Lafzullah

Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah — التوبة 9:107 – يونس 10:62

المؤلف / المصدر: Al-Muharrar Al-Wajiz Ibn Atiyyah

المحتويات
  1. التوبة 9:107
  2. التوبة 9:108
  3. التوبة 9:109
  4. التوبة 9:110
  5. التوبة 9:111
  6. التوبة 9:112
  7. التوبة 9:113
  8. التوبة 9:114
  9. التوبة 9:115
  10. التوبة 9:116
  11. التوبة 9:117
  12. التوبة 9:118
  13. التوبة 9:119
  14. التوبة 9:120
  15. التوبة 9:121
  16. التوبة 9:122
  17. التوبة 9:123
  18. التوبة 9:124
  19. التوبة 9:125
  20. التوبة 9:126
  21. التوبة 9:127
  22. التوبة 9:128
  23. التوبة 9:129
  24. يونس 10:1
  25. يونس 10:2
  26. يونس 10:3
  27. يونس 10:4
  28. يونس 10:5
  29. يونس 10:6
  30. يونس 10:7
  31. يونس 10:8
  32. يونس 10:9
  33. يونس 10:10
  34. يونس 10:11
  35. يونس 10:12
  36. يونس 10:13
  37. يونس 10:14
  38. يونس 10:15
  39. يونس 10:16
  40. يونس 10:17
  41. يونس 10:18
  42. يونس 10:19
  43. يونس 10:20
  44. يونس 10:21
  45. يونس 10:22
  46. يونس 10:23
  47. يونس 10:24
  48. يونس 10:25
  49. يونس 10:26
  50. يونس 10:27
  51. يونس 10:28
  52. يونس 10:29
  53. يونس 10:30
  54. يونس 10:31
  55. يونس 10:32
  56. يونس 10:33
  57. يونس 10:34
  58. يونس 10:35
  59. يونس 10:36
  60. يونس 10:37
  61. يونس 10:38
  62. يونس 10:39
  63. يونس 10:40
  64. يونس 10:41
  65. يونس 10:42
  66. يونس 10:43
  67. يونس 10:44
  68. يونس 10:45
  69. يونس 10:46
  70. يونس 10:47
  71. يونس 10:48
  72. يونس 10:49
  73. يونس 10:50
  74. يونس 10:51
  75. يونس 10:52
  76. يونس 10:53
  77. يونس 10:54
  78. يونس 10:55
  79. يونس 10:56
  80. يونس 10:57
  81. يونس 10:58
  82. يونس 10:59
  83. يونس 10:60
  84. يونس 10:61
  85. يونس 10:62

التوبة 9:107

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى واللهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: وآخَرُونَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ أوَّلًا: وآخَرُونَ، وقَرَأ نافِعٌ، والأعْرَجُ، وابْنُ نَصاحٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وأهْلُ الحِجازِ: "مُرْجَوْنَ" مِن أرْجى يُرْجى دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأهْلُ البَصْرَةِ: "مُرْجَؤُونَ" مِن أرْجَأ يُرْجِئُ بِالهَمْزِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهُما لُغَتانِ، ومَعْناهُما (p-٤٠٣)التَأْخِيرُ، ومِنهُ المُرْجِئَةُ لِأنَّهم أخَّرُوا الأعْمالَ، أيْ أخَّرُوا حُكْمَها ومَرْتَبَتَها، وأنْكَرَ المُبَرِّدُ تَرْكَ الهَمْزِ في مَعْنى التَأْخِيرِ، ولَيْسَ كَما قالَ. والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ -فِيما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ، وابْنُ إسْحاقَ - الثَلاثَةُ الَّذِينَ خَلِّفُوا، وهم هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومَرارَةُ بْنُ الرَبِيعِ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ التَوْبَةِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في غَيْرِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا مُعَرَّضِينَ لِلتَّوْبَةِ مَعَ بِنائِهِمْ مَسْجِدِ الضِرارِ، وعَلى هَذا يَكُونُ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ بِإسْقاطِ واوِ العَطْفِ بَدَلًا مِن ﴿آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] أو خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- فِيها تَرَجٍّ لَهم واسْتِدْعاءٌ إلى الإيمانِ والتَوْبَةِ، وعَلِيمٌ مَعْناهُ: بِمَن يَهْدِي إلى الرُشْدِ، وحَكِيمٌ فِيما يُنَفِّذُهُ مِن تَنْعِيمِ مَن شاءَ وتَعْذِيبِ مَن شاءَ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا مَعْبُودَ سِواهُ. وقَرَأ عاصِمٌ، وعَوامُّ القُرّاءِ، والناسُ في كُلِّ قُطْرٍ إلّا بِالمَدِينَةِ: "والَّذِينَ اتَّخَذُوا"، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ، نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وغَيْرُهم "الَّذِينَ اتَّخَذُوا" بِإسْقاطِ الواوِ، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِهِمْ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: هي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ، وهي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ بِغَيْرِ واوٍ. فَأمّا مَن قَرَأ بِالواوِ فَذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "وَآخَرُونَ" أيْ: ومِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا، وأمّا مَن قَرَأ بِإسْقاطِها فَرَفَعَ الَّذِينَ بِالِابْتِداءِ. واخْتُلِفَ في الخَبَرِ فَقِيلَ: الخَبَرُ: "لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا"، قالَهُ الكِسائِيُّ، ويَتَّجِهُ بِإضْمارٍ إمّا في أوَّلِ الآيَةِ وإمّا في آخِرِها بِتَقْدِيرِ: "لا تَقُمْ في مَسْجِدِهِمْ"، وقِيلَ: الخَبَرُ: "لا يَزالُ بُنْيانُهُمْ"، قالَهُ النَحّاسُ، وهَذا أفْصَحُ، وقَدْ ذَكَرْتُ كَوْنَ "الَّذِينَ" بَدَلًا مِن "آخَرُونَ"، آنِفًا، وقالَ المَهْدَوِيُّ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: "مُعَذَّبُونَ" أو نَحْوُهُ. وأمّا الجَماعَةُ المُرادَةُ بِـ "الَّذِينَ اتَّخَذُوا" فَهم مُنافِقُو بَنِي غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ، وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ عَنِ الزُهْرِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ حَتّى نَزَلَ بِذِي أوانٍ -بَلَدٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةٌ مِن نَهارٍ- وقَدْ كانَ أصْحابُ مَسْجِدِ الضِرارِ قَدْ كانُوا أتَوْهُ وهو يَتَجَهَّزُ إلى تَبُوكَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ إنّا قَدْ (p-٤٠٤)بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَيْلَةِ المَطِيرَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ لَنا فِيهِ، فَقالَ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ وحالِ شُغْلٍ، ولَوْ قَدِمْنا إنْ شاءَ اللهُ أتَيْناكم فَصَلَّيْنا لَكم فِيهِ، فَلَمّا أقْبَلَ ونَزَلَ بِذِي أوانٍ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شَأْنِ مَسْجِدِ الضِرارِ، فَدَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ مالِكَ بْنَ الدُخْشُمِ، ومَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ فَقالَ: انْطَلِقا إلى هَذا المَسْجِدِ الظالِمِ أهْلُهُ فاهْدِماهُ وحَرِّقاهُ، فانْطَلَقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلا، وحَرَّقاهُ بِنارٍ في سَعَفٍ.» وذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ لِهَدْمِهِ وتَحْرِيقِهِ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، ووَحْشِيًّا مَوْلى المُطْعَمِ بْنِ عَدِيٍّ». وكانَ بانُوهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: خُذامُ بْنُ خالِدٍ، ومِن دارِهِ أُخْرِجَ مَسْجِدُ الشِقاقِ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، ومُتْعَبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وأبُو حُبَيْبَةَ بْنُ الأزْعَرِ، وعَبّادُ بْنُ حَنِيفٍ أخُو سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ، وجارِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، وابْناهُ: مَجْمَعُ بْنُ جارِيَةَ وهو كانَ إمامَهُمْ، وحَلَفَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- في خِلافَتِهِ أنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِأمْرِهِمْ، وزَيْدُ بْنُ جارِيَةَ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وبَحْزَجُ مِن بَنِي ضَبِيعَةَ، وبِجادُ بْنُ عُثْمانَ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ. وبَحْزَجُ مِنهم هو الَّذِي حَلَفَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى والتَوْسِعَةَ عَلَيْنا وعَلى مَن عَجَزَ أو ضَعُفَ عَنِ المَسِيرِ إلى مَسْجِدِ قُباءٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ما أرَدْنا إلّا الحُسْنى". والآيَةُ تَقْتَضِي شَرْحَ شَيْءٍ مِن أمْرِ هَذِهِ المَساجِدِ، فَرُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ وقْتَ الهِجْرَةِ بَنى مَسْجِدًا في بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وهو مَسْجِدُ قُباءٍ،» وقِيلَ: (p-٤٠٥)وَجَدَهُ مَبْنِيًّا قَبْلَ وُرُودِهِ، وقِيلَ: وجَدَهُ مَوْضِعَ صَلاةٍ فَبَناهُ، وتَشَرَّفَ القَوْمُ بِذَلِكَ فَحَسَدَهم مِن حِينِئِذٍ رِجالٌ مِن بَنِي عَمِّهِمْ مِن بَنِي غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ وبَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَكانَ فِيهِمْ نِفاقٌ، وكانَ مَوْضِعُ مَسْجِدِ قُباءٍ مَرْبَطًا لِحِمارِ امْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ اسْمُها لِيَةُ، فَكانَ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ: واللهِ لا نَصْبِرُ عَلى الصَلاةِ في مَرْبَطِ حِمارِ لِيَةَ ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقْوالِ، وكانَ أبُو عامِرٍ عَبْدُ عَمْرٍو المَعْرُوفُ بِالراهِبِ مِنهُمْ، وكانَتْ أُمُّهُ مِنَ الرُومِ، فَكانَ يَتَعَبَّدُ في الجاهِلِيَّةِ فَسُمِّي الراهِبَ، وهو أبُو حَنْظَلَةَ غِسِّيلِ المَلائِكَةِ، وكانَ سَيِّدًا نَظِيرًا وقَرِيبًا مِن عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ، فَلَمّا جاءَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِالإسْلامِ نافَقَ ولَمْ يَزَلْ مُجاهِرًا بِذَلِكَ فَسَمّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الفاسِقَ، ثُمَّ خَرَجَ في جَماعَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ فَحِزَّبَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ الأحْزابَ، فَلَمّا رَدَّهُمُ اللهُ بِغَيْظِهِمْ أقامَ أبُو عامِرٍ بِمَكَّةَ مَظْهِرًا لِعَداوَتِهِ، فَلَمّا فَتَحَ اللهُ مَكَّةَ هَرَبَ إلى الطائِفِ. فَلَمّا أسْلَمْ أهْلُ الطائِفِ خَرَجَ هارِبًا إلى الشامِ يُرِيدُ قَيْصَرَ مُسْتَنْصِرًا بِهِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكَتَبَ إلى قَوْمِهِ المُنافِقِينَ مِنهم أنِ ابْنُوا مَسْجِدًا مُقاوَمَةً لِمَسْجِدِ قُباءٍ وتَحْقِيرًا لَهُ، فَإنِّي سَآتِي بِجَيْشٍ مِنَ الرُومِ أُخْرِجُ بِهِ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِنَ المَدِينَةِ فَبَنَوْهُ وقالُوا: سَيَأْتِي أبُو عامِرٍ ويُصَلِّي فِيهِ ويَتَّخِذُهُ مُتَعَبَّدًا ويُسَرُّ بِهِ، ثُمَّ إنَّ أبا عامِرٍ هَلَكَ عِنْدَ قَيْصَرَ. ونَزَلَ القُرْآنُ في أمْرِ مَسْجِدِ الضِرارِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ﴾ يَعْنِي أبا عامِرٍ وقَوْلُهُمْ: "سَيَأْتِي أبُو عامِرٍ "، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لِلَّذِينِ حارَبُوا اللهَ" وقَوْلُهُ: ﴿ضِرارًا﴾ أيْ داعِيَةً لِلتَّضارِّ بَيْنَ جَماعَتَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ: "ضِرارًا" وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ ما يَكُونُ مِنِ اثْنَيْنِ وإنْ كانَ المَصْدَرُ المُلازِمُ لِذَلِكَ مُفاعَلَةً كَما قالَ سِيبَوَيْهِ، ونُصِبَ "ضِرارٌ" وما بَعْدَهُ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ يُرِيدُ: بَيْنَ الجَماعَةِ الَّتِي كانَتْ تُصَلِّي في مَسْجِدِ قُباءٍ، فَإنَّ مَن جاوَزَ مَسْجِدَهم كانُوا يَصْرِفُونَهُ إلَيْهِ وذَلِكَ داعِيَةٌ إلى صَرْفِهِ عَنِ الإيمانِ. وقِيلَ: أرادَ بِقَوْلِهِ: (p-٤٠٦)﴿بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ جَماعَةَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وهَذا بِحَسَبِ الخِلافِ في المَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَقْوى، وسَيَأْتِي ذَلِكَ، قالَ النَقّاشُ: يَلْزَمُ مِن هَذا ألّا يُصَلّى عَلَيْهِ في كَنِيسَةٍ ونَحْوِها لِأنَّها بُنِيَتْ عَلى شَرٍّ مِن هَذا كُلِّهِ، وقَدْ قِيلَ في هَذا: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفَقُّهٌ غَيْرُ قَوِيٍّ. والإرْصادُ: الإعْدادُ والتَهْيِئَةُ، والَّذِي حارَبَ اللهَ ورَسُولَهُ: هو أبُو عامِرٍ الفاسِقُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ يُرِيدُ: في غَزْوَةِ الأحْزابِ وغَيْرِها، والحالِفُ المُرادُ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ هو بَحْزَجٌ ومَن حَلَفَ مِن أصْحابِهِ، وكُسِرَتِ الألِفُ مِن قَوْلِهِ: "إنَّهم لَكاذِبُونَ" لِأنَّ الشَهادَةَ في مَعْنى القَوْلِ. وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن شَقِيقٍ أنَّهُ جاءَ لِيُصَلِّيَ في مَسْجِدٍ بُنِيَ غاضِرَةً فَوَجَدَ الصَلاةَ قَدْ فاتَتْهُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ مَسْجِدَ بَنِي فُلانٍ لَمْ يُصَلَّ فِيهِ بَعْدُ، فَقالَ: لا أُحِبُّ أنْ أُصَلِّيَ فِيهِ فَإنَّهُ بُنِيَ عَلى ضِرارٍ، وكُلُّ مَسْجِدٍ بُنِيَ ضِرارًا ورِياءً وسُمْعَةً فَهو في حُكْمِ مَسْجِدِ الضِرارِ، ورُوِيَ أنَّ مَسْجِدَ الضِرارِ لَمّا هُدِمَ وأُحْرِقَ اتُّخِذَ مَزْبَلَةً تُرْمى فِيهِ الأقْذارُ والقِماماتُ.

التوبة 9:108

(p-٤٠٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مِنَ أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ كانَ لا يَمُرُّ بِالطَرِيقِ الَّتِي فِيها المَسْجِدُ، وهَذا النَهْيُ إنَّما هو لِأنَّ البانِينَ لِمَسْجِدِ الضِرارِ قَدْ كانُوا خادَعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وقالُوا: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِلضَّرُوراتِ والسَيْلِ الحايِلِ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا فَنُرِيدُ أنْ تُصَلِّي لَنا فِيهِ وتَدْعُوَ بِالبَرَكَةِ، فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمَشْيِ مَعَهم إلى ذَلِكَ، واسْتَدْعى قَمِيصَهُ لِيَنْهَضَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾. وقَوْلُهُ: ﴿لَمَسْجِدٌ﴾ قِيلَ: إنَّ اللامَ لامُ قَسَمٍ، وقِيلَ: هي لامُ الِابْتِداءِ كَما تَقُولُ: لَزَيْدٌ أحْسَنُ الناسِ فِعْلًا، وهي مُقْتَضِيَةٌ تَأْكِيدًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِرْقَةٌ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعَيْنِ:رَضِيَ اللهُ عنهُمُ:المُرادُ بِالمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَقْوى: هو مَسْجِدُ قُباءٍ. ورُوِيَ عن عُمَرَ، وأبِي سَعِيدٍ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، ويَلِيقُ القَوْلُ الأوَّلُ بِالقِصَّةِ، إلّا أنَّ القَوْلَ الثانِيَ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، ولا نَظَرَ مَعَ الحَدِيثِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلٌ مِن بَنِي خُدْرَةَ ورَجُلٌ مَن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَقالَ الخُدْرِيُّ: هو مَسْجِدُ الرَسُولِ ﷺ، وقالَ الآخَرُ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ، فَأتَيا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَألاهُ فَقالَ: "هُوَ مَسْجِدِي هَذا، وفي الآخَرِ خَيْرٌ كَثِيرٌ"» إلى كَثِيرٍ مِنَ الآثارِ في هَذا عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَ في بُقْعَتِهِ نَخْلٌ وقُبُورُ مُشْرِكِينَ ومِرْبَدٍ لِيَتِيمَيْنِ كانا في (p-٤٠٨)حِجْرِ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ، وبَناهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاثَ مَرّاتٍ: الأولى بِالسَمِيطِ وهي لَبِنَةٌ أمامَ لَبِنَةٍ، والثانِيَةُ بِالصَعِيدَةِ، وهي لَبِنَةٌ ونِصْفٌ في عَرْضِ الحائِطِ، والثالِثَةُ بِالأُنْثى والذَكَرِ، وهي لَبِنَتانِ تُعْرَضُ عَلَيْهِما لَبِنَتانِ، وكانَ في طُولِهِ سَبْعُونَ ذِراعًا، وكانَ عُمُدُهُ النَخْلُ، وكانَ عَرِيشًا يَكُفُّ المَطَرَ، وعُرِضَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بُنْيانُهُ ورَفْعُهُ فَقالَ: « "لا، بَلْ يَكُونُ عَرِيشًا كَعَرِيشِ أخِي مُوسى كانَ إذا قامَ ضَرَبَ رَأْسُهُ في سَقْفِهِ".» وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْقُلُ فِيهِ اللَبِنَ عَلى صَدْرِهِ، ويُقالُ إنَّ أوَّلَ مَن وضَعَ في أساسِهِ حَجَرًا رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ وضَعَ أبُو بَكْرٍ حَجَرًا، ثُمَّ وضَعَ عُمَرُ حَجَرًا، ثُمَّ وضَعَ عُثْمانُ حَجَرًا، ثُمَّ رَمى الناسُ بِالحِجارَةِ فَتَفاءَلَ بِذَلِكَ بَعْضُ الصَحابَةِ في أنَّها الخِلافَةُ فَصَدَقَ فَأْلُهُ. قَوْلُهُ: ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: مُنْذُ أوَّلِ يَوْمٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِن تَأْسِيسِ أوَّلِ يَوْمٍ، وإنَّما دَعا إلى هَذا الِاخْتِلافِ أنَّ مِن أُصُولِ النَحْوِيِّينَ أنَّ "مِن" لا تُجَرُّ بِها الأزْمانُ، وإنَّما تُجَرُّ الأزْمانُ بِمُنْذُ، تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ مُنْذُ يَوْمَيْنِ أو سَنَةٍ أو يَوْمٍ، ولا تَقُولُ: مِن شَهْرٍ ولا مِن سَنَةٍ، ولا مِن يَوْمٍ، فَإذا وقَعَتْ "مِن" في الكَلامِ وهي تَلِي زَمَنًا فَيُقَدَّرُ مُضْمَرٌ يَلِيقُ أنْ تَجُرَّهُ "مِن" كَقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ لِمَنِ الدِيارُ كَقُنَّةِ الحِجْرِ ∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حِجَجٍ ومِن دَهْرِ؟ و"مِن شَهْرٍ" رِوايَةٌ، فَقَدَّرُوهُ: "مِن مَرِّ حِجَجٍ ومِن مَرِّ دَهْرٍ"، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَّلِ يَوْمٍ﴾ يَوْمًا وهو اسْمُ زَمانٍ احْتاجُوا فِيهِ إلى تَقْدِيرِ "مِن تَأْسِيسِ"، ويَحْسُنُ عِنْدِي (p-٤٠٩)أنْ يُسْتَغْنى في هَذِهِ الآيَةِ عن تَقْدِيرٍ، وأنْ تَكُونَ "مِن" تَجُرُّ لَفْظَةَ "أوَّلِ" لِأنَّها بِمَعْنى البُداءَةِ، كَأنَّهُ قالَ: مِن مُبْتَدَإ الأيّامِ، وهي هُنا- تَقُومُ مَقامَ "المَرِّ" في البَيْتِ المُتَقَدِّمِ، وهي كَما تَقُولُ: "جِئْتُ مِن قَبْلِكَ ومِن بَعْدِكَ" وأنْتَ لا تَدُلُّ بِهاتَيْنِ اللَفْظَتَيْنِ إلّا عَلى الزَمَنِ، وقَدْ حُكِيَ لِي هَذا الَّذِي اخْتَرْتُهُ عن بَعْضِ أئِمَّةِ النَحْوِ. ومَعْنى ﴿أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أيْ بِصَلاتِكَ وعِبادَتِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ" بِكَسْرِ الهاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: "أنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهُ" بِضَمِّ الهاءِ الثانِيَةِ عَلى الأصْلِ، ويُحَسِّنُهُ تَجَنُّبُ تَكْرارِ لَفْظٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مَسْجِدِ الرَسُولِ ﷺ، والرِجالُ: جَماعَةُ الأنْصارِ. ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لَهُمْ: "يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنِّي رَأيْتُ اللهَ أثْنى عَلَيْكم بِالطُهُورِ فَماذا تَفْعَلُونَ؟" فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ: إنّا رَأيْنا جِيرانَنا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالماءِ، (قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ)، فَفَعَلْنا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ لَمْ نَدَعْهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "فَلا تَدَعُوهُ أبَدًا".» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلّامٍ وغَيْرُهُ ما مَعْناهُ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى مَسْجِدِ قُباءٍ، والمُرادُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إنَّما قالَ المُقالَةَ المُتَقَدِّمَةَ لِبَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الأفْضَلِ بَيْنَ الِاسْتِنْجاءِ بِالماءِ أو بِالحِجارَةِ، فَقِيلَ هَذا وقِيلَ هَذا، ورَأتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ الجَمْعَ بَيْنَهُما، فَيُنَقِّي بِالحِجارَةِ ثُمَّ يُتْبِعُ بِالماءِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ عُلَماءِ القَيْرَوانِ كانُوا يَتَّخِذُونَ في مُتَوَضَّياتِهِمْ أحْجارًا في تُرابٍ يُنَقُّونَ بِها ثُمَّ يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ أخْذًا بِهَذا القَوْلِ. (p-٤١٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يُتَصَوَّرُ الخِلافُ في البِلادِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيها أنْ تُنَقَّيَ الحِجارَةُ، وابْنُ حَبِيبٍ لا يُجِيزُ الِاسْتِنْجاءَ بِالحِجارَةِ حَيْثُ يُوجَدُ الماءُ، وهو قَوْلٌ شَذَّ فِيهِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَتَطَهَّرُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: "يَطَّهَّرُوا" بِالإدْغامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "المُتَطَهِّرِينَ" بِالتاءِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: أحْدَثَ قَوْمٌ مِن أهْلِ قُباءٍ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مِنهم عُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ» " ولَمْ يُسَمَّ أحَدٌ مِنهم غَيْرُ عُوَيْمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ الآيَةُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى تَقْرِيرٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وجَماعَةٌ: "أُسِّسَ بُنْيانُهُ" عَلى بِناءِ "أسَّسَ" لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "بُنْيانٌ" فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ: "أسَّسَ بُنْيانَهُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "بُنْيانٌ" فِيهِما، وقَرَأ عِمارَةُ بْنُ ضَبّا -رَواهُ يَعْقُوبُ- الأوَّلُ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ والثانِي عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، والآيَةُ تَتَضَمَّنُ مُعادَلَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَإمّا بَيْنَ البِناءَيْنِ وإمّا بَيْنَ البانِينَ، فالمُعادَلَةُ الأولى هي بِتَقْدِيرٍ: "أبِناءُ مَن أسَّسَ؟". وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ -وَرُوِيَتْ عن نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ -: "أفَمَن أسَّ بُنْيانَهُ" عَلى إضافَةِ "أسَّ" إلى "بُنْيانٍ"، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو حَيَوَةَ أيْضًا: "أساسُ بُنْيانِهِ"، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: "أُسُسُ بُنْيانِهِ" عَلى وزْنِ "فُعُلُ" بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ، وهو جَمْعُ أساسٍ كَقَذالٍ وقُذُلٍ، حَكى ذَلِكَ أبُو الفَتْحِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ (p-٤١١)هَذِهِ القِراءَةَ لِنَصْرٍ إنَّما هِيَ: "أسَسٌ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَضْمُومَةٍ، وعَلى الحِكايَتَيْنِ فالإضافَةُ إلى البُنْيانِ، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أيْضًا: "أساسٌ" عَلى جَمْعِ "أُسٍّ"، والبُنْيانُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: بَنى يَبْنِي بِناءً وبُنْيانًا كالغُفْرانِ والطُغْيانِ فَسُمِّيَ بِهِ المَبْنى مِثْلُ الخَلْقِ إذا أرَدْتَ بِهِ المَخْلُوقَ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ بُنْيانَةٌ، وأنْشَدَ في ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ: ؎ كَبُنْيانَةِ القارِي مَوْضِعُ رِجْلِها ∗∗∗ ∗∗∗ وآثارِ نَسْعَيْها مِنَ الدَفِّ أبْلَقُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى تَقْوى"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَلى تَقْوًى" بِتَنْوِينِ الواوِ، حَكى هَذِهِ القِراءَةَ سِيبَوَيْهِ ورَدَّها الناسُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: قِياسُها أنْ تَكُونَ الألْفُ لِلْإلْحاقِ كَأرْطى ونَحْوِهِ. وأمّا المُرادُ بِالبُنْيانِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَقْوى والرِضْوانِ فَهو -فِي ظاهِرِ اللَفْظِ وقَوْلِ الجُمْهُورِ- المَسْجِدُ المَذْكُورُ قَبْلُ، ويَطَّرِدُ فِيهِ الخِلافُ المُتَقَدِّمُ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِالمَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَقْوى هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، والمُرادُ بِأنَّهُ أُسِّسَ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ، ورِضْوانٍ خَيْرٌ هو مَسْجِدٌ قُباءٍ، وأمّا البُنْيانُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَهو مَسْجِدُ الضِرارِ بِإجْماعٍ. (p-٤١٢)والشَفا: الحاشِيَةُ والشَفِيرُ. والجُرُفُ: الحَفِيرُ حَوْلَ البِئْرِ ونَحْوُهُ مِمّا جَرَفَتْهُ السُيُولُ والنَدْوَةُ والبِلى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ: "جُرُفٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وجَماعَةٌ: "جُرْفٍ" بِسُكُونِ الراءِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: الأصْلُ بِضَمِّ الراءِ وتَخْفِيفِها بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ. و"هارٍ" مَعْناهُ: مُتَهَدِّمٌ مُنْهالٌ، مَن هارَ يَهُورُ، ويُقالُ: هارَ يَهِيرُ ويَهارُ، وأصْلُهُ: هايِرٌ أو هاوِرٌ، فَقِيلَ: قُلِبَتْ راؤُهُ قَبْلَ حَرْفِ العِلَّةِ فَجاءَ هارُو أو هارِي، فَصُنِعَ بِهِ ما صُنِعَ بِقاضٍ وغازٍ، وعَلى هَذا يُقالُ في حالِ النَصْبِ: هارِيًا، ومِثْلُهُ "فِي يَوْمٍ راحٍ" أصْلُهُ: رائِحٍ، ومِثْلُهُ "شاكِي السِلاحِ" أصْلُهُ: شائِكٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُ العَجّاجِ: لاثٍ بِهِ الأشاءُ والعُبْرِي أصْلُهُ: لائِثٌ. ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ...................... ∗∗∗ ∗∗∗ خَفَضُوا أسِنَّتَهم فَكُلٌّ ناعٍ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ مِن "نَعى يَنْعِي" والمُرادُ أنَّهم يَقُولُونَ: "يا ثارّاتِ فُلانٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فَكُلُّهم نائِعٌ" أيْ عاطِشٌ كَما قالَ عُمَيْرُ بْنُ شِيَيْمِ: (p-٤١٣) ؎ ......................... ∗∗∗ ∗∗∗ والأسَلَ النِياعا وقِيلَ في "هارٍ": إنَّ حَرْفَ عِلَّتِهِ حُذِفَ حَذْفًا، فَعَلى هَذا يَجْرِي بِوُجُوهِ الإعْرابِ فَتَقُولُ: جَرْفٌ هارٌ، ورَأيْتَ جَرْفًا هارًا، ومَرَرْتُ بِحَرْفٍ هارٍ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في إمالَةِ "هارٍ" و"انْهارَ". وتَأْسِيسُ البِناءِ عَلى تَقْوى إنَّما هو بِحُسْنِ النِيَّةِ فِيهِ وقَصْدِ وجْهِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإظْهارِ شَرْعِهِ، كَما صَنَعَ في مَسْجِدِ النَبِيِّ ﷺ وفي مَسْجِدِ قُباءٍ. والتَأْسِيسُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ إنَّما هو بِفَسادِ النِيَّةِ وقَصْدِ الرِياءِ والتَفْرِيقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَهَذِهِ تَشْبِيهاتٌ صَحِيحَةٌ بارِعَةٌ. و"خَيْرٌ" في هَذِهِ الآيَةِ تَفْضِيلٌ، ولا شَرِكَةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في خَيْرٍ إلّا عَلى مُعْتَقَدِ بانِي مَسْجِدِ الضِرارِ، فَبِحَسَبِ ذَلِكَ المُعْتَقَدِ صَحَّ التَفْضِيلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ الظاهِرُ مِنهُ ومِمّا صَحَّ مِن خَبَرِهِمْ وهَدْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَسْجِدَهم أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، أيْ: مَثَلُ هَؤُلاءِ المُضارِّينَ مِنَ المُنافِقِينَ في قَصْدِهِمْ مَعْصِيَةَ اللهِ وحُصُولِهِمْ مِن ذَلِكَ عَلى سُخْطِهِ كَمَن يَنْهارُ بُنْيانُهُ في نارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ اقْتُضِبَ الكَلامُ اقْتِضابًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُهُ. وقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ وإنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ بِعَيْنِهِ انْهارَ في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ. ورُوِيَ «عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ الدُخانَ يَخْرُجُ مِنهُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.» ورُوِيَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ حِينَ انْهارَ حَتّى بَلَغَ الأرْضَ السابِعَةَ فَفَزِعَ لِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يُصَلُّوا فِيهِ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، أكْمَلُوهُ يَوْمَ الجُمْعَةِ وصَلَّوْا فِيهِ يَوْمَ الجُمْعَةِ ولَيْلَةَ السَبْتِ وانْهارَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. (p-٤١٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ بِإسْنادٍ لَيِّنٍ، وما قَدَّمْناهُ أصْوَبُ وأصَحُّ، وكَذَلِكَ بَقِيَ أمْرُهُ والصَلاةُ فِيهِ مِن قَبْلِ سَفَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى تَبُوكَ إلى أنْ أقْفَلَ مِنها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ طَعْنٌ عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وإشارَةٌ إلَيْهِمْ، والمَعْنى: لا يَهْدِيهِمْ مِن حَيْثُ هم ظالِمُونَ، أو يَكُونُ المُرادُ الخُصُوصَ فِيمَن يُوافِي عَلى ظُلْمِهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن خَلَفِ بْنِ ياسِينَ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ مَسْجِدَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُ اللهُ في القُرْآنِ فَرَأيْتُ فِيهِ مَكانًا يَخْرُجُ مِنهُ الدُخانُ، وذَلِكَ في زَمَنِ أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ. ورُوِيَ شَبِيهٌ بِهَذا أو نَحْوِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ.

التوبة 9:109

(p-٤٠٧)قوله عزّ وجلّ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ أمْ مِنَ أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ كانَ لا يَمُرُّ بِالطَرِيقِ الَّتِي فِيها المَسْجِدُ، وهَذا النَهْيُ إنَّما هو لِأنَّ البانِينَ لِمَسْجِدِ الضِرارِ قَدْ كانُوا خادَعُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وقالُوا: بَنَيْنا مَسْجِدًا لِلضَّرُوراتِ والسَيْلِ الحايِلِ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا فَنُرِيدُ أنْ تُصَلِّي لَنا فِيهِ وتَدْعُوَ بِالبَرَكَةِ، فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالمَشْيِ مَعَهم إلى ذَلِكَ، واسْتَدْعى قَمِيصَهُ لِيَنْهَضَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾. وقَوْلُهُ: ﴿لَمَسْجِدٌ﴾ قِيلَ: إنَّ اللامَ لامُ قَسَمٍ، وقِيلَ: هي لامُ الِابْتِداءِ كَما تَقُولُ: لَزَيْدٌ أحْسَنُ الناسِ فِعْلًا، وهي مُقْتَضِيَةٌ تَأْكِيدًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفِرْقَةٌ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعَيْنِ:رَضِيَ اللهُ عنهُمُ:المُرادُ بِالمَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَقْوى: هو مَسْجِدُ قُباءٍ. ورُوِيَ عن عُمَرَ، وأبِي سَعِيدٍ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ، ويَلِيقُ القَوْلُ الأوَّلُ بِالقِصَّةِ، إلّا أنَّ القَوْلَ الثانِيَ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ، ولا نَظَرَ مَعَ الحَدِيثِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلٌ مِن بَنِي خُدْرَةَ ورَجُلٌ مَن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَقالَ الخُدْرِيُّ: هو مَسْجِدُ الرَسُولِ ﷺ، وقالَ الآخَرُ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ، فَأتَيا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَألاهُ فَقالَ: "هُوَ مَسْجِدِي هَذا، وفي الآخَرِ خَيْرٌ كَثِيرٌ"» إلى كَثِيرٍ مِنَ الآثارِ في هَذا عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَ في بُقْعَتِهِ نَخْلٌ وقُبُورُ مُشْرِكِينَ ومِرْبَدٍ لِيَتِيمَيْنِ كانا في (p-٤٠٨)حِجْرِ أسْعَدَ بْنِ زُرارَةَ، وبَناهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاثَ مَرّاتٍ: الأولى بِالسَمِيطِ وهي لَبِنَةٌ أمامَ لَبِنَةٍ، والثانِيَةُ بِالصَعِيدَةِ، وهي لَبِنَةٌ ونِصْفٌ في عَرْضِ الحائِطِ، والثالِثَةُ بِالأُنْثى والذَكَرِ، وهي لَبِنَتانِ تُعْرَضُ عَلَيْهِما لَبِنَتانِ، وكانَ في طُولِهِ سَبْعُونَ ذِراعًا، وكانَ عُمُدُهُ النَخْلُ، وكانَ عَرِيشًا يَكُفُّ المَطَرَ، وعُرِضَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بُنْيانُهُ ورَفْعُهُ فَقالَ: « "لا، بَلْ يَكُونُ عَرِيشًا كَعَرِيشِ أخِي مُوسى كانَ إذا قامَ ضَرَبَ رَأْسُهُ في سَقْفِهِ".» وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْقُلُ فِيهِ اللَبِنَ عَلى صَدْرِهِ، ويُقالُ إنَّ أوَّلَ مَن وضَعَ في أساسِهِ حَجَرًا رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ وضَعَ أبُو بَكْرٍ حَجَرًا، ثُمَّ وضَعَ عُمَرُ حَجَرًا، ثُمَّ وضَعَ عُثْمانُ حَجَرًا، ثُمَّ رَمى الناسُ بِالحِجارَةِ فَتَفاءَلَ بِذَلِكَ بَعْضُ الصَحابَةِ في أنَّها الخِلافَةُ فَصَدَقَ فَأْلُهُ. قَوْلُهُ: ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: مُنْذُ أوَّلِ يَوْمٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: مِن تَأْسِيسِ أوَّلِ يَوْمٍ، وإنَّما دَعا إلى هَذا الِاخْتِلافِ أنَّ مِن أُصُولِ النَحْوِيِّينَ أنَّ "مِن" لا تُجَرُّ بِها الأزْمانُ، وإنَّما تُجَرُّ الأزْمانُ بِمُنْذُ، تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ مُنْذُ يَوْمَيْنِ أو سَنَةٍ أو يَوْمٍ، ولا تَقُولُ: مِن شَهْرٍ ولا مِن سَنَةٍ، ولا مِن يَوْمٍ، فَإذا وقَعَتْ "مِن" في الكَلامِ وهي تَلِي زَمَنًا فَيُقَدَّرُ مُضْمَرٌ يَلِيقُ أنْ تَجُرَّهُ "مِن" كَقَوْلِ الشاعِرِ: ؎ لِمَنِ الدِيارُ كَقُنَّةِ الحِجْرِ ∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حِجَجٍ ومِن دَهْرِ؟ و"مِن شَهْرٍ" رِوايَةٌ، فَقَدَّرُوهُ: "مِن مَرِّ حِجَجٍ ومِن مَرِّ دَهْرٍ"، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَّلِ يَوْمٍ﴾ يَوْمًا وهو اسْمُ زَمانٍ احْتاجُوا فِيهِ إلى تَقْدِيرِ "مِن تَأْسِيسِ"، ويَحْسُنُ عِنْدِي (p-٤٠٩)أنْ يُسْتَغْنى في هَذِهِ الآيَةِ عن تَقْدِيرٍ، وأنْ تَكُونَ "مِن" تَجُرُّ لَفْظَةَ "أوَّلِ" لِأنَّها بِمَعْنى البُداءَةِ، كَأنَّهُ قالَ: مِن مُبْتَدَإ الأيّامِ، وهي هُنا- تَقُومُ مَقامَ "المَرِّ" في البَيْتِ المُتَقَدِّمِ، وهي كَما تَقُولُ: "جِئْتُ مِن قَبْلِكَ ومِن بَعْدِكَ" وأنْتَ لا تَدُلُّ بِهاتَيْنِ اللَفْظَتَيْنِ إلّا عَلى الزَمَنِ، وقَدْ حُكِيَ لِي هَذا الَّذِي اخْتَرْتُهُ عن بَعْضِ أئِمَّةِ النَحْوِ. ومَعْنى ﴿أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أيْ بِصَلاتِكَ وعِبادَتِكَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ" بِكَسْرِ الهاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: "أنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهُ" بِضَمِّ الهاءِ الثانِيَةِ عَلى الأصْلِ، ويُحَسِّنُهُ تَجَنُّبُ تَكْرارِ لَفْظٍ واحِدٍ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى مَسْجِدِ الرَسُولِ ﷺ، والرِجالُ: جَماعَةُ الأنْصارِ. ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لَهُمْ: "يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إنِّي رَأيْتُ اللهَ أثْنى عَلَيْكم بِالطُهُورِ فَماذا تَفْعَلُونَ؟" فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ: إنّا رَأيْنا جِيرانَنا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالماءِ، (قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ)، فَفَعَلْنا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ لَمْ نَدَعْهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "فَلا تَدَعُوهُ أبَدًا".» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلّامٍ وغَيْرُهُ ما مَعْناهُ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى مَسْجِدِ قُباءٍ، والمُرادُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إنَّما قالَ المُقالَةَ المُتَقَدِّمَةَ لِبَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الأفْضَلِ بَيْنَ الِاسْتِنْجاءِ بِالماءِ أو بِالحِجارَةِ، فَقِيلَ هَذا وقِيلَ هَذا، ورَأتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ الجَمْعَ بَيْنَهُما، فَيُنَقِّي بِالحِجارَةِ ثُمَّ يُتْبِعُ بِالماءِ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ بَعْضَ عُلَماءِ القَيْرَوانِ كانُوا يَتَّخِذُونَ في مُتَوَضَّياتِهِمْ أحْجارًا في تُرابٍ يُنَقُّونَ بِها ثُمَّ يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ أخْذًا بِهَذا القَوْلِ. (p-٤١٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يُتَصَوَّرُ الخِلافُ في البِلادِ الَّتِي يُمْكِنُ فِيها أنْ تُنَقَّيَ الحِجارَةُ، وابْنُ حَبِيبٍ لا يُجِيزُ الِاسْتِنْجاءَ بِالحِجارَةِ حَيْثُ يُوجَدُ الماءُ، وهو قَوْلٌ شَذَّ فِيهِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَتَطَهَّرُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ: "يَطَّهَّرُوا" بِالإدْغامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "المُتَطَهِّرِينَ" بِالتاءِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَطاءٍ أنَّهُ قالَ: أحْدَثَ قَوْمٌ مِن أهْلِ قُباءٍ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مِنهم عُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ» " ولَمْ يُسَمَّ أحَدٌ مِنهم غَيْرُ عُوَيْمٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ الآيَةُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى تَقْرِيرٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وجَماعَةٌ: "أُسِّسَ بُنْيانُهُ" عَلى بِناءِ "أسَّسَ" لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "بُنْيانٌ" فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ: "أسَّسَ بُنْيانَهُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "بُنْيانٌ" فِيهِما، وقَرَأ عِمارَةُ بْنُ ضَبّا -رَواهُ يَعْقُوبُ- الأوَّلُ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ والثانِي عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ، والآيَةُ تَتَضَمَّنُ مُعادَلَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَإمّا بَيْنَ البِناءَيْنِ وإمّا بَيْنَ البانِينَ، فالمُعادَلَةُ الأولى هي بِتَقْدِيرٍ: "أبِناءُ مَن أسَّسَ؟". وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ -وَرُوِيَتْ عن نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ -: "أفَمَن أسَّ بُنْيانَهُ" عَلى إضافَةِ "أسَّ" إلى "بُنْيانٍ"، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وأبُو حَيَوَةَ أيْضًا: "أساسُ بُنْيانِهِ"، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ أيْضًا: "أُسُسُ بُنْيانِهِ" عَلى وزْنِ "فُعُلُ" بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ، وهو جَمْعُ أساسٍ كَقَذالٍ وقُذُلٍ، حَكى ذَلِكَ أبُو الفَتْحِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّ (p-٤١١)هَذِهِ القِراءَةَ لِنَصْرٍ إنَّما هِيَ: "أسَسٌ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وسِينٍ مَضْمُومَةٍ، وعَلى الحِكايَتَيْنِ فالإضافَةُ إلى البُنْيانِ، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أيْضًا: "أساسٌ" عَلى جَمْعِ "أُسٍّ"، والبُنْيانُ مَصْدَرٌ، يُقالُ: بَنى يَبْنِي بِناءً وبُنْيانًا كالغُفْرانِ والطُغْيانِ فَسُمِّيَ بِهِ المَبْنى مِثْلُ الخَلْقِ إذا أرَدْتَ بِهِ المَخْلُوقَ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ بُنْيانَةٌ، وأنْشَدَ في ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ: ؎ كَبُنْيانَةِ القارِي مَوْضِعُ رِجْلِها ∗∗∗ ∗∗∗ وآثارِ نَسْعَيْها مِنَ الدَفِّ أبْلَقُ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى تَقْوى"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَلى تَقْوًى" بِتَنْوِينِ الواوِ، حَكى هَذِهِ القِراءَةَ سِيبَوَيْهِ ورَدَّها الناسُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: قِياسُها أنْ تَكُونَ الألْفُ لِلْإلْحاقِ كَأرْطى ونَحْوِهِ. وأمّا المُرادُ بِالبُنْيانِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَقْوى والرِضْوانِ فَهو -فِي ظاهِرِ اللَفْظِ وقَوْلِ الجُمْهُورِ- المَسْجِدُ المَذْكُورُ قَبْلُ، ويَطَّرِدُ فِيهِ الخِلافُ المُتَقَدِّمُ، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِالمَسْجِدِ المُؤَسَّسِ عَلى التَقْوى هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، والمُرادُ بِأنَّهُ أُسِّسَ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ، ورِضْوانٍ خَيْرٌ هو مَسْجِدٌ قُباءٍ، وأمّا البُنْيانُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَهو مَسْجِدُ الضِرارِ بِإجْماعٍ. (p-٤١٢)والشَفا: الحاشِيَةُ والشَفِيرُ. والجُرُفُ: الحَفِيرُ حَوْلَ البِئْرِ ونَحْوُهُ مِمّا جَرَفَتْهُ السُيُولُ والنَدْوَةُ والبِلى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وجَماعَةٌ: "جُرُفٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وجَماعَةٌ: "جُرْفٍ" بِسُكُونِ الراءِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهُما لُغَتانِ، وقِيلَ: الأصْلُ بِضَمِّ الراءِ وتَخْفِيفِها بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ. و"هارٍ" مَعْناهُ: مُتَهَدِّمٌ مُنْهالٌ، مَن هارَ يَهُورُ، ويُقالُ: هارَ يَهِيرُ ويَهارُ، وأصْلُهُ: هايِرٌ أو هاوِرٌ، فَقِيلَ: قُلِبَتْ راؤُهُ قَبْلَ حَرْفِ العِلَّةِ فَجاءَ هارُو أو هارِي، فَصُنِعَ بِهِ ما صُنِعَ بِقاضٍ وغازٍ، وعَلى هَذا يُقالُ في حالِ النَصْبِ: هارِيًا، ومِثْلُهُ "فِي يَوْمٍ راحٍ" أصْلُهُ: رائِحٍ، ومِثْلُهُ "شاكِي السِلاحِ" أصْلُهُ: شائِكٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُ العَجّاجِ: لاثٍ بِهِ الأشاءُ والعُبْرِي أصْلُهُ: لائِثٌ. ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ...................... ∗∗∗ ∗∗∗ خَفَضُوا أسِنَّتَهم فَكُلٌّ ناعٍ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ مِن "نَعى يَنْعِي" والمُرادُ أنَّهم يَقُولُونَ: "يا ثارّاتِ فُلانٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "فَكُلُّهم نائِعٌ" أيْ عاطِشٌ كَما قالَ عُمَيْرُ بْنُ شِيَيْمِ: (p-٤١٣) ؎ ......................... ∗∗∗ ∗∗∗ والأسَلَ النِياعا وقِيلَ في "هارٍ": إنَّ حَرْفَ عِلَّتِهِ حُذِفَ حَذْفًا، فَعَلى هَذا يَجْرِي بِوُجُوهِ الإعْرابِ فَتَقُولُ: جَرْفٌ هارٌ، ورَأيْتَ جَرْفًا هارًا، ومَرَرْتُ بِحَرْفٍ هارٍ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ في إمالَةِ "هارٍ" و"انْهارَ". وتَأْسِيسُ البِناءِ عَلى تَقْوى إنَّما هو بِحُسْنِ النِيَّةِ فِيهِ وقَصْدِ وجْهِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وإظْهارِ شَرْعِهِ، كَما صَنَعَ في مَسْجِدِ النَبِيِّ ﷺ وفي مَسْجِدِ قُباءٍ. والتَأْسِيسُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ إنَّما هو بِفَسادِ النِيَّةِ وقَصْدِ الرِياءِ والتَفْرِيقِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، فَهَذِهِ تَشْبِيهاتٌ صَحِيحَةٌ بارِعَةٌ. و"خَيْرٌ" في هَذِهِ الآيَةِ تَفْضِيلٌ، ولا شَرِكَةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في خَيْرٍ إلّا عَلى مُعْتَقَدِ بانِي مَسْجِدِ الضِرارِ، فَبِحَسَبِ ذَلِكَ المُعْتَقَدِ صَحَّ التَفْضِيلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ الظاهِرُ مِنهُ ومِمّا صَحَّ مِن خَبَرِهِمْ وهَدْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَسْجِدَهم أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، أيْ: مَثَلُ هَؤُلاءِ المُضارِّينَ مِنَ المُنافِقِينَ في قَصْدِهِمْ مَعْصِيَةَ اللهِ وحُصُولِهِمْ مِن ذَلِكَ عَلى سُخْطِهِ كَمَن يَنْهارُ بُنْيانُهُ في نارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ اقْتُضِبَ الكَلامُ اقْتِضابًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُهُ. وقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ وإنَّ ذَلِكَ المَسْجِدَ بِعَيْنِهِ انْهارَ في نارِ جَهَنَّمَ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ. ورُوِيَ «عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ الدُخانَ يَخْرُجُ مِنهُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.» ورُوِيَ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَآهُ حِينَ انْهارَ حَتّى بَلَغَ الأرْضَ السابِعَةَ فَفَزِعَ لِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ورُوِيَ أنَّهم لَمْ يُصَلُّوا فِيهِ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، أكْمَلُوهُ يَوْمَ الجُمْعَةِ وصَلَّوْا فِيهِ يَوْمَ الجُمْعَةِ ولَيْلَةَ السَبْتِ وانْهارَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. (p-٤١٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ بِإسْنادٍ لَيِّنٍ، وما قَدَّمْناهُ أصْوَبُ وأصَحُّ، وكَذَلِكَ بَقِيَ أمْرُهُ والصَلاةُ فِيهِ مِن قَبْلِ سَفَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى تَبُوكَ إلى أنْ أقْفَلَ مِنها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ طَعْنٌ عَلى هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ وإشارَةٌ إلَيْهِمْ، والمَعْنى: لا يَهْدِيهِمْ مِن حَيْثُ هم ظالِمُونَ، أو يَكُونُ المُرادُ الخُصُوصَ فِيمَن يُوافِي عَلى ظُلْمِهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن خَلَفِ بْنِ ياسِينَ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ مَسْجِدَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُ اللهُ في القُرْآنِ فَرَأيْتُ فِيهِ مَكانًا يَخْرُجُ مِنهُ الدُخانُ، وذَلِكَ في زَمَنِ أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ. ورُوِيَ شَبِيهٌ بِهَذا أو نَحْوِهِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ.

التوبة 9:110

قوله عزّ وجلّ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبِهِمْ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهَ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهَ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الضَمِيرُ في بُنْيانُهُمُ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ البانِينَ لِلْمَسْجِدِ ومَن شارَكَهم في غَرَضِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي بَنَوْا﴾ تَأْكِيدٌ وتَصْرِيحٌ بِأمْرِ المَسْجِدِ ورَفْعٌ لِلْإشْكالِ، والرِيبَةُ: الشَكُّ، وقَدْ يُسَمّى رِيبَةً فَسادُ المُعْتَقَدِ واضْطِرابُهُ والِاعْتِراضُ في الشَيْءِ والتَخَبُّطُ فِيهِ والحَزازَةُ مِن أجْلِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ شَكًّا، فَقَدْ يَرْتابُ مَن لا يَشُكُّ، ولَكِنَّها في مُعْتادِ اللُغَةِ تَجْرِي مَعَ الشَكِّ، ومَعْنى الرِيبَةِ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- أمْرٌ يَعُمُّ الغَيْظَ والحَنَقَ ويَعُمُّ اعْتِقادَ صَوابِ فِعْلِهِمْ ونَحْوَ هَذا مِمّا يُؤَدِّي كُلُّهُ إلى الرِيبَةِ في الإسْلامِ، فَمَقْصِدُ الكَلامِ: لا يَزالُ هَذا البُنْيانُ الَّذِي هُدِمَ لَهم يُبْقِي في قُلُوبِهِمْ حَزازَةً وأثَرَ سُوءٍ وبِالشَكِّ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الرِيبَةَ هُنا، وفَسَّرَها السُدِّيُّ بِالكُفْرِ، وقِيلَ لَهُ: أفَكَفَرَ مَجْمَعُ بْنُ جارِيَةَ؟ قالَ: لا ولَكِنَّها حَزازَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَجْمَعُ رَحِمَهُ اللهُ قَدْ أقْسَمَ لِعُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ ما عَلِمَ باطِنَ القَوْمِ ولا قَصَدَ سُوءًا، والآيَةُ إنَّما عَنَتْ مَن أبْطَنَ سُوءًا، فَلَيْسَ مَجْمَعٌ مِنهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (p-٤١٥)المَعْنى: لا يَزالُونَ مُرِيبِينَ بِسَبَبِ بِنائِهِمُ الَّذِي اتَّضَحَ فِيهِ نِفاقُهُمْ، وجُمْلَةُ هَذا أنَّ الرِيبَةَ في الآيَةِ تَعُمُّ مَعانِيَ كَثِيرَةً يَأْخُذُ كُلُّ مُنافِقٍ مِنها بِحَسَبِ قَدْرِهِ مِنَ النِفاقِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "إلّا أنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ" بِضَمِّ التاءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ -بِخِلافٍ عنهُ-: "إلّا أنْ تَقَطَّعَ" بِفَتْحِ التاءِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ: "إلى أنْ تَقَطَّعَ" عَلى مَعْنى: إلى أنْ يَمُوتُوا، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "إلى أنْ تَقْطَعَ"، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ "إلّا أنْ يُقْطِعَ" بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الطاءِ ونَصْبِ القُلُوبِ، أيْ: بِالقَتْلِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقِيلَ: بِالمَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ، وقِيلَ: بِالتَوْبَةِ، ولَيْسَ هَذا بِالظاهِرِ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ: أو يَتُوبُوا تَوْبَةً نَصُوحًا يَكُونُ مَعَها مِنَ النَدَمِ والحَسْرَةِ عَلى الذَنْبِ ما يَقْطَعُ القُلُوبَ هَمًّا وفِكْرَةً، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهُمْ"، وكَذَلِكَ قَرَأها أصْحابُهُ وحَكاها أبُو عَمْرٍو: "وَإنْ قُطِعَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "حَتّى المَماتِ"، وفِيهِ "تُقْطَعُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في البَيْعَةِ الثالِثَةِ وهي بَيْعَةُ العَقَبَةِ الكُبْرى، وهي الَّتِي أنافَ فِيها رِجالُ الأنْصارِ عَلى السَبْعِينَ، وكانَ أصْغَرُهم سِنًّا عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو، وذَلِكَ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ العَقَبَةِ فَقالُوا: اشْتَرِطْ لَكَ ولِرَبِّكَ، والمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ، فاشْتَرَطَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِمايَتَهُ مِمّا يَحْمُونَ بِهِ أنْفُسَهُمْ، واشْتَرَطَ لِرَبِّهِ التِزامَ الشَرِيعَةِ وقِتالَ الأحْمَرِ والأسْوَدِ في الدَفْعِ عَنِ الحَوْزَةِ، فَقالُوا: ما لَنا عَلى ذَلِكَ؟ قالَ: الجَنَّةُ، فَقالُوا: نَعَمْ، رَبِحَ البَيْعُ لا نُقِيلُ ولا نُقالَ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: ولا نَسْتَقِيلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. ثُمَّ الآيَةُ -بَعْدَ ذَلِكَ- عامَّةٌ في كُلِّ مَن جاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ما مِن مُسْلِمٍ إلّا ولِلَّهِ في عُنُقِهِ هَذِهِ البَيْعَةُ وفى بِها أو لَمْ يَفِ، وفي الحَدِيثِ: « "أنْ فَوْقَ كُلِّ بِرٍّ بِرٌّ حَتّى يَبْذُلَ العَبْدُ دَمَهُ فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَلا بِرَّ فَوْقَ ذَلِكَ"،» وهَذا تَمْثِيلٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ جَمِيلٌ صُنْعُهُ بِالمُبايَعَةِ، وذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ المُبايَعَةِ أنْ تَقَعَ بَيْنَ نَفْسَيْنِ بِقَصْدٍ مِنهُما وتَمَلُّكٍ صَحِيحٍ، وهَذِهِ القِصَّةُ (p-٤١٦)وَهَبَ اللهُ عِبادَهُ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ، ثُمَّ أمَرَهم بِبَذْلِها في ذاتِهِ، ووَعَدَهم عَلى ذَلِكَ ما هو خَيْرٌ مِنها، فَهَذا غايَةُ التَفَضُّلِ، ثُمَّ شَبَّهَ القِصَّةَ بِالمُبايَعَةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم قالُوا: ثامَنَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عِبادَهُ فَأعْلى لَهُمْ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَعْنى الآيَةِ: اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهم ألّا يُعْمِلُوها إلّا في طاعَةِ اللهِ، وأمْوالَهم ألّا يُنْفِقُوها إلّا في سَبِيلِ اللهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالآيَةُ -عَلى هَذا- أعَمُّ مِنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ، ومُبايَعَةُ الخُلَفاءِ هي مُنْتَزَعَةٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ. كانَ الناسُ يُعْطُونَ الخُلَفاءَ طاعَتَهم ونَصائِحَهم وجِدَّهُمْ، ويُعْطِيهِمُ الخُلَفاءُ عَدْلَهم ونَظَرَهم والقِيامَ بِأُمُورِهِمْ. وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ: ناهِيكَ مِن صَفْقَةٍ البائِعُ فِيها رَبُّ العُلا، والثَمَنُ جَنَّةُ المَأْوى، والواسِطَةُ مُحَمَّدٌ المُصْطَفى ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ مَقْطُوعٌ ومُسْتَأْنَفٌ، وذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وأمّا عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الشِراءَ والبَيْعَ إنَّما هو مَعَ المُجاهِدِينَ فَهو في مَوْضِعِ الحالِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وغَيْرُهُمْ: "فَيَقْتُلُونَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، "وَيُقْتَلُونَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِعَكْسِ ذَلِكَ، والمَعْنى واحِدٌ إذِ الغَرَضُ أنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتِلُونَ فَيُوجَدُ فِيهِمْ مَن يَقْتُلُ وفِيهِمْ مَن يُقْتَلُ، وفِيهِمْ مَن يَجْتَمِعانِ لَهُ، وفِيهِمْ مَن لا تَقَعُ لَهُ واحِدَةٌ مِنهُما، ولَيْسَ الغَرَضُ أنْ يَجْتَمِعَ ولا بُدَّ لِكُلٍّ واحِدٍ واحِدٌ، وإذا اعْتُبِرَ هَذا بانَ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآيَةِ هو في مَعْنى الوَعْدِ فَجاءَ هو مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾. وقالَ المُفَسِّرُونَ: يَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فِي التَوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُمِرَتْ بِالجِهادِ ووُعِدَتْ عَلَيْهِ. (p-٤١٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنَّ مِيعادَ أُمَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ الكُتُبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، أيْ: لا أحَدَ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا﴾ فِعْلٌ جاءَ فِيهِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ، ولَيْسَ هَذا مِن مَعْنى طَلَبِ الشَيْءِ، كَما تَقُولُ: اسْتَوْقَدَ نارًا، واسْتَهْدى مالًا، واسْتَدْعى نَصْرًا، بَلْ هو كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَلِكَ البَيْعَ بِأنَّهُ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾، أيْ أنَّهُ الحُصُولُ عَلى الحَظِّ الأغْبَطِ مِن حَطِّ الذُنُوبِ ودُخُولِ الجَنَّةِ بِلا حِسابٍ.

التوبة 9:111

قوله عزّ وجلّ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبِهِمْ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهَ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهَ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الضَمِيرُ في بُنْيانُهُمُ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ البانِينَ لِلْمَسْجِدِ ومَن شارَكَهم في غَرَضِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي بَنَوْا﴾ تَأْكِيدٌ وتَصْرِيحٌ بِأمْرِ المَسْجِدِ ورَفْعٌ لِلْإشْكالِ، والرِيبَةُ: الشَكُّ، وقَدْ يُسَمّى رِيبَةً فَسادُ المُعْتَقَدِ واضْطِرابُهُ والِاعْتِراضُ في الشَيْءِ والتَخَبُّطُ فِيهِ والحَزازَةُ مِن أجْلِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ شَكًّا، فَقَدْ يَرْتابُ مَن لا يَشُكُّ، ولَكِنَّها في مُعْتادِ اللُغَةِ تَجْرِي مَعَ الشَكِّ، ومَعْنى الرِيبَةِ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- أمْرٌ يَعُمُّ الغَيْظَ والحَنَقَ ويَعُمُّ اعْتِقادَ صَوابِ فِعْلِهِمْ ونَحْوَ هَذا مِمّا يُؤَدِّي كُلُّهُ إلى الرِيبَةِ في الإسْلامِ، فَمَقْصِدُ الكَلامِ: لا يَزالُ هَذا البُنْيانُ الَّذِي هُدِمَ لَهم يُبْقِي في قُلُوبِهِمْ حَزازَةً وأثَرَ سُوءٍ وبِالشَكِّ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الرِيبَةَ هُنا، وفَسَّرَها السُدِّيُّ بِالكُفْرِ، وقِيلَ لَهُ: أفَكَفَرَ مَجْمَعُ بْنُ جارِيَةَ؟ قالَ: لا ولَكِنَّها حَزازَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَجْمَعُ رَحِمَهُ اللهُ قَدْ أقْسَمَ لِعُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ ما عَلِمَ باطِنَ القَوْمِ ولا قَصَدَ سُوءًا، والآيَةُ إنَّما عَنَتْ مَن أبْطَنَ سُوءًا، فَلَيْسَ مَجْمَعٌ مِنهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (p-٤١٥)المَعْنى: لا يَزالُونَ مُرِيبِينَ بِسَبَبِ بِنائِهِمُ الَّذِي اتَّضَحَ فِيهِ نِفاقُهُمْ، وجُمْلَةُ هَذا أنَّ الرِيبَةَ في الآيَةِ تَعُمُّ مَعانِيَ كَثِيرَةً يَأْخُذُ كُلُّ مُنافِقٍ مِنها بِحَسَبِ قَدْرِهِ مِنَ النِفاقِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "إلّا أنْ تُقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ" بِضَمِّ التاءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ -بِخِلافٍ عنهُ-: "إلّا أنْ تَقَطَّعَ" بِفَتْحِ التاءِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ: "إلى أنْ تَقَطَّعَ" عَلى مَعْنى: إلى أنْ يَمُوتُوا، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "إلى أنْ تَقْطَعَ"، وقَرَأ أبُو حَيَوَةَ "إلّا أنْ يُقْطِعَ" بِالياءِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الطاءِ ونَصْبِ القُلُوبِ، أيْ: بِالقَتْلِ، وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى فَقِيلَ: بِالمَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمْ، وقِيلَ: بِالتَوْبَةِ، ولَيْسَ هَذا بِالظاهِرِ إلّا أنْ يُتَأوَّلَ: أو يَتُوبُوا تَوْبَةً نَصُوحًا يَكُونُ مَعَها مِنَ النَدَمِ والحَسْرَةِ عَلى الذَنْبِ ما يَقْطَعُ القُلُوبَ هَمًّا وفِكْرَةً، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهُمْ"، وكَذَلِكَ قَرَأها أصْحابُهُ وحَكاها أبُو عَمْرٍو: "وَإنْ قُطِعَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "حَتّى المَماتِ"، وفِيهِ "تُقْطَعُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في البَيْعَةِ الثالِثَةِ وهي بَيْعَةُ العَقَبَةِ الكُبْرى، وهي الَّتِي أنافَ فِيها رِجالُ الأنْصارِ عَلى السَبْعِينَ، وكانَ أصْغَرُهم سِنًّا عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو، وذَلِكَ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ العَقَبَةِ فَقالُوا: اشْتَرِطْ لَكَ ولِرَبِّكَ، والمُتَكَلِّمُ بِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَواحَةَ، فاشْتَرَطَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِمايَتَهُ مِمّا يَحْمُونَ بِهِ أنْفُسَهُمْ، واشْتَرَطَ لِرَبِّهِ التِزامَ الشَرِيعَةِ وقِتالَ الأحْمَرِ والأسْوَدِ في الدَفْعِ عَنِ الحَوْزَةِ، فَقالُوا: ما لَنا عَلى ذَلِكَ؟ قالَ: الجَنَّةُ، فَقالُوا: نَعَمْ، رَبِحَ البَيْعُ لا نُقِيلُ ولا نُقالَ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: ولا نَسْتَقِيلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. ثُمَّ الآيَةُ -بَعْدَ ذَلِكَ- عامَّةٌ في كُلِّ مَن جاهَدَ في سَبِيلِ اللهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ما مِن مُسْلِمٍ إلّا ولِلَّهِ في عُنُقِهِ هَذِهِ البَيْعَةُ وفى بِها أو لَمْ يَفِ، وفي الحَدِيثِ: « "أنْ فَوْقَ كُلِّ بِرٍّ بِرٌّ حَتّى يَبْذُلَ العَبْدُ دَمَهُ فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَلا بِرَّ فَوْقَ ذَلِكَ"،» وهَذا تَمْثِيلٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ جَمِيلٌ صُنْعُهُ بِالمُبايَعَةِ، وذَلِكَ أنَّ حَقِيقَةَ المُبايَعَةِ أنْ تَقَعَ بَيْنَ نَفْسَيْنِ بِقَصْدٍ مِنهُما وتَمَلُّكٍ صَحِيحٍ، وهَذِهِ القِصَّةُ (p-٤١٦)وَهَبَ اللهُ عِبادَهُ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ، ثُمَّ أمَرَهم بِبَذْلِها في ذاتِهِ، ووَعَدَهم عَلى ذَلِكَ ما هو خَيْرٌ مِنها، فَهَذا غايَةُ التَفَضُّلِ، ثُمَّ شَبَّهَ القِصَّةَ بِالمُبايَعَةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم قالُوا: ثامَنَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عِبادَهُ فَأعْلى لَهُمْ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَعْنى الآيَةِ: اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهم ألّا يُعْمِلُوها إلّا في طاعَةِ اللهِ، وأمْوالَهم ألّا يُنْفِقُوها إلّا في سَبِيلِ اللهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالآيَةُ -عَلى هَذا- أعَمُّ مِنَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ، ومُبايَعَةُ الخُلَفاءِ هي مُنْتَزَعَةٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ. كانَ الناسُ يُعْطُونَ الخُلَفاءَ طاعَتَهم ونَصائِحَهم وجِدَّهُمْ، ويُعْطِيهِمُ الخُلَفاءُ عَدْلَهم ونَظَرَهم والقِيامَ بِأُمُورِهِمْ. وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ يَقُولُ عَلى المِنبَرِ بِمِصْرَ: ناهِيكَ مِن صَفْقَةٍ البائِعُ فِيها رَبُّ العُلا، والثَمَنُ جَنَّةُ المَأْوى، والواسِطَةُ مُحَمَّدٌ المُصْطَفى ﷺ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ﴾ مَقْطُوعٌ ومُسْتَأْنَفٌ، وذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وأمّا عَلى تَأْوِيلِ الجُمْهُورِ مِن أنَّ الشِراءَ والبَيْعَ إنَّما هو مَعَ المُجاهِدِينَ فَهو في مَوْضِعِ الحالِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وغَيْرُهُمْ: "فَيَقْتُلُونَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، "وَيُقْتَلُونَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِعَكْسِ ذَلِكَ، والمَعْنى واحِدٌ إذِ الغَرَضُ أنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتِلُونَ فَيُوجَدُ فِيهِمْ مَن يَقْتُلُ وفِيهِمْ مَن يُقْتَلُ، وفِيهِمْ مَن يَجْتَمِعانِ لَهُ، وفِيهِمْ مَن لا تَقَعُ لَهُ واحِدَةٌ مِنهُما، ولَيْسَ الغَرَضُ أنْ يَجْتَمِعَ ولا بُدَّ لِكُلٍّ واحِدٍ واحِدٌ، وإذا اعْتُبِرَ هَذا بانَ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآيَةِ هو في مَعْنى الوَعْدِ فَجاءَ هو مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾. وقالَ المُفَسِّرُونَ: يَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فِي التَوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُمِرَتْ بِالجِهادِ ووُعِدَتْ عَلَيْهِ. (p-٤١٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنَّ مِيعادَ أُمَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ الكُتُبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، أيْ: لا أحَدَ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا﴾ فِعْلٌ جاءَ فِيهِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ، ولَيْسَ هَذا مِن مَعْنى طَلَبِ الشَيْءِ، كَما تَقُولُ: اسْتَوْقَدَ نارًا، واسْتَهْدى مالًا، واسْتَدْعى نَصْرًا، بَلْ هو كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ، ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَلِكَ البَيْعَ بِأنَّهُ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾، أيْ أنَّهُ الحُصُولُ عَلى الحَظِّ الأغْبَطِ مِن حَطِّ الذُنُوبِ ودُخُولِ الجَنَّةِ بِلا حِسابٍ.

التوبة 9:112

قوله عزّ وجلّ: ﴿التائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السائِحُونَ الراكِعُونَ الساجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ هَذِهِ الأوصافُ هي مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ أنَّهُ اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهُمْ، وارْتَفَعَتْ هَذِهِ الصِفاتُ لَمّا جاءَتْ مَقْطُوعَةً في ابْتِداءِ آيَةٍ عَلى مَعْنى: هُمُ التائِبُونَ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أقْوالُ العُلَماءِ والشَرْعِ أنَّها أوصافُ الكَمَلَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَها اللهُ تَعالى لِيَسْتَبِقَ إلَيْها أهْلُ التَوْحِيدِ حَتّى يَكُونُوا في أعْلى رُتْبَةٍ، والآيَةُ الأولى مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، يَقَعُ تَحْتَ تِلْكَ المُبايَعَةِ كُلُّ مُوَحِّدٍ قاتَلَ في سَبِيلِ اللهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا وإنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِفاتِ الَّتِي هي في هَذِهِ الآيَةِ أو بِأكْثَرِها. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هَذِهِ الأوصافُ جاءَتْ عَلى جِهَةِ الشَرْطِ، والآيَتانِ مُرْتَبِطَتانِ فَلا يَدْخُلُ في المُبايَعَةِ إلّا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم عَلى هَذِهِ الأوصافِ ويَبْذُلُونَ أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللهِ. وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عَنِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عن قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللهَ اشْتَرى﴾ [التوبة: ١١١] الآيَةُ، وقالَ الرَجُلُ: ألا (p-٤١٨)أحْمِلُ عَلى المُشْرِكِينَ فَأُقاتِلَ حَتّى أقْتُلَ؟ فَقالَ الضَحّاكُ: ويْلَكَ، أيْنَ الشَرْطُ: ﴿التائِبُونَ العابِدُونَ﴾ الآيَةُ؟ وهَذا القَوْلُ تَحْرِيجٌ وتَضْيِيقٌ واللهُ أعْلَمُ، والأوَّلُ أصْوَبُ، والشَهادَةُ ماحِيَةٌ لِكُلِّ ذَنْبٍ إلّا لِمَظالِمِ العِبادِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يَحْمِلُ عَنِ الشَهِيدِ مَظالِمَ العِبادِ ويُجازِيهِمْ عنهُ، خَتَمَ اللهُ لَنا بِالحُسْنى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَفْعَ التائِبِينَ إنَّما هو عَلى الِابْتِداءِ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ إلّا قَوْلَهُ: "الآمِرُونَ" فَإنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: "هُمُ الآمِرُونَ"، وهَذا حَسَنٌ إلّا أنَّ مَعْنى الآيَةِ يَنْفَصِلُ مِن مَعْنى الَّتِي قَبْلَها، وذَلِكَ قَلِقٌ فَتَأمَّلْهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "التائِبِينَ العابِدِينَ" إلى آخِرِها، ولِذَلِكَ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: الصِفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى اتِّباعِ اللَفْظِ، والآخَرُ: النَصْبُ عَلى المَدْحِ. و"التائِبُونَ" يَعُمُّ الرُجُوعَ مِنَ الشَرِّ إلى الخَيْرِ كانَ ذَلِكَ مِن كُفْرٍ أو مَعْصِيَةٍ، والرُجُوعُ مِن حالَةٍ إلى ما هي أحْسَنُ مِنها وإنْ لَمْ تَكُنِ الأُولى شَرًّا بَلْ خَيْرًا، وهَكَذا كانَتْ تَوْبَةُ النَبِيِّ ﷺ واسْتِغْفارُهُ سَبْعِينَ مَرَّةً في اليَوْمِ، والتائِبُ هو المُقْلِعُ عَنِ الذَنْبِ العازِمُ عَلى التَمادِي عَلى الإقْلاعِ النادِمُ عَلى ما سَلَفَ، والتائِبُ عن ذَنْبٍ يُسَمّى تائِبًا وإنْ قامَ عَلى غَيْرِهِ إلّا أنْ يَكُونَ مِن نَوْعِهِ فَلَيْسَ بِتائِبٍ، والتَوْبَةُ ونَقْضُها دائِبًا خَيْرٌ مِنَ الإصْرارِ، ومَن تابَ ثُمَّ نَقَضَ ووافى عَلى النَقْضِ فَإنَّ ذُنُوبَهُ الأُولى تَبْقى عَلَيْهِ لِأنَّ تَوْبَتَهُ مِنها عَلِمَ اللهُ أنَّها مَنقُوضَةٌ، ويَحْتَمِلُ الأمْرُ غَيْرَ ذَلِكَ واللهُ أعْلَمُ. وقالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: "التائِبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ الشِرْكِ. و"العابِدُونَ" لَفْظٌ يَعُمُّ القِيامَ بِعِبادَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والتِزامَ شَرْعِهِ ومُلازَمَةَ ذَلِكَ والمُثابَرَةَ عَلَيْهِ والدَوامَ، والعابِدُ هو المُحْسِنُ الَّذِي فَسَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في قَوْلِهِ: "أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ"، وبِأدْنى عِبادَةٍ يُؤَدِّيها المَرْءُ المُسْلِمُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ عابِدٍ ويَحْصُلُ في أدْنى رُتْبَتِهِ، وعَلى قَدْرِ زِيادَتِهِ في العِبادَةِ يَحْصُلُ الوَصْفُ. (p-٤١٩)وَ"الحامِدُونَ" مَعْناهُ: الذاكِرُونَ لِلَّهِ بِأوصافِهِ الحُسْنى في كُلِّ حالٍ وعَلى السَرّاءِ والضَرّاءِ، وحَمْدُهُ لِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ، وهو أعَمُّ مِنَ الشُكْرِ إذِ الشُكْرُ إنَّما هو عَلى النِعَمِ الخاصَّةِ بِالشاكِرِ. و"السائِحُونَ" مَعْناهُ: الصائِمُونَ، ورُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها قالَتْ: "سِياحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِيامُ"، وأسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ، ورُوِيَ أنَّهُ مِن كَلامِ النَبِيِّ ﷺ، وفي الحَدِيثِ: "إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيّاحِينَ مَشّائِينَ في الآفاقِ يُبَلِّغُونِي صَلاةَ أُمَّتِي عَلَيَّ"، ويُرْوى الحَدِيثُ "صَيّاحِينَ" بِالصادِّ مِنَ الصِياحِ، والسِياحَةُ في الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَيْحِ وهو الماءُ الجارِي عَلى الأرْضِ إلى غَيْرِ غايَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ -وَهُوَ في كِتابِ النَقّاشِ -: ﴿السائِحُونَ﴾ هُمُ الجائِلُونَ بِأفْكارِهِمْ في قُدْرَةِ اللهِ ومَلَكُوتِهِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وهي مِن أفْضَلِ العِباداتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "اقْعُدْ بِنا نُؤْمِن ساعَةً"، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ العُبّادِ أخَذَ القَدَحَ لِيَتَوَضَّأ لِصَلاةِ اللَيْلِ، فَأدْخَلَ أُصْبُعَهُ في أُذُنِ القَدَحِ وجَعَلَ يُفَكِّرُ حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أدْخَلْتُ أُصْبُعِي في أُذُنِ القَدَحِ فَتَذَكَّرْتُ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ﴾ [غافر: ٧١]، وفَكَّرْتُ كَيْفَ أتَلَقّى الغُلَّ وبَقِيتُ في ذَلِكَ لَيْلِي أجْمَعَ. و﴿الراكِعُونَ الساجِدُونَ﴾ هُمُ المُصَلُّونَ الصَلَواتِ الخَمْسَ، كَذا قالَ أهْلُ العِلْمِ، ولَكِنْ لا يُخْتَلَفُ في أنَّ مَن يُكْثِرُ النَوافِلَ هو أدْخَلُ في الِاسْمِ وأغْرَقُ في الِاتِّصافِ. وقَوْلُهُ: ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ هو أمْرُ فَرْضٍ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالجُمْلَةِ، ثُمَّ يَفْتَرِقُ الناسُ فِيهِ مَعَ التَعْيِينِ، فَأمّا وُلاةُ الأمْرِ والرُؤَساءُ فَهو (p-٤٢٠)فَرْضٌ عَلَيْهِمْ في كُلِّ حالٍ، وأمّا سائِرُ الناسِ فَهو فَرْضٌ عَلَيْهِمْ بِشُرُوطٍ، مِنها: ألّا تَلْحَقَهُ مَضَرَّةٌ، وأنْ يَعْلَمَ أنَّ قَوْلَهُ يُسْمَعُ ويُعْمَلُ بِهِ ونَحْوَ هَذا، ثُمَّ مَن تَحَمَّلَ بَعْدُ في ذاتِ اللهِ مَشَقَّةُ فَهو أعْظَمُ أجْرًا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: حَيْثُما ذَكَرَ اللهُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيَ عَنِ المُنْكَرِ فَهو الأمْرُ بِالإسْلامِ والنَهْيُ عَنِ الكُفْرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّهُ يَتَناوَلُ هَذا وهو أحْرى أنْ يَتَناوَلَ ما دُونَهُ فَتَعْمِيمُ اللَفْظِ أولى، وأمّا هَذِهِ الواوُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿والناهُونَ﴾ ولَمْ يَتَقَدَّمْ في واحِدَةٍ مِنَ الصِفاتِ قَبْلُ، فَقِيلَ: مَعْناها الرَبْطُ بَيْنَ هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ وهي الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيُ عَنِ المُنْكَرِ إذْ هُما مِن غَيْرِ قَبِيلِ الصِفاتِ الأُوَلِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ الأوَّلَ فِيما يَخُصُّ المَرْءَ، وهاتانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ووَجَبَ الرَبْطُ بَيْنَهُما لِتَلازُمِهِما وتَناسُبِهِما، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا مَعْنى لَهُ، وقِيلَ: هي واوُ الثَمانِيَةِ، لِأنَّ هَذِهِ الصِفَةَ جاءَتْ ثامِنَةً في الرُتْبَةِ، ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى في أبْوابِ الجَنَّةِ: ﴿وَفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ومِن هَذا قَوْلُهُ: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى أنَّ هَذِهِ تُعْتَرَضُ حَتّى لا يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ واوُ ثَمانِيَةٍ أنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ فَصْلَيْنِ يَعُمّانِ (p-٤٢١)بِمَجْمُوعِهِما جَمِيعَ النِساءِ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "ثَيِّباتٍ أبْكارًا"، فَهي فاصِلَةٌ ضَرُورَةً، وواوُ الثَمانِيَةِ قَدْ ذَكَرَها ابْنُ خالَوَيْهِ في مُناظَرَتِهِ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ الأُسْتاذِ النَحْوِيِّ أبِي عَبْدِ اللهِ الكَفِيفِ المالِقِيِّ - وكانَ مِمَّنِ اسْتَوْطَنَ غِرْناطَةَ وأقْرَأ فِيها في مُدَّةِ ابْنِ حَبُوسٍ- أنَّهُ قالَ: "هِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَقُولُوا إذا عَدُّوا: واحِدٌ، اثْنانِ، ثَلاثَةٌ، أرْبَعَةٌ، خَمْسَةٌ، سِتَّةٌ، سَبْعَةٌ، وثَمانِيَةٌ، تِسْعَةٌ، عَشْرَةٌ، فَهَكَذا هي لُغَتُهُمْ، ومَتى جاءَ في كَلامِهِمْ أمْرُ ثَمانِيَةٍ أدْخَلُوا الواوَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ لَفْظٌ عامٌّ تَحْتَهُ إلْزامُ الشَرِيعَةِ والِانْتِهاءُ عَمّا نَهى اللهُ في كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ فَنٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: هو لَفْظٌ عامٌّ أُمِرَ بِهِ النَبِيُّ ﷺ أنْ يُبَشِّرَ أُمَّتَهُ جَمِيعًا بِالخَيْرِ مِنَ اللهِ، وقِيلَ: بَلْ هَذِهِ الألْفاظُ خاصَّةً لِمَن لَمْ (p-٤٢٢)يَغْزُ، أيْ: لَمّا تَقَدَّمَ في الآيَةِ وعْدُ المُجاهِدِينَ وفَضْلُهم أمَرَ أنْ يُبَشِّرَ سائِرَ الناسِ مِمَّنْ لَمْ يَغْزُ بِأنَّ الإيمانَ مُخَلِّصٌ مِنَ النارِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةُ، يَقْتَضِي التَأْنِيبَ ومَنعَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ اليَأْسِ عن إيمانِهِمْ، إمّا بِمُوافاتِهِمْ عَلى الكُفْرِ ومَوْتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في العاصِ بْنِ وائِلٍ: "لا جَزاهُ اللهُ خَيْرًا"، وإمّا بِنَصٍّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى أحَدٍ كَأبِي لَهَبٍ وغَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ الِاسْتِغْفارُ لَهُ وهو حَيٌّ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ الجُمْهُورُ -وَمَدارُهُ عَلى ابْنِ المُسَيِّبِ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ -: نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي طالِبٍ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ حِينَ احْتُضِرَ ووَعَظَهُ وقالَ: "أيْ عَمِّ، قُلْ لا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ تَعالى"، وكانَ بِالحَضْرَةِ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ أُمَيَّةَ، فَقالا لَهُ: يا أبا طالِبٍ أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَقالَ أبُو طالِبٍ: يا مُحَمَّدُ، واللهِ لَوْلا أنِّي أخافُ أنْ يُعَيَّرَ بِها ولَدِي مِن بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، ثُمَّ قالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وماتَ عَلى ذَلِكَ، إذْ لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ النَبِيُّ ﷺ ما قالَ لِلْعَبّاسِ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "واللهِ لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عنكَ"، فَكانَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الِاسْتِغْفارَ لِأبِي طالِبٍ، ورُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا رَأوا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ جَعَلُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوْتاهُمْ، فَلِذَلِكَ دَخَلُوا في التَأْنِيبِ والنَهْيِ. والآيَةُ -عَلى هَذا- ناسِخَةٌ لِفِعْلِ النَبِيِّ ﷺ إذْ أفْعالُهُ في حُكْمِ الشَرْعِ المُسْتَقِرِّ. وقالَ فُضَيْلُ بْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ أتى قَبْرَ أُمِّهِ فَوَقَفَ عَلَيْهِ حَتّى سَخُنَتْ عَلَيْهِ الشَمْسُ، وجَعَلَ يَرْغَبُ في أنْ يُؤْذَنَ لَهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَأخْبَرَ أصْحابَهُ أنَّهُ أُذِنَ لَهُ في زِيارَةِ قَبْرِها ومُنِعَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَها، فَما رُئِيَ باكِيًا أكْثَرَ مِن يَوْمِئِذٍ، ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في (p-٤٢٣)المُنافِقِينَ: "واللهِ لِأزِيدَنَّ عَلى السَبْعِينَ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: نَسْتَغْفِرُ لِمَوْتانا كَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ ﷺ لِأبِيهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَفي وُرُودِ النَهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ مَوْضِعُ اعْتِراضٍ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ ﷺ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، فَنَزَلَ رَفْعُ ذَلِكَ الِاعْتِراضِ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ﴾ يُرِيدُ: مِن بَعْدِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ، فَحِينَئِذٍ تَبَيَّنَ أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ، أيْ سُكّانُها وعَمَرَتُها، والِاسْتِغْفارُ لِلْمُشْرِكِ الحَيِّ جائِزٌ إذْ يُرْجى إسْلامُهُ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "رَحِمَ اللهُ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأبِي هُرَيْرَةَ وأُمِّهِ"، قِيلَ لَهُ: ولِأبِيهِ قالَ: لا، إنَّ أبِي ماتَ كافِرًا، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الآيَةُ في النَهْيِ عَنِ الصَلاةِ عَلى المُشْرِكِينَ، والِاسْتِغْفارُ هاهُنا يُرادُ بِهِ الصَلاةُ.

التوبة 9:113

قوله عزّ وجلّ: ﴿التائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السائِحُونَ الراكِعُونَ الساجِدُونَ الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ هَذِهِ الأوصافُ هي مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللهُ أنَّهُ اشْتَرى مِنهم أنْفُسَهُمْ، وارْتَفَعَتْ هَذِهِ الصِفاتُ لَمّا جاءَتْ مَقْطُوعَةً في ابْتِداءِ آيَةٍ عَلى مَعْنى: هُمُ التائِبُونَ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أقْوالُ العُلَماءِ والشَرْعِ أنَّها أوصافُ الكَمَلَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ ذَكَرَها اللهُ تَعالى لِيَسْتَبِقَ إلَيْها أهْلُ التَوْحِيدِ حَتّى يَكُونُوا في أعْلى رُتْبَةٍ، والآيَةُ الأولى مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، يَقَعُ تَحْتَ تِلْكَ المُبايَعَةِ كُلُّ مُوَحِّدٍ قاتَلَ في سَبِيلِ اللهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا وإنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذِهِ الصِفاتِ الَّتِي هي في هَذِهِ الآيَةِ أو بِأكْثَرِها. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هَذِهِ الأوصافُ جاءَتْ عَلى جِهَةِ الشَرْطِ، والآيَتانِ مُرْتَبِطَتانِ فَلا يَدْخُلُ في المُبايَعَةِ إلّا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم عَلى هَذِهِ الأوصافِ ويَبْذُلُونَ أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللهِ. وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عَنِ الضَحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عن قَوْلِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللهَ اشْتَرى﴾ [التوبة: ١١١] الآيَةُ، وقالَ الرَجُلُ: ألا (p-٤١٨)أحْمِلُ عَلى المُشْرِكِينَ فَأُقاتِلَ حَتّى أقْتُلَ؟ فَقالَ الضَحّاكُ: ويْلَكَ، أيْنَ الشَرْطُ: ﴿التائِبُونَ العابِدُونَ﴾ الآيَةُ؟ وهَذا القَوْلُ تَحْرِيجٌ وتَضْيِيقٌ واللهُ أعْلَمُ، والأوَّلُ أصْوَبُ، والشَهادَةُ ماحِيَةٌ لِكُلِّ ذَنْبٍ إلّا لِمَظالِمِ العِبادِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يَحْمِلُ عَنِ الشَهِيدِ مَظالِمَ العِبادِ ويُجازِيهِمْ عنهُ، خَتَمَ اللهُ لَنا بِالحُسْنى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ رَفْعَ التائِبِينَ إنَّما هو عَلى الِابْتِداءِ وما بَعْدَهُ صِفَةٌ إلّا قَوْلَهُ: "الآمِرُونَ" فَإنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: "هُمُ الآمِرُونَ"، وهَذا حَسَنٌ إلّا أنَّ مَعْنى الآيَةِ يَنْفَصِلُ مِن مَعْنى الَّتِي قَبْلَها، وذَلِكَ قَلِقٌ فَتَأمَّلْهُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "التائِبِينَ العابِدِينَ" إلى آخِرِها، ولِذَلِكَ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: الصِفَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى اتِّباعِ اللَفْظِ، والآخَرُ: النَصْبُ عَلى المَدْحِ. و"التائِبُونَ" يَعُمُّ الرُجُوعَ مِنَ الشَرِّ إلى الخَيْرِ كانَ ذَلِكَ مِن كُفْرٍ أو مَعْصِيَةٍ، والرُجُوعُ مِن حالَةٍ إلى ما هي أحْسَنُ مِنها وإنْ لَمْ تَكُنِ الأُولى شَرًّا بَلْ خَيْرًا، وهَكَذا كانَتْ تَوْبَةُ النَبِيِّ ﷺ واسْتِغْفارُهُ سَبْعِينَ مَرَّةً في اليَوْمِ، والتائِبُ هو المُقْلِعُ عَنِ الذَنْبِ العازِمُ عَلى التَمادِي عَلى الإقْلاعِ النادِمُ عَلى ما سَلَفَ، والتائِبُ عن ذَنْبٍ يُسَمّى تائِبًا وإنْ قامَ عَلى غَيْرِهِ إلّا أنْ يَكُونَ مِن نَوْعِهِ فَلَيْسَ بِتائِبٍ، والتَوْبَةُ ونَقْضُها دائِبًا خَيْرٌ مِنَ الإصْرارِ، ومَن تابَ ثُمَّ نَقَضَ ووافى عَلى النَقْضِ فَإنَّ ذُنُوبَهُ الأُولى تَبْقى عَلَيْهِ لِأنَّ تَوْبَتَهُ مِنها عَلِمَ اللهُ أنَّها مَنقُوضَةٌ، ويَحْتَمِلُ الأمْرُ غَيْرَ ذَلِكَ واللهُ أعْلَمُ. وقالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: "التائِبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ الشِرْكِ. و"العابِدُونَ" لَفْظٌ يَعُمُّ القِيامَ بِعِبادَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والتِزامَ شَرْعِهِ ومُلازَمَةَ ذَلِكَ والمُثابَرَةَ عَلَيْهِ والدَوامَ، والعابِدُ هو المُحْسِنُ الَّذِي فَسَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في قَوْلِهِ: "أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ"، وبِأدْنى عِبادَةٍ يُؤَدِّيها المَرْءُ المُسْلِمُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ عابِدٍ ويَحْصُلُ في أدْنى رُتْبَتِهِ، وعَلى قَدْرِ زِيادَتِهِ في العِبادَةِ يَحْصُلُ الوَصْفُ. (p-٤١٩)وَ"الحامِدُونَ" مَعْناهُ: الذاكِرُونَ لِلَّهِ بِأوصافِهِ الحُسْنى في كُلِّ حالٍ وعَلى السَرّاءِ والضَرّاءِ، وحَمْدُهُ لِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ، وهو أعَمُّ مِنَ الشُكْرِ إذِ الشُكْرُ إنَّما هو عَلى النِعَمِ الخاصَّةِ بِالشاكِرِ. و"السائِحُونَ" مَعْناهُ: الصائِمُونَ، ورُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها قالَتْ: "سِياحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِيامُ"، وأسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ، ورُوِيَ أنَّهُ مِن كَلامِ النَبِيِّ ﷺ، وفي الحَدِيثِ: "إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيّاحِينَ مَشّائِينَ في الآفاقِ يُبَلِّغُونِي صَلاةَ أُمَّتِي عَلَيَّ"، ويُرْوى الحَدِيثُ "صَيّاحِينَ" بِالصادِّ مِنَ الصِياحِ، والسِياحَةُ في الأرْضِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَيْحِ وهو الماءُ الجارِي عَلى الأرْضِ إلى غَيْرِ غايَةٍ، وقالَ بَعْضُ الناسِ -وَهُوَ في كِتابِ النَقّاشِ -: ﴿السائِحُونَ﴾ هُمُ الجائِلُونَ بِأفْكارِهِمْ في قُدْرَةِ اللهِ ومَلَكُوتِهِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وهي مِن أفْضَلِ العِباداتِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "اقْعُدْ بِنا نُؤْمِن ساعَةً"، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ العُبّادِ أخَذَ القَدَحَ لِيَتَوَضَّأ لِصَلاةِ اللَيْلِ، فَأدْخَلَ أُصْبُعَهُ في أُذُنِ القَدَحِ وجَعَلَ يُفَكِّرُ حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: أدْخَلْتُ أُصْبُعِي في أُذُنِ القَدَحِ فَتَذَكَّرْتُ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ﴾ [غافر: ٧١]، وفَكَّرْتُ كَيْفَ أتَلَقّى الغُلَّ وبَقِيتُ في ذَلِكَ لَيْلِي أجْمَعَ. و﴿الراكِعُونَ الساجِدُونَ﴾ هُمُ المُصَلُّونَ الصَلَواتِ الخَمْسَ، كَذا قالَ أهْلُ العِلْمِ، ولَكِنْ لا يُخْتَلَفُ في أنَّ مَن يُكْثِرُ النَوافِلَ هو أدْخَلُ في الِاسْمِ وأغْرَقُ في الِاتِّصافِ. وقَوْلُهُ: ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والناهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ هو أمْرُ فَرْضٍ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالجُمْلَةِ، ثُمَّ يَفْتَرِقُ الناسُ فِيهِ مَعَ التَعْيِينِ، فَأمّا وُلاةُ الأمْرِ والرُؤَساءُ فَهو (p-٤٢٠)فَرْضٌ عَلَيْهِمْ في كُلِّ حالٍ، وأمّا سائِرُ الناسِ فَهو فَرْضٌ عَلَيْهِمْ بِشُرُوطٍ، مِنها: ألّا تَلْحَقَهُ مَضَرَّةٌ، وأنْ يَعْلَمَ أنَّ قَوْلَهُ يُسْمَعُ ويُعْمَلُ بِهِ ونَحْوَ هَذا، ثُمَّ مَن تَحَمَّلَ بَعْدُ في ذاتِ اللهِ مَشَقَّةُ فَهو أعْظَمُ أجْرًا، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: حَيْثُما ذَكَرَ اللهُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيَ عَنِ المُنْكَرِ فَهو الأمْرُ بِالإسْلامِ والنَهْيُ عَنِ الكُفْرِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ أنَّهُ يَتَناوَلُ هَذا وهو أحْرى أنْ يَتَناوَلَ ما دُونَهُ فَتَعْمِيمُ اللَفْظِ أولى، وأمّا هَذِهِ الواوُ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿والناهُونَ﴾ ولَمْ يَتَقَدَّمْ في واحِدَةٍ مِنَ الصِفاتِ قَبْلُ، فَقِيلَ: مَعْناها الرَبْطُ بَيْنَ هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ وهي الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيُ عَنِ المُنْكَرِ إذْ هُما مِن غَيْرِ قَبِيلِ الصِفاتِ الأُوَلِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ الأوَّلَ فِيما يَخُصُّ المَرْءَ، وهاتانِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ووَجَبَ الرَبْطُ بَيْنَهُما لِتَلازُمِهِما وتَناسُبِهِما، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا مَعْنى لَهُ، وقِيلَ: هي واوُ الثَمانِيَةِ، لِأنَّ هَذِهِ الصِفَةَ جاءَتْ ثامِنَةً في الرُتْبَةِ، ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى في أبْوابِ الجَنَّةِ: ﴿وَفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ومِن هَذا قَوْلُهُ: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: عَلى أنَّ هَذِهِ تُعْتَرَضُ حَتّى لا يَلْزَمَ أنْ يَكُونَ واوُ ثَمانِيَةٍ أنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ فَصْلَيْنِ يَعُمّانِ (p-٤٢١)بِمَجْمُوعِهِما جَمِيعَ النِساءِ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "ثَيِّباتٍ أبْكارًا"، فَهي فاصِلَةٌ ضَرُورَةً، وواوُ الثَمانِيَةِ قَدْ ذَكَرَها ابْنُ خالَوَيْهِ في مُناظَرَتِهِ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ [الزمر: ٧٣] وأنْكَرَها أبُو عَلِيٍّ، وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ الأُسْتاذِ النَحْوِيِّ أبِي عَبْدِ اللهِ الكَفِيفِ المالِقِيِّ - وكانَ مِمَّنِ اسْتَوْطَنَ غِرْناطَةَ وأقْرَأ فِيها في مُدَّةِ ابْنِ حَبُوسٍ- أنَّهُ قالَ: "هِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَقُولُوا إذا عَدُّوا: واحِدٌ، اثْنانِ، ثَلاثَةٌ، أرْبَعَةٌ، خَمْسَةٌ، سِتَّةٌ، سَبْعَةٌ، وثَمانِيَةٌ، تِسْعَةٌ، عَشْرَةٌ، فَهَكَذا هي لُغَتُهُمْ، ومَتى جاءَ في كَلامِهِمْ أمْرُ ثَمانِيَةٍ أدْخَلُوا الواوَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ لَفْظٌ عامٌّ تَحْتَهُ إلْزامُ الشَرِيعَةِ والِانْتِهاءُ عَمّا نَهى اللهُ في كُلِّ شَيْءٍ وفي كُلِّ فَنٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: هو لَفْظٌ عامٌّ أُمِرَ بِهِ النَبِيُّ ﷺ أنْ يُبَشِّرَ أُمَّتَهُ جَمِيعًا بِالخَيْرِ مِنَ اللهِ، وقِيلَ: بَلْ هَذِهِ الألْفاظُ خاصَّةً لِمَن لَمْ (p-٤٢٢)يَغْزُ، أيْ: لَمّا تَقَدَّمَ في الآيَةِ وعْدُ المُجاهِدِينَ وفَضْلُهم أمَرَ أنْ يُبَشِّرَ سائِرَ الناسِ مِمَّنْ لَمْ يَغْزُ بِأنَّ الإيمانَ مُخَلِّصٌ مِنَ النارِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةُ، يَقْتَضِي التَأْنِيبَ ومَنعَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ اليَأْسِ عن إيمانِهِمْ، إمّا بِمُوافاتِهِمْ عَلى الكُفْرِ ومَوْتِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في العاصِ بْنِ وائِلٍ: "لا جَزاهُ اللهُ خَيْرًا"، وإمّا بِنَصٍّ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى أحَدٍ كَأبِي لَهَبٍ وغَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ الِاسْتِغْفارُ لَهُ وهو حَيٌّ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَقالَ الجُمْهُورُ -وَمَدارُهُ عَلى ابْنِ المُسَيِّبِ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ -: نَزَلَتْ في شَأْنِ أبِي طالِبٍ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ حِينَ احْتُضِرَ ووَعَظَهُ وقالَ: "أيْ عَمِّ، قُلْ لا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ تَعالى"، وكانَ بِالحَضْرَةِ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ أُمَيَّةَ، فَقالا لَهُ: يا أبا طالِبٍ أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَقالَ أبُو طالِبٍ: يا مُحَمَّدُ، واللهِ لَوْلا أنِّي أخافُ أنْ يُعَيَّرَ بِها ولَدِي مِن بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، ثُمَّ قالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وماتَ عَلى ذَلِكَ، إذْ لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ النَبِيُّ ﷺ ما قالَ لِلْعَبّاسِ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "واللهِ لِأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عنكَ"، فَكانَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الِاسْتِغْفارَ لِأبِي طالِبٍ، ورُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا رَأوا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ جَعَلُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوْتاهُمْ، فَلِذَلِكَ دَخَلُوا في التَأْنِيبِ والنَهْيِ. والآيَةُ -عَلى هَذا- ناسِخَةٌ لِفِعْلِ النَبِيِّ ﷺ إذْ أفْعالُهُ في حُكْمِ الشَرْعِ المُسْتَقِرِّ. وقالَ فُضَيْلُ بْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ أتى قَبْرَ أُمِّهِ فَوَقَفَ عَلَيْهِ حَتّى سَخُنَتْ عَلَيْهِ الشَمْسُ، وجَعَلَ يَرْغَبُ في أنْ يُؤْذَنَ لَهُ في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَأخْبَرَ أصْحابَهُ أنَّهُ أُذِنَ لَهُ في زِيارَةِ قَبْرِها ومُنِعَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَها، فَما رُئِيَ باكِيًا أكْثَرَ مِن يَوْمِئِذٍ، ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في (p-٤٢٣)المُنافِقِينَ: "واللهِ لِأزِيدَنَّ عَلى السَبْعِينَ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ جَماعَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: نَسْتَغْفِرُ لِمَوْتانا كَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ ﷺ لِأبِيهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَفي وُرُودِ النَهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ مَوْضِعُ اعْتِراضٍ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ ﷺ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، فَنَزَلَ رَفْعُ ذَلِكَ الِاعْتِراضِ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ﴾ يُرِيدُ: مِن بَعْدِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ، فَحِينَئِذٍ تَبَيَّنَ أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ، أيْ سُكّانُها وعَمَرَتُها، والِاسْتِغْفارُ لِلْمُشْرِكِ الحَيِّ جائِزٌ إذْ يُرْجى إسْلامُهُ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "رَحِمَ اللهُ رَجُلًا اسْتَغْفَرَ لِأبِي هُرَيْرَةَ وأُمِّهِ"، قِيلَ لَهُ: ولِأبِيهِ قالَ: لا، إنَّ أبِي ماتَ كافِرًا، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: الآيَةُ في النَهْيِ عَنِ الصَلاةِ عَلى المُشْرِكِينَ، والِاسْتِغْفارُ هاهُنا يُرادُ بِهِ الصَلاةُ.

التوبة 9:114

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عن مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿إنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللهَ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ المَعْنى: لا حُجَّةَ أيُّها المُؤْمِنُونَ في اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ لِأبِيهِ فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ (p-٤٢٤)إلّا عن مَوْعِدَةٍ، واخْتُلِفَ في ذَلِكَ فَقِيلَ: عن مَوْعِدَةٍ مِن إبْراهِيمَ في أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبِيهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، وقِيلَ: عن مَوْعِدَةٍ مِن أبِيهِ لَهُ مِن أنَّهُ سَيُؤْمِنُ، فَكانَ إبْراهِيمُ قَدْ قَوِيَ طَمَعُهُ في إيمانِهِ فَحَمَلَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهُ حَتّى نُهِيَ عنهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَما يَسْتَغْفِرُ إبْراهِيمُ" ورُوِيَ عنهُ: "وَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ"، و"مَوْعِدَةٌ" مَفْعِلَةٌ مِنَ الوَعْدِ، وأمّا تَبَيُّنُهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَقِيلَ: بِمَوْتٍ آزَرَ عَلى الكُفْرِ، وقِيلَ: ذَلِكَ بِأنَّهُ نُهِيَ عنهُ وهو حَيٌّ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ذَلِكَ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّ في الحَدِيثِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ يَلْقاهُ فَيَعْرِفُهُ ويَتَذَكَّرُ قَوْلَهُ: "سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي" فَيَقُولُ لَهُ: الزَمْ حَقْوِي فَلَنْ أدَعَكَ اليَوْمَ لِشَيْءٍ، فَيَلْزَمُهُ حَتّى يَأْتِيَ الصِراطَ فَيَلْتَفِتُ إلَيْهِ فَإذا هو قَدْ مُسِخَ ضِبْعانًا أمْذَرَ، فَيَتَبَرَّأُ مِنهُ حِينَئِذٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَبْطُ أمْرِ الِاسْتِغْفارِ بِالآخِرَةِ ضَعِيفٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ثَناءٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ، والأوّاهُ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هو الدَعّاءُ، وقِيلَ: هو الداعِي بِتَضَرُّعٍ، وقِيلَ: هو المُوقِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: هو الرَحِيمُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وقِيلَ: هو المُؤْمِنُ التَوّابُ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الكَثِيرُ الذِكْرِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هو التَلّاءُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَقُولُ مِن خَوْفِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أبَدًا: أوّاهُ ويُكْثِرُ ذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ سَمِعَ رَجُلًا يُكْثِرُ ذَلِكَ في طَوافِهِ فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: "دَعْهُ (p-٤٢٥)فَإنَّهُ أوّاهُ"»، والتَأوُّهُ: التَفَجُّعُ الَّذِي يَكْثُرُ حَتّى يَنْطِقَ الإنْسانُ مَعَهُ بِـ "أوهِ"، قالَ المُؤَلِّفُ: ويُقالُ: أوَّهْ، فَمِنَ الأوَّلِ «قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِبِلالٍ في بَيْعٍ أو شِراءٍ أنْكَرَهُ عَلَيْهِ: (أوهِ، ذَلِكَ الرِبا بِعَيْنِهِ)،» ومِنَ الثانِي قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ فَأوهٍ لِذِكْراها إذا ما ذَكَرْتُها ∗∗∗ ومِن بُعْدِ أرْضٍ بَيْنَنا وسَماءِ ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ المُثَقَّبِ العَبْدِيِّ: ؎ إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَأوَّهَ آهَةَ الرَجُلِ الحَزِينِ ويُرْوى: آهَّةَ، ومِن ذَلِكَ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: "أوَّهِ لِأفْراخِ مُحَمَّدٍ"»، وحَلِيمٌ مَعْناهُ: صابِرٌ مُحْتَمِلٌ عَظِيمُ العَقْلِ، والحِلْمُ العَقْلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ الآيَةُ مَعْناهُ: التَأْنِيسُ لِلْمُؤْمِنِينَ، (p-٤٢٦)وَقِيلَ: إنَّ بَعْضَهم خافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ دُونَ أمْرٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُؤْنِسَةً، أيْ: ما كانَ اللهُ -بَعْدَ أنْ هَدى إلى الإسْلامِ وأنْقَذَ مِنَ النارِ- لِيُحْبِطَ ذَلِكَ ويُضِلَّ أهْلَهُ لِمُواقَعَتِهِمْ ذَنْبًا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ نَهْيٌ عنهُ، فَأمّا إذا بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ مِنَ الأُمُورِ ويَتَجَنَّبُونَ مِنَ الأشْياءِ فَحِينَئِذٍ مَن واقَعَ -بَعْدَ النَهْيِ- اسْتَوْجَبَ العُقُوبَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانُوا غَيْبًا فَحُوِّلَتِ القِبْلَةُ فَصَلَّوْا -قَبْلَ أنْ يَصِلَهم ذَلِكَ- إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وآخَرِينَ شَرِبُوا الخَمْرَ بَعْدَ تَحْرِيمِها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ، فَخافُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وتَكَلَّمُوا في ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ وألْيَقُ بِالآيَةِ. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّها يَجِبُ أيُّها المُؤْمِنُونَ ألّا تَجْزَعُوا مِن عَدُوٍّ وإنْ كَثُرَ، ولا تَهابُوا أحَدًا فَإنَّ المَوْتَ المَخُوفَ والحَياةَ المَحْبُوبَةَ إنَّما هُما بِيَدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى الَّذِي قالَ صَحِيحٌ في نَفْسِهِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: "إنَّ القَصْدَ بِالآيَةِ إنَّما هو لِهَذا" قَوْلٌ يَبْعُدُ، والظاهِرُ في الآيَةِ إنَّما هو لَمّا نَصَّ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ نِعْمَتَهُ وفَضْلَهُ عَلى عَبِيدِهِ في أنَّهُ مَتى مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِدايَةٍ فَفَضْلُهُ أسْبَغُ مِن أنْ يَصْرِفَهم ويُضِلَّهم قَبْلَ أنْ تَقَعَ مِنهم مَعْصِيَةٌ ومُخالَفَةُ أمْرٍ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأوصافٍ فِيها تَمْجِيدُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وتَعْظِيمُهُ وبَعْثُ النُفُوسِ عَلى إدْمانِ شُكْرِهِ والإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ.

التوبة 9:115

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عن مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿إنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللهَ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ المَعْنى: لا حُجَّةَ أيُّها المُؤْمِنُونَ في اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ لِأبِيهِ فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ (p-٤٢٤)إلّا عن مَوْعِدَةٍ، واخْتُلِفَ في ذَلِكَ فَقِيلَ: عن مَوْعِدَةٍ مِن إبْراهِيمَ في أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبِيهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، وقِيلَ: عن مَوْعِدَةٍ مِن أبِيهِ لَهُ مِن أنَّهُ سَيُؤْمِنُ، فَكانَ إبْراهِيمُ قَدْ قَوِيَ طَمَعُهُ في إيمانِهِ فَحَمَلَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهُ حَتّى نُهِيَ عنهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَما يَسْتَغْفِرُ إبْراهِيمُ" ورُوِيَ عنهُ: "وَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ"، و"مَوْعِدَةٌ" مَفْعِلَةٌ مِنَ الوَعْدِ، وأمّا تَبَيُّنُهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَقِيلَ: بِمَوْتٍ آزَرَ عَلى الكُفْرِ، وقِيلَ: ذَلِكَ بِأنَّهُ نُهِيَ عنهُ وهو حَيٌّ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ذَلِكَ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّ في الحَدِيثِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ يَلْقاهُ فَيَعْرِفُهُ ويَتَذَكَّرُ قَوْلَهُ: "سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي" فَيَقُولُ لَهُ: الزَمْ حَقْوِي فَلَنْ أدَعَكَ اليَوْمَ لِشَيْءٍ، فَيَلْزَمُهُ حَتّى يَأْتِيَ الصِراطَ فَيَلْتَفِتُ إلَيْهِ فَإذا هو قَدْ مُسِخَ ضِبْعانًا أمْذَرَ، فَيَتَبَرَّأُ مِنهُ حِينَئِذٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَبْطُ أمْرِ الِاسْتِغْفارِ بِالآخِرَةِ ضَعِيفٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ثَناءٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ، والأوّاهُ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هو الدَعّاءُ، وقِيلَ: هو الداعِي بِتَضَرُّعٍ، وقِيلَ: هو المُوقِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: هو الرَحِيمُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وقِيلَ: هو المُؤْمِنُ التَوّابُ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الكَثِيرُ الذِكْرِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هو التَلّاءُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَقُولُ مِن خَوْفِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أبَدًا: أوّاهُ ويُكْثِرُ ذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ سَمِعَ رَجُلًا يُكْثِرُ ذَلِكَ في طَوافِهِ فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: "دَعْهُ (p-٤٢٥)فَإنَّهُ أوّاهُ"»، والتَأوُّهُ: التَفَجُّعُ الَّذِي يَكْثُرُ حَتّى يَنْطِقَ الإنْسانُ مَعَهُ بِـ "أوهِ"، قالَ المُؤَلِّفُ: ويُقالُ: أوَّهْ، فَمِنَ الأوَّلِ «قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِبِلالٍ في بَيْعٍ أو شِراءٍ أنْكَرَهُ عَلَيْهِ: (أوهِ، ذَلِكَ الرِبا بِعَيْنِهِ)،» ومِنَ الثانِي قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ فَأوهٍ لِذِكْراها إذا ما ذَكَرْتُها ∗∗∗ ومِن بُعْدِ أرْضٍ بَيْنَنا وسَماءِ ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ المُثَقَّبِ العَبْدِيِّ: ؎ إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَأوَّهَ آهَةَ الرَجُلِ الحَزِينِ ويُرْوى: آهَّةَ، ومِن ذَلِكَ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: "أوَّهِ لِأفْراخِ مُحَمَّدٍ"»، وحَلِيمٌ مَعْناهُ: صابِرٌ مُحْتَمِلٌ عَظِيمُ العَقْلِ، والحِلْمُ العَقْلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ الآيَةُ مَعْناهُ: التَأْنِيسُ لِلْمُؤْمِنِينَ، (p-٤٢٦)وَقِيلَ: إنَّ بَعْضَهم خافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ دُونَ أمْرٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُؤْنِسَةً، أيْ: ما كانَ اللهُ -بَعْدَ أنْ هَدى إلى الإسْلامِ وأنْقَذَ مِنَ النارِ- لِيُحْبِطَ ذَلِكَ ويُضِلَّ أهْلَهُ لِمُواقَعَتِهِمْ ذَنْبًا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ نَهْيٌ عنهُ، فَأمّا إذا بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ مِنَ الأُمُورِ ويَتَجَنَّبُونَ مِنَ الأشْياءِ فَحِينَئِذٍ مَن واقَعَ -بَعْدَ النَهْيِ- اسْتَوْجَبَ العُقُوبَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانُوا غَيْبًا فَحُوِّلَتِ القِبْلَةُ فَصَلَّوْا -قَبْلَ أنْ يَصِلَهم ذَلِكَ- إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وآخَرِينَ شَرِبُوا الخَمْرَ بَعْدَ تَحْرِيمِها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ، فَخافُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وتَكَلَّمُوا في ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ وألْيَقُ بِالآيَةِ. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّها يَجِبُ أيُّها المُؤْمِنُونَ ألّا تَجْزَعُوا مِن عَدُوٍّ وإنْ كَثُرَ، ولا تَهابُوا أحَدًا فَإنَّ المَوْتَ المَخُوفَ والحَياةَ المَحْبُوبَةَ إنَّما هُما بِيَدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى الَّذِي قالَ صَحِيحٌ في نَفْسِهِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: "إنَّ القَصْدَ بِالآيَةِ إنَّما هو لِهَذا" قَوْلٌ يَبْعُدُ، والظاهِرُ في الآيَةِ إنَّما هو لَمّا نَصَّ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ نِعْمَتَهُ وفَضْلَهُ عَلى عَبِيدِهِ في أنَّهُ مَتى مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِدايَةٍ فَفَضْلُهُ أسْبَغُ مِن أنْ يَصْرِفَهم ويُضِلَّهم قَبْلَ أنْ تَقَعَ مِنهم مَعْصِيَةٌ ومُخالَفَةُ أمْرٍ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأوصافٍ فِيها تَمْجِيدُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وتَعْظِيمُهُ وبَعْثُ النُفُوسِ عَلى إدْمانِ شُكْرِهِ والإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ.

التوبة 9:116

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عن مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ إنَّ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿إنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللهَ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ المَعْنى: لا حُجَّةَ أيُّها المُؤْمِنُونَ في اسْتِغْفارِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ لِأبِيهِ فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ (p-٤٢٤)إلّا عن مَوْعِدَةٍ، واخْتُلِفَ في ذَلِكَ فَقِيلَ: عن مَوْعِدَةٍ مِن إبْراهِيمَ في أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبِيهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، وقِيلَ: عن مَوْعِدَةٍ مِن أبِيهِ لَهُ مِن أنَّهُ سَيُؤْمِنُ، فَكانَ إبْراهِيمُ قَدْ قَوِيَ طَمَعُهُ في إيمانِهِ فَحَمَلَهُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لَهُ حَتّى نُهِيَ عنهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَما يَسْتَغْفِرُ إبْراهِيمُ" ورُوِيَ عنهُ: "وَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ"، و"مَوْعِدَةٌ" مَفْعِلَةٌ مِنَ الوَعْدِ، وأمّا تَبَيُّنُهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَقِيلَ: بِمَوْتٍ آزَرَ عَلى الكُفْرِ، وقِيلَ: ذَلِكَ بِأنَّهُ نُهِيَ عنهُ وهو حَيٌّ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ذَلِكَ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّ في الحَدِيثِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ يَلْقاهُ فَيَعْرِفُهُ ويَتَذَكَّرُ قَوْلَهُ: "سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي" فَيَقُولُ لَهُ: الزَمْ حَقْوِي فَلَنْ أدَعَكَ اليَوْمَ لِشَيْءٍ، فَيَلْزَمُهُ حَتّى يَأْتِيَ الصِراطَ فَيَلْتَفِتُ إلَيْهِ فَإذا هو قَدْ مُسِخَ ضِبْعانًا أمْذَرَ، فَيَتَبَرَّأُ مِنهُ حِينَئِذٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَبْطُ أمْرِ الِاسْتِغْفارِ بِالآخِرَةِ ضَعِيفٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ثَناءٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ، والأوّاهُ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هو الدَعّاءُ، وقِيلَ: هو الداعِي بِتَضَرُّعٍ، وقِيلَ: هو المُوقِنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقِيلَ: هو الرَحِيمُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا، وقِيلَ: هو المُؤْمِنُ التَوّابُ، وقِيلَ: هو المُسَبِّحُ، وقِيلَ: هو الكَثِيرُ الذِكْرِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هو التَلّاءُ لِلْقُرْآنِ، وقِيلَ: هو الَّذِي يَقُولُ مِن خَوْفِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ أبَدًا: أوّاهُ ويُكْثِرُ ذَلِكَ. ورُوِيَ «أنَّ أبا ذَرٍّ سَمِعَ رَجُلًا يُكْثِرُ ذَلِكَ في طَوافِهِ فَشَكاهُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ: "دَعْهُ (p-٤٢٥)فَإنَّهُ أوّاهُ"»، والتَأوُّهُ: التَفَجُّعُ الَّذِي يَكْثُرُ حَتّى يَنْطِقَ الإنْسانُ مَعَهُ بِـ "أوهِ"، قالَ المُؤَلِّفُ: ويُقالُ: أوَّهْ، فَمِنَ الأوَّلِ «قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِبِلالٍ في بَيْعٍ أو شِراءٍ أنْكَرَهُ عَلَيْهِ: (أوهِ، ذَلِكَ الرِبا بِعَيْنِهِ)،» ومِنَ الثانِي قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ فَأوهٍ لِذِكْراها إذا ما ذَكَرْتُها ∗∗∗ ومِن بُعْدِ أرْضٍ بَيْنَنا وسَماءِ ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ المُثَقَّبِ العَبْدِيِّ: ؎ إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَأوَّهَ آهَةَ الرَجُلِ الحَزِينِ ويُرْوى: آهَّةَ، ومِن ذَلِكَ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: "أوَّهِ لِأفْراخِ مُحَمَّدٍ"»، وحَلِيمٌ مَعْناهُ: صابِرٌ مُحْتَمِلٌ عَظِيمُ العَقْلِ، والحِلْمُ العَقْلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ الآيَةُ مَعْناهُ: التَأْنِيسُ لِلْمُؤْمِنِينَ، (p-٤٢٦)وَقِيلَ: إنَّ بَعْضَهم خافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ دُونَ أمْرٍ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُؤْنِسَةً، أيْ: ما كانَ اللهُ -بَعْدَ أنْ هَدى إلى الإسْلامِ وأنْقَذَ مِنَ النارِ- لِيُحْبِطَ ذَلِكَ ويُضِلَّ أهْلَهُ لِمُواقَعَتِهِمْ ذَنْبًا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ نَهْيٌ عنهُ، فَأمّا إذا بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ مِنَ الأُمُورِ ويَتَجَنَّبُونَ مِنَ الأشْياءِ فَحِينَئِذٍ مَن واقَعَ -بَعْدَ النَهْيِ- اسْتَوْجَبَ العُقُوبَةَ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانُوا غَيْبًا فَحُوِّلَتِ القِبْلَةُ فَصَلَّوْا -قَبْلَ أنْ يَصِلَهم ذَلِكَ- إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وآخَرِينَ شَرِبُوا الخَمْرَ بَعْدَ تَحْرِيمِها قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ، فَخافُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وتَكَلَّمُوا في ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ وألْيَقُ بِالآيَةِ. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّها يَجِبُ أيُّها المُؤْمِنُونَ ألّا تَجْزَعُوا مِن عَدُوٍّ وإنْ كَثُرَ، ولا تَهابُوا أحَدًا فَإنَّ المَوْتَ المَخُوفَ والحَياةَ المَحْبُوبَةَ إنَّما هُما بِيَدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى الَّذِي قالَ صَحِيحٌ في نَفْسِهِ، ولَكِنَّ قَوْلَهُ: "إنَّ القَصْدَ بِالآيَةِ إنَّما هو لِهَذا" قَوْلٌ يَبْعُدُ، والظاهِرُ في الآيَةِ إنَّما هو لَمّا نَصَّ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ نِعْمَتَهُ وفَضْلَهُ عَلى عَبِيدِهِ في أنَّهُ مَتى مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِدايَةٍ فَفَضْلُهُ أسْبَغُ مِن أنْ يَصْرِفَهم ويُضِلَّهم قَبْلَ أنْ تَقَعَ مِنهم مَعْصِيَةٌ ومُخالَفَةُ أمْرٍ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأوصافٍ فِيها تَمْجِيدُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وتَعْظِيمُهُ وبَعْثُ النُفُوسِ عَلى إدْمانِ شُكْرِهِ والإقْرارِ بِعُبُودِيَّتِهِ.

التوبة 9:117

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلى النَبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَعَلى الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمُ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللهِ إلا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمُ لِيَتُوبُوا إنَّ اللهِ هو التَوّابُ الرَحِيمُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ﴾ التَوْبَةُ مِنَ اللهِ رُجُوعُهُ بِعَبْدِهِ مِن حالَةٍ إلى أرْفَعَ مِنها، فَقَدْ تَكُونُ في الأكْثَرِ رُجُوعًا مِن (p-٤٢٧)حالَةِ المَعْصِيَةِ إلى حالَةِ الطاعَةِ، وقَدْ تَكُونُ رُجُوعًا مِن حالَةِ طاعَةٍ إلى أكْمَلَ مِنها، وهَذِهِ تَوْبَتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ رَجَعَ بِهِ مِن حالِهِ قَبْلَ تَحْصِيلِ الغَزْوَةِ وأجْرِها وتَحَمُّلِ مَشَقّاتِها إلى حالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ. وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَحالُها مُعَرَّضَةٌ لِأنْ تَكُونَ مِن تَقْصِيرٍ إلى طاعَةٍ وجِدٍّ في الغَزْوِ ونُصْرَةِ الدِينِ، وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى الفَرِيقِ الَّذِي كادَ أنْ يَزِيغَ فَرُجُوعٌ مِن حالَةٍ مَحْطُوطَةٍ إلى حالِ غُفْرانٍ ورِضا. واتَّبَعُوهُ مَعْناهُ: دَخَلُوا في أمْرِهِ وانْبِعاثِهِ ولَمْ يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عن نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ يُرِيدُ: في وقْتِ العُسْرَةِ، فَأنْزَلَ الساعَةَ مَنزِلَةَ المُدَّةِ والوَقْتِ والزَمَنِ وإنْ كانَ عُرْفُ الساعَةِ في اللُغَةِ أنَّهُ لِما قَلَّ مِنَ الزَمَنِ كالقِطْعَةِ مِنَ النَهارِ. ألا تَرى قَوْلَهُ ﷺ في رَواحِ يَوْمِ الجُمْعَةِ: "فِي الساعَةِ الأُولى وفي الثانِيَةِ" الحَدِيثُ، فَهي هُنا تَجَوُّزٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ الساعَةَ الَّتِي وقَعَ فِيها عَزْمُهم وانْقِيادُهم لِتَحَمُّلِ المَشَقَّةِ إذِ السُفْرَةُ كُلُّها تَبَعٌ لِتِلْكَ الساعَةِ وبِها وفِيها يَقَعُ الأجْرُ عَلى اللهِ وتَرْتَبِطُ النِيَّةُ، فَمَنِ اعْتَزَمَ عَلى الغَزْوِ وهو مُعْسِرٌ فَقَدِ اتَّبَعَ في ساعَةِ العُسْرَةِ، ولَوِ اتَّفَقَ أنْ يَطْرَأ لَهم غِنًى في سائِرِ سَفْرَتِهِمْ لَما اخْتَلَّ كَوْنُهم مُتَّبِعِينَ في ساعَةِ عُسْرَةِ، والعُسْرَةُ: الشِدَّةُ وضِيقُ الحالِ والعُدْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وهَذا هو جَيْشُ العُسْرَةِ الَّذِي قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ: « "مَن جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ"، فَجَهَّزَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِألْفِ جَمَلٍ وألْفِ دِينارٍ. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَلَبَ الدَنانِيرَ بِيَدِهِ وقالَ: "وَما عَلى عُثْمانَ ما عَمِلَ بَعْدَ هَذا؟"، وجاءَ أيْضًا رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِسَبْعِمِائَةِ وسْقٍ مِن تَمْرٍ،» وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: إنَّ العُسْرَةَ بَلَغَتْ بِهِمْ في (p-٤٢٨)تِلْكَ الغَزْوَةِ وهي غَزْوَةُ تَبُوكَ إلى أنْ قَسَّمُوا التَمْرَةَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ كانَ النَفَرُ يَأْخُذُونَ التَمْرَةَ الواحِدَةَ فَيَمْضُغُها أحَدُهم ويَشْرَبُ عَلَيْها الماءَ ثُمَّ يَفْعَلُ كُلُّهم بِها ذَلِكَ. وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأصابَهم في بَعْضِها عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتّى جَعَلُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ ويَشْرَبُونَ ما في كُرُوشِها مِنَ الماءِ ويَعْصِرُونَ الفَرْثَ حَتّى اسْتَسْقى لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَما رَجَعَهُما حَتّى انْسَكَبَتْ سَحابَةٌ فَشَرِبُوا وادَّخَرُوا ثُمَّ ارْتَحَلُوا فَإذا السَحابَةُ لَمْ تَخْرُجْ عَنِ العَسْكَرِ، وحِينَئِذٍ قالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: وهَلْ هَذِهِ إلّا سَحابَةٌ مَرَّتْ؟ وكانَتِ الغَزْوَةُ في شِدَّةِ الحَرِّ، وكانَ الناسُ كَثِيرًا فَقَلَّ الظَهْرُ فَجاءَتْهُمُ العُسْرَةُ مِن جِهاتٍ، ووَصَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى أوائِلِ بَلَدِ العَدُوِّ فَصالَحَهُ أهْلُ أذْرَجَ وأيْلَةَ، وغَيْرُهُما عَلى الجِزْيَةِ ونَحْوِها، وانْصَرَفَ. وأمّا الزَيْغُ الَّذِي كادَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم أنْ تُواقِعَهُ فَقِيلَ: هَمَّتْ فِرْقَةٌ بِالِانْصِرافِ لَمّا لَقُوا مِنَ المَشَقَّةِ والعُسْرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: زَيْغُها إنَّما كانَ بِظُنُونٍ لَها ساءَتْ في مَعْنى عَزْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلى تِلْكَ الغَزْوَةِ لِما رَأتْهُ مِن شِدَّةِ العُسْرَةِ وقِلَّةِ الوَفْرِ وبُعْدِ المَشَقَّةِ وقُوَّةِ العَدُوِّ المَقْصُودِ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "تَزِيغُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى لَفْظِ القُلُوبِ. ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يُدْغِمُ الدالَ في التاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ، والجَحْدَرِيُّ: "يَزِيغُ" بِالياءِ عَلى مَعْنى جَمْعِ القُلُوبِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن بَعْدِ ما زاغَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مِن بَعْدِ ما كادَتْ تَزِيغُ". (p-٤٢٩)وَأمّا "كادَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ بِها ثَلاثَةُ أشْياءَ؛ أوَّلُها وأقْواها: القِصَّةُ والشَأْنُ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وتَرْتَفِعُ "القُلُوبُ" -عَلى هَذا- بِـ "تَزِيغُ"، والثانِي: أنْ يَرْتَفِعَ بِها ما يَقْتَضِيهِ ذِكْرُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أوَّلًا، ويُقَدَّرُ ذَلِكَ: "القَوْمُ"، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن بَعْدِ ما كادَ القَوْمُ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ، والثالِثُ: أنْ يَرْتَفِعَ بِها "القُلُوبُ" ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "تَزِيغُ" ضَمِيرُ "القُلُوبِ"، وجازَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بَكانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا التَقْدِيمَ لِلْخَبَرِ يُرادُ بِهِ التَأْخِيرُ، وشُبِّهَتْ "كادَ" بِـ "كانَ" لِلُزُومِ الخَبَرِ لَها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في "عَسى". ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ تابَ أيْضًا عَلى هَذا الفَرِيقِ وراجَعَ بِهِ، وأنِسَ بِإعْلامِهِ لِلْأُمَّةِ بِأنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، والثَلاثَةُ هُمْ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومُرارَةُ بْنُ الرَبِيعِ العامِرِيُّ، ويُقالُ: ابْنُ رَبِيعَةَ، ويُقالُ: ابْنُ رِبْعِيِّ، وقَدْ خَرَجَ حَدِيثُهم بِكَمالِهِ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وهو في السَيَرِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنا سَوْقَهُ. وهُمُ (p-٤٣٠)الَّذِينَ تَقَدَّمَ فِيهِمْ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦]، ومَعْنى: خُلِّفُوا: أُخِّرُوا وتُرِكَ أمْرُهم ولَمْ تُقْبَلْ مِنهم مَعْذِرَةٌ ولا رُدَّتْ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهم خُلِّفُوا عَنِ المُعْتَذِرِينَ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿خُلِّفُوا﴾ أيْ عن غَزْوَةِ تَبُوكَ، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ وقَدْ رَدَّهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ نَفْسُهُ وقالَ: مَعْنى خُلِّفُوا: تُرِكُوا عن قَبُولِ العُذْرِ، ولَيْسَ بِتَخَلُّفِنا عَنِ الغَزْوِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ جَعْلُهُ ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ﴾ غايَةً لِلتَّخَلُّفِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عن تَخْلِيفِهِمْ عَنِ الغَزْوِ، وإنَّما ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ عن تَخْلِيفِهِمْ عن قَبُولِ العُذْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلِّفُوا" بِضَمِّ الخاءِ وشَدِّ اللامِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بْنُ هارُونَ المَخْزُومِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا: "خَلَفُوا" بِفَتْحِ الخاءِ واللامِ غَيْرَ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ أبُو مالِكٍ: "خَلِفُوا" بِضَمِّ الخاءِ وتَخْفِيفِ اللامِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "خالَفُوا" والمَعْنى قَرِيبُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: ولَوْ خُلِّفُوا لَمْ يَكُنْ لَهم ذَنْبٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَعَلى الثَلاثَةِ المُخَلَّفِينَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ مَعْناهُ: بِرُحْبِها، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ما هي في نَفْسِها رَحْبَةٌ، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ اسْتِعارَةٌ لِأنَّ الهَمَّ والغَمَّ مَلَأها، ﴿وَظَنُّوا﴾ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: أيْقَنُوا وحَصَلَ عِلْمٌ لَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ لَمّا كانَ هَذا القَوْلُ في تَعْدِيدِ نِعَمِهِ بَدا في تَرْتِيبِهِ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى تَلَقِّي النِعْمَةِ مِن عِنْدِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَ القَوْلُ في تَعْدِيدِ ذَنْبٍ لَكانَ الِابْتِداءُ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ المُذْنِبِ كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] لِيَكُونَ هَذا أشَدَّ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ عَلَيْهِمْ، وهَذا مِن فَصاحَةِ القُرْآنِ وبَدِيعِ نَظْمِهِ ومُعْجِزِ اتِّساقِهِ. وبَيانُ هَذِهِ الآيَةِ ومَواقِعُ (p-٤٣١)ألْفاظِها إنَّما يَكْمُلُ مَعَ مُطالَعَةِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا في الكُتُبِ الَّتِي ذَكَرْنا، وإنَّما عَظُمَ ذَنْبُهم واسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ الشَرْعَ يَطْلُبُهم مِنَ الجِدِّ فِيهِ بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ مِنهُ وتَقَدُّمِهِمْ فِيهِ، إذْ هم أُسْوَةٌ وحُجَّةٌ لِلْمُنافِقِينَ والطاعِنِينَ، إذْ كانَ كَعْبٌ مِن أهْلِ العَقَبَةِ وصاحَباهُ مَن أهْلِ بَدْرٍ. وفي هَذا ما يَقْتَضِي أنَّ الرَجُلَ العالِمَ والمُقْتَدى بِهِ أقَلُّ عُذْرًا في السُقُوطِ مِن سِواهُ، وكَتَبَ الأوزاعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ في آخِرِ رِسالَةٍ: "واعْلَمْ أنَّ قَرابَتَكَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللهِ عَلَيْكَ إلّا عِظَمًا، ولا طاعَتَهُ إلّا وُجُوبًا، ولا الناسَ فِيما خالَفَ ذَلِكَ مِنكَ إلّا إنْكارًا والسَلامُ"، ولَقَدْ أحْسَنَ القاضِي التَنُوخِيُّ في قَوْلِهِ: والعَيْبُ يُعْلَقُ بِالكَبِيرِ كَبِيرُ وفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ لَيْلَةَ نُزُولِ تَوْبَتِهِمْ في بَيْتِ أمِّ سَلَمَةَ، وكانَتْ لَهم صالِحَةٌ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ ﷺ: "يا أُمَّ سَلَمَةَ، تِيبَ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وصاحِبَيْهِ"، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ ألا أبْعَثُ إلَيْهِمْ؟ فَقالَ: "إذًا يَحْطِمُكُمُ الناسُ سائِرَ اللَيْلَةِ فَيَمْنَعُوكُمُ النَوْمَ"». وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ﴾، هَذا الأمْرُ بِالكَوْنِ مَعَ أهْلِ الصِدْقِ حَسَنٌ بَعْدَ قِصَّةِ الثَلاثَةِ حِينَ نَفَعَهُمُ الصِدْقُ وذَهَبَ بِهِمْ عن مَنازِلِ المُنافِقِينَ، فَجاءَ هَذا الأمْرُ اعْتِراضًا في أثْناءِ الكَلامِ إذْ عَنَّ في القِصَّةِ ما يَجِبُ التَنْبِيهُ عَلى امْتِثالِهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: الصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ هو صِدْقُ الحَدِيثِ، وقالَ نافِعٌ، والضَحّاكُ ما مَعْناهُ: إنَّ اللَفْظَ أعَمُّ مِن صِدْقِ الحَدِيثِ، وهو بِمَعْنى الصِحَّةِ في الدِينِ والتَمَكُّنِ في الخَيْرِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "عَوْدٌ صِدْقٌ ورَجُلٌ صِدْقٌ"، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وأخْيارِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا اللهَ (p-٤٣٢)فِي الإسْلامِ. و"مَعَ" في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي الصُحْبَةَ في الحالِ والمُشارَكَةَ في الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلْمَدْحِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وَكُونُوا مِنَ الصادِقِينَ"، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَأوَّلُهُ في صِدْقِ الحَدِيثِ. ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: الكَذِبُ لا يَصْلُحُ مِنهُ جِدٌّ ولا هَزْلٌ، اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ﴾.

التوبة 9:118

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلى النَبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَعَلى الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمُ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللهِ إلا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمُ لِيَتُوبُوا إنَّ اللهِ هو التَوّابُ الرَحِيمُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ﴾ التَوْبَةُ مِنَ اللهِ رُجُوعُهُ بِعَبْدِهِ مِن حالَةٍ إلى أرْفَعَ مِنها، فَقَدْ تَكُونُ في الأكْثَرِ رُجُوعًا مِن (p-٤٢٧)حالَةِ المَعْصِيَةِ إلى حالَةِ الطاعَةِ، وقَدْ تَكُونُ رُجُوعًا مِن حالَةِ طاعَةٍ إلى أكْمَلَ مِنها، وهَذِهِ تَوْبَتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ رَجَعَ بِهِ مِن حالِهِ قَبْلَ تَحْصِيلِ الغَزْوَةِ وأجْرِها وتَحَمُّلِ مَشَقّاتِها إلى حالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ. وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَحالُها مُعَرَّضَةٌ لِأنْ تَكُونَ مِن تَقْصِيرٍ إلى طاعَةٍ وجِدٍّ في الغَزْوِ ونُصْرَةِ الدِينِ، وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى الفَرِيقِ الَّذِي كادَ أنْ يَزِيغَ فَرُجُوعٌ مِن حالَةٍ مَحْطُوطَةٍ إلى حالِ غُفْرانٍ ورِضا. واتَّبَعُوهُ مَعْناهُ: دَخَلُوا في أمْرِهِ وانْبِعاثِهِ ولَمْ يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عن نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ يُرِيدُ: في وقْتِ العُسْرَةِ، فَأنْزَلَ الساعَةَ مَنزِلَةَ المُدَّةِ والوَقْتِ والزَمَنِ وإنْ كانَ عُرْفُ الساعَةِ في اللُغَةِ أنَّهُ لِما قَلَّ مِنَ الزَمَنِ كالقِطْعَةِ مِنَ النَهارِ. ألا تَرى قَوْلَهُ ﷺ في رَواحِ يَوْمِ الجُمْعَةِ: "فِي الساعَةِ الأُولى وفي الثانِيَةِ" الحَدِيثُ، فَهي هُنا تَجَوُّزٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ الساعَةَ الَّتِي وقَعَ فِيها عَزْمُهم وانْقِيادُهم لِتَحَمُّلِ المَشَقَّةِ إذِ السُفْرَةُ كُلُّها تَبَعٌ لِتِلْكَ الساعَةِ وبِها وفِيها يَقَعُ الأجْرُ عَلى اللهِ وتَرْتَبِطُ النِيَّةُ، فَمَنِ اعْتَزَمَ عَلى الغَزْوِ وهو مُعْسِرٌ فَقَدِ اتَّبَعَ في ساعَةِ العُسْرَةِ، ولَوِ اتَّفَقَ أنْ يَطْرَأ لَهم غِنًى في سائِرِ سَفْرَتِهِمْ لَما اخْتَلَّ كَوْنُهم مُتَّبِعِينَ في ساعَةِ عُسْرَةِ، والعُسْرَةُ: الشِدَّةُ وضِيقُ الحالِ والعُدْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وهَذا هو جَيْشُ العُسْرَةِ الَّذِي قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ: « "مَن جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ"، فَجَهَّزَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِألْفِ جَمَلٍ وألْفِ دِينارٍ. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَلَبَ الدَنانِيرَ بِيَدِهِ وقالَ: "وَما عَلى عُثْمانَ ما عَمِلَ بَعْدَ هَذا؟"، وجاءَ أيْضًا رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِسَبْعِمِائَةِ وسْقٍ مِن تَمْرٍ،» وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: إنَّ العُسْرَةَ بَلَغَتْ بِهِمْ في (p-٤٢٨)تِلْكَ الغَزْوَةِ وهي غَزْوَةُ تَبُوكَ إلى أنْ قَسَّمُوا التَمْرَةَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ كانَ النَفَرُ يَأْخُذُونَ التَمْرَةَ الواحِدَةَ فَيَمْضُغُها أحَدُهم ويَشْرَبُ عَلَيْها الماءَ ثُمَّ يَفْعَلُ كُلُّهم بِها ذَلِكَ. وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأصابَهم في بَعْضِها عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتّى جَعَلُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ ويَشْرَبُونَ ما في كُرُوشِها مِنَ الماءِ ويَعْصِرُونَ الفَرْثَ حَتّى اسْتَسْقى لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَما رَجَعَهُما حَتّى انْسَكَبَتْ سَحابَةٌ فَشَرِبُوا وادَّخَرُوا ثُمَّ ارْتَحَلُوا فَإذا السَحابَةُ لَمْ تَخْرُجْ عَنِ العَسْكَرِ، وحِينَئِذٍ قالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: وهَلْ هَذِهِ إلّا سَحابَةٌ مَرَّتْ؟ وكانَتِ الغَزْوَةُ في شِدَّةِ الحَرِّ، وكانَ الناسُ كَثِيرًا فَقَلَّ الظَهْرُ فَجاءَتْهُمُ العُسْرَةُ مِن جِهاتٍ، ووَصَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى أوائِلِ بَلَدِ العَدُوِّ فَصالَحَهُ أهْلُ أذْرَجَ وأيْلَةَ، وغَيْرُهُما عَلى الجِزْيَةِ ونَحْوِها، وانْصَرَفَ. وأمّا الزَيْغُ الَّذِي كادَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم أنْ تُواقِعَهُ فَقِيلَ: هَمَّتْ فِرْقَةٌ بِالِانْصِرافِ لَمّا لَقُوا مِنَ المَشَقَّةِ والعُسْرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: زَيْغُها إنَّما كانَ بِظُنُونٍ لَها ساءَتْ في مَعْنى عَزْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلى تِلْكَ الغَزْوَةِ لِما رَأتْهُ مِن شِدَّةِ العُسْرَةِ وقِلَّةِ الوَفْرِ وبُعْدِ المَشَقَّةِ وقُوَّةِ العَدُوِّ المَقْصُودِ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "تَزِيغُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى لَفْظِ القُلُوبِ. ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يُدْغِمُ الدالَ في التاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ، والجَحْدَرِيُّ: "يَزِيغُ" بِالياءِ عَلى مَعْنى جَمْعِ القُلُوبِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن بَعْدِ ما زاغَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مِن بَعْدِ ما كادَتْ تَزِيغُ". (p-٤٢٩)وَأمّا "كادَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ بِها ثَلاثَةُ أشْياءَ؛ أوَّلُها وأقْواها: القِصَّةُ والشَأْنُ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وتَرْتَفِعُ "القُلُوبُ" -عَلى هَذا- بِـ "تَزِيغُ"، والثانِي: أنْ يَرْتَفِعَ بِها ما يَقْتَضِيهِ ذِكْرُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أوَّلًا، ويُقَدَّرُ ذَلِكَ: "القَوْمُ"، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن بَعْدِ ما كادَ القَوْمُ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ، والثالِثُ: أنْ يَرْتَفِعَ بِها "القُلُوبُ" ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "تَزِيغُ" ضَمِيرُ "القُلُوبِ"، وجازَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بَكانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا التَقْدِيمَ لِلْخَبَرِ يُرادُ بِهِ التَأْخِيرُ، وشُبِّهَتْ "كادَ" بِـ "كانَ" لِلُزُومِ الخَبَرِ لَها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في "عَسى". ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ تابَ أيْضًا عَلى هَذا الفَرِيقِ وراجَعَ بِهِ، وأنِسَ بِإعْلامِهِ لِلْأُمَّةِ بِأنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، والثَلاثَةُ هُمْ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومُرارَةُ بْنُ الرَبِيعِ العامِرِيُّ، ويُقالُ: ابْنُ رَبِيعَةَ، ويُقالُ: ابْنُ رِبْعِيِّ، وقَدْ خَرَجَ حَدِيثُهم بِكَمالِهِ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وهو في السَيَرِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنا سَوْقَهُ. وهُمُ (p-٤٣٠)الَّذِينَ تَقَدَّمَ فِيهِمْ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦]، ومَعْنى: خُلِّفُوا: أُخِّرُوا وتُرِكَ أمْرُهم ولَمْ تُقْبَلْ مِنهم مَعْذِرَةٌ ولا رُدَّتْ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهم خُلِّفُوا عَنِ المُعْتَذِرِينَ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿خُلِّفُوا﴾ أيْ عن غَزْوَةِ تَبُوكَ، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ وقَدْ رَدَّهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ نَفْسُهُ وقالَ: مَعْنى خُلِّفُوا: تُرِكُوا عن قَبُولِ العُذْرِ، ولَيْسَ بِتَخَلُّفِنا عَنِ الغَزْوِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ جَعْلُهُ ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ﴾ غايَةً لِلتَّخَلُّفِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عن تَخْلِيفِهِمْ عَنِ الغَزْوِ، وإنَّما ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ عن تَخْلِيفِهِمْ عن قَبُولِ العُذْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلِّفُوا" بِضَمِّ الخاءِ وشَدِّ اللامِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بْنُ هارُونَ المَخْزُومِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا: "خَلَفُوا" بِفَتْحِ الخاءِ واللامِ غَيْرَ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ أبُو مالِكٍ: "خَلِفُوا" بِضَمِّ الخاءِ وتَخْفِيفِ اللامِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "خالَفُوا" والمَعْنى قَرِيبُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: ولَوْ خُلِّفُوا لَمْ يَكُنْ لَهم ذَنْبٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَعَلى الثَلاثَةِ المُخَلَّفِينَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ مَعْناهُ: بِرُحْبِها، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ما هي في نَفْسِها رَحْبَةٌ، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ اسْتِعارَةٌ لِأنَّ الهَمَّ والغَمَّ مَلَأها، ﴿وَظَنُّوا﴾ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: أيْقَنُوا وحَصَلَ عِلْمٌ لَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ لَمّا كانَ هَذا القَوْلُ في تَعْدِيدِ نِعَمِهِ بَدا في تَرْتِيبِهِ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى تَلَقِّي النِعْمَةِ مِن عِنْدِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَ القَوْلُ في تَعْدِيدِ ذَنْبٍ لَكانَ الِابْتِداءُ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ المُذْنِبِ كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] لِيَكُونَ هَذا أشَدَّ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ عَلَيْهِمْ، وهَذا مِن فَصاحَةِ القُرْآنِ وبَدِيعِ نَظْمِهِ ومُعْجِزِ اتِّساقِهِ. وبَيانُ هَذِهِ الآيَةِ ومَواقِعُ (p-٤٣١)ألْفاظِها إنَّما يَكْمُلُ مَعَ مُطالَعَةِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا في الكُتُبِ الَّتِي ذَكَرْنا، وإنَّما عَظُمَ ذَنْبُهم واسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ الشَرْعَ يَطْلُبُهم مِنَ الجِدِّ فِيهِ بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ مِنهُ وتَقَدُّمِهِمْ فِيهِ، إذْ هم أُسْوَةٌ وحُجَّةٌ لِلْمُنافِقِينَ والطاعِنِينَ، إذْ كانَ كَعْبٌ مِن أهْلِ العَقَبَةِ وصاحَباهُ مَن أهْلِ بَدْرٍ. وفي هَذا ما يَقْتَضِي أنَّ الرَجُلَ العالِمَ والمُقْتَدى بِهِ أقَلُّ عُذْرًا في السُقُوطِ مِن سِواهُ، وكَتَبَ الأوزاعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ في آخِرِ رِسالَةٍ: "واعْلَمْ أنَّ قَرابَتَكَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللهِ عَلَيْكَ إلّا عِظَمًا، ولا طاعَتَهُ إلّا وُجُوبًا، ولا الناسَ فِيما خالَفَ ذَلِكَ مِنكَ إلّا إنْكارًا والسَلامُ"، ولَقَدْ أحْسَنَ القاضِي التَنُوخِيُّ في قَوْلِهِ: والعَيْبُ يُعْلَقُ بِالكَبِيرِ كَبِيرُ وفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ لَيْلَةَ نُزُولِ تَوْبَتِهِمْ في بَيْتِ أمِّ سَلَمَةَ، وكانَتْ لَهم صالِحَةٌ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ ﷺ: "يا أُمَّ سَلَمَةَ، تِيبَ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وصاحِبَيْهِ"، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ ألا أبْعَثُ إلَيْهِمْ؟ فَقالَ: "إذًا يَحْطِمُكُمُ الناسُ سائِرَ اللَيْلَةِ فَيَمْنَعُوكُمُ النَوْمَ"». وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ﴾، هَذا الأمْرُ بِالكَوْنِ مَعَ أهْلِ الصِدْقِ حَسَنٌ بَعْدَ قِصَّةِ الثَلاثَةِ حِينَ نَفَعَهُمُ الصِدْقُ وذَهَبَ بِهِمْ عن مَنازِلِ المُنافِقِينَ، فَجاءَ هَذا الأمْرُ اعْتِراضًا في أثْناءِ الكَلامِ إذْ عَنَّ في القِصَّةِ ما يَجِبُ التَنْبِيهُ عَلى امْتِثالِهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: الصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ هو صِدْقُ الحَدِيثِ، وقالَ نافِعٌ، والضَحّاكُ ما مَعْناهُ: إنَّ اللَفْظَ أعَمُّ مِن صِدْقِ الحَدِيثِ، وهو بِمَعْنى الصِحَّةِ في الدِينِ والتَمَكُّنِ في الخَيْرِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "عَوْدٌ صِدْقٌ ورَجُلٌ صِدْقٌ"، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وأخْيارِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا اللهَ (p-٤٣٢)فِي الإسْلامِ. و"مَعَ" في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي الصُحْبَةَ في الحالِ والمُشارَكَةَ في الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلْمَدْحِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وَكُونُوا مِنَ الصادِقِينَ"، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَأوَّلُهُ في صِدْقِ الحَدِيثِ. ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: الكَذِبُ لا يَصْلُحُ مِنهُ جِدٌّ ولا هَزْلٌ، اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ﴾.

التوبة 9:119

قوله عزّ وجلّ: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلى النَبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَعَلى الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمُ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللهِ إلا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمُ لِيَتُوبُوا إنَّ اللهِ هو التَوّابُ الرَحِيمُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ﴾ التَوْبَةُ مِنَ اللهِ رُجُوعُهُ بِعَبْدِهِ مِن حالَةٍ إلى أرْفَعَ مِنها، فَقَدْ تَكُونُ في الأكْثَرِ رُجُوعًا مِن (p-٤٢٧)حالَةِ المَعْصِيَةِ إلى حالَةِ الطاعَةِ، وقَدْ تَكُونُ رُجُوعًا مِن حالَةِ طاعَةٍ إلى أكْمَلَ مِنها، وهَذِهِ تَوْبَتُهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى النَبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ رَجَعَ بِهِ مِن حالِهِ قَبْلَ تَحْصِيلِ الغَزْوَةِ وأجْرِها وتَحَمُّلِ مَشَقّاتِها إلى حالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ. وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى المُهاجِرِينَ والأنْصارِ فَحالُها مُعَرَّضَةٌ لِأنْ تَكُونَ مِن تَقْصِيرٍ إلى طاعَةٍ وجِدٍّ في الغَزْوِ ونُصْرَةِ الدِينِ، وأمّا تَوْبَتُهُ عَلى الفَرِيقِ الَّذِي كادَ أنْ يَزِيغَ فَرُجُوعٌ مِن حالَةٍ مَحْطُوطَةٍ إلى حالِ غُفْرانٍ ورِضا. واتَّبَعُوهُ مَعْناهُ: دَخَلُوا في أمْرِهِ وانْبِعاثِهِ ولَمْ يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عن نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فِي ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ يُرِيدُ: في وقْتِ العُسْرَةِ، فَأنْزَلَ الساعَةَ مَنزِلَةَ المُدَّةِ والوَقْتِ والزَمَنِ وإنْ كانَ عُرْفُ الساعَةِ في اللُغَةِ أنَّهُ لِما قَلَّ مِنَ الزَمَنِ كالقِطْعَةِ مِنَ النَهارِ. ألا تَرى قَوْلَهُ ﷺ في رَواحِ يَوْمِ الجُمْعَةِ: "فِي الساعَةِ الأُولى وفي الثانِيَةِ" الحَدِيثُ، فَهي هُنا تَجَوُّزٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ الساعَةَ الَّتِي وقَعَ فِيها عَزْمُهم وانْقِيادُهم لِتَحَمُّلِ المَشَقَّةِ إذِ السُفْرَةُ كُلُّها تَبَعٌ لِتِلْكَ الساعَةِ وبِها وفِيها يَقَعُ الأجْرُ عَلى اللهِ وتَرْتَبِطُ النِيَّةُ، فَمَنِ اعْتَزَمَ عَلى الغَزْوِ وهو مُعْسِرٌ فَقَدِ اتَّبَعَ في ساعَةِ العُسْرَةِ، ولَوِ اتَّفَقَ أنْ يَطْرَأ لَهم غِنًى في سائِرِ سَفْرَتِهِمْ لَما اخْتَلَّ كَوْنُهم مُتَّبِعِينَ في ساعَةِ عُسْرَةِ، والعُسْرَةُ: الشِدَّةُ وضِيقُ الحالِ والعُدْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وهَذا هو جَيْشُ العُسْرَةِ الَّذِي قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ: « "مَن جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ"، فَجَهَّزَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِألْفِ جَمَلٍ وألْفِ دِينارٍ. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَلَبَ الدَنانِيرَ بِيَدِهِ وقالَ: "وَما عَلى عُثْمانَ ما عَمِلَ بَعْدَ هَذا؟"، وجاءَ أيْضًا رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِسَبْعِمِائَةِ وسْقٍ مِن تَمْرٍ،» وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: إنَّ العُسْرَةَ بَلَغَتْ بِهِمْ في (p-٤٢٨)تِلْكَ الغَزْوَةِ وهي غَزْوَةُ تَبُوكَ إلى أنْ قَسَّمُوا التَمْرَةَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، ثُمَّ كانَ النَفَرُ يَأْخُذُونَ التَمْرَةَ الواحِدَةَ فَيَمْضُغُها أحَدُهم ويَشْرَبُ عَلَيْها الماءَ ثُمَّ يَفْعَلُ كُلُّهم بِها ذَلِكَ. وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأصابَهم في بَعْضِها عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتّى جَعَلُوا يَنْحَرُونَ الإبِلَ ويَشْرَبُونَ ما في كُرُوشِها مِنَ الماءِ ويَعْصِرُونَ الفَرْثَ حَتّى اسْتَسْقى لَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَما رَجَعَهُما حَتّى انْسَكَبَتْ سَحابَةٌ فَشَرِبُوا وادَّخَرُوا ثُمَّ ارْتَحَلُوا فَإذا السَحابَةُ لَمْ تَخْرُجْ عَنِ العَسْكَرِ، وحِينَئِذٍ قالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: وهَلْ هَذِهِ إلّا سَحابَةٌ مَرَّتْ؟ وكانَتِ الغَزْوَةُ في شِدَّةِ الحَرِّ، وكانَ الناسُ كَثِيرًا فَقَلَّ الظَهْرُ فَجاءَتْهُمُ العُسْرَةُ مِن جِهاتٍ، ووَصَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى أوائِلِ بَلَدِ العَدُوِّ فَصالَحَهُ أهْلُ أذْرَجَ وأيْلَةَ، وغَيْرُهُما عَلى الجِزْيَةِ ونَحْوِها، وانْصَرَفَ. وأمّا الزَيْغُ الَّذِي كادَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم أنْ تُواقِعَهُ فَقِيلَ: هَمَّتْ فِرْقَةٌ بِالِانْصِرافِ لَمّا لَقُوا مِنَ المَشَقَّةِ والعُسْرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ. وقِيلَ: زَيْغُها إنَّما كانَ بِظُنُونٍ لَها ساءَتْ في مَعْنى عَزْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلى تِلْكَ الغَزْوَةِ لِما رَأتْهُ مِن شِدَّةِ العُسْرَةِ وقِلَّةِ الوَفْرِ وبُعْدِ المَشَقَّةِ وقُوَّةِ العَدُوِّ المَقْصُودِ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "تَزِيغُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى لَفْظِ القُلُوبِ. ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كانَ يُدْغِمُ الدالَ في التاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ، والجَحْدَرِيُّ: "يَزِيغُ" بِالياءِ عَلى مَعْنى جَمْعِ القُلُوبِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "مِن بَعْدِ ما زاغَتْ قُلُوبُ فَرِيقٍ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "مِن بَعْدِ ما كادَتْ تَزِيغُ". (p-٤٢٩)وَأمّا "كادَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَرْتَفِعَ بِها ثَلاثَةُ أشْياءَ؛ أوَّلُها وأقْواها: القِصَّةُ والشَأْنُ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وتَرْتَفِعُ "القُلُوبُ" -عَلى هَذا- بِـ "تَزِيغُ"، والثانِي: أنْ يَرْتَفِعَ بِها ما يَقْتَضِيهِ ذِكْرُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أوَّلًا، ويُقَدَّرُ ذَلِكَ: "القَوْمُ"، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن بَعْدِ ما كادَ القَوْمُ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ، والثالِثُ: أنْ يَرْتَفِعَ بِها "القُلُوبُ" ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "تَزِيغُ" ضَمِيرُ "القُلُوبِ"، وجازَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بَكانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وأيْضًا فَلِأنَّ هَذا التَقْدِيمَ لِلْخَبَرِ يُرادُ بِهِ التَأْخِيرُ، وشُبِّهَتْ "كادَ" بِـ "كانَ" لِلُزُومِ الخَبَرِ لَها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في "عَسى". ثُمَّ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ تابَ أيْضًا عَلى هَذا الفَرِيقِ وراجَعَ بِهِ، وأنِسَ بِإعْلامِهِ لِلْأُمَّةِ بِأنَّهُ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، والثَلاثَةُ هُمْ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومُرارَةُ بْنُ الرَبِيعِ العامِرِيُّ، ويُقالُ: ابْنُ رَبِيعَةَ، ويُقالُ: ابْنُ رِبْعِيِّ، وقَدْ خَرَجَ حَدِيثُهم بِكَمالِهِ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وهو في السَيَرِ، فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنا سَوْقَهُ. وهُمُ (p-٤٣٠)الَّذِينَ تَقَدَّمَ فِيهِمْ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦]، ومَعْنى: خُلِّفُوا: أُخِّرُوا وتُرِكَ أمْرُهم ولَمْ تُقْبَلْ مِنهم مَعْذِرَةٌ ولا رُدَّتْ عَلَيْهِمْ، فَكَأنَّهم خُلِّفُوا عَنِ المُعْتَذِرِينَ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿خُلِّفُوا﴾ أيْ عن غَزْوَةِ تَبُوكَ، قالَهُ قَتادَةُ، وهَذا ضَعِيفٌ وقَدْ رَدَّهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ نَفْسُهُ وقالَ: مَعْنى خُلِّفُوا: تُرِكُوا عن قَبُولِ العُذْرِ، ولَيْسَ بِتَخَلُّفِنا عَنِ الغَزْوِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ جَعْلُهُ ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ﴾ غايَةً لِلتَّخَلُّفِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عن تَخْلِيفِهِمْ عَنِ الغَزْوِ، وإنَّما ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ عن تَخْلِيفِهِمْ عن قَبُولِ العُذْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُلِّفُوا" بِضَمِّ الخاءِ وشَدِّ اللامِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ بْنُ هارُونَ المَخْزُومِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وعَمْرُو بْنُ عَبِيدٍ، وأبُو عَمْرٍو أيْضًا: "خَلَفُوا" بِفَتْحِ الخاءِ واللامِ غَيْرَ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ أبُو مالِكٍ: "خَلِفُوا" بِضَمِّ الخاءِ وتَخْفِيفِ اللامِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "خالَفُوا" والمَعْنى قَرِيبُ مِنَ الَّتِي قَبْلَها، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ: ولَوْ خُلِّفُوا لَمْ يَكُنْ لَهم ذَنْبٌ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَعَلى الثَلاثَةِ المُخَلَّفِينَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما رَحُبَتْ﴾ مَعْناهُ: بِرُحْبِها، كَأنَّهُ قالَ: عَلى ما هي في نَفْسِها رَحْبَةٌ، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أنْفُسُهُمْ﴾ اسْتِعارَةٌ لِأنَّ الهَمَّ والغَمَّ مَلَأها، ﴿وَظَنُّوا﴾ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: أيْقَنُوا وحَصَلَ عِلْمٌ لَهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ لَمّا كانَ هَذا القَوْلُ في تَعْدِيدِ نِعَمِهِ بَدا في تَرْتِيبِهِ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى تَلَقِّي النِعْمَةِ مِن عِنْدِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَ القَوْلُ في تَعْدِيدِ ذَنْبٍ لَكانَ الِابْتِداءُ بِالجِهَةِ الَّتِي هي عَنِ المُذْنِبِ كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] لِيَكُونَ هَذا أشَدَّ تَقْرِيرًا لِلذَّنْبِ عَلَيْهِمْ، وهَذا مِن فَصاحَةِ القُرْآنِ وبَدِيعِ نَظْمِهِ ومُعْجِزِ اتِّساقِهِ. وبَيانُ هَذِهِ الآيَةِ ومَواقِعُ (p-٤٣١)ألْفاظِها إنَّما يَكْمُلُ مَعَ مُطالَعَةِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا في الكُتُبِ الَّتِي ذَكَرْنا، وإنَّما عَظُمَ ذَنْبُهم واسْتَحَقُّوا عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأنَّ الشَرْعَ يَطْلُبُهم مِنَ الجِدِّ فِيهِ بِحَسَبِ مَنازِلِهِمْ مِنهُ وتَقَدُّمِهِمْ فِيهِ، إذْ هم أُسْوَةٌ وحُجَّةٌ لِلْمُنافِقِينَ والطاعِنِينَ، إذْ كانَ كَعْبٌ مِن أهْلِ العَقَبَةِ وصاحَباهُ مَن أهْلِ بَدْرٍ. وفي هَذا ما يَقْتَضِي أنَّ الرَجُلَ العالِمَ والمُقْتَدى بِهِ أقَلُّ عُذْرًا في السُقُوطِ مِن سِواهُ، وكَتَبَ الأوزاعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ في آخِرِ رِسالَةٍ: "واعْلَمْ أنَّ قَرابَتَكَ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللهِ عَلَيْكَ إلّا عِظَمًا، ولا طاعَتَهُ إلّا وُجُوبًا، ولا الناسَ فِيما خالَفَ ذَلِكَ مِنكَ إلّا إنْكارًا والسَلامُ"، ولَقَدْ أحْسَنَ القاضِي التَنُوخِيُّ في قَوْلِهِ: والعَيْبُ يُعْلَقُ بِالكَبِيرِ كَبِيرُ وفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الثَلاثَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ لَيْلَةَ نُزُولِ تَوْبَتِهِمْ في بَيْتِ أمِّ سَلَمَةَ، وكانَتْ لَهم صالِحَةٌ، فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ ﷺ: "يا أُمَّ سَلَمَةَ، تِيبَ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ وصاحِبَيْهِ"، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ ألا أبْعَثُ إلَيْهِمْ؟ فَقالَ: "إذًا يَحْطِمُكُمُ الناسُ سائِرَ اللَيْلَةِ فَيَمْنَعُوكُمُ النَوْمَ"». وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ﴾، هَذا الأمْرُ بِالكَوْنِ مَعَ أهْلِ الصِدْقِ حَسَنٌ بَعْدَ قِصَّةِ الثَلاثَةِ حِينَ نَفَعَهُمُ الصِدْقُ وذَهَبَ بِهِمْ عن مَنازِلِ المُنافِقِينَ، فَجاءَ هَذا الأمْرُ اعْتِراضًا في أثْناءِ الكَلامِ إذْ عَنَّ في القِصَّةِ ما يَجِبُ التَنْبِيهُ عَلى امْتِثالِهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: الصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ هو صِدْقُ الحَدِيثِ، وقالَ نافِعٌ، والضَحّاكُ ما مَعْناهُ: إنَّ اللَفْظَ أعَمُّ مِن صِدْقِ الحَدِيثِ، وهو بِمَعْنى الصِحَّةِ في الدِينِ والتَمَكُّنِ في الخَيْرِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "عَوْدٌ صِدْقٌ ورَجُلٌ صِدْقٌ"، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وأخْيارِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا اللهَ (p-٤٣٢)فِي الإسْلامِ. و"مَعَ" في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي الصُحْبَةَ في الحالِ والمُشارَكَةَ في الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلْمَدْحِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وَكُونُوا مِنَ الصادِقِينَ"، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتَأوَّلُهُ في صِدْقِ الحَدِيثِ. ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: الكَذِبُ لا يَصْلُحُ مِنهُ جِدٌّ ولا هَزْلٌ، اقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وكُونُوا مَعَ الصادِقِينَ﴾.

التوبة 9:120

قوله عزّ وجلّ: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عن رَسُولِ اللهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عن نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِنَ عَدُوٍّ نَيْلا إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللهِ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هَذِهِ مُعاتَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ يَثْرِبَ وقَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ لَها عَلى التَخَلُّفِ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ في غَزْوِهِ، وقُوَّةُ الكَلامِ تُعْطِي الأمْرَ بِصُحْبَتِهِ إلى تَوَجُّهِهِ غازِيًا وبَذْلِ النُفُوسِ دُونَهُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الإلْزامُ خاصًّا مَعَ النَبِيِّ ﷺ ووُجُوبِ النَفْرِ إلى الغَزْوِ إذا خَرَجَ هو بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَبْقَ هَذا الحُكْمُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الخُلَفاءِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ هَذا الأمْرُ والإلْزامُ في قِلَّةِ الإسْلامِ والِاحْتِياجِ إلى اتِّصالِ الأيْدِي ثُمَّ نُسِخَ عِنْدَ قُوَّةِ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ في الِانْبِعاثِ إلى غَزْوِ العَدُوِّ عَلى الدُخُولِ في الإسْلامِ، وأمّا إذا ألَمَّ العَدُوُّ بِجِهَةٍ فَمُتَعَيَّنٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ القِيامُ بِذَبِّهِ ومُكافَحَتِهِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ﴾ فَمَعْناهُ ألّا يَتَحَمَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في اللهِ مَشَقَّةً ويَجُودَ بِنَفْسِهِ في سَبِيلِ اللهِ فَيَقَعَ مِنهم شُحٌّ عَلى أنْفُسِهِمْ ويَكِعُّونَ عَمّا دَخَلَ هو فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى لِمَ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ التَخَلُّفُ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ﴾... الآيَةُ. والنَصَبُ: التَعَبُ. ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: (p-٤٣٣) ؎ كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ ناصِبِ ∗∗∗......................... أيْ: ذِي نَصْبٍ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]. والمَخْمَصَةُ: مَفْعَلَةٌ مِن خَمْصِ البَطْنِ وهو ضُمُورُهُ، واسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِحالَةِ الجُوعِ إذِ الخُمُوصُ مُلازِمٌ لَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: تَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاءً بُطُونُكم... وجاراتُكم غَرْثى يَبِتْنَ خَمائِصا ومِنهُ: "أخْمَصُ القَدَمِ"، والخُمْصانَةُ مِنَ النِساءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ أيْ: ولا يَنْتَهُونَ مِنَ الأرْضِ مُنْتَهًى مُؤْذِيًا لِلْكُفّارِ، وذَلِكَ هو الغائِظُ، ومِنهُ في "المُدَوَّنَةِ": "كُنّا لا نَتَوَضَّأُ مِن مَوْطِئٍ" مِن قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِقَلِيلِ ما يَصْنَعُهُ المُؤْمِنُونَ بِالكَفَرَةِ مِن أخْذِ مالٍ أو إيرادِ هَوانٍ وكَثِيرِهِ، والنَيْلُ: مَصْدَرُ نالَ يَنالُ، ولَيْسَ مِن قَوْلِهِمْ: نِلْتُ أنُولُهُ نَوْلًا ونَوالًا، وقِيلَ: هو مِنهُ وبُدِّلَتِ الواوُ ياءً لِخِفَّتِها هُنا، وهَذا ضَعِيفٌ، والطَبَرِيُّ قَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ وضَعَّفَهُ وقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ المَعْرُوفَ مِن كَلامِ العَرَبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ﴾ الآيَةُ، قَدَّمَ الصَغِيرَةَ لِلِاهْتِمامِ، أيْ: إذا كُتِبَتِ (p-٤٣٤)الصَغِيرَةُ فالكَبِيرَةُ أحْرى، والوادِي: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ كانَ فِيهِ ماءٌ أو لَمْ يَكُنْ، وجَمْعُهُ أودِيَةٌ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ فاعِلٌ وأفْعِلَةٌ إلّا في هَذا الحَرْفِ وحْدَهُ، وفي الحَدِيثِ: « "ما ازْدادَ قَوْمٌ مِن أهْلِيهِمْ في سَبِيلِ اللهِ بُعْدًا إلّا ازْدادُوا مِنَ اللهِ قُرْبًا"».

التوبة 9:121

قوله عزّ وجلّ: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عن رَسُولِ اللهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عن نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِنَ عَدُوٍّ نَيْلا إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللهِ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ هَذِهِ مُعاتَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ يَثْرِبَ وقَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ لَها عَلى التَخَلُّفِ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ في غَزْوِهِ، وقُوَّةُ الكَلامِ تُعْطِي الأمْرَ بِصُحْبَتِهِ إلى تَوَجُّهِهِ غازِيًا وبَذْلِ النُفُوسِ دُونَهُ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَ قَتادَةُ: كانَ هَذا الإلْزامُ خاصًّا مَعَ النَبِيِّ ﷺ ووُجُوبِ النَفْرِ إلى الغَزْوِ إذا خَرَجَ هو بِنَفْسِهِ، ولَمْ يَبْقَ هَذا الحُكْمُ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الخُلَفاءِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ هَذا الأمْرُ والإلْزامُ في قِلَّةِ الإسْلامِ والِاحْتِياجِ إلى اتِّصالِ الأيْدِي ثُمَّ نُسِخَ عِنْدَ قُوَّةِ الإسْلامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ في الِانْبِعاثِ إلى غَزْوِ العَدُوِّ عَلى الدُخُولِ في الإسْلامِ، وأمّا إذا ألَمَّ العَدُوُّ بِجِهَةٍ فَمُتَعَيَّنٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ القِيامُ بِذَبِّهِ ومُكافَحَتِهِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ﴾ فَمَعْناهُ ألّا يَتَحَمَّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في اللهِ مَشَقَّةً ويَجُودَ بِنَفْسِهِ في سَبِيلِ اللهِ فَيَقَعَ مِنهم شُحٌّ عَلى أنْفُسِهِمْ ويَكِعُّونَ عَمّا دَخَلَ هو فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى لِمَ لَمْ يَكُنْ لَهُمُ التَخَلُّفُ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ﴾... الآيَةُ. والنَصَبُ: التَعَبُ. ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: (p-٤٣٣) ؎ كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ ناصِبِ ∗∗∗......................... أيْ: ذِي نَصْبٍ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]. والمَخْمَصَةُ: مَفْعَلَةٌ مِن خَمْصِ البَطْنِ وهو ضُمُورُهُ، واسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِحالَةِ الجُوعِ إذِ الخُمُوصُ مُلازِمٌ لَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: تَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاءً بُطُونُكم... وجاراتُكم غَرْثى يَبِتْنَ خَمائِصا ومِنهُ: "أخْمَصُ القَدَمِ"، والخُمْصانَةُ مِنَ النِساءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ أيْ: ولا يَنْتَهُونَ مِنَ الأرْضِ مُنْتَهًى مُؤْذِيًا لِلْكُفّارِ، وذَلِكَ هو الغائِظُ، ومِنهُ في "المُدَوَّنَةِ": "كُنّا لا نَتَوَضَّأُ مِن مَوْطِئٍ" مِن قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِقَلِيلِ ما يَصْنَعُهُ المُؤْمِنُونَ بِالكَفَرَةِ مِن أخْذِ مالٍ أو إيرادِ هَوانٍ وكَثِيرِهِ، والنَيْلُ: مَصْدَرُ نالَ يَنالُ، ولَيْسَ مِن قَوْلِهِمْ: نِلْتُ أنُولُهُ نَوْلًا ونَوالًا، وقِيلَ: هو مِنهُ وبُدِّلَتِ الواوُ ياءً لِخِفَّتِها هُنا، وهَذا ضَعِيفٌ، والطَبَرِيُّ قَدْ ذَكَرَ نَحْوَهُ وضَعَّفَهُ وقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ المَعْرُوفَ مِن كَلامِ العَرَبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ﴾ الآيَةُ، قَدَّمَ الصَغِيرَةَ لِلِاهْتِمامِ، أيْ: إذا كُتِبَتِ (p-٤٣٤)الصَغِيرَةُ فالكَبِيرَةُ أحْرى، والوادِي: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ كانَ فِيهِ ماءٌ أو لَمْ يَكُنْ، وجَمْعُهُ أودِيَةٌ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ فاعِلٌ وأفْعِلَةٌ إلّا في هَذا الحَرْفِ وحْدَهُ، وفي الحَدِيثِ: « "ما ازْدادَ قَوْمٌ مِن أهْلِيهِمْ في سَبِيلِ اللهِ بُعْدًا إلّا ازْدادُوا مِنَ اللهِ قُرْبًا"».

التوبة 9:122

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً واعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِالبادِيَةِ سُكّانًا ومَبْعُوثِينَ لِتَعْلِيمِ الشَرْعِ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ﴾ [التوبة: ١٢٠] أهَمَّهم ذَلِكَ، فَنَفَرُوا إلى المَدِينَةِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ خَشْيَةَ أنْ يَكُونُوا مُذْنِبِينَ في التَخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في نَفْرِهِمْ ذَلِكَ.» وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ المُنافِقِينَ لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ في المُتَخَلِّفِينَ قالُوا: هَلَكَ أهْلُ البَوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُقِيمَةً لِعُذْرِ أهْلِ البَوادِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٠] عُمُومٌ في اللَفْظِ والمُرادُ بِهِ في المَعْنى الجُمْهُورُ والأكْثَرُ، وتَجِيءُ هَذِهِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً لِذَلِكَ مُطَّرِدَةَ الألْفاظِ مُتَّصِلَةَ المَعْنى مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٢٠] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْذَرُونَ﴾. بَيَّنَ في آخِرِ الآيَةِ العُمُومَ الَّذِي في أوَّلِها إذْ هو مُعَرَّضٌ أنْ يُتَأوَّلَ فِيهِ ألّا يَتَخَلَّفَ بَشَرٌ. والتَفَقُّهُ هو مِنَ النافِرِينَ، والإنْذارُ هو مِنهُمْ، والضَمِيرُ في رَجَعُوا لَهم أيْضًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ في مَعْنى الغَزْوِ، وإنَّما سَبَبُها أنَّ قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ لَمّا دَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى مُضَرَ بِالسِنِينَ أصابَتْهم مَجاعَةٌ وشِدَّةٌ، فَنَفَرُوا إلى المَدِينَةِ لِمَعْنى (p-٤٣٥)المَعاشِ فَكادُوا أنْ يُفْسِدُوها، وكانَ أكْثَرُهم غَيْرَ صَحِيحِ الإيمانِ وإنَّما أضْرَعَهُ الجُوعُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ فَقالَ: وما كانَ مِن صِفَتِهِ الإيمانُ لِيَنْفِرَ مِثْلَ هَذا النَفِيرِ، أيْ: لَيْسَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالبُعُوثِ والسَرايا، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ ثابِتَةُ الحُكْمِ مَعَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الغَزْوِ، وهَذِهِ ثابِتَةُ الحُكْمِ مَعَ تَخَلُّفِهِ، أيْ: يَجِبُ إذا تَخَلَّفَ ألّا يَنْفِرَ الناسُ كافَّةً فَيَبْقى هو مُنْفَرِدًا، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ تَنْفِرَ طائِفَةٌ وتَبْقى طائِفَةٌ لِتَتَفَقَّهَ هَذِهِ الباقِيَةُ في الدِينِ، ويُنْذِرُوا النافِرِينَ إذا رَجَعَ النافِرُونَ إلَيْهِمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِكُلِّ ما ورَدَ مِن إلْزامِ الكافَّةِ النَفِيرَ والقِتالَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ عائِدٌ أيْضًا -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- عَلى الطائِفَةِ المُتَخَلِّفَةِ مَعَ النَبِيِّ ﷺ، وهو القَوْلُ الأوَّلُ في تَرْتِيبِنا هَذا عائِدٌ عَلى الطائِفَةِ النافِرَةِ، وكَذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَوْدُهُ مَعَ بَعْضِ الأقْوالِ عَلى هَذِهِ، ومَعَ بَعْضِها عَلى هَذِهِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ التَفَقُّهَ إنَّما هو بِمُشاهَدَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وصُحْبَتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ التَفَقُّهُ في الغَزْوِ في السَرايا لِما يَرَوْنَ مِن نُصْرَةِ اللهِ لِدِينِهِ وإظْهارِهِ العَدَدَ القَلِيلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الكافِرِينَ وعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ صِحَّةُ دِينِ الإسْلامِ ومَكانَتِهِ مِنَ اللهِ تَعالى، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ وقَوّاهُ، والآخَرُ أيْضًا قَوِيٌّ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( لِيُنْذِرُوا ) عائِدٌ عَلى المُتَفَقِّهِينَ بِحَسَبِ الخِلافِ، والإنْذارُ عامٌّ لِلْكُفْرِ والمَعاصِي والحَذَرُ مِنها أيْضًا كَذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الأمْرِ بِقِتالِ الكُفّارِ كافَّةً فَهي مِنَ التَدْرِيجِ الَّذِي كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ يُضْعِفُهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رُبَّما تَجاوَزَ قَوْمًا مِنَ الكُفّارِ غازِيًا لِقَوْمٍ آخَرِينَ أبْعَدَ مِنهُمْ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى بِغَزْوِ الأدْنى فالأدْنى إلى المَدِينَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُبَيِّنَةٌ صُورَةَ القِتالِ كافَّةً، وهي مُتَرَتِّبَةٌ مَعَ الأمْرِ بِقِتالِ الكُفّارِ كافَّةً، ومَعْناها أنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ فِيها المُؤْمِنِينَ أنْ يُقاتِلَ كُلُّ (p-٤٣٦)فَرِيقٍ مِنهُمُ الجِنْسَ الَّذِي يُصاقِبُهُ مِنَ الكَفَرَةِ، وهَذا هو القِتالُ لِكَلِمَةِ اللهِ ورَدِّ الناسِ إلى الإسْلامِ، وأمّا إذا مالَ العَدُوُّ إلى صُقْعٍ مِن أصْقاعِ المُسْلِمِينَ فَفَرْضٌ عَلى مَنِ اتَّصَلَ بِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ كِفايَةُ عَدُوِّ ذَلِكَ الصُقْعِ وإنْ بَعُدَتِ الدارُ ونَأتِ البِلادُ، وقالَ قائِلُو هَذِهِ المَقالَةِ: نَزَلَتِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى قِتالِ الرُومِ بِالشامِ لِأنَّهم كانُوا يَوْمَئِذٍ العَدُوَّ الَّذِي يَلِي ويَقْرُبُ، إذْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ عَمَّها الإسْلامُ وكانَتِ العِراقُ بَعِيدَةً، ثُمَّ لَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ تَوَجَّهَ الفَرْضُ في قِتالِ الفُرْسِ والدَيْلَمِ وغَيْرِهِما مِنَ الأُمَمِ، وسَألَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلٌ عن قِتالِ الدَيْلَمِ فَقالَ: عَلَيْكَ بِالرُومِ، وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الرُومُ والدَيْلَمُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي في زَمَنِهِ ذَلِكَ، وقالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ وقْتَ نُزُولِها: العَرَبُ، فَلَمّا فَرَغَ مِنهم نَزَلَتْ في الرُومِ وغَيْرِهِمْ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "غِلْظَةً" بِكَسْرِ الغَيْنِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "غَلْظَةً" بِفَتْحِها، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ، وأبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "غُلْظَةً" بِضَمِّها، وهي قِراءَةُ أبِي حَيَوَةَ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ أيْضًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتِ الوُجُوهُ الثَلاثَةُ عن أبِي عَمْرٍو، وفي هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ شُذُوذٌ، وهي لُغاتٌ. ومَعْنى الكَلامِ: ولِيَجِدُوا فِيكم خُشُونَةً وبَأْسًا، وذَلِكَ مَقْصُودٌ بِهِ القِتالُ، ومِنهُ: "العَذابُ الغَلِيظُ" و﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، و﴿غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم: ٦] في صِفَةِ (p-٤٣٧)الزَبانِيَةِ، و"غَلُظَتْ عَلَيْنا كُدْيَةٌ" في حَفْرِ الخَنْدَقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ وعَدَ اللهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ، وحَضَّ عَلى التَقْوى الَّتِي هي مِلاكُ الدِينِ والدُنْيا وبِها يُلْقى العَدُوُّ، وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ: "إنَّما تُقاتِلُونَ الناسَ بِأعْمالِكُمْ". وأهْلُها هُمُ المُجِدُّونَ في طُرُقِ الحَقِّ، فَوَعَدَ تَعالى أنَّهُ مَعَ أهْلِ التَقْوى، ومَن كانَ اللهُ مَعَهُ فَلَنْ يُغْلَبَ.

التوبة 9:123

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً واعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِالبادِيَةِ سُكّانًا ومَبْعُوثِينَ لِتَعْلِيمِ الشَرْعِ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ﴾ [التوبة: ١٢٠] أهَمَّهم ذَلِكَ، فَنَفَرُوا إلى المَدِينَةِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ خَشْيَةَ أنْ يَكُونُوا مُذْنِبِينَ في التَخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في نَفْرِهِمْ ذَلِكَ.» وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ المُنافِقِينَ لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ في المُتَخَلِّفِينَ قالُوا: هَلَكَ أهْلُ البَوادِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُقِيمَةً لِعُذْرِ أهْلِ البَوادِي. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٠] عُمُومٌ في اللَفْظِ والمُرادُ بِهِ في المَعْنى الجُمْهُورُ والأكْثَرُ، وتَجِيءُ هَذِهِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً لِذَلِكَ مُطَّرِدَةَ الألْفاظِ مُتَّصِلَةَ المَعْنى مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٢٠] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْذَرُونَ﴾. بَيَّنَ في آخِرِ الآيَةِ العُمُومَ الَّذِي في أوَّلِها إذْ هو مُعَرَّضٌ أنْ يُتَأوَّلَ فِيهِ ألّا يَتَخَلَّفَ بَشَرٌ. والتَفَقُّهُ هو مِنَ النافِرِينَ، والإنْذارُ هو مِنهُمْ، والضَمِيرُ في رَجَعُوا لَهم أيْضًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ لَيْسَتْ في مَعْنى الغَزْوِ، وإنَّما سَبَبُها أنَّ قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ لَمّا دَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى مُضَرَ بِالسِنِينَ أصابَتْهم مَجاعَةٌ وشِدَّةٌ، فَنَفَرُوا إلى المَدِينَةِ لِمَعْنى (p-٤٣٥)المَعاشِ فَكادُوا أنْ يُفْسِدُوها، وكانَ أكْثَرُهم غَيْرَ صَحِيحِ الإيمانِ وإنَّما أضْرَعَهُ الجُوعُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ فَقالَ: وما كانَ مِن صِفَتِهِ الإيمانُ لِيَنْفِرَ مِثْلَ هَذا النَفِيرِ، أيْ: لَيْسَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ما مَعْناهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالبُعُوثِ والسَرايا، والآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ ثابِتَةُ الحُكْمِ مَعَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الغَزْوِ، وهَذِهِ ثابِتَةُ الحُكْمِ مَعَ تَخَلُّفِهِ، أيْ: يَجِبُ إذا تَخَلَّفَ ألّا يَنْفِرَ الناسُ كافَّةً فَيَبْقى هو مُنْفَرِدًا، وإنَّما يَنْبَغِي أنْ تَنْفِرَ طائِفَةٌ وتَبْقى طائِفَةٌ لِتَتَفَقَّهَ هَذِهِ الباقِيَةُ في الدِينِ، ويُنْذِرُوا النافِرِينَ إذا رَجَعَ النافِرُونَ إلَيْهِمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِكُلِّ ما ورَدَ مِن إلْزامِ الكافَّةِ النَفِيرَ والقِتالَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ عائِدٌ أيْضًا -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- عَلى الطائِفَةِ المُتَخَلِّفَةِ مَعَ النَبِيِّ ﷺ، وهو القَوْلُ الأوَّلُ في تَرْتِيبِنا هَذا عائِدٌ عَلى الطائِفَةِ النافِرَةِ، وكَذَلِكَ يَتَرَتَّبُ عَوْدُهُ مَعَ بَعْضِ الأقْوالِ عَلى هَذِهِ، ومَعَ بَعْضِها عَلى هَذِهِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ التَفَقُّهَ إنَّما هو بِمُشاهَدَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وصُحْبَتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ التَفَقُّهُ في الغَزْوِ في السَرايا لِما يَرَوْنَ مِن نُصْرَةِ اللهِ لِدِينِهِ وإظْهارِهِ العَدَدَ القَلِيلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الكَثِيرِ مِنَ الكافِرِينَ وعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ صِحَّةُ دِينِ الإسْلامِ ومَكانَتِهِ مِنَ اللهِ تَعالى، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ وقَوّاهُ، والآخَرُ أيْضًا قَوِيٌّ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( لِيُنْذِرُوا ) عائِدٌ عَلى المُتَفَقِّهِينَ بِحَسَبِ الخِلافِ، والإنْذارُ عامٌّ لِلْكُفْرِ والمَعاصِي والحَذَرُ مِنها أيْضًا كَذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ الأمْرِ بِقِتالِ الكُفّارِ كافَّةً فَهي مِنَ التَدْرِيجِ الَّذِي كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ يُضْعِفُهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رُبَّما تَجاوَزَ قَوْمًا مِنَ الكُفّارِ غازِيًا لِقَوْمٍ آخَرِينَ أبْعَدَ مِنهُمْ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى بِغَزْوِ الأدْنى فالأدْنى إلى المَدِينَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُبَيِّنَةٌ صُورَةَ القِتالِ كافَّةً، وهي مُتَرَتِّبَةٌ مَعَ الأمْرِ بِقِتالِ الكُفّارِ كافَّةً، ومَعْناها أنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ فِيها المُؤْمِنِينَ أنْ يُقاتِلَ كُلُّ (p-٤٣٦)فَرِيقٍ مِنهُمُ الجِنْسَ الَّذِي يُصاقِبُهُ مِنَ الكَفَرَةِ، وهَذا هو القِتالُ لِكَلِمَةِ اللهِ ورَدِّ الناسِ إلى الإسْلامِ، وأمّا إذا مالَ العَدُوُّ إلى صُقْعٍ مِن أصْقاعِ المُسْلِمِينَ فَفَرْضٌ عَلى مَنِ اتَّصَلَ بِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ كِفايَةُ عَدُوِّ ذَلِكَ الصُقْعِ وإنْ بَعُدَتِ الدارُ ونَأتِ البِلادُ، وقالَ قائِلُو هَذِهِ المَقالَةِ: نَزَلَتِ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى قِتالِ الرُومِ بِالشامِ لِأنَّهم كانُوا يَوْمَئِذٍ العَدُوَّ الَّذِي يَلِي ويَقْرُبُ، إذْ كانَتِ العَرَبُ قَدْ عَمَّها الإسْلامُ وكانَتِ العِراقُ بَعِيدَةً، ثُمَّ لَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ تَوَجَّهَ الفَرْضُ في قِتالِ الفُرْسِ والدَيْلَمِ وغَيْرِهِما مِنَ الأُمَمِ، وسَألَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلٌ عن قِتالِ الدَيْلَمِ فَقالَ: عَلَيْكَ بِالرُومِ، وقالَ الحَسَنُ: هُمُ الرُومُ والدَيْلَمُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي في زَمَنِهِ ذَلِكَ، وقالَهُ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ وقْتَ نُزُولِها: العَرَبُ، فَلَمّا فَرَغَ مِنهم نَزَلَتْ في الرُومِ وغَيْرِهِمْ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "غِلْظَةً" بِكَسْرِ الغَيْنِ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، والأعْمَشُ: "غَلْظَةً" بِفَتْحِها، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ، وأبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "غُلْظَةً" بِضَمِّها، وهي قِراءَةُ أبِي حَيَوَةَ، ورَواها المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ أيْضًا، قالَ أبُو حاتِمٍ: رُوِيَتِ الوُجُوهُ الثَلاثَةُ عن أبِي عَمْرٍو، وفي هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ شُذُوذٌ، وهي لُغاتٌ. ومَعْنى الكَلامِ: ولِيَجِدُوا فِيكم خُشُونَةً وبَأْسًا، وذَلِكَ مَقْصُودٌ بِهِ القِتالُ، ومِنهُ: "العَذابُ الغَلِيظُ" و﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، و﴿غِلاظٌ شِدادٌ﴾ [التحريم: ٦] في صِفَةِ (p-٤٣٧)الزَبانِيَةِ، و"غَلُظَتْ عَلَيْنا كُدْيَةٌ" في حَفْرِ الخَنْدَقِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. ثُمَّ وعَدَ اللهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ، وحَضَّ عَلى التَقْوى الَّتِي هي مِلاكُ الدِينِ والدُنْيا وبِها يُلْقى العَدُوُّ، وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ: "إنَّما تُقاتِلُونَ الناسَ بِأعْمالِكُمْ". وأهْلُها هُمُ المُجِدُّونَ في طُرُقِ الحَقِّ، فَوَعَدَ تَعالى أنَّهُ مَعَ أهْلِ التَقْوى، ومَن كانَ اللهُ مَعَهُ فَلَنْ يُغْلَبَ.

التوبة 9:124

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُنافِقِينَ مِثْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقَوْمٍ مِن قَراباتِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَسْتَنِيمُونَ إلَيْهِمْ، ويَثِقُونَ بِسَتْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، ويَطْمَعُونَ في رَدِّهِمْ إلى النِفاقِ. ومَعْنى ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ الِاسْتِخْفافُ والتَحْقِيرُ لِشَأْنِ السُورَةِ كَما تَقُولُ: أيُّ غَرِيبٍ في هَذا؟ أو أيُّ دَلِيلٍ؟ ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الرَدَّ عَلَيْهِمْ والحُكْمَ بِما يَهْدِمُ لَبْسَهم فَأخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا، وأنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مِن ألْفاظِها ومَعانِيها بِرَحْمَةِ اللهِ ورِضْوانِهِ، والزِيادَةُ في الإيمانِ مَوْضِعُ تَخَبُّطٍ لِلنّاسِ وتَطْوِيلٍ، وتَلْخِيصُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الإيمانَ الَّذِي هو نَفْسُ التَصْدِيقِ لَيْسَ مِمّا يَقْبَلُ الزِيادَةَ والنَقْصَ في نَفْسِهِ، وإنَّما تَقَعُ الزِيادَةُ في المُصَدِّقِ بِهِ، فَإذا نَزَلَتْ سُورَةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، حَدَثَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِها تَصْدِيقٌ خاصٌّ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، فَتَصْدِيقُهم (p-٤٣٨)بِما تَضَمَّنَتْهُ السُورَةُ مِن أخْبارٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ أمْرٌ زائِدٌ عَلى الَّذِي كانَ عِنْدَهم قَبْلُ، فَهَذا وجْهٌ مِن زِيادَةِ الإيمانِ، ووَجْهٌ آخَرُ أنَّ السُورَةَ رُبَّما تَضَمَّنَتْ دَلِيلًا أو تَنْبِيهًا عَلَيْهِ فَيَكُونُ المُؤْمِنُ قَدْ عَرَفَ اللهَ بِعِدَّةِ أدِلَّةٍ، فَإذا نَزَلَتِ السُورَةُ زادَتْ في أدِلَّتِهِ، وهَذِهِ أيْضًا جِهَةٌ أُخْرى مِنَ الزِيادَةِ، وكُلُّها خارِجَةٌ عن نَفْسِ التَصْدِيقِ إذا حَصَلَ تامًّا، فَإنَّهُ لَيْسَ يَبْقى فِيهِ مَوْضِعُ زِيادَةٍ، ووَجْهٌ آخَرُ مِن وُجُوهِ الزِيادَةِ أنَّ الرَجُلَ رُبَّما عارَضَهُ شَكٌّ يَسِيرٌ أو لاحَتْ لَهُ شُبْهَةٌ مُشَغِّبَةٌ فَإذا نَزَلَتِ السُورَةُ ارْتَفَعَتْ تِلْكَ الشُبْهَةُ واسْتَراحَ مِنها، فَهَذا أيْضًا زِيادَةٌ في الإيمانِ إذْ يَرْتَقِي اعْتِقادُهُ عن مَرْتَبَةِ مُعارَضَةِ تِلْكَ الشُبْهَةِ إلى الخُلُوصِ مِنها، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يُسَمِّي الطاعاتِ إيمانًا -وَذَلِكَ مَجازٌ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ- فَتَتَرَتَّبُ الزِيادَةُ بِالسُورَةِ، إذْ تَتَضَمَّنُ أوامِرَ ونَواهِيَ وأحْكامًا، وهَذا حُكْمُ مَن يَتَعَلَّمُ العِلْمَ في مَعْنى زِيادَةِ الإيمانِ ونُقْصانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّ تَعَلُّمَ الإنْسانِ العِلْمَ بِمَنزِلَةِ نُزُولِ سُورَةِ القُرْآنِ. و﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ، وهَذا تَشْبِيهٌ، وذَلِكَ أنَّ السالِمَ المُعْتَقَدِ المُنْشَرِحَ الصَدْرِ بِالإيمانِ يُشْبِهُهُ الصَحِيحُ، والفاسِدُ المُعْتَقَدِ يُشْبِهُهُ المَرِيضُ، فَفي العِبارَةِ مَجازٌ فَصِيحٌ لِأنَّ المَرَضَ والصِحَّةَ إنَّما هي خاصَّةٌ في الأعْضاءِ، فَهي في المُعْتَقَداتِ مَجازٌ، والرِجْسُ في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عن حالِهِمُ الَّتِي جَمَعَتْ مَعْنى الرِجْسِ في اللُغَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرِجْسَ في اللُغَةِ يَجِيءُ بِمَعْنى القَذَرِ، ويَجِيءُ بِمَعْنى العَذابِ، وحالُ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ هي قَذَرٌ وهي عَذابٌ عاجِلٌ كَفِيلٌ بِآجِلٍ، وزِيادَةُ الرِجْسِ إلى الرِجْسِ هي عَمَهُهم في الكُفْرِ وخَبْطُهم في الضَلالِ، يُعاقِبُهُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ والإعْراضِ بِالخَتْمِ عَلى قُلُوبِهِمْ والخَتْمِ بِالنارِ عَلَيْهِمْ، وإذْ كَفَرُوا بِسُورَةٍ فَقَدْ زادَ كُفْرُهم فَذَلِكَ زِيادَةُ رِجْسٍ إلى رِجْسِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ الآيَةُ، قَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَ لا يَرَوْنَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: أو لا يَرى المُنافِقُونَ. وقَرَأ حَمْزَةُ: "أو لا تَرَوْنَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: أو لا تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ، فَهَذا تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والأعْمَشُ: "أو لا تَرى" أيْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ. ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أيْضًا: "أو لَمْ تَرَوْا". وذَكَرَ عنهُ أبُو حاتِمٍ: "أو لَمْ يَرَوْا"، وقالَ مُجاهِدٌ: "يُفْتَنُونَ" مَعْناهُ: يُخْتَبَرُونَ بِالسَنَةِ (p-٤٣٩)والجُوعِ، وحَكى عنهُ النَقّاشُ أنَّهُ قالَ: مَرْضَةً أو مَرْضَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: يُخْتَبَرُونَ بِالأمْرِ بِالجِهادِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِمّا قَبْلَ الآيَةِ ومِمّا بَعْدَها أنَّ الفِتْنَةَ والِاخْتِبارَ إنَّما هي بِكَشْفِ اللهِ تَعالى أسْرارَهم وإفْشائِهِ عَقائِدَهُمْ، فَهَذا هو الِاخْتِبارُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِرُؤْيَتِهِ وتَرْكِ التَوْبَةِ، وأمّا الجِهادُ أوِ الجُوعُ فَلا يُتَرَقَّبُ مَعَهُما ما ذَكَرْناهُ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: أفَلا يَزْدَجِرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تُفْضَحُ سَرائِرُهم كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ بِحَسَبِ واحِدٍ واحِدٍ، ويَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ فَيَتُوبُونَ ويَتَذَكَّرُونَ وعْدَ اللهِ ووَعِيدَهُ، وأمّا الِاخْتِبارُ في المَرَضِ فَهو في المُؤْمِنِينَ، وقَدْ كانَ الحَسَنُ يُنْشِدُ: ؎ أفِي كُلِّ عامٍ مَرْضَةٌ ثُمَّ نَقْهَةٌ ∗∗∗ فَحَتّى مَتى حَتّى مَتى وإلى مَتى؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: يُفْتَنُونَ بِما يُشِيعُهُ المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الأكاذِيبِ، فَكانَ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُفْتَنُونَ في ذَلِكَ، وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ عن حُذَيْفَةَ وهو غَرِيبٌ مِنَ المَعْنى.

التوبة 9:125

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُنافِقِينَ مِثْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقَوْمٍ مِن قَراباتِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَسْتَنِيمُونَ إلَيْهِمْ، ويَثِقُونَ بِسَتْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، ويَطْمَعُونَ في رَدِّهِمْ إلى النِفاقِ. ومَعْنى ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ الِاسْتِخْفافُ والتَحْقِيرُ لِشَأْنِ السُورَةِ كَما تَقُولُ: أيُّ غَرِيبٍ في هَذا؟ أو أيُّ دَلِيلٍ؟ ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الرَدَّ عَلَيْهِمْ والحُكْمَ بِما يَهْدِمُ لَبْسَهم فَأخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا، وأنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مِن ألْفاظِها ومَعانِيها بِرَحْمَةِ اللهِ ورِضْوانِهِ، والزِيادَةُ في الإيمانِ مَوْضِعُ تَخَبُّطٍ لِلنّاسِ وتَطْوِيلٍ، وتَلْخِيصُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الإيمانَ الَّذِي هو نَفْسُ التَصْدِيقِ لَيْسَ مِمّا يَقْبَلُ الزِيادَةَ والنَقْصَ في نَفْسِهِ، وإنَّما تَقَعُ الزِيادَةُ في المُصَدِّقِ بِهِ، فَإذا نَزَلَتْ سُورَةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، حَدَثَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِها تَصْدِيقٌ خاصٌّ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، فَتَصْدِيقُهم (p-٤٣٨)بِما تَضَمَّنَتْهُ السُورَةُ مِن أخْبارٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ أمْرٌ زائِدٌ عَلى الَّذِي كانَ عِنْدَهم قَبْلُ، فَهَذا وجْهٌ مِن زِيادَةِ الإيمانِ، ووَجْهٌ آخَرُ أنَّ السُورَةَ رُبَّما تَضَمَّنَتْ دَلِيلًا أو تَنْبِيهًا عَلَيْهِ فَيَكُونُ المُؤْمِنُ قَدْ عَرَفَ اللهَ بِعِدَّةِ أدِلَّةٍ، فَإذا نَزَلَتِ السُورَةُ زادَتْ في أدِلَّتِهِ، وهَذِهِ أيْضًا جِهَةٌ أُخْرى مِنَ الزِيادَةِ، وكُلُّها خارِجَةٌ عن نَفْسِ التَصْدِيقِ إذا حَصَلَ تامًّا، فَإنَّهُ لَيْسَ يَبْقى فِيهِ مَوْضِعُ زِيادَةٍ، ووَجْهٌ آخَرُ مِن وُجُوهِ الزِيادَةِ أنَّ الرَجُلَ رُبَّما عارَضَهُ شَكٌّ يَسِيرٌ أو لاحَتْ لَهُ شُبْهَةٌ مُشَغِّبَةٌ فَإذا نَزَلَتِ السُورَةُ ارْتَفَعَتْ تِلْكَ الشُبْهَةُ واسْتَراحَ مِنها، فَهَذا أيْضًا زِيادَةٌ في الإيمانِ إذْ يَرْتَقِي اعْتِقادُهُ عن مَرْتَبَةِ مُعارَضَةِ تِلْكَ الشُبْهَةِ إلى الخُلُوصِ مِنها، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يُسَمِّي الطاعاتِ إيمانًا -وَذَلِكَ مَجازٌ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ- فَتَتَرَتَّبُ الزِيادَةُ بِالسُورَةِ، إذْ تَتَضَمَّنُ أوامِرَ ونَواهِيَ وأحْكامًا، وهَذا حُكْمُ مَن يَتَعَلَّمُ العِلْمَ في مَعْنى زِيادَةِ الإيمانِ ونُقْصانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّ تَعَلُّمَ الإنْسانِ العِلْمَ بِمَنزِلَةِ نُزُولِ سُورَةِ القُرْآنِ. و﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ، وهَذا تَشْبِيهٌ، وذَلِكَ أنَّ السالِمَ المُعْتَقَدِ المُنْشَرِحَ الصَدْرِ بِالإيمانِ يُشْبِهُهُ الصَحِيحُ، والفاسِدُ المُعْتَقَدِ يُشْبِهُهُ المَرِيضُ، فَفي العِبارَةِ مَجازٌ فَصِيحٌ لِأنَّ المَرَضَ والصِحَّةَ إنَّما هي خاصَّةٌ في الأعْضاءِ، فَهي في المُعْتَقَداتِ مَجازٌ، والرِجْسُ في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عن حالِهِمُ الَّتِي جَمَعَتْ مَعْنى الرِجْسِ في اللُغَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرِجْسَ في اللُغَةِ يَجِيءُ بِمَعْنى القَذَرِ، ويَجِيءُ بِمَعْنى العَذابِ، وحالُ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ هي قَذَرٌ وهي عَذابٌ عاجِلٌ كَفِيلٌ بِآجِلٍ، وزِيادَةُ الرِجْسِ إلى الرِجْسِ هي عَمَهُهم في الكُفْرِ وخَبْطُهم في الضَلالِ، يُعاقِبُهُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ والإعْراضِ بِالخَتْمِ عَلى قُلُوبِهِمْ والخَتْمِ بِالنارِ عَلَيْهِمْ، وإذْ كَفَرُوا بِسُورَةٍ فَقَدْ زادَ كُفْرُهم فَذَلِكَ زِيادَةُ رِجْسٍ إلى رِجْسِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ الآيَةُ، قَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَ لا يَرَوْنَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: أو لا يَرى المُنافِقُونَ. وقَرَأ حَمْزَةُ: "أو لا تَرَوْنَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: أو لا تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ، فَهَذا تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والأعْمَشُ: "أو لا تَرى" أيْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ. ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أيْضًا: "أو لَمْ تَرَوْا". وذَكَرَ عنهُ أبُو حاتِمٍ: "أو لَمْ يَرَوْا"، وقالَ مُجاهِدٌ: "يُفْتَنُونَ" مَعْناهُ: يُخْتَبَرُونَ بِالسَنَةِ (p-٤٣٩)والجُوعِ، وحَكى عنهُ النَقّاشُ أنَّهُ قالَ: مَرْضَةً أو مَرْضَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: يُخْتَبَرُونَ بِالأمْرِ بِالجِهادِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِمّا قَبْلَ الآيَةِ ومِمّا بَعْدَها أنَّ الفِتْنَةَ والِاخْتِبارَ إنَّما هي بِكَشْفِ اللهِ تَعالى أسْرارَهم وإفْشائِهِ عَقائِدَهُمْ، فَهَذا هو الِاخْتِبارُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِرُؤْيَتِهِ وتَرْكِ التَوْبَةِ، وأمّا الجِهادُ أوِ الجُوعُ فَلا يُتَرَقَّبُ مَعَهُما ما ذَكَرْناهُ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: أفَلا يَزْدَجِرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تُفْضَحُ سَرائِرُهم كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ بِحَسَبِ واحِدٍ واحِدٍ، ويَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ فَيَتُوبُونَ ويَتَذَكَّرُونَ وعْدَ اللهِ ووَعِيدَهُ، وأمّا الِاخْتِبارُ في المَرَضِ فَهو في المُؤْمِنِينَ، وقَدْ كانَ الحَسَنُ يُنْشِدُ: ؎ أفِي كُلِّ عامٍ مَرْضَةٌ ثُمَّ نَقْهَةٌ ∗∗∗ فَحَتّى مَتى حَتّى مَتى وإلى مَتى؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: يُفْتَنُونَ بِما يُشِيعُهُ المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الأكاذِيبِ، فَكانَ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُفْتَنُونَ في ذَلِكَ، وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ عن حُذَيْفَةَ وهو غَرِيبٌ مِنَ المَعْنى.

التوبة 9:126

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهم كافِرُونَ﴾ ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمِنهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُنافِقِينَ مِثْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِقَوْمٍ مِن قَراباتِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَسْتَنِيمُونَ إلَيْهِمْ، ويَثِقُونَ بِسَتْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، ويَطْمَعُونَ في رَدِّهِمْ إلى النِفاقِ. ومَعْنى ﴿أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ الِاسْتِخْفافُ والتَحْقِيرُ لِشَأْنِ السُورَةِ كَما تَقُولُ: أيُّ غَرِيبٍ في هَذا؟ أو أيُّ دَلِيلٍ؟ ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الرَدَّ عَلَيْهِمْ والحُكْمَ بِما يَهْدِمُ لَبْسَهم فَأخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنِينَ زادَتْهم إيمانًا، وأنَّهم يَسْتَبْشِرُونَ مِن ألْفاظِها ومَعانِيها بِرَحْمَةِ اللهِ ورِضْوانِهِ، والزِيادَةُ في الإيمانِ مَوْضِعُ تَخَبُّطٍ لِلنّاسِ وتَطْوِيلٍ، وتَلْخِيصُ القَوْلِ فِيهِ أنَّ الإيمانَ الَّذِي هو نَفْسُ التَصْدِيقِ لَيْسَ مِمّا يَقْبَلُ الزِيادَةَ والنَقْصَ في نَفْسِهِ، وإنَّما تَقَعُ الزِيادَةُ في المُصَدِّقِ بِهِ، فَإذا نَزَلَتْ سُورَةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، حَدَثَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِها تَصْدِيقٌ خاصٌّ لَمْ يَكُنْ قَبْلُ، فَتَصْدِيقُهم (p-٤٣٨)بِما تَضَمَّنَتْهُ السُورَةُ مِن أخْبارٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ أمْرٌ زائِدٌ عَلى الَّذِي كانَ عِنْدَهم قَبْلُ، فَهَذا وجْهٌ مِن زِيادَةِ الإيمانِ، ووَجْهٌ آخَرُ أنَّ السُورَةَ رُبَّما تَضَمَّنَتْ دَلِيلًا أو تَنْبِيهًا عَلَيْهِ فَيَكُونُ المُؤْمِنُ قَدْ عَرَفَ اللهَ بِعِدَّةِ أدِلَّةٍ، فَإذا نَزَلَتِ السُورَةُ زادَتْ في أدِلَّتِهِ، وهَذِهِ أيْضًا جِهَةٌ أُخْرى مِنَ الزِيادَةِ، وكُلُّها خارِجَةٌ عن نَفْسِ التَصْدِيقِ إذا حَصَلَ تامًّا، فَإنَّهُ لَيْسَ يَبْقى فِيهِ مَوْضِعُ زِيادَةٍ، ووَجْهٌ آخَرُ مِن وُجُوهِ الزِيادَةِ أنَّ الرَجُلَ رُبَّما عارَضَهُ شَكٌّ يَسِيرٌ أو لاحَتْ لَهُ شُبْهَةٌ مُشَغِّبَةٌ فَإذا نَزَلَتِ السُورَةُ ارْتَفَعَتْ تِلْكَ الشُبْهَةُ واسْتَراحَ مِنها، فَهَذا أيْضًا زِيادَةٌ في الإيمانِ إذْ يَرْتَقِي اعْتِقادُهُ عن مَرْتَبَةِ مُعارَضَةِ تِلْكَ الشُبْهَةِ إلى الخُلُوصِ مِنها، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن يُسَمِّي الطاعاتِ إيمانًا -وَذَلِكَ مَجازٌ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ- فَتَتَرَتَّبُ الزِيادَةُ بِالسُورَةِ، إذْ تَتَضَمَّنُ أوامِرَ ونَواهِيَ وأحْكامًا، وهَذا حُكْمُ مَن يَتَعَلَّمُ العِلْمَ في مَعْنى زِيادَةِ الإيمانِ ونُقْصانِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّ تَعَلُّمَ الإنْسانِ العِلْمَ بِمَنزِلَةِ نُزُولِ سُورَةِ القُرْآنِ. و﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ، وهَذا تَشْبِيهٌ، وذَلِكَ أنَّ السالِمَ المُعْتَقَدِ المُنْشَرِحَ الصَدْرِ بِالإيمانِ يُشْبِهُهُ الصَحِيحُ، والفاسِدُ المُعْتَقَدِ يُشْبِهُهُ المَرِيضُ، فَفي العِبارَةِ مَجازٌ فَصِيحٌ لِأنَّ المَرَضَ والصِحَّةَ إنَّما هي خاصَّةٌ في الأعْضاءِ، فَهي في المُعْتَقَداتِ مَجازٌ، والرِجْسُ في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عن حالِهِمُ الَّتِي جَمَعَتْ مَعْنى الرِجْسِ في اللُغَةِ، وذَلِكَ أنَّ الرِجْسَ في اللُغَةِ يَجِيءُ بِمَعْنى القَذَرِ، ويَجِيءُ بِمَعْنى العَذابِ، وحالُ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ هي قَذَرٌ وهي عَذابٌ عاجِلٌ كَفِيلٌ بِآجِلٍ، وزِيادَةُ الرِجْسِ إلى الرِجْسِ هي عَمَهُهم في الكُفْرِ وخَبْطُهم في الضَلالِ، يُعاقِبُهُمُ اللهُ عَلى الكُفْرِ والإعْراضِ بِالخَتْمِ عَلى قُلُوبِهِمْ والخَتْمِ بِالنارِ عَلَيْهِمْ، وإذْ كَفَرُوا بِسُورَةٍ فَقَدْ زادَ كُفْرُهم فَذَلِكَ زِيادَةُ رِجْسٍ إلى رِجْسِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ الآيَةُ، قَرَأ الجُمْهُورُ: "أوَ لا يَرَوْنَ" بِالياءِ عَلى مَعْنى: أو لا يَرى المُنافِقُونَ. وقَرَأ حَمْزَةُ: "أو لا تَرَوْنَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى: أو لا تَرَوْنَ أيُّها المُؤْمِنُونَ، فَهَذا تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والأعْمَشُ: "أو لا تَرى" أيْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ. ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أيْضًا: "أو لَمْ تَرَوْا". وذَكَرَ عنهُ أبُو حاتِمٍ: "أو لَمْ يَرَوْا"، وقالَ مُجاهِدٌ: "يُفْتَنُونَ" مَعْناهُ: يُخْتَبَرُونَ بِالسَنَةِ (p-٤٣٩)والجُوعِ، وحَكى عنهُ النَقّاشُ أنَّهُ قالَ: مَرْضَةً أو مَرْضَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: يُخْتَبَرُونَ بِالأمْرِ بِالجِهادِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِمّا قَبْلَ الآيَةِ ومِمّا بَعْدَها أنَّ الفِتْنَةَ والِاخْتِبارَ إنَّما هي بِكَشْفِ اللهِ تَعالى أسْرارَهم وإفْشائِهِ عَقائِدَهُمْ، فَهَذا هو الِاخْتِبارُ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بِرُؤْيَتِهِ وتَرْكِ التَوْبَةِ، وأمّا الجِهادُ أوِ الجُوعُ فَلا يُتَرَقَّبُ مَعَهُما ما ذَكَرْناهُ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: أفَلا يَزْدَجِرُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تُفْضَحُ سَرائِرُهم كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ بِحَسَبِ واحِدٍ واحِدٍ، ويَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ فَيَتُوبُونَ ويَتَذَكَّرُونَ وعْدَ اللهِ ووَعِيدَهُ، وأمّا الِاخْتِبارُ في المَرَضِ فَهو في المُؤْمِنِينَ، وقَدْ كانَ الحَسَنُ يُنْشِدُ: ؎ أفِي كُلِّ عامٍ مَرْضَةٌ ثُمَّ نَقْهَةٌ ∗∗∗ فَحَتّى مَتى حَتّى مَتى وإلى مَتى؟ وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: يُفْتَنُونَ بِما يُشِيعُهُ المُشْرِكُونَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الأكاذِيبِ، فَكانَ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُفْتَنُونَ في ذَلِكَ، وحَكى الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ عن حُذَيْفَةَ وهو غَرِيبٌ مِنَ المَعْنى.

التوبة 9:127

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( بَعْضُهم ) عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، والمَعْنى: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فِيها فَضِيحَةُ أسْرارِهِمْ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، يَفْهَمُ مِن تِلْكَ النَظْرَةِ التَقْرِيرَ، هَلْ مَعَكم مَن يَنْقُلُ عنكُمْ؟ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ حِينَ تُدَبِّرُونَ أُمُورَكُمْ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ مَعْناهُ: عن طَرِيقِ الِاهْتِداءِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَما يُبَيَّنُ لَهم كَشْفُ أسْرارِهِمْ والإعْلامُ بِمُغَيَّباتِ أُمُورِهِمْ يَقَعُ لَهم لا مَحالَةَ تَعَجُّبٌ وتَوَقُّفٌ ونَظَرٌ، فَلَوِ اهْتَدَوْا لَكانَ ذَلِكَ الوَقْتُ مَظِنَّةَ ذَلِكَ، فَهم إذْ يُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ ويَرْتَبِكُونَ فِيهِ كَأنَّهُمُ انْصَرَفُوا عن تِلْكَ الحالِ الَّتِي كانَتْ مَظِنَّةً لِلنَّظَرِ الصَحِيحِ والِاهْتِداءِ، وابْتَدَأ (p-٤٤٠)بِالفِعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِمْ إذْ هو تَعْدِيدُ ذَنْبٍ عَلى ما قَدْ بَيَّناهُ. وقَوْلُهُ: ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، أيِ اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَفْهَمُونَ عَنِ اللهِ ولا عن رَسُولِهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "لا تَقُولُوا: انْصَرَفْنا مِنَ الصَلاةِ، فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا فَصَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ، ولَكِنْ قُولُوا: قَضَيْنا الصَلاةَ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا النَظَرُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو إيماءٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: "نَظَرَ" في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعِ: "قالَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْعَرَبِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهَذا عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، إذْ جاءَ بِلِسانِهِمْ وبِما يَفْهَمُونَهُ مِنَ الأغْراضِ والفَصاحَةِ وشُرِّفُوا بِهِ غابِرَ الأيّامِ. وقالَ الزَجّاجُ: هي مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، والمَعْنى: لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِنَ البَشَرِ، والأوَّلُ أصْوَبُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ يَقْتَضِي مَدْحًا لِنَسَبِ النَبِيِّ ﷺ وأنَّهُ مِن صَمِيمِ العَرَبِ وأشْرَفِها، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ ﷺ: « "إنَّ اللهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ، واصْطَفى بَنِي هاشِمٍ مِن قُرَيْشٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ"»، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "إنِّي مِن نِكاحٍ ولَسْتُ مِن سِفاحٍ"»، مَعْناهُ: أنَّ نَسَبَهُ ﷺ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنِ النَسْلُ فِيهِ إلّا مِن نِكاحٍ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ زِنًى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ قُسَيْطٍ المَكِّيُّ: "مِن أنْفَسِكُمْ" (p-٤٤١)بِفَتْحِ الفاءِ مِنَ النَفاسَةِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ وعن فاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَواها عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقَوْلُهُ: ﴿ما عَنِتُّمْ﴾ مَعْناهُ: عُنَتُكُمْ، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وهي ابْتِداءٌ، و"عَزِيزٌ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما عَنِتُّمْ" فاعِلًا بِـ "عَزِيزٌ" و"عَزِيزٌ" صِفَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وهَذا أصْوَبُ مِنَ الأوَّلِ. والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، وهي هُنا لَفْظَةٌ عامَّةٌ، أيْ: ما شَقَّ عَلَيْكم مِن كُفْرٍ وضَلالٍ بِحَسَبِ الحَقِّ، ومِن قَتْلٍ أو إسارٍ وامْتِحانٍ بِسَبَبِ الحَقِّ واعْتِقادِكم أيْضًا مَعَهُ، وقالَقَتادَةُ: المَعْنى: عَنَتُ مُؤْمِنِيكم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَعْمِيمُ عَنَتِ الجَمِيعِ أوجَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ يُرِيدُ: عَلى إيمانِكم وهُداكُمْ، وقَوْلِهِ: رَؤُفٌ مَعْناهُ: مُبالِغٌ في الشَفَقَةِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَأْفَةُ أرَقُّ مِنَ الرَحْمَةِ. وقَرَأ "رَؤُفٌ" دُونَ مَدٍّ؛ الأعْمَشُ، وأهْلُ الكُوفَةِ، وأبُو عَمْرٍو. ثُمَّ خاطَبَ النَبِيَّ ﷺ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ عَلَيْهِمْ هَذِهِ النِعْمَةَ فَقالَ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يا مُحَمَّدُ، أيْ (p-٤٤٢)أعْرَضُوا بَعْدَ هَذِهِ الحالِ المُتَقَرِّرَةِ الَّتِي مَنَّ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِها ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ مَعْناهُ: وأعْمالُكَ بِحَسَبِ قَوْلِكَ مِنَ التَفْوِيضِ إلى اللهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ والجِدِّ في قِتالِهِمْ. ولَيْسَتْ بِآيَةِ مُوادَعَةٍ لِأنَّها مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وخُصِّصَ العَرْشُ بِالذِكْرِ إذْ هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "العَظِيمُ" بِرَفْعِ المِيمِ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وهاتانِ الآيَتانِ لَمْ تُوجَدا حِينَ جُمِعَ المُصْحَفُ إلّا في حِفْظِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ، "وَوَقَعَ في البُخارِيِّ: أو أبِي خُزَيْمَةَ"، فَلَمّا جاءَ بِهِما تَذَكَّرَهُما كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ، وقَدْ كانَ زَيْدٌ يَعْرِفُهُما ولِذَلِكَ قالَ: "فَقَدْتُ آيَتَيْنِ مِن آخَرِ سُورَةِ التَوْبَةِ". ولَوْ لَمْ يَعْرِفْهُما لَمْ يَدْرِ هَلْ فَقَدَ شَيْئًا أمْ لا، فَإنَّما ثَبَتَتِ الآيَةُ بِالإجْماعِ لا بِخُزَيْمَةَ وحْدَهُ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في كِتابِهِ قالَ: كانَ عُمَرُ لا يُثْبِتُ آيَةً في المُصْحَفِ إلّا أنْ يَشْهَدَ عَلَيْها رَجُلانِ، فَلَمّا جاءَ خُزَيْمَةُ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قالَ: واللهِ لا أسْألُكَ عَلَيْهِما بَيِّنَةً أبَدًا فَإنَّهُ هَكَذا كانَ ﷺ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي صِفَةَ النَبِيِّ ﷺ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآيَةُ، وهَذا -واللهُ أعْلَمُ- قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في مُدَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ الجَمْعِ الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ فُقِدَتِ الآيَتانِ، ولَمْ يُجْمَعْ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ في خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وخُزَيْمَةُ بْنُ ثابِتٍ هو المَعْرُوفُ بِذِي الشَهادَتَيْنِ، وعُرِفَ بِذَلِكَ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمْضى شَهادَتَهُ وحْدَهُ في ابْتِياعِ فَرَسٍ وحَكَمَ بِها لِنَفْسِهِ ﷺ، وهَذا خُصُوصٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. وذَكَرَ النَقّاشُ (p-٤٤٣)عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: أقْرَبُ القُرْآنِ عَهْدًا بِاللهِ تَعالى هاتانِ الآيَتانِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ. انْتَهى بِعَوْنِ اللهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ سُورَةُ التَوْبَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

التوبة 9:128

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( بَعْضُهم ) عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، والمَعْنى: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فِيها فَضِيحَةُ أسْرارِهِمْ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، يَفْهَمُ مِن تِلْكَ النَظْرَةِ التَقْرِيرَ، هَلْ مَعَكم مَن يَنْقُلُ عنكُمْ؟ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ حِينَ تُدَبِّرُونَ أُمُورَكُمْ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ مَعْناهُ: عن طَرِيقِ الِاهْتِداءِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَما يُبَيَّنُ لَهم كَشْفُ أسْرارِهِمْ والإعْلامُ بِمُغَيَّباتِ أُمُورِهِمْ يَقَعُ لَهم لا مَحالَةَ تَعَجُّبٌ وتَوَقُّفٌ ونَظَرٌ، فَلَوِ اهْتَدَوْا لَكانَ ذَلِكَ الوَقْتُ مَظِنَّةَ ذَلِكَ، فَهم إذْ يُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ ويَرْتَبِكُونَ فِيهِ كَأنَّهُمُ انْصَرَفُوا عن تِلْكَ الحالِ الَّتِي كانَتْ مَظِنَّةً لِلنَّظَرِ الصَحِيحِ والِاهْتِداءِ، وابْتَدَأ (p-٤٤٠)بِالفِعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِمْ إذْ هو تَعْدِيدُ ذَنْبٍ عَلى ما قَدْ بَيَّناهُ. وقَوْلُهُ: ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، أيِ اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَفْهَمُونَ عَنِ اللهِ ولا عن رَسُولِهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "لا تَقُولُوا: انْصَرَفْنا مِنَ الصَلاةِ، فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا فَصَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ، ولَكِنْ قُولُوا: قَضَيْنا الصَلاةَ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا النَظَرُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو إيماءٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: "نَظَرَ" في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعِ: "قالَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْعَرَبِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهَذا عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، إذْ جاءَ بِلِسانِهِمْ وبِما يَفْهَمُونَهُ مِنَ الأغْراضِ والفَصاحَةِ وشُرِّفُوا بِهِ غابِرَ الأيّامِ. وقالَ الزَجّاجُ: هي مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، والمَعْنى: لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِنَ البَشَرِ، والأوَّلُ أصْوَبُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ يَقْتَضِي مَدْحًا لِنَسَبِ النَبِيِّ ﷺ وأنَّهُ مِن صَمِيمِ العَرَبِ وأشْرَفِها، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ ﷺ: « "إنَّ اللهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ، واصْطَفى بَنِي هاشِمٍ مِن قُرَيْشٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ"»، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "إنِّي مِن نِكاحٍ ولَسْتُ مِن سِفاحٍ"»، مَعْناهُ: أنَّ نَسَبَهُ ﷺ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنِ النَسْلُ فِيهِ إلّا مِن نِكاحٍ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ زِنًى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ قُسَيْطٍ المَكِّيُّ: "مِن أنْفَسِكُمْ" (p-٤٤١)بِفَتْحِ الفاءِ مِنَ النَفاسَةِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ وعن فاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَواها عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقَوْلُهُ: ﴿ما عَنِتُّمْ﴾ مَعْناهُ: عُنَتُكُمْ، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وهي ابْتِداءٌ، و"عَزِيزٌ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما عَنِتُّمْ" فاعِلًا بِـ "عَزِيزٌ" و"عَزِيزٌ" صِفَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وهَذا أصْوَبُ مِنَ الأوَّلِ. والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، وهي هُنا لَفْظَةٌ عامَّةٌ، أيْ: ما شَقَّ عَلَيْكم مِن كُفْرٍ وضَلالٍ بِحَسَبِ الحَقِّ، ومِن قَتْلٍ أو إسارٍ وامْتِحانٍ بِسَبَبِ الحَقِّ واعْتِقادِكم أيْضًا مَعَهُ، وقالَقَتادَةُ: المَعْنى: عَنَتُ مُؤْمِنِيكم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَعْمِيمُ عَنَتِ الجَمِيعِ أوجَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ يُرِيدُ: عَلى إيمانِكم وهُداكُمْ، وقَوْلِهِ: رَؤُفٌ مَعْناهُ: مُبالِغٌ في الشَفَقَةِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَأْفَةُ أرَقُّ مِنَ الرَحْمَةِ. وقَرَأ "رَؤُفٌ" دُونَ مَدٍّ؛ الأعْمَشُ، وأهْلُ الكُوفَةِ، وأبُو عَمْرٍو. ثُمَّ خاطَبَ النَبِيَّ ﷺ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ عَلَيْهِمْ هَذِهِ النِعْمَةَ فَقالَ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يا مُحَمَّدُ، أيْ (p-٤٤٢)أعْرَضُوا بَعْدَ هَذِهِ الحالِ المُتَقَرِّرَةِ الَّتِي مَنَّ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِها ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ مَعْناهُ: وأعْمالُكَ بِحَسَبِ قَوْلِكَ مِنَ التَفْوِيضِ إلى اللهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ والجِدِّ في قِتالِهِمْ. ولَيْسَتْ بِآيَةِ مُوادَعَةٍ لِأنَّها مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وخُصِّصَ العَرْشُ بِالذِكْرِ إذْ هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "العَظِيمُ" بِرَفْعِ المِيمِ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وهاتانِ الآيَتانِ لَمْ تُوجَدا حِينَ جُمِعَ المُصْحَفُ إلّا في حِفْظِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ، "وَوَقَعَ في البُخارِيِّ: أو أبِي خُزَيْمَةَ"، فَلَمّا جاءَ بِهِما تَذَكَّرَهُما كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ، وقَدْ كانَ زَيْدٌ يَعْرِفُهُما ولِذَلِكَ قالَ: "فَقَدْتُ آيَتَيْنِ مِن آخَرِ سُورَةِ التَوْبَةِ". ولَوْ لَمْ يَعْرِفْهُما لَمْ يَدْرِ هَلْ فَقَدَ شَيْئًا أمْ لا، فَإنَّما ثَبَتَتِ الآيَةُ بِالإجْماعِ لا بِخُزَيْمَةَ وحْدَهُ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في كِتابِهِ قالَ: كانَ عُمَرُ لا يُثْبِتُ آيَةً في المُصْحَفِ إلّا أنْ يَشْهَدَ عَلَيْها رَجُلانِ، فَلَمّا جاءَ خُزَيْمَةُ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قالَ: واللهِ لا أسْألُكَ عَلَيْهِما بَيِّنَةً أبَدًا فَإنَّهُ هَكَذا كانَ ﷺ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي صِفَةَ النَبِيِّ ﷺ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآيَةُ، وهَذا -واللهُ أعْلَمُ- قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في مُدَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ الجَمْعِ الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ فُقِدَتِ الآيَتانِ، ولَمْ يُجْمَعْ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ في خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وخُزَيْمَةُ بْنُ ثابِتٍ هو المَعْرُوفُ بِذِي الشَهادَتَيْنِ، وعُرِفَ بِذَلِكَ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمْضى شَهادَتَهُ وحْدَهُ في ابْتِياعِ فَرَسٍ وحَكَمَ بِها لِنَفْسِهِ ﷺ، وهَذا خُصُوصٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. وذَكَرَ النَقّاشُ (p-٤٤٣)عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: أقْرَبُ القُرْآنِ عَهْدًا بِاللهِ تَعالى هاتانِ الآيَتانِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ. انْتَهى بِعَوْنِ اللهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ سُورَةُ التَوْبَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

التوبة 9:129

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( بَعْضُهم ) عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ، والمَعْنى: وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فِيها فَضِيحَةُ أسْرارِهِمْ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، يَفْهَمُ مِن تِلْكَ النَظْرَةِ التَقْرِيرَ، هَلْ مَعَكم مَن يَنْقُلُ عنكُمْ؟ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ حِينَ تُدَبِّرُونَ أُمُورَكُمْ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ مَعْناهُ: عن طَرِيقِ الِاهْتِداءِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَما يُبَيَّنُ لَهم كَشْفُ أسْرارِهِمْ والإعْلامُ بِمُغَيَّباتِ أُمُورِهِمْ يَقَعُ لَهم لا مَحالَةَ تَعَجُّبٌ وتَوَقُّفٌ ونَظَرٌ، فَلَوِ اهْتَدَوْا لَكانَ ذَلِكَ الوَقْتُ مَظِنَّةَ ذَلِكَ، فَهم إذْ يُصَمِّمُونَ عَلى الكُفْرِ ويَرْتَبِكُونَ فِيهِ كَأنَّهُمُ انْصَرَفُوا عن تِلْكَ الحالِ الَّتِي كانَتْ مَظِنَّةً لِلنَّظَرِ الصَحِيحِ والِاهْتِداءِ، وابْتَدَأ (p-٤٤٠)بِالفِعْلِ المُسْنَدِ إلَيْهِمْ إذْ هو تَعْدِيدُ ذَنْبٍ عَلى ما قَدْ بَيَّناهُ. وقَوْلُهُ: ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا، أيِ اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ ﴿بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ لا يَفْهَمُونَ عَنِ اللهِ ولا عن رَسُولِهِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "لا تَقُولُوا: انْصَرَفْنا مِنَ الصَلاةِ، فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا فَصَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ، ولَكِنْ قُولُوا: قَضَيْنا الصَلاةَ". قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا النَظَرُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو إيماءٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: "نَظَرَ" في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعِ: "قالَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْعَرَبِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهَذا عَلى جِهَةِ تَعْدِيدِ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ، إذْ جاءَ بِلِسانِهِمْ وبِما يَفْهَمُونَهُ مِنَ الأغْراضِ والفَصاحَةِ وشُرِّفُوا بِهِ غابِرَ الأيّامِ. وقالَ الزَجّاجُ: هي مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ العالَمِ، والمَعْنى: لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِنَ البَشَرِ، والأوَّلُ أصْوَبُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾ يَقْتَضِي مَدْحًا لِنَسَبِ النَبِيِّ ﷺ وأنَّهُ مِن صَمِيمِ العَرَبِ وأشْرَفِها، ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ ﷺ: « "إنَّ اللهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ، واصْطَفى بَنِي هاشِمٍ مِن قُرَيْشٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ"»، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "إنِّي مِن نِكاحٍ ولَسْتُ مِن سِفاحٍ"»، مَعْناهُ: أنَّ نَسَبَهُ ﷺ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنِ النَسْلُ فِيهِ إلّا مِن نِكاحٍ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ زِنًى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ قُسَيْطٍ المَكِّيُّ: "مِن أنْفَسِكُمْ" (p-٤٤١)بِفَتْحِ الفاءِ مِنَ النَفاسَةِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ وعن فاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَواها عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقَوْلُهُ: ﴿ما عَنِتُّمْ﴾ مَعْناهُ: عُنَتُكُمْ، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وهي ابْتِداءٌ، و"عَزِيزٌ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما عَنِتُّمْ" فاعِلًا بِـ "عَزِيزٌ" و"عَزِيزٌ" صِفَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وهَذا أصْوَبُ مِنَ الأوَّلِ. والعَنَتُ: المَشَقَّةُ، وهي هُنا لَفْظَةٌ عامَّةٌ، أيْ: ما شَقَّ عَلَيْكم مِن كُفْرٍ وضَلالٍ بِحَسَبِ الحَقِّ، ومِن قَتْلٍ أو إسارٍ وامْتِحانٍ بِسَبَبِ الحَقِّ واعْتِقادِكم أيْضًا مَعَهُ، وقالَقَتادَةُ: المَعْنى: عَنَتُ مُؤْمِنِيكم. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَعْمِيمُ عَنَتِ الجَمِيعِ أوجَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ يُرِيدُ: عَلى إيمانِكم وهُداكُمْ، وقَوْلِهِ: رَؤُفٌ مَعْناهُ: مُبالِغٌ في الشَفَقَةِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الرَأْفَةُ أرَقُّ مِنَ الرَحْمَةِ. وقَرَأ "رَؤُفٌ" دُونَ مَدٍّ؛ الأعْمَشُ، وأهْلُ الكُوفَةِ، وأبُو عَمْرٍو. ثُمَّ خاطَبَ النَبِيَّ ﷺ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ عَلَيْهِمْ هَذِهِ النِعْمَةَ فَقالَ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ يا مُحَمَّدُ، أيْ (p-٤٤٢)أعْرَضُوا بَعْدَ هَذِهِ الحالِ المُتَقَرِّرَةِ الَّتِي مَنَّ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِها ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ مَعْناهُ: وأعْمالُكَ بِحَسَبِ قَوْلِكَ مِنَ التَفْوِيضِ إلى اللهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ والجِدِّ في قِتالِهِمْ. ولَيْسَتْ بِآيَةِ مُوادَعَةٍ لِأنَّها مِن آخِرِ ما نَزَلَ، وخُصِّصَ العَرْشُ بِالذِكْرِ إذْ هو أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "العَظِيمُ" بِرَفْعِ المِيمِ صِفَةٌ لِلرَّبِّ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ. وهاتانِ الآيَتانِ لَمْ تُوجَدا حِينَ جُمِعَ المُصْحَفُ إلّا في حِفْظِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ، "وَوَقَعَ في البُخارِيِّ: أو أبِي خُزَيْمَةَ"، فَلَمّا جاءَ بِهِما تَذَكَّرَهُما كَثِيرٌ مِنَ الصَحابَةِ، وقَدْ كانَ زَيْدٌ يَعْرِفُهُما ولِذَلِكَ قالَ: "فَقَدْتُ آيَتَيْنِ مِن آخَرِ سُورَةِ التَوْبَةِ". ولَوْ لَمْ يَعْرِفْهُما لَمْ يَدْرِ هَلْ فَقَدَ شَيْئًا أمْ لا، فَإنَّما ثَبَتَتِ الآيَةُ بِالإجْماعِ لا بِخُزَيْمَةَ وحْدَهُ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ في كِتابِهِ قالَ: كانَ عُمَرُ لا يُثْبِتُ آيَةً في المُصْحَفِ إلّا أنْ يَشْهَدَ عَلَيْها رَجُلانِ، فَلَمّا جاءَ خُزَيْمَةُ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قالَ: واللهِ لا أسْألُكَ عَلَيْهِما بَيِّنَةً أبَدًا فَإنَّهُ هَكَذا كانَ ﷺ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي صِفَةَ النَبِيِّ ﷺ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الآيَةُ، وهَذا -واللهُ أعْلَمُ- قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في مُدَّةِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ الجَمْعِ الأوَّلِ، وحِينَئِذٍ فُقِدَتِ الآيَتانِ، ولَمْ يُجْمَعْ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ في خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وخُزَيْمَةُ بْنُ ثابِتٍ هو المَعْرُوفُ بِذِي الشَهادَتَيْنِ، وعُرِفَ بِذَلِكَ لِأنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمْضى شَهادَتَهُ وحْدَهُ في ابْتِياعِ فَرَسٍ وحَكَمَ بِها لِنَفْسِهِ ﷺ، وهَذا خُصُوصٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. وذَكَرَ النَقّاشُ (p-٤٤٣)عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ: أقْرَبُ القُرْآنِ عَهْدًا بِاللهِ تَعالى هاتانِ الآيَتانِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ. انْتَهى بِعَوْنِ اللهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ سُورَةُ التَوْبَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

يونس 10:1

(p-٤٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ هَذِهِ السُورَةُ هي مَكِّيَّةٌ، قالَ مُقاتِلٌ: إلّا آيَتَيْنِ وهي قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠] نَزَلَتْ في اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَ مِن أوَّلِها نَحْوٌ مِن أرْبَعِينَ آيَةً بِمَكَّةَ وباقِيها بِالمَدِينَةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ الناسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في فَواتِحِ السُوَرِ، وتِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها تَتَرَتَّبُ هُنا، وفي هَذا المَوْضِعِ قَوْلٌ يَخْتَصُّ بِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والشَعْبِيُّ: "الر" و"حم" و"ن" هو "الرَحْمَنُ" قُطِّعَ اللَفْظُ في أوائِلِ هَذِهِ السُوَرِ. واخْتُلِفَ عن نافِعٍ في إمالَةِ الراءِ، والقِياسُ ألّا تُمالَ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفَ (p-٤٤٥)القُرّاءُ، وعِلَّةُ مَن أمالَ الراءَ أنْ يَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّها اسْمٌ لِلْحَرْفِ ولَيْسَتْ بِحَرْفٍ في نَفْسِها وإنَّما الحَرْفُ "ر". وقَوْلُهُ تَعالى: "تِلْكَ" قِيلَ: هو بِمَعْنى: "هَذِهِ"، وقَدْ يُشْبِهُ أنْ يَتَّصِلَ المَعْنى بِـ "تِلْكَ" دُونَ أنْ نُقَدِّرَها بَدَلَ غَيْرِها، والنَظَرُ في هَذِهِ اللَفْظَةِ إنَّما يَتَرَكَّبُ عَلى الخِلافِ في فَواتِحِ السُوَرِ فَتَدَبَّرْهُ. و"الكِتابِ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: المُرادُ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وهو الأظْهَرُ، و"الحَكِيمِ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُحْكَمٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣]، أيْ مُعْتَدٌّ مُعَدٌّ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ "حَكِيمٍ" بِمَعْنى: ذُو حِكْمَةٍ فَهو عَلى النَسَبِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "فَهُوَ مِثْلُ ألِيمٍ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ" ثُمَّ قالَ: هو الَّذِي أحْكَمَهُ وبَيَّنَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَساقَ قَوْلَيْنِ عَلى أنَّهُما واحِدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جَرِيحٍ، وغَيْرُهُما: نُسِبَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ قُرَيْشًا اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وقالَ الزَجّاجُ: إنَّما عَجِبُوا مِن إخْبارِهِ أنَّهم يُبْعَثُونَ مِنَ القُبُورِ، إذِ النِذارَةُ والبِشارَةُ تَتَضَمَّنانِ ذَلِكَ، وكَثُرَ كَلامُهم في ذَلِكَ حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: أما وجَدَ اللهُ مَن يَبْعَثُ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ؟ ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقاوِيلِ الَّتِي اخْتَصَرْتُها لِشُهْرَتِها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وقَوْلُهُ: (p-٤٤٦)"أكانَ" تَقْرِيرٌ، والمُرادُ بِـ "الناسِ": قائِلُو هَذِهِ المَقالَةِ. و"عَجَبًا" خَبَرُ "كانَ"، واسْمُها: "أنْ أوحَيْنا"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أكانَ لِلنّاسِ عَجَبٌ"، وجَعَلَ الخَبَرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "أنْ أوحَيْنا"، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ الِاسْمَ مَعْرِفَةٌ والخَبَرُ نَكِرَةٌ وهَذا القَلْبُ لا يَصِحُّ ولا يَجِيءُ إلّا شاذًّا، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ .......................... ∗∗∗ يَكُونُ مِزاجُها عَسَلٌ وماءُ ولَفْظَةُ العَجَبِ هُنا لَيْسَتْ بِمَعْنى التَعَجُّبِ فَقَطْ، بَلْ مَعْناهُ: أوَصَلَ إنْكارُهم وتَعَجُّبُهم إلى التَكْذِيبِ؟ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلى رَجْلٍ" بِسُكُونِ الجِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَ الوَحْيُ وقَسَّمَهُ عَلى النِذارَةِ لِلْكافِرِينَ والبِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ. والقَدَمُ هُنا-: ما قَدَّمَ. واخْتُلِفَ في المُرادِ بِها هاهُنا فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هي الأعْمالُ الصالِحَةُ مِنَ العِباداتِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: هي شَفاعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وغَيْرُهُ: هي المُصِيبَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِمَوْتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا، وغَيْرُهُ: هي السَعادَةُ السابِقَةُ لَهم في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، وهَذا ألْيَقُ الأقْوالِ بِالآيَةِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ لَنا القَدَمُ العُلْيا إلَيْكَ وخَلْفُنا ∗∗∗ ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللهِ تابِعُ (p-٤٤٧)وَقَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ الناسُ أنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ مَعَ الحَسَبِ العالِي طَمَّتْ عَلى البَحْرِ ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: « "حَتّى يَضَعَ الجَبّارُ فِيها قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ"» أيْ ما قَدَّمَ لَها مِن خَلْقِهِ، هَذا عَلى أنَّ "الجَبّارَ" اسْمُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ومَن جَعَلَهُ اسْمَ جِنْسٍ كَأنَّهُ أرادَ الجَبّارِينَ مِن بَنِي آدَمَ، فالقَدَمُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الجارِحَةُ. والصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الصَلاحِ، كَما تَقُولُ: رَجُلٌ صِدْقٌ ورَجُلُ سُوءٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: "أكانَ وحْيُنا إلى بَشَرٍ عَجَبًا؟" قالَ الكافِرُونَ عنهُ كَذا وكَذا؟ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أنْذَرَ وبَشَّرَ قالَ الكافِرُونَ كَذا وكَذا، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ: "إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ"، وقَرَأ مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِخِلافٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عنهُ: "إنَّ هَذا لَساحِرٌ"، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "قالَ الكافِرُونَ ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ". وقَوْلُهم في الإنْذارِ والبِشارَةِ سِحْرٌ إنَّما هو (p-٤٤٨)بِسَبَبٍ أنَّهُ فَرَّقَ بِذَلِكَ كَلِمَتَهم وحالَ بَيْنَ القَرِيبِ وقَرِيبِهِ فَأشْبَهَ بِذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ الساحِرُ فَظَنُّوهُ مِن ذَلِكَ البابِ.

يونس 10:2

(p-٤٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ هَذِهِ السُورَةُ هي مَكِّيَّةٌ، قالَ مُقاتِلٌ: إلّا آيَتَيْنِ وهي قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ [يونس: ٩٤] نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠] نَزَلَتْ في اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَ مِن أوَّلِها نَحْوٌ مِن أرْبَعِينَ آيَةً بِمَكَّةَ وباقِيها بِالمَدِينَةِ. قوله عزّ وجلّ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ الناسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في فَواتِحِ السُوَرِ، وتِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها تَتَرَتَّبُ هُنا، وفي هَذا المَوْضِعِ قَوْلٌ يَخْتَصُّ بِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والشَعْبِيُّ: "الر" و"حم" و"ن" هو "الرَحْمَنُ" قُطِّعَ اللَفْظُ في أوائِلِ هَذِهِ السُوَرِ. واخْتُلِفَ عن نافِعٍ في إمالَةِ الراءِ، والقِياسُ ألّا تُمالَ. وكَذَلِكَ اخْتَلَفَ (p-٤٤٥)القُرّاءُ، وعِلَّةُ مَن أمالَ الراءَ أنْ يَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّها اسْمٌ لِلْحَرْفِ ولَيْسَتْ بِحَرْفٍ في نَفْسِها وإنَّما الحَرْفُ "ر". وقَوْلُهُ تَعالى: "تِلْكَ" قِيلَ: هو بِمَعْنى: "هَذِهِ"، وقَدْ يُشْبِهُ أنْ يَتَّصِلَ المَعْنى بِـ "تِلْكَ" دُونَ أنْ نُقَدِّرَها بَدَلَ غَيْرِها، والنَظَرُ في هَذِهِ اللَفْظَةِ إنَّما يَتَرَكَّبُ عَلى الخِلافِ في فَواتِحِ السُوَرِ فَتَدَبَّرْهُ. و"الكِتابِ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: المُرادُ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهِ القُرْآنُ، وهو الأظْهَرُ، و"الحَكِيمِ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُحْكَمٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢٣]، أيْ مُعْتَدٌّ مُعَدٌّ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ "حَكِيمٍ" بِمَعْنى: ذُو حِكْمَةٍ فَهو عَلى النَسَبِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "فَهُوَ مِثْلُ ألِيمٍ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ" ثُمَّ قالَ: هو الَّذِي أحْكَمَهُ وبَيَّنَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَساقَ قَوْلَيْنِ عَلى أنَّهُما واحِدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جَرِيحٍ، وغَيْرُهُما: نُسِبَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ قُرَيْشًا اسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وقالَ الزَجّاجُ: إنَّما عَجِبُوا مِن إخْبارِهِ أنَّهم يُبْعَثُونَ مِنَ القُبُورِ، إذِ النِذارَةُ والبِشارَةُ تَتَضَمَّنانِ ذَلِكَ، وكَثُرَ كَلامُهم في ذَلِكَ حَتّى قالَ بَعْضُهُمْ: أما وجَدَ اللهُ مَن يَبْعَثُ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ؟ ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقاوِيلِ الَّتِي اخْتَصَرْتُها لِشُهْرَتِها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وقَوْلُهُ: (p-٤٤٦)"أكانَ" تَقْرِيرٌ، والمُرادُ بِـ "الناسِ": قائِلُو هَذِهِ المَقالَةِ. و"عَجَبًا" خَبَرُ "كانَ"، واسْمُها: "أنْ أوحَيْنا"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أكانَ لِلنّاسِ عَجَبٌ"، وجَعَلَ الخَبَرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "أنْ أوحَيْنا"، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ الِاسْمَ مَعْرِفَةٌ والخَبَرُ نَكِرَةٌ وهَذا القَلْبُ لا يَصِحُّ ولا يَجِيءُ إلّا شاذًّا، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ .......................... ∗∗∗ يَكُونُ مِزاجُها عَسَلٌ وماءُ ولَفْظَةُ العَجَبِ هُنا لَيْسَتْ بِمَعْنى التَعَجُّبِ فَقَطْ، بَلْ مَعْناهُ: أوَصَلَ إنْكارُهم وتَعَجُّبُهم إلى التَكْذِيبِ؟ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلى رَجْلٍ" بِسُكُونِ الجِيمِ، ثُمَّ فَسَّرَ الوَحْيُ وقَسَّمَهُ عَلى النِذارَةِ لِلْكافِرِينَ والبِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ. والقَدَمُ هُنا-: ما قَدَّمَ. واخْتُلِفَ في المُرادِ بِها هاهُنا فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: هي الأعْمالُ الصالِحَةُ مِنَ العِباداتِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: هي شَفاعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وغَيْرُهُ: هي المُصِيبَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِمَوْتِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا، وغَيْرُهُ: هي السَعادَةُ السابِقَةُ لَهم في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، وهَذا ألْيَقُ الأقْوالِ بِالآيَةِ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ حَسّانَ: ؎ لَنا القَدَمُ العُلْيا إلَيْكَ وخَلْفُنا ∗∗∗ ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللهِ تابِعُ (p-٤٤٧)وَقَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: ؎ لَكم قَدَمٌ لا يُنْكِرُ الناسُ أنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ مَعَ الحَسَبِ العالِي طَمَّتْ عَلى البَحْرِ ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في صِفَةِ جَهَنَّمَ: « "حَتّى يَضَعَ الجَبّارُ فِيها قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ"» أيْ ما قَدَّمَ لَها مِن خَلْقِهِ، هَذا عَلى أنَّ "الجَبّارَ" اسْمُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ومَن جَعَلَهُ اسْمَ جِنْسٍ كَأنَّهُ أرادَ الجَبّارِينَ مِن بَنِي آدَمَ، فالقَدَمُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- الجارِحَةُ. والصِدْقُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الصَلاحِ، كَما تَقُولُ: رَجُلٌ صِدْقٌ ورَجُلُ سُوءٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ: "أكانَ وحْيُنا إلى بَشَرٍ عَجَبًا؟" قالَ الكافِرُونَ عنهُ كَذا وكَذا؟ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا أنْذَرَ وبَشَّرَ قالَ الكافِرُونَ كَذا وكَذا، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ: "إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ"، وقَرَأ مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِخِلافٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ كَثِيرٍ بِخِلافٍ عنهُ: "إنَّ هَذا لَساحِرٌ"، والمَعْنى مُتَقارِبٌ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "قالَ الكافِرُونَ ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ". وقَوْلُهم في الإنْذارِ والبِشارَةِ سِحْرٌ إنَّما هو (p-٤٤٨)بِسَبَبٍ أنَّهُ فَرَّقَ بِذَلِكَ كَلِمَتَهم وحالَ بَيْنَ القَرِيبِ وقَرِيبِهِ فَأشْبَهَ بِذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ الساحِرُ فَظَنُّوهُ مِن ذَلِكَ البابِ.

يونس 10:3

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبَّكُمُ فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ هَذا ابْتِداءُ دُعاءٍ إلى عِبادَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وإعْلامٍ بِصِفاتِهِ، والخِطابُ بِها لِجَمِيعِ الناسِ، و﴿خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ﴾ هو عَلى ما تَقَرَّرَ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ الأرْضَ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ وهي دُخانٌ فَخَلَقَها ثُمَّ دَحى الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قِيلَ: هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ -وَهُوَ الصَوابُ-: بَلْ مِن أيّامِ الدُنْيا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ في التَقْدِيرِ، لِأنَّ الشَمْسَ وجَرْيَها لَمْ يَتَقَدَّمْ حِينَئِذٍ، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في خَلْقِ اللهِ المَخْلُوقاتِ: "إنَّ اللهَ ابْتَدَأ يَوْمَ الأحَدِ كَذا ويَوْمَ كَذا كَذا" إنَّما هو عَلى أنْ نُقَدِّرَ ذَلِكَ الزَمانَ ونَعْكِسَ إلَيْهِ التَجْرِبَةَ مِن حِينِ ابْتَدَأ تَرْتِيبُ اليَوْمِ واللَيْلَةِ. والمَشْهُورُ أنَّ اللهَ ابْتَدَأ بِالخَلْقِ يَوْمَ الأحَدِ، ووَقَعَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في كَتابِ مُسْلِمٍ، وفي الدَلائِلِ أنَّ البُداءَةَ وقَعَتْ يَوْمَ السَبْتِ، وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى هَذِهِ الأشْياءَ في مُدَّةٍ مَحْدُودَةٍ مُمْتَدَّةٍ وفي القُدْرَةِ أنْ يَقُولَ كُنْ فَيَكُونُ إنَّما هو لِيُعَلِّمَ عِبادَهُ التُؤَدَةَ والتَماهُلَ في الأُمُورِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِمّا لا يُوصَلُ تَعْلِيلُهُ، وعَلى هَذا هي الأجِنَّةُ في البُطُونِ وخَلْقُ الثِمارِ (p-٤٤٩)وَغَيْرُ ذَلِكَ، واللهِ عَزَّ وجَلَّ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا وهو أعْلَمُ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في ﴿المص﴾ [الأعراف: ١]. وقَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ يَصِحُّ أنْ يُرِيدَ بِـ "الأمْرَ" اسْمَ الجِنْسِ مِنَ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الأمْرَ الَّذِي هو مَصْدَرُ أمَرَ يَأْمُرُ أمْرًا، وتَدْبِيرُهُ لا إلَهَ إلّا هو إنَّما هو الإنْفاذُ لِأنَّهُ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ مَعْناهُ: يَقْضِيهِ وحْدَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ رَدٌّ عَلى العَرَبِ في اعْتِقادِها أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَها، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ هَذا الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ فاعْبُدُوهُ، ثُمَّ قَرَّرَهم عَلى هَذِهِ الآياتِ والعِبَرِ فَقالَ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: فَيَكُونُ التَذَكُّرُ سَبَبًا لِلِاهْتِداءِ. واخْتِصارُ القَوْلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ أنْ يَكُونَ اسْتَوى بِقَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ / وإمّا أنْ يَكُونَ "اسْتَوى" بِمَعْنى اسْتَوْلى إنْ صَحَّتِ اللَفْظَةُ في اللِسانِ، فَقَدْ قِيلَ في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ إنَّهُ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ وإمّا أنْ يَكُونَ فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتَوى. واسْتِيعابُ القَوْلِ قَدْ تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ الآيَةُ آيَةُ إنْباءٍ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وهي مِنَ الأُمُورِ الَّتِي جَوَّزَها العَقْلُ وأثْبَتَ وُقُوعَها الشَرْعُ. وقَوْلُهُ: "جَمِيعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "مَرْجِعُكُمْ"، "وَعْدَ اللهِ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "حَقًّا"، وقالَ أبُو الفَتْحِ: "حَقًّا" نَعْتٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنَّهُ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، والأعْمَشُ، وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ، وعَبْدُ اللهِ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، ومَوْضِعُها النَصْبُ عَلى تَقْدِيرِ: أُحِقُّ أنَّهُ، وقالَ الفَرّاءُ: مَوْضِعُها رَفْعٌ عَلى تَقْدِيرِ: يَحِقُّ أنَّهُ. (p-٤٥٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ "أنَّهُ" بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾، قالَ أبُو الفَتْحِ: إنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ: لِأنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ، أيْ: فَمَن في قُدْرَتِهِ هَذا فَهو غَنِيٌّ عن إخْلافِ الوَعْدِ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَهُ: وعَدَ اللهُ حَقًّا أنَّهُ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ المَصْدَرُ الَّذِي هو "وَعْدَ" لِأنَّهُ قَدْ وُصِفَ فَآذَنَ ذَلِكَ بِتَمامِهِ وقَطَعَ عَمَلَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "حَقٌّ" بِالرَفْعِ، فَهو ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ "أنَّهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ يُرِيدُ النَشْأةَ الأُولى، والإعادَةُ هي البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "يُبْدِئُ الخَلْقَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدالِ، وقَوْلُهُ: "لِيَجْزِيَ" هي لامُ كَيْ، والمَعْنى أنَّ الإعادَةَ إنَّما هي لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ، وقَوْلُهُ: "بِالقِسْطِ" أيْ بِالعَدْلِ في رَحْمَتِهِمْ وحُسْنِ جَزائِهِمْ، وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ابْتِداءٌ، والحَمِيمُ: الحارُّ المُسَخَّنُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، ومِنهُ الحُمامُ والحُمَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ المُرَقَّشِ: ؎ في كُلِّ يَوْمٍ لَها مِقْطَرَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وكِباءٌ مُعَدَّةٌ وحَمِيمُ وحَمِيمُ النارِ -فِيما ذُكِرَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ- إذا أدْناهُ الكافِرُ مِن فِيهِ تَساقَطَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وهو كَما وصَفَهُ اللهُ تَعالى: ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩].

يونس 10:4

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبَّكُمُ فاعْبُدُوهُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا وعْدَ اللهِ حَقًّا إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ هَذا ابْتِداءُ دُعاءٍ إلى عِبادَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وإعْلامٍ بِصِفاتِهِ، والخِطابُ بِها لِجَمِيعِ الناسِ، و﴿خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ﴾ هو عَلى ما تَقَرَّرَ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ الأرْضَ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ وهي دُخانٌ فَخَلَقَها ثُمَّ دَحى الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ قِيلَ: هي مِن أيّامِ الآخِرَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ -وَهُوَ الصَوابُ-: بَلْ مِن أيّامِ الدُنْيا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ في التَقْدِيرِ، لِأنَّ الشَمْسَ وجَرْيَها لَمْ يَتَقَدَّمْ حِينَئِذٍ، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في خَلْقِ اللهِ المَخْلُوقاتِ: "إنَّ اللهَ ابْتَدَأ يَوْمَ الأحَدِ كَذا ويَوْمَ كَذا كَذا" إنَّما هو عَلى أنْ نُقَدِّرَ ذَلِكَ الزَمانَ ونَعْكِسَ إلَيْهِ التَجْرِبَةَ مِن حِينِ ابْتَدَأ تَرْتِيبُ اليَوْمِ واللَيْلَةِ. والمَشْهُورُ أنَّ اللهَ ابْتَدَأ بِالخَلْقِ يَوْمَ الأحَدِ، ووَقَعَ في بَعْضِ الأحادِيثِ في كَتابِ مُسْلِمٍ، وفي الدَلائِلِ أنَّ البُداءَةَ وقَعَتْ يَوْمَ السَبْتِ، وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ الحِكْمَةَ في خَلْقِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى هَذِهِ الأشْياءَ في مُدَّةٍ مَحْدُودَةٍ مُمْتَدَّةٍ وفي القُدْرَةِ أنْ يَقُولَ كُنْ فَيَكُونُ إنَّما هو لِيُعَلِّمَ عِبادَهُ التُؤَدَةَ والتَماهُلَ في الأُمُورِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِمّا لا يُوصَلُ تَعْلِيلُهُ، وعَلى هَذا هي الأجِنَّةُ في البُطُونِ وخَلْقُ الثِمارِ (p-٤٤٩)وَغَيْرُ ذَلِكَ، واللهِ عَزَّ وجَلَّ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا وهو أعْلَمُ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في ﴿المص﴾ [الأعراف: ١]. وقَوْلُهُ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ يَصِحُّ أنْ يُرِيدَ بِـ "الأمْرَ" اسْمَ الجِنْسِ مِنَ الأُمُورِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الأمْرَ الَّذِي هو مَصْدَرُ أمَرَ يَأْمُرُ أمْرًا، وتَدْبِيرُهُ لا إلَهَ إلّا هو إنَّما هو الإنْفاذُ لِأنَّهُ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ مَعْناهُ: يَقْضِيهِ وحْدَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ رَدٌّ عَلى العَرَبِ في اعْتِقادِها أنَّ الأصْنامَ تَشْفَعُ لَها، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، أيْ هَذا الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ فاعْبُدُوهُ، ثُمَّ قَرَّرَهم عَلى هَذِهِ الآياتِ والعِبَرِ فَقالَ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: فَيَكُونُ التَذَكُّرُ سَبَبًا لِلِاهْتِداءِ. واخْتِصارُ القَوْلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ أنْ يَكُونَ اسْتَوى بِقَهْرِهِ وغَلَبَتِهِ / وإمّا أنْ يَكُونَ "اسْتَوى" بِمَعْنى اسْتَوْلى إنْ صَحَّتِ اللَفْظَةُ في اللِسانِ، فَقَدْ قِيلَ في قَوْلِ الشاعِرِ: ؎ قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ إنَّهُ بَيْتٌ مَصْنُوعٌ وإمّا أنْ يَكُونَ فَعَلَ فِعْلًا في العَرْشِ سَمّاهُ اسْتَوى. واسْتِيعابُ القَوْلِ قَدْ تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ الآيَةُ آيَةُ إنْباءٍ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وهي مِنَ الأُمُورِ الَّتِي جَوَّزَها العَقْلُ وأثْبَتَ وُقُوعَها الشَرْعُ. وقَوْلُهُ: "جَمِيعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "مَرْجِعُكُمْ"، "وَعْدَ اللهِ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "حَقًّا"، وقالَ أبُو الفَتْحِ: "حَقًّا" نَعْتٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنَّهُ" بِكَسْرِ الألِفِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، والأعْمَشُ، وسَهْلُ بْنُ شُعَيْبٍ، وعَبْدُ اللهِ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، ومَوْضِعُها النَصْبُ عَلى تَقْدِيرِ: أُحِقُّ أنَّهُ، وقالَ الفَرّاءُ: مَوْضِعُها رَفْعٌ عَلى تَقْدِيرِ: يَحِقُّ أنَّهُ. (p-٤٥٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ "أنَّهُ" بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَعْدَ اللهِ﴾، قالَ أبُو الفَتْحِ: إنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ: لِأنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ، أيْ: فَمَن في قُدْرَتِهِ هَذا فَهو غَنِيٌّ عن إخْلافِ الوَعْدِ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَهُ: وعَدَ اللهُ حَقًّا أنَّهُ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ المَصْدَرُ الَّذِي هو "وَعْدَ" لِأنَّهُ قَدْ وُصِفَ فَآذَنَ ذَلِكَ بِتَمامِهِ وقَطَعَ عَمَلَهُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "حَقٌّ" بِالرَفْعِ، فَهو ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ "أنَّهُ"، وقَوْلُهُ: ﴿يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ يُرِيدُ النَشْأةَ الأُولى، والإعادَةُ هي البَعْثُ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "يُبْدِئُ الخَلْقَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الدالِ، وقَوْلُهُ: "لِيَجْزِيَ" هي لامُ كَيْ، والمَعْنى أنَّ الإعادَةَ إنَّما هي لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ، وقَوْلُهُ: "بِالقِسْطِ" أيْ بِالعَدْلِ في رَحْمَتِهِمْ وحُسْنِ جَزائِهِمْ، وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ابْتِداءٌ، والحَمِيمُ: الحارُّ المُسَخَّنُ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، ومِنهُ الحُمامُ والحُمَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ المُرَقَّشِ: ؎ في كُلِّ يَوْمٍ لَها مِقْطَرَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وكِباءٌ مُعَدَّةٌ وحَمِيمُ وحَمِيمُ النارِ -فِيما ذُكِرَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ- إذا أدْناهُ الكافِرُ مِن فِيهِ تَساقَطَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، وهو كَما وصَفَهُ اللهُ تَعالى: ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩].

يونس 10:5

(p-٤٥١)قوله عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ وما خَلَقَ اللهُ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ هَذا اسْتِمْرارٌ عَلى وصْفِ آياتِ اللهِ والتَنْبِيهِ عَلى صَنْعَتِهِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ الضِياءَ أعْظَمُ مِنَ النُورِ وأبْهى بِحَسَبِ الشَمْسِ والقَمَرِ، ويَلْحَقُ هاهُنا اعْتِراضٌ وهو أنّا وجَدْنا اللهَ تَعالى شَبَّهَ هُداهُ ولُطْفَهُ بِخَلْقِهِ بِالنُورِ، فَقالَ: ﴿اللهُ نُورُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ النُورَ أعْظَمُ هَذِهِ الأشْياءِ وأبْلَغُها في الشُرُوقِ، وإلّا فَلِمَ تُرِكَ التَشْبِيهُ الأعْلى الَّذِي هو الضِياءُ وعُدِلَ إلى الأقَلِّ الَّذِي هو النُورُ؟ فالجَوابُ عن هَذا والِانْفِصالُ أنْ تَقُولَ: إنَّ لَفْظَةَ النُورِ أحْكَمُ وأبْلَغُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اللهُ نُورُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥] وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ هُداهُ ولُطْفَهُ الَّذِي نَصَبَهُ لِقَوْمٍ يَهْتَدُونَ وآخَرِينَ يَضِلُّونَ مَعَهُ بِالنُورِ الَّذِي هو أبَدًا مَوْجُودٌ في اللَيْلِ وأثْناءَ الظَلامِ، ولَوْ شَبَّهَهُ بِالضِياءِ لَوَجَبَ ألّا يَضِلَّ أحَدٌ إذْ كانَ الهُدى يَكُونُ مِثْلَ الشَمْسِ الَّتِي لا تَبْقى مَعَها ظُلْمَةٌ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قَدْ جَعَلَ هُداهُ في الكُفْرِ كالنُورِ في الظَلامِ فَيَهْتَدِي قَوْمٌ ويَضِلُّ آخَرُونَ، ولَوْ جَعَلَهُ كالضِياءِ لَوَجَبَ ألّا يَضِلَّ أحَدٌ، وبَقِيَ الضِياءُ عَلى هَذا الِانْفِصالِ أبْلَغَ في الشُرُوقِ كَما اقْتَضَتْ آيَتُنا هَذِهِ، واللهُ عَزَّ وجَلَّ هو ضِياءُ السَماواتِ والأرْضِ ونُورُها وقَيُّومُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْتَرَضَ هَذا الِانْفِصالُ، واللهُ المُسْتَعانُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ يُرِيدُ البُرُوجَ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ. وأمّا الضَمِيرُ الَّذِي رَدَّهُ عَلى القَمَرِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الشَمْسِ مَعَهُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالضَمِيرِ القَمَرَ وحْدَهُ لِأنَّهُ هو المُراعى في مَعْرِفَةِ عَدَدِ السِنِينَ والحِسابِ عِنْدَ العَرَبِ، لَكِنَّهُ اجْتَزَأ بِذِكْرِ (p-٤٥٢)الواحِدِ كَما قالَ: ﴿واللهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، وكَما قالَ الشاعِرُ: ؎ رَمانِي بِذَنْبٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا، ومِن أجْلِ الطَوِيِّ رَمانِي قالَ الزَجّاجُ: وكَما قالَ الآخَرُ: ؎ نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَأْيُ مُخْتَلِفٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ المَعْنى: قُدَّرَ هَذَيْنِ النَيِّرَيْنِ مَنازِلَ لِكَيْ تَعْلَمُوا بِها عَدَدَ السِنِينَ والحِسابَ رِفْقًا بِكُمْ، ورَفْعًا لِلِالتِباسِ في مَعاشِكم وتَجْرِكم وإجاراتِكِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُضْطَرُّ فِيهِ إلى مَعْرِفَةِ التَوارِيخِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ لِلْفائِدَةِ لا لِلَّعِبِ والإهْمالِ، فَهي إذًا يَحِقُّ أنْ تَكُونَ كَما هي. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "يُفَصِّلُ الآياتِ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وعاصِمٌ، والباقُونَ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأهْلُ مَكَّةَ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ: "نُفَصِّلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إنَّما خَصَّهم لِأنَّ نَفْعَ التَفْصِيلِ فِيهِمْ ظَهَرَ وعَلَيْهِمْ أضاءَ (p-٤٥٣)وَإنْ كانَ التَفْصِيلُ إنَّما وقَعَ مُجْمَلًا لِلْكُلِّ مُعَدًّا لِيُحَصِّلَهُ الجَمِيعُ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "ضِياءً"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ فِيما رُوِيَ أيْضًا عنهُ: "ضِئاءً" بِهَمْزَتَيْنِ، وأصْلُهُ ضِياءٌ فَقُلِبَتْ، فَجاءَتْ "ضِئاءًا"، فَقُلِبَتِ الياءُ هَمْزَةً لِوُقُوعِها بَيْنَ ألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي غَلَطٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ﴾ الآيَةُ، آيَةُ اعْتِبارٍ وتَنْبِيهٍ، ولَفْظَةُ (الِاخْتِلافِ) تَعُمُّ تَعاقُبَ اللَيْلِ والنَهارِ وكَوْنَهُما خَلْفَهُ وما يَتَعاوَرانِهِ مِنَ الزِيادَةِ والنَقْصِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن لَواحِقِ سَيْرِ الشَمْسِ وبِحَسَبِ أقْطارِ الأرْضِ، قَوْلُهُ: ﴿وَما خَلَقَ اللهُ في السَماواتِ والأرْضِ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، والآياتُ: العَلاماتُ والدَلائِلُ، وخَصَّصَ القَوْمَ المُتَّقِينَ تَشْرِيفًا لَهم إذِ الِاعْتِبارُ فِيهِمْ يَقَعُ، ونِسْبَتُهم إلى هَذِهِ الأشْياءِ المَنظُورِ فِيها أفْضَلُ مِن نِسْبَةِ مَن لَمْ يَهْتَدِ ولا اتَّقى.

يونس 10:6

(p-٤٥١)قوله عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ وما خَلَقَ اللهُ في السَماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ هَذا اسْتِمْرارٌ عَلى وصْفِ آياتِ اللهِ والتَنْبِيهِ عَلى صَنْعَتِهِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ الضِياءَ أعْظَمُ مِنَ النُورِ وأبْهى بِحَسَبِ الشَمْسِ والقَمَرِ، ويَلْحَقُ هاهُنا اعْتِراضٌ وهو أنّا وجَدْنا اللهَ تَعالى شَبَّهَ هُداهُ ولُطْفَهُ بِخَلْقِهِ بِالنُورِ، فَقالَ: ﴿اللهُ نُورُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ النُورَ أعْظَمُ هَذِهِ الأشْياءِ وأبْلَغُها في الشُرُوقِ، وإلّا فَلِمَ تُرِكَ التَشْبِيهُ الأعْلى الَّذِي هو الضِياءُ وعُدِلَ إلى الأقَلِّ الَّذِي هو النُورُ؟ فالجَوابُ عن هَذا والِانْفِصالُ أنْ تَقُولَ: إنَّ لَفْظَةَ النُورِ أحْكَمُ وأبْلَغُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اللهُ نُورُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ [النور: ٣٥] وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ هُداهُ ولُطْفَهُ الَّذِي نَصَبَهُ لِقَوْمٍ يَهْتَدُونَ وآخَرِينَ يَضِلُّونَ مَعَهُ بِالنُورِ الَّذِي هو أبَدًا مَوْجُودٌ في اللَيْلِ وأثْناءَ الظَلامِ، ولَوْ شَبَّهَهُ بِالضِياءِ لَوَجَبَ ألّا يَضِلَّ أحَدٌ إذْ كانَ الهُدى يَكُونُ مِثْلَ الشَمْسِ الَّتِي لا تَبْقى مَعَها ظُلْمَةٌ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قَدْ جَعَلَ هُداهُ في الكُفْرِ كالنُورِ في الظَلامِ فَيَهْتَدِي قَوْمٌ ويَضِلُّ آخَرُونَ، ولَوْ جَعَلَهُ كالضِياءِ لَوَجَبَ ألّا يَضِلَّ أحَدٌ، وبَقِيَ الضِياءُ عَلى هَذا الِانْفِصالِ أبْلَغَ في الشُرُوقِ كَما اقْتَضَتْ آيَتُنا هَذِهِ، واللهُ عَزَّ وجَلَّ هو ضِياءُ السَماواتِ والأرْضِ ونُورُها وقَيُّومُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْتَرَضَ هَذا الِانْفِصالُ، واللهُ المُسْتَعانُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ يُرِيدُ البُرُوجَ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ. وأمّا الضَمِيرُ الَّذِي رَدَّهُ عَلى القَمَرِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الشَمْسِ مَعَهُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالضَمِيرِ القَمَرَ وحْدَهُ لِأنَّهُ هو المُراعى في مَعْرِفَةِ عَدَدِ السِنِينَ والحِسابِ عِنْدَ العَرَبِ، لَكِنَّهُ اجْتَزَأ بِذِكْرِ (p-٤٥٢)الواحِدِ كَما قالَ: ﴿واللهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، وكَما قالَ الشاعِرُ: ؎ رَمانِي بِذَنْبٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا، ومِن أجْلِ الطَوِيِّ رَمانِي قالَ الزَجّاجُ: وكَما قالَ الآخَرُ: ؎ نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَأْيُ مُخْتَلِفٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ المَعْنى: قُدَّرَ هَذَيْنِ النَيِّرَيْنِ مَنازِلَ لِكَيْ تَعْلَمُوا بِها عَدَدَ السِنِينَ والحِسابَ رِفْقًا بِكُمْ، ورَفْعًا لِلِالتِباسِ في مَعاشِكم وتَجْرِكم وإجاراتِكِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُضْطَرُّ فِيهِ إلى مَعْرِفَةِ التَوارِيخِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ لِلْفائِدَةِ لا لِلَّعِبِ والإهْمالِ، فَهي إذًا يَحِقُّ أنْ تَكُونَ كَما هي. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "يُفَصِّلُ الآياتِ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وعاصِمٌ، والباقُونَ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأهْلُ مَكَّةَ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ: "نُفَصِّلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إنَّما خَصَّهم لِأنَّ نَفْعَ التَفْصِيلِ فِيهِمْ ظَهَرَ وعَلَيْهِمْ أضاءَ (p-٤٥٣)وَإنْ كانَ التَفْصِيلُ إنَّما وقَعَ مُجْمَلًا لِلْكُلِّ مُعَدًّا لِيُحَصِّلَهُ الجَمِيعُ. وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "ضِياءً"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ فِيما رُوِيَ أيْضًا عنهُ: "ضِئاءً" بِهَمْزَتَيْنِ، وأصْلُهُ ضِياءٌ فَقُلِبَتْ، فَجاءَتْ "ضِئاءًا"، فَقُلِبَتِ الياءُ هَمْزَةً لِوُقُوعِها بَيْنَ ألِفَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي غَلَطٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ﴾ الآيَةُ، آيَةُ اعْتِبارٍ وتَنْبِيهٍ، ولَفْظَةُ (الِاخْتِلافِ) تَعُمُّ تَعاقُبَ اللَيْلِ والنَهارِ وكَوْنَهُما خَلْفَهُ وما يَتَعاوَرانِهِ مِنَ الزِيادَةِ والنَقْصِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن لَواحِقِ سَيْرِ الشَمْسِ وبِحَسَبِ أقْطارِ الأرْضِ، قَوْلُهُ: ﴿وَما خَلَقَ اللهُ في السَماواتِ والأرْضِ﴾ لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، والآياتُ: العَلاماتُ والدَلائِلُ، وخَصَّصَ القَوْمَ المُتَّقِينَ تَشْرِيفًا لَهم إذِ الِاعْتِبارُ فِيهِمْ يَقَعُ، ونِسْبَتُهم إلى هَذِهِ الأشْياءِ المَنظُورِ فِيها أفْضَلُ مِن نِسْبَةِ مَن لَمْ يَهْتَدِ ولا اتَّقى.

يونس 10:7

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عن آياتِنا غافِلُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وتابَعَهُ القُتَبِيُّ وغَيْرُهُ: "يَرْجُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى يَخافُونَ، واحْتَجُّوا بِبَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ إذا لَسَعَتْهُ النَحْلُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَواسِلِ (p-٤٥٤)وَحَكى المَهْدَوِيُّ عن بَعْضِ أهْلِ اللُغَةِ -وَقالَ ابْنُ سِيدَهْ: هو الفَرّاءُ -: إنَّ لَفْظَةَ الرَجاءِ إذا جاءَتْ مَنفِيَّةً فَإنَّها تَكُونُ بِمَعْنى الخَوْفِ، وحُكِيَ عن بَعْضِهِمْ: إنَّها تَكُونُ بِمَعْناها في كُلِّ مَوْضِعٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرائِنُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّ الَّذِينَ لا يَخافُونَ لِقاءَنا". وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الرَجاءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكافِرَ المُكَذِّبَ بِالبَعْثِ لَيْسَ يَرْجُو رَحْمَةَ اللهِ في الآخِرَةِ، ولا يُحْسِنُ ظَنًّا بِأنَّهُ يَلْقى اللهَ، ولا لَهُ في الآخِرَةِ أمَلٌ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ فِيها أمَلٌ لَقارَنَهُ لا مَحالَةَ خَوْفٌ، وهَذِهِ الحالُ مِنَ الخَوْفِ المُقارِنِ هي القائِدَةُ مِنَ النَجاةِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ الرَجاءَ في كُلِّ مَوْضِعٍ عَلى بابِهِ، وإنَّ بَيْتَ الهُذَلِيِّ مَعْناهُ: لَمْ يَرُجْ فَقَدْ لَسَعَها فَهو يَبْنِي عَلَيْهِ ويَصْبِرُ إذْ يَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُنْيا﴾ يُرِيدُ: كانَتْ آخِرَ هَمِّهِمْ ومُنْتَهى غَرَضِهِمْ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: "إذا شِئْتَ رَأيْتَ هَذا المَوْصُوفَ، صاحِبَ دُنْيا، لَها يَغْضَبُ، ولَها يَرْضى، ولَها يَفْرَحُ، ولَها يَهْتَمُّ ويَحْزَنُ". فَكَأنَّ قَتادَةَ صَوَّرَها في العُصاةِ، ولا يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ إلّا مَعَ تَأوُّلِ الرَجاءِ عَلى بابِهِ، إذْ قَدْ يَكُونُ العاصِي المُجَلِّحُ مُسْتَوْحِشًا مِن آخِرَتِهِ، فَأمّا عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ فَمَن لا يَخافُ لِقاءَ اللهِ فَهو كافِرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ تَكْمِيلٌ في مَعْنى القَناعَةِ بِها والرَفْضِ لِغَيْرِها، لِأنَّ الطُمَأْنِينَةَ بِالشَيْءِ هي زَوالُ التَحَرُّكِ إلى غَيْرِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عن آياتِنا غافِلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ إشارَةٍ إلى فِرْقَةٍ أُخْرى مِنَ الكُفّارِ، وهَؤُلاءِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- أضَلُّ صَفْقَةً لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلَ دُنْيا بَلْ أهْلُ غَفْلَةٍ فَقَطْ، ثُمَّ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِالنارِ، وجَعَلَها مَأْواهُمُ، وهو حَيْثُ يَأْوِي الإنْسانُ ويَسْتَقِرُّ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ واجْتِراحِهِمْ، وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ ونَصٌّ عَلى تَعَلُّقِ العِقابِ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي لِلْإنْسانِ. (p-٤٥٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةُ. لَمّا قَرَّرَ تَبارَكَ وتَعالى حالَةَ الفِرْقَةِ الهالِكَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالَةِ الفِرْقَةِ الناجِيَةِ لِيَتَّضِحَ الطَرِيقانِ ويَرى الناظِرُ فَرْقَ ما بَيْنَ الهُدى والضَلالِ، وهَذا كُلُّهُ لُطْفٌ مِنهُ بِعِبادِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ لا يَتَرَتَّبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: يُرْشِدُهم إلى الإيمانِ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَّرَهم مُؤْمِنِينَ، فَإنَّما الهُدى في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ، إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ يُدِيمُهم ويُثَبِّتَهُمْ، كَما قالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] فَإنَّما مَعْناهُ: اثْبُتُوا، وإمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ: يُرْشِدُهم إلى طُرُقِ الجِنانِ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِإيمانِهِمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِسَبَبِ إيمانِهِمْ ويَكُونُ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ قَبِلَ: ﴿مَأْواهُمُ النارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإيمانُ هو نَفْسُ الهُدى، أيْ: يَهْدِيهِمْ إلى طُرُقِ الجَنَّةِ بِنُورِ إيمانِهِمْ، قالَ مُجاهِدٌ: يَكُونُ لَهم إيمانُهم نُورًا يَمْشُونَ بِهِ، ويَتَرَكَّبُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إذا قامَ مِن قَبْرِهِ لِلْحَشْرِ تُمُثِّلَ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الوَجْهِ طَيِّبُ الرائِحَةِ، فَيَقُولُ: مَن أنْتَ؟ فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصالِحُ فَيَقُودُهُ إلى الجَنَّةِ"،» وبِعَكْسِ هَذا في الكافِرِ، ونَحْوُ هَذا مِمّا أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ يُرِيدُ؛ مِن تَحْتِ عِلِّيّاتِهِمْ وغُرَفِهِمْ، ولَيْسَ التَحْتُ الَّذِي هو بِالمُسامَتَةِ، بَلْ يَكُونُ مِن ناحِيَةِ الإنْسانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]، وكَما قالَ حِكايَةً عن فِرْعَوْنَ: ﴿وَهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعْواهم فِيها﴾ الآيَةُ، الدَعْوى بِمَعْنى الدُعاءِ، يُقالُ: دَعا الرَجُلُ وادَّعى بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: و﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ تَقْدِيسٌ وتَسْبِيحٌ وتَنْزِيهٌ لِجَلالِهِ عن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- في ذَلِكَ: "هِيَ (p-٤٥٦)كَلِماتٌ رَضِيَها اللهُ تَعالى لِنَفْسِهِ"، «وَقالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ما مَعْنى "سُبْحانَ اللهِ"؟ فَقالَ: "مَعْناها تَنْزِيهُ اللهِ مِنَ السُوءِ"،» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ خِلافِ النُحاةِ في "اللهُمَّ"، وحُكِيَ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم رَأوا أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إنَّما يَقُولُها المُؤْمِنُ في الجَنَّةِ عِنْدَما يَشْتَهِي الطَعامَ، فَإنَّهُ إذا رَأى طائِرًا أو غَيْرَ ذَلِكَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ" فَنَزَلَتْ تِلْكَ الإرادَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَوْقَ ما اشْتَهى، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ يُرِيدُ: تَسْلِيمُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، والتَحِيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن تَمَنِّي الحَياةِ لِلْإنْسانِ والدُعاءِ بِها، يُقالُ: حَيّاهُ يُحَيِّيهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ جَنابٍ: ؎ مِن كُلِّ ما نالَ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ نِلْتُهُ إلّا التَحَيَّهْ يُرِيدُ دُعاءَ الناسِ لِلْمُلُوكِ بِالحَياةِ، وقَدْ سُمِّيَ المَلِكُ تَحِيَّةً بِهَذا التَدْرِيجِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ: ؎ أزُورُ أبا قابُوسَ حَتّى ∗∗∗ ∗∗∗ أُنِيخَ عَلى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي أرادَ: عَلى مَمْلَكَتِهِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ﴾ يُرِيدُ تَسْلِيمَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والسَلامُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَلامَةِ. (p-٤٥٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ يُرِيدُ: وخاتِمَةُ دَعْواهم في كُلِّ مَوْطِنٍ وكَلامُهم شُكْرُ اللهِ تَعالى وحَمْدُهُ عَلى سابِغِ نِعَمِهِ، وكانَتْ بَدَأتُهم بِالتَنْزِيهِ والتَعْظِيمِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ" وهي عِنْدَ سِيبَوَيْهِ "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، ويَعْقُوبُ، وأبُو حَيَوَةَ: "أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ"، وهي -عَلى الوَجْهَيْنِ- رَفْعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ القِراءَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ هي "أنَّ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الأعْشى: ؎ في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ

يونس 10:8

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عن آياتِنا غافِلُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وتابَعَهُ القُتَبِيُّ وغَيْرُهُ: "يَرْجُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى يَخافُونَ، واحْتَجُّوا بِبَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ إذا لَسَعَتْهُ النَحْلُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَواسِلِ (p-٤٥٤)وَحَكى المَهْدَوِيُّ عن بَعْضِ أهْلِ اللُغَةِ -وَقالَ ابْنُ سِيدَهْ: هو الفَرّاءُ -: إنَّ لَفْظَةَ الرَجاءِ إذا جاءَتْ مَنفِيَّةً فَإنَّها تَكُونُ بِمَعْنى الخَوْفِ، وحُكِيَ عن بَعْضِهِمْ: إنَّها تَكُونُ بِمَعْناها في كُلِّ مَوْضِعٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرائِنُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّ الَّذِينَ لا يَخافُونَ لِقاءَنا". وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الرَجاءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكافِرَ المُكَذِّبَ بِالبَعْثِ لَيْسَ يَرْجُو رَحْمَةَ اللهِ في الآخِرَةِ، ولا يُحْسِنُ ظَنًّا بِأنَّهُ يَلْقى اللهَ، ولا لَهُ في الآخِرَةِ أمَلٌ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ فِيها أمَلٌ لَقارَنَهُ لا مَحالَةَ خَوْفٌ، وهَذِهِ الحالُ مِنَ الخَوْفِ المُقارِنِ هي القائِدَةُ مِنَ النَجاةِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ الرَجاءَ في كُلِّ مَوْضِعٍ عَلى بابِهِ، وإنَّ بَيْتَ الهُذَلِيِّ مَعْناهُ: لَمْ يَرُجْ فَقَدْ لَسَعَها فَهو يَبْنِي عَلَيْهِ ويَصْبِرُ إذْ يَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُنْيا﴾ يُرِيدُ: كانَتْ آخِرَ هَمِّهِمْ ومُنْتَهى غَرَضِهِمْ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: "إذا شِئْتَ رَأيْتَ هَذا المَوْصُوفَ، صاحِبَ دُنْيا، لَها يَغْضَبُ، ولَها يَرْضى، ولَها يَفْرَحُ، ولَها يَهْتَمُّ ويَحْزَنُ". فَكَأنَّ قَتادَةَ صَوَّرَها في العُصاةِ، ولا يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ إلّا مَعَ تَأوُّلِ الرَجاءِ عَلى بابِهِ، إذْ قَدْ يَكُونُ العاصِي المُجَلِّحُ مُسْتَوْحِشًا مِن آخِرَتِهِ، فَأمّا عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ فَمَن لا يَخافُ لِقاءَ اللهِ فَهو كافِرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ تَكْمِيلٌ في مَعْنى القَناعَةِ بِها والرَفْضِ لِغَيْرِها، لِأنَّ الطُمَأْنِينَةَ بِالشَيْءِ هي زَوالُ التَحَرُّكِ إلى غَيْرِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عن آياتِنا غافِلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ إشارَةٍ إلى فِرْقَةٍ أُخْرى مِنَ الكُفّارِ، وهَؤُلاءِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- أضَلُّ صَفْقَةً لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلَ دُنْيا بَلْ أهْلُ غَفْلَةٍ فَقَطْ، ثُمَّ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِالنارِ، وجَعَلَها مَأْواهُمُ، وهو حَيْثُ يَأْوِي الإنْسانُ ويَسْتَقِرُّ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ واجْتِراحِهِمْ، وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ ونَصٌّ عَلى تَعَلُّقِ العِقابِ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي لِلْإنْسانِ. (p-٤٥٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةُ. لَمّا قَرَّرَ تَبارَكَ وتَعالى حالَةَ الفِرْقَةِ الهالِكَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالَةِ الفِرْقَةِ الناجِيَةِ لِيَتَّضِحَ الطَرِيقانِ ويَرى الناظِرُ فَرْقَ ما بَيْنَ الهُدى والضَلالِ، وهَذا كُلُّهُ لُطْفٌ مِنهُ بِعِبادِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ لا يَتَرَتَّبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: يُرْشِدُهم إلى الإيمانِ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَّرَهم مُؤْمِنِينَ، فَإنَّما الهُدى في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ، إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ يُدِيمُهم ويُثَبِّتَهُمْ، كَما قالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] فَإنَّما مَعْناهُ: اثْبُتُوا، وإمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ: يُرْشِدُهم إلى طُرُقِ الجِنانِ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِإيمانِهِمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِسَبَبِ إيمانِهِمْ ويَكُونُ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ قَبِلَ: ﴿مَأْواهُمُ النارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإيمانُ هو نَفْسُ الهُدى، أيْ: يَهْدِيهِمْ إلى طُرُقِ الجَنَّةِ بِنُورِ إيمانِهِمْ، قالَ مُجاهِدٌ: يَكُونُ لَهم إيمانُهم نُورًا يَمْشُونَ بِهِ، ويَتَرَكَّبُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إذا قامَ مِن قَبْرِهِ لِلْحَشْرِ تُمُثِّلَ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الوَجْهِ طَيِّبُ الرائِحَةِ، فَيَقُولُ: مَن أنْتَ؟ فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصالِحُ فَيَقُودُهُ إلى الجَنَّةِ"،» وبِعَكْسِ هَذا في الكافِرِ، ونَحْوُ هَذا مِمّا أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ يُرِيدُ؛ مِن تَحْتِ عِلِّيّاتِهِمْ وغُرَفِهِمْ، ولَيْسَ التَحْتُ الَّذِي هو بِالمُسامَتَةِ، بَلْ يَكُونُ مِن ناحِيَةِ الإنْسانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]، وكَما قالَ حِكايَةً عن فِرْعَوْنَ: ﴿وَهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعْواهم فِيها﴾ الآيَةُ، الدَعْوى بِمَعْنى الدُعاءِ، يُقالُ: دَعا الرَجُلُ وادَّعى بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: و﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ تَقْدِيسٌ وتَسْبِيحٌ وتَنْزِيهٌ لِجَلالِهِ عن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- في ذَلِكَ: "هِيَ (p-٤٥٦)كَلِماتٌ رَضِيَها اللهُ تَعالى لِنَفْسِهِ"، «وَقالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ما مَعْنى "سُبْحانَ اللهِ"؟ فَقالَ: "مَعْناها تَنْزِيهُ اللهِ مِنَ السُوءِ"،» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ خِلافِ النُحاةِ في "اللهُمَّ"، وحُكِيَ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم رَأوا أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إنَّما يَقُولُها المُؤْمِنُ في الجَنَّةِ عِنْدَما يَشْتَهِي الطَعامَ، فَإنَّهُ إذا رَأى طائِرًا أو غَيْرَ ذَلِكَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ" فَنَزَلَتْ تِلْكَ الإرادَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَوْقَ ما اشْتَهى، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ يُرِيدُ: تَسْلِيمُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، والتَحِيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن تَمَنِّي الحَياةِ لِلْإنْسانِ والدُعاءِ بِها، يُقالُ: حَيّاهُ يُحَيِّيهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ جَنابٍ: ؎ مِن كُلِّ ما نالَ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ نِلْتُهُ إلّا التَحَيَّهْ يُرِيدُ دُعاءَ الناسِ لِلْمُلُوكِ بِالحَياةِ، وقَدْ سُمِّيَ المَلِكُ تَحِيَّةً بِهَذا التَدْرِيجِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ: ؎ أزُورُ أبا قابُوسَ حَتّى ∗∗∗ ∗∗∗ أُنِيخَ عَلى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي أرادَ: عَلى مَمْلَكَتِهِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ﴾ يُرِيدُ تَسْلِيمَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والسَلامُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَلامَةِ. (p-٤٥٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ يُرِيدُ: وخاتِمَةُ دَعْواهم في كُلِّ مَوْطِنٍ وكَلامُهم شُكْرُ اللهِ تَعالى وحَمْدُهُ عَلى سابِغِ نِعَمِهِ، وكانَتْ بَدَأتُهم بِالتَنْزِيهِ والتَعْظِيمِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ" وهي عِنْدَ سِيبَوَيْهِ "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، ويَعْقُوبُ، وأبُو حَيَوَةَ: "أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ"، وهي -عَلى الوَجْهَيْنِ- رَفْعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ القِراءَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ هي "أنَّ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الأعْشى: ؎ في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ

يونس 10:9

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عن آياتِنا غافِلُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وتابَعَهُ القُتَبِيُّ وغَيْرُهُ: "يَرْجُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى يَخافُونَ، واحْتَجُّوا بِبَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ إذا لَسَعَتْهُ النَحْلُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَواسِلِ (p-٤٥٤)وَحَكى المَهْدَوِيُّ عن بَعْضِ أهْلِ اللُغَةِ -وَقالَ ابْنُ سِيدَهْ: هو الفَرّاءُ -: إنَّ لَفْظَةَ الرَجاءِ إذا جاءَتْ مَنفِيَّةً فَإنَّها تَكُونُ بِمَعْنى الخَوْفِ، وحُكِيَ عن بَعْضِهِمْ: إنَّها تَكُونُ بِمَعْناها في كُلِّ مَوْضِعٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرائِنُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّ الَّذِينَ لا يَخافُونَ لِقاءَنا". وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الرَجاءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكافِرَ المُكَذِّبَ بِالبَعْثِ لَيْسَ يَرْجُو رَحْمَةَ اللهِ في الآخِرَةِ، ولا يُحْسِنُ ظَنًّا بِأنَّهُ يَلْقى اللهَ، ولا لَهُ في الآخِرَةِ أمَلٌ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ فِيها أمَلٌ لَقارَنَهُ لا مَحالَةَ خَوْفٌ، وهَذِهِ الحالُ مِنَ الخَوْفِ المُقارِنِ هي القائِدَةُ مِنَ النَجاةِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ الرَجاءَ في كُلِّ مَوْضِعٍ عَلى بابِهِ، وإنَّ بَيْتَ الهُذَلِيِّ مَعْناهُ: لَمْ يَرُجْ فَقَدْ لَسَعَها فَهو يَبْنِي عَلَيْهِ ويَصْبِرُ إذْ يَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُنْيا﴾ يُرِيدُ: كانَتْ آخِرَ هَمِّهِمْ ومُنْتَهى غَرَضِهِمْ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: "إذا شِئْتَ رَأيْتَ هَذا المَوْصُوفَ، صاحِبَ دُنْيا، لَها يَغْضَبُ، ولَها يَرْضى، ولَها يَفْرَحُ، ولَها يَهْتَمُّ ويَحْزَنُ". فَكَأنَّ قَتادَةَ صَوَّرَها في العُصاةِ، ولا يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ إلّا مَعَ تَأوُّلِ الرَجاءِ عَلى بابِهِ، إذْ قَدْ يَكُونُ العاصِي المُجَلِّحُ مُسْتَوْحِشًا مِن آخِرَتِهِ، فَأمّا عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ فَمَن لا يَخافُ لِقاءَ اللهِ فَهو كافِرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ تَكْمِيلٌ في مَعْنى القَناعَةِ بِها والرَفْضِ لِغَيْرِها، لِأنَّ الطُمَأْنِينَةَ بِالشَيْءِ هي زَوالُ التَحَرُّكِ إلى غَيْرِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عن آياتِنا غافِلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ إشارَةٍ إلى فِرْقَةٍ أُخْرى مِنَ الكُفّارِ، وهَؤُلاءِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- أضَلُّ صَفْقَةً لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلَ دُنْيا بَلْ أهْلُ غَفْلَةٍ فَقَطْ، ثُمَّ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِالنارِ، وجَعَلَها مَأْواهُمُ، وهو حَيْثُ يَأْوِي الإنْسانُ ويَسْتَقِرُّ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ واجْتِراحِهِمْ، وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ ونَصٌّ عَلى تَعَلُّقِ العِقابِ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي لِلْإنْسانِ. (p-٤٥٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةُ. لَمّا قَرَّرَ تَبارَكَ وتَعالى حالَةَ الفِرْقَةِ الهالِكَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالَةِ الفِرْقَةِ الناجِيَةِ لِيَتَّضِحَ الطَرِيقانِ ويَرى الناظِرُ فَرْقَ ما بَيْنَ الهُدى والضَلالِ، وهَذا كُلُّهُ لُطْفٌ مِنهُ بِعِبادِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ لا يَتَرَتَّبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: يُرْشِدُهم إلى الإيمانِ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَّرَهم مُؤْمِنِينَ، فَإنَّما الهُدى في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ، إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ يُدِيمُهم ويُثَبِّتَهُمْ، كَما قالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] فَإنَّما مَعْناهُ: اثْبُتُوا، وإمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ: يُرْشِدُهم إلى طُرُقِ الجِنانِ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِإيمانِهِمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِسَبَبِ إيمانِهِمْ ويَكُونُ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ قَبِلَ: ﴿مَأْواهُمُ النارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإيمانُ هو نَفْسُ الهُدى، أيْ: يَهْدِيهِمْ إلى طُرُقِ الجَنَّةِ بِنُورِ إيمانِهِمْ، قالَ مُجاهِدٌ: يَكُونُ لَهم إيمانُهم نُورًا يَمْشُونَ بِهِ، ويَتَرَكَّبُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إذا قامَ مِن قَبْرِهِ لِلْحَشْرِ تُمُثِّلَ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الوَجْهِ طَيِّبُ الرائِحَةِ، فَيَقُولُ: مَن أنْتَ؟ فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصالِحُ فَيَقُودُهُ إلى الجَنَّةِ"،» وبِعَكْسِ هَذا في الكافِرِ، ونَحْوُ هَذا مِمّا أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ يُرِيدُ؛ مِن تَحْتِ عِلِّيّاتِهِمْ وغُرَفِهِمْ، ولَيْسَ التَحْتُ الَّذِي هو بِالمُسامَتَةِ، بَلْ يَكُونُ مِن ناحِيَةِ الإنْسانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]، وكَما قالَ حِكايَةً عن فِرْعَوْنَ: ﴿وَهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعْواهم فِيها﴾ الآيَةُ، الدَعْوى بِمَعْنى الدُعاءِ، يُقالُ: دَعا الرَجُلُ وادَّعى بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: و﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ تَقْدِيسٌ وتَسْبِيحٌ وتَنْزِيهٌ لِجَلالِهِ عن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- في ذَلِكَ: "هِيَ (p-٤٥٦)كَلِماتٌ رَضِيَها اللهُ تَعالى لِنَفْسِهِ"، «وَقالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ما مَعْنى "سُبْحانَ اللهِ"؟ فَقالَ: "مَعْناها تَنْزِيهُ اللهِ مِنَ السُوءِ"،» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ خِلافِ النُحاةِ في "اللهُمَّ"، وحُكِيَ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم رَأوا أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إنَّما يَقُولُها المُؤْمِنُ في الجَنَّةِ عِنْدَما يَشْتَهِي الطَعامَ، فَإنَّهُ إذا رَأى طائِرًا أو غَيْرَ ذَلِكَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ" فَنَزَلَتْ تِلْكَ الإرادَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَوْقَ ما اشْتَهى، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ يُرِيدُ: تَسْلِيمُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، والتَحِيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن تَمَنِّي الحَياةِ لِلْإنْسانِ والدُعاءِ بِها، يُقالُ: حَيّاهُ يُحَيِّيهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ جَنابٍ: ؎ مِن كُلِّ ما نالَ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ نِلْتُهُ إلّا التَحَيَّهْ يُرِيدُ دُعاءَ الناسِ لِلْمُلُوكِ بِالحَياةِ، وقَدْ سُمِّيَ المَلِكُ تَحِيَّةً بِهَذا التَدْرِيجِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ: ؎ أزُورُ أبا قابُوسَ حَتّى ∗∗∗ ∗∗∗ أُنِيخَ عَلى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي أرادَ: عَلى مَمْلَكَتِهِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ﴾ يُرِيدُ تَسْلِيمَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والسَلامُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَلامَةِ. (p-٤٥٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ يُرِيدُ: وخاتِمَةُ دَعْواهم في كُلِّ مَوْطِنٍ وكَلامُهم شُكْرُ اللهِ تَعالى وحَمْدُهُ عَلى سابِغِ نِعَمِهِ، وكانَتْ بَدَأتُهم بِالتَنْزِيهِ والتَعْظِيمِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ" وهي عِنْدَ سِيبَوَيْهِ "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، ويَعْقُوبُ، وأبُو حَيَوَةَ: "أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ"، وهي -عَلى الوَجْهَيْنِ- رَفْعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ القِراءَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ هي "أنَّ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الأعْشى: ؎ في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ

يونس 10:10

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عن آياتِنا غافِلُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ في جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وتابَعَهُ القُتَبِيُّ وغَيْرُهُ: "يَرْجُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى يَخافُونَ، واحْتَجُّوا بِبَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ إذا لَسَعَتْهُ النَحْلُ لَمْ يَرُجْ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَواسِلِ (p-٤٥٤)وَحَكى المَهْدَوِيُّ عن بَعْضِ أهْلِ اللُغَةِ -وَقالَ ابْنُ سِيدَهْ: هو الفَرّاءُ -: إنَّ لَفْظَةَ الرَجاءِ إذا جاءَتْ مَنفِيَّةً فَإنَّها تَكُونُ بِمَعْنى الخَوْفِ، وحُكِيَ عن بَعْضِهِمْ: إنَّها تَكُونُ بِمَعْناها في كُلِّ مَوْضِعٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ قَرائِنُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَعْنى الآيَةِ: "إنَّ الَّذِينَ لا يَخافُونَ لِقاءَنا". وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ في الكُفّارِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: الرَجاءُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّ الكافِرَ المُكَذِّبَ بِالبَعْثِ لَيْسَ يَرْجُو رَحْمَةَ اللهِ في الآخِرَةِ، ولا يُحْسِنُ ظَنًّا بِأنَّهُ يَلْقى اللهَ، ولا لَهُ في الآخِرَةِ أمَلٌ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ فِيها أمَلٌ لَقارَنَهُ لا مَحالَةَ خَوْفٌ، وهَذِهِ الحالُ مِنَ الخَوْفِ المُقارِنِ هي القائِدَةُ مِنَ النَجاةِ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ الرَجاءَ في كُلِّ مَوْضِعٍ عَلى بابِهِ، وإنَّ بَيْتَ الهُذَلِيِّ مَعْناهُ: لَمْ يَرُجْ فَقَدْ لَسَعَها فَهو يَبْنِي عَلَيْهِ ويَصْبِرُ إذْ يَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَضُوا بِالحَياةِ الدُنْيا﴾ يُرِيدُ: كانَتْ آخِرَ هَمِّهِمْ ومُنْتَهى غَرَضِهِمْ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: "إذا شِئْتَ رَأيْتَ هَذا المَوْصُوفَ، صاحِبَ دُنْيا، لَها يَغْضَبُ، ولَها يَرْضى، ولَها يَفْرَحُ، ولَها يَهْتَمُّ ويَحْزَنُ". فَكَأنَّ قَتادَةَ صَوَّرَها في العُصاةِ، ولا يَتَرَتَّبُ ذَلِكَ إلّا مَعَ تَأوُّلِ الرَجاءِ عَلى بابِهِ، إذْ قَدْ يَكُونُ العاصِي المُجَلِّحُ مُسْتَوْحِشًا مِن آخِرَتِهِ، فَأمّا عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ فَمَن لا يَخافُ لِقاءَ اللهِ فَهو كافِرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿واطْمَأنُّوا بِها﴾ تَكْمِيلٌ في مَعْنى القَناعَةِ بِها والرَفْضِ لِغَيْرِها، لِأنَّ الطُمَأْنِينَةَ بِالشَيْءِ هي زَوالُ التَحَرُّكِ إلى غَيْرِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم عن آياتِنا غافِلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ إشارَةٍ إلى فِرْقَةٍ أُخْرى مِنَ الكُفّارِ، وهَؤُلاءِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- أضَلُّ صَفْقَةً لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلَ دُنْيا بَلْ أهْلُ غَفْلَةٍ فَقَطْ، ثُمَّ حَتَّمَ عَلَيْهِمْ بِالنارِ، وجَعَلَها مَأْواهُمُ، وهو حَيْثُ يَأْوِي الإنْسانُ ويَسْتَقِرُّ، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ واجْتِراحِهِمْ، وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ رَدٌّ عَلى الجَبْرِيَّةِ ونَصٌّ عَلى تَعَلُّقِ العِقابِ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي لِلْإنْسانِ. (p-٤٥٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةُ. لَمّا قَرَّرَ تَبارَكَ وتَعالى حالَةَ الفِرْقَةِ الهالِكَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالَةِ الفِرْقَةِ الناجِيَةِ لِيَتَّضِحَ الطَرِيقانِ ويَرى الناظِرُ فَرْقَ ما بَيْنَ الهُدى والضَلالِ، وهَذا كُلُّهُ لُطْفٌ مِنهُ بِعِبادِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَهْدِيهِمْ﴾ لا يَتَرَتَّبُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: يُرْشِدُهم إلى الإيمانِ، لِأنَّهُ قَدْ قَرَّرَهم مُؤْمِنِينَ، فَإنَّما الهُدى في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ، إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ يُدِيمُهم ويُثَبِّتَهُمْ، كَما قالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا﴾ [النساء: ١٣٦] فَإنَّما مَعْناهُ: اثْبُتُوا، وإمّا أنْ يُرِيدَ بِهِ: يُرْشِدُهم إلى طُرُقِ الجِنانِ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِإيمانِهِمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِسَبَبِ إيمانِهِمْ ويَكُونُ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ قَبِلَ: ﴿مَأْواهُمُ النارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإيمانُ هو نَفْسُ الهُدى، أيْ: يَهْدِيهِمْ إلى طُرُقِ الجَنَّةِ بِنُورِ إيمانِهِمْ، قالَ مُجاهِدٌ: يَكُونُ لَهم إيمانُهم نُورًا يَمْشُونَ بِهِ، ويَتَرَكَّبُ هَذا التَأْوِيلُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إذا قامَ مِن قَبْرِهِ لِلْحَشْرِ تُمُثِّلَ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الوَجْهِ طَيِّبُ الرائِحَةِ، فَيَقُولُ: مَن أنْتَ؟ فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصالِحُ فَيَقُودُهُ إلى الجَنَّةِ"،» وبِعَكْسِ هَذا في الكافِرِ، ونَحْوُ هَذا مِمّا أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ يُرِيدُ؛ مِن تَحْتِ عِلِّيّاتِهِمْ وغُرَفِهِمْ، ولَيْسَ التَحْتُ الَّذِي هو بِالمُسامَتَةِ، بَلْ يَكُونُ مِن ناحِيَةِ الإنْسانِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]، وكَما قالَ حِكايَةً عن فِرْعَوْنَ: ﴿وَهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعْواهم فِيها﴾ الآيَةُ، الدَعْوى بِمَعْنى الدُعاءِ، يُقالُ: دَعا الرَجُلُ وادَّعى بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: و﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ تَقْدِيسٌ وتَسْبِيحٌ وتَنْزِيهٌ لِجَلالِهِ عن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- في ذَلِكَ: "هِيَ (p-٤٥٦)كَلِماتٌ رَضِيَها اللهُ تَعالى لِنَفْسِهِ"، «وَقالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، ما مَعْنى "سُبْحانَ اللهِ"؟ فَقالَ: "مَعْناها تَنْزِيهُ اللهِ مِنَ السُوءِ"،» وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ خِلافِ النُحاةِ في "اللهُمَّ"، وحُكِيَ عن بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم رَأوا أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ إنَّما يَقُولُها المُؤْمِنُ في الجَنَّةِ عِنْدَما يَشْتَهِي الطَعامَ، فَإنَّهُ إذا رَأى طائِرًا أو غَيْرَ ذَلِكَ قالَ: "سُبْحانَكَ اللهُمَّ" فَنَزَلَتْ تِلْكَ الإرادَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَوْقَ ما اشْتَهى، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿وَتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ يُرِيدُ: تَسْلِيمُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، والتَحِيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن تَمَنِّي الحَياةِ لِلْإنْسانِ والدُعاءِ بِها، يُقالُ: حَيّاهُ يُحَيِّيهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ جَنابٍ: ؎ مِن كُلِّ ما نالَ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ نِلْتُهُ إلّا التَحَيَّهْ يُرِيدُ دُعاءَ الناسِ لِلْمُلُوكِ بِالحَياةِ، وقَدْ سُمِّيَ المَلِكُ تَحِيَّةً بِهَذا التَدْرِيجِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيَكْرِبَ: ؎ أزُورُ أبا قابُوسَ حَتّى ∗∗∗ ∗∗∗ أُنِيخَ عَلى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي أرادَ: عَلى مَمْلَكَتِهِ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ﴾ يُرِيدُ تَسْلِيمَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والسَلامُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَلامَةِ. (p-٤٥٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ يُرِيدُ: وخاتِمَةُ دَعْواهم في كُلِّ مَوْطِنٍ وكَلامُهم شُكْرُ اللهِ تَعالى وحَمْدُهُ عَلى سابِغِ نِعَمِهِ، وكانَتْ بَدَأتُهم بِالتَنْزِيهِ والتَعْظِيمِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ" وهي عِنْدَ سِيبَوَيْهِ "أنْ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، ويَعْقُوبُ، وأبُو حَيَوَةَ: "أنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ"، وهي -عَلى الوَجْهَيْنِ- رَفْعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ القِراءَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ هي "أنَّ" المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الأعْشى: ؎ في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ

يونس 10:11

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: "نَزَلَتْ في دُعاءِ الرَجُلِ عَلى نَفْسِهِ أو مالِهِ أو ولَدِهِ ونَحْوِ هَذا، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ فَعَلَ مَعَ الناسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لِأهْلَكَهُمْ، ثُمَّ حَذَفَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ جُمْلَةً يَتَضَمَّنُها الظاهِرُ تَقْدِيرُها: ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ ولَكِنْ يَذْرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ، فاقْتُضِبَ القَوْلُ وتُوُصِّلَ إلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾، فَتَأمَّلْ هَذا التَقْدِيرَ تَجِدْهُ صَحِيحًا، و﴿اسْتِعْجالَهُمْ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والتَقْدِيرُ: مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، (p-٤٥٨)وَقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٧] وما جَرى مَجْراهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لَقُضِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "الأجَلُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وعَوْفٌ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ويَعْقُوبُ: "لَقَضى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "الأجَلَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَقَضَيْنا"، والأجْلُ -فِي هَذا المَوْضِعِ- أجْلُ المَوْتِ، ومَعْنى "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ: أكْمَلَ وفَرَغَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أو صَنَعُ السَوابِغِ تُبَّعُ وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في هَذا المَعْنى: ؎ قَضَيْتُ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتُ بَعْدَها ∗∗∗ ∗∗∗ فَوائِحَ في أكْمامِها لَمْ تُفَتَّقِ وتَعَدّى "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ بِـ "إلى" لَمّا كانَ بِمَعْنى: فَرَغَ، وفَرَغَ يَتَعَدّى بِإلى ويَتَعَدّى بِاللامِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ ألْآنَ فَقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَصِرْتُ عَلى جَماعَتِها عَذابا (p-٤٥٩)وَمِنَ الآخَرِ قوله عزّ وجلّ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا"، و"يَرْجُونَ" في هَذا المَوْضِعِ عَلى بابِها، والمُرادُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَهم لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللهِ، والرَجاءُ مُقْتَرِنٌ أبَدًا بِخَوْفٍ، والطُغْيانُ: الغُلُوُّ في الأمْرِ وتَجاوُزُ الحَدِّ، والعَمَهُ: الخَبْطُ في ضَلالٍ، فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ ذامَّةً لِخُلُقٍ ذَمِيمٍ هو في الناسِ، يَدْعُونَ في الخَيْرِ فَيُرِيدُونَ تَعْجِيلَ الإجابَةِ فَيَحْمِلُهم أحْيانًا سُوءُ الخُلُقِ عَلى الدُعاءِ في الشَرِّ، فَلَوْ عَجَّلَ لَهم لَهَلَكُوا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا عِتابٌ عَلى سُوءِ الخُلُقِ مِن بَعْضِ الناسِ، ومُضَمَّنُهُ النَهْيُ عن مِثْلِ هَذا، والأمْرُ بِالتَسْلِيمِ إلى اللهِ تَعالى والضَراعَةِ إلَيْهِ في كُلِّ حالٍ، والعِلْمُ بِأنَّ الخَيْرَ والشَرَّ مِنهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ، وقَوْلُهُ: "لِجَنْبِهِ" في مَوْضِعِ حالٍ، كَأنَّهُ قالَ: مُضْطَجِعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ "الإنْسانِ"، والعامِلُ فِيهِ "مَسَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في "دَعانا" والعامِلُ فِيهِ "دَعا" وهُما مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ. و"الضُرُّ" لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الأمْراضِ والرَزايا في النَفْسِ والمالِ والأحِبَّةِ، هَذا قَوْلُ اللُغَوِيِّينَ، وقِيلَ: هو مُخْتَصٌّ بِرَزايا البَدَنِ: الهُزالُ والمَرَضُ، وقَوْلُهُ: "مَرَّ" يَقْتَضِي أنَّ نُزُولَها في الكُفّارِ ثُمَّ هي بَعْدُ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ مَعْناها مِن كافِرٍ أو عاصٍ، فَمَعْنى الآيَةِ: مَرَّ في إشْراكِهِ بِاللهِ وقِلَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: "زُيِّنَ" إنْ قَدَّرْناهُ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فَهو خَلْقُهُ الكُفْرَ لَهم واخْتِراعُهُ في نُفُوسِهِمْ صُحْبَةَ أعْمالِهِمُ الفاسِدَةِ ومُثابَرَتِهِمْ عَلَيْها، وإنْ قَدَّرْنا ذَلِكَ مِنَ الشَيْطانِ فَهو بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ والمُخادَعَةِ، ولَفْظَةُ التَزْيِينِ قَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ بِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ مَرَّةً مِن فِعْلِ اللهِ تَعالى ومَرَّةً مِن فِعْلِ الشَياطِينِ.

يونس 10:12

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهم فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: "نَزَلَتْ في دُعاءِ الرَجُلِ عَلى نَفْسِهِ أو مالِهِ أو ولَدِهِ ونَحْوِ هَذا، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ لَوْ فَعَلَ مَعَ الناسِ في إجابَتِهِ إلى المَكْرُوهِ مِثْلَ ما يُرِيدُونَ فِعْلَهُ مَعَهم في إجابَتِهِ إلى الخَيْرِ لِأهْلَكَهُمْ، ثُمَّ حَذَفَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ جُمْلَةً يَتَضَمَّنُها الظاهِرُ تَقْدِيرُها: ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ ولَكِنْ يَذْرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ، فاقْتُضِبَ القَوْلُ وتُوُصِّلَ إلى هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾، فَتَأمَّلْ هَذا التَقْدِيرَ تَجِدْهُ صَحِيحًا، و﴿اسْتِعْجالَهُمْ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والتَقْدِيرُ: مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، (p-٤٥٨)وَقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأعراف: ٧٧] وما جَرى مَجْراهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لَقُضِيَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "الأجَلُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، وعَوْفٌ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، ويَعْقُوبُ: "لَقَضى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "الأجَلَ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَقَضَيْنا"، والأجْلُ -فِي هَذا المَوْضِعِ- أجْلُ المَوْتِ، ومَعْنى "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ: أكْمَلَ وفَرَغَ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ: ؎ وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أو صَنَعُ السَوابِغِ تُبَّعُ وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ في هَذا المَعْنى: ؎ قَضَيْتُ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتُ بَعْدَها ∗∗∗ ∗∗∗ فَوائِحَ في أكْمامِها لَمْ تُفَتَّقِ وتَعَدّى "قَضى" في هَذِهِ الآيَةِ بِـ "إلى" لَمّا كانَ بِمَعْنى: فَرَغَ، وفَرَغَ يَتَعَدّى بِإلى ويَتَعَدّى بِاللامِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ: ؎ ألْآنَ فَقَدْ فَرَغْتُ إلى نُمَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَصِرْتُ عَلى جَماعَتِها عَذابا (p-٤٥٩)وَمِنَ الآخَرِ قوله عزّ وجلّ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا"، و"يَرْجُونَ" في هَذا المَوْضِعِ عَلى بابِها، والمُرادُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَهم لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللهِ، والرَجاءُ مُقْتَرِنٌ أبَدًا بِخَوْفٍ، والطُغْيانُ: الغُلُوُّ في الأمْرِ وتَجاوُزُ الحَدِّ، والعَمَهُ: الخَبْطُ في ضَلالٍ، فَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ ذامَّةً لِخُلُقٍ ذَمِيمٍ هو في الناسِ، يَدْعُونَ في الخَيْرِ فَيُرِيدُونَ تَعْجِيلَ الإجابَةِ فَيَحْمِلُهم أحْيانًا سُوءُ الخُلُقِ عَلى الدُعاءِ في الشَرِّ، فَلَوْ عَجَّلَ لَهم لَهَلَكُوا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا عِتابٌ عَلى سُوءِ الخُلُقِ مِن بَعْضِ الناسِ، ومُضَمَّنُهُ النَهْيُ عن مِثْلِ هَذا، والأمْرُ بِالتَسْلِيمِ إلى اللهِ تَعالى والضَراعَةِ إلَيْهِ في كُلِّ حالٍ، والعِلْمُ بِأنَّ الخَيْرَ والشَرَّ مِنهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ، وقَوْلُهُ: "لِجَنْبِهِ" في مَوْضِعِ حالٍ، كَأنَّهُ قالَ: مُضْطَجِعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ "الإنْسانِ"، والعامِلُ فِيهِ "مَسَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في "دَعانا" والعامِلُ فِيهِ "دَعا" وهُما مَعْنَيانِ مُتَبايِنانِ. و"الضُرُّ" لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ الأمْراضِ والرَزايا في النَفْسِ والمالِ والأحِبَّةِ، هَذا قَوْلُ اللُغَوِيِّينَ، وقِيلَ: هو مُخْتَصٌّ بِرَزايا البَدَنِ: الهُزالُ والمَرَضُ، وقَوْلُهُ: "مَرَّ" يَقْتَضِي أنَّ نُزُولَها في الكُفّارِ ثُمَّ هي بَعْدُ تَتَناوَلُ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ مَعْناها مِن كافِرٍ أو عاصٍ، فَمَعْنى الآيَةِ: مَرَّ في إشْراكِهِ بِاللهِ وقِلَّةِ تَوَكُّلِهِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: "زُيِّنَ" إنْ قَدَّرْناهُ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فَهو خَلْقُهُ الكُفْرَ لَهم واخْتِراعُهُ في نُفُوسِهِمْ صُحْبَةَ أعْمالِهِمُ الفاسِدَةِ ومُثابَرَتِهِمْ عَلَيْها، وإنْ قَدَّرْنا ذَلِكَ مِنَ الشَيْطانِ فَهو بِمَعْنى الوَسْوَسَةِ والمُخادَعَةِ، ولَفْظَةُ التَزْيِينِ قَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ بِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ مَرَّةً مِن فِعْلِ اللهِ تَعالى ومَرَّةً مِن فِعْلِ الشَياطِينِ.

يونس 10:13

(p-٤٦٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أو بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وضَرْبُ أمْثالٍ لَهُمْ، أيْ: كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ فِعْلَكم فَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكم ما فُعِلَ بِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ إخْبارٌ عن قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وشَدَّةِ كُفْرِهِمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وغَيْرُهُمْ: "نَجْزِي" بِنُونِ الجَماعَةِ، وفِرْقَةٌ "يَجْزِي" بِالياءِ عَلى مَعْنى: يَجْزِي اللهُ، و"خَلائِفُ" جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَوْلُهُ: "لِنَنْظُرَ" مَعْناهُ: لِنُبَيِّنَ في الوُجُودِ ما عَلِمْناهُ أزَلًا، لَكِنْ جَرى القَوْلُ عَلى طَرِيقِ الإيجازِ والفَصاحَةِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ -وَقالَ: رَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ -: "لِنَظُّرَ" بِإدْغامِ النُونِ في الظاءِ. وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّ اللهَ تَعالى إنَّما جَعَلَنا خُلَفاءَ لِيَنْظُرَ كَيْفَ عَمَلُنا فَأرُوا اللهَ حُسْنَ أعْمالِكم في السِرِّ والعَلانِيَةِ"، وكانَ أيْضًا يَقُولُ: "قَدِ اسْتُخْلِفْتَ يا ابْنَ الخَطّابِ فانْظُرْ كَيْفَ تَعْمَلُ"، وأحْيانًا كانَ يَقُولُ: "قَدِ اسْتَخْلِفْتَ يا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّ بَعْضَ كُفّارِهِمْ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى مَعْنى: ساهِلْنا يا مُحَمَّدُ واجْعَلْ هَذا الكَلامَ الَّذِي هو مِن قِبَلِكَ عَلى اخْتِيارِنا، وأحِلَّ ما حَرَّمْتَهُ وحَرِّمْ ما حَلَّلْتَهُ لِيَكُونَ أمْرُنا حِينَئِذٍ واحِدًا (p-٤٦١)وَكَلِمَتُنا مُتَّصِلَةً، فَذَمَّ اللهُ هَذِهِ الصَنْعَةَ وذَكَّرَهم بِأنَّهم يَقُولُونَ هَذا لِلْآياتِ البَيِّناتِ، ووَصَفَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الواضِحِ، وأنْ يَسْتَسْلِمَ ويَتَّبِعَ حُكْمَ اللهِ تَعالى ويُعْلِمَ بِخَوْفِهِ رَبَّهُ، واليَوْمُ العَظِيمُ: يَوْمُ القِيامَةِ.

يونس 10:14

(p-٤٦٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أو بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وضَرْبُ أمْثالٍ لَهُمْ، أيْ: كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ فِعْلَكم فَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكم ما فُعِلَ بِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ إخْبارٌ عن قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وشَدَّةِ كُفْرِهِمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وغَيْرُهُمْ: "نَجْزِي" بِنُونِ الجَماعَةِ، وفِرْقَةٌ "يَجْزِي" بِالياءِ عَلى مَعْنى: يَجْزِي اللهُ، و"خَلائِفُ" جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَوْلُهُ: "لِنَنْظُرَ" مَعْناهُ: لِنُبَيِّنَ في الوُجُودِ ما عَلِمْناهُ أزَلًا، لَكِنْ جَرى القَوْلُ عَلى طَرِيقِ الإيجازِ والفَصاحَةِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ -وَقالَ: رَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ -: "لِنَظُّرَ" بِإدْغامِ النُونِ في الظاءِ. وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّ اللهَ تَعالى إنَّما جَعَلَنا خُلَفاءَ لِيَنْظُرَ كَيْفَ عَمَلُنا فَأرُوا اللهَ حُسْنَ أعْمالِكم في السِرِّ والعَلانِيَةِ"، وكانَ أيْضًا يَقُولُ: "قَدِ اسْتُخْلِفْتَ يا ابْنَ الخَطّابِ فانْظُرْ كَيْفَ تَعْمَلُ"، وأحْيانًا كانَ يَقُولُ: "قَدِ اسْتَخْلِفْتَ يا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّ بَعْضَ كُفّارِهِمْ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى مَعْنى: ساهِلْنا يا مُحَمَّدُ واجْعَلْ هَذا الكَلامَ الَّذِي هو مِن قِبَلِكَ عَلى اخْتِيارِنا، وأحِلَّ ما حَرَّمْتَهُ وحَرِّمْ ما حَلَّلْتَهُ لِيَكُونَ أمْرُنا حِينَئِذٍ واحِدًا (p-٤٦١)وَكَلِمَتُنا مُتَّصِلَةً، فَذَمَّ اللهُ هَذِهِ الصَنْعَةَ وذَكَّرَهم بِأنَّهم يَقُولُونَ هَذا لِلْآياتِ البَيِّناتِ، ووَصَفَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الواضِحِ، وأنْ يَسْتَسْلِمَ ويَتَّبِعَ حُكْمَ اللهِ تَعالى ويُعْلِمَ بِخَوْفِهِ رَبَّهُ، واليَوْمُ العَظِيمُ: يَوْمُ القِيامَةِ.

يونس 10:15

(p-٤٦٠)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكم خَلائِفَ في الأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أو بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وضَرْبُ أمْثالٍ لَهُمْ، أيْ: كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ فِعْلَكم فَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِكم ما فُعِلَ بِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ إخْبارٌ عن قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وشَدَّةِ كُفْرِهِمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، وغَيْرُهُمْ: "نَجْزِي" بِنُونِ الجَماعَةِ، وفِرْقَةٌ "يَجْزِي" بِالياءِ عَلى مَعْنى: يَجْزِي اللهُ، و"خَلائِفُ" جَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَوْلُهُ: "لِنَنْظُرَ" مَعْناهُ: لِنُبَيِّنَ في الوُجُودِ ما عَلِمْناهُ أزَلًا، لَكِنْ جَرى القَوْلُ عَلى طَرِيقِ الإيجازِ والفَصاحَةِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ -وَقالَ: رَأيْتُها في الإمامِ مُصْحَفِ عُثْمانَ -: "لِنَظُّرَ" بِإدْغامِ النُونِ في الظاءِ. وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّ اللهَ تَعالى إنَّما جَعَلَنا خُلَفاءَ لِيَنْظُرَ كَيْفَ عَمَلُنا فَأرُوا اللهَ حُسْنَ أعْمالِكم في السِرِّ والعَلانِيَةِ"، وكانَ أيْضًا يَقُولُ: "قَدِ اسْتُخْلِفْتَ يا ابْنَ الخَطّابِ فانْظُرْ كَيْفَ تَعْمَلُ"، وأحْيانًا كانَ يَقُولُ: "قَدِ اسْتَخْلِفْتَ يا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ لِأنَّ بَعْضَ كُفّارِهِمْ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ عَلى مَعْنى: ساهِلْنا يا مُحَمَّدُ واجْعَلْ هَذا الكَلامَ الَّذِي هو مِن قِبَلِكَ عَلى اخْتِيارِنا، وأحِلَّ ما حَرَّمْتَهُ وحَرِّمْ ما حَلَّلْتَهُ لِيَكُونَ أمْرُنا حِينَئِذٍ واحِدًا (p-٤٦١)وَكَلِمَتُنا مُتَّصِلَةً، فَذَمَّ اللهُ هَذِهِ الصَنْعَةَ وذَكَّرَهم بِأنَّهم يَقُولُونَ هَذا لِلْآياتِ البَيِّناتِ، ووَصَفَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِالحَقِّ الواضِحِ، وأنْ يَسْتَسْلِمَ ويَتَّبِعَ حُكْمَ اللهِ تَعالى ويُعْلِمَ بِخَوْفِهِ رَبَّهُ، واليَوْمُ العَظِيمُ: يَوْمُ القِيامَةِ.

يونس 10:16

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللهِ بِما لا يَعْلَمُ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ هَذِهِ مِن كَمالِ الحُجَّةِ. أيْ: هَذا الكَلامُ لَيْسَ مِن قِبَلِي ولا مِن عِنْدِي، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللهِ، ولَوْ شاءَ ما بَعَثَنِي بِهِ ولا تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أعْلَمْتُكم بِهِ. و﴿أدْراكُمْ﴾ بِمَعْنى: أعْلَمَكُمْ، يُقالُ: دَرَيْتُ بِالأمْرِ وأدْرَيْتُ غَيْرِي، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "وَلَأدْراكم بِهِ" وهي لامُ تَأْكِيدٍ دَخَلَتْ عَلى "أدْرى"، والمَعْنى -عَلى هَذا- ولَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ طَرِيقِي، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: "وَلا أدْرَأْتُكم بِهِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (p-٤٦٢)أيْضًا وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "وَلا أنْذَرْتُكم بِهِ"، وخَرَّجَ الفَرّاءُ قِراءَةَ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ عَلى لُغَةٍ لِبَعْضِ العَرَبِ مِنها قَوْلُهُمْ: "لَبَّأْتُ" بِمَعْنى "لَبَّيْتُ"، ومِنها قَوْلُ امْرَأةٍ مِنهُمْ: "رَثَأْتُ زَوْجِي بِأبْياتٍ"، أيْ: رَثَيْتُ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: إنَّما هي "أدْرَيْتُكُمْ" قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ورُوِينا عن قُطْرُبٍ: إنَّ لُغَةَ عَقِيلٍ في أعْطَيْتُكَ: أعْطَأْتُكَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا كَما في لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ: "السَلامُ عَلاكَ". ثُمَّ قالَ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ الأرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرِيدُ: لَمْ تُجَرِّبُونِي في كَذِبٍ ولا تَكَلَّمْتُ في شَيْءٍ مِن هَذا، ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ مَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ لا يَصِحُّ مِنهُ كَذِبٌ بَعْدَ أنْ كَلَّ عُمْرُهُ وتَقاصَرَ أمَلُهُ واشْتَدَّتْ حِنْكَتُهُ وخَوْفُهُ لِرَبِّهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالبَيانِ في "لَبِثْتُ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "لَبِتُّ" بِإدْغامِ الثاءِ في التاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ الآيَةُ، جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ التَوْقِيفُ عَلى عِظَمِ جُرْمِ المُفْتَرِي عَلى اللهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ التَنَصُّلِ مِن ذَلِكَ، قِيلَ: فاتَّسَقَ القَوْلُ واطَّرَدَتْ فَصاحَتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو﴾ مِمَّنْ ﴿كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ بَعْدَ بَيانِها، وذَلِكَ أعْظَمُ جُرْمٍ عَلى اللهِ، وأكْثَرُ اسْتِشْرافٍ إلى عَذابِهِ. ثُمَّ قَرَّرَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ أهْلُ الجُرْمِ، و﴿يُفْلِحُ﴾ مَعْناهُ: يَظْفَرُ بِبُغْيَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "يَعْبُدُونَ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ مُحاوَرَتُهُمْ، و﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ هي الأصْنامُ، وقَوْلُهم ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾ هو مَذْهَبُ النُبَلاءِ مِنهُمْ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُقَرِّرَهم ويُوَبِّخَهُمْ: أهم يُعْلِمُونَ اللهَ بِأنْباءٍ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ لا يَعْلَمُها هُوَ؟ وذَكَرَ "السَماواتِ" لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ والشِعْرى، وبِحَسَبِ هَذا حَسُنَ أنْ يَقُولَ: "هَؤُلاءِ"، وقِيلَ: ذَلِكَ عَلى تَجَوُّزِ الأصْنامِ (p-٤٦٣)الَّتِي لا تَعْقِلُ، وفي التَوْقِيفِ عَلى هَذا أعْظَمُ غَلَبَةٍ لَهُمْ، ولا يُمْكِنُهم إلّا أنْ يَقُولُوا: لا نَفْعَلُ ولا نَقْدِرُ، وذَلِكَ لَهم لازِمٌ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾. و﴿سُبْحانَهُ﴾ اسْتِئْنافُ تَنْزِيهٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ هُنا: "عَمّا يُشْرِكُونَ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وفي حَرْفَيْنِ في النَحْلِ، وحَرْفٍ في الرُومِ، وحَرْفٍ في النَمْلِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ القَعْقاعِ، وشَيْبَةُ، وحُمَيْدٌ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ هُنا وفي النَمْلِ فَقَطْ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ الخَمْسَةَ الأحْرُفِ بِالتاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ.

يونس 10:17

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللهِ بِما لا يَعْلَمُ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ هَذِهِ مِن كَمالِ الحُجَّةِ. أيْ: هَذا الكَلامُ لَيْسَ مِن قِبَلِي ولا مِن عِنْدِي، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللهِ، ولَوْ شاءَ ما بَعَثَنِي بِهِ ولا تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أعْلَمْتُكم بِهِ. و﴿أدْراكُمْ﴾ بِمَعْنى: أعْلَمَكُمْ، يُقالُ: دَرَيْتُ بِالأمْرِ وأدْرَيْتُ غَيْرِي، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "وَلَأدْراكم بِهِ" وهي لامُ تَأْكِيدٍ دَخَلَتْ عَلى "أدْرى"، والمَعْنى -عَلى هَذا- ولَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ طَرِيقِي، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: "وَلا أدْرَأْتُكم بِهِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (p-٤٦٢)أيْضًا وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "وَلا أنْذَرْتُكم بِهِ"، وخَرَّجَ الفَرّاءُ قِراءَةَ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ عَلى لُغَةٍ لِبَعْضِ العَرَبِ مِنها قَوْلُهُمْ: "لَبَّأْتُ" بِمَعْنى "لَبَّيْتُ"، ومِنها قَوْلُ امْرَأةٍ مِنهُمْ: "رَثَأْتُ زَوْجِي بِأبْياتٍ"، أيْ: رَثَيْتُ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: إنَّما هي "أدْرَيْتُكُمْ" قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ورُوِينا عن قُطْرُبٍ: إنَّ لُغَةَ عَقِيلٍ في أعْطَيْتُكَ: أعْطَأْتُكَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا كَما في لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ: "السَلامُ عَلاكَ". ثُمَّ قالَ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ الأرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرِيدُ: لَمْ تُجَرِّبُونِي في كَذِبٍ ولا تَكَلَّمْتُ في شَيْءٍ مِن هَذا، ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ مَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ لا يَصِحُّ مِنهُ كَذِبٌ بَعْدَ أنْ كَلَّ عُمْرُهُ وتَقاصَرَ أمَلُهُ واشْتَدَّتْ حِنْكَتُهُ وخَوْفُهُ لِرَبِّهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالبَيانِ في "لَبِثْتُ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "لَبِتُّ" بِإدْغامِ الثاءِ في التاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ الآيَةُ، جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ التَوْقِيفُ عَلى عِظَمِ جُرْمِ المُفْتَرِي عَلى اللهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ التَنَصُّلِ مِن ذَلِكَ، قِيلَ: فاتَّسَقَ القَوْلُ واطَّرَدَتْ فَصاحَتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو﴾ مِمَّنْ ﴿كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ بَعْدَ بَيانِها، وذَلِكَ أعْظَمُ جُرْمٍ عَلى اللهِ، وأكْثَرُ اسْتِشْرافٍ إلى عَذابِهِ. ثُمَّ قَرَّرَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ أهْلُ الجُرْمِ، و﴿يُفْلِحُ﴾ مَعْناهُ: يَظْفَرُ بِبُغْيَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "يَعْبُدُونَ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ مُحاوَرَتُهُمْ، و﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ هي الأصْنامُ، وقَوْلُهم ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾ هو مَذْهَبُ النُبَلاءِ مِنهُمْ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُقَرِّرَهم ويُوَبِّخَهُمْ: أهم يُعْلِمُونَ اللهَ بِأنْباءٍ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ لا يَعْلَمُها هُوَ؟ وذَكَرَ "السَماواتِ" لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ والشِعْرى، وبِحَسَبِ هَذا حَسُنَ أنْ يَقُولَ: "هَؤُلاءِ"، وقِيلَ: ذَلِكَ عَلى تَجَوُّزِ الأصْنامِ (p-٤٦٣)الَّتِي لا تَعْقِلُ، وفي التَوْقِيفِ عَلى هَذا أعْظَمُ غَلَبَةٍ لَهُمْ، ولا يُمْكِنُهم إلّا أنْ يَقُولُوا: لا نَفْعَلُ ولا نَقْدِرُ، وذَلِكَ لَهم لازِمٌ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾. و﴿سُبْحانَهُ﴾ اسْتِئْنافُ تَنْزِيهٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ هُنا: "عَمّا يُشْرِكُونَ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وفي حَرْفَيْنِ في النَحْلِ، وحَرْفٍ في الرُومِ، وحَرْفٍ في النَمْلِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ القَعْقاعِ، وشَيْبَةُ، وحُمَيْدٌ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ هُنا وفي النَمْلِ فَقَطْ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ الخَمْسَةَ الأحْرُفِ بِالتاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ.

يونس 10:18

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللهِ بِما لا يَعْلَمُ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ هَذِهِ مِن كَمالِ الحُجَّةِ. أيْ: هَذا الكَلامُ لَيْسَ مِن قِبَلِي ولا مِن عِنْدِي، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللهِ، ولَوْ شاءَ ما بَعَثَنِي بِهِ ولا تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أعْلَمْتُكم بِهِ. و﴿أدْراكُمْ﴾ بِمَعْنى: أعْلَمَكُمْ، يُقالُ: دَرَيْتُ بِالأمْرِ وأدْرَيْتُ غَيْرِي، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "وَلَأدْراكم بِهِ" وهي لامُ تَأْكِيدٍ دَخَلَتْ عَلى "أدْرى"، والمَعْنى -عَلى هَذا- ولَأعْلَمَكم بِهِ مِن غَيْرِ طَرِيقِي، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنُ سِيرِينَ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ: "وَلا أدْرَأْتُكم بِهِ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (p-٤٦٢)أيْضًا وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "وَلا أنْذَرْتُكم بِهِ"، وخَرَّجَ الفَرّاءُ قِراءَةَ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ عَلى لُغَةٍ لِبَعْضِ العَرَبِ مِنها قَوْلُهُمْ: "لَبَّأْتُ" بِمَعْنى "لَبَّيْتُ"، ومِنها قَوْلُ امْرَأةٍ مِنهُمْ: "رَثَأْتُ زَوْجِي بِأبْياتٍ"، أيْ: رَثَيْتُ. وقالَ أبُو الفَتْحِ: إنَّما هي "أدْرَيْتُكُمْ" قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ورُوِينا عن قُطْرُبٍ: إنَّ لُغَةَ عَقِيلٍ في أعْطَيْتُكَ: أعْطَأْتُكَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا كَما في لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ: "السَلامُ عَلاكَ". ثُمَّ قالَ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ الأرْبَعِينَ سَنَةً قَبْلَ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرِيدُ: لَمْ تُجَرِّبُونِي في كَذِبٍ ولا تَكَلَّمْتُ في شَيْءٍ مِن هَذا، ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ مَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ لا يَصِحُّ مِنهُ كَذِبٌ بَعْدَ أنْ كَلَّ عُمْرُهُ وتَقاصَرَ أمَلُهُ واشْتَدَّتْ حِنْكَتُهُ وخَوْفُهُ لِرَبِّهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالبَيانِ في "لَبِثْتُ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "لَبِتُّ" بِإدْغامِ الثاءِ في التاءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ الآيَةُ، جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ التَوْقِيفُ عَلى عِظَمِ جُرْمِ المُفْتَرِي عَلى اللهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ التَنَصُّلِ مِن ذَلِكَ، قِيلَ: فاتَّسَقَ القَوْلُ واطَّرَدَتْ فَصاحَتُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ وتَقْرِيرٌ، أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا أو﴾ مِمَّنْ ﴿كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ بَعْدَ بَيانِها، وذَلِكَ أعْظَمُ جُرْمٍ عَلى اللهِ، وأكْثَرُ اسْتِشْرافٍ إلى عَذابِهِ. ثُمَّ قَرَّرَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ أهْلُ الجُرْمِ، و﴿يُفْلِحُ﴾ مَعْناهُ: يَظْفَرُ بِبُغْيَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "يَعْبُدُونَ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَقَدَّمَتْ مُحاوَرَتُهُمْ، و﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ هي الأصْنامُ، وقَوْلُهم ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾ هو مَذْهَبُ النُبَلاءِ مِنهُمْ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُقَرِّرَهم ويُوَبِّخَهُمْ: أهم يُعْلِمُونَ اللهَ بِأنْباءٍ مِنَ السَماواتِ والأرْضِ لا يَعْلَمُها هُوَ؟ وذَكَرَ "السَماواتِ" لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ والشِعْرى، وبِحَسَبِ هَذا حَسُنَ أنْ يَقُولَ: "هَؤُلاءِ"، وقِيلَ: ذَلِكَ عَلى تَجَوُّزِ الأصْنامِ (p-٤٦٣)الَّتِي لا تَعْقِلُ، وفي التَوْقِيفِ عَلى هَذا أعْظَمُ غَلَبَةٍ لَهُمْ، ولا يُمْكِنُهم إلّا أنْ يَقُولُوا: لا نَفْعَلُ ولا نَقْدِرُ، وذَلِكَ لَهم لازِمٌ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا﴾. و﴿سُبْحانَهُ﴾ اسْتِئْنافُ تَنْزِيهٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ هُنا: "عَمّا يُشْرِكُونَ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، وفي حَرْفَيْنِ في النَحْلِ، وحَرْفٍ في الرُومِ، وحَرْفٍ في النَمْلِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ نافِعٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ القَعْقاعِ، وشَيْبَةُ، وحُمَيْدٌ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ هُنا وفي النَمْلِ فَقَطْ: "تُشْرِكُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ الخَمْسَةَ الأحْرُفِ بِالتاءِ، وهي قِراءَةُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ.

يونس 10:19

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما كانَ الناسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِن المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿وَإذا أذَقْنا الناسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ آدَمُ، كانَ أُمَّةً واحِدَةً، ثُمَّ اخْتَلَفَ الناسُ بَعْدُ، وفي أمْرِ بَنِيهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ نَسَمُ بَنِيهِ إذِ اسْتَخْرَجَهُمُ اللهُ مِن ظَهْرِهِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ آدَمُ وبَنُوهُ مِن لَدُنْ نُزُولِهِ إلى قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْهِ الآخَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ: وما كانَ الناسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً في الضَلالَةِ والجَهْلِ بِاللهِ، فاخْتَلَفُوا فِرَقًا في ذَلِكَ بِحَسَبِ الجَهالَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كانَ الناسُ صِنْفًا واحِدًا مُعَدًّا لِلِاهْتِداءِ، واسْتِيفاءُ القَوْلِ في هَذا مُتَقَدِّمٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَمْرٍو: (p-٤٦٤)"لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "لَقَضى" بِفَتْحِهِما عَلى الفِعْلِ الماضِي. وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ يُرِيدُ قَضاءَهُ وتَقْدِيرَهُ لِبَنِي آدَمَ بِالآجالِ المُوَقَّتَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكَلِمَةَ في أمْرِ القِيامَةِ وأنَّ العِقابَ والثَوابَ إنَّما كانَ حِينَئِذٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ آيَةً تَضْطَرُّ الناسَ إلى الإيمانِ، وهَذا النَوْعُ مِنَ الآياتِ لَمْ يَأْتِ بِها نَبِيٌّ قَطُّ، ولا هي مُعْجِزاتٌ اضْطِرارِيَّةٌ، وإنَّما هي مُعَرَّضَةٌ لِلنَّظَرِ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ ويَضِلَّ آخَرُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، لا يَطَّلِعُ عَلى غَيْبِهِ أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْتَظِرُوا﴾ وعِيدٌ وقَدْ صَدَّقَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِنُصْرَتِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، قالَ الطَبَرِيُّ: في بَدْرٍ وغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أذَقْنا الناسَ﴾ الآيَةُ، المُرادُ بِالناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ، وهي بَعْدُ تَتَناوَلُ مِنَ العاصِينَ مَن لا يُؤَدِّي شُكْرَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عِنْدَ زَوالِ المَكْرُوهِ عنهُ، ولا يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ عن مَعاصِيهِ، وذَلِكَ في الناسِ كَثِيرٌ. والرَحْمَةُ هُنا بَعْدَ الضَرّاءِ كالمَطَرِ بَعْدَ القَحْطِ والأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ والصِحَّةِ بَعْدَ المَرَضِ ونَحْوِ هَذا مِمّا لا يَنْحَصِرُ، والمَكْرُ: الِاسْتِهْزاءُ والطَعْنُ عَلَيْها مِنَ الكُفّارِ واطِّراحُ الشُكْرِ والخَوْفِ مِنَ العُصاةِ، ووَصْفُ مَكْرِ اللهِ بِالسُرْعَةِ وإنْ كانَ الِاسْتِدْراجُ بِمَهْلِهِمْ لِأنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ الناسُ: "إنَّ رُسُلَنا" بِضَمِّ السِينِ، وخَفَّفَ السِينَ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو عَمْرٍو. ويُقالُ: "أسْرَعُ" مِن سَرُعَ، ولا يَكُونُ مِن أسْرَعَ يُسْرِعُ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ، قالَ: ولَوْ كانَ مِن أسْرَعَ لَكانَ شاذًّا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في نارِ جَهَنَّمَ: "لَهِيَ أسْوَدُ مِنَ القارِ"» وما حُفِظَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَيْسَ بِشاذٍّ. (p-٤٦٥)وَقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: "تَمْكُرُونَ" بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، وشِبْلٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وطَلْحَةَ، وعاصِمٍ، والأعْمَشِ، والجَحْدَرِيِّ، وأيُّوبَ بْنِ المُتَوَكِّلِ، [وَقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ ] ورُوِيَتْ أيْضًا عن نافِعٍ، والأعْرَجِ: "يَمْكُرُونَ" عَلى الغَيْبَةِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ: في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "يا أيُّها الناسُ إنَّ اللهَ أسْرَعُ مَكْرًا وإنَّ رُسُلَهُ لَدَيْكم يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ".

يونس 10:20

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما كانَ الناسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِن المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿وَإذا أذَقْنا الناسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ آدَمُ، كانَ أُمَّةً واحِدَةً، ثُمَّ اخْتَلَفَ الناسُ بَعْدُ، وفي أمْرِ بَنِيهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ نَسَمُ بَنِيهِ إذِ اسْتَخْرَجَهُمُ اللهُ مِن ظَهْرِهِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ آدَمُ وبَنُوهُ مِن لَدُنْ نُزُولِهِ إلى قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْهِ الآخَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ: وما كانَ الناسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً في الضَلالَةِ والجَهْلِ بِاللهِ، فاخْتَلَفُوا فِرَقًا في ذَلِكَ بِحَسَبِ الجَهالَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كانَ الناسُ صِنْفًا واحِدًا مُعَدًّا لِلِاهْتِداءِ، واسْتِيفاءُ القَوْلِ في هَذا مُتَقَدِّمٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَمْرٍو: (p-٤٦٤)"لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "لَقَضى" بِفَتْحِهِما عَلى الفِعْلِ الماضِي. وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ يُرِيدُ قَضاءَهُ وتَقْدِيرَهُ لِبَنِي آدَمَ بِالآجالِ المُوَقَّتَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكَلِمَةَ في أمْرِ القِيامَةِ وأنَّ العِقابَ والثَوابَ إنَّما كانَ حِينَئِذٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ آيَةً تَضْطَرُّ الناسَ إلى الإيمانِ، وهَذا النَوْعُ مِنَ الآياتِ لَمْ يَأْتِ بِها نَبِيٌّ قَطُّ، ولا هي مُعْجِزاتٌ اضْطِرارِيَّةٌ، وإنَّما هي مُعَرَّضَةٌ لِلنَّظَرِ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ ويَضِلَّ آخَرُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، لا يَطَّلِعُ عَلى غَيْبِهِ أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْتَظِرُوا﴾ وعِيدٌ وقَدْ صَدَّقَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِنُصْرَتِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، قالَ الطَبَرِيُّ: في بَدْرٍ وغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أذَقْنا الناسَ﴾ الآيَةُ، المُرادُ بِالناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ، وهي بَعْدُ تَتَناوَلُ مِنَ العاصِينَ مَن لا يُؤَدِّي شُكْرَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عِنْدَ زَوالِ المَكْرُوهِ عنهُ، ولا يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ عن مَعاصِيهِ، وذَلِكَ في الناسِ كَثِيرٌ. والرَحْمَةُ هُنا بَعْدَ الضَرّاءِ كالمَطَرِ بَعْدَ القَحْطِ والأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ والصِحَّةِ بَعْدَ المَرَضِ ونَحْوِ هَذا مِمّا لا يَنْحَصِرُ، والمَكْرُ: الِاسْتِهْزاءُ والطَعْنُ عَلَيْها مِنَ الكُفّارِ واطِّراحُ الشُكْرِ والخَوْفِ مِنَ العُصاةِ، ووَصْفُ مَكْرِ اللهِ بِالسُرْعَةِ وإنْ كانَ الِاسْتِدْراجُ بِمَهْلِهِمْ لِأنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ الناسُ: "إنَّ رُسُلَنا" بِضَمِّ السِينِ، وخَفَّفَ السِينَ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو عَمْرٍو. ويُقالُ: "أسْرَعُ" مِن سَرُعَ، ولا يَكُونُ مِن أسْرَعَ يُسْرِعُ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ، قالَ: ولَوْ كانَ مِن أسْرَعَ لَكانَ شاذًّا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في نارِ جَهَنَّمَ: "لَهِيَ أسْوَدُ مِنَ القارِ"» وما حُفِظَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَيْسَ بِشاذٍّ. (p-٤٦٥)وَقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: "تَمْكُرُونَ" بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، وشِبْلٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وطَلْحَةَ، وعاصِمٍ، والأعْمَشِ، والجَحْدَرِيِّ، وأيُّوبَ بْنِ المُتَوَكِّلِ، [وَقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ ] ورُوِيَتْ أيْضًا عن نافِعٍ، والأعْرَجِ: "يَمْكُرُونَ" عَلى الغَيْبَةِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ: في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "يا أيُّها الناسُ إنَّ اللهَ أسْرَعُ مَكْرًا وإنَّ رُسُلَهُ لَدَيْكم يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ".

يونس 10:21

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما كانَ الناسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِن المُنْتَظِرِينَ﴾ ﴿وَإذا أذَقْنا الناسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ آدَمُ، كانَ أُمَّةً واحِدَةً، ثُمَّ اخْتَلَفَ الناسُ بَعْدُ، وفي أمْرِ بَنِيهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ نَسَمُ بَنِيهِ إذِ اسْتَخْرَجَهُمُ اللهُ مِن ظَهْرِهِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ آدَمُ وبَنُوهُ مِن لَدُنْ نُزُولِهِ إلى قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْهِ الآخَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ: وما كانَ الناسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً في الضَلالَةِ والجَهْلِ بِاللهِ، فاخْتَلَفُوا فِرَقًا في ذَلِكَ بِحَسَبِ الجَهالَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كانَ الناسُ صِنْفًا واحِدًا مُعَدًّا لِلِاهْتِداءِ، واسْتِيفاءُ القَوْلِ في هَذا مُتَقَدِّمٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَمْرٍو: (p-٤٦٤)"لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "لَقَضى" بِفَتْحِهِما عَلى الفِعْلِ الماضِي. وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ يُرِيدُ قَضاءَهُ وتَقْدِيرَهُ لِبَنِي آدَمَ بِالآجالِ المُوَقَّتَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكَلِمَةَ في أمْرِ القِيامَةِ وأنَّ العِقابَ والثَوابَ إنَّما كانَ حِينَئِذٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ آيَةً تَضْطَرُّ الناسَ إلى الإيمانِ، وهَذا النَوْعُ مِنَ الآياتِ لَمْ يَأْتِ بِها نَبِيٌّ قَطُّ، ولا هي مُعْجِزاتٌ اضْطِرارِيَّةٌ، وإنَّما هي مُعَرَّضَةٌ لِلنَّظَرِ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ ويَضِلَّ آخَرُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ﴾ إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، لا يَطَّلِعُ عَلى غَيْبِهِ أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فانْتَظِرُوا﴾ وعِيدٌ وقَدْ صَدَّقَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِنُصْرَتِهِ مُحَمَّدًا ﷺ، قالَ الطَبَرِيُّ: في بَدْرٍ وغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أذَقْنا الناسَ﴾ الآيَةُ، المُرادُ بِالناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ، وهي بَعْدُ تَتَناوَلُ مِنَ العاصِينَ مَن لا يُؤَدِّي شُكْرَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عِنْدَ زَوالِ المَكْرُوهِ عنهُ، ولا يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ عن مَعاصِيهِ، وذَلِكَ في الناسِ كَثِيرٌ. والرَحْمَةُ هُنا بَعْدَ الضَرّاءِ كالمَطَرِ بَعْدَ القَحْطِ والأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ والصِحَّةِ بَعْدَ المَرَضِ ونَحْوِ هَذا مِمّا لا يَنْحَصِرُ، والمَكْرُ: الِاسْتِهْزاءُ والطَعْنُ عَلَيْها مِنَ الكُفّارِ واطِّراحُ الشُكْرِ والخَوْفِ مِنَ العُصاةِ، ووَصْفُ مَكْرِ اللهِ بِالسُرْعَةِ وإنْ كانَ الِاسْتِدْراجُ بِمَهْلِهِمْ لِأنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ الناسُ: "إنَّ رُسُلَنا" بِضَمِّ السِينِ، وخَفَّفَ السِينَ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو عَمْرٍو. ويُقالُ: "أسْرَعُ" مِن سَرُعَ، ولا يَكُونُ مِن أسْرَعَ يُسْرِعُ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ، قالَ: ولَوْ كانَ مِن أسْرَعَ لَكانَ شاذًّا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في نارِ جَهَنَّمَ: "لَهِيَ أسْوَدُ مِنَ القارِ"» وما حُفِظَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَيْسَ بِشاذٍّ. (p-٤٦٥)وَقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: "تَمْكُرُونَ" بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، وشِبْلٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وطَلْحَةَ، وعاصِمٍ، والأعْمَشِ، والجَحْدَرِيِّ، وأيُّوبَ بْنِ المُتَوَكِّلِ، [وَقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ ] ورُوِيَتْ أيْضًا عن نافِعٍ، والأعْرَجِ: "يَمْكُرُونَ" عَلى الغَيْبَةِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ: في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "يا أيُّها الناسُ إنَّ اللهَ أسْرَعُ مَكْرًا وإنَّ رُسُلَهُ لَدَيْكم يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ".

يونس 10:22

قوله عزّ وجلّ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِن الشاكِرِينَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ تَعْدِيدَ النِعْمَةِ فِيما هي الحالُ بِسَبِيلِهِ مِن رُكُوبِ البَحْرِ. ورُكُوبُهُ وقْتَ حُسْنِ الظَنِّ بِهِ لِلْجِهادِ والحَجِّ مُتَّفَقٌ عَلى جَوازِهِ، وكَذَلِكَ لِضَرُورَةِ المَعاشِ بِالصَيْدِ فِيهِ أو لِتَصَرُّفِ التَجْرِ، وأمّا رُكُوبُهُ لِطَلَبِ الغِنى والِاسْتِكْثارِ فَمَكْرُوهٌ عِنْدَ الأكْثَرِ، وغايَةٌ مُبِيحِهِ أنْ يَقُولَ: وتَرْكُهُ أحْسَنُ، وأمّا رُكُوبُهُ في ارْتِجاجِهِ فَمَكْرُوهٌ مَمْنُوعٌ، وفي الحَدِيثِ: « "مَن رَكِبَ البَحْرَ في ارْتِجاجِهِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنهُ الذِمَّةُ"». (p-٤٦٦)وَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "البَحْرُ لا أرْكَبُهُ أبَدًا". وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرِهِمْ: "يُسَيِّرُكُمْ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَضْعِيفُ تَعْدِيَةٍ، لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: سِرْتُ الرَجُلَ وسَيَّرْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: ؎ فَلا تَجْزَعن مِن سِيرَةٍ أنْتَ سِرْتَها ∗∗∗ فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مِن يَسِيرُها قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَلى هَذا البَيْتِ اعْتِراضٌ حَتّى لا يَكُونَ شاهِدًا في هَذا، وهو أنْ يُجْعَلَ الضَمِيرُ كالظَرْفِ، كَما تَقُولُ: "سِرْتُ الطَرِيقَ"، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ مِن "سَيَرَ"، وكَذَلِكَ هي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وفي مُصْحَفِ أبِي شَيْخٍ، وقالَ عَوْفُ بْنُ أبِي جَمِيلَةَ: (p-٤٦٧)قَدْ كانَ يَقْرَأُ: "يَنْشُرُكُمْ" فَغَيَّرَها الحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ: "يُسَيِّرُكُمْ"، قالَ سُفْيانُ بْنُ أبِي الزَعَلِ: كانُوا يَقْرَؤُونَ: "يَنْشُرُكُمْ" فَنَظَرُوا في مُصْحَفِ ابْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَوَجَدُوها "يُسَيِّرُكُمْ"، فَأوَّلُ مَن كَتَبَها كَذَلِكَ الحَجّاجُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ طُرُقِهِ: "يُسِيرُكُمْ" مِن أسارَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "يَنْشُرُكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِينِ، مِنَ النَشْرِ والبَثِّ، وهي قِراءَةُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، والحَسْنِ، وأبِي العالِيَةِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ الفَصِيحِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وشَيْبَةَ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: "يُنْشِرُكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الشِينِ وقالَ هي قِراءَةُ عَبْدِ اللهِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: أظُنُّهُ غَلِطَ. و" الفُلْكُ": جَمْعُ فُلْكٍ، ولَيْسَ بِاسْمٍ واحِدٍ لِلْجَمِيعِ والفَرْدِ، ولَكِنَّهُ فُعْلٌ جُمِعَ عَلى فُعْلٍ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: "فُلْكانِ" في التَثْنِيَةِ، وقِراءَةُ أبِي الدَرْداءِ وأُمِّ الدَرْداءِ: "فِي الفُلْكِيِّ" عَلى وزْنِ فُعْلِيٍّ بِياءِ نَسَبٍ، لِقَوْلِهِمْ: أشْقَرِيٌّ ودَوّارِيٌّ في دَوْرِ الدَهْرِ، وكَقَوْلِ الصَلَتانِ: ؎ أنا الصَلَتانِي....... ∗∗∗ ∗∗∗....................... (p-٤٦٨)وَقَوْلُهُ: "وَجَرَيْنَ" عَلامَةُ قَلِيلِ العَدَدِ، وقَوْلُهُ: "بِهِمْ" خُرُوجٌ مِنَ الحُضُورِ إلى الغَيْبَةِ، وحَسُنَ ذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾ هو بِالمَعْنى المَعْقُولِ، حَتّى إذا حَصَلَ بَعْضُكم في السُفُنِ، والرِيحُ إذا أُفْرِدَتْ فَعُرْفُها أنْ تُسْتَعْمَلَ في العَذابِ والمَكْرُوهِ، لَكِنَّها لا يَحْسُنُ في البَحْرِ أنْ تَكُونَ إلّا واحِدَةً لا نَشْرًا، فَقُيِّدَتِ المُفْرَدَةُ بِالطَيِّبِ فَخَرَجَتْ عن ذَلِكَ العُرْفِ وبَرَعَ المَعْنى، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "جاءَتْهم رِيحٌ عاصِفٌ"، والعاصِفُ: الشَدِيدَةُ مِنَ الرِيحِ، يُقالُ: عَصَفَتِ الرِيحُ، وقَوْلُهُ::وَظَنُّوا: عَلى بابِهِ في الظَنِّ، لَكِنَّهُ ظَنٌّ غالِبٌ مُفْزَعٌ بِحَسَبِ أنَّهُ في مَحْذُورٍ، وقَوْلُهُ: ﴿دَعَوُا اللهَ﴾ أيْ: نَسُوا الأصْنامَ والشُرَكاءَ وجَرَّدُوا الدُعاءَ لِلَّهِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في ذَلِكَ عن بَعْضِ العُلَماءِ حِكايَةَ قَوْلِ العَجَمِ: "هَيّا شَراهِيا" ومَعْناهُ: يا حَيُّ يا قَيُّومُ، قالَ الطَبَرِيُّ: جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ﴾: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ﴾، وجَوابٌ قَوْلُهُ: ﴿وَظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾: ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ﴾.

يونس 10:23

قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ يا أيُّها الناسُ إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكم فَنُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ "يَبْغُونَ": أيْ يُفْسِدُونَ ويَكْفُرُونَ، والبَغْيُ: التَعَدِّي والأعْمالُ الفاسِدَةُ، وأكَّدَ (p-٤٦٩)ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾، ثُمَّ ابْتَدَأ بِالزَجْرِ وذَمِّ البَغْيِ في أوجَزِ لَفْظٍ، وقَوْلُهُ: "مَتاعُ الحَياةِ" رَفْعٌ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وذَلِكَ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، والمُبْتَدَأُ "بَغْيُكُمْ"، ويَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ "مَتاعُ" عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ مَتاعُ، أو هو مَتاعُ، وخَبَرُ البَغْيِ قَوْلُهُ: "عَلى أنْفُسِكُمْ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ، وهارُونَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مَتاعَ" بِالنَصْبِ، وهو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ البَغْيِ، وخَبَرُ البَغْيِ -عَلى هَذا- مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَذْمُومٌ أو مَكْرُوهٌ ونَحْوُ هَذا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ قَوْلُهُ: "عَلى أنْفُسِكُمْ" لِأنَّهُ كانَ يَحُولُ بَيْنَ المَصْدَرِ وما عَمِلَ فِيهِ بِأجْنَبِيٍّ، ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ "مَتاعَ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: تُمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مَتاعًا الحَياةِ الدُنْيا" بِالنَصْبِ فِيهِما، ومَعْنى الآيَةِ: إنَّما بَغْيُكم وإفْسادُكم مُضِرٌّ لَكم وهو في حالَةِ الدُنْيا ثُمَّ تَلْقَوْنَ عِقابَهُ في الآخِرَةِ، قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا﴾ أيْ: تُعَجَّلُ لَكم عُقُوبَتُهُ في الحَياةِ الدُنْيا، وعَلى هَذا قالُوا: البَغْيُ يَصْرَعُ أهْلَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالُوا: الباغِي مَصْرُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ﴾ [الحج: ٦٠]، ولِقَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "ما مِن ذَنْبٍ أسْرَعُ عُقُوبَةً مِن بَغْيٍ"». وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَنُنَبِّئُكُمْ" عَلى ضَمِيرِ (p-٤٧٠)المُعَظَّمِ المُتَكَلِّمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيُنَبِّئُكُمْ" عَلى ضَمِيرِ الغائِبِ، والمُرادُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ.

يونس 10:24

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ الناسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضِ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلا أو نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ المَعْنى: إنَّما مَثَلُ تَفاخُرِ الحَياةِ الدُنْيا وزِينَتِها بِالمالِ والبَنِينَ إذْ يَصِيرُ ذَلِكَ إلى الفَناءِ كَمَطَرٍ نَزَلَ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ، ووَقَفَ هُنا بَعْضُ القُرّاءِ عَلى مَعْنى: فاخْتَلَطَ الماءُ بِالأرْضِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ: ﴿بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ المُقَدَّمِ، ويَحْتَمِلُ -عَلى هَذا- أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "بِهِ" عَلى الماءِ أو عَلى الِاخْتِلاطِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ القَوْلُ. ووَصَلَتْ فِرْقَةٌ فَرُفِعَ "النَباتُ" عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "فاخْتَلَطَ"، أيِ:اخْتَلَطَ النَباتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ الماءِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا يَأْكُلُ الناسُ﴾ يُرِيدُ الزُرُوعَ والأشْجارَ ونَحْوَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿والأنْعامُ﴾ يُرِيدُ سائِرَ العُشْبِ المَرْعِيِّ. و﴿أخَذَتِ الأرْضُ﴾ لَفْظَةٌ كَثُرَتْ في مِثْلِ هَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١]. والزُخْرُفُ: التَزَيُّنُ بِالألْوانِ، وقَدْ يَجِيءُ الزُخْرُفُ بِمَعْنى الذَهَبِ إذِ الذَهَبُ مِنهُ، وقَرَأ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، وأبُو جَعْفَرٍ، والسَبْعَةُ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ: "وازَّيَّنَتْ"، أصْلُهُ: تَزَيَّنَتْ، سُكِّنَتِ التاءُ لِتُدْغَمَ فاحْتِيجَ إلى ألْفِ وصْلٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَتَزَيَّنَتْ" وهَذِهِ أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والشَعْبِيُّ، وقَتادَةُ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى: "وَأزْيَنَتْ" عَلى مَعْنى: حَضَرَتْ زِينَتُها كَما تَقُولُ: أحْصَدَ الزَرْعُ، و"أزْيَنَتْ" عَلى مِثالِ: أفْعَلَتْ، وقالَ عَوْفُ بْنُ أبِي جَمِيلَةَ: كانَ أشْياخُنا يَقْرَؤُونَها: "وازْيانَّتْ" النُونُ (p-٤٧١)شَدِيدَةٌ والألِفُ ساكِنَةٌ قَبْلَها، وهي قِراءَةُ أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "وازَيَأْنَّتْ"، وهي لُغَةٌ مِنها قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ ....................... ∗∗∗ إذا ما الهَوادِي بِالعَبِيطِ احْمَأرَّتْ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وازّايَنَتْ"، والمَعْنى في هَذا كُلِّهِ: ظَهَرَتْ زِينَتُها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَظَنَّ أهْلُها﴾ عَلى بابِها. والضَمِيرُ في "عَلَيْها" عائِدٌ عَلى الأرْضِ، والمُرادُ ما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونَباتٍ، وهَذا الكَلامُ فِيهِ تَشْبِيهُ جُمْلَةِ أمْرِ الحَياةِ الدُنْيا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المَوْصُوفَةِ أحْوالُها، و"حَتّى" غايَةٌ، وهي حَرْفُ ابْتِداءٍ لِدُخُولِها عَلى "إذا"، ومَعْناها مُتَّصِلٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿قادِرُونَ عَلَيْها﴾، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ بَدَأ الجَوابُ، والأمْرُ الآتِي واحِدُ الأُمُورِ كالرِيحِ والصِرِّ والسَمُومِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وتَقْسِيمُهُ لَيْلًا أو نَهارًا تَنْبِيهٌ عَلى الخَوْفِ وارْتِفاعُ الأمْنِ في كُلِّ وقْتٍ، و"حَصِيدًا": فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وعَبَّرَ بِحَصِيدٍ عَنِ التالِفِ الهالِكِ مِنَ النَباتِ وإنْ لَمْ يَهْلَكْ بِحَصادٍ إذِ الحُكْمُ فِيهِما واحِدٌ، وكَأنَّ الآفَةَ حَصَدَتْهُ قَبْلَ أوانِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ﴾ أيْ: كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ ولَمْ تَنْضُرْ ولَمْ تُغْرِ بِغَضارَتِها، وقَرَأ قَتادَةُ "يَغْنَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، يَعْنِي الحَصِيدَ، وقَرَأ مَرْوانُ: "كَأنْ لَمْ تَتَغَنَّ" بِتاءَيْنِ مِثْلُ تَتَفَعَّلُ، والمَغانِي: المَنازِلُ المَعْمُورَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ وقَدْ نَغْنى بِها ونَرى عُصُورًا ∗∗∗ ∗∗∗ بِها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِذالا وفِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ" وما كُنّا لِنُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ (p-٤٧٢)أهْلِها "كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ"، رَواها عنهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقِيلَ: إنَّ فِيهِ: "وَما كانَ اللهُ لِيُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها"، وقَرَأ أبُو الدَرْداءِ: "لِقَوْمٍ يَتَذَكَّرُونَ". ومَعْنى الآيَةِ التَحْذِيرُ مِنَ الِاغْتِرارِ بِالدُنْيا إذْ هي مُعَرَّضَةٌ لِلتَّلَفِ وأنْ يُصِيبَها ما أصابَ هَذِهِ الأرْضَ المَذْكُورَةَ بِمَوْتٍ أو غَيْرِهِ مِن رَزايا الدُنْيا، وخَصَّ المُتَفَكِّرِينَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لِلْمَنزِلَةِ، ولِيَقَعَ التَسابُقُ إلى هَذِهِ الرُتْبَةِ.

يونس 10:25

قوله عزّ وجلّ: ﴿واللهُ يَدْعُو إلى دارِ السَلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللهِ مِنَ عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ نَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الدُعاءَ إلى الشَرْعِ عامٌّ في كُلِّ بَشَرٍ، والهِدايَةُ الَّتِي هي الإرْشادُ مُخْتَصَّةٌ بِمَن قُدِّرَ إيمانُهُ، و"السَلامِ"، قِيلَ: هو اسْمُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فالمَعْنى يَدْعُو إلى دارِهِ الَّتِي هي الجَنَّةُ، وإضافَتُها إلَيْهِ إضافَةُ مُلْكٍ إلى مالِكٍ، فَقِيلَ: السَلامُ: بِمَعْنى السَلامَةِ، أيْ: مِن دَخَلَها ظَفِرَ بِالسَلامَةِ وأمِنَ الفِناءَ والآفاتِ، وهَذِهِ الآيَةُ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ. وقَدْ ورَدَتْ في دَعْوَةِ اللهِ تَعالى عِبادَهُ أحادِيثَ مِنها رُؤْيا النَبِيِّ ﷺ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، ومَثَّلا دَعْوَةَ اللهِ، ومُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الداعِيَ، والمِلَّةَ المَدْعُوَّ إلَيْها، والجَنَّةَ الَّتِي هي ثَمَرَةُ الغُفْرانِ بِالمَأْدُبَةِ يَدْعُو إلَيْها مَلِكٌ إلى مَنزِلِهِ. وذَكَرَ قَتادَةُ في كَلامِهِ عَلى (p-٤٧٣)هَذِهِ الآيَةِ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَوْراةِ مَكْتُوبًا: "يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَرِّ انْتَهِ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ وهي الجُمْهُورُ: الحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِيادَةُ: النَظَرُ إلى وجْهِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ورُوِيَ في نَحْوِ ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ رَواهُ صُهَيْبٌ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ، وحُذَيْفَةَ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وعامِرِ بْنِ سَعْدٍ، وعَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: الزِيادَةُ: غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحُسْنى: هي الحَسَنَةُ، والزِيادَةُ: هي تَضْعِيفُ الحَسَناتِ إلى سَبْعِمِائَةٍ فَدُونَها حَسَبَما رُوِيَ في نَصِّ الحَدِيثِ، وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وهَذا قَوْلٌ يُعَضِّدُهُ النَظَرُ، ولَوْلا عِظَمُ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ لِتَرَجَّحَ هَذا القَوْلُ، وطَرِيقُ تَرْجِيحِهِ (p-٤٧٤)أنَّ الآيَةَ تَتَضَمَّنُ اقْتِرانًا بَيْنَ ذِكْرِ عُمّالِ الحَسَناتِ وعُمّالِ السَيِّئاتِ، فَوَصَفَ المُحْسِنِينَ بِأنَّ لَهم -عَلى إحْسانِهِمْ- حُسْنى زِيادَةً مِن جِنْسِها، ووَصَفَ المُسِيئِينَ بِأنَّ لَهم بِالسَيِّئَةِ مِثْلَها، فَتَعادَلَ الكَلامانِ. وعَبَّرَ عَنِ الحَسَناتِ بِالحُسْنى مُبالَغَةً إذْ هي عَشْرَةٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الحُسْنى عامٌّ في كُلِّ حُسْنى فَهي تَعُمُّ جَمِيعَ ما قِيلَ، ووَعَدَ اللهُ تَعالى في جَمِيعِها بِالزِيادَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾، ولَوْ كانَ مَعْنى الحُسْنى الجَنَّةَ لَكانَ في القَوْلِ تَكْرِيرٌ بِالمَعْنى، عَلى أنَّ هَذا يُنْفَصَلُ عنهُ بِأنَّهُ وصْفُ المُحْسِنِينَ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ وأنَّهم لا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لَهُمْ، أيْ: أُولَئِكَ مُسْتَحِقُّوها وأصْحابُها حَقًّا وبِاسْتِيجابٍ. و"يَرْهَقُ" مَعْناهُ: يَغْشى مَعَ ذِلَّةٍ وتَضْيِيقٍ، والقَتَرُ: الغُبارُ المُسْوَدُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ... مَوْجٌ تَرى وسْطَهُ الراياتِ والقَتَرا وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ: "قَتْرٌ" بِسُكُونِ التاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في رَفْعِ "الجَزاءِ" بِمَ هُوَ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: "لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: "جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها" والباءُ زائِدَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ رَفْعُ "الجَزاءِ" عَلى المُبْتَدَإ، وخَبَرُهُ في "الَّذِينَ" لِأنَّ "والَّذِينَ" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لِلَّذِينَ أحْسَنُوا"، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلِلَّذِينِ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها"، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَعُمُّ السَيِّئاتُ هاهُنا الكُفْرَ والمَعاصِيَ، فَمَثَلَ سَيِّئَةِ الكُفْرِ التَخْلِيدُ في النارِ، ومَثَلَ سَيِّئَةِ المَعاصِي مَصْرُوفٌ إلى مَشِيئَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. والعاصِمُ: المُنَجِّي والمُجِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣]، (p-٤٧٥)وَ"أُغْشِيَتْ": كُسِيَتْ، ومِنهُ الغِشاوَةُ، والقِطَعُ: جَمْعُ قِطْعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "قِطْعًا" بِسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الطاءِ، والقِطْعُ: الجُزْءُ مِنَ اللَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ﴾ [الحجر: ٦٥]، وهَذا يُرادُ بِهِ الجُزْءُ مِن زَمانِ اللَيْلِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الجُزْءُ مِن سَوادِهِ، و"مُظْلِمًا" نَعْتٌ لِقَطْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "مِنَ اللَيْلِ"، فَإذا كانَ نَعْتًا فَكانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الجُمْلَةِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ بَعْدَها، وتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ: "قِطْعًا اسْتَقَرَّ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمًا" عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥]. ومَن قَرَأ "قِطَعًا" عَلى جَمْعِ قِطْعَةٍ فَنَصْبُ "مُظْلِمًا" عَلى الحالِ مِنَ اللَيْلِ، والعامِلُ في الحالِ "مِن" إذْ هي العامِلُ في ذِي الحالِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "كَأنَّما يُغْشى وُجُوهَهم قِطْعٌ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمٌ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "قِطَعٌ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمٌ" بِتَحْرِيكِ الطاءِ في "قِطَعٍ".

يونس 10:26

قوله عزّ وجلّ: ﴿واللهُ يَدْعُو إلى دارِ السَلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللهِ مِنَ عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ نَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الدُعاءَ إلى الشَرْعِ عامٌّ في كُلِّ بَشَرٍ، والهِدايَةُ الَّتِي هي الإرْشادُ مُخْتَصَّةٌ بِمَن قُدِّرَ إيمانُهُ، و"السَلامِ"، قِيلَ: هو اسْمُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فالمَعْنى يَدْعُو إلى دارِهِ الَّتِي هي الجَنَّةُ، وإضافَتُها إلَيْهِ إضافَةُ مُلْكٍ إلى مالِكٍ، فَقِيلَ: السَلامُ: بِمَعْنى السَلامَةِ، أيْ: مِن دَخَلَها ظَفِرَ بِالسَلامَةِ وأمِنَ الفِناءَ والآفاتِ، وهَذِهِ الآيَةُ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ. وقَدْ ورَدَتْ في دَعْوَةِ اللهِ تَعالى عِبادَهُ أحادِيثَ مِنها رُؤْيا النَبِيِّ ﷺ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، ومَثَّلا دَعْوَةَ اللهِ، ومُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الداعِيَ، والمِلَّةَ المَدْعُوَّ إلَيْها، والجَنَّةَ الَّتِي هي ثَمَرَةُ الغُفْرانِ بِالمَأْدُبَةِ يَدْعُو إلَيْها مَلِكٌ إلى مَنزِلِهِ. وذَكَرَ قَتادَةُ في كَلامِهِ عَلى (p-٤٧٣)هَذِهِ الآيَةِ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَوْراةِ مَكْتُوبًا: "يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَرِّ انْتَهِ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ وهي الجُمْهُورُ: الحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِيادَةُ: النَظَرُ إلى وجْهِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ورُوِيَ في نَحْوِ ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ رَواهُ صُهَيْبٌ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ، وحُذَيْفَةَ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وعامِرِ بْنِ سَعْدٍ، وعَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: الزِيادَةُ: غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحُسْنى: هي الحَسَنَةُ، والزِيادَةُ: هي تَضْعِيفُ الحَسَناتِ إلى سَبْعِمِائَةٍ فَدُونَها حَسَبَما رُوِيَ في نَصِّ الحَدِيثِ، وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وهَذا قَوْلٌ يُعَضِّدُهُ النَظَرُ، ولَوْلا عِظَمُ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ لِتَرَجَّحَ هَذا القَوْلُ، وطَرِيقُ تَرْجِيحِهِ (p-٤٧٤)أنَّ الآيَةَ تَتَضَمَّنُ اقْتِرانًا بَيْنَ ذِكْرِ عُمّالِ الحَسَناتِ وعُمّالِ السَيِّئاتِ، فَوَصَفَ المُحْسِنِينَ بِأنَّ لَهم -عَلى إحْسانِهِمْ- حُسْنى زِيادَةً مِن جِنْسِها، ووَصَفَ المُسِيئِينَ بِأنَّ لَهم بِالسَيِّئَةِ مِثْلَها، فَتَعادَلَ الكَلامانِ. وعَبَّرَ عَنِ الحَسَناتِ بِالحُسْنى مُبالَغَةً إذْ هي عَشْرَةٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الحُسْنى عامٌّ في كُلِّ حُسْنى فَهي تَعُمُّ جَمِيعَ ما قِيلَ، ووَعَدَ اللهُ تَعالى في جَمِيعِها بِالزِيادَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾، ولَوْ كانَ مَعْنى الحُسْنى الجَنَّةَ لَكانَ في القَوْلِ تَكْرِيرٌ بِالمَعْنى، عَلى أنَّ هَذا يُنْفَصَلُ عنهُ بِأنَّهُ وصْفُ المُحْسِنِينَ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ وأنَّهم لا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لَهُمْ، أيْ: أُولَئِكَ مُسْتَحِقُّوها وأصْحابُها حَقًّا وبِاسْتِيجابٍ. و"يَرْهَقُ" مَعْناهُ: يَغْشى مَعَ ذِلَّةٍ وتَضْيِيقٍ، والقَتَرُ: الغُبارُ المُسْوَدُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ... مَوْجٌ تَرى وسْطَهُ الراياتِ والقَتَرا وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ: "قَتْرٌ" بِسُكُونِ التاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في رَفْعِ "الجَزاءِ" بِمَ هُوَ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: "لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: "جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها" والباءُ زائِدَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ رَفْعُ "الجَزاءِ" عَلى المُبْتَدَإ، وخَبَرُهُ في "الَّذِينَ" لِأنَّ "والَّذِينَ" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لِلَّذِينَ أحْسَنُوا"، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلِلَّذِينِ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها"، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَعُمُّ السَيِّئاتُ هاهُنا الكُفْرَ والمَعاصِيَ، فَمَثَلَ سَيِّئَةِ الكُفْرِ التَخْلِيدُ في النارِ، ومَثَلَ سَيِّئَةِ المَعاصِي مَصْرُوفٌ إلى مَشِيئَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. والعاصِمُ: المُنَجِّي والمُجِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣]، (p-٤٧٥)وَ"أُغْشِيَتْ": كُسِيَتْ، ومِنهُ الغِشاوَةُ، والقِطَعُ: جَمْعُ قِطْعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "قِطْعًا" بِسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الطاءِ، والقِطْعُ: الجُزْءُ مِنَ اللَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ﴾ [الحجر: ٦٥]، وهَذا يُرادُ بِهِ الجُزْءُ مِن زَمانِ اللَيْلِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الجُزْءُ مِن سَوادِهِ، و"مُظْلِمًا" نَعْتٌ لِقَطْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "مِنَ اللَيْلِ"، فَإذا كانَ نَعْتًا فَكانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الجُمْلَةِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ بَعْدَها، وتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ: "قِطْعًا اسْتَقَرَّ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمًا" عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥]. ومَن قَرَأ "قِطَعًا" عَلى جَمْعِ قِطْعَةٍ فَنَصْبُ "مُظْلِمًا" عَلى الحالِ مِنَ اللَيْلِ، والعامِلُ في الحالِ "مِن" إذْ هي العامِلُ في ذِي الحالِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "كَأنَّما يُغْشى وُجُوهَهم قِطْعٌ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمٌ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "قِطَعٌ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمٌ" بِتَحْرِيكِ الطاءِ في "قِطَعٍ".

يونس 10:27

قوله عزّ وجلّ: ﴿واللهُ يَدْعُو إلى دارِ السَلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ ولا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللهِ مِنَ عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ نَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الدُعاءَ إلى الشَرْعِ عامٌّ في كُلِّ بَشَرٍ، والهِدايَةُ الَّتِي هي الإرْشادُ مُخْتَصَّةٌ بِمَن قُدِّرَ إيمانُهُ، و"السَلامِ"، قِيلَ: هو اسْمُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فالمَعْنى يَدْعُو إلى دارِهِ الَّتِي هي الجَنَّةُ، وإضافَتُها إلَيْهِ إضافَةُ مُلْكٍ إلى مالِكٍ، فَقِيلَ: السَلامُ: بِمَعْنى السَلامَةِ، أيْ: مِن دَخَلَها ظَفِرَ بِالسَلامَةِ وأمِنَ الفِناءَ والآفاتِ، وهَذِهِ الآيَةُ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ. وقَدْ ورَدَتْ في دَعْوَةِ اللهِ تَعالى عِبادَهُ أحادِيثَ مِنها رُؤْيا النَبِيِّ ﷺ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، ومَثَّلا دَعْوَةَ اللهِ، ومُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الداعِيَ، والمِلَّةَ المَدْعُوَّ إلَيْها، والجَنَّةَ الَّتِي هي ثَمَرَةُ الغُفْرانِ بِالمَأْدُبَةِ يَدْعُو إلَيْها مَلِكٌ إلى مَنزِلِهِ. وذَكَرَ قَتادَةُ في كَلامِهِ عَلى (p-٤٧٣)هَذِهِ الآيَةِ: ذُكِرَ لَنا أنَّ في التَوْراةِ مَكْتُوبًا: "يا باغِيَ الخَيْرِ هَلُمَّ، ويا باغِيَ الشَرِّ انْتَهِ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ الآيَةُ، قالَتْ فِرْقَةٌ وهي الجُمْهُورُ: الحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِيادَةُ: النَظَرُ إلى وجْهِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ورُوِيَ في نَحْوِ ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ رَواهُ صُهَيْبٌ، ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ، وحُذَيْفَةَ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وعامِرِ بْنِ سَعْدٍ، وعَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: الزِيادَةُ: غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحُسْنى: هي الحَسَنَةُ، والزِيادَةُ: هي تَضْعِيفُ الحَسَناتِ إلى سَبْعِمِائَةٍ فَدُونَها حَسَبَما رُوِيَ في نَصِّ الحَدِيثِ، وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وهَذا قَوْلٌ يُعَضِّدُهُ النَظَرُ، ولَوْلا عِظَمُ القائِلِينَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ لِتَرَجَّحَ هَذا القَوْلُ، وطَرِيقُ تَرْجِيحِهِ (p-٤٧٤)أنَّ الآيَةَ تَتَضَمَّنُ اقْتِرانًا بَيْنَ ذِكْرِ عُمّالِ الحَسَناتِ وعُمّالِ السَيِّئاتِ، فَوَصَفَ المُحْسِنِينَ بِأنَّ لَهم -عَلى إحْسانِهِمْ- حُسْنى زِيادَةً مِن جِنْسِها، ووَصَفَ المُسِيئِينَ بِأنَّ لَهم بِالسَيِّئَةِ مِثْلَها، فَتَعادَلَ الكَلامانِ. وعَبَّرَ عَنِ الحَسَناتِ بِالحُسْنى مُبالَغَةً إذْ هي عَشْرَةٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الحُسْنى عامٌّ في كُلِّ حُسْنى فَهي تَعُمُّ جَمِيعَ ما قِيلَ، ووَعَدَ اللهُ تَعالى في جَمِيعِها بِالزِيادَةِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾، ولَوْ كانَ مَعْنى الحُسْنى الجَنَّةَ لَكانَ في القَوْلِ تَكْرِيرٌ بِالمَعْنى، عَلى أنَّ هَذا يُنْفَصَلُ عنهُ بِأنَّهُ وصْفُ المُحْسِنِينَ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ وأنَّهم لا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لَهُمْ، أيْ: أُولَئِكَ مُسْتَحِقُّوها وأصْحابُها حَقًّا وبِاسْتِيجابٍ. و"يَرْهَقُ" مَعْناهُ: يَغْشى مَعَ ذِلَّةٍ وتَضْيِيقٍ، والقَتَرُ: الغُبارُ المُسْوَدُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مُتَوَّجٌ بِرِداءِ المُلْكِ يَتْبَعُهُ... مَوْجٌ تَرى وسْطَهُ الراياتِ والقَتَرا وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، والأعْمَشُ، وأبُو رَجاءٍ: "قَتْرٌ" بِسُكُونِ التاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في رَفْعِ "الجَزاءِ" بِمَ هُوَ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: "لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: "جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُها" والباءُ زائِدَةٌ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ رَفْعُ "الجَزاءِ" عَلى المُبْتَدَإ، وخَبَرُهُ في "الَّذِينَ" لِأنَّ "والَّذِينَ" مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "لِلَّذِينَ أحْسَنُوا"، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَلِلَّذِينِ كَسَبُوا السَيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها"، وعَلى الوَجْهِ الآخَرِ فَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَيِّئاتِ﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وتَعُمُّ السَيِّئاتُ هاهُنا الكُفْرَ والمَعاصِيَ، فَمَثَلَ سَيِّئَةِ الكُفْرِ التَخْلِيدُ في النارِ، ومَثَلَ سَيِّئَةِ المَعاصِي مَصْرُوفٌ إلى مَشِيئَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. والعاصِمُ: المُنَجِّي والمُجِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ [هود: ٤٣]، (p-٤٧٥)وَ"أُغْشِيَتْ": كُسِيَتْ، ومِنهُ الغِشاوَةُ، والقِطَعُ: جَمْعُ قِطْعَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "قِطْعًا" بِسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الطاءِ، والقِطْعُ: الجُزْءُ مِنَ اللَيْلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَيْلِ﴾ [الحجر: ٦٥]، وهَذا يُرادُ بِهِ الجُزْءُ مِن زَمانِ اللَيْلِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ الجُزْءُ مِن سَوادِهِ، و"مُظْلِمًا" نَعْتٌ لِقَطْعٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: "مِنَ اللَيْلِ"، فَإذا كانَ نَعْتًا فَكانَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الجُمْلَةِ، ولَكِنْ قَدْ يَجِيءُ بَعْدَها، وتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ: "قِطْعًا اسْتَقَرَّ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمًا" عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥]. ومَن قَرَأ "قِطَعًا" عَلى جَمْعِ قِطْعَةٍ فَنَصْبُ "مُظْلِمًا" عَلى الحالِ مِنَ اللَيْلِ، والعامِلُ في الحالِ "مِن" إذْ هي العامِلُ في ذِي الحالِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "كَأنَّما يُغْشى وُجُوهَهم قِطْعٌ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمٌ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "قِطَعٌ مِنَ اللَيْلِ مُظْلِمٌ" بِتَحْرِيكِ الطاءِ في "قِطَعٍ".

يونس 10:28

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عن عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وغَيْرُهُمْ: "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ، والضَمِيرُ في "نَحْشُرُهُمْ" عائِدٌ (p-٤٧٦)عَلى جَمِيعِ الناسِ مُحْسِنِينَ ومُسِيئِينَ، و"مَكانَكُمْ" نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: لازِمُوا مَكانَكُمْ، وذَلِكَ مُقْتَرِنٌ بِحالِ شِدَّةٍ وخِزْيٍ، و"مَكانَكُمْ" في هَذا المَوْضِعِ مِن أسْماءِ الأفْعالِ إذْ مَعْناهُ: قِفُوا واسْكُنُوا، وهَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن حالَةٍ تَكُونُ لِعَبَدَةِ الأوثانِ يَوْمَ القِيامَةِ، يُؤْمَرُونَ بِالإقامَةِ في مَوْقِفِ الخِزْيِ مَعَ أصْنامِهِمْ، ثُمَّ يُنْطِقُ اللهُ الأصْنامَ بِالتَبَرِّي مِنهم. وقَوْلُهُ: "وَشُرَكاؤُكُمْ" أيِ:الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ، فَأضافَهم إلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهم شُرَكاءَ إنَّما هو بِزَعْمِ هَؤُلاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ مَعْناهُ: فَرَّقْنا في الحُجَّةِ والمَذْهَبِ وهو مَن زِلْتُ الشَيْءَ عَنِ الشَيْءِ أُزِيلُهُ، وهو تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ، وكَوْنُ مَصْدَرِ زَيَّلَ تَزْيِيلًا، يَدُلُّ عَلى أنَّ زَيَّلَ إنَّما هو فَعَّلَ لا فَيْعَلَ، لِأنَّ مَصْدَرَهُ كانَ يَجِيءُ عَلى فَيْعَلَةٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَزايَلْنا"، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ الكَفّارَ إذا رَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ قِيلَ لَهُمُ:اتَّبَعُوا ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ هَؤُلاءِ، فَتَقُولُ الأصْنامُ: واللهِ ما كُنّا نَسْمَعُ ولا نَعْقِلُ، وما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: واللهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: ﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾». قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُحاوَرَتَهم إنَّما هي مَعَ الأصْنامِ دُونَ المَلائِكَةِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ بِدَلِيلِ القَوْلِ لَهُمْ: ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾، ودُونَ فِرْعَوْنَ ومَن عُبِدَ مِنَ الجِنِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنّا عن عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾، وهَؤُلاءِ لَمْ يَغْفُلُوا قَطُّ عن عِبادَةِ مَن عَبَدَهُمْ، و"أنْتُمْ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: مُوَبَّخُونَ أو مُهانُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أنْتُمْ" تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ الَّذِي هو "قِفُوا" أو نَحْوُهُ. (p-٤٧٧)وَ"شَهِيدًا" نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ، و"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ هي مُخَفَّفَةٌ مُوجَبَةٌ حَرْفُ ابْتِداءٍ، ولَزِمَتْها اللامُ فَرْقًا بَيْنَها وبَيْنَ"إنِ" النافِيَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، و"هُنالِكَ" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَبْلُو" بِالباءِ بِواحِدَةٍ بِمَعْنى: تَخْتَبِرُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَتْلُو" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ مِن فَوْقٍ بِمَعْنى: تَتْبَعُ، أيْ: تَطْلُبُ وتَتْبَعُ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: تَقْرَأُ كُتُبَها الَّتِي تُرْفَعُ إلَيْها، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَرِدُّوا" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرُدُّوا إلى اللهِ"، أيْ: رُدُّوا إلى عِقابِ مالِكِهِمْ وشَدِيدِ بَأْسِهِ، فَهو مَوْلاهم في المُلْكِ والإحاطَةِ لا في الرَحْمَةِ والنَصْرِ ونَحْوِهِ.

يونس 10:29

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عن عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وغَيْرُهُمْ: "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ، والضَمِيرُ في "نَحْشُرُهُمْ" عائِدٌ (p-٤٧٦)عَلى جَمِيعِ الناسِ مُحْسِنِينَ ومُسِيئِينَ، و"مَكانَكُمْ" نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: لازِمُوا مَكانَكُمْ، وذَلِكَ مُقْتَرِنٌ بِحالِ شِدَّةٍ وخِزْيٍ، و"مَكانَكُمْ" في هَذا المَوْضِعِ مِن أسْماءِ الأفْعالِ إذْ مَعْناهُ: قِفُوا واسْكُنُوا، وهَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن حالَةٍ تَكُونُ لِعَبَدَةِ الأوثانِ يَوْمَ القِيامَةِ، يُؤْمَرُونَ بِالإقامَةِ في مَوْقِفِ الخِزْيِ مَعَ أصْنامِهِمْ، ثُمَّ يُنْطِقُ اللهُ الأصْنامَ بِالتَبَرِّي مِنهم. وقَوْلُهُ: "وَشُرَكاؤُكُمْ" أيِ:الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ، فَأضافَهم إلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهم شُرَكاءَ إنَّما هو بِزَعْمِ هَؤُلاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ مَعْناهُ: فَرَّقْنا في الحُجَّةِ والمَذْهَبِ وهو مَن زِلْتُ الشَيْءَ عَنِ الشَيْءِ أُزِيلُهُ، وهو تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ، وكَوْنُ مَصْدَرِ زَيَّلَ تَزْيِيلًا، يَدُلُّ عَلى أنَّ زَيَّلَ إنَّما هو فَعَّلَ لا فَيْعَلَ، لِأنَّ مَصْدَرَهُ كانَ يَجِيءُ عَلى فَيْعَلَةٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَزايَلْنا"، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ الكَفّارَ إذا رَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ قِيلَ لَهُمُ:اتَّبَعُوا ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ هَؤُلاءِ، فَتَقُولُ الأصْنامُ: واللهِ ما كُنّا نَسْمَعُ ولا نَعْقِلُ، وما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: واللهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: ﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾». قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُحاوَرَتَهم إنَّما هي مَعَ الأصْنامِ دُونَ المَلائِكَةِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ بِدَلِيلِ القَوْلِ لَهُمْ: ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾، ودُونَ فِرْعَوْنَ ومَن عُبِدَ مِنَ الجِنِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنّا عن عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾، وهَؤُلاءِ لَمْ يَغْفُلُوا قَطُّ عن عِبادَةِ مَن عَبَدَهُمْ، و"أنْتُمْ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: مُوَبَّخُونَ أو مُهانُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أنْتُمْ" تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ الَّذِي هو "قِفُوا" أو نَحْوُهُ. (p-٤٧٧)وَ"شَهِيدًا" نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ، و"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ هي مُخَفَّفَةٌ مُوجَبَةٌ حَرْفُ ابْتِداءٍ، ولَزِمَتْها اللامُ فَرْقًا بَيْنَها وبَيْنَ"إنِ" النافِيَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، و"هُنالِكَ" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَبْلُو" بِالباءِ بِواحِدَةٍ بِمَعْنى: تَخْتَبِرُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَتْلُو" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ مِن فَوْقٍ بِمَعْنى: تَتْبَعُ، أيْ: تَطْلُبُ وتَتْبَعُ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: تَقْرَأُ كُتُبَها الَّتِي تُرْفَعُ إلَيْها، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَرِدُّوا" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرُدُّوا إلى اللهِ"، أيْ: رُدُّوا إلى عِقابِ مالِكِهِمْ وشَدِيدِ بَأْسِهِ، فَهو مَوْلاهم في المُلْكِ والإحاطَةِ لا في الرَحْمَةِ والنَصْرِ ونَحْوِهِ.

يونس 10:30

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عن عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ ورُدُّوا إلى اللهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، وشَيْبَةُ، وغَيْرُهُمْ: "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ، والضَمِيرُ في "نَحْشُرُهُمْ" عائِدٌ (p-٤٧٦)عَلى جَمِيعِ الناسِ مُحْسِنِينَ ومُسِيئِينَ، و"مَكانَكُمْ" نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ: لازِمُوا مَكانَكُمْ، وذَلِكَ مُقْتَرِنٌ بِحالِ شِدَّةٍ وخِزْيٍ، و"مَكانَكُمْ" في هَذا المَوْضِعِ مِن أسْماءِ الأفْعالِ إذْ مَعْناهُ: قِفُوا واسْكُنُوا، وهَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى عن حالَةٍ تَكُونُ لِعَبَدَةِ الأوثانِ يَوْمَ القِيامَةِ، يُؤْمَرُونَ بِالإقامَةِ في مَوْقِفِ الخِزْيِ مَعَ أصْنامِهِمْ، ثُمَّ يُنْطِقُ اللهُ الأصْنامَ بِالتَبَرِّي مِنهم. وقَوْلُهُ: "وَشُرَكاؤُكُمْ" أيِ:الَّذِينَ تَزْعُمُونَ أنْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ، فَأضافَهم إلَيْهِمْ لِأنَّ كَوْنَهم شُرَكاءَ إنَّما هو بِزَعْمِ هَؤُلاءِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ مَعْناهُ: فَرَّقْنا في الحُجَّةِ والمَذْهَبِ وهو مَن زِلْتُ الشَيْءَ عَنِ الشَيْءِ أُزِيلُهُ، وهو تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَعْدِيَةٍ، وكَوْنُ مَصْدَرِ زَيَّلَ تَزْيِيلًا، يَدُلُّ عَلى أنَّ زَيَّلَ إنَّما هو فَعَّلَ لا فَيْعَلَ، لِأنَّ مَصْدَرَهُ كانَ يَجِيءُ عَلى فَيْعَلَةٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَزايَلْنا"، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ الكَفّارَ إذا رَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ قِيلَ لَهُمُ:اتَّبَعُوا ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: كُنّا نَعْبُدُ هَؤُلاءِ، فَتَقُولُ الأصْنامُ: واللهِ ما كُنّا نَسْمَعُ ولا نَعْقِلُ، وما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ: واللهِ لَإيّاكم كُنّا نَعْبُدُ، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: ﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾». قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُحاوَرَتَهم إنَّما هي مَعَ الأصْنامِ دُونَ المَلائِكَةِ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ بِدَلِيلِ القَوْلِ لَهُمْ: ﴿مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾، ودُونَ فِرْعَوْنَ ومَن عُبِدَ مِنَ الجِنِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنّا عن عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾، وهَؤُلاءِ لَمْ يَغْفُلُوا قَطُّ عن عِبادَةِ مَن عَبَدَهُمْ، و"أنْتُمْ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ: مُوَبَّخُونَ أو مُهانُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أنْتُمْ" تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي في الفِعْلِ المُقَدَّرِ الَّذِي هو "قِفُوا" أو نَحْوُهُ. (p-٤٧٧)وَ"شَهِيدًا" نَصْبٌ عَلى التَمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ، و"إنْ" هَذِهِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ هي مُخَفَّفَةٌ مُوجَبَةٌ حَرْفُ ابْتِداءٍ، ولَزِمَتْها اللامُ فَرْقًا بَيْنَها وبَيْنَ"إنِ" النافِيَةِ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، و"هُنالِكَ" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَبْلُو" بِالباءِ بِواحِدَةٍ بِمَعْنى: تَخْتَبِرُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَتْلُو" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ مِن فَوْقٍ بِمَعْنى: تَتْبَعُ، أيْ: تَطْلُبُ وتَتْبَعُ ما أسْلَفَتْ مِن أعْمالِها، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: تَقْرَأُ كُتُبَها الَّتِي تُرْفَعُ إلَيْها، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَرِدُّوا" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَرُدُّوا إلى اللهِ"، أيْ: رُدُّوا إلى عِقابِ مالِكِهِمْ وشَدِيدِ بَأْسِهِ، فَهو مَوْلاهم في المُلْكِ والإحاطَةِ لا في الرَحْمَةِ والنَصْرِ ونَحْوِهِ.

يونس 10:31

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مَن المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتِ مَن الحَيَّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقُّ إلا الضَلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ واحْتِجاجٌ لا مَحِيدَ عَنِ التِزامِهِ، و﴿مِنَ السَماءِ﴾ يُرِيدُ: المَطَرَ، ﴿والأرْضِ﴾ يُرِيدُ: بِالإنْباتِ ونَحْوِ ذَلِكَ، و﴿يَمْلِكُ السَمْعَ والأبْصارَ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جُمْلَةَ الإنْسانِ ومُعْظَمَهُ حَتّى أنَّ ما عَداهُما تَبَعٌ، و﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الجَنِينُ مِنَ النُطْفَةِ، والطائِرُ مِنَ البَيْضَةِ، والنَباتُ مِنَ الأرْضِ، إذْ لَهُ نُمُوَّ شَبِيهٌ بِالحَياةِ. ﴿وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ مِثْلُ البَيْضَةِ مِنَ الطائِرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ فِيما سَلَفَ إيعابُ القَوْلِ في هَذِهِ المَعانِي، وتَدْبِيرُ الأمْرِ عامٌّ لِهَذا وغَيْرِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وذَلِكَ اسْتِقامَةُ الأُمُورِ كُلِّها عن إرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ تَدْبِيرُهُ بِفِكْرٍ ولا رَوِيَّةٍ وتَغَيُّراتٍ، تَعالى عن ذَلِكَ، بَلْ عِلْمُهُ مُحِيطٌ كامِلٌ دائِمٌ. ﴿فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ لا مَندُوحَةَ لَهم عن ذَلِكَ، ولا تُمْكِنُهُمُ المُباهَتَةُ بِسِواهُ، فَإذا أقَرُّوا بِذَلِكَ ﴿فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ في افْتِرائِكم وجَعْلِكُمُ الأصْنامَ آلِهَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ﴾ الآيَةُ، يَقُولُ: فَهَذا الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ، أيِ المُسْتَوْجِبِ لِلْعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةُ، وإذا كانَ ذَلِكَ فَتَشْرِيكُ غَيْرِهِ ضَلالٌ وغَيْرُ حَقٍّ، (p-٤٧٨)وَعِبارَةُ القُرْآنِ في سَوْقِ هَذِهِ المَعانِي تَفُوتُ كُلَّ تَفْسِيرٍ بَراعَةً وإيجازًا وإيضاحًا، وحَكَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَقِّ والضَلالِ مَنزِلَةٌ ثالِثَةٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي هي تَوْحِيدُ اللهِ، وكَذَلِكَ هو الأمْرُ في نَظائِرِها وهي مَسائِلُ الأُصُولِ الَّتِي الحَقُّ فِيها في طَرَفٍ واحِدٍ، لِأنَّ الكَلامَ فِيها إنَّما هو في تَقْرِيرِ وُجُودِ ذاتٍ كَيْفَ وهِيَ، وذَلِكَ بِخِلافِ مَسائِلِ الفُرُوعِ الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ"»، والحَقُّ في هَذِهِ في الطَرَفَيْنِ لِأنَّ المُتَعَبِّدِينَ إنَّما تَعَبَّدُوا بِالِاجْتِهادِ لا بِالتَعْيِينِ في كُلِّ نازِلَةٍ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ الحَقَّ في الطَرَفَيْنِ اخْتِلافُ الشَرائِعِ بِتَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ في شَيْءٍ واحِدٍ، والكَلامُ في مَسائِلِ الفُرُوعِ إنَّما هو في أحْكامٍ طارِئَةٍ عَلى وُجُودِ ذاتٍ مُتَقَرِّرَةٍ لا يُخْتَلَفُ فِيها، وإنَّما يُخْتَلَفُ في الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُتَشَرِّعِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ تَقْرِيرٌ، كَما قالَ: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] ؟ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ أيْ: كَما كانَتْ صِفاتُ اللهِ كَما وصَفَ، وعِبادَتُهُ واجِبَةً كَما تَقَرَّرَ، وانْصِرافُ هَؤُلاءِ كَما قَدَّرَ عَلَيْهِمْ وتَكَسَّبُوا كَذَلِكَ حَقَّتْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي آخِرِ السُورَةِ: "كَلِمَةُ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، كَما يُقالُ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةٌ. فَعَبَّرَ عن وعِيدِ اللهِ تَعالى بِكَلِمَتِهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ في المَوْضِعَيْنِ المَذْكُورَيْنِ: "كَلِماتُ"، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ بْنِ نَصاحٍ. (p-٤٧٩)وَهَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ أنَّ في الكُفّارِ مَن حَتَّمَ بِكُفْرِهِ وقَضى بِتَخْلِيدِهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إنَّهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ.

يونس 10:32

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مَن المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتِ مَن الحَيَّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقُّ إلا الضَلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ واحْتِجاجٌ لا مَحِيدَ عَنِ التِزامِهِ، و﴿مِنَ السَماءِ﴾ يُرِيدُ: المَطَرَ، ﴿والأرْضِ﴾ يُرِيدُ: بِالإنْباتِ ونَحْوِ ذَلِكَ، و﴿يَمْلِكُ السَمْعَ والأبْصارَ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جُمْلَةَ الإنْسانِ ومُعْظَمَهُ حَتّى أنَّ ما عَداهُما تَبَعٌ، و﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الجَنِينُ مِنَ النُطْفَةِ، والطائِرُ مِنَ البَيْضَةِ، والنَباتُ مِنَ الأرْضِ، إذْ لَهُ نُمُوَّ شَبِيهٌ بِالحَياةِ. ﴿وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ مِثْلُ البَيْضَةِ مِنَ الطائِرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ فِيما سَلَفَ إيعابُ القَوْلِ في هَذِهِ المَعانِي، وتَدْبِيرُ الأمْرِ عامٌّ لِهَذا وغَيْرِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وذَلِكَ اسْتِقامَةُ الأُمُورِ كُلِّها عن إرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ تَدْبِيرُهُ بِفِكْرٍ ولا رَوِيَّةٍ وتَغَيُّراتٍ، تَعالى عن ذَلِكَ، بَلْ عِلْمُهُ مُحِيطٌ كامِلٌ دائِمٌ. ﴿فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ لا مَندُوحَةَ لَهم عن ذَلِكَ، ولا تُمْكِنُهُمُ المُباهَتَةُ بِسِواهُ، فَإذا أقَرُّوا بِذَلِكَ ﴿فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ في افْتِرائِكم وجَعْلِكُمُ الأصْنامَ آلِهَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ﴾ الآيَةُ، يَقُولُ: فَهَذا الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ، أيِ المُسْتَوْجِبِ لِلْعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةُ، وإذا كانَ ذَلِكَ فَتَشْرِيكُ غَيْرِهِ ضَلالٌ وغَيْرُ حَقٍّ، (p-٤٧٨)وَعِبارَةُ القُرْآنِ في سَوْقِ هَذِهِ المَعانِي تَفُوتُ كُلَّ تَفْسِيرٍ بَراعَةً وإيجازًا وإيضاحًا، وحَكَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَقِّ والضَلالِ مَنزِلَةٌ ثالِثَةٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي هي تَوْحِيدُ اللهِ، وكَذَلِكَ هو الأمْرُ في نَظائِرِها وهي مَسائِلُ الأُصُولِ الَّتِي الحَقُّ فِيها في طَرَفٍ واحِدٍ، لِأنَّ الكَلامَ فِيها إنَّما هو في تَقْرِيرِ وُجُودِ ذاتٍ كَيْفَ وهِيَ، وذَلِكَ بِخِلافِ مَسائِلِ الفُرُوعِ الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ"»، والحَقُّ في هَذِهِ في الطَرَفَيْنِ لِأنَّ المُتَعَبِّدِينَ إنَّما تَعَبَّدُوا بِالِاجْتِهادِ لا بِالتَعْيِينِ في كُلِّ نازِلَةٍ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ الحَقَّ في الطَرَفَيْنِ اخْتِلافُ الشَرائِعِ بِتَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ في شَيْءٍ واحِدٍ، والكَلامُ في مَسائِلِ الفُرُوعِ إنَّما هو في أحْكامٍ طارِئَةٍ عَلى وُجُودِ ذاتٍ مُتَقَرِّرَةٍ لا يُخْتَلَفُ فِيها، وإنَّما يُخْتَلَفُ في الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُتَشَرِّعِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ تَقْرِيرٌ، كَما قالَ: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] ؟ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ أيْ: كَما كانَتْ صِفاتُ اللهِ كَما وصَفَ، وعِبادَتُهُ واجِبَةً كَما تَقَرَّرَ، وانْصِرافُ هَؤُلاءِ كَما قَدَّرَ عَلَيْهِمْ وتَكَسَّبُوا كَذَلِكَ حَقَّتْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي آخِرِ السُورَةِ: "كَلِمَةُ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، كَما يُقالُ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةٌ. فَعَبَّرَ عن وعِيدِ اللهِ تَعالى بِكَلِمَتِهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ في المَوْضِعَيْنِ المَذْكُورَيْنِ: "كَلِماتُ"، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ بْنِ نَصاحٍ. (p-٤٧٩)وَهَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ أنَّ في الكُفّارِ مَن حَتَّمَ بِكُفْرِهِ وقَضى بِتَخْلِيدِهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إنَّهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ.

يونس 10:33

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مَن المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتِ مَن الحَيَّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ فَماذا بَعْدَ الحَقُّ إلا الضَلالُ فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ واحْتِجاجٌ لا مَحِيدَ عَنِ التِزامِهِ، و﴿مِنَ السَماءِ﴾ يُرِيدُ: المَطَرَ، ﴿والأرْضِ﴾ يُرِيدُ: بِالإنْباتِ ونَحْوِ ذَلِكَ، و﴿يَمْلِكُ السَمْعَ والأبْصارَ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ جُمْلَةَ الإنْسانِ ومُعْظَمَهُ حَتّى أنَّ ما عَداهُما تَبَعٌ، و﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ الجَنِينُ مِنَ النُطْفَةِ، والطائِرُ مِنَ البَيْضَةِ، والنَباتُ مِنَ الأرْضِ، إذْ لَهُ نُمُوَّ شَبِيهٌ بِالحَياةِ. ﴿وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ مِثْلُ البَيْضَةِ مِنَ الطائِرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ فِيما سَلَفَ إيعابُ القَوْلِ في هَذِهِ المَعانِي، وتَدْبِيرُ الأمْرِ عامٌّ لِهَذا وغَيْرِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، وذَلِكَ اسْتِقامَةُ الأُمُورِ كُلِّها عن إرادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ تَدْبِيرُهُ بِفِكْرٍ ولا رَوِيَّةٍ وتَغَيُّراتٍ، تَعالى عن ذَلِكَ، بَلْ عِلْمُهُ مُحِيطٌ كامِلٌ دائِمٌ. ﴿فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ لا مَندُوحَةَ لَهم عن ذَلِكَ، ولا تُمْكِنُهُمُ المُباهَتَةُ بِسِواهُ، فَإذا أقَرُّوا بِذَلِكَ ﴿فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ في افْتِرائِكم وجَعْلِكُمُ الأصْنامَ آلِهَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ﴾ الآيَةُ، يَقُولُ: فَهَذا الَّذِي هَذِهِ صِفاتُهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ، أيِ المُسْتَوْجِبِ لِلْعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةُ، وإذا كانَ ذَلِكَ فَتَشْرِيكُ غَيْرِهِ ضَلالٌ وغَيْرُ حَقٍّ، (p-٤٧٨)وَعِبارَةُ القُرْآنِ في سَوْقِ هَذِهِ المَعانِي تَفُوتُ كُلَّ تَفْسِيرٍ بَراعَةً وإيجازًا وإيضاحًا، وحَكَمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الحَقِّ والضَلالِ مَنزِلَةٌ ثالِثَةٌ في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي هي تَوْحِيدُ اللهِ، وكَذَلِكَ هو الأمْرُ في نَظائِرِها وهي مَسائِلُ الأُصُولِ الَّتِي الحَقُّ فِيها في طَرَفٍ واحِدٍ، لِأنَّ الكَلامَ فِيها إنَّما هو في تَقْرِيرِ وُجُودِ ذاتٍ كَيْفَ وهِيَ، وذَلِكَ بِخِلافِ مَسائِلِ الفُرُوعِ الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ"»، والحَقُّ في هَذِهِ في الطَرَفَيْنِ لِأنَّ المُتَعَبِّدِينَ إنَّما تَعَبَّدُوا بِالِاجْتِهادِ لا بِالتَعْيِينِ في كُلِّ نازِلَةٍ، ويَدُلُّكَ عَلى أنَّ الحَقَّ في الطَرَفَيْنِ اخْتِلافُ الشَرائِعِ بِتَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ في شَيْءٍ واحِدٍ، والكَلامُ في مَسائِلِ الفُرُوعِ إنَّما هو في أحْكامٍ طارِئَةٍ عَلى وُجُودِ ذاتٍ مُتَقَرِّرَةٍ لا يُخْتَلَفُ فِيها، وإنَّما يُخْتَلَفُ في الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمُتَشَرِّعِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ تَقْرِيرٌ، كَما قالَ: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] ؟ ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ أيْ: كَما كانَتْ صِفاتُ اللهِ كَما وصَفَ، وعِبادَتُهُ واجِبَةً كَما تَقَرَّرَ، وانْصِرافُ هَؤُلاءِ كَما قَدَّرَ عَلَيْهِمْ وتَكَسَّبُوا كَذَلِكَ حَقَّتْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ هُنا وفي آخِرِ السُورَةِ: "كَلِمَةُ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، كَما يُقالُ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةٌ. فَعَبَّرَ عن وعِيدِ اللهِ تَعالى بِكَلِمَتِهِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ في المَوْضِعَيْنِ المَذْكُورَيْنِ: "كَلِماتُ"، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ بْنِ نَصاحٍ. (p-٤٧٩)وَهَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ أنَّ في الكُفّارِ مَن حَتَّمَ بِكُفْرِهِ وقَضى بِتَخْلِيدِهِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "إنَّهُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ.

يونس 10:34

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلْ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهْدِي إلا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا إنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ أيْضًا عَلى قُصُورِ الأصْنامِ وعَجْزِها، وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَدْءِ الخَلْقِ يُرِيدُ بِهِ إنْشاءَ الإنْسانِ في أوَّلِ أمْرِهِ، وإعادَتُهُ هي البَعْثُ مِنَ القُبُورِ. و"تُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: تُصْرَفُونَ وتُحْرَمُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: "أرْضٌ مَأْفُوكَةٌ" إذا لَمْ يَصِبْها مَطَرٌ فَهي بِمَعْنى الخَيْبَةِ والقَلْبِ، كَما قالَ: ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي﴾ الآيَةُ، ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ يُرِيدُ بِهِ: يُبَيِّنُ طُرُقَ الصَوابِ ويَدْعُو إلى العَدْلِ ويُفْصِحُ بِالآياتِ ونَحْوِ هَذا. ووَصَفَ الأصْنامَ بِأنَّها لا تَهْدِي إلّا أنْ تُهْدى، ونَحْنُ نَجِدُها لا تَهْتَدِي وإنْ هُدِيَتْ، فَوَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ عامَلَ -فِي العِبارَةِ عنها- مُعامَلَتَهم في وصْفِها بِأوصافِ مَن يَعْقِلُ، وذَلِكَ مُجازٌ ومَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ قِراءَةَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "أمَّنْ لا يَهْدِي أحَدًا إلّا أنْ يُهْدى ذَلِكَ الأحَدُ بِهِدايَةٍ مِن عِنْدِ اللهِ"، وأمّا عَلى غَيْرِها مِنَ القِراءاتِ الَّتِي مُقْتَضاها: "أمَّنْ لا يَهْتَدِي إلّا أنْ يُهْدى" فَيَتَّجِهُ المَعْنى عَلى ما تَقَدَّمَ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وفِيهِ تَجَوُّزُ كَثِيرٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: هي عِبارَةٌ عن أنَّها لا تَنْتَقِلُ إلّا أنْ تُنْقَلَ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ اللهُ تَعالى مِن تَسْبِيحِ الجَماداتِ هو اهْتِداؤُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في اهْتِدائِها إلى مُناكَرَةِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ حَسَبَما مَضى في هَذِهِ السُورَةِ. وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ هي "يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، (p-٤٨٠)وَأبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يَهْدِّي" بِسُكُونِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "يَهَدِّي" بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، وهَذِهِ أفْصَحُ القِراءاتِ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ تاءِ "يَهْتَدِي" إلى الهاءِ وأُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، وهَذِهِ رِوايَةُ ورْشٍ عن نافِعٍ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "يَهِدِّي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّ الدالِ، أتْبَعَ الكَسْرَةَ الكَسْرَةَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "يِهِدِّي" بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وشَدِّ الدالِ، وهَذا أيْضًا إتْباعٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: اللهُ يَهْدِي مِنَ الأوثانِ وغَيْرِها ما شاءَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ الزَمارِيُّ: "إلّا أنْ يَهَدِّي" بِفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدالِ، ووَقَفَ القُرّاءُ عَلى: "فَما لَكُمْ"، ثُمَّ يَبْدَأُ "كَيْفَ تَحْكُمُونَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ﴾ إخْبارٌ عن فَسادِ طَرائِقِهِمْ وضَعْفِ نَظَرِهِمْ وأنَّهُ ظَنٌّ، ثُمَّ بَيَّنَ مَنزِلَةَ الظَنِّ مِنَ المَعارِفِ وبُعْدِهِ عَنِ الحَقِّ. والظَنُّ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- عَلى بابِهِ في أنَّهُ مُعْتَقَدُ أحَدِ جائِزَيْنِ لَكِنْ ثَمَّ مَيْلٌ إلى أحَدِهِما دُونَ حُجَّةٍ تُبْطِلُ الآخَرَ، وجَوازُ ما اعْتَقَدَهُ هَؤُلاءِ إنَّما هو بِزَعْمِهِمْ لا في نَفْسِهِ. بَلْ ظَنُّهم مُحالٌ في ذاتِهِ. والحَقُّ أيْضًا عَلى بابِهِ في أنَّهُ مَعْرِفَةُ المَعْلُومِ عَلى ما هو بِهِ. وبِهَذِهِ الشُرُوطِ لا يُغْنِي الظَنُّ مِنَ الحَقِّ شَيْئًا. وأمّا في طَرِيقِ الأحْكامِ الَّتِي تَعَبَّدَ الناسُ بِظَواهِرِها فَيُغْنِي الظَنُّ في تِلْكَ الحَقائِقِ ويُصْرَفُ مِن طَرِيقٍ إلى طَرِيقٍ. والشَهادَةُ إنَّما هي مَظْنُونَةٌ. وكَذَلِكَ التُهَمُ في الشَهاداتِ تُغْنِي. ولَيْسَ المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ هَذا النَمَطُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَفْعَلُونَ". وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ.

يونس 10:35

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلْ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهْدِي إلا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا إنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ أيْضًا عَلى قُصُورِ الأصْنامِ وعَجْزِها، وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَدْءِ الخَلْقِ يُرِيدُ بِهِ إنْشاءَ الإنْسانِ في أوَّلِ أمْرِهِ، وإعادَتُهُ هي البَعْثُ مِنَ القُبُورِ. و"تُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: تُصْرَفُونَ وتُحْرَمُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: "أرْضٌ مَأْفُوكَةٌ" إذا لَمْ يَصِبْها مَطَرٌ فَهي بِمَعْنى الخَيْبَةِ والقَلْبِ، كَما قالَ: ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي﴾ الآيَةُ، ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ يُرِيدُ بِهِ: يُبَيِّنُ طُرُقَ الصَوابِ ويَدْعُو إلى العَدْلِ ويُفْصِحُ بِالآياتِ ونَحْوِ هَذا. ووَصَفَ الأصْنامَ بِأنَّها لا تَهْدِي إلّا أنْ تُهْدى، ونَحْنُ نَجِدُها لا تَهْتَدِي وإنْ هُدِيَتْ، فَوَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ عامَلَ -فِي العِبارَةِ عنها- مُعامَلَتَهم في وصْفِها بِأوصافِ مَن يَعْقِلُ، وذَلِكَ مُجازٌ ومَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ قِراءَةَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "أمَّنْ لا يَهْدِي أحَدًا إلّا أنْ يُهْدى ذَلِكَ الأحَدُ بِهِدايَةٍ مِن عِنْدِ اللهِ"، وأمّا عَلى غَيْرِها مِنَ القِراءاتِ الَّتِي مُقْتَضاها: "أمَّنْ لا يَهْتَدِي إلّا أنْ يُهْدى" فَيَتَّجِهُ المَعْنى عَلى ما تَقَدَّمَ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وفِيهِ تَجَوُّزُ كَثِيرٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: هي عِبارَةٌ عن أنَّها لا تَنْتَقِلُ إلّا أنْ تُنْقَلَ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ اللهُ تَعالى مِن تَسْبِيحِ الجَماداتِ هو اهْتِداؤُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في اهْتِدائِها إلى مُناكَرَةِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ حَسَبَما مَضى في هَذِهِ السُورَةِ. وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ هي "يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، (p-٤٨٠)وَأبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يَهْدِّي" بِسُكُونِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "يَهَدِّي" بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، وهَذِهِ أفْصَحُ القِراءاتِ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ تاءِ "يَهْتَدِي" إلى الهاءِ وأُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، وهَذِهِ رِوايَةُ ورْشٍ عن نافِعٍ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "يَهِدِّي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّ الدالِ، أتْبَعَ الكَسْرَةَ الكَسْرَةَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "يِهِدِّي" بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وشَدِّ الدالِ، وهَذا أيْضًا إتْباعٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: اللهُ يَهْدِي مِنَ الأوثانِ وغَيْرِها ما شاءَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ الزَمارِيُّ: "إلّا أنْ يَهَدِّي" بِفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدالِ، ووَقَفَ القُرّاءُ عَلى: "فَما لَكُمْ"، ثُمَّ يَبْدَأُ "كَيْفَ تَحْكُمُونَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ﴾ إخْبارٌ عن فَسادِ طَرائِقِهِمْ وضَعْفِ نَظَرِهِمْ وأنَّهُ ظَنٌّ، ثُمَّ بَيَّنَ مَنزِلَةَ الظَنِّ مِنَ المَعارِفِ وبُعْدِهِ عَنِ الحَقِّ. والظَنُّ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- عَلى بابِهِ في أنَّهُ مُعْتَقَدُ أحَدِ جائِزَيْنِ لَكِنْ ثَمَّ مَيْلٌ إلى أحَدِهِما دُونَ حُجَّةٍ تُبْطِلُ الآخَرَ، وجَوازُ ما اعْتَقَدَهُ هَؤُلاءِ إنَّما هو بِزَعْمِهِمْ لا في نَفْسِهِ. بَلْ ظَنُّهم مُحالٌ في ذاتِهِ. والحَقُّ أيْضًا عَلى بابِهِ في أنَّهُ مَعْرِفَةُ المَعْلُومِ عَلى ما هو بِهِ. وبِهَذِهِ الشُرُوطِ لا يُغْنِي الظَنُّ مِنَ الحَقِّ شَيْئًا. وأمّا في طَرِيقِ الأحْكامِ الَّتِي تَعَبَّدَ الناسُ بِظَواهِرِها فَيُغْنِي الظَنُّ في تِلْكَ الحَقائِقِ ويُصْرَفُ مِن طَرِيقٍ إلى طَرِيقٍ. والشَهادَةُ إنَّما هي مَظْنُونَةٌ. وكَذَلِكَ التُهَمُ في الشَهاداتِ تُغْنِي. ولَيْسَ المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ هَذا النَمَطُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَفْعَلُونَ". وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ.

يونس 10:36

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلْ اللهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلْ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهْدِي إلا أنْ يُهْدى فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ﴿وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهم إلا ظَنًّا إنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ هَذا تَوْقِيفٌ أيْضًا عَلى قُصُورِ الأصْنامِ وعَجْزِها، وتَنْبِيهٌ عَلى قُدْرَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وبَدْءِ الخَلْقِ يُرِيدُ بِهِ إنْشاءَ الإنْسانِ في أوَّلِ أمْرِهِ، وإعادَتُهُ هي البَعْثُ مِنَ القُبُورِ. و"تُؤْفَكُونَ" مَعْناهُ: تُصْرَفُونَ وتُحْرَمُونَ، تَقُولُ العَرَبُ: "أرْضٌ مَأْفُوكَةٌ" إذا لَمْ يَصِبْها مَطَرٌ فَهي بِمَعْنى الخَيْبَةِ والقَلْبِ، كَما قالَ: ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ [النجم: ٥٣]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي﴾ الآيَةُ، ﴿يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ يُرِيدُ بِهِ: يُبَيِّنُ طُرُقَ الصَوابِ ويَدْعُو إلى العَدْلِ ويُفْصِحُ بِالآياتِ ونَحْوِ هَذا. ووَصَفَ الأصْنامَ بِأنَّها لا تَهْدِي إلّا أنْ تُهْدى، ونَحْنُ نَجِدُها لا تَهْتَدِي وإنْ هُدِيَتْ، فَوَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ عامَلَ -فِي العِبارَةِ عنها- مُعامَلَتَهم في وصْفِها بِأوصافِ مَن يَعْقِلُ، وذَلِكَ مُجازٌ ومَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ، وذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والَّذِي أقُولُ: إنَّ قِراءَةَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ تَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "أمَّنْ لا يَهْدِي أحَدًا إلّا أنْ يُهْدى ذَلِكَ الأحَدُ بِهِدايَةٍ مِن عِنْدِ اللهِ"، وأمّا عَلى غَيْرِها مِنَ القِراءاتِ الَّتِي مُقْتَضاها: "أمَّنْ لا يَهْتَدِي إلّا أنْ يُهْدى" فَيَتَّجِهُ المَعْنى عَلى ما تَقَدَّمَ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وفِيهِ تَجَوُّزُ كَثِيرٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: هي عِبارَةٌ عن أنَّها لا تَنْتَقِلُ إلّا أنْ تُنْقَلَ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرَ اللهُ تَعالى مِن تَسْبِيحِ الجَماداتِ هو اهْتِداؤُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ في اهْتِدائِها إلى مُناكَرَةِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ حَسَبَما مَضى في هَذِهِ السُورَةِ. وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ هي "يَهْدِي" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، (p-٤٨٠)وَأبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يَهْدِّي" بِسُكُونِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "يَهَدِّي" بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ، وهَذِهِ أفْصَحُ القِراءاتِ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ تاءِ "يَهْتَدِي" إلى الهاءِ وأُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، وهَذِهِ رِوايَةُ ورْشٍ عن نافِعٍ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "يَهِدِّي" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وشَدِّ الدالِ، أتْبَعَ الكَسْرَةَ الكَسْرَةَ، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "يِهِدِّي" بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وشَدِّ الدالِ، وهَذا أيْضًا إتْباعٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: اللهُ يَهْدِي مِنَ الأوثانِ وغَيْرِها ما شاءَ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ الزَمارِيُّ: "إلّا أنْ يَهَدِّي" بِفَتْحِ الهاءِ وشَدِّ الدالِ، ووَقَفَ القُرّاءُ عَلى: "فَما لَكُمْ"، ثُمَّ يَبْدَأُ "كَيْفَ تَحْكُمُونَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ﴾ إخْبارٌ عن فَسادِ طَرائِقِهِمْ وضَعْفِ نَظَرِهِمْ وأنَّهُ ظَنٌّ، ثُمَّ بَيَّنَ مَنزِلَةَ الظَنِّ مِنَ المَعارِفِ وبُعْدِهِ عَنِ الحَقِّ. والظَنُّ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- عَلى بابِهِ في أنَّهُ مُعْتَقَدُ أحَدِ جائِزَيْنِ لَكِنْ ثَمَّ مَيْلٌ إلى أحَدِهِما دُونَ حُجَّةٍ تُبْطِلُ الآخَرَ، وجَوازُ ما اعْتَقَدَهُ هَؤُلاءِ إنَّما هو بِزَعْمِهِمْ لا في نَفْسِهِ. بَلْ ظَنُّهم مُحالٌ في ذاتِهِ. والحَقُّ أيْضًا عَلى بابِهِ في أنَّهُ مَعْرِفَةُ المَعْلُومِ عَلى ما هو بِهِ. وبِهَذِهِ الشُرُوطِ لا يُغْنِي الظَنُّ مِنَ الحَقِّ شَيْئًا. وأمّا في طَرِيقِ الأحْكامِ الَّتِي تَعَبَّدَ الناسُ بِظَواهِرِها فَيُغْنِي الظَنُّ في تِلْكَ الحَقائِقِ ويُصْرَفُ مِن طَرِيقٍ إلى طَرِيقٍ. والشَهادَةُ إنَّما هي مَظْنُونَةٌ. وكَذَلِكَ التُهَمُ في الشَهاداتِ تُغْنِي. ولَيْسَ المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ هَذا النَمَطُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَفْعَلُونَ". وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ الحاضِرِ.

يونس 10:37

(p-٤٨١)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مَنِ دُونِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ هَذا نَفْيُ قَوْلِ مَن قالَ مِن قُرَيْشٍ: "إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَفْتَرِي القُرْآنَ ويَنْسِبُهُ إلى اللهِ تَعالى"، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِهَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ تَشْنِيعَ قَوْلِهِمْ وإعْظامَ الأمْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وكَما قالَ حِكايَةً عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] وغَيْرَ هَذا مِمّا يُعْطِي المَعْنى والقَرائِنَ والبَراهِينَ اسْتِحالَتَهُ. و"يُفْتَرى" مَعْناهُ: يُخْتَلَقُ ويُنْشَأُ، وكَأنَّ المَرْءَ يَفْرِيهِ مِن حَدِيثِهِ أيْ يَقْطَعُهُ ويَسِمُهُ سِمَةً، فَهو مُشْتَقٌّ مِن "فَرَيْتُ" إذا قَطَعْتَ لِإصْلاحٍ، و"تَصْدِيقَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، وقالَ الزَجّاجُ: هو خَبَرُ كانَ مُضْمَرَةً، والتَقْدِيرُ: ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يُرِيدُ: التَوْراةَ والإنْجِيلَ، والَّذِي بَيْنَ اليَدِ هو المُتَقَدِّمُ لِلشَّيْءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ هي أشْراطُ الساعَةِ وما يَأْتِي مِنَ الأُمُورِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ، والأمْرُ بِالعَكْسِ، كِتابُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بَيْنَ يَدِي تِلْكَ، أمّا أنَّ الزَجّاجَ تَحَفَّظَ فَقالَ: "الضَمِيرُ يَعُودُ عَلى الأشْراطِ، والتَقْدِيرُ: ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ". فَهَذا أيْضًا قَلِقٌ، وقِيامُ البُرْهانِ عَلى قُرَيْشٍ حِينَئِذٍ إنَّما كانَ في أنْ يُصَدِّقَ القُرْآنُ ما في التَوْراةِ والإنْجِيلِ مَعَ أنَّ الآتِيَ بِالقُرْآنِ مِمَّنْ يَقْطَعُونَ أنَّهُ لَمْ يُطالِعْ تِلْكَ الكُتُبَ ولا هي في بَلَدِهِ ولا في قَوْمِهِ، وتَفْصِيلُ الكِتابِ هو تَبْيِينُهُ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ يُرِيدُ: هو في نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وإنِ ارْتابَ مُبْطِلٌ فَذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الآيَةُ، "أمْ" هَذِهِ لَيْسَتْ بِالمُعادِلَةِ لِألِفِ الِاسْتِفْهامِ (p-٤٨٢)الَّتِي في قَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟، وإنَّما هي الَّتِي تَتَوَسَّطُ الكَلامَ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها بِمَنزِلَةِ "الألِفِ" و"بَلْ" لِأنَّها تَتَضَمَّنُ اسْتِفْهامًا وإضْرابًا عَمّا تَقَدَّمَ، وهي كَقَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ؟"، وقالَتْ فِرْقَةٌ في "أمْ" هَذِهِ: هي بِمَنزِلَةِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ عَجَّزَهم في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾، والسُورَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "سُورَةِ البِناءِ"، وهي مِنَ القُرْآنِ هَذِهِ القِطْعَةُ الَّتِي لَها مَبْدَأٌ وخَتْمٌ، والتَحَدِّي في هَذِهِ الآيَةِ وقَعَ بِجِهَتَيِ الإعْجازِ اللَتَيْنِ في القُرْآنِ: إحْداهُما: النَظْمُ والرَصْفُ والإيجازُ والجَزالَةُ، كُلُّ ذَلِكَ في التَعْرِيفِ بِالحَقائِقِ، والأُخْرى: المَعانِي مِنَ الغَيْبِ لِما مَضى ولِما يُسْتَقْبَلُ، وحِينَ تَحَدّاهم بِعَشْرٍ مُفْتَرَياتِ إنَّما تَحَدّاهم بِالنَظْمِ وحْدَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، وفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ، وكَيْفَ يَجِيءُ التَحَدِّي بِمُماثِلَةٍ في الغُيُوبِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمُ: "افْتَراهُ"؟، وما وقَعَ التَحَدِّي في الآيَتَيْنِ: -هَذِهِ وآيَةُ العَشْرِ السُورِ- إلّا بِالنَظْمِ والرَصْفِ والإيجازِ في التَعْرِيفِ بِالحَقائِقِ، وما أُلْزِمُوا قَطُّ إتْيانًا بِغَيْبٍ، لِأنَّ التَحَدِّيَ بِالإعْلامِ بِالغُيُوبِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ ﴾ [الفتح: ٢٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن غُيُوبِ القُرْآنِ فَبَيِّنٌ أنَّ البَشَرَ مُقَصِّرٌ عن ذَلِكَ، وأمّا التَحَدِّي بِالنَظْمِ فَبَيِّنٌ أيْضًا أنَّ البَشَرَ مُقَصِّرٌ عن نَظْمِ القُرْآنِ إذِ اللهُ تَعالى قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، فَإذا قَدَّرَ اللهُ اللَفْظَةَ في القُرْآنِ عَلِمَ بِالإحاطَةِ اللَفْظَةَ الَّتِي هي ألْيَقُ بِها في جَمِيعِ كَلامِ العَرَبِ في المَعْنى المَقْصُودِ حَتّى كَمُلَ القُرْآنُ عَلى هَذا النِظامِ، الأولى فالأولى، والبَشَرُ -مَعَ أنْ يُفْرَضَ أفْصَحُ العالَمِ- مَحْقُوقٌ بِنِسْيانٍ وجَهْلٍ بِالألْفاظِ والحَقِّ، وبِغَلَطٍ وآفاتٍ بَشَرِيَّةٍ. فَمُحالٌ أنْ يَمْشِيَ في اخْتِيارِهِ عَلى الأولى فالأولى، ونَحْنُ نَجِدُ العَرَبِيَّ يُنَقِّحُ قَصِيدَتَهُ -وَهِيَ الحَوْلِيّاتُ- يُبَدِّلُ فِيها ويُقَدِّمُ ويُؤَخِّرُ، ثُمَّ يَدْفَعُ تِلْكَ القَصِيدَةَ إلى أفْصَحَ مِنهُ فَيَزِيدُ في التَنْقِيحِ. ومَذْهَبُ أهْلٍ الصِرْفَةِ مَكْسُورٌ بِهَذا الدَلِيلِ، فَما كانَ قَطُّ في العالَمِ إلّا مَن فِيهِ تَقْصِيرٌ سِوى مَن يُوحِي إلَيْهِ اللهُ تَعالى، (p-٤٨٣)وَمَيَّزَتْ فُصَحاءُ العَرَبِ هَذا القَدْرَ مِنَ القُرْآنِ وأذْعَنَتْ لَهُ لِصِحَّةِ فِطْرَتِها وخُلُوصِ سَلِيقَتِها، وأنَّهم يَعْرِفُ بَعْضُهم كَلامَ بَعْضٍ ويُمَيِّزُهُ مِن غَيْرِهِ، كَفِعْلِ الفَرَزْدَقِ في أبْياتِ جَرِيرٍ، والجارِيَةِ في شِعْرِ الأعْشى، وقَوْلِ الأعْرابِيِّ في عَرْفَجِكُمْ، فَقُطِعَ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا إذا تُتُبِّعَ بانَ. والقَدْرُ المُعْجِزُ مِنَ القُرْآنِ ما جُمِعَ الجِهَتَيْنِ: اطِّرادُ النَظْمِ والسَرْدِ، وتَحْصِيلُ المَعانِي وتَرْكِيبُ الكَثِيرِ مِنها في اللَفْظِ القَلِيلِ، فَأمّا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] فَلا يَصِحُّ التَحَدِّي بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ، لَكِنْ بِانْتِظامِهِ واتِّصالِهِ يَقَعُ العَجْزُ عنهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِثْلِهِ﴾ صِفَةٌ لِلسُّورَةِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ، كَأنَّهُ قالَ: فَأتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ القُرْآنِ، أيْ: في مَعانِيهِ وألْفاظِهِ، وخَلَطَتْ فِرَقٌ في قَوْلِهِ: ﴿مِثْلِهِ﴾ مِن جِهَةِ اللِسانِ، كَقَوْلِ الطَبَرِيِّ: ذَلِكَ عَلى المَعْنى، ولَوْ كانَ عَلى اللَفْظِ لَقالَ: "مِثْلِها"، وهَذا وهْمٌ بَيِّنٌ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "بِسُورَةِ مِثْلِهِ" عَلى الإضافَةِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: بِسُورَةِ كَلامٍ مِثْلِهِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: أمَرَ عَبْدُ اللهِ الأسْوَدَ أنْ يَسْألَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ عن إضافَةِ "سُورَةٍ" أو تَنْوِينِها، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: كَيْفَ شِئْتَ. وقَوْلُهُ: ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ إحالَةٌ عَلى شُرَكائِهِمْ وجِنِّهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو كَقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، أيْ مُعِينًا، وهَذا أشَدُّ إقامَةً لِنُفُوسِهِمْ وأوضَحُ تَعْجِيزًا لَهم.

يونس 10:38

(p-٤٨١)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مَنِ دُونِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ هَذا نَفْيُ قَوْلِ مَن قالَ مِن قُرَيْشٍ: "إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَفْتَرِي القُرْآنَ ويَنْسِبُهُ إلى اللهِ تَعالى"، وعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِهَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ تَشْنِيعَ قَوْلِهِمْ وإعْظامَ الأمْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وكَما قالَ حِكايَةً عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦] وغَيْرَ هَذا مِمّا يُعْطِي المَعْنى والقَرائِنَ والبَراهِينَ اسْتِحالَتَهُ. و"يُفْتَرى" مَعْناهُ: يُخْتَلَقُ ويُنْشَأُ، وكَأنَّ المَرْءَ يَفْرِيهِ مِن حَدِيثِهِ أيْ يَقْطَعُهُ ويَسِمُهُ سِمَةً، فَهو مُشْتَقٌّ مِن "فَرَيْتُ" إذا قَطَعْتَ لِإصْلاحٍ، و"تَصْدِيقَ" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، وقالَ الزَجّاجُ: هو خَبَرُ كانَ مُضْمَرَةً، والتَقْدِيرُ: ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يُرِيدُ: التَوْراةَ والإنْجِيلَ، والَّذِي بَيْنَ اليَدِ هو المُتَقَدِّمُ لِلشَّيْءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ هي أشْراطُ الساعَةِ وما يَأْتِي مِنَ الأُمُورِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ، والأمْرُ بِالعَكْسِ، كِتابُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بَيْنَ يَدِي تِلْكَ، أمّا أنَّ الزَجّاجَ تَحَفَّظَ فَقالَ: "الضَمِيرُ يَعُودُ عَلى الأشْراطِ، والتَقْدِيرُ: ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ". فَهَذا أيْضًا قَلِقٌ، وقِيامُ البُرْهانِ عَلى قُرَيْشٍ حِينَئِذٍ إنَّما كانَ في أنْ يُصَدِّقَ القُرْآنُ ما في التَوْراةِ والإنْجِيلِ مَعَ أنَّ الآتِيَ بِالقُرْآنِ مِمَّنْ يَقْطَعُونَ أنَّهُ لَمْ يُطالِعْ تِلْكَ الكُتُبَ ولا هي في بَلَدِهِ ولا في قَوْمِهِ، وتَفْصِيلُ الكِتابِ هو تَبْيِينُهُ، و﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ يُرِيدُ: هو في نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وإنِ ارْتابَ مُبْطِلٌ فَذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ الآيَةُ، "أمْ" هَذِهِ لَيْسَتْ بِالمُعادِلَةِ لِألِفِ الِاسْتِفْهامِ (p-٤٨٢)الَّتِي في قَوْلِكَ: أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟، وإنَّما هي الَّتِي تَتَوَسَّطُ الكَلامَ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها بِمَنزِلَةِ "الألِفِ" و"بَلْ" لِأنَّها تَتَضَمَّنُ اسْتِفْهامًا وإضْرابًا عَمّا تَقَدَّمَ، وهي كَقَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ؟"، وقالَتْ فِرْقَةٌ في "أمْ" هَذِهِ: هي بِمَنزِلَةِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ عَجَّزَهم في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾، والسُورَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن "سُورَةِ البِناءِ"، وهي مِنَ القُرْآنِ هَذِهِ القِطْعَةُ الَّتِي لَها مَبْدَأٌ وخَتْمٌ، والتَحَدِّي في هَذِهِ الآيَةِ وقَعَ بِجِهَتَيِ الإعْجازِ اللَتَيْنِ في القُرْآنِ: إحْداهُما: النَظْمُ والرَصْفُ والإيجازُ والجَزالَةُ، كُلُّ ذَلِكَ في التَعْرِيفِ بِالحَقائِقِ، والأُخْرى: المَعانِي مِنَ الغَيْبِ لِما مَضى ولِما يُسْتَقْبَلُ، وحِينَ تَحَدّاهم بِعَشْرٍ مُفْتَرَياتِ إنَّما تَحَدّاهم بِالنَظْمِ وحْدَهُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، وفِيهِ عِنْدِي نَظَرٌ، وكَيْفَ يَجِيءُ التَحَدِّي بِمُماثِلَةٍ في الغُيُوبِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمُ: "افْتَراهُ"؟، وما وقَعَ التَحَدِّي في الآيَتَيْنِ: -هَذِهِ وآيَةُ العَشْرِ السُورِ- إلّا بِالنَظْمِ والرَصْفِ والإيجازِ في التَعْرِيفِ بِالحَقائِقِ، وما أُلْزِمُوا قَطُّ إتْيانًا بِغَيْبٍ، لِأنَّ التَحَدِّيَ بِالإعْلامِ بِالغُيُوبِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ ﴾ [الفتح: ٢٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن غُيُوبِ القُرْآنِ فَبَيِّنٌ أنَّ البَشَرَ مُقَصِّرٌ عن ذَلِكَ، وأمّا التَحَدِّي بِالنَظْمِ فَبَيِّنٌ أيْضًا أنَّ البَشَرَ مُقَصِّرٌ عن نَظْمِ القُرْآنِ إذِ اللهُ تَعالى قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، فَإذا قَدَّرَ اللهُ اللَفْظَةَ في القُرْآنِ عَلِمَ بِالإحاطَةِ اللَفْظَةَ الَّتِي هي ألْيَقُ بِها في جَمِيعِ كَلامِ العَرَبِ في المَعْنى المَقْصُودِ حَتّى كَمُلَ القُرْآنُ عَلى هَذا النِظامِ، الأولى فالأولى، والبَشَرُ -مَعَ أنْ يُفْرَضَ أفْصَحُ العالَمِ- مَحْقُوقٌ بِنِسْيانٍ وجَهْلٍ بِالألْفاظِ والحَقِّ، وبِغَلَطٍ وآفاتٍ بَشَرِيَّةٍ. فَمُحالٌ أنْ يَمْشِيَ في اخْتِيارِهِ عَلى الأولى فالأولى، ونَحْنُ نَجِدُ العَرَبِيَّ يُنَقِّحُ قَصِيدَتَهُ -وَهِيَ الحَوْلِيّاتُ- يُبَدِّلُ فِيها ويُقَدِّمُ ويُؤَخِّرُ، ثُمَّ يَدْفَعُ تِلْكَ القَصِيدَةَ إلى أفْصَحَ مِنهُ فَيَزِيدُ في التَنْقِيحِ. ومَذْهَبُ أهْلٍ الصِرْفَةِ مَكْسُورٌ بِهَذا الدَلِيلِ، فَما كانَ قَطُّ في العالَمِ إلّا مَن فِيهِ تَقْصِيرٌ سِوى مَن يُوحِي إلَيْهِ اللهُ تَعالى، (p-٤٨٣)وَمَيَّزَتْ فُصَحاءُ العَرَبِ هَذا القَدْرَ مِنَ القُرْآنِ وأذْعَنَتْ لَهُ لِصِحَّةِ فِطْرَتِها وخُلُوصِ سَلِيقَتِها، وأنَّهم يَعْرِفُ بَعْضُهم كَلامَ بَعْضٍ ويُمَيِّزُهُ مِن غَيْرِهِ، كَفِعْلِ الفَرَزْدَقِ في أبْياتِ جَرِيرٍ، والجارِيَةِ في شِعْرِ الأعْشى، وقَوْلِ الأعْرابِيِّ في عَرْفَجِكُمْ، فَقُطِعَ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا إذا تُتُبِّعَ بانَ. والقَدْرُ المُعْجِزُ مِنَ القُرْآنِ ما جُمِعَ الجِهَتَيْنِ: اطِّرادُ النَظْمِ والسَرْدِ، وتَحْصِيلُ المَعانِي وتَرْكِيبُ الكَثِيرِ مِنها في اللَفْظِ القَلِيلِ، فَأمّا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] فَلا يَصِحُّ التَحَدِّي بِالإتْيانِ بِمِثْلِهِ، لَكِنْ بِانْتِظامِهِ واتِّصالِهِ يَقَعُ العَجْزُ عنهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِثْلِهِ﴾ صِفَةٌ لِلسُّورَةِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ، كَأنَّهُ قالَ: فَأتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ القُرْآنِ، أيْ: في مَعانِيهِ وألْفاظِهِ، وخَلَطَتْ فِرَقٌ في قَوْلِهِ: ﴿مِثْلِهِ﴾ مِن جِهَةِ اللِسانِ، كَقَوْلِ الطَبَرِيِّ: ذَلِكَ عَلى المَعْنى، ولَوْ كانَ عَلى اللَفْظِ لَقالَ: "مِثْلِها"، وهَذا وهْمٌ بَيِّنٌ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ: "بِسُورَةِ مِثْلِهِ" عَلى الإضافَةِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: التَقْدِيرُ: بِسُورَةِ كَلامٍ مِثْلِهِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: أمَرَ عَبْدُ اللهِ الأسْوَدَ أنْ يَسْألَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ عن إضافَةِ "سُورَةٍ" أو تَنْوِينِها، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: كَيْفَ شِئْتَ. وقَوْلُهُ: ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ إحالَةٌ عَلى شُرَكائِهِمْ وجِنِّهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو كَقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، أيْ مُعِينًا، وهَذا أشَدُّ إقامَةً لِنُفُوسِهِمْ وأوضَحُ تَعْجِيزًا لَهم.

يونس 10:39

(p-٤٨٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا في أنَّهُ مُفْتَرًى، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، وهَذا اللَفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِها الوَعِيدَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الكُفْرِ، و"تَأْوِيلُهُ" -عَلى هَذا- يُرادُ بِهِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، والآيَةُ بِجُمْلَتِها -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثانِي: أنَّهُ أرادَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنَبِّئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِعِلْمِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ. و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يُرِيدُ مَن سَلَفَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ، قالَ الزَجّاجُ: "كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ "كانَ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها "فانْظُرْ" لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا قانُونُ النَحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا "كَيْفَ" في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِكَ: "كَيْفَ زَيْدٌ؟"، ولِـ "كَيْفَ" تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا، تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو "كَيْفِيَّةُ" وتُخْلَعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويُحْتَمَلُ هَذا أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهُمْ: "كُنْ كَيْفَ شِئْتَ"، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: "كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ"، فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَفْهِمْ. (p-٤٨٥)وَذُكِّرَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى "العاقِبَةِ" لَمّا كانَتْ بِمَعْنى المَآلِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ تَأْنِيثُها بِحَقِيقِيٍّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، ولِهَذا الكَلامِ مَعْنَيانِ: قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن سَيُؤْمِنُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِنهم مَن حَتَّمَ اللهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هو مُؤْمِنٌ بِهَذا الرَسُولِ إلّا أنَّهُ يَكْتُمُ إيمانَهُ وعِلْمَهُ بِأنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وإعْجازَ القُرْآنِ حَقٌّ، حِفْظًا لِرِياسَتِهِ أو خَوْفًا مِن قَوْمِهِ، كالفِتْيَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، وكالعَبّاسِ ونَحْوِ هَذا، ومِنهم مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفائِدَةُ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- التَفَرُّقُ لِكَلِمَةِ الكُفّارِ، وإضْعافُ نُفُوسِهِمْ، وأنْ يَكُونَ بَعْضُهم عَلى وجَلٍ مِن بَعْضٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ آيَةُ مُناجَزَةٍ لَهم ومُتارَكَةٍ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] إلى آخِرِ السُورَةِ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ لِأنَّ هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وهَذا صَحِيحٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾، جَمَعَ "يَسْتَمِعُونَ" عَلى مَعْنى "مَن" لا عَلى لَفْظِها، ومَعْنى الآيَةِ: ومِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مَن يَسْتَمِعُ إلى ما يَأْتِي بِهِ مِنَ القُرْآنِ (p-٤٨٦)بِإذْنِهِ، ولَكِنَّهُ حِينَ لا يُؤْمِنُ ولا يُحَصِّلُ فَكَأنَّهُ لا يَسْمَعُ، ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أفَأنْتَ يا مُحَمَّدُ تُرِيدُ أنْ تُسْمِعَ الصُمَّ؟ أيْ: لا تَكْتَرِثْ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ مَعْناهُ: ولَوْ كانُوا مِن أشَدِّ حالاتِ الأصَمِّ، لِأنَّ الأصَمَّ الَّذِي لا يَسْمَعُ شَيْئًا بِحالٍ، فَذَلِكَ لا يَكُونُ في الأغْلَبِ إلّا مَعَ فَسادِ العَقْلِ والدِماغِ، فَلا سَبِيلَ أنْ يَعْقِلَ حُجَّةً ولا دَلِيلًا أبَدًا، و"وَلَوْ" هَذِهِ بِمَعْنى "إنْ"، وهَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أيِ: الزَمْ نَفْسَكَ هَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ الآيَةُ، هي نَحْوُ الأُولى في المَعْنى، وجاءَ "يَنْظُرُ" عَلى لَفْظِ "مَن"، وإذا جاءَ الفِعْلُ عَلى لَفْظِها فَجائِزٌ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ آخَرُ عَلى المَعْنى، وإذا جاءَ أوَّلًا عَلى مَعْناها فَلا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ آخَرُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الكَلامَ يُلْبِسُ حِينَئِذٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ الأُولى في المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ بِبَصَرِهِ، لَكِنَّهُ لا يَعْتَبِرُ ولا يَنْظُرُ بِبَصِيرَتِهِ، فَهو لِذَلِكَ كالأعْمى، فَهَوِّنْ ذَلِكَ عَلَيْكَ، أفَتُرِيدُ أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ والهِدايَةُ أجْمَعُ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

يونس 10:40

(p-٤٨٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا في أنَّهُ مُفْتَرًى، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، وهَذا اللَفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِها الوَعِيدَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الكُفْرِ، و"تَأْوِيلُهُ" -عَلى هَذا- يُرادُ بِهِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، والآيَةُ بِجُمْلَتِها -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثانِي: أنَّهُ أرادَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنَبِّئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِعِلْمِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ. و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يُرِيدُ مَن سَلَفَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ، قالَ الزَجّاجُ: "كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ "كانَ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها "فانْظُرْ" لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا قانُونُ النَحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا "كَيْفَ" في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِكَ: "كَيْفَ زَيْدٌ؟"، ولِـ "كَيْفَ" تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا، تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو "كَيْفِيَّةُ" وتُخْلَعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويُحْتَمَلُ هَذا أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهُمْ: "كُنْ كَيْفَ شِئْتَ"، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: "كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ"، فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَفْهِمْ. (p-٤٨٥)وَذُكِّرَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى "العاقِبَةِ" لَمّا كانَتْ بِمَعْنى المَآلِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ تَأْنِيثُها بِحَقِيقِيٍّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، ولِهَذا الكَلامِ مَعْنَيانِ: قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن سَيُؤْمِنُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِنهم مَن حَتَّمَ اللهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هو مُؤْمِنٌ بِهَذا الرَسُولِ إلّا أنَّهُ يَكْتُمُ إيمانَهُ وعِلْمَهُ بِأنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وإعْجازَ القُرْآنِ حَقٌّ، حِفْظًا لِرِياسَتِهِ أو خَوْفًا مِن قَوْمِهِ، كالفِتْيَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، وكالعَبّاسِ ونَحْوِ هَذا، ومِنهم مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفائِدَةُ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- التَفَرُّقُ لِكَلِمَةِ الكُفّارِ، وإضْعافُ نُفُوسِهِمْ، وأنْ يَكُونَ بَعْضُهم عَلى وجَلٍ مِن بَعْضٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ آيَةُ مُناجَزَةٍ لَهم ومُتارَكَةٍ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] إلى آخِرِ السُورَةِ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ لِأنَّ هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وهَذا صَحِيحٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾، جَمَعَ "يَسْتَمِعُونَ" عَلى مَعْنى "مَن" لا عَلى لَفْظِها، ومَعْنى الآيَةِ: ومِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مَن يَسْتَمِعُ إلى ما يَأْتِي بِهِ مِنَ القُرْآنِ (p-٤٨٦)بِإذْنِهِ، ولَكِنَّهُ حِينَ لا يُؤْمِنُ ولا يُحَصِّلُ فَكَأنَّهُ لا يَسْمَعُ، ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أفَأنْتَ يا مُحَمَّدُ تُرِيدُ أنْ تُسْمِعَ الصُمَّ؟ أيْ: لا تَكْتَرِثْ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ مَعْناهُ: ولَوْ كانُوا مِن أشَدِّ حالاتِ الأصَمِّ، لِأنَّ الأصَمَّ الَّذِي لا يَسْمَعُ شَيْئًا بِحالٍ، فَذَلِكَ لا يَكُونُ في الأغْلَبِ إلّا مَعَ فَسادِ العَقْلِ والدِماغِ، فَلا سَبِيلَ أنْ يَعْقِلَ حُجَّةً ولا دَلِيلًا أبَدًا، و"وَلَوْ" هَذِهِ بِمَعْنى "إنْ"، وهَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أيِ: الزَمْ نَفْسَكَ هَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ الآيَةُ، هي نَحْوُ الأُولى في المَعْنى، وجاءَ "يَنْظُرُ" عَلى لَفْظِ "مَن"، وإذا جاءَ الفِعْلُ عَلى لَفْظِها فَجائِزٌ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ آخَرُ عَلى المَعْنى، وإذا جاءَ أوَّلًا عَلى مَعْناها فَلا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ آخَرُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الكَلامَ يُلْبِسُ حِينَئِذٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ الأُولى في المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ بِبَصَرِهِ، لَكِنَّهُ لا يَعْتَبِرُ ولا يَنْظُرُ بِبَصِيرَتِهِ، فَهو لِذَلِكَ كالأعْمى، فَهَوِّنْ ذَلِكَ عَلَيْكَ، أفَتُرِيدُ أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ والهِدايَةُ أجْمَعُ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

يونس 10:41

(p-٤٨٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا في أنَّهُ مُفْتَرًى، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، وهَذا اللَفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِها الوَعِيدَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الكُفْرِ، و"تَأْوِيلُهُ" -عَلى هَذا- يُرادُ بِهِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، والآيَةُ بِجُمْلَتِها -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثانِي: أنَّهُ أرادَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنَبِّئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِعِلْمِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ. و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يُرِيدُ مَن سَلَفَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ، قالَ الزَجّاجُ: "كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ "كانَ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها "فانْظُرْ" لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا قانُونُ النَحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا "كَيْفَ" في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِكَ: "كَيْفَ زَيْدٌ؟"، ولِـ "كَيْفَ" تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا، تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو "كَيْفِيَّةُ" وتُخْلَعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويُحْتَمَلُ هَذا أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهُمْ: "كُنْ كَيْفَ شِئْتَ"، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: "كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ"، فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَفْهِمْ. (p-٤٨٥)وَذُكِّرَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى "العاقِبَةِ" لَمّا كانَتْ بِمَعْنى المَآلِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ تَأْنِيثُها بِحَقِيقِيٍّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، ولِهَذا الكَلامِ مَعْنَيانِ: قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن سَيُؤْمِنُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِنهم مَن حَتَّمَ اللهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هو مُؤْمِنٌ بِهَذا الرَسُولِ إلّا أنَّهُ يَكْتُمُ إيمانَهُ وعِلْمَهُ بِأنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وإعْجازَ القُرْآنِ حَقٌّ، حِفْظًا لِرِياسَتِهِ أو خَوْفًا مِن قَوْمِهِ، كالفِتْيَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، وكالعَبّاسِ ونَحْوِ هَذا، ومِنهم مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفائِدَةُ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- التَفَرُّقُ لِكَلِمَةِ الكُفّارِ، وإضْعافُ نُفُوسِهِمْ، وأنْ يَكُونَ بَعْضُهم عَلى وجَلٍ مِن بَعْضٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ آيَةُ مُناجَزَةٍ لَهم ومُتارَكَةٍ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] إلى آخِرِ السُورَةِ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ لِأنَّ هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وهَذا صَحِيحٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾، جَمَعَ "يَسْتَمِعُونَ" عَلى مَعْنى "مَن" لا عَلى لَفْظِها، ومَعْنى الآيَةِ: ومِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مَن يَسْتَمِعُ إلى ما يَأْتِي بِهِ مِنَ القُرْآنِ (p-٤٨٦)بِإذْنِهِ، ولَكِنَّهُ حِينَ لا يُؤْمِنُ ولا يُحَصِّلُ فَكَأنَّهُ لا يَسْمَعُ، ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أفَأنْتَ يا مُحَمَّدُ تُرِيدُ أنْ تُسْمِعَ الصُمَّ؟ أيْ: لا تَكْتَرِثْ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ مَعْناهُ: ولَوْ كانُوا مِن أشَدِّ حالاتِ الأصَمِّ، لِأنَّ الأصَمَّ الَّذِي لا يَسْمَعُ شَيْئًا بِحالٍ، فَذَلِكَ لا يَكُونُ في الأغْلَبِ إلّا مَعَ فَسادِ العَقْلِ والدِماغِ، فَلا سَبِيلَ أنْ يَعْقِلَ حُجَّةً ولا دَلِيلًا أبَدًا، و"وَلَوْ" هَذِهِ بِمَعْنى "إنْ"، وهَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أيِ: الزَمْ نَفْسَكَ هَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ الآيَةُ، هي نَحْوُ الأُولى في المَعْنى، وجاءَ "يَنْظُرُ" عَلى لَفْظِ "مَن"، وإذا جاءَ الفِعْلُ عَلى لَفْظِها فَجائِزٌ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ آخَرُ عَلى المَعْنى، وإذا جاءَ أوَّلًا عَلى مَعْناها فَلا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ آخَرُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الكَلامَ يُلْبِسُ حِينَئِذٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ الأُولى في المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ بِبَصَرِهِ، لَكِنَّهُ لا يَعْتَبِرُ ولا يَنْظُرُ بِبَصِيرَتِهِ، فَهو لِذَلِكَ كالأعْمى، فَهَوِّنْ ذَلِكَ عَلَيْكَ، أفَتُرِيدُ أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ والهِدايَةُ أجْمَعُ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

يونس 10:42

(p-٤٨٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا في أنَّهُ مُفْتَرًى، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، وهَذا اللَفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِها الوَعِيدَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الكُفْرِ، و"تَأْوِيلُهُ" -عَلى هَذا- يُرادُ بِهِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، والآيَةُ بِجُمْلَتِها -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثانِي: أنَّهُ أرادَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنَبِّئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِعِلْمِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ. و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يُرِيدُ مَن سَلَفَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ، قالَ الزَجّاجُ: "كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ "كانَ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها "فانْظُرْ" لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا قانُونُ النَحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا "كَيْفَ" في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِكَ: "كَيْفَ زَيْدٌ؟"، ولِـ "كَيْفَ" تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا، تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو "كَيْفِيَّةُ" وتُخْلَعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويُحْتَمَلُ هَذا أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهُمْ: "كُنْ كَيْفَ شِئْتَ"، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: "كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ"، فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَفْهِمْ. (p-٤٨٥)وَذُكِّرَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى "العاقِبَةِ" لَمّا كانَتْ بِمَعْنى المَآلِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ تَأْنِيثُها بِحَقِيقِيٍّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، ولِهَذا الكَلامِ مَعْنَيانِ: قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن سَيُؤْمِنُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِنهم مَن حَتَّمَ اللهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هو مُؤْمِنٌ بِهَذا الرَسُولِ إلّا أنَّهُ يَكْتُمُ إيمانَهُ وعِلْمَهُ بِأنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وإعْجازَ القُرْآنِ حَقٌّ، حِفْظًا لِرِياسَتِهِ أو خَوْفًا مِن قَوْمِهِ، كالفِتْيَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، وكالعَبّاسِ ونَحْوِ هَذا، ومِنهم مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفائِدَةُ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- التَفَرُّقُ لِكَلِمَةِ الكُفّارِ، وإضْعافُ نُفُوسِهِمْ، وأنْ يَكُونَ بَعْضُهم عَلى وجَلٍ مِن بَعْضٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ آيَةُ مُناجَزَةٍ لَهم ومُتارَكَةٍ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] إلى آخِرِ السُورَةِ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ لِأنَّ هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وهَذا صَحِيحٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾، جَمَعَ "يَسْتَمِعُونَ" عَلى مَعْنى "مَن" لا عَلى لَفْظِها، ومَعْنى الآيَةِ: ومِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مَن يَسْتَمِعُ إلى ما يَأْتِي بِهِ مِنَ القُرْآنِ (p-٤٨٦)بِإذْنِهِ، ولَكِنَّهُ حِينَ لا يُؤْمِنُ ولا يُحَصِّلُ فَكَأنَّهُ لا يَسْمَعُ، ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أفَأنْتَ يا مُحَمَّدُ تُرِيدُ أنْ تُسْمِعَ الصُمَّ؟ أيْ: لا تَكْتَرِثْ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ مَعْناهُ: ولَوْ كانُوا مِن أشَدِّ حالاتِ الأصَمِّ، لِأنَّ الأصَمَّ الَّذِي لا يَسْمَعُ شَيْئًا بِحالٍ، فَذَلِكَ لا يَكُونُ في الأغْلَبِ إلّا مَعَ فَسادِ العَقْلِ والدِماغِ، فَلا سَبِيلَ أنْ يَعْقِلَ حُجَّةً ولا دَلِيلًا أبَدًا، و"وَلَوْ" هَذِهِ بِمَعْنى "إنْ"، وهَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أيِ: الزَمْ نَفْسَكَ هَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ الآيَةُ، هي نَحْوُ الأُولى في المَعْنى، وجاءَ "يَنْظُرُ" عَلى لَفْظِ "مَن"، وإذا جاءَ الفِعْلُ عَلى لَفْظِها فَجائِزٌ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ آخَرُ عَلى المَعْنى، وإذا جاءَ أوَّلًا عَلى مَعْناها فَلا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ آخَرُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الكَلامَ يُلْبِسُ حِينَئِذٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ الأُولى في المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ بِبَصَرِهِ، لَكِنَّهُ لا يَعْتَبِرُ ولا يَنْظُرُ بِبَصِيرَتِهِ، فَهو لِذَلِكَ كالأعْمى، فَهَوِّنْ ذَلِكَ عَلَيْكَ، أفَتُرِيدُ أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ والهِدايَةُ أجْمَعُ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

يونس 10:43

(p-٤٨٤)قوله عزّ وجلّ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ورَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُمَّ ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ المَعْنى: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا في أنَّهُ مُفْتَرًى، ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، وهَذا اللَفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ بِها الوَعِيدَ الَّذِي تَوَعَّدَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى الكُفْرِ، و"تَأْوِيلُهُ" -عَلى هَذا- يُرادُ بِهِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، والآيَةُ بِجُمْلَتِها -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَتَضَمَّنُ وعِيدًا، والمَعْنى الثانِي: أنَّهُ أرادَ: بَلْ كَذَّبُوا بِهَذا القُرْآنِ العَظِيمِ المُنَبِّئِ بِالغُيُوبِ الَّذِي لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهم بِهِ مَعْرِفَةٌ، ولا أحاطُوا بِعِلْمِ غُيُوبِهِ وحُسْنِ نَظْمِهِ، ولا جاءَهم تَفْسِيرُ ذَلِكَ وبَيانُهُ. و﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يُرِيدُ مَن سَلَفَ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ، قالَ الزَجّاجُ: "كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ "كانَ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها "فانْظُرْ" لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا قانُونُ النَحْوِيِّينَ لِأنَّهم عامَلُوا "كَيْفَ" في كُلِّ مَكانٍ مُعامَلَةَ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِكَ: "كَيْفَ زَيْدٌ؟"، ولِـ "كَيْفَ" تَصَرُّفاتٌ غَيْرُ هَذا، تَحُلُّ مَحَلَّ المَصْدَرِ الَّذِي هو "كَيْفِيَّةُ" وتُخْلَعُ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ويُحْتَمَلُ هَذا أنْ يَكُونَ مِنها، ومِن تَصَرُّفاتِها قَوْلُهُمْ: "كُنْ كَيْفَ شِئْتَ"، وانْظُرْ قَوْلَ البُخارِيِّ: "كَيْفَ كانَ بَدْءُ الوَحْيِ"، فَإنَّهُ لَمْ يَسْتَفْهِمْ. (p-٤٨٥)وَذُكِّرَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى "العاقِبَةِ" لَمّا كانَتْ بِمَعْنى المَآلِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ تَأْنِيثُها بِحَقِيقِيٍّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "وَمِنهُمْ" عائِدٌ عَلى قُرَيْشٍ، ولِهَذا الكَلامِ مَعْنَيانِ: قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن سَيُؤْمِنُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِنهم مَن حَتَّمَ اللهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ مَن هو مُؤْمِنٌ بِهَذا الرَسُولِ إلّا أنَّهُ يَكْتُمُ إيمانَهُ وعِلْمَهُ بِأنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وإعْجازَ القُرْآنِ حَقٌّ، حِفْظًا لِرِياسَتِهِ أو خَوْفًا مِن قَوْمِهِ، كالفِتْيَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، وكالعَبّاسِ ونَحْوِ هَذا، ومِنهم مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفائِدَةُ الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- التَفَرُّقُ لِكَلِمَةِ الكُفّارِ، وإضْعافُ نُفُوسِهِمْ، وأنْ يَكُونَ بَعْضُهم عَلى وجَلٍ مِن بَعْضٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ آيَةُ مُناجَزَةٍ لَهم ومُتارَكَةٍ، وفي ضِمْنِها وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] إلى آخِرِ السُورَةِ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ ابْنُ زَيْدٍ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ لِأنَّ هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وهَذا صَحِيحٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾، جَمَعَ "يَسْتَمِعُونَ" عَلى مَعْنى "مَن" لا عَلى لَفْظِها، ومَعْنى الآيَةِ: ومِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مَن يَسْتَمِعُ إلى ما يَأْتِي بِهِ مِنَ القُرْآنِ (p-٤٨٦)بِإذْنِهِ، ولَكِنَّهُ حِينَ لا يُؤْمِنُ ولا يُحَصِّلُ فَكَأنَّهُ لا يَسْمَعُ، ثُمَّ قالَ عَلى وجْهِ التَسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أفَأنْتَ يا مُحَمَّدُ تُرِيدُ أنْ تُسْمِعَ الصُمَّ؟ أيْ: لا تَكْتَرِثْ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ مَعْناهُ: ولَوْ كانُوا مِن أشَدِّ حالاتِ الأصَمِّ، لِأنَّ الأصَمَّ الَّذِي لا يَسْمَعُ شَيْئًا بِحالٍ، فَذَلِكَ لا يَكُونُ في الأغْلَبِ إلّا مَعَ فَسادِ العَقْلِ والدِماغِ، فَلا سَبِيلَ أنْ يَعْقِلَ حُجَّةً ولا دَلِيلًا أبَدًا، و"وَلَوْ" هَذِهِ بِمَعْنى "إنْ"، وهَذا تَوْقِيفٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ أيِ: الزَمْ نَفْسَكَ هَذا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ﴾ الآيَةُ، هي نَحْوُ الأُولى في المَعْنى، وجاءَ "يَنْظُرُ" عَلى لَفْظِ "مَن"، وإذا جاءَ الفِعْلُ عَلى لَفْظِها فَجائِزٌ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ آخَرُ عَلى المَعْنى، وإذا جاءَ أوَّلًا عَلى مَعْناها فَلا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ آخَرُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الكَلامَ يُلْبِسُ حِينَئِذٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ الأُولى في المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: ومِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ بِبَصَرِهِ، لَكِنَّهُ لا يَعْتَبِرُ ولا يَنْظُرُ بِبَصِيرَتِهِ، فَهو لِذَلِكَ كالأعْمى، فَهَوِّنْ ذَلِكَ عَلَيْكَ، أفَتُرِيدُ أنْ تَهْدِيَ العُمْيَ والهِدايَةُ أجْمَعُ بِيَدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

يونس 10:44

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ الناسَ شَيْئًا ولَكِنَّ الناسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنِ الناسُ" بِتَخْفِيفِ "لَكِنْ" ورَفْعِ "الناسُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "وَلَكِنَّ" بِالتَشْدِيدِ ونَصْبِ "الناسَ"، وظُلْمُ الناسِ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما هو بِالتَكَسُّبِ مِنهُمُ الَّذِي يُقارِنُ اخْتِراعَ اللهِ تَعالى لِأفْعالِهِمْ، وعُرْفُ "لَكِنَّ" إذا كانَ قَبْلَها واوٌ أنْ تُثَقَّلَ، وإذا عَرِيَتْ مِنَ الواوِ أنْ تُخَفِّفَ، وقَدْ يَنْخَرِمُ هَذا، وقالَ الكُوفِيُّونَ: قَدْ تَدْخُلُ اللامُ في خَبَرِ "لَكِنَّ" المُشَدِّدَةِ عَلى حَدِّ دُخُولِها في "إنَّ"، ومَنَعَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ بِالحَشْرِ وخِزْيِهِمْ فِيهِ وتَعاوُنِهِمْ في التَلاوُمِ (p-٤٨٧)بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، ونَصْبُهُ يَصِحُّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ، ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ﴾، ويَصِحُّ نُصْبُهُ بِـ "يَتَعارَفُونَ"، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَأنْ" يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَعْنى الصِفَةِ لِلْيَوْمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَحْشُرُهُمْ". وخُصِّصَ النَهارُ بِالذِكْرِ لِأنَّ ساعاتِهِ وقِسْمَتَهُ مَعْرُوفَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْجَمِيعِ، فَكَأنَّ هَؤُلاءِ مُتَحَقِّقُونَ قِلَّةَ ما لَبِثُوا، إذْ كَلُّ أمَدٍ طَوِيلٍ إذا انْقَضى فَهو واليَسِيرُ سَواءٌ. وأمّا قَوْلُهُ: "يَتَعارَفُونَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعادَلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ كَأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم يَوْمَ الحَشْرِ يَتَعارَفُونَ، وهَذا التَعارُفُ عَلى جِهَةِ التَلاوُمِ والخِزْيِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "نَحْشُرُهُمْ" ويَكُونُ مَعْنى التَعارُفِ كالَّذِي قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَلْبَثُوا" ويَكُونُ التَعارُفُ في الدُنْيا، ويَجِيءُ مَعْنى الآيَةِ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم لِلْقِيامَةِ فَتَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ بَيْنَهم والأسْبابُ، ويَصِيرُ تَعارُفُهم في الدُنْيا كَساعَةٍ مِنَ النَهارِ لا قَدَرَ لَها، وبِنَحْوِ هَذا المَعْنى فَسَّرَ الطَبَرِيُّ، وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ فِيما رُوِيَ عنهُ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ﴾ إلى آخِرِها. حُكْمٌ عَلى المُكَذِّبِينَ بِالخَسارَةِ، وفي اللَفْظِ إغْلاظٌ عَلى المَحْشُورِينَ مِن إظْهارٍ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الغَرَرِ مَعَ اللهِ تَعالى، وهَذا عَلى أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ المَحْشُورِينَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِأنْفُسِهِمْ. (p-٤٨٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةُ، "وَإمّا" شَرْطٌ، وجَوابُهُ "فَإلَيْنا"، والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ: "نُرِيَنَّكَ" رُؤْيَةُ بَصَرٌ، وقَدْ عُدِّيَ الفِعْلُ بِالهَمْزَةِ فَلِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما "الكافُ"، والآخَرُ "بَعْضَ"، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْضَ الَّذِي﴾ إلى عُقُوبَةِ اللهِ لَهم نَحْوُ بَدْرٍ وغَيْرِها، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الوَعِيدُ بِالرُجُوعِ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: إنْ أرَيْناكَ عُقُوبَتَهم أو لَمْ نُرِكْها فَهم عَلى كُلِّ حالٍ راجِعُونَ إلَيْنا إلى الحِسابِ والعَذابِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فاللهُ شَهِيدٌ مِن أوَّلِ تَكْلِيفِهِمْ عَلى جَمِيعِ أعْمالِهِمْ، فَـ "ثُمَّ" هاهُنا لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ لا لِتَرْتِيبِ القَصَصِ في أنْفُسِها، و"إمّا" هي "إنْ" زِيدَتْ عَلَيْها "ما"، ولِأجْلِها جازَ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ، ولَوْ كانَتْ "إنْ" وحْدَها لَمْ يَجُزْ.

يونس 10:45

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ الناسَ شَيْئًا ولَكِنَّ الناسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنِ الناسُ" بِتَخْفِيفِ "لَكِنْ" ورَفْعِ "الناسُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "وَلَكِنَّ" بِالتَشْدِيدِ ونَصْبِ "الناسَ"، وظُلْمُ الناسِ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما هو بِالتَكَسُّبِ مِنهُمُ الَّذِي يُقارِنُ اخْتِراعَ اللهِ تَعالى لِأفْعالِهِمْ، وعُرْفُ "لَكِنَّ" إذا كانَ قَبْلَها واوٌ أنْ تُثَقَّلَ، وإذا عَرِيَتْ مِنَ الواوِ أنْ تُخَفِّفَ، وقَدْ يَنْخَرِمُ هَذا، وقالَ الكُوفِيُّونَ: قَدْ تَدْخُلُ اللامُ في خَبَرِ "لَكِنَّ" المُشَدِّدَةِ عَلى حَدِّ دُخُولِها في "إنَّ"، ومَنَعَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ بِالحَشْرِ وخِزْيِهِمْ فِيهِ وتَعاوُنِهِمْ في التَلاوُمِ (p-٤٨٧)بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، ونَصْبُهُ يَصِحُّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ، ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ﴾، ويَصِحُّ نُصْبُهُ بِـ "يَتَعارَفُونَ"، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَأنْ" يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَعْنى الصِفَةِ لِلْيَوْمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَحْشُرُهُمْ". وخُصِّصَ النَهارُ بِالذِكْرِ لِأنَّ ساعاتِهِ وقِسْمَتَهُ مَعْرُوفَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْجَمِيعِ، فَكَأنَّ هَؤُلاءِ مُتَحَقِّقُونَ قِلَّةَ ما لَبِثُوا، إذْ كَلُّ أمَدٍ طَوِيلٍ إذا انْقَضى فَهو واليَسِيرُ سَواءٌ. وأمّا قَوْلُهُ: "يَتَعارَفُونَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعادَلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ كَأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم يَوْمَ الحَشْرِ يَتَعارَفُونَ، وهَذا التَعارُفُ عَلى جِهَةِ التَلاوُمِ والخِزْيِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "نَحْشُرُهُمْ" ويَكُونُ مَعْنى التَعارُفِ كالَّذِي قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَلْبَثُوا" ويَكُونُ التَعارُفُ في الدُنْيا، ويَجِيءُ مَعْنى الآيَةِ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم لِلْقِيامَةِ فَتَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ بَيْنَهم والأسْبابُ، ويَصِيرُ تَعارُفُهم في الدُنْيا كَساعَةٍ مِنَ النَهارِ لا قَدَرَ لَها، وبِنَحْوِ هَذا المَعْنى فَسَّرَ الطَبَرِيُّ، وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ فِيما رُوِيَ عنهُ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ﴾ إلى آخِرِها. حُكْمٌ عَلى المُكَذِّبِينَ بِالخَسارَةِ، وفي اللَفْظِ إغْلاظٌ عَلى المَحْشُورِينَ مِن إظْهارٍ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الغَرَرِ مَعَ اللهِ تَعالى، وهَذا عَلى أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ المَحْشُورِينَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِأنْفُسِهِمْ. (p-٤٨٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةُ، "وَإمّا" شَرْطٌ، وجَوابُهُ "فَإلَيْنا"، والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ: "نُرِيَنَّكَ" رُؤْيَةُ بَصَرٌ، وقَدْ عُدِّيَ الفِعْلُ بِالهَمْزَةِ فَلِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما "الكافُ"، والآخَرُ "بَعْضَ"، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْضَ الَّذِي﴾ إلى عُقُوبَةِ اللهِ لَهم نَحْوُ بَدْرٍ وغَيْرِها، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الوَعِيدُ بِالرُجُوعِ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: إنْ أرَيْناكَ عُقُوبَتَهم أو لَمْ نُرِكْها فَهم عَلى كُلِّ حالٍ راجِعُونَ إلَيْنا إلى الحِسابِ والعَذابِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فاللهُ شَهِيدٌ مِن أوَّلِ تَكْلِيفِهِمْ عَلى جَمِيعِ أعْمالِهِمْ، فَـ "ثُمَّ" هاهُنا لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ لا لِتَرْتِيبِ القَصَصِ في أنْفُسِها، و"إمّا" هي "إنْ" زِيدَتْ عَلَيْها "ما"، ولِأجْلِها جازَ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ، ولَوْ كانَتْ "إنْ" وحْدَها لَمْ يَجُزْ.

يونس 10:46

قوله عزّ وجلّ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ الناسَ شَيْئًا ولَكِنَّ الناسَ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهم قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلَكِنِ الناسُ" بِتَخْفِيفِ "لَكِنْ" ورَفْعِ "الناسُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "وَلَكِنَّ" بِالتَشْدِيدِ ونَصْبِ "الناسَ"، وظُلْمُ الناسِ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما هو بِالتَكَسُّبِ مِنهُمُ الَّذِي يُقارِنُ اخْتِراعَ اللهِ تَعالى لِأفْعالِهِمْ، وعُرْفُ "لَكِنَّ" إذا كانَ قَبْلَها واوٌ أنْ تُثَقَّلَ، وإذا عَرِيَتْ مِنَ الواوِ أنْ تُخَفِّفَ، وقَدْ يَنْخَرِمُ هَذا، وقالَ الكُوفِيُّونَ: قَدْ تَدْخُلُ اللامُ في خَبَرِ "لَكِنَّ" المُشَدِّدَةِ عَلى حَدِّ دُخُولِها في "إنَّ"، ومَنَعَ ذَلِكَ البَصْرِيُّونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ بِالحَشْرِ وخِزْيِهِمْ فِيهِ وتَعاوُنِهِمْ في التَلاوُمِ (p-٤٨٧)بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ، ونَصْبُهُ يَصِحُّ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ يَوْمَ، ويَصِحُّ أنْ يَنْتَصِبَ بِالفِعْلِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَهارِ﴾، ويَصِحُّ نُصْبُهُ بِـ "يَتَعارَفُونَ"، والكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَأنْ" يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَعْنى الصِفَةِ لِلْيَوْمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَعْتٍ لِلْمَصْدَرِ كَأنَّهُ قالَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم حَشْرًا كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "يَحْشُرُهُمْ". وخُصِّصَ النَهارُ بِالذِكْرِ لِأنَّ ساعاتِهِ وقِسْمَتَهُ مَعْرُوفَةٌ بَيِّنَةٌ لِلْجَمِيعِ، فَكَأنَّ هَؤُلاءِ مُتَحَقِّقُونَ قِلَّةَ ما لَبِثُوا، إذْ كَلُّ أمَدٍ طَوِيلٍ إذا انْقَضى فَهو واليَسِيرُ سَواءٌ. وأمّا قَوْلُهُ: "يَتَعارَفُونَ" فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُعادَلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ كَأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهم يَوْمَ الحَشْرِ يَتَعارَفُونَ، وهَذا التَعارُفُ عَلى جِهَةِ التَلاوُمِ والخِزْيِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "نَحْشُرُهُمْ" ويَكُونُ مَعْنى التَعارُفِ كالَّذِي قَبْلَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَلْبَثُوا" ويَكُونُ التَعارُفُ في الدُنْيا، ويَجِيءُ مَعْنى الآيَةِ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم لِلْقِيامَةِ فَتَنْقَطِعُ المَعْرِفَةُ بَيْنَهم والأسْبابُ، ويَصِيرُ تَعارُفُهم في الدُنْيا كَساعَةٍ مِنَ النَهارِ لا قَدَرَ لَها، وبِنَحْوِ هَذا المَعْنى فَسَّرَ الطَبَرِيُّ، وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ فِيما رُوِيَ عنهُ: "يَحْشُرُهُمْ" بِالياءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ﴾ إلى آخِرِها. حُكْمٌ عَلى المُكَذِّبِينَ بِالخَسارَةِ، وفي اللَفْظِ إغْلاظٌ عَلى المَحْشُورِينَ مِن إظْهارٍ لِما هم عَلَيْهِ مِنَ الغَرَرِ مَعَ اللهِ تَعالى، وهَذا عَلى أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ المَحْشُورِينَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لِأنْفُسِهِمْ. (p-٤٨٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآيَةُ، "وَإمّا" شَرْطٌ، وجَوابُهُ "فَإلَيْنا"، والرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ: "نُرِيَنَّكَ" رُؤْيَةُ بَصَرٌ، وقَدْ عُدِّيَ الفِعْلُ بِالهَمْزَةِ فَلِذَلِكَ تَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما "الكافُ"، والآخَرُ "بَعْضَ"، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْضَ الَّذِي﴾ إلى عُقُوبَةِ اللهِ لَهم نَحْوُ بَدْرٍ وغَيْرِها، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الوَعِيدُ بِالرُجُوعِ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: إنْ أرَيْناكَ عُقُوبَتَهم أو لَمْ نُرِكْها فَهم عَلى كُلِّ حالٍ راجِعُونَ إلَيْنا إلى الحِسابِ والعَذابِ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ فاللهُ شَهِيدٌ مِن أوَّلِ تَكْلِيفِهِمْ عَلى جَمِيعِ أعْمالِهِمْ، فَـ "ثُمَّ" هاهُنا لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ لا لِتَرْتِيبِ القَصَصِ في أنْفُسِها، و"إمّا" هي "إنْ" زِيدَتْ عَلَيْها "ما"، ولِأجْلِها جازَ دُخُولُ النُونِ الثَقِيلَةِ، ولَوْ كانَتْ "إنْ" وحْدَها لَمْ يَجُزْ.

يونس 10:47

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ إخْبارٌ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى﴾ [الملك: ٩]، وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ صُيِّرَ قَوْمٌ لِلْجَنَّةِ وقَوْمٌ لِلنّارِ، فَذَلِكَ القَضاءُ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم في الدُنْيا وبُعِثَ صارُوا مِن حَتْمِ اللهِ بِالعَذابِ لِقَوْمٍ والمَغْفِرَةِ لِآخَرِينَ لِغاياتِهِمْ، فَذَلِكَ قَضاءٌ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقَرَنَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]، وذَلِكَ يَتَّفِقُ إمّا بِأنْ نَجْعَلَ "مُعَذِّبِينَ" في الآخِرَةِ، وإمّا بِأنْ نَجْعَلَ القَضاءَ بَيْنَهم في الدُنْيا بِحَيْثُ يَصِحُّ اشْتِباهُ الآيَتَيْنِ. (p-٤٨٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. الضَمِيرُ في "يَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ الكَفّارُ، وسُؤالُهم عَنِ الوَعْدِ تَحْرِيرٌ بِزَعْمِهِمْ في الحُجَّةِ، أيْ: هَذا العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَنا حَدَّدَ لَنا فِيهِ وقْتَهُ لِنَعْلَمَ الصِدْقَ في ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهم هَذا عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَظْهَرُ مِنَ اللَفْظَةِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ﴾، المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ رَدًّا لِلْحُجَّةِ: إنِّي لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا مِن دُونِ اللهِ، ولا أنا إلّا في قَبْضَةِ سُلْطانِهِ وبِضِمْنِ الحاجَةِ إلى لُطْفِهِ، فَإذا كُنْتُ هَكَذا، فَأحْرى ألّا أعْرِفَ غَيْبَهُ ولا أتُعاصى شَيْئًا مِن أمْرِهِ، ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِلْمِ حَدِّهِ ووَقْتِهِ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ في مَوْتٍ أو هَلاكِ أُمَّةٍ لَمْ يَتَأخَّرُوا ساعَةً ولا أمْكَنَهُمُ التَقَدُّمُ عن حَدِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "آجالُهُمْ" بِالجَمْعِ.

يونس 10:48

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ إخْبارٌ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى﴾ [الملك: ٩]، وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ صُيِّرَ قَوْمٌ لِلْجَنَّةِ وقَوْمٌ لِلنّارِ، فَذَلِكَ القَضاءُ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم في الدُنْيا وبُعِثَ صارُوا مِن حَتْمِ اللهِ بِالعَذابِ لِقَوْمٍ والمَغْفِرَةِ لِآخَرِينَ لِغاياتِهِمْ، فَذَلِكَ قَضاءٌ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقَرَنَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]، وذَلِكَ يَتَّفِقُ إمّا بِأنْ نَجْعَلَ "مُعَذِّبِينَ" في الآخِرَةِ، وإمّا بِأنْ نَجْعَلَ القَضاءَ بَيْنَهم في الدُنْيا بِحَيْثُ يَصِحُّ اشْتِباهُ الآيَتَيْنِ. (p-٤٨٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. الضَمِيرُ في "يَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ الكَفّارُ، وسُؤالُهم عَنِ الوَعْدِ تَحْرِيرٌ بِزَعْمِهِمْ في الحُجَّةِ، أيْ: هَذا العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَنا حَدَّدَ لَنا فِيهِ وقْتَهُ لِنَعْلَمَ الصِدْقَ في ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهم هَذا عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَظْهَرُ مِنَ اللَفْظَةِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ﴾، المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ رَدًّا لِلْحُجَّةِ: إنِّي لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا مِن دُونِ اللهِ، ولا أنا إلّا في قَبْضَةِ سُلْطانِهِ وبِضِمْنِ الحاجَةِ إلى لُطْفِهِ، فَإذا كُنْتُ هَكَذا، فَأحْرى ألّا أعْرِفَ غَيْبَهُ ولا أتُعاصى شَيْئًا مِن أمْرِهِ، ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِلْمِ حَدِّهِ ووَقْتِهِ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ في مَوْتٍ أو هَلاكِ أُمَّةٍ لَمْ يَتَأخَّرُوا ساعَةً ولا أمْكَنَهُمُ التَقَدُّمُ عن حَدِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "آجالُهُمْ" بِالجَمْعِ.

يونس 10:49

قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ إخْبارٌ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى﴾ [الملك: ٩]، وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم يَوْمَ القِيامَةِ لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ صُيِّرَ قَوْمٌ لِلْجَنَّةِ وقَوْمٌ لِلنّارِ، فَذَلِكَ القَضاءُ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقِيلَ: المَعْنى: فَإذا جاءَ رَسُولُهم في الدُنْيا وبُعِثَ صارُوا مِن حَتْمِ اللهِ بِالعَذابِ لِقَوْمٍ والمَغْفِرَةِ لِآخَرِينَ لِغاياتِهِمْ، فَذَلِكَ قَضاءٌ بَيْنَهم بِالقِسْطِ، وقَرَنَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]، وذَلِكَ يَتَّفِقُ إمّا بِأنْ نَجْعَلَ "مُعَذِّبِينَ" في الآخِرَةِ، وإمّا بِأنْ نَجْعَلَ القَضاءَ بَيْنَهم في الدُنْيا بِحَيْثُ يَصِحُّ اشْتِباهُ الآيَتَيْنِ. (p-٤٨٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. الضَمِيرُ في "يَقُولُونَ" يُرادُ بِهِ الكَفّارُ، وسُؤالُهم عَنِ الوَعْدِ تَحْرِيرٌ بِزَعْمِهِمْ في الحُجَّةِ، أيْ: هَذا العَذابُ الَّذِي تَوَعَّدَنا حَدَّدَ لَنا فِيهِ وقْتَهُ لِنَعْلَمَ الصِدْقَ في ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهم هَذا عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لا يَظْهَرُ مِنَ اللَفْظَةِ. ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهُمْ: ﴿لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللهُ﴾، المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ رَدًّا لِلْحُجَّةِ: إنِّي لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا مِن دُونِ اللهِ، ولا أنا إلّا في قَبْضَةِ سُلْطانِهِ وبِضِمْنِ الحاجَةِ إلى لُطْفِهِ، فَإذا كُنْتُ هَكَذا، فَأحْرى ألّا أعْرِفَ غَيْبَهُ ولا أتُعاصى شَيْئًا مِن أمْرِهِ، ولَكِنْ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ انْفَرَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِلْمِ حَدِّهِ ووَقْتِهِ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ في مَوْتٍ أو هَلاكِ أُمَّةٍ لَمْ يَتَأخَّرُوا ساعَةً ولا أمْكَنَهُمُ التَقَدُّمُ عن حَدِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ: "آجالُهُمْ" بِالجَمْعِ.

يونس 10:50

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أو نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ: لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ المَعْنى: قُلْ: يا أيُّها الكَفَرَةُ المُسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ لَيْلًا وقْتَ المَبِيتِ؟ يُقالُ: بَيَّتَ القَوْمُ القَوْمَ إذا طَرْقُوهم لَيْلًا بِحَرْبٍ أو نَحْوِها، "أو نَهارًا" لَكم مِنهُ مَنَعَةٌ أو بِهِ طاقَةٌ؟ فَماذا تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ، وأنْتُمْ لا قِبَلَ لَكم بِهِ؟ و"ما" ابْتِداءٌ، و"ذا" خَبَرُهُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ، وضَعَّفَ هَذا أبُو عَلِيٍّ وقالَ: إنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارٍ في "يَسْتَعْجِلُ" وحَذْفُهُ كَما قالَ: ؎ ............................. ∗∗∗ كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ (p-٤٩٠)وَ"زِيدٌ ضَرَبْتُ"، قالَ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" في حالِ نَصْبٍ لِـ"يَسْتَعْجِلُ"، والضَمِيرُ في "مِنهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ الآيَةُ، عَطَفَ بِقَوْلِهِ: "ثُمَّ" جُمْلَةَ القَوْلِ عَلى ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ أدْخَلَ عَلى الجَمِيعِ ألِفَ التَقْرِيرِ. ومَعْنى الآيَةِ: إذا وقَعَ العَذابُ وعايَنْتُمُوهُ آمَنتُمْ بِهِ حِينَئِذٍ، وذَلِكَ غَيْرُ نافِعِكُمْ، بَلْ جَوابُكُمُ الآنَ، وقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ مُكَذِّبِينَ بِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أثَمَّ" بِفَتْحِ الثاءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، مَعْناهُ: هُنالِكَ، وقالَ: لَيْسَتْ "ثُمَّ" هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنى العَطْفِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى صَحِيحٌ عَلى أنَّها "ثُمَّ" المَعْرُوفَةُ، ولَكِنَّ إطْباقَهُ عَلى لَفْظِ التَنْزِيلِ هو كَما قُلْنا، وما ادَّعاهُ الطَبَرِيُّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. و"آلْآنَ" أصْلُهُ عِنْدَ بَعْضِ النُحاةِ "آنَ" فِعْلٌ ماضٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ: ؎ ............................. ∗∗∗ ∗∗∗.......الحِمارُ اليُجَدَّعُ (p-٤٩١)وَلَمْ يَتَعَرَّفْ بِذَلِكَ كُلَّ التَعْرِيفِ، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى حَرْفِ التَعْرِيفِ ولِذَلِكَ بُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الحَرْفِ، ولِوُقُوعِها مَوْقِعَ المُبْهَمِ، لِأنَّ مَعْناها: "هَذا الوَقْتُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والجُمْهُورُ: "آلْآنَ" بِالمَدِّ والِاسْتِفْهامِ عَلى حَدِّ التَوْبِيخِ، وكَذَلِكَ "آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ"، وقَرَأها بِاسْتِفْهامٍ بِغَيْرِ مَدٍّطَلْحَةُ والأعْرَجُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآيَةُ، هو الوَعِيدُ الأعْظَمُ بِالخُلُودِ لِأهْلِ الظُلْمِ الأخَصِّ الَّذِي هو ظُلْمُ الكُفْرِ لا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ. ونَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ في الآخِرَةِ هو عَلى تَكَسُّبِ العَبْدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ مَعْناهُ: يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي -عَلى هَذا- تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحُدُها الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ، فَهي -عَلى هَذا- تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ: أحُدُها الكافُ، والِابْتِداءُ والخَبَرُ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. و﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ قِيلَ: الإشارَةُ إلى الشَرْعِ والقُرْآنِ، وقِيلَ: إلى الوَعِيدِ، وهو الأظْهَرُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "آلْحَقُّ هُوَ" بِمَدَّةٍ وبِلامِ التَعْرِيفِ، وقَوْلُهُ: "إي" هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى "نَعَمْ"، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي ورَبِّي، وإي رَبِّي، و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلَتِينَ، وهَذا الفِعْلُ أصْلُهُ تَعْدِيَةُ "عَجَزَ" لَكِنْ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: "أعْجَزً فُلانٌ" إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ.

يونس 10:51

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أو نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ: لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ المَعْنى: قُلْ: يا أيُّها الكَفَرَةُ المُسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ لَيْلًا وقْتَ المَبِيتِ؟ يُقالُ: بَيَّتَ القَوْمُ القَوْمَ إذا طَرْقُوهم لَيْلًا بِحَرْبٍ أو نَحْوِها، "أو نَهارًا" لَكم مِنهُ مَنَعَةٌ أو بِهِ طاقَةٌ؟ فَماذا تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ، وأنْتُمْ لا قِبَلَ لَكم بِهِ؟ و"ما" ابْتِداءٌ، و"ذا" خَبَرُهُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ، وضَعَّفَ هَذا أبُو عَلِيٍّ وقالَ: إنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارٍ في "يَسْتَعْجِلُ" وحَذْفُهُ كَما قالَ: ؎ ............................. ∗∗∗ كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ (p-٤٩٠)وَ"زِيدٌ ضَرَبْتُ"، قالَ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" في حالِ نَصْبٍ لِـ"يَسْتَعْجِلُ"، والضَمِيرُ في "مِنهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ الآيَةُ، عَطَفَ بِقَوْلِهِ: "ثُمَّ" جُمْلَةَ القَوْلِ عَلى ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ أدْخَلَ عَلى الجَمِيعِ ألِفَ التَقْرِيرِ. ومَعْنى الآيَةِ: إذا وقَعَ العَذابُ وعايَنْتُمُوهُ آمَنتُمْ بِهِ حِينَئِذٍ، وذَلِكَ غَيْرُ نافِعِكُمْ، بَلْ جَوابُكُمُ الآنَ، وقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ مُكَذِّبِينَ بِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أثَمَّ" بِفَتْحِ الثاءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، مَعْناهُ: هُنالِكَ، وقالَ: لَيْسَتْ "ثُمَّ" هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنى العَطْفِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى صَحِيحٌ عَلى أنَّها "ثُمَّ" المَعْرُوفَةُ، ولَكِنَّ إطْباقَهُ عَلى لَفْظِ التَنْزِيلِ هو كَما قُلْنا، وما ادَّعاهُ الطَبَرِيُّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. و"آلْآنَ" أصْلُهُ عِنْدَ بَعْضِ النُحاةِ "آنَ" فِعْلٌ ماضٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ: ؎ ............................. ∗∗∗ ∗∗∗.......الحِمارُ اليُجَدَّعُ (p-٤٩١)وَلَمْ يَتَعَرَّفْ بِذَلِكَ كُلَّ التَعْرِيفِ، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى حَرْفِ التَعْرِيفِ ولِذَلِكَ بُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الحَرْفِ، ولِوُقُوعِها مَوْقِعَ المُبْهَمِ، لِأنَّ مَعْناها: "هَذا الوَقْتُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والجُمْهُورُ: "آلْآنَ" بِالمَدِّ والِاسْتِفْهامِ عَلى حَدِّ التَوْبِيخِ، وكَذَلِكَ "آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ"، وقَرَأها بِاسْتِفْهامٍ بِغَيْرِ مَدٍّطَلْحَةُ والأعْرَجُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآيَةُ، هو الوَعِيدُ الأعْظَمُ بِالخُلُودِ لِأهْلِ الظُلْمِ الأخَصِّ الَّذِي هو ظُلْمُ الكُفْرِ لا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ. ونَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ في الآخِرَةِ هو عَلى تَكَسُّبِ العَبْدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ مَعْناهُ: يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي -عَلى هَذا- تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحُدُها الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ، فَهي -عَلى هَذا- تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ: أحُدُها الكافُ، والِابْتِداءُ والخَبَرُ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. و﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ قِيلَ: الإشارَةُ إلى الشَرْعِ والقُرْآنِ، وقِيلَ: إلى الوَعِيدِ، وهو الأظْهَرُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "آلْحَقُّ هُوَ" بِمَدَّةٍ وبِلامِ التَعْرِيفِ، وقَوْلُهُ: "إي" هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى "نَعَمْ"، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي ورَبِّي، وإي رَبِّي، و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلَتِينَ، وهَذا الفِعْلُ أصْلُهُ تَعْدِيَةُ "عَجَزَ" لَكِنْ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: "أعْجَزً فُلانٌ" إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ.

يونس 10:52

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أو نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ: لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ المَعْنى: قُلْ: يا أيُّها الكَفَرَةُ المُسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ لَيْلًا وقْتَ المَبِيتِ؟ يُقالُ: بَيَّتَ القَوْمُ القَوْمَ إذا طَرْقُوهم لَيْلًا بِحَرْبٍ أو نَحْوِها، "أو نَهارًا" لَكم مِنهُ مَنَعَةٌ أو بِهِ طاقَةٌ؟ فَماذا تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ، وأنْتُمْ لا قِبَلَ لَكم بِهِ؟ و"ما" ابْتِداءٌ، و"ذا" خَبَرُهُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ، وضَعَّفَ هَذا أبُو عَلِيٍّ وقالَ: إنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارٍ في "يَسْتَعْجِلُ" وحَذْفُهُ كَما قالَ: ؎ ............................. ∗∗∗ كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ (p-٤٩٠)وَ"زِيدٌ ضَرَبْتُ"، قالَ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" في حالِ نَصْبٍ لِـ"يَسْتَعْجِلُ"، والضَمِيرُ في "مِنهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ الآيَةُ، عَطَفَ بِقَوْلِهِ: "ثُمَّ" جُمْلَةَ القَوْلِ عَلى ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ أدْخَلَ عَلى الجَمِيعِ ألِفَ التَقْرِيرِ. ومَعْنى الآيَةِ: إذا وقَعَ العَذابُ وعايَنْتُمُوهُ آمَنتُمْ بِهِ حِينَئِذٍ، وذَلِكَ غَيْرُ نافِعِكُمْ، بَلْ جَوابُكُمُ الآنَ، وقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ مُكَذِّبِينَ بِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أثَمَّ" بِفَتْحِ الثاءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، مَعْناهُ: هُنالِكَ، وقالَ: لَيْسَتْ "ثُمَّ" هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنى العَطْفِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى صَحِيحٌ عَلى أنَّها "ثُمَّ" المَعْرُوفَةُ، ولَكِنَّ إطْباقَهُ عَلى لَفْظِ التَنْزِيلِ هو كَما قُلْنا، وما ادَّعاهُ الطَبَرِيُّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. و"آلْآنَ" أصْلُهُ عِنْدَ بَعْضِ النُحاةِ "آنَ" فِعْلٌ ماضٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ: ؎ ............................. ∗∗∗ ∗∗∗.......الحِمارُ اليُجَدَّعُ (p-٤٩١)وَلَمْ يَتَعَرَّفْ بِذَلِكَ كُلَّ التَعْرِيفِ، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى حَرْفِ التَعْرِيفِ ولِذَلِكَ بُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الحَرْفِ، ولِوُقُوعِها مَوْقِعَ المُبْهَمِ، لِأنَّ مَعْناها: "هَذا الوَقْتُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والجُمْهُورُ: "آلْآنَ" بِالمَدِّ والِاسْتِفْهامِ عَلى حَدِّ التَوْبِيخِ، وكَذَلِكَ "آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ"، وقَرَأها بِاسْتِفْهامٍ بِغَيْرِ مَدٍّطَلْحَةُ والأعْرَجُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآيَةُ، هو الوَعِيدُ الأعْظَمُ بِالخُلُودِ لِأهْلِ الظُلْمِ الأخَصِّ الَّذِي هو ظُلْمُ الكُفْرِ لا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ. ونَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ في الآخِرَةِ هو عَلى تَكَسُّبِ العَبْدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ مَعْناهُ: يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي -عَلى هَذا- تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحُدُها الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ، فَهي -عَلى هَذا- تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ: أحُدُها الكافُ، والِابْتِداءُ والخَبَرُ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. و﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ قِيلَ: الإشارَةُ إلى الشَرْعِ والقُرْآنِ، وقِيلَ: إلى الوَعِيدِ، وهو الأظْهَرُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "آلْحَقُّ هُوَ" بِمَدَّةٍ وبِلامِ التَعْرِيفِ، وقَوْلُهُ: "إي" هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى "نَعَمْ"، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي ورَبِّي، وإي رَبِّي، و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلَتِينَ، وهَذا الفِعْلُ أصْلُهُ تَعْدِيَةُ "عَجَزَ" لَكِنْ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: "أعْجَزً فُلانٌ" إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ.

يونس 10:53

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أو نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ: لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ المَعْنى: قُلْ: يا أيُّها الكَفَرَةُ المُسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ﴾ لَيْلًا وقْتَ المَبِيتِ؟ يُقالُ: بَيَّتَ القَوْمُ القَوْمَ إذا طَرْقُوهم لَيْلًا بِحَرْبٍ أو نَحْوِها، "أو نَهارًا" لَكم مِنهُ مَنَعَةٌ أو بِهِ طاقَةٌ؟ فَماذا تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ، وأنْتُمْ لا قِبَلَ لَكم بِهِ؟ و"ما" ابْتِداءٌ، و"ذا" خَبَرُهُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ، وضَعَّفَ هَذا أبُو عَلِيٍّ وقالَ: إنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارٍ في "يَسْتَعْجِلُ" وحَذْفُهُ كَما قالَ: ؎ ............................. ∗∗∗ كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ (p-٤٩٠)وَ"زِيدٌ ضَرَبْتُ"، قالَ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" في حالِ نَصْبٍ لِـ"يَسْتَعْجِلُ"، والضَمِيرُ في "مِنهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ﴾ الآيَةُ، عَطَفَ بِقَوْلِهِ: "ثُمَّ" جُمْلَةَ القَوْلِ عَلى ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ أدْخَلَ عَلى الجَمِيعِ ألِفَ التَقْرِيرِ. ومَعْنى الآيَةِ: إذا وقَعَ العَذابُ وعايَنْتُمُوهُ آمَنتُمْ بِهِ حِينَئِذٍ، وذَلِكَ غَيْرُ نافِعِكُمْ، بَلْ جَوابُكُمُ الآنَ، وقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ مُكَذِّبِينَ بِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أثَمَّ" بِفَتْحِ الثاءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، مَعْناهُ: هُنالِكَ، وقالَ: لَيْسَتْ "ثُمَّ" هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنى العَطْفِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى صَحِيحٌ عَلى أنَّها "ثُمَّ" المَعْرُوفَةُ، ولَكِنَّ إطْباقَهُ عَلى لَفْظِ التَنْزِيلِ هو كَما قُلْنا، وما ادَّعاهُ الطَبَرِيُّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. و"آلْآنَ" أصْلُهُ عِنْدَ بَعْضِ النُحاةِ "آنَ" فِعْلٌ ماضٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ: ؎ ............................. ∗∗∗ ∗∗∗.......الحِمارُ اليُجَدَّعُ (p-٤٩١)وَلَمْ يَتَعَرَّفْ بِذَلِكَ كُلَّ التَعْرِيفِ، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى حَرْفِ التَعْرِيفِ ولِذَلِكَ بُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الحَرْفِ، ولِوُقُوعِها مَوْقِعَ المُبْهَمِ، لِأنَّ مَعْناها: "هَذا الوَقْتُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والجُمْهُورُ: "آلْآنَ" بِالمَدِّ والِاسْتِفْهامِ عَلى حَدِّ التَوْبِيخِ، وكَذَلِكَ "آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ"، وقَرَأها بِاسْتِفْهامٍ بِغَيْرِ مَدٍّطَلْحَةُ والأعْرَجُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآيَةُ، هو الوَعِيدُ الأعْظَمُ بِالخُلُودِ لِأهْلِ الظُلْمِ الأخَصِّ الَّذِي هو ظُلْمُ الكُفْرِ لا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ. ونَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ في الآخِرَةِ هو عَلى تَكَسُّبِ العَبْدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ مَعْناهُ: يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي -عَلى هَذا- تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحُدُها الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ، فَهي -عَلى هَذا- تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ: أحُدُها الكافُ، والِابْتِداءُ والخَبَرُ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. و﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ قِيلَ: الإشارَةُ إلى الشَرْعِ والقُرْآنِ، وقِيلَ: إلى الوَعِيدِ، وهو الأظْهَرُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "آلْحَقُّ هُوَ" بِمَدَّةٍ وبِلامِ التَعْرِيفِ، وقَوْلُهُ: "إي" هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى "نَعَمْ"، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي ورَبِّي، وإي رَبِّي، و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلَتِينَ، وهَذا الفِعْلُ أصْلُهُ تَعْدِيَةُ "عَجَزَ" لَكِنْ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: "أعْجَزً فُلانٌ" إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ.

يونس 10:54

(p-٤٩٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ لِلْكُفّارِ في سِياقِ إخْبارِهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ حَقٌّ، و"أسَرُّوا" لَفَظَةٌ تَجِيءُ بِمَعْنى: أخْفَوْا، وهي حِينَئِذٍ مِنَ السِرِّ، وتَجِيءُ بِمَعْنى: أظْهَرُوا، وهي حِينَئِذٍ مِن أسارِيرِ الوَجْهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: وأخْفى رُؤَساءُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ النَدامَةَ عن سَفِلَتِهِمْ ووُضَعائِهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ هو عامٌّ في جَمِيعِهِمْ. و"ألا" اسْتِفْتاحٌ وتَنْبِيهٌ، ثُمَّ أوجَبَ أنَّ جَمِيعَ ما في السَماواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، قالَ الطَبَرِيُّ: يَقُولُ: فَلَيْسَ لِهَذا الكافِرِ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يَقْتَدِي بِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَبْطُ الآيَتَيْنِ هَكَذا يَتَّجِهُ عَلى بُعْدٍ، ولَيْسَ هَذا مِن فَصِيحِ المَقاصِدِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ قُيِّدَ بِالأكْثَرِ لِأنَّ بَعْضَ الناسِ يُؤْمِنُ فَهم يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ وعْدِ اللهِ تَعالى، وأكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ فَهم لِأجْلِ ذَلِكَ يَكْذِبُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ يُحْيِي﴾ [الشورى: ٩] يُرِيدُ: يُحْيِي مِنَ النُطْفَةِ، ﴿وَيُمِيتُ﴾ بِالأجَلِ، ثُمَّ يَجْعَلُ المَرْجِعَ إلَيْهِ بِالحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ. وفي قُوَّةِ هَذِهِ الآياتِ ما يَسْتَدْعِي الإيمانَ وإجابَةَ دَعْوَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ "تُرْجَعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، (p-٤٩٣)وَعاصِمٌ، ونافِعٌ، والناسُ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "يُرْجَعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ.

يونس 10:55

(p-٤٩٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ لِلْكُفّارِ في سِياقِ إخْبارِهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ حَقٌّ، و"أسَرُّوا" لَفَظَةٌ تَجِيءُ بِمَعْنى: أخْفَوْا، وهي حِينَئِذٍ مِنَ السِرِّ، وتَجِيءُ بِمَعْنى: أظْهَرُوا، وهي حِينَئِذٍ مِن أسارِيرِ الوَجْهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: وأخْفى رُؤَساءُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ النَدامَةَ عن سَفِلَتِهِمْ ووُضَعائِهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ هو عامٌّ في جَمِيعِهِمْ. و"ألا" اسْتِفْتاحٌ وتَنْبِيهٌ، ثُمَّ أوجَبَ أنَّ جَمِيعَ ما في السَماواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، قالَ الطَبَرِيُّ: يَقُولُ: فَلَيْسَ لِهَذا الكافِرِ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يَقْتَدِي بِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَبْطُ الآيَتَيْنِ هَكَذا يَتَّجِهُ عَلى بُعْدٍ، ولَيْسَ هَذا مِن فَصِيحِ المَقاصِدِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ قُيِّدَ بِالأكْثَرِ لِأنَّ بَعْضَ الناسِ يُؤْمِنُ فَهم يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ وعْدِ اللهِ تَعالى، وأكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ فَهم لِأجْلِ ذَلِكَ يَكْذِبُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ يُحْيِي﴾ [الشورى: ٩] يُرِيدُ: يُحْيِي مِنَ النُطْفَةِ، ﴿وَيُمِيتُ﴾ بِالأجَلِ، ثُمَّ يَجْعَلُ المَرْجِعَ إلَيْهِ بِالحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ. وفي قُوَّةِ هَذِهِ الآياتِ ما يَسْتَدْعِي الإيمانَ وإجابَةَ دَعْوَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ "تُرْجَعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، (p-٤٩٣)وَعاصِمٌ، ونافِعٌ، والناسُ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "يُرْجَعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ.

يونس 10:56

(p-٤٩٢)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَلَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هَذا إخْبارٌ لِلْكُفّارِ في سِياقِ إخْبارِهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ حَقٌّ، و"أسَرُّوا" لَفَظَةٌ تَجِيءُ بِمَعْنى: أخْفَوْا، وهي حِينَئِذٍ مِنَ السِرِّ، وتَجِيءُ بِمَعْنى: أظْهَرُوا، وهي حِينَئِذٍ مِن أسارِيرِ الوَجْهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: وأخْفى رُؤَساءُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ النَدامَةَ عن سَفِلَتِهِمْ ووُضَعائِهِمْ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ هو عامٌّ في جَمِيعِهِمْ. و"ألا" اسْتِفْتاحٌ وتَنْبِيهٌ، ثُمَّ أوجَبَ أنَّ جَمِيعَ ما في السَماواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، قالَ الطَبَرِيُّ: يَقُولُ: فَلَيْسَ لِهَذا الكافِرِ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يَقْتَدِي بِهِ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَبْطُ الآيَتَيْنِ هَكَذا يَتَّجِهُ عَلى بُعْدٍ، ولَيْسَ هَذا مِن فَصِيحِ المَقاصِدِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ قُيِّدَ بِالأكْثَرِ لِأنَّ بَعْضَ الناسِ يُؤْمِنُ فَهم يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ وعْدِ اللهِ تَعالى، وأكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ فَهم لِأجْلِ ذَلِكَ يَكْذِبُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ يُحْيِي﴾ [الشورى: ٩] يُرِيدُ: يُحْيِي مِنَ النُطْفَةِ، ﴿وَيُمِيتُ﴾ بِالأجَلِ، ثُمَّ يَجْعَلُ المَرْجِعَ إلَيْهِ بِالحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ. وفي قُوَّةِ هَذِهِ الآياتِ ما يَسْتَدْعِي الإيمانَ وإجابَةَ دَعْوَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ "تُرْجَعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، (p-٤٩٣)وَعاصِمٌ، ونافِعٌ، والناسُ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "يُرْجَعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ.

يونس 10:57

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ هَذِهِ آيَةٌ خُوطِبَ بِها جَمِيعُ العالَمِ، والمَوْعِظَةُ: القُرْآنُ لِأنَّ الوَعْظَ إنَّما هو بِقَوْلٍ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَزْجُرُ ويُرَقِّقُ ويُوعِدُ ويَعِدُ، وهَذِهِ صِفَةُ الكِتابِ العَزِيزِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ يُرِيدُ: لَمْ يَخْتَلِقْها مُحَمَّدٌ ﷺ ولا غَيْرُهُ، بَلْ هي مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، و﴿لِما في الصُدُورِ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجَهْلَ والعُتُوَّ عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ونَحْوِ هَذا مِمّا يُدافِعُ الإيمانَ، وجَعَلَهُ مَوْعِظَةً بِحَسَبِ الناسِ جَمِيعًا، وجَعْلُهُ هُدًى ورَحْمَةً بِحَسَبِ المُؤْمِنِينَ فَقَطْ، وهَذا تَفْسِيرٌ صَحِيحُ المَعْنى إذا تُؤُمِّلَ بانَ وجْهُهُ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ اسْتُغْنِيَ عن ذِكْرِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَهُدًى ورَحْمَةٌ﴾. قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ وهو هِلالُ بْنُ يَسافَ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَضْلُ: الإسْلامُ، والرَحْمَةُ: القُرْآنُ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: الفَضْلُ: القُرْآنُ، والرَحْمَةُ: أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والضَحّاكُ: الفَضْلُ: القُرْآنُ، والرَحْمَةُ: الإسْلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الفَضْلُ: مُحَمَّدٌ ﷺ، والرَحْمَةُ: القُرْآنُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ عِنْدِي لِشَيْءٍ مِن هَذا التَخْصِيصِ إلّا أنْ يَسْتَنِدَ مِنهُ شَيْءٌ إلى النَبِيِّ ﷺ، وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ الفَضْلَ هو هِدايَةُ اللهِ تَعالى إلى دِينِهِ، والتَوْفِيقُ إلى اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، والرَحْمَةُ هي عَفْوُهُ وسُكْنى جَنَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً عَلى التَشَرُّعِ بِالإسْلامِ والإيمانِ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِجَمِيعِ الناسِ: بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَقَعِ الفَرَحُ مِنكُمْ، لا بِأُمُورِ الدُنْيا وما يَجْمَعُ مِن حُطامِها، فالمُؤْمِنُونَ يُقالُ لَهُمْ: فَلْتَفْرَحُوا، وهم مُتَلَبِّسُونَ بِعِلَّةِ الفَرَحِ وسَبَبِهِ، ومُحَصِّلُونَ لِفَضْلِ اللهِ مُنْتَظِرُونَ الرَحْمَةَ. (p-٤٩٤)والكافِرُونَ يُقالُ لَهُمْ: بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْتَفْرَحُوا، عَلى مَعْنى أنْ لَوِ اتَّفَقَ لَكُمْ، أو لَوْ سَعِدْتُمْ بِالهِدايَةِ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ القَعْقاعِ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ -عَلى ما زَعَمَ هارُونُ- ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: "فَلْتَفْرَحُوا"، و"تَجْمَعُونَ" بِالتاءِ فِيهِما عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ جَماعَةٍ مِنَ السَلَفِ كَبِيرَةٍ، وعن أكْثَرِهِمْ خِلافٌ، وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى ابْنِ عامِرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِالياءِ فِيهِما عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فِيهِما. وقَرَأ أبُو التَيّاحِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ -بِخِلافٍ عنهُمْ- وابْنُ عامِرٍ بِالياءِ في الأُولى وبِالتاءِ في الآخِرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وجَماعَةٌ مِنَ السَلَفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ بِالياءِ في الأُولى وفي الآخِرَةِ، ورُوِيَتْ عن أبِي التَيّاحِ. وإذا تَأمَّلْتَ وُجُوهَ ذَلِكَ بانَتْ عَلى مَهِيعِ الفَصِيحِ مِن كَلامِ العَرَبِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ الخِلافُ مِن كُلِّ قارِئٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، "فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا"، وأمّا مَن قَرَأ: "فَلْتَفْرَحُوا"، فَأدْخَلَ اللامَ في أمْرِ المُخاطَبِ فَذَلِكَ عَلى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ: الأصْلُ في كُلِّ أمْرٍ إدْخالُ اللامِ إذا كانَ النَهْيُ بِحَرْفٍ، فَكَذَلِكَ الأمْرُ إذا كانَ أمْرًا لِغائِبٍ بِلامٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: إلّا أنَّ العَرَبَ رَفَضَتْ إدْخالَ اللامِ في أمْرِ المُخاطَبِ لِكَثْرَةِ تَرْدادِهِ. وقَرَأ أبُو التَيّاحِ، والحَسَنُ بِكَسْرِ اللامِ مِن "فَلْتَفْرَحُوا"، (p-٤٩٥)فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَ اللهُ بِالفَرَحِ في هَذِهِ الآيَةِ؟ وقَدْ ورَدَ ذَمُّهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، قِيلَ: إنَّ الفَرَحَ إذا ورَدَ مُقَيَّدًا في خَيْرٍ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وكَذَلِكَ هو في هَذِهِ الآيَةِ، وإذا ورَدَ مُقَيَّدًا في شَرٍّ أو مُطْلَقًا لَحِقَهُ ذَمٌّ إذْ لَيْسَ مِن أفْعالِ الآخِرَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَغْلِبَ عَلى الإنْسانِ حُزْنُهُ عَلى ذَنْبِهِ وخَوْفُهُ لِرَبِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ يُرِيدُ: مِن مالِ الدُنْيا وحُطامِها الفانِي المُؤْذِي في الآخِرَةِ.

يونس 10:58

قوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الناسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُدُورِ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هو خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ هَذِهِ آيَةٌ خُوطِبَ بِها جَمِيعُ العالَمِ، والمَوْعِظَةُ: القُرْآنُ لِأنَّ الوَعْظَ إنَّما هو بِقَوْلٍ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَزْجُرُ ويُرَقِّقُ ويُوعِدُ ويَعِدُ، وهَذِهِ صِفَةُ الكِتابِ العَزِيزِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ يُرِيدُ: لَمْ يَخْتَلِقْها مُحَمَّدٌ ﷺ ولا غَيْرُهُ، بَلْ هي مِن عِنْدِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، و﴿لِما في الصُدُورِ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجَهْلَ والعُتُوَّ عَنِ النَظَرِ في آياتِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ونَحْوِ هَذا مِمّا يُدافِعُ الإيمانَ، وجَعَلَهُ مَوْعِظَةً بِحَسَبِ الناسِ جَمِيعًا، وجَعْلُهُ هُدًى ورَحْمَةً بِحَسَبِ المُؤْمِنِينَ فَقَطْ، وهَذا تَفْسِيرٌ صَحِيحُ المَعْنى إذا تُؤُمِّلَ بانَ وجْهُهُ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ﴾ الباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ اسْتُغْنِيَ عن ذِكْرِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَهُدًى ورَحْمَةٌ﴾. قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ وهو هِلالُ بْنُ يَسافَ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الفَضْلُ: الإسْلامُ، والرَحْمَةُ: القُرْآنُ، وقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: الفَضْلُ: القُرْآنُ، والرَحْمَةُ: أنْ جَعَلَهم مِن أهْلِهِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والضَحّاكُ: الفَضْلُ: القُرْآنُ، والرَحْمَةُ: الإسْلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الفَضْلُ: مُحَمَّدٌ ﷺ، والرَحْمَةُ: القُرْآنُ. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ عِنْدِي لِشَيْءٍ مِن هَذا التَخْصِيصِ إلّا أنْ يَسْتَنِدَ مِنهُ شَيْءٌ إلى النَبِيِّ ﷺ، وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ ويَلْزَمُ مِنهُ أنَّ الفَضْلَ هو هِدايَةُ اللهِ تَعالى إلى دِينِهِ، والتَوْفِيقُ إلى اتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، والرَحْمَةُ هي عَفْوُهُ وسُكْنى جَنَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها جَزاءً عَلى التَشَرُّعِ بِالإسْلامِ والإيمانِ بِهِ، ومَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِجَمِيعِ الناسِ: بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَقَعِ الفَرَحُ مِنكُمْ، لا بِأُمُورِ الدُنْيا وما يَجْمَعُ مِن حُطامِها، فالمُؤْمِنُونَ يُقالُ لَهُمْ: فَلْتَفْرَحُوا، وهم مُتَلَبِّسُونَ بِعِلَّةِ الفَرَحِ وسَبَبِهِ، ومُحَصِّلُونَ لِفَضْلِ اللهِ مُنْتَظِرُونَ الرَحْمَةَ. (p-٤٩٤)والكافِرُونَ يُقالُ لَهُمْ: بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْتَفْرَحُوا، عَلى مَعْنى أنْ لَوِ اتَّفَقَ لَكُمْ، أو لَوْ سَعِدْتُمْ بِالهِدايَةِ إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ القَعْقاعِ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ -عَلى ما زَعَمَ هارُونُ- ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: "فَلْتَفْرَحُوا"، و"تَجْمَعُونَ" بِالتاءِ فِيهِما عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ جَماعَةٍ مِنَ السَلَفِ كَبِيرَةٍ، وعن أكْثَرِهِمْ خِلافٌ، وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى ابْنِ عامِرٍ، وأهْلُ المَدِينَةِ، والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ بِالياءِ فِيهِما عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فِيهِما. وقَرَأ أبُو التَيّاحِ، وأبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ -بِخِلافٍ عنهُمْ- وابْنُ عامِرٍ بِالياءِ في الأُولى وبِالتاءِ في الآخِرَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وجَماعَةٌ مِنَ السَلَفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ بِالياءِ في الأُولى وفي الآخِرَةِ، ورُوِيَتْ عن أبِي التَيّاحِ. وإذا تَأمَّلْتَ وُجُوهَ ذَلِكَ بانَتْ عَلى مَهِيعِ الفَصِيحِ مِن كَلامِ العَرَبِ، ولِذَلِكَ كَثُرَ الخِلافُ مِن كُلِّ قارِئٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، "فَبِذَلِكَ فافْرَحُوا"، وأمّا مَن قَرَأ: "فَلْتَفْرَحُوا"، فَأدْخَلَ اللامَ في أمْرِ المُخاطَبِ فَذَلِكَ عَلى لُغَةٍ قَلِيلَةٍ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ: الأصْلُ في كُلِّ أمْرٍ إدْخالُ اللامِ إذا كانَ النَهْيُ بِحَرْفٍ، فَكَذَلِكَ الأمْرُ إذا كانَ أمْرًا لِغائِبٍ بِلامٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: إلّا أنَّ العَرَبَ رَفَضَتْ إدْخالَ اللامِ في أمْرِ المُخاطَبِ لِكَثْرَةِ تَرْدادِهِ. وقَرَأ أبُو التَيّاحِ، والحَسَنُ بِكَسْرِ اللامِ مِن "فَلْتَفْرَحُوا"، (p-٤٩٥)فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَ اللهُ بِالفَرَحِ في هَذِهِ الآيَةِ؟ وقَدْ ورَدَ ذَمُّهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠]، وفي قَوْلِهِ: ﴿لا تَفْرَحْ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]، قِيلَ: إنَّ الفَرَحَ إذا ورَدَ مُقَيَّدًا في خَيْرٍ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وكَذَلِكَ هو في هَذِهِ الآيَةِ، وإذا ورَدَ مُقَيَّدًا في شَرٍّ أو مُطْلَقًا لَحِقَهُ ذَمٌّ إذْ لَيْسَ مِن أفْعالِ الآخِرَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَغْلِبَ عَلى الإنْسانِ حُزْنُهُ عَلى ذَنْبِهِ وخَوْفُهُ لِرَبِّهِ، وقَوْلُهُ: ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ يُرِيدُ: مِن مالِ الدُنْيا وحُطامِها الفانِي المُؤْذِي في الآخِرَةِ.

يونس 10:59

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللهُ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللهِ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِكُفّارِ العَرَبِ الَّذِينَ جَعَلُوا البَحائِرَ والسَوائِبَ والنَصِيبَ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَأْذَنِ اللهُ بِهِ، وإنَّما اخْتَلَقُوهُ بِأمْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَ﴾ لَفْظَةٌ فِيها تَجَوُّزٌ، وإنْزالُ الرِزْقِ إمّا أنْ يَكُونَ في ضِمْنِ إنْزالِ المَطَرِ بِالمَآلِ أو نُزُولِ الأمْرِ بِهِ الَّذِي هو ظُهُورُ الأثَرِ في المَخْلُوقِ مِنهُ المُخْتَرَعِ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى أحَدِ القِسْمَيْنِ، وهم لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاءُ إذْنِ اللهِ في ذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُمُ افْتَرَوْهُ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ﴾ آيَةُ وعِيدٍ، لَمّا تَحَقَّقَ عَلَيْهِمْ بِتَقْسِيمِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها أنَّهم مُفْتَرُونَ عَلى اللهِ، عَظَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ جُرْمَ الِافْتِراءِ، أيْ: ظَنُّهم في غايَةِ الرَداءَةِ بِحَسَبِ سُوءِ أفْعالِهِمْ، ثُمَّ ثَنّى بِإيجابِ الفَضْلِ عَلى الناسِ في الإمْهالِ لَهم مَعَ الِافْتِراءِ والعِصْيانِ: والإمْهالُ داعِيَةٌ إلى التَوْبَةِ والإنابَةِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ ذِكْرَ مَن لا يَرى حَقَّ الإمْهالِ ولا يَشْكُرُهُ ولا يُبادِرُ فِيهِ عَلى جِهَةِ الذَمِّ لَهُمْ، والآيَةُ بَعْدَ هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ فَضْلِ اللهِ وجَمِيعَ تَقْصِيرِ الخَلْقِ في شُكْرِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

يونس 10:60

قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللهُ تَفْتَرُونَ﴾ ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللهِ لَذُو فَضْلٍ عَلى الناسِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَشْكُرُونَ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِكُفّارِ العَرَبِ الَّذِينَ جَعَلُوا البَحائِرَ والسَوائِبَ والنَصِيبَ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَأْذَنِ اللهُ بِهِ، وإنَّما اخْتَلَقُوهُ بِأمْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَ﴾ لَفْظَةٌ فِيها تَجَوُّزٌ، وإنْزالُ الرِزْقِ إمّا أنْ يَكُونَ في ضِمْنِ إنْزالِ المَطَرِ بِالمَآلِ أو نُزُولِ الأمْرِ بِهِ الَّذِي هو ظُهُورُ الأثَرِ في المَخْلُوقِ مِنهُ المُخْتَرَعِ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِتَوْقِيفِهِمْ عَلى أحَدِ القِسْمَيْنِ، وهم لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاءُ إذْنِ اللهِ في ذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّهُمُ افْتَرَوْهُ، وهَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ﴾ آيَةُ وعِيدٍ، لَمّا تَحَقَّقَ عَلَيْهِمْ بِتَقْسِيمِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها أنَّهم مُفْتَرُونَ عَلى اللهِ، عَظَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ جُرْمَ الِافْتِراءِ، أيْ: ظَنُّهم في غايَةِ الرَداءَةِ بِحَسَبِ سُوءِ أفْعالِهِمْ، ثُمَّ ثَنّى بِإيجابِ الفَضْلِ عَلى الناسِ في الإمْهالِ لَهم مَعَ الِافْتِراءِ والعِصْيانِ: والإمْهالُ داعِيَةٌ إلى التَوْبَةِ والإنابَةِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَ ذِكْرَ مَن لا يَرى حَقَّ الإمْهالِ ولا يَشْكُرُهُ ولا يُبادِرُ فِيهِ عَلى جِهَةِ الذَمِّ لَهُمْ، والآيَةُ بَعْدَ هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ فَضْلِ اللهِ وجَمِيعَ تَقْصِيرِ الخَلْقِ في شُكْرِهِ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

يونس 10:61

(p-٤٩٦)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عن رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ قَصْدُ الآيَةِ وصْفُ إحاطَةِ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومَعْنى اللَفْظِ: وما تَكُونُ يا مُحَمَّدُ -والمُرادُ هو وغَيْرُهُ- في شَأْنٍ مِن جَمِيعِ الشُؤُونِ، ﴿وَما تَتْلُو مِنهُ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "شَأْنٍ" أيْ فِيهِ وبِسَبَبِهِ مِن قُرْآنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى جَمِيعِ القُرْآنِ، ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ تَحْذِيرٌ وتَنْبِيهٌ، و﴿تُفِيضُونَ﴾: تَأْخُذُونَ وتَنْهَضُونَ بِجِدٍّ، يُقالُ: أفاضَ الرَجُلُ في سَيْرِهِ وفي حَدِيثِهِ، ومِنهُ الإفاضَةُ في الحَجِّ، ومُفِيضُ القِداحِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ "فاضَ" عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ. و"يَعْزُبُ" مَعْناهُ: يَغِيبُ حَتّى يَخْفى، حَتّى قالُوا لِلْبَعِيدِ: عازِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ عَوازِبُ لَمْ تَسْمَعْ نُبُوحَ مُقامَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَرَ نارًا تِمَّ حَوْلٍ مُجَرَّمِ وقِيلَ لِلْغائِبِ عن أهْلِهِ: عازِبٌ، حَتّى قالُوهُ لِمَن لا زَوْجَةَ لَهُ، وفي السِيَرِ أنَّ بَيْتَ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ كانَ يُقالُ لَهُ: بَيْتُ العُزّابِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: "يَعْزُبُ" بِضَمِّ الزايِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ مِنهُمْ: "يَعْزِبُ" بِكَسْرِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِالضَمِّ والكَسْرِ لُغَةٌ. والمِثْقالُ: الوَزْنُ، وهو اسْمٌ لا صِفَةٌ كَمِعْطارٍ ومِضْرابٍ، والذَرُّ: صِغارُ النَمْلِ، جَعَلَها اللهُ مِثالًا إذْ لا يُعْرَفُ في الحَيَوانِ المُتَغَذِّي المُتَناسِلِ المَشْهُورِ النَوْعِ والمَوْضِعِ أصْغَرُ مِنهُ. وقَرَأ (p-٤٩٧)جُمْهُورُ الناسِ، وأكْثَرُ السَبْعَةِ: "وَلا أصْغَرَ" "وَلا أكْبَرَ" بِفَتْحِ الراءِ عَطْفًا عَلى "ذَرَّةٍ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ لَكِنْ مَنَعَ مِن ظُهُورِهِ امْتِناعُ الصَرْفِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَلا أصْغَرُ" "وَلا أكْبَرُ" عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "مِثْقالِ"، لِأنَّ التَقْدِيرَ: وما يَعْزُبُ عن رَبِّكِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، والكِتابُ المُبِينُ: اللَوْحُ المَحْفُوظُ، كَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَحْصِيلَ الكَتَبَةِ، ويَكُونُ القَصْدُ ذِكْرَ الأعْمالِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، وتَقْدِيمُ الأصْغَرِ في التَرْتِيبِ جَرى عَلى قَوْلِهِمُ:القَمَرَيْنِ والعُمَرَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: ٤٩]، والقَصْدُ بِذَلِكَ كُلِّهِ تَنْبِيهُ الأقَلِّ، وأنَّ الحُكْمَ المَقْصُودَ إذا وقَعَ عَلى الأقَلِّ فَأحْرى أنْ يَقَعَ عَلى الأعْظَمِ. و"ألا" اسْتِفْتاحٌ وتَنْبِيهٌ، وأولِياءُ اللهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ والَوْهُ بِالطاعَةِ والعِبادَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ يُعْطِي ظاهِرُها أنَّ مَن آمَنَ واتَّقى فَهو داخِلٌ في أولِياءِ اللهِ، وهَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الشَرِيعَةُ في الوَلِيِّ، وإنَّما نَبَّهْنا هَذا التَنْبِيهَ حَذَرًا مِن بَعْضِ الوَصْفِيَّةِ وبَعْضِ المُلْحِدِينَ في الوَلِيِّ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ: عن أولِياءِ اللهِ؟ فَقالَ: "الَّذِينَ إذا رَأيْتَهم ذَكَرْتَ اللهَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وصْفٌ لازِمٌ لِلْمُتَّقِينَ لِأنَّهم يَخْشَعُونَ ويُخْشِعُونَ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أيْضًا أنَّهُ قالَ:« "أولِياءُ اللهِ قَوْمٌ تَحابُّوا في اللهِ واجْتَمَعُوا في ذاتِهِ، لَمْ تَجْمَعْهم قَرابَةٌ ولا مالٌ يَتَعاطَوْنَهُ".» وقَوْلُهُ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، أيْ: لا يَهْتَمُّونَ بِهَمِّها، ولا يَخافُونَ عَذابًا ولا عِقابًا ولا يَحْزَنُونَ لِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٤٩٨)يَكُونُ ذَلِكَ في الدُنْيا، أيْ: لا يَخافُونَ أحَدًا مِن أهْلِ الدُنْيا ولا مِن أعْراضِها، ولا يَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَهم مِنها، والأوَّلُ أظْهَرُ، والعُمُومُ في ذَلِكَ صَحِيحٌ، لا يَخافُونَ في الآخِرَةِ جُمْلَةً، ولا في الدُنْيا الخَوْفَ الدُنْيَوِيَّ الَّذِي هو في فَوْتِ آمالِها، وزَوالِ مَنازِلِها، وكَذَلِكَ في الحُزْنِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ مِثْلَ ما في الحَدِيثِ مِنَ الأولِياءِ الَّذِينَ إذا رَآهم أحَدٌ ذَكَرَ اللهَ، ورُوِيَ فِيهِمْ حَدِيثٌ: « "إنَّ أولِياءَ اللهِ هم قَوْمٌ يَتَحابُّونَ في اللهِ، وتُجْعَلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مَنابِرُ مِن نُورٍ، وتُنِيرُ وُجُوهُهُمْ، فَهم في عَرْصَةِ القِيامَةِ لا يَخافُونَ ولا يَحْزَنُونَ"». ورُوِيَ «عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إنَّ مِن عِبادِ اللهِ عِبادًا ما هم بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُهَداءُ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللهِ، قالُوا: ومَن هم يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "قَوْمٌ تَحابُّوا بِرُوحِ اللهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ ولا أمْوالٍ" الحَدِيثُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾». وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ "الأولِياءِ". ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ عَلى تَقْدِيرِ: "هُمُ الَّذِينَ"، وكَثِيرًا ما يُفْعَلُ ذَلِكَ بِنَعْتِ ما عَمِلَتْ فِيهِ "إنَّ" إذا جاءَ بَعْدَ خَبَرِها، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" ابْتِداءً وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ( هُمُ البُشْرى )، وقَوْلُهُ: ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في تَقْوى الشِرْكِ والمَعاصِي.

يونس 10:62

(p-٤٩٦)قوله عزّ وجلّ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عن رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ قَصْدُ الآيَةِ وصْفُ إحاطَةِ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومَعْنى اللَفْظِ: وما تَكُونُ يا مُحَمَّدُ -والمُرادُ هو وغَيْرُهُ- في شَأْنٍ مِن جَمِيعِ الشُؤُونِ، ﴿وَما تَتْلُو مِنهُ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "شَأْنٍ" أيْ فِيهِ وبِسَبَبِهِ مِن قُرْآنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى جَمِيعِ القُرْآنِ، ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ تَحْذِيرٌ وتَنْبِيهٌ، و﴿تُفِيضُونَ﴾: تَأْخُذُونَ وتَنْهَضُونَ بِجِدٍّ، يُقالُ: أفاضَ الرَجُلُ في سَيْرِهِ وفي حَدِيثِهِ، ومِنهُ الإفاضَةُ في الحَجِّ، ومُفِيضُ القِداحِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ "فاضَ" عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ. و"يَعْزُبُ" مَعْناهُ: يَغِيبُ حَتّى يَخْفى، حَتّى قالُوا لِلْبَعِيدِ: عازِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ؎ عَوازِبُ لَمْ تَسْمَعْ نُبُوحَ مُقامَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَرَ نارًا تِمَّ حَوْلٍ مُجَرَّمِ وقِيلَ لِلْغائِبِ عن أهْلِهِ: عازِبٌ، حَتّى قالُوهُ لِمَن لا زَوْجَةَ لَهُ، وفي السِيَرِ أنَّ بَيْتَ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ كانَ يُقالُ لَهُ: بَيْتُ العُزّابِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: "يَعْزُبُ" بِضَمِّ الزايِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ مِنهُمْ: "يَعْزِبُ" بِكَسْرِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِالضَمِّ والكَسْرِ لُغَةٌ. والمِثْقالُ: الوَزْنُ، وهو اسْمٌ لا صِفَةٌ كَمِعْطارٍ ومِضْرابٍ، والذَرُّ: صِغارُ النَمْلِ، جَعَلَها اللهُ مِثالًا إذْ لا يُعْرَفُ في الحَيَوانِ المُتَغَذِّي المُتَناسِلِ المَشْهُورِ النَوْعِ والمَوْضِعِ أصْغَرُ مِنهُ. وقَرَأ (p-٤٩٧)جُمْهُورُ الناسِ، وأكْثَرُ السَبْعَةِ: "وَلا أصْغَرَ" "وَلا أكْبَرَ" بِفَتْحِ الراءِ عَطْفًا عَلى "ذَرَّةٍ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ لَكِنْ مَنَعَ مِن ظُهُورِهِ امْتِناعُ الصَرْفِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَلا أصْغَرُ" "وَلا أكْبَرُ" عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "مِثْقالِ"، لِأنَّ التَقْدِيرَ: وما يَعْزُبُ عن رَبِّكِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، والكِتابُ المُبِينُ: اللَوْحُ المَحْفُوظُ، كَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَحْصِيلَ الكَتَبَةِ، ويَكُونُ القَصْدُ ذِكْرَ الأعْمالِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، وتَقْدِيمُ الأصْغَرِ في التَرْتِيبِ جَرى عَلى قَوْلِهِمُ:القَمَرَيْنِ والعُمَرَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: ٤٩]، والقَصْدُ بِذَلِكَ كُلِّهِ تَنْبِيهُ الأقَلِّ، وأنَّ الحُكْمَ المَقْصُودَ إذا وقَعَ عَلى الأقَلِّ فَأحْرى أنْ يَقَعَ عَلى الأعْظَمِ. و"ألا" اسْتِفْتاحٌ وتَنْبِيهٌ، وأولِياءُ اللهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ والَوْهُ بِالطاعَةِ والعِبادَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ يُعْطِي ظاهِرُها أنَّ مَن آمَنَ واتَّقى فَهو داخِلٌ في أولِياءِ اللهِ، وهَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الشَرِيعَةُ في الوَلِيِّ، وإنَّما نَبَّهْنا هَذا التَنْبِيهَ حَذَرًا مِن بَعْضِ الوَصْفِيَّةِ وبَعْضِ المُلْحِدِينَ في الوَلِيِّ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ: عن أولِياءِ اللهِ؟ فَقالَ: "الَّذِينَ إذا رَأيْتَهم ذَكَرْتَ اللهَ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وصْفٌ لازِمٌ لِلْمُتَّقِينَ لِأنَّهم يَخْشَعُونَ ويُخْشِعُونَ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أيْضًا أنَّهُ قالَ:« "أولِياءُ اللهِ قَوْمٌ تَحابُّوا في اللهِ واجْتَمَعُوا في ذاتِهِ، لَمْ تَجْمَعْهم قَرابَةٌ ولا مالٌ يَتَعاطَوْنَهُ".» وقَوْلُهُ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، أيْ: لا يَهْتَمُّونَ بِهَمِّها، ولا يَخافُونَ عَذابًا ولا عِقابًا ولا يَحْزَنُونَ لِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٤٩٨)يَكُونُ ذَلِكَ في الدُنْيا، أيْ: لا يَخافُونَ أحَدًا مِن أهْلِ الدُنْيا ولا مِن أعْراضِها، ولا يَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَهم مِنها، والأوَّلُ أظْهَرُ، والعُمُومُ في ذَلِكَ صَحِيحٌ، لا يَخافُونَ في الآخِرَةِ جُمْلَةً، ولا في الدُنْيا الخَوْفَ الدُنْيَوِيَّ الَّذِي هو في فَوْتِ آمالِها، وزَوالِ مَنازِلِها، وكَذَلِكَ في الحُزْنِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ مِثْلَ ما في الحَدِيثِ مِنَ الأولِياءِ الَّذِينَ إذا رَآهم أحَدٌ ذَكَرَ اللهَ، ورُوِيَ فِيهِمْ حَدِيثٌ: « "إنَّ أولِياءَ اللهِ هم قَوْمٌ يَتَحابُّونَ في اللهِ، وتُجْعَلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مَنابِرُ مِن نُورٍ، وتُنِيرُ وُجُوهُهُمْ، فَهم في عَرْصَةِ القِيامَةِ لا يَخافُونَ ولا يَحْزَنُونَ"». ورُوِيَ «عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إنَّ مِن عِبادِ اللهِ عِبادًا ما هم بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُهَداءُ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللهِ، قالُوا: ومَن هم يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "قَوْمٌ تَحابُّوا بِرُوحِ اللهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ ولا أمْوالٍ" الحَدِيثُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾». وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ "الأولِياءِ". ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ عَلى تَقْدِيرِ: "هُمُ الَّذِينَ"، وكَثِيرًا ما يُفْعَلُ ذَلِكَ بِنَعْتِ ما عَمِلَتْ فِيهِ "إنَّ" إذا جاءَ بَعْدَ خَبَرِها، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" ابْتِداءً وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ( هُمُ البُشْرى )، وقَوْلُهُ: ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في تَقْوى الشِرْكِ والمَعاصِي.