Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — المائدة 5:101 – الأنعام 6:48
المحتويات
- المائدة 5:101
- المائدة 5:102
- المائدة 5:103
- المائدة 5:104
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- المائدة 5:107
- المائدة 5:108
- المائدة 5:109
- المائدة 5:110
- المائدة 5:111
- المائدة 5:112
- المائدة 5:113
- المائدة 5:114
- المائدة 5:115
- المائدة 5:116
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:119
- المائدة 5:120
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:2
- الأنعام 6:3
- الأنعام 6:4
- الأنعام 6:5
- الأنعام 6:6
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:8
- الأنعام 6:9
- الأنعام 6:10
- الأنعام 6:11
- الأنعام 6:12
- الأنعام 6:13
- الأنعام 6:14
- الأنعام 6:15
- الأنعام 6:16
- الأنعام 6:17
- الأنعام 6:18
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:20
- الأنعام 6:21
- الأنعام 6:22
- الأنعام 6:23
- الأنعام 6:24
- الأنعام 6:25
- الأنعام 6:26
- الأنعام 6:27
- الأنعام 6:28
- الأنعام 6:29
- الأنعام 6:30
- الأنعام 6:31
- الأنعام 6:32
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:34
- الأنعام 6:35
- الأنعام 6:36
- الأنعام 6:37
- الأنعام 6:38
- الأنعام 6:39
- الأنعام 6:40
- الأنعام 6:41
- الأنعام 6:42
- الأنعام 6:43
- الأنعام 6:44
- الأنعام 6:45
- الأنعام 6:46
- الأنعام 6:47
- الأنعام 6:48
المائدة 5:101
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ واللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثُ فاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عن أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللهُ عنها واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ﴾ ؛ إخْبارٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقالَ: هي آيَةُ مُوادَعَةٍ؛ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ؛ بَلْ هَذِهِ حالُ مَن آمَنَ وشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ؛ فَإنَّهُ إذْ قَدْ عَصَمَ مِنَ الرَسُولِ مالَهُ ودَمَهُ؛ فَلَيْسَ عَلى الرَسُولِ في جِهَتِهِ أكْثَرُ مِنَ التَبْلِيغِ؛ واللهُ تَعالى - بَعْدَ ذَلِكَ - يَعْلَمُ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ صَدْرُهُ؛ وهو المُجازِي - بِحَسَبِ ذَلِكَ - ثَوابًا؛ أو عِقابًا.
والبَلاغُ: مَصْدَرٌ مِن: "بَلَّغَ؛ يُبَلِّغُ"؛ والآيَةُ مَعْناها الوَعِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ إنِ انْحَرَفُوا؛ ولَمْ يَمْتَثِلُوا ما بُلِّغَ إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الأُمُورِ؛ يُتَصَوَّرُ في المَكاسِبِ؛ وعَدَدِ الناسِ؛ والمَعارِفِ؛ مِنَ العُلُومِ ونَحْوِها؛ فالخَبِيثُ مِن هَذا كُلِّهِ لا يُفْلِحُ؛ ولا يَنْجُبُ؛ ولا تَحْسُنُ لَهُ عاقِبَةٌ؛ والطَيِّبُ - ولَوْ قَلَّ - نافِعٌ جَمِيلُ العاقِبَةِ.
ويُنَظِّرُ إلى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] ؛ والخُبْثُ هو الفَسادُ الباطِنُ في الأشْياءِ؛ حَتّى يُظَنَّ بِها الصَلاحُ؛ والطِيبُ؛ وهو بِخِلافِ ذَلِكَ؛ وهَكَذا هو الخُبْثُ في الإنْسانِ؛ وقَدْ يُرادُ بِلَفْظَةِ "خَبِيثٌ"؛ في الإنْسانِ؛ فَسادُ نَسَبِهِ؛ فَهَذا لَفْظٌ يُلْزِمُ قائِلَهُ - عَلى هَذا القَصْدِ - الحَدَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الألْبابِ﴾ ؛ تَنْبِيهٌ عَلى لُزُومِ الطَيِّبِ؛ في المُعْتَقَدِ؛ والعَمَلِ؛ وخَصَّ أُولِي الألْبابِ بِالذِكْرِ لِأنَّهُمُ المُتَقَدِّمُونَ في مَيِّزِ هَذِهِ الأُمُورِ؛ والَّذِينَ لا (p-٢٧٠)يَنْبَغِي لَهم إهْمالُها مَعَ ألْبابِهِمْ؛ وإدْراكِهِمْ؛ وكَأنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الألْبابِ إلى لُبِّ التَجْرِبَةِ؛ الَّذِي يَزِيدُ عَلى لُبِّ التَكْلِيفِ؛ بِالحِنْكَةِ؛ والفِطْنَةِ المُسْتَنْبِطَةِ؛ والنَظَرِ البَعِيدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عن أشْياءَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اخْتَلَفَ الرُواةُ في سَبَبِها؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ - مِنهم أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ وغَيْرُهُ -: نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذافَةَ السَهْمِيِّ؛ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - صَعِدَ المِنبَرَ مُغْضَبًا؛ فَقالَ: "لا تَسْألُونِي اليَوْمَ عن شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُكم بِهِ"؛ فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أيْنَ أنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "فِي النارِ"؛ فَقامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذافَةَ السَهْمِيُّ؛ وكانَ يُطْعَنُ في نَسَبِهِ؛ فَقالَ: مَن أبِي؟ فَقالَ: "أبُوكَ حُذافَةُ ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي الحَدِيثِ مِمّا لَمْ يَذْكُرِ الطَبَرِيُّ: «فَقامَ آخَرُ؛ فَقالَ: مَن أبِي؟ فَقالَ: "أبُوكَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي شَيْبَةَ"؛ فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - فَجَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ؛ وقالَ: رَضِينا بِاللهِ رَبًّا؛ وبِالإسْلامِ دِينًا؛ وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا؛ نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الفِتَنِ؛ وبَكى الناسُ مِن غَضَبِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأسْئِلَةِ.»
(p-٢٧١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وصُعُودُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المِنبَرَ مُغْضَبًا إنَّما كانَ بِسَبَبِ سُؤالاتِ الأعْرابِ؛ والجُهّالِ؛ والمُنافِقِينَ؛ فَكانَ مِنهم مَن يَقُولُ: أيْنَ ناقَتِي؟ وآخَرُ يَقُولُ: ما الَّذِي ألْقى في سَفَرِي هَذا؟ ونَحْوَ هَذا؛ مِمّا هو جَهالَةٌ؛ أوِ اسْتِخْفافٌ؛ وتَعْنِيتٌ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ ؛ وأبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ - في لَفْظِهِمُ اخْتِلافٌ؛ والمَعْنى واحِدٌ -: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الناسَ؛ فَقالَ: "أيُّها الناسُ؛ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ"؛ وقَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] ؛ قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ أفِي كُلِّ عامٍ؟ فَسَكَتَ؛ فَأعادُوا؛ قالَ: "لا؛ ولَوْ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ"؛» وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَقالَ عُكاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ ؛ وقالَ مُرَّةُ: فَقالَ مِحْصَنٌ الأسَدِيُّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: فَقامَ رَجُلٌ مِن بَنِي أسَدٍ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: «فَقامَ أعْرابِيٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ أفِي كُلِّ عامٍ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ثُمَّ قالَ: "مَنِ السائِلُ؟"؛ فَقِيلَ: فُلانٌ؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ؛ ولَوْ وجَبَتْ لَمْ تُطِيقُوهُ؛ ولَوْ تَرَكْتُمُوهُ لَهَلَكْتُمْ"؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» بِسَبَبِ ذَلِكَ.
ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أنَّ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - قالَ: « "إنَّ أعْظَمَ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن سَألَ عن شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ".»
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ قَوْمٍ سَألُوا عَنِ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ والوَصِيلَةِ؛ ونَحْوِ هَذا مِن أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
(p-٢٧٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ أمْرَ الكَعْبَةِ؛ والهَدْيِ؛ والقَلائِدِ؛ وأعْلَمَ أنَّ حُرْمَتَها هو الَّذِي جَعَلَها؛ إذْ هي أُمُورٌ نافِعَةٌ؛ قَدِيمَةٌ؛ مِن لَدُنْ عَهْدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ذَهَبَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ إلى السُؤالِ عن سائِرِ أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ؛ لِيَرَوْا هَلْ تُلْحَقُ بِتِلْكَ أمْ لا؛ إذْ كانُوا قَدِ اعْتَقَدُوا الجَمِيعَ سُنَّةً؛ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ ما هو مِن عِنْدِ اللهِ ؛ وما هو مِن تِلْقاءِ الشَيْطانِ؛ والمُغَيِّرِينَ لِدِينِإبْراهِيمَ؛ وإسْماعِيلَ - عَلَيْهِما السَلامُ - كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ وفي عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "رَأيْتُهُ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النارِ؛ وكانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَوائِبَ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ مِنَ الرِواياتِ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ألَحَّتْ عَلَيْهِ الأعْرابُ والجُهّالُ بِأنْواعٍ مِنَ السُؤالاتِ؛ حَسْبَما ذَكَرْناهُ؛ فَزَجَرَ اللهُ تَعالى عن ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"أشْياءَ": اِسْمُ جَمْعٍ لِـ "شَيْءٌ"؛ أصْلُهُ عِنْدَ الخَلِيلِ؛ وسِيبَوَيْهِ: "شَيْئاءُ"؛ مِثْلُ "فَعْلاءُ"؛ قُلِبَتْ إلى "لَفْعاءُ"؛ لِثِقَلِ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: "أشْياءُ"؛ وزْنُها "أفْعالُ"؛ وهو جَمْعُ "شَيْءٌ"؛ وتَرْكُ الصَرْفِ فِيهِ سَماعٌ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: لَمْ يَنْصَرِفْ "أشْياءُ"؛ لِشِبْهِ آخِرِها بِآخِرِ "حَمْراءُ"؛ ولِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "أشْياواتٌ"؛ كَما تَقُولُ: "حَمْراواتٌ"؛ ويَلْزَمُ عَلى هَذا ألّا يَنْصَرِفَ " أسْماءٌ "؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: "أسْماواتٌ"؛ وقالَ الأخْفَشُ: "أشْياءُ"؛ أصْلُها "أشْيِئاءُ"؛ عَلى وزْنِ "أفْعِلاءُ"؛ اِسْتُثْقِلَ اجْتِماعُ الهَمْزَتَيْنِ؛ فَأُبْدِلَتِ الأُولى ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها؛ ثُمَّ (p-٢٧٣)حُذِفَتِ الياءُ اسْتِخْفافًا؛ ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ واحِدُ الأشْياءِ "شَيِّئٌ"؛ مِثْلَ "هَيِّنٌ"؛ و"أهْوِناءُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنْ تُبْدَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وفَتْحِ الدالِ؛ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ: "إنْ تَبْدُ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وضَمِّ الدالِ؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وقَرَأ الشَعْبِيُّ: "إنْ يَبْدُ لَكُمْ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلَ؛ مَفْتُوحَةً؛ والدالِ مَضْمُومَةً؛ "يَسُؤْكُمْ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلَ؛ أيْ: "يُبْدِهِ اللهُ لَكُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَسْألُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: مَعْناهُ: "لا تَسْألُوا عن أشْياءَ في ضِمْنِ الإخْبارِ عنها مَساءَةٌ لَكُمْ؛ إمّا لِتَكْلِيفٍ شَرْعِيٍّ يَلْزَمُكُمْ؛ وإمّا لِخَبَرٍ يَسُوءُ؛ كَما قِيلَ لِلَّذِي قالَ: أيْنَ أنا؟ ولَكِنْ إذا نَزَلَ القُرْآنُ بِشَيْءٍ وابْتَدَأكم رَبُّكم بِأمْرٍ؛ فَحِينَئِذٍ إنْ سَألْتُمْ عن تَفْصِيلِهِ وبَيانِهِ بُيِّنَ لَكم وأُبْدِيَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عنها"؛ عائِدٌ عَلى نَوْعِها؛ لا عَلى الأُولى الَّتِي نَهى عَنِ السُؤالِ عنها.
وقالَ أبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّ اللهَ فَرَضَ فَرائِضَ؛ فَلا تُضَيِّعُوها؛ ونَهى عن أشْياءَ؛ فَلا تَنْتَهِكُوها؛ وحَدَّ حُدُودًا؛ فَلا تَعْتَدُوها؛ وعَفا مِن غَيْرِ نِسْيانٍ عن أشْياءَ؛ فَلا تَبْحَثُوا عنها.
وكانَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يَقُولُ: "إنَّ اللهَ أحَلَّ؛ وحَرَّمَ؛ فَما أحَلَّ فاسْتَحِلُّوا؛ وما حَرَّمَ فاجْتَنِبُوا؛ وتَرَكَ بَيْنَ ذَلِكَ أشْياءَ لَمْ يُحِلَّها ولَمْ يُحَرِّمْها؛ فَذَلِكَ عَفْوٌ مِنَ اللهِ عَفاهُ"؛ ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَسْألُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ ؛ أنْ يَكُونَ في مَعْنى (p-٢٧٤)الوَعِيدِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لا تَسْألُوا؛ وإنْ سَألْتُمْ لَقِيتُمْ عِبْءَ ذَلِكَ؛ وصُعُوبَتَهُ؛ لِأنَّكم تَكْلُفُونَ وتَسْتَعْجِلُونَ عِلْمَ ما يَسُوؤُكُمْ؛ كالَّذِي قِيلَ لَهُ: إنَّهُ في النارِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللهُ عنها﴾ ؛ تَرَكَها؛ ولَمْ يُعَرِّفْ بِها؛ وهَذِهِ اللَفْظَةُ الَّتِي هي "عَفا"؛ تُؤَيِّدُ أنَّ الأشْياءَ: اَلَّتِي هي في تَكْلِيفاتِ الشَرْعِ؛ يُنْظَرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ اللهَ قَدْ عَفا لَكم عن صَدَقَةِ الخَيْلِ".»
﴿ "غَفُورٌ حَلِيمٌ"؛﴾ صِفَتانِ تَناسِبانِ العَفْوَ؛ وتَرْكَ المُباحَثَةِ؛ والسَماحَةَ في الأُمُورِ.
وقَرَأ عامَّةُ الناسِ: "قَدْ سَألَها"؛ بِفَتْحِ السِينِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "قَدْ سِالَها"؛ بِكَسْرِ السِينِ؛ والمُرادُ بِهَذِهِ القِراءَةِ الإمالَةُ؛ وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ "سِلْتَ؛ تَسالُ"؛ وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ: "هُما يَتَساوَلانِ"؛ فَهَذا يُعْطِي أنَّ هَذِهِ اللُغَةَ هي مِنَ الواوِ؛ لا مِنَ الهَمْزَةِ؛ فالإمالَةُ إنَّما أُرِيدَتْ؛ وساغَ ذَلِكَ لِانْكِسارِ ما قَبْلَ اللامِ في "سِلْتَ"؛ كَما جاءَتِ الإمالَةُ في "خِافَ"؛ لِمَجِيءِ الكَسْرَةِ في خاءِ "خِفْتَ".
ومَعْنى الآيَةِ أنَّ هَذِهِ السُؤالاتِ الَّتِي هي تَعْنِيتاتٌ؛ وطَلَبُ شَطَطٍ؛ واقْتِراحاتٌ؛ ومُباحَثاتٌ؛ قَدْ سَألَتْها قَبْلَكُمُ الأُمَمُ؛ ثُمَّ كَفَرُوا بِها؛ قالَ الطَبَرِيُّ: كَقَوْمِ صالِحٍ في سُؤالِهِمُ الناقَةَ؛ وكَبَنِي إسْرائِيلَ في سُؤالِهِمُ المائِدَةَ؛ قالَ السُدِّيُّ: كَسُؤالِ قُرَيْشٍ أنْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُمُ الصَفا ذَهَبًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنَّما يُتَّجَهُ في قُرَيْشٍ مِثالًا سُؤالُهم آيَةً؛ فَلَمّا شَقَّ لَهُمُ القَمَرَ كَفَرُوا؛ وهَذا المَعْنى إنَّما يُقالُ لِمَن سَألَ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: أيْنَ ناقَتِي؟ وكَما قالَ لَهُ الأعْرابِيُّ: ما في بَطْنِ ناقَتِي هَذِهِ؟ فَأمّا مَن سَألَهُ عَنِ الحَجِّ: أفِي كُلِّ عامٍ هُوَ؟ فَلا يُفَسَّرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ بِهَذا؛ ولا مِثْلِهِ؛ بَلْ بِأنَّ الأُمَمَ قَدِيمًا طَلَبَتِ التَعَمُّقَ في الدِينِ مِن أنْبِيائِها؛ ثُمَّ لَمْ تَفِ بِما كُلِّفَتْ.
المائدة 5:102
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ واللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثُ فاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عن أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللهُ عنها واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى الرَسُولِ إلا البَلاغُ﴾ ؛ إخْبارٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقالَ: هي آيَةُ مُوادَعَةٍ؛ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ؛ بَلْ هَذِهِ حالُ مَن آمَنَ وشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ؛ فَإنَّهُ إذْ قَدْ عَصَمَ مِنَ الرَسُولِ مالَهُ ودَمَهُ؛ فَلَيْسَ عَلى الرَسُولِ في جِهَتِهِ أكْثَرُ مِنَ التَبْلِيغِ؛ واللهُ تَعالى - بَعْدَ ذَلِكَ - يَعْلَمُ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ صَدْرُهُ؛ وهو المُجازِي - بِحَسَبِ ذَلِكَ - ثَوابًا؛ أو عِقابًا.
والبَلاغُ: مَصْدَرٌ مِن: "بَلَّغَ؛ يُبَلِّغُ"؛ والآيَةُ مَعْناها الوَعِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ إنِ انْحَرَفُوا؛ ولَمْ يَمْتَثِلُوا ما بُلِّغَ إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الأُمُورِ؛ يُتَصَوَّرُ في المَكاسِبِ؛ وعَدَدِ الناسِ؛ والمَعارِفِ؛ مِنَ العُلُومِ ونَحْوِها؛ فالخَبِيثُ مِن هَذا كُلِّهِ لا يُفْلِحُ؛ ولا يَنْجُبُ؛ ولا تَحْسُنُ لَهُ عاقِبَةٌ؛ والطَيِّبُ - ولَوْ قَلَّ - نافِعٌ جَمِيلُ العاقِبَةِ.
ويُنَظِّرُ إلى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨] ؛ والخُبْثُ هو الفَسادُ الباطِنُ في الأشْياءِ؛ حَتّى يُظَنَّ بِها الصَلاحُ؛ والطِيبُ؛ وهو بِخِلافِ ذَلِكَ؛ وهَكَذا هو الخُبْثُ في الإنْسانِ؛ وقَدْ يُرادُ بِلَفْظَةِ "خَبِيثٌ"؛ في الإنْسانِ؛ فَسادُ نَسَبِهِ؛ فَهَذا لَفْظٌ يُلْزِمُ قائِلَهُ - عَلى هَذا القَصْدِ - الحَدَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الألْبابِ﴾ ؛ تَنْبِيهٌ عَلى لُزُومِ الطَيِّبِ؛ في المُعْتَقَدِ؛ والعَمَلِ؛ وخَصَّ أُولِي الألْبابِ بِالذِكْرِ لِأنَّهُمُ المُتَقَدِّمُونَ في مَيِّزِ هَذِهِ الأُمُورِ؛ والَّذِينَ لا (p-٢٧٠)يَنْبَغِي لَهم إهْمالُها مَعَ ألْبابِهِمْ؛ وإدْراكِهِمْ؛ وكَأنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ الألْبابِ إلى لُبِّ التَجْرِبَةِ؛ الَّذِي يَزِيدُ عَلى لُبِّ التَكْلِيفِ؛ بِالحِنْكَةِ؛ والفِطْنَةِ المُسْتَنْبِطَةِ؛ والنَظَرِ البَعِيدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عن أشْياءَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اخْتَلَفَ الرُواةُ في سَبَبِها؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ - مِنهم أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ وغَيْرُهُ -: نَزَلَتْ بِسَبَبِ سُؤالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذافَةَ السَهْمِيِّ؛ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - صَعِدَ المِنبَرَ مُغْضَبًا؛ فَقالَ: "لا تَسْألُونِي اليَوْمَ عن شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُكم بِهِ"؛ فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أيْنَ أنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "فِي النارِ"؛ فَقامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذافَةَ السَهْمِيُّ؛ وكانَ يُطْعَنُ في نَسَبِهِ؛ فَقالَ: مَن أبِي؟ فَقالَ: "أبُوكَ حُذافَةُ ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي الحَدِيثِ مِمّا لَمْ يَذْكُرِ الطَبَرِيُّ: «فَقامَ آخَرُ؛ فَقالَ: مَن أبِي؟ فَقالَ: "أبُوكَ سالِمٌ؛ مَوْلى أبِي شَيْبَةَ"؛ فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - فَجَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ؛ وقالَ: رَضِينا بِاللهِ رَبًّا؛ وبِالإسْلامِ دِينًا؛ وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا؛ نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الفِتَنِ؛ وبَكى الناسُ مِن غَضَبِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأسْئِلَةِ.»
(p-٢٧١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وصُعُودُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المِنبَرَ مُغْضَبًا إنَّما كانَ بِسَبَبِ سُؤالاتِ الأعْرابِ؛ والجُهّالِ؛ والمُنافِقِينَ؛ فَكانَ مِنهم مَن يَقُولُ: أيْنَ ناقَتِي؟ وآخَرُ يَقُولُ: ما الَّذِي ألْقى في سَفَرِي هَذا؟ ونَحْوَ هَذا؛ مِمّا هو جَهالَةٌ؛ أوِ اسْتِخْفافٌ؛ وتَعْنِيتٌ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ ؛ وأبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ - في لَفْظِهِمُ اخْتِلافٌ؛ والمَعْنى واحِدٌ -: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الناسَ؛ فَقالَ: "أيُّها الناسُ؛ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ"؛ وقَرَأ عَلَيْهِمْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] ؛ قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ أفِي كُلِّ عامٍ؟ فَسَكَتَ؛ فَأعادُوا؛ قالَ: "لا؛ ولَوْ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ"؛» وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَقالَ عُكاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ ؛ وقالَ مُرَّةُ: فَقالَ مِحْصَنٌ الأسَدِيُّ؛ وقالَ غَيْرُهُ: فَقامَ رَجُلٌ مِن بَنِي أسَدٍ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: «فَقامَ أعْرابِيٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ أفِي كُلِّ عامٍ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ثُمَّ قالَ: "مَنِ السائِلُ؟"؛ فَقِيلَ: فُلانٌ؛ فَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ؛ ولَوْ وجَبَتْ لَمْ تُطِيقُوهُ؛ ولَوْ تَرَكْتُمُوهُ لَهَلَكْتُمْ"؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» بِسَبَبِ ذَلِكَ.
ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أنَّ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - قالَ: « "إنَّ أعْظَمَ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن سَألَ عن شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ".»
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ قَوْمٍ سَألُوا عَنِ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ والوَصِيلَةِ؛ ونَحْوِ هَذا مِن أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
(p-٢٧٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ أمْرَ الكَعْبَةِ؛ والهَدْيِ؛ والقَلائِدِ؛ وأعْلَمَ أنَّ حُرْمَتَها هو الَّذِي جَعَلَها؛ إذْ هي أُمُورٌ نافِعَةٌ؛ قَدِيمَةٌ؛ مِن لَدُنْ عَهْدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ذَهَبَ ناسٌ مِنَ العَرَبِ إلى السُؤالِ عن سائِرِ أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ؛ لِيَرَوْا هَلْ تُلْحَقُ بِتِلْكَ أمْ لا؛ إذْ كانُوا قَدِ اعْتَقَدُوا الجَمِيعَ سُنَّةً؛ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ ما هو مِن عِنْدِ اللهِ ؛ وما هو مِن تِلْقاءِ الشَيْطانِ؛ والمُغَيِّرِينَ لِدِينِإبْراهِيمَ؛ وإسْماعِيلَ - عَلَيْهِما السَلامُ - كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ وفي عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ قالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "رَأيْتُهُ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النارِ؛ وكانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَوائِبَ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ مِنَ الرِواياتِ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ألَحَّتْ عَلَيْهِ الأعْرابُ والجُهّالُ بِأنْواعٍ مِنَ السُؤالاتِ؛ حَسْبَما ذَكَرْناهُ؛ فَزَجَرَ اللهُ تَعالى عن ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"أشْياءَ": اِسْمُ جَمْعٍ لِـ "شَيْءٌ"؛ أصْلُهُ عِنْدَ الخَلِيلِ؛ وسِيبَوَيْهِ: "شَيْئاءُ"؛ مِثْلُ "فَعْلاءُ"؛ قُلِبَتْ إلى "لَفْعاءُ"؛ لِثِقَلِ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: "أشْياءُ"؛ وزْنُها "أفْعالُ"؛ وهو جَمْعُ "شَيْءٌ"؛ وتَرْكُ الصَرْفِ فِيهِ سَماعٌ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: لَمْ يَنْصَرِفْ "أشْياءُ"؛ لِشِبْهِ آخِرِها بِآخِرِ "حَمْراءُ"؛ ولِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها؛ والعَرَبُ تَقُولُ: "أشْياواتٌ"؛ كَما تَقُولُ: "حَمْراواتٌ"؛ ويَلْزَمُ عَلى هَذا ألّا يَنْصَرِفَ " أسْماءٌ "؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: "أسْماواتٌ"؛ وقالَ الأخْفَشُ: "أشْياءُ"؛ أصْلُها "أشْيِئاءُ"؛ عَلى وزْنِ "أفْعِلاءُ"؛ اِسْتُثْقِلَ اجْتِماعُ الهَمْزَتَيْنِ؛ فَأُبْدِلَتِ الأُولى ياءً؛ لِانْكِسارِ ما قَبْلَها؛ ثُمَّ (p-٢٧٣)حُذِفَتِ الياءُ اسْتِخْفافًا؛ ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ واحِدُ الأشْياءِ "شَيِّئٌ"؛ مِثْلَ "هَيِّنٌ"؛ و"أهْوِناءُ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إنْ تُبْدَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وفَتْحِ الدالِ؛ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ: "إنْ تَبْدُ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وضَمِّ الدالِ؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ وقَرَأ الشَعْبِيُّ: "إنْ يَبْدُ لَكُمْ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلَ؛ مَفْتُوحَةً؛ والدالِ مَضْمُومَةً؛ "يَسُؤْكُمْ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلَ؛ أيْ: "يُبْدِهِ اللهُ لَكُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَسْألُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: مَعْناهُ: "لا تَسْألُوا عن أشْياءَ في ضِمْنِ الإخْبارِ عنها مَساءَةٌ لَكُمْ؛ إمّا لِتَكْلِيفٍ شَرْعِيٍّ يَلْزَمُكُمْ؛ وإمّا لِخَبَرٍ يَسُوءُ؛ كَما قِيلَ لِلَّذِي قالَ: أيْنَ أنا؟ ولَكِنْ إذا نَزَلَ القُرْآنُ بِشَيْءٍ وابْتَدَأكم رَبُّكم بِأمْرٍ؛ فَحِينَئِذٍ إنْ سَألْتُمْ عن تَفْصِيلِهِ وبَيانِهِ بُيِّنَ لَكم وأُبْدِيَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "عنها"؛ عائِدٌ عَلى نَوْعِها؛ لا عَلى الأُولى الَّتِي نَهى عَنِ السُؤالِ عنها.
وقالَ أبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّ اللهَ فَرَضَ فَرائِضَ؛ فَلا تُضَيِّعُوها؛ ونَهى عن أشْياءَ؛ فَلا تَنْتَهِكُوها؛ وحَدَّ حُدُودًا؛ فَلا تَعْتَدُوها؛ وعَفا مِن غَيْرِ نِسْيانٍ عن أشْياءَ؛ فَلا تَبْحَثُوا عنها.
وكانَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ يَقُولُ: "إنَّ اللهَ أحَلَّ؛ وحَرَّمَ؛ فَما أحَلَّ فاسْتَحِلُّوا؛ وما حَرَّمَ فاجْتَنِبُوا؛ وتَرَكَ بَيْنَ ذَلِكَ أشْياءَ لَمْ يُحِلَّها ولَمْ يُحَرِّمْها؛ فَذَلِكَ عَفْوٌ مِنَ اللهِ عَفاهُ"؛ ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَسْألُوا عنها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ ؛ أنْ يَكُونَ في مَعْنى (p-٢٧٤)الوَعِيدِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لا تَسْألُوا؛ وإنْ سَألْتُمْ لَقِيتُمْ عِبْءَ ذَلِكَ؛ وصُعُوبَتَهُ؛ لِأنَّكم تَكْلُفُونَ وتَسْتَعْجِلُونَ عِلْمَ ما يَسُوؤُكُمْ؛ كالَّذِي قِيلَ لَهُ: إنَّهُ في النارِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَفا اللهُ عنها﴾ ؛ تَرَكَها؛ ولَمْ يُعَرِّفْ بِها؛ وهَذِهِ اللَفْظَةُ الَّتِي هي "عَفا"؛ تُؤَيِّدُ أنَّ الأشْياءَ: اَلَّتِي هي في تَكْلِيفاتِ الشَرْعِ؛ يُنْظَرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ اللهَ قَدْ عَفا لَكم عن صَدَقَةِ الخَيْلِ".»
﴿ "غَفُورٌ حَلِيمٌ"؛﴾ صِفَتانِ تَناسِبانِ العَفْوَ؛ وتَرْكَ المُباحَثَةِ؛ والسَماحَةَ في الأُمُورِ.
وقَرَأ عامَّةُ الناسِ: "قَدْ سَألَها"؛ بِفَتْحِ السِينِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "قَدْ سِالَها"؛ بِكَسْرِ السِينِ؛ والمُرادُ بِهَذِهِ القِراءَةِ الإمالَةُ؛ وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ "سِلْتَ؛ تَسالُ"؛ وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ: "هُما يَتَساوَلانِ"؛ فَهَذا يُعْطِي أنَّ هَذِهِ اللُغَةَ هي مِنَ الواوِ؛ لا مِنَ الهَمْزَةِ؛ فالإمالَةُ إنَّما أُرِيدَتْ؛ وساغَ ذَلِكَ لِانْكِسارِ ما قَبْلَ اللامِ في "سِلْتَ"؛ كَما جاءَتِ الإمالَةُ في "خِافَ"؛ لِمَجِيءِ الكَسْرَةِ في خاءِ "خِفْتَ".
ومَعْنى الآيَةِ أنَّ هَذِهِ السُؤالاتِ الَّتِي هي تَعْنِيتاتٌ؛ وطَلَبُ شَطَطٍ؛ واقْتِراحاتٌ؛ ومُباحَثاتٌ؛ قَدْ سَألَتْها قَبْلَكُمُ الأُمَمُ؛ ثُمَّ كَفَرُوا بِها؛ قالَ الطَبَرِيُّ: كَقَوْمِ صالِحٍ في سُؤالِهِمُ الناقَةَ؛ وكَبَنِي إسْرائِيلَ في سُؤالِهِمُ المائِدَةَ؛ قالَ السُدِّيُّ: كَسُؤالِ قُرَيْشٍ أنْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُمُ الصَفا ذَهَبًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنَّما يُتَّجَهُ في قُرَيْشٍ مِثالًا سُؤالُهم آيَةً؛ فَلَمّا شَقَّ لَهُمُ القَمَرَ كَفَرُوا؛ وهَذا المَعْنى إنَّما يُقالُ لِمَن سَألَ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: أيْنَ ناقَتِي؟ وكَما قالَ لَهُ الأعْرابِيُّ: ما في بَطْنِ ناقَتِي هَذِهِ؟ فَأمّا مَن سَألَهُ عَنِ الحَجِّ: أفِي كُلِّ عامٍ هُوَ؟ فَلا يُفَسَّرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ بِهَذا؛ ولا مِثْلِهِ؛ بَلْ بِأنَّ الأُمَمَ قَدِيمًا طَلَبَتِ التَعَمُّقَ في الدِينِ مِن أنْبِيائِها؛ ثُمَّ لَمْ تَفِ بِما كُلِّفَتْ.
المائدة 5:103
(p-٢٧٥)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ما جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللهُ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
لَمّا سَألَ قَوْمٌ عن هَذِهِ الأحْكامِ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ: هَلْ تُلْحَقُ بِحُكْمِ اللهِ في تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ والحَرَمِ؟ أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ شَيْئًا مِنها؛ ولا سَنَّهُ لِعِبادِهِ؛ المَعْنى: "وَلَكِنَّ الكُفّارَ فَعَلُوا ذَلِكَ؛ إذْ أكابِرُهم ورُؤَساؤُهُمْ؛ كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ؛ ويَقُولُونَ: هَذِهِ قُرْبَةٌ إلى اللهِ وأمْرٌ يُرْضِيهِ؛ وأكْثَرُهم - يَعْنِي الأتْباعَ - لا يَعْقِلُونَ؛ بَلْ يَتَّبِعُونَ هَذِهِ الأُمُورَ تَقْلِيدًا؛ وضَلالًا بِغَيْرِ حُجَّةٍ"؛ و"جَعَلَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ لا يُتَّجَهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: "خَلَقَ اللهُ"؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها؛ ولا هي بِمَعْنى: "صَيَّرَ"؛ لِعَدَمِ المَفْعُولِ الثانِي؛ وإنَّما هي بِمَعْنى: "ما سَنَّ؛ ولا شَرَعَ"؛ فَتَعَدَّتْ تَعَدِّيَ هَذا الَّذِي هي بِمَعْناهُ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
والبَحِيرَةُ: "فَعِيلَةٌ"؛ بِمَعْنى "مَفْعُولَةٌ"؛ و"بَحَرَ": شَقَّ؛ كانُوا إذا أنْتَجَتِ الناقَةُ عَشَرَةَ بُطُونٍ؛ شَقُّوا أُذُنَها بِنِصْفَيْنِ؛ طُولًا؛ فَهي مَبْحُورَةٌ؛ وتُرِكَتْ تَرْعى؛ وتَرِدُ الماءَ؛ ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِشَيْءٍ؛ ويَحْرُمُ لَحْمُها - إذا ماتَتْ - عَلى النِساءِ؛ ويَحِلُّ لِلرِّجالِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِها إذا أنْتَجَتْ خَمْسَةَ بُطُونٍ؛ وقالَ مَسْرُوقٌ: إذا ولَدَتْ خَمْسًا؛ أو سَبْعًا؛ شَقُّوا أُذُنَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَظْهَرُ مِمّا يُرْوى في هَذا أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْتَلِفُ في المَبْلَغِ الَّذِي تُبْحَرُ عِنْدَهُ آذانُ النُوقِ؛ فَلِكُلٍّ سُنَّةٌ؛ وهي كُلُّها ضَلالٌ؛ قالَ ابْنُ سِيدَةَ: ويُقالُ: اَلْبَحِيرَةُ هي الَّتِي خُلِّيَتْ بِلا راعٍ؛ ويُقالُ لِلنّاقَةِ الغَزِيرَةِ: "بَحِيرَةٌ".
(p-٢٧٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: أرى أنَّ البَحِيرَةَ تَصْلُحُ؛ وتَسْمَنُ؛ ويَغْزُرُ لَبَنُها؛ فَتُشَبَّهُ الغَزِيراتُ بِالبَحْرِ؛ وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎ فِيهِ مِنَ الأخْرَجِ المُرْتاعِ قَرْقَرَةٌ ∗∗∗ هَدْرَ الدَيامِيِّ وسْطَ الهَجْمَةِ البُحُرِ
فَإنَّما يُرِيدُ النُوقَ العِظامَ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُشَقَّقَةَ الآذانِ.
ورَوى الشَعْبِيُّ ؛ «عن أبِي الأحْوَصِ ؛ عن أبِيهِ قالَ: دَخَلْتُ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ لِي: "أرَأيْتَ إبِلَكَ؟ ألَسْتَ تُنْتِجُها مُسَلَّمَةً آذانُها؛ فَتَأْخُذُ المُوسى فَتَقْطَعُ آذانَها؛ فَتَقُولُ: هَذِهِ بُحُرٌ؛ وتَقْطَعُ جُلُودَها؛ فَتَقُولُ: هَذِهِ صُرُمٌ؛ فَتُحَرِّمُها عَلَيْكَ وعَلى أهْلِكَ؟"؛ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ: "فَإنَّ ما آتاكَ اللهُ لَكَ حِلٌّ؛ وساعِدُ اللهِ أشَدُّ؛ ومُوسى اللهِ أحَدُّ".»
والسائِبَةُ: هي الناقَةُ الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْآلِهَةِ؛ والناقَةُ أيْضًا إذا تابَعَتِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ إناثًا؛ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ؛ سُيِّبَتْ؛ «وَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأكْثَمَ بْنِ الجَوْنِ الخُزاعِيِّ: "يا أكْثَمُ؛ رَأيْتَ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خَنْدَقٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النارِ؛ فَما رَأيْتُ أشْبَهَ بِهِ مِنكَ"؛ قالَ أكْثَمُ: أيَضُرُّنِي شَبَهُهُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "لا؛ إنَّكَ مُؤْمِنٌ؛ وإنَّهُ كافِرٌ؛ هو أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ونَصَبَ الأوثانَ؛ وسَيَّبَ السَوائِبَ"؛» وكانَتِ السَوائِبُ أيْضًا في العَرَبِ كالقُرْبَةِ عِنْدَ المَرَضِ يُبْرَأُ مِنهُ؛ والقُدُومِ مِنَ السَفَرِ؛ وإذا نَزَلَ بِأحَدِهِمْ أمْرٌ (p-٢٧٧)يَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهِ؛ تَقَرَّبَ بِأنْ يُسَيِّبَ ناقَةً؛ فَلا يُنْتَفَعُ مِنها بِلَبَنٍ؛ ولا ظَهْرٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ يَرَوْنَ ذَلِكَ كَعِتْقِ بَنِي آدَمَ؛ ذَكَرَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وكانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أنَّ مَن عَرَضَ لِهَذِهِ النُوقِ فَأخَذَها؛ أوِ انْتَفَعَ مِنها بِشَيْءٍ؛ فَإنَّهُ تَلْحَقُهُ عُقُوبَةٌ مِنَ النارِ.
والوَصِيلَةُ: قالَ أكْثَرُ الناسِ: إنَّ الوَصِيلَةَ في الغَنَمِ؛ قالُوا: إذا ولَدَتِ الشاةُ ثَلاثَةَ بُطُونٍ؛ أو خَمْسَةً؛ فَإنْ كانَ آخِرُها جَدْيًا ذَبَحُوهُ لِبَيْتِ الآلِهَةِ؛ وإنْ كانَتْ عِناقًا اسْتَحْيَوْها؛ وإنْ كانَ جَدْيًا وعِناقًا اسْتَحْيَوْهُما؛ وقالُوا: هَذِهِ العِناقُ وصَلَتْ أخاها؛ فَمَنَعَتْهُ مِن أنْ يُذْبَحَ.
وعَلى أنَّ الوَصِيلَةَ في الغَنَمِ جاءَتِ الرِواياتُ عن أكْثَرِ الناسِ؛ ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ الوَصِيلَةَ مِنَ الإبِلِ؛ كانَتِ الناقَةُ إذا ابْتَكَرَتْ بِأُنْثى؛ ثُمَّ ثَنَّتْ بِأُخْرى قالُوا: وصَلَتْ أُنْثَيَيْنِ؛ فَكانُوا يَجْدَعُونَها لِطَواغِيتِهِمْ؛ أو يَذْبَحُونَها؛ شَكَّ الطَبَرِيُّ في إحْدى اللَفْظَتَيْنِ.
وأمّا "اَلْحامِي"؛ فَإنَّهُ الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ إذا ضَرَبَ في الإبِلِ عَشْرَ سِنِينَ؛ وقِيلَ: إذا وُلِدَ مِن صُلْبِهِ عَشْرٌ؛ وقِيلَ: إذا وُلِدَ مِن ولَدِ ولَدِهِ؛ قالُوا: حُمِيَ ظَهْرُهُ؛ فَسَيَّبُوهُ؛ لَمْ يُرْكَبْ؛ ولا سُخِّرَ في شَيْءٍ؛ وقالَ عَلْقَمَةُ لِمَن سَألَهُ في هَذِهِ الأشْياءِ: ما تُرِيدُ إلى شَيْءٍ كانَ مِن عَمَلِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ وقَدْ ذَهَبَ؟ وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ ما يَظْهَرُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ هَذِهِ الأنْعامَ رِفْقًا لِعِبادِهِ؛ ونِعْمَةً عَدَّدَها عَلَيْهِمْ؛ ومَنفَعَةً بالِغَةً؛ فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْطَعُونَ طَرِيقَ الِانْتِفاعِ؛ ويُذْهِبُونَ (p-٢٧٨)نِعْمَةَ اللهِ فِيها؛ ويُزِيلُونَ المَصْلَحَةَ الَّتِي لِلْعِبادِ في تِلْكَ الإبِلِ؛ وبِهَذا فارَقَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الأحْباسَ والأوقافَ؛ فَإنَّ المالِكَ الَّذِي لَهُ أنْ يَهَبَ ويَتَصَدَّقَ؛ لَهُ أنْ يَصْرِفَ المَنفَعَةَ في أيِّ طَرِيقٍ مِنَ البِرِّ؛ ولَمْ يُسْدَّ الطَرِيقَ إلَيْها جُمْلَةً؛ كَما فُعِلَ بِالبَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا تَجُوزُ الأحْباسُ والأوقافُ؛ وقاسُوا عَلى البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ والفارِقُ بَيِّنٌ؛ ولَوْ عَمَدَ رَجُلٌ إلى ضَيْعَةٍ لَهُ فَقالَ: هَذِهِ تَكُونُ حَبْسًا؛ لا يُجْتَنى ثَمَرُها؛ ولا تُزْرَعُ أرْضُها؛ ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِنَفْعٍ؛ لَجازَ أنْ يُشَبَّهَ هَذا بِالبَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ وأمّا الحَبْسُ البَيِّنُ طَرِيقُهُ؛ واسْتِمْرارُ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ فَلَيْسَ مِن هَذا؛ وحَسْبُكَ بِأنَّ «النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - في مالٍ لَهُ: "اِجْعَلْهُ حَبْسًا؛ لا يُباعُ أصْلُهُ"؛» وحَبَسَ أصْحابُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المُفْتَرِينَ هُمُ المُبْتَدِعُونَ؛ وأنَّ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هُمُ الأتْباعُ؛ وكَذَلِكَ نَصَّ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ وهو الَّذِي تُعْطِيهِ الآيَةُ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى: اَلَّذِينَ كَفَرُوا وافْتَرَوْا هم أهْلُ الكِتابِ؛ والَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هم أهْلُ الأوثانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَفْسِيرُ مَنِ انْتَزَعَ ألْفاظَ آخِرِ الآيَةِ عَمّا تَقَدَّمَها؛ وارْتَبَطَ بِها مِنَ المَعْنى؛ وعَمّا تَأخَّرَ أيْضًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ "وَإذا قِيلَ لَهُمْ"؛﴾ والأوَّلُ مِنَ التَأْوِيلَيْنِ أرْجَحُ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ "قِيلَ لَهُمْ"؛﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُسْتَنِّينَ بِهَذِهِ الأشْياءِ؛ و﴿ "تَعالَوْا"؛﴾ نِداءٌ بَيِّنٌ؛ هَذا أصْلُهُ؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ حَيْثُ البِرُّ؛ وحَيْثُ ضِدُّهُ؛ و﴿ "إلى ما أنْزَلَ اللهُ"؛﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ الَّذِي فِيهِ التَحْرِيمُ الصَحِيحُ؛ و﴿ "حَسْبُنا"؛﴾ مَعْناهُ: كَفانا؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ"؛﴾ ألِفُ التَوْقِيفِ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ؛ كَأنَّهم عَطَفُوا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى (p-٢٧٩)الأُولى؛ والتَزَمُوا شَنِيعَ القَوْلِ؛ فَإنَّما التَوْقِيفُ تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ كَأنَّهم يَقُولُونَ بَعْدَهُ: "نَعَمْ؛ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ".
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ؛ اِخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ «أبُو أُمَيَّةَ الشَعْبانِيُّ: سَألْتُ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ عن هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ: لَقَدْ سَألْتَ عنها خَبِيرًا؛ سَألْتُ عنها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: "اِئْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ؛ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ؛ فَإذا رَأيْتَ دُنْيا مُؤْثَرَةً؛ وشُحًّا مُطاعًا؛ وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ؛ فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِكَ؛ وذَرْ عَوامَّهُمْ؛ فَإنَّ وراءَكم أيّامًا أجْرُ العامِلِ فِيها كَأجْرِ خَمْسِينَ مِنكُمْ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ الَّذِي لا نَظَرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِلصَّلاحِ؛ صادِرٌ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ الناسِ تَأوَّلَ الآيَةَ أنَّها لا يَلْزَمُ مَعَها أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ؛ ولا نَهْيٌ عن مُنْكَرٍ؛ فَصَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: "أيُّها الناسُ؛ لا تَغْتَرُّوا بِقَوْلِ اللهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ ؛ فَيَقُولَ أحَدُكُمْ: عَلَيَّ نَفْسِي؛ واللهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ؛ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ؛ أو لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكم شِرارُكم فَلَيَسُومُنَّكم سُوءَ العَذابِ".
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ هَذا بِزَمانِ هَذِهِ الآيَةِ؛ قُولُوا الحَقَّ ما قُبِلَ مِنكُمْ؛ فَإذا رُدَّ عَلَيْكم فَعَلَيْكم أنْفُسَكم.
(p-٢٨٠)«وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ في بَعْضِ أوقاتِ الفِتَنِ: لَوْ تَرَكْتَ القَوْلَ في هَذِهِ الأيّامِ؛ فَلَمْ تَأْمُرْ؛ ولَمْ تَنْهَ؛ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَنا: "لِيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ"؛ ونَحْنُ شَهِدْنا؛ فَيَلْزَمُنا أنْ نُبَلِّغَكُمْ؛ وسَيَأْتِي زَمانٌ إذا قِيلَ فِيهِ الحَقُّ لَمْ يُقْبَلْ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ ما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ في هَذا أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ مُتَعَيَّنٌ مَتى رُجِيَ القَبُولُ؛ أو رُجِيَ رَدُّ المَظالِمِ؛ ولَوْ بِعُنْفٍ؛ ما لَمْ يَخَفِ المَرْءُ ضَرَرًا يَلْحَقُهُ في خاصَّتِهِ؛ أو فِتْنَةً يُدْخِلُها عَلى المُسْلِمِينَ؛ إمّا بِشَقِّ عَصًا؛ وإمّا بِضَرَرٍ يَلْحَقُ طائِفَةً مِنَ الناسِ؛ فَإذا خِيفَ هَذا فَعَلَيْكم أنْفُسَكم بِحُكْمٍ واجِبٍ أنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ ؛ فالتَزِمُوا شَرْعَكم بِما فِيهِ مِن جِهادٍ؛ وأمْرٍ بِمَعْرُوفِ؛ وغَيْرِهِ؛ ولا يَضُرُّكم ضَلالُ أهْلِ الكِتابِ إذا اهْتَدَيْتُمْ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مِن أبْناءِ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَحَرُوا البَحِيرَةَ؛ وسَيَّبُوا السَوائِبَ؛ عَلَيْكم أنْفُسَكم في الِاسْتِقامَةِ عَلى الدِينِ؛ ولا يَضُرُّكم ضَلالُ الأسْلافِ إذا اهْتَدَيْتُمْ"؛ قالَ: وكانَ الرَجُلُ إذا أسْلَمَ قالَ لَهُ الكُفّارُ: سَفَّهْتَ آباءَكَ؛ وضَلَّلْتَهُمْ؛ وفَعَلْتَ؛ وفَعَلْتَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ - فِيما عَلِمْتُ -: إنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ لِلْكُفّارِ؛ وكَذَلِكَ يَنْبَغِي ألّا يُعارَضَ بِها شَيْءٌ مِمّا أمَرَ اللهُ بِهِ في غَيْرِ ما آيَةٍ؛ مِنَ القِيامِ بِالقِسْطِ؛ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: وقَدْ قِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ ولا يُعْلَمُ قائِلُهُ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ وافْتِتانِهِمْ؛ كابْنِ أبِي سَرْحٍ وغَيْرِهِ؛ فَقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا يَضُرُّكم ضَلالُهم.
(p-٢٨١)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لا يَضُرُّكُمْ"؛ بِضَمِّ الضادِ؛ وشَدِّ الراءِ المَضْمُومَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "لا يَضُرْكُمْ"؛ بِضَمِّ الضادِ؛ وسُكُونِ الراءِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ: "لا يَضِرْكُمْ"؛ بِكَسْرِ الضادِ؛ وهي كُلُّها لُغاتٌ؛ بِمَعْنى: "ضَرَّ؛ يَضُرُّ"؛ و"ضارَّ؛ يَضُورُ؛ ويَضِيرُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَذْكِيرٌ بِالحَشْرِ؛ وما بَعْدَهُ؛ وذَلِكَ مُسَلٍّ عن أُمُورِ الدُنْيا؛ ومَكْرُوهِها؛ ومَحْبُوبِها؛ ورُوِيَ عن بَعْضِ الصالِحِينَ أنَّهُ قالَ: "ما مِن يَوْمٍ إلّا يَجِيءُ الشَيْطانُ فَيَقُولُ: ما تَأْكُلُ؟ وما تَلْبَسُ؟ وأيْنَ تَسْكُنُ؟ فَأقُولُ لَهُ: آكُلُ المَوْتَ؛ وألْبَسُ الكَفَنَ؛ وأسْكُنُ القَبْرَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَمَن فَكَّرَ في مَرْجِعِهِ إلى اللهِ فَهَذِهِ حالُهُ.
المائدة 5:104
(p-٢٧٥)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ما جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللهُ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
لَمّا سَألَ قَوْمٌ عن هَذِهِ الأحْكامِ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ: هَلْ تُلْحَقُ بِحُكْمِ اللهِ في تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ والحَرَمِ؟ أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ شَيْئًا مِنها؛ ولا سَنَّهُ لِعِبادِهِ؛ المَعْنى: "وَلَكِنَّ الكُفّارَ فَعَلُوا ذَلِكَ؛ إذْ أكابِرُهم ورُؤَساؤُهُمْ؛ كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ؛ ويَقُولُونَ: هَذِهِ قُرْبَةٌ إلى اللهِ وأمْرٌ يُرْضِيهِ؛ وأكْثَرُهم - يَعْنِي الأتْباعَ - لا يَعْقِلُونَ؛ بَلْ يَتَّبِعُونَ هَذِهِ الأُمُورَ تَقْلِيدًا؛ وضَلالًا بِغَيْرِ حُجَّةٍ"؛ و"جَعَلَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ لا يُتَّجَهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: "خَلَقَ اللهُ"؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها؛ ولا هي بِمَعْنى: "صَيَّرَ"؛ لِعَدَمِ المَفْعُولِ الثانِي؛ وإنَّما هي بِمَعْنى: "ما سَنَّ؛ ولا شَرَعَ"؛ فَتَعَدَّتْ تَعَدِّيَ هَذا الَّذِي هي بِمَعْناهُ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
والبَحِيرَةُ: "فَعِيلَةٌ"؛ بِمَعْنى "مَفْعُولَةٌ"؛ و"بَحَرَ": شَقَّ؛ كانُوا إذا أنْتَجَتِ الناقَةُ عَشَرَةَ بُطُونٍ؛ شَقُّوا أُذُنَها بِنِصْفَيْنِ؛ طُولًا؛ فَهي مَبْحُورَةٌ؛ وتُرِكَتْ تَرْعى؛ وتَرِدُ الماءَ؛ ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِشَيْءٍ؛ ويَحْرُمُ لَحْمُها - إذا ماتَتْ - عَلى النِساءِ؛ ويَحِلُّ لِلرِّجالِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِها إذا أنْتَجَتْ خَمْسَةَ بُطُونٍ؛ وقالَ مَسْرُوقٌ: إذا ولَدَتْ خَمْسًا؛ أو سَبْعًا؛ شَقُّوا أُذُنَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَظْهَرُ مِمّا يُرْوى في هَذا أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْتَلِفُ في المَبْلَغِ الَّذِي تُبْحَرُ عِنْدَهُ آذانُ النُوقِ؛ فَلِكُلٍّ سُنَّةٌ؛ وهي كُلُّها ضَلالٌ؛ قالَ ابْنُ سِيدَةَ: ويُقالُ: اَلْبَحِيرَةُ هي الَّتِي خُلِّيَتْ بِلا راعٍ؛ ويُقالُ لِلنّاقَةِ الغَزِيرَةِ: "بَحِيرَةٌ".
(p-٢٧٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: أرى أنَّ البَحِيرَةَ تَصْلُحُ؛ وتَسْمَنُ؛ ويَغْزُرُ لَبَنُها؛ فَتُشَبَّهُ الغَزِيراتُ بِالبَحْرِ؛ وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎ فِيهِ مِنَ الأخْرَجِ المُرْتاعِ قَرْقَرَةٌ ∗∗∗ هَدْرَ الدَيامِيِّ وسْطَ الهَجْمَةِ البُحُرِ
فَإنَّما يُرِيدُ النُوقَ العِظامَ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُشَقَّقَةَ الآذانِ.
ورَوى الشَعْبِيُّ ؛ «عن أبِي الأحْوَصِ ؛ عن أبِيهِ قالَ: دَخَلْتُ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ لِي: "أرَأيْتَ إبِلَكَ؟ ألَسْتَ تُنْتِجُها مُسَلَّمَةً آذانُها؛ فَتَأْخُذُ المُوسى فَتَقْطَعُ آذانَها؛ فَتَقُولُ: هَذِهِ بُحُرٌ؛ وتَقْطَعُ جُلُودَها؛ فَتَقُولُ: هَذِهِ صُرُمٌ؛ فَتُحَرِّمُها عَلَيْكَ وعَلى أهْلِكَ؟"؛ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ: "فَإنَّ ما آتاكَ اللهُ لَكَ حِلٌّ؛ وساعِدُ اللهِ أشَدُّ؛ ومُوسى اللهِ أحَدُّ".»
والسائِبَةُ: هي الناقَةُ الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْآلِهَةِ؛ والناقَةُ أيْضًا إذا تابَعَتِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ إناثًا؛ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ؛ سُيِّبَتْ؛ «وَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأكْثَمَ بْنِ الجَوْنِ الخُزاعِيِّ: "يا أكْثَمُ؛ رَأيْتَ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خَنْدَقٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النارِ؛ فَما رَأيْتُ أشْبَهَ بِهِ مِنكَ"؛ قالَ أكْثَمُ: أيَضُرُّنِي شَبَهُهُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "لا؛ إنَّكَ مُؤْمِنٌ؛ وإنَّهُ كافِرٌ؛ هو أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ونَصَبَ الأوثانَ؛ وسَيَّبَ السَوائِبَ"؛» وكانَتِ السَوائِبُ أيْضًا في العَرَبِ كالقُرْبَةِ عِنْدَ المَرَضِ يُبْرَأُ مِنهُ؛ والقُدُومِ مِنَ السَفَرِ؛ وإذا نَزَلَ بِأحَدِهِمْ أمْرٌ (p-٢٧٧)يَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهِ؛ تَقَرَّبَ بِأنْ يُسَيِّبَ ناقَةً؛ فَلا يُنْتَفَعُ مِنها بِلَبَنٍ؛ ولا ظَهْرٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ يَرَوْنَ ذَلِكَ كَعِتْقِ بَنِي آدَمَ؛ ذَكَرَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وكانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أنَّ مَن عَرَضَ لِهَذِهِ النُوقِ فَأخَذَها؛ أوِ انْتَفَعَ مِنها بِشَيْءٍ؛ فَإنَّهُ تَلْحَقُهُ عُقُوبَةٌ مِنَ النارِ.
والوَصِيلَةُ: قالَ أكْثَرُ الناسِ: إنَّ الوَصِيلَةَ في الغَنَمِ؛ قالُوا: إذا ولَدَتِ الشاةُ ثَلاثَةَ بُطُونٍ؛ أو خَمْسَةً؛ فَإنْ كانَ آخِرُها جَدْيًا ذَبَحُوهُ لِبَيْتِ الآلِهَةِ؛ وإنْ كانَتْ عِناقًا اسْتَحْيَوْها؛ وإنْ كانَ جَدْيًا وعِناقًا اسْتَحْيَوْهُما؛ وقالُوا: هَذِهِ العِناقُ وصَلَتْ أخاها؛ فَمَنَعَتْهُ مِن أنْ يُذْبَحَ.
وعَلى أنَّ الوَصِيلَةَ في الغَنَمِ جاءَتِ الرِواياتُ عن أكْثَرِ الناسِ؛ ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ الوَصِيلَةَ مِنَ الإبِلِ؛ كانَتِ الناقَةُ إذا ابْتَكَرَتْ بِأُنْثى؛ ثُمَّ ثَنَّتْ بِأُخْرى قالُوا: وصَلَتْ أُنْثَيَيْنِ؛ فَكانُوا يَجْدَعُونَها لِطَواغِيتِهِمْ؛ أو يَذْبَحُونَها؛ شَكَّ الطَبَرِيُّ في إحْدى اللَفْظَتَيْنِ.
وأمّا "اَلْحامِي"؛ فَإنَّهُ الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ إذا ضَرَبَ في الإبِلِ عَشْرَ سِنِينَ؛ وقِيلَ: إذا وُلِدَ مِن صُلْبِهِ عَشْرٌ؛ وقِيلَ: إذا وُلِدَ مِن ولَدِ ولَدِهِ؛ قالُوا: حُمِيَ ظَهْرُهُ؛ فَسَيَّبُوهُ؛ لَمْ يُرْكَبْ؛ ولا سُخِّرَ في شَيْءٍ؛ وقالَ عَلْقَمَةُ لِمَن سَألَهُ في هَذِهِ الأشْياءِ: ما تُرِيدُ إلى شَيْءٍ كانَ مِن عَمَلِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ وقَدْ ذَهَبَ؟ وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ ما يَظْهَرُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ هَذِهِ الأنْعامَ رِفْقًا لِعِبادِهِ؛ ونِعْمَةً عَدَّدَها عَلَيْهِمْ؛ ومَنفَعَةً بالِغَةً؛ فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْطَعُونَ طَرِيقَ الِانْتِفاعِ؛ ويُذْهِبُونَ (p-٢٧٨)نِعْمَةَ اللهِ فِيها؛ ويُزِيلُونَ المَصْلَحَةَ الَّتِي لِلْعِبادِ في تِلْكَ الإبِلِ؛ وبِهَذا فارَقَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الأحْباسَ والأوقافَ؛ فَإنَّ المالِكَ الَّذِي لَهُ أنْ يَهَبَ ويَتَصَدَّقَ؛ لَهُ أنْ يَصْرِفَ المَنفَعَةَ في أيِّ طَرِيقٍ مِنَ البِرِّ؛ ولَمْ يُسْدَّ الطَرِيقَ إلَيْها جُمْلَةً؛ كَما فُعِلَ بِالبَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا تَجُوزُ الأحْباسُ والأوقافُ؛ وقاسُوا عَلى البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ والفارِقُ بَيِّنٌ؛ ولَوْ عَمَدَ رَجُلٌ إلى ضَيْعَةٍ لَهُ فَقالَ: هَذِهِ تَكُونُ حَبْسًا؛ لا يُجْتَنى ثَمَرُها؛ ولا تُزْرَعُ أرْضُها؛ ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِنَفْعٍ؛ لَجازَ أنْ يُشَبَّهَ هَذا بِالبَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ وأمّا الحَبْسُ البَيِّنُ طَرِيقُهُ؛ واسْتِمْرارُ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ فَلَيْسَ مِن هَذا؛ وحَسْبُكَ بِأنَّ «النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - في مالٍ لَهُ: "اِجْعَلْهُ حَبْسًا؛ لا يُباعُ أصْلُهُ"؛» وحَبَسَ أصْحابُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المُفْتَرِينَ هُمُ المُبْتَدِعُونَ؛ وأنَّ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هُمُ الأتْباعُ؛ وكَذَلِكَ نَصَّ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ وهو الَّذِي تُعْطِيهِ الآيَةُ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى: اَلَّذِينَ كَفَرُوا وافْتَرَوْا هم أهْلُ الكِتابِ؛ والَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هم أهْلُ الأوثانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَفْسِيرُ مَنِ انْتَزَعَ ألْفاظَ آخِرِ الآيَةِ عَمّا تَقَدَّمَها؛ وارْتَبَطَ بِها مِنَ المَعْنى؛ وعَمّا تَأخَّرَ أيْضًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ "وَإذا قِيلَ لَهُمْ"؛﴾ والأوَّلُ مِنَ التَأْوِيلَيْنِ أرْجَحُ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ "قِيلَ لَهُمْ"؛﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُسْتَنِّينَ بِهَذِهِ الأشْياءِ؛ و﴿ "تَعالَوْا"؛﴾ نِداءٌ بَيِّنٌ؛ هَذا أصْلُهُ؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ حَيْثُ البِرُّ؛ وحَيْثُ ضِدُّهُ؛ و﴿ "إلى ما أنْزَلَ اللهُ"؛﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ الَّذِي فِيهِ التَحْرِيمُ الصَحِيحُ؛ و﴿ "حَسْبُنا"؛﴾ مَعْناهُ: كَفانا؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ"؛﴾ ألِفُ التَوْقِيفِ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ؛ كَأنَّهم عَطَفُوا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى (p-٢٧٩)الأُولى؛ والتَزَمُوا شَنِيعَ القَوْلِ؛ فَإنَّما التَوْقِيفُ تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ كَأنَّهم يَقُولُونَ بَعْدَهُ: "نَعَمْ؛ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ".
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ؛ اِخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ «أبُو أُمَيَّةَ الشَعْبانِيُّ: سَألْتُ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ عن هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ: لَقَدْ سَألْتَ عنها خَبِيرًا؛ سَألْتُ عنها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: "اِئْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ؛ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ؛ فَإذا رَأيْتَ دُنْيا مُؤْثَرَةً؛ وشُحًّا مُطاعًا؛ وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ؛ فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِكَ؛ وذَرْ عَوامَّهُمْ؛ فَإنَّ وراءَكم أيّامًا أجْرُ العامِلِ فِيها كَأجْرِ خَمْسِينَ مِنكُمْ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ الَّذِي لا نَظَرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِلصَّلاحِ؛ صادِرٌ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ الناسِ تَأوَّلَ الآيَةَ أنَّها لا يَلْزَمُ مَعَها أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ؛ ولا نَهْيٌ عن مُنْكَرٍ؛ فَصَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: "أيُّها الناسُ؛ لا تَغْتَرُّوا بِقَوْلِ اللهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ ؛ فَيَقُولَ أحَدُكُمْ: عَلَيَّ نَفْسِي؛ واللهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ؛ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ؛ أو لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكم شِرارُكم فَلَيَسُومُنَّكم سُوءَ العَذابِ".
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ هَذا بِزَمانِ هَذِهِ الآيَةِ؛ قُولُوا الحَقَّ ما قُبِلَ مِنكُمْ؛ فَإذا رُدَّ عَلَيْكم فَعَلَيْكم أنْفُسَكم.
(p-٢٨٠)«وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ في بَعْضِ أوقاتِ الفِتَنِ: لَوْ تَرَكْتَ القَوْلَ في هَذِهِ الأيّامِ؛ فَلَمْ تَأْمُرْ؛ ولَمْ تَنْهَ؛ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَنا: "لِيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ"؛ ونَحْنُ شَهِدْنا؛ فَيَلْزَمُنا أنْ نُبَلِّغَكُمْ؛ وسَيَأْتِي زَمانٌ إذا قِيلَ فِيهِ الحَقُّ لَمْ يُقْبَلْ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ ما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ في هَذا أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ مُتَعَيَّنٌ مَتى رُجِيَ القَبُولُ؛ أو رُجِيَ رَدُّ المَظالِمِ؛ ولَوْ بِعُنْفٍ؛ ما لَمْ يَخَفِ المَرْءُ ضَرَرًا يَلْحَقُهُ في خاصَّتِهِ؛ أو فِتْنَةً يُدْخِلُها عَلى المُسْلِمِينَ؛ إمّا بِشَقِّ عَصًا؛ وإمّا بِضَرَرٍ يَلْحَقُ طائِفَةً مِنَ الناسِ؛ فَإذا خِيفَ هَذا فَعَلَيْكم أنْفُسَكم بِحُكْمٍ واجِبٍ أنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ ؛ فالتَزِمُوا شَرْعَكم بِما فِيهِ مِن جِهادٍ؛ وأمْرٍ بِمَعْرُوفِ؛ وغَيْرِهِ؛ ولا يَضُرُّكم ضَلالُ أهْلِ الكِتابِ إذا اهْتَدَيْتُمْ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مِن أبْناءِ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَحَرُوا البَحِيرَةَ؛ وسَيَّبُوا السَوائِبَ؛ عَلَيْكم أنْفُسَكم في الِاسْتِقامَةِ عَلى الدِينِ؛ ولا يَضُرُّكم ضَلالُ الأسْلافِ إذا اهْتَدَيْتُمْ"؛ قالَ: وكانَ الرَجُلُ إذا أسْلَمَ قالَ لَهُ الكُفّارُ: سَفَّهْتَ آباءَكَ؛ وضَلَّلْتَهُمْ؛ وفَعَلْتَ؛ وفَعَلْتَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ - فِيما عَلِمْتُ -: إنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ لِلْكُفّارِ؛ وكَذَلِكَ يَنْبَغِي ألّا يُعارَضَ بِها شَيْءٌ مِمّا أمَرَ اللهُ بِهِ في غَيْرِ ما آيَةٍ؛ مِنَ القِيامِ بِالقِسْطِ؛ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: وقَدْ قِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ ولا يُعْلَمُ قائِلُهُ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ وافْتِتانِهِمْ؛ كابْنِ أبِي سَرْحٍ وغَيْرِهِ؛ فَقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا يَضُرُّكم ضَلالُهم.
(p-٢٨١)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لا يَضُرُّكُمْ"؛ بِضَمِّ الضادِ؛ وشَدِّ الراءِ المَضْمُومَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "لا يَضُرْكُمْ"؛ بِضَمِّ الضادِ؛ وسُكُونِ الراءِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ: "لا يَضِرْكُمْ"؛ بِكَسْرِ الضادِ؛ وهي كُلُّها لُغاتٌ؛ بِمَعْنى: "ضَرَّ؛ يَضُرُّ"؛ و"ضارَّ؛ يَضُورُ؛ ويَضِيرُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَذْكِيرٌ بِالحَشْرِ؛ وما بَعْدَهُ؛ وذَلِكَ مُسَلٍّ عن أُمُورِ الدُنْيا؛ ومَكْرُوهِها؛ ومَحْبُوبِها؛ ورُوِيَ عن بَعْضِ الصالِحِينَ أنَّهُ قالَ: "ما مِن يَوْمٍ إلّا يَجِيءُ الشَيْطانُ فَيَقُولُ: ما تَأْكُلُ؟ وما تَلْبَسُ؟ وأيْنَ تَسْكُنُ؟ فَأقُولُ لَهُ: آكُلُ المَوْتَ؛ وألْبَسُ الكَفَنَ؛ وأسْكُنُ القَبْرَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَمَن فَكَّرَ في مَرْجِعِهِ إلى اللهِ فَهَذِهِ حالُهُ.
المائدة 5:105
(p-٢٧٥)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ما جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللهُ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
لَمّا سَألَ قَوْمٌ عن هَذِهِ الأحْكامِ الَّتِي كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ: هَلْ تُلْحَقُ بِحُكْمِ اللهِ في تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ والحَرَمِ؟ أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ شَيْئًا مِنها؛ ولا سَنَّهُ لِعِبادِهِ؛ المَعْنى: "وَلَكِنَّ الكُفّارَ فَعَلُوا ذَلِكَ؛ إذْ أكابِرُهم ورُؤَساؤُهُمْ؛ كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ؛ ويَقُولُونَ: هَذِهِ قُرْبَةٌ إلى اللهِ وأمْرٌ يُرْضِيهِ؛ وأكْثَرُهم - يَعْنِي الأتْباعَ - لا يَعْقِلُونَ؛ بَلْ يَتَّبِعُونَ هَذِهِ الأُمُورَ تَقْلِيدًا؛ وضَلالًا بِغَيْرِ حُجَّةٍ"؛ و"جَعَلَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ لا يُتَّجَهُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: "خَلَقَ اللهُ"؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها؛ ولا هي بِمَعْنى: "صَيَّرَ"؛ لِعَدَمِ المَفْعُولِ الثانِي؛ وإنَّما هي بِمَعْنى: "ما سَنَّ؛ ولا شَرَعَ"؛ فَتَعَدَّتْ تَعَدِّيَ هَذا الَّذِي هي بِمَعْناهُ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
والبَحِيرَةُ: "فَعِيلَةٌ"؛ بِمَعْنى "مَفْعُولَةٌ"؛ و"بَحَرَ": شَقَّ؛ كانُوا إذا أنْتَجَتِ الناقَةُ عَشَرَةَ بُطُونٍ؛ شَقُّوا أُذُنَها بِنِصْفَيْنِ؛ طُولًا؛ فَهي مَبْحُورَةٌ؛ وتُرِكَتْ تَرْعى؛ وتَرِدُ الماءَ؛ ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِشَيْءٍ؛ ويَحْرُمُ لَحْمُها - إذا ماتَتْ - عَلى النِساءِ؛ ويَحِلُّ لِلرِّجالِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِها إذا أنْتَجَتْ خَمْسَةَ بُطُونٍ؛ وقالَ مَسْرُوقٌ: إذا ولَدَتْ خَمْسًا؛ أو سَبْعًا؛ شَقُّوا أُذُنَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَظْهَرُ مِمّا يُرْوى في هَذا أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَخْتَلِفُ في المَبْلَغِ الَّذِي تُبْحَرُ عِنْدَهُ آذانُ النُوقِ؛ فَلِكُلٍّ سُنَّةٌ؛ وهي كُلُّها ضَلالٌ؛ قالَ ابْنُ سِيدَةَ: ويُقالُ: اَلْبَحِيرَةُ هي الَّتِي خُلِّيَتْ بِلا راعٍ؛ ويُقالُ لِلنّاقَةِ الغَزِيرَةِ: "بَحِيرَةٌ".
(p-٢٧٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: أرى أنَّ البَحِيرَةَ تَصْلُحُ؛ وتَسْمَنُ؛ ويَغْزُرُ لَبَنُها؛ فَتُشَبَّهُ الغَزِيراتُ بِالبَحْرِ؛ وعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:
؎ فِيهِ مِنَ الأخْرَجِ المُرْتاعِ قَرْقَرَةٌ ∗∗∗ هَدْرَ الدَيامِيِّ وسْطَ الهَجْمَةِ البُحُرِ
فَإنَّما يُرِيدُ النُوقَ العِظامَ؛ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُشَقَّقَةَ الآذانِ.
ورَوى الشَعْبِيُّ ؛ «عن أبِي الأحْوَصِ ؛ عن أبِيهِ قالَ: دَخَلْتُ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ لِي: "أرَأيْتَ إبِلَكَ؟ ألَسْتَ تُنْتِجُها مُسَلَّمَةً آذانُها؛ فَتَأْخُذُ المُوسى فَتَقْطَعُ آذانَها؛ فَتَقُولُ: هَذِهِ بُحُرٌ؛ وتَقْطَعُ جُلُودَها؛ فَتَقُولُ: هَذِهِ صُرُمٌ؛ فَتُحَرِّمُها عَلَيْكَ وعَلى أهْلِكَ؟"؛ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ: "فَإنَّ ما آتاكَ اللهُ لَكَ حِلٌّ؛ وساعِدُ اللهِ أشَدُّ؛ ومُوسى اللهِ أحَدُّ".»
والسائِبَةُ: هي الناقَةُ الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْآلِهَةِ؛ والناقَةُ أيْضًا إذا تابَعَتِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ إناثًا؛ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ؛ سُيِّبَتْ؛ «وَقالَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِأكْثَمَ بْنِ الجَوْنِ الخُزاعِيِّ: "يا أكْثَمُ؛ رَأيْتَ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خَنْدَقٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النارِ؛ فَما رَأيْتُ أشْبَهَ بِهِ مِنكَ"؛ قالَ أكْثَمُ: أيَضُرُّنِي شَبَهُهُ يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "لا؛ إنَّكَ مُؤْمِنٌ؛ وإنَّهُ كافِرٌ؛ هو أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ونَصَبَ الأوثانَ؛ وسَيَّبَ السَوائِبَ"؛» وكانَتِ السَوائِبُ أيْضًا في العَرَبِ كالقُرْبَةِ عِنْدَ المَرَضِ يُبْرَأُ مِنهُ؛ والقُدُومِ مِنَ السَفَرِ؛ وإذا نَزَلَ بِأحَدِهِمْ أمْرٌ (p-٢٧٧)يَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهِ؛ تَقَرَّبَ بِأنْ يُسَيِّبَ ناقَةً؛ فَلا يُنْتَفَعُ مِنها بِلَبَنٍ؛ ولا ظَهْرٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ يَرَوْنَ ذَلِكَ كَعِتْقِ بَنِي آدَمَ؛ ذَكَرَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وكانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ أنَّ مَن عَرَضَ لِهَذِهِ النُوقِ فَأخَذَها؛ أوِ انْتَفَعَ مِنها بِشَيْءٍ؛ فَإنَّهُ تَلْحَقُهُ عُقُوبَةٌ مِنَ النارِ.
والوَصِيلَةُ: قالَ أكْثَرُ الناسِ: إنَّ الوَصِيلَةَ في الغَنَمِ؛ قالُوا: إذا ولَدَتِ الشاةُ ثَلاثَةَ بُطُونٍ؛ أو خَمْسَةً؛ فَإنْ كانَ آخِرُها جَدْيًا ذَبَحُوهُ لِبَيْتِ الآلِهَةِ؛ وإنْ كانَتْ عِناقًا اسْتَحْيَوْها؛ وإنْ كانَ جَدْيًا وعِناقًا اسْتَحْيَوْهُما؛ وقالُوا: هَذِهِ العِناقُ وصَلَتْ أخاها؛ فَمَنَعَتْهُ مِن أنْ يُذْبَحَ.
وعَلى أنَّ الوَصِيلَةَ في الغَنَمِ جاءَتِ الرِواياتُ عن أكْثَرِ الناسِ؛ ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ الوَصِيلَةَ مِنَ الإبِلِ؛ كانَتِ الناقَةُ إذا ابْتَكَرَتْ بِأُنْثى؛ ثُمَّ ثَنَّتْ بِأُخْرى قالُوا: وصَلَتْ أُنْثَيَيْنِ؛ فَكانُوا يَجْدَعُونَها لِطَواغِيتِهِمْ؛ أو يَذْبَحُونَها؛ شَكَّ الطَبَرِيُّ في إحْدى اللَفْظَتَيْنِ.
وأمّا "اَلْحامِي"؛ فَإنَّهُ الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ إذا ضَرَبَ في الإبِلِ عَشْرَ سِنِينَ؛ وقِيلَ: إذا وُلِدَ مِن صُلْبِهِ عَشْرٌ؛ وقِيلَ: إذا وُلِدَ مِن ولَدِ ولَدِهِ؛ قالُوا: حُمِيَ ظَهْرُهُ؛ فَسَيَّبُوهُ؛ لَمْ يُرْكَبْ؛ ولا سُخِّرَ في شَيْءٍ؛ وقالَ عَلْقَمَةُ لِمَن سَألَهُ في هَذِهِ الأشْياءِ: ما تُرِيدُ إلى شَيْءٍ كانَ مِن عَمَلِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ وقَدْ ذَهَبَ؟ وقالَ نَحْوَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ ما يَظْهَرُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ جَعَلَ هَذِهِ الأنْعامَ رِفْقًا لِعِبادِهِ؛ ونِعْمَةً عَدَّدَها عَلَيْهِمْ؛ ومَنفَعَةً بالِغَةً؛ فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْطَعُونَ طَرِيقَ الِانْتِفاعِ؛ ويُذْهِبُونَ (p-٢٧٨)نِعْمَةَ اللهِ فِيها؛ ويُزِيلُونَ المَصْلَحَةَ الَّتِي لِلْعِبادِ في تِلْكَ الإبِلِ؛ وبِهَذا فارَقَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الأحْباسَ والأوقافَ؛ فَإنَّ المالِكَ الَّذِي لَهُ أنْ يَهَبَ ويَتَصَدَّقَ؛ لَهُ أنْ يَصْرِفَ المَنفَعَةَ في أيِّ طَرِيقٍ مِنَ البِرِّ؛ ولَمْ يُسْدَّ الطَرِيقَ إلَيْها جُمْلَةً؛ كَما فُعِلَ بِالبَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا تَجُوزُ الأحْباسُ والأوقافُ؛ وقاسُوا عَلى البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ والفارِقُ بَيِّنٌ؛ ولَوْ عَمَدَ رَجُلٌ إلى ضَيْعَةٍ لَهُ فَقالَ: هَذِهِ تَكُونُ حَبْسًا؛ لا يُجْتَنى ثَمَرُها؛ ولا تُزْرَعُ أرْضُها؛ ولا يُنْتَفَعُ مِنها بِنَفْعٍ؛ لَجازَ أنْ يُشَبَّهَ هَذا بِالبَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ وأمّا الحَبْسُ البَيِّنُ طَرِيقُهُ؛ واسْتِمْرارُ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ فَلَيْسَ مِن هَذا؛ وحَسْبُكَ بِأنَّ «النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - في مالٍ لَهُ: "اِجْعَلْهُ حَبْسًا؛ لا يُباعُ أصْلُهُ"؛» وحَبَسَ أصْحابُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ المُفْتَرِينَ هُمُ المُبْتَدِعُونَ؛ وأنَّ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هُمُ الأتْباعُ؛ وكَذَلِكَ نَصَّ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ؛ وهو الَّذِي تُعْطِيهِ الآيَةُ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي مُوسى: اَلَّذِينَ كَفَرُوا وافْتَرَوْا هم أهْلُ الكِتابِ؛ والَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هم أهْلُ الأوثانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَفْسِيرُ مَنِ انْتَزَعَ ألْفاظَ آخِرِ الآيَةِ عَمّا تَقَدَّمَها؛ وارْتَبَطَ بِها مِنَ المَعْنى؛ وعَمّا تَأخَّرَ أيْضًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ "وَإذا قِيلَ لَهُمْ"؛﴾ والأوَّلُ مِنَ التَأْوِيلَيْنِ أرْجَحُ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ "قِيلَ لَهُمْ"؛﴾ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ المُسْتَنِّينَ بِهَذِهِ الأشْياءِ؛ و﴿ "تَعالَوْا"؛﴾ نِداءٌ بَيِّنٌ؛ هَذا أصْلُهُ؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ حَيْثُ البِرُّ؛ وحَيْثُ ضِدُّهُ؛ و﴿ "إلى ما أنْزَلَ اللهُ"؛﴾ يَعْنِي القُرْآنَ؛ الَّذِي فِيهِ التَحْرِيمُ الصَحِيحُ؛ و﴿ "حَسْبُنا"؛﴾ مَعْناهُ: كَفانا؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ"؛﴾ ألِفُ التَوْقِيفِ دَخَلَتْ عَلى واوِ العَطْفِ؛ كَأنَّهم عَطَفُوا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى (p-٢٧٩)الأُولى؛ والتَزَمُوا شَنِيعَ القَوْلِ؛ فَإنَّما التَوْقِيفُ تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ كَأنَّهم يَقُولُونَ بَعْدَهُ: "نَعَمْ؛ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ".
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ؛ اِخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ «أبُو أُمَيَّةَ الشَعْبانِيُّ: سَألْتُ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ عن هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ: لَقَدْ سَألْتَ عنها خَبِيرًا؛ سَألْتُ عنها رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: "اِئْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ؛ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ؛ فَإذا رَأيْتَ دُنْيا مُؤْثَرَةً؛ وشُحًّا مُطاعًا؛ وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ؛ فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِكَ؛ وذَرْ عَوامَّهُمْ؛ فَإنَّ وراءَكم أيّامًا أجْرُ العامِلِ فِيها كَأجْرِ خَمْسِينَ مِنكُمْ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ الَّذِي لا نَظَرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ مُسْتَوْفٍ لِلصَّلاحِ؛ صادِرٌ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ الناسِ تَأوَّلَ الآيَةَ أنَّها لا يَلْزَمُ مَعَها أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ؛ ولا نَهْيٌ عن مُنْكَرٍ؛ فَصَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: "أيُّها الناسُ؛ لا تَغْتَرُّوا بِقَوْلِ اللهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ ؛ فَيَقُولَ أحَدُكُمْ: عَلَيَّ نَفْسِي؛ واللهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ؛ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ؛ أو لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكم شِرارُكم فَلَيَسُومُنَّكم سُوءَ العَذابِ".
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ هَذا بِزَمانِ هَذِهِ الآيَةِ؛ قُولُوا الحَقَّ ما قُبِلَ مِنكُمْ؛ فَإذا رُدَّ عَلَيْكم فَعَلَيْكم أنْفُسَكم.
(p-٢٨٠)«وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ في بَعْضِ أوقاتِ الفِتَنِ: لَوْ تَرَكْتَ القَوْلَ في هَذِهِ الأيّامِ؛ فَلَمْ تَأْمُرْ؛ ولَمْ تَنْهَ؛ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَنا: "لِيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ"؛ ونَحْنُ شَهِدْنا؛ فَيَلْزَمُنا أنْ نُبَلِّغَكُمْ؛ وسَيَأْتِي زَمانٌ إذا قِيلَ فِيهِ الحَقُّ لَمْ يُقْبَلْ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ ما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ في هَذا أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ مُتَعَيَّنٌ مَتى رُجِيَ القَبُولُ؛ أو رُجِيَ رَدُّ المَظالِمِ؛ ولَوْ بِعُنْفٍ؛ ما لَمْ يَخَفِ المَرْءُ ضَرَرًا يَلْحَقُهُ في خاصَّتِهِ؛ أو فِتْنَةً يُدْخِلُها عَلى المُسْلِمِينَ؛ إمّا بِشَقِّ عَصًا؛ وإمّا بِضَرَرٍ يَلْحَقُ طائِفَةً مِنَ الناسِ؛ فَإذا خِيفَ هَذا فَعَلَيْكم أنْفُسَكم بِحُكْمٍ واجِبٍ أنْ يُوقَفَ عِنْدَهُ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ ؛ فالتَزِمُوا شَرْعَكم بِما فِيهِ مِن جِهادٍ؛ وأمْرٍ بِمَعْرُوفِ؛ وغَيْرِهِ؛ ولا يَضُرُّكم ضَلالُ أهْلِ الكِتابِ إذا اهْتَدَيْتُمْ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مِن أبْناءِ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَحَرُوا البَحِيرَةَ؛ وسَيَّبُوا السَوائِبَ؛ عَلَيْكم أنْفُسَكم في الِاسْتِقامَةِ عَلى الدِينِ؛ ولا يَضُرُّكم ضَلالُ الأسْلافِ إذا اهْتَدَيْتُمْ"؛ قالَ: وكانَ الرَجُلُ إذا أسْلَمَ قالَ لَهُ الكُفّارُ: سَفَّهْتَ آباءَكَ؛ وضَلَّلْتَهُمْ؛ وفَعَلْتَ؛ وفَعَلْتَ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ - فِيما عَلِمْتُ -: إنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ لِلْكُفّارِ؛ وكَذَلِكَ يَنْبَغِي ألّا يُعارَضَ بِها شَيْءٌ مِمّا أمَرَ اللهُ بِهِ في غَيْرِ ما آيَةٍ؛ مِنَ القِيامِ بِالقِسْطِ؛ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: وقَدْ قِيلَ: هي مَنسُوخَةٌ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ ولا يُعْلَمُ قائِلُهُ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ ارْتِدادِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ وافْتِتانِهِمْ؛ كابْنِ أبِي سَرْحٍ وغَيْرِهِ؛ فَقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا يَضُرُّكم ضَلالُهم.
(p-٢٨١)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لا يَضُرُّكُمْ"؛ بِضَمِّ الضادِ؛ وشَدِّ الراءِ المَضْمُومَةِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "لا يَضُرْكُمْ"؛ بِضَمِّ الضادِ؛ وسُكُونِ الراءِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ: "لا يَضِرْكُمْ"؛ بِكَسْرِ الضادِ؛ وهي كُلُّها لُغاتٌ؛ بِمَعْنى: "ضَرَّ؛ يَضُرُّ"؛ و"ضارَّ؛ يَضُورُ؛ ويَضِيرُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَذْكِيرٌ بِالحَشْرِ؛ وما بَعْدَهُ؛ وذَلِكَ مُسَلٍّ عن أُمُورِ الدُنْيا؛ ومَكْرُوهِها؛ ومَحْبُوبِها؛ ورُوِيَ عن بَعْضِ الصالِحِينَ أنَّهُ قالَ: "ما مِن يَوْمٍ إلّا يَجِيءُ الشَيْطانُ فَيَقُولُ: ما تَأْكُلُ؟ وما تَلْبَسُ؟ وأيْنَ تَسْكُنُ؟ فَأقُولُ لَهُ: آكُلُ المَوْتَ؛ وألْبَسُ الكَفَنَ؛ وأسْكُنُ القَبْرَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَمَن فَكَّرَ في مَرْجِعِهِ إلى اللهِ فَهَذِهِ حالُهُ.
المائدة 5:106
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أو آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتُ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إنْ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةُ اللهِ إنّا إذا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأولَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِنَ شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ﴾
قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: هَذِهِ الآياتُ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ؛ إعْرابًا؛ ومَعْنًى؛ وحُكْمًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقَعْ لَهُ الثَلَجُ في تَفْسِيرِها؛ وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِتابِهِ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وبِهِ نَسْتَعِينُ.
لا نَعْلَمُ خِلافًا أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ تَمِيمًا الدارِيَّ ؛ وعَدِيَّ بْنَ بِدّاءٍ؛ كانا نَصْرانِيَّيْنِ؛ سافَرا إلى المَدِينَةِ يُرِيدانِ الشامَ لِتِجارَتِهِما؛ قالَ الواقِدِيُّ: وهُما أخَوانِ؛ وقَدِمَ المَدِينَةَ أيْضًا ابْنُ أبِي مارِيَةَ؛ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ يُرِيدُ الشامَ تاجِرًا؛ فَخَرَجُوا رَفاقَةً؛ فَمَرِضَ (p-٢٨٢)ابْنُ أبِي مارِيَةَ في الطَرِيقِ؛ قالَ الواقِدِيُّ: فَكَتَبَ وصِيَّةً بِيَدِهِ؛ ودَسَّها في مَتاعِهِ؛ وأوصى إلى تَمِيمٍ وعَدِيٍّ أنْ يُودِيا رَحْلَهُ؛ فَأتَيا بَعْدَ مُدَّةٍ المَدِينَةَ بِرَحْلِهِ فَدَفَعاهُ؛ ووَجَدَ أولِياؤُهُ مِن بَنِي سَهْمٍ وصِيَّتَهُ مَكْتُوبَةً؛ فَفَقَدُوا أشْياءَ قَدْ كَتَبَها؛ فَسَألُوهُما عنها؛ فَقالا: ما نَدْرِي؛ هَذا الَّذِي قَبَضْناهُ لَهُ؛ فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى؛ فاسْتَحْلَفَهُما رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ العَصْرِ؛ فَبَقِيَ الأمْرُ مُدَّةً؛ ثُمَّ عُثِرَ بِمَكَّةَ مِن مَتاعِهِ عَلى إناءٍ عَظِيمٍ مِن فِضَّةٍ؛ مُخَوَّصٍ بِالذَهَبِ؛ فَقِيلَ لِمَن وُجِدَ عِنْدَهُ: مِن أيْنَ صارَ لَكم هَذا الإناءُ؟ فَقالُوا: اِبْتَعْناهُ مِن تَمِيمٍ الدارِيِّ ؛ وعَدِيِّ بْنِ بِدّاءٍ؛ فارْتُفِعَ في الأمْرِ إلى النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى؛ فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَجُلَيْنِ مِن أولِياءِ المَيِّتِ أنْ يَحْلِفا؛ قالَ الواقِدِيُّ: فَحَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ؛ واسْتَحَقّا.»
ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ «عن تَمِيمٍ الدارِيِّ أنَّهُ قالَ: بَرِئَ الناسُ مِن هَذِهِ الآياتِ؛ غَيْرِي وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بِدّاءٍ؛ وذَكَرَ القِصَّةَ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: وكانَ مَعَهُ جامُ فِضَّةٍ - يُرِيدُ بِهِ المَلِكَ - فَأخَذْتُهُ أنا وعَدِيٌّ؛ فَبِعْناهُ بِألْفٍ؛ وقَسَمْنا ثَمَنَهُ؛ فَلَمّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ تَأثَّمْتُ مِن ذَلِكَ؛ فَأتَيْتُ أهْلَهُ فَأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ؛ وأدَّيْتُ إلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةٍ؛ فَوَثَبُوا إلى عَدِيٍّ ؛ فَأتَوْا بِهِ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وحَلَفَ عَمْرُو بْنُ العاصِ ؛ ورَجُلٌ آخَرُ مَعَهُ؛ ونُزِعَتْ مِن عَدِيٍّ خَمْسُمِائَةٍ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: تَخْتَلِفُ ألْفاظُ هَذِهِ القِصَّةِ في الدَواوِينِ؛ وما ذَكَرْتُهُ هو عَمُودُ الأمْرِ؛ ولَمْ يَصِحَّ لِعَدِيٍّ صُحْبَةٌ - فِيما عَلِمْتُ - ولا ثَبَتَ إسْلامُهُ؛ وقَدْ صَنَّفَهُ في الصَحابَةِ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ؛ وضَعَّفَ أمْرَهُ؛ ولا وجْهَ عِنْدِي لِذِكْرِهِ في الصَحابَةِ.
وأمّا مَعْنى الآيَةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها فَهو أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ أنَّ حُكْمَهُ في الشَهادَةِ عَلى المُوصِي إذا حَضَرَهُ المَوْتُ أنْ تَكُونَ شَهادَةَ عَدْلَيْنِ؛ فَإنْ كانَ في سَفَرٍ - وهو الضَرْبُ في الأرْضِ - ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أحَدٌ؛ فَلْيُشْهِدْ شاهِدَيْنِ مِمَّنْ حَضَرَهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ؛ فَإذا قَدِما وأدَّيا الشَهادَةَ عَلى وصِيَّتِهِ حَلَفا بَعْدَ الصَلاةِ أنَّهُما ما كَذَبا؛ ولا (p-٢٨٣)بَدَّلا؛ وأنَّ ما شَهِدا بِهِ حَقٌّ؛ ما كَتَما فِيهِ شَهادَةَ اللهِ ؛ وحُكِمُ بِشَهادَتِهِما؛ فَإنْ عُثِرَ - بَعْدَ ذَلِكَ - عَلى أنَّهُما كَذَبا؛ أو خانا؛ ونَحْوَ هَذا مِمّا هو إثْمٌ؛ حَلَفَ رَجُلانِ مِن أولِياءِ المُوصِي في السَفَرِ؛ وغُرِّمَ الشاهِدانِ ما ظَهَرَ عَلَيْهِما؛ هَذا مَعْنى الآيَةِ عَلى مَذْهَبِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ؛ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ؛ ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ ؛ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ؛ وأبِي مِجْلَزٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ وشُرَيْحٍ ؛ وعُبَيْدَةَ السَلْمانِيِّ ؛ وابْنِ سِيرِينَ ؛ ومُجاهِدٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرِهِمْ؛ يَقُولُونَ: مَعْنى قَوْلِهِ: "مِنكُمْ": مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ ومَعْنى: "مِن غَيْرِكُمْ": مِنَ الكُفّارِ؛ قالَ بَعْضُهُمْ: وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ ولا مُؤْمِنَ إلّا بِالمَدِينَةِ؛ وكانُوا يُسافِرُونَ في التِجارَةِ صُحْبَةَ أهْلِ الكِتابِ؛ وعَبَدَةِ الأوثانِ؛ وأنْواعِ الكَفَرَةِ.
واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الجَماعَةُ المَذْكُورَةُ؛ فَمَذْهَبُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ؛ وشُرَيْحٍ ؛ وغَيْرِهِما أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى الشَعْبِيِّ أنَّ رَجُلًا حَضَرَتْهُ المَنِيَّةُ بِدَقُوقا؛ ولَمْ يَجِدْ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُشْهِدُهُ عَلى وصِيَّتِهِ؛ فَأشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقَدِما الكُوفَةَ؛ فَأتَيا أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ فَأخْبَراهُ؛ وقَدِما بِتَرِكَتِهِ؛ فَقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في مُدَّةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ثُمَّ أحْلَفَهُما بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ؛ وأمْضى شَهادَتَهُما.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن شُرَيْحٍ أنَّهُ كانَ لا يُجِيزُ شَهادَةَ النَصْرانِيِّ؛ واليَهُودِيِّ؛ عَلى مُسْلِمٍ ؛ إلّا في الوَصِيَّةِ؛ ولا تَجُوزُ أيْضًا في الوَصِيَّةِ إلّا إذا كانُوا في سَفَرٍ.
ومَذْهَبُ جَماعَةٍ مِمَّنْ ذُكِرَ؛ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ؛ وبِما اسْتَنَدَ إلَيْهِ إجْماعُ جُمْهُورِ الناسِ عَلى أنَّ شَهادَةَ الكافِرِ لا تَجُوزُ.
وتَأوَّلَ الآيَةَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ عَلى غَيْرِ هَذا كُلِّهِ؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنكُمْ"؛ يُرِيدُ مِن عَشِيرَتِكُمْ؛ وقَرابَتِكُمْ؛ وقَوْلُهُ: ﴿أو آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ ؛ يُرِيدُ مِن غَيْرِ القَرابَةِ؛ والعَشِيرَةِ؛ وقالَ بِهَذا عِكْرِمَةُ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ شِهابٍ ؛ قالُوا: (p-٢٨٤)أمَرَ اللهُ بِإشْهادِ عَدْلَيْنِ مِنَ القَرابَةِ؛ إذْ هم ألْحَنُ بِحالِ الوَصِيَّةِ؛ وأدْرى بِصُورَةِ العَدْلِ فِيها؛ فَإنْ كانَ الأمْرُ في سَفَرٍ؛ ولَمْ تَحْضُرْ قَرابَةٌ؛ أُشْهِدَ أجْنَبِيّانِ؛ فَإذا شَهِدا فَإنْ لَمْ يَقَعِ ارْتِيابٌ مَضَتِ الشَهادَةُ؛ وإنِ ارْتِيبَ أنَّهُما مالا بِالوَصِيَّةِ إلى أحَدٍ؛ أو زادا أو نَقَصا؛ حَلَفا بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ؛ ومَضَتْ شَهادَتُهُما؛ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى تَبْدِيلٍ مِنهُما؛ واسْتِحْقاقِ إثْمٍ؛ حَلَفَ ولِيّانِ مِنَ القَرابَةِ؛ وبَطَلَتْ شَهادَةُ الأوَّلَيْنِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: اَلْآيَةُ مَنسُوخَةٌ؛ ولا يَحْلِفُ شاهِدٌ؛ ويُذْكَرُ هَذا عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ ؛ والشافِعِيِّ ؛ وكافَّةِ الفُقَهاءِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - أنَّ هَذا التَحالُفَ الَّذِي في الآيَةِ إنَّما هو بِحَسَبِ التَداعِي؛ وذَلِكَ أنَّ الشاهِدَيْنِ الأوَّلَيْنِ إنَّما يَحْلِفانِ إذا ارْتِيبَ؛ وإذا ارْتِيبَ فَقَدْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِما دَعْوى؛ فَتَلْزَمُهُما اليَمِينُ؛ لَكِنَّ هَذا الِارْتِيابَ إنَّما يَكُونُ في خِيانَةٍ مِنهُما؛ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا نُظِرَ؛ فَإنْ كانَ الأمْرُ بَيِّنًا غُرِّما دُونَ يَمِينِ ولِيَّيْنِ؛ وإنْ كانَ بِشاهِدٍ واحِدٍ؛ أو بِدَلائِلَ تَقْتَضِي خِيانَتَهُما؛ أو ما أشْبَهَ ذَلِكَ؛ مِمّا هو كالشاهِدِ؛ حُمِلَ عَلى الظالِمِ؛ وحَلَفَ المُدَّعِيانِ مَعَ ما قامَ لَهُما مِن شاهِدٍ؛ أو دَلِيلٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهَذا هو الِاخْتِلافُ في مَعْنى الآيَةِ؛ وصُورَةِ حُكْمِها؛ ولْنَرْجِعِ الآنَ إلى الإعْرابِ؛ والكَلامِ عَلى لَفْظَةٍ لَفْظَةٍ مِنَ الآيَةِ؛ ولْنَقْصِدِ القَوْلَ المُفِيدَ؛ لِأنَّ الناسَ خَلَطُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَخْلِيطًا شَدِيدًا؛ وذِكْرُ ذَلِكَ والرَدُّ عَلَيْهِ (p-٣٨٥)يَطُولُ؛ وفي تَبْيِينِ الحَقِّ الَّذِي تَتَلَقّاهُ الأذْهانُ بِالقَبُولِ مُقْنِعٌ؛ واللهُ المُسْتَعانُ.
قَوْلُهُ: ﴿ "شَهادَةُ بَيْنِكُمْ"؛﴾ قالَ قَوْمٌ: اَلشَّهادَةُ هُنا بِمَعْنى: "اَلْحُضُورُ"؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلشَّهادَةُ بِمَعْنى: "اَلْيَمِينُ"؛ ولَيْسَتْ بِالَّتِي تُؤَدّى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ والصَوابُ أنَّها الشَهادَةُ الَّتِي تُحْفَظُ لِتُؤَدّى؛ ورَفْعُهُما بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ في قَوْلِهِ: "اِثْنانِ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: اَلتَّقْدِيرُ: "شَهادَةُ بَيْنِكم في وصاياكم شَهادَةُ اثْنَيْنِ"؛ فَحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ أوَّلًا؛ كَأنَّهُ قالَ: "مُقِيمُ شَهادَةِ بَيْنِكُمُ اثْنانِ".
وأُضِيفَتِ الشَهادَةُ إلى "بَيْنِ"؛ اِتِّساعًا في الظَرْفِ؛ بِأنْ يُعامَلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤].
وقَرَأ الأعْرَجُ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ والحَسَنُ: "شَهادَةٌ" بِالتَنْوِينِ؛ "بَيْنَكُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ وإعْرابُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى نَحْوِ إعْرابِ قِراءَةِ السَبْعَةِ؛ ورُوِيَ عَنِ الأعْرَجِ ؛ وأبِي حَيْوَةَ: "شَهادَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ والتَنْوِينِ؛ "بَيْنَكُمْ"؛ نَصْبًا؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: اَلتَّقْدِيرُ: "لِيُقِمْ شَهادَةً بَيْنَكُمُ اثْنانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ ؛ مَعْناهُ: إذا قَرُبَ الحُضُورُ؛ وإلّا فَإذا حَضَرَ المَوْتُ لَمْ يَشْهَدْ مَيِّتٌ؛ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ [النحل: ٩٨] ؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] ؛ وهَذا كَثِيرٌ؛ والعامِلُ في "إذا": اَلْمَصْدَرُ الَّذِي هو "شَهادَةُ"؛ وهَذا عَلى أنْ تَجْعَلَ "إذا" بِمَنزِلَةِ "حِينَ"؛ لا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ؛ ولَكَ أنْ (p-٢٨٦)تَجْعَلَ "إذا" - في هَذِهِ الآيَةِ - المُحْتاجَةَ إلى الجَوابِ؛ لَكِنِ اسْتُغْنِيَ عن جَوابِها بِما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ "شَهادَةُ بَيْنِكُمْ"؛﴾ إذِ المَعْنى: "إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَنْبَغِي أنْ يَشْهَدَ".
وقَوْلُهُ: ﴿ "حِينَ الوَصِيَّةِ"﴾ ظَرْفُ زَمانٍ والعامِلُ في "حَضَرَ"؛ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِن "إذا"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَكَ أنْ تُعَلِّقَهُ بِـ "اَلْمَوْتُ"؛ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ فِيهِ "شَهادَةُ" لِأنَّها إذا عَمِلَتْ في ظَرْفٍ مِنَ الزَمانِ لَمْ تَعْمَلْ في ظَرْفٍ آخَرَ مِنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "ذَوا عَدْلٍ"؛﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ "اِثْنانِ"؛ و"مِنكُمْ": صِفَةٌ أيْضًا؛ بَعْدَ صِفَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِن غَيْرِكُمْ"؛﴾ صِفَةٌ لِـ "آخَرانِ"؛ و﴿ "ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ"؛﴾ مَعْناهُ: "سافَرْتُمْ لِلتِّجارَةِ"؛ تَقُولُ: "ضَرَبْتُ في الأرْضِ" أيْ: سافَرْتُ لِلتِّجارَةِ؛ و"ضَرَبْتُ الأرْضَ": ذَهَبْتُ فِيها لِقَضاءِ حاجَةِ الإنْسانِ؛ وهَذا السَفَرُ كانَ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَعْدِمَ فِيهِ المُؤْمِنُ مُؤْمِنَيْنِ؛ فَلِذَلِكَ خُصَّ بِالذِكْرِ؛ لِأنَّ سَفَرَ الجِهادِ لا يَكادُ يَعْدِمُ فِيهِ مُؤْمِنَيْنِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَوْلُهُ: ﴿ "تَحْبِسُونَهُما"؛﴾ صِفَةٌ لِـ "آخَرانِ"؛ واعْتُرِضَ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِفَةِ بِقَوْلِهِ: "إنْ أنْتُمْ"؛ إلى "اَلْمَوْتِ"؛ وأفادَ الِاعْتِراضُ أنَّ العُدُولَ إلى آخَرانِ مِن غَيْرِ المِلَّةِ؛ أوِ القَرابَةِ؛ حَسَبَ اخْتِلافِ العُلَماءِ في ذَلِكَ؛ إنَّما يَكُونُ مَعَ ضَرُورَةِ السَفَرِ؛ وحُلُولِ المَوْتِ فِيهِ؛ واسْتُغْنِيَ عن جَوابِ "إنْ"؛ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أو آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾.
وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: الصَلاةُ هُنا: صَلاةُ العَصْرِ؛ لِأنَّهُ وقْتَ اجْتِماعِ الناسِ؛ وقَدْ ذَكَرَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيمَن حَلَفَ عَلى سِلْعَتِهِ؛ وأمَرَ بِاللِعانِ فِيهِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنَّما هي بَعْدَ صَلاةِ الذِمِّيِّينَ؛ وأمّا العَصْرُ فَلا حُرْمَةَ لَها عِنْدَهُما.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ "فَيُقْسِمانِ"؛﴾ عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ لِأنَّ المَعْنى تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ الصَلاةِ﴾ ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وإنْ شِئْتَ لَمْ تُقَدِّرِ الفاءَ عاطِفَةَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ ولَكِنْ تَجْعَلُهُ جَزاءً؛ كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ:
؎ وإنْسانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءُ تارَةً ∗∗∗ فَيَبْدُو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ
تَقْدِيرُهُ عِنْدَهُمْ: إذا حَسِرَ بَدا؛ فَكَذَلِكَ إذا حَبَسْتُمُوهُما أقْسَما.
(p-٢٨٧)وَقَوْلُهُ: ﴿ "إنِ ارْتَبْتُمْ"؛﴾ شَرْطٌ لا يُتَوَجَّهُ تَحْلِيفُ الشاهِدَيْنِ إلّا بِهِ؛ ومَتى لَمْ يَقَعِ ارْتِيابٌ ولا اخْتِلافٌ فَلا يَمِينٌ؛ أما إنَّهُ يَظْهَرُ مِن حُكْمِ أبِي مُوسى تَحْلِيفُ الذِمِّيِّينَ أنَّهُ بِاليَمِينِ تَكْمُلُ شَهادَتُهُما وتُنَفَّذُ الوَصِيَّةُ لِأهْلِها؛ وإنْ لَمْ يُرْتَبْ؛ وهَذِهِ الرِيبَةُ - عِنْدَ مَن لا يَرى الآيَةَ مَنسُوخَةً - تَتَرَتَّبُ في الخِيانَةِ؛ وفي الِاتِّهامِ بِالمَيْلِ إلى بَعْضِ المُوصى لَهُما دُونَ بَعْضٍ؛ وتَقَعُ مَعَ ذَلِكَ اليَمِينُ عِنْدَهُ؛ وأمّا مَن يَرى الآيَةَ مَنسُوخَةً فَلا يَقَعُ تَحْلِيفٌ إلّا بِأنْ يَكُونَ الِارْتِيابُ في خِيانَةٍ؛ أو تَعَدٍّ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَعَدِّي؛ فَيَكُونَ التَحْلِيفُ عِنْدَهُ بِحَسَبِ الدَعْوى عَلى مُنْكِرٍ؛ لا عَلى أنَّهُ تَكْمِيلٌ لِلشَّهادَةِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِ الحالِفَيْنِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ ؛ عائِدٌ عَلى القَسَمِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَعُودُ عَلى تَحْرِيفِ الشَهادَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "لا نَشْتَرِي"؛﴾ جَوابُ ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ "فَيُقْسِمانِ بِاللهِ"؛﴾ لِأنَّ القَسَمَ ونَحْوَهُ يُتَلَقّى بِما تُتَلَقّى بِهِ الأيْمانُ؛ وتَقْدِيرُ "بِهِ ثَمَنًا"؛ أيْ: ذا ثَمَنٍ؛ لِأنَّ الثَمَنَ لا يُشْتَرى؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [التوبة: ٩] ؛ مَعْناهُ: ذا ثَمَنٍ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "نَشْتَرِي"؛ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "نَبِيعُ"؛ لِأنَّ المَعْنى يُبْطِلُهُ؛ وإنْ كانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا في اللُغَةِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وخَصَّ ذا القُرْبى بِالذِكْرِ لِأنَّ العُرْفَ مَيْلُ الناسِ إلى قَراباتِهِمْ؛ واسْتِسْهالُهم في جَنْبِ نَفْعِهِمْ ما لا يُسْتَسْهَلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ﴾ ؛ أضافَ "شَهادَةَ"؛ إلَيْهِ تَعالى؛ مِن حَيْثُ هو الآمِرُ بِإقامَتِها؛ الناهِي عن كِتْمانِها.
وقَرَأ الحَسَنُ والشَعْبِيُّ: "وَلا نَكْتُمْ"؛ بِجَزْمِ المِيمِ؛ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ ونَعِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ؛ والشَعْبِيُّ - بِخِلافٍ عنهُ -: "شَهادَةً"؛ بِالتَنْوِينِ؛ "اَللَّهَ"؛ نُصِبَ بِـ "نَكْتُمُ"؛ كَأنَّ الكَلامَ: "وَلا نَكْتُمُ اللهَ شَهادَةً"؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "وَلا نَكْتُمُ شَهادَةً واللهِ"؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ؛ ونُصِبَ الفِعْلُ إيجازًا؛ ورَوى يَحْيى بْنُ آدَمَ عن أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ: "شَهادَةً"؛ "أللَّهِ"؛ بِقَطْعِ الألِفِ؛ دُونَ مَدٍّ؛ وخَفْضِ الهاءِ؛ (p-٢٨٨)وَرُوِيَتْ أيْضًا عَنِ الشَعْبِيِّ ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى الهاءِ مِنَ الشَهادَةِ؛ بِالسُكُونِ؛ ثُمَّ يَقْطَعُ الألِفَ المَكْتُوبَةَ مِن غَيْرِ مَدٍّ؛ كَما تَقَدَّمَ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ "آللَّهِ"؛ بِمَدِّ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ في الوَجْهَيْنِ؛ أعْنِي بِسُكُونِ الهاءِ مِنَ الشَهادَةِ؛ وتَحْرِيكِها مُنَوَّنَةً مَنصُوبَةً؛ ورُوِيَتْ هَذِهِ الَّتِي هي تَنْوِينُ الشَهادَةِ؛ ومَدِّ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أمّا تَسْكِينُ هاءِ "شَهادَةْ"؛ والوَقْفُ عَلَيْها؛ واسْتِئْنافُ القَسَمِ؛ فَوَجْهٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ اسْتِئْنافَ القَسَمِ في أوَّلِ الكَلامِ أوقَرُ لَهُ وأشَدُّ هَيْبَةً أنْ يُدْرَجَ في عَرْضِ القَوْلِ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ حَبِيبٍ؛ والحَسَنُ البَصْرِيُّ - فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ -: "شَهادَةً"؛ بِالنَصْبِ والتَنْوِينِ؛ "آللَّهِ"؛ بِالمَدِّ في هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي هي عِوَضٌ مِن حَرْفِ القَسَمِ "آنّا"؛ بِمَدِّ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا؛ دَخَلَتْ لِتَوْقِيفٍ أو تَقْرِيرٍ لِنُفُوسِ المُقْسِمَيْنِ؛ أو لِمَن خاطَباهُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لَمِلّاثِمِينَ"؛ بِالإدْغامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَإنْ عُثِرَ"؛﴾ اِسْتِعارَةٌ لِما يُوقَعُ عَلى عِلْمِهِ بَعْدَ خَفائِهِ؛ اتِّفاقًا؛ وبَعْدَ أنْ لَمْ يُرْجَ؛ ولَمْ يُقْصَدْ؛ وهَذا كَما يُقالُ: "عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ"؛ و"وَقَعْتَ عَلى كَذا؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والإثْمُ هُنا: اسْمُ الشَيْءِ المَأْخُوذِ؛ لِأنَّ آخِذَهُ بِأخْذِهِ آثِمٌ؛ فَسُمِّيَ آثِمًا؛ كَما سُمِّيَ ما يُؤْخَذُ بِغَيْرِ حَقٍّ "مَظْلَمَةً"؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: اَلْمَظْلَمَةُ اسْمُ ما أُخِذَ مِنكَ؛ وكَذَلِكَ سُمِّيَ هَذا المَأْخُوذُ بِاسْمِ المَصْدَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والَّذِي يَظْهَرُ هُنا أنَّ الإثْمَ عَلى بابِهِ؛ وهو الحُكْمُ اللاحِقُ لَهُما؛ والنِسْبَةُ الَّتِي يَتَحَصَّلانِ فِيها بَعْدَ مُواقَعَتِهِما لِتَحْرِيفِ الشَهادَةِ؛ أو لِأخْذِ ما لَيْسَ لَهُما؛ أو نَحْوِ ذَلِكَ.
و"اِسْتَحَقّا"؛ مَعْناهُ: اِسْتَوْجَباهُ مِنَ اللهِ؛ وكانا أهْلًا لَهُ؛ فَهَذا اسْتِحْقاقٌ عَلى بابِهِ؛ إنَّهُ اسْتِيجابُ حَقِيقَةٍ؛ ولَوْ كانَ الإثْمُ الشَيْءَ المَأْخُوذَ لَمْ يُقَلْ فِيهِ "اِسْتَحَقّا"؛ لِأنَّهُما ظَلَما؛ وخانا فِيهِ؛ فَإنَّما اسْتَحَقّا مَنزِلَةَ السُوءِ وحُكْمَ العِصْيانِ؛ وذَلِكَ هو الإثْمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَآخَرانِ"؛﴾ أيْ: فَإذا عُثِرَ عَلى فَسادِهِما؛ فالأولَيانِ بِاليَمِينِ وإقامَةِ القَضِيَّةِ آخَرانِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ هم وُلاةُ المَيِّتِ؛ واسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ حَظُّهُمْ؛ أو ظُهُورُهُمْ؛ أو مالُهُمْ؛ أو ما شِئْتَ مِن هَذِهِ التَقْدِيراتِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ: "اِسْتُحِقَّ" مَضْمُومَةَ التاءِ؛ (p-٢٨٩)وَ"اَلْأولَيانِ"؛ عَلى التَثْنِيَةِ لِـ "أولى"؛ ورَوى قُرَّةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "اِسْتَحَقَّ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ "اَلْأولَيانِ"؛ عَلى التَثْنِيَةِ؛ وكَذَلِكَ رَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "اِسْتُحِقَّ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ "اَلْأوَّلِينَ"؛ عَلى جَمْعِ "أوَّلُ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "اِسْتَحَقَّ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ "اَلْأوَّلانِ"؛ عَلى تَثْنِيَةِ "أوَّلُ"؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "اَلْأوَّلَيْنِ"؛ عَلى تَثْنِيَةِ "أوَّلُ"؛ ونَصْبُهُما عَلى تَقْدِيرِ: اَلْأوَّلَيْنِ فالأوَّلَيْنِ؛ في الرُتْبَةِ والقُرْبى.
قالَ أبُو عَلِيٍّ - في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ ومَن مَعَهُ -: لا يَخْلُو ارْتِفاعُ "اَلْأولَيانِ"؛ مِن أنْ يَكُونَ عَلى الِابْتِداءِ؛ وقَدْ أُخِّرَ؛ فَكَأنَّهُ في التَقْدِيرِ: "واَلْأولَيانِ بِأمْرِ المَيِّتِ آخَرانِ يَقُومانِ"؛ فَيَجِيءُ الكَلامُ كَقَوْلِهِمْ: "تَمِيمِيٌّ أنا"؛ أو يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ؛ كَأنَّهُ: "فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما هُما اَلْأولَيانِ"؛ أو يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في "يَقُومانِ"؛ أو يَكُونَ مُسْنَدًا إلى "اِسْتُحِقَّ"؛ وأجازَ أبُو الحَسَنِ فِيهِ شَيْئًا آخَرَ؛ وهو أنْ يَكُونَ "اَلْأولَيانِ" صِفَةً لِـ "فَآخَرانِ"؛ لِأنَّهُ لَمّا وُصِفَ خُصِّصَ؛ فَوُصِفَ مِن أجْلِ الِاخْتِصاصِ الَّذِي صارَ لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ قالَ أبُو عَلِيٍّ - بَعْدَ كَلامِهِ هَذا -: فَأمّا ما يُسْنَدُ إلَيْهِ "اِسْتُحِقَّ"؛ فَلا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ الأنْصِباءَ؛ أوِ الوَصِيَّةَ؛ أوِ الإثْمَ؛ وسُمِّيَ المَأْخُوذُ "إثْمًا"؛ كَما يُقالُ لِما يُؤْخَذُ مِنَ المَظْلُومِ: "مَظْلَمَةٌ"؛ ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَسْتَنِدَ إلَيْهِ "اِسْتُحِقَّ"؛ ثُمَّ قالَ - بَعْدَ كَلامٍ -: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ" إلى "اَلْأولَيانِ"؟ فالقَوْلُ: إنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المُسْتَحَقَّ إنَّما يَكُونُ الوَصِيَّةَ؛ أو شَيْئًا مِنها؛ وأمّا اَلْأولَيانِ بِالمَيِّتِ فَلا يَجُوزُ أنْ يُسْتَحَقّا؛ فَيُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ"؛ إلَيْهِما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا الكَلامِ نَظَرٌ؛ ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ"؛ إلى "اَلْأولَيانِ"؛ وذَلِكَ أنَّ (p-٢٩٠)أبا عَلِيٍّ حَمَلَ لَفْظَةَ الِاسْتِحْقاقِ عَلى أنَّهُ حَقِيقِيٌّ؛ فَلَمْ يُجَوِّزْهُ؛ إلّا حَيْثُ يَصِحُّ الِاسْتِحْقاقُ الحَقِيقِيُّ في النازِلَةِ؛ وإنَّما يُسْتَحَقُّ حَقِيقَةً النَصِيبُ ونَحْوُهُ؛ ولَفْظَةُ الِاسْتِحْقاقِ في الآيَةِ إنَّما هي اسْتِعارَةٌ؛ ولَيْسَتْ بِمَعْنى "اِسْتَحَقّا إثْمًا"؛ فَإنَّ الِاسْتِحْقاقَ هُنا حَقِيقَةٌ؛ وفي قَوْلِهِ: "اِسْتُحِقَّ"؛ مُسْتَعارٌ؛ لِأنَّهُ لا وجْهَ لِهَذا الِاسْتِحْقاقِ إلّا الغَلَبَةُ عَلى الحالِ؛ بِحُكْمِ انْفِرادِ هَذا المَيِّتِ؛ وعَدَمِهِ لِقَرابَتِهِ؛ أو لِأهْلِ دِينِهِ؛ فَـ "اِسْتُحِقَّ"؛ هُنا؛ كَما تَقُولُ لِظالِمٍ يَظْلِمُكَ: "هَذا قَدِ اسْتُحِقَّ عَلَيَّ مالِي؛ أو مَنزِلِي؛ بِظُلْمِهِ"؛ فَتُشَبِّهُهُ؛ بِالمُسْتَحَقِّ حَقِيقَةً؛ إذْ قَدْ تَسَوَّرَ تَسَوُّرَهُ؛ وتَمَلَّكَ تَمَلُّكَهُ؛ وكَذَلِكَ يُقالُ: "فُلانٌ قَدِ اسْتَحَقَّ مِنهُ زَمَنُهُ شُغْلَ كَذا"؛ إذا كانَ ذَلِكَ الأمْرُ قَدْ غَلَبَهُ عَلى أوقاتِهِ؛ وهَكَذا هي "اِسْتُحِقَّ"؛ في الآيَةِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ وإنْ أُسْنِدَتْ إلى الأنْصِباءِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: "اِسْتُحِقَّ"؛ صِلَةٌ لِـ "اَلَّذِينَ"؛ و"اَلَّذِينَ"؛ واقِعٌ عَلى الصِنْفِ المُناقِضِ لِلشّاهِدَيْنِ الجائِرَيْنِ؛ فالشاهِدانِ ما اسْتَحَقّا قَطُّ في هَذِهِ النازِلَةِ شَيْئًا حَقِيقَةَ اسْتِحْقاقٍ؛ وإنَّما تَسَوَّرا تَسَوُّرَ المُسْتَحِقِّ؛ فَلَنا أنْ نُقَدِّرَ "اَلْأولَيانِ" اِبْتِداءً؛ وقَدْ أُخِّرَ؛ فَيُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ" - عَلى هَذا - إلى المالِ؛ أوِ النَصِيبِ؛ ونَحْوِهِ؛ عَلى جِهَةِ الِاسْتِعارَةِ؛ وكَذَلِكَ إذا كانَ "اَلْأولَيانِ" خَبَرَ ابْتِداءٍ؛ وكَذَلِكَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَقُومانِ"؛ وعَلى الصِفَةِ؛ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ؛ ولَنا أنْ نُقَدِّرَ الكَلامَ بِمَعْنى: مِنَ الجَماعَةِ الَّتِي غابَتْ؛ وكانَ حَقُّهُما؛ والمُبْتَغى أنْ يَحْضُرَ ولِيُّها؛ فَلَمّا غابَتْ وانْفَرَدَ هَذا المُوصِي؛ اسْتَحَقَّتْ هَذِهِ الحالُ - وهَذانِ الشاهِدانِ مِن غَيْرِ أهْلِ الدِينِ - الوِلايَةَ؛ وأمْرَ الأولَيَيْنِ عَلى هَذِهِ الجَماعَةِ؛ ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ عَلى هَذا المَعْنى إيجازًا؛ ويُقَوِّي هَذا الغَرَضَ أنْ تَعَدّى الفِعْلُ بِـ "عَلى"؛ لَمّا كانَ بِاقْتِدارٍ؛ وحَمْلُ هَيْئَتِهِ عَلى الحالِ؛ ولا يُقالُ: "اِسْتُحِقَّ مِنهُ؛ أو فِيهِ"؛ إلّا في الِاسْتِحْقاقِ الحَقِيقِيِّ عَلى وجْهِهِ؛ وأمّا "اِسْتُحِقَّ عَلَيْهِ"؛ فَيُقالُ في الحَمْلِ؛ والغَلَبَةِ؛ والِاسْتِحْقاقِ المُسْتَعارِ؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمُ"؛ عائِدٌ - عَلى كُلِّ حالٍ في هَذِهِ القِراءَةِ - عَلى الجَماعَةِ الَّتِي تُناقِضُ شاهِدَيِ الزُورِ الآثِمَيْنِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الصِنْفِ الَّذِينَ مِنهم شاهِدُ الزُورِ؛ عَلى ما نُبَيِّنُهُ الآنَ - إنْ شاءَ اللهُ - في غَيْرِ هَذِهِ القِراءَةِ.
وأمّا رِوايَةُ قُرَّةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "اِسْتَحَقَّ"؛ بِفَتْحِ التاءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "اَلْأولَيانِ" اِبْتِداءً؛ أو خَبَرَ ابْتِداءٍ؛ ويَكُونَ المَعْنى: "فِي الجَمْعِ أوِ القَبِيلِ الَّذِي اسْتَحَقَّ القَضِيَّةَ عَلى هَذا الصِنْفِ الشاهِدِ بِالزُورِ"؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ"؛ عائِدٌ عَلى صِنْفِ شاهِدَيِ الزُورِ.
(p-٢٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْوِيلٌ؛ وتَحْلِيقٌ؛ وصَنْعَةٌ في "اَلَّذِينَ"؛ وعَلَيْهِ يَنْبَنِي كَلامُ أبِي عَلِيٍّ - في كِتابِ "اَلْحُجَّةُ" -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ القِيامُ"؛ والصَوابَ مِنَ التَأْوِيلَيْنِ أنَّ الضَمِيرَ في "عَلَيْهِمُ"؛ عائِدٌ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ "اَلْأولَيانِ"؛ رُفِعَ بِـ "اِسْتَحَقَّ"؛ وذَلِكَ مُتَخَرَّجٌ عَلى ثَلاثَةِ مَعانٍ:
أحَدُها أنْ يَكُونَ المُرادَ مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ مالُهُمْ؛ وتَرِكَتُهُمْ: شاهِدا الزُورِ؛ فَسَمّى شاهِدَيِ الزُورِ "أولَيَيْنِ"؛ مِن حَيْثُ جَعَلَتْهُما الحالُ الأُولى كَذَلِكَ؛ أيْ صَيَّرَهم عَدَمُ الناسِ أولى بِهَذا المَيِّتِ؛ وتَرِكَتِهِ؛ فَجارا فِيها.
والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الجَماعَةِ: اَلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ مِنهُمُ الأولَيانِ؛ فَـ "اِسْتَحَقَّ"؛ بِمَعْنى: "حَقَّ"؛ و"وَجَبَ"؛ كَما تَقُولُ: "هَذا بِناءٌ قَدِ اسْتَحَقَّ"؛ بِمَعْنى: "حَقَّ"؛ كَـ "عَجِبَ"؛ و"اِسْتَعْجَبَ"؛ ونَحْوِهِ.
والمَعْنى الثالِثُ أنْ يُجْعَلَ "اِسْتَحَقَّ"؛ بِمَعْنى "سَعى"؛ و"اِسْتَوْجَبَ"؛ فَكَأنَّ الكَلامَ: "فَآخَرانِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ حَضَرَ أولَيانِ مِنهُمْ؛ فاسْتَحَقّا عَلَيْهِمْ حَقَّهُمْ"؛ أيْ: اِسْتَحَقّا لَهُمْ؛ وسَعَيا فِيهِ؛ واسْتَوْجَباهُ بِأيْمانِهِما؛ وقُرْباهُما؛ ونَحْوُ هَذا المَعْنى الَّذِي يُعْطِيهِ التَعَدِّي بِـ "عَلى"؛ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أسْعى عَلى حَيِّ بَنِي مالِكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ كُلُّ امْرِئٍ في شَأْنِهِ ساعِي
وكَذَلِكَ في الحَدِيثِ: « "كُنْتُ أرْعى عَلَيْهِمُ الغَنَمَ"؛» في بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ الَّذِينَ ذَكَرَ أحَدُهم بِرَّهُ بِأبَوَيْهِ؛ حِينَ انْحَطَّتْ عَلَيْهِمُ الصَخْرَةُ.
(p-٢٩٢)وَأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ فَمَعْناها: "مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ أمْرُهُمْ"؛ أيْ: غُلِبُوا عَلَيْهِ؛ ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهم أوَّلُونَ؛ أيْ: في الذِكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿أو آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾ ؛ يَعْنِي الآخَرَيْنِ اللَذَيْنِ يَقُومانِ مَقامَ شاهِدَيِ التَحْرِيفِ؛ وقَوْلُهُما: ﴿لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ ؛ أيْ: "لَما أخْبَرْنا نَحْنُ بِهِ؛ وذَكَرْناهُ مِن نَصِّ القَضِيَّةِ؛ أحَقُّ مِمّا ذَكَراهُ أوَّلًا؛ وحَرَّفا فِيهِ؛ ﴿ "وَما اعْتَدَيْنا"؛﴾ نَحْنُ في قَوْلِنا هَذا؛ ولا زِدْنا عَلى الحَدِّ". وقَوْلُهُما: ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ﴾ ؛ تَبَرٍّ في صِيغَةِ الِاسْتِعْظامِ والِاسْتِقْباحِ لِلظُّلْمِ؛ والظُلْمُ: وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
المائدة 5:107
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أو آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتُ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إنْ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةُ اللهِ إنّا إذا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأولَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِنَ شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ﴾
قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: هَذِهِ الآياتُ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ؛ إعْرابًا؛ ومَعْنًى؛ وحُكْمًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقَعْ لَهُ الثَلَجُ في تَفْسِيرِها؛ وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِتابِهِ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وبِهِ نَسْتَعِينُ.
لا نَعْلَمُ خِلافًا أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ تَمِيمًا الدارِيَّ ؛ وعَدِيَّ بْنَ بِدّاءٍ؛ كانا نَصْرانِيَّيْنِ؛ سافَرا إلى المَدِينَةِ يُرِيدانِ الشامَ لِتِجارَتِهِما؛ قالَ الواقِدِيُّ: وهُما أخَوانِ؛ وقَدِمَ المَدِينَةَ أيْضًا ابْنُ أبِي مارِيَةَ؛ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ يُرِيدُ الشامَ تاجِرًا؛ فَخَرَجُوا رَفاقَةً؛ فَمَرِضَ (p-٢٨٢)ابْنُ أبِي مارِيَةَ في الطَرِيقِ؛ قالَ الواقِدِيُّ: فَكَتَبَ وصِيَّةً بِيَدِهِ؛ ودَسَّها في مَتاعِهِ؛ وأوصى إلى تَمِيمٍ وعَدِيٍّ أنْ يُودِيا رَحْلَهُ؛ فَأتَيا بَعْدَ مُدَّةٍ المَدِينَةَ بِرَحْلِهِ فَدَفَعاهُ؛ ووَجَدَ أولِياؤُهُ مِن بَنِي سَهْمٍ وصِيَّتَهُ مَكْتُوبَةً؛ فَفَقَدُوا أشْياءَ قَدْ كَتَبَها؛ فَسَألُوهُما عنها؛ فَقالا: ما نَدْرِي؛ هَذا الَّذِي قَبَضْناهُ لَهُ؛ فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى؛ فاسْتَحْلَفَهُما رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ العَصْرِ؛ فَبَقِيَ الأمْرُ مُدَّةً؛ ثُمَّ عُثِرَ بِمَكَّةَ مِن مَتاعِهِ عَلى إناءٍ عَظِيمٍ مِن فِضَّةٍ؛ مُخَوَّصٍ بِالذَهَبِ؛ فَقِيلَ لِمَن وُجِدَ عِنْدَهُ: مِن أيْنَ صارَ لَكم هَذا الإناءُ؟ فَقالُوا: اِبْتَعْناهُ مِن تَمِيمٍ الدارِيِّ ؛ وعَدِيِّ بْنِ بِدّاءٍ؛ فارْتُفِعَ في الأمْرِ إلى النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى؛ فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رَجُلَيْنِ مِن أولِياءِ المَيِّتِ أنْ يَحْلِفا؛ قالَ الواقِدِيُّ: فَحَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ؛ واسْتَحَقّا.»
ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ «عن تَمِيمٍ الدارِيِّ أنَّهُ قالَ: بَرِئَ الناسُ مِن هَذِهِ الآياتِ؛ غَيْرِي وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بِدّاءٍ؛ وذَكَرَ القِصَّةَ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: وكانَ مَعَهُ جامُ فِضَّةٍ - يُرِيدُ بِهِ المَلِكَ - فَأخَذْتُهُ أنا وعَدِيٌّ؛ فَبِعْناهُ بِألْفٍ؛ وقَسَمْنا ثَمَنَهُ؛ فَلَمّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - المَدِينَةَ تَأثَّمْتُ مِن ذَلِكَ؛ فَأتَيْتُ أهْلَهُ فَأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ؛ وأدَّيْتُ إلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةٍ؛ فَوَثَبُوا إلى عَدِيٍّ ؛ فَأتَوْا بِهِ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وحَلَفَ عَمْرُو بْنُ العاصِ ؛ ورَجُلٌ آخَرُ مَعَهُ؛ ونُزِعَتْ مِن عَدِيٍّ خَمْسُمِائَةٍ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: تَخْتَلِفُ ألْفاظُ هَذِهِ القِصَّةِ في الدَواوِينِ؛ وما ذَكَرْتُهُ هو عَمُودُ الأمْرِ؛ ولَمْ يَصِحَّ لِعَدِيٍّ صُحْبَةٌ - فِيما عَلِمْتُ - ولا ثَبَتَ إسْلامُهُ؛ وقَدْ صَنَّفَهُ في الصَحابَةِ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ؛ وضَعَّفَ أمْرَهُ؛ ولا وجْهَ عِنْدِي لِذِكْرِهِ في الصَحابَةِ.
وأمّا مَعْنى الآيَةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها فَهو أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ أنَّ حُكْمَهُ في الشَهادَةِ عَلى المُوصِي إذا حَضَرَهُ المَوْتُ أنْ تَكُونَ شَهادَةَ عَدْلَيْنِ؛ فَإنْ كانَ في سَفَرٍ - وهو الضَرْبُ في الأرْضِ - ولَمْ يَكُنْ مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أحَدٌ؛ فَلْيُشْهِدْ شاهِدَيْنِ مِمَّنْ حَضَرَهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ؛ فَإذا قَدِما وأدَّيا الشَهادَةَ عَلى وصِيَّتِهِ حَلَفا بَعْدَ الصَلاةِ أنَّهُما ما كَذَبا؛ ولا (p-٢٨٣)بَدَّلا؛ وأنَّ ما شَهِدا بِهِ حَقٌّ؛ ما كَتَما فِيهِ شَهادَةَ اللهِ ؛ وحُكِمُ بِشَهادَتِهِما؛ فَإنْ عُثِرَ - بَعْدَ ذَلِكَ - عَلى أنَّهُما كَذَبا؛ أو خانا؛ ونَحْوَ هَذا مِمّا هو إثْمٌ؛ حَلَفَ رَجُلانِ مِن أولِياءِ المُوصِي في السَفَرِ؛ وغُرِّمَ الشاهِدانِ ما ظَهَرَ عَلَيْهِما؛ هَذا مَعْنى الآيَةِ عَلى مَذْهَبِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ؛ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ؛ ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ ؛ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ؛ وأبِي مِجْلَزٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ وشُرَيْحٍ ؛ وعُبَيْدَةَ السَلْمانِيِّ ؛ وابْنِ سِيرِينَ ؛ ومُجاهِدٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرِهِمْ؛ يَقُولُونَ: مَعْنى قَوْلِهِ: "مِنكُمْ": مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ ومَعْنى: "مِن غَيْرِكُمْ": مِنَ الكُفّارِ؛ قالَ بَعْضُهُمْ: وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ ولا مُؤْمِنَ إلّا بِالمَدِينَةِ؛ وكانُوا يُسافِرُونَ في التِجارَةِ صُحْبَةَ أهْلِ الكِتابِ؛ وعَبَدَةِ الأوثانِ؛ وأنْواعِ الكَفَرَةِ.
واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الجَماعَةُ المَذْكُورَةُ؛ فَمَذْهَبُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ؛ وشُرَيْحٍ ؛ وغَيْرِهِما أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى الشَعْبِيِّ أنَّ رَجُلًا حَضَرَتْهُ المَنِيَّةُ بِدَقُوقا؛ ولَمْ يَجِدْ أحَدًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُشْهِدُهُ عَلى وصِيَّتِهِ؛ فَأشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقَدِما الكُوفَةَ؛ فَأتَيا أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ فَأخْبَراهُ؛ وقَدِما بِتَرِكَتِهِ؛ فَقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في مُدَّةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ثُمَّ أحْلَفَهُما بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ؛ وأمْضى شَهادَتَهُما.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن شُرَيْحٍ أنَّهُ كانَ لا يُجِيزُ شَهادَةَ النَصْرانِيِّ؛ واليَهُودِيِّ؛ عَلى مُسْلِمٍ ؛ إلّا في الوَصِيَّةِ؛ ولا تَجُوزُ أيْضًا في الوَصِيَّةِ إلّا إذا كانُوا في سَفَرٍ.
ومَذْهَبُ جَماعَةٍ مِمَّنْ ذُكِرَ؛ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ؛ وبِما اسْتَنَدَ إلَيْهِ إجْماعُ جُمْهُورِ الناسِ عَلى أنَّ شَهادَةَ الكافِرِ لا تَجُوزُ.
وتَأوَّلَ الآيَةَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ عَلى غَيْرِ هَذا كُلِّهِ؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنكُمْ"؛ يُرِيدُ مِن عَشِيرَتِكُمْ؛ وقَرابَتِكُمْ؛ وقَوْلُهُ: ﴿أو آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ ؛ يُرِيدُ مِن غَيْرِ القَرابَةِ؛ والعَشِيرَةِ؛ وقالَ بِهَذا عِكْرِمَةُ؛ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ شِهابٍ ؛ قالُوا: (p-٢٨٤)أمَرَ اللهُ بِإشْهادِ عَدْلَيْنِ مِنَ القَرابَةِ؛ إذْ هم ألْحَنُ بِحالِ الوَصِيَّةِ؛ وأدْرى بِصُورَةِ العَدْلِ فِيها؛ فَإنْ كانَ الأمْرُ في سَفَرٍ؛ ولَمْ تَحْضُرْ قَرابَةٌ؛ أُشْهِدَ أجْنَبِيّانِ؛ فَإذا شَهِدا فَإنْ لَمْ يَقَعِ ارْتِيابٌ مَضَتِ الشَهادَةُ؛ وإنِ ارْتِيبَ أنَّهُما مالا بِالوَصِيَّةِ إلى أحَدٍ؛ أو زادا أو نَقَصا؛ حَلَفا بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ؛ ومَضَتْ شَهادَتُهُما؛ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى تَبْدِيلٍ مِنهُما؛ واسْتِحْقاقِ إثْمٍ؛ حَلَفَ ولِيّانِ مِنَ القَرابَةِ؛ وبَطَلَتْ شَهادَةُ الأوَّلَيْنِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: اَلْآيَةُ مَنسُوخَةٌ؛ ولا يَحْلِفُ شاهِدٌ؛ ويُذْكَرُ هَذا عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ ؛ والشافِعِيِّ ؛ وكافَّةِ الفُقَهاءِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - أنَّ هَذا التَحالُفَ الَّذِي في الآيَةِ إنَّما هو بِحَسَبِ التَداعِي؛ وذَلِكَ أنَّ الشاهِدَيْنِ الأوَّلَيْنِ إنَّما يَحْلِفانِ إذا ارْتِيبَ؛ وإذا ارْتِيبَ فَقَدْ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِما دَعْوى؛ فَتَلْزَمُهُما اليَمِينُ؛ لَكِنَّ هَذا الِارْتِيابَ إنَّما يَكُونُ في خِيانَةٍ مِنهُما؛ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا نُظِرَ؛ فَإنْ كانَ الأمْرُ بَيِّنًا غُرِّما دُونَ يَمِينِ ولِيَّيْنِ؛ وإنْ كانَ بِشاهِدٍ واحِدٍ؛ أو بِدَلائِلَ تَقْتَضِي خِيانَتَهُما؛ أو ما أشْبَهَ ذَلِكَ؛ مِمّا هو كالشاهِدِ؛ حُمِلَ عَلى الظالِمِ؛ وحَلَفَ المُدَّعِيانِ مَعَ ما قامَ لَهُما مِن شاهِدٍ؛ أو دَلِيلٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهَذا هو الِاخْتِلافُ في مَعْنى الآيَةِ؛ وصُورَةِ حُكْمِها؛ ولْنَرْجِعِ الآنَ إلى الإعْرابِ؛ والكَلامِ عَلى لَفْظَةٍ لَفْظَةٍ مِنَ الآيَةِ؛ ولْنَقْصِدِ القَوْلَ المُفِيدَ؛ لِأنَّ الناسَ خَلَطُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ تَخْلِيطًا شَدِيدًا؛ وذِكْرُ ذَلِكَ والرَدُّ عَلَيْهِ (p-٣٨٥)يَطُولُ؛ وفي تَبْيِينِ الحَقِّ الَّذِي تَتَلَقّاهُ الأذْهانُ بِالقَبُولِ مُقْنِعٌ؛ واللهُ المُسْتَعانُ.
قَوْلُهُ: ﴿ "شَهادَةُ بَيْنِكُمْ"؛﴾ قالَ قَوْمٌ: اَلشَّهادَةُ هُنا بِمَعْنى: "اَلْحُضُورُ"؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلشَّهادَةُ بِمَعْنى: "اَلْيَمِينُ"؛ ولَيْسَتْ بِالَّتِي تُؤَدّى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ والصَوابُ أنَّها الشَهادَةُ الَّتِي تُحْفَظُ لِتُؤَدّى؛ ورَفْعُهُما بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ في قَوْلِهِ: "اِثْنانِ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: اَلتَّقْدِيرُ: "شَهادَةُ بَيْنِكم في وصاياكم شَهادَةُ اثْنَيْنِ"؛ فَحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ أوَّلًا؛ كَأنَّهُ قالَ: "مُقِيمُ شَهادَةِ بَيْنِكُمُ اثْنانِ".
وأُضِيفَتِ الشَهادَةُ إلى "بَيْنِ"؛ اِتِّساعًا في الظَرْفِ؛ بِأنْ يُعامَلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤].
وقَرَأ الأعْرَجُ ؛ والشَعْبِيُّ ؛ والحَسَنُ: "شَهادَةٌ" بِالتَنْوِينِ؛ "بَيْنَكُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ وإعْرابُ هَذِهِ القِراءَةِ عَلى نَحْوِ إعْرابِ قِراءَةِ السَبْعَةِ؛ ورُوِيَ عَنِ الأعْرَجِ ؛ وأبِي حَيْوَةَ: "شَهادَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ والتَنْوِينِ؛ "بَيْنَكُمْ"؛ نَصْبًا؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: اَلتَّقْدِيرُ: "لِيُقِمْ شَهادَةً بَيْنَكُمُ اثْنانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ ؛ مَعْناهُ: إذا قَرُبَ الحُضُورُ؛ وإلّا فَإذا حَضَرَ المَوْتُ لَمْ يَشْهَدْ مَيِّتٌ؛ وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ [النحل: ٩٨] ؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] ؛ وهَذا كَثِيرٌ؛ والعامِلُ في "إذا": اَلْمَصْدَرُ الَّذِي هو "شَهادَةُ"؛ وهَذا عَلى أنْ تَجْعَلَ "إذا" بِمَنزِلَةِ "حِينَ"؛ لا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ؛ ولَكَ أنْ (p-٢٨٦)تَجْعَلَ "إذا" - في هَذِهِ الآيَةِ - المُحْتاجَةَ إلى الجَوابِ؛ لَكِنِ اسْتُغْنِيَ عن جَوابِها بِما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ "شَهادَةُ بَيْنِكُمْ"؛﴾ إذِ المَعْنى: "إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَنْبَغِي أنْ يَشْهَدَ".
وقَوْلُهُ: ﴿ "حِينَ الوَصِيَّةِ"﴾ ظَرْفُ زَمانٍ والعامِلُ في "حَضَرَ"؛ وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِن "إذا"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَكَ أنْ تُعَلِّقَهُ بِـ "اَلْمَوْتُ"؛ لا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ فِيهِ "شَهادَةُ" لِأنَّها إذا عَمِلَتْ في ظَرْفٍ مِنَ الزَمانِ لَمْ تَعْمَلْ في ظَرْفٍ آخَرَ مِنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "ذَوا عَدْلٍ"؛﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ "اِثْنانِ"؛ و"مِنكُمْ": صِفَةٌ أيْضًا؛ بَعْدَ صِفَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِن غَيْرِكُمْ"؛﴾ صِفَةٌ لِـ "آخَرانِ"؛ و﴿ "ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ"؛﴾ مَعْناهُ: "سافَرْتُمْ لِلتِّجارَةِ"؛ تَقُولُ: "ضَرَبْتُ في الأرْضِ" أيْ: سافَرْتُ لِلتِّجارَةِ؛ و"ضَرَبْتُ الأرْضَ": ذَهَبْتُ فِيها لِقَضاءِ حاجَةِ الإنْسانِ؛ وهَذا السَفَرُ كانَ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يَعْدِمَ فِيهِ المُؤْمِنُ مُؤْمِنَيْنِ؛ فَلِذَلِكَ خُصَّ بِالذِكْرِ؛ لِأنَّ سَفَرَ الجِهادِ لا يَكادُ يَعْدِمُ فِيهِ مُؤْمِنَيْنِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَوْلُهُ: ﴿ "تَحْبِسُونَهُما"؛﴾ صِفَةٌ لِـ "آخَرانِ"؛ واعْتُرِضَ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِفَةِ بِقَوْلِهِ: "إنْ أنْتُمْ"؛ إلى "اَلْمَوْتِ"؛ وأفادَ الِاعْتِراضُ أنَّ العُدُولَ إلى آخَرانِ مِن غَيْرِ المِلَّةِ؛ أوِ القَرابَةِ؛ حَسَبَ اخْتِلافِ العُلَماءِ في ذَلِكَ؛ إنَّما يَكُونُ مَعَ ضَرُورَةِ السَفَرِ؛ وحُلُولِ المَوْتِ فِيهِ؛ واسْتُغْنِيَ عن جَوابِ "إنْ"؛ لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أو آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾.
وقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: الصَلاةُ هُنا: صَلاةُ العَصْرِ؛ لِأنَّهُ وقْتَ اجْتِماعِ الناسِ؛ وقَدْ ذَكَرَهُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيمَن حَلَفَ عَلى سِلْعَتِهِ؛ وأمَرَ بِاللِعانِ فِيهِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنَّما هي بَعْدَ صَلاةِ الذِمِّيِّينَ؛ وأمّا العَصْرُ فَلا حُرْمَةَ لَها عِنْدَهُما.
والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ "فَيُقْسِمانِ"؛﴾ عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ لِأنَّ المَعْنى تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ الصَلاةِ﴾ ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وإنْ شِئْتَ لَمْ تُقَدِّرِ الفاءَ عاطِفَةَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ ولَكِنْ تَجْعَلُهُ جَزاءً؛ كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ:
؎ وإنْسانُ عَيْنِي يَحْسِرُ الماءُ تارَةً ∗∗∗ فَيَبْدُو وتاراتٍ يَجُمُّ فَيَغْرَقُ
تَقْدِيرُهُ عِنْدَهُمْ: إذا حَسِرَ بَدا؛ فَكَذَلِكَ إذا حَبَسْتُمُوهُما أقْسَما.
(p-٢٨٧)وَقَوْلُهُ: ﴿ "إنِ ارْتَبْتُمْ"؛﴾ شَرْطٌ لا يُتَوَجَّهُ تَحْلِيفُ الشاهِدَيْنِ إلّا بِهِ؛ ومَتى لَمْ يَقَعِ ارْتِيابٌ ولا اخْتِلافٌ فَلا يَمِينٌ؛ أما إنَّهُ يَظْهَرُ مِن حُكْمِ أبِي مُوسى تَحْلِيفُ الذِمِّيِّينَ أنَّهُ بِاليَمِينِ تَكْمُلُ شَهادَتُهُما وتُنَفَّذُ الوَصِيَّةُ لِأهْلِها؛ وإنْ لَمْ يُرْتَبْ؛ وهَذِهِ الرِيبَةُ - عِنْدَ مَن لا يَرى الآيَةَ مَنسُوخَةً - تَتَرَتَّبُ في الخِيانَةِ؛ وفي الِاتِّهامِ بِالمَيْلِ إلى بَعْضِ المُوصى لَهُما دُونَ بَعْضٍ؛ وتَقَعُ مَعَ ذَلِكَ اليَمِينُ عِنْدَهُ؛ وأمّا مَن يَرى الآيَةَ مَنسُوخَةً فَلا يَقَعُ تَحْلِيفٌ إلّا بِأنْ يَكُونَ الِارْتِيابُ في خِيانَةٍ؛ أو تَعَدٍّ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ التَعَدِّي؛ فَيَكُونَ التَحْلِيفُ عِنْدَهُ بِحَسَبِ الدَعْوى عَلى مُنْكِرٍ؛ لا عَلى أنَّهُ تَكْمِيلٌ لِلشَّهادَةِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِ الحالِفَيْنِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ ؛ عائِدٌ عَلى القَسَمِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اسْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَعُودُ عَلى تَحْرِيفِ الشَهادَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "لا نَشْتَرِي"؛﴾ جَوابُ ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ "فَيُقْسِمانِ بِاللهِ"؛﴾ لِأنَّ القَسَمَ ونَحْوَهُ يُتَلَقّى بِما تُتَلَقّى بِهِ الأيْمانُ؛ وتَقْدِيرُ "بِهِ ثَمَنًا"؛ أيْ: ذا ثَمَنٍ؛ لِأنَّ الثَمَنَ لا يُشْتَرى؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [التوبة: ٩] ؛ مَعْناهُ: ذا ثَمَنٍ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "نَشْتَرِي"؛ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "نَبِيعُ"؛ لِأنَّ المَعْنى يُبْطِلُهُ؛ وإنْ كانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا في اللُغَةِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
وخَصَّ ذا القُرْبى بِالذِكْرِ لِأنَّ العُرْفَ مَيْلُ الناسِ إلى قَراباتِهِمْ؛ واسْتِسْهالُهم في جَنْبِ نَفْعِهِمْ ما لا يُسْتَسْهَلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ﴾ ؛ أضافَ "شَهادَةَ"؛ إلَيْهِ تَعالى؛ مِن حَيْثُ هو الآمِرُ بِإقامَتِها؛ الناهِي عن كِتْمانِها.
وقَرَأ الحَسَنُ والشَعْبِيُّ: "وَلا نَكْتُمْ"؛ بِجَزْمِ المِيمِ؛ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ ونَعِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ؛ والشَعْبِيُّ - بِخِلافٍ عنهُ -: "شَهادَةً"؛ بِالتَنْوِينِ؛ "اَللَّهَ"؛ نُصِبَ بِـ "نَكْتُمُ"؛ كَأنَّ الكَلامَ: "وَلا نَكْتُمُ اللهَ شَهادَةً"؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "وَلا نَكْتُمُ شَهادَةً واللهِ"؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الواوُ؛ ونُصِبَ الفِعْلُ إيجازًا؛ ورَوى يَحْيى بْنُ آدَمَ عن أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ: "شَهادَةً"؛ "أللَّهِ"؛ بِقَطْعِ الألِفِ؛ دُونَ مَدٍّ؛ وخَفْضِ الهاءِ؛ (p-٢٨٨)وَرُوِيَتْ أيْضًا عَنِ الشَعْبِيِّ ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّهُ كانَ يَقِفُ عَلى الهاءِ مِنَ الشَهادَةِ؛ بِالسُكُونِ؛ ثُمَّ يَقْطَعُ الألِفَ المَكْتُوبَةَ مِن غَيْرِ مَدٍّ؛ كَما تَقَدَّمَ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ "آللَّهِ"؛ بِمَدِّ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ في الوَجْهَيْنِ؛ أعْنِي بِسُكُونِ الهاءِ مِنَ الشَهادَةِ؛ وتَحْرِيكِها مُنَوَّنَةً مَنصُوبَةً؛ ورُوِيَتْ هَذِهِ الَّتِي هي تَنْوِينُ الشَهادَةِ؛ ومَدِّ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: أمّا تَسْكِينُ هاءِ "شَهادَةْ"؛ والوَقْفُ عَلَيْها؛ واسْتِئْنافُ القَسَمِ؛ فَوَجْهٌ حَسَنٌ؛ لِأنَّ اسْتِئْنافَ القَسَمِ في أوَّلِ الكَلامِ أوقَرُ لَهُ وأشَدُّ هَيْبَةً أنْ يُدْرَجَ في عَرْضِ القَوْلِ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ حَبِيبٍ؛ والحَسَنُ البَصْرِيُّ - فِيما ذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ -: "شَهادَةً"؛ بِالنَصْبِ والتَنْوِينِ؛ "آللَّهِ"؛ بِالمَدِّ في هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّتِي هي عِوَضٌ مِن حَرْفِ القَسَمِ "آنّا"؛ بِمَدِّ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ أيْضًا؛ دَخَلَتْ لِتَوْقِيفٍ أو تَقْرِيرٍ لِنُفُوسِ المُقْسِمَيْنِ؛ أو لِمَن خاطَباهُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "لَمِلّاثِمِينَ"؛ بِالإدْغامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَإنْ عُثِرَ"؛﴾ اِسْتِعارَةٌ لِما يُوقَعُ عَلى عِلْمِهِ بَعْدَ خَفائِهِ؛ اتِّفاقًا؛ وبَعْدَ أنْ لَمْ يُرْجَ؛ ولَمْ يُقْصَدْ؛ وهَذا كَما يُقالُ: "عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ"؛ و"وَقَعْتَ عَلى كَذا؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والإثْمُ هُنا: اسْمُ الشَيْءِ المَأْخُوذِ؛ لِأنَّ آخِذَهُ بِأخْذِهِ آثِمٌ؛ فَسُمِّيَ آثِمًا؛ كَما سُمِّيَ ما يُؤْخَذُ بِغَيْرِ حَقٍّ "مَظْلَمَةً"؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: اَلْمَظْلَمَةُ اسْمُ ما أُخِذَ مِنكَ؛ وكَذَلِكَ سُمِّيَ هَذا المَأْخُوذُ بِاسْمِ المَصْدَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والَّذِي يَظْهَرُ هُنا أنَّ الإثْمَ عَلى بابِهِ؛ وهو الحُكْمُ اللاحِقُ لَهُما؛ والنِسْبَةُ الَّتِي يَتَحَصَّلانِ فِيها بَعْدَ مُواقَعَتِهِما لِتَحْرِيفِ الشَهادَةِ؛ أو لِأخْذِ ما لَيْسَ لَهُما؛ أو نَحْوِ ذَلِكَ.
و"اِسْتَحَقّا"؛ مَعْناهُ: اِسْتَوْجَباهُ مِنَ اللهِ؛ وكانا أهْلًا لَهُ؛ فَهَذا اسْتِحْقاقٌ عَلى بابِهِ؛ إنَّهُ اسْتِيجابُ حَقِيقَةٍ؛ ولَوْ كانَ الإثْمُ الشَيْءَ المَأْخُوذَ لَمْ يُقَلْ فِيهِ "اِسْتَحَقّا"؛ لِأنَّهُما ظَلَما؛ وخانا فِيهِ؛ فَإنَّما اسْتَحَقّا مَنزِلَةَ السُوءِ وحُكْمَ العِصْيانِ؛ وذَلِكَ هو الإثْمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَآخَرانِ"؛﴾ أيْ: فَإذا عُثِرَ عَلى فَسادِهِما؛ فالأولَيانِ بِاليَمِينِ وإقامَةِ القَضِيَّةِ آخَرانِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ هم وُلاةُ المَيِّتِ؛ واسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ حَظُّهُمْ؛ أو ظُهُورُهُمْ؛ أو مالُهُمْ؛ أو ما شِئْتَ مِن هَذِهِ التَقْدِيراتِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ: "اِسْتُحِقَّ" مَضْمُومَةَ التاءِ؛ (p-٢٨٩)وَ"اَلْأولَيانِ"؛ عَلى التَثْنِيَةِ لِـ "أولى"؛ ورَوى قُرَّةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "اِسْتَحَقَّ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ "اَلْأولَيانِ"؛ عَلى التَثْنِيَةِ؛ وكَذَلِكَ رَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "اِسْتُحِقَّ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ "اَلْأوَّلِينَ"؛ عَلى جَمْعِ "أوَّلُ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "اِسْتَحَقَّ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ "اَلْأوَّلانِ"؛ عَلى تَثْنِيَةِ "أوَّلُ"؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "اَلْأوَّلَيْنِ"؛ عَلى تَثْنِيَةِ "أوَّلُ"؛ ونَصْبُهُما عَلى تَقْدِيرِ: اَلْأوَّلَيْنِ فالأوَّلَيْنِ؛ في الرُتْبَةِ والقُرْبى.
قالَ أبُو عَلِيٍّ - في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ ومَن مَعَهُ -: لا يَخْلُو ارْتِفاعُ "اَلْأولَيانِ"؛ مِن أنْ يَكُونَ عَلى الِابْتِداءِ؛ وقَدْ أُخِّرَ؛ فَكَأنَّهُ في التَقْدِيرِ: "واَلْأولَيانِ بِأمْرِ المَيِّتِ آخَرانِ يَقُومانِ"؛ فَيَجِيءُ الكَلامُ كَقَوْلِهِمْ: "تَمِيمِيٌّ أنا"؛ أو يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ؛ كَأنَّهُ: "فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما هُما اَلْأولَيانِ"؛ أو يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في "يَقُومانِ"؛ أو يَكُونَ مُسْنَدًا إلى "اِسْتُحِقَّ"؛ وأجازَ أبُو الحَسَنِ فِيهِ شَيْئًا آخَرَ؛ وهو أنْ يَكُونَ "اَلْأولَيانِ" صِفَةً لِـ "فَآخَرانِ"؛ لِأنَّهُ لَمّا وُصِفَ خُصِّصَ؛ فَوُصِفَ مِن أجْلِ الِاخْتِصاصِ الَّذِي صارَ لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ قالَ أبُو عَلِيٍّ - بَعْدَ كَلامِهِ هَذا -: فَأمّا ما يُسْنَدُ إلَيْهِ "اِسْتُحِقَّ"؛ فَلا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ الأنْصِباءَ؛ أوِ الوَصِيَّةَ؛ أوِ الإثْمَ؛ وسُمِّيَ المَأْخُوذُ "إثْمًا"؛ كَما يُقالُ لِما يُؤْخَذُ مِنَ المَظْلُومِ: "مَظْلَمَةٌ"؛ ولِذَلِكَ جازَ أنْ يَسْتَنِدَ إلَيْهِ "اِسْتُحِقَّ"؛ ثُمَّ قالَ - بَعْدَ كَلامٍ -: فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ" إلى "اَلْأولَيانِ"؟ فالقَوْلُ: إنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّ المُسْتَحَقَّ إنَّما يَكُونُ الوَصِيَّةَ؛ أو شَيْئًا مِنها؛ وأمّا اَلْأولَيانِ بِالمَيِّتِ فَلا يَجُوزُ أنْ يُسْتَحَقّا؛ فَيُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ"؛ إلَيْهِما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا الكَلامِ نَظَرٌ؛ ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ"؛ إلى "اَلْأولَيانِ"؛ وذَلِكَ أنَّ (p-٢٩٠)أبا عَلِيٍّ حَمَلَ لَفْظَةَ الِاسْتِحْقاقِ عَلى أنَّهُ حَقِيقِيٌّ؛ فَلَمْ يُجَوِّزْهُ؛ إلّا حَيْثُ يَصِحُّ الِاسْتِحْقاقُ الحَقِيقِيُّ في النازِلَةِ؛ وإنَّما يُسْتَحَقُّ حَقِيقَةً النَصِيبُ ونَحْوُهُ؛ ولَفْظَةُ الِاسْتِحْقاقِ في الآيَةِ إنَّما هي اسْتِعارَةٌ؛ ولَيْسَتْ بِمَعْنى "اِسْتَحَقّا إثْمًا"؛ فَإنَّ الِاسْتِحْقاقَ هُنا حَقِيقَةٌ؛ وفي قَوْلِهِ: "اِسْتُحِقَّ"؛ مُسْتَعارٌ؛ لِأنَّهُ لا وجْهَ لِهَذا الِاسْتِحْقاقِ إلّا الغَلَبَةُ عَلى الحالِ؛ بِحُكْمِ انْفِرادِ هَذا المَيِّتِ؛ وعَدَمِهِ لِقَرابَتِهِ؛ أو لِأهْلِ دِينِهِ؛ فَـ "اِسْتُحِقَّ"؛ هُنا؛ كَما تَقُولُ لِظالِمٍ يَظْلِمُكَ: "هَذا قَدِ اسْتُحِقَّ عَلَيَّ مالِي؛ أو مَنزِلِي؛ بِظُلْمِهِ"؛ فَتُشَبِّهُهُ؛ بِالمُسْتَحَقِّ حَقِيقَةً؛ إذْ قَدْ تَسَوَّرَ تَسَوُّرَهُ؛ وتَمَلَّكَ تَمَلُّكَهُ؛ وكَذَلِكَ يُقالُ: "فُلانٌ قَدِ اسْتَحَقَّ مِنهُ زَمَنُهُ شُغْلَ كَذا"؛ إذا كانَ ذَلِكَ الأمْرُ قَدْ غَلَبَهُ عَلى أوقاتِهِ؛ وهَكَذا هي "اِسْتُحِقَّ"؛ في الآيَةِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ وإنْ أُسْنِدَتْ إلى الأنْصِباءِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: "اِسْتُحِقَّ"؛ صِلَةٌ لِـ "اَلَّذِينَ"؛ و"اَلَّذِينَ"؛ واقِعٌ عَلى الصِنْفِ المُناقِضِ لِلشّاهِدَيْنِ الجائِرَيْنِ؛ فالشاهِدانِ ما اسْتَحَقّا قَطُّ في هَذِهِ النازِلَةِ شَيْئًا حَقِيقَةَ اسْتِحْقاقٍ؛ وإنَّما تَسَوَّرا تَسَوُّرَ المُسْتَحِقِّ؛ فَلَنا أنْ نُقَدِّرَ "اَلْأولَيانِ" اِبْتِداءً؛ وقَدْ أُخِّرَ؛ فَيُسْنَدَ "اِسْتُحِقَّ" - عَلى هَذا - إلى المالِ؛ أوِ النَصِيبِ؛ ونَحْوِهِ؛ عَلى جِهَةِ الِاسْتِعارَةِ؛ وكَذَلِكَ إذا كانَ "اَلْأولَيانِ" خَبَرَ ابْتِداءٍ؛ وكَذَلِكَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَقُومانِ"؛ وعَلى الصِفَةِ؛ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ؛ ولَنا أنْ نُقَدِّرَ الكَلامَ بِمَعْنى: مِنَ الجَماعَةِ الَّتِي غابَتْ؛ وكانَ حَقُّهُما؛ والمُبْتَغى أنْ يَحْضُرَ ولِيُّها؛ فَلَمّا غابَتْ وانْفَرَدَ هَذا المُوصِي؛ اسْتَحَقَّتْ هَذِهِ الحالُ - وهَذانِ الشاهِدانِ مِن غَيْرِ أهْلِ الدِينِ - الوِلايَةَ؛ وأمْرَ الأولَيَيْنِ عَلى هَذِهِ الجَماعَةِ؛ ثُمَّ بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ عَلى هَذا المَعْنى إيجازًا؛ ويُقَوِّي هَذا الغَرَضَ أنْ تَعَدّى الفِعْلُ بِـ "عَلى"؛ لَمّا كانَ بِاقْتِدارٍ؛ وحَمْلُ هَيْئَتِهِ عَلى الحالِ؛ ولا يُقالُ: "اِسْتُحِقَّ مِنهُ؛ أو فِيهِ"؛ إلّا في الِاسْتِحْقاقِ الحَقِيقِيِّ عَلى وجْهِهِ؛ وأمّا "اِسْتُحِقَّ عَلَيْهِ"؛ فَيُقالُ في الحَمْلِ؛ والغَلَبَةِ؛ والِاسْتِحْقاقِ المُسْتَعارِ؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمُ"؛ عائِدٌ - عَلى كُلِّ حالٍ في هَذِهِ القِراءَةِ - عَلى الجَماعَةِ الَّتِي تُناقِضُ شاهِدَيِ الزُورِ الآثِمَيْنِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الصِنْفِ الَّذِينَ مِنهم شاهِدُ الزُورِ؛ عَلى ما نُبَيِّنُهُ الآنَ - إنْ شاءَ اللهُ - في غَيْرِ هَذِهِ القِراءَةِ.
وأمّا رِوايَةُ قُرَّةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "اِسْتَحَقَّ"؛ بِفَتْحِ التاءِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "اَلْأولَيانِ" اِبْتِداءً؛ أو خَبَرَ ابْتِداءٍ؛ ويَكُونَ المَعْنى: "فِي الجَمْعِ أوِ القَبِيلِ الَّذِي اسْتَحَقَّ القَضِيَّةَ عَلى هَذا الصِنْفِ الشاهِدِ بِالزُورِ"؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِمْ"؛ عائِدٌ عَلى صِنْفِ شاهِدَيِ الزُورِ.
(p-٢٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا التَأْوِيلِ تَحْوِيلٌ؛ وتَحْلِيقٌ؛ وصَنْعَةٌ في "اَلَّذِينَ"؛ وعَلَيْهِ يَنْبَنِي كَلامُ أبِي عَلِيٍّ - في كِتابِ "اَلْحُجَّةُ" -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ القِيامُ"؛ والصَوابَ مِنَ التَأْوِيلَيْنِ أنَّ الضَمِيرَ في "عَلَيْهِمُ"؛ عائِدٌ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ "اَلْأولَيانِ"؛ رُفِعَ بِـ "اِسْتَحَقَّ"؛ وذَلِكَ مُتَخَرَّجٌ عَلى ثَلاثَةِ مَعانٍ:
أحَدُها أنْ يَكُونَ المُرادَ مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ مالُهُمْ؛ وتَرِكَتُهُمْ: شاهِدا الزُورِ؛ فَسَمّى شاهِدَيِ الزُورِ "أولَيَيْنِ"؛ مِن حَيْثُ جَعَلَتْهُما الحالُ الأُولى كَذَلِكَ؛ أيْ صَيَّرَهم عَدَمُ الناسِ أولى بِهَذا المَيِّتِ؛ وتَرِكَتِهِ؛ فَجارا فِيها.
والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الجَماعَةِ: اَلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ مِنهُمُ الأولَيانِ؛ فَـ "اِسْتَحَقَّ"؛ بِمَعْنى: "حَقَّ"؛ و"وَجَبَ"؛ كَما تَقُولُ: "هَذا بِناءٌ قَدِ اسْتَحَقَّ"؛ بِمَعْنى: "حَقَّ"؛ كَـ "عَجِبَ"؛ و"اِسْتَعْجَبَ"؛ ونَحْوِهِ.
والمَعْنى الثالِثُ أنْ يُجْعَلَ "اِسْتَحَقَّ"؛ بِمَعْنى "سَعى"؛ و"اِسْتَوْجَبَ"؛ فَكَأنَّ الكَلامَ: "فَآخَرانِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ حَضَرَ أولَيانِ مِنهُمْ؛ فاسْتَحَقّا عَلَيْهِمْ حَقَّهُمْ"؛ أيْ: اِسْتَحَقّا لَهُمْ؛ وسَعَيا فِيهِ؛ واسْتَوْجَباهُ بِأيْمانِهِما؛ وقُرْباهُما؛ ونَحْوُ هَذا المَعْنى الَّذِي يُعْطِيهِ التَعَدِّي بِـ "عَلى"؛ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أسْعى عَلى حَيِّ بَنِي مالِكٍ ∗∗∗ ∗∗∗ كُلُّ امْرِئٍ في شَأْنِهِ ساعِي
وكَذَلِكَ في الحَدِيثِ: « "كُنْتُ أرْعى عَلَيْهِمُ الغَنَمَ"؛» في بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ الَّذِينَ ذَكَرَ أحَدُهم بِرَّهُ بِأبَوَيْهِ؛ حِينَ انْحَطَّتْ عَلَيْهِمُ الصَخْرَةُ.
(p-٢٩٢)وَأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ فَمَعْناها: "مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمْ أمْرُهُمْ"؛ أيْ: غُلِبُوا عَلَيْهِ؛ ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهم أوَّلُونَ؛ أيْ: في الذِكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ ؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿أو آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾ ؛ يَعْنِي الآخَرَيْنِ اللَذَيْنِ يَقُومانِ مَقامَ شاهِدَيِ التَحْرِيفِ؛ وقَوْلُهُما: ﴿لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ ؛ أيْ: "لَما أخْبَرْنا نَحْنُ بِهِ؛ وذَكَرْناهُ مِن نَصِّ القَضِيَّةِ؛ أحَقُّ مِمّا ذَكَراهُ أوَّلًا؛ وحَرَّفا فِيهِ؛ ﴿ "وَما اعْتَدَيْنا"؛﴾ نَحْنُ في قَوْلِنا هَذا؛ ولا زِدْنا عَلى الحَدِّ". وقَوْلُهُما: ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ﴾ ؛ تَبَرٍّ في صِيغَةِ الِاسْتِعْظامِ والِاسْتِقْباحِ لِلظُّلْمِ؛ والظُلْمُ: وضْعُ الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
المائدة 5:108
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَهادَةِ عَلى وجْهِها أو يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ واتَّقُوا اللهَ واسْمَعُوا واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾
اَلْإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ"؛ هي إلى جَمِيعِ ما حَدَّ اللهُ قَبْلُ؛ مِن حَبْسِ الشاهِدَيْنِ؛ مِن بَعْدِ الصَلاةِ؛ لِلْيَمِينِ؛ ثُمَّ إنْ عُثِرَ عَلى جَوْرِهِما؛ رُدَّتِ اليَمِينَ؛ وغُرِّما؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ يُقَرِّبُ اعْتِدالَ هَذا الصِنْفِ فِيما عَسى أنْ يَنْزِلَ مِنَ النَوازِلِ؛ لِأنَّهم يَخافُونَ التَحْلِيفَ المُغَلَّظَ بِعَقِبِ الصَلاةِ؛ ثُمَّ يَخافُونَ الفَضِيحَةَ؛ ورَدَّ اليَمِينِ؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -.
ويَظْهَرُ مِن كَلامِ السُدِّيِّ أنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ"؛ إنَّما هي إلى الحَبْسِ مِن بَعْدِ الصَلاةِ (p-٢٩٣)فَقَطْ؛ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أو يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ﴾ ؛ بِإزاءِ: ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ [المائدة: ١٠٧] ؛ اَلْآيَةِ.
وجُمِعَ الضَمِيرِ في "يَأْتُوا"؛ و"يَخافُوا"؛ إذِ المُرادُ صِنْفٌ ونَوْعٌ مِنَ الناسِ؛ و"أو"؛ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَأْوِيلِ السُدِّيِّ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: "تَجِيئُنِي يا زَيْدُ أو تُسْخِطَنِي"؛ كَأنَّكَ تُرِيدُ: "وَإلّا أسْخَطْتَنِي"؛ فَكَذَلِكَ مَعْنى الآيَةِ: "ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَهادَةِ عَلى وجْهِها؛ وإلّا خافُوا رَدَّ الأيْمانِ"؛ وأمّا عَلى مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - فالمَعْنى: "ذَلِكَ الحُكْمُ كُلُّهُ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا؛ وأقْرَبُ إلى أنْ يَخافُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى وجْهِها﴾ ؛ مَعْناهُ: "عَلى جِهَتِها القَوِيمَةِ الَّتِي لَمْ تُبَدَّلْ؛ ولا حُرِّفَتْ".
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالتَقْوى؛ الَّتِي هي الِاعْتِصامُ بِاللهِ ؛ وبِالسَمْعِ لِهَذِهِ الأُمُورِ المُنْجِيَةِ؛ وأخْبَرَ أنَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ؛ مِن حَيْثُ هم فاسِقُونَ؛ وإلّا فَهو تَعالى يَهْدِيهِمْ إذا تابُوا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ "اَلْفاسِقِينَ"؛ عامًّا؛ والمُرادُ الخُصُوصُ فِيمَن لا يَتُوبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ويَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُسُلَ ؛ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ العامِلَ في "يَوْمَ"؛ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: "لا يَهْدِي"؛ وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ ورَصْفُ الآيَةِ وبَراعَتُها إنَّما هو أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُسْتَأْنِفًا؛ والعامِلُ مُقَدَّرًا؛ إمّا: "اُذْكُرُوا"؛ وإمّا: "تَذَكَّرُوا"؛ وإمّا: "اِحْذَرُوا"؛ ونَحْوَ هَذا مِمّا حَسُنَ اخْتِصارُهُ؛ لِعِلْمِ السامِعِ.
والإشارَةُ بِهَذا اليَوْمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وخُصَّ الرُسُلُ بِالذِكْرِ لِأنَّهم قادَةُ الخَلْقِ؛ وفي ضِمْنِ جَمْعِهِمْ جَمْعُ الخَلائِقِ؛ وهُمُ المُكَلَّمُونَ أوَّلًا.
و﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: "ماذا أجابَتْ بِهِ الأُمَمُ؛ مِن إيمانٍ؛ أو كُفْرٍ؛ وطاعَةٍ؛ أو عِصْيانٍ؟"؛ وهَذا السُؤالُ لِلْأنْبِياءِ الرُسُلِ؛ إنَّما هو لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلى الأُمَمِ؛ ويُبْتَدَأ حِسابُهم عَلى الواضِحِ المُسْتَبِينِ لِكُلِّ مَفْطُورٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِمْ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -: ﴿ "لا عِلْمَ لَنا"؛﴾ فَقالَ الطَبَرِيُّ: ذَهِلُوا عَنِ الجَوابِ؛ لِهَوْلِ المَطْلَعِ؛ وذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لا عِلْمَ لَنا مِن هَوْلٍ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وعَنِ السُدِّيِّ: نَزَلُوا مُنْزَلًا ذُهِلَتْ فِيهِ العُقُولُ؛ فَقالُوا: لا عِلْمَ لَنا؛ ثُمَّ نَزَلُوا مُنْزَلًا آخَرَ شَهِدُوا عَلى قَوْمِهِمْ؛ وعن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَفْزَعُونَ؛ فَيَقُولُونَ: لا عِلْمَ لَنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: (p-٢٩٤)وَضَعَّفَ بَعْضُ الناسِ هَذا المَنزَعَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ؛ والأنْبِياءُ في أشَدِّ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ؛ وحالَةِ جَوازِ الصِراطِ يَقُولُونَ: سَلِّمْ؛ سَلِّمْ؛ وحالُهم أعْظَمُ؛ وفَضْلُ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أكْثَرُ مِن أنْ تُذْهَلَ عُقُولُهم حَتّى يَقُولُوا ما لَيْسَ بِحَقٍّ في نَفْسِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: مَعْنى الآيَةِ: لا عِلْمَ لَنا إلّا عِلْمًا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا حَسَنٌ؛ كَأنَّ المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا يَكْفِي ويَنْتَهِي إلى الغايَةِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنى ﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ":﴾ "ماذا عَمِلُوا بِعْدَكُمْ؟ وما أحْدَثُوا؟"؛ فَلِذَلِكَ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ في نَفْسِهِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ ؛ لَكِنَّ لَفْظَةَ "أُجِبْتُمْ"؛ لا تُساعِدُ قَوْلَ ابْنِ جُرَيْجٍ ؛ إلّا عَلى كُرْهٍ؛ وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أصْوَبُ هَذِهِ المَناحِي؛ لِأنَّهُ يُتَخَرَّجُ عَلى التَسْلِيمِ لِلَّهِ تَعالى؛ ورَدِّ الأمْرِ إلَيْهِ؛ إذْ قَوْلُهُ: ﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ"؛﴾ لا عِلْمَ عِنْدَهم في جَوابِهِ إلّا بِما شُوفِهُوا بِهِ مُدَّةَ حَياتِهِمْ؛ ويَنْقُصُهم ما في قُلُوبِ المُشافِهِينَ مِن نِفاقٍ؛ ونَحْوِهِ؛ وكَذَلِكَ يَنْقُصُهم ما كانَ بَعْدَهم مِن أُمَّتِهِمْ؛ واللهُ تَعالى يَعْلَمُ جَمِيعَ ذَلِكَ عَلى التَفْصِيلِ؛ والكَمالِ؛ فَرَأوُا التَسْلِيمَ لَهُ والخُضُوعَ لِعِلْمِهِ المُحِيطِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "ماذا أجَبْتُمْ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.
المائدة 5:109
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَهادَةِ عَلى وجْهِها أو يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ واتَّقُوا اللهَ واسْمَعُوا واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾
اَلْإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ"؛ هي إلى جَمِيعِ ما حَدَّ اللهُ قَبْلُ؛ مِن حَبْسِ الشاهِدَيْنِ؛ مِن بَعْدِ الصَلاةِ؛ لِلْيَمِينِ؛ ثُمَّ إنْ عُثِرَ عَلى جَوْرِهِما؛ رُدَّتِ اليَمِينَ؛ وغُرِّما؛ فَذَلِكَ كُلُّهُ يُقَرِّبُ اعْتِدالَ هَذا الصِنْفِ فِيما عَسى أنْ يَنْزِلَ مِنَ النَوازِلِ؛ لِأنَّهم يَخافُونَ التَحْلِيفَ المُغَلَّظَ بِعَقِبِ الصَلاةِ؛ ثُمَّ يَخافُونَ الفَضِيحَةَ؛ ورَدَّ اليَمِينِ؛ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -.
ويَظْهَرُ مِن كَلامِ السُدِّيِّ أنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ"؛ إنَّما هي إلى الحَبْسِ مِن بَعْدِ الصَلاةِ (p-٢٩٣)فَقَطْ؛ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أو يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ﴾ ؛ بِإزاءِ: ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ [المائدة: ١٠٧] ؛ اَلْآيَةِ.
وجُمِعَ الضَمِيرِ في "يَأْتُوا"؛ و"يَخافُوا"؛ إذِ المُرادُ صِنْفٌ ونَوْعٌ مِنَ الناسِ؛ و"أو"؛ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَأْوِيلِ السُدِّيِّ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: "تَجِيئُنِي يا زَيْدُ أو تُسْخِطَنِي"؛ كَأنَّكَ تُرِيدُ: "وَإلّا أسْخَطْتَنِي"؛ فَكَذَلِكَ مَعْنى الآيَةِ: "ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَهادَةِ عَلى وجْهِها؛ وإلّا خافُوا رَدَّ الأيْمانِ"؛ وأمّا عَلى مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - فالمَعْنى: "ذَلِكَ الحُكْمُ كُلُّهُ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا؛ وأقْرَبُ إلى أنْ يَخافُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى وجْهِها﴾ ؛ مَعْناهُ: "عَلى جِهَتِها القَوِيمَةِ الَّتِي لَمْ تُبَدَّلْ؛ ولا حُرِّفَتْ".
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالتَقْوى؛ الَّتِي هي الِاعْتِصامُ بِاللهِ ؛ وبِالسَمْعِ لِهَذِهِ الأُمُورِ المُنْجِيَةِ؛ وأخْبَرَ أنَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ؛ مِن حَيْثُ هم فاسِقُونَ؛ وإلّا فَهو تَعالى يَهْدِيهِمْ إذا تابُوا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ "اَلْفاسِقِينَ"؛ عامًّا؛ والمُرادُ الخُصُوصُ فِيمَن لا يَتُوبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ويَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُسُلَ ؛ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ العامِلَ في "يَوْمَ"؛ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: "لا يَهْدِي"؛ وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ ورَصْفُ الآيَةِ وبَراعَتُها إنَّما هو أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُسْتَأْنِفًا؛ والعامِلُ مُقَدَّرًا؛ إمّا: "اُذْكُرُوا"؛ وإمّا: "تَذَكَّرُوا"؛ وإمّا: "اِحْذَرُوا"؛ ونَحْوَ هَذا مِمّا حَسُنَ اخْتِصارُهُ؛ لِعِلْمِ السامِعِ.
والإشارَةُ بِهَذا اليَوْمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وخُصَّ الرُسُلُ بِالذِكْرِ لِأنَّهم قادَةُ الخَلْقِ؛ وفي ضِمْنِ جَمْعِهِمْ جَمْعُ الخَلائِقِ؛ وهُمُ المُكَلَّمُونَ أوَّلًا.
و﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: "ماذا أجابَتْ بِهِ الأُمَمُ؛ مِن إيمانٍ؛ أو كُفْرٍ؛ وطاعَةٍ؛ أو عِصْيانٍ؟"؛ وهَذا السُؤالُ لِلْأنْبِياءِ الرُسُلِ؛ إنَّما هو لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلى الأُمَمِ؛ ويُبْتَدَأ حِسابُهم عَلى الواضِحِ المُسْتَبِينِ لِكُلِّ مَفْطُورٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِمْ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -: ﴿ "لا عِلْمَ لَنا"؛﴾ فَقالَ الطَبَرِيُّ: ذَهِلُوا عَنِ الجَوابِ؛ لِهَوْلِ المَطْلَعِ؛ وذُكِرَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لا عِلْمَ لَنا مِن هَوْلٍ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وعَنِ السُدِّيِّ: نَزَلُوا مُنْزَلًا ذُهِلَتْ فِيهِ العُقُولُ؛ فَقالُوا: لا عِلْمَ لَنا؛ ثُمَّ نَزَلُوا مُنْزَلًا آخَرَ شَهِدُوا عَلى قَوْمِهِمْ؛ وعن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: يَفْزَعُونَ؛ فَيَقُولُونَ: لا عِلْمَ لَنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: (p-٢٩٤)وَضَعَّفَ بَعْضُ الناسِ هَذا المَنزَعَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] ؛ والأنْبِياءُ في أشَدِّ أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ؛ وحالَةِ جَوازِ الصِراطِ يَقُولُونَ: سَلِّمْ؛ سَلِّمْ؛ وحالُهم أعْظَمُ؛ وفَضْلُ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أكْثَرُ مِن أنْ تُذْهَلَ عُقُولُهم حَتّى يَقُولُوا ما لَيْسَ بِحَقٍّ في نَفْسِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: مَعْنى الآيَةِ: لا عِلْمَ لَنا إلّا عِلْمًا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا حَسَنٌ؛ كَأنَّ المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا يَكْفِي ويَنْتَهِي إلى الغايَةِ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنى ﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ":﴾ "ماذا عَمِلُوا بِعْدَكُمْ؟ وما أحْدَثُوا؟"؛ فَلِذَلِكَ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مَعْنًى حَسَنٌ في نَفْسِهِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ ؛ لَكِنَّ لَفْظَةَ "أُجِبْتُمْ"؛ لا تُساعِدُ قَوْلَ ابْنِ جُرَيْجٍ ؛ إلّا عَلى كُرْهٍ؛ وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أصْوَبُ هَذِهِ المَناحِي؛ لِأنَّهُ يُتَخَرَّجُ عَلى التَسْلِيمِ لِلَّهِ تَعالى؛ ورَدِّ الأمْرِ إلَيْهِ؛ إذْ قَوْلُهُ: ﴿ "ماذا أُجِبْتُمْ"؛﴾ لا عِلْمَ عِنْدَهم في جَوابِهِ إلّا بِما شُوفِهُوا بِهِ مُدَّةَ حَياتِهِمْ؛ ويَنْقُصُهم ما في قُلُوبِ المُشافِهِينَ مِن نِفاقٍ؛ ونَحْوِهِ؛ وكَذَلِكَ يَنْقُصُهم ما كانَ بَعْدَهم مِن أُمَّتِهِمْ؛ واللهُ تَعالى يَعْلَمُ جَمِيعَ ذَلِكَ عَلى التَفْصِيلِ؛ والكَمالِ؛ فَرَأوُا التَسْلِيمَ لَهُ والخُضُوعَ لِعِلْمِهِ المُحِيطِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "ماذا أجَبْتُمْ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.
المائدة 5:110
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿إذْ قالَ اللهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ الناسَ في المَهْدِ وكَهْلا وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عنكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في "إذْ" فِعْلًا مُضْمَرًا؛ تَقْدِيرُهُ: "اُذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ جِئْتَهم (p-٢٩٥)بِالبَيِّناتِ؛ و"قالَ"؛ هُنا بِمَعْنى: "يَقُولُ"؛ لِأنَّ ظاهِرَ هَذا القَوْلِ أنَّهُ في القِيامَةِ؛ تَقْدِمَةً لِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ أحْكامٌ لِتَوْبِيخِ الَّذِينَ يُتَحَصَّلُونَ كافِرِينَ بِاللهِ في ادِّعائِهِمْ أُلُوهِيَّةَ عِيسى.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "إذْ"؛ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ﴾ [المائدة: ١٠٩].
ونِعْمَةُ اللهِ عَلى عِيسى هي بِالنُبُوَّةِ؛ وسائِرِ ما ذُكِرَ؛ وما عُلِمَ مِمّا لا تُحْصى؛ وعُدِّدَتْ عَلَيْهِ النِعْمَةُ عَلى أُمَّهُ إذْ هي نِعْمَةٌ صائِرَةٌ إلَيْهِ؛ وبِسَبَبِهِ كانَتْ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أيَّدْتُكَ"؛﴾ بِتَشْدِيدِ الياءِ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "آيَدْتُكَ"؛ عَلى وزْنِ "فاعَلْتُكَ"؛ ويَظْهَرُ أنَّ الأصْلَ في القِراءَتَيْنِ "أيَّدْتُكَ"؛ عَلى وزْنِ "أفْعَلْتُكَ"؛ ثُمَّ اخْتَلَفَ الإعْلالُ؛ والمَعْنى فِيهِما: "قَوَّيْتُكَ"؛ مِن "اَلْأيْدُ"؛ وقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ:
؎ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الأعَزِّ الأكْرَمْ ∗∗∗ أيَّدَنا يَوْمَ زُحُوفِ الأشْرَمْ
ورُوحُ القُدُسِ هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "فِي المَهْدِ"﴾ حالٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: صَغِيرًا؛ "وَكَهْلًا" حالَ أيْضًا مَعْطُوفَةٌ عَلى الأوَّلِ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعانا لِجَنْبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا﴾ [يونس: ١٢] ؛ والكُهُولَةٌ مِنَ الأرْبَعِينَ إلى الخَمْسِينَ؛ وقِيلَ: هي مِن ثَلاثَةٍ وثَلاثِينَ؛ و"اَلْكِتابَ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ: مَصْدَرُ "كَتَبَ؛ يَكْتُبُ"؛ أيْ: "عَلَّمْتُكَ الخَطَّ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اسْمَ جِنْسٍ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ خَصَّ بَعْدَ ذَلِكَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ بِالذِكْرِ؛ تَشْرِيفًا.
"والحِكْمَةُ" هي الفَهْمُ؛ والإدْراكُ في أُمُورِ الشَرْعِ؛ وقَدْ وهَبَ اللهُ الأنْبِياءَ مِنها ما هم بِهِ مُخْتَصُّونَ؛ مَعْصُومُونَ؛ لا يَنْطِقُونَ عن هَوًى.
قَوْلُهُ تَعالى: "وَإذْ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ حَيْثُما تَكَرَّرَتْ؛ فَهي عَطْفٌ عَلى الأُولى الَّتِي عَمِلَتْ فِيها "نِعْمَتِي".
و"تَخْلُقُ" مَعْناهُ: تُقَدِّرُ؛ وتُهَيِّئُ تَقْدِيرًا مُسْتَوِيًا؛ مُتْقَنًا؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
(p-٢٩٦)أيْ: يُهَيِّئُ؛ ويُقَدِّرُ لِيَعْمَلَ ويُكْمِلَ؛ ثُمَّ لا يَفْعَلُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ مَن كانَ يَخْلُقُ ما يَقُو ∗∗∗ ∗∗∗ لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَةْ
وكانَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - يُصَوِّرُ مِنَ الطِينِ أمْثالَ الخَفافِيشِ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيها أمامَ الناسِ؛ فَتَحْيا؛ وتَطِيرُ بِإذْنِ اللهِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا القَصَصُ في "آلِ عِمْرانَ ".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كَهَيْئَةِ" بِالهَمْزِ؛ وهو مَصْدَرٌ مِن قَوْلِهِمْ: "هاءَ الشَيْءُ؛ يَهاءُ"؛ إذا ثَبَتَ؛ واسْتَقَرَّ عَلى أمْرٍ حَسَنٍ؛ قالَ اللِحْيانِيُّ: ويُقالُ "يَهِيءُ"؛ وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "كَهَيَّةِ"؛ بِتَشْدِيدِ الياءِ؛ مِن غَيْرِ هَمْزٍ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "كَهَيْئَةِ الطائِرِ".
والإذْنُ في هَذِهِ الآيَةِ - كَيْفَ تَكَرَّرَ - مَعْناهُ: اَلتَّمْكِينُ؛ مَعَ العِلْمِ بِما يُصْنَعُ؛ وما يُقْصَدُ مِن دُعاءِ الناسِ إلى الإيمانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَتَنْفُخُ فِيها"؛﴾ هو النَفْخُ المَعْرُوفُ مِنَ البَشَرِ؛ وإنَّما جَعَلَ اللهُ الأمْرَ هَكَذا لِيَظْهَرَ تَلَبُّسُ عِيسى بِالمُعْجِزَةِ؛ وصُدُورُها مِنهُ؛ وهَذا كَطَرْحِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - العَصا؛ وكَإيرادِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - القُرْآنَ؛ وهَذا أحَدُ شُرُوطِ المُعْجِزاتِ؛ وقَوْلُهُ: "فِيها"؛ بِضَمِيرِ مُؤَنَّثٍ؛ مَعَ مَجِيءِ ذَلِكَ في "آلِ عِمْرانَ ": ﴿فَأنْفُخُ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] ؛ بِضَمِيرِ مُذَكَّرٍ؛ مَوْضِعٌ قَدِ اضْطَرَبَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ؛ قالَ مَكِّيٌّ: هو في "آلِ عِمْرانَ "؛ عائِدٌ عَلى الطائِرِ؛ وفي "اَلْمائِدَةِ"؛ عائِدٌ عَلى الهَيْئَةِ؛ قالَ: ويَصِحُّ عَكْسُ هَذا؛ وقالَ غَيْرُهُ: اَلضَّمِيرُ المُذَكَّرُ عائِدٌ عَلى الطِينِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا يَصِحُّ عَوْدُ هَذا الضَمِيرِ؛ لا عَلى الطَيْرِ؛ ولا عَلى الطِينِ؛ ولا عَلى الهَيْئَةِ؛ لِأنَّ الطِينَ؛ والطائِرَ الَّذِي يَجِيءُ الطِينُ عَلى هَيْئَتِهِ؛ لا نَفْخَ فِيهِ البَتَّةَ؛ وكَذَلِكَ لا نَفْخَ في هَيْئَتِهِ الخاصَّةِ بِجَسَدِهِ؛ وهي المَذْكُورَةُ في الآيَةِ؛ وكَذَلِكَ الطِينُ المَذْكُورُ في الآيَةِ إنَّما هو الطِينُ العامُّ؛ ولا نَفْخَ في ذَلِكَ؛ وإنَّما النَفْخُ في الصُوَرِ المَخْصُوصَةِ مِنهُ؛ الَّتِي رَتَّبَتْها يَدُ عِيسى - عَلَيْهِ (p-٢٩٧)السَلامُ -؛ فالوَجْهُ أنْ يُقالَ في عَوْدِ الضَمِيرِ المُؤَنَّثِ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ ضَرُورَةً؛ وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ﴾ ؛ يَقْتَضِي صُوَرًا؛ أو أجْسامًا؛ أو أشْكالًا؛ وكَذَلِكَ الضَمِيرُ المُذَكَّرُ يَعُودُ عَلى المَخْلُوقِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ "تَخْلُقُ"؛ ولَكَ أنْ تُعِيدَهُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الكافُ في مَعْنى المِثْلِ؛ لِأنَّ المَعْنى: "وَإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِينِ مِثْلَ هَيْئَتِهِ". ولَكَ أنْ تُعِيدَ الضَمِيرَ عَلى الكافِ نَفْسِهِ؛ فِيمَن يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا في غَيْرِ الشِعْرِ؛ وتَكُونُ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ صِفَةً لِلْمَصْدَرِ المُرادِ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَإذْ تَخْلُقُ خَلْقًا مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ".
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ: "كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَتَنْفُخُها فَيَكُونُ"؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَتَكُونُ"؛ بِالتاءِ؛ مِن فَوْقُ؛ وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "فِيها فَيَكُونُ"؛ بِالياءِ مِن تَحْتُ؛ وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "فَتَكُونَ طائِرًا"؛ وقَرَأ الباقُونَ: "طَيْرًا"؛ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ والقِراءَتانِ مُسْتَفِيضَتانِ في الناسِ؛ فَـ "اَلطَّيْرُ": جَمْعُ "طائِرٌ"؛ كَـ "تاجِرٌ"؛ و"تَجْرٌ"؛ و"صاحِبٌ"؛ و"صَحْبٌ"؛ و"راكِبٌ"؛ و"رَكْبٌ"؛ والطائِرُ: اِسْمٌ مُفْرَدٌ؛ والمَعْنى عَلى قِراءَةِ نافِعٍ: "فَتَكُونُ كُلُّ قِطْعَةٍ مِن تِلْكَ المَخْلُوقاتِ طائِرًا".
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ الطائِرَ قَدْ يَكُونُ جَمْعًا؛ كَـ "اَلْحامِلُ"؛ و"الباقِرُ"؛ فَيَكُونُ عَلى هَذا مَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدًا؛ لَكانَ قِياسًا؛ ويُقَوِّي ذَلِكَ ما حَكاهُ أبُو الحَسَنِ مِن قَوْلِهِمْ: "طائِرَةٌ"؛ فَيَكُونُ مِن بابِ: "شَعِيرَةٌ" و"شَعِيرٌ"؛ و"تَمْرَةٌ"؛ و"تَمْرٌ".
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الأكْمَهِ؛ والأبْرَصِ؛ وفي قَصَصِ إحْيائِهِ المَوْتى في "آلِ عِمْرانَ "؛ و﴿تُخْرِجُ المَوْتى﴾ ؛ مَعْناهُ: مِن قُبُورِهِمْ؛ وكَفُّ بَنِي إسْرائِيلَ عنهُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هو رَفْعُهُ؛ حِينَ أحاطُوا بِهِ في البَيْتِ مَعَ الحَوارِيِّينَ؛ ومِن أوَّلِ ما مَنَعَهُ اللهُ مِنهم هو الكَفُّ؛ إلى تِلْكَ النازِلَةِ الآخِرَةِ؛ فَهُنالِكَ ظَهَرَ عِظَمُ الكَفِّ؛ والبَيِّناتُ: هي مُعْجِزاتُهُ؛ وإنْجِيلُهُ؛ وجَمِيعُ ما جاءَ بِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ - هُنا؛ وفي "هُودٍ"؛ و"اَلصَّفِّ" -: ﴿ "إلا سِحْرٌ"؛﴾ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ - في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ -: "ساحِرٌ"؛ بِألِفٍ؛ فَمَن قَرَأ "سِحْرٌ"؛ جَعَلَ الإشارَةَ إلى البَيِّناتِ؛ والحَدِيثِ؛ وما جاءَ بِهِ؛ ومَن قَرَأ "ساحِرٌ"؛ جَعَلَ الإشارَةَ إلى الشَخْصِ؛ إذْ هو ذُو سِحْرٍ عِنْدَهُمْ؛ وهَذا مُطَّرِدٌ في القُرْآنِ كُلِّهِ؛ حَيْثُما ورَدَ هَذا الخِلافُ.
المائدة 5:111
(p-٢٩٨)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإذْ أوحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشاهِدِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَإذْ أوحَيْتُ"؛﴾ هو مِن جُمْلَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ عَلى عِيسى؛ و"أوحَيْتُ"؛ في هَذا المَوْضِعِ إمّا أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ؛ أو وحْيَ أمْرٍ؛ كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ .................... ∗∗∗ أوحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ
وبِالجُمْلَةِ فَهو إلْقاءُ مَعْنًى في خَفاءٍ؛ أوصَلَهُ تَعالى إلى نُفُوسِهِمْ كَيْفَ شاءَ.
والرَسُولُ - في هَذِهِ الآيَةِ - عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَوْلُ الحَوارِيِّينَ: ﴿ "واشْهَدْ"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً مِنهم لِلَّهِ تَعالى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ لَفْظَةِ "اَلْحَوارِيِّينَ"؛ في "آلِ عِمْرانَ ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اعْتِراضٌ أثْناءَ وصْفِ حالِ قَوْلِ اللهِ لِعِيسى يَوْمَ القِيامَةِ؛ مُضَمَّنٌ الِاعْتِراضُ إخْبارَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وأُمَّتَهُ؛ بِنازِلَةِ الحَوارِيِّينَ في المائِدَةِ؛ إذْ هي مِثالٌ نافِعٌ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها؛ يُقْتَدى بِمَحاسِنِهِ؛ ويُزْدَجَرُ عَمّا يَنْقَدُ مِنهُ؛ مِن طَلَبِ الآياتِ ونَحْوِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ"؛ بِالياءِ؛ ورَفْعِ الباءِ مِن "رَبُّكَ"؛ وهي قِراءَةُ السَبْعَةِ؛ حاشا الكِسائِيَّ ؛ وهَذا لَيْسَ لِأنَّهم شَكُّوا في قُدْرَةِ اللهِ عَلى هَذا الأمْرِ؛ لَكِنَّهُ بِمَعْنى: هَلْ يَفْعَلُ تَعالى هَذا؟ وهَلْ تَقَعُ مِنهُ إجابَةٌ لَهُ؟ وهَذا كَما قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ: (p-٢٩٩)هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ؟ فالمَعْنى: هَلْ يَخِفُّ عَلَيْكَ؟ وهَلْ تَفْعَلُهُ؟ أما إنَّ في اللَفْظَةِ بَشاعَةً؛ بِسَبَبِها قالَ عِيسى: ﴿اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ وبِسَبَبِها مالَ فَرِيقٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ إلى غَيْرِ هَذِهِ القِراءَةِ؛ فَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعائِشَةُ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ -: "هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ"؛ بِالتاءِ؛ ونَصْبِ الباءِ مِن "رَبَّكَ"؛ والمَعْنى: "هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ؟"؛ قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "كانَ الحَوارِيُّونَ أعْرَفَ بِاللهِ مِن أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: نَزَّهَتْهم عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها - عن بَشاعَةِ اللَفْظِ؛ وإلّا فَلَيْسَ يَلْزَمُهم مِنهُ جَهْلٌ بِاللهِ تَعالى؛ عَلى ما قَدْ تَبَيَّنَ آنِفًا؛ وبِمِثْلِ هَذِهِ القِراءَةِ قَرَأ الكِسائِيُّ ؛ وزادَ أنَّهُ أدْغَمَ اللامَ في التاءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ حَسَنٌ؛ و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ "أنْ يُنَزِّلَ"؛﴾ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَصْدَرِ المَحْذُوفِ؛ الَّذِي هُوَ: "سُؤالَ"؛ و"أنْ"؛ مَفْعُولٌ بِهِ؛ إذْ هو في حُكْمِ المَذْكُورِ في اللَفْظِ؛ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا مِنهُ؛ إذْ لا يَتِمُّ المَعْنى إلّا بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عن تَقْدِيرِ "سُؤالَ"؛ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: "هَلْ يَسْتَطِيعُ أنْ يُنَزِّلَ رَبُّكَ بِدُعائِكَ أو بِأثَرَتِكَ عِنْدَهُ؛ ونَحْوِ هَذا؟"؛ فَيَرُدُّكَ المَعْنى - ولا بُدَّ - إلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ اللَفْظِ.
و"اَلْمائِدَةُ": "فاعِلَةٌ"؛ مِن "مادَ"؛ إذا تَحَرَّكَ؛ هَذا قَوْلُ الزَجّاجِ ؛ أو مِن "مادَ"؛ إذا مارَ؛ وأطْعَمَ؛ كَما قالَ رُؤْبَةُ:
؎ تُهْدى رُؤُوسُ المُتْرَفِينَ الأنْدادِ ∗∗∗ ∗∗∗ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتادِ
أيْ: اَلَّذِي يُسْتَطْعَمُ؛ ويُمْتادُ مِنهُ. (p-٣٠٠)وَقَوْلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ تَقْرِيرٌ لَهُمْ؛ كَما تَقُولُ: "اِفْعَلْ كَذا؛ وكَذا؛ إنْ كُنْتَ رَجُلًا"؛ ولا خِلافَ أحْفَظُهُ في أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ؛ وهَذا هو ظاهِرُ الآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: قالَ الحَوارِيُّونَ هَذِهِ المَقالَةَ في صَدْرِ الأمْرِ؛ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ؛ والأبْرَصَ؛ ويُحْيِي المَوْتى؛ ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿ "اتَّقُوا اللهَ"؛﴾ إنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ؛ وذَلِكَ - عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يَسْتَطِيعُ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلُ - مُتَوَجِّهٌ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما بَشاعَةُ اللَفْظِ؛ والآخَرُ إنْكارُ طَلَبِ الآياتِ؛ والتَعَرُّضِ إلى سُخْطِ اللهِ بِها؛ والنُبُوّاتُ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلى أنْ تُتَعَنَّتَ؛ وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُخْرى فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ إلّا الِاقْتِراحَ وقِلَّةَ طُمَأْنِينَتِهِمْ إلى ما قَدْ ظَهَرَ مِن آياتِهِ؛ فَلَمّا خاطَبَهم - عَلَيْهِ السَلامُ - بِهَذِهِ المَقالَةِ صَرَّحُوا بِالمَذاهِبِ الَّتِي حَمَلَتْهم عَلى طَلَبِ المائِدَةِ؛ فَقالُوا: نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها؛ فَنَشْرُفَ في العالَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لِأنَّ هَذا الأكْلَ لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ شَبَعَ البَطْنِ.
﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ ؛ مَعْناهُ: "يَسْكُنَ فِكْرُنا في أمْرِكَ بِالمُعايَنَةِ لِأمْرٍ نازِلٍ مِنَ السَماءِ بِأعْيُنِنا؛ ﴿ "وَنَعْلَمَ"﴾ عِلْمَ الضَرُورَةِ والمُشاهَدَةِ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا؛ فَلا تَعْتَرِضَنا الشُبَهُ الَّتِي تَعْرِضُ في عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبِهَذا يُتَرَجَّحُ قَوْلُ مَن قالَ: كانَ هَذا قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِآياتِهِ؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ أنَّ وحْيَ اللهِ إلَيْهِمْ: ﴿ "أنْ آمِنُوا"؛﴾ إنَّما كانَ في صَدْرِ الأمْرِ؛ وعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ؛ ثُمَّ آمَنُوا؛ ورَأوُا الآياتِ؛ واسْتَمَرُّوا؛ وصَدُّوا؛ وهَلَكَ مَن كَفَرَ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَيُعْلَمَ"؛ بِالياءِ مَضْمُومَةً؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشاهِدِينَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "مِنَ الشاهِدِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ الناقِلِينَ لَها إلى غَيْرِنا؛ الداعِينَ إلى هَذا الشَرْعِ بِسَبَبِها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورُوِيَ أنَّ الَّذِي نَحا بِهِمْ هَذا المَنحى مِنَ الِاقْتِراحِ هو أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَ لَهم (p-٣٠١)مَرَّةً: "هَلْ لَكم في صِيامِ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِلَّهِ؛ ثُمَّ إنْ سَألْتُمُوهُ حاجَةً قَضاها؟"؛ فَلَمّا صامُوها قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ؛ "إنَّ حَقَّ مَن عَمِلَ عَمَلًا أنْ يُطْعَمَ؛ فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟"؛ فَأرادُوا أنْ تَكُونَ المائِدَةُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَوْمِ.
المائدة 5:112
(p-٢٩٨)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإذْ أوحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشاهِدِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَإذْ أوحَيْتُ"؛﴾ هو مِن جُمْلَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ عَلى عِيسى؛ و"أوحَيْتُ"؛ في هَذا المَوْضِعِ إمّا أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ؛ أو وحْيَ أمْرٍ؛ كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ .................... ∗∗∗ أوحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ
وبِالجُمْلَةِ فَهو إلْقاءُ مَعْنًى في خَفاءٍ؛ أوصَلَهُ تَعالى إلى نُفُوسِهِمْ كَيْفَ شاءَ.
والرَسُولُ - في هَذِهِ الآيَةِ - عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَوْلُ الحَوارِيِّينَ: ﴿ "واشْهَدْ"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً مِنهم لِلَّهِ تَعالى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ لَفْظَةِ "اَلْحَوارِيِّينَ"؛ في "آلِ عِمْرانَ ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اعْتِراضٌ أثْناءَ وصْفِ حالِ قَوْلِ اللهِ لِعِيسى يَوْمَ القِيامَةِ؛ مُضَمَّنٌ الِاعْتِراضُ إخْبارَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وأُمَّتَهُ؛ بِنازِلَةِ الحَوارِيِّينَ في المائِدَةِ؛ إذْ هي مِثالٌ نافِعٌ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها؛ يُقْتَدى بِمَحاسِنِهِ؛ ويُزْدَجَرُ عَمّا يَنْقَدُ مِنهُ؛ مِن طَلَبِ الآياتِ ونَحْوِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ"؛ بِالياءِ؛ ورَفْعِ الباءِ مِن "رَبُّكَ"؛ وهي قِراءَةُ السَبْعَةِ؛ حاشا الكِسائِيَّ ؛ وهَذا لَيْسَ لِأنَّهم شَكُّوا في قُدْرَةِ اللهِ عَلى هَذا الأمْرِ؛ لَكِنَّهُ بِمَعْنى: هَلْ يَفْعَلُ تَعالى هَذا؟ وهَلْ تَقَعُ مِنهُ إجابَةٌ لَهُ؟ وهَذا كَما قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ: (p-٢٩٩)هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ؟ فالمَعْنى: هَلْ يَخِفُّ عَلَيْكَ؟ وهَلْ تَفْعَلُهُ؟ أما إنَّ في اللَفْظَةِ بَشاعَةً؛ بِسَبَبِها قالَ عِيسى: ﴿اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ وبِسَبَبِها مالَ فَرِيقٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ إلى غَيْرِ هَذِهِ القِراءَةِ؛ فَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعائِشَةُ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ -: "هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ"؛ بِالتاءِ؛ ونَصْبِ الباءِ مِن "رَبَّكَ"؛ والمَعْنى: "هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ؟"؛ قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "كانَ الحَوارِيُّونَ أعْرَفَ بِاللهِ مِن أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: نَزَّهَتْهم عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها - عن بَشاعَةِ اللَفْظِ؛ وإلّا فَلَيْسَ يَلْزَمُهم مِنهُ جَهْلٌ بِاللهِ تَعالى؛ عَلى ما قَدْ تَبَيَّنَ آنِفًا؛ وبِمِثْلِ هَذِهِ القِراءَةِ قَرَأ الكِسائِيُّ ؛ وزادَ أنَّهُ أدْغَمَ اللامَ في التاءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ حَسَنٌ؛ و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ "أنْ يُنَزِّلَ"؛﴾ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَصْدَرِ المَحْذُوفِ؛ الَّذِي هُوَ: "سُؤالَ"؛ و"أنْ"؛ مَفْعُولٌ بِهِ؛ إذْ هو في حُكْمِ المَذْكُورِ في اللَفْظِ؛ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا مِنهُ؛ إذْ لا يَتِمُّ المَعْنى إلّا بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عن تَقْدِيرِ "سُؤالَ"؛ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: "هَلْ يَسْتَطِيعُ أنْ يُنَزِّلَ رَبُّكَ بِدُعائِكَ أو بِأثَرَتِكَ عِنْدَهُ؛ ونَحْوِ هَذا؟"؛ فَيَرُدُّكَ المَعْنى - ولا بُدَّ - إلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ اللَفْظِ.
و"اَلْمائِدَةُ": "فاعِلَةٌ"؛ مِن "مادَ"؛ إذا تَحَرَّكَ؛ هَذا قَوْلُ الزَجّاجِ ؛ أو مِن "مادَ"؛ إذا مارَ؛ وأطْعَمَ؛ كَما قالَ رُؤْبَةُ:
؎ تُهْدى رُؤُوسُ المُتْرَفِينَ الأنْدادِ ∗∗∗ ∗∗∗ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتادِ
أيْ: اَلَّذِي يُسْتَطْعَمُ؛ ويُمْتادُ مِنهُ. (p-٣٠٠)وَقَوْلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ تَقْرِيرٌ لَهُمْ؛ كَما تَقُولُ: "اِفْعَلْ كَذا؛ وكَذا؛ إنْ كُنْتَ رَجُلًا"؛ ولا خِلافَ أحْفَظُهُ في أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ؛ وهَذا هو ظاهِرُ الآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: قالَ الحَوارِيُّونَ هَذِهِ المَقالَةَ في صَدْرِ الأمْرِ؛ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ؛ والأبْرَصَ؛ ويُحْيِي المَوْتى؛ ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿ "اتَّقُوا اللهَ"؛﴾ إنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ؛ وذَلِكَ - عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يَسْتَطِيعُ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلُ - مُتَوَجِّهٌ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما بَشاعَةُ اللَفْظِ؛ والآخَرُ إنْكارُ طَلَبِ الآياتِ؛ والتَعَرُّضِ إلى سُخْطِ اللهِ بِها؛ والنُبُوّاتُ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلى أنْ تُتَعَنَّتَ؛ وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُخْرى فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ إلّا الِاقْتِراحَ وقِلَّةَ طُمَأْنِينَتِهِمْ إلى ما قَدْ ظَهَرَ مِن آياتِهِ؛ فَلَمّا خاطَبَهم - عَلَيْهِ السَلامُ - بِهَذِهِ المَقالَةِ صَرَّحُوا بِالمَذاهِبِ الَّتِي حَمَلَتْهم عَلى طَلَبِ المائِدَةِ؛ فَقالُوا: نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها؛ فَنَشْرُفَ في العالَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لِأنَّ هَذا الأكْلَ لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ شَبَعَ البَطْنِ.
﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ ؛ مَعْناهُ: "يَسْكُنَ فِكْرُنا في أمْرِكَ بِالمُعايَنَةِ لِأمْرٍ نازِلٍ مِنَ السَماءِ بِأعْيُنِنا؛ ﴿ "وَنَعْلَمَ"﴾ عِلْمَ الضَرُورَةِ والمُشاهَدَةِ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا؛ فَلا تَعْتَرِضَنا الشُبَهُ الَّتِي تَعْرِضُ في عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبِهَذا يُتَرَجَّحُ قَوْلُ مَن قالَ: كانَ هَذا قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِآياتِهِ؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ أنَّ وحْيَ اللهِ إلَيْهِمْ: ﴿ "أنْ آمِنُوا"؛﴾ إنَّما كانَ في صَدْرِ الأمْرِ؛ وعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ؛ ثُمَّ آمَنُوا؛ ورَأوُا الآياتِ؛ واسْتَمَرُّوا؛ وصَدُّوا؛ وهَلَكَ مَن كَفَرَ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَيُعْلَمَ"؛ بِالياءِ مَضْمُومَةً؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشاهِدِينَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "مِنَ الشاهِدِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ الناقِلِينَ لَها إلى غَيْرِنا؛ الداعِينَ إلى هَذا الشَرْعِ بِسَبَبِها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورُوِيَ أنَّ الَّذِي نَحا بِهِمْ هَذا المَنحى مِنَ الِاقْتِراحِ هو أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَ لَهم (p-٣٠١)مَرَّةً: "هَلْ لَكم في صِيامِ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِلَّهِ؛ ثُمَّ إنْ سَألْتُمُوهُ حاجَةً قَضاها؟"؛ فَلَمّا صامُوها قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ؛ "إنَّ حَقَّ مَن عَمِلَ عَمَلًا أنْ يُطْعَمَ؛ فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟"؛ فَأرادُوا أنْ تَكُونَ المائِدَةُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَوْمِ.
المائدة 5:113
(p-٢٩٨)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإذْ أوحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشاهِدِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَإذْ أوحَيْتُ"؛﴾ هو مِن جُمْلَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ عَلى عِيسى؛ و"أوحَيْتُ"؛ في هَذا المَوْضِعِ إمّا أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ؛ أو وحْيَ أمْرٍ؛ كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ .................... ∗∗∗ أوحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ
وبِالجُمْلَةِ فَهو إلْقاءُ مَعْنًى في خَفاءٍ؛ أوصَلَهُ تَعالى إلى نُفُوسِهِمْ كَيْفَ شاءَ.
والرَسُولُ - في هَذِهِ الآيَةِ - عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَوْلُ الحَوارِيِّينَ: ﴿ "واشْهَدْ"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً مِنهم لِلَّهِ تَعالى؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ لَفْظَةِ "اَلْحَوارِيِّينَ"؛ في "آلِ عِمْرانَ ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اعْتِراضٌ أثْناءَ وصْفِ حالِ قَوْلِ اللهِ لِعِيسى يَوْمَ القِيامَةِ؛ مُضَمَّنٌ الِاعْتِراضُ إخْبارَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وأُمَّتَهُ؛ بِنازِلَةِ الحَوارِيِّينَ في المائِدَةِ؛ إذْ هي مِثالٌ نافِعٌ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَعَ نَبِيِّها؛ يُقْتَدى بِمَحاسِنِهِ؛ ويُزْدَجَرُ عَمّا يَنْقَدُ مِنهُ؛ مِن طَلَبِ الآياتِ ونَحْوِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ"؛ بِالياءِ؛ ورَفْعِ الباءِ مِن "رَبُّكَ"؛ وهي قِراءَةُ السَبْعَةِ؛ حاشا الكِسائِيَّ ؛ وهَذا لَيْسَ لِأنَّهم شَكُّوا في قُدْرَةِ اللهِ عَلى هَذا الأمْرِ؛ لَكِنَّهُ بِمَعْنى: هَلْ يَفْعَلُ تَعالى هَذا؟ وهَلْ تَقَعُ مِنهُ إجابَةٌ لَهُ؟ وهَذا كَما قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ: (p-٢٩٩)هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ؟ فالمَعْنى: هَلْ يَخِفُّ عَلَيْكَ؟ وهَلْ تَفْعَلُهُ؟ أما إنَّ في اللَفْظَةِ بَشاعَةً؛ بِسَبَبِها قالَ عِيسى: ﴿اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ وبِسَبَبِها مالَ فَرِيقٌ مِنَ الصَحابَةِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ إلى غَيْرِ هَذِهِ القِراءَةِ؛ فَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ ومُعاذُ بْنُ جَبَلٍ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وعائِشَةُ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهم أجْمَعِينَ -: "هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ"؛ بِالتاءِ؛ ونَصْبِ الباءِ مِن "رَبَّكَ"؛ والمَعْنى: "هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ؟"؛ قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "كانَ الحَوارِيُّونَ أعْرَفَ بِاللهِ مِن أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: نَزَّهَتْهم عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها - عن بَشاعَةِ اللَفْظِ؛ وإلّا فَلَيْسَ يَلْزَمُهم مِنهُ جَهْلٌ بِاللهِ تَعالى؛ عَلى ما قَدْ تَبَيَّنَ آنِفًا؛ وبِمِثْلِ هَذِهِ القِراءَةِ قَرَأ الكِسائِيُّ ؛ وزادَ أنَّهُ أدْغَمَ اللامَ في التاءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ حَسَنٌ؛ و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿ "أنْ يُنَزِّلَ"؛﴾ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَصْدَرِ المَحْذُوفِ؛ الَّذِي هُوَ: "سُؤالَ"؛ و"أنْ"؛ مَفْعُولٌ بِهِ؛ إذْ هو في حُكْمِ المَذْكُورِ في اللَفْظِ؛ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا مِنهُ؛ إذْ لا يَتِمُّ المَعْنى إلّا بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَغْنى عن تَقْدِيرِ "سُؤالَ"؛ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: "هَلْ يَسْتَطِيعُ أنْ يُنَزِّلَ رَبُّكَ بِدُعائِكَ أو بِأثَرَتِكَ عِنْدَهُ؛ ونَحْوِ هَذا؟"؛ فَيَرُدُّكَ المَعْنى - ولا بُدَّ - إلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ مِنَ اللَفْظِ.
و"اَلْمائِدَةُ": "فاعِلَةٌ"؛ مِن "مادَ"؛ إذا تَحَرَّكَ؛ هَذا قَوْلُ الزَجّاجِ ؛ أو مِن "مادَ"؛ إذا مارَ؛ وأطْعَمَ؛ كَما قالَ رُؤْبَةُ:
؎ تُهْدى رُؤُوسُ المُتْرَفِينَ الأنْدادِ ∗∗∗ ∗∗∗ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ المُمْتادِ
أيْ: اَلَّذِي يُسْتَطْعَمُ؛ ويُمْتادُ مِنهُ. (p-٣٠٠)وَقَوْلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ تَقْرِيرٌ لَهُمْ؛ كَما تَقُولُ: "اِفْعَلْ كَذا؛ وكَذا؛ إنْ كُنْتَ رَجُلًا"؛ ولا خِلافَ أحْفَظُهُ في أنَّ الحَوارِيِّينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ؛ وهَذا هو ظاهِرُ الآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: قالَ الحَوارِيُّونَ هَذِهِ المَقالَةَ في صَدْرِ الأمْرِ؛ قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ؛ والأبْرَصَ؛ ويُحْيِي المَوْتى؛ ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿ "اتَّقُوا اللهَ"؛﴾ إنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ؛ وذَلِكَ - عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يَسْتَطِيعُ"؛ بِالياءِ مِن أسْفَلُ - مُتَوَجِّهٌ عَلى أمْرَيْنِ: أحَدُهُما بَشاعَةُ اللَفْظِ؛ والآخَرُ إنْكارُ طَلَبِ الآياتِ؛ والتَعَرُّضِ إلى سُخْطِ اللهِ بِها؛ والنُبُوّاتُ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلى أنْ تُتَعَنَّتَ؛ وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُخْرى فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ إلّا الِاقْتِراحَ وقِلَّةَ طُمَأْنِينَتِهِمْ إلى ما قَدْ ظَهَرَ مِن آياتِهِ؛ فَلَمّا خاطَبَهم - عَلَيْهِ السَلامُ - بِهَذِهِ المَقالَةِ صَرَّحُوا بِالمَذاهِبِ الَّتِي حَمَلَتْهم عَلى طَلَبِ المائِدَةِ؛ فَقالُوا: نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها؛ فَنَشْرُفَ في العالَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: لِأنَّ هَذا الأكْلَ لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ شَبَعَ البَطْنِ.
﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ ؛ مَعْناهُ: "يَسْكُنَ فِكْرُنا في أمْرِكَ بِالمُعايَنَةِ لِأمْرٍ نازِلٍ مِنَ السَماءِ بِأعْيُنِنا؛ ﴿ "وَنَعْلَمَ"﴾ عِلْمَ الضَرُورَةِ والمُشاهَدَةِ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا؛ فَلا تَعْتَرِضَنا الشُبَهُ الَّتِي تَعْرِضُ في عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبِهَذا يُتَرَجَّحُ قَوْلُ مَن قالَ: كانَ هَذا قَبْلَ عِلْمِهِمْ بِآياتِهِ؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى ذَلِكَ أنَّ وحْيَ اللهِ إلَيْهِمْ: ﴿ "أنْ آمِنُوا"؛﴾ إنَّما كانَ في صَدْرِ الأمْرِ؛ وعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ؛ ثُمَّ آمَنُوا؛ ورَأوُا الآياتِ؛ واسْتَمَرُّوا؛ وصَدُّوا؛ وهَلَكَ مَن كَفَرَ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "وَيُعْلَمَ"؛ بِالياءِ مَضْمُومَةً؛ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشاهِدِينَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "مِنَ الشاهِدِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ الناقِلِينَ لَها إلى غَيْرِنا؛ الداعِينَ إلى هَذا الشَرْعِ بِسَبَبِها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ورُوِيَ أنَّ الَّذِي نَحا بِهِمْ هَذا المَنحى مِنَ الِاقْتِراحِ هو أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَ لَهم (p-٣٠١)مَرَّةً: "هَلْ لَكم في صِيامِ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِلَّهِ؛ ثُمَّ إنْ سَألْتُمُوهُ حاجَةً قَضاها؟"؛ فَلَمّا صامُوها قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ؛ "إنَّ حَقَّ مَن عَمِلَ عَمَلًا أنْ يُطْعَمَ؛ فَهَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟"؛ فَأرادُوا أنْ تَكُونَ المائِدَةُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَوْمِ.
المائدة 5:114
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرازِقِينَ﴾ ﴿قالَ اللهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَعالى عن عِيسى أنَّهُ أجابَهم إلى دُعاءِ اللهِ في أمْرِ المائِدَةِ؛ فَرُوِيَ أنَّهُ لَبِسَ جُبَّةَ شَعْرٍ؛ ورِداءَ شَعْرٍ؛ وقامَ يُصَلِّي؛ ويَبْكِي؛ ويَدْعُو.
و﴿ "اللهُمَّ"؛﴾ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أصْلُها: "يا اَللَّهُ"؛ فَجُعِلَتِ المِيمانِ بَدَلًا مِن "يا"؛ و"رَبَّنا"؛ مُنادًى آخَرُ؛ ولا يَكُونُ صِفَةً؛ لِأنَّ "اَللَّهُمَّ"؛ يُجْرى مُجْرى الأصْواتِ؛ مِن أجْلِ ما لَحِقَهُ مِنَ التَغْيِيرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "تَكُونُ لَنا"؛﴾ عَلى الصِفَةِ لِلْمائِدَةِ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "تَكُنْ لَنا"؛ عَلى جَوابِ "أنْزِلْ".
و"اَلْعِيدُ": اَلْمُجْتَمَعُ؛ واليَوْمُ المَشْهُودُ؛ وعُرْفُهُ أنْ يُقالَ فِيما يَسْتَدِيرُ بِالسَنَةِ؛ أو بِالشَهْرِ؛ والجُمُعَةِ؛ ونَحْوِهِ؛ وهو مِن "عادَ؛ يَعُودُ"؛ فَأصْلُهُ الواوُ؛ ولَكِنْ لَزِمَتْهُ الياءُ مِن أجْلِ كَسْرَةِ العَيْنِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِأوَّلِنا وآخِرِنا"؛ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ؛ والجَحْدَرِيُّ: "لِأُولانا وأُخْرانا".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ؛ فَقالَ السُدِّيُّ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وسُفْيانُ: "لِأوَّلِنا"؛ مَعْناهُ: لِأوَّلِ الأُمَّةِ؛ ثُمَّ لِمَن بَعْدَهُمْ؛ حَتّى لِآخِرِها؛ يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ المَعْنى: (p-٣٠٢)"يَكُونُ مُجْتَمَعًا لِجَمِيعِنا؛ أوَّلِنا؛ وآخِرِنا"؛ قالَ: وأكَلَ مِنَ المائِدَةِ حِينَ وُضِعَتْ أوَّلُ الناسِ؛ كَما أكَلَ آخِرُهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالعِيدُ - عَلى هَذا - لا يُرادُ بِهِ المُسْتَدِيرُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "وَآيَةً مِنكَ"؛﴾ أيْ: عَلامَةً عَلى صِدْقِي؛ وتَشْرِيفِي؛ فَأجابَ اللهُ دَعْوَةَ عِيسى؛ وقالَ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ ؛ ثُمَّ شَرَطَ عَلَيْهِمْ شَرْطَهُ المُتَعارَفَ في الأُمَمِ؛ أنَّهُ مَن كَفَرَ بَعْدَ آيَةِ الِاقْتِراحِ عُذِّبَ أشَدَّ عَذابٍ.
وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ: "إنِّي مُنَزِّلُها"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وشَدِّ الزايِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "مُنْزِلُها"؛ بِسُكُونِ النُونِ؛ والقِراءَتانِ مُتَّجَهَتانِ؛ "نَزَلَ"؛ و"أنْزَلَ"؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قالَ اللهُ إنِّي سَأُنْزِلُها عَلَيْكُمْ".
واخْتَلَفَ الناسُ في نُزُولِ المائِدَةِ؛ فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ ومُجاهِدٌ: إنَّهم لَمّا سَمِعُوا الشَرْطَ في تَعْذِيبِ مَن كَفَرَ اسْتَعْفَوْها؛ فَلَمْ تَنْزِلْ؛ قالَ مُجاهِدٌ: فَهو مِثْلُ ضَرْبِهِ اللهُ تَعالى لِلنّاسِ لِئَلّا يَسْألُوا هَذِهِ الآياتِ؛ وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ؛ فَرَوى الشَعْبِيُّ عن أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ قالَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ خُبْزًا؛ وسَمَكًا؛ وقالَ عَطِيَّةُ: اَلْمائِدَةُ سَمَكَةٌ فِيها طَعْمُ كُلِّ طَعامٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَ خُوانٌ عَلَيْهِ خُبْزٌ وسَمَكٌ؛ يَأْكُلُونَ مِنهُ أيْنَما نَزَلُوا؛ إذا شاؤُوا؛ وقالَهُ وهْبُ بْنُ مُنْبِهٍ ؛ قالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: نَزَلَتِ المائِدَةُ عَلَيْها سَبْعَةُ أرْغِفَةٍ؛ وسَبْعَةُ أحْواتٍ؛ قالَ: فَسَرَقَ مِنها بَعْضُهُمْ؛ فَرُفِعَتْ؛ وقالَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ: سَألُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - مائِدَةً يَكُونُ عَلَيْها طَعامٌ لا يَنْفَدُ؛ فَقِيلَ لَهُمْ: فَإنَّها مُقِيمَةٌ لَكُمْ؛ ما لَمْ تُخَبِّئُوا؛ أو تَخُونُوا؛ فَإنْ فَعَلْتُمْ عُذِّبْتُمْ؛ قالَ: فَما مَضى يَوْمٌ حَتّى خَبَّؤُوا؛ وخانُوا؛ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - في المائِدَةِ أيْضًا -: كانَ طَعامًا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُما نَزَلُوا؛ وقالَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ: نَزَلَتِ المائِدَةُ عَلَيْها ثِمارٌ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ؛ وقالَ مَيْسَرَةُ: كانَتِ المائِدَةُ إذا وُضِعَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفَتْ عَلَيْها الأيْدِي بِكُلِّ طَعامٍ؛ إلّا اللَحْمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ المائِدَةِ بِما رَأيْتُ اخْتِصارَهُ لِعَدَمِ سَنَدِهِ؛ وقالَ قَوْمٌ: لا يَصِحُّ ألّا تُنَزَّلَ المائِدَةُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ مُنْزِلُها.
(p-٣٠٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ الخَبَرَ مَقْرُونٌ بِشَرْطٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ ؛ وسائِغٌ ما قالَ الحَسَنُ؛ أما إنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ؛ وكَفَرَتْ جَماعَةٌ مِنهُمْ؛ فَمَسَخَهُمُ اللهُ خَنازِيرَ؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: أشَدُّ الناسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ؛ والمُنافِقُونَ؛ وآلُ فِرْعَوْنَ؛ ويُذْكَرُ أنَّ شَمْعُونَ؛ رَأْسَ الحَوارِيِّينَ؛ قالَ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ رَأى طَعامَ المائِدَةِ: يا رُوحَ اللهِ؛ أمِن طَعامِ الدُنْيا هُوَ؛ أمْ مِن طَعامِ الآخِرَةِ؟ قالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: "ألَمْ يَنْهَكُمُ اللهُ عن هَذِهِ السُؤالاتِ؟ هَذا طَعامٌ لَيْسَ مِن طَعامِ الدُنْيا؛ ولا مِن طَعامِ الآخِرَةِ؛ بَلْ هو بِالقُدْرَةِ الغالِبَةِ؛ قالَ اللهُ لَهُ: كُنْ؛ فَكانَ"؛ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ عَلى المائِدَةِ بُقُولٌ؛ سِوى الثُومِ؛ والكُرّاثِ؛ والبَصَلِ؛ وقِيلَ: كانَ عَلَيْها زَيْتُونٌ؛ وتَمْرٌ؛ وحَبٌّ؛ ورُمّانٌ.
المائدة 5:115
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرازِقِينَ﴾ ﴿قالَ اللهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾
ذَكَرَ اللهُ تَعالى عن عِيسى أنَّهُ أجابَهم إلى دُعاءِ اللهِ في أمْرِ المائِدَةِ؛ فَرُوِيَ أنَّهُ لَبِسَ جُبَّةَ شَعْرٍ؛ ورِداءَ شَعْرٍ؛ وقامَ يُصَلِّي؛ ويَبْكِي؛ ويَدْعُو.
و﴿ "اللهُمَّ"؛﴾ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ أصْلُها: "يا اَللَّهُ"؛ فَجُعِلَتِ المِيمانِ بَدَلًا مِن "يا"؛ و"رَبَّنا"؛ مُنادًى آخَرُ؛ ولا يَكُونُ صِفَةً؛ لِأنَّ "اَللَّهُمَّ"؛ يُجْرى مُجْرى الأصْواتِ؛ مِن أجْلِ ما لَحِقَهُ مِنَ التَغْيِيرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "تَكُونُ لَنا"؛﴾ عَلى الصِفَةِ لِلْمائِدَةِ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "تَكُنْ لَنا"؛ عَلى جَوابِ "أنْزِلْ".
و"اَلْعِيدُ": اَلْمُجْتَمَعُ؛ واليَوْمُ المَشْهُودُ؛ وعُرْفُهُ أنْ يُقالَ فِيما يَسْتَدِيرُ بِالسَنَةِ؛ أو بِالشَهْرِ؛ والجُمُعَةِ؛ ونَحْوِهِ؛ وهو مِن "عادَ؛ يَعُودُ"؛ فَأصْلُهُ الواوُ؛ ولَكِنْ لَزِمَتْهُ الياءُ مِن أجْلِ كَسْرَةِ العَيْنِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِأوَّلِنا وآخِرِنا"؛ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ؛ وابْنُ مُحَيْصِنٍ؛ والجَحْدَرِيُّ: "لِأُولانا وأُخْرانا".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ؛ فَقالَ السُدِّيُّ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وسُفْيانُ: "لِأوَّلِنا"؛ مَعْناهُ: لِأوَّلِ الأُمَّةِ؛ ثُمَّ لِمَن بَعْدَهُمْ؛ حَتّى لِآخِرِها؛ يَتَّخِذُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّ المَعْنى: (p-٣٠٢)"يَكُونُ مُجْتَمَعًا لِجَمِيعِنا؛ أوَّلِنا؛ وآخِرِنا"؛ قالَ: وأكَلَ مِنَ المائِدَةِ حِينَ وُضِعَتْ أوَّلُ الناسِ؛ كَما أكَلَ آخِرُهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالعِيدُ - عَلى هَذا - لا يُرادُ بِهِ المُسْتَدِيرُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "وَآيَةً مِنكَ"؛﴾ أيْ: عَلامَةً عَلى صِدْقِي؛ وتَشْرِيفِي؛ فَأجابَ اللهُ دَعْوَةَ عِيسى؛ وقالَ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ ؛ ثُمَّ شَرَطَ عَلَيْهِمْ شَرْطَهُ المُتَعارَفَ في الأُمَمِ؛ أنَّهُ مَن كَفَرَ بَعْدَ آيَةِ الِاقْتِراحِ عُذِّبَ أشَدَّ عَذابٍ.
وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ: "إنِّي مُنَزِّلُها"؛ بِفَتْحِ النُونِ؛ وشَدِّ الزايِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "مُنْزِلُها"؛ بِسُكُونِ النُونِ؛ والقِراءَتانِ مُتَّجَهَتانِ؛ "نَزَلَ"؛ و"أنْزَلَ"؛ بِمَعْنًى واحِدٍ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قالَ اللهُ إنِّي سَأُنْزِلُها عَلَيْكُمْ".
واخْتَلَفَ الناسُ في نُزُولِ المائِدَةِ؛ فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ ومُجاهِدٌ: إنَّهم لَمّا سَمِعُوا الشَرْطَ في تَعْذِيبِ مَن كَفَرَ اسْتَعْفَوْها؛ فَلَمْ تَنْزِلْ؛ قالَ مُجاهِدٌ: فَهو مِثْلُ ضَرْبِهِ اللهُ تَعالى لِلنّاسِ لِئَلّا يَسْألُوا هَذِهِ الآياتِ؛ وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ؛ فَرَوى الشَعْبِيُّ عن أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ قالَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ خُبْزًا؛ وسَمَكًا؛ وقالَ عَطِيَّةُ: اَلْمائِدَةُ سَمَكَةٌ فِيها طَعْمُ كُلِّ طَعامٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَ خُوانٌ عَلَيْهِ خُبْزٌ وسَمَكٌ؛ يَأْكُلُونَ مِنهُ أيْنَما نَزَلُوا؛ إذا شاؤُوا؛ وقالَهُ وهْبُ بْنُ مُنْبِهٍ ؛ قالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: نَزَلَتِ المائِدَةُ عَلَيْها سَبْعَةُ أرْغِفَةٍ؛ وسَبْعَةُ أحْواتٍ؛ قالَ: فَسَرَقَ مِنها بَعْضُهُمْ؛ فَرُفِعَتْ؛ وقالَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ: سَألُوا عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - مائِدَةً يَكُونُ عَلَيْها طَعامٌ لا يَنْفَدُ؛ فَقِيلَ لَهُمْ: فَإنَّها مُقِيمَةٌ لَكُمْ؛ ما لَمْ تُخَبِّئُوا؛ أو تَخُونُوا؛ فَإنْ فَعَلْتُمْ عُذِّبْتُمْ؛ قالَ: فَما مَضى يَوْمٌ حَتّى خَبَّؤُوا؛ وخانُوا؛ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - في المائِدَةِ أيْضًا -: كانَ طَعامًا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُما نَزَلُوا؛ وقالَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ: نَزَلَتِ المائِدَةُ عَلَيْها ثِمارٌ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ؛ وقالَ مَيْسَرَةُ: كانَتِ المائِدَةُ إذا وُضِعَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفَتْ عَلَيْها الأيْدِي بِكُلِّ طَعامٍ؛ إلّا اللَحْمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكَثَّرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ المائِدَةِ بِما رَأيْتُ اخْتِصارَهُ لِعَدَمِ سَنَدِهِ؛ وقالَ قَوْمٌ: لا يَصِحُّ ألّا تُنَزَّلَ المائِدَةُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّهُ مُنْزِلُها.
(p-٣٠٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّ الخَبَرَ مَقْرُونٌ بِشَرْطٍ يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ ؛ وسائِغٌ ما قالَ الحَسَنُ؛ أما إنَّ الجُمْهُورَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ؛ وكَفَرَتْ جَماعَةٌ مِنهُمْ؛ فَمَسَخَهُمُ اللهُ خَنازِيرَ؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: أشَدُّ الناسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ؛ والمُنافِقُونَ؛ وآلُ فِرْعَوْنَ؛ ويُذْكَرُ أنَّ شَمْعُونَ؛ رَأْسَ الحَوارِيِّينَ؛ قالَ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ رَأى طَعامَ المائِدَةِ: يا رُوحَ اللهِ؛ أمِن طَعامِ الدُنْيا هُوَ؛ أمْ مِن طَعامِ الآخِرَةِ؟ قالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: "ألَمْ يَنْهَكُمُ اللهُ عن هَذِهِ السُؤالاتِ؟ هَذا طَعامٌ لَيْسَ مِن طَعامِ الدُنْيا؛ ولا مِن طَعامِ الآخِرَةِ؛ بَلْ هو بِالقُدْرَةِ الغالِبَةِ؛ قالَ اللهُ لَهُ: كُنْ؛ فَكانَ"؛ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ عَلى المائِدَةِ بُقُولٌ؛ سِوى الثُومِ؛ والكُرّاثِ؛ والبَصَلِ؛ وقِيلَ: كانَ عَلَيْها زَيْتُونٌ؛ وتَمْرٌ؛ وحَبٌّ؛ ورُمّانٌ.
المائدة 5:116
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإذْ قالَ اللهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهُ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي ورَبَّكم وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
اِخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في وقْتِ وُقُوعِ هَذا القَوْلِ؛ فَقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: لَمّا رَفَعَ اللهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - إلَيْهِ؛ قالَتِ النَصارى ما قالَتْ؛ وزَعَمُوا أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أمَرَهم بِذَلِكَ؛ فَسَألَهُ تَعالى حِينَئِذٍ عن قَوْلِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ "سُبْحانَكَ"؛﴾ اَلْآيَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَتَجِيءُ "قالَ"؛ عَلى هَذا مُتَمَكِّنَةٌ في المُضِيِّ؛ ويَجِيءُ قَوْلُهُ آخِرًا: ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة: ١١٨] ؛ أيْ بِالتَوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ؛ لِأنَّ هَذا ما قالَهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - وهم أحْياءٌ في الدُنْيا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ وجُمْهُورُ الناسِ: هَذا القَوْلُ مِنَ اللهِ إنَّما هو في يَوْمِ القِيامَةِ؛ (p-٣٠٤)يَقُولُ اللهُ لَهُ عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ؛ فَيَرى الكُفّارُ تَبَرِّيهِ مِنهُمْ؛ ويَعْلَمُونَ أنَّ ما كانُوا فِيهِ باطِلٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: و"قالَ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَعْنى: "يَقُولُ"؛ ونُزِّلَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ دَلالَةً عَلى كَوْنِ الأمْرِ وثُبُوتِهِ؛ وقَوْلُهُ آخِرًا: ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة: ١١٨] ؛ مَعْناهُ: إنْ عَذَّبْتَ العالَمَ كُلَّهُ فَبِحَقِّكَ؛ وإنْ غَفَرْتَ؛ وسَبَقَ ذَلِكَ في عِلْمِكَ؛ فَلِأنَّكَ أهْلٌ لِذَلِكَ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِكَ؛ ولا مُنازِعَ لَكَ؛ ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ تَفْعَلَ أحَدَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ؛ بَلْ قالَ هَذا القَوْلَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ؛ وفائِدَةُ هَذا التَوْقِيفِ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ في يَوْمِ القِيامَةِ - ظُهُورُ الذَنْبِ عَلى الكَفَرَةِ في عِبادَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وهو تَوْقِيفٌ لَهُ يَتَبَيَّنُ مِنهُ بَيانُ ضَلالِ الضالِّينَ.
و"سُبْحانَكَ"؛ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَكَ عن أنْ يُقالَ هَذا؛ ويُنْطَقَ بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نَفْيٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلُ العَقْلِ؛ فَهَذا مُمْتَنِعٌ عَقْلًا أنْ يَكُونَ لِبَشَرٍ مُحْدَثٍ أنْ يَدَّعِيَ الأُلُوهِيَّةَ؛ وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ الصِيغَةُ فِيما لا يَنْبَغِي؛ ولا يَحْسُنُ؛ مَعَ إمْكانِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ".
ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ ؛ فَوَفَّقَ اللهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِهَذِهِ الحُجَّةِ البالِغَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ ؛ بِإحاطَةِ اللهِ بِهِ؛ وخَصَّ النَفْسَ بِالذِكْرِ لِأنَّها مَظِنَّةُ الكَتْمِ والِانْطِواءِ عَلى المَعْلُوماتِ؛ والمَعْنى إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في نَفْسِ عِيسى ويَعْلَمُ كُلَّ أمْرِهِ؛ مِمّا عَسى ألّا يَكُونَ في نَفْسِهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَلا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ ؛ مَعْناهُ: ولا أعْلَمُ ما عِنْدَكَ مِنَ المَعْلُوماتِ؛ وما أحَطْتَ بِهِ؛ وذِكْرُ النَفْسِ هُنا مُقابَلَةٌ لَفْظِيَّةٌ في اللِسانِ العَرَبِيِّ؛ يَقْتَضِيها الإيجازُ؛ وهَذا يَنْظُرُ مِن طَرَفٍ خَفِيٍّ إلى قَوْلِهِ: (p-٣٠٥)﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ؛ ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ؛ فَتَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ إنَّما قادَ إلَيْها طَلَبُ المُقابَلَةِ اللَفْظِيَّةِ؛ إذْ هي مِن فَصِيحِ الكَلامِ؛ وبارِعِ العِبارَةِ؛ ثُمَّ أقَرَّ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِلَّهِ تَعالى بِأنَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ؛ والمَعْنى: "وَلا عِلْمَ لِي أنا بِغَيْبٍ؛ فَكَيْفَ تَكُونُ لِيَ الأُلُوهِيَّةُ؟"؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا صَنَعَ في الدُنْيا؛ وقالَ في تَبْلِيغِهِ؛ وهو أنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ أمْرَ اللهِ في أنْ أمَرَهم بِعِبادَتِهِ ؛ وأقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ؛ و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ ؛ مُفَسِّرَةٌ؛ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن "ما"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "بِأنِ اعْبُدُوا اللهَ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ".
ثُمَّ أخْبَرَ - عَلَيْهِ السَلامُ - أنَّهُ كانَ شَهِيدًا ما دامَ فِيهِمْ في الدُنْيا؛ فَـ "ما"؛ ظَرْفِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ ؛ أيْ: قَبَضْتَنِي إلَيْكَ بِالرَفْعِ؛ والتَصْيِيرِ في السَماءِ؛ و"اَلرَّقِيبُ": اَلْحافِظُ المُراعِي.
المائدة 5:117
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإذْ قالَ اللهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهُ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي ورَبَّكم وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
اِخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في وقْتِ وُقُوعِ هَذا القَوْلِ؛ فَقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: لَمّا رَفَعَ اللهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - إلَيْهِ؛ قالَتِ النَصارى ما قالَتْ؛ وزَعَمُوا أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - أمَرَهم بِذَلِكَ؛ فَسَألَهُ تَعالى حِينَئِذٍ عن قَوْلِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ "سُبْحانَكَ"؛﴾ اَلْآيَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَتَجِيءُ "قالَ"؛ عَلى هَذا مُتَمَكِّنَةٌ في المُضِيِّ؛ ويَجِيءُ قَوْلُهُ آخِرًا: ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة: ١١٨] ؛ أيْ بِالتَوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ؛ لِأنَّ هَذا ما قالَهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - وهم أحْياءٌ في الدُنْيا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ وجُمْهُورُ الناسِ: هَذا القَوْلُ مِنَ اللهِ إنَّما هو في يَوْمِ القِيامَةِ؛ (p-٣٠٤)يَقُولُ اللهُ لَهُ عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ؛ فَيَرى الكُفّارُ تَبَرِّيهِ مِنهُمْ؛ ويَعْلَمُونَ أنَّ ما كانُوا فِيهِ باطِلٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: و"قالَ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَعْنى: "يَقُولُ"؛ ونُزِّلَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ دَلالَةً عَلى كَوْنِ الأمْرِ وثُبُوتِهِ؛ وقَوْلُهُ آخِرًا: ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة: ١١٨] ؛ مَعْناهُ: إنْ عَذَّبْتَ العالَمَ كُلَّهُ فَبِحَقِّكَ؛ وإنْ غَفَرْتَ؛ وسَبَقَ ذَلِكَ في عِلْمِكَ؛ فَلِأنَّكَ أهْلٌ لِذَلِكَ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِكَ؛ ولا مُنازِعَ لَكَ؛ ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ تَفْعَلَ أحَدَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ؛ بَلْ قالَ هَذا القَوْلَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ؛ وفائِدَةُ هَذا التَوْقِيفِ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ في يَوْمِ القِيامَةِ - ظُهُورُ الذَنْبِ عَلى الكَفَرَةِ في عِبادَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وهو تَوْقِيفٌ لَهُ يَتَبَيَّنُ مِنهُ بَيانُ ضَلالِ الضالِّينَ.
و"سُبْحانَكَ"؛ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَكَ عن أنْ يُقالَ هَذا؛ ويُنْطَقَ بِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نَفْيٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلُ العَقْلِ؛ فَهَذا مُمْتَنِعٌ عَقْلًا أنْ يَكُونَ لِبَشَرٍ مُحْدَثٍ أنْ يَدَّعِيَ الأُلُوهِيَّةَ؛ وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ الصِيغَةُ فِيما لا يَنْبَغِي؛ ولا يَحْسُنُ؛ مَعَ إمْكانِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الصِدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ".
ثُمَّ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ ؛ فَوَفَّقَ اللهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِهَذِهِ الحُجَّةِ البالِغَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ ؛ بِإحاطَةِ اللهِ بِهِ؛ وخَصَّ النَفْسَ بِالذِكْرِ لِأنَّها مَظِنَّةُ الكَتْمِ والِانْطِواءِ عَلى المَعْلُوماتِ؛ والمَعْنى إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في نَفْسِ عِيسى ويَعْلَمُ كُلَّ أمْرِهِ؛ مِمّا عَسى ألّا يَكُونَ في نَفْسِهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَلا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ ؛ مَعْناهُ: ولا أعْلَمُ ما عِنْدَكَ مِنَ المَعْلُوماتِ؛ وما أحَطْتَ بِهِ؛ وذِكْرُ النَفْسِ هُنا مُقابَلَةٌ لَفْظِيَّةٌ في اللِسانِ العَرَبِيِّ؛ يَقْتَضِيها الإيجازُ؛ وهَذا يَنْظُرُ مِن طَرَفٍ خَفِيٍّ إلى قَوْلِهِ: (p-٣٠٥)﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] ؛ ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] ؛ فَتَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ إنَّما قادَ إلَيْها طَلَبُ المُقابَلَةِ اللَفْظِيَّةِ؛ إذْ هي مِن فَصِيحِ الكَلامِ؛ وبارِعِ العِبارَةِ؛ ثُمَّ أقَرَّ - عَلَيْهِ السَلامُ - لِلَّهِ تَعالى بِأنَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ؛ والمَعْنى: "وَلا عِلْمَ لِي أنا بِغَيْبٍ؛ فَكَيْفَ تَكُونُ لِيَ الأُلُوهِيَّةُ؟"؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا صَنَعَ في الدُنْيا؛ وقالَ في تَبْلِيغِهِ؛ وهو أنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ أمْرَ اللهِ في أنْ أمَرَهم بِعِبادَتِهِ ؛ وأقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ؛ و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ ؛ مُفَسِّرَةٌ؛ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن "ما"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "بِأنِ اعْبُدُوا اللهَ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ".
ثُمَّ أخْبَرَ - عَلَيْهِ السَلامُ - أنَّهُ كانَ شَهِيدًا ما دامَ فِيهِمْ في الدُنْيا؛ فَـ "ما"؛ ظَرْفِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ ؛ أيْ: قَبَضْتَنِي إلَيْكَ بِالرَفْعِ؛ والتَصْيِيرِ في السَماءِ؛ و"اَلرَّقِيبُ": اَلْحافِظُ المُراعِي.
المائدة 5:118
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿قالَ اللهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
هَذِهِ الآيَةُ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ تَوْقِيفَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ إثْرَ رَفْعِهِ - مُسْتَقِيمَةُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ قالَ عنهم هَذِهِ المَقالَةَ وهم أحْياءٌ في الدُنْيا؛ وهو لا يَدْرِي عَلى ما يُوافُونَ.
وهِيَ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ التَوْقِيفَ هو يَوْمَ القِيامَةِ - بِمَعْنى: "إنْ سَبَقَتْ لَهم كَلِمَةُ العَذابِ؛ كَما سَبَقَتْ؛ فَهم عِبادُكَ؛ تَصْنَعُ بِحَقِّ المِلْكِ ما شِئْتَ؛ لا اعْتِراضَ عَلَيْكَ؛ ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ؛ بِتَوْبَةٍ؛ كَما غَفَرْتَ لِغَيْرِهِمْ؛ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ في قُدْرَتِكَ؛ الحَكِيمُ في (p-٣٠٦)أفْعالِكَ؛ لا تُعارَضُ عَلى حالٍ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "إنْ يَكُنْ لَكَ في الناسِ مُعَذَّبُونَ فَهم عِبادُكَ؛ وإنْ يَكُنْ مَغْفُورٌ لَهُمْ؛ فَعِزَّتُكَ؛ وحِكْمَتُكَ تَقْتَضِي هَذا كُلَّهُ".
وهَذا عِنْدِي هو القَوْلُ الأرْجَحُ؛ ويُتَقَوّى بِما بَعْدَهُ؛ وذَلِكَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا قَرَّرَ أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ أنْ يَفْعَلَ في عِبادِهِ ما يَشاءُ؛ مِن تَعْذِيبٍ؛ ومَغْفِرَةٍ؛ أظْهَرَ اللهُ لِعِبادِهِ ما كانَتِ الأنْبِياءُ تُخْبِرُهم بِهِ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: "هَذا أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ؛ وقَدْ خَلَصَ لِلرَّحْمَةِ مَن خَلَصَ؛ ولِلْعَذابِ مَن خَلَصَ"؛ فَقالَ - تَبارَكَ وتَعالى-: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ؛ فَدَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ العِبارَةِ كُلُّ مُؤْمِنٍ بِاللهِ تَعالى؛ وكُلُّ ما كانَ اتَّقى فَهو أدْخَلُ في العِبارَةِ؛ ثُمَّ جاءَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُشِيرَةً إلى عِيسى في حالِهِ تِلْكَ؛ وصِدْقِهِ فِيما قالَ؛ فَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ في المَوْقِفِ شَرَفٌ عَظِيمٌ؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ يَعُمُّهُ؛ وسِواهُ؛ وذَكَرَ تَعالى ما أعَدَّ لَهم بِرَحْمَتِهِ؛ وطَوْلِهِ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "هَذا يَوْمَ"؛ بِنَصْبِ "يَوْمَ"؛ وقَرَأ الباقُونَ "يَوْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَإ الَّذِي هو "هَذا"؛ و"يَوْمُ"؛ مُضافٌ إلى "يَنْفَعُ"؛ والمُبْتَدَأُ والخَبَرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأنَّهُ مَفْعُولُ القَوْلِ؛ إذِ القَوْلُ يَعْمَلُ في الجُمَلِ؛ وأمّا قِراءَةُ نافِعٍ فَتَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ "يَوْمَ"؛ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "قالَ اللهُ هَذا القَصَصَ؛ أوِ الخَبَرَ؛ يَوْمَ...".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي مَعْنًى يُزِيلُ رَصْفَ الآيَةِ؛ وبَهاءَ اللَفْظِ.
والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ ما بَعْدَ "قالَ"؛ حِكايَةً عَمّا قَبْلَها مِن قَوْلِهِ لِعِيسى ؛ إشارَةً إلَيْهِ؛ وخَبَرُ "هَذا"؛ مَحْذُوفٌ إيجازًا؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "قالَ اللهُ: هَذا المُقْتَصُّ يَقَعُ؛ أو يَحْدُثُ؛ يَوْمَ يَنْفَعُ الصادِقِينَ...".
(p-٣٠٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والخِطابُ - عَلى هَذا - لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأُمَّتِهِ؛ وهَذا أشْبَهَ مِنَ الذِي قَبْلَهُ؛ والبارِعُ المُتَوَجَّهُ: قِراءَةُ الجَماعَةِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "يَوْمَ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ ؛ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ مُعْرَبٌ؛ وإنَّما يَكْتَسِي البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ مَبْنِيًّا؛ نَحْوَ: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] ؛ ولا يُشْبِهُ قَوْلَ الشاعِرِ:
؎ عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ: ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ؟
لِأنَّ الماضِيَ الَّذِي في البَيْتِ مَبْنِيٌّ؛ والمُضارِعَ الَّذِي في الآيَةِ مُعْرَبٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ العَبّاسِ الشامِيُّ: "هَذا يَوْمٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ والتَنْوِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مَقْطُوعٌ مِن ذَلِكَ؛ مُخاطَبٌ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتُهُ؛ وعَلى الوَجْهَيْنِ فَفِيهِ عَضُدُ ما قالَ عِيسى: "إنْ تُعَذِّبِ الناسَ فَإنَّهم عِبادُكَ"؛ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْمائِدَةِ"؛ واللهُ المُسْتَعانُ؛ وهو حَسْبِي ونِعْمَ الوَكِيلُ
المائدة 5:119
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿قالَ اللهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
هَذِهِ الآيَةُ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ تَوْقِيفَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ إثْرَ رَفْعِهِ - مُسْتَقِيمَةُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ قالَ عنهم هَذِهِ المَقالَةَ وهم أحْياءٌ في الدُنْيا؛ وهو لا يَدْرِي عَلى ما يُوافُونَ.
وهِيَ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ التَوْقِيفَ هو يَوْمَ القِيامَةِ - بِمَعْنى: "إنْ سَبَقَتْ لَهم كَلِمَةُ العَذابِ؛ كَما سَبَقَتْ؛ فَهم عِبادُكَ؛ تَصْنَعُ بِحَقِّ المِلْكِ ما شِئْتَ؛ لا اعْتِراضَ عَلَيْكَ؛ ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ؛ بِتَوْبَةٍ؛ كَما غَفَرْتَ لِغَيْرِهِمْ؛ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ في قُدْرَتِكَ؛ الحَكِيمُ في (p-٣٠٦)أفْعالِكَ؛ لا تُعارَضُ عَلى حالٍ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "إنْ يَكُنْ لَكَ في الناسِ مُعَذَّبُونَ فَهم عِبادُكَ؛ وإنْ يَكُنْ مَغْفُورٌ لَهُمْ؛ فَعِزَّتُكَ؛ وحِكْمَتُكَ تَقْتَضِي هَذا كُلَّهُ".
وهَذا عِنْدِي هو القَوْلُ الأرْجَحُ؛ ويُتَقَوّى بِما بَعْدَهُ؛ وذَلِكَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا قَرَّرَ أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ أنْ يَفْعَلَ في عِبادِهِ ما يَشاءُ؛ مِن تَعْذِيبٍ؛ ومَغْفِرَةٍ؛ أظْهَرَ اللهُ لِعِبادِهِ ما كانَتِ الأنْبِياءُ تُخْبِرُهم بِهِ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: "هَذا أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ؛ وقَدْ خَلَصَ لِلرَّحْمَةِ مَن خَلَصَ؛ ولِلْعَذابِ مَن خَلَصَ"؛ فَقالَ - تَبارَكَ وتَعالى-: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ؛ فَدَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ العِبارَةِ كُلُّ مُؤْمِنٍ بِاللهِ تَعالى؛ وكُلُّ ما كانَ اتَّقى فَهو أدْخَلُ في العِبارَةِ؛ ثُمَّ جاءَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُشِيرَةً إلى عِيسى في حالِهِ تِلْكَ؛ وصِدْقِهِ فِيما قالَ؛ فَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ في المَوْقِفِ شَرَفٌ عَظِيمٌ؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ يَعُمُّهُ؛ وسِواهُ؛ وذَكَرَ تَعالى ما أعَدَّ لَهم بِرَحْمَتِهِ؛ وطَوْلِهِ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "هَذا يَوْمَ"؛ بِنَصْبِ "يَوْمَ"؛ وقَرَأ الباقُونَ "يَوْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَإ الَّذِي هو "هَذا"؛ و"يَوْمُ"؛ مُضافٌ إلى "يَنْفَعُ"؛ والمُبْتَدَأُ والخَبَرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأنَّهُ مَفْعُولُ القَوْلِ؛ إذِ القَوْلُ يَعْمَلُ في الجُمَلِ؛ وأمّا قِراءَةُ نافِعٍ فَتَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ "يَوْمَ"؛ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "قالَ اللهُ هَذا القَصَصَ؛ أوِ الخَبَرَ؛ يَوْمَ...".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي مَعْنًى يُزِيلُ رَصْفَ الآيَةِ؛ وبَهاءَ اللَفْظِ.
والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ ما بَعْدَ "قالَ"؛ حِكايَةً عَمّا قَبْلَها مِن قَوْلِهِ لِعِيسى ؛ إشارَةً إلَيْهِ؛ وخَبَرُ "هَذا"؛ مَحْذُوفٌ إيجازًا؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "قالَ اللهُ: هَذا المُقْتَصُّ يَقَعُ؛ أو يَحْدُثُ؛ يَوْمَ يَنْفَعُ الصادِقِينَ...".
(p-٣٠٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والخِطابُ - عَلى هَذا - لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأُمَّتِهِ؛ وهَذا أشْبَهَ مِنَ الذِي قَبْلَهُ؛ والبارِعُ المُتَوَجَّهُ: قِراءَةُ الجَماعَةِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "يَوْمَ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ ؛ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ مُعْرَبٌ؛ وإنَّما يَكْتَسِي البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ مَبْنِيًّا؛ نَحْوَ: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] ؛ ولا يُشْبِهُ قَوْلَ الشاعِرِ:
؎ عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ: ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ؟
لِأنَّ الماضِيَ الَّذِي في البَيْتِ مَبْنِيٌّ؛ والمُضارِعَ الَّذِي في الآيَةِ مُعْرَبٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ العَبّاسِ الشامِيُّ: "هَذا يَوْمٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ والتَنْوِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مَقْطُوعٌ مِن ذَلِكَ؛ مُخاطَبٌ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتُهُ؛ وعَلى الوَجْهَيْنِ فَفِيهِ عَضُدُ ما قالَ عِيسى: "إنْ تُعَذِّبِ الناسَ فَإنَّهم عِبادُكَ"؛ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْمائِدَةِ"؛ واللهُ المُسْتَعانُ؛ وهو حَسْبِي ونِعْمَ الوَكِيلُ
المائدة 5:120
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿قالَ اللهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عنهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
هَذِهِ الآيَةُ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ تَوْقِيفَ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ إثْرَ رَفْعِهِ - مُسْتَقِيمَةُ المَعْنى؛ لِأنَّهُ قالَ عنهم هَذِهِ المَقالَةَ وهم أحْياءٌ في الدُنْيا؛ وهو لا يَدْرِي عَلى ما يُوافُونَ.
وهِيَ - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ التَوْقِيفَ هو يَوْمَ القِيامَةِ - بِمَعْنى: "إنْ سَبَقَتْ لَهم كَلِمَةُ العَذابِ؛ كَما سَبَقَتْ؛ فَهم عِبادُكَ؛ تَصْنَعُ بِحَقِّ المِلْكِ ما شِئْتَ؛ لا اعْتِراضَ عَلَيْكَ؛ ﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ؛ بِتَوْبَةٍ؛ كَما غَفَرْتَ لِغَيْرِهِمْ؛ فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ في قُدْرَتِكَ؛ الحَكِيمُ في (p-٣٠٦)أفْعالِكَ؛ لا تُعارَضُ عَلى حالٍ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "إنْ يَكُنْ لَكَ في الناسِ مُعَذَّبُونَ فَهم عِبادُكَ؛ وإنْ يَكُنْ مَغْفُورٌ لَهُمْ؛ فَعِزَّتُكَ؛ وحِكْمَتُكَ تَقْتَضِي هَذا كُلَّهُ".
وهَذا عِنْدِي هو القَوْلُ الأرْجَحُ؛ ويُتَقَوّى بِما بَعْدَهُ؛ وذَلِكَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا قَرَّرَ أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ أنْ يَفْعَلَ في عِبادِهِ ما يَشاءُ؛ مِن تَعْذِيبٍ؛ ومَغْفِرَةٍ؛ أظْهَرَ اللهُ لِعِبادِهِ ما كانَتِ الأنْبِياءُ تُخْبِرُهم بِهِ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: "هَذا أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ؛ وقَدْ خَلَصَ لِلرَّحْمَةِ مَن خَلَصَ؛ ولِلْعَذابِ مَن خَلَصَ"؛ فَقالَ - تَبارَكَ وتَعالى-: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ؛ فَدَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ العِبارَةِ كُلُّ مُؤْمِنٍ بِاللهِ تَعالى؛ وكُلُّ ما كانَ اتَّقى فَهو أدْخَلُ في العِبارَةِ؛ ثُمَّ جاءَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُشِيرَةً إلى عِيسى في حالِهِ تِلْكَ؛ وصِدْقِهِ فِيما قالَ؛ فَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ في المَوْقِفِ شَرَفٌ عَظِيمٌ؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ يَعُمُّهُ؛ وسِواهُ؛ وذَكَرَ تَعالى ما أعَدَّ لَهم بِرَحْمَتِهِ؛ وطَوْلِهِ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "هَذا يَوْمَ"؛ بِنَصْبِ "يَوْمَ"؛ وقَرَأ الباقُونَ "يَوْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَإ الَّذِي هو "هَذا"؛ و"يَوْمُ"؛ مُضافٌ إلى "يَنْفَعُ"؛ والمُبْتَدَأُ والخَبَرُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأنَّهُ مَفْعُولُ القَوْلِ؛ إذِ القَوْلُ يَعْمَلُ في الجُمَلِ؛ وأمّا قِراءَةُ نافِعٍ فَتَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ "يَوْمَ"؛ ظَرْفًا لِلْقَوْلِ؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "قالَ اللهُ هَذا القَصَصَ؛ أوِ الخَبَرَ؛ يَوْمَ...".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي مَعْنًى يُزِيلُ رَصْفَ الآيَةِ؛ وبَهاءَ اللَفْظِ.
والمَعْنى الثانِي أنْ يَكُونَ ما بَعْدَ "قالَ"؛ حِكايَةً عَمّا قَبْلَها مِن قَوْلِهِ لِعِيسى ؛ إشارَةً إلَيْهِ؛ وخَبَرُ "هَذا"؛ مَحْذُوفٌ إيجازًا؛ كَأنَّ التَقْدِيرَ: "قالَ اللهُ: هَذا المُقْتَصُّ يَقَعُ؛ أو يَحْدُثُ؛ يَوْمَ يَنْفَعُ الصادِقِينَ...".
(p-٣٠٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والخِطابُ - عَلى هَذا - لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأُمَّتِهِ؛ وهَذا أشْبَهَ مِنَ الذِي قَبْلَهُ؛ والبارِعُ المُتَوَجَّهُ: قِراءَةُ الجَماعَةِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "يَوْمَ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ ؛ لِأنَّ هَذا الفِعْلَ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ مُعْرَبٌ؛ وإنَّما يَكْتَسِي البِناءَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ إذا كانَ المُضافُ إلَيْهِ مَبْنِيًّا؛ نَحْوَ: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١] ؛ ولا يُشْبِهُ قَوْلَ الشاعِرِ:
؎ عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ: ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ؟
لِأنَّ الماضِيَ الَّذِي في البَيْتِ مَبْنِيٌّ؛ والمُضارِعَ الَّذِي في الآيَةِ مُعْرَبٌ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ العَبّاسِ الشامِيُّ: "هَذا يَوْمٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ والتَنْوِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مَقْطُوعٌ مِن ذَلِكَ؛ مُخاطَبٌ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتُهُ؛ وعَلى الوَجْهَيْنِ فَفِيهِ عَضُدُ ما قالَ عِيسى: "إنْ تُعَذِّبِ الناسَ فَإنَّهم عِبادُكَ"؛ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْمائِدَةِ"؛ واللهُ المُسْتَعانُ؛ وهو حَسْبِي ونِعْمَ الوَكِيلُ
الأنعام 6:1
(p-٣٠٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةُ "اَلْأنْعامِ"
قِيلَ: هي كُلُّها مَكِّيَّةٌ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ؛ لَيْلًا؛ جُمْلَةً؛ إلّا سِتَّ آياتٍ؛ وهِيَ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو قالَ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٩٣] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [الأنعام: ٢٠].
وقالَ الكَلْبِيُّ: "اَلْأنْعامُ"؛ كُلُّها مَكِّيَّةٌ؛ إلّا آيَتَيْنِ؛ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ في فِنْحاصٍ اليَهُودِيِّ؛ وهِيَ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ [الأنعام: ٩١] ؛ مَعَ ما يَرْتَبِطُ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ فِنْحاصًا قالَ: "ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ".
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ وحَوْلَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ؛ لَهم زَجَلٌ؛ يَجْأرُونَ بِالتَسْبِيحِ.
وقالَ كَعْبٌ: فاتِحَةُ التَوْراةِ فاتِحَةُ الأنْعامِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ؛ إلى: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ ؛ وخاتِمَةُ التَوْراةِ خاتِمَةُ هُودٍ: ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] ؛ وقِيلَ: خاتِمَتُها: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ﴾ [الإسراء: ١١١] ؛ إلى: ﴿تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
(p-٣٠٩)وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "اَلْأنْعامُ"؛ مِن نَجائِبِ القُرْآنِ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: مَن قَرَأ سُورَةَ "اَلْأنْعامِ"؛ فَقَدِ انْتَهى في رِضا رَبِّهِ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُلُماتِ والنُورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾
هَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ بِأجْمَعِهِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللامَ في "اَلْحَمْدُ"؛ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ؛ فَهو تَعالى لَهُ الأوصافُ السَنِيَّةُ؛ والعِلْمُ؛ والقُدْرَةُ؛ والإحاطَةُ؛ والإنْعامُ؛ فَهو أهْلٌ لِلْمَحامِدِ عَلى ضُرُوبِها؛ ولَهُ الحَمْدُ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ الشُكْرَ المُخْتَصَّ بِأنَّهُ عَلى النِعَمِ.
ولَمّا ورَدَ هَذا الإخْبارُ تَبِعَهُ ذِكْرُ بَعْضِ أوصافِهِ المُوجِبَةِ لِلْحَمْدِ؛ وهي الخَلْقُ لِلسَّمَواتِ والأرْضِ؛ قِوامِ الناسِ وأرْزاقِهِمْ؛ و"اَلْأرْضَ"؛ هَهُنا لِلْجِنْسِ؛ فَإفْرادُها في اللَفْظِ بِمَنزِلَةِ جَمْعِها.
والبادِي مِن هَذا التَرْتِيبِ أنَّ السَماءَ خُلِقَتْ مِن قَبْلِ الأرْضِ؛ وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لا تُرَتِّبُ المَعانِيَ؛ والَّذِي يَنْبَنِي مِن مَجْمُوعِ آيِ القُرْآنِ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ ولَمْ يَدْحُها؛ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ فَخَلَقَها؛ ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ.
و"جَعَلَ"؛ هَهُنا بِمَعْنى "خَلَقَ"؛ لا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وتَأمَّلْ: لِمَ خُصَّتِ السَماواتُ والأرْضُ بِـ "خَلَقَ"؛ والظُلُماتُ والنُورُ بِـ "جَعَلَ"؟ وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَجَعَلَ"؛ هَذِهِ (p-٣١٠)هِيَ الَّتِي تَتَصَرَّفُ في طُرُقِ الكَلامِ؛ كَما تَقُولُ: "جَعَلْتُ أفْعَلُ كَذا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَجَعَلَ إظْلامَها وإنارَتَها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لِأنَّ "جَعَلَ"؛ إذا كانَتْ عَلى هَذا النَحْوِ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَرْتَبِطَ مَعَها فِعْلٌ آخَرُ؛ كَما يُرْتَبَطُ في أفْعالِ المُقارَبَةِ؛ كَقَوْلِكَ: "كادَ زَيْدٌ يَمُوتُ"؛ "جَعَلَ زَيْدٌ يَجِيءُ ويَذْهَبُ"؛ وأمّا إذا لَمْ يَرْتَبِطْ مَعَها فِعْلٌ فَلا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الَّتِي ذَكَرَ الطَبَرِيُّ.
وقالَ السُدِّيُّ ؛ وقَتادَةُ ؛ والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اَلظُّلُماتُ: اَللَّيْلُ؛ والنُورُ: اَلنَّهارُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلظُّلُماتُ: اَلْكُفْرُ؛ والنُورُ: اَلْإيمانُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ إخْراجُ لَفْظٍ بَيِّنٍ في اللُغَةِ عن ظاهِرِهِ الحَقِيقِيِّ؛ إلى باطِنٍ؛ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ وهَذا هو طَرِيقُ اللُغْزِ الَّذِي بَرِئَ القُرْآنُ مِنهُ؛ والنُورُ أيْضًا هُنا لِلْجِنْسِ؛ فَإفْرادُهُ بِمَثابَةِ جَمْعِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ"؛ دالَّةٌ عَلى قُبْحِ فِعْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّ خَلْقَهُ (p-٣١١)السَماواتِ والأرْضَ؛ وغَيْرَهُما؛ قَدْ تَقَرَّرَ؛ وآياتِهِ قَدْ سَطَعَتْ؛ وإنْعامَهُ بِذَلِكَ قَدْ تَبَيَّنَ؛ ثُمَّ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ عَدَلُوا بِرَبِّهِمْ؛ فَهَذا كَما تَقُولُ: "يا فُلانُ؛ أعْطَيْتُكَ؛ وأكْرَمْتُكَ؛ وأحْسَنْتُ إلَيْكَ؛ ثُمَّ تَشْتُمُنِي؟"؛ أيْ: بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن وُقُوعِ هَذا كُلِّهِ؛ ولَوْ وقَعَ العَطْفُ في هَذا ونَحْوِهِ بِالواوِ لَمْ يَلْزَمِ التَوْبِيخُ كَلُزُومِهِ بِـ "ثُمَّ".
والَّذِينَ كَفَرُوا ؛ في هَذا المَوْضِعِ هم كُلُّ مَن عَبَدَ شَيْئًا سِوى اللهِ ؛ قالَ قَتادَةُ: هم أهْلُ الشِرْكِ خاصَّةً؛ ومَن خَصَّصَ مِنَ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ؛ فَلَمْ يُصِبْ؛ إلّا أنَّ السابِقَ مِن حالِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّ الإشارَةَ إلى عَبَدَةِ الأوثانِ؛ لِمُجاوَرَتِهِمْ لَهُ؛ ولَفْظُ الآيَةِ أيْضًا يُشِيرُ إلى المانَوِيَّةِ؛ ويُقالُ: اَلْمانَنِيَّةِ؛ العابِدِينَ لِلنُّورِ؛ القائِلِينَ: إنَّ الخَيْرَ مِن فِعْلِ النُورِ؛ والشَرَّ مِن فِعْلِ الظَلامِ؛ وقَوْلُابْنِ أبْزى: "إنَّ المُرادَ أهْلُ الكِتابِ"؛ بَعِيدٌ.
و"يَعْدِلُونَ"؛ مَعْناهُ: يُسَوُّونَ؛ ويُمَثِّلُونَ؛ وعِدْلُ الشَيْءِ: قَرِينُهُ ومَثِيلُهُ؛ والمانَوِيَّةُ مَجُوسٌ؛ ووَرَدَ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ حَدِيثٌ؛ وهُوَ: « "اَلْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ"؛» ومَعْناهُ الإغْلاظُ عَلَيْهِمْ؛ والذَمُّ لَهم في تَشْبِيهِهِمْ بِالمَجُوسِ؛ ومَوْضِعُ الشَبَهِ هو أنَّ المَجُوسَ تَقُولُ: اَلْأفْعالُ خَيْرُها خَلْقُ النُورِ؛ وشَرُّها خَلْقُ الظُلْمَةِ؛ فَجَعَلُوا خالِقًا غَيْرَ اللهِ ؛ والقَدَرِيَّةُ تَقُولُ: اَلْإنْسانُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ؛ فَجَعَلُوا خالِقًا غَيْرَ اللهِ تَعالى؛ عن قَوْلِهِمْ؛ وذَهَبَ أبُو المَعالِي إلى أنَّ التَشْبِيهَ بِالمَجُوسِ إنَّما هو قَوْلُ القَدَرِيَّةِ: إنَّ الخَيْرَ مِنَ اللهِ ؛ وإنَّ الشَرَّ مِنهُ؛ ولا يُرِيدُهُ؛ وإنَّما قُلْنا في الحَدِيثِ: إنَّهُ تَغْلِيظٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ أنَّهم مِنَ الأُمَّةِ؛ ولَوْ جَعَلَهم مَجُوسًا حَقِيقَةً لَمْ يُضِفْهم إلى الأُمَّةِ؛ وهَذا كُلُّهُ إنْ لَوْ صَحَّ الحَدِيثُ؛ واللهُ المُوَفِّقُ.
(p-٣١٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلْمَعْنى: خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ؛ والبَشَرُ مِن آدَمَ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: بَلِ المَعْنى أنَّ النُطْفَةَ الَّتِي يُخْلَقُ مِنها الإنْسانُ أصْلُها مِن طِينٍ؛ ثُمَّ يَقْلِبُها اللهُ نُطْفَةً؛ وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ والزَهْراوِيُّ ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ ألْيَقُ بِالشَرِيعَةِ؛ لِأنَّ القَوْلَ الثانِيَ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ بِأنَّ الطِينَ يَرْجِعُ بَعْدَ التَوَلُّدِ والِاسْتِحالاتِ الكَثِيرَةِ نُطْفَةً؛ وذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذَيْنِ الأجَلَيْنِ؛ فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: "أجَلًا": أجْلَ الإنْسانِ مِن لَدُنْ وِلادَتِهِ إلى مَوْتِهِ؛ و"اَلْأجَلُ المُسَمّى عِنْدَهُ": مِن وقْتِ مَوْتِهِ إلى حَشْرِهِ؛ ووَصَفَهُ بِـ "مُسَمًّى عِنْدَهُ"؛ لِأنَّهُ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ وقْتِ القِيامَةِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "أجَلًا": اَلدُّنْيا؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلْآخِرَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "أجَلًا": اَلْآخِرَةَ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلدُّنْيا؛ بِعَكْسِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "أجَلًا": وفاةَ الإنْسانِ بِالنَوْمِ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": وفاتُهُ بِالمَوْتِ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلْأجَلُ الأوَّلُ هو في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ عَلى بَنِي آدَمَ؛ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ ؛ وبَقِيَ "أجَلٌ" واحِدٌ مُسَمًّى في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن فِرْقَةٍ: "أجَلًا": ما عَرَفَ الناسُ مِن آجالِ الأهِلَّةِ؛ والسِنِينِ؛ والكَوائِنِ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": قِيامُ الساعَةِ؛ وحُكِيَ أيْضًا عن فِرْقَةٍ: "أجَلًا": ما عَرَفْناهُ مِن أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلْآخِرَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَنْبَغِي أنْ تَتَأمَّلَ لَفْظَةَ "قَضى"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَإنَّها تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ فَإنْ جُعِلَتْ بِمَعْنى: "قَدَّرَ"؛ و"كَتَبَ"؛ ورَجَعَتْ إلى سابِقِ عِلْمِهِ وقَدَرِهِ؛ فَنَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ - ولا بُدَّ - قَبْلَ خَلْقِهِ آدَمَ مِن طِينٍ؛ وتُخْرَجُ "ثُمَّ"؛ مِن مَعْهُودِها في تَرْتِيبِ زَمَنَيْ وُقُوعِ القَضِيَّتَيْنِ؛ ويَبْقى لَها تَرْتِيبُ زَمَنَيِ الإخْبارِ عنهُ؛ كَأنَّهُ قالَ: "أخْبَرَكم أنَّهُ خَلَقَكم مِن طِينٍ؛ ثُمَّ أخْبَرَكم أنَّهُ قَضى أجَلًا"؛ وإنْ جُعِلَتْ "قَضى"؛ بِمَعْنى: "أوجَدَ"؛ و"أظْهَرَ"؛ ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى صِفَةِ فِعْلٍ؛ فَيَصِحُّ أنْ (p-٣١٣)يَكُونَ خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ قَبْلَ إظْهارِ هَذا الأجَلِ وإبْدائِهِ؛ وتَكُونَ "ثُمَّ"؛ عَلى بابِها؛ في تَرْتِيبِ زَمَنَيْ وُقُوعِ القَضِيَّتَيْنِ.
و﴿ "تَمْتَرُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: تَشُكُّونَ؛ و"اَلْمِرْيَةُ": اَلشَّكُّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "ثُمَّ أنْتُمْ"؛﴾ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ؛ في التَوْبِيخِ عَلى سُوءِ الفِعْلِ؛ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن وُضُوحِ الحُجَجِ.
الأنعام 6:2
(p-٣٠٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةُ "اَلْأنْعامِ"
قِيلَ: هي كُلُّها مَكِّيَّةٌ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ؛ لَيْلًا؛ جُمْلَةً؛ إلّا سِتَّ آياتٍ؛ وهِيَ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو قالَ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ [الأنعام: ٩٣] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٩٣] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١١٤] ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [الأنعام: ٢٠].
وقالَ الكَلْبِيُّ: "اَلْأنْعامُ"؛ كُلُّها مَكِّيَّةٌ؛ إلّا آيَتَيْنِ؛ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ في فِنْحاصٍ اليَهُودِيِّ؛ وهِيَ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ [الأنعام: ٩١] ؛ مَعَ ما يَرْتَبِطُ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ فِنْحاصًا قالَ: "ما أنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ".
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ سُورَةُ الأنْعامِ وحَوْلَها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ؛ لَهم زَجَلٌ؛ يَجْأرُونَ بِالتَسْبِيحِ.
وقالَ كَعْبٌ: فاتِحَةُ التَوْراةِ فاتِحَةُ الأنْعامِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ؛ إلى: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ ؛ وخاتِمَةُ التَوْراةِ خاتِمَةُ هُودٍ: ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] ؛ وقِيلَ: خاتِمَتُها: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ﴾ [الإسراء: ١١١] ؛ إلى: ﴿تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
(p-٣٠٩)وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "اَلْأنْعامُ"؛ مِن نَجائِبِ القُرْآنِ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: مَن قَرَأ سُورَةَ "اَلْأنْعامِ"؛ فَقَدِ انْتَهى في رِضا رَبِّهِ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُلُماتِ والنُورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾
هَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ بِأجْمَعِهِ؛ لِأنَّ الألِفَ واللامَ في "اَلْحَمْدُ"؛ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ؛ فَهو تَعالى لَهُ الأوصافُ السَنِيَّةُ؛ والعِلْمُ؛ والقُدْرَةُ؛ والإحاطَةُ؛ والإنْعامُ؛ فَهو أهْلٌ لِلْمَحامِدِ عَلى ضُرُوبِها؛ ولَهُ الحَمْدُ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ الشُكْرَ المُخْتَصَّ بِأنَّهُ عَلى النِعَمِ.
ولَمّا ورَدَ هَذا الإخْبارُ تَبِعَهُ ذِكْرُ بَعْضِ أوصافِهِ المُوجِبَةِ لِلْحَمْدِ؛ وهي الخَلْقُ لِلسَّمَواتِ والأرْضِ؛ قِوامِ الناسِ وأرْزاقِهِمْ؛ و"اَلْأرْضَ"؛ هَهُنا لِلْجِنْسِ؛ فَإفْرادُها في اللَفْظِ بِمَنزِلَةِ جَمْعِها.
والبادِي مِن هَذا التَرْتِيبِ أنَّ السَماءَ خُلِقَتْ مِن قَبْلِ الأرْضِ؛ وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّ الواوَ لا تُرَتِّبُ المَعانِيَ؛ والَّذِي يَنْبَنِي مِن مَجْمُوعِ آيِ القُرْآنِ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ ولَمْ يَدْحُها؛ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ فَخَلَقَها؛ ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ.
و"جَعَلَ"؛ هَهُنا بِمَعْنى "خَلَقَ"؛ لا يَجُوزُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وتَأمَّلْ: لِمَ خُصَّتِ السَماواتُ والأرْضُ بِـ "خَلَقَ"؛ والظُلُماتُ والنُورُ بِـ "جَعَلَ"؟ وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَجَعَلَ"؛ هَذِهِ (p-٣١٠)هِيَ الَّتِي تَتَصَرَّفُ في طُرُقِ الكَلامِ؛ كَما تَقُولُ: "جَعَلْتُ أفْعَلُ كَذا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَجَعَلَ إظْلامَها وإنارَتَها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لِأنَّ "جَعَلَ"؛ إذا كانَتْ عَلى هَذا النَحْوِ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَرْتَبِطَ مَعَها فِعْلٌ آخَرُ؛ كَما يُرْتَبَطُ في أفْعالِ المُقارَبَةِ؛ كَقَوْلِكَ: "كادَ زَيْدٌ يَمُوتُ"؛ "جَعَلَ زَيْدٌ يَجِيءُ ويَذْهَبُ"؛ وأمّا إذا لَمْ يَرْتَبِطْ مَعَها فِعْلٌ فَلا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الَّتِي ذَكَرَ الطَبَرِيُّ.
وقالَ السُدِّيُّ ؛ وقَتادَةُ ؛ والجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: اَلظُّلُماتُ: اَللَّيْلُ؛ والنُورُ: اَلنَّهارُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلظُّلُماتُ: اَلْكُفْرُ؛ والنُورُ: اَلْإيمانُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ إخْراجُ لَفْظٍ بَيِّنٍ في اللُغَةِ عن ظاهِرِهِ الحَقِيقِيِّ؛ إلى باطِنٍ؛ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ؛ وهَذا هو طَرِيقُ اللُغْزِ الَّذِي بَرِئَ القُرْآنُ مِنهُ؛ والنُورُ أيْضًا هُنا لِلْجِنْسِ؛ فَإفْرادُهُ بِمَثابَةِ جَمْعِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ"؛ دالَّةٌ عَلى قُبْحِ فِعْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّ خَلْقَهُ (p-٣١١)السَماواتِ والأرْضَ؛ وغَيْرَهُما؛ قَدْ تَقَرَّرَ؛ وآياتِهِ قَدْ سَطَعَتْ؛ وإنْعامَهُ بِذَلِكَ قَدْ تَبَيَّنَ؛ ثُمَّ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ عَدَلُوا بِرَبِّهِمْ؛ فَهَذا كَما تَقُولُ: "يا فُلانُ؛ أعْطَيْتُكَ؛ وأكْرَمْتُكَ؛ وأحْسَنْتُ إلَيْكَ؛ ثُمَّ تَشْتُمُنِي؟"؛ أيْ: بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن وُقُوعِ هَذا كُلِّهِ؛ ولَوْ وقَعَ العَطْفُ في هَذا ونَحْوِهِ بِالواوِ لَمْ يَلْزَمِ التَوْبِيخُ كَلُزُومِهِ بِـ "ثُمَّ".
والَّذِينَ كَفَرُوا ؛ في هَذا المَوْضِعِ هم كُلُّ مَن عَبَدَ شَيْئًا سِوى اللهِ ؛ قالَ قَتادَةُ: هم أهْلُ الشِرْكِ خاصَّةً؛ ومَن خَصَّصَ مِنَ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ؛ فَلَمْ يُصِبْ؛ إلّا أنَّ السابِقَ مِن حالِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّ الإشارَةَ إلى عَبَدَةِ الأوثانِ؛ لِمُجاوَرَتِهِمْ لَهُ؛ ولَفْظُ الآيَةِ أيْضًا يُشِيرُ إلى المانَوِيَّةِ؛ ويُقالُ: اَلْمانَنِيَّةِ؛ العابِدِينَ لِلنُّورِ؛ القائِلِينَ: إنَّ الخَيْرَ مِن فِعْلِ النُورِ؛ والشَرَّ مِن فِعْلِ الظَلامِ؛ وقَوْلُابْنِ أبْزى: "إنَّ المُرادَ أهْلُ الكِتابِ"؛ بَعِيدٌ.
و"يَعْدِلُونَ"؛ مَعْناهُ: يُسَوُّونَ؛ ويُمَثِّلُونَ؛ وعِدْلُ الشَيْءِ: قَرِينُهُ ومَثِيلُهُ؛ والمانَوِيَّةُ مَجُوسٌ؛ ووَرَدَ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ حَدِيثٌ؛ وهُوَ: « "اَلْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ"؛» ومَعْناهُ الإغْلاظُ عَلَيْهِمْ؛ والذَمُّ لَهم في تَشْبِيهِهِمْ بِالمَجُوسِ؛ ومَوْضِعُ الشَبَهِ هو أنَّ المَجُوسَ تَقُولُ: اَلْأفْعالُ خَيْرُها خَلْقُ النُورِ؛ وشَرُّها خَلْقُ الظُلْمَةِ؛ فَجَعَلُوا خالِقًا غَيْرَ اللهِ ؛ والقَدَرِيَّةُ تَقُولُ: اَلْإنْسانُ يَخْلُقُ أفْعالَهُ؛ فَجَعَلُوا خالِقًا غَيْرَ اللهِ تَعالى؛ عن قَوْلِهِمْ؛ وذَهَبَ أبُو المَعالِي إلى أنَّ التَشْبِيهَ بِالمَجُوسِ إنَّما هو قَوْلُ القَدَرِيَّةِ: إنَّ الخَيْرَ مِنَ اللهِ ؛ وإنَّ الشَرَّ مِنهُ؛ ولا يُرِيدُهُ؛ وإنَّما قُلْنا في الحَدِيثِ: إنَّهُ تَغْلِيظٌ؛ لِأنَّهُ قَدْ صَرَّحَ أنَّهم مِنَ الأُمَّةِ؛ ولَوْ جَعَلَهم مَجُوسًا حَقِيقَةً لَمْ يُضِفْهم إلى الأُمَّةِ؛ وهَذا كُلُّهُ إنْ لَوْ صَحَّ الحَدِيثُ؛ واللهُ المُوَفِّقُ.
(p-٣١٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلْمَعْنى: خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ؛ والبَشَرُ مِن آدَمَ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: بَلِ المَعْنى أنَّ النُطْفَةَ الَّتِي يُخْلَقُ مِنها الإنْسانُ أصْلُها مِن طِينٍ؛ ثُمَّ يَقْلِبُها اللهُ نُطْفَةً؛ وذَكَرَهُ مَكِّيٌّ والزَهْراوِيُّ ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ ألْيَقُ بِالشَرِيعَةِ؛ لِأنَّ القَوْلَ الثانِيَ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ بِأنَّ الطِينَ يَرْجِعُ بَعْدَ التَوَلُّدِ والِاسْتِحالاتِ الكَثِيرَةِ نُطْفَةً؛ وذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذَيْنِ الأجَلَيْنِ؛ فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: "أجَلًا": أجْلَ الإنْسانِ مِن لَدُنْ وِلادَتِهِ إلى مَوْتِهِ؛ و"اَلْأجَلُ المُسَمّى عِنْدَهُ": مِن وقْتِ مَوْتِهِ إلى حَشْرِهِ؛ ووَصَفَهُ بِـ "مُسَمًّى عِنْدَهُ"؛ لِأنَّهُ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ وقْتِ القِيامَةِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "أجَلًا": اَلدُّنْيا؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلْآخِرَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "أجَلًا": اَلْآخِرَةَ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلدُّنْيا؛ بِعَكْسِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "أجَلًا": وفاةَ الإنْسانِ بِالنَوْمِ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": وفاتُهُ بِالمَوْتِ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: اَلْأجَلُ الأوَّلُ هو في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ عَلى بَنِي آدَمَ؛ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ ؛ وبَقِيَ "أجَلٌ" واحِدٌ مُسَمًّى في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عن فِرْقَةٍ: "أجَلًا": ما عَرَفَ الناسُ مِن آجالِ الأهِلَّةِ؛ والسِنِينِ؛ والكَوائِنِ؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": قِيامُ الساعَةِ؛ وحُكِيَ أيْضًا عن فِرْقَةٍ: "أجَلًا": ما عَرَفْناهُ مِن أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"أجَلٌ مُسَمًّى": اَلْآخِرَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَنْبَغِي أنْ تَتَأمَّلَ لَفْظَةَ "قَضى"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَإنَّها تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ فَإنْ جُعِلَتْ بِمَعْنى: "قَدَّرَ"؛ و"كَتَبَ"؛ ورَجَعَتْ إلى سابِقِ عِلْمِهِ وقَدَرِهِ؛ فَنَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ - ولا بُدَّ - قَبْلَ خَلْقِهِ آدَمَ مِن طِينٍ؛ وتُخْرَجُ "ثُمَّ"؛ مِن مَعْهُودِها في تَرْتِيبِ زَمَنَيْ وُقُوعِ القَضِيَّتَيْنِ؛ ويَبْقى لَها تَرْتِيبُ زَمَنَيِ الإخْبارِ عنهُ؛ كَأنَّهُ قالَ: "أخْبَرَكم أنَّهُ خَلَقَكم مِن طِينٍ؛ ثُمَّ أخْبَرَكم أنَّهُ قَضى أجَلًا"؛ وإنْ جُعِلَتْ "قَضى"؛ بِمَعْنى: "أوجَدَ"؛ و"أظْهَرَ"؛ ويَرْجِعُ ذَلِكَ إلى صِفَةِ فِعْلٍ؛ فَيَصِحُّ أنْ (p-٣١٣)يَكُونَ خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ قَبْلَ إظْهارِ هَذا الأجَلِ وإبْدائِهِ؛ وتَكُونَ "ثُمَّ"؛ عَلى بابِها؛ في تَرْتِيبِ زَمَنَيْ وُقُوعِ القَضِيَّتَيْنِ.
و﴿ "تَمْتَرُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: تَشُكُّونَ؛ و"اَلْمِرْيَةُ": اَلشَّكُّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "ثُمَّ أنْتُمْ"؛﴾ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ؛ في التَوْبِيخِ عَلى سُوءِ الفِعْلِ؛ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن وُضُوحِ الحُجَجِ.
الأنعام 6:3
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَهُوَ اللهُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
قاعِدَةُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ حُلُولَ اللهِ تَعالى في الأماكِنِ مُسْتَحِيلٌ؛ وكَذَلِكَ مُماسَّتُهُ لِلْأجْرامِ؛ أو مُحاذاتُهُ لَها؛ أو تَحَيُّزُهُ في جِهَةٍ؛ لِامْتِناعِ جَوازِ ذَلِكَ عَلَيْهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فَإذا تَقَرَّرَ هَذا فَبَيِّنٌ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ﴾ ؛ لَيْسَ عَلى حَدِّ قَوْلِنا: "زَيْدٌ في الدارِ"؛ بَلْ هو عَلى وجْهٍ مِنَ التَأْوِيلِ آخَرَ؛ قالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ مِنَ اللَفْظِ؛ ثابِتَةٍ في المَعْنى؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ اللهُ المَعْبُودُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ وعَبَّرَ بَعْضُهم بِأنْ قَدَّرَ: "هُوَ اللهُ المُدَبِّرُ لِلْأمْرِ في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ وقالَ الزَجّاجُ: "فِي"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللهِ تَعالى مِنَ المَعانِي؛ كَما يُقالُ: " أمِيرُ المُؤْمِنِينَ الخَلِيفَةُ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي أفْضَلُ الأقْوالِ؛ وأكْثَرُها إحْرازًا لِفَصاحَةِ اللَفْظِ؛ وجَزالَةِ المَعْنى؛ وإيضاحُهُ أنَّهُ أرادَ أنْ يَدُلَّ عَلى خَلْقِهِ؛ وإيثارِ قُدْرَتِهِ؛ وإحاطَتِهِ؛ واسْتِيلائِهِ؛ ونَحْوِ هَذِهِ الصِفاتِ؛ فَجَمَعَ هَذِهِ كُلَّها في قَوْلِهِ: "وَهُوَ اللهُ"؛ أيْ: "اَلَّذِي لَهُ هَذِهِ كُلُّها في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ الخالِقُ؛ الرازِقُ؛ المُحْيِي؛ المُحِيطُ؛ في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ"؛ كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ السُلْطانُ في الشامِ؛ والعِراقِ"؛ فَلَوْ قَصَدْتَ ذاتَ "زَيْدٍ" لَقُلْتَ مُحالًا؛ وإذا كانَ مَقْصِدُ (p-٣١٤)قَوْلِكَ: "زَيْدٌ الآمِرُ الناهِي؛ المُبْرِمُ؛ الَّذِي يَعْزِلُ ويُوَلِّي؛ في الشامِ؛ والعِراقِ"؛ فَأقَمْتَ "اَلسُّلْطانُ"؛ مَقامَ هَذِهِ؛ كانَ فَصِيحًا؛ صَحِيحًا؛ فَكَذَلِكَ في الآيَةِ؛ أقامَ لَفْظَةَ "اَللَّهُ"؛ مَقامَ تِلْكَ الصِفاتِ المَذْكُورَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَهُوَ اللهُ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ؛ وتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي السَماواتِ﴾ ؛ بِمَفْعُولِ "يَعْلَمُ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ اللهُ؛ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ؛ وجَهْرَكُمْ؛ في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ"؛ فَلا يَجُوزُ - مَعَ هَذا التَعْلِيقِ - أنْ يَكُونَ "هُوَ" ضَمِيرَ أمْرٍ وشَأْنٍ؛ لِأنَّهُ يَرْفَعُ "اللهُ"؛ بِالِابْتِداءِ؛ و"يَعْلَمُ"؛ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ وقَدْ فَرَّقَ ﴿فِي السَماواتِ وفي الأرْضِ﴾ ؛ بَيْنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ؛ وهو ظَرْفٌ غَرِيبٌ مِنَ الجُمْلَةِ؛ ويَلْزَمُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ في الكافِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ ؛ لِجَمِيعِ المَخْلُوقِينَ؛ الإنْسِ والمَلائِكَةِ؛ لِأنَّ الإنْسَ لا سِرَّ ولا جَهْرَ لَهم في السَماءِ؛ فَتَرْتِيبُ الكَلامِ عَلى هَذا القَوْلِ: "وَهُوَ اللهُ؛ يَعْلَمُ يا جَمِيعَ المَخْلُوقِينَ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ".
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "وَهُوَ"؛ ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ؛ و﴿اللهُ في السَماواتِ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَيَعْلَمُ في الأرْضِ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ"؛ وهَذا القَوْلُ؛ إذْ قَدْ تَخَلَّصَ مِن لُزُومِ مُخاطَبَةِ المَلائِكَةِ؛ فَهو مُخَلِّصٌ مِن شُبْهَةِ الكَوْنِ في السَماءِ؛ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ "اَلْمَعْبُودُ"؛ أو "اَلْمُدَبِّرُ"؛ عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ ؛ خَبَرٌ؛ في ضِمْنِهِ تَحْذِيرٌ؛ وزَجْرٌ؛ و"تَكْسِبُونَ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الِاعْتِقاداتِ؛ والأفْعالِ؛ والأقْوالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "ما"؛ نافِيَةٌ؛ و"مِن"؛ اَلْأُولى؛ هي الزائِدَةُ؛ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الأجْناسِ بَعْدَ النَفْيِ؛ فَكَأنَّها تَسْتَغْرِقُ الجِنْسَ؛ و"مِن"؛ اَلثّانِيَةُ؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ و"اَلْآيَةُ": اَلْعَلامَةُ؛ والدَلالَةُ؛ والحُجَّةُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في وزْنِها؛ في صَدْرِ الكِتابِ؛ (p-٣١٥)وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَذَمَّةَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بِاللهِ سِواهُ؛ بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عن كُلِّ آيَةٍ تَرِدُ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ اقْتَضَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ "فَقَدْ"؛ أنَّ إعْراضَهم عَنِ الآياتِ قَدْ أعْقَبَ أنْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ؛ وهو مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وما جاءَ بِهِ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأنْ يَأْتِيَهم عِقابُ اسْتِهْزائِهِمْ؛ و"ما"؛ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَأْتِيهِمْ مُضَمَّنُ أنْباءِ القُرْآنِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ"؛ وإنْ جُعِلَتْ "ما"؛ مَصْدَرِيَّةً؛ فالتَقْدِيرُ: "يَأْتِيهِمْ نَبَأُ كَوْنِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ"؛ أيْ: "عِقابٌ يُخْبَرُونَ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ"؛ وهَذِهِ العُقُوباتُ الَّتِي تُوُعِّدُوا بِها تَعُمُّ عُقُوباتِ الدُنْيا؛ كَبَدْرٍ؛ وغَيْرِها؛ وعُقُوباتِ الآخِرَةِ.
الأنعام 6:4
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَهُوَ اللهُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
قاعِدَةُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ حُلُولَ اللهِ تَعالى في الأماكِنِ مُسْتَحِيلٌ؛ وكَذَلِكَ مُماسَّتُهُ لِلْأجْرامِ؛ أو مُحاذاتُهُ لَها؛ أو تَحَيُّزُهُ في جِهَةٍ؛ لِامْتِناعِ جَوازِ ذَلِكَ عَلَيْهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فَإذا تَقَرَّرَ هَذا فَبَيِّنٌ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ﴾ ؛ لَيْسَ عَلى حَدِّ قَوْلِنا: "زَيْدٌ في الدارِ"؛ بَلْ هو عَلى وجْهٍ مِنَ التَأْوِيلِ آخَرَ؛ قالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ مِنَ اللَفْظِ؛ ثابِتَةٍ في المَعْنى؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ اللهُ المَعْبُودُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ وعَبَّرَ بَعْضُهم بِأنْ قَدَّرَ: "هُوَ اللهُ المُدَبِّرُ لِلْأمْرِ في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ وقالَ الزَجّاجُ: "فِي"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللهِ تَعالى مِنَ المَعانِي؛ كَما يُقالُ: " أمِيرُ المُؤْمِنِينَ الخَلِيفَةُ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي أفْضَلُ الأقْوالِ؛ وأكْثَرُها إحْرازًا لِفَصاحَةِ اللَفْظِ؛ وجَزالَةِ المَعْنى؛ وإيضاحُهُ أنَّهُ أرادَ أنْ يَدُلَّ عَلى خَلْقِهِ؛ وإيثارِ قُدْرَتِهِ؛ وإحاطَتِهِ؛ واسْتِيلائِهِ؛ ونَحْوِ هَذِهِ الصِفاتِ؛ فَجَمَعَ هَذِهِ كُلَّها في قَوْلِهِ: "وَهُوَ اللهُ"؛ أيْ: "اَلَّذِي لَهُ هَذِهِ كُلُّها في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ الخالِقُ؛ الرازِقُ؛ المُحْيِي؛ المُحِيطُ؛ في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ"؛ كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ السُلْطانُ في الشامِ؛ والعِراقِ"؛ فَلَوْ قَصَدْتَ ذاتَ "زَيْدٍ" لَقُلْتَ مُحالًا؛ وإذا كانَ مَقْصِدُ (p-٣١٤)قَوْلِكَ: "زَيْدٌ الآمِرُ الناهِي؛ المُبْرِمُ؛ الَّذِي يَعْزِلُ ويُوَلِّي؛ في الشامِ؛ والعِراقِ"؛ فَأقَمْتَ "اَلسُّلْطانُ"؛ مَقامَ هَذِهِ؛ كانَ فَصِيحًا؛ صَحِيحًا؛ فَكَذَلِكَ في الآيَةِ؛ أقامَ لَفْظَةَ "اَللَّهُ"؛ مَقامَ تِلْكَ الصِفاتِ المَذْكُورَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَهُوَ اللهُ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ؛ وتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي السَماواتِ﴾ ؛ بِمَفْعُولِ "يَعْلَمُ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ اللهُ؛ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ؛ وجَهْرَكُمْ؛ في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ"؛ فَلا يَجُوزُ - مَعَ هَذا التَعْلِيقِ - أنْ يَكُونَ "هُوَ" ضَمِيرَ أمْرٍ وشَأْنٍ؛ لِأنَّهُ يَرْفَعُ "اللهُ"؛ بِالِابْتِداءِ؛ و"يَعْلَمُ"؛ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ وقَدْ فَرَّقَ ﴿فِي السَماواتِ وفي الأرْضِ﴾ ؛ بَيْنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ؛ وهو ظَرْفٌ غَرِيبٌ مِنَ الجُمْلَةِ؛ ويَلْزَمُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ في الكافِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ ؛ لِجَمِيعِ المَخْلُوقِينَ؛ الإنْسِ والمَلائِكَةِ؛ لِأنَّ الإنْسَ لا سِرَّ ولا جَهْرَ لَهم في السَماءِ؛ فَتَرْتِيبُ الكَلامِ عَلى هَذا القَوْلِ: "وَهُوَ اللهُ؛ يَعْلَمُ يا جَمِيعَ المَخْلُوقِينَ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ".
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "وَهُوَ"؛ ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ؛ و﴿اللهُ في السَماواتِ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَيَعْلَمُ في الأرْضِ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ"؛ وهَذا القَوْلُ؛ إذْ قَدْ تَخَلَّصَ مِن لُزُومِ مُخاطَبَةِ المَلائِكَةِ؛ فَهو مُخَلِّصٌ مِن شُبْهَةِ الكَوْنِ في السَماءِ؛ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ "اَلْمَعْبُودُ"؛ أو "اَلْمُدَبِّرُ"؛ عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ ؛ خَبَرٌ؛ في ضِمْنِهِ تَحْذِيرٌ؛ وزَجْرٌ؛ و"تَكْسِبُونَ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الِاعْتِقاداتِ؛ والأفْعالِ؛ والأقْوالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "ما"؛ نافِيَةٌ؛ و"مِن"؛ اَلْأُولى؛ هي الزائِدَةُ؛ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الأجْناسِ بَعْدَ النَفْيِ؛ فَكَأنَّها تَسْتَغْرِقُ الجِنْسَ؛ و"مِن"؛ اَلثّانِيَةُ؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ و"اَلْآيَةُ": اَلْعَلامَةُ؛ والدَلالَةُ؛ والحُجَّةُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في وزْنِها؛ في صَدْرِ الكِتابِ؛ (p-٣١٥)وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَذَمَّةَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بِاللهِ سِواهُ؛ بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عن كُلِّ آيَةٍ تَرِدُ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ اقْتَضَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ "فَقَدْ"؛ أنَّ إعْراضَهم عَنِ الآياتِ قَدْ أعْقَبَ أنْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ؛ وهو مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وما جاءَ بِهِ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأنْ يَأْتِيَهم عِقابُ اسْتِهْزائِهِمْ؛ و"ما"؛ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَأْتِيهِمْ مُضَمَّنُ أنْباءِ القُرْآنِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ"؛ وإنْ جُعِلَتْ "ما"؛ مَصْدَرِيَّةً؛ فالتَقْدِيرُ: "يَأْتِيهِمْ نَبَأُ كَوْنِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ"؛ أيْ: "عِقابٌ يُخْبَرُونَ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ"؛ وهَذِهِ العُقُوباتُ الَّتِي تُوُعِّدُوا بِها تَعُمُّ عُقُوباتِ الدُنْيا؛ كَبَدْرٍ؛ وغَيْرِها؛ وعُقُوباتِ الآخِرَةِ.
الأنعام 6:5
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَهُوَ اللهُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
قاعِدَةُ الكَلامِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ حُلُولَ اللهِ تَعالى في الأماكِنِ مُسْتَحِيلٌ؛ وكَذَلِكَ مُماسَّتُهُ لِلْأجْرامِ؛ أو مُحاذاتُهُ لَها؛ أو تَحَيُّزُهُ في جِهَةٍ؛ لِامْتِناعِ جَوازِ ذَلِكَ عَلَيْهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فَإذا تَقَرَّرَ هَذا فَبَيِّنٌ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ﴾ ؛ لَيْسَ عَلى حَدِّ قَوْلِنا: "زَيْدٌ في الدارِ"؛ بَلْ هو عَلى وجْهٍ مِنَ التَأْوِيلِ آخَرَ؛ قالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ مِنَ اللَفْظِ؛ ثابِتَةٍ في المَعْنى؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ اللهُ المَعْبُودُ في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ وعَبَّرَ بَعْضُهم بِأنْ قَدَّرَ: "هُوَ اللهُ المُدَبِّرُ لِلْأمْرِ في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ وقالَ الزَجّاجُ: "فِي"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَضَمَّنَهُ اسْمُ اللهِ تَعالى مِنَ المَعانِي؛ كَما يُقالُ: " أمِيرُ المُؤْمِنِينَ الخَلِيفَةُ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عِنْدِي أفْضَلُ الأقْوالِ؛ وأكْثَرُها إحْرازًا لِفَصاحَةِ اللَفْظِ؛ وجَزالَةِ المَعْنى؛ وإيضاحُهُ أنَّهُ أرادَ أنْ يَدُلَّ عَلى خَلْقِهِ؛ وإيثارِ قُدْرَتِهِ؛ وإحاطَتِهِ؛ واسْتِيلائِهِ؛ ونَحْوِ هَذِهِ الصِفاتِ؛ فَجَمَعَ هَذِهِ كُلَّها في قَوْلِهِ: "وَهُوَ اللهُ"؛ أيْ: "اَلَّذِي لَهُ هَذِهِ كُلُّها في السَماواتِ وفي الأرْضِ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ الخالِقُ؛ الرازِقُ؛ المُحْيِي؛ المُحِيطُ؛ في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ"؛ كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ السُلْطانُ في الشامِ؛ والعِراقِ"؛ فَلَوْ قَصَدْتَ ذاتَ "زَيْدٍ" لَقُلْتَ مُحالًا؛ وإذا كانَ مَقْصِدُ (p-٣١٤)قَوْلِكَ: "زَيْدٌ الآمِرُ الناهِي؛ المُبْرِمُ؛ الَّذِي يَعْزِلُ ويُوَلِّي؛ في الشامِ؛ والعِراقِ"؛ فَأقَمْتَ "اَلسُّلْطانُ"؛ مَقامَ هَذِهِ؛ كانَ فَصِيحًا؛ صَحِيحًا؛ فَكَذَلِكَ في الآيَةِ؛ أقامَ لَفْظَةَ "اَللَّهُ"؛ مَقامَ تِلْكَ الصِفاتِ المَذْكُورَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَهُوَ اللهُ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ؛ وتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي السَماواتِ﴾ ؛ بِمَفْعُولِ "يَعْلَمُ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ اللهُ؛ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ؛ وجَهْرَكُمْ؛ في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ"؛ فَلا يَجُوزُ - مَعَ هَذا التَعْلِيقِ - أنْ يَكُونَ "هُوَ" ضَمِيرَ أمْرٍ وشَأْنٍ؛ لِأنَّهُ يَرْفَعُ "اللهُ"؛ بِالِابْتِداءِ؛ و"يَعْلَمُ"؛ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ وقَدْ فَرَّقَ ﴿فِي السَماواتِ وفي الأرْضِ﴾ ؛ بَيْنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ؛ وهو ظَرْفٌ غَرِيبٌ مِنَ الجُمْلَةِ؛ ويَلْزَمُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ في الكافِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ ؛ لِجَمِيعِ المَخْلُوقِينَ؛ الإنْسِ والمَلائِكَةِ؛ لِأنَّ الإنْسَ لا سِرَّ ولا جَهْرَ لَهم في السَماءِ؛ فَتَرْتِيبُ الكَلامِ عَلى هَذا القَوْلِ: "وَهُوَ اللهُ؛ يَعْلَمُ يا جَمِيعَ المَخْلُوقِينَ سِرَّكم وجَهْرَكم في السَماواتِ؛ وفي الأرْضِ".
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "وَهُوَ"؛ ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ؛ و﴿اللهُ في السَماواتِ﴾ ؛ اِبْتِداءٌ؛ وخَبَرٌ؛ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَهُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَيَعْلَمُ في الأرْضِ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ"؛ وهَذا القَوْلُ؛ إذْ قَدْ تَخَلَّصَ مِن لُزُومِ مُخاطَبَةِ المَلائِكَةِ؛ فَهو مُخَلِّصٌ مِن شُبْهَةِ الكَوْنِ في السَماءِ؛ بِتَقْدِيرِ حَذْفِ "اَلْمَعْبُودُ"؛ أو "اَلْمُدَبِّرُ"؛ عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ ؛ خَبَرٌ؛ في ضِمْنِهِ تَحْذِيرٌ؛ وزَجْرٌ؛ و"تَكْسِبُونَ"؛ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الِاعْتِقاداتِ؛ والأفْعالِ؛ والأقْوالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "ما"؛ نافِيَةٌ؛ و"مِن"؛ اَلْأُولى؛ هي الزائِدَةُ؛ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الأجْناسِ بَعْدَ النَفْيِ؛ فَكَأنَّها تَسْتَغْرِقُ الجِنْسَ؛ و"مِن"؛ اَلثّانِيَةُ؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ و"اَلْآيَةُ": اَلْعَلامَةُ؛ والدَلالَةُ؛ والحُجَّةُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في وزْنِها؛ في صَدْرِ الكِتابِ؛ (p-٣١٥)وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَذَمَّةَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ بِاللهِ سِواهُ؛ بِأنَّهم يُعْرِضُونَ عن كُلِّ آيَةٍ تَرِدُ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ اقْتَضَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ "فَقَدْ"؛ أنَّ إعْراضَهم عَنِ الآياتِ قَدْ أعْقَبَ أنْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ؛ وهو مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وما جاءَ بِهِ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأنْ يَأْتِيَهم عِقابُ اسْتِهْزائِهِمْ؛ و"ما"؛ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَأْتِيهِمْ مُضَمَّنُ أنْباءِ القُرْآنِ الَّذِي كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ"؛ وإنْ جُعِلَتْ "ما"؛ مَصْدَرِيَّةً؛ فالتَقْدِيرُ: "يَأْتِيهِمْ نَبَأُ كَوْنِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ"؛ أيْ: "عِقابٌ يُخْبَرُونَ أنَّهُ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ"؛ وهَذِهِ العُقُوباتُ الَّتِي تُوُعِّدُوا بِها تَعُمُّ عُقُوباتِ الدُنْيا؛ كَبَدْرٍ؛ وغَيْرِها؛ وعُقُوباتِ الآخِرَةِ.
الأنعام 6:6
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾
هَذا حَضٌّ عَلى العِبْرَةِ؛ والرُؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ؛ و"كَمْ"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أهْلَكْنا".
و"اَلْقَرْنُ": اَلْأُمَّةُ المُقْتَرِنَةُ في مُدَّةٍ مِنَ الزَمانِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "خَيْرُ الناسِ قَرْنِي"؛» اَلْحَدِيثَ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في مُدَّةِ القَرْنِ: كَمْ هِيَ؟ فالأكْثَرُ عَلى أنَّها مِائَةُ سَنَةٍ؛ ويُرَجِّحُ ذَلِكَ الحَدِيثُ الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "أرَأيْتُمْ لَيْلَتَكم هَذِهِ؟ فَإنَّ عَلى رَأْسِ مِائَةٍ مِنها لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ"؛» قالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: يُرِيدُ أنَّها تَخْرِمُ ذَلِكَ القَرْنَ؛ ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ بَشِيرٍ: "تَعِيشُ قَرْنًا"؛ فَعاشَ مِائَةَ سَنَةٍ.»
وقِيلَ: اَلْقَرْنُ: ثَمانُونَ سَنَةً؛ وقِيلَ: سَبْعُونَ؛ وقِيلَ: سِتُّونَ؛ وتَمَسَّكَ هَؤُلاءِ (p-٣١٦)بِالمُعْتَرَكِ؛ وحَكى النَقّاشُ أرْبَعِينَ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ في ذَلِكَ أنَّهُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وحَكى النَقّاشُ أيْضًا ثَلاثِينَ؛ وحَكى عِشْرِينَ؛ وحَكى ثَمانِيَةَ عَشَرَ؛ وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ؛ وهَذِهِ طَبَقاتٌ؛ ولَيْسَتْ بِقُرُونٍ؛ إنَّما القَرْنُ أنْ يَكُونَ وفاةَ الأشْياخِ؛ ثُمَّ وِلادَةَ الأطْفالِ؛ ويَظْهَرُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١] ؛ وإلى مُراعاةِ الطَبَقاتِ وانْقِراضِ الناسِ بِها أشارَ ابْنُ الماجِشُونِ في "اَلْواضِحَةُ"؛ في تَجْوِيزِ شَهادَةِ السَماعِ؛ في تَقادُمِ خَمْسَةَ عَشَرَ عامًا؛ فَصاعِدًا؛ وقِيلَ: اَلْقَرْنُ: اَلزَّمَنُ نَفْسُهُ؛ وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "مِن أهْلِ قَرْنٍ"؛ والضَمِيرُ في "مَكَّنّاهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى القَرْنِ؛ والمُخاطَبَةُ في "لَكُمْ"؛ هي لِلْمُؤْمِنِينَ ولِجَمِيعِ المُعاصِرِينَ لَهُمْ؛ مِن سائِرِ الناسِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "ما لَمْ نُمَكِّنْ يا أهْلَ العَصْرِ لَكُمْ"؛ فَهَذا أبْيَنُ ما فِيهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ في الآيَةِ مَعْنى القَوْلِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؛ كَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لَهُمْ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ؛ وإذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ لِغائِبٍ؛ أو قِيلَ لَهُ؛ أو أمَرْتَ أنْ يُقالَ؛ فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِيَ الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها؛ فَتَجِيءَ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ؛ ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ بِذِكْرِ غائِبٍ؛ دُونَ مُخاطَبَةٍ.
و"اَلسَّماءَ": اَلْمَطَرَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ ∗∗∗ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا
و"مِدْرارًا"؛ بِناءُ تَكْثِيرٍ؛ كَـ "مِذْكارٌ"؛ و"مِئْناثٌ"؛ ومَعْناهُ: يَدِرُّ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ المَنفَعَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما سِياقُها تَعْدِيدُ النِعَمِ؛ وإلّا فَظاهِرُها يَحْتَمِلُ النِعْمَةَ؛ ويَحْتَمِلُ الإهْلاكَ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تُرادَ السَماءُ المَعْرُوفَةُ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "وَأرْسَلْنا مَطَرَ السَماءِ"؛ لِأنَّ "مِدْرارًا"؛ لا يُوصَفُ بِهِ إلّا المَطَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأهْلَكْناهُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: "فَعَصَوْا؛ وكَفَرُوا؛ فَأهْلَكْناهُمْ".
﴿ "وَأنْشَأْنا"؛﴾ اِخْتَرَعْنا؛ وخَلَقْنا؛ وجُمِعَ "آخَرِينَ"؛ حَمْلًا عَلى مَعْنى القَرْنِ.
الأنعام 6:7
(p-٣١٧)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾
لَمّا أخْبَرَ عنهم - عَزَّ وجَلَّ - بِأنَّهم كَذَّبُوا بِكُلِّ ما جاءَهم مِن آيَةٍ؛ تَبِعَ ذَلِكَ إخْبارٌ فِيهِ مُبالَغَةٌ مُضَمَّنَهٌ أنَّهُ لَوْ جاءَهم أشْنَعُ مِمّا جاءَ لَكَذَّبُوا أيْضًا؛ والمَعْنى: ﴿ "وَلَوْ نَزَّلْنا"﴾ بِمَرْأًى مِنهم ﴿ "عَلَيْكَ كِتابًا"﴾ - أيْ كَلامًا مَكْتُوبًا - ﴿ "فِي قِرْطاسٍ"﴾ - أيْ في صَحِيفَةٍ؛ ويُقالُ: "قُرْطاسٌ"؛ بِضَمِّ القافِ - ﴿ "فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ"﴾ - يُرِيدُ أنَّهم بالَغُوا في مَيْزِهِ وتَقْلِيبِهِ - لِيَرْتَفِعَ كُلُّ ارْتِيابٍ؛ لَعانَدُوا فِيهِ؛ وتابَعُوا كُفْرَهُمْ؛ وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ".
ويُشْبِهُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ اقْتِراحُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ وتَعَنُّتُهُ؛ إذْ قالَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "لا أُؤْمِنُ لَكَ حَتّى تَصْعَدَ إلى السَماءِ؛ ثُمَّ تَنْزِلَ بِكِتابٍ؛ فِيهِ: مِن رَبِّ العِزَّةِ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ يَأْمُرُنِي بِتَصْدِيقِكَ؛ وما أرانِي مَعَ هَذا كُنْتُ أُصَدِّقُكَ"؛ ثُمَّ أسْلَمَ؛ بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ ؛ وقُتِلَ شَهِيدًا في الطائِفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حِكايَةٌ عَمَّنْ تَشَطَّطَ مِنَ العَرَبِ؛ بِأنْ طَلَبَ أنْ يَنْزِلَ مَلَكٌ يُصَدِّقُ مُحَمَّدًا في نُبُوءَتِهِ؛ ويُعْلِمَ عَنِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ حَقٌّ؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: لَقامَتِ القِيامَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقالَ قَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا فَكَذَّبُوا بِهِ؛ لَقُضِيَ الأمْرُ بِعَذابِهِمْ؛ ولَمْ يُنْظَرُوا؛ حَسْبَما سَلَفَ في كُلِّ أُمَّةٍ اقْتَرَحَتْ بِآيَةٍ؛ وكَذَّبَتْ بَعْدَ أنْ أُظْهِرَتْ إلَيْها"؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛﴾ أيْ: لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ ؛ فَإنَّ أهْلَ التَأْوِيلِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُطِيقُونَ رُؤْيَةَ المَلَكِ في صُورَتِهِ؛ فالأولى في قَوْلِهِ: "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ أيْ: لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَتِهِ.
و"يُنْظَرُونَ"؛ مَعْناهُ: يُؤَخَّرُونَ؛ و"اَلنَّظِرَةُ": اَلتَّأْخِيرُ.
(p-٣١٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ "وَلَوْ جَعَلْناهُ"؛﴾ اَلْآيَةَ؛ اَلْمَعْنى: "إنّا لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ - ولا بُدَّ - في خَلْقِ رَجُلٍ؛ لِأنَّهم لا طاقَةَ لَهم عَلى رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ"؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ زَيْدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى الحَدِيثُ الوارِدُ عَنِ الرَجُلَيْنِ اللَذَيْنِ صَعِدا عَلى الجَبَلِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِيَرَيا ما يَكُونُ في حَرْبِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لِلْمُشْرِكِينَ؛ فَسَمِعا حِسَّ المَلائِكَةِ؛ وقائِلًا يَقُولُ في السَماءِ: "أقْدِمْ حَيْزُومُ"؛ فَماتَ أحَدُهُما لِهَوْلِ ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ بِرُؤْيَةِ مَلَكٍ في خِلْقَتِهِ؟ ولا يُعارَضُ هَذا بِرُؤْيَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وغَيْرِهِ في صُوَرِهِمْ؛ لِأنَّ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُعْطِيَ قُوَّةً غَيْرَ هَذِهِ كُلِّها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
﴿ "وَلَلَبَسْنا"؛﴾ أيْ: "لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وعَلى ضَعَفَتِهِمْ"؛ أيْ: لَفَعَلْنا لَهم في ذَلِكَ فِعْلًا مُلْبِسًا يُطَرِّقُ لَهم إلى أنْ يُلْبَسُوا بِهِ؛ وذَلِكَ لا يَحْسُنُ؛ ويَحْتَمِلُ الكَلامُ مَقْصِدًا آخَرَ؛ أيْ: "لَلَبَسْنا نَحْنُ عَلَيْهِمْ كَما يَلْبِسُونَ هم عَلى ضَعَفَتِهِمْ؛ فَكُنّا نَنْهاهم عَنِ التَلْبِيسِ؛ ونَفْعَلُهُ بِهِمْ"؛ ويُقالُ: "لَبَسَ الرَجُلُ الأمْرَ؛ يَلْبِسُهُ؛ لَبْسًا"؛ إذا خَلَطَهُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَلَبَّسْنا"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وشَدِّ الباءِ.
وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ؛ وسِياقُ الكَلامِ ومَعانِيهِ يَقْتَضِي أنَّها في كُفّارِ العَرَبِ.
الأنعام 6:8
(p-٣١٧)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾
لَمّا أخْبَرَ عنهم - عَزَّ وجَلَّ - بِأنَّهم كَذَّبُوا بِكُلِّ ما جاءَهم مِن آيَةٍ؛ تَبِعَ ذَلِكَ إخْبارٌ فِيهِ مُبالَغَةٌ مُضَمَّنَهٌ أنَّهُ لَوْ جاءَهم أشْنَعُ مِمّا جاءَ لَكَذَّبُوا أيْضًا؛ والمَعْنى: ﴿ "وَلَوْ نَزَّلْنا"﴾ بِمَرْأًى مِنهم ﴿ "عَلَيْكَ كِتابًا"﴾ - أيْ كَلامًا مَكْتُوبًا - ﴿ "فِي قِرْطاسٍ"﴾ - أيْ في صَحِيفَةٍ؛ ويُقالُ: "قُرْطاسٌ"؛ بِضَمِّ القافِ - ﴿ "فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ"﴾ - يُرِيدُ أنَّهم بالَغُوا في مَيْزِهِ وتَقْلِيبِهِ - لِيَرْتَفِعَ كُلُّ ارْتِيابٍ؛ لَعانَدُوا فِيهِ؛ وتابَعُوا كُفْرَهُمْ؛ وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ".
ويُشْبِهُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ اقْتِراحُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ وتَعَنُّتُهُ؛ إذْ قالَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "لا أُؤْمِنُ لَكَ حَتّى تَصْعَدَ إلى السَماءِ؛ ثُمَّ تَنْزِلَ بِكِتابٍ؛ فِيهِ: مِن رَبِّ العِزَّةِ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ يَأْمُرُنِي بِتَصْدِيقِكَ؛ وما أرانِي مَعَ هَذا كُنْتُ أُصَدِّقُكَ"؛ ثُمَّ أسْلَمَ؛ بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ ؛ وقُتِلَ شَهِيدًا في الطائِفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حِكايَةٌ عَمَّنْ تَشَطَّطَ مِنَ العَرَبِ؛ بِأنْ طَلَبَ أنْ يَنْزِلَ مَلَكٌ يُصَدِّقُ مُحَمَّدًا في نُبُوءَتِهِ؛ ويُعْلِمَ عَنِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ حَقٌّ؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: لَقامَتِ القِيامَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقالَ قَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا فَكَذَّبُوا بِهِ؛ لَقُضِيَ الأمْرُ بِعَذابِهِمْ؛ ولَمْ يُنْظَرُوا؛ حَسْبَما سَلَفَ في كُلِّ أُمَّةٍ اقْتَرَحَتْ بِآيَةٍ؛ وكَذَّبَتْ بَعْدَ أنْ أُظْهِرَتْ إلَيْها"؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛﴾ أيْ: لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ ؛ فَإنَّ أهْلَ التَأْوِيلِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُطِيقُونَ رُؤْيَةَ المَلَكِ في صُورَتِهِ؛ فالأولى في قَوْلِهِ: "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ أيْ: لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَتِهِ.
و"يُنْظَرُونَ"؛ مَعْناهُ: يُؤَخَّرُونَ؛ و"اَلنَّظِرَةُ": اَلتَّأْخِيرُ.
(p-٣١٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ "وَلَوْ جَعَلْناهُ"؛﴾ اَلْآيَةَ؛ اَلْمَعْنى: "إنّا لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ - ولا بُدَّ - في خَلْقِ رَجُلٍ؛ لِأنَّهم لا طاقَةَ لَهم عَلى رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ"؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ زَيْدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى الحَدِيثُ الوارِدُ عَنِ الرَجُلَيْنِ اللَذَيْنِ صَعِدا عَلى الجَبَلِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِيَرَيا ما يَكُونُ في حَرْبِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لِلْمُشْرِكِينَ؛ فَسَمِعا حِسَّ المَلائِكَةِ؛ وقائِلًا يَقُولُ في السَماءِ: "أقْدِمْ حَيْزُومُ"؛ فَماتَ أحَدُهُما لِهَوْلِ ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ بِرُؤْيَةِ مَلَكٍ في خِلْقَتِهِ؟ ولا يُعارَضُ هَذا بِرُؤْيَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وغَيْرِهِ في صُوَرِهِمْ؛ لِأنَّ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُعْطِيَ قُوَّةً غَيْرَ هَذِهِ كُلِّها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
﴿ "وَلَلَبَسْنا"؛﴾ أيْ: "لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وعَلى ضَعَفَتِهِمْ"؛ أيْ: لَفَعَلْنا لَهم في ذَلِكَ فِعْلًا مُلْبِسًا يُطَرِّقُ لَهم إلى أنْ يُلْبَسُوا بِهِ؛ وذَلِكَ لا يَحْسُنُ؛ ويَحْتَمِلُ الكَلامُ مَقْصِدًا آخَرَ؛ أيْ: "لَلَبَسْنا نَحْنُ عَلَيْهِمْ كَما يَلْبِسُونَ هم عَلى ضَعَفَتِهِمْ؛ فَكُنّا نَنْهاهم عَنِ التَلْبِيسِ؛ ونَفْعَلُهُ بِهِمْ"؛ ويُقالُ: "لَبَسَ الرَجُلُ الأمْرَ؛ يَلْبِسُهُ؛ لَبْسًا"؛ إذا خَلَطَهُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَلَبَّسْنا"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وشَدِّ الباءِ.
وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ؛ وسِياقُ الكَلامِ ومَعانِيهِ يَقْتَضِي أنَّها في كُفّارِ العَرَبِ.
الأنعام 6:9
(p-٣١٧)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾
لَمّا أخْبَرَ عنهم - عَزَّ وجَلَّ - بِأنَّهم كَذَّبُوا بِكُلِّ ما جاءَهم مِن آيَةٍ؛ تَبِعَ ذَلِكَ إخْبارٌ فِيهِ مُبالَغَةٌ مُضَمَّنَهٌ أنَّهُ لَوْ جاءَهم أشْنَعُ مِمّا جاءَ لَكَذَّبُوا أيْضًا؛ والمَعْنى: ﴿ "وَلَوْ نَزَّلْنا"﴾ بِمَرْأًى مِنهم ﴿ "عَلَيْكَ كِتابًا"﴾ - أيْ كَلامًا مَكْتُوبًا - ﴿ "فِي قِرْطاسٍ"﴾ - أيْ في صَحِيفَةٍ؛ ويُقالُ: "قُرْطاسٌ"؛ بِضَمِّ القافِ - ﴿ "فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ"﴾ - يُرِيدُ أنَّهم بالَغُوا في مَيْزِهِ وتَقْلِيبِهِ - لِيَرْتَفِعَ كُلُّ ارْتِيابٍ؛ لَعانَدُوا فِيهِ؛ وتابَعُوا كُفْرَهُمْ؛ وقالُوا: هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ".
ويُشْبِهُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ اقْتِراحُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ وتَعَنُّتُهُ؛ إذْ قالَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "لا أُؤْمِنُ لَكَ حَتّى تَصْعَدَ إلى السَماءِ؛ ثُمَّ تَنْزِلَ بِكِتابٍ؛ فِيهِ: مِن رَبِّ العِزَّةِ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ يَأْمُرُنِي بِتَصْدِيقِكَ؛ وما أرانِي مَعَ هَذا كُنْتُ أُصَدِّقُكَ"؛ ثُمَّ أسْلَمَ؛ بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ ؛ وقُتِلَ شَهِيدًا في الطائِفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حِكايَةٌ عَمَّنْ تَشَطَّطَ مِنَ العَرَبِ؛ بِأنْ طَلَبَ أنْ يَنْزِلَ مَلَكٌ يُصَدِّقُ مُحَمَّدًا في نُبُوءَتِهِ؛ ويُعْلِمَ عَنِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ حَقٌّ؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: لَقامَتِ القِيامَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقالَ قَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا فَكَذَّبُوا بِهِ؛ لَقُضِيَ الأمْرُ بِعَذابِهِمْ؛ ولَمْ يُنْظَرُوا؛ حَسْبَما سَلَفَ في كُلِّ أُمَّةٍ اقْتَرَحَتْ بِآيَةٍ؛ وكَذَّبَتْ بَعْدَ أنْ أُظْهِرَتْ إلَيْها"؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛﴾ أيْ: لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ ؛ فَإنَّ أهْلَ التَأْوِيلِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُطِيقُونَ رُؤْيَةَ المَلَكِ في صُورَتِهِ؛ فالأولى في قَوْلِهِ: "لَقُضِيَ الأمْرُ"؛ أيْ: لَماتُوا مِن هَوْلِ رُؤْيَتِهِ.
و"يُنْظَرُونَ"؛ مَعْناهُ: يُؤَخَّرُونَ؛ و"اَلنَّظِرَةُ": اَلتَّأْخِيرُ.
(p-٣١٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ "وَلَوْ جَعَلْناهُ"؛﴾ اَلْآيَةَ؛ اَلْمَعْنى: "إنّا لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ - ولا بُدَّ - في خَلْقِ رَجُلٍ؛ لِأنَّهم لا طاقَةَ لَهم عَلى رُؤْيَةِ المَلَكِ في صُورَتِهِ"؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ زَيْدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى الحَدِيثُ الوارِدُ عَنِ الرَجُلَيْنِ اللَذَيْنِ صَعِدا عَلى الجَبَلِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ لِيَرَيا ما يَكُونُ في حَرْبِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لِلْمُشْرِكِينَ؛ فَسَمِعا حِسَّ المَلائِكَةِ؛ وقائِلًا يَقُولُ في السَماءِ: "أقْدِمْ حَيْزُومُ"؛ فَماتَ أحَدُهُما لِهَوْلِ ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ بِرُؤْيَةِ مَلَكٍ في خِلْقَتِهِ؟ ولا يُعارَضُ هَذا بِرُؤْيَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وغَيْرِهِ في صُوَرِهِمْ؛ لِأنَّ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُعْطِيَ قُوَّةً غَيْرَ هَذِهِ كُلِّها - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
﴿ "وَلَلَبَسْنا"؛﴾ أيْ: "لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ ما يَخْلِطُونَ بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وعَلى ضَعَفَتِهِمْ"؛ أيْ: لَفَعَلْنا لَهم في ذَلِكَ فِعْلًا مُلْبِسًا يُطَرِّقُ لَهم إلى أنْ يُلْبَسُوا بِهِ؛ وذَلِكَ لا يَحْسُنُ؛ ويَحْتَمِلُ الكَلامُ مَقْصِدًا آخَرَ؛ أيْ: "لَلَبَسْنا نَحْنُ عَلَيْهِمْ كَما يَلْبِسُونَ هم عَلى ضَعَفَتِهِمْ؛ فَكُنّا نَنْهاهم عَنِ التَلْبِيسِ؛ ونَفْعَلُهُ بِهِمْ"؛ ويُقالُ: "لَبَسَ الرَجُلُ الأمْرَ؛ يَلْبِسُهُ؛ لَبْسًا"؛ إذا خَلَطَهُ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَلَبَّسْنا"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وشَدِّ الباءِ.
وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ؛ وسِياقُ الكَلامِ ومَعانِيهِ يَقْتَضِي أنَّها في كُفّارِ العَرَبِ.
الأنعام 6:10
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾
قُرِئَ: "وَلَقَدُ"؛ بِضَمِّ الدالِ؛ لِلضَّمَّةِ بَعْدَ الساكِنِ الَّذِي بَعْدَ الدالِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الدالِ؛ (p-٣١٩)عَلى عُرْفِ الِالتِقاءِ؛ وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالأُسْوَةِ في الرُسُلِ؛ وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ عَلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ؛ وإخْبارٌ يَتَضَمَّنُ وعِيدَ مُكَذِّبِيهِ؛ والمُسْتَهْزِئِينَ.
و"فَحاقَ"؛ مَعْناهُ: نَزَلَ؛ وأحاطَ؛ وهي مَخْصُوصَةٌ في الشَرِّ؛ يُقالُ: "حاقَ؛ يَحِيقُ؛ حَيْقًا"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَأوطَأ جُرْدَ الخَيْلِ عُقْرَ دِيارِهِمْ ∗∗∗ وحاقَ بِهِمْ مِن بَأْسِ ضَبَّةَ حائِقُ
وقالَ قَوْمٌ: أصْلُ "حاقَ": "حَقَّ"؛ فَبُدِّلَتِ القافُ الواحِدَةُ؛ كَما بُدِّلَتِ النُونُ فِي: "تَظَنَّنْتُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا﴾ [الأنعام: ٥] ؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "اِسْتِهْزاؤُهُمْ"؛ وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنِ العُقُوبَةِ؛ كَما تُهَدِّدُ إنْسانًا؛ فَتَقُولُ: "سَيَلْحَقُكَ عَمَلُكَ"؛ والمَعْنى: عاقِبَتُهُ؛ و"سَخِرُوا"؛ مَعْناهُ: اِسْتَهْزَؤُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ سِيرُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حَضٌّ عَلى الِاعْتِبارِ بِآثارِ مَن مَضى؛ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ؛ وقالَ: "كانَ"؛ ولَمْ يَقُلْ: "كانَتْ"؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ العاقِبَةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ؛ وهي بِمَعْنى: "اَلْآخِرُ"؛ و"اَلْمَآلُ".
ومَعْنى الآيَةِ: "سِيرُوا وتَلَقَّوْا مِمَّنْ سارَ"؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ العِبْرَةِ بِآثارِ مَن مَضى إنَّما يَسْتَنِدُ إلى حِسِّ العَيْنِ.
الأنعام 6:11
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾
قُرِئَ: "وَلَقَدُ"؛ بِضَمِّ الدالِ؛ لِلضَّمَّةِ بَعْدَ الساكِنِ الَّذِي بَعْدَ الدالِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الدالِ؛ (p-٣١٩)عَلى عُرْفِ الِالتِقاءِ؛ وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالأُسْوَةِ في الرُسُلِ؛ وتَقْوِيَةٌ لِنَفْسِهِ عَلى مُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ؛ وإخْبارٌ يَتَضَمَّنُ وعِيدَ مُكَذِّبِيهِ؛ والمُسْتَهْزِئِينَ.
و"فَحاقَ"؛ مَعْناهُ: نَزَلَ؛ وأحاطَ؛ وهي مَخْصُوصَةٌ في الشَرِّ؛ يُقالُ: "حاقَ؛ يَحِيقُ؛ حَيْقًا"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَأوطَأ جُرْدَ الخَيْلِ عُقْرَ دِيارِهِمْ ∗∗∗ وحاقَ بِهِمْ مِن بَأْسِ ضَبَّةَ حائِقُ
وقالَ قَوْمٌ: أصْلُ "حاقَ": "حَقَّ"؛ فَبُدِّلَتِ القافُ الواحِدَةُ؛ كَما بُدِّلَتِ النُونُ فِي: "تَظَنَّنْتُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا﴾ [الأنعام: ٥] ؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "اِسْتِهْزاؤُهُمْ"؛ وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنِ العُقُوبَةِ؛ كَما تُهَدِّدُ إنْسانًا؛ فَتَقُولُ: "سَيَلْحَقُكَ عَمَلُكَ"؛ والمَعْنى: عاقِبَتُهُ؛ و"سَخِرُوا"؛ مَعْناهُ: اِسْتَهْزَؤُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ سِيرُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حَضٌّ عَلى الِاعْتِبارِ بِآثارِ مَن مَضى؛ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ؛ وقالَ: "كانَ"؛ ولَمْ يَقُلْ: "كانَتْ"؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ العاقِبَةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ؛ وهي بِمَعْنى: "اَلْآخِرُ"؛ و"اَلْمَآلُ".
ومَعْنى الآيَةِ: "سِيرُوا وتَلَقَّوْا مِمَّنْ سارَ"؛ لِأنَّ تَحْصِيلَ العِبْرَةِ بِآثارِ مَن مَضى إنَّما يَسْتَنِدُ إلى حِسِّ العَيْنِ.
الأنعام 6:12
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ في اللَيْلِ والنَهارِ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ﴾
(p-٣٢٠)قالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "قُلْ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ؟ فَإذا تَحَيَّرُوا ولَمْ يُجِيبُوا فَـ "قُلْ لِلَّهِ". وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَعْنى أنَّهُ أُمِرَ بِهَذا السُؤالِ؛ فَكَأنَّهم لَمّا لَمْ يُجِيبُوا؛ ولا تَيَقَّنُوا؛ سَألُوا؛ فَقِيلَ لَهُ: "قُلْ لِلَّهِ"؛ والصَحِيحُ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أمَرَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِقَطْعِهِمْ بِهَذِهِ الحُجَّةِ الساطِعَةِ؛ والبُرْهانِ القَطْعِيِّ الَّذِي لا مُدافَعَةَ فِيهِ عِنْدَهُمْ؛ ولا عِنْدَ أحَدٍ؛ لِيَعْتَقِدَ هَذا المُعْتَقَدَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ؛ ثُمَّ يَتَرَكَّبُ احْتِجاجُهُ عَلَيْهِ؛ وجاءَ ذَلِكَ بِلَفْظِ اسْتِفْهامٍ؛ وتَقْرِيرٍ؛ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ﴾ ؛ والوَجْهُ في المُحاجَّةِ إذا سَألَ الإنْسانُ خَصْمَهُ بِأمْرٍ لا يُدافِعُهُ الخَصْمُ فِيهِ؛ أنْ يَسْبِقَهُ بَعْدَ التَقْرِيرِ إلَيْهِ؛ مُبادَرَةً إلى الحُجَّةِ؛ كَما تَقُولُ لِمَن تُرِيدُ غَلَبَتَهُ بِآيَةٍ تَحْتَجُّ بِها عَلَيْهِ: كَيْفَ قالَ اللهُ تَعالى في كَذا؟ ثُمَّ تَسْبِقُهُ أنْتَ إلى الآيَةِ؛ فَتَنُصُّها عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُمْ: "يا أيُّها الكافِرُونَ العادِلُونَ بِرَبِّهِمْ؛ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ؟"؛ ثُمَّ سَبَقَهم فَقالَ: "لِلَّهِ"؛ أيْ: لا مُدافَعَةَ في هَذا عِنْدَكُمْ؛ ولا عِنْدَ أحَدٍ.
ثُمَّ ابْتَدَأ يُخْبِرُ عنهُ تَعالى ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ﴾ ؛ مَعْناهُ: قَضاها؛ وأنْفَذَها؛ وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - تَتَضَمَّنُ كَتْبَ الرَحْمَةِ؛ ومَعْلُومٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِنَ الشَرِيعَةِ أنْ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ؛ ولِجَمِيعِ الناسِ في الدُنْيا؛ مِنها: « "إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ؛ فَوَضَعَ مِنها واحِدَةً في الأرْضِ؛ فَبِها تَتَعاطَفُ البَهائِمُ؛ وتَرْفَعُ الفَرَسُ رِجْلَها لِئَلّا تَطَأ ولَدَها؛ وبِها تَتَعاطَفُ الطَيْرُ؛ والحِيتانُ؛ وعِنْدَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ رَحْمَةً؛ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صَيَّرَ تِلْكَ الرَحْمَةَ مَعَ التِسْعَةِ والتِسْعِينَ؛ وبَثَّها في عِبادِهِ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَما أشْقى مَن لَمْ تَسَعْهُ هَذِهِ الرَحَماتُ! تَغَمَّدَنا اللهُ تَعالى بِفَضْلٍ مِنهُ.
(p-٣٢١)وَمِنها حَدِيثٌ آخَرُ: « "إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - كَتَبَ عِنْدَهُ كِتابًا؛ فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ؛ أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"؛ ويُرْوى: "نالَتْ غَضَبِي"؛» ومَعْناهُ: سَبَقَتْ؛ وأنْشَدَ عَلَيْهِ ثابِتُ بْنُ قاسِمٍ:
؎ أبَنِي كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيّا اللَذا ∗∗∗ نالا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا
ويَتَضَمَّنُ هَذا الإخْبارَ عَنِ اللهِ تَعالى بِأنَّهُ كَتَبَ الرَحْمَةَ؛ لِتَأْنِيسِ الكُفّارِ؛ ونَفْيِ يَأْسِهِمْ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى إذا تابُوا؛ وأنَّ بابَ تَوْبَتِهِمْ مَفْتُوحٌ؛ قالَ الزَجّاجُ: اَلرَّحْمَةُ هُنا إمْهالُ الكُفّارِ؛ وتَعْمِيرُهم لِيَتُوبُوا؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ جَماعَةً مِنَ النَحْوِيِّينَ قالَتْ: إنَّ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ هو تَفْسِيرُ الرَحْمَةِ؛ تَقْدِيرُهُ: "أنْ يَجْمَعَكُمْ"؛ فَيَكُونُ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن "اَلرَّحْمَةَ"؛ وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] ؛ اَلْمَعْنى: "أنْ يَسْجُنُوهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ أنْ تَدْخُلَ النُونُ الثَقِيلَةُ في الإيجابِ؛ وهو مَرْدُودٌ؛ وإنَّما تَدْخُلُ في الأمْرِ والنَهْيِ؛ وبِاخْتِصاصٍ مِنَ الواجِبِ في القَسَمِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ - وهو الأظْهَرُ -: إنَّ اللامَ لامُ قَسَمٍ؛ والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ؛ ويُتَخَرَّجُ ذَلِكَ فِي: "لَيَسْجُنُنَّهُ"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إلى"؛ بِمَعْنى "فِي"؛ وقِيلَ: عَلى بابِها؛ غايَةٌ؛ وهو الأرْجَحُ.
و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ؛ أيْ: هو في نَفْسِهِ وذاتِهِ لا رَيْبَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قِيلَ: إنَّ "اَلَّذِينَ"؛ مُنادى.
(p-٣٢٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهو فاسِدٌ؛ لِأنَّ حَرْفَ النِداءِ لا يَسْقُطُ مَعَ المُبْهَماتِ.
وقِيلَ: هو نَعْتُ "اَلْمُكَذِّبِينَ"؛ اَلَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ؛ وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ قالَ المُبَرِّدُ: ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ كَما لا يَجُوزُ: "مَرَرْتُ بِكَ زَيْدُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ في الآيَةِ: "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ مُخالِفٌ لِهَذا المِثالِ؛ لِأنَّ الفائِدَةَ في البَدَلِ مُتَرَقَّبَةٌ مِنَ الثانِي؛ وإذا قُلْتَ: "مَرَرْتُ بِكَ زَيْدُ"؛ فَلا فائِدَةَ في الثانِي؛ وقَوْلُهُ: "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ يَصْلُحُ لِمُخاطَبَةِ الناسِ كافَّةً؛ فَيُفِيدُنا "اَلَّذِينَ"؛ مِنَ الضَمِيرِ؛ أنَّهم هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالخِطابِ هُنا؛ وخُصُّوا عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ؛ ويَتَّضِحُ فِيها الوَعِيدُ إذا جَعَلْنا "اَللّامَ" لِلْقَسَمِ؛ وهو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ ويَجِيءُ هَذا بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ.
وقالَ الزَجّاجُ: "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَهُمْ"؛ جَوابٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ حاصِلٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "مَن خَسِرَ نَفْسَهُ فَهو لا يُؤْمِنُ".
وعَلى القَوْلِ بِأنَّ "اَلَّذِينَ"؛ بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ؛ هي عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"خَسِرُوا"؛ مَعْناهُ: "غَبَنُوا أنْفُسَهم بِأنْ وجَبَ عَلَيْها عَذابُ اللهِ تَعالى وسُخْطُهُ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٣٢٣)
؎ لا يَأْخُذُ الرِشْوَةَ في حُكْمِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا يُبالِي غَبَنَ الخاسِرِ
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "وَلَهُ"؛ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "لِلَّهِ"؛ واللامُ لِلْمِلْكِ؛ و"ما" بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ و"سَكَنَ"؛ هي مِنَ السُكْنى؛ ونَحْوِها؛ أيْ: ما ثَبَتَ؛ وتَقَرَّرَ؛ قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِنَ السُكُونِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: لِأنَّ الساكِنَ مِنَ الأشْياءِ أكْثَرُ مِنَ المُتَحَرِّكِ؛ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي هو تَخْلِيطٌ؛ والمَقْصِدُ في الآيَةِ عُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ؛ وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا أنْ يَكُونَ "سَكَنَ"؛ بِمَعْنى: "اِسْتَقَرَّ؛ وثَبَتَ"؛ وإلّا فالمُتَحَرِّكُ مِنَ الأشْياءِ المَخْلُوقاتِ أكْثَرُ مِنَ السَواكِنِ؛ ألا تَرى إلى الفَلَكِ؛ والشَمْسِ؛ والقَمَرِ؛ والنُجُومِ السابِحَةِ؛ والمَلائِكَةِ؛ وأنْواعِ الحَيَوانِ؟ واللَيْلُ والنَهارُ حاصِرانِ لِلزَّمانِ.
﴿وَهُوَ السَمِيعُ العَلِيمُ﴾ ؛ هاتانِ صِفَتانِ تَلِيقانِ بِنَمَطِ الآيَةِ مِن قِبَلِ أنَّ ما ذُكِرَ قَبْلُ مِنَ الأقْوالِ الرَدِيَّةِ عَنِ الكَفَرَةِ العادِلِينَ؛ هو سَمِيعٌ لَها؛ عَلِيمٌ بِمَواقِعِها؛ مُجازٍ عَلَيْها؛ فَفي الضَمِيرِ وعِيدٌ.
الأنعام 6:13
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ في اللَيْلِ والنَهارِ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ﴾
(p-٣٢٠)قالَ بَعْضُ أهْلِ التَأْوِيلِ: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "قُلْ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ؟ فَإذا تَحَيَّرُوا ولَمْ يُجِيبُوا فَـ "قُلْ لِلَّهِ". وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَعْنى أنَّهُ أُمِرَ بِهَذا السُؤالِ؛ فَكَأنَّهم لَمّا لَمْ يُجِيبُوا؛ ولا تَيَقَّنُوا؛ سَألُوا؛ فَقِيلَ لَهُ: "قُلْ لِلَّهِ"؛ والصَحِيحُ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أمَرَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِقَطْعِهِمْ بِهَذِهِ الحُجَّةِ الساطِعَةِ؛ والبُرْهانِ القَطْعِيِّ الَّذِي لا مُدافَعَةَ فِيهِ عِنْدَهُمْ؛ ولا عِنْدَ أحَدٍ؛ لِيَعْتَقِدَ هَذا المُعْتَقَدَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ؛ ثُمَّ يَتَرَكَّبُ احْتِجاجُهُ عَلَيْهِ؛ وجاءَ ذَلِكَ بِلَفْظِ اسْتِفْهامٍ؛ وتَقْرِيرٍ؛ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ﴾ ؛ والوَجْهُ في المُحاجَّةِ إذا سَألَ الإنْسانُ خَصْمَهُ بِأمْرٍ لا يُدافِعُهُ الخَصْمُ فِيهِ؛ أنْ يَسْبِقَهُ بَعْدَ التَقْرِيرِ إلَيْهِ؛ مُبادَرَةً إلى الحُجَّةِ؛ كَما تَقُولُ لِمَن تُرِيدُ غَلَبَتَهُ بِآيَةٍ تَحْتَجُّ بِها عَلَيْهِ: كَيْفَ قالَ اللهُ تَعالى في كَذا؟ ثُمَّ تَسْبِقُهُ أنْتَ إلى الآيَةِ؛ فَتَنُصُّها عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُمْ: "يا أيُّها الكافِرُونَ العادِلُونَ بِرَبِّهِمْ؛ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ؟"؛ ثُمَّ سَبَقَهم فَقالَ: "لِلَّهِ"؛ أيْ: لا مُدافَعَةَ في هَذا عِنْدَكُمْ؛ ولا عِنْدَ أحَدٍ.
ثُمَّ ابْتَدَأ يُخْبِرُ عنهُ تَعالى ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَحْمَةَ﴾ ؛ مَعْناهُ: قَضاها؛ وأنْفَذَها؛ وفي هَذا المَعْنى أحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - تَتَضَمَّنُ كَتْبَ الرَحْمَةِ؛ ومَعْلُومٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِنَ الشَرِيعَةِ أنْ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ؛ ولِجَمِيعِ الناسِ في الدُنْيا؛ مِنها: « "إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ؛ فَوَضَعَ مِنها واحِدَةً في الأرْضِ؛ فَبِها تَتَعاطَفُ البَهائِمُ؛ وتَرْفَعُ الفَرَسُ رِجْلَها لِئَلّا تَطَأ ولَدَها؛ وبِها تَتَعاطَفُ الطَيْرُ؛ والحِيتانُ؛ وعِنْدَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ رَحْمَةً؛ فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ صَيَّرَ تِلْكَ الرَحْمَةَ مَعَ التِسْعَةِ والتِسْعِينَ؛ وبَثَّها في عِبادِهِ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَما أشْقى مَن لَمْ تَسَعْهُ هَذِهِ الرَحَماتُ! تَغَمَّدَنا اللهُ تَعالى بِفَضْلٍ مِنهُ.
(p-٣٢١)وَمِنها حَدِيثٌ آخَرُ: « "إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - كَتَبَ عِنْدَهُ كِتابًا؛ فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ؛ أنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"؛ ويُرْوى: "نالَتْ غَضَبِي"؛» ومَعْناهُ: سَبَقَتْ؛ وأنْشَدَ عَلَيْهِ ثابِتُ بْنُ قاسِمٍ:
؎ أبَنِي كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيّا اللَذا ∗∗∗ نالا المُلُوكَ وفَكَّكا الأغْلالا
ويَتَضَمَّنُ هَذا الإخْبارَ عَنِ اللهِ تَعالى بِأنَّهُ كَتَبَ الرَحْمَةَ؛ لِتَأْنِيسِ الكُفّارِ؛ ونَفْيِ يَأْسِهِمْ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى إذا تابُوا؛ وأنَّ بابَ تَوْبَتِهِمْ مَفْتُوحٌ؛ قالَ الزَجّاجُ: اَلرَّحْمَةُ هُنا إمْهالُ الكُفّارِ؛ وتَعْمِيرُهم لِيَتُوبُوا؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ جَماعَةً مِنَ النَحْوِيِّينَ قالَتْ: إنَّ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ هو تَفْسِيرُ الرَحْمَةِ؛ تَقْدِيرُهُ: "أنْ يَجْمَعَكُمْ"؛ فَيَكُونُ "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن "اَلرَّحْمَةَ"؛ وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] ؛ اَلْمَعْنى: "أنْ يَسْجُنُوهُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ أنْ تَدْخُلَ النُونُ الثَقِيلَةُ في الإيجابِ؛ وهو مَرْدُودٌ؛ وإنَّما تَدْخُلُ في الأمْرِ والنَهْيِ؛ وبِاخْتِصاصٍ مِنَ الواجِبِ في القَسَمِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ - وهو الأظْهَرُ -: إنَّ اللامَ لامُ قَسَمٍ؛ والكَلامُ مُسْتَأْنَفٌ؛ ويُتَخَرَّجُ ذَلِكَ فِي: "لَيَسْجُنُنَّهُ"؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إلى"؛ بِمَعْنى "فِي"؛ وقِيلَ: عَلى بابِها؛ غايَةٌ؛ وهو الأرْجَحُ.
و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ؛ أيْ: هو في نَفْسِهِ وذاتِهِ لا رَيْبَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قِيلَ: إنَّ "اَلَّذِينَ"؛ مُنادى.
(p-٣٢٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهو فاسِدٌ؛ لِأنَّ حَرْفَ النِداءِ لا يَسْقُطُ مَعَ المُبْهَماتِ.
وقِيلَ: هو نَعْتُ "اَلْمُكَذِّبِينَ"؛ اَلَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ؛ وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ قالَ المُبَرِّدُ: ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ كَما لا يَجُوزُ: "مَرَرْتُ بِكَ زَيْدُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ في الآيَةِ: "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ مُخالِفٌ لِهَذا المِثالِ؛ لِأنَّ الفائِدَةَ في البَدَلِ مُتَرَقَّبَةٌ مِنَ الثانِي؛ وإذا قُلْتَ: "مَرَرْتُ بِكَ زَيْدُ"؛ فَلا فائِدَةَ في الثانِي؛ وقَوْلُهُ: "لَيَجْمَعَنَّكُمْ"؛ يَصْلُحُ لِمُخاطَبَةِ الناسِ كافَّةً؛ فَيُفِيدُنا "اَلَّذِينَ"؛ مِنَ الضَمِيرِ؛ أنَّهم هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالخِطابِ هُنا؛ وخُصُّوا عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ؛ ويَتَّضِحُ فِيها الوَعِيدُ إذا جَعَلْنا "اَللّامَ" لِلْقَسَمِ؛ وهو القَوْلُ الصَحِيحُ؛ ويَجِيءُ هَذا بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ.
وقالَ الزَجّاجُ: "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ؛ والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَهُمْ"؛ جَوابٌ عَلى القَوْلِ بِأنَّ "اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ حاصِلٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "مَن خَسِرَ نَفْسَهُ فَهو لا يُؤْمِنُ".
وعَلى القَوْلِ بِأنَّ "اَلَّذِينَ"؛ بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ؛ هي عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"خَسِرُوا"؛ مَعْناهُ: "غَبَنُوا أنْفُسَهم بِأنْ وجَبَ عَلَيْها عَذابُ اللهِ تَعالى وسُخْطُهُ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٣٢٣)
؎ لا يَأْخُذُ الرِشْوَةَ في حُكْمِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا يُبالِي غَبَنَ الخاسِرِ
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "وَلَهُ"؛ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "لِلَّهِ"؛ واللامُ لِلْمِلْكِ؛ و"ما" بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ و"سَكَنَ"؛ هي مِنَ السُكْنى؛ ونَحْوِها؛ أيْ: ما ثَبَتَ؛ وتَقَرَّرَ؛ قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِنَ السُكُونِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: لِأنَّ الساكِنَ مِنَ الأشْياءِ أكْثَرُ مِنَ المُتَحَرِّكِ؛ إلى غَيْرِ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي هو تَخْلِيطٌ؛ والمَقْصِدُ في الآيَةِ عُمُومُ كُلِّ شَيْءٍ؛ وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا أنْ يَكُونَ "سَكَنَ"؛ بِمَعْنى: "اِسْتَقَرَّ؛ وثَبَتَ"؛ وإلّا فالمُتَحَرِّكُ مِنَ الأشْياءِ المَخْلُوقاتِ أكْثَرُ مِنَ السَواكِنِ؛ ألا تَرى إلى الفَلَكِ؛ والشَمْسِ؛ والقَمَرِ؛ والنُجُومِ السابِحَةِ؛ والمَلائِكَةِ؛ وأنْواعِ الحَيَوانِ؟ واللَيْلُ والنَهارُ حاصِرانِ لِلزَّمانِ.
﴿وَهُوَ السَمِيعُ العَلِيمُ﴾ ؛ هاتانِ صِفَتانِ تَلِيقانِ بِنَمَطِ الآيَةِ مِن قِبَلِ أنَّ ما ذُكِرَ قَبْلُ مِنَ الأقْوالِ الرَدِيَّةِ عَنِ الكَفَرَةِ العادِلِينَ؛ هو سَمِيعٌ لَها؛ عَلِيمٌ بِمَواقِعِها؛ مُجازٍ عَلَيْها؛ فَفي الضَمِيرِ وعِيدٌ.
الأنعام 6:14
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ أغَيْرَ اللهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مَن المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿مَن يُصْرَفْ عنهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾
قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ أوثانِهِمْ؛ فَتَجِيءُ الآيَةُ - عَلى هَذا - جَوابًا لِكَلامِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ في أنَّ هَذا نَزَلَ جَوابًا؛ وإلّا فَظاهِرُ الآيَةِ لا يَتَضَمَّنُهُ؛ والفَصِيحُ هو أنَّهُ لَمّا قَرَّرَ مَعَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ؛ ولَهُ ما (p-٣٢٤)سَكَنَ في اللَيْلِ والنَهارِ؛ وأنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ؛ أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ؛ والتَوْقِيفِ -: أغَيْرَ هَذا الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ أتَّخِذُ ولِيًّا؟ بِمَعْنى أنَّ هَذا خَطَأٌ؛ لَوْ فَعَلْتُهُ؛ بَيِّنٌ؛ وتُعْطِي قُوَّةُ الكَلامِ أنَّ مَن فَعَلَهُ مِن سائِرِ الناسِ بَيِّنُ الخَطَإ؛ و"أتَّخِذُ"؛ عامِلٌ في قَوْلِهِ: "أغَيْرَ"؛ وفي قَوْلِهِ: "وَلِيًّا"؛ تَقَدَّمَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ.
والوَلِيُّ: لَفْظٌ عامٌّ لِمَعْبُودٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الواصِلَةِ بَيْنَ العَبْدِ؛ ورَبِّهِ تَعالى ؛ ثُمَّ أخَذَ في صِفاتِ اللهِ تَعالى ؛ فَقالَ: "فاطِرِ"؛ بِخَفْضِ الراءِ؛ نَعْتٌ لِلَّهِ تَعالى ؛ و"فَطَرَ"؛ مَعْناهُ: اِبْتَدَعَ؛ وخَلَقَ؛ وأنْشَأ؛ و"فَطَرَ" - أيْضًا في اللُغَةِ -: شَقَّ؛ ومِنهُ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] ؛ أيْ: مِن شُقُوقٍ؛ ومِن هَذا انْفِطارُ السَماءِ؛ وفي هَذِهِ الجِهَةِ يَتَمَكَّنُ قَوْلُهُمْ: "فَطَرَ نابُ البَعِيرِ"؛ إذا خَرَجَ؛ لِأنَّهُ يَشُقُّ اللِثَةَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى: ﴿فاطِرِ السَماواتِ﴾ ؛ حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ؛ فَقالَ أحَدُهُما: "أنا فَطَرْتُها"؛ أيْ: اِخْتَرَعْتُها؛ وأنْشَأْتُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَحَمَلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى هَذِهِ الجِهَةِ؛ ويَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى الجِهَةِ الأُخْرى؛ أنَّهُ شَقَّ الأرْضَ؛ والبِئْرَ؛ حِينَ احْتَفَرَها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فاطِرُ"؛ بِرَفْعِ الراءِ؛ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ أو عَلى الِابْتِداءِ.
﴿يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ﴾: اَلْمَقْصُودُ بِهِ: يَرْزُقُ؛ ولا يُرْزَقُ؛ وخَصَّ الإطْعامَ مِن أنْواعِ الرِزْقِ؛ لِمَسِّ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ وشُهْرَتِهِ؛ واخْتِصاصِهِ بِالإنْسانِ؛ وقَرَأ يَمانُ العَمّانِيُّ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُطْعِمُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وكَسْرِ العَيْنِ؛ في الثانِي مِثْلَ الأوَّلِ؛ يَعْنِي الوَثَنَ أنَّهُ لا يُطْعِمُ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ؛ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ - في رِوايَةٍ عنهُ - في الثانِي: "وَلا يَطْعَمُ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ عَلى مُسْتَقْبَلِ "طَعِمَ"؛ فَهي صِفَةٌ تَتَضَمَّنُ التَبْرِيَةَ؛ أيْ: لا يَأْكُلُ؛ ولا يُشْبِهُ المَخْلُوقِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ ؛ إلى ﴿عَظِيمٍ﴾ ؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: اَلْمَعْنى: "أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وبِهَذِهِ الشَرِيعَةِ"؛ ولا يَتَضَمَّنُ الكَلامُ إلّا ذَلِكَ؛ قالَ طائِفَةٌ: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَقِيلَ لِي: ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: (p-٣٢٥)وَتَلْخِيصُ هَذا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُمِرَ؛ فَقِيلَ لَهُ: "كُنْ أوَّلَ مَن أسْلَمَ؛ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ"؛ فَلَمّا أُمِرَ في الآيَةِ أنْ يَقُولَ ما أُمِرَ بِهِ؛ جاءَ بَعْضُ ذَلِكَ عَلى المَعْنى؛ وبَعْضُهُ بِاللَفْظِ بِعَيْنِهِ.
ولَفْظَةُ "عَصَيْتُ"؛ عامَّةٌ في أنْواعِ المَعاصِي؛ ولَكِنَّها هَهُنا إنَّما تُشِيرُ إلى الشِرْكِ الَّذِي نُهِيَ عنهُ؛ واليَوْمُ العَظِيمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ: "مَن يُصْرَفْ عنهُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ والمَفْعُولُ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ هو الضَمِيرُ العائِدُ عَلى العَذابِ؛ فَهو مُقَدَّرٌ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ - أيْضًا -: "مَن يَصْرِفْ عنهُ"؛ فَيُسْنِدُ الفِعْلَ إلى الضَمِيرِ العائِدِ إلى "رَبِّي"؛ ويَعْمَلُ في ضَمِيرِ العَذابِ المَذْكُورِ آنِفًا؛ لَكِنَّهُ مَفْعُولٌ مَحْذُوفٌ؛ وحُكِيَ أنَّهُ ظَهَرَ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ ؛ وهِيَ: "مَن يَصْرِفْهُ عنهُ يَوْمَئِذٍ"؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مَن يَصْرِفْهُ اللهُ عنهُ"؛ وقِيلَ: إنَّها "مَن يَصْرِفِ اللهُ عنهُ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُ هَذا الضَمِيرِ لا يَحْسُنُ؛ كَما يَحْسُنُ حَذْفُ الضَمِيرِ مِنَ الصِلَةِ؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا﴾ [الفرقان: ٤١] ؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] ؛ مَعْناهُ: "بَعَثَهُ"؛ و"اِصْطَفاهُمْ"؛ فَحَسُنَ هَذا لِلطُّولِ؛ كَما عَلَّلَهُ سِيبَوَيْهِ ؛ ولا يَحْسُنُ هَذا لِعَدَمِ الصِلَةِ؛ قالَ بَعْضُ الناسِ: اَلْقِراءَةُ بِفَتْحِ الياءِ "مَن يَصْرِفْ"؛ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ يُناسِبُ: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ ؛ وكانَ الأولى - عَلى القِراءَةِ الأُخْرى - "فَقَدْ رُحِمَ"؛ لِيَتَناسَبَ الفِعْلانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَوْجِيهٌ لَفْظِيٌّ تَعَلُّقُهُ خَفِيفٌ؛ وأمّا بِالمَعْنى فالقِراءَتانِ واحِدٌ؛ ورَجَّحَ قَوْمٌ قِراءَةَ ضَمِّ الياءِ؛ لِأنَّها أقَلُّ إضْمارًا؛ وأشارَ أبُو عَلِيٍّ إلى تَحْسِينِ القِراءَةِ بِفَتْحِ الياءِ بِما ذَكَرْناهُ؛ وأما مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَحِمَهُ اللهُ - فَتَخَبَّطَ في كِتابِ "اَلْهِدايَةُ"؛ في تَرْجِيحِ القِراءَةِ بِفَتْحِ الياءِ؛ ومَثَّلَ في احْتِجاجِهِ بِأمْثِلَةٍ فاسِدَةٍ؛ واللهُ تَعالى ولِيُّ التَوْفِيقِ.
(p-٣٢٦)وَ"رَحِمَ"؛ عامِلٌ في الضَمِيرِ المُتَّصِلِ؛ وهو ضَمِيرُ "مَن"؛ ومُسْتَنِدٌ إلى الضَمِيرِ العائِدِ إلى "رَبِّي"؛ وقَوْلُهُ: "وَذَلِكَ"؛ إشارَةٌ إلى صَرْفِ العَذابِ؛ وإلى الرَحْمَةِ؛ والفَوْزِ؛ والنَجاةِ.
الأنعام 6:15
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ أغَيْرَ اللهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مَن المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿مَن يُصْرَفْ عنهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾
قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ أوثانِهِمْ؛ فَتَجِيءُ الآيَةُ - عَلى هَذا - جَوابًا لِكَلامِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ في أنَّ هَذا نَزَلَ جَوابًا؛ وإلّا فَظاهِرُ الآيَةِ لا يَتَضَمَّنُهُ؛ والفَصِيحُ هو أنَّهُ لَمّا قَرَّرَ مَعَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ؛ ولَهُ ما (p-٣٢٤)سَكَنَ في اللَيْلِ والنَهارِ؛ وأنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ؛ أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ؛ والتَوْقِيفِ -: أغَيْرَ هَذا الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ أتَّخِذُ ولِيًّا؟ بِمَعْنى أنَّ هَذا خَطَأٌ؛ لَوْ فَعَلْتُهُ؛ بَيِّنٌ؛ وتُعْطِي قُوَّةُ الكَلامِ أنَّ مَن فَعَلَهُ مِن سائِرِ الناسِ بَيِّنُ الخَطَإ؛ و"أتَّخِذُ"؛ عامِلٌ في قَوْلِهِ: "أغَيْرَ"؛ وفي قَوْلِهِ: "وَلِيًّا"؛ تَقَدَّمَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ.
والوَلِيُّ: لَفْظٌ عامٌّ لِمَعْبُودٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الواصِلَةِ بَيْنَ العَبْدِ؛ ورَبِّهِ تَعالى ؛ ثُمَّ أخَذَ في صِفاتِ اللهِ تَعالى ؛ فَقالَ: "فاطِرِ"؛ بِخَفْضِ الراءِ؛ نَعْتٌ لِلَّهِ تَعالى ؛ و"فَطَرَ"؛ مَعْناهُ: اِبْتَدَعَ؛ وخَلَقَ؛ وأنْشَأ؛ و"فَطَرَ" - أيْضًا في اللُغَةِ -: شَقَّ؛ ومِنهُ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] ؛ أيْ: مِن شُقُوقٍ؛ ومِن هَذا انْفِطارُ السَماءِ؛ وفي هَذِهِ الجِهَةِ يَتَمَكَّنُ قَوْلُهُمْ: "فَطَرَ نابُ البَعِيرِ"؛ إذا خَرَجَ؛ لِأنَّهُ يَشُقُّ اللِثَةَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى: ﴿فاطِرِ السَماواتِ﴾ ؛ حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ؛ فَقالَ أحَدُهُما: "أنا فَطَرْتُها"؛ أيْ: اِخْتَرَعْتُها؛ وأنْشَأْتُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَحَمَلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى هَذِهِ الجِهَةِ؛ ويَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى الجِهَةِ الأُخْرى؛ أنَّهُ شَقَّ الأرْضَ؛ والبِئْرَ؛ حِينَ احْتَفَرَها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فاطِرُ"؛ بِرَفْعِ الراءِ؛ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ أو عَلى الِابْتِداءِ.
﴿يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ﴾: اَلْمَقْصُودُ بِهِ: يَرْزُقُ؛ ولا يُرْزَقُ؛ وخَصَّ الإطْعامَ مِن أنْواعِ الرِزْقِ؛ لِمَسِّ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ وشُهْرَتِهِ؛ واخْتِصاصِهِ بِالإنْسانِ؛ وقَرَأ يَمانُ العَمّانِيُّ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُطْعِمُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وكَسْرِ العَيْنِ؛ في الثانِي مِثْلَ الأوَّلِ؛ يَعْنِي الوَثَنَ أنَّهُ لا يُطْعِمُ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ؛ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ - في رِوايَةٍ عنهُ - في الثانِي: "وَلا يَطْعَمُ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ عَلى مُسْتَقْبَلِ "طَعِمَ"؛ فَهي صِفَةٌ تَتَضَمَّنُ التَبْرِيَةَ؛ أيْ: لا يَأْكُلُ؛ ولا يُشْبِهُ المَخْلُوقِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ ؛ إلى ﴿عَظِيمٍ﴾ ؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: اَلْمَعْنى: "أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وبِهَذِهِ الشَرِيعَةِ"؛ ولا يَتَضَمَّنُ الكَلامُ إلّا ذَلِكَ؛ قالَ طائِفَةٌ: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَقِيلَ لِي: ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: (p-٣٢٥)وَتَلْخِيصُ هَذا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُمِرَ؛ فَقِيلَ لَهُ: "كُنْ أوَّلَ مَن أسْلَمَ؛ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ"؛ فَلَمّا أُمِرَ في الآيَةِ أنْ يَقُولَ ما أُمِرَ بِهِ؛ جاءَ بَعْضُ ذَلِكَ عَلى المَعْنى؛ وبَعْضُهُ بِاللَفْظِ بِعَيْنِهِ.
ولَفْظَةُ "عَصَيْتُ"؛ عامَّةٌ في أنْواعِ المَعاصِي؛ ولَكِنَّها هَهُنا إنَّما تُشِيرُ إلى الشِرْكِ الَّذِي نُهِيَ عنهُ؛ واليَوْمُ العَظِيمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ: "مَن يُصْرَفْ عنهُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ والمَفْعُولُ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ هو الضَمِيرُ العائِدُ عَلى العَذابِ؛ فَهو مُقَدَّرٌ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ - أيْضًا -: "مَن يَصْرِفْ عنهُ"؛ فَيُسْنِدُ الفِعْلَ إلى الضَمِيرِ العائِدِ إلى "رَبِّي"؛ ويَعْمَلُ في ضَمِيرِ العَذابِ المَذْكُورِ آنِفًا؛ لَكِنَّهُ مَفْعُولٌ مَحْذُوفٌ؛ وحُكِيَ أنَّهُ ظَهَرَ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ ؛ وهِيَ: "مَن يَصْرِفْهُ عنهُ يَوْمَئِذٍ"؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مَن يَصْرِفْهُ اللهُ عنهُ"؛ وقِيلَ: إنَّها "مَن يَصْرِفِ اللهُ عنهُ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُ هَذا الضَمِيرِ لا يَحْسُنُ؛ كَما يَحْسُنُ حَذْفُ الضَمِيرِ مِنَ الصِلَةِ؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا﴾ [الفرقان: ٤١] ؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] ؛ مَعْناهُ: "بَعَثَهُ"؛ و"اِصْطَفاهُمْ"؛ فَحَسُنَ هَذا لِلطُّولِ؛ كَما عَلَّلَهُ سِيبَوَيْهِ ؛ ولا يَحْسُنُ هَذا لِعَدَمِ الصِلَةِ؛ قالَ بَعْضُ الناسِ: اَلْقِراءَةُ بِفَتْحِ الياءِ "مَن يَصْرِفْ"؛ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ يُناسِبُ: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ ؛ وكانَ الأولى - عَلى القِراءَةِ الأُخْرى - "فَقَدْ رُحِمَ"؛ لِيَتَناسَبَ الفِعْلانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَوْجِيهٌ لَفْظِيٌّ تَعَلُّقُهُ خَفِيفٌ؛ وأمّا بِالمَعْنى فالقِراءَتانِ واحِدٌ؛ ورَجَّحَ قَوْمٌ قِراءَةَ ضَمِّ الياءِ؛ لِأنَّها أقَلُّ إضْمارًا؛ وأشارَ أبُو عَلِيٍّ إلى تَحْسِينِ القِراءَةِ بِفَتْحِ الياءِ بِما ذَكَرْناهُ؛ وأما مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَحِمَهُ اللهُ - فَتَخَبَّطَ في كِتابِ "اَلْهِدايَةُ"؛ في تَرْجِيحِ القِراءَةِ بِفَتْحِ الياءِ؛ ومَثَّلَ في احْتِجاجِهِ بِأمْثِلَةٍ فاسِدَةٍ؛ واللهُ تَعالى ولِيُّ التَوْفِيقِ.
(p-٣٢٦)وَ"رَحِمَ"؛ عامِلٌ في الضَمِيرِ المُتَّصِلِ؛ وهو ضَمِيرُ "مَن"؛ ومُسْتَنِدٌ إلى الضَمِيرِ العائِدِ إلى "رَبِّي"؛ وقَوْلُهُ: "وَذَلِكَ"؛ إشارَةٌ إلى صَرْفِ العَذابِ؛ وإلى الرَحْمَةِ؛ والفَوْزِ؛ والنَجاةِ.
الأنعام 6:16
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ أغَيْرَ اللهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مَن المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿مَن يُصْرَفْ عنهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾
قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أُمِرَ أنْ يَقُولَ هَذِهِ المَقالَةَ لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ دَعَوْهُ إلى عِبادَةِ أوثانِهِمْ؛ فَتَجِيءُ الآيَةُ - عَلى هَذا - جَوابًا لِكَلامِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ في أنَّ هَذا نَزَلَ جَوابًا؛ وإلّا فَظاهِرُ الآيَةِ لا يَتَضَمَّنُهُ؛ والفَصِيحُ هو أنَّهُ لَمّا قَرَّرَ مَعَهم أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ؛ ولَهُ ما (p-٣٢٤)سَكَنَ في اللَيْلِ والنَهارِ؛ وأنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ؛ أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ؛ والتَوْقِيفِ -: أغَيْرَ هَذا الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ أتَّخِذُ ولِيًّا؟ بِمَعْنى أنَّ هَذا خَطَأٌ؛ لَوْ فَعَلْتُهُ؛ بَيِّنٌ؛ وتُعْطِي قُوَّةُ الكَلامِ أنَّ مَن فَعَلَهُ مِن سائِرِ الناسِ بَيِّنُ الخَطَإ؛ و"أتَّخِذُ"؛ عامِلٌ في قَوْلِهِ: "أغَيْرَ"؛ وفي قَوْلِهِ: "وَلِيًّا"؛ تَقَدَّمَ أحَدُ المَفْعُولَيْنِ.
والوَلِيُّ: لَفْظٌ عامٌّ لِمَعْبُودٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْبابِ الواصِلَةِ بَيْنَ العَبْدِ؛ ورَبِّهِ تَعالى ؛ ثُمَّ أخَذَ في صِفاتِ اللهِ تَعالى ؛ فَقالَ: "فاطِرِ"؛ بِخَفْضِ الراءِ؛ نَعْتٌ لِلَّهِ تَعالى ؛ و"فَطَرَ"؛ مَعْناهُ: اِبْتَدَعَ؛ وخَلَقَ؛ وأنْشَأ؛ و"فَطَرَ" - أيْضًا في اللُغَةِ -: شَقَّ؛ ومِنهُ: ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] ؛ أيْ: مِن شُقُوقٍ؛ ومِن هَذا انْفِطارُ السَماءِ؛ وفي هَذِهِ الجِهَةِ يَتَمَكَّنُ قَوْلُهُمْ: "فَطَرَ نابُ البَعِيرِ"؛ إذا خَرَجَ؛ لِأنَّهُ يَشُقُّ اللِثَةَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى: ﴿فاطِرِ السَماواتِ﴾ ؛ حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ؛ فَقالَ أحَدُهُما: "أنا فَطَرْتُها"؛ أيْ: اِخْتَرَعْتُها؛ وأنْشَأْتُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَحَمَلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى هَذِهِ الجِهَةِ؛ ويَصِحُّ حَمْلُهُ عَلى الجِهَةِ الأُخْرى؛ أنَّهُ شَقَّ الأرْضَ؛ والبِئْرَ؛ حِينَ احْتَفَرَها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فاطِرُ"؛ بِرَفْعِ الراءِ؛ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ أو عَلى الِابْتِداءِ.
﴿يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ﴾: اَلْمَقْصُودُ بِهِ: يَرْزُقُ؛ ولا يُرْزَقُ؛ وخَصَّ الإطْعامَ مِن أنْواعِ الرِزْقِ؛ لِمَسِّ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ وشُهْرَتِهِ؛ واخْتِصاصِهِ بِالإنْسانِ؛ وقَرَأ يَمانُ العَمّانِيُّ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُطْعِمُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وكَسْرِ العَيْنِ؛ في الثانِي مِثْلَ الأوَّلِ؛ يَعْنِي الوَثَنَ أنَّهُ لا يُطْعِمُ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ ؛ وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ - في رِوايَةٍ عنهُ - في الثانِي: "وَلا يَطْعَمُ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ عَلى مُسْتَقْبَلِ "طَعِمَ"؛ فَهي صِفَةٌ تَتَضَمَّنُ التَبْرِيَةَ؛ أيْ: لا يَأْكُلُ؛ ولا يُشْبِهُ المَخْلُوقِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ ؛ إلى ﴿عَظِيمٍ﴾ ؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: اَلْمَعْنى: "أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وبِهَذِهِ الشَرِيعَةِ"؛ ولا يَتَضَمَّنُ الكَلامُ إلّا ذَلِكَ؛ قالَ طائِفَةٌ: في الكَلامِ حَذْفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَقِيلَ لِي: ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: (p-٣٢٥)وَتَلْخِيصُ هَذا أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أُمِرَ؛ فَقِيلَ لَهُ: "كُنْ أوَّلَ مَن أسْلَمَ؛ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ"؛ فَلَمّا أُمِرَ في الآيَةِ أنْ يَقُولَ ما أُمِرَ بِهِ؛ جاءَ بَعْضُ ذَلِكَ عَلى المَعْنى؛ وبَعْضُهُ بِاللَفْظِ بِعَيْنِهِ.
ولَفْظَةُ "عَصَيْتُ"؛ عامَّةٌ في أنْواعِ المَعاصِي؛ ولَكِنَّها هَهُنا إنَّما تُشِيرُ إلى الشِرْكِ الَّذِي نُهِيَ عنهُ؛ واليَوْمُ العَظِيمُ هو يَوْمُ القِيامَةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وعاصِمٌ: "مَن يُصْرَفْ عنهُ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ والمَفْعُولُ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ هو الضَمِيرُ العائِدُ عَلى العَذابِ؛ فَهو مُقَدَّرٌ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ - أيْضًا -: "مَن يَصْرِفْ عنهُ"؛ فَيُسْنِدُ الفِعْلَ إلى الضَمِيرِ العائِدِ إلى "رَبِّي"؛ ويَعْمَلُ في ضَمِيرِ العَذابِ المَذْكُورِ آنِفًا؛ لَكِنَّهُ مَفْعُولٌ مَحْذُوفٌ؛ وحُكِيَ أنَّهُ ظَهَرَ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ ؛ وهِيَ: "مَن يَصْرِفْهُ عنهُ يَوْمَئِذٍ"؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مَن يَصْرِفْهُ اللهُ عنهُ"؛ وقِيلَ: إنَّها "مَن يَصْرِفِ اللهُ عنهُ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وحَذْفُ هَذا الضَمِيرِ لا يَحْسُنُ؛ كَما يَحْسُنُ حَذْفُ الضَمِيرِ مِنَ الصِلَةِ؛ كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا﴾ [الفرقان: ٤١] ؛ وكَقَوْلِهِ: ﴿وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] ؛ مَعْناهُ: "بَعَثَهُ"؛ و"اِصْطَفاهُمْ"؛ فَحَسُنَ هَذا لِلطُّولِ؛ كَما عَلَّلَهُ سِيبَوَيْهِ ؛ ولا يَحْسُنُ هَذا لِعَدَمِ الصِلَةِ؛ قالَ بَعْضُ الناسِ: اَلْقِراءَةُ بِفَتْحِ الياءِ "مَن يَصْرِفْ"؛ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ يُناسِبُ: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ ؛ وكانَ الأولى - عَلى القِراءَةِ الأُخْرى - "فَقَدْ رُحِمَ"؛ لِيَتَناسَبَ الفِعْلانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَوْجِيهٌ لَفْظِيٌّ تَعَلُّقُهُ خَفِيفٌ؛ وأمّا بِالمَعْنى فالقِراءَتانِ واحِدٌ؛ ورَجَّحَ قَوْمٌ قِراءَةَ ضَمِّ الياءِ؛ لِأنَّها أقَلُّ إضْمارًا؛ وأشارَ أبُو عَلِيٍّ إلى تَحْسِينِ القِراءَةِ بِفَتْحِ الياءِ بِما ذَكَرْناهُ؛ وأما مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَحِمَهُ اللهُ - فَتَخَبَّطَ في كِتابِ "اَلْهِدايَةُ"؛ في تَرْجِيحِ القِراءَةِ بِفَتْحِ الياءِ؛ ومَثَّلَ في احْتِجاجِهِ بِأمْثِلَةٍ فاسِدَةٍ؛ واللهُ تَعالى ولِيُّ التَوْفِيقِ.
(p-٣٢٦)وَ"رَحِمَ"؛ عامِلٌ في الضَمِيرِ المُتَّصِلِ؛ وهو ضَمِيرُ "مَن"؛ ومُسْتَنِدٌ إلى الضَمِيرِ العائِدِ إلى "رَبِّي"؛ وقَوْلُهُ: "وَذَلِكَ"؛ إشارَةٌ إلى صَرْفِ العَذابِ؛ وإلى الرَحْمَةِ؛ والفَوْزِ؛ والنَجاةِ.
الأنعام 6:17
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾
"يَمْسَسْكَ"؛ مَعْناهُ: "يُصِبْكَ؛ ويَنَلْكَ"؛ وحَقِيقَةُ المَسِّ هي بِتَلاقِي جِسْمَيْنِ؛ فَكَأنَّ الإنْسانَ والضُرَّ يَتَماسّانِ.
والضُرُّ - بِضَمِّ الضادِ -: سُوءُ الحالِ في الجِسْمِ؛ وغَيْرِهِ؛ والضَرُّ - بِفَتْحِ الضادِ -: ضِدُّ النَفْعِ؛ ونابَ الضُرُّ في هَذِهِ الآيَةِ مَنابَ الشَرِّ - وإنْ كانَ الشَرُّ أعَمَّ مِنهُ -؛ فَقابَلَ الخَيْرَ؛ وهَذا مِنَ الفَصاحَةِ عُدُولٌ عن قانُونِ التَكَلُّفِ والصَنْعَةِ؛ فَإنَّ بابَ التَكَلُّفِ وتَرْصِيعِ الكَلامِ أنْ يَكُونَ الشَيْءُ مُقْتَرِنًا بِالَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ؛ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الِاخْتِصاصِ؛ مُوافَقَةً؛ أو مُضادَّةً؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] ؛ فَجَعَلَ الجُوعَ مَعَ العُرْيِ؛ وبابُهُ أنْ يَكُونَ مَعَ الظَمَإ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَأنِّيَ لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ
؎ ولَمْ أسْبَإ الزِقَّ الرَوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ
(p-٣٢٧)وَهَذا كَثِيرٌ.
قالَ السُدِّيُّ: اَلضُّرُّ هَهُنا: اَلْمَرَضُ؛ والخَيْرُ: اَلْعافِيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِثالٌ؛ ومَعْنى الآيَةِ الإخْبارُ عن أنَّ الأشْياءَ كُلَّها بِيَدِ اللهِ؛ إنْ ضَرَّ فَلا كاشِفَ لِضُرِّهِ غَيْرُهُ؛ وإنْ أصابَ بِخَيْرٍ فَكَذَلِكَ أيْضًا لا رادَّ لَهُ؛ ولا مانِعَ مِنهُ؛ هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ؛ ولَكِنْ وضَعَ بَدَلَ هَذا المُقَدَّرِ لَفْظًا أعَمَّ مِنهُ؛ يَسْتَوْعِبُهُ وغَيْرَهُ؛ وهو قَوْلُهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ ودَلَّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلى المُقَدَّرِ فِيهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ جائِزٍ أنْ يُوصَفَ اللهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ القاهِرُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أيْ وهو - عَزَّ وجَلَّ - المُسْتَوْلِي المُقْتَدِرُ؛ و"فَوْقَ"؛ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ؛ لا في المَكانِ؛ بَلْ في المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ لَفْظُ "اَلْقاهِرُ"؛ كَما تَقُولُ: "زِيدٌ فَوْقَ عَمْرٍو في المَنزِلَةِ"؛ وحَقِيقَةُ "فَوْقَ"؛ في الأماكِنِ؛ وهي في المَعانِي مُسْتَعارَةٌ؛ شُبِّهَ بِها مَن هو أرْفَعُ رُتْبَةً في مَعْنًى ما؛ لَمّا كانَتْ في الأماكِنِ تُنْبِئُ حَقِيقَةً عَنِ (p-٣٢٨)الأرْفَعِ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّها بِتَقْدِيرِ الحالِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ القاهِرُ غالِبًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا لا يَسْلَمُ مِنَ الاعْتِراضِ أيْضًا؛ والأوَّلُ عِنْدِي أصْوَبُ.
والعِبادُ: بِمَعْنى: "اَلْعَبِيدُ"؛ وهُما جَمْعانِ لِـ "اَلْعَبْدُ"؛ أما إنّا نَجِدُ وُرُودَ لَفْظَةِ "اَلْعِبادُ"؛ في القُرْآنِ؛ وغَيْرِهِ؛ في مَواضِعِ تَفْخِيمٍ؛ أو تَرْفِيعٍ؛ أو كَرامَةٍ؛ ووُرُودُ لَفْظَةِ "اَلْعَبِيدُ"؛ في تَحْقِيرٍ؛ أوِ اسْتِضْعافٍ؛ أو تَصَدِّي ذَمٍّ؛ ألا تَرى قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ قُولا لِدُودانَ عَبِيدِ العَصا ∗∗∗ ∗∗∗................
ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ هُنا: عِبادُ العَصا؛ وكَذَلِكَ الَّذِينَ سُمُّوا "اَلْعِبادَ"؛ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ لَهُمْ: "اَلْعَبِيدُ"؛ لِأنَّهم أفْخَمُ مِن ذَلِكَ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي؟"؛ لا يَسْتَقِيمُ فِيهِ "عِبادٌ".
(p-٣٢٩)وَ"اَلْحَكِيمُ"؛ بِمَعْنى "اَلْمُحْكِمُ"؛ و"اَلْخَبِيرُ"؛ دالَّةٌ عَلى مُبالَغَةِ العِلْمِ؛ وهُما وصْفانِ مُناسِبانِ لِنَمَطِ الآيَةِ.
الأنعام 6:18
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾
"يَمْسَسْكَ"؛ مَعْناهُ: "يُصِبْكَ؛ ويَنَلْكَ"؛ وحَقِيقَةُ المَسِّ هي بِتَلاقِي جِسْمَيْنِ؛ فَكَأنَّ الإنْسانَ والضُرَّ يَتَماسّانِ.
والضُرُّ - بِضَمِّ الضادِ -: سُوءُ الحالِ في الجِسْمِ؛ وغَيْرِهِ؛ والضَرُّ - بِفَتْحِ الضادِ -: ضِدُّ النَفْعِ؛ ونابَ الضُرُّ في هَذِهِ الآيَةِ مَنابَ الشَرِّ - وإنْ كانَ الشَرُّ أعَمَّ مِنهُ -؛ فَقابَلَ الخَيْرَ؛ وهَذا مِنَ الفَصاحَةِ عُدُولٌ عن قانُونِ التَكَلُّفِ والصَنْعَةِ؛ فَإنَّ بابَ التَكَلُّفِ وتَرْصِيعِ الكَلامِ أنْ يَكُونَ الشَيْءُ مُقْتَرِنًا بِالَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ؛ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الِاخْتِصاصِ؛ مُوافَقَةً؛ أو مُضادَّةً؛ فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ لَكَ ألا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] ؛ فَجَعَلَ الجُوعَ مَعَ العُرْيِ؛ وبابُهُ أنْ يَكُونَ مَعَ الظَمَإ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَأنِّيَ لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ
؎ ولَمْ أسْبَإ الزِقَّ الرَوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ
(p-٣٢٧)وَهَذا كَثِيرٌ.
قالَ السُدِّيُّ: اَلضُّرُّ هَهُنا: اَلْمَرَضُ؛ والخَيْرُ: اَلْعافِيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِثالٌ؛ ومَعْنى الآيَةِ الإخْبارُ عن أنَّ الأشْياءَ كُلَّها بِيَدِ اللهِ؛ إنْ ضَرَّ فَلا كاشِفَ لِضُرِّهِ غَيْرُهُ؛ وإنْ أصابَ بِخَيْرٍ فَكَذَلِكَ أيْضًا لا رادَّ لَهُ؛ ولا مانِعَ مِنهُ؛ هَذا تَقْرِيرُ الكَلامِ؛ ولَكِنْ وضَعَ بَدَلَ هَذا المُقَدَّرِ لَفْظًا أعَمَّ مِنهُ؛ يَسْتَوْعِبُهُ وغَيْرَهُ؛ وهو قَوْلُهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ ودَلَّ ظاهِرُ الكَلامِ عَلى المُقَدَّرِ فِيهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ جائِزٍ أنْ يُوصَفَ اللهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ القاهِرُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أيْ وهو - عَزَّ وجَلَّ - المُسْتَوْلِي المُقْتَدِرُ؛ و"فَوْقَ"؛ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ؛ لا في المَكانِ؛ بَلْ في المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَهُ لَفْظُ "اَلْقاهِرُ"؛ كَما تَقُولُ: "زِيدٌ فَوْقَ عَمْرٍو في المَنزِلَةِ"؛ وحَقِيقَةُ "فَوْقَ"؛ في الأماكِنِ؛ وهي في المَعانِي مُسْتَعارَةٌ؛ شُبِّهَ بِها مَن هو أرْفَعُ رُتْبَةً في مَعْنًى ما؛ لَمّا كانَتْ في الأماكِنِ تُنْبِئُ حَقِيقَةً عَنِ (p-٣٢٨)الأرْفَعِ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّها بِتَقْدِيرِ الحالِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَهُوَ القاهِرُ غالِبًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا لا يَسْلَمُ مِنَ الاعْتِراضِ أيْضًا؛ والأوَّلُ عِنْدِي أصْوَبُ.
والعِبادُ: بِمَعْنى: "اَلْعَبِيدُ"؛ وهُما جَمْعانِ لِـ "اَلْعَبْدُ"؛ أما إنّا نَجِدُ وُرُودَ لَفْظَةِ "اَلْعِبادُ"؛ في القُرْآنِ؛ وغَيْرِهِ؛ في مَواضِعِ تَفْخِيمٍ؛ أو تَرْفِيعٍ؛ أو كَرامَةٍ؛ ووُرُودُ لَفْظَةِ "اَلْعَبِيدُ"؛ في تَحْقِيرٍ؛ أوِ اسْتِضْعافٍ؛ أو تَصَدِّي ذَمٍّ؛ ألا تَرى قَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ قُولا لِدُودانَ عَبِيدِ العَصا ∗∗∗ ∗∗∗................
ولا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ هُنا: عِبادُ العَصا؛ وكَذَلِكَ الَّذِينَ سُمُّوا "اَلْعِبادَ"؛ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقالَ لَهُمْ: "اَلْعَبِيدُ"؛ لِأنَّهم أفْخَمُ مِن ذَلِكَ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي؟"؛ لا يَسْتَقِيمُ فِيهِ "عِبادٌ".
(p-٣٢٩)وَ"اَلْحَكِيمُ"؛ بِمَعْنى "اَلْمُحْكِمُ"؛ و"اَلْخَبِيرُ"؛ دالَّةٌ عَلى مُبالَغَةِ العِلْمِ؛ وهُما وصْفانِ مُناسِبانِ لِنَمَطِ الآيَةِ.
الأنعام 6:19
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلْ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللهُ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾
"أيُّ": اِسْتِفْهامٌ؛ وهي مُعْرَبَةٌ مَعَ إبْهامِها؛ وإنَّما كانَ ذَلِكَ لِأنَّها تَلْتَزِمُ الإضافَةَ؛ ولِأنَّها تَتَضَمَّنُ عِلْمَ جُزْءٍ مِنَ المُسْتَفْهَمِ عنهُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: "أيُّ الرَجُلَيْنِ جاءَنا؟"؛ فَقَدْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ أحَدَهُما جاءَ؛ غَيْرَ مُعَيَّنٍ؛ فَأخْرَجَها هَذانِ الوَجْهانِ عن غَمْرَةِ الإبْهامِ فَأُعْرِبَتْ.
وتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يُقالُ عَلَيْهِ: "شَيْءٍ"؛ كَما يُقالُ عَلَيْهِ: "مَوْجُودٌ"؛ ولَكِنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى - شَيْءٌ.
و"شَهادَةً"؛ نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ؛ ويَصِحُّ عَلى المَفْعُولِ؛ بِأنْ يُحْمَلَ "أكْبَرُ" عَلى التَشْبِيهِ بِالصِفَةِ المُشَبَّهَةِ بِاسْمِ الفاعِلِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ لِمَن ما في السَماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] ؛ في أنِ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ؛ والتَقْرِيرِ؛ ثُمَّ بادَرَ إلى الجَوابِ؛ إذْ لا تُتَصَوَّرُ فِيهِ مُدافَعَةٌ؛ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن تُخاصِمُهُ؛ وتَتَظَلَّمُ مِنهُ: "مَن أقْدَرُ مَن في البَلَدِ؟"؛ ثُمَّ تُبادِرُ وتَقُولُ: "اَلسُّلْطانُ؛ فَهو يَحُولُ بَيْنَنا"؛ ونَحْوِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ؛ فَتَقْدِيرُ الآيَةِ أنَّهُ قالَ لَهُمْ: "أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ (p-٣٣٠)شَهادَةً؟ اَللَّهُ أكْبَرُ شَهادَةً؛ فَهو شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ"؛ فَـ "اَللَّهُ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ؛ كَما قَدَّرْناهُ؛ و"شَهِيدٌ"؛ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "قُلْ لَهُمْ: أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً؟ وقُلْ لَهُمْ: اَللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ؛ لَمّا عَيُّوا عَنِ الجَوابِ"؛ فَـ "شَهِيدٌ"؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ خَبَرٌ لِـ "اَللَّهُ"؛ ولَيْسَ في هَذا التَأْوِيلِ مُبادَرَةٌ مِنَ السائِلِ إلى الجَوابِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ ؛ أيْ: في تَبْلِيغِي.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأوحى إلَيَّ هَذا القُرْآنَ"؛ عَلى الفِعْلِ الماضِي؛ ونَصْبِ "اَلْقُرْآنَ"؛ وفي "وَأوحى"؛ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى ؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللهُ﴾ ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأُوحِيَ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ؛ "اَلْقُرْآنُ"؛ رَفْعًا.
"لِأُنْذِرَكُمْ"؛ مَعْناهُ: لِأُخَوِّفَكم بِهِ العِقابَ؛ والآخِرَةَ؛ و"وَمَن"؛ عُطِفَ عَلى الكافِ والمِيمِ في قَوْلِهِ: "لِأُنْذِرَكُمْ"؛ "وَبَلَغَ"؛ مَعْناهُ - عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ -: بَلاغُ القُرْآنِ؛ أيْ: لِأُنْذِرَكُمْ؛ وأُنْذِرَ مَن بَلَغَهُ؛ فَفي "بَلَغَ"؛ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ في صِلَةِ "وَمَن"؛ فَحُذِفَ لِطُولِ الكَلامِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "وَمَن بَلَغَ الحُلُمَ"؛ فَفي "بَلَغَ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - ضَمِيرٌ مُقَدَّرٌ راجِعٌ إلى "وَمَن".
ورُوِيَ في مَعْنى التَأْوِيلِ الأوَّلِ أحادِيثُ؛ مِنها أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "يا أيُّها الناسُ؛ بَلِّغُوا عَنِّي ولَوْ آيَةً؛ فَإنَّهُ مَن بُلِّغَ آيَةً مِن كِتابِ اللهِ تَعالى فَقَدْ بَلَغَهُ أمْرُ اللهِ تَعالى أخَذَهُ أو تَرَكَهُ"؛» ونَحْوُ هَذا مِنَ الأحادِيثِ؛ كَقَوْلِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "مَن بَلَغَهُ هَذا القُرْآنُ فَأنا نَذِيرُهُ".»
(p-٣٣١)وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "آيِنَّكُمْ"؛ بِزِيادَةِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ الأُولى والثانِيَةِ المُسَهَّلَةِ؛ عامِلَةٍ بَعْدَ هَذا التَسْهِيلِ المُعامَلَةَ قَبْلَ التَسْهِيلِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أيِنَّكُمْ"؛ بِهَمْزَتَيْنِ؛ الثانِيَةُ مُسَهَّلَةٌ؛ دُونَ ألِفٍ بَيْنَهُما؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "آئِنَّكُمْ"؛ اِسْتَثْقَلَتِ اجْتِماعَ الهَمْزَتَيْنِ؛ فَزادَتْ ألِفًا بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنَّكُمْ"؛ بِالإيجابِ؛ دُونَ تَقْدِيرٍ.
وهَذِهِ الآيَةُ مَقْصِدُها التَوْبِيخُ؛ وتَسْفِيهُ الرَأْيِ.
و"أُخْرى"؛ صِفَةٌ لِـ "آلِهَةً"؛ وصِفَةُ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ تُجْرى في الإفْرادِ مُجْرى الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ؛ كَقَوْلِهِ: "مَآرِبُ أُخْرى"؛ وكَذَلِكَ مُخاطَبَتُهُ جَمْعَ ما لا يَعْقِلُ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبإ: ١٠] ؛ ونَحْوَ هَذا؛ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآلِهَةُ حِجارَةً؛ وعِيدانًا؛ أُجْرِيَتْ هَذا المُجْرى.
ثُمَّ أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالتَبَرِّي مِن شَهادَتِهِمْ؛ والإعْلانِ بِالتَوْحِيدِ لِلَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ والتَبَرِّي مِن إشْراكِهِمْ.
و"وَإنَّنِي"؛ إيجابٌ أُلْحِقَ فِيهِ النُونُ الَّتِي تَلْحَقُ الفِعْلَ؛ لِتَبْقى حَرَكَتُهُ عِنْدَ اتِّصالِ الضَمِيرِ بِهِ؛ في قَوْلِكَ: "وَضَرَبَنِي"؛ ونَحْوِهِ.
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها في عَبَدَةِ الأصْنامِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّهُ قَدْ ورَدَ مِن وجْهٍ لَمْ تَثْبُتْ صِحَّتُهُ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ؛ وأُسْنِدَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - قالَ: «جاءَ النَحّامُ بْنُ زَيْدٍ؛ وقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ ؛ وبَحْرِيُّ بْنُ عُمَيْرٍ؛ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ ما تَعْلَمُ مَعَ اللهِ إلَهًا غَيْرَهُ؟ فَقالَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لَهُمْ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ؛ بِذَلِكَ أُمِرْتُ"؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.»
الأنعام 6:20
(p-٣٣٢)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾
"اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ "يَعْرِفُونَهُ"؛ و"اَلْكِتابَ"؛ مَعْناهُ: اَلتَّوْراةُ؛ والإنْجِيلُ؛ وهو لَفْظٌ مُفْرَدٌ؛ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ؛ والضَمِيرُ في "يَعْرِفُونَهُ"؛ عائِدٌ - في بَعْضِ الأقْوالِ - عَلى التَوْحِيدِ؛ لِقُرْبِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] ؛ وهَذا اسْتِشْهادٌ في ذَلِكَ عَلى كَفَرَةِ قُرَيْشٍ؛ والعَرَبِ؛ بِأهْلِ الكِتابِ.
و﴿ "الَّذِينَ خَسِرُوا"﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُنْقَطِعٌ؛ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ؛ ولَيْسَ مِن صِفَةِ "اَلَّذِينَ"؛ اَلْأُولى؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُسْتَشْهَدَ بِأهْلِ الكِتابِ ويُذَمُّونَ في آيَةٍ واحِدَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِاخْتِلافِ ما اسْتُشْهِدَ فِيهِ بِهِمْ؛ وما ذُمُّوا فِيهِ؛ وأنَّ الذَمَّ والِاسْتِشْهادَ لَيْسا مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ وقالَ قَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ في "يَعْرِفُونَهُ"؛ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ورِسالَتِهِ؛ وذَلِكَ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَأهْلُ الكِتابِ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ مِن إنْذارِي؛ والوَحْيِ إلَيَّ"؛ وتَأوَّلَ هَذا التَأْوِيلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ: إنَّ اللهَ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ بِمَكَّةَ أنَّكم تَعْرِفُونَهُ كَما تَعْرِفُونَ أبْناءَكُمْ؛ فَكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ؟ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: نَعَمْ أعْرِفُهُ بِالصِفَةِ الَّتِي وصَفَهُ اللهُ في التَوْراةِ؛ فَلا أشُكُّ فِيهِ؛ وأمّا ابْنِي فَلا أدْرِي ما أحْدَثَتْ أُمُّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَأوَّلَ ابْنُ سَلامٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - المَعْرِفَةَ بِالِابْنِ: تَحَقُّقَ صِحَّةِ نَسَبِهِ؛ وغَرَضُ الآيَةِ إنَّما هو الوُقُوفُ عَلى صُورَتِهِ؛ فَلا يُخْطِئُ الأبُ فِيها.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلضَّمِيرُ مِن "يَعْرِفُونَهُ"؛ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ المَذْكُورِ قَبْلُ.
(p-٣٣٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ نُعِيدَ الضَمِيرَ عَلى هَذِهِ كُلِّها دُونَ اخْتِصاصٍ؛ كَأنَّهُ وصَفَ أشْياءَ كَثِيرَةً؛ ثُمَّ قالَ: "أهْلُ الكِتابِ يَعْرِفُونَهُ"؛ أيْ: ما قُلْنا؛ وما قَصَصْنا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ [الأنعام: ١٢] ؛ اَلْآيَةَ؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "اَلَّذِينَ"؛ نَعْتًا تابِعًا لِـ "اَلَّذِينَ" قَبْلَهُ؛ والفاءُ مِن قَوْلِهِ: "فَهُمْ"؛ عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ وهَذا يَحْسُنُ عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى في الآيَةِ قَبْلَها أنَّ أهْلَ الكِتابِ مُتَوَعَّدُونَ؛ مَذْمُومُونَ؛ لا مُسْتَشْهَدٌ بِهِمْ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "اَلَّذِينَ"؛ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ؛ عَلى اسْتِئْنافِ الكَلامِ؛ وخَبَرُهُ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢] ؛ والفاءُ عَلى هَذا جَوابٌ؛ و"خَسِرُوا"؛ مَعْناهُ: غَبَنُوها؛ وقَدْ تَقَدَّمَ.
ورُوِيَ أنَّ كُلَّ عَبْدٍ لَهُ مَنزِلٌ في الجَنَّةِ؛ ومَنزِلٌ في النارِ؛ فالمُؤْمِنُونَ يُنْزَلُونَ مَنازِلَ أهْلِ الكُفْرِ في الجَنَّةِ؛ والكافِرُونَ يُنْزَلُونَ مَنازِلَ أهْلِ الجَنَّةِ في النارِ؛ فَهَهُنا هي الخَسارَةُ بَيِّنَةً؛ والرِبْحُ لِلْآخَرِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَمَن أظْلَمُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "مَن"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ مُضَمَّنَةٌ التَوْقِيفَ؛ والتَقْرِيرَ؛ أيْ: "لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى"؛ و"اِفْتَرى"؛ مَعْناهُ: اِخْتَلَقَ؛ والمُكَذِّبُ بِالآياتِ مُفْتَرٍ؛ كَذّابٌ؛ ولَكِنَّهُما مُنَحَّيانِ مِنَ الكُفْرِ؛ فَلِذَلِكَ نُصّا مُفَسَّرَيْنِ.
والآياتُ: اَلْعَلاماتُ؛ والمُعْجِزاتُ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ ثُمَّ أوجَبَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ؛ والفَلاحُ: بُلُوغُ الأمَلِ والإرادَةِ؛ والنَجاحُ؛ ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٍ:
؎ أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضْـ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخَدَّعُ الأرِيبُ
الأنعام 6:21
(p-٣٣٢)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾
"اَلَّذِينَ"؛ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ "يَعْرِفُونَهُ"؛ و"اَلْكِتابَ"؛ مَعْناهُ: اَلتَّوْراةُ؛ والإنْجِيلُ؛ وهو لَفْظٌ مُفْرَدٌ؛ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ؛ والضَمِيرُ في "يَعْرِفُونَهُ"؛ عائِدٌ - في بَعْضِ الأقْوالِ - عَلى التَوْحِيدِ؛ لِقُرْبِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] ؛ وهَذا اسْتِشْهادٌ في ذَلِكَ عَلى كَفَرَةِ قُرَيْشٍ؛ والعَرَبِ؛ بِأهْلِ الكِتابِ.
و﴿ "الَّذِينَ خَسِرُوا"﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُنْقَطِعٌ؛ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ؛ ولَيْسَ مِن صِفَةِ "اَلَّذِينَ"؛ اَلْأُولى؛ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُسْتَشْهَدَ بِأهْلِ الكِتابِ ويُذَمُّونَ في آيَةٍ واحِدَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لِاخْتِلافِ ما اسْتُشْهِدَ فِيهِ بِهِمْ؛ وما ذُمُّوا فِيهِ؛ وأنَّ الذَمَّ والِاسْتِشْهادَ لَيْسا مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ وقالَ قَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ في "يَعْرِفُونَهُ"؛ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ ورِسالَتِهِ؛ وذَلِكَ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَأهْلُ الكِتابِ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ مِن إنْذارِي؛ والوَحْيِ إلَيَّ"؛ وتَأوَّلَ هَذا التَأْوِيلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ: إنَّ اللهَ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ بِمَكَّةَ أنَّكم تَعْرِفُونَهُ كَما تَعْرِفُونَ أبْناءَكُمْ؛ فَكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ؟ فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: نَعَمْ أعْرِفُهُ بِالصِفَةِ الَّتِي وصَفَهُ اللهُ في التَوْراةِ؛ فَلا أشُكُّ فِيهِ؛ وأمّا ابْنِي فَلا أدْرِي ما أحْدَثَتْ أُمُّهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَأوَّلَ ابْنُ سَلامٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - المَعْرِفَةَ بِالِابْنِ: تَحَقُّقَ صِحَّةِ نَسَبِهِ؛ وغَرَضُ الآيَةِ إنَّما هو الوُقُوفُ عَلى صُورَتِهِ؛ فَلا يُخْطِئُ الأبُ فِيها.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلضَّمِيرُ مِن "يَعْرِفُونَهُ"؛ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ المَذْكُورِ قَبْلُ.
(p-٣٣٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ نُعِيدَ الضَمِيرَ عَلى هَذِهِ كُلِّها دُونَ اخْتِصاصٍ؛ كَأنَّهُ وصَفَ أشْياءَ كَثِيرَةً؛ ثُمَّ قالَ: "أهْلُ الكِتابِ يَعْرِفُونَهُ"؛ أيْ: ما قُلْنا؛ وما قَصَصْنا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ [الأنعام: ١٢] ؛ اَلْآيَةَ؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "اَلَّذِينَ"؛ نَعْتًا تابِعًا لِـ "اَلَّذِينَ" قَبْلَهُ؛ والفاءُ مِن قَوْلِهِ: "فَهُمْ"؛ عاطِفَةُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ وهَذا يَحْسُنُ عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى في الآيَةِ قَبْلَها أنَّ أهْلَ الكِتابِ مُتَوَعَّدُونَ؛ مَذْمُومُونَ؛ لا مُسْتَشْهَدٌ بِهِمْ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "اَلَّذِينَ"؛ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ؛ عَلى اسْتِئْنافِ الكَلامِ؛ وخَبَرُهُ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢] ؛ والفاءُ عَلى هَذا جَوابٌ؛ و"خَسِرُوا"؛ مَعْناهُ: غَبَنُوها؛ وقَدْ تَقَدَّمَ.
ورُوِيَ أنَّ كُلَّ عَبْدٍ لَهُ مَنزِلٌ في الجَنَّةِ؛ ومَنزِلٌ في النارِ؛ فالمُؤْمِنُونَ يُنْزَلُونَ مَنازِلَ أهْلِ الكُفْرِ في الجَنَّةِ؛ والكافِرُونَ يُنْزَلُونَ مَنازِلَ أهْلِ الجَنَّةِ في النارِ؛ فَهَهُنا هي الخَسارَةُ بَيِّنَةً؛ والرِبْحُ لِلْآخَرِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَمَن أظْلَمُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "مَن"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ مُضَمَّنَةٌ التَوْقِيفَ؛ والتَقْرِيرَ؛ أيْ: "لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى"؛ و"اِفْتَرى"؛ مَعْناهُ: اِخْتَلَقَ؛ والمُكَذِّبُ بِالآياتِ مُفْتَرٍ؛ كَذّابٌ؛ ولَكِنَّهُما مُنَحَّيانِ مِنَ الكُفْرِ؛ فَلِذَلِكَ نُصّا مُفَسَّرَيْنِ.
والآياتُ: اَلْعَلاماتُ؛ والمُعْجِزاتُ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ ثُمَّ أوجَبَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ؛ والفَلاحُ: بُلُوغُ الأمَلِ والإرادَةِ؛ والنَجاحُ؛ ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٍ:
؎ أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضْـ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخَدَّعُ الأرِيبُ
الأنعام 6:22
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
قالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] ؛ كَلامٌ تامٌّ؛ مَعْناهُ: "لا يُفْلِحُونَ جُمْلَةً؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: "واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ"؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمَعْنى: "لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ اليَوْمَ في الدُنْيا؛ ويَوْمَ (p-٣٣٤)نَحْشُرُهُمْ"؛ عَطْفًا عَلى الظَرْفِ المُقَدَّرِ؛ والكَلامُ مُتَّصِلٌ.
وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ" بِالنُونِ؛ وقَرَأ حُمَيْدٌ؛ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - هُنا وفي "يُونُسَ"؛ قَبْلَ الثَلاثِينَ -: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ في باقِي القُرْآنِ بِالياءِ؛ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ "نَحْشِرُهُمْ"؛ بِكَسْرِ الشِينِ؛ فَيَجِيءُ الفِعْلُ - عَلى هَذا -: "حَشَرَ؛ يَحْشُرُ؛ ويَحْشِرُ".
وأضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ لا شَرِكَةَ لَهم في الحَقِيقَةِ بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ شَيْءٍ؛ وإنَّما وقَعَ عَلَيْها اسْمُ الشَرِيكِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَةِ الكَفَرَةِ؛ فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِهَذِهِ النِسْبَةِ.
و"تَزْعُمُونَ"؛ مَعْناهُ: تَدَّعُونَ أنَّهم [شُرَكاءُ] لِلَّهِ تَعالى ؛ والزَعْمُ: اَلْقَوْلُ الأمْيَلُ إلى الباطِلِ؛ والكَذِبِ؛ في أكْثَرِ كَلامِهِمْ؛ وقَدْ يُقالُ: "زَعَمَ"؛ بِمَعْنى: "ذَكَرَ"؛ دُونَ مَيْلٍ إلى الكَذِبِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ يَقُولُ سِيبَوَيْهِ ؛ زَعَمَ الخَلِيلُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الشَيْءِ الغَرِيبِ؛ الَّذِي تَبْقى عُهْدَتُهُ عَلى قائِلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ - في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ -؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -؛ وابْنُ عامِرٍ: " تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ و"إلّا أنْ قالُوا"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ؛ التَقْدِيرُ: "إلّا قَوْلَهُمْ"؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ أنَّثَ العَلامَةَ في الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وهي الفِتْنَةُ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا: "تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ"؛ بِنَصْبِ الفِتْنَةِ؛ واسْمُ "كانَ": "أنْ قالُوا"؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ تَأْنِيثُ "أنْ قالُوا"؛ وساغَ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ الفِتْنَةُ مُؤَنَّثَةٌ في المَعْنى؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] ؛ فَأنَّثَ الأمْثالَ؛ لَمّا كانَتِ الحَسَناتِ بِالمَعْنى؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "فِتْنَتَهُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ واسْمُ "كانَ": ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ ؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَّرَ عَلامَةَ الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُذَكَّرٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ إسْنادُ فِعْلٍ مُذَكَّرٍ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وجاءَ ذَلِكَ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ (p-٣٣٥)بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ أوِ المَوَدَّةِ في الشَيْءِ؛ والإعْجابِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ وكِيعٍ ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "وَما كانَ فِتْنَتُهُمْ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "ثُمَّ كانَ فِتْنَتُهُمْ".
والفِتْنَةُ في كَلامِ العَرَبِ: لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ؛ تُقالُ بِمَعْنى حُبِّ الشَيْءِ والإعْجابِ بِهِ؛ كَما تَقُولُ "فُتِنْتُ بِكَذا"؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هُنا هَذا المَعْنى؛ أيْ: "لَمْ يَكُنْ حُبُّهم لِلْأصْنامِ؛ وإعْجابُهم بِها؛ واتِّباعُهم لَها لَمّا سُئِلُوا عنها؛ ووَقَفُوا عَلى عَجْزِها؛ إلّا التَبَرِّي مِنها؛ والإنْكارَ لَها"؛ وهَذا تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ كانَ يَدَّعِي مَوَدَّةَ آخَرَ؛ ثُمَّ انْحَرَفَ عنهُ وعاداهُ: "يا فُلانُ؛ لَمْ تَكُنْ مَوَدَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنْ شَتَمْتَهُ وعادَيْتَهُ"؛ ويُقالُ: "اَلْفِتْنَةُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] ؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا﴾ [ص: ٣٤] ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هَهُنا هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ سُؤالَهم عَنِ الشُرَكاءِ؛ وتَوْقِيفَهُمُ اخْتِبارٌ؛ فالمَعْنى: "ثُمَّ لَمْ يَكُنِ اخْتِبارُنا لَهم - إذْ لَمْ يُفِدْ ولا أثْمَرَ - إلّا إنْكارَهُمُ الإشْراكَ".
وتَجِيءُ الفِتْنَةُ في اللُغَةِ عَلى مَعانٍ غَيْرِ هَذَيْنِ؛ لا مَدْخَلَ لَها في الآيَةِ؛ ومَن قالَ: "إنَّ أصْلَ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ؛ مِن "فَتَنْتُ الذَهَبَ في النارِ"؛ ثُمَّ يُسْتَعارُ بَعْدَ ذَلِكَ في غَيْرِ ذَلِكَ"؛ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ الِاسْمَ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الِاسْتِعارَةِ حَتّى يُقْطَعَ بِاسْتِحالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِعِ الَّذِي اسْتُعِيرَ لَهُ؛ كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ:
؎ ................. ∗∗∗ ولَفَّ الثُرَيّا في مَلاءَتِهِ الفَجْرُ
ونَحْوِهِ؛ والفِتْنَةُ لا يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً في كُلِّ مَوْضِعٍ قِيلَتْ عَلَيْهِ.
(p-٣٣٦)وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عُمَرَ: "واللهِ رَبِّنا"؛ خُفِضَ عَلى النَعْتِ لِاسْمِ اللهِ تَعالى ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "رَبَّنا"؛ نُصِبَ عَلى النِداءِ؛ ويَجُوزُ فِيهِ تَقْدِيرُ المَدْحِ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وسَلّامُ بْنُ مِسْكِينٍ: "واللهُ رَبُّنا"؛ بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ؛ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَقْدِيمٍ؛ وتَأْخِيرٍ؛ كَأنَّهم قالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ؛ واللهُ رَبُّنا"؛ و"ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ مَعْناهُ جُحُودُ إشْراكِهِمْ في الدُنْيا؛ فَرُوِيَ أنَّهم إذا رَأوا إخْراجَ مَن في النارِ مِن أهْلِ الإيمانِ؛ ضَجُّوا؛ فَيُوقَفُونَ؛ ويُقالُ لَهُمْ: "أيْنَ شُرَكاؤُكُمْ"؛ فَيُنْكِرُونَ؛ طَماعِيَةً مِنهم أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِأهْلِ الإيمانِ؛ وأتى رَجُلٌ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: سَمِعْتُ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ؛ وفي أُخْرى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لَمّا رَأوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ؛ قالُوا: تَعالَوْا فَلْنَجْحَدْ؛ وقالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ فَخَتَمَ اللهُ تَعالى عَلى أفْواهِهِمْ؛ وتَكَلَّمَتْ جَوارِحُهُمْ؛ فَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ الفِتْنَةِ هُنا بِأنْ قالُوا: "مَعْذِرَتُهُمْ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وقالَ آخَرُونَ: "كَلامُهُمْ"؛ قالَهُ الضَحّاكُ ؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا هو كُلُّهُ في ضِمْنِ ما ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والنَظَرُ نَظَرُ القَلْبِ؛ وقالَ: "كَذَبُوا" في أمْرٍ لَمْ يَقَعْ؛ إذْ هي حِكايَةُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَلا إشْكالَ في اسْتِعْمالِ الماضِي فِيها مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ؛ ويُفِيدُنا اسْتِعْمالُ الماضِي تَحْقِيقًا ما في الفِعْلِ؛ وإثْباتًا لَهُ؛ وهَذا مَهْيَعٌ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ الفَزارِيِّ:(p-٣٣٧)
؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
يُرِيدُ: "إنْ يَنْفِرْ".
﴿ "وَضَلَّ عنهُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: "ذَهَبَ افْتِراؤُهم في الدُنْيا؛ وكَذِبُهم بِادِّعائِهِمْ لِلَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى - الشُرَكاءَ".
الأنعام 6:23
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
قالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] ؛ كَلامٌ تامٌّ؛ مَعْناهُ: "لا يُفْلِحُونَ جُمْلَةً؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: "واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ"؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمَعْنى: "لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ اليَوْمَ في الدُنْيا؛ ويَوْمَ (p-٣٣٤)نَحْشُرُهُمْ"؛ عَطْفًا عَلى الظَرْفِ المُقَدَّرِ؛ والكَلامُ مُتَّصِلٌ.
وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ" بِالنُونِ؛ وقَرَأ حُمَيْدٌ؛ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - هُنا وفي "يُونُسَ"؛ قَبْلَ الثَلاثِينَ -: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ في باقِي القُرْآنِ بِالياءِ؛ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ "نَحْشِرُهُمْ"؛ بِكَسْرِ الشِينِ؛ فَيَجِيءُ الفِعْلُ - عَلى هَذا -: "حَشَرَ؛ يَحْشُرُ؛ ويَحْشِرُ".
وأضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ لا شَرِكَةَ لَهم في الحَقِيقَةِ بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ شَيْءٍ؛ وإنَّما وقَعَ عَلَيْها اسْمُ الشَرِيكِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَةِ الكَفَرَةِ؛ فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِهَذِهِ النِسْبَةِ.
و"تَزْعُمُونَ"؛ مَعْناهُ: تَدَّعُونَ أنَّهم [شُرَكاءُ] لِلَّهِ تَعالى ؛ والزَعْمُ: اَلْقَوْلُ الأمْيَلُ إلى الباطِلِ؛ والكَذِبِ؛ في أكْثَرِ كَلامِهِمْ؛ وقَدْ يُقالُ: "زَعَمَ"؛ بِمَعْنى: "ذَكَرَ"؛ دُونَ مَيْلٍ إلى الكَذِبِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ يَقُولُ سِيبَوَيْهِ ؛ زَعَمَ الخَلِيلُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الشَيْءِ الغَرِيبِ؛ الَّذِي تَبْقى عُهْدَتُهُ عَلى قائِلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ - في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ -؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -؛ وابْنُ عامِرٍ: " تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ و"إلّا أنْ قالُوا"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ؛ التَقْدِيرُ: "إلّا قَوْلَهُمْ"؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ أنَّثَ العَلامَةَ في الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وهي الفِتْنَةُ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا: "تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ"؛ بِنَصْبِ الفِتْنَةِ؛ واسْمُ "كانَ": "أنْ قالُوا"؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ تَأْنِيثُ "أنْ قالُوا"؛ وساغَ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ الفِتْنَةُ مُؤَنَّثَةٌ في المَعْنى؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] ؛ فَأنَّثَ الأمْثالَ؛ لَمّا كانَتِ الحَسَناتِ بِالمَعْنى؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "فِتْنَتَهُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ واسْمُ "كانَ": ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ ؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَّرَ عَلامَةَ الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُذَكَّرٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ إسْنادُ فِعْلٍ مُذَكَّرٍ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وجاءَ ذَلِكَ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ (p-٣٣٥)بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ أوِ المَوَدَّةِ في الشَيْءِ؛ والإعْجابِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ وكِيعٍ ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "وَما كانَ فِتْنَتُهُمْ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "ثُمَّ كانَ فِتْنَتُهُمْ".
والفِتْنَةُ في كَلامِ العَرَبِ: لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ؛ تُقالُ بِمَعْنى حُبِّ الشَيْءِ والإعْجابِ بِهِ؛ كَما تَقُولُ "فُتِنْتُ بِكَذا"؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هُنا هَذا المَعْنى؛ أيْ: "لَمْ يَكُنْ حُبُّهم لِلْأصْنامِ؛ وإعْجابُهم بِها؛ واتِّباعُهم لَها لَمّا سُئِلُوا عنها؛ ووَقَفُوا عَلى عَجْزِها؛ إلّا التَبَرِّي مِنها؛ والإنْكارَ لَها"؛ وهَذا تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ كانَ يَدَّعِي مَوَدَّةَ آخَرَ؛ ثُمَّ انْحَرَفَ عنهُ وعاداهُ: "يا فُلانُ؛ لَمْ تَكُنْ مَوَدَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنْ شَتَمْتَهُ وعادَيْتَهُ"؛ ويُقالُ: "اَلْفِتْنَةُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] ؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا﴾ [ص: ٣٤] ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هَهُنا هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ سُؤالَهم عَنِ الشُرَكاءِ؛ وتَوْقِيفَهُمُ اخْتِبارٌ؛ فالمَعْنى: "ثُمَّ لَمْ يَكُنِ اخْتِبارُنا لَهم - إذْ لَمْ يُفِدْ ولا أثْمَرَ - إلّا إنْكارَهُمُ الإشْراكَ".
وتَجِيءُ الفِتْنَةُ في اللُغَةِ عَلى مَعانٍ غَيْرِ هَذَيْنِ؛ لا مَدْخَلَ لَها في الآيَةِ؛ ومَن قالَ: "إنَّ أصْلَ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ؛ مِن "فَتَنْتُ الذَهَبَ في النارِ"؛ ثُمَّ يُسْتَعارُ بَعْدَ ذَلِكَ في غَيْرِ ذَلِكَ"؛ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ الِاسْمَ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الِاسْتِعارَةِ حَتّى يُقْطَعَ بِاسْتِحالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِعِ الَّذِي اسْتُعِيرَ لَهُ؛ كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ:
؎ ................. ∗∗∗ ولَفَّ الثُرَيّا في مَلاءَتِهِ الفَجْرُ
ونَحْوِهِ؛ والفِتْنَةُ لا يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً في كُلِّ مَوْضِعٍ قِيلَتْ عَلَيْهِ.
(p-٣٣٦)وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عُمَرَ: "واللهِ رَبِّنا"؛ خُفِضَ عَلى النَعْتِ لِاسْمِ اللهِ تَعالى ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "رَبَّنا"؛ نُصِبَ عَلى النِداءِ؛ ويَجُوزُ فِيهِ تَقْدِيرُ المَدْحِ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وسَلّامُ بْنُ مِسْكِينٍ: "واللهُ رَبُّنا"؛ بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ؛ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَقْدِيمٍ؛ وتَأْخِيرٍ؛ كَأنَّهم قالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ؛ واللهُ رَبُّنا"؛ و"ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ مَعْناهُ جُحُودُ إشْراكِهِمْ في الدُنْيا؛ فَرُوِيَ أنَّهم إذا رَأوا إخْراجَ مَن في النارِ مِن أهْلِ الإيمانِ؛ ضَجُّوا؛ فَيُوقَفُونَ؛ ويُقالُ لَهُمْ: "أيْنَ شُرَكاؤُكُمْ"؛ فَيُنْكِرُونَ؛ طَماعِيَةً مِنهم أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِأهْلِ الإيمانِ؛ وأتى رَجُلٌ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: سَمِعْتُ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ؛ وفي أُخْرى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لَمّا رَأوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ؛ قالُوا: تَعالَوْا فَلْنَجْحَدْ؛ وقالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ فَخَتَمَ اللهُ تَعالى عَلى أفْواهِهِمْ؛ وتَكَلَّمَتْ جَوارِحُهُمْ؛ فَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ الفِتْنَةِ هُنا بِأنْ قالُوا: "مَعْذِرَتُهُمْ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وقالَ آخَرُونَ: "كَلامُهُمْ"؛ قالَهُ الضَحّاكُ ؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا هو كُلُّهُ في ضِمْنِ ما ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والنَظَرُ نَظَرُ القَلْبِ؛ وقالَ: "كَذَبُوا" في أمْرٍ لَمْ يَقَعْ؛ إذْ هي حِكايَةُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَلا إشْكالَ في اسْتِعْمالِ الماضِي فِيها مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ؛ ويُفِيدُنا اسْتِعْمالُ الماضِي تَحْقِيقًا ما في الفِعْلِ؛ وإثْباتًا لَهُ؛ وهَذا مَهْيَعٌ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ الفَزارِيِّ:(p-٣٣٧)
؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
يُرِيدُ: "إنْ يَنْفِرْ".
﴿ "وَضَلَّ عنهُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: "ذَهَبَ افْتِراؤُهم في الدُنْيا؛ وكَذِبُهم بِادِّعائِهِمْ لِلَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى - الشُرَكاءَ".
الأنعام 6:24
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
قالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] ؛ كَلامٌ تامٌّ؛ مَعْناهُ: "لا يُفْلِحُونَ جُمْلَةً؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: "واذْكُرْ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ"؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلْمَعْنى: "لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ اليَوْمَ في الدُنْيا؛ ويَوْمَ (p-٣٣٤)نَحْشُرُهُمْ"؛ عَطْفًا عَلى الظَرْفِ المُقَدَّرِ؛ والكَلامُ مُتَّصِلٌ.
وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ" بِالنُونِ؛ وقَرَأ حُمَيْدٌ؛ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ - هُنا وفي "يُونُسَ"؛ قَبْلَ الثَلاثِينَ -: "نَحْشُرُهُمْ"؛ و"نَقُولُ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأ في باقِي القُرْآنِ بِالياءِ؛ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ "نَحْشِرُهُمْ"؛ بِكَسْرِ الشِينِ؛ فَيَجِيءُ الفِعْلُ - عَلى هَذا -: "حَشَرَ؛ يَحْشُرُ؛ ويَحْشِرُ".
وأضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ لا شَرِكَةَ لَهم في الحَقِيقَةِ بَيْنَ الأصْنامِ وبَيْنَ شَيْءٍ؛ وإنَّما وقَعَ عَلَيْها اسْمُ الشَرِيكِ بِمُجَرَّدِ تَسْمِيَةِ الكَفَرَةِ؛ فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِهَذِهِ النِسْبَةِ.
و"تَزْعُمُونَ"؛ مَعْناهُ: تَدَّعُونَ أنَّهم [شُرَكاءُ] لِلَّهِ تَعالى ؛ والزَعْمُ: اَلْقَوْلُ الأمْيَلُ إلى الباطِلِ؛ والكَذِبِ؛ في أكْثَرِ كَلامِهِمْ؛ وقَدْ يُقالُ: "زَعَمَ"؛ بِمَعْنى: "ذَكَرَ"؛ دُونَ مَيْلٍ إلى الكَذِبِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ يَقُولُ سِيبَوَيْهِ ؛ زَعَمَ الخَلِيلُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الشَيْءِ الغَرِيبِ؛ الَّذِي تَبْقى عُهْدَتُهُ عَلى قائِلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ - في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ -؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -؛ وابْنُ عامِرٍ: " تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ و"إلّا أنْ قالُوا"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ؛ التَقْدِيرُ: "إلّا قَوْلَهُمْ"؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ أنَّثَ العَلامَةَ في الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وهي الفِتْنَةُ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا: "تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ"؛ بِنَصْبِ الفِتْنَةِ؛ واسْمُ "كانَ": "أنْ قالُوا"؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ تَأْنِيثُ "أنْ قالُوا"؛ وساغَ إلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ الفِتْنَةُ مُؤَنَّثَةٌ في المَعْنى؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] ؛ فَأنَّثَ الأمْثالَ؛ لَمّا كانَتِ الحَسَناتِ بِالمَعْنى؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "فِتْنَتَهُمْ"؛ بِالنَصْبِ؛ واسْمُ "كانَ": ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ ؛ وهَذا مُسْتَقِيمٌ؛ لِأنَّهُ ذَكَّرَ عَلامَةَ الفِعْلِ حِينَ أسْنَدَهُ إلى مُذَكَّرٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ"؛ بِرَفْعِ الفِتْنَةِ؛ وفي هَذِهِ القِراءَةِ إسْنادُ فِعْلٍ مُذَكَّرٍ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وجاءَ ذَلِكَ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ (p-٣٣٥)بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ أوِ المَوَدَّةِ في الشَيْءِ؛ والإعْجابِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ وكِيعٍ ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "وَما كانَ فِتْنَتُهُمْ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "ثُمَّ كانَ فِتْنَتُهُمْ".
والفِتْنَةُ في كَلامِ العَرَبِ: لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ؛ تُقالُ بِمَعْنى حُبِّ الشَيْءِ والإعْجابِ بِهِ؛ كَما تَقُولُ "فُتِنْتُ بِكَذا"؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هُنا هَذا المَعْنى؛ أيْ: "لَمْ يَكُنْ حُبُّهم لِلْأصْنامِ؛ وإعْجابُهم بِها؛ واتِّباعُهم لَها لَمّا سُئِلُوا عنها؛ ووَقَفُوا عَلى عَجْزِها؛ إلّا التَبَرِّي مِنها؛ والإنْكارَ لَها"؛ وهَذا تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ كانَ يَدَّعِي مَوَدَّةَ آخَرَ؛ ثُمَّ انْحَرَفَ عنهُ وعاداهُ: "يا فُلانُ؛ لَمْ تَكُنْ مَوَدَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنْ شَتَمْتَهُ وعادَيْتَهُ"؛ ويُقالُ: "اَلْفِتْنَةُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ؛ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ؛ كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] ؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا﴾ [ص: ٣٤] ؛ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ هَهُنا هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ سُؤالَهم عَنِ الشُرَكاءِ؛ وتَوْقِيفَهُمُ اخْتِبارٌ؛ فالمَعْنى: "ثُمَّ لَمْ يَكُنِ اخْتِبارُنا لَهم - إذْ لَمْ يُفِدْ ولا أثْمَرَ - إلّا إنْكارَهُمُ الإشْراكَ".
وتَجِيءُ الفِتْنَةُ في اللُغَةِ عَلى مَعانٍ غَيْرِ هَذَيْنِ؛ لا مَدْخَلَ لَها في الآيَةِ؛ ومَن قالَ: "إنَّ أصْلَ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ؛ مِن "فَتَنْتُ الذَهَبَ في النارِ"؛ ثُمَّ يُسْتَعارُ بَعْدَ ذَلِكَ في غَيْرِ ذَلِكَ"؛ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ الِاسْمَ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَعْنى الِاسْتِعارَةِ حَتّى يُقْطَعَ بِاسْتِحالَةِ حَقِيقَتِهِ في المَوْضِعِ الَّذِي اسْتُعِيرَ لَهُ؛ كَقَوْلِ ذِي الرُمَّةِ:
؎ ................. ∗∗∗ ولَفَّ الثُرَيّا في مَلاءَتِهِ الفَجْرُ
ونَحْوِهِ؛ والفِتْنَةُ لا يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ حَقِيقَةً في كُلِّ مَوْضِعٍ قِيلَتْ عَلَيْهِ.
(p-٣٣٦)وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وابْنُ عُمَرَ: "واللهِ رَبِّنا"؛ خُفِضَ عَلى النَعْتِ لِاسْمِ اللهِ تَعالى ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "رَبَّنا"؛ نُصِبَ عَلى النِداءِ؛ ويَجُوزُ فِيهِ تَقْدِيرُ المَدْحِ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ ؛ وسَلّامُ بْنُ مِسْكِينٍ: "واللهُ رَبُّنا"؛ بِرَفْعِ الِاسْمَيْنِ؛ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ تَقْدِيمٍ؛ وتَأْخِيرٍ؛ كَأنَّهم قالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ؛ واللهُ رَبُّنا"؛ و"ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ مَعْناهُ جُحُودُ إشْراكِهِمْ في الدُنْيا؛ فَرُوِيَ أنَّهم إذا رَأوا إخْراجَ مَن في النارِ مِن أهْلِ الإيمانِ؛ ضَجُّوا؛ فَيُوقَفُونَ؛ ويُقالُ لَهُمْ: "أيْنَ شُرَكاؤُكُمْ"؛ فَيُنْكِرُونَ؛ طَماعِيَةً مِنهم أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ ما فُعِلَ بِأهْلِ الإيمانِ؛ وأتى رَجُلٌ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: سَمِعْتُ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ ؛ وفي أُخْرى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "لَمّا رَأوا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مُؤْمِنٌ؛ قالُوا: تَعالَوْا فَلْنَجْحَدْ؛ وقالُوا: "ما كُنّا مُشْرِكِينَ"؛ فَخَتَمَ اللهُ تَعالى عَلى أفْواهِهِمْ؛ وتَكَلَّمَتْ جَوارِحُهُمْ؛ فَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَبَّرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ عَنِ الفِتْنَةِ هُنا بِأنْ قالُوا: "مَعْذِرَتُهُمْ"؛ قالَهُ قَتادَةُ ؛ وقالَ آخَرُونَ: "كَلامُهُمْ"؛ قالَهُ الضَحّاكُ ؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا هو كُلُّهُ في ضِمْنِ ما ذَكَرْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والنَظَرُ نَظَرُ القَلْبِ؛ وقالَ: "كَذَبُوا" في أمْرٍ لَمْ يَقَعْ؛ إذْ هي حِكايَةُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَلا إشْكالَ في اسْتِعْمالِ الماضِي فِيها مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ؛ ويُفِيدُنا اسْتِعْمالُ الماضِي تَحْقِيقًا ما في الفِعْلِ؛ وإثْباتًا لَهُ؛ وهَذا مَهْيَعٌ في اللُغَةِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ الفَزارِيِّ:(p-٣٣٧)
؎ أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا ∗∗∗ ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
يُرِيدُ: "إنْ يَنْفِرْ".
﴿ "وَضَلَّ عنهُمْ"؛﴾ مَعْناهُ: "ذَهَبَ افْتِراؤُهم في الدُنْيا؛ وكَذِبُهم بِادِّعائِهِمْ لِلَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى - الشُرَكاءَ".
الأنعام 6:25
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾
اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَمِنهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ تَضَمَّنَهم قَبْلُ قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ [الأنعام: ٢٢] ؛ وأفْرَدَ "يَسْتَمِعُ"؛ وهو فِعْلُ جَماعَةٍ؛ حَمْلًا عَلى لَفْظِ "مَن"؛ و"أكِنَّةً"؛ جَمْعُ "كِنانٌ"؛ وهو الغِطاءُ الجامِعُ؛ ومِنهُ كِنانَةُ السِهامِ؛ والَكِنُّ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا ما انْتَضَوْها في الوَغى مِن أكِنَّةٍ ∗∗∗ حَسِبْتَ بُرُوقَ الغَيْثِ هاجَتْ غُيُومُها
و"فِعالٌ" و"أفْعِلَةٌ"؛ مَهْيَعٌ في كَلامِهِمْ.
و"أنْ يَفْقَهُوهُ"؛ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ؛ أيْ: "كَراهِيَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ"؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "ألّا يَفْقَهُوهُ"؛ ويَلْزَمُ هَذا القَوْلَ إضْمارُ حَرْفِ النَفْيِ؛ و"يَفْقَهُوهُ"؛ مَعْناهُ: "يَفْهَمُوهُ"؛ ويُقالُ: "فَقِهَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ إذا فَهِمَ الشَيْءَ؛ و"فُقُهَ"؛ بِضَمِّها؛ إذا صارَ فَقِيهًا لَهُ مَلَكَةٌ؛ و"فَقَهَ"؛ إذا غَلَبَ في الفِقْهِ غَيْرَهُ.
(p-٣٣٨)والوَقْرُ: اَلثِّقْلُ في السَمْعِ؛ يُقالُ: "وَقِرَتْ أُذُنُهُ"؛ و"وَقَرَتْ"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ وفَتْحِها؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وكَلامٍ سَيِّئٍ قَدْ وقِرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ أُذُنِي مِنهُ وما بِي مِن صَمَمْ
وقَدْ سُمِعَ: "أُذُنٌ مَوْقُورَةٌ"؛ فالفِعْلُ عَلى هَذا "وُقِرَتْ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "وِقْرًا"؛ بِكَسْرِ الواوِ؛ كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى آذانِهِمْ؛ وقُرَّتْ بِالصَمَمِ؛ كَما تُوقَرُ الدابَّةُ مِنَ الحَمْلِ؛ وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ؛ وهَذا عِبارَةٌ عَمّا جَعَلَ اللهُ تَعالى في نُفُوسِ هَؤُلاءِ القَوْمِ مِنَ الغَلَطِ والبُعْدِ عن قَبُولِ الخَيْرِ؛ لا أنَّهم لَمْ يَكُونُوا سامِعِينَ لِأقْوالِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلرُّؤْيَةُ هُنا: رُؤْيَةُ العَيْنِ؛ يُرِيدُ كانْشِقاقِ القَمَرِ؛ وشِبْهِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم في أعْجَزِ دَرَجَةٍ؛ وحاوَلُوا رَدَّ الحَقِّ بِالدَعْوى المُجَرَّدَةِ؛ والواوُ في قَوْلِهِ: "وَجَعَلْنا"؛ واوُ الحالِ؛ والبابُ أنْ يُصَرَّحَ مَعَها بِـ "قَدْ"؛ وقَدْ تَجِيءُ أحْيانًا مُقَدَّرَةً؛ وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ومِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مَن يَسْتَمِعُكَ وهو مِنَ الغَباوَةِ في حَدِّ قَلْبِهِ في كِنانٍ؛ وأُذُنُهُ صَمّاءُ؛ وهو يَرى الآياتِ فَلا يُؤْمِنُ بِها؛ لَكِنَّهُ مَعَ بُلُوغِهِ الغايَةَ مِن هَذا القُصُورِ إذا جاءَ لِلْمُجادَلَةِ قابَلَ بِدَعْوًى مُجَرَّدَةٍ.
والمُجادَلَةُ: اَلْمُقابَلَةُ في الِاحْتِجاجِ؛ مَأْخُوذٌ مِن "اَلْجَدَلُ"؛ و"هَذا"؛ في قَوْلِهِمْ: إشارَةٌ إلى القُرْآنِ.
و"اَلْأساطِيرُ": جَمْعُ "أسْطارٌ"؛ كَـ "أقْوالٌ"؛ و"أقاوِيلُ"؛ ونَحْوِهِ؛ و"أسْطارٌ": جَمْعُ "سَطْرٌ"؛ أو "سَطَرٌ"؛ وقِيلَ: اَلْأساطِيرُ: جَمْعُ "إسْطارَةٌ"؛ وهي التُرَّهاتُ؛ وقِيلَ: جَمْعُ "أُسْطُورَةٌ"؛ (p-٣٣٩)كَـ "أُعْجُوبَةٌ"؛ و"أُضْحُوكَةٌ"؛ وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ؛ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ كَـ "عَبابِيدُ"؛ و"شَمامِيطُ"؛ والمَعْنى: "أخْبارُ الأوَّلِينَ؛ وأقاصِيصُهُمْ؛ وأحادِيثُهُمُ الَّتِي تُسَطَّرُ؛ وتُحْكى؛ ولا تُحَقَّقُ؛ كالتَوارِيخِ؛ وإنَّما شَبَّهَها الكُفّارُ بِأحادِيثِ النَضْرِ بْنِ الحارِثِ ؛ وأبِي عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ؛ عن رُسْتُمَ؛ والسِنْدِبادِ؛ ومُجادَلَةُ الكُفّارِ كانَتْ مُرادَّتَهم نُورَ اللهِ بِأفْواهِهِمُ المُبْطِلَةِ؛ وقَدْ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مَثَّلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُمْ: "إنَّكم أيُّها المُتَّبِعُونَ مُحَمَّدًا تَأْكُلُونَ ما قَتَلْتُمْ بِذَبْحِكُمْ؛ ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللهُ"؛ ونَحْوَ هَذا مِنَ التَخْلِيطِ الَّذِي لا تَتَرَكَّبُ مِنهُ حُجَّةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا جِدالٌ في حُكْمٍ؛ والَّذِي في الآيَةِ إنَّما هو جِدالٌ في مُدافَعَةِ القُرْآنِ؛ فَلا تُتَفَسَّرُ الآيَةُ عِنْدِي بِأمْرِ الذَبْحِ.
الأنعام 6:26
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَهم يَنْهَوْنَ عنهُ ويَنْأونَ عنهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾
اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى المَذْكُورِينَ قَبْلُ؛ والضَمِيرُ في "عنهُ"؛ قالَ قَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ: يَعُودُ عَلى القُرْآنِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: "أنْ يَفْقَهُوهُ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ الحَنَفِيَّةِ ؛ والضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والمَعْنى أنَّهم يَنْهَوْنَ غَيْرَهُمْ؛ ويَبْعُدُونَ هم بِأنْفُسِهِمْ؛ و"اَلنَّأْيُ": اَلْبُعْدُ.
"وَإنْ يُهْلِكُونَ"؛ مَعْناهُ: ما يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ الَّذِي يُدْخِلُهم جَهَنَّمَ؛ وقالَ ابْنُ (p-٣٤٠)عَبّاسٍ أيْضًا؛ والقاسِمُ ؛ وحَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ؛ وعَطاءُ بْنُ دِينارٍ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهم يَنْهَوْنَ عنهُ﴾ ؛ أبُو طالِبٍ؛ ومَن كانَ مَعَهُ؛ عَلى حِمايَةِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وعَلى الدَوامِ في الكُفْرِ؛ والمَعْنى: "وَهم يَنْهَوْنَ عنهُ مَن يُرِيدُ إذايَتَهُ؛ ويَنْأونَ عنهُ بِإيمانِهِمْ؛ واتِّباعِهِمْ؛ فَهم يَفْعَلُونَ الشَيْءَ وخِلافَهُ"؛ ويُقْلِقُ هَذا القَوْلَ رَدُّ قَوْلِهِ: "وَهُمْ"؛ عَلى جَماعَةِ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها؛ لِأنَّ جَمِيعَهم لَمْ يَكُنْ يَنْهى عن إذايَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَخَرَّجُ ذَلِكَ؛ ويَحْسُنُ عَلى أنْ تُقَدِّرَ القَصْدَ ذِكْرَ ما يُنْعى عَلى فَرِيقٍ مِنَ الجَماعَةِ الَّتِي هي كُلُّها مُجْمِعَةٌ عَلى الكُفْرِ؛ فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عن فَرِيقٍ مِنَ الجَماعَةِ بِلَفْظٍ يَعُمُّ الجَماعَةَ؛ لِأنَّ التَوْبِيخَ عَلى هَذِهِ الصُورَةِ أغْلَظُ عَلَيْهِمْ؛ كَما تَقُولُ - إذا شَنَّعْتَ عَلى جَماعَةٍ فِيها زُناةٌ؛ وسَرَقَةٌ؛ وشَرَبَةُ خَمْرٍ -: "هَؤُلاءِ يَزْنُونَ؛ ويَسْرِقُونَ؛ ويَشْرَبُونَ الخَمْرَ"؛ وحَقِيقَةُ كَلامِكَ أنَّ بَعْضَهم يَفْعَلُ هَذا؛ وبَعْضَهم يَفْعَلُ هَذا؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مَن يَسْتَمِعُ وهم يَنْهَوْنَ عن إذايَتِهِ؛ ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ"؛ أيْ: "مِنهم مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ".
"وَما يَشْعُرُونَ"؛ مَعْناهُ: "ما يَعْلَمُونَ عِلْمَ حِسٍّ"؛ وهو مَأْخُوذٌ مِن "اَلشِّعارُ"؛ اَلَّذِي يَلِي بَدَنَ الإنْسانِ؛ و"اَلشِّعارُ": مَأْخُوذٌ مِن "اَلشَّعْرُ"؛ ونَفْيُ الشُعُورِ مَذَمَّةٌ بالِغَةٌ؛ إذِ البَهائِمُ تَشْعُرُ؛ وتُحِسُّ؛ فَإذا قُلْتَ: "فُلانٌ لا يَشْعُرُ"؛ فَقَدْ نَفَيْتَ عنهُ العِلْمَ؛ النَفْيَ العامَّ الَّذِي يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَعْلَمُ؛ ولا المَحْسُوساتِ.
(p-٣٤١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَرَأ الحَسَنُ: "وَيَنَوْنَ عنهُ"؛ أُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ عَلى النُونِ؛ عَلى التَسْهِيلِ القِياسِيِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النارِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمُخاطَبَةُ فِيهِ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وجَوابُ "وَلَوْ" مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ: "لَرَأيْتَ هَوْلًا؛ أو مَشَقّاتٍ"؛ أو نَحْوُ هَذا؛ وحَذْفُ جَوابِها في مِثْلِ هَذا أبْلَغُ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ يُتْرَكُ مَعَ غايَةِ تَخَيُّلِهِ.
ووَقَعَتْ "إذْ"؛ في مَوْضِعِ "إذا"؛ اَلَّتِي هي لِما يُسْتَقْبَلْ؛ وجازَ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ المُتَيَقَّنَ وُقُوعُهُ يُعَبَّرُ عنهُ كَما يُعَبَّرُ عَنِ الماضِي الوُقُوعِ؛ و"وُقِفُوا"؛ مَعْناهُ: "حُبِسُوا"؛ ولَفْظُ هَذا الفِعْلِ مُتَعَدِّيًا؛ وغَيْرَ مُتَعَدٍّ؛ سَواءٌ؛ تَقُولُ: "وَقَفْتُ أنا"؛ و"وَقَفْتُ غَيْرِي"؛ وقالَ الزَهْراوِيُّ: وقَدْ فُرِّقَ بَيْنَهُما بِالمَصْدَرِ؛ فَفي المُتَعَدِّي: "وَقَفْتُهُ وقْفًا"؛ وفي غَيْرِ المُتَعَدِّي: "وَقَفْتُ وُقُوفًا"؛ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: لَمْ أسْمَعْ في شَيْءٍ مِن كَلامِ العَرَبِ "أوقَفْتُ فُلانًا"؛ إلّا أنِّي لَوْ لَقِيتُ رَجُلًا واقِفًا؛ فَقُلْتُ لَهُ: "ما أوقَفَكَ هَهُنا؟"؛ لَكانَ عِنْدِي حَسَنًا؛ ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿وُقِفُوا عَلى النارِ﴾ ؛ أنْ يَكُونَ: "دَخَلُوها"؛ فَكانَ وُقُوفُهم عَلَيْها؛ أيْ: فِيها؛ قالَهُ الطَبَرِيُّ ؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ: "أشْرَفُوا عَلَيْها؛ وعايَنُوها".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ "وَنَكُونُ"؛ بِالرَفْعِ في كُلِّها؛ وذَلِكَ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ في قَوْلِهِ: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ و"وَنَكُونُ" أيْ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ؛ ونَحْنُ عَلى كُلِّ حالٍ لا نُكَذِّبُ؛ ونَكُونُ"؛ فَأخْبَرُوا أنْفُسَهم بِهَذا؛ ولِهَذا الإخْبارِ صَحَّ تَكْذِيبُهم بَعْدَ هَذا؛ ورَجَّحَ هَذا سِيبَوَيْهِ ؛ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِكَ: "دَعْنِي؛ ولا أعُودُ"؛ أيْ: "وَأنا لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ"؛ ويُخْرَجُ ذَلِكَ عَلى قَوْلٍ آخَرَ؛ وهو أنْ يَكُونَ: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ و"وَنَكُونُ"؛ داخِلًا في التَمَنِّي؛ عَلى حَدِّ ما دَخَلَتْ فِيهِ "نُرَدُّ"؛ كَأنَّهم قالُوا: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ؛ ولَيْتَنا لا نُكَذِّبُ؛ ولَيْتَنا نَكُونُ"؛ ويُعْتَرَضُ هَذا التَأْوِيلُ بِأنَّ مَن تَمَنّى شَيْئًا لا يُقالُ: "إنَّهُ كاذِبٌ"؛ وإنَّما يَكْذِبُ مَن أخْبَرَ.
(p-٣٤٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُنْفَصَلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] ؛ حِكايَةً عن حالِهِمْ في الدُنْيا؛ كَلامًا مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ؛ وبِوَجْهٍ آخَرَ؛ وهو أنَّ المُتَمَنِّيَ إذا كانَتْ سَجِيَّتُهُ وطَرِيقَتُهُ مُخالِفَةً لِما تَمَنّى؛ بَعِيدَةً مِنهُ؛ يَصِحُّ أنْ يُقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ"؛ عَلى تَجَوُّزٍ؛ وذَلِكَ أنَّ مَن تَمَنّى شَيْئًا فَتَمَنِّيهِ يَتَضَمَّنُ إخْبارًا أنَّ تِلْكَ الأُمْنِيَّةَ تَصْلُحُ لَهُ؛ ويَصْلُحُ لَها؛ فَيَقَعُ التَكْذِيبُ في ذَلِكَ الإخْبارِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ التَمَنِّي؛ ومِثالُ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ رَجُلٌ شِرِّيرٌ: "لَيْتَنِي أحُجُّ؛ وأُجاهِدُ؛ وأقُومُ اللَيْلَ"؛ فَجائِزٌ أنْ يُقالَ لِهَذا - عَلى تَجَوُّزٍ -: "كَذَبْتَ"؛ أيْ: "أنْتَ لا تَصْلُحُ لِهَذا؛ ولا يَصْلُحُ لَكَ".
ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ أدْغَمَ باءَ "نُكَذِّبَ"؛ في الباءِ الَّتِي بَعْدَها؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "وَلا نُكَذِّبَ"؛ و"وَنَكُونَ"؛ بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ؛ وذَلِكَ كَما تَنْصِبُ الفاءُ في جَوابِ التَمَنِّي؛ فالواوُ في ذَلِكَ؛ والفاءُ؛ بِمَنزِلَةٍ؛ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ ذِكْرِ مَصْدَرِ الفِعْلِ الأوَّلِ؛ كَأنَّهم قالُوا: "يا لَيْتَنا كانَ لَنا رَدٌّ؛ وعَدَمُ تَكْذِيبٍ؛ وكَوْنٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ - في رِوايَةِ هِشامِ بْنِ عَمّارٍ ؛ عن أصْحابِهِ؛ عَنِ ابْنِ عامِرٍ -: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "وَنَكُونَ"؛ بِالنَصْبِ؛ ويُتَوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى ما تَقَدَّمَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا وتَكُونَ"؛ بِالتاءِ؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا ونَكُونَ"؛ وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: "بِآياتِ رَبِّنا ونَحْنُ نَكُونُ".
وقَوْلُهُ: "نُرَدُّ"؛ في هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها؛ مَعْناهُ: إلى الدُنْيا؛ وحَكى الطَبَرِيُّ تَأْوِيلًا آخَرَ؛ وهُوَ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ إلى الآخِرَةِ"؛ أيْ: "نُبْعَثُ؛ ونُوقَفُ عَلى النارِ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها مُكَذِّبِينَ؛ لَيْتَ ذَلِكَ ونَحْنُ في حالَةٍ لا نُكَذِّبُ؛ ونَكُونُ"؛ فالمَعْنى: "يا لَيْتَنا نُوقَفُ هَذا الوُقُوفَ غَيْرَ مُكَذِّبِينَ بِآياتِ رَبِّنا كائِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يَضْعُفُ مِن غَيْرِ وجْهٍ؛ ويُبْطِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا (p-٣٤٣)عنهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ؛ ولا يَصِحُّ أيْضًا التَكْذِيبُ في هَذا التَمَنِّي؛ لِأنَّهُ تَمَنِّي ما قَدْ مَضى؛ وإنَّما يَصِحُّ التَكْذِيبُ الَّذِي ذَكَرْناهُ قَبْلَ هَذا عَلى تَجَوُّزٍ في تَمَنِّي المُسْتَقْبَلاتِ.
الأنعام 6:27
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَهم يَنْهَوْنَ عنهُ ويَنْأونَ عنهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾
اَلضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى المَذْكُورِينَ قَبْلُ؛ والضَمِيرُ في "عنهُ"؛ قالَ قَتادَةُ ؛ ومُجاهِدٌ: يَعُودُ عَلى القُرْآنِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: "أنْ يَفْقَهُوهُ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ الحَنَفِيَّةِ ؛ والضَحّاكُ: هو عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والمَعْنى أنَّهم يَنْهَوْنَ غَيْرَهُمْ؛ ويَبْعُدُونَ هم بِأنْفُسِهِمْ؛ و"اَلنَّأْيُ": اَلْبُعْدُ.
"وَإنْ يُهْلِكُونَ"؛ مَعْناهُ: ما يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ الَّذِي يُدْخِلُهم جَهَنَّمَ؛ وقالَ ابْنُ (p-٣٤٠)عَبّاسٍ أيْضًا؛ والقاسِمُ ؛ وحَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ؛ وعَطاءُ بْنُ دِينارٍ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهم يَنْهَوْنَ عنهُ﴾ ؛ أبُو طالِبٍ؛ ومَن كانَ مَعَهُ؛ عَلى حِمايَةِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وعَلى الدَوامِ في الكُفْرِ؛ والمَعْنى: "وَهم يَنْهَوْنَ عنهُ مَن يُرِيدُ إذايَتَهُ؛ ويَنْأونَ عنهُ بِإيمانِهِمْ؛ واتِّباعِهِمْ؛ فَهم يَفْعَلُونَ الشَيْءَ وخِلافَهُ"؛ ويُقْلِقُ هَذا القَوْلَ رَدُّ قَوْلِهِ: "وَهُمْ"؛ عَلى جَماعَةِ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُها؛ لِأنَّ جَمِيعَهم لَمْ يَكُنْ يَنْهى عن إذايَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَخَرَّجُ ذَلِكَ؛ ويَحْسُنُ عَلى أنْ تُقَدِّرَ القَصْدَ ذِكْرَ ما يُنْعى عَلى فَرِيقٍ مِنَ الجَماعَةِ الَّتِي هي كُلُّها مُجْمِعَةٌ عَلى الكُفْرِ؛ فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عن فَرِيقٍ مِنَ الجَماعَةِ بِلَفْظٍ يَعُمُّ الجَماعَةَ؛ لِأنَّ التَوْبِيخَ عَلى هَذِهِ الصُورَةِ أغْلَظُ عَلَيْهِمْ؛ كَما تَقُولُ - إذا شَنَّعْتَ عَلى جَماعَةٍ فِيها زُناةٌ؛ وسَرَقَةٌ؛ وشَرَبَةُ خَمْرٍ -: "هَؤُلاءِ يَزْنُونَ؛ ويَسْرِقُونَ؛ ويَشْرَبُونَ الخَمْرَ"؛ وحَقِيقَةُ كَلامِكَ أنَّ بَعْضَهم يَفْعَلُ هَذا؛ وبَعْضَهم يَفْعَلُ هَذا؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ مَن يَسْتَمِعُ وهم يَنْهَوْنَ عن إذايَتِهِ؛ ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ"؛ أيْ: "مِنهم مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ".
"وَما يَشْعُرُونَ"؛ مَعْناهُ: "ما يَعْلَمُونَ عِلْمَ حِسٍّ"؛ وهو مَأْخُوذٌ مِن "اَلشِّعارُ"؛ اَلَّذِي يَلِي بَدَنَ الإنْسانِ؛ و"اَلشِّعارُ": مَأْخُوذٌ مِن "اَلشَّعْرُ"؛ ونَفْيُ الشُعُورِ مَذَمَّةٌ بالِغَةٌ؛ إذِ البَهائِمُ تَشْعُرُ؛ وتُحِسُّ؛ فَإذا قُلْتَ: "فُلانٌ لا يَشْعُرُ"؛ فَقَدْ نَفَيْتَ عنهُ العِلْمَ؛ النَفْيَ العامَّ الَّذِي يَقْتَضِي أنَّهُ لا يَعْلَمُ؛ ولا المَحْسُوساتِ.
(p-٣٤١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَرَأ الحَسَنُ: "وَيَنَوْنَ عنهُ"؛ أُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ عَلى النُونِ؛ عَلى التَسْهِيلِ القِياسِيِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النارِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمُخاطَبَةُ فِيهِ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وجَوابُ "وَلَوْ" مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ: "لَرَأيْتَ هَوْلًا؛ أو مَشَقّاتٍ"؛ أو نَحْوُ هَذا؛ وحَذْفُ جَوابِها في مِثْلِ هَذا أبْلَغُ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ يُتْرَكُ مَعَ غايَةِ تَخَيُّلِهِ.
ووَقَعَتْ "إذْ"؛ في مَوْضِعِ "إذا"؛ اَلَّتِي هي لِما يُسْتَقْبَلْ؛ وجازَ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ المُتَيَقَّنَ وُقُوعُهُ يُعَبَّرُ عنهُ كَما يُعَبَّرُ عَنِ الماضِي الوُقُوعِ؛ و"وُقِفُوا"؛ مَعْناهُ: "حُبِسُوا"؛ ولَفْظُ هَذا الفِعْلِ مُتَعَدِّيًا؛ وغَيْرَ مُتَعَدٍّ؛ سَواءٌ؛ تَقُولُ: "وَقَفْتُ أنا"؛ و"وَقَفْتُ غَيْرِي"؛ وقالَ الزَهْراوِيُّ: وقَدْ فُرِّقَ بَيْنَهُما بِالمَصْدَرِ؛ فَفي المُتَعَدِّي: "وَقَفْتُهُ وقْفًا"؛ وفي غَيْرِ المُتَعَدِّي: "وَقَفْتُ وُقُوفًا"؛ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: لَمْ أسْمَعْ في شَيْءٍ مِن كَلامِ العَرَبِ "أوقَفْتُ فُلانًا"؛ إلّا أنِّي لَوْ لَقِيتُ رَجُلًا واقِفًا؛ فَقُلْتُ لَهُ: "ما أوقَفَكَ هَهُنا؟"؛ لَكانَ عِنْدِي حَسَنًا؛ ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿وُقِفُوا عَلى النارِ﴾ ؛ أنْ يَكُونَ: "دَخَلُوها"؛ فَكانَ وُقُوفُهم عَلَيْها؛ أيْ: فِيها؛ قالَهُ الطَبَرِيُّ ؛ ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ: "أشْرَفُوا عَلَيْها؛ وعايَنُوها".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ "وَنَكُونُ"؛ بِالرَفْعِ في كُلِّها؛ وذَلِكَ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ في قَوْلِهِ: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ و"وَنَكُونُ" أيْ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ؛ ونَحْنُ عَلى كُلِّ حالٍ لا نُكَذِّبُ؛ ونَكُونُ"؛ فَأخْبَرُوا أنْفُسَهم بِهَذا؛ ولِهَذا الإخْبارِ صَحَّ تَكْذِيبُهم بَعْدَ هَذا؛ ورَجَّحَ هَذا سِيبَوَيْهِ ؛ ومَثَّلَهُ بِقَوْلِكَ: "دَعْنِي؛ ولا أعُودُ"؛ أيْ: "وَأنا لا أعُودُ عَلى كُلِّ حالٍ"؛ ويُخْرَجُ ذَلِكَ عَلى قَوْلٍ آخَرَ؛ وهو أنْ يَكُونَ: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ و"وَنَكُونُ"؛ داخِلًا في التَمَنِّي؛ عَلى حَدِّ ما دَخَلَتْ فِيهِ "نُرَدُّ"؛ كَأنَّهم قالُوا: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ؛ ولَيْتَنا لا نُكَذِّبُ؛ ولَيْتَنا نَكُونُ"؛ ويُعْتَرَضُ هَذا التَأْوِيلُ بِأنَّ مَن تَمَنّى شَيْئًا لا يُقالُ: "إنَّهُ كاذِبٌ"؛ وإنَّما يَكْذِبُ مَن أخْبَرَ.
(p-٣٤٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُنْفَصَلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] ؛ حِكايَةً عن حالِهِمْ في الدُنْيا؛ كَلامًا مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ؛ وبِوَجْهٍ آخَرَ؛ وهو أنَّ المُتَمَنِّيَ إذا كانَتْ سَجِيَّتُهُ وطَرِيقَتُهُ مُخالِفَةً لِما تَمَنّى؛ بَعِيدَةً مِنهُ؛ يَصِحُّ أنْ يُقالَ لَهُ: "كَذَبْتَ"؛ عَلى تَجَوُّزٍ؛ وذَلِكَ أنَّ مَن تَمَنّى شَيْئًا فَتَمَنِّيهِ يَتَضَمَّنُ إخْبارًا أنَّ تِلْكَ الأُمْنِيَّةَ تَصْلُحُ لَهُ؛ ويَصْلُحُ لَها؛ فَيَقَعُ التَكْذِيبُ في ذَلِكَ الإخْبارِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ التَمَنِّي؛ ومِثالُ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ رَجُلٌ شِرِّيرٌ: "لَيْتَنِي أحُجُّ؛ وأُجاهِدُ؛ وأقُومُ اللَيْلَ"؛ فَجائِزٌ أنْ يُقالَ لِهَذا - عَلى تَجَوُّزٍ -: "كَذَبْتَ"؛ أيْ: "أنْتَ لا تَصْلُحُ لِهَذا؛ ولا يَصْلُحُ لَكَ".
ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ أدْغَمَ باءَ "نُكَذِّبَ"؛ في الباءِ الَّتِي بَعْدَها؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ -: "وَلا نُكَذِّبَ"؛ و"وَنَكُونَ"؛ بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ؛ وذَلِكَ كَما تَنْصِبُ الفاءُ في جَوابِ التَمَنِّي؛ فالواوُ في ذَلِكَ؛ والفاءُ؛ بِمَنزِلَةٍ؛ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ ذِكْرِ مَصْدَرِ الفِعْلِ الأوَّلِ؛ كَأنَّهم قالُوا: "يا لَيْتَنا كانَ لَنا رَدٌّ؛ وعَدَمُ تَكْذِيبٍ؛ وكَوْنٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ - في رِوايَةِ هِشامِ بْنِ عَمّارٍ ؛ عن أصْحابِهِ؛ عَنِ ابْنِ عامِرٍ -: "وَلا نُكَذِّبُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "وَنَكُونَ"؛ بِالنَصْبِ؛ ويُتَوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى ما تَقَدَّمَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا وتَكُونَ"؛ بِالتاءِ؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ فَلا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا ونَكُونَ"؛ وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ: "بِآياتِ رَبِّنا ونَحْنُ نَكُونُ".
وقَوْلُهُ: "نُرَدُّ"؛ في هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها؛ مَعْناهُ: إلى الدُنْيا؛ وحَكى الطَبَرِيُّ تَأْوِيلًا آخَرَ؛ وهُوَ: "يا لَيْتَنا نُرَدُّ إلى الآخِرَةِ"؛ أيْ: "نُبْعَثُ؛ ونُوقَفُ عَلى النارِ الَّتِي وقَفْنا عَلَيْها مُكَذِّبِينَ؛ لَيْتَ ذَلِكَ ونَحْنُ في حالَةٍ لا نُكَذِّبُ؛ ونَكُونُ"؛ فالمَعْنى: "يا لَيْتَنا نُوقَفُ هَذا الوُقُوفَ غَيْرَ مُكَذِّبِينَ بِآياتِ رَبِّنا كائِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يَضْعُفُ مِن غَيْرِ وجْهٍ؛ ويُبْطِلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا (p-٣٤٣)عنهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ؛ ولا يَصِحُّ أيْضًا التَكْذِيبُ في هَذا التَمَنِّي؛ لِأنَّهُ تَمَنِّي ما قَدْ مَضى؛ وإنَّما يَصِحُّ التَكْذِيبُ الَّذِي ذَكَرْناهُ قَبْلَ هَذا عَلى تَجَوُّزٍ في تَمَنِّي المُسْتَقْبَلاتِ.
الأنعام 6:28
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾
اَلضَّمِيرُ في "لَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى مَن ذُكِرَ في قَوْلِهِ: "وُقِفُوا"؛ و"قالُوا"؛ وهَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ أنَّهم كانُوا يُخْفُونَ شَيْئًا ما في الدُنْيا؛ فَظَهَرَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ أو ظَهَرَ لَهم وبالُهُ وعاقِبَتُهُ؛ فَحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: اَلْآيَةُ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُخْفُونَ الكُفْرَ؛ فَبَدا لَهم وبالُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتُقْلَقُ العِبارَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ قالَ: "وُقِفُوا"؛ يُرِيدُ جَماعَةَ كُفّارٍ؛ ثُمَّ قالَ: "بَدا لَهُمْ"؛ يُرِيدُ المُنافِقِينَ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ؛ والكَلامُ لا يُعْطِي هَذا؛ إلّا عَلى تَحامُلٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: إنَّ الكُفّارَ كانُوا إذا وعَظَهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خافُوا؛ وأخْفَوْا ذَلِكَ الخَوْفَ؛ لِئَلّا يَشْعُرُ بِهِ أتْباعُهُمْ؛ فَظَهَرَ لَهم ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الآيَةِ الإخْبارَ عن هَوْلِ ما لَقُوهُ؛ والتَعْظِيمِ لِما شَقُوا بِهِ؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِأنَّهم ظَهَرَتْ لَهم مَسْتُوراتُهم في الدُنْيا؛ مِن مَعاصٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ الظَنُّ - عَلى هَذا - بِما كانُوا يُعْلِنُونَ؛ مِن كُفْرٍ؛ ونَحْوِهِ؟ ويُنَظِّرُ إلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى - في تَعْظِيمِ شَأْنِ يَوْمِ القِيامَةِ -: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ؛ ويَصِحُّ أنْ يُقَدَّرَ الشَيْءُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ في (p-٣٤٤)الدُنْيا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأقْوالَهُ؛ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا "يُخْفُونَ" ذَلِكَ في الدُنْيا؛ بِأنْ يُحَقِّرُوهُ عِنْدَ مَن يَرِدُ عَلَيْهِمْ؛ ويَصِفُوهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ؛ ويَتَلَقَّوُا الناسَ عَلى الطُرُقِ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: "هُوَ ساحِرٌ؛ هو يُفَرِّقُ بَيْنَ الأقارِبِ"؛ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إخْفاءَ أمْرِهِ؛ وإبْطالَهُ؛ فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ - عَلى هَذا -: "بَلْ بَدا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْرُكَ؛ وصِدْقُكَ؛ وتَحْذِيرُكَ؛ وإخْبارُكَ بِعِقابِ مَن كَفَرَ؛ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُنْيا"؛ ويَكُونَ الإخْفاءُ عَلى ما وصَفْناهُ.
وقالَ الزَجّاجُ: اَلْمَعْنى: "ظَهَرَ لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ مِنَ البَعْثِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالضَمِيرانِ عَلى هَذا لَيْسا لِشَيْءٍ واحِدٍ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ هَذا.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ ؛ والأعْمَشُ: "وَلَوْ رِدُّوا"؛ بِكَسْرِ الراءِ؛ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ الدالِ؛ مِن "رُدِدُوا"؛ إلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا﴾ ؛ إخْبارٌ عن أمْرٍ لا يَكُونُ كَيْفَ كانَ يُوجَدُ؛ وهَذا النَوْعُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِهِ؛ فَإنْ أعْلَمَ بِشَيْءٍ مِنهُ عُلِمَ؛ وإلّا لَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ؛ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ؛ ويَكُونَ التَكْذِيبُ في إخْبارِهِمْ؛ عَلى مَعْنى أنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ بِخِلافِ ما قَصَدُوا؛ لِأنَّهم قَصَدُوا الكَذِبَ؛ أو يَكُونَ التَكْذِيبُ في التَمَنِّي عَلى التَجَوُّزِ الَّذِي ذَكَرْناهُ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا؛ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا عَمّا هم عَلَيْهِ في وقْتِ مُخاطَبَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والأوَّلُ أصْوَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا - عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ - ابْتِداءُ كَلامٍ؛ وإخْبارٌ عنهم بِهَذِهِ المَقالَةِ؛ ويَحْسُنُ مَعَ هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ قَبْلُ: ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ؛ مُسْتَأْنَفًا مَقْطُوعًا؛ خَبَرًا عن حالِهِمْ في الدُنْيا؛ الَّتِي مِن قَوْلِهِمْ فِيها: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ و"إنْ"؛ نافِيَةٌ؛ ومَعْنى الآيَةِ التَكْذِيبُ بِالحَشْرِ؛ والعَوْدَةِ إلى اللهِ تَعالى ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ: "وَقالُوا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لَعادُوا"؛ أيْ: "لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ مِنَ الكُفْرِ؛ وقالُوا: إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُنْيا".
(p-٣٤٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَوْقِيفُ اللهِ تَعالى لَهم في الآيَةِ بَعْدَها عَلى البَعْثِ؛ والإشارَةُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ ؛ [يَرُدّانِ] عَلى هَذا التَأْوِيلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ بِمَعْنى: "وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا"؛ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن حَذْفِ جَوابِ "لَوْ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى حُكْمِهِ؛ وأمْرِهِ؛ فَفي الكَلامِ - ولا بُدَّ - حَذْفُ مُضافٍ.
وقَوْلُهُ: "هَذا"؛ إشارَةٌ إلى البَعْثِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ في الدُنْيا؛ و"بَلى"؛ هي الَّتِي تَقْتَضِي الإقْرارَ بِما اسْتُفْهِمَ عنهُ مَنفِيًّا؛ ولا تَقْتَضِي نَفْيَهُ وجَحْدَهُ؛ و"نَعَمْ"؛ تَصْلُحُ لِلْإقْرارِ بِهِ؛ كَما ورَدَ ذَلِكَ في قَوْلِ الأنْصارِ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حِينَ عاتَبَهم في الحَظِيرَةِ؛ عَقِبَ غَزْوَةِ "حُنَيْنٍ"؛ وتَصْلُحُ أيْضًا "نَعَمْ"؛ لَجَحْدِهِ؛ فَلِذَلِكَ لا تُسْتَعْمَلُ؛ وأمّا قَوْلُ (p-٣٤٦)الزَجّاجِ وغَيْرِهِ: "إنَّها إنَّما تَقْتَضِي جَحْدَهُ؛ وإنَّهم لَوْ قالُوا: "نَعَمْ"؛ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ؛ لَكَفَرُوا"؛ فَقَوْلٌ خَطَأٌ؛ واللهُ تَعالى المُسْتَعانُ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ "بَلى ورَبِّنا"؛﴾ إيمانٌ؛ ولَكِنَّهُ حِينَ لا يَنْفَعُ؛ وقَوْلُهُ: "فَذُوقُوا"؛ اِسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ؛ والمَعْنى: "باشِرُوهُ مُباشَرَةَ الذائِقِ"؛ إذْ هي مِن أشَدِّ المُباشَراتِ.
الأنعام 6:29
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾
اَلضَّمِيرُ في "لَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى مَن ذُكِرَ في قَوْلِهِ: "وُقِفُوا"؛ و"قالُوا"؛ وهَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ أنَّهم كانُوا يُخْفُونَ شَيْئًا ما في الدُنْيا؛ فَظَهَرَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ أو ظَهَرَ لَهم وبالُهُ وعاقِبَتُهُ؛ فَحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: اَلْآيَةُ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُخْفُونَ الكُفْرَ؛ فَبَدا لَهم وبالُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتُقْلَقُ العِبارَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ قالَ: "وُقِفُوا"؛ يُرِيدُ جَماعَةَ كُفّارٍ؛ ثُمَّ قالَ: "بَدا لَهُمْ"؛ يُرِيدُ المُنافِقِينَ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ؛ والكَلامُ لا يُعْطِي هَذا؛ إلّا عَلى تَحامُلٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: إنَّ الكُفّارَ كانُوا إذا وعَظَهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خافُوا؛ وأخْفَوْا ذَلِكَ الخَوْفَ؛ لِئَلّا يَشْعُرُ بِهِ أتْباعُهُمْ؛ فَظَهَرَ لَهم ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الآيَةِ الإخْبارَ عن هَوْلِ ما لَقُوهُ؛ والتَعْظِيمِ لِما شَقُوا بِهِ؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِأنَّهم ظَهَرَتْ لَهم مَسْتُوراتُهم في الدُنْيا؛ مِن مَعاصٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ الظَنُّ - عَلى هَذا - بِما كانُوا يُعْلِنُونَ؛ مِن كُفْرٍ؛ ونَحْوِهِ؟ ويُنَظِّرُ إلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى - في تَعْظِيمِ شَأْنِ يَوْمِ القِيامَةِ -: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ؛ ويَصِحُّ أنْ يُقَدَّرَ الشَيْءُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ في (p-٣٤٤)الدُنْيا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأقْوالَهُ؛ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا "يُخْفُونَ" ذَلِكَ في الدُنْيا؛ بِأنْ يُحَقِّرُوهُ عِنْدَ مَن يَرِدُ عَلَيْهِمْ؛ ويَصِفُوهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ؛ ويَتَلَقَّوُا الناسَ عَلى الطُرُقِ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: "هُوَ ساحِرٌ؛ هو يُفَرِّقُ بَيْنَ الأقارِبِ"؛ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إخْفاءَ أمْرِهِ؛ وإبْطالَهُ؛ فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ - عَلى هَذا -: "بَلْ بَدا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْرُكَ؛ وصِدْقُكَ؛ وتَحْذِيرُكَ؛ وإخْبارُكَ بِعِقابِ مَن كَفَرَ؛ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُنْيا"؛ ويَكُونَ الإخْفاءُ عَلى ما وصَفْناهُ.
وقالَ الزَجّاجُ: اَلْمَعْنى: "ظَهَرَ لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ مِنَ البَعْثِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالضَمِيرانِ عَلى هَذا لَيْسا لِشَيْءٍ واحِدٍ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ هَذا.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ ؛ والأعْمَشُ: "وَلَوْ رِدُّوا"؛ بِكَسْرِ الراءِ؛ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ الدالِ؛ مِن "رُدِدُوا"؛ إلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا﴾ ؛ إخْبارٌ عن أمْرٍ لا يَكُونُ كَيْفَ كانَ يُوجَدُ؛ وهَذا النَوْعُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِهِ؛ فَإنْ أعْلَمَ بِشَيْءٍ مِنهُ عُلِمَ؛ وإلّا لَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ؛ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ؛ ويَكُونَ التَكْذِيبُ في إخْبارِهِمْ؛ عَلى مَعْنى أنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ بِخِلافِ ما قَصَدُوا؛ لِأنَّهم قَصَدُوا الكَذِبَ؛ أو يَكُونَ التَكْذِيبُ في التَمَنِّي عَلى التَجَوُّزِ الَّذِي ذَكَرْناهُ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا؛ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا عَمّا هم عَلَيْهِ في وقْتِ مُخاطَبَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والأوَّلُ أصْوَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا - عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ - ابْتِداءُ كَلامٍ؛ وإخْبارٌ عنهم بِهَذِهِ المَقالَةِ؛ ويَحْسُنُ مَعَ هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ قَبْلُ: ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ؛ مُسْتَأْنَفًا مَقْطُوعًا؛ خَبَرًا عن حالِهِمْ في الدُنْيا؛ الَّتِي مِن قَوْلِهِمْ فِيها: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ و"إنْ"؛ نافِيَةٌ؛ ومَعْنى الآيَةِ التَكْذِيبُ بِالحَشْرِ؛ والعَوْدَةِ إلى اللهِ تَعالى ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ: "وَقالُوا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لَعادُوا"؛ أيْ: "لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ مِنَ الكُفْرِ؛ وقالُوا: إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُنْيا".
(p-٣٤٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَوْقِيفُ اللهِ تَعالى لَهم في الآيَةِ بَعْدَها عَلى البَعْثِ؛ والإشارَةُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ ؛ [يَرُدّانِ] عَلى هَذا التَأْوِيلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ بِمَعْنى: "وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا"؛ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن حَذْفِ جَوابِ "لَوْ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى حُكْمِهِ؛ وأمْرِهِ؛ فَفي الكَلامِ - ولا بُدَّ - حَذْفُ مُضافٍ.
وقَوْلُهُ: "هَذا"؛ إشارَةٌ إلى البَعْثِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ في الدُنْيا؛ و"بَلى"؛ هي الَّتِي تَقْتَضِي الإقْرارَ بِما اسْتُفْهِمَ عنهُ مَنفِيًّا؛ ولا تَقْتَضِي نَفْيَهُ وجَحْدَهُ؛ و"نَعَمْ"؛ تَصْلُحُ لِلْإقْرارِ بِهِ؛ كَما ورَدَ ذَلِكَ في قَوْلِ الأنْصارِ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حِينَ عاتَبَهم في الحَظِيرَةِ؛ عَقِبَ غَزْوَةِ "حُنَيْنٍ"؛ وتَصْلُحُ أيْضًا "نَعَمْ"؛ لَجَحْدِهِ؛ فَلِذَلِكَ لا تُسْتَعْمَلُ؛ وأمّا قَوْلُ (p-٣٤٦)الزَجّاجِ وغَيْرِهِ: "إنَّها إنَّما تَقْتَضِي جَحْدَهُ؛ وإنَّهم لَوْ قالُوا: "نَعَمْ"؛ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ؛ لَكَفَرُوا"؛ فَقَوْلٌ خَطَأٌ؛ واللهُ تَعالى المُسْتَعانُ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ "بَلى ورَبِّنا"؛﴾ إيمانٌ؛ ولَكِنَّهُ حِينَ لا يَنْفَعُ؛ وقَوْلُهُ: "فَذُوقُوا"؛ اِسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ؛ والمَعْنى: "باشِرُوهُ مُباشَرَةَ الذائِقِ"؛ إذْ هي مِن أشَدِّ المُباشَراتِ.
الأنعام 6:30
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾
اَلضَّمِيرُ في "لَهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى مَن ذُكِرَ في قَوْلِهِ: "وُقِفُوا"؛ و"قالُوا"؛ وهَذا الكَلامُ يَتَضَمَّنُ أنَّهم كانُوا يُخْفُونَ شَيْئًا ما في الدُنْيا؛ فَظَهَرَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ أو ظَهَرَ لَهم وبالُهُ وعاقِبَتُهُ؛ فَحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: اَلْآيَةُ في المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُخْفُونَ الكُفْرَ؛ فَبَدا لَهم وبالُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتُقْلَقُ العِبارَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ لِأنَّهُ قالَ: "وُقِفُوا"؛ يُرِيدُ جَماعَةَ كُفّارٍ؛ ثُمَّ قالَ: "بَدا لَهُمْ"؛ يُرِيدُ المُنافِقِينَ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ؛ والكَلامُ لا يُعْطِي هَذا؛ إلّا عَلى تَحامُلٍ؛ قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ: إنَّ الكُفّارَ كانُوا إذا وعَظَهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - خافُوا؛ وأخْفَوْا ذَلِكَ الخَوْفَ؛ لِئَلّا يَشْعُرُ بِهِ أتْباعُهُمْ؛ فَظَهَرَ لَهم ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الآيَةِ الإخْبارَ عن هَوْلِ ما لَقُوهُ؛ والتَعْظِيمِ لِما شَقُوا بِهِ؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِأنَّهم ظَهَرَتْ لَهم مَسْتُوراتُهم في الدُنْيا؛ مِن مَعاصٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَكَيْفَ الظَنُّ - عَلى هَذا - بِما كانُوا يُعْلِنُونَ؛ مِن كُفْرٍ؛ ونَحْوِهِ؟ ويُنَظِّرُ إلى هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى - في تَعْظِيمِ شَأْنِ يَوْمِ القِيامَةِ -: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ؛ ويَصِحُّ أنْ يُقَدَّرَ الشَيْءُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ في (p-٣٤٤)الدُنْيا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأقْوالَهُ؛ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا "يُخْفُونَ" ذَلِكَ في الدُنْيا؛ بِأنْ يُحَقِّرُوهُ عِنْدَ مَن يَرِدُ عَلَيْهِمْ؛ ويَصِفُوهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ؛ ويَتَلَقَّوُا الناسَ عَلى الطُرُقِ فَيَقُولُونَ لَهُمْ: "هُوَ ساحِرٌ؛ هو يُفَرِّقُ بَيْنَ الأقارِبِ"؛ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إخْفاءَ أمْرِهِ؛ وإبْطالَهُ؛ فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ - عَلى هَذا -: "بَلْ بَدا لَهم يَوْمَ القِيامَةِ أمْرُكَ؛ وصِدْقُكَ؛ وتَحْذِيرُكَ؛ وإخْبارُكَ بِعِقابِ مَن كَفَرَ؛ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُنْيا"؛ ويَكُونَ الإخْفاءُ عَلى ما وصَفْناهُ.
وقالَ الزَجّاجُ: اَلْمَعْنى: "ظَهَرَ لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ مِنَ البَعْثِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالضَمِيرانِ عَلى هَذا لَيْسا لِشَيْءٍ واحِدٍ؛ وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَ هَذا.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والنَخَعِيُّ ؛ والأعْمَشُ: "وَلَوْ رِدُّوا"؛ بِكَسْرِ الراءِ؛ عَلى نَقْلِ حَرَكَةِ الدالِ؛ مِن "رُدِدُوا"؛ إلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا﴾ ؛ إخْبارٌ عن أمْرٍ لا يَكُونُ كَيْفَ كانَ يُوجَدُ؛ وهَذا النَوْعُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِهِ؛ فَإنْ أعْلَمَ بِشَيْءٍ مِنهُ عُلِمَ؛ وإلّا لَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ؛ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ؛ ويَكُونَ التَكْذِيبُ في إخْبارِهِمْ؛ عَلى مَعْنى أنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ بِخِلافِ ما قَصَدُوا؛ لِأنَّهم قَصَدُوا الكَذِبَ؛ أو يَكُونَ التَكْذِيبُ في التَمَنِّي عَلى التَجَوُّزِ الَّذِي ذَكَرْناهُ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا؛ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا عَمّا هم عَلَيْهِ في وقْتِ مُخاطَبَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والأوَّلُ أصْوَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا - عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ - ابْتِداءُ كَلامٍ؛ وإخْبارٌ عنهم بِهَذِهِ المَقالَةِ؛ ويَحْسُنُ مَعَ هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ قَبْلُ: ﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ؛ مُسْتَأْنَفًا مَقْطُوعًا؛ خَبَرًا عن حالِهِمْ في الدُنْيا؛ الَّتِي مِن قَوْلِهِمْ فِيها: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ و"إنْ"؛ نافِيَةٌ؛ ومَعْنى الآيَةِ التَكْذِيبُ بِالحَشْرِ؛ والعَوْدَةِ إلى اللهِ تَعالى ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَوْلُهُ: "وَقالُوا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لَعادُوا"؛ أيْ: "لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ مِنَ الكُفْرِ؛ وقالُوا: إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُنْيا".
(p-٣٤٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَوْقِيفُ اللهِ تَعالى لَهم في الآيَةِ بَعْدَها عَلى البَعْثِ؛ والإشارَةُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ ؛ [يَرُدّانِ] عَلى هَذا التَأْوِيلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ بِمَعْنى: "وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا"؛ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن حَذْفِ جَوابِ "لَوْ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى حُكْمِهِ؛ وأمْرِهِ؛ فَفي الكَلامِ - ولا بُدَّ - حَذْفُ مُضافٍ.
وقَوْلُهُ: "هَذا"؛ إشارَةٌ إلى البَعْثِ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ في الدُنْيا؛ و"بَلى"؛ هي الَّتِي تَقْتَضِي الإقْرارَ بِما اسْتُفْهِمَ عنهُ مَنفِيًّا؛ ولا تَقْتَضِي نَفْيَهُ وجَحْدَهُ؛ و"نَعَمْ"؛ تَصْلُحُ لِلْإقْرارِ بِهِ؛ كَما ورَدَ ذَلِكَ في قَوْلِ الأنْصارِ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حِينَ عاتَبَهم في الحَظِيرَةِ؛ عَقِبَ غَزْوَةِ "حُنَيْنٍ"؛ وتَصْلُحُ أيْضًا "نَعَمْ"؛ لَجَحْدِهِ؛ فَلِذَلِكَ لا تُسْتَعْمَلُ؛ وأمّا قَوْلُ (p-٣٤٦)الزَجّاجِ وغَيْرِهِ: "إنَّها إنَّما تَقْتَضِي جَحْدَهُ؛ وإنَّهم لَوْ قالُوا: "نَعَمْ"؛ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ؛ لَكَفَرُوا"؛ فَقَوْلٌ خَطَأٌ؛ واللهُ تَعالى المُسْتَعانُ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ "بَلى ورَبِّنا"؛﴾ إيمانٌ؛ ولَكِنَّهُ حِينَ لا يَنْفَعُ؛ وقَوْلُهُ: "فَذُوقُوا"؛ اِسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ؛ والمَعْنى: "باشِرُوهُ مُباشَرَةَ الذائِقِ"؛ إذْ هي مِن أشَدِّ المُباشَراتِ.
الأنعام 6:31
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ الساعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾
هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عن خَسارَةِ المُكَذِّبِينَ؛ يَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَ المُصابِ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ؛ وتُسْتَعْمَلُ الخَسارَةُ في مِثْلِ هَذا؛ لِأنَّهُ مَن أخَذَ الكُفْرَ واتَّبَعَهُ؛ فَكَأنَّهُ قَدْ أعْطى الإيمانَ واطَّرَحَهُ؛ فَأشْبَهَتْ صَفْقَةَ أخْذٍ وإعْطاءٍ.
والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى الَّذِينَ قالُوا: "إنَّما هي حَياتُنا الدُنْيا"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "بِلِقاءِ اللهِ"؛﴾ مَعْناهُ: بِالرُجُوعِ إلَيْهِ؛ وإلى أحْكامِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ كَما تَقُولُ: "لَقِيَ فُلانٌ أعْمالَهُ"؛ أيْ: "لَقِيَ عَواقِبَها؛ ومَآلَها"؛ و"اَلسّاعَةُ": يَوْمُ القِيامَةِ؛ وأُدْخِلَ عَلَيْها تَعْرِيفُ العَهْدِ دُونَ تَقَدُّمِ ذِكْرِها لِشُهْرَتِها؛ واسْتِقْرارِها في النُفُوسِ؛ وذُيُوعِ أمْرِها؛ وأيْضًا فَقَدْ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "بِلِقاءِ اللهِ".﴾
و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: فَجْأةً؛ تَقُولُ: "بَغَتَنِي الأمْرُ"؛ أيْ: "فَجَأنِي"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ولَكِنَّهم تابُوا ولَمْ أخْشَ بَغْتَةً ∗∗∗ وأفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَؤُكَ البَغْتُ
ونَصْبُها عَلى المَصْدَرِ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ كَما تَقُولُ: "قَتَلْتُهُ صَبْرًا"؛ ولا يُجِيزُ سِيبَوَيْهِ القِياسَ عَلَيْهِ؛ ولا تَقُولُ: "جاءَ فُلانٌ سُرْعَةً"؛ ونَحْوَهُ.
(p-٣٤٧)وَنِداءُ الحَسْرَةِ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ وتَشْنِيعِهِ؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: وكَأنَّ الَّذِي يُنادِي الحَسْرَةَ؛ أوِ العَجَبَ؛ أوِ السُرُورَ؛ أوِ الوَيْلَ؛ يَقُولُ: "اِقْرَبِي؛ أوِ احْضَرِي؛ فَهَذا وقْتُكِ؛ وزَمَنُكِ"؛ وفي ذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِلْأمْرِ عَلى نَفْسِ المُتَكَلِّمِ؛ وعَلى سامِعِهِ؛ إنْ كانَ ثَمَّ سامِعٌ؛ وهَذا التَعْظِيمُ عَلى النَفْسِ والسامِعِ هو المَقْصُودُ أيْضًا بِنِداءِ الجَماداتِ؛ كَقَوْلِكَ: "يا دارُ"؛ و"يا رَبْعُ"؛ وفي نِداءِ ما لا يَعْقِلُ؛ كَقَوْلِهِمْ: "يا جَمَلُ"؛ ونَحْوِ هَذا.
و"فَرَّطْنا"؛ مَعْناهُ: قَصَّرْنا مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِ التَقْصِيرِ؛ وهَذِهِ حَقِيقَةُ التَفْرِيطِ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فِيها"؛ عائِدٌ عَلى الساعَةِ؛ أيْ: في التَقْدِمَةِ لَها؛ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: يَعُودُ عَلى الصَفْقَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها ذِكْرُ الخَسارَةِ في أوَّلِ الآيَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الدُنْيا؛ إذِ المَعْنى يَقْتَضِيها؛ وتَجِيءَ الظَرْفِيَّةُ أمْكَنَ؛ بِمَنزِلَةِ: "زَيْدٌ في الدارِ"؛ وعَوْدُهُ عَلى الساعَةِ إنَّما مَعْناهُ: في أُمُورِها؛ والِاسْتِعْدادِ لَها؛ بِمَنزِلَةِ: "زِيدٌ في العِلْمِ مُشْتَغِلٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهم يَحْمِلُونَ أوزارَهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الواوُ واوُ الحالِ؛ والأوزارُ: جَمْعُ " وِزْرٌ "؛ بِكَسْرِ الواوِ؛ وهو الثِقْلُ مِنَ الذُنُوبِ؛ تَقُولُ مِنهُ: " وزَرَ ؛ يَزِرُ"؛ إذا حَمَلَ؛ قالَ اللهُ تَعالى ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ؛ وتَقُولُ: " وزَرَ الرَجُلُ؛ فَهو مَوْزُورٌ"؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والعامَّةُ تَقُولُ: "مَأْزُورٌ"؛ وأمّا إذا اقْتَرَنَ ذَلِكَ بِمَأْجُورٍ فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "مَأْزُورٌ"؛ وقَدْ «قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِنِساءٍ لَقِيَهُنَّ مُقْبِلاتٍ مِنَ المَقابِرِ: "اِرْجِعْنَ مَأْزُوراتٍ؛ غَيْرَ مَأْجُوراتٍ"؛» قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: فَهَذا لِلْإتْباعِ اللَفْظِيِّ؛ والوِزْرُ هُنا تَجَوُّزٌ وتَشْبِيهٌ بِثِقْلِ الأحْمالِ؛ وقَوّى التَشْبِيهَ بِأنْ جَعْلَهُ عَلى الظُهُورِ؛ إذْ هي في العادَةِ مَوْضِعُ حَمْلِ الأثْقالِ؛ ومَن قالَ إنَّهُ مِن "اَلْوَزَرُ"؛ (p-٣٤٨)وَهُوَ الجَبَلُ الَّذِي يُلْتَجَأُ إلَيْهِ؛ ومِنهُ: "اَلْوَزِيرُ"؛ وهو "اَلْمُعِينُ"؛ فَهي مَقالَةٌ غَيْرُ بَيِّنَةٍ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: هَذا عَلى جِهَةِ الحَقِيقَةِ؛ ورَوَوْا في ذَلِكَ خَبَرًا أنَّ المُؤْمِنَ يَلْقاهُ عَمَلُهُ في أحْسَنِ صُورَةٍ؛ وأفْوَحِها؛ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ؛ ويَقُولُ لَهُ: "طالَما رَكِبْتُكَ في الدُنْيا؛ وأجْهَدْتُكَ؛ فارْكَبْنِي اليَوْمَ"؛ قالَ فَيَحْمِلُهُ تِمْثالُ العَمَلِ؛ وأنَّ الكافِرَ يَلْقاهُ عَمَلُهُ في أقْبَحِ صُورَةٍ؛ وأنْتَنِها؛ فَيَشْتُمُهُ؛ ويَقُولُ: "أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ؛ طالَما رَكِبْتَنِي في الدُنْيا بِشَهَواتِكَ؛ فَأنا أرْكَبُكَ اليَوْمَ"؛ قالَ: فَيَحْمِلُ تِمْثالَ عَمَلِهِ وأوزارِهِ عَلى ظَهْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ ؛ إخْبارٌ عن سُوءٍ ما يَأْثَمُونَ؛ مُضَمَّنٌ التَعْظِيمَ لِذَلِكَ؛ والإشادَةَ بِهِ؛ وهَذا كَقَوْلِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -:« "ألا فَلْيُبَلِّغِ الشاهِدُ الغائِبَ"؛» وقَوْلِهِ: « "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟"؛» فَإنَّما أرادَ الإشادَةَ؛ والتَشْهِيدَ؛ وهَذا كُلُّهُ يَتَضَمَّنُهُ "ألا"؛ وأمّا ﴿ "ساءَ ما يَزِرُونَ"؛﴾ فَهو خَبَرٌ مُجَرَّدٌ؛ كَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ رَضِيتُ خُطَّةَ خَسْفٍ غَيْرَ طائِلَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَساءَ هَذا رِضًا يا قَيْسُ عِيلانا
و"ساءَ"؛ فِعْلٌ ماضٍ؛ و"ما"؛ فاعِلَةٌ بِهِ؛ كَما تَقُولُ: "ساءَنِي أمْرُ كَذا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تُجْرى "ساءَ" هُنا مُجْرى "بِئْسَ"؛ ويُقَدَّرَ لَها ما يُقَدَّرُ لِـ "بِئْسَ"؛ إذْ قَدْ جاءَ في كِتابِ اللهِ تَعالى ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ﴾ [الأعراف: ١٧٧].
الأنعام 6:32
(p-٣٤٩)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَما الحَياةُ الدُنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾
هَذا ابْتِداءُ خَبَرٍ عن حالِ الدُنْيا؛ والمَعْنى: "إنَّها إذا كانَتْ فانِيَةً؛ مُنْقَضِيَةً؛ لا طائِلَ لَها؛ أشْبَهَتِ اللَعِبَ واللهْوَ الَّذِي لا طائِلَ لَهُ إذا انْقَضى.
وقَرَأ السِتَّةُ مِنَ القُرّاءِ: "وَلَلدّارُ"؛ بِلامَيْنِ؛ و"اَلْآخِرَةُ"؛ نَعْتٌ لِلدّارِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "وَلَدارُ"؛ بِلامٍ واحِدَةٍ؛ وكَذَلِكَ وقَعَ في مَصاحِفِ الشامِ؛ بِإضافَةِ "اَلدّارُ"؛ إلى "اَلْآخِرَةِ"؛ وهَذا نَحْوُ: "مَسْجِدُ الجامِعِ"؛ أيْ: "مَسْجِدُ اليَوْمِ الجامِعِ"؛ فَكَذَلِكَ هَذا: "وَلَدارُ الحَياةِ الآخِرَةِ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وأبُو بَكْرٍ ؛ عن عاصِمٍ: "يَعْقِلُونَ"؛ عَلى إرادَةِ الغائِبِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَفْصٌ ؛ عن عاصِمٍ: "تَعْقِلُونَ"؛ عَلى إرادَةِ المُخاطَبِينَ؛ وكَذَلِكَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وفي آخِرِ "يُوسُفَ"؛ ووافَقَهم أبُو بَكْرٍ في آخِرِ "يُوسُفَ"؛ فَأمّا "أفَلا يَعْقِلُونَ"؛ في "يـس" فَقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ بِتاءٍ؛ والباقُونَ بِياءٍ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] ؛ وهو المَقْصُودُ بِها؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ؛ عَلى مَعْنى: "فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ؛ إذِ الحالُ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ: أفَلا تَعْقِلُونَ؟".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "قَدْ نَعْلَمُ"؛﴾ اَلْآيَةَ؛ "قَدْ"؛ اَلْمُلازِمُ لِلْفِعْلِ؛ حَرْفٌ يَجِيءُ مَعَ التَوَقُّعِ؛ إمّا عِنْدَ المُتَكَلِّمِ؛ وإمّا عِنْدَ السامِعِ؛ أو مُقَدَّرًا عِنْدَهُ؛ فَإذا كانَ الفِعْلُ خالِصًا لِلِاسْتِقْبالِ؛ كانَ التَوَقُّعُ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ كَقَوْلِكَ: "قَدْ يَقُومُ زَيْدٌ"؛ و"قَدْ يَنْزِلُ المَطَرُ في شَهْرِ كَذا"؛ وإذا كانَ الفِعْلُ ماضِيًا؛ أو فِعْلَ حالٍ بِمَعْنى المُضِيِّ؛ مِثْلَ آيَتِنا هَذِهِ؛ فَإنَّ التَوَقُّعَ لَيْسَ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ بَلِ المُتَكَلِّمُ مُوجِبٌ ما أخْبَرَ بِهِ؛ وإنَّما كانَ التَوَقُّعُ عِنْدَ السامِعِ؛ فَيُخْبِرُهُ المُتَكَلِّمُ بِأحَدِ المُتَوَقَّعَيْنِ.
و"نَعْلَمُ"؛ تَتَضَمَّنُ - إذا كانَتْ مِنَ اللهِ تَعالى - اسْتِمْرارَ العِلْمِ؛ وقِدَمَهُ؛ فَهي تَعُمُّ الماضِي؛ والحالَ؛ والِاسْتِقْبالَ؛ ودَخَلَتْ "أنَّ"؛ لِلْمُبالَغَةِ في التَأْكِيدِ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لَيُحْزِنُكَ"؛ مِن "أحْزَنَ"؛ وقَرَأ الباقُونَ: "لَيَحْزُنُكَ"؛ مِن "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِيُحْزِنْكَ" بِكَسْرِ اللامِ والزايِ؛ وجَزْمِ النُونِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: (p-٣٥٠)"أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ "يَحْزُنُكَ"؛ بِغَيْرِ لامٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ: "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ "يَحْزَنُ؛ حَزَنًا وحُزْنًا"؛ و"حَزَنْتُهُ أنا"؛ وحُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ قَوْلَهُمْ: "حَزَنْتُهُ"؛ لَيْسَ هو تَغْيِيرَ "حَزِنَ"؛ عَلى نَحْوِ "دَخَلَ"؛ و"أدْخَلْتُهُ"؛ ولَكِنَّهُ بِمَعْنى: "جَعَلْتُ فِيهِ حُزْنًا"؛ كَما تَقُولُ: "كَحَلْتُهُ"؛ و"دَهَنْتُهُ"؛ قالَ الخَلِيلُ: ولَوْ أرَدْتَ تَغْيِيرَ "حَزِنَ"؛ لَقُلْتَ: "أحْزَنْتُهُ"؛ وحَكى أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ - في كِتابِ "خَبْأةٌ"؛ عَنِ العَرَبِ: "أحْزَنْتُ الرَجُلَ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"حَزَنْتُ الرَجُلَ"؛ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا عِنْدَهم مِن "أحْزَنْتُهُ"؛ فَمَن قَرَأ: "لَيُحْزِنُكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ فَهو عَلى القِياسِ في التَغْيِيرِ؛ ومَن قَرَأ: "لَيَحْزُنُكَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الزايِ؛ فَهو عَلى كَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.
و"اَلَّذِي يَقُولُونَ"؛ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ أقْوالِهِمُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والدَفْعَ في صَدْرِ نُبُوَّتِهِ؛ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "إنَّهُ كَذّابٌ؛ مُفْتَرٍ؛ ساحِرٌ"؛ وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "إنَّهُ مَجْنُونٌ؛ مَسْحُورٌ"؛ وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "لَهُ رَئِيٌّ مِنَ الجِنِّ"؛ ونَحْوِ هَذا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "لا يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ وفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ورَدَّها عَلى قارِئٍ عَلَيْهِ: "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقالَ: إنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ بِسُكُونِ الكافِ؛ وتَخْفِيفِ الذالِ؛ وقَرَأها عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهُما قِراءَتانِ مَشْهُورَتانِ؛ صَحِيحَتانِ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْناهُما؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ؛ كَما تَقُولُ: "سَقَيْتُ" و"أسْقَيْتُ"؛ و"قَلَّلْتُ"؛ و"أقْلَلْتُ"؛ و"كَثَّرْتُ"؛ و"أكْثَرْتُ"؛ وحَكى الكِسائِيُّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "كَذَّبْتُ الرَجُلَ"؛ إذا وجَدَتْهُ كَذّابًا؛ كَما تَقُولُ: "أحْمَدْتُهُ"؛ إذا وجَدَتْهُ مَحْمُودًا؛ فالمَعْنى عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ أيْ: "لا تَحْزَنْ؛ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ تَكْذِيبًا يَضُرُّكَ؛ إذْ لَسْتَ بِكاذِبٍ في حَقِيقَتِكَ؛ فَتَكْذِيبُهم كَلا تَكْذِيبَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ﴿ "فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ"﴾ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ عنهم أنَّهم لا يُكَذِّبُونَ؛ وأنَّهم يَعْلَمُونَ صِدْقَهُ؛ ونُبُوَّتَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ عِنادًا مِنهُمْ؛ وظُلْمًا؛ والآيَةُ عَلى هَذا لا تَتَناوَلُ جَمِيعَ الكُفّارِ؛ بَلْ تَخُصُّ الطائِفَةَ الَّتِي حَكى عنها أنَّها كانَتْ تَقُولُ: "إنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ؛ ولَكِنْ إذا آمَنّا بِهِ فَضَلَتْنا بَنُو هاشِمٍ بِالنُبُوَّةِ؛ فَنَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا"؛ رُوِيَتْ هَذِهِ المَقالَةُ عن أبِي جَهْلٍ؛ ومَن جَرى مُجْراهُ؛ وحَكى النَقّاشُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ؛ فَإنَّهُ كانَ يُكَذِّبُ في العَلانِيَةِ؛ ويُصَدِّقُ في السِرِّ؛ ويَقُولُ: "نَخافُ أنْ تَتَخَطَّفَنا العَرَبُ؛ (p-٣٥١)وَنَحْنُ أكَلَةُ رَأْسٍ"؛ والمَعْنى - عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يُكْذِبُونَكَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ - يَحْتَمِلُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا في "يُكَذِّبُونَكَ"؛ أيْ: "لا يَجِدُونَكَ كاذِبًا في حَقِيقَتِكَ"؛ ويَحْتَمِلُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْتُ في "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِشَدِّ الذالِ.
وآياتُ اللهِ: عَلاماتُهُ؛ وشَواهِدُ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"يَجْحَدُونَ"؛ حَقِيقَتُهُ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْإنْكارُ بَعْدَ مَعْرِفَةٍ؛ وهو ضِدُّ الإقْرارِ؛ ومَعْناهُ - عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى الآيَةَ في المُعانِدِينَ - مُتَرَتِّبٌ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ وهو قَوْلُ قَتادَةَ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وغَيْرِهِما؛ وعَلى قَوْلِ مَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ قاطِبَةً؛ دُونَ تَخْصِيصِ أهْلِ العِنادِ؛ يَكُونُ في اللَفْظَةِ تَجَوُّزٌ؛ وذَلِكَ أنَّهم لَمّا أنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ؛ ورامُوا تَكْذِيبَهُ بِالدَعْوى الَّتِي لا تُعَضِّدُها حُجَّةٌ؛ عَبَّرَ عن إنْكارِهِمْ بِأقْبَحِ وُجُوهِ الإنْكارِ؛ وهو الجَحْدُ؛ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ؛ وتَقْبِيحًا لِفِعْلِهِمْ؛ إذْ مُعْجِزاتُهُ؛ وآياتُهُ نَيِّرَةٌ؛ يَلْزَمُ كُلَّ مَفْطُورٍ أنْ يَعْلَمَها؛ ويُقِرَّ بِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
وجَمِيعُ ما في هَذِهِ التَأْوِيلاتِ؛ مِن نَفْيِ التَكْذِيبِ؛ إنَّما هو عَنِ اعْتِقادِهِمْ؛ وأمّا أقْوالُهم جَمِيعِهِمْ؛ فَمُكَذِّبَةٌ؛ إمّا لَهُ؛ وإمّا لِلَّذِي جاءَ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكُفْرُ العِنادِ جائِزُ الوُقُوعِ؛ بِمُقْتَضى النَظَرِ؛ وظَواهِرُ القُرْآنِ تُعْطِيهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] ؛ وغَيْرِها؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إلى المَنعِ مِن جَوازِهِ؛ وذَهَبُوا إلى أنَّ المَعْرِفَةَ تَقْتَضِي الإيمانَ؛ والجَحْدَ يَقْتَضِي الكُفْرَ؛ ولا سَبِيلَ إلى اجْتِماعِهِما؛ وتَأوَّلُوا ظَواهِرَ القُرْآنِ؛ فَقالُوا - في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَجَحَدُوا بِها"﴾ [النمل: ١٤] -: "إنَّها في أحْكامِ التَوْراةِ الَّتِي بَدَّلُوها؛ كَآيَةِ الرَجْمِ؛ وغَيْرِها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: (p-٣٥٢)وَدَفْعُ ما يُتَصَوَّرُ ويُعْقَلُ مِن جَوازِ كُفْرِ العِنادِ عَلى هَذِهِ الطَرِيقَةِ صَعْبٌ؛ أما إنَّ كُفْرَ العِنادِ مِنَ العارِفِ بِاللهِ تَعالى وبِالنُبُوَّةِ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا داعِيَةَ إلى كُفْرِ العِنادِ إلّا الحَسَدُ؛ ومَن عَرَفَ اللهَ تَعالى والنُبُوَّةَ؛ وأنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَجِيئُهُ مَلَكٌ مِنَ السَماءِ؛ فَلا سَبِيلَ إلى بَقاءِ الحَسَدِ مَعَ ذَلِكَ؛ أما إنَّهُ جائِزٌ؛ فَقَدْ رَأى أبُو جَهْلٍ عَلى رَأْسِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَحْلًا عَظِيمًا مِنَ الإبِلِ قَدْ هَمَّ بِأبِي جَهْلٍ؛ ولَكِنَّهُ كَفَرَ مَعَ ذَلِكَ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وجَدَ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حَزِينًا؛ فَسَألَهُ؛ فَقالَ: "كَذَّبَنِي هَؤُلاءِ"؛ فَقالَ: "إنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ؛ بَلْ يَعْلَمُونَ أنَّكَ صادِقٌ؛ ولَكِنَّ الظالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ".»
والَّذِي عِنْدِي في كُفْرِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ؛ ومَن جَرى مُجْراهُ؛ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَ صِفاتِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويَعْرِفُونَها؛ أو أكْثَرَها؛ ثُمَّ يَرَوْنَ مِن آياتِهِ زائِدًا عَلى ما عِنْدَهُمْ؛ فَيَتَعَلَّقُونَ في مُغالَطَةِ أنْفُسِهِمْ بِكُلِّ شُبْهَةٍ؛ بِأضْعَفِ سَبَبٍ؛ وتَتَخالَجُ ظُنُونُهُمْ؛ فَيَقُولُونَ مَرَّةً: "هُوَ ذاكَ"؛ ومَرَّةً: "عَساهُ لَيْسَهُ"؛ ثُمَّ يَنْضافُ إلى هَذا حَسَدُهُمْ؛ وفَقْدُهُمُ الرِياسَةَ؛ فَيَتَزَيَّدُ؛ ويَتَمَكَّنُ إعْراضُهُمْ؛ وكُفْرُهُمْ؛ فَهم عَلى هَذا؛ وإنْ عَرَفُوا أشْياءَ وعانَدُوا فِيها؛ فَقَدْ قَطَعُوا في ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ عَنِ الوُصُولِ إلى غايَةِ المَعْرِفَةِ؛ وبَقُوا في ظُلْمَةِ الجَهْلِ؛ فَهم جاهِلُونَ بِأشْياءَ؛ مُعانِدُونَ في أشْياءَ غَيْرِها؛ وأنا أسْتَبْعِدُ العِنادَ مَعَ المَعْرِفَةِ التامَّةِ.
الأنعام 6:33
(p-٣٤٩)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَما الحَياةُ الدُنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾
هَذا ابْتِداءُ خَبَرٍ عن حالِ الدُنْيا؛ والمَعْنى: "إنَّها إذا كانَتْ فانِيَةً؛ مُنْقَضِيَةً؛ لا طائِلَ لَها؛ أشْبَهَتِ اللَعِبَ واللهْوَ الَّذِي لا طائِلَ لَهُ إذا انْقَضى.
وقَرَأ السِتَّةُ مِنَ القُرّاءِ: "وَلَلدّارُ"؛ بِلامَيْنِ؛ و"اَلْآخِرَةُ"؛ نَعْتٌ لِلدّارِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "وَلَدارُ"؛ بِلامٍ واحِدَةٍ؛ وكَذَلِكَ وقَعَ في مَصاحِفِ الشامِ؛ بِإضافَةِ "اَلدّارُ"؛ إلى "اَلْآخِرَةِ"؛ وهَذا نَحْوُ: "مَسْجِدُ الجامِعِ"؛ أيْ: "مَسْجِدُ اليَوْمِ الجامِعِ"؛ فَكَذَلِكَ هَذا: "وَلَدارُ الحَياةِ الآخِرَةِ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وأبُو بَكْرٍ ؛ عن عاصِمٍ: "يَعْقِلُونَ"؛ عَلى إرادَةِ الغائِبِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَفْصٌ ؛ عن عاصِمٍ: "تَعْقِلُونَ"؛ عَلى إرادَةِ المُخاطَبِينَ؛ وكَذَلِكَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وفي آخِرِ "يُوسُفَ"؛ ووافَقَهم أبُو بَكْرٍ في آخِرِ "يُوسُفَ"؛ فَأمّا "أفَلا يَعْقِلُونَ"؛ في "يـس" فَقَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ بِتاءٍ؛ والباقُونَ بِياءٍ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] ؛ وهو المَقْصُودُ بِها؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ؛ عَلى مَعْنى: "فَقُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ؛ إذِ الحالُ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ: أفَلا تَعْقِلُونَ؟".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "قَدْ نَعْلَمُ"؛﴾ اَلْآيَةَ؛ "قَدْ"؛ اَلْمُلازِمُ لِلْفِعْلِ؛ حَرْفٌ يَجِيءُ مَعَ التَوَقُّعِ؛ إمّا عِنْدَ المُتَكَلِّمِ؛ وإمّا عِنْدَ السامِعِ؛ أو مُقَدَّرًا عِنْدَهُ؛ فَإذا كانَ الفِعْلُ خالِصًا لِلِاسْتِقْبالِ؛ كانَ التَوَقُّعُ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ كَقَوْلِكَ: "قَدْ يَقُومُ زَيْدٌ"؛ و"قَدْ يَنْزِلُ المَطَرُ في شَهْرِ كَذا"؛ وإذا كانَ الفِعْلُ ماضِيًا؛ أو فِعْلَ حالٍ بِمَعْنى المُضِيِّ؛ مِثْلَ آيَتِنا هَذِهِ؛ فَإنَّ التَوَقُّعَ لَيْسَ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ بَلِ المُتَكَلِّمُ مُوجِبٌ ما أخْبَرَ بِهِ؛ وإنَّما كانَ التَوَقُّعُ عِنْدَ السامِعِ؛ فَيُخْبِرُهُ المُتَكَلِّمُ بِأحَدِ المُتَوَقَّعَيْنِ.
و"نَعْلَمُ"؛ تَتَضَمَّنُ - إذا كانَتْ مِنَ اللهِ تَعالى - اسْتِمْرارَ العِلْمِ؛ وقِدَمَهُ؛ فَهي تَعُمُّ الماضِي؛ والحالَ؛ والِاسْتِقْبالَ؛ ودَخَلَتْ "أنَّ"؛ لِلْمُبالَغَةِ في التَأْكِيدِ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "لَيُحْزِنُكَ"؛ مِن "أحْزَنَ"؛ وقَرَأ الباقُونَ: "لَيَحْزُنُكَ"؛ مِن "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِيُحْزِنْكَ" بِكَسْرِ اللامِ والزايِ؛ وجَزْمِ النُونِ؛ وقَرَأ الأعْمَشُ: (p-٣٥٠)"أنَّهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ "يَحْزُنُكَ"؛ بِغَيْرِ لامٍ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ: "حَزِنَ الرَجُلُ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ "يَحْزَنُ؛ حَزَنًا وحُزْنًا"؛ و"حَزَنْتُهُ أنا"؛ وحُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ قَوْلَهُمْ: "حَزَنْتُهُ"؛ لَيْسَ هو تَغْيِيرَ "حَزِنَ"؛ عَلى نَحْوِ "دَخَلَ"؛ و"أدْخَلْتُهُ"؛ ولَكِنَّهُ بِمَعْنى: "جَعَلْتُ فِيهِ حُزْنًا"؛ كَما تَقُولُ: "كَحَلْتُهُ"؛ و"دَهَنْتُهُ"؛ قالَ الخَلِيلُ: ولَوْ أرَدْتَ تَغْيِيرَ "حَزِنَ"؛ لَقُلْتَ: "أحْزَنْتُهُ"؛ وحَكى أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ - في كِتابِ "خَبْأةٌ"؛ عَنِ العَرَبِ: "أحْزَنْتُ الرَجُلَ"؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"حَزَنْتُ الرَجُلَ"؛ أكْثَرُ اسْتِعْمالًا عِنْدَهم مِن "أحْزَنْتُهُ"؛ فَمَن قَرَأ: "لَيُحْزِنُكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ فَهو عَلى القِياسِ في التَغْيِيرِ؛ ومَن قَرَأ: "لَيَحْزُنُكَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الزايِ؛ فَهو عَلى كَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.
و"اَلَّذِي يَقُولُونَ"؛ لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ أقْوالِهِمُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والدَفْعَ في صَدْرِ نُبُوَّتِهِ؛ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "إنَّهُ كَذّابٌ؛ مُفْتَرٍ؛ ساحِرٌ"؛ وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "إنَّهُ مَجْنُونٌ؛ مَسْحُورٌ"؛ وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "لَهُ رَئِيٌّ مِنَ الجِنِّ"؛ ونَحْوِ هَذا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "لا يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ وفَتْحِ الكافِ؛ وقَرَأها ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ورَدَّها عَلى قارِئٍ عَلَيْهِ: "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وقالَ: إنَّهم كانُوا يُسَمُّونَهُ الأمِينَ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ بِسُكُونِ الكافِ؛ وتَخْفِيفِ الذالِ؛ وقَرَأها عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهُما قِراءَتانِ مَشْهُورَتانِ؛ صَحِيحَتانِ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْناهُما؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ؛ كَما تَقُولُ: "سَقَيْتُ" و"أسْقَيْتُ"؛ و"قَلَّلْتُ"؛ و"أقْلَلْتُ"؛ و"كَثَّرْتُ"؛ و"أكْثَرْتُ"؛ وحَكى الكِسائِيُّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "كَذَّبْتُ الرَجُلَ"؛ إذا وجَدَتْهُ كَذّابًا؛ كَما تَقُولُ: "أحْمَدْتُهُ"؛ إذا وجَدَتْهُ مَحْمُودًا؛ فالمَعْنى عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ أيْ: "لا تَحْزَنْ؛ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ تَكْذِيبًا يَضُرُّكَ؛ إذْ لَسْتَ بِكاذِبٍ في حَقِيقَتِكَ؛ فَتَكْذِيبُهم كَلا تَكْذِيبَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ﴿ "فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ"﴾ عَلى جِهَةِ الإخْبارِ عنهم أنَّهم لا يُكَذِّبُونَ؛ وأنَّهم يَعْلَمُونَ صِدْقَهُ؛ ونُبُوَّتَهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ عِنادًا مِنهُمْ؛ وظُلْمًا؛ والآيَةُ عَلى هَذا لا تَتَناوَلُ جَمِيعَ الكُفّارِ؛ بَلْ تَخُصُّ الطائِفَةَ الَّتِي حَكى عنها أنَّها كانَتْ تَقُولُ: "إنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ؛ ولَكِنْ إذا آمَنّا بِهِ فَضَلَتْنا بَنُو هاشِمٍ بِالنُبُوَّةِ؛ فَنَحْنُ لا نُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا"؛ رُوِيَتْ هَذِهِ المَقالَةُ عن أبِي جَهْلٍ؛ ومَن جَرى مُجْراهُ؛ وحَكى النَقّاشُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ؛ فَإنَّهُ كانَ يُكَذِّبُ في العَلانِيَةِ؛ ويُصَدِّقُ في السِرِّ؛ ويَقُولُ: "نَخافُ أنْ تَتَخَطَّفَنا العَرَبُ؛ (p-٣٥١)وَنَحْنُ أكَلَةُ رَأْسٍ"؛ والمَعْنى - عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يُكْذِبُونَكَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ - يَحْتَمِلُ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا في "يُكَذِّبُونَكَ"؛ أيْ: "لا يَجِدُونَكَ كاذِبًا في حَقِيقَتِكَ"؛ ويَحْتَمِلُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ ذَكَرْتُ في "يُكَذِّبُونَكَ"؛ بِشَدِّ الذالِ.
وآياتُ اللهِ: عَلاماتُهُ؛ وشَواهِدُ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ و"يَجْحَدُونَ"؛ حَقِيقَتُهُ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْإنْكارُ بَعْدَ مَعْرِفَةٍ؛ وهو ضِدُّ الإقْرارِ؛ ومَعْناهُ - عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى الآيَةَ في المُعانِدِينَ - مُتَرَتِّبٌ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ وهو قَوْلُ قَتادَةَ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وغَيْرِهِما؛ وعَلى قَوْلِ مَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ قاطِبَةً؛ دُونَ تَخْصِيصِ أهْلِ العِنادِ؛ يَكُونُ في اللَفْظَةِ تَجَوُّزٌ؛ وذَلِكَ أنَّهم لَمّا أنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ؛ ورامُوا تَكْذِيبَهُ بِالدَعْوى الَّتِي لا تُعَضِّدُها حُجَّةٌ؛ عَبَّرَ عن إنْكارِهِمْ بِأقْبَحِ وُجُوهِ الإنْكارِ؛ وهو الجَحْدُ؛ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ؛ وتَقْبِيحًا لِفِعْلِهِمْ؛ إذْ مُعْجِزاتُهُ؛ وآياتُهُ نَيِّرَةٌ؛ يَلْزَمُ كُلَّ مَفْطُورٍ أنْ يَعْلَمَها؛ ويُقِرَّ بِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -:
وجَمِيعُ ما في هَذِهِ التَأْوِيلاتِ؛ مِن نَفْيِ التَكْذِيبِ؛ إنَّما هو عَنِ اعْتِقادِهِمْ؛ وأمّا أقْوالُهم جَمِيعِهِمْ؛ فَمُكَذِّبَةٌ؛ إمّا لَهُ؛ وإمّا لِلَّذِي جاءَ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكُفْرُ العِنادِ جائِزُ الوُقُوعِ؛ بِمُقْتَضى النَظَرِ؛ وظَواهِرُ القُرْآنِ تُعْطِيهِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] ؛ وغَيْرِها؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ إلى المَنعِ مِن جَوازِهِ؛ وذَهَبُوا إلى أنَّ المَعْرِفَةَ تَقْتَضِي الإيمانَ؛ والجَحْدَ يَقْتَضِي الكُفْرَ؛ ولا سَبِيلَ إلى اجْتِماعِهِما؛ وتَأوَّلُوا ظَواهِرَ القُرْآنِ؛ فَقالُوا - في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "وَجَحَدُوا بِها"﴾ [النمل: ١٤] -: "إنَّها في أحْكامِ التَوْراةِ الَّتِي بَدَّلُوها؛ كَآيَةِ الرَجْمِ؛ وغَيْرِها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: (p-٣٥٢)وَدَفْعُ ما يُتَصَوَّرُ ويُعْقَلُ مِن جَوازِ كُفْرِ العِنادِ عَلى هَذِهِ الطَرِيقَةِ صَعْبٌ؛ أما إنَّ كُفْرَ العِنادِ مِنَ العارِفِ بِاللهِ تَعالى وبِالنُبُوَّةِ بَعِيدٌ؛ لِأنَّهُ لا داعِيَةَ إلى كُفْرِ العِنادِ إلّا الحَسَدُ؛ ومَن عَرَفَ اللهَ تَعالى والنُبُوَّةَ؛ وأنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَجِيئُهُ مَلَكٌ مِنَ السَماءِ؛ فَلا سَبِيلَ إلى بَقاءِ الحَسَدِ مَعَ ذَلِكَ؛ أما إنَّهُ جائِزٌ؛ فَقَدْ رَأى أبُو جَهْلٍ عَلى رَأْسِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَحْلًا عَظِيمًا مِنَ الإبِلِ قَدْ هَمَّ بِأبِي جَهْلٍ؛ ولَكِنَّهُ كَفَرَ مَعَ ذَلِكَ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وجَدَ النَبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حَزِينًا؛ فَسَألَهُ؛ فَقالَ: "كَذَّبَنِي هَؤُلاءِ"؛ فَقالَ: "إنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ؛ بَلْ يَعْلَمُونَ أنَّكَ صادِقٌ؛ ولَكِنَّ الظالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ".»
والَّذِي عِنْدِي في كُفْرِ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ؛ ومَن جَرى مُجْراهُ؛ أنَّهم كانُوا يَرَوْنَ صِفاتِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويَعْرِفُونَها؛ أو أكْثَرَها؛ ثُمَّ يَرَوْنَ مِن آياتِهِ زائِدًا عَلى ما عِنْدَهُمْ؛ فَيَتَعَلَّقُونَ في مُغالَطَةِ أنْفُسِهِمْ بِكُلِّ شُبْهَةٍ؛ بِأضْعَفِ سَبَبٍ؛ وتَتَخالَجُ ظُنُونُهُمْ؛ فَيَقُولُونَ مَرَّةً: "هُوَ ذاكَ"؛ ومَرَّةً: "عَساهُ لَيْسَهُ"؛ ثُمَّ يَنْضافُ إلى هَذا حَسَدُهُمْ؛ وفَقْدُهُمُ الرِياسَةَ؛ فَيَتَزَيَّدُ؛ ويَتَمَكَّنُ إعْراضُهُمْ؛ وكُفْرُهُمْ؛ فَهم عَلى هَذا؛ وإنْ عَرَفُوا أشْياءَ وعانَدُوا فِيها؛ فَقَدْ قَطَعُوا في ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ عَنِ الوُصُولِ إلى غايَةِ المَعْرِفَةِ؛ وبَقُوا في ظُلْمَةِ الجَهْلِ؛ فَهم جاهِلُونَ بِأشْياءَ؛ مُعانِدُونَ في أشْياءَ غَيْرِها؛ وأنا أسْتَبْعِدُ العِنادَ مَعَ المَعْرِفَةِ التامَّةِ.
الأنعام 6:34
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أو سُلَّمًا في السَماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ تَضَمَّنَتْ عَرْضَ الأُسْوَةِ الَّتِي يَنْبَغِي الِاقْتِداءُ بِها عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَرْجِيَتُهُ أنْ يَأْتِيَهُ مِثْلُ ما أتاهم مِنَ النَصْرِ إذا امْتَثَلَ ما امْتَثَلُوهُ مِنَ الصَبْرِ؛ قالَ الضَحّاكُ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: عَزّى اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَأُذُوا"؛ بِغَيْرِ واوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.
ثُمَّ قَوّى ذَلِكَ الرَجاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ ؛ أيْ: لا رادَّ لِأمْرِهِ؛ وكَلِماتِهِ السابِقاتِ بِما يَكُونُ؛ ولا مُكَذِّبَ لِما أخْبَرَ بِهِ؛ فَكَأنَّ المَعْنى: "فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا؛ وانْتَظِرْ ما يَأْتِي؛ وثِقْ بِهَذا الإخْبارِ؛ فَإنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَهُ"؛ فالقَصْدُ هُنا هَذا (p-٣٥٣)الخَبَرُ؛ وجاءَ اللَفْظُ عامًّا جَمِيعَ كَلِماتِ اللهِ تَعالى السابِقاتِ؛ وأمّا كَلامُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في التَوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَها؛ وإنَّما حَرَّفَها اليَهُودُ بِالتَأْوِيلِ؛ لا بِبَدَلِ حُرُوفٍ وألْفاظٍ؛ وجَوَّزَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَكُونُوا بَدَّلُوا الألْفاظَ؛ لِأنَّهُمُ اسْتُحْفِظُوها؛ وهو الأظْهَرُ؛ وأمّا القُرْآنُ فَإنَّ اللهَ تَعالى تَضَمَّنَ حِفْظَهُ؛ فَلا يَجُوزُ فِيهِ التَبْدِيلُ؛ قالَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ؛ وقالَ في أُولَئِكَ: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللهِ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ ؛ أيْ فِيما أنْزَلْناهُ؛ وقَصَصْناهُ عَلَيْكَ؛ ما يَقْضِي هَذا الَّذِي أخْبَرْناكَ بِهِ؛ وفاعِلُ "جاءَكَ"؛ مُضْمَرٌ؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ ؛ والرُمّانِيُّ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ؛ أو أنْباءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَوابُ عِنْدِي في المَعْنى أنْ يُقَدَّرَ: "جَلاءٌ"؛ أو "بَيانٌ".
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ ؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "جاءَ"؛ ودَخَلَ حَرْفُ الجَرِّ عَلى الفاعِلِ؛ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في تَجْوِيزِهِ دُخُولَ "مِن" في الواجِبِ؛ ووَجْهُ قَوْلِ الرُمّانِيِّ أنَّ "مِن"؛ لا تُزادُ في الواجِبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ آيَةٌ فِيها إلْزامُ الحُجَّةِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَقْسِيمُ الأحْوالِ عَلَيْهِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ أنْ لا وجْهَ إلّا الصَبْرُ؛ والمُضِيُّ لِأمْرِ اللهِ تَعالى ؛ والمَعْنى: "إنْ كُنْتَ تُعْظِمُ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم عَلى نَفْسِكَ؛ وتَلْتَزِمُ الحُزْنَ عَلَيْهِ؛ فَإنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلى دُخُولِ سَرْبٍ في أعْماقِ الأرْضِ؛ أو عَلى ارْتِقاءِ سُلَّمٍ في السَماءِ؛ فَدُونَكَ وشَأْنَكَ بِهِ"؛ أيْ: "إنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا؛ ولا بُدَّ لَكَ مِنَ التِزامِ الصَبْرِ؛ واحْتِمالِ المَشَقَّةِ؛ ومُعارَضَتِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِلنّاظِرِينَ المُتَأمِّلِينَ؛ إذْ هو (p-٣٥٤)- لا إلَهَ إلّا هو - لَمْ يُرِدْ أنْ يَجْمَعَهم عَلى الهُدى؛ وإنَّما أرادَ أنْ يَنْصُبَ مِنَ الآياتِ ما يَهْتَدِي بِالنَظَرِ فِيهِ قَوْمٌ؛ ويَضِلُّ آخَرُونَ؛ إذْ خَلَقَهم عَلى الفِطْرَةِ؛ وهَدى السَبِيلَ؛ وسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ؛ ولَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِحَقِّ مِلْكِهِ تَعالى ؛ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ في أنْ تَأْسَفَ؛ وتَحْزَنَ عَلى أمْرٍ أرادَهُ اللهُ تَعالى وأمْضاهُ؛ وعَلِمَ المَصْلَحَةَ فِيهِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أُسْلُوبُ مَعْنى الآيَةِ.
واسْمُ "كانَ"؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الأمْرَ؛ والشَأْنَ؛ و﴿كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ ؛ خَبَرُها؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "إعْراضُهُمْ"؛ هو اسْمَ "كانَ"؛ ويُقَدَّرَ في "كَبُرَ"؛ ضَمِيرٌ؛ وتَكُونَ "كَبُرَ"؛ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ والأوَّلُ مِنَ الوَجْهَيْنِ أقْيَسُ.
و"اَلنَّفَقُ": اَلسَّرْبُ في الأرْضِ؛ ومِنهُ: "نافِقاءُ اليَرْبُوعِ"؛ و"اَلسُّلَّمُ": اَلشَّيْءُ الَّذِي يُصْعَدُ عَلَيْهِ؛ ويُرْتَقى؛ ويُمْكِنُ أنْ يُشْتَقَّ اسْمُهُ مِن "اَلسَّلامَةُ"؛ لِأنَّهُ سَبَبُها؛ وجَمْعُهُ: "سَلالِيمُ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لا يَحْجِزُ المَرْءَ أحْجاءُ البِلادِ ولا ∗∗∗ تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ
و"فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ"؛ أيْ: بِعَلامَةٍ؛ ويُرِيدُ: إمّا في فِعْلِكَ ذَلِكَ؛ أيْ: تَكُونُ الآيَةُ نَفْسَ دُخُولِكَ في الأرْضِ؛ أوِ ارْتِقائِكَ في السَماءِ؛ وإمّا أنْ تَأْتِيَهم بِالآيَةِ مِن إحْدى الجِهَتَيْنِ؛ وحُذِفَ جَوابُ الشَرْطِ قَبْلُ في قَوْلِهِ: "فَإنِ اسْتَطَعْتَ"؛ إيجازًا؛ لِفَهْمِ السامِعِ بِهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "فافْعَلْ؛ أو فَدُونَكَ"؛ كَما تَقَدَّمَ.
و"لَجَمَعَهُمْ"؛ يَحْتَمِلُ: إمّا بِأنْ يَخْلُقَهم مُؤْمِنِينَ؛ وإمّا بِأنْ يُكْسِبَهُمُ الإيمانَ بَعْدَ كُفْرِهِمْ؛ بِأنْ يَشْرَحَ صُدُورَهُمْ؛ و"اَلْهُدى": اَلْإرْشادُ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى القَدَرِيَّةِ المُغْرِضَةِ (p-٣٥٥)الَّذِينَ يَقُولُونَ: "إنَّ القُدْرَةَ لا تَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ؛ وإنَّ ما يَأْتِيهِ الإنْسانُ مِن جَمِيعِ أفْعالِهِ لا خَلْقَ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ"؛ تَعالى اللهُ عن قَوْلِهِمْ.
و"مِنَ الجاهِلِينَ"؛ يُحْتَمَلُ في ألّا يَعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالى لَوْ شاءَ لَجَمَعَهُمْ؛ ويُحْتَمَلُ في أنْ تَهْتَمَّ بِوُجُودِ كُفْرِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ؛ وأرادَهُ؛ وتَذْهَبَ بِهِ لِنَفْسِكَ إلى ما لَمْ يُقَدِّرْهُ اللهُ تَعالى.
يَظْهَرُ تَبايُنٌ ما بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ؛ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] ؛ وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أفْضَلُ الأنْبِياءِ؛ قالَ مَكِّيٌّ والمَهْدِيُّ: "والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ؛ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ"؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ؛ وقالَ قَوْمٌ: وُقِّرَ نُوحٌ لِسِنِّهِ؛ وشَيْبَتِهِ؛ وقالَ قَوْمٌ: جاءَ الحَمْلُ أشَدَّ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِقُرْبِهِ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ ومَكانَتِهِ عِنْدَهُ؛ كَما يَحْمِلُ المُعاتِبُ عَلى قَرِيبِهِ أكْثَرَ مِن حَمْلِهِ عَلى الأجانِبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والوَجْهُ القَوِيُّ عِنْدِي في الآيَةِ هو أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَجِئْ بِحَسَبِ النَبِيَّيْنِ؛ وإنَّما جاءَ بِحَسَبِ الأمْرَيْنِ اللَذَيْنِ وقَعَ النَهْيُ عنهُما؛ والعِتابُ فِيهِما؛ وبَيِّنٌ أنَّ الأمْرَ الَّذِي نُهِيَ عنهُ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أكْبَرُ قَدْرًا وأخْطَرُ مُواقَعَةً مِنَ الأمْرِ الَّذِي واقَعَهُ نُوحٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
الأنعام 6:35
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أو سُلَّمًا في السَماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ تَضَمَّنَتْ عَرْضَ الأُسْوَةِ الَّتِي يَنْبَغِي الِاقْتِداءُ بِها عَلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَرْجِيَتُهُ أنْ يَأْتِيَهُ مِثْلُ ما أتاهم مِنَ النَصْرِ إذا امْتَثَلَ ما امْتَثَلُوهُ مِنَ الصَبْرِ؛ قالَ الضَحّاكُ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ: عَزّى اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَأُذُوا"؛ بِغَيْرِ واوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.
ثُمَّ قَوّى ذَلِكَ الرَجاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ ؛ أيْ: لا رادَّ لِأمْرِهِ؛ وكَلِماتِهِ السابِقاتِ بِما يَكُونُ؛ ولا مُكَذِّبَ لِما أخْبَرَ بِهِ؛ فَكَأنَّ المَعْنى: "فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا؛ وانْتَظِرْ ما يَأْتِي؛ وثِقْ بِهَذا الإخْبارِ؛ فَإنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَهُ"؛ فالقَصْدُ هُنا هَذا (p-٣٥٣)الخَبَرُ؛ وجاءَ اللَفْظُ عامًّا جَمِيعَ كَلِماتِ اللهِ تَعالى السابِقاتِ؛ وأمّا كَلامُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في التَوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ فَمَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ لا مُبَدِّلَ لَها؛ وإنَّما حَرَّفَها اليَهُودُ بِالتَأْوِيلِ؛ لا بِبَدَلِ حُرُوفٍ وألْفاظٍ؛ وجَوَّزَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَكُونُوا بَدَّلُوا الألْفاظَ؛ لِأنَّهُمُ اسْتُحْفِظُوها؛ وهو الأظْهَرُ؛ وأمّا القُرْآنُ فَإنَّ اللهَ تَعالى تَضَمَّنَ حِفْظَهُ؛ فَلا يَجُوزُ فِيهِ التَبْدِيلُ؛ قالَ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ؛ وقالَ في أُولَئِكَ: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللهِ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ ؛ أيْ فِيما أنْزَلْناهُ؛ وقَصَصْناهُ عَلَيْكَ؛ ما يَقْضِي هَذا الَّذِي أخْبَرْناكَ بِهِ؛ وفاعِلُ "جاءَكَ"؛ مُضْمَرٌ؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ ؛ والرُمّانِيُّ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ؛ أو أنْباءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَوابُ عِنْدِي في المَعْنى أنْ يُقَدَّرَ: "جَلاءٌ"؛ أو "بَيانٌ".
وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ ؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "جاءَ"؛ ودَخَلَ حَرْفُ الجَرِّ عَلى الفاعِلِ؛ وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في تَجْوِيزِهِ دُخُولَ "مِن" في الواجِبِ؛ ووَجْهُ قَوْلِ الرُمّانِيِّ أنَّ "مِن"؛ لا تُزادُ في الواجِبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ آيَةٌ فِيها إلْزامُ الحُجَّةِ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتَقْسِيمُ الأحْوالِ عَلَيْهِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ أنْ لا وجْهَ إلّا الصَبْرُ؛ والمُضِيُّ لِأمْرِ اللهِ تَعالى ؛ والمَعْنى: "إنْ كُنْتَ تُعْظِمُ تَكْذِيبَهم وكُفْرَهم عَلى نَفْسِكَ؛ وتَلْتَزِمُ الحُزْنَ عَلَيْهِ؛ فَإنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلى دُخُولِ سَرْبٍ في أعْماقِ الأرْضِ؛ أو عَلى ارْتِقاءِ سُلَّمٍ في السَماءِ؛ فَدُونَكَ وشَأْنَكَ بِهِ"؛ أيْ: "إنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذا؛ ولا بُدَّ لَكَ مِنَ التِزامِ الصَبْرِ؛ واحْتِمالِ المَشَقَّةِ؛ ومُعارَضَتِهِمْ بِالآياتِ الَّتِي نَصَبَها اللهُ تَعالى لِلنّاظِرِينَ المُتَأمِّلِينَ؛ إذْ هو (p-٣٥٤)- لا إلَهَ إلّا هو - لَمْ يُرِدْ أنْ يَجْمَعَهم عَلى الهُدى؛ وإنَّما أرادَ أنْ يَنْصُبَ مِنَ الآياتِ ما يَهْتَدِي بِالنَظَرِ فِيهِ قَوْمٌ؛ ويَضِلُّ آخَرُونَ؛ إذْ خَلَقَهم عَلى الفِطْرَةِ؛ وهَدى السَبِيلَ؛ وسَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ؛ ولَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِحَقِّ مِلْكِهِ تَعالى ؛ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ في أنْ تَأْسَفَ؛ وتَحْزَنَ عَلى أمْرٍ أرادَهُ اللهُ تَعالى وأمْضاهُ؛ وعَلِمَ المَصْلَحَةَ فِيهِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أُسْلُوبُ مَعْنى الآيَةِ.
واسْمُ "كانَ"؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الأمْرَ؛ والشَأْنَ؛ و﴿كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ ؛ خَبَرُها؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "إعْراضُهُمْ"؛ هو اسْمَ "كانَ"؛ ويُقَدَّرَ في "كَبُرَ"؛ ضَمِيرٌ؛ وتَكُونَ "كَبُرَ"؛ في مَوْضِعِ الخَبَرِ؛ والأوَّلُ مِنَ الوَجْهَيْنِ أقْيَسُ.
و"اَلنَّفَقُ": اَلسَّرْبُ في الأرْضِ؛ ومِنهُ: "نافِقاءُ اليَرْبُوعِ"؛ و"اَلسُّلَّمُ": اَلشَّيْءُ الَّذِي يُصْعَدُ عَلَيْهِ؛ ويُرْتَقى؛ ويُمْكِنُ أنْ يُشْتَقَّ اسْمُهُ مِن "اَلسَّلامَةُ"؛ لِأنَّهُ سَبَبُها؛ وجَمْعُهُ: "سَلالِيمُ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لا يَحْجِزُ المَرْءَ أحْجاءُ البِلادِ ولا ∗∗∗ تُبْنى لَهُ في السَماواتِ السَلالِيمُ
و"فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ"؛ أيْ: بِعَلامَةٍ؛ ويُرِيدُ: إمّا في فِعْلِكَ ذَلِكَ؛ أيْ: تَكُونُ الآيَةُ نَفْسَ دُخُولِكَ في الأرْضِ؛ أوِ ارْتِقائِكَ في السَماءِ؛ وإمّا أنْ تَأْتِيَهم بِالآيَةِ مِن إحْدى الجِهَتَيْنِ؛ وحُذِفَ جَوابُ الشَرْطِ قَبْلُ في قَوْلِهِ: "فَإنِ اسْتَطَعْتَ"؛ إيجازًا؛ لِفَهْمِ السامِعِ بِهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "فافْعَلْ؛ أو فَدُونَكَ"؛ كَما تَقَدَّمَ.
و"لَجَمَعَهُمْ"؛ يَحْتَمِلُ: إمّا بِأنْ يَخْلُقَهم مُؤْمِنِينَ؛ وإمّا بِأنْ يُكْسِبَهُمُ الإيمانَ بَعْدَ كُفْرِهِمْ؛ بِأنْ يَشْرَحَ صُدُورَهُمْ؛ و"اَلْهُدى": اَلْإرْشادُ؛ وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى القَدَرِيَّةِ المُغْرِضَةِ (p-٣٥٥)الَّذِينَ يَقُولُونَ: "إنَّ القُدْرَةَ لا تَقْتَضِي أنْ يُؤْمِنَ الكافِرُ؛ وإنَّ ما يَأْتِيهِ الإنْسانُ مِن جَمِيعِ أفْعالِهِ لا خَلْقَ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ"؛ تَعالى اللهُ عن قَوْلِهِمْ.
و"مِنَ الجاهِلِينَ"؛ يُحْتَمَلُ في ألّا يَعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالى لَوْ شاءَ لَجَمَعَهُمْ؛ ويُحْتَمَلُ في أنْ تَهْتَمَّ بِوُجُودِ كُفْرِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ؛ وأرادَهُ؛ وتَذْهَبَ بِهِ لِنَفْسِكَ إلى ما لَمْ يُقَدِّرْهُ اللهُ تَعالى.
يَظْهَرُ تَبايُنٌ ما بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ؛ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَلامُ -: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] ؛ وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أفْضَلُ الأنْبِياءِ؛ قالَ مَكِّيٌّ والمَهْدِيُّ: "والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ؛ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ"؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ؛ وقالَ قَوْمٌ: وُقِّرَ نُوحٌ لِسِنِّهِ؛ وشَيْبَتِهِ؛ وقالَ قَوْمٌ: جاءَ الحَمْلُ أشَدَّ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِقُرْبِهِ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ ومَكانَتِهِ عِنْدَهُ؛ كَما يَحْمِلُ المُعاتِبُ عَلى قَرِيبِهِ أكْثَرَ مِن حَمْلِهِ عَلى الأجانِبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والوَجْهُ القَوِيُّ عِنْدِي في الآيَةِ هو أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَجِئْ بِحَسَبِ النَبِيَّيْنِ؛ وإنَّما جاءَ بِحَسَبِ الأمْرَيْنِ اللَذَيْنِ وقَعَ النَهْيُ عنهُما؛ والعِتابُ فِيهِما؛ وبَيِّنٌ أنَّ الأمْرَ الَّذِي نُهِيَ عنهُ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أكْبَرُ قَدْرًا وأخْطَرُ مُواقَعَةً مِنَ الأمْرِ الَّذِي واقَعَهُ نُوحٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
الأنعام 6:36
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾
هَذا مِنَ النَمَطِ المُتَقَدِّمِ في التَسْلِيَةِ؛ أيْ: "لا تَحْفَلْ بِمَن أعْرَضَ؛ فَإنَّما يَسْتَجِيبُ لِداعِي الإيمانِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الآياتِ؛ ويَتَلَقَّوْنَ البَراهِينَ بِالقَبُولِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ كُلِّهِ بِـ "يَسْمَعُونَ"؛ إذْ هو طَرِيقُ العِلْمِ بِالنُبُوَّةِ؛ والآياتِ المُعْجِزَةِ؛ وهَذِهِ لَفْظَةٌ تَسْتَعْمِلُها الصُوفِيَّةُ؛ إذا بَلَغَتِ المَوْعِظَةُ مِن أحَدٍ مَبْلَغًا شافِيًا؛ قالُوا: "سَمِعَ".
(p-٣٥٦)ثُمَّ قالَ تَعالى "والمَوْتى"؛ يُرِيدُ الكُفّارَ؛ فَعَبَّرَ عنهم بِضِدِّ ما عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ وبِالصِفَةِ الَّتِي تُشْبِهُ حالَهم في العَمى عن نُورِ اللهِ تَعالى ؛ والصَمَمِ عن وعْيِ كَلِماتِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والحَسَنُ.
و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ يُؤْمِنُوا حِينَ يُوقِفُهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَتَجِيءُ الِاسْتِعارَةُ في هَذا التَأْوِيلِ؛ في الوَجْهَيْنِ؛ في تَسْمِيَتِهِمْ "مَوْتى"؛ وفي تَسْمِيَةِ إيمانِهِمْ وهِدايَتِهِمْ "بَعْثًا"؛ والواوُ عَلى هَذا مُشْرِكَةٌ في العامِلِ؛ عَطَفَتْ "والمَوْتى"؛ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يُرْشَدُونَ؛ حِينَ يَسْمَعُونَ؛ فَيُؤْمِنُونَ؛ والكُفّارُ حِينَ يُرْشِدُهُمُ اللهُ تَعالى بِمَشِيئَتِهِ؛ فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ؛ ولا تَسْتَعْجِلْ ما لَمْ يُقَدَّرْ".
وقَرَأ الحَسَنُ: "ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ"؛ فَتَناسَبَتِ الآيَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ: "والمَوْتى": يُرِيدُ: "اَلْكُفّارُ"؛ أيْ: "هم بِمَثابَةِ المَوْتى حِينَ لا يَرَوْنَ هُدًى؛ ولا يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ أيْ: "يَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ"؛ "ثُمَّ إلَيْهِ"؛ أيْ: "إلى سَطْوَتِهِ؛ وعِقابِهِ؛ يُرْجَعُونَ"؛ وقَرَأتْ هَذِهِ الطائِفَةُ "يُرْجَعُونَ"؛ بِياءٍ؛ والواوُ عَلى هَذا عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"اَلْمَوْتى"؛ مُبْتَدَأٌ؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ خَبَرُهُ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ؛ والكُفّارُ سَيَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى ؛ ويَرُدُّهم إلى عِقابِهِ"؛ فالآيَةُ عَلى هَذا مُتَضَمِّنَةٌ الوَعِيدَ لِلْكُفّارِ؛ والعائِدُ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ هو الضَمِيرُ في "يَسْمَعُونَ"؛ والضَمِيرُ في "وَقالُوا"؛ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ؛ و"لَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى: "هَلّا"؛ قالَ الشاعِرُ:
؎ تَعُدُّونَ عَقْرَ النِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا
(p-٣٥٧)وَمَعْنى الآيَةِ: "هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بَيانٌ واضِحٌ؛ لا يَقَعُ مَعَهُ تَوَقُّفٌ مِن أحَدٍ؛ كَمَلَكٍ يَشْهَدُ لَهُ؛ أو أكْثَرَ - أو غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَشَطُّطِهِمُ المَحْفُوظِ في هَذا -؟"؛ فَأُمِرَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالرَدِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُ القُدْرَةُ عَلى إنْزالِ تِلْكَ الآيَةِ؛ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّها لَوْ نَزَلَتْ؛ ولَمْ يُؤْمِنُوا؛ لَعُوجِلُوا بِالعَذابِ؛ ويَحْتَمِلُ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما جَعَلَ المَصْلَحَةَ في آياتٍ مُعَرَّضَةٍ لِلنَّظَرِ؛ والتَأمُّلِ؛ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ؛ ويَضِلَّ آخَرُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَما مِن دابَّةٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى آياتِ اللهِ تَعالى المَوْجُودَةِ في أنْواعِ مَخْلُوقاتِهِ؛ أيْ: "قُلْ لَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً؛ إلّا أنَّكم لا تَعْلَمُونَ وجْهَ الحِكْمَةِ في ألّا يُنَزِّلَ آيَةً مُجَهَّزَةً؛ وإنَّما يُحِيلُ عَلى الآياتِ المَنصُوبَةِ لِمَن فَكَّرَ واعْتَبَرَ؛ كالدَوابِّ؛ والطَيْرِ الَّتِي قَدْ حَصَرَتْ جَمِيعَ الحَيَوانِ؛ وهي أُمَمٌ؛ أيْ جَماعاتٌ مُماثِلَةٌ لِلنّاسِ في الخَلْقِ؛ والرِزْقِ؛ والحَياةِ؛ والمَوْتِ؛ والحَشْرِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُماثَلَةِ أنَّها في كَوْنِها أُمَمًا؛ لا غَيْرُ؛ كَما تُرِيدُ بِقَوْلِكَ: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِثْلِكَ"؛ أيْ: في أنَّهُ رَجُلٌ؛ ويَصِحُّ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوصافِ؛ إلّا أنَّ الفائِدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما تَقَعُ بِأنْ تَكُونَ المُماثَلَةُ في أوصافٍ غَيْرِ كَوْنِها أُمَمًا؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُ: والمُماثَلَةُ في أنَّها يُهْتَبَلُ بِأعْمالِها؛ وتُحاسَبُ؛ ويُقْتَصُّ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ؛ عَلى ما رُوِيَ في الأحادِيثِ؛ أيْ: فَإذا كانَ يَفْعَلُ هَذا بِالبَهائِمِ؛ فَأنْتُمْ أحْرى؛ إذْ أنْتُمْ مُكَلَّفُونَ عُقَلاءُ؛ ورَوى أبُو ذَرٍّ «أنَّهُ انْتَطَحَتْ عنزانِ بِحَضْرَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: "أتَعْلَمُونَ فِيمَ انْتَطَحَتا؟"؛ قُلْنا: لا؛ قالَ: "فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُ؛ وسَيَقْضِي بَيْنَهُما"؛» وقَدْ قالَ مَكِّيٌّ: "اَلْمُماثَلَةُ في أنَّها تَعْرِفُ اللهَ تَعالى ؛ وتَعْبُدُهُ"؛ وهَذا قَوْلُ خُلْفٍ.
(p-٣٥٨)وَ"دابَّةٌ"؛ وزْنُها: "فاعِلَةٌ"؛ وهي صِفَةٌ وُضِعَتْ مَوْضِعَ الِاسْمِ؛ كَما قالُوا: " اَلْأعْرَجُ "؛ و"اَلْأبْرَقُ"؛ وأُزِيلَ مِنهُ مَعْنى الصِفَةِ؛ ولَيْسَتْ بِالصِفَةِ الغالِبَةِ في قَوْلِنا: " اَلْعَبّاسُ "؛ و"اَلْحارِثُ "؛ لِأنَّ مَعْنى الصِفَةِ باقٍ في الصِفَةِ الغالِبَةِ.
وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "وَلا طائِرٍ"؛ عَطْفًا عَلى اللَفْظِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا طائِرٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَطْفًا عَلى المَعْنى؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا طَيْرٍ"؛ وهو جَمْعُ "طائِرٌ".
وقَوْلُهُ: ﴿ "بِجَناحَيْهِ"؛﴾ تَأْكِيدٌ؛ وبَيانٌ؛ وإزالَةٌ لِلِاسْتِعارَةِ المُتَعاهَدَةِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ؛ فَقَدْ يُقالُ: "طائِرُ السَعْدِ؛ والنَحْسِ"؛ وقالَ تَعالى ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] ؛ أيْ: عَمَلَهُ؛ ويُقالُ: "طارَ لِفُلانٍ طائِرُ كَذا"؛ أيْ: سَهْمُهُ في المُقْتَسَماتِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى "بِجَناحَيْهِ"؛ إخْراجٌ لِلطّائِرِ عن هَذا كُلِّهِ.
وقَرَأ عَلْقَمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "فَرَطْنا في الكِتابِ"؛ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ والمَعْنى واحِدٌ؛ وقالَ النَقّاشُ: "فَرَطْنا" - مُخَفَّفَةً -: أخَّرْنا؛ كَما قالُوا: "فَرَطَ اللهُ عنكَ المَرَضَ"؛ أيْ: أزالَهُ؛ والأوَّلُ أصْوَبُ؛ والتَفْرِيطُ: اَلتَّقْصِيرُ في الشَيْءِ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِ التَقْصِيرِ؛ و"اَلْكِتابُ": اَلْقُرْآنُ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ نِظامُ المَعْنى في هَذِهِ الآياتِ؛ وقِيلَ: اَللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ و"مِن شَيْءٍ" - عَلى هَذا القَوْلِ - عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ القُرْآنُ؛ خاصٌّ في الأشْياءِ الَّتِي فِيها مَنافِعُ لِلْمُخاطَبِينَ؛ وطَرائِقُ هِدايَتِهِمْ؛ و"يُحْشَرُونَ": قالَتْ فِرْقَةٌ: حَشْرُ البَهائِمِ: مَوْتُها؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: حَشْرُها: بَعْثُها؛ واحْتَجُّوا بِالأحادِيثِ المُضَمَّنَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ؛ [والقَوْلُ في الأحادِيثِ المُتَضَمِّنَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ]: "إنَّما هي كِنايَةٌ عَنِ العَدْلِ؛ ولَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ"؛ فَهو قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ يَنْحُو إلى القَوْلِ بِالرُمُوزِ؛ ونَحْوِها.
الأنعام 6:37
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾
هَذا مِنَ النَمَطِ المُتَقَدِّمِ في التَسْلِيَةِ؛ أيْ: "لا تَحْفَلْ بِمَن أعْرَضَ؛ فَإنَّما يَسْتَجِيبُ لِداعِي الإيمانِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الآياتِ؛ ويَتَلَقَّوْنَ البَراهِينَ بِالقَبُولِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ كُلِّهِ بِـ "يَسْمَعُونَ"؛ إذْ هو طَرِيقُ العِلْمِ بِالنُبُوَّةِ؛ والآياتِ المُعْجِزَةِ؛ وهَذِهِ لَفْظَةٌ تَسْتَعْمِلُها الصُوفِيَّةُ؛ إذا بَلَغَتِ المَوْعِظَةُ مِن أحَدٍ مَبْلَغًا شافِيًا؛ قالُوا: "سَمِعَ".
(p-٣٥٦)ثُمَّ قالَ تَعالى "والمَوْتى"؛ يُرِيدُ الكُفّارَ؛ فَعَبَّرَ عنهم بِضِدِّ ما عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ وبِالصِفَةِ الَّتِي تُشْبِهُ حالَهم في العَمى عن نُورِ اللهِ تَعالى ؛ والصَمَمِ عن وعْيِ كَلِماتِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والحَسَنُ.
و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ يُؤْمِنُوا حِينَ يُوقِفُهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَتَجِيءُ الِاسْتِعارَةُ في هَذا التَأْوِيلِ؛ في الوَجْهَيْنِ؛ في تَسْمِيَتِهِمْ "مَوْتى"؛ وفي تَسْمِيَةِ إيمانِهِمْ وهِدايَتِهِمْ "بَعْثًا"؛ والواوُ عَلى هَذا مُشْرِكَةٌ في العامِلِ؛ عَطَفَتْ "والمَوْتى"؛ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يُرْشَدُونَ؛ حِينَ يَسْمَعُونَ؛ فَيُؤْمِنُونَ؛ والكُفّارُ حِينَ يُرْشِدُهُمُ اللهُ تَعالى بِمَشِيئَتِهِ؛ فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ؛ ولا تَسْتَعْجِلْ ما لَمْ يُقَدَّرْ".
وقَرَأ الحَسَنُ: "ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ"؛ فَتَناسَبَتِ الآيَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ: "والمَوْتى": يُرِيدُ: "اَلْكُفّارُ"؛ أيْ: "هم بِمَثابَةِ المَوْتى حِينَ لا يَرَوْنَ هُدًى؛ ولا يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ أيْ: "يَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ"؛ "ثُمَّ إلَيْهِ"؛ أيْ: "إلى سَطْوَتِهِ؛ وعِقابِهِ؛ يُرْجَعُونَ"؛ وقَرَأتْ هَذِهِ الطائِفَةُ "يُرْجَعُونَ"؛ بِياءٍ؛ والواوُ عَلى هَذا عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"اَلْمَوْتى"؛ مُبْتَدَأٌ؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ خَبَرُهُ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ؛ والكُفّارُ سَيَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى ؛ ويَرُدُّهم إلى عِقابِهِ"؛ فالآيَةُ عَلى هَذا مُتَضَمِّنَةٌ الوَعِيدَ لِلْكُفّارِ؛ والعائِدُ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ هو الضَمِيرُ في "يَسْمَعُونَ"؛ والضَمِيرُ في "وَقالُوا"؛ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ؛ و"لَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى: "هَلّا"؛ قالَ الشاعِرُ:
؎ تَعُدُّونَ عَقْرَ النِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا
(p-٣٥٧)وَمَعْنى الآيَةِ: "هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بَيانٌ واضِحٌ؛ لا يَقَعُ مَعَهُ تَوَقُّفٌ مِن أحَدٍ؛ كَمَلَكٍ يَشْهَدُ لَهُ؛ أو أكْثَرَ - أو غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَشَطُّطِهِمُ المَحْفُوظِ في هَذا -؟"؛ فَأُمِرَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالرَدِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُ القُدْرَةُ عَلى إنْزالِ تِلْكَ الآيَةِ؛ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّها لَوْ نَزَلَتْ؛ ولَمْ يُؤْمِنُوا؛ لَعُوجِلُوا بِالعَذابِ؛ ويَحْتَمِلُ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما جَعَلَ المَصْلَحَةَ في آياتٍ مُعَرَّضَةٍ لِلنَّظَرِ؛ والتَأمُّلِ؛ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ؛ ويَضِلَّ آخَرُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَما مِن دابَّةٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى آياتِ اللهِ تَعالى المَوْجُودَةِ في أنْواعِ مَخْلُوقاتِهِ؛ أيْ: "قُلْ لَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً؛ إلّا أنَّكم لا تَعْلَمُونَ وجْهَ الحِكْمَةِ في ألّا يُنَزِّلَ آيَةً مُجَهَّزَةً؛ وإنَّما يُحِيلُ عَلى الآياتِ المَنصُوبَةِ لِمَن فَكَّرَ واعْتَبَرَ؛ كالدَوابِّ؛ والطَيْرِ الَّتِي قَدْ حَصَرَتْ جَمِيعَ الحَيَوانِ؛ وهي أُمَمٌ؛ أيْ جَماعاتٌ مُماثِلَةٌ لِلنّاسِ في الخَلْقِ؛ والرِزْقِ؛ والحَياةِ؛ والمَوْتِ؛ والحَشْرِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُماثَلَةِ أنَّها في كَوْنِها أُمَمًا؛ لا غَيْرُ؛ كَما تُرِيدُ بِقَوْلِكَ: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِثْلِكَ"؛ أيْ: في أنَّهُ رَجُلٌ؛ ويَصِحُّ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوصافِ؛ إلّا أنَّ الفائِدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما تَقَعُ بِأنْ تَكُونَ المُماثَلَةُ في أوصافٍ غَيْرِ كَوْنِها أُمَمًا؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُ: والمُماثَلَةُ في أنَّها يُهْتَبَلُ بِأعْمالِها؛ وتُحاسَبُ؛ ويُقْتَصُّ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ؛ عَلى ما رُوِيَ في الأحادِيثِ؛ أيْ: فَإذا كانَ يَفْعَلُ هَذا بِالبَهائِمِ؛ فَأنْتُمْ أحْرى؛ إذْ أنْتُمْ مُكَلَّفُونَ عُقَلاءُ؛ ورَوى أبُو ذَرٍّ «أنَّهُ انْتَطَحَتْ عنزانِ بِحَضْرَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: "أتَعْلَمُونَ فِيمَ انْتَطَحَتا؟"؛ قُلْنا: لا؛ قالَ: "فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُ؛ وسَيَقْضِي بَيْنَهُما"؛» وقَدْ قالَ مَكِّيٌّ: "اَلْمُماثَلَةُ في أنَّها تَعْرِفُ اللهَ تَعالى ؛ وتَعْبُدُهُ"؛ وهَذا قَوْلُ خُلْفٍ.
(p-٣٥٨)وَ"دابَّةٌ"؛ وزْنُها: "فاعِلَةٌ"؛ وهي صِفَةٌ وُضِعَتْ مَوْضِعَ الِاسْمِ؛ كَما قالُوا: " اَلْأعْرَجُ "؛ و"اَلْأبْرَقُ"؛ وأُزِيلَ مِنهُ مَعْنى الصِفَةِ؛ ولَيْسَتْ بِالصِفَةِ الغالِبَةِ في قَوْلِنا: " اَلْعَبّاسُ "؛ و"اَلْحارِثُ "؛ لِأنَّ مَعْنى الصِفَةِ باقٍ في الصِفَةِ الغالِبَةِ.
وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "وَلا طائِرٍ"؛ عَطْفًا عَلى اللَفْظِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا طائِرٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَطْفًا عَلى المَعْنى؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا طَيْرٍ"؛ وهو جَمْعُ "طائِرٌ".
وقَوْلُهُ: ﴿ "بِجَناحَيْهِ"؛﴾ تَأْكِيدٌ؛ وبَيانٌ؛ وإزالَةٌ لِلِاسْتِعارَةِ المُتَعاهَدَةِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ؛ فَقَدْ يُقالُ: "طائِرُ السَعْدِ؛ والنَحْسِ"؛ وقالَ تَعالى ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] ؛ أيْ: عَمَلَهُ؛ ويُقالُ: "طارَ لِفُلانٍ طائِرُ كَذا"؛ أيْ: سَهْمُهُ في المُقْتَسَماتِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى "بِجَناحَيْهِ"؛ إخْراجٌ لِلطّائِرِ عن هَذا كُلِّهِ.
وقَرَأ عَلْقَمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "فَرَطْنا في الكِتابِ"؛ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ والمَعْنى واحِدٌ؛ وقالَ النَقّاشُ: "فَرَطْنا" - مُخَفَّفَةً -: أخَّرْنا؛ كَما قالُوا: "فَرَطَ اللهُ عنكَ المَرَضَ"؛ أيْ: أزالَهُ؛ والأوَّلُ أصْوَبُ؛ والتَفْرِيطُ: اَلتَّقْصِيرُ في الشَيْءِ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِ التَقْصِيرِ؛ و"اَلْكِتابُ": اَلْقُرْآنُ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ نِظامُ المَعْنى في هَذِهِ الآياتِ؛ وقِيلَ: اَللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ و"مِن شَيْءٍ" - عَلى هَذا القَوْلِ - عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ القُرْآنُ؛ خاصٌّ في الأشْياءِ الَّتِي فِيها مَنافِعُ لِلْمُخاطَبِينَ؛ وطَرائِقُ هِدايَتِهِمْ؛ و"يُحْشَرُونَ": قالَتْ فِرْقَةٌ: حَشْرُ البَهائِمِ: مَوْتُها؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: حَشْرُها: بَعْثُها؛ واحْتَجُّوا بِالأحادِيثِ المُضَمَّنَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ؛ [والقَوْلُ في الأحادِيثِ المُتَضَمِّنَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ]: "إنَّما هي كِنايَةٌ عَنِ العَدْلِ؛ ولَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ"؛ فَهو قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ يَنْحُو إلى القَوْلِ بِالرُمُوزِ؛ ونَحْوِها.
الأنعام 6:38
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾
هَذا مِنَ النَمَطِ المُتَقَدِّمِ في التَسْلِيَةِ؛ أيْ: "لا تَحْفَلْ بِمَن أعْرَضَ؛ فَإنَّما يَسْتَجِيبُ لِداعِي الإيمانِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الآياتِ؛ ويَتَلَقَّوْنَ البَراهِينَ بِالقَبُولِ"؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ كُلِّهِ بِـ "يَسْمَعُونَ"؛ إذْ هو طَرِيقُ العِلْمِ بِالنُبُوَّةِ؛ والآياتِ المُعْجِزَةِ؛ وهَذِهِ لَفْظَةٌ تَسْتَعْمِلُها الصُوفِيَّةُ؛ إذا بَلَغَتِ المَوْعِظَةُ مِن أحَدٍ مَبْلَغًا شافِيًا؛ قالُوا: "سَمِعَ".
(p-٣٥٦)ثُمَّ قالَ تَعالى "والمَوْتى"؛ يُرِيدُ الكُفّارَ؛ فَعَبَّرَ عنهم بِضِدِّ ما عَبَّرَ عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ وبِالصِفَةِ الَّتِي تُشْبِهُ حالَهم في العَمى عن نُورِ اللهِ تَعالى ؛ والصَمَمِ عن وعْيِ كَلِماتِهِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والحَسَنُ.
و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ قالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: يَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ يُؤْمِنُوا حِينَ يُوقِفُهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَتَجِيءُ الِاسْتِعارَةُ في هَذا التَأْوِيلِ؛ في الوَجْهَيْنِ؛ في تَسْمِيَتِهِمْ "مَوْتى"؛ وفي تَسْمِيَةِ إيمانِهِمْ وهِدايَتِهِمْ "بَعْثًا"؛ والواوُ عَلى هَذا مُشْرِكَةٌ في العامِلِ؛ عَطَفَتْ "والمَوْتى"؛ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ وكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يُرْشَدُونَ؛ حِينَ يَسْمَعُونَ؛ فَيُؤْمِنُونَ؛ والكُفّارُ حِينَ يُرْشِدُهُمُ اللهُ تَعالى بِمَشِيئَتِهِ؛ فَلا تَتَأسَّفْ أنْتَ؛ ولا تَسْتَعْجِلْ ما لَمْ يُقَدَّرْ".
وقَرَأ الحَسَنُ: "ثُمَّ إلَيْهِ يَرْجِعُونَ"؛ فَتَناسَبَتِ الآيَةُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ: "والمَوْتى": يُرِيدُ: "اَلْكُفّارُ"؛ أيْ: "هم بِمَثابَةِ المَوْتى حِينَ لا يَرَوْنَ هُدًى؛ ولا يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ"؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ أيْ: "يَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ"؛ "ثُمَّ إلَيْهِ"؛ أيْ: "إلى سَطْوَتِهِ؛ وعِقابِهِ؛ يُرْجَعُونَ"؛ وقَرَأتْ هَذِهِ الطائِفَةُ "يُرْجَعُونَ"؛ بِياءٍ؛ والواوُ عَلى هَذا عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ و"اَلْمَوْتى"؛ مُبْتَدَأٌ؛ و"يَبْعَثُهُمُ اللهُ"؛ خَبَرُهُ؛ فَكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ فَيَعُونَ؛ والكُفّارُ سَيَبْعَثُهُمُ اللهُ تَعالى ؛ ويَرُدُّهم إلى عِقابِهِ"؛ فالآيَةُ عَلى هَذا مُتَضَمِّنَةٌ الوَعِيدَ لِلْكُفّارِ؛ والعائِدُ عَلى "اَلَّذِينَ"؛ هو الضَمِيرُ في "يَسْمَعُونَ"؛ والضَمِيرُ في "وَقالُوا"؛ عائِدٌ عَلى الكُفّارِ؛ و"لَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى: "هَلّا"؛ قالَ الشاعِرُ:
؎ تَعُدُّونَ عَقْرَ النِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا
(p-٣٥٧)وَمَعْنى الآيَةِ: "هَلّا أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بَيانٌ واضِحٌ؛ لا يَقَعُ مَعَهُ تَوَقُّفٌ مِن أحَدٍ؛ كَمَلَكٍ يَشْهَدُ لَهُ؛ أو أكْثَرَ - أو غَيْرِ ذَلِكَ مِن تَشَطُّطِهِمُ المَحْفُوظِ في هَذا -؟"؛ فَأُمِرَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالرَدِّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَهُ القُدْرَةُ عَلى إنْزالِ تِلْكَ الآيَةِ؛ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّها لَوْ نَزَلَتْ؛ ولَمْ يُؤْمِنُوا؛ لَعُوجِلُوا بِالعَذابِ؛ ويَحْتَمِلُ ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما جَعَلَ المَصْلَحَةَ في آياتٍ مُعَرَّضَةٍ لِلنَّظَرِ؛ والتَأمُّلِ؛ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ؛ ويَضِلَّ آخَرُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَما مِن دابَّةٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى آياتِ اللهِ تَعالى المَوْجُودَةِ في أنْواعِ مَخْلُوقاتِهِ؛ أيْ: "قُلْ لَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً؛ إلّا أنَّكم لا تَعْلَمُونَ وجْهَ الحِكْمَةِ في ألّا يُنَزِّلَ آيَةً مُجَهَّزَةً؛ وإنَّما يُحِيلُ عَلى الآياتِ المَنصُوبَةِ لِمَن فَكَّرَ واعْتَبَرَ؛ كالدَوابِّ؛ والطَيْرِ الَّتِي قَدْ حَصَرَتْ جَمِيعَ الحَيَوانِ؛ وهي أُمَمٌ؛ أيْ جَماعاتٌ مُماثِلَةٌ لِلنّاسِ في الخَلْقِ؛ والرِزْقِ؛ والحَياةِ؛ والمَوْتِ؛ والحَشْرِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُماثَلَةِ أنَّها في كَوْنِها أُمَمًا؛ لا غَيْرُ؛ كَما تُرِيدُ بِقَوْلِكَ: "مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِثْلِكَ"؛ أيْ: في أنَّهُ رَجُلٌ؛ ويَصِحُّ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوصافِ؛ إلّا أنَّ الفائِدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما تَقَعُ بِأنْ تَكُونَ المُماثَلَةُ في أوصافٍ غَيْرِ كَوْنِها أُمَمًا؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُ: والمُماثَلَةُ في أنَّها يُهْتَبَلُ بِأعْمالِها؛ وتُحاسَبُ؛ ويُقْتَصُّ لِبَعْضِها مِن بَعْضٍ؛ عَلى ما رُوِيَ في الأحادِيثِ؛ أيْ: فَإذا كانَ يَفْعَلُ هَذا بِالبَهائِمِ؛ فَأنْتُمْ أحْرى؛ إذْ أنْتُمْ مُكَلَّفُونَ عُقَلاءُ؛ ورَوى أبُو ذَرٍّ «أنَّهُ انْتَطَحَتْ عنزانِ بِحَضْرَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: "أتَعْلَمُونَ فِيمَ انْتَطَحَتا؟"؛ قُلْنا: لا؛ قالَ: "فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُ؛ وسَيَقْضِي بَيْنَهُما"؛» وقَدْ قالَ مَكِّيٌّ: "اَلْمُماثَلَةُ في أنَّها تَعْرِفُ اللهَ تَعالى ؛ وتَعْبُدُهُ"؛ وهَذا قَوْلُ خُلْفٍ.
(p-٣٥٨)وَ"دابَّةٌ"؛ وزْنُها: "فاعِلَةٌ"؛ وهي صِفَةٌ وُضِعَتْ مَوْضِعَ الِاسْمِ؛ كَما قالُوا: " اَلْأعْرَجُ "؛ و"اَلْأبْرَقُ"؛ وأُزِيلَ مِنهُ مَعْنى الصِفَةِ؛ ولَيْسَتْ بِالصِفَةِ الغالِبَةِ في قَوْلِنا: " اَلْعَبّاسُ "؛ و"اَلْحارِثُ "؛ لِأنَّ مَعْنى الصِفَةِ باقٍ في الصِفَةِ الغالِبَةِ.
وقَرَأتْ طائِفَةٌ: "وَلا طائِرٍ"؛ عَطْفًا عَلى اللَفْظِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَلا طائِرٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَطْفًا عَلى المَعْنى؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا طَيْرٍ"؛ وهو جَمْعُ "طائِرٌ".
وقَوْلُهُ: ﴿ "بِجَناحَيْهِ"؛﴾ تَأْكِيدٌ؛ وبَيانٌ؛ وإزالَةٌ لِلِاسْتِعارَةِ المُتَعاهَدَةِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ؛ فَقَدْ يُقالُ: "طائِرُ السَعْدِ؛ والنَحْسِ"؛ وقالَ تَعالى ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] ؛ أيْ: عَمَلَهُ؛ ويُقالُ: "طارَ لِفُلانٍ طائِرُ كَذا"؛ أيْ: سَهْمُهُ في المُقْتَسَماتِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى "بِجَناحَيْهِ"؛ إخْراجٌ لِلطّائِرِ عن هَذا كُلِّهِ.
وقَرَأ عَلْقَمَةُ ؛ وابْنُ هُرْمُزٍ: "فَرَطْنا في الكِتابِ"؛ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ والمَعْنى واحِدٌ؛ وقالَ النَقّاشُ: "فَرَطْنا" - مُخَفَّفَةً -: أخَّرْنا؛ كَما قالُوا: "فَرَطَ اللهُ عنكَ المَرَضَ"؛ أيْ: أزالَهُ؛ والأوَّلُ أصْوَبُ؛ والتَفْرِيطُ: اَلتَّقْصِيرُ في الشَيْءِ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَرْكِ التَقْصِيرِ؛ و"اَلْكِتابُ": اَلْقُرْآنُ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ نِظامُ المَعْنى في هَذِهِ الآياتِ؛ وقِيلَ: اَللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ و"مِن شَيْءٍ" - عَلى هَذا القَوْلِ - عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّهُ القُرْآنُ؛ خاصٌّ في الأشْياءِ الَّتِي فِيها مَنافِعُ لِلْمُخاطَبِينَ؛ وطَرائِقُ هِدايَتِهِمْ؛ و"يُحْشَرُونَ": قالَتْ فِرْقَةٌ: حَشْرُ البَهائِمِ: مَوْتُها؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: حَشْرُها: بَعْثُها؛ واحْتَجُّوا بِالأحادِيثِ المُضَمَّنَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ؛ [والقَوْلُ في الأحادِيثِ المُتَضَمِّنَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ]: "إنَّما هي كِنايَةٌ عَنِ العَدْلِ؛ ولَيْسَتْ بِحَقِيقَةٍ"؛ فَهو قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ يَنْحُو إلى القَوْلِ بِالرُمُوزِ؛ ونَحْوِها.
الأنعام 6:39
(p-٣٥٩)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُلُماتِ مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأِ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللهِ أو أتَتْكُمُ الساعَةُ أغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾
كَأنَّهُ قالَ: "وَما مِن دابَّةٍ؛ ولا طائِرٍ؛ ولا شَيْءٍ إلّا فِيهِ آيَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ تَعالى ؛ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صُمٌّ؛ وبُكْمٌ؛ لا يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ؛ ولا يَقْبَلُونَهُ"؛ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُكَذِّبٍ؛ وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ بِمَشِيئَتِهِ في خَلْقِهِ؛ فَقالَ مُبْتَدِئًا الكَلامَ: ﴿مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ﴾ ؛ شَرْطٌ وجَوابُهُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فِي الظُلُماتِ﴾ ؛ يَنُوبُ عن "عُمْيٌ"؛ و﴿فِي الظُلُماتِ﴾ ؛ أهْوَلُ عِبارَةً؛ وأفْصَحُ وأوقَعُ في النَفْسِ؛ و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ الواضِحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ ؛ اِبْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ الجاعِلِينَ لِلَّهِ شُرَكاءَ؛ والمَعْنى: "أرَأيْتُمْ إذا خِفْتُمْ عَذابَ اللهِ تَعالى ؛ أو خِفْتُمْ هَلاكًا؛ أو خِفْتُمُ الساعَةَ؛ أتَدْعُونَ أصْنامَكُمْ؛ وتَلْجَؤُونَ إلَيْها في كَشْفِ ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكُمْ: إنَّها آلِهَةٌ؟ بَلْ تَدْعُونَ اللهَ الخالِقَ الرَزّاقَ؛ فَيَكْشِفُ ما خِفْتُمُوهُ؛ إنْ شاءَ؛ وتَنْسَوْنَ أصْنامَكم - أيْ تَتْرُكُونَهُمْ"؛ فَعَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِأعْظَمِ وُجُوهِهِ؛ الَّذِي هو مَعَ التَرْكِ ذُهُولٌ؛ وإغْفالٌ؛ فَكَيْفَ يُجْعَلُ إلَهًا مَن هَذِهِ حالُهُ في الشَدائِدِ؛ والأزَماتِ؟
(p-٣٦٠)وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ: "أرَأيْتَكُمْ"؛ بِألِفٍ مَهْمُوزَةٍ؛ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ عَيْنُ الفِعْلِ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ؛ عَلى عُرْفِ التَخْفِيفِ وقِياسِهِ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأها بِألِفٍ ساكِنَةٍ؛ وحَذْفِ الهَمْزَةِ؛ وهَذا تَخْفِيفٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ والكافُ فِي: "أرَأيْتَكَ زَيْدًا؟"؛ و"أرَأيْتَكُمْ؟"؛ لَيْسَتْ بِاسْمٍ؛ وإنَّما هي مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "ذَلِكَ"؛ و"أبْصِرْكَ زَيْدًا"؛ ونَحْوِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنْ "رَأيْتَ"؛ بِمَعْنى العِلْمِ؛ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرِ؛ فالأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْها؛ هو الثانِي بِعَيْنِهِ؛ والكافُ في "أرَأيْتَكَ زَيْدًا"؛ لَيْسَتِ المَفْعُولَ الثانِيَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] ؛ فَإذا لَمْ تَكُنِ اسْمًا صَحَّ أنَّها مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ وإذا تَجَرَّدَتْ لِلْخِطابِ صَحَّ أنَّ التاءَ لَيْسَتْ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "أنْتَ"؛ لِأنَّ عَلامَتَيْ خِطابٍ لا تَجْتَمِعانِ عَلى كَلِمَةٍ؛ كَما لا تَجْتَمِعُ عَلامَتا تَأْنِيثٍ؛ ولا عَلامَتا اسْتِفْهامٍ؛ فَلَمّا تَجَرَّدَتِ التاءُ مِنَ الخِطابِ؛ وبَقِيَتْ عَلامَةُ الفاعِلِ فَقَطِ اسْتُغْنِيَ عن إظْهارِ تَغْيِيرِ الجَمْعِ فِيها؛ والتَأْنِيثِ؛ لِظُهُورِ ذَلِكَ في الكَلامِ؛ وبَقِيَتِ التاءُ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الإفْرادِ؛ والتَثْنِيَةِ؛ والجَمْعِ؛ والتَأْنِيثِ؛ ورُوِيَ عن بَعْضِ بَنِي كِلابٍ أنَّهُ قالَ: "أتَعْلَمُكَ كانَ أحَدٌ أشْعَرَ مِن ذِي الرُمَّةِ ؟". فَهَذِهِ الكافُ صِلَةٌ في الخِطابِ.
و﴿أتاكم عَذابُ اللهِ﴾ ؛ مَعْناهُ: أتاكم خَوْفُهُ؛ وأماراتُهُ؛ وأوائِلُهُ؛ مِثْلُ الجُدْبِ؛ والبَأْساءِ؛ والأمْراضِ؛ ونَحْوِها؛ الَّتِي يُخافُ مِنها الهَلاكُ؛ ويَدْعُو إلى هَذا التَأْوِيلِ أنّا لَوْ قَدَّرْنا إتْيانَ العَذابِ؛ وحُلُولَهُ؛ لَمْ يَتَرَتَّبْ أنْ يَقُولَ - بَعْدَ ذَلِكَ - ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ ؛ لِأنَّ ما قَدْ صَحَّ حُلُولُهُ ومَضى عَلى البَشَرِ؛ لا يَصِحُّ كَشْفُهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "اَلسّاعَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْتُ الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى: بَلْ لا مَلْجَأ لَكم إلّا اللهُ تَعالى ؛ وأصْنامُكم مُطَّرَحَةٌ؛ مَنسِيَّةٌ؛ و"ما"؛ بِمَعْنى: "اَلَّذِي تَدْعُونَ إلَيْهِ مِن أجْلِهِ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" ظَرْفِيَّةً؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ عَلى حَذْفٍ في الكَلامِ؛ قالَ الزَجّاجُ: هو مِثْلُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ؛ والضَمِيرُ في "إلَيْهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى اللهِ تَعالى ؛ بِتَقْدِيرِ: (p-٣٦١)"فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ فِيهِ إلى اللهِ تَعالى "؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "ما"؛ بِتَقْدِيرِ: "فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ"؛ و"إنْ شاءَ"؛ اِسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّ المِحْنَةَ إذا أظَلَّتْ عَلَيْهِمْ؛ فَدَعَوْا إلَيْهِ في كَشْفِها؛ وصَرْفِها؛ فَهو - لا إلَهَ إلّا هو - كاشِفٌ؛ إنْ شاءَ؛ ومُصِيبٌ؛ إنْ شاءَ؛ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ وتَقَدَّمَ مَعْنى: "تَنْسَوْنَ"؛ و"إيّاهُ"؛ اِسْمٌ مُضْمَرٌ؛ أُجْرِيَ مُجْرى المُظْهَراتِ في أنَّهُ يُضافُ أبَدًا؛ وقِيلَ: هو مُبْهَمٌ؛ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ مُضَمَّنَةٌ الإشارَةَ إلى حاضِرٍ؛ نَحْوَ: "ذاكَ"؛ و"تِلْكَ"؛ و"هَؤُلاءِ"؛ و"إيّا"؛ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
الأنعام 6:40
(p-٣٥٩)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُلُماتِ مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأِ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللهِ أو أتَتْكُمُ الساعَةُ أغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾
كَأنَّهُ قالَ: "وَما مِن دابَّةٍ؛ ولا طائِرٍ؛ ولا شَيْءٍ إلّا فِيهِ آيَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ تَعالى ؛ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صُمٌّ؛ وبُكْمٌ؛ لا يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ؛ ولا يَقْبَلُونَهُ"؛ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُكَذِّبٍ؛ وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ بِمَشِيئَتِهِ في خَلْقِهِ؛ فَقالَ مُبْتَدِئًا الكَلامَ: ﴿مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ﴾ ؛ شَرْطٌ وجَوابُهُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فِي الظُلُماتِ﴾ ؛ يَنُوبُ عن "عُمْيٌ"؛ و﴿فِي الظُلُماتِ﴾ ؛ أهْوَلُ عِبارَةً؛ وأفْصَحُ وأوقَعُ في النَفْسِ؛ و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ الواضِحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ ؛ اِبْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ الجاعِلِينَ لِلَّهِ شُرَكاءَ؛ والمَعْنى: "أرَأيْتُمْ إذا خِفْتُمْ عَذابَ اللهِ تَعالى ؛ أو خِفْتُمْ هَلاكًا؛ أو خِفْتُمُ الساعَةَ؛ أتَدْعُونَ أصْنامَكُمْ؛ وتَلْجَؤُونَ إلَيْها في كَشْفِ ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكُمْ: إنَّها آلِهَةٌ؟ بَلْ تَدْعُونَ اللهَ الخالِقَ الرَزّاقَ؛ فَيَكْشِفُ ما خِفْتُمُوهُ؛ إنْ شاءَ؛ وتَنْسَوْنَ أصْنامَكم - أيْ تَتْرُكُونَهُمْ"؛ فَعَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِأعْظَمِ وُجُوهِهِ؛ الَّذِي هو مَعَ التَرْكِ ذُهُولٌ؛ وإغْفالٌ؛ فَكَيْفَ يُجْعَلُ إلَهًا مَن هَذِهِ حالُهُ في الشَدائِدِ؛ والأزَماتِ؟
(p-٣٦٠)وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ: "أرَأيْتَكُمْ"؛ بِألِفٍ مَهْمُوزَةٍ؛ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ عَيْنُ الفِعْلِ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ؛ عَلى عُرْفِ التَخْفِيفِ وقِياسِهِ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأها بِألِفٍ ساكِنَةٍ؛ وحَذْفِ الهَمْزَةِ؛ وهَذا تَخْفِيفٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ والكافُ فِي: "أرَأيْتَكَ زَيْدًا؟"؛ و"أرَأيْتَكُمْ؟"؛ لَيْسَتْ بِاسْمٍ؛ وإنَّما هي مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "ذَلِكَ"؛ و"أبْصِرْكَ زَيْدًا"؛ ونَحْوِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنْ "رَأيْتَ"؛ بِمَعْنى العِلْمِ؛ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرِ؛ فالأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْها؛ هو الثانِي بِعَيْنِهِ؛ والكافُ في "أرَأيْتَكَ زَيْدًا"؛ لَيْسَتِ المَفْعُولَ الثانِيَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] ؛ فَإذا لَمْ تَكُنِ اسْمًا صَحَّ أنَّها مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ وإذا تَجَرَّدَتْ لِلْخِطابِ صَحَّ أنَّ التاءَ لَيْسَتْ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "أنْتَ"؛ لِأنَّ عَلامَتَيْ خِطابٍ لا تَجْتَمِعانِ عَلى كَلِمَةٍ؛ كَما لا تَجْتَمِعُ عَلامَتا تَأْنِيثٍ؛ ولا عَلامَتا اسْتِفْهامٍ؛ فَلَمّا تَجَرَّدَتِ التاءُ مِنَ الخِطابِ؛ وبَقِيَتْ عَلامَةُ الفاعِلِ فَقَطِ اسْتُغْنِيَ عن إظْهارِ تَغْيِيرِ الجَمْعِ فِيها؛ والتَأْنِيثِ؛ لِظُهُورِ ذَلِكَ في الكَلامِ؛ وبَقِيَتِ التاءُ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الإفْرادِ؛ والتَثْنِيَةِ؛ والجَمْعِ؛ والتَأْنِيثِ؛ ورُوِيَ عن بَعْضِ بَنِي كِلابٍ أنَّهُ قالَ: "أتَعْلَمُكَ كانَ أحَدٌ أشْعَرَ مِن ذِي الرُمَّةِ ؟". فَهَذِهِ الكافُ صِلَةٌ في الخِطابِ.
و﴿أتاكم عَذابُ اللهِ﴾ ؛ مَعْناهُ: أتاكم خَوْفُهُ؛ وأماراتُهُ؛ وأوائِلُهُ؛ مِثْلُ الجُدْبِ؛ والبَأْساءِ؛ والأمْراضِ؛ ونَحْوِها؛ الَّتِي يُخافُ مِنها الهَلاكُ؛ ويَدْعُو إلى هَذا التَأْوِيلِ أنّا لَوْ قَدَّرْنا إتْيانَ العَذابِ؛ وحُلُولَهُ؛ لَمْ يَتَرَتَّبْ أنْ يَقُولَ - بَعْدَ ذَلِكَ - ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ ؛ لِأنَّ ما قَدْ صَحَّ حُلُولُهُ ومَضى عَلى البَشَرِ؛ لا يَصِحُّ كَشْفُهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "اَلسّاعَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْتُ الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى: بَلْ لا مَلْجَأ لَكم إلّا اللهُ تَعالى ؛ وأصْنامُكم مُطَّرَحَةٌ؛ مَنسِيَّةٌ؛ و"ما"؛ بِمَعْنى: "اَلَّذِي تَدْعُونَ إلَيْهِ مِن أجْلِهِ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" ظَرْفِيَّةً؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ عَلى حَذْفٍ في الكَلامِ؛ قالَ الزَجّاجُ: هو مِثْلُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ؛ والضَمِيرُ في "إلَيْهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى اللهِ تَعالى ؛ بِتَقْدِيرِ: (p-٣٦١)"فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ فِيهِ إلى اللهِ تَعالى "؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "ما"؛ بِتَقْدِيرِ: "فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ"؛ و"إنْ شاءَ"؛ اِسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّ المِحْنَةَ إذا أظَلَّتْ عَلَيْهِمْ؛ فَدَعَوْا إلَيْهِ في كَشْفِها؛ وصَرْفِها؛ فَهو - لا إلَهَ إلّا هو - كاشِفٌ؛ إنْ شاءَ؛ ومُصِيبٌ؛ إنْ شاءَ؛ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ وتَقَدَّمَ مَعْنى: "تَنْسَوْنَ"؛ و"إيّاهُ"؛ اِسْمٌ مُضْمَرٌ؛ أُجْرِيَ مُجْرى المُظْهَراتِ في أنَّهُ يُضافُ أبَدًا؛ وقِيلَ: هو مُبْهَمٌ؛ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ مُضَمَّنَةٌ الإشارَةَ إلى حاضِرٍ؛ نَحْوَ: "ذاكَ"؛ و"تِلْكَ"؛ و"هَؤُلاءِ"؛ و"إيّا"؛ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
الأنعام 6:41
(p-٣٥٩)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُلُماتِ مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأِ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللهِ أو أتَتْكُمُ الساعَةُ أغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾
كَأنَّهُ قالَ: "وَما مِن دابَّةٍ؛ ولا طائِرٍ؛ ولا شَيْءٍ إلّا فِيهِ آيَةٌ مَنصُوبَةٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ تَعالى ؛ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا صُمٌّ؛ وبُكْمٌ؛ لا يَتَلَقَّوْنَ ذَلِكَ؛ ولا يَقْبَلُونَهُ"؛ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّها تَعُمُّ كُلَّ مُكَذِّبٍ؛ وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في بَنِي عَبْدِ الدارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ بِمَشِيئَتِهِ في خَلْقِهِ؛ فَقالَ مُبْتَدِئًا الكَلامَ: ﴿مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ﴾ ؛ شَرْطٌ وجَوابُهُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فِي الظُلُماتِ﴾ ؛ يَنُوبُ عن "عُمْيٌ"؛ و﴿فِي الظُلُماتِ﴾ ؛ أهْوَلُ عِبارَةً؛ وأفْصَحُ وأوقَعُ في النَفْسِ؛ و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ الواضِحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ ؛ اِبْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ الجاعِلِينَ لِلَّهِ شُرَكاءَ؛ والمَعْنى: "أرَأيْتُمْ إذا خِفْتُمْ عَذابَ اللهِ تَعالى ؛ أو خِفْتُمْ هَلاكًا؛ أو خِفْتُمُ الساعَةَ؛ أتَدْعُونَ أصْنامَكُمْ؛ وتَلْجَؤُونَ إلَيْها في كَشْفِ ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكُمْ: إنَّها آلِهَةٌ؟ بَلْ تَدْعُونَ اللهَ الخالِقَ الرَزّاقَ؛ فَيَكْشِفُ ما خِفْتُمُوهُ؛ إنْ شاءَ؛ وتَنْسَوْنَ أصْنامَكم - أيْ تَتْرُكُونَهُمْ"؛ فَعَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِأعْظَمِ وُجُوهِهِ؛ الَّذِي هو مَعَ التَرْكِ ذُهُولٌ؛ وإغْفالٌ؛ فَكَيْفَ يُجْعَلُ إلَهًا مَن هَذِهِ حالُهُ في الشَدائِدِ؛ والأزَماتِ؟
(p-٣٦٠)وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ: "أرَأيْتَكُمْ"؛ بِألِفٍ مَهْمُوزَةٍ؛ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ عَيْنُ الفِعْلِ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ؛ عَلى عُرْفِ التَخْفِيفِ وقِياسِهِ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأها بِألِفٍ ساكِنَةٍ؛ وحَذْفِ الهَمْزَةِ؛ وهَذا تَخْفِيفٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ والكافُ فِي: "أرَأيْتَكَ زَيْدًا؟"؛ و"أرَأيْتَكُمْ؟"؛ لَيْسَتْ بِاسْمٍ؛ وإنَّما هي مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "ذَلِكَ"؛ و"أبْصِرْكَ زَيْدًا"؛ ونَحْوِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنْ "رَأيْتَ"؛ بِمَعْنى العِلْمِ؛ إنَّما تَدْخُلُ عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرِ؛ فالأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْها؛ هو الثانِي بِعَيْنِهِ؛ والكافُ في "أرَأيْتَكَ زَيْدًا"؛ لَيْسَتِ المَفْعُولَ الثانِيَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] ؛ فَإذا لَمْ تَكُنِ اسْمًا صَحَّ أنَّها مُجَرَّدَةٌ لِلْخِطابِ؛ وإذا تَجَرَّدَتْ لِلْخِطابِ صَحَّ أنَّ التاءَ لَيْسَتْ لِلْخِطابِ؛ كَما هي في "أنْتَ"؛ لِأنَّ عَلامَتَيْ خِطابٍ لا تَجْتَمِعانِ عَلى كَلِمَةٍ؛ كَما لا تَجْتَمِعُ عَلامَتا تَأْنِيثٍ؛ ولا عَلامَتا اسْتِفْهامٍ؛ فَلَمّا تَجَرَّدَتِ التاءُ مِنَ الخِطابِ؛ وبَقِيَتْ عَلامَةُ الفاعِلِ فَقَطِ اسْتُغْنِيَ عن إظْهارِ تَغْيِيرِ الجَمْعِ فِيها؛ والتَأْنِيثِ؛ لِظُهُورِ ذَلِكَ في الكَلامِ؛ وبَقِيَتِ التاءُ عَلى حَدٍّ واحِدٍ في الإفْرادِ؛ والتَثْنِيَةِ؛ والجَمْعِ؛ والتَأْنِيثِ؛ ورُوِيَ عن بَعْضِ بَنِي كِلابٍ أنَّهُ قالَ: "أتَعْلَمُكَ كانَ أحَدٌ أشْعَرَ مِن ذِي الرُمَّةِ ؟". فَهَذِهِ الكافُ صِلَةٌ في الخِطابِ.
و﴿أتاكم عَذابُ اللهِ﴾ ؛ مَعْناهُ: أتاكم خَوْفُهُ؛ وأماراتُهُ؛ وأوائِلُهُ؛ مِثْلُ الجُدْبِ؛ والبَأْساءِ؛ والأمْراضِ؛ ونَحْوِها؛ الَّتِي يُخافُ مِنها الهَلاكُ؛ ويَدْعُو إلى هَذا التَأْوِيلِ أنّا لَوْ قَدَّرْنا إتْيانَ العَذابِ؛ وحُلُولَهُ؛ لَمْ يَتَرَتَّبْ أنْ يَقُولَ - بَعْدَ ذَلِكَ - ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ ؛ لِأنَّ ما قَدْ صَحَّ حُلُولُهُ ومَضى عَلى البَشَرِ؛ لا يَصِحُّ كَشْفُهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "اَلسّاعَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ مَوْتُ الإنْسانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى: بَلْ لا مَلْجَأ لَكم إلّا اللهُ تَعالى ؛ وأصْنامُكم مُطَّرَحَةٌ؛ مَنسِيَّةٌ؛ و"ما"؛ بِمَعْنى: "اَلَّذِي تَدْعُونَ إلَيْهِ مِن أجْلِهِ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" ظَرْفِيَّةً؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً؛ عَلى حَذْفٍ في الكَلامِ؛ قالَ الزَجّاجُ: هو مِثْلُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ؛ والضَمِيرُ في "إلَيْهِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى اللهِ تَعالى ؛ بِتَقْدِيرِ: (p-٣٦١)"فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ فِيهِ إلى اللهِ تَعالى "؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "ما"؛ بِتَقْدِيرِ: "فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ"؛ و"إنْ شاءَ"؛ اِسْتِثْناءٌ؛ لِأنَّ المِحْنَةَ إذا أظَلَّتْ عَلَيْهِمْ؛ فَدَعَوْا إلَيْهِ في كَشْفِها؛ وصَرْفِها؛ فَهو - لا إلَهَ إلّا هو - كاشِفٌ؛ إنْ شاءَ؛ ومُصِيبٌ؛ إنْ شاءَ؛ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ وتَقَدَّمَ مَعْنى: "تَنْسَوْنَ"؛ و"إيّاهُ"؛ اِسْمٌ مُضْمَرٌ؛ أُجْرِيَ مُجْرى المُظْهَراتِ في أنَّهُ يُضافُ أبَدًا؛ وقِيلَ: هو مُبْهَمٌ؛ ولَيْسَ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ مُضَمَّنَةٌ الإشارَةَ إلى حاضِرٍ؛ نَحْوَ: "ذاكَ"؛ و"تِلْكَ"؛ و"هَؤُلاءِ"؛ و"إيّا"؛ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الإشارَةِ.
الأنعام 6:42
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
فِي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهُمْ"؛ ومَعْناهُ: "لازَمْناهُمْ؛ وتابَعْناهُمُ الشَيْءَ بَعْدَ الشَيْءِ".
و"اَلْبَأْساءُ": اَلْمَصائِبُ في الأمْوالِ؛ و"اَلضَّرّاءُ": في الأبْدانِ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ؛ وقِيلَ: قَدْ يُوضَعُ كُلُّ واحِدٍ بَدَلَ الآخَرِ؛ ويُؤَدِّبُ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ ومِن هُنالِكَ أدَّبَ العُبّادُ نُفُوسَهم بِالبَأْساءِ؛ في تَفْرِيقِ المالِ؛ والضَرّاءِ؛ في الحَمْلِ عَلى البَدَنِ؛ في جُوعٍ؛ وعُرْيٍ.
والتَرَجِّي في "لَعَلَّ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ إنَّما هو عَلى مُعْتَقَدِ البَشَرِ؛ أيْ: "لَوْ رَأى أحَدٌ ذَلِكَ لَرَجا تَضَرُّعَهم بِسَبَبِهِ"؛ و"اَلتَّضَرُّعُ": اَلتَّذَلُّلُ؛ والِاسْتِكانَةُ؛ وفي المَثَلِ: "إنَّ الحُمّى أضْرَعَتْنِي لَكَ"؛ ومَعْنى الآيَةِ تَوَعُّدُ الكُفّارِ؛ وضَرْبُ المَثَلِ لَهُمْ؛ و"فَلَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ؛ وهي الَّتِي تَلِي الفِعْلَ بِمَعْنى "هَلّا"؛ وهَذا عَلى جِهَةِ المُعاتَبَةِ لِمُذْنِبٍ غائِبٍ؛ وإظْهارِ (p-٣٦٢)سُوءِ فِعْلِهِ؛ مَعَ تَحَسُّرٍ ما عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: "إذا جاءَهم أوائِلُ البَأْسِ؛ وعَلاماتُهُ؛ وهو تَرَدُّدُ البَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ و"قَسَتْ"؛ مَعْناهُ: صَلُبَتْ؛ وهي عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ؛ ونَسَبَ التَزْيِينَ إلى الشَيْطانِ؛ وقَدْ قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ؛ لِأنَّ تَسَبُّبَ الشَيْطانِ ووَسْوَسَتَهُ؛ تَجْلِبُ حُسْنَ الكُفْرِ في قُلُوبِهِمْ؛ وذَلِكَ المَجْلُوبُ؛ اللهُ يَخْلُقُهُ؛ فَإنْ نُسِبَ إلى اللهِ تَعالى فَبِأنَّهُ خالِقُهُ؛ وإلى الشَيْطانِ فَبِأنَّهُ مُسَبِّبُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَمّا نَسُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ عَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِالنِسْيانِ؛ إذا بَلَغَ وُجُوهَ التَرْكِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ نِسْيانٌ؛ وزَوالُ المَتْرُوكِ عَنِ الذِهْنِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ: "فَتَّحْنا"؛ بِتَشْدِيدِ التاءِ؛ و"كُلِّ شَيْءٍ"؛ مَعْناهُ: "مِمّا كانَ سُدَّ عَلَيْهِمْ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ مِنَ النِعَمِ الدُنْيَوِيَّةِ"؛ فَهو عُمُومٌ مَعْناهُ خُصُوصٌ؛ و"فَرِحُوا"؛ مَعْناهُ: بَطَرُوا؛ وأشَرُوا؛ وأُعْجِبُوا؛ وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ لا يَبِيدُ؛ وأنَّهُ دالٌّ عَلى رِضا اللهِ تَعالى عنهُمْ"؛ وهو اسْتِدْراجٌ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ وقَدْ رُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: "رَحِمَ اللهُ عَبْدًا تَدَبَّرَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ "؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَضْرِ الحارِثِيِّ: "أُمْهِلَ القَوْمُ عِشْرِينَ سَنَةً"؛ ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إذا رَأيْتُمُ اللهَ تَعالى يُعْطِي العِبادَ ما يَشاؤُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ؛ فَذَلِكَ اسْتِدْراجٌ"؛» ثُمَّ تَلا ﴿فَلَمّا نَسُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ كُلَّها.
و"أخَذْناهُمْ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ مَعْناهُ: اِسْتَأْصَلْناهُمْ؛ وسَطَوْنا بِهِمْ؛ و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: فَجْأةً؛ والعامِلُ فِيهِ: "أخَذْناهُمْ"؛ وهو مَصْدَرٌ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لا يُقاسُ عَلَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ و"اَلْمُبْلِسُ": اَلْحَزِينُ؛ الباهِتُ؛ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ؛ الَّذِي لا يُحِيرُ جَوابًا؛ لِشِدَّةِ ما نَزَلَ بِهِ مِن سُوءِ الحالِ.
(p-٣٦٣)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "اَلدّابِرُ": آخِرُ الأمْرِ؛ الَّذِي يَدْبُرُهُ؛ أيْ: يَأْتِي مِن خَلْفِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَأُهْلِكُوا بِعَذابٍ حَصَّ دابِرَهم ∗∗∗ فَما اسْتَطاعُوا لَهُ دَفْعًا ولا انْتَصَرُوا
وقَوْلُ الآخَرِ:
وقَدْ زَعَمَتْ عُلْيا
؎ بَغِيضٍ ولِفُّها ∗∗∗ ∗∗∗ بِأنِّي وحِيدٌ قَدْ تَقَطَّعَ دابِرِي
وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِ شَأْفَتِهِمْ؛ ومَحْوِ آثارِهِمْ؛ كَأنَّهم ورَدُوا العَذابَ حَتّى ورَدَ آخِرُهُمُ الَّذِي دَبَرَهُمْ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "فَقَطَعَ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ والطاءِ؛ "دابِرَ"؛ بِالنَصْبِ.
وحَسُنَ الحَمْدُ عَقِبَ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِجَمالِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ؛ في أنْ أرْسَلَ تَعالى الرُسُلَ؛ وتَلَطَّفَ في الأخْذِ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ لِيُتَضَرَّعَ إلَيْهِ؛ فَيَرْحَمَ؛ ويُنْعِمَ؛ وقَطَعَ في آخِرِ الأمْرِ دابِرَ ظُلْمِهِمْ؛ وذَلِكَ حَسَنٌ في نَفْسِهِ؛ ونِعْمَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ فَحَسُنَ الحَمْدُ بِعَقِبِ هَذِهِ الأفْعالِ؛ وبِحَمْدِ اللهِ تَعالى يَنْبَغِي أنْ يُخْتَمَ كُلُّ فِعْلٍ؛ وكُلُّ مَقالَةٍ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ.
الأنعام 6:43
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
فِي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهُمْ"؛ ومَعْناهُ: "لازَمْناهُمْ؛ وتابَعْناهُمُ الشَيْءَ بَعْدَ الشَيْءِ".
و"اَلْبَأْساءُ": اَلْمَصائِبُ في الأمْوالِ؛ و"اَلضَّرّاءُ": في الأبْدانِ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ؛ وقِيلَ: قَدْ يُوضَعُ كُلُّ واحِدٍ بَدَلَ الآخَرِ؛ ويُؤَدِّبُ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ ومِن هُنالِكَ أدَّبَ العُبّادُ نُفُوسَهم بِالبَأْساءِ؛ في تَفْرِيقِ المالِ؛ والضَرّاءِ؛ في الحَمْلِ عَلى البَدَنِ؛ في جُوعٍ؛ وعُرْيٍ.
والتَرَجِّي في "لَعَلَّ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ إنَّما هو عَلى مُعْتَقَدِ البَشَرِ؛ أيْ: "لَوْ رَأى أحَدٌ ذَلِكَ لَرَجا تَضَرُّعَهم بِسَبَبِهِ"؛ و"اَلتَّضَرُّعُ": اَلتَّذَلُّلُ؛ والِاسْتِكانَةُ؛ وفي المَثَلِ: "إنَّ الحُمّى أضْرَعَتْنِي لَكَ"؛ ومَعْنى الآيَةِ تَوَعُّدُ الكُفّارِ؛ وضَرْبُ المَثَلِ لَهُمْ؛ و"فَلَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ؛ وهي الَّتِي تَلِي الفِعْلَ بِمَعْنى "هَلّا"؛ وهَذا عَلى جِهَةِ المُعاتَبَةِ لِمُذْنِبٍ غائِبٍ؛ وإظْهارِ (p-٣٦٢)سُوءِ فِعْلِهِ؛ مَعَ تَحَسُّرٍ ما عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: "إذا جاءَهم أوائِلُ البَأْسِ؛ وعَلاماتُهُ؛ وهو تَرَدُّدُ البَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ و"قَسَتْ"؛ مَعْناهُ: صَلُبَتْ؛ وهي عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ؛ ونَسَبَ التَزْيِينَ إلى الشَيْطانِ؛ وقَدْ قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ؛ لِأنَّ تَسَبُّبَ الشَيْطانِ ووَسْوَسَتَهُ؛ تَجْلِبُ حُسْنَ الكُفْرِ في قُلُوبِهِمْ؛ وذَلِكَ المَجْلُوبُ؛ اللهُ يَخْلُقُهُ؛ فَإنْ نُسِبَ إلى اللهِ تَعالى فَبِأنَّهُ خالِقُهُ؛ وإلى الشَيْطانِ فَبِأنَّهُ مُسَبِّبُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَمّا نَسُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ عَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِالنِسْيانِ؛ إذا بَلَغَ وُجُوهَ التَرْكِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ نِسْيانٌ؛ وزَوالُ المَتْرُوكِ عَنِ الذِهْنِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ: "فَتَّحْنا"؛ بِتَشْدِيدِ التاءِ؛ و"كُلِّ شَيْءٍ"؛ مَعْناهُ: "مِمّا كانَ سُدَّ عَلَيْهِمْ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ مِنَ النِعَمِ الدُنْيَوِيَّةِ"؛ فَهو عُمُومٌ مَعْناهُ خُصُوصٌ؛ و"فَرِحُوا"؛ مَعْناهُ: بَطَرُوا؛ وأشَرُوا؛ وأُعْجِبُوا؛ وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ لا يَبِيدُ؛ وأنَّهُ دالٌّ عَلى رِضا اللهِ تَعالى عنهُمْ"؛ وهو اسْتِدْراجٌ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ وقَدْ رُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: "رَحِمَ اللهُ عَبْدًا تَدَبَّرَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ "؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَضْرِ الحارِثِيِّ: "أُمْهِلَ القَوْمُ عِشْرِينَ سَنَةً"؛ ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إذا رَأيْتُمُ اللهَ تَعالى يُعْطِي العِبادَ ما يَشاؤُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ؛ فَذَلِكَ اسْتِدْراجٌ"؛» ثُمَّ تَلا ﴿فَلَمّا نَسُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ كُلَّها.
و"أخَذْناهُمْ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ مَعْناهُ: اِسْتَأْصَلْناهُمْ؛ وسَطَوْنا بِهِمْ؛ و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: فَجْأةً؛ والعامِلُ فِيهِ: "أخَذْناهُمْ"؛ وهو مَصْدَرٌ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لا يُقاسُ عَلَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ و"اَلْمُبْلِسُ": اَلْحَزِينُ؛ الباهِتُ؛ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ؛ الَّذِي لا يُحِيرُ جَوابًا؛ لِشِدَّةِ ما نَزَلَ بِهِ مِن سُوءِ الحالِ.
(p-٣٦٣)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "اَلدّابِرُ": آخِرُ الأمْرِ؛ الَّذِي يَدْبُرُهُ؛ أيْ: يَأْتِي مِن خَلْفِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَأُهْلِكُوا بِعَذابٍ حَصَّ دابِرَهم ∗∗∗ فَما اسْتَطاعُوا لَهُ دَفْعًا ولا انْتَصَرُوا
وقَوْلُ الآخَرِ:
وقَدْ زَعَمَتْ عُلْيا
؎ بَغِيضٍ ولِفُّها ∗∗∗ ∗∗∗ بِأنِّي وحِيدٌ قَدْ تَقَطَّعَ دابِرِي
وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِ شَأْفَتِهِمْ؛ ومَحْوِ آثارِهِمْ؛ كَأنَّهم ورَدُوا العَذابَ حَتّى ورَدَ آخِرُهُمُ الَّذِي دَبَرَهُمْ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "فَقَطَعَ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ والطاءِ؛ "دابِرَ"؛ بِالنَصْبِ.
وحَسُنَ الحَمْدُ عَقِبَ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِجَمالِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ؛ في أنْ أرْسَلَ تَعالى الرُسُلَ؛ وتَلَطَّفَ في الأخْذِ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ لِيُتَضَرَّعَ إلَيْهِ؛ فَيَرْحَمَ؛ ويُنْعِمَ؛ وقَطَعَ في آخِرِ الأمْرِ دابِرَ ظُلْمِهِمْ؛ وذَلِكَ حَسَنٌ في نَفْسِهِ؛ ونِعْمَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ فَحَسُنَ الحَمْدُ بِعَقِبِ هَذِهِ الأفْعالِ؛ وبِحَمْدِ اللهِ تَعالى يَنْبَغِي أنْ يُخْتَمَ كُلُّ فِعْلٍ؛ وكُلُّ مَقالَةٍ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ.
الأنعام 6:44
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
فِي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهُمْ"؛ ومَعْناهُ: "لازَمْناهُمْ؛ وتابَعْناهُمُ الشَيْءَ بَعْدَ الشَيْءِ".
و"اَلْبَأْساءُ": اَلْمَصائِبُ في الأمْوالِ؛ و"اَلضَّرّاءُ": في الأبْدانِ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ؛ وقِيلَ: قَدْ يُوضَعُ كُلُّ واحِدٍ بَدَلَ الآخَرِ؛ ويُؤَدِّبُ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ ومِن هُنالِكَ أدَّبَ العُبّادُ نُفُوسَهم بِالبَأْساءِ؛ في تَفْرِيقِ المالِ؛ والضَرّاءِ؛ في الحَمْلِ عَلى البَدَنِ؛ في جُوعٍ؛ وعُرْيٍ.
والتَرَجِّي في "لَعَلَّ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ إنَّما هو عَلى مُعْتَقَدِ البَشَرِ؛ أيْ: "لَوْ رَأى أحَدٌ ذَلِكَ لَرَجا تَضَرُّعَهم بِسَبَبِهِ"؛ و"اَلتَّضَرُّعُ": اَلتَّذَلُّلُ؛ والِاسْتِكانَةُ؛ وفي المَثَلِ: "إنَّ الحُمّى أضْرَعَتْنِي لَكَ"؛ ومَعْنى الآيَةِ تَوَعُّدُ الكُفّارِ؛ وضَرْبُ المَثَلِ لَهُمْ؛ و"فَلَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ؛ وهي الَّتِي تَلِي الفِعْلَ بِمَعْنى "هَلّا"؛ وهَذا عَلى جِهَةِ المُعاتَبَةِ لِمُذْنِبٍ غائِبٍ؛ وإظْهارِ (p-٣٦٢)سُوءِ فِعْلِهِ؛ مَعَ تَحَسُّرٍ ما عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: "إذا جاءَهم أوائِلُ البَأْسِ؛ وعَلاماتُهُ؛ وهو تَرَدُّدُ البَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ و"قَسَتْ"؛ مَعْناهُ: صَلُبَتْ؛ وهي عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ؛ ونَسَبَ التَزْيِينَ إلى الشَيْطانِ؛ وقَدْ قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ؛ لِأنَّ تَسَبُّبَ الشَيْطانِ ووَسْوَسَتَهُ؛ تَجْلِبُ حُسْنَ الكُفْرِ في قُلُوبِهِمْ؛ وذَلِكَ المَجْلُوبُ؛ اللهُ يَخْلُقُهُ؛ فَإنْ نُسِبَ إلى اللهِ تَعالى فَبِأنَّهُ خالِقُهُ؛ وإلى الشَيْطانِ فَبِأنَّهُ مُسَبِّبُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَمّا نَسُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ عَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِالنِسْيانِ؛ إذا بَلَغَ وُجُوهَ التَرْكِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ نِسْيانٌ؛ وزَوالُ المَتْرُوكِ عَنِ الذِهْنِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ: "فَتَّحْنا"؛ بِتَشْدِيدِ التاءِ؛ و"كُلِّ شَيْءٍ"؛ مَعْناهُ: "مِمّا كانَ سُدَّ عَلَيْهِمْ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ مِنَ النِعَمِ الدُنْيَوِيَّةِ"؛ فَهو عُمُومٌ مَعْناهُ خُصُوصٌ؛ و"فَرِحُوا"؛ مَعْناهُ: بَطَرُوا؛ وأشَرُوا؛ وأُعْجِبُوا؛ وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ لا يَبِيدُ؛ وأنَّهُ دالٌّ عَلى رِضا اللهِ تَعالى عنهُمْ"؛ وهو اسْتِدْراجٌ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ وقَدْ رُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: "رَحِمَ اللهُ عَبْدًا تَدَبَّرَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ "؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَضْرِ الحارِثِيِّ: "أُمْهِلَ القَوْمُ عِشْرِينَ سَنَةً"؛ ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إذا رَأيْتُمُ اللهَ تَعالى يُعْطِي العِبادَ ما يَشاؤُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ؛ فَذَلِكَ اسْتِدْراجٌ"؛» ثُمَّ تَلا ﴿فَلَمّا نَسُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ كُلَّها.
و"أخَذْناهُمْ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ مَعْناهُ: اِسْتَأْصَلْناهُمْ؛ وسَطَوْنا بِهِمْ؛ و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: فَجْأةً؛ والعامِلُ فِيهِ: "أخَذْناهُمْ"؛ وهو مَصْدَرٌ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لا يُقاسُ عَلَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ و"اَلْمُبْلِسُ": اَلْحَزِينُ؛ الباهِتُ؛ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ؛ الَّذِي لا يُحِيرُ جَوابًا؛ لِشِدَّةِ ما نَزَلَ بِهِ مِن سُوءِ الحالِ.
(p-٣٦٣)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "اَلدّابِرُ": آخِرُ الأمْرِ؛ الَّذِي يَدْبُرُهُ؛ أيْ: يَأْتِي مِن خَلْفِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَأُهْلِكُوا بِعَذابٍ حَصَّ دابِرَهم ∗∗∗ فَما اسْتَطاعُوا لَهُ دَفْعًا ولا انْتَصَرُوا
وقَوْلُ الآخَرِ:
وقَدْ زَعَمَتْ عُلْيا
؎ بَغِيضٍ ولِفُّها ∗∗∗ ∗∗∗ بِأنِّي وحِيدٌ قَدْ تَقَطَّعَ دابِرِي
وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِ شَأْفَتِهِمْ؛ ومَحْوِ آثارِهِمْ؛ كَأنَّهم ورَدُوا العَذابَ حَتّى ورَدَ آخِرُهُمُ الَّذِي دَبَرَهُمْ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "فَقَطَعَ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ والطاءِ؛ "دابِرَ"؛ بِالنَصْبِ.
وحَسُنَ الحَمْدُ عَقِبَ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِجَمالِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ؛ في أنْ أرْسَلَ تَعالى الرُسُلَ؛ وتَلَطَّفَ في الأخْذِ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ لِيُتَضَرَّعَ إلَيْهِ؛ فَيَرْحَمَ؛ ويُنْعِمَ؛ وقَطَعَ في آخِرِ الأمْرِ دابِرَ ظُلْمِهِمْ؛ وذَلِكَ حَسَنٌ في نَفْسِهِ؛ ونِعْمَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ فَحَسُنَ الحَمْدُ بِعَقِبِ هَذِهِ الأفْعالِ؛ وبِحَمْدِ اللهِ تَعالى يَنْبَغِي أنْ يُخْتَمَ كُلُّ فِعْلٍ؛ وكُلُّ مَقالَةٍ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ.
الأنعام 6:45
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
فِي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهُمْ"؛ ومَعْناهُ: "لازَمْناهُمْ؛ وتابَعْناهُمُ الشَيْءَ بَعْدَ الشَيْءِ".
و"اَلْبَأْساءُ": اَلْمَصائِبُ في الأمْوالِ؛ و"اَلضَّرّاءُ": في الأبْدانِ؛ هَذا قَوْلُ الأكْثَرِ؛ وقِيلَ: قَدْ يُوضَعُ كُلُّ واحِدٍ بَدَلَ الآخَرِ؛ ويُؤَدِّبُ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ ومِن هُنالِكَ أدَّبَ العُبّادُ نُفُوسَهم بِالبَأْساءِ؛ في تَفْرِيقِ المالِ؛ والضَرّاءِ؛ في الحَمْلِ عَلى البَدَنِ؛ في جُوعٍ؛ وعُرْيٍ.
والتَرَجِّي في "لَعَلَّ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ إنَّما هو عَلى مُعْتَقَدِ البَشَرِ؛ أيْ: "لَوْ رَأى أحَدٌ ذَلِكَ لَرَجا تَضَرُّعَهم بِسَبَبِهِ"؛ و"اَلتَّضَرُّعُ": اَلتَّذَلُّلُ؛ والِاسْتِكانَةُ؛ وفي المَثَلِ: "إنَّ الحُمّى أضْرَعَتْنِي لَكَ"؛ ومَعْنى الآيَةِ تَوَعُّدُ الكُفّارِ؛ وضَرْبُ المَثَلِ لَهُمْ؛ و"فَلَوْلا"؛ تَحْضِيضٌ؛ وهي الَّتِي تَلِي الفِعْلَ بِمَعْنى "هَلّا"؛ وهَذا عَلى جِهَةِ المُعاتَبَةِ لِمُذْنِبٍ غائِبٍ؛ وإظْهارِ (p-٣٦٢)سُوءِ فِعْلِهِ؛ مَعَ تَحَسُّرٍ ما عَلَيْهِ؛ والمَعْنى: "إذا جاءَهم أوائِلُ البَأْسِ؛ وعَلاماتُهُ؛ وهو تَرَدُّدُ البَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ و"قَسَتْ"؛ مَعْناهُ: صَلُبَتْ؛ وهي عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ؛ ونَسَبَ التَزْيِينَ إلى الشَيْطانِ؛ وقَدْ قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ؛ لِأنَّ تَسَبُّبَ الشَيْطانِ ووَسْوَسَتَهُ؛ تَجْلِبُ حُسْنَ الكُفْرِ في قُلُوبِهِمْ؛ وذَلِكَ المَجْلُوبُ؛ اللهُ يَخْلُقُهُ؛ فَإنْ نُسِبَ إلى اللهِ تَعالى فَبِأنَّهُ خالِقُهُ؛ وإلى الشَيْطانِ فَبِأنَّهُ مُسَبِّبُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَمّا نَسُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ عَبَّرَ عَنِ التَرْكِ بِالنِسْيانِ؛ إذا بَلَغَ وُجُوهَ التَرْكِ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ نِسْيانٌ؛ وزَوالُ المَتْرُوكِ عَنِ الذِهْنِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ: "فَتَّحْنا"؛ بِتَشْدِيدِ التاءِ؛ و"كُلِّ شَيْءٍ"؛ مَعْناهُ: "مِمّا كانَ سُدَّ عَلَيْهِمْ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ مِنَ النِعَمِ الدُنْيَوِيَّةِ"؛ فَهو عُمُومٌ مَعْناهُ خُصُوصٌ؛ و"فَرِحُوا"؛ مَعْناهُ: بَطَرُوا؛ وأشَرُوا؛ وأُعْجِبُوا؛ وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ لا يَبِيدُ؛ وأنَّهُ دالٌّ عَلى رِضا اللهِ تَعالى عنهُمْ"؛ وهو اسْتِدْراجٌ مِنَ اللهِ تَعالى ؛ وقَدْ رُوِيَ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: "رَحِمَ اللهُ عَبْدًا تَدَبَّرَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ "؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَضْرِ الحارِثِيِّ: "أُمْهِلَ القَوْمُ عِشْرِينَ سَنَةً"؛ ورَوى عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "إذا رَأيْتُمُ اللهَ تَعالى يُعْطِي العِبادَ ما يَشاؤُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ؛ فَذَلِكَ اسْتِدْراجٌ"؛» ثُمَّ تَلا ﴿فَلَمّا نَسُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ كُلَّها.
و"أخَذْناهُمْ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ مَعْناهُ: اِسْتَأْصَلْناهُمْ؛ وسَطَوْنا بِهِمْ؛ و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: فَجْأةً؛ والعامِلُ فِيهِ: "أخَذْناهُمْ"؛ وهو مَصْدَرٌ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لا يُقاسُ عَلَيْهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ و"اَلْمُبْلِسُ": اَلْحَزِينُ؛ الباهِتُ؛ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ؛ الَّذِي لا يُحِيرُ جَوابًا؛ لِشِدَّةِ ما نَزَلَ بِهِ مِن سُوءِ الحالِ.
(p-٣٦٣)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: "اَلدّابِرُ": آخِرُ الأمْرِ؛ الَّذِي يَدْبُرُهُ؛ أيْ: يَأْتِي مِن خَلْفِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَأُهْلِكُوا بِعَذابٍ حَصَّ دابِرَهم ∗∗∗ فَما اسْتَطاعُوا لَهُ دَفْعًا ولا انْتَصَرُوا
وقَوْلُ الآخَرِ:
وقَدْ زَعَمَتْ عُلْيا
؎ بَغِيضٍ ولِفُّها ∗∗∗ ∗∗∗ بِأنِّي وحِيدٌ قَدْ تَقَطَّعَ دابِرِي
وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِ شَأْفَتِهِمْ؛ ومَحْوِ آثارِهِمْ؛ كَأنَّهم ورَدُوا العَذابَ حَتّى ورَدَ آخِرُهُمُ الَّذِي دَبَرَهُمْ؛ وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "فَقَطَعَ"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ والطاءِ؛ "دابِرَ"؛ بِالنَصْبِ.
وحَسُنَ الحَمْدُ عَقِبَ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِجَمالِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ؛ في أنْ أرْسَلَ تَعالى الرُسُلَ؛ وتَلَطَّفَ في الأخْذِ بِالبَأْساءِ؛ والضَرّاءِ؛ لِيُتَضَرَّعَ إلَيْهِ؛ فَيَرْحَمَ؛ ويُنْعِمَ؛ وقَطَعَ في آخِرِ الأمْرِ دابِرَ ظُلْمِهِمْ؛ وذَلِكَ حَسَنٌ في نَفْسِهِ؛ ونِعْمَةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ؛ فَحَسُنَ الحَمْدُ بِعَقِبِ هَذِهِ الأفْعالِ؛ وبِحَمْدِ اللهِ تَعالى يَنْبَغِي أنْ يُخْتَمَ كُلُّ فِعْلٍ؛ وكُلُّ مَقالَةٍ؛ لا رَبَّ غَيْرُهُ.
الأنعام 6:46
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللهُ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أو جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظالِمُونَ﴾ ﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
هَذا ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ؛ و"أخَذَ اللهُ"؛ مَعْناهُ: أذْهَبَهُ؛ وانْتَزَعَهُ بِقُدْرَتِهِ تَعالى ؛ ووَحَّدَ السَمْعَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُفْرَدٌ؛ يَدُلُّ عَلى جَمْعٍ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى المَأْخُوذِ؛ وقِيلَ: عَلى السَمْعِ؛ وقِيلَ: عَلى الهُدى الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ المَعْنى؛ وقَرَأ الأعْرَجُ وغَيْرُهُ: "بِهُ انْظُرْ"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ ورَواها المُسَيَّبِيُّ؛ وأبُو وجْزَةَ؛ عن نافِعٍ ؛ و"يَصْدِفُونَ"؛ مَعْناهُ: يُعْرِضُونَ؛ ويَنْفِرُونَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٣٦٤)
؎ إذا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أحْسَنَهُ ∗∗∗ وهُنَّ عن كُلِّ سُوءٍ يُتَّقى صُدُفُ
قالَ النَقّاشُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَفْضِيلِ السَمْعِ عَلى البَصَرِ؛ لَتَقْدِمَتِهِ هُنا؛ ثُمَّ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: "مَن إلَهٌ"؛ مَعْناهُ التَوْقِيفُ؛ أيْ: "لَيْسَ ثَمَّةَ إلَهٌ سِواهُ؛ فَما بالُ تَعَلُّقِكم بِالأصْنامِ؛ وتَمَسُّكِكم بِها؛ وهي لا تَدْفَعُ ضَرَرًا؛ ولا تَأْتِي بِخَيْرٍ؟"؛ وتَصْرِيفُ الآياتِ هو نَصْبُ العِبَرِ؛ ومَجِيءُ آياتِ القُرْآنِ بِالإنْذارِ؛ والإعْذارِ؛ والبِشارَةِ؛ ونَحْوِها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ؛ و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: لا يَتَقَدَّمُ عِنْدَكم مِنها عِلْمٌ؛ و"جَهْرَةً"؛ مَعْناهُ: تَبْدُو لَكم مَخايِلُهُ؛ ومَبادِيهِ؛ ثُمَّ تَتَوالى؛ حَتّى تَنْزِلَ؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بَغْتَةً": فَجْأةً؛ و"جَهْرَةً": نَهارًا؛ قالَ مُجاهِدٌ: "بَغْتَةً": فَجْأةً؛ آمِنِينَ؛ و"جَهْرَةً": وهم يَنْظُرُونَ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "هَلْ يَهْلِكُ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ والمَعْنى: "هَلْ تَهْلِكُونَ إلّا أنْتُمْ؟؛ لِأنَّ الظُلْمَ قَدْ تَبَيَّنَ في حَيِّزِكُمْ"؛ و"هَلْ"؛ ظاهِرُها الِاسْتِفْهامُ؛ ومَعْناها التَسْوِيَةُ المُضَمَّنَةُ لِلنَّفْيِ؛ ولا تَكُونُ التَسْوِيَةُ بِها إلّا في النَفْيِ؛ وتَكُونُ بِالألِفِ في نَفْيٍ؛ وفي إيجابٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى: "إنَّما نُرْسِلُ الأنْبِياءَ المَخْصُوصِينَ بِالرِسالَةِ؛ لِيُبَشِّرُوا بِإنْعامِنا؛ ورَحْمَتِنا لِمَن آمَنَ؛ ويُنْذِرُوا بِعَذابِنا وعِقابِنا مَن كَذَّبَ وكَفَرَ؛ ولَسْنا نُرْسِلُهم لِيُقْتَرَحَ عَلَيْهِمُ الآياتُ؛ ويُتابِعُوا شُذُوذَ كُلِّ مُتَعَسِّفٍ مُتَعَمِّقٍ"؛ ثُمَّ وعَدَ مَن سَلَكَ طَرِيقَ البِشارَةِ فَآمَنَ؛ وأصْلَحَ؛ في امْتِثالِ الطاعاتِ؛ وأوعَدَ الَّذِينَ سَلَكُوا طَرِيقَ النَذارَةِ؛ فَكَذَّبَ بِآياتِ اللهِ تَعالى ؛ وفَسَقَ؛ أيْ: خَرَجَ عَنِ الحَدِّ في كُفْرانِهِ؛ وعِصْيانِهِ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "كُلُّ فِسْقٍ في القُرْآنِ فَمَعْناهُ الكَذِبُ"؛ ذَكَرَهُ عنهُ الطَبَرِيُّ مُسْنَدًا؛ و"يَمَسُّهُمُ"؛ أيْ: يُباشِرُهُمْ؛ ويُلْصَقُ بِهِمْ؛ وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: "اَلْعَذابِّما"؛ بِإدْغامِ الباءِ في الباءِ؛ ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والأعْمَشُ: "يَفْسِقُونَ"؛ بِكَسْرِ السِينِ؛ وهي لُغَةٌ.
الأنعام 6:47
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللهُ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أو جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظالِمُونَ﴾ ﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
هَذا ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ؛ و"أخَذَ اللهُ"؛ مَعْناهُ: أذْهَبَهُ؛ وانْتَزَعَهُ بِقُدْرَتِهِ تَعالى ؛ ووَحَّدَ السَمْعَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُفْرَدٌ؛ يَدُلُّ عَلى جَمْعٍ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى المَأْخُوذِ؛ وقِيلَ: عَلى السَمْعِ؛ وقِيلَ: عَلى الهُدى الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ المَعْنى؛ وقَرَأ الأعْرَجُ وغَيْرُهُ: "بِهُ انْظُرْ"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ ورَواها المُسَيَّبِيُّ؛ وأبُو وجْزَةَ؛ عن نافِعٍ ؛ و"يَصْدِفُونَ"؛ مَعْناهُ: يُعْرِضُونَ؛ ويَنْفِرُونَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٣٦٤)
؎ إذا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أحْسَنَهُ ∗∗∗ وهُنَّ عن كُلِّ سُوءٍ يُتَّقى صُدُفُ
قالَ النَقّاشُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَفْضِيلِ السَمْعِ عَلى البَصَرِ؛ لَتَقْدِمَتِهِ هُنا؛ ثُمَّ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: "مَن إلَهٌ"؛ مَعْناهُ التَوْقِيفُ؛ أيْ: "لَيْسَ ثَمَّةَ إلَهٌ سِواهُ؛ فَما بالُ تَعَلُّقِكم بِالأصْنامِ؛ وتَمَسُّكِكم بِها؛ وهي لا تَدْفَعُ ضَرَرًا؛ ولا تَأْتِي بِخَيْرٍ؟"؛ وتَصْرِيفُ الآياتِ هو نَصْبُ العِبَرِ؛ ومَجِيءُ آياتِ القُرْآنِ بِالإنْذارِ؛ والإعْذارِ؛ والبِشارَةِ؛ ونَحْوِها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ؛ و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: لا يَتَقَدَّمُ عِنْدَكم مِنها عِلْمٌ؛ و"جَهْرَةً"؛ مَعْناهُ: تَبْدُو لَكم مَخايِلُهُ؛ ومَبادِيهِ؛ ثُمَّ تَتَوالى؛ حَتّى تَنْزِلَ؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بَغْتَةً": فَجْأةً؛ و"جَهْرَةً": نَهارًا؛ قالَ مُجاهِدٌ: "بَغْتَةً": فَجْأةً؛ آمِنِينَ؛ و"جَهْرَةً": وهم يَنْظُرُونَ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "هَلْ يَهْلِكُ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ والمَعْنى: "هَلْ تَهْلِكُونَ إلّا أنْتُمْ؟؛ لِأنَّ الظُلْمَ قَدْ تَبَيَّنَ في حَيِّزِكُمْ"؛ و"هَلْ"؛ ظاهِرُها الِاسْتِفْهامُ؛ ومَعْناها التَسْوِيَةُ المُضَمَّنَةُ لِلنَّفْيِ؛ ولا تَكُونُ التَسْوِيَةُ بِها إلّا في النَفْيِ؛ وتَكُونُ بِالألِفِ في نَفْيٍ؛ وفي إيجابٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى: "إنَّما نُرْسِلُ الأنْبِياءَ المَخْصُوصِينَ بِالرِسالَةِ؛ لِيُبَشِّرُوا بِإنْعامِنا؛ ورَحْمَتِنا لِمَن آمَنَ؛ ويُنْذِرُوا بِعَذابِنا وعِقابِنا مَن كَذَّبَ وكَفَرَ؛ ولَسْنا نُرْسِلُهم لِيُقْتَرَحَ عَلَيْهِمُ الآياتُ؛ ويُتابِعُوا شُذُوذَ كُلِّ مُتَعَسِّفٍ مُتَعَمِّقٍ"؛ ثُمَّ وعَدَ مَن سَلَكَ طَرِيقَ البِشارَةِ فَآمَنَ؛ وأصْلَحَ؛ في امْتِثالِ الطاعاتِ؛ وأوعَدَ الَّذِينَ سَلَكُوا طَرِيقَ النَذارَةِ؛ فَكَذَّبَ بِآياتِ اللهِ تَعالى ؛ وفَسَقَ؛ أيْ: خَرَجَ عَنِ الحَدِّ في كُفْرانِهِ؛ وعِصْيانِهِ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "كُلُّ فِسْقٍ في القُرْآنِ فَمَعْناهُ الكَذِبُ"؛ ذَكَرَهُ عنهُ الطَبَرِيُّ مُسْنَدًا؛ و"يَمَسُّهُمُ"؛ أيْ: يُباشِرُهُمْ؛ ويُلْصَقُ بِهِمْ؛ وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: "اَلْعَذابِّما"؛ بِإدْغامِ الباءِ في الباءِ؛ ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والأعْمَشُ: "يَفْسِقُونَ"؛ بِكَسْرِ السِينِ؛ وهي لُغَةٌ.
الأنعام 6:48
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللهُ يَأْتِيكم بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أو جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظالِمُونَ﴾ ﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾
هَذا ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ؛ و"أخَذَ اللهُ"؛ مَعْناهُ: أذْهَبَهُ؛ وانْتَزَعَهُ بِقُدْرَتِهِ تَعالى ؛ ووَحَّدَ السَمْعَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُفْرَدٌ؛ يَدُلُّ عَلى جَمْعٍ؛ والضَمِيرُ في "بِهِ"؛ عائِدٌ عَلى المَأْخُوذِ؛ وقِيلَ: عَلى السَمْعِ؛ وقِيلَ: عَلى الهُدى الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ المَعْنى؛ وقَرَأ الأعْرَجُ وغَيْرُهُ: "بِهُ انْظُرْ"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ ورَواها المُسَيَّبِيُّ؛ وأبُو وجْزَةَ؛ عن نافِعٍ ؛ و"يَصْدِفُونَ"؛ مَعْناهُ: يُعْرِضُونَ؛ ويَنْفِرُونَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٣٦٤)
؎ إذا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أحْسَنَهُ ∗∗∗ وهُنَّ عن كُلِّ سُوءٍ يُتَّقى صُدُفُ
قالَ النَقّاشُ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَفْضِيلِ السَمْعِ عَلى البَصَرِ؛ لَتَقْدِمَتِهِ هُنا؛ ثُمَّ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: "مَن إلَهٌ"؛ مَعْناهُ التَوْقِيفُ؛ أيْ: "لَيْسَ ثَمَّةَ إلَهٌ سِواهُ؛ فَما بالُ تَعَلُّقِكم بِالأصْنامِ؛ وتَمَسُّكِكم بِها؛ وهي لا تَدْفَعُ ضَرَرًا؛ ولا تَأْتِي بِخَيْرٍ؟"؛ وتَصْرِيفُ الآياتِ هو نَصْبُ العِبَرِ؛ ومَجِيءُ آياتِ القُرْآنِ بِالإنْذارِ؛ والإعْذارِ؛ والبِشارَةِ؛ ونَحْوِها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ؛ و"بَغْتَةً"؛ مَعْناهُ: لا يَتَقَدَّمُ عِنْدَكم مِنها عِلْمٌ؛ و"جَهْرَةً"؛ مَعْناهُ: تَبْدُو لَكم مَخايِلُهُ؛ ومَبادِيهِ؛ ثُمَّ تَتَوالى؛ حَتّى تَنْزِلَ؛ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بَغْتَةً": فَجْأةً؛ و"جَهْرَةً": نَهارًا؛ قالَ مُجاهِدٌ: "بَغْتَةً": فَجْأةً؛ آمِنِينَ؛ و"جَهْرَةً": وهم يَنْظُرُونَ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "هَلْ يَهْلِكُ"؛ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ؛ والمَعْنى: "هَلْ تَهْلِكُونَ إلّا أنْتُمْ؟؛ لِأنَّ الظُلْمَ قَدْ تَبَيَّنَ في حَيِّزِكُمْ"؛ و"هَلْ"؛ ظاهِرُها الِاسْتِفْهامُ؛ ومَعْناها التَسْوِيَةُ المُضَمَّنَةُ لِلنَّفْيِ؛ ولا تَكُونُ التَسْوِيَةُ بِها إلّا في النَفْيِ؛ وتَكُونُ بِالألِفِ في نَفْيٍ؛ وفي إيجابٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ: اَلْمَعْنى: "إنَّما نُرْسِلُ الأنْبِياءَ المَخْصُوصِينَ بِالرِسالَةِ؛ لِيُبَشِّرُوا بِإنْعامِنا؛ ورَحْمَتِنا لِمَن آمَنَ؛ ويُنْذِرُوا بِعَذابِنا وعِقابِنا مَن كَذَّبَ وكَفَرَ؛ ولَسْنا نُرْسِلُهم لِيُقْتَرَحَ عَلَيْهِمُ الآياتُ؛ ويُتابِعُوا شُذُوذَ كُلِّ مُتَعَسِّفٍ مُتَعَمِّقٍ"؛ ثُمَّ وعَدَ مَن سَلَكَ طَرِيقَ البِشارَةِ فَآمَنَ؛ وأصْلَحَ؛ في امْتِثالِ الطاعاتِ؛ وأوعَدَ الَّذِينَ سَلَكُوا طَرِيقَ النَذارَةِ؛ فَكَذَّبَ بِآياتِ اللهِ تَعالى ؛ وفَسَقَ؛ أيْ: خَرَجَ عَنِ الحَدِّ في كُفْرانِهِ؛ وعِصْيانِهِ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "كُلُّ فِسْقٍ في القُرْآنِ فَمَعْناهُ الكَذِبُ"؛ ذَكَرَهُ عنهُ الطَبَرِيُّ مُسْنَدًا؛ و"يَمَسُّهُمُ"؛ أيْ: يُباشِرُهُمْ؛ ويُلْصَقُ بِهِمْ؛ وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: "اَلْعَذابِّما"؛ بِإدْغامِ الباءِ في الباءِ؛ ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ والأعْمَشُ: "يَفْسِقُونَ"؛ بِكَسْرِ السِينِ؛ وهي لُغَةٌ.