Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — الأنعام 6:129 – الأعراف 7:38
المحتويات
- الأنعام 6:129
- الأنعام 6:130
- الأنعام 6:131
- الأنعام 6:132
- الأنعام 6:133
- الأنعام 6:134
- الأنعام 6:135
- الأنعام 6:136
- الأنعام 6:137
- الأنعام 6:138
- الأنعام 6:139
- الأنعام 6:140
- الأنعام 6:141
- الأنعام 6:142
- الأنعام 6:143
- الأنعام 6:144
- الأنعام 6:145
- الأنعام 6:146
- الأنعام 6:147
- الأنعام 6:148
- الأنعام 6:149
- الأنعام 6:150
- الأنعام 6:151
- الأنعام 6:152
- الأنعام 6:153
- الأنعام 6:154
- الأنعام 6:155
- الأنعام 6:156
- الأنعام 6:157
- الأنعام 6:158
- الأنعام 6:159
- الأنعام 6:160
- الأنعام 6:161
- الأنعام 6:162
- الأنعام 6:163
- الأنعام 6:164
- الأنعام 6:165
- الأعراف 7:1
- الأعراف 7:2
- الأعراف 7:3
- الأعراف 7:4
- الأعراف 7:5
- الأعراف 7:6
- الأعراف 7:7
- الأعراف 7:8
- الأعراف 7:9
- الأعراف 7:10
- الأعراف 7:11
- الأعراف 7:12
- الأعراف 7:13
- الأعراف 7:14
- الأعراف 7:15
- الأعراف 7:16
- الأعراف 7:17
- الأعراف 7:18
- الأعراف 7:19
- الأعراف 7:20
- الأعراف 7:21
- الأعراف 7:22
- الأعراف 7:23
- الأعراف 7:24
- الأعراف 7:25
- الأعراف 7:26
- الأعراف 7:27
- الأعراف 7:28
- الأعراف 7:29
- الأعراف 7:30
- الأعراف 7:31
- الأعراف 7:32
- الأعراف 7:33
- الأعراف 7:34
- الأعراف 7:35
- الأعراف 7:36
- الأعراف 7:37
- الأعراف 7:38
الأنعام 6:129
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وقالَ أولِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا قالَ النارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللهُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
(p-٤٦٠)"وَيَوْمَ"؛ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ يَوْمَ..."؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ: "وَلِيُّهُمْ"؛ والعَطْفُ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "بِما كانُوا"؛ والضَمِيرُ في "يَحْشُرُهُمْ"؛ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ: اَلَّذِينَ يَجْعَلُ اللهُ تَعالى الرِجْسَ عَلَيْهِمْ؛ وهم جَمِيعُ الكُفّارِ؛ جِنًّا؛ وإنْسًا؛ والَّذِينَ لَهم دارُ السَلامِ؛ جِنًّا؛ وإنْسًا؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ التَأْكِيدُ العامُّ بِقَوْلِهِ تَعالى "جَمِيعًا".
وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ: "يَحْشُرُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ بِالنُونِ؛ وكُلٌّ مُتَّجَهٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - ما يُقالُ لِلْجِنِّ الكَفَرَةِ؛ وفي الكَلامِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ؛ تَقْدِيرُهُ: "نَقُولُ يا مَعْشَرَ الجِنِّ..."؛ وقَوْلُهُ تَعالى "قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ"؛ مَعْناهُ: "فَرَّطْتُمْ"؛ و"مِنَ الإنْسِ"؛ يُرِيدُ في إغْوائِهِمْ؛ وإضْلالِهِمْ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وقالَ الكُفّارُ مِنَ الإنْسِ؛ وهم أولِياءُ الجِنِّ المُوَبَّخِينَ؛ عَلى جِهَةِ الِاعْتِذارِ عَنِ الجِنِّ: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ ؛ أيْ: اِنْتَفَعَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ في وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ: حَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ الإنْسَ كانَتْ تَسْتَعِيذُ بِالجِنِّ في الأودِيَةِ؛ ومَواضِعِ الخَوْفِ؛ وكانَتِ الجِنُّ تَتَعَظَّمُ عَلى الإنْسِ؛ وتَسُودُها؛ كَما يَفْعَلُ العَرَبِيُّ بِالكاهِنِ؛ والمُجِيرُ بِالمُسْتَجِيرِ؛ إذْ كانَ العَرَبِيُّ إذا نَزَلَ وادِيًا يُنادِي: "يا رَبَّ الوادِي؛ إنِّي أسْتَجِيرُ بِكَ هَذِهِ اللَيْلَةَ"؛ ثُمَّ يَرى أنَّ سَلامَتَهُ إنَّما هي بِحِفْظِ جِنِّيِّي ذَلِكَ الوادِي؛ فَهَذا اسْتِمْتاعُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِثالٌ في الِاسْتِمْتاعِ؛ ولَوْ تُتُبِّعَ لَتَبَيَّنَتْ لَهُ وُجُوهٌ أُخَرُ؛ كُلُّها دُنْيَوِيَّةٌ.
وبُلُوغُ الأجَلِ المُؤَجَّلِ؛ قالَ السُدِّيُّ: هو المَوْتُ الَّذِي انْتَهى الكُلُّ مِنهم إلَيْهِ؛ وقِيلَ: هو الحَشْرُ؛ وقِيلَ: هو الغايَةُ الَّتِي انْتَهى جَمِيعُهم إلَيْها مِنَ الِاسْتِمْتاعِ؛ كَأنَّهم أشارُوا إلى أنَّ ذَلِكَ بِقَدَرِكَ وقَضائِكَ؛ إذْ لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ؛ وقَرَأ الحَسَنُ: "وَبَلِّغْنا أجَلَنا"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ مُشَدَّدَةً.
(p-٤٦١)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ النارُ مَثْواكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَمّا يَقُولُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ إثْرَ كَلامِهِمُ المُتَقَدِّمِ؛ وجاءَ الفِعْلُ بِلَفْظِ الماضِي - وهو في الحَقِيقَةِ مُسْتَقْبَلٌ - لِصِحَّةِ وُقُوعِهِ؛ وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ؛ وفَصِيحِ الكَلامِ؛ و"مَثْواكُمْ"؛ أيْ مَوْضِعُ ثَوابِكُمْ؛ كَمُقامِكُمُ؛ الَّذِي هو مَوْضِعُ الإقامَةِ؛ هَذا قَوْلُ الزَجّاجِ وغَيْرِهِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْإغْفالُ": اَلْمَثْوى عِنْدِي: مَصْدَرٌ لا مَوْضِعَ لَهُ؛ وذَلِكَ لِعَمَلِهِ في الحالِ الَّتِي هي "خالِدِينَ"؛ والمَوْضِعِ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى فِعْلٍ؛ فَيَكُونُ عامِلًا؛ والتَقْدِيرُ: "اَلنّارُ ذاتُ ثُوائِكُمْ"؛ والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلا ما شاءَ اللهُ﴾ ؛ قالَتْ فِرْقَةٌ: "ما"؛ بِمَعْنى "مَن"؛ فالمُرادُ: "إلّا مَن شاءَ تَعالى ؛ مِمَّنْ آمَنَ في الدُنْيا؛ بَعْدَ أنْ آمَنَ؛ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ صِنْفًا؛ ساغَتْ في العِبارَةِ عنهم "ما"؛ وقالَ الفَرّاءُ: "إلّا"؛ بِمَعْنى "سِوى"؛ والمُرادُ: "سِوى ما يَشاءُ تَعالى ؛ مِن زِيادَةٍ في العَذابِ"؛ ونَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: إنَّ المُسْتَثْنى هي المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ حَشْرِهِمْ؛ إلى دُخُولِهِمُ النارَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وساغَ هَذا مِن حَيْثُ العِبارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿النارُ مَثْواكُمْ﴾ ؛ لا تَخُصُّ بِصِيغَتِها مُسْتَقْبَلَ الزَمانِ دُونَ غَيْرِهِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّهُ كانَ يَتَناوَلُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ مَبْلَغُ حالِ هَؤُلاءِ في عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ ثُمَّ أُسْنِدَ إلَيْهِ أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ آيَةٌ لا يَنْبَغِي [بِها] لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللهِ تَعالى في خَلْقِهِ؛ لا يُنْزِلَهم جَنَّةً؛ ولا نارًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والإجْماعُ عَلى التَخْلِيدِ الأبَدِيِّ في الكُفّارِ؛ ولا يَصِحُّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَّجَهُ عِنْدِي في هَذا الِاسْتِثْناءِ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتِهِ؛ ولَيْسَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ والمُسْتَثْنى هو مَن كانَ مِنَ الكَفَرَةِ يَوْمَئِذٍ يُؤْمِنُ في عِلْمِ اللهِ تَعالى ؛ كَأنَّهُ لَمّا أخْبَرَهم (p-٤٦٢)أنَّهُ قالَ لِلْكُفّارِ: ﴿النارُ مَثْواكُمْ﴾ ؛ اِسْتَثْنى لَهم مَن يُمْكِنُ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم.
و﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ صِفَتانِ مُناسِبَتانِ لِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ تَخْلِيدَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في النارِ فِعْلٌ صادِرٌ عن حُكْمٍ وعِلْمٍ بِمَواقِعِ الأشْياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي﴾ ؛ قالَ قَتادَةُ: "نُوَلِّي"؛ مَعْناهُ: "نَجْعَلُ بَعْضَهم ولِيَّ بَعْضٍ في الكُفْرِ والظُلْمِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يُؤَيِّدُهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الجِنِّ؛ والإنْسِ؛ واسْتِمْتاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ؛ وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: مَعْنى: "نُوَلِّي": "نُتْبِعُ بَعْضَهم بَعْضًا في دُخُولِ النارِ"؛ أيْ: "نَجْعَلُ بَعْضَهم يَلِي بَعْضًا"؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: "نُسَلِّطُ بَعْضَ الظالِمِينَ عَلى بَعْضٍ؛ ونَجْعَلُهم أولِياءَ النَقَمَةِ مِنهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ لا تُؤَيِّدُهُ ألْفاظُ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةُ؛ أما إنَّهُ حُفِظَ في اسْتِعْمالِ الصَحابَةِ والتابِعِينَ؛ مِن ذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُبَيْرِ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ قَتَلَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ الأشْدَقَ؛ صَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: "إنَّ فَمَ الذِبّانِ قَتَلَ لَطِيمَ الشَيْطانِ"؛ و﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
الأنعام 6:130
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ ؛ داخِلٌ في القَوْلِ يَوْمَ الحَشْرِ؛ والضَمِيرُ في (p-٤٦٣)"مِنكُمْ"؛ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عُمِّمَ بِظاهِرِهِ الطائِفَتَيْنِ؛ والمُرادُ الواحِدَةُ تَجَوُّزًا؛ وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ؛ وذَلِكَ إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ؛ وقالَ الضَحّاكُ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ؛ وفي الجِنِّ رُسُلٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ؛ ولَكِنَّ رُسُلَ الجِنِّ هم رُسُلُ الإنْسِ؛ فَهم رُسُلُ اللهِ تَعالى بِواسِطَةٍ؛ إذْ هم رُسُلُ رُسُلِهِ؛ وهُمُ النُذُرُ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مِن "اَلْقَصَصُ"؛ وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ الأعْرَجُ: "ألَمْ تَأْتِكُمْ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الرُسُلِ.
وقَوْلُهُمْ: "شَهِدْنا"؛ إقْرارٌ مِنهم بِالكُفْرِ؛ واعْتِرافٌ؛ أيْ: "شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا بِالتَقْصِيرِ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾ ؛ اِلْتِفاتَةٌ فَصِيحَةٌ تَضَمَّنَتْ أنَّ كُفْرَهم كانَ بِأذَمِّ الوُجُوهِ لَهُمْ؛ وهو الِاغْتِرارُ الَّذِي لا يُواقِعُهُ عاقِلٌ؛ ويَحْتَمِلُ "وَغَرَّتْهُمُ"؛ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "أشْبَعَتْهُمْ؛ وأطْعَمَتْهم بِحَلْوائِها"؛ كَما يُقالُ: "غَرَّ الطائِرُ فَرْخَهُ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ؛ تَظْهَرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في القُرْآنِ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَقْتَضِي إنْكارَ المُشْرِكِينَ الإشْراكَ؛ مُناقَضَةٌ؛ والجَمْعُ بَيْنَهُما هو إمّا طَوائِفُ؛ وإمّا طائِفَةٌ واحِدَةٌ في مَواطِنَ شَتّى؛ وإمّا أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ هَهُنا: ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ ؛ شَهادَةَ الأيْدِي؛ والأرْجُلِ؛ والجُلُودِ؛ بَعْدَ إنْكارِهِمْ بِالألْسِنَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واللَفْظُ هَهُنا يَبْعُدُ مِن هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ "ذَلِكَ"؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "ذَلِكَ الأمْرُ..."؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ بِتَقْدِيرِ: "فَعَلْنا"؛ و"أنْ"؛ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ و"اَلْقُرى": اَلْمُدُنُ؛ والمُرادُ أهْلُ القُرى؛ و"بِظُلْمٍ"؛ يُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَ المُدُنَ دُونَ نَذارَةٍ؛ فَيَكُونَ ظُلْمًا لَهم إذا لَمْ يُنْذِرْهُمْ؛ واللهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ؛ والآخَرُ أنَّ اللهَ - عَزَّ (p-٤٦٤)وَجَلَّ - لَمْ يُهْلِكْ أهْلَ القُرى بِظُلْمٍ؛ إذْ ظَلَمُوا؛ دُونَ أنْ يُنْذِرَهُمْ؛ وهَذا هو البَيِّنُ القَوِيُّ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - التَأْوِيلَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ عَلى دَرَجاتٍ مِنَ التَفاضُلِ؛ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ وتَفَضُّلِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ والمُشْرِكِينَ أيْضًا عَلى دَرَجاتٍ مِنَ العَذابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ قَدْ رَضِيَ بِما أُعْطِيَ غايَةَ الرِضا.
وقَرَأتِ الجَماعَةُ - سِوى ابْنِ عامِرٍ -: "يَعْمَلُونَ"؛ عَلى لَفْظِ "كُلٍّ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "تَعْمَلُونَ"؛ عَلى المُخاطَبَةِ بِالتاءِ.
الأنعام 6:131
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ ؛ داخِلٌ في القَوْلِ يَوْمَ الحَشْرِ؛ والضَمِيرُ في (p-٤٦٣)"مِنكُمْ"؛ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عُمِّمَ بِظاهِرِهِ الطائِفَتَيْنِ؛ والمُرادُ الواحِدَةُ تَجَوُّزًا؛ وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ؛ وذَلِكَ إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ؛ وقالَ الضَحّاكُ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ؛ وفي الجِنِّ رُسُلٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ؛ ولَكِنَّ رُسُلَ الجِنِّ هم رُسُلُ الإنْسِ؛ فَهم رُسُلُ اللهِ تَعالى بِواسِطَةٍ؛ إذْ هم رُسُلُ رُسُلِهِ؛ وهُمُ النُذُرُ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مِن "اَلْقَصَصُ"؛ وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ الأعْرَجُ: "ألَمْ تَأْتِكُمْ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الرُسُلِ.
وقَوْلُهُمْ: "شَهِدْنا"؛ إقْرارٌ مِنهم بِالكُفْرِ؛ واعْتِرافٌ؛ أيْ: "شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا بِالتَقْصِيرِ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾ ؛ اِلْتِفاتَةٌ فَصِيحَةٌ تَضَمَّنَتْ أنَّ كُفْرَهم كانَ بِأذَمِّ الوُجُوهِ لَهُمْ؛ وهو الِاغْتِرارُ الَّذِي لا يُواقِعُهُ عاقِلٌ؛ ويَحْتَمِلُ "وَغَرَّتْهُمُ"؛ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "أشْبَعَتْهُمْ؛ وأطْعَمَتْهم بِحَلْوائِها"؛ كَما يُقالُ: "غَرَّ الطائِرُ فَرْخَهُ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ؛ تَظْهَرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في القُرْآنِ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَقْتَضِي إنْكارَ المُشْرِكِينَ الإشْراكَ؛ مُناقَضَةٌ؛ والجَمْعُ بَيْنَهُما هو إمّا طَوائِفُ؛ وإمّا طائِفَةٌ واحِدَةٌ في مَواطِنَ شَتّى؛ وإمّا أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ هَهُنا: ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ ؛ شَهادَةَ الأيْدِي؛ والأرْجُلِ؛ والجُلُودِ؛ بَعْدَ إنْكارِهِمْ بِالألْسِنَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واللَفْظُ هَهُنا يَبْعُدُ مِن هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ "ذَلِكَ"؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "ذَلِكَ الأمْرُ..."؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ بِتَقْدِيرِ: "فَعَلْنا"؛ و"أنْ"؛ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ و"اَلْقُرى": اَلْمُدُنُ؛ والمُرادُ أهْلُ القُرى؛ و"بِظُلْمٍ"؛ يُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَ المُدُنَ دُونَ نَذارَةٍ؛ فَيَكُونَ ظُلْمًا لَهم إذا لَمْ يُنْذِرْهُمْ؛ واللهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ؛ والآخَرُ أنَّ اللهَ - عَزَّ (p-٤٦٤)وَجَلَّ - لَمْ يُهْلِكْ أهْلَ القُرى بِظُلْمٍ؛ إذْ ظَلَمُوا؛ دُونَ أنْ يُنْذِرَهُمْ؛ وهَذا هو البَيِّنُ القَوِيُّ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - التَأْوِيلَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ عَلى دَرَجاتٍ مِنَ التَفاضُلِ؛ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ وتَفَضُّلِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ والمُشْرِكِينَ أيْضًا عَلى دَرَجاتٍ مِنَ العَذابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ قَدْ رَضِيَ بِما أُعْطِيَ غايَةَ الرِضا.
وقَرَأتِ الجَماعَةُ - سِوى ابْنِ عامِرٍ -: "يَعْمَلُونَ"؛ عَلى لَفْظِ "كُلٍّ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "تَعْمَلُونَ"؛ عَلى المُخاطَبَةِ بِالتاءِ.
الأنعام 6:132
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ ؛ داخِلٌ في القَوْلِ يَوْمَ الحَشْرِ؛ والضَمِيرُ في (p-٤٦٣)"مِنكُمْ"؛ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عُمِّمَ بِظاهِرِهِ الطائِفَتَيْنِ؛ والمُرادُ الواحِدَةُ تَجَوُّزًا؛ وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ؛ وذَلِكَ إنَّما يَخْرُجُ مِنَ الأُجاجِ؛ وقالَ الضَحّاكُ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ؛ وفي الجِنِّ رُسُلٌ مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اَلضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الطائِفَتَيْنِ؛ ولَكِنَّ رُسُلَ الجِنِّ هم رُسُلُ الإنْسِ؛ فَهم رُسُلُ اللهِ تَعالى بِواسِطَةٍ؛ إذْ هم رُسُلُ رُسُلِهِ؛ وهُمُ النُذُرُ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مِن "اَلْقَصَصُ"؛ وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ الأعْرَجُ: "ألَمْ تَأْتِكُمْ"؛ بِالتاءِ؛ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الرُسُلِ.
وقَوْلُهُمْ: "شَهِدْنا"؛ إقْرارٌ مِنهم بِالكُفْرِ؛ واعْتِرافٌ؛ أيْ: "شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا بِالتَقْصِيرِ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُنْيا﴾ ؛ اِلْتِفاتَةٌ فَصِيحَةٌ تَضَمَّنَتْ أنَّ كُفْرَهم كانَ بِأذَمِّ الوُجُوهِ لَهُمْ؛ وهو الِاغْتِرارُ الَّذِي لا يُواقِعُهُ عاقِلٌ؛ ويَحْتَمِلُ "وَغَرَّتْهُمُ"؛ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: "أشْبَعَتْهُمْ؛ وأطْعَمَتْهم بِحَلْوائِها"؛ كَما يُقالُ: "غَرَّ الطائِرُ فَرْخَهُ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ؛ تَظْهَرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في القُرْآنِ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَقْتَضِي إنْكارَ المُشْرِكِينَ الإشْراكَ؛ مُناقَضَةٌ؛ والجَمْعُ بَيْنَهُما هو إمّا طَوائِفُ؛ وإمّا طائِفَةٌ واحِدَةٌ في مَواطِنَ شَتّى؛ وإمّا أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ هَهُنا: ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ ؛ شَهادَةَ الأيْدِي؛ والأرْجُلِ؛ والجُلُودِ؛ بَعْدَ إنْكارِهِمْ بِالألْسِنَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: واللَفْظُ هَهُنا يَبْعُدُ مِن هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ "ذَلِكَ"؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "ذَلِكَ الأمْرُ..."؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ بِتَقْدِيرِ: "فَعَلْنا"؛ و"أنْ"؛ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ؛ و"اَلْقُرى": اَلْمُدُنُ؛ والمُرادُ أهْلُ القُرى؛ و"بِظُلْمٍ"؛ يُتَوَجَّهُ فِيهِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَ المُدُنَ دُونَ نَذارَةٍ؛ فَيَكُونَ ظُلْمًا لَهم إذا لَمْ يُنْذِرْهُمْ؛ واللهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ؛ والآخَرُ أنَّ اللهَ - عَزَّ (p-٤٦٤)وَجَلَّ - لَمْ يُهْلِكْ أهْلَ القُرى بِظُلْمٍ؛ إذْ ظَلَمُوا؛ دُونَ أنْ يُنْذِرَهُمْ؛ وهَذا هو البَيِّنُ القَوِيُّ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ - التَأْوِيلَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ عَلى دَرَجاتٍ مِنَ التَفاضُلِ؛ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ وتَفَضُّلِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ والمُشْرِكِينَ أيْضًا عَلى دَرَجاتٍ مِنَ العَذابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ قَدْ رَضِيَ بِما أُعْطِيَ غايَةَ الرِضا.
وقَرَأتِ الجَماعَةُ - سِوى ابْنِ عامِرٍ -: "يَعْمَلُونَ"؛ عَلى لَفْظِ "كُلٍّ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "تَعْمَلُونَ"؛ عَلى المُخاطَبَةِ بِالتاءِ.
الأنعام 6:133
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾
"اَلْغَنِيُّ"؛ صِفَةُ ذاتٍ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِأنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ؛ ثُمَّ تُلِيَتْ هَذِهِ الصِفَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى "ذُو الرَحْمَةِ"؛ فَأرْدَفَ الِاسْتِغْناءَ بِالتَفَضُّلِ؛ وهَذا أجْمَلُ تَناسُقٍ؛ ثُمَّ عَقَّبَ بِهَذِهِ الألْفاظِ المُضَمَّنَةِ الوَعِيدَ؛ المُحَذِّرَةِ مِن بَطْشِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في التَعْجِيلِ بِذَلِكَ؛ وإمّا مَعَ المُهْلَةِ؛ ومُرُورِ الجَدِيدَيْنِ؛ فَكَذَلِكَ عادَةُ اللهِ تَعالى في الخَلْقِ؛ وأمّا الِاسْتِخْلافُ؛ فَكَما أوجَدَ اللهُ تَعالى هَذا العالَمَ الآدَمِيَّ بِالنَشْأةِ مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ مُتَقَدِّمِينَ؛ أصْلُهم آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأتِ الجَماعَةُ: "ذُرِّيَّةِ"؛ بِضَمِّ الذالِ؛ وشَدِّ الراءِ المَكْسُورَةِ؛ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ (p-٤٦٥)بِكَسْرِ الذالِ؛ وكَذَلِكَ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ "؛ وحَكى أبُو حاتِمٍ عن أبانَ بْنِ عُثْمانَ أنَّهُ قَرَأ: "ذَرِيَّةِ"؛ بِفَتْحِ الذالِ؛ وتَخْفِيفِ الراءِ المَكْسُورَةِ؛ وحَكى عنهُ أبُو الزِنادِ أنَّهُ قَرَأ عَلى المِنبَرِ: "ذَرْيَةِ"؛ بِفَتْحِ الذالِ؛ وسُكُونِ الراءِ؛ عَلى وزْنِ "فَعْلَةِ"؛ قالَ: فَسَألْتُهُ؛ فَقالَ: أقْرَأنِيها زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ.
و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى "مِن ذُرِّيَّةِ"؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها بِمَعْنى قَوْلِكَ: "أخَذْتُ مِن ثَوْبِي دِينارًا"؛ بِمَعْنى: "عنهُ؛ وعِوَضَهُ"؛ و"تُوعَدُونَ"؛ مَأْخُوذٌ مِن "اَلْوَعِيدُ"؛ بِقَرِينَةٍ: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ؛ والإشارَةُ إلى هَذا الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ خُصُوصًا؛ وأمّا أنْ يَكُونَ العُمُومُ مُطْلَقًا؛ فَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إنْفاذَ الوَعِيدِ؛ والعَقائِدُ تَرُدُّ ذَلِكَ؛ و"بِمُعْجِزِينَ"؛ مَعْناهُ: "بِناجِينَ هَرَبًا"؛ أيْ: "يُعْجِزُونَ طالِبَهُمْ".
ثُمَّ أمَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَتَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: "اِعْمَلُوا"؛ أيْ: "فَسَتَرَوْنَ عاقِبَةَ عَمَلِكُمُ الفاسِدِ"؛ وصِيغَةُ "اِفْعَلْ"؛ هَهُنا بِمَعْنى الوَعِيدِ والتَهْدِيدِ؛ و﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى حالِكُمْ؛ وطَرِيقَتِكُمْ؛ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "عَلى مَكاناتِكُمْ"؛ بِجَمْعِ المَكانَةِ؛ في كُلِّ القُرْآنِ؛ وقَرَأ الجَمِيعُ بِالإفْرادِ في كُلِّ القُرْآنِ؛ و"مَن" يُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ فَتَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَعْلَمُونَ"؛ ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى "تَكُونُ لَهُ"؛ و﴿عاقِبَةُ الدارِ﴾ أيْ: مَآلُ الآخِرَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مَآلُ الدُنْيا؛ بِالنَصْرِ؛ والظُهُورِ؛ فَفي الآيَةِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ.
ثُمَّ جَزَمَ الحُكْمَ بِأنَّهُ: ﴿لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾ ؛ أيْ: يَنْجَحُ سَعْيُهُمْ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "مَن يَكُونُ"؛ بِالياءِ؛ هَهُنا؛ وفي "اَلْقَصَصِ"؛ عَلى تَذْكِيرِ مَعْنى العاقِبَةِ.
الأنعام 6:134
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾
"اَلْغَنِيُّ"؛ صِفَةُ ذاتٍ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِأنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ؛ ثُمَّ تُلِيَتْ هَذِهِ الصِفَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى "ذُو الرَحْمَةِ"؛ فَأرْدَفَ الِاسْتِغْناءَ بِالتَفَضُّلِ؛ وهَذا أجْمَلُ تَناسُقٍ؛ ثُمَّ عَقَّبَ بِهَذِهِ الألْفاظِ المُضَمَّنَةِ الوَعِيدَ؛ المُحَذِّرَةِ مِن بَطْشِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في التَعْجِيلِ بِذَلِكَ؛ وإمّا مَعَ المُهْلَةِ؛ ومُرُورِ الجَدِيدَيْنِ؛ فَكَذَلِكَ عادَةُ اللهِ تَعالى في الخَلْقِ؛ وأمّا الِاسْتِخْلافُ؛ فَكَما أوجَدَ اللهُ تَعالى هَذا العالَمَ الآدَمِيَّ بِالنَشْأةِ مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ مُتَقَدِّمِينَ؛ أصْلُهم آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأتِ الجَماعَةُ: "ذُرِّيَّةِ"؛ بِضَمِّ الذالِ؛ وشَدِّ الراءِ المَكْسُورَةِ؛ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ (p-٤٦٥)بِكَسْرِ الذالِ؛ وكَذَلِكَ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ "؛ وحَكى أبُو حاتِمٍ عن أبانَ بْنِ عُثْمانَ أنَّهُ قَرَأ: "ذَرِيَّةِ"؛ بِفَتْحِ الذالِ؛ وتَخْفِيفِ الراءِ المَكْسُورَةِ؛ وحَكى عنهُ أبُو الزِنادِ أنَّهُ قَرَأ عَلى المِنبَرِ: "ذَرْيَةِ"؛ بِفَتْحِ الذالِ؛ وسُكُونِ الراءِ؛ عَلى وزْنِ "فَعْلَةِ"؛ قالَ: فَسَألْتُهُ؛ فَقالَ: أقْرَأنِيها زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ.
و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى "مِن ذُرِّيَّةِ"؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها بِمَعْنى قَوْلِكَ: "أخَذْتُ مِن ثَوْبِي دِينارًا"؛ بِمَعْنى: "عنهُ؛ وعِوَضَهُ"؛ و"تُوعَدُونَ"؛ مَأْخُوذٌ مِن "اَلْوَعِيدُ"؛ بِقَرِينَةٍ: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ؛ والإشارَةُ إلى هَذا الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ خُصُوصًا؛ وأمّا أنْ يَكُونَ العُمُومُ مُطْلَقًا؛ فَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إنْفاذَ الوَعِيدِ؛ والعَقائِدُ تَرُدُّ ذَلِكَ؛ و"بِمُعْجِزِينَ"؛ مَعْناهُ: "بِناجِينَ هَرَبًا"؛ أيْ: "يُعْجِزُونَ طالِبَهُمْ".
ثُمَّ أمَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَتَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: "اِعْمَلُوا"؛ أيْ: "فَسَتَرَوْنَ عاقِبَةَ عَمَلِكُمُ الفاسِدِ"؛ وصِيغَةُ "اِفْعَلْ"؛ هَهُنا بِمَعْنى الوَعِيدِ والتَهْدِيدِ؛ و﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى حالِكُمْ؛ وطَرِيقَتِكُمْ؛ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "عَلى مَكاناتِكُمْ"؛ بِجَمْعِ المَكانَةِ؛ في كُلِّ القُرْآنِ؛ وقَرَأ الجَمِيعُ بِالإفْرادِ في كُلِّ القُرْآنِ؛ و"مَن" يُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ فَتَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَعْلَمُونَ"؛ ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى "تَكُونُ لَهُ"؛ و﴿عاقِبَةُ الدارِ﴾ أيْ: مَآلُ الآخِرَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مَآلُ الدُنْيا؛ بِالنَصْرِ؛ والظُهُورِ؛ فَفي الآيَةِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ.
ثُمَّ جَزَمَ الحُكْمَ بِأنَّهُ: ﴿لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾ ؛ أيْ: يَنْجَحُ سَعْيُهُمْ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "مَن يَكُونُ"؛ بِالياءِ؛ هَهُنا؛ وفي "اَلْقَصَصِ"؛ عَلى تَذْكِيرِ مَعْنى العاقِبَةِ.
الأنعام 6:135
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَحْمَةِ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾
"اَلْغَنِيُّ"؛ صِفَةُ ذاتٍ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِأنَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ مِن جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ؛ ثُمَّ تُلِيَتْ هَذِهِ الصِفَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى "ذُو الرَحْمَةِ"؛ فَأرْدَفَ الِاسْتِغْناءَ بِالتَفَضُّلِ؛ وهَذا أجْمَلُ تَناسُقٍ؛ ثُمَّ عَقَّبَ بِهَذِهِ الألْفاظِ المُضَمَّنَةِ الوَعِيدَ؛ المُحَذِّرَةِ مِن بَطْشِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في التَعْجِيلِ بِذَلِكَ؛ وإمّا مَعَ المُهْلَةِ؛ ومُرُورِ الجَدِيدَيْنِ؛ فَكَذَلِكَ عادَةُ اللهِ تَعالى في الخَلْقِ؛ وأمّا الِاسْتِخْلافُ؛ فَكَما أوجَدَ اللهُ تَعالى هَذا العالَمَ الآدَمِيَّ بِالنَشْأةِ مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ مُتَقَدِّمِينَ؛ أصْلُهم آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأتِ الجَماعَةُ: "ذُرِّيَّةِ"؛ بِضَمِّ الذالِ؛ وشَدِّ الراءِ المَكْسُورَةِ؛ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ (p-٤٦٥)بِكَسْرِ الذالِ؛ وكَذَلِكَ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ "؛ وحَكى أبُو حاتِمٍ عن أبانَ بْنِ عُثْمانَ أنَّهُ قَرَأ: "ذَرِيَّةِ"؛ بِفَتْحِ الذالِ؛ وتَخْفِيفِ الراءِ المَكْسُورَةِ؛ وحَكى عنهُ أبُو الزِنادِ أنَّهُ قَرَأ عَلى المِنبَرِ: "ذَرْيَةِ"؛ بِفَتْحِ الذالِ؛ وسُكُونِ الراءِ؛ عَلى وزْنِ "فَعْلَةِ"؛ قالَ: فَسَألْتُهُ؛ فَقالَ: أقْرَأنِيها زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ.
و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى "مِن ذُرِّيَّةِ"؛ لِلتَّبْعِيضِ؛ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها بِمَعْنى قَوْلِكَ: "أخَذْتُ مِن ثَوْبِي دِينارًا"؛ بِمَعْنى: "عنهُ؛ وعِوَضَهُ"؛ و"تُوعَدُونَ"؛ مَأْخُوذٌ مِن "اَلْوَعِيدُ"؛ بِقَرِينَةٍ: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ؛ والإشارَةُ إلى هَذا الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ خُصُوصًا؛ وأمّا أنْ يَكُونَ العُمُومُ مُطْلَقًا؛ فَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إنْفاذَ الوَعِيدِ؛ والعَقائِدُ تَرُدُّ ذَلِكَ؛ و"بِمُعْجِزِينَ"؛ مَعْناهُ: "بِناجِينَ هَرَبًا"؛ أيْ: "يُعْجِزُونَ طالِبَهُمْ".
ثُمَّ أمَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَتَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: "اِعْمَلُوا"؛ أيْ: "فَسَتَرَوْنَ عاقِبَةَ عَمَلِكُمُ الفاسِدِ"؛ وصِيغَةُ "اِفْعَلْ"؛ هَهُنا بِمَعْنى الوَعِيدِ والتَهْدِيدِ؛ و﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ ؛ مَعْناهُ: عَلى حالِكُمْ؛ وطَرِيقَتِكُمْ؛ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عن عاصِمٍ: "عَلى مَكاناتِكُمْ"؛ بِجَمْعِ المَكانَةِ؛ في كُلِّ القُرْآنِ؛ وقَرَأ الجَمِيعُ بِالإفْرادِ في كُلِّ القُرْآنِ؛ و"مَن" يُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ فَتَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "تَعْلَمُونَ"؛ ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى "تَكُونُ لَهُ"؛ و﴿عاقِبَةُ الدارِ﴾ أيْ: مَآلُ الآخِرَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مَآلُ الدُنْيا؛ بِالنَصْرِ؛ والظُهُورِ؛ فَفي الآيَةِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ.
ثُمَّ جَزَمَ الحُكْمَ بِأنَّهُ: ﴿لا يُفْلِحُ الظالِمُونَ﴾ ؛ أيْ: يَنْجَحُ سَعْيُهُمْ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "مَن يَكُونُ"؛ بِالياءِ؛ هَهُنا؛ وفي "اَلْقَصَصِ"؛ عَلى تَذْكِيرِ مَعْنى العاقِبَةِ.
الأنعام 6:136
(p-٤٦٦)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾
اَلضَّمِيرُ في "وَجَعَلُوا"؛ عائِدٌ عَلى كُفّارِ العَرَبِ العادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الأوثانَ؛ الَّذِينَ تَقَدَّمَ الرَدُّ عَلَيْهِمْ مِن أوَّلِ السُورَةِ.
و"ذَرَأ"؛ مَعْناهُ: "خَلَقَ؛ وأنْشَأ؛ وبَثَّ في الأرْضِ"؛ يُقالُ: "ذَرَأ اللهُ تَعالى الخَلْقَ؛ يَذْرَؤُهُمْ؛ ذَرْءًا؛ وذُرُوءًا"؛ أيْ: "خَلَقَهُمْ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَجَعَلُوا - مِن كَذا وكَذا - نَصِيبًا"؛ يَتَضَمَّنُ بَقاءَ نَصِيبٍ آخَرَ؛ لَيْسَ بِداخِلٍ في حُكْمِ الأوَّلِ؛ فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: "فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا"؛ ثُمَّ اعْتَرَضَهم أثْناءَ القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ زَعْمٌ؛ وتَقَوُّلٌ؛ و"اَلزَّعْمُ"؛ في كَثِيرِ كَلامِ العَرَبِ أقْرَبُ إلى غَيْرِ اليَقِينِ والحَقِّ؛ يُقالُ: "زَعْمٌ"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ وبِهِ قَرَأتِ الجَماعَةُ؛ و"زُعْمٌ"؛ بِضَمِّها؛ و[بِها] قَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ و"زِعْمٌ" بِكَسْرِ الزايِ؛ ولا أحْفَظُ أحَدًا قَرَأ بِهِ.
و"اَلْحَرْثُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ يُرِيدُ بِهِ الزَرْعَ والأشْجارَ؛ وما يَكُونُ مِنَ الأرْضِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "لِشُرَكائِنا"؛ يُرِيدُ بِهِ الأصْنامَ والأوثانَ؛ وسَمَّوْهم "شُرَكاءَ" عَلى مُعْتَقَدِهِمْ فِيهِمْ أنَّهم يُساهِمُونَهم في الخَيْرِ؛ والشَرِّ؛ ويُكْسِبُونَهم ذَلِكَ.
وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَجْعَلُ مِن غَلّاتِها؛ وزَرْعِها؛ وثِمارِها؛ ومِن أنْعامِها؛ جُزْءًا تُسَمِّيهِ لِلَّهِ تَعالى ؛ وجُزْءًا تُسَمِّيهِ لِأصْنامِها؛ وكانَتْ عادَتُها التَحَفِّي؛ والِاهْتِبالَ بِنَصِيبِ الأصْنامِ أكْثَرَ مِنها بِنَصِيبِ اللهِ تَعالى إذْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الأصْنامَ بِها فَقْرٌ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ بِاللهِ تَعالى ؛ فَكانُوا إذا جَمَعُوا الزَرْعَ فَهَبَّتِ الرِيحُ فَحَمَلَتْ مِنَ الذِي لِلَّهِ تَعالى إلى الَّذِي لِشُرَكائِهِمْ أقَرُّوهُ؛ وإذا حَمَلَتْ مِنَ الذِي لِشُرَكائِهِمْ إلى اللهِ تَعالى رَدُّوهُ؛ وإذا تَفَجَّرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوا لِلَّهِ تَعالى في نَصِيبِ شُرَكائِهِمْ تَرَكُوهُ؛ وإنْ بِالعَكْسِ سَدُّوهُ؛ وإذا لَمْ يُصِيبُوا في نَصِيبِ شُرَكائِهِمْ شَيْئًا قالُوا: لا بُدَّ لِلْآلِهَةِ مِن نَفَقَةٍ؛ فَيَجْعَلُونَ نَصِيبَ اللهِ تَعالى في ذَلِكَ؛ قالَ هَذا المَعْنى ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ ومُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: إنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ هَذا ونَحْوَهُ مِنَ الفِعْلِ؛ وكَذَلِكَ في الأنْعامِ؛ وكانُوا إذا أصابَتْهُمُ السَنَةُ أكَلُوا نَصِيبَ اللهِ تَعالى وتَحامَوْا نَصِيبَ شُرَكائِهِمْ.
(p-٤٦٧)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى "فَلا يَصِلُ"؛ وقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "يَصِلُ"؛ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِن حِمايَتِهِمْ نَصِيبَ آلِهَتِهِمْ في هُبُوبِ الرِيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما ذَلِكَ في أنَّهم كانُوا إذا ذَبَحُوا لِلَّهِ تَعالى ذَكَرُوا آلِهَتَهم عَلى ذَلِكَ الذَبْحِ؛ وإذا ذَبَحُوا لِآلِهَتِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللهَ تَعالى ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فَلا يَصِلُ إلى ذِكْرِ اللهِ تَعالى "؛ وقالَ: "فَهُوَ يَصِلُ إلى ذِكْرِ شُرَكائِهِمْ"؛ و"ما"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ساءَ الَّذِي يَحْكُمُونَ"؛ ولا يُتَّجَهُ عِنْدِي أنْ يُجْرى هُنا "ساءَ"؛ مُجْرى "نِعْمَ"؛ و"بِئْسَ"؛ لِأنَّ المُفَسَّرَ هُنا مُضْمَرٌ؛ ولا بُدَّ مِن إظْهارِهِ بِاتِّفاقٍ مِنَ النُحاةِ؛ وإنَّما اتُّجِهَ أنْ تُجْرى مُجْرى "بِئْسَ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ﴾ [الأعراف: ١٧٧] ؛ لِأنَّ المُفَسَّرَ ظاهِرٌ في الكَلامِ.
الأنعام 6:137
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أولادِهِمْ شُرَكاؤُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾
اَلْكَثِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ مَن كانَ يَئِدُ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ؛ والشُرَكاءُ هَهُنا الشَياطِينُ الآمِرُونَ بِذَلِكَ؛ المُزَيِّنُونَ لَهُ؛ والحامِلُونَ عَلَيْهِ أيْضًا مِن بَنِي آدَمَ؛ الناقِلِينَ لَهُ عَصْرًا بَعْدَ عَصْرٍ؛ إذْ كُلُّهم مُشْتَرِكُونَ في قُبْحِ هَذا الفِعْلِ؛ وتَبْعاتِهِ في الآخِرَةِ؛ ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ الذَمُّ لِلْوَأْدِ والإنْحاءِ عَلى فِعْلَتِهِ.
(p-٤٦٨)واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ؛ فَقَرَأتِ الجَماعَةُ - سِوى ابْنِ عامِرٍ -: "وَكَذَلِكَ زَيَّنَ"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ "قَتْلَ"؛ بِالنَصْبِ؛ "أولادِهِمْ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ "شُرَكاؤُهُمْ"؛ وهَذِهِ أبْيَنُ قِراءَةٍ؛ وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَكَذَلِكَ زُيِّنَ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ "قَتْلُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "أولادِهِمْ" بِكَسْرِ الدالِ؛ "شُرَكاؤُهُمْ"؛ بِالرَفْعِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيِّ ؛ والحَسَنِ ؛ وأبِي عَبْدِ المَلِكِ - قاضِي الجُنْدِ؛ صاحِبِ ابْنِ عامِرٍ -؛ كَأنَّهُ قالَ: "زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهُمْ"؛ قالَ سِيبَوَيْهِ: وهَذا كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا يُطِيعُ الطَوائِحُ
كَأنَّهُ قالَ: "يَبْكِيهِ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ"؛ وأجازَ قُطْرُبٌ أنْ يَكُونَ الشُرَكاءُ في هَذِهِ القِراءَةِ ارْتَفَعُوا بِالقَتْلِ؛ كَأنَّ المَصْدَرَ أُضِيفَ إلى المَفْعُولِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ الفاعِلَ؛ كَأنَّهُ قالَ: "أنْ قَتَلَ أولادَهم شُرَكاؤُهُمْ"؛ كَما تَقُولُ: "حَبَّبَ إلَيَّ رُكُوبَ الفَرَسِ زِيدٌ"؛ أيْ: "أنْ رَكِبَ زَيْدٌ الفَرَسَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والصَحِيحُ إذا أُضِيفَ مَصْدَرٌ إلى مَفْعُولٍ ألّا يُذْكَرَ الفاعِلُ؛ وأيْضًا فالجُمْهُورُ - في هَذِهِ الآيَةِ - عَلى أنَّ الشُرَكاءَ مُزَيِّنُونَ؛ لا قاتِلُونَ؛ والتَوْجِيهُ الَّذِي ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ هو الصَحِيحُ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "يُسَبَّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ رِجالٌ"؛ بِفَتْحِ الباءِ المُشَدَّدَةِ؛ أيْ: "يُسَبِّحُ رِجالٌ".
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَكَذَلِكَ زُيِّنَ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ "قَتْلُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "أولادَهُمْ"؛ بِنَصْبِ الدالِ؛ "شُرَكائِهِمْ"؛ بِخَفْضِ الشُرَكاءِ؛ وهَذِهِ قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ؛ ورُؤَساءُ العَرَبِيَّةِ لا يُجِيزُونَ الفَصْلَ بِالظُرُوفِ في مِثْلِ هَذا؛ إلّا في الشِعْرِ؛ كَقَوْلِهِ:
؎ كَما خُطَّ الكِتابُ بِكَفِّ يَوْمًا ∗∗∗ ∗∗∗ يَهُودِيٍّ يُقارِبُ أو يُزِيلُ
(p-٤٦٩)فَكَيْفَ بِالمَفْعُولِ في أفْصَحِ الكَلامِ؟ ولَكِنَّ وجْهَها - عَلى ضَعْفِها - أنَّها ورَدَتْ شاذَّةً في بَيْتٍ أنْشَدَهُ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ ؛ وهُوَ:
؎ فَزَجَّجْتُها بِمِزَجَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَةَ
وفِي بَيْتِ الطِرِمّاحِ؛ وهو قَوْلُهُ:
؎ يَطُفْنَ بِحُوزِيِّ المَراتِعِ لَمْ تَرُعْ ∗∗∗ ∗∗∗ بِوادِيهِ مِن قَرْعِ القِسِيِّ الكَنائِنِ
والشُرَكاءُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - هُمُ الَّذِينَ يَتَأوَّلُونَ وأْدَ بَناتِ الغَيْرِ؛ فَهُمُ القاتِلُونَ؛ والصَحِيحُ مِنَ المَعْنى أنَّهُمُ المُزَيِّنُونَ؛ لا القاتِلُونَ؛ وذَلِكَ مُضَمَّنٌ قِراءَةَ الجَماعَةِ.
وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ الشامِ - ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ -: "زِينَ"؛ بِكَسْرِ الزايِ؛ وسُكُونِ الياءِ؛ عَلى الرُتْبَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ مِنَ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ؛ وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّهُ قَرَأتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الشامِ: "وَكَذَلِكَ زُيِّنَ"؛ بِضَمِّ الزايِ؛ "قَتْلُ"؛ بِالرَفْعِ؛ "أولادِهِمْ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ "شُرَكائِهِمْ"؛ بِالخَفْضِ؛ والشُرَكاءُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - هُمُ الأولادُ المَوْؤُودُونَ؛ لِأنَّهم شُرَكاءُ في النَسَبِ (p-٤٧٠)والمَوارِيثِ؛ وكَأنَّ وصْفَهم بِأنَّهم شُرَكاءُ يَتَضَمَّنُ حُرْمَةً لَهُمْ؛ وفِيها بَيانٌ لِفَسادِ الفِعْلِ؛ إذْ هو قَتْلُ مَن لَهُ حُرْمَةٌ.
و"لِيُرْدُوهُمْ"؛ مَعْناهُ: لِيُهْلِكُوهم. مِن "اَلرَّدى"؛ و"وَلِيَلْبِسُوا"؛ مَعْناهُ: لِيَخْلِطُوا؛ والجَماعَةُ عَلى كَسْرِ الباءِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "وَلِيَلْبَسُوا"؛ بِفَتْحِ الباءِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هي اسْتِعارَةٌ مِن "اَللِّباسُ"؛ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ المَخالِطِ؛ وهَذانِ الفِعْلانِ يُؤَيِّدانِ أوَّلَ قِراءَةٍ في تَرْتِيبِنا؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنْ لا شَيْءَ إلّا بِمَشِيئَةِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وفِيها رَدٌّ عَلى مَن قالَ بِأنَّ المَرْءَ يَخْلُقُ أفْعالَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَذَرْهُمْ"؛﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ و﴿ "يَفْتَرُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: يَخْتَلِقُونَ مِنَ الكَذِبِ في تَشَرُّعِهِمْ بِذَلِكَ؛ واعْتِقادِهِمْ أنَّها مُباحاتٌ لَهم.
الأنعام 6:138
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْها افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ تَعْدِيدَ ما شَرَعُوهُ لِأنْفُسِهِمْ؛ والتَزَمُوهُ عَلى جِهَةِ القُرْبَةِ؛ كَذِبًا مِنهم عَلى اللهِ تَعالى ؛ وافْتِراءً عَلَيْهِ؛ فَوَصَفَ تَعالى أنَّهم عَمَدُوا إلى بَعْضِ أنْعامِهِمْ؛ وهِيَ: اَلْإبِلُ؛ والبَقَرُ؛ والغَنَمُ؛ أوِ الإبِلُ بِانْفِرادِها؛ وأمّا غَيْرُها إذا انْفَرَدَ فَلا يُقالُ لَهُ أنْعامٌ؛ وإلى بَعْضِ زُرُوعِهِمْ وثِمارِها؛ وسُمِّيَ ذَلِكَ "حَرْثًا"؛ إذْ عَنِ الحَرْثِ يَكُونُ؛ وقالُوا: هَذِهِ حِجْرٌ؛ أيْ: حَرامٌ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "حِجْرٌ"؛ بِكَسْرِ الحاءِ؛ وسُكُونِ الجِيمِ؛ وقَرَأ قَتادَةُ ؛ والحَسَنُ ؛ والأعْرَجُ: "حُجْرٌ"؛ بِضَمِّ الحاءِ؛ وسُكُونِ الجِيمِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأُبَيٌّ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وابْنُ الزُبَيْرِ ؛ والأعْمَشُ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "حِرْجٌ"؛ بِكَسْرِ الحاءِ؛ وتَقْدِيمِ الراءِ عَلى الجِيمِ؛ وسُكُونِها؛ فالأُولى والثانِيَةُ بِمَعْنى: "اَلتَّحْجِيرُ"؛ وهو المَنعُ؛ والتَحْرِيمُ؛ (p-٤٧١)والأخِيرَةُ مِن "اَلْحِرْجُ"؛ وهو التَضْيِيقُ؛ والتَحْرِيمُ.
وكانَتْ هَذِهِ الأنْعامُ - عَلى ما قالَ ابْنُ زَيْدٍ - مُحَلَّلَةً لِلرِّجالِ؛ مُحَرَّمَةً عَلى النِساءِ؛ وقِيلَ: كانَتْ وقْفًا لِمَطْعَمِ سَدَنَةِ بُيُوتِ الأصْنامِ وخَدَمَتِها؛ حَكاهُ المَهْدَوِيُّ؛ فَذَلِكَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَن نَشاءُ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "بِزَعْمِهِمْ"؛﴾ أيْ: بِتَقَوُّلِهِمُ الَّذِي هو أقْرَبُ إلى الباطِلِ مِنهُ إلى الحَقِّ؛ وزَعْمُهم هُنا هو في قَوْلِهِمْ: "حِجْرٌ"؛ وتَحْرِيمُهم بِذَلِكَ ما لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ تَعالى ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بِزَعَمِهِمْ"؛ بِفَتْحِ الزايِ؛ والعَيْنِ؛ وكَذَلِكَ في الَّذِي تَقَدَّمَ.
﴿وَأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ ؛ كانَتْ لِلْعَرَبِ سُنَنٌ؛ إذا فَعَلَتِ الناقَةُ كَذا مِن جَوْدَةِ النَسْلِ؛ والمُواصَلَةِ بَيْنَ الإناثِ؛ ونَحْوَهُ؛ حُرِّمَ ظُهُورُها فَلَمْ تُرْكَبْ؛ وإذا فَعَلَ الفَحْلُ كَذا؛ وكَذا؛ حُرِّمَ ظَهْرُهُ؛ فَعَدَّدَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلَيْهِمْ؛ إذْ شَرَعُوا ذَلِكَ بِرَأْيِهِمْ وكَذِبِهِمْ.
﴿وَأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾ ؛ قِيلَ: كانَتْ لَهم سُنَّةٌ في أنْعامٍ ما؛ ألّا يُحَجَّ عَلَيْها؛ فَكانَتْ تُرْكَبُ في كُلِّ وجْهٍ؛ إلّا في الحَجِّ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى﴿لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْها﴾ ؛ هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ؛ ويُرْوى ذَلِكَ عن أبِي وائِلٍ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ ذَلِكَ في الذَبائِحِ؛ يُرِيدُ أنَّهم جَعَلُوا لِآلِهَتِهِمْ مِنها نَصِيبًا؛ لا يَذْكُرُونَ اللهَ تَعالى عَلى ذَبْحِها؛ وقَوْلُهُ تَعالى "اِفْتِراءً"؛ مَصْدَرٌ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ؛ أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "يَفْتَرُونَ ذَلِكَ"؛ و﴿ "سَيَجْزِيهِمْ"؛﴾ وعِيدٌ بِمُجازاةِ الآخِرَةِ؛ والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ"؛ عائِدٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى ؛ و﴿ "يَفْتَرُونَ"؛﴾ [الأنعام: ١٣٧] أيْ: "يَكْذِبُونَ ويَخْتَلِقُونَ.
الأنعام 6:139
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ تَعْدِيدَ مَذاهِبِهِمُ الفاسِدَةِ؛ وكانَتْ سُنَّتُهم في بَعْضِ الأنْعامِ أنْ يُحَرِّمُوا ما ولَدَتْ عَلى نِسائِهِمْ؛ ويُخَصِّصُونَهُ لِذُكُورِهِمْ؛ والهاءُ في "خالِصَةٌ"؛ قِيلَ: هي (p-٤٧٢)لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما هي في "راوِيَةٌ"؛ وغَيْرِها؛ وهَذا كَما تَقُولُ: "فُلانٌ خالِصَتِي"؛ وإنْ كانَ بابُ هاءِ المُبالَغَةِ أنْ يَلْحَقَ بِناءَ مُبالَغَةٍ كَـ "عَلّامَةٌ"؛ و"نَسّابَةٌ"؛ و"بَصِيرَةٌ"؛ ونَحْوِهُ؛ وقِيلَ: هي لِتَأْنِيثِ الأنْعامِ؛ إذْ ما في بُطُونِها أنْعامٌ أيْضًا؛ وقِيلَ: هي عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ "ما"؛ لِأنَّ "ما"؛ واقِعَةٌ في هَذا المَوْضِعِ مَوْقِعَ قَوْلِكَ: "جَماعَةً"؛ و"جُمْلَةً".
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسِ: "خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ ؛ والأعْمَشُ: "خالِصٌ"؛ دُونَ هاءٍ؛ ورَفْعُ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - بِخِلافٍ - والأعْرَجُ ؛ وقَتادَةُ ؛ وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ: "خالِصَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - فِيما ذَكَرَ أبُو الفَتْحِ -: "خالِصًا"؛ ونَصْبُ هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عَلى أنَّ الحالَ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فِي بُطُونِ"؛﴾ وذَلِكَ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: "وَقالُوا: ما اسْتَقَرَّ هو في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ..."؛ فَحُذِفَ الفِعْلُ وحُمِّلَ المَجْرُورُ الضَمِيرَ؛ والحالُ مِنَ الضَمِيرِ؛ والعامِلُ فِيها مَعْنى الِاسْتِقْرارِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ حالًا مِن "ما"؛ عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ في إجازَتِهِ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى العامِلِ فِيها؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ والزُهْرِيُّ: "خالِصُهُ"؛ بِإضافَةِ "خالِصُ"؛ إلى ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى "ما"؛ ومَعْناهُ: "ما خَلُصَ وخَرَجَ حَيًّا"؛ والخَبَرُ - عَلى قِراءَةِ مَن نَصَبَ "خالِصَةً"؛ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "لِذُكُورِنا"؛ والمَعْنى المُرادُ بِـ "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ما في بُطُونِ"؛ قالَ السُدِّيُّ: هي الأجِنَّةُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ ؛ والشَعْبِيُّ: هو اللَبَنُ؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ واللَفْظُ يَعُمُّهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَمُحَرَّمٌ"؛﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الهاءَ في "خالِصَةٌ"؛ لِلْمُبالَغَةٍ؛ ولَوْ كانَتْ (p-٤٧٣)لِتَأْنِيثٍ لَقالَ: "وَمُحَرَّمَةٌ"؛ و"أزْواجِنا"؛ يُرِيدُ بِهِ جَماعَةَ النِساءِ؛ الَّتِي هي مُعَدَّةٌ أنْ تَكُونَ أزْواجًا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ المُرادَ بِـ "أزْواجِنا": اَلْبَناتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يَبْعُدُ تَحْلِيقُهُ عَلى المَعْنى؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ ؛ كانَ مِن سُنَّتِهِمْ أنَّ ما خَرَجَ مِنَ الأجِنَّةِ مَيْتًا مِن تِلْكَ الأنْعامِ المَوْقُوفَةِ؛ فَهو حَلالٌ لِلرِّجالِ والنِساءِ جَمِيعًا؛ وكَذَلِكَ ما ماتَ مِنَ الأنْعامِ المَوْقُوفَةِ نَفْسِها.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَإنْ يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "مَيْتَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَلَمْ يُلْحِقِ الفِعْلَ عَلامَةَ التَأْنِيثِ؛ لَمّا كانَ تَأْنِيثُ الفاعِلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ؛ والمَعْنى: "وَإنْ وقَعَ مَيْتَةٌ أو حَدَثَ مَيْتَةٌ"؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَإنْ تَكُنْ"؛ بِالتاءِ؛ "مَيْتَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَألْحَقَ الفِعْلَ عَلامَةَ التَأْنِيثِ؛ لَمّا كانَ الفاعِلُ في اللَفْظِ مُؤَنَّثًا؛ وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَيْتَةِ؛ كَما فَعَلَ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - عنهُ: "تَكُنْ"؛ بِالتاءِ؛ "مَيْتَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ فَأنَّثَ؛ وإنْ كانَ المُتَقَدِّمُ مُذَكَّرًا؛ لِأنَّهُ حَمَلَهُ عَلى المَعْنى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالتَقْدِيرُ: "وَإنْ تَكُنِ النَسَمَةُ - أو نَحْوُها - مَيْتَةً"؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "يَكُنْ"؛ بِالياءِ؛ "مَيْتَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ فَذَكَّرُوا الفِعْلَ؛ لِأنَّهم أسْنَدُوهُ إلى ضَمِيرِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ ؛ وهو مُذَكَّرٌ؛ وانْتَصَبَتِ المَيْتَةُ عَلى الخَبَرِ؛ قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَهم فِيهِ"؛﴾ ولَمْ يَقُلْ: "فِيها"؛ وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: "وَإنْ تَكُنْ مَيِّتَةً"؛ بِالتَشْدِيدِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "فَهم فِيهِ سَواءٌ".
ثُمَّ أعْقَبَ تَعالى بِوَعِيدِهِمْ عَلى ما وصَفُوا أنَّهُ مِنَ القُرُباتِ إلى اللهِ تَعالى ؛ وشَرَعُوهُ مِنَ الباطِلِ؛ والإفْكِ؛ "إنَّهُ حَكِيمٌ"؛ أيْ: "فِي عَذابِهِمْ؛ عَلى ذَلِكَ"؛ "عَلِيمٌ"؛ بِقَلِيلِ ما تَقَوَّلُوهُ مِن ذَلِكَ؛ وكَثِيرِهِ.
الأنعام 6:140
(p-٤٧٤)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أولادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلى اللهُ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنَخْلَ والزَرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَيْتُونَ والرُمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾
هَذا لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ التَشْنِيعَ بِقُبْحِ فِعْلِهِمْ؛ والتَعَجُّبَ مِن سُوءِ حالِهِمْ؛ في وأْدِهِمُ البَناتِ؛ وحَجْرِهِمُ الأنْعامَ والحَرْثَ؛ قالَ عِكْرِمَةُ: وكانَ الوَأْدُ في رَبِيعَةَ ومُضَرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكانَ جُمْهُورُ العَرَبِ لا يَفْعَلُهُ؛ ثُمَّ إنَّ فاعِلِيهِ كانَ مِنهم مَن يَفْعَلُهُ خَوْفَ العَيْلَةِ والإقْتارِ؛ وكانَ مِنهم مَن يَفْعَلُهُ غَيْرَةً؛ مَخافَةَ السِباءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: "قَتَّلُوا"؛ بِتَشْدِيدِ التاءِ؛ عَلى المُبالَغَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "قَتَلُوا"؛ بِتَخْفِيفِها.
و﴿ما رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ ؛ هي تِلْكَ الأنْعامُ؛ والغَلّاتُ الَّتِي تُوقَفُ بِغَيْرِ شَرْعٍ؛ ولا مَثُوبَةٍ في مَعادٍ؛ بَلْ بِالِافْتِراءِ عَلى اللهِ تَعالى ؛ والكَذِبِ؛ و"قَدْ ضَلُّوا"؛ إخْبارٌ عنهم بِالحَيْرَةِ؛ وهو مِنَ التَعْجِيبِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى "قَدْ خَسِرَ"؛ "وَما كانُوا"؛ يُرِيدُ: "فِي هَذِهِ الفِعْلَةِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "وَما كانُوا قَبْلَ ضَلالِهِمْ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ مُهْتَدِينَ"؛ ولَكِنَّهم زادُوا بِهَذِهِ الفِعْلَةِ ضَلالًا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى مَواضِعِ الِاعْتِبارِ؛ و"أنْشَأ"؛ مَعْناهُ: خَلَقَ؛ واخْتَرَعَ؛ والجَنَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "جَنَّ"؛ إذا سَتَرَ؛ و"مَعْرُوشاتٍ"؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ في ثَمَرِ العِنَبِ؛ ومِنها ما عُرِّشَ وسُمِّكَ؛ ومِنها ما لَمْ يُعَرَّشْ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْمَعْرُوشاتُ؛ ما عَرَّشَ -كَهَيْئَةِ الكَرْمِ؛ وغَيْرِهِ - البَساتِينَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْرُوشُ هو ما يَعْتَرِشُهُ بَنُو آدَمَ مِن أنْواعِ الشَجَرِ؛ وغَيْرُ المَعْرُوشِ: ما يَحْدُثُ في الجِبالِ؛ والصَحْراءِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْرُوشُ: ما حُلِّقَ بِحائِطٍ؛ وغَيْرُ المَعْرُوشِ: ما لَمْ يُحَلَّقْ؛ و"مُخْتَلِفًا"؛ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ الِاخْتِلافِ في ثَمَرِها؛ لِأنَّها حِينَ الإنْشاءِ لا ثَمَرَةَ فِيها؛ فَهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ تَجِيءُ بَعْدَ الإنْشاءِ. (p-٤٧٥)وَ"مُتَشابِهًا"؛ يُرِيدُ: في المَنظَرِ؛ و"غَيْرَ مُتَشابِهٍ"؛ في المَطْعَمِ؛ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وغَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ ؛ نَفْسُ الإباحَةِ؛ وهو مُضَمَّنٌ الإشارَةَ إلى النِعْمَةِ بِذَلِكَ؛ ويُقْرَأُ: "مِن ثُمُرِهِ"؛ بِضَمِّ الثاءِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ. ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ ؛ قالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هي في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وطاوُسٌ ؛ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ ؛ والضَحّاكُ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ وابْنُهُ؛ وقالَهُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مُعْتَرَضٌ بِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ غَيْرُ مُسْتَثْناةٍ؛ وحَكى الزَجّاجُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قِيلَ فِيها: إنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ؛ ومُعْتَرَضٌ أيْضًا بِأنَّهُ لا زَكاةَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الرُمّانِ؛ وجَمِيعِ ما هو في مَعْناهُ.
وقالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا؛ وعَطاءٌ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهم مِن أهْلِ العِلْمِ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ ؛ نَدْبٌ إلى إعْطاءِ حُقُوقٍ مِنَ المالِ؛ غَيْرَ الزَكاةِ؛ والسُنَّةُ أنْ يُعْطِيَ الرَجُلُ مِن زَرْعِهِ عِنْدَ الحَصادِ؛ وعِنْدَ الذَرْوِ؛ وعِنْدَ تَكْدِيسِهِ في البَيْدَرِ؛ فَإذا صَفّى؛ وكالَ؛ أخْرَجَ مِن ذَلِكَ الزَكاةَ؛ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حَقُّهُ: إباحَةُ لَقْطِ السُنْبُلِ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ هَذا حُكْمَ صَدَقاتِ المُسْلِمِينَ؛ حَتّى نَزَلَتِ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ؛ فَنَسَخَتْها؛ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنِ الحَنَفِيَّةِ ؛ وإبْراهِيمَ؛ والحَسَنِ ؛ وقالَ السُدِّيُّ ؛ في هَذِهِ السُورَةِ: (p-٤٧٦)مَكِّيَّةٌ؛ نَسَخَتْها الزَكاةُ؛ فَقالَ لَهُ سُفْيانُ: عَمَّنْ؟ قالَ: عَنِ العُلَماءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنَسْخُ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ؛ وآيَةَ الزَكاةِ؛ لا [تَتَعارَضانِ]؛ بَلْ تَنْبَنِي هَذِهِ عَلى النَدْبِ؛ وتِلْكَ عَلى الفَرْضِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "حِصادِهِ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "حَصادِهِ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ وهُما لُغَتانِ في المَصْدَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مَن قالَ إنَّ الآيَةَ في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ جَعَلَ هَذا النَهْيَ عَنِ الإسْرافِ؛ إمّا لِلنّاسِ عَنِ التَمَنُّعِ عن أدائِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ إسْرافٌ مِنَ الفِعْلِ؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وإمّا لِلْوُلاةِ عَنِ التَشَطُّطِ عَلى الناسِ؛ والإذايَةِ لَهُمْ؛ فَذَلِكَ إسْرافٌ مِنَ الفِعْلِ؛ وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ؛ ومَن جَعَلَ الآيَةَ عَلى جِهَةِ النَدْبِ إلى حُقُوقٍ غَيْرِ الزَكاةِ؛ تَرَتَّبَ لَهُ النَهْيُ عَنِ الإسْرافِ في تِلْكَ الحُقُوقِ؛ لِما في ذَلِكَ مِنَ الإجْحافِ بِالمالِ؛ وإضاعَتِهِ.
ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ حَصَدَ غَلَّةً لَهُ؛ فَقالَ: "واللهِ لا جاءَنِي اليَوْمَ أحَدٌ إلّا أطْعَمْتُهُ"؛ فَأمْسى ولَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَرَةٌ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وقالَ أبُو العالِيَةِ: كانُوا يُعْطُونَ شَيْئًا عِنْدَ الحَصادِ؛ ثُمَّ تَبارَوْا؛ وأسْرَفُوا؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ ومَن قالَ إنَّها مَنسُوخَةٌ؛ تَرَتَّبَ لَهُ النَهْيُ في وقْتِ حُكْمِ الآيَةِ.
الأنعام 6:141
(p-٤٧٤)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أولادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِراءً عَلى اللهُ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ والنَخْلَ والزَرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَيْتُونَ والرُمّانَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾
هَذا لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ التَشْنِيعَ بِقُبْحِ فِعْلِهِمْ؛ والتَعَجُّبَ مِن سُوءِ حالِهِمْ؛ في وأْدِهِمُ البَناتِ؛ وحَجْرِهِمُ الأنْعامَ والحَرْثَ؛ قالَ عِكْرِمَةُ: وكانَ الوَأْدُ في رَبِيعَةَ ومُضَرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وكانَ جُمْهُورُ العَرَبِ لا يَفْعَلُهُ؛ ثُمَّ إنَّ فاعِلِيهِ كانَ مِنهم مَن يَفْعَلُهُ خَوْفَ العَيْلَةِ والإقْتارِ؛ وكانَ مِنهم مَن يَفْعَلُهُ غَيْرَةً؛ مَخافَةَ السِباءِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: "قَتَّلُوا"؛ بِتَشْدِيدِ التاءِ؛ عَلى المُبالَغَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "قَتَلُوا"؛ بِتَخْفِيفِها.
و﴿ما رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ ؛ هي تِلْكَ الأنْعامُ؛ والغَلّاتُ الَّتِي تُوقَفُ بِغَيْرِ شَرْعٍ؛ ولا مَثُوبَةٍ في مَعادٍ؛ بَلْ بِالِافْتِراءِ عَلى اللهِ تَعالى ؛ والكَذِبِ؛ و"قَدْ ضَلُّوا"؛ إخْبارٌ عنهم بِالحَيْرَةِ؛ وهو مِنَ التَعْجِيبِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى "قَدْ خَسِرَ"؛ "وَما كانُوا"؛ يُرِيدُ: "فِي هَذِهِ الفِعْلَةِ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "وَما كانُوا قَبْلَ ضَلالِهِمْ بِهَذِهِ الفِعْلَةِ مُهْتَدِينَ"؛ ولَكِنَّهم زادُوا بِهَذِهِ الفِعْلَةِ ضَلالًا.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا تَنْبِيهٌ عَلى مَواضِعِ الِاعْتِبارِ؛ و"أنْشَأ"؛ مَعْناهُ: خَلَقَ؛ واخْتَرَعَ؛ والجَنَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "جَنَّ"؛ إذا سَتَرَ؛ و"مَعْرُوشاتٍ"؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ في ثَمَرِ العِنَبِ؛ ومِنها ما عُرِّشَ وسُمِّكَ؛ ومِنها ما لَمْ يُعَرَّشْ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْمَعْرُوشاتُ؛ ما عَرَّشَ -كَهَيْئَةِ الكَرْمِ؛ وغَيْرِهِ - البَساتِينَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْرُوشُ هو ما يَعْتَرِشُهُ بَنُو آدَمَ مِن أنْواعِ الشَجَرِ؛ وغَيْرُ المَعْرُوشِ: ما يَحْدُثُ في الجِبالِ؛ والصَحْراءِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْرُوشُ: ما حُلِّقَ بِحائِطٍ؛ وغَيْرُ المَعْرُوشِ: ما لَمْ يُحَلَّقْ؛ و"مُخْتَلِفًا"؛ نُصِبَ عَلى الحالِ؛ عَلى تَقْدِيرِ حُصُولِ الِاخْتِلافِ في ثَمَرِها؛ لِأنَّها حِينَ الإنْشاءِ لا ثَمَرَةَ فِيها؛ فَهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ تَجِيءُ بَعْدَ الإنْشاءِ. (p-٤٧٥)وَ"مُتَشابِهًا"؛ يُرِيدُ: في المَنظَرِ؛ و"غَيْرَ مُتَشابِهٍ"؛ في المَطْعَمِ؛ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ؛ وغَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ ؛ نَفْسُ الإباحَةِ؛ وهو مُضَمَّنٌ الإشارَةَ إلى النِعْمَةِ بِذَلِكَ؛ ويُقْرَأُ: "مِن ثُمُرِهِ"؛ بِضَمِّ الثاءِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ. ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ ؛ قالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هي في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وطاوُسٌ ؛ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وقَتادَةُ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ ؛ والضَحّاكُ ؛ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ ؛ وابْنُهُ؛ وقالَهُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مُعْتَرَضٌ بِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ وهَذِهِ الآيَةُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ غَيْرُ مُسْتَثْناةٍ؛ وحَكى الزَجّاجُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ قِيلَ فِيها: إنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ؛ ومُعْتَرَضٌ أيْضًا بِأنَّهُ لا زَكاةَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الرُمّانِ؛ وجَمِيعِ ما هو في مَعْناهُ.
وقالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا؛ وعَطاءٌ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وغَيْرُهم مِن أهْلِ العِلْمِ: بَلْ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ﴾ ؛ نَدْبٌ إلى إعْطاءِ حُقُوقٍ مِنَ المالِ؛ غَيْرَ الزَكاةِ؛ والسُنَّةُ أنْ يُعْطِيَ الرَجُلُ مِن زَرْعِهِ عِنْدَ الحَصادِ؛ وعِنْدَ الذَرْوِ؛ وعِنْدَ تَكْدِيسِهِ في البَيْدَرِ؛ فَإذا صَفّى؛ وكالَ؛ أخْرَجَ مِن ذَلِكَ الزَكاةَ؛ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: حَقُّهُ: إباحَةُ لَقْطِ السُنْبُلِ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ هَذا حُكْمَ صَدَقاتِ المُسْلِمِينَ؛ حَتّى نَزَلَتِ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ؛ فَنَسَخَتْها؛ ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنِ الحَنَفِيَّةِ ؛ وإبْراهِيمَ؛ والحَسَنِ ؛ وقالَ السُدِّيُّ ؛ في هَذِهِ السُورَةِ: (p-٤٧٦)مَكِّيَّةٌ؛ نَسَخَتْها الزَكاةُ؛ فَقالَ لَهُ سُفْيانُ: عَمَّنْ؟ قالَ: عَنِ العُلَماءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والنَسْخُ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ؛ وآيَةَ الزَكاةِ؛ لا [تَتَعارَضانِ]؛ بَلْ تَنْبَنِي هَذِهِ عَلى النَدْبِ؛ وتِلْكَ عَلى الفَرْضِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "حِصادِهِ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "حَصادِهِ"؛ بِفَتْحِ الحاءِ؛ وهُما لُغَتانِ في المَصْدَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مَن قالَ إنَّ الآيَةَ في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ؛ جَعَلَ هَذا النَهْيَ عَنِ الإسْرافِ؛ إمّا لِلنّاسِ عَنِ التَمَنُّعِ عن أدائِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ إسْرافٌ مِنَ الفِعْلِ؛ وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ وإمّا لِلْوُلاةِ عَنِ التَشَطُّطِ عَلى الناسِ؛ والإذايَةِ لَهُمْ؛ فَذَلِكَ إسْرافٌ مِنَ الفِعْلِ؛ وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ؛ ومَن جَعَلَ الآيَةَ عَلى جِهَةِ النَدْبِ إلى حُقُوقٍ غَيْرِ الزَكاةِ؛ تَرَتَّبَ لَهُ النَهْيُ عَنِ الإسْرافِ في تِلْكَ الحُقُوقِ؛ لِما في ذَلِكَ مِنَ الإجْحافِ بِالمالِ؛ وإضاعَتِهِ.
ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ حَصَدَ غَلَّةً لَهُ؛ فَقالَ: "واللهِ لا جاءَنِي اليَوْمَ أحَدٌ إلّا أطْعَمْتُهُ"؛ فَأمْسى ولَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَرَةٌ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وقالَ أبُو العالِيَةِ: كانُوا يُعْطُونَ شَيْئًا عِنْدَ الحَصادِ؛ ثُمَّ تَبارَوْا؛ وأسْرَفُوا؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ ومَن قالَ إنَّها مَنسُوخَةٌ؛ تَرَتَّبَ لَهُ النَهْيُ في وقْتِ حُكْمِ الآيَةِ.
الأنعام 6:142
(p-٤٧٧)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
"حَمُولَةً"؛ عُطِفَ عَلى ﴿جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] ؛ واَلتَّقْدِيرُ: "وَأنْشَأْنا مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً"؛ والحَمُولَةُ: ما تَحْمِلُ الأثْقالَ مِنَ الإبِلِ؛ والبَقَرِ؛ عِنْدَ مَن عادَتُهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها؛ والهاءُ في "حَمُولَةً"؛ لِلْمُبالَغَةِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ والفَرْشُ: ما لا يَحْمِلُ ثِقْلًا؛ كالغَنَمِ؛ وصِغارِ البَقَرِ والإبِلِ؛ هَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنِ ؛ وغَيْرِهِمْ؛ يُقالُ لَهُ: "اَلْفَرْشُ"؛ و"اَلْفَرِيشُ"؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ تَسْمِيَتَهُ "فَرْشًا"؛ إنَّما هي لِوَطاءَتِهِ؛ وأنَّهُ مِمّا يُمْتَهَنُ ويُتَوَطَّأُ؛ ويُتَمَكَّنُ مِنَ التَصَرُّفِ فِيهِ؛ إذْ قَرُبَ جِسْمُهُ مِنَ الأرْضِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: اَلْحَمُولَةُ: اَلْإبِلُ؛ والخَيْلُ؛ والبِغالُ؛ والحَمِيرُ؛ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِنهُ تَفْسِيرٌ لِنَفْسِ اللَفْظَةِ؛ لا مِن حَيْثُ هي في هَذِهِ الآيَةِ؛ ولا تَدْخُلُ في الآيَةِ لِغَيْرِ الأنْعامِ؛ وإنَّما خُصَّتْ بِالذِكْرِ مِن جِهَةِ ما شَرَعَتْ فِيها العَرَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ نَصُّ إباحَةِ وإزالَةِ ما سَنَّهُ الكُفّارُ مِنَ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ تابَعَ النَهْيَ عن تِلْكَ السُنَنِ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ﴾ ؛ وهي جَمْعُ "خُطْوَةٌ"؛ أيْ: "لا تَمْشُوا في طُرُقِهِ المُضِلَّةِ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" اِخْتِلافُ القُرّاءِ في "خُطُواتِ"؛ ومِن شاذِّها قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ والأعْرَجُ ؛ وعَمْرُو (p-٤٧٨)بْنُ عُبَيْدٍ: "خُطُؤاتِ"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ والطاءِ؛ وبِالهَمْزَةِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وذَلِكَ جَمْعُ "خَطْأةٌ"؛ مِن "اَلْخَطَأُ"؛ ومِنَ الشاذِّ قِراءَةُ أبِي السَمّالِ: "خَطَواتِ"؛ بِالواوِ دُونَ هَمْزَةٍ؛ وهو جَمْعُ "خَطْوَةٌ"؛ وهي ذَرْعُ ما بَيْنَ قَدَمَيِ الماشِيَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَهْيَ عن ذَلِكَ بِتَقْرِيرِ عَداوَةِ الشَيْطانِ لِابْنِ آدَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى "ثَمانِيَةَ"؛ اِخْتُلِفَ في نَصْبِها؛ فَقالَ الأخْفَشُ؛ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةِ أزْواجٍ..."؛ فَحُذِفَ الفِعْلُ؛ والمُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وقِيلَ نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ ؛ وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى الحالِ؛ وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ ؛ وهَذا أصْوَبُ الأقْوالِ؛ وأجْراها مَعَ مَعْنى الآيَةِ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَها "أنْشَأ"؛ و"اَلزَّوْجُ": اَلذَّكَرُ؛ و"اَلزَّوْجُ": اَلْأُنْثى؛ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجُ صاحِبِهِ؛ وهي أرْبَعَةُ أنْواعٍ؛ فَتَجِيءُ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ.
و"اَلضَّأْنُ": جَمْعُ "ضائِنَةٌ"؛ و"ضائِنٌ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ والحَسَنُ: "مِنَ الضَأنِ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيِّ: "وَمِنَ المَعْزِ"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وهو جَمْعُ "ماعِزٌ"؛ و"ماعِزَةٌ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "وَمِنَ المَعَزِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ فَـ "ضَأْنٌ"؛ و"مَعْزٌ"؛ كَـ "راكِبٌ"؛ و"رَكْبٌ"؛ و"تاجِرٌ"؛ و"تَجْرٌ"؛ و"ضَأنٌ"؛ و"مَعَزٌ"؛ كَـ "خادِمٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ ونَحْوِهِ؛ وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: "مِنَ الضَأْنِ اثْنانِ"؛ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ المُقَدَّمِ؛ ويُقالُ في جَمْعِ "ماعِزٌ": "مَعْزٌ"؛ و"مَعَزٌ"؛ و"مَعِيزٌ"؛ و"مِعْزى"؛ و"أمْعُوزٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ ؛ هَذا تَقْسِيمٌ عَلى الكُفّارِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ كَذِبُهم عَلى اللهِ تَعالى ؛ أيْ: "لا بُدَّ أنْ يَكُونَ حَرَّمَ الذَكَرَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الذُكُورِ؛ أوِ الأُنْثَيَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الإناثِ؛ أمْ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ الجَمِيعِ؛ وأنْتُمْ لَمْ تَلْتَزِمُوا شَيْئًا مِمّا يُوجِبُهُ هَذا التَقْسِيمُ"؛ وفي هَذِهِ السُؤالاتِ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ.
ثُمَّ أتْبَعَ تَقْرِيرَهُمْ؛ وتَوْبِيخَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى "نَبِّئُونِي"؛ أخْبِرُونِي؛ "بِعِلْمٍ"؛ أيْ: مِن جِهَةِ نُبُوءَةٍ؛ أو كِتابٍ مِن كُتُبِ اللهِ تَعالى ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ؛ و"إنْ"؛ شَرْطٌ؛ وجَوابُهُ في (p-٤٧٩)"نَبِّئُونِي"؛ وجازَ تَقْدِيمُ جَوابِ هَذا الشَرْطِ؛ لَمّا كانَتْ "إنْ"؛ لا يَظْهَرُ لَها عَمَلٌ في الماضِي؛ ولَوْ كانَتْ ظاهِرَةَ العَمَلِ لَما جازَ تَقَدُّمُ الجَوابِ.
الأنعام 6:143
(p-٤٧٧)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
"حَمُولَةً"؛ عُطِفَ عَلى ﴿جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١] ؛ واَلتَّقْدِيرُ: "وَأنْشَأْنا مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً"؛ والحَمُولَةُ: ما تَحْمِلُ الأثْقالَ مِنَ الإبِلِ؛ والبَقَرِ؛ عِنْدَ مَن عادَتُهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها؛ والهاءُ في "حَمُولَةً"؛ لِلْمُبالَغَةِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ والفَرْشُ: ما لا يَحْمِلُ ثِقْلًا؛ كالغَنَمِ؛ وصِغارِ البَقَرِ والإبِلِ؛ هَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنِ ؛ وغَيْرِهِمْ؛ يُقالُ لَهُ: "اَلْفَرْشُ"؛ و"اَلْفَرِيشُ"؛ وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ تَسْمِيَتَهُ "فَرْشًا"؛ إنَّما هي لِوَطاءَتِهِ؛ وأنَّهُ مِمّا يُمْتَهَنُ ويُتَوَطَّأُ؛ ويُتَمَكَّنُ مِنَ التَصَرُّفِ فِيهِ؛ إذْ قَرُبَ جِسْمُهُ مِنَ الأرْضِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: اَلْحَمُولَةُ: اَلْإبِلُ؛ والخَيْلُ؛ والبِغالُ؛ والحَمِيرُ؛ ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا مِنهُ تَفْسِيرٌ لِنَفْسِ اللَفْظَةِ؛ لا مِن حَيْثُ هي في هَذِهِ الآيَةِ؛ ولا تَدْخُلُ في الآيَةِ لِغَيْرِ الأنْعامِ؛ وإنَّما خُصَّتْ بِالذِكْرِ مِن جِهَةِ ما شَرَعَتْ فِيها العَرَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾ نَصُّ إباحَةِ وإزالَةِ ما سَنَّهُ الكُفّارُ مِنَ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ تابَعَ النَهْيَ عن تِلْكَ السُنَنِ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ﴾ ؛ وهي جَمْعُ "خُطْوَةٌ"؛ أيْ: "لا تَمْشُوا في طُرُقِهِ المُضِلَّةِ"؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" اِخْتِلافُ القُرّاءِ في "خُطُواتِ"؛ ومِن شاذِّها قِراءَةُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ والأعْرَجُ ؛ وعَمْرُو (p-٤٧٨)بْنُ عُبَيْدٍ: "خُطُؤاتِ"؛ بِضَمِّ الخاءِ؛ والطاءِ؛ وبِالهَمْزَةِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وذَلِكَ جَمْعُ "خَطْأةٌ"؛ مِن "اَلْخَطَأُ"؛ ومِنَ الشاذِّ قِراءَةُ أبِي السَمّالِ: "خَطَواتِ"؛ بِالواوِ دُونَ هَمْزَةٍ؛ وهو جَمْعُ "خَطْوَةٌ"؛ وهي ذَرْعُ ما بَيْنَ قَدَمَيِ الماشِيَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَهْيَ عن ذَلِكَ بِتَقْرِيرِ عَداوَةِ الشَيْطانِ لِابْنِ آدَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى "ثَمانِيَةَ"؛ اِخْتُلِفَ في نَصْبِها؛ فَقالَ الأخْفَشُ؛ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةِ أزْواجٍ..."؛ فَحُذِفَ الفِعْلُ؛ والمُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ وقِيلَ نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ ؛ وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى الحالِ؛ وقِيلَ: نُصِبَتْ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ ؛ وهَذا أصْوَبُ الأقْوالِ؛ وأجْراها مَعَ مَعْنى الآيَةِ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَها "أنْشَأ"؛ و"اَلزَّوْجُ": اَلذَّكَرُ؛ و"اَلزَّوْجُ": اَلْأُنْثى؛ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما زَوْجُ صاحِبِهِ؛ وهي أرْبَعَةُ أنْواعٍ؛ فَتَجِيءُ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ.
و"اَلضَّأْنُ": جَمْعُ "ضائِنَةٌ"؛ و"ضائِنٌ"؛ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ والحَسَنُ: "مِنَ الضَأنِ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيِّ: "وَمِنَ المَعْزِ"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وهو جَمْعُ "ماعِزٌ"؛ و"ماعِزَةٌ"؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "وَمِنَ المَعَزِ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ فَـ "ضَأْنٌ"؛ و"مَعْزٌ"؛ كَـ "راكِبٌ"؛ و"رَكْبٌ"؛ و"تاجِرٌ"؛ و"تَجْرٌ"؛ و"ضَأنٌ"؛ و"مَعَزٌ"؛ كَـ "خادِمٌ"؛ و"خَدَمٌ"؛ ونَحْوِهِ؛ وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: "مِنَ الضَأْنِ اثْنانِ"؛ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ المُقَدَّمِ؛ ويُقالُ في جَمْعِ "ماعِزٌ": "مَعْزٌ"؛ و"مَعَزٌ"؛ و"مَعِيزٌ"؛ و"مِعْزى"؛ و"أمْعُوزٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ ؛ هَذا تَقْسِيمٌ عَلى الكُفّارِ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ كَذِبُهم عَلى اللهِ تَعالى ؛ أيْ: "لا بُدَّ أنْ يَكُونَ حَرَّمَ الذَكَرَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الذُكُورِ؛ أوِ الأُنْثَيَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الإناثِ؛ أمْ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ؛ فَيَلْزَمُكم تَحْرِيمُ الجَمِيعِ؛ وأنْتُمْ لَمْ تَلْتَزِمُوا شَيْئًا مِمّا يُوجِبُهُ هَذا التَقْسِيمُ"؛ وفي هَذِهِ السُؤالاتِ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ.
ثُمَّ أتْبَعَ تَقْرِيرَهُمْ؛ وتَوْبِيخَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى "نَبِّئُونِي"؛ أخْبِرُونِي؛ "بِعِلْمٍ"؛ أيْ: مِن جِهَةِ نُبُوءَةٍ؛ أو كِتابٍ مِن كُتُبِ اللهِ تَعالى ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ؛ و"إنْ"؛ شَرْطٌ؛ وجَوابُهُ في (p-٤٧٩)"نَبِّئُونِي"؛ وجازَ تَقْدِيمُ جَوابِ هَذا الشَرْطِ؛ لَمّا كانَتْ "إنْ"؛ لا يَظْهَرُ لَها عَمَلٌ في الماضِي؛ ولَوْ كانَتْ ظاهِرَةَ العَمَلِ لَما جازَ تَقَدُّمُ الجَوابِ.
الأنعام 6:144
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ أمِ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللهُ بِهَذا فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهُ كَذِبًا لِيُضِلَّ الناسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾
اَلْقَوْلُ في هَذِهِ الآيَةِ - في المَعْنى؛ وتَرْتِيبِ التَقْسِيمِ - كالقَوْلِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿مِنَ الضَأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ؛ وكَأنَّهُ قالَ: "أأنْتُمُ الَّذِينَ تَدَّعُونَ أنَّ اللهَ حَرَّمَ خَصائِصَ مِن هَذِهِ الأنْعامِ؟ فَلا يَخْلُو تَحْرِيمُهُ مِن أنْ يَكُونَ في الذَكَرَيْنِ؛ أو فِيما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ؛ لا هَذا؛ ولا هَذا؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَقَعْ تَحْرِيمٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللهُ بِهَذا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ؛ إذْ لَمْ يَبْقَ لَهُمُ الِادِّعاءُ المُحالُ؛ والتَقَوُّلُ أنَّهم شاهَدُوا وصِيَّةَ اللهِ تَعالى لَهم بِهَذا.
و"شُهَداءَ"؛ جَمْعُ "شَهِيدٌ"؛ ثُمَّ تَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى "فَمَن أظْلَمُ"؛ ذِكْرَ حالِ مُفْتَرِي الكَذِبِ عَلى اللهِ تَعالى ؛ وتَقْرِيرَ إفْراطِ ظُلْمِهِ. وقالَ السُدِّيُّ: كانَ الَّذِينَ سَيَّبُوا وبَحَّرُوا يَقُولُونَ: اَللَّهُ تَعالى أمَرَنا بِهَذا؛ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى سُوءَ مَقْصِدِهِمْ بِالِافْتِراءِ؛ لِأنَّهُ لَوِ افْتَرى أحَدٌ فِرْيَةً عَلى اللهِ لِغَيْرِ مَعْنًى لَكانَ ظُلْمًا عَظِيمًا؛ فَكَيْفَ إذا قَصَدَ بِها إضْلالَ أُمَّةٍ؟ وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللامُ في "لِيُضِلَّ"؛ لامَ صَيْرُورَةٍ.
ثُمَّ جَزَمَ الحُكْمَ - لا رَبَّ غَيْرُهُ - بِأنَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ؛ أيْ: "لا يُرْشِدُهُمْ"؛ وهَذا عُمُومٌ في الظاهِرِ؛ وقَدْ تَبَيَّنَ تَخْصِيصُهُ مِمّا يَقْتَضِيهِ الشَرْعُ مِن أنَّ اللهَ تَعالى يَهْدِي ظَلَمَةً كَثِيرَةً بِالتَوْبَةِ.
الأنعام 6:145
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أو دَمًا مَسْفُوحًا أو لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ رِجْسٌ أو فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
(p-٤٨٠)هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِأنْ يَشْرَعَ لِلنّاسِ جَمِيعًا؛ ويُبَيِّنَ عَنِ اللهِ تَعالى ما أُوحِيَ إلَيْهِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْبِمَكَّةَ؛ ولَمْ يَكُنْ في الشَرِيعَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ شَيْءٌ مُحَرَّمٌ غَيْرُ هَذِهِ الأشْياءِ؛ ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ "اَلْمائِدَةِ" بِالمَدِينَةِ؛ وزِيدَ في المُحَرَّماتِ؛ كالمُنْخَنِقَةِ؛ والمَوْقُوذَةِ؛ والمُتَرَدِّيَةِ؛ والنَطِيحَةِ؛ فَإنَّ هَذِهِ - وإنْ كانَتْ في حُكْمِ المَيْتَةِ - فَكانَ في النَظَرِ احْتِمالٌ أنْ تُلْحَقَ بِالمُذَكَّياتِ؛ لِأنَّها بِأسْبابٍ؛ ولَيْسَتْ حَتْفَ الأنْفِ؛ فَلَمّا بَيَّنَ النَصُّ إلْحاقَها بِالمَيْتَةِ؛ كانَتْ زِيادَةً في المُحَرَّماتِ؛ ثُمَّ نَزَلَ النَصُّ عَلى رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في تَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ بِوَحْيٍ غَيْرِ مُعْجِزٍ؛ وبِتَحْرِيمِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِباعِ؛ فَهَذِهِ كُلُّها زِياداتٌ في التَحْرِيمِ؛ ولَفْظَةُ التَحْرِيمِ إذا ورَدَتْ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّها صالِحَةٌ أنْ تَنْتَهِيَ بِالشَيْءِ المَذْكُورِ إلى غايَةِ المَنعِ والحَظْرِ؛ وصالِحَةٌ - بِحَسَبِ اللُغَةِ - أنْ تَقِفَ دُونَ الغايَةِ في حَيِّزِ الكَراهِيَةِ؛ ونَحْوِها؛ فَما اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةُ التَسْلِيمِ مِنَ الصَحابَةِ المُتَأوِّلِينَ؛ وأجْمَعَ عَلَيْهِ الكُلُّ مِنهُمْ؛ ولَمْ يَضْطَرِبْ فِيهِ ألْفاظُ الأحادِيثِ؛ وأمْضاهُ الناسُ عَلى أذْلالِهِ؛ وجَبَ بِالشَرْعِ أنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهُ قَدْ وصَلَ الغايَةَ مِنَ الحَظْرِ؛ والمَنعِ؛ ولَحِقَ بِالخِنْزِيرِ؛ والمَيْتَةِ؛ وهَذِهِ صِفَةُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ وما اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةُ ألْفاظِ الحَدِيثِ؛ واخْتَلَفَتِ الأُمَّةُ فِيهِ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِالأحادِيثِ؛ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِباعِ حَرامٌ"؛» وقَدْ رُوِيَ «نَهْيُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عن أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِباعِ؛» ثُمَّ اخْتَلَفَ الصَحابَةُ؛ ومَن بَعْدَهُمْ؛ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ فَجازَ - لِهَذِهِ الوُجُوهِ - لِمَن يَنْظُرُ أنْ يُجْمِلَ لَفْظَ التَحْرِيمِ عَلى المَنعِ؛ الَّذِي هو الكَراهِيَةُ؛ ونَحْوُها؛ وما اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةُ التَأْوِيلِ كَتَحْرِيمِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لُحُومَ (p-٤٨١)الحُمُرِ الإنْسِيَّةِ؛ فَتَأوَّلَ بَعْضُ الصَحابَةِ الحاضِرِينَ ذَلِكَ لِأنَّها نَجَسٌ؛ وتَأوَّلَ بَعْضُهم أنَّ ذَلِكَ لِئَلّا تَفْنى حَمُولَةُ الناسِ؛ وتَأوَّلَ بَعْضُهُمُ التَحْرِيمَ المَحْضَ؛ وثَبَتَ في الأُمَّةِ الِاخْتِلافُ في تَحْرِيمِ لَحْمِها؛ فَجائِزٌ لِمَن يَنْظُرُ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَحْمِلَ لَفْظَ التَحْرِيمِ - بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ وقِياسِهِ - عَلى كَراهِيَةٍ؛ أو نَحْوِها.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ: "فِيما أوحى إلَيَّ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ والحاءِ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَطْعَمُهُ"؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ؛ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: "يَطَّعِمُهُ"؛ بِتَشْدِيدِ الطاءِ؛ وكَسْرِ العَيْنِ؛ وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ ؛ وعائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "طَعِمَهُ"؛ بِفِعْلٍ ماضٍ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ: "إلّا أنْ يَكُونَ"؛ بِالياءِ؛ عَلى تَقْدِيرِ: "إلّا أنْ يَكُونَ المَطْعُومُ..."؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ وأبُو عَمْرٍو أيْضًا: "إلّا أنْ تَكُونَ"؛ بِالتاءِ؛ مِن فَوْقُ؛ "مَيْتَةً"؛ عَلى تَقْدِيرِ: "إلّا أنْ تَكُونَ المَطْعُومَةُ..."؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ - وذَكَرَها مَكِّيٌّ عن أبِي جَعْفَرٍ -: "إلّا أنْ تَكُونَ"؛ بِالتاءِ؛ "مَيْتَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى أنْ تُجْعَلَ "تَكُونَ"؛ بِمَعْنى "تَقَعَ"؛ ويُحْتاجُ - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يُعْطَفَ "دَمًا"؛ عَلى مَوْضِعِ "أنْ تَكُونَ"؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالِاسْتِثْناءِ؛ و"اَلْمَسْفُوحُ": اَلْجارِي؛ الَّذِي يَسِيلُ؛ وجَعَلَ اللهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هَذا فارِقًا بَيْنَ القَلِيلِ؛ والكَثِيرِ؛ و"اَلْمَسْفُوحُ": اَلسّائِلُ مِنَ الدَمِ؛ ونَحْوِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ - وهو طَرَفَةُ -:
؎ إذا ما عادَهُ مِنّا نِساءٌ ∗∗∗ سَفَحْنَ الدَمْعَ مِن بَعْدِ الرَنِينِ
وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ وإنَّ شِفائِي عَبْرَةٌ إنْ سَفَحْتُها ∗∗∗ ∗∗∗ وهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دارِسٍ مِن مُعَوَّلِ
فالدَمُ المُخْتَلِطُ بِاللَحْمِ؛ والدَمُ الخارِجُ مِن مَرَقِ اللَحْمِ؛ وما شاكَلَ هَذا؛ حَلالٌ؛ والدَمُ غَيْرُ المَسْفُوحِ هو هَذا؛ وهو مَعْفُوٌّ عنهُ؛ وقِيلَ لِأبِي مِجْلَزٍ - في القِدْرِ تَعْلُوها الحُمْرَةُ مِنَ الدَمِ - قالَ: إنَّما حَرَّمَ اللهُ المَسْفُوحُ؛ وقالَتْ نَحْوَهُ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها - وغَيْرُها؛ وعَلَيْهِ إجْماعُ العُلَماءِ؛ وقِيلَ: اَلدَّمُ حَرامٌ؛ لِأنَّهُ إذا زايَلَ فَقَدِ انْسَفَحَ.
(p-٤٨٢)وَ"اَلرِّجْسُ": اَلنَّتِنُ؛ والحَرامُ؛ يُوصَفُ بِذَلِكَ الأجْرامُ؛ والمَعانِي؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "دَعُوها فَإنَّها مُنْتِنَةٌ"؛» اَلْحَدِيثَ؛ فَكَذَلِكَ قِيلَ في الأزْلامِ: "رِجْسٌ"؛ و"اَلرِّجْسُ"؛ أيْضًا: اَلْعَذابُ؛ لُغَةً بِمَعْنى "اَلرِّجْزُ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "أو فِسْقًا"؛﴾ يُرِيدُ ذَبائِحَهُمُ الَّتِي يَخْتَصُّونَ بِها أصْنامَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أباحَ اللهُ تَعالى فِيها - مَعَ الضَرُورَةِ - رُكُوبَ المَحْظُورِ؛ دُونَ بَغْيٍ؛ واخْتَلَفَ الناسُ: فِيمَ ذا؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: دُونَ أنْ يَبْغِيَ الإنْسانُ في أكْلِهِ؛ فَيَأْكُلَ فَوْقَ ما يُقِيمُ رَمَقَهُ؛ ويَنْتَهِيَ إلى حَدِّ الشَبَعِ؛ وفَوْقَهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ دُونَ أنْ يَبْغِيَ في أنْ يَكُونَ سَفَرُهُ في قَطْعِ طَرِيقٍ؛ أو قَتْلِ نَفْسٍ؛ أو يَكُونَ تَصَرُّفُهُ في مَعْصِيَةٍ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا رُخْصَةَ لَهُ؛ وأمّا مَن لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الأحْوالِ فاضْطُرَّ؛ فَلَهُ أنْ يَشْبَعَ؛ ويَتَزَوَّدَ؛ وهَذا مَشْهُورُ قَوْلِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وقالَ بِالأوَّلِ؛ الَّذِي هو الِاقْتِصارُ عَلى سَدِّ الرَمَقِ؛ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ - رَحِمَهُ اللهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إباحَةٌ تُعْطِيها قُوَّةُ اللَفْظِ.
الأنعام 6:146
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أوِ الحَوايا أوِ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ وإنّا لَصادِقُونَ﴾
(p-٤٨٣)لَمّا ذَكَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - ما حَرَّمَ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ ما حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن تَكْذِيبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: "إنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنا شَيْئًا؛ وإنَّما حَرَّمْنا عَلى أنْفُسِنا ما حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ".
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" في "هادُوا"؛ ومَعْنى تَسْمِيَتِهِمْ "يَهُودًا".
و﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ ؛ يُرادُ بِهِ الإبِلُ؛ والنَعامُ؛ والإوَزُّ؛ ونَحْوُهُ مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي هو غَيْرُ مُنْفَرِجِ الأصابِعِ؛ ولَهُ ظُفُرٌ؛ وقالَ أبُو زَيْدٍ: "اَلْمُرادُ الإبِلُ خاصَّةً"؛ وهَذا ضَعِيفُ التَخْصِيصِ؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن ثَعْلَبٍ؛ أنَّ كُلَّ ما لا يَصِيدُ فَهو ذُو ظُفُرٍ؛ وما يَصِيدُ فَهو ذُو مِخْلَبٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا غَيْرُ مُطَّرِدٍ؛ لِأنَّ الأسَدَ ذُو ظُفُرٍ؛ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ظُفُرٍ"؛ بِضَمِّ الظاءِ؛ والفاءِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ والأعْرَجُ "ظُفْرٍ"؛ بِسُكُونِ الفاءِ؛ وقَرَأ أبُو السَمّالِ؛ قَعْنَبٌ: "ظِفْرٍ"؛ بِكَسْرِ الظاءِ؛ وسُكُونِ الفاءِ.
وأخْبَرَنا اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - في هَذِهِ الآيَةِ بِتَحْرِيمِ الشُحُومِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهِيَ: اَلثُّرُوبُ؛ والكُلى؛ وما كانَ شَحْمًا خالِصًا؛ خارِجًا عن الِاسْتِثْناءِ الَّذِي في الآيَةِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ؛ مِن ذَبائِحِ اليَهُودِ؛ فَحَكى ابْنُ المُنْذِرِ في "اَلْأشْرافُ"؛ عن مالِكٍ وغَيْرِهِ؛ مَنعَ أكْلِ الشَحْمِ مِن ذَبائِحِ اليَهُودِ؛ وهو ظاهِرُ "اَلْمُدَوَّنَةُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى القَوْلِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ؛ بِأنَّهُ المَطْعُومُ مِن ذَبائِحِهِمْ؛ وأمّا ما لا يَحِلُّ لَهُمْ؛ فَلا تَقَعُ عَلَيْهِ ذَكاةٌ؛ بَلْ هو كالدَمِ في ذَبائِحِ المُسْلِمِينَ؛ وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِيءُ قَوْلُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ - في "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ فِيما ذَبَحَهُ اليَهُودِيُّ؛ مِمّا لا يَحِلُّ لَهُمْ؛ كالجَمَلِ؛ والأرْنَبِ: إنَّهُ لا يُؤْكَلُ.
(p-٤٨٤)وَرُوِيَ عن مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ - كَراهِيَةُ الشَحْمِ مِن ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ؛ دُونَ تَحْرِيمٍ؛ وأباحَ بَعْضُ الناسِ الشَحْمَ مِن ذَبائِحِ أهْلِ الكِتابِ؛ وذَبْحِهِمْ ما هو عَلَيْهِمْ حَرامٌ؛ إذا أمَرَهم بِذَلِكَ مُسْلِمٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ؛ يُرادُ بِهِ الذَبائِحُ؛ فَمَتى وقَعَ الذَبْحُ عَلى صِفَتِهِ؛ وقَعَتِ الإباحَةُ؛ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ جَرَّدَ لَفْظَةَ "وَطَعامُ"؛ مِن مَعْنى أنْ تَكُونَ "مَطْعُومًا" لِأهْلِ الكِتابِ؛ وخَلَّصَها لِمَعْنى الذَبْحِ؛ وذَلِكَ حَرَجٌ لا يُتَوَجَّهُ.
وأمّا الطَرِيقُ فَحَرَّمَهُ قَوْمٌ؛ وكَرِهَهُ قَوْمٌ؛ وأباحَهُ قَوْمٌ؛ وحَلَّلَهُ مالِكٌ في "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى مَنعِهِ؛ وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ما كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ؛ وعَلِمْنا ذَلِكَ مِن كِتابِنا؛ فَلا يَحِلُّ لَنا مِن ذَبائِحِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ ؛ يُرِيدُ ما اخْتَلَطَ بِاللَحْمِ؛ في الظَهْرِ؛ والأجْنابِ؛ ونَحْوَهُ؛ قالَ السُدِّيُّ ؛ وأبُو صالِحٍ: اَلْألَياتُ مِمّا حَمَلَتْ ظُهُورُهُما؛ "أوِ الحَوايا"؛ قالَ: هو جَمْعُ "حَوِيَّةٌ"؛ عَلى وزْنِ "فَعِيلَةٌ"؛ فَوَزْنُ "حَوايا"؛ عَلى هَذا: "فَعائِلُ"؛ كَـ "سَفِينَةٌ"؛ و"سَفائِنُ"؛ وقِيلَ: هو جَمْعُ "حاوِيَةٌ"؛ عَلى وزْنِ "فاعِلَةٌ"؛ فَـ "حَوايا"؛ عَلى هَذا: "فَواعِلُ"؛ كَـ "ضارِبَةٌ"؛ و"ضَوارِبُ"؛ وقِيلَ: جَمْعُ "حاوِياءُ"؛ فَوَزْنُها؛ عَلى هَذا أيْضًا: "فَواعِلُ"؛ كَـ "قاصِعاءُ"؛ و"قَواصِعُ"؛ وأمّا "حَوايا"؛ عَلى الوَزْنِ الأوَّلِ؛ فَأصْلُها "حَوائِي"؛ فَقُلِبَتِ الياءُ الأخِيرَةُ ألِفًا؛ فانْفَتَحَتْ لِذَلِكَ الهَمْزَةُ؛ ثُمَّ بُدِّلَتْ ياءً؛ وأمّا عَلى الوَزْنَيْنِ الأخِيرَيْنِ؛ فَأصْلُ "حَوايا"؛ "حَواوِي"؛ وبُدِّلَتِ الواوُ الثانِيَةُ هَمْزَةً؛ و"اَلْحَوِيَّةُ": ما تَحَوّى في البَطْنِ؛ واسْتَدارَ؛ وهي المَصارِينُ؛ والحَشْوَةُ؛ ونَحْوُهُما؛ وقالَ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: "اَلْحَوايا": (p-٤٨٥)اَلْمَباعِرُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: هي المَرابِطُ الَّتِي تَكُونُ فِيها الأمْعاءُ؛ وهي بَناتُ اللَبَنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أو ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ ؛ يُرِيدُ في سائِرِ الشُخُصِ.
و"اَلْحَوايا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلا ما حَمَلَتْ﴾ ؛ فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ عَطْفًا عَلى المَنصُوبِ بِالِاسْتِثْناءِ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: "اَلْحَوايا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "الظُهُورِ"؛ كَأنَّهُ قالَ: "إلّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما؛ أو حَمَلَتِ الحَوايا"؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: "اَلْحَوايا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى "الشُحُومِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا تَدْخُلُ "اَلْحَوايا" في التَحْرِيمِ؛ وهَذا قَوْلٌ لا يُعَضِّدُهُ اللَفْظُ؛ ولا المَعْنى؛ بَلْ يَدْفَعانِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ ؛ "ذَلِكَ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ و﴿جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّ هَذا التَحْرِيمَ إنَّما كانَ عُقُوبَةً لَهم عَلى ذُنُوبِهِمْ؛ وبَغْيِهِمْ؛ واسْتِعْصائِهِمْ عَلى الأنْبِياءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَإنّا لَصادِقُونَ"؛ إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ التَعْرِيضَ بِكَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ: "ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيْنا شَيْئًا؛ وإنَّما اقْتَدَيْنا بِإسْرائِيلَ فِيما حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ"؛ ويَتَضَمَّنُ إدْحاضَ قَوْلِهِمْ؛ ورَدَّهُ عَلَيْهِمْ.
الأنعام 6:147
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾
يُرِيدُ: "فَإنْ كَذَّبُوكَ فِيما أخْبَرَتْ بِهِ أنَّ اللهَ تَعالى حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ؛ وقالُوا: لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ تَعالى عَلَيْنا شَيْئًا؛ وإنَّما حَرَّمْنا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ - قالَ السُدِّيُّ: وهَذِهِ كانَتْ مَقالَتَهم - فَقُلْ (p-٤٨٦)يا مُحَمَّدُ - عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ مِن حالِهِمْ؛ والتَعْظِيمِ لِفِرْيَتِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ لَكَ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَقِيقَةِ ما قُلْتَ -: رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ؛ إذْ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ؛ مَعَ شِدَّةِ جُرْمِكُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كَما تَقُولُ - عِنْدَ رُؤْيَةِ مَعْصِيَةٍ؛ أو أمْرٍ مَبْغِيٍّ -: "ما أحْلَمَ اللهَ تَعالى !"؛ وأنْتَ تُرِيدُ: "لِإمْهالِهِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ"؛ فَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ ؛ قُوَّةُ وصْفِهِمْ بِغايَةِ الِاجْتِرامِ؛ وشِدَّةِ الطُغْيانِ.
ثُمَّ أعْقَبَ هَذِهِ المَقالَةَ بِوَعِيدٍ؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلا تَغْتَرُّوا أيْضًا بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى ؛ فَإنَّ لَهُ بَأْسًا لا يُرَدُّ عَنِ المُجْرِمِينَ؛ إمّا في الدُنْيا؛ وإمّا في الآخِرَةِ"؛ وهَذِهِ الآيَةُ؛ وما جانَسَها مِن آياتِ مَكَّةَ مُرْتَفِعٌ حُكْمُهُ بِالقِتالِ؛ وأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّ المُشْرِكِينَ سَيَحْتَجُّونَ لِصَوابِ ما هم عَلَيْهِ؛ مِن شِرْكِهِمْ؛ وتَدَيُّنِهِمْ بِتَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ؛ بِإمْهالِ اللهِ تَعالى ؛ وتَقْرِيرِهِ حالَهُمْ؛ وأنَّهُ لَوْ شاءَ غَيْرَ ذَلِكَ لَما تَرَكَهم عَلى تِلْكَ الحالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبَيِّنٌ أنَّ المُشْرِكِينَ لا حُجَّةَ لَهم فِيما ذَكَرُوهُ؛ لِأنّا نَحْنُ نَقُولُ: "إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَوْ شاءَ ما أشْرَكُوا"؛ ولَكِنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - شاءَ إشْراكَهُمْ؛ وأقْدَرَهم عَلى اكْتِسابِ الإشْراكِ؛ والمَعاصِي؛ ومَحَبَّتِهِ؛ والِاشْتِغالِ بِهِ؛ ثُمَّ عَلَّقَ العِقابَ؛ والثَوابَ عَلى تِلْكَ الأشْياءِ؛ والِاكْتِساباتِ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَواهِرُ القُرْآنِ؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢] ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ويَلْزَمُهم عَلى احْتِجاجِهِمْ أنْ تَكُونَ كُلُّ طَرِيقَةٍ؛ وكُلُّ نِحْلَةٍ؛ صَوابًا؛ إذْ كُلُّها - لَوْ شاءَ اللهُ تَعالى - لَمْ تَكُنْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّما هَذِهِ المَقالَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ؛ وهَذا ضَعِيفٌ.
(p-٤٨٧)وَتَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَتْ: إنَّ اللهَ تَعالى قَدْ ذَمَّ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ؛ وإنَّما ذَمَّها تَعالى لِأنَّ كُفْرَهم لَيْسَ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعالى ؛ بَلْ هو خَلْقٌ لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا؛ وإنَّما ذَمَّ اللهُ تَعالى ظَنَّ المُشْرِكِينَ أنَّ ما شاءَ اللهُ تَعالى لا يَقَعُ عَلَيْهِ عِقابٌ؛ وأمّا أنَّهُ ذَمَّ قَوْلَهُمْ: "لَوْلا المَشِيئَةُ لَمْ نَكْفُرْ"؛ فَلا.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ؛ وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَناسُقُ الكَلامِ؛ كَأنَّهُ قالَ تَعالى "سَيَقُولُ المُشْرِكُونَ كَذا؛ وكَذا؛ ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ لَهُمْ؛ ولا شَيْءٌ يَقْتَضِي تَكْذِيبَهُمْ؛ ولَكِنْ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بِنَحْوِ هَذِهِ الشُبْهَةِ؛ مِن ظَنِّهِمْ أنَّ تَرْكَ اللهِ تَعالى لَهم دَلِيلٌ عَلى رِضاهُ تَعالى بِحالِهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ وعِيدٌ بَيِّنٌ؛ ولَيْسَ في الآيَةِ رَدٌّ مَنصُوصٌ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكْنا﴾ ؛ وإنَّما تَرَكَ الرَدَّ عَلَيْهِمْ مُقَدَّرًا في الكَلامِ؛ لِوُضُوحِهِ؛ وبَيانِهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَلا آباؤُنا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "أشْرَكْنا"؛ والعَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ لا يَرُدُّهُ قِياسٌ؛ بِخِلافِ المَنصُوبِ؛ لَكِنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ قَبَّحَ العَطْفَ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ؛ ووَجْهُ قُبْحِهِ أنَّهُ لَمّا بُنِيَ الفِعْلُ صارَ كَحَرْفٍ مِنَ الفِعْلِ؛ فَقَبُحَ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ لِشِبْهِهِ بِالحَرْفِ؛ وذَلِكَ كَقَوْلِكَ: "قُمْتُ وزَيْدٌ"؛ لِأنَّ تَأْكِيدَهُ فِيهِ يُبَيِّنُ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ؛ ويُذْهِبُ عنهُ شَبَهَ الحَرْفِ؛ وحَسُنَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ العَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ ؛ لَمّا طالَ الكَلامُ؛ بِـ "لا"؛ فَكَأنَّ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ اتَّضَحَ واقْتَضَتْ "وَلا"؛ ما يُعْطَفُ بَعْدَها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكَفَرَةِ: هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى ؛ فَتُبَيِّنُوهُ؛ حَتّى تَقُومَ بِهِ الحُجَّةُ؟"؛ و"مِن"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "مِن عِلْمٍ"؛ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ وجاءَتْ زِيادَتُها لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ داخِلٌ في غَيْرِ الواجِبِ. ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ﴾ ؛ أيْ: لا شَيْءَ عِنْدَكم إلّا الظَنُّ؛ وهو أكْذَبُ الحَدِيثِ.
(p-٤٨٨)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَتَّبِعُونَ"؛ عَلى المُخاطَبَةِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وابْنُ وثّابٍ: "إنْ يَتَّبِعُونَ"؛ بِالياءِ؛ حِكايَةً عنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ؛ يُضْعِفُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَإنْ أنْتُمْ"؛﴾ و﴿ "تَخْرُصُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: تُقَدِّرُونَ؛ وتَظُنُّونَ؛ وتَرْجُمُونَ.
الأنعام 6:148
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾
يُرِيدُ: "فَإنْ كَذَّبُوكَ فِيما أخْبَرَتْ بِهِ أنَّ اللهَ تَعالى حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ؛ وقالُوا: لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ تَعالى عَلَيْنا شَيْئًا؛ وإنَّما حَرَّمْنا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ - قالَ السُدِّيُّ: وهَذِهِ كانَتْ مَقالَتَهم - فَقُلْ (p-٤٨٦)يا مُحَمَّدُ - عَلى جِهَةِ التَعَجُّبِ مِن حالِهِمْ؛ والتَعْظِيمِ لِفِرْيَتِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ لَكَ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَقِيقَةِ ما قُلْتَ -: رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ؛ إذْ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ؛ مَعَ شِدَّةِ جُرْمِكُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كَما تَقُولُ - عِنْدَ رُؤْيَةِ مَعْصِيَةٍ؛ أو أمْرٍ مَبْغِيٍّ -: "ما أحْلَمَ اللهَ تَعالى !"؛ وأنْتَ تُرِيدُ: "لِإمْهالِهِ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ"؛ فَفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ ؛ قُوَّةُ وصْفِهِمْ بِغايَةِ الِاجْتِرامِ؛ وشِدَّةِ الطُغْيانِ.
ثُمَّ أعْقَبَ هَذِهِ المَقالَةَ بِوَعِيدٍ؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلا تَغْتَرُّوا أيْضًا بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى ؛ فَإنَّ لَهُ بَأْسًا لا يُرَدُّ عَنِ المُجْرِمِينَ؛ إمّا في الدُنْيا؛ وإمّا في الآخِرَةِ"؛ وهَذِهِ الآيَةُ؛ وما جانَسَها مِن آياتِ مَكَّةَ مُرْتَفِعٌ حُكْمُهُ بِالقِتالِ؛ وأخْبَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّ المُشْرِكِينَ سَيَحْتَجُّونَ لِصَوابِ ما هم عَلَيْهِ؛ مِن شِرْكِهِمْ؛ وتَدَيُّنِهِمْ بِتَحْرِيمِ تِلْكَ الأشْياءِ؛ بِإمْهالِ اللهِ تَعالى ؛ وتَقْرِيرِهِ حالَهُمْ؛ وأنَّهُ لَوْ شاءَ غَيْرَ ذَلِكَ لَما تَرَكَهم عَلى تِلْكَ الحالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وبَيِّنٌ أنَّ المُشْرِكِينَ لا حُجَّةَ لَهم فِيما ذَكَرُوهُ؛ لِأنّا نَحْنُ نَقُولُ: "إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَوْ شاءَ ما أشْرَكُوا"؛ ولَكِنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - شاءَ إشْراكَهُمْ؛ وأقْدَرَهم عَلى اكْتِسابِ الإشْراكِ؛ والمَعاصِي؛ ومَحَبَّتِهِ؛ والِاشْتِغالِ بِهِ؛ ثُمَّ عَلَّقَ العِقابَ؛ والثَوابَ عَلى تِلْكَ الأشْياءِ؛ والِاكْتِساباتِ؛ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَواهِرُ القُرْآنِ؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢] ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ويَلْزَمُهم عَلى احْتِجاجِهِمْ أنْ تَكُونَ كُلُّ طَرِيقَةٍ؛ وكُلُّ نِحْلَةٍ؛ صَوابًا؛ إذْ كُلُّها - لَوْ شاءَ اللهُ تَعالى - لَمْ تَكُنْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّما هَذِهِ المَقالَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ؛ وهَذا ضَعِيفٌ.
(p-٤٨٧)وَتَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَتْ: إنَّ اللهَ تَعالى قَدْ ذَمَّ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ؛ وإنَّما ذَمَّها تَعالى لِأنَّ كُفْرَهم لَيْسَ بِمَشِيئَةِ اللهِ تَعالى ؛ بَلْ هو خَلْقٌ لَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوا؛ وإنَّما ذَمَّ اللهُ تَعالى ظَنَّ المُشْرِكِينَ أنَّ ما شاءَ اللهُ تَعالى لا يَقَعُ عَلَيْهِ عِقابٌ؛ وأمّا أنَّهُ ذَمَّ قَوْلَهُمْ: "لَوْلا المَشِيئَةُ لَمْ نَكْفُرْ"؛ فَلا.
ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ؛ وفي الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَناسُقُ الكَلامِ؛ كَأنَّهُ قالَ تَعالى "سَيَقُولُ المُشْرِكُونَ كَذا؛ وكَذا؛ ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ لَهُمْ؛ ولا شَيْءٌ يَقْتَضِي تَكْذِيبَهُمْ؛ ولَكِنْ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ بِنَحْوِ هَذِهِ الشُبْهَةِ؛ مِن ظَنِّهِمْ أنَّ تَرْكَ اللهِ تَعالى لَهم دَلِيلٌ عَلى رِضاهُ تَعالى بِحالِهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ وعِيدٌ بَيِّنٌ؛ ولَيْسَ في الآيَةِ رَدٌّ مَنصُوصٌ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما أشْرَكْنا﴾ ؛ وإنَّما تَرَكَ الرَدَّ عَلَيْهِمْ مُقَدَّرًا في الكَلامِ؛ لِوُضُوحِهِ؛ وبَيانِهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَلا آباؤُنا"؛ مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ في "أشْرَكْنا"؛ والعَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ لا يَرُدُّهُ قِياسٌ؛ بِخِلافِ المَنصُوبِ؛ لَكِنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ قَبَّحَ العَطْفَ عَلى الضَمِيرِ المَرْفُوعِ؛ ووَجْهُ قُبْحِهِ أنَّهُ لَمّا بُنِيَ الفِعْلُ صارَ كَحَرْفٍ مِنَ الفِعْلِ؛ فَقَبُحَ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ لِشِبْهِهِ بِالحَرْفِ؛ وذَلِكَ كَقَوْلِكَ: "قُمْتُ وزَيْدٌ"؛ لِأنَّ تَأْكِيدَهُ فِيهِ يُبَيِّنُ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ؛ ويُذْهِبُ عنهُ شَبَهَ الحَرْفِ؛ وحَسُنَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ العَطْفُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ ؛ لَمّا طالَ الكَلامُ؛ بِـ "لا"؛ فَكَأنَّ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ اتَّضَحَ واقْتَضَتْ "وَلا"؛ ما يُعْطَفُ بَعْدَها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكَفَرَةِ: هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى ؛ فَتُبَيِّنُوهُ؛ حَتّى تَقُومَ بِهِ الحُجَّةُ؟"؛ و"مِن"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "مِن عِلْمٍ"؛ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ وجاءَتْ زِيادَتُها لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ داخِلٌ في غَيْرِ الواجِبِ. ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ﴾ ؛ أيْ: لا شَيْءَ عِنْدَكم إلّا الظَنُّ؛ وهو أكْذَبُ الحَدِيثِ.
(p-٤٨٨)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَتَّبِعُونَ"؛ عَلى المُخاطَبَةِ؛ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ ؛ وابْنُ وثّابٍ: "إنْ يَتَّبِعُونَ"؛ بِالياءِ؛ حِكايَةً عنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ؛ يُضْعِفُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَإنْ أنْتُمْ"؛﴾ و﴿ "تَخْرُصُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: تُقَدِّرُونَ؛ وتَظُنُّونَ؛ وتَرْجُمُونَ.
الأنعام 6:149
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهم ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
ثُمَّ أعْقَبَ تَعالى أمْرَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِتَوْقِيفِ المُشْرِكِينَ عَلى مَوْضِعِ عَجْزِهِمْ؛ بِأمْرِهِ تَعالى إيّاهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ - مُبَيِّنًا؛ مُفْصِحًا -: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ ؛ يُرِيدُ: اَلْبالِغَةُ غايَةَ المَقْصِدِ في الأمْرِ الَّذِي يُحْتَجُّ فِيهِ؛ ثُمَّ اعْلَمْ بِأنَّهُ لَوْ شاءَ تَعالى لَهَدى العالَمَ بِأسْرِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ الهِدايَةَ والإيمانَ إنَّما هي مِنَ العَبْدِ؛ لا مِنَ اللهِ تَعالى ؛ فَإنْ قالُوا: مَعْنى "لَهَداكُمْ": لاضْطَرَّكم إلى الهُدى؛ فَسَدَ ذَلِكَ بِمُعْتَقَدِهِمْ أنَّ الإيمانَ الَّذِي يُرِيدُ اللهُ تَعالى مِن عِبادِهِ؛ ويُثِيبُ عَلَيْهِ؛ لَيْسَ الَّذِي يُضْطَرُّ إلَيْهِ العَبْدُ؛ وإنَّما هو عِنْدَهُمُ الَّذِي يَقَعُ مِنَ العَبْدِ وحْدَهُ.
و"هَلُمَّ"؛ مَعْناها: "هاتِ"؛ وهي حِينَئِذٍ مُتَعَدِّيَةٌ؛ وقَدْ تَكُونُ بِمَعْنى: "أقْبِلْ"؛ فَهي حِينَئِذٍ لا تَتَعَدّى؛ وبَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُها اسْمًا لِلْفِعْلِ؛ كَـ "رُوَيْدَكَ"؛ فَيُخاطِبُ بِها الواحِدَ؛ والجَمِيعَ؛ والمُذَكَّرَ؛ والمُؤَنَّثَ؛ عَلى حَدٍّ واحِدٍ؛ وبَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُها فِعْلًا؛ فَيُرَكِّبُ عَلَيْها الضَمائِرَ؛ فَيَقُولُ: "هَلُمَّ يا زَيْدُ"؛ و"هَلُمُّوا أيُّها الناسُ"؛ و"هَلُمِّي يا هِنْدُ"؛ ونَحْوَ هَذا؛ وذَكَرَ اللُغَتَيْنِ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْإغْفالُ"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَللُّغَةُ الأُولى لِأهْلِ العالِيَةِ؛ واللُغَةُ الثانِيَةُ لِأهْلِ نَجْدٍ؛ وقالَ سِيبَوَيْهِ ؛ والخَلِيلُ: أصْلُها: "هالُمَّ"؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: أصْلُها "هالُمُمْ"؛ وحُذِفَتِ الألِفُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ؛ فَجاءَ "هَلُمْمَ"؛ فَحَذَفَ مَن قالَ: أصْلُها: "هالُمَّ"؛ وأدْغَمَ مَن قالَ: أصْلُها "هالُمُمْ"؛ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
(p-٤٨٩)وَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: "قُلْ هاتُوا شُهَداءَكم عَلى تَحْرِيمِ اللهِ تَعالى ما زَعَمْتُمْ أنَّهُ حَرَّمَهُ"؛ ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "فَإنْ شَهِدُوا"؛ أيْ: "فَإنِ افْتَرى لَهم أحَدٌ؛ وزَوَّرَ شَهادَةً أو خَبَرًا عن نُبُوَّةٍ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَتَجَنَّبْ أنْتَ ذَلِكَ؛ ولا تَشْهَدُ مَعَهُمْ"؛ وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ ؛ قُوَّةُ وصْفِ شَهادَتِهِمْ بِنِهايَةِ الزُورِ؛ ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ﴾ ؛ يُرِيدُ: "لا تَنْحَطَّ في شَهَواتِ الكَفَرَةِ؛ وتُوافِقْهم أقْوالَهُمْ"؛ ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ عَطْفُ نَعْتٍ عَلى نَعْتٍ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ"؛ هَذا مَذْهَبُ مُعْظَمِ الناسِ؛ وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في الدَهْرِيَّةِ مِنَ الزَنادِقَةِ؛ ﴿وَهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ؛ أنْدادًا؛ يُسَوُّونَهم بِهِ؛ وإنْ كانَتْ في الزَنادِقَةِ؛ فَعَدْلُهم غَيْرُ هَذا.
الأنعام 6:150
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهم ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
ثُمَّ أعْقَبَ تَعالى أمْرَهُ نَبِيَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِتَوْقِيفِ المُشْرِكِينَ عَلى مَوْضِعِ عَجْزِهِمْ؛ بِأمْرِهِ تَعالى إيّاهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنْ يَقُولَ - مُبَيِّنًا؛ مُفْصِحًا -: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ ؛ يُرِيدُ: اَلْبالِغَةُ غايَةَ المَقْصِدِ في الأمْرِ الَّذِي يُحْتَجُّ فِيهِ؛ ثُمَّ اعْلَمْ بِأنَّهُ لَوْ شاءَ تَعالى لَهَدى العالَمَ بِأسْرِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ تَرُدُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ الهِدايَةَ والإيمانَ إنَّما هي مِنَ العَبْدِ؛ لا مِنَ اللهِ تَعالى ؛ فَإنْ قالُوا: مَعْنى "لَهَداكُمْ": لاضْطَرَّكم إلى الهُدى؛ فَسَدَ ذَلِكَ بِمُعْتَقَدِهِمْ أنَّ الإيمانَ الَّذِي يُرِيدُ اللهُ تَعالى مِن عِبادِهِ؛ ويُثِيبُ عَلَيْهِ؛ لَيْسَ الَّذِي يُضْطَرُّ إلَيْهِ العَبْدُ؛ وإنَّما هو عِنْدَهُمُ الَّذِي يَقَعُ مِنَ العَبْدِ وحْدَهُ.
و"هَلُمَّ"؛ مَعْناها: "هاتِ"؛ وهي حِينَئِذٍ مُتَعَدِّيَةٌ؛ وقَدْ تَكُونُ بِمَعْنى: "أقْبِلْ"؛ فَهي حِينَئِذٍ لا تَتَعَدّى؛ وبَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُها اسْمًا لِلْفِعْلِ؛ كَـ "رُوَيْدَكَ"؛ فَيُخاطِبُ بِها الواحِدَ؛ والجَمِيعَ؛ والمُذَكَّرَ؛ والمُؤَنَّثَ؛ عَلى حَدٍّ واحِدٍ؛ وبَعْضُ العَرَبِ يَجْعَلُها فِعْلًا؛ فَيُرَكِّبُ عَلَيْها الضَمائِرَ؛ فَيَقُولُ: "هَلُمَّ يا زَيْدُ"؛ و"هَلُمُّوا أيُّها الناسُ"؛ و"هَلُمِّي يا هِنْدُ"؛ ونَحْوَ هَذا؛ وذَكَرَ اللُغَتَيْنِ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْإغْفالُ"؛ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَللُّغَةُ الأُولى لِأهْلِ العالِيَةِ؛ واللُغَةُ الثانِيَةُ لِأهْلِ نَجْدٍ؛ وقالَ سِيبَوَيْهِ ؛ والخَلِيلُ: أصْلُها: "هالُمَّ"؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: أصْلُها "هالُمُمْ"؛ وحُذِفَتِ الألِفُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ؛ فَجاءَ "هَلُمْمَ"؛ فَحَذَفَ مَن قالَ: أصْلُها: "هالُمَّ"؛ وأدْغَمَ مَن قالَ: أصْلُها "هالُمُمْ"؛ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
(p-٤٨٩)وَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: "قُلْ هاتُوا شُهَداءَكم عَلى تَحْرِيمِ اللهِ تَعالى ما زَعَمْتُمْ أنَّهُ حَرَّمَهُ"؛ ثُمَّ قالَ اللهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "فَإنْ شَهِدُوا"؛ أيْ: "فَإنِ افْتَرى لَهم أحَدٌ؛ وزَوَّرَ شَهادَةً أو خَبَرًا عن نُبُوَّةٍ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَتَجَنَّبْ أنْتَ ذَلِكَ؛ ولا تَشْهَدُ مَعَهُمْ"؛ وفي قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ ؛ قُوَّةُ وصْفِ شَهادَتِهِمْ بِنِهايَةِ الزُورِ؛ ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ﴾ ؛ يُرِيدُ: "لا تَنْحَطَّ في شَهَواتِ الكَفَرَةِ؛ وتُوافِقْهم أقْوالَهُمْ"؛ ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ عَطْفُ نَعْتٍ عَلى نَعْتٍ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ"؛ هَذا مَذْهَبُ مُعْظَمِ الناسِ؛ وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في الدَهْرِيَّةِ مِنَ الزَنادِقَةِ؛ ﴿وَهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ؛ أنْدادًا؛ يُسَوُّونَهم بِهِ؛ وإنْ كانَتْ في الزَنادِقَةِ؛ فَعَدْلُهم غَيْرُ هَذا.
الأنعام 6:151
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا ولا تَقْتُلُوا أولادَكم مِن إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهم ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾
هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يَدْعُوَ جَمِيعَ الخَلْقِ إلى سَماعِ تِلاوَةِ ما حَرَّمَ اللهُ تَعالى بِشَرْعِ الإسْلامِ المَبْعُوثِ بِهِ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ.
و"تَعالَوْا"؛ مَعْناهُ: أقْبِلُوا؛ وأصْلُهُ مِن "اَلْعُلُوُّ"؛ فَكَأنَّ الدُعاءَ لَمّا كانَ أمْرًا مِنَ الداعِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ تَرْفِيعُ المَدْعُوِّ؛ و"تَعالى"؛ هو مُطاوِعُ "عالى"؛ إذْ "تَفاعَلَ"؛ هو مُطاوِعُ "فاعَلَ".
و"أتْلُ"؛ مَعْناهُ: "أسْرُدْ؛ وأنُصَّ"؛ مِن "اَلتِّلاوَةُ"؛ اَلَّتِي هي إتْباعُ بَعْضِ الحُرُوفِ بَعْضًا؛ و"ما"؛ نُصِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى "أتْلُ"؛ وهي بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ وقالَ الزَجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى "أتْلُ"؛ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ؛ و"ما"؛ نُصِبَ بِـ "حَرَّمَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَلِقٌ: و"أنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا تُشْرِكُوا"؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ (p-٤٩٠)بِالِابْتِداءِ؛ والتَقْدِيرُ: "اَلْأمْرُ أنْ..."؛ أو: "ذَلِكَ أنْ..."؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ عَلى البَدَلِ مِن "ما"؛ قالَهُ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَعْنى يُبْطِلُهُ؛ فَتَأمَّلْهُ.
ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ؛ والتَقْدِيرُ: "إرادَةَ ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا"؛ إلّا أنَّ هَذا التَأْوِيلَ يُخْرِجُ "ألّا تُشْرِكُوا"؛ مِنَ المَتْلُوِّ؛ ويَجْعَلُهُ سَبَبًا لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ.
و"تُشْرِكُوا"؛ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ "أنْ"؛ ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا بِالنَهْيِ؛ وهو الصَحِيحُ في المَعْنى المَقْصُودِ؛ و"أنْ"؛ قَدْ تُوصَلُ بِما نَصَبَتْهُ؛ وقَدْ تُوصَلُ بِالفِعْلِ المَجْزُومِ بِالأمْرِ والنَهْيِ؛ و"شَيْئًا"؛ عامٌّ يُرادُ بِهِ كُلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللهِ تَعالى.
و"إحْسانًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ وناصِبُهُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا".
والمُحَرَّماتُ تَنْفَكُّ مِن هَذِهِ المَذْكُوراتِ بِالمَعْنى؛ وهِيَ: اَلْإشْراكُ؛ والعُقُوقُ؛ وقُرْبُ الفَواحِشِ؛ وقَتْلُ النَفْسِ.
وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: "هَذِهِ الآياتُ مُفْتَتَحُ التَوْراةِ: (بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ)"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآياتُ هي المُحْكَماتُ الَّتِي ذَكَرَها اللهُ تَعالى في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ "؛ اِجْتَمَعَتْ عَلَيْها شَرائِعُ الخَلْقِ؛ ولَمْ تُنْسَخْ قَطُّ في مِلَّةٍ؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّها العَشْرُ الكَلِماتُ المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ.
وإنِ اعْتَرَضَ مَن قالَ: إنَّ "تُشْرِكُوا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "أنْ"؛ بِعَطْفِ المَجْزُوماتِ عَلَيْهِ؛ فَذَلِكَ مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ؛ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ حُجَّةً لِذَلِكَ:
؎ حَجَّ وأوصى بِسُلَيْمى الأعْبُدا ∗∗∗ ألّا تَرى ولا تُكَلِّمْ أحَدا
؎ ولا يَزَلْ شَرابُها مُبَرَّدا
(p-٤٩١)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أولادَكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ نَهْيٌ عن عادَةِ العَرَبِ في وأْدِ البَناتِ؛ و"اَلْوَلَدُ"؛ يَعُمُّ الذَكَرَ؛ والأُنْثى؛ مِنَ البَنِينَ؛ و"اَلْإمْلاقُ": اَلْفَقْرُ؛ وعَدَمُ المالِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وغَيْرُهُ؛ يُقالُ: "أمْلَقَ الرَجُلُ"؛ إذا افْتَقَرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "أمْلَقَ"؛ أيْ: "لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا المَلَقُ"؛ كَما قالُوا: "أتْرَبَ"؛ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا التُرابُ؛ و"أرْمَلَ"؛ إذا لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا الرَمْلُ؛ و"اَلْمَلَقُ": اَلْحِجارَةُ السُودُ؛ واحِدَتُهُ: "مَلَقَةٌ"؛ وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ أنَّ "اَلْإمْلاقَ": اَلْإنْفاقُ؛ ويُقالُ: "أمْلَقَ مالَهُ"؛ بِمَعْنى: أنْفَقَهُ؛ وذَكَرَ أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قالَ لِامْرَأةٍ: "أمْلِقِي مِن مالِكِ ما شِئْتِ"؛ وذَكَرَ النَقّاشُ عن مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ التِرْمِذِيِّ أنَّهُ السَرَفُ في الإنْفاقِ؛ وحَكى أيْضًا النَقّاشُ عن مُؤَرِّجٍ أنَّهُ قالَ: "اَلْإمْلاقُ": اَلْجُوعُ؛ بِلُغَةِ لَخْمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ ؛ نَهْيٌ عامٌّ عن جَمِيعِ أنْواعِ الفَواحِشِ؛ وهي المَعاصِي؛ و"ظَهَرَ"؛ و"بَطَنَ"؛ حالَتانِ تَسْتَوْفِيانِ أقْسامَ ما جُعِلَتْ لَهُ مِنَ الأشْياءِ؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ القَصْدَ بِهَذِهِ الآيَةِ أشْياءُ مُخَصَّصاتٌ؛ فَقالَ السُدِّيُّ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "ما ظَهَرَ"؛ هو زِنا الحَوانِيتِ الشَهِيرِ؛ و"ما بَطَنَ"؛ هو مُتَّخِذاتُ الأخْدانِ؛ وكانُوا يَسْتَقْبِحُونَ الشَهِيرَ وحْدَهُ؛ فَحَرَّمَ اللهُ تَعالى الجَمِيعَ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "ما ظَهَرَ"؛ هو نِكاحُ حَلائِلِ الآباءِ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ و"ما بَطَنَ"؛ هو الزِنا؛ إلى غَيْرِ هَذا مِن تَخْصِيصٍ لا تَقُومُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ؛ بَلْ هو دَعْوى مُجَرَّدَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلا تَقْتُلُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ مُتَضَمِّنَةٌ تَحْرِيمَ قَتْلِ النَفْسِ المُسْلِمَةِ؛ والمُعاهَدَةِ؛ ومَعْنى الآيَةِ: "إلّا بِالحَقِّ الَّذِي يُوجِبُ قَتْلَها"؛ وقَدْ بَيَّنَتْهُ الشَرِيعَةُ؛ وهو الكُفْرُ بِاللهِ تَعالى وقَتْلُ النَفْسِ؛ والزِنا بَعْدَ الإحْصانِ؛ والحِرابَةُ؛ وما تَشَعَّبَ مِن ذَلِكَ.
(p-٤٩٢)وَ"ذَلِكُمْ"؛ إشارَةٌ إلى هَذِهِ المُحَرَّماتِ؛ و"اَلْوَصِيَّةُ": اَلْأمْرُ المُؤَكَّدُ المُقَرَّرُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أجِدَّكَ لَمْ تَسْمَعْ وصاةَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ نَبِيِّ الإلَهِ حِينَ أوصى وأشْهَدا
وقَوْلُهُ تَعالى "لَعَلَّكُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِالإضافَةِ إلَيْنا؛ أيْ: "مَن سَمِعَ هَذِهِ الوَصِيَّةَ تَرَجّى وُقُوعَ أثَرِ العَقْلِ بَعْدَها؛ وتَمْيِيزِ المَنافِعِ؛ والمَضارِّ؛ في الدِينِ.
الأنعام 6:152
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ وأوفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى وبِعَهْدِ اللهِ أوفُوا ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾
هَذا نَهْيٌ عَنِ القُرْبِ الَّذِي يَعُمُّ وُجُوهُ التَصَرُّفِ؛ وفِيهِ سَدُّ الذَرِيعَةِ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى ما يَحْسُنُ؛ وهو التَثْمِيرُ؛ والسَعْيُ في نَمائِهِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: اَلَّتِي هي أحْسَنُ: اَلتِّجارَةُ فِيهِ؛ مِمَّنْ كانَ مِنَ الناظِرِينَ لَهُ مالٌ يَعِيشُ بِهِ؛ فالأحْسَنُ - إذا ثَمَرَ مالُ يَتِيمٍ - ألّا يَأْخُذُ مِنهُ نَفَقَةً؛ ولا أُجْرَةً ولا غَيْرَها؛ مَن كانَ مِنَ الناظِرِينَ لا مالَ لَهُ؛ ولا يَتَّفِقُ لَهُ نَظَرٌ إلّا بِأنْ يُنْفِقَ عَلى نَفْسِهِ مِن رِبْحِ نَظَرِهِ؛ وإلّا دَعَتْهُ الضَرُورَةُ إلى تَرْكِ مالِ اليَتِيمِ دُونَ نَظَرٍ؛ فالأحْسَنُ أنْ يَنْظُرَ؛ ويَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ؛ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
و"اَلْأشُدُّ": جَمْعُ "شَدٌّ"؛ وجَمْعُ "شِدَّةٌ"؛ وهو هُنا الحَزْمُ؛ والنَظَرُ في الأُمُورِ؛ وحُسْنُ التَصَرُّفِ فِيها.
(p-٤٩٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَيْسَ هَذا بِالأشُدِّ المَقْرُونِ بِبُلُوغِ الأرْبَعِينَ؛ بَلْ هَذا يَكُونُ مَعَ صِغَرِ السِنِّ في ناسٍ كَثِيرٍ؛ وتِلْكَ الأشُدُّ هي التَجارِبُ؛ والعَقْلُ المُحَنَّكُ؛ ولَكِنْ قَدْ خَلَطَهُما المُفَسِّرُونَ؛ وقالَ رَبِيعَةُ؛ والشَعْبِيُّ ؛ ومالِكٌ - فِيما رُوِيَ عنهُ -؛ وأبُو حَنِيفَةَ: بُلُوغُ الأشُدِّ: اَلْبُلُوغُ مَعَ ألّا يَثْبُتَ سَفَهٌ؛ وقالَ السُدِّيُّ: اَلْأشُدُّ: ثَلاثُونَ سَنَةً؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ سَنَةً؛ وحَكى الزَجّاجُ عن فِرْقَةٍ: ثَمانِيَةَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ وضَعَّفَهُ؛ ورَجَّحَ البُلُوغَ مَعَ الرُشْدِ؛ وحَكى النَقّاشُ أنَّ الأشُدَّ هُنا: مِن خَمْسَ عَشْرَةَ؛ إلى ثَلاثِينَ؛ والفِقْهُ ما رَجَّحَ الزَجّاجُ ؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: اَلرُّشْدُ؛ وزَوالُ السَفَهِ؛ مَعَ البُلُوغِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ؛ وألْيَقُها بِهَذا المَوْضِعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأوفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ بِالِاعْتِدالِ في الأخْذِ؛ والإعْطاءِ؛ و"اَلْقِسْطُ": اَلْعَدْلُ؛ وقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ ؛ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الأوامِرَ إنَّما هي فِيما يَقَعُ تَحْتَ قُدْرَةِ البَشَرِ؛ مِنَ التَحَفُّظِ؛ والتَحَرُّزِ؛ لا أنَّهُ مُطالَبٌ بِغايَةِ العَدْلِ في نَفْسِ الشَيْءِ المُتَصَرِّفِ فِيهِ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: لَمّا كانَ الَّذِي يُعْطِي ناقِصًا يَتَكَلَّفُ في ذَلِكَ مَشَقَّةً؛ والَّذِي يُعْطِي زائِدًا يَتَكَلَّفُ أيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ؛ رَفَعَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - الأمْرَ بِالمُعادَلَةِ؛ حَتّى لا يَتَكَلَّفَ واحِدٌ مِنهُما مَشَقَّةً.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا﴾ ؛ يَتَضَمَّنُ الشَهاداتِ؛ والأحْكامَ؛ والتَوَسُّطَ بَيْنَ الناسِ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ أيْ: ولَوْ كانَ مَيْلُ الحَقِّ عَلى قَراباتِكم.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَبِعَهْدِ اللهِ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ جَمِيعُ ما عَهِدَهُ اللهُ تَعالى إلى عِبادِهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ جَمِيعُ ذَلِكَ؛ مَعَ جَمِيعِ ما انْعَقَدَ بَيْنَ إنْسانَيْنِ؛ ويُضافُ إلى ذَلِكَ العَهْدُ إلى اللهِ تَعالى ؛ مِن حَيْثُ قَدْ أمَرَ تَعالى بِحِفْظِهِ والوَفاءِ بِهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "لَعَلَّكُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِحَسَبِنا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "تَذَّكَّرُونَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ والكافِ؛ جَمِيعًا؛ وكَذَلِكَ "يَذَّكَّرُونَ"؛ و"يَذَّكَّرُ الإنْسانُ"؛ وما جَرى مِن ذَلِكَ مُشَدَّدًا كُلُّهُ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وابْنِ عامِرٍ ؛ كُلَّ ذَلِكَ بِالتَشْدِيدِ؛ إلّا قَوْلَهُ تَعالى "أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ"؛ (p-٤٩٤)فَإنَّهم خَفَّفُوها؛ ورَوى أبانُ؛ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "تَذْكُرُونَ"؛ خَفِيفَةَ الذالِ؛ في كُلِّ القُرْآنِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَذَكَّرُونَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ إذا كانَ الفِعْلُ بِالتاءِ؛ وإذا كانَ بِالياءِ قَرَأهُ بِالتَشْدِيدِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ؛ في سُورَةِ "اَلْفُرْقانِ": "لِمَن أرادَ أنْ يَذْكُرَ"؛ بِسُكُونِ الذالِ؛ وتَخْفِيفِ الكافِ؛ وقَرَأ ذَلِكَ الكِسائِيُّ ؛ بِتَشْدِيدِهِما؛ وفَتْحِهِما.
الأنعام 6:153
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عن سَبِيلِهِ ذَلِكم وصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
اَلْإشارَةُ هي إلى الشَرْعِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِجُمْلَتِهِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: اَلْإشارَةُ هي إلى هَذِهِ الوَصايا الَّتِي تَقَدَّمَتْ؛ مِن قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾ [الأنعام: ١٥١].
