِ السُورَةِ مَعْنى "الصاعِقَةُ"، والصَعْقَةُ ما يَحْدُثُ بِالإنْسانِ عَنِ الصاعِقَةِ. و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى حالِكم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَتّى أحالَهُمُ العَذابُ وأزالَ نَظَرَهم.

البقرة 2:55

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَوّابُ الرَحِيمُ﴾ ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ هَذا القَوْلُ مِن مُوسى ﷺ كانَ بِأمْرٍ مِنَ اللهِ تَعالى، وحُذِفَتِ الياءُ في "يا قَوْمِي" لِأنَّ النِداءَ مَوْضِعُ حَذْفٍ وتَخْفِيفٍ، والضَمِيرُ في "اتِّخاذِكُمْ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى اللَفْظِ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالمَعْنى، و"العَجَلُ" لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ اسْمٌ لِوَلَدِ البَقَرَةِ، وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ عِجْلًا لِأنَّهُ اسْتَعْجَلَ قَبْلَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولَيْسَ هَذا القَوْلُ بِشَيْءٍ، واخْتَلَفَ هَلْ بَقِيَ العِجْلُ مِن ذَهَبٍ؟، قالَ ذَلِكَ الجُمْهُورُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: صارَ لَحْمًا ودَمًا، والأوَّلُ أصَحُّ. و"تُوبُوا": مَعْناهُ: ارْجِعُوا عَنِ المَعْصِيَةِ إلى الطاعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ "بارِئِكُمْ" بِإظْهارِ الهَمْزَةِ وكَسْرِها وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "بارِئِكُمْ" بِإسْكانِ الهَمْزَةِ. ورُوِيَ عن سِيبَوَيْهِ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ وهو أحْسَنُ، وهَذا التَسْكِينُ يَحْسُنُ في تَوالِي الحَرَكاتِ، وقالَ المُبَرِّدُ: لا يَجُوزُ التَسْكِينُ مَعَ تَوالِي الحَرَكاتِ في حَرْفِ الإعْرابِ، وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو "بارِئِكُمْ" لَحْنٌ. (p-٢١٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ العَرَبِ التَسْكِينُ في حَرْفِ الإعْرابِ، قالَ الشاعِرُ: ؎ إذا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صاحِبَ قَوْمٍ...................................... وقالَ امْرُؤُ القَيْسَ: ؎ فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللهِ ولا واغِلِ وقالَ آخَرُ: ؎ قالَتْ سُلَيْمى: اشْتَرِ لَنا سَوِيقًا ∗∗∗...................................... وقالَ الآخَرُ: ؎ ...................................... ∗∗∗ وقَدْ بَدا هَنُكِ مِنَ المِئْزَرِ وقالَ جَرِيرٌ: ؎ ...................................... ∗∗∗ ونَهْرُ تِيرَيْ وما تَعْرِفُكُمُ العَرَبُ وقالَ وضّاحُ اليَمَنِ: ؎ إنَّما شِعْرِي شَهْدٌ ∗∗∗ قَدْ خُلِطَ بِجُلْجُلانَ ومَن أنْكَرَ التَسْكِينَ في حَرْفِ الإعْرابِ فَحُجَّتُهُ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ مِن حَيْثُ كانَ عَلَمًا (p-٢١٦)لِلْإعْرابِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ ؟: وأمّا حَرَكَةُ البِناءِ فَلَمْ يَخْتَلِفِ النُحاةُ في جَوازِ تَسْكِينِها مَعَ تَوالِي الحَرَكاتِ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "بارِيكُمْ" بِكَسْرِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "فَأقِيلُوا أنْفُسَكُمْ"، وقالَ: هي مِنَ الِاسْتِقالَةِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: "اقْتالَ" هَذِهِ افْتَعَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَيْنُها واوًا كاقْتادَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ياءً كاقْتاسَ. والتَصْرِيفُ يَضْعُفُ أنْ تَكُونَ مِنَ الِاسْتِقالَةِ، ولَكِنَّ قَتادَةَ رَحِمَهُ اللهُ يَنْبَغِي أنْ يُحْسِنَ الظَنَّ بِهِ في أنَّهُ لَمْ يُورِدْ ذَلِكَ إلّا بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾، قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَفَعَلْتُمْ، وقَوْلُهُ: "عَلَيْكُمْ"، مَعْناهُ: عَلى الباقِينَ، وجَعَلَ اللهُ تَعالى القَتْلَ لِمَن قُتِلَ شَهادَةً، وتابَ عَلى الباقِينَ، وعَفا عنهم. قالَ بَعْضُ الناسِ: "فاقْتُلُوا" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ بِالتَوْبَةِ، وإماتَةُ عَوارِضِ النُفُوسِ مِن شَهْوَةٍ وتَعَنُّتٍ وغَضَبٍ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ في الثَوْمِ والبَصَلِ: "فَلْتُمِتْهُما طَبْخًا". وبِقَوْلِ حَسّانَ: ؎ ...................................... ∗∗∗ قُتِلْتَ قُتِلْتَ فَهاتِها لَمْ تُقْتَلِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى﴾، يُرِيدُ السَبْعِينَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى، واخْتُلِفَ (p-٢١٧)فِي وقْتِ اخْتِيارِهِمْ، فَحَكى أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّ ذَلِكَ بَعْدَ عِبادَةِ العِجْلِ، اخْتارَهم لِيَسْتَغْفِرُوا لِبَنِي إسْرائِيلَ. وحَكى النَقّاشُ وغَيْرُهُ أنَّهُ اخْتارَهم حِينَ خَرَجَ مِنَ البَحْرِ، وطَلَبَ بِالمِيعادِ، والأوَّلُ أصَحُّ. وقِصَّةُ السَبْعِينَ أنَّ مُوسى ﷺ لَمّا رَجَعَ مِن تَكْلِيمِ اللهِ، ووَجَدَ العِجْلَ قَدْ عُبِدَ، قالَتْ لَهُ طائِفَةٌ مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ: نَحْنُ لَمْ نَكْفُرْ ونَحْنُ أصْحابُكَ، ولَكِنْ أسْمِعْنا كَلامَ رَبِّكَ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنِ اخْتَرْ مِنهم سَبْعِينَ شَيْخًا، فَلَمْ يَجِدْ إلّا سِتِّينَ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنِ اخْتَرْ مِنَ الشَبابِ عَشْرَةً، فَفَعَلَ، فَأصْبَحُوا شُيُوخًا، وكانَ قَدِ اخْتارَ سِتَّةً مِن كُلِّ سِبْطٍ، فَزادُوا اثْنَيْنِ عَلى السَبْعِينَ، فَتَشاحُّوا فِيمَن يَتَأخَّرُ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّ مَن تَأخَّرَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ مَن مَضى، فَتَأخَّرَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، وطالُوتُ بْنُ يُوقِنا، وذَهَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِالسَبْعِينَ بَعْدَ أنْ أمَرَهم أنْ يَتَجَنَّبُوا النِساءَ ثَلاثًا ويَغْتَسِلُوا في اليَوْمِ الثالِثِ، واسْتَخْلَفَ هارُونَ عَلى قَوْمِهِ، ومَضى حَتّى أتى الجَبَلَ فَأُلْقِي عَلَيْهِمُ الغَمامُ. قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: غَشِيَتْهم سَحابَةٌ، وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ مُوسى بِالنُورِ فَوَقَعُوا سُجُودًا. قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: وسَمِعُوا كَلامَ اللهِ يَأْمُرُ ويَنْهى، فَلَمْ يُطِيقُوا سَماعَهُ، واخْتَلَطَتْ أذْهانُهُمْ، ورَغِبُوا أنْ يَكُونَ مُوسى يَسْمَعُ ويُعَبِّرُ لَهم فَفَعَلَ، فَلَمّا فَرَغَ وخَرَجُوا بَدَّلَتْ مِنهم طائِفَةٌ ما سَمِعَتْ مِن كَلامِ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: ٧٥]. واضْطَرَبَ إيمانُهُمْ، وامْتَحَنَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ، فَقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللهَ جَهْرَةً﴾ ولَمْ يَطْلُبُوا مِنَ الرُؤْيَةِ مُحالًا، أمّا إنَّهُ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ مُمْتَنَعٌ في الدُنْيا مِن طَرِيقِ السَمْعِ، فَأخَذَتْهم حِينَئِذٍ الصاعِقَةُ فاحْتَرَقُوا وماتُوا مَوْتَ هُمُودٍ يَعْتَبِرُ بِهِ الغَيْرُ. وقالَ قَتادَةُ: ماتُوا وذَهَبَتْ أرْواحُهُمْ، ثُمَّ رُدُّوا لِاسْتِيفاءِ آجالِهِمْ، فَحِينَ حَصَلُوا في ذَلِكَ (p-٢١٨)الهُمُودِ جَعَلَ مُوسى يُناشِدُ رَبَّهُ فِيهِمْ ويَقُولُ: أيْ رَبِّ. كَيْفَ أرْجِعُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ دُونَهم فَيَهْلَكُونَ ولا يُؤْمِنُونَ بِي أبَدًا، وقَدْ خَرَجُوا مَعِي وهُمُ الأخْيارُ؟ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي: وهم بِحالِ الخَيْرِ وقْتَ الخُرُوجِ وقالَ قَوْمٌ: بَلْ ظَنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ السَبْعِينَ إنَّما عُوقِبُوا بِسَبَبِ عِبادَةِ العِجْلِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أتُهْلِكُنا"، يَعْنِي السَبْعِينَ ﴿بِما فَعَلَ السُفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] ؟ يَعْنِي عَبَدَةَ العِجْلِ وقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُعاقَبَةُ السَبْعِينَ لِإخْراجِهِمْ طَلَبُ الرُؤْيَةِ عن طَرِيقِهِ بِقَوْلِهِمْ لِمُوسى: "أرِنا"، ولَيْسَ ذَلِكَ مِن مَقْدُورِ مُوسى ﷺ. و"جَهْرَةً" مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، والأظْهَرُ أنَّها مِنَ الضَمِيرِ في "نَرى"، وقِيلَ: مِنَ الضَمِيرِ في "نُؤْمِنَ"، وقِيلَ: مِنَ الضَمِيرِ في "قُلْتُمْ"،. والجَهْرَةُ العَلانِيَةُ ومِنهُ: الجَهْرُ ضِدُّ السِرِّ، وجَهَرَ الرَجُلُ الأمْرَ كَشَفَهُ. وقَرَأ سَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: "جَهْرَةً" بِفَتْحِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ مَسْمُوعَةٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فِيما فِيهِ حَرْفُ الحَلْقِ ساكِنًا قَدِ انْفَتَحَ ما قَبْلَهُ، والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَ فِيهِ الفَتْحَ، وإنْ لَمْ يَسْمَعُوهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "جَهْرَةً" جَمْعُ جاهَرَ، أيْ: حَتّى نَرى اللهَ كاشِفِينَ هَذا الأمْرَ، وقَرَأ عُمَرُ، وعَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فَأخَذَتْكُمُ الصَعْقَةُ"، ومَضى في صَدْرِ السُورَةِ مَعْنى "الصاعِقَةُ"، والصَعْقَةُ ما يَحْدُثُ بِالإنْسانِ عَنِ الصاعِقَةِ. و"تَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: إلى حالِكم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَتّى أحالَهُمُ العَذابُ وأزالَ نَظَرَهم.

البقرة 2:56

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿وَإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ (p-٢١٩)أجابَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ رَغْبَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأحْياهم مِن ذَلِكَ الهُمُودِ أوِ المَوْتِ لِيَسْتَوْفُوا آجالَهُمْ، وتابَ عَلَيْهِمْ، والبَعْثُ هُنا الإثارَةُ، كَما قالَ: ﴿مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] وقالَ قَوْمٌ: إنَّهم لَمّا أُحْيُوا وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَوْبَةِ سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَجْعَلَهُمُ اللهُ أنْبِياءَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾، أيْ: أنْبِياءَ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، أيْ: عَلى هَذِهِ النِعْمَةِ. والتَرَجِّي إنَّما هو في حَقِّ البَشَرِ. ونَزَلَتِ الألْواحُ بِالتَوْراةِ عَلى مُوسى في تِلْكَ المُدَّةِ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الألْواحَ نَزَلَتْ في ذَهابِهِ الأوَّلِ وحْدَهُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَظْلِيلِ الغَمامِ، أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ مَن أمْرِهِمْ ما كانَ مِنَ القَتْلِ وبَقِيَ مِنهم مَن بَقِيَ حَصَلُوا في فَحْصِ التِيهِ بَيْنَ مِصْرَ والشامِ، فَأُمِرُوا بِقِتالِ الجَبّارِينَ فَعَصَوْا، وقالُوا: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] فَدَعا مُوسى عَلَيْهِمْ فَعُوقِبُوا بِالبَقاءِ في ذَلِكَ الفَحْصِ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في مِقْدارِ خَمْسَةِ فَراسِخَ أو سِتَّةٍ. رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَمْشُونَ النَهارَ كُلَّهُ ويَنْزِلُونَ لِلْمَبِيتِ، فَيُصْبِحُونَ حَيْثُ كانُوا بَكْرَةَ أمْسِ، فَنَدِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَلى دُعائِهِ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] ورُوِيَ أنَّهم ماتُوا بِأجْمَعِهِمْ في فَحْصِ التِيهِ، ونَشَأ بَنُوهم عَلى خَيْرِ طاعَةٍ، فَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَن فَحْصِ التِيهِ، وقاتَلُوا الجَبّارِينَ. وإذْ كانَ جَمِيعُهم في التِيهِ قالُوا لِمُوسى: مَن لَنا بِالطَعامِ؟ قالَ: اللهُ. فَأنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَلْوى، قالُوا: مَن لَنا مِن حَرِّ الشَمْسِ؟ فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ. قالُوا: بِمَ نَسْتَصْبِحُ بِاللَيْلِ؟ فَضَرَبَ لَهم عَمُودَ نُورٍ في وسَطِ (p-٢٢٠)مَحَلَّتِهِمْ. وذَكَرَ مَكِّيٌّ عَمُودَ نارٍ. قالَ: مَن لَنا بِالماءِ؟، فَأُمِرَ مُوسى بِضَرْبِ الحَجَرِ، قالُوا: مَن لَنا بِاللِباسِ؟ فَأُعْطُوا ألّا يَبْلى لَهم ثَوْبٌ، ولا يَخْلَقَ ولا يَدْرَنَ، وأنْ تَنْمُوَ صِغارُها حَسَبَ نُمُوِّ الصِبْيانِ. ومَعْنى "ظَلَّلْنا" جَعَلْناهُ ظُلَلًا. و"الغَمامَ" السَحابَ، لِأنَّهُ يَغُمُّ وجْهَ السَماءِ أيْ يَسْتُرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبْرَدُ مِنَ السَحابِ وأرْقى وأصْفى، وهو الَّذِي يَأْتِي اللهُ فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَأْتِي أمْرُهُ وسُلْطانُهُ وقَضاؤُهُ، وقِيلَ: "الغَمامَ" ما ابْيَضَّ مِنَ السَحابِ، و"المَنَّ" صَمْغَةٌ حُلْوَةٌ، هَذا قَوْلُ فِرْقَةٍ، وقِيلَ: هُوَ: عَسَلٌ. وقِيلَ: شَرابٌ حُلْوٌ، وقِيلَ: الَّذِي يَنْزِلُ اليَوْمَ عَلى الشَجَرِ. وقِيلَ: "المَنَّ" خُبْزُ الرُقاقِ مِثْلُ النَقِيِّ، وقِيلَ: هو الزَنْجَبِينُ، وقِيلَ: الزَنْجَبِيلُ، وفي بَعْضِ الأقْوالِ بَعْدُ. وقِيلَ: "المَنَّ" مَصْدَرٌ يَعْنِي بِهِ جَمِيعُ ما مَنَّ اللهُ بِهِ مُجْمَلًا. وقالَ النَبِيُّ ﷺ في كِتابِ مُسْلِمٍ: « "الكَمْأةُ" مِمّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ» فَقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ الكَمْأةَ نَفْسَها مِمّا أُنْزِلَ نَوْعُها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: أرادَ أنَّهُ لا تَعَبَ في الكَمْأةِ ولا جُذاذَ ولا حَصادَ، فَهي مِنَّةٌ دُونَ تَكَلُّفٍ مِن جِنْسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في أنَّهُ كانَ دُونَ تَكَلُّفٍ. ورُوِيَ أنَّ "المَنَّ" كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَمْسِ كالثَلْجِ فَيَأْخُذُ مِنهُ الرَجُلُ ما يَكْفِيهِ لِيَوْمِهِ، فَإنِ ادَّخَرَ فَسَدَ عَلَيْهِ إلّا في يَوْمِ الجُمْعَةَ فَإنَّهم كانُوا (p-٢٢١)يَدَّخِرُونَ لِيَوْمِ السَبْتِ فَلا يَفْسُدُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ يَوْمَ السَبْتَ يَوْمُ عِبادَةٍ. و"المَنَّ" هُنا اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. و"السَلْوى" طَيْرٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وغَيْرُهُمْ، قِيلَ: هو السُمانى بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: طائِرٌ يَمِيلُ إلى الحُمْرَةِ مِثْلُ السُمانى، وقِيلَ: طائِرٌ مِثْلُ الحَمامِ تَحْشُرُهُ عَلَيْهِمُ الجَنُوبُ. قالَ الأخْفَشُ: "السَلْوى" جَمْعُهُ وواحِدُهُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، قالَ الخَلِيلُ: جَمْعُ واحِدَتُهُ سَلْواةٌ قالَ الكِسائِيُّ: "السَلْوى" واحِدَةٌ جَمْعُها سَلاوى، و"السَلْوى" اسْمٌ مَقْصُورٌ لا يَظْهَرُ فِيهِ الإعْرابُ لِأنَّ آخِرَهُ ألِفٌ، والألِفُ حَرْفٌ هَوائِيٌّ أشْبَهَ الحَرَكَةَ فاسْتَحالَتْ حَرَكَتُهُ، ولَوْ حَرَّكَ لَرَجَعَ حَرْفًا آخَرَ، وقَدْ غَلَّظَ الهُذَلِيُّ فَقالَ: ؎ وقاسَمَها بِاللهِ عَهْدًا لَأنْتُمْ ألَذُّ مِنَ السَلْوى إذا ما نَشُورُها ظَنُّ السَلْوى العَسَلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلُوا" الآيَةُ مَعْناهُ: وقُلْنا: كُلُوا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، و"الطَيِّباتُ" هُنا قَدْ جَمَعَتِ الحَلالَ واللَذِيذَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ يُقَدَّرُ قَبْلَهُ فَعَصَوْا، ولَمْ يُقابِلُوا النِعَمَ بِالشُكْرِ، والمَعْنى: وما وضَعُوا فِعْلَهُمْ، في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَنا، ولَكِنْ وضَعُوهُ في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَهم حَيْثُ لا يَجِبُ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "ما ظَلَمُونا ما نَقَصُونا"، والمَعْنى يَرْجِعُ إلى ما لَخَّصْناهُ. و"القَرْيَةُ"المَدِينَةُ، تُسَمّى بِذَلِكَ لِأنَّها تَقَرَّتْ، أيِ اجْتَمَعَتْ، ومِنهُ قُرِيَتِ الماءُ في (p-٢٢٢)الحَوْضِ: أيْ جَمَعَتْهُ، والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: إلى أرِيحا، وهي قَرِيبٌ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: كانَتْ قاعِدَةً ومَسْكَنَ مُلُوكٍ. ولَمّا خَرَجَ ذُرِّيَّةُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التِيهِ أُمِرُوا بِدُخُولِ القَرْيَةِ المُشارِ إلَيْها وأمّا الشُيُوخُ فَماتُوا فِيهِ. ورُوِيَ أنَّ مُوسى ﷺ ماتَ في التِيهِ، وكَذَلِكَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ، وحَكى الزَجّاجُ عن بَعْضِهِمْ أنَّ مُوسى وهارُونَ، لَمْ يَكُونا في التِيهِ لِأنَّهُ عَذابٌ، والأوَّلُ أكْثَرُ، و"كُلُوا" إباحَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الرَغَدِ، وهي أرْضٌ مُبارَكَةٌ عَظِيمَةُ الغَلَّةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: رَغَدًا. و"البابَ" قالَ مُجاهِدٌ: هو بابٌ في مَدِينَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يُعْرَفُ إلى اليَوْمِ بِبابِ حِطَّةٌ، وقِيلَ: هو بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانَ يُصَلِّي إلَيْها مُوسى ﷺ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّهُ بابٌ في الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى كالفُرْضَةِ. و"سُجَّدًا" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَعْناهُ: رُكُوعًا وقِيلَ مُتَواضِعِينَ خُضُوعًا لا عَلى هَيْئَةٍ مُعَيَّنَةٍ. والسُجُودُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ لِأنَّهُ التَواضُعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَرى الأكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ ورُوِيَ أنَّ البابَ خُفِضَ لَهم لِيَقْصُرَ ويَدْخُلُوا عَلَيْهِ مُتَواضِعِينَ. و"حِطَّةٌ" فِعْلَةٌ مَن حَطَّ يَحُطُّ ورَفَعَهُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ كَأنَّهم قالُوا: سُؤالُنا حِطَّةٌ لِذُنُوبِنا، هَذا تَقْدِيرُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ. وقالَ الطَبَرِيُّ: التَقْدِيرُ دُخُولُنا البابَ كَما أُمِرْنا حِطَّةً، وقِيلَ: أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا مَرْفُوعَةً عَلى هَذا اللَفْظِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: (p-٢٢٣)أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللهُ لِتَحُطَّ بِها ذُنُوبَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ لَهُمُ: اسْتَغْفِرُوا، وقُولُوا: ما يَحُطُّ ذُنُوبَكم. وقالَ آخَرُونَ: قِيلَ لَهم أنْ يَقُولُوا هَذا الأمْرَ حَقٌّ، كَما أعْلَمَنا، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَلاثَةُ تَقْتَضِي النَصْبَ، وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "حِطَّةً" بِالنَصْبِ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ أنَّهم أُمِرُوا بِالسُجُودِ وأنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ"، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ ويَقُولُونَ: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْراءُ في شَعْرَةٍ، ويُرْوى غَيْرُ هَذا مِنَ الألْفاظِ. وقَرَأ نافِعٌ: "يُغْفَرُ" بِالياءِ مِن تَحْتِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تُغْفَرُ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "وَيَغْفِرُ" بِفَتْحِ الياءِ عَلى مَعْنى يَغْفِرُ اللهُ، وقَرَأ الباقُونَ "نَغْفِرُ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ "تَغْفِرُ" كَأنَّ الحِطَّةَ تَكُونُ سَبَبَ الغُفْرانِ. والقُرّاءُ السَبْعَةُ عَلى "خَطاياكُمْ"، غَيْرَ أنَّ الكِسائِيَّ كانَ يُمِيلُها، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "تُغْفَرُ لَكم خَطِيئَتَكُمْ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقِ وبِرَفْعِ الخَطِيئَةِ وقَرَأ الأعْمَشُ "يَغْفِرَ" بِالياءِ مِن أسْفَلِ مَفْتُوحَةً "خَطِيئَتِكُمْ" نَصْبًا، وقَرَأ قَتادَةُ مِثْلُ الجَحْدَرِيِّ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ بِالياءِ مِن أسْفَلِ مَضْمُومَةً "خَطِيئَتُكُمْ" رَفْعًا، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "يَغْفِرُ لَكم خَطِيئاتِكُمْ" أيْ يَغْفِرُ اللهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "تَغْفِرُ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مَرْفُوعَةً "يَغْفِرُ لَكم خَطِيئاتِكُمْ" بِالجَمْعِ ورَفْعِ التاءِ، وحَكى الأهْوازِيُّ أنَّهُ قُرِئَ "خَطَأياكُمْ" بِهَمْزِ الألِفِ الأُولى وسُكُونِ الآخِرَةِ، وحُكِيَ أيْضًا أنَّهُ قُرِئَ بِسُكُونِ الأُولى وهَمْزِ الآخِرَةِ. قالالفَرّاءُ: خَطايا جَمْعُ خَطِيَّةٍ، بِلا هَمْزٍ كَهَدِيَّةٍ وهَدايا، ورَكِيَّةٍ ورَكايا. وقالَ الخَلِيلُ: هو جَمْعُ خَطِيئَةٍ بِالهَمْزِ، وأصْلُهُ "خَطايِئْ" قَدَّمَتِ الهَمْزَةُ عَلى (p-٢٢٤)الياءِ فَجاءَ "خَطائِي"، أُبْدِلَتِ الياءُ ألْفًا بَدَلًا لازِمًا فانْفَتَحَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي قَبْلَها فَجاءَ "خَطاءا" هَمْزَةٌ بَيْنَ ألِفَيْنِ، وهي مِن قَبِيلِهِما فَكَأنَّها ثَلاثُ ألِفاتٍ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً فَجاءَ خَطايا. قالَ سِيبَوَيْهِ: أصْلُهُ "خَطايِئَ" هُمِزَتِ الياءُ كَما فَعَلَ في مَدائِنَ وكَتائِبَ فاجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ فَقُلِبَتِ الثانِيَةُ ياءً ثُمَّ أُعِلَّتْ عَلى ما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ عِدَّةُ المَعْنى إذا غُفِرَتِ الخَطايا بِدُخُولِكم وقَوْلِكُمْ: زِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَن أحْسَنَ، وكانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَن دَخَلَ كَما أمَرَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَقِيلَ: هُمُ المُرادُ بِ "المُحْسِنِينَ" هُنا.

البقرة 2:57

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿وَإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ (p-٢١٩)أجابَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ رَغْبَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأحْياهم مِن ذَلِكَ الهُمُودِ أوِ المَوْتِ لِيَسْتَوْفُوا آجالَهُمْ، وتابَ عَلَيْهِمْ، والبَعْثُ هُنا الإثارَةُ، كَما قالَ: ﴿مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] وقالَ قَوْمٌ: إنَّهم لَمّا أُحْيُوا وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَوْبَةِ سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَجْعَلَهُمُ اللهُ أنْبِياءَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾، أيْ: أنْبِياءَ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، أيْ: عَلى هَذِهِ النِعْمَةِ. والتَرَجِّي إنَّما هو في حَقِّ البَشَرِ. ونَزَلَتِ الألْواحُ بِالتَوْراةِ عَلى مُوسى في تِلْكَ المُدَّةِ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الألْواحَ نَزَلَتْ في ذَهابِهِ الأوَّلِ وحْدَهُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَظْلِيلِ الغَمامِ، أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ مَن أمْرِهِمْ ما كانَ مِنَ القَتْلِ وبَقِيَ مِنهم مَن بَقِيَ حَصَلُوا في فَحْصِ التِيهِ بَيْنَ مِصْرَ والشامِ، فَأُمِرُوا بِقِتالِ الجَبّارِينَ فَعَصَوْا، وقالُوا: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] فَدَعا مُوسى عَلَيْهِمْ فَعُوقِبُوا بِالبَقاءِ في ذَلِكَ الفَحْصِ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في مِقْدارِ خَمْسَةِ فَراسِخَ أو سِتَّةٍ. رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَمْشُونَ النَهارَ كُلَّهُ ويَنْزِلُونَ لِلْمَبِيتِ، فَيُصْبِحُونَ حَيْثُ كانُوا بَكْرَةَ أمْسِ، فَنَدِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَلى دُعائِهِ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] ورُوِيَ أنَّهم ماتُوا بِأجْمَعِهِمْ في فَحْصِ التِيهِ، ونَشَأ بَنُوهم عَلى خَيْرِ طاعَةٍ، فَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَن فَحْصِ التِيهِ، وقاتَلُوا الجَبّارِينَ. وإذْ كانَ جَمِيعُهم في التِيهِ قالُوا لِمُوسى: مَن لَنا بِالطَعامِ؟ قالَ: اللهُ. فَأنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَلْوى، قالُوا: مَن لَنا مِن حَرِّ الشَمْسِ؟ فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ. قالُوا: بِمَ نَسْتَصْبِحُ بِاللَيْلِ؟ فَضَرَبَ لَهم عَمُودَ نُورٍ في وسَطِ (p-٢٢٠)مَحَلَّتِهِمْ. وذَكَرَ مَكِّيٌّ عَمُودَ نارٍ. قالَ: مَن لَنا بِالماءِ؟، فَأُمِرَ مُوسى بِضَرْبِ الحَجَرِ، قالُوا: مَن لَنا بِاللِباسِ؟ فَأُعْطُوا ألّا يَبْلى لَهم ثَوْبٌ، ولا يَخْلَقَ ولا يَدْرَنَ، وأنْ تَنْمُوَ صِغارُها حَسَبَ نُمُوِّ الصِبْيانِ. ومَعْنى "ظَلَّلْنا" جَعَلْناهُ ظُلَلًا. و"الغَمامَ" السَحابَ، لِأنَّهُ يَغُمُّ وجْهَ السَماءِ أيْ يَسْتُرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبْرَدُ مِنَ السَحابِ وأرْقى وأصْفى، وهو الَّذِي يَأْتِي اللهُ فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَأْتِي أمْرُهُ وسُلْطانُهُ وقَضاؤُهُ، وقِيلَ: "الغَمامَ" ما ابْيَضَّ مِنَ السَحابِ، و"المَنَّ" صَمْغَةٌ حُلْوَةٌ، هَذا قَوْلُ فِرْقَةٍ، وقِيلَ: هُوَ: عَسَلٌ. وقِيلَ: شَرابٌ حُلْوٌ، وقِيلَ: الَّذِي يَنْزِلُ اليَوْمَ عَلى الشَجَرِ. وقِيلَ: "المَنَّ" خُبْزُ الرُقاقِ مِثْلُ النَقِيِّ، وقِيلَ: هو الزَنْجَبِينُ، وقِيلَ: الزَنْجَبِيلُ، وفي بَعْضِ الأقْوالِ بَعْدُ. وقِيلَ: "المَنَّ" مَصْدَرٌ يَعْنِي بِهِ جَمِيعُ ما مَنَّ اللهُ بِهِ مُجْمَلًا. وقالَ النَبِيُّ ﷺ في كِتابِ مُسْلِمٍ: « "الكَمْأةُ" مِمّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ» فَقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ الكَمْأةَ نَفْسَها مِمّا أُنْزِلَ نَوْعُها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: أرادَ أنَّهُ لا تَعَبَ في الكَمْأةِ ولا جُذاذَ ولا حَصادَ، فَهي مِنَّةٌ دُونَ تَكَلُّفٍ مِن جِنْسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في أنَّهُ كانَ دُونَ تَكَلُّفٍ. ورُوِيَ أنَّ "المَنَّ" كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَمْسِ كالثَلْجِ فَيَأْخُذُ مِنهُ الرَجُلُ ما يَكْفِيهِ لِيَوْمِهِ، فَإنِ ادَّخَرَ فَسَدَ عَلَيْهِ إلّا في يَوْمِ الجُمْعَةَ فَإنَّهم كانُوا (p-٢٢١)يَدَّخِرُونَ لِيَوْمِ السَبْتِ فَلا يَفْسُدُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ يَوْمَ السَبْتَ يَوْمُ عِبادَةٍ. و"المَنَّ" هُنا اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. و"السَلْوى" طَيْرٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وغَيْرُهُمْ، قِيلَ: هو السُمانى بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: طائِرٌ يَمِيلُ إلى الحُمْرَةِ مِثْلُ السُمانى، وقِيلَ: طائِرٌ مِثْلُ الحَمامِ تَحْشُرُهُ عَلَيْهِمُ الجَنُوبُ. قالَ الأخْفَشُ: "السَلْوى" جَمْعُهُ وواحِدُهُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، قالَ الخَلِيلُ: جَمْعُ واحِدَتُهُ سَلْواةٌ قالَ الكِسائِيُّ: "السَلْوى" واحِدَةٌ جَمْعُها سَلاوى، و"السَلْوى" اسْمٌ مَقْصُورٌ لا يَظْهَرُ فِيهِ الإعْرابُ لِأنَّ آخِرَهُ ألِفٌ، والألِفُ حَرْفٌ هَوائِيٌّ أشْبَهَ الحَرَكَةَ فاسْتَحالَتْ حَرَكَتُهُ، ولَوْ حَرَّكَ لَرَجَعَ حَرْفًا آخَرَ، وقَدْ غَلَّظَ الهُذَلِيُّ فَقالَ: ؎ وقاسَمَها بِاللهِ عَهْدًا لَأنْتُمْ ألَذُّ مِنَ السَلْوى إذا ما نَشُورُها ظَنُّ السَلْوى العَسَلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلُوا" الآيَةُ مَعْناهُ: وقُلْنا: كُلُوا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، و"الطَيِّباتُ" هُنا قَدْ جَمَعَتِ الحَلالَ واللَذِيذَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ يُقَدَّرُ قَبْلَهُ فَعَصَوْا، ولَمْ يُقابِلُوا النِعَمَ بِالشُكْرِ، والمَعْنى: وما وضَعُوا فِعْلَهُمْ، في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَنا، ولَكِنْ وضَعُوهُ في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَهم حَيْثُ لا يَجِبُ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "ما ظَلَمُونا ما نَقَصُونا"، والمَعْنى يَرْجِعُ إلى ما لَخَّصْناهُ. و"القَرْيَةُ"المَدِينَةُ، تُسَمّى بِذَلِكَ لِأنَّها تَقَرَّتْ، أيِ اجْتَمَعَتْ، ومِنهُ قُرِيَتِ الماءُ في (p-٢٢٢)الحَوْضِ: أيْ جَمَعَتْهُ، والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: إلى أرِيحا، وهي قَرِيبٌ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: كانَتْ قاعِدَةً ومَسْكَنَ مُلُوكٍ. ولَمّا خَرَجَ ذُرِّيَّةُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التِيهِ أُمِرُوا بِدُخُولِ القَرْيَةِ المُشارِ إلَيْها وأمّا الشُيُوخُ فَماتُوا فِيهِ. ورُوِيَ أنَّ مُوسى ﷺ ماتَ في التِيهِ، وكَذَلِكَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ، وحَكى الزَجّاجُ عن بَعْضِهِمْ أنَّ مُوسى وهارُونَ، لَمْ يَكُونا في التِيهِ لِأنَّهُ عَذابٌ، والأوَّلُ أكْثَرُ، و"كُلُوا" إباحَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الرَغَدِ، وهي أرْضٌ مُبارَكَةٌ عَظِيمَةُ الغَلَّةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: رَغَدًا. و"البابَ" قالَ مُجاهِدٌ: هو بابٌ في مَدِينَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يُعْرَفُ إلى اليَوْمِ بِبابِ حِطَّةٌ، وقِيلَ: هو بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانَ يُصَلِّي إلَيْها مُوسى ﷺ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّهُ بابٌ في الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى كالفُرْضَةِ. و"سُجَّدًا" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَعْناهُ: رُكُوعًا وقِيلَ مُتَواضِعِينَ خُضُوعًا لا عَلى هَيْئَةٍ مُعَيَّنَةٍ. والسُجُودُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ لِأنَّهُ التَواضُعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَرى الأكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ ورُوِيَ أنَّ البابَ خُفِضَ لَهم لِيَقْصُرَ ويَدْخُلُوا عَلَيْهِ مُتَواضِعِينَ. و"حِطَّةٌ" فِعْلَةٌ مَن حَطَّ يَحُطُّ ورَفَعَهُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ كَأنَّهم قالُوا: سُؤالُنا حِطَّةٌ لِذُنُوبِنا، هَذا تَقْدِيرُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ. وقالَ الطَبَرِيُّ: التَقْدِيرُ دُخُولُنا البابَ كَما أُمِرْنا حِطَّةً، وقِيلَ: أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا مَرْفُوعَةً عَلى هَذا اللَفْظِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: (p-٢٢٣)أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللهُ لِتَحُطَّ بِها ذُنُوبَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ لَهُمُ: اسْتَغْفِرُوا، وقُولُوا: ما يَحُطُّ ذُنُوبَكم. وقالَ آخَرُونَ: قِيلَ لَهم أنْ يَقُولُوا هَذا الأمْرَ حَقٌّ، كَما أعْلَمَنا، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَلاثَةُ تَقْتَضِي النَصْبَ، وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "حِطَّةً" بِالنَصْبِ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ أنَّهم أُمِرُوا بِالسُجُودِ وأنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ"، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ ويَقُولُونَ: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْراءُ في شَعْرَةٍ، ويُرْوى غَيْرُ هَذا مِنَ الألْفاظِ. وقَرَأ نافِعٌ: "يُغْفَرُ" بِالياءِ مِن تَحْتِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تُغْفَرُ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "وَيَغْفِرُ" بِفَتْحِ الياءِ عَلى مَعْنى يَغْفِرُ اللهُ، وقَرَأ الباقُونَ "نَغْفِرُ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ "تَغْفِرُ" كَأنَّ الحِطَّةَ تَكُونُ سَبَبَ الغُفْرانِ. والقُرّاءُ السَبْعَةُ عَلى "خَطاياكُمْ"، غَيْرَ أنَّ الكِسائِيَّ كانَ يُمِيلُها، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "تُغْفَرُ لَكم خَطِيئَتَكُمْ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقِ وبِرَفْعِ الخَطِيئَةِ وقَرَأ الأعْمَشُ "يَغْفِرَ" بِالياءِ مِن أسْفَلِ مَفْتُوحَةً "خَطِيئَتِكُمْ" نَصْبًا، وقَرَأ قَتادَةُ مِثْلُ الجَحْدَرِيِّ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ بِالياءِ مِن أسْفَلِ مَضْمُومَةً "خَطِيئَتُكُمْ" رَفْعًا، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "يَغْفِرُ لَكم خَطِيئاتِكُمْ" أيْ يَغْفِرُ اللهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "تَغْفِرُ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مَرْفُوعَةً "يَغْفِرُ لَكم خَطِيئاتِكُمْ" بِالجَمْعِ ورَفْعِ التاءِ، وحَكى الأهْوازِيُّ أنَّهُ قُرِئَ "خَطَأياكُمْ" بِهَمْزِ الألِفِ الأُولى وسُكُونِ الآخِرَةِ، وحُكِيَ أيْضًا أنَّهُ قُرِئَ بِسُكُونِ الأُولى وهَمْزِ الآخِرَةِ. قالالفَرّاءُ: خَطايا جَمْعُ خَطِيَّةٍ، بِلا هَمْزٍ كَهَدِيَّةٍ وهَدايا، ورَكِيَّةٍ ورَكايا. وقالَ الخَلِيلُ: هو جَمْعُ خَطِيئَةٍ بِالهَمْزِ، وأصْلُهُ "خَطايِئْ" قَدَّمَتِ الهَمْزَةُ عَلى (p-٢٢٤)الياءِ فَجاءَ "خَطائِي"، أُبْدِلَتِ الياءُ ألْفًا بَدَلًا لازِمًا فانْفَتَحَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي قَبْلَها فَجاءَ "خَطاءا" هَمْزَةٌ بَيْنَ ألِفَيْنِ، وهي مِن قَبِيلِهِما فَكَأنَّها ثَلاثُ ألِفاتٍ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً فَجاءَ خَطايا. قالَ سِيبَوَيْهِ: أصْلُهُ "خَطايِئَ" هُمِزَتِ الياءُ كَما فَعَلَ في مَدائِنَ وكَتائِبَ فاجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ فَقُلِبَتِ الثانِيَةُ ياءً ثُمَّ أُعِلَّتْ عَلى ما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ عِدَّةُ المَعْنى إذا غُفِرَتِ الخَطايا بِدُخُولِكم وقَوْلِكُمْ: زِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَن أحْسَنَ، وكانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَن دَخَلَ كَما أمَرَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَقِيلَ: هُمُ المُرادُ بِ "المُحْسِنِينَ" هُنا.

البقرة 2:58

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿وَإذْ قُلْنا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ (p-٢١٩)أجابَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ رَغْبَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأحْياهم مِن ذَلِكَ الهُمُودِ أوِ المَوْتِ لِيَسْتَوْفُوا آجالَهُمْ، وتابَ عَلَيْهِمْ، والبَعْثُ هُنا الإثارَةُ، كَما قالَ: ﴿مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] وقالَ قَوْمٌ: إنَّهم لَمّا أُحْيُوا وأنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَوْبَةِ سَألُوا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَجْعَلَهُمُ اللهُ أنْبِياءَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾، أيْ: أنْبِياءَ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾، أيْ: عَلى هَذِهِ النِعْمَةِ. والتَرَجِّي إنَّما هو في حَقِّ البَشَرِ. ونَزَلَتِ الألْواحُ بِالتَوْراةِ عَلى مُوسى في تِلْكَ المُدَّةِ، وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الألْواحَ نَزَلَتْ في ذَهابِهِ الأوَّلِ وحْدَهُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَظْلِيلِ الغَمامِ، أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا كانَ مَن أمْرِهِمْ ما كانَ مِنَ القَتْلِ وبَقِيَ مِنهم مَن بَقِيَ حَصَلُوا في فَحْصِ التِيهِ بَيْنَ مِصْرَ والشامِ، فَأُمِرُوا بِقِتالِ الجَبّارِينَ فَعَصَوْا، وقالُوا: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤] فَدَعا مُوسى عَلَيْهِمْ فَعُوقِبُوا بِالبَقاءِ في ذَلِكَ الفَحْصِ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في مِقْدارِ خَمْسَةِ فَراسِخَ أو سِتَّةٍ. رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَمْشُونَ النَهارَ كُلَّهُ ويَنْزِلُونَ لِلْمَبِيتِ، فَيُصْبِحُونَ حَيْثُ كانُوا بَكْرَةَ أمْسِ، فَنَدِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَلى دُعائِهِ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] ورُوِيَ أنَّهم ماتُوا بِأجْمَعِهِمْ في فَحْصِ التِيهِ، ونَشَأ بَنُوهم عَلى خَيْرِ طاعَةٍ، فَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَن فَحْصِ التِيهِ، وقاتَلُوا الجَبّارِينَ. وإذْ كانَ جَمِيعُهم في التِيهِ قالُوا لِمُوسى: مَن لَنا بِالطَعامِ؟ قالَ: اللهُ. فَأنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَلْوى، قالُوا: مَن لَنا مِن حَرِّ الشَمْسِ؟ فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ. قالُوا: بِمَ نَسْتَصْبِحُ بِاللَيْلِ؟ فَضَرَبَ لَهم عَمُودَ نُورٍ في وسَطِ (p-٢٢٠)مَحَلَّتِهِمْ. وذَكَرَ مَكِّيٌّ عَمُودَ نارٍ. قالَ: مَن لَنا بِالماءِ؟، فَأُمِرَ مُوسى بِضَرْبِ الحَجَرِ، قالُوا: مَن لَنا بِاللِباسِ؟ فَأُعْطُوا ألّا يَبْلى لَهم ثَوْبٌ، ولا يَخْلَقَ ولا يَدْرَنَ، وأنْ تَنْمُوَ صِغارُها حَسَبَ نُمُوِّ الصِبْيانِ. ومَعْنى "ظَلَّلْنا" جَعَلْناهُ ظُلَلًا. و"الغَمامَ" السَحابَ، لِأنَّهُ يَغُمُّ وجْهَ السَماءِ أيْ يَسْتُرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو أبْرَدُ مِنَ السَحابِ وأرْقى وأصْفى، وهو الَّذِي يَأْتِي اللهُ فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَأْتِي أمْرُهُ وسُلْطانُهُ وقَضاؤُهُ، وقِيلَ: "الغَمامَ" ما ابْيَضَّ مِنَ السَحابِ، و"المَنَّ" صَمْغَةٌ حُلْوَةٌ، هَذا قَوْلُ فِرْقَةٍ، وقِيلَ: هُوَ: عَسَلٌ. وقِيلَ: شَرابٌ حُلْوٌ، وقِيلَ: الَّذِي يَنْزِلُ اليَوْمَ عَلى الشَجَرِ. وقِيلَ: "المَنَّ" خُبْزُ الرُقاقِ مِثْلُ النَقِيِّ، وقِيلَ: هو الزَنْجَبِينُ، وقِيلَ: الزَنْجَبِيلُ، وفي بَعْضِ الأقْوالِ بَعْدُ. وقِيلَ: "المَنَّ" مَصْدَرٌ يَعْنِي بِهِ جَمِيعُ ما مَنَّ اللهُ بِهِ مُجْمَلًا. وقالَ النَبِيُّ ﷺ في كِتابِ مُسْلِمٍ: « "الكَمْأةُ" مِمّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ» فَقِيلَ: أرادَ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ الكَمْأةَ نَفْسَها مِمّا أُنْزِلَ نَوْعُها عَلى بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: أرادَ أنَّهُ لا تَعَبَ في الكَمْأةِ ولا جُذاذَ ولا حَصادَ، فَهي مِنَّةٌ دُونَ تَكَلُّفٍ مِن جِنْسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في أنَّهُ كانَ دُونَ تَكَلُّفٍ. ورُوِيَ أنَّ "المَنَّ" كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَمْسِ كالثَلْجِ فَيَأْخُذُ مِنهُ الرَجُلُ ما يَكْفِيهِ لِيَوْمِهِ، فَإنِ ادَّخَرَ فَسَدَ عَلَيْهِ إلّا في يَوْمِ الجُمْعَةَ فَإنَّهم كانُوا (p-٢٢١)يَدَّخِرُونَ لِيَوْمِ السَبْتِ فَلا يَفْسُدُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ يَوْمَ السَبْتَ يَوْمُ عِبادَةٍ. و"المَنَّ" هُنا اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. و"السَلْوى" طَيْرٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وغَيْرُهُمْ، قِيلَ: هو السُمانى بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: طائِرٌ يَمِيلُ إلى الحُمْرَةِ مِثْلُ السُمانى، وقِيلَ: طائِرٌ مِثْلُ الحَمامِ تَحْشُرُهُ عَلَيْهِمُ الجَنُوبُ. قالَ الأخْفَشُ: "السَلْوى" جَمْعُهُ وواحِدُهُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، قالَ الخَلِيلُ: جَمْعُ واحِدَتُهُ سَلْواةٌ قالَ الكِسائِيُّ: "السَلْوى" واحِدَةٌ جَمْعُها سَلاوى، و"السَلْوى" اسْمٌ مَقْصُورٌ لا يَظْهَرُ فِيهِ الإعْرابُ لِأنَّ آخِرَهُ ألِفٌ، والألِفُ حَرْفٌ هَوائِيٌّ أشْبَهَ الحَرَكَةَ فاسْتَحالَتْ حَرَكَتُهُ، ولَوْ حَرَّكَ لَرَجَعَ حَرْفًا آخَرَ، وقَدْ غَلَّظَ الهُذَلِيُّ فَقالَ: ؎ وقاسَمَها بِاللهِ عَهْدًا لَأنْتُمْ ألَذُّ مِنَ السَلْوى إذا ما نَشُورُها ظَنُّ السَلْوى العَسَلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "كُلُوا" الآيَةُ مَعْناهُ: وقُلْنا: كُلُوا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، و"الطَيِّباتُ" هُنا قَدْ جَمَعَتِ الحَلالَ واللَذِيذَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ يُقَدَّرُ قَبْلَهُ فَعَصَوْا، ولَمْ يُقابِلُوا النِعَمَ بِالشُكْرِ، والمَعْنى: وما وضَعُوا فِعْلَهُمْ، في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَنا، ولَكِنْ وضَعُوهُ في مَوْضِعِ مَضَرَّةٍ لَهم حَيْثُ لا يَجِبُ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "ما ظَلَمُونا ما نَقَصُونا"، والمَعْنى يَرْجِعُ إلى ما لَخَّصْناهُ. و"القَرْيَةُ"المَدِينَةُ، تُسَمّى بِذَلِكَ لِأنَّها تَقَرَّتْ، أيِ اجْتَمَعَتْ، ومِنهُ قُرِيَتِ الماءُ في (p-٢٢٢)الحَوْضِ: أيْ جَمَعَتْهُ، والإشارَةُ بِهَذِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: إلى أرِيحا، وهي قَرِيبٌ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. قالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: كانَتْ قاعِدَةً ومَسْكَنَ مُلُوكٍ. ولَمّا خَرَجَ ذُرِّيَّةُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التِيهِ أُمِرُوا بِدُخُولِ القَرْيَةِ المُشارِ إلَيْها وأمّا الشُيُوخُ فَماتُوا فِيهِ. ورُوِيَ أنَّ مُوسى ﷺ ماتَ في التِيهِ، وكَذَلِكَ هارُونُ عَلَيْهِ السَلامُ، وحَكى الزَجّاجُ عن بَعْضِهِمْ أنَّ مُوسى وهارُونَ، لَمْ يَكُونا في التِيهِ لِأنَّهُ عَذابٌ، والأوَّلُ أكْثَرُ، و"كُلُوا" إباحَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الرَغَدِ، وهي أرْضٌ مُبارَكَةٌ عَظِيمَةُ الغَلَّةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: رَغَدًا. و"البابَ" قالَ مُجاهِدٌ: هو بابٌ في مَدِينَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ يُعْرَفُ إلى اليَوْمِ بِبابِ حِطَّةٌ، وقِيلَ: هو بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانَ يُصَلِّي إلَيْها مُوسى ﷺ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أيْضًا أنَّهُ بابٌ في الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى كالفُرْضَةِ. و"سُجَّدًا" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَعْناهُ: رُكُوعًا وقِيلَ مُتَواضِعِينَ خُضُوعًا لا عَلى هَيْئَةٍ مُعَيَّنَةٍ. والسُجُودُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ لِأنَّهُ التَواضُعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَرى الأكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ ورُوِيَ أنَّ البابَ خُفِضَ لَهم لِيَقْصُرَ ويَدْخُلُوا عَلَيْهِ مُتَواضِعِينَ. و"حِطَّةٌ" فِعْلَةٌ مَن حَطَّ يَحُطُّ ورَفَعَهُ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ كَأنَّهم قالُوا: سُؤالُنا حِطَّةٌ لِذُنُوبِنا، هَذا تَقْدِيرُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ. وقالَ الطَبَرِيُّ: التَقْدِيرُ دُخُولُنا البابَ كَما أُمِرْنا حِطَّةً، وقِيلَ: أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا مَرْفُوعَةً عَلى هَذا اللَفْظِ. وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: (p-٢٢٣)أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللهُ لِتَحُطَّ بِها ذُنُوبَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قِيلَ لَهُمُ: اسْتَغْفِرُوا، وقُولُوا: ما يَحُطُّ ذُنُوبَكم. وقالَ آخَرُونَ: قِيلَ لَهم أنْ يَقُولُوا هَذا الأمْرَ حَقٌّ، كَما أعْلَمَنا، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَلاثَةُ تَقْتَضِي النَصْبَ، وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "حِطَّةً" بِالنَصْبِ. وحُكِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ أنَّهم أُمِرُوا بِالسُجُودِ وأنْ يَقُولُوا حِطَّةٌ"، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ ويَقُولُونَ: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْراءُ في شَعْرَةٍ، ويُرْوى غَيْرُ هَذا مِنَ الألْفاظِ. وقَرَأ نافِعٌ: "يُغْفَرُ" بِالياءِ مِن تَحْتِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "تُغْفَرُ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "وَيَغْفِرُ" بِفَتْحِ الياءِ عَلى مَعْنى يَغْفِرُ اللهُ، وقَرَأ الباقُونَ "نَغْفِرُ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ "تَغْفِرُ" كَأنَّ الحِطَّةَ تَكُونُ سَبَبَ الغُفْرانِ. والقُرّاءُ السَبْعَةُ عَلى "خَطاياكُمْ"، غَيْرَ أنَّ الكِسائِيَّ كانَ يُمِيلُها، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "تُغْفَرُ لَكم خَطِيئَتَكُمْ" بِضَمِّ التاءِ مِن فَوْقِ وبِرَفْعِ الخَطِيئَةِ وقَرَأ الأعْمَشُ "يَغْفِرَ" بِالياءِ مِن أسْفَلِ مَفْتُوحَةً "خَطِيئَتِكُمْ" نَصْبًا، وقَرَأ قَتادَةُ مِثْلُ الجَحْدَرِيِّ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ بِالياءِ مِن أسْفَلِ مَضْمُومَةً "خَطِيئَتُكُمْ" رَفْعًا، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: "يَغْفِرُ لَكم خَطِيئاتِكُمْ" أيْ يَغْفِرُ اللهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "تَغْفِرُ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مَرْفُوعَةً "يَغْفِرُ لَكم خَطِيئاتِكُمْ" بِالجَمْعِ ورَفْعِ التاءِ، وحَكى الأهْوازِيُّ أنَّهُ قُرِئَ "خَطَأياكُمْ" بِهَمْزِ الألِفِ الأُولى وسُكُونِ الآخِرَةِ، وحُكِيَ أيْضًا أنَّهُ قُرِئَ بِسُكُونِ الأُولى وهَمْزِ الآخِرَةِ. قالالفَرّاءُ: خَطايا جَمْعُ خَطِيَّةٍ، بِلا هَمْزٍ كَهَدِيَّةٍ وهَدايا، ورَكِيَّةٍ ورَكايا. وقالَ الخَلِيلُ: هو جَمْعُ خَطِيئَةٍ بِالهَمْزِ، وأصْلُهُ "خَطايِئْ" قَدَّمَتِ الهَمْزَةُ عَلى (p-٢٢٤)الياءِ فَجاءَ "خَطائِي"، أُبْدِلَتِ الياءُ ألْفًا بَدَلًا لازِمًا فانْفَتَحَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي قَبْلَها فَجاءَ "خَطاءا" هَمْزَةٌ بَيْنَ ألِفَيْنِ، وهي مِن قَبِيلِهِما فَكَأنَّها ثَلاثُ ألِفاتٍ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً فَجاءَ خَطايا. قالَ سِيبَوَيْهِ: أصْلُهُ "خَطايِئَ" هُمِزَتِ الياءُ كَما فَعَلَ في مَدائِنَ وكَتائِبَ فاجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ فَقُلِبَتِ الثانِيَةُ ياءً ثُمَّ أُعِلَّتْ عَلى ما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ عِدَّةُ المَعْنى إذا غُفِرَتِ الخَطايا بِدُخُولِكم وقَوْلِكُمْ: زِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَن أحْسَنَ، وكانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَن دَخَلَ كَما أمَرَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَقِيلَ: هُمُ المُرادُ بِ "المُحْسِنِينَ" هُنا.

البقرة 2:59

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ رُوِيَ أنَّهم لَمّا جاؤُوا البابَ دَخَلُوا مِن قِبَلِ أدْبارِهِمُ القَهْقَرى، وفي الحَدِيثِ أنَّهم دَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ، وبَدَّلُوا، فَقالُوا حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ، وقِيلَ: قالُوا: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْراءُ فِيها شَعْرَةٌ، وقِيلَ: شُعَيْرَةٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهم قالُوا: "حَطِّي شَمَقاثا أزِبَةَ"، وتَفْسِيرُهُ ما تَقَدَّمَ. والرِجْزُ: العَذابُ. (p-٢٢٥)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، وغَيْرُهُما: إنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ عَلى الَّذِينَ بَدَّلُوا ودَخَلُوا عَلى غَيْرِ ما أمَرُوا الطاعُونَ فَأذْهَبَ مِنهم سَبْعِينَ ألْفًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أماتَ اللهُ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ نَيِّفًا عَلى عِشْرِينَ ألْفًا، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "رِجْزًا" بَعْضُهُمُ الراءُ وهي لُغَةٌ في العَذابِ والرِجْزُ أيْضًا اسْمُ صَنَمٍ مَشْهُورٍ، والباءُ في قَوْلِهِ "بِما" مُتَعَلِّقَةٌ بـِ "فَأنْزَلْنا"، وهي باءُ السَبَبِ. و"يَفْسُقُونَ" مَعْناهُ يَخْرُجُونَ عن طاعَةِ اللهِ. وقَرَأ النَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، "يَفْسُقُونَ" بِكَسْرِ السِينِ، يُقالُ: فَسَقَ يَفْسُقُ ويَفْسِقُ بِضَمِّ السِينِ وكَسْرِها، و"إذْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ"، و"اسْتَسْقى" مَعْناهُ: طَلَبَ السُقْيا، وعَرَفَ اسْتَفْعَلَ طَلَبَ الشَيْءِ، وقَدْ جاءَ في غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَغْنى اللهُ﴾ [التغابن: ٦]، بِمَعْنى غَنِيٌّ، وقَوْلُهُمْ: اسْتَعْجَبَ بِمَعْنى عَجَبَ، ومَثَّلَ بَعْضُ الناسِ في هَذا بِقَوْلِهِمْ: "اسْتَنْسَرَ البُغاثُ"، و"اسْتَنْوَقَ الجُمَلُ"، إذْ هي بِمَعْنى انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ. وكانَ هَذا الِاسْتِسْقاءُ في فَحْصِ التِيهِ فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى بِضَرْبِ الحَجَرِ آيَةً مِنهُ، وكانَ الحَجَرُ مِن جَبَلِ الطُورِ عَلى قَدْرِ رَأْسِ الشاةِ يُلْقى في كَسْرِ جَوالِقَ ويَرْحَلُ بِهِ، فَإذا نَزَلُوا وُضِعَ في وسَطِ مَحَلَّتِهِمْ، وضَرْبَهُ مُوسى. وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَحْمِلُونَ الحَجَرَ لَكِنَّهم كانُوا يَجِدُونَهُ في كُلِّ مَرْحَلَةٍ في مَنزِلَتِهِ مِنَ المَرْحَلَةِ الأُولى، وهَذا أعْظَمُ في الآيَةِ. ولا خِلافَ أنَّهُ كانَ حَجَرًا مُنْفَصِلًا مُرَبَّعًا تَطْرُدُ مِن كُلِّ جِهَةٍ ثَلاثُ عُيُونٍ إذا ضَرَبَهُ مُوسى ﷺ، وإذا اسْتَغْنَوْا عَنِ الماءِ ورَحَلُوا جَفَّتِ العُيُونُ. (p-٢٢٦)وَفِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَضَرَبَهُ "فانْفَجَرَتْ"، والِانْفِجارُ: انْصِداعُ شَيْءٍ عن شَيْءٍ، ومِنهُ الفَجْرُ، والِانْبِجاسُ في الماءِ أقَلُّ مِنَ الِانْفِجارِ. و"اثْنَتا" مُعْرَبَةٌ دُونَ أخَواتِها لِصِحَّةِ مَعْنى التَثْنِيَةِ، وإنَّما يُبْنى واحِدٌ مَعَ واحِدٍ، وهَذِهِ إنَّما هي اثْنانِ مَعَ واحِدٍ، فَلَوْ بُنِيَتْ لَرَدَّ ثَلاثَةٌ واحِدًا، وجازَ اجْتِماعُ عَلامَتَيِ التَأْنِيثِ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنَتا عَشْرَةَ﴾ لِبُعْدِ العَلامَةِ مِنَ العَلامَةِ، ولِأنَّهُما في شَيْئَيْنِ، وإنَّما مُنِعَ ذَلِكَ في شَيْءٍ واحِدٍ نَحْوُ "مُسْلِماتٍ" وغَيْرُهُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وغَيْرُهُما: "عَشْرَةَ" بِكَسْرِ الشِينِ، رُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي عَمْرٍو، والأشْهُرُ عنهُ الإسْكانُ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وهو نادِرٌ لِأنَّهم يُخَفِّفُونَ كَثِيرًا وثَقَّلُوا في هَذِهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ "عَشَرَةَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ورُوِيَ عنهُ كَسْرُها وتَسْكِينُها، والإسْكانُ لُغَةُ الحِجازِ. و"عَيْنًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، والعَيْنُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ، وهي هُنا مَنبَعُ الماءِ. و"أُناسٍ" اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومَعْناهُ هُنا: كُلُّ سِبْطٍ؛ لِأنَّ الأسْباطَ في بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبائِلِ في العَرَبِ، وهم ذُرِّيَّةُ الِاثْنَيْ عَشَرَ أولادُ يعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْرَبُ المَفْعَلُ مَوْضِعُ الشُرْبِ، كالمُشَرِّعِ مَوْضِعُ الشُرُوعِ في الماءِ، وكانَ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ مِن تِلْكَ العُيُونِ لا يَتَعَدّاها. وفِي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا لَهُمْ: كُلُوا المَنَّ والسَلْوى واشْرَبُوا الماءَ المُنْفَجِرَ مِنَ الحَجَرِ المُنْفَصِلِ: وبِهَذِهِ الأحْوالِ حَسُنَتْ إضافَةُ الرِزْقِ إلى اللهِ وإلّا فالجَمِيعُ رُزِقَهُ، وإنْ كانَ فِيهِ تَكَسُّبٌ لِلْعَبْدِ. (p-٢٢٧)"وَلا تَعْثَوْا" مَعْناهُ: ولا تُفَرِّطُوا في الفَسادِ، يُقالُ: عَثى الرَجُلُ يَعْثِي عَثْوًا وعَثِيَ يَعْثى عُثْيًا إذا أفْسَدَ أشَدَّ فَسادٍ، والأُولى هي لُغَةُ القُرْآنِ، والثانِيَةُ شاذَّةٌ. وتَقُولُ العَرَبُ: عَثا يَعْثُو عَثْوًا، ولَمْ يَقْرَأْ بِهَذِهِ اللُغَةِ لِأنَّها تُوجِبُ ضَمَّ الثاءِ مَن "تَعْثَوْا، وتَقُولُ العَرَبُ: عاثَ يَعِيثُ إذا أفْسَدَ، وعَثَّ يَعِثُّ كَذَلِكَ، ومِنهُ عَثَّةُ الصُوفِ وهي السُوسَةُ الَّتِي تَلْحَسُهُ، و"مُفْسِدِينَ" حالٌ. وتَكَرَّرَ المَعْنى لِاخْتِلافِ اللَفْظِ. وفِي هَذِهِ الكَلِماتِ إباحَةُ النِعَمِ، وتَعْدادُها، والتَقَدُّمُ في المَعاصِي، والنَهْيِ عنها.