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "وَأنَّ هَذا"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وتَشْدِيدِ النُونِ؛ "صِراطِي"؛ ساكِنَ الياءِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَإنَّ"؛ بِكَسْرِ الألِفِ؛ وتَشْدِيدِ النُونِ؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ مِنَ السَبْعَةِ: "وَأنْ"؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وسُكُونِ النُونِ؛ "صِراطِيَ"؛ مَفْتُوحَ الياءِ؛ فَأمّا مَن فَتَحَ الألِفَ فالمَعْنى عِنْدَهُ كَأنَّهُ قالَ: "وَلِأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ"؛ أيْ: "اِتَّبِعُوهُ؛ لِكَوْنِهِ كَذا"؛ وتَكُونُ الواوُ - عَلى هَذا - إنَّما عَطَفَتْ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ؛ ويَصِحُّ غَيْرُ هَذا؛ أنْ يَعْطِفَ عَلى "ألّا تُشْرِكُوا"؛ وكَأنَّ المُحَرَّمَ مِن هَذا اتِّباعُ السُبُلِ؛ والتَنْكِيبُ عَنِ الصِراطِ الأقْوَمِ؛ ومَن قَرَأ بِتَخْفِيفِ النُونِ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "ألا تُشْرِكُوا"؛﴾ [الأنعام: ١٥١] ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ؛ وأنَّ التَقْدِيرَ: "وَأنَّهُ هَذا صِراطِي"؛ ومَن قَرَأ بِكَسْرِ الألِفِ وتَشْدِيدِ النُونِ؛ فَكَأنَّهُ اسْتَأْنَفَ الكَلامَ؛ وقَطَعَهُ مِنَ الأوَّلِ؛ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَهَذا صِراطِي"؛ بِحَذْفِ "أنَّ".
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ طَرِيقًا صِراطًا مُسْتَقِيمًا؛ طَرَفُهُ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وشَرْعُهُ؛ ونِهايَتُهُ الجَنَّةُ؛ وتَتَشَعَّبُ مِنهُ طُرُقٌ؛ فَمَن سَلَكَ الجادَّةَ نَجا؛ ومَن خَرَجَ إلى تِلْكَ الطُرُقِ أفْضَتْ بِهِ إلى النارِ؛ وقالَ أيْضًا: خَطَّ لَنا رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَوْمًا خَطًّا؛ (p-٤٩٥)فَقالَ: "هَذا سَبِيلُ اللهِ"؛ ثُمَّ خَطَّ عن يَمِينِ ذَلِكَ الخَطِّ؛ وعن شِمالِهِ؛ خُطُوطًا؛ فَقالَ: "هَذِهِ سُبُلٌ؛ عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو إلَيْها"؛ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ الآيَةُ تَعُمُّ أهْلَ الأهْواءِ؛ والبِدَعِ؛ والشُذُوذِ؛ في الفُرُوعِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِن أهْلِ التَعَمُّقِ في الجَدَلِ؛ والخَوْضِ في الكَلامِ؛ هَذِهِ كُلُّها عُرْضَةٌ لِلزَّلَلِ؛ ومَظِنَّةٌ لِسُوءِ المُعْتَقَدِ.
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في ﴿ "ذَلِكم وصّاكُمْ"؛﴾ [الأنعام: ١٥١] وفي قَوْلِهِ: "لَعَلَّكُمْ"؛ ومِن حَيْثُ كانَتِ المُحَرَّماتُ الأُوَلُ لا يَقَعُ فِيها عاقِلٌ قَدْ نَظَرَ بِعَقْلِهِ؛ جاءَتِ العِبارَةُ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١] ؛ والمُحَرَّماتُ الأُخَرُ شَهَواتٍ؛ وقَدْ يَقَعُ فِيها مِنَ العُقَلاءِ مَن لَمْ يَتَذَكَّرْ؛ جاءَتِ العِبارَةُ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢] ؛ ثُمَّ لَمّا كانَ رُكُوبُ الجادَّةِ الكامِلَةِ يَتَضَمَّنُ فِعْلَ الفَضائِلِ؛ وتِلْكَ دَرَجَةُ التَقْوى؛ جاءَتِ العِبارَةُ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾.
الأنعام 6:154
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾
"ثُمَّ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما مُهْلَتُها في تَرْتِيبِ القَوْلِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ كَأنَّهُ قالَ: "ثُمَّ مِمّا قَضَيْناهُ أنّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ"؛ ويَدْعُو إلى ذَلِكَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - مُتَقَدِّمٌ بِالزَمانِ عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وتِلاوَتِهِ ما حَرَّمَ اللهُ تَعالى ؛ و"اَلْكِتابَ": اَلتَّوْراةُ؛ و"تَمامًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ.
(p-٤٩٦)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ ؛ مُخْتَلَفٌ في مَعْناهُ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "اَلَّذِي"؛ بِمَعْنى: "اَلَّذِينَ"؛ و"أحْسَنَ"؛ فِعْلٌ ماضٍ؛ صِلَةُ "اَلَّذِينَ"؛ وكَأنَّ الكَلامَ: "وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَفَضُّلًا عَلى المُحْسِنِينَ مِن أهْلِ مِلَّتِهِ؛ وإتْمامًا لِلنِّعْمَةِ عِنْدَهُمْ"؛ هَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ ؛ وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "تَمامًا عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا"؛ فَهَذا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ التَأْوِيلَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "اَلَّذِي"؛ غَيْرُ مَوْصُولَةٍ؛ والمَعْنى: "تَمامًا عَلى ما أحْسَنَ هو مِن عِبادَةِ رَبِّهِ؛ والِاضْطِلاعِ بِأُمُورِ نُبُوَّتِهِ"؛ يُرِيدُ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ هَذا تَأْوِيلُ الرَبِيعِ؛ وقَتادَةَ ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمَعْنى: "تَمامًا - أيْ: تَفَضُّلًا وإكْمالًا - عَلى الَّذِي أحْسَنَ اللهُ تَعالى فِيهِ إلى عِبادِهِ؛ مِنَ النُبُوّاتِ؛ والنِعَمِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَـ "اَلَّذِي"؛ أيْضًا في هَذا التَأْوِيلِ غَيْرُ مَوْصُولَةٍ؛ وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ.
وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنُ"؛ بِضَمِّ النُونِ؛ فَجَعَلَها صِفَةَ تَفْضِيلٍ؛ ورَفْعُها عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ"؛ وضَعَّفَ أبُو الفَتْحِ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِقُبْحِ حَذْفِ المُبْتَدَإ العائِدِ؛ وقالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "أحْسَنَ"؛ صِفَةً لِـ "اَلَّذِي"؛ مِن حَيْثُ قارَبَ المَعْرِفَةَ؛ إذْ لا تَدْخُلُهُ الألِفُ واللامُ؛ كَما تَقُولُ العَرَبُ: "مَرَرْتُ بِالَّذِي خَيْرٍ مِنكَ"؛ ولا يَجُوزُ: "بِالَّذِي عالِمٍ"؛ وخَطَّأ الزَجّاجُ هَذا القَوْلَ الكُوفِيَّ؛ و"وَتَفْصِيلًا"؛ يُرِيدُ: بَيانًا؛ وتَقْسِيمًا؛ و"لَعَلَّهُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِالإضافَةِ إلى البَشَرِ؛ و"بِلِقاءِ رَبِّهِمْ"؛ أيْ بِالبَعْثِ؛ الَّذِي الإيمانُ بِهِ نِهايَةُ تَصْدِيقِ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ -؛ إذْ لا تُلْزَمُهُ العُقُولُ بِذَواتِها؛ وإنَّما ثَبَتَ بِالسَمْعِ؛ مَعَ تَجْوِيزِ العَقْلِ لَهُ.
الأنعام 6:155
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عن دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أو تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وصَدَفَ عنها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عن آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾
"وَهَذا"؛ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ؛ و"مُبارَكٌ"؛ وصْفٌ بِما فِيهِ مِنَ التَوَسُّعاتِ؛ وإزالَةِ (p-٤٩٧)أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ؛ وتَحْرِيماتِها؛ وجَمْعِ كَلِمَةِ العَرَبِ؛ ووَحْدَةِ أيْدِي مُتَّبِعِيهِ؛ وفَتَحَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ بِهِ؛ ومَعْناهُ: "مُنَمًّى خَيْرُهُ مُكَثَّرٌ"؛ و"اَلْبَرَكَةُ": اَلزِّيادَةُ؛ والنُمُوُّ؛ و"فاتَّبِعُوهُ"؛ دُعاءٌ إلى الدِينِ؛ و"واتَّقُوا": اَلْأظْهَرُ فِيهِ أنَّهُ أمْرٌ بِالتَقْوى العامَّةِ في جَمِيعِ الأشْياءِ؛ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾.
و"أنْ"؛ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ ؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ والعامِلُ فِيهِ "أنْزَلْناهُ"؛ والتَقْدِيرُ: "وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ كَراهِيَةَ أنْ..."؛ وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ؛ وأضْبَطُها لِلْمَعْنى المَقْصُودِ؛ وقِيلَ: اَلْعامِلُ في "أنْ"؛ قَوْلُهُ تَعالى "واتَّقُوا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا..."؛ وهَذا تَأْوِيلٌ يُتَخَرَّجُ عَلى مَعْنى: "واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا كَذا؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَكم فِيهِ"؛ ولَكِنْ يَعْرِضُ فِيهِ قَلَقٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى - أثْناءَ ذَلِكَ -: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ؛ وفي التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَتَّسِقُ نَظْمُ الآيَةِ.
والطائِفَتانِ: اَلْيَهُودُ والنَصارى؛ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ؛ والدِراسَةُ: اَلْقِراءَةُ؛ والتَعَلُّمُ بِها؛ و"إنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ كُنّا﴾ ؛ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ؛ واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لَغافِلِينَ"؛ لامُ تَوْكِيدٍ؛ هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ؛ وحَكى سِيبَوَيْهِ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّهم يُخَفِّفُونَها؛ ويُبْقُونَها عَلى عَمَلِها؛ ومِنهُ قِراءَةُ بَعْضِ أهْلِ المَدِينَةِ: "وَإنْ كُلًّا"؛ وأمّا المَشْهُورُ فَإنَّها إذا خُفِّفَتْ تَرْجِعُ حَرْفَ ابْتِداءٍ؛ لا تَعْمَلُ؛ وأمّا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَـ "إنْ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ بِمَعْنى "ما"؛ النافِيَةِ؛ واللامُ بِمَعْنى "إلّا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَما كُنّا عن دِراسَتِهِمْ إلّا غافِلِينَ".
(p-٤٩٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إزالَةُ الحُجَّةِ عن أيْدِي قُرَيْشٍ؛ وسائِرِ العَرَبِ؛ بِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَهَذا القُرْآنُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ أُنْزِلَ حُجَّةً عَلَيْكُمْ؛ لِئَلّا تَقُولُوا: إنَّما أُنْزِلَتِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ بِغَيْرِ لِسانِنا عَلى غَيْرِنا؛ ونَحْنُ لَمْ نَعْرِفْ ذَلِكَ؛ فَهَذا كِتابٌ بِلِسانِكُمْ؛ ومَعَ رَجُلٍ مِنكُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "أو تَقُولُوا"؛﴾ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى؛ وهي في غَرَضِها؛ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى الكُفّارِ؛ وقَطْعِ تَعَلُّقِهِمْ في الآخِرَةِ بِأنَّ الكُتُبَ إنَّما أُنْزِلَتْ عَلى غَيْرِهِمْ؛ وأنَّهم غافِلُونَ عَنِ الدِراسَةِ والنَظَرِ في الشَرْعِ؛ وأنَّهم لَوْ نُزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ لَكانُوا أسْرَعَ إلى الهُدى مِنَ الناسِ كُلِّهِمْ؛ فَقِيلَ لَهُمْ: "قَدْ جاءَكم بَيانٌ مِنَ اللهِ تَعالى وهُدًى ورَحْمَةٌ".
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ البَيِّنَةَ قَدْ جاءَتْ؛ والحُجَّةَ قَدْ قامَتْ؛ حَسُنَ - بَعْدَ ذَلِكَ - أنْ يَقَعَ التَقْرِيرُ بِقَوْلِهِ تَعالى "فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِهَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ؟".
و"صَدَفَ"؛ مَعْناهُ: حادَ؛ وراغَ؛ وأعْرَضَ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "كَذَبَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ والجُمْهُورُ: "كَذَّبَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ و"سَنَجْزِي الَّذِينَ"؛ وعِيدٌ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَصْدِفُونَ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَصْدُفُونَ"؛ بِضَمِّ الدالِ.
الأنعام 6:156
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عن دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أو تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وصَدَفَ عنها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عن آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾
"وَهَذا"؛ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ؛ و"مُبارَكٌ"؛ وصْفٌ بِما فِيهِ مِنَ التَوَسُّعاتِ؛ وإزالَةِ (p-٤٩٧)أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ؛ وتَحْرِيماتِها؛ وجَمْعِ كَلِمَةِ العَرَبِ؛ ووَحْدَةِ أيْدِي مُتَّبِعِيهِ؛ وفَتَحَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ بِهِ؛ ومَعْناهُ: "مُنَمًّى خَيْرُهُ مُكَثَّرٌ"؛ و"اَلْبَرَكَةُ": اَلزِّيادَةُ؛ والنُمُوُّ؛ و"فاتَّبِعُوهُ"؛ دُعاءٌ إلى الدِينِ؛ و"واتَّقُوا": اَلْأظْهَرُ فِيهِ أنَّهُ أمْرٌ بِالتَقْوى العامَّةِ في جَمِيعِ الأشْياءِ؛ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾.
و"أنْ"؛ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ ؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ والعامِلُ فِيهِ "أنْزَلْناهُ"؛ والتَقْدِيرُ: "وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ كَراهِيَةَ أنْ..."؛ وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ؛ وأضْبَطُها لِلْمَعْنى المَقْصُودِ؛ وقِيلَ: اَلْعامِلُ في "أنْ"؛ قَوْلُهُ تَعالى "واتَّقُوا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا..."؛ وهَذا تَأْوِيلٌ يُتَخَرَّجُ عَلى مَعْنى: "واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا كَذا؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَكم فِيهِ"؛ ولَكِنْ يَعْرِضُ فِيهِ قَلَقٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى - أثْناءَ ذَلِكَ -: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ؛ وفي التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَتَّسِقُ نَظْمُ الآيَةِ.
والطائِفَتانِ: اَلْيَهُودُ والنَصارى؛ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ؛ والدِراسَةُ: اَلْقِراءَةُ؛ والتَعَلُّمُ بِها؛ و"إنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ كُنّا﴾ ؛ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ؛ واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لَغافِلِينَ"؛ لامُ تَوْكِيدٍ؛ هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ؛ وحَكى سِيبَوَيْهِ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّهم يُخَفِّفُونَها؛ ويُبْقُونَها عَلى عَمَلِها؛ ومِنهُ قِراءَةُ بَعْضِ أهْلِ المَدِينَةِ: "وَإنْ كُلًّا"؛ وأمّا المَشْهُورُ فَإنَّها إذا خُفِّفَتْ تَرْجِعُ حَرْفَ ابْتِداءٍ؛ لا تَعْمَلُ؛ وأمّا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَـ "إنْ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ بِمَعْنى "ما"؛ النافِيَةِ؛ واللامُ بِمَعْنى "إلّا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَما كُنّا عن دِراسَتِهِمْ إلّا غافِلِينَ".
(p-٤٩٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إزالَةُ الحُجَّةِ عن أيْدِي قُرَيْشٍ؛ وسائِرِ العَرَبِ؛ بِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَهَذا القُرْآنُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ أُنْزِلَ حُجَّةً عَلَيْكُمْ؛ لِئَلّا تَقُولُوا: إنَّما أُنْزِلَتِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ بِغَيْرِ لِسانِنا عَلى غَيْرِنا؛ ونَحْنُ لَمْ نَعْرِفْ ذَلِكَ؛ فَهَذا كِتابٌ بِلِسانِكُمْ؛ ومَعَ رَجُلٍ مِنكُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "أو تَقُولُوا"؛﴾ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى؛ وهي في غَرَضِها؛ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى الكُفّارِ؛ وقَطْعِ تَعَلُّقِهِمْ في الآخِرَةِ بِأنَّ الكُتُبَ إنَّما أُنْزِلَتْ عَلى غَيْرِهِمْ؛ وأنَّهم غافِلُونَ عَنِ الدِراسَةِ والنَظَرِ في الشَرْعِ؛ وأنَّهم لَوْ نُزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ لَكانُوا أسْرَعَ إلى الهُدى مِنَ الناسِ كُلِّهِمْ؛ فَقِيلَ لَهُمْ: "قَدْ جاءَكم بَيانٌ مِنَ اللهِ تَعالى وهُدًى ورَحْمَةٌ".
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ البَيِّنَةَ قَدْ جاءَتْ؛ والحُجَّةَ قَدْ قامَتْ؛ حَسُنَ - بَعْدَ ذَلِكَ - أنْ يَقَعَ التَقْرِيرُ بِقَوْلِهِ تَعالى "فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِهَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ؟".
و"صَدَفَ"؛ مَعْناهُ: حادَ؛ وراغَ؛ وأعْرَضَ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "كَذَبَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ والجُمْهُورُ: "كَذَّبَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ و"سَنَجْزِي الَّذِينَ"؛ وعِيدٌ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَصْدِفُونَ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَصْدُفُونَ"؛ بِضَمِّ الدالِ.
الأنعام 6:157
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عن دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ ﴿أو تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وصَدَفَ عنها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عن آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾
"وَهَذا"؛ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ؛ و"مُبارَكٌ"؛ وصْفٌ بِما فِيهِ مِنَ التَوَسُّعاتِ؛ وإزالَةِ (p-٤٩٧)أحْكامِ الجاهِلِيَّةِ؛ وتَحْرِيماتِها؛ وجَمْعِ كَلِمَةِ العَرَبِ؛ ووَحْدَةِ أيْدِي مُتَّبِعِيهِ؛ وفَتَحَ اللهُ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ بِهِ؛ ومَعْناهُ: "مُنَمًّى خَيْرُهُ مُكَثَّرٌ"؛ و"اَلْبَرَكَةُ": اَلزِّيادَةُ؛ والنُمُوُّ؛ و"فاتَّبِعُوهُ"؛ دُعاءٌ إلى الدِينِ؛ و"واتَّقُوا": اَلْأظْهَرُ فِيهِ أنَّهُ أمْرٌ بِالتَقْوى العامَّةِ في جَمِيعِ الأشْياءِ؛ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾.
و"أنْ"؛ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ ؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ والعامِلُ فِيهِ "أنْزَلْناهُ"؛ والتَقْدِيرُ: "وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ كَراهِيَةَ أنْ..."؛ وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ؛ وأضْبَطُها لِلْمَعْنى المَقْصُودِ؛ وقِيلَ: اَلْعامِلُ في "أنْ"؛ قَوْلُهُ تَعالى "واتَّقُوا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا..."؛ وهَذا تَأْوِيلٌ يُتَخَرَّجُ عَلى مَعْنى: "واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا كَذا؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَكم فِيهِ"؛ ولَكِنْ يَعْرِضُ فِيهِ قَلَقٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى - أثْناءَ ذَلِكَ -: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ؛ وفي التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَتَّسِقُ نَظْمُ الآيَةِ.
والطائِفَتانِ: اَلْيَهُودُ والنَصارى؛ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ؛ والدِراسَةُ: اَلْقِراءَةُ؛ والتَعَلُّمُ بِها؛ و"إنْ"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ كُنّا﴾ ؛ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ؛ واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لَغافِلِينَ"؛ لامُ تَوْكِيدٍ؛ هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ؛ وحَكى سِيبَوَيْهِ عن بَعْضِ العَرَبِ أنَّهم يُخَفِّفُونَها؛ ويُبْقُونَها عَلى عَمَلِها؛ ومِنهُ قِراءَةُ بَعْضِ أهْلِ المَدِينَةِ: "وَإنْ كُلًّا"؛ وأمّا المَشْهُورُ فَإنَّها إذا خُفِّفَتْ تَرْجِعُ حَرْفَ ابْتِداءٍ؛ لا تَعْمَلُ؛ وأمّا عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ فَـ "إنْ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ؛ بِمَعْنى "ما"؛ النافِيَةِ؛ واللامُ بِمَعْنى "إلّا"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَما كُنّا عن دِراسَتِهِمْ إلّا غافِلِينَ".
(p-٤٩٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ إزالَةُ الحُجَّةِ عن أيْدِي قُرَيْشٍ؛ وسائِرِ العَرَبِ؛ بِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "وَهَذا القُرْآنُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ أُنْزِلَ حُجَّةً عَلَيْكُمْ؛ لِئَلّا تَقُولُوا: إنَّما أُنْزِلَتِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ بِغَيْرِ لِسانِنا عَلى غَيْرِنا؛ ونَحْنُ لَمْ نَعْرِفْ ذَلِكَ؛ فَهَذا كِتابٌ بِلِسانِكُمْ؛ ومَعَ رَجُلٍ مِنكُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "أو تَقُولُوا"؛﴾ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الأُولى؛ وهي في غَرَضِها؛ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى الكُفّارِ؛ وقَطْعِ تَعَلُّقِهِمْ في الآخِرَةِ بِأنَّ الكُتُبَ إنَّما أُنْزِلَتْ عَلى غَيْرِهِمْ؛ وأنَّهم غافِلُونَ عَنِ الدِراسَةِ والنَظَرِ في الشَرْعِ؛ وأنَّهم لَوْ نُزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ لَكانُوا أسْرَعَ إلى الهُدى مِنَ الناسِ كُلِّهِمْ؛ فَقِيلَ لَهُمْ: "قَدْ جاءَكم بَيانٌ مِنَ اللهِ تَعالى وهُدًى ورَحْمَةٌ".
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ البَيِّنَةَ قَدْ جاءَتْ؛ والحُجَّةَ قَدْ قامَتْ؛ حَسُنَ - بَعْدَ ذَلِكَ - أنْ يَقَعَ التَقْرِيرُ بِقَوْلِهِ تَعالى "فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِهَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ؟".
و"صَدَفَ"؛ مَعْناهُ: حادَ؛ وراغَ؛ وأعْرَضَ؛ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ ؛ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "كَذَبَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ والجُمْهُورُ: "كَذَّبَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ و"سَنَجْزِي الَّذِينَ"؛ وعِيدٌ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَصْدِفُونَ"؛ بِكَسْرِ الدالِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَصْدُفُونَ"؛ بِضَمِّ الدالِ.
الأنعام 6:158
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أو يَأْتِيَ رَبُّكَ أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبُّكَ يَوْمَ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبُّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أو كَسَبَتْ في إيمانُها خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾
اَلضَّمِيرُ في "يَنْظُرُونَ"؛ هو لِلطّائِفَةِ الَّتِي قِيلَ لَها قَبْلُ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] ؛ وهُمُ العادِلُونَ بِرَبِّهِمْ؛ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ مَضَتْ أكْثَرُ آياتِ السُورَةِ في جِدالِهِمْ؛ و"يَنْظُرُونَ"؛ مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ؛ و"اَلْمَلائِكَةُ"؛ هُنا؛ يُرادُ بِها مَلائِكَةُ المَوْتِ؛ الَّذِينَ يَصْحَبُونَ "عِزْرائِيلَ"؛ اَلْمَخْصُوصَ بِقَبْضِ الأرْواحِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ جُرَيْجٍ ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَتَصَرَّفُونَ في قِيامِ الساعَةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ"؛ بِالياءِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "تَأْتِيَهُمُ"؛ بِالتاءِ مِن فَوْقُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أو يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: "لِمَوْقِفِ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ"؛ وأسْنَدَ ذَلِكَ إلى قَتادَةَ وجَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ؛ ويَحْكِي الزَجّاجُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أو يَأْتِيَ (p-٤٩٩)رَبُّكَ﴾ ؛ أيْ: "اَلْعَذابُ الَّذِي يُسَلِّطُهُ اللهُ تَعالى في الدُنْيا عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ؛ كالصَيْحاتِ؛ والرَجْفاتِ؛ والخَسْفِ؛ ونَحْوِها".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الكَلامُ - عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ - فَإنَّما هو بِحَذْفِ مُضافٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "أمْرُ رَبِّكَ"؛ أو: "بَطْشُ رَبِّكَ"؛ أو: "حِسابُ رَبِّكَ"؛ وإلّا فالإتْيانُ المَفْهُومُ مِنَ اللُغَةِ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللهِ تَعالى ؛ ألا تَرى أنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَأتاهُمُ اللهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢] ؟ فَهَذا إتْيانٌ قَدْ وقَعَ؛ وهو عَلى المَجازِ؛ وحَذْفِ المُضافِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ ؛ أمّا ظاهِرُ اللَفْظِ - لَوْ وقَفْنا مَعَهُ - فَيَقْتَضِي أنَّهُ تَوَعَّدَهم بِالشَهِيرِ الفَظِيعِ مِن أشْراطِ الساعَةِ؛ دُونَ أنْ يَخُصَّ مِن ذَلِكَ شَرْطًا؛ يُرِيدُ بِذَلِكَ الإبْهامَ؛ الَّذِي يَتْرُكُ السامِعَ مَعَ أقْوى تَخَيُّلِهِ؛ لَكِنْ لَمّا قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها﴾ ؛ وبَيَّنَتِ الآثارُ الصِحاحُ؛ في البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ ؛ أنَّ الآيَةَ الَّتِي مَعَها هَذا الشَرْطُ هي طُلُوعُ الشَمْسِ مِنَ المَغْرِبِ؛ وقَوّى أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿أو يَأْتِيَ رَبُّكَ أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبُّكَ﴾ ؛ إنَّما هي إلى طُلُوعِ الشَمْسِ مِن مَغْرِبِها؛ وقالَ بِهَذا التَأْوِيلِ مُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ؛ ويُقَوِّي أيْضًا أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى غَرْغَرَةِ الإنْسانِ عِنْدَ المَوْتِ؛ أو ما يَكُونُ في مَثابِتِها؛ لِمَن لَمْ يُغَرْغِرْ؛ فَفي الحَدِيثِ أنَّ تَوْبَةَ العَبْدِ تُقْبَلُ؛ ما لَمْ يُغَرْغِرْ؛ وهَذا إجْماعٌ؛ لِأنَّ مَن غَرْغَرَ؛ وعايَنَ؛ فَهو في عِدادِ المَوْتى؛ وكَوْنِ المَرْءِ في هَذِهِ الحالَةِ مِن آياتِ اللهِ تَعالى ؛ وهَذا عَلى مَن يَرى المَلائِكَةَ المُتَصَرِّفِينَ في قِيامِ الساعَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَمَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ تَهْدِيدُ الكافِرِينَ بِأحْوالٍ لا يَخْلُونَ مِنها؛ كَأنَّهُ قالَ: "هَلْ يَنْظُرُونَ - مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ - إلّا المَوْتَ الَّذِي لَهم بَعْدَهُ أشَدُّ العَذابِ؛ والأخْذاتِ المَعْهُودَةِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أوِ الآياتِ الَّتِي تَرْفَعُ التَوْبَةَ؛ وتُعْلِمُ بِقُرْبِ القِيامَةِ؟".
(p-٥٠٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَصِحُّ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ ؛ جَمِيعَ ما يُقْطَعُ بِوُقُوعِهِ مِن أشْراطِ الساعَةِ؛ ثُمَّ خَصَّصَ - بَعْدَ ذَلِكَ - بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أو يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الَّتِي تَرْفَعُ التَوْبَةَ مَعَها؛ وقَدْ بَيَّنَتِ الأحادِيثُ أنَّها طُلُوعُ الشَمْسِ مِن مَغْرِبِها.
وقَرَأ زُهَيْرُ الفُرْقُبِيُّ: "يَوْمُ يَأْتِي"؛ بِالرَفْعِ؛ وهو عَلى الِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ: "لا يَنْفَعُ"؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ والعائِدُ مِنَ الجُمْلَةِ مَحْذُوفٌ؛ لِطُولِ الكَلامِ؛ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ؛ وأبُو العالِيَةِ: "لا تَنْفَعُ"؛ بِتاءٍ؛ وأنَّثَ الإيمانَ؛ لَمّا أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ؛ أو لَمّا نُزِّلَ مَنزِلَةَ التَوْبَةِ؛ وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ التَأْوِيلِ - كَما تَقَدَّمَ -: اَلْآيَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُ التَوْبَةُ مِنَ الشِرْكِ؛ أو مِنَ المَعاصِي بَعْدَها؛ هي طُلُوعُ الشَمْسِ مِنَ المَغْرِبِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّها إحْدى ثَلاثٍ؛ إمّا طُلُوعُ الشَمْسِ مِن مَغْرِبِها؛ وإمّا خُرُوجُ الدابَّةِ؛ وإمّا خُرُوجُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الأحادِيثَ تَرُدُّهُ؛ وتُخَصِّصُ الشَمْسَ؛ ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّ الشَمْسَ تَجْرِي كُلَّ يَوْمٍ حَتّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ؛ وتَسْتَأْذِنُهُ؛ فَيُؤْذَنُ لَها في الطُلُوعِ مِنَ المَشْرِقِ؛ وحَتّى إذا أرادَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - سَدَّ بابِ التَوْبَةِ؛ أمَرَها بِالطُلُوعِ مِن مَغْرِبِها؛ قالَ (p-٥٠١)ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ «عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "فَتَطْلُعُ هي والقَمَرُ كالبَعِيرَيْنِ القَرِينَيْنِ"؛» ويُقَوِّي النَظَرَ أيْضًا أنَّ الغَرْغَرَةَ هي الآيَةُ الَّتِي تُرْفَعُ مَعَها التَوْبَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أو كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ ؛ يُرِيدُ جَمِيعَ أعْمالِ البِرِّ؛ فَرْضَها ونَفْلَها؛ وهَذا الفَصْلُ هو لِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ؛ كَما أنَّ قَوْلَهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ ؛ هو لِلْكُفّارِ؛ والآيَةُ المُشارُ إلَيْها تَقْطَعُ تَوْبَةَ الصِنْفَيْنِ؛ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ: "أو كَسَبَتْ في إيمانِها صالِحًا".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ أيْ: فَسَتَرَوْنَ مَن يَحِقُّ كَلامُهُ؛ ويَتَّضِحُ ما أخْبَرَ بِهِ.
الأنعام 6:159
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهم إلى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والصَحابَةُ؛ وقَتادَةُ: اَلْمُرادُ بِـ "اَلَّذِينَ": اَلْيَهُودُ والنَصارى؛ أيْ: فَرَّقُوا دِينَ إبْراهِيمَ؛ الحَنِيفِيَّةَ؛ وأُضِيفَ الدِينُ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَلْتَزِمُوهُ؛ إذْ هو دِينُ اللهِ تَعالى الَّذِي ألْزَمَهُ العِبادَ؛ فَهو دِينُ جَمِيعِ الناسِ بِهَذا الوَجْهِ؛ ووَصَفَهم بِالشِيَعِ؛ إذْ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم لَها فِرَقٌ؛ واخْتِلافاتٌ؛ فَفي الآيَةِ حَضٌّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الِائْتِلافِ؛ وقِلَّةِ الِاخْتِلافِ؛ وقالَ أبُو الأحْوَصِ ؛ وأُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ زَوْجُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اَلْآيَةُ في أهْلِ البِدَعِ؛ والأهْواءِ؛ والفِتَنِ؛ ومَن جَرى مُجْراهم مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ أيْ: فَرَّقُوا دِينَ الإسْلامِ.
(p-٥٠٢)وَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "فارَقُوا"؛ ومَعْناهُ: "تَرَكُوا"؛ ثُمَّ بَيَّنَ قَوْلُهُ: "وَكانُوا شِيَعًا"؛ أنَّهم فَرَّقُوهُ أيْضًا؛ والشِيَعُ: جَمْعُ "شِيعَةٌ"؛ وهي الفِرْقَةُ؛ عَلى مَقْصِدِ ما يَتَشايَعُونَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ ؛ أيْ: "لا تَشْفَعُ لَهُمْ؛ ولا لَهم بِكَ تَعَلُّقٌ"؛ وهَذا عَلى الإطْلاقِ في الكُفّارِ؛ وعَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ في العُصاةِ؛ والمُتَنَطِّعِينَ في الشَرْعِ؛ لِأنَّهم لَهم حَظٌّ مِن تَفْرِيقِ الدِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللهِ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ والقَرِينَةُ المُتَقَدِّمَةُ تَقْتَضِي أنَّ: ﴿أمْرُهم إلى اللهِ﴾ ؛ فِيهِ وعِيدٌ؛ كَما أنَّ القَرِينَةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ؛ تُعْطِي أنَّ في ذَلِكَ الأمْرِ رَجاءً؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَأمْرُهُ في إقْبالٍ؛ وإلى خَيْرٍ".
وقَرَأ النَخَعِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ وأبُو صالِحٍ: "فَرَّقُوا"؛ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: هَذِهِ آيَةٌ لَمْ يُؤْمَرْ فِيها بِقِتالٍ؛ وهي مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُتْقَنٍ؛ فَإنَّ الآيَةَ خَبَرٌ؛ لا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ؛ ولَكِنَّها تَضَمَّنَتْ بِالمَعْنى أمْرًا بِمُوادَعَةٍ؛ فَيُشْبِهُ أنْ يُقالَ: إنَّ النَسْخَ وقَعَ في ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي تَقَرَّرَ في آياتٍ أُخَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الأعْرابِ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ فَضاعَفَ اللهُ حَسَناتِهِمْ؛ لِلْحَسَنَةِ عَشْرٌ؛ وكانَ المُهاجِرُونَ قَدْ ضُوعِفَ لَهُمُ؛ لِلْحَسَنَةِ سَبْعُمِائَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ؛ أيْ: "إنَّ اللهَ تَعالى يُضاعِفُ الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ؛ ثُمَّ بَعْدَ هَذا (p-٥٠٣)المَضْمُونِ قَدْ يَزِيدُ ما يَشاءُ؛ وقَدْ يَزِيدُ أيْضًا عَلى بَعْضِ الأعْمالِ كَنَفَقَةِ الجِهادِ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والقاسِمُ بْنُ أبِي بَزَّةَ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلْحَسَنَةُ هَهُنا: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"؛ والسَيِّئَةُ: "اَلْكُفْرُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ هي الغايَةُ مِنَ الطَرَفَيْنِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الحَسَناتِ والسَيِّئاتِ؛ وهَذا هو الظاهِرُ؛ وأُنِّثَ لَفْظُ العَشْرِ لِأنَّ الأمْثالَ هَهُنا بِالمَعْنى حَسَناتٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ الأمْثالَ أُنِّثَ لَمّا أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وهو الضَمِيرُ؛ كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ
فَأنَّثَ.
وقَرَأ الحَسَنُ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ والأعْمَشُ ؛ ويَعْقُوبُ: "فَلَهُ عَشْرٌ"؛ بِالتَنْوِينِ؛ "أمْثالُها"؛ بِالرَفْعِ.
ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "اَلْأعْمالُ سِتٌّ مُوجِبَةٌ ومُوجِبَةٌ؛ ومُضَعَّفَةٌ ومُضَعَّفَةٌ؛ ومِثْلٌ ومِثْلٌ؛ فَلا إلَهَ إلّا اللهُ تُوجِبُ الجَنَّةَ؛ والشِرْكُ يُوجِبُ النارَ؛ ونَفَقَةُ الجِهادِ تُضَعَّفُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ؛ والنَفَقَةُ عَلى الأهْلِ حَسَنَتُها بِعَشْرٍ؛ والسَيِّئَةُ جَزاؤُها مِثْلُها؛ ومَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ مِثْلُها".»
(p-٥٠٤)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "لا يُظْلَمُونَ"؛﴾ أيْ: لا يُوضَعُ في جَزائِهِمْ شَيْءٌ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وتَقْدِيرُ الآيَةِ: "مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ ثَوابُ عَشْرِ أمْثالِها"؛ والمُماثَلَةُ بَيْنَ الحَسَنَةِ والثَوابِ مُتَرَتِّبَةٌ إذا تَدَبَّرْتَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ: "مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ"؛ اَلْآيَةَ؛ يُرِيدُ: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ؛ أيْ: "مَن جاءَ مُؤْمِنًا فَلَهُ الجَنَّةُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والقَصْدُ بِالآيَةِ إلى العُمُومِ في جَمِيعِ العالَمِ ألْيَقُ بِاللَفْظِ.
الأنعام 6:160
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهم إلى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والصَحابَةُ؛ وقَتادَةُ: اَلْمُرادُ بِـ "اَلَّذِينَ": اَلْيَهُودُ والنَصارى؛ أيْ: فَرَّقُوا دِينَ إبْراهِيمَ؛ الحَنِيفِيَّةَ؛ وأُضِيفَ الدِينُ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَلْتَزِمُوهُ؛ إذْ هو دِينُ اللهِ تَعالى الَّذِي ألْزَمَهُ العِبادَ؛ فَهو دِينُ جَمِيعِ الناسِ بِهَذا الوَجْهِ؛ ووَصَفَهم بِالشِيَعِ؛ إذْ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم لَها فِرَقٌ؛ واخْتِلافاتٌ؛ فَفي الآيَةِ حَضٌّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الِائْتِلافِ؛ وقِلَّةِ الِاخْتِلافِ؛ وقالَ أبُو الأحْوَصِ ؛ وأُمُّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ زَوْجُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اَلْآيَةُ في أهْلِ البِدَعِ؛ والأهْواءِ؛ والفِتَنِ؛ ومَن جَرى مُجْراهم مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ أيْ: فَرَّقُوا دِينَ الإسْلامِ.
(p-٥٠٢)وَقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "فارَقُوا"؛ ومَعْناهُ: "تَرَكُوا"؛ ثُمَّ بَيَّنَ قَوْلُهُ: "وَكانُوا شِيَعًا"؛ أنَّهم فَرَّقُوهُ أيْضًا؛ والشِيَعُ: جَمْعُ "شِيعَةٌ"؛ وهي الفِرْقَةُ؛ عَلى مَقْصِدِ ما يَتَشايَعُونَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ ؛ أيْ: "لا تَشْفَعُ لَهُمْ؛ ولا لَهم بِكَ تَعَلُّقٌ"؛ وهَذا عَلى الإطْلاقِ في الكُفّارِ؛ وعَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ في العُصاةِ؛ والمُتَنَطِّعِينَ في الشَرْعِ؛ لِأنَّهم لَهم حَظٌّ مِن تَفْرِيقِ الدِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللهِ﴾ ؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ وعِيدٌ مَحْضٌ؛ والقَرِينَةُ المُتَقَدِّمَةُ تَقْتَضِي أنَّ: ﴿أمْرُهم إلى اللهِ﴾ ؛ فِيهِ وعِيدٌ؛ كَما أنَّ القَرِينَةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ؛ تُعْطِي أنَّ في ذَلِكَ الأمْرِ رَجاءً؛ كَأنَّهُ قالَ: "وَأمْرُهُ في إقْبالٍ؛ وإلى خَيْرٍ".
وقَرَأ النَخَعِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ وأبُو صالِحٍ: "فَرَّقُوا"؛ بِتَخْفِيفِ الراءِ؛ وقالَ السُدِّيُّ: هَذِهِ آيَةٌ لَمْ يُؤْمَرْ فِيها بِقِتالٍ؛ وهي مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُتْقَنٍ؛ فَإنَّ الآيَةَ خَبَرٌ؛ لا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ؛ ولَكِنَّها تَضَمَّنَتْ بِالمَعْنى أمْرًا بِمُوادَعَةٍ؛ فَيُشْبِهُ أنْ يُقالَ: إنَّ النَسْخَ وقَعَ في ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي تَقَرَّرَ في آياتٍ أُخَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ ؛ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الأعْرابِ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ فَضاعَفَ اللهُ حَسَناتِهِمْ؛ لِلْحَسَنَةِ عَشْرٌ؛ وكانَ المُهاجِرُونَ قَدْ ضُوعِفَ لَهُمُ؛ لِلْحَسَنَةِ سَبْعُمِائَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَأْوِيلٌ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ؛ أيْ: "إنَّ اللهَ تَعالى يُضاعِفُ الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ؛ ثُمَّ بَعْدَ هَذا (p-٥٠٣)المَضْمُونِ قَدْ يَزِيدُ ما يَشاءُ؛ وقَدْ يَزِيدُ أيْضًا عَلى بَعْضِ الأعْمالِ كَنَفَقَةِ الجِهادِ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والقاسِمُ بْنُ أبِي بَزَّةَ؛ وغَيْرُهُمْ: اَلْحَسَنَةُ هَهُنا: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"؛ والسَيِّئَةُ: "اَلْكُفْرُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ هي الغايَةُ مِنَ الطَرَفَيْنِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الحَسَناتِ والسَيِّئاتِ؛ وهَذا هو الظاهِرُ؛ وأُنِّثَ لَفْظُ العَشْرِ لِأنَّ الأمْثالَ هَهُنا بِالمَعْنى حَسَناتٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنَّ الأمْثالَ أُنِّثَ لَمّا أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وهو الضَمِيرُ؛ كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِياحِ النَواسِمِ
فَأنَّثَ.
وقَرَأ الحَسَنُ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ؛ والأعْمَشُ ؛ ويَعْقُوبُ: "فَلَهُ عَشْرٌ"؛ بِالتَنْوِينِ؛ "أمْثالُها"؛ بِالرَفْعِ.
ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: « "اَلْأعْمالُ سِتٌّ مُوجِبَةٌ ومُوجِبَةٌ؛ ومُضَعَّفَةٌ ومُضَعَّفَةٌ؛ ومِثْلٌ ومِثْلٌ؛ فَلا إلَهَ إلّا اللهُ تُوجِبُ الجَنَّةَ؛ والشِرْكُ يُوجِبُ النارَ؛ ونَفَقَةُ الجِهادِ تُضَعَّفُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ؛ والنَفَقَةُ عَلى الأهْلِ حَسَنَتُها بِعَشْرٍ؛ والسَيِّئَةُ جَزاؤُها مِثْلُها؛ ومَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ مِثْلُها".»
(p-٥٠٤)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "لا يُظْلَمُونَ"؛﴾ أيْ: لا يُوضَعُ في جَزائِهِمْ شَيْءٌ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وتَقْدِيرُ الآيَةِ: "مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ ثَوابُ عَشْرِ أمْثالِها"؛ والمُماثَلَةُ بَيْنَ الحَسَنَةِ والثَوابِ مُتَرَتِّبَةٌ إذا تَدَبَّرْتَ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ: "مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ"؛ اَلْآيَةَ؛ يُرِيدُ: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ؛ أيْ: "مَن جاءَ مُؤْمِنًا فَلَهُ الجَنَّةُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والقَصْدُ بِالآيَةِ إلى العُمُومِ في جَمِيعِ العالَمِ ألْيَقُ بِاللَفْظِ.
الأنعام 6:161
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾
هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ بِالإعْلانِ بِشَرِيعَتِهِ؛ ونَبْذِ ما سِواها مِن أضالِيلِهِمْ؛ ووَصْفِ الشَرِيعَةِ بِما هي عَلَيْهِ مِنَ الحُسْنِ؛ والفَضْلِ؛ والِاسْتِقامَةِ؛ و"هَدانِي"؛ مَعْناهُ: أرْشَدَنِي بِخَلْقِ الهُدى في قَلْبِي؛ و"اَلرَّبُّ": اَلْمالِكُ؛ ولَفْظُهُ مَصْدَرٌ؛ مِن قَوْلِكَ: "رَبَّهُ؛ يَرُبُّهُ"؛ وإنَّما هو مِثْلُ "عَدْلٌ"؛ و"رِضًا"؛ في أنَّهُ مَصْدَرٌ وصِفَ بِهِ؛ وأصْلُهُ: "ذُو الرَبِّ"؛ ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ فَقِيلَ: "اَلرَّبُّ".
و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ؛ و"دِينًا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "هَدانِي"؛ اَلْمُقَدَّرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ "هَدانِي"؛ اَلْأوَّلُ؛ وهَذا الضَمِيرُ إنَّما يَصِلُ وحْدَهُ دُونَ أنْ يَحْتاجَ إلى إضْمارِ "إلى"؛ إذْ "هَدى"؛ يَصِلُ بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولِهِ الثانِي؛ وبِحَرْفِ الجَرِّ؛ فَهو فِعْلٌ مُتَرَدِّدٌ؛ وقِيلَ: نَصَبَ "دِينًا"؛ فِعْلٌ مُضْمَرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "عَرَّفَنِي دِينًا"؛ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: "فاتَّبِعُوا دِينًا"؛ أو: "فالزَمُوا دِينًا"؛ وقِيلَ: نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن "صِراطٍ"؛ عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: "هَدانِي رَبِّي صِراطًا مُسْتَقِيمًا"؛ و"قِيَمًا"؛ نَعْتٌ لِلدِّينِ؛ ومَعْناهُ: "مُسْتَقِيمًا مُعْتَدِلًا".
(p-٥٠٥)وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "قَيِّمًا"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وكَسْرِ الياءِ؛ وشَدِّها؛ وأصْلُهُ: "قَيْوِمًا"؛ عُلِّلَتْ كَتَعْلِيلِ "سَيِّدٌ"؛ و"مَيِّتٌ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "قِيَمًا"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ وفَتْحِ الياءِ؛ عَلى وزْنِ "فِعَلًا"؛ وكَأنَّ الأصْلَ أنْ يَجِيءَ فِيهِ: "قِوَمًا"؛ كَـ "عِوَضٌ"؛ و"حِوَلٌ"؛ إلّا أنَّهُ شَذَّ كَشُذُوذِ قَوْلِهِمْ: "جِيادٌ"؛ في جَمْعِ "جَوادٌ"؛ و"ثِيرَةٌ"؛ في جَمْعِ "ثَوْرٌ".
و"مِلَّةَ"؛ بَدَلٌ مِنَ الدِينِ؛ و"اَلْمِلَّةُ": اَلشَّرِيعَةُ؛ و"حَنِيفًا"؛ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن "إبْراهِيمَ"؛ و"اَلْحَنَفُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْمَيْلُ؛ وقَدْ يَكُونُ المَيْلَ إلى فَسادٍ؛ كَـ "حَنَفَ الرَجُلُ"؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا"؛﴾ [البقرة: ١٨٢] عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالحاءِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقَدْ يَكُونُ الحَنَفُ إلى الصَلاحِ؛ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "اَلْحَنِيفِيَّةُ السَمْحَةُ"؛» و"اَلدِّينُ الحَنِيفُ"؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اَلْحَنَفُ: اَلِاسْتِقامَةُ؛ وإنَّما سُمِّيَ " اَلْأحْنَفُ "؛ في الرَجُلِ؛ عَلى جِهَةِ التَفاؤُلِ لَهُ.
﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ؛ نَفْيٌ لِلنَّقِيصَةِ عنهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُعْلِنَ بِأنَّ مَقْصِدَهُ في صَلاتِهِ؛ وطاعَتِهِ؛ مِن ذَبِيحَةٍ؛ وغَيْرِها؛ وتَصَرُّفِهِ مُدَّةَ حَياتِهِ؛ وحالِهِ مِنَ الإخْلاصِ والإيمانِ عِنْدَ مَماتِهِ؛ إنَّما هو لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وإرادَةَ وجْهِهِ؛ وطَلَبَ رِضاهُ؛ وفي إعْلانِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِهَذِهِ المَقالَةِ ما يُلْزِمُ المُؤْمِنِينَ التَأسِّي بِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ حَتّى يَلْتَزِمُوا في جَمِيعِ أعْمالِهِمْ قَصْدَ وجْهِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ المَقالَةِ أنَّ صَلاتَهُ؛ ونُسُكَهُ؛ وحَياتَهُ؛ ومَوْتَهُ؛ بِيَدِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُصَرِّفُهُ في جَمِيعِ ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ؛ وأنَّهُ قَدْ هَداهُ مِن ذَلِكَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ ؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ راجِعًا إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ ؛ فَقَطْ؛ أو راجِعًا إلى القَوْلِ الأوَّلِ؛ وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَرْجِعُ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن صَلاةٍ وغَيْرِها؛ أيْ: أُمِرْتُ بِأنْ أقْصِدَ وجْهَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في ذَلِكَ؛ وأنْ ألْتَزِمَ العَمَلَ.
(p-٥٠٦)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنُسُكِي"؛ بِضَمِّ السِينِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ والحَسَنُ بِإسْكانِ السِينِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلنُّسُكُ: في هَذِهِ الآيَةِ: اَلذَّبائِحُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحَسِّنُ تَخْصِيصَ الذَبِيحَةِ بِالذِكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نازِلَةٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها؛ والجَدَلُ فِيها؛ في السُورَةِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلنُّسُكُ في هَذِهِ الآيَةِ: جَمِيعُ أعْمالِ الطاعاتِ؛ مِن قَوْلِكَ: "نَسَكَ فُلانٌ؛ فَهو ناسِكٌ"؛ إذا تَعَبَّدَ.
وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى نافِعٍ -: ﴿وَمَحْيايَ ومَماتِي﴾ ؛ بِفَتْحِ الياءِ مِن "مَحْيايَ"؛ وسُكُونِها مِن "وَمَماتِي"؛ وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "وَمَحْيايْ"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وهي شاذَّةٌ في القِياسِ؛ لِأنَّها جَمَعَتْ بَيْنَ ساكِنَيْنِ؛ وشاذَّةٌ في الِاسْتِعْمالِ؛ ووَجْهُها أنَّهُ قَدْ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ: "اِلْتَقَتْ حَلْقَتا البِطانِ"؛ و"لِفُلانٍ ثُلُثا المالِ"؛ ورَوى أبُو خُلَيْدٍ عن نافِعٍ: "وَمَحْيايِ"؛ بِكَسْرِ الياءِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وعِيسى ؛ والجَحْدَرِيُّ: "وَمَحْيَيَّ"؛ وهَذِهِ لُغَةُ هُذَيْلٍ؛ ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎ سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ ∗∗∗ فَتَصَرَّعُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "صَلاتِيَ ونُسُكِيَ ومَحْيايَ ومَماتِيَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ فِيهِنَّ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عن عاصِمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ ؛ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وقالَ النَقّاشُ: "مِن أهْلِ مَكَّةَ".
(p-٥٠٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَعْنى واحِدٌ؛ بَلِ الأوَّلُ أعَمُّ وأحْسَنُ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأنا"؛ بِإشْباعِ الألِفِ؛ وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى القِراءَةِ "وَأنا"؛ دُونُ إشْباعٍ؛ وهَذا كُلُّهُ في الوَصْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَرْكُ الإشْباعِ أحْسَنُ؛ لِأنَّها ألِفُ وقْفٍ؛ فَإذا اتَّصَلَ الكَلامُ اسْتُغْنِيَ عنها؛ لا سِيَّما إذا ولِيَتْها هَمْزَةٌ.
الأنعام 6:162
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾
هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ بِالإعْلانِ بِشَرِيعَتِهِ؛ ونَبْذِ ما سِواها مِن أضالِيلِهِمْ؛ ووَصْفِ الشَرِيعَةِ بِما هي عَلَيْهِ مِنَ الحُسْنِ؛ والفَضْلِ؛ والِاسْتِقامَةِ؛ و"هَدانِي"؛ مَعْناهُ: أرْشَدَنِي بِخَلْقِ الهُدى في قَلْبِي؛ و"اَلرَّبُّ": اَلْمالِكُ؛ ولَفْظُهُ مَصْدَرٌ؛ مِن قَوْلِكَ: "رَبَّهُ؛ يَرُبُّهُ"؛ وإنَّما هو مِثْلُ "عَدْلٌ"؛ و"رِضًا"؛ في أنَّهُ مَصْدَرٌ وصِفَ بِهِ؛ وأصْلُهُ: "ذُو الرَبِّ"؛ ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ فَقِيلَ: "اَلرَّبُّ".
و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ؛ و"دِينًا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "هَدانِي"؛ اَلْمُقَدَّرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ "هَدانِي"؛ اَلْأوَّلُ؛ وهَذا الضَمِيرُ إنَّما يَصِلُ وحْدَهُ دُونَ أنْ يَحْتاجَ إلى إضْمارِ "إلى"؛ إذْ "هَدى"؛ يَصِلُ بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولِهِ الثانِي؛ وبِحَرْفِ الجَرِّ؛ فَهو فِعْلٌ مُتَرَدِّدٌ؛ وقِيلَ: نَصَبَ "دِينًا"؛ فِعْلٌ مُضْمَرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "عَرَّفَنِي دِينًا"؛ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: "فاتَّبِعُوا دِينًا"؛ أو: "فالزَمُوا دِينًا"؛ وقِيلَ: نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن "صِراطٍ"؛ عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: "هَدانِي رَبِّي صِراطًا مُسْتَقِيمًا"؛ و"قِيَمًا"؛ نَعْتٌ لِلدِّينِ؛ ومَعْناهُ: "مُسْتَقِيمًا مُعْتَدِلًا".
(p-٥٠٥)وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "قَيِّمًا"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وكَسْرِ الياءِ؛ وشَدِّها؛ وأصْلُهُ: "قَيْوِمًا"؛ عُلِّلَتْ كَتَعْلِيلِ "سَيِّدٌ"؛ و"مَيِّتٌ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "قِيَمًا"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ وفَتْحِ الياءِ؛ عَلى وزْنِ "فِعَلًا"؛ وكَأنَّ الأصْلَ أنْ يَجِيءَ فِيهِ: "قِوَمًا"؛ كَـ "عِوَضٌ"؛ و"حِوَلٌ"؛ إلّا أنَّهُ شَذَّ كَشُذُوذِ قَوْلِهِمْ: "جِيادٌ"؛ في جَمْعِ "جَوادٌ"؛ و"ثِيرَةٌ"؛ في جَمْعِ "ثَوْرٌ".
و"مِلَّةَ"؛ بَدَلٌ مِنَ الدِينِ؛ و"اَلْمِلَّةُ": اَلشَّرِيعَةُ؛ و"حَنِيفًا"؛ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن "إبْراهِيمَ"؛ و"اَلْحَنَفُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْمَيْلُ؛ وقَدْ يَكُونُ المَيْلَ إلى فَسادٍ؛ كَـ "حَنَفَ الرَجُلُ"؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا"؛﴾ [البقرة: ١٨٢] عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالحاءِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقَدْ يَكُونُ الحَنَفُ إلى الصَلاحِ؛ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "اَلْحَنِيفِيَّةُ السَمْحَةُ"؛» و"اَلدِّينُ الحَنِيفُ"؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اَلْحَنَفُ: اَلِاسْتِقامَةُ؛ وإنَّما سُمِّيَ " اَلْأحْنَفُ "؛ في الرَجُلِ؛ عَلى جِهَةِ التَفاؤُلِ لَهُ.
﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ؛ نَفْيٌ لِلنَّقِيصَةِ عنهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُعْلِنَ بِأنَّ مَقْصِدَهُ في صَلاتِهِ؛ وطاعَتِهِ؛ مِن ذَبِيحَةٍ؛ وغَيْرِها؛ وتَصَرُّفِهِ مُدَّةَ حَياتِهِ؛ وحالِهِ مِنَ الإخْلاصِ والإيمانِ عِنْدَ مَماتِهِ؛ إنَّما هو لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وإرادَةَ وجْهِهِ؛ وطَلَبَ رِضاهُ؛ وفي إعْلانِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِهَذِهِ المَقالَةِ ما يُلْزِمُ المُؤْمِنِينَ التَأسِّي بِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ حَتّى يَلْتَزِمُوا في جَمِيعِ أعْمالِهِمْ قَصْدَ وجْهِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ المَقالَةِ أنَّ صَلاتَهُ؛ ونُسُكَهُ؛ وحَياتَهُ؛ ومَوْتَهُ؛ بِيَدِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُصَرِّفُهُ في جَمِيعِ ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ؛ وأنَّهُ قَدْ هَداهُ مِن ذَلِكَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ ؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ راجِعًا إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ ؛ فَقَطْ؛ أو راجِعًا إلى القَوْلِ الأوَّلِ؛ وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَرْجِعُ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن صَلاةٍ وغَيْرِها؛ أيْ: أُمِرْتُ بِأنْ أقْصِدَ وجْهَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في ذَلِكَ؛ وأنْ ألْتَزِمَ العَمَلَ.
(p-٥٠٦)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنُسُكِي"؛ بِضَمِّ السِينِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ والحَسَنُ بِإسْكانِ السِينِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلنُّسُكُ: في هَذِهِ الآيَةِ: اَلذَّبائِحُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحَسِّنُ تَخْصِيصَ الذَبِيحَةِ بِالذِكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نازِلَةٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها؛ والجَدَلُ فِيها؛ في السُورَةِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلنُّسُكُ في هَذِهِ الآيَةِ: جَمِيعُ أعْمالِ الطاعاتِ؛ مِن قَوْلِكَ: "نَسَكَ فُلانٌ؛ فَهو ناسِكٌ"؛ إذا تَعَبَّدَ.
وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى نافِعٍ -: ﴿وَمَحْيايَ ومَماتِي﴾ ؛ بِفَتْحِ الياءِ مِن "مَحْيايَ"؛ وسُكُونِها مِن "وَمَماتِي"؛ وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "وَمَحْيايْ"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وهي شاذَّةٌ في القِياسِ؛ لِأنَّها جَمَعَتْ بَيْنَ ساكِنَيْنِ؛ وشاذَّةٌ في الِاسْتِعْمالِ؛ ووَجْهُها أنَّهُ قَدْ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ: "اِلْتَقَتْ حَلْقَتا البِطانِ"؛ و"لِفُلانٍ ثُلُثا المالِ"؛ ورَوى أبُو خُلَيْدٍ عن نافِعٍ: "وَمَحْيايِ"؛ بِكَسْرِ الياءِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وعِيسى ؛ والجَحْدَرِيُّ: "وَمَحْيَيَّ"؛ وهَذِهِ لُغَةُ هُذَيْلٍ؛ ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎ سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ ∗∗∗ فَتَصَرَّعُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "صَلاتِيَ ونُسُكِيَ ومَحْيايَ ومَماتِيَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ فِيهِنَّ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عن عاصِمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ ؛ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وقالَ النَقّاشُ: "مِن أهْلِ مَكَّةَ".
(p-٥٠٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَعْنى واحِدٌ؛ بَلِ الأوَّلُ أعَمُّ وأحْسَنُ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأنا"؛ بِإشْباعِ الألِفِ؛ وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى القِراءَةِ "وَأنا"؛ دُونُ إشْباعٍ؛ وهَذا كُلُّهُ في الوَصْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَرْكُ الإشْباعِ أحْسَنُ؛ لِأنَّها ألِفُ وقْفٍ؛ فَإذا اتَّصَلَ الكَلامُ اسْتُغْنِيَ عنها؛ لا سِيَّما إذا ولِيَتْها هَمْزَةٌ.
الأنعام 6:163
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾
هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِنَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ بِالإعْلانِ بِشَرِيعَتِهِ؛ ونَبْذِ ما سِواها مِن أضالِيلِهِمْ؛ ووَصْفِ الشَرِيعَةِ بِما هي عَلَيْهِ مِنَ الحُسْنِ؛ والفَضْلِ؛ والِاسْتِقامَةِ؛ و"هَدانِي"؛ مَعْناهُ: أرْشَدَنِي بِخَلْقِ الهُدى في قَلْبِي؛ و"اَلرَّبُّ": اَلْمالِكُ؛ ولَفْظُهُ مَصْدَرٌ؛ مِن قَوْلِكَ: "رَبَّهُ؛ يَرُبُّهُ"؛ وإنَّما هو مِثْلُ "عَدْلٌ"؛ و"رِضًا"؛ في أنَّهُ مَصْدَرٌ وصِفَ بِهِ؛ وأصْلُهُ: "ذُو الرَبِّ"؛ ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ فَقِيلَ: "اَلرَّبُّ".
و"اَلصِّراطُ": اَلطَّرِيقُ؛ و"دِينًا"؛ مَنصُوبٌ بِـ "هَدانِي"؛ اَلْمُقَدَّرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ "هَدانِي"؛ اَلْأوَّلُ؛ وهَذا الضَمِيرُ إنَّما يَصِلُ وحْدَهُ دُونَ أنْ يَحْتاجَ إلى إضْمارِ "إلى"؛ إذْ "هَدى"؛ يَصِلُ بِنَفْسِهِ إلى مَفْعُولِهِ الثانِي؛ وبِحَرْفِ الجَرِّ؛ فَهو فِعْلٌ مُتَرَدِّدٌ؛ وقِيلَ: نَصَبَ "دِينًا"؛ فِعْلٌ مُضْمَرٌ؛ تَقْدِيرُهُ: "عَرَّفَنِي دِينًا"؛ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: "فاتَّبِعُوا دِينًا"؛ أو: "فالزَمُوا دِينًا"؛ وقِيلَ: نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِن "صِراطٍ"؛ عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: "هَدانِي رَبِّي صِراطًا مُسْتَقِيمًا"؛ و"قِيَمًا"؛ نَعْتٌ لِلدِّينِ؛ ومَعْناهُ: "مُسْتَقِيمًا مُعْتَدِلًا".
(p-٥٠٥)وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "قَيِّمًا"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وكَسْرِ الياءِ؛ وشَدِّها؛ وأصْلُهُ: "قَيْوِمًا"؛ عُلِّلَتْ كَتَعْلِيلِ "سَيِّدٌ"؛ و"مَيِّتٌ"؛ وقَرَأ عاصِمٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "قِيَمًا"؛ بِكَسْرِ القافِ؛ وفَتْحِ الياءِ؛ عَلى وزْنِ "فِعَلًا"؛ وكَأنَّ الأصْلَ أنْ يَجِيءَ فِيهِ: "قِوَمًا"؛ كَـ "عِوَضٌ"؛ و"حِوَلٌ"؛ إلّا أنَّهُ شَذَّ كَشُذُوذِ قَوْلِهِمْ: "جِيادٌ"؛ في جَمْعِ "جَوادٌ"؛ و"ثِيرَةٌ"؛ في جَمْعِ "ثَوْرٌ".
و"مِلَّةَ"؛ بَدَلٌ مِنَ الدِينِ؛ و"اَلْمِلَّةُ": اَلشَّرِيعَةُ؛ و"حَنِيفًا"؛ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن "إبْراهِيمَ"؛ و"اَلْحَنَفُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْمَيْلُ؛ وقَدْ يَكُونُ المَيْلَ إلى فَسادٍ؛ كَـ "حَنَفَ الرَجُلُ"؛ وكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ "فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا"؛﴾ [البقرة: ١٨٢] عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالحاءِ غَيْرِ المَنقُوطَةِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقَدْ يَكُونُ الحَنَفُ إلى الصَلاحِ؛ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "اَلْحَنِيفِيَّةُ السَمْحَةُ"؛» و"اَلدِّينُ الحَنِيفُ"؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اَلْحَنَفُ: اَلِاسْتِقامَةُ؛ وإنَّما سُمِّيَ " اَلْأحْنَفُ "؛ في الرَجُلِ؛ عَلى جِهَةِ التَفاؤُلِ لَهُ.
﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ؛ نَفْيٌ لِلنَّقِيصَةِ عنهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُعْلِنَ بِأنَّ مَقْصِدَهُ في صَلاتِهِ؛ وطاعَتِهِ؛ مِن ذَبِيحَةٍ؛ وغَيْرِها؛ وتَصَرُّفِهِ مُدَّةَ حَياتِهِ؛ وحالِهِ مِنَ الإخْلاصِ والإيمانِ عِنْدَ مَماتِهِ؛ إنَّما هو لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وإرادَةَ وجْهِهِ؛ وطَلَبَ رِضاهُ؛ وفي إعْلانِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِهَذِهِ المَقالَةِ ما يُلْزِمُ المُؤْمِنِينَ التَأسِّي بِهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ حَتّى يَلْتَزِمُوا في جَمِيعِ أعْمالِهِمْ قَصْدَ وجْهِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ المَقالَةِ أنَّ صَلاتَهُ؛ ونُسُكَهُ؛ وحَياتَهُ؛ ومَوْتَهُ؛ بِيَدِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُصَرِّفُهُ في جَمِيعِ ذَلِكَ كَيْفَ يَشاءُ؛ وأنَّهُ قَدْ هَداهُ مِن ذَلِكَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ ويَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ ؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ؛ راجِعًا إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ ؛ فَقَطْ؛ أو راجِعًا إلى القَوْلِ الأوَّلِ؛ وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَرْجِعُ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن صَلاةٍ وغَيْرِها؛ أيْ: أُمِرْتُ بِأنْ أقْصِدَ وجْهَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - في ذَلِكَ؛ وأنْ ألْتَزِمَ العَمَلَ.
(p-٥٠٦)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَنُسُكِي"؛ بِضَمِّ السِينِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ؛ والحَسَنُ بِإسْكانِ السِينِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلنُّسُكُ: في هَذِهِ الآيَةِ: اَلذَّبائِحُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُحَسِّنُ تَخْصِيصَ الذَبِيحَةِ بِالذِكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نازِلَةٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها؛ والجَدَلُ فِيها؛ في السُورَةِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلنُّسُكُ في هَذِهِ الآيَةِ: جَمِيعُ أعْمالِ الطاعاتِ؛ مِن قَوْلِكَ: "نَسَكَ فُلانٌ؛ فَهو ناسِكٌ"؛ إذا تَعَبَّدَ.
وقَرَأ السَبْعَةُ - سِوى نافِعٍ -: ﴿وَمَحْيايَ ومَماتِي﴾ ؛ بِفَتْحِ الياءِ مِن "مَحْيايَ"؛ وسُكُونِها مِن "وَمَماتِي"؛ وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "وَمَحْيايْ"؛ بِسُكُونِ الياءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وهي شاذَّةٌ في القِياسِ؛ لِأنَّها جَمَعَتْ بَيْنَ ساكِنَيْنِ؛ وشاذَّةٌ في الِاسْتِعْمالِ؛ ووَجْهُها أنَّهُ قَدْ سُمِعَ مِنَ العَرَبِ: "اِلْتَقَتْ حَلْقَتا البِطانِ"؛ و"لِفُلانٍ ثُلُثا المالِ"؛ ورَوى أبُو خُلَيْدٍ عن نافِعٍ: "وَمَحْيايِ"؛ بِكَسْرِ الياءِ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ؛ وعِيسى ؛ والجَحْدَرِيُّ: "وَمَحْيَيَّ"؛ وهَذِهِ لُغَةُ هُذَيْلٍ؛ ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎ سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ ∗∗∗ فَتَصَرَّعُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "صَلاتِيَ ونُسُكِيَ ومَحْيايَ ومَماتِيَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ فِيهِنَّ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عن عاصِمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ ؛ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وقالَ النَقّاشُ: "مِن أهْلِ مَكَّةَ".
(p-٥٠٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والمَعْنى واحِدٌ؛ بَلِ الأوَّلُ أعَمُّ وأحْسَنُ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأنا"؛ بِإشْباعِ الألِفِ؛ وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى القِراءَةِ "وَأنا"؛ دُونُ إشْباعٍ؛ وهَذا كُلُّهُ في الوَصْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَرْكُ الإشْباعِ أحْسَنُ؛ لِأنَّها ألِفُ وقْفٍ؛ فَإذا اتَّصَلَ الكَلامُ اسْتُغْنِيَ عنها؛ لا سِيَّما إذا ولِيَتْها هَمْزَةٌ.
الأنعام 6:164
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ أغَيْرَ اللهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ولا تَكْسِبُ كُلِّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
حَكى النَقّاشُ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اِرْجِعْ يا مُحَمَّدُ إلى دِينِنا؛ واعْبُدْ آلِهَتَنا؛ واتْرُكْ ما أنْتَ عَلَيْهِ؛ ونَحْنُ نَتَكَفَّلُ لَكَ بِكُلِّ تِباعَةٍ تَتَوَقَّعُها في دُنْياكَ؛ وآخِرَتِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وهي اسْتِفْهامٌ يَقْتَضِي التَقْرِيرَ؛ والتَوْقِيفَ؛ والتَوْبِيخَ؛ و"أبْغِي"؛ مَعْناهُ: أطْلُبُ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "أفَيَحْسُنُ عِنْدَكم أنْ أطْلُبَ إلَهًا غَيْرَ اللهِ تَعالى الَّذِي هو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ؟ وما ذَكَرْتُمْ مِن كَفالَتِكم لا يَتِمُّ؛ لِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَظُنُّونَهُ؛ وإنَّما كَسْبُ كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الشَرِّ والإثْمِ عَلَيْها وحْدَها؛ "وَلا تَزِرُ"؛ أيْ: لا تَحْمِلُ؛ "وازِرَةٌ"؛ أيْ: حامِلَةُ؛ حِمْلَ أُخْرى؛ وثِقْلَها؛ والوِزْرُ أصْلُهُ الثِقْلُ؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإثْمِ؛ لِأنَّهُ يُنْقِضُ الظَهْرَ؛ تَجَوُّزًا واسْتِعارَةً؛ يُقالُ مِنهُ: " وزَرَ الرَجُلُ؛ يَزِرُ؛ فَهو وازِرٌ"؛ و" وزِرَ ؛ يَوْزَرُ؛ فَهو مَوْزُورٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ ؛ تَهْدِيدٌ؛ ووَعِيدٌ؛ "فَيُنَبِّئُكُمْ"؛ أيْ: فَيُعْلِمُكم أنَّ العِقابَ عَلى الِاعْوِجاجِ تَبْيِينٌ لِمَوْضِعِ الحَقِّ؛ وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ يُرِيدُ - عَلى ما حَكى بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ -: "مِن أمْرِي؛ في قَوْلِ بَعْضِكُمْ: "هُوَ ساحِرٌ"؛ وبَعْضِكُمْ: "هُوَ شاعِرٌ"؛ وبَعْضِكُمْ: "اِفْتَراهُ"؛ وبَعْضِكُمْ: "اِكْتَتَبَهُ"؛ ونَحْوَ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يَحْسُنُ في هَذا المَوْضِعِ؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ يَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ الِاخْتِلافاتِ؛ مِنَ الأدْيانِ؛ والمِلَلِ؛ والمَذاهِبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.
(p-٥٠٨)وَ"خَلائِفَ"؛ جَمْعُ "خَلِيفَةٌ"؛ أيْ: يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يُتَصَوَّرُ في جَمِيعِ الأُمَمِ؛ وسائِرِ أصْنافِ الناسِ؛ لِأنَّ مَن أتى خَلِيفَةٌ لِمَن مَضى؛ ولَكِنَّهُ يَحْسُنُ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُسَمّى أهْلُها - بِجُمْلَتِهِمْ - خَلائِفَ لِلْأُمَمِ؛ ولَيْسَ لَهم مَن يَخْلُفُهُمْ؛ إذْ هم آخِرُ الأُمَمِ؛ وعَلَيْهِمْ قِيامُ الساعَةِ.
ورَوى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "تُوَفَّوْنَ سَبْعِينَ أُمَّةً؛ أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ"؛ ويُرْوى: "أنْتُمْ آخِرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ".»
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَرَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ"؛﴾ لَفْظٌ عامٌّ في المالِ؛ والقُوَّةِ؛ والجاهِ؛ وجَوْدَةِ النُفُوسِ؛ والأذْهانِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما هو لِيَخْتَبِرَ اللهُ تَعالى الخَلْقَ فَيَرى المُحْسِنَ مِنَ المُسِيءِ.
ولَمّا أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - بِهَذا؛ فَفَسَحَ لِلنّاسِ مَيْدانَ العَمَلِ؛ وحَضَّهم عَلى الِاسْتِباقِ إلى الخَيْرِ؛ تَوَعَّدَ؛ ووَعَدَ؛ تَخْوِيفًا مِنهُ تَعالى وتَرْجِيَةً؛ فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ ؛ وسُرْعَةُ عِقابِهِ إمّا بِأخْذاتِهِ في الدُنْيا؛ وإمّا بِعِقابِ الآخِرَةِ؛ وحَسُنَ أنْ يُوصَفَ عِقابُ الآخِرَةِ بِـ "سَرِيعُ"؛ لَمّا كانَ مُتَحَقَّقًا؛ مَضْمُونَ الإتْيانِ؛ والوُقُوعِ؛ فَكُلُّ آتٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالقُرْبِ؛ ويُوصَفُ بِهِ؛ و﴿وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ؛ تَرْجِيَةٌ لِمَن أذْنَبَ وأرادَ التَوْبَةَ؛ وهَذا في كِتابِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - كَثِيرٌ؛ اقْتِرانُ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ؛ لُطْفًا مِنَ اللهِ تَعالى بِعِبادِهِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْأنْعامِ"؛ واللهُ المُسْتَعانُ؛ وهو حَسْبِي؛ ونِعْمَ الوَكِيلُ
الأنعام 6:165
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ أغَيْرَ اللهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ولا تَكْسِبُ كُلِّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
حَكى النَقّاشُ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اِرْجِعْ يا مُحَمَّدُ إلى دِينِنا؛ واعْبُدْ آلِهَتَنا؛ واتْرُكْ ما أنْتَ عَلَيْهِ؛ ونَحْنُ نَتَكَفَّلُ لَكَ بِكُلِّ تِباعَةٍ تَتَوَقَّعُها في دُنْياكَ؛ وآخِرَتِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ وهي اسْتِفْهامٌ يَقْتَضِي التَقْرِيرَ؛ والتَوْقِيفَ؛ والتَوْبِيخَ؛ و"أبْغِي"؛ مَعْناهُ: أطْلُبُ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "أفَيَحْسُنُ عِنْدَكم أنْ أطْلُبَ إلَهًا غَيْرَ اللهِ تَعالى الَّذِي هو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ؟ وما ذَكَرْتُمْ مِن كَفالَتِكم لا يَتِمُّ؛ لِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما تَظُنُّونَهُ؛ وإنَّما كَسْبُ كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الشَرِّ والإثْمِ عَلَيْها وحْدَها؛ "وَلا تَزِرُ"؛ أيْ: لا تَحْمِلُ؛ "وازِرَةٌ"؛ أيْ: حامِلَةُ؛ حِمْلَ أُخْرى؛ وثِقْلَها؛ والوِزْرُ أصْلُهُ الثِقْلُ؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإثْمِ؛ لِأنَّهُ يُنْقِضُ الظَهْرَ؛ تَجَوُّزًا واسْتِعارَةً؛ يُقالُ مِنهُ: " وزَرَ الرَجُلُ؛ يَزِرُ؛ فَهو وازِرٌ"؛ و" وزِرَ ؛ يَوْزَرُ؛ فَهو مَوْزُورٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ ؛ تَهْدِيدٌ؛ ووَعِيدٌ؛ "فَيُنَبِّئُكُمْ"؛ أيْ: فَيُعْلِمُكم أنَّ العِقابَ عَلى الِاعْوِجاجِ تَبْيِينٌ لِمَوْضِعِ الحَقِّ؛ وقَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ يُرِيدُ - عَلى ما حَكى بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ -: "مِن أمْرِي؛ في قَوْلِ بَعْضِكُمْ: "هُوَ ساحِرٌ"؛ وبَعْضِكُمْ: "هُوَ شاعِرٌ"؛ وبَعْضِكُمْ: "اِفْتَراهُ"؛ وبَعْضِكُمْ: "اِكْتَتَبَهُ"؛ ونَحْوَ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَأْوِيلُ يَحْسُنُ في هَذا المَوْضِعِ؛ وإنْ كانَ اللَفْظُ يَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ الِاخْتِلافاتِ؛ مِنَ الأدْيانِ؛ والمِلَلِ؛ والمَذاهِبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.