البقرة 2:60

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم كُلُوا واشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللهِ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ رُوِيَ أنَّهم لَمّا جاؤُوا البابَ دَخَلُوا مِن قِبَلِ أدْبارِهِمُ القَهْقَرى، وفي الحَدِيثِ أنَّهم دَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ، وبَدَّلُوا، فَقالُوا حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ، وقِيلَ: قالُوا: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْراءُ فِيها شَعْرَةٌ، وقِيلَ: شُعَيْرَةٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهم قالُوا: "حَطِّي شَمَقاثا أزِبَةَ"، وتَفْسِيرُهُ ما تَقَدَّمَ. والرِجْزُ: العَذابُ. (p-٢٢٥)وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، وغَيْرُهُما: إنَّ اللهَ تَعالى بَعَثَ عَلى الَّذِينَ بَدَّلُوا ودَخَلُوا عَلى غَيْرِ ما أمَرُوا الطاعُونَ فَأذْهَبَ مِنهم سَبْعِينَ ألْفًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أماتَ اللهُ مِنهم في ساعَةٍ واحِدَةٍ نَيِّفًا عَلى عِشْرِينَ ألْفًا، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "رِجْزًا" بَعْضُهُمُ الراءُ وهي لُغَةٌ في العَذابِ والرِجْزُ أيْضًا اسْمُ صَنَمٍ مَشْهُورٍ، والباءُ في قَوْلِهِ "بِما" مُتَعَلِّقَةٌ بـِ "فَأنْزَلْنا"، وهي باءُ السَبَبِ. و"يَفْسُقُونَ" مَعْناهُ يَخْرُجُونَ عن طاعَةِ اللهِ. وقَرَأ النَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، "يَفْسُقُونَ" بِكَسْرِ السِينِ، يُقالُ: فَسَقَ يَفْسُقُ ويَفْسِقُ بِضَمِّ السِينِ وكَسْرِها، و"إذْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ"، و"اسْتَسْقى" مَعْناهُ: طَلَبَ السُقْيا، وعَرَفَ اسْتَفْعَلَ طَلَبَ الشَيْءِ، وقَدْ جاءَ في غَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْتَغْنى اللهُ﴾ [التغابن: ٦]، بِمَعْنى غَنِيٌّ، وقَوْلُهُمْ: اسْتَعْجَبَ بِمَعْنى عَجَبَ، ومَثَّلَ بَعْضُ الناسِ في هَذا بِقَوْلِهِمْ: "اسْتَنْسَرَ البُغاثُ"، و"اسْتَنْوَقَ الجُمَلُ"، إذْ هي بِمَعْنى انْتَقَلَ مِن حالٍ إلى حالٍ. وكانَ هَذا الِاسْتِسْقاءُ في فَحْصِ التِيهِ فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى بِضَرْبِ الحَجَرِ آيَةً مِنهُ، وكانَ الحَجَرُ مِن جَبَلِ الطُورِ عَلى قَدْرِ رَأْسِ الشاةِ يُلْقى في كَسْرِ جَوالِقَ ويَرْحَلُ بِهِ، فَإذا نَزَلُوا وُضِعَ في وسَطِ مَحَلَّتِهِمْ، وضَرْبَهُ مُوسى. وذَكَرَ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَحْمِلُونَ الحَجَرَ لَكِنَّهم كانُوا يَجِدُونَهُ في كُلِّ مَرْحَلَةٍ في مَنزِلَتِهِ مِنَ المَرْحَلَةِ الأُولى، وهَذا أعْظَمُ في الآيَةِ. ولا خِلافَ أنَّهُ كانَ حَجَرًا مُنْفَصِلًا مُرَبَّعًا تَطْرُدُ مِن كُلِّ جِهَةٍ ثَلاثُ عُيُونٍ إذا ضَرَبَهُ مُوسى ﷺ، وإذا اسْتَغْنَوْا عَنِ الماءِ ورَحَلُوا جَفَّتِ العُيُونُ. (p-٢٢٦)وَفِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَضَرَبَهُ "فانْفَجَرَتْ"، والِانْفِجارُ: انْصِداعُ شَيْءٍ عن شَيْءٍ، ومِنهُ الفَجْرُ، والِانْبِجاسُ في الماءِ أقَلُّ مِنَ الِانْفِجارِ. و"اثْنَتا" مُعْرَبَةٌ دُونَ أخَواتِها لِصِحَّةِ مَعْنى التَثْنِيَةِ، وإنَّما يُبْنى واحِدٌ مَعَ واحِدٍ، وهَذِهِ إنَّما هي اثْنانِ مَعَ واحِدٍ، فَلَوْ بُنِيَتْ لَرَدَّ ثَلاثَةٌ واحِدًا، وجازَ اجْتِماعُ عَلامَتَيِ التَأْنِيثِ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنَتا عَشْرَةَ﴾ لِبُعْدِ العَلامَةِ مِنَ العَلامَةِ، ولِأنَّهُما في شَيْئَيْنِ، وإنَّما مُنِعَ ذَلِكَ في شَيْءٍ واحِدٍ نَحْوُ "مُسْلِماتٍ" وغَيْرُهُ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وغَيْرُهُما: "عَشْرَةَ" بِكَسْرِ الشِينِ، رُوِيَ ذَلِكَ عن أبِي عَمْرٍو، والأشْهُرُ عنهُ الإسْكانُ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وهو نادِرٌ لِأنَّهم يُخَفِّفُونَ كَثِيرًا وثَقَّلُوا في هَذِهِ. وقَرَأ الأعْمَشُ "عَشَرَةَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، ورُوِيَ عنهُ كَسْرُها وتَسْكِينُها، والإسْكانُ لُغَةُ الحِجازِ. و"عَيْنًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، والعَيْنُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ، وهي هُنا مَنبَعُ الماءِ. و"أُناسٍ" اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومَعْناهُ هُنا: كُلُّ سِبْطٍ؛ لِأنَّ الأسْباطَ في بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبائِلِ في العَرَبِ، وهم ذُرِّيَّةُ الِاثْنَيْ عَشَرَ أولادُ يعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، والمَشْرَبُ المَفْعَلُ مَوْضِعُ الشُرْبِ، كالمُشَرِّعِ مَوْضِعُ الشُرُوعِ في الماءِ، وكانَ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ مِن تِلْكَ العُيُونِ لا يَتَعَدّاها. وفِي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا لَهُمْ: كُلُوا المَنَّ والسَلْوى واشْرَبُوا الماءَ المُنْفَجِرَ مِنَ الحَجَرِ المُنْفَصِلِ: وبِهَذِهِ الأحْوالِ حَسُنَتْ إضافَةُ الرِزْقِ إلى اللهِ وإلّا فالجَمِيعُ رُزِقَهُ، وإنْ كانَ فِيهِ تَكَسُّبٌ لِلْعَبْدِ. (p-٢٢٧)"وَلا تَعْثَوْا" مَعْناهُ: ولا تُفَرِّطُوا في الفَسادِ، يُقالُ: عَثى الرَجُلُ يَعْثِي عَثْوًا وعَثِيَ يَعْثى عُثْيًا إذا أفْسَدَ أشَدَّ فَسادٍ، والأُولى هي لُغَةُ القُرْآنِ، والثانِيَةُ شاذَّةٌ. وتَقُولُ العَرَبُ: عَثا يَعْثُو عَثْوًا، ولَمْ يَقْرَأْ بِهَذِهِ اللُغَةِ لِأنَّها تُوجِبُ ضَمَّ الثاءِ مَن "تَعْثَوْا، وتَقُولُ العَرَبُ: عاثَ يَعِيثُ إذا أفْسَدَ، وعَثَّ يَعِثُّ كَذَلِكَ، ومِنهُ عَثَّةُ الصُوفِ وهي السُوسَةُ الَّتِي تَلْحَسُهُ، و"مُفْسِدِينَ" حالٌ. وتَكَرَّرَ المَعْنى لِاخْتِلافِ اللَفْظِ. وفِي هَذِهِ الكَلِماتِ إباحَةُ النِعَمِ، وتَعْدادُها، والتَقَدُّمُ في المَعاصِي، والنَهْيِ عنها.

البقرة 2:61

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ والمَسْكَنَةُ وباءُوا بِغَضَبٍ مِن اللهِ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ النَبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهم في التِيهِ، حِينَ مَلُّوا المَنَّ والسَلْوى، وتَذَكَّرُوا عَيْشَهُمُ الأوَّلَ بِمِصْرَ، وكَنّى عَنِ المَنِّ والسَلْوى بـِ "طَعامٍ" واحِدٍ، وهُما طَعامانِ لِأنَّهُما كانا يُؤْكَلانِ في وقْتٍ واحِدٍ، ولِتَكْرارِهِما سَواءٌ أبَدًا، قِيلَ لَهُما طَعامٌ "واحِدٌ"، ولُغَةُ بَنِي عامِرٍ "فادْعُ" بِكَسْرِ العَيْنِ، و"يُخْرِجْ" جُزِمَ بِما تَضَمَّنَهُ الأمْرُ مِن مَعْنى الجَزاءِ، وبِنَفْسِ الأمْرِ عَلى مَذْهَبِ أبِي عُمَرَ الجَرْمِيِّ. والمَفْعُولُ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: مَأْكُولًا مِمّا تَنْبُتُ الأرْضُ، وقالَ الأخْفَشُ "مِن" في قَوْلِهِ: "مِمّا" زائِدَةٌ و"ما" مَفْعُولَةٌ، وأبى سِيبَوَيْهِ أنْ تَكُونَ "مِن" مُلْغاةٍ في غَيْرِ النَفْيِ، كَقَوْلِهِمْ: "ما رَأيْتُ مِن أحَدٍ". ومِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَقْلِها﴾، لِبَيانِ الجِنْسِ، و"بَقْلِها" بَدَلٌ بِإعادَةِ الحَرْفِ. والبَقْلُ كُلُّ ما تُنْبِتُهُ الأرْضُ مِنَ (p-٢٢٨)النَجْمِ. والقِثّاءُ جَمْعُ قَثَأةَ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ "قِثّائِها" بِضَمِّ القافِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الفُومُ الحِنْطَةُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الفُومُ الخُبْزُ، وقالَ عَطاءٌ وقَتادَةُ، الفُومُ جَمِيعُ الحُبُوبِ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ تُخْبَزَ كالحِنْطَةِ والفُولِ والعَدْسِ ونَحْوِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: الفُومُ الثَوْمُ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِالثاءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والثاءُ تُبُدَلُ مِنَ الفاءِ كَما قالُوا: مَغاثِيرُ ومَغافِيرُ وجَدَثٌ وجَدَفٌ، ووَقَعُوا في عاثُورِ شَرٍّ وعافُورِ شَرٍّ عَلى أنَّ البَدَلَ لا يُقاسُ عَلَيْهِ، والأوَّلُ أصَحُّ أنَّها الحِنْطَةُ، وأنْشَدَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَ أُحَيْحَةَ بْنِ الجَلّاحِ: ؎ قَدْ كُنْتُ أغْنى الناسِ شَخْصًا واجِدًا ورَدَ المَدِينَةَ عن زِراعَةِ فُومِ يَعْنِي حِنْطَةً، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الفُومُ الزَرْعُ أوِ الحِنْطَةُ. وأزِدِ السَراةَ يُسَمَّوْنَ السُنْبُلَ فُومًا. والِاسْتِبْدالُ طَلَبُ وضْعِ الشَيْءِ مَوْضِعَ الآخَرِ و"أدْنى" مَأْخُوذٌ عِنْدَ أبِي إسْحاقَ الزَجّاجَ (p-٢٢٩)مِنَ الدُنُوِّ أيِ: القُرْبِ في القِيمَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَهْمُوزٌ مِنَ الدَنِيءِ البَيِّنِ الدَناءَةِ، بِمَعْنى الأخَسِّ إلّا أنَّهُ خُفِّفَتْ هَمْزَتُهُ، وقالَ غَيْرُهُ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الدُونِ أيِ الأحَطِّ، فَأصْلُهُ أدْوَنُ أفْعَلُ، قُلِبَ فَجاءَ أفَلْعُ، وقُلِبَتِ الواوُ ألْفًا لِتَطَرُّفِها. وقَرَأ زُهَيْرٌ لِلْكِسائِيِّ "أدْنَأ". ومَعْنى الآيَةِ: أتُسْتَبْدَلُونَ البَقْلَ والقِثّاءَ والفُومَ والعَدَسَ والبَصَلَ الَّتِي هي أدْنى بِالمَنِّ والسَلْوى الَّذِي هو خَيْرٌ.؟ والوَجْهُ الَّذِي يُوجِبُ فَضْلَ المَنِّ والسَلْوى عَلى الشَيْءِ الَّذِي طَلَبُوهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفاضُلَها في القِيمَةِ، لِأنَّ هَذِهِ البُقُولَ لا خَطَرَ لَها، وهَذا قَوْلُ الزَجّاجِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَضِّلَ المَنَّ والسَلْوى لِأنَّهُ الطَعامُ الَّذِي مِنَ اللهِ بِهِ، وأمَرَهم بِأكْلِهِ، وفي اسْتِدامَةِ أمْرِ اللهِ تَعالى وشُكْرِ نِعْمَتِهِ أجْرٌ وذُخْرٌ في الآخِرَةِ، والَّذِي طَلَبُوا عارٍ مِن هَذِهِ الخِصالِ، فَكَأنَّ أدْنى مِن هَذا الوَجْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَضَّلَ في الطِيبِ واللَذَّةِ بِهِ، فالبُقُولُ لا مَحالَةَ أدْنى مِن هَذا الوَجْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَضَّلَ في حُسْنِ الغِذاءِ ونَفْعِهِ، فالمَنُّ والسَلْوى خَيْرٌ لا مَحالَةَ في هَذا الوَجْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَضَّلَ مِن جِهَةِ أنَّهُ لا كُلْفَةَ فِيهِ ولا تَعَبَ، والَّذِي طَلَبُوا لا يَجِيءُ إلّا بِالحَرْثِ والزِراعَةِ والتَعَبِ، فَهو "أدْنى" في هَذا الوَجْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَضَّلَ في أنَّهُ لا مِرْيَةَ في حَلِّهِ وخُلُوصِهِ، لِنُزُولِهِ مِن عِنْدِ اللهِ، والحُبُوبِ والأرْضِ يَتَخَلَّلُها البُيُوعُ والغُصُوبُ، وتَدْخُلُها الشُبَهُ فَهي "أدْنى" في هَذا الوَجْهِ. (p-٢٣٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَرَتَّبُ الفَضْلُ لِلْمَنِّ والسَلْوى بِهَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها. وفِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَدَعا مُوسى رَبَّهُ فَأجابَهُ فَقالَ لَهُمُ: "اهْبِطُوا" وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعْنى الهُبُوطِ، وكَأنَّ القادِمَ عَلى قُطْرٍ مُنْصَبٍّ عَلَيْهِ، فَهو مِن نَحْوِ الهُبُوطِ. وجُمْهُورُ الناسِ يَقْرَؤُونَ "مِصْرًا" بِالتَنْوِينِ، وهو خَطُّ المُصْحَفِ إلّا ما حُكِيَ عن بَعْضِ مَصاحِفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: مِمَّنْ صَرَفَها أرادَ مِصْرًا مِنَ الأمْصارِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، واسْتَدَلُّوا بِما اقْتَضاهُ القُرْآنُ مِن أمْرِهِمْ بِدُخُولِ القَرْيَةِ، وبِما تَظاهَرَتْ بِهِ الرِوايَةُ أنَّهم سَكَنُوا الشامَ بَعْدَ التِيهِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: مَن صَرَفَها أرادَ / مِصْرَ فِرْعَوْنَ بِعَيْنِها، واسْتَدَلُّوا بِما في القُرْآنِ مِن أنَّ اللهَ أورَثَ بَنِي إسْرائِيلَ دِيارَ آلِ فِرْعَوْنَ وآثارَهُمْ، وأجازُوا صَرْفَها قالَ الأخْفَشُ: لِخِفَّتِها وشَبَّهَها بِهِنْدَ ودَعْدَ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُ هَذا، وقالَ غَيْرُ الأخْفَشِ: أرادَ المَكانَ فَصَرَفَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ، وغَيْرُهُما: "اهْبِطُوا مِصْرَ" بِتَرْكِ الصَرْفِ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وقالُوا: هي مِصْرُ فِرْعَوْنَ. قالَ الأعْمَشُ: هي مِصْرُ الَّتِي عَلَيْها صالِحُ بْنُ عَلِيٍّ، وقالَ أشْهَبُ: قالَ لِي مالِكٌ: هي عِنْدِي مِصْر، قَرْيَتُكَ، مَسْكَنُ فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ وكَلَهم إلى أنْفُسِهِمْ. وقَرَأ النَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: "سَألْتُمْ" بِكَسْرِ السِينِ وهي لُغَةٌ. ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ (p-٢٣١)مَعْناهُ: الزَمُوها، وقُضِيَ عَلَيْهِمْ بِها، كَما يُقالُ: ضَرَبَ الأمِيرُ البَعْثَ، وكَما قالَتِ العَرَبُ: ضَرْبَةُ لازِبٍ، أيْ إلْزامُ مَلْزُومٍ أو لازِمٍ، فَيَنْضافُ المَصْدَرُ إلى المَفْعُولِ بِالمَعْنى، وكَما يُقالُ: ضَرَبَ الحاكِمُ عَلى اليَدِ، أيْ حَجَرَ وألْزَمَ، ومِنهُ: ضَرَبَ الدَهْرُ ضَرَباتِهِ، أيْ ألْزَمَ إلْزاماتِهِ. و"الذِلَّةُ" فِعْلَةٌ مِنَ الذُلِّ، كَأنَّها الهَيْئَةُ والحالُ. "والمَسْكَنَةُ" مِنَ المِسْكِينِ، قالَ الزَجّاجُ: هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُكُونِ، وهي هُنا زِيُّ الفَقْرِ وخُضُوعُهُ، وإنْ وُجِدَ يَهُودِيٌّ غَنِيٌّ فَلا يَخْلُو مِن زِيِّ الفَقْرِ ومَهانَتِهِ. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: المَسْكَنَةُ الخَراجُ، أيِ الجِزْيَةُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: المَسْكَنَةُ الفاقَةُ والحاجَةُ. ﴿وَباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ مَعْناهُ: مَرُّوا مُتَحَمِّلِينَ لَهُ، تَقُولُ: بُؤْتُ بِكَذا إذا تَحَمَّلْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ لِيَحْيى بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبّادٍ: "بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ ". والغَضَبُ بِمَعْنى الإرادَةِ صِفَةُ ذاتٍ، وبِمَعْنى إظْهارِهِ عَلى العَبْدِ بِالمُعاقَبَةِ صِفَةُ فِعْلٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ضَرْبِ الذِلَّةِ وما بَعْدَهُ. والباءُ في "بِأنَّهُمْ" باءُ السَبَبِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: إنَّ الباءَ بِمَعْنى اللامِ، والمَعْنى: لِأنَّهُمْ، والآياتُ هُنا تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها التِسْعُ وغَيْرُها مِمّا يَخْرُقُ العادَةَ، وهو عَلامَةٌ لِصِدْقِ الآتِي بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ آياتُ التَوْراةِ الَّتِي هي كَآياتِ القُرْآنِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "وَتَقْتُلُونَ" بِالتاءِ عَلى الرُجُوعِ إلى خِطابِهِمْ ورُوِيَ (p-٢٣٢)عنهُ أيْضًا بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ بِهَمْزِ "النَبِيئِينَ" وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ إلّا في مَوْضِعَيْنِ: في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَبِيُّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] بِلا مَدٍّ ولا هَمْزٍ، و﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وإنَّما تَرَكَ هَمْزَ هَذَيْنِ لِاجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ. وتَرَكَ الهَمْزُ في جَمِيعِ ذَلِكَ الباقُونَ، فَأمّا مَن هَمَزَ فَهو عِنْدُهُ مِن "أنْبَأ" إذا أخْبَرَ، واسْمُ فاعِلِهِ مُنْبِئٌ فَقِيلَ: نُبِّئَ، بِمَعْنى مُنْبِئٍ كَما قِيلَ: سَمِيعٌ بِمَعْنى مُسْمِعٍ، واسْتَدَلُّوا بِما جاءَ مِن جَمْعِهِ عَلى نِباءٍ، قالَ الشاعِرُ: ؎ يا خاتَمُ النُبَآءِ إنَّكَ مُرْسَلٌ ∗∗∗ بِالحَقِّ، كُلُّ هُدى الإلَهِ هُداكا فَهَذا كَما يُجْمَعُ فَعِيلٌ في الصَحِيحِ كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ وشَبْهِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّهم يَقُولُونَ في تَحْقِيرِ النُبُوَّةِ: "كانَ مُسَيْلِمَةُ نُبُوَّتُهُ نَبِيئَةُ سُوءٍ". وكُلُّهم يَقُولُونَ: تَنَبَّأ مُسَيْلِمَةٌ، فاتِّفاقُهم عَلى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللامَ هَمْزَةٌ. واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِتَرْكِ الهَمْزِ في نَبِيءٍ، فَمِنهم مَنِ اشْتَقَّ اشْتِقاقَ مَن هَمَزَ، ثُمَّ سَهَّلَ الهَمْزَ، ومِنهم مَن قالَ: هو مُشْتَقٌّ مَن نَبا يَنْبُو إذا ظَهَرَ، فالنَبِيُّ الطَرِيقُ الظاهِرُ، وكَأنَّ النَبِيَّ مِن عِنْدِ اللهِ طَرِيقُ الهُدى والنَجاةِ، وقالَ الشاعِرُ: ؎ لَمّا ورَدْنا نَبِيًّا واسْتَتَبَّ بِنا ∗∗∗ مُسْحَنْفَرٌ كَخُطُوطِ السَيْحِ مُنْسَحِلُ واسْتَدَلُّوا بِأنَّ الأغْلَبَ في جَمْعِ أنْبِياءَ، كَفَعِيلٍ في المُعْتَلِّ، نَحْوُ ولِيٌّ وأولِياءُ وصَفِيٌّ (p-٢٣٣)وَأصْفِياءُ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ يُقالُ: نَبُوءُ إذا ظَهَرَ فَهو نَبِيءٌ، والطَرِيقُ الظاهِرُ نَبِيءٌ بِالهَمْزِ، ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: السَلامُ عَلَيْكَ يا نَبِيءَ اللهِ، وهَمَزَ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: لَسْتُ بِنَبِيءِ اللهِ وهَمَزَ-، ولَكِنِّي نَبِيُّ اللهِ» -وَلَمْ يَهْمِزْ-: قالَ أبُو عَلِيٍّ: ضَعُفَ سَنَدُ هَذا الحَدِيثِ. ومِمّا يُقَوِّي ضَعْفَهُ أنَّهُ ﷺ قَدْ أنْشَدَهُ المادِحُ: ؎ يا خاتَمَ النُبَآءِ. ولَمْ يُؤْثَرْ في ذَلِكَ إنْكارٌ، والجَمْعُ كالواحِدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ تَعْظِيمٌ لِلشُّنْعَةِ والذَنْبِ الَّذِي أتَوْهُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُقْتَلُ نَبِيٌّ بِحَقٍّ، ولَكِنْ مِن حَيْثُ قَدْ يَتَخَيَّلُ مُتَخَيِّلٌ لِذَلِكَ وجْهًا، فَصَرَّحَ قَوْلُهُ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ عن شَنْعَةِ الذَنْبِ ووُضُوحِهِ، ولَمْ يَجْتَرِمْ قَطُّ نَبِيٌّ ما يُوجِبُ قَتْلَهُ. وإنَّما أتاحَ اللهُ تَعالى مَن أباحَ مِنهُمْ، وسَلَّطَ عَلَيْهِمْ، كَرامَةً لَهُمْ، وزِيادَةً في مَنازِلِهِمْ، كَمَثَلِ مَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: لَمْ يُقْتَلْ قَطُّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا مَن لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالٍ، وكُلُّ مَن أُمِرَ بِقِتالِ نَصْر، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" رَدٌّ عَلى الأوَّلِ وتَأْكِيدٌ لِلْإشارَةِ إلَيْهِ، والباءُ في "بِما" باءُ السَبَبِ، و"يَعْتَدُونَ" مَعْناهُ يَتَجاوَزُونَ الحُدُودَ، والِاعْتِداءُ: تَجاوُزُ الحَدِّ في كُلِّ شَيْءٍ، وعُرْفُهُ في الظُلْمِ والمَعاصِي.

البقرة 2:62

(p-٢٣٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَصارى والصابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِن الخاسِرِينَ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بـِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: هُمُ المُنافِقُونَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وقَرَنَهم بِاليَهُودِ والنَصارى والصابِئِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمُ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن جَمِيعِهِمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ﴾ -فِي المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ- مَن حَقَّقَ وأخْلَصَ، وفي سائِرِ الفِرَقِ المَذْكُورَةِ مَن دَخَلَ في الإيمانِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ﴾ يَكُونُ فِيهِمْ، بِمَعْنى: مَن ثَبَتَ ودامَ، وفي سائِرِ الفِرَقِ بِمَعْنى مَن دَخَلَ فِيهِ. وقالَ السُدِّيُّ: هم أهْلُ الحَنِيفِيَّةِ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ﷺ كَزَيْدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقَسِّ بْنِ ساعِدَةَ، ووَرَقَةَ بْنِ (p-٢٣٥)نَوْفَلَ، ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ﷺ، إلّا مَن كَفَرَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، "والنَصارى" كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ﷺ، "والصابِئِينَ" كَذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أصْحابِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وذَكَرَ لَهُ الطَبَرِيُّ قِصَّةً طَوِيلَةً، وحَكاها أيْضًا ابْنُ إسْحاقَ، مُقْتَضاها: أنَّهُ صَحِبَ عُبّادًا مِنَ النَصارى فَقالَ لَهُ آخِرُهُمْ: إنَّ زَمانَ نَبِيٍّ قَدْ أظَلَّ، فَإنْ لَحِقَتْهُ فَآمَنَ بِهِ، ورَأى مِنهم عِبادَةً عَظِيمَةً، فَلَمّا جاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ وأسْلَمَ، ذَكَرَ لَهُ خَبَرَهُمْ، وسَألَهُ عنهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ، وقَرَّرَ اللهُ بِها أنَّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ومَن بَقِيَ عَلى يَهُودِيَّتِهِ ونَصْرانِيَّتِهِ وصابِئِيَّتِهِ، وهو يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلَهُ أجْرُهُ، ثُمَّ نَسَخَ ما قَرَّرَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ورُدَّتِ الشَرائِعُ كُلُّها إلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. (p-٢٣٦)﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ هُمُ اليَهُودُ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أيْ: تُبْنا، فاسْمُهم عَلى هَذا مِن هادَ، يَهُودُ. وقالَ الشاعِرُ: ؎ إنِّي امْرُؤٌ مِن مِدْحَتِي هائِدٌ أيْ تائِبٌ، وقِيلَ: نُسِبُوا إلى يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، فَلَمّا عُرِّبَ الِاسْمُ لَحِقَهُ التَغْيِيرُ كَما تُغَيِّرُ العَرَبُ في بَعْضِ ما عَرَّبَتْ مِن لُغَةِ غَيْرِها، وحَكى الزَهْراوِيُّ: أنَّ التَهْوِيدَ النُطْقُ في سُكُونٍ ووَقارٍ ولِينٍ، وأنْشَدَ: ؎ وخُودٌ مِنَ اللائِي تَسَمَّعْنَ بِالضُحى ∗∗∗ قَرِيضُ الرُدافى بِالغِناءِ المُهَوَّدِ قالَ: ومِن هَذا سُمِّيَتِ اليَهُودُ. وقَرَأ أبُو السَمالِ "هادُوا" بِفَتْحِ الدالِ. "والنَصارى" لَفْظَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَصْرِ، إمّا لِأنَّ قَرْيَتَهم تُسَمّى ناصِرَةً، ويُقالُ: نَصَرْيا، ويُقالُ: نَصَرْتا، وإمّا لِأنَّهم تَناصَرُوا، وإمّا لِقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]: قالَ سِيبَوَيْهِ: واحِدُهم نَصْرانُ، ونَصْرانَةُ كَنَدْمانُ ونَدْمانَةُ ونَدامى، وأنْشَدَ: ؎ فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسَها ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ يَظَلُّ إذا دارَ العَشِيُّ مُحَنَّفًا ∗∗∗ ويُضَحِّي لَدَيْها وهو نَصْرانُ شامِسُ (p-٢٣٧)قالَ سِيبَوَيْهِ: إلّا أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ في الكَلامِ إلّا بِياءِ نَسَبٍ، قالَ الخَلِيلُ: واحِدُ النَصارى نَصْرِيُّ كَمُهْرِيُّ ومَهارى. والصابِئُ في اللُغَةِ" مَن خَرَجَ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَقُولُ لِمَن أسْلَمَ: قَدْ صَبَأ، وقِيلَ: إنَّها سَمَّتْهم بِذاكَ لَمّا أنْكَرُوا الآلِهَةَ، تَشْبِيهًا بِالصابِئِينَ في المُوصِلِ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهم بِرٌّ إلّا قَوْلُهُمْ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ". وطائِفَةٌ هَمَزَتْهُ وجَعَلَتْهُ مِن صَبَأتِ النُجُومُ إذا طَلَعَتْ وصَبَأتْ ثَنْيَةُ الغُلامِ إذا خَرَجَتْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ: صَبَأتْ عَلى القَوْمِ بِمَعْنى طَرَأتْ، فالصابِئُ التارِكُ لِدِينِهِ الَّذِي شَرَعَ لَهُ، إلى دِينِ غَيْرِهِ، كَما أنَّ الصابِئَ عَلى القَوْمِ تارِكٌ لِأرْضِهِ ومُنْتَقِلٌ إلى سِواها، وبِالهَمْزِ قَرَأ القُرّاءُ غَيْرُ نافِعٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَهْمِزْهُ، ومَن لَمْ يَهْمِزْ جَعَلَهُ مِن صَبا يَصْبُو إذا مالَ، أو يَجْعَلُهُ عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُهُ إلّا في الشِعْرِ. وأمّا المُشارُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: "والصابِئِينَ" فَقالَ السُدِّيُّ: هم فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ لا دِينَ لَهُمْ، لَيْسُوا بِيَهُودٍ ولا نَصارى، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: هم قَوْمٌ تَرَكَّبَ دِينُهم بَيْنَ اليَهُودِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمٌ يَقُولُونَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا كِتابٌ، كانُوا بِجَزِيرَةِ المَوْصِلِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ، ويُصَلُّونَ الخَمْسَ، ويَقْرَؤُونَ الزَبُورَ، رَآهم زِيادُ بْنُ أبِي سُفْيانَ فَأرادَ وضْعَ الجِزْيَةِ عنهم حَتّى عَرَفَ أنَّهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. و"مَن" في قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ" والفاءُ في (p-٢٣٨)قَوْلِهِ: "فَلَهُمْ" داخِلَةٌ بِسَبَبِ الإبْهامِ الَّذِي في "مَن"، و( لِهَمِّ أجْرِهِمْ ) ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، في مَوْضِعِ خَبَرِ "إنَّ"، ويُحْتَمَلُ ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، ومَعْناها الشَرْطُ، والفاءُ في قَوْلِهِ "فَلَهُمْ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَها، و( لِهَمِّ أجْرِهِمْ ) خَبَرُ "مَن"، والجُمْلَةُ كُلُّها خَبَرُ "إنَّ"، والعائِدُ عَلى "الَّذِينَ" مَحْذُوفٌ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ وتَقْدِيرُهُ: ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللهِ﴾ [البقرة: ١٢٦]. وفي الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ انْدَرَجَ الإيمانُ بِالرُسُلِ والكُتُبِ، ومِنهُ يَتَفَهَّمُ -لِأنَّ البَعْثَ لَمْ يُعْلَمْ إلّا بِإخْبارِ رُسُلِ اللهِ عنهُ تَبارَكَ وتَعالى. وجَمَعَ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( لِهَمِّ أجْرِهِمْ )، بَعْدَ أنْ وحَّدَ في ﴿مَن آمَنَ﴾ لِأنَّ "مَن" تَقَعُ عَلى الواحِدِ والتَثْنِيَةِ والجَمْعِ، فَجائِزٌ أنْ يَخْرُجَ ما بَعْدَها مُفْرَدًا عَلى لَفْظِها، أو مُثَنًّى أو مَجْمُوعًا عَلى مَعْناهُ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢]، فَجَمَعَ عَلى المَعْنى، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ [النساء: ١٣] ثُمَّ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ [النساء: ١٣]، فَجَمَعَ عَلى المَعْنى. وقالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ فَثَنّى عَلى المَعْنى. وإذا جَرى ما بَعْدُ مَن عَلى اللَفْظِ فَجائِزٌ أنْ يُخالِفَ بِهِ بَعْدُ عَلى المَعْنى، وإذا جَرى ما بَعْدَها عَلى المَعْنى فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ أنْ يُخالِفَ بِهِ بَعْدُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الإلْباسَ يَدْخُلُ في الكَلامِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلا خَوْفَ" نُصِبَ عَلى التَبْرِئَةِ، وأمّا الرَفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾، "إذْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والمِيثاقُ مِفْعالٌ مِن وثَقَ يَثِقُ مِثْلُ مِيزانٍ مِن وزَنَ يَزِنُ. / و"الطُورَ" اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي نُوجِيَ مُوسى عَلَيْهِ، (p-٢٣٩)قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمُ: "الطُورَ" اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، ويُسْتَدَلُّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ العَجّاجِ: ؎ دانى جَناحَيْهِ مِنَ الطُورِ فَمَرَّ ∗∗∗ تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الطُورُ كُلُّ جَبَلٍ يَنْبُتُ، وكُلُّ جَبَلٍ لا يَنْبُتُ فَلَيْسَ بِطُورٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ اللَفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ: هي سُرْيانِيَّةٌ، اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ. وقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جاءَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى بِالألْواحِ فِيها التَوْراةُ قالَ لَهُمْ: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، إلّا أنْ يُكَلِّمَنا اللهُ بِها كَما كَلَّمَكَ، فَصُعِقُوا، ثُمَّ أُحْيُوا، فَقالَ لَهُمْ: خُذُوها، فَقالُوا: لا، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ فاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ طُولُهُ فَرْسَخٌ في مِثْلِهِ، وكَذَلِكَ كانَ عَسْكَرُهُمْ، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الظُلَّةِ، وأخْرَجَ اللهُ تَعالى البَحْرَ مِن ورائِهِمْ وأضْرَمَ نارًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأحاطَ بِهِمْ غَضَبُهُ، وقِيلَ لَهُمْ: خُذُوها وعَلَيْكُمُ المِيثاقُ ألّا تُضَيِّعُوها وإلّا سَقَطَ عَلَيْكُمُالجَبَلُ، وغَرَّقَكُمُ البَحْرُ، وأحْرَقَتْكُمُ النارُ، فَسَجَدُوا تَوْبَةً لِلَّهِ، وأخَذُوا التَوْراةَ بِالمِيثاقِ وقالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عن بَعْضِ العُلَماءِ: لَوْ أخَذُوها أوَّلَ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِيثاقٌ، وكانَتْ سَجْدَتُهم عَلى شِقٍّ لِأنَّهم كانُوا يَرْقُبُونَ الجَبَلَ خَوْفًا، فَلَمّا رَحِمَهُمُ اللهُ قالُوا: لا سَجْدَةَ أفْضَلُ مِن سَجْدَةٍ تَقَبَّلَها اللهُ ورَحِمَ بِها، فَأمَرُّوا سُجُودَهم عَلى شِقٍّ واحِدٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي لا يَصِحُّ سِواهُ، أنَّ اللهَ تَعالى اخْتَرَعَ -وَقْتَ سُجُودِهِمُ- الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم آمَنُوا كُرْهًا وقُلُوبُهم غَيْرُ مُطَمْئِنَّةٍ، وقَدْ (p-٢٤٠)اخْتَصَرْتُ ما سَرَدَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَصَدْتُ أصَحَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ، وخَلَطَ بَعْضُ الناسِ صَعْقَةَ هَذِهِ القِصَّةِ بِصَعْقَةِ السَبْعِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا: خُذُوا. و"آتَيْناكُمْ" مَعْناهُ: أعْطَيْناكُمْ، و"بِقُوَّةٍ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ دَرْسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ بِتَصْدِيقٍ وتَحْقِيقٍ. وقالَ الرَبِيعُ: مَعْناهُ بِطاعَةِ اللهِ. ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾، أيْ تَدَبَّرُوهُ واحْفَظُوا أوامِرَهُ ووَعِيدَهُ ولا تَنْسَوْهُ وتُضَيِّعُوهُ. والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى ﴿ما آتَيْناكُمْ﴾، ويَعْنِي التَوْراةَ، وتَقْدِيرُ صِلَةِ "ما" واذْكُرُوا ما اسْتَقَرَّ فِيهِ، و﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾، تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآيَةُ، تَوَلّى تَفَعَّلَ، وأصْلُهُ الإعْراضُ والإدْبارُ عَنِ الشَيْءِ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأُمُورِ والأدْيانِ والمُعْتَقَداتِ اتِّساعًا ومَجازًا. و﴿فَضْلُ اللهِ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مُضْمَرٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ لِلِاسْتِغْناءِ عنهُ، تَقْدِيرُهُ: فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم تَدارَكَكُمْ، "وَرَحْمَتُهُ" عَطْفٌ عَلى "فَضْلٍ". قالَ قَتادَةُ فَضْلُ اللهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ المُخاطَبَ بِقَوْلِهِ "عَلَيْكُمْ" لَفْظًا ومَعْنًى مَن كانَ في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَعْنى مَن سَلَفَ، و"لَكُنْتُمْ" جَوابُ "لَوْلا"، و﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾ خَبَرُ "كانَ"، والخُسْرانُ، النُقْصانُ. وتَوَلِّيهِمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ: إمّا بِالمَعاصِي، فَكانَ فَضْلُ اللهِ بِالتَوْبَةِ والإمْهالِ إلَيْها، وإمّا أنْ يَكُونَ تَوَلِّيهِمْ بِالكُفْرِ، فَكانَ فَضْلُ اللهِ بِأنَّ لَمْ يُعاجِلْهم بِالإهْلاكِ؛ لِيَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ مَن يُؤْمِنُ، أو يَكُونُ المُرادُ مَن لَحِقَ مُحَمَّدًا ﷺ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ، وعَلَيْهِ يَتَّجِهُ قَوْلُ قَتادَةَ: (p-٢٤١)إنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَحْمَةَ القُرْآنُ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالفَضْلِ والرَحْمَةِ إدْراكُهم مُدَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ.

البقرة 2:63

(p-٢٣٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَصارى والصابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِن الخاسِرِينَ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بـِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: هُمُ المُنافِقُونَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وقَرَنَهم بِاليَهُودِ والنَصارى والصابِئِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمُ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن جَمِيعِهِمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ﴾ -فِي المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ- مَن حَقَّقَ وأخْلَصَ، وفي سائِرِ الفِرَقِ المَذْكُورَةِ مَن دَخَلَ في الإيمانِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ﴾ يَكُونُ فِيهِمْ، بِمَعْنى: مَن ثَبَتَ ودامَ، وفي سائِرِ الفِرَقِ بِمَعْنى مَن دَخَلَ فِيهِ. وقالَ السُدِّيُّ: هم أهْلُ الحَنِيفِيَّةِ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ﷺ كَزَيْدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقَسِّ بْنِ ساعِدَةَ، ووَرَقَةَ بْنِ (p-٢٣٥)نَوْفَلَ، ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ﷺ، إلّا مَن كَفَرَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، "والنَصارى" كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ﷺ، "والصابِئِينَ" كَذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أصْحابِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وذَكَرَ لَهُ الطَبَرِيُّ قِصَّةً طَوِيلَةً، وحَكاها أيْضًا ابْنُ إسْحاقَ، مُقْتَضاها: أنَّهُ صَحِبَ عُبّادًا مِنَ النَصارى فَقالَ لَهُ آخِرُهُمْ: إنَّ زَمانَ نَبِيٍّ قَدْ أظَلَّ، فَإنْ لَحِقَتْهُ فَآمَنَ بِهِ، ورَأى مِنهم عِبادَةً عَظِيمَةً، فَلَمّا جاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ وأسْلَمَ، ذَكَرَ لَهُ خَبَرَهُمْ، وسَألَهُ عنهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ، وقَرَّرَ اللهُ بِها أنَّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ومَن بَقِيَ عَلى يَهُودِيَّتِهِ ونَصْرانِيَّتِهِ وصابِئِيَّتِهِ، وهو يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلَهُ أجْرُهُ، ثُمَّ نَسَخَ ما قَرَّرَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ورُدَّتِ الشَرائِعُ كُلُّها إلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. (p-٢٣٦)﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ هُمُ اليَهُودُ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أيْ: تُبْنا، فاسْمُهم عَلى هَذا مِن هادَ، يَهُودُ. وقالَ الشاعِرُ: ؎ إنِّي امْرُؤٌ مِن مِدْحَتِي هائِدٌ أيْ تائِبٌ، وقِيلَ: نُسِبُوا إلى يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، فَلَمّا عُرِّبَ الِاسْمُ لَحِقَهُ التَغْيِيرُ كَما تُغَيِّرُ العَرَبُ في بَعْضِ ما عَرَّبَتْ مِن لُغَةِ غَيْرِها، وحَكى الزَهْراوِيُّ: أنَّ التَهْوِيدَ النُطْقُ في سُكُونٍ ووَقارٍ ولِينٍ، وأنْشَدَ: ؎ وخُودٌ مِنَ اللائِي تَسَمَّعْنَ بِالضُحى ∗∗∗ قَرِيضُ الرُدافى بِالغِناءِ المُهَوَّدِ قالَ: ومِن هَذا سُمِّيَتِ اليَهُودُ. وقَرَأ أبُو السَمالِ "هادُوا" بِفَتْحِ الدالِ. "والنَصارى" لَفْظَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَصْرِ، إمّا لِأنَّ قَرْيَتَهم تُسَمّى ناصِرَةً، ويُقالُ: نَصَرْيا، ويُقالُ: نَصَرْتا، وإمّا لِأنَّهم تَناصَرُوا، وإمّا لِقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]: قالَ سِيبَوَيْهِ: واحِدُهم نَصْرانُ، ونَصْرانَةُ كَنَدْمانُ ونَدْمانَةُ ونَدامى، وأنْشَدَ: ؎ فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسَها ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ يَظَلُّ إذا دارَ العَشِيُّ مُحَنَّفًا ∗∗∗ ويُضَحِّي لَدَيْها وهو نَصْرانُ شامِسُ (p-٢٣٧)قالَ سِيبَوَيْهِ: إلّا أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ في الكَلامِ إلّا بِياءِ نَسَبٍ، قالَ الخَلِيلُ: واحِدُ النَصارى نَصْرِيُّ كَمُهْرِيُّ ومَهارى. والصابِئُ في اللُغَةِ" مَن خَرَجَ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَقُولُ لِمَن أسْلَمَ: قَدْ صَبَأ، وقِيلَ: إنَّها سَمَّتْهم بِذاكَ لَمّا أنْكَرُوا الآلِهَةَ، تَشْبِيهًا بِالصابِئِينَ في المُوصِلِ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهم بِرٌّ إلّا قَوْلُهُمْ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ". وطائِفَةٌ هَمَزَتْهُ وجَعَلَتْهُ مِن صَبَأتِ النُجُومُ إذا طَلَعَتْ وصَبَأتْ ثَنْيَةُ الغُلامِ إذا خَرَجَتْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ: صَبَأتْ عَلى القَوْمِ بِمَعْنى طَرَأتْ، فالصابِئُ التارِكُ لِدِينِهِ الَّذِي شَرَعَ لَهُ، إلى دِينِ غَيْرِهِ، كَما أنَّ الصابِئَ عَلى القَوْمِ تارِكٌ لِأرْضِهِ ومُنْتَقِلٌ إلى سِواها، وبِالهَمْزِ قَرَأ القُرّاءُ غَيْرُ نافِعٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَهْمِزْهُ، ومَن لَمْ يَهْمِزْ جَعَلَهُ مِن صَبا يَصْبُو إذا مالَ، أو يَجْعَلُهُ عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُهُ إلّا في الشِعْرِ. وأمّا المُشارُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: "والصابِئِينَ" فَقالَ السُدِّيُّ: هم فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ لا دِينَ لَهُمْ، لَيْسُوا بِيَهُودٍ ولا نَصارى، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: هم قَوْمٌ تَرَكَّبَ دِينُهم بَيْنَ اليَهُودِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمٌ يَقُولُونَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا كِتابٌ، كانُوا بِجَزِيرَةِ المَوْصِلِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ، ويُصَلُّونَ الخَمْسَ، ويَقْرَؤُونَ الزَبُورَ، رَآهم زِيادُ بْنُ أبِي سُفْيانَ فَأرادَ وضْعَ الجِزْيَةِ عنهم حَتّى عَرَفَ أنَّهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. و"مَن" في قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ" والفاءُ في (p-٢٣٨)قَوْلِهِ: "فَلَهُمْ" داخِلَةٌ بِسَبَبِ الإبْهامِ الَّذِي في "مَن"، و( لِهَمِّ أجْرِهِمْ ) ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، في مَوْضِعِ خَبَرِ "إنَّ"، ويُحْتَمَلُ ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، ومَعْناها الشَرْطُ، والفاءُ في قَوْلِهِ "فَلَهُمْ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَها، و( لِهَمِّ أجْرِهِمْ ) خَبَرُ "مَن"، والجُمْلَةُ كُلُّها خَبَرُ "إنَّ"، والعائِدُ عَلى "الَّذِينَ" مَحْذُوفٌ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ وتَقْدِيرُهُ: ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللهِ﴾ [البقرة: ١٢٦]. وفي الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ انْدَرَجَ الإيمانُ بِالرُسُلِ والكُتُبِ، ومِنهُ يَتَفَهَّمُ -لِأنَّ البَعْثَ لَمْ يُعْلَمْ إلّا بِإخْبارِ رُسُلِ اللهِ عنهُ تَبارَكَ وتَعالى. وجَمَعَ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( لِهَمِّ أجْرِهِمْ )، بَعْدَ أنْ وحَّدَ في ﴿مَن آمَنَ﴾ لِأنَّ "مَن" تَقَعُ عَلى الواحِدِ والتَثْنِيَةِ والجَمْعِ، فَجائِزٌ أنْ يَخْرُجَ ما بَعْدَها مُفْرَدًا عَلى لَفْظِها، أو مُثَنًّى أو مَجْمُوعًا عَلى مَعْناهُ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢]، فَجَمَعَ عَلى المَعْنى، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ [النساء: ١٣] ثُمَّ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ [النساء: ١٣]، فَجَمَعَ عَلى المَعْنى. وقالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ فَثَنّى عَلى المَعْنى. وإذا جَرى ما بَعْدُ مَن عَلى اللَفْظِ فَجائِزٌ أنْ يُخالِفَ بِهِ بَعْدُ عَلى المَعْنى، وإذا جَرى ما بَعْدَها عَلى المَعْنى فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ أنْ يُخالِفَ بِهِ بَعْدُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الإلْباسَ يَدْخُلُ في الكَلامِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلا خَوْفَ" نُصِبَ عَلى التَبْرِئَةِ، وأمّا الرَفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾، "إذْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والمِيثاقُ مِفْعالٌ مِن وثَقَ يَثِقُ مِثْلُ مِيزانٍ مِن وزَنَ يَزِنُ. / و"الطُورَ" اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي نُوجِيَ مُوسى عَلَيْهِ، (p-٢٣٩)قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمُ: "الطُورَ" اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، ويُسْتَدَلُّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ العَجّاجِ: ؎ دانى جَناحَيْهِ مِنَ الطُورِ فَمَرَّ ∗∗∗ تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الطُورُ كُلُّ جَبَلٍ يَنْبُتُ، وكُلُّ جَبَلٍ لا يَنْبُتُ فَلَيْسَ بِطُورٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ اللَفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ: هي سُرْيانِيَّةٌ، اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ. وقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جاءَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى بِالألْواحِ فِيها التَوْراةُ قالَ لَهُمْ: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، إلّا أنْ يُكَلِّمَنا اللهُ بِها كَما كَلَّمَكَ، فَصُعِقُوا، ثُمَّ أُحْيُوا، فَقالَ لَهُمْ: خُذُوها، فَقالُوا: لا، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ فاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ طُولُهُ فَرْسَخٌ في مِثْلِهِ، وكَذَلِكَ كانَ عَسْكَرُهُمْ، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الظُلَّةِ، وأخْرَجَ اللهُ تَعالى البَحْرَ مِن ورائِهِمْ وأضْرَمَ نارًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأحاطَ بِهِمْ غَضَبُهُ، وقِيلَ لَهُمْ: خُذُوها وعَلَيْكُمُ المِيثاقُ ألّا تُضَيِّعُوها وإلّا سَقَطَ عَلَيْكُمُالجَبَلُ، وغَرَّقَكُمُ البَحْرُ، وأحْرَقَتْكُمُ النارُ، فَسَجَدُوا تَوْبَةً لِلَّهِ، وأخَذُوا التَوْراةَ بِالمِيثاقِ وقالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عن بَعْضِ العُلَماءِ: لَوْ أخَذُوها أوَّلَ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِيثاقٌ، وكانَتْ سَجْدَتُهم عَلى شِقٍّ لِأنَّهم كانُوا يَرْقُبُونَ الجَبَلَ خَوْفًا، فَلَمّا رَحِمَهُمُ اللهُ قالُوا: لا سَجْدَةَ أفْضَلُ مِن سَجْدَةٍ تَقَبَّلَها اللهُ ورَحِمَ بِها، فَأمَرُّوا سُجُودَهم عَلى شِقٍّ واحِدٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي لا يَصِحُّ سِواهُ، أنَّ اللهَ تَعالى اخْتَرَعَ -وَقْتَ سُجُودِهِمُ- الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم آمَنُوا كُرْهًا وقُلُوبُهم غَيْرُ مُطَمْئِنَّةٍ، وقَدْ (p-٢٤٠)اخْتَصَرْتُ ما سَرَدَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَصَدْتُ أصَحَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ، وخَلَطَ بَعْضُ الناسِ صَعْقَةَ هَذِهِ القِصَّةِ بِصَعْقَةِ السَبْعِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا: خُذُوا. و"آتَيْناكُمْ" مَعْناهُ: أعْطَيْناكُمْ، و"بِقُوَّةٍ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ دَرْسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ بِتَصْدِيقٍ وتَحْقِيقٍ. وقالَ الرَبِيعُ: مَعْناهُ بِطاعَةِ اللهِ. ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾، أيْ تَدَبَّرُوهُ واحْفَظُوا أوامِرَهُ ووَعِيدَهُ ولا تَنْسَوْهُ وتُضَيِّعُوهُ. والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى ﴿ما آتَيْناكُمْ﴾، ويَعْنِي التَوْراةَ، وتَقْدِيرُ صِلَةِ "ما" واذْكُرُوا ما اسْتَقَرَّ فِيهِ، و﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾، تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآيَةُ، تَوَلّى تَفَعَّلَ، وأصْلُهُ الإعْراضُ والإدْبارُ عَنِ الشَيْءِ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأُمُورِ والأدْيانِ والمُعْتَقَداتِ اتِّساعًا ومَجازًا. و﴿فَضْلُ اللهِ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مُضْمَرٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ لِلِاسْتِغْناءِ عنهُ، تَقْدِيرُهُ: فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم تَدارَكَكُمْ، "وَرَحْمَتُهُ" عَطْفٌ عَلى "فَضْلٍ". قالَ قَتادَةُ فَضْلُ اللهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ المُخاطَبَ بِقَوْلِهِ "عَلَيْكُمْ" لَفْظًا ومَعْنًى مَن كانَ في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَعْنى مَن سَلَفَ، و"لَكُنْتُمْ" جَوابُ "لَوْلا"، و﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾ خَبَرُ "كانَ"، والخُسْرانُ، النُقْصانُ. وتَوَلِّيهِمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ: إمّا بِالمَعاصِي، فَكانَ فَضْلُ اللهِ بِالتَوْبَةِ والإمْهالِ إلَيْها، وإمّا أنْ يَكُونَ تَوَلِّيهِمْ بِالكُفْرِ، فَكانَ فَضْلُ اللهِ بِأنَّ لَمْ يُعاجِلْهم بِالإهْلاكِ؛ لِيَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ مَن يُؤْمِنُ، أو يَكُونُ المُرادُ مَن لَحِقَ مُحَمَّدًا ﷺ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ، وعَلَيْهِ يَتَّجِهُ قَوْلُ قَتادَةَ: (p-٢٤١)إنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَحْمَةَ القُرْآنُ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالفَضْلِ والرَحْمَةِ إدْراكُهم مُدَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ.

البقرة 2:64

(p-٢٣٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَصارى والصابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِن الخاسِرِينَ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بـِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: هُمُ المُنافِقُونَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وقَرَنَهم بِاليَهُودِ والنَصارى والصابِئِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمُ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن جَمِيعِهِمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ﴾ -فِي المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ- مَن حَقَّقَ وأخْلَصَ، وفي سائِرِ الفِرَقِ المَذْكُورَةِ مَن دَخَلَ في الإيمانِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ﴾ يَكُونُ فِيهِمْ، بِمَعْنى: مَن ثَبَتَ ودامَ، وفي سائِرِ الفِرَقِ بِمَعْنى مَن دَخَلَ فِيهِ. وقالَ السُدِّيُّ: هم أهْلُ الحَنِيفِيَّةِ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ﷺ كَزَيْدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقَسِّ بْنِ ساعِدَةَ، ووَرَقَةَ بْنِ (p-٢٣٥)نَوْفَلَ، ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ﷺ، إلّا مَن كَفَرَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، "والنَصارى" كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ﷺ، "والصابِئِينَ" كَذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أصْحابِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وذَكَرَ لَهُ الطَبَرِيُّ قِصَّةً طَوِيلَةً، وحَكاها أيْضًا ابْنُ إسْحاقَ، مُقْتَضاها: أنَّهُ صَحِبَ عُبّادًا مِنَ النَصارى فَقالَ لَهُ آخِرُهُمْ: إنَّ زَمانَ نَبِيٍّ قَدْ أظَلَّ، فَإنْ لَحِقَتْهُ فَآمَنَ بِهِ، ورَأى مِنهم عِبادَةً عَظِيمَةً، فَلَمّا جاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ وأسْلَمَ، ذَكَرَ لَهُ خَبَرَهُمْ، وسَألَهُ عنهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ، وقَرَّرَ اللهُ بِها أنَّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ومَن بَقِيَ عَلى يَهُودِيَّتِهِ ونَصْرانِيَّتِهِ وصابِئِيَّتِهِ، وهو يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلَهُ أجْرُهُ، ثُمَّ نَسَخَ ما قَرَّرَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ورُدَّتِ الشَرائِعُ كُلُّها إلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. (p-٢٣٦)﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ هُمُ اليَهُودُ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أيْ: تُبْنا، فاسْمُهم عَلى هَذا مِن هادَ، يَهُودُ. وقالَ الشاعِرُ: ؎ إنِّي امْرُؤٌ مِن مِدْحَتِي هائِدٌ أيْ تائِبٌ، وقِيلَ: نُسِبُوا إلى يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، فَلَمّا عُرِّبَ الِاسْمُ لَحِقَهُ التَغْيِيرُ كَما تُغَيِّرُ العَرَبُ في بَعْضِ ما عَرَّبَتْ مِن لُغَةِ غَيْرِها، وحَكى الزَهْراوِيُّ: أنَّ التَهْوِيدَ النُطْقُ في سُكُونٍ ووَقارٍ ولِينٍ، وأنْشَدَ: ؎ وخُودٌ مِنَ اللائِي تَسَمَّعْنَ بِالضُحى ∗∗∗ قَرِيضُ الرُدافى بِالغِناءِ المُهَوَّدِ قالَ: ومِن هَذا سُمِّيَتِ اليَهُودُ. وقَرَأ أبُو السَمالِ "هادُوا" بِفَتْحِ الدالِ. "والنَصارى" لَفْظَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَصْرِ، إمّا لِأنَّ قَرْيَتَهم تُسَمّى ناصِرَةً، ويُقالُ: نَصَرْيا، ويُقالُ: نَصَرْتا، وإمّا لِأنَّهم تَناصَرُوا، وإمّا لِقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]: قالَ سِيبَوَيْهِ: واحِدُهم نَصْرانُ، ونَصْرانَةُ كَنَدْمانُ ونَدْمانَةُ ونَدامى، وأنْشَدَ: ؎ فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسَها ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: ؎ يَظَلُّ إذا دارَ العَشِيُّ مُحَنَّفًا ∗∗∗ ويُضَحِّي لَدَيْها وهو نَصْرانُ شامِسُ (p-٢٣٧)قالَ سِيبَوَيْهِ: إلّا أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ في الكَلامِ إلّا بِياءِ نَسَبٍ، قالَ الخَلِيلُ: واحِدُ النَصارى نَصْرِيُّ كَمُهْرِيُّ ومَهارى. والصابِئُ في اللُغَةِ" مَن خَرَجَ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَقُولُ لِمَن أسْلَمَ: قَدْ صَبَأ، وقِيلَ: إنَّها سَمَّتْهم بِذاكَ لَمّا أنْكَرُوا الآلِهَةَ، تَشْبِيهًا بِالصابِئِينَ في المُوصِلِ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهم بِرٌّ إلّا قَوْلُهُمْ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ". وطائِفَةٌ هَمَزَتْهُ وجَعَلَتْهُ مِن صَبَأتِ النُجُومُ إذا طَلَعَتْ وصَبَأتْ ثَنْيَةُ الغُلامِ إذا خَرَجَتْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ: صَبَأتْ عَلى القَوْمِ بِمَعْنى طَرَأتْ، فالصابِئُ التارِكُ لِدِينِهِ الَّذِي شَرَعَ لَهُ، إلى دِينِ غَيْرِهِ، كَما أنَّ الصابِئَ عَلى القَوْمِ تارِكٌ لِأرْضِهِ ومُنْتَقِلٌ إلى سِواها، وبِالهَمْزِ قَرَأ القُرّاءُ غَيْرُ نافِعٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَهْمِزْهُ، ومَن لَمْ يَهْمِزْ جَعَلَهُ مِن صَبا يَصْبُو إذا مالَ، أو يَجْعَلُهُ عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُهُ إلّا في الشِعْرِ. وأمّا المُشارُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: "والصابِئِينَ" فَقالَ السُدِّيُّ: هم فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ لا دِينَ لَهُمْ، لَيْسُوا بِيَهُودٍ ولا نَصارى، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: هم قَوْمٌ تَرَكَّبَ دِينُهم بَيْنَ اليَهُودِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمٌ يَقُولُونَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا كِتابٌ، كانُوا بِجَزِيرَةِ المَوْصِلِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ، ويُصَلُّونَ الخَمْسَ، ويَقْرَؤُونَ الزَبُورَ، رَآهم زِيادُ بْنُ أبِي سُفْيانَ فَأرادَ وضْعَ الجِزْيَةِ عنهم حَتّى عَرَفَ أنَّهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ. و"مَن" في قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ" والفاءُ في (p-٢٣٨)قَوْلِهِ: "فَلَهُمْ" داخِلَةٌ بِسَبَبِ الإبْهامِ الَّذِي في "مَن"، و( لِهَمِّ أجْرِهِمْ ) ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، في مَوْضِعِ خَبَرِ "إنَّ"، ويُحْتَمَلُ ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، ومَعْناها الشَرْطُ، والفاءُ في قَوْلِهِ "فَلَهُمْ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَها، و( لِهَمِّ أجْرِهِمْ ) خَبَرُ "مَن"، والجُمْلَةُ كُلُّها خَبَرُ "إنَّ"، والعائِدُ عَلى "الَّذِينَ" مَحْذُوفٌ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ وتَقْدِيرُهُ: ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللهِ﴾ [البقرة: ١٢٦]. وفي الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ انْدَرَجَ الإيمانُ بِالرُسُلِ والكُتُبِ، ومِنهُ يَتَفَهَّمُ -لِأنَّ البَعْثَ لَمْ يُعْلَمْ إلّا بِإخْبارِ رُسُلِ اللهِ عنهُ تَبارَكَ وتَعالى. وجَمَعَ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( لِهَمِّ أجْرِهِمْ )، بَعْدَ أنْ وحَّدَ في ﴿مَن آمَنَ﴾ لِأنَّ "مَن" تَقَعُ عَلى الواحِدِ والتَثْنِيَةِ والجَمْعِ، فَجائِزٌ أنْ يَخْرُجَ ما بَعْدَها مُفْرَدًا عَلى لَفْظِها، أو مُثَنًّى أو مَجْمُوعًا عَلى مَعْناهُ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢]، فَجَمَعَ عَلى المَعْنى، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ [النساء: ١٣] ثُمَّ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ [النساء: ١٣]، فَجَمَعَ عَلى المَعْنى. وقالَ الفَرَزْدَقُ: ؎ تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ فَثَنّى عَلى المَعْنى. وإذا جَرى ما بَعْدُ مَن عَلى اللَفْظِ فَجائِزٌ أنْ يُخالِفَ بِهِ بَعْدُ عَلى المَعْنى، وإذا جَرى ما بَعْدَها عَلى المَعْنى فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ أنْ يُخالِفَ بِهِ بَعْدُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الإلْباسَ يَدْخُلُ في الكَلامِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلا خَوْفَ" نُصِبَ عَلى التَبْرِئَةِ، وأمّا الرَفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾، "إذْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والمِيثاقُ مِفْعالٌ مِن وثَقَ يَثِقُ مِثْلُ مِيزانٍ مِن وزَنَ يَزِنُ. / و"الطُورَ" اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي نُوجِيَ مُوسى عَلَيْهِ، (p-٢٣٩)قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمُ: "الطُورَ" اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، ويُسْتَدَلُّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ العَجّاجِ: ؎ دانى جَناحَيْهِ مِنَ الطُورِ فَمَرَّ ∗∗∗ تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الطُورُ كُلُّ جَبَلٍ يَنْبُتُ، وكُلُّ جَبَلٍ لا يَنْبُتُ فَلَيْسَ بِطُورٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ اللَفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ: هي سُرْيانِيَّةٌ، اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ. وقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جاءَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى بِالألْواحِ فِيها التَوْراةُ قالَ لَهُمْ: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، إلّا أنْ يُكَلِّمَنا اللهُ بِها كَما كَلَّمَكَ، فَصُعِقُوا، ثُمَّ أُحْيُوا، فَقالَ لَهُمْ: خُذُوها، فَقالُوا: لا، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ فاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ طُولُهُ فَرْسَخٌ في مِثْلِهِ، وكَذَلِكَ كانَ عَسْكَرُهُمْ، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الظُلَّةِ، وأخْرَجَ اللهُ تَعالى البَحْرَ مِن ورائِهِمْ وأضْرَمَ نارًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأحاطَ بِهِمْ غَضَبُهُ، وقِيلَ لَهُمْ: خُذُوها وعَلَيْكُمُ المِيثاقُ ألّا تُضَيِّعُوها وإلّا سَقَطَ عَلَيْكُمُالجَبَلُ، وغَرَّقَكُمُ البَحْرُ، وأحْرَقَتْكُمُ النارُ، فَسَجَدُوا تَوْبَةً لِلَّهِ، وأخَذُوا التَوْراةَ بِالمِيثاقِ وقالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عن بَعْضِ العُلَماءِ: لَوْ أخَذُوها أوَّلَ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِيثاقٌ، وكانَتْ سَجْدَتُهم عَلى شِقٍّ لِأنَّهم كانُوا يَرْقُبُونَ الجَبَلَ خَوْفًا، فَلَمّا رَحِمَهُمُ اللهُ قالُوا: لا سَجْدَةَ أفْضَلُ مِن سَجْدَةٍ تَقَبَّلَها اللهُ ورَحِمَ بِها، فَأمَرُّوا سُجُودَهم عَلى شِقٍّ واحِدٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي لا يَصِحُّ سِواهُ، أنَّ اللهَ تَعالى اخْتَرَعَ -وَقْتَ سُجُودِهِمُ- الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم آمَنُوا كُرْهًا وقُلُوبُهم غَيْرُ مُطَمْئِنَّةٍ، وقَدْ (p-٢٤٠)اخْتَصَرْتُ ما سَرَدَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَصَدْتُ أصَحَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ، وخَلَطَ بَعْضُ الناسِ صَعْقَةَ هَذِهِ القِصَّةِ بِصَعْقَةِ السَبْعِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا: خُذُوا. و"آتَيْناكُمْ" مَعْناهُ: أعْطَيْناكُمْ، و"بِقُوَّةٍ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ دَرْسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ بِتَصْدِيقٍ وتَحْقِيقٍ. وقالَ الرَبِيعُ: مَعْناهُ بِطاعَةِ اللهِ. ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾، أيْ تَدَبَّرُوهُ واحْفَظُوا أوامِرَهُ ووَعِيدَهُ ولا تَنْسَوْهُ وتُضَيِّعُوهُ. والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى ﴿ما آتَيْناكُمْ﴾، ويَعْنِي التَوْراةَ، وتَقْدِيرُ صِلَةِ "ما" واذْكُرُوا ما اسْتَقَرَّ فِيهِ، و﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾، تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآيَةُ، تَوَلّى تَفَعَّلَ، وأصْلُهُ الإعْراضُ والإدْبارُ عَنِ الشَيْءِ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأُمُورِ والأدْيانِ والمُعْتَقَداتِ اتِّساعًا ومَجازًا. و﴿فَضْلُ اللهِ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مُضْمَرٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ لِلِاسْتِغْناءِ عنهُ، تَقْدِيرُهُ: فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم تَدارَكَكُمْ، "وَرَحْمَتُهُ" عَطْفٌ عَلى "فَضْلٍ". قالَ قَتادَةُ فَضْلُ اللهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ المُخاطَبَ بِقَوْلِهِ "عَلَيْكُمْ" لَفْظًا ومَعْنًى مَن كانَ في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَعْنى مَن سَلَفَ، و"لَكُنْتُمْ" جَوابُ "لَوْلا"، و﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾ خَبَرُ "كانَ"، والخُسْرانُ، النُقْصانُ. وتَوَلِّيهِمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ: إمّا بِالمَعاصِي، فَكانَ فَضْلُ اللهِ بِالتَوْبَةِ والإمْهالِ إلَيْها، وإمّا أنْ يَكُونَ تَوَلِّيهِمْ بِالكُفْرِ، فَكانَ فَضْلُ اللهِ بِأنَّ لَمْ يُعاجِلْهم بِالإهْلاكِ؛ لِيَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ مَن يُؤْمِنُ، أو يَكُونُ المُرادُ مَن لَحِقَ مُحَمَّدًا ﷺ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ، وعَلَيْهِ يَتَّجِهُ قَوْلُ قَتادَةَ: (p-٢٤١)إنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَحْمَةَ القُرْآنُ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالفَضْلِ والرَحْمَةِ إدْراكُهم مُدَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ.

البقرة 2:65

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ "عَلِمْتُمُ" مَعْناهُ: عَرَفْتُمْ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُ زَيْدًا بِمَعْنى عَرَفْتُهُ فَلا يَتَعَدّى العَلَمُ إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، و"اعْتَدَوْا" مَعْناهُ: تَجاوَزُوا الحَدَّ مُصَرَّفٌ مِنَ الِاعْتِداءِ، و"فِي السَبْتِ" مَعْناهُ: في يَوْمِ السَبْتَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في حُكْمِ السَبْتِ، و"السَبْتُ" مَأْخُوذٌ مِنَ السُبُوتِ الَّذِي هو الراحَةُ والدَعَةُ، وإمّا مِنَ السَبْتِ وهو القَطْعُ، لِأنَّ الأشْياءَ فِيهِ سَبَتَتْ وتَمَّتْ خِلْقَتُها. وقِصَّةُ اعْتِدائِهِمْ فِيهِ: أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِيَوْمِ الجُمْعَةَ، وعَرَّفَهُ فَضْلَهُ، كَما أمَرَ بِهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ عَنِ اللهِ، وأمَرَهم بِالتَشَرُّعِ فِيهِ، فَأبَوْا، وتَعَدُّوهُ إلى يَوْمِ السَبْتِ، فَأوحى اللهُ إلى مُوسى أنْ دَعْهم وما اخْتارُوا مِن ذَلِكَ، وامْتَحَنَهم فِيهِ بِأنْ أمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ صَيْدَ الحِيتانِ، (p-٢٤٢)وَشَدَّدَ عَلَيْهِمُ المِحْنَةَ بِأنْ كانَتِ الحِيتانُ تَأْتِي يَوْمَ السَبْتَ حَتّى تَخْرُجَ إلى الأفْنِيَةِ. قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقِيلَ: حَتّى تُخْرِجَ خَراطِيمَها مِنَ الماءِ، وذَلِكَ إمّا بِالإلْهامِ مِنَ اللهِ تَعالى، أو بِأمْرٍ لا يُعَلَّلُ، وإمّا بِأنْ فَهِمَها مَعْنى الأمَنَةِ الَّتِي في اليَوْمِ مَعَ تَكْرارِهِ حَتّى فَهِمْتُ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ ألْهَمَ الدَوابَّ مَعْنى الخَوْفِ الَّذِي في يَوْمِ الجُمْعَةِ مَن أمْرِ القِيامَةِ؟ يَقْضِي بِذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «وَما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمْعَةَ فَرْقًا مِنَ الساعَةِ» وحَمامُ مَكَّةَ قَدْ فَهِمَ الأمَنَةَ أمّا أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقُرْبِ فَهْمِها. وكانَ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ بَأيْلَةَ عَلى البَحْرِ، فَإذا ذَهَبَ السَبْتُ ذَهَبَتِ الحِيتانُ فَلَمْ تَظْهَرْ إلى السَبْتِ الآخَرِ، فَبَقُوا عَلى ذَلِكَ زَمانًا حَتّى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فَعَمَدَ رَجُلٌ يَوْمَ السَبْتِ فَرَبَطَ حُوتًا بِخْزَمَةْ وضَرَبَ لَهُ وتَدًا بِالساحِلِ، فَلَمّا ذَهَبَ السَبْتُ جاءَ وأخَذَهُ فَسَمِعَ قَوْمٌ بِفِعْلِهِ فَصَنَعُوا مِثْلَ ما صَنَعَ، وقِيلَ: بَلْ حَفَرَ رَجُلٌ في غَيْرِ السَبْتِ حَفِيرًا، يَخْرُجُ إلَيْهِ البَحْرُ فَإذا كانَ يَوْمُ السَبْتِ خَرَجَ الحُوتُ وحَصَلَ في الحَفِيرِ، فَإذا جَزَرَ البَحْرُ ذَهَبَ الماءُ مِن طَرِيقِ الحَفِيرِ وبَقِيَ الحُوتُ، فَجاءَ بَعْدَ السَبْتِ فَأخَذَهُ، فَفَعَلَ قَوْمٌ مِثْلَ فِعْلِهِ، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى صادُوهُ يَوْمَ السَبْتِ عَلانِيَةً، وباعُوهُ في الأسْواقِ، فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ الِاعْتِداءِ، وكانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فِرْقَةٌ نَهَتْ عن ذَلِكَ، فَنَجَتْ مِنَ العُقُوبَةِ، وكانَتْ مِنهم فِرْقَةٌ لَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ، فَقِيلَ: نَجَتْ مَعَ الناهِينَ، وقِيلَ هَلَكَتْ مَعَ العاصِينَ. (p-٢٤٣)وَ"كُونُوا" لَفْظَةَ أمْرٍ، وهو أمْرُ التَكْوِينِ، كَقَوْلِهِ تَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ: ( كُنْ فَيَكُونُ ) ولَمْ يُؤْمَرُوا في المَصِيرِ إلى حالِ المَسْخِ بِشَيْءٍ يَفْعَلُونَهُ ولا لَهم فِيهِ تَكَسُّبٌ، و"خاسِئِينَ" مَعْناهُ: مُبْعَدِينَ أذِلّاءَ صاغِرِينَ كَما يُقالُ لِلْكَلْبِ ولِلْمَطْرُودِ: اخْسَأْ، تَقُولُ: خَسَأْتُهُ فَخَسَأ، ومَوْضِعُهُ مِنَ الإعْرابِ، النَصْبُ عَلى الحالِ، أو عَلى خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ. ورُوِيَ في قَصَصِهِمْ أنَّ اللهَ تَعالى مَسَخَ العاصِينَ قِرَدَةً بِاللَيْلِ، فَأصْبَحَ الناجُونَ إلى مَساجِدِهِمْ ومُجْتَمَعاتِهِمْ، فَلَمْ يَرَوْا أحَدًا مِنَ الهالِكِينَ، فَقالُوا: إنْ لِلنّاسِ لَشَأْنًا، فَفَتَحُوا عَلَيْهِمُ الأبْوابَ كَما كانَتْ مُغْلَقَةً بِاللَيْلِ، فَوَجَدُوهم "قِرَدَةً"، يَعْرِفُونَ الرَجُلَ والمَرْأةَ، وقِيلَ: إنَّ الناجِينَ كانُوا قَدْ قَسَّمُوا بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ القَرْيَةَ بِجِدارٍ، تَبَرِّيًا مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا ولَمْ تُفْتَحْ مَدِينَةُ الهالِكِينَ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمُ الجِدارَ، فَإذا هم قِرَدَةٌ يَثِبُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ وثَبَتَ، أنَّ المَمْسُوخَ لا يَنْسَلُّ ولا تَأْكُلُ، ولا تَشْرَبُ، ولا تَعِيشُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، ووَقَعَ في كِتابِ مُسْلِمٍ عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «أنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ فُقِدَتْ وأراها الفَأْرَ»، وظاهِرُ هَذا أنَّ المَمْسُوخَ تَنْسَلُّ، فَإنْ كانَ أرادَ هَذا فَهو ظَنٌّ مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ في أمْرٍ لا مَدْخَلَ لَهُ في التَبْلِيغِ، ثُمَّ أُوحِيَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ المَمْسُوخَ لا تَنْسَلُّ. ونَظِيرُ ما قُلْناهُ نُزُولُهُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى مِياهِ بَدْرٍ، وأمَرَهُ بِاطِّراحِ تَذْكِيرِ النَخْلِ، وقَدْ (p-٢٤٤)قالَ ﷺ: «إذا أُخْبَرْتُكم بِرَأْيٍ في أُمُورِ الدُنْيا فَإنَّما أنا بَشَرٌ». ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إنَّما مُسِخَتْ قُلُوبُهم فَقَطْ، ورُدَّتْ أفْهامُهم كَأفْهامِ القِرَدَةِ، والأوَّلُ أقْوى وأظْهَرُ. والضَمِيرُ في "فَجَعَلْناها" يُحْتَمَلُ العَوْدَ عَلى المِسْخَةِ والعُقُوبَةِ، ويُحْتَمَلُ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ، ويُحْتَمَلُ عَلى القِرَدَةِ، ويُحْتَمَلُ عَلى القَرْيَةِ إذْ مَعْنى الكَلامِ يَقْتَضِيها وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الحِيتانِ، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ. والنَكالُ: الزَجْرُ بِالعِقابِ، والنَكْلِ والأنْكالِ قُيُودُ الحَدِيدِ، فالنَكالُ عِقابٌ يُنَكَلُ بِسَبَبِهِ غَيْرُ المُعاقَبِ عن أنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، قالَ السُدِّيُّ: ما بَيْنَ يَدِي المِسْخَةِ ما قَبْلَها مِن ذُنُوبِ القَوْمِ، "وَما خَلْفَها" لِمَن يُذْنِبُ بَعْدَها مِثْلُ تِلْكَ الذُنُوبِ، وهَذا قَوْلٌ جَيِّدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: ( ما بَيْنَ يَدَيْها ) أيْ مَن حَضَرَها مِنَ الناجِينَ، "وَما خَلْفَها" أيْ لِمَن يَجِيءُ بَعْدَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ أيْ مِن بَعْدِهِمْ مِنَ الناسِ لِيُحَذِّرَ ويَتَّقِيَ، وما خَلْفَها، لِمَن بَقِيَ مِنهم عِبْرَةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أراهُ يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، لِأنَّ دَلالَةَ ما بَيْنَ اليَدِ لَيْسَتْ كَما في القَوْلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ (p-٢٤٥)أيْ مِنَ القُرى، فَهَذا تَرْتِيبُ أجْرامٍ لا تَرْتِيبٌ في الزَمانِ. و"مَوْعِظَةً" مُفْعِلَةً مِنَ الِاتِّعاظِ والِازْدِجارِ، و"لِلْمُتَّقِينَ" مَعْناهُ: لِلَّذِينِ نُهُوا ونَجَوْا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. واللَفْظُ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى﴾ الآيَةُ "إذْ" عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والمُرادُ تَذْكِيرُهم بِنَقْضِ سَلَفِهِمْ لِلْمِيثاقِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَأْمُرُكُمْ" بِإسْكانِ الراءِ، ورُوِيَ عنهُ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِهِ في "بارِئِكُمْ". وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ أسَنَّ، وكانَ لَهُ مالٌ، واسْتَبْطَأ ابْنُ أخِيهِ مَوْتَهُ، وقِيلَ: أخُوهُ، وقِيلَ: ابْنا عَمِّهِ، وقِيلَ: ورَثَةُ كَثِيرٍ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، فَقَتَلَهُ لِيَرِثَهُ، وألْقاهُ في سَبْطٍ آخَرَ غَيْرِ سِبْطِهِ لِيَأْخُذَ دِيَتَهُ، ويُلَطِّخَهم بِدَمِهِ، وقِيلَ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ في قَرْيَتَيْنِ مُتَجاوِرَتَيْنِ فَألْقاهُ إلى بابِ إحْدى المَدِينَتَيْنِ، وهي الَّتِي لَمْ يُقْتَلْ فِيها، ثُمَّ جَعَلَ يَطْلُبُهُ هو وسِبْطُهُ حَتّى وجَدَهُ قَتِيلًا، فَتَعَلَّقَ بِالسِبْطِ أو بِسُكّانِ المَدِينَةِ الَّتِي وُجِدَ القَتِيلُ عِنْدَها، فَأنْكَرُوا قَتْلَهُ، فَوَقَعَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ في ذَلِكَ لِحاءٌ حَتّى دَخَلُوا في السِلاحِ. فَقالَ أهْلُ النَهْيِ مِنهُمْ: أنَقْتَتِلُ ورَسُولُ اللهِ مَعَنا؟، فَذَهَبُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَصُّوا عَلَيْهِ القِصَّةَ، وسَألُوهُ البَيانَ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ يَذْبَحُوا بَقْرَةً فَيُضْرَبُ القَتِيلُ بِبَعْضِها فَيَحْيا ويُخْبِرُ بِقاتِلِهِ، فَقالَ لَهُمْ: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فَكانَ جَوابُهم أنْ قالُوا: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾. قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "أيَتَّخِذُنا" بِالياءِ عَلى مَعْنى أيَتَّخِذُنا اللهُ؟، وقَرَأ حَمْزَةُ: "هُزُؤًا" (p-٢٤٦)بِإسْكانِ الزايِ والهَمْزِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ عاصِمٌ "هُزُؤٌ" بِضَمٍّ الزاءِ والهاءِ والهَمْزِ، وقَرَأ أيْضًا دُونَ هَمْزٍ "هُزُوًا" حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ مِنَ القُرّاءِ بِضَمِّ الهاءِ والزايِ، والهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ، ورُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ ضَمُّ الهاءِ وتَشْدِيدُ الزايِ "هُزًّا". وهَذا القَوْلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ظاهِرُهُ فَسادُ اعْتِقادٍ مِمَّنْ قالَهُ، ولا يَصْحُّ الإيمانُ مِمَّنْ يَقُولُ لِنَبِيٍّ قَدْ ظَهَرَتْ مُعْجِزاتُهُ، وقالَ: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾، ولَوْ قالَ ذَلِكَ اليَوْمَ أحَدٌ عن بَعْضِ أقْوالِ النَبِيِّ ﷺ لَوَجَبَ تَكْفِيرُهُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ غِلْظِ الطَبْعِ والجَفاءِ والمَعْصِيَةِ، عَلى نَحْوِ ما قالَ القائِلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ في قِسْمَةِ غَنائِمَ حَنِينٍ: «إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهَ اللهِ» وكَما قالَ لَهُ الآخَرُ: «أعْدِلْ يا مُحَمَّدُ»، وكُلٌّ مُحْتَمَلٌ واللهُ أعْلَمُ. وقَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾، يُحْتَمَلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الِاسْتِعاذَةُ مِنَ الجَهْلِ في أنْ يُخْبِرَ عَنِ اللهِ تَعالى مُسْتَهْزِئًا، والآخَرُ مِنَ الجَهْلِ كَما جَهِلُوا في قَوْلِهِمْ ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ لِمَن يُخْبِرُهم عَنِ اللهِ تَعالى.

البقرة 2:66

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ "عَلِمْتُمُ" مَعْناهُ: عَرَفْتُمْ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُ زَيْدًا بِمَعْنى عَرَفْتُهُ فَلا يَتَعَدّى العَلَمُ إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، و"اعْتَدَوْا" مَعْناهُ: تَجاوَزُوا الحَدَّ مُصَرَّفٌ مِنَ الِاعْتِداءِ، و"فِي السَبْتِ" مَعْناهُ: في يَوْمِ السَبْتَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في حُكْمِ السَبْتِ، و"السَبْتُ" مَأْخُوذٌ مِنَ السُبُوتِ الَّذِي هو الراحَةُ والدَعَةُ، وإمّا مِنَ السَبْتِ وهو القَطْعُ، لِأنَّ الأشْياءَ فِيهِ سَبَتَتْ وتَمَّتْ خِلْقَتُها. وقِصَّةُ اعْتِدائِهِمْ فِيهِ: أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِيَوْمِ الجُمْعَةَ، وعَرَّفَهُ فَضْلَهُ، كَما أمَرَ بِهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ عَنِ اللهِ، وأمَرَهم بِالتَشَرُّعِ فِيهِ، فَأبَوْا، وتَعَدُّوهُ إلى يَوْمِ السَبْتِ، فَأوحى اللهُ إلى مُوسى أنْ دَعْهم وما اخْتارُوا مِن ذَلِكَ، وامْتَحَنَهم فِيهِ بِأنْ أمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ صَيْدَ الحِيتانِ، (p-٢٤٢)وَشَدَّدَ عَلَيْهِمُ المِحْنَةَ بِأنْ كانَتِ الحِيتانُ تَأْتِي يَوْمَ السَبْتَ حَتّى تَخْرُجَ إلى الأفْنِيَةِ. قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقِيلَ: حَتّى تُخْرِجَ خَراطِيمَها مِنَ الماءِ، وذَلِكَ إمّا بِالإلْهامِ مِنَ اللهِ تَعالى، أو بِأمْرٍ لا يُعَلَّلُ، وإمّا بِأنْ فَهِمَها مَعْنى الأمَنَةِ الَّتِي في اليَوْمِ مَعَ تَكْرارِهِ حَتّى فَهِمْتُ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ ألْهَمَ الدَوابَّ مَعْنى الخَوْفِ الَّذِي في يَوْمِ الجُمْعَةِ مَن أمْرِ القِيامَةِ؟ يَقْضِي بِذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «وَما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمْعَةَ فَرْقًا مِنَ الساعَةِ» وحَمامُ مَكَّةَ قَدْ فَهِمَ الأمَنَةَ أمّا أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقُرْبِ فَهْمِها. وكانَ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ بَأيْلَةَ عَلى البَحْرِ، فَإذا ذَهَبَ السَبْتُ ذَهَبَتِ الحِيتانُ فَلَمْ تَظْهَرْ إلى السَبْتِ الآخَرِ، فَبَقُوا عَلى ذَلِكَ زَمانًا حَتّى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فَعَمَدَ رَجُلٌ يَوْمَ السَبْتِ فَرَبَطَ حُوتًا بِخْزَمَةْ وضَرَبَ لَهُ وتَدًا بِالساحِلِ، فَلَمّا ذَهَبَ السَبْتُ جاءَ وأخَذَهُ فَسَمِعَ قَوْمٌ بِفِعْلِهِ فَصَنَعُوا مِثْلَ ما صَنَعَ، وقِيلَ: بَلْ حَفَرَ رَجُلٌ في غَيْرِ السَبْتِ حَفِيرًا، يَخْرُجُ إلَيْهِ البَحْرُ فَإذا كانَ يَوْمُ السَبْتِ خَرَجَ الحُوتُ وحَصَلَ في الحَفِيرِ، فَإذا جَزَرَ البَحْرُ ذَهَبَ الماءُ مِن طَرِيقِ الحَفِيرِ وبَقِيَ الحُوتُ، فَجاءَ بَعْدَ السَبْتِ فَأخَذَهُ، فَفَعَلَ قَوْمٌ مِثْلَ فِعْلِهِ، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى صادُوهُ يَوْمَ السَبْتِ عَلانِيَةً، وباعُوهُ في الأسْواقِ، فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ الِاعْتِداءِ، وكانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فِرْقَةٌ نَهَتْ عن ذَلِكَ، فَنَجَتْ مِنَ العُقُوبَةِ، وكانَتْ مِنهم فِرْقَةٌ لَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ، فَقِيلَ: نَجَتْ مَعَ الناهِينَ، وقِيلَ هَلَكَتْ مَعَ العاصِينَ. (p-٢٤٣)وَ"كُونُوا" لَفْظَةَ أمْرٍ، وهو أمْرُ التَكْوِينِ، كَقَوْلِهِ تَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ: ( كُنْ فَيَكُونُ ) ولَمْ يُؤْمَرُوا في المَصِيرِ إلى حالِ المَسْخِ بِشَيْءٍ يَفْعَلُونَهُ ولا لَهم فِيهِ تَكَسُّبٌ، و"خاسِئِينَ" مَعْناهُ: مُبْعَدِينَ أذِلّاءَ صاغِرِينَ كَما يُقالُ لِلْكَلْبِ ولِلْمَطْرُودِ: اخْسَأْ، تَقُولُ: خَسَأْتُهُ فَخَسَأ، ومَوْضِعُهُ مِنَ الإعْرابِ، النَصْبُ عَلى الحالِ، أو عَلى خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ. ورُوِيَ في قَصَصِهِمْ أنَّ اللهَ تَعالى مَسَخَ العاصِينَ قِرَدَةً بِاللَيْلِ، فَأصْبَحَ الناجُونَ إلى مَساجِدِهِمْ ومُجْتَمَعاتِهِمْ، فَلَمْ يَرَوْا أحَدًا مِنَ الهالِكِينَ، فَقالُوا: إنْ لِلنّاسِ لَشَأْنًا، فَفَتَحُوا عَلَيْهِمُ الأبْوابَ كَما كانَتْ مُغْلَقَةً بِاللَيْلِ، فَوَجَدُوهم "قِرَدَةً"، يَعْرِفُونَ الرَجُلَ والمَرْأةَ، وقِيلَ: إنَّ الناجِينَ كانُوا قَدْ قَسَّمُوا بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ القَرْيَةَ بِجِدارٍ، تَبَرِّيًا مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا ولَمْ تُفْتَحْ مَدِينَةُ الهالِكِينَ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمُ الجِدارَ، فَإذا هم قِرَدَةٌ يَثِبُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ وثَبَتَ، أنَّ المَمْسُوخَ لا يَنْسَلُّ ولا تَأْكُلُ، ولا تَشْرَبُ، ولا تَعِيشُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، ووَقَعَ في كِتابِ مُسْلِمٍ عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «أنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ فُقِدَتْ وأراها الفَأْرَ»، وظاهِرُ هَذا أنَّ المَمْسُوخَ تَنْسَلُّ، فَإنْ كانَ أرادَ هَذا فَهو ظَنٌّ مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ في أمْرٍ لا مَدْخَلَ لَهُ في التَبْلِيغِ، ثُمَّ أُوحِيَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ المَمْسُوخَ لا تَنْسَلُّ. ونَظِيرُ ما قُلْناهُ نُزُولُهُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى مِياهِ بَدْرٍ، وأمَرَهُ بِاطِّراحِ تَذْكِيرِ النَخْلِ، وقَدْ (p-٢٤٤)قالَ ﷺ: «إذا أُخْبَرْتُكم بِرَأْيٍ في أُمُورِ الدُنْيا فَإنَّما أنا بَشَرٌ». ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إنَّما مُسِخَتْ قُلُوبُهم فَقَطْ، ورُدَّتْ أفْهامُهم كَأفْهامِ القِرَدَةِ، والأوَّلُ أقْوى وأظْهَرُ. والضَمِيرُ في "فَجَعَلْناها" يُحْتَمَلُ العَوْدَ عَلى المِسْخَةِ والعُقُوبَةِ، ويُحْتَمَلُ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ، ويُحْتَمَلُ عَلى القِرَدَةِ، ويُحْتَمَلُ عَلى القَرْيَةِ إذْ مَعْنى الكَلامِ يَقْتَضِيها وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الحِيتانِ، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ. والنَكالُ: الزَجْرُ بِالعِقابِ، والنَكْلِ والأنْكالِ قُيُودُ الحَدِيدِ، فالنَكالُ عِقابٌ يُنَكَلُ بِسَبَبِهِ غَيْرُ المُعاقَبِ عن أنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، قالَ السُدِّيُّ: ما بَيْنَ يَدِي المِسْخَةِ ما قَبْلَها مِن ذُنُوبِ القَوْمِ، "وَما خَلْفَها" لِمَن يُذْنِبُ بَعْدَها مِثْلُ تِلْكَ الذُنُوبِ، وهَذا قَوْلٌ جَيِّدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: ( ما بَيْنَ يَدَيْها ) أيْ مَن حَضَرَها مِنَ الناجِينَ، "وَما خَلْفَها" أيْ لِمَن يَجِيءُ بَعْدَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ أيْ مِن بَعْدِهِمْ مِنَ الناسِ لِيُحَذِّرَ ويَتَّقِيَ، وما خَلْفَها، لِمَن بَقِيَ مِنهم عِبْرَةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أراهُ يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، لِأنَّ دَلالَةَ ما بَيْنَ اليَدِ لَيْسَتْ كَما في القَوْلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ (p-٢٤٥)أيْ مِنَ القُرى، فَهَذا تَرْتِيبُ أجْرامٍ لا تَرْتِيبٌ في الزَمانِ. و"مَوْعِظَةً" مُفْعِلَةً مِنَ الِاتِّعاظِ والِازْدِجارِ، و"لِلْمُتَّقِينَ" مَعْناهُ: لِلَّذِينِ نُهُوا ونَجَوْا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. واللَفْظُ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى﴾ الآيَةُ "إذْ" عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والمُرادُ تَذْكِيرُهم بِنَقْضِ سَلَفِهِمْ لِلْمِيثاقِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَأْمُرُكُمْ" بِإسْكانِ الراءِ، ورُوِيَ عنهُ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِهِ في "بارِئِكُمْ". وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ أسَنَّ، وكانَ لَهُ مالٌ، واسْتَبْطَأ ابْنُ أخِيهِ مَوْتَهُ، وقِيلَ: أخُوهُ، وقِيلَ: ابْنا عَمِّهِ، وقِيلَ: ورَثَةُ كَثِيرٍ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، فَقَتَلَهُ لِيَرِثَهُ، وألْقاهُ في سَبْطٍ آخَرَ غَيْرِ سِبْطِهِ لِيَأْخُذَ دِيَتَهُ، ويُلَطِّخَهم بِدَمِهِ، وقِيلَ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ في قَرْيَتَيْنِ مُتَجاوِرَتَيْنِ فَألْقاهُ إلى بابِ إحْدى المَدِينَتَيْنِ، وهي الَّتِي لَمْ يُقْتَلْ فِيها، ثُمَّ جَعَلَ يَطْلُبُهُ هو وسِبْطُهُ حَتّى وجَدَهُ قَتِيلًا، فَتَعَلَّقَ بِالسِبْطِ أو بِسُكّانِ المَدِينَةِ الَّتِي وُجِدَ القَتِيلُ عِنْدَها، فَأنْكَرُوا قَتْلَهُ، فَوَقَعَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ في ذَلِكَ لِحاءٌ حَتّى دَخَلُوا في السِلاحِ. فَقالَ أهْلُ النَهْيِ مِنهُمْ: أنَقْتَتِلُ ورَسُولُ اللهِ مَعَنا؟، فَذَهَبُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَصُّوا عَلَيْهِ القِصَّةَ، وسَألُوهُ البَيانَ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ يَذْبَحُوا بَقْرَةً فَيُضْرَبُ القَتِيلُ بِبَعْضِها فَيَحْيا ويُخْبِرُ بِقاتِلِهِ، فَقالَ لَهُمْ: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فَكانَ جَوابُهم أنْ قالُوا: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾. قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "أيَتَّخِذُنا" بِالياءِ عَلى مَعْنى أيَتَّخِذُنا اللهُ؟، وقَرَأ حَمْزَةُ: "هُزُؤًا" (p-٢٤٦)بِإسْكانِ الزايِ والهَمْزِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ عاصِمٌ "هُزُؤٌ" بِضَمٍّ الزاءِ والهاءِ والهَمْزِ، وقَرَأ أيْضًا دُونَ هَمْزٍ "هُزُوًا" حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ مِنَ القُرّاءِ بِضَمِّ الهاءِ والزايِ، والهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ، ورُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ ضَمُّ الهاءِ وتَشْدِيدُ الزايِ "هُزًّا". وهَذا القَوْلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ظاهِرُهُ فَسادُ اعْتِقادٍ مِمَّنْ قالَهُ، ولا يَصْحُّ الإيمانُ مِمَّنْ يَقُولُ لِنَبِيٍّ قَدْ ظَهَرَتْ مُعْجِزاتُهُ، وقالَ: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾، ولَوْ قالَ ذَلِكَ اليَوْمَ أحَدٌ عن بَعْضِ أقْوالِ النَبِيِّ ﷺ لَوَجَبَ تَكْفِيرُهُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ غِلْظِ الطَبْعِ والجَفاءِ والمَعْصِيَةِ، عَلى نَحْوِ ما قالَ القائِلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ في قِسْمَةِ غَنائِمَ حَنِينٍ: «إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهَ اللهِ» وكَما قالَ لَهُ الآخَرُ: «أعْدِلْ يا مُحَمَّدُ»، وكُلٌّ مُحْتَمَلٌ واللهُ أعْلَمُ. وقَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾، يُحْتَمَلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الِاسْتِعاذَةُ مِنَ الجَهْلِ في أنْ يُخْبِرَ عَنِ اللهِ تَعالى مُسْتَهْزِئًا، والآخَرُ مِنَ الجَهْلِ كَما جَهِلُوا في قَوْلِهِمْ ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ لِمَن يُخْبِرُهم عَنِ اللهِ تَعالى.

البقرة 2:67

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ "عَلِمْتُمُ" مَعْناهُ: عَرَفْتُمْ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُ زَيْدًا بِمَعْنى عَرَفْتُهُ فَلا يَتَعَدّى العَلَمُ إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، و"اعْتَدَوْا" مَعْناهُ: تَجاوَزُوا الحَدَّ مُصَرَّفٌ مِنَ الِاعْتِداءِ، و"فِي السَبْتِ" مَعْناهُ: في يَوْمِ السَبْتَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في حُكْمِ السَبْتِ، و"السَبْتُ" مَأْخُوذٌ مِنَ السُبُوتِ الَّذِي هو الراحَةُ والدَعَةُ، وإمّا مِنَ السَبْتِ وهو القَطْعُ، لِأنَّ الأشْياءَ فِيهِ سَبَتَتْ وتَمَّتْ خِلْقَتُها. وقِصَّةُ اعْتِدائِهِمْ فِيهِ: أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِيَوْمِ الجُمْعَةَ، وعَرَّفَهُ فَضْلَهُ، كَما أمَرَ بِهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ عَنِ اللهِ، وأمَرَهم بِالتَشَرُّعِ فِيهِ، فَأبَوْا، وتَعَدُّوهُ إلى يَوْمِ السَبْتِ، فَأوحى اللهُ إلى مُوسى أنْ دَعْهم وما اخْتارُوا مِن ذَلِكَ، وامْتَحَنَهم فِيهِ بِأنْ أمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ صَيْدَ الحِيتانِ، (p-٢٤٢)وَشَدَّدَ عَلَيْهِمُ المِحْنَةَ بِأنْ كانَتِ الحِيتانُ تَأْتِي يَوْمَ السَبْتَ حَتّى تَخْرُجَ إلى الأفْنِيَةِ. قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقِيلَ: حَتّى تُخْرِجَ خَراطِيمَها مِنَ الماءِ، وذَلِكَ إمّا بِالإلْهامِ مِنَ اللهِ تَعالى، أو بِأمْرٍ لا يُعَلَّلُ، وإمّا بِأنْ فَهِمَها مَعْنى الأمَنَةِ الَّتِي في اليَوْمِ مَعَ تَكْرارِهِ حَتّى فَهِمْتُ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ ألْهَمَ الدَوابَّ مَعْنى الخَوْفِ الَّذِي في يَوْمِ الجُمْعَةِ مَن أمْرِ القِيامَةِ؟ يَقْضِي بِذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «وَما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمْعَةَ فَرْقًا مِنَ الساعَةِ» وحَمامُ مَكَّةَ قَدْ فَهِمَ الأمَنَةَ أمّا أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقُرْبِ فَهْمِها. وكانَ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ بَأيْلَةَ عَلى البَحْرِ، فَإذا ذَهَبَ السَبْتُ ذَهَبَتِ الحِيتانُ فَلَمْ تَظْهَرْ إلى السَبْتِ الآخَرِ، فَبَقُوا عَلى ذَلِكَ زَمانًا حَتّى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فَعَمَدَ رَجُلٌ يَوْمَ السَبْتِ فَرَبَطَ حُوتًا بِخْزَمَةْ وضَرَبَ لَهُ وتَدًا بِالساحِلِ، فَلَمّا ذَهَبَ السَبْتُ جاءَ وأخَذَهُ فَسَمِعَ قَوْمٌ بِفِعْلِهِ فَصَنَعُوا مِثْلَ ما صَنَعَ، وقِيلَ: بَلْ حَفَرَ رَجُلٌ في غَيْرِ السَبْتِ حَفِيرًا، يَخْرُجُ إلَيْهِ البَحْرُ فَإذا كانَ يَوْمُ السَبْتِ خَرَجَ الحُوتُ وحَصَلَ في الحَفِيرِ، فَإذا جَزَرَ البَحْرُ ذَهَبَ الماءُ مِن طَرِيقِ الحَفِيرِ وبَقِيَ الحُوتُ، فَجاءَ بَعْدَ السَبْتِ فَأخَذَهُ، فَفَعَلَ قَوْمٌ مِثْلَ فِعْلِهِ، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى صادُوهُ يَوْمَ السَبْتِ عَلانِيَةً، وباعُوهُ في الأسْواقِ، فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ الِاعْتِداءِ، وكانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فِرْقَةٌ نَهَتْ عن ذَلِكَ، فَنَجَتْ مِنَ العُقُوبَةِ، وكانَتْ مِنهم فِرْقَةٌ لَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ، فَقِيلَ: نَجَتْ مَعَ الناهِينَ، وقِيلَ هَلَكَتْ مَعَ العاصِينَ. (p-٢٤٣)وَ"كُونُوا" لَفْظَةَ أمْرٍ، وهو أمْرُ التَكْوِينِ، كَقَوْلِهِ تَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ: ( كُنْ فَيَكُونُ ) ولَمْ يُؤْمَرُوا في المَصِيرِ إلى حالِ المَسْخِ بِشَيْءٍ يَفْعَلُونَهُ ولا لَهم فِيهِ تَكَسُّبٌ، و"خاسِئِينَ" مَعْناهُ: مُبْعَدِينَ أذِلّاءَ صاغِرِينَ كَما يُقالُ لِلْكَلْبِ ولِلْمَطْرُودِ: اخْسَأْ، تَقُولُ: خَسَأْتُهُ فَخَسَأ، ومَوْضِعُهُ مِنَ الإعْرابِ، النَصْبُ عَلى الحالِ، أو عَلى خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ. ورُوِيَ في قَصَصِهِمْ أنَّ اللهَ تَعالى مَسَخَ العاصِينَ قِرَدَةً بِاللَيْلِ، فَأصْبَحَ الناجُونَ إلى مَساجِدِهِمْ ومُجْتَمَعاتِهِمْ، فَلَمْ يَرَوْا أحَدًا مِنَ الهالِكِينَ، فَقالُوا: إنْ لِلنّاسِ لَشَأْنًا، فَفَتَحُوا عَلَيْهِمُ الأبْوابَ كَما كانَتْ مُغْلَقَةً بِاللَيْلِ، فَوَجَدُوهم "قِرَدَةً"، يَعْرِفُونَ الرَجُلَ والمَرْأةَ، وقِيلَ: إنَّ الناجِينَ كانُوا قَدْ قَسَّمُوا بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ القَرْيَةَ بِجِدارٍ، تَبَرِّيًا مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا ولَمْ تُفْتَحْ مَدِينَةُ الهالِكِينَ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمُ الجِدارَ، فَإذا هم قِرَدَةٌ يَثِبُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ. ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ وثَبَتَ، أنَّ المَمْسُوخَ لا يَنْسَلُّ ولا تَأْكُلُ، ولا تَشْرَبُ، ولا تَعِيشُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، ووَقَعَ في كِتابِ مُسْلِمٍ عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «أنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ فُقِدَتْ وأراها الفَأْرَ»، وظاهِرُ هَذا أنَّ المَمْسُوخَ تَنْسَلُّ، فَإنْ كانَ أرادَ هَذا فَهو ظَنٌّ مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ في أمْرٍ لا مَدْخَلَ لَهُ في التَبْلِيغِ، ثُمَّ أُوحِيَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ المَمْسُوخَ لا تَنْسَلُّ. ونَظِيرُ ما قُلْناهُ نُزُولُهُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى مِياهِ بَدْرٍ، وأمَرَهُ بِاطِّراحِ تَذْكِيرِ النَخْلِ، وقَدْ (p-٢٤٤)قالَ ﷺ: «إذا أُخْبَرْتُكم بِرَأْيٍ في أُمُورِ الدُنْيا فَإنَّما أنا بَشَرٌ». ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إنَّما مُسِخَتْ قُلُوبُهم فَقَطْ، ورُدَّتْ أفْهامُهم كَأفْهامِ القِرَدَةِ، والأوَّلُ أقْوى وأظْهَرُ. والضَمِيرُ في "فَجَعَلْناها" يُحْتَمَلُ العَوْدَ عَلى المِسْخَةِ والعُقُوبَةِ، ويُحْتَمَلُ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ، ويُحْتَمَلُ عَلى القِرَدَةِ، ويُحْتَمَلُ عَلى القَرْيَةِ إذْ مَعْنى الكَلامِ يَقْتَضِيها وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الحِيتانِ، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ. والنَكالُ: الزَجْرُ بِالعِقابِ، والنَكْلِ والأنْكالِ قُيُودُ الحَدِيدِ، فالنَكالُ عِقابٌ يُنَكَلُ بِسَبَبِهِ غَيْرُ المُعاقَبِ عن أنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، قالَ السُدِّيُّ: ما بَيْنَ يَدِي المِسْخَةِ ما قَبْلَها مِن ذُنُوبِ القَوْمِ، "وَما خَلْفَها" لِمَن يُذْنِبُ بَعْدَها مِثْلُ تِلْكَ الذُنُوبِ، وهَذا قَوْلٌ جَيِّدٌ. وقالَ غَيْرُهُ: ( ما بَيْنَ يَدَيْها ) أيْ مَن حَضَرَها مِنَ الناجِينَ، "وَما خَلْفَها" أيْ لِمَن يَجِيءُ بَعْدَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ أيْ مِن بَعْدِهِمْ مِنَ الناسِ لِيُحَذِّرَ ويَتَّقِيَ، وما خَلْفَها، لِمَن بَقِيَ مِنهم عِبْرَةً. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أراهُ يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، لِأنَّ دَلالَةَ ما بَيْنَ اليَدِ لَيْسَتْ كَما في القَوْلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ (p-٢٤٥)أيْ مِنَ القُرى، فَهَذا تَرْتِيبُ أجْرامٍ لا تَرْتِيبٌ في الزَمانِ. و"مَوْعِظَةً" مُفْعِلَةً مِنَ الِاتِّعاظِ والِازْدِجارِ، و"لِلْمُتَّقِينَ" مَعْناهُ: لِلَّذِينِ نُهُوا ونَجَوْا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. واللَفْظُ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى﴾ الآيَةُ "إذْ" عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والمُرادُ تَذْكِيرُهم بِنَقْضِ سَلَفِهِمْ لِلْمِيثاقِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَأْمُرُكُمْ" بِإسْكانِ الراءِ، ورُوِيَ عنهُ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِهِ في "بارِئِكُمْ". وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ أسَنَّ، وكانَ لَهُ مالٌ، واسْتَبْطَأ ابْنُ أخِيهِ مَوْتَهُ، وقِيلَ: أخُوهُ، وقِيلَ: ابْنا عَمِّهِ، وقِيلَ: ورَثَةُ كَثِيرٍ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، فَقَتَلَهُ لِيَرِثَهُ، وألْقاهُ في سَبْطٍ آخَرَ غَيْرِ سِبْطِهِ لِيَأْخُذَ دِيَتَهُ، ويُلَطِّخَهم بِدَمِهِ، وقِيلَ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ في قَرْيَتَيْنِ مُتَجاوِرَتَيْنِ فَألْقاهُ إلى بابِ إحْدى المَدِينَتَيْنِ، وهي الَّتِي لَمْ يُقْتَلْ فِيها، ثُمَّ جَعَلَ يَطْلُبُهُ هو وسِبْطُهُ حَتّى وجَدَهُ قَتِيلًا، فَتَعَلَّقَ بِالسِبْطِ أو بِسُكّانِ المَدِينَةِ الَّتِي وُجِدَ القَتِيلُ عِنْدَها، فَأنْكَرُوا قَتْلَهُ، فَوَقَعَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ في ذَلِكَ لِحاءٌ حَتّى دَخَلُوا في السِلاحِ. فَقالَ أهْلُ النَهْيِ مِنهُمْ: أنَقْتَتِلُ ورَسُولُ اللهِ مَعَنا؟، فَذَهَبُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَصُّوا عَلَيْهِ القِصَّةَ، وسَألُوهُ البَيانَ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ يَذْبَحُوا بَقْرَةً فَيُضْرَبُ القَتِيلُ بِبَعْضِها فَيَحْيا ويُخْبِرُ بِقاتِلِهِ، فَقالَ لَهُمْ: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فَكانَ جَوابُهم أنْ قالُوا: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾. قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "أيَتَّخِذُنا" بِالياءِ عَلى مَعْنى أيَتَّخِذُنا اللهُ؟، وقَرَأ حَمْزَةُ: "هُزُؤًا" (p-٢٤٦)بِإسْكانِ الزايِ والهَمْزِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ عاصِمٌ "هُزُؤٌ" بِضَمٍّ الزاءِ والهاءِ والهَمْزِ، وقَرَأ أيْضًا دُونَ هَمْزٍ "هُزُوًا" حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ مِنَ القُرّاءِ بِضَمِّ الهاءِ والزايِ، والهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ، ورُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ ضَمُّ الهاءِ وتَشْدِيدُ الزايِ "هُزًّا". وهَذا القَوْلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ظاهِرُهُ فَسادُ اعْتِقادٍ مِمَّنْ قالَهُ، ولا يَصْحُّ الإيمانُ مِمَّنْ يَقُولُ لِنَبِيٍّ قَدْ ظَهَرَتْ مُعْجِزاتُهُ، وقالَ: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾، ولَوْ قالَ ذَلِكَ اليَوْمَ أحَدٌ عن بَعْضِ أقْوالِ النَبِيِّ ﷺ لَوَجَبَ تَكْفِيرُهُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ غِلْظِ الطَبْعِ والجَفاءِ والمَعْصِيَةِ، عَلى نَحْوِ ما قالَ القائِلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ في قِسْمَةِ غَنائِمَ حَنِينٍ: «إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهَ اللهِ» وكَما قالَ لَهُ الآخَرُ: «أعْدِلْ يا مُحَمَّدُ»، وكُلٌّ مُحْتَمَلٌ واللهُ أعْلَمُ. وقَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾، يُحْتَمَلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الِاسْتِعاذَةُ مِنَ الجَهْلِ في أنْ يُخْبِرَ عَنِ اللهِ تَعالى مُسْتَهْزِئًا، والآخَرُ مِنَ الجَهْلِ كَما جَهِلُوا في قَوْلِهِمْ ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾ لِمَن يُخْبِرُهم عَنِ اللهِ تَعالى.

البقرة 2:68

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ الناظِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنَّ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ هَذا تَعَنُّتٌ مِنهم وقِلَّةُ طَواعِيَةٍ، ولَوِ امْتَثَلُوا الأمْرَ فاسْتَعْرَضُوا بَقْرَةً فَذَبَحُوها لَقَضَوْا (p-٢٤٧)ما أُمِرُوا بِهِ، ولَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُما. ولُغَةُ بَنِي عامِرٍ "ادْعُ" بِكَسْرِ العَيْنِ، و"ما" اسْتِفْهامٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"هِيَ" خَبَرُهُ، ورُفِعَ "فارِضٌ" عَلى النَعْتِ لِلْبَقَرَةِ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ لا هي فارِضٌ. والفارِضُ: المُسِنَّةُ الهَرِمَةُ الَّتِي لا تَلِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم. تَقُولُ فَرَضَتْ تَفْرِضُ بِفَتْحِ العَيْنِ في الماضِي فُرُوضًا، ويُقالُ: فَرُضَتْ بِضَمِّ العَيْنِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما قَدِمَ وطالَ أمَدُهُ: فارِضٌ، وقالَ الشاعِرُ: ؎ يا رُبَّ ذِي ضَغَنٍ عَلَيَّ فارِضٌ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ والبِكْرُ مِنَ البَقَرِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ مِنَ الصِغَرِ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ: أنَّها الَّتِي ولَدَتْ ولَدًا واحِدًا، والبِكْرُ مِنَ النِساءِ: الَّتِي لَمْ يَمَسَّها الرَجُلُ، والبِكْرُ مِنَ الأولادِ: الأوَّلُ، ومِنَ الحاجِيّاتِ: الأُولى. والعَوانُ: الَّتِي قَدْ ولَدَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ قالَهُ مُجاهِدٌ، والأخْفَشُ، وحَكاهُ أهْلُ اللُغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "العَوانُ لا تُعَلَّمُ الخَمْرَةَ"، وحَرْبٌ عِوانٌ: قَدْ قُوتِلَ فِيها مَرَّتَيْنِ فَما زادَ، ورُفِعَتْ عَوانٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ هي عِوانٌ، وجَمْعُها عَوْنٌ بِسُكُونِ الواوِ، وسُمِعَ عَوُنٌ بِتَحْرِيكِها بِالضَمِّ. و"بَيْنَ" بابِها أنْ تُضافَ إلى اثْنَيْنِ وأُضِيفَتْ هُنا إلى "ذَلِكَ"، إذْ ذَلِكَ يُشارُ بِهِ إلى المُجْمِلاتِ، فَذَلِكَ عِنْدَ (p-٢٤٨)سِيبَوَيْهِ نازِلٌ مَنزِلَةَ ما ذُكِرَ، فَهي إشارَةٌ إلى مُفْرَدٍ عَلى بابِهِ، وقَدْ ذُكِرَ اثْنانِ فَجاءَتْ أيْضًا "بَيْنَ" عَلى بابِها. وقَوْلُهُ: ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ تَجْدِيدٌ لِلْأمْرِ، وتَأْكِيدٌ، وتَنْبِيهٌ عَلى تَرْكِ التَعَنُّتِ فَما تَرَكُوهُ، و"ما" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"لَوْنُها" خَبَرُهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وجُمْهُورُ الناسِ في قَوْلِهِ: "صَفْراءُ"، إنَّها كانَتْ كُلُّها صَفْراءَ، قالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ عن بَعْضِهِمْ: حَتّى القَرْنُ والظَلْفُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ صَفْراءَ القَرْنِ والظِلْفِ فَقَطْ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: "صَفْراءُ" مَعْناهُ سَوْداءُ، وهَذا شاذٌّ لا يُسْتَعْمَلُ مَجازًا إلّا في الإبِلِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ الأعْشى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَبِيبِ والفُقُوعُ: نَعْتٌ مُخْتَصٌّ بِالصُفْرَةِ، كَما خُصَّ أحْمَرُ بِقانِئٍ، وأسْوَدُ بِحالِكٍ، وأبْيَضُ بِناصِعٍ، وأخْضَرُ بِناضِرٍ. و"لَوْنُها" فاعِلٌ بـِ "فاقِعٌ"، و﴿تَسُرُّ الناظِرِينَ﴾، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، كانَتْ كَأنَّ شُعاعَ الشَمْسِ يَخْرُجُ مِن جِلْدِها، فَمَعْناهُ تُعْجِبُ الناظِرِينَ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "الصُفْرَةُ تَسُرُّ النَفْسَ"، وحَضَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى لِباسِ النِعالِ (p-٢٤٩)الصُفْرِ، حَكاهُ عنهُ النَقّاشُ، وحُكِيَ نَهْيَ ابْنُ الزُبَيْرِ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عن لِباسِ النِعالِ السُودِ، لِأنَّها تَهُمُّ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، والسُدِّيُّ: ﴿تَسُرُّ الناظِرِينَ﴾ مَعْناهُ في سَمْنِها ومَنظَرِها كُلِّهِ، وسَألُوهُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ عَمّا هي سُؤالُ مُتَحَيِّرِينَ قَدْ أحَسُّوا بِمَقْتِ المَعْصِيَةِ، و"البَقَرَ" جَمْعُ بَقَرَةٍ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى باقِرٍ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ، وعِكْرِمَةُ، وتُجْمَعُ عَلى بَقِيرٍ، وبَيْقُورٍ، ولَمْ يَقْرَأْ بِهِما فِيما عَلِمْتُ. وقَرَأ السَبْعَةُ "تَشابَهَ" فِعْلٌ ماضٍ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ "تَشّابَهُ" بِشَدِّ الشِينِ وضَمِّ الهاءِ أصْلُهُ تَتَشابَهُ، وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، فَأدْغَمَ، وقَرَأ أيْضًا "تُشابَهُ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ عَلى حَذْفِ التاءِ الثانِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "يُشابَهُ" بِالياءِ وإدْغامِ التاءِ، وحَكى المَهْدِيُّ عَنِ المُعَيْطِيِّ "تَشَّبَّهَ" بِتَشْدِيدِ الشِينِ والباءِ دُونَ ألِفٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قِراءَةَ "مُتَشَبِّهٌ" اسْمُ فاعِلٍ مِن تَشَبَّهَ، وحُكِيَ أيْضًا "يَتَشابَهُ". وفِي اسْتِثْنائِهِمْ في هَذا السُؤالِ الأخِيرِ إنابَةٌ ما وانْقِيادٌ، ودَلِيلُ نَدَمٍ، وحِرْصٍ عَلى مُوافَقَةِ الأمْرِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَوْلا ما اسْتَثْنَوْا ما اهْتَدَوْا إلَيْها أبَدًا» والضَمِيرُ في "إنّا" هو اسْمُ "إنَّ"، و"مُهْتَدُونَ" الخَبَرُ، واللامُ لِلتَّأْكِيدِ، والِاسْتِثْناءُ اعْتِراضٌ قُدِّمَ عَلى ذِكْرِ الِاهْتِداءِ تَهَمُّمًا بِهِ.

البقرة 2:69

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ الناظِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنَّ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ هَذا تَعَنُّتٌ مِنهم وقِلَّةُ طَواعِيَةٍ، ولَوِ امْتَثَلُوا الأمْرَ فاسْتَعْرَضُوا بَقْرَةً فَذَبَحُوها لَقَضَوْا (p-٢٤٧)ما أُمِرُوا بِهِ، ولَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُما. ولُغَةُ بَنِي عامِرٍ "ادْعُ" بِكَسْرِ العَيْنِ، و"ما" اسْتِفْهامٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"هِيَ" خَبَرُهُ، ورُفِعَ "فارِضٌ" عَلى النَعْتِ لِلْبَقَرَةِ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ لا هي فارِضٌ. والفارِضُ: المُسِنَّةُ الهَرِمَةُ الَّتِي لا تَلِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم. تَقُولُ فَرَضَتْ تَفْرِضُ بِفَتْحِ العَيْنِ في الماضِي فُرُوضًا، ويُقالُ: فَرُضَتْ بِضَمِّ العَيْنِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما قَدِمَ وطالَ أمَدُهُ: فارِضٌ، وقالَ الشاعِرُ: ؎ يا رُبَّ ذِي ضَغَنٍ عَلَيَّ فارِضٌ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ والبِكْرُ مِنَ البَقَرِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ مِنَ الصِغَرِ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ: أنَّها الَّتِي ولَدَتْ ولَدًا واحِدًا، والبِكْرُ مِنَ النِساءِ: الَّتِي لَمْ يَمَسَّها الرَجُلُ، والبِكْرُ مِنَ الأولادِ: الأوَّلُ، ومِنَ الحاجِيّاتِ: الأُولى. والعَوانُ: الَّتِي قَدْ ولَدَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ قالَهُ مُجاهِدٌ، والأخْفَشُ، وحَكاهُ أهْلُ اللُغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "العَوانُ لا تُعَلَّمُ الخَمْرَةَ"، وحَرْبٌ عِوانٌ: قَدْ قُوتِلَ فِيها مَرَّتَيْنِ فَما زادَ، ورُفِعَتْ عَوانٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ هي عِوانٌ، وجَمْعُها عَوْنٌ بِسُكُونِ الواوِ، وسُمِعَ عَوُنٌ بِتَحْرِيكِها بِالضَمِّ. و"بَيْنَ" بابِها أنْ تُضافَ إلى اثْنَيْنِ وأُضِيفَتْ هُنا إلى "ذَلِكَ"، إذْ ذَلِكَ يُشارُ بِهِ إلى المُجْمِلاتِ، فَذَلِكَ عِنْدَ (p-٢٤٨)سِيبَوَيْهِ نازِلٌ مَنزِلَةَ ما ذُكِرَ، فَهي إشارَةٌ إلى مُفْرَدٍ عَلى بابِهِ، وقَدْ ذُكِرَ اثْنانِ فَجاءَتْ أيْضًا "بَيْنَ" عَلى بابِها. وقَوْلُهُ: ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ تَجْدِيدٌ لِلْأمْرِ، وتَأْكِيدٌ، وتَنْبِيهٌ عَلى تَرْكِ التَعَنُّتِ فَما تَرَكُوهُ، و"ما" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"لَوْنُها" خَبَرُهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وجُمْهُورُ الناسِ في قَوْلِهِ: "صَفْراءُ"، إنَّها كانَتْ كُلُّها صَفْراءَ، قالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ عن بَعْضِهِمْ: حَتّى القَرْنُ والظَلْفُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ صَفْراءَ القَرْنِ والظِلْفِ فَقَطْ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: "صَفْراءُ" مَعْناهُ سَوْداءُ، وهَذا شاذٌّ لا يُسْتَعْمَلُ مَجازًا إلّا في الإبِلِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ الأعْشى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَبِيبِ والفُقُوعُ: نَعْتٌ مُخْتَصٌّ بِالصُفْرَةِ، كَما خُصَّ أحْمَرُ بِقانِئٍ، وأسْوَدُ بِحالِكٍ، وأبْيَضُ بِناصِعٍ، وأخْضَرُ بِناضِرٍ. و"لَوْنُها" فاعِلٌ بـِ "فاقِعٌ"، و﴿تَسُرُّ الناظِرِينَ﴾، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، كانَتْ كَأنَّ شُعاعَ الشَمْسِ يَخْرُجُ مِن جِلْدِها، فَمَعْناهُ تُعْجِبُ الناظِرِينَ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "الصُفْرَةُ تَسُرُّ النَفْسَ"، وحَضَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى لِباسِ النِعالِ (p-٢٤٩)الصُفْرِ، حَكاهُ عنهُ النَقّاشُ، وحُكِيَ نَهْيَ ابْنُ الزُبَيْرِ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عن لِباسِ النِعالِ السُودِ، لِأنَّها تَهُمُّ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، والسُدِّيُّ: ﴿تَسُرُّ الناظِرِينَ﴾ مَعْناهُ في سَمْنِها ومَنظَرِها كُلِّهِ، وسَألُوهُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ عَمّا هي سُؤالُ مُتَحَيِّرِينَ قَدْ أحَسُّوا بِمَقْتِ المَعْصِيَةِ، و"البَقَرَ" جَمْعُ بَقَرَةٍ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى باقِرٍ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ، وعِكْرِمَةُ، وتُجْمَعُ عَلى بَقِيرٍ، وبَيْقُورٍ، ولَمْ يَقْرَأْ بِهِما فِيما عَلِمْتُ. وقَرَأ السَبْعَةُ "تَشابَهَ" فِعْلٌ ماضٍ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ "تَشّابَهُ" بِشَدِّ الشِينِ وضَمِّ الهاءِ أصْلُهُ تَتَشابَهُ، وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، فَأدْغَمَ، وقَرَأ أيْضًا "تُشابَهُ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ عَلى حَذْفِ التاءِ الثانِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "يُشابَهُ" بِالياءِ وإدْغامِ التاءِ، وحَكى المَهْدِيُّ عَنِ المُعَيْطِيِّ "تَشَّبَّهَ" بِتَشْدِيدِ الشِينِ والباءِ دُونَ ألِفٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قِراءَةَ "مُتَشَبِّهٌ" اسْمُ فاعِلٍ مِن تَشَبَّهَ، وحُكِيَ أيْضًا "يَتَشابَهُ". وفِي اسْتِثْنائِهِمْ في هَذا السُؤالِ الأخِيرِ إنابَةٌ ما وانْقِيادٌ، ودَلِيلُ نَدَمٍ، وحِرْصٍ عَلى مُوافَقَةِ الأمْرِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَوْلا ما اسْتَثْنَوْا ما اهْتَدَوْا إلَيْها أبَدًا» والضَمِيرُ في "إنّا" هو اسْمُ "إنَّ"، و"مُهْتَدُونَ" الخَبَرُ، واللامُ لِلتَّأْكِيدِ، والِاسْتِثْناءُ اعْتِراضٌ قُدِّمَ عَلى ذِكْرِ الِاهْتِداءِ تَهَمُّمًا بِهِ.

البقرة 2:70

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ الناظِرِينَ﴾ ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنَّ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ هَذا تَعَنُّتٌ مِنهم وقِلَّةُ طَواعِيَةٍ، ولَوِ امْتَثَلُوا الأمْرَ فاسْتَعْرَضُوا بَقْرَةً فَذَبَحُوها لَقَضَوْا (p-٢٤٧)ما أُمِرُوا بِهِ، ولَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُما. ولُغَةُ بَنِي عامِرٍ "ادْعُ" بِكَسْرِ العَيْنِ، و"ما" اسْتِفْهامٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"هِيَ" خَبَرُهُ، ورُفِعَ "فارِضٌ" عَلى النَعْتِ لِلْبَقَرَةِ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ لا هي فارِضٌ. والفارِضُ: المُسِنَّةُ الهَرِمَةُ الَّتِي لا تَلِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم. تَقُولُ فَرَضَتْ تَفْرِضُ بِفَتْحِ العَيْنِ في الماضِي فُرُوضًا، ويُقالُ: فَرُضَتْ بِضَمِّ العَيْنِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما قَدِمَ وطالَ أمَدُهُ: فارِضٌ، وقالَ الشاعِرُ: ؎ يا رُبَّ ذِي ضَغَنٍ عَلَيَّ فارِضٌ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ والبِكْرُ مِنَ البَقَرِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ مِنَ الصِغَرِ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ: أنَّها الَّتِي ولَدَتْ ولَدًا واحِدًا، والبِكْرُ مِنَ النِساءِ: الَّتِي لَمْ يَمَسَّها الرَجُلُ، والبِكْرُ مِنَ الأولادِ: الأوَّلُ، ومِنَ الحاجِيّاتِ: الأُولى. والعَوانُ: الَّتِي قَدْ ولَدَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ قالَهُ مُجاهِدٌ، والأخْفَشُ، وحَكاهُ أهْلُ اللُغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "العَوانُ لا تُعَلَّمُ الخَمْرَةَ"، وحَرْبٌ عِوانٌ: قَدْ قُوتِلَ فِيها مَرَّتَيْنِ فَما زادَ، ورُفِعَتْ عَوانٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ هي عِوانٌ، وجَمْعُها عَوْنٌ بِسُكُونِ الواوِ، وسُمِعَ عَوُنٌ بِتَحْرِيكِها بِالضَمِّ. و"بَيْنَ" بابِها أنْ تُضافَ إلى اثْنَيْنِ وأُضِيفَتْ هُنا إلى "ذَلِكَ"، إذْ ذَلِكَ يُشارُ بِهِ إلى المُجْمِلاتِ، فَذَلِكَ عِنْدَ (p-٢٤٨)سِيبَوَيْهِ نازِلٌ مَنزِلَةَ ما ذُكِرَ، فَهي إشارَةٌ إلى مُفْرَدٍ عَلى بابِهِ، وقَدْ ذُكِرَ اثْنانِ فَجاءَتْ أيْضًا "بَيْنَ" عَلى بابِها. وقَوْلُهُ: ﴿فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ تَجْدِيدٌ لِلْأمْرِ، وتَأْكِيدٌ، وتَنْبِيهٌ عَلى تَرْكِ التَعَنُّتِ فَما تَرَكُوهُ، و"ما" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"لَوْنُها" خَبَرُهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وجُمْهُورُ الناسِ في قَوْلِهِ: "صَفْراءُ"، إنَّها كانَتْ كُلُّها صَفْراءَ، قالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ عن بَعْضِهِمْ: حَتّى القَرْنُ والظَلْفُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ صَفْراءَ القَرْنِ والظِلْفِ فَقَطْ. وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: "صَفْراءُ" مَعْناهُ سَوْداءُ، وهَذا شاذٌّ لا يُسْتَعْمَلُ مَجازًا إلّا في الإبِلِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ الأعْشى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ: ؎ تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَبِيبِ والفُقُوعُ: نَعْتٌ مُخْتَصٌّ بِالصُفْرَةِ، كَما خُصَّ أحْمَرُ بِقانِئٍ، وأسْوَدُ بِحالِكٍ، وأبْيَضُ بِناصِعٍ، وأخْضَرُ بِناضِرٍ. و"لَوْنُها" فاعِلٌ بـِ "فاقِعٌ"، و﴿تَسُرُّ الناظِرِينَ﴾، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، كانَتْ كَأنَّ شُعاعَ الشَمْسِ يَخْرُجُ مِن جِلْدِها، فَمَعْناهُ تُعْجِبُ الناظِرِينَ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "الصُفْرَةُ تَسُرُّ النَفْسَ"، وحَضَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى لِباسِ النِعالِ (p-٢٤٩)الصُفْرِ، حَكاهُ عنهُ النَقّاشُ، وحُكِيَ نَهْيَ ابْنُ الزُبَيْرِ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عن لِباسِ النِعالِ السُودِ، لِأنَّها تَهُمُّ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، والسُدِّيُّ: ﴿تَسُرُّ الناظِرِينَ﴾ مَعْناهُ في سَمْنِها ومَنظَرِها كُلِّهِ، وسَألُوهُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ عَمّا هي سُؤالُ مُتَحَيِّرِينَ قَدْ أحَسُّوا بِمَقْتِ المَعْصِيَةِ، و"البَقَرَ" جَمْعُ بَقَرَةٍ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى باقِرٍ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ، وعِكْرِمَةُ، وتُجْمَعُ عَلى بَقِيرٍ، وبَيْقُورٍ، ولَمْ يَقْرَأْ بِهِما فِيما عَلِمْتُ. وقَرَأ السَبْعَةُ "تَشابَهَ" فِعْلٌ ماضٍ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ "تَشّابَهُ" بِشَدِّ الشِينِ وضَمِّ الهاءِ أصْلُهُ تَتَشابَهُ، وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، فَأدْغَمَ، وقَرَأ أيْضًا "تُشابَهُ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ عَلى حَذْفِ التاءِ الثانِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "يُشابَهُ" بِالياءِ وإدْغامِ التاءِ، وحَكى المَهْدِيُّ عَنِ المُعَيْطِيِّ "تَشَّبَّهَ" بِتَشْدِيدِ الشِينِ والباءِ دُونَ ألِفٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قِراءَةَ "مُتَشَبِّهٌ" اسْمُ فاعِلٍ مِن تَشَبَّهَ، وحُكِيَ أيْضًا "يَتَشابَهُ". وفِي اسْتِثْنائِهِمْ في هَذا السُؤالِ الأخِيرِ إنابَةٌ ما وانْقِيادٌ، ودَلِيلُ نَدَمٍ، وحِرْصٍ عَلى مُوافَقَةِ الأمْرِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لَوْلا ما اسْتَثْنَوْا ما اهْتَدَوْا إلَيْها أبَدًا» والضَمِيرُ في "إنّا" هو اسْمُ "إنَّ"، و"مُهْتَدُونَ" الخَبَرُ، واللامُ لِلتَّأْكِيدِ، والِاسْتِثْناءُ اعْتِراضٌ قُدِّمَ عَلى ذِكْرِ الِاهْتِداءِ تَهَمُّمًا بِهِ.

البقرة 2:71

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ (p-٢٥٠)"ذَلُولٌ" مُذَلَّلَةٌ بِالعَمَلِ والرِياضَةِ، تَقُولُ بَقَرَةٌ ذَلُولٌ، بَيِّنَةُ الذِلِّ، بِكَسْرٍ الذالِ، ورَجُلٌ ذَلُولٌ بَيِّنُ الذُلِّ بِضَمِّ الذالِ وذَلُولٌ نَعْتٌ لـِ "بَقَرَةٌ" أو عَلى إضْمارِ هِيَ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ "لا ذَلُولَ" بِنَصْبِ اللامِ. و ﴿تُثِيرُ الأرْضَ﴾ مَعْناهُ بِالحِراثَةِ، وهي عِنْدَ قَوْمٍ: جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى صِفَةِ البَقَرَةِ أيْ: لا ذَلُولَ مُثِيرَةٌ. وقالَ قَوْمٌ: "تُثِيرُ" فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، والمَعْنى إيجابُ الحَرْثِ، وأنَّها كانَتْ تَحْرُثُ ولا تَسْقِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّها مِن نَكِرَةٍ. و"تَسْقِي الحَرْثَ" مَعْناهُ بِالسانِيَةِ أو غَيْرِها مِنَ الآلاتِ، و"الحَرْثَ": ما حُرِثَ وزُرِعَ. و"مُسَلَّمَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ السَلامَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ مِنَ العُيُوبِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ مِنَ الشِياتِ والألْوانِ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ مِنَ العَمَلِ. و﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ أيْ لا خِلافَ في لَوْنِها، هي صَفْراءُ كُلُّها، لا بَياضَ فِيها، ولا حُمْرَةَ، ولا سَوادَ. قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُ. والمُوشِي المُخْتَلِطُ الألْوانِ، ومِنهُ وشِيَ الثَوْبُ (p-٢٥١)تَزْيِينُهُ بِالألْوانِ، ومِنهُ الواشِي لِأنَّهُ يُزَيِّنُ كَذِبَهُ بِالألْوانِ مِنَ القَوْلِ، والثَوْرُ الأُشَّيْهُ الَّذِي فِيهِ بَلْقَةٌ. يُقالُ: فَرَسٌ أبْلَقُ، وكَبْشٌ أخْرَجُ، وتَيْسٌ أبْرَقُ، وكَلْبٌ أبْقَعُ، وثَوْرٌ أشْيَعُ، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنى البُلْقَةِ. وهَذِهِ الأوصافُ في البَقَرَةِ سَبَبُها أنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، ودِينُ اللهِ يُسْرٌ، والتَعَمُّقُ في سُؤالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَذْمُومٌ. وقِصَّةُ وُجُودِ هَذِهِ البَقَرَةِ عَلى ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ، وكانَتْ لَهُ عَجَلَةٌ فَأرْسَلَها في غَيْضَةٍ، وقالَ: اللهُمَّ إنِّي اسْتَوْدَعْتُكَ هَذِهِ العَجَلَةَ لِهَذا الصَبِيِّ، وماتَ الرَجُلُ، فَلَمّا كَبُرَ الصَبِيُّ قالَتْ لَهُ أُمُّهُ: إنَّ أباكَ قَدِ اسْتَوْدَعَ اللهُ عَجَلَةً لَكَ، فاذْهَبْ فَخُذْها، فَذَهَبَ، فَلَمّا رَأتْهُ البَقَرَةُ جاءَتْ إلَيْهِ حَتّى أخَذَ بِقَرْنَيْها، وكانَتْ مُسْتَوْحِشَةً فَجَعَلَ يَقُودُها نَحْوَ أُمِّهِ، فَلَقِيَهُ بَنُو إسْرائِيلَ ووَجَدُوا بَقَرَتَهُ عَلى الصِفَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِها. ورَوَتْ طائِفَةٌ أنَّهُ كانَ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَرًّا بِأبِيهِ، فَنامَ أبُوهُ يَوْمًا وتَحْتَ رَأْسِهِ مَفاتِيحُ مَسْكَنِهِما، فَمَرَّ بِهِ بائِعُ جَوْهَرٍ، فَسامَهُ فِيهِ بِسِتِّينَ ألْفًا، فَقالَ لَهُ ابْنُ النائِمِ: اصْبِرْ حَتّى يَنْتَبِهَ أبِي، وأنا آخُذُهُ مِنكَ بِسَبْعِينَ ألْفًا، فَقالَ لَهُ صاحِبُ الجَوْهَرِ: نَبِّهْ أباكَ وأنا أُعْطِيكَهُ بِخَمْسِينَ ألْفًا، فَداما كَذَلِكَ حَتّى بَلَغَهُ مِائَةَ ألِفٍ وانْحَطَّ صاحِبُ الجَوْهَرِ إلى ثَلاثِينَ ألْفًا، فَقالَ لَهُ ابْنُ النائِمِ: واللهِ لا اشْتَرَيْتُهُ مِنكَ بِشَيْءٍ، بِرّا بِأبِيهِ، فَعَوَّضَهُ اللهُ مِنهُ أنْ وُجِدَتِ البَقَرَةُ عِنْدَهُ. وقالَ قَوْمٌ: وُجِدَتْ عِنْدَ عَجُوزٍ تَعُولُ يَتامى كانَتِ البَقَرَةُ لَهُمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلافٍ في قِصَّتِها، هَذا مَعْناهُ، فَلَمّا وُجِدَتِ البَقَرَةُ سامُوا صاحِبَها؟، فاشْتَطَّ عَلَيْهِمْ، وكانَتْ قِيمَتُها عَلى ما رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ ثَلاثَةُ دَنانِيرَ، فَأتَوْا بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، (p-٢٥٢)وَقالُوا: إنَّ هَذا اشْتَطَّ عَلَيْنا، فَقالَ لَهُمْ: أرْضُوهُ في مِلْكِهِ فاشْتَرُوها مِنهُ بِوَزْنِها مَرَّةً، قالَهُ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ، وقِيلَ: بِوَزْنِها مَرَّتَيْنِ، وقالَ السُدِّيُّ: بِوَزْنِها عَشْرُ مَرّاتٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ لِرَجُلٍ يَبِرُّ أُمَّهُ، وأُخِذَتْ مِنهُ بِمَلْءِ جِلْدِها دَنانِيرَ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ هَذِهِ البَقَرَةَ نَزَلَتْ مِنَ السَماءِ، ولَمْ تَكُنْ مِن بَقَرِ الأرْضِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّها كانَتْ وحْشِيَّةً. و"الآنَ" مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، ولَمْ يَتَعَرَّفْ بِهَذِهِ الألِفِ واللامِ، ألا تَرى أنَّها لا تُفارِقُهُ في الِاسْتِعْمالِ؟ وإنَّما بُنِيَ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى حَرْفِ التَعْرِيفِ، ولِأنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ المُبْهَمِ، إذْ مَعْناهُ هَذا الوَقْتُ، هو عِبارَةٌ عَمّا بَيْنَ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، وقُرِئَ: "قالُوا الآنَ" بِسُكُونِ اللامِ وهَمْزَةٍ بَعْدَها، و"قالُوا الآنَ" بِمُدَّةٍ عَلى الواوِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ، و"قالُوا الآنَ" بِحَذْفِ الواوِ مِنَ اللَفْظِ دُونَ هَمْزٍ، و"قالُوا الآنَ" بِقَطْعِ الألِفِ الأُولى وإنْ كانَتْ ألِفَ وصْلٍ، كَما تَقُولُ: يا أللَّهُ. و﴿جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ مَعْناهُ عِنْدَ مَن جَعَلَهم عُصاةً: بَيَّنْتَ لَنا غايَةَ البَيانِ، و﴿جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ الَّذِي طَلَبْناهُ، لا أنَّهُ كانَ يَجِيءُ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ، ومَعْناهُ عِنْدَ ابْنِ زَيْدٍ الَّذِي حَمَلَ مُحاوَرَتَهم عَلى الكُفْرِ: الآنَ صَدَقْتَ، وأذْعَنُوا في هَذِهِ الحالِ حِينَ بُيِّنَ لَهم أنَّها سَلِيمَةٌ، وقِيلَ: إنَّهم عَيَّنُوها مَعَ هَذِهِ الأوصافِ، وقالُوا هَذِهِ بَقَرَةُ فُلانٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تُعْطِي أنَّ الذَبْحَ أصْلٌ في البَقَرِ، وإنْ نُحِرَتْ أجْزَتْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾، عِبارَةٌ عن تَثَبُّطِهِمْ في ذَبْحِها، وقِلَّةِ مُبادَرَتِهِمْ (p-٢٥٣)إلى أمْرِ اللهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: كانَ ذَلِكَ مِنهم لِغَلاءِ البَقَرَةِ وكَثْرَةِ ثَمَنِها، وقالَ غَيْرُهُ: كانَ ذَلِكَ خَوْفَ الفَضِيحَةِ في أمْرِ القاتِلِ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ لِلْمَعْهُودِ مِن قِلَّةِ انْقِيادِهِمْ، وتَعَنُّتِهِمْ عَلى الأنْبِياءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ القَتِيلِ الَّذِي يُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾، والمَعْنى قُلْنا لَهُمُ اذْكُرُوا إذْ "قَتَلْتُمْ" و"ادّارَأْتُمْ" أصْلُهُ: تَدارَأْتُمْ. ثُمَّ أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، فَتَعَذَّرَ الِابْتِداءُ بِمُدْغَمٍ فَجُلِبَتْ ألِفُ الوَصْلِ، ومَعْناهُ تَدافَعْتُمْ أيْ دَفَعَ بَعْضُكم قَتْلَ القَتِيلِ إلى بَعْضٍ. قالَ الشاعِرُ: ؎ صادَفَ دَرْءُ السَيْلِ دَرْءًا يَدْفَعُهُ...................................... وقالَ الآخَرُ: ؎ مُدْرَأٌ يَدْرَأُ الخُصُومَ بِقَوْلٍ ∗∗∗ مِثْلَ حَدِّ الصَمْصامَةِ الهِنْدُوانِيِّ (p-٢٥٤)والضَمِيرُ في قَوْلِهِ:"فِيها" عائِدٌ عَلى النَفْسِ، وقِيلَ عَلى القَتَلَةِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو السُوارِ الغَنَوِيُّ: "وَإذْ قَتَلْتُمْ نَسَمَةً فادّارَأْتُمْ". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "فَتَدارَأْتُمْ" عَلى الأصْلِ. ومَوْضِعُ "ما" نُصِبَ بِمُخْرِجٍ والمَكْتُومُ هو أمْرُ المَقْتُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾، آيَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى يَدَيْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، أنْ أمَرَهم أنْ يَضْرِبُوا بِبَعْضِ البَقَرَةِ القَتِيلَ، فَيَحْيى ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ، فَقِيلَ: ضَرَبُوهُ: وقِيلَ: ضَرَبُوا قَبْرَهُ لِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ أنَّ أمْرَ القَتِيلِ وقَعَ قَبْلَ جَوازِ البَحْرِ، وأنَّهم دامُوا في طَلَبِ البَقَرَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَ القُرَظِيُّ: لَقَدْ أمَرُوا بِطَلَبِها وما هي في صُلْبٍ ولا رَحِمٍ بَعْدُ. وقالَ السُدِّيُّ: ضَرَبَ بِاللُحْمَةِ الَّتِي بَيْنَ الكَتِفَيْنِ وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: ضَرَبَ بِالفَخِذِ، وقِيلَ ضَرَبَ بِاللِسانِ، وقِيلَ: بِالذَنَبِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: بِعَظْمٍ مِن عِظامِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتى﴾ الآيَةُ، الإشارَةُ بِ "ذَلِكَ" إلى الإحْياءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَصَصُ الآيَةِ، إذْ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ حَضٌّ عَلى العِبْرَةِ، ودَلالَةٌ عَلى البَعْثِ في الآخِرَةِ، وظاهِرُها أنَّها خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَئِذٍ، حُكِيَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ لِيَعْتَبِرَ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها خِطابٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّها مَقْطُوعَةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾، واسْتَدَلَّ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ بِهَذِهِ النازِلَةِ عَلى تَجْوِيزِ قَوْلِ القَتِيلِ، وأنْ تَقَعَ مَعَهُ القَسامَةُ.

البقرة 2:72

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ (p-٢٥٠)"ذَلُولٌ" مُذَلَّلَةٌ بِالعَمَلِ والرِياضَةِ، تَقُولُ بَقَرَةٌ ذَلُولٌ، بَيِّنَةُ الذِلِّ، بِكَسْرٍ الذالِ، ورَجُلٌ ذَلُولٌ بَيِّنُ الذُلِّ بِضَمِّ الذالِ وذَلُولٌ نَعْتٌ لـِ "بَقَرَةٌ" أو عَلى إضْمارِ هِيَ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ "لا ذَلُولَ" بِنَصْبِ اللامِ. و ﴿تُثِيرُ الأرْضَ﴾ مَعْناهُ بِالحِراثَةِ، وهي عِنْدَ قَوْمٍ: جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى صِفَةِ البَقَرَةِ أيْ: لا ذَلُولَ مُثِيرَةٌ. وقالَ قَوْمٌ: "تُثِيرُ" فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، والمَعْنى إيجابُ الحَرْثِ، وأنَّها كانَتْ تَحْرُثُ ولا تَسْقِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّها مِن نَكِرَةٍ. و"تَسْقِي الحَرْثَ" مَعْناهُ بِالسانِيَةِ أو غَيْرِها مِنَ الآلاتِ، و"الحَرْثَ": ما حُرِثَ وزُرِعَ. و"مُسَلَّمَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ السَلامَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ مِنَ العُيُوبِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ مِنَ الشِياتِ والألْوانِ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ مِنَ العَمَلِ. و﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ أيْ لا خِلافَ في لَوْنِها، هي صَفْراءُ كُلُّها، لا بَياضَ فِيها، ولا حُمْرَةَ، ولا سَوادَ. قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُ. والمُوشِي المُخْتَلِطُ الألْوانِ، ومِنهُ وشِيَ الثَوْبُ (p-٢٥١)تَزْيِينُهُ بِالألْوانِ، ومِنهُ الواشِي لِأنَّهُ يُزَيِّنُ كَذِبَهُ بِالألْوانِ مِنَ القَوْلِ، والثَوْرُ الأُشَّيْهُ الَّذِي فِيهِ بَلْقَةٌ. يُقالُ: فَرَسٌ أبْلَقُ، وكَبْشٌ أخْرَجُ، وتَيْسٌ أبْرَقُ، وكَلْبٌ أبْقَعُ، وثَوْرٌ أشْيَعُ، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنى البُلْقَةِ. وهَذِهِ الأوصافُ في البَقَرَةِ سَبَبُها أنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، ودِينُ اللهِ يُسْرٌ، والتَعَمُّقُ في سُؤالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَذْمُومٌ. وقِصَّةُ وُجُودِ هَذِهِ البَقَرَةِ عَلى ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ، وكانَتْ لَهُ عَجَلَةٌ فَأرْسَلَها في غَيْضَةٍ، وقالَ: اللهُمَّ إنِّي اسْتَوْدَعْتُكَ هَذِهِ العَجَلَةَ لِهَذا الصَبِيِّ، وماتَ الرَجُلُ، فَلَمّا كَبُرَ الصَبِيُّ قالَتْ لَهُ أُمُّهُ: إنَّ أباكَ قَدِ اسْتَوْدَعَ اللهُ عَجَلَةً لَكَ، فاذْهَبْ فَخُذْها، فَذَهَبَ، فَلَمّا رَأتْهُ البَقَرَةُ جاءَتْ إلَيْهِ حَتّى أخَذَ بِقَرْنَيْها، وكانَتْ مُسْتَوْحِشَةً فَجَعَلَ يَقُودُها نَحْوَ أُمِّهِ، فَلَقِيَهُ بَنُو إسْرائِيلَ ووَجَدُوا بَقَرَتَهُ عَلى الصِفَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِها. ورَوَتْ طائِفَةٌ أنَّهُ كانَ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَرًّا بِأبِيهِ، فَنامَ أبُوهُ يَوْمًا وتَحْتَ رَأْسِهِ مَفاتِيحُ مَسْكَنِهِما، فَمَرَّ بِهِ بائِعُ جَوْهَرٍ، فَسامَهُ فِيهِ بِسِتِّينَ ألْفًا، فَقالَ لَهُ ابْنُ النائِمِ: اصْبِرْ حَتّى يَنْتَبِهَ أبِي، وأنا آخُذُهُ مِنكَ بِسَبْعِينَ ألْفًا، فَقالَ لَهُ صاحِبُ الجَوْهَرِ: نَبِّهْ أباكَ وأنا أُعْطِيكَهُ بِخَمْسِينَ ألْفًا، فَداما كَذَلِكَ حَتّى بَلَغَهُ مِائَةَ ألِفٍ وانْحَطَّ صاحِبُ الجَوْهَرِ إلى ثَلاثِينَ ألْفًا، فَقالَ لَهُ ابْنُ النائِمِ: واللهِ لا اشْتَرَيْتُهُ مِنكَ بِشَيْءٍ، بِرّا بِأبِيهِ، فَعَوَّضَهُ اللهُ مِنهُ أنْ وُجِدَتِ البَقَرَةُ عِنْدَهُ. وقالَ قَوْمٌ: وُجِدَتْ عِنْدَ عَجُوزٍ تَعُولُ يَتامى كانَتِ البَقَرَةُ لَهُمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلافٍ في قِصَّتِها، هَذا مَعْناهُ، فَلَمّا وُجِدَتِ البَقَرَةُ سامُوا صاحِبَها؟، فاشْتَطَّ عَلَيْهِمْ، وكانَتْ قِيمَتُها عَلى ما رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ ثَلاثَةُ دَنانِيرَ، فَأتَوْا بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، (p-٢٥٢)وَقالُوا: إنَّ هَذا اشْتَطَّ عَلَيْنا، فَقالَ لَهُمْ: أرْضُوهُ في مِلْكِهِ فاشْتَرُوها مِنهُ بِوَزْنِها مَرَّةً، قالَهُ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ، وقِيلَ: بِوَزْنِها مَرَّتَيْنِ، وقالَ السُدِّيُّ: بِوَزْنِها عَشْرُ مَرّاتٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ لِرَجُلٍ يَبِرُّ أُمَّهُ، وأُخِذَتْ مِنهُ بِمَلْءِ جِلْدِها دَنانِيرَ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ هَذِهِ البَقَرَةَ نَزَلَتْ مِنَ السَماءِ، ولَمْ تَكُنْ مِن بَقَرِ الأرْضِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّها كانَتْ وحْشِيَّةً. و"الآنَ" مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، ولَمْ يَتَعَرَّفْ بِهَذِهِ الألِفِ واللامِ، ألا تَرى أنَّها لا تُفارِقُهُ في الِاسْتِعْمالِ؟ وإنَّما بُنِيَ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى حَرْفِ التَعْرِيفِ، ولِأنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ المُبْهَمِ، إذْ مَعْناهُ هَذا الوَقْتُ، هو عِبارَةٌ عَمّا بَيْنَ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، وقُرِئَ: "قالُوا الآنَ" بِسُكُونِ اللامِ وهَمْزَةٍ بَعْدَها، و"قالُوا الآنَ" بِمُدَّةٍ عَلى الواوِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ، و"قالُوا الآنَ" بِحَذْفِ الواوِ مِنَ اللَفْظِ دُونَ هَمْزٍ، و"قالُوا الآنَ" بِقَطْعِ الألِفِ الأُولى وإنْ كانَتْ ألِفَ وصْلٍ، كَما تَقُولُ: يا أللَّهُ. و﴿جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ مَعْناهُ عِنْدَ مَن جَعَلَهم عُصاةً: بَيَّنْتَ لَنا غايَةَ البَيانِ، و﴿جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ الَّذِي طَلَبْناهُ، لا أنَّهُ كانَ يَجِيءُ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ، ومَعْناهُ عِنْدَ ابْنِ زَيْدٍ الَّذِي حَمَلَ مُحاوَرَتَهم عَلى الكُفْرِ: الآنَ صَدَقْتَ، وأذْعَنُوا في هَذِهِ الحالِ حِينَ بُيِّنَ لَهم أنَّها سَلِيمَةٌ، وقِيلَ: إنَّهم عَيَّنُوها مَعَ هَذِهِ الأوصافِ، وقالُوا هَذِهِ بَقَرَةُ فُلانٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تُعْطِي أنَّ الذَبْحَ أصْلٌ في البَقَرِ، وإنْ نُحِرَتْ أجْزَتْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾، عِبارَةٌ عن تَثَبُّطِهِمْ في ذَبْحِها، وقِلَّةِ مُبادَرَتِهِمْ (p-٢٥٣)إلى أمْرِ اللهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: كانَ ذَلِكَ مِنهم لِغَلاءِ البَقَرَةِ وكَثْرَةِ ثَمَنِها، وقالَ غَيْرُهُ: كانَ ذَلِكَ خَوْفَ الفَضِيحَةِ في أمْرِ القاتِلِ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ لِلْمَعْهُودِ مِن قِلَّةِ انْقِيادِهِمْ، وتَعَنُّتِهِمْ عَلى الأنْبِياءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ القَتِيلِ الَّذِي يُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾، والمَعْنى قُلْنا لَهُمُ اذْكُرُوا إذْ "قَتَلْتُمْ" و"ادّارَأْتُمْ" أصْلُهُ: تَدارَأْتُمْ. ثُمَّ أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، فَتَعَذَّرَ الِابْتِداءُ بِمُدْغَمٍ فَجُلِبَتْ ألِفُ الوَصْلِ، ومَعْناهُ تَدافَعْتُمْ أيْ دَفَعَ بَعْضُكم قَتْلَ القَتِيلِ إلى بَعْضٍ. قالَ الشاعِرُ: ؎ صادَفَ دَرْءُ السَيْلِ دَرْءًا يَدْفَعُهُ...................................... وقالَ الآخَرُ: ؎ مُدْرَأٌ يَدْرَأُ الخُصُومَ بِقَوْلٍ ∗∗∗ مِثْلَ حَدِّ الصَمْصامَةِ الهِنْدُوانِيِّ (p-٢٥٤)والضَمِيرُ في قَوْلِهِ:"فِيها" عائِدٌ عَلى النَفْسِ، وقِيلَ عَلى القَتَلَةِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو السُوارِ الغَنَوِيُّ: "وَإذْ قَتَلْتُمْ نَسَمَةً فادّارَأْتُمْ". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "فَتَدارَأْتُمْ" عَلى الأصْلِ. ومَوْضِعُ "ما" نُصِبَ بِمُخْرِجٍ والمَكْتُومُ هو أمْرُ المَقْتُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾، آيَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى يَدَيْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، أنْ أمَرَهم أنْ يَضْرِبُوا بِبَعْضِ البَقَرَةِ القَتِيلَ، فَيَحْيى ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ، فَقِيلَ: ضَرَبُوهُ: وقِيلَ: ضَرَبُوا قَبْرَهُ لِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ أنَّ أمْرَ القَتِيلِ وقَعَ قَبْلَ جَوازِ البَحْرِ، وأنَّهم دامُوا في طَلَبِ البَقَرَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَ القُرَظِيُّ: لَقَدْ أمَرُوا بِطَلَبِها وما هي في صُلْبٍ ولا رَحِمٍ بَعْدُ. وقالَ السُدِّيُّ: ضَرَبَ بِاللُحْمَةِ الَّتِي بَيْنَ الكَتِفَيْنِ وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: ضَرَبَ بِالفَخِذِ، وقِيلَ ضَرَبَ بِاللِسانِ، وقِيلَ: بِالذَنَبِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: بِعَظْمٍ مِن عِظامِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتى﴾ الآيَةُ، الإشارَةُ بِ "ذَلِكَ" إلى الإحْياءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَصَصُ الآيَةِ، إذْ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ حَضٌّ عَلى العِبْرَةِ، ودَلالَةٌ عَلى البَعْثِ في الآخِرَةِ، وظاهِرُها أنَّها خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَئِذٍ، حُكِيَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ لِيَعْتَبِرَ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها خِطابٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّها مَقْطُوعَةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾، واسْتَدَلَّ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ بِهَذِهِ النازِلَةِ عَلى تَجْوِيزِ قَوْلِ القَتِيلِ، وأنْ تَقَعَ مَعَهُ القَسامَةُ.

البقرة 2:73

قوله عزّ وجلّ: ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ (p-٢٥٠)"ذَلُولٌ" مُذَلَّلَةٌ بِالعَمَلِ والرِياضَةِ، تَقُولُ بَقَرَةٌ ذَلُولٌ، بَيِّنَةُ الذِلِّ، بِكَسْرٍ الذالِ، ورَجُلٌ ذَلُولٌ بَيِّنُ الذُلِّ بِضَمِّ الذالِ وذَلُولٌ نَعْتٌ لـِ "بَقَرَةٌ" أو عَلى إضْمارِ هِيَ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ "لا ذَلُولَ" بِنَصْبِ اللامِ. و ﴿تُثِيرُ الأرْضَ﴾ مَعْناهُ بِالحِراثَةِ، وهي عِنْدَ قَوْمٍ: جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى صِفَةِ البَقَرَةِ أيْ: لا ذَلُولَ مُثِيرَةٌ. وقالَ قَوْمٌ: "تُثِيرُ" فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، والمَعْنى إيجابُ الحَرْثِ، وأنَّها كانَتْ تَحْرُثُ ولا تَسْقِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّها مِن نَكِرَةٍ. و"تَسْقِي الحَرْثَ" مَعْناهُ بِالسانِيَةِ أو غَيْرِها مِنَ الآلاتِ، و"الحَرْثَ": ما حُرِثَ وزُرِعَ. و"مُسَلَّمَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ السَلامَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ مِنَ العُيُوبِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ مِنَ الشِياتِ والألْوانِ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ مِنَ العَمَلِ. و﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ أيْ لا خِلافَ في لَوْنِها، هي صَفْراءُ كُلُّها، لا بَياضَ فِيها، ولا حُمْرَةَ، ولا سَوادَ. قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُ. والمُوشِي المُخْتَلِطُ الألْوانِ، ومِنهُ وشِيَ الثَوْبُ (p-٢٥١)تَزْيِينُهُ بِالألْوانِ، ومِنهُ الواشِي لِأنَّهُ يُزَيِّنُ كَذِبَهُ بِالألْوانِ مِنَ القَوْلِ، والثَوْرُ الأُشَّيْهُ الَّذِي فِيهِ بَلْقَةٌ. يُقالُ: فَرَسٌ أبْلَقُ، وكَبْشٌ أخْرَجُ، وتَيْسٌ أبْرَقُ، وكَلْبٌ أبْقَعُ، وثَوْرٌ أشْيَعُ، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنى البُلْقَةِ. وهَذِهِ الأوصافُ في البَقَرَةِ سَبَبُها أنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، ودِينُ اللهِ يُسْرٌ، والتَعَمُّقُ في سُؤالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَذْمُومٌ. وقِصَّةُ وُجُودِ هَذِهِ البَقَرَةِ عَلى ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ، وكانَتْ لَهُ عَجَلَةٌ فَأرْسَلَها في غَيْضَةٍ، وقالَ: اللهُمَّ إنِّي اسْتَوْدَعْتُكَ هَذِهِ العَجَلَةَ لِهَذا الصَبِيِّ، وماتَ الرَجُلُ، فَلَمّا كَبُرَ الصَبِيُّ قالَتْ لَهُ أُمُّهُ: إنَّ أباكَ قَدِ اسْتَوْدَعَ اللهُ عَجَلَةً لَكَ، فاذْهَبْ فَخُذْها، فَذَهَبَ، فَلَمّا رَأتْهُ البَقَرَةُ جاءَتْ إلَيْهِ حَتّى أخَذَ بِقَرْنَيْها، وكانَتْ مُسْتَوْحِشَةً فَجَعَلَ يَقُودُها نَحْوَ أُمِّهِ، فَلَقِيَهُ بَنُو إسْرائِيلَ ووَجَدُوا بَقَرَتَهُ عَلى الصِفَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِها. ورَوَتْ طائِفَةٌ أنَّهُ كانَ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَرًّا بِأبِيهِ، فَنامَ أبُوهُ يَوْمًا وتَحْتَ رَأْسِهِ مَفاتِيحُ مَسْكَنِهِما، فَمَرَّ بِهِ بائِعُ جَوْهَرٍ، فَسامَهُ فِيهِ بِسِتِّينَ ألْفًا، فَقالَ لَهُ ابْنُ النائِمِ: اصْبِرْ حَتّى يَنْتَبِهَ أبِي، وأنا آخُذُهُ مِنكَ بِسَبْعِينَ ألْفًا، فَقالَ لَهُ صاحِبُ الجَوْهَرِ: نَبِّهْ أباكَ وأنا أُعْطِيكَهُ بِخَمْسِينَ ألْفًا، فَداما كَذَلِكَ حَتّى بَلَغَهُ مِائَةَ ألِفٍ وانْحَطَّ صاحِبُ الجَوْهَرِ إلى ثَلاثِينَ ألْفًا، فَقالَ لَهُ ابْنُ النائِمِ: واللهِ لا اشْتَرَيْتُهُ مِنكَ بِشَيْءٍ، بِرّا بِأبِيهِ، فَعَوَّضَهُ اللهُ مِنهُ أنْ وُجِدَتِ البَقَرَةُ عِنْدَهُ. وقالَ قَوْمٌ: وُجِدَتْ عِنْدَ عَجُوزٍ تَعُولُ يَتامى كانَتِ البَقَرَةُ لَهُمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلافٍ في قِصَّتِها، هَذا مَعْناهُ، فَلَمّا وُجِدَتِ البَقَرَةُ سامُوا صاحِبَها؟، فاشْتَطَّ عَلَيْهِمْ، وكانَتْ قِيمَتُها عَلى ما رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ ثَلاثَةُ دَنانِيرَ، فَأتَوْا بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، (p-٢٥٢)وَقالُوا: إنَّ هَذا اشْتَطَّ عَلَيْنا، فَقالَ لَهُمْ: أرْضُوهُ في مِلْكِهِ فاشْتَرُوها مِنهُ بِوَزْنِها مَرَّةً، قالَهُ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ، وقِيلَ: بِوَزْنِها مَرَّتَيْنِ، وقالَ السُدِّيُّ: بِوَزْنِها عَشْرُ مَرّاتٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ لِرَجُلٍ يَبِرُّ أُمَّهُ، وأُخِذَتْ مِنهُ بِمَلْءِ جِلْدِها دَنانِيرَ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ هَذِهِ البَقَرَةَ نَزَلَتْ مِنَ السَماءِ، ولَمْ تَكُنْ مِن بَقَرِ الأرْضِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّها كانَتْ وحْشِيَّةً. و"الآنَ" مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، ولَمْ يَتَعَرَّفْ بِهَذِهِ الألِفِ واللامِ، ألا تَرى أنَّها لا تُفارِقُهُ في الِاسْتِعْمالِ؟ وإنَّما بُنِيَ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى حَرْفِ التَعْرِيفِ، ولِأنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ المُبْهَمِ، إذْ مَعْناهُ هَذا الوَقْتُ، هو عِبارَةٌ عَمّا بَيْنَ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، وقُرِئَ: "قالُوا الآنَ" بِسُكُونِ اللامِ وهَمْزَةٍ بَعْدَها، و"قالُوا الآنَ" بِمُدَّةٍ عَلى الواوِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ، و"قالُوا الآنَ" بِحَذْفِ الواوِ مِنَ اللَفْظِ دُونَ هَمْزٍ، و"قالُوا الآنَ" بِقَطْعِ الألِفِ الأُولى وإنْ كانَتْ ألِفَ وصْلٍ، كَما تَقُولُ: يا أللَّهُ. و﴿جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ مَعْناهُ عِنْدَ مَن جَعَلَهم عُصاةً: بَيَّنْتَ لَنا غايَةَ البَيانِ، و﴿جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ الَّذِي طَلَبْناهُ، لا أنَّهُ كانَ يَجِيءُ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ، ومَعْناهُ عِنْدَ ابْنِ زَيْدٍ الَّذِي حَمَلَ مُحاوَرَتَهم عَلى الكُفْرِ: الآنَ صَدَقْتَ، وأذْعَنُوا في هَذِهِ الحالِ حِينَ بُيِّنَ لَهم أنَّها سَلِيمَةٌ، وقِيلَ: إنَّهم عَيَّنُوها مَعَ هَذِهِ الأوصافِ، وقالُوا هَذِهِ بَقَرَةُ فُلانٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تُعْطِي أنَّ الذَبْحَ أصْلٌ في البَقَرِ، وإنْ نُحِرَتْ أجْزَتْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾، عِبارَةٌ عن تَثَبُّطِهِمْ في ذَبْحِها، وقِلَّةِ مُبادَرَتِهِمْ (p-٢٥٣)إلى أمْرِ اللهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: كانَ ذَلِكَ مِنهم لِغَلاءِ البَقَرَةِ وكَثْرَةِ ثَمَنِها، وقالَ غَيْرُهُ: كانَ ذَلِكَ خَوْفَ الفَضِيحَةِ في أمْرِ القاتِلِ. وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ لِلْمَعْهُودِ مِن قِلَّةِ انْقِيادِهِمْ، وتَعَنُّتِهِمْ عَلى الأنْبِياءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ القَتِيلِ الَّذِي يُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾، والمَعْنى قُلْنا لَهُمُ اذْكُرُوا إذْ "قَتَلْتُمْ" و"ادّارَأْتُمْ" أصْلُهُ: تَدارَأْتُمْ. ثُمَّ أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، فَتَعَذَّرَ الِابْتِداءُ بِمُدْغَمٍ فَجُلِبَتْ ألِفُ الوَصْلِ، ومَعْناهُ تَدافَعْتُمْ أيْ دَفَعَ بَعْضُكم قَتْلَ القَتِيلِ إلى بَعْضٍ. قالَ الشاعِرُ: ؎ صادَفَ دَرْءُ السَيْلِ دَرْءًا يَدْفَعُهُ...................................... وقالَ الآخَرُ: ؎ مُدْرَأٌ يَدْرَأُ الخُصُومَ بِقَوْلٍ ∗∗∗ مِثْلَ حَدِّ الصَمْصامَةِ الهِنْدُوانِيِّ (p-٢٥٤)والضَمِيرُ في قَوْلِهِ:"فِيها" عائِدٌ عَلى النَفْسِ، وقِيلَ عَلى القَتَلَةِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو السُوارِ الغَنَوِيُّ: "وَإذْ قَتَلْتُمْ نَسَمَةً فادّارَأْتُمْ". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "فَتَدارَأْتُمْ" عَلى الأصْلِ. ومَوْضِعُ "ما" نُصِبَ بِمُخْرِجٍ والمَكْتُومُ هو أمْرُ المَقْتُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾، آيَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى يَدَيْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، أنْ أمَرَهم أنْ يَضْرِبُوا بِبَعْضِ البَقَرَةِ القَتِيلَ، فَيَحْيى ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ، فَقِيلَ: ضَرَبُوهُ: وقِيلَ: ضَرَبُوا قَبْرَهُ لِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ أنَّ أمْرَ القَتِيلِ وقَعَ قَبْلَ جَوازِ البَحْرِ، وأنَّهم دامُوا في طَلَبِ البَقَرَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَ القُرَظِيُّ: لَقَدْ أمَرُوا بِطَلَبِها وما هي في صُلْبٍ ولا رَحِمٍ بَعْدُ. وقالَ السُدِّيُّ: ضَرَبَ بِاللُحْمَةِ الَّتِي بَيْنَ الكَتِفَيْنِ وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: ضَرَبَ بِالفَخِذِ، وقِيلَ ضَرَبَ بِاللِسانِ، وقِيلَ: بِالذَنَبِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: بِعَظْمٍ مِن عِظامِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتى﴾ الآيَةُ، الإشارَةُ بِ "ذَلِكَ" إلى الإحْياءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَصَصُ الآيَةِ، إذْ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ. وفي هَذِهِ الآيَةِ حَضٌّ عَلى العِبْرَةِ، ودَلالَةٌ عَلى البَعْثِ في الآخِرَةِ، وظاهِرُها أنَّها خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَئِذٍ، حُكِيَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ لِيَعْتَبِرَ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها خِطابٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّها مَقْطُوعَةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾، واسْتَدَلَّ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ بِهَذِهِ النازِلَةِ عَلى تَجْوِيزِ قَوْلِ القَتِيلِ، وأنْ تَقَعَ مَعَهُ القَسامَةُ.

البقرة 2:74

(p-٢٥٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أو أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِن الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللهِ وما اللهِ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ "قَسَتْ" أيْ صَلَبَتْ وجَفَّتْ، وهي عِبارَةٌ عن خُلُوِّها مِنَ الإنابَةِ والإذْعانِ لِآياتِ اللهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ قُلُوبُ ورَثَةِ القَتِيلِ، لِأنَّهم حِينَ حَيِيَ، قالَ إنَّهم قَتَلُوهُ، وعادَ إلى حالِ مَوْتِهِ أنْكَرُوا قَتْلَهُ، وقالُوا: كَذَبَ. بَعْدَ ما رَأوا هَذِهِ الآيَةَ العُظْمى لَكِنْ نَفَّذَ حُكْمَ اللهِ تَعالى بِقَتْلِهِمْ. قالَ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: ولَمْ يَرِثْ قاتِلٌ مِن حِينَئِذٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِمَثَلِهِ جاءَ شَرْعُنا وحَكى مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في المُوَطَّأِ: أنَّ قِصَّةَ أُحَيْحَةَ بْنِ الجَلّاحِ في عَمِّهِ هي الَّتِي كانَتْ سَبَبًا ألّا يَرِثَ قاتِلٌ ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ الإسْلامُ، كَما ثَبَتَ كَثِيرًا مِن نَوازِلِ الجاهِلِيَّةِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: إنَّما أرادَ اللهُ قُلُوبَ بَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعًا في مَعاصِيهِمْ وما رَكَّبُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾ الآيَةُ، الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِهِيَ، تَقْدِيرُهُ: فَهي مِثْلُ الحِجارَةِ ﴿أو أشَدُّ﴾ مُرْتَفَعٌ بِالعَطْفِ عَلى الكافِ، "أوَ" عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ تَكْرارِ هِيَ، و"قَسْوَةً" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ. والعُرْفِ في "أو"، أنَّها لِلشَّكِّ، وذَلِكَ لا يَصِحُّ في هَذِهِ (p-٢٥٦)الآيَةُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى "أو"، هُنا، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي بِمَعْنى الواوُ كَما قالَ تَعالى: ﴿آثِمًا أو كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، أيْ وكَفُورًا. وكَما قالَ الشاعِرُ: ؎ نالَ الخِلافَةَ أو كانَتْ لَهُ قَدَرًا كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ أيْ وكانَتْ لَهُ. وقالَتْ طائِفَةٌ: هي بِمَعْنى بَلْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، المَعْنى بَلْ يَزِيدُونَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْناها التَخْيِيرُ، أيْ شَبَّهُوها بِالحِجارَةِ تُصِيبُوا، أو بِأشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ تُصِيبُوا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي عَلى بابِها في الشَكِّ، ومَعْناهُ عِنْدَكم أيُّها المُخاطَبُونَ، وفي نَظَرِكم أنْ لَوْ شاهَدْتُمْ قَسْوَتَها لَشَكَكْتُمْ: أهِيَ كالحِجارَةِ أو أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي عَلى جِهَةِ الإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الأُسُودِ الدُؤَلِيِّ: ؎ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا ∗∗∗ وعَبّاسًا وحَمْزَةُ أو عَلِيًّا ولَمْ يَشُكَّ أبُو الأُسُودِ، وإنَّما قَصَدَ الإبْهامَ عَلى السامِعِ، وقَدْ عُورِضَ أبُو الأُسُودِ في هَذا واحْتَجَّ بِقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤]، وهَذِهِ الآيَةُ مُفارِقَةٌ لِبَيْتِ أبِي الأُسُودِ، ولا يَتِمُّ مَعْنى الآيَةِ إلّا بـِ "أو"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أرادَ اللهُ تَعالى أنَّ فِيهِمْ مَن قَلْبُهُ كالحَجَرِ، وفِيهِمْ مَن قَلْبُهُ أشَدُّ مِنَ الحَجَرِ، فالمَعْنى فَهي (p-٢٥٧)فِرْقَتانِ كالحِجارَةِ أو أشَدَّ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُكَ أطْعَمْتُكَ الحُلْوَ أوِ الحامِضَ، تُرِيدُ أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ ما أطْعَمْتَهُ عن هَذَيْنَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أرادَ عَزَّ وجَلَّ أنَّها كانَتْ كالحِجارَةِ يَتَرَجّى لَها الرُجُوعُ والإنابَةُ كَما تَتَفَجَّرُ الأنْهارُ ويَخْرُجُ الماءُ مِنَ الحِجارَةِ، ثُمَّ زادَتْ قُلُوبُهم بَعْدَ ذَلِكَ قَسْوَةً بِأنْ صارَتْ في حَدِّ مَن لا تُرْجى إنابَتُهُ، فَصارَتْ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ فَلَمْ تَخْلُ أنْ كانَتْ كالحِجارَةِ طَوْرًا أو أشَدَّ طَوْرًا، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "قَساوَةً"، والمَعْنى واحِدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ الآيَةُ مَعْذِرَةٌ لِلْحِجارَةِ، وتَفْضِيلٌ لَها عَلى قُلُوبِهِمْ في مَعْنى قِلَّةِ القَسْوَةِ. وقالَ قَتادَةُ: عَذَرَ اللهُ تَعالى الحِجارَةَ ولَمْ يَعْذُرْ شَقِيَّ بَنِي آدَمَ. وقَرَأ قَتادَةُ: "وَإنَّ"، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكَذَلِكَ في الثانِيَةِ والثالِثَةِ، وفَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ النافِيَةِ لامُ التَأْكِيدِ في "لَمّا"، و"ما" في مَوْضِعِ نَصْبِ اسْمٍ لـِ "إنَّ"، ودَخَلَتِ اللامُ عَلى اسْمِ "إنَّ" لَمّا حالَ بَيْنَهُما المَجْرُورُ، ولَوِ اتَّصَلَ الِاسْمُ بـِ "إنَّ" لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ اللامِ لِثِقَلِ اجْتِماعِ تَأْكِيدَيْنِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ "يَنْفَجِرُ" بِالنُونِ وياءٍ مِن تَحْتٍ قَبْلَها وكَسْرِ الجِيمِ. ووَحَّدَ الضَمِيرَ في "مِنهُ" حَمْلًا عَلى لَفْظِ "ما". وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والضَحّاكُ "مِنها الأنْهارُ" حَمْلًا عَلى الحِجارَةِ. و"الأنْهارُ" جَمْعُ نَهْرٍ، وهو ما كَثُرَ ماؤُهُ جَرْيًا مِنَ الأخادِيدِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ في المَوْضِعَيْنِ وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ. و"يَشَّقَّقُ" أصْلُهُ يَتَشَقَّقُ، أُدْغِمَتِ التاءُ في الشِينِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ العُيُونِ الَّتِي لَمْ تُعَظَّمْ حَتّى تَكُونَ أنْهارًا، أو عَنِ الحِجارَةِ الَّتِي تَشَقَّقُ وإنْ لَمْ يَجْرِ ماءٌ مُنْفَسِحٌ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: "يَنْشَقَّقُ" بِالنُونِ. وقِيلَ في هُبُوطِ الحِجارَةِ: تَفَيُّؤُ ظِلالِها، (p-٢٥٨)وَقِيلَ: المُرادُ الجَبَلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ دَكًّا، وقِيلَ: إنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ في بَعْضِ الأحْجارِ خَشْيَةً وحَياةً يَهْبِطُ بِها مِن عُلُوٍّ تَواضُعًا. ونَظِيرُ هَذِهِ الحَياةِ حَياةُ الحَجَرِ المُسْلِمِ عَلى النَبِيِّ ﷺ، وحَياةُ الجِزْعِ الَّذِي أنَّ لِفَقْدِ النَبِيِّ ﷺ. وقِيلَ: لَفْظَةُ الهُبُوطِ مَجازٌ، وذَلِكَ أنَّ الحِجارَةَ -لَمّا كانَتِ القُلُوبُ تَعْتَبِرُ بِخَلْقِها، وتَخْشَعُ بِبَعْضِ مَناظِرِها- أُضِيفَ تَواضُعُ الناظِرِ إلَيْها، كَما قالَتِ العَرَبُ: "ناقَةٌ تاجِرَةٌ"، أيْ تَبْعَثُ مَن يَراها عَلى شِرائِها. وقالَ مُجاهِدٌ: "ما تَرَدّى حَجَرٌ مِن رَأْسِ جَبَلٍ، ولا تَفَجَّرَ نَهْرٌ مِن حَجَرٍ، ولا خَرَجَ ماءٌ مِنهُ إلّا ﴿مِن خَشْيَةِ اللهِ﴾ نَزَلَ بِذَلِكَ القُرْآنُ"، وقالَ مِثْلُهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ: أنَّ الخَشْيَةَ لِلْحِجارَةِ مُسْتَعارَةٌ كَما اسْتُعِيرَتِ الإرادَةُ لِلْجِدارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، وكَما قالَ زَيْدُ الخَيْلِ: ؎ بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حُجُراتِهِ ∗∗∗ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وكَما قالَ جَرِيرٌ: ؎ ...................................... ∗∗∗...... والجِبالُ الخُشَّعُ (p-٢٥٩)أيْ مَن رَأى الحَجَرَ هابِطًا تَخَيَّلَ فِيهِ الخَشْيَةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ بَراعَةَ مَعْنى الآيَةِ تَخْتَلُّ بِهِ، بَلِ القَوِيُّ أنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ لِلْحِجارَةِ قَدْرًا ما مِنَ الإدْراكِ تَقَعُ بِهِ الخَشْيَةُ والحَرَكَةُ. و"بِغافِلٍ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ خَبَرُ "ما"، لِأنَّها الحِجازِيَّةُ، يُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولُ الباءِ في الخَبَرِ، وإنْ كانَتِ الباءُ قَدْ تَجِيءُ شاذَّةً مَعَ التَمِيمِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، والمُخاطَبَةُ عَلى هَذا لِمُحَمَّدٍ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الآيَةُ. الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّ الأنْصارَ كانَ لَهم حِرْصٌ عَلى إسْلامِ اليَهُودِ لِلْحِلْفِ والجِوارِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم. ومَعْنى هَذا الخِطابُ التَقْرِيرُ عَلى أمْرٍ فِيهِ بُعْدٌ، إذْ قَدْ سَلَفَتْ لِأسْلافِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ أفاعِيلُ سُوءٍ، وهَؤُلاءِ عَلى ذَلِكَ السَنَنِ. والفَرِيقُ: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كالحِزْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: عُنِيَ بِالفَرِيقِ هُنا الأحْبارُ الَّذِينَ حَرَّفُوا التَوْراةَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وقِيلَ: المُرادُ كُلُّ مَن حَرَّفَ في التَوْراةِ شَيْئًا حُكْمًا أو غَيْرَهُ، كَفِعْلِهِمْ في آيَةِ الرَجْمِ ونَحْوِها، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ والرَبِيعُ: عُنِيَ السَبْعُونَ الَّذِينَ سَمِعُوا مَعَ مُوسى، ثُمَّ بَدَّلُوا بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي هَذا القَوْلِ ضَعْفٌ، ومَن قالَ إنَّ السَبْعِينَ سَمِعُوا ما سَمِعَ مُوسى فَقَدْ أخْطَأ، وأذْهَبَ فَضِيلَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، واخْتِصاصَهُ (p-٢٦٠)بِالتَكْلِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ كَلِمَ اللهُ"، وتَحْرِيفُ الشَيْءِ إمالَتُهُ مَن حالٍ إلى حالٍ، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى أنَّ تَحْرِيفَهم وتَبْدِيلَهم إنَّما هو بِالتَأْوِيلِ، ولَفْظُ التَوْراةِ باقٍ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهم بَدَّلُوا ألْفاظًا مِن تِلْقائِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ في التَوْراةِ لِأنَّهُمُ اسْتَحْفَظُوها، وغَيْرُ مُمْكِنٍ في القُرْآنِ لِأنَّ اللهَ تَعالى ضَمِنَ حِفْظَهُ.

البقرة 2:75

(p-٢٥٥)قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أو أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِن الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللهِ وما اللهِ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ "قَسَتْ" أيْ صَلَبَتْ وجَفَّتْ، وهي عِبارَةٌ عن خُلُوِّها مِنَ الإنابَةِ والإذْعانِ لِآياتِ اللهِ تَعالى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ قُلُوبُ ورَثَةِ القَتِيلِ، لِأنَّهم حِينَ حَيِيَ، قالَ إنَّهم قَتَلُوهُ، وعادَ إلى حالِ مَوْتِهِ أنْكَرُوا قَتْلَهُ، وقالُوا: كَذَبَ. بَعْدَ ما رَأوا هَذِهِ الآيَةَ العُظْمى لَكِنْ نَفَّذَ حُكْمَ اللهِ تَعالى بِقَتْلِهِمْ. قالَ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: ولَمْ يَرِثْ قاتِلٌ مِن حِينَئِذٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِمَثَلِهِ جاءَ شَرْعُنا وحَكى مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في المُوَطَّأِ: أنَّ قِصَّةَ أُحَيْحَةَ بْنِ الجَلّاحِ في عَمِّهِ هي الَّتِي كانَتْ سَبَبًا ألّا يَرِثَ قاتِلٌ ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ الإسْلامُ، كَما ثَبَتَ كَثِيرًا مِن نَوازِلِ الجاهِلِيَّةِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: إنَّما أرادَ اللهُ قُلُوبَ بَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعًا في مَعاصِيهِمْ وما رَكَّبُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾ الآيَةُ، الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِهِيَ، تَقْدِيرُهُ: فَهي مِثْلُ الحِجارَةِ ﴿أو أشَدُّ﴾ مُرْتَفَعٌ بِالعَطْفِ عَلى الكافِ، "أوَ" عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ تَكْرارِ هِيَ، و"قَسْوَةً" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ. والعُرْفِ في "أو"، أنَّها لِلشَّكِّ، وذَلِكَ لا يَصِحُّ في هَذِهِ (p-٢٥٦)الآيَةُ. واخْتُلِفَ في مَعْنى "أو"، هُنا، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي بِمَعْنى الواوُ كَما قالَ تَعالى: ﴿آثِمًا أو كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، أيْ وكَفُورًا. وكَما قالَ الشاعِرُ: ؎ نالَ الخِلافَةَ أو كانَتْ لَهُ قَدَرًا كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ أيْ وكانَتْ لَهُ. وقالَتْ طائِفَةٌ: هي بِمَعْنى بَلْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، المَعْنى بَلْ يَزِيدُونَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْناها التَخْيِيرُ، أيْ شَبَّهُوها بِالحِجارَةِ تُصِيبُوا، أو بِأشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ تُصِيبُوا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي عَلى بابِها في الشَكِّ، ومَعْناهُ عِنْدَكم أيُّها المُخاطَبُونَ، وفي نَظَرِكم أنْ لَوْ شاهَدْتُمْ قَسْوَتَها لَشَكَكْتُمْ: أهِيَ كالحِجارَةِ أو أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي عَلى جِهَةِ الإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الأُسُودِ الدُؤَلِيِّ: ؎ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا ∗∗∗ وعَبّاسًا وحَمْزَةُ أو عَلِيًّا ولَمْ يَشُكَّ أبُو الأُسُودِ، وإنَّما قَصَدَ الإبْهامَ عَلى السامِعِ، وقَدْ عُورِضَ أبُو الأُسُودِ في هَذا واحْتَجَّ بِقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤]، وهَذِهِ الآيَةُ مُفارِقَةٌ لِبَيْتِ أبِي الأُسُودِ، ولا يَتِمُّ مَعْنى الآيَةِ إلّا بـِ "أو"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أرادَ اللهُ تَعالى أنَّ فِيهِمْ مَن قَلْبُهُ كالحَجَرِ، وفِيهِمْ مَن قَلْبُهُ أشَدُّ مِنَ الحَجَرِ، فالمَعْنى فَهي (p-٢٥٧)فِرْقَتانِ كالحِجارَةِ أو أشَدَّ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُكَ أطْعَمْتُكَ الحُلْوَ أوِ الحامِضَ، تُرِيدُ أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ ما أطْعَمْتَهُ عن هَذَيْنَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أرادَ عَزَّ وجَلَّ أنَّها كانَتْ كالحِجارَةِ يَتَرَجّى لَها الرُجُوعُ والإنابَةُ كَما تَتَفَجَّرُ الأنْهارُ ويَخْرُجُ الماءُ مِنَ الحِجارَةِ، ثُمَّ زادَتْ قُلُوبُهم بَعْدَ ذَلِكَ قَسْوَةً بِأنْ صارَتْ في حَدِّ مَن لا تُرْجى إنابَتُهُ، فَصارَتْ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ فَلَمْ تَخْلُ أنْ كانَتْ كالحِجارَةِ طَوْرًا أو أشَدَّ طَوْرًا، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "قَساوَةً"، والمَعْنى واحِدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ الآيَةُ مَعْذِرَةٌ لِلْحِجارَةِ، وتَفْضِيلٌ لَها عَلى قُلُوبِهِمْ في مَعْنى قِلَّةِ القَسْوَةِ. وقالَ قَتادَةُ: عَذَرَ اللهُ تَعالى الحِجارَةَ ولَمْ يَعْذُرْ شَقِيَّ بَنِي آدَمَ. وقَرَأ قَتادَةُ: "وَإنَّ"، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكَذَلِكَ في الثانِيَةِ والثالِثَةِ، وفَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ النافِيَةِ لامُ التَأْكِيدِ في "لَمّا"، و"ما" في مَوْضِعِ نَصْبِ اسْمٍ لـِ "إنَّ"، ودَخَلَتِ اللامُ عَلى اسْمِ "إنَّ" لَمّا حالَ بَيْنَهُما المَجْرُورُ، ولَوِ اتَّصَلَ الِاسْمُ بـِ "إنَّ" لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ اللامِ لِثِقَلِ اجْتِماعِ تَأْكِيدَيْنِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ "يَنْفَجِرُ" بِالنُونِ وياءٍ مِن تَحْتٍ قَبْلَها وكَسْرِ الجِيمِ. ووَحَّدَ الضَمِيرَ في "مِنهُ" حَمْلًا عَلى لَفْظِ "ما". وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والضَحّاكُ "مِنها الأنْهارُ" حَمْلًا عَلى الحِجارَةِ. و"الأنْهارُ" جَمْعُ نَهْرٍ، وهو ما كَثُرَ ماؤُهُ جَرْيًا مِنَ الأخادِيدِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ في المَوْضِعَيْنِ وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ. و"يَشَّقَّقُ" أصْلُهُ يَتَشَقَّقُ، أُدْغِمَتِ التاءُ في الشِينِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ العُيُونِ الَّتِي لَمْ تُعَظَّمْ حَتّى تَكُونَ أنْهارًا، أو عَنِ الحِجارَةِ الَّتِي تَشَقَّقُ وإنْ لَمْ يَجْرِ ماءٌ مُنْفَسِحٌ. وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: "يَنْشَقَّقُ" بِالنُونِ. وقِيلَ في هُبُوطِ الحِجارَةِ: تَفَيُّؤُ ظِلالِها، (p-٢٥٨)وَقِيلَ: المُرادُ الجَبَلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ دَكًّا، وقِيلَ: إنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ في بَعْضِ الأحْجارِ خَشْيَةً وحَياةً يَهْبِطُ بِها مِن عُلُوٍّ تَواضُعًا. ونَظِيرُ هَذِهِ الحَياةِ حَياةُ الحَجَرِ المُسْلِمِ عَلى النَبِيِّ ﷺ، وحَياةُ الجِزْعِ الَّذِي أنَّ لِفَقْدِ النَبِيِّ ﷺ. وقِيلَ: لَفْظَةُ الهُبُوطِ مَجازٌ، وذَلِكَ أنَّ الحِجارَةَ -لَمّا كانَتِ القُلُوبُ تَعْتَبِرُ بِخَلْقِها، وتَخْشَعُ بِبَعْضِ مَناظِرِها- أُضِيفَ تَواضُعُ الناظِرِ إلَيْها، كَما قالَتِ العَرَبُ: "ناقَةٌ تاجِرَةٌ"، أيْ تَبْعَثُ مَن يَراها عَلى شِرائِها. وقالَ مُجاهِدٌ: "ما تَرَدّى حَجَرٌ مِن رَأْسِ جَبَلٍ، ولا تَفَجَّرَ نَهْرٌ مِن حَجَرٍ، ولا خَرَجَ ماءٌ مِنهُ إلّا ﴿مِن خَشْيَةِ اللهِ﴾ نَزَلَ بِذَلِكَ القُرْآنُ"، وقالَ مِثْلُهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ: أنَّ الخَشْيَةَ لِلْحِجارَةِ مُسْتَعارَةٌ كَما اسْتُعِيرَتِ الإرادَةُ لِلْجِدارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، وكَما قالَ زَيْدُ الخَيْلِ: ؎ بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حُجُراتِهِ ∗∗∗ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وكَما قالَ جَرِيرٌ: ؎ ...................................... ∗∗∗...... والجِبالُ الخُشَّعُ (p-٢٥٩)أيْ مَن رَأى الحَجَرَ هابِطًا تَخَيَّلَ فِيهِ الخَشْيَةَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ بَراعَةَ مَعْنى الآيَةِ تَخْتَلُّ بِهِ، بَلِ القَوِيُّ أنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ لِلْحِجارَةِ قَدْرًا ما مِنَ الإدْراكِ تَقَعُ بِهِ الخَشْيَةُ والحَرَكَةُ. و"بِغافِلٍ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ خَبَرُ "ما"، لِأنَّها الحِجازِيَّةُ، يُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولُ الباءِ في الخَبَرِ، وإنْ كانَتِ الباءُ قَدْ تَجِيءُ شاذَّةً مَعَ التَمِيمِيَّةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، والمُخاطَبَةُ عَلى هَذا لِمُحَمَّدٍ ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الآيَةُ. الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ أنَّ الأنْصارَ كانَ لَهم حِرْصٌ عَلى إسْلامِ اليَهُودِ لِلْحِلْفِ والجِوارِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم. ومَعْنى هَذا الخِطابُ التَقْرِيرُ عَلى أمْرٍ فِيهِ بُعْدٌ، إذْ قَدْ سَلَفَتْ لِأسْلافِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ أفاعِيلُ سُوءٍ، وهَؤُلاءِ عَلى ذَلِكَ السَنَنِ. والفَرِيقُ: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كالحِزْبِ. وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: عُنِيَ بِالفَرِيقِ هُنا الأحْبارُ الَّذِينَ حَرَّفُوا التَوْراةَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وقِيلَ: المُرادُ كُلُّ مَن حَرَّفَ في التَوْراةِ شَيْئًا حُكْمًا أو غَيْرَهُ، كَفِعْلِهِمْ في آيَةِ الرَجْمِ ونَحْوِها، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ والرَبِيعُ: عُنِيَ السَبْعُونَ الَّذِينَ سَمِعُوا مَعَ مُوسى، ثُمَّ بَدَّلُوا بَعْدَ ذَلِكَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي هَذا القَوْلِ ضَعْفٌ، ومَن قالَ إنَّ السَبْعِينَ سَمِعُوا ما سَمِعَ مُوسى فَقَدْ أخْطَأ، وأذْهَبَ فَضِيلَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، واخْتِصاصَهُ (p-٢٦٠)بِالتَكْلِيمِ. وقَرَأ الأعْمَشُ كَلِمَ اللهُ"، وتَحْرِيفُ الشَيْءِ إمالَتُهُ مَن حالٍ إلى حالٍ، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى أنَّ تَحْرِيفَهم وتَبْدِيلَهم إنَّما هو بِالتَأْوِيلِ، ولَفْظُ التَوْراةِ باقٍ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهم بَدَّلُوا ألْفاظًا مِن تِلْقائِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ في التَوْراةِ لِأنَّهُمُ اسْتَحْفَظُوها، وغَيْرُ مُمْكِنٍ في القُرْآنِ لِأنَّ اللهَ تَعالى ضَمِنَ حِفْظَهُ.

البقرة 2:76

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وَمِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلا أمانِيَّ وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ المَعْنى: وهم أيْضًا إذا "لَقُوا" يَفْعَلُونَ هَذا، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في إيمانِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مَقْطُوعًا مِن مَعْنى الطَمَعِ، فِيهِ كَشْفُ سَرائِرِهِمْ. ووَرَدَ في التَفْسِيرِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْنا قَصَبَةَ المَدِينَةِ إلّا مُؤْمِنٌ». فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ووَهْبُ بْنُ يَهُودا، وأشْباهُهُما: اذْهَبُوا وتَحَسَّسُوا أخْبارَ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، وقُولُوا لَهم آمَنّا، واكْفُرُوا إذا رَجَعْتُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: نَحْنُ نُؤْمِنُ أنَّهُ نَبِيٌّ، ولَكِنْ لَيْسَ إلَيْنا، وإنَّما هو إلَيْكم خاصَّةً، فَلَمّا خَلَوْا قالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ وقَدْ كُنّا قَبْلُ نَسْتَفْتِحُ بِهِ؟ فَهَذا هو الَّذِي فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِن عِلْمِهِ، وأصْلُ "خَلا" خُلَوَ تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا. وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: إنَّ بَعْضَ اليَهُودِ تَكَلَّمَ بِما في التَوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقالَ لَهم كَفَرَةُ الأحْبارِ: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكم. أيْ عَرَّفَكم مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ فَيَحْتَجُّونَ عَلَيْكم إذْ تُقِرُّونَ (p-٢٦١)بِهِ ولا تُؤْمِنُونَ بِهِ؟ وقالَ السُدِّيُّ: إنَّ بَعْضَ اليَهُودِ حَكى لِبَعْضِ المُسْلِمِينَ ما عُذِّبَ بِهِ أسْلافُهُمْ، فَقالَ بَعْضُ الأحْبارِ: ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ، فَيَحْتَجُّونَ عَلَيْكُمْ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ أكْرَمُ عَلى اللهِ حِينَ لَمْ يَفْعَلْ بِنا مِثْلَ هَذا؟، وفَتَحَ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْنى: حَكَمَ. وقالَ مُجاهِدٌ: «إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ: يا إخْوَةَ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ. فَقالَ الأحْبارُ لِأتْباعِهِمْ: ما عَرَفَ هَذا إلّا مِن عِنْدِكم. أتُحَدِّثُونَهُمْ؟» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا إذا سُئِلُوا عن شَيْءٍ قالُوا: في التَوْراةِ كَذا وكَذا، فَكَرِهَتِ الأحْبارُ ذَلِكَ ونَهَوْا في الخَلْوَةِ عنهُ، فَفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ. والفَتْحُ في اللُغَةِ يَنْقَسِمُ أقْسامًا تَجْمَعُها بِالمَعْنى التَوْسِعَةُ وإزالَةُ الإبْهامِ، وإلى هَذا يَرْجِعُ الحُكْمُ وغَيْرُهُ، والفَتّاحُ هو القاضِي بِلُغَةِ اليَمَنِ، و"يُحاجُّوكُمْ" مِنَ الحُجَّةِ وأصْلُهُ مِن حَجَّ إذا قَصَدَ، لِأنَّ المُتَحاجِّينَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْصِدُ غَلَبَةَ الآخَرِ، و﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ "عِنْدَ" بِمَعْنًى: في رَبِّكُمْ، أيْ فَيَكُونُونَ أحَقَّ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾، قِيلَ: هو مِن قَوْلِ الأحْبارِ لِلْأتْباعِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ مِنَ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لا يُؤْمِنُونَ وهم بِهَذِهِ الأحْوالِ؟ والعَقْلُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَلا يَعْلَمُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلٍ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "أو لا تَعْلَمُونَ" بِالتاءِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. (p-٢٦٢)والَّذِي أسَرُّوهُ: كُفْرُهُمْ، والَّذِي أعْلَنُوهُ: قَوْلُهُمْ: آمَنّا، هَذا في سائِرِ اليَهُودِ، والَّذِي أسَرَّهُ الأحْبارُ: صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ والمَعْرِفَةُ بِهِ، والَّذِي أعْلَنُوهُ: الجَحْدُ بِهِ، ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ الجَمِيعَ. و"أُمِّيُّونَ" هُنا عِبارَةٌ عن جَهَلَةٍ بِالتَوْراةِ. قالَ أبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: المَعْنى ومِن هَؤُلاءِ اليَهُودِ المَذْكُورِينَ. فالآيَةُ مُنَبِّهَةٌ عَلى عامَّتِهِمْ وأتْباعِهِمْ، أيْ أنَّهم مِمَّنْ لا يَطْمَعُ في إيمانِهِمْ، لِما غَمَرَهم مِنَ الضَلالِ. وقِيلَ: المُرادُ هُنا بِالأُمِّيِّينَ قَوْمٌ ذَهَبَ كُتّابُهم لِذُنُوبٍ رَكِبُوها فَبَقُوا أُمِّيِّينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَحّاكُ: هم في الآيَةِ نَصارى العَرَبِ، وقِيلَ: عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَجُوسُ، والضَمِيرُ في "مِنهُمْ" عَلى هَذِهِ الأقْوالِ هو لِلْكُفّارِ أجْمَعِينَ، وقَوْلُ أبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ أوجَهُ هَذِهِ الأقْوالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُمِّيُّونَ" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، والأُمِّيُّ في اللُغَةِ الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ في كِتابٍ، نُسِبَ إلى الأُمِّ، إمّا لِأنَّهُ بِحالِ أُمِّهِ مِن عَدَمِ الكِتابِ، لا بِحالِ أبِيهِ، إذِ النِساءُ لَيْسَ مَن شَغَلَهُنَّ الكِتابُ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، وإمّا لِأنَّهُ بِحالٍ ولَدَتْهُ أُمُّهُ فِيها، لَمْ يَنْتَقِلْ عنها، وقِيلَ: نُسِبَ إلى الأُمَّةِ وهي القامَةُ والخِلْقَةُ، كَأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الآدَمِيِّينَ إلّا ذَلِكَ، وقِيلَ: نُسِبَ إلى الأُمَّةِ عَلى سَذاجَتِها قَبْلَ أنْ تُعْرَّفَ المَعارِفُ، فَإنَّها لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ، ولِذَلِكَ قالَ النَبِيُّ ﷺ في العَرَبِ: «إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ» الحَدِيثُ، والألِفُ واللامُ في "الكِتابَ" لِلْعَهْدِ، ويَعْنِي بِهِ التَوْراةَ في قَوْلِ أبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ. والأمانِيُّ جَمْعُ أمْنِيَةٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ "أمانِي" بِتَخْفِيفِ الياءِ، وأصْلُ أُمْنِيةٍ أمْنُويَةٍ عَلى وزْنِ (p-٢٦٣)(أُفْعُولَةٍ)، ويُجْمَعُ هَذا الوَزْنُ عَلى (أفاعِلَ)، وعَلى هَذا يَجِبُ تَخْفِيفُ الياءِ، ويُجْمَعُ عَلى (أفاعِيلَ) فَعَلى هَذا يَجِيءُ أمانِيِي، أُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ فَجاءَ "أمانِيَّ" واخْتَلَفَ في مَعْنى "أمانِيَّ" فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي هُنا مِن تَمَنِّي الرَجُلِ إذا تَرَجّى فَمَعْناهُ أنَّ مِنهم مَن لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وإنَّما يَقُولُ بِظَنِّهِ شَيْئًا سَمِعَهُ فَيَتَمَنّى أنَّهُ مِنَ الكِتابِ، وقالَ آخَرُونَ: هي مِن تَمَنّى إذا تَلا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَمَنّى كِتابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادَرِ فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا سَماعَ شَيْءٍ يُتْلى لا عِلْمَ لَهم بِصِحَّتِهِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هي مِن تَمَنّى الرَجُلُ إذا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ مُخْتَلَقٍ كَذِبٍ، وذَكَرَ أهْلُ اللُغَةِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: تَمَنّى الرَجُلُ إذا كَذَبَ، واخْتَلَقَ الحَدِيثَ، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما تَمَنَّيْتُ ولا تَغَنَّيْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ. فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ مِنهم أُمِّيِّينَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أنَّهم يَسْمَعُونَ مِنَ الأحْبارِ أشْياءَ مُخْتَلَقَةً يَظُنُّونَها مِنَ الكِتابِ، و"إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ في المَيْلِ إلى أحَدِ الجائِزَيْنِ.

البقرة 2:77

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وَمِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلا أمانِيَّ وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ المَعْنى: وهم أيْضًا إذا "لَقُوا" يَفْعَلُونَ هَذا، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في إيمانِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مَقْطُوعًا مِن مَعْنى الطَمَعِ، فِيهِ كَشْفُ سَرائِرِهِمْ. ووَرَدَ في التَفْسِيرِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْنا قَصَبَةَ المَدِينَةِ إلّا مُؤْمِنٌ». فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ووَهْبُ بْنُ يَهُودا، وأشْباهُهُما: اذْهَبُوا وتَحَسَّسُوا أخْبارَ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، وقُولُوا لَهم آمَنّا، واكْفُرُوا إذا رَجَعْتُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: نَحْنُ نُؤْمِنُ أنَّهُ نَبِيٌّ، ولَكِنْ لَيْسَ إلَيْنا، وإنَّما هو إلَيْكم خاصَّةً، فَلَمّا خَلَوْا قالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ وقَدْ كُنّا قَبْلُ نَسْتَفْتِحُ بِهِ؟ فَهَذا هو الَّذِي فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِن عِلْمِهِ، وأصْلُ "خَلا" خُلَوَ تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا. وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: إنَّ بَعْضَ اليَهُودِ تَكَلَّمَ بِما في التَوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقالَ لَهم كَفَرَةُ الأحْبارِ: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكم. أيْ عَرَّفَكم مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ فَيَحْتَجُّونَ عَلَيْكم إذْ تُقِرُّونَ (p-٢٦١)بِهِ ولا تُؤْمِنُونَ بِهِ؟ وقالَ السُدِّيُّ: إنَّ بَعْضَ اليَهُودِ حَكى لِبَعْضِ المُسْلِمِينَ ما عُذِّبَ بِهِ أسْلافُهُمْ، فَقالَ بَعْضُ الأحْبارِ: ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ، فَيَحْتَجُّونَ عَلَيْكُمْ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ أكْرَمُ عَلى اللهِ حِينَ لَمْ يَفْعَلْ بِنا مِثْلَ هَذا؟، وفَتَحَ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْنى: حَكَمَ. وقالَ مُجاهِدٌ: «إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ: يا إخْوَةَ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ. فَقالَ الأحْبارُ لِأتْباعِهِمْ: ما عَرَفَ هَذا إلّا مِن عِنْدِكم. أتُحَدِّثُونَهُمْ؟» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا إذا سُئِلُوا عن شَيْءٍ قالُوا: في التَوْراةِ كَذا وكَذا، فَكَرِهَتِ الأحْبارُ ذَلِكَ ونَهَوْا في الخَلْوَةِ عنهُ، فَفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ. والفَتْحُ في اللُغَةِ يَنْقَسِمُ أقْسامًا تَجْمَعُها بِالمَعْنى التَوْسِعَةُ وإزالَةُ الإبْهامِ، وإلى هَذا يَرْجِعُ الحُكْمُ وغَيْرُهُ، والفَتّاحُ هو القاضِي بِلُغَةِ اليَمَنِ، و"يُحاجُّوكُمْ" مِنَ الحُجَّةِ وأصْلُهُ مِن حَجَّ إذا قَصَدَ، لِأنَّ المُتَحاجِّينَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْصِدُ غَلَبَةَ الآخَرِ، و﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ "عِنْدَ" بِمَعْنًى: في رَبِّكُمْ، أيْ فَيَكُونُونَ أحَقَّ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾، قِيلَ: هو مِن قَوْلِ الأحْبارِ لِلْأتْباعِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ مِنَ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لا يُؤْمِنُونَ وهم بِهَذِهِ الأحْوالِ؟ والعَقْلُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَلا يَعْلَمُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلٍ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "أو لا تَعْلَمُونَ" بِالتاءِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. (p-٢٦٢)والَّذِي أسَرُّوهُ: كُفْرُهُمْ، والَّذِي أعْلَنُوهُ: قَوْلُهُمْ: آمَنّا، هَذا في سائِرِ اليَهُودِ، والَّذِي أسَرَّهُ الأحْبارُ: صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ والمَعْرِفَةُ بِهِ، والَّذِي أعْلَنُوهُ: الجَحْدُ بِهِ، ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ الجَمِيعَ. و"أُمِّيُّونَ" هُنا عِبارَةٌ عن جَهَلَةٍ بِالتَوْراةِ. قالَ أبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: المَعْنى ومِن هَؤُلاءِ اليَهُودِ المَذْكُورِينَ. فالآيَةُ مُنَبِّهَةٌ عَلى عامَّتِهِمْ وأتْباعِهِمْ، أيْ أنَّهم مِمَّنْ لا يَطْمَعُ في إيمانِهِمْ، لِما غَمَرَهم مِنَ الضَلالِ. وقِيلَ: المُرادُ هُنا بِالأُمِّيِّينَ قَوْمٌ ذَهَبَ كُتّابُهم لِذُنُوبٍ رَكِبُوها فَبَقُوا أُمِّيِّينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَحّاكُ: هم في الآيَةِ نَصارى العَرَبِ، وقِيلَ: عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَجُوسُ، والضَمِيرُ في "مِنهُمْ" عَلى هَذِهِ الأقْوالِ هو لِلْكُفّارِ أجْمَعِينَ، وقَوْلُ أبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ أوجَهُ هَذِهِ الأقْوالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُمِّيُّونَ" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، والأُمِّيُّ في اللُغَةِ الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ في كِتابٍ، نُسِبَ إلى الأُمِّ، إمّا لِأنَّهُ بِحالِ أُمِّهِ مِن عَدَمِ الكِتابِ، لا بِحالِ أبِيهِ، إذِ النِساءُ لَيْسَ مَن شَغَلَهُنَّ الكِتابُ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، وإمّا لِأنَّهُ بِحالٍ ولَدَتْهُ أُمُّهُ فِيها، لَمْ يَنْتَقِلْ عنها، وقِيلَ: نُسِبَ إلى الأُمَّةِ وهي القامَةُ والخِلْقَةُ، كَأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الآدَمِيِّينَ إلّا ذَلِكَ، وقِيلَ: نُسِبَ إلى الأُمَّةِ عَلى سَذاجَتِها قَبْلَ أنْ تُعْرَّفَ المَعارِفُ، فَإنَّها لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ، ولِذَلِكَ قالَ النَبِيُّ ﷺ في العَرَبِ: «إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ» الحَدِيثُ، والألِفُ واللامُ في "الكِتابَ" لِلْعَهْدِ، ويَعْنِي بِهِ التَوْراةَ في قَوْلِ أبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ. والأمانِيُّ جَمْعُ أمْنِيَةٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ "أمانِي" بِتَخْفِيفِ الياءِ، وأصْلُ أُمْنِيةٍ أمْنُويَةٍ عَلى وزْنِ (p-٢٦٣)(أُفْعُولَةٍ)، ويُجْمَعُ هَذا الوَزْنُ عَلى (أفاعِلَ)، وعَلى هَذا يَجِبُ تَخْفِيفُ الياءِ، ويُجْمَعُ عَلى (أفاعِيلَ) فَعَلى هَذا يَجِيءُ أمانِيِي، أُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ فَجاءَ "أمانِيَّ" واخْتَلَفَ في مَعْنى "أمانِيَّ" فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي هُنا مِن تَمَنِّي الرَجُلِ إذا تَرَجّى فَمَعْناهُ أنَّ مِنهم مَن لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وإنَّما يَقُولُ بِظَنِّهِ شَيْئًا سَمِعَهُ فَيَتَمَنّى أنَّهُ مِنَ الكِتابِ، وقالَ آخَرُونَ: هي مِن تَمَنّى إذا تَلا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَمَنّى كِتابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادَرِ فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا سَماعَ شَيْءٍ يُتْلى لا عِلْمَ لَهم بِصِحَّتِهِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هي مِن تَمَنّى الرَجُلُ إذا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ مُخْتَلَقٍ كَذِبٍ، وذَكَرَ أهْلُ اللُغَةِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: تَمَنّى الرَجُلُ إذا كَذَبَ، واخْتَلَقَ الحَدِيثَ، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما تَمَنَّيْتُ ولا تَغَنَّيْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ. فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ مِنهم أُمِّيِّينَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أنَّهم يَسْمَعُونَ مِنَ الأحْبارِ أشْياءَ مُخْتَلَقَةً يَظُنُّونَها مِنَ الكِتابِ، و"إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ في المَيْلِ إلى أحَدِ الجائِزَيْنِ.

البقرة 2:78

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكم لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وَمِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلا أمانِيَّ وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ المَعْنى: وهم أيْضًا إذا "لَقُوا" يَفْعَلُونَ هَذا، فَكَيْفَ يَطْمَعُ في إيمانِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا مَقْطُوعًا مِن مَعْنى الطَمَعِ، فِيهِ كَشْفُ سَرائِرِهِمْ. ووَرَدَ في التَفْسِيرِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْنا قَصَبَةَ المَدِينَةِ إلّا مُؤْمِنٌ». فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ووَهْبُ بْنُ يَهُودا، وأشْباهُهُما: اذْهَبُوا وتَحَسَّسُوا أخْبارَ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، وقُولُوا لَهم آمَنّا، واكْفُرُوا إذا رَجَعْتُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في مُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ: نَحْنُ نُؤْمِنُ أنَّهُ نَبِيٌّ، ولَكِنْ لَيْسَ إلَيْنا، وإنَّما هو إلَيْكم خاصَّةً، فَلَمّا خَلَوْا قالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ وقَدْ كُنّا قَبْلُ نَسْتَفْتِحُ بِهِ؟ فَهَذا هو الَّذِي فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِن عِلْمِهِ، وأصْلُ "خَلا" خُلَوَ تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا. وقالَ أبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ: إنَّ بَعْضَ اليَهُودِ تَكَلَّمَ بِما في التَوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقالَ لَهم كَفَرَةُ الأحْبارِ: أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكم. أيْ عَرَّفَكم مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ فَيَحْتَجُّونَ عَلَيْكم إذْ تُقِرُّونَ (p-٢٦١)بِهِ ولا تُؤْمِنُونَ بِهِ؟ وقالَ السُدِّيُّ: إنَّ بَعْضَ اليَهُودِ حَكى لِبَعْضِ المُسْلِمِينَ ما عُذِّبَ بِهِ أسْلافُهُمْ، فَقالَ بَعْضُ الأحْبارِ: ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ، فَيَحْتَجُّونَ عَلَيْكُمْ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ أكْرَمُ عَلى اللهِ حِينَ لَمْ يَفْعَلْ بِنا مِثْلَ هَذا؟، وفَتَحَ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْنى: حَكَمَ. وقالَ مُجاهِدٌ: «إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ: يا إخْوَةَ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ. فَقالَ الأحْبارُ لِأتْباعِهِمْ: ما عَرَفَ هَذا إلّا مِن عِنْدِكم. أتُحَدِّثُونَهُمْ؟» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا إذا سُئِلُوا عن شَيْءٍ قالُوا: في التَوْراةِ كَذا وكَذا، فَكَرِهَتِ الأحْبارُ ذَلِكَ ونَهَوْا في الخَلْوَةِ عنهُ، فَفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ. والفَتْحُ في اللُغَةِ يَنْقَسِمُ أقْسامًا تَجْمَعُها بِالمَعْنى التَوْسِعَةُ وإزالَةُ الإبْهامِ، وإلى هَذا يَرْجِعُ الحُكْمُ وغَيْرُهُ، والفَتّاحُ هو القاضِي بِلُغَةِ اليَمَنِ، و"يُحاجُّوكُمْ" مِنَ الحُجَّةِ وأصْلُهُ مِن حَجَّ إذا قَصَدَ، لِأنَّ المُتَحاجِّينَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَقْصِدُ غَلَبَةَ الآخَرِ، و﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ مَعْناهُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ "عِنْدَ" بِمَعْنًى: في رَبِّكُمْ، أيْ فَيَكُونُونَ أحَقَّ بِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾، قِيلَ: هو مِن قَوْلِ الأحْبارِ لِلْأتْباعِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ مِنَ اللهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لا يُؤْمِنُونَ وهم بِهَذِهِ الأحْوالِ؟ والعَقْلُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَلا يَعْلَمُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلٍ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "أو لا تَعْلَمُونَ" بِالتاءِ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. (p-٢٦٢)والَّذِي أسَرُّوهُ: كُفْرُهُمْ، والَّذِي أعْلَنُوهُ: قَوْلُهُمْ: آمَنّا، هَذا في سائِرِ اليَهُودِ، والَّذِي أسَرَّهُ الأحْبارُ: صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ والمَعْرِفَةُ بِهِ، والَّذِي أعْلَنُوهُ: الجَحْدُ بِهِ، ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ الجَمِيعَ. و"أُمِّيُّونَ" هُنا عِبارَةٌ عن جَهَلَةٍ بِالتَوْراةِ. قالَ أبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: المَعْنى ومِن هَؤُلاءِ اليَهُودِ المَذْكُورِينَ. فالآيَةُ مُنَبِّهَةٌ عَلى عامَّتِهِمْ وأتْباعِهِمْ، أيْ أنَّهم مِمَّنْ لا يَطْمَعُ في إيمانِهِمْ، لِما غَمَرَهم مِنَ الضَلالِ. وقِيلَ: المُرادُ هُنا بِالأُمِّيِّينَ قَوْمٌ ذَهَبَ كُتّابُهم لِذُنُوبٍ رَكِبُوها فَبَقُوا أُمِّيِّينَ. وقالَ عِكْرِمَةُ والضَحّاكُ: هم في الآيَةِ نَصارى العَرَبِ، وقِيلَ: عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: هُمُ المَجُوسُ، والضَمِيرُ في "مِنهُمْ" عَلى هَذِهِ الأقْوالِ هو لِلْكُفّارِ أجْمَعِينَ، وقَوْلُ أبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ أوجَهُ هَذِهِ الأقْوالِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أُمِّيُّونَ" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، والأُمِّيُّ في اللُغَةِ الَّذِي لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ في كِتابٍ، نُسِبَ إلى الأُمِّ، إمّا لِأنَّهُ بِحالِ أُمِّهِ مِن عَدَمِ الكِتابِ، لا بِحالِ أبِيهِ، إذِ النِساءُ لَيْسَ مَن شَغَلَهُنَّ الكِتابُ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، وإمّا لِأنَّهُ بِحالٍ ولَدَتْهُ أُمُّهُ فِيها، لَمْ يَنْتَقِلْ عنها، وقِيلَ: نُسِبَ إلى الأُمَّةِ وهي القامَةُ والخِلْقَةُ، كَأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الآدَمِيِّينَ إلّا ذَلِكَ، وقِيلَ: نُسِبَ إلى الأُمَّةِ عَلى سَذاجَتِها قَبْلَ أنْ تُعْرَّفَ المَعارِفُ، فَإنَّها لا تَقْرَأُ ولا تَكْتُبُ، ولِذَلِكَ قالَ النَبِيُّ ﷺ في العَرَبِ: «إنّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ» الحَدِيثُ، والألِفُ واللامُ في "الكِتابَ" لِلْعَهْدِ، ويَعْنِي بِهِ التَوْراةَ في قَوْلِ أبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ. والأمانِيُّ جَمْعُ أمْنِيَةٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ "أمانِي" بِتَخْفِيفِ الياءِ، وأصْلُ أُمْنِيةٍ أمْنُويَةٍ عَلى وزْنِ (p-٢٦٣)(أُفْعُولَةٍ)، ويُجْمَعُ هَذا الوَزْنُ عَلى (أفاعِلَ)، وعَلى هَذا يَجِبُ تَخْفِيفُ الياءِ، ويُجْمَعُ عَلى (أفاعِيلَ) فَعَلى هَذا يَجِيءُ أمانِيِي، أُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ فَجاءَ "أمانِيَّ" واخْتَلَفَ في مَعْنى "أمانِيَّ" فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي هُنا مِن تَمَنِّي الرَجُلِ إذا تَرَجّى فَمَعْناهُ أنَّ مِنهم مَن لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، وإنَّما يَقُولُ بِظَنِّهِ شَيْئًا سَمِعَهُ فَيَتَمَنّى أنَّهُ مِنَ الكِتابِ، وقالَ آخَرُونَ: هي مِن تَمَنّى إذا تَلا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ تَمَنّى كِتابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلِهِ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادَرِ فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا سَماعَ شَيْءٍ يُتْلى لا عِلْمَ لَهم بِصِحَّتِهِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: هي مِن تَمَنّى الرَجُلُ إذا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ مُخْتَلَقٍ كَذِبٍ، وذَكَرَ أهْلُ اللُغَةِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: تَمَنّى الرَجُلُ إذا كَذَبَ، واخْتَلَقَ الحَدِيثَ، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما تَمَنَّيْتُ ولا تَغَنَّيْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ. فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ مِنهم أُمِّيِّينَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ إلّا أنَّهم يَسْمَعُونَ مِنَ الأحْبارِ أشْياءَ مُخْتَلَقَةً يَظُنُّونَها مِنَ الكِتابِ، و"إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ في المَيْلِ إلى أحَدِ الجائِزَيْنِ.

البقرة 2:79

(p-٢٦٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهِ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ "الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِمُ الأحْبارُ والرُؤَساءُ، قالَ الخَلِيلُ: الوَيْلُ شِدَّةُ الشَرِّ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: الوَيْلُ القُبُوحُ، وهو مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ، ويُجْمَعُ عَلى ويْلاتٍ، والأحْسَنُ فِيهِ -إذا انْفَصَلَ- الرَفْعُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي الوُقُوعَ ويَصِحُّ النَصْبُ عَلى مَعْنى الدُعاءِ، أيْ ألْزَمَهُ اللهُ ويْلًا. ووَيْلٌ، ووَيْحٌ، ووَيْسٌ، ووَيْبٌ، تَتَقارَبُ في المَعْنى، وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَها قَوْمٌ، ورَوى سُفْيانُ، وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ، أنَّ الوَيْلَ في هَذِهِ الآيَةِ وادٍ يَجْرِي بِفَناءِ جَهَنَّمَ مِن صَدِيدِ أهْلِ النارِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَهْوِي فِيهِ الهاوِي أرْبَعِينَ خَرِيفًا»، وقالَ أبُو عِياضٍ: إنَّهُ صِهْرِيجٌ في جَهَنَّمَ. ورَوى عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ جَبَلٌ مِن جِبالِ النارِ»، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن آخَرِينَ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. و( الَّذِينَ يَكْتُبُونَ ) هُمُ الأحْبارُ الَّذِينَ بَدَّلُوا التَوْراةَ، وقَوْلُهُ "بِأيْدِيهِمْ" بَيانٌ لِجُرْمِهِمْ وإثْباتٌ لِمُجاهَرَتِهِمُ اللهَ. (p-٢٦٥)وَفَرَّقَ بَيْنَ مَن كَتَبَ وبَيْنَ مَن أمَرَ، إذِ المُتَوَلِّي لِلْفِعْلِ أشَدُّ مُواقَعَةً مِمَّنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ، وإنْ كانَ رَأْيًا لَهُ، وقالَ ابْنُ السَرّاجِ: هو كِنايَةٌ عن أنَّهُ مِن تِلْقائِهِمْ دُونَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَةً في كُتُبِ أيْدِيهِمْ. والَّذِي بَدَّلُوا هو صِفَةُ النَبِيِّ ﷺ لِيَسْتَدِيمُوا رِياسَتَهم ومَكاسِبَهُمْ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ صِفَتُهُ في التَوْراةِ أسْمَرَ رَبْعَةً فَرَدُّوهُ آدَمَ طَوِيلًا، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم كانُوا يَكْتُبُونَ كُتُبًا يُبَدِّلُونَ فِيها صِفَةَ النَبِيِّ ﷺ ويَبِيعُونَها مِنَ الأعْرابِ، ويَبُثُّونَها في أتْباعِهِمْ، ويَقُولُونَ: هي مِن عِنْدِ اللهِ. وتَناسُقُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها يُعْطِي أنَّ هَذا الكَتْبَ والتَبْدِيلَ إنَّما هو لِلْأتْباعِ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما قُرِئَ لَهم. والثَمَنُ قِيلَ: عَرَضُ الدُنْيا، وقِيلَ: الرِشا والمَآكِلُ الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، ووَصَفَهُ بِالقِلَّةِ إمّا لِفِنائِهِ، وإمّا لِكَوْنِهِ حَرامًا. وكُرِّرَ الوَيْلُ لِتَكْرارِ الحالاتِ الَّتِي اسْتَحَقُّوهُ بِها، و"يَكْسِبُونَ" مَعْناهُ مِنَ المَعاصِي والخَطايا، وقِيلَ: مِنَ المالِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ذِكْرُ الثَمَنِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَنْ تَمَسَّنا النارُ﴾ الآيَةُ، رَوى ابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُ، أنَّ سَبَبَها «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِلْيَهُودِ: "مَن أهْلُ النارِ"؟ فَقالُوا: نَحْنُ، ثُمَّ تَخْلُفُونَنا أنْتُمْ، فَقالَ لَهُمْ: "كَذَبْتُمْ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنّا لا نَخْلُفُكُمْ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ويُقالُ: إنَّ السَبَبَ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ أنْ يُدْخِلَهُمُ النارَ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ عِبادَتِهِمُ العَجَلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ. (p-٢٦٦)وَقالَتْ طائِفَةٌ: قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ في التَوْراةِ أنَّ طُولَ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأنَّهم يَقْطَعُونَ في كُلِّ يَوْمِ سَنَةً، حَتّى يُكْمِلُوها وتَذْهَبَ جَهَنَّمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، إنَّهم قالُوا: إنَّ مُدَّةَ الدُنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وأنَّ اللهَ تَعالى يُعَذِّبُهم بِكُلِّ ألِفٍ سَنَةٍ يَوْمًا. و"أتَّخَذْتُمْ" أصْلُهُ: أئِتَّخَذْتُمْ، وزْنُهُ أفْتَعَلْتُمْ مِنَ الأخْذِ، سُهِّلَتِ الهَمْزَةُ الثانِيَةُ لِامْتِناعِ جَمْعِ هَمْزَتَيْنِ فَجاءَ "أيِتَّخَذْتُمْ"، فاضْطَرَبَتِ الياءُ في التَصْرِيفِ جاءَتْ ألِفًا في "يِاتَّخَذُوا"، وواوًا في مُوتَّخَذٌ، فَبُدِّلَتْ بِحَرْفٍ جَلْدٍ ثابِتٍ وهو التاءُ وأُدْغِمَتْ، فَلَمّا دَخَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ ألِفُ التَقْرِيرِ اسْتُغْنِيَ عن ألِفِ الوَصْلِ. ومَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ "أنِ اتَّخَذْتُمْ" مِن تَخِذَ لا مِن أخَذَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. وقالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: العَهْدُ مِنَ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المِيثاقُ والمَوْعِدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ هَلْ قُلْتُمْ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وآمَنتُمْ، وأطَعْتُمْ، فَتُدْلُونَ بِذَلِكَ، وتَعْلَمُونَ أنَّكم خارِجُونَ مِنَ النارِ؟ فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَجِيءُ المَعْنى: هَلْ عاهَدَكُمُ اللهُ عَلى هَذا الَّذِي تَدَّعُونَ؟ وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ: هَلْ أسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللهِ أعْمالًا تُوجِبُ ما تَدَّعُونَ؟ وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ﴾ اعْتِراضٌ أثْناءَ الكَلامِ. و"بَلى" رَدٌّ بَعْدَ النَفْيِ، بِمَنزِلَةِ نَعَمْ بَعْدَ الإيجابِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُها "بَلِ" الَّتِي هَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ، وزِيدَتْ عَلَيْها الياءُ لِيَحْسُنَ الوَقْفُ عَلَيْها، وضَمَّنَتِ الياءُ مَعْنى الإيجابِ والإنْعامِ بِما يَأْتِي بَعْدَها. وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي حَرْفٌ مِثْلُ "بَلْ" وغَيْرُهُ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ لِقَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النارُ﴾، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الخُلُودَ في (p-٢٦٧)النارِ والجَنَّةِ بِحَسَبِ الكُفْرِ والإيمانِ. و"مَن" شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ و"أُولَئِكَ" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، و"الفاءُ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَ الشَرْطِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: السَيِّئَةُ: الشِرْكُ،كَقَوْلِهِ ﴿وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النارِ﴾ [النمل: ٩٠] والخَطِيئاتُ كَبائِرُ الذُنُوبِ، وقالَ قَوْمٌ "خَطِيئَتُهُ" بِالإفْرادِ، وقالَ قَوْمٌ: السَيِّئَةُ هُنا الكَبائِرُ وأفْرَدَها وهي بِمَعْنى الجَمْعِ لَمّا كانَتْ تَدُلُّ عَلى الجِنْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ﴾ [النحل: ١٨] والخَطِيئَةُ: الكُفْرُ، ولَفْظَةُ الإحاطَةِ تُقَوِّي هَذا القَوْلَ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحائِطِ المُحْدِقِ بِالشَيْءِ. وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، والأعْمَشُ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ: مَعْنى الآيَةِ: ماتَ بِذُنُوبٍ لَمْ يَتُبْ مِنها، وقالَ الرَبِيعُ أيْضًا: ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والسُدِّيُّ: كُلُّ ما تَوَعَّدَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنارِ فَهي الخَطِيئَةُ المُحِيطَةُ. والخُلُودُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الإطْلاقِ والتَأْبِيدِ في المُشْرِكِينَ، ومُسْتَعارٌ بِمَعْنى الطُولِ في العَصاةِ، وإنَّ عُلِمَ انْقِطاعُهُ كَما يُقالُ: مَلِكٌ خالِدٌ، ويُدْعى لِلْمَلِكِ بِالخُلْدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةُ يَدُلُّ هَذا التَقْسِيمُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ الآيَةُ، في الكُفّارِ، لا في العُصاةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: "وَأحاطَتْ" لِأنَّ العاصِيَ مُؤْمِنٌ فَلَمْ تُحِطْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ الرَدَّ كانَ عَلى كُفّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَهُمُ المُرادُ بِالخُلُودِ، واللهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:80

(p-٢٦٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهِ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ "الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِمُ الأحْبارُ والرُؤَساءُ، قالَ الخَلِيلُ: الوَيْلُ شِدَّةُ الشَرِّ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: الوَيْلُ القُبُوحُ، وهو مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ، ويُجْمَعُ عَلى ويْلاتٍ، والأحْسَنُ فِيهِ -إذا انْفَصَلَ- الرَفْعُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي الوُقُوعَ ويَصِحُّ النَصْبُ عَلى مَعْنى الدُعاءِ، أيْ ألْزَمَهُ اللهُ ويْلًا. ووَيْلٌ، ووَيْحٌ، ووَيْسٌ، ووَيْبٌ، تَتَقارَبُ في المَعْنى، وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَها قَوْمٌ، ورَوى سُفْيانُ، وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ، أنَّ الوَيْلَ في هَذِهِ الآيَةِ وادٍ يَجْرِي بِفَناءِ جَهَنَّمَ مِن صَدِيدِ أهْلِ النارِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَهْوِي فِيهِ الهاوِي أرْبَعِينَ خَرِيفًا»، وقالَ أبُو عِياضٍ: إنَّهُ صِهْرِيجٌ في جَهَنَّمَ. ورَوى عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ جَبَلٌ مِن جِبالِ النارِ»، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن آخَرِينَ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. و( الَّذِينَ يَكْتُبُونَ ) هُمُ الأحْبارُ الَّذِينَ بَدَّلُوا التَوْراةَ، وقَوْلُهُ "بِأيْدِيهِمْ" بَيانٌ لِجُرْمِهِمْ وإثْباتٌ لِمُجاهَرَتِهِمُ اللهَ. (p-٢٦٥)وَفَرَّقَ بَيْنَ مَن كَتَبَ وبَيْنَ مَن أمَرَ، إذِ المُتَوَلِّي لِلْفِعْلِ أشَدُّ مُواقَعَةً مِمَّنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ، وإنْ كانَ رَأْيًا لَهُ، وقالَ ابْنُ السَرّاجِ: هو كِنايَةٌ عن أنَّهُ مِن تِلْقائِهِمْ دُونَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَةً في كُتُبِ أيْدِيهِمْ. والَّذِي بَدَّلُوا هو صِفَةُ النَبِيِّ ﷺ لِيَسْتَدِيمُوا رِياسَتَهم ومَكاسِبَهُمْ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ صِفَتُهُ في التَوْراةِ أسْمَرَ رَبْعَةً فَرَدُّوهُ آدَمَ طَوِيلًا، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم كانُوا يَكْتُبُونَ كُتُبًا يُبَدِّلُونَ فِيها صِفَةَ النَبِيِّ ﷺ ويَبِيعُونَها مِنَ الأعْرابِ، ويَبُثُّونَها في أتْباعِهِمْ، ويَقُولُونَ: هي مِن عِنْدِ اللهِ. وتَناسُقُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها يُعْطِي أنَّ هَذا الكَتْبَ والتَبْدِيلَ إنَّما هو لِلْأتْباعِ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما قُرِئَ لَهم. والثَمَنُ قِيلَ: عَرَضُ الدُنْيا، وقِيلَ: الرِشا والمَآكِلُ الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، ووَصَفَهُ بِالقِلَّةِ إمّا لِفِنائِهِ، وإمّا لِكَوْنِهِ حَرامًا. وكُرِّرَ الوَيْلُ لِتَكْرارِ الحالاتِ الَّتِي اسْتَحَقُّوهُ بِها، و"يَكْسِبُونَ" مَعْناهُ مِنَ المَعاصِي والخَطايا، وقِيلَ: مِنَ المالِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ذِكْرُ الثَمَنِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَنْ تَمَسَّنا النارُ﴾ الآيَةُ، رَوى ابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُ، أنَّ سَبَبَها «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِلْيَهُودِ: "مَن أهْلُ النارِ"؟ فَقالُوا: نَحْنُ، ثُمَّ تَخْلُفُونَنا أنْتُمْ، فَقالَ لَهُمْ: "كَذَبْتُمْ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنّا لا نَخْلُفُكُمْ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ويُقالُ: إنَّ السَبَبَ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ أنْ يُدْخِلَهُمُ النارَ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ عِبادَتِهِمُ العَجَلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ. (p-٢٦٦)وَقالَتْ طائِفَةٌ: قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ في التَوْراةِ أنَّ طُولَ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأنَّهم يَقْطَعُونَ في كُلِّ يَوْمِ سَنَةً، حَتّى يُكْمِلُوها وتَذْهَبَ جَهَنَّمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، إنَّهم قالُوا: إنَّ مُدَّةَ الدُنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وأنَّ اللهَ تَعالى يُعَذِّبُهم بِكُلِّ ألِفٍ سَنَةٍ يَوْمًا. و"أتَّخَذْتُمْ" أصْلُهُ: أئِتَّخَذْتُمْ، وزْنُهُ أفْتَعَلْتُمْ مِنَ الأخْذِ، سُهِّلَتِ الهَمْزَةُ الثانِيَةُ لِامْتِناعِ جَمْعِ هَمْزَتَيْنِ فَجاءَ "أيِتَّخَذْتُمْ"، فاضْطَرَبَتِ الياءُ في التَصْرِيفِ جاءَتْ ألِفًا في "يِاتَّخَذُوا"، وواوًا في مُوتَّخَذٌ، فَبُدِّلَتْ بِحَرْفٍ جَلْدٍ ثابِتٍ وهو التاءُ وأُدْغِمَتْ، فَلَمّا دَخَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ ألِفُ التَقْرِيرِ اسْتُغْنِيَ عن ألِفِ الوَصْلِ. ومَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ "أنِ اتَّخَذْتُمْ" مِن تَخِذَ لا مِن أخَذَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. وقالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: العَهْدُ مِنَ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المِيثاقُ والمَوْعِدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ هَلْ قُلْتُمْ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وآمَنتُمْ، وأطَعْتُمْ، فَتُدْلُونَ بِذَلِكَ، وتَعْلَمُونَ أنَّكم خارِجُونَ مِنَ النارِ؟ فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَجِيءُ المَعْنى: هَلْ عاهَدَكُمُ اللهُ عَلى هَذا الَّذِي تَدَّعُونَ؟ وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ: هَلْ أسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللهِ أعْمالًا تُوجِبُ ما تَدَّعُونَ؟ وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ﴾ اعْتِراضٌ أثْناءَ الكَلامِ. و"بَلى" رَدٌّ بَعْدَ النَفْيِ، بِمَنزِلَةِ نَعَمْ بَعْدَ الإيجابِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُها "بَلِ" الَّتِي هَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ، وزِيدَتْ عَلَيْها الياءُ لِيَحْسُنَ الوَقْفُ عَلَيْها، وضَمَّنَتِ الياءُ مَعْنى الإيجابِ والإنْعامِ بِما يَأْتِي بَعْدَها. وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي حَرْفٌ مِثْلُ "بَلْ" وغَيْرُهُ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ لِقَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النارُ﴾، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الخُلُودَ في (p-٢٦٧)النارِ والجَنَّةِ بِحَسَبِ الكُفْرِ والإيمانِ. و"مَن" شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ و"أُولَئِكَ" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، و"الفاءُ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَ الشَرْطِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: السَيِّئَةُ: الشِرْكُ،كَقَوْلِهِ ﴿وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النارِ﴾ [النمل: ٩٠] والخَطِيئاتُ كَبائِرُ الذُنُوبِ، وقالَ قَوْمٌ "خَطِيئَتُهُ" بِالإفْرادِ، وقالَ قَوْمٌ: السَيِّئَةُ هُنا الكَبائِرُ وأفْرَدَها وهي بِمَعْنى الجَمْعِ لَمّا كانَتْ تَدُلُّ عَلى الجِنْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ﴾ [النحل: ١٨] والخَطِيئَةُ: الكُفْرُ، ولَفْظَةُ الإحاطَةِ تُقَوِّي هَذا القَوْلَ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحائِطِ المُحْدِقِ بِالشَيْءِ. وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، والأعْمَشُ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ: مَعْنى الآيَةِ: ماتَ بِذُنُوبٍ لَمْ يَتُبْ مِنها، وقالَ الرَبِيعُ أيْضًا: ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والسُدِّيُّ: كُلُّ ما تَوَعَّدَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنارِ فَهي الخَطِيئَةُ المُحِيطَةُ. والخُلُودُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الإطْلاقِ والتَأْبِيدِ في المُشْرِكِينَ، ومُسْتَعارٌ بِمَعْنى الطُولِ في العَصاةِ، وإنَّ عُلِمَ انْقِطاعُهُ كَما يُقالُ: مَلِكٌ خالِدٌ، ويُدْعى لِلْمَلِكِ بِالخُلْدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةُ يَدُلُّ هَذا التَقْسِيمُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ الآيَةُ، في الكُفّارِ، لا في العُصاةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: "وَأحاطَتْ" لِأنَّ العاصِيَ مُؤْمِنٌ فَلَمْ تُحِطْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ الرَدَّ كانَ عَلى كُفّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَهُمُ المُرادُ بِالخُلُودِ، واللهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:81

(p-٢٦٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهِ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ "الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِمُ الأحْبارُ والرُؤَساءُ، قالَ الخَلِيلُ: الوَيْلُ شِدَّةُ الشَرِّ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: الوَيْلُ القُبُوحُ، وهو مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ، ويُجْمَعُ عَلى ويْلاتٍ، والأحْسَنُ فِيهِ -إذا انْفَصَلَ- الرَفْعُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي الوُقُوعَ ويَصِحُّ النَصْبُ عَلى مَعْنى الدُعاءِ، أيْ ألْزَمَهُ اللهُ ويْلًا. ووَيْلٌ، ووَيْحٌ، ووَيْسٌ، ووَيْبٌ، تَتَقارَبُ في المَعْنى، وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَها قَوْمٌ، ورَوى سُفْيانُ، وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ، أنَّ الوَيْلَ في هَذِهِ الآيَةِ وادٍ يَجْرِي بِفَناءِ جَهَنَّمَ مِن صَدِيدِ أهْلِ النارِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَهْوِي فِيهِ الهاوِي أرْبَعِينَ خَرِيفًا»، وقالَ أبُو عِياضٍ: إنَّهُ صِهْرِيجٌ في جَهَنَّمَ. ورَوى عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ جَبَلٌ مِن جِبالِ النارِ»، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن آخَرِينَ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. و( الَّذِينَ يَكْتُبُونَ ) هُمُ الأحْبارُ الَّذِينَ بَدَّلُوا التَوْراةَ، وقَوْلُهُ "بِأيْدِيهِمْ" بَيانٌ لِجُرْمِهِمْ وإثْباتٌ لِمُجاهَرَتِهِمُ اللهَ. (p-٢٦٥)وَفَرَّقَ بَيْنَ مَن كَتَبَ وبَيْنَ مَن أمَرَ، إذِ المُتَوَلِّي لِلْفِعْلِ أشَدُّ مُواقَعَةً مِمَّنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ، وإنْ كانَ رَأْيًا لَهُ، وقالَ ابْنُ السَرّاجِ: هو كِنايَةٌ عن أنَّهُ مِن تِلْقائِهِمْ دُونَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَةً في كُتُبِ أيْدِيهِمْ. والَّذِي بَدَّلُوا هو صِفَةُ النَبِيِّ ﷺ لِيَسْتَدِيمُوا رِياسَتَهم ومَكاسِبَهُمْ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ صِفَتُهُ في التَوْراةِ أسْمَرَ رَبْعَةً فَرَدُّوهُ آدَمَ طَوِيلًا، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم كانُوا يَكْتُبُونَ كُتُبًا يُبَدِّلُونَ فِيها صِفَةَ النَبِيِّ ﷺ ويَبِيعُونَها مِنَ الأعْرابِ، ويَبُثُّونَها في أتْباعِهِمْ، ويَقُولُونَ: هي مِن عِنْدِ اللهِ. وتَناسُقُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها يُعْطِي أنَّ هَذا الكَتْبَ والتَبْدِيلَ إنَّما هو لِلْأتْباعِ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما قُرِئَ لَهم. والثَمَنُ قِيلَ: عَرَضُ الدُنْيا، وقِيلَ: الرِشا والمَآكِلُ الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، ووَصَفَهُ بِالقِلَّةِ إمّا لِفِنائِهِ، وإمّا لِكَوْنِهِ حَرامًا. وكُرِّرَ الوَيْلُ لِتَكْرارِ الحالاتِ الَّتِي اسْتَحَقُّوهُ بِها، و"يَكْسِبُونَ" مَعْناهُ مِنَ المَعاصِي والخَطايا، وقِيلَ: مِنَ المالِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ذِكْرُ الثَمَنِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَنْ تَمَسَّنا النارُ﴾ الآيَةُ، رَوى ابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُ، أنَّ سَبَبَها «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِلْيَهُودِ: "مَن أهْلُ النارِ"؟ فَقالُوا: نَحْنُ، ثُمَّ تَخْلُفُونَنا أنْتُمْ، فَقالَ لَهُمْ: "كَذَبْتُمْ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنّا لا نَخْلُفُكُمْ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ويُقالُ: إنَّ السَبَبَ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ أنْ يُدْخِلَهُمُ النارَ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ عِبادَتِهِمُ العَجَلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ. (p-٢٦٦)وَقالَتْ طائِفَةٌ: قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ في التَوْراةِ أنَّ طُولَ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأنَّهم يَقْطَعُونَ في كُلِّ يَوْمِ سَنَةً، حَتّى يُكْمِلُوها وتَذْهَبَ جَهَنَّمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، إنَّهم قالُوا: إنَّ مُدَّةَ الدُنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وأنَّ اللهَ تَعالى يُعَذِّبُهم بِكُلِّ ألِفٍ سَنَةٍ يَوْمًا. و"أتَّخَذْتُمْ" أصْلُهُ: أئِتَّخَذْتُمْ، وزْنُهُ أفْتَعَلْتُمْ مِنَ الأخْذِ، سُهِّلَتِ الهَمْزَةُ الثانِيَةُ لِامْتِناعِ جَمْعِ هَمْزَتَيْنِ فَجاءَ "أيِتَّخَذْتُمْ"، فاضْطَرَبَتِ الياءُ في التَصْرِيفِ جاءَتْ ألِفًا في "يِاتَّخَذُوا"، وواوًا في مُوتَّخَذٌ، فَبُدِّلَتْ بِحَرْفٍ جَلْدٍ ثابِتٍ وهو التاءُ وأُدْغِمَتْ، فَلَمّا دَخَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ ألِفُ التَقْرِيرِ اسْتُغْنِيَ عن ألِفِ الوَصْلِ. ومَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ "أنِ اتَّخَذْتُمْ" مِن تَخِذَ لا مِن أخَذَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. وقالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: العَهْدُ مِنَ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المِيثاقُ والمَوْعِدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ هَلْ قُلْتُمْ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وآمَنتُمْ، وأطَعْتُمْ، فَتُدْلُونَ بِذَلِكَ، وتَعْلَمُونَ أنَّكم خارِجُونَ مِنَ النارِ؟ فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَجِيءُ المَعْنى: هَلْ عاهَدَكُمُ اللهُ عَلى هَذا الَّذِي تَدَّعُونَ؟ وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ: هَلْ أسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللهِ أعْمالًا تُوجِبُ ما تَدَّعُونَ؟ وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ﴾ اعْتِراضٌ أثْناءَ الكَلامِ. و"بَلى" رَدٌّ بَعْدَ النَفْيِ، بِمَنزِلَةِ نَعَمْ بَعْدَ الإيجابِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُها "بَلِ" الَّتِي هَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ، وزِيدَتْ عَلَيْها الياءُ لِيَحْسُنَ الوَقْفُ عَلَيْها، وضَمَّنَتِ الياءُ مَعْنى الإيجابِ والإنْعامِ بِما يَأْتِي بَعْدَها. وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي حَرْفٌ مِثْلُ "بَلْ" وغَيْرُهُ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ لِقَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النارُ﴾، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الخُلُودَ في (p-٢٦٧)النارِ والجَنَّةِ بِحَسَبِ الكُفْرِ والإيمانِ. و"مَن" شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ و"أُولَئِكَ" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، و"الفاءُ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَ الشَرْطِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: السَيِّئَةُ: الشِرْكُ،كَقَوْلِهِ ﴿وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النارِ﴾ [النمل: ٩٠] والخَطِيئاتُ كَبائِرُ الذُنُوبِ، وقالَ قَوْمٌ "خَطِيئَتُهُ" بِالإفْرادِ، وقالَ قَوْمٌ: السَيِّئَةُ هُنا الكَبائِرُ وأفْرَدَها وهي بِمَعْنى الجَمْعِ لَمّا كانَتْ تَدُلُّ عَلى الجِنْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ﴾ [النحل: ١٨] والخَطِيئَةُ: الكُفْرُ، ولَفْظَةُ الإحاطَةِ تُقَوِّي هَذا القَوْلَ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحائِطِ المُحْدِقِ بِالشَيْءِ. وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، والأعْمَشُ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ: مَعْنى الآيَةِ: ماتَ بِذُنُوبٍ لَمْ يَتُبْ مِنها، وقالَ الرَبِيعُ أيْضًا: ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والسُدِّيُّ: كُلُّ ما تَوَعَّدَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنارِ فَهي الخَطِيئَةُ المُحِيطَةُ. والخُلُودُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الإطْلاقِ والتَأْبِيدِ في المُشْرِكِينَ، ومُسْتَعارٌ بِمَعْنى الطُولِ في العَصاةِ، وإنَّ عُلِمَ انْقِطاعُهُ كَما يُقالُ: مَلِكٌ خالِدٌ، ويُدْعى لِلْمَلِكِ بِالخُلْدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةُ يَدُلُّ هَذا التَقْسِيمُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ الآيَةُ، في الكُفّارِ، لا في العُصاةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: "وَأحاطَتْ" لِأنَّ العاصِيَ مُؤْمِنٌ فَلَمْ تُحِطْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ الرَدَّ كانَ عَلى كُفّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَهُمُ المُرادُ بِالخُلُودِ، واللهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:82

(p-٢٦٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهِ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ "الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِمُ الأحْبارُ والرُؤَساءُ، قالَ الخَلِيلُ: الوَيْلُ شِدَّةُ الشَرِّ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: الوَيْلُ القُبُوحُ، وهو مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ، ويُجْمَعُ عَلى ويْلاتٍ، والأحْسَنُ فِيهِ -إذا انْفَصَلَ- الرَفْعُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي الوُقُوعَ ويَصِحُّ النَصْبُ عَلى مَعْنى الدُعاءِ، أيْ ألْزَمَهُ اللهُ ويْلًا. ووَيْلٌ، ووَيْحٌ، ووَيْسٌ، ووَيْبٌ، تَتَقارَبُ في المَعْنى، وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَها قَوْمٌ، ورَوى سُفْيانُ، وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ، أنَّ الوَيْلَ في هَذِهِ الآيَةِ وادٍ يَجْرِي بِفَناءِ جَهَنَّمَ مِن صَدِيدِ أهْلِ النارِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَهْوِي فِيهِ الهاوِي أرْبَعِينَ خَرِيفًا»، وقالَ أبُو عِياضٍ: إنَّهُ صِهْرِيجٌ في جَهَنَّمَ. ورَوى عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ جَبَلٌ مِن جِبالِ النارِ»، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن آخَرِينَ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ. و( الَّذِينَ يَكْتُبُونَ ) هُمُ الأحْبارُ الَّذِينَ بَدَّلُوا التَوْراةَ، وقَوْلُهُ "بِأيْدِيهِمْ" بَيانٌ لِجُرْمِهِمْ وإثْباتٌ لِمُجاهَرَتِهِمُ اللهَ. (p-٢٦٥)وَفَرَّقَ بَيْنَ مَن كَتَبَ وبَيْنَ مَن أمَرَ، إذِ المُتَوَلِّي لِلْفِعْلِ أشَدُّ مُواقَعَةً مِمَّنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ، وإنْ كانَ رَأْيًا لَهُ، وقالَ ابْنُ السَرّاجِ: هو كِنايَةٌ عن أنَّهُ مِن تِلْقائِهِمْ دُونَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَةً في كُتُبِ أيْدِيهِمْ. والَّذِي بَدَّلُوا هو صِفَةُ النَبِيِّ ﷺ لِيَسْتَدِيمُوا رِياسَتَهم ومَكاسِبَهُمْ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ صِفَتُهُ في التَوْراةِ أسْمَرَ رَبْعَةً فَرَدُّوهُ آدَمَ طَوِيلًا، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم كانُوا يَكْتُبُونَ كُتُبًا يُبَدِّلُونَ فِيها صِفَةَ النَبِيِّ ﷺ ويَبِيعُونَها مِنَ الأعْرابِ، ويَبُثُّونَها في أتْباعِهِمْ، ويَقُولُونَ: هي مِن عِنْدِ اللهِ. وتَناسُقُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها يُعْطِي أنَّ هَذا الكَتْبَ والتَبْدِيلَ إنَّما هو لِلْأتْباعِ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما قُرِئَ لَهم. والثَمَنُ قِيلَ: عَرَضُ الدُنْيا، وقِيلَ: الرِشا والمَآكِلُ الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، ووَصَفَهُ بِالقِلَّةِ إمّا لِفِنائِهِ، وإمّا لِكَوْنِهِ حَرامًا. وكُرِّرَ الوَيْلُ لِتَكْرارِ الحالاتِ الَّتِي اسْتَحَقُّوهُ بِها، و"يَكْسِبُونَ" مَعْناهُ مِنَ المَعاصِي والخَطايا، وقِيلَ: مِنَ المالِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ذِكْرُ الثَمَنِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَنْ تَمَسَّنا النارُ﴾ الآيَةُ، رَوى ابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُ، أنَّ سَبَبَها «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لِلْيَهُودِ: "مَن أهْلُ النارِ"؟ فَقالُوا: نَحْنُ، ثُمَّ تَخْلُفُونَنا أنْتُمْ، فَقالَ لَهُمْ: "كَذَبْتُمْ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنّا لا نَخْلُفُكُمْ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ويُقالُ: إنَّ السَبَبَ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ أنْ يُدْخِلَهُمُ النارَ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ عِبادَتِهِمُ العَجَلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ. (p-٢٦٦)وَقالَتْ طائِفَةٌ: قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ في التَوْراةِ أنَّ طُولَ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأنَّهم يَقْطَعُونَ في كُلِّ يَوْمِ سَنَةً، حَتّى يُكْمِلُوها وتَذْهَبَ جَهَنَّمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، إنَّهم قالُوا: إنَّ مُدَّةَ الدُنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وأنَّ اللهَ تَعالى يُعَذِّبُهم بِكُلِّ ألِفٍ سَنَةٍ يَوْمًا. و"أتَّخَذْتُمْ" أصْلُهُ: أئِتَّخَذْتُمْ، وزْنُهُ أفْتَعَلْتُمْ مِنَ الأخْذِ، سُهِّلَتِ الهَمْزَةُ الثانِيَةُ لِامْتِناعِ جَمْعِ هَمْزَتَيْنِ فَجاءَ "أيِتَّخَذْتُمْ"، فاضْطَرَبَتِ الياءُ في التَصْرِيفِ جاءَتْ ألِفًا في "يِاتَّخَذُوا"، وواوًا في مُوتَّخَذٌ، فَبُدِّلَتْ بِحَرْفٍ جَلْدٍ ثابِتٍ وهو التاءُ وأُدْغِمَتْ، فَلَمّا دَخَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ ألِفُ التَقْرِيرِ اسْتُغْنِيَ عن ألِفِ الوَصْلِ. ومَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ "أنِ اتَّخَذْتُمْ" مِن تَخِذَ لا مِن أخَذَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ. وقالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: العَهْدُ مِنَ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المِيثاقُ والمَوْعِدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ هَلْ قُلْتُمْ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وآمَنتُمْ، وأطَعْتُمْ، فَتُدْلُونَ بِذَلِكَ، وتَعْلَمُونَ أنَّكم خارِجُونَ مِنَ النارِ؟ فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَجِيءُ المَعْنى: هَلْ عاهَدَكُمُ اللهُ عَلى هَذا الَّذِي تَدَّعُونَ؟ وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ: هَلْ أسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللهِ أعْمالًا تُوجِبُ ما تَدَّعُونَ؟ وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ﴾ اعْتِراضٌ أثْناءَ الكَلامِ. و"بَلى" رَدٌّ بَعْدَ النَفْيِ، بِمَنزِلَةِ نَعَمْ بَعْدَ الإيجابِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُها "بَلِ" الَّتِي هَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ، وزِيدَتْ عَلَيْها الياءُ لِيَحْسُنَ الوَقْفُ عَلَيْها، وضَمَّنَتِ الياءُ مَعْنى الإيجابِ والإنْعامِ بِما يَأْتِي بَعْدَها. وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي حَرْفٌ مِثْلُ "بَلْ" وغَيْرُهُ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ لِقَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النارُ﴾، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الخُلُودَ في (p-٢٦٧)النارِ والجَنَّةِ بِحَسَبِ الكُفْرِ والإيمانِ. و"مَن" شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ و"أُولَئِكَ" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، و"الفاءُ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَ الشَرْطِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: السَيِّئَةُ: الشِرْكُ،كَقَوْلِهِ ﴿وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النارِ﴾ [النمل: ٩٠] والخَطِيئاتُ كَبائِرُ الذُنُوبِ، وقالَ قَوْمٌ "خَطِيئَتُهُ" بِالإفْرادِ، وقالَ قَوْمٌ: السَيِّئَةُ هُنا الكَبائِرُ وأفْرَدَها وهي بِمَعْنى الجَمْعِ لَمّا كانَتْ تَدُلُّ عَلى الجِنْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ﴾ [النحل: ١٨] والخَطِيئَةُ: الكُفْرُ، ولَفْظَةُ الإحاطَةِ تُقَوِّي هَذا القَوْلَ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحائِطِ المُحْدِقِ بِالشَيْءِ. وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، والأعْمَشُ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ: مَعْنى الآيَةِ: ماتَ بِذُنُوبٍ لَمْ يَتُبْ مِنها، وقالَ الرَبِيعُ أيْضًا: ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والسُدِّيُّ: كُلُّ ما تَوَعَّدَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنارِ فَهي الخَطِيئَةُ المُحِيطَةُ. والخُلُودُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الإطْلاقِ والتَأْبِيدِ في المُشْرِكِينَ، ومُسْتَعارٌ بِمَعْنى الطُولِ في العَصاةِ، وإنَّ عُلِمَ انْقِطاعُهُ كَما يُقالُ: مَلِكٌ خالِدٌ، ويُدْعى لِلْمَلِكِ بِالخُلْدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةُ يَدُلُّ هَذا التَقْسِيمُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ الآيَةُ، في الكُفّارِ، لا في العُصاةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: "وَأحاطَتْ" لِأنَّ العاصِيَ مُؤْمِنٌ فَلَمْ تُحِطْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ الرَدَّ كانَ عَلى كُفّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَهُمُ المُرادُ بِالخُلُودِ، واللهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:83

(p-٢٦٨)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلا قَلِيلا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ المَعْنى: واذْكُرُوا إذْ أخَذَنا، وقالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا هو المِيثاقُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ حِينَ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما هو مِيثاقٌ أُخِذَ عَلَيْهِمْ وهم عُقَلاءُ في حَياتِهِمْ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وغَيْرِهِ مِن أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَلامُ. وأخْذُ المِيثاقِ قَوْلٌ، فالمَعْنى قُلْنا لَهُمْ: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "لا يَعْبُدُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ مِن فَوْقِ، حِكايَةُ ما قِيلَ لَهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، "لا تَعْبُدُوا" عَلى النَهْيِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ لِقَسَمٍ، والمَعْنى: وإذِ اسْتَخْلَفْناكم واللهَ لا تَعْبُدُونَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: تَقْدِيرُ الكَلامِ بِأنَّ لا تَعْبُدُوا إلّا اللهَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ، ثُمَّ حُذِفَتْ أنَّ فارْتَفَعَ الفِعْلُ لِزَوالِها، فـَ "لا تَعْبُدُونَ" عَلى هَذا مَعْمُولٌ لِحَرْفِ النَصْبِ، وحُكِيَ عن قُطْرُبٍ: أنْ ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ أخَذْنا مِيثاقَهم مُوَحِّدِينَ، وهَذا إنَّما يَتَّجِهُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، ونِظامُ الآيَةِ يَدْفَعُهُ مَعَ كُلِّ قِراءَةٍ. وقالَ قَوْمٌ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ﴾ نَهْيٌ في صِيغَةِ خَبَرٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ في قِراءَةِ (p-٢٦٩)أُبَيٍّ "لا تَعْبُدُوا". والباءُ في قَوْلِهِ: "وَبِالوالِدَيْنِ" قِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِالمِيثاقِ، عَطْفًا عَلى الباءِ المُقَدَّرَةِ أوَّلًا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: التَقْدِيرُ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ "إحْسانًا"، والتَقْدِيرُ: قُلْنا لَهُمْ: لا تَعْبُدُونَ إلّا اللهَ، وأحْسَنُوا إحْسانًا بِالوالِدَيْنِ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلُ بِأنَّ المَصْدَرَ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ ما هو مَعْمُولٌ لَهُ، وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ الباءُ بِأحْسَنُوا، المُقَدَّرُ، والمَعْنى: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وقُدِّمَ اللَفْظُ "بِالوالِدَيْنِ" تَهَمُّمًا فَهو نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] وفي الإحْسانِ تَدْخُلُ أنْواعَ بِرِّ الوالِدَيْنِ كُلِّها، "وَذِي" عَطْفٌ عَلى الوالِدَيْنِ و"القُرْبى" بِمَعْنى القَرابَةِ، ومَصْدَرٌ كالرُجْعى والعُقْبى، وهَذا يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِصِلَةِ الرَحِمِ، "واليَتامى" جَمْعُ يَتِيمٍ كَنَدِيمٍ ونَدامى، واليُتْمُ في بَنِي آدَمَ فَقْدُ الأبِ، وفي البَهائِمِ فَقْدُ الأُمِّ، وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: «لا يَتِمُّ بَعْدَ بُلُوغٍ». وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّ اليَتِيمَ في بَنِي آدَمَ في فَقْدِ الأُمِّ. وهَذا يَتَضَمَّنُ الرَأْفَةَ بِاليَتامى وحِيطَةَ أمْوالِهِمْ. "والمَساكِينِ" جَمْعُ مِسْكِينٍ، وهو الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، (p-٢٧٠)لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السُكُونِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المِسْكِينَ هو الَّذِي لَهُ بُلْغَةٌ مِنَ العَيْشِ وهو عَلى هَذا مُشْتَقٌّ مِنَ السَكَنِ، وهَذا يَتَضَمَّنُ الحَضَّ عَلى الصَدَقَةِ والمُواساةِ، وتَفَقُّدِ أحْوالِ المَساكِينِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾، أمْرُ عَطْفٍ عَلى ما تَضَمَّنَهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ﴾، وما بَعْدَهُ مِن مَعْنى الأمْرِ والنَهْيِ، أو عَلى أحْسَنُوا المُقَدَّرُ في قَوْلِهِ: "وَبِالوالِدَيْنِ" وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "حَسَنًا" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، قالَ الأخْفَشُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ كالبُخْلِ والبَخْلِ، قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: بَلِ المَعْنى في القِراءَتَيْنِ: وقُولُوا قَوْلًا حَسَنًا -بِفَتْحِ السِينِ- أو قَوْلًا ذا حَسَنٍ، بِضَمِّ الحاءِ. وقَرَأ قَوْمٌ: "حُسْنى" مِثْلُ فُعْلى، ورَدَّهُ سِيبَوَيْهِ لِأنَّ أفْعَلَ وفَعْلى لا تَجِيءُ إلّا مَعْرِفَةً إلّا أنْ يُزالَ عنها مَعْنى التَفْضِيلِ، وتَبْقى مَصْدَرًا كالعُقْبى، فَذَلِكَ جائِزٌ وهو وجْهُ القِراءَةِ بِها. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ. "حَسَنًا" بِضَمِّ الحاءِ والسِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الكَلامِ: قُولُوا لَهُمْ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، ومُرُوهم بِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُولُوا لَهُمْ: حُسْنًا في الإعْلامِ بِما في كِتابِكم مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: مَعْناهُ مُرُوهم بِالمَعْرُوفِ وانْهُوهم عَنِ المُنْكَرِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ قُولُوا لَهُمُ الطَيِّبَ مِنَ القَوْلِ، وحاوِرُوهم بِأحْسَنِ ما تُحِبُّونَ أنْ تُحاوِرُوا بِهِ، وهَذا حَضٌّ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ. وحَكى المَهْدَوِيُّ عن قَتادَةَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾، مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ خُوطِبَتْ بِمِثْلِ هَذا اللَفْظِ في صَدْرِ الإسْلامِ، وأمّا الخَبَرُ عن بَنِي إسْرائِيلَ وما أُمِرُوا بِهِ فَلا نَسْخَ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إقامَةِ الصَلاةِ. وزَكاتُهم هي الَّتِي كانُوا يَضَعُونَها وتَنْزِلُ النارُ عَلى ما تُقُبِّلَ، (p-٢٧١)وَلا تَنْزِلُ عَلى ما لَمْ يُتَقَبَّلْ، ولَمْ تَكُنْ كَزَكاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: الزَكاةُ الَّتِي أُمِرُوا بِها طاعَةُ اللهِ والإخْلاصُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، أُسْنِدَ إلَيْهِمْ تُوَلِّي أسْلافِهِمْ، إذْ هم كُلُّهم بِتِلْكَ السَبِيلِ، قالَ نَحْوُهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. و"ثُمَّ" مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ ولَمْ تَجْرِ مَجْرى رَدَّ وشَدَّ لِأنَّها لا تَتَصَرَّفُ. وضُمَّتِ التاءُ الأخِيرَةُ مِن "تَوَلَّيْتُمْ" لِأنَّ تاءَ المُفْرَدِ أخَذَتِ الفَتْحَ، وتاءَ المُؤَنَّثِ أخَذَتِ الكَسْرَ، فَلَمْ يَبْقَ لِلتَّثْنِيَةِ والجَمْعِ إلّا الضَمُّ. و"قَلِيلًا" نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: والمُسْتَثْنى مَنصُوبٌ عَلى التَشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ، قالَ المُبَرِّدُ: هو مَفْعُولُ حَقِيقَةٍ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ اسْتَثْنَيْتُ كَذا، والمُرادُ بِالقَلِيلِ جَمِيعُ مُؤْمِنِيهِمْ قَدِيمًا مِن أسْلافِهِمْ، وحَدِيثًا كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، والقِلَّةُ عَلى هَذِهِ هي في عَدَدِ الأشْخاصِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ القِلَّةُ في الإيمانِ أيْ لَمْ يَبْقَ حِينَ عَصَوْا وكَفَرَ آخِرُهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ إلّا إيمانُ قَلِيلٍ إذْ لا يَنْفَعُهُمْ، والأوَّلُ أقْوى، وقَرَأ قَوْمٌ "إلّا قَلِيلٌ" بِرَفْعِ القَلِيلِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو. وهَذا عَلى بَدَلِ قَلِيلٍ مِنَ الضَمِيرِ في "تَوَلَّيْتُمْ"، وجازَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ الكَلامَ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ نَفْيٌ؛ لِأنَّ "تَوَلَّيْتُمْ" مَعْناهُ النَفْيُ، كَأنَّهُ قالَ ثُمَّ لَمْ تَفُوا بِالمِيثاقِ إلّا قَلِيلٌ. والسَفْكُ صَبُّ الدَمِ وسَرْدُ الكَلامِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ "لا تَسْفِكُونَ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ أبُو نَهْيِكٍ "لا تَسْفِكُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الفاءِ وتَضْعِيفِها. وإعْرابِ "لا تَسْفِكُونَ" كَما تَقَدَّمَ في "لا تَعْبُدُونَ". و"دِماءَكُمْ" (p-٢٧٢)جَمْعُ دَمٍ وهو اسْمٌ مَنقُوصٌ، أصْلُهُ دَمِي وتَثْنِيَتُهُ دَمَيانِ وقِيلَ: أصْلُهُ دَمِيَ بِسُكُونِ المِيمِ، وحُرِّكَتْ في التَثْنِيَةِ لِتَدُلَّ الحَرَكَةُ عَلى التَغْيِيرِ الَّذِي في الواحِدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ مَعْناهُ: ولا يَنْفِي بَعْضُكم بَعْضًا بِالفِتْنَةِ والبَغْيِ. ولَمّا كانَتْ مِلَّتُهم واحِدَةً، وأمْرُهم واحِدًا، وكانُوا في الأُمَمِ كالشَخْصِ الواحِدِ، جُعِلَ قَتْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ونَفْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، قَتْلًا لِأنْفُسِهِمْ ونَفْيًا لَها، وكَذَلِكَ حَكَمَ كُلُّ جَماعَةٍ تُخاطِبُ بِهَذا اللَفِّ في القَوْلِ. وقِيلَ: ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ أيْ لا يُقْتَلُ أحَدٌ فَيَقْتُلُ قِصاصًا فَكَأنَّهُ سَفَكَ دَمَ نَفْسِهِ لَمّا سَبَّبَ ذَلِكَ، ولا يُفْسِدُ في الأرْضِ فَيُنْفى فَيَكُونُ قَدْ أخْرَجَ نَفْسَهُ مِن دِيارِهِ، وهَذا تَأْوِيلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ، وإنَّما كانَ الأمْرُ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ مِيثاقًا، ألّا يَقْتُلَ بَعْضَهم بَعْضًا، ولا يَنْفِيَهُ، ولا يَسْتَرِقَهُ، ولا يَدَعَهُ يَسْتَرِقُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطاعاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾ أيْ خَلَفًا بَعْدَ سَلَفٍ أنَّ هَذا المِيثاقَ أُخِذَ عَلَيْكم والتَزَمْتُوهُ، فَيَتَّجِهُ في هَذِهِ اللَفْظَةِ أنْ تَكُونَ مِنَ الإقْرارِ الَّذِي هو ضِدُّ الجَحْدِ، وتَتَعَدّى بِالباءِ، وأنْ تَكُونَ مِنَ الإقْرارِ الَّذِي هو إبْقاءُ الأمْرِ عَلى حالِهِ، أيْ أقْرَرْتُمْ هَذا المِيثاقَ مُلْتَزِمًا، وقَوْلُهُ ﴿وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ يُرادُ بِهِ مِن سَلَفَ مِنهُمْ، والمَعْنى: وأنْتُمْ شُهُودٌ، أيْ حُضُورٌ أخْذَ المِيثاقِ والإقْرارِ. وقِيلَ إنَّ المُرادَ مَن كانَ في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى: وأنْتُمْ شُهَداءُ، أيْ بَيِّنَةٌ أنَّ هَذا المِيثاقَ أُخِذَ عَلى أسْلافِكم فَمَن بَعْدَهم مِنكم.

البقرة 2:84

(p-٢٦٨)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلا قَلِيلا مِنكم وأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ المَعْنى: واذْكُرُوا إذْ أخَذَنا، وقالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا هو المِيثاقُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ حِينَ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما هو مِيثاقٌ أُخِذَ عَلَيْهِمْ وهم عُقَلاءُ في حَياتِهِمْ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وغَيْرِهِ مِن أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمُ السَلامُ. وأخْذُ المِيثاقِ قَوْلٌ، فالمَعْنى قُلْنا لَهُمْ: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "لا يَعْبُدُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ مِن فَوْقِ، حِكايَةُ ما قِيلَ لَهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، "لا تَعْبُدُوا" عَلى النَهْيِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ لِقَسَمٍ، والمَعْنى: وإذِ اسْتَخْلَفْناكم واللهَ لا تَعْبُدُونَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: تَقْدِيرُ الكَلامِ بِأنَّ لا تَعْبُدُوا إلّا اللهَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ، ثُمَّ حُذِفَتْ أنَّ فارْتَفَعَ الفِعْلُ لِزَوالِها، فـَ "لا تَعْبُدُونَ" عَلى هَذا مَعْمُولٌ لِحَرْفِ النَصْبِ، وحُكِيَ عن قُطْرُبٍ: أنْ ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ أخَذْنا مِيثاقَهم مُوَحِّدِينَ، وهَذا إنَّما يَتَّجِهُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، ونِظامُ الآيَةِ يَدْفَعُهُ مَعَ كُلِّ قِراءَةٍ. وقالَ قَوْمٌ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ﴾ نَهْيٌ في صِيغَةِ خَبَرٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ في قِراءَةِ (p-٢٦٩)أُبَيٍّ "لا تَعْبُدُوا". والباءُ في قَوْلِهِ: "وَبِالوالِدَيْنِ" قِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِالمِيثاقِ، عَطْفًا عَلى الباءِ المُقَدَّرَةِ أوَّلًا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: التَقْدِيرُ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ "إحْسانًا"، والتَقْدِيرُ: قُلْنا لَهُمْ: لا تَعْبُدُونَ إلّا اللهَ، وأحْسَنُوا إحْسانًا بِالوالِدَيْنِ، ويَعْتَرِضُ هَذا القَوْلُ بِأنَّ المَصْدَرَ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ ما هو مَعْمُولٌ لَهُ، وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ الباءُ بِأحْسَنُوا، المُقَدَّرُ، والمَعْنى: وأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وقُدِّمَ اللَفْظُ "بِالوالِدَيْنِ" تَهَمُّمًا فَهو نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] وفي الإحْسانِ تَدْخُلُ أنْواعَ بِرِّ الوالِدَيْنِ كُلِّها، "وَذِي" عَطْفٌ عَلى الوالِدَيْنِ و"القُرْبى" بِمَعْنى القَرابَةِ، ومَصْدَرٌ كالرُجْعى والعُقْبى، وهَذا يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِصِلَةِ الرَحِمِ، "واليَتامى" جَمْعُ يَتِيمٍ كَنَدِيمٍ ونَدامى، واليُتْمُ في بَنِي آدَمَ فَقْدُ الأبِ، وفي البَهائِمِ فَقْدُ الأُمِّ، وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: «لا يَتِمُّ بَعْدَ بُلُوغٍ». وحَكى الماوَرْدِيُّ أنَّ اليَتِيمَ في بَنِي آدَمَ في فَقْدِ الأُمِّ. وهَذا يَتَضَمَّنُ الرَأْفَةَ بِاليَتامى وحِيطَةَ أمْوالِهِمْ. "والمَساكِينِ" جَمْعُ مِسْكِينٍ، وهو الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ، (p-٢٧٠)لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ السُكُونِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المِسْكِينَ هو الَّذِي لَهُ بُلْغَةٌ مِنَ العَيْشِ وهو عَلى هَذا مُشْتَقٌّ مِنَ السَكَنِ، وهَذا يَتَضَمَّنُ الحَضَّ عَلى الصَدَقَةِ والمُواساةِ، وتَفَقُّدِ أحْوالِ المَساكِينِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾، أمْرُ عَطْفٍ عَلى ما تَضَمَّنَهُ: ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللهَ﴾، وما بَعْدَهُ مِن مَعْنى الأمْرِ والنَهْيِ، أو عَلى أحْسَنُوا المُقَدَّرُ في قَوْلِهِ: "وَبِالوالِدَيْنِ" وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "حَسَنًا" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، قالَ الأخْفَشُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ كالبُخْلِ والبَخْلِ، قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: بَلِ المَعْنى في القِراءَتَيْنِ: وقُولُوا قَوْلًا حَسَنًا -بِفَتْحِ السِينِ- أو قَوْلًا ذا حَسَنٍ، بِضَمِّ الحاءِ. وقَرَأ قَوْمٌ: "حُسْنى" مِثْلُ فُعْلى، ورَدَّهُ سِيبَوَيْهِ لِأنَّ أفْعَلَ وفَعْلى لا تَجِيءُ إلّا مَعْرِفَةً إلّا أنْ يُزالَ عنها مَعْنى التَفْضِيلِ، وتَبْقى مَصْدَرًا كالعُقْبى، فَذَلِكَ جائِزٌ وهو وجْهُ القِراءَةِ بِها. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ. "حَسَنًا" بِضَمِّ الحاءِ والسِينِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الكَلامِ: قُولُوا لَهُمْ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، ومُرُوهم بِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُولُوا لَهُمْ: حُسْنًا في الإعْلامِ بِما في كِتابِكم مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: مَعْناهُ مُرُوهم بِالمَعْرُوفِ وانْهُوهم عَنِ المُنْكَرِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ قُولُوا لَهُمُ الطَيِّبَ مِنَ القَوْلِ، وحاوِرُوهم بِأحْسَنِ ما تُحِبُّونَ أنْ تُحاوِرُوا بِهِ، وهَذا حَضٌّ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ. وحَكى المَهْدَوِيُّ عن قَتادَةَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾، مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ خُوطِبَتْ بِمِثْلِ هَذا اللَفْظِ في صَدْرِ الإسْلامِ، وأمّا الخَبَرُ عن بَنِي إسْرائِيلَ وما أُمِرُوا بِهِ فَلا نَسْخَ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في إقامَةِ الصَلاةِ. وزَكاتُهم هي الَّتِي كانُوا يَضَعُونَها وتَنْزِلُ النارُ عَلى ما تُقُبِّلَ، (p-٢٧١)وَلا تَنْزِلُ عَلى ما لَمْ يُتَقَبَّلْ، ولَمْ تَكُنْ كَزَكاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: الزَكاةُ الَّتِي أُمِرُوا بِها طاعَةُ اللهِ والإخْلاصُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، أُسْنِدَ إلَيْهِمْ تُوَلِّي أسْلافِهِمْ، إذْ هم كُلُّهم بِتِلْكَ السَبِيلِ، قالَ نَحْوُهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. و"ثُمَّ" مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ ولَمْ تَجْرِ مَجْرى رَدَّ وشَدَّ لِأنَّها لا تَتَصَرَّفُ. وضُمَّتِ التاءُ الأخِيرَةُ مِن "تَوَلَّيْتُمْ" لِأنَّ تاءَ المُفْرَدِ أخَذَتِ الفَتْحَ، وتاءَ المُؤَنَّثِ أخَذَتِ الكَسْرَ، فَلَمْ يَبْقَ لِلتَّثْنِيَةِ والجَمْعِ إلّا الضَمُّ. و"قَلِيلًا" نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: والمُسْتَثْنى مَنصُوبٌ عَلى التَشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ، قالَ المُبَرِّدُ: هو مَفْعُولُ حَقِيقَةٍ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ اسْتَثْنَيْتُ كَذا، والمُرادُ بِالقَلِيلِ جَمِيعُ مُؤْمِنِيهِمْ قَدِيمًا مِن أسْلافِهِمْ، وحَدِيثًا كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، والقِلَّةُ عَلى هَذِهِ هي في عَدَدِ الأشْخاصِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ القِلَّةُ في الإيمانِ أيْ لَمْ يَبْقَ حِينَ عَصَوْا وكَفَرَ آخِرُهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ إلّا إيمانُ قَلِيلٍ إذْ لا يَنْفَعُهُمْ، والأوَّلُ أقْوى، وقَرَأ قَوْمٌ "إلّا قَلِيلٌ" بِرَفْعِ القَلِيلِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو. وهَذا عَلى بَدَلِ قَلِيلٍ مِنَ الضَمِيرِ في "تَوَلَّيْتُمْ"، وجازَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ الكَلامَ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ نَفْيٌ؛ لِأنَّ "تَوَلَّيْتُمْ" مَعْناهُ النَفْيُ، كَأنَّهُ قالَ ثُمَّ لَمْ تَفُوا بِالمِيثاقِ إلّا قَلِيلٌ. والسَفْكُ صَبُّ الدَمِ وسَرْدُ الكَلامِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ "لا تَسْفِكُونَ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ أبُو نَهْيِكٍ "لا تَسْفِكُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الفاءِ وتَضْعِيفِها. وإعْرابِ "لا تَسْفِكُونَ" كَما تَقَدَّمَ في "لا تَعْبُدُونَ". و"دِماءَكُمْ" (p-٢٧٢)جَمْعُ دَمٍ وهو اسْمٌ مَنقُوصٌ، أصْلُهُ دَمِي وتَثْنِيَتُهُ دَمَيانِ وقِيلَ: أصْلُهُ دَمِيَ بِسُكُونِ المِيمِ، وحُرِّكَتْ في التَثْنِيَةِ لِتَدُلَّ الحَرَكَةُ عَلى التَغْيِيرِ الَّذِي في الواحِدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ مَعْناهُ: ولا يَنْفِي بَعْضُكم بَعْضًا بِالفِتْنَةِ والبَغْيِ. ولَمّا كانَتْ مِلَّتُهم واحِدَةً، وأمْرُهم واحِدًا، وكانُوا في الأُمَمِ كالشَخْصِ الواحِدِ، جُعِلَ قَتْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ونَفْيُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، قَتْلًا لِأنْفُسِهِمْ ونَفْيًا لَها، وكَذَلِكَ حَكَمَ كُلُّ جَماعَةٍ تُخاطِبُ بِهَذا اللَفِّ في القَوْلِ. وقِيلَ: ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ أيْ لا يُقْتَلُ أحَدٌ فَيَقْتُلُ قِصاصًا فَكَأنَّهُ سَفَكَ دَمَ نَفْسِهِ لَمّا سَبَّبَ ذَلِكَ، ولا يُفْسِدُ في الأرْضِ فَيُنْفى فَيَكُونُ قَدْ أخْرَجَ نَفْسَهُ مِن دِيارِهِ، وهَذا تَأْوِيلٌ فِيهِ تَكَلُّفٌ، وإنَّما كانَ الأمْرُ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَوْراةِ مِيثاقًا، ألّا يَقْتُلَ بَعْضَهم بَعْضًا، ولا يَنْفِيَهُ، ولا يَسْتَرِقَهُ، ولا يَدَعَهُ يَسْتَرِقُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطاعاتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾ أيْ خَلَفًا بَعْدَ سَلَفٍ أنَّ هَذا المِيثاقَ أُخِذَ عَلَيْكم والتَزَمْتُوهُ، فَيَتَّجِهُ في هَذِهِ اللَفْظَةِ أنْ تَكُونَ مِنَ الإقْرارِ الَّذِي هو ضِدُّ الجَحْدِ، وتَتَعَدّى بِالباءِ، وأنْ تَكُونَ مِنَ الإقْرارِ الَّذِي هو إبْقاءُ الأمْرِ عَلى حالِهِ، أيْ أقْرَرْتُمْ هَذا المِيثاقَ مُلْتَزِمًا، وقَوْلُهُ ﴿وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ يُرادُ بِهِ مِن سَلَفَ مِنهُمْ، والمَعْنى: وأنْتُمْ شُهُودٌ، أيْ حُضُورٌ أخْذَ المِيثاقِ والإقْرارِ. وقِيلَ إنَّ المُرادَ مَن كانَ في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى: وأنْتُمْ شُهَداءُ، أيْ بَيِّنَةٌ أنَّ هَذا المِيثاقَ أُخِذَ عَلى أسْلافِكم فَمَن بَعْدَهم مِنكم.

البقرة 2:85

قوله عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ فَما جَزاءُ مِن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ "هَؤُلاءِ" دالَّةٌ عَلى أنَّ المُخاطَبَةَ لِلْحاضِرِينَ لا تَحْتَمِلُ رَدًّا إلى الأسْلافِ، (p-٢٧٣)قِيلَ: تَقْدِيرُ الكَلامِ: يا هَؤُلاءِ، فَحَذَفَ حَرْفَ النِداءِ، ولا يَحْسُنُ حَذْفُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَعَ المُبْهَماتِ. لا تَقُولُ: هَذا أقْبَلُ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ أعْنِي هَؤُلاءِ. وقِيلَ: هَؤُلاءِ بِمَعْنى الَّذِينَ، فالتَقْدِيرُ ثُمَّ أنْتُمُ الَّذِينَ تَقْتُلُونَ، فـَ "تَقْتُلُونَ" صِلَةٌ لِهَؤُلاءِ ونَحْوِهِ، قالَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرَّغٍ الحَمِيرِيُّ: ؎ عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكَ إمارَةٌ نَجَوْتَ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ وقالَ الأُسْتاذُ الأجَلُّ أبُو الحَسَنِ بْنِ أحْمَدَ شَيْخُنا رَضِيَ اللهُ عنهُ: "هَؤُلاءِ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"أنْتُمْ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"تَقْتُلُونَ" حالٌ، بِها تَمَّ المَعْنى، وهي كانَتِ المَقْصُودَ، فَهي غَيْرُ مُسْتَغْنًى عنها، وإنَّما جاءَتْ بَعْدَ أنْ تَمَّ الكَلامُ في المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ، كَما تَقُولُ: هَذا زِيدٌ مُنْطَلِقًا، وأنْتَ قَدْ قَصَدْتَ الإخْبارَ بِانْطِلاقِهِ لا الإخْبارَ بِأنَّ هَذا هو زَيْدٌ. وهَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ لِقُرَيْظَةَ، والنَضِيرِ، وبَنِي قَيْنُقاعَ وذَلِكَ أنَّ النَضِيرَ وقُرَيْظَةَ حالَفَتِ الأوسَ، وبَنِي قَيْنُقاعَ حالَفَتِ الخَزْرَجَ، فَكانُوا إذا وقَعَتِ الحَرْبُ بَيْنَ بَنِي قَيْلَةَ ذَهَبَتْ كُلُّ طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ أحْلافِها، فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا وأخْرَجَ بَعْضُهم بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ يَفْدِي بَعْضُهم أسْرى بَعْضٍ اتِّباعًا لِحُكْمِ التَوْراةِ، وهم قَدْ خالَفُوها (p-٢٧٤)بِالقِتالِ والإخْراجِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "تُقَتِّلُونَ" بِضَمِّ التاءِ الأُولى، وكَسْرِ الثانِيَةِ وشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ، والدِيارُ: مَبانِي الإقامَةِ، وقالَ الخَلِيلُ: مَحَلَّةُ القَوْمِ دارُهُمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "تُظاهِرُونَ" بِتَخْفِيفِ الظاءِ، وهَذا عَلى حَذْفِ التاءِ الثانِيَةِ مِن تَتَظاهَرُونَ، وقَرَأ بَقِيَّةُ السَبْعَةِ "تَظّاهَرُونَ" بِشَدِّ الظاءِ عَلى إدْغامِ التاءِ في الظاءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "تُظاهِرُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الهاءِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، "تَظَّهَّرُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وشَدِّ الظاءِ والهاءُ مَفْتُوحَةٌ دُونَ ألِفٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ عن أبِي عَمْرٍو. ومَعْنى ذَلِكَ عَلى كُلِّ قِراءَةٍ: تَتَعاوَنُونَ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الظَهْرِ كَأنَّ المُتَظاهِرِينَ يُسْنِدُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ظَهْرَهُ إلى صاحِبِهِ. والإثْمُ العَهْدُ الراتِبَةُ عَلى العَبْدِ مِنَ المَعاصِي والمَعْنى بِمُكْتَسَباتِ الإثْمِ، و"العُدْوانِ" تَجاوُزُ الحُدُودِ والظُلْمِ. وحُسْنُ لَفْظِ الإتْيانِ مِن حَيْثُ هو في مُقابَلَةِ الإخْراجِ فَيَظْهَرُ التَضادُّ المُقَبِّحُ لِفِعْلِهِمْ في الإخْراجِ. وقَرَأ حَمْزَةُ "أسْرى تَفْدُوهُمْ"، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ: "أسارى تُفادُوهُمْ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ: "أسارى تَفْدُوهُمْ" وقَرَأ قَوْمٌ: "أسْرى تُفادُوهُمْ". وأُسارى: جَمْعُ أسِيرٍ والأسِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الأُسَرِ وهو الشَدُّ. سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُؤْسَرُ أيْ يَشُدُّ وِثاقًا، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى لَزِمَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ رَبْطٌ ولا شَدٌّ، وأسِيرٌ فَعِيلَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ولا يُجْمَعُ بِواوٍ ونُونٍ وإنَّما يُكْسَرُ عَلى أسْرى وأسارى، والأقْيَسُ فِيهِ أسْرى، لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ الأصْلُ فِيهِ أنْ يُجْمَعَ عَلى فَعَلى كَقَتْلى وجَرْحى، (p-٢٧٥)والأصْلُ في فَعْلانِ أنْ يُجْمَعَ عَلى فَعالى بِفَتْحِ الفاءِ، وفَعالى بِضَمِّها، كَسَكْرانَ وكَسْلانَ وسُكارى وكُسالى. قالَ سِيبَوَيْهِ: فَقالُوا في جَمْعِ كَسْلانَ: كَسْلى، شَبَّهُوهُ بِأسْرى كَما قالُوا: أُسارى، شَبَّهُوهُ بِكُسالى، ووَجْهُ الشَبَهِ أنَّ الأسْرَ يَدْخُلُ عَلى المَرْءِ مُكْرَهًا كَما يَدْخُلُ الكَسَلُ، وفَعالى إنَّما يَجِيءُ فِيما كَأنَّ آفَةً تَدْخُلُ عَلى المَرْءِ. و"تُفادُوهُمْ" مَعْناهُ في اللُغَةِ تُطْلِقُونَهم بَعْدَ أنْ تَأْخُذُوا عنهم شَيْئًا، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وفادَيْتُ نَفْسِي إذا أطْلَقْتُها بَعْدَ أنْ دَفَعْتُ شَيْئًا، فَعَلى هَذا قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى فَدَيْتُ أيْ دَفَعْتُ فِيهِ مِن مالِ نَفْسِي، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «أعْطِنِي فَإنِّي فادَيْتُ نَفْسِي، وفادَيْتُ عَقِيلًا». وهُما فِعْلانِ يَتَعَدَّيانِ إلى مَفْعُولَيْنِ، الثانِي مِنهُما بِحَرْفِ جَرٍّ، تَقُولُ: فَدَيْتُ زَيْدًا بِمالٍ، وفادَيْتُهُ بِمالٍ، وقالَ قَوْمٌ: هي في قِراءَةٍ تُفادُوهم مُفاعَلَةٌ في أسْرى بِأسْرى، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ فَعَلَ: الأسْرُ دَفَعُ الأسِيرِ، والمَأْسُورُ مِنهُ دَفْعٌ أيْضًا إمّا أسِيرًا وإمّا غَيْرَهُ، والمَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ﴾، قِيلَ في "هُوَ": إنَّهُ ضَمِيرُ الأمْرِ، تَقْدِيرُهُ: والأمْرُ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ، و"إخْراجُهُمْ" في هَذا القَوْلِ بَدَلٌ مِن "هُوَ"، وقِيلَ: "هُوَ" فاصِلَةٌ، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، ولَيْسَتْ، هُنا بِالَّتِي هي عِمادٌ و"مُحَرَّمٌ" عَلى هَذا ابْتِداءٌ و"إخْراجُهُمْ" خَبَرُهُ، وقِيلَ: هو الضَمِيرُ المُقَدَّرُ في "مُحَرَّمٌ" قُدِّمَ وأُظْهِرَ، وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الإخْراجِ تَقْدِيرُهُ: وإخْراجُهم مُحَرَّمٌ عَلَيْكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ﴾ يَعْنِي التَوْراةَ، والَّذِي آمَنُوا بِهِ فِداءٌ (p-٢٧٦)الأسارى، والَّذِي كَفَرُوا بِهِ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وإخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ، وهَذا تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وبَيانٌ لِقُبْحِ فِعْلِهِمْ. ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلامٍ مَرَّ عَلى رَأْسِ الجالُوتِ بِالكُوفَةِ وهو يُفادِي مِنَ النِساءِ مَن لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ العَرَبُ، ولا يُفادِي مَن وقَعَ عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ ابْنُ سَلامٍ: أما إنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنْ تُفادِيهُنَّ كُلُّهُنَّ. ثُمَّ تَوَعَّدَهم عَزَّ وجَلَّ. والخِزْيُ: الفَضِيحَةُ والعُقُوبَةُ يُقالُ: خَزِيَ الرَجُلُ يَخْزى خِزْيًا إذا ذَلَّ مِنَ الفَضِيحَةِ، وخَزِيَ يَخْزى خَزايَةً إذا اسْتَحْيا. واخْتَلَفَ ما المُرادُ بِالخِزْيِ هاهُنا؟ فَقِيلَ: القَصاصُ فِيمَن قُتِلَ، وقِيلَ: ضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ غابِرَ الدَهْرِ، وقِيلَ: قَتْلُ قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَضِيرِ. و"الدُنْيا" مَأْخُوذَةٌ مِن دَنا يَدْنُو، وأصْلُ الياءِ فِيها واوٌ، ولَكِنْ أُبْدِلَتْ فَرْقًا بَيْنَ الأسْماءِ والصِفاتِ. و﴿أشَدِّ العَذابِ﴾ الخُلُودُ في جَهَنَّمَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ هُرْمُزٍ "تُرَدُّونَ" بِتاءٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما اللهُ بِغافِلٍ﴾ الآيَةُ، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ "يَعْمَلُونَ" بِياءٍ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، فالخِطابُ بِالآيَةِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والآيَةُ واعِظَةٌ لَهم بِالمَعْنى إذِ اللهُ تَعالى (p-٢٧٧)بِالمِرْصادِ لِكُلِّ كافِرٍ وعاصٍ. وقَرَأ الباقُونَ بِتاءٍ عَلى الخِطابِ المُحْتَمَلِ أنْ يَكُونَ في سَرْدِ الآيَةِ وهو الأظْهَرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: "إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ مَضَوْا، وأنْتُمُ الَّذِينَ تَعْنُونَ بِهَذا يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ.

البقرة 2:86

قوله عزّ وجلّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ جَعَلَ اللهُ تَرْكَ الآخِرَةِ، وأخَذَ الدُنْيا مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى التَمَسُّكِ بِالآخِرَةِ بِمَنزِلَةِ مَن أخَذَها ثُمَّ باعَها بِالدُنْيا، وهَذِهِ النَزْعَةُ صَرَفَها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في فِقْهِ البُيُوعِ، إذْ لا يَجُوزُ الشِراءُ عَلى أنْ يَخْتارَ المُشْتَرِي في كُلِّ ما تَخْتَلِفُ صِفَةُ آحادِهِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَفاضُلُ كالحِجَلِ المَذْبُوحَةِ وغَيْرِها، ولا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ في الآخِرَةِ، ولا يُنْصَرُونَ لا في الدُنْيا ولا في الآخِرَةِ، "والكِتابَ" التَوْراةُ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي لـ "آتَيْنا"، و"قَفَّيْنا" مَأْخُوذٌ مِنَ القَفا، تَقُولُ: قَفَيْتُ فُلانًا بِفُلانٍ إذا جِئْتُ بِهِ مِن قِبَلِ قَفاهُ، ومِنهُ قَفا يَقْفُو إذا اتَّبَعَ، وهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤]، وكُلُّ رَسُولٍ جاءَ بَعْدَ مُوسى فَإنَّما جاءَ بِإثْباتِ التَوْراةِ والأمْرُ بِلُزُومِها إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ (p-٢٧٨)الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "بِالرُسْلِ" ساكِنَةَ السِينِ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو إذا انْضافَ ذَلِكَ إلى ضَمِيرٍ نَحْوُ: رُسْلُنا ورُسْلُهم. و"البَيِّناتِ" الحُجَجُ الَّتِي أعْطاها اللهُ عِيسى، وقِيلَ: هي آياتُهُ مِن إحْياءٍ، وإبْراءٍ، وخَلْقِ طَيْرٍ، وقِيلَ: هي الإنْجِيلُ، والآيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ. "وَأيَّدْناهُ" مَعْناهُ قَوَّيَّناهُ، والأيْدِ القُوَّةُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ، وحُمَيْدُ "آيَدْناهُ". وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ومُجاهِدٌ: "رُوحُ القُدْسِ" بِسُكُونِ الدالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ القافِ والدالِ، وفِيهِ لُغَةُ فَتْحِهِما، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "بِرُوحِ القُدُسِ" بِواوٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رُوحُ القُدُسِ": هو الِاسْمُ الَّذِي بِهِ كانَ يُحْيِي المَوْتى. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الإنْجِيلُ، كَما سَمّى اللهُ تَعالى القُرْآنُ رُوحًا. وقالَ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ، وقَتادَةُ: "رُوحُ القُدُسِ" جِبْرِيلُ ﷺ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ، وقَدْ «قالَ النَبِيُّ ﷺ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: اهْجُ قُرَيْشًا، ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ، ومَرَّةً قالَ لَهُ: وجِبْرِيلُ مَعَكَ»، وقالَ الرَبِيعُ، ومُجاهِدٌ: "القُدُسِ" اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى كالقُدُّوسِ، والإضافَةُ عَلى هَذا إضافَةُ المَلِكِ إلى المالِكِ، وتَوَجَّهَتْ لِما كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن عِبادِ اللهِ تَعالى، وقِيلَ: "القُدُسِ" الطَهارَةُ، وقِيلَ: القُدُسُ البَرَكَةُ. و"كُلَّما" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "اسْتَكْبَرْتُمْ"، وظاهِرُ الكَلامِ الِاسْتِفْهامُ ومَعْناهُ التَوْبِيخُ (p-٢٧٩)والتَقْرِيرُ، ويَتَضَمَّنُ أيْضًا الخَبَرُ عنهُمْ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ بَنُو إسْرائِيلَ. ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَقْتُلُونَ في اليَوْمِ ثَلاثَمِائَةَ نَبِيٍّ، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُهم آخِرُ النَهارِ، ورُوِيَ: سَبْعِينَ نَبِيًّا ثُمَّ تَقُومُ سُوقُ بَقْلِهِمْ آخِرُ النَهارِ، وفي "تَهْوى" ضَمِيرٌ مِن صِلَةِ "ما" لِطُولِ اللَفْظِ. والهَوى أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما لَيْسَ بِحَقٍّ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ، لِأنَّهم إنَّما كانُوا يَهْوُونَ الشَهَواتِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ، ومِنهُ «قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قِصَّةِ أسْرى بَدْرٍ: فَهَوى رَسُولُ اللهِ ﷺ ما قالَ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ» واسْتَكْبَرْتُمْ مِنَ الكِبَرِ، و"فَرِيقًا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "غُلْفٌ" بِإسْكانِ اللامِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ أُغْلُفٍ مِثْلُ حُمْرٍ وصُفْرٍ، والمَعْنى قُلُوبُنا عَلَيْها غُلْفٌ وغِشاوَةٌ فَهي لا تَفْقَهُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى عَلَيْها طابَعٌ. وقالَتْ طائِفَةٌ: غُلْفٌ بِسُكُونِ اللامِ جَمْعُ غُلافِ أصْلُهُ غُلُّفٌ بِتَثْقِيلِ اللامِ فَخُفِّفَ. وهَذا قَلَّما يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِعْرِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والأعْرَجُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "غُلُّفٌ" بِتَثْقِيلِ اللامِ جَمْعُ غُلافٍ، ورُوِيَتْ عن (p-٢٨٠)أبِي عَمْرٍو، فالمَعْنى. هي أوعِيَةٌ لِلْعِلْمِ والمَعارِفِ بِزَعْمِهِمْ، فَهي لا تَحْتاجُ إلى عِلْمِ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: المَعْنى فَكَيْفَ يَعْزُبُ عنها عِلْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، و"بَلْ" في هَذِهِ الآيَةِ نَقْضٌ لِلْأوَّلِ، وإضْرابٌ عنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ السَبَبَ في نُفُورِهِمْ عَنِ الإيمانِ إنَّما هو أنَّهم لُعِنُوا بِما تَقَدَّمَ مِن كُفْرِهِمْ واجْتِرامِهِمْ، وهَذا هو الجَزاءُ عَلى الذَنْبِ فالذَنْبُ أعْظَمُ مِنهُ، واللَعْنُ الإبْعادُ والطَرْدُ. و"قَلِيلًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَإيمانًا قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ، والضَمِيرُ في "يُؤْمِنُونَ" لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَتَّجِهُ قِلَّةُ هَذا الإيمانِ، إمّا لِأنَّ مَن آمَنُ بِمُحَمَّدٍ مِنهم قَلِيلٌ، فَيَقِلُّ لِقِلَّةِ الرِجالِ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وإمّا لِأنَّ وقْتَ إيمانِهِمْ عِنْدَ ما كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ قَلِيلٌ، إذْ قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ غَيْرُ التَوْحِيدِ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، إذْ هم مُجَسِّمُونَ، فَقَدْ قَلَّلُوهُ بِجَحْدِهِمُ الرَسُولَ، وتَكْذِيبِهِمُ التَوْراةَ، فَإنَّما يَقِلُّ مِن حَيْثُ لا يَنْفَعُهم كَذَلِكَ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَجِيءُ التَقْدِيرُ: فَإيمانًا قَلِيلًا، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ: فَوَقْتًا قَلِيلًا، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ فَعَدَدًا مِنَ الرِجالِ قَلِيلًا، و"ما" في قَوْلِهِ: ما يُؤْمِنُونَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، و"قَلِيلًا" نُصِبَ بِـ" يُؤْمِنُونَ".

البقرة 2:87

قوله عزّ وجلّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ جَعَلَ اللهُ تَرْكَ الآخِرَةِ، وأخَذَ الدُنْيا مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى التَمَسُّكِ بِالآخِرَةِ بِمَنزِلَةِ مَن أخَذَها ثُمَّ باعَها بِالدُنْيا، وهَذِهِ النَزْعَةُ صَرَفَها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في فِقْهِ البُيُوعِ، إذْ لا يَجُوزُ الشِراءُ عَلى أنْ يَخْتارَ المُشْتَرِي في كُلِّ ما تَخْتَلِفُ صِفَةُ آحادِهِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَفاضُلُ كالحِجَلِ المَذْبُوحَةِ وغَيْرِها، ولا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ في الآخِرَةِ، ولا يُنْصَرُونَ لا في الدُنْيا ولا في الآخِرَةِ، "والكِتابَ" التَوْراةُ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي لـ "آتَيْنا"، و"قَفَّيْنا" مَأْخُوذٌ مِنَ القَفا، تَقُولُ: قَفَيْتُ فُلانًا بِفُلانٍ إذا جِئْتُ بِهِ مِن قِبَلِ قَفاهُ، ومِنهُ قَفا يَقْفُو إذا اتَّبَعَ، وهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤]، وكُلُّ رَسُولٍ جاءَ بَعْدَ مُوسى فَإنَّما جاءَ بِإثْباتِ التَوْراةِ والأمْرُ بِلُزُومِها إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ (p-٢٧٨)الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "بِالرُسْلِ" ساكِنَةَ السِينِ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو إذا انْضافَ ذَلِكَ إلى ضَمِيرٍ نَحْوُ: رُسْلُنا ورُسْلُهم. و"البَيِّناتِ" الحُجَجُ الَّتِي أعْطاها اللهُ عِيسى، وقِيلَ: هي آياتُهُ مِن إحْياءٍ، وإبْراءٍ، وخَلْقِ طَيْرٍ، وقِيلَ: هي الإنْجِيلُ، والآيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ. "وَأيَّدْناهُ" مَعْناهُ قَوَّيَّناهُ، والأيْدِ القُوَّةُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ، وحُمَيْدُ "آيَدْناهُ". وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ومُجاهِدٌ: "رُوحُ القُدْسِ" بِسُكُونِ الدالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ القافِ والدالِ، وفِيهِ لُغَةُ فَتْحِهِما، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "بِرُوحِ القُدُسِ" بِواوٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رُوحُ القُدُسِ": هو الِاسْمُ الَّذِي بِهِ كانَ يُحْيِي المَوْتى. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الإنْجِيلُ، كَما سَمّى اللهُ تَعالى القُرْآنُ رُوحًا. وقالَ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ، وقَتادَةُ: "رُوحُ القُدُسِ" جِبْرِيلُ ﷺ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ، وقَدْ «قالَ النَبِيُّ ﷺ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: اهْجُ قُرَيْشًا، ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ، ومَرَّةً قالَ لَهُ: وجِبْرِيلُ مَعَكَ»، وقالَ الرَبِيعُ، ومُجاهِدٌ: "القُدُسِ" اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى كالقُدُّوسِ، والإضافَةُ عَلى هَذا إضافَةُ المَلِكِ إلى المالِكِ، وتَوَجَّهَتْ لِما كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن عِبادِ اللهِ تَعالى، وقِيلَ: "القُدُسِ" الطَهارَةُ، وقِيلَ: القُدُسُ البَرَكَةُ. و"كُلَّما" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "اسْتَكْبَرْتُمْ"، وظاهِرُ الكَلامِ الِاسْتِفْهامُ ومَعْناهُ التَوْبِيخُ (p-٢٧٩)والتَقْرِيرُ، ويَتَضَمَّنُ أيْضًا الخَبَرُ عنهُمْ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ بَنُو إسْرائِيلَ. ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَقْتُلُونَ في اليَوْمِ ثَلاثَمِائَةَ نَبِيٍّ، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُهم آخِرُ النَهارِ، ورُوِيَ: سَبْعِينَ نَبِيًّا ثُمَّ تَقُومُ سُوقُ بَقْلِهِمْ آخِرُ النَهارِ، وفي "تَهْوى" ضَمِيرٌ مِن صِلَةِ "ما" لِطُولِ اللَفْظِ. والهَوى أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما لَيْسَ بِحَقٍّ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ، لِأنَّهم إنَّما كانُوا يَهْوُونَ الشَهَواتِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ، ومِنهُ «قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قِصَّةِ أسْرى بَدْرٍ: فَهَوى رَسُولُ اللهِ ﷺ ما قالَ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ» واسْتَكْبَرْتُمْ مِنَ الكِبَرِ، و"فَرِيقًا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "غُلْفٌ" بِإسْكانِ اللامِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ أُغْلُفٍ مِثْلُ حُمْرٍ وصُفْرٍ، والمَعْنى قُلُوبُنا عَلَيْها غُلْفٌ وغِشاوَةٌ فَهي لا تَفْقَهُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى عَلَيْها طابَعٌ. وقالَتْ طائِفَةٌ: غُلْفٌ بِسُكُونِ اللامِ جَمْعُ غُلافِ أصْلُهُ غُلُّفٌ بِتَثْقِيلِ اللامِ فَخُفِّفَ. وهَذا قَلَّما يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِعْرِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والأعْرَجُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "غُلُّفٌ" بِتَثْقِيلِ اللامِ جَمْعُ غُلافٍ، ورُوِيَتْ عن (p-٢٨٠)أبِي عَمْرٍو، فالمَعْنى. هي أوعِيَةٌ لِلْعِلْمِ والمَعارِفِ بِزَعْمِهِمْ، فَهي لا تَحْتاجُ إلى عِلْمِ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: المَعْنى فَكَيْفَ يَعْزُبُ عنها عِلْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، و"بَلْ" في هَذِهِ الآيَةِ نَقْضٌ لِلْأوَّلِ، وإضْرابٌ عنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ السَبَبَ في نُفُورِهِمْ عَنِ الإيمانِ إنَّما هو أنَّهم لُعِنُوا بِما تَقَدَّمَ مِن كُفْرِهِمْ واجْتِرامِهِمْ، وهَذا هو الجَزاءُ عَلى الذَنْبِ فالذَنْبُ أعْظَمُ مِنهُ، واللَعْنُ الإبْعادُ والطَرْدُ. و"قَلِيلًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَإيمانًا قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ، والضَمِيرُ في "يُؤْمِنُونَ" لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَتَّجِهُ قِلَّةُ هَذا الإيمانِ، إمّا لِأنَّ مَن آمَنُ بِمُحَمَّدٍ مِنهم قَلِيلٌ، فَيَقِلُّ لِقِلَّةِ الرِجالِ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وإمّا لِأنَّ وقْتَ إيمانِهِمْ عِنْدَ ما كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ قَلِيلٌ، إذْ قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ غَيْرُ التَوْحِيدِ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، إذْ هم مُجَسِّمُونَ، فَقَدْ قَلَّلُوهُ بِجَحْدِهِمُ الرَسُولَ، وتَكْذِيبِهِمُ التَوْراةَ، فَإنَّما يَقِلُّ مِن حَيْثُ لا يَنْفَعُهم كَذَلِكَ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَجِيءُ التَقْدِيرُ: فَإيمانًا قَلِيلًا، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ: فَوَقْتًا قَلِيلًا، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ فَعَدَدًا مِنَ الرِجالِ قَلِيلًا، و"ما" في قَوْلِهِ: ما يُؤْمِنُونَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، و"قَلِيلًا" نُصِبَ بِـ" يُؤْمِنُونَ".

البقرة 2:88

قوله عزّ وجلّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ جَعَلَ اللهُ تَرْكَ الآخِرَةِ، وأخَذَ الدُنْيا مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى التَمَسُّكِ بِالآخِرَةِ بِمَنزِلَةِ مَن أخَذَها ثُمَّ باعَها بِالدُنْيا، وهَذِهِ النَزْعَةُ صَرَفَها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في فِقْهِ البُيُوعِ، إذْ لا يَجُوزُ الشِراءُ عَلى أنْ يَخْتارَ المُشْتَرِي في كُلِّ ما تَخْتَلِفُ صِفَةُ آحادِهِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَفاضُلُ كالحِجَلِ المَذْبُوحَةِ وغَيْرِها، ولا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ في الآخِرَةِ، ولا يُنْصَرُونَ لا في الدُنْيا ولا في الآخِرَةِ، "والكِتابَ" التَوْراةُ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي لـ "آتَيْنا"، و"قَفَّيْنا" مَأْخُوذٌ مِنَ القَفا، تَقُولُ: قَفَيْتُ فُلانًا بِفُلانٍ إذا جِئْتُ بِهِ مِن قِبَلِ قَفاهُ، ومِنهُ قَفا يَقْفُو إذا اتَّبَعَ، وهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾ [المؤمنون: ٤٤]، وكُلُّ رَسُولٍ جاءَ بَعْدَ مُوسى فَإنَّما جاءَ بِإثْباتِ التَوْراةِ والأمْرُ بِلُزُومِها إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقَرَأ (p-٢٧٨)الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "بِالرُسْلِ" ساكِنَةَ السِينِ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو إذا انْضافَ ذَلِكَ إلى ضَمِيرٍ نَحْوُ: رُسْلُنا ورُسْلُهم. و"البَيِّناتِ" الحُجَجُ الَّتِي أعْطاها اللهُ عِيسى، وقِيلَ: هي آياتُهُ مِن إحْياءٍ، وإبْراءٍ، وخَلْقِ طَيْرٍ، وقِيلَ: هي الإنْجِيلُ، والآيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ. "وَأيَّدْناهُ" مَعْناهُ قَوَّيَّناهُ، والأيْدِ القُوَّةُ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ، وحُمَيْدُ "آيَدْناهُ". وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ومُجاهِدٌ: "رُوحُ القُدْسِ" بِسُكُونِ الدالِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ القافِ والدالِ، وفِيهِ لُغَةُ فَتْحِهِما، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "بِرُوحِ القُدُسِ" بِواوٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رُوحُ القُدُسِ": هو الِاسْمُ الَّذِي بِهِ كانَ يُحْيِي المَوْتى. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الإنْجِيلُ، كَما سَمّى اللهُ تَعالى القُرْآنُ رُوحًا. وقالَ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ، وقَتادَةُ: "رُوحُ القُدُسِ" جِبْرِيلُ ﷺ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ، وقَدْ «قالَ النَبِيُّ ﷺ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: اهْجُ قُرَيْشًا، ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ، ومَرَّةً قالَ لَهُ: وجِبْرِيلُ مَعَكَ»، وقالَ الرَبِيعُ، ومُجاهِدٌ: "القُدُسِ" اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى كالقُدُّوسِ، والإضافَةُ عَلى هَذا إضافَةُ المَلِكِ إلى المالِكِ، وتَوَجَّهَتْ لِما كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن عِبادِ اللهِ تَعالى، وقِيلَ: "القُدُسِ" الطَهارَةُ، وقِيلَ: القُدُسُ البَرَكَةُ. و"كُلَّما" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "اسْتَكْبَرْتُمْ"، وظاهِرُ الكَلامِ الِاسْتِفْهامُ ومَعْناهُ التَوْبِيخُ (p-٢٧٩)والتَقْرِيرُ، ويَتَضَمَّنُ أيْضًا الخَبَرُ عنهُمْ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ بَنُو إسْرائِيلَ. ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَقْتُلُونَ في اليَوْمِ ثَلاثَمِائَةَ نَبِيٍّ، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُهم آخِرُ النَهارِ، ورُوِيَ: سَبْعِينَ نَبِيًّا ثُمَّ تَقُومُ سُوقُ بَقْلِهِمْ آخِرُ النَهارِ، وفي "تَهْوى" ضَمِيرٌ مِن صِلَةِ "ما" لِطُولِ اللَفْظِ. والهَوى أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما لَيْسَ بِحَقٍّ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ، لِأنَّهم إنَّما كانُوا يَهْوُونَ الشَهَواتِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ، ومِنهُ «قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قِصَّةِ أسْرى بَدْرٍ: فَهَوى رَسُولُ اللهِ ﷺ ما قالَ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ» واسْتَكْبَرْتُمْ مِنَ الكِبَرِ، و"فَرِيقًا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "غُلْفٌ" بِإسْكانِ اللامِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ أُغْلُفٍ مِثْلُ حُمْرٍ وصُفْرٍ، والمَعْنى قُلُوبُنا عَلَيْها غُلْفٌ وغِشاوَةٌ فَهي لا تَفْقَهُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى عَلَيْها طابَعٌ. وقالَتْ طائِفَةٌ: غُلْفٌ بِسُكُونِ اللامِ جَمْعُ غُلافِ أصْلُهُ غُلُّفٌ بِتَثْقِيلِ اللامِ فَخُفِّفَ. وهَذا قَلَّما يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِعْرِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، والأعْرَجُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "غُلُّفٌ" بِتَثْقِيلِ اللامِ جَمْعُ غُلافٍ، ورُوِيَتْ عن (p-٢٨٠)أبِي عَمْرٍو، فالمَعْنى. هي أوعِيَةٌ لِلْعِلْمِ والمَعارِفِ بِزَعْمِهِمْ، فَهي لا تَحْتاجُ إلى عِلْمِ مُحَمَّدٍ. وقِيلَ: المَعْنى فَكَيْفَ يَعْزُبُ عنها عِلْمُ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، و"بَلْ" في هَذِهِ الآيَةِ نَقْضٌ لِلْأوَّلِ، وإضْرابٌ عنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ السَبَبَ في نُفُورِهِمْ عَنِ الإيمانِ إنَّما هو أنَّهم لُعِنُوا بِما تَقَدَّمَ مِن كُفْرِهِمْ واجْتِرامِهِمْ، وهَذا هو الجَزاءُ عَلى الذَنْبِ فالذَنْبُ أعْظَمُ مِنهُ، واللَعْنُ الإبْعادُ والطَرْدُ. و"قَلِيلًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَإيمانًا قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ، والضَمِيرُ في "يُؤْمِنُونَ" لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَتَّجِهُ قِلَّةُ هَذا الإيمانِ، إمّا لِأنَّ مَن آمَنُ بِمُحَمَّدٍ مِنهم قَلِيلٌ، فَيَقِلُّ لِقِلَّةِ الرِجالِ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وإمّا لِأنَّ وقْتَ إيمانِهِمْ عِنْدَ ما كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ قَلِيلٌ، إذْ قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ غَيْرُ التَوْحِيدِ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، إذْ هم مُجَسِّمُونَ، فَقَدْ قَلَّلُوهُ بِجَحْدِهِمُ الرَسُولَ، وتَكْذِيبِهِمُ التَوْراةَ، فَإنَّما يَقِلُّ مِن حَيْثُ لا يَنْفَعُهم كَذَلِكَ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَجِيءُ التَقْدِيرُ: فَإيمانًا قَلِيلًا، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ: فَوَقْتًا قَلِيلًا، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ فَعَدَدًا مِنَ الرِجالِ قَلِيلًا، و"ما" في قَوْلِهِ: ما يُؤْمِنُونَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، و"قَلِيلًا" نُصِبَ بِـ" يُؤْمِنُونَ".

البقرة 2:89

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أنْزَلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللهُ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الكِتابُ: القُرْآنُ، و﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ يَعْنِي التَوْراةَ، ورُوِيَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ (p-٢٨١)كَعْبٍ "مُصَدِّقًا" بِالنَصْبِ، و"يَسْتَفْتِحُونَ" مَعْناهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ ﷺ قَدْ عَلِمُوا خُرُوجَهُ بِما عِنْدَهم مِن صِفَتِهِ وذِكْرِ وقْتِهِ، وظَنُّوا أنَّهُ مِنهُمْ، فَكانُوا إذا حارَبُوا الأوسَ والخَزْرَجَ فَغَلَبَتْهُمُ العَرَبُ قالُوا لَهُمْ: لَوْ خَرَجَ النَبِيُّ الَّذِي قَدْ أظَلَّ وقْتُهُ لَقاتَلْناكم مَعَهُ، واسْتَنْصَرْنا عَلَيْكم بِهِ، و"يَسْتَفْتِحُونَ" مَعْناهُ يَسْتَنْصِرُونَ، وفي الحَدِيثِ: «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ بِصَعالِيكِ المُهاجِرِينَ»، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْظَةَ والنَضِيرَ، وجَمِيعَ يَهُودِ الحِجازِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى سائِرِ العَرَبِ، وبِسَبَبِ خُرُوجِ النَبِيِّ المُنْتَظَرِ كانَتْ نَقْلَتُهم إلى الحِجازِ وسُكْناهم بِهِ، فَإنَّهم كانُوا عَلِمُوا صَقْعَ المَبْعَثِ، وما عَرَفُوا أنَّهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ وشَرْعُهُ، ويَظْهَرُ مِن هَذِهِ الآياتِ العِنادُ مِنهُمْ، وأنَّ كُفْرَهم كانَ مَعَ مَعْرِفَةٍ ومُعانَدَةٍ، و"لَعْنَةُ اللهِ": مَعْناهُ: إبْعادُهُ لَهم وخِزْيُهم لِذَلِكَ، واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ "لَمّا" و"لَمّا" الثانِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: جَوابُهُما في قَوْلِهِ: "كَفَرُوا"، وأُعِيدَتْ لَمّا الثانِيَةُ لِطُولِ الكَلامِ، ويُفِيدُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ، وتَأْكِيدًا لَهُ، وقالَ الزَجّاجُ: لَمّا الأُولى لا جَوابَ لَها، لِلِاسْتِغْناءِ عن ذَلِكَ بِدَلالَةِ الظاهِرِ مِنَ الكَلامِ عَلَيْهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّهُ مَحْذُوفٌ. وقالَ الفَرّاءُ: جَوابُ لَمّا الأُولى في الفاءِ وما بَعْدَها، وجَوابُ لَمًّا الثانِيَةِ "كَفَرُوا" وبِيسَ أصْلُهُ بِئْسَ سُهِّلَتِ الهَمْزَةُ ونُقِلَتْ إلى الباءِ حَرَكَتُها، ويُقالُ في بِئْسَ: بِيسَ، (p-٢٨٢)إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ وهي مُسْتَوْفِيَةٌ لِلذَّمِّ، كَما نِعْمَ مُسْتَوْفِيَةٌ لِلْمَدْحِ. واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في "بِيسَما" في هَذا المَوْضِعِ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "ما" فاعِلَةٌ بِبِيسَ، ودَخَلَتْ عَلَيْها بِيسَ كَما تَدْخُلُ عَلى أسْماءِ الأجْناسِ والنَكِراتِ لِما أشْبَهَتْها "ما" في الإبْهامِ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا القَوْلِ: "بِيسَ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا"، كَقَوْلِكَ: بِيسَ الرَجُلُ زَيْدٌ، و"ما" في هَذا القَوْلِ مَوْصُولَةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَمْيِيزِ كَقَوْلِكَ: بِيسَ رَجُلًا زَيْدٌ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ شَيْئًا أنْ يَكْفُرُوا، و﴿اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾، في هَذا القَوْلِ صِفَةُ "ما". وقالَ الفَرّاءُ: بِيسَما بِجُمْلَتِهِ شَيْءٌ واحِدٌ رُكِّبَ، كَحَبَّذا، وفي هَذا القَوْلِ اعْتِراضٌ لِأنَّهُ فِعْلٌ يَبْقى بِلا فاعِلٍ، و"ما" إنَّما تَكُفُّ أبَدًا حُرُوفًا. وقالَ الكِسائِيُّ: "ما" و"اشْتَرَوْا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ اشْتِراؤُهم أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا. وهَذا أيْضًا مُعْتَرِضٌ؛ لِأنَّ بِيسَ لا تَدْخُلُ عَلى اسْمٍ مُعَيَّنٍ مُتَعَرِّفٍ بِالإضافَةِ إلى الضَمِيرِ. وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا: إنَّ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَفْسِيرِ، وثُمَّ "ما" أُخْرى مُضْمَرَةٌ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ شَيْئًا ما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ، و﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾ في هَذا القَوْلِ بَدَلٌ مِن "ما" المُضْمَرَةِ، ويَصِحُّ في بَعْضِ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، وأمّا في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَـ ﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ فِيما قَبْلَهُ. و"اشْتَرَوْا" بِمَعْنى باعُوا، يُقالُ شَرى واشْتَرى بِمَعْنى باعَ وبِمَعْنى ابْتاعَ، و( ما أنْزَلَ اللهُ ) يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ التَوْراةُ، لِأنَّهم إذْ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما (p-٢٨٣)السَلامُ فَقَدْ كَفَرُوا بِالتَوْراةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمِيعُ مِن تَوْراةٍ وإنْجِيلٍ وقُرْآنٍ، لِأنَّ الكُفْرَ بِالبَعْضِ يُلْزِمُ الكُفْرَ بِالكُلِّ و"بَغْيًا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و﴿أنْ يُنَزِّلَ﴾ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أو في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِتَقْدِيرِ: بِأنْ يَنْزِلَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "أنْ يَنْزِلَ" بِالتَخْفِيفِ في النُونِ والزايِ. و﴿مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي مِنَ النُبُوَّةِ والرِسالَةِ. ﴿مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ لِما لَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ العَرَبِ، ويَدْخُلُ في المَعْنى عِيسى صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِهِ بَغْيًا، واللهُ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ. و"باؤُوا": مَعْناهُ مَضَوْا مُتَحَمِّلِينَ لِما يَذْكُرُ أنَّهم باؤُوا بِهِ، و"بِغَضَبٍ" مَعْناهُ مِنَ اللهِ تَعالى، لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿عَلى غَضَبٍ﴾ مُتَقَدِّمٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، قِيلَ: لِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وقِيلَ: لِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وقِيلَ: لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فالمَعْنى: عَلى غَضَبٍ قَدْ باءَ بِهِ أسْلافُهُمْ، حَظُّ هَؤُلاءِ مِنهُ وافِرٌ بِسَبَبِ رِضاهم بِتِلْكَ الأفْعالِ وتَصْوِيبِهِمْ لَها. وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ التَأْكِيدُ، وتَشْدِيدُ الحالِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ أرادَ غَضَبَيْنِ مُعَلَّلَيْنِ بِقِصَّتَيْنِ. و"مُهِينٌ" مَأْخُوذٌ مِنَ الهَوانِ، وهو ما اقْتَضى الخُلُودَ في النارِ، لِأنَّ مَن لا يُخَلَّدُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ إنَّما عَذابُهُ كَعَذابِ الَّذِي يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ لا هَوانَ فِيهِ، بَلْ هو تَطْهِيرٌ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ أنَّهم إذا قِيلَ لَهُمْ: آمَنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَ اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: ﴿نُؤْمِنُ بِما (p-٢٨٤)أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾، يَعْنُونَ التَوْراةَ. وما وراءَهُ. قالَ قَتادَةُ: أيْ ما بَعْدَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: أيْ ما سِواهُ ويَعْنِي بِهِ القُرْآنَ. وإذا تَكَلَّمَ رَجُلٌ، أو فَعَلَ فِعْلًا فَأجادَ، يُقالُ لَهُ: ما وراءَ ما أتَيْتَ بِهِ شَيْءٌ، أيْ لَيْسَ يَأْتِي بَعْدَهُ، ووَصَفَ اللهُ تَعالى القُرْآنَ بِأنَّهُ الحَقُّ. و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وهي غَيْرُ مُنْتَقِلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها في الكَلامِ، ولَمْ يَبْقَ لَها هي إلّا مَعْنى التَأْكِيدِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ: ؎ أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها حَسَبِي وهَلْ لِدارَةَ يا لَلنّاسِ مِن عارٍ؟ و﴿لِما مَعَهُمْ﴾ يُرِيدُ بِهِ التَوْراةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ الآيَةُ رَدٌّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وتَكْذِيبٌ مِنهُ لَهم في ذَلِكَ، واحْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ. ولا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى "فَلِمَ" لِنُقْصانِ الحَرْفِ الواحِدِ، إلّا أنَّ البَزِّيَّ وقَفَ عَلَيْهِ بِالهاءِ، وسائِرُ القُرّاءِ بِسُكُونِ المِيمِ. وخاطَبَ اللهُ مَن حَضَرَ مُحَمَّدًا ﷺ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِأنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ لِما كانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِ أسْلافِهِمْ. وجاءَ "تَقْتُلُونَ" بِلَفْظِ الِاسْتِقْبالِ، وهو بِمَعْنى المُضِيِّ لَمّا ارْتَفَعَ الإشْكالُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلُ﴾، وإذا لَمْ يُشْكَلْ فَجائِزٌ سَوْقُ الماضِي بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وسَوْقُ المُسْتَقْبَلِ بِمَعْنى الماضِي، قالَ الحَطِيئَةُ: ؎ شَهِدَ الحَطِيئَةُ يَوْمَ يَلْقى رَبَّهُ ∗∗∗ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِالعُذْرِ (p-٢٨٥)وَفائِدَةُ سَوْقِ الماضِي في مَوْضِعِ المُسْتَقْبَلِ، الإشارَةُ إلى أنَّهُ في الثُبُوتِ كالماضِي الَّذِي قَدْ وقَعَ، وفائِدَةُ سَوْقِ المُسْتَقْبَلِ في مَعْنى الماضِي الإعْلامُ بِأنَّ الأمْرَ مُسْتَمِرٌّ ألا تَرى أنَّ حاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ لَمّا كانُوا راضِينَ بِفِعْلِ أسْلافِهِمْ بَقِيَ لَهم مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ جُزْءٌ، و"إنْ كُنْتُمْ" شَرْطٌ، والجَوابُ مُتَقَدِّمٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما".

البقرة 2:90

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أنْزَلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللهُ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الكِتابُ: القُرْآنُ، و﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ يَعْنِي التَوْراةَ، ورُوِيَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ (p-٢٨١)كَعْبٍ "مُصَدِّقًا" بِالنَصْبِ، و"يَسْتَفْتِحُونَ" مَعْناهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ ﷺ قَدْ عَلِمُوا خُرُوجَهُ بِما عِنْدَهم مِن صِفَتِهِ وذِكْرِ وقْتِهِ، وظَنُّوا أنَّهُ مِنهُمْ، فَكانُوا إذا حارَبُوا الأوسَ والخَزْرَجَ فَغَلَبَتْهُمُ العَرَبُ قالُوا لَهُمْ: لَوْ خَرَجَ النَبِيُّ الَّذِي قَدْ أظَلَّ وقْتُهُ لَقاتَلْناكم مَعَهُ، واسْتَنْصَرْنا عَلَيْكم بِهِ، و"يَسْتَفْتِحُونَ" مَعْناهُ يَسْتَنْصِرُونَ، وفي الحَدِيثِ: «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ بِصَعالِيكِ المُهاجِرِينَ»، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْظَةَ والنَضِيرَ، وجَمِيعَ يَهُودِ الحِجازِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى سائِرِ العَرَبِ، وبِسَبَبِ خُرُوجِ النَبِيِّ المُنْتَظَرِ كانَتْ نَقْلَتُهم إلى الحِجازِ وسُكْناهم بِهِ، فَإنَّهم كانُوا عَلِمُوا صَقْعَ المَبْعَثِ، وما عَرَفُوا أنَّهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ وشَرْعُهُ، ويَظْهَرُ مِن هَذِهِ الآياتِ العِنادُ مِنهُمْ، وأنَّ كُفْرَهم كانَ مَعَ مَعْرِفَةٍ ومُعانَدَةٍ، و"لَعْنَةُ اللهِ": مَعْناهُ: إبْعادُهُ لَهم وخِزْيُهم لِذَلِكَ، واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ "لَمّا" و"لَمّا" الثانِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: جَوابُهُما في قَوْلِهِ: "كَفَرُوا"، وأُعِيدَتْ لَمّا الثانِيَةُ لِطُولِ الكَلامِ، ويُفِيدُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ، وتَأْكِيدًا لَهُ، وقالَ الزَجّاجُ: لَمّا الأُولى لا جَوابَ لَها، لِلِاسْتِغْناءِ عن ذَلِكَ بِدَلالَةِ الظاهِرِ مِنَ الكَلامِ عَلَيْهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّهُ مَحْذُوفٌ. وقالَ الفَرّاءُ: جَوابُ لَمّا الأُولى في الفاءِ وما بَعْدَها، وجَوابُ لَمًّا الثانِيَةِ "كَفَرُوا" وبِيسَ أصْلُهُ بِئْسَ سُهِّلَتِ الهَمْزَةُ ونُقِلَتْ إلى الباءِ حَرَكَتُها، ويُقالُ في بِئْسَ: بِيسَ، (p-٢٨٢)إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ وهي مُسْتَوْفِيَةٌ لِلذَّمِّ، كَما نِعْمَ مُسْتَوْفِيَةٌ لِلْمَدْحِ. واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في "بِيسَما" في هَذا المَوْضِعِ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "ما" فاعِلَةٌ بِبِيسَ، ودَخَلَتْ عَلَيْها بِيسَ كَما تَدْخُلُ عَلى أسْماءِ الأجْناسِ والنَكِراتِ لِما أشْبَهَتْها "ما" في الإبْهامِ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا القَوْلِ: "بِيسَ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا"، كَقَوْلِكَ: بِيسَ الرَجُلُ زَيْدٌ، و"ما" في هَذا القَوْلِ مَوْصُولَةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَمْيِيزِ كَقَوْلِكَ: بِيسَ رَجُلًا زَيْدٌ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ شَيْئًا أنْ يَكْفُرُوا، و﴿اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾، في هَذا القَوْلِ صِفَةُ "ما". وقالَ الفَرّاءُ: بِيسَما بِجُمْلَتِهِ شَيْءٌ واحِدٌ رُكِّبَ، كَحَبَّذا، وفي هَذا القَوْلِ اعْتِراضٌ لِأنَّهُ فِعْلٌ يَبْقى بِلا فاعِلٍ، و"ما" إنَّما تَكُفُّ أبَدًا حُرُوفًا. وقالَ الكِسائِيُّ: "ما" و"اشْتَرَوْا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ اشْتِراؤُهم أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا. وهَذا أيْضًا مُعْتَرِضٌ؛ لِأنَّ بِيسَ لا تَدْخُلُ عَلى اسْمٍ مُعَيَّنٍ مُتَعَرِّفٍ بِالإضافَةِ إلى الضَمِيرِ. وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا: إنَّ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَفْسِيرِ، وثُمَّ "ما" أُخْرى مُضْمَرَةٌ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ شَيْئًا ما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ، و﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾ في هَذا القَوْلِ بَدَلٌ مِن "ما" المُضْمَرَةِ، ويَصِحُّ في بَعْضِ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، وأمّا في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَـ ﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ فِيما قَبْلَهُ. و"اشْتَرَوْا" بِمَعْنى باعُوا، يُقالُ شَرى واشْتَرى بِمَعْنى باعَ وبِمَعْنى ابْتاعَ، و( ما أنْزَلَ اللهُ ) يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ التَوْراةُ، لِأنَّهم إذْ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما (p-٢٨٣)السَلامُ فَقَدْ كَفَرُوا بِالتَوْراةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمِيعُ مِن تَوْراةٍ وإنْجِيلٍ وقُرْآنٍ، لِأنَّ الكُفْرَ بِالبَعْضِ يُلْزِمُ الكُفْرَ بِالكُلِّ و"بَغْيًا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و﴿أنْ يُنَزِّلَ﴾ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أو في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِتَقْدِيرِ: بِأنْ يَنْزِلَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "أنْ يَنْزِلَ" بِالتَخْفِيفِ في النُونِ والزايِ. و﴿مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي مِنَ النُبُوَّةِ والرِسالَةِ. ﴿مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ لِما لَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ العَرَبِ، ويَدْخُلُ في المَعْنى عِيسى صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِهِ بَغْيًا، واللهُ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ. و"باؤُوا": مَعْناهُ مَضَوْا مُتَحَمِّلِينَ لِما يَذْكُرُ أنَّهم باؤُوا بِهِ، و"بِغَضَبٍ" مَعْناهُ مِنَ اللهِ تَعالى، لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿عَلى غَضَبٍ﴾ مُتَقَدِّمٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، قِيلَ: لِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وقِيلَ: لِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وقِيلَ: لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فالمَعْنى: عَلى غَضَبٍ قَدْ باءَ بِهِ أسْلافُهُمْ، حَظُّ هَؤُلاءِ مِنهُ وافِرٌ بِسَبَبِ رِضاهم بِتِلْكَ الأفْعالِ وتَصْوِيبِهِمْ لَها. وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ التَأْكِيدُ، وتَشْدِيدُ الحالِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ أرادَ غَضَبَيْنِ مُعَلَّلَيْنِ بِقِصَّتَيْنِ. و"مُهِينٌ" مَأْخُوذٌ مِنَ الهَوانِ، وهو ما اقْتَضى الخُلُودَ في النارِ، لِأنَّ مَن لا يُخَلَّدُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ إنَّما عَذابُهُ كَعَذابِ الَّذِي يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ لا هَوانَ فِيهِ، بَلْ هو تَطْهِيرٌ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ أنَّهم إذا قِيلَ لَهُمْ: آمَنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَ اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: ﴿نُؤْمِنُ بِما (p-٢٨٤)أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾، يَعْنُونَ التَوْراةَ. وما وراءَهُ. قالَ قَتادَةُ: أيْ ما بَعْدَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: أيْ ما سِواهُ ويَعْنِي بِهِ القُرْآنَ. وإذا تَكَلَّمَ رَجُلٌ، أو فَعَلَ فِعْلًا فَأجادَ، يُقالُ لَهُ: ما وراءَ ما أتَيْتَ بِهِ شَيْءٌ، أيْ لَيْسَ يَأْتِي بَعْدَهُ، ووَصَفَ اللهُ تَعالى القُرْآنَ بِأنَّهُ الحَقُّ. و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وهي غَيْرُ مُنْتَقِلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها في الكَلامِ، ولَمْ يَبْقَ لَها هي إلّا مَعْنى التَأْكِيدِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ: ؎ أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها حَسَبِي وهَلْ لِدارَةَ يا لَلنّاسِ مِن عارٍ؟ و﴿لِما مَعَهُمْ﴾ يُرِيدُ بِهِ التَوْراةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ الآيَةُ رَدٌّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وتَكْذِيبٌ مِنهُ لَهم في ذَلِكَ، واحْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ. ولا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى "فَلِمَ" لِنُقْصانِ الحَرْفِ الواحِدِ، إلّا أنَّ البَزِّيَّ وقَفَ عَلَيْهِ بِالهاءِ، وسائِرُ القُرّاءِ بِسُكُونِ المِيمِ. وخاطَبَ اللهُ مَن حَضَرَ مُحَمَّدًا ﷺ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِأنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ لِما كانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِ أسْلافِهِمْ. وجاءَ "تَقْتُلُونَ" بِلَفْظِ الِاسْتِقْبالِ، وهو بِمَعْنى المُضِيِّ لَمّا ارْتَفَعَ الإشْكالُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلُ﴾، وإذا لَمْ يُشْكَلْ فَجائِزٌ سَوْقُ الماضِي بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وسَوْقُ المُسْتَقْبَلِ بِمَعْنى الماضِي، قالَ الحَطِيئَةُ: ؎ شَهِدَ الحَطِيئَةُ يَوْمَ يَلْقى رَبَّهُ ∗∗∗ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِالعُذْرِ (p-٢٨٥)وَفائِدَةُ سَوْقِ الماضِي في مَوْضِعِ المُسْتَقْبَلِ، الإشارَةُ إلى أنَّهُ في الثُبُوتِ كالماضِي الَّذِي قَدْ وقَعَ، وفائِدَةُ سَوْقِ المُسْتَقْبَلِ في مَعْنى الماضِي الإعْلامُ بِأنَّ الأمْرَ مُسْتَمِرٌّ ألا تَرى أنَّ حاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ لَمّا كانُوا راضِينَ بِفِعْلِ أسْلافِهِمْ بَقِيَ لَهم مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ جُزْءٌ، و"إنْ كُنْتُمْ" شَرْطٌ، والجَوابُ مُتَقَدِّمٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما".

البقرة 2:91

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أنْزَلَ عَلَيْنا ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ وهو الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللهُ مِن قَبْلُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الكِتابُ: القُرْآنُ، و﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ يَعْنِي التَوْراةَ، ورُوِيَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ (p-٢٨١)كَعْبٍ "مُصَدِّقًا" بِالنَصْبِ، و"يَسْتَفْتِحُونَ" مَعْناهُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ النَبِيِّ ﷺ قَدْ عَلِمُوا خُرُوجَهُ بِما عِنْدَهم مِن صِفَتِهِ وذِكْرِ وقْتِهِ، وظَنُّوا أنَّهُ مِنهُمْ، فَكانُوا إذا حارَبُوا الأوسَ والخَزْرَجَ فَغَلَبَتْهُمُ العَرَبُ قالُوا لَهُمْ: لَوْ خَرَجَ النَبِيُّ الَّذِي قَدْ أظَلَّ وقْتُهُ لَقاتَلْناكم مَعَهُ، واسْتَنْصَرْنا عَلَيْكم بِهِ، و"يَسْتَفْتِحُونَ" مَعْناهُ يَسْتَنْصِرُونَ، وفي الحَدِيثِ: «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ بِصَعالِيكِ المُهاجِرِينَ»، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْظَةَ والنَضِيرَ، وجَمِيعَ يَهُودِ الحِجازِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى سائِرِ العَرَبِ، وبِسَبَبِ خُرُوجِ النَبِيِّ المُنْتَظَرِ كانَتْ نَقْلَتُهم إلى الحِجازِ وسُكْناهم بِهِ، فَإنَّهم كانُوا عَلِمُوا صَقْعَ المَبْعَثِ، وما عَرَفُوا أنَّهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ وشَرْعُهُ، ويَظْهَرُ مِن هَذِهِ الآياتِ العِنادُ مِنهُمْ، وأنَّ كُفْرَهم كانَ مَعَ مَعْرِفَةٍ ومُعانَدَةٍ، و"لَعْنَةُ اللهِ": مَعْناهُ: إبْعادُهُ لَهم وخِزْيُهم لِذَلِكَ، واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ "لَمّا" و"لَمّا" الثانِيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: جَوابُهُما في قَوْلِهِ: "كَفَرُوا"، وأُعِيدَتْ لَمّا الثانِيَةُ لِطُولِ الكَلامِ، ويُفِيدُ ذَلِكَ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ، وتَأْكِيدًا لَهُ، وقالَ الزَجّاجُ: لَمّا الأُولى لا جَوابَ لَها، لِلِاسْتِغْناءِ عن ذَلِكَ بِدَلالَةِ الظاهِرِ مِنَ الكَلامِ عَلَيْهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّهُ مَحْذُوفٌ. وقالَ الفَرّاءُ: جَوابُ لَمّا الأُولى في الفاءِ وما بَعْدَها، وجَوابُ لَمًّا الثانِيَةِ "كَفَرُوا" وبِيسَ أصْلُهُ بِئْسَ سُهِّلَتِ الهَمْزَةُ ونُقِلَتْ إلى الباءِ حَرَكَتُها، ويُقالُ في بِئْسَ: بِيسَ، (p-٢٨٢)إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ وهي مُسْتَوْفِيَةٌ لِلذَّمِّ، كَما نِعْمَ مُسْتَوْفِيَةٌ لِلْمَدْحِ. واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في "بِيسَما" في هَذا المَوْضِعِ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "ما" فاعِلَةٌ بِبِيسَ، ودَخَلَتْ عَلَيْها بِيسَ كَما تَدْخُلُ عَلى أسْماءِ الأجْناسِ والنَكِراتِ لِما أشْبَهَتْها "ما" في الإبْهامِ، فالتَقْدِيرُ عَلى هَذا القَوْلِ: "بِيسَ الَّذِي اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا"، كَقَوْلِكَ: بِيسَ الرَجُلُ زَيْدٌ، و"ما" في هَذا القَوْلِ مَوْصُولَةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَمْيِيزِ كَقَوْلِكَ: بِيسَ رَجُلًا زَيْدٌ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ شَيْئًا أنْ يَكْفُرُوا، و﴿اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾، في هَذا القَوْلِ صِفَةُ "ما". وقالَ الفَرّاءُ: بِيسَما بِجُمْلَتِهِ شَيْءٌ واحِدٌ رُكِّبَ، كَحَبَّذا، وفي هَذا القَوْلِ اعْتِراضٌ لِأنَّهُ فِعْلٌ يَبْقى بِلا فاعِلٍ، و"ما" إنَّما تَكُفُّ أبَدًا حُرُوفًا. وقالَ الكِسائِيُّ: "ما" و"اشْتَرَوْا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ قائِمٍ بِنَفْسِهِ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ اشْتِراؤُهم أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا. وهَذا أيْضًا مُعْتَرِضٌ؛ لِأنَّ بِيسَ لا تَدْخُلُ عَلى اسْمٍ مُعَيَّنٍ مُتَعَرِّفٍ بِالإضافَةِ إلى الضَمِيرِ. وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا: إنَّ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَفْسِيرِ، وثُمَّ "ما" أُخْرى مُضْمَرَةٌ، فالتَقْدِيرُ: بِيسَ شَيْئًا ما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ، و﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾ في هَذا القَوْلِ بَدَلٌ مِن "ما" المُضْمَرَةِ، ويَصِحُّ في بَعْضِ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، وأمّا في القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَـ ﴿أنْ يَكْفُرُوا﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ فِيما قَبْلَهُ. و"اشْتَرَوْا" بِمَعْنى باعُوا، يُقالُ شَرى واشْتَرى بِمَعْنى باعَ وبِمَعْنى ابْتاعَ، و( ما أنْزَلَ اللهُ ) يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ التَوْراةُ، لِأنَّهم إذْ كَفَرُوا بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما (p-٢٨٣)السَلامُ فَقَدْ كَفَرُوا بِالتَوْراةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الجَمِيعُ مِن تَوْراةٍ وإنْجِيلٍ وقُرْآنٍ، لِأنَّ الكُفْرَ بِالبَعْضِ يُلْزِمُ الكُفْرَ بِالكُلِّ و"بَغْيًا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و﴿أنْ يُنَزِّلَ﴾ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أو في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِتَقْدِيرِ: بِأنْ يَنْزِلَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "أنْ يَنْزِلَ" بِالتَخْفِيفِ في النُونِ والزايِ. و﴿مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي مِنَ النُبُوَّةِ والرِسالَةِ. ﴿مَن يَشاءُ﴾ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، لِأنَّهم حَسَدُوهُ لِما لَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ العَرَبِ، ويَدْخُلُ في المَعْنى عِيسى صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بِهِ بَغْيًا، واللهُ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ. و"باؤُوا": مَعْناهُ مَضَوْا مُتَحَمِّلِينَ لِما يَذْكُرُ أنَّهم باؤُوا بِهِ، و"بِغَضَبٍ" مَعْناهُ مِنَ اللهِ تَعالى، لِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿عَلى غَضَبٍ﴾ مُتَقَدِّمٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، قِيلَ: لِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ، وقِيلَ: لِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وقِيلَ: لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فالمَعْنى: عَلى غَضَبٍ قَدْ باءَ بِهِ أسْلافُهُمْ، حَظُّ هَؤُلاءِ مِنهُ وافِرٌ بِسَبَبِ رِضاهم بِتِلْكَ الأفْعالِ وتَصْوِيبِهِمْ لَها. وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ التَأْكِيدُ، وتَشْدِيدُ الحالِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ أرادَ غَضَبَيْنِ مُعَلَّلَيْنِ بِقِصَّتَيْنِ. و"مُهِينٌ" مَأْخُوذٌ مِنَ الهَوانِ، وهو ما اقْتَضى الخُلُودَ في النارِ، لِأنَّ مَن لا يُخَلَّدُ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ إنَّما عَذابُهُ كَعَذابِ الَّذِي يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ لا هَوانَ فِيهِ، بَلْ هو تَطْهِيرٌ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ أنَّهم إذا قِيلَ لَهُمْ: آمَنُوا بِالقُرْآنِ الَّذِي أنْزَلَ اللهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: ﴿نُؤْمِنُ بِما (p-٢٨٤)أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾، يَعْنُونَ التَوْراةَ. وما وراءَهُ. قالَ قَتادَةُ: أيْ ما بَعْدَهُ، وقالَ الفَرّاءُ: أيْ ما سِواهُ ويَعْنِي بِهِ القُرْآنَ. وإذا تَكَلَّمَ رَجُلٌ، أو فَعَلَ فِعْلًا فَأجادَ، يُقالُ لَهُ: ما وراءَ ما أتَيْتَ بِهِ شَيْءٌ، أيْ لَيْسَ يَأْتِي بَعْدَهُ، ووَصَفَ اللهُ تَعالى القُرْآنَ بِأنَّهُ الحَقُّ. و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وهي غَيْرُ مُنْتَقِلَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها في الكَلامِ، ولَمْ يَبْقَ لَها هي إلّا مَعْنى التَأْكِيدِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ عَلى الحالِ المُؤَكِّدَةِ: ؎ أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها حَسَبِي وهَلْ لِدارَةَ يا لَلنّاسِ مِن عارٍ؟ و﴿لِما مَعَهُمْ﴾ يُرِيدُ بِهِ التَوْراةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ الآيَةُ رَدٌّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وتَكْذِيبٌ مِنهُ لَهم في ذَلِكَ، واحْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ. ولا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى "فَلِمَ" لِنُقْصانِ الحَرْفِ الواحِدِ، إلّا أنَّ البَزِّيَّ وقَفَ عَلَيْهِ بِالهاءِ، وسائِرُ القُرّاءِ بِسُكُونِ المِيمِ. وخاطَبَ اللهُ مَن حَضَرَ مُحَمَّدًا ﷺ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِأنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ لِما كانَ ذَلِكَ مِن فِعْلِ أسْلافِهِمْ. وجاءَ "تَقْتُلُونَ" بِلَفْظِ الِاسْتِقْبالِ، وهو بِمَعْنى المُضِيِّ لَمّا ارْتَفَعَ الإشْكالُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلُ﴾، وإذا لَمْ يُشْكَلْ فَجائِزٌ سَوْقُ الماضِي بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وسَوْقُ المُسْتَقْبَلِ بِمَعْنى الماضِي، قالَ الحَطِيئَةُ: ؎ شَهِدَ الحَطِيئَةُ يَوْمَ يَلْقى رَبَّهُ ∗∗∗ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِالعُذْرِ (p-٢٨٥)وَفائِدَةُ سَوْقِ الماضِي في مَوْضِعِ المُسْتَقْبَلِ، الإشارَةُ إلى أنَّهُ في الثُبُوتِ كالماضِي الَّذِي قَدْ وقَعَ، وفائِدَةُ سَوْقِ المُسْتَقْبَلِ في مَعْنى الماضِي الإعْلامُ بِأنَّ الأمْرَ مُسْتَمِرٌّ ألا تَرى أنَّ حاضِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ لَمّا كانُوا راضِينَ بِفِعْلِ أسْلافِهِمْ بَقِيَ لَهم مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ جُزْءٌ، و"إنْ كُنْتُمْ" شَرْطٌ، والجَوابُ مُتَقَدِّمٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما".

البقرة 2:92

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ "البَيِّناتُ": التَوْراةُ، والعَصا، وفَرَقُ البَحْرِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾ تَدَلُّ "ثُمَّ" عَلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنَ النَظَرِ في الآياتِ، وذَلِكَ أعْظَمُ في ذَنْبِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ اتِّخاذِهِمُ العَجْلَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ مِن بَعْدِهِ حِينَ غابَ عنكم في المُناجاةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عَلى المَجِيءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ في أنَّ مَن آمَنَ بِما نُزِّلَ عَلَيْهِ لا يَتَّخِذُ العَجَلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أخْذِ المِيثاقِ ورَفْعِ الطُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾، يَعْنِي التَوْراةَ، والشَرْعَ. و"بِقُوَّةٍ" أيْ بِعَزْمٍ، ونَشاطٍ، وجِدٍّ، "واسْمَعُوا" مَعْناهُ هُنا: وأطِيعُوا، ولَيْسَ مَعْناهُ الأمْرُ بِإدْراكِ القَوْلِ فَقَطْ وقالَتْ (p-٢٨٦)طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم ﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾، ونَطَقُوا بِهَذِهِ الألْفاظِ مُبالَغَةً في التَعَنُّتِ والمَعْصِيَةِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: ذَلِكَ مَجازٌ، ولَمْ يَنْطِقُوا بـِ "سَمِعْنا وعَصَيْنا" ولَكِنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضاهُ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي.................. وهَذا أيْضًا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في كَذِبِ قَوْلِهِمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾، التَقْدِيرُ: حُبُّ العِجْلِ، والمَعْنى: جَعَلَتْ قُلُوبَهم تَشْرَبُهُ، وهَذا تَشْبِيهٌ ومَجازٌ عِبارَةٌ عن تَمَكُّنِ أمْرِ العَجَلِ في قُلُوبِهِمْ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ شُرْبُهُمُ الماءَ الَّذِي ألْقى فِيهِ مُوسى بُرادَةَ العِجْلِ، وذَلِكَ أنَّهُ بَرَدَهُ بِالمَبْرَدِ ورَماهُ في الماءِ، وقِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اشْرَبُوا مِن ذَلِكَ الماءِ، فَشَرِبَ جَمِيعُهُمْ، فَمَن كانَ يُحِبُّ العِجْلَ خَرَجَتْ بُرادَةُ الذَهَبِ عَلى شَفَتَيْهِ. وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾، ورُوِيَ أنَّ الَّذِينَ تَبَيَّنَ فِيهِمْ حُبُّ العِجْلِ أصابَهم مِن ذَلِكَ الماءُ الجِنُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِكُفْرِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ باءَ السَبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ. (p-٢٨٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ بِئْسَما﴾ الآيَةُ، أمَرَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنْ يُوَبِّخَهم بِأنَّهُ بِئْسَ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي فَعَلْتُمْ، وأمْرُكم بِها إيمانُكُمُ الَّذِي زَعَمْتُمْ في قَوْلِكُمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]، و"ما": في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَقْدِيرُ: بِئْسَ الشَيْءُ قَتْلٌ واتِّخاذُ عِجْلٍ، وقَوْلُ ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شَرْطٌ، وقَدْ يَأْتِي الشَرْطُ والشارِطُ يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ عَلى أحَدِ الجِهَتَيْنِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] وقَدْ عَلِمَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، كَذَلِكَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، والقائِلُ يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُ إقامَةُ حُجَّةٍ بِقِياسٍ بَيِّنٍ، وقالَ قَوْمٌ: "إنْ" هُنا نافِيَةٌ بِمَنزِلَةِ "ما" كالَّتِي تَقَدَّمَتْ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ "بِهُوَ إيمانُكُمْ" بِرَفْعِ الهاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنْ يُوَبِّخَهُمْ، والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم نَعِيمُها وحَظْوَتُها وخَيْرُها فَذَلِكَ يَقْتَضِي حِرْصُكم عَلى الوُصُولِ إلَيْها ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾، و"الدارُ": اسْمُ كانَتْ، و"خالِصَةً" خَبَرُها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "خالِصَةً" عَلى الحالِ، و"عِنْدَ اللهِ" خَبَرُ كانَ، و﴿مِن دُونِ الناسِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بـِ "الناسِ" مُحَمَّدٌ ﷺ ومَن تَبِعَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ العُمُومُ التامُّ، وهو قَوْلُ اليَهُودِ فِيما حُفِظَ عنهُمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِكَسْرِ الواوِ مِن "تَمَنَّوْا" لِلِالتِقاءِ، وحَكى الأهْوازِيُّ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ "تُمَنَّوا المَوْتَ" بِفَتْحِ الواوِ، وحُكِيَ عن غَيْرِهِ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ في الرَفْعِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِضَمِّ الواوِ. وهَذِهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ أعْطاها اللهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ، لِأنَّ اليَهُودَ قالَتْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وشِبْهُ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ، فَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى تَمَنِّي المَوْتِ، وأنْ (p-٢٨٨)يُعَلِّمَهم أنَّهُ مَن تَمَنّاهُ مِنهم ماتَ، فَفَعَلَ النَبِيُّ ﷺ، فَعَلِمَ اليَهُودُ صِدْقَهُ، فَأحْجَمُوا عن تَمَنِّيهِ فَرَقًا مِنَ اللهِ لِقُبْحِ أعْمالِهِمْ، ومَعْرِفَتِهِمْ بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ﴾ [المائدة: ١٨]، وحِرْصًا مِنهم عَلى الحَياةِ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ مَنَعَهم مِنَ التَمَنِّي، وقَصَرَهم عَلى الإمْساكِ عنهُ، لِتَظْهَرَ الآيَةُ لِنَبِيِّهِ ﷺ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: "تُمَنُّوا" أرِيدُوهُ بِقُلُوبِكم واسْألُوهُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ فِيهِ السُؤالُ فَقَطْ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِالقَلْبِ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: إنَّما أمَرُوا بِالدُعاءِ بِالمَوْتِ عَلى أرْدَأ الحِزْبَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أو مِنهم. وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كانَتْ مُدَّةَ حَياةِ النَبِيِّ ﷺ وارْتَفَعَتْ بِمَوْتِهِ. والصَحِيحُ أنَّ هَذِهِ النازِلَةَ مِن مَوْتِ مَن تَمَنّى المَوْتَ إنَّما كانَتْ أيّامًا كَثِيرَةً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وهي بِمَنزِلَةِ دُعائِهِ النَصارى مِن أهْلِنَجْرانَ إلى المُباهَلَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ سَبَبَ هَذا الدُعاءِ إلى تَمَنِّي المَوْتِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ أرادَ بِهِ هَلاكَ الفَرِيقِ المُكَذِّبِ، أو قَطْعَ حُجَّتِهِمْ، لا أنَّ عِلَّتَهُ قَوْلُهُمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ﴾ [المائدة: ١٨]. (p-٢٨٩)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم بِعَجْزِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ، و"أبَدًا" ظَرْفُ زَمانٍ، وإذا كانَتْ "ما" بِمَعْنى الَّذِي فَتَحْتاجُ إلى عائِدٍ تَقْدِيرُهُ: قَدَّمَتْهُ، وإذا كانَتْ مَعَ "قَدَّمَتْ" بِمَثابَةِ المَصْدَرِ غَنِيَتْ عَنِ الضَمِيرِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، والأخْفَشُ يَرى الضَمِيرَ في المَصْدَرِيَّةِ. وأضافَ ذُنُوبَهم واجْتِرامَهم إلى الأيْدِي، وأسْنَدَ تَقْدِيمَها إلَيْها، إذِ الأكْثَرُ مِن كَسْبِ العَبْدِ الخَيْرَ والشَرَّ إنَّما هو بِيَدَيْهِ، فَحَمَلَ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ ظاهِرُها الخَبَرُ، ومُضَمِّنُها الوَعِيدُ، لِأنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ وغَيْرُهُمْ، فَفائِدَةُ تَخْصِيصِهِمْ حُصُولُ الوَعِيدِ.

البقرة 2:93

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ "البَيِّناتُ": التَوْراةُ، والعَصا، وفَرَقُ البَحْرِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾ تَدَلُّ "ثُمَّ" عَلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنَ النَظَرِ في الآياتِ، وذَلِكَ أعْظَمُ في ذَنْبِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ اتِّخاذِهِمُ العَجْلَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ مِن بَعْدِهِ حِينَ غابَ عنكم في المُناجاةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عَلى المَجِيءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ في أنَّ مَن آمَنَ بِما نُزِّلَ عَلَيْهِ لا يَتَّخِذُ العَجَلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أخْذِ المِيثاقِ ورَفْعِ الطُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾، يَعْنِي التَوْراةَ، والشَرْعَ. و"بِقُوَّةٍ" أيْ بِعَزْمٍ، ونَشاطٍ، وجِدٍّ، "واسْمَعُوا" مَعْناهُ هُنا: وأطِيعُوا، ولَيْسَ مَعْناهُ الأمْرُ بِإدْراكِ القَوْلِ فَقَطْ وقالَتْ (p-٢٨٦)طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم ﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾، ونَطَقُوا بِهَذِهِ الألْفاظِ مُبالَغَةً في التَعَنُّتِ والمَعْصِيَةِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: ذَلِكَ مَجازٌ، ولَمْ يَنْطِقُوا بـِ "سَمِعْنا وعَصَيْنا" ولَكِنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضاهُ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي.................. وهَذا أيْضًا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في كَذِبِ قَوْلِهِمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾، التَقْدِيرُ: حُبُّ العِجْلِ، والمَعْنى: جَعَلَتْ قُلُوبَهم تَشْرَبُهُ، وهَذا تَشْبِيهٌ ومَجازٌ عِبارَةٌ عن تَمَكُّنِ أمْرِ العَجَلِ في قُلُوبِهِمْ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ شُرْبُهُمُ الماءَ الَّذِي ألْقى فِيهِ مُوسى بُرادَةَ العِجْلِ، وذَلِكَ أنَّهُ بَرَدَهُ بِالمَبْرَدِ ورَماهُ في الماءِ، وقِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اشْرَبُوا مِن ذَلِكَ الماءِ، فَشَرِبَ جَمِيعُهُمْ، فَمَن كانَ يُحِبُّ العِجْلَ خَرَجَتْ بُرادَةُ الذَهَبِ عَلى شَفَتَيْهِ. وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾، ورُوِيَ أنَّ الَّذِينَ تَبَيَّنَ فِيهِمْ حُبُّ العِجْلِ أصابَهم مِن ذَلِكَ الماءُ الجِنُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِكُفْرِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ باءَ السَبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ. (p-٢٨٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ بِئْسَما﴾ الآيَةُ، أمَرَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنْ يُوَبِّخَهم بِأنَّهُ بِئْسَ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي فَعَلْتُمْ، وأمْرُكم بِها إيمانُكُمُ الَّذِي زَعَمْتُمْ في قَوْلِكُمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]، و"ما": في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَقْدِيرُ: بِئْسَ الشَيْءُ قَتْلٌ واتِّخاذُ عِجْلٍ، وقَوْلُ ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شَرْطٌ، وقَدْ يَأْتِي الشَرْطُ والشارِطُ يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ عَلى أحَدِ الجِهَتَيْنِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] وقَدْ عَلِمَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، كَذَلِكَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، والقائِلُ يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُ إقامَةُ حُجَّةٍ بِقِياسٍ بَيِّنٍ، وقالَ قَوْمٌ: "إنْ" هُنا نافِيَةٌ بِمَنزِلَةِ "ما" كالَّتِي تَقَدَّمَتْ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ "بِهُوَ إيمانُكُمْ" بِرَفْعِ الهاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنْ يُوَبِّخَهُمْ، والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم نَعِيمُها وحَظْوَتُها وخَيْرُها فَذَلِكَ يَقْتَضِي حِرْصُكم عَلى الوُصُولِ إلَيْها ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾، و"الدارُ": اسْمُ كانَتْ، و"خالِصَةً" خَبَرُها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "خالِصَةً" عَلى الحالِ، و"عِنْدَ اللهِ" خَبَرُ كانَ، و﴿مِن دُونِ الناسِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بـِ "الناسِ" مُحَمَّدٌ ﷺ ومَن تَبِعَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ العُمُومُ التامُّ، وهو قَوْلُ اليَهُودِ فِيما حُفِظَ عنهُمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِكَسْرِ الواوِ مِن "تَمَنَّوْا" لِلِالتِقاءِ، وحَكى الأهْوازِيُّ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ "تُمَنَّوا المَوْتَ" بِفَتْحِ الواوِ، وحُكِيَ عن غَيْرِهِ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ في الرَفْعِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِضَمِّ الواوِ. وهَذِهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ أعْطاها اللهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ، لِأنَّ اليَهُودَ قالَتْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وشِبْهُ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ، فَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى تَمَنِّي المَوْتِ، وأنْ (p-٢٨٨)يُعَلِّمَهم أنَّهُ مَن تَمَنّاهُ مِنهم ماتَ، فَفَعَلَ النَبِيُّ ﷺ، فَعَلِمَ اليَهُودُ صِدْقَهُ، فَأحْجَمُوا عن تَمَنِّيهِ فَرَقًا مِنَ اللهِ لِقُبْحِ أعْمالِهِمْ، ومَعْرِفَتِهِمْ بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ﴾ [المائدة: ١٨]، وحِرْصًا مِنهم عَلى الحَياةِ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ مَنَعَهم مِنَ التَمَنِّي، وقَصَرَهم عَلى الإمْساكِ عنهُ، لِتَظْهَرَ الآيَةُ لِنَبِيِّهِ ﷺ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: "تُمَنُّوا" أرِيدُوهُ بِقُلُوبِكم واسْألُوهُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ فِيهِ السُؤالُ فَقَطْ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِالقَلْبِ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: إنَّما أمَرُوا بِالدُعاءِ بِالمَوْتِ عَلى أرْدَأ الحِزْبَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أو مِنهم. وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كانَتْ مُدَّةَ حَياةِ النَبِيِّ ﷺ وارْتَفَعَتْ بِمَوْتِهِ. والصَحِيحُ أنَّ هَذِهِ النازِلَةَ مِن مَوْتِ مَن تَمَنّى المَوْتَ إنَّما كانَتْ أيّامًا كَثِيرَةً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وهي بِمَنزِلَةِ دُعائِهِ النَصارى مِن أهْلِنَجْرانَ إلى المُباهَلَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ سَبَبَ هَذا الدُعاءِ إلى تَمَنِّي المَوْتِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ أرادَ بِهِ هَلاكَ الفَرِيقِ المُكَذِّبِ، أو قَطْعَ حُجَّتِهِمْ، لا أنَّ عِلَّتَهُ قَوْلُهُمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ﴾ [المائدة: ١٨]. (p-٢٨٩)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم بِعَجْزِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ، و"أبَدًا" ظَرْفُ زَمانٍ، وإذا كانَتْ "ما" بِمَعْنى الَّذِي فَتَحْتاجُ إلى عائِدٍ تَقْدِيرُهُ: قَدَّمَتْهُ، وإذا كانَتْ مَعَ "قَدَّمَتْ" بِمَثابَةِ المَصْدَرِ غَنِيَتْ عَنِ الضَمِيرِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، والأخْفَشُ يَرى الضَمِيرَ في المَصْدَرِيَّةِ. وأضافَ ذُنُوبَهم واجْتِرامَهم إلى الأيْدِي، وأسْنَدَ تَقْدِيمَها إلَيْها، إذِ الأكْثَرُ مِن كَسْبِ العَبْدِ الخَيْرَ والشَرَّ إنَّما هو بِيَدَيْهِ، فَحَمَلَ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ ظاهِرُها الخَبَرُ، ومُضَمِّنُها الوَعِيدُ، لِأنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ وغَيْرُهُمْ، فَفائِدَةُ تَخْصِيصِهِمْ حُصُولُ الوَعِيدِ.

البقرة 2:94

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ "البَيِّناتُ": التَوْراةُ، والعَصا، وفَرَقُ البَحْرِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾ تَدَلُّ "ثُمَّ" عَلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنَ النَظَرِ في الآياتِ، وذَلِكَ أعْظَمُ في ذَنْبِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ اتِّخاذِهِمُ العَجْلَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ مِن بَعْدِهِ حِينَ غابَ عنكم في المُناجاةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عَلى المَجِيءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ في أنَّ مَن آمَنَ بِما نُزِّلَ عَلَيْهِ لا يَتَّخِذُ العَجَلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أخْذِ المِيثاقِ ورَفْعِ الطُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾، يَعْنِي التَوْراةَ، والشَرْعَ. و"بِقُوَّةٍ" أيْ بِعَزْمٍ، ونَشاطٍ، وجِدٍّ، "واسْمَعُوا" مَعْناهُ هُنا: وأطِيعُوا، ولَيْسَ مَعْناهُ الأمْرُ بِإدْراكِ القَوْلِ فَقَطْ وقالَتْ (p-٢٨٦)طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم ﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾، ونَطَقُوا بِهَذِهِ الألْفاظِ مُبالَغَةً في التَعَنُّتِ والمَعْصِيَةِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: ذَلِكَ مَجازٌ، ولَمْ يَنْطِقُوا بـِ "سَمِعْنا وعَصَيْنا" ولَكِنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضاهُ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي.................. وهَذا أيْضًا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في كَذِبِ قَوْلِهِمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾، التَقْدِيرُ: حُبُّ العِجْلِ، والمَعْنى: جَعَلَتْ قُلُوبَهم تَشْرَبُهُ، وهَذا تَشْبِيهٌ ومَجازٌ عِبارَةٌ عن تَمَكُّنِ أمْرِ العَجَلِ في قُلُوبِهِمْ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ شُرْبُهُمُ الماءَ الَّذِي ألْقى فِيهِ مُوسى بُرادَةَ العِجْلِ، وذَلِكَ أنَّهُ بَرَدَهُ بِالمَبْرَدِ ورَماهُ في الماءِ، وقِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اشْرَبُوا مِن ذَلِكَ الماءِ، فَشَرِبَ جَمِيعُهُمْ، فَمَن كانَ يُحِبُّ العِجْلَ خَرَجَتْ بُرادَةُ الذَهَبِ عَلى شَفَتَيْهِ. وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾، ورُوِيَ أنَّ الَّذِينَ تَبَيَّنَ فِيهِمْ حُبُّ العِجْلِ أصابَهم مِن ذَلِكَ الماءُ الجِنُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِكُفْرِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ باءَ السَبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ. (p-٢٨٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ بِئْسَما﴾ الآيَةُ، أمَرَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنْ يُوَبِّخَهم بِأنَّهُ بِئْسَ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي فَعَلْتُمْ، وأمْرُكم بِها إيمانُكُمُ الَّذِي زَعَمْتُمْ في قَوْلِكُمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]، و"ما": في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَقْدِيرُ: بِئْسَ الشَيْءُ قَتْلٌ واتِّخاذُ عِجْلٍ، وقَوْلُ ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شَرْطٌ، وقَدْ يَأْتِي الشَرْطُ والشارِطُ يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ عَلى أحَدِ الجِهَتَيْنِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] وقَدْ عَلِمَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، كَذَلِكَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، والقائِلُ يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُ إقامَةُ حُجَّةٍ بِقِياسٍ بَيِّنٍ، وقالَ قَوْمٌ: "إنْ" هُنا نافِيَةٌ بِمَنزِلَةِ "ما" كالَّتِي تَقَدَّمَتْ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ "بِهُوَ إيمانُكُمْ" بِرَفْعِ الهاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنْ يُوَبِّخَهُمْ، والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم نَعِيمُها وحَظْوَتُها وخَيْرُها فَذَلِكَ يَقْتَضِي حِرْصُكم عَلى الوُصُولِ إلَيْها ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾، و"الدارُ": اسْمُ كانَتْ، و"خالِصَةً" خَبَرُها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "خالِصَةً" عَلى الحالِ، و"عِنْدَ اللهِ" خَبَرُ كانَ، و﴿مِن دُونِ الناسِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بـِ "الناسِ" مُحَمَّدٌ ﷺ ومَن تَبِعَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ العُمُومُ التامُّ، وهو قَوْلُ اليَهُودِ فِيما حُفِظَ عنهُمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِكَسْرِ الواوِ مِن "تَمَنَّوْا" لِلِالتِقاءِ، وحَكى الأهْوازِيُّ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ "تُمَنَّوا المَوْتَ" بِفَتْحِ الواوِ، وحُكِيَ عن غَيْرِهِ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ في الرَفْعِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِضَمِّ الواوِ. وهَذِهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ أعْطاها اللهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ، لِأنَّ اليَهُودَ قالَتْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وشِبْهُ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ، فَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى تَمَنِّي المَوْتِ، وأنْ (p-٢٨٨)يُعَلِّمَهم أنَّهُ مَن تَمَنّاهُ مِنهم ماتَ، فَفَعَلَ النَبِيُّ ﷺ، فَعَلِمَ اليَهُودُ صِدْقَهُ، فَأحْجَمُوا عن تَمَنِّيهِ فَرَقًا مِنَ اللهِ لِقُبْحِ أعْمالِهِمْ، ومَعْرِفَتِهِمْ بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ﴾ [المائدة: ١٨]، وحِرْصًا مِنهم عَلى الحَياةِ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ مَنَعَهم مِنَ التَمَنِّي، وقَصَرَهم عَلى الإمْساكِ عنهُ، لِتَظْهَرَ الآيَةُ لِنَبِيِّهِ ﷺ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: "تُمَنُّوا" أرِيدُوهُ بِقُلُوبِكم واسْألُوهُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ فِيهِ السُؤالُ فَقَطْ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِالقَلْبِ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: إنَّما أمَرُوا بِالدُعاءِ بِالمَوْتِ عَلى أرْدَأ الحِزْبَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أو مِنهم. وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كانَتْ مُدَّةَ حَياةِ النَبِيِّ ﷺ وارْتَفَعَتْ بِمَوْتِهِ. والصَحِيحُ أنَّ هَذِهِ النازِلَةَ مِن مَوْتِ مَن تَمَنّى المَوْتَ إنَّما كانَتْ أيّامًا كَثِيرَةً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وهي بِمَنزِلَةِ دُعائِهِ النَصارى مِن أهْلِنَجْرانَ إلى المُباهَلَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ سَبَبَ هَذا الدُعاءِ إلى تَمَنِّي المَوْتِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ أرادَ بِهِ هَلاكَ الفَرِيقِ المُكَذِّبِ، أو قَطْعَ حُجَّتِهِمْ، لا أنَّ عِلَّتَهُ قَوْلُهُمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ﴾ [المائدة: ١٨]. (p-٢٨٩)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم بِعَجْزِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ، و"أبَدًا" ظَرْفُ زَمانٍ، وإذا كانَتْ "ما" بِمَعْنى الَّذِي فَتَحْتاجُ إلى عائِدٍ تَقْدِيرُهُ: قَدَّمَتْهُ، وإذا كانَتْ مَعَ "قَدَّمَتْ" بِمَثابَةِ المَصْدَرِ غَنِيَتْ عَنِ الضَمِيرِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، والأخْفَشُ يَرى الضَمِيرَ في المَصْدَرِيَّةِ. وأضافَ ذُنُوبَهم واجْتِرامَهم إلى الأيْدِي، وأسْنَدَ تَقْدِيمَها إلَيْها، إذِ الأكْثَرُ مِن كَسْبِ العَبْدِ الخَيْرَ والشَرَّ إنَّما هو بِيَدَيْهِ، فَحَمَلَ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ ظاهِرُها الخَبَرُ، ومُضَمِّنُها الوَعِيدُ، لِأنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ وغَيْرُهُمْ، فَفائِدَةُ تَخْصِيصِهِمْ حُصُولُ الوَعِيدِ.

البقرة 2:95

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِن دُونِ الناسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ "البَيِّناتُ": التَوْراةُ، والعَصا، وفَرَقُ البَحْرِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ﴾ تَدَلُّ "ثُمَّ" عَلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِنَ النَظَرِ في الآياتِ، وذَلِكَ أعْظَمُ في ذَنْبِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ قِصَّةُ اتِّخاذِهِمُ العَجْلَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ عائِدٌ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ مِن بَعْدِهِ حِينَ غابَ عنكم في المُناجاةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" عَلى المَجِيءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ في أنَّ مَن آمَنَ بِما نُزِّلَ عَلَيْهِ لا يَتَّخِذُ العَجَلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أخْذِ المِيثاقِ ورَفْعِ الطُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾، يَعْنِي التَوْراةَ، والشَرْعَ. و"بِقُوَّةٍ" أيْ بِعَزْمٍ، ونَشاطٍ، وجِدٍّ، "واسْمَعُوا" مَعْناهُ هُنا: وأطِيعُوا، ولَيْسَ مَعْناهُ الأمْرُ بِإدْراكِ القَوْلِ فَقَطْ وقالَتْ (p-٢٨٦)طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّهم ﴿قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾، ونَطَقُوا بِهَذِهِ الألْفاظِ مُبالَغَةً في التَعَنُّتِ والمَعْصِيَةِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: ذَلِكَ مَجازٌ، ولَمْ يَنْطِقُوا بـِ "سَمِعْنا وعَصَيْنا" ولَكِنَّ فِعْلَهُمُ اقْتَضاهُ، كَما قالَ الشاعِرُ: ؎ امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي.................. وهَذا أيْضًا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في كَذِبِ قَوْلِهِمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾، التَقْدِيرُ: حُبُّ العِجْلِ، والمَعْنى: جَعَلَتْ قُلُوبَهم تَشْرَبُهُ، وهَذا تَشْبِيهٌ ومَجازٌ عِبارَةٌ عن تَمَكُّنِ أمْرِ العَجَلِ في قُلُوبِهِمْ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ شُرْبُهُمُ الماءَ الَّذِي ألْقى فِيهِ مُوسى بُرادَةَ العِجْلِ، وذَلِكَ أنَّهُ بَرَدَهُ بِالمَبْرَدِ ورَماهُ في الماءِ، وقِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اشْرَبُوا مِن ذَلِكَ الماءِ، فَشَرِبَ جَمِيعُهُمْ، فَمَن كانَ يُحِبُّ العِجْلَ خَرَجَتْ بُرادَةُ الذَهَبِ عَلى شَفَتَيْهِ. وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾، ورُوِيَ أنَّ الَّذِينَ تَبَيَّنَ فِيهِمْ حُبُّ العِجْلِ أصابَهم مِن ذَلِكَ الماءُ الجِنُّ. وقَوْلُهُ تَعالى: "بِكُفْرِهِمْ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ باءَ السَبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ. (p-٢٨٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ بِئْسَما﴾ الآيَةُ، أمَرَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنْ يُوَبِّخَهم بِأنَّهُ بِئْسَ هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي فَعَلْتُمْ، وأمْرُكم بِها إيمانُكُمُ الَّذِي زَعَمْتُمْ في قَوْلِكُمْ: ﴿نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٩١]، و"ما": في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَقْدِيرُ: بِئْسَ الشَيْءُ قَتْلٌ واتِّخاذُ عِجْلٍ، وقَوْلُ ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، و﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شَرْطٌ، وقَدْ يَأْتِي الشَرْطُ والشارِطُ يَعْلَمُ أنَّ الأمْرَ عَلى أحَدِ الجِهَتَيْنِ، كَما قالَ اللهُ تَعالى عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] وقَدْ عَلِمَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، كَذَلِكَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، والقائِلُ يَعْلَمُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، لَكِنَّهُ إقامَةُ حُجَّةٍ بِقِياسٍ بَيِّنٍ، وقالَ قَوْمٌ: "إنْ" هُنا نافِيَةٌ بِمَنزِلَةِ "ما" كالَّتِي تَقَدَّمَتْ. وقَرَأ الحَسَنُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ "بِهُوَ إيمانُكُمْ" بِرَفْعِ الهاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدارُ الآخِرَةُ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنْ يُوَبِّخَهُمْ، والمَعْنى: إنْ كانَ لَكم نَعِيمُها وحَظْوَتُها وخَيْرُها فَذَلِكَ يَقْتَضِي حِرْصُكم عَلى الوُصُولِ إلَيْها ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾، و"الدارُ": اسْمُ كانَتْ، و"خالِصَةً" خَبَرُها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ "خالِصَةً" عَلى الحالِ، و"عِنْدَ اللهِ" خَبَرُ كانَ، و﴿مِن دُونِ الناسِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بـِ "الناسِ" مُحَمَّدٌ ﷺ ومَن تَبِعَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ العُمُومُ التامُّ، وهو قَوْلُ اليَهُودِ فِيما حُفِظَ عنهُمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِكَسْرِ الواوِ مِن "تَمَنَّوْا" لِلِالتِقاءِ، وحَكى الأهْوازِيُّ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ "تُمَنَّوا المَوْتَ" بِفَتْحِ الواوِ، وحُكِيَ عن غَيْرِهِ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ في الرَفْعِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِضَمِّ الواوِ. وهَذِهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ أعْطاها اللهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ، لِأنَّ اليَهُودَ قالَتْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، وشِبْهُ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ، فَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ أنْ يَدْعُوَهم إلى تَمَنِّي المَوْتِ، وأنْ (p-٢٨٨)يُعَلِّمَهم أنَّهُ مَن تَمَنّاهُ مِنهم ماتَ، فَفَعَلَ النَبِيُّ ﷺ، فَعَلِمَ اليَهُودُ صِدْقَهُ، فَأحْجَمُوا عن تَمَنِّيهِ فَرَقًا مِنَ اللهِ لِقُبْحِ أعْمالِهِمْ، ومَعْرِفَتِهِمْ بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ﴾ [المائدة: ١٨]، وحِرْصًا مِنهم عَلى الحَياةِ، وقِيلَ: إنَّ اللهَ مَنَعَهم مِنَ التَمَنِّي، وقَصَرَهم عَلى الإمْساكِ عنهُ، لِتَظْهَرَ الآيَةُ لِنَبِيِّهِ ﷺ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: "تُمَنُّوا" أرِيدُوهُ بِقُلُوبِكم واسْألُوهُ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ فِيهِ السُؤالُ فَقَطْ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِالقَلْبِ، وقالَ أيْضًا هو وغَيْرُهُ: إنَّما أمَرُوا بِالدُعاءِ بِالمَوْتِ عَلى أرْدَأ الحِزْبَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ أو مِنهم. وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كانَتْ مُدَّةَ حَياةِ النَبِيِّ ﷺ وارْتَفَعَتْ بِمَوْتِهِ. والصَحِيحُ أنَّ هَذِهِ النازِلَةَ مِن مَوْتِ مَن تَمَنّى المَوْتَ إنَّما كانَتْ أيّامًا كَثِيرَةً عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وهي بِمَنزِلَةِ دُعائِهِ النَصارى مِن أهْلِنَجْرانَ إلى المُباهَلَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ سَبَبَ هَذا الدُعاءِ إلى تَمَنِّي المَوْتِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ أرادَ بِهِ هَلاكَ الفَرِيقِ المُكَذِّبِ، أو قَطْعَ حُجَّتِهِمْ، لا أنَّ عِلَّتَهُ قَوْلُهُمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ﴾ [المائدة: ١٨]. (p-٢٨٩)ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم بِعَجْزِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَنَّوْنَهُ، و"أبَدًا" ظَرْفُ زَمانٍ، وإذا كانَتْ "ما" بِمَعْنى الَّذِي فَتَحْتاجُ إلى عائِدٍ تَقْدِيرُهُ: قَدَّمَتْهُ، وإذا كانَتْ مَعَ "قَدَّمَتْ" بِمَثابَةِ المَصْدَرِ غَنِيَتْ عَنِ الضَمِيرِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، والأخْفَشُ يَرى الضَمِيرَ في المَصْدَرِيَّةِ. وأضافَ ذُنُوبَهم واجْتِرامَهم إلى الأيْدِي، وأسْنَدَ تَقْدِيمَها إلَيْها، إذِ الأكْثَرُ مِن كَسْبِ العَبْدِ الخَيْرَ والشَرَّ إنَّما هو بِيَدَيْهِ، فَحَمَلَ جَمِيعَ الأشْياءِ عَلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ﴾ ظاهِرُها الخَبَرُ، ومُضَمِّنُها الوَعِيدُ، لِأنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ وغَيْرُهُمْ، فَفائِدَةُ تَخْصِيصِهِمْ حُصُولُ الوَعِيدِ.

البقرة 2:96

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ الناسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرُ واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾ (p-٢٩٠)"وَجَدَ" في هَذا المَعْنى تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّها مِن أفْعالِ النَفْسِ، ولِذَلِكَ صَحَّ تَعَدِّيها إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ تَلَفَّتَ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجُعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ في الضَبِّ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمِي فَأجِدُنِي أُعافُهُ». وحِرْصُهم عَلى الحَياةِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وأنْ لا خَيْرَ لَهم عِنْدَ اللهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، قِيلَ: المَعْنى وأحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، لِأنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ لا يَعْرِفُونَ إلّا هَذِهِ الحَياةَ الدُنْيا، ألا تَرى إلى قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ تَمَتَّعْ مِنَ الدُنْيا فَإنَّكَ فانٍ ∗∗∗.............. والضَمِيرُ في "أحَدُهُمْ" يَعُودُ في هَذا القَوْلِ عَلى اليَهُودِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ حَياةٍ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عن طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّهم ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾، وهي المَجُوسُ، لِأنَّ تَشْمِيتَهم لِلْعاطِسِ لَفْظٌ بِلُغَتِهِمْ مَعْناهُ "عِشْ ألْفَ سَنَةٍ" فَكَأنَّ الكَلامَ: ومِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمٌ ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾، وفي هَذا القَوْلِ تَشْبِيهُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهَذِهِ الفِرْقَةِ مِنَ (p-٢٩١)المُشْرِكِينَ. وقَصَدَ الألِفَ بِالذِكْرِ لِأنَّها نِهايَةُ العَقْدِ في الحِسابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ﴾، اخْتَلَفَ النُحاةُ في "هُوَ"، فَقِيلَ: هو ضَمِيرُ الأحَدِ المُتَقَدِّمِ، فالتَقْدِيرُ: وما أحَدُهم بِمُزَحْزِحِهِ، وخَبَرُ الِابْتِداءِ في المَجْرُورِ، و﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعِلٌ بِمُزَحْزِحِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ التَعْمِيرِ، والتَقْدِيرُ: وما التَعْمِيرُ بِمُزَحْزِحِهِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، و"أنْ يَعْمُرَ" بَدَلٌ مِنَ التَعْمِيرِ في هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "هُوَ" ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ بِما حُفِظَ عَنِ النُحاةِ مِن أنَّ الأمْرَ والشَأْنَ إنَّما يُفَسَّرُ بِجُمْلَةٍ سالِمَةٍ مِن حَرْفِ جَرٍّ. وقَدْ جَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ ذَلِكَ في بَعْضِ مَسائِلِهِ الحَلَبِيّاتِ،. وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: هو عِمادٌ، وقِيلَ: "ما" عامِلَةٌ حِجازِيَّةٌ و"هُوَ" اسْمُها والخَبَرُ في "بِمُزَحْزِحِهِ". والزَحْزَحَةُ الإبْعادُ والتَنْحِيَةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ، والجُمْهُورُ عَلى قِراءَةِ "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْرَجُ، ويَعْقُوبُ، "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ، وهَذا عَلى الرُجُوعِ إلى خِطابِ المُتَوَعِّدِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآيَةُ، نَزَلَ عَلى سَبَبٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فِيما مَضى مِنَ الآياتِ، ولَكِنْ أجْمَعَ أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: جِبْرِيلُ عَدُوُّنا، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: «إنَّ يَهُودَ فَدْكٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: نَسْألُكَ عن أرْبَعَةِ أشْياءَ، فَإنَّ (p-٢٩٢)عَرَفْتَها اتَّبَعْناكَ، فَسَألُوهُ عَنِ الشَبَهِ في الوَلَدِ فَقالَ: أيُّ ماءٍ عَلا كانَ الشَبَهُ لَهُ، وسَألُوهُ عن نَوْمِهِ فَقالَ: تَنامُ عَيْنِي ولا يَنامُ قَلْبِي، وسَألُوهُ عَمَّنْ يَجِيئُهُ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَ: جِبْرِيلُ، فَلَمّا ذَكَرَهُ قالُوا: ذاكَ عَدُّونا، لِأنَّهُ مَلَكُ الحَرْبِ والشَدائِدِ والجَدْبِ، ولَوْ كانَ الَّذِي يَجِيئُكَ مِيكائِيلُ مَلَكُ الرَحْمَةِ والخَصْبِ والأمْطارِ لاتَّبَعْناكَ». وقِيلَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَتَكَرَّرُ عَلى بَيْتِ المَدارِسِ، فاسْتَحْلَفَهم يَوْمًا بِالَّذِي أنْزَلَ التَوْراةَ عَلى مُوسى بِطُورِ سَيْناءَ، أتَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ فَلِمَ تَهْلَكُونَ في تَكْذِيبِهِ؟ قالُوا صاحِبَهُ جِبْرِيلُ، وهو عَدُوُّنا. وذَكَرَ أنَّهم قالُوا سَبَبَ عَداوَتِهِمْ لَهُ: أنَّهُ حَمى بُخْتِ نَصَّرَ حِينَ بُعِثُوا إلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَمْلِكَ مَن يَقْتُلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِقَوْلِهِمْ. وفِي جِبْرِيلَ لُغاتٌ: "جِبْرِيلُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والراءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِها قَرَأ نافِعٌ، وجَبْرِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الراءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ النَبِيَّ ﷺ في النَوْمِ وهو يَقْرَأُ جِبْرِيلَ ومِيكالَ، فَلا أزالُ أقْرَؤُهُما أبَدًا كَذَلِكَ. وجَبْرَألُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ بَيْنَ الراءِ واللامِ وبِها قَرَأ عاصِمٌ، وجَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ الراءِ وياءٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ واللامِ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَكاها الكِسائِيُّ عن عاصِمٍ، وجَبْرائِلُ بِألِفٍ بَعْدِ الراءِ ثُمَّ هَمْزَةٍ، وبِها قَرَأ عِكْرِمَةُ، وجِبْرائِيلُ بِزِيادَةِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وجِبْرايِيلُ بِياءَيْنِ، وبِها قَرَأ الأعْمَشُ، وجَبْرَألُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ ولامٍ مُشَدَّدَةٍ، وبِها قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وجَبْرالُ لُغَةٌ فِيهِ. و"جِبْرِينُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والراءِ وياءٍ ونُونٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: هي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ، ولَمْ يَقْرَأْ بِها. (p-٢٩٣)وجِبْرِيلُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَرَّبَتْهُ العَرَبُ فَلَها فِيهِ هَذِهِ اللُغاتُ، فَبَعْضُها هي مَوْجُودَةٌ في أبْنِيَةِ العَرَبِ وتِلْكَ أدْخَلُ في التَعْرِيبِ كَجِبْرِيلَ الَّذِي هو كَقِنْدِيلُ، وبَعْضُها خارِجٌ عن أبْنِيَةِ العَرَبِ، فَذَلِكَ كَمَثَلِ ما عَرَّبَتْهُ العَرَبُ ولَمْ تُدْخِلْهُ في بِناءٍ كَإبْرَيْسَمْ وفِرِنْدَ وآجِرَ ونَحْوِهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: أنَّ جَبْرَ، ومَيْكَ، وسَرافَ، هي كُلُّها بِالأعْجَمِيَّةِ بِمَعْنى عَبْدٍ ومَمْلُوكٍ، وإيلُ: اسْمُ اللهِ تَعالى، ويُقالُ فِيهِ: إلَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ سَمِعَ سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ: هَذا كَلامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ الضَمِيرُ في "فَإنَّهُ" عائِدٌ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والضَمِيرُ في "نَزَّلَهُ" عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ ﷺ، والمَعْنى بِالقُرْآنِ وسائِرُ الوَحْيِ، وقِيلَ: الضَمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ، وفي "نَزَّلَهُ" عَلى القُرْآنِ، وخُصَّ القَلْبُ بِالذِكْرِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العَقْلِ والعِلْمِ وتَلَقِّي المَعارِفِ. وجاءَتِ المُخاطَبَةُ بِالكافِ في "قَلْبِكَ" اتِّساعًا في العِبارَةِ، إذْ لَيْسَ ثُمَّ مَن يُخاطِبُهُ النَبِيُّ ﷺ بِهَذِهِ الكافِ، وإنَّما يَجِيءُ قَوْلُهُ: فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِي، لَكِنَّ حَسُنَ هَذا إذْ يَحْسُنُ (p-٢٩٤)فِي كَلامِ العَرَبِ أنْ تُحْرِزَ اللَفْظَ الَّذِي يَقُولُهُ المَأْمُورُ بِالقَوْلِ، ويَحْسُنُ أنْ تُقْصَدَ المَعْنى الَّذِي يَقُولُهُ فَتَسْرُدُهُ مُخاطَبَةً لَهُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِقَوْمِكَ لا يُهِينُوكَ، فَكَذَلِكَ هي الآيَةُ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُ الفَرَزْدَقِ ؎ ألَمْ تَرَ أنِّي يَوْمَ جَوِّ سَوِيقَةٍ ∗∗∗ بَكَيْتُ فَنادَتْنِي هُنَيْدَةُ ما لِيا فَأحْرَزَ المَعْنى ونَكَبَ عن نِداءِ هُنَيْدَةَ: مالَكَ؟ و﴿بِإذْنِ اللهِ﴾ مَعْناهُ: بِعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ إيّاهُ مِن هَذِهِ المَنزِلَةِ، و"مُصَدِّقًا" حالٌ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في "نَزَّلَهُ"، و( ما بَيْنَ يَدَيْهِ ): ما تَقَدَّمَهُ مِن كُتُبِ اللهِ تَعالى، و"هُدًى": إرْشادٌ، و"البُشْرى": أكْثَرُ اسْتِعْمالِها في الخَيْرِ، ولا تَجِيءُ في الشَرِّ إلّا مُقَيَّدَةً بِهِ، ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفُ جِبْرِيلَ ﷺ وذَمُّ مُعادِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ وذَمٌّ لِمُعادِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وإعْلامُ أنَّ عَداوَةَ البَعْضِ تَقْتَضِي عَداوَةَ اللهِ لَهم. وعَداوَةُ العَبْدِ لِلَّهِ هي مَعْصِيَتُهُ واجْتِنابُ طاعَتِهِ، ومُعاداةُ أولِيائِهِ. وعَداوَةُ اللهِ لِلْعَبْدِ تَعْذِيبُهُ وإظْهارُ أثَرِ العَداوَةِ عَلَيْهِ. وذِكْرُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وقَدْ كانَ ذِكْرُ المَلائِكَةِ عَمَّهُما تَشْرِيفًا لَهُما. وقِيلَ: خُصّا لِأنَّ اليَهُودَ ذَكَرُوهُما، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِما، فَذِكْرُهُما واجِبٌ، لِئَلّا تَقُولَ اليَهُودُ: إنّا لَمْ نُعادِ اللهَ وجَمِيعَ مَلائِكَتِهِ. وقَرَأ نافِعٌ مِيكائِلَ بِهَمْزَةٍ دُونَ ياءٍ. وقَرَأ بِها ابْنُ كَثِيرٍ فِيما (p-٢٩٥)رُوِيَ عنهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مِيكائِيلَ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ "مِيكالَ"، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مُنْذُ رَآها في النَوْمِ كَما ذَكَرْنا. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "مِيكَئِلَ" بِهَمْزَةٍ دُونَ ألِفٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مِيكايِيلَ" بِياءَيْنِ. وظَهَرَ الِاسْمُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ﴾، لِئَلّا يُشْكَلَ عَوْدُ الضَمِيرِ. وجاءَتِ العِبارَةُ بِعُمُومِ الكافِرِينَ لِأنَّ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى "مَن" يُشَكِّلُ سَواءً أفْرَدَتْهُ أو جَمَعَتْهُ، ولَوْ لَمْ نُبالِ بِالإشْكالِ وقُلْنا: المَعْنى يَدُلُّ السامِعَ عَلى المَقْصِدِ لَلَزِمَ تَعْيِينُ قَوْمٍ بِعَداوَةِ اللهِ لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يُؤْمِنُ فَلا يَنْبَغِي أنْ تُطْلِقَ عَلَيْهِ عَداوَةَ اللهِ لِلْمَآلِ. ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَقالَ لَهُ: أرَأيْتَ جِبْرِيلَ الَّذِي يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّهُ يَجِيئُهُ؟ ذَلِكَ عَدُوُّنا. فَقالَ لَهُ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَنَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الخَبَرُ ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ مَعْناهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ ابْنَ صُورِيّا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ. ما جِئْتَ بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» و"الفاسِقُونَ" هُنا: الخارِجُونَ عَنِ الإيمانِ، فَهو فِسْقُ الكُفْرِ، والتَقْدِيرُ: ما يَكْفُرُ بِها أحَدٌ إلّا الفاسِقُونَ، لِأنَّ الإيجابَ لا يَأْتِي إلّا بَعْدَ تَمامِ جُمْلَةِ النَفْيِ.

البقرة 2:97

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ الناسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرُ واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾ (p-٢٩٠)"وَجَدَ" في هَذا المَعْنى تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّها مِن أفْعالِ النَفْسِ، ولِذَلِكَ صَحَّ تَعَدِّيها إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ تَلَفَّتَ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجُعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ في الضَبِّ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمِي فَأجِدُنِي أُعافُهُ». وحِرْصُهم عَلى الحَياةِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وأنْ لا خَيْرَ لَهم عِنْدَ اللهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، قِيلَ: المَعْنى وأحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، لِأنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ لا يَعْرِفُونَ إلّا هَذِهِ الحَياةَ الدُنْيا، ألا تَرى إلى قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ تَمَتَّعْ مِنَ الدُنْيا فَإنَّكَ فانٍ ∗∗∗.............. والضَمِيرُ في "أحَدُهُمْ" يَعُودُ في هَذا القَوْلِ عَلى اليَهُودِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ حَياةٍ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عن طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّهم ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾، وهي المَجُوسُ، لِأنَّ تَشْمِيتَهم لِلْعاطِسِ لَفْظٌ بِلُغَتِهِمْ مَعْناهُ "عِشْ ألْفَ سَنَةٍ" فَكَأنَّ الكَلامَ: ومِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمٌ ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾، وفي هَذا القَوْلِ تَشْبِيهُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهَذِهِ الفِرْقَةِ مِنَ (p-٢٩١)المُشْرِكِينَ. وقَصَدَ الألِفَ بِالذِكْرِ لِأنَّها نِهايَةُ العَقْدِ في الحِسابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ﴾، اخْتَلَفَ النُحاةُ في "هُوَ"، فَقِيلَ: هو ضَمِيرُ الأحَدِ المُتَقَدِّمِ، فالتَقْدِيرُ: وما أحَدُهم بِمُزَحْزِحِهِ، وخَبَرُ الِابْتِداءِ في المَجْرُورِ، و﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعِلٌ بِمُزَحْزِحِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ التَعْمِيرِ، والتَقْدِيرُ: وما التَعْمِيرُ بِمُزَحْزِحِهِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، و"أنْ يَعْمُرَ" بَدَلٌ مِنَ التَعْمِيرِ في هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "هُوَ" ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ بِما حُفِظَ عَنِ النُحاةِ مِن أنَّ الأمْرَ والشَأْنَ إنَّما يُفَسَّرُ بِجُمْلَةٍ سالِمَةٍ مِن حَرْفِ جَرٍّ. وقَدْ جَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ ذَلِكَ في بَعْضِ مَسائِلِهِ الحَلَبِيّاتِ،. وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: هو عِمادٌ، وقِيلَ: "ما" عامِلَةٌ حِجازِيَّةٌ و"هُوَ" اسْمُها والخَبَرُ في "بِمُزَحْزِحِهِ". والزَحْزَحَةُ الإبْعادُ والتَنْحِيَةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ، والجُمْهُورُ عَلى قِراءَةِ "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْرَجُ، ويَعْقُوبُ، "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ، وهَذا عَلى الرُجُوعِ إلى خِطابِ المُتَوَعِّدِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآيَةُ، نَزَلَ عَلى سَبَبٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فِيما مَضى مِنَ الآياتِ، ولَكِنْ أجْمَعَ أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: جِبْرِيلُ عَدُوُّنا، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: «إنَّ يَهُودَ فَدْكٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: نَسْألُكَ عن أرْبَعَةِ أشْياءَ، فَإنَّ (p-٢٩٢)عَرَفْتَها اتَّبَعْناكَ، فَسَألُوهُ عَنِ الشَبَهِ في الوَلَدِ فَقالَ: أيُّ ماءٍ عَلا كانَ الشَبَهُ لَهُ، وسَألُوهُ عن نَوْمِهِ فَقالَ: تَنامُ عَيْنِي ولا يَنامُ قَلْبِي، وسَألُوهُ عَمَّنْ يَجِيئُهُ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَ: جِبْرِيلُ، فَلَمّا ذَكَرَهُ قالُوا: ذاكَ عَدُّونا، لِأنَّهُ مَلَكُ الحَرْبِ والشَدائِدِ والجَدْبِ، ولَوْ كانَ الَّذِي يَجِيئُكَ مِيكائِيلُ مَلَكُ الرَحْمَةِ والخَصْبِ والأمْطارِ لاتَّبَعْناكَ». وقِيلَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَتَكَرَّرُ عَلى بَيْتِ المَدارِسِ، فاسْتَحْلَفَهم يَوْمًا بِالَّذِي أنْزَلَ التَوْراةَ عَلى مُوسى بِطُورِ سَيْناءَ، أتَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ فَلِمَ تَهْلَكُونَ في تَكْذِيبِهِ؟ قالُوا صاحِبَهُ جِبْرِيلُ، وهو عَدُوُّنا. وذَكَرَ أنَّهم قالُوا سَبَبَ عَداوَتِهِمْ لَهُ: أنَّهُ حَمى بُخْتِ نَصَّرَ حِينَ بُعِثُوا إلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَمْلِكَ مَن يَقْتُلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِقَوْلِهِمْ. وفِي جِبْرِيلَ لُغاتٌ: "جِبْرِيلُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والراءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِها قَرَأ نافِعٌ، وجَبْرِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الراءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ النَبِيَّ ﷺ في النَوْمِ وهو يَقْرَأُ جِبْرِيلَ ومِيكالَ، فَلا أزالُ أقْرَؤُهُما أبَدًا كَذَلِكَ. وجَبْرَألُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ بَيْنَ الراءِ واللامِ وبِها قَرَأ عاصِمٌ، وجَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ الراءِ وياءٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ واللامِ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَكاها الكِسائِيُّ عن عاصِمٍ، وجَبْرائِلُ بِألِفٍ بَعْدِ الراءِ ثُمَّ هَمْزَةٍ، وبِها قَرَأ عِكْرِمَةُ، وجِبْرائِيلُ بِزِيادَةِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وجِبْرايِيلُ بِياءَيْنِ، وبِها قَرَأ الأعْمَشُ، وجَبْرَألُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ ولامٍ مُشَدَّدَةٍ، وبِها قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وجَبْرالُ لُغَةٌ فِيهِ. و"جِبْرِينُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والراءِ وياءٍ ونُونٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: هي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ، ولَمْ يَقْرَأْ بِها. (p-٢٩٣)وجِبْرِيلُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَرَّبَتْهُ العَرَبُ فَلَها فِيهِ هَذِهِ اللُغاتُ، فَبَعْضُها هي مَوْجُودَةٌ في أبْنِيَةِ العَرَبِ وتِلْكَ أدْخَلُ في التَعْرِيبِ كَجِبْرِيلَ الَّذِي هو كَقِنْدِيلُ، وبَعْضُها خارِجٌ عن أبْنِيَةِ العَرَبِ، فَذَلِكَ كَمَثَلِ ما عَرَّبَتْهُ العَرَبُ ولَمْ تُدْخِلْهُ في بِناءٍ كَإبْرَيْسَمْ وفِرِنْدَ وآجِرَ ونَحْوِهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: أنَّ جَبْرَ، ومَيْكَ، وسَرافَ، هي كُلُّها بِالأعْجَمِيَّةِ بِمَعْنى عَبْدٍ ومَمْلُوكٍ، وإيلُ: اسْمُ اللهِ تَعالى، ويُقالُ فِيهِ: إلَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ سَمِعَ سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ: هَذا كَلامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ الضَمِيرُ في "فَإنَّهُ" عائِدٌ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والضَمِيرُ في "نَزَّلَهُ" عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ ﷺ، والمَعْنى بِالقُرْآنِ وسائِرُ الوَحْيِ، وقِيلَ: الضَمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ، وفي "نَزَّلَهُ" عَلى القُرْآنِ، وخُصَّ القَلْبُ بِالذِكْرِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العَقْلِ والعِلْمِ وتَلَقِّي المَعارِفِ. وجاءَتِ المُخاطَبَةُ بِالكافِ في "قَلْبِكَ" اتِّساعًا في العِبارَةِ، إذْ لَيْسَ ثُمَّ مَن يُخاطِبُهُ النَبِيُّ ﷺ بِهَذِهِ الكافِ، وإنَّما يَجِيءُ قَوْلُهُ: فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِي، لَكِنَّ حَسُنَ هَذا إذْ يَحْسُنُ (p-٢٩٤)فِي كَلامِ العَرَبِ أنْ تُحْرِزَ اللَفْظَ الَّذِي يَقُولُهُ المَأْمُورُ بِالقَوْلِ، ويَحْسُنُ أنْ تُقْصَدَ المَعْنى الَّذِي يَقُولُهُ فَتَسْرُدُهُ مُخاطَبَةً لَهُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِقَوْمِكَ لا يُهِينُوكَ، فَكَذَلِكَ هي الآيَةُ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُ الفَرَزْدَقِ ؎ ألَمْ تَرَ أنِّي يَوْمَ جَوِّ سَوِيقَةٍ ∗∗∗ بَكَيْتُ فَنادَتْنِي هُنَيْدَةُ ما لِيا فَأحْرَزَ المَعْنى ونَكَبَ عن نِداءِ هُنَيْدَةَ: مالَكَ؟ و﴿بِإذْنِ اللهِ﴾ مَعْناهُ: بِعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ إيّاهُ مِن هَذِهِ المَنزِلَةِ، و"مُصَدِّقًا" حالٌ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في "نَزَّلَهُ"، و( ما بَيْنَ يَدَيْهِ ): ما تَقَدَّمَهُ مِن كُتُبِ اللهِ تَعالى، و"هُدًى": إرْشادٌ، و"البُشْرى": أكْثَرُ اسْتِعْمالِها في الخَيْرِ، ولا تَجِيءُ في الشَرِّ إلّا مُقَيَّدَةً بِهِ، ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفُ جِبْرِيلَ ﷺ وذَمُّ مُعادِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ وذَمٌّ لِمُعادِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وإعْلامُ أنَّ عَداوَةَ البَعْضِ تَقْتَضِي عَداوَةَ اللهِ لَهم. وعَداوَةُ العَبْدِ لِلَّهِ هي مَعْصِيَتُهُ واجْتِنابُ طاعَتِهِ، ومُعاداةُ أولِيائِهِ. وعَداوَةُ اللهِ لِلْعَبْدِ تَعْذِيبُهُ وإظْهارُ أثَرِ العَداوَةِ عَلَيْهِ. وذِكْرُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وقَدْ كانَ ذِكْرُ المَلائِكَةِ عَمَّهُما تَشْرِيفًا لَهُما. وقِيلَ: خُصّا لِأنَّ اليَهُودَ ذَكَرُوهُما، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِما، فَذِكْرُهُما واجِبٌ، لِئَلّا تَقُولَ اليَهُودُ: إنّا لَمْ نُعادِ اللهَ وجَمِيعَ مَلائِكَتِهِ. وقَرَأ نافِعٌ مِيكائِلَ بِهَمْزَةٍ دُونَ ياءٍ. وقَرَأ بِها ابْنُ كَثِيرٍ فِيما (p-٢٩٥)رُوِيَ عنهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مِيكائِيلَ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ "مِيكالَ"، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مُنْذُ رَآها في النَوْمِ كَما ذَكَرْنا. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "مِيكَئِلَ" بِهَمْزَةٍ دُونَ ألِفٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مِيكايِيلَ" بِياءَيْنِ. وظَهَرَ الِاسْمُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ﴾، لِئَلّا يُشْكَلَ عَوْدُ الضَمِيرِ. وجاءَتِ العِبارَةُ بِعُمُومِ الكافِرِينَ لِأنَّ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى "مَن" يُشَكِّلُ سَواءً أفْرَدَتْهُ أو جَمَعَتْهُ، ولَوْ لَمْ نُبالِ بِالإشْكالِ وقُلْنا: المَعْنى يَدُلُّ السامِعَ عَلى المَقْصِدِ لَلَزِمَ تَعْيِينُ قَوْمٍ بِعَداوَةِ اللهِ لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يُؤْمِنُ فَلا يَنْبَغِي أنْ تُطْلِقَ عَلَيْهِ عَداوَةَ اللهِ لِلْمَآلِ. ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَقالَ لَهُ: أرَأيْتَ جِبْرِيلَ الَّذِي يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّهُ يَجِيئُهُ؟ ذَلِكَ عَدُوُّنا. فَقالَ لَهُ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَنَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الخَبَرُ ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ مَعْناهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ ابْنَ صُورِيّا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ. ما جِئْتَ بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» و"الفاسِقُونَ" هُنا: الخارِجُونَ عَنِ الإيمانِ، فَهو فِسْقُ الكُفْرِ، والتَقْدِيرُ: ما يَكْفُرُ بِها أحَدٌ إلّا الفاسِقُونَ، لِأنَّ الإيجابَ لا يَأْتِي إلّا بَعْدَ تَمامِ جُمْلَةِ النَفْيِ.

البقرة 2:98

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ الناسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرُ واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾ (p-٢٩٠)"وَجَدَ" في هَذا المَعْنى تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّها مِن أفْعالِ النَفْسِ، ولِذَلِكَ صَحَّ تَعَدِّيها إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ تَلَفَّتَ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجُعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ في الضَبِّ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمِي فَأجِدُنِي أُعافُهُ». وحِرْصُهم عَلى الحَياةِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وأنْ لا خَيْرَ لَهم عِنْدَ اللهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، قِيلَ: المَعْنى وأحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، لِأنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ لا يَعْرِفُونَ إلّا هَذِهِ الحَياةَ الدُنْيا، ألا تَرى إلى قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ تَمَتَّعْ مِنَ الدُنْيا فَإنَّكَ فانٍ ∗∗∗.............. والضَمِيرُ في "أحَدُهُمْ" يَعُودُ في هَذا القَوْلِ عَلى اليَهُودِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ حَياةٍ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عن طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّهم ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾، وهي المَجُوسُ، لِأنَّ تَشْمِيتَهم لِلْعاطِسِ لَفْظٌ بِلُغَتِهِمْ مَعْناهُ "عِشْ ألْفَ سَنَةٍ" فَكَأنَّ الكَلامَ: ومِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمٌ ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾، وفي هَذا القَوْلِ تَشْبِيهُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهَذِهِ الفِرْقَةِ مِنَ (p-٢٩١)المُشْرِكِينَ. وقَصَدَ الألِفَ بِالذِكْرِ لِأنَّها نِهايَةُ العَقْدِ في الحِسابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ﴾، اخْتَلَفَ النُحاةُ في "هُوَ"، فَقِيلَ: هو ضَمِيرُ الأحَدِ المُتَقَدِّمِ، فالتَقْدِيرُ: وما أحَدُهم بِمُزَحْزِحِهِ، وخَبَرُ الِابْتِداءِ في المَجْرُورِ، و﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعِلٌ بِمُزَحْزِحِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ التَعْمِيرِ، والتَقْدِيرُ: وما التَعْمِيرُ بِمُزَحْزِحِهِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، و"أنْ يَعْمُرَ" بَدَلٌ مِنَ التَعْمِيرِ في هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "هُوَ" ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ بِما حُفِظَ عَنِ النُحاةِ مِن أنَّ الأمْرَ والشَأْنَ إنَّما يُفَسَّرُ بِجُمْلَةٍ سالِمَةٍ مِن حَرْفِ جَرٍّ. وقَدْ جَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ ذَلِكَ في بَعْضِ مَسائِلِهِ الحَلَبِيّاتِ،. وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: هو عِمادٌ، وقِيلَ: "ما" عامِلَةٌ حِجازِيَّةٌ و"هُوَ" اسْمُها والخَبَرُ في "بِمُزَحْزِحِهِ". والزَحْزَحَةُ الإبْعادُ والتَنْحِيَةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ، والجُمْهُورُ عَلى قِراءَةِ "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْرَجُ، ويَعْقُوبُ، "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ، وهَذا عَلى الرُجُوعِ إلى خِطابِ المُتَوَعِّدِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآيَةُ، نَزَلَ عَلى سَبَبٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فِيما مَضى مِنَ الآياتِ، ولَكِنْ أجْمَعَ أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: جِبْرِيلُ عَدُوُّنا، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: «إنَّ يَهُودَ فَدْكٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: نَسْألُكَ عن أرْبَعَةِ أشْياءَ، فَإنَّ (p-٢٩٢)عَرَفْتَها اتَّبَعْناكَ، فَسَألُوهُ عَنِ الشَبَهِ في الوَلَدِ فَقالَ: أيُّ ماءٍ عَلا كانَ الشَبَهُ لَهُ، وسَألُوهُ عن نَوْمِهِ فَقالَ: تَنامُ عَيْنِي ولا يَنامُ قَلْبِي، وسَألُوهُ عَمَّنْ يَجِيئُهُ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَ: جِبْرِيلُ، فَلَمّا ذَكَرَهُ قالُوا: ذاكَ عَدُّونا، لِأنَّهُ مَلَكُ الحَرْبِ والشَدائِدِ والجَدْبِ، ولَوْ كانَ الَّذِي يَجِيئُكَ مِيكائِيلُ مَلَكُ الرَحْمَةِ والخَصْبِ والأمْطارِ لاتَّبَعْناكَ». وقِيلَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَتَكَرَّرُ عَلى بَيْتِ المَدارِسِ، فاسْتَحْلَفَهم يَوْمًا بِالَّذِي أنْزَلَ التَوْراةَ عَلى مُوسى بِطُورِ سَيْناءَ، أتَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ فَلِمَ تَهْلَكُونَ في تَكْذِيبِهِ؟ قالُوا صاحِبَهُ جِبْرِيلُ، وهو عَدُوُّنا. وذَكَرَ أنَّهم قالُوا سَبَبَ عَداوَتِهِمْ لَهُ: أنَّهُ حَمى بُخْتِ نَصَّرَ حِينَ بُعِثُوا إلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَمْلِكَ مَن يَقْتُلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِقَوْلِهِمْ. وفِي جِبْرِيلَ لُغاتٌ: "جِبْرِيلُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والراءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِها قَرَأ نافِعٌ، وجَبْرِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الراءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ النَبِيَّ ﷺ في النَوْمِ وهو يَقْرَأُ جِبْرِيلَ ومِيكالَ، فَلا أزالُ أقْرَؤُهُما أبَدًا كَذَلِكَ. وجَبْرَألُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ بَيْنَ الراءِ واللامِ وبِها قَرَأ عاصِمٌ، وجَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ الراءِ وياءٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ واللامِ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَكاها الكِسائِيُّ عن عاصِمٍ، وجَبْرائِلُ بِألِفٍ بَعْدِ الراءِ ثُمَّ هَمْزَةٍ، وبِها قَرَأ عِكْرِمَةُ، وجِبْرائِيلُ بِزِيادَةِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وجِبْرايِيلُ بِياءَيْنِ، وبِها قَرَأ الأعْمَشُ، وجَبْرَألُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ ولامٍ مُشَدَّدَةٍ، وبِها قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وجَبْرالُ لُغَةٌ فِيهِ. و"جِبْرِينُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والراءِ وياءٍ ونُونٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: هي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ، ولَمْ يَقْرَأْ بِها. (p-٢٩٣)وجِبْرِيلُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَرَّبَتْهُ العَرَبُ فَلَها فِيهِ هَذِهِ اللُغاتُ، فَبَعْضُها هي مَوْجُودَةٌ في أبْنِيَةِ العَرَبِ وتِلْكَ أدْخَلُ في التَعْرِيبِ كَجِبْرِيلَ الَّذِي هو كَقِنْدِيلُ، وبَعْضُها خارِجٌ عن أبْنِيَةِ العَرَبِ، فَذَلِكَ كَمَثَلِ ما عَرَّبَتْهُ العَرَبُ ولَمْ تُدْخِلْهُ في بِناءٍ كَإبْرَيْسَمْ وفِرِنْدَ وآجِرَ ونَحْوِهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: أنَّ جَبْرَ، ومَيْكَ، وسَرافَ، هي كُلُّها بِالأعْجَمِيَّةِ بِمَعْنى عَبْدٍ ومَمْلُوكٍ، وإيلُ: اسْمُ اللهِ تَعالى، ويُقالُ فِيهِ: إلَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ سَمِعَ سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ: هَذا كَلامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ الضَمِيرُ في "فَإنَّهُ" عائِدٌ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والضَمِيرُ في "نَزَّلَهُ" عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ ﷺ، والمَعْنى بِالقُرْآنِ وسائِرُ الوَحْيِ، وقِيلَ: الضَمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ، وفي "نَزَّلَهُ" عَلى القُرْآنِ، وخُصَّ القَلْبُ بِالذِكْرِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العَقْلِ والعِلْمِ وتَلَقِّي المَعارِفِ. وجاءَتِ المُخاطَبَةُ بِالكافِ في "قَلْبِكَ" اتِّساعًا في العِبارَةِ، إذْ لَيْسَ ثُمَّ مَن يُخاطِبُهُ النَبِيُّ ﷺ بِهَذِهِ الكافِ، وإنَّما يَجِيءُ قَوْلُهُ: فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِي، لَكِنَّ حَسُنَ هَذا إذْ يَحْسُنُ (p-٢٩٤)فِي كَلامِ العَرَبِ أنْ تُحْرِزَ اللَفْظَ الَّذِي يَقُولُهُ المَأْمُورُ بِالقَوْلِ، ويَحْسُنُ أنْ تُقْصَدَ المَعْنى الَّذِي يَقُولُهُ فَتَسْرُدُهُ مُخاطَبَةً لَهُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِقَوْمِكَ لا يُهِينُوكَ، فَكَذَلِكَ هي الآيَةُ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُ الفَرَزْدَقِ ؎ ألَمْ تَرَ أنِّي يَوْمَ جَوِّ سَوِيقَةٍ ∗∗∗ بَكَيْتُ فَنادَتْنِي هُنَيْدَةُ ما لِيا فَأحْرَزَ المَعْنى ونَكَبَ عن نِداءِ هُنَيْدَةَ: مالَكَ؟ و﴿بِإذْنِ اللهِ﴾ مَعْناهُ: بِعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ إيّاهُ مِن هَذِهِ المَنزِلَةِ، و"مُصَدِّقًا" حالٌ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في "نَزَّلَهُ"، و( ما بَيْنَ يَدَيْهِ ): ما تَقَدَّمَهُ مِن كُتُبِ اللهِ تَعالى، و"هُدًى": إرْشادٌ، و"البُشْرى": أكْثَرُ اسْتِعْمالِها في الخَيْرِ، ولا تَجِيءُ في الشَرِّ إلّا مُقَيَّدَةً بِهِ، ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفُ جِبْرِيلَ ﷺ وذَمُّ مُعادِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ وذَمٌّ لِمُعادِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وإعْلامُ أنَّ عَداوَةَ البَعْضِ تَقْتَضِي عَداوَةَ اللهِ لَهم. وعَداوَةُ العَبْدِ لِلَّهِ هي مَعْصِيَتُهُ واجْتِنابُ طاعَتِهِ، ومُعاداةُ أولِيائِهِ. وعَداوَةُ اللهِ لِلْعَبْدِ تَعْذِيبُهُ وإظْهارُ أثَرِ العَداوَةِ عَلَيْهِ. وذِكْرُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وقَدْ كانَ ذِكْرُ المَلائِكَةِ عَمَّهُما تَشْرِيفًا لَهُما. وقِيلَ: خُصّا لِأنَّ اليَهُودَ ذَكَرُوهُما، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِما، فَذِكْرُهُما واجِبٌ، لِئَلّا تَقُولَ اليَهُودُ: إنّا لَمْ نُعادِ اللهَ وجَمِيعَ مَلائِكَتِهِ. وقَرَأ نافِعٌ مِيكائِلَ بِهَمْزَةٍ دُونَ ياءٍ. وقَرَأ بِها ابْنُ كَثِيرٍ فِيما (p-٢٩٥)رُوِيَ عنهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مِيكائِيلَ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ "مِيكالَ"، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مُنْذُ رَآها في النَوْمِ كَما ذَكَرْنا. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "مِيكَئِلَ" بِهَمْزَةٍ دُونَ ألِفٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مِيكايِيلَ" بِياءَيْنِ. وظَهَرَ الِاسْمُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ﴾، لِئَلّا يُشْكَلَ عَوْدُ الضَمِيرِ. وجاءَتِ العِبارَةُ بِعُمُومِ الكافِرِينَ لِأنَّ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى "مَن" يُشَكِّلُ سَواءً أفْرَدَتْهُ أو جَمَعَتْهُ، ولَوْ لَمْ نُبالِ بِالإشْكالِ وقُلْنا: المَعْنى يَدُلُّ السامِعَ عَلى المَقْصِدِ لَلَزِمَ تَعْيِينُ قَوْمٍ بِعَداوَةِ اللهِ لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يُؤْمِنُ فَلا يَنْبَغِي أنْ تُطْلِقَ عَلَيْهِ عَداوَةَ اللهِ لِلْمَآلِ. ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَقالَ لَهُ: أرَأيْتَ جِبْرِيلَ الَّذِي يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّهُ يَجِيئُهُ؟ ذَلِكَ عَدُوُّنا. فَقالَ لَهُ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَنَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الخَبَرُ ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ مَعْناهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ ابْنَ صُورِيّا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ. ما جِئْتَ بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» و"الفاسِقُونَ" هُنا: الخارِجُونَ عَنِ الإيمانِ، فَهو فِسْقُ الكُفْرِ، والتَقْدِيرُ: ما يَكْفُرُ بِها أحَدٌ إلّا الفاسِقُونَ، لِأنَّ الإيجابَ لا يَأْتِي إلّا بَعْدَ تَمامِ جُمْلَةِ النَفْيِ.

البقرة 2:99

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ الناسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرُ واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾ (p-٢٩٠)"وَجَدَ" في هَذا المَعْنى تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّها مِن أفْعالِ النَفْسِ، ولِذَلِكَ صَحَّ تَعَدِّيها إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ تَلَفَّتَ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجُعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا «وَقالَ النَبِيُّ ﷺ في الضَبِّ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمِي فَأجِدُنِي أُعافُهُ». وحِرْصُهم عَلى الحَياةِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وأنْ لا خَيْرَ لَهم عِنْدَ اللهِ تَعالى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، قِيلَ: المَعْنى وأحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، لِأنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ لا يَعْرِفُونَ إلّا هَذِهِ الحَياةَ الدُنْيا، ألا تَرى إلى قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ؎ تَمَتَّعْ مِنَ الدُنْيا فَإنَّكَ فانٍ ∗∗∗.............. والضَمِيرُ في "أحَدُهُمْ" يَعُودُ في هَذا القَوْلِ عَلى اليَهُودِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ حَياةٍ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عن طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّهم ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾، وهي المَجُوسُ، لِأنَّ تَشْمِيتَهم لِلْعاطِسِ لَفْظٌ بِلُغَتِهِمْ مَعْناهُ "عِشْ ألْفَ سَنَةٍ" فَكَأنَّ الكَلامَ: ومِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمٌ ﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾، وفي هَذا القَوْلِ تَشْبِيهُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهَذِهِ الفِرْقَةِ مِنَ (p-٢٩١)المُشْرِكِينَ. وقَصَدَ الألِفَ بِالذِكْرِ لِأنَّها نِهايَةُ العَقْدِ في الحِسابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ﴾، اخْتَلَفَ النُحاةُ في "هُوَ"، فَقِيلَ: هو ضَمِيرُ الأحَدِ المُتَقَدِّمِ، فالتَقْدِيرُ: وما أحَدُهم بِمُزَحْزِحِهِ، وخَبَرُ الِابْتِداءِ في المَجْرُورِ، و﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعِلٌ بِمُزَحْزِحِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ التَعْمِيرِ، والتَقْدِيرُ: وما التَعْمِيرُ بِمُزَحْزِحِهِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، و"أنْ يَعْمُرَ" بَدَلٌ مِنَ التَعْمِيرِ في هَذا القَوْلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "هُوَ" ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ بِما حُفِظَ عَنِ النُحاةِ مِن أنَّ الأمْرَ والشَأْنَ إنَّما يُفَسَّرُ بِجُمْلَةٍ سالِمَةٍ مِن حَرْفِ جَرٍّ. وقَدْ جَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ ذَلِكَ في بَعْضِ مَسائِلِهِ الحَلَبِيّاتِ،. وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: هو عِمادٌ، وقِيلَ: "ما" عامِلَةٌ حِجازِيَّةٌ و"هُوَ" اسْمُها والخَبَرُ في "بِمُزَحْزِحِهِ". والزَحْزَحَةُ الإبْعادُ والتَنْحِيَةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ، والجُمْهُورُ عَلى قِراءَةِ "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْرَجُ، ويَعْقُوبُ، "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ، وهَذا عَلى الرُجُوعِ إلى خِطابِ المُتَوَعِّدِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآيَةُ، نَزَلَ عَلى سَبَبٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فِيما مَضى مِنَ الآياتِ، ولَكِنْ أجْمَعَ أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: جِبْرِيلُ عَدُوُّنا، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: «إنَّ يَهُودَ فَدْكٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: نَسْألُكَ عن أرْبَعَةِ أشْياءَ، فَإنَّ (p-٢٩٢)عَرَفْتَها اتَّبَعْناكَ، فَسَألُوهُ عَنِ الشَبَهِ في الوَلَدِ فَقالَ: أيُّ ماءٍ عَلا كانَ الشَبَهُ لَهُ، وسَألُوهُ عن نَوْمِهِ فَقالَ: تَنامُ عَيْنِي ولا يَنامُ قَلْبِي، وسَألُوهُ عَمَّنْ يَجِيئُهُ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَ: جِبْرِيلُ، فَلَمّا ذَكَرَهُ قالُوا: ذاكَ عَدُّونا، لِأنَّهُ مَلَكُ الحَرْبِ والشَدائِدِ والجَدْبِ، ولَوْ كانَ الَّذِي يَجِيئُكَ مِيكائِيلُ مَلَكُ الرَحْمَةِ والخَصْبِ والأمْطارِ لاتَّبَعْناكَ». وقِيلَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَتَكَرَّرُ عَلى بَيْتِ المَدارِسِ، فاسْتَحْلَفَهم يَوْمًا بِالَّذِي أنْزَلَ التَوْراةَ عَلى مُوسى بِطُورِ سَيْناءَ، أتَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ؟ قالُوا نَعَمْ، قالَ فَلِمَ تَهْلَكُونَ في تَكْذِيبِهِ؟ قالُوا صاحِبَهُ جِبْرِيلُ، وهو عَدُوُّنا. وذَكَرَ أنَّهم قالُوا سَبَبَ عَداوَتِهِمْ لَهُ: أنَّهُ حَمى بُخْتِ نَصَّرَ حِينَ بُعِثُوا إلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَمْلِكَ مَن يَقْتُلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِقَوْلِهِمْ. وفِي جِبْرِيلَ لُغاتٌ: "جِبْرِيلُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والراءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِها قَرَأ نافِعٌ، وجَبْرِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الراءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ النَبِيَّ ﷺ في النَوْمِ وهو يَقْرَأُ جِبْرِيلَ ومِيكالَ، فَلا أزالُ أقْرَؤُهُما أبَدًا كَذَلِكَ. وجَبْرَألُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ بَيْنَ الراءِ واللامِ وبِها قَرَأ عاصِمٌ، وجَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ الراءِ وياءٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ واللامِ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَكاها الكِسائِيُّ عن عاصِمٍ، وجَبْرائِلُ بِألِفٍ بَعْدِ الراءِ ثُمَّ هَمْزَةٍ، وبِها قَرَأ عِكْرِمَةُ، وجِبْرائِيلُ بِزِيادَةِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وجِبْرايِيلُ بِياءَيْنِ، وبِها قَرَأ الأعْمَشُ، وجَبْرَألُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ ولامٍ مُشَدَّدَةٍ، وبِها قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وجَبْرالُ لُغَةٌ فِيهِ. و"جِبْرِينُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والراءِ وياءٍ ونُونٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: هي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ، ولَمْ يَقْرَأْ بِها. (p-٢٩٣)وجِبْرِيلُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَرَّبَتْهُ العَرَبُ فَلَها فِيهِ هَذِهِ اللُغاتُ، فَبَعْضُها هي مَوْجُودَةٌ في أبْنِيَةِ العَرَبِ وتِلْكَ أدْخَلُ في التَعْرِيبِ كَجِبْرِيلَ الَّذِي هو كَقِنْدِيلُ، وبَعْضُها خارِجٌ عن أبْنِيَةِ العَرَبِ، فَذَلِكَ كَمَثَلِ ما عَرَّبَتْهُ العَرَبُ ولَمْ تُدْخِلْهُ في بِناءٍ كَإبْرَيْسَمْ وفِرِنْدَ وآجِرَ ونَحْوِهِ. وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: أنَّ جَبْرَ، ومَيْكَ، وسَرافَ، هي كُلُّها بِالأعْجَمِيَّةِ بِمَعْنى عَبْدٍ ومَمْلُوكٍ، وإيلُ: اسْمُ اللهِ تَعالى، ويُقالُ فِيهِ: إلَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ سَمِعَ سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ: هَذا كَلامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلَّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ الضَمِيرُ في "فَإنَّهُ" عائِدٌ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والضَمِيرُ في "نَزَّلَهُ" عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ ﷺ، والمَعْنى بِالقُرْآنِ وسائِرُ الوَحْيِ، وقِيلَ: الضَمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ، وفي "نَزَّلَهُ" عَلى القُرْآنِ، وخُصَّ القَلْبُ بِالذِكْرِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العَقْلِ والعِلْمِ وتَلَقِّي المَعارِفِ. وجاءَتِ المُخاطَبَةُ بِالكافِ في "قَلْبِكَ" اتِّساعًا في العِبارَةِ، إذْ لَيْسَ ثُمَّ مَن يُخاطِبُهُ النَبِيُّ ﷺ بِهَذِهِ الكافِ، وإنَّما يَجِيءُ قَوْلُهُ: فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِي، لَكِنَّ حَسُنَ هَذا إذْ يَحْسُنُ (p-٢٩٤)فِي كَلامِ العَرَبِ أنْ تُحْرِزَ اللَفْظَ الَّذِي يَقُولُهُ المَأْمُورُ بِالقَوْلِ، ويَحْسُنُ أنْ تُقْصَدَ المَعْنى الَّذِي يَقُولُهُ فَتَسْرُدُهُ مُخاطَبَةً لَهُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِقَوْمِكَ لا يُهِينُوكَ، فَكَذَلِكَ هي الآيَةُ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُ الفَرَزْدَقِ ؎ ألَمْ تَرَ أنِّي يَوْمَ جَوِّ سَوِيقَةٍ ∗∗∗ بَكَيْتُ فَنادَتْنِي هُنَيْدَةُ ما لِيا فَأحْرَزَ المَعْنى ونَكَبَ عن نِداءِ هُنَيْدَةَ: مالَكَ؟ و﴿بِإذْنِ اللهِ﴾ مَعْناهُ: بِعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ إيّاهُ مِن هَذِهِ المَنزِلَةِ، و"مُصَدِّقًا" حالٌ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في "نَزَّلَهُ"، و( ما بَيْنَ يَدَيْهِ ): ما تَقَدَّمَهُ مِن كُتُبِ اللهِ تَعالى، و"هُدًى": إرْشادٌ، و"البُشْرى": أكْثَرُ اسْتِعْمالِها في الخَيْرِ، ولا تَجِيءُ في الشَرِّ إلّا مُقَيَّدَةً بِهِ، ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفُ جِبْرِيلَ ﷺ وذَمُّ مُعادِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ وذَمٌّ لِمُعادِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وإعْلامُ أنَّ عَداوَةَ البَعْضِ تَقْتَضِي عَداوَةَ اللهِ لَهم. وعَداوَةُ العَبْدِ لِلَّهِ هي مَعْصِيَتُهُ واجْتِنابُ طاعَتِهِ، ومُعاداةُ أولِيائِهِ. وعَداوَةُ اللهِ لِلْعَبْدِ تَعْذِيبُهُ وإظْهارُ أثَرِ العَداوَةِ عَلَيْهِ. وذِكْرُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وقَدْ كانَ ذِكْرُ المَلائِكَةِ عَمَّهُما تَشْرِيفًا لَهُما. وقِيلَ: خُصّا لِأنَّ اليَهُودَ ذَكَرُوهُما، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِما، فَذِكْرُهُما واجِبٌ، لِئَلّا تَقُولَ اليَهُودُ: إنّا لَمْ نُعادِ اللهَ وجَمِيعَ مَلائِكَتِهِ. وقَرَأ نافِعٌ مِيكائِلَ بِهَمْزَةٍ دُونَ ياءٍ. وقَرَأ بِها ابْنُ كَثِيرٍ فِيما (p-٢٩٥)رُوِيَ عنهُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مِيكائِيلَ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ "مِيكالَ"، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مُنْذُ رَآها في النَوْمِ كَما ذَكَرْنا. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "مِيكَئِلَ" بِهَمْزَةٍ دُونَ ألِفٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مِيكايِيلَ" بِياءَيْنِ. وظَهَرَ الِاسْمُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ﴾، لِئَلّا يُشْكَلَ عَوْدُ الضَمِيرِ. وجاءَتِ العِبارَةُ بِعُمُومِ الكافِرِينَ لِأنَّ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى "مَن" يُشَكِّلُ سَواءً أفْرَدَتْهُ أو جَمَعَتْهُ، ولَوْ لَمْ نُبالِ بِالإشْكالِ وقُلْنا: المَعْنى يَدُلُّ السامِعَ عَلى المَقْصِدِ لَلَزِمَ تَعْيِينُ قَوْمٍ بِعَداوَةِ اللهِ لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يُؤْمِنُ فَلا يَنْبَغِي أنْ تُطْلِقَ عَلَيْهِ عَداوَةَ اللهِ لِلْمَآلِ. ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَقالَ لَهُ: أرَأيْتَ جِبْرِيلَ الَّذِي يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّهُ يَجِيئُهُ؟ ذَلِكَ عَدُوُّنا. فَقالَ لَهُ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَنَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الخَبَرُ ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ مَعْناهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ ابْنَ صُورِيّا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ. ما جِئْتَ بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» و"الفاسِقُونَ" هُنا: الخارِجُونَ عَنِ الإيمانِ، فَهو فِسْقُ الكُفْرِ، والتَقْدِيرُ: ما يَكْفُرُ بِها أحَدٌ إلّا الفاسِقُونَ، لِأنَّ الإيجابَ لا يَأْتِي إلّا بَعْدَ تَمامِ جُمْلَةِ النَفْيِ.