(p-٥٠٨)وَ"خَلائِفَ"؛ جَمْعُ "خَلِيفَةٌ"؛ أيْ: يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يُتَصَوَّرُ في جَمِيعِ الأُمَمِ؛ وسائِرِ أصْنافِ الناسِ؛ لِأنَّ مَن أتى خَلِيفَةٌ لِمَن مَضى؛ ولَكِنَّهُ يَحْسُنُ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُسَمّى أهْلُها - بِجُمْلَتِهِمْ - خَلائِفَ لِلْأُمَمِ؛ ولَيْسَ لَهم مَن يَخْلُفُهُمْ؛ إذْ هم آخِرُ الأُمَمِ؛ وعَلَيْهِمْ قِيامُ الساعَةِ.
ورَوى الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ أنَّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: « "تُوَفَّوْنَ سَبْعِينَ أُمَّةً؛ أنْتُمْ خَيْرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ"؛ ويُرْوى: "أنْتُمْ آخِرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ".»
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَرَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ"؛﴾ لَفْظٌ عامٌّ في المالِ؛ والقُوَّةِ؛ والجاهِ؛ وجَوْدَةِ النُفُوسِ؛ والأذْهانِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وكُلُّ ذَلِكَ إنَّما هو لِيَخْتَبِرَ اللهُ تَعالى الخَلْقَ فَيَرى المُحْسِنَ مِنَ المُسِيءِ.
ولَمّا أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - بِهَذا؛ فَفَسَحَ لِلنّاسِ مَيْدانَ العَمَلِ؛ وحَضَّهم عَلى الِاسْتِباقِ إلى الخَيْرِ؛ تَوَعَّدَ؛ ووَعَدَ؛ تَخْوِيفًا مِنهُ تَعالى وتَرْجِيَةً؛ فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ﴾ ؛ وسُرْعَةُ عِقابِهِ إمّا بِأخْذاتِهِ في الدُنْيا؛ وإمّا بِعِقابِ الآخِرَةِ؛ وحَسُنَ أنْ يُوصَفَ عِقابُ الآخِرَةِ بِـ "سَرِيعُ"؛ لَمّا كانَ مُتَحَقَّقًا؛ مَضْمُونَ الإتْيانِ؛ والوُقُوعِ؛ فَكُلُّ آتٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالقُرْبِ؛ ويُوصَفُ بِهِ؛ و﴿وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ؛ تَرْجِيَةٌ لِمَن أذْنَبَ وأرادَ التَوْبَةَ؛ وهَذا في كِتابِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - كَثِيرٌ؛ اقْتِرانُ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ؛ لُطْفًا مِنَ اللهِ تَعالى بِعِبادِهِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْأنْعامِ"؛ واللهُ المُسْتَعانُ؛ وهو حَسْبِي؛ ونِعْمَ الوَكِيلُ
الأعراف 7:1
(p-٥٠٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْأعْرافِ"
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها؛ قالَهُ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ؛ إلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ؛ فَإنَّ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿الـمـص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ؛ وذِكْرُ اخْتِلافِ المُتَأوِّلِينَ فِيها؛ ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ - زائِدًا عَلى تِلْكَ الأقْوالِ - بِما قالَهُ السُدِّيُّ: إنَّ "الـمـص"؛ هِجاءُ اسْمِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ هُوَ: "اَلْمُصَوِّرُ"؛ وبِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: إنَّ مَعْناهُ: "أنا اللهُ الفاصِلُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: "كِتابٌ"؛ رُفِعَ عَلى الخَبَرِ لِلْحُرُوفِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ"؛ ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذا القَوْلِ بِما لا طائِلَ فِيهِ؛ وقالَ غَيْرُهُ: "كِتابٌ"؛ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "هَذا كِتابٌ"؛ و﴿ "أُنْزِلَ إلَيْكَ"؛﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كِتابٌ".
ثُمَّ نُهِيَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبْرِمَ؛ أو يَسْتَصْحِبَ مِن هَذا الكِتابِ؛ أو بِسَبَبٍ مِن أسْبابِهِ؛ حَرَجًا؛ ولَفْظُ النَهْيِ هو لِلْحَرَجِ؛ ومَعْناهُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأصْلُ "اَلْحَرَجُ": اَلضَّيْقُ؛ ومِنهُ "اَلْحَرَجَةُ": اَلشَّجَرُ المُلْتَفُّ؛ الَّذِي قَدْ تَضايَقَ؛ والحَرَجُ - هَهُنا - يَعُمُّ الشَكَّ؛ والخَوْفَ؛ والهَمَّ؛ (p-٥١٠)وَكُلَّ ما يُضَيِّقُ الصَدْرَ؛ وبِحَسَبِ سَبَبِ الحَرَجِ يُفَسَّرُ الحَرَجُ هَهُنا؛ وتَفْسِيرُهُ بِالشَكِّ قَلِقٌ؛ والضَمِيرُ في "مِنهُ"؛ عائِدٌ عَلى الكِتابِ؛ أيْ: بِسَبَبٍ مِن أسْبابِهِ؛ و"مِن"؛ هَهُنا؛ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى التَبْلِيغِ؛ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ مَعْنى الآيَةِ؛ وقِيلَ: عَلى الإنْذارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ؛ إذِ اللَفْظُ يَعُمُّ الجِهاتِ الَّتِي هي مِن سَبَبِ الكِتابِ ولِأجْلِهِ؛ وذَلِكَ يَسْتَغْرِقُ التَبْلِيغَ؛ والإنْذارَ؛ وتَعَرُّضَ المُشْرِكِينَ؛ وتَكْذِيبَ المُكَذِّبِينَ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ ؛ اِعْتِراضٌ في أثْناءِ الكَلامِ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى "لِتُنْذِرَ"؛ اَللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أُنْزِلَ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَذِكْرى"؛ مَعْناهُ: تَذْكِرَةٌ؛ وإرْشادٌ؛ و"ذِكْرى"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "كِتابٌ"؛ فالتَقْدِيرُ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ وذِكْرى"؛ وقِيلَ: رَفْعُهُ عَلى جِهَةِ العَطْفِ عَلى صِفَةِ الكِتابِ؛ فالتَقْدِيرُ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ مُنَزَّلٌ إلَيْكَ وذِكْرى"؛ فَهي عَطْفٌ عَلى "مُنَزَّلٌ"؛ داخِلَةٌ في صِفَةِ الكِتابِ؛ وقِيلَ: "وَذِكْرى"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "لِتُنْذِرَ بِهِ وتُذَكِّرَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ"؛ وقِيلَ: نَصْبُها عَلى المَصْدَرِ؛ وقِيلَ: "وَذِكْرى"؛ في مَوْضِعٍ خَفْضٍ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى "لِتُنْذِرَ"؛ أيْ: "لِإنْذارِكَ وذِكْرى".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ وحَكاهُ: اَلتَّقْدِيرُ: "قُلِ اتَّبِعُوا"؛ فَحُذِفَ القَوْلُ لِدَلالَةِ الإنْذارِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ عَلَيْهِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى "اِتَّبِعُوا"؛ أمْرٌ يَعُمُّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأُمَّتَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِجَمِيعِ الناسِ؛ أيْ: "اِتَّبِعُوا مِلَّةَ الإسْلامِ؛ والقُرْآنَ".
(p-٥١١)وَقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "اِبْتَغُوا ما أُنْزِلَ"؛ مِن "اَلِابْتِغاءُ"؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ: و"وَلا تَبْتَغُوا"؛ مِن "اَلِابْتِغاءُ"؛ أيْضًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى "أولِياءَ"؛ يُرِيدُ كُلَّ ما عُبِدَ واتُّبِعَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ كالأصْنامِ؛ والأحْبارِ؛ والكُهّانِ؛ والنارِ؛ والكَواكِبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "مِن دُونِهِ"؛﴾ راجِعٌ إلى "رَبِّكُمْ"؛ هَذا أظْهَرُ وُجُوهِهِ؛ وأبْيَنُها؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى "ما"؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "اتَّبِعُوا ما"؛﴾ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ؛ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ؛ و"قَلِيلًا"؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ؛ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: هو مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ قالَ الفارِسِيَّ: و"ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "ما تَذَكَّرُونَ"؛﴾ مَوْصُولَةٌ بِالفِعْلِ؛ وهي مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "تَذَّكَّرُونَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ والكافِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَذَكَّرُونَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ وتَشْدِيدِ الكافِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "يَتَذَكَّرُونَ"؛ بِالياءِ؛ كِنايَةً عن غَيْبٍ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "تَتَذَكَّرُونَ"؛ بِتاءَيْنِ؛ عَلى مُخاطَبَةِ حاضِرِينَ.
الأعراف 7:2
(p-٥٠٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْأعْرافِ"
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها؛ قالَهُ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ؛ إلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ؛ فَإنَّ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿الـمـص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ؛ وذِكْرُ اخْتِلافِ المُتَأوِّلِينَ فِيها؛ ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ - زائِدًا عَلى تِلْكَ الأقْوالِ - بِما قالَهُ السُدِّيُّ: إنَّ "الـمـص"؛ هِجاءُ اسْمِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ هُوَ: "اَلْمُصَوِّرُ"؛ وبِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: إنَّ مَعْناهُ: "أنا اللهُ الفاصِلُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: "كِتابٌ"؛ رُفِعَ عَلى الخَبَرِ لِلْحُرُوفِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ"؛ ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذا القَوْلِ بِما لا طائِلَ فِيهِ؛ وقالَ غَيْرُهُ: "كِتابٌ"؛ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "هَذا كِتابٌ"؛ و﴿ "أُنْزِلَ إلَيْكَ"؛﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كِتابٌ".
ثُمَّ نُهِيَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبْرِمَ؛ أو يَسْتَصْحِبَ مِن هَذا الكِتابِ؛ أو بِسَبَبٍ مِن أسْبابِهِ؛ حَرَجًا؛ ولَفْظُ النَهْيِ هو لِلْحَرَجِ؛ ومَعْناهُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأصْلُ "اَلْحَرَجُ": اَلضَّيْقُ؛ ومِنهُ "اَلْحَرَجَةُ": اَلشَّجَرُ المُلْتَفُّ؛ الَّذِي قَدْ تَضايَقَ؛ والحَرَجُ - هَهُنا - يَعُمُّ الشَكَّ؛ والخَوْفَ؛ والهَمَّ؛ (p-٥١٠)وَكُلَّ ما يُضَيِّقُ الصَدْرَ؛ وبِحَسَبِ سَبَبِ الحَرَجِ يُفَسَّرُ الحَرَجُ هَهُنا؛ وتَفْسِيرُهُ بِالشَكِّ قَلِقٌ؛ والضَمِيرُ في "مِنهُ"؛ عائِدٌ عَلى الكِتابِ؛ أيْ: بِسَبَبٍ مِن أسْبابِهِ؛ و"مِن"؛ هَهُنا؛ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى التَبْلِيغِ؛ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ مَعْنى الآيَةِ؛ وقِيلَ: عَلى الإنْذارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ؛ إذِ اللَفْظُ يَعُمُّ الجِهاتِ الَّتِي هي مِن سَبَبِ الكِتابِ ولِأجْلِهِ؛ وذَلِكَ يَسْتَغْرِقُ التَبْلِيغَ؛ والإنْذارَ؛ وتَعَرُّضَ المُشْرِكِينَ؛ وتَكْذِيبَ المُكَذِّبِينَ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ ؛ اِعْتِراضٌ في أثْناءِ الكَلامِ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى "لِتُنْذِرَ"؛ اَللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أُنْزِلَ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَذِكْرى"؛ مَعْناهُ: تَذْكِرَةٌ؛ وإرْشادٌ؛ و"ذِكْرى"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "كِتابٌ"؛ فالتَقْدِيرُ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ وذِكْرى"؛ وقِيلَ: رَفْعُهُ عَلى جِهَةِ العَطْفِ عَلى صِفَةِ الكِتابِ؛ فالتَقْدِيرُ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ مُنَزَّلٌ إلَيْكَ وذِكْرى"؛ فَهي عَطْفٌ عَلى "مُنَزَّلٌ"؛ داخِلَةٌ في صِفَةِ الكِتابِ؛ وقِيلَ: "وَذِكْرى"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "لِتُنْذِرَ بِهِ وتُذَكِّرَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ"؛ وقِيلَ: نَصْبُها عَلى المَصْدَرِ؛ وقِيلَ: "وَذِكْرى"؛ في مَوْضِعٍ خَفْضٍ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى "لِتُنْذِرَ"؛ أيْ: "لِإنْذارِكَ وذِكْرى".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ وحَكاهُ: اَلتَّقْدِيرُ: "قُلِ اتَّبِعُوا"؛ فَحُذِفَ القَوْلُ لِدَلالَةِ الإنْذارِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ عَلَيْهِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى "اِتَّبِعُوا"؛ أمْرٌ يَعُمُّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأُمَّتَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِجَمِيعِ الناسِ؛ أيْ: "اِتَّبِعُوا مِلَّةَ الإسْلامِ؛ والقُرْآنَ".
(p-٥١١)وَقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "اِبْتَغُوا ما أُنْزِلَ"؛ مِن "اَلِابْتِغاءُ"؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ: و"وَلا تَبْتَغُوا"؛ مِن "اَلِابْتِغاءُ"؛ أيْضًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى "أولِياءَ"؛ يُرِيدُ كُلَّ ما عُبِدَ واتُّبِعَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ كالأصْنامِ؛ والأحْبارِ؛ والكُهّانِ؛ والنارِ؛ والكَواكِبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "مِن دُونِهِ"؛﴾ راجِعٌ إلى "رَبِّكُمْ"؛ هَذا أظْهَرُ وُجُوهِهِ؛ وأبْيَنُها؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى "ما"؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "اتَّبِعُوا ما"؛﴾ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ؛ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ؛ و"قَلِيلًا"؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ؛ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: هو مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ قالَ الفارِسِيَّ: و"ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "ما تَذَكَّرُونَ"؛﴾ مَوْصُولَةٌ بِالفِعْلِ؛ وهي مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "تَذَّكَّرُونَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ والكافِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَذَكَّرُونَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ وتَشْدِيدِ الكافِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "يَتَذَكَّرُونَ"؛ بِالياءِ؛ كِنايَةً عن غَيْبٍ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "تَتَذَكَّرُونَ"؛ بِتاءَيْنِ؛ عَلى مُخاطَبَةِ حاضِرِينَ.
الأعراف 7:3
(p-٥٠٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ "اَلْأعْرافِ"
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها؛ قالَهُ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ؛ إلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ؛ فَإنَّ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ.
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿الـمـص﴾ ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في تَفْسِيرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ؛ وذِكْرُ اخْتِلافِ المُتَأوِّلِينَ فِيها؛ ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ - زائِدًا عَلى تِلْكَ الأقْوالِ - بِما قالَهُ السُدِّيُّ: إنَّ "الـمـص"؛ هِجاءُ اسْمِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى -؛ هُوَ: "اَلْمُصَوِّرُ"؛ وبِقَوْلِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: إنَّ مَعْناهُ: "أنا اللهُ الفاصِلُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: "كِتابٌ"؛ رُفِعَ عَلى الخَبَرِ لِلْحُرُوفِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ"؛ ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذا القَوْلِ بِما لا طائِلَ فِيهِ؛ وقالَ غَيْرُهُ: "كِتابٌ"؛ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "هَذا كِتابٌ"؛ و﴿ "أُنْزِلَ إلَيْكَ"؛﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "كِتابٌ".
ثُمَّ نُهِيَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنْ يُبْرِمَ؛ أو يَسْتَصْحِبَ مِن هَذا الكِتابِ؛ أو بِسَبَبٍ مِن أسْبابِهِ؛ حَرَجًا؛ ولَفْظُ النَهْيِ هو لِلْحَرَجِ؛ ومَعْناهُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأصْلُ "اَلْحَرَجُ": اَلضَّيْقُ؛ ومِنهُ "اَلْحَرَجَةُ": اَلشَّجَرُ المُلْتَفُّ؛ الَّذِي قَدْ تَضايَقَ؛ والحَرَجُ - هَهُنا - يَعُمُّ الشَكَّ؛ والخَوْفَ؛ والهَمَّ؛ (p-٥١٠)وَكُلَّ ما يُضَيِّقُ الصَدْرَ؛ وبِحَسَبِ سَبَبِ الحَرَجِ يُفَسَّرُ الحَرَجُ هَهُنا؛ وتَفْسِيرُهُ بِالشَكِّ قَلِقٌ؛ والضَمِيرُ في "مِنهُ"؛ عائِدٌ عَلى الكِتابِ؛ أيْ: بِسَبَبٍ مِن أسْبابِهِ؛ و"مِن"؛ هَهُنا؛ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى التَبْلِيغِ؛ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ مَعْنى الآيَةِ؛ وقِيلَ: عَلى الإنْذارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا التَخْصِيصُ كُلُّهُ لا وجْهَ لَهُ؛ إذِ اللَفْظُ يَعُمُّ الجِهاتِ الَّتِي هي مِن سَبَبِ الكِتابِ ولِأجْلِهِ؛ وذَلِكَ يَسْتَغْرِقُ التَبْلِيغَ؛ والإنْذارَ؛ وتَعَرُّضَ المُشْرِكِينَ؛ وتَكْذِيبَ المُكَذِّبِينَ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ ؛ اِعْتِراضٌ في أثْناءِ الكَلامِ؛ ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ فِيهِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى "لِتُنْذِرَ"؛ اَللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أُنْزِلَ"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "وَذِكْرى"؛ مَعْناهُ: تَذْكِرَةٌ؛ وإرْشادٌ؛ و"ذِكْرى"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: "كِتابٌ"؛ فالتَقْدِيرُ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ وذِكْرى"؛ وقِيلَ: رَفْعُهُ عَلى جِهَةِ العَطْفِ عَلى صِفَةِ الكِتابِ؛ فالتَقْدِيرُ: "هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابٌ مُنَزَّلٌ إلَيْكَ وذِكْرى"؛ فَهي عَطْفٌ عَلى "مُنَزَّلٌ"؛ داخِلَةٌ في صِفَةِ الكِتابِ؛ وقِيلَ: "وَذِكْرى"؛ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "لِتُنْذِرَ بِهِ وتُذَكِّرَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ"؛ وقِيلَ: نَصْبُها عَلى المَصْدَرِ؛ وقِيلَ: "وَذِكْرى"؛ في مَوْضِعٍ خَفْضٍ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى "لِتُنْذِرَ"؛ أيْ: "لِإنْذارِكَ وذِكْرى".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ الطَبَرِيُّ ؛ وحَكاهُ: اَلتَّقْدِيرُ: "قُلِ اتَّبِعُوا"؛ فَحُذِفَ القَوْلُ لِدَلالَةِ الإنْذارِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ عَلَيْهِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى "اِتَّبِعُوا"؛ أمْرٌ يَعُمُّ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وأُمَّتَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والظاهِرُ أنْ يَكُونَ أمْرًا لِجَمِيعِ الناسِ؛ أيْ: "اِتَّبِعُوا مِلَّةَ الإسْلامِ؛ والقُرْآنَ".
(p-٥١١)وَقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "اِبْتَغُوا ما أُنْزِلَ"؛ مِن "اَلِابْتِغاءُ"؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ: و"وَلا تَبْتَغُوا"؛ مِن "اَلِابْتِغاءُ"؛ أيْضًا؛ وقَوْلُهُ تَعالى "أولِياءَ"؛ يُرِيدُ كُلَّ ما عُبِدَ واتُّبِعَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ كالأصْنامِ؛ والأحْبارِ؛ والكُهّانِ؛ والنارِ؛ والكَواكِبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "مِن دُونِهِ"؛﴾ راجِعٌ إلى "رَبِّكُمْ"؛ هَذا أظْهَرُ وُجُوهِهِ؛ وأبْيَنُها؛ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى "ما"؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ "اتَّبِعُوا ما"؛﴾ وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الكِتابِ؛ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ؛ و"قَلِيلًا"؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ؛ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ وقالَ مَكِّيٌّ: هو مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ قالَ الفارِسِيَّ: و"ما"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "ما تَذَكَّرُونَ"؛﴾ مَوْصُولَةٌ بِالفِعْلِ؛ وهي مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "تَذَّكَّرُونَ"؛ بِتَشْدِيدِ الذالِ؛ والكافِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ وعاصِمٌ ؛ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "تَذَكَّرُونَ"؛ بِتَخْفِيفِ الذالِ؛ وتَشْدِيدِ الكافِ؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "يَتَذَكَّرُونَ"؛ بِالياءِ؛ كِنايَةً عن غَيْبٍ؛ ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "تَتَذَكَّرُونَ"؛ بِتاءَيْنِ؛ عَلى مُخاطَبَةِ حاضِرِينَ.
الأعراف 7:4
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أو هم قائِلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾
"وَكَمْ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ "أهْلَكْناها"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَجاءَها"؛ و"أهْلَكْناها"؛ صِفَةٌ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها"؛ وقُدِّرَ الفِعْلُ بَعْدَها - وهي خَبَرِيَّةٌ - تَشْبِيهًا لَها بِالِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ في أنَّ لَها - في كُلِّ حالٍ - صَدْرَ الكَلامِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمُرادُ: "وَكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ"؛ وحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَ المُضافِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما عَبَّرَ تَعالى بِالقَرْيَةِ لِأنَّها أعْظَمُ في العُقُوبَةِ إذا أهْلَكَ البَشَرَ وقَرْيَتَهُمْ؛ وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ "أو هُمْ"؛﴾ أنَّ البَشَرَ داخِلُونَ في الهَلاكِ؛ فالآيَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - (p-٥١٢)تَتَضَمَّنُ هَلاكَ القَرْيَةِ؛ وأهْلَها جَمِيعًا؛ وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ تَتَضَمَّنُ هَلاكَ الأهْلِ.
والمُرادُ بِالآيَةِ التَكْثِيرُ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناهم فَجاءَهم بَأْسُنا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "فَجاءَها"؛ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّ المَجِيءَ بَعْدَ الإهْلاكِ؛ وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُعْدَلَ عن ظاهِرِ هَذا التَعْقِيبِ؛ فَقِيلَ: اَلْفاءُ قَدْ تَجِيءُ بِمَنزِلَةِ الواوِ؛ ولا تُعْطى رُتْبَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ:
وقِيلَ: عَبَّرَ عن إرادَةِ الإهْلاكِ بِالإهْلاكِ؛ قالَ مَكِّيٌّ في "اَلْمُشْكِلُ": مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يَحْتَجُّ بِهِ مَن قالَ: اَلْفاءُ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَعْقِيبِ القَوْلِ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "أهْلَكْناها بِالخِذْلانِ؛ وقِلَّةِ التَوْفِيقِ؛ فَجاءَها بَأْسُنا بَعْدَ ذَلِكَ"؛ وقالَ الفَرّاءُ - وحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الإهْلاكَ هو مَجِيءُ البَأْسِ؛ ومَجِيءُ البَأْسِ هو الإهْلاكُ؛ فَلَمّا تَلازَما لَمْ يُبالَ أيُّهُما قُدِّمَ في الرُتْبَةِ؛ وقِيلَ: إنَّ الفاءَ لِتَرْتِيبِ القَوْلِ فَقَطْ؛ فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عن قُرًى كَثِيرَةٍ أنَّهُ أهْلَكَها؛ ثُمَّ قالَ: "فَكانَ مِن أمْرِها مَجِيءُ البَأْسِ".
و"بَياتًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ و"قائِلُونَ"؛ مِن "اَلْقائِلَةُ"؛ وإنَّما خَصَّ وقْتَيِ الدَعَةِ؛ والسُكُونِ؛ لِأنَّ مَجِيءَ العَذابِ فِيهِما أفْظَعُ؛ وأهْوَلُ؛ لِما فِيهِما مِنَ البَغْتِ؛ والفَجْأةِ؛ و"أو"؛ في هَذا المَوْضِعِ كَما تَقُولُ: "اَلنّاسُ في فُلانٍ صِنْفانِ؛ حامِدٌ أو ذامٌّ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "جاءَهم بَأْسُنا فِرْقَتَيْنِ؛ بائِتِينَ؛ أو قائِلِينَ"؛ وهَذا هو الَّذِي يُسَمّى اللَفُّ؛ وهو إجْمالٌ في اللَفْظِ يُفَرِّقُهُ ذِهْنُ المُخاطَبِ دُونَ كُلْفَةٍ؛ و"اَلْبَأْسُ": اَلْعَذابُ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ: "أو وهم قائِلُونَ"؛ فَكُرِهَ اجْتِماعُ حَرْفَيِ العَطْفِ؛ فَحُذِفَتِ الواوُ؛ وهَذا تَكَلُّفٌ؛ لِأنَّ مَعْنى اللَفِّ باقٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ غايَةَ البَيانِ أنَّ المُرادَ في (p-٥١٣)الآيَةِ قَبْلَها أهْلُ القُرى؛ والدَعْوى في كَلامِ العَرَبِ لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: اَلدُّعاءُ؛ قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ: "اَللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دَعْوى المُسْلِمِينَ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥] ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أشْتَفِي ∗∗∗ بِدَعْواكِ مِن مَذْلٍ بِها فَيَهُونُ
والثانِي: اَلِادِّعاءُ؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: هي في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى: "اَلدُّعاءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ أيْضًا بِمَعْنى "اَلِادِّعاءُ"؛ لِأنَّ مَن نالَهُ مَكْرُوهٌ؛ أو حَزَبَهُ حادِثٌ؛ فَمِن شَأْنِهِ أنْ يَدْعُوَ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ في فِعْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ ومِن شَأْنِهِ أيْضًا أنْ يَدَّعِيَ مَعاذِيرَ؛ وأشْياءَ؛ تُحَسِّنُ حالَهُ؛ وتُقِيمُ حُجَّتَهُ في زَعْمِهِ؛ فَيُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ بِحالِ مَن يَدَّعِي مَعاذِيرَ؛ ونَحْوَها؛ فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم لَمْ تَكُنْ لَهم دَعْوى؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِن غَيْرِ الأوَّلِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لَمْ يَكُنْ دُعاءٌ - أوِ ادِّعاءٌ - إلّا الإقْرارُ؛ والِاعْتِرافُ"؛ أيْ: هَذا كانَ بَدَلَ الدُعاءِ؛ أو الِادِّعاءِ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "فَما آلَتْ دَعْواهُمُ الَّتِي كانَتْ في حالِ كُفْرِهِمْ إلّا إلى اعْتِرافٍ"؛ ونَحْوٌ مِنَ الآيَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها ∗∗∗ ∗∗∗ قُتَيْبَةَ إلّا عَضُّها بِالأباهِمِ
واعْتِرافُهم وقَوْلُهُمْ: إنّا كُنّا ظالِمِينَ؛ هو في المُدَّةِ بَيْنَ ظُهُورِ العَذابِ؛ إلى إتْيانِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وفي ذَلِكَ مُهْلَةٌ؛ بِحَسَبِ نَوْعِ العَذابِ؛ تَتَّسِعُ لِهَذِهِ المَقالَةِ؛ وغَيْرِها؛ ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّهُ قالَ: « "ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذَرُوا مِن (p-٥١٤)أنْفُسِهِمْ"؛» وفَسَّرَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ هَذا الحَدِيثَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ و"دَعْواهُمْ"؛ خَبَرُ "كانَ"؛ واسْمُها "إلّا أنْ قالُوا"؛ وقِيلَ بِالعَكْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِجَمِيعِ العالَمِ؛ أخْبَرَ أنَّهُ يَسْألُ الأُمَمَ أجْمَعَ عَمّا بُلِّغَ إلَيْهِمْ عنهُ تَعالى ؛ وعن جَمِيعِ أعْمالِهِمْ؛ ويَسْألُ النَبِيِّينَ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - عَمّا بَلَّغُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ نُفِيَ السُؤالُ في آياتٍ؛ وذَلِكَ هو سُؤالُ الِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ؛ وقَدْ أُثْبِتَ في آياتٍ كَهَذِهِ الآيَةِ؛ وهَذا هو سُؤالُ التَقْرِيرِ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أحاطَ عِلْمًا بِكُلِّ ذَلِكَ قَبْلَ السُؤالِ؛ فَأمّا الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ والمُؤْمِنُونَ؛ فَيُعْقِبُهم جَوابُهم رَحْمَةً؛ وكَرامَةً؛ وأمّا الكُفّارُ؛ ومَن نُفِّذَ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِنَ العُصاةِ؛ فَيُعْقِبُهم جَوابُهم عَذابًا وتَوْبِيخًا؛ فَمَن أنْكَرَ مِنهم قَصَّ تَعالى عَلَيْهِ بِعِلْمٍ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْنَسْألَنَّ الَّذِينَ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلُنا ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَلَنَقُصَّنَّ"؛﴾ أيْ: "فَلَنَسْرِدَنَّ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ؛ قِصَّةً قِصَّةً"؛ و"بِعِلْمٍ"؛ أيْ: بِحَقِيقَةٍ ويَقِينٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: يُوضَعُ الكِتابُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَيَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هُنا اسْتِعارَةً؛ إذْ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ مُقَيَّدٌ.
﴿ "وَما كُنّا غائِبِينَ"؛﴾ أيْ: "ما كُنّا مَن لا يَعْلَمُ جَمِيعَ تَصَرُّفاتِهِمْ"؛ كالغائِبِ عَنِ الشَيْءِ؛ الَّذِي لا يَعْرِفُ لَهُ حالًا.
الأعراف 7:5
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أو هم قائِلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾
"وَكَمْ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ "أهْلَكْناها"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَجاءَها"؛ و"أهْلَكْناها"؛ صِفَةٌ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها"؛ وقُدِّرَ الفِعْلُ بَعْدَها - وهي خَبَرِيَّةٌ - تَشْبِيهًا لَها بِالِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ في أنَّ لَها - في كُلِّ حالٍ - صَدْرَ الكَلامِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمُرادُ: "وَكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ"؛ وحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَ المُضافِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما عَبَّرَ تَعالى بِالقَرْيَةِ لِأنَّها أعْظَمُ في العُقُوبَةِ إذا أهْلَكَ البَشَرَ وقَرْيَتَهُمْ؛ وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ "أو هُمْ"؛﴾ أنَّ البَشَرَ داخِلُونَ في الهَلاكِ؛ فالآيَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - (p-٥١٢)تَتَضَمَّنُ هَلاكَ القَرْيَةِ؛ وأهْلَها جَمِيعًا؛ وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ تَتَضَمَّنُ هَلاكَ الأهْلِ.
والمُرادُ بِالآيَةِ التَكْثِيرُ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناهم فَجاءَهم بَأْسُنا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "فَجاءَها"؛ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّ المَجِيءَ بَعْدَ الإهْلاكِ؛ وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُعْدَلَ عن ظاهِرِ هَذا التَعْقِيبِ؛ فَقِيلَ: اَلْفاءُ قَدْ تَجِيءُ بِمَنزِلَةِ الواوِ؛ ولا تُعْطى رُتْبَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ:
وقِيلَ: عَبَّرَ عن إرادَةِ الإهْلاكِ بِالإهْلاكِ؛ قالَ مَكِّيٌّ في "اَلْمُشْكِلُ": مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يَحْتَجُّ بِهِ مَن قالَ: اَلْفاءُ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَعْقِيبِ القَوْلِ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "أهْلَكْناها بِالخِذْلانِ؛ وقِلَّةِ التَوْفِيقِ؛ فَجاءَها بَأْسُنا بَعْدَ ذَلِكَ"؛ وقالَ الفَرّاءُ - وحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الإهْلاكَ هو مَجِيءُ البَأْسِ؛ ومَجِيءُ البَأْسِ هو الإهْلاكُ؛ فَلَمّا تَلازَما لَمْ يُبالَ أيُّهُما قُدِّمَ في الرُتْبَةِ؛ وقِيلَ: إنَّ الفاءَ لِتَرْتِيبِ القَوْلِ فَقَطْ؛ فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عن قُرًى كَثِيرَةٍ أنَّهُ أهْلَكَها؛ ثُمَّ قالَ: "فَكانَ مِن أمْرِها مَجِيءُ البَأْسِ".
و"بَياتًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ و"قائِلُونَ"؛ مِن "اَلْقائِلَةُ"؛ وإنَّما خَصَّ وقْتَيِ الدَعَةِ؛ والسُكُونِ؛ لِأنَّ مَجِيءَ العَذابِ فِيهِما أفْظَعُ؛ وأهْوَلُ؛ لِما فِيهِما مِنَ البَغْتِ؛ والفَجْأةِ؛ و"أو"؛ في هَذا المَوْضِعِ كَما تَقُولُ: "اَلنّاسُ في فُلانٍ صِنْفانِ؛ حامِدٌ أو ذامٌّ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "جاءَهم بَأْسُنا فِرْقَتَيْنِ؛ بائِتِينَ؛ أو قائِلِينَ"؛ وهَذا هو الَّذِي يُسَمّى اللَفُّ؛ وهو إجْمالٌ في اللَفْظِ يُفَرِّقُهُ ذِهْنُ المُخاطَبِ دُونَ كُلْفَةٍ؛ و"اَلْبَأْسُ": اَلْعَذابُ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ: "أو وهم قائِلُونَ"؛ فَكُرِهَ اجْتِماعُ حَرْفَيِ العَطْفِ؛ فَحُذِفَتِ الواوُ؛ وهَذا تَكَلُّفٌ؛ لِأنَّ مَعْنى اللَفِّ باقٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ غايَةَ البَيانِ أنَّ المُرادَ في (p-٥١٣)الآيَةِ قَبْلَها أهْلُ القُرى؛ والدَعْوى في كَلامِ العَرَبِ لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: اَلدُّعاءُ؛ قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ: "اَللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دَعْوى المُسْلِمِينَ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥] ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أشْتَفِي ∗∗∗ بِدَعْواكِ مِن مَذْلٍ بِها فَيَهُونُ
والثانِي: اَلِادِّعاءُ؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: هي في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى: "اَلدُّعاءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ أيْضًا بِمَعْنى "اَلِادِّعاءُ"؛ لِأنَّ مَن نالَهُ مَكْرُوهٌ؛ أو حَزَبَهُ حادِثٌ؛ فَمِن شَأْنِهِ أنْ يَدْعُوَ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ في فِعْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ ومِن شَأْنِهِ أيْضًا أنْ يَدَّعِيَ مَعاذِيرَ؛ وأشْياءَ؛ تُحَسِّنُ حالَهُ؛ وتُقِيمُ حُجَّتَهُ في زَعْمِهِ؛ فَيُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ بِحالِ مَن يَدَّعِي مَعاذِيرَ؛ ونَحْوَها؛ فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم لَمْ تَكُنْ لَهم دَعْوى؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِن غَيْرِ الأوَّلِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لَمْ يَكُنْ دُعاءٌ - أوِ ادِّعاءٌ - إلّا الإقْرارُ؛ والِاعْتِرافُ"؛ أيْ: هَذا كانَ بَدَلَ الدُعاءِ؛ أو الِادِّعاءِ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "فَما آلَتْ دَعْواهُمُ الَّتِي كانَتْ في حالِ كُفْرِهِمْ إلّا إلى اعْتِرافٍ"؛ ونَحْوٌ مِنَ الآيَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها ∗∗∗ ∗∗∗ قُتَيْبَةَ إلّا عَضُّها بِالأباهِمِ
واعْتِرافُهم وقَوْلُهُمْ: إنّا كُنّا ظالِمِينَ؛ هو في المُدَّةِ بَيْنَ ظُهُورِ العَذابِ؛ إلى إتْيانِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وفي ذَلِكَ مُهْلَةٌ؛ بِحَسَبِ نَوْعِ العَذابِ؛ تَتَّسِعُ لِهَذِهِ المَقالَةِ؛ وغَيْرِها؛ ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّهُ قالَ: « "ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذَرُوا مِن (p-٥١٤)أنْفُسِهِمْ"؛» وفَسَّرَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ هَذا الحَدِيثَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ و"دَعْواهُمْ"؛ خَبَرُ "كانَ"؛ واسْمُها "إلّا أنْ قالُوا"؛ وقِيلَ بِالعَكْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِجَمِيعِ العالَمِ؛ أخْبَرَ أنَّهُ يَسْألُ الأُمَمَ أجْمَعَ عَمّا بُلِّغَ إلَيْهِمْ عنهُ تَعالى ؛ وعن جَمِيعِ أعْمالِهِمْ؛ ويَسْألُ النَبِيِّينَ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - عَمّا بَلَّغُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ نُفِيَ السُؤالُ في آياتٍ؛ وذَلِكَ هو سُؤالُ الِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ؛ وقَدْ أُثْبِتَ في آياتٍ كَهَذِهِ الآيَةِ؛ وهَذا هو سُؤالُ التَقْرِيرِ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أحاطَ عِلْمًا بِكُلِّ ذَلِكَ قَبْلَ السُؤالِ؛ فَأمّا الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ والمُؤْمِنُونَ؛ فَيُعْقِبُهم جَوابُهم رَحْمَةً؛ وكَرامَةً؛ وأمّا الكُفّارُ؛ ومَن نُفِّذَ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِنَ العُصاةِ؛ فَيُعْقِبُهم جَوابُهم عَذابًا وتَوْبِيخًا؛ فَمَن أنْكَرَ مِنهم قَصَّ تَعالى عَلَيْهِ بِعِلْمٍ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْنَسْألَنَّ الَّذِينَ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلُنا ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَلَنَقُصَّنَّ"؛﴾ أيْ: "فَلَنَسْرِدَنَّ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ؛ قِصَّةً قِصَّةً"؛ و"بِعِلْمٍ"؛ أيْ: بِحَقِيقَةٍ ويَقِينٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: يُوضَعُ الكِتابُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَيَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هُنا اسْتِعارَةً؛ إذْ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ مُقَيَّدٌ.
﴿ "وَما كُنّا غائِبِينَ"؛﴾ أيْ: "ما كُنّا مَن لا يَعْلَمُ جَمِيعَ تَصَرُّفاتِهِمْ"؛ كالغائِبِ عَنِ الشَيْءِ؛ الَّذِي لا يَعْرِفُ لَهُ حالًا.
الأعراف 7:6
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أو هم قائِلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾
"وَكَمْ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ "أهْلَكْناها"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَجاءَها"؛ و"أهْلَكْناها"؛ صِفَةٌ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها"؛ وقُدِّرَ الفِعْلُ بَعْدَها - وهي خَبَرِيَّةٌ - تَشْبِيهًا لَها بِالِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ في أنَّ لَها - في كُلِّ حالٍ - صَدْرَ الكَلامِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمُرادُ: "وَكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ"؛ وحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَ المُضافِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما عَبَّرَ تَعالى بِالقَرْيَةِ لِأنَّها أعْظَمُ في العُقُوبَةِ إذا أهْلَكَ البَشَرَ وقَرْيَتَهُمْ؛ وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ "أو هُمْ"؛﴾ أنَّ البَشَرَ داخِلُونَ في الهَلاكِ؛ فالآيَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - (p-٥١٢)تَتَضَمَّنُ هَلاكَ القَرْيَةِ؛ وأهْلَها جَمِيعًا؛ وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ تَتَضَمَّنُ هَلاكَ الأهْلِ.
والمُرادُ بِالآيَةِ التَكْثِيرُ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناهم فَجاءَهم بَأْسُنا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "فَجاءَها"؛ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّ المَجِيءَ بَعْدَ الإهْلاكِ؛ وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُعْدَلَ عن ظاهِرِ هَذا التَعْقِيبِ؛ فَقِيلَ: اَلْفاءُ قَدْ تَجِيءُ بِمَنزِلَةِ الواوِ؛ ولا تُعْطى رُتْبَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ:
وقِيلَ: عَبَّرَ عن إرادَةِ الإهْلاكِ بِالإهْلاكِ؛ قالَ مَكِّيٌّ في "اَلْمُشْكِلُ": مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يَحْتَجُّ بِهِ مَن قالَ: اَلْفاءُ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَعْقِيبِ القَوْلِ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "أهْلَكْناها بِالخِذْلانِ؛ وقِلَّةِ التَوْفِيقِ؛ فَجاءَها بَأْسُنا بَعْدَ ذَلِكَ"؛ وقالَ الفَرّاءُ - وحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الإهْلاكَ هو مَجِيءُ البَأْسِ؛ ومَجِيءُ البَأْسِ هو الإهْلاكُ؛ فَلَمّا تَلازَما لَمْ يُبالَ أيُّهُما قُدِّمَ في الرُتْبَةِ؛ وقِيلَ: إنَّ الفاءَ لِتَرْتِيبِ القَوْلِ فَقَطْ؛ فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عن قُرًى كَثِيرَةٍ أنَّهُ أهْلَكَها؛ ثُمَّ قالَ: "فَكانَ مِن أمْرِها مَجِيءُ البَأْسِ".
و"بَياتًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ و"قائِلُونَ"؛ مِن "اَلْقائِلَةُ"؛ وإنَّما خَصَّ وقْتَيِ الدَعَةِ؛ والسُكُونِ؛ لِأنَّ مَجِيءَ العَذابِ فِيهِما أفْظَعُ؛ وأهْوَلُ؛ لِما فِيهِما مِنَ البَغْتِ؛ والفَجْأةِ؛ و"أو"؛ في هَذا المَوْضِعِ كَما تَقُولُ: "اَلنّاسُ في فُلانٍ صِنْفانِ؛ حامِدٌ أو ذامٌّ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "جاءَهم بَأْسُنا فِرْقَتَيْنِ؛ بائِتِينَ؛ أو قائِلِينَ"؛ وهَذا هو الَّذِي يُسَمّى اللَفُّ؛ وهو إجْمالٌ في اللَفْظِ يُفَرِّقُهُ ذِهْنُ المُخاطَبِ دُونَ كُلْفَةٍ؛ و"اَلْبَأْسُ": اَلْعَذابُ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ: "أو وهم قائِلُونَ"؛ فَكُرِهَ اجْتِماعُ حَرْفَيِ العَطْفِ؛ فَحُذِفَتِ الواوُ؛ وهَذا تَكَلُّفٌ؛ لِأنَّ مَعْنى اللَفِّ باقٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ غايَةَ البَيانِ أنَّ المُرادَ في (p-٥١٣)الآيَةِ قَبْلَها أهْلُ القُرى؛ والدَعْوى في كَلامِ العَرَبِ لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: اَلدُّعاءُ؛ قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ: "اَللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دَعْوى المُسْلِمِينَ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥] ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أشْتَفِي ∗∗∗ بِدَعْواكِ مِن مَذْلٍ بِها فَيَهُونُ
والثانِي: اَلِادِّعاءُ؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: هي في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى: "اَلدُّعاءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ أيْضًا بِمَعْنى "اَلِادِّعاءُ"؛ لِأنَّ مَن نالَهُ مَكْرُوهٌ؛ أو حَزَبَهُ حادِثٌ؛ فَمِن شَأْنِهِ أنْ يَدْعُوَ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ في فِعْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ ومِن شَأْنِهِ أيْضًا أنْ يَدَّعِيَ مَعاذِيرَ؛ وأشْياءَ؛ تُحَسِّنُ حالَهُ؛ وتُقِيمُ حُجَّتَهُ في زَعْمِهِ؛ فَيُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ بِحالِ مَن يَدَّعِي مَعاذِيرَ؛ ونَحْوَها؛ فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم لَمْ تَكُنْ لَهم دَعْوى؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِن غَيْرِ الأوَّلِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لَمْ يَكُنْ دُعاءٌ - أوِ ادِّعاءٌ - إلّا الإقْرارُ؛ والِاعْتِرافُ"؛ أيْ: هَذا كانَ بَدَلَ الدُعاءِ؛ أو الِادِّعاءِ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "فَما آلَتْ دَعْواهُمُ الَّتِي كانَتْ في حالِ كُفْرِهِمْ إلّا إلى اعْتِرافٍ"؛ ونَحْوٌ مِنَ الآيَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها ∗∗∗ ∗∗∗ قُتَيْبَةَ إلّا عَضُّها بِالأباهِمِ
واعْتِرافُهم وقَوْلُهُمْ: إنّا كُنّا ظالِمِينَ؛ هو في المُدَّةِ بَيْنَ ظُهُورِ العَذابِ؛ إلى إتْيانِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وفي ذَلِكَ مُهْلَةٌ؛ بِحَسَبِ نَوْعِ العَذابِ؛ تَتَّسِعُ لِهَذِهِ المَقالَةِ؛ وغَيْرِها؛ ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّهُ قالَ: « "ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذَرُوا مِن (p-٥١٤)أنْفُسِهِمْ"؛» وفَسَّرَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ هَذا الحَدِيثَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ و"دَعْواهُمْ"؛ خَبَرُ "كانَ"؛ واسْمُها "إلّا أنْ قالُوا"؛ وقِيلَ بِالعَكْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِجَمِيعِ العالَمِ؛ أخْبَرَ أنَّهُ يَسْألُ الأُمَمَ أجْمَعَ عَمّا بُلِّغَ إلَيْهِمْ عنهُ تَعالى ؛ وعن جَمِيعِ أعْمالِهِمْ؛ ويَسْألُ النَبِيِّينَ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - عَمّا بَلَّغُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ نُفِيَ السُؤالُ في آياتٍ؛ وذَلِكَ هو سُؤالُ الِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ؛ وقَدْ أُثْبِتَ في آياتٍ كَهَذِهِ الآيَةِ؛ وهَذا هو سُؤالُ التَقْرِيرِ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أحاطَ عِلْمًا بِكُلِّ ذَلِكَ قَبْلَ السُؤالِ؛ فَأمّا الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ والمُؤْمِنُونَ؛ فَيُعْقِبُهم جَوابُهم رَحْمَةً؛ وكَرامَةً؛ وأمّا الكُفّارُ؛ ومَن نُفِّذَ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِنَ العُصاةِ؛ فَيُعْقِبُهم جَوابُهم عَذابًا وتَوْبِيخًا؛ فَمَن أنْكَرَ مِنهم قَصَّ تَعالى عَلَيْهِ بِعِلْمٍ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْنَسْألَنَّ الَّذِينَ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلُنا ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَلَنَقُصَّنَّ"؛﴾ أيْ: "فَلَنَسْرِدَنَّ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ؛ قِصَّةً قِصَّةً"؛ و"بِعِلْمٍ"؛ أيْ: بِحَقِيقَةٍ ويَقِينٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: يُوضَعُ الكِتابُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَيَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هُنا اسْتِعارَةً؛ إذْ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ مُقَيَّدٌ.
﴿ "وَما كُنّا غائِبِينَ"؛﴾ أيْ: "ما كُنّا مَن لا يَعْلَمُ جَمِيعَ تَصَرُّفاتِهِمْ"؛ كالغائِبِ عَنِ الشَيْءِ؛ الَّذِي لا يَعْرِفُ لَهُ حالًا.
الأعراف 7:7
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أو هم قائِلُونَ﴾ ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾
"وَكَمْ"؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ والخَبَرُ "أهْلَكْناها"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى "فَجاءَها"؛ و"أهْلَكْناها"؛ صِفَةٌ؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ بَعْدَها؛ تَقْدِيرُهُ: "وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها"؛ وقُدِّرَ الفِعْلُ بَعْدَها - وهي خَبَرِيَّةٌ - تَشْبِيهًا لَها بِالِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ في أنَّ لَها - في كُلِّ حالٍ - صَدْرَ الكَلامِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمُرادُ: "وَكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ"؛ وحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَ المُضافِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما عَبَّرَ تَعالى بِالقَرْيَةِ لِأنَّها أعْظَمُ في العُقُوبَةِ إذا أهْلَكَ البَشَرَ وقَرْيَتَهُمْ؛ وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ "أو هُمْ"؛﴾ أنَّ البَشَرَ داخِلُونَ في الهَلاكِ؛ فالآيَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - (p-٥١٢)تَتَضَمَّنُ هَلاكَ القَرْيَةِ؛ وأهْلَها جَمِيعًا؛ وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ تَتَضَمَّنُ هَلاكَ الأهْلِ.
والمُرادُ بِالآيَةِ التَكْثِيرُ؛ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناهم فَجاءَهم بَأْسُنا"؛ وقَوْلُهُ تَعالى "فَجاءَها"؛ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّ المَجِيءَ بَعْدَ الإهْلاكِ؛ وذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُعْدَلَ عن ظاهِرِ هَذا التَعْقِيبِ؛ فَقِيلَ: اَلْفاءُ قَدْ تَجِيءُ بِمَنزِلَةِ الواوِ؛ ولا تُعْطى رُتْبَةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ:
وقِيلَ: عَبَّرَ عن إرادَةِ الإهْلاكِ بِالإهْلاكِ؛ قالَ مَكِّيٌّ في "اَلْمُشْكِلُ": مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا يَحْتَجُّ بِهِ مَن قالَ: اَلْفاءُ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَعْقِيبِ القَوْلِ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "أهْلَكْناها بِالخِذْلانِ؛ وقِلَّةِ التَوْفِيقِ؛ فَجاءَها بَأْسُنا بَعْدَ ذَلِكَ"؛ وقالَ الفَرّاءُ - وحَكاهُ الطَبَرِيُّ -: إنَّ الإهْلاكَ هو مَجِيءُ البَأْسِ؛ ومَجِيءُ البَأْسِ هو الإهْلاكُ؛ فَلَمّا تَلازَما لَمْ يُبالَ أيُّهُما قُدِّمَ في الرُتْبَةِ؛ وقِيلَ: إنَّ الفاءَ لِتَرْتِيبِ القَوْلِ فَقَطْ؛ فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عن قُرًى كَثِيرَةٍ أنَّهُ أهْلَكَها؛ ثُمَّ قالَ: "فَكانَ مِن أمْرِها مَجِيءُ البَأْسِ".
و"بَياتًا"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ في مَوْضِعِ الحالِ؛ و"قائِلُونَ"؛ مِن "اَلْقائِلَةُ"؛ وإنَّما خَصَّ وقْتَيِ الدَعَةِ؛ والسُكُونِ؛ لِأنَّ مَجِيءَ العَذابِ فِيهِما أفْظَعُ؛ وأهْوَلُ؛ لِما فِيهِما مِنَ البَغْتِ؛ والفَجْأةِ؛ و"أو"؛ في هَذا المَوْضِعِ كَما تَقُولُ: "اَلنّاسُ في فُلانٍ صِنْفانِ؛ حامِدٌ أو ذامٌّ"؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "جاءَهم بَأْسُنا فِرْقَتَيْنِ؛ بائِتِينَ؛ أو قائِلِينَ"؛ وهَذا هو الَّذِي يُسَمّى اللَفُّ؛ وهو إجْمالٌ في اللَفْظِ يُفَرِّقُهُ ذِهْنُ المُخاطَبِ دُونَ كُلْفَةٍ؛ و"اَلْبَأْسُ": اَلْعَذابُ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ: "أو وهم قائِلُونَ"؛ فَكُرِهَ اجْتِماعُ حَرْفَيِ العَطْفِ؛ فَحُذِفَتِ الواوُ؛ وهَذا تَكَلُّفٌ؛ لِأنَّ مَعْنى اللَفِّ باقٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ غايَةَ البَيانِ أنَّ المُرادَ في (p-٥١٣)الآيَةِ قَبْلَها أهْلُ القُرى؛ والدَعْوى في كَلامِ العَرَبِ لِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: اَلدُّعاءُ؛ قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ: "اَللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دَعْوى المُسْلِمِينَ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ [الأنبياء: ١٥] ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُكِ أشْتَفِي ∗∗∗ بِدَعْواكِ مِن مَذْلٍ بِها فَيَهُونُ
والثانِي: اَلِادِّعاءُ؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: هي في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى: "اَلدُّعاءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ أيْضًا بِمَعْنى "اَلِادِّعاءُ"؛ لِأنَّ مَن نالَهُ مَكْرُوهٌ؛ أو حَزَبَهُ حادِثٌ؛ فَمِن شَأْنِهِ أنْ يَدْعُوَ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ في فِعْلِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ ومِن شَأْنِهِ أيْضًا أنْ يَدَّعِيَ مَعاذِيرَ؛ وأشْياءَ؛ تُحَسِّنُ حالَهُ؛ وتُقِيمُ حُجَّتَهُ في زَعْمِهِ؛ فَيُتَّجَهُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ بِحالِ مَن يَدَّعِي مَعاذِيرَ؛ ونَحْوَها؛ فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم لَمْ تَكُنْ لَهم دَعْوى؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِن غَيْرِ الأوَّلِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "لَمْ يَكُنْ دُعاءٌ - أوِ ادِّعاءٌ - إلّا الإقْرارُ؛ والِاعْتِرافُ"؛ أيْ: هَذا كانَ بَدَلَ الدُعاءِ؛ أو الِادِّعاءِ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "فَما آلَتْ دَعْواهُمُ الَّتِي كانَتْ في حالِ كُفْرِهِمْ إلّا إلى اعْتِرافٍ"؛ ونَحْوٌ مِنَ الآيَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها ∗∗∗ ∗∗∗ قُتَيْبَةَ إلّا عَضُّها بِالأباهِمِ
واعْتِرافُهم وقَوْلُهُمْ: إنّا كُنّا ظالِمِينَ؛ هو في المُدَّةِ بَيْنَ ظُهُورِ العَذابِ؛ إلى إتْيانِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ وفي ذَلِكَ مُهْلَةٌ؛ بِحَسَبِ نَوْعِ العَذابِ؛ تَتَّسِعُ لِهَذِهِ المَقالَةِ؛ وغَيْرِها؛ ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّهُ قالَ: « "ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذَرُوا مِن (p-٥١٤)أنْفُسِهِمْ"؛» وفَسَّرَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ هَذا الحَدِيثَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ و"دَعْواهُمْ"؛ خَبَرُ "كانَ"؛ واسْمُها "إلّا أنْ قالُوا"؛ وقِيلَ بِالعَكْسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وعِيدٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِجَمِيعِ العالَمِ؛ أخْبَرَ أنَّهُ يَسْألُ الأُمَمَ أجْمَعَ عَمّا بُلِّغَ إلَيْهِمْ عنهُ تَعالى ؛ وعن جَمِيعِ أعْمالِهِمْ؛ ويَسْألُ النَبِيِّينَ - عَلَيْهِمُ السَلامُ - عَمّا بَلَّغُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَدْ نُفِيَ السُؤالُ في آياتٍ؛ وذَلِكَ هو سُؤالُ الِاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ؛ وقَدْ أُثْبِتَ في آياتٍ كَهَذِهِ الآيَةِ؛ وهَذا هو سُؤالُ التَقْرِيرِ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أحاطَ عِلْمًا بِكُلِّ ذَلِكَ قَبْلَ السُؤالِ؛ فَأمّا الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَلامُ -؛ والمُؤْمِنُونَ؛ فَيُعْقِبُهم جَوابُهم رَحْمَةً؛ وكَرامَةً؛ وأمّا الكُفّارُ؛ ومَن نُفِّذَ عَلَيْهِ الوَعِيدُ مِنَ العُصاةِ؛ فَيُعْقِبُهم جَوابُهم عَذابًا وتَوْبِيخًا؛ فَمَن أنْكَرَ مِنهم قَصَّ تَعالى عَلَيْهِ بِعِلْمٍ؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلْنَسْألَنَّ الَّذِينَ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلُنا ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فَلَنَقُصَّنَّ"؛﴾ أيْ: "فَلَنَسْرِدَنَّ عَلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ؛ قِصَّةً قِصَّةً"؛ و"بِعِلْمٍ"؛ أيْ: بِحَقِيقَةٍ ويَقِينٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: يُوضَعُ الكِتابُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَيَتَكَلَّمُ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ هُنا اسْتِعارَةً؛ إذْ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ مُقَيَّدٌ.
﴿ "وَما كُنّا غائِبِينَ"؛﴾ أيْ: "ما كُنّا مَن لا يَعْلَمُ جَمِيعَ تَصَرُّفاتِهِمْ"؛ كالغائِبِ عَنِ الشَيْءِ؛ الَّذِي لا يَعْرِفُ لَهُ حالًا.
الأعراف 7:8
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾
(p-٥١٥)"والوَزْنُ": مَصْدَرُ "وَزَنَ؛ يَزِنُ"؛ ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ؛ و"اَلْحَقُّ"؛ خَبَرُهُ؛ و"يَوْمَئِذٍ"؛ ظَرْفٌ مُنْتَصِبٌ بِـ "اَلْوَزْنُ"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "يَوْمَئِذٍ"؛ خَبَرَ الِابْتِداءِ؛ و"اَلْحَقُّ"؛ نَعْتٌ لِـ "اَلْوَزْنُ"؛ والتَقْدِيرُ: "اَلْوَزْنُ الحَقُّ ثابِتٌ؛ أو ظاهِرٌ يَوْمَئِذٍ"؛ و"يَوْمَئِذٍ"؛ إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والفَصْلِ بَيْنَ الخَلائِقِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الوَزْنِ والمَوازِينِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يُعْلِمَ عِبادَهُ أنَّ الحِسابَ والنَظَرَ؛ يَوْمَ القِيامَةِ؛ هو في غايَةِ التَحْرِيرِ؛ ونِهايَةِ العَدْلِ؛ فَمَثَّلَ لَهم في ذَلِكَ بِالوَزْنِ؛ والمِيزانِ؛ إذْ لا يَعْرِفُ البَشَرُ أمْرًا أكْثَرَ تَحْرِيرًا مِنهُ؛ فاسْتُعِيرَ لِلْعَدْلِ؛ وتَحْرِيرِ النَظَرِ؛ لَفْظَةُ "اَلْوَزْنُ"؛ و"اَلْمِيزانُ"؛ كَما اسْتَعارَ ذَلِكَ أبُو طالِبٍ في قَوْلِهِ:
؎ بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِسُّ شَعِيرَةً ∗∗∗ لَهُ حاكِمٌ مِن نَفْسِهِ غَيْرُ عائِلِ
ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن مُجاهِدٍ ؛ والضَحّاكِ ؛ وغَيْرِهِما؛ وكَذَلِكَ اسْتُعِيرَ عَلى قَوْلِهِمُ الثِقْلُ؛ والخِفَّةُ؛ لِكَثْرَةِ الحَسَناتِ وقِلَّتِها.
وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يَعْرِضَ لِعِبادِهِ يَوْمَ القِيامَةِ تَحْرِيرَ النَظَرِ؛ وغايَةَ العَدْلِ؛ بِأمْرٍ قَدْ عَرَفُوهُ في الدُنْيا؛ وعَهِدَتْهُ أفْهامُهُمْ؛ فَمِيزانُ القِيامَةِ لَهُ عَمُودٌ وكِفَّتانِ؛ عَلى هَيْئَةِ مَوازِينِ الدُنْيا؛ قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "صاحِبُ المَوازِينِ يَوْمَ القِيامَةِ: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ"؛ وقالُوا: هَذا الَّذِي اقْتَضاهُ القُرْآنُ؛ ولَمْ يَرُدَّهُ نَظَرٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَوْلُ أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ مِن جِهاتٍ؛ أوَّلُها: أنَّ ظَواهِرَ كِتابِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَقْتَضِيهِ؛ وحَدِيثَ الرَسُولِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - يَنْطِقُ بِهِ؛ مِن ذَلِكَ «قَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِبَعْضِ الصَحابَةِ - وقَدْ قالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ أيْنَ أجِدُكَ في القِيامَةِ؟ - فَقالَ: "اُطْلُبْنِي عِنْدَ الحَوْضِ؛ فَإنْ لَمْ تَجِدْنِي فَعِنْدَ المِيزانِ"؛» ولَوْ لَمْ يَكُنِ المِيزانُ مَرْئِيًّا مَحْسُوسًا لَما (p-٥١٦)أحالَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الطَلَبِ عِنْدَهُ؛ وجِهَةٍ أُخْرى؛ أنَّ النَظَرَ في المِيزانِ؛ والوَزْنِ؛ والثِقْلِ؛ والخِفَّةِ؛ المُقْتَرِناتِ بِالحِسابِ؛ لا يَفْسَدُ شَيْءٌ مِنهُ؛ ولا تَخْتَلُّ صِحَّتُهُ؛ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ فَلِمَ نَخْرُجْ مِن حَقِيقَةِ اللَفْظِ إلى مَجازِهِ؛ دُونَ عِلَّةٍ؟ وجِهَةٍ ثالِثَةٍ؛ وهي أنَّ القَوْلَ في المِيزانِ هو مِن عَقائِدِ الشَرْعِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ إلّا سَمْعًا؛ وإنْ فَتَحْنا فِيهِ بابَ المَجازِ غَمَرَتْنا أقْوالُ المُلْحِدَةِ؛ والزَنادِقَةِ؛ في أنَّ المِيزانَ؛ والصِراطَ؛ والجَنَّةَ؛ والنارَ؛ والحَشْرَ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ إنَّما هي ألْفاظٌ يُرادُ بِها غَيْرُ الظاهِرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأمّا الثِقْلُ؛ والخِفَّةُ فَإنَّ الآثارَ تَظاهَرَتْ بِأنَّ صَحائِفَ الحَسَناتِ والسَيِّئاتِ تُوضَعُ في كِفَّتَيِ المِيزانِ؛ فَيُحْدِثُ اللهُ تَعالى في الجِهَةِ الَّتِي يُرِيدُ ثِقْلًا؛ وخِفَّةً؛ عَلى نَحْوِ إحْداثِهِ ذَلِكَ في جِسْمِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في وقْتِ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ؛ فَفي الصَحِيحِ مِن حَدِيثِ «زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: "كُنْتُ أكْتُبُ حَتّى نَزَلَتْ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ؛ وفَخِذُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى فَخِذِي حَتّى كادَتْ أنْ تَرُضَّ فَخِذِي"؛» وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ؛» عَجْزًا عن حَمْلِهِ؛ لِلثِّقْلِ الحادِثِ فِيهِ؛ ولا بُدَّ لَنا أنْ نَعْلَمَ أنَّ الثِقْلَ الحادِثَ مَعَ الحَسَناتِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِجِسْمٍ؛ إذِ العَرَضُ لا يَقُومُ بِعَرَضٍ؛ فَجائِزٌ أنْ يُحْدِثَ الثِقْلَ في الصَحائِفِ؛ وهو أقْرَبُها إلى الظَنِّ؛ وجائِزٌ أنْ يُحْدِثَ في ذَلِكَ؛ مِنَ الأجْسامِ المُجاوِرَةِ لِتِلْكَ الحالِ؛ وإلى حُدُوثِهِ في الصَحائِفِ ذَهَبَ أبُو المَعالِي؛ ورُوِيَتْ في خَبَرِ المِيزانِ آثارٌ عن صَحابَةٍ وتابِعِينَ؛ في هَيْئَةِ طُولِهِ؛ وأحْوالِهِ؛ لَمْ تَصِحَّ بِالإسْنادِ؛ فَلَمْ نَرَ لِلْإطالَةِ بِها وجْهًا؛ وقالَ الحَسَنُ - فِيما رُوِيَ عنهُ -: بَلَغَنِي أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ يَوْمَ القِيامَةِ مِيزانًا عَلى حِدَةٍ.
(p-٥١٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ والناسُ عَلى خِلافِهِ؛ وإنَّما لِكُلِّ أحَدٍ وزْنٌ يَخْتَصُّ بِهِ؛ والمِيزانُ واحِدٌ؛ ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ ؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ؛ أنَّ المَوازِينَ: اَلْحَسَناتُ نَفْسُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمِعَ لَفْظُ "اَلْمَوازِينَ"؛ إذْ في المِيزانِ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ؛ فَكَأنَّهُ أرادَ التَنْبِيهَ عَلَيْها بِجَمْعِهِ لَفْظَ "اَلْمِيزانُ".
و"اَلْمُفْلِحُونَ"؛ في اللُغَةِ: اَلْمُدْرِكُونَ لِبُغْيَتِهِمْ؛ الناجِحُونَ في طَلَبِهِمْ؛ ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٍ:
؎ أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضـْ ∗∗∗ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخَدَّعُ الأرِيبُ
فَأمّا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ................. ∗∗∗ ∗∗∗ والمُسْيُ والصُبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ
فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى "اَلْبَقاءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَقاءُ: بُلُوغُ بُغْيَةٍ؛ فالمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ؛ ووَزْنُ اللهِ تَعالى أعْمالَ العِبادِ - مَعَ عِلْمِهِ بِدَقائِقِ الأشْياءِ - وجَلائِلِها - نَظِيرُ كَتْبِهِ أعْمالَهم في صَحائِفِهِمْ؛ واسْتِنْساخِهِ ذَلِكَ؛ ونَظِيرُ اسْتِنْطاقِهِ تَعالى جَوارِحَهم بِالشَهادَةِ عَلَيْهِمْ؛ إقامَةً لِلْحُجَّةِ؛ وإيضاحًا؛ فَقَدْ تَقَرَّرَ في الشَرْعِ أنَّ كَلِمَةَ التَوْحِيدِ تُرَجِّحُ مِيزانَ مَن وُزِنَتْ في أعْمالِهِ؛ ولا بُدَّ؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ تَثْقُلُ مَوازِينُ العُصاةِ (p-٥١٨)مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالتَوْحِيدِ؛ ويَصِحُّ لَهم حُكْمُ الفَلاحِ؛ ثُمَّ تَدْخُلُ طائِفَةٌ مِنهُمُ النارَ؛ وذَلِكَ شَقاءٌ؛ لا مَحالَةَ؟ فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّهُ تُوزَنُ أعْمالُهم دُونَ التَوْحِيدِ؛ فَتَخِفُّ الحَسَناتُ؛ فَيَدْخُلُونَ النارَ؛ ثُمَّ عِنْدَ إخْراجِهِمْ يُوزَنُ التَوْحِيدُ؛ فَتَثْقُلُ الحَسَناتُ؛ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ؛ وأيْضًا فَمَعْرِفَةُ العاصِي أنَّهُ غَيْرُ مُخَلَّدٍ؛ فَلاحٌ؛ وإنْ تَقَدَّمَهُ شَقاءٌ؛ عَلى جِهَةِ التَأْدِيبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "مَن خَفَّتْ كِفَّةُ حَسَناتِهِ؛ فَشالَتْ"؛ و﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ؛ أيْ بِالهَلاكِ؛ والخُلُودِ في النارِ؛ وتِلْكَ غايَةُ الخَسارَةِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "بِما كانُوا"؛ أيْ جَزاءً بِذَلِكَ؛ كَما تَقُولُ: "أكْرَمْتُكَ بِما أكْرَمْتَنِي"؛ و"ما"؛ في هَذا المَوْضِعِ مَصْدَرِيَّةٌ؛ و"اَلْآياتُ"؛ هُنا: اَلْبَراهِينُ؛ والأوامِرُ؛ والنَواهِي؛ و"يَظْلِمُونَ"؛ أيْ يَضَعُونَها في غَيْرِ مَواضِعِها؛ بِالكُفْرِ؛ والتَكْذِيبِ.
الأعراف 7:9
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾
(p-٥١٥)"والوَزْنُ": مَصْدَرُ "وَزَنَ؛ يَزِنُ"؛ ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ؛ و"اَلْحَقُّ"؛ خَبَرُهُ؛ و"يَوْمَئِذٍ"؛ ظَرْفٌ مُنْتَصِبٌ بِـ "اَلْوَزْنُ"؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "يَوْمَئِذٍ"؛ خَبَرَ الِابْتِداءِ؛ و"اَلْحَقُّ"؛ نَعْتٌ لِـ "اَلْوَزْنُ"؛ والتَقْدِيرُ: "اَلْوَزْنُ الحَقُّ ثابِتٌ؛ أو ظاهِرٌ يَوْمَئِذٍ"؛ و"يَوْمَئِذٍ"؛ إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والفَصْلِ بَيْنَ الخَلائِقِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الوَزْنِ والمَوازِينِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يُعْلِمَ عِبادَهُ أنَّ الحِسابَ والنَظَرَ؛ يَوْمَ القِيامَةِ؛ هو في غايَةِ التَحْرِيرِ؛ ونِهايَةِ العَدْلِ؛ فَمَثَّلَ لَهم في ذَلِكَ بِالوَزْنِ؛ والمِيزانِ؛ إذْ لا يَعْرِفُ البَشَرُ أمْرًا أكْثَرَ تَحْرِيرًا مِنهُ؛ فاسْتُعِيرَ لِلْعَدْلِ؛ وتَحْرِيرِ النَظَرِ؛ لَفْظَةُ "اَلْوَزْنُ"؛ و"اَلْمِيزانُ"؛ كَما اسْتَعارَ ذَلِكَ أبُو طالِبٍ في قَوْلِهِ:
؎ بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَخِسُّ شَعِيرَةً ∗∗∗ لَهُ حاكِمٌ مِن نَفْسِهِ غَيْرُ عائِلِ
ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن مُجاهِدٍ ؛ والضَحّاكِ ؛ وغَيْرِهِما؛ وكَذَلِكَ اسْتُعِيرَ عَلى قَوْلِهِمُ الثِقْلُ؛ والخِفَّةُ؛ لِكَثْرَةِ الحَسَناتِ وقِلَّتِها.
وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: إنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يَعْرِضَ لِعِبادِهِ يَوْمَ القِيامَةِ تَحْرِيرَ النَظَرِ؛ وغايَةَ العَدْلِ؛ بِأمْرٍ قَدْ عَرَفُوهُ في الدُنْيا؛ وعَهِدَتْهُ أفْهامُهُمْ؛ فَمِيزانُ القِيامَةِ لَهُ عَمُودٌ وكِفَّتانِ؛ عَلى هَيْئَةِ مَوازِينِ الدُنْيا؛ قالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "صاحِبُ المَوازِينِ يَوْمَ القِيامَةِ: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَلامُ"؛ وقالُوا: هَذا الَّذِي اقْتَضاهُ القُرْآنُ؛ ولَمْ يَرُدَّهُ نَظَرٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا القَوْلُ أصَحُّ مِنَ الأوَّلِ مِن جِهاتٍ؛ أوَّلُها: أنَّ ظَواهِرَ كِتابِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَقْتَضِيهِ؛ وحَدِيثَ الرَسُولِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - يَنْطِقُ بِهِ؛ مِن ذَلِكَ «قَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِبَعْضِ الصَحابَةِ - وقَدْ قالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ أيْنَ أجِدُكَ في القِيامَةِ؟ - فَقالَ: "اُطْلُبْنِي عِنْدَ الحَوْضِ؛ فَإنْ لَمْ تَجِدْنِي فَعِنْدَ المِيزانِ"؛» ولَوْ لَمْ يَكُنِ المِيزانُ مَرْئِيًّا مَحْسُوسًا لَما (p-٥١٦)أحالَهُ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى الطَلَبِ عِنْدَهُ؛ وجِهَةٍ أُخْرى؛ أنَّ النَظَرَ في المِيزانِ؛ والوَزْنِ؛ والثِقْلِ؛ والخِفَّةِ؛ المُقْتَرِناتِ بِالحِسابِ؛ لا يَفْسَدُ شَيْءٌ مِنهُ؛ ولا تَخْتَلُّ صِحَّتُهُ؛ وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ فَلِمَ نَخْرُجْ مِن حَقِيقَةِ اللَفْظِ إلى مَجازِهِ؛ دُونَ عِلَّةٍ؟ وجِهَةٍ ثالِثَةٍ؛ وهي أنَّ القَوْلَ في المِيزانِ هو مِن عَقائِدِ الشَرْعِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ إلّا سَمْعًا؛ وإنْ فَتَحْنا فِيهِ بابَ المَجازِ غَمَرَتْنا أقْوالُ المُلْحِدَةِ؛ والزَنادِقَةِ؛ في أنَّ المِيزانَ؛ والصِراطَ؛ والجَنَّةَ؛ والنارَ؛ والحَشْرَ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ إنَّما هي ألْفاظٌ يُرادُ بِها غَيْرُ الظاهِرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وأمّا الثِقْلُ؛ والخِفَّةُ فَإنَّ الآثارَ تَظاهَرَتْ بِأنَّ صَحائِفَ الحَسَناتِ والسَيِّئاتِ تُوضَعُ في كِفَّتَيِ المِيزانِ؛ فَيُحْدِثُ اللهُ تَعالى في الجِهَةِ الَّتِي يُرِيدُ ثِقْلًا؛ وخِفَّةً؛ عَلى نَحْوِ إحْداثِهِ ذَلِكَ في جِسْمِ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في وقْتِ نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ؛ فَفي الصَحِيحِ مِن حَدِيثِ «زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: "كُنْتُ أكْتُبُ حَتّى نَزَلَتْ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ؛ وفَخِذُ رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى فَخِذِي حَتّى كادَتْ أنْ تَرُضَّ فَخِذِي"؛» وفي الحَدِيثِ «أنَّهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ؛» عَجْزًا عن حَمْلِهِ؛ لِلثِّقْلِ الحادِثِ فِيهِ؛ ولا بُدَّ لَنا أنْ نَعْلَمَ أنَّ الثِقْلَ الحادِثَ مَعَ الحَسَناتِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِجِسْمٍ؛ إذِ العَرَضُ لا يَقُومُ بِعَرَضٍ؛ فَجائِزٌ أنْ يُحْدِثَ الثِقْلَ في الصَحائِفِ؛ وهو أقْرَبُها إلى الظَنِّ؛ وجائِزٌ أنْ يُحْدِثَ في ذَلِكَ؛ مِنَ الأجْسامِ المُجاوِرَةِ لِتِلْكَ الحالِ؛ وإلى حُدُوثِهِ في الصَحائِفِ ذَهَبَ أبُو المَعالِي؛ ورُوِيَتْ في خَبَرِ المِيزانِ آثارٌ عن صَحابَةٍ وتابِعِينَ؛ في هَيْئَةِ طُولِهِ؛ وأحْوالِهِ؛ لَمْ تَصِحَّ بِالإسْنادِ؛ فَلَمْ نَرَ لِلْإطالَةِ بِها وجْهًا؛ وقالَ الحَسَنُ - فِيما رُوِيَ عنهُ -: بَلَغَنِي أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ يَوْمَ القِيامَةِ مِيزانًا عَلى حِدَةٍ.
(p-٥١٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ والناسُ عَلى خِلافِهِ؛ وإنَّما لِكُلِّ أحَدٍ وزْنٌ يَخْتَصُّ بِهِ؛ والمِيزانُ واحِدٌ؛ ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ ؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ؛ أنَّ المَوازِينَ: اَلْحَسَناتُ نَفْسُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمِعَ لَفْظُ "اَلْمَوازِينَ"؛ إذْ في المِيزانِ مَوْزُوناتٌ كَثِيرَةٌ؛ فَكَأنَّهُ أرادَ التَنْبِيهَ عَلَيْها بِجَمْعِهِ لَفْظَ "اَلْمِيزانُ".
و"اَلْمُفْلِحُونَ"؛ في اللُغَةِ: اَلْمُدْرِكُونَ لِبُغْيَتِهِمْ؛ الناجِحُونَ في طَلَبِهِمْ؛ ومِنهُ قَوْلُ عُبَيْدٍ:
؎ أفْلِحْ بِما شِئْتَ فَقَدْ يُبْلَغُ بِالضـْ ∗∗∗ ∗∗∗ ـضَعْفِ وقَدْ يُخَدَّعُ الأرِيبُ
فَأمّا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ................. ∗∗∗ ∗∗∗ والمُسْيُ والصُبْحُ لا فَلاحَ مَعَهْ
فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى "اَلْبَقاءُ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والبَقاءُ: بُلُوغُ بُغْيَةٍ؛ فالمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ؛ ووَزْنُ اللهِ تَعالى أعْمالَ العِبادِ - مَعَ عِلْمِهِ بِدَقائِقِ الأشْياءِ - وجَلائِلِها - نَظِيرُ كَتْبِهِ أعْمالَهم في صَحائِفِهِمْ؛ واسْتِنْساخِهِ ذَلِكَ؛ ونَظِيرُ اسْتِنْطاقِهِ تَعالى جَوارِحَهم بِالشَهادَةِ عَلَيْهِمْ؛ إقامَةً لِلْحُجَّةِ؛ وإيضاحًا؛ فَقَدْ تَقَرَّرَ في الشَرْعِ أنَّ كَلِمَةَ التَوْحِيدِ تُرَجِّحُ مِيزانَ مَن وُزِنَتْ في أعْمالِهِ؛ ولا بُدَّ؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ تَثْقُلُ مَوازِينُ العُصاةِ (p-٥١٨)مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالتَوْحِيدِ؛ ويَصِحُّ لَهم حُكْمُ الفَلاحِ؛ ثُمَّ تَدْخُلُ طائِفَةٌ مِنهُمُ النارَ؛ وذَلِكَ شَقاءٌ؛ لا مَحالَةَ؟ فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّهُ تُوزَنُ أعْمالُهم دُونَ التَوْحِيدِ؛ فَتَخِفُّ الحَسَناتُ؛ فَيَدْخُلُونَ النارَ؛ ثُمَّ عِنْدَ إخْراجِهِمْ يُوزَنُ التَوْحِيدُ؛ فَتَثْقُلُ الحَسَناتُ؛ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ؛ وأيْضًا فَمَعْرِفَةُ العاصِي أنَّهُ غَيْرُ مُخَلَّدٍ؛ فَلاحٌ؛ وإنْ تَقَدَّمَهُ شَقاءٌ؛ عَلى جِهَةِ التَأْدِيبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "مَن خَفَّتْ كِفَّةُ حَسَناتِهِ؛ فَشالَتْ"؛ و﴿خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ ؛ أيْ بِالهَلاكِ؛ والخُلُودِ في النارِ؛ وتِلْكَ غايَةُ الخَسارَةِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "بِما كانُوا"؛ أيْ جَزاءً بِذَلِكَ؛ كَما تَقُولُ: "أكْرَمْتُكَ بِما أكْرَمْتَنِي"؛ و"ما"؛ في هَذا المَوْضِعِ مَصْدَرِيَّةٌ؛ و"اَلْآياتُ"؛ هُنا: اَلْبَراهِينُ؛ والأوامِرُ؛ والنَواهِي؛ و"يَظْلِمُونَ"؛ أيْ يَضَعُونَها في غَيْرِ مَواضِعِها؛ بِالكُفْرِ؛ والتَكْذِيبِ.
الأعراف 7:10
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الساجِدِينَ﴾
اَلْخِطابُ لِجَمِيعِ الناسِ؛ والمُرادُ أنَّ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ مُمْكِنٌ في الأرْضِ؛ و"اَلْمَعايِشُ": جَمْعُ "مَعِيشَةٌ"؛ وهي لَفْظَةٌ تَعُمُّ المَأْكُولَ الَّذِي يُعاشُ بِهِ؛ والتَحَرُّفَ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَعايِشَ" بِكَسْرِ الياءِ؛ دُونَ هَمْزٍ؛ وقَرَأ الأعْرَجُ وغَيْرُهُ: "مَعائِشَ"؛ بِالهَمْزِ؛ كَـ "مَدائِنُ"؛ و"سَفائِنُ"؛ ورَواهُ خارِجَةُ عن نافِعٍ ؛ ورُوِيَ عن ورْشٍ: "مَعايْشَ"؛ بِسُكُونِ (p-٥١٩)الياءِ؛ فَمَن قَرَأ: "مَعايِشَ"؛ بِتَصْحِيحِ الياءِ فَهو الأصْوَبُ؛ لِأنَّها جَمْعُ "مَعِيشَةٌ"؛ وزْنُها "مَفْعِلَةٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَفْعُلَةٌ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ قالَهُما سِيبَوَيْهِ ؛ وقالَ الفَرّاءُ: "مَفْعَلَةٌ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ فالياءُ في "مَعِيشَةٌ" أصْلِيَّةٌ؛ وأُعِلَّتْ "مَعِيشَةٌ"؛ لِمُوافَقَتِها الفِعْلَ؛ الَّذِي هو "يَعِيشُ"؛ في الياءِ؛ أيْ في المُتَحَرِّكِ؛ والساكِنِ؛ وصُحِّحَتْ "مَعايِشُ"؛ في جَمْعِ التَكْسِيرِ؛ لِزَوالِ المُوافَقَةِ المَذْكُورَةِ في اللَفْظِ؛ ولِأنَّ التَكْسِيرَ - مَعْنًى - لا يَكُونُ في الفِعْلِ؛ إنَّما تَخْتَصُّ بِهِ الأسْماءُ؛ ومَن قَرَأ "مَعايْشَ"؛ فَعَلى التَخْفِيفِ مِن "مَعايِشَ"؛ ومَن قَرَأ "مَعائِشَ"؛ فَأعَلَّها؛ فَذَلِكَ غَلَطٌ؛ وأمّا تَوْجِيهُهُ فَعَلى تَشْبِيهِ الأصْلِ بِالزائِدِ؛ لِأنَّ "مَعِيشَةٌ"؛ تُشْبِهُ في اللَفْظِ "صَحِيفَةٌ"؛ فَكَما يُقالُ: "صَحائِفُ"؛ قِيلَ: "مَعائِشُ"؛ وإنَّما هُمِزَتْ ياءُ "صَحائِفُ"؛ ونَظائِرُها؛ مِمّا الياءُ فِيهِ زائِدَةٌ؛ لِأنَّها لا أصْلَ لَها في الحَرَكَةِ؛ وإنَّما وزْنُها "فَعِيلَةٌ"؛ ساكِنَةً؛ فَلَمّا اضْطُرَّ إلى تَحْرِيكِها في الجَمْعِ؛ بُدِّلَتْ بِأجْلَدَ مِنها.
و"قَلِيلًا"؛ نُصِبَ بِـ "تَشْكُرُونَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما"؛ زائِدَةً؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ؛ و"قَلِيلًا"؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "شُكْرًا قَلِيلًا شُكْرُكُمْ"؛ أو "شُكْرًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها التَنْبِيهُ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ والتَعْجِيبِ؛ مِن غَرِيبِ الصَنْعَةِ؛ وإسْداءِ النِعْمَةِ؛ فَبَدَأ بِالخَلْقِ؛ الَّذِي هو الإيجادُ بَعْدَ العَدَمِ؛ ثُمَّ بِالتَصْوِيرِ في هَذِهِ البِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ لِلْبَشَرِ؛ وإلّا فَلَمْ يُعَرَّ المَخْلُوقُ قَطُّ مِن صُورَةٍ.
واضْطِرابُ الناسِ في تَرْتِيبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ ظاهِرَها يَقْتَضِي أنَّ الخَلْقَ؛ والتَصْوِيرَ لِبَنِي آدَمَ؛ قَبْلَ القَوْلِ لِلْمَلائِكَةِ أنْ يَسْجُدُوا؛ وقَدْ صَحَّحَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ الأمْرَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ ؛ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِنَفْسِهِ؛ وإنْ كانَ (p-٥٢٠)الخِطابُ لِبَنِيهِ؛ وذَلِكَ لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَلامُ -سَبَبَ وُجُودِ بَنِيهِ فَما فُعِلَ فِيهِ صَحَّ - مَعَ تَجَوُّزِ - أنْ يُقالَ: "إنَّهُ فُعِلَ في بَنِيهِ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَعْنى: "وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم في صُلْبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفي وقْتِ اسْتِخْراجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن ظَهْرِهِ؛ أمْثالَ الذَرِّ؛ في صُورَةِ البَشَرِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَتَرَتَّبُ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أنْ تَكُونَ "ثُمَّ"؛ عَلى بابِها في التَرْتِيبِ؛ والمُهْلَةِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ والأعْمَشُ: اَلْمُرادُ: "خَلَقْناكم في ظُهُورِ الآباءِ؛ وصَوَّرْناكم في بُطُونِ الأُمَّهاتِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "أمّا "خَلَقْناكُمْ"؛ فَآدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأمّا "صَوَّرْناكُمْ"؛ فَذُرِّيَّتُهُ؛ في بُطُونِ الأُمَّهاتِ"؛ وقالَهُ قَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ وقالَ مُعَمَّرُ بْنُ راشِدٍ - مِن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ -: بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ في بُطُونِ الأُمَّهاتِ؛ مِن خَلْقٍ؛ وتَصْوِيرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: إنَّ "ثُمَّ"؛ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ بِهَذِهِ الجُمَلِ؛ لا لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ في أنْفُسِها؛ وقالَ الأخْفَشُ: "ثُمَّ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الواوِ؛ ورَدَّ عَلَيْهِ نَحْوِيُّو البَصْرَةِ.
و"مَلائِكَةٌ": وزْنُهُ: إمّا "مَفاعِلَةٌ"؛ وإمّا "مَعافِلَةٌ"؛ بِحَسَبِ الِاشْتِقاقِ الَّذِي قَدْ مَضى ذِكْرُهُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ وهُنالِكَ ذَكَرْنا هَيْئَةَ السُجُودِ؛ والمُرادَ بِهِ؛ ومَعْنى "إبْلِيسُ"؛ وكَيْفَ كانَ قَبْلَ المَعْصِيَةِ؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ -: ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ ؛ فَقالَ الزَجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ؛ ولَكِنَّ إبْلِيسَ أُمِرَ بِالسُجُودِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] ؛ وقالَ غَيْرُ الزَجّاجِ: اَلِاسْتِثْناءُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنّا لَوْ جَعَلْناهُ مُنْقَطِعًا - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ -؛ لَوَجَبَ أنَّ إبْلِيسَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُجُودِ؛ إلّا أنْ يَقُولَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ أمْرَ إبْلِيسَ كانَ بِوَجْهٍ آخَرَ؛ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى "اُسْجُدُوا"؛ وذَلِكَ بَيِّنُ الضَعْفِ.
(p-٥٢١)وَقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ؛ ووَجْهُها أنَّهُ حَذَفَ هَمْزَةَ "اُسْجُدُوا"؛ وألْقى حَرَكَتَها عَلى الهاءِ؛ وذَلِكَ لا يُتَّجَهُ؛ لِأنَّها هَمْزَةٌ مَحْذُوفَةٌ مَعَ جَرِّ الهاءِ بِحَرَكَةٍ؛ أيْ شَيْءٌ يُلْغى؛ والإلْغاءُ إنَّما يَكُونُ في الوَصْلِ.
الأعراف 7:11
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الساجِدِينَ﴾
اَلْخِطابُ لِجَمِيعِ الناسِ؛ والمُرادُ أنَّ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ مُمْكِنٌ في الأرْضِ؛ و"اَلْمَعايِشُ": جَمْعُ "مَعِيشَةٌ"؛ وهي لَفْظَةٌ تَعُمُّ المَأْكُولَ الَّذِي يُعاشُ بِهِ؛ والتَحَرُّفَ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَعايِشَ" بِكَسْرِ الياءِ؛ دُونَ هَمْزٍ؛ وقَرَأ الأعْرَجُ وغَيْرُهُ: "مَعائِشَ"؛ بِالهَمْزِ؛ كَـ "مَدائِنُ"؛ و"سَفائِنُ"؛ ورَواهُ خارِجَةُ عن نافِعٍ ؛ ورُوِيَ عن ورْشٍ: "مَعايْشَ"؛ بِسُكُونِ (p-٥١٩)الياءِ؛ فَمَن قَرَأ: "مَعايِشَ"؛ بِتَصْحِيحِ الياءِ فَهو الأصْوَبُ؛ لِأنَّها جَمْعُ "مَعِيشَةٌ"؛ وزْنُها "مَفْعِلَةٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَفْعُلَةٌ"؛ بِضَمِّ العَيْنِ؛ قالَهُما سِيبَوَيْهِ ؛ وقالَ الفَرّاءُ: "مَفْعَلَةٌ"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ فالياءُ في "مَعِيشَةٌ" أصْلِيَّةٌ؛ وأُعِلَّتْ "مَعِيشَةٌ"؛ لِمُوافَقَتِها الفِعْلَ؛ الَّذِي هو "يَعِيشُ"؛ في الياءِ؛ أيْ في المُتَحَرِّكِ؛ والساكِنِ؛ وصُحِّحَتْ "مَعايِشُ"؛ في جَمْعِ التَكْسِيرِ؛ لِزَوالِ المُوافَقَةِ المَذْكُورَةِ في اللَفْظِ؛ ولِأنَّ التَكْسِيرَ - مَعْنًى - لا يَكُونُ في الفِعْلِ؛ إنَّما تَخْتَصُّ بِهِ الأسْماءُ؛ ومَن قَرَأ "مَعايْشَ"؛ فَعَلى التَخْفِيفِ مِن "مَعايِشَ"؛ ومَن قَرَأ "مَعائِشَ"؛ فَأعَلَّها؛ فَذَلِكَ غَلَطٌ؛ وأمّا تَوْجِيهُهُ فَعَلى تَشْبِيهِ الأصْلِ بِالزائِدِ؛ لِأنَّ "مَعِيشَةٌ"؛ تُشْبِهُ في اللَفْظِ "صَحِيفَةٌ"؛ فَكَما يُقالُ: "صَحائِفُ"؛ قِيلَ: "مَعائِشُ"؛ وإنَّما هُمِزَتْ ياءُ "صَحائِفُ"؛ ونَظائِرُها؛ مِمّا الياءُ فِيهِ زائِدَةٌ؛ لِأنَّها لا أصْلَ لَها في الحَرَكَةِ؛ وإنَّما وزْنُها "فَعِيلَةٌ"؛ ساكِنَةً؛ فَلَمّا اضْطُرَّ إلى تَحْرِيكِها في الجَمْعِ؛ بُدِّلَتْ بِأجْلَدَ مِنها.
و"قَلِيلًا"؛ نُصِبَ بِـ "تَشْكُرُونَ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما"؛ زائِدَةً؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعَ الفِعْلِ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ؛ و"قَلِيلًا"؛ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "شُكْرًا قَلِيلًا شُكْرُكُمْ"؛ أو "شُكْرًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذِهِ الآيَةُ مَعْناها التَنْبِيهُ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ والتَعْجِيبِ؛ مِن غَرِيبِ الصَنْعَةِ؛ وإسْداءِ النِعْمَةِ؛ فَبَدَأ بِالخَلْقِ؛ الَّذِي هو الإيجادُ بَعْدَ العَدَمِ؛ ثُمَّ بِالتَصْوِيرِ في هَذِهِ البِنْيَةِ المَخْصُوصَةِ لِلْبَشَرِ؛ وإلّا فَلَمْ يُعَرَّ المَخْلُوقُ قَطُّ مِن صُورَةٍ.
واضْطِرابُ الناسِ في تَرْتِيبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ ظاهِرَها يَقْتَضِي أنَّ الخَلْقَ؛ والتَصْوِيرَ لِبَنِي آدَمَ؛ قَبْلَ القَوْلِ لِلْمَلائِكَةِ أنْ يَسْجُدُوا؛ وقَدْ صَحَّحَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ الأمْرَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ ؛ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِنَفْسِهِ؛ وإنْ كانَ (p-٥٢٠)الخِطابُ لِبَنِيهِ؛ وذَلِكَ لَمّا كانَ - عَلَيْهِ السَلامُ -سَبَبَ وُجُودِ بَنِيهِ فَما فُعِلَ فِيهِ صَحَّ - مَعَ تَجَوُّزِ - أنْ يُقالَ: "إنَّهُ فُعِلَ في بَنِيهِ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَعْنى: "وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم في صُلْبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وفي وقْتِ اسْتِخْراجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن ظَهْرِهِ؛ أمْثالَ الذَرِّ؛ في صُورَةِ البَشَرِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَتَرَتَّبُ في هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أنْ تَكُونَ "ثُمَّ"؛ عَلى بابِها في التَرْتِيبِ؛ والمُهْلَةِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ ؛ والأعْمَشُ: اَلْمُرادُ: "خَلَقْناكم في ظُهُورِ الآباءِ؛ وصَوَّرْناكم في بُطُونِ الأُمَّهاتِ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "أمّا "خَلَقْناكُمْ"؛ فَآدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وأمّا "صَوَّرْناكُمْ"؛ فَذُرِّيَّتُهُ؛ في بُطُونِ الأُمَّهاتِ"؛ وقالَهُ قَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ ؛ وقالَ مُعَمَّرُ بْنُ راشِدٍ - مِن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ -: بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ في بُطُونِ الأُمَّهاتِ؛ مِن خَلْقٍ؛ وتَصْوِيرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: إنَّ "ثُمَّ"؛ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ بِهَذِهِ الجُمَلِ؛ لا لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ في أنْفُسِها؛ وقالَ الأخْفَشُ: "ثُمَّ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الواوِ؛ ورَدَّ عَلَيْهِ نَحْوِيُّو البَصْرَةِ.
و"مَلائِكَةٌ": وزْنُهُ: إمّا "مَفاعِلَةٌ"؛ وإمّا "مَعافِلَةٌ"؛ بِحَسَبِ الِاشْتِقاقِ الَّذِي قَدْ مَضى ذِكْرُهُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ وهُنالِكَ ذَكَرْنا هَيْئَةَ السُجُودِ؛ والمُرادَ بِهِ؛ ومَعْنى "إبْلِيسُ"؛ وكَيْفَ كانَ قَبْلَ المَعْصِيَةِ؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ -: ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ ؛ فَقالَ الزَجّاجُ: هو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ؛ ولَكِنَّ إبْلِيسَ أُمِرَ بِالسُجُودِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] ؛ وقالَ غَيْرُ الزَجّاجِ: اَلِاسْتِثْناءُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنّا لَوْ جَعَلْناهُ مُنْقَطِعًا - عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ -؛ لَوَجَبَ أنَّ إبْلِيسَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُجُودِ؛ إلّا أنْ يَقُولَ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ أمْرَ إبْلِيسَ كانَ بِوَجْهٍ آخَرَ؛ غَيْرَ قَوْلِهِ تَعالى "اُسْجُدُوا"؛ وذَلِكَ بَيِّنُ الضَعْفِ.
(p-٥٢١)وَقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "لِلْمَلائِكَةُ اسْجُدُوا"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ؛ ووَجْهُها أنَّهُ حَذَفَ هَمْزَةَ "اُسْجُدُوا"؛ وألْقى حَرَكَتَها عَلى الهاءِ؛ وذَلِكَ لا يُتَّجَهُ؛ لِأنَّها هَمْزَةٌ مَحْذُوفَةٌ مَعَ جَرِّ الهاءِ بِحَرَكَةٍ؛ أيْ شَيْءٌ يُلْغى؛ والإلْغاءُ إنَّما يَكُونُ في الوَصْلِ.
الأعراف 7:12
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾
"ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ
وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٥٢٢)
؎ أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ
وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ (p-٥٢٣)عِصْيانِهِ في السُجُودِ؛ فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُ إنَّما أُهْبِطَ أوَّلًا؛ وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ؛ وصارَ في السَماءِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تَظاهَرَتْ أنَّهُ أغْوى آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَوّاءَ؛ مِن خارِجِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ أُمِرَ آخِرًا بِالهُبُوطِ مِنَ السَماءِ؛ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ والحَيَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ألْفاظِ القِصَّةِ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما يَكُونُ لَكَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "فَما يَصِحُّ لَكَ؛ ولا يَتِمُّ"؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ التَكَبُّرَ لَهُ في غَيْرِها؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُعْتَرِضِينَ.
تَضَمَّنَتِ الآيَةُ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ إبْلِيسَ أنَّ الكِبْرِياءَ لا يَتِمُّ لَهُ؛ ولا يَصِحُّ في الجَنَّةِ؛ مَعَ نَهْيِهِ لَهُ؛ ولِغَيْرِهِ؛ عَنِ الكِبْرِياءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ؛ وأمّا لَوْ أخَذْنا "فَما يَكُونُ"؛ عَلى مَعْنى: "فَما يَحْسُنُ؛ وما يَجْمُلُ"؛ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: "ما كانَ لَكَ ألّا تَصِلَ قَرابَتَكَ"؛ لَفَتَرَ مَعْنى الإغْلاظِ عَلى إبْلِيسَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ؛ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِضِدِّ المَعْصِيَةِ الَّتِي عَصى بِها؛ وهي الكِبْرِياءُ؛ فَعُوقِبَ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ؛ بِخِلافِ شَهْوَتِهِ وأمَلِهِ؛ و"اَلصَّغارُ": اَلذُّلُّ؛ قالَهُ السُدِّيُّ.
ثُمَّ سَألَ إبْلِيسُ رَبَّهُ تَعالى أنْ يُؤَخِّرَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ؛ طَمَعَ ألّا يَمُوتَ؛ إذْ عَلِمَ أنَّ المَوْتَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ البَعْثِ؛ ومَعْنى "أنْظِرْنِي"؛ أخِّرْنِي؛ فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى النَظْرَةَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ فَقالَ أكْثَرُ الناسِ: اَلْوَقْتُ المَعْلُومُ: هو النَفْخَةُ الأُولى في الصُورِ؛ الَّتِي يُصْعَقُ لَها مَن في السَماواتِ؛ ومَن في الأرْضِ مِنَ المَخْلُوقِينَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالَهُ عَلى وقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ مَوْتِ إبْلِيسَ؛ وحُضُورِ أجَلِهِ؛ دُونَ أنْ يُعَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ؛ وإنَّما تَرَكَهُ في عَماءِ الجَهْلِ بِهِ لِيَغُمَّهُ ذَلِكَ ما عاشَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ أهْلِ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ إبْلِيسَ قَتَلَتْهُ المَلائِكَةُ يَوْمَ "بَدْرٍ"؛ ورَوَوْا في ذَلِكَ أثَرًا ضَعِيفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأوَّلُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أصَحُّ وأشْهَرُ في الشَرْعِ.
ومَعْنى ﴿ "مِنَ المُنْظَرِينَ":﴾ مِنَ الطائِفَةِ الَّتِي تَأخَّرَتْ أعْمارُها كَثِيرًا؛ حَتّى جاءَتْ آجالُها؛ عَلى اخْتِلافِ أوقاتِها؛ فَقَدْ عَمَّ تِلْكَ الفِرْقَةِ إنْظارٌ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أحْياءً مُدَّةَ الدَهْرِ.
(p-٥٢٤)وَقَوْلُهُ: "فَبِما"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القَسَمَ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِاللهِ لَأفْعَلَنَّ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَعْنى المُجازاةِ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِإكْرامِكَ يا زَيْدُ لَأُكْرِمَنَّكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ المَعانِي بِالقِصَّةِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَمَعَ إغْوائِكَ لِي؛ ومَعَ ما أنا عَلَيْهِ مِن سُوءِ الحالِ؛ لَأتَجَلَّدَنَّ؛ ولَأقْعُدَنَّ...؛ ولا يَعْرِضُ لِمَعْنى المُجازاةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ "فَبِما"؛ اَلِاسْتِفْهامَ عَنِ السَبَبِ في إغْوائِهِ؛ ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ وابْتَدَأ الإخْبارَ عن قُعُودِهِ لَهُمْ؛ وبِهَذا فَسَّرَ الطَبَرِيُّ أثْناءَ لَفْظِهِ.
و"أغْوَيْتَنِي"؛ قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: أضْلَلْتَنِي؛ مِن "اَلْغَيُّ"؛ وعَلى هَذا المَعْنى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "قاتَلَ اللهُ تَعالى القَدَرِيَّةَ؛ لَإبْلِيسُ أعْلَمُ بِاللهِ تَعالى مِنهُمْ"؛ يُرِيدُ في أنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى يَهْدِي؛ ويُضِلُّ؛ وقالَ الحَسَنُ: "أغْوَيْتَنِي": لَعنتَنِي؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: خَيَّبْتَنِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِأشْياءَ لَزِمَتْ إغْواءَهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أغْوَيْتَنِي"؛ مَعْناهُ: أهْلَكْتَنِي؛ حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو مِن قَوْلِكَ: "غَوِيَ الفَصِيلُ؛ يَغْوى؛ غَوًى"؛ إذا انْقَطَعَ عنهُ اللَبَنُ فَماتَ؛ وأنْشَدَ:
؎ مُعَطَّفَةُ الأثْناءِ لَيْسَ فَصِيلُها ∗∗∗ ∗∗∗ بِرازِئِها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوى
(p-٥٢٥)قالَ: وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ طَيِّئٍ: "أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا"؛ أيْ: مَرِيضًا.
وقَوْلُهُ: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ﴾ ؛ يُرِيدُ: عَلى صِراطِكَ؛ وفي صِراطِكَ؛ وحُذِفَ كَما يُفْعَلُ في الظُرُوفِ؛ ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَرِيقَ الثَعْلَبُ
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ؛ يُرِيدُ بِهِ الحَقَّ؛ وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: يُرِيدُ طَرِيقَ مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَخْصِيصٌ ضَعِيفٌ؛ وإنَّما المَعْنى: لَأتَعَرَّضَنَّ لَهم في طَرِيقِ شَرْعِكَ؛ وعِبادَتِكَ؛ ومَنهَجِ النَجاةِ؛ فَلَأصُدَّنَّهم عنهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ؛ نَهاهُ عَنِ الإسْلامِ؛ وقالَ: تَتْرُكُ دِينَ آبائِكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَأسْلَمَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الهِجْرَةِ؛ وقالَ: تَدَعُ أهْلَكَ وبَلَدَكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَهاجَرَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الجِهادِ؛ وقالَ: تُقْتَلُ وتَتْرُكُ ولَدَكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَجاهَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ"؛» اَلْحَدِيثَ.
الأعراف 7:13
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾
"ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ
وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٥٢٢)
؎ أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ
وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ (p-٥٢٣)عِصْيانِهِ في السُجُودِ؛ فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُ إنَّما أُهْبِطَ أوَّلًا؛ وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ؛ وصارَ في السَماءِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تَظاهَرَتْ أنَّهُ أغْوى آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَوّاءَ؛ مِن خارِجِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ أُمِرَ آخِرًا بِالهُبُوطِ مِنَ السَماءِ؛ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ والحَيَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ألْفاظِ القِصَّةِ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما يَكُونُ لَكَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "فَما يَصِحُّ لَكَ؛ ولا يَتِمُّ"؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ التَكَبُّرَ لَهُ في غَيْرِها؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُعْتَرِضِينَ.
تَضَمَّنَتِ الآيَةُ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ إبْلِيسَ أنَّ الكِبْرِياءَ لا يَتِمُّ لَهُ؛ ولا يَصِحُّ في الجَنَّةِ؛ مَعَ نَهْيِهِ لَهُ؛ ولِغَيْرِهِ؛ عَنِ الكِبْرِياءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ؛ وأمّا لَوْ أخَذْنا "فَما يَكُونُ"؛ عَلى مَعْنى: "فَما يَحْسُنُ؛ وما يَجْمُلُ"؛ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: "ما كانَ لَكَ ألّا تَصِلَ قَرابَتَكَ"؛ لَفَتَرَ مَعْنى الإغْلاظِ عَلى إبْلِيسَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ؛ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِضِدِّ المَعْصِيَةِ الَّتِي عَصى بِها؛ وهي الكِبْرِياءُ؛ فَعُوقِبَ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ؛ بِخِلافِ شَهْوَتِهِ وأمَلِهِ؛ و"اَلصَّغارُ": اَلذُّلُّ؛ قالَهُ السُدِّيُّ.
ثُمَّ سَألَ إبْلِيسُ رَبَّهُ تَعالى أنْ يُؤَخِّرَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ؛ طَمَعَ ألّا يَمُوتَ؛ إذْ عَلِمَ أنَّ المَوْتَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ البَعْثِ؛ ومَعْنى "أنْظِرْنِي"؛ أخِّرْنِي؛ فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى النَظْرَةَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ فَقالَ أكْثَرُ الناسِ: اَلْوَقْتُ المَعْلُومُ: هو النَفْخَةُ الأُولى في الصُورِ؛ الَّتِي يُصْعَقُ لَها مَن في السَماواتِ؛ ومَن في الأرْضِ مِنَ المَخْلُوقِينَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالَهُ عَلى وقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ مَوْتِ إبْلِيسَ؛ وحُضُورِ أجَلِهِ؛ دُونَ أنْ يُعَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ؛ وإنَّما تَرَكَهُ في عَماءِ الجَهْلِ بِهِ لِيَغُمَّهُ ذَلِكَ ما عاشَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ أهْلِ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ إبْلِيسَ قَتَلَتْهُ المَلائِكَةُ يَوْمَ "بَدْرٍ"؛ ورَوَوْا في ذَلِكَ أثَرًا ضَعِيفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأوَّلُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أصَحُّ وأشْهَرُ في الشَرْعِ.
ومَعْنى ﴿ "مِنَ المُنْظَرِينَ":﴾ مِنَ الطائِفَةِ الَّتِي تَأخَّرَتْ أعْمارُها كَثِيرًا؛ حَتّى جاءَتْ آجالُها؛ عَلى اخْتِلافِ أوقاتِها؛ فَقَدْ عَمَّ تِلْكَ الفِرْقَةِ إنْظارٌ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أحْياءً مُدَّةَ الدَهْرِ.
(p-٥٢٤)وَقَوْلُهُ: "فَبِما"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القَسَمَ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِاللهِ لَأفْعَلَنَّ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَعْنى المُجازاةِ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِإكْرامِكَ يا زَيْدُ لَأُكْرِمَنَّكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ المَعانِي بِالقِصَّةِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَمَعَ إغْوائِكَ لِي؛ ومَعَ ما أنا عَلَيْهِ مِن سُوءِ الحالِ؛ لَأتَجَلَّدَنَّ؛ ولَأقْعُدَنَّ...؛ ولا يَعْرِضُ لِمَعْنى المُجازاةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ "فَبِما"؛ اَلِاسْتِفْهامَ عَنِ السَبَبِ في إغْوائِهِ؛ ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ وابْتَدَأ الإخْبارَ عن قُعُودِهِ لَهُمْ؛ وبِهَذا فَسَّرَ الطَبَرِيُّ أثْناءَ لَفْظِهِ.
و"أغْوَيْتَنِي"؛ قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: أضْلَلْتَنِي؛ مِن "اَلْغَيُّ"؛ وعَلى هَذا المَعْنى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "قاتَلَ اللهُ تَعالى القَدَرِيَّةَ؛ لَإبْلِيسُ أعْلَمُ بِاللهِ تَعالى مِنهُمْ"؛ يُرِيدُ في أنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى يَهْدِي؛ ويُضِلُّ؛ وقالَ الحَسَنُ: "أغْوَيْتَنِي": لَعنتَنِي؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: خَيَّبْتَنِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِأشْياءَ لَزِمَتْ إغْواءَهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أغْوَيْتَنِي"؛ مَعْناهُ: أهْلَكْتَنِي؛ حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو مِن قَوْلِكَ: "غَوِيَ الفَصِيلُ؛ يَغْوى؛ غَوًى"؛ إذا انْقَطَعَ عنهُ اللَبَنُ فَماتَ؛ وأنْشَدَ:
؎ مُعَطَّفَةُ الأثْناءِ لَيْسَ فَصِيلُها ∗∗∗ ∗∗∗ بِرازِئِها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوى
(p-٥٢٥)قالَ: وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ طَيِّئٍ: "أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا"؛ أيْ: مَرِيضًا.
وقَوْلُهُ: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ﴾ ؛ يُرِيدُ: عَلى صِراطِكَ؛ وفي صِراطِكَ؛ وحُذِفَ كَما يُفْعَلُ في الظُرُوفِ؛ ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَرِيقَ الثَعْلَبُ
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ؛ يُرِيدُ بِهِ الحَقَّ؛ وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: يُرِيدُ طَرِيقَ مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَخْصِيصٌ ضَعِيفٌ؛ وإنَّما المَعْنى: لَأتَعَرَّضَنَّ لَهم في طَرِيقِ شَرْعِكَ؛ وعِبادَتِكَ؛ ومَنهَجِ النَجاةِ؛ فَلَأصُدَّنَّهم عنهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ؛ نَهاهُ عَنِ الإسْلامِ؛ وقالَ: تَتْرُكُ دِينَ آبائِكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَأسْلَمَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الهِجْرَةِ؛ وقالَ: تَدَعُ أهْلَكَ وبَلَدَكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَهاجَرَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الجِهادِ؛ وقالَ: تُقْتَلُ وتَتْرُكُ ولَدَكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَجاهَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ"؛» اَلْحَدِيثَ.
الأعراف 7:14
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾
"ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ
وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٥٢٢)
؎ أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ
وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ (p-٥٢٣)عِصْيانِهِ في السُجُودِ؛ فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُ إنَّما أُهْبِطَ أوَّلًا؛ وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ؛ وصارَ في السَماءِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تَظاهَرَتْ أنَّهُ أغْوى آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَوّاءَ؛ مِن خارِجِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ أُمِرَ آخِرًا بِالهُبُوطِ مِنَ السَماءِ؛ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ والحَيَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ألْفاظِ القِصَّةِ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما يَكُونُ لَكَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "فَما يَصِحُّ لَكَ؛ ولا يَتِمُّ"؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ التَكَبُّرَ لَهُ في غَيْرِها؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُعْتَرِضِينَ.
تَضَمَّنَتِ الآيَةُ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ إبْلِيسَ أنَّ الكِبْرِياءَ لا يَتِمُّ لَهُ؛ ولا يَصِحُّ في الجَنَّةِ؛ مَعَ نَهْيِهِ لَهُ؛ ولِغَيْرِهِ؛ عَنِ الكِبْرِياءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ؛ وأمّا لَوْ أخَذْنا "فَما يَكُونُ"؛ عَلى مَعْنى: "فَما يَحْسُنُ؛ وما يَجْمُلُ"؛ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: "ما كانَ لَكَ ألّا تَصِلَ قَرابَتَكَ"؛ لَفَتَرَ مَعْنى الإغْلاظِ عَلى إبْلِيسَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ؛ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِضِدِّ المَعْصِيَةِ الَّتِي عَصى بِها؛ وهي الكِبْرِياءُ؛ فَعُوقِبَ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ؛ بِخِلافِ شَهْوَتِهِ وأمَلِهِ؛ و"اَلصَّغارُ": اَلذُّلُّ؛ قالَهُ السُدِّيُّ.
ثُمَّ سَألَ إبْلِيسُ رَبَّهُ تَعالى أنْ يُؤَخِّرَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ؛ طَمَعَ ألّا يَمُوتَ؛ إذْ عَلِمَ أنَّ المَوْتَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ البَعْثِ؛ ومَعْنى "أنْظِرْنِي"؛ أخِّرْنِي؛ فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى النَظْرَةَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ فَقالَ أكْثَرُ الناسِ: اَلْوَقْتُ المَعْلُومُ: هو النَفْخَةُ الأُولى في الصُورِ؛ الَّتِي يُصْعَقُ لَها مَن في السَماواتِ؛ ومَن في الأرْضِ مِنَ المَخْلُوقِينَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالَهُ عَلى وقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ مَوْتِ إبْلِيسَ؛ وحُضُورِ أجَلِهِ؛ دُونَ أنْ يُعَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ؛ وإنَّما تَرَكَهُ في عَماءِ الجَهْلِ بِهِ لِيَغُمَّهُ ذَلِكَ ما عاشَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ أهْلِ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ إبْلِيسَ قَتَلَتْهُ المَلائِكَةُ يَوْمَ "بَدْرٍ"؛ ورَوَوْا في ذَلِكَ أثَرًا ضَعِيفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأوَّلُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أصَحُّ وأشْهَرُ في الشَرْعِ.
ومَعْنى ﴿ "مِنَ المُنْظَرِينَ":﴾ مِنَ الطائِفَةِ الَّتِي تَأخَّرَتْ أعْمارُها كَثِيرًا؛ حَتّى جاءَتْ آجالُها؛ عَلى اخْتِلافِ أوقاتِها؛ فَقَدْ عَمَّ تِلْكَ الفِرْقَةِ إنْظارٌ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أحْياءً مُدَّةَ الدَهْرِ.
(p-٥٢٤)وَقَوْلُهُ: "فَبِما"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القَسَمَ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِاللهِ لَأفْعَلَنَّ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَعْنى المُجازاةِ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِإكْرامِكَ يا زَيْدُ لَأُكْرِمَنَّكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ المَعانِي بِالقِصَّةِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَمَعَ إغْوائِكَ لِي؛ ومَعَ ما أنا عَلَيْهِ مِن سُوءِ الحالِ؛ لَأتَجَلَّدَنَّ؛ ولَأقْعُدَنَّ...؛ ولا يَعْرِضُ لِمَعْنى المُجازاةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ "فَبِما"؛ اَلِاسْتِفْهامَ عَنِ السَبَبِ في إغْوائِهِ؛ ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ وابْتَدَأ الإخْبارَ عن قُعُودِهِ لَهُمْ؛ وبِهَذا فَسَّرَ الطَبَرِيُّ أثْناءَ لَفْظِهِ.
و"أغْوَيْتَنِي"؛ قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: أضْلَلْتَنِي؛ مِن "اَلْغَيُّ"؛ وعَلى هَذا المَعْنى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "قاتَلَ اللهُ تَعالى القَدَرِيَّةَ؛ لَإبْلِيسُ أعْلَمُ بِاللهِ تَعالى مِنهُمْ"؛ يُرِيدُ في أنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى يَهْدِي؛ ويُضِلُّ؛ وقالَ الحَسَنُ: "أغْوَيْتَنِي": لَعنتَنِي؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: خَيَّبْتَنِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِأشْياءَ لَزِمَتْ إغْواءَهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أغْوَيْتَنِي"؛ مَعْناهُ: أهْلَكْتَنِي؛ حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو مِن قَوْلِكَ: "غَوِيَ الفَصِيلُ؛ يَغْوى؛ غَوًى"؛ إذا انْقَطَعَ عنهُ اللَبَنُ فَماتَ؛ وأنْشَدَ:
؎ مُعَطَّفَةُ الأثْناءِ لَيْسَ فَصِيلُها ∗∗∗ ∗∗∗ بِرازِئِها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوى
(p-٥٢٥)قالَ: وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ طَيِّئٍ: "أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا"؛ أيْ: مَرِيضًا.
وقَوْلُهُ: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ﴾ ؛ يُرِيدُ: عَلى صِراطِكَ؛ وفي صِراطِكَ؛ وحُذِفَ كَما يُفْعَلُ في الظُرُوفِ؛ ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَرِيقَ الثَعْلَبُ
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ؛ يُرِيدُ بِهِ الحَقَّ؛ وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: يُرِيدُ طَرِيقَ مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَخْصِيصٌ ضَعِيفٌ؛ وإنَّما المَعْنى: لَأتَعَرَّضَنَّ لَهم في طَرِيقِ شَرْعِكَ؛ وعِبادَتِكَ؛ ومَنهَجِ النَجاةِ؛ فَلَأصُدَّنَّهم عنهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ؛ نَهاهُ عَنِ الإسْلامِ؛ وقالَ: تَتْرُكُ دِينَ آبائِكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَأسْلَمَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الهِجْرَةِ؛ وقالَ: تَدَعُ أهْلَكَ وبَلَدَكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَهاجَرَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الجِهادِ؛ وقالَ: تُقْتَلُ وتَتْرُكُ ولَدَكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَجاهَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ"؛» اَلْحَدِيثَ.
الأعراف 7:15
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾
"ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ
وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٥٢٢)
؎ أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ
وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ (p-٥٢٣)عِصْيانِهِ في السُجُودِ؛ فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُ إنَّما أُهْبِطَ أوَّلًا؛ وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ؛ وصارَ في السَماءِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تَظاهَرَتْ أنَّهُ أغْوى آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَوّاءَ؛ مِن خارِجِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ أُمِرَ آخِرًا بِالهُبُوطِ مِنَ السَماءِ؛ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ والحَيَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ألْفاظِ القِصَّةِ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما يَكُونُ لَكَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "فَما يَصِحُّ لَكَ؛ ولا يَتِمُّ"؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ التَكَبُّرَ لَهُ في غَيْرِها؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُعْتَرِضِينَ.
تَضَمَّنَتِ الآيَةُ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ إبْلِيسَ أنَّ الكِبْرِياءَ لا يَتِمُّ لَهُ؛ ولا يَصِحُّ في الجَنَّةِ؛ مَعَ نَهْيِهِ لَهُ؛ ولِغَيْرِهِ؛ عَنِ الكِبْرِياءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ؛ وأمّا لَوْ أخَذْنا "فَما يَكُونُ"؛ عَلى مَعْنى: "فَما يَحْسُنُ؛ وما يَجْمُلُ"؛ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: "ما كانَ لَكَ ألّا تَصِلَ قَرابَتَكَ"؛ لَفَتَرَ مَعْنى الإغْلاظِ عَلى إبْلِيسَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ؛ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِضِدِّ المَعْصِيَةِ الَّتِي عَصى بِها؛ وهي الكِبْرِياءُ؛ فَعُوقِبَ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ؛ بِخِلافِ شَهْوَتِهِ وأمَلِهِ؛ و"اَلصَّغارُ": اَلذُّلُّ؛ قالَهُ السُدِّيُّ.
ثُمَّ سَألَ إبْلِيسُ رَبَّهُ تَعالى أنْ يُؤَخِّرَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ؛ طَمَعَ ألّا يَمُوتَ؛ إذْ عَلِمَ أنَّ المَوْتَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ البَعْثِ؛ ومَعْنى "أنْظِرْنِي"؛ أخِّرْنِي؛ فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى النَظْرَةَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ فَقالَ أكْثَرُ الناسِ: اَلْوَقْتُ المَعْلُومُ: هو النَفْخَةُ الأُولى في الصُورِ؛ الَّتِي يُصْعَقُ لَها مَن في السَماواتِ؛ ومَن في الأرْضِ مِنَ المَخْلُوقِينَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالَهُ عَلى وقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ مَوْتِ إبْلِيسَ؛ وحُضُورِ أجَلِهِ؛ دُونَ أنْ يُعَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ؛ وإنَّما تَرَكَهُ في عَماءِ الجَهْلِ بِهِ لِيَغُمَّهُ ذَلِكَ ما عاشَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ أهْلِ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ إبْلِيسَ قَتَلَتْهُ المَلائِكَةُ يَوْمَ "بَدْرٍ"؛ ورَوَوْا في ذَلِكَ أثَرًا ضَعِيفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأوَّلُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أصَحُّ وأشْهَرُ في الشَرْعِ.
ومَعْنى ﴿ "مِنَ المُنْظَرِينَ":﴾ مِنَ الطائِفَةِ الَّتِي تَأخَّرَتْ أعْمارُها كَثِيرًا؛ حَتّى جاءَتْ آجالُها؛ عَلى اخْتِلافِ أوقاتِها؛ فَقَدْ عَمَّ تِلْكَ الفِرْقَةِ إنْظارٌ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أحْياءً مُدَّةَ الدَهْرِ.
(p-٥٢٤)وَقَوْلُهُ: "فَبِما"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القَسَمَ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِاللهِ لَأفْعَلَنَّ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَعْنى المُجازاةِ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِإكْرامِكَ يا زَيْدُ لَأُكْرِمَنَّكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ المَعانِي بِالقِصَّةِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَمَعَ إغْوائِكَ لِي؛ ومَعَ ما أنا عَلَيْهِ مِن سُوءِ الحالِ؛ لَأتَجَلَّدَنَّ؛ ولَأقْعُدَنَّ...؛ ولا يَعْرِضُ لِمَعْنى المُجازاةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ "فَبِما"؛ اَلِاسْتِفْهامَ عَنِ السَبَبِ في إغْوائِهِ؛ ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ وابْتَدَأ الإخْبارَ عن قُعُودِهِ لَهُمْ؛ وبِهَذا فَسَّرَ الطَبَرِيُّ أثْناءَ لَفْظِهِ.
و"أغْوَيْتَنِي"؛ قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: أضْلَلْتَنِي؛ مِن "اَلْغَيُّ"؛ وعَلى هَذا المَعْنى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "قاتَلَ اللهُ تَعالى القَدَرِيَّةَ؛ لَإبْلِيسُ أعْلَمُ بِاللهِ تَعالى مِنهُمْ"؛ يُرِيدُ في أنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى يَهْدِي؛ ويُضِلُّ؛ وقالَ الحَسَنُ: "أغْوَيْتَنِي": لَعنتَنِي؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: خَيَّبْتَنِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِأشْياءَ لَزِمَتْ إغْواءَهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أغْوَيْتَنِي"؛ مَعْناهُ: أهْلَكْتَنِي؛ حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو مِن قَوْلِكَ: "غَوِيَ الفَصِيلُ؛ يَغْوى؛ غَوًى"؛ إذا انْقَطَعَ عنهُ اللَبَنُ فَماتَ؛ وأنْشَدَ:
؎ مُعَطَّفَةُ الأثْناءِ لَيْسَ فَصِيلُها ∗∗∗ ∗∗∗ بِرازِئِها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوى
(p-٥٢٥)قالَ: وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ طَيِّئٍ: "أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا"؛ أيْ: مَرِيضًا.
وقَوْلُهُ: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ﴾ ؛ يُرِيدُ: عَلى صِراطِكَ؛ وفي صِراطِكَ؛ وحُذِفَ كَما يُفْعَلُ في الظُرُوفِ؛ ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَرِيقَ الثَعْلَبُ
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ؛ يُرِيدُ بِهِ الحَقَّ؛ وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: يُرِيدُ طَرِيقَ مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَخْصِيصٌ ضَعِيفٌ؛ وإنَّما المَعْنى: لَأتَعَرَّضَنَّ لَهم في طَرِيقِ شَرْعِكَ؛ وعِبادَتِكَ؛ ومَنهَجِ النَجاةِ؛ فَلَأصُدَّنَّهم عنهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ؛ نَهاهُ عَنِ الإسْلامِ؛ وقالَ: تَتْرُكُ دِينَ آبائِكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَأسْلَمَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الهِجْرَةِ؛ وقالَ: تَدَعُ أهْلَكَ وبَلَدَكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَهاجَرَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الجِهادِ؛ وقالَ: تُقْتَلُ وتَتْرُكُ ولَدَكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَجاهَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ"؛» اَلْحَدِيثَ.
الأعراف 7:16
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾
"ما"؛ اِسْتِفْهامٌ؛ والمَقْصُودُ بِهِ التَوْبِيخُ؛ والتَقْرِيعُ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ تَعالى "ألّا"؛ قِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ والمَعْنى: "ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ؟"؛ وهي كَـ "لا"؛ في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ أبى جُودُهُ "لا" البُخْلَ فاسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ "نَعَمْ" مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ
وهَذا عَلى أحَدِ الأقْوالِ في هَذا البَيْتِ؛ فَقَدْ قِيلَ: "لا"؛ فِيهِ زائِدَةٌ؛ وقالَ الزَجّاجُ: مَفْعُولٌ؛ و"اَلْبُخْلَ"؛ بَدَلٌ مِنها؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ الرِوايَةَ فِيهِ: "لا البُخْلِ"؛ بِخَفْضِ اللامِ؛ لِأنَّ "لا"؛ قَدْ تَتَضَمَّنُ جُودًا؛ إذا قالَها في أمْرٍ يَمْنَعُ الحُقُوقَ؛ والبُخْلَ عَنِ الواجِباتِ؛ ومِنَ الأبْياتِ الَّتِي جاءَتْ "لا"؛ فِيها زائِدَةً؛ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٥٢٢)
؎ أفَمِنكَ لا بَرْقٌ كَأنَّ ومِيضَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ غابٌ تَسَنَّمَهُ ضِرامٌ مُثَقَّبُ
وقِيلَ في الآيَةِ: لَيْسَتْ "لا"؛ زائِدَةً؛ وإنَّما المَعْنى: "ما مَنَعَكَ فَأحْوَجَكَ إلى ألّا تَسْجُدَ؟"؛ وقِيلَ: لَمّا كانَ "ما مَنَعَكَ"؛ بِمَعْنى: "مَن أمَرَكَ؟"؛ و"مَن قالَ لَكَ؟"؛ حَسُنَ أنْ يَقُولَ بَعْدَها: "ألّا تَسْجُدَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وجُمْلَةُ هَذا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ فِعْلٌ يَحْسُنُ حَمْلُ النَفْيِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "ما أحْوَجَكَ؛ أو حَمَلَكَ؛ أوِ اضْطَرَّكَ؟"؛ وجَوابُ إبْلِيسَ اللَعِينِ لَيْسَ عَمّا سُئِلَ عنهُ؛ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يَتَضَمَّنُ الجَوابَ والحُجَّةَ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "مَنَعَنِي فَضْلِي؛ إذْ أنا خَيْرٌ مِنهُ؛ حِينَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ؛ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أنَّهُ قالَ: لا أسْجُدُ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ وأكْبَرُ سِنًّا؛ وأقْوى خَلْقًا؛ يَقُولُ: إنَّ النارَ أقْوى مِنَ الطِينِ؛ وظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هُما في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ مِن حَيْثُ هي جَمادٌ مَخْلُوقٌ؛ فَلَمّا ظَنَّ إبْلِيسُ أنَّ صُعُودَ النارِ وخِفَّتَها يَقْتَضِيانِ فَضْلًا عَلى سُكُونِ الطِينِ وبَلادَتِهِ؛ قاسَ أنَّ ما خُلِقَ مِنها أفْضَلُ مِمّا خُلِقَ مِنَ الطِينِ؛ فَأخْطَأ قِياسُهُ؛ وذَهَبَ عَلَيْهِ أنَّ الرُوحَ الَّذِي نُفِخَ في آدَمَ لَيْسَ مِن طِينٍ؛ قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ عَلَيْهِ ما في النارِ مِنَ الطَيْشِ؛ والخِفَّةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ وفي الطِينِ مِنَ الوَقارِ؛ والأناةِ؛ والحِلْمِ؛ والتَثَبُّتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي كَلامِ الطَبَرِيِّ نَظَرٌ؛ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ أنَّهُما قالا: أوَّلُ مَن قاسَ: إبْلِيسُ؛ وما عُبِدَتِ الشَمْسُ والقَمَرُ إلّا بِالقِياسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: قالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِيانِ القِياسَ الخَطَأ؛ ولا دَلِيلَ مِن لَفْظِهِما عَلَيْهِ؛ ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما إنْكارُ القِياسِ؛ وإنَّما خَرَجَ كَلامُهُما نَهْيًا عَمّا كانَ في زَمَنِهِما مِن مَقايِيسِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَأرادا حَمْلَ الناسِ عَلى الجادَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أمْرٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإبْلِيسَ بِالهُبُوطِ في وقْتِ (p-٥٢٣)عِصْيانِهِ في السُجُودِ؛ فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُ إنَّما أُهْبِطَ أوَّلًا؛ وأُخْرِجَ مِنَ الجَنَّةِ؛ وصارَ في السَماءِ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تَظاهَرَتْ أنَّهُ أغْوى آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وحَوّاءَ؛ مِن خارِجِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ أُمِرَ آخِرًا بِالهُبُوطِ مِنَ السَماءِ؛ مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ والحَيَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ بِحَسَبِ ألْفاظِ القِصَّةِ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَما يَكُونُ لَكَ﴾ ؛ مَعْناهُ: "فَما يَصِحُّ لَكَ؛ ولا يَتِمُّ"؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ التَكَبُّرَ لَهُ في غَيْرِها؛ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُعْتَرِضِينَ.
تَضَمَّنَتِ الآيَةُ أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ إبْلِيسَ أنَّ الكِبْرِياءَ لا يَتِمُّ لَهُ؛ ولا يَصِحُّ في الجَنَّةِ؛ مَعَ نَهْيِهِ لَهُ؛ ولِغَيْرِهِ؛ عَنِ الكِبْرِياءِ في كُلِّ مَوْضِعٍ؛ وأمّا لَوْ أخَذْنا "فَما يَكُونُ"؛ عَلى مَعْنى: "فَما يَحْسُنُ؛ وما يَجْمُلُ"؛ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: "ما كانَ لَكَ ألّا تَصِلَ قَرابَتَكَ"؛ لَفَتَرَ مَعْنى الإغْلاظِ عَلى إبْلِيسَ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ مِنَ الصاغِرِينَ﴾ ؛ حُكْمٌ عَلَيْهِ بِضِدِّ المَعْصِيَةِ الَّتِي عَصى بِها؛ وهي الكِبْرِياءُ؛ فَعُوقِبَ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ؛ بِخِلافِ شَهْوَتِهِ وأمَلِهِ؛ و"اَلصَّغارُ": اَلذُّلُّ؛ قالَهُ السُدِّيُّ.
ثُمَّ سَألَ إبْلِيسُ رَبَّهُ تَعالى أنْ يُؤَخِّرَهُ إلى يَوْمِ البَعْثِ؛ طَمَعَ ألّا يَمُوتَ؛ إذْ عَلِمَ أنَّ المَوْتَ يَنْقَطِعُ بَعْدَ البَعْثِ؛ ومَعْنى "أنْظِرْنِي"؛ أخِّرْنِي؛ فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى النَظْرَةَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ؛ فَقالَ أكْثَرُ الناسِ: اَلْوَقْتُ المَعْلُومُ: هو النَفْخَةُ الأُولى في الصُورِ؛ الَّتِي يُصْعَقُ لَها مَن في السَماواتِ؛ ومَن في الأرْضِ مِنَ المَخْلُوقِينَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أحالَهُ عَلى وقْتٍ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ مَوْتِ إبْلِيسَ؛ وحُضُورِ أجَلِهِ؛ دُونَ أنْ يُعَيِّنَ لَهُ ذَلِكَ؛ وإنَّما تَرَكَهُ في عَماءِ الجَهْلِ بِهِ لِيَغُمَّهُ ذَلِكَ ما عاشَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ أهْلِ هَذِهِ المَقالَةِ: إنَّ إبْلِيسَ قَتَلَتْهُ المَلائِكَةُ يَوْمَ "بَدْرٍ"؛ ورَوَوْا في ذَلِكَ أثَرًا ضَعِيفًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والأوَّلُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أصَحُّ وأشْهَرُ في الشَرْعِ.
ومَعْنى ﴿ "مِنَ المُنْظَرِينَ":﴾ مِنَ الطائِفَةِ الَّتِي تَأخَّرَتْ أعْمارُها كَثِيرًا؛ حَتّى جاءَتْ آجالُها؛ عَلى اخْتِلافِ أوقاتِها؛ فَقَدْ عَمَّ تِلْكَ الفِرْقَةِ إنْظارٌ؛ وإنْ لَمْ يَكُونُوا أحْياءً مُدَّةَ الدَهْرِ.
(p-٥٢٤)وَقَوْلُهُ: "فَبِما"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ القَسَمَ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِاللهِ لَأفْعَلَنَّ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَعْنى المُجازاةِ؛ كَما تَقُولُ: "فَبِإكْرامِكَ يا زَيْدُ لَأُكْرِمَنَّكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ألْيَقُ المَعانِي بِالقِصَّةِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَمَعَ إغْوائِكَ لِي؛ ومَعَ ما أنا عَلَيْهِ مِن سُوءِ الحالِ؛ لَأتَجَلَّدَنَّ؛ ولَأقْعُدَنَّ...؛ ولا يَعْرِضُ لِمَعْنى المُجازاةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ "فَبِما"؛ اَلِاسْتِفْهامَ عَنِ السَبَبِ في إغْوائِهِ؛ ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ وابْتَدَأ الإخْبارَ عن قُعُودِهِ لَهُمْ؛ وبِهَذا فَسَّرَ الطَبَرِيُّ أثْناءَ لَفْظِهِ.
و"أغْوَيْتَنِي"؛ قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ: أضْلَلْتَنِي؛ مِن "اَلْغَيُّ"؛ وعَلى هَذا المَعْنى قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "قاتَلَ اللهُ تَعالى القَدَرِيَّةَ؛ لَإبْلِيسُ أعْلَمُ بِاللهِ تَعالى مِنهُمْ"؛ يُرِيدُ في أنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى يَهْدِي؛ ويُضِلُّ؛ وقالَ الحَسَنُ: "أغْوَيْتَنِي": لَعنتَنِي؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: خَيَّبْتَنِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِأشْياءَ لَزِمَتْ إغْواءَهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أغْوَيْتَنِي"؛ مَعْناهُ: أهْلَكْتَنِي؛ حَكى ذَلِكَ الطَبَرِيُّ ؛ وقالَ: هو مِن قَوْلِكَ: "غَوِيَ الفَصِيلُ؛ يَغْوى؛ غَوًى"؛ إذا انْقَطَعَ عنهُ اللَبَنُ فَماتَ؛ وأنْشَدَ:
؎ مُعَطَّفَةُ الأثْناءِ لَيْسَ فَصِيلُها ∗∗∗ ∗∗∗ بِرازِئِها دَرًّا ولا مَيِّتٍ غَوى
(p-٥٢٥)قالَ: وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ طَيِّئٍ: "أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا"؛ أيْ: مَرِيضًا.
وقَوْلُهُ: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ﴾ ؛ يُرِيدُ: عَلى صِراطِكَ؛ وفي صِراطِكَ؛ وحُذِفَ كَما يُفْعَلُ في الظُرُوفِ؛ ونَحْوُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لَدْنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فِيهِ كَما عَسَلَ الطَرِيقَ الثَعْلَبُ
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ؛ يُرِيدُ بِهِ الحَقَّ؛ وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: يُرِيدُ طَرِيقَ مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا تَخْصِيصٌ ضَعِيفٌ؛ وإنَّما المَعْنى: لَأتَعَرَّضَنَّ لَهم في طَرِيقِ شَرْعِكَ؛ وعِبادَتِكَ؛ ومَنهَجِ النَجاةِ؛ فَلَأصُدَّنَّهم عنهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ؛ نَهاهُ عَنِ الإسْلامِ؛ وقالَ: تَتْرُكُ دِينَ آبائِكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَأسْلَمَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الهِجْرَةِ؛ وقالَ: تَدَعُ أهْلَكَ وبَلَدَكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَهاجَرَ؛ فَنَهاهُ عَنِ الجِهادِ؛ وقالَ: تُقْتَلُ وتَتْرُكُ ولَدَكَ؟ فَعَصاهُ؛ فَجاهَدَ؛ فَلَهُ الجَنَّةُ"؛» اَلْحَدِيثَ.
الأعراف 7:17
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعن أيْمانِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾
هَذا تَوْكِيدٌ مِن إبْلِيسَ في أنَّهُ يَجِدُّ في إغْواءِ بَنِي آدَمَ؛ وهَذا لَمْ يَكُنْ؛ حَتّى عَلِمَ إبْلِيسُ (p-٥٢٦)أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ في الأرْضِ خَلِيفَةً؛ وعَلِمَ أنَّهُ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وإلّا فَلا طَرِيقَ لَهُ إلى عِلْمِ أنْسالِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِنَ ألْفاظِ هَذِهِ الآياتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْلِيسَ أخْبَرَ عن نَفْسِهِ أنَّهُ يَأْتِي لِإضْلالِ ابْنِ آدَمَ مِن كُلِّ جِهَةٍ؛ وعَلى كُلِّ طَرِيقٍ؛ يُفْسِدُ عَلَيْهِ ما أمْكَنَهُ مِن مُعْتَقَدِهِ؛ ويُنْسِيهِ صالِحَ أعْمالِ الآخِرَةِ؛ ويُغْرِيهِ بِقَبِيحِ أعْمالِ الدُنْيا؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِألْفاظٍ تَقْتَضِي الإحاطَةَ بِهِمْ؛ وفي اللَفْظِ تَجَوُّزٌ؛ وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - فِيما رُوِيَ عنهُ -: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ؛ اَلْآخِرَةَ؛ ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ ؛ اَلدُّنْيا؛ ﴿وَعن أيْمانِهِمْ﴾ ؛ اَلْحَقَّ؛ ﴿وَعن شَمائِلِهِمْ﴾ ؛ اَلْباطِلَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا - فِيما رُوِيَ عنهُ -: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ؛ هي الدُنْيا؛ ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ ؛ هي الآخِرَةُ؛ ﴿وَعن أيْمانِهِمْ﴾ ؛ اَلْحَسَناتُ؛ ﴿وَعن شَمائِلِهِمْ﴾ ؛ اَلسَّيِّئاتُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ وعن أيْمانِهِمْ"؛ مَعْناهُ: حَيْثُ يُبْصِرُونَ؛ و"وَمِن خَلْفِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ"؛ حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ ؛ أخْبَرَ أنَّ سِعايَتَهُ تَفْعَلُ ذَلِكَ؛ ظَنًّا مِنهُ؛ وتَوَهُّمًا في خِلْقَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ رَأى خِلْقَتَهُ؛ مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَعَلِمَ أنَّهُ سَتَكُونُ لَهم شِيَمٌ تَقْتَضِي طاعَتَهُ؛ كالغِلِّ؛ والحَسَدِ؛ والشَهَواتِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ: إلّا أنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ يَأْتِي بَنِي آدَمَ مِن فَوْقِهِمْ؛ ولا جَعَلَ اللهُ تَعالى لَهُ سَبِيلًا إلى أنْ يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَحْمَةِ اللهِ تَعالى وعَفْوِهِ؛ ومَنِّهِ؛ وما ظَنَّهُ إبْلِيسُ صَدَّقَهُ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠] ؛ فَجَعَلَ أكْثَرَ العالَمِ كَفَرَةً؛ ويُبَيِّنُهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - يَوْمَ القِيامَةِ: (يا آدَمُ؛ أخْرِجْ بَعْثَ النارِ)؛ فَيَقُولُ: يا رَبِّ؛ وما بَعْثُ النارِ؟ فَيَقُولُ: (مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ؛ وواحِدٌ إلى الجَنَّةِ"؛ ونَحْوُهُ؛ مِمّا يَخُصُّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ "ما أنْتُمْ في الأُمَمِ إلّا كالشَعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَوْرِ الأسْوَدِ» ".
(p-٥٢٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "كالشَعْرَةِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ شَعْرَةً واحِدَةً؛ وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَناسُبَ الحَدِيثِ الأوَّلِ يَرُدُّهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الشَعْرَةَ الَّتِي هي لِلْجِنْسِ؛ والقَصْدُ أنْ يُشَبِّهَهم بِثَوْرٍ أسْوَدَ؛ قَدْ أُنْبِتَتْ في خِلالِ سَوادِهِ شَعْرَةٌ بَيْضاءُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اللَمْعَةَ مِنَ الشَعْرِ الأبْيَضِ؛ وهَذا فِيهِ بُعْدٌ.
وقَوْلُهُ: "شاكِرِينَ"؛ مَعْناهُ: مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لا يَشْكُرُ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى إلّا بِأنْ يُؤْمِنَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها﴾ ؛ اَلضَّمِيرُ في "مِنها"؛ عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ؛ و"مَذْؤُمًا"؛ مَعْناهُ: مَعِيبًا؛ يُقالُ: "ذَأمَهُ"؛ إذا عابَهُ؛ ومِنهُ "اَلذَّأمُ"؛ وهو العَيْبُ؛ وفي المَثَلِ: "لَنْ تُعْدَمَ الحَسْناءُ ذامًّا"؛ أيْ عَيْبًا؛ وسُهِّلَتْ فِيهِ الهَمْزَةُ؛ ومِنهُ قَوْلُ قَيْلِ حِمْيَرَ: "أرَدْتَ أنْ تُذِيمَهُ فَمَدَهْتَهُ"؛ يُرِيدُ: "فَمَدَحْتَهُ"؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ يُرْوى هَذا البَيْتُ:
؎ صَحِبْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفَسِي أذِيمُها
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والرِوايَةُ المَشْهُورَةُ: "ألُومُها"؛ ومِنَ الشاهِدِ في اللَفْظِ قَوْلُ الكُمَيْتِ:(p-٥٢٨)
؎ وهُمُ الأقْرَبُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وهُمُ الأبْعَدُونَ مِن كُلِّ ذامِ
ومِنَ الشاهِدِ في "مَدْحُورًا"؛ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ودَحَرْتُ بَنِي الحُصَيْبِ إلى قَدِيدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ كانُوا ذَوِي أشَرٍ وفَخْرِ
وقَرَأ الزُهْرِيُّ ؛ وأبُو جَعْفَرٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ في هَذِهِ الآيَةِ: "مَذُومًا"؛ عَلى التَسْهِيلِ؛ و"مَدْحُورًا"؛ مَعْناهُ: مَقْصِيًّا مُبْعَدًا؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَمَن تَبِعَكَ"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وهي عَلى هَذِهِ لامُ القَسَمِ؛ المُخْرِجَةُ الكَلامَ مِنَ الشَكِّ إلى القَسَمِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ؛ والأعْمَشُ: "لِمَن تَبِعَكَ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ والمَعْنى: "لِأجْلِ مَن تَبِعَكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ"؛ فَأدْخَلَهُ في الوَعِيدِ مَعَهُمْ؛ بِحُكْمِ هَذِهِ الكافِ في "مِنكُمْ".
الأعراف 7:18
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعن أيْمانِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾
هَذا تَوْكِيدٌ مِن إبْلِيسَ في أنَّهُ يَجِدُّ في إغْواءِ بَنِي آدَمَ؛ وهَذا لَمْ يَكُنْ؛ حَتّى عَلِمَ إبْلِيسُ (p-٥٢٦)أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ في الأرْضِ خَلِيفَةً؛ وعَلِمَ أنَّهُ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وإلّا فَلا طَرِيقَ لَهُ إلى عِلْمِ أنْسالِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِنَ ألْفاظِ هَذِهِ الآياتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْلِيسَ أخْبَرَ عن نَفْسِهِ أنَّهُ يَأْتِي لِإضْلالِ ابْنِ آدَمَ مِن كُلِّ جِهَةٍ؛ وعَلى كُلِّ طَرِيقٍ؛ يُفْسِدُ عَلَيْهِ ما أمْكَنَهُ مِن مُعْتَقَدِهِ؛ ويُنْسِيهِ صالِحَ أعْمالِ الآخِرَةِ؛ ويُغْرِيهِ بِقَبِيحِ أعْمالِ الدُنْيا؛ فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِألْفاظٍ تَقْتَضِي الإحاطَةَ بِهِمْ؛ وفي اللَفْظِ تَجَوُّزٌ؛ وهَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - فِيما رُوِيَ عنهُ -: أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ؛ اَلْآخِرَةَ؛ ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ ؛ اَلدُّنْيا؛ ﴿وَعن أيْمانِهِمْ﴾ ؛ اَلْحَقَّ؛ ﴿وَعن شَمائِلِهِمْ﴾ ؛ اَلْباطِلَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا - فِيما رُوِيَ عنهُ -: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ؛ هي الدُنْيا؛ ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ ؛ هي الآخِرَةُ؛ ﴿وَعن أيْمانِهِمْ﴾ ؛ اَلْحَسَناتُ؛ ﴿وَعن شَمائِلِهِمْ﴾ ؛ اَلسَّيِّئاتُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ وعن أيْمانِهِمْ"؛ مَعْناهُ: حَيْثُ يُبْصِرُونَ؛ و"وَمِن خَلْفِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ"؛ حَيْثُ لا يُبْصِرُونَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ ؛ أخْبَرَ أنَّ سِعايَتَهُ تَفْعَلُ ذَلِكَ؛ ظَنًّا مِنهُ؛ وتَوَهُّمًا في خِلْقَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - حِينَ رَأى خِلْقَتَهُ؛ مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَعَلِمَ أنَّهُ سَتَكُونُ لَهم شِيَمٌ تَقْتَضِي طاعَتَهُ؛ كالغِلِّ؛ والحَسَدِ؛ والشَهَواتِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ: إلّا أنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ يَأْتِي بَنِي آدَمَ مِن فَوْقِهِمْ؛ ولا جَعَلَ اللهُ تَعالى لَهُ سَبِيلًا إلى أنْ يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَحْمَةِ اللهِ تَعالى وعَفْوِهِ؛ ومَنِّهِ؛ وما ظَنَّهُ إبْلِيسُ صَدَّقَهُ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠] ؛ فَجَعَلَ أكْثَرَ العالَمِ كَفَرَةً؛ ويُبَيِّنُهُ قَوْلُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ - تَبارَكَ وتَعالى - يَوْمَ القِيامَةِ: (يا آدَمُ؛ أخْرِجْ بَعْثَ النارِ)؛ فَيَقُولُ: يا رَبِّ؛ وما بَعْثُ النارِ؟ فَيَقُولُ: (مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعَةً وتِسْعِينَ؛ وواحِدٌ إلى الجَنَّةِ"؛ ونَحْوُهُ؛ مِمّا يَخُصُّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ "ما أنْتُمْ في الأُمَمِ إلّا كالشَعْرَةِ البَيْضاءِ في الثَوْرِ الأسْوَدِ» ".
(p-٥٢٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "كالشَعْرَةِ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ شَعْرَةً واحِدَةً؛ وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَناسُبَ الحَدِيثِ الأوَّلِ يَرُدُّهُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - الشَعْرَةَ الَّتِي هي لِلْجِنْسِ؛ والقَصْدُ أنْ يُشَبِّهَهم بِثَوْرٍ أسْوَدَ؛ قَدْ أُنْبِتَتْ في خِلالِ سَوادِهِ شَعْرَةٌ بَيْضاءُ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اللَمْعَةَ مِنَ الشَعْرِ الأبْيَضِ؛ وهَذا فِيهِ بُعْدٌ.
وقَوْلُهُ: "شاكِرِينَ"؛ مَعْناهُ: مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لا يَشْكُرُ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى إلّا بِأنْ يُؤْمِنَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها﴾ ؛ اَلضَّمِيرُ في "مِنها"؛ عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ؛ و"مَذْؤُمًا"؛ مَعْناهُ: مَعِيبًا؛ يُقالُ: "ذَأمَهُ"؛ إذا عابَهُ؛ ومِنهُ "اَلذَّأمُ"؛ وهو العَيْبُ؛ وفي المَثَلِ: "لَنْ تُعْدَمَ الحَسْناءُ ذامًّا"؛ أيْ عَيْبًا؛ وسُهِّلَتْ فِيهِ الهَمْزَةُ؛ ومِنهُ قَوْلُ قَيْلِ حِمْيَرَ: "أرَدْتَ أنْ تُذِيمَهُ فَمَدَهْتَهُ"؛ يُرِيدُ: "فَمَدَحْتَهُ"؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ يُرْوى هَذا البَيْتُ:
؎ صَحِبْتُكَ إذْ عَيْنِي عَلَيْها غِشاوَةٌ ∗∗∗ فَلَمّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفَسِي أذِيمُها
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والرِوايَةُ المَشْهُورَةُ: "ألُومُها"؛ ومِنَ الشاهِدِ في اللَفْظِ قَوْلُ الكُمَيْتِ:(p-٥٢٨)
؎ وهُمُ الأقْرَبُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وهُمُ الأبْعَدُونَ مِن كُلِّ ذامِ
ومِنَ الشاهِدِ في "مَدْحُورًا"؛ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ودَحَرْتُ بَنِي الحُصَيْبِ إلى قَدِيدٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وقَدْ كانُوا ذَوِي أشَرٍ وفَخْرِ
وقَرَأ الزُهْرِيُّ ؛ وأبُو جَعْفَرٍ ؛ والأعْمَشُ ؛ في هَذِهِ الآيَةِ: "مَذُومًا"؛ عَلى التَسْهِيلِ؛ و"مَدْحُورًا"؛ مَعْناهُ: مَقْصِيًّا مُبْعَدًا؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَمَن تَبِعَكَ"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وهي عَلى هَذِهِ لامُ القَسَمِ؛ المُخْرِجَةُ الكَلامَ مِنَ الشَكِّ إلى القَسَمِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ؛ والأعْمَشُ: "لِمَن تَبِعَكَ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ والمَعْنى: "لِأجْلِ مَن تَبِعَكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ"؛ فَأدْخَلَهُ في الوَعِيدِ مَعَهُمْ؛ بِحُكْمِ هَذِهِ الكافِ في "مِنكُمْ".
الأعراف 7:19
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿وَيا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَجَرَةَ فَتَكُونا مِن الظالِمِينَ﴾
إذا أُمِرَ الإنْسانُ بِشَيْءٍ هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ؛ فَإنَّما المَقْصِدُ بِذَلِكَ أنْ يَسْتَمِرَّ عَلى حالِهِ؛ ويَتَمادى في هَيْئَتِهِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - "اُسْكُنْ"؛ هو مِن هَذا البابِ؛ وأكَّدَ الضَمِيرَ الَّذِي في قَوْلِهِ: "اُسْكُنْ"؛ بِقَوْلِهِ: "أنْتَ"؛ وحِينَئِذٍ جازَ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ وهو ضَمِيرٌ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ؛ ولا يَتَرَتَّبُ؛ والعَطْفُ عَلى الضَمِيرِ المَلْفُوظِ بِهِ لا يَجُوزُ؛ إلّا بَعْدَ تَأْكِيدِهِ؛ كَقَوْلِكَ: "قُمْتَ أنْتَ وزَيْدٌ"؛ لِأنَّ الضَمِيرَ بِمَنزِلَةِ حَرْفٍ مِنَ الفِعْلِ؛ وهَذا الضَمِيرُ الَّذِي في "اُسْكُنْ"؛ أضْعَفُ مِنَ المَلْفُوظِ بِهِ؛ فَأحْرى ألّا يَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ التَأْكِيدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى "فَكُلا"؛ هو مِن "أكَلَ"؛ فَأصْلُهُ "اُؤْكُلا"؛ فَحُذِفَتْ فاءُ الفِعْلِ؛ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ؛ واسْتُغْنِيَ عَنِ الأُخْرى لَمّا تَحَرَّكَ ما بَعْدَها؛ وحَسُنَ أيْضًا حَذْفُ فاءِ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَثْقَلُوا الحَرَكَةَ عَلى حَرْفِ عِلَّةٍ؛ وهَذا بابُ كَلِّ فِعْلٍ أوَّلُهُ هَمْزَةٌ؛ ووَزْنُهُ "فَعَلَ"؛ كَـ "أخَذَ"؛ و"أمَرَ"؛ ونَحْوِهِما؛ وكانَ القِياسُ ألّا تُحْذَفَ فاءُ الفِعْلِ؛ ولَكِنْ ورَدَ اسْتِعْمالُهم هَكَذا.
ويُقالُ: "قَرُبَ؛ يَقْرَبُ"؛ و﴿هَذِهِ الشَجَرَةَ﴾ ؛ اَلظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى أشارَ إلى شَخْصِ شَجَرَةٍ واحِدَةٍ مِن نَوْعٍ؛ وأرادَها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى شَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ وهو يُرِيدُ النَوْعَ بِجُمْلَتِهِ؛ وعَبَّرَ باسِمِ الواحِدَةِ؛ كَما تَقُولُ: "أصابَ الناسُ الدِينارَ؛ والدِرْهَمَ"؛ وأنْتَ تُرِيدُ النَوْعَ.
(p-٥٢٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ فَآدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - إنَّما قَصَدَ في وقْتِ مَعْصِيَتِهِ فِعْلَ ما نُهِيَ عنهُ؛ قالَهُ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ؛ وبِذَلِكَ أغْواهُ إبْلِيسُ - لَعَنَهُ اللهُ تَعالى - بِقَوْلِهِ: إنَّكَ لَمْ تُنْهَ إلّا لِئَلّا تُخَلَّدَ؛ أو تَكُونَ مَلِكًا؛ فَيَبْطُلُ بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - إنَّما أخْطَأ مُتَأوِّلًا؛ بِأنْ ظَنَّ النَهْيَ مُتَعَلِّقًا بِشَخْصِ شَجَرَةٍ؛ فَأكَلَ مِنَ النَوْعِ؛ فَلَمْ يُعْذَرْ بِالخَطَإ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وذَلِكَ أنَّ هَذا القائِلَ إنَّما يَفْرِضُ آدَمَ مُعْتَقِدًا أنَّ النَهْيَ إنَّما تَعَلَّقَ بِشَجَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ فَكَيْفَ يُقالُ لَهُ - مَعَ هَذا الِاعْتِقادِ -: إنَّكَ لَمْ تُنْهَ إلّا لِئَلّا تُخَلَّدَ؛ ثُمَّ يَقْصِدُ هو طَلَبَ الخُلُودِ في ارْتِكابِ غَيْرِ ما نُهِيَ عنهُ؟ ولا فارِقَ بَيْنَ أكْلِهِ ما يَعْتَقِدُ أنَّهُ لَمْ يُنْهَ عنهُ؛ وبَيْنَ أكْلِهِ سائِرَ المُباحاتِ لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والهاءُ الأخِيرَةُ في "هَذِهِ"؛ بَدَلٌ مِنَ الياءِ في "هَذِي"؛ أُبْدِلَتْ في الوَقْفِ؛ ثُمَّ ثَبَتَتْ في الوَصْلِ هاءً؛ حَمْلًا عَلى الوَقْفِ؛ ولَيْسَ في الكَلامِ هاءُ تَأْنِيثٍ قَبْلَها كَسْرَةٌ إلّا هَذِهِ؛ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "هَذِي الشَجَرَةَ"؛ عَلى الأصْلِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى "فَتَكُونا"؛ نُصِبَ في جَوابِ النَهْيِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتَعَلَّقَ الناسُ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ مَسْألَةَ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ تَكَلَّمَ الناسُ فِيها عَلى ضَرْبَيْنِ: فَأمّا الفُقَهاءُ؛ فَدَعاهم إلى الكَلامِ فِيها أنَّهُ تُنْزَلَ نَوازِلُ؛ لا تُوجَدُ مَنصُوصَةً في كِتابِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ولا في سُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ولا في إجْماعٍ؛ ويُعَتَّمُ وجْهُ اسْتِقْرائِها مِن أحَدِ هَذِهِ الثَلاثَةِ؛ وقِياسِها عَلى ما فِيها؛ فَيَرْجِعُ الناظِرُ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُ عَلى أيِّ جِهَةٍ يَحْمِلُها؛ مِنَ الإجازَةِ؛ والمَنعِ؛ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إذا نُزِلَ مِثْلُ هَذا نَحْمِلُهُ عَلى الحَظْرِ؛ ونَأْخُذُ فِيهِ بِالشِدَّةِ؛ ونَسْتَبْرِئُ لِأنْفُسِنا؛ إذِ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ بَيَّنَ لَنا في كِتابِهِ جَمِيعَ ما يَجِبُ بَيانُهُ؛ وأحَلَّ ما أرادَ تَحْلِيلَهُ؛ ولَمْ يَتْرُكْ ذِكْرَ هَذِهِ النازِلَةِ إلّا عن قَصْدٍ؛ فاجْتِرامُنا نَحْنُ عَلَيْها لا تَقْتَضِيهِ الشَرِيعَةُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَحْمِلُها عَلى الإباحَةِ؛ لِأنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أكْمَلَ لَنا دِينَنا؛ وحَرَّمَ عَلَيْنا ما شاءَ تَحْرِيمَهُ؛ ولَمْ يُهْمِلِ النَصَّ عَلى نازِلَةٍ إلّا وقَدْ تَرَكَها في جُمْلَةِ المُباحِ؛ وبَعِيدٌ أنْ يُرِيدَ في شَيْءٍ التَحْرِيمَ ولا يَذْكُرَهُ لَنا؛ ويَدَعَنا في (p-٥٣٠)عَمى الجَهالَةِ بِهِ؛ فَإنَّما نَحْمِلُها عَلى الإباحَةِ؛ حَتّى يَطْرَأ الحَظْرُ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى الوَقْفِ أبَدًا؛ ولا نَحْكُمُ فِيهِ بِحَظْرٍ؛ ولا إباحَةٍ؛ بَلْ نَطْلُبُ فِيهِ النَظَرَ والقِياسَ أبَدًا؛ وذَلِكَ أنّا نَجِدُ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَقُولُ في كِتابِهِ: "حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"؛ في مَواضِعَ؛ ويَقُولُ: "أُحِلَّ لَكُمْ"؛ في مَواضِعَ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ كُلَّ نازِلَةٍ تَحْتاجُ إلى شَرْعٍ؛ وأمْرٍ؛ إمّا [مَخْصُوصٍ] بِها؛ وإمّا [مُشْتَمِلٍ] عَلَيْها؛ وعَلى غَيْرِها؛ ولَوْ كانَتِ الأشْياءُ عَلى الحَظْرِ؛ لَما قالَ في شَيْءٍ: "حُرِّمَ عَلَيْكُمْ"؛ ولَوْ كانَتْ عَلى الإباحَةِ لَما قالَ في شَيْءٍ: "أُحِلُّ لَكُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا أبْيَنُ الأقْوالِ؛ ولَمْ يَتَعَرَّضِ الفُقَهاءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ إلى النَظَرِ في تَحْسِينِ العَقْلِ؛ وتَقْبِيحِهِ؛ وإنَّما تَمَسَّكُوا في أقْوالِهِمْ هَذِهِ بِأسْبابِ الشَرِيعَةِ؛ وذَهَبُوا إلى انْتِزاعِ مَذاهِبِهِمْ مِنها.
وأمّا الضَرْبُ الثانِي مِن كَلامِ الناسِ في الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ فَإنَّ المُعْتَزِلَةَ - ومَن قالَ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ العَقْلَ يُحَسِّنُ؛ ويُقَبِّحُ - نَظَرُوا في المَسْألَةِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ؛ فَقالُوا: نَفْرِضُ زَمَنًا لا شَرْعَ فِيهِ؛ أو رَجُلًا نَشَأ في بَرِّيَّةٍ؛ ولَمْ يُحِسَّ قَطُّ بِشَرْعٍ؛ ولا بِأمْرٍ؛ ولا بِنَهْيٍ؛ أو نُقَدِّرُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وقْتَ إهْباطِهِ إلى الأرْضِ قَدْ تُرِكَ وعَقْلَهُ؛ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ؛ ويُنْهى؛ كَيْفَ كانَتِ الأشْياءُ عَلَيْهِ؟ أو كَيْفَ يَقْتَضِي العَقْلُ في الزَمَنِ؛ والرَجُلِ المَفْرُوضَيْنِ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: اَلَّذِي يَحْسُنُ في العَقْلِ أنْ تَكُونَ مَحْظُورَةً كُلُّها حَتّى يَرِدَ الإذْنُ بِاسْتِباحَتِها؛ وذَلِكَ أنَّ اسْتِباحَتَها تَعَدٍّ عَلى مِلْكِ الغَيْرِ؛ وإذا قَبُحَ ذَلِكَ في الشاهِدِ؛ فَهو في حَقِّ اللهِ تَعالى أعْظَمُ حُرْمَةً؛ وذَهَبَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ إلى اسْتِثْناءِ التَنَفُّسِ والحَرَكَةِ مِن هَذا الحَظْرِ؛ وقالُوا: إنَّ هَذِهِ لا يُمْكِنُ غَيْرُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ الِاضْطِرارُ إلَيْها إباحَةً لَها؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَحْسُنُ في العَقْلِ أنْ تَكُونَ مُباحَةً؛ إذِ التَحَكُّمُ في مِلْكِ الغَيْرِ بِوَجْهٍ لا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ كالِاسْتِظْلالِ بِالجُدْرانِ؛ ونَحْوِهِ مُباحٌ؛ فَإذا كانَ هَذا في الشاهِدِ جائِزًا؛ فَهو في عِظَمِ قَدْرِ اللهُ تَعالى ووُجُودِهِ أجْوَزُ؛ إذْ لا ضَرَرَ في تَصَرُّفِنا نَحْنُ في مِلْكِهِ؛ ويَتَعَلَّقُ بِحَقِّهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
(p-٥٣١)وَقالَ أهْلُ الحَقِّ والسُنَّةِ - في هَذا النَحْوِ مِنَ النَظَرِ -: بَلِ الأمْرُ في نَفْسِهِ عَلى الوَقْفِ؛ ولا يُوجِبُ العَقْلُ تَحْسِينًا؛ ولا تَقْبِيحًا؛ بِمُجَرَّدِهِ؛ يُدانُ بِهِ؛ ولا يُتَّجَهُ حُكْمُ الحَسَنِ؛ والقَبِيحِ إلّا بِالشَرْعِ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: والعَقْلُ لَمْ يَخْلُ قَطُّ مِن شَرْعٍ؛ فَلا مَعْنى لِلْخَوْضِ في هَذِهِ المَسْألَةِ؛ ولا لِفَرْضِ ما لا يَقَعُ؛ وذَهَبُوا إلى الِاحْتِجاجِ بِأنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قَدْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الأوامِرُ والنَواهِي في الجَنَّةِ؛ بِقَوْلِهِ تَعالى لَهُ - حِينَ جَرى الرُوحُ في جَسَدِهِ؛ فَعَطَسَ -: (قُلْ: "اَلْحَمْدُ لِلَّهِ"؛ يا آدَمُ)؛ وبِقَوْلِهِ: (اُسْكُنْ)؛ و(كُلْ)؛ و(لا تَقْرَبْ)؛ ونَحْوِ هَذا؛ وقالَ القاضِي ابْنُ الباقِلّانِيِّ في "اَلتَّقْرِيبُ والإرْشادُ": إنَّ الفُقَهاءَ الَّذِينَ قالُوا بِالحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ لَمْ يَقْصِدُوا الكَوْنَ مَعَ المُعْتَزِلَةِ في غَوايَتِهِمْ؛ ولَكِنَّهم رَأوا لَهم كَلامًا مُلَفَّقًا؛ مُمَوَّهًا؛ فاسْتَحْسَنُوهُ دُونَ أنْ يَشْعُرُوا بِما يَؤُولُ إلَيْهِ مِنَ الفَسادِ في القَوْلِ بِتَحْسِينِ العَقْلِ؛ وتَقْبِيحِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا الكَلامِ حَمْلٌ عَلى فُقَهاءِ الشَرْعِ؛ واسْتِقْصارٌ لَهُمْ؛ والصَوابُ ألّا يُظَنَّ بِهِمْ هَذا الخَلَلُ؛ وإنَّما التَمَسُوا عَلى نَوازِلِهِمْ تَعْلِيقَ حُكْمِ الحَظْرِ؛ والإباحَةِ؛ مِنَ الشَرْعِ؛ وهم مَعَ ذَلِكَ لا يُحْمَلُ عَلَيْهِمْ أنَّهم يَدْفَعُونَ الحَقَّ في أنَّ العَقْلَ لا يُحَسِّنُ ولا يُقَبِّحُ دُونَ الشَرْعِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ" ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في الشَجَرَةِ؛ وتَعْيِينِها.
الأعراف 7:20
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عنهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عن هَذِهِ الشَجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أو تَكُونا مِن الخالِدِينَ﴾ ﴿وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ الناصِحِينَ﴾
"اَلْوَسْوَسَةُ": اَلْحَدِيثُ في اخْتِفاءٍ؛ هَمْسًا؛ وسِرارًا مِنَ الصَوْتِ؛ و"اَلْوَسْواسُ": صَوْتُ الحُلِيِّ؛ فَشُبِّهَ الهَمْسُ بِهِ؛ وسُمِّيَ إلْقاءُ الشَيْطانِ في نَفْسِ ابْنِ آدَمَ "وَسْوَسَةً"؛ إذْ هي أبْلَغُ السِرارِ؛ وأخْفاهُ؛ هَذا حالُ الشَيْطانِ مَعَنا الآنَ؛ وأمّا مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - فَمُمْكِنٌ أنْ تَكُونَ وسْوَسَةً بِمُجاوَرَةٍ؛ خُفْيَةً؛ أو بِإلْقاءٍ في نَفْسٍ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
؎ وسْوَسَ يَدْعُو جاهِدًا رَبَّ الفَلَقْ ∗∗∗.................
(p-٥٣٢)فَهَذِهِ عِبارَةٌ عن كَلامٍ خَفِيٍّ؛ و"اَلشَّيْطانُ"؛ يُرادُ بِهِ إبْلِيسُ نَفْسُهُ؛ واخْتَلَفَ نَقَلَةُ القَصَصِ في صُورَةِ وسْوَسَتِهِ؛ فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدْخُلُ إلى الجَنَّةِ في فَمِ الحَيَّةِ؛ مُسْتَخْفِيًا - بِزَعْمِهِ - فَيَتَمَكَّنُ مِنَ الوَسْوَسَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ كانا يَخْرُجانِ خارِجَ الجَنَّةِ؛ فَيَتَمَكَّنُ إبْلِيسُ مِنهُما؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أقْدَرَهُ عَلى الإلْقاءِ في أنْفُسِهِما؛ فَأغْواهُما؛ وهو في الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ يَرُدُّهُ لَفْظُ القُرْآنِ.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لِيُبْدِيَ"؛ هي - عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ المُؤَلِّفِينَ - لامُ الصَيْرُورَةِ والعاقِبَةِ؛ وهَذا بِحَسَبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ وبِحَسَبِ إبْلِيسَ؛ في هَذِهِ العُقُوبَةِ المَخْصُوصَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِها فَيَقْصِدَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ لامَ "كَيْ"؛ عَلى بابِها؛ بِحَسَبِ قَصْدِ إبْلِيسَ إلى حَطِّ مَرْتَبَتِهِما؛ وإلْقائِهِما في العُقُوبَةِ غَيْرِ المَخْصُوصَةِ؛ و"ما وُورِيَ"؛ مَعْناهُ: "ما سُتِرَ"؛ مِن قَوْلِكَ: "وارى؛ يُوارِي"؛ إذا سَتَرَ؛ وظاهِرُ هَذا اللَفْظِ أنَّها "مُفاعَلَةٌ"؛ مِن واحِدٍ؛ ويُمْكِنُ أنْ تُقَدَّرَ مِنَ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ الشَيْءَ الَّذِي يُوارى [يُوارِي] هو أيْضًا مِن جِهَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "ما وُرِيَ"؛ بِواوٍ واحِدَةٍ؛ وقالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن "وَراءَ".
(p-٥٣٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهو قَوْلٌ يُوهِنُهُ التَصْرِيفُ.
و"اَلسَّوْأةُ": اَلْفَرْجُ؛ والدُبُرُ؛ ويُشْبِهُ أنْ يُسَمّى بِذَلِكَ لِأنَّ مَنظَرَهُ يَسُوءُ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ والحَسَنُ: "مِن سَوَّتِهِما"؛ بِالإفْرادِ؛ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ؛ وشَدِّ الواوِ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ؛ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ؛ والحَسَنُ ؛ والزُهْرِيُّ: "مِن سَوّاتِهِما"؛ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ؛ وتَشْدِيدِ الواوِ؛ وحَكاها سِيبَوَيْهِ لُغَةً؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: ووَجْهُها حَذْفُ الهَمْزَةِ؛ وإلْقاءُ حَرَكَتِها عَلى الواوِ فَيَقُولُونَ: "سَوَةٌ"؛ ومِنهم مَن يُشَدِّدُ الواوَ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ العِبارَةَ إنَّما قُصِدَ بِها أنَّهُما كُشِفَتْ لَهُما مَعانِيهِما؛ وما يَسُوؤُهُما؛ ولَمْ يُقْصَدْ بِها العَوْرَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ كانَ اللَفْظُ يَحْتَمِلُهُ؛ إلّا أنَّ ذِكْرَ خَصْفِ الوَرَقِ يَرُدُّهُ؛ إلّا أنْ يُقَدَّرَ الضَمِيرُ في "عَلَيْهِما"؛ عائِدًا عَلى بَدَنَيْهِما؛ إذْ تَمَزَّقَتْ عنهُما ثِيابُ الجَنَّةِ؛ فَيَصِحَّ القَوْلُ المَذْكُورُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقالَ ما نَهاكُما﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا القَوْلُ الَّذِي حُكِيَ عن إبْلِيسَ يَدْخُلُهُ مِن هَذا التَأْوِيلِ ما دَخَلَ الوَسْوَسَةَ؛ فَمُمْكِنٌ أنْ يَقُولَ هَذا مُخاطَبَةً وحِوارًا؛ ومُمْكِنٌ أنْ يَقُولَها إلْقاءً في النَفْسِ؛ ووَحْيًا.
و"إلّا أنْ"؛ تَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ والبَصْرِيِّينَ: إلّا كَراهِيَةَ أنْ؛ وتَقْدِيرُهُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ: إلّا ألّا؛ عَلى إضْمارِ "لا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُرَجِّحُ قَوْلَ البَصْرِيِّينَ أنَّ إضْمارَ الأسْماءِ أحْسَنُ مِن إضْمارِ الحُرُوفِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مَلَكَيْنِ"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ويَحْيى بْنُ كَثِيرٍ؛ والضَحّاكُ: "مَلِكَيْنِ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَخْرُجُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ؛ وهي مَسْألَةٌ اخْتَلَفَ الناسُ فِيها؛ وتَمَسَّكَ كُلُّ فَرِيقٍ بِظَواهِرَ مِنَ الشَرِيعَةِ؛ والفَضْلُ بِيَدِ اللهِ تَعالى ؛ (p-٥٣٤)وَقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ "مَلَكَيْنِ"؛ في ألّا تَكُونَ لَهُما شَهْوَةٌ في طَعامٍ.
﴿ "وَقاسَمَهُما"؛﴾ أيْ: حَلَفَ لَهُما بِاللهِ تَعالى ؛ وهي "مُفاعَلَةٌ"؛ إذْ قَبُولُ المَحْلُوفِ لَهُ وإقْبالُهُ عَلى مَعْنى اليَمِينِ؛ كالقَسَمِ؛ وتَقْرِيرِهِ؛ وإنْ كانَ بادِيَ الرَأْيِ يُعْطِي أنَّها مِن واحِدٍ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الهُزَلِيِّ:
؎ وقاسَمَهُما بِاللهِ جَهْدًا لَأنْتُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ ألَذُّ مِنَ السَلْوى إذا ما تَشُورُها
ورُوِيَ في القَصَصِ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَ - في جُمْلَةِ اعْتِذارِهِ -: "ما ظَنَنْتُ يا رَبِّ أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ حانِثًا"؛ فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: خَدَعَ الشَيْطانُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ - فانْخَدَعَ؛ ونَحْنُ مَن خَدَعَنا بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ - انْخَدَعْنا لَهُ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عن قَتادَةَ.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لَكُما"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "اَلنّاصِحِينَ"؛ فَقالَ بَعْضُ الناسِ - مَكِّيٌّ ؛ وغَيْرُهُ -: ذَلِكَ عَلى أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ؛ لا بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ لِأنَّها إذا كانَتْ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ كانَ قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: "لَكُما"؛ داخِلًا في الصِلَةِ؛ فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ؛ وأظُنُّ أنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ خَرَّجَ جَوازَ تَقْدِيمِهِ؛ وهي بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ والظاهِرُ أنَّهُ إنْ جُعِلَتْ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ كانَتِ اللامُ في قَوْلِهِ "لَكُما"؛ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "إنِّي ناصِحٌ لَكُما مِنَ الناصِحِينَ"؛ وقالَ أبُو العالِيَةِ - في بَعْضِ القِراءَةِ -: "وَقاسَمَهُما بِاللهِ".
الأعراف 7:21
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عنهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عن هَذِهِ الشَجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أو تَكُونا مِن الخالِدِينَ﴾ ﴿وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ الناصِحِينَ﴾
"اَلْوَسْوَسَةُ": اَلْحَدِيثُ في اخْتِفاءٍ؛ هَمْسًا؛ وسِرارًا مِنَ الصَوْتِ؛ و"اَلْوَسْواسُ": صَوْتُ الحُلِيِّ؛ فَشُبِّهَ الهَمْسُ بِهِ؛ وسُمِّيَ إلْقاءُ الشَيْطانِ في نَفْسِ ابْنِ آدَمَ "وَسْوَسَةً"؛ إذْ هي أبْلَغُ السِرارِ؛ وأخْفاهُ؛ هَذا حالُ الشَيْطانِ مَعَنا الآنَ؛ وأمّا مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - فَمُمْكِنٌ أنْ تَكُونَ وسْوَسَةً بِمُجاوَرَةٍ؛ خُفْيَةً؛ أو بِإلْقاءٍ في نَفْسٍ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
؎ وسْوَسَ يَدْعُو جاهِدًا رَبَّ الفَلَقْ ∗∗∗.................
(p-٥٣٢)فَهَذِهِ عِبارَةٌ عن كَلامٍ خَفِيٍّ؛ و"اَلشَّيْطانُ"؛ يُرادُ بِهِ إبْلِيسُ نَفْسُهُ؛ واخْتَلَفَ نَقَلَةُ القَصَصِ في صُورَةِ وسْوَسَتِهِ؛ فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ يَدْخُلُ إلى الجَنَّةِ في فَمِ الحَيَّةِ؛ مُسْتَخْفِيًا - بِزَعْمِهِ - فَيَتَمَكَّنُ مِنَ الوَسْوَسَةِ؛ ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ كانا يَخْرُجانِ خارِجَ الجَنَّةِ؛ فَيَتَمَكَّنُ إبْلِيسُ مِنهُما؛ ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أقْدَرَهُ عَلى الإلْقاءِ في أنْفُسِهِما؛ فَأغْواهُما؛ وهو في الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ يَرُدُّهُ لَفْظُ القُرْآنِ.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لِيُبْدِيَ"؛ هي - عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ المُؤَلِّفِينَ - لامُ الصَيْرُورَةِ والعاقِبَةِ؛ وهَذا بِحَسَبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وحَوّاءَ؛ وبِحَسَبِ إبْلِيسَ؛ في هَذِهِ العُقُوبَةِ المَخْصُوصَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِها فَيَقْصِدَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ لامَ "كَيْ"؛ عَلى بابِها؛ بِحَسَبِ قَصْدِ إبْلِيسَ إلى حَطِّ مَرْتَبَتِهِما؛ وإلْقائِهِما في العُقُوبَةِ غَيْرِ المَخْصُوصَةِ؛ و"ما وُورِيَ"؛ مَعْناهُ: "ما سُتِرَ"؛ مِن قَوْلِكَ: "وارى؛ يُوارِي"؛ إذا سَتَرَ؛ وظاهِرُ هَذا اللَفْظِ أنَّها "مُفاعَلَةٌ"؛ مِن واحِدٍ؛ ويُمْكِنُ أنْ تُقَدَّرَ مِنَ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ الشَيْءَ الَّذِي يُوارى [يُوارِي] هو أيْضًا مِن جِهَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "ما وُرِيَ"؛ بِواوٍ واحِدَةٍ؛ وقالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ في هَذِهِ الآيَةِ مَأْخُوذَةٌ مِن "وَراءَ".
(p-٥٣٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهو قَوْلٌ يُوهِنُهُ التَصْرِيفُ.
و"اَلسَّوْأةُ": اَلْفَرْجُ؛ والدُبُرُ؛ ويُشْبِهُ أنْ يُسَمّى بِذَلِكَ لِأنَّ مَنظَرَهُ يَسُوءُ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ ؛ والحَسَنُ: "مِن سَوَّتِهِما"؛ بِالإفْرادِ؛ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ؛ وشَدِّ الواوِ؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ؛ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ؛ والحَسَنُ ؛ والزُهْرِيُّ: "مِن سَوّاتِهِما"؛ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ؛ وتَشْدِيدِ الواوِ؛ وحَكاها سِيبَوَيْهِ لُغَةً؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: ووَجْهُها حَذْفُ الهَمْزَةِ؛ وإلْقاءُ حَرَكَتِها عَلى الواوِ فَيَقُولُونَ: "سَوَةٌ"؛ ومِنهم مَن يُشَدِّدُ الواوَ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ العِبارَةَ إنَّما قُصِدَ بِها أنَّهُما كُشِفَتْ لَهُما مَعانِيهِما؛ وما يَسُوؤُهُما؛ ولَمْ يُقْصَدْ بِها العَوْرَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ كانَ اللَفْظُ يَحْتَمِلُهُ؛ إلّا أنَّ ذِكْرَ خَصْفِ الوَرَقِ يَرُدُّهُ؛ إلّا أنْ يُقَدَّرَ الضَمِيرُ في "عَلَيْهِما"؛ عائِدًا عَلى بَدَنَيْهِما؛ إذْ تَمَزَّقَتْ عنهُما ثِيابُ الجَنَّةِ؛ فَيَصِحَّ القَوْلُ المَذْكُورُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقالَ ما نَهاكُما﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا القَوْلُ الَّذِي حُكِيَ عن إبْلِيسَ يَدْخُلُهُ مِن هَذا التَأْوِيلِ ما دَخَلَ الوَسْوَسَةَ؛ فَمُمْكِنٌ أنْ يَقُولَ هَذا مُخاطَبَةً وحِوارًا؛ ومُمْكِنٌ أنْ يَقُولَها إلْقاءً في النَفْسِ؛ ووَحْيًا.
و"إلّا أنْ"؛ تَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ والبَصْرِيِّينَ: إلّا كَراهِيَةَ أنْ؛ وتَقْدِيرُهُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ: إلّا ألّا؛ عَلى إضْمارِ "لا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُرَجِّحُ قَوْلَ البَصْرِيِّينَ أنَّ إضْمارَ الأسْماءِ أحْسَنُ مِن إضْمارِ الحُرُوفِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مَلَكَيْنِ"؛ بِفَتْحِ اللامِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ويَحْيى بْنُ كَثِيرٍ؛ والضَحّاكُ: "مَلِكَيْنِ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وقالَ بَعْضُ الناسِ: يَخْرُجُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ؛ وهي مَسْألَةٌ اخْتَلَفَ الناسُ فِيها؛ وتَمَسَّكَ كُلُّ فَرِيقٍ بِظَواهِرَ مِنَ الشَرِيعَةِ؛ والفَضْلُ بِيَدِ اللهِ تَعالى ؛ (p-٥٣٤)وَقالَ ابْنُ فُورَكٍ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ "مَلَكَيْنِ"؛ في ألّا تَكُونَ لَهُما شَهْوَةٌ في طَعامٍ.
﴿ "وَقاسَمَهُما"؛﴾ أيْ: حَلَفَ لَهُما بِاللهِ تَعالى ؛ وهي "مُفاعَلَةٌ"؛ إذْ قَبُولُ المَحْلُوفِ لَهُ وإقْبالُهُ عَلى مَعْنى اليَمِينِ؛ كالقَسَمِ؛ وتَقْرِيرِهِ؛ وإنْ كانَ بادِيَ الرَأْيِ يُعْطِي أنَّها مِن واحِدٍ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الهُزَلِيِّ:
؎ وقاسَمَهُما بِاللهِ جَهْدًا لَأنْتُمُ ∗∗∗ ∗∗∗ ألَذُّ مِنَ السَلْوى إذا ما تَشُورُها
ورُوِيَ في القَصَصِ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - قالَ - في جُمْلَةِ اعْتِذارِهِ -: "ما ظَنَنْتُ يا رَبِّ أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ حانِثًا"؛ فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: خَدَعَ الشَيْطانُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ - فانْخَدَعَ؛ ونَحْنُ مَن خَدَعَنا بِاللهِ - عَزَّ وجَلَّ - انْخَدَعْنا لَهُ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عن قَتادَةَ.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى "لَكُما"؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "اَلنّاصِحِينَ"؛ فَقالَ بَعْضُ الناسِ - مَكِّيٌّ ؛ وغَيْرُهُ -: ذَلِكَ عَلى أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ؛ لا بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ لِأنَّها إذا كانَتْ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ كانَ قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: "لَكُما"؛ داخِلًا في الصِلَةِ؛ فَلا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ؛ وأظُنُّ أنَّ أبا عَلِيٍّ الفارِسِيَّ خَرَّجَ جَوازَ تَقْدِيمِهِ؛ وهي بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ والظاهِرُ أنَّهُ إنْ جُعِلَتْ بِمَعْنى "اَلَّذِي"؛ كانَتِ اللامُ في قَوْلِهِ "لَكُما"؛ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "إنِّي ناصِحٌ لَكُما مِنَ الناصِحِينَ"؛ وقالَ أبُو العالِيَةِ - في بَعْضِ القِراءَةِ -: "وَقاسَمَهُما بِاللهِ".
الأعراف 7:22
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عن تِلْكُما الشَجَرَةَ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
(p-٥٣٥)﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ ؛ يُرِيدُ: فَغَرَّهُما بِقَوْلِهِ؛ وخَدَعَهُما بِمَكْرِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِعارَةً مِن "اَلرَّجُلُ يُدْلِي آخَرَ مِن هُوَّةٍ بِحَبْلٍ قَدْ أرِمَ؛ أو بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ يَغْتَرُّ بِهِ؛ فَإذا تَدَلّى بِهِ وتَوَرَّكَ عَلَيْهِ؛ انْقَطَعَ بِهِ؛ فَهَلَكَ"؛ فَيُشَبَّهُ الَّذِي يُغَرُّ بِالكَلامِ حَتّى يُصَدِّقَهُ؛ فَيَقَعُ في مُصِيبَةٍ؛ بِالَّذِي يُدْلّى في هُوَّةٍ بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ.
وعُلِّقَ حُكْمُ العُقُوبَةِ بِالذَوْقِ؛ إذْ هو أوَّلُ الأكْلِ؛ وبِهِ يُرْتَكَبُ النَهْيُ؛ وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَأكَلا مِنها﴾ [طه: ١٢١].
؛ وقَوْلُهُ تَعالى "بَدَتْ"؛ قِيلَ: تَخَرَّقَتْ عنهُما ثِيابُ الجَنَّةِ؛ ومَلابِسُها؛ وتَطايَرَتْ تَبَرِّيًا مِنهُما؛ وقالَ وهْبُ بْنُ مُنْبِهٍ: كانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَسْتُرُ عَوْرَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما؛ فانْقَشَعَ بِالمَعْصِيَةِ ذَلِكَ النُورُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ: كانَ عَلَيْهِما ظُفْرٌ كاسٍ؛ فَلَمّا عَصَيا تَقَلَّصَ عنهُما؛ فَبَدَتْ سَوْءاتُهُما؛ وبَقِيَ مِنهُ عَلى الأصابِعِ قَدْرَ ما يَتَذَكَّرانِ بِهِ المَعْصِيَةَ؛ فَيُجَدِّدانِ النَدَمَ.
"وَطَفِقا"؛ مَعْناهُ: أخَذا؛ وجَعَلا؛ وهو فِعْلٌ لا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ؛ كَـ "باتَ"؛ و"ظَلَّ".
و"يَخْصِفانِ"؛ مَعْناهُ: يُلْصِقانِها؛ ويَضُمّانِ بَعْضَها إلى بَعْضٍ؛ و"اَلْمِخْصَفُ": اَلْإشْفى؛ وضَمُّ الوَرَقِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ أشْبَهُ بِالخَرْزِ مِنهُ بِالخِياطَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَخْصِفانِ"؛ مِن "خَصَفَ"؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: "يَخَصِّفانِ"؛ بِشَدِّ الصادِ؛ (p-٥٣٦)وَقَرَأ الزُهْرِيُّ: "يُخْصِفانِ"؛ مِن "أخْصَفَ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ - فِيما رَوى عنهُ مَحْبُوبٌ: "يَخَصِّفانِ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ والخاءِ؛ وكَسْرِ الصادِ؛ وشَدِّها؛ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ؛ وعن يَعْقُوبَ؛ وأصْلُها "يَخْتَصِفانِ"؛ كَما تَقُولُ: "سَمِعْتُ الحَدِيثَ"؛ و"اِسْتَمَعْتُهُ"؛ فَأُدْغِمَتِ التاءُ في الصادِ؛ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الخاءِ؛ وكَذَلِكَ الأصْلُ في القِراءَةِ بِكَسْرِ الخاءِ بَعْدَ هَذِهِ؛ لَكِنْ لَمّا سُكِّنَتِ التاءُ؛ وأُدْغِمَتْ في الصادِ؛ اجْتَمَعَ ساكِنانِ؛ فَكُسِرَتِ الخاءُ؛ عَلى عُرْفِ التِقاءِ الساكِنَيْنِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ والأعْرَجُ ؛ ومُجاهِدٌ: "يَخِصِّفانِ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وكَسْرِ الخاءِ؛ وكَسْرِ الصادِ؛ وشَدِّها؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَعْلِيلُها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنَّ الوَرَقَ الَّذِي خُصِفَ مِنهُ ورَقُ التِينِ؛ ورَوى أُبَيٌّ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - «أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ يَمْشِي في الجَنَّةِ كَأنَّهُ نَخْلَةٌ سَمُوقٌ؛ فَلَمّا واقَعَ المَعْصِيَةَ وبَدَتْ لَهُ حالُهُ فَرَّ عَلى وجْهِهِ؛ فَأخَذَتْ شَجَرَةٌ بِشَعْرِ رَأْسِهِ؛ يُقالُ: إنَّها الزَيْتُونَةُ؛ فَقالَ لَها: "أرْسِلِينِي"؛ فَقالَتْ: ما أنا بِمُرْسِلَتِكَ؛ فَناداهُ رَبُّهُ: (أمِنِّي تَفِرُّ يا آدَمُ؟)؛ قالَ: "لا يا رَبُّ؛ ولَكِنِّي اسْتَحَيْتُكَ"؛ قالَ: (أما كانَ لَكَ فِيما مَنَحْتُكَ مِنَ الجَنَّةِ مَندُوحَةٌ عَمّا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ؟)؛ قالَ: "بَلى يا رَبُّ؛ ولَكِنْ وعِزَّتِكَ ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ بِكَ كاذِبًا"؛ قالَ: (فَبِعِزَّتِي لَأُهْبِطَنَّكَ إلى الأرْضِ؛ ثُمَّ لا تَنالُ العَيْشَ إلّا كَدًّا).»
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَناداهُما"؛﴾ اَلْآيَةَ؛ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذا النِداءَ نِداءُ وحْيٍ؛ بِواسِطَةٍ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنّا نَتَلَقّى مِنَ الشَرْعِ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - هو الَّذِي خُصِّصَ بَيْنَ العالَمِ بِالكَلامِ؛ وأيْضًا فَفي حَدِيثِ الشَفاعَةِ «أنَّ بَنِي آدَمَ المُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - يَوْمَ القِيامَةِ: "أنْتَ خَصَّكَ اللهُ بِكَلامِهِ؛ واصْطَفاكَ بِرِسالَتِهِ؛ اذْهَبْ فاشْفَعْ لِلنّاسِ"؛» وهَذا ظاهِرُهُ أنَّهُ مُخَصَّصٌ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو نِداءُ تَكْلِيمٍ.
(p-٥٣٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وحُجَّةُ هَذا المَذْهَبِ أنَّهُ وقَعَ في أوَّلِ ورَقَةٍ مِن تارِيخِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عن آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَقالَ: "نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ"؛» وأيْضًا فَإنَّ مُوسى خُصِّصَ بَيْنَ البَشَرِ الساكِنِينَ في الأرْضِ؛ وأمّا آدَمُ إذْ كانَ في الجَنَّةِ فَكانَ في غَيْرِ رُتْبَةِ سُكّانِ الأرْضِ؛ فَلَيْسَ في تَكْلِيمِهِ ما يُفْسِدُ تَخْصِيصَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويُؤَيِّدُ أنَّهُ نِداءُ وحْيٍ؛ اشْتِراكُ حَوّاءَ فِيهِ؛ ولَمْ يُرْوَ قَطُّ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - كَلَّمَ حَوّاءَ؛ ويُتَأوَّلُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ « "نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ"؛» أنَّهُ بِمَعْنى: مُوصَلٌ إلَيْهِ كَلامُ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ أنْهَكُما﴾ ؛ سُؤالُ تَقْرِيرٍ؛ يَتَضَمَّنُ التَوْبِيخَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "تِلْكُما"؛﴾ يُؤَيِّدُ - بِحَسَبِ ظاهِرِ اللَفْظِ - أنَّهُ إنَّما أشارَ إلى شَخْصِ شَجَرَةٍ؛ ﴿وَأقُلْ لَكُما إنَّ الشَيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ "طـه"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو العَهْدُ الَّذِي نَسِيَهُ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ عَلى مَذْهَبِ مَن يَجْعَلُ النِسْيانَ عَلى بابِهِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "ألَمْ تُنْهَيا عن تِلْكُما الشَجَرَةِ وقِيلَ لَكُما"؛ وقَوْلُهُما: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ ؛ اِعْتِرافٌ مِن آدَمَ؛ وحَوّاءَ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ وطَلَبٌ لِلتَّوْبَةِ؛ والسَتْرِ؛ والتَغَمُّدِ بِالرَحْمَةِ؛ فَطَلَبَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هَذا؛ وطَلَبَ إبْلِيسُ النَظِرَةَ؛ ولَمْ يَطْلُبِ التَوْبَةَ؛ فَوُكِلَ إلى رَأْيِهِ؛ قالَ الضَحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن رَبِّهِ تَعالى.
الأعراف 7:23
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عن تِلْكُما الشَجَرَةَ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾
(p-٥٣٥)﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ ؛ يُرِيدُ: فَغَرَّهُما بِقَوْلِهِ؛ وخَدَعَهُما بِمَكْرِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ هَذا اسْتِعارَةً مِن "اَلرَّجُلُ يُدْلِي آخَرَ مِن هُوَّةٍ بِحَبْلٍ قَدْ أرِمَ؛ أو بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ يَغْتَرُّ بِهِ؛ فَإذا تَدَلّى بِهِ وتَوَرَّكَ عَلَيْهِ؛ انْقَطَعَ بِهِ؛ فَهَلَكَ"؛ فَيُشَبَّهُ الَّذِي يُغَرُّ بِالكَلامِ حَتّى يُصَدِّقَهُ؛ فَيَقَعُ في مُصِيبَةٍ؛ بِالَّذِي يُدْلّى في هُوَّةٍ بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ.
وعُلِّقَ حُكْمُ العُقُوبَةِ بِالذَوْقِ؛ إذْ هو أوَّلُ الأكْلِ؛ وبِهِ يُرْتَكَبُ النَهْيُ؛ وفي آيَةٍ أُخْرى: ﴿فَأكَلا مِنها﴾ [طه: ١٢١].
؛ وقَوْلُهُ تَعالى "بَدَتْ"؛ قِيلَ: تَخَرَّقَتْ عنهُما ثِيابُ الجَنَّةِ؛ ومَلابِسُها؛ وتَطايَرَتْ تَبَرِّيًا مِنهُما؛ وقالَ وهْبُ بْنُ مُنْبِهٍ: كانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَسْتُرُ عَوْرَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما؛ فانْقَشَعَ بِالمَعْصِيَةِ ذَلِكَ النُورُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وقَتادَةُ: كانَ عَلَيْهِما ظُفْرٌ كاسٍ؛ فَلَمّا عَصَيا تَقَلَّصَ عنهُما؛ فَبَدَتْ سَوْءاتُهُما؛ وبَقِيَ مِنهُ عَلى الأصابِعِ قَدْرَ ما يَتَذَكَّرانِ بِهِ المَعْصِيَةَ؛ فَيُجَدِّدانِ النَدَمَ.
"وَطَفِقا"؛ مَعْناهُ: أخَذا؛ وجَعَلا؛ وهو فِعْلٌ لا يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ؛ كَـ "باتَ"؛ و"ظَلَّ".
و"يَخْصِفانِ"؛ مَعْناهُ: يُلْصِقانِها؛ ويَضُمّانِ بَعْضَها إلى بَعْضٍ؛ و"اَلْمِخْصَفُ": اَلْإشْفى؛ وضَمُّ الوَرَقِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ أشْبَهُ بِالخَرْزِ مِنهُ بِالخِياطَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَخْصِفانِ"؛ مِن "خَصَفَ"؛ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ: "يَخَصِّفانِ"؛ بِشَدِّ الصادِ؛ (p-٥٣٦)وَقَرَأ الزُهْرِيُّ: "يُخْصِفانِ"؛ مِن "أخْصَفَ"؛ وقَرَأ الحَسَنُ - فِيما رَوى عنهُ مَحْبُوبٌ: "يَخَصِّفانِ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ والخاءِ؛ وكَسْرِ الصادِ؛ وشَدِّها؛ ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ؛ وعن يَعْقُوبَ؛ وأصْلُها "يَخْتَصِفانِ"؛ كَما تَقُولُ: "سَمِعْتُ الحَدِيثَ"؛ و"اِسْتَمَعْتُهُ"؛ فَأُدْغِمَتِ التاءُ في الصادِ؛ ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى الخاءِ؛ وكَذَلِكَ الأصْلُ في القِراءَةِ بِكَسْرِ الخاءِ بَعْدَ هَذِهِ؛ لَكِنْ لَمّا سُكِّنَتِ التاءُ؛ وأُدْغِمَتْ في الصادِ؛ اجْتَمَعَ ساكِنانِ؛ فَكُسِرَتِ الخاءُ؛ عَلى عُرْفِ التِقاءِ الساكِنَيْنِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ والأعْرَجُ ؛ ومُجاهِدٌ: "يَخِصِّفانِ"؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وكَسْرِ الخاءِ؛ وكَسْرِ الصادِ؛ وشَدِّها؛ وقَدْ تَقَدَّمَ تَعْلِيلُها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: إنَّ الوَرَقَ الَّذِي خُصِفَ مِنهُ ورَقُ التِينِ؛ ورَوى أُبَيٌّ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - «أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - كانَ يَمْشِي في الجَنَّةِ كَأنَّهُ نَخْلَةٌ سَمُوقٌ؛ فَلَمّا واقَعَ المَعْصِيَةَ وبَدَتْ لَهُ حالُهُ فَرَّ عَلى وجْهِهِ؛ فَأخَذَتْ شَجَرَةٌ بِشَعْرِ رَأْسِهِ؛ يُقالُ: إنَّها الزَيْتُونَةُ؛ فَقالَ لَها: "أرْسِلِينِي"؛ فَقالَتْ: ما أنا بِمُرْسِلَتِكَ؛ فَناداهُ رَبُّهُ: (أمِنِّي تَفِرُّ يا آدَمُ؟)؛ قالَ: "لا يا رَبُّ؛ ولَكِنِّي اسْتَحَيْتُكَ"؛ قالَ: (أما كانَ لَكَ فِيما مَنَحْتُكَ مِنَ الجَنَّةِ مَندُوحَةٌ عَمّا حَرَّمْتُ عَلَيْكَ؟)؛ قالَ: "بَلى يا رَبُّ؛ ولَكِنْ وعِزَّتِكَ ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا يَحْلِفُ بِكَ كاذِبًا"؛ قالَ: (فَبِعِزَّتِي لَأُهْبِطَنَّكَ إلى الأرْضِ؛ ثُمَّ لا تَنالُ العَيْشَ إلّا كَدًّا).»
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَناداهُما"؛﴾ اَلْآيَةَ؛ قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذا النِداءَ نِداءُ وحْيٍ؛ بِواسِطَةٍ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنّا نَتَلَقّى مِنَ الشَرْعِ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - هو الَّذِي خُصِّصَ بَيْنَ العالَمِ بِالكَلامِ؛ وأيْضًا فَفي حَدِيثِ الشَفاعَةِ «أنَّ بَنِي آدَمَ المُؤْمِنِينَ يَقُولُونَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - يَوْمَ القِيامَةِ: "أنْتَ خَصَّكَ اللهُ بِكَلامِهِ؛ واصْطَفاكَ بِرِسالَتِهِ؛ اذْهَبْ فاشْفَعْ لِلنّاسِ"؛» وهَذا ظاهِرُهُ أنَّهُ مُخَصَّصٌ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو نِداءُ تَكْلِيمٍ.
(p-٥٣٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وحُجَّةُ هَذا المَذْهَبِ أنَّهُ وقَعَ في أوَّلِ ورَقَةٍ مِن تارِيخِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سُئِلَ عن آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فَقالَ: "نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ"؛» وأيْضًا فَإنَّ مُوسى خُصِّصَ بَيْنَ البَشَرِ الساكِنِينَ في الأرْضِ؛ وأمّا آدَمُ إذْ كانَ في الجَنَّةِ فَكانَ في غَيْرِ رُتْبَةِ سُكّانِ الأرْضِ؛ فَلَيْسَ في تَكْلِيمِهِ ما يُفْسِدُ تَخْصِيصَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ويُؤَيِّدُ أنَّهُ نِداءُ وحْيٍ؛ اشْتِراكُ حَوّاءَ فِيهِ؛ ولَمْ يُرْوَ قَطُّ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - كَلَّمَ حَوّاءَ؛ ويُتَأوَّلُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ « "نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ"؛» أنَّهُ بِمَعْنى: مُوصَلٌ إلَيْهِ كَلامُ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ أنْهَكُما﴾ ؛ سُؤالُ تَقْرِيرٍ؛ يَتَضَمَّنُ التَوْبِيخَ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "تِلْكُما"؛﴾ يُؤَيِّدُ - بِحَسَبِ ظاهِرِ اللَفْظِ - أنَّهُ إنَّما أشارَ إلى شَخْصِ شَجَرَةٍ؛ ﴿وَأقُلْ لَكُما إنَّ الشَيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ "طـه"؛ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو العَهْدُ الَّذِي نَسِيَهُ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ عَلى مَذْهَبِ مَن يَجْعَلُ النِسْيانَ عَلى بابِهِ؛ وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "ألَمْ تُنْهَيا عن تِلْكُما الشَجَرَةِ وقِيلَ لَكُما"؛ وقَوْلُهُما: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ ؛ اِعْتِرافٌ مِن آدَمَ؛ وحَوّاءَ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ وطَلَبٌ لِلتَّوْبَةِ؛ والسَتْرِ؛ والتَغَمُّدِ بِالرَحْمَةِ؛ فَطَلَبَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - هَذا؛ وطَلَبَ إبْلِيسُ النَظِرَةَ؛ ولَمْ يَطْلُبِ التَوْبَةَ؛ فَوُكِلَ إلى رَأْيِهِ؛ قالَ الضَحّاكُ: هَذِهِ الآيَةُ هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّى آدَمُ - عَلَيْهِ السَلامُ - مِن رَبِّهِ تَعالى.
الأعراف 7:24
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾
(p-٥٣٨)اَلْمُخاطَبَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى "اِهْبِطُوا"؛ قالَ أبُو صالِحٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ والطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: هي لِآدَمَ وحَوّاءَ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ وإبْلِيسَ؛ والحَيَّةِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُخاطَبَةٌ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتِهِ؛ وإبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لَعَدَمِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ فَإنْ قِيلَ: خاطَبَهم وأمَرَهم بِشَرْطِ الوُجُودِ؛ فَذَلِكَ يَبْعُدُ في هَذِهِ النازِلَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِشَرْطِ الوُجُودِ إنَّما يَصِحُّ إذا تَرَتَّبَ عَلى المَأْمُورِ بَعْدَ وُجُودِهِ؛ وصَحَّ مَعْناهُ عَلَيْهِ؛ كالصَلاةِ؛ والصَوْمِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وأمّا هُنا؛ فَإنَّ مَعْنى الهُبُوطِ لا يُتَصَوَّرُ في بَنِي آدَمَ بَعْدَ وُجُودِهِمْ؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ الأمْرِ بِهِ شَيْءٌ؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى - في آيَةٍ أُخْرى -: "اِهْبِطا"؛ فَهي مُخاطَبَةٌ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وإبْلِيسَ؛ بِدَلِيلِ بَيانِهِ العَداوَةَ بَيْنَهُما.
و"عَدُوٌّ"؛ فَرْدٌ بِمَعْنى الجَمْعِ؛ تَقُولُ: "قَوْمٌ عَدُوٌّ؛ وقَوْمٌ صَدِيقٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لَعَمْرِي لَئِنْ كُنْتُمْ عَلى النَأْيِ والغِنى ∗∗∗ بِكم مِثْلُ ما بِي إنَّكم لَصَدِيقُ
وعَداوَةُ الحَياةِ مَعْرُوفَةٌ؛ ورَوى قَتادَةُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "ما سالَمْناهُنَّ مُنْذُ حارَبْناهُنَّ"؛» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "مَن تَرَكَهُنَّ فَلَيْسَ مِنّا"؛ وقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "مَن تَرَكَ حَيَّةً خَشْيَةً مِن ثَأْرِها فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ".
(p-٥٣٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنَّما يَعْرِضُ في أمْرِهِنَّ حَدِيثُ الفَتى؛ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ؛ وقَوْلُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ جِنًّا بِالمَدِينَةِ قَدْ أسْلَمُوا؛ فَمَن رَأى مِن هَذِهِ الحَيّاتِ شَيْئًا في بَيْتِهِ فَلْيُحَرِّجْ عَلَيْهِ ثَلاثًا؛ فَإنْ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلْيَقْتُلْهُ؛ فَإنَّما هو كافِرٌ".»
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "مُسْتَقَرٌّ"؛﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِزَمَنِ الحَياةِ؛ ولِزَمَنِ الإقامَةِ في القُبُورِ؛ وبِزَمَنِ الحَياةِ فَسَّرَ أبُو العالِيَةِ ؛ وقالَ: هي كَقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ [البقرة: ٢٢] ؛ وبِالإقامَةِ في القُبُورِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ واللَفْظُ يَعُمُّهُما؛ فَهي كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ؛ وأمّا المَتاعُ فَهو بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخْصٍ؛ في زَمَنِ الحَياةِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدِّرَ سُكْنى القَبْرِ مَتاعًا بِوَجْهٍ ما؛ والمَتاعُ: اَلتَّمَتُّعُ؛ والنَيْلُ مِنَ الفَوائِدِ؛ و﴿ "إلى حِينٍ"؛﴾ هو - بِحَسَبِ الجُمْلَةِ -: قِيامُ الساعَةِ؛ وبِحَسَبِ مُفْرَدٍ مُفْرَدٍ: بُلُوغُ الأجَلِ؛ والمَوْتِ؛ و"اَلْحِينُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْوَقْتُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - أُهْبِطَ بِالهِنْدِ؛ وحَوّاءَ بِجِدَّةَ؛ وتَمَنّاها بِمِنًى؛ وعَرَفَ حَقِيقَةَ أمْرِها بِعَرَفَةَ؛ ولَقِيَها بِجَمْعٍ؛ وأُهْبِطَ إبْلِيسُ بِمَيْسانَ؛ وقِيلَ: بِالبَصْرَةِ؛ (p-٥٤٠)وَقِيلَ: بِمِصْرَ؛ فَباضَ فِيها؛ وفَرَّخَ؛ قالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: وبَسَطَ إبْلِيسُ فِيها عَبْقَرِيَّهُ؛ وذَكَرَ صالِحٌ؛ مَوْلى التَوْأمَةِ؛ قالَ: في بَعْضِ الكُتُبِ: لَمّا أُهْبِطَ إبْلِيسُ قالَ: رَبِّ أيْنَ مَسْكَنِي؟ قالَ: (مَسْكَنُكَ الحَمّامُ؛ ومَجْلِسُكَ الأسْواقُ؛ ولَهْوُكَ المَزامِيرُ؛ وطَعامُكَ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمِي؛ وشَرابُكَ المُسْكِرُ؛ ورُسُلُكَ الشَهَواتُ؛ وحَبائِلُكَ النِساءُ)؛ وأُهْبِطَتِ الحَيَّةُ بِأصْبَهانَ؛ ورُوِيَ أنَّها كانَتْ ذاتَ قَوائِمَ؛ كالبَعِيرِ؛ فَعُوقِبَتْ بِأنْ رُدَّتْ تَنْسابُ عَلى بَطْنِها.
ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا أُهْبِطَ إلى شَقاءِ الدُنْيا؛ عُلِّمَ صَنْعَةَ الحَدِيدِ؛ ثُمَّ عُلِّمَ الحَرْثَ؛ فَحَرَثَ؛ وسَقى؛ وحَصَدَ؛ وذَرا؛ وطَحَنَ؛ وعَجَنَ؛ وخَبَزَ؛ وطَبَخَ؛ وأكَلَ؛ فَلَمْ يَبْلُغْ إلى ذَلِكَ حَتّى بَلَغَ مِنَ الجَهْدِ ما شاءَ اللهُ تَعالى ؛ ورُوِيَ أنَّ حَوّاءَ قِيلَ لَها: يا حَوّاءُ؛ كَما دَمِيَتِ الشَجَرَةُ فَأنْتِ تَدْمِينَ في كُلِّ شَهْرٍ؛ وأنْتِ لا تَحْمِلِينَ إلّا كُرْهًا؛ ولا تَضَعِينَ إلّا كُرْهًا؛ قالَ: فَرَنَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ؛ فَقِيلَ لَها: اَلرَّنَّةُ عَلَيْكِ وعَلى ولَدِكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الأنْباءِ كَثِيرٌ؛ اخْتَصَرْتُها؛ إذْ لا يَقْتَضِيها اللَفْظُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حُكْمٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أمْضاهُ؛ وجَعَلَهُ حَتْمًا في رِقابِ العِبادِ؛ يَحْيَوْنَ في الأرْضِ؛ ويَمُوتُونَ فِيها؛ ويُبْعَثُونَ مِنها إلى الحَشْرِ أحْياءً؛ كَما أنْشَأ تَعالى أوَّلَ خَلْقٍ يُعِيدُهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "تُخْرَجُونَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ هُنا؛ وفي "اَلرُّومِ"؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ تَكَرَّرَ؛ إلّا في "اَلرُّومِ": ﴿إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] ؛ وفي (p-٥٤١)"سَألَ سائِلٌ": ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] ؛ فَإنَّ هَذَيْنِ بِفَتْحِ التاءِ؛ والياءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ ولَمْ يَخْتَلِفِ الناسُ فِيهِما؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ في "اَلْأعْرافِ": "وَمِنها تَخْرُجُونَ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ وفَتَحَ ابْنُ عامِرٍ التاءَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وضَمَّها في الباقِي.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ وقْتَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والسَبَبُ والمُرادُ: قُرَيْشٌ؛ ومَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَتَعَرّى في طَوافِهِ بِالبَيْتِ؛ ذَكَرَ النَقّاشُ ثَقِيفًا؛ وخُزاعَةَ؛ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ؛ وبَنِي مُدْلِجٍ؛ وعامِرًا؛ والحارِثَ ابْنَيْ عَبْدِ مَنافٍ؛ فَإنَّها كانَتْ عادَتَهُمْ؛ رِجالًا ونِساءً؛ وذَلِكَ غايَةٌ العارِ والعِصْيانِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الأرْبَعُ الآياتُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "أنْزَلْنا"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ التَدَرُّجَ؛ أيْ: لَمّا أنْزَلْنا المَطَرَ؛ فَكانَ عنهُ جَمِيعُ ما يُلْبَسُ؛ قالَ عَنِ اللِباسِ: "أنْزَلْنا"؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ - يَصِفُ مَطَرًا -:
؎ أقْبَلَ في المُسْتَنِّ مِن سَحابِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ
أيْ: بِالمالِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "خَلَقْنا"؛ فَجاءَتِ العِبارَةُ بِـ "أنْزَلْنا"؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ﴾ [الحديد: ٢٥] ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] ؛ وأيْضًا فَخَلْقُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأفْعالُهُ تَعالى إنَّما هي مِن عُلُوٍّ في القَدْرِ؛ والمَنزِلَةِ؛ و"لِباسًا"؛ عامٌّ في جَمِيعِ ما يُلْبَسُ؛ و"يُوارِي"؛ يَسْتُرُ؛ وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "سَوْءاتِكم وزِينَةً ولُبْسُ التَقْوى"؛ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلِباسُ التَقْوى خَيْرٌ ذَلِكُمْ"؛ ويُرْوى عنهُ: "ذَلِكَ"؛ وسَقَطَتْ "ذَلِكَ"؛ اَلْأُولى؛ وقَرَأ سَكَنٌ النَحْوِيُّ: "وَلَبُوسُ التَقْوى"؛ بِالواوِ؛ (p-٥٤٢)مَرْفُوعَةَ السِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "وَرِيشًا"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ فِيما رَوى عنهُ أبُو عَمْرٍو أيْضًا؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ؛ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ؛ وقَتادَةُ: "وَرِياشًا"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي قِراءَةُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: رَواها عنهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهُما عِبارَتانِ عن سَعَةِ الرِزْقِ؛ ورَفاهِيَةِ العَيْشِ؛ ووُجُودِ المَلْبَسِ؛ والتَمَتُّعِ؛ وفَسَّرَهُ قَوْمٌ بِالأثاثِ؛ وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - بِالمالِ؛ وكَذَلِكَ قالَ السُدِّيُّ والضَحّاكُ ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "اَلرِّيشُ": اَلْجَمالُ؛ وقِيلَ: "اَلرِّياشُ": جَمْعُ "رِيشٌ"؛ كَـ "بِيرٌ"؛ و"بِيارٌ"؛ و"ذِيبٌ"؛ و"ذِيابٌ"؛ و"لِصْبٌ"؛ و"لِصابٌ"؛ و"شِعْبٌ"؛ و"شِعابٌ"؛ وقِيلَ: "اَلرِّياشُ": مَصْدَرٌ مِن "أراشَهُ اللهُ تَعالى ؛ يَرِيشُهُ"؛ إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ؛ والرِيشُ مَصْدَرٌ أيْضًا مِن ذَلِكَ؛ وفي الحَدِيثِ: « "رَجُلٌ راشَهُ اللهُ مالًا".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنَّ هَذا كُلَّهُ مِن مَعْنى رِيشِ الطائِرِ؛ ورِيشِ السَهْمِ؛ إذْ هو لِباسُهُ؛ وسُتْرَتُهُ؛ وعَوْنُهُ عَلى النُفُوذِ؛ و"راشَ اللهُ تَعالى "؛ مَأْخُوذٌ مِن ذَلِكَ؛ ألا تَرى أنَّها تُقْرَنُ بِـ "بَرى"؟ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَرِشْنِي بِخَيْرٍ طالَما قَدْ بَرَيْتَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ وخَيْرُ المَوالِي مَن يَرِيشُ ولا يَبْرِي
(p-٥٤٣)وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ والكِسائِيُّ: "وَلِباسَ"؛ بِالنَصْبِ؛ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "وَلِباسُ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَقِيلَ: هو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَهُوَ لِباسُ"؛ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ؛ و"ذَلِكَ"؛ مُبْتَدَأٌ آخَرُ؛ و"خَيْرٌ"؛ خَبَرُ "ذَلِكَ"؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ؛ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ؛ و"خَيْرٌ"؛ خَبَرُهُ؛ و"ذَلِكَ"؛ بَدَلٌ؛ أو عَطْفُ بَيانٍ؛ أو صِفَةٌ؛ وهَذا أنْبَلُ الأقْوالِ؛ ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْحُجَّةُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما أنْزَلَ؛ مِنَ اللِباسِ؛ والرِيشِ؛ وحَكى النَقّاشُ أنَّ الإشارَةَ إلى ﴿وَلِباسُ التَقْوى﴾ ؛ أيْ: هو في العَبْدِ آيَةٌ؛ أيْ: عَلامَةٌ؛ وأمارَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ قَدْ رَضِيَ عنهُ؛ ورَحِمَهُ؛ و"لَعَلَّهُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِحَسَبِهِمْ؛ ومَبْلَغِهِمْ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى":﴾ اَلْإيمانُ؛ وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: هو الحَياءُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هو العَمَلُ الصالِحُ؛ وقالَ أيْضًا: هو السَمْتُ الحَسَنُ في الوَجْهِ؛ وقالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ عَلى المِنبَرِ؛ وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: هو خَشْيَةُ اللهِ تَعالى ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو سَتْرُ العَوْرَةِ؛ والسَمْتُ الحَسَنُ في الدُنْيا؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى":﴾ اَلْعِفَّةُ؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى":﴾ اَلسِّلاحُ؛ وآلَةُ الجِهادِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ كُلُّها مُثُلٌ؛ وهي مِن لِباسِ التَقْوى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتُتَصَوَّرُ الصِفَةُ الَّتِي حَكاها أبُو عَلِيٍّ في قَوْلِهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأسْماءَ تُوصَفُ بِمَعْنى الإشارَةِ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي زَيْدٌ هَذا"؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: "جاءَنِي زَيْدٌ المُشارُ إلَيْهِ"؛ فَعَلى هَذا الحَدِّ تُوصَفُ الأسْماءُ بِالمُبْهَماتِ؛ وأمّا قَوْلُهُ فِيهِ: عَطْفُ بَيانٍ؛ وبَدَلٌ؛ فَهُما واحِدٌ في اللَفْظِ؛ إنَّما الفارِقُ بَيْنَهُما في المَعْنى والمَقْصِدِ؛ وذَلِكَ أنَّكَ تُرِيدُ في البَدَلِ كَأنَّكَ أزَلْتَ الأوَّلَ؛ وأعْمَلْتَ العامِلَ في الثانِي؛ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ؛ وتُرِيدُ في عَطْفِ البَيانِ كَأنَّكَ أبْقَيْتَ الأوَّلَ؛ ثُمَّ ثَنَّيْتَهُ بِعَيْنِهِ في ذِكْرِ الثانِي؛ وإنَّما يَبِينُ الفارِقُ بَيْنَ البَدَلِ؛ وعَطْفِ البَيانِ؛ في (p-٥٤٤)مَسْألَةِ النِداءِ؛ إذا قُلْتَ: "يا عَبْدَ اللهِ زِيدُ"؛ فالبَدَلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو عَلى هَذا الحَدِّ؛ بِرَفْعِ "زِيدُ"؛ لِأنَّكَ تُقَدِّرُ إزالَةَ " عَبْدَ اللهِ "؛ وإضافَةَ "يا"؛ إلى "زَيْدُ"؛ ولَوْ عَطَفْتَ عَطْفَ البَيانِ لَقُلْتَ: "يا عَبْدَ اللهِ زِيدًا"؛ لِأنَّكَ أرَدْتَ بَيانَهُ؛ ولَمْ تُقَدِّرْ إزالَةَ الأوَّلِ؛ ويُنْشَدُ هَذا البَيْتُ:
؎ إنِّي وأسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا ∗∗∗ ∗∗∗ لَقائِلٌ: يا نَصْرُ نَصْرًا نَصْرا
و"نَصْرٌ"؛ اَلْأوَّلُ عَلى عَطْفِ البَيانِ؛ والثانِي عَلى البَدَلِ.
الأعراف 7:25
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾
(p-٥٣٨)اَلْمُخاطَبَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى "اِهْبِطُوا"؛ قالَ أبُو صالِحٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ والطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: هي لِآدَمَ وحَوّاءَ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ وإبْلِيسَ؛ والحَيَّةِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُخاطَبَةٌ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتِهِ؛ وإبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لَعَدَمِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ فَإنْ قِيلَ: خاطَبَهم وأمَرَهم بِشَرْطِ الوُجُودِ؛ فَذَلِكَ يَبْعُدُ في هَذِهِ النازِلَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِشَرْطِ الوُجُودِ إنَّما يَصِحُّ إذا تَرَتَّبَ عَلى المَأْمُورِ بَعْدَ وُجُودِهِ؛ وصَحَّ مَعْناهُ عَلَيْهِ؛ كالصَلاةِ؛ والصَوْمِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وأمّا هُنا؛ فَإنَّ مَعْنى الهُبُوطِ لا يُتَصَوَّرُ في بَنِي آدَمَ بَعْدَ وُجُودِهِمْ؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ الأمْرِ بِهِ شَيْءٌ؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى - في آيَةٍ أُخْرى -: "اِهْبِطا"؛ فَهي مُخاطَبَةٌ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وإبْلِيسَ؛ بِدَلِيلِ بَيانِهِ العَداوَةَ بَيْنَهُما.
و"عَدُوٌّ"؛ فَرْدٌ بِمَعْنى الجَمْعِ؛ تَقُولُ: "قَوْمٌ عَدُوٌّ؛ وقَوْمٌ صَدِيقٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لَعَمْرِي لَئِنْ كُنْتُمْ عَلى النَأْيِ والغِنى ∗∗∗ بِكم مِثْلُ ما بِي إنَّكم لَصَدِيقُ
وعَداوَةُ الحَياةِ مَعْرُوفَةٌ؛ ورَوى قَتادَةُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "ما سالَمْناهُنَّ مُنْذُ حارَبْناهُنَّ"؛» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "مَن تَرَكَهُنَّ فَلَيْسَ مِنّا"؛ وقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "مَن تَرَكَ حَيَّةً خَشْيَةً مِن ثَأْرِها فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ".
(p-٥٣٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنَّما يَعْرِضُ في أمْرِهِنَّ حَدِيثُ الفَتى؛ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ؛ وقَوْلُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ جِنًّا بِالمَدِينَةِ قَدْ أسْلَمُوا؛ فَمَن رَأى مِن هَذِهِ الحَيّاتِ شَيْئًا في بَيْتِهِ فَلْيُحَرِّجْ عَلَيْهِ ثَلاثًا؛ فَإنْ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلْيَقْتُلْهُ؛ فَإنَّما هو كافِرٌ".»
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "مُسْتَقَرٌّ"؛﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِزَمَنِ الحَياةِ؛ ولِزَمَنِ الإقامَةِ في القُبُورِ؛ وبِزَمَنِ الحَياةِ فَسَّرَ أبُو العالِيَةِ ؛ وقالَ: هي كَقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ [البقرة: ٢٢] ؛ وبِالإقامَةِ في القُبُورِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ واللَفْظُ يَعُمُّهُما؛ فَهي كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ؛ وأمّا المَتاعُ فَهو بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخْصٍ؛ في زَمَنِ الحَياةِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدِّرَ سُكْنى القَبْرِ مَتاعًا بِوَجْهٍ ما؛ والمَتاعُ: اَلتَّمَتُّعُ؛ والنَيْلُ مِنَ الفَوائِدِ؛ و﴿ "إلى حِينٍ"؛﴾ هو - بِحَسَبِ الجُمْلَةِ -: قِيامُ الساعَةِ؛ وبِحَسَبِ مُفْرَدٍ مُفْرَدٍ: بُلُوغُ الأجَلِ؛ والمَوْتِ؛ و"اَلْحِينُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْوَقْتُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - أُهْبِطَ بِالهِنْدِ؛ وحَوّاءَ بِجِدَّةَ؛ وتَمَنّاها بِمِنًى؛ وعَرَفَ حَقِيقَةَ أمْرِها بِعَرَفَةَ؛ ولَقِيَها بِجَمْعٍ؛ وأُهْبِطَ إبْلِيسُ بِمَيْسانَ؛ وقِيلَ: بِالبَصْرَةِ؛ (p-٥٤٠)وَقِيلَ: بِمِصْرَ؛ فَباضَ فِيها؛ وفَرَّخَ؛ قالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: وبَسَطَ إبْلِيسُ فِيها عَبْقَرِيَّهُ؛ وذَكَرَ صالِحٌ؛ مَوْلى التَوْأمَةِ؛ قالَ: في بَعْضِ الكُتُبِ: لَمّا أُهْبِطَ إبْلِيسُ قالَ: رَبِّ أيْنَ مَسْكَنِي؟ قالَ: (مَسْكَنُكَ الحَمّامُ؛ ومَجْلِسُكَ الأسْواقُ؛ ولَهْوُكَ المَزامِيرُ؛ وطَعامُكَ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمِي؛ وشَرابُكَ المُسْكِرُ؛ ورُسُلُكَ الشَهَواتُ؛ وحَبائِلُكَ النِساءُ)؛ وأُهْبِطَتِ الحَيَّةُ بِأصْبَهانَ؛ ورُوِيَ أنَّها كانَتْ ذاتَ قَوائِمَ؛ كالبَعِيرِ؛ فَعُوقِبَتْ بِأنْ رُدَّتْ تَنْسابُ عَلى بَطْنِها.
ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا أُهْبِطَ إلى شَقاءِ الدُنْيا؛ عُلِّمَ صَنْعَةَ الحَدِيدِ؛ ثُمَّ عُلِّمَ الحَرْثَ؛ فَحَرَثَ؛ وسَقى؛ وحَصَدَ؛ وذَرا؛ وطَحَنَ؛ وعَجَنَ؛ وخَبَزَ؛ وطَبَخَ؛ وأكَلَ؛ فَلَمْ يَبْلُغْ إلى ذَلِكَ حَتّى بَلَغَ مِنَ الجَهْدِ ما شاءَ اللهُ تَعالى ؛ ورُوِيَ أنَّ حَوّاءَ قِيلَ لَها: يا حَوّاءُ؛ كَما دَمِيَتِ الشَجَرَةُ فَأنْتِ تَدْمِينَ في كُلِّ شَهْرٍ؛ وأنْتِ لا تَحْمِلِينَ إلّا كُرْهًا؛ ولا تَضَعِينَ إلّا كُرْهًا؛ قالَ: فَرَنَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ؛ فَقِيلَ لَها: اَلرَّنَّةُ عَلَيْكِ وعَلى ولَدِكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الأنْباءِ كَثِيرٌ؛ اخْتَصَرْتُها؛ إذْ لا يَقْتَضِيها اللَفْظُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حُكْمٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أمْضاهُ؛ وجَعَلَهُ حَتْمًا في رِقابِ العِبادِ؛ يَحْيَوْنَ في الأرْضِ؛ ويَمُوتُونَ فِيها؛ ويُبْعَثُونَ مِنها إلى الحَشْرِ أحْياءً؛ كَما أنْشَأ تَعالى أوَّلَ خَلْقٍ يُعِيدُهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "تُخْرَجُونَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ هُنا؛ وفي "اَلرُّومِ"؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ تَكَرَّرَ؛ إلّا في "اَلرُّومِ": ﴿إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] ؛ وفي (p-٥٤١)"سَألَ سائِلٌ": ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] ؛ فَإنَّ هَذَيْنِ بِفَتْحِ التاءِ؛ والياءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ ولَمْ يَخْتَلِفِ الناسُ فِيهِما؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ في "اَلْأعْرافِ": "وَمِنها تَخْرُجُونَ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ وفَتَحَ ابْنُ عامِرٍ التاءَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وضَمَّها في الباقِي.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ وقْتَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والسَبَبُ والمُرادُ: قُرَيْشٌ؛ ومَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَتَعَرّى في طَوافِهِ بِالبَيْتِ؛ ذَكَرَ النَقّاشُ ثَقِيفًا؛ وخُزاعَةَ؛ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ؛ وبَنِي مُدْلِجٍ؛ وعامِرًا؛ والحارِثَ ابْنَيْ عَبْدِ مَنافٍ؛ فَإنَّها كانَتْ عادَتَهُمْ؛ رِجالًا ونِساءً؛ وذَلِكَ غايَةٌ العارِ والعِصْيانِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الأرْبَعُ الآياتُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "أنْزَلْنا"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ التَدَرُّجَ؛ أيْ: لَمّا أنْزَلْنا المَطَرَ؛ فَكانَ عنهُ جَمِيعُ ما يُلْبَسُ؛ قالَ عَنِ اللِباسِ: "أنْزَلْنا"؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ - يَصِفُ مَطَرًا -:
؎ أقْبَلَ في المُسْتَنِّ مِن سَحابِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ
أيْ: بِالمالِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "خَلَقْنا"؛ فَجاءَتِ العِبارَةُ بِـ "أنْزَلْنا"؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ﴾ [الحديد: ٢٥] ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] ؛ وأيْضًا فَخَلْقُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأفْعالُهُ تَعالى إنَّما هي مِن عُلُوٍّ في القَدْرِ؛ والمَنزِلَةِ؛ و"لِباسًا"؛ عامٌّ في جَمِيعِ ما يُلْبَسُ؛ و"يُوارِي"؛ يَسْتُرُ؛ وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "سَوْءاتِكم وزِينَةً ولُبْسُ التَقْوى"؛ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلِباسُ التَقْوى خَيْرٌ ذَلِكُمْ"؛ ويُرْوى عنهُ: "ذَلِكَ"؛ وسَقَطَتْ "ذَلِكَ"؛ اَلْأُولى؛ وقَرَأ سَكَنٌ النَحْوِيُّ: "وَلَبُوسُ التَقْوى"؛ بِالواوِ؛ (p-٥٤٢)مَرْفُوعَةَ السِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "وَرِيشًا"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ فِيما رَوى عنهُ أبُو عَمْرٍو أيْضًا؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ؛ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ؛ وقَتادَةُ: "وَرِياشًا"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي قِراءَةُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: رَواها عنهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهُما عِبارَتانِ عن سَعَةِ الرِزْقِ؛ ورَفاهِيَةِ العَيْشِ؛ ووُجُودِ المَلْبَسِ؛ والتَمَتُّعِ؛ وفَسَّرَهُ قَوْمٌ بِالأثاثِ؛ وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - بِالمالِ؛ وكَذَلِكَ قالَ السُدِّيُّ والضَحّاكُ ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "اَلرِّيشُ": اَلْجَمالُ؛ وقِيلَ: "اَلرِّياشُ": جَمْعُ "رِيشٌ"؛ كَـ "بِيرٌ"؛ و"بِيارٌ"؛ و"ذِيبٌ"؛ و"ذِيابٌ"؛ و"لِصْبٌ"؛ و"لِصابٌ"؛ و"شِعْبٌ"؛ و"شِعابٌ"؛ وقِيلَ: "اَلرِّياشُ": مَصْدَرٌ مِن "أراشَهُ اللهُ تَعالى ؛ يَرِيشُهُ"؛ إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ؛ والرِيشُ مَصْدَرٌ أيْضًا مِن ذَلِكَ؛ وفي الحَدِيثِ: « "رَجُلٌ راشَهُ اللهُ مالًا".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنَّ هَذا كُلَّهُ مِن مَعْنى رِيشِ الطائِرِ؛ ورِيشِ السَهْمِ؛ إذْ هو لِباسُهُ؛ وسُتْرَتُهُ؛ وعَوْنُهُ عَلى النُفُوذِ؛ و"راشَ اللهُ تَعالى "؛ مَأْخُوذٌ مِن ذَلِكَ؛ ألا تَرى أنَّها تُقْرَنُ بِـ "بَرى"؟ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَرِشْنِي بِخَيْرٍ طالَما قَدْ بَرَيْتَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ وخَيْرُ المَوالِي مَن يَرِيشُ ولا يَبْرِي
(p-٥٤٣)وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ والكِسائِيُّ: "وَلِباسَ"؛ بِالنَصْبِ؛ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "وَلِباسُ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَقِيلَ: هو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَهُوَ لِباسُ"؛ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ؛ و"ذَلِكَ"؛ مُبْتَدَأٌ آخَرُ؛ و"خَيْرٌ"؛ خَبَرُ "ذَلِكَ"؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ؛ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ؛ و"خَيْرٌ"؛ خَبَرُهُ؛ و"ذَلِكَ"؛ بَدَلٌ؛ أو عَطْفُ بَيانٍ؛ أو صِفَةٌ؛ وهَذا أنْبَلُ الأقْوالِ؛ ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْحُجَّةُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما أنْزَلَ؛ مِنَ اللِباسِ؛ والرِيشِ؛ وحَكى النَقّاشُ أنَّ الإشارَةَ إلى ﴿وَلِباسُ التَقْوى﴾ ؛ أيْ: هو في العَبْدِ آيَةٌ؛ أيْ: عَلامَةٌ؛ وأمارَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ قَدْ رَضِيَ عنهُ؛ ورَحِمَهُ؛ و"لَعَلَّهُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِحَسَبِهِمْ؛ ومَبْلَغِهِمْ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى":﴾ اَلْإيمانُ؛ وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: هو الحَياءُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هو العَمَلُ الصالِحُ؛ وقالَ أيْضًا: هو السَمْتُ الحَسَنُ في الوَجْهِ؛ وقالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ عَلى المِنبَرِ؛ وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: هو خَشْيَةُ اللهِ تَعالى ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو سَتْرُ العَوْرَةِ؛ والسَمْتُ الحَسَنُ في الدُنْيا؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى":﴾ اَلْعِفَّةُ؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى":﴾ اَلسِّلاحُ؛ وآلَةُ الجِهادِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ كُلُّها مُثُلٌ؛ وهي مِن لِباسِ التَقْوى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتُتَصَوَّرُ الصِفَةُ الَّتِي حَكاها أبُو عَلِيٍّ في قَوْلِهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأسْماءَ تُوصَفُ بِمَعْنى الإشارَةِ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي زَيْدٌ هَذا"؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: "جاءَنِي زَيْدٌ المُشارُ إلَيْهِ"؛ فَعَلى هَذا الحَدِّ تُوصَفُ الأسْماءُ بِالمُبْهَماتِ؛ وأمّا قَوْلُهُ فِيهِ: عَطْفُ بَيانٍ؛ وبَدَلٌ؛ فَهُما واحِدٌ في اللَفْظِ؛ إنَّما الفارِقُ بَيْنَهُما في المَعْنى والمَقْصِدِ؛ وذَلِكَ أنَّكَ تُرِيدُ في البَدَلِ كَأنَّكَ أزَلْتَ الأوَّلَ؛ وأعْمَلْتَ العامِلَ في الثانِي؛ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ؛ وتُرِيدُ في عَطْفِ البَيانِ كَأنَّكَ أبْقَيْتَ الأوَّلَ؛ ثُمَّ ثَنَّيْتَهُ بِعَيْنِهِ في ذِكْرِ الثانِي؛ وإنَّما يَبِينُ الفارِقُ بَيْنَ البَدَلِ؛ وعَطْفِ البَيانِ؛ في (p-٥٤٤)مَسْألَةِ النِداءِ؛ إذا قُلْتَ: "يا عَبْدَ اللهِ زِيدُ"؛ فالبَدَلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو عَلى هَذا الحَدِّ؛ بِرَفْعِ "زِيدُ"؛ لِأنَّكَ تُقَدِّرُ إزالَةَ " عَبْدَ اللهِ "؛ وإضافَةَ "يا"؛ إلى "زَيْدُ"؛ ولَوْ عَطَفْتَ عَطْفَ البَيانِ لَقُلْتَ: "يا عَبْدَ اللهِ زِيدًا"؛ لِأنَّكَ أرَدْتَ بَيانَهُ؛ ولَمْ تُقَدِّرْ إزالَةَ الأوَّلِ؛ ويُنْشَدُ هَذا البَيْتُ:
؎ إنِّي وأسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا ∗∗∗ ∗∗∗ لَقائِلٌ: يا نَصْرُ نَصْرًا نَصْرا
و"نَصْرٌ"؛ اَلْأوَّلُ عَلى عَطْفِ البَيانِ؛ والثانِي عَلى البَدَلِ.
الأعراف 7:26
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾
(p-٥٣٨)اَلْمُخاطَبَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى "اِهْبِطُوا"؛ قالَ أبُو صالِحٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ والطَبَرِيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: هي لِآدَمَ وحَوّاءَ - عَلَيْهِما السَلامُ -؛ وإبْلِيسَ؛ والحَيَّةِ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُخاطَبَةٌ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتِهِ؛ وإبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لَعَدَمِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ فَإنْ قِيلَ: خاطَبَهم وأمَرَهم بِشَرْطِ الوُجُودِ؛ فَذَلِكَ يَبْعُدُ في هَذِهِ النازِلَةِ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِشَرْطِ الوُجُودِ إنَّما يَصِحُّ إذا تَرَتَّبَ عَلى المَأْمُورِ بَعْدَ وُجُودِهِ؛ وصَحَّ مَعْناهُ عَلَيْهِ؛ كالصَلاةِ؛ والصَوْمِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وأمّا هُنا؛ فَإنَّ مَعْنى الهُبُوطِ لا يُتَصَوَّرُ في بَنِي آدَمَ بَعْدَ وُجُودِهِمْ؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنَ الأمْرِ بِهِ شَيْءٌ؛ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى - في آيَةٍ أُخْرى -: "اِهْبِطا"؛ فَهي مُخاطَبَةٌ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وإبْلِيسَ؛ بِدَلِيلِ بَيانِهِ العَداوَةَ بَيْنَهُما.
و"عَدُوٌّ"؛ فَرْدٌ بِمَعْنى الجَمْعِ؛ تَقُولُ: "قَوْمٌ عَدُوٌّ؛ وقَوْمٌ صَدِيقٌ"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لَعَمْرِي لَئِنْ كُنْتُمْ عَلى النَأْيِ والغِنى ∗∗∗ بِكم مِثْلُ ما بِي إنَّكم لَصَدِيقُ
وعَداوَةُ الحَياةِ مَعْرُوفَةٌ؛ ورَوى قَتادَةُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "ما سالَمْناهُنَّ مُنْذُ حارَبْناهُنَّ"؛» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: "مَن تَرَكَهُنَّ فَلَيْسَ مِنّا"؛ وقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "مَن تَرَكَ حَيَّةً خَشْيَةً مِن ثَأْرِها فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ".
(p-٥٣٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وإنَّما يَعْرِضُ في أمْرِهِنَّ حَدِيثُ الفَتى؛ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ؛ وقَوْلُ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ جِنًّا بِالمَدِينَةِ قَدْ أسْلَمُوا؛ فَمَن رَأى مِن هَذِهِ الحَيّاتِ شَيْئًا في بَيْتِهِ فَلْيُحَرِّجْ عَلَيْهِ ثَلاثًا؛ فَإنْ رَآهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلْيَقْتُلْهُ؛ فَإنَّما هو كافِرٌ".»
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "مُسْتَقَرٌّ"؛﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِزَمَنِ الحَياةِ؛ ولِزَمَنِ الإقامَةِ في القُبُورِ؛ وبِزَمَنِ الحَياةِ فَسَّرَ أبُو العالِيَةِ ؛ وقالَ: هي كَقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾ [البقرة: ٢٢] ؛ وبِالإقامَةِ في القُبُورِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ واللَفْظُ يَعُمُّهُما؛ فَهي كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ [المرسلات: ٢٦] ؛ وأمّا المَتاعُ فَهو بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخْصٍ؛ في زَمَنِ الحَياةِ؛ اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدِّرَ سُكْنى القَبْرِ مَتاعًا بِوَجْهٍ ما؛ والمَتاعُ: اَلتَّمَتُّعُ؛ والنَيْلُ مِنَ الفَوائِدِ؛ و﴿ "إلى حِينٍ"؛﴾ هو - بِحَسَبِ الجُمْلَةِ -: قِيامُ الساعَةِ؛ وبِحَسَبِ مُفْرَدٍ مُفْرَدٍ: بُلُوغُ الأجَلِ؛ والمَوْتِ؛ و"اَلْحِينُ"؛ في كَلامِ العَرَبِ: اَلْوَقْتُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - أُهْبِطَ بِالهِنْدِ؛ وحَوّاءَ بِجِدَّةَ؛ وتَمَنّاها بِمِنًى؛ وعَرَفَ حَقِيقَةَ أمْرِها بِعَرَفَةَ؛ ولَقِيَها بِجَمْعٍ؛ وأُهْبِطَ إبْلِيسُ بِمَيْسانَ؛ وقِيلَ: بِالبَصْرَةِ؛ (p-٥٤٠)وَقِيلَ: بِمِصْرَ؛ فَباضَ فِيها؛ وفَرَّخَ؛ قالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: وبَسَطَ إبْلِيسُ فِيها عَبْقَرِيَّهُ؛ وذَكَرَ صالِحٌ؛ مَوْلى التَوْأمَةِ؛ قالَ: في بَعْضِ الكُتُبِ: لَمّا أُهْبِطَ إبْلِيسُ قالَ: رَبِّ أيْنَ مَسْكَنِي؟ قالَ: (مَسْكَنُكَ الحَمّامُ؛ ومَجْلِسُكَ الأسْواقُ؛ ولَهْوُكَ المَزامِيرُ؛ وطَعامُكَ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمِي؛ وشَرابُكَ المُسْكِرُ؛ ورُسُلُكَ الشَهَواتُ؛ وحَبائِلُكَ النِساءُ)؛ وأُهْبِطَتِ الحَيَّةُ بِأصْبَهانَ؛ ورُوِيَ أنَّها كانَتْ ذاتَ قَوائِمَ؛ كالبَعِيرِ؛ فَعُوقِبَتْ بِأنْ رُدَّتْ تَنْسابُ عَلى بَطْنِها.
ورُوِيَ أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - لَمّا أُهْبِطَ إلى شَقاءِ الدُنْيا؛ عُلِّمَ صَنْعَةَ الحَدِيدِ؛ ثُمَّ عُلِّمَ الحَرْثَ؛ فَحَرَثَ؛ وسَقى؛ وحَصَدَ؛ وذَرا؛ وطَحَنَ؛ وعَجَنَ؛ وخَبَزَ؛ وطَبَخَ؛ وأكَلَ؛ فَلَمْ يَبْلُغْ إلى ذَلِكَ حَتّى بَلَغَ مِنَ الجَهْدِ ما شاءَ اللهُ تَعالى ؛ ورُوِيَ أنَّ حَوّاءَ قِيلَ لَها: يا حَوّاءُ؛ كَما دَمِيَتِ الشَجَرَةُ فَأنْتِ تَدْمِينَ في كُلِّ شَهْرٍ؛ وأنْتِ لا تَحْمِلِينَ إلّا كُرْهًا؛ ولا تَضَعِينَ إلّا كُرْهًا؛ قالَ: فَرَنَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ؛ فَقِيلَ لَها: اَلرَّنَّةُ عَلَيْكِ وعَلى ولَدِكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الأنْباءِ كَثِيرٌ؛ اخْتَصَرْتُها؛ إذْ لا يَقْتَضِيها اللَفْظُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ حُكْمٌ مِنَ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - أمْضاهُ؛ وجَعَلَهُ حَتْمًا في رِقابِ العِبادِ؛ يَحْيَوْنَ في الأرْضِ؛ ويَمُوتُونَ فِيها؛ ويُبْعَثُونَ مِنها إلى الحَشْرِ أحْياءً؛ كَما أنْشَأ تَعالى أوَّلَ خَلْقٍ يُعِيدُهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "تُخْرَجُونَ"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ هُنا؛ وفي "اَلرُّومِ"؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ تَكَرَّرَ؛ إلّا في "اَلرُّومِ": ﴿إذا أنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥] ؛ وفي (p-٥٤١)"سَألَ سائِلٌ": ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ﴾ [المعارج: ٤٣] ؛ فَإنَّ هَذَيْنِ بِفَتْحِ التاءِ؛ والياءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ ولَمْ يَخْتَلِفِ الناسُ فِيهِما؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ في "اَلْأعْرافِ": "وَمِنها تَخْرُجُونَ"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وضَمِّ الراءِ؛ وفَتَحَ ابْنُ عامِرٍ التاءَ في "اَلْأعْرافِ"؛ وضَمَّها في الباقِي.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَمِ وقْتَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والسَبَبُ والمُرادُ: قُرَيْشٌ؛ ومَن كانَ مِنَ العَرَبِ يَتَعَرّى في طَوافِهِ بِالبَيْتِ؛ ذَكَرَ النَقّاشُ ثَقِيفًا؛ وخُزاعَةَ؛ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ؛ وبَنِي مُدْلِجٍ؛ وعامِرًا؛ والحارِثَ ابْنَيْ عَبْدِ مَنافٍ؛ فَإنَّها كانَتْ عادَتَهُمْ؛ رِجالًا ونِساءً؛ وذَلِكَ غايَةٌ العارِ والعِصْيانِ؛ قالَ مُجاهِدٌ: فَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الأرْبَعُ الآياتُ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "أنْزَلْنا"؛﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ التَدَرُّجَ؛ أيْ: لَمّا أنْزَلْنا المَطَرَ؛ فَكانَ عنهُ جَمِيعُ ما يُلْبَسُ؛ قالَ عَنِ اللِباسِ: "أنْزَلْنا"؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِ الشاعِرِ - يَصِفُ مَطَرًا -:
؎ أقْبَلَ في المُسْتَنِّ مِن سَحابِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ أسْنِمَةُ الآبالِ في رَبابِهِ
أيْ: بِالمالِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "خَلَقْنا"؛ فَجاءَتِ العِبارَةُ بِـ "أنْزَلْنا"؛ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ﴾ [الحديد: ٢٥] ؛ وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزمر: ٦] ؛ وأيْضًا فَخَلْقُ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأفْعالُهُ تَعالى إنَّما هي مِن عُلُوٍّ في القَدْرِ؛ والمَنزِلَةِ؛ و"لِباسًا"؛ عامٌّ في جَمِيعِ ما يُلْبَسُ؛ و"يُوارِي"؛ يَسْتُرُ؛ وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "سَوْءاتِكم وزِينَةً ولُبْسُ التَقْوى"؛ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلِباسُ التَقْوى خَيْرٌ ذَلِكُمْ"؛ ويُرْوى عنهُ: "ذَلِكَ"؛ وسَقَطَتْ "ذَلِكَ"؛ اَلْأُولى؛ وقَرَأ سَكَنٌ النَحْوِيُّ: "وَلَبُوسُ التَقْوى"؛ بِالواوِ؛ (p-٥٤٢)مَرْفُوعَةَ السِينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "وَرِيشًا"؛ وقَرَأ الحَسَنُ؛ وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ ؛ وعاصِمٌ ؛ فِيما رَوى عنهُ أبُو عَمْرٍو أيْضًا؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وأبُو رَجاءٍ ؛ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ ؛ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ ؛ وقَتادَةُ: "وَرِياشًا"؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي قِراءَةُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: رَواها عنهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وهُما عِبارَتانِ عن سَعَةِ الرِزْقِ؛ ورَفاهِيَةِ العَيْشِ؛ ووُجُودِ المَلْبَسِ؛ والتَمَتُّعِ؛ وفَسَّرَهُ قَوْمٌ بِالأثاثِ؛ وفَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - بِالمالِ؛ وكَذَلِكَ قالَ السُدِّيُّ والضَحّاكُ ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "اَلرِّيشُ": اَلْجَمالُ؛ وقِيلَ: "اَلرِّياشُ": جَمْعُ "رِيشٌ"؛ كَـ "بِيرٌ"؛ و"بِيارٌ"؛ و"ذِيبٌ"؛ و"ذِيابٌ"؛ و"لِصْبٌ"؛ و"لِصابٌ"؛ و"شِعْبٌ"؛ و"شِعابٌ"؛ وقِيلَ: "اَلرِّياشُ": مَصْدَرٌ مِن "أراشَهُ اللهُ تَعالى ؛ يَرِيشُهُ"؛ إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ؛ والرِيشُ مَصْدَرٌ أيْضًا مِن ذَلِكَ؛ وفي الحَدِيثِ: « "رَجُلٌ راشَهُ اللهُ مالًا".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُشْبِهُ أنَّ هَذا كُلَّهُ مِن مَعْنى رِيشِ الطائِرِ؛ ورِيشِ السَهْمِ؛ إذْ هو لِباسُهُ؛ وسُتْرَتُهُ؛ وعَوْنُهُ عَلى النُفُوذِ؛ و"راشَ اللهُ تَعالى "؛ مَأْخُوذٌ مِن ذَلِكَ؛ ألا تَرى أنَّها تُقْرَنُ بِـ "بَرى"؟ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَرِشْنِي بِخَيْرٍ طالَما قَدْ بَرَيْتَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ وخَيْرُ المَوالِي مَن يَرِيشُ ولا يَبْرِي
(p-٥٤٣)وَقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ والكِسائِيُّ: "وَلِباسَ"؛ بِالنَصْبِ؛ عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وعاصِمٌ ؛ وحَمْزَةُ: "وَلِباسُ"؛ بِالرَفْعِ؛ فَقِيلَ: هو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَهُوَ لِباسُ"؛ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ؛ و"ذَلِكَ"؛ مُبْتَدَأٌ آخَرُ؛ و"خَيْرٌ"؛ خَبَرُ "ذَلِكَ"؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ؛ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ؛ و"خَيْرٌ"؛ خَبَرُهُ؛ و"ذَلِكَ"؛ بَدَلٌ؛ أو عَطْفُ بَيانٍ؛ أو صِفَةٌ؛ وهَذا أنْبَلُ الأقْوالِ؛ ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْحُجَّةُ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما أنْزَلَ؛ مِنَ اللِباسِ؛ والرِيشِ؛ وحَكى النَقّاشُ أنَّ الإشارَةَ إلى ﴿وَلِباسُ التَقْوى﴾ ؛ أيْ: هو في العَبْدِ آيَةٌ؛ أيْ: عَلامَةٌ؛ وأمارَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنَّهُ قَدْ رَضِيَ عنهُ؛ ورَحِمَهُ؛ و"لَعَلَّهُمْ"؛ تَرَجٍّ؛ بِحَسَبِهِمْ؛ ومَبْلَغِهِمْ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى":﴾ اَلْإيمانُ؛ وقالَ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ: هو الحَياءُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: هو العَمَلُ الصالِحُ؛ وقالَ أيْضًا: هو السَمْتُ الحَسَنُ في الوَجْهِ؛ وقالَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ عَلى المِنبَرِ؛ وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: هو خَشْيَةُ اللهِ تَعالى ؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو سَتْرُ العَوْرَةِ؛ والسَمْتُ الحَسَنُ في الدُنْيا؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى":﴾ اَلْعِفَّةُ؛ وقالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿ "وَلِباسُ التَقْوى":﴾ اَلسِّلاحُ؛ وآلَةُ الجِهادِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذِهِ كُلُّها مُثُلٌ؛ وهي مِن لِباسِ التَقْوى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وتُتَصَوَّرُ الصِفَةُ الَّتِي حَكاها أبُو عَلِيٍّ في قَوْلِهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الأسْماءَ تُوصَفُ بِمَعْنى الإشارَةِ؛ كَما تَقُولُ: "جاءَنِي زَيْدٌ هَذا"؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: "جاءَنِي زَيْدٌ المُشارُ إلَيْهِ"؛ فَعَلى هَذا الحَدِّ تُوصَفُ الأسْماءُ بِالمُبْهَماتِ؛ وأمّا قَوْلُهُ فِيهِ: عَطْفُ بَيانٍ؛ وبَدَلٌ؛ فَهُما واحِدٌ في اللَفْظِ؛ إنَّما الفارِقُ بَيْنَهُما في المَعْنى والمَقْصِدِ؛ وذَلِكَ أنَّكَ تُرِيدُ في البَدَلِ كَأنَّكَ أزَلْتَ الأوَّلَ؛ وأعْمَلْتَ العامِلَ في الثانِي؛ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ؛ وتُرِيدُ في عَطْفِ البَيانِ كَأنَّكَ أبْقَيْتَ الأوَّلَ؛ ثُمَّ ثَنَّيْتَهُ بِعَيْنِهِ في ذِكْرِ الثانِي؛ وإنَّما يَبِينُ الفارِقُ بَيْنَ البَدَلِ؛ وعَطْفِ البَيانِ؛ في (p-٥٤٤)مَسْألَةِ النِداءِ؛ إذا قُلْتَ: "يا عَبْدَ اللهِ زِيدُ"؛ فالبَدَلُ في هَذِهِ المَسْألَةِ هو عَلى هَذا الحَدِّ؛ بِرَفْعِ "زِيدُ"؛ لِأنَّكَ تُقَدِّرُ إزالَةَ " عَبْدَ اللهِ "؛ وإضافَةَ "يا"؛ إلى "زَيْدُ"؛ ولَوْ عَطَفْتَ عَطْفَ البَيانِ لَقُلْتَ: "يا عَبْدَ اللهِ زِيدًا"؛ لِأنَّكَ أرَدْتَ بَيانَهُ؛ ولَمْ تُقَدِّرْ إزالَةَ الأوَّلِ؛ ويُنْشَدُ هَذا البَيْتُ:
؎ إنِّي وأسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا ∗∗∗ ∗∗∗ لَقائِلٌ: يا نَصْرُ نَصْرًا نَصْرا
و"نَصْرٌ"؛ اَلْأوَّلُ عَلى عَطْفِ البَيانِ؛ والثانِي عَلى البَدَلِ.
الأعراف 7:27
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عنهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِنَ حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَياطِينَ أولِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللهَ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ والمَقْصُودُ بِها في ذَلِكَ الوَقْتِ مَن كانَ يَطُوفُ مِنَ العَرَبِ بِالبَيْتِ عُرْيانًا؛ فَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِن عادَةِ قُرَيْشٍ؛ وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: كانَ ذَلِكَ مِن عادَةِ قَبِيلَةٍ مِنَ اليَمَنِ؛ وقِيلَ: كانَتِ العَرَبُ تَطُوفُ عُراةً؛ إلّا الحُمْسُ وهم قُرَيْشٌ؛ ومَن والاها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَنُّوا بَعْدَ عامِ الفِيلِ سَنَنًا عَظَّمُوا بِها حُرْمَتَهم كانَتْ هَذِهِ مِن ذَلِكَ؛ فَكانَ العَرَبِيُّ إمّا أنْ يُعِيرَهُ أحَدٌ مِنَ الحُمْسِ ثَوْبًا؛ فَيَطُوفَ بِهِ؛ وإمّا (p-٥٤٥)أنْ يَطُوفَ في ثِيابِهِ؛ ثُمَّ يُلْقِيَها؛ وتَمادى الأمْرُ حَتّى صارَ عِنْدَ العَرَبِ قُرْبَةً؛ فَكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ: نَطُوفُ عُراةً؛ كَما خَرَجْنا مِن بُطُونِ أُمَّهاتِنا؛ ولا نَطُوفُ في ثِيابٍ قَدْ تَدَنَّسْنا فِيها بِالذُنُوبِ؛ ومَن طافَ في ثِيابِهِ فَكانَتْ سُنَّتُهم كَما ذَكَرْنا أنْ يَرْمِيَ تِلْكَ الثِيابَ؛ ولا يَنْتَفِعَ بِها؛ وتُسَمّى تِلْكَ الثِيابُ "اَللَّقى"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَفى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ لَقى بَيْنَ أيْدِي الطائِفِينَ حَرِيمُ
وكانَتِ المَرْأةُ تَطُوفُ عُرْيانَةً؛ حَتّى كانَتْ إحْداهُنَّ تَقُولُ:
؎ اَلْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فَما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ
فَنَهى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عن جَمِيعِ ذَلِكَ؛ ونُودِيَ بِمَكَّةَ في سَنَةِ تِسْعٍ: "لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ؛ ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ".
و"اَلْفِتْنَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلِاسْتِهْواءُ والغَلَبَةُ عَلى النَفْسِ؛ وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "لا يَفْتِنَنَّكُمُ"؛﴾ نَهْيُ الشَيْطانِ؛ والمَعْنى: نَهْيُهم أنْفُسَهم عن الِاسْتِماعِ لَهُ؛ والطاعَةِ لِأمْرِهِ؛ كَما قالُوا: "لا أرَيَنَّكَ هَهُنا"؛ فَظاهِرُ اللَفْظِ نَهْيُ المُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ؛ ومَعْناهُ نَهْيُ الآخَرِ عَنِ الإقامَةِ بِحَيْثُ يَراهُ؛ وأضافَ الإخْراجَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى إبْلِيسَ؛ وذَلِكَ تَجَوُّزٌ؛ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ ساعِيًا في ذَلِكَ؛ ومُسَبِّبًا لَهُ؛ ويُقالُ: "أبٌ"؛ ولِلْأُمِّ: "أبَةٌ"؛ وعَلى هَذا قِيلَ: "أبَوانِ"؛ و"يَنْزِعُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "أخْرَجَ".
وتَقَدَّمَ الخِلافُ في اللِباسِ مِن قَوْلِ مَن قالَ: "اَلْأظْفارُ"؛ ومَن قالَ: "اَلنُّورُ"؛ ومَن قالَ: "ثِيابُ الجَنَّةِ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: هي اسْتِعارَةٌ؛ وإنَّما أرادَ لُبْسَةَ التُقى المُنْزَلَةَ.
(p-٥٤٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "إنَّهُ يَراكُمْ"؛﴾ اَلْآيَةَ؛ زِيادَةٌ في التَحْذِيرِ؛ وإعْلامٌ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ مَكَّنَ الشَيْطانَ مِنَ ابْنِ آدَمَ في هَذا القَدْرِ؛ وبِحَسَبِ ذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ التَحَذُّرُ بِطاعَةِ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والشَيْطانُ مَوْجُودٌ؛ قَدْ قَرَّرَتْهُ الشَرِيعَةُ؛ وهو جِسْمٌ؛ "وَقَبِيلُهُ"؛ يُرِيدُ: "نَوْعُهُ؛ وصِنْفُهُ؛ وذُرِّيَّتُهُ"؛ و"حَيْثُ" مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَمِّ؛ ومِنَ العَرَبِ مَن يَبْنِيها عَلى الفَتْحِ؛ وذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ؛ قالَ الزَجّاجُ: ما بَعْدَها صِلَةٌ لَها؛ ولَيْسَتْ بِمُضافَةٍ إلَيْهِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ ولَيْسَتْ "حَيْثُ" بِمَوْصُولَةٍ؛ إذْ لَيْسَ ثَمَّ عائِدٌ كَما في المَوْصُولاتِ؛ وهي مُضافَةٌ إلى ما بَعْدَها.
ثُمَّ أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ صَيَّرَ الشَياطِينَ أولِياءَ؛ أيْ: صَحابَةً ومُداخَلِينَ إلى الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا إيمانَ لَهُمْ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ "جَعَلَ"؛ هُنا؛ بِمَعْنى "وَصَفَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَإذا فَعَلُوا"؛﴾ وما بَعْدَهُ؛ داخِلٌ في صِفَةِ "اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ"؛ لِيَقَعَ التَوْبِيخُ بِصِفَةِ قَوْمٍ جُعِلُوا مِثالًا لِلْمُوَبَّخِينَ؛ إذْ أشْبَهَ فِعْلُهم فِعْلَ المُمَثَّلُ بِهِمْ؛ ويَصِحُّ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَقْطُوعَةً مِنَ الَّتِي قَبْلَها؛ ابْتِداءَ إخْبارٍ عن كُفّارِ العَرَبِ.
و"اَلْفاحِشَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ - وإنْ كانَ اللَفْظُ عامًّا - هِيَ: كَشْفُ العَوْرَةِ عِنْدَ الطَوافِ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: في ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وكانَ قَوْلَ بَعْضِ الكُفّارِ: إنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بِهَذِهِ السُنَنِ الَّتِي لَنا؛ وشَرَعَها؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ ؛ ثُمَّ وبَّخَهم عَلى كَذِبِهِمْ؛ ووَقَّفَهم عَلى قَوْلِهِمْ ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ؛ ولا دِرايَةَ لَهم فِيهِ؛ بَلْ هو دَعْوى؛ واخْتِلاقٌ.
الأعراف 7:28
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عنهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِنَ حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَياطِينَ أولِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللهَ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ والمَقْصُودُ بِها في ذَلِكَ الوَقْتِ مَن كانَ يَطُوفُ مِنَ العَرَبِ بِالبَيْتِ عُرْيانًا؛ فَقِيلَ: كانَ ذَلِكَ مِن عادَةِ قُرَيْشٍ؛ وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: كانَ ذَلِكَ مِن عادَةِ قَبِيلَةٍ مِنَ اليَمَنِ؛ وقِيلَ: كانَتِ العَرَبُ تَطُوفُ عُراةً؛ إلّا الحُمْسُ وهم قُرَيْشٌ؛ ومَن والاها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا هو الصَحِيحُ؛ لِأنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَنُّوا بَعْدَ عامِ الفِيلِ سَنَنًا عَظَّمُوا بِها حُرْمَتَهم كانَتْ هَذِهِ مِن ذَلِكَ؛ فَكانَ العَرَبِيُّ إمّا أنْ يُعِيرَهُ أحَدٌ مِنَ الحُمْسِ ثَوْبًا؛ فَيَطُوفَ بِهِ؛ وإمّا (p-٥٤٥)أنْ يَطُوفَ في ثِيابِهِ؛ ثُمَّ يُلْقِيَها؛ وتَمادى الأمْرُ حَتّى صارَ عِنْدَ العَرَبِ قُرْبَةً؛ فَكانَتِ العَرَبُ تَقُولُ: نَطُوفُ عُراةً؛ كَما خَرَجْنا مِن بُطُونِ أُمَّهاتِنا؛ ولا نَطُوفُ في ثِيابٍ قَدْ تَدَنَّسْنا فِيها بِالذُنُوبِ؛ ومَن طافَ في ثِيابِهِ فَكانَتْ سُنَّتُهم كَما ذَكَرْنا أنْ يَرْمِيَ تِلْكَ الثِيابَ؛ ولا يَنْتَفِعَ بِها؛ وتُسَمّى تِلْكَ الثِيابُ "اَللَّقى"؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَفى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأنَّهُ ∗∗∗ لَقى بَيْنَ أيْدِي الطائِفِينَ حَرِيمُ
وكانَتِ المَرْأةُ تَطُوفُ عُرْيانَةً؛ حَتّى كانَتْ إحْداهُنَّ تَقُولُ:
؎ اَلْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ فَما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ
فَنَهى اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - عن جَمِيعِ ذَلِكَ؛ ونُودِيَ بِمَكَّةَ في سَنَةِ تِسْعٍ: "لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ؛ ولا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ".
و"اَلْفِتْنَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ: اَلِاسْتِهْواءُ والغَلَبَةُ عَلى النَفْسِ؛ وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ "لا يَفْتِنَنَّكُمُ"؛﴾ نَهْيُ الشَيْطانِ؛ والمَعْنى: نَهْيُهم أنْفُسَهم عن الِاسْتِماعِ لَهُ؛ والطاعَةِ لِأمْرِهِ؛ كَما قالُوا: "لا أرَيَنَّكَ هَهُنا"؛ فَظاهِرُ اللَفْظِ نَهْيُ المُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ؛ ومَعْناهُ نَهْيُ الآخَرِ عَنِ الإقامَةِ بِحَيْثُ يَراهُ؛ وأضافَ الإخْراجَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى إبْلِيسَ؛ وذَلِكَ تَجَوُّزٌ؛ بِسَبَبِ أنَّهُ كانَ ساعِيًا في ذَلِكَ؛ ومُسَبِّبًا لَهُ؛ ويُقالُ: "أبٌ"؛ ولِلْأُمِّ: "أبَةٌ"؛ وعَلى هَذا قِيلَ: "أبَوانِ"؛ و"يَنْزِعُ"؛ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "أخْرَجَ".
وتَقَدَّمَ الخِلافُ في اللِباسِ مِن قَوْلِ مَن قالَ: "اَلْأظْفارُ"؛ ومَن قالَ: "اَلنُّورُ"؛ ومَن قالَ: "ثِيابُ الجَنَّةِ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: هي اسْتِعارَةٌ؛ وإنَّما أرادَ لُبْسَةَ التُقى المُنْزَلَةَ.
(p-٥٤٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "إنَّهُ يَراكُمْ"؛﴾ اَلْآيَةَ؛ زِيادَةٌ في التَحْذِيرِ؛ وإعْلامٌ أنَّ اللهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ مَكَّنَ الشَيْطانَ مِنَ ابْنِ آدَمَ في هَذا القَدْرِ؛ وبِحَسَبِ ذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ التَحَذُّرُ بِطاعَةِ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والشَيْطانُ مَوْجُودٌ؛ قَدْ قَرَّرَتْهُ الشَرِيعَةُ؛ وهو جِسْمٌ؛ "وَقَبِيلُهُ"؛ يُرِيدُ: "نَوْعُهُ؛ وصِنْفُهُ؛ وذُرِّيَّتُهُ"؛ و"حَيْثُ" مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَمِّ؛ ومِنَ العَرَبِ مَن يَبْنِيها عَلى الفَتْحِ؛ وذَلِكَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ؛ قالَ الزَجّاجُ: ما بَعْدَها صِلَةٌ لَها؛ ولَيْسَتْ بِمُضافَةٍ إلَيْهِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ ولَيْسَتْ "حَيْثُ" بِمَوْصُولَةٍ؛ إذْ لَيْسَ ثَمَّ عائِدٌ كَما في المَوْصُولاتِ؛ وهي مُضافَةٌ إلى ما بَعْدَها.
ثُمَّ أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ صَيَّرَ الشَياطِينَ أولِياءَ؛ أيْ: صَحابَةً ومُداخَلِينَ إلى الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا إيمانَ لَهُمْ؛ وذَكَرَ الزَهْراوِيُّ أنَّ "جَعَلَ"؛ هُنا؛ بِمَعْنى "وَصَفَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "وَإذا فَعَلُوا"؛﴾ وما بَعْدَهُ؛ داخِلٌ في صِفَةِ "اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ"؛ لِيَقَعَ التَوْبِيخُ بِصِفَةِ قَوْمٍ جُعِلُوا مِثالًا لِلْمُوَبَّخِينَ؛ إذْ أشْبَهَ فِعْلُهم فِعْلَ المُمَثَّلُ بِهِمْ؛ ويَصِحُّ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَقْطُوعَةً مِنَ الَّتِي قَبْلَها؛ ابْتِداءَ إخْبارٍ عن كُفّارِ العَرَبِ.
و"اَلْفاحِشَةُ"؛ في هَذِهِ الآيَةِ - وإنْ كانَ اللَفْظُ عامًّا - هِيَ: كَشْفُ العَوْرَةِ عِنْدَ الطَوافِ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الزُهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: في ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ؛ وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ ؛ وكانَ قَوْلَ بَعْضِ الكُفّارِ: إنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بِهَذِهِ السُنَنِ الَّتِي لَنا؛ وشَرَعَها؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ ؛ ثُمَّ وبَّخَهم عَلى كَذِبِهِمْ؛ ووَقَّفَهم عَلى قَوْلِهِمْ ما لا عِلْمَ لَهم بِهِ؛ ولا دِرايَةَ لَهم فِيهِ؛ بَلْ هو دَعْوى؛ واخْتِلاقٌ.
الأعراف 7:29
(p-٥٤٧)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَياطِينَ أولِياءَ مِن دُونِ اللهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾
تَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ ؛ "أقْسِطُوا"؛ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى "وَأقِيمُوا"؛ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ و"اَلْقِسْطُ": اَلْعَدْلُ والحَقُّ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ؛ فَقِيلَ: أرادَ إلى الكَعْبَةِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ والمَقْصِدُ - عَلى هَذا -: شَرْعُ القِبْلَةِ والأمْرُ بِالتِزامِها؛ وقِيلَ: أرادَ الأمْرَ بِإحْضارِ النِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ صَلاةٍ؛ والقَصْدَ نَحْوَهُ تَعالى ؛ كَما تَقُولُ: "وَجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ تَعالى "؛ قالَهُ الرَبِيعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فُلا يُؤْخَذُ الوَجْهُ عَلى أنَّهُ الجارِحَةُ؛ بَلْ هو المَقْصِدُ؛ والمَنزَعُ.
وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِهَذا اللَفْظِ إباحَةُ الصَلاةِ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ؛ أيْ: "حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَهو مَسْجِدٌ لَكُمْ؛ تَلْزَمُكم عِنْدَ الصَلاةِ إقامَةُ وُجُوهِكم فِيهِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -"؛ قالَ قَوْمٌ: سَبَبُها أنَّ قَوْمًا كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في مَساجِدِهِمْ؛ في قِبْلَتِهِمْ؛ فَإذا حَضَرَتِ الصَلاةُ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَساجِدِ لَمْ يُصَلُّوا فِيها؛ وقَوْلُهُ تَعالى "مُخْلِصِينَ".
قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ؛ اَلْإعْلامُ بِالبَعْثِ؛ أيْ: "كَما أوجَدَكم واخْتَرَعَكُمْ؛ كَذَلِكَ يُعِيدُكم بَعْدَ المَوْتِ"؛ فالوَقْفُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَلى "تَعُودُونَ"؛ و"فَرِيقًا"؛ نُصِبَ عَلى "هَدى"؛ والثانِي مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَعَذَّبَ فَرِيقًا"؛ أو: "أضَلَّ فَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ...".
(p-٥٤٨)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا؛ وأبُو العالِيَةِ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ؛ ومُجاهِدٌ أيْضًا؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ؛ ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ؛ اَلْإعْلامُ بِأنَّ أهْلَ الشَقاءِ والكُفْرِ في الدُنْيا؛ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ؛ هم أهْلُ الشَقاءِ في الآخِرَةِ؛ وأهْلُ السَعادَةِ والإيمانِ؛ الَّذِينَ كُتِبَ لَهم في الدُنْيا؛ هم أهْلُهُما في الآخِرَةِ؛ لا يَتَبَدَّلُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أحْكَمَها؛ ودَبَّرَها؛ وأنْفَذَها شَيْءٌ؛ فالوَقْفُ - في هَذا التَأْوِيلِ - في قَوْلِهِ: ﴿ "تَعُودُونَ"؛﴾ غَيْرُ حَسَنٍ؛ و"فَرِيقًا" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - نُصِبَ عَلى الحالِ؛ والثانِي عُطِفَ عَلى الأوَّلِ؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَلالَةُ".
والضَمِيرُ في ﴿ "إنَّهُمُ"؛﴾ عائِدٌ عَلى الفَرِيقِ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَلالَةُ و"أولِياءَ"؛ مَعْناهُ: أنْصارًا؛ وأصْحابًا؛ وإخْوانًا؛ ﴿ "وَيَحْسَبُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: يَظُنُّونَ؛ يُقالُ: "حَسِبْتُ؛ أحَسَبُ؛ حِسْبانًا؛ ومَحْسِبَةً".
قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى خَطَإ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ ارْتَكَبَها؛ أو ضَلالَةٍ اعْتَقَدَها؛ إلّا أنْ يَأْتِيَها عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِمَوْضِعِ الصَوابِ.
وقَرَأ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ ؛ وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "أنَّهُمُ اتَّخَذُوا"؛ بِفَتْحِ الألِفِ.
الأعراف 7:30
(p-٥٤٧)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَياطِينَ أولِياءَ مِن دُونِ اللهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾
تَضَمَّنَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ ؛ "أقْسِطُوا"؛ ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى "وَأقِيمُوا"؛ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ و"اَلْقِسْطُ": اَلْعَدْلُ والحَقُّ؛ واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ؛ فَقِيلَ: أرادَ إلى الكَعْبَةِ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ والمَقْصِدُ - عَلى هَذا -: شَرْعُ القِبْلَةِ والأمْرُ بِالتِزامِها؛ وقِيلَ: أرادَ الأمْرَ بِإحْضارِ النِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى في كُلِّ صَلاةٍ؛ والقَصْدَ نَحْوَهُ تَعالى ؛ كَما تَقُولُ: "وَجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ تَعالى "؛ قالَهُ الرَبِيعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فُلا يُؤْخَذُ الوَجْهُ عَلى أنَّهُ الجارِحَةُ؛ بَلْ هو المَقْصِدُ؛ والمَنزَعُ.
وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِهَذا اللَفْظِ إباحَةُ الصَلاةِ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ؛ أيْ: "حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَهو مَسْجِدٌ لَكُمْ؛ تَلْزَمُكم عِنْدَ الصَلاةِ إقامَةُ وُجُوهِكم فِيهِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -"؛ قالَ قَوْمٌ: سَبَبُها أنَّ قَوْمًا كانُوا لا يُصَلُّونَ إلّا في مَساجِدِهِمْ؛ في قِبْلَتِهِمْ؛ فَإذا حَضَرَتِ الصَلاةُ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَساجِدِ لَمْ يُصَلُّوا فِيها؛ وقَوْلُهُ تَعالى "مُخْلِصِينَ".
قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وقَتادَةُ ؛ وابْنُ عَبّاسٍ ؛ ومُجاهِدٌ: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ؛ اَلْإعْلامُ بِالبَعْثِ؛ أيْ: "كَما أوجَدَكم واخْتَرَعَكُمْ؛ كَذَلِكَ يُعِيدُكم بَعْدَ المَوْتِ"؛ فالوَقْفُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَلى "تَعُودُونَ"؛ و"فَرِيقًا"؛ نُصِبَ عَلى "هَدى"؛ والثانِي مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "وَعَذَّبَ فَرِيقًا"؛ أو: "أضَلَّ فَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ...".
(p-٥٤٨)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا؛ وأبُو العالِيَةِ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ؛ ومُجاهِدٌ أيْضًا؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ؛ ورُوِيَ مَعْناهُ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: اَلْمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ ؛ اَلْإعْلامُ بِأنَّ أهْلَ الشَقاءِ والكُفْرِ في الدُنْيا؛ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ؛ هم أهْلُ الشَقاءِ في الآخِرَةِ؛ وأهْلُ السَعادَةِ والإيمانِ؛ الَّذِينَ كُتِبَ لَهم في الدُنْيا؛ هم أهْلُهُما في الآخِرَةِ؛ لا يَتَبَدَّلُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أحْكَمَها؛ ودَبَّرَها؛ وأنْفَذَها شَيْءٌ؛ فالوَقْفُ - في هَذا التَأْوِيلِ - في قَوْلِهِ: ﴿ "تَعُودُونَ"؛﴾ غَيْرُ حَسَنٍ؛ و"فَرِيقًا" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - نُصِبَ عَلى الحالِ؛ والثانِي عُطِفَ عَلى الأوَّلِ؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَلالَةُ".
والضَمِيرُ في ﴿ "إنَّهُمُ"؛﴾ عائِدٌ عَلى الفَرِيقِ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَلالَةُ و"أولِياءَ"؛ مَعْناهُ: أنْصارًا؛ وأصْحابًا؛ وإخْوانًا؛ ﴿ "وَيَحْسَبُونَ"؛﴾ مَعْناهُ: يَظُنُّونَ؛ يُقالُ: "حَسِبْتُ؛ أحَسَبُ؛ حِسْبانًا؛ ومَحْسِبَةً".
قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى خَطَإ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ ارْتَكَبَها؛ أو ضَلالَةٍ اعْتَقَدَها؛ إلّا أنْ يَأْتِيَها عَلى عِلْمٍ مِنهُ بِمَوْضِعِ الصَوابِ.
وقَرَأ العَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ ؛ وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ؛ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "أنَّهُمُ اتَّخَذُوا"؛ بِفَتْحِ الألِفِ.
الأعراف 7:31
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَيِّباتِ مَن الرِزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
هَذا خِطابٌ عامٌّ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ وأُمِرُوا بِهَذِهِ الأشْياءِ بِسَبَبِ عِصْيانِ حاضِرِي ذَلِكَ الوَقْتِ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ فِيها.
(p-٥٤٩)وَ"اَلزِّينَةُ"؛ هَهُنا: اَلثِّيابُ الساتِرَةُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وقالَ طاوُسٌ: اَلشَّمْلَةُ مِنَ الزِينَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَدْخُلُ فِيها ما كانَ مِنَ الطِيبِ لِلْجُمُعَةِ؛ والسِواكُ؛ وبِدَلُ الثِيابِ؛ وكُلُّ ما وُجِدَ اسْتِحْسانُهُ في الشَرِيعَةِ؛ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُسْتَعْمِلُهُ الخُيَلاءَ.
و﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ؛ عِنْدَ كُلِّ مَوْضِعِ سُجُودٍ؛ فَهي إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ؛ وسَتْرِ العَوْرَةِ فِيها؛ هَذا هو مُهِمُّ الأمْرِ؛ ويَدْخُلُ مَعَ الصَلاةِ مَواطِنُ الخَيْرِ كُلُّها؛ ومَعَ سَتْرِ العَوْرَةِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الطِيبِ لِلْجُمُعَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وذَكَرَ مَكِّيٌّ حَدِيثًا أنَّ مَعْنى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ ؛ صَلُّوا في النِعالِ؛ وما أحْسَبُهُ يَصِحُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا﴾ ؛ نَهْيٌ عَمّا كانُوا التَزَمُوهُ مِن تَحْرِيمِ اللَحْمِ؛ والوَدَكِ؛ في أيّامِ المَوْسِمِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وتَدْخُلُ مَعَ ذَلِكَ أيْضًا البَحِيرَةُ؛ والسائِبَةُ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ ؛ وقالَ: إنَّ البَحِيرَةَ؛ وما جانَسَها؛ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والطَيِّباتِ مِنَ الرِزْقِ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَلا تُفَرِّطُوا"؛ قالَ أهْلُ التَأْوِيلِ: يُرِيدُ: "وَلا تُسْرِفُوا بِأنْ تُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِكم ما لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ"؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: لَيْسَ في الحَلالِ سَرَفٌ؛ إنَّما السَرَفُ في ارْتِكابِ المَعاصِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُ: "فِي الحَلالِ القَصْدُ"؛ واللَفْظُ يَقْتَضِي النَهْيَ عَنِ السَرَفِ مُطْلَقًا؛ فَمَن تَلَبَّسَ بِفِعْلِ حَرامٍ فَتَأوَّلَ تَلَبُّسَهُ بِهِ؛ حَصَلَ مِنَ المُسْرِفِينَ؛ وتُوُجِّهَ النَهْيُ عَلَيْهِ؛ ومَن تَلَبَّسَ بِفِعْلِ مُباحٍ؛ فَإنْ مَشى فِيهِ عَلى القَصْدِ؛ وأوساطِ الأُمُورِ؛ فَحَسَنٌ؛ وإنْ أفْرَطَ حَتّى دَخَلَ الضَرَرُ حَصَلَ أيْضًا مِنَ المُسْرِفِينَ؛ وتُوُجِّهَ النَهْيُ عَلَيْهِ؛ مِثْلُ ذَلِكَ: "أنْ يُفَرِّطَ الإنْسانُ في شِراءِ ثِيابٍ؛ ونَحْوِها؛ ويَسْتَنْفِدَ في ذَلِكَ جُلَّ مالِهِ؛ أو يُعْطِيَ مالَهُ أجْمَعَ؛ ويُكابِدَ بِعِيالِهِ الفَقْرَ بَعْدَ ذَلِكَ"؛ (p-٥٥٠)وَنَحْوُهُ؛ فاللهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يُحِبُّ شَيْئًا مِن هَذا؛ وقَدْ نَهَتِ الشَرِيعَةُ عنهُ؛ ولِذَلِكَ وقَفَ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالمُوصِي عِنْدَ الثُلُثِ؛ وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَوْ حَطَّ الناسُ إلى الرُبُعِ لِقَوْلِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "والثُلُثُ كَثِيرٌ"؛ وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في هَذِهِ الآيَةِ -: أحَلَّ اللهُ تَعالى الأكْلَ والشُرْبَ؛ ما لَمْ يَكُنْ سَرَفًا؛ أو مَخْيَلَةً.
وأمَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنْ يَسْألَهم عَمَّنْ حَرَّمَ ما أحَلَّ اللهُ تَعالى ؛ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا السُؤالُ جَوابًا؛ وإنَّما المُرادُ مِنهُ التَوْقِيفُ عَلى سُوءِ الفِعْلِ؛ وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ السُؤالَ والجَوابَ جاءا في هَذِهِ الآيَةِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ وتُخُيِّلَ قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ جَوابًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَظَرٌ فاسِدٌ؛ لَيْسَ ذَلِكَ بِجَوابِ السُؤالِ؛ ولا يَقْتَضِي هَذا النَوْعُ مِنَ الأسْئِلَةِ جَوابًا؛ و"زِينَةُ اللهِ"؛ هي كُلُّ ما اقْتَضَتْهُ الشَهْوَةُ؛ وطَلَبُ العُلُوِّ في الأرْضِ؛ كالمالِ؛ والبَنِينَ؛ وهي الزِينَةُ الَّتِي فَضَّلَ الشَرْعَ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿والطَيِّباتِ مِنَ الرِزْقِ﴾ ؛ قالَ الجُمْهُورُ: يُرِيدُ: اَلْمُحَلَّلاتِ؛ وقالَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ: يُرِيدُ: اَلْمُسْتَلَذّاتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: إلّا أنَّ ذَلِكَ - ولا بُدَّ - يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَلالِ؛ وإنَّما قادَ الشافِعِيَّ إلى هَذا تَحْرِيمُهُ المُسْتَقْذَراتِ؛ كالوَزَغِ؛ وغَيْرِها؛ فَإنَّهُ يَقُولُ: هي مِنَ الخَبائِثِ؛ مُحَرَّمَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾.
قَرَأ نافِعٌ ؛ وحْدَهُ: "خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ والباقُونَ: "خالِصَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ والآيَةُ تُتَأوَّلُ عَلى مَعْنَيَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْ يُخْبِرَ أنَّ هَذِهِ الطَيِّباتِ المَوْجُوداتِ في الدُنْيا هي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُنْيا؛ وخُلُوصُها أنَّهم لا يُعاقَبُونَ عَلَيْها؛ ولا يُعَذَّبُونَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي الحَياةِ الدُنْيا﴾ ؛ مُتَعَلِّقٌ بِـ "آمَنُوا"؛ وإلى هَذا يُشِيرُ تَفْسِيرُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ؛ فَإنَّهُ قالَ: "قُلْ (p-٥٥١)هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا؛ يَنْتَفِعُونَ بِها في الدُنْيا؛ ولا يَتْبَعُهم إثْمُها"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "خالِصَةً"؛﴾ بِالرَفْعِ؛ خَبَرُ "هِيَ"؛ و"لِلَّذِينَ"؛ تَبْيِينٌ لِلْخُلُوصِ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "خالِصَةٌ"؛ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ؛ و"يَوْمَ القِيامَةِ"؛ يُرِيدُ بِهِ وقْتَ الحِسابِ؛ وقَرَأ قَتادَةُ والكِسائِيِّ: "قُلْ هي لِمَن آمَنَ في الحَياةِ الدُنْيا".
والمَعْنى الثانِي: هو أنْ يُخْبِرَ أنَّ هَذِهِ الطَيِّباتِ المَوْجُوداتِ؛ هي في الحَياةِ الدُنْيا لِلَّذِينِ آمَنُوا؛ وإنْ كانَتْ أيْضًا لِغَيْرِهِمْ مَعَهُمْ؛ وهي يَوْمَ القِيامَةِ خالِصَةٌ لَهُمْ؛ أيْ لا يُشارِكُهم أحَدٌ في اسْتِعْمالِها في الآخِرَةِ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكِ ؛ والحَسَنِ ؛ وقَتادَةَ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وابْنِ جُرَيْجٍ ؛ وابْنِ زَيْدٍ ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي الحَياةِ الدُنْيا﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُتَعَلِّقٌ بِالمَحْذُوفِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هِيَ خالِصَةٌ - أو ثابِتَةٌ - في الحَياةِ الدُنْيا لِلَّذِينِ آمَنُوا"؛ و"خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ؛ أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُقَدَّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وهي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ؛ و"يَوْمَ القِيامَةِ"؛ يُرادُ بِهِ اسْتِمْرارُ الكَوْنِ في الجَنَّةِ؛ وأمّا مَن نَصَبَ "خالِصَةً"؛ فَعَلى الحالِ مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؛ والتَقْدِيرُ: "هِيَ ثابِتَةٌ - أو مُسْتَقِرَّةٌ - لِلَّذِينِ آمَنُوا؛ في حال خُلُوصٍ لَهُمْ"؛ والعامِلُ فِيها ما في اللامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِلَّذِينَ﴾ [الأنعام: ٣٢] ؛ وقالَ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْحُجَّةُ": ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي الحَياةِ الدُنْيا﴾ ؛ بِقَوْلِهِ: "حَرَّمَ"؛ ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "زِينَةَ" لِأنَّها مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ ؛ ويَجُوزُ ذَلِكَ وإنْ فُصِلَ بَيْنَ الصِلَةِ والمَوْصُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَلامٌ يَشُدُّ القِصَّةَ؛ ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنها جِدًّا؛ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] ؛ مَعْطُوفٌ عَلى "كَسَبُوا"؛ داخِلٌ في الصِلَةِ؛ والتَعَلُّقُ بِـ "أخْرَجَ"؛ هو قَوْلُ الأخْفَشِ ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "والطَيِّباتِ"؛﴾ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿مِنَ الرِزْقِ﴾ ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "آمَنُوا".﴾
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الأخِيرُ هو أصَحُّ الأقْوالِ؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الأوَّلِ؛ فِيما رَتَّبْناهُ هُنا؛ وأمّا عَلى التَأْوِيلِ (p-٥٥٢)الآخَرِ فَيُضْعِفُ مَعْنى الآيَةِ هَذِهِ المُتَعَلِّقاتُ الَّتِي ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ ؛ وإنَّما يَظْهَرُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمَحْذُوفِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى "كَذَلِكَ"؛ تَقْدِيرُ الكَلامِ: أيْ: "كَما فَصَّلْنا هَذِهِ الأشْياءَ المُتَقَدِّمَةَ الذِكْرِ فَكَذَلِكَ؛ وعَلى تِلْكَ الصُورَةِ؛ نُفَصِّلُ الآياتِ - أيْ: "نُبَيِّنُ الأماراتِ؛ والعَلاماتِ؛ والهِداياتِ -؛ لِقَوْمٍ لَهم عِلْمٌ يَنْتَفِعُونَ بِهِ"؛ و"نُفَصِّلُ" مَعْناهُ: نُقَسِّمُ؛ ونُبَيِّنُ؛ لِأنَّ بَيانَ الأُمُورِ المُشَبَّهاتِ إنَّما هو في تَقْسِيمِها بِالفُصُولِ.
الأعراف 7:32
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَيِّباتِ مَن الرِزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
هَذا خِطابٌ عامٌّ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ وأُمِرُوا بِهَذِهِ الأشْياءِ بِسَبَبِ عِصْيانِ حاضِرِي ذَلِكَ الوَقْتِ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ فِيها.
(p-٥٤٩)وَ"اَلزِّينَةُ"؛ هَهُنا: اَلثِّيابُ الساتِرَةُ؛ قالَهُ مُجاهِدٌ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وقالَ طاوُسٌ: اَلشَّمْلَةُ مِنَ الزِينَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَدْخُلُ فِيها ما كانَ مِنَ الطِيبِ لِلْجُمُعَةِ؛ والسِواكُ؛ وبِدَلُ الثِيابِ؛ وكُلُّ ما وُجِدَ اسْتِحْسانُهُ في الشَرِيعَةِ؛ ولَمْ يَقْصِدْ بِهِ مُسْتَعْمِلُهُ الخُيَلاءَ.
و﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ؛ عِنْدَ كُلِّ مَوْضِعِ سُجُودٍ؛ فَهي إشارَةٌ إلى الصَلَواتِ؛ وسَتْرِ العَوْرَةِ فِيها؛ هَذا هو مُهِمُّ الأمْرِ؛ ويَدْخُلُ مَعَ الصَلاةِ مَواطِنُ الخَيْرِ كُلُّها؛ ومَعَ سَتْرِ العَوْرَةِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الطِيبِ لِلْجُمُعَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وذَكَرَ مَكِّيٌّ حَدِيثًا أنَّ مَعْنى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ ؛ صَلُّوا في النِعالِ؛ وما أحْسَبُهُ يَصِحُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا﴾ ؛ نَهْيٌ عَمّا كانُوا التَزَمُوهُ مِن تَحْرِيمِ اللَحْمِ؛ والوَدَكِ؛ في أيّامِ المَوْسِمِ؛ قالَهُ السُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وتَدْخُلُ مَعَ ذَلِكَ أيْضًا البَحِيرَةُ؛ والسائِبَةُ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ ؛ وقالَ: إنَّ البَحِيرَةَ؛ وما جانَسَها؛ هي المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿والطَيِّباتِ مِنَ الرِزْقِ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ ؛ مَعْناهُ: "وَلا تُفَرِّطُوا"؛ قالَ أهْلُ التَأْوِيلِ: يُرِيدُ: "وَلا تُسْرِفُوا بِأنْ تُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِكم ما لَمْ يُحَرِّمِ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ"؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -: لَيْسَ في الحَلالِ سَرَفٌ؛ إنَّما السَرَفُ في ارْتِكابِ المَعاصِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: يُرِيدُ: "فِي الحَلالِ القَصْدُ"؛ واللَفْظُ يَقْتَضِي النَهْيَ عَنِ السَرَفِ مُطْلَقًا؛ فَمَن تَلَبَّسَ بِفِعْلِ حَرامٍ فَتَأوَّلَ تَلَبُّسَهُ بِهِ؛ حَصَلَ مِنَ المُسْرِفِينَ؛ وتُوُجِّهَ النَهْيُ عَلَيْهِ؛ ومَن تَلَبَّسَ بِفِعْلِ مُباحٍ؛ فَإنْ مَشى فِيهِ عَلى القَصْدِ؛ وأوساطِ الأُمُورِ؛ فَحَسَنٌ؛ وإنْ أفْرَطَ حَتّى دَخَلَ الضَرَرُ حَصَلَ أيْضًا مِنَ المُسْرِفِينَ؛ وتُوُجِّهَ النَهْيُ عَلَيْهِ؛ مِثْلُ ذَلِكَ: "أنْ يُفَرِّطَ الإنْسانُ في شِراءِ ثِيابٍ؛ ونَحْوِها؛ ويَسْتَنْفِدَ في ذَلِكَ جُلَّ مالِهِ؛ أو يُعْطِيَ مالَهُ أجْمَعَ؛ ويُكابِدَ بِعِيالِهِ الفَقْرَ بَعْدَ ذَلِكَ"؛ (p-٥٥٠)وَنَحْوُهُ؛ فاللهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يُحِبُّ شَيْئًا مِن هَذا؛ وقَدْ نَهَتِ الشَرِيعَةُ عنهُ؛ ولِذَلِكَ وقَفَ النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - بِالمُوصِي عِنْدَ الثُلُثِ؛ وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لَوْ حَطَّ الناسُ إلى الرُبُعِ لِقَوْلِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: "والثُلُثُ كَثِيرٌ"؛ وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - في هَذِهِ الآيَةِ -: أحَلَّ اللهُ تَعالى الأكْلَ والشُرْبَ؛ ما لَمْ يَكُنْ سَرَفًا؛ أو مَخْيَلَةً.
وأمَرَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنْ يَسْألَهم عَمَّنْ حَرَّمَ ما أحَلَّ اللهُ تَعالى ؛ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ؛ ولَيْسَ يَقْتَضِي هَذا السُؤالُ جَوابًا؛ وإنَّما المُرادُ مِنهُ التَوْقِيفُ عَلى سُوءِ الفِعْلِ؛ وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ السُؤالَ والجَوابَ جاءا في هَذِهِ الآيَةِ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ وتُخُيِّلَ قَوْلُهُ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ جَوابًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَظَرٌ فاسِدٌ؛ لَيْسَ ذَلِكَ بِجَوابِ السُؤالِ؛ ولا يَقْتَضِي هَذا النَوْعُ مِنَ الأسْئِلَةِ جَوابًا؛ و"زِينَةُ اللهِ"؛ هي كُلُّ ما اقْتَضَتْهُ الشَهْوَةُ؛ وطَلَبُ العُلُوِّ في الأرْضِ؛ كالمالِ؛ والبَنِينَ؛ وهي الزِينَةُ الَّتِي فَضَّلَ الشَرْعَ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿والطَيِّباتِ مِنَ الرِزْقِ﴾ ؛ قالَ الجُمْهُورُ: يُرِيدُ: اَلْمُحَلَّلاتِ؛ وقالَ الشافِعِيُّ وغَيْرُهُ: يُرِيدُ: اَلْمُسْتَلَذّاتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: إلّا أنَّ ذَلِكَ - ولا بُدَّ - يُشْتَرَطُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مِنَ الحَلالِ؛ وإنَّما قادَ الشافِعِيَّ إلى هَذا تَحْرِيمُهُ المُسْتَقْذَراتِ؛ كالوَزَغِ؛ وغَيْرِها؛ فَإنَّهُ يَقُولُ: هي مِنَ الخَبائِثِ؛ مُحَرَّمَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾.
قَرَأ نافِعٌ ؛ وحْدَهُ: "خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ والباقُونَ: "خالِصَةً"؛ بِالنَصْبِ؛ والآيَةُ تُتَأوَّلُ عَلى مَعْنَيَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْ يُخْبِرَ أنَّ هَذِهِ الطَيِّباتِ المَوْجُوداتِ في الدُنْيا هي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ في الدُنْيا؛ وخُلُوصُها أنَّهم لا يُعاقَبُونَ عَلَيْها؛ ولا يُعَذَّبُونَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي الحَياةِ الدُنْيا﴾ ؛ مُتَعَلِّقٌ بِـ "آمَنُوا"؛ وإلى هَذا يُشِيرُ تَفْسِيرُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ؛ فَإنَّهُ قالَ: "قُلْ (p-٥٥١)هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُنْيا؛ يَنْتَفِعُونَ بِها في الدُنْيا؛ ولا يَتْبَعُهم إثْمُها"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "خالِصَةً"؛﴾ بِالرَفْعِ؛ خَبَرُ "هِيَ"؛ و"لِلَّذِينَ"؛ تَبْيِينٌ لِلْخُلُوصِ؛ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "خالِصَةٌ"؛ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ؛ و"يَوْمَ القِيامَةِ"؛ يُرِيدُ بِهِ وقْتَ الحِسابِ؛ وقَرَأ قَتادَةُ والكِسائِيِّ: "قُلْ هي لِمَن آمَنَ في الحَياةِ الدُنْيا".
والمَعْنى الثانِي: هو أنْ يُخْبِرَ أنَّ هَذِهِ الطَيِّباتِ المَوْجُوداتِ؛ هي في الحَياةِ الدُنْيا لِلَّذِينِ آمَنُوا؛ وإنْ كانَتْ أيْضًا لِغَيْرِهِمْ مَعَهُمْ؛ وهي يَوْمَ القِيامَةِ خالِصَةٌ لَهُمْ؛ أيْ لا يُشارِكُهم أحَدٌ في اسْتِعْمالِها في الآخِرَةِ؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكِ ؛ والحَسَنِ ؛ وقَتادَةَ ؛ والسُدِّيِّ ؛ وابْنِ جُرَيْجٍ ؛ وابْنِ زَيْدٍ ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي الحَياةِ الدُنْيا﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - مُتَعَلِّقٌ بِالمَحْذُوفِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؛ كَأنَّهُ قالَ: "هِيَ خالِصَةٌ - أو ثابِتَةٌ - في الحَياةِ الدُنْيا لِلَّذِينِ آمَنُوا"؛ و"خالِصَةٌ"؛ بِالرَفْعِ؛ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ؛ أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُقَدَّرٍ؛ تَقْدِيرُهُ: وهي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ؛ و"يَوْمَ القِيامَةِ"؛ يُرادُ بِهِ اسْتِمْرارُ الكَوْنِ في الجَنَّةِ؛ وأمّا مَن نَصَبَ "خالِصَةً"؛ فَعَلى الحالِ مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؛ والتَقْدِيرُ: "هِيَ ثابِتَةٌ - أو مُسْتَقِرَّةٌ - لِلَّذِينِ آمَنُوا؛ في حال خُلُوصٍ لَهُمْ"؛ والعامِلُ فِيها ما في اللامِ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿لِلَّذِينَ﴾ [الأنعام: ٣٢] ؛ وقالَ أبُو عَلِيٍّ في "اَلْحُجَّةُ": ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فِي الحَياةِ الدُنْيا﴾ ؛ بِقَوْلِهِ: "حَرَّمَ"؛ ولا يَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "زِينَةَ" لِأنَّها مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ ؛ ويَجُوزُ ذَلِكَ وإنْ فُصِلَ بَيْنَ الصِلَةِ والمَوْصُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَلامٌ يَشُدُّ القِصَّةَ؛ ولَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مِنها جِدًّا؛ كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧] ؛ مَعْطُوفٌ عَلى "كَسَبُوا"؛ داخِلٌ في الصِلَةِ؛ والتَعَلُّقُ بِـ "أخْرَجَ"؛ هو قَوْلُ الأخْفَشِ ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "والطَيِّباتِ"؛﴾ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿مِنَ الرِزْقِ﴾ ؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ "آمَنُوا".﴾
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا الأخِيرُ هو أصَحُّ الأقْوالِ؛ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الأوَّلِ؛ فِيما رَتَّبْناهُ هُنا؛ وأمّا عَلى التَأْوِيلِ (p-٥٥٢)الآخَرِ فَيُضْعِفُ مَعْنى الآيَةِ هَذِهِ المُتَعَلِّقاتُ الَّتِي ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ ؛ وإنَّما يَظْهَرُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالمَحْذُوفِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى "كَذَلِكَ"؛ تَقْدِيرُ الكَلامِ: أيْ: "كَما فَصَّلْنا هَذِهِ الأشْياءَ المُتَقَدِّمَةَ الذِكْرِ فَكَذَلِكَ؛ وعَلى تِلْكَ الصُورَةِ؛ نُفَصِّلُ الآياتِ - أيْ: "نُبَيِّنُ الأماراتِ؛ والعَلاماتِ؛ والهِداياتِ -؛ لِقَوْمٍ لَهم عِلْمٌ يَنْتَفِعُونَ بِهِ"؛ و"نُفَصِّلُ" مَعْناهُ: نُقَسِّمُ؛ ونُبَيِّنُ؛ لِأنَّ بَيانَ الأُمُورِ المُشَبَّهاتِ إنَّما هو في تَقْسِيمِها بِالفُصُولِ.
الأعراف 7:33
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُ ما حَرَّمَهُ الكُفّارُ بِآرائِهِمْ؛ أتْبَعَهُ ذِكْرُ ما حَرَّمَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقْدِيرُهُ.
و"اَلْفَواحِشُ"؛ ما فَحُشَ وشَنُعَ؛ وأصْلُهُ مِنَ القُبْحِ في المَنظَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ وجِيدٍ كَجِيدِ الرِيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ ∗∗∗ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما ساءَ مِنَ الخُلُقِ؛ وألْفاظِ الحَرَجِ؛ والرَفَثِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لَيْسَ (p-٥٥٣)بِفاحِشٍ"؛» في صِفَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ومِنهُ «قَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِسَلَمَةَ بْنِ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ: "أفْحَشْتَ عَلى الرَجُلِ"؛» في حَدِيثِ السِيَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الحَزِينِ؛ في كُثَيِّرِ عَزَّةَ:
؎ قَصِيرُ القَمِيصِ فاحِشٌ عِنْدَ بَيْتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗..................
وكَذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِيما شَنُعَ؛ وقَبُحَ في النُفُوسِ؛ والقُبْحُ؛ والحُسْنُ في المَعانِي إنَّما [يُتَلَقَّيانِ] مِن جِهَةِ الشَرْعِ؛ والفاحِشُ كَذَلِكَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى - هُنا -: ﴿الفَواحِشَ﴾ ؛ إنَّما هو إشارَةٌ إلى ما نَصَّ الشَرْعُ عَلى تَحْرِيمِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ فَكُلُّ ما حَرَّمَهُ الشَرْعُ فَهو فاحِشٌ؛ وإنْ كانَ العَقْلُ لا يُنْكِرُهُ؛ كَلِباسِ الحَرِيرِ؛ والذَهَبِ لِلرِّجالِ؛ ونَحْوِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ ؛ يَجْمَعُ النَوْعَ كُلَّهُ؛ لِأنَّهُ تَقْسِيمٌ لا يَخْرُجُ عنهُ شَيْءٌ؛ وهو لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الفَواحِشِ؛ وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى تَخْصِيصِ ذَلِكَ؛ بِأنْ قالَ: ما ظَهَرَ: اَلطَّوّافُ عُرْيانًا؛ والبَواطِنُ: اَلزِّنا؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا يَأْتِي عَلى طَرِيقِ المِثالِ؛ و"ما"؛ بَدَلٌ مِن "اَلْفَواحِشَ"؛ وهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ ومَجْمُوعُ القِسْمَيْنِ يَأْتِي بَدَلَ الشَيْءِ مِنَ الشَيْءِ؛ وهو هو.
و"اَلْإثْمَ"؛ أيْضًا: لَفْظُهُ عامٌّ لِجَمِيعِ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِمُرْتَكِبِها إثْمٌ؛ هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هي الخَمْرُ؛ واحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى طارَ عَقْلِي ∗∗∗ ∗∗∗...............
(p-٥٥٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ ولَمْ تُعْنَ الشَرِيعَةُ لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ إلّا بِالمَدِينَةِ؛ بَعْدَ أُحُدٍ؛ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ الصَحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ؛ وماتُوا شُهَداءَ وهي في أجْوافِهِمْ؛ وأيْضًا فَبَيْتُ الشِعْرِ يُقالُ: إنَّهُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ؛ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ وكَأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ - عَلى هَذا القَوْلِ - أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] ؛ وهو في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ حُرِّمَ؛ فَيَأْتِي مِن هَذا أنَّ الخَمْرَ إثْمٌ؛ والإثْمَ مُحَرَّمٌ؛ فالخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنْ لا يَصِحُّ هَذا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "فِيهِما إثْمٌ"؛﴾ [البقرة: ٢١٩] مُحْتَمَلٌ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّهُ يَلْحَقُ الخَمْرَ مِن فَسادِ العَقْلِ؛ والِافْتِراءِ؛ وقَتْلِ النَفْسِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ آثامٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فِي الخَمْرِ هَذِهِ الآثامُ"؛ أيْ: هي بِسَبَبِها؛ ومَعَها؛ وهَذِهِ الأشْياءُ مُحَرَّمَةٌ؛ لا مَحالَةَ؛ وخَرَجَتِ الخَمْرُ مِنَ التَحْرِيمِ عَلى هَذا؛ ولَمْ يَتَرَتَّبِ القِياسُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ قائِلُ ما ذَكَرْناهُ؛ ويُعَضِّدُ هَذا أنّا وجَدْنا الصَحابَةَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] ؛ وفي بَعْضِ الأحادِيثِ: "فَتَرَكَها قَوْمٌ لِلْإثْمِ الَّذِي فِيها؛ وشَرِبَها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ؛ وإنَّما حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِظَواهِرِ القُرْآنِ؛ ونُصُوصِ الأحادِيثِ؛ والإجْماعِ.
و"اَلْبَغْيُ": اَلتَّعَدِّي؛ وتَجاوُزُ الحَدِّ؛ كانَ الإنْسانُ مُبْتَدِيًا بِذَلِكَ أو مُنْتَصِرًا؛ فَإذا جاوَزَ الحَدَّ في الِانْتِصارِ فَهو باغٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ ؛ زِيادَةُ بَيانٍ؛ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ فَلا يُسَمّى "بَغْيًا".
﴿وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ ؛ اَلْمُرادُ بِها الأصْنامُ؛ والأوثانُ؛ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ والسُلْطانُ: اَلْبُرْهانُ؛ والحُجَّةُ. ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ؛ مِن أنَّهُ حَرَّمَ البَحِيرَةَ؛ والسائِبَةَ؛ ونَحْوَهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ والتَهْدِيدَ؛ والمَعْنى: "وَلِكُلِّ (p-٥٥٥)أُمَّةٍ - أيْ: فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ؛ وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في (اَلْكَثِيرِ مِنَ الناسِ) - أجَلٌ مُؤَقَّتٌ؛ لِمَجِيءِ العَذابِ؛ إذا كَفَرُوا؛ وخالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ؛ فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ"؛ قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "فَإذا جاءَ آجالُهُمْ"؛ بِالجَمْعِ؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ سِيرِينَ ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلًا؛ فَأمّا الإفْرادُ؛ فَلِأنَّهُ جِنْسٌ؛ وإضافَتُهُ إلى الجَماعَةِ حَسَّنَتِ الإفْرادَ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ....................... ∗∗∗ ∗∗∗ في حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شَجِينا
وقَوْلُهُ تَعالى "ساعَةً"؛ لَفْظٌ عُيِّنَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَمَنِ؛ والمُرادُ جَمِيعُ أجْزائِهِ؛ أيْ: لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً؛ ولا أقَلَّ مِنها؛ ولا أكْثَرَ؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ؛ فَإنَّما هي عِبارَةٌ يُقامُ الجُزْءُ فِيها مَقامَ الكُلِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ يَظْهَرُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ؛ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُّسَمًّى ؛ تَعارُضٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ تَقْتَضِي الوَعْدَ بِتَأْخِيرٍ إنْ آمَنُوا؛ والوَعِيدَ بِمُعاجَلَةٍ إنْ كَفَرُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والحَقُّ مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ؛ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما هو بِأجَلٍ واحِدٍ؛ لا يَتَأخَّرُ عنهُ؛ ولا يَتَقَدَّمُ؛ وقَوْمُنُوحٍ كانَ مِنهم مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أنَّهُ يَكْفُرُ؛ فَيُعاجَلُ؛ وذَلِكَ هو أجَلُهُ المَحْتُومُ؛ ومِنهم مَن يُؤْمِنُ؛ فَيَتَأخَّرُ إلى أجَلِهِ المَحْتُومِ؛ وغُيِّبَ عن نُوحٍ تَعْيِينُ الطائِفَتَيْنِ؛ فَنَدَبَ الكُلَّ إلى طَرِيقِ النَجاةِ؛ وهو يَعْلَمُ أنَّ الطائِفَةَ إنَّما تُعاجَلُ؛ أو تُؤَخَّرُ بِأجَلِها؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: "فَإنْ آمَنتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قَضى اللهُ تَعالى لَهُ بِالإيمانِ؛ والأجَلِ المُؤَخَّرِ؛ وإنْ كَفَرْتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قُضِيَ لَهُ بِالأجَلِ المُعَجَّلِ؛ والكُفْرِ".
(p-٥٥٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا الحَدِّ هو دُعاءُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ وقَدْ عَلِمَ أنَّ مِنهم مَن يَكْفُرُ فَيَدْخُلُ النارَ؛ وكَذَلِكَ هو أمْرُ الأسِيرِ؛ يُقالُ لَهُ: "إمّا أنْ تُؤْمِنَ فَتُتْرَكَ؛ وإلّا قُتِلْتَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ و"إنْ"؛ الشَرْطِيَّةُ دَخَلَتْ عَلَيْها "ما"؛ مُؤَكِّدَةً؛ ولِذَلِكَ جازَ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ عَلى الفِعْلِ؛ وإذا لَمْ تَكُنْ "ما"؛ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ والأعْرَجُ: "تَأْتِيَنَّكُمْ"؛ عَلى لَفْظِ الرُسُلِ؛ وجاءَ "يَقُصُّونَ"؛ عَلى المَعْنى؛ وكانَ هَذا الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَمِ؛ قَدِيمِها وحَدِيثِها؛ هو مُتَمَكِّنٌ لَهُمْ؛ ومُتَحَصَّلٌ مِنهُ لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّ هَذا حُكْمُ اللهِ تَعالى في العالَمِ؛ مُنْذُ أنْشَأهُ؛ و"يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ مُسْتَقْبَلٌ وُضِعَ مَوْضِعَ ماضٍ؛ لِيُفْهَمَ أنَّ الإتْيانَ باقٍ وقْتَ الخِطابِ؛ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا عَلى مُراعاةِ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى أبِي سَيّارٍ السُلَمِيِّ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتَهُ في كَفِّهِ؛ فَقالَ: ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ: ثُمَّ نَظَرَ إلى الرُسُلِ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الرُسُلُ كُلُوا مِنَ الطَيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ؛ ثُمَّ بَثَّهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا مَحالَةَ أنَّ هَذِهِ المُخاطَبَةَ في الأزَلِ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالرُسُلِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مِن حَيْثُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ؛ فَكَأنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ المُرادُ بِبَنِي آدَمَ؛ لا غَيْرُ؛ إذْ غَيْرُهم لَمْ يَنَلْهُ الخِطابُ؛ ذَكَرَهُ النَقّاشُ ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ؛ ويُورِدُونَ؛ و"اَلْآياتُ"؛ لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ ولِلْعَلاماتِ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِالأنْبِياءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ ؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ شَرْطِيَّةً؛ وجَوابُهُ: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي في (p-٥٥٧)جَوابِ الشَرْطِ الأوَّلِ الَّذِي هُوَ: "إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ ؛ مَوْصُولَةً؛ وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ تَقْسِيمَ الناسِ؛ فَجَعَلَ القِسْمَ الأوَّلَ ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ ؛ والقِسْمَ الثانِي: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ؛ وجاءَ هَذا التَقْسِيمُ بِجُمْلَتِهِ جَوابًا لِلشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "إنْ أتَتْكم رُسُلٌ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النارِ"؛ أيْ: هَذا هو الثَمَرَةُ وفائِدَةُ الرِسالَةِ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ [الأعراف: ٣٧] ؛ أيْ: لَيْسَ ثَمَّ نَفْعٌ لِلْمُفْتَرِي؛ ولا غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ؛ فالآيَةٌ تَبْرِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِافْتِراءِ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْمُفْتَرِينَ مِنَ الكُفّارِ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: "فَلا خَوْفٌ"؛ بِمَعْنى "لَيْسَ".
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَلا خَوْفُ"؛ دُونَ تَنْوِينٍ؛ ووَجْهُهُ: إمّا أنْ يُحْذَفَ التَنْوِينُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ وإمّا حَمْلًا عَلى حَذْفِهِ مَعَ "لا"؛ وهي تَبْرِيَةٌ ناصِبَةٌ؛ تُشَبِّهُ حالَةَ الرَفْعِ في البِناءِ بِحالَةِ النَصْبِ؛ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: "فَلا الخَوْفُ"؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ؛ واللامُ؛ وبَقِيَتِ الفاءُ عَلى حالِها؛ لِتَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ؛ ونَفْيُ الخَوْفِ والحُزْنِ يَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ مَكارِهِ النَفْسِ؛ وأنْكارِها؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ لِما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الأُمُورِ؛ والحُزْنُ لِما مَضى.
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا﴾ ؛ [هاتانِ حالَتانِ تَعُمّانِ] جَمِيعَ مَن يَصُدُّ عن رِسالَةِ الرَسُولِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ؛ وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ؛ فَيُكَذِّبَ وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَكْذِيبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ الكُفْرِ عِنادًا.
الأعراف 7:34
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُ ما حَرَّمَهُ الكُفّارُ بِآرائِهِمْ؛ أتْبَعَهُ ذِكْرُ ما حَرَّمَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقْدِيرُهُ.
و"اَلْفَواحِشُ"؛ ما فَحُشَ وشَنُعَ؛ وأصْلُهُ مِنَ القُبْحِ في المَنظَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ وجِيدٍ كَجِيدِ الرِيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ ∗∗∗ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما ساءَ مِنَ الخُلُقِ؛ وألْفاظِ الحَرَجِ؛ والرَفَثِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لَيْسَ (p-٥٥٣)بِفاحِشٍ"؛» في صِفَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ومِنهُ «قَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِسَلَمَةَ بْنِ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ: "أفْحَشْتَ عَلى الرَجُلِ"؛» في حَدِيثِ السِيَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الحَزِينِ؛ في كُثَيِّرِ عَزَّةَ:
؎ قَصِيرُ القَمِيصِ فاحِشٌ عِنْدَ بَيْتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗..................
وكَذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِيما شَنُعَ؛ وقَبُحَ في النُفُوسِ؛ والقُبْحُ؛ والحُسْنُ في المَعانِي إنَّما [يُتَلَقَّيانِ] مِن جِهَةِ الشَرْعِ؛ والفاحِشُ كَذَلِكَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى - هُنا -: ﴿الفَواحِشَ﴾ ؛ إنَّما هو إشارَةٌ إلى ما نَصَّ الشَرْعُ عَلى تَحْرِيمِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ فَكُلُّ ما حَرَّمَهُ الشَرْعُ فَهو فاحِشٌ؛ وإنْ كانَ العَقْلُ لا يُنْكِرُهُ؛ كَلِباسِ الحَرِيرِ؛ والذَهَبِ لِلرِّجالِ؛ ونَحْوِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ ؛ يَجْمَعُ النَوْعَ كُلَّهُ؛ لِأنَّهُ تَقْسِيمٌ لا يَخْرُجُ عنهُ شَيْءٌ؛ وهو لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الفَواحِشِ؛ وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى تَخْصِيصِ ذَلِكَ؛ بِأنْ قالَ: ما ظَهَرَ: اَلطَّوّافُ عُرْيانًا؛ والبَواطِنُ: اَلزِّنا؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا يَأْتِي عَلى طَرِيقِ المِثالِ؛ و"ما"؛ بَدَلٌ مِن "اَلْفَواحِشَ"؛ وهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ ومَجْمُوعُ القِسْمَيْنِ يَأْتِي بَدَلَ الشَيْءِ مِنَ الشَيْءِ؛ وهو هو.
و"اَلْإثْمَ"؛ أيْضًا: لَفْظُهُ عامٌّ لِجَمِيعِ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِمُرْتَكِبِها إثْمٌ؛ هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هي الخَمْرُ؛ واحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى طارَ عَقْلِي ∗∗∗ ∗∗∗...............
(p-٥٥٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ ولَمْ تُعْنَ الشَرِيعَةُ لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ إلّا بِالمَدِينَةِ؛ بَعْدَ أُحُدٍ؛ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ الصَحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ؛ وماتُوا شُهَداءَ وهي في أجْوافِهِمْ؛ وأيْضًا فَبَيْتُ الشِعْرِ يُقالُ: إنَّهُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ؛ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ وكَأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ - عَلى هَذا القَوْلِ - أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] ؛ وهو في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ حُرِّمَ؛ فَيَأْتِي مِن هَذا أنَّ الخَمْرَ إثْمٌ؛ والإثْمَ مُحَرَّمٌ؛ فالخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنْ لا يَصِحُّ هَذا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "فِيهِما إثْمٌ"؛﴾ [البقرة: ٢١٩] مُحْتَمَلٌ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّهُ يَلْحَقُ الخَمْرَ مِن فَسادِ العَقْلِ؛ والِافْتِراءِ؛ وقَتْلِ النَفْسِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ آثامٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فِي الخَمْرِ هَذِهِ الآثامُ"؛ أيْ: هي بِسَبَبِها؛ ومَعَها؛ وهَذِهِ الأشْياءُ مُحَرَّمَةٌ؛ لا مَحالَةَ؛ وخَرَجَتِ الخَمْرُ مِنَ التَحْرِيمِ عَلى هَذا؛ ولَمْ يَتَرَتَّبِ القِياسُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ قائِلُ ما ذَكَرْناهُ؛ ويُعَضِّدُ هَذا أنّا وجَدْنا الصَحابَةَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] ؛ وفي بَعْضِ الأحادِيثِ: "فَتَرَكَها قَوْمٌ لِلْإثْمِ الَّذِي فِيها؛ وشَرِبَها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ؛ وإنَّما حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِظَواهِرِ القُرْآنِ؛ ونُصُوصِ الأحادِيثِ؛ والإجْماعِ.
و"اَلْبَغْيُ": اَلتَّعَدِّي؛ وتَجاوُزُ الحَدِّ؛ كانَ الإنْسانُ مُبْتَدِيًا بِذَلِكَ أو مُنْتَصِرًا؛ فَإذا جاوَزَ الحَدَّ في الِانْتِصارِ فَهو باغٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ ؛ زِيادَةُ بَيانٍ؛ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ فَلا يُسَمّى "بَغْيًا".
﴿وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ ؛ اَلْمُرادُ بِها الأصْنامُ؛ والأوثانُ؛ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ والسُلْطانُ: اَلْبُرْهانُ؛ والحُجَّةُ. ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ؛ مِن أنَّهُ حَرَّمَ البَحِيرَةَ؛ والسائِبَةَ؛ ونَحْوَهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ والتَهْدِيدَ؛ والمَعْنى: "وَلِكُلِّ (p-٥٥٥)أُمَّةٍ - أيْ: فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ؛ وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في (اَلْكَثِيرِ مِنَ الناسِ) - أجَلٌ مُؤَقَّتٌ؛ لِمَجِيءِ العَذابِ؛ إذا كَفَرُوا؛ وخالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ؛ فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ"؛ قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "فَإذا جاءَ آجالُهُمْ"؛ بِالجَمْعِ؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ سِيرِينَ ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلًا؛ فَأمّا الإفْرادُ؛ فَلِأنَّهُ جِنْسٌ؛ وإضافَتُهُ إلى الجَماعَةِ حَسَّنَتِ الإفْرادَ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ....................... ∗∗∗ ∗∗∗ في حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شَجِينا
وقَوْلُهُ تَعالى "ساعَةً"؛ لَفْظٌ عُيِّنَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَمَنِ؛ والمُرادُ جَمِيعُ أجْزائِهِ؛ أيْ: لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً؛ ولا أقَلَّ مِنها؛ ولا أكْثَرَ؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ؛ فَإنَّما هي عِبارَةٌ يُقامُ الجُزْءُ فِيها مَقامَ الكُلِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ يَظْهَرُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ؛ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُّسَمًّى ؛ تَعارُضٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ تَقْتَضِي الوَعْدَ بِتَأْخِيرٍ إنْ آمَنُوا؛ والوَعِيدَ بِمُعاجَلَةٍ إنْ كَفَرُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والحَقُّ مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ؛ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما هو بِأجَلٍ واحِدٍ؛ لا يَتَأخَّرُ عنهُ؛ ولا يَتَقَدَّمُ؛ وقَوْمُنُوحٍ كانَ مِنهم مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أنَّهُ يَكْفُرُ؛ فَيُعاجَلُ؛ وذَلِكَ هو أجَلُهُ المَحْتُومُ؛ ومِنهم مَن يُؤْمِنُ؛ فَيَتَأخَّرُ إلى أجَلِهِ المَحْتُومِ؛ وغُيِّبَ عن نُوحٍ تَعْيِينُ الطائِفَتَيْنِ؛ فَنَدَبَ الكُلَّ إلى طَرِيقِ النَجاةِ؛ وهو يَعْلَمُ أنَّ الطائِفَةَ إنَّما تُعاجَلُ؛ أو تُؤَخَّرُ بِأجَلِها؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: "فَإنْ آمَنتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قَضى اللهُ تَعالى لَهُ بِالإيمانِ؛ والأجَلِ المُؤَخَّرِ؛ وإنْ كَفَرْتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قُضِيَ لَهُ بِالأجَلِ المُعَجَّلِ؛ والكُفْرِ".
(p-٥٥٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا الحَدِّ هو دُعاءُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ وقَدْ عَلِمَ أنَّ مِنهم مَن يَكْفُرُ فَيَدْخُلُ النارَ؛ وكَذَلِكَ هو أمْرُ الأسِيرِ؛ يُقالُ لَهُ: "إمّا أنْ تُؤْمِنَ فَتُتْرَكَ؛ وإلّا قُتِلْتَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ و"إنْ"؛ الشَرْطِيَّةُ دَخَلَتْ عَلَيْها "ما"؛ مُؤَكِّدَةً؛ ولِذَلِكَ جازَ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ عَلى الفِعْلِ؛ وإذا لَمْ تَكُنْ "ما"؛ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ والأعْرَجُ: "تَأْتِيَنَّكُمْ"؛ عَلى لَفْظِ الرُسُلِ؛ وجاءَ "يَقُصُّونَ"؛ عَلى المَعْنى؛ وكانَ هَذا الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَمِ؛ قَدِيمِها وحَدِيثِها؛ هو مُتَمَكِّنٌ لَهُمْ؛ ومُتَحَصَّلٌ مِنهُ لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّ هَذا حُكْمُ اللهِ تَعالى في العالَمِ؛ مُنْذُ أنْشَأهُ؛ و"يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ مُسْتَقْبَلٌ وُضِعَ مَوْضِعَ ماضٍ؛ لِيُفْهَمَ أنَّ الإتْيانَ باقٍ وقْتَ الخِطابِ؛ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا عَلى مُراعاةِ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى أبِي سَيّارٍ السُلَمِيِّ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتَهُ في كَفِّهِ؛ فَقالَ: ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ: ثُمَّ نَظَرَ إلى الرُسُلِ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الرُسُلُ كُلُوا مِنَ الطَيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ؛ ثُمَّ بَثَّهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا مَحالَةَ أنَّ هَذِهِ المُخاطَبَةَ في الأزَلِ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالرُسُلِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مِن حَيْثُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ؛ فَكَأنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ المُرادُ بِبَنِي آدَمَ؛ لا غَيْرُ؛ إذْ غَيْرُهم لَمْ يَنَلْهُ الخِطابُ؛ ذَكَرَهُ النَقّاشُ ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ؛ ويُورِدُونَ؛ و"اَلْآياتُ"؛ لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ ولِلْعَلاماتِ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِالأنْبِياءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ ؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ شَرْطِيَّةً؛ وجَوابُهُ: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي في (p-٥٥٧)جَوابِ الشَرْطِ الأوَّلِ الَّذِي هُوَ: "إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ ؛ مَوْصُولَةً؛ وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ تَقْسِيمَ الناسِ؛ فَجَعَلَ القِسْمَ الأوَّلَ ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ ؛ والقِسْمَ الثانِي: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ؛ وجاءَ هَذا التَقْسِيمُ بِجُمْلَتِهِ جَوابًا لِلشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "إنْ أتَتْكم رُسُلٌ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النارِ"؛ أيْ: هَذا هو الثَمَرَةُ وفائِدَةُ الرِسالَةِ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ [الأعراف: ٣٧] ؛ أيْ: لَيْسَ ثَمَّ نَفْعٌ لِلْمُفْتَرِي؛ ولا غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ؛ فالآيَةٌ تَبْرِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِافْتِراءِ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْمُفْتَرِينَ مِنَ الكُفّارِ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: "فَلا خَوْفٌ"؛ بِمَعْنى "لَيْسَ".
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَلا خَوْفُ"؛ دُونَ تَنْوِينٍ؛ ووَجْهُهُ: إمّا أنْ يُحْذَفَ التَنْوِينُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ وإمّا حَمْلًا عَلى حَذْفِهِ مَعَ "لا"؛ وهي تَبْرِيَةٌ ناصِبَةٌ؛ تُشَبِّهُ حالَةَ الرَفْعِ في البِناءِ بِحالَةِ النَصْبِ؛ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: "فَلا الخَوْفُ"؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ؛ واللامُ؛ وبَقِيَتِ الفاءُ عَلى حالِها؛ لِتَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ؛ ونَفْيُ الخَوْفِ والحُزْنِ يَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ مَكارِهِ النَفْسِ؛ وأنْكارِها؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ لِما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الأُمُورِ؛ والحُزْنُ لِما مَضى.
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا﴾ ؛ [هاتانِ حالَتانِ تَعُمّانِ] جَمِيعَ مَن يَصُدُّ عن رِسالَةِ الرَسُولِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ؛ وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ؛ فَيُكَذِّبَ وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَكْذِيبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ الكُفْرِ عِنادًا.
الأعراف 7:35
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُ ما حَرَّمَهُ الكُفّارُ بِآرائِهِمْ؛ أتْبَعَهُ ذِكْرُ ما حَرَّمَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقْدِيرُهُ.
و"اَلْفَواحِشُ"؛ ما فَحُشَ وشَنُعَ؛ وأصْلُهُ مِنَ القُبْحِ في المَنظَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ وجِيدٍ كَجِيدِ الرِيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ ∗∗∗ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما ساءَ مِنَ الخُلُقِ؛ وألْفاظِ الحَرَجِ؛ والرَفَثِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لَيْسَ (p-٥٥٣)بِفاحِشٍ"؛» في صِفَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ومِنهُ «قَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِسَلَمَةَ بْنِ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ: "أفْحَشْتَ عَلى الرَجُلِ"؛» في حَدِيثِ السِيَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الحَزِينِ؛ في كُثَيِّرِ عَزَّةَ:
؎ قَصِيرُ القَمِيصِ فاحِشٌ عِنْدَ بَيْتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗..................
وكَذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِيما شَنُعَ؛ وقَبُحَ في النُفُوسِ؛ والقُبْحُ؛ والحُسْنُ في المَعانِي إنَّما [يُتَلَقَّيانِ] مِن جِهَةِ الشَرْعِ؛ والفاحِشُ كَذَلِكَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى - هُنا -: ﴿الفَواحِشَ﴾ ؛ إنَّما هو إشارَةٌ إلى ما نَصَّ الشَرْعُ عَلى تَحْرِيمِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ فَكُلُّ ما حَرَّمَهُ الشَرْعُ فَهو فاحِشٌ؛ وإنْ كانَ العَقْلُ لا يُنْكِرُهُ؛ كَلِباسِ الحَرِيرِ؛ والذَهَبِ لِلرِّجالِ؛ ونَحْوِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ ؛ يَجْمَعُ النَوْعَ كُلَّهُ؛ لِأنَّهُ تَقْسِيمٌ لا يَخْرُجُ عنهُ شَيْءٌ؛ وهو لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الفَواحِشِ؛ وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى تَخْصِيصِ ذَلِكَ؛ بِأنْ قالَ: ما ظَهَرَ: اَلطَّوّافُ عُرْيانًا؛ والبَواطِنُ: اَلزِّنا؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا يَأْتِي عَلى طَرِيقِ المِثالِ؛ و"ما"؛ بَدَلٌ مِن "اَلْفَواحِشَ"؛ وهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ ومَجْمُوعُ القِسْمَيْنِ يَأْتِي بَدَلَ الشَيْءِ مِنَ الشَيْءِ؛ وهو هو.
و"اَلْإثْمَ"؛ أيْضًا: لَفْظُهُ عامٌّ لِجَمِيعِ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِمُرْتَكِبِها إثْمٌ؛ هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هي الخَمْرُ؛ واحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى طارَ عَقْلِي ∗∗∗ ∗∗∗...............
(p-٥٥٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ ولَمْ تُعْنَ الشَرِيعَةُ لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ إلّا بِالمَدِينَةِ؛ بَعْدَ أُحُدٍ؛ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ الصَحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ؛ وماتُوا شُهَداءَ وهي في أجْوافِهِمْ؛ وأيْضًا فَبَيْتُ الشِعْرِ يُقالُ: إنَّهُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ؛ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ وكَأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ - عَلى هَذا القَوْلِ - أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] ؛ وهو في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ حُرِّمَ؛ فَيَأْتِي مِن هَذا أنَّ الخَمْرَ إثْمٌ؛ والإثْمَ مُحَرَّمٌ؛ فالخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنْ لا يَصِحُّ هَذا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "فِيهِما إثْمٌ"؛﴾ [البقرة: ٢١٩] مُحْتَمَلٌ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّهُ يَلْحَقُ الخَمْرَ مِن فَسادِ العَقْلِ؛ والِافْتِراءِ؛ وقَتْلِ النَفْسِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ آثامٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فِي الخَمْرِ هَذِهِ الآثامُ"؛ أيْ: هي بِسَبَبِها؛ ومَعَها؛ وهَذِهِ الأشْياءُ مُحَرَّمَةٌ؛ لا مَحالَةَ؛ وخَرَجَتِ الخَمْرُ مِنَ التَحْرِيمِ عَلى هَذا؛ ولَمْ يَتَرَتَّبِ القِياسُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ قائِلُ ما ذَكَرْناهُ؛ ويُعَضِّدُ هَذا أنّا وجَدْنا الصَحابَةَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] ؛ وفي بَعْضِ الأحادِيثِ: "فَتَرَكَها قَوْمٌ لِلْإثْمِ الَّذِي فِيها؛ وشَرِبَها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ؛ وإنَّما حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِظَواهِرِ القُرْآنِ؛ ونُصُوصِ الأحادِيثِ؛ والإجْماعِ.
و"اَلْبَغْيُ": اَلتَّعَدِّي؛ وتَجاوُزُ الحَدِّ؛ كانَ الإنْسانُ مُبْتَدِيًا بِذَلِكَ أو مُنْتَصِرًا؛ فَإذا جاوَزَ الحَدَّ في الِانْتِصارِ فَهو باغٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ ؛ زِيادَةُ بَيانٍ؛ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ فَلا يُسَمّى "بَغْيًا".
﴿وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ ؛ اَلْمُرادُ بِها الأصْنامُ؛ والأوثانُ؛ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ والسُلْطانُ: اَلْبُرْهانُ؛ والحُجَّةُ. ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ؛ مِن أنَّهُ حَرَّمَ البَحِيرَةَ؛ والسائِبَةَ؛ ونَحْوَهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ والتَهْدِيدَ؛ والمَعْنى: "وَلِكُلِّ (p-٥٥٥)أُمَّةٍ - أيْ: فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ؛ وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في (اَلْكَثِيرِ مِنَ الناسِ) - أجَلٌ مُؤَقَّتٌ؛ لِمَجِيءِ العَذابِ؛ إذا كَفَرُوا؛ وخالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ؛ فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ"؛ قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "فَإذا جاءَ آجالُهُمْ"؛ بِالجَمْعِ؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ سِيرِينَ ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلًا؛ فَأمّا الإفْرادُ؛ فَلِأنَّهُ جِنْسٌ؛ وإضافَتُهُ إلى الجَماعَةِ حَسَّنَتِ الإفْرادَ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ....................... ∗∗∗ ∗∗∗ في حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شَجِينا
وقَوْلُهُ تَعالى "ساعَةً"؛ لَفْظٌ عُيِّنَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَمَنِ؛ والمُرادُ جَمِيعُ أجْزائِهِ؛ أيْ: لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً؛ ولا أقَلَّ مِنها؛ ولا أكْثَرَ؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ؛ فَإنَّما هي عِبارَةٌ يُقامُ الجُزْءُ فِيها مَقامَ الكُلِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ يَظْهَرُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ؛ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُّسَمًّى ؛ تَعارُضٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ تَقْتَضِي الوَعْدَ بِتَأْخِيرٍ إنْ آمَنُوا؛ والوَعِيدَ بِمُعاجَلَةٍ إنْ كَفَرُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والحَقُّ مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ؛ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما هو بِأجَلٍ واحِدٍ؛ لا يَتَأخَّرُ عنهُ؛ ولا يَتَقَدَّمُ؛ وقَوْمُنُوحٍ كانَ مِنهم مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أنَّهُ يَكْفُرُ؛ فَيُعاجَلُ؛ وذَلِكَ هو أجَلُهُ المَحْتُومُ؛ ومِنهم مَن يُؤْمِنُ؛ فَيَتَأخَّرُ إلى أجَلِهِ المَحْتُومِ؛ وغُيِّبَ عن نُوحٍ تَعْيِينُ الطائِفَتَيْنِ؛ فَنَدَبَ الكُلَّ إلى طَرِيقِ النَجاةِ؛ وهو يَعْلَمُ أنَّ الطائِفَةَ إنَّما تُعاجَلُ؛ أو تُؤَخَّرُ بِأجَلِها؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: "فَإنْ آمَنتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قَضى اللهُ تَعالى لَهُ بِالإيمانِ؛ والأجَلِ المُؤَخَّرِ؛ وإنْ كَفَرْتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قُضِيَ لَهُ بِالأجَلِ المُعَجَّلِ؛ والكُفْرِ".
(p-٥٥٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا الحَدِّ هو دُعاءُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ وقَدْ عَلِمَ أنَّ مِنهم مَن يَكْفُرُ فَيَدْخُلُ النارَ؛ وكَذَلِكَ هو أمْرُ الأسِيرِ؛ يُقالُ لَهُ: "إمّا أنْ تُؤْمِنَ فَتُتْرَكَ؛ وإلّا قُتِلْتَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ و"إنْ"؛ الشَرْطِيَّةُ دَخَلَتْ عَلَيْها "ما"؛ مُؤَكِّدَةً؛ ولِذَلِكَ جازَ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ عَلى الفِعْلِ؛ وإذا لَمْ تَكُنْ "ما"؛ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ والأعْرَجُ: "تَأْتِيَنَّكُمْ"؛ عَلى لَفْظِ الرُسُلِ؛ وجاءَ "يَقُصُّونَ"؛ عَلى المَعْنى؛ وكانَ هَذا الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَمِ؛ قَدِيمِها وحَدِيثِها؛ هو مُتَمَكِّنٌ لَهُمْ؛ ومُتَحَصَّلٌ مِنهُ لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّ هَذا حُكْمُ اللهِ تَعالى في العالَمِ؛ مُنْذُ أنْشَأهُ؛ و"يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ مُسْتَقْبَلٌ وُضِعَ مَوْضِعَ ماضٍ؛ لِيُفْهَمَ أنَّ الإتْيانَ باقٍ وقْتَ الخِطابِ؛ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا عَلى مُراعاةِ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى أبِي سَيّارٍ السُلَمِيِّ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتَهُ في كَفِّهِ؛ فَقالَ: ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ: ثُمَّ نَظَرَ إلى الرُسُلِ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الرُسُلُ كُلُوا مِنَ الطَيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ؛ ثُمَّ بَثَّهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا مَحالَةَ أنَّ هَذِهِ المُخاطَبَةَ في الأزَلِ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالرُسُلِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مِن حَيْثُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ؛ فَكَأنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ المُرادُ بِبَنِي آدَمَ؛ لا غَيْرُ؛ إذْ غَيْرُهم لَمْ يَنَلْهُ الخِطابُ؛ ذَكَرَهُ النَقّاشُ ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ؛ ويُورِدُونَ؛ و"اَلْآياتُ"؛ لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ ولِلْعَلاماتِ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِالأنْبِياءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ ؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ شَرْطِيَّةً؛ وجَوابُهُ: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي في (p-٥٥٧)جَوابِ الشَرْطِ الأوَّلِ الَّذِي هُوَ: "إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ ؛ مَوْصُولَةً؛ وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ تَقْسِيمَ الناسِ؛ فَجَعَلَ القِسْمَ الأوَّلَ ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ ؛ والقِسْمَ الثانِي: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ؛ وجاءَ هَذا التَقْسِيمُ بِجُمْلَتِهِ جَوابًا لِلشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "إنْ أتَتْكم رُسُلٌ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النارِ"؛ أيْ: هَذا هو الثَمَرَةُ وفائِدَةُ الرِسالَةِ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ [الأعراف: ٣٧] ؛ أيْ: لَيْسَ ثَمَّ نَفْعٌ لِلْمُفْتَرِي؛ ولا غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ؛ فالآيَةٌ تَبْرِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِافْتِراءِ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْمُفْتَرِينَ مِنَ الكُفّارِ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: "فَلا خَوْفٌ"؛ بِمَعْنى "لَيْسَ".
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَلا خَوْفُ"؛ دُونَ تَنْوِينٍ؛ ووَجْهُهُ: إمّا أنْ يُحْذَفَ التَنْوِينُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ وإمّا حَمْلًا عَلى حَذْفِهِ مَعَ "لا"؛ وهي تَبْرِيَةٌ ناصِبَةٌ؛ تُشَبِّهُ حالَةَ الرَفْعِ في البِناءِ بِحالَةِ النَصْبِ؛ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: "فَلا الخَوْفُ"؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ؛ واللامُ؛ وبَقِيَتِ الفاءُ عَلى حالِها؛ لِتَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ؛ ونَفْيُ الخَوْفِ والحُزْنِ يَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ مَكارِهِ النَفْسِ؛ وأنْكارِها؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ لِما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الأُمُورِ؛ والحُزْنُ لِما مَضى.
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا﴾ ؛ [هاتانِ حالَتانِ تَعُمّانِ] جَمِيعَ مَن يَصُدُّ عن رِسالَةِ الرَسُولِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ؛ وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ؛ فَيُكَذِّبَ وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَكْذِيبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ الكُفْرِ عِنادًا.
الأعراف 7:36
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عنها أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
لَمّا تَقَدَّمَ إنْكارُ ما حَرَّمَهُ الكُفّارُ بِآرائِهِمْ؛ أتْبَعَهُ ذِكْرُ ما حَرَّمَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقْدِيرُهُ.
و"اَلْفَواحِشُ"؛ ما فَحُشَ وشَنُعَ؛ وأصْلُهُ مِنَ القُبْحِ في المَنظَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ وجِيدٍ كَجِيدِ الرِيمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ ∗∗∗ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما ساءَ مِنَ الخُلُقِ؛ وألْفاظِ الحَرَجِ؛ والرَفَثِ؛ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لَيْسَ (p-٥٥٣)بِفاحِشٍ"؛» في صِفَةِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ومِنهُ «قَوْلُهُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِسَلَمَةَ بْنِ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ: "أفْحَشْتَ عَلى الرَجُلِ"؛» في حَدِيثِ السِيَرِ؛ ومِنهُ قَوْلُ الحَزِينِ؛ في كُثَيِّرِ عَزَّةَ:
؎ قَصِيرُ القَمِيصِ فاحِشٌ عِنْدَ بَيْتِهِ ∗∗∗ ∗∗∗..................
وكَذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِيما شَنُعَ؛ وقَبُحَ في النُفُوسِ؛ والقُبْحُ؛ والحُسْنُ في المَعانِي إنَّما [يُتَلَقَّيانِ] مِن جِهَةِ الشَرْعِ؛ والفاحِشُ كَذَلِكَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى - هُنا -: ﴿الفَواحِشَ﴾ ؛ إنَّما هو إشارَةٌ إلى ما نَصَّ الشَرْعُ عَلى تَحْرِيمِهِ في مَواضِعَ أُخَرَ؛ فَكُلُّ ما حَرَّمَهُ الشَرْعُ فَهو فاحِشٌ؛ وإنْ كانَ العَقْلُ لا يُنْكِرُهُ؛ كَلِباسِ الحَرِيرِ؛ والذَهَبِ لِلرِّجالِ؛ ونَحْوِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ ؛ يَجْمَعُ النَوْعَ كُلَّهُ؛ لِأنَّهُ تَقْسِيمٌ لا يَخْرُجُ عنهُ شَيْءٌ؛ وهو لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الفَواحِشِ؛ وذَهَبَ مُجاهِدٌ إلى تَخْصِيصِ ذَلِكَ؛ بِأنْ قالَ: ما ظَهَرَ: اَلطَّوّافُ عُرْيانًا؛ والبَواطِنُ: اَلزِّنا؛ وقِيلَ غَيْرُ هَذا؛ مِمّا يَأْتِي عَلى طَرِيقِ المِثالِ؛ و"ما"؛ بَدَلٌ مِن "اَلْفَواحِشَ"؛ وهو بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ ومَجْمُوعُ القِسْمَيْنِ يَأْتِي بَدَلَ الشَيْءِ مِنَ الشَيْءِ؛ وهو هو.
و"اَلْإثْمَ"؛ أيْضًا: لَفْظُهُ عامٌّ لِجَمِيعِ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِمُرْتَكِبِها إثْمٌ؛ هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ؛ وقالَ بَعْضُ الناسِ: هي الخَمْرُ؛ واحْتُجَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ شَرِبْتُ الإثْمَ حَتّى طارَ عَقْلِي ∗∗∗ ∗∗∗...............
(p-٥٥٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ ولَمْ تُعْنَ الشَرِيعَةُ لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ إلّا بِالمَدِينَةِ؛ بَعْدَ أُحُدٍ؛ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ الصَحابَةِ اصْطَحَبُوها يَوْمَ أُحُدٍ؛ وماتُوا شُهَداءَ وهي في أجْوافِهِمْ؛ وأيْضًا فَبَيْتُ الشِعْرِ يُقالُ: إنَّهُ مَصْنُوعٌ مُخْتَلَقٌ؛ وإنْ صَحَّ فَهو عَلى حَذْفٍ مُضافٍ؛ وكَأنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ - عَلى هَذا القَوْلِ - أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] ؛ وهو في هَذِهِ الآيَةِ قَدْ حُرِّمَ؛ فَيَأْتِي مِن هَذا أنَّ الخَمْرَ إثْمٌ؛ والإثْمَ مُحَرَّمٌ؛ فالخَمْرُ مُحَرَّمَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَكِنْ لا يَصِحُّ هَذا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ "فِيهِما إثْمٌ"؛﴾ [البقرة: ٢١٩] مُحْتَمَلٌ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّهُ يَلْحَقُ الخَمْرَ مِن فَسادِ العَقْلِ؛ والِافْتِراءِ؛ وقَتْلِ النَفْسِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ آثامٌ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "فِي الخَمْرِ هَذِهِ الآثامُ"؛ أيْ: هي بِسَبَبِها؛ ومَعَها؛ وهَذِهِ الأشْياءُ مُحَرَّمَةٌ؛ لا مَحالَةَ؛ وخَرَجَتِ الخَمْرُ مِنَ التَحْرِيمِ عَلى هَذا؛ ولَمْ يَتَرَتَّبِ القِياسُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ قائِلُ ما ذَكَرْناهُ؛ ويُعَضِّدُ هَذا أنّا وجَدْنا الصَحابَةَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] ؛ وفي بَعْضِ الأحادِيثِ: "فَتَرَكَها قَوْمٌ لِلْإثْمِ الَّذِي فِيها؛ وشَرِبَها قَوْمٌ لِلْمَنافِعِ؛ وإنَّما حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِظَواهِرِ القُرْآنِ؛ ونُصُوصِ الأحادِيثِ؛ والإجْماعِ.
و"اَلْبَغْيُ": اَلتَّعَدِّي؛ وتَجاوُزُ الحَدِّ؛ كانَ الإنْسانُ مُبْتَدِيًا بِذَلِكَ أو مُنْتَصِرًا؛ فَإذا جاوَزَ الحَدَّ في الِانْتِصارِ فَهو باغٍ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ ؛ زِيادَةُ بَيانٍ؛ ولَيْسَ يُتَصَوَّرُ بَغْيٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ ما كانَ بِحَقٍّ فَلا يُسَمّى "بَغْيًا".
﴿وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ ؛ اَلْمُرادُ بِها الأصْنامُ؛ والأوثانُ؛ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ والسُلْطانُ: اَلْبُرْهانُ؛ والحُجَّةُ. ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ؛ مِن أنَّهُ حَرَّمَ البَحِيرَةَ؛ والسائِبَةَ؛ ونَحْوَهُما.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ؛ والتَهْدِيدَ؛ والمَعْنى: "وَلِكُلِّ (p-٥٥٥)أُمَّةٍ - أيْ: فِرْقَةٍ وجَماعَةٍ؛ وهي لَفْظَةٌ تُسْتَعْمَلُ في (اَلْكَثِيرِ مِنَ الناسِ) - أجَلٌ مُؤَقَّتٌ؛ لِمَجِيءِ العَذابِ؛ إذا كَفَرُوا؛ وخالَفُوا أمْرَ رَبِّهِمْ؛ فَأنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ كَذَلِكَ"؛ قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "فَإذا جاءَ آجالُهُمْ"؛ بِالجَمْعِ؛ وهي قِراءَةُ ابْنِ سِيرِينَ ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلًا؛ فَأمّا الإفْرادُ؛ فَلِأنَّهُ جِنْسٌ؛ وإضافَتُهُ إلى الجَماعَةِ حَسَّنَتِ الإفْرادَ؛ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ....................... ∗∗∗ ∗∗∗ في حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شَجِينا
وقَوْلُهُ تَعالى "ساعَةً"؛ لَفْظٌ عُيِّنَ بِهِ الجُزْءُ القَلِيلُ مِنَ الزَمَنِ؛ والمُرادُ جَمِيعُ أجْزائِهِ؛ أيْ: لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً؛ ولا أقَلَّ مِنها؛ ولا أكْثَرَ؛ وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ؛ فَإنَّما هي عِبارَةٌ يُقامُ الجُزْءُ فِيها مَقامَ الكُلِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: كَأنَّهُ يَظْهَرُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ؛ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُّسَمًّى ؛ تَعارُضٌ؛ لِأنَّ تِلْكَ تَقْتَضِي الوَعْدَ بِتَأْخِيرٍ إنْ آمَنُوا؛ والوَعِيدَ بِمُعاجَلَةٍ إنْ كَفَرُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: والحَقُّ مَذْهَبُ أهْلِ السُنَّةِ؛ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما هو بِأجَلٍ واحِدٍ؛ لا يَتَأخَّرُ عنهُ؛ ولا يَتَقَدَّمُ؛ وقَوْمُنُوحٍ كانَ مِنهم مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أنَّهُ يَكْفُرُ؛ فَيُعاجَلُ؛ وذَلِكَ هو أجَلُهُ المَحْتُومُ؛ ومِنهم مَن يُؤْمِنُ؛ فَيَتَأخَّرُ إلى أجَلِهِ المَحْتُومِ؛ وغُيِّبَ عن نُوحٍ تَعْيِينُ الطائِفَتَيْنِ؛ فَنَدَبَ الكُلَّ إلى طَرِيقِ النَجاةِ؛ وهو يَعْلَمُ أنَّ الطائِفَةَ إنَّما تُعاجَلُ؛ أو تُؤَخَّرُ بِأجَلِها؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: "فَإنْ آمَنتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قَضى اللهُ تَعالى لَهُ بِالإيمانِ؛ والأجَلِ المُؤَخَّرِ؛ وإنْ كَفَرْتُمْ عَلِمْنا أنَّكم مِمَّنْ قُضِيَ لَهُ بِالأجَلِ المُعَجَّلِ؛ والكُفْرِ".
(p-٥٥٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا الحَدِّ هو دُعاءُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ؛ وقَدْ عَلِمَ أنَّ مِنهم مَن يَكْفُرُ فَيَدْخُلُ النارَ؛ وكَذَلِكَ هو أمْرُ الأسِيرِ؛ يُقالُ لَهُ: "إمّا أنْ تُؤْمِنَ فَتُتْرَكَ؛ وإلّا قُتِلْتَ".
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ الخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِجَمِيعِ العالَمِ؛ و"إنْ"؛ الشَرْطِيَّةُ دَخَلَتْ عَلَيْها "ما"؛ مُؤَكِّدَةً؛ ولِذَلِكَ جازَ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ عَلى الفِعْلِ؛ وإذا لَمْ تَكُنْ "ما"؛ لَمْ يَجُزْ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؛ والأعْرَجُ: "تَأْتِيَنَّكُمْ"؛ عَلى لَفْظِ الرُسُلِ؛ وجاءَ "يَقُصُّونَ"؛ عَلى المَعْنى؛ وكانَ هَذا الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَمِ؛ قَدِيمِها وحَدِيثِها؛ هو مُتَمَكِّنٌ لَهُمْ؛ ومُتَحَصَّلٌ مِنهُ لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّ هَذا حُكْمُ اللهِ تَعالى في العالَمِ؛ مُنْذُ أنْشَأهُ؛ و"يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ مُسْتَقْبَلٌ وُضِعَ مَوْضِعَ ماضٍ؛ لِيُفْهَمَ أنَّ الإتْيانَ باقٍ وقْتَ الخِطابِ؛ لِتَقْوى الإشارَةُ بِصِحَّةِ النُبُوَّةِ إلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا عَلى مُراعاةِ وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى أبِي سَيّارٍ السُلَمِيِّ قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتَهُ في كَفِّهِ؛ فَقالَ: ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ: ثُمَّ نَظَرَ إلى الرُسُلِ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الرُسُلُ كُلُوا مِنَ الطَيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] ﴿وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢] ؛ ثُمَّ بَثَّهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولا مَحالَةَ أنَّ هَذِهِ المُخاطَبَةَ في الأزَلِ؛ وقِيلَ: اَلْمُرادُ بِالرُسُلِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مِن حَيْثُ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ؛ فَكَأنَّ المُخاطَبِينَ هُمُ المُرادُ بِبَنِي آدَمَ؛ لا غَيْرُ؛ إذْ غَيْرُهم لَمْ يَنَلْهُ الخِطابُ؛ ذَكَرَهُ النَقّاشُ ؛ و"يَقُصُّونَ"؛ مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ؛ ويُورِدُونَ؛ و"اَلْآياتُ"؛ لَفْظٌ جامِعٌ لِآياتِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ ولِلْعَلاماتِ الَّتِي تَقْتَرِنُ بِالأنْبِياءِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾ ؛ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ شَرْطِيَّةً؛ وجَوابُهُ: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ هي في (p-٥٥٧)جَوابِ الشَرْطِ الأوَّلِ الَّذِي هُوَ: "إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ"؛ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مَن"؛ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ ؛ مَوْصُولَةً؛ وكَأنَّهُ قَصَدَ بِالكَلامِ تَقْسِيمَ الناسِ؛ فَجَعَلَ القِسْمَ الأوَّلَ ﴿فَمَنِ اتَّقى﴾ ؛ والقِسْمَ الثانِي: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ؛ وجاءَ هَذا التَقْسِيمُ بِجُمْلَتِهِ جَوابًا لِلشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: "إنْ أتَتْكم رُسُلٌ فالمُتَّقُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛ والمُكَذِّبُونَ أصْحابُ النارِ"؛ أيْ: هَذا هو الثَمَرَةُ وفائِدَةُ الرِسالَةِ. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ [الأعراف: ٣٧] ؛ أيْ: لَيْسَ ثَمَّ نَفْعٌ لِلْمُفْتَرِي؛ ولا غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ؛ فالآيَةٌ تَبْرِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ الِافْتِراءِ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْمُفْتَرِينَ مِنَ الكُفّارِ؛ و"لا"؛ في قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: "فَلا خَوْفٌ"؛ بِمَعْنى "لَيْسَ".
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَلا خَوْفُ"؛ دُونَ تَنْوِينٍ؛ ووَجْهُهُ: إمّا أنْ يُحْذَفَ التَنْوِينُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ وإمّا حَمْلًا عَلى حَذْفِهِ مَعَ "لا"؛ وهي تَبْرِيَةٌ ناصِبَةٌ؛ تُشَبِّهُ حالَةَ الرَفْعِ في البِناءِ بِحالَةِ النَصْبِ؛ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ: "فَلا الخَوْفُ"؛ ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ؛ واللامُ؛ وبَقِيَتِ الفاءُ عَلى حالِها؛ لِتَدُلَّ عَلى المَحْذُوفِ؛ ونَفْيُ الخَوْفِ والحُزْنِ يَعُمُّ جَمِيعَ أنْواعِ مَكارِهِ النَفْسِ؛ وأنْكارِها؛ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الخَوْفُ لِما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الأُمُورِ؛ والحُزْنُ لِما مَضى.
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا﴾ ؛ [هاتانِ حالَتانِ تَعُمّانِ] جَمِيعَ مَن يَصُدُّ عن رِسالَةِ الرَسُولِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إمّا أنْ يُكَذِّبَ بِحَسَبِ اعْتِقادِهِ؛ وإمّا أنْ يَسْتَكْبِرَ؛ فَيُكَذِّبَ وإنْ كانَ غَيْرَ مُصَمِّمٍ في اعْتِقادِهِ عَلى التَكْذِيبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا نَحْوُ الكُفْرِ عِنادًا.
الأعراف 7:37
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهم قالُوا أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنَ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾
(p-٥٥٨)هَذِهِ آيَةُ وعِيدٍ واسْتِفْهامٍ؛ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ؛ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ؛ و"اِفْتَرى"؛ مَعْناهُ: اِخْتَلَقَ؛ وهَذِهِ - وإنْ كانَتْ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها؛ أيْ: "كَيْفَ يَجْعَلُونَ الرُسُلَ مُفْتَرِينَ؟ ولا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى؛ ولا حَظَّ لِلرُّسُلِ إلّا أنْ يُرْحَمَ مَنِ اهْتَدى؛ ويُعَذَّبَ مَن كَفَرَ" - فَهي أيْضًا مُشِيرَةٌ بِالمَعْنى إلى كُلِّ مُفْتَرٍ؛ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿واللهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨].
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أو كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ الكَفَرَةِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ ؛ قالَ الحَسَنُ؛ والسُدِّيُّ ؛ وأبُو صالِحٍ: مَعْناهُ: مِنَ المُقَرَّرِ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ؛ فالكِتابُ عِبارَةٌ عَنِ اللَوْحِ المَحْفُوظِ؛ وقَدْ تَقَرَّرَ في الشَرْعِ أنَّ حَظَّهم فِيهِ العَذابُ؛ والسُخْطُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ ؛ ومُجاهِدٌ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ ؛ يُرِيدُ: مِنَ الشَقاءِ؛ والسَعادَةِ الَّتِي كُتِبَتْ لَهُ عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ الحَدِيثُ المَشْهُورُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ أنَّ المَلَكَ يَأْتِي إذا خُلِقَ الجَنِينَ في الرَحِمِ؛ فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ؛ وأجَلَهُ؛ وشَقِيٌّ أو سَعِيدٌ ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والضَحّاكُ: اَلْكِتابِ يُرادُ بِهِ الَّذِي تَكْتُبُهُ المَلائِكَةُ مِن أعْمالِ الخَلِيقَةِ؛ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ؛ فَيَنالُ هَؤُلاءِ نَصِيبَهم مِن ذَلِكَ؛ وهو الكُفْرُ؛ والمَعاصِي؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ ومُجاهِدٌ ؛ والضَحّاكُ: "مِنَ الكِتابِ"؛ يُرادُ بِهِ: "مِنَ القُرْآنِ"؛ وحَظُّهم فِيهِ أنَّ وُجُوهَهم تُسَوَّدُ يَوْمَ القِيامَةِ"؛ وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ؛ وابْنُ زَيْدٍ: اَلْمَعْنِيُّ بِالنَصِيبِ: ما سَبَقَ لَهم في أُمِّ الكِتابِ؛ مِن رِزْقٍ؛ وعُمْرٍ ؛ وخَيْرٍ؛ وشَرٍّ؛ في الدُنْيا؛ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا؛ واحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾ ؛ أيْ: "عِنْدَ انْقِضاءِ ذَلِكَ"؛ فَكانَ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: "أُولَئِكَ يَتَمَتَّعُونَ؛ ويَتَصَرَّفُونَ مِنَ الدُنْيا؛ بِقَدْرِ ما (p-٥٥٩)كُتِبَ لَهُمْ؛ حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا لِمَوْتِهِمْ..."؛ وهَذا تَأْوِيلُ جَماعَةٍ في مَجِيءِ الرُسُلِ لِلتَّوَفِّي؛ وعَلى هَذا يَتَرَتَّبُ تَرْجِيحُ الطَبَرِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "رُسُلُنا"؛ يُرِيدُ بِهِمْ: مَلائِكَةَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ و"يَتَوَفَّوْنَهُمْ"؛ مَعْناهُ: "يَسْتَوْفُونَهم عَدَدًا؛ في السَوْقِ إلى جَهَنَّمَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ويَتَرَتَّبُ هَذا التَأْوِيلُ مَعَ التَأْوِيلاتِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ ؛ لِأنَّ النَصِيبَ عَلى تِلْكَ التَأْوِيلاتِ إنَّما يَنالُهم في الآخِرَةِ؛ وقَدْ قُضِيَ مَجِيءُ رُسُلِ المَوْتِ؛ وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ الرُسُلِ: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ﴾ ؛ اِسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ؛ وتَوْبِيخٍ؛ وتَوْقِيفٍ عَلى خِزْيٍ؛ وهو إشارَةٌ إلى الأصْنامِ؛ والأوثانِ؛ وكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ تَعالى ؛ و"تَدْعُونَ"؛ مَعْناهُ: "تَعْبُدُونَ؛ وتُؤَمِّلُونَ"؛ وقَوْلُهُمْ: "ضَلُّوا"؛ مَعْناهُ: هَلَكُوا؛ وتَلَفُوا؛ وفُقِدُوا؛ ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ عَنِ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ ؛ وهَذِهِ الآيَةُ؛ وما شاكَلَها؛ تُعارِضُ في الظاهِرِ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿واللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ؛ واجْتِماعُهُما إمّا أنْ يَكُونَ في طَوائِفَ مُخْتَلِفَةٍ؛ أو في أوقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ يَقُولُونَ في حالِ كَذا؛ وحالِ كَذا.
الأعراف 7:38
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:
﴿قالَ ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم مِن الجِنِّ والإنْسِ في النارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِن النارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَقالَتْ أُولاهم لأُخْراهم فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾
هَذِهِ حِكايَةُ ما يَقُولُ اللهُ تَعالى لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ بِوَساطَةِ مَلائِكَةِ العَذابِ؛ وعَبَّرَ عن "يَقُولُ"؛ بِـ "قالَ"؛ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِ ذَلِكَ؛ وصِدْقِ القِصَّةِ؛ وهَذا كَثِيرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ "فِي أُمَمٍ"؛﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "اُدْخُلُوا"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ؛ تَقْدِيرُهُ: "كائِنِينَ - أو: "ثابِتِينَ" - في أُمَمٍ..."؛ فَيَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "اُدْخُلُوا"؛ (p-٥٦٠)وَقِيلَ: "فِي"؛ بِمَعْنى "مَعَ"؛ وقِيلَ: هي عَلى بابِها؛ وهو أصْوَبُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "قَدْ خَلَتْ"؛﴾ صِفَةٌ لِـ "أُمَمٍ"؛ وقَوْلُهُ: ﴿ "فِي النارِ"؛﴾ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِـ "اُدْخُلُوا"؛ ويَصِحُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "أُمَمٍ"؛ أيْ: في أُمَمٍ ثابِتَةٍ؛ أو مُسْتَقِرَّةٍ؛ ويَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِالذِكْرِ الَّذِي في "خَلَتْ"؛ ومَعْنى ﴿ "قَدْ خَلَتْ"؛﴾ عَلى هَذا التَعَلُّقِ؛ أيْ: "قَدْ تَقَدَّمَتْ؛ ومَضى عَلَيْها الزَمَنُ؛ وعَرَفَها فِيما تَطاوَلَ مِنَ الآبادِ"؛ وقَدْ تُسْتَعْمَلُ وإنْ لَمْ يَطُلِ الوَقْتُ؛ إذْ أصْلُها فِيمَن ماتَ مِنَ الناسِ؛ أيْ: "صارُوا إلى خَلاءٍ مِنَ الأرْضِ"؛ وعَلى التَعْلِيقَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِقَوْلِهِ: ﴿ "فِي النارِ"؛﴾ فَإنَّما "خَلَتْ"؛ حِكايَةٌ عن حالِ الدُنْيا؛ أيْ: "اُدْخُلُوا في النارِ؛ في جُمْلَةِ الأُمَمِ السالِفَةِ لَكم في الدُنْيا؛ الكافِرَةِ"؛ وقَدَّمَ ذِكْرَ "اَلْجِنِّ"؛ لِأنَّهم أعْرَقُ في الكُفْرِ؛ وإبْلِيسُ أصْلُ الضَلالِ؛ والإغْواءِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ كَفَرَةَ الجِنِّ في النارِ؛ والَّذِي يَقْتَضِيهِ النَظَرُ أنَّ مُؤْمِنِيهِمْ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم عُقَلاءُ؛ مُكَلَّفُونَ؛ مَبْعُوثٌ إلَيْهِمْ؛ آمَنُوا؛ وصَدَّقُوا؛ وقَدْ بَوَّبَ البُخارِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ -: "بابٌ في ذِكْرِ الجِنِّ وثَوابِهِمْ وعِقابِهِمْ"؛ وذَكَرَ عَبْدُ الجَلِيلِ أنَّ مُؤْمِنِي الجِنِّ يَكُونُونَ تُرابًا؛ كالبَهائِمِ؛ وذَكَرَ في ذَلِكَ حَدِيثًا مَجْهُولًا؛ وما أراهُ يَصِحُّ؛ واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
والأُخُوَّةُ في هَذِهِ الآيَةِ أُخُوَّةُ المِلَّةِ والشَرِيعَةِ؛ قالَ السُدِّيُّ: يَتَلاعَنُ آخِرُها؛ وأوَّلُها؛ ﴿ "ادّارَكُوا"؛﴾ مَعْناهُ: تَلاحَقُوا؛ ووَزْنُهُ "تَفاعَلُوا"؛ أصْلُهُ: "تَدارَكُوا"؛ أُدْغِمَ؛ فَجُلِبَتْ ألِفُ الوَصْلِ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "اِدّارَكُوا"؛ بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا مُشْكِلٌ؛ ولا يَسُوغُ أنْ يَقْطَعَها ارْتِجالًا؛ فَذَلِكَ إنَّما يَجِيءُ شاذًّا في ضَرُورَةِ الشِعْرِ؛ وقَرَأ مُجاهِدٌ بِقَطْعِ الألِفِ؛ وسُكُونِ الدالِ "اِدْرَكُوا"؛ بِفَتْحِ الراءِ؛ وبِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ الدالِ؛ بِمَعْنى: "أدْرَكَ بَعْضُهم بَعْضًا"؛ وقَرَأحُمَيْدٌ: "أُدْرِكُوا"؛ بِضَمِّ الهَمْزَةِ؛ وكَسْرِ الراءِ؛ أيْ: "أُدْخِلُوا في إدْراكِها"؛ وقالَ مَكِّيٌّ ؛ في قِراءَةِ مُجاهِدٍ: إنَّها "اِدَّرَكُوا"؛ بِشَدِّ الدالِ؛ المَفْتُوحَةِ؛ وفَتْحِ الراءِ؛ قالَ: وأصْلُهُ: "إدْتَرَكُوا"؛ ووَزْنُها "اِفْتَعَلُوا"؛ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والأعْمَشُ: "تَدارَكُوا"؛ ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حَتّى إذا ادّارَكُوا"؛ [وَقُرِئَ] بِحَذْفِ ألِفِ "إذا"؛ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ.
(p-٥٦١)وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَتْ أُخْراهم لأُولاهُمْ﴾ ؛ مَعْناهُ: "قالَتِ الأُمَّةُ الأخِيرَةُ؛ الَّتِي وجَدَتْ ضَلالاتٍ مُقَرَّرَةً؛ وسُنَنًا كاذِبَةً مُسْتَعْمَلَةً لِلْأُولى الَّتِي شَرَعَتْ ذَلِكَ؛ وافْتَرَتْ عَلى اللهِ تَعالى ؛ وسَلَكَتْ سَبِيلَ الضَلالِ ابْتِداءً: رَبَّنا هَؤُلاءِ طَرَقُوا طُرُقَ الضَلالِ وسَبَّبُوا ضَلالَنا؛ فَآتِهِمْ عَذابًا مُضاعَفًا - أيْ: ثانِيًا؛ زائِدًا عَلى عَذابِنا - إذْ هم كافِرُونَ؛ ومُسَبِّبُونَ لِكُفْرِنا"؛ وتَقُولُ: "ضاعَفْتُ كَذا"؛ إذا جَعَلْتَهُ مِثْلَ الأوَّلِ؛ واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿ "لأُولاهُمْ"؛﴾ كَأنَّها لامُ سَبَبٍ؛ إذِ القَوْلُ إنَّما هو لِلرَّبِّ تَعالى ؛ ثُمَّ قالَ - عَزَّ وجَلَّ - مُخْبِرًا لَهُمْ: ﴿ "لِكُلٍّ ضِعْفٌ"؛﴾ أيْ: "اَلْعَذابُ مُشَدَّدٌ عَلى الأوَّلِ والآخِرِ"؛ ﴿وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ؛ أيْ: اَلْمَقادِيرَ؛ وصُوَرَ التَضْعِيفِ؛ وهَذا رَدٌّ لِكَلامِ هَؤُلاءِ؛ إذْ لَيْسَ لَهم كَرامَةٌ فَيَظْهَرَ إسْعافُهم.
وأمّا المَعْنى الَّذِي دَعَوْا فِيهِ؛ فَظاهِرُ حَدِيثِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ حاصِلٌ؛ وأنَّ كُلَّ مَن سَنَّ كُفْرًا؛ أو مَعْصِيَةً؛ فَعَلَيْهِ كِفْلٌ مِن جِهَةِ كُلِّ مَن عَمِلَ بِذَلِكَ بَعْدَهُ؛ ومِنهُ حَدِيثُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ: « "ما مِن داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ إلّا كانَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ ووِزْرُ مَنِ اتَّبَعَهُ؛ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن أوزارِهِمْ شَيْئًا..."؛» اَلْحَدِيثَ؛ ذَكَرَهُ اللَيْثُ بْنُ سَعْدٍ ؛ مِن آخِرِ الجُزْءِ الرابِعِ مِن حَدِيثِهِ؛ وذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّأِ غَيْرَ مُسْنَدٍ؛ مُوصَلٍ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "ما تُقْتَلُ نَسْمَةٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها"؛» أما إنَّ هَؤُلاءِ عَيَّنُوا في دُعائِهِمُ الضِعْفَ؛ وقَدْ يَكُونُ الكِفْلُ أقَلَّ؛ أو أكْثَرَ؛ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الضِعْفَ؛ هَهُنا: اَلْأفاعِي والحَيّاتُ.
وقَرَأ جَمِيعُ السَبْعَةِ؛ غَيْرَ عاصِمٍ ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ"؛ بِالتاءِ؛ ويَحْتَمِلُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ الأخِيرَةِ؛ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى - لَهُمْ: "لِكُلٍّ ضِعْفٌ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وأُمَّتِهِ؛ وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ؛ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: "وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ"؛ ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ (p-٥٦٢)مِثْلَ قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وإخْبارٌ عَنِ الأُمَّةِ الأخِيرَةِ الَّتِي طَلَبَتْ أنْ يُشَدَّدَ العَذابُ عَلى أُولاها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الطائِفَتَيْنِ؛ حَمْلًا عَلى لَفْظَةِ "كُلٍّ"؛ أيْ: "لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنهم قَدْرَ ما أُعِدَّ لَهم مِن عَذابِ اللهِ تَعالى ".
وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَتْ أُولاهم لأُخْراهُمْ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ المَعْنى: "وَقالَتِ الأُمَّةُ الأُولى المُبْتَدِعَةُ؛ لِلْأُمَّةِ الأخِيرَةِ المُتَّبِعَةِ: أنْتُمْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا؛ ولَمْ تَزْدَجِرُوا حِينَ جاءَتْكُمُ النُذُرُ؛ والرُسُلُ؛ بَلْ دُمْتُمْ في كُفْرِكُمْ؛ وتَرَكْتُمُ النَظَرَ؛ واسْتَوَتْ حالُنا وحالُكُمْ؛ فَذُوقُوا العَذابَ بِاجْتِرامِكُمْ"؛ هَذا قَوْلُ السُدِّيِّ ؛ وأبِي مِجْلَزٍ؛ وغَيْرِهِما؛ فَقَوْلُهُ "فَذُوقُوا" - عَلى هَذا - مِن كَلامِ الأُمَّةِ المُتَقَدِّمَةِ لِلْأُمَّةِ المُتَأخِّرَةِ؛ وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿ "فَذُوقُوا"؛﴾ هو مِن كَلامِ اللهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِجَمِيعِهِمْ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: ومَعْنى قَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿ "مِن فَضْلٍ"؛﴾ أيْ مِنَ التَخْفِيفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: مَعْناهُ أنَّهُ لَمّا قالَ اللهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ "لِكُلٍّ ضِعْفٌ"؛﴾ قالَ الأوَّلُونَ لِلْآخِرِينَ: لَمْ تَبْلُغُوا أمَلًا في أنْ يَكُونَ عَذابُكم أخَفَّ مِن عَذابِنا؛ ولا فُضِّلْتُمْ بِالإسْعافِ؛ والنَصِّ عَلَيْهِ